← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن أبان، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة: الْبَلْخِي أَبُو بكر مستملى وَكِيع الْمَعْرُوف بحمدويه، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مُحَمَّد بن أبان الوَاسِطِيّ لَا الْمَذْكُور. قلت: لكل من الْقَوْلَيْنِ مُرَجّح، وَكِلَاهُمَا ثِقَة. الثَّانِي: غنْدر، مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: واسْمه يزِيد ابْن حميد الضبعِي الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: حمْرَان، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم: ابْن أبان، مر فِي بَاب الْوضُوء. السَّادِس: مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْفِعْل الْمُضَارع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي وواسطي وبصري ومدني. وَفِيه: عَن مُعَاوِيَة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: من طَرِيق معَاذ وَغَيره عَن شُعْبَة: خَطَبنَا مُعَاوِيَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَخَالفهُم عُثْمَان بن عَمْرو وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فَقَالَا: عَن ابي التياح عَن معبد الْجُهَنِيّ عَن مُعَاوِيَة وَطَرِيق البُخَارِيّ أرجح، وَيجوز أَن يكون لأبي التياح شَيْخَانِ: أَحدهمَا: حمْرَان، وَالْآخر: معبد الْجُهَنِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لتصلون) : اللَّام، فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد، وَكَذَلِكَ: اللَّام، فِي كلمة: لقد. قَوْله: (يُصليهَا) ، بإفراد الضَّمِير أَي: يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاة، هَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (يُصَلِّيهمَا) ، بضمير التَّثْنِيَة أَي: يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ، وَكَذَا وَقع الْخلاف بَين الروَاة فِي قَوْله: عَنْهَا أَو عَنْهُمَا. وَقَالَ بَعضهم: وَمَا نَفَاهُ مُعَاوِيَة من رُؤْيَته صَلَاة النَّبِي ﷺ لَهما لقد أثْبته غَيره، والمثبت مقدم على النَّافِي. قلت: نفي مُعَاوِيَة يرجع إِلَى صفة النَّبِي ﷺ لَا إِلَى ذَاتهَا، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهمَا على وَجه الخصوصية لَهُ، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب؛ وَهَؤُلَاء كَانُوا يصلونَ على سَبِيل التَّطَوُّع الرَّاتِب لَهما، كَمَا كَانُوا يصلونَ بعد الظّهْر، فَأنْكر مُعَاوِيَة عَلَيْهِم من هَذَا الْوَجْه، لِأَنَّهُ ثَبت عِنْده وُرُود النَّهْي عَن النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك، كَمَا ورد عَن غَيره عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، على مَا قد ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: لَكِن لَيْسَ فِي رِوَايَة الْإِثْبَات مُعَارضَة للأحاديث الْوَارِدَة فِي النَّهْي، لِأَن رِوَايَة الْإِثْبَات لَهَا سَبَب، وَالنَّهْي مَحْمُول على مَا لَا سَبَب لَهُ. قلت: الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَامَّة فَلَا يتْرك الْعَمَل بعمومها للأحاديث الْوَارِدَة الَّتِي لَهَا سَبَب الَّتِي لَا تقاومها، على أَنا نقُول: إِن أَحَادِيث النَّهْي مُتَأَخِّرَة، فَالْعَمَل للمتأخر دون الْمُتَقَدّم. ٥٨٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَاّمٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدَةُ عنْ عُبَيْدِ الله عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رسولُ الله ﷺ عنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وبعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي الْبَاب الَّذِي قبله بأتم مِنْهُ. أخرجه هُنَاكَ: عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله، وَهَهُنَا: عَن مُحَمَّد بن سَلام بتَشْديد اللَّام عَن عَبدة بن سُلَيْمَان عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص عَن خبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة إِلَى آخِره ... ٣٢ - (بابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ ألَاّ بَعْدَ العَصْرِ والفَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رِوَايَة من لم يكره الصَّلَاة إلَاّ بعد صَلَاة الْعَصْر وَبعد صَلَاة الصُّبْح، ثمَّ بَين هَؤُلَاءِ الَّذِي لم يكرهوا الصَّلَاة إِلَّا فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورين بقوله) رَوَاهُ عُمَرُ وابنُ عُمَرَ وأبُو سَعِيدٍ وأبُو هُرَيْرَةَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَي: روى عدم كَرَاهَة الصَّلَاة إلَاّ فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورين: عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله بن عمر وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك وَأَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وأحاديثهم فِي ذَلِك تقدّمت فِي الْبَابَيْنِ اللَّذين قبل هَذَا الْبَاب، فَحَدِيث عمر عَن

стр. 1332

حَفْص بن عمر عَن هِشَام، وَحَدِيث عبد الله بن عمر عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد، وَحَدِيث أبي سعيد عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل. ٥٨٩ - حدَّثنا أبُو النُعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قالَ أُصَلِّي كَما رَأيْتُ أصْحَابي يُصَلُّونَ لَا أَنْهَى أحَدا يُصَلِّي بِلَيْلٍ ولَا نَهَارٍ مَا شاءَ غَيْرَ أنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ ولَا غُرُوبَهَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (غير أَن لَا تحروا) إِلَى آخِره، وَفِي (التَّوْضِيح) : غَرَض البُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب رد قَول من منع الصَّلَاة عِنْد الاسْتوَاء، وَهُوَ ظَاهر قَوْله: (لَا أمنع أحدا يُصَلِّي بلَيْل أَو نَهَار) . قلت: عدم منع ابْن عمر عَن الصَّلَاة عَام فِي جَمِيع اللَّيْل وَالنَّهَار، غير أَنه منع التَّحَرِّي فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، وَفِي بعض النّسخ: حَمَّاد، غير مَنْسُوب. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته الثَّلَاثَة بصريون، وَنَافِع مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة الْمولى عَن سَيّده. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أُصَلِّي) ، زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي أَوله من وَجْهَيْن عَن حَمَّاد بن زيد: (كَانَ لَا يُصَلِّي من أول النَّهَار حَتَّى تَزُول الشَّمْس، وَيَقُول: أُصَلِّي) إِلَى آخِره. . قَوْله: (أَصْحَابِي) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه الدّلَالَة فِيهِ؟ قلت: إِمَّا تَقْرِير رَسُول الله ﷺ أَصْحَابه عَلَيْهِ إِن أَرَادَ الرُّؤْيَة فِي حَيَاته ﷺ ، وَإِمَّا إِجْمَاعهم إِن أَرَادَ بعد وَفَاته، إِذْ الْإِجْمَاع لَا يتَصَوَّر حجيته إلَاّ بعد وَفَاته، وإلَاّ فَقَوله وَحده حجَّة قَاطِعَة. قَوْله: (بلَيْل أَو نَهَار) ويروى: بلَيْل وَلَا نَهَار، ويروى: بلَيْل ونهار: بِالْوَاو فَقَط، غير أَن: لَا تحروا، أَصله: أَن لَا تتحروا، فحذفت إِحْدَى التائين، أَي: غير أَن لَا تقصدوا، وَزَاد عبد الرَّزَّاق فِي آخر هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج عَن نَافِع: (فَإِن رَسُول الله ﷺ نهى عَن ذَلِك. وَقَالَ: أَنه يطلع قرن الشَّيْطَان مَعَ طُلُوع الشَّمْس) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ دَلِيل لمَالِك حَيْثُ قَالَ: لَا بَأْس بِالصَّلَاةِ عِنْد اسْتِوَاء الشَّمْس. وَقَالَ الشَّافِعِي: الصَّلَاة عِنْد الاسْتوَاء مَكْرُوهَة إلَاّ يَوْم الْجُمُعَة، لما ثَبت أَنه ﷺ كره الصَّلَاة نصف النَّهَار إلَاّ يَوْم الْجُمُعَة. قلت: لم يثبت ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة، فَإِن الحَدِيث فِيهِ غَرِيب، وَبقول مَالك قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ مَالك: مَا أدْركْت أهل الْفضل وَالْعِبَادَة إلَاّ وهم يتحرون الصَّلَاة نصف النَّهَار، وَعَن الْحسن وطاووس مثله؛ وَالَّذين منعُوا الصَّلَاة عِنْد الاسْتوَاء: عمر وَابْن مَسْعُود وَالْحكم؛ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يصلى فِيهِ فرض وَلَا نفل، وَاسْتثنى الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف يَوْم الْجُمُعَة خَاصَّة لِأَن جَهَنَّم لَا تسجر فِيهِ، وَفِيه حَدِيث لأبي دَاوُد: إِن جَهَنَّم تسجر فِيهِ إلَاّ يَوْم الْجُمُعَة، وَفِيه انْقِطَاع،، وَاسْتثنى مِنْهُ مَكْحُول الْمُسَافِر، وَكَانَت الصَّحَابَة يتنفلون يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمَسْجِد حَتَّى يخرج عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ لَا يخرج حَتَّى تَزُول الشَّمْس، وروى ابْن أبي شيبَة عَن مَسْرُوق أَنه كَانَ يُصَلِّي نصف النَّهَار، فَقيل لَهُ: إِن الصَّلَاة فِي هَذِه السَّاعَة تكره، فَقَالَ: ولِمَ؟ قَالَ: قَالُوا: إِن أَبْوَاب جَهَنَّم تفتح نصف النَّهَار، فَقَالَ: الصَّلَاة أَحَق مَا أستعيذ بِهِ من جَهَنَّم حِين تفتح أَبْوَابهَا. ٣٣ - (بابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ منَ الفَوَائِتِ وغَيْرِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الَّذِي يُصَلِّي بعد الْعَصْر، ويصلَّى، على صِيغَة الْمَجْهُول، و: بعد الْعَصْر، أَي: بعد صَلَاة الْعَصْر، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (وَغَيرهَا) ، فِي بعض النّسخ: (وَنَحْوهَا) . وَقَالَ ابْن الْمُنِير: السِّرّ فِي قَوْله: وَنَحْوهَا، لتدخل فِيهِ رواتب النَّوَافِل وَغَيرهَا، وَقَالَ أَيْضا: ظَاهر التَّرْجَمَة إِخْرَاج النَّافِلَة الْمَحْضَة الَّتِي لَا سَبَب لَهَا. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن قَوْله: وَنَحْوهَا، لدُخُول رواتب النَّفْل، بل المُرَاد من ذَلِك دُخُول مثل صَلَاة الْجِنَازَة إِذا حضرت فِي ذَلِك الْوَقْت، وَسجْدَة التِّلَاوَة، وَالنَّهْي الْوَارِد فِي هَذَا الْبَاب عَام يتَنَاوَل النَّوَافِل الَّتِي لَهَا سَبَب، وَالَّتِي لَيْسَ لَهَا سيب، وَقد ذكرنَا أَن حَدِيث عقبَة بن عَامر يمْنَع الْكل.

стр. 1333

وَقَالَ كُرَيْبٌ عَنْ أمِّ سَلَمَةَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيُنِ وَقَالَ شَغَلَنِي ناسٌ مِنْ عَبْد القَيْسِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بعْدَ الظُّهْرِ كريب، بِضَم الْكَاف: مولى ابْن عَبَّاس، مر فِي بَاب التَّخْفِيف فِي الْوضُوء، وَأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ زوج النَّبِي ﷺ وَاسْمهَا: هِنْد بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم القرشية المخزومية، مَاتَت فِي شَوَّال سنة تسع وَخمسين فِي آخر ولَايَة مُعَاوِيَة وَولَايَة الْوَلِيد بن عتبَة على الْمَدِينَة، وَصلى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه مُسْندًا فِي السَّهْو، وَفِي وَفد عبد الْقَيْس عَن يحيى عَن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير عَن كريب: أَن ابْن عَبَّاس والمسور وَعبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر أَرْسلُوهُ ألى عَائِشَة ... الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: قَالَ: (يَا بنت أبي أُميَّة، سَأَلت عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر، وَإنَّهُ أَتَانِي نَاس من عبد الْقَيْس فشغلوني عَن الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بعد الظّهْر، فهما هَاتَانِ) . وَعند مُسلم: (نَاس من عبد الْقَيْس بِالْإِسْلَامِ من قَومهمْ) ، وَعند الْبَيْهَقِيّ: (قدم عَليّ وَفد بني تَمِيم أَو صَدَقَة شغلوني عَنْهُمَا، فهما هَاتَانِ الركعتان) . قَوْله: (بعد الظّهْر) صفة رَكْعَتَيْنِ أَي: المندوبتين بعد الظّهْر. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا دَلِيل الشَّافِعِي فِي جَوَاز صَلَاة لَهَا سَبَب بعد الْعَصْر بِلَا كَرَاهَة. قلت: هَذَا لَا يصلح أَن يكون دَلِيلا، لِأَن صلَاته ﷺ هَذِه كَانَت من خَصَائِصه، كَمَا ذكرنَا، فَلَا يكون حجَّة لذاك. ٥٩٠ - حدَّثنا أبُو نَعِيمٍ قَالَ حَدَّثَنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ أيْمَنَ قَالَ حدَّثني أبي أنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ قالَتْ والَّذِي ذَهَبَ بهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ الله وَمَا لَقِيَ الله تعالَى حَتَّى ثَقُلَ عنِ الصَّلَاةِ وكانَ يُصَلِّي كَثِيرا مِنْ صَلَاتِهِ قاعِدا تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا ولَا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ مَخَافَةَ أنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ وكانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن أَيمن، بِفَتْح الْهمزَة، تقدم. الثَّالِث: أَبوهُ أَيمن الحبشي، مولى ابْن أبي عَمْرو المَخْزُومِي الْقرشِي الْمَكِّيّ. الرَّابِع: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَيمن من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومكي. ذكر اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ: وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (مَا ترك السَّجْدَتَيْنِ بعد الْعَصْر عِنْدِي قطّ) . وَفِي لفظ: (رَكْعَتَانِ لم يكن يدعهما سرا وَلَا عَلَانيَة: رَكْعَتَانِ قبل الصُّبْح، وركعتان بعد الْعَصْر) ، وَفِي لفظ: (مَا كَانَ يأتيني فِي يَوْم بعد الْعَصْر إلَاّ صلى رَكْعَتَيْنِ) ، وَعند مُسلم: (كَانَ يُصَلِّيهمَا قبل الْعَصْر ثمَّ إِنَّه شغل عَنْهُمَا أَو نسيهما فصلاهما بعد الْعَصْر، ثمَّ أثبتهما. وَكَانَ إِذا صلى صَلَاة أثبتها) . وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: (كَانَ لَا يدع رَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر) ، وَفِي لفظ: (دخل عَلَيْهَا بعد الْعَصْر فصلى رَكْعَتَيْنِ، فَقلت: يَا رَسُول الله أحدث بِالنَّاسِ شَيْء؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَن بِلَالًا عجل الْإِقَامَة فَلم أصل الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْر فَأَنا أقضيهما الْآن. قلت: يَا رَسُول الله! أفنقضيهما إِذا فاتتا؟ قَالَ: لَا) . وَفِي لفظ: (كَانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر وَينْهى عَنْهُمَا) . وَفِي لفظ: (وَلم أره عَاد لَهما) ، وَلَفظ مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سُفْيَان: أَن مُعَاوِيَة أرسل إِلَيْهَا يسْأَلهَا عَن هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَت: لَيْسَ عِنْدِي صلاهما، وَلَكِن أم سَلمَة حَدَّثتنِي، فَذكره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَالَّذِي ذهب بِهِ) ، أَي: برَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ: (وَالَّذِي ذهب بِنَفسِهِ) ، حَلَفت عَائِشَة بِاللَّه على أَن رَسُول الله ﷺ مَا ترك الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر حَتَّى مَاتَ. قَوْله: (ثقل) ، بِضَم الْقَاف. قَوْله: (قَاعِدا) نصب على الْحَال. قَوْله: (مَخَافَة) ، نصب على التَّعْلِيل أَي: لأجل المخافة. وَهُوَ مصدر ميمي بِمَعْنى: الْخَوْف. وَكلمَة: أَن، فِي: أَن يثقل، مَصْدَرِيَّة أَي: مَخَافَة التثقيل على أمته، ويثقل، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الْقَاف الْمَكْسُورَة من: التثقيل، ويروى، بِفَتْح الْيَاء وَضم الْقَاف. قَوْله: (مَا يُخَفف عَنْهُم) ، أَي: عَن أمته، ويخفف، بِضَم الْيَاء وَكسر الْفَاء الْمُشَدّدَة: من التَّخْفِيف، هَذِه رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَغَيره روى: مَا خفف، بِصِيغَة الْمَاضِي. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث من أجَاز التَّنَفُّل بعد الْعَصْر مُطلقًا مَا لم يقْصد الصَّلَاة عِنْد غرُوب الشَّمْس،

стр. 1334

وَأوردهُ البُخَارِيّ فِي قَضَاء الْفَائِتَة بعد الْعَصْر، وَلِهَذَا ترْجم عَلَيْهِ بِهِ، وَنحن نقُول كَمَا قُلْنَا غير مرّة: إِن هَذَا كَانَ من خَصَائِصه ﷺ ، وَمن الدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ذكْوَان، مولى عَائِشَة أَنَّهَا حدثته أَنه ﷺ : (كَانَ يُصَلِّي بعد الْعَصْر وَينْهى عَنْهَا، ويواصل وَيُنْهِي عَن الْوِصَال) . وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق جرير عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (إِنَّمَا صلى النَّبِي ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر لِأَنَّهُ أَتَاهُ مَال فَشَغلهُ عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد الظّهْر فصلاهما بعد الْعَصْر، ثمَّ لم يعد) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. قَالَ: وَقد روى غير وَاحِد عَن النَّبِي، ﷺ ،: (أَنه صلى بعد الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ) ، وَهَذَا خلاف مَا رُوِيَ أَنه: نهى عَن الصَّلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس أصح حَيْثُ قَالَ: لم يعد لَهما. ٥٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أَخْبرنِي أبي قَالَ قالَتْ عائِشَةُ ابنَ أُخْتِي مَا تَرَكَ النبيُّ ﷺ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي قَط. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ: ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي قدامَة عبيد الله بن سعيد عَن يحيى الْقطَّان. قَوْله: (ابْن اختي) ، حذف حرف النداء مِنْهُ، يَعْنِي: يَا ابْن أُخْتِي، وَهُوَ عُرْوَة، لِأَن أم عُرْوَة أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (السَّجْدَتَيْنِ) يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ، من بَاب إِطْلَاق اسْم الْجُزْء على الْكل. ٥٩٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الشَّيْبَاني قَالَ حَدثنَا عبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الأَسْوَدِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رسُولُ الله ﷺ يَدَعُهُمَا سِرَّا وَلَا عَلَانِيَّةً ركْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاة الصُّبْحِ ورَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْرِ. هَذَا طَرِيق آخر عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ واسْمه: سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ الْكُوفِي عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن ابي بكر بن شيبَة وَعلي بن حجر كِلَاهُمَا عَن عَليّ بن مسْهر كِلَاهُمَا عَن الشَّيْبَانِيّ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر بِهِ. قَوْله: (رَكْعَتَانِ) أَي: صلاتان، لِأَنَّهُ فَسرهَا بِأَرْبَع رَكْعَات، وَهُوَ من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء وَإِرَادَة الْكل أَو: هُوَ من بَاب الْإِضْمَار، أَي: وَكَذَا رَكْعَتَانِ بعد الْعَصْر، والوجهان جائزان بِلَا تفَاوت، لِأَن الْمجَاز والإضمار متساويان. أَو المُرَاد بالركعتين جنس الرَّكْعَتَيْنِ الشَّامِل للقليل وَالْكثير. (لم يكن يدعهما) ، أَي: لم يكن يتركهما، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (لم يكن يدعهما فِي بَيْتِي) ، قَالَ الصرفيون: لم يسْتَعْمل: ليَدع، ماضٍ، وَكَذَا: ليذر، وَأورد عَلَيْهِم قِرَاءَة: ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ (الضُّحَى: ٣٠) . بِالتَّخْفِيفِ. ٦٩ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن عرْعرة قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق قَالَ رَأَيْت الْأسود ومسروقا شَهدا على عَائِشَة قَالَت مَا كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يأتيني فِي يَوْم بعد الْعَصْر إِلَّا صلى رَكْعَتَيْنِ) هَذَا طَرِيق آخر عَن مُحَمَّد بن عرْعرة بالمهملتين وبسكون الرَّاء الأولى عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن أبي اسحق السبيعِي واسْمه عَمْرو وَرُبمَا يلتبس على القارىء تَمْيِيز هَذَا عَن أبي اسحق الْمَذْكُور فِي السَّنَد السَّابِق فَإِن هَذَا أَبُو اسحق السبيعِي وَذَاكَ أَبُو اسحق الشَّيْبَانِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَأَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهِ عَن حَفْص بن عَمْرو النَّسَائِيّ أَيْضا فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث أربعتهم عَن شُعْبَة بِهِ قَوْله " الْأَصْلِيّ " أَي بعد الْإِتْيَان وَهُوَ اسْتثِْنَاء مفرغ أَي مَا كَانَ يأتيني بِوَجْه أَو حَالَة إِلَّا بِهَذَا الْوَجْه أَو هَذِه الْحَالة وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت)

стр. 1335

مَا وَجه الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث وَمَا تقدم أَنه ﷺ َ - نهى عَن الصَّلَاة بعد صَلَاة الْعَصْر (قلت) أُجِيب عَنهُ بِأَن النَّهْي كَانَ فِي صَلَاة لَا سَبَب لَهَا وَصَلَاة رَسُول الله ﷺ َ - كَانَت بِسَبَب قَضَاء فَائِتَة الظّهْر. وَبِأَن النَّهْي هُوَ فِيمَا يتحَرَّى فِيهَا وَفعله كَانَ بِدُونِ التَّحَرِّي. وَبِأَنَّهُ كَانَ من خَصَائِصه. وَبِأَن النَّهْي كَانَ للكراهة فَأَرَادَ ﷺ َ - بَيَان ذَلِك وَدفع وهم التَّحْرِيم وَبِأَن الْعلَّة فِي النَّهْي هُوَ التَّشَبُّه بعبدة الشَّمْس وَالرَّسُول منزه عَن التَّشَبُّه بهم. وَبِأَنَّهُ ﷺ َ - لما قضى فَائِتَة ذَلِك الْيَوْم وَكَانَ فِي فَوَاته نوع تَقْصِير واظب عَلَيْهَا مُدَّة عمره جبرا لما وَقع مِنْهُ وَالْكل بَاطِل. أما أَولا فَلِأَن الْفَوات كَانَ فِي يَوْم وَاحِد وَهُوَ يَوْم اشْتِغَاله بِعَبْد الْقَيْس وَصلَاته بعد الْعَصْر كَانَت مستمرة دَائِما. وَأما ثَانِيًا فَلِأَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يداوم عَلَيْهَا ويقصد أداءها كل يَوْم وَهُوَ معنى التَّحَرِّي. وَأما ثَالِثا فَلِأَن الأَصْل عدم الِاخْتِصَاص وَوُجُوب مُتَابَعَته ﷺ َ - لقَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ . وَأما رَابِعا فَلِأَن بَيَان الْجَوَاز يحصل بِمرَّة وَاحِدَة وَلَا يحْتَاج فِي دفع وهم الْحُرْمَة إِلَى المداومة عَلَيْهَا. وَأما خَامِسًا فَلِأَن الْعلَّة فِي كَرَاهَة صَلَاة بعد فرض الْعَصْر لَيْسَ التَّشَبُّه بهم بل هِيَ الْعلَّة لكَرَاهَة الصَّلَاة عِنْد الْغُرُوب فَقَط. وَأما سادسا فلأنا لَا نسلم أَنه كَانَ تقصيرا لِأَنَّهُ كَانَ مشتغلا فِي ذَلِك الْوَقْت بِمَا هُوَ أهم وَهُوَ إرشادهم إِلَى الْحق أَو لِأَن الْفَوات كَانَ بِالنِّسْيَانِ ثمَّ أَن الْجَبْر يحصل بِقَضَائِهِ مرّة وَاحِدَة على مَا هُوَ حكم أَبْوَاب الْقَضَاء فِي جَمِيع الْعِبَادَات بل الْجَواب الصَّحِيح أَن النَّهْي قَول وَصلَاته فعل وَالْقَوْل وَالْفِعْل إِذا تَعَارضا يقدم القَوْل وَيعْمل بِهِ انْتهى (قلت) قَوْله وَالْكل بَاطِل لَا يمشي فِي الْكل بل فِيهِ شَيْء موجه وَشَيْء غير موجه وَكَذَلِكَ فِي كَلَامه ودعواه بِبُطْلَان الْكل أما الَّذِي هُوَ غير موجه فَهُوَ قَوْله أَن النَّهْي كَانَ فِي صَلَاة لَا سَبَب لَهَا وَهَذَا غير صَحِيح لِأَن النَّهْي عَام وتخصيصه بِالصَّلَاةِ الَّتِي لَا سَبَب لَهَا تَخْصِيص بِلَا مُخَصص وَهَذَا بَاطِل وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى وَأما الَّذِي هُوَ غير موجه من كَلَام الْكرْمَانِي فَهُوَ قَوْله أَن الأَصْل عدم الِاخْتِصَاص وَهَذَا غير صَحِيح على إِطْلَاقه لِأَنَّهُ إِذا قَامَ الدَّلِيل على الِاخْتِصَاص فَلَا يُنكر وَهَهُنَا قد قَامَت دَلَائِل من الْأَحَادِيث وأفعال الصَّحَابَة فِي أَن هَذَا الَّذِي صلى ﷺ َ - بعد الْعَصْر كَانَ من خَصَائِصه وَقد ذَكرنَاهَا فِيمَا مضى وَقَول الْكرْمَانِي وَصلَاته بعد الْعَصْر كَانَت مستمرة ترد دَعْوَاهُ عدم التَّخْصِيص إِذْ لَو لم يكن من خَصَائِصه لأمر بقضائها إِذا فَاتَت وَلم يَأْمر بذلك أَلا ترى فِي حَدِيث أم سَلمَة الْمَذْكُورَة فِيمَا مضى قَالَت " قلت يَا رَسُول الله أفنقضيها إِذا فاتتا قَالَ لَا " فَدلَّ ذَلِك على أَن حكم غَيره فيهمَا إِذا فاتتاه خلاف حكمه فَلَيْسَ لأحد أَن يُصَلِّيهمَا بعد الْعَصْر وَهنا شَيْء آخر يلْزمهُم وَهُوَ أَنه ﷺ َ - كَانَ يداوم عَلَيْهِمَا وهم لَا يَقُولُونَ بِهِ فِي الْأَصَح الْأَشْهر فَإِن عورضوا يَقُولُونَ هَذَا من خَصَائِص رَسُول الله ﷺ َ - ثمَّ قَالَ فِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ يَقُولُونَ الأَصْل عدم التَّخْصِيص وَهَذَا كَمَا يُقَال فلَان مثل الظليم الذّكر من النعام يستحمل عِنْد الاستطارة ويستطير عِنْد الاستحمال وَقَوله لَيْسَ التَّشَبُّه بهم غير صَحِيح فَإِن حَدِيث أبي أُمَامَة على التَّشَبُّه بهم وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُسلم وَفِيه " فَقلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي عَن الصَّلَاة فَقَالَ صل الصُّبْح ثمَّ اقصر عَن الصَّلَاة حِين تطلع الشَّمْس حَتَّى ترْتَفع فَإِنَّهَا تطلع بَين قَرْني الشَّيْطَان وَحِينَئِذٍ يسْجد لَهَا الْكفَّار " الحَدِيث وَفِيه أَيْضا " فَإِنَّهَا تغرب بَين قَرْني الشَّيْطَان " والشارع أخبر بِأَن الشَّيْطَان يُحَاذِي الشَّمْس بقرنيه عِنْد الطُّلُوع وَعند الْغُرُوب وَالْكفَّار يَسْجُدُونَ لَهَا حِينَئِذٍ فَنهى الشَّارِع عَن الصَّلَاة فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ حَتَّى لَا يكون المصلون فيهمَا كالساجدين لَهَا وَقَوله وَالْقَوْل وَالْفِعْل إِذا تَعَارضا يقدم القَوْل لَيْسَ على إِطْلَاقه فَإِن أَحدهمَا إِذا كَانَ حاظرا وَالْآخر مبيحا يقدم الحاظر على الْمُبِيح سَوَاء كَانَ قولا أَو فعلا فَافْهَم وَالله تَعَالَى أعلم ٣٤ - (بابُ التَّبْكِيرِ بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التبكير، أَي: الْمُبَادرَة والإسراع إِلَى الصَّلَاة فِي الْيَوْم الَّذِي فِيهِ الْغَيْم خوفًا من وُقُوعهَا خَارج الْوَقْت. ٥٩٤ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدثنَا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى هُوَ ابنُ أبِي كَثِيرٍ عنُ أبي قِلَابَة

стр. 1336

َ أنَّ أَبَا المَلِيحِ حدَّثَهُ قَالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يوْمٍ ذِي غيْمٍ فَقَالَ بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ (انْظُر الحَدِيث ٥٥٣) . هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه قد مر فِي بَاب إِثْم من ترك الْعَصْر، غير أَن هُنَاكَ رَوَاهُ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام إِلَى آخِره نَحوه، وَفِيه لَفْظَة زَائِدَة، وَهِي: (كُنَّا مَعَ بُرَيْدَة فِي غَزْوَة فِي يَوْم ذِي غيم) ، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف، عبد الله ابْن زيد الْجرْمِي وَأَبُو الْمليح عَامر بن أُسَامَة الْهُذلِيّ، وَبُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: بن الْحصيب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة: الْأَسْلَمِيّ. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي التبكير فِي الصَّلَاة الْمُطلقَة فِي يَوْم الْغَيْم، والْحَدِيث لَا يطابقها من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْمُطَابقَة لقَوْل بُرَيْدَة لَا للْحَدِيث، وَالثَّانِي: أَن الْمَذْكُور فِي الحَدِيث صَلَاة الْعَصْر، وَفِي التَّرْجَمَة مُطلق الصَّلَاة؟ قلت: دلّت الْقَرِينَة على أَن قَول بُرَيْدَة: (بَكرُوا بِالصَّلَاةِ) كَانَ فِي وَقت دُخُول الْعَصْر فِي يَوْم غيم، فَأمر بالتبكير حَتَّى لَا يفوتهُمْ بِخُرُوج الْوَقْت بتقصيرهم فِي ترك التبكير، وَهَذَا الْفِعْل كتركهم إِيَّاهَا فِي اسْتِحْقَاق الْوَعيد، وتفهم إِشَارَته أَن بَقِيَّة الصَّلَوَات كَذَلِك، لِأَنَّهَا مستوية الْإِقْدَام فِي الْفَرْضِيَّة، فَحِينَئِذٍ يفهم التطابق بَين الحَدِيث والترجمة بطرِيق الْإِشَارَة لَا بالتصريح. وَقَالَ بَعضهم: من عَادَة البُخَارِيّ أَن يترجم بِبَعْض مَا يشْتَمل عَلَيْهِ لفظ الحَدِيث، وَلَو لم يكن على شَرطه فَلَا إِيرَاد عَلَيْهِ. قلت: لَيْسَ هُنَا مَا يشْتَمل على التَّرْجَمَة من لفظ الحَدِيث، وَلَا من بعضه، وَكَيف لَا يُورد عَلَيْهِ إِذا ذكر تَرْجَمَة وَلم يُورد عَلَيْهَا شَيْئا، وَلَا فَائِدَة فِي ذكر التَّرْجَمَة عِنْد عدم الْإِيرَاد بِشَيْء. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة ذكر بُرَيْدَة الحَدِيث الَّذِي فِيهِ الْعَصْر مَعَ أَن غَيره مثله. قلت: كَانَ أمره بالتبكير فِي وَقت الْعَصْر كَمَا ذكرنَا وإلَاّ فَغَيره مثله، وَقد روى الْأَوْزَاعِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن أبي يحيى بن كثير، بِلَفْظ: (بَكرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْم الْغَيْم فَإِنَّهُ من ترك صَلَاة الْفجْر حَبط عمله) . وَأما فَائِدَة تعْيين الْعَصْر فِي الحَدِيث فقد ذَكرْنَاهُ. ٣٥ - (بابُ الأَذَانِ بعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَذَان بعد خُرُوج الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بَاب الآذان بعد الْوَقْت، وَلَيْسَ فِيهَا لَفْظَة: ذهَاب، وَهِي مقدرَة أَيْضا، وَهَذِه مَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا على مَا يَجِيء عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٥٩٥ - حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْل قَالَ حَدَّثنا حُصَيْنٌ عنْ عَبْدِ الله ابنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً فقالَ بَعْضُ القَوْمِ لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رسولَ الله قَالَ أخافُ أنْ تَنَامُوا عنِ الصَّلَاةِ قَالَ بِلَالٌ أَنا أُوقِظُكُمْ فاضْطَجَعُوا وأسْنَدَ بِلالٌ ظِهْرَهُ إلَى رَاحِلَتِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ فاسْتَيْقَظَ النبيُّ ﷺ وقَدْ طَلَعَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ يَا بِلَالُ أيْن مَا قُلْتَ قَالَ مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَط قالَ إنَّ الله قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِين شاءَ وَرَدَّها عَلَيْكُمْ حِينَ شاءَ يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وابْيَاضَّتْ قامَ فَصَلَّى. (الحَدِيث ٥٩٥ طرفه فِي: ٧٤٧١) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قُم يَا بِلَال فَأذن) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة تقدم فِي بَاب رفع الْعلم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل، بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة، تقدم فِي بَاب صَوْم رَمَضَان أيمانا. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: عبد الله بن أبي قَتَادَة، تقدم فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو قَتَادَة، واسْمه: الْحَارِث بن ربعي بن بلدية الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بضيغة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة الابْن

стр. 1337

عَن الْأَب. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن هشيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عون عَن خَالِد بن عبد الله وَعَن هناد عَن عَبْثَر بن الْقَاسِم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بِهِ، وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن كَامِل الْمروزِي عَن هشيم بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سرنا مَعَ النَّبِي، ﷺ ، لَيْلَة) من: سَار يسير سيرا، وَفِيه رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن: (إِنَّا أسرينا) ، ويروى: (سرينا) ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم مُسْتَوفى، وَذكرنَا أَيْضا أَن هَذِه اللَّيْلَة فِي أَي سفرة كَانَت. قَوْله: (لَو عرست بِنَا يَا رَسُول الله) ، جَوَاب: لَو، مَحْذُوف تَقْدِيره: لَكَانَ أسهل علينا، أَو هُوَ لِلتَّمَنِّي. وعرست، بتَشْديد الرَّاء من: التَّعْرِيس، وَهُوَ: نزُول الْقَوْم فِي السّفر آخر اللَّيْل للاستراحة. قَوْله: (أَنا أوقظكم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (فَمن يوقظنا؟ فَقَالَ بِلَال: أَنا) . قَوْله: (فاضطجعوا) ، يجوز أَن يكون بِصِيغَة الْمَاضِي، وَيجوز أَن يكون بِصِيغَة الْأَمر. قَوْله: (إِلَى رَاحِلَته) أَي: إِلَى مركبه. قَوْله: (فغلبته عَيناهُ) أَي: عينا بِلَال، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: (فَغلبَتْ) بِغَيْر ضمير. قَوْله: (فَنَامَ) ، أَي: بِلَال. قَوْله: (فَاسْتَيْقَظَ النَّبِي ﷺ وَقد طلع حَاجِب الشَّمْس) ، أَي: طرفها، وحواجب الشَّمْس نَوَاحِيهَا. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ النَّبِي ﷺ وَالشَّمْس فِي ظَهره) . قَوْله: (أَيْن مَا قلت؟) يَعْنِي: أَيْن الْوَفَاء بِقَوْلِك أَنا أوقظكم؟ . قَوْله: (مَا ألقيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. وَقَوله: (نومَة) مفعول نَائِب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (مثلهَا) أَي مثل هَذِه النومة الَّتِي كَانَت فِي هَذَا الْوَقْت، و: مثل، لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، وَلِهَذَا وَقع صفة للنكرة. قَوْله: (إِن الله قبض أرواحكم) الْأَرْوَاح: جمع روح، يذكر وَيُؤَنث، وَهُوَ: جَوْهَر لطيف نوراني يكدره الْغذَاء والأشياء الرَّديئَة الدنية، مدرك للجزئيات والكليات، حَاصِل فِي الْبدن متصرف، فِيهِ غنى عَن الاغتذاء، بَرِيء عَن التَّحَلُّل والنماء، وَلِهَذَا يبْقى بعد فنَاء الْبدن إِذْ لَيست لَهُ حَاجَة إِلَى الْبدن، وَمثل هَذَا الْجَوْهَر لَا يكون من عَالم العنصر بل من عَالم الملكوت، فَمن شَأْنه أَن لَا يضرّهُ خلل الْبدن ويلتذ بِمَا يلائمه ويتألم بِمَا يُنَافِيهِ، وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ (ال عمرَان: ١٦٩) . الْآيَة. وَقَوله: ﷺ : (إِذا وضع الْمَيِّت على نعشه رَفْرَف روحه فَوق نعشه، وَيَقُول: يَا أَهلِي وَيَا وَلَدي) فَإِن قلت: كَيفَ يُفَسر الرّوح وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ (الْإِسْرَاء: ١٨) . قلت: مَعْنَاهُ من الإبداعات الكائنة: بكن من غير مَادَّة، وتولد من أصل، على أَن السُّؤَال كَانَ عَن قدمه وحدوثه، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي جَوَاز تَفْسِيره. فَإِن قلت: إِذا قبض الرّوح يكون الشَّخْص مَيتا، لكنه نَائِم لَا ميت؟ قلت: الْمَعْنى من قبض الرّوح هُنَا قطع تعلقه عَن ظَاهر الْبدن فَقَط، وَالْمَوْت قطع تعلقه بِالْبدنِ ظَاهرا وَبَاطنا، فَمَعْنَى قَوْله ﷺ , (إِن الله قبض أرواحكم) ، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها﴾ (الزمر: ٤٢) . قَوْله: (حِين شَاءَ) ، فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَيْسَ لوقت وَاحِد، فَإِن نوم الْقَوْم لَا يتَّفق غَالِبا فِي وَقت وَاحِد، بل يتتابعون فَيكون حِين الأول جزأ من أحيان مُتعَدِّدَة. قَوْله: (قُم فَأذن) ، بتَشْديد الذَّال، من التأذين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَأذن) ، بِالْمدِّ وَمَعْنَاهُ: أعلم النَّاس بِالصَّلَاةِ. قَوْله: (فَتَوَضَّأ) أَي: النَّبِي ﷺ ، وَزَاد أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : فَتَوَضَّأ النَّاس) . قَوْله: (وابياضت) على وزن: افعالت، من الابيضاض، وَهَذِه الصِّيغَة تدل على الْمُبَالغَة، يُقَال: أَبيض الشَّيْء إِذا صَار ذَا بَيَاض، ثمَّ إِذا أَرَادوا الْمُبَالغَة فِيهِ ينقلونه إِلَى بَاب الافعيلال، فَيَقُولُونَ: ابياض. وَكَذَلِكَ: احمر واحمار، وَقَالَ بَعضهم: وَقيل: إِنَّمَا يُقَال ذَلِك فِي كل لون بَين لونين، فَأَما الْخَالِص من الْبيَاض مثلا فَإِنَّمَا يُقَال لَهُ أَبيض، قلت: هَذَا القَوْل صادر عَمَّن لَيْسَ لَهُ ذوق من علم الصّرْف وَلَا اطلَاع فِيهِ. قَوْله: (قَامَ فصلى) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فصلى بِالنَّاسِ) . ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ خُرُوج الإِمَام بِنَفسِهِ فِي الْغَزَوَات. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الالتماس من السادات فِيمَا يتَعَلَّق بمصالحهم الدِّينِيَّة بل الدُّنْيَوِيَّة أَيْضا مِمَّا فِيهِ الْخَيْر. الثَّالِث: أَن على الإِمَام أَن يُرَاعِي الْمصَالح الدِّينِيَّة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الِاحْتِرَاز عَمَّا يحْتَمل فَوَات الْعِبَادَة عَن وَقتهَا. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْتِزَام خَادِم بمراقبة ذَلِك. السَّادِس: فِيهِ الْأَذَان للفائتة، ولأجله ترْجم البُخَارِيّ الْبَاب، وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَقَالَ أَصْحَابنَا: يُؤذن للفائتة وَيُقِيم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره، وَفِيه: (ثمَّ أَمر مُؤذنًا فَأذن فصلى رَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ثمَّ أَقَامَ ثمَّ صلى الْفجْر) . وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَإِن فَاتَتْهُ صلوَات أذن للأولى، وَأقَام، وَهُوَ مُخَيّر فِي الْبَاقِي: أَن شَاءَ أذن

стр. 1338

وَأقَام لكل صَلَاة من الْفَوَائِت، وَإِن شَاءَ اقْتصر على الْإِقَامَة لما روى التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود: أَن النَّبِي ﷺ فَاتَتْهُ يَوْم الخَنْدَق أَربع صلوَات حَتَّى ذهب من اللَّيْل مَا شَاءَ الله، فَأمر بِلَالًا فَأذن ثمَّ أَقَامَ فصلى الظّهْر ثمَّ أَقَامَ فصلى الْعَصْر ثمَّ أَقَامَ فصلى الْمغرب ثمَّ أَقَامَ فصلى الْعشَاء) . فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَمن أَيْن التَّخْيِير؟ قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة: (قضاهن ﷺ بآذان وَإِقَامَة) . وَفِي رِوَايَة: (بِأَذَان وَإِقَامَة للأولى وَإِقَامَة لكل وَاحِدَة من الْبَوَاقِي) . وَلِهَذَا الِاخْتِلَاف خيرنا فِي ذَلِك، وَفِي (التُّحْفَة) : وَرُوِيَ فِي غير رِوَايَة الْأُصُول عَن مُحَمَّد بن الْحسن: إِذا فَاتَتْهُ صلوَات تقضى الأولى بآذان وَإِقَامَة، وَالْبَاقِي بِالْإِقَامَةِ دون الآذان. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْجَدِيد) يُقيم لَهُنَّ وَلَا يُؤذن، وَفِي الْقَدِيم: يُؤذن للأولى وَيُقِيم، ويقتصر فِي الْبَوَاقِي على الْإِقَامَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : يُقيم لكل وَاحِدَة بِلَا خلاف، وَلَا يُؤذن لغير الأولى مِنْهُنَّ. وَفِي الأولى ثَلَاثَة أَقْوَال فِي الْأَذَان، أَصَحهَا: أَنه يُؤذن وَلَا يعْتَبر بتصحيح الرَّافِعِيّ منع الْأَذَان والآذان للأولى مَذْهَب: مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر. وَقَالَ ابْن بطال: لم يذكر الآذان فِي الأولى عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق: لَا يُؤذن لفائتة. السَّابِع: فِيهِ دَلِيل على أَن قَضَاء الْفَوَائِت بِعُذْر لَيْسَ على الْفَوْر، وَهُوَ الصَّحِيح، وَلَكِن يسْتَحبّ قَضَاؤُهَا على الْفَوْر. وَحكى الْبَغَوِيّ وَجها عَن الشَّافِعِي: أَنه، على الْفَوْر، وَأما الْفَائِتَة بِلَا عذر فَالْأَصَحّ قَضَاؤُهَا على الْفَوْر، وَقيل: لَهُ التَّأْخِير كَمَا فِي الأولى. الثَّامِن: فِيهِ أَن الْفَوَائِت لَا تقضى فِي الْأَوْقَات الْمنْهِي عَن الصَّلَاة فِيهَا، وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي قدر الْوَقْت الَّذِي تُبَاح فِيهِ الصَّلَاة بعد الطُّلُوع. قَالَ فِي الأَصْل: حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس قدر رمح أَو رُمْحَيْنِ. وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْفضل: مَا دَامَ الْإِنْسَان يقدر على النّظر إِلَى قرص الشَّمْس لَا تُبَاح فِيهِ الصَّلَاة، فَإِن عجز عَن النّظر تُبَاح. التَّاسِع: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز قَضَاء الصَّلَاة الْفَائِتَة بِالْجَمَاعَة. الْعَاشِر: احْتج بِهِ الْمُهلب على أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى هِيَ صَلَاة الصُّبْح، قَالَ: لِأَنَّهُ ﷺ لم يَأْمر أحدا بمراقبة وَقت صَلَاة غَيرهَا، وَفِيه نظر لَا يخفى. الْحَادِي عشر: فِيهِ دَلِيل على قبُول خبر الْوَاحِد، وَاسْتدلَّ بِهِ قوم على ذَلِك، وَقَالَ ابْن بزيزة: وَلَيْسَ هُوَ بقاطع فِيهِ لاحْتِمَال أَنه ﷺ لم يرجع إِلَى قَول بِلَال بِمُجَرَّدِهِ، بل بعد النّظر إِلَى الْفجْر لَو اسْتَيْقَظَ مثلا. الثَّانِي عشر: اسْتدلَّ بِهِ مَالك فِي عدم قَضَاء سنة الْفجْر، وَقَالَ أَشهب: سُئِلَ مَالك هَل ركع ﷺ رَكْعَتي الْفجْر حِين نَام عَن صَلَاة الصُّبْح حَتَّى طلعت الشَّمْس؟ قَالَ: مَا بَلغنِي. وَقَالَ أَشهب: بَلغنِي أَنه ﷺ ركع. وَقَالَ عَليّ بن زِيَاد: وَقَالَ غير مَالك، وَهُوَ أحب إِلَى أَن يرْكَع، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ، وَقد قَالَ مَالك: إِن أحب أَن يركعهما من فَاتَتْهُ بعد طُلُوع الشَّمْس فعل. قلت: مَذْهَب مُحَمَّد بن الْحسن: إِذا فَاتَتْهُ رَكعَتَا الْفجْر يقضيهما إِذا ارْتَفع النَّهَار إِلَى وَقت الزَّوَال، وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا يقضيهما هَذَا إِذا فَاتَت وَحدهَا، وَإِذا فَاتَت مَعَ الْفَرْض يقْضِي اتِّفَاقًا. الثَّالِث عشر: فِيهِ أقوى دَلِيل لنا على عدم جَوَاز الصَّلَاة عِنْد طُلُوع الشَّمْس لِأَنَّهُ، ﷺ ، ترك الصَّلَاة حَتَّى ابياضت الشَّمْس، ولورود النَّهْي فِيهِ أَيْضا. ٣٦ - (بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من صلى بِالنَّاسِ الْفَائِتَة بعد خُرُوج الْوَقْت. قَوْله: (جمَاعَة) ، نصب على الْحَال من النَّاس بِمَعْنى مُجْتَمعين. ٧٢ - (حَدثنَا معَاذ بن فضَالة قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن جَابر بن عبد الله أَن عمر بن الْخطاب جَاءَ يَوْم الخَنْدَق بعد مَا غربت الشَّمْس فَجعل يسب كفار قُرَيْش قَالَ يَا رَسُول الله مَا كدت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب قَالَ النَّبِي ﷺ َ - وَالله مَا صليتها فقمنا إِلَى بطحان فَتَوَضَّأ للصَّلَاة وتوضأنا لَهَا فصلى الْعَصْر بعد مَا غربت الشَّمْس ثمَّ صلى بعْدهَا الْمغرب) مطابقته للتَّرْجَمَة استفيدت من اخْتِصَار الرَّاوِي فِي قَوْله " فصلى الْعَصْر " إِذْ أَصله فصلى بِنَا الْعَصْر وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع عَن هِشَام وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) كَيفَ دلّ الحَدِيث على الْجَمَاعَة (قلت) إِمَّا لِأَن البُخَارِيّ

стр. 1339

استفاده من بَقِيَّة الحَدِيث الَّذِي هَذَا مُخْتَصره وَإِمَّا من إِجْرَاء الرَّاوِي الْفَائِتَة الَّتِي هِيَ الْعَصْر والحاضرة الَّتِي هِيَ الْمغرب مجْرى وَاحِدًا وَلَا شكّ أَن الْمغرب كَانَ بِالْجَمَاعَة كَمَا هُوَ مَعْلُوم من عَادَة رَسُول الله ﷺ َ - (قلت) الْوَجْه الأول هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ فِي نفس الْأَمر وَأما الْوَجْه الثَّانِي فَلَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ يردهُ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي سعيد قَالَ " حبسنا يَوْم الخَنْدَق عَن الصَّلَاة حَتَّى كَانَ بعد الْمغرب بهوى من اللَّيْل حَتَّى كفينا فَدَعَا رَسُول الله ﷺ َ - بِلَالًا فَأَقَامَ صَلَاة الظّهْر فَصلاهَا كَمَا كَانَ يُصليهَا فِي وَقتهَا ثمَّ أمره فَأَقَامَ الْعَصْر فَصلاهَا كَذَلِك ثمَّ أمره فَأَقَامَ الْمغرب فَصلاهَا كَذَلِك ثمَّ أَقَامَ الْعشَاء فَصلاهَا كَذَلِك قَالَ وَذَلِكَ قبل أَن ينزل الله فِي صَلَاة الْخَوْف ﴿فرجالا أَو ركبانا﴾ " (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول معَاذ بِضَم الْمِيم ابْن فضَالة الزهْرَانِي وَيُقَال القريشي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ. الثَّانِي هِشَام ابْن أبي عبد الله الدستوَائي. الثَّالِث يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَقد تقدم ذكرهم غير مرّة. الْخَامِس جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ. السَّادِس عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى وَعَن أبي نعيم عَن شَيبَان وَفِي صَلَاة الْخَوْف عَن يحيى عَن وَكِيع وَأخرجه فِي الْمَغَازِي عَن مكي بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى وَأبي غَسَّان وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن معَاذ بن هِشَام وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يَوْم الخَنْدَق " أَي يَوْم حفر الخَنْدَق وَهُوَ لفظ أعجمي تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب وَكَانَت فِي السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة وَيُسمى بغزوة الْأَحْزَاب قَوْله " بَعْدَمَا غربت الشَّمْس " وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن شَيبَان عَن يحيى " بَعْدَمَا أفطر الصَّائِم " وَالْمعْنَى وَاحِد قَوْله " فَجعل " أَي عمر يسب الْكفَّار لأَنهم كَانُوا السَّبَب لاشتغال الْمُسلمين بِحَفر الخَنْدَق الَّذِي هُوَ سَبَب لفَوَات صلَاتهم قَوْله " مَا كدت أُصَلِّي الْعَصْر ". اعْلَم أَن كَاد من أَفعَال المقاربة وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع نوع مِنْهَا وضع للدلالة على قرب الْخَبَر وَهُوَ كَاد وكرب وأوشك وَالرَّاجِح فِي كَاد أَن لَا يقرن بِأَن عكس عَسى وَقد وَقع فِي رِوَايَة مُسلم " حَتَّى كَادَت الشَّمْس أَن تغرب " قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) ظَاهره يَقْتَضِي أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ صلى قبل الْغُرُوب (قلت) لَا نسلم بل يَقْتَضِي أَن كيدودته كَانَت عِنْد كيدودتها وَلَا يلْزم وُقُوع الصَّلَاة فِيهَا بل يلْزم أَن لَا تقع الصَّلَاة فِيهَا إِذْ حَاصله عرفا مَا صليت حَتَّى غربت الشَّمْس وَقَالَ الْيَعْمرِي إِذا تقرر أَن معنى كَاد المقاربة فَقَوْل عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَا كدت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب مَعْنَاهُ أَنه صلى الْعَصْر قرب غرُوب الشَّمْس لِأَن نفي الصَّلَاة يَقْتَضِي إِثْبَاتهَا وَإِثْبَات الْغُرُوب يَقْتَضِي نَفْيه فَيحصل من ذَلِك لعمر ثُبُوت الصَّلَاة وَلم يثبت الْغُرُوب وَقَالَ بَعضهم لَا يخفى مَا بَين التقريرين من الْفرق وَمَا ادَّعَاهُ من الْفرق مَمْنُوع وَكَذَلِكَ العندية للْفرق الَّذِي أوضحه الْيَعْمرِي من الْإِثْبَات وَالنَّفْي لِأَن كَاد إِذا أَثْبَتَت نفت وَإِذا نفت أَثْبَتَت هَذَا مَعَ مَا فِي تَعْبِيره بِلَفْظ كيدودة من الثّقل انْتهى (قلت) كل ذَلِك لَا يشفي العليل وَلَا يروي الغليل وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن كَاد إِذا دخل عَلَيْهِ النَّفْي فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب. الأول أَنَّهَا كالأفعال إِذا تجردت من النَّفْي كَانَ مَعْنَاهُ إِثْبَاتًا وَإِن دخل عَلَيْهَا نفي كَانَ مَعْنَاهَا نفيا لِأَن قَوْلك كَاد زيد يقوم مَعْنَاهُ إِثْبَات قرب الْقيام لَا إِثْبَات نفس الْقيام فَإِذا قلت مَا كَاد زيد يفعل فَمَعْنَاه نفي قرب الْفِعْل. الثَّانِي أَنه إِذا دخل عَلَيْهَا النَّفْي كَانَت للإثبات. الثَّالِث إِذا دخل عَلَيْهَا حرف النَّفْي ينظر هَل دخل على الْمَاضِي أَو على الْمُسْتَقْبل فَإِن كَانَ مَاضِيا فَهِيَ للإثبات وَإِن كَانَ مُسْتَقْبلا فَهِيَ كالأفعال وَالأَصَح هُوَ الْمَذْهَب الأول نَص عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب وَإِذا تقرر هَذَا فكاد هَهُنَا دخل عَلَيْهِ النَّفْي فَصَارَ مَعْنَاهُ نفيا يَعْنِي نفي قرب الصَّلَاة كَمَا فِي قَوْلك مَا كَاد زيد يفعل نفي قرب الْفِعْل فَإِذا نفى قرب الصَّلَاة فنفي الصَّلَاة بطرِيق الأولى وَقَوله " حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب " حَال عَن النَّفْي فَهِيَ كَسَائِر الْأَفْعَال وَقَول الْيَعْمرِي يُشِير إِلَى الْمَذْهَب الثَّالِث وَهُوَ غير صَحِيح وَلَا يمشي هَهُنَا أَيْضا (فَإِن قلت) قَوْله تَعَالَى ﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يساعد الْمَذْهَب الثَّالِث لِأَن كَاد هَهُنَا دخل عَلَيْهَا النَّفْي وَهُوَ مَاض

стр. 1340

وَاقْتضى الْإِثْبَات أَن لفعل الذّبْح وَاقع بِلَا شكّ (قلت) لَيْسَ فعل الذّبْح مستفادا من كَاد بل من قَوْله ﴿فذبحوها﴾ وَالْمعْنَى فذبحوها مجبرين وَمَا قاربوا فعل الذّبْح مختارين أَو نقُول فذبحوها بعد التَّرَاخِي وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ على الْفَوْر بِدَلِيل أَنهم سَأَلُوا سؤالا بعد سُؤال وَلم يبادروا إِلَى الذّبْح من حِين أمروا بِهِ قَوْله " بطحان " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الطَّاء وَقيل بِفَتْح أَوله وَكسر ثَانِيه وَهُوَ وَاد بِالْمَدِينَةِ قَوْله " فصلى الْعَصْر " أَي صَلَاة الْعَصْر وَوَقع فِي الْمُوَطَّأ من طَرِيق أُخْرَى أَن الَّذِي فاتهم الظّهْر وَالْعصر وَفِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَفِي لفظ النَّسَائِيّ " حبسنا عَن صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء " وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه " أَن الْمُشْركين شغلوا النَّبِي ﷺ َ - عَن أَربع صلوَات يَوْم الخَنْدَق " الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم وَفِي قَوْله " أَربع " تجوز لِأَن الْعشَاء لم تكن فَاتَت (قلت) مَعْنَاهُ أَن الْعشَاء فَاتَتْهُ عَن وَقتهَا الَّذِي كَانَ يُصليهَا فِيهَا غَالِبا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا فَاتَت عَن وَقتهَا الْمَعْهُود وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ الصَّحِيح أَن الصَّلَاة الَّتِي شغل عَنْهَا وَاحِدَة وَهِي الْعَصْر وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " شغلونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر " قَالَ وَمِنْهُم من جمع بِأَن الخَنْدَق كَانَت وقعته أَيَّامًا وَكَانَ ذَلِك فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة فِي تِلْكَ الْأَيَّام قَالَ وَهَذَا أولى (فَإِن قلت) تَأْخِير النَّبِي ﷺ َ - الصَّلَاة فِي ذَلِك الْيَوْم كَانَ نِسْيَانا أَو عمدا فَقيل كَانَ نِسْيَانا وَيُمكن أَن يسْتَدلّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَن أَبَا جُمُعَة حبيب بن سِبَاع قَالَ " أَن رَسُول الله ﷺ َ - عَام الْأَحْزَاب صلى الْمغرب فَلَمَّا فرغ قَالَ هَل علم أحد مِنْكُم أَنِّي صليت الْعَصْر قَالُوا لَا يَا رَسُول الله مَا صليتها فَأمر الْمُؤَذّن فَأَقَامَ فصلى الْعَصْر ثمَّ أعَاد الْمغرب " وَقيل كَانَ عمدا لكِنهمْ شغلوه وَلم يمكنوه من ذَلِك وَهُوَ أقرب (فَإِن قلت) هَل يجوز الْيَوْم تَأْخِير الصَّلَاة بِسَبَب الِاشْتِغَال بالعدو والقتال (قلت) الْيَوْم لَا يجوز تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا بل يُصَلِّي صَلَاة الْخَوْف وَكَانَ ذَلِك الِاشْتِغَال عذرا فِي التَّأْخِير لِأَنَّهُ كَانَ قبل نزُول صَلَاة الْخَوْف (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز سبّ الْمُشْركين وَلَكِن المُرَاد مَا لَيْسَ بفاحش إِذْ هُوَ اللَّائِق بِمنْصب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه جَوَاز الْحلف من غير استحلاف إِذا ثبتَتْ على ذَلِك مصلحَة دينية وَقَالَ النَّوَوِيّ هُوَ مُسْتَحبّ إِذا كَانَت فِيهِ مصلحَة من توكيد الْأَمر أَو زِيَادَة طمأنينة أَو نفي توهم نِسْيَان أَو غير ذَلِك من الْمَقَاصِد الصَّالِحَة وَإِنَّمَا حلف النَّبِي ﷺ َ - تطبيبا لقلب عمر لما شقّ عَلَيْهِ تَأْخِيرهَا وَقيل يحْتَمل أَنه تَركهَا نِسْيَانا لاشتغاله بِالْقِتَالِ فَلَمَّا قَالَ عمر ذَلِك تذكر وَقَالَ وَالله مَا صليتها وَفِي رِوَايَة مُسلم " وَالله إِن صليتها " وَإِن بِمَعْنى مَا. وَفِيه أَن الظَّاهِر أَنه صلاهَا بِجَمَاعَة فَيكون فِيهِ دلَالَة على مَشْرُوعِيَّة الْجَمَاعَة فِي الْفَائِتَة وَهَذَا بِالْإِجْمَاع وشذ اللَّيْث فَمنع من ذَلِك وَيرد عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث الْوَادي وَفِيه احتجاج من يرى امتداد وَقت الْمغرب إِلَى مغيب الشَّفق لِأَنَّهُ قدم الْعَصْر عَلَيْهَا وَلَو كَانَ ضيقا لبدأ بالمغرب لِئَلَّا يفوت وَقتهَا أَيْضا وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي فِي قَوْله الْجَدِيد فِي وَقت الْمغرب أَنه مضيق وقته. وَفِيه دَلِيل على عدم كَرَاهِيَة من يَقُول مَا صليت وروى البُخَارِيّ عَن ابْن سِيرِين أَنه كره أَن يُقَال فاتتنا وَليقل لم ندرك وَقَالَ البُخَارِيّ وَقَول النَّبِي ﷺ َ - أصح. وَفِيه مَا كَانَ النَّبِي ﷺ َ - عَلَيْهِ من مَكَارِم الْأَخْلَاق وَحسن التأني مَعَ أَصْحَابه وتألفهم وَمَا يَنْبَغِي الِاقْتِدَاء بِهِ فِي ذَلِك. وَفِيه مَا يدل على وجوب التَّرْتِيب بَين الصَّلَاة الوقتية والفائتة وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَاللَّيْث وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَهُوَ قَول عبد الله بن عمر وَقَالَ طَاوس التَّرْتِيب غير وَاجِب وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْقَاسِم وَسَحْنُون وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة وَمذهب مَالك وجوب التَّرْتِيب كَمَا قُلْنَا وَلَكِن لَا يسْقط بِالنِّسْيَانِ وَلَا بِضيق الْوَقْت وَلَا بِكَثْرَة الْفَوَائِت كَذَا فِي شرح الْإِرْشَاد وَفِي شرح الْمجمع وَالصَّحِيح الْمُعْتَمد عَلَيْهِ من مَذْهَب مَالك سُقُوط التَّرْتِيب بِالنِّسْيَانِ كَمَا نطقت كتب مذْهبه وَعند أَحْمد لَو تذكر الْفَائِتَة فِي الوقتية يُتمهَا ثمَّ يُصَلِّي الْفَائِتَة ثمَّ يُعِيد الوقتية وَذكر بعض أَصْحَابه أَنَّهَا تكون نَافِلَة وَهَذَا يُفِيد وجوب التَّرْتِيب وَعند زفر من ترك صَلَاة شهر بعد المتروكة لَا تجوز الْحَاضِرَة وَقَالَ ابْن أبي ليلى من ترك صَلَاة لَا تجوز صَلَاة سنة بعْدهَا وَاسْتدلَّ صَاحب الْهِدَايَة وَغَيره فِي مَذْهَبنَا بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -

стр. 1341

" من نسي صَلَاة فَلم يذكرهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَام فليتم صلَاته فَإِذا فرغ من صلَاته فليعد الَّتِي نسي ثمَّ ليعد الَّتِي صلاهَا مَعَ الإِمَام " وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ صَحِيح أَنه من قَول ابْن عمر كَذَا رَوَاهُ مَالك عَن ابْن عمر من قَوْله وَقَالَ عبد الْحق وَقد وَقفه سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَوَثَّقَهُ يحيى بن معِين (قلت) وَأخرجه أَبُو حَفْص بن شاهين مَرْفُوعا وَاسْتدلَّ أَيْضا من يرى وجوب التَّرْتِيب بقوله ﷺ َ - " لَا صَلَاة من عَلَيْهِ صَلَاة " قَالَ أَبُو بكر هُوَ بَاطِل وتأوله جمَاعَة على معنى لَا نَافِلَة لمن عَلَيْهِ فَرِيضَة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا نَسْمَعهُ على أَلْسِنَة النَّاس وَمَا عرفنَا لَهُ أصلا وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قيل لِأَحْمَد بن حَنْبَل مَا معنى قَوْله ﷺ َ - " لَا صَلَاة من عَلَيْهِ صَلَاة " قَالَ لَا أعرف هَذَا الْبَتَّةَ. وَفِيه مَا اسْتدلَّ بِهِ من يرى عدم مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان للفائتة وَأجَاب من اعْتَبرهُ بِأَن الْمغرب كَانَت حَاضِرَة وَلم يذكر الرَّاوِي الْأَذَان لَهَا اعْتِمَادًا على أَن من عَادَته ﷺ َ - الْأَذَان للحاضرة فالترك من الرَّاوِي لِأَنَّهُ لم يَقع فِي نفس الْأَمر وَاعْترض بِاحْتِمَال وُقُوع الْمغرب بعد خُرُوج الْوَقْت بعد نهي إيقاعها فِيهِ (قلت) هَذَا الِاعْتِرَاض على مَذْهَب من يرى بِضيق وَقت الْمغرب وَمَعَ هَذَا ينْدَفع بتقديمه ﷺ َ - الْعَصْر عَلَيْهَا وَهُوَ حجَّة على من يرى بِضيق وَقت الْمغرب وَالله تَعَالَى أعلم ٣٧ - (بابُ منْ نَسِيَ صلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذا ذَكَرهَا وَلَا يُعِيدُ إلَاّ تِلْكَ الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن من نسي صَلَاة حَتَّى خرج وَقتهَا فليصلها إِذا ذكرهَا. وَلَا يُعِيد إلَاّ تِلْكَ الصَّلَاة، أَي: لَا يَقْضِيهَا. وَفِي بعض النّسخ: وَلَا يعدو الْفرق بَينهمَا أَن الأول نفي، وَالثَّانِي نهي. وَقَالَ إبْراهِيمُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً واحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إلَاّ تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدَةَ إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله: (من نسي صَلَاة فَليصل إِذا ذكرهَا) أَعم من أَن يكون ذكره إِيَّاهَا بعد النسْيَان بعد شهر أَو سنة أَو أَكثر من ذَلِك، وَقَيده بِعشْرين سنة للْمُبَالَغَة، وَالْمَقْصُود أَنه لَا يجب عَلَيْهِ إِلَّا إِعَادَة الصَّلَاة الَّتِي نَسِيَهَا خَاصَّة فِي أَي وَقت ذكرهَا. وَأخرج الثَّوْريّ هَذَا فِي (جَامعه) مَوْصُولا عَن مَنْصُور وَغَيره عَن إِبْرَاهِيم، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا الْأَثر إِلَى تَقْوِيَة قَوْله: (وَلَا يُعِيد إلَاّ تِلْكَ الصَّلَاة) ، وَيحْتَمل أَنه أَشَارَ أَيْضا إِلَى تَضْعِيف مَا وَقع فِي بعض طرق حَدِيث أبي قَتَادَة عِنْد مُسلم فِي قَضِيَّة النّوم عَن الصَّلَاة، حَيْثُ قَالَ: (فَإِذا كَانَ الْغَد فليصلها عِنْد وَقتهَا) ، فبعضهم زعم أَن ظَاهره إِعَادَة المقضية مرَّتَيْنِ: عِنْد ذكرهَا وَعند حُضُور مثلهَا من الْوَقْت الْآتِي. وَأجِيب: عَن هَذَا: بِأَن اللَّفْظ الْمَذْكُور لَيْسَ نصا فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد بقوله: (فليصلها عِنْد وَقتهَا) ، أَي: الصَّلَاة الَّتِي تحضر، لَا أَنه يُرِيد أَن يُعِيد الَّتِي صلاهَا بعد خُرُوج وَقتهَا. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عمرَان بن الْحصين فِي هَذِه الْقِصَّة: (من أدْرك مِنْكُم صَلَاة الْغَدَاة من غَد صَالحا فليقض مَعهَا مثلهَا) قلت: قَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا قَالَ بِظَاهِرِهِ وجوبا، قَالَ: وَيُشبه أَن يكون الْأَمر فِيهِ للاستحباب ليحرز فَضِيلَة الْوَقْت فِي الْقَضَاء. انْتهى. وَحكى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ: أَن هَذَا غلط من رِوَايَة، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَيْضا: (أَنهم قَالُوا: يَا رَسُول الله، أَلا نقضيها لوَقْتهَا من الْغَد؟ فَقَالَ ﷺ : لَا يَنْهَاكُم الله عَن الرِّبَا وَيَأْخُذهُ مِنْكُم؟) . ٥٩٧ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ ومُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قالَا حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذا ذَكَرَها لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَاّ ذلِكَ وأقِمِ الصَّلَاةَ لِلْذِكْرَى. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّالِث: همام بن يحيى. الرَّابِع: قَتَادَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ روى هَذَا الحَدِيث عَن شيخين: أَحدهمَا: كُوفِي وَهُوَ أَبُو نعيم، وَبَقِيَّة الروَاة بصريون. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن

стр. 1342

هدبة بن خَالِد، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن همام. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من نسي صَلَاة فَليصل) ، كَذَا وَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات: (فَليصل) ، بِحَذْف الضَّمِير الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول، وَرَوَاهُ مُسلم عَن هدبة بن خَالِد بِلَفْظ: (فليصلها) ، وَزَاد أَيْضا من رِوَايَة سعيد عَن قَتَادَة: (أَو نَام عَنْهَا) ، وَلمُسلم أَيْضا فِي رِوَايَة أُخْرَى: (إِذا رقد أحدكُم عَن الصَّلَاة أَو غفل عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن الله يَقُول: ﴿أقِم الصَّلَاة لذكري﴾ ) (طاه: ١٤) . وَعند النَّسَائِيّ: (أَو يغْفل عَنْهَا، فَإِن كفارتها أَن يُصليهَا إِذا ذكرهَا) . وَعند ابْن مَاجَه: (سُئِلَ عَن الرجل، يغْفل عَن الصَّلَاة أَو يرقد عَنْهَا، قَالَ: يُصليهَا إِذا ذكرهَا) . وَفِي (مُعْجم) أبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن جَمِيع الغساني: عَن قَتَادَة عَن أنس: (إِذا ذكرهَا أَو إذااستيقظ) . قَوْله: (إِذا ذكر) ، أَي: إِذا ذكرهَا. فَإِن قلت: هَذَا يَقْتَضِي أَن يلْزم الْقَضَاء فِي الْحَال إِذا ذكر، مَعَ أَن الْقَضَاء من جملَة الْوَاجِبَات الموسعة إتفاقا؟ قلت: أُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ لَو تذكرها ودام ذَلِك التَّذَكُّر مُدَّة، وَصلى فِي أثْنَاء تِلْكَ الْمدَّة، صدق أَنه صلى حِين التَّذَكُّر وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يكون فِي أول حَال التَّذَكُّر، وَجَوَاب آخر: أَن: إِذا، للشّرط كَأَنَّهُ قَالَ: فَليصل، إِذا ذكر، يَعْنِي: لَو لم يذكرهُ لَا يلْزم عَلَيْهِ الْقَضَاء، أَو: جَزَاؤُهُ مُقَدّر مُقَدّر يدل عَلَيْهِ الْمَذْكُور أَي: إِذا ذكر فليصلها، وَالْجَزَاء لَا يلْزم أَن يَتَرَتَّب على الشَّرْط فِي الْحَال، بل يلْزم أَن يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة. قَوْله: (لَا كَفَّارَة لَهَا إلَاّ ذَلِك) أَي: لَا كَفَّارَة لتِلْك الصَّلَاة المنسية إلَاّ فعلهَا، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى الْقَضَاء الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (فليصلها إِذا ذكرهَا) ، لِأَن الصَّلَاة عِنْد الذّكر هِيَ الْقَضَاء، وَالْكَفَّارَة عبارَة عَن الْخصْلَة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تكفر الْخَطِيئَة، أَي: تسترها، وَهِي على وزن: فعَّالة، للْمُبَالَغَة، وَهِي، من الصِّفَات الْغَالِبَة فِي الإسمية. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا يحْتَمل على وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه لَا يكفرهَا غير قَضَائهَا، وَالْآخر: أَنه لَا يلْزمه فِي نسيانها غَرَامَة، وَلَا صَدَقَة وَلَا زِيَادَة تَضْعِيف لَهَا، إِنَّمَا يُصَلِّي مَا ترك. قَوْله: (أقِم الصَّلَاة لذكري) ، بِالْألف وَاللَّام وَفتح الرَّاء بعْدهَا مَقْصُورَة، ووزنها: فعلى، مصدر من ذكر يذكر، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق يُونُس أَن الزُّهْرِيّ كَانَ يقْرؤهَا كَذَلِك، وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة: لذكري، بلام وَاحِدَة وَكسر الرَّاء، كَمَا يَجِيء الْآن، وعَلى الْقِرَاءَتَيْن اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِهَذَا، فَقيل: الْمَعْنى لتذكرني فِيهَا، وَقيل: لأَذْكُرك بالمدح وَالثنَاء وَقيل: لأوقات الذكرى، وَهِي مَوَاقِيت الصَّلَاة. وَقيل: لذكري لِأَنِّي ذكرتها فِي الْكتب وَأمرت بهَا، وَقيل: لذكري خَاصَّة لَا ترائي بهَا وَلَا تشبها بِذكر غَيْرِي، وَقيل: شكرا لذكري. وَقيل: أَي أذكر أَمْرِي. وَقيل: إِذا ذكرت الصَّلَاة فقد ذَكرتني فَإِن الصَّلَاة عبَادَة الله، فَمَتَى ذكر المعبود فَكَأَنَّهُ أَرَادَ لذكر الصَّلَاة. وَقَالَ التوربشتي: هَذِه الْآيَة تحْتَمل وُجُوهًا كَثِيرَة من التَّأْوِيل، لَكِن الْوَاجِب أَيْضا أَن يُصَار إِلَى وَجه يُوَافق الحَدِيث. فَالْمَعْنى: أقِم الصَّلَاة لذكرها لِأَنَّهُ إِذا ذكرهَا فقد ذكر الله تَعَالَى، أَو: يقدرالمضاف أَي: لذكر صَلَاتي، أَو: وَقع ضمير الله فِي مَوضِع ضمير الصَّلَاة لشرفها وخصوصيتها. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: الْأَمر بِقَضَاء النَّاسِي من غير إِثْم، وَكَذَلِكَ النَّائِم سَوَاء كثرت الصَّلَاة أَو قلت، وَهَذَا مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة، وشذ بَعضهم فِيمَن زَاد على خمس صلوَات بِأَنَّهُ لَا يلْزمه قَضَاء، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ، وَلَا يعْتد بِهِ، فَإِن تَركهَا عَامِدًا فالجمهور على وجوب الْقَضَاء أَيْضا، وَحكي عَن دَاوُد وَجمع يسير عد ابْن حزم، مِنْهُم خَمْسَة من الصَّحَابَة، عدم وجوب قَضَاء الصَّلَاة على الْعَامِد لِأَن انْتِفَاء الشَّرْط يستلزمم انْتِفَاء الْمَشْرُوط، فَيلْزم مِنْهُ أَن من لم ينس لَا يُصَلِّي إِذا ذكر، والخمسة الَّذين ذكرهم ابْن حزم من الصَّحَابَة وهم: عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن مَسْعُود وسلمان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَغَيرهم: الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَبُدَيْل بن ميسرَة وَمُحَمّد بن سِيرِين ومطرف بن عبد الله وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَسَالم بن أبي الْجَعْد وَأَبُو عبد الرَّحْمَن الْأَشْعَرِيّ،. وَأجِيب عَنهُ: بِأَن الْقَيْد بِالنِّسْيَانِ فِيهِ لِخُرُوجِهِ على الْغَالِب أَو لِأَنَّهُ مَا ورد على السَّبَب الْخَاص مثل أَن يكون ثمَّة سَائل عَن حكم قَضَاء الصَّلَاة المنسية، أَو أَنه إِذا وَجب الْقَضَاء على الْمَعْذُور فَغَيره أولى بِالْوُجُوب، وَهُوَ من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى، وَشرط اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالف عدم الْخُرُوج وَعدم وُرُوده على السَّبَب الْخَاص، وَعدم مَفْهُوم الْمُوَافق، وَادّعى نَاس بِأَن وجوب الْقَضَاء على الْعَامِد يُؤْخَذ من قَوْله: (نسي) ، لِأَن النسْيَان يُطلق على التّرْك سَوَاء كَانَ عَن ذُهُول أم لَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ (الْحَشْر: ١٩) . ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ (التَّوْبَة: ٦٧) . أَي: تركُوا أمره فتركهم فِي الْعَذَاب، قَالُوا: وَيُقَوِّي ذَلِك قَوْله: (لَا كَفَّارَة لَهَا) ، والنائم وَالنَّاسِي لَا إِثْم عَلَيْهِ، وَضَعفه بَعضهم بِأَن

стр. 1343

الْخَبَر بِذكر النَّائِم ثَابت، وَقد قَالَ فِيهِ: لَا كَفَّارَة لَهَا، وَالْكَفَّارَة قد تكون عَن الْخَطَأ كَمَا تكون عَن الْعمد. قلت: كَمَا فِي قتل الْخَطَأ، فَإِن فِيهِ الْكَفَّارَة، وَيُجَاب بِهَذَا أَيْضا عَن اعْتِرَاض معترض بقوله ﷺ : (رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان) . وَأَيْضًا إِنَّهُم لما توهموا أَن فِي هَذَا الْفِعْل كَفَّارَة، بيَّن لَهُم أَن لَا كَفَّارَة فِيهَا، وَإِنَّمَا يجب الْقَضَاء فَقَط من غير شَيْء آخر. وَقَالَ بَعضهم: وجوب الْقَضَاء بِالْخِطَابِ الأول. قلت: لَيْسَ على إِطْلَاقه، بل فِيهِ خلاف بَين الْأُصُولِيِّينَ فِي أَن وُجُوبه بِأَمْر جَدِيد أَو بِالْأَمر الأول. الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على أَن أحدا لَا يُصَلِّي عَن أحد، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي. الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل أَيْضا أَن الصَّلَاة لَا تجبر بِالْمَالِ كَمَا يجْبر الصَّوْم وَغَيره، أللَّهم إلَاّ إِذا كَانَت عَلَيْهِ صلوَات فَائِتَة فحضره الْمَوْت فأوصى بالفدية عَنْهَا، فَإِنَّهُ يجوز كَمَا بَين فِي (الْفُرُوع) . الرَّابِع: أَن بَعضهم احْتج بقوله: إِذا ذكر، على جَوَاز قَضَاء الْفَوَائِت فِي الْوَقْت الْمنْهِي عَن الصَّلَاة فِيهِ. قلت: لَيْسَ بِلَازِم أَن يُصَلِّي فِي أول حَال الذّكر، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن ذكره سَبَب لوُجُوب الْقَضَاء، فَإِذا ذكرهَا فِي الْوَقْت الْمنْهِي وأخرها إِلَى أَن يخرج ذَلِك وَصلى، يكون عَاملا بِالْحَدِيثين: أَحدهمَا هَذَا، وَالْآخر: حَدِيث النَّهْي فِي الْوَقْت الْمنْهِي عَنهُ. قَالَ مُوسَى قَالَ همَّامٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ وأقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي أَي: قَالَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَهُوَ أحد الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورين فِي أول الحَدِيث: سمعته، يَعْنِي: سَمِعت قَتَادَة يَقُول بعد، بِضَم الدَّال، أَي: بعد زمَان رِوَايَة الحَدِيث، حَاصله أَن هماما سَمعه من قَتَادَة مرّة بِلَفْظ: للذِّكْرَى، يَعْنِي: بِقِرَاءَة ابْن شهَاب الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَمرَّة بِلَفْظ: لذكري: أَي: بِالْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَة. وَقد اخْتلف فِي هَذِه: هَل هِيَ من كَلَام قَتَادَة؟ أَو هِيَ من قَول النَّبِي، ﷺ ؟ وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن هداب، قَالَ قَتَادَة: ﴿وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ (طه: ١٤) . وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى من طَرِيق الْمثنى عَن قَتَادَة، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِذا رقد أحدكُم عَن الصَّلَاة أَو غفل عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿أقِم الصَّلَاة لذكري﴾ (طه: ١٤) . وَهَذَا ظَاهر أَن الْجَمِيع من كَلَام النَّبِي ﷺ . وَقَالَ حَبَّانُ حدَّثنا هَمَّامُ قالَ حدَّثنا قَتَادَةُ حدَّثنا أنسٌ عَن النبيِّ ﷺ نحوَهُ أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى بَيَان سَماع قَتَادَة من أنس لِأَنَّهُ صرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ، لِأَن قَتَادَة من المدلسين، وروى عَنهُ أَولا بِلَفْظ: عَن أنس، فَأَرَادَ أَن يقويه بالرواية عَنهُ بِلَفْظ: حَدثنَا أنس، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَن عمار بن رَجَاء عَن حبَان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن هِلَال، وَفِيه: أَن همام بن يحيى سَمعه من قَتَادَة مرَّتَيْنِ، كَمَا فِي رِوَايَة مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. (بَاب قضَاءِ الصَّلَوَاتِ الأُولَى فَالأُولَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَضَاء الصَّلَوَات الْفَائِتَة، والصلوات بِالْجمعِ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (قَضَاء الصَّلَاة) بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (الأولى) ، بِضَم الْهمزَة، أَي: حَال كَون الصَّلَاة الأولى فِي الْقَضَاء من الصَّلَوَات الْفَائِتَة، أَرَادَ أَنه يقدم الأولى ثمَّ الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ الأولى أَيْضا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّالِثَة، ثمَّ الثَّالِثَة الَّتِي هِيَ الأولى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّابِعَة، وهلم جرا. ٥٩٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى هُوَ ابنُ أبي كَثِيرٍ عَنْ أبي سَلَمَةَ عنْ جَابِرٍ قَالَ جعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ يَا رسولَ الله مَا كِدْتُ أصَلِّي العَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ قَالَ فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ فَصَلَّى بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ. . هَذَا الحَدِيث قد مر فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ جمَاعَة، قبل هَذَا الْبَاب بِبَاب، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى. وَهَهُنَا: عَن مُسَدّد عَن هِشَام الدستوَائي عَن يحيى ابْن أبي كثير، وَقَالَ بَعضهم: وَيحيى الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ الْقطَّان، وَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي. قلت: هُوَ غلط، لِأَن البُخَارِيّ صرح فِيهِ بقوله: يحيى هُوَ ابْن أبي كثير، ضد الْقَلِيل، وَاسم أبي كثير: صَالح

стр. 1344

ابْن المتَوَكل، وَقيل: غَيره. وَإِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ: بِلَفْظ، هُوَ لِأَنَّهُ لَيْسَ من كَلَام هِشَام، بل من كَلَام البُخَارِيّ، ذكره تعريفا لَهُ وَهُوَ غَايَة الِاحْتِيَاط فِي رِعَايَة أَلْفَاظ الشُّيُوخ. قَوْله: (جعل عمر) جعل هُنَا من أَفعَال المقاربة الَّتِي وضعت للشروع فِي الْخَبَر، وَهُوَ يعْمل عمل كَاد، إلَاّ أَن خَبره يجب أَن يكون جملَة. وَقَوله: (يسب) جملَة خَبره. قَوْله: (كفارهم) ، أَي: كفار قُرَيْش، ولكونه مَعْلُوما جَازَ عود الضَّمِير إِلَيْهِ من غير سبق ذكره، وَفِي رِوَايَة معَاذ بن فضَالة: (فَجعل يسب كفار قُرَيْش) ، قَوْله: (حَتَّى غربت الشَّمْس) ، هَذِه الرِّوَايَة صَرِيحَة فِي فَوَات الْعَصْر عَنهُ، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ بِجَمِيعِ تعلقاته هُنَاكَ، فَارْجِع إِلَيْهِ، وَالله أعلم. ٣٩ - (بابُ مَا يُكْرَهُ منَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من السمر بعد صَلَاة الْعشَاء، وَمرَاده من السمر مَا يكون فِي أَمر مُبَاح، وَأما الْمحرم فَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِوَقْت، بل هُوَ حرَام فِي جَمِيع الْأَوْقَات، والسمر، بِفَتْح الْمِيم: من المسامرة. وَهِي: الحَدِيث بِاللَّيْلِ. وَرَوَاهُ بَعضهم بِسُكُون الْمِيم وَجعله الْمصدر، وأصل السمر: لون ضوء الْقَمَر لأَنهم كَانُوا يتحدثون فِيهِ. السَّامِرُ مِنَ السَّمَرِ والْجَمْعُ السُّمَّارُ والسَّامِرُ ههُنَا فِي موضِعِ الْجَمُعِ هَذَا هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده، وَقَالَ بَعضهم: اسْتشْكل ذَلِك لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم للسامر ذكر فِي التَّرْجَمَة، وَالَّذِي يظْهر لي أَن المُصَنّف أَرَادَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿سامرا تهجرون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٦٧) . وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله هَهُنَا، أَي: فِي الْآيَة. قلت: لَا إِشْكَال فِي ذَلِك أصلا، وَدَعوى ذَلِك من قُصُور الْفَهم، وَالتَّعْلِيل بقوله لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم للسامر ذكر فِي التَّرْجَمَة غير موجه، وَلَا تَحْتَهُ طائل، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما ذكر لفظ السمر الَّذِي هُوَ إِمَّا إسم وَإِمَّا مصدر، كَمَا ذكرنَا، أَشَارَ إِلَى لفظ: السامر، مُشْتَقّ من: السمر، وَهُوَ المُرَاد من قَوْله: (السامر من السمر) ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن لفظ السامر تَارَة يكون مُفردا وَيكون بِهِ جمعه: سمار، بِضَم السِّين وَتَشْديد الْمِيم، كطالب وطلاب، وَكَاتب وَكتاب. وَتارَة يكون جمعا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: والسامر هَهُنَا، يَعْنِي فِي هَذَا الْموضع، وَذَلِكَ كالباقر والجامل للبقر وَالْجمال، يُقَال: سمر الْقَوْم وهم يسمرون بِاللَّيْلِ، أَي: يتحدثون فهم سمار وسامر، وَقَول هَذَا الْقَائِل: الَّذِي يظْهر لي ... إِلَى آخِره، أَخذه من كَلَام الْكرْمَانِي. وَكِلَاهُمَا تائه، وَمَتى ذكر الْآيَة هَهُنَا حَتَّى يَقُول: وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله هَهُنَا أَي فِي الْآيَة؟ وَهَذَا كَلَام صادر من غير تفكر وَلَا بَصِيرَة، وَالتَّحْقِيق مَا ذَكرْنَاهُ الَّذِي لم يطلع عَلَيْهِ شَارِح، وَلَا من بفكره قارح. ٥٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا عَوْفٌ قَالَ حدَّثنا أبُو المِنْهَالِ قَالَ انْطَلَقْتُ مَعَ أبي إلَى أبي بَرَزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَقَالَ لَهُ أبِي حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي المكْتُوبَةَ قَالَ كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ وَهْيَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ وَيُصَلِّي العصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أحَدُنَا إلَى أهْلِهِ فِي أقْصَى المَدِينَةِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ ونَسِيتُ مَا قالَ فِي المَغْرِبِ قَالَ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَّ العِشَاءَ قَالَ وكانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا وكانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ أحَدُنَا جَلِيسَهُ ويَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إلَى المِائَةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَكَانَ يكره النّوم قبلهَا والْحَدِيث بعْدهَا) ، والْحَدِيث بعد الْعشَاء هُوَ السمر، وَهَذَا الحَدِيث إِلَى قَوْله: (ونسيت مَا قَالَ فِي الْمغرب) ، قد مر فِي: بَاب وَقت الظّهْر عِنْد الزَّوَال، رَوَاهُ: عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي الْمنْهَال، وَهَهُنَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن عَوْف الْأَعرَابِي عَن أبي الْمنْهَال سيار بن سَلامَة، وَاسم ابي بَرزَة: نَضْلَة بن عبيد الْأَسْلَمِيّ. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، هُنَاكَ بِجَمِيعِ تعلقاته. قَوْله: (حَدثنَا كَيفَ كَانَ) بِلَفْظ الْأَمر.

стр. 1345

٤٠ - (بابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ والخَيْرِ بَعْدَ العِشَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السمر فِي الْفِقْه بِأَن يتباحثوا فِيهِ، وَإِنَّمَا خصّه بِالذكر، وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي الْخَيْر، تنويها بِذكرِهِ وتنبيها على قدره. قَوْله: (بعد الْعشَاء) أَي: بعد صَلَاة الْعشَاء، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يسمر هُوَ وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْأَمر من أَمر الْمُسلمين) ، وَقَالَ: حَدِيث حسن. ٦٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزَّهْرِيِّ قَالَ حدَّثَنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله بنِ

стр. 1346

عُمَرَ وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى النبيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أرَأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مائَة لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رسولِ الله ﷺ إلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ منَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عنْ مائَةِ سَنَةٍ وإنَّما قَالَ النبيُّ ﷺ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَلَمَّا سلم قَامَ النَّبِي ﷺ إِلَى قَوْله: (فوهل النَّاس) . ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَأَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ ينْسب إِلَى جده، وَقد تقدمُوا فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، لِأَنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، فِي كتاب الْعلم: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث بن سعد عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن خَالِد بن مُسَافر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة أَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله ﷺ الْعشَاء فِي آخر حَيَاته) ، إِلَى قَوْله: (أحد) وَمن قَوْله: (فوهل النَّاس) إِلَى آخِره، وزاده هَهُنَا فِي هَذِه الرِّوَايَة. بَيَان مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْتكُم) مَعْنَاهُ: أعلموني، وَالْكَاف للخطاب لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، وَالْمِيم يدل على الْجَمَاعَة، وَهَذِه مَوْضِعه نصب، وَالْجَوَاب مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فاحفظوها واحفظوا تاريخها. قَوْله: (فوهل) ، بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا، أَي: قَالَ ابْن عمر: فوهل النَّاس. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهل من الشَّيْء وَعَن الشَّيْء: إِذا غلط فِيهِ، ووهل إِلَيْهِ، بِالْفَتْح، إِذا ذهب وهمه إِلَيْهِ، وَهُوَ يُرِيد غَيره، مثل: وهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي توهموا وغلطوا فِي التَّأْوِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يُقَال: وَهل، بِالْفَتْح يهل وهلاً، كضرب يضْرب ضربا أَي: غلط وَذهب همه إِلَى خلاف الصَّوَاب، وَهل، بِالْكَسْرِ، يوهل وهلاً، كحذر يحذر حذرا: أَي فزع. قَوْله (فِي مقَالَة النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (من مقَالَة النَّبِي ﷺ أَي: من حَدِيثه. قَوْله: (إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث) أَي: حَيْثُ تؤولونها بِهَذِهِ التأويلات الَّتِي كَانَت مَشْهُورَة بَينهم مشارا إِلَيْهَا عِنْدهم فِي الْمَعْنى المُرَاد عَن مائَة سنة. مثل: إِن المُرَاد بهَا انْقِرَاض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ وَنَحْوه، لِأَن بَعضهم كَانَ يَقُول: إِن السَّاعَة تقوم عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة، كَمَا روى ذَلِك الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي مَسْعُود البدري، ورد عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وغرض ابْن عمر: أَن النَّاس مَا فَهموا مَا أَرَادَ رَسُول الله ﷺ من هَذِه الْمقَالة، وَحملُوهَا على محامل كلهَا بَاطِلَة، وبيَّن أَن رَسُول الله ﷺ أَرَادَ بذلك انخرام الْقرن عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة من مقَالَته تِلْكَ، وَهُوَ الْقرن الَّذِي كَانَ هُوَ فِيهِ، بِأَن تَنْقَضِي أهاليه وَلَا يبْقى مِنْهُم أحد بعد مائَة سنة، وَلَيْسَ مُرَاده أَن ينقرض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ وَقع بالاستقراء، فَكَانَ آخر من ضبط عمره مِمَّن كَانَ مَوْجُودا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة، وَقد أجمع أهل الحَدِيث على أَنه كَانَ آخر الصَّحَابَة موتا، وَغَايَة مَا قيل فِيهِ: إِنَّه بَقِي إِلَى سنة عشر وَمِائَة، وَهِي رَأس مائَة سنة من مقَالَة النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا إِعْلَام من رَسُول الله ﷺ بِأَن أَعمار أمته لَيست تطول كأعمار من تقدم من الْأُمَم السالفة ليجتهدوا فِي الْعَمَل. قَوْله: (يُرِيد) أَي: يُرِيد النَّبِي ﷺ بذلك أَي: بقوله هَذَا: أَنَّهَا، أَي: مائَة سنة، يَعْنِي: مضيها. قَوْله: (تخرم) ، من الإخرام، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (ذَلِك الْقرن) أَي: الْقرن الَّذِي هُوَ فِيهِ، والقرن، بِفَتْح الْقَاف: كل طبقَة مقترنين فِي وَقت، وَمِنْه قيل لأهل كل مُدَّة أَو طبقَة بعث فِيهَا نَبِي: قرن، قلت: السنون أَو كثرت. وَمِمَّا يستنبط من هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله: أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ بعد الْعشَاء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَكَانَ ابْن سِيرِين وَالقَاسِم وَأَصْحَابه يتحدثون بعد الْعشَاء، يَعْنِي فِي الْخَيْر، وَقَالَ مُجَاهِد: يكره السمر بعد الْعشَاء إلَاّ لمصل أَو لمسافر أَو دارس علم. (بابُ السَّمَرِ معَ الضَّيْفِ والأَهْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر مَعَ الْأَهْل، وَأهل الرجل خاصته وَعِيَاله وحاشيته. فَإِن قلت: مَا وَجه إِفْرَاد هَذَا الْبَاب من

стр. 1347

الْبَاب السَّابِق مَعَ اشتماله عَلَيْهِ ودخوله فِيهِ؟ قلت: لانحطاط رتبته عَن الْبَاب السَّابِق، لِأَنَّهُ متمحص للطاعة لَا يَقع على غَيرهَا، وَهَذَا الْبَاب قد يكون بالسمر الْجَائِز أَو المتردد بَين الْإِبَاحَة وَالنَّدْب، فَلذَلِك أفردها بِالذكر. ٦٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزَّهْرِيِّ قَالَ حدَّثَنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى النبيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أرَأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مائَة لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رسولِ الله ﷺ إلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ منَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عنْ مائَةِ سَنَةٍ وإنَّما قَالَ النبيُّ ﷺ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَلَمَّا سلم قَامَ النَّبِي ﷺ إِلَى قَوْله: (فوهل النَّاس) . ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَأَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ ينْسب إِلَى جده، وَقد تقدمُوا فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، لِأَنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، فِي كتاب الْعلم: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث بن سعد عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن خَالِد بن مُسَافر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة أَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله ﷺ الْعشَاء فِي آخر حَيَاته) ، إِلَى قَوْله: (أحد) وَمن قَوْله: (فوهل النَّاس) إِلَى آخِره، وزاده هَهُنَا فِي هَذِه الرِّوَايَة. بَيَان مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْتكُم) مَعْنَاهُ: أعلموني، وَالْكَاف للخطاب لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، وَالْمِيم يدل على الْجَمَاعَة، وَهَذِه مَوْضِعه نصب، وَالْجَوَاب مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فاحفظوها واحفظوا تاريخها. قَوْله: (فوهل) ، بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا، أَي: قَالَ ابْن عمر: فوهل النَّاس. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهل من الشَّيْء وَعَن الشَّيْء: إِذا غلط فِيهِ، ووهل إِلَيْهِ، بِالْفَتْح، إِذا ذهب وهمه إِلَيْهِ، وَهُوَ يُرِيد غَيره، مثل: وهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي توهموا وغلطوا فِي التَّأْوِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يُقَال: وَهل، بِالْفَتْح يهل وهلاً، كضرب يضْرب ضربا أَي: غلط وَذهب همه إِلَى خلاف الصَّوَاب، وَهل، بِالْكَسْرِ، يوهل وهلاً، كحذر يحذر حذرا: أَي فزع. قَوْله (فِي مقَالَة النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (من مقَالَة النَّبِي ﷺ أَي: من حَدِيثه. قَوْله: (إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث) أَي: حَيْثُ تؤولونها بِهَذِهِ التأويلات الَّتِي كَانَت مَشْهُورَة بَينهم مشارا إِلَيْهَا عِنْدهم فِي الْمَعْنى المُرَاد عَن مائَة سنة. مثل: إِن المُرَاد بهَا انْقِرَاض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ وَنَحْوه، لِأَن بَعضهم كَانَ يَقُول: إِن السَّاعَة تقوم عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة، كَمَا روى ذَلِك الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي مَسْعُود البدري، ورد عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وغرض ابْن عمر: أَن النَّاس مَا فَهموا مَا أَرَادَ رَسُول الله ﷺ من هَذِه الْمقَالة، وَحملُوهَا على محامل كلهَا بَاطِلَة، وبيَّن أَن رَسُول الله ﷺ أَرَادَ بذلك انخرام الْقرن عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة من مقَالَته تِلْكَ، وَهُوَ الْقرن الَّذِي كَانَ هُوَ فِيهِ، بِأَن تَنْقَضِي أهاليه وَلَا يبْقى مِنْهُم أحد بعد مائَة سنة، وَلَيْسَ مُرَاده أَن ينقرض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ وَقع بالاستقراء، فَكَانَ آخر من ضبط عمره مِمَّن كَانَ مَوْجُودا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة، وَقد أجمع أهل الحَدِيث على أَنه كَانَ آخر الصَّحَابَة موتا، وَغَايَة مَا قيل فِيهِ: إِنَّه بَقِي إِلَى سنة عشر وَمِائَة، وَهِي رَأس مائَة سنة من مقَالَة النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا إِعْلَام من رَسُول الله ﷺ بِأَن أَعمار أمته لَيست تطول كأعمار من تقدم من الْأُمَم السالفة ليجتهدوا فِي الْعَمَل. قَوْله: (يُرِيد) أَي: يُرِيد النَّبِي ﷺ بذلك أَي: بقوله هَذَا: أَنَّهَا، أَي: مائَة سنة، يَعْنِي: مضيها. قَوْله: (تخرم) ، من الإخرام، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (ذَلِك الْقرن) أَي: الْقرن الَّذِي هُوَ فِيهِ، والقرن، بِفَتْح الْقَاف: كل طبقَة مقترنين فِي وَقت، وَمِنْه قيل لأهل كل مُدَّة أَو طبقَة بعث فِيهَا نَبِي: قرن، قلت: السنون أَو كثرت. وَمِمَّا يستنبط من هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله: أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ بعد الْعشَاء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَكَانَ ابْن سِيرِين وَالقَاسِم وَأَصْحَابه يتحدثون بعد الْعشَاء، يَعْنِي فِي الْخَيْر، وَقَالَ مُجَاهِد: يكره السمر بعد الْعشَاء إلَاّ لمصل أَو لمسافر أَو دارس علم. (بابُ السَّمَرِ معَ الضَّيْفِ والأَهْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر مَعَ الْأَهْل، وَأهل الرجل خاصته وَعِيَاله وحاشيته. فَإِن قلت: مَا وَجه إِفْرَاد هَذَا الْبَاب من الْبَاب السَّابِق مَعَ اشتماله عَلَيْهِ ودخوله فِيهِ؟ قلت: لانحطاط رتبته عَن الْبَاب السَّابِق، لِأَنَّهُ متمحص للطاعة لَا يَقع على غَيرهَا، وَهَذَا الْبَاب قد يكون بالسمر الْجَائِز أَو المتردد بَين الْإِبَاحَة وَالنَّدْب، فَلذَلِك أفردها بِالذكر. ٦٠٢ - حدَّثنا أبُو النعْمَانِ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حدَّثنا أبُو عُثْمانَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ أنَّ أصْحَابَ الصُّفَةِ كانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ كَانَ عَنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وإنْ أرْبَعٌ فَخَامِسٌ أوْ سَادِسٌ وأنَّ أَبَا بَكْرٍ جاءَ بِثَلَاثَةٍ فانْطَلَقَ النبيُّ ﷺ بِعَشْرَةٍ قَالَ فَهُوَ أَنا وَأبي وأُمِّي فلَا أدْرِي قَالَ وامْرَأَتِي وخادِمٌ بَيْنَنا وبَيْنَ بَيْتِ أبي بَكْرٍ وأنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبيِّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ العِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعشَّى النَّبيُّ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ الله قالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَمَا حَبَسَكَ عنْ أضْيَافِكَ أوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ قَالَ أوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ قالَتْ أبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبُوْا قَالَ فَذَهَبْتُ أَنا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ يَا غُنْثرُ فَجَدَّع وسبَّ وَقَالَ كُلُوا لَا هَنِيئا فَقَالَ وَالله لَا أطْعَمَهُ أبدا وَايْمُ الله مَا كُنَّا ناخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَاّ رَبَا مِنْ أسْفَلِهَا أكْثَرُ مِنْهَا قالَ يَعْنِي حتَّى شَبِعُوا وصارَتْ أكْثَرَ مِمَّا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إلَيْهَا أبُو بَكْرٍ فإذَا هِي كمَا هِيَ أوْ أكْثَرَ مِنْهَا فَقَالَ ل اِمْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ مَا هَذَا قالَتْ ل اَ وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فاكَلَ مِنْهَا أبُو بَكْرٍ وَقَالَ إنَّما كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ ثُمَّ أكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبي ﷺ فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ وكانَ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الأجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً مَعَ كلِّ رَجُل مِنْهُمْ أُنَاسٌ الله أعْلَمُ كَمْ مَعَ كلِّ رَجلٍ فأَكَلُوا مِنهَا أجْمَعُونَ أوْ كَما قَالَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَول أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لزوجته: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟) ، ومراجعته لخَبر الأضياف. وَقَوله: لاضيافه: (كلوا) ، وكل ذَلِك فِي معنى السمر الْمُبَاح. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: مُعْتَمر بن سُلَيْمَان السدُوسِي. الثَّالِث: أَبوهُ سُلَيْمَان بن طرخان. الرَّابِع: أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل بن عَمْرو النَّهْدِيّ، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ وَمِائَة سنة، وَكَانَ قد أدْرك الْجَاهِلِيَّة، تقدم فِي بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: راوٍ من المخضرمين وَهُوَ: أَبُو عُثْمَان. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ: وَهُوَ عبد الرَّحْمَن. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْأَدَب عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن عبيد الله بن معَاذ وحامد ابْن عمر وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُؤَمل بن هِشَام. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن أَصْحَاب الصّفة) ، قَالَ النَّوَوِيّ: هم زهاد من الصَّحَابَة فُقَرَاء غرباء، كَانُوا يأوون إِلَى مَسْجِد النَّبِي ﷺ ، وَكَانَت لَهُم فِي آخِره صفة، وَهِي مَكَان مقتطع من الْمَسْجِد مظلل عَلَيْهِ يبيتُونَ فِيهِ، وَكَانُوا يقلون ويكثرون، وَفِي وَقت كَانُوا سبعين، وَفِي وَقت غير ذَلِك، فيزيدون بِمن يقدم عَلَيْهِم وينقصون بِمن يَمُوت أَو يُسَافر أَو يتَزَوَّج. وَفِي (التَّلْوِيح) :

стр. 1348

الصّفة، هُوَ مَوضِع مظلل فِي الْمَسْجِد كَانَ للْمَسَاكِين والغرباء، وهم الأوفاض، أَي: الْفرق والأخلاط من النَّاس يأوون إِلَيْهِ، وعدَّ مِنْهُم أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) مائَة ونيفا. قَوْله: (كَانُوا أُنَاسًا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (كَانُوا نَاسا) ، بِلَا ألف، وَالنَّاس والأناس بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (فليذهب بثالث) ، أَي: من أَصْحَاب الصّفة، هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ الْأَصَح من رِوَايَة مُسلم: (فليذهب بِثَلَاثَة) ، لِأَن ظَاهرهَا صيرورتهم خَمْسَة، وَحِينَئِذٍ لَا يمسك رَمق أحد بِخِلَاف الْوَاحِد مَعَ الْإِثْنَيْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَو حملت رِوَايَة مُسلم على ظَاهرهَا فسد الْمَعْنى، وَذَلِكَ أَن الَّذِي عِنْده طَعَام إثنين إِذا أكله فِي خَمْسَة لم يكف أحدا مِنْهُم، وَلَا يمسك رمقه، بِخِلَاف الْوَاحِد مَعَ الِاثْنَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالَّذِي فِي مُسلم أَيْضا لَهُ وَجه تَقْدِيره: فليذهب بِمن يتم بِثَلَاثَة، أَو بِتمَام ثَلَاثَة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ (فصلت: ١٠) . أَي: فِي تَمام أَرْبَعَة أَيَّام. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لم يقل ﷺ أَن طَعَام الْإِثْنَيْنِ يشْبع الثَّلَاثَة. إِنَّمَا قَالَ: يَكْفِي، وَهُوَ غير الشِّبَع، وَكَانَت الْمُوَاسَاة إِذْ ذَاك وَاجِبَة لشدَّة الْحَال. قَوْله: (وَإِن أَربع فخامس أَو سادس) أَي: وَإِن كَانَ عِنْده طَعَام أَربع فليذهب بخامس أَو بسادس، هَذَا وَجه الْجَرّ فِي: خامسٍ وسادسٍ، ويروى برفعهما، فوجهه كَذَلِك لَكِن بِإِعْطَاء الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ أَربع اعراب الْمُضَاف وَهُوَ: طَعَام، وبإضمار مُبْتَدأ للفظ: خَامِس. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (من كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَعَة فليذهب بخامس بسادس) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر السَّادِس إِذا كَانَ يتَصَوَّر السَّادِس إِذا كَانَ عِنْده طَعَام أَربع؟ قلت: مَعْنَاهُ: فليذهب بخامس أَو بسادس مَعَ الْخَامِس، وَالْعقل يدل عَلَيْهِ، إِذْ السَّادِس يسْتَلْزم خَامِسًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ فليذهب بِوَاحِد أَو بإثنين، وَالْحَاصِل أَن: أَو: لَا تدل على منع الْجمع بَينهمَا، وَيحْتَمل أَن يكون معنى: أَو سادس، وَأَن كَانَ عِنْده طَعَام خمس فليذهب بسادس، فَيكون من بَاب عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة. وَقَالَ ابْن مَالك: هَذَا الحَدِيث مِمَّا حذف فِيهِ بعد: أَن وَالْفَاء، فعلان وحرفا جرٍ باقٍ عملهما، وَتَقْدِيره: وَإِن قَامَ بأَرْبعَة فليذهب بخامس أَو بسادس، وَفِي (التَّوْضِيح) : كلمة: أَو، للتنويع وَقيل: للْإِبَاحَة. قَوْله: (وَانْطَلق النَّبِي ﷺ قَالَ هُنَا: انْطلق، وَعَن أبي بكر قَالَ: جَاءَ لِأَن الْمَجِيء هُوَ الْمَشْي المقرب إِلَى الْمُتَكَلّم. والانطلاق الْمَشْي المبعد عَنهُ. قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن (فَهُوَ أَنا وَأبي وَأمي) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فَهُوَ أَنا وَأمي) . وَقَوله: وَقَوله هُوَ ضمير الشان وانا مُبْتَدأ وَأبي وَأمي عطف عَلَيْهِ وَخَبره مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ السِّيَاق قَوْله (وَلَا ادري) كَلَام ابي عُثْمَان النَّهْدِيّ الرَّاوِي قَوْله (وخادم) ، بِالرَّفْع عطف على: امْرَأَتي، على تَقْدِير: أَن يكون لفظ: إمرأتي مَوْجُودا فِيهِ، وإلَاّ فَهُوَ عطف على: أُمِّي، قَوْله: (بَين بيتنا وَبَيت أبي بكر) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة: (بَيْننَا وَبَين أبي بكر) يَعْنِي: مُشْتَرك خدمتها بَيْننَا وَبَين أبي بكر. وَقَوله: بَين، ظرف لخادم. قَوْله: (تعشى) أَي: أكل الْعشَاء، وَهُوَ بِفَتْح الْعين: الطَّعَام الَّذِي يُؤْكَل آخر النَّهَار. قَوْله: (ثمَّ لبث) أَي: فِي دَاره. قَوْله: (حَتَّى صليت) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، يَعْنِي لفظ: حَتَّى، وَفِي رِوَايَة غَيره: (حَيْثُ صليت) ، قَوْله: (الْعشَاء) أَي: صَلَاة الْعشَاء. قَوْله: (ثمَّ رَجَعَ) أَي: إِلَى رَسُول الله ﷺ . وَفِي (صَحِيح) الْإِسْمَاعِيلِيّ، (ثمَّ ركع) ، بِالْكَاف أَي: صلى النَّافِلَة بعد الْعشَاء، فَدلَّ هَذَا على أَن قَول البُخَارِيّ: ثمَّ رَجَعَ، لَيْسَ مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ الروَاة. قَوْله: (حَتَّى تعشى النَّبِي ﷺ ، وَعند مُسلم: (حَتَّى نعس النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (قَالَت لَهُ) أَي لأبي بكر (امْرَأَته) وَهِي: أم رُومَان، بِضَم الرَّاء وَفتحهَا. وَقَالَ السُّهيْلي: اسْمهَا: دعد، وَقَالَ غَيره: زَيْنَب، وَهِي من بني فراس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة. قَوْله: أَو ضيفك) شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (ضيفك) . فَأن قلت: هم كَانُوا ثَلَاثَة، فَلم أفرد؟ قلت: هُوَ لفظ الْجِنْس يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير، أَو مصدر يتَنَاوَل الْمثنى وَالْجمع. انْتهى. قلت: هَذَا السُّؤَال على أَن نسخته كَانَت: ضيفك، بِدُونِ. قَوْله: (أضيافك) ، وَلَكِن قَوْله: أَو مصدر، غير صَحِيح لفساد الْمَعْنى. قَوْله: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِم) الْهمزَة للاستفهام، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر بعد الْهمزَة. ويروى: عشيتهم، بِالْيَاءِ الْحَاصِلَة من إشباع الكسرة. قَوْله: (أَبَوا) أَي: امْتَنعُوا، وامتناعهم من الْأكل رفقا بِهِ لظنهم أَنه لَا يجد عشَاء، فصبروا حَتَّى يَأْكُل مَعَهم. قَوْله: (قد عرضوا) بِفَتْح الْعين أَي: الْأَهْل من: الابْن وَالْمَرْأَة وَالْخَادِم. وَفِي رِوَايَة (فعرضنا عَلَيْهِم) ، ويروى: (قد عرضوا) على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: (قد عرصوا) ، بالصَّاد الْمُهْملَة. وَقَالَ ابْن التِّين: لَا أعلم وَجها، وَيحْتَمل أَن يكون من: عرص إِذا نشط، فَكَأَن أهل الْبَيْت نشطوا فِي الْعَزِيمَة عَلَيْهِم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ بِضَم الْعين أَي: عرض الطَّعَام على الأضياف، فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل، أَو هُوَ من بَاب الْقلب، نَحْو: عرضت الْحَوْض على النَّاقة. قَوْله: (قَالَ فَذَهَبت) ، أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (فاختبأت أَي: اختفيت، وَكَانَ اختفاؤه خوفًا من خصام

стр. 1349

أَبِيه لِأَنَّهُ لم يكن فِي الْمنزل من الرِّجَال غَيره، أَو لِأَنَّهُ أوصاه بهم. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو بكر: (يَا غنثر) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَضمّهَا أَيْضا، قَالَ ابْن قرقول: مَعْنَاهُ: يَا لئيم يَا دنيء. وَقيل: الثقيل الوخم. وَقيل: الْجَاهِل، من الغثارة وَهِي الْجَهْل، وَالنُّون زَائِدَة. وَقيل: مَأْخُوذ من الغثر وَهُوَ السُّقُوط. وَقَالَ عِيَاض: وَعَن بعض الشُّيُوخ: يَا عنتر، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ: الذُّبَاب الْأَزْرَق، شبهه بِهِ تحقيرا لَهُ، وَالْأول هُوَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة، قَالَه النَّوَوِيّ. قَوْله: (فجدع) ، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة، أَي: دَعَا بالجدع، وَهُوَ قطع الْأنف أَو الْأذن أَو الشّفة، وَهُوَ بالأنف أخص. وَقيل: مَعْنَاهُ السب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ الْبعد لقَوْله: فجدع وَسَب، وَقَالَ ابْن قرقول: وَعند الْمروزِي بالزاي قَالَ: وَهُوَ وهم. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وكل ذَلِك من أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على ابْنه ظنا مِنْهُ أَنه فرط فِي حق الأضياف، فَلَمَّا تبين لَهُ أَن ذَلِك كَانَ من الأضياف أدَّبهم بقوله: (كلوا لَا هَنِيئًا) ، وَحلف أَن لَا يطعمهُ. وَقيل: إِنَّه لَيْسَ بِدُعَاء عَلَيْهِم إِنَّمَا هُوَ خبر، أَي: لم تتهنوا بِهِ فِي وقته. وَقَالَ السفاقسي: إِنَّمَا خَاطب بذلك أَهله لَا أضيافه. و: هَنِيئًا، مَنْصُوب على أَن فعله مَحْذُوف وَاجِب حذفه فِي السماع، وَالتَّقْدِير: هُنَاكَ الله هَنِيئًا، وهنيئا دخل عَلَيْهِ حرف النَّفْي. قَوْله: (وأيم الله) ، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: ايم الله قسمي، وهمزته همزَة وصل لَا يجوز فِيهَا الْقطع عِنْد الْأَكْثَرين، وَالْأَصْل فِيهِ: يَمِين الله، ثمَّ جمع الْيَمين على أَيمن، وَلما كثر اسْتِعْمَاله فِي كَلَامهم خففوه بِحَذْف النُّون فَقَالُوا: ايم الله، وَفِيه لُغَات قد ذَكرنَاهَا فِي: بَاب الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم. قَوْله: (إلَاّ رَبَا) أَي: زَاد. قَوْله: (وَصَارَت) أَي: الْأَطْعِمَة. قَوْله: (أَكثر مِمَّا كَانَت) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى بِالْبَاء الْمُوَحدَة: أكبر، قَوْله: (فَإِذا هِيَ كَمَا هِيَ) ، أَي: فَإِذا الْأَطْعِمَة كَمَا هِيَ على حَالهَا لم تنقص شَيْئا، وَالْفَاء فِيهِ: فَاء المفاجأة. قَوْله: (فَقَالَ لامْرَأَته) ، أَي: فَقَالَ أَبُو بكر لزوجته. وَهِي: أم عبد الرَّحْمَن وَأم رُومَان. قَوْله: (يَا أُخْت بني فراس) إِنَّمَا قَالَ كَذَلِك لِأَنَّهَا زَيْنَب بنت دهمان، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء، أحد بني فراس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ يَا من هِيَ من بني فراس. قَوْله: (مَا هَذَا؟) اسْتِفْهَام من أبي بكر عَن حَال الْأَطْعِمَة. قَوْله: (قَالَت: لَا وقرة عَيْني) ، كلمة: لَا، زَائِدَة للتَّأْكِيد، ونظائره مَشْهُورَة، وَيحْتَمل أَن تكون: لَا، نَافِيَة وَاسْمهَا مَحْذُوف أَي: لَا شَيْء غير مَا أَقُول، وَهُوَ قَوْلهَا: وقرة عَيْني، و: الْوَاو، فِيهِ وَاو الْقسم، و: قُرَّة الْعين، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء: يعبر بهَا عَن المسرة، ورؤية مَا يحب الْإِنْسَان. قيل: إِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَن عينه تقر لبلوغ أمْنِيته، وَلَا يستشرف لشَيْء فَيكون مشتقا من الْقَرار. وَقيل: مَأْخُوذ من القر، بِالضَّمِّ، وَهُوَ: الْبرد، أَي: إِن عينه بَارِدَة لسرورها وَعدم تقلقها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أقرّ الله عينه، أَي: أبرد دمعه لِأَن دمعة الْفَرح بَارِدَة ودمعة الْحزن حارة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَرَادَت بقرَّة عينهَا النَّبِي، ﷺ ، فأقسمت بِهِ. وَقَالَ ثَعْلَب: تَقول قررت بِهِ عينا أقرّ. وَفِي (الْغَرِيب المُصَنّف) و (الْإِصْلَاح) : قررت وقررت قُرَّة وقرورا. وَفِي (كتاب الْمثنى) لِابْنِ عديس: وقرة، وَحَكَاهُ ابْن سَيّده، وَفِي (الصِّحَاح) : تقر وتقر، وَأقر الله عينه: أعطَاهُ حَتَّى تقر، فَلَا تطمح إِلَى من هُوَ فَوْقه. وَقَالَ ابْن خالويه: أَي: ضحِكت فَخرج من عَيْني مَاء قرور، وَهُوَ الْبَارِد، وَهُوَ ضد: أسخن الله عينه، قَالَ الْقَزاز: وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لَيْسَ كَمَا ذكر الْأَصْمَعِي من أَن دمعة الْفَرح بَارِدَة والحزن حارة، قَالَ: بل كل دمع حَار. قَالُوا: وَمعنى قَوْلهم: هُوَ قُرَّة عَيْني إِنَّمَا يُرِيدُونَ هُوَ: رضى نَفسِي. قَالَ: وقرة الْعين نَاقَة تُؤْخَذ من الْمغنم قبل أَن يقسم فيطبخ لَحمهَا ويصنع فيجتمع أهل الْعَسْكَر عَلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قبل الْقِسْمَة، فَإِن كَانَ من هَذَا فَكَأَنَّهُ دعى لَهُ بالفرج وَالْغنيمَة. وَفِي (كتاب الفاخر) : قَالَ أَبُو عَمْرو: مَعْنَاهُ أَنَام الله عَيْنك، الْمَعْنى: صَادف سُرُورًا أذهب سهره فَنَامَ، وَحكى القالي: أقرّ الله عَيْنك، وَأقر الله بِعَيْنِك. قَوْله: (فَأكل مِنْهَا) ، أَي: من الْأَطْعِمَة. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من الشَّيْطَان) ، يَعْنِي: يَمِينه وَهُوَ قَوْله: (وَالله لَا أطْعمهُ أبدا) ، قَوْله: (ثمَّ أكل مِنْهَا لقْمَة) ، وتكرار الْأكل مَعَ أَنه وَاحِد لأجل الْبَيَان. لِأَنَّهُ لما وَقع الأول أَرَادَ الْإِبْهَام بِأَنَّهُ أكل لقْمَة، أما تَركه الْيَمين ومخالفته لأجل إِتْيَانه بالأفضل، للْحَدِيث الَّذِي ورد فِيهِ، أَو كَانَ مُرَاده لَا أطْعمهُ مَعكُمْ، أَو: فِي هَذِه السَّاعَة، أَو: عِنْد الْغَضَب، وَهَذَا مَبْنِيّ على أَنه يقبل التَّقْيِيد إِذا كَانَ اللَّفْظ عَاما، وعَلى أَن الِاعْتِبَار لعُمُوم اللَّفْظ أَو لخُصُوص السَّبَب. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من الشَّيْطَان) وَفِي رِوَايَة: الأولى من الشَّيْطَان يَعْنِي، يَمِينه، فأخزاه بِالْحِنْثِ الَّذِي هُوَ خير، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (لما جَاءَ بالقصعة إِلَى النَّبِي ﷺ أكل مِنْهَا) . قَوْله: (فَأَصْبَحت عِنْده) أَي: أَصبَحت الْأَطْعِمَة عِنْد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (عقد) أَي: عهد مهادنة، وَفِي

стр. 1350

رِوَايَة: (وَكَانَت بَيْننَا) ، والتأنيث بِاعْتِبَار المهادنة. وَقَوله: (ففرقنا) الْفَاء فِيهِ فَاء الفصيحة أَي: فجاؤوا إِلَى الْمَدِينَة، ففرقنا من التَّفْرِيق أَي: جعل كل رجل مَعَ اثْنَي عشر فرقة. وَفِي مُسلم: (فَعرفنَا) ، بِالْعينِ وَالرَّاء الْمُشَدّدَة: أَي: جعلنَا عرفاء نقباء على قَومهمْ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: (فقرينا) ، من: الْقرى، بِمَعْنى الضِّيَافَة. قَوْله: (اثْنَا عشر) ، وَفِي البُخَارِيّ ومعظم نسخ مُسلم (اثْنَي عشر) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح. الأول: على لُغَة من جعل الْمثنى بِالْألف فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة، وَقَالَ السفاقسي: لَعَلَّ ضَبطه: ففرقنا بِضَم الْفَاء الثَّانِيَة وبرفع: اثْنَا عشر، على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره: (مَعَ كل رجل مِنْهُم أنَاس) . قَوْله: (الله أعلم) جملَة مُعْتَرضَة، أَي: أنَاس الله يعلم عَددهمْ. قَوْله: (كم مَعَ كل رجل) مُمَيّز: كم، مَحْذُوف أَي: كم رجل مَعَ كل رجل، قَوْله: (أَو كَمَا قَالَ) ، شكّ من أبي عُثْمَان، وفاعل: قَالَ، عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن للسُّلْطَان إِذا رأى مسغبة أَن يُفَرِّقهُمْ على السعَة بِقدر مَا لَا يجحف بهم. قَالَ التَّيْمِيّ: وَقَالَ كثير من الْعلمَاء: إِن فِي المَال حقوقا سوى الزَّكَاة، وَإِنَّمَا جعل رَسُول الله ﷺ على الْإِثْنَيْنِ وَاحِدًا، وعَلى الْأَرْبَعَة وَاحِدًا، وعَلى الْخَمْسَة وَاحِدًا، وَلم يَجْعَل على الْأَرْبَعَة والخمسة بِإِزَاءِ مَا يجب للإثنين مَعَ الثَّالِث، لِأَن صَاحب الْعِيَال أولى أَن يرفق بِهِ، وَالْحَاصِل فِيهِ أَن تشريك الزَّائِد على الْأَرْبَعَة لَا يضر بالباقين، وَكَانَت الْمُوَاسَاة إِذْ ذَاك وَاجِبَة لشدَّة الْحَال. وَزَاد ﷺ وَاحِدًا وواحدا رفقا لصَاحب الْعِيَال، وضيق معيشة الْوَاحِد والإثنين أرْفق بهم من ضيق معيشة الْجَمَاعَات. وَفِيه: فَضِيلَة الإيثار والمواساة وَأَنه عِنْد كَثْرَة الإضياف يوزعهم الإِمَام على أهل الْمحلة وَيُعْطِي لكل وَاحِد مِنْهُم مَا يعلم أَنه يتحمله، وَيَأْخُذ هُوَ مَا يُمكنهُ، وَمن هَذَا أَخذ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فعله فِي عَام الرَّمَادَة على أهل كل بَيت مثلهم من الْفُقَرَاء، وَيَقُول لَهُم: لَمْ يهْلك امْرُؤ عَن نصف قوته، وَكَانَت الضَّرُورَة ذَلِك الْعَام، وَقد تَأَول سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي الْمُوَاسَاة فِي المسغبة قَوْله تَعَالَى: ﴿ان الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ انفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . وَمَعْنَاهُ: أَن الْمُؤمنِينَ يلْزمهُم الْقرْبَة فِي أَمْوَالهم لله تَعَالَى عِنْد توجه الْحَاجة إِلَيْهِم، وَلِهَذَا قَالَ كثير من الْعلمَاء: إِن فِي المَال حَقًا سوى الزَّكَاة، وَورد فِي التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا. وَفِيه: بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّارِع من الْأَخْذ بِأَفْضَل الْأُمُور، والسبق إِلَى السخاء والجود، فَإِن عِيَاله، ﵊، كَانُوا قَرِيبا من عدد ضيفانه هَذِه اللَّيْلَة، فَأتى بِنصْف طَعَامه أَو نَحوه، وأتى أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِثلث طَعَامه أَو أَكثر. وَفِيه: الْأكل عِنْد الرئيس، وَإِن كَانَ عِنْد ضيف إِذا كَانَ فِي دَاره من يقوم بخدمتهم. وَفِيه: أَن الْوَلَد والأهل يلْزمهُم من خدمَة الضَّيْف مَا يلْزم صَاحب الْمنزل. وَفِيه: أَن الأضياف يَنْبَغِي لَهُم أَن يتأدبوا وينتظروا صَاحب الدَّار وَلَا يتهافتوا على الطَّعَام دونه. وَفِيه: الْأكل من طَعَام ظَهرت فِيهِ الْبركَة. وَفِيه: إهداء مَا ترجى بركته لأهل الْفضل. وَفِيه: أَن آيَات النَّبِي ﷺ قد تظهر على يَد غَيره. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من حب النَّبِي ﷺ والانقطاع إِلَيْهِ وإيثاره فِي ليله ونهاره على الْأَهْل والأضياف. وَفِيه: كَرَامَة ظَاهِرَة للصديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: إِثْبَات كرامات الْأَوْلِيَاء، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة. وَفِيه: جَوَاز تَعْرِيف العرفاء للعساكر وَنَحْوهم. وَفِيه: جَوَاز الاختفاء عَن الْوَالِد إِذا خَافَ مِنْهُ على تَقْصِير وَاقع مِنْهُ. وَفِيه: جَوَاز الدُّعَاء بالجدع والسب على الْأَوْلَاد عِنْد التَّقْصِير. وَفِيه: ترك الْجَمَاعَة لعذر. وَفِيه: جَوَاز الْخطاب للزَّوْجَة بِغَيْر اسْمهَا. وَفِيه: جَوَاز الْقسم بِغَيْر الله. وَفِيه: حمل المضيف الْمَشَقَّة على نَفسه فِي إكرام الضيفان، وَالِاجْتِهَاد فِي رفع الوحشة وتطييب قُلُوبهم. وَفِيه: جَوَاز ادخار الطَّعَام للغد. وَفِيه: مُخَالفَة الْيَمين إِذا رأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا. وَفِيه: أَن الرَّاوِي إِذا شكّ يجب أَن يُنَبه عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: لَا أَدْرِي هَل قَالَ: وامرأتي، وَمثل لَفْظَة: أَو كَمَا قَالَ، وَنَحْوهَا. وَفِيه: أَن الْحَاضِر يرى مَا لَا يرَاهُ الْغَائِب، فَإِن امْرَأَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لما رَأَتْ أَن الضيفان تَأَخَّرُوا عَن الْأكل تألمت لذَلِك، فبادرت حِين قدم تسأله عَن سَبَب تَأَخره مثل ذَلِك. وَفِيه: إِبَاحَة الْأكل للضيف فِي غيبَة صَاحب الْمنزل، وَأَن لَا يمتنعوا إِذا كَانَ قد أذن فِي ذَلِك، لإنكار الصّديق فِي ذَلِك. وَالله تَعَالَى أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٠ - (كِتَابُ الأذَانِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الآذان. وَفِي بعض النّسخ، بعد الْبَسْمَلَة: أَبْوَاب الآذان. وَسَقَطت الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ

стр. 1351

وَغَيره. والآذان فِي اللُّغَة: الْإِعْلَام. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وأذان من الله وَرَسُوله﴾ (التَّوْبَة: ٣) . من: أذن يُؤذن تأذينا وأذانا، مثل: كلم يكلم تكليما وكلاما، فالأذان وَالْكَلَام: اسْم الْمصدر القياسي. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: وَالْأَذَان والأذين والتأذين بِمَعْنى. وَقيل: الأذين: الْمُؤَذّن، فعيل بِمَعْنى مفعل. وَأَصله من الْأذن كَأَنَّهُ يلقِي فِي آذان النَّاس بِصَوْتِهِ مَا يَدعُوهُم إِلَى الصَّلَاة. وَفِي الشَّرِيعَة: الْأَذَان إِعْلَام مَخْصُوص بِأَلْفَاظ مَخْصُوصَة فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة، وَيُقَال: الْإِعْلَام بِوَقْت الصَّلَاة الَّتِي عينهَا الشَّارِع بِأَلْفَاظ مثناة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيره: الْأَذَان على قلَّة أَلْفَاظه مُشْتَمل على مسَائِل العقيدة، لِأَنَّهُ بَدَأَ بالأكبرية، وَهِي تَتَضَمَّن وجود الله تَعَالَى وكماله، ثمَّ ثنى بِالتَّوْحِيدِ وَنفي الشَّرِيك، ثمَّ بِإِثْبَات الرسَالَة، ثمَّ دَعَا إِلَى الطَّاعَة الْمَخْصُوصَة عقيب الشَّهَادَة بالرسالة لِأَنَّهَا لَا تعرف إلَاّ من جِهَة الرَّسُول، ثمَّ دَعَا إِلَى الْفَلاح وَهُوَ الْبَقَاء الدَّائِم، وَفِيه الْإِشَارَة إِلَى الْمعَاد، ثمَّ أعَاد مَا أعَاد توكيدا. وَيحصل من الْأَذَان الْإِعْلَام بِدُخُول الْوَقْت، وَالدُّعَاء إِلَى الْجَمَاعَة، وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام، وَالْحكمَة فِي اخْتِيَار القَوْل لَهُ دون الْفِعْل وسهولة القَوْل وتيسره لكل أحد فِي كل زمَان وَمَكَان، وَالله أعلم. ١ - (بابُ بِدْءَ الأَذَانِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ابْتِدَاء الْأَذَان، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لفظ: بَاب. وقَوْلِهِ : وإذَا نادَيْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ اتخذُوهَا هُزُوا ولَعِبا ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٥٨) . وقَولُهُ: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ (الْجُمُعَة: ٩) وَقَول الله مجرور لِأَنَّهُ عطف على لفظ: بَدْء، وَقَوله الثَّانِي عطف عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذكر هَاتين الْآيَتَيْنِ إِمَّا للتبرك أَو لإِرَادَة مَا بوب لَهُ: وَهُوَ بَدْء الْأَذَان. وَإِن ذَلِك كَانَ بِالْمَدِينَةِ، والآيتان المذكورتان مدنيتان. وَعَن ابْن عَبَّاس: إِن فرض الْأَذَان نزل مَعَ الصَّلَاة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ (الْجُمُعَة: ٩) . رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ، أما الْآيَة الأولي فَفِي سُورَة الْمَائِدَة، وإيراد البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة هَهُنَا إِشَارَة إِلَى بَدْء الْأَذَان بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة، كَمَا ذكرنَا. وَعَن هَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (تَفْسِيره) : قيل: فِيهِ دَلِيل على ثُبُوت الْأَذَان بِنَصّ الْكتاب لَا بالمنام وَحده. قَوْله: ﴿وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة﴾ (الْمَائِدَة: ٥٨) . يَعْنِي: إِذا أذن الْمُؤَذّن للصَّلَاة، وَإِنَّمَا أضَاف النداء إِلَى جَمِيع الْمُسلمين لِأَن الْمُؤَذّن يُؤذن لَهُم ويناديهم، فأضاف إِلَيْهِم، فَقَالَ: ﴿وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا﴾ (الْمَائِدَة: ٥٨) . يَعْنِي: الْكفَّار إِذا سمعُوا الْأَذَان استهزؤا بهم، وَإِذا رَأَوْهُمْ رُكُوعًا سجودا ضحكوا عَلَيْهِم واستهزأو بذلك. قَوْله: ﴿ذَلِك﴾ (الْمَائِدَة: ٥٨) . يَعْنِي: الِاسْتِهْزَاء ﴿بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٥٨) . يَعْنِي: لَا يعلمُونَ ثوابهم. وَقَالَ أَسْبَاط عَن السّديّ، قَالَ: (كَانَ رجل من النَّصَارَى بِالْمَدِينَةِ إِذا سمع الْمُنَادِي يُنَادي: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، قَالَ: حرق الْكَاذِب، فَدخلت خادمته لَيْلَة من اللَّيَالِي بِنَار وَهُوَ نَائِم وَأَهله نيام، فَسَقَطت شرارة فأحرقت الْبَيْت فَاحْتَرَقَ هُوَ وَأَهله) . رَوَاهُ ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم. وَأما الْآيَة الثَّانِيَة فَفِي سُورَة الْجُمُعَة، فَقَوله: ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة﴾ (الْجُمُعَة: ٩) . أَرَادَ بِهَذَا النداء الْأَذَان عِنْد قعُود الإِمَام على الْمِنْبَر للخطبة، ذكره النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) وَاخْتلفُوا فِي هَذَا، فَمنهمْ من قَالَ: إِن الْأَذَان كَانَ وَحيا لَا مناما. وَقيل: إِنَّه أَخذ من أَذَان إِبْرَاهِيم، ﵊، فِي الْحَج. ﴿وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر﴾ (الْحَج: ٢٧) ، قَالَ: فَأذن رَسُول الله ﷺ . وَقيل: نزل بِهِ جِبْرِيل، ﵊، على النَّبِي ﷺ ، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه كَانَ برؤيا عبد الله بن زيد وَغَيره، على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَاعْلَم أَن النداء عدى فِي الْآيَة الأولى بِكَلِمَة: إِلَى، وَفِي الثَّانِيَة: بِاللَّامِ، لِأَن صَلَاة الْأَفْعَال تخْتَلف بِحَسب مَقَاصِد الْكَلَام، وَالْمَقْصُود فِي الأولى: معنى الِانْتِهَاء، وَفِي الثَّانِيَة: معنى الِاخْتِصَاص. وَيحْتَمل أَن يكون: إِلَى، بِمَعْنى: اللَّام، وَبِالْعَكْسِ، لِأَن الْحُرُوف يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض. ٦٠٣ - حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ الحَذَاء عنْ أبي

стр. 1352

قِلَابَةَ عنْ أنَسٍ قَالَ ذكَرْوا النَّارَ والنَّاقُوسَ فَذَكَرُوا اليَهُودَ والنَّصَارَي فَامِرَ بِلَال أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وأنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن بَدْء الْأَذَان كَانَ بِأَمْر النَّبِي ﷺ بِلَالًا، لأَنهم كَانُوا يصلونَ قبل ذَلِك فِي أَوْقَات الصَّلَوَات بالمناداة فِي الطّرق: الصَّلَاة الصَّلَاة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث أنس أَيْضا، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب الْأَذَان) تأليفه، من حَدِيث عَطاء بن أبي مَيْمُونَة عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة: (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَت الصَّلَاة إِذا حضرت على عهد رَسُول الله ﷺ سعى رجل فِي الطَّرِيق فينادي: الصَّلَاة الصَّلَاة، فَاشْتَدَّ ذَلِك على النَّاس، فَقَالُوا: لَو اتخذنا ناقوسا ﴿فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ذَاك لِلنَّصَارَى، فَقَالُوا: لَو اتخذنا بوقا﴾ فَقَالَ: ذَاك للْيَهُود، فَقَالُوا: لَو رفعنَا نَارا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ذَاك للمجوس. فَأمر بِلَال ... .) الحَدِيث، وَعند الطَّبَرَانِيّ من هَذَا الطَّرِيق: (فَأمر بِلَالًا) . فَإِن قلت: قد أخرج التِّرْمِذِيّ فِي تَرْجَمَة بَدْء الْأَذَان حَدِيث عبد الله بن يزِيد مَعَ حَدِيث عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلِمَ اخْتَار البُخَارِيّ فِيهِ حَدِيث أنس؟ قلت: لِأَنَّهُ لم يكن على شَرطه. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة وَقد تقدم. الثَّانِي: عبد الْوَارِث ابْن سعيد التنوري. الثَّالِث: خَالِد الْحذاء. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الْجرْمِي. الْخَامِس: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن عمرَان بن ميسرَة، وَعَن مُحَمَّد بن سَلام، وَعَن عَليّ بن عبد الله، وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن خلف بن هِشَام، وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَعَن عبيد الله بن عمر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَعبد الرَّحْمَن ابْن الْمُبَارك، وَعَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل، وَعَن حميد بن مسْعدَة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْوَهَّاب وَيزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عبد الله بن الْجراح، وَعَن نصر بن عَليّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (والناقوس) ، وَهُوَ الَّذِي يضْربهُ النَّصَارَى لأوقات الصَّلَاة. وَقَالَ ابْن سَيّده: النقس: ضرب من النواقيس، وَهُوَ الْخَشَبَة الطَّوِيلَة والوبيلة القصيرة. وَقَالَ الجواليقي: ينظر فِيهِ هَل هُوَ مُعرب أَو عَرَبِيّ؟ وَهُوَ على وزن: فاعول، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لم يَأْتِ فِي الْكَلَام: فاعول، لَام الْكَلِمَة فِيهِ: سين إلَاّ الناقوس. وَذكر ألفاظا أخر على هَذَا الْوَزْن، وَلم يذكر فِيهَا الناقوس، وَالظَّاهِر أَنه مُعرب. قَوْله: (فَذكرُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى) ، وَعبد الْوَارِث اختصر هَذَا الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة روح بن عَطاء عَن خَالِد عَن أبي الشَّيْخ، وَلَفظه: (فَقَالُوا: لَو اتخذنا ناقوسا، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : ذَاك لِلنَّصَارَى، فَقَالُوا: لَو اتخذنا بوقا، فَقَالَ: ذَاك للْيَهُود، فَقَالُوا: لَو رفعنَا نَارا! فَقَالَ: ذَاك للمجوس) ، فعلى هَذَا كَأَنَّهُ كَانَ فِي رِوَايَة عبد الْوَارِث: وَذكروا النَّار والناقوس والبوق، فَذكرُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس، فَهَذَا لف وَنشر غير مُرَتّب، لِأَن الناقوس لِلنَّصَارَى، والبوق للْيَهُود، وَالنَّار للمجوس. قَوْله: (فَأمر بِلَال) أَمر بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذِه الصِّيغَة يحْتَمل أَن يكون الْآمِر فِيهَا غير الرَّسُول ﷺ ، وَفِيه خلاف عِنْد الْأُصُولِيِّينَ كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالصَّوَاب وَعَلِيهِ الْأَكْثَر: أَنه مَرْفُوع لِأَن إِطْلَاق مثله ينْصَرف عرفا إِلَى صَاحب الْأَمر وَالنَّهْي. وَهُوَ: رَسُول الله ﷺ . قلت: مَقْصُود من هَذَا الْكَلَام تَقْوِيَة مذْهبه، وقوى بَعضهم هَذَا بقوله: وَقد وَقع فِي رِوَايَة روح عَن عَطاء: فَأمر بِلَالًا، بِالنّصب، وفاعل: أَمر، هُوَ النَّبِي ﷺ . قلت: روى الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكَبِير) من حَدِيث ابْن الْمُبَارك: عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد عَن عبد الله بن زيد بن عبد ربه. وَأَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) من حَدِيث الشّعبِيّ: عَنهُ، وَلَفظه: (أذن مثنى وَأقَام مثنى) . وَحَدِيث أبي مَحْذُورَة عِنْد التِّرْمِذِيّ مصححا: (علمه الْأَذَان مثنى مثنى، وَالْإِقَامَة مثنى مثنى) . وَحَدِيث أبي جُحَيْفَة: أَن بِلَالًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (كَانَ يُؤذن مثنى مثنى) . وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث وَكِيع: عَن إِبْرَاهِيم ابْن إِسْمَاعِيل عَن مجمع بن حَارِثَة عَن عبيد، مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع كَانَ (يثني الآذان وَالْإِقَامَة) .

стр. 1353

حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة حَدثنَا مُحَمَّد بن سِنَان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن حَمَّاد بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: (كَانَ ثَوْبَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يُؤذن مثنى مثنى، وَيُقِيم مثنى مثنى) . حَدثنَا يزِيد بن سِنَان حَدثنَا يحيى بن سعيد الْقطَّان حَدثنَا قطر بن خَليفَة عَن مُجَاهِد قَالَ: فِي الْإِقَامَة مرّة مرّة، إِنَّمَا هُوَ شَيْء أحدثه الْأُمَرَاء، وَأَن الأَصْل التَّثْنِيَة. قلت: وَقد ظهر لَك بِهَذِهِ الدَّلَائِل أَن قَول النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْإِقَامَة سبع عشرَة كلمة، وَهَذَا الْمَذْهَب شَاذ، قَول واهٍ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَكَيف يكون شاذا مَعَ وجود هَذِه الْأَحَادِيث وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة؟ فَإِن قَالُوا: حَدِيث أبي مَحْذُورَة لَا يوازي حَدِيث أنس الْمَذْكُور من جِهَة وَاحِدَة، فضلا عَن الْجِهَات كلهَا، مَعَ أَن جمَاعَة من الْحفاظ ذَهَبُوا إِلَى أَن اللَّفْظَة فِي تَثْنِيَة الْإِقَامَة غير مَحْفُوظَة، ثمَّ رووا من طَرِيق البُخَارِيّ: عَن عبد الْملك بن أبي مَحْذُورَة: أَنه سمع أَبَا مَحْذُورَة يَقُول: (إِن النَّبِي ﷺ أمره أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة) . قُلْنَا: قد ذكرنَا أَن التِّرْمِذِيّ صَححهُ، وَكَذَا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان صححا هَذِه اللَّفْظَة، فَإِن قَالُوا: سلمنَا أَن هَذِه مَحْفُوظَة، وَأَن الحَدِيث ثَابت، وَلَكِن نقُول: إِنَّه مَنْسُوخ لِأَن أَذَان بِلَال هُوَ آخر الأذانين؟ قُلْنَا: لَا نسلم أَنه مَنْسُوخ، لِأَن حَدِيث بِلَال إِنَّمَا كَانَ أول مَا شرع الْأَذَان، كَمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث أنس، وَحَدِيث أبي مَحْذُورَة كَانَ عَام حنين، وَبَينهمَا مُدَّة مديدة. قَوْله: (ويوتر) ، بِالنّصب عطفا على: يشفع، من: أوتر إيتارا أَي: يَأْتِي بِالْإِقَامَةِ فُرَادَى. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: التَّصْرِيح بِأَن الْأَذَان مثنى مثنى، وَالْإِقَامَة فُرَادَى، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَحَاصِل مَذْهَب الشَّافِعِي: أَن الْأَذَان تسع عشرَة كلمة بِإِثْبَات الترجيع، وَالْإِقَامَة إِحْدَى عشرَة، وَأسْقط مَالك تربيع التَّكْبِير فِي أَوله وَجعله مثنى، وَجعل الْإِقَامَة عشرَة بإفراد كلمة الْإِقَامَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَالَّذِي جرى بِهِ الْعَمَل فِي الْحَرَمَيْنِ والحجاز وَالشَّام واليمن ومصر وَالْمغْرب إِلَى أقْصَى بِلَاد الْإِسْلَام: أَن الْإِقَامَة فُرَادَى، وَمذهب عَامَّة الْعلمَاء أَن يكون لفظ: قد قَامَت الصَّلَاة مكررا، إِلَّا مَالِكًا، فَالْمَشْهُور عَنهُ: أَنه لَا تَكْرِير، وَقَالَ: فرق بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة فِي التَّثْنِيَة والإفراد ليعلم أَن الْأَذَان إِعْلَام بورود الْوَقْت، وَالْإِقَامَة أَمارَة لقِيَام الصَّلَاة، وَلَو سوى بَينهمَا لاشتبه الْأَمر فِي ذَلِك، وَصَارَ سَببا لِأَن يفوت كثير من النَّاس صَلَاة الْجَمَاعَة إِذا سمعُوا الْإِقَامَة، فظنوا أَنَّهَا الْأَذَان. انْتهى. قلت: الْعجب من الْخطابِيّ كَيفَ يصدر عَنهُ مثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي تمجه الأسماع، وَمثل هَذَا الْفرق الَّذِي بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة غير صَحِيح، لِأَن الْأَذَان إِعْلَام الغائبين، وَلِهَذَا لَا يكون إِلَّا على الْمَوَاضِع الْعَالِيَة كالمنائر وَنَحْوهَا، وَالْإِقَامَة إِعْلَام الْحَاضِرين من الْجَمَاعَة للصَّلَاة، فَكيف يَقع الِاشْتِبَاه بَينهمَا؟ فَالَّذِي يتَأَمَّل الْكَلَام لَا يَقُول هَذَا، وَأبْعد من ذَلِك قَوْله: إِن تَثْنِيَة الْإِقَامَة تكون سَببا لفَوَات كثير من النَّاس صَلَاة الْجَمَاعَة لظنهم أَنَّهَا الْأَذَان، وَكَيف يظنون هَذَا وهم حاضرون، لِأَن الْإِقَامَة إِعْلَام الْحَاضِرين؟ وبمثل هَذَا الْكَلَام يحْتَج أحد لنصرة مذْهبه وتمشية قَوْله، وأعجب من هَذَا قَول الْكرْمَانِي: قَالَ أَبُو حنيفَة: تثنى الْإِقَامَة، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَكَيف يكون حجَّة عَلَيْهِ وَقد تمسك فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بالأحاديث الصَّحِيحَة الدَّالَّة على تَثْنِيَة الْإِقَامَة على مَا ذَكرنَاهَا عَن قريب؟ وَنحن أَيْضا نقُول: هَذِه الْأَحَادِيث حجَّة على الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه مر بمؤذن أوتر الْإِقَامَة فَقَالَ لَهُ: اشفعها لَا أم لَك. وَرُوِيَ عَن النَّخعِيّ أَنه قَالَ: أول من أفرد الْإِقَامَة مُعَاوِيَة، وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَت الْإِقَامَة فِي عهد النَّبِي ﷺ مثنى مثنى حَتَّى استخفه بعض أُمَرَاء الْجور لحَاجَة لَهُم، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: ظَاهر الْأَمر للْوُجُوب، لَكِن الْأَذَان سنة؟ قلت: ظَاهر صِيغَة الْأَمر لَهُ لَا ظَاهر لَفظه، يَعْنِي: (أَمر) ، وَهَهُنَا لم تذكر الصِّيغَة، سلمنَا أَنه للْإِيجَاب، لكنه لإِيجَاب الشفع لَا لأصل الْأَذَان، وَلَا شكّ أَن الشفع وَاجِب ليَقَع الْأَذَان مَشْرُوعا، كَمَا أَن الطَّهَارَة وَاجِبَة لصِحَّة صَلَاة النَّفْل، وَلَئِن سلمنَا أَنه لنَفس الْأَذَان يُقَال: إِنَّه فرض كِفَايَة، لِأَن أهل بَلْدَة لَو اتَّفقُوا على تَركه قاتلناهم، أَو أَن الْإِجْمَاع مَانع عَن الْحمل على ظَاهره قلت: كَيفَ يَقُول: إِن الْإِجْمَاع مَانع عَن الْحمل على ظَاهره، وَقد حمله قوم على ظَاهره، وَقَالُوا: إِنَّه وَاجِب؟ وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: إِنَّه فرض كِفَايَة فِي حق الْجَمَاعَة فِي الْحَضَر وَالسّفر، وَقَالَ مَالك: يجب فِي مَسْجِد الْجَمَاعَة. وَقَالَ عَطاء وَمُجاهد: لَا تصح الصَّلَاة بِغَيْر أَذَان، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَعنهُ: يُعَاد فِي الْوَقْت. وَقَالَ أَبُو عَليّ والاصطخري: هُوَ فرض فِي الْجُمُعَة. وَقَالَ: الظَّاهِرِيَّة هما واجبان لكل صَلَاة، وَاخْتلفُوا فِي صِحَة الصَّلَاة بدونهما. وَقَالَ دَاوُد: هما فرض الْجَمَاعَة وليسا بِشَرْط لصحتها. وَذكر مُحَمَّد بن الْحسن مَا يدل على وُجُوبه، فَإِنَّهُ قَالَ: لَو

стр. 1354

أَن أهل بَلْدَة اجْتَمعُوا على ترك الْأَذَان لقاتلتهم عَلَيْهِ، وَلَو تَركه وَاحِد ضَربته وحبسته. وَقيل: إِنَّه عِنْد مُحَمَّد من فروض الْكِفَايَة، وَفِي (الْمُحِيط) و (التُّحْفَة) و (الْهِدَايَة) : الآذان سنة مُؤَكدَة، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَإِسْحَاق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. ٦٠٤ - حدَّثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ قالَ حدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ كانَ يَقُولُ كانَ المُسْلِمُونَ حَينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاةَ لَيْسَ يُنَادِي لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْما فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتَّخَذُوا ناقُوسا مِثْلَ ناقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ فَقَالَ عُمَرُ أوَ لَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً مِنْكُمْ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ يَا بِلَالُ قُمْ فنَادِ بِالصَّلَاةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله) (يَا بِلَال قُم فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) . . فَإِن قلت: كَيفَ يُطَابق التَّرْجَمَة والترجمة فِي بَدْء الْأَذَان والْحَدِيث يدل على أَنه ﷺ أَمر بِلَالًا بالنداء بِالصَّلَاةِ، والنداء لَا يفهم مِنْهُ الْأَذَان الْمَعْهُود بالكلمات الْمَخْصُوصَة؟ قلت: المُرَاد بالنداء الْأَذَان الْمَعْهُود، وَيدل على أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث، وَلَفظه: (فَأذن بِالصَّلَاةِ) . وَكَذَا قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: إِن المُرَاد الْأَذَان الْمَشْرُوع. فَإِن قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: المُرَاد الْإِعْلَام الْمَحْض بِحُضُور وَقتهَا، لَا خُصُوص الْأَذَان الْمَشْرُوع. قلت: يحمل أَنه اسْتندَ فِي ذَلِك على ظَاهر اللَّفْظ، وَلَئِن سلمنَا مَا قَالَه فالمطابقة بَينهمَا مَوْجُودَة بِاعْتِبَار أَن أمره ﷺ لِبلَال بالنداء بِالصَّلَاةِ كَانَ بَدْء الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُ لم يسْبق أَمر بذلك قبله، بل إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ﷺ بعد تحينهم للصَّلَاة وتشاورهم فِيمَا بَينهم مَاذَا يَفْعَلُونَ فِي الْإِعْلَام بِالصَّلَاةِ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد تكَرر ذكرهم. و: غيلَان، بالغين الْمُعْجَمَة، وَابْن جريج هُوَ: عبد الْملك. وَمن لطائفه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار فِي موضِعين: أَحدهمَا: بِصِيغَة الْجمع، وَالْآخر: بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. بَيَان من أخرحه غَيره: وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن هَارُون بن عبد الله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي النَّضر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم بن الْحسن. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن عبد الله بن عمر: أَنه قَالَ: قَوْله: (حِين قدمُوا الْمَدِينَة) ، أَي: من مَكَّة مُهَاجِرين. قَوْله: (فيتحينون) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: يقدرُونَ حينها ليأتوا إِلَيْهَا، وَهُوَ من التحين من بَاب التفعل الَّذِي وضع للتكلف غَالِبا، والتحين من الْحِين وَهُوَ الْوَقْت والزمن. قَوْله: (لَيْسَ يُنادَى لَهَا) ، أَي: للصَّلَاة، وَهُوَ على بِنَاء الْمَفْعُول. وَقَالَ ابْن مَالك: هَذَا شَاهد على جَوَاز اسْتِعْمَال: لَيْسَ، حرفا لَا اسْم لَهَا وَلَا خبر لَهَا، أَشَارَ إِلَيْهَا سِيبَوَيْهٍ، وَيحْتَمل أَن يكون اسْمهَا ضمير الشَّأْن، وَالْجُمْلَة بعْدهَا خَبرا. قَوْله: (اتَّخذُوا) على صُورَة الْأَمر. قَوْله: (بوقا) أَي: قَالَ بَعضهم: اتَّخذُوا بوقا، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْوَاو الساكنة قَاف، وَهُوَ الَّذِي ينْفخ فِيهِ، وَوَقع فِي بعض النّسخ: (بل قرنا) ، وَهِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ، والبوق والقرن معروفان، وَهُوَ من شعار الْيَهُود، وَيُسمى أَيْضا: الشبور، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة المثقلة. قَوْله: (فَقَالَ عمر أَوَلَا تبعثون؟) الْهمزَة للاستفهام، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر، أَي: أتقولون بموافقتهم وَلَا تبعثون؟ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْهمزَة إِنْكَار للجملة الأولى، أَي: الْمقدرَة، وَتَقْرِير للجملة الثَّانِيَة. قَوْله: (رجلا مِنْكُم) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَلَيْسَ لَفْظَة: مِنْكُم، فِي رِوَايَة غَيره. قَوْله: (يُنَادي) جملَة فعلية مضارعية فِي مَحل النصب على الْحَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وَصدقه النَّبِي ﷺ بَادر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: (أَولا تبعثون رجلا يُنَادي؟) أَي: يُؤذن بالرؤيا الْمَذْكُورَة. (فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : قُم يَا بِلَال) . فعلى هَذَا: فالفاء، فِي قَوْله: فَقَالَ عمر. فَاء الفصيحة، وَالتَّقْدِير: فافترقوا، فَرَأى عبد الله بن زيد، فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقص عَلَيْهِ فَصدقهُ، فَقَالَ عمر: أَولا تبعثوني؟ انْتهى. قلت: هَذَا يُصَرح أَن معنى قَوْله ﵇: (قُم يَا بِلَال فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) ، أَي: فَأذن بالرؤيا الْمَذْكُورَة، وَقَالَ بَعضهم: وَسِيَاق حَدِيث عبد الله بن زيد يُخَالف ذَلِك. فَإِن فِيهِ: لما قصّ رُؤْيَاهُ على النَّبِي، صلى

стр. 1355

الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لَهُ: ألقها على بِلَال فليؤذن بهَا، قَالَ: فَسمع عمر الصَّوْت، فَخرج فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: لقد رَأَيْت مثل الَّذِي رأى، فَدلَّ على أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يكن حَاضرا لما قصّ عبد الله بن زيد رُؤْيَاهُ، وَالظَّاهِر أَن إِشَارَة عمر بإرسال رجل يُنَادي بِالصَّلَاةِ كَانَت عقيب الْمُشَاورَة فِيمَا يَفْعَلُونَهُ، وَأَن رُؤْيا عبد الله بن زيد كَانَت بعد ذَلِك. قلت: أما حَدِيث عبد الله بن زيد فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن مَنْصُور الطوسي حَدثنَا يَعْقُوب حَدثنَا أبي عَن مُحَمَّد ابْن اسحاق حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قَالَ: حَدثنَا أبي عبد الله ابْن زيد قَالَ: (لما أَمر رَسُول الله ﷺ بالناقوس يعْمل ليضْرب بِهِ للنَّاس لجمع الصَّلَاة، طَاف بِي وَأَنا نَائِم رجل يحمل ناقوسا فِي يَده، فَقلت: يَا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قَالَ: وَمَا تصنع بِهِ؟ فَقلت: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاة. فَقَالَ: أَلَا أدلك على مَا هُوَ خير من ذَلِك؟ قَالَ: فَقلت لَهُ: بلَى. فَقَالَ: تَقول: الله أكبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح حَيّ على الْفَلاح، الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله. ثمَّ اسْتَأْخَرَ غير بعيد، ثمَّ قَالَ: ثمَّ تَقول إِذا أَقمت إِلَى الصَّلَاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، حى على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح، قد قَامَت الصَّلَاة قد قَامَت الصَّلَاة، الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله، فَلَمَّا أَصبَحت أتيت النَّبِي ﷺ فَأَخْبَرته بِمَا رَأَيْته، فَقَالَ: إِنَّهَا لرؤيا حق إِن شَاءَ الله، فَقُمْ مَعَ بِلَال فألق عَلَيْهِ مَا رَأَيْت فليؤذن بِهِ، فَإِنَّهُ أندى صَوتا مِنْك، فَقُمْت مَعَ بِلَال فَجعلت ألقيه عَلَيْهِ وَيُؤذن بِهِ، قَالَ: فَسمع ذَلِك عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ فِي بَيته، فَخرج يجر رِدَاءَهُ يَقُول: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله، لقد رَأَيْت مثل مَا رأى، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فَللَّه الْحَمد) ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. فَلم يذكر فِيهِ كَلِمَات الْأَذَان وَلَا الْإِقَامَة. وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا فَلم يذكر فِيهِ لفظ الْإِقَامَة، وَزَاد فِيهِ شعرًا، فَقَالَ عبد الله بن زيد فِي ذَلِك (أَحْمد الله ذَا الْجلَال وَذَا الإ ... كرام حمدا على الْأَذَان كثيرا) (إِذا أَتَانِي بِهِ البشير من الله ... فألم بِهِ لدي بشيرا) (فِي ليالٍ وافي بِهن ثلا ... ث، كلما جَاءَ زادني توقيرا) وَأخرج ابْن حبَان أَيْضا هَذَا الحَدِيث فِي (صَحِيحه) . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَقَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر: روى عَن النَّبِي ﷺ فِي قصَّة عبد الله بن زيد فِي بَدْء الْأَذَان جمَاعَة من الصَّحَابَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وَمَعَان مُتَقَارِبَة، وَكلهَا تتفق على أمره عِنْد ذَلِك. والأسانيد فِي ذَلِك من وُجُوه صِحَاح، وَفِي مَوضِع آخر: من وُجُوه حسان، وَنحن نذْكر أحْسنهَا، فَذكر مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عباد بن مُوسَى الْخُتلِي وَحدثنَا زِيَاد بن أَيُّوب، وَحَدِيث عباد أتم، قَالَا: أخبرنَا هشيم عَن أبي بشر، قَالَ زِيَاد: أخبرنَا أَبُو بشر عَن أبي عُمَيْر ابْن أنس عَن عمومة لَهُ من الْأَنْصَار قَالَ: (اهتم النَّبِي ﷺ للصَّلَاة كَيفَ يجمع النَّاس لَهَا، فَقيل لَهُ: أنصب راية عِنْد حُضُور الصَّلَاة فَإِذا رأوها آذن بَعضهم بَعْضًا، فَلم يُعجبهُ ذَلِك، قَالَ: فَذكر لَهُ القنع، يَعْنِي: الشبور، وَقَالَ زِيَاد: شبور الْيَهُود. فَلم يُعجبهُ ذَلِك، وَقَالَ: هُوَ من أَمر الْيَهُود، قَالَ فَذكر لَهُ الناقوس، فَقَالَ: هُوَ من أَمر النَّصَارَى، فَانْصَرف عبد الله بن زيد وَهُوَ مهتم لَهُم النَّبِي ﷺ ، فأري الْأَذَان فِي مَنَامه، قَالَ: فغدا على رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي لبين نَائِم ويقظان إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأرَانِي الْأَذَان، قَالَ: وَكَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد رَآهُ قبل ذَلِك فكتمه عشْرين يَوْمًا، قَالَ: ثمَّ أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: مَا مَنعك أَن تخبرنا؟ فَقَالَ: سبقني عبد الله بن زيد فَاسْتَحْيَيْت، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا بِلَال قُم فَانْظُر مَا يَأْمُرك بِهِ عبد الله ابْن زيد فافعله، فَأذن بِلَال) . فَأَبُو دَاوُد ترْجم لهَذَا الحَدِيث بقوله: بَاب بَدْء الْأَذَان، فَهَذَا الَّذِي هُوَ أحسن أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، كَمَا ذكره أَبُو عمر يُقَوي كَلَام الْقُرْطُبِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالف حَدِيث عبد الله بن زيد بِهَذِهِ الطَّرِيقَة، لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهَا أَن عمر سمع الصَّوْت فَخرج فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَدلَّ بِحَسب الظَّاهِر أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ حَاضرا فَهُوَ يرد كَلَام بَعضهم الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: فَدلَّ على أَن عمر لم يكن حَاضرا لما قصّ عبد الله بن زيد رُؤْيَاهُ إِلَى آخر مَا ذكره. فَافْهَم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن قَوْله: (قُم يَا بِلَال فَنَادِ أَو فَأذن) ، يدل على مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان قَائِما، وَأَنه لَا يجوز قَاعِدا،

стр. 1356

وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إِلَّا أَبَا ثَوْر، فَإِنَّهُ جوزه، وَوَافَقَهُ أَبُو الْفرج الْمَالِكِي، رَحمَه الله تَعَالَى، واستضعفه النَّوَوِيّ لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: المُرَاد بالنداء هَهُنَا الْإِعْلَام. الثَّانِي: المُرَاد: قُم واذهب إِلَى مَوضِع بارز فَنَادِ فِيهِ بِالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِيهِ تعرض للْقِيَام فِي حَال الْأَذَان. قَالَ النَّوَوِيّ: ومذهبنا الْمَشْهُور أَنه سنة، فَلَو أذن قَاعِدا بِغَيْر عذر صَحَّ أَذَانه، لَكِن فَاتَتْهُ الْفَضِيلَة وَلم يثبت فِي اشْتِرَاط الْقيام شَيْء. وَفِي كتاب أبي الشَّيْخ، بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن وَائِل بن حجر، قَالَ: حق وَسنة مسنونة ألَاّ يُؤذن إِلَّا وَهُوَ طَاهِر، وَلَا يُؤذن إلَاّ وَهُوَ قَائِم. وَفِي (الْمُحِيط) : إِن أذن لنَفسِهِ فَلَا بَأْس أَن يُؤذن قَاعِدا من غير عذر، مُرَاعَاة لسنة الْأَذَان وَعدم الْحَاجة إِلَى إِعْلَام النَّاس، وَإِن أذن قَاعِدا لغير عذر صَحَّ، وفاتته الْفَضِيلَة، وَكَذَا لَو أذن قَاعِدا مَعَ قدرته على الْقيام صَحَّ أَذَانه، وَفِيه: دَلِيل على مَشْرُوعِيَّة طلب الْأَحْكَام من الْمعَانِي المستنبطة دون الِاقْتِصَار على الظَّوَاهِر. وَفِيه: منقبة ظَاهِرَة لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: التشاور فِي الْأُمُور المهمة، وَأَنه يَنْبَغِي للمتشاورين أَن يَقُول كل مِنْهُم مَا عِنْده، ثمَّ صَاحب الْأَمر يفعل مَا فِيهِ الْمصلحَة. وَفِيه: التحين لأوقات الصَّلَاة. فَوَائِد: الأولى: الاستشكال فِي إِثْبَات الْأَذَان برؤيا عبد الله بن زيد، لِأَن رُؤْيا غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَا يَبْنِي عَلَيْهَا حكم شَرْعِي، وَالْجَوَاب: مُقَارنَة الْوَحْي لذَلِك، وَفِي مُسْند الْحَارِث بن أبي أُسَامَة: (أول من أذن بِالصَّلَاةِ جِبْرِيل، ﵊، فِي السَّمَاء الدُّنْيَا، فَسَمعهُ عمر وبلال، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَسبق عمر بِلَالًا إِلَى النَّبِي ﷺ وَأخْبرهُ بهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ لِبلَال: سَبَقَك بهَا عمر) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: (رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيل، ﵊، بِالْأَذَانِ قبل أَن يُخبرهُ عبد الله بن زيد وَعمر بِثمَانِيَة أَيَّام) . ذكره ابْن إِسْحَاق، قَالَ: وَهُوَ أحسن مَا جَاءَ فِي الْأَذَان، وَقد ذكرنَا فِي أول الْبَاب أَن الزَّمَخْشَرِيّ نقل عَن بَعضهم أَن الْأَذَان بِالْوَحْي لَا بالمنام وَحده. وَفِي كتاب أبي الشَّيْخ: من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن عمرَان عَن أبي المؤمل عَن أبي الرهين عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: (أَخذ الْأَذَان من أَذَان إِبْرَاهِيم، ﵊، ﴿وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك رجَالًا ... ﴾ (الْحَج: ٢٧) . الْآيَة، قَالَ: فَأذن رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ السُّهيْلي: الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْأَذَان برؤيا رجل. وَلم يكن بِوَحْي، فَلِأَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ قد أريه لَيْلَة الْإِسْرَاء فَوق سبع سموات، وَهُوَ أقوى من الْوَحْي. فَلَمَّا تَأَخّر فرض الْأَذَان إِلَى الْمَدِينَة، وَأَرَادَ إِعْلَام النَّاس بِوَقْت الصَّلَاة، فَلبث الْوَحْي حَتَّى رأى عبد الله الرُّؤْيَا، فَوَافَقت مَا كَانَ رَآهُ فِي السَّمَاء، قَالَ: إِنَّهَا لرؤيا حق إِن شَاءَ الله تَعَالَى) . وَعلم حِينَئِذٍ أَن مُرَاد الله بِمَا أرَاهُ فِي السَّمَاء أَن يكون سنة فِي الأَرْض، وَقَوي ذَلِك مُوَافقَة رُؤْيا عمر، مَعَ أَن السكينَة تنطق على لِسَان عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واقتضت الْحِكْمَة الإلهية أَن يكون الْأَذَان على غير لِسَان النَّبِي ﷺ ، لما فِيهِ من التنويه بِعَبْدِهِ، وَالرَّفْع لذكره، فَلِأَن يكون ذَلِك على لِسَان غَيره أنوه وأفخر لشأنه، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ (الشَّرْح: ٢) . وروى عبد الرَّزَّاق وَأَبُو دَاوُد فِي (الْمَرَاسِيل) : من طَرِيق عبيد ابْن عُمَيْر اللَّيْثِيّ، أحد كبار التَّابِعين: (أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما رأى الْأَذَان جَاءَ ليخبر النَّبِي ﷺ فَوجدَ الْوَحْي قد ورد بذلك، فَمَا راعه إلَاّ أَذَان بِلَال، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : سَبَقَك بذلك الْوَحْي) . الثَّانِيَة: هَل أذن رَسُول الله ﷺ قطّ بِنَفسِهِ؟ فروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق يَدُور على عمر بن الرماح يرفعهُ إِلَى أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي ﷺ أذن فِي سفر وَصلى بِأَصْحَابِهِ، وهم على رواحلهم، السَّمَاء من فَوْقهم، والبلة من أسفلهم) . هَكَذَا قَالَه السُّهيْلي. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، كَمَا ذكره السُّهيْلي، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْده من حَدِيث عمر بن الرماح: عَن كثير بن زِيَاد عَن عَمْرو بن عُثْمَان بن يعلى بن مرّة الثَّقَفِيّ عَن أَبِيه عَن جده، وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث غَرِيب، تفرد بِهِ عمر بن الرماح الْبَلْخِي، لَا يعرف إلَاّ من حَدِيثه، وَمن هَذِه الطَّرِيقَة أخرجه الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه، وَكَذَا ابْن الْعَرَبِيّ، وَسكت عَنهُ الإشبيلي، وَعَابَ ذَلِك عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان بِأَن عمرا وأباه عُثْمَان لَا يعرف حَالهمَا. وَلما ذكره النَّوَوِيّ صَححهُ؛ وَمن حَدِيث يعلى أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) ، وَأحمد بن منيع وَابْن أُميَّة وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) والعدني، وَفِي (التَّارِيخ) للأثرم، و (تَارِيخ الْخَطِيب) وَغَيرهم، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: يعلى بن مرّة بن وهب الثَّقَفِيّ بَايع تَحت الشَّجَرَة وَله دَار بِالْبَصْرَةِ. الثَّالِثَة: الترجيع فِي الْأَذَان، وَهُوَ أَن يرجع وَيرْفَع صَوته بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَمَا خفض بهما، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك، إِلَّا إِنَّه لَا يُؤْتى بِالتَّكْبِيرِ فِي أَوله. إلَاّ مرَّتَيْنِ. وَقَالَ أَحْمد: إِن رجَّع فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن لم يرجع فَلَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق

стр. 1357

من أَصْحَاب الشَّافِعِي: إِن ترك الترجيع يعْتد بِهِ، وَحكى عَن بعض أَصْحَابه أَنه لَا يعْتد بِهِ كَمَا لَو ترك سَائِر كَلِمَاته، كَذَا فِي (الْحِلْية) . وَفِي (شرح الْوَجِيز) : وَالأَصَح أَنه إنْ ترك الترجيع لم يضرّهُ، وَحجَّة الشَّافِعِي حَدِيث أبي مَحْذُورَة: (أَن رَسُول الله ﷺ علمه الْأَذَان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، ثمَّ يعود فَيَقُول: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح حَيّ على الْفَلاح، الله أكبر الله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله) . رَوَاهُ الْجَمَاعَة إلَاّ البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن محيريز عَن أبي مَحْذُورَة، وَحجَّة أَصْحَابنَا حَدِيث عبد الله بن زيد من غير تَرْجِيع فِيهِ، وَكَأن حَدِيث أبي مَحْذُورَة لأجل التَّعْلِيم فكرره، فَظن أَبُو مَحْذُورَة أَنه تَرْجِيع، وَأَنه فِي أصل الْأَذَان، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) عَن أبي مَحْذُورَة أَنه قَالَ: (ألْقى عَليّ رَسُول الله ﷺ الْأَذَان حرفا حرفا: الله أكبر الله أكبر) إِلَى آخِره، لم يذكر فِيهِ ترجيعا. وأذان بِلَال بِحَضْرَة رَسُول الله ﷺ سفرا وحضرا، وَهُوَ مُؤذن رَسُول الله ﷺ بإطباق أهل الْإِسْلَام إِلَى أَن توفّي رَسُول الله ﷺ ، ومؤذن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى أَن توفّي من غير تَرْجِيع. الرَّابِعَة: أَن التَّكْبِير فِي أول الْأَذَان مربع، على مَا فِي حَدِيث أبي مَحْذُورَة، رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو عوَانَة وَالْحَاكِم، وَهُوَ الْمَحْفُوظ عَن الشَّافِعِي من حَدِيث ابْن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: ذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى أَن التَّكْبِير فِي أول الْأَذَان مرَّتَيْنِ، قَالَ: وَقد رُوِيَ ذَلِك من وُجُوه صِحَاح فِي أَذَان أبي مَحْذُورَة، وأذان ابْن زيد، وَالْعَمَل عِنْدهم بِالْمَدِينَةِ على ذَلِك فِي آل سعد الْقرظ إِلَى زمانهم، قُلْنَا: الَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ هُوَ أَذَان الْملك النَّازِل من السَّمَاء. الْخَامِسَة: فِي أَذَان الْفجْر: الصَّلَاة خير من النّوم، مرَّتَيْنِ بعد الْفَلاح لما روى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) بِإِسْنَادِهِ عَن بِلَال أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ يُؤذنهُ بالصبح، فَوَجَدَهُ رَاقِدًا، فَقَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم، مرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (مَا أحسن هَذَا يَا بِلَال إجعله فِي أذانك) . وَأخرجه الْحَافِظ أَبُو الشَّيْخ فِي (كتاب الْأَذَان) ، لَهُ عَن ابْن عمر قَالَ: (جَاءَ بِلَال إِلَى النَّبِي ﷺ يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ، فَوَجَدَهُ قد أغفى، فَقَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم، فَقَالَ لَهُ: إجعله فِي أذانك إِذا أَذِنت للصبح، فَجعل بِلَال يَقُولهَا إِذا أذن للصبح) . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث سعيد بن الْمسيب: (عَن بِلَال أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ يُؤذنهُ بِصَلَاة الْفجْر، فَقيل: هُوَ نَائِم، فَقَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم، الصَّلَاة خير من النّوم. فأقرت فِي تأذين الْفجْر) ، وَخص الْفجْر بِهِ لِأَنَّهُ وَقت نوم وغفلة. السَّادِسَة: فِي مَعَاني كَلِمَات الْأَذَان: ذكر ثَعْلَب أَن أهل الْعَرَبيَّة اخْتلفُوا فِي معنى: أكبر، فَقَالَ أهل اللُّغَة: مَعْنَاهُ كَبِير، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ (الرّوم: ٢٧) . مَعْنَاهُ وَهُوَ هَين عَلَيْهِ، وكما فِي قَول الشَّاعِر: (تمنى رجال أَن أَمُوت وَإِن أمت [/ عفتلك سَبِيل لست فِيهَا بأوحد) أَي: لست فِيهَا بِوَاحِد. وَقَالَ الْكسَائي وَالْفراء وَهِشَام: مَعْنَاهُ أكبر من كل شَيْء، فحذفت: من، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (إِذا مَا ستور الْبَيْت أرخيت لم يكن ... سراج لنا إلَاّ ووجهك أنور) أَي: أنور من غَيره، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَأَجَازَ أَبُو الْعَبَّاس: ألله كبر، وَاحْتج بِأَن الْأَذَان سمع وَقفا لَا إِعْرَاب فِيهِ. قَوْله: (أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله) مَعْنَاهُ: أعلم وَأبين، وَمن ذَلِك: شهد الشَّاهِد عِنْد الْحَاكِم، مَعْنَاهُ: قد بَين لَهُ وأعلمه الْخَبَر الَّذِي عِنْده، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ أَقْْضِي، كَمَا فِي: ﴿شهد الله﴾ (آل عمرَان: ١٨) . مَعْنَاهُ: قضى الله. وَقَالَ الزجاجي: لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا حَقِيقَة الشَّهَادَة هُوَ تَيَقّن الشَّيْء وتحققه من شَهَادَة الشَّيْء أَي: حُضُوره. قَوْله: (رَسُول الله) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الرَّسُول مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة: الَّذِي تتَابع الْأَخْبَار من الَّذِي بَعثه من قَول الْعَرَب، قد جَاءَت الْإِبِل رسلًا أَي: جَاءَت متتابعة. وَيُقَال فِي تثنيته: رسولان، وَفِي جمعه: رسل، وَمن الْعَرَب من يوحده فِي مَوضِع التَّثْنِيَة وَالْجمع، فَيَقُول: الرّجلَانِ رَسُولك، وَالرِّجَال رَسُولك، قَالَ الله تَعَالَى: إِنَّا رَسُولا رَبك﴾ (طه: ٤٧) . وَفِي مَوضِع آخر: ﴿أَنا رَسُول رب الْعَالمين﴾ (مَرْيَم: ١٩٠) ، فَفِي الأول خرج الْكَلَام على ظَاهره لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن مُوسَى وَهَارُون، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي الثَّانِي بِمَعْنى الرسَالَة، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّا رِسَالَة رب الْعَالمين، قَالَه يُونُس، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج: لَيْسَ مَا ذكره ابْن الْأَنْبَارِي فِي اشتقاق الرَّسُول صَحِيحا، وَإِنَّمَا الرَّسُول الْمُرْسل المبعد من أرْسلت ٩ أبعدت وَبعثت، وَإِنَّمَا توهم

стр. 1358

فِي ذَلِك لِأَنَّهُ رَآهُ على فعول، فتوهمه مِمَّا جَاءَ على الْمُبَالغَة، وَلَا يكون ذَلِك إلَاّ لتكرار الْفِعْل فَهُوَ ضروب وَشبهه، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم لغير تَكْثِير الْفِعْل بِمَنْزِلَة: عَمُود وعنود. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وفصحاء الْعَرَب أهل الْحجاز وَمن والاهم يَقُولُونَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَجَمَاعَة من الْعَرَب يبدلون من الْألف عينا فَيَقُولُونَ: أشهد عَن. قَوْله: (حَيّ على الصَّلَاة) . قَالَ الْفراء مَعْنَاهُ: هَلُمَّ، وَفتحت الْيَاء من حَيّ لسكون الْيَاء الَّتِي قبلهَا. وَقَالَ ابْن الانباري: فِيهِ سِتّ لُغَات، حَيّ هلا، بِالتَّنْوِينِ، وَفتح اللَّام بِغَيْر تَنْوِين، وتسكين الْهَاء، وَفتح الَّلام، وَحي هلن، لَا وَحي هلين، قَالَه الزجاجي. الْوَجْه الْخَامِس: بالنُّون هُوَ الأول، بِعَيْنِه لِأَن التَّنْوِين وَالنُّون سَوَاء، وَمعنى الْفَلاح الْفَوْز، يُقَال: أَفْلح الرجل إِذا فَازَ. (بابٌ الأَذان مَثْنَى مَثْنَى) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْأَذَان مثنى مثنى، ومثنى هَكَذَا مكررا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: مثنى مُفردا، ومثنى مثنى، معدول من اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَالْعدْل على قسمَيْنِ: عدل تحقيقي وَهَذَا مِنْهُ، وَعدل تقديري كعمرو وَزفر، وَقد عرف فِي مَوْضِعه، وَفَائِدَة التّكْرَار للتوكيد، إِن كَانَ التّكْرَار يفهم من صِيغَة الْمثنى لِأَنَّهَا معدولة عَن: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَيُقَال الأول لإِفَادَة التَّثْنِيَة لكل أَلْفَاظ الْأَذَان، وَالثَّانِي لكل أَفْرَاد الْأَذَان، أَي: الأول: لبَيَان تَثْنِيَة الْأَجْزَاء، وَالثَّانِي: لبَيَان تَثْنِيَة الجزئيات. ٦٠٤ - حدَّثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ قالَ حدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ كانَ يَقُولُ كانَ المُسْلِمُونَ حَينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاةَ لَيْسَ يُنَادِي لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْما فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتَّخَذُوا ناقُوسا مِثْلَ ناقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ فَقَالَ عُمَرُ أوَ لَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً مِنْكُمْ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ يَا بِلَالُ قُمْ فنَادِ بِالصَّلَاةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله) (يَا بِلَال قُم فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) . . فَإِن قلت: كَيفَ يُطَابق التَّرْجَمَة والترجمة فِي بَدْء الْأَذَان والْحَدِيث يدل على أَنه ﷺ أَمر بِلَالًا بالنداء بِالصَّلَاةِ، والنداء لَا يفهم مِنْهُ الْأَذَان الْمَعْهُود بالكلمات الْمَخْصُوصَة؟ قلت: المُرَاد بالنداء الْأَذَان الْمَعْهُود، وَيدل على أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث، وَلَفظه: (فَأذن بِالصَّلَاةِ) . وَكَذَا قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: إِن المُرَاد الْأَذَان الْمَشْرُوع. فَإِن قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: المُرَاد الْإِعْلَام الْمَحْض بِحُضُور وَقتهَا، لَا خُصُوص الْأَذَان الْمَشْرُوع. قلت: يحمل أَنه اسْتندَ فِي ذَلِك على ظَاهر اللَّفْظ، وَلَئِن سلمنَا مَا قَالَه فالمطابقة بَينهمَا مَوْجُودَة بِاعْتِبَار أَن أمره ﷺ لِبلَال بالنداء بِالصَّلَاةِ كَانَ بَدْء الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُ لم يسْبق أَمر بذلك قبله، بل إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ﷺ بعد تحينهم للصَّلَاة وتشاورهم فِيمَا بَينهم مَاذَا يَفْعَلُونَ فِي الْإِعْلَام بِالصَّلَاةِ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد تكَرر ذكرهم. و: غيلَان، بالغين الْمُعْجَمَة، وَابْن جريج هُوَ: عبد الْملك. وَمن لطائفه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار فِي موضِعين: أَحدهمَا: بِصِيغَة الْجمع، وَالْآخر: بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. بَيَان من أخرحه غَيره: وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن هَارُون بن عبد الله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي النَّضر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم بن الْحسن. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن عبد الله بن عمر: أَنه قَالَ: قَوْله: (حِين قدمُوا الْمَدِينَة) ، أَي: من مَكَّة مُهَاجِرين. قَوْله: (فيتحينون) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: يقدرُونَ حينها ليأتوا إِلَيْهَا، وَهُوَ من التحين من بَاب التفعل الَّذِي وضع للتكلف غَالِبا، والتحين من الْحِين وَهُوَ الْوَقْت والزمن. قَوْله: (لَيْسَ يُنادَى لَهَا) ، أَي: للصَّلَاة، وَهُوَ على بِنَاء الْمَفْعُول. وَقَالَ ابْن مَالك: هَذَا شَاهد على جَوَاز اسْتِعْمَال: لَيْسَ، حرفا لَا اسْم لَهَا وَلَا خبر لَهَا، أَشَارَ إِلَيْهَا سِيبَوَيْهٍ، وَيحْتَمل أَن يكون اسْمهَا ضمير الشَّأْن، وَالْجُمْلَة بعْدهَا خَبرا. قَوْله: (اتَّخذُوا) على صُورَة الْأَمر. قَوْله: (بوقا) أَي: قَالَ بَعضهم: اتَّخذُوا بوقا، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْوَاو الساكنة قَاف، وَهُوَ الَّذِي ينْفخ فِيهِ، وَوَقع فِي بعض النّسخ: (بل قرنا) ، وَهِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ، والبوق والقرن معروفان، وَهُوَ من شعار الْيَهُود، وَيُسمى أَيْضا: الشبور، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة المثقلة. قَوْله: (فَقَالَ عمر أَوَلَا تبعثون؟) الْهمزَة للاستفهام، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر، أَي: أتقولون بموافقتهم وَلَا تبعثون؟ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْهمزَة إِنْكَار للجملة الأولى، أَي: الْمقدرَة، وَتَقْرِير للجملة الثَّانِيَة. قَوْله: (رجلا مِنْكُم) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَلَيْسَ لَفْظَة: مِنْكُم، فِي رِوَايَة غَيره. قَوْله: (يُنَادي) جملَة فعلية مضارعية فِي مَحل النصب على الْحَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وَصدقه النَّبِي ﷺ بَادر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: (أَولا تبعثون رجلا يُنَادي؟) أَي: يُؤذن بالرؤيا الْمَذْكُورَة. (فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : قُم يَا بِلَال) . فعلى هَذَا: فالفاء، فِي قَوْله: فَقَالَ عمر. فَاء الفصيحة، وَالتَّقْدِير: فافترقوا، فَرَأى عبد الله بن زيد، فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقص عَلَيْهِ فَصدقهُ، فَقَالَ عمر: أَولا تبعثوني؟ انْتهى. قلت: هَذَا يُصَرح أَن معنى قَوْله ﵇: (قُم يَا بِلَال فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) ، أَي: فَأذن بالرؤيا الْمَذْكُورَة، وَقَالَ بَعضهم: وَسِيَاق حَدِيث عبد الله بن زيد يُخَالف ذَلِك. فَإِن فِيهِ: لما قصّ رُؤْيَاهُ على النَّبِي، ﷺ ، قَالَ لَهُ: ألقها على بِلَال فليؤذن بهَا، قَالَ: فَسمع عمر الصَّوْت، فَخرج فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: لقد رَأَيْت مثل الَّذِي رأى، فَدلَّ على أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يكن حَاضرا لما قصّ عبد الله بن زيد رُؤْيَاهُ، وَالظَّاهِر أَن إِشَارَة عمر بإرسال رجل يُنَادي بِالصَّلَاةِ كَانَت عقيب الْمُشَاورَة فِيمَا يَفْعَلُونَهُ، وَأَن رُؤْيا عبد الله بن زيد كَانَت بعد ذَلِك. قلت: أما حَدِيث عبد الله بن زيد فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن مَنْصُور الطوسي حَدثنَا يَعْقُوب حَدثنَا أبي عَن مُحَمَّد ابْن اسحاق حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قَالَ: حَدثنَا أبي عبد الله ابْن زيد قَالَ: (لما أَمر رَسُول الله ﷺ بالناقوس يعْمل ليضْرب بِهِ للنَّاس لجمع الصَّلَاة، طَاف بِي وَأَنا نَائِم رجل يحمل ناقوسا فِي يَده، فَقلت: يَا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قَالَ: وَمَا تصنع بِهِ؟ فَقلت: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاة. فَقَالَ: أَلَا أدلك على مَا هُوَ خير من ذَلِك؟ قَالَ: فَقلت لَهُ: بلَى. فَقَالَ: تَقول: الله أكبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح حَيّ على الْفَلاح، الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله. ثمَّ اسْتَأْخَرَ غير بعيد، ثمَّ قَالَ: ثمَّ تَقول إِذا أَقمت إِلَى الصَّلَاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، حى على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح، قد قَامَت الصَّلَاة قد قَامَت الصَّلَاة، الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله، فَلَمَّا أَصبَحت أتيت النَّبِي ﷺ فَأَخْبَرته بِمَا رَأَيْته، فَقَالَ: إِنَّهَا لرؤيا حق إِن شَاءَ الله، فَقُمْ مَعَ بِلَال فألق عَلَيْهِ مَا رَأَيْت فليؤذن بِهِ، فَإِنَّهُ أندى صَوتا مِنْك، فَقُمْت مَعَ بِلَال فَجعلت ألقيه عَلَيْهِ وَيُؤذن بِهِ، قَالَ: فَسمع ذَلِك عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ فِي بَيته، فَخرج يجر رِدَاءَهُ يَقُول: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله، لقد رَأَيْت مثل مَا رأى، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فَللَّه الْحَمد) ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. فَلم يذكر فِيهِ كَلِمَات الْأَذَان وَلَا الْإِقَامَة. وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا فَلم يذكر فِيهِ لفظ الْإِقَامَة، وَزَاد فِيهِ شعرًا، فَقَالَ عبد الله بن زيد فِي ذَلِك (أَحْمد الله ذَا الْجلَال وَذَا الإ ... كرام حمدا على الْأَذَان كثيرا) (إِذا أَتَانِي بِهِ البشير من الله ... فألم بِهِ لدي بشيرا) (فِي ليالٍ وافي بِهن ثلا ... ث، كلما جَاءَ زادني توقيرا) وَأخرج ابْن حبَان أَيْضا هَذَا الحَدِيث فِي (صَحِيحه) . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَقَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر: روى عَن النَّبِي ﷺ فِي قصَّة عبد الله بن زيد فِي بَدْء الْأَذَان جمَاعَة من الصَّحَابَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وَمَعَان مُتَقَارِبَة، وَكلهَا تتفق على أمره عِنْد ذَلِك. والأسانيد فِي ذَلِك من وُجُوه صِحَاح، وَفِي مَوضِع آخر: من وُجُوه حسان، وَنحن نذْكر أحْسنهَا، فَذكر مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عباد بن مُوسَى الْخُتلِي وَحدثنَا زِيَاد بن أَيُّوب، وَحَدِيث عباد أتم، قَالَا: أخبرنَا هشيم عَن أبي بشر، قَالَ زِيَاد: أخبرنَا أَبُو بشر عَن أبي عُمَيْر ابْن أنس عَن عمومة لَهُ من الْأَنْصَار قَالَ: (اهتم النَّبِي ﷺ للصَّلَاة كَيفَ يجمع النَّاس لَهَا، فَقيل لَهُ: أنصب راية عِنْد حُضُور الصَّلَاة فَإِذا رأوها آذن بَعضهم بَعْضًا، فَلم يُعجبهُ ذَلِك، قَالَ: فَذكر لَهُ القنع، يَعْنِي: الشبور، وَقَالَ زِيَاد: شبور الْيَهُود. فَلم يُعجبهُ ذَلِك، وَقَالَ: هُوَ من أَمر الْيَهُود، قَالَ فَذكر لَهُ الناقوس، فَقَالَ: هُوَ من أَمر النَّصَارَى، فَانْصَرف عبد الله بن زيد وَهُوَ مهتم لَهُم النَّبِي ﷺ ، فأري الْأَذَان فِي مَنَامه، قَالَ: فغدا على رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي لبين نَائِم ويقظان إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأرَانِي الْأَذَان، قَالَ: وَكَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد رَآهُ قبل ذَلِك فكتمه عشْرين يَوْمًا، قَالَ: ثمَّ أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: مَا مَنعك أَن تخبرنا؟ فَقَالَ: سبقني عبد الله بن زيد فَاسْتَحْيَيْت، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا بِلَال قُم فَانْظُر مَا يَأْمُرك بِهِ عبد الله ابْن زيد فافعله، فَأذن بِلَال) . فَأَبُو دَاوُد ترْجم لهَذَا الحَدِيث بقوله: بَاب بَدْء الْأَذَان، فَهَذَا الَّذِي هُوَ أحسن أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، كَمَا ذكره أَبُو عمر يُقَوي كَلَام الْقُرْطُبِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالف حَدِيث عبد الله بن زيد بِهَذِهِ الطَّرِيقَة، لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهَا أَن عمر سمع الصَّوْت فَخرج فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَدلَّ بِحَسب الظَّاهِر أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ حَاضرا فَهُوَ يرد كَلَام بَعضهم الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: فَدلَّ على أَن عمر لم يكن حَاضرا لما قصّ عبد الله بن زيد رُؤْيَاهُ إِلَى آخر مَا ذكره. فَافْهَم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن قَوْله: (قُم يَا بِلَال فَنَادِ أَو فَأذن) ، يدل على مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان قَائِما، وَأَنه لَا يجوز قَاعِدا، وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إِلَّا أَبَا ثَوْر، فَإِنَّهُ جوزه، وَوَافَقَهُ أَبُو الْفرج الْمَالِكِي، رَحمَه الله تَعَالَى، واستضعفه النَّوَوِيّ لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: المُرَاد بالنداء هَهُنَا الْإِعْلَام. الثَّانِي: المُرَاد: قُم واذهب إِلَى مَوضِع بارز فَنَادِ فِيهِ بِالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِيهِ تعرض للْقِيَام فِي حَال الْأَذَان. قَالَ النَّوَوِيّ: ومذهبنا الْمَشْهُور أَنه سنة، فَلَو أذن قَاعِدا بِغَيْر عذر صَحَّ أَذَانه، لَكِن فَاتَتْهُ الْفَضِيلَة وَلم يثبت فِي اشْتِرَاط الْقيام شَيْء. وَفِي كتاب أبي الشَّيْخ، بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن وَائِل بن حجر، قَالَ: حق وَسنة مسنونة ألَاّ يُؤذن إِلَّا وَهُوَ طَاهِر، وَلَا يُؤذن إلَاّ وَهُوَ قَائِم. وَفِي (الْمُحِيط) : إِن أذن لنَفسِهِ فَلَا بَأْس أَن يُؤذن قَاعِدا من غير عذر، مُرَاعَاة لسنة الْأَذَان وَعدم الْحَاجة إِلَى إِعْلَام النَّاس، وَإِن أذن قَاعِدا لغير عذر صَحَّ، وفاتته الْفَضِيلَة، وَكَذَا لَو أذن قَاعِدا مَعَ قدرته على الْقيام صَحَّ أَذَانه، وَفِيه: دَلِيل على مَشْرُوعِيَّة طلب الْأَحْكَام من الْمعَانِي المستنبطة دون الِاقْتِصَار على الظَّوَاهِر. وَفِيه: منقبة ظَاهِرَة لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: التشاور فِي الْأُمُور المهمة، وَأَنه يَنْبَغِي للمتشاورين أَن يَقُول كل مِنْهُم مَا عِنْده، ثمَّ صَاحب الْأَمر يفعل مَا فِيهِ الْمصلحَة. وَفِيه: التحين لأوقات الصَّلَاة. فَوَائِد: الأولى: الاستشكال فِي إِثْبَات الْأَذَان برؤيا عبد الله بن زيد، لِأَن رُؤْيا غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَا يَبْنِي عَلَيْهَا حكم شَرْعِي، وَالْجَوَاب: مُقَارنَة الْوَحْي لذَلِك، وَفِي مُسْند الْحَارِث بن أبي أُسَامَة: (أول من أذن بِالصَّلَاةِ جِبْرِيل، ﵊، فِي السَّمَاء الدُّنْيَا، فَسَمعهُ عمر وبلال، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَسبق عمر بِلَالًا إِلَى النَّبِي ﷺ وَأخْبرهُ بهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ لِبلَال: سَبَقَك بهَا عمر) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: (رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيل، ﵊، بِالْأَذَانِ قبل أَن يُخبرهُ عبد الله بن زيد وَعمر بِثمَانِيَة أَيَّام) . ذكره ابْن إِسْحَاق، قَالَ: وَهُوَ أحسن مَا جَاءَ فِي الْأَذَان، وَقد ذكرنَا فِي أول الْبَاب أَن الزَّمَخْشَرِيّ نقل عَن بَعضهم أَن الْأَذَان بِالْوَحْي لَا بالمنام وَحده. وَفِي كتاب أبي الشَّيْخ: من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن عمرَان عَن أبي المؤمل عَن أبي الرهين عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: (أَخذ الْأَذَان من أَذَان إِبْرَاهِيم، ﵊، ﴿وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك رجَالًا ... ﴾ (الْحَج: ٢٧) . الْآيَة، قَالَ: فَأذن رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ السُّهيْلي: الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْأَذَان برؤيا رجل. وَلم يكن بِوَحْي، فَلِأَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ قد أريه لَيْلَة الْإِسْرَاء فَوق سبع سموات، وَهُوَ أقوى من الْوَحْي. فَلَمَّا تَأَخّر فرض الْأَذَان إِلَى الْمَدِينَة، وَأَرَادَ إِعْلَام النَّاس بِوَقْت الصَّلَاة، فَلبث الْوَحْي حَتَّى رأى عبد الله الرُّؤْيَا، فَوَافَقت مَا كَانَ رَآهُ فِي السَّمَاء، قَالَ: إِنَّهَا لرؤيا حق إِن شَاءَ الله تَعَالَى) . وَعلم حِينَئِذٍ أَن مُرَاد الله بِمَا أرَاهُ فِي السَّمَاء أَن يكون سنة فِي الأَرْض، وَقَوي ذَلِك مُوَافقَة رُؤْيا عمر، مَعَ أَن السكينَة تنطق على لِسَان عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واقتضت الْحِكْمَة الإلهية أَن يكون الْأَذَان على غير لِسَان النَّبِي ﷺ ، لما فِيهِ من التنويه بِعَبْدِهِ، وَالرَّفْع لذكره، فَلِأَن يكون ذَلِك على لِسَان غَيره أنوه وأفخر لشأنه، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ (الشَّرْح: ٢) . وروى عبد الرَّزَّاق وَأَبُو دَاوُد فِي (الْمَرَاسِيل) : من طَرِيق عبيد ابْن عُمَيْر اللَّيْثِيّ، أحد كبار التَّابِعين: (أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما رأى الْأَذَان جَاءَ ليخبر النَّبِي ﷺ فَوجدَ الْوَحْي قد ورد بذلك، فَمَا راعه إلَاّ أَذَان بِلَال، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : سَبَقَك بذلك الْوَحْي) . الثَّانِيَة: هَل أذن رَسُول الله ﷺ قطّ بِنَفسِهِ؟ فروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق يَدُور على عمر بن الرماح يرفعهُ إِلَى أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي ﷺ أذن فِي سفر وَصلى بِأَصْحَابِهِ، وهم على رواحلهم، السَّمَاء من فَوْقهم، والبلة من أسفلهم) . هَكَذَا قَالَه السُّهيْلي. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، كَمَا ذكره السُّهيْلي، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْده من حَدِيث عمر بن الرماح: عَن كثير بن زِيَاد عَن عَمْرو بن عُثْمَان بن يعلى بن مرّة الثَّقَفِيّ عَن أَبِيه عَن جده، وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث غَرِيب، تفرد بِهِ عمر بن الرماح الْبَلْخِي، لَا يعرف إلَاّ من حَدِيثه، وَمن هَذِه الطَّرِيقَة أخرجه الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه، وَكَذَا ابْن الْعَرَبِيّ، وَسكت عَنهُ الإشبيلي، وَعَابَ ذَلِك عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان بِأَن عمرا وأباه عُثْمَان لَا يعرف حَالهمَا. وَلما ذكره النَّوَوِيّ صَححهُ؛ وَمن حَدِيث يعلى أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) ، وَأحمد بن منيع وَابْن أُميَّة وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) والعدني، وَفِي (التَّارِيخ) للأثرم، و (تَارِيخ الْخَطِيب) وَغَيرهم، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: يعلى بن مرّة بن وهب الثَّقَفِيّ بَايع تَحت الشَّجَرَة وَله دَار بِالْبَصْرَةِ. الثَّالِثَة: الترجيع فِي الْأَذَان، وَهُوَ أَن يرجع وَيرْفَع صَوته بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَمَا خفض بهما، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك، إِلَّا إِنَّه لَا يُؤْتى بِالتَّكْبِيرِ فِي أَوله. إلَاّ مرَّتَيْنِ. وَقَالَ أَحْمد: إِن رجَّع فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن لم يرجع فَلَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق من أَصْحَاب الشَّافِعِي: إِن ترك الترجيع يعْتد بِهِ، وَحكى عَن بعض أَصْحَابه أَنه لَا يعْتد بِهِ كَمَا لَو ترك سَائِر كَلِمَاته، كَذَا فِي (الْحِلْية) . وَفِي (شرح الْوَجِيز) : وَالأَصَح أَنه إنْ ترك الترجيع لم يضرّهُ، وَحجَّة الشَّافِعِي حَدِيث أبي مَحْذُورَة: (أَن رَسُول الله ﷺ علمه الْأَذَان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، ثمَّ يعود فَيَقُول: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح حَيّ على الْفَلاح، الله أكبر الله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله) . رَوَاهُ الْجَمَاعَة إلَاّ البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن محيريز عَن أبي مَحْذُورَة، وَحجَّة أَصْحَابنَا حَدِيث عبد الله بن زيد من غير تَرْجِيع فِيهِ، وَكَأن حَدِيث أبي مَحْذُورَة لأجل التَّعْلِيم فكرره، فَظن أَبُو مَحْذُورَة أَنه تَرْجِيع، وَأَنه فِي أصل الْأَذَان، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) عَن أبي مَحْذُورَة أَنه قَالَ: (ألْقى عَليّ رَسُول الله ﷺ الْأَذَان حرفا حرفا: الله أكبر الله أكبر) إِلَى آخِره، لم يذكر فِيهِ ترجيعا. وأذان بِلَال بِحَضْرَة رَسُول الله ﷺ سفرا وحضرا، وَهُوَ مُؤذن رَسُول الله ﷺ بإطباق أهل الْإِسْلَام إِلَى أَن توفّي رَسُول الله ﷺ ، ومؤذن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى أَن توفّي من غير تَرْجِيع. الرَّابِعَة: أَن التَّكْبِير فِي أول الْأَذَان مربع، على مَا فِي حَدِيث أبي مَحْذُورَة، رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو عوَانَة وَالْحَاكِم، وَهُوَ الْمَحْفُوظ عَن الشَّافِعِي من حَدِيث ابْن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: ذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى أَن التَّكْبِير فِي أول الْأَذَان مرَّتَيْنِ، قَالَ: وَقد رُوِيَ ذَلِك من وُجُوه صِحَاح فِي أَذَان أبي مَحْذُورَة، وأذان ابْن زيد، وَالْعَمَل عِنْدهم بِالْمَدِينَةِ على ذَلِك فِي آل سعد الْقرظ إِلَى زمانهم، قُلْنَا: الَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ هُوَ أَذَان الْملك النَّازِل من السَّمَاء. الْخَامِسَة: فِي أَذَان الْفجْر: الصَّلَاة خير من النّوم، مرَّتَيْنِ بعد الْفَلاح لما روى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) بِإِسْنَادِهِ عَن بِلَال أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ يُؤذنهُ بالصبح، فَوَجَدَهُ رَاقِدًا، فَقَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم، مرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (مَا أحسن هَذَا يَا بِلَال إجعله فِي أذانك) . وَأخرجه الْحَافِظ أَبُو الشَّيْخ فِي (كتاب الْأَذَان) ، لَهُ عَن ابْن عمر قَالَ: (جَاءَ بِلَال إِلَى النَّبِي ﷺ يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ، فَوَجَدَهُ قد أغفى، فَقَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم، فَقَالَ لَهُ: إجعله فِي أذانك إِذا أَذِنت للصبح، فَجعل بِلَال يَقُولهَا إِذا أذن للصبح) . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث سعيد بن الْمسيب: (عَن بِلَال أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ يُؤذنهُ بِصَلَاة الْفجْر، فَقيل: هُوَ نَائِم، فَقَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم، الصَّلَاة خير من النّوم. فأقرت فِي تأذين الْفجْر) ، وَخص الْفجْر بِهِ لِأَنَّهُ وَقت نوم وغفلة. السَّادِسَة: فِي مَعَاني كَلِمَات الْأَذَان: ذكر ثَعْلَب أَن أهل الْعَرَبيَّة اخْتلفُوا فِي معنى: أكبر، فَقَالَ أهل اللُّغَة: مَعْنَاهُ كَبِير، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ (الرّوم: ٢٧) . مَعْنَاهُ وَهُوَ هَين عَلَيْهِ، وكما فِي قَول الشَّاعِر: (تمنى رجال أَن أَمُوت وَإِن أمت [/ عفتلك سَبِيل لست فِيهَا بأوحد) أَي: لست فِيهَا بِوَاحِد. وَقَالَ الْكسَائي وَالْفراء وَهِشَام: مَعْنَاهُ أكبر من كل شَيْء، فحذفت: من، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (إِذا مَا ستور الْبَيْت أرخيت لم يكن ... سراج لنا إلَاّ ووجهك أنور) أَي: أنور من غَيره، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَأَجَازَ أَبُو الْعَبَّاس: ألله كبر، وَاحْتج بِأَن الْأَذَان سمع وَقفا لَا إِعْرَاب فِيهِ. قَوْله: (أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله) مَعْنَاهُ: أعلم وَأبين، وَمن ذَلِك: شهد الشَّاهِد عِنْد الْحَاكِم، مَعْنَاهُ: قد بَين لَهُ وأعلمه الْخَبَر الَّذِي عِنْده، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ أَقْْضِي، كَمَا فِي: ﴿شهد الله﴾ (آل عمرَان: ١٨) . مَعْنَاهُ: قضى الله. وَقَالَ الزجاجي: لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا حَقِيقَة الشَّهَادَة هُوَ تَيَقّن الشَّيْء وتحققه من شَهَادَة الشَّيْء أَي: حُضُوره. قَوْله: (رَسُول الله) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الرَّسُول مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة: الَّذِي تتَابع الْأَخْبَار من الَّذِي بَعثه من قَول الْعَرَب، قد جَاءَت الْإِبِل رسلًا أَي: جَاءَت متتابعة. وَيُقَال فِي تثنيته: رسولان، وَفِي جمعه: رسل، وَمن الْعَرَب من يوحده فِي مَوضِع التَّثْنِيَة وَالْجمع، فَيَقُول: الرّجلَانِ رَسُولك، وَالرِّجَال رَسُولك، قَالَ الله تَعَالَى: إِنَّا رَسُولا رَبك﴾ (طه: ٤٧) . وَفِي مَوضِع آخر: ﴿أَنا رَسُول رب الْعَالمين﴾ (مَرْيَم: ١٩٠) ، فَفِي الأول خرج الْكَلَام على ظَاهره لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن مُوسَى وَهَارُون، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي الثَّانِي بِمَعْنى الرسَالَة، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّا رِسَالَة رب الْعَالمين، قَالَه يُونُس، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج: لَيْسَ مَا ذكره ابْن الْأَنْبَارِي فِي اشتقاق الرَّسُول صَحِيحا، وَإِنَّمَا الرَّسُول الْمُرْسل المبعد من أرْسلت ٩ أبعدت وَبعثت، وَإِنَّمَا توهم فِي ذَلِك لِأَنَّهُ رَآهُ على فعول، فتوهمه مِمَّا جَاءَ على الْمُبَالغَة، وَلَا يكون ذَلِك إلَاّ لتكرار الْفِعْل فَهُوَ ضروب وَشبهه، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم لغير تَكْثِير الْفِعْل بِمَنْزِلَة: عَمُود وعنود. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وفصحاء الْعَرَب أهل الْحجاز وَمن والاهم يَقُولُونَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَجَمَاعَة من الْعَرَب يبدلون من الْألف عينا فَيَقُولُونَ: أشهد عَن. قَوْله: (حَيّ على الصَّلَاة) . قَالَ الْفراء مَعْنَاهُ: هَلُمَّ، وَفتحت الْيَاء من حَيّ لسكون الْيَاء الَّتِي قبلهَا. وَقَالَ ابْن الانباري: فِيهِ سِتّ لُغَات، حَيّ هلا، بِالتَّنْوِينِ، وَفتح اللَّام بِغَيْر تَنْوِين، وتسكين الْهَاء، وَفتح الَّلام، وَحي هلن، لَا وَحي هلين، قَالَه الزجاجي. الْوَجْه الْخَامِس: بالنُّون هُوَ الأول، بِعَيْنِه لِأَن التَّنْوِين وَالنُّون سَوَاء، وَمعنى الْفَلاح الْفَوْز، يُقَال: أَفْلح الرجل إِذا فَازَ. (بابٌ الأَذان مَثْنَى مَثْنَى) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْأَذَان مثنى مثنى، ومثنى هَكَذَا مكررا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: مثنى مُفردا، ومثنى مثنى، معدول من اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَالْعدْل على قسمَيْنِ: عدل تحقيقي وَهَذَا مِنْهُ، وَعدل تقديري كعمرو وَزفر، وَقد عرف فِي مَوْضِعه، وَفَائِدَة التّكْرَار للتوكيد، إِن كَانَ التّكْرَار يفهم من صِيغَة الْمثنى لِأَنَّهَا معدولة عَن: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَيُقَال الأول لإِفَادَة التَّثْنِيَة لكل أَلْفَاظ الْأَذَان، وَالثَّانِي لكل أَفْرَاد الْأَذَان، أَي: الأول: لبَيَان تَثْنِيَة الْأَجْزَاء، وَالثَّانِي: لبَيَان تَثْنِيَة الجزئيات. ٦٠٦ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ أخبرنَا خالِدٌ الحَذَّاءْ عَنْ أبي قِلَابَةَ عَن أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ لَما كَثرَ الناسُ قَالَ ذَكَرُوا أنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ فَذَكَرُوا أنْ يُورُوا نَارا أَو يَضْرِبُوا ناقُوسا فَأُمِرَ بِلَالٌ أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وأنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الأول. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: حَدثنِي مُحَمَّد غير مَنْسُوب، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: ذكر البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع: حَدثنَا مُحَمَّد، غير مَنْسُوب: مِنْهَا فِي الصَّلَاة والجنائز والمناقب وَالطَّلَاق والتوحيد، وَفِي بَعْضهَا: مُحَمَّد بن سَلام مِنْهَا هَهُنَا على الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور، وَقَالَ

стр. 1359

أَبُو نصر الكلاباذي: إِن البُخَارِيّ، رُوِيَ فِي (الْجَامِع) عَن مُحَمَّد بن سَلام وَمُحَمّد بن بشار وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن عبد الله ابْن حَوْشَب عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ الثَّالِث خَالِد بن مهْرَان الْحذاء. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد. الْخَامِس: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: حَدثنِي مُحَمَّد، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا مُحَمَّد، وَفِيه: حَدثنِي عبد الْوَهَّاب، وَهِي فِي رِوَايَة كَرِيمَة: اُخْبُرْنَا، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا. وَفِيه: الثَّقَفِيّ وَلَيْسَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة: الثَّقَفِيّ، وَفِيه: حَدثنَا خَالِد الْحذاء، وَهِي رِوَايَة أبي ذَر الأَصيلي، ولغيرهما: أخبرنَا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما كثر النَّاس) جَوَاب: لما، قَوْله: (ذكرُوا) وَلَفظ: قَالَ، ثَانِيًا مقحم تَأْكِيدًا: لقَالَ، أَولا. قَوْله: (أَن يعلمُوا) بِضَم الْيَاء، مَعْنَاهُ: يجْعَلُونَ لَهُ عَلامَة يعرف بهَا. قَوْله: (أَن يوروا) أَي: يوقدوا ويشعلوا، يُقَال: أوريت النَّار أَي: أشعلتها، وروى الزند: إِذا خرجت نارها واوريته إِذا أخرجتها، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (أَن ينوروا نَارا) أَي: يظهروا نورها، وَقد مر تَفْسِير الناقوس. قَوْله: (فَأمر) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَأَن يُوتر الْإِقَامَة) أَي: أَلْفَاظ الْإِقَامَة الَّتِي يدْخل بهَا فِي الصَّلَاة. ٣ - (بابٌ الإِقامَةُ واحِدَةٌ إِلَاّ قَوْلَهُ قَدْ قامَتِ الصَّلَاةُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْإِقَامَة أَي: الإِقامة الَّتِي تُقَام بهَا الصَّلَاة، ثمَّ اسْتثْنى مِنْهَا: قد قَامَت الصَّلَاة، يَعْنِي: قد قَامَت الصَّلَاة، مرَّتَيْنِ، وَهَذَا لفظ معمر عَن أَيُّوب كَمَا ذكرنَا من مُسْند السراج عَن قريب. ٦٠٧ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إسماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ أنَسٍ قَالَ أُمِرَ بِلَالٌ أنْ يشْفَعَ الْأَذَان وأَن يُوتِرَ الإِقامَةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَن يُوتر الْإِقَامَة) أَي: يوحد ألفاظها، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: خَالف البُخَارِيّ لفظ الحَدِيث فِي التَّرْجَمَة، فَعدل عَنهُ إِلَى قَوْله: وَاحِدَة، لِأَن لفظ الْوتر غير منحصرة فِي الْمرة، فَعدل عَن لفظ فِيهِ الِاشْتِرَاك إِلَى مَا لَا اشْتِرَاك فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا قَالَ وَاحِدَة مُرَاعَاة للفظ الْخَبَر الْوَارِد فِي ذَلِك، وَهُوَ عِنْد ابْن حبَان من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَفظه: (الْأَذَان مثنى وَالْإِقَامَة وَاحِدَة) . قلت: الَّذِي قَالَه ابْن الْمُنِير هُوَ الْأَوْجه من وضع تَرْجَمَة لحَدِيث لم يُورِدهُ، وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَدِينِيّ، واسماعيل بن ابراهيم هُوَ ابْن علية. قَالَ إِسمَاعِيلُ فَذَكَرْتُهُ لَاِيوبَ فَقَالَ: إِلَّا الإقامةَ اسماعيل هَذَا هُوَ الْمَذْكُور فِي أول الإِسناد. قَوْله: (فَذَكرته) أَي: الحَدِيث هَكَذَا بالضمير فِي رِوَايَة الأَصيلي والكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فَذكرت) ، بِحَذْف الضَّمِير الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ أَرَادَ أَنه: زَاد فِي اخر الحَدِيث هَذَا الِاسْتِثْنَاء وَأَرَادَ بِهِ قَوْله: (قد قَامَت الصَّلَاة مرَّتَيْنِ) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الْمَالِكِيَّة: عمل أهل الْمَدِينَة خلفا عَن سلف على إِفْرَاد الْإِقَامَة، وَلَو صحب زِيَادَة أَيُّوب وَمَا رَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ من تَثْنِيَة الْإِقَامَة جَازَ أَن يكون ذَلِك فِي وَقت مَا، ثمَّ ترك لعمل أهل الْمَدِينَة على الآخر الَّذِي اسْتَقر الإمر عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب: أَن زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة وَحجَّة بِلَا خلاف، وَأما عمل أهل الْمَدِينَة فَلَيْسَ بِحجَّة، مَعَ أَنه معَارض بِعَمَل أهل مَكَّة وَهِي مجمع الْمُسلمين فِي المواسم وَغَيرهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا الحَدِيث حجَّة على من زعم أَن الْإِقَامَة مثنى مثنى، مثل الْأَذَان، وَأجَاب بعض الْحَنَفِيَّة بِدَعْوَى النّسخ، وَأَن إِفْرَاد الْإِقَامَة كَانَ أَولا ثمَّ نسخ بِحَدِيث أبي مَحْذُورَة، يَعْنِي: الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن، وَفِيه تَثْنِيَة الْإِقَامَة، وَهُوَ مُتَأَخّر عَن حَدِيث أنس، وعورض بِأَن فِي بعض طرق حَدِيث أبي مَحْذُورَة المحسنة التربيع والترجيع، فَكَانَ يلْزمهُم القَوْل بِهِ، وَقد أنكر أَحْمد على من ادّعى النّسخ بِحَدِيث أبي مَحْذُورَة، وَاحْتج بِأَن النَّبِي ﷺ رَجَعَ بعد الْفَتْح إِلَى الْمَدِينَة، وَأقر بِلَالًا على إِفْرَاد الْإِقَامَة، وَعلمه سعد الْقرظ فَأذن بِهِ بعده، كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم، قلت: الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الرَّحْمَن

стр. 1360

ابْن أبي ليلى عَن عبد الله بن زيد، قَالَ: (كَانَ أَذَان رَسُول الله ﷺ شفعا شفعا فِي الْأَذَان وَالْإِقَامَة) حجَّة على هَذَا الْقَائِل بقوله: وَهَذَا الحَدِيث حجَّة على من زعم أَن الْإِقَامَة مثنى مثنى مثل الْأَذَان، وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَلَفظه: فَعلمه الْأَذَان وَالْإِقَامَة مثنى مثنى، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : كل هَذِه حجَّة عَلَيْهِ وعَلى إِمَامه، وَأما الْجَواب عَن وَجه ترك الترجيع وَوجه النّسخ فقد ذَكرْنَاهُ. ٤ - (بابُ فَضْلِ التَّأذِينِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل التأذين، وَهُوَ مصدر: أذن، بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مَخْصُوص فِي الِاسْتِعْمَال بإعلام وَقت الصَّلَاة، وَمِنْه أَخذ أَذَان الصَّلَاة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: والأذين مثله، وَقد أذن أذانا، وَأما الإيذان فَهُوَ من اذن على وزن: أفعل وَمَعْنَاهُ: الْإِعْلَام مُطلقًا، وَإِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ: بَاب فضل التأذين، وَلم يقل: بَاب فضل الْأَذَان، مُرَاعَاة للفظ الحَدِيث الْوَارِد فِي الْبَاب، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: وَحَقِيقَة الْأَذَان جَمِيع مَا يصدر عَن الْمُؤَذّن من قَول وَفعل وهيئة. قلت: لَا نسلم هَذَا الْكَلَام، لِأَن التأذين مصدر، فَلَا يدل إِلَّا على حُدُوث فعل فَقَط. ٦٠٨٨ - حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رسولَ الله ﷺ قَالَ إِذا نُودِي لِلصلَاةِ أدْبَرَ الشَّيْطانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التِّأْذِينَ فإِذا قَضَى النِّدَاءَ أقْبَلَ حَتَّى إِذا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أدْبَرَ حَتَّى إِذا قَضَى التَّثْوِيبَ أقبَلَ حَتَّى يَخْطرَ بَيْنَ المَرْءِ ونَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كمْ صَلَّى. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ هروب الشَّيْطَان عَن الْأَذَان، فَإِن الْأَذَان لَو لم يكن لَهُ فضل عَظِيم يتَأَذَّى مِنْهُ الشَّيْطَان لم يهرب مِنْهُ، فَمن حُصُول هَذَا الْفضل للتأذين يحصل أَيْضا للمؤذن، فَإِنَّهُ لَا يقوم إلَاّ بِهِ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون المخففة، واسْمه: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا نُودي للصَّلَاة) أَي: إِذا أذن لأجل الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: (إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ) ، وَقَالَ بَعضهم: وَيُمكن حملهَا على معنى وَاحِد، وَسكت على هَذَا وَلم يبين وَجه الْحمل مَا هُوَ؟ قلت: تكون الْبَاء للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فكلَاّ أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ (العنكبوت: ٤٠) . أَي: بِسَبَب ذَنبه، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى هَهُنَا: بِسَبَب الصَّلَاة، وَمعنى التَّعْلِيل قريب من معنى السَّبَبِيَّة. قَوْله: (أدبر الشَّيْطَان) الإدبار: نقيض الإقبال، يُقَال دبر وَأدبر إِذا ولى، وَالْألف وَاللَّام فِي: الشَّيْطَان، للْعهد، وَالْمرَاد: الشَّيْطَان الْمَعْهُود. قَوْله: (لَهُ ضراط) جملَة اسمية وَقعت حَالا، وَالْأَصْل فِيهَا أَن تكون بِالْوَاو، وَقد تقع بِلَا: وَاو، نَحْو: كَلمته فوه إِلَى فِي، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: بِالْوَاو، على الأَصْل، وَكَذَا وَقع للْبُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق. وَقَالَ عِيَاض: يُمكن حمله على ظَاهره لِأَنَّهُ جسم منفذ يَصح مِنْهُ خُرُوج الرّيح. قلت: هَذَا تَمْثِيل لحَال الشَّيْطَان عِنْد هروبه من سَماع الْأَذَان بِحَال من خرقه أَمر عَظِيم، واعتراه خطب جسيم، حَتَّى لم يزل يحصل لَهُ الضراط من شدَّة مَا هُوَ فِيهِ، لِأَن الْوَاقِع فِي شدَّة عَظِيمَة من خوف وَغَيره تسترخي مفاصله وَلَا يقدر على أَن يملك نَفسه، فينفتح مِنْهُ مخرج الْبَوْل وَالْغَائِط. وَلما كَانَ الشَّيْطَان لَعنه الله يَعْتَرِيه شدَّة عَظِيمَة وداهية جسيمة عِنْد النداء إِلَى الصَّلَاة فيهرب حَتَّى لَا يسمع الْأَذَان، شبه حَاله بِحَال ذَلِك الرجل، وَأثبت لَهُ على وَجه الادعاء الضراط الَّذِي ينشأ من كَمَال الْخَوْف الشَّديد. وَفِي الْحَقِيقَة ماثم ضراط، وَلَكِن يجوز أَن يكون لَهُ ريح، لِأَنَّهُ روح، وَلَكِن لم تعرف كيفيته. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: شبه شغل الشَّيْطَان نَفسه عِنْد سَماع الْأَذَان بالصوت الَّذِي يمْلَأ السّمع ويمنعه عَن سَماع غَيره، ثمَّ سَمَّاهُ: ضراطا تقبيحا لَهُ. فَإِن قلت: كَيفَ يهرب من الْأَذَان وَلَا يهرب من قِرَاءَة الْقرَان، وَهِي

стр. 1361

أفضل من الْأَذَان؟ قلت: إِنَّمَا يهرب من الْأَذَان حَتَّى لَا يشْهد بِمَا سَمعه إِذا اسْتشْهد يَوْم الْقِيَامَة، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الحَدِيث: (لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس وَلَا شَيْء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة) . والشيطان أَيْضا شَيْء أَو هُوَ دَاخل فِي الْجِنّ، لِأَنَّهُ من الْجِنّ. فَإِن قلت: إِنَّه يدبر لعظم أَمر الْأَذَان لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من قَوَاعِد الدّين وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وإعلانه. وَقيل: ليأسه من وَسْوَسَة الْإِنْسَان عِنْد الإعلان بِالتَّوْحِيدِ. فَإِن قلت: كَيفَ يهرب من الْأَذَان وَيَدْنُو من الصَّلَاة وفيهَا الْقرَان ومناجاة الْحق؟ قلت: هروبه من الآذان ليأسه من الوسوسة، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي الصَّلَاة، يفتح لَهُ أَبْوَاب الوساوس. قَوْله: (حَتَّى لَا يسمع التأذين) ، الظَّاهِر أَن هَذِه الْغَايَة لاجل إدباره، وَقَالَ بَعضهم: ظَاهره أَنه يتَعَمَّد إِخْرَاج ذَلِك إِمَّا ليشتغل بِسَمَاع الصَّوْت الَّذِي يُخرجهُ عَن سَماع الْمُؤَذّن، وَإِمَّا أَنه يصنع ذَلِك اسْتِخْفَافًا كَمَا يَفْعَله السُّفَهَاء قلت: الظَّاهِر كَمَا ذكرنَا، لِأَنَّهُ وَقع بَيَان الْغَايَة فِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث جَابر، فَقَالَ: حَتَّى يكون مَكَان الروحاء، وَحكى الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان رِوَايَة عَن جَابر أَن بَين الْمَدِينَة والروحاء سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا، قَوْله: (فَإِذا قضي النداء) ، بِضَم الْقَاف على صِيغَة الْمَجْهُول، أسْند الى فَاعله وَهُوَ النداء الْقَائِم مقَام الْمَفْعُول، وَرُوِيَ على صِيغَة الْمَعْلُوم وَيكون الْفَاعِل هُوَ الضَّمِير فِيهِ، وَهُوَ الْمُؤَذّن، والنداء مَنْصُوب على المفعولية، وَالْقَضَاء يَأْتِي لمعان كَثِيرَة، وَهَهُنَا بِمَعْنى: الْفَرَاغ. تَقول: قضيت حَاجَتي أَي: فرغت مِنْهَا أَو بِمَعْنى الِانْتِهَاء. قَوْله: (اقبل) زَاد مُسلم فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: (فوسوس) قَوْله: (حَتَّى إِذا ثوب بِالصَّلَاةِ) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْوَاو الْمَكْسُورَة، أَي: حَتَّى إِذا أقيم للصَّلَاة، والتثويب هَهُنَا الْإِقَامَة، والعامة لَا تعرف التثويب إِلَّا قَول الْمُؤَذّن فِي صَلَاة الْفجْر: الصَّلَاة خير من النّوم، حسب، وَمعنى التثويب فِي الأَصْل الْإِعْلَام بالشَّيْء والإنذار بِوُقُوعِهِ، وَأَصله أَن يلوح الرجل لصَاحبه بِثَوْبِهِ فيديره عِنْد أَمر يرهقه من خوف أَو عَدو، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي كل إِعْلَام يجْهر بِهِ صَوت، وَإِنَّمَا سميت الْإِقَامَة: تثويبا، لِأَنَّهُ عود إِلَى النداء، من: ثاب إِلَى كَذَا إِذا عَاد إِلَيْهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ثوَّب بِالصَّلَاةِ أَي: أَقَامَ لَهَا، وَأَصله أَنه رَجَعَ إِلَى مَا يشبه الْأَذَان، وكل مردد صَوتا فَهُوَ مثوب، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: (فَإِذا سمع الْإِقَامَة ذهب) . قَوْله: (حَتَّى يخْطر) ، بِضَم الطَّاء وَكسرهَا، وَقَالَ عِيَاض: ضبطناه من المتقنين بِالْكَسْرِ، وسمعناه من أَكثر الروَاة بِالضَّمِّ، قَالَ: وَالْكَسْر هُوَ الْوَجْه، وَمَعْنَاهُ: يوسوس، من قَوْلهم: خطر الْفَحْل بِذَنبِهِ إِذا حركه يضْرب بِهِ فَخذيهِ، وَأما الضَّم، فَمن المروراي: يدنو مِنْهُ فِيمَا بَينه وَبَين قلبه فيشغله عَمَّا هُوَ فِيهِ، وَبِهَذَا فسره السراج، وبالأول فسره الْخَلِيل، وَقَالَ الْبَاجِيّ: فيحول بَين الْمَرْء وَمَا يُرِيد يحاول من نَفسه من إقباله على صلَاته وإخلاصه. قَالَ الهجري فِي (نوادره) : يخْطر، بِالْكَسْرِ، فِي كل شَيْء، وبالضم ضَعِيف. قَوْله: (بَين الْمَرْء وَنَفسه) أَي: قلبه، وَكَذَا وَقع للْبُخَارِيّ من وَجه اخر فِي بَدْء الْخلق: وَبِهَذَا التَّفْسِير يحصل الْجَواب عَمَّا قيل: كَيفَ يتَصَوَّر خطورة بَين الْمَرْء وَنَفسه، وهما عبارتان عَن شَيْء وَاحِد؟ وَقد يُجَاب بِأَن يكون تمثيلاً لغاية الْقرب مِنْهُ. قَوْله: (أذكر كَذَا أذكر كَذَا) ، هَكَذَا هُوَ بِلَا وَاو الْعَطف فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة بواو الْعَطف (اذكر كَذَا وَاذْكُر كَذَا) و: كَذَا، فِي رِوَايَة مُسلم وللبخاري أَيْضا فِي صَلَاة السَّهْو، وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة عبد ربه عَن الْأَعْرَج، (فهناه ومناه وَذكره من حَاجته مَا لم يكن يذكر) . قَوْله: (لما لم يذكر) أَي: لشَيْء لم يكن على ذكره قبل دُخُوله فِي الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (لما لم يذكر من قبل) . قَوْله: (حَتَّى يظل الرجل) ، بِفَتْح الظَّاء أَي: حَتَّى يصير الرجل مَا يدْرِي كم صلى من الرَّكْعَات، ويسهو، وَرِوَايَة الْجُمْهُور بِالطَّاءِ المثالة الْمَفْتُوحَة وَمَعْنَاهُ فِي الأَصْل ... الْمخبر عَنهُ بالْخبر نَهَارا لَكِنَّهَا هَهُنَا بِمَعْنى يصير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ظلّ وَجهه﴾ وَقيل مهناه يبْقى ويدوم وَوَقع عِنْد الْأَصْلِيّ (يضل) بالضاد الْمَكْسُورَة أَي ينسى وَيذْهب وهمه ويسهو قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَن تضل أَحدهمَا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَقَالَ ابْن قرقول: وَحكى الدَّاودِيّ أَنه رُوِيَ: يضل ويضل، من الضلال وَهُوَ الْحيرَة. قَالَ: وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل أشهر، وَقَالَ الْقشيرِي: وَلَو روى هَذَا الرجل حَتَّى يضل الرجل لَكَانَ وَجها صَحِيحا، يُرِيد: حَتَّى يضل الشَّيْطَان الرجل عَن درايته كم صلى؟ قَالَ: لَا أعلم أحدا رَوَاهُ، لكنه لَو رُوِيَ لَكَانَ وَجها صَحِيحا فِي الْمَعْنى، غير خَارج عَن مُرَاد النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي صَلَاة السَّهْو: إِن يدْرِي كم صلى) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد. وَكلمَة: إِن، بِالْكَسْرِ، نَافِيَة بِمَعْنى: مَا يدْرِي، قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا، قَالَ: وَهِي رِوَايَة ابْن عبد الْبر، وَادّعى أَنَّهَا رِوَايَة أَكْثَرهم، وَكَذَا ضَبطه الْأصيلِيّ فِي

стр. 1362

(كتاب البُخَارِيّ) ، وَالصَّحِيح الْكسر، قلت: الْفَتْح إِنَّمَا يتَوَجَّه على رِوَايَة: يضل، بالضاد فَيكون: أَن، مَعَ الْفِعْل بعْدهَا بِتَأْوِيل الْمصدر، أَي: يجهل درايته وينسى عدد ركعاته. فَإِن قلت: ثَبت لَهُ الضراط فِي إدباره الأول وَلم يثبت فِي الثَّانِي؟ قلت: لِأَن الشدَّة فِي الأول تلْحقهُ على سَبِيل الْغَفْلَة فَيكون أعظم، أَو يكون اكْتفى بِذكرِهِ فِي الأول عَن ذكره فِي الثَّانِي. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْأَذَان لَهُ فضل عَظِيم حَتَّى يلْحق الشَّيْطَان مِنْهُ أَمر عَظِيم، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْمُؤَذّن، لَهُ أجر عَظِيم، إِذْ كَانَ أَذَانه احتسابا لله تَعَالَى، وَفِي (صَحِيح) ، ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان:) الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مد صَوته، ويستغفر لَهُ كل رطب ويابس، وَشَاهد الصَّلَاة يكْتب لَهُ خمس وَعِشْرُونَ حَسَنَة وَيكفر عَنهُ مَا بَينهمَا) وَعند أَحْمد: (ويصدقه كل رطب ويابس سَمعه) ، وَعند أبي الشَّيْخ: (كل مَدَرَة وصخرة سَمِعت صَوته) . وَفِي كتاب (الْفَضَائِل) لحميد بن زَنْجوَيْه. من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (يكْتب الْمُؤَذّن عِنْد أَذَانه أَرْبَعُونَ وَمِائَة حَسَنَة، وَعند الأقامة عشرُون وَمِائَة حَسَنَة) ، وَفِي كتاب أبي الْقَاسِم الْجَوْزِيّ عَن أبي سعيد، وَغَيره: (ثَلَاثَة يَوْم الْقِيَامَة على كثب من مسك أسود لَا يهولهم فزع وَلَا ينالهم حِسَاب) . الحَدِيث، وَفِيه: (رجل أذن ودعا إِلَى الله عزوجل ابْتِغَاء وَجه الله تَعَالَى) وَعند السراج عَن أبي هُرَيْرَة بِسَنَد جيد: (المؤذنون أطول أعناقا، لقَولهم: لَا إِلَه إِلَّا الله،) . وَفِي لفظ: (يعْرفُونَ بطول أَعْنَاقهم يَوْم الْقِيَامَة) ، أخرجه أَيْضا ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) . وَعند أبي الشَّيْخ (من أذن خمس صلوَات إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) ، وَفِي (كتاب الصَّحَابَة) لأبي مُوسَى من حَدِيث كثير بن مرّة الْحَضْرَمِيّ مَرْفُوعا: (أول من يكسى من حلل الْجنَّة بعد النَّبِيين، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالشُّهَدَاء: بِلَال وَصَالح المؤذنين) . وَفِي كتاب (شعب الْإِيمَان) للبيهقي، من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة: عَن أبي يعِيش السكونِي عَن عبَادَة بن نسي يرفعهُ: (من حَافظ على النداء بِالْأَذَانِ سنة أوجب الْجنَّة) ، وَعند أبي أَحْمد بن عدي، من حَدِيث عمر بن حَفْص الْعَبْدي، وَهُوَ مَتْرُوك، عَن ثَابت عَن أنس: (يَد الله تَعَالَى على رَأس الْمُؤَذّن حَتَّى يفرغ من أَذَانه، أَو أَنه ليغفر لَهُ مد صَوته واين بلغ) . زَاد أَبُو الشَّيْخ من حَدِيث النُّعْمَان: (فَإِذا فرغ قَالَ الرب تَعَالَى: صدقت عَبدِي وَشهِدت شَهَادَة الْحق فأبشر) . وَعند أبي الففرج (يحْشر المؤذنون) على نُوق من نُوق الْجنَّة يخَاف النَّاس وَلَا يخَافُونَ ويحزن النَّاس وَلَا يَحْزَنُونَ وَعند ابي الشَّيْخ من حَدِيث أبي مُوسَى: (يبْعَث يَوْم الْجُمُعَة زاهرا منيرا وَأهل الْجنَّة محفوفون بِهِ كالعروس تهدى إِلَى بَيت زَوجهَا، لَا يخالطهم إلَاّ المؤذنون المحتسبون) . وَحَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (قيل: يَا رَسُول الله! مَن أول النَّاس دُخُولا الْجنَّة؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاء، ثمَّ الشُّهَدَاء، ثمَّ مؤذنوا الْكَعْبَة، ثمَّ مؤذنوا بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ مؤدنوا مَسْجِدي هَذَا، ثمَّ سَائِر المؤذنين) ، سندهما صَالح، وَحَدِيث أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت فِيهَا جنابذ اللُّؤْلُؤ، فَقلت: لمن هَذَا يَا جِبْرِيل؟ فَقَالَ: للمؤذنين وَالْأَئِمَّة من أمتك) ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَعند عبد الرَّزَّاق: من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن عمار بن سعد الْمُؤَذّن عَن صَفْوَان بن سليم عَن أنس رَفعه: (إِذا أذن فِي قَرْيَة أمنها الله تَعَالَى من عَذَابه ذَلِك الْيَوْم) . وَعند السراج بِسَنَد صَحِيح: (الإِمَام ضَامِن، والمؤذن مؤتمن أللهم أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين) . وَمن هَذَا أَخذ الشَّافِعِي أَن الْأَذَان أفضل من الْإِمَامَة، وَعِنْدنَا الْإِمَامَة أفضل لِأَنَّهَا وَظِيفَة النَّبِي ﷺ . وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن السَّهْو الَّذِي يحصل للْمُصَلِّي فِي صلَاته من وَسْوَسَة الشَّيْطَان. ٥ - (بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بالنِّدَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الصَّوْت بالنداء، أَي: رفع الْمُؤَذّن صَوته بِالْأَذَانِ، قَالَ ابْن الْمُنِير: لم ينص على حكم رفع الصَّوْت لِأَنَّهُ من صفة الْأَذَان، وَهُوَ لم ينص فِي أصل الْأَذَان على حكم، قلت: هُوَ فِي الْحَقِيقَة صفة الْمُؤَذّن لَا صفة الْأَذَان، وَلَا يحْتَاج إِلَى نَص الحكم ظَاهرا، لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على أَن المُرَاد ثَوَاب رفع الْمُؤَذّن صَوته، فَيكون تَقْدِير كَلَامه: بَاب فِي بَيَان ثَوَاب رفع الْمُؤَذّن صَوته عِنْد الْأَذَان، كَمَا ترْجم النَّسَائِيّ: بَاب الثَّوَاب على رفع الصَّوْت بِالْأَذَانِ. وَقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ أذانْ أذانا سمْحا وإلاِّ فاعْتَزِلْنَا مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة، مَا قَالَه الدَّاودِيّ: لَعَلَّ هَذَا الْمُؤَذّن لم يكن يحسن مد الصَّوْت إِذا رفع بِالْأَذَانِ فَعلمه، وَلَيْسَ

стр. 1363

أَنه نَهَاهُ عَن رفع الصَّوْت، قلت: كَأَنَّهُ كَانَ يطرب فِي صَوته ويتنغم، وَلَا ينظر إِلَى مد الصَّوْت مُجَردا عَن ذَلِك، فَأمره عمر بن عبد الْعَزِيز بالسماحة. وَهِي: السهولة، وَهُوَ أَن يسمح بترك التطريب ويمد صَوته، وَيدل على ذَلِك مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ لين من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (أَنه ﷺ كَانَ لَهُ مُؤذن يطرب، فَقَالَ لَهُ ﷺ : الْمُؤَذّن سهل سمح، فَإِن كَانَ أذانك سهلاً سَمحا وإلَاّ فَلَا تؤذن) ، وَيحْتَمل أَن هَذَا الْمُؤَذّن لم يكن يفصح فِي كَلَامه، ويغمغم فَأمره عبد الْعَزِيز بالسماحة فِي أَذَانه، وَهِي: ترك الغمغمة بِإِظْهَار الفصاحة، وَهَذَا لَا يكون إِلَّا بِمد الصَّوْت بحدة. وروى مجاشع عَن هَارُون بن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يُؤذن لكم إلَاّ فصيح) ، وَقَالَ ابْن عدي: هَارُون هَذَا لَا يعرف، وَأما التَّعْلِيق الْمَذْكُور فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عمر بن سعد عَن أبي الْحسن: أَن مُؤذنًا أذن فطرب لَهُ فِي أَذَانه، فَقَالَ لَهُ عمر ابْن عبد الْعَزِيز: أذن أذانا سَمحا وإلَاّ فاعتزلنا. قَوْله: (أذن) بِلَفْظ الْأَمر من الْفِعْل، وَهُوَ خطاب لمؤذنه. قَوْله: (سَمحا) أَي: سهلا بِلَا نغمات وتطريب. قَوْله: (فاعتزلنا أَي: فاترك منصب الْأَذَان. ٦٠٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بنِ عَبْدِ الله بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعْة الأنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيِّ عنْ أبِيهِ أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ إنِّي أراكَ تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ فَإذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بالصَّلَاةِ فارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤذِّنٌّ جِنُّ ولَا إنْسٌ ولَا شَيْءٌ إلأَّ شَهِدَ لهُ يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ أبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ منْ رَسُولِ الله ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فارفع صَوْتك بالنداء) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، بالمهملات المفتوحات إِلَّا الْعين الأولى، فَإِنَّهَا سَاكِنة: الْأنْصَارِيّ الْمَازِني: بالزاي وَالنُّون، مَاتَ فِي خلَافَة أبي جَعْفَر، وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى جده، وَاسم أبي صعصعة: عَمْرو بن زيد بن عَوْف مبذول بن عَمْرو بن غنم بن مَازِن بن النجار، مَاتَ أَبُو صعصعة فِي الْجَاهِلِيَّة وَابْنه عبد الرَّحْمَن صَحَابِيّ. الرَّابِع: أَبوهُ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الإِفراد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ذكر الْجِنّ عَن قُتَيْبَة، وَفِي التَّوْحِيد عَن اسماعيل وَعَن ابي نعيم عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة عَن أَبِيه. ذكره خلف وَحده، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم، لم أَجِدهُ وَلَا ذكره أَبُو مَسْعُود، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي صعصعة عَن أَبِيه عَن أبي سعيد بِهِ، كَذَا يَقُول سُفْيَان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ لَهُ) ، أَي: قَالَ أَبُو سعيد لعبد الله بن عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (والبادية) ، أَي: وتحب الْبَادِيَة أَيْضا لأجل الْغنم، لِأَن محب الْغنم يحْتَاج إِلَى إصلاحها بالمرعى، وَهُوَ فِي الْغَالِب يكون فِي الْبَادِيَة، وَهِي الصَّحرَاء الَّتِي لَا عمَارَة فِيهَا. قَوْله: (فَإِذا كنت فِي غنمك) ، أَي: بَين غنمك، وَكلمَة: فِي، تَأتي بِمَعْنى بَين، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فادخلي فِي عبَادي﴾ (الْفجْر: ٢٩) . وَفِي (الْمُخَصّص) : الْغنم جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. وَقَالَ ابو حَاتِم: وَهِي انثى. وَعَن صَاحب (الْعين) : الْجمع أَغْنَام وأغانم وغنوم. وَفِي (الْمُحكم) : ثنوه فَقَالُوا: غنمان. وَفِي (الْجَامِع) : هُوَ اسْم لجمع الضَّأْن والمعز. وَفِي (الصِّحَاح) : مَوْضُوع للْجِنْس يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث وَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا. قَوْله: (أَو باديتك) كلمة: أَو، هُنَا يحْتَمل أَن تكون للشَّكّ من الرَّاوِي، أَو تكون للتنويع، لِأَنَّهُ قد يكون فِي غنم بِلَا بادية، وَقد يكون فِي بادية بِلَا غنم، وَقد يكون فيهمَا مَعًا. وَقد لَا يكون فيهمَا مَعًا، وعَلى كل حَال لَا يتْرك الْأَذَان. قَوْله: (فَأَذنت للصَّلَاة) أَي: لأجل

стр. 1364

الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق: (بِالصَّلَاةِ) ، وَالْبَاء للسَّبَبِيَّة ومعناهما قريب. قَوْله: (بالنداء) أَي: الْأَذَان. قَوْله: (مدى صَوت) ، أَي: لَا يسمع غَايَة صَوت الْمُؤَذّن. قَالَ التوربشتي: إِنَّمَا ورد الْبَيَان على الْغَايَة مَعَ حُصُول الْكِفَايَة بقوله: (لَا يسمع صَوت الْمُؤَذّن) ، تَنْبِيها على أَن آخر مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ صَوته يشْهد لَهُ كَمَا يشْهد لَهُ الْأَولونَ. وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: غَايَة الصَّوْت تكون أخْفى لَا محَالة. فَإِذا شهد لَهُ من بعد عَنهُ وَوصل إِلَيْهِ هَمس صَوته فَلِأَنَّهُ يشْهد لَهُ من هُوَ أدنى مِنْهُ وَسمع مبادي صَوته أولى. قَوْله: (لَا شَيْء) هَذَا من عطف الْعَام على الْخَاص، لَان الْجِنّ وَالْإِنْس يدخلَانِ فِي: شَيْء، وَهُوَ يَشْمَل الْحَيَوَانَات والجمادات. قيل: إِنَّه مَخْصُوص بِمن تصح مِنْهُ الشَّهَادَة مِمَّن يسمع: كالملائكة، نَقله الْكرْمَانِي. وَقيل: المُرَاد بِهِ كل مَا يسمع الْمُؤَذّن من الْحَيَوَان حَتَّى مَا لَا يعقل دون الجمادات. وَقيل: عَام حَتَّى فِي الجمادات أَيْضا، وَالله تَعَالَى يخلق لَهَا إدراكا وعقلاً، وَهُوَ غير مُمْتَنع عقلا وَلَا شرعا. وَقَالَ ابْن بزيزة: تقرر فِي الْعَادة أَن السماع وَالشَّهَادَة وَالتَّسْبِيح لَا يكون إِلَّا من حَيّ، فَهَل ذَلِك إلَاّ حِكَايَة على لِسَان الْحَال؟ لِأَن الموجودات ناطقة بِلِسَان حَالهَا بِجلَال باريها. قَوْله: (إلَاّ شهد لَهُ) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إلَاّ يشْهد لَهُ) . وَالْمرَاد من الشَّهَادَة ﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ (النِّسَاء: ٧٩ و ١٦٦، الْفَتْح: ٢٨) . اشتهاره يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا بَينهم بِالْفَضْلِ وعلو الدرجَة، وكما أَن الله يفضح قوما بِشَهَادَة الشَّاهِدين، كَذَلِك يكرم قوما بهَا، تجميلاً لَهُم وتكميلاً لسرورهم وتطمينا لقُلُوبِهِمْ قَوْله: (سمعته من رَسُول الله، ﷺ قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: سَمِعت هَذَا الْكَلَام الْأَخير، وَهُوَ قَوْله: (فَإِنَّهُ لَا يسمع) إِلَى آخِره. قلت: أَشَارَ بذلك إِلَى أَن من قَوْله: (إِنِّي أَرَاك) ، إِلَى قَوْله: (فَإِنَّهُ لَا يسمع) ، مَوْقُوف، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة وَلَفظه: (قَالَ أَبُو سعيد: إِذا كنت فِي الْبَوَادِي فارفع صَوْتك بالنداء فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن) فَذكره، وَرَوَاهُ يحيى الْقطَّان أَيْضا عَن مَالك بِلَفْظ: (أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: إِذا أَذِنت فارفع صَوْتك فَإِنَّهُ لَا يسمع) فَذكره، وَقد أورد الْغَزالِيّ والرافعي وَالْقَاضِي حُسَيْن هَذَا الحَدِيث وجعلوه كُله مَرْفُوعا، وَلَفظه: (أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ لأبي سعيد: إِنَّك رجل تحب الْغنم) . وساقوه إِلَى آخِره، ورده النَّوَوِيّ، وتصدى ابْن الرّفْعَة للجواب عَنْهُم بِأَنَّهُم فَهموا أَن قَول أبي سعيد: سمعته من رَسُول الله ﷺ ، يرجع إِلَى كل مَا ذكر، وَالصَّوَاب مَعَ النَّوَوِيّ لما ذَكرْنَاهُ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: اسْتِحْبَاب رفع الصَّوْت بِالْأَذَانِ ليكْثر من يشْهد لَهُ وَلَو أذن على مَكَان مُرْتَفع ليَكُون أبعد لذهاب الصَّوْت، وَكَانَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يُؤذن على بَيت امْرَأَة من بني النجار، بَيتهَا أطول بَيت حول الْمَسْجِد. وَفِيه: الْعُزْلَة عَن النَّاس خُصُوصا فِي أَيَّام الْفِتَن. وَفِيه: اتِّخَاذ الْغنم وَالْمقَام بالبادية، وَهُوَ من فعل السّلف. وَفِيه: أَن أَذَان الْمُنْفَرد مَنْدُوب، وَلَو كَانَ فِي بَريَّة، لِأَنَّهُ إِن لم يحضر من يُصَلِّي مَعَه يحصل لَهُ شَهَادَة من سَمعه من الْحَيَوَانَات والجمادات. وَللشَّافِعِيّ فِي أَذَان الْمُنْفَرد ثَلَاثَة أَقْوَال: أَصَحهَا: نعم، لحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ هَذَا، وَالثَّانِي: وَهُوَ الْقَدِيم: لَا ينْدب لَهُ لِأَن الْمَقْصُود من الْأَذَان والإبلاغ والإعلام، وَهَذَا لَا يَنْتَظِم فِي الْمُنْفَرد. وَالثَّالِث: أَن رجى حُضُور جمَاعَة أذن لإعلامهم، وإلَاّ فَلَا، وَحمل حَدِيث أبي سعيد على أَنه كَانَ يَرْجُو حُضُور غلمانه. وَفِيه: أَن الْجِنّ يسمعُونَ أصوات بني آدم. وَفِيه: أَن بعض الْخلق يشْهد لبَعض. ٦ - (بابُ مَا يُحْقَنُ بِالآذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يمْنَع من الدِّمَاء بِسَبَب الْأَذَان، يُقَال: حقنت لَهُ دَمه أَي: منعت من قَتله وإراقته، أَي: جمعته لَهُ وحبسته عَلَيْهِ، وأصل الحقن الْحَبْس، وَمِنْه الحاقن لِأَنَّهُ يحبس بَوْله أَو غائطه فِي بَطْنه، وَمِنْه: حقن اللَّبن، إِذا حَبسه فِي السقاء، والدماء جمع: دم. ٦١٠ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَس بن مَالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذا غَزَا بِنَا قوْما لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ ويَنْظُرَ فإنْ سَمِعَ

стр. 1365

أذَانا كَفَّ عَنْهُمْ وإنْ لَمْ يَسْمَعْ أذَانا أغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ فَخَرَجْنَا إلَى خَيْبَرَ فانْتَهَيْنَا إلَيْهِمْ لَيْلاً فلَمَّا أصْبَحَ ولَمْ يَسْمَعْ أذَانا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أبي طلْحَةَ وإنَّ قَدَمي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فَخَرَجُوا إلَيْنَا بِمَكاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فلَمَّا رَأُوا النبيَّ ﷺ قَالُوا مُحَمَّدٌ واللَّهِ مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ قَالَ فَلَمَّا رَآهُمُ رسولُ الله ﷺ قالَ الله أكبرُ الله أكبرُ خَربَتْ خَيْبَرُ إنَّا إِذا نَزَلْنا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد سبق فِي: بَاب خوف الْمُؤمن أَن يحبط عمله، وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ، وَحميد الطَّوِيل. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة فِي الْجِهَاد، وروى مُسلم طرفه الْمُتَعَلّق بِالْأَذَانِ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُغير إِذا طلع الْفجْر وَكَانَ يستمع الْأَذَان، فَإِن سمع الْأَذَان أمسك وإلَاّ أغار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا غزا بِنَا) أَي: مصاحبا، فالباء للمصاحبة. قَوْله: (لم يَغْزُو بِنَا) قَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ خمس نسخ. قلت: الأولى: لم يَغْزُو، من: غزا يغزوا غزوا، وَالِاسْم: الْغُزَاة، وَكَانَ الأَصْل فِيهِ إِسْقَاط: الْوَاو عَلامَة، للجزم، وَلكنه على بعض اللُّغَات، وَهُوَ عدم إِسْقَاط الْوَاو، وإخراجه عَن الأَصْل. ثمَّ قيل: هَذِه لُغَة، وَقيل: ضَرُورَة، وَلَا ضَرُورَة إلَاّ فِي الشّعْر كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (لم تهجو وَلم تدع) ووروده هَكَذَا يدل على أَنَّهَا لُغَة، وَهِي، رِوَايَة كَرِيمَة. وَالثَّانيَِة: لم يغز، مَجْزُومًا على أَنه بدل من لفظ: لم يكن. وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. الثَّالِثَة: لم يُغير، من الإغارات بِإِثْبَات الْيَاء بعد الْغَيْن، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَهُوَ على غير الأَصْل. الرَّابِعَة: لم يغر من الإغارة أَيْضا لكنه على الأَصْل. الْخَامِسَة: لم يَغْدُو، بِإِسْكَان الْغَيْن وبالدال الْمُهْملَة من: الغدو، ونقيض الرواح وَهِي رِوَايَة الْكشميهني. قَوْله: (وَينظر) ، أَي: ينْتَظر. قَوْله: (فخرجنا إِلَى خَيْبَر) ، وخيبر بلغَة الْيَهُود: حصن، وَقد ذكرنَا تَحْقِيق هَذَا فِي: بَاب مَا يذكر من الْفَخْذ، فَإِن البُخَارِيّ ذكر بعض هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ غزا خَيْبَر فصلينا عِنْدهَا صَلَاة الْغَدَاة بِغَلَس، فَركب رَسُول الله ﷺ وَركب أَبُو طَلْحَة وَأَنا رَدِيف أبي طَلْحَة، فَأجرى نَبِي الله ﷺ فِي زقاق خَيْبَر، وَإِن ركبتي لتمس فَخذ نَبِي الله ﷺ ، ثمَّ حسر الْإِزَار عَن فَخذه حَتَّى كَأَنِّي أنظر إِلَى بَيَاض فَخذ نَبِي الله ﷺ ، فَلَمَّا دخل الْقرْيَة قَالَ: الله أكبر، خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين، قَالَهَا ثَلَاثًا) الحَدِيث. وَأَبُو طَلْحَة وَهُوَ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، واسْمه: زيد بن سهل، وَهُوَ زوج أم أنس. وَقَالَ ﷺ : (لصوت أبي طَلْحَة فِي الْجَيْش خير من فِئَة) ، وَرُوِيَ: (من مائَة رجل) قَوْله: (بمكاتلهم) ، هُوَ جمع: المكتل، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ: القفة، أَي: الزنبيل، والمساحي، جمع: مسحاة وَهِي: المجرفة إِلَّا أَنَّهَا من الْحَدِيد. قَوْله: (والجيش) أَي: جَاءَ مُحَمَّد والجيش، وَرُوِيَ بِالنّصب على أَنه مفعول مَعَه، ويروى (وَالْخَمِيس) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم وَهُوَ بِمَعْنى: الْجَيْش، سمي بِهِ لِأَنَّهُ خَمْسَة أَقسَام: قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة. قَوْله: (خربَتْ خَيْبَر) ، إِنَّمَا قَالَ بخرابها لما رأى فِي أَيْديهم من الات الخراب من الْمساحِي وَغَيرهَا، وَقيل: أَخذه من اسْمهَا، وَالأَصَح أَنه أعلمهُ الله تَعَالَى بذلك. قَوْله: (بِسَاحَة) الساحة: الفناء، وَأَصلهَا: الفضاء بَين الْمنَازل. قَوْله: (فسَاء) كلمة: سَاءَ، مثل: بئس، من أَفعَال الذَّم و: (صباح) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: سَاءَ و: (الْمُنْذرين) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: بَيَان أَن الْأَذَان شعار لدين الْإِسْلَام، وَأَنه أَمر وَاجِب لَا يجوز تَركه، وَلَو أَن أهل بلد اجْتَمعُوا على تَركه وامتنعوا كَانَ للسُّلْطَان قِتَالهمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: وَإِنَّمَا يحقن الدَّم بِالْأَذَانِ لِأَن فِيهِ الشَّهَادَة بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِقْرَار بِالنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: وَهَذَا لمن قد بلغته الدعْوَة، وَكَانَ يمسك عَن هَؤُلَاءِ حَتَّى يسمع الْأَذَان ليعلم أَكَانَ النَّاس مجيبين للدعوة أم لَا، لِأَن الله وعده إِظْهَار دينه على الدّين كُله، وَكَانَ يطْمع فِي إسْلَامهمْ، وَلَا يلْزم الْيَوْم الْأَئِمَّة أَن يكفوا عَمَّن بلغته الدعْوَة لكَي يسمعوا أذانا، لِأَنَّهُ قد علم غائلتهم للْمُسلمين، فَيَنْبَغِي أَن تنتهز الفرصة فيهم. وَفِيه: جَوَاز الإرداف على الدَّابَّة إِذا كَانَت مطيقة. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التبكير عِنْد لِقَاء الْعَدو. وَفِيه: جَوَاز الاستشهاد بالقران فِي الْأُمُور المحققة، وَيكرهُ مَا كَانَ على ضرب

стр. 1366

الْأَمْثَال فِي المحاورات ولغو الحَدِيث، تَعْظِيمًا لكتاب الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن الإغارة على الْعَدو يسْتَحبّ كَونهَا فِي أول النَّهَار، لِأَنَّهُ وَقت غفلتهم، بِخِلَاف ملاقاة الجيوش. وَفِيه: أَن النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ يكون إسلاما، قَالَه الْكرْمَانِي، وَفِيه خلاف مَشْهُور. ٧ - (بابُ مَا يَقُولُ إذَا سَمِعَ المُنَادِي) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الرجل إِذا سمع الْمُؤَذّن يُؤذن، إِنَّمَا لم يُوضح مَا يَقُول السَّامع لأجل الْخلاف فِيهِ، وَلكنه ذكر حديثين: أَحدهمَا: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَالْآخر: عَن مُعَاوِيَة، فَالْأول عَام، وَالثَّانِي يخصصه، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْمُرَجح عِنْده مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُوله الْمُؤَذّن إلَاّ فِي الحيعلتين، على مَا نبينه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٦١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابً عَن عَطَاءِ بنِ يِزِيدَ اللَّيْثِي عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن) ، فَهَذَا يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي قَوْله: (مَا يَقُول إِذا سمع الْمُنَادِي) ، وَقد تكَرر ذكر رِجَاله، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَعَطَاء بن يزِيد من الزِّيَادَة اللَّيْثِيّ، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب عَن مَالك وَيُونُس عَن الزُّهْرِيّ أَن عَطاء بن يزِيد أخبرهُ، أخرجه أَبُو عوانه، وَاخْتلف على الزُّهْرِيّ فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث، وعَلى مَالك أَيْضا، لكنه اخْتِلَاف لَا يقْدَح فِي صِحَّته، فَرَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ أَحْمد بن صَالح وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: حَدِيث مَالك وَمن تَابعه أصح، وَرَوَاهُ أَيْضا يحيى الْقطَّان عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد. أخرجه مُسَدّد فِي (مُسْنده) عَنهُ: وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّه خطأ، وَالصَّوَاب الرِّوَايَة الأولى. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَأَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي وَالتِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن، وَالنَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى ابْن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن زيد بن الْحباب، كلهم عَن مَالك. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (النداء) أَي: الْأَذَان. قَوْله: (فَقولُوا مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن) مثل مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: قُولُوا قولا مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: مثل قَول الْمُؤَذّن، والمثل هُوَ النظير، يُقَال: مثل وَمثل ومثيل مثل: شبه وَشبه وشبيه، والمماثلة بَين الشَّيْئَيْنِ اتحادهما فِي النَّوْع: كزيد وَعَمْرو فِي الإنسانية. وَقَالَ ابْن وضاح: قَوْله الْمُؤَذّن، مدرج والْحَدِيث: (فَقولُوا مثل مَا يَقُول) ، وَلَيْسَ فِيهِ الْمُؤَذّن، وَفِيه نظر لِأَن الإدراج لَا يثبت بِمُجَرَّد الدَّعْوَى، وَالرِّوَايَات فِي الصَّحِيحَيْنِ: (مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن) ، وَحذف صَاحب (الْعُمْدَة) لفظ: الْمُؤَذّن، لَيْسَ بِشَيْء، وَإِنَّمَا قَالَ: مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن، بِلَفْظ الْمُضَارع، وَلم يقل: مثل مَا قَالَ الْمُؤَذّن، بِلَفْظ الْمَاضِي، ليَكُون قَول السَّامع بعد كل كلمة مثل كلمتها، والصريح فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أم حَبِيبَة: (أَن النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ عِنْدهَا فَسمع الْمُؤَذّن قَالَ مثل مَا يَقُول حِين يسكت) ، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قلت: قَوْله: على شَرط الشَّيْخَيْنِ، غير جيد، لِأَن فِي سَنَده من لَيْسَ عِنْدهمَا، وَلَا عِنْد أَحدهمَا، وَهُوَ: عبد الله بن عتبَة بن أبي سُفْيَان، وَرَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر من حَدِيث أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَنْهَا، وَكَذَا أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بقوله: (فَقولُوا) أَصْحَابنَا أَن إِجَابَة الْمُؤَذّن وَاجِبَة على السامعين لدلَالَة الْأَمر على الْوُجُوب، وَبِه قَالَ ابْن وهب من أَصْحَاب مَالك، والظاهرية، أَلا ترى أَنه يجب عَلَيْهِم قطع الْقِرَاءَة وَترك الْكَلَام وَالسَّلَام ورده وكل عمل غير الْإِجَابَة؟ فَهَذَا كُله أَمارَة الْوُجُوب. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَجُمْهُور الْفُقَهَاء: الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب على الِاسْتِحْبَاب دون الْوُجُوب، وَهُوَ اخْتِيَار الطَّحَاوِيّ أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: تسْتَحب إِجَابَة الْمُؤَذّن بالْقَوْل، مثل قَوْله لكل من

стр. 1367

سَمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وَغَيرهم مِمَّن لَا مَانع لَهُ من الْإِجَابَة. فَمن أَسبَاب الْمَنْع: أَن يكون فِي الْخَلَاء، أَو جماع أَهله أَو نَحْوهَا. وَمِنْهَا: أَن يكون فِي صَلَاة، فَمن كَانَ فِي صَلَاة فَرِيضَة أَو نَافِلَة وَسمع الْمُؤَذّن لم يُوَافقهُ فِي الصَّلَاة، فَإِذا سلم أَتَى بِمثلِهِ، فَلَو فعله فِي الصَّلَاة هَل يكره؟ فِيهِ قَولَانِ للشَّافِعِيّ، فَفِي أظهرهمَا يكره، لَكِن لَا تبطل صلَاته، فَلَو قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، وَالصَّلَاة خير من النّوم، بطلت صلَاته إِن كَانَ عَالما بِتَحْرِيمِهِ، لِأَنَّهُ كَلَام آدَمِيّ، وَلَو سمع الْأَذَان وَهُوَ فِي قِرَاءَة وتسبيح وَنَحْوهمَا قطع مَا هُوَ فِيهِ وأتى بمتابعة الْمُؤَذّن، ويتابعه فِي الْإِقَامَة كالأذان إلَاّ أَنه يَقُول فِي لفظ الْإِقَامَة: أَقَامَهَا الله وأدامها، وَإِذا ثوب الْمُؤَذّن فِي صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم، قَالَ سامعه: صدقت وبررت. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يجب على السَّامع أَن يَقُول مثل مَا قَالَ الْمُؤَذّن، إلَاّ قَوْله: حَيّ على الصَّلَاة، فَإِنَّهُ يَقُول مَكَان قَوْله: حَيّ على الصَّلَاة: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم، وَمَكَان قَوْله: حَيّ على الْفَلاح: مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن، لِأَن إِعَادَة ذَلِك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وَكَذَا إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: الصَّلَاة خير من النّوم، وَلَا يَقُول السَّامع مثله، وَلَكِن يَقُول: صدقت وبررت، وَيَنْبَغِي أَن لَا يتَكَلَّم السَّامع فِي خلال الْأَذَان وَالْإِقَامَة، وَلَا يقْرَأ الْقرَان، وَلَا يسلم وَلَا يرد السَّلَام، وَلَا يشْتَغل بِشَيْء من الْأَعْمَال سوى الْإِجَابَة، وَلَو كَانَ فِي قِرَاءَة الْقرَان يقطع وَيسمع الْأَذَان ويجيب، وَفِي (فَوَائِد) الرستغفني: لَو سمع وَهُوَ فِي الْمَسْجِد يمْضِي فِي قِرَاءَته، وَإِن كَانَ فِي بَيته فَكَذَلِك، إِن لم يكن أَذَان مَسْجده، وَعَن الْحلْوانِي: لَو أجَاب اللِّسَان وَلم يمش إِلَى الْمَسْجِد لَا يكون مجيبا. وَلَو كَانَ فِي الْمَسْجِد وَلم يجب لَا يكون اثما، وَلَا تجب الْإِجَابَة على من لَا تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة، ولأجيب إيضا وَهُوَ فِي الصَّلَاة سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا. وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف أَصْحَابنَا: هَل يحْكى الْمُصَلِّي لفظ الْمُؤَذّن فِي حَالَة الْفَرِيضَة أَو النَّافِلَة أم لَا يحكيه فيهمَا، أم يَحْكِي فِي النَّافِلَة دون الْفَرِيضَة؟ على ثَلَاثَة أَقْوَال. انْتهى. ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا: هَل يَقُول عِنْد سَماع كل مُؤذن أم الأول فَقَط؟ وَسُئِلَ ظهير الدّين عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ: يجب عَلَيْهِ إِجَابَة مُؤذن مَسْجده بِالْفِعْلِ. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُغير إِذا طلع الْفجْر، وَكَانَ يستمع الْأَذَان، فَإِن سمع الْأَذَان أمسك وإلَاّ أغار. قَالَ: فَسمع رجلا يَقُول: الله أكبر الله أكبر، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ على الْفطْرَة، ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : خرجت من النَّار، فنظروا فَإِذا هُوَ راعي معزى) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عبد الله قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي بعض أَسْفَاره فَسمع مناديا وَهُوَ يَقُول: الله أكبر الله أكبر، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : على الْفطْرَة، فَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ خرجت من النَّار، فابتدرناه فَإِذا هُوَ صَاحب مَاشِيَة أَدْرَكته الصَّلَاة فَأذن لَهَا) . قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا رَسُول الله ﷺ قد سمع الْمُنَادِي يُنَادي وَقَالَ غير مَا قَالَ، فَدلَّ ذَلِك على أَن قَوْله: (إِذا سَمِعْتُمْ الْمُنَادِي فَقولُوا مثل الَّذِي يَقُول) ، إِن ذَلِك لَيْسَ على الْإِيجَاب، وَأَنه على الِاسْتِحْبَاب والندبة إِلَى الْخَيْر وإصابة الْفضل، كَمَا قد علم النَّاس من الدُّعَاء الَّذِي أَمرهم أَن يَقُولُوا فِي دبر الصَّلَوَات وَمَا أشبه ذَلِك. قلت: الْأَمر الْمُطلق الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن يدل على الْوُجُوب، وَلَا سِيمَا قد تأيد ذَلِك بِمَا رُوِيَ من الْأَخْبَار والْآثَار فِي الْحَث على الْإِجَابَة، وَقد روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عَاصِم عَن الْمسيب بن رَافع عَن عبد الله قَالَ: من الْجفَاء أَن تسمع الْمُؤَذّن ثمَّ لَا تَقول مثل مَا يَقُول. انْتهى. وَلَا يكون من الْجفَاء إِلَّا ترك الْوَاجِب، وَترك الْمُسْتَحبّ لَيْسَ من الْجفَاء، وَلَا تَاركه جَاف، وَالْجَوَاب عَن الْحَدِيثين: أَنَّهُمَا لَا يُنَافِي إِجَابَة الرَّسُول لذَلِك الْمُنَادِي بِمثل مَا قَالَ، وَيكون الرَّاوِي ترك ذكره أَو يكون الْأَمر بالإجابة بعد هَذِه الْقَضِيَّة. قَوْله: على الْفطْرَة، أَي: على الْإِسْلَام، إِذا كَانَ الْأَذَان شعارهم، وَلِهَذَا كَانَ ﷺ إِذا سمع أذانا أمسك، وَإِن لم يسمع أغار، لِأَنَّهُ كَانَ فرق مَا بَين بلد الْكفْر وبلد الْإِسْلَام. فَإِن قلت: كَيفَ يكون مُجَرّد الْقبُول بِلَا إِلَه إِلَّا الله إِيمَانًا؟ قلت: هُوَ إِيمَان بِاللَّه فِي حق الْمُشرك، وَحقّ من لم يكن بَين الْمُسلمين. أما الْكِتَابِيّ وَالَّذِي يخالط الْمُسلمين لَا يصير مُؤمنا إِلَّا بالتلفظ بكلمتي الشَّهَادَة، بل شَرط بَعضهم التبري مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ من الدّين الَّذِي يَعْتَقِدهُ. وَأما الدَّلِيل على مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا فِي الحيعلتين وَالصَّلَاة خير من النّوم، فسنذكره فِي الحَدِيث الْآتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٦١٢ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْراهِيمَ بنِ الحَارِثِ قَالَ حدَّثني عِيسَى بنْ طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْما فَقال مِثْلَهُ إلَى قَوْلِهِ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدا رسولُ الله.

стр. 1368

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام. فِي قَوْله: (مَا يَقُول إِذا سمع الْمُؤَذّن) ، وَقد قُلْنَا: إِنَّه أبهم التَّرْجَمَة لاحتمالها الْوَجْهَيْنِ، فَحَدِيث أبي سعيد أوضح الْوَجْه الأول، وَحَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا أوضح الْوَجْه الثَّانِي. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: معَاذ بن فضَالة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء، تقدم ذكره. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير، الرَّابِع: مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث الْمدنِي، مضى ذكره فِي: بَاب الصَّلَاة الْخمس كَفَّارَة. الْخَامِس: عِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي من أفاضل أهل الْمَدِينَة، مَاتَ فِي زَمَنه عمر بن عبد الْعَزِيز. السَّادِس: مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأهوازي ويماني ومدني. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ، وَلم يذكر الزِّيَادَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَقَالَ مثله) ، أَي: مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن، ويروى: بِمثلِهِ، وَهَهُنَا سَأَلَ الْكرْمَانِي سؤالين: الأول: أَن السماع لَا يَقع إِلَّا على الذوات إِلَّا إِذا وصف بالْقَوْل، وَنَحْوه، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿سمعنَا مناديا يُنَادي للْإيمَان﴾ (ال عمرَان: ١٩٣) . وَأجَاب بِأَن القَوْل مُقَدّر، أَي: سمع مُعَاوِيَة قَالَ يَوْمًا، وَلَفظ: فَقَالَ، مُفَسّر: لقَالَ الْمُقدر، وَمثل هَذِه: الْفَاء، تسمى بِالْفَاءِ التفسيرية. وَالثَّانِي: كلمة: إِلَى، للغاية، وَحكم مَا بعْدهَا خلاف مَا قبلهَا، وَيلْزم أَن لَا يَقُول فِي أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله مثله، وَأجَاب بِأَن: إِلَى، هَهُنَا بِمَعْنى: الْمَعِيَّة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٢) . سلمنَا أَنَّهَا بِمَعْنى الِانْتِهَاء، لَكِن حكمهَا متفاوت، فقد لَا تدخل الْغَايَة تَحت المغيا؟ قَالَ صَاحب (الْحَاوِي) : الْإِقْرَار بقوله من وَاحِد إِلَى عشرَة إِقْرَار بِتِسْعَة، وَقد تدخل: قَالَ الرَّافِعِيّ: هُوَ إِقْرَار بِالْعشرَةِ، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، سلمنَا وجوب الْمُخَالفَة بَين مَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا. لَكِن لَا نسلم وُجُوبهَا بَين نفس الْغَايَة وَمَا قبلهَا، كَمَا يُقَال: مَا بعد الْمرْفق حكم مُخَالف لحكم مَا قبله، لَا نفس الْمرْفق. فَفِي مَسْأَلَتنَا: تجب مُخَالفَة حكم الحيعلة لما قبلهَا، لَا حكم الشَّهَادَة بالرسالة. قلت: الأَصْل فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة عِنْد أبي حنيفَة أَنه لَا يدْخل الِابْتِدَاء وَلَا يدْخل الِانْتِهَاء، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يدخلَانِ جَمِيعًا. وَعند زفر: لَا يدخلَانِ جَمِيعًا، فَالَّذِي يلْزمه عِنْد أبي حنيفَة تِسْعَة، وَعِنْدَهُمَا عشرَة، وَعند زفر ثَمَانِيَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ الْمُسْتَفَاد من حَدِيث مُعَاوِيَة فِي هَذَا الْبَاب: أَن يَقُول السَّامع من الْمُؤَذّن مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن إلَاّ فِي الحيعلتين، وَاخْتصرَ البُخَارِيّ حَدِيث مُعَاوِيَة هَهُنَا، وَقد روى حَدِيثه بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عمر: حَدِيث مُعَاوِيَة فِي هَذَا الْبَاب مُضْطَرب الْأَلْفَاظ، بَيَان ذَلِك أَنه روى مثل مَا يَقُول طَائِفَة، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن من أول الْأَذَان إِلَى آخِره، رُوِيَ هَذَا عَن الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (كُنَّا عِنْد مُعَاوِيَة فَأذن الْمُؤَذّن، فَقَالَ مُعَاوِيَة: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن يُؤذن فَقولُوا مثل مقَالَته) . أَو كَمَا قَالَ، وروى عَنهُ: (مثل مَا يَقُول) ، طَائِفَة أُخْرَى، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن فِي كل شَيْء إِلَّا قَوْله: حى على الصَّلَاة حى على الْفَلاح، فَإِنَّهُ يَقُول فيهمَا: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، ثمَّ يتم الْأَذَان، وَهُوَ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) : حَدثنَا معَاذ بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحيى عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (أذن الْمُؤَذّن عِنْد مُعَاوِيَة فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر، قَالَ مُعَاوِيَة الله اكبر الله اكبر: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله. قَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله. فَقَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، فَقَالَ: حَيّ على الْفَلاح، قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر، قَالَ مُعَاوِيَة: الله أكبر الله أكبر. ثمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ . وَرُوِيَ عَنهُ: مثل مَا يَقُول، طَائِفَة أُخْرَى، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن فِي التَّشَهُّد وَالتَّكْبِير دون سَائِر الْأَلْفَاظ، وَهُوَ رِوَايَة عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن ابْن عُيَيْنَة عَن مجمع الْأنْصَارِيّ أَنه سمع أَبَا أُمَامَة بن سهل بن حنيف حِين سمع الْمُؤَذّن كبر وَتشهد بِمَا تشهد بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا حَدثنَا مُعَاوِيَة أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن، فَإِذا قَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَقَالَ: وَأَنا أشهد، ثمَّ سكت. وروى عَنهُ: مثل مَا يَقُول طَائِفَة أُخْرَى، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن حَتَّى يبلغ: حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح، فَيَقُول: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، بدل كل مِنْهُمَا مرَّتَيْنِ، على حسب مَا يَقُول الْمُؤَذّن، ثمَّ لَا يزِيد على ذَلِك، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يخْتم الْأَذَان، وَهُوَ رِوَايَة البُخَارِيّ

стр. 1369

عَن معَاذ بن فضَالة الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب الخ. ثمَّ مَذَاهِب الْعلمَاء فِي ذَلِك، فَقَالَ النَّخعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة وَمَالك فِي رِوَايَة: يَنْبَغِي لمن سمع الْأَذَان أَن يَقُول كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن حَتَّى يفرغ من أَذَانه، وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر أَيْضا. وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي الْأَصَح، وَمَالك فِي رِوَايَة: يَقُول سامع الْأَذَان مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن إِلَّا فِي الحيعلتين فَإِنَّهُ يَقُول فيهمَا: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم: حَدثنِي إِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَ: أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد ابْن جَهْضَم الثَّقَفِيّ، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عمَارَة بن غزيَّة عَن حبيب بن عبد الله بن أساف عَن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب عَن أَبِيه عَن جده عمر بن الْخطاب، قَالَ: (قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: الله أكبر الله أكبر، فَقَالَ أحدكُم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، فَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، ثمَّ قَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَقَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، ثمَّ قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، فَقَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، ثمَّ قَالَ: حَيّ على الْفَلاح، فَقَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، ثمَّ قَالَ: الله أكبر الله أكبر. فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر. ثمَّ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَقَالَ: لَا إل هـ إلَاّ اللَّهُ، من قلبه دخل الْجنَّة) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والطَّحَاوِي. قَوْله: (من قلبه) أَي: قَالَ ذَلِك خَالِصا من قلبه، لِأَن الأَصْل فِي القَوْل وَالْفِعْل وَالْإِخْلَاص. ٦١٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا هشامٌ عنْ يَحْيَى نحْوَهُ. قَالَ يحْيى وحدَّثني بَعْضُ إخْوانِنا أنَّهُ قَالَ لمَّا قَالَ حَيَّ عَلى الصَّلَاةِ قَالَ لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّهِ وَقَالَ هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: إِسْحَاق: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. قَالَ الغساني: قَالَ ابْن السكن: كل مَا روى البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَكَذَلِكَ صرح بِهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) وَأخرجه من طَرِيق عبد الله بن شيرويه عَنهُ. الثَّانِي: وهب بن جرير، بِفَتْح الْجِيم: وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: هِشَام الدستوَائي. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع بِصِيغَة الْجمع. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو التحديث الْمَذْكُور بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم. قَوْله: (قَالَ يحيى، وحَدثني بعض إِخْوَاننَا) هَذَا من بَاب الرِّوَايَة عَن الْمَجْهُول. قَالَ الْكرْمَانِي: قيل المُرَاد بِهِ الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه نظر، لِأَن الظَّاهِر أَن قَائِل ذَلِك ليحيى حَدثهُ بِهِ عَن مُعَاوِيَة، وَأَيْنَ عصر الْأَوْزَاعِيّ من عصر مُعَاوِيَة؟ انْتهى. قلت: أخرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا من أَربع طرق: الأول: من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: كُنَّا عِنْد مُعَاوِيَة ... الحَدِيث، وجده عَلْقَمَة ابْن وَقاص الْمدنِي، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَالثَّانِي: كَذَلِك، وَلَفظه: أَن مُعَاوِيَة قَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ . والثاالث: عَن عَمْرو بن يحيى عَن عبد الله بن عَلْقَمَة، قَالَ: كنت جَالِسا إِلَى جنب مُعَاوِيَة، فَذكر مثله، ثمَّ قَالَ مُعَاوِيَة: هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول. وَالرَّابِع: عَن عَمْرو بن يحيى أَن عِيسَى بن عَمْرو أخبرهُ عَن عبد الله بن عَلْقَمَة بن وَقاص، فَذكر نَحوه. وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي (سنَنه) : حَدثنَا سعيد بن عَامر حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أَبِيه عَن جده: أَن مُعَاوِيَة سمع الْمُؤَذّن قَالَ: الله أكبر الله أكبر فَقَالَ مُعَاوِيَة: الله أكبر الله أكبر) الحَدِيث. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْعَطَّار: حَدثنِي عَمْرو بن يحيى عَن عبد الله بن عَلْقَمَة بن وَقاص عَن أَبِيه قَالَ: كنت جَالِسا مَعَ مُعَاوِيَة ... الحَدِيث. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من حَدِيث ابْن جريج، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن عِيسَى بن عَمْرو أخبرهُ عَن عبد الله بن عَلْقَمَة بن وَقاص، قَالَ: (أَنِّي لعِنْد مُعَاوِيَة) الحَدِيث. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عَلْقَمَة عَن أَبِيه عَلْقَمَة بن وَقاص عَن مُعَاوِيَة. وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن خُزَيْمَة، وَأخرج أَيْضا من طَرِيق يحيى الْقطَّان عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: كنت عِنْد مُعَاوِيَة ... الحَدِيث. وَفِي هَذِه الطّرق كلهَا الرَّاوِي عَن مُعَاوِيَة هُوَ عَلْقَمَة بن وَقاص، وَعَن عَلْقَمَة ابْنه عبد الله، وَابْنه عَمْرو، وَيحيى بن أبي كثير إِن كَانَ أدْرك عَلْقَمَة فَالْمُرَاد من قَوْله: بعض اخواننا هُوَ: عَلْقَمَة، وَأَن لم يدْرك فَالْمُرَاد غَالِبا أحد ابْني عَلْقَمَة، وهما: عبد الله وَعَمْرو، وَالله أعلم. وَقد روى عَن مُعَاوِيَة أَيْضا نهشل التَّمِيمِي، أخرجه الطَّبَرَانِيّ بإسنادٍ واهٍ.

стр. 1370

ثمَّ إعلم أَن قَوْله: (قَالَ يحيى وحَدثني) إِلَى آخِره، صورته صُورَة التَّعْلِيق، وَلَيْسَ بتعليق كَمَا زَعمه بَعضهم، بل هُوَ دَاخل فِي إِسْنَاد إِسْحَاق، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ الْحَافِظ قطب الدّين فِي (شَرحه) : أَن يحيى رَوَاهُ بالإسنادين، وَالْبُخَارِيّ أحَال الْإِسْنَاد الأول بقوله: نَحوه، على الَّذِي قبله، وَالَّذِي قبله لَيْسَ بِتمَام، وَقد ذكرنَا تَمَامه فِيمَا مضى. قَوْله: (وَلما قَالَ) أَي: الْمُؤَذّن لما قَالَ الحيعلة يَعْنِي: حَيّ على الصَّلَاة، قَالَ: أَي مُعَاوِيَة، الحوقلة وَهِي: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَإِنَّمَا لم يذكر حكم حَيّ على الْفَلاح اكْتِفَاء بِذكر إِحْدَى الحيعلتين عَن الْأُخْرَى لظُهُوره. قَوْله: (لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه) يجوز فِيهِ خَمْسَة أوجه. الأول: فتحهما بِلَا تَنْوِين. وَالثَّانِي: فتح الأول وَنصب الثَّانِي منونا. الثَّالِث: رفعهما منونين. وَالرَّابِع: فتح الأول وَرفع الثَّانِي منونا. وَالْخَامِس: عَكسه. والحول: الْحَرَكَة أَي: لَا حَرَكَة وَلَا استطاعة إِلَّا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، قَالَه ثَعْلَب وَغَيره. وَقَالَ بَعضهم: لَا حول فِي دفع شَرّ، وَلَا قُوَّة فِي تَحْصِيل خير، إِلَّا بِاللَّه. وَقيل: لَا حول عَن مَعْصِيّة الله إِلَّا بعصمته، وَلَا قُوَّة على طَاعَته إِلَّا بمعونته. وَحكي هَذَا عَن ابْن مَسْعُود، وَحكى الْجَوْهَرِي لُغَة غَرِيبَة ضَعِيفَة أَنه يُقَال: لَا حيل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، بِالْيَاءِ، قَالَ: والحيل والحول بِمَعْنى. قلت: لَا ينْسب إِلَيْهِ الضعْف فِي ذَلِك، وَقد ذكر فِي (الْجَامِع) و (الْمُنْتَهى) و (الموعب) و (الْمُخَصّص) و (الْمُحكم) : الْحول والحيل والحول وَالْحِيلَة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل، كل ذَلِك: جودة النّظر وَالْقدر على التَّصَرُّف، فَلَا ينْفَرد إِذا بِهَذِهِ اللَّفْظَة. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: يُقَال فِي التَّعْبِير عَن قَوْلهم: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه: الحوقلة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحوقلة، فعلى الأول وَهُوَ الْمَشْهُور الْحَاء وَالْوَاو من الْحول، وَالْقَاف من الْقُوَّة، وَاللَّام من اسْم الله. وعَلى الثَّانِي: الْحَاء وَاللَّام من الْحول، وَالْقَاف من الْقُوَّة، وَمثلهَا: الحيعلة والبسملة والحمدلة والهيللة والسبحلة، فِي حَيّ على الصَّلَاة وَحي على الْفَلاح، وبسم الله، وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَسُبْحَان الله. وَقَالَ المطرزي: فِي (كتاب اليواقيت) وَفِي غَيره: إِن الْأَفْعَال الَّتِي اخذت من أسمائها سَبْعَة وَهِي: بسمل الرجل، إِذا قَالَ: بِسم الله، وسبحل، إِذا قَالَ: سُبْحَانَ الله، وحوقل، إِذا قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وحيعل، إِذا قَالَ: حَيّ على الْفَلاح. وَيَجِيء على الْقيَاس: حيصل، إِذا قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، وَلم يذكر: وحمدل، إِذا قَالَ: الْحَمد لله. و: هيلل، إِذا قَالَ: لَا أَله إِلَّا الله، و: جعفل، إِذا قَالَ: جعلت فداءك. زَاد الثعالبي: الطيقلة، إِذا قَالَ: أَطَالَ الله بَقَاءَك، و: الدمعزة، إِذا قَالَ: أدام الله عزك. وَقَالَ عِيَاض: قَوْله: الحيصلة على قِيَاس الحيعلة غير صَحِيح، بل الحيعلة تطلق على حَيّ على الصَّلَاة وَحي على الْفَلاح، كلهَا حيعلة، وَلَو كَانَ على قِيَاسه فِي الحيصلة لَكَانَ الَّذِي يُقَال فِي: حَيّ على الْفَلاح، الحيفلة بِالْفَاءِ، وَهَذَا لم يقل، وَإِنَّمَا الحيعلة من قَوْلهم: حَيّ على كَذَا، فَكيف وَهُوَ بَاب مسموع لَا يُقَاس عَلَيْهِ؟ وَانْظُر قَوْله: جعفل، فِي: جعلت فدَاك، لَو كَانَ على قِيَاس الحيعلة لقَالَ جعلف، إِذْ اللَّام مُقَدّمَة على الْفَاء، كَذَلِك: والطيقلة، تكون اللَّام على الْقيَاس قبل الْقَاف، وَالله تَعَالَى أعلم. (بابُ الدُّعاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء عِنْد تَمام النداء، وَهُوَ الْأَذَان. وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا لم يُقَيِّدهُ بذلك إتباعا لإِطْلَاق الحَدِيث. قلت: لَيْسَ فِي لفظ الحَدِيث هَذِه اللَّفْظَة، وَفِي لفظ الحَدِيث أَيْضا مُقَدّر، وإلَاّ يلْزم أَن يَدْعُو وَهُوَ يسمع، وَحَالَة السماع وَقت الْإِجَابَة، وَالدُّعَاء بعد تَمام السماع. ٦١٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَيَّاشٍ قَالَ حدَّثنا شُعَيبُ ابنُ أبي حَمْزَةَ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ المُنْكدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عبدِ الله أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ والصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتٍ مُحَمَّدا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَة وابْعَثْهُ مَقَاما مَحْمُودا الَّذِي وعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ. (الحَدِيث ٦١٤ طرفه فِي: ٤٧١٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عَليّ بن عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف شين مُعْجمَة: الْأَلْهَانِي، بِفَتْح الْهَمْز وَسُكُون اللَّام وبالنون بعد الْألف: الْحِمصِي، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: الْحِمصِي، وَقد تقدم.
следующие страницы →