← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الْأَمْثَال فِي المحاورات ولغو الحَدِيث، تَعْظِيمًا لكتاب الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن الإغارة على الْعَدو يسْتَحبّ كَونهَا فِي أول النَّهَار، لِأَنَّهُ وَقت غفلتهم، بِخِلَاف ملاقاة الجيوش. وَفِيه: أَن النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ يكون إسلاما، قَالَه الْكرْمَانِي، وَفِيه خلاف مَشْهُور. ٧ - (بابُ مَا يَقُولُ إذَا سَمِعَ المُنَادِي) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الرجل إِذا سمع الْمُؤَذّن يُؤذن، إِنَّمَا لم يُوضح مَا يَقُول السَّامع لأجل الْخلاف فِيهِ، وَلكنه ذكر حديثين: أَحدهمَا: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَالْآخر: عَن مُعَاوِيَة، فَالْأول عَام، وَالثَّانِي يخصصه، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْمُرَجح عِنْده مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُوله الْمُؤَذّن إلَاّ فِي الحيعلتين، على مَا نبينه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٦١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابً عَن عَطَاءِ بنِ يِزِيدَ اللَّيْثِي عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن) ، فَهَذَا يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي قَوْله: (مَا يَقُول إِذا سمع الْمُنَادِي) ، وَقد تكَرر ذكر رِجَاله، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَعَطَاء بن يزِيد من الزِّيَادَة اللَّيْثِيّ، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب عَن مَالك وَيُونُس عَن الزُّهْرِيّ أَن عَطاء بن يزِيد أخبرهُ، أخرجه أَبُو عوانه، وَاخْتلف على الزُّهْرِيّ فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث، وعَلى مَالك أَيْضا، لكنه اخْتِلَاف لَا يقْدَح فِي صِحَّته، فَرَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ أَحْمد بن صَالح وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: حَدِيث مَالك وَمن تَابعه أصح، وَرَوَاهُ أَيْضا يحيى الْقطَّان عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد. أخرجه مُسَدّد فِي (مُسْنده) عَنهُ: وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّه خطأ، وَالصَّوَاب الرِّوَايَة الأولى. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَأَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي وَالتِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن، وَالنَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى ابْن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن زيد بن الْحباب، كلهم عَن مَالك. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (النداء) أَي: الْأَذَان. قَوْله: (فَقولُوا مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن) مثل مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: قُولُوا قولا مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: مثل قَول الْمُؤَذّن، والمثل هُوَ النظير، يُقَال: مثل وَمثل ومثيل مثل: شبه وَشبه وشبيه، والمماثلة بَين الشَّيْئَيْنِ اتحادهما فِي النَّوْع: كزيد وَعَمْرو فِي الإنسانية. وَقَالَ ابْن وضاح: قَوْله الْمُؤَذّن، مدرج والْحَدِيث: (فَقولُوا مثل مَا يَقُول) ، وَلَيْسَ فِيهِ الْمُؤَذّن، وَفِيه نظر لِأَن الإدراج لَا يثبت بِمُجَرَّد الدَّعْوَى، وَالرِّوَايَات فِي الصَّحِيحَيْنِ: (مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن) ، وَحذف صَاحب (الْعُمْدَة) لفظ: الْمُؤَذّن، لَيْسَ بِشَيْء، وَإِنَّمَا قَالَ: مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن، بِلَفْظ الْمُضَارع، وَلم يقل: مثل مَا قَالَ الْمُؤَذّن، بِلَفْظ الْمَاضِي، ليَكُون قَول السَّامع بعد كل كلمة مثل كلمتها، والصريح فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أم حَبِيبَة: (أَن النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ عِنْدهَا فَسمع الْمُؤَذّن قَالَ مثل مَا يَقُول حِين يسكت) ، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قلت: قَوْله: على شَرط الشَّيْخَيْنِ، غير جيد، لِأَن فِي سَنَده من لَيْسَ عِنْدهمَا، وَلَا عِنْد أَحدهمَا، وَهُوَ: عبد الله بن عتبَة بن أبي سُفْيَان، وَرَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر من حَدِيث أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَنْهَا، وَكَذَا أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بقوله: (فَقولُوا) أَصْحَابنَا أَن إِجَابَة الْمُؤَذّن وَاجِبَة على السامعين لدلَالَة الْأَمر على الْوُجُوب، وَبِه قَالَ ابْن وهب من أَصْحَاب مَالك، والظاهرية، أَلا ترى أَنه يجب عَلَيْهِم قطع الْقِرَاءَة وَترك الْكَلَام وَالسَّلَام ورده وكل عمل غير الْإِجَابَة؟ فَهَذَا كُله أَمارَة الْوُجُوب. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَجُمْهُور الْفُقَهَاء: الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب على الِاسْتِحْبَاب دون الْوُجُوب، وَهُوَ اخْتِيَار الطَّحَاوِيّ أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: تسْتَحب إِجَابَة الْمُؤَذّن بالْقَوْل، مثل قَوْله لكل من

стр. 1367

سَمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وَغَيرهم مِمَّن لَا مَانع لَهُ من الْإِجَابَة. فَمن أَسبَاب الْمَنْع: أَن يكون فِي الْخَلَاء، أَو جماع أَهله أَو نَحْوهَا. وَمِنْهَا: أَن يكون فِي صَلَاة، فَمن كَانَ فِي صَلَاة فَرِيضَة أَو نَافِلَة وَسمع الْمُؤَذّن لم يُوَافقهُ فِي الصَّلَاة، فَإِذا سلم أَتَى بِمثلِهِ، فَلَو فعله فِي الصَّلَاة هَل يكره؟ فِيهِ قَولَانِ للشَّافِعِيّ، فَفِي أظهرهمَا يكره، لَكِن لَا تبطل صلَاته، فَلَو قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، وَالصَّلَاة خير من النّوم، بطلت صلَاته إِن كَانَ عَالما بِتَحْرِيمِهِ، لِأَنَّهُ كَلَام آدَمِيّ، وَلَو سمع الْأَذَان وَهُوَ فِي قِرَاءَة وتسبيح وَنَحْوهمَا قطع مَا هُوَ فِيهِ وأتى بمتابعة الْمُؤَذّن، ويتابعه فِي الْإِقَامَة كالأذان إلَاّ أَنه يَقُول فِي لفظ الْإِقَامَة: أَقَامَهَا الله وأدامها، وَإِذا ثوب الْمُؤَذّن فِي صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم، قَالَ سامعه: صدقت وبررت. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يجب على السَّامع أَن يَقُول مثل مَا قَالَ الْمُؤَذّن، إلَاّ قَوْله: حَيّ على الصَّلَاة، فَإِنَّهُ يَقُول مَكَان قَوْله: حَيّ على الصَّلَاة: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم، وَمَكَان قَوْله: حَيّ على الْفَلاح: مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن، لِأَن إِعَادَة ذَلِك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وَكَذَا إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: الصَّلَاة خير من النّوم، وَلَا يَقُول السَّامع مثله، وَلَكِن يَقُول: صدقت وبررت، وَيَنْبَغِي أَن لَا يتَكَلَّم السَّامع فِي خلال الْأَذَان وَالْإِقَامَة، وَلَا يقْرَأ الْقرَان، وَلَا يسلم وَلَا يرد السَّلَام، وَلَا يشْتَغل بِشَيْء من الْأَعْمَال سوى الْإِجَابَة، وَلَو كَانَ فِي قِرَاءَة الْقرَان يقطع وَيسمع الْأَذَان ويجيب، وَفِي (فَوَائِد) الرستغفني: لَو سمع وَهُوَ فِي الْمَسْجِد يمْضِي فِي قِرَاءَته، وَإِن كَانَ فِي بَيته فَكَذَلِك، إِن لم يكن أَذَان مَسْجده، وَعَن الْحلْوانِي: لَو أجَاب اللِّسَان وَلم يمش إِلَى الْمَسْجِد لَا يكون مجيبا. وَلَو كَانَ فِي الْمَسْجِد وَلم يجب لَا يكون اثما، وَلَا تجب الْإِجَابَة على من لَا تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة، ولأجيب إيضا وَهُوَ فِي الصَّلَاة سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا. وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف أَصْحَابنَا: هَل يحْكى الْمُصَلِّي لفظ الْمُؤَذّن فِي حَالَة الْفَرِيضَة أَو النَّافِلَة أم لَا يحكيه فيهمَا، أم يَحْكِي فِي النَّافِلَة دون الْفَرِيضَة؟ على ثَلَاثَة أَقْوَال. انْتهى. ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا: هَل يَقُول عِنْد سَماع كل مُؤذن أم الأول فَقَط؟ وَسُئِلَ ظهير الدّين عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ: يجب عَلَيْهِ إِجَابَة مُؤذن مَسْجده بِالْفِعْلِ. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُغير إِذا طلع الْفجْر، وَكَانَ يستمع الْأَذَان، فَإِن سمع الْأَذَان أمسك وإلَاّ أغار. قَالَ: فَسمع رجلا يَقُول: الله أكبر الله أكبر، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ على الْفطْرَة، ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : خرجت من النَّار، فنظروا فَإِذا هُوَ راعي معزى) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عبد الله قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي بعض أَسْفَاره فَسمع مناديا وَهُوَ يَقُول: الله أكبر الله أكبر، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : على الْفطْرَة، فَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ خرجت من النَّار، فابتدرناه فَإِذا هُوَ صَاحب مَاشِيَة أَدْرَكته الصَّلَاة فَأذن لَهَا) . قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا رَسُول الله ﷺ قد سمع الْمُنَادِي يُنَادي وَقَالَ غير مَا قَالَ، فَدلَّ ذَلِك على أَن قَوْله: (إِذا سَمِعْتُمْ الْمُنَادِي فَقولُوا مثل الَّذِي يَقُول) ، إِن ذَلِك لَيْسَ على الْإِيجَاب، وَأَنه على الِاسْتِحْبَاب والندبة إِلَى الْخَيْر وإصابة الْفضل، كَمَا قد علم النَّاس من الدُّعَاء الَّذِي أَمرهم أَن يَقُولُوا فِي دبر الصَّلَوَات وَمَا أشبه ذَلِك. قلت: الْأَمر الْمُطلق الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن يدل على الْوُجُوب، وَلَا سِيمَا قد تأيد ذَلِك بِمَا رُوِيَ من الْأَخْبَار والْآثَار فِي الْحَث على الْإِجَابَة، وَقد روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عَاصِم عَن الْمسيب بن رَافع عَن عبد الله قَالَ: من الْجفَاء أَن تسمع الْمُؤَذّن ثمَّ لَا تَقول مثل مَا يَقُول. انْتهى. وَلَا يكون من الْجفَاء إِلَّا ترك الْوَاجِب، وَترك الْمُسْتَحبّ لَيْسَ من الْجفَاء، وَلَا تَاركه جَاف، وَالْجَوَاب عَن الْحَدِيثين: أَنَّهُمَا لَا يُنَافِي إِجَابَة الرَّسُول لذَلِك الْمُنَادِي بِمثل مَا قَالَ، وَيكون الرَّاوِي ترك ذكره أَو يكون الْأَمر بالإجابة بعد هَذِه الْقَضِيَّة. قَوْله: على الْفطْرَة، أَي: على الْإِسْلَام، إِذا كَانَ الْأَذَان شعارهم، وَلِهَذَا كَانَ ﷺ إِذا سمع أذانا أمسك، وَإِن لم يسمع أغار، لِأَنَّهُ كَانَ فرق مَا بَين بلد الْكفْر وبلد الْإِسْلَام. فَإِن قلت: كَيفَ يكون مُجَرّد الْقبُول بِلَا إِلَه إِلَّا الله إِيمَانًا؟ قلت: هُوَ إِيمَان بِاللَّه فِي حق الْمُشرك، وَحقّ من لم يكن بَين الْمُسلمين. أما الْكِتَابِيّ وَالَّذِي يخالط الْمُسلمين لَا يصير مُؤمنا إِلَّا بالتلفظ بكلمتي الشَّهَادَة، بل شَرط بَعضهم التبري مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ من الدّين الَّذِي يَعْتَقِدهُ. وَأما الدَّلِيل على مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا فِي الحيعلتين وَالصَّلَاة خير من النّوم، فسنذكره فِي الحَدِيث الْآتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٦١٢ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْراهِيمَ بنِ الحَارِثِ قَالَ حدَّثني عِيسَى بنْ طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْما فَقال مِثْلَهُ إلَى قَوْلِهِ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدا رسولُ الله.

стр. 1368

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام. فِي قَوْله: (مَا يَقُول إِذا سمع الْمُؤَذّن) ، وَقد قُلْنَا: إِنَّه أبهم التَّرْجَمَة لاحتمالها الْوَجْهَيْنِ، فَحَدِيث أبي سعيد أوضح الْوَجْه الأول، وَحَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا أوضح الْوَجْه الثَّانِي. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: معَاذ بن فضَالة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء، تقدم ذكره. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير، الرَّابِع: مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث الْمدنِي، مضى ذكره فِي: بَاب الصَّلَاة الْخمس كَفَّارَة. الْخَامِس: عِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي من أفاضل أهل الْمَدِينَة، مَاتَ فِي زَمَنه عمر بن عبد الْعَزِيز. السَّادِس: مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأهوازي ويماني ومدني. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ، وَلم يذكر الزِّيَادَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَقَالَ مثله) ، أَي: مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن، ويروى: بِمثلِهِ، وَهَهُنَا سَأَلَ الْكرْمَانِي سؤالين: الأول: أَن السماع لَا يَقع إِلَّا على الذوات إِلَّا إِذا وصف بالْقَوْل، وَنَحْوه، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿سمعنَا مناديا يُنَادي للْإيمَان﴾ (ال عمرَان: ١٩٣) . وَأجَاب بِأَن القَوْل مُقَدّر، أَي: سمع مُعَاوِيَة قَالَ يَوْمًا، وَلَفظ: فَقَالَ، مُفَسّر: لقَالَ الْمُقدر، وَمثل هَذِه: الْفَاء، تسمى بِالْفَاءِ التفسيرية. وَالثَّانِي: كلمة: إِلَى، للغاية، وَحكم مَا بعْدهَا خلاف مَا قبلهَا، وَيلْزم أَن لَا يَقُول فِي أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله مثله، وَأجَاب بِأَن: إِلَى، هَهُنَا بِمَعْنى: الْمَعِيَّة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٢) . سلمنَا أَنَّهَا بِمَعْنى الِانْتِهَاء، لَكِن حكمهَا متفاوت، فقد لَا تدخل الْغَايَة تَحت المغيا؟ قَالَ صَاحب (الْحَاوِي) : الْإِقْرَار بقوله من وَاحِد إِلَى عشرَة إِقْرَار بِتِسْعَة، وَقد تدخل: قَالَ الرَّافِعِيّ: هُوَ إِقْرَار بِالْعشرَةِ، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، سلمنَا وجوب الْمُخَالفَة بَين مَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا. لَكِن لَا نسلم وُجُوبهَا بَين نفس الْغَايَة وَمَا قبلهَا، كَمَا يُقَال: مَا بعد الْمرْفق حكم مُخَالف لحكم مَا قبله، لَا نفس الْمرْفق. فَفِي مَسْأَلَتنَا: تجب مُخَالفَة حكم الحيعلة لما قبلهَا، لَا حكم الشَّهَادَة بالرسالة. قلت: الأَصْل فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة عِنْد أبي حنيفَة أَنه لَا يدْخل الِابْتِدَاء وَلَا يدْخل الِانْتِهَاء، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يدخلَانِ جَمِيعًا. وَعند زفر: لَا يدخلَانِ جَمِيعًا، فَالَّذِي يلْزمه عِنْد أبي حنيفَة تِسْعَة، وَعِنْدَهُمَا عشرَة، وَعند زفر ثَمَانِيَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ الْمُسْتَفَاد من حَدِيث مُعَاوِيَة فِي هَذَا الْبَاب: أَن يَقُول السَّامع من الْمُؤَذّن مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن إلَاّ فِي الحيعلتين، وَاخْتصرَ البُخَارِيّ حَدِيث مُعَاوِيَة هَهُنَا، وَقد روى حَدِيثه بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عمر: حَدِيث مُعَاوِيَة فِي هَذَا الْبَاب مُضْطَرب الْأَلْفَاظ، بَيَان ذَلِك أَنه روى مثل مَا يَقُول طَائِفَة، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن من أول الْأَذَان إِلَى آخِره، رُوِيَ هَذَا عَن الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (كُنَّا عِنْد مُعَاوِيَة فَأذن الْمُؤَذّن، فَقَالَ مُعَاوِيَة: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن يُؤذن فَقولُوا مثل مقَالَته) . أَو كَمَا قَالَ، وروى عَنهُ: (مثل مَا يَقُول) ، طَائِفَة أُخْرَى، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن فِي كل شَيْء إِلَّا قَوْله: حى على الصَّلَاة حى على الْفَلاح، فَإِنَّهُ يَقُول فيهمَا: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، ثمَّ يتم الْأَذَان، وَهُوَ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) : حَدثنَا معَاذ بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحيى عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (أذن الْمُؤَذّن عِنْد مُعَاوِيَة فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر، قَالَ مُعَاوِيَة الله اكبر الله اكبر: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله. قَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله. فَقَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، فَقَالَ: حَيّ على الْفَلاح، قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر، قَالَ مُعَاوِيَة: الله أكبر الله أكبر. ثمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ . وَرُوِيَ عَنهُ: مثل مَا يَقُول، طَائِفَة أُخْرَى، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن فِي التَّشَهُّد وَالتَّكْبِير دون سَائِر الْأَلْفَاظ، وَهُوَ رِوَايَة عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن ابْن عُيَيْنَة عَن مجمع الْأنْصَارِيّ أَنه سمع أَبَا أُمَامَة بن سهل بن حنيف حِين سمع الْمُؤَذّن كبر وَتشهد بِمَا تشهد بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا حَدثنَا مُعَاوِيَة أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن، فَإِذا قَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَقَالَ: وَأَنا أشهد، ثمَّ سكت. وروى عَنهُ: مثل مَا يَقُول طَائِفَة أُخْرَى، وَهُوَ أَن يَقُول مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن حَتَّى يبلغ: حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح، فَيَقُول: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، بدل كل مِنْهُمَا مرَّتَيْنِ، على حسب مَا يَقُول الْمُؤَذّن، ثمَّ لَا يزِيد على ذَلِك، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يخْتم الْأَذَان، وَهُوَ رِوَايَة البُخَارِيّ

стр. 1369

عَن معَاذ بن فضَالة الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب الخ. ثمَّ مَذَاهِب الْعلمَاء فِي ذَلِك، فَقَالَ النَّخعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة وَمَالك فِي رِوَايَة: يَنْبَغِي لمن سمع الْأَذَان أَن يَقُول كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن حَتَّى يفرغ من أَذَانه، وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر أَيْضا. وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي الْأَصَح، وَمَالك فِي رِوَايَة: يَقُول سامع الْأَذَان مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن إِلَّا فِي الحيعلتين فَإِنَّهُ يَقُول فيهمَا: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم: حَدثنِي إِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَ: أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد ابْن جَهْضَم الثَّقَفِيّ، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عمَارَة بن غزيَّة عَن حبيب بن عبد الله بن أساف عَن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب عَن أَبِيه عَن جده عمر بن الْخطاب، قَالَ: (قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: الله أكبر الله أكبر، فَقَالَ أحدكُم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، فَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، ثمَّ قَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَقَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، ثمَّ قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، فَقَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، ثمَّ قَالَ: حَيّ على الْفَلاح، فَقَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، ثمَّ قَالَ: الله أكبر الله أكبر. فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر. ثمَّ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَقَالَ: لَا إل هـ إلَاّ اللَّهُ، من قلبه دخل الْجنَّة) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والطَّحَاوِي. قَوْله: (من قلبه) أَي: قَالَ ذَلِك خَالِصا من قلبه، لِأَن الأَصْل فِي القَوْل وَالْفِعْل وَالْإِخْلَاص. ٦١٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا هشامٌ عنْ يَحْيَى نحْوَهُ. قَالَ يحْيى وحدَّثني بَعْضُ إخْوانِنا أنَّهُ قَالَ لمَّا قَالَ حَيَّ عَلى الصَّلَاةِ قَالَ لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّهِ وَقَالَ هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: إِسْحَاق: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. قَالَ الغساني: قَالَ ابْن السكن: كل مَا روى البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَكَذَلِكَ صرح بِهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) وَأخرجه من طَرِيق عبد الله بن شيرويه عَنهُ. الثَّانِي: وهب بن جرير، بِفَتْح الْجِيم: وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: هِشَام الدستوَائي. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع بِصِيغَة الْجمع. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو التحديث الْمَذْكُور بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم. قَوْله: (قَالَ يحيى، وحَدثني بعض إِخْوَاننَا) هَذَا من بَاب الرِّوَايَة عَن الْمَجْهُول. قَالَ الْكرْمَانِي: قيل المُرَاد بِهِ الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه نظر، لِأَن الظَّاهِر أَن قَائِل ذَلِك ليحيى حَدثهُ بِهِ عَن مُعَاوِيَة، وَأَيْنَ عصر الْأَوْزَاعِيّ من عصر مُعَاوِيَة؟ انْتهى. قلت: أخرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا من أَربع طرق: الأول: من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: كُنَّا عِنْد مُعَاوِيَة ... الحَدِيث، وجده عَلْقَمَة ابْن وَقاص الْمدنِي، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَالثَّانِي: كَذَلِك، وَلَفظه: أَن مُعَاوِيَة قَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ . والثاالث: عَن عَمْرو بن يحيى عَن عبد الله بن عَلْقَمَة، قَالَ: كنت جَالِسا إِلَى جنب مُعَاوِيَة، فَذكر مثله، ثمَّ قَالَ مُعَاوِيَة: هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول. وَالرَّابِع: عَن عَمْرو بن يحيى أَن عِيسَى بن عَمْرو أخبرهُ عَن عبد الله بن عَلْقَمَة بن وَقاص، فَذكر نَحوه. وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي (سنَنه) : حَدثنَا سعيد بن عَامر حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أَبِيه عَن جده: أَن مُعَاوِيَة سمع الْمُؤَذّن قَالَ: الله أكبر الله أكبر فَقَالَ مُعَاوِيَة: الله أكبر الله أكبر) الحَدِيث. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْعَطَّار: حَدثنِي عَمْرو بن يحيى عَن عبد الله بن عَلْقَمَة بن وَقاص عَن أَبِيه قَالَ: كنت جَالِسا مَعَ مُعَاوِيَة ... الحَدِيث. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من حَدِيث ابْن جريج، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن عِيسَى بن عَمْرو أخبرهُ عَن عبد الله بن عَلْقَمَة بن وَقاص، قَالَ: (أَنِّي لعِنْد مُعَاوِيَة) الحَدِيث. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عَلْقَمَة عَن أَبِيه عَلْقَمَة بن وَقاص عَن مُعَاوِيَة. وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن خُزَيْمَة، وَأخرج أَيْضا من طَرِيق يحيى الْقطَّان عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: كنت عِنْد مُعَاوِيَة ... الحَدِيث. وَفِي هَذِه الطّرق كلهَا الرَّاوِي عَن مُعَاوِيَة هُوَ عَلْقَمَة بن وَقاص، وَعَن عَلْقَمَة ابْنه عبد الله، وَابْنه عَمْرو، وَيحيى بن أبي كثير إِن كَانَ أدْرك عَلْقَمَة فَالْمُرَاد من قَوْله: بعض اخواننا هُوَ: عَلْقَمَة، وَأَن لم يدْرك فَالْمُرَاد غَالِبا أحد ابْني عَلْقَمَة، وهما: عبد الله وَعَمْرو، وَالله أعلم. وَقد روى عَن مُعَاوِيَة أَيْضا نهشل التَّمِيمِي، أخرجه الطَّبَرَانِيّ بإسنادٍ واهٍ.

стр. 1370

ثمَّ إعلم أَن قَوْله: (قَالَ يحيى وحَدثني) إِلَى آخِره، صورته صُورَة التَّعْلِيق، وَلَيْسَ بتعليق كَمَا زَعمه بَعضهم، بل هُوَ دَاخل فِي إِسْنَاد إِسْحَاق، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ الْحَافِظ قطب الدّين فِي (شَرحه) : أَن يحيى رَوَاهُ بالإسنادين، وَالْبُخَارِيّ أحَال الْإِسْنَاد الأول بقوله: نَحوه، على الَّذِي قبله، وَالَّذِي قبله لَيْسَ بِتمَام، وَقد ذكرنَا تَمَامه فِيمَا مضى. قَوْله: (وَلما قَالَ) أَي: الْمُؤَذّن لما قَالَ الحيعلة يَعْنِي: حَيّ على الصَّلَاة، قَالَ: أَي مُعَاوِيَة، الحوقلة وَهِي: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَإِنَّمَا لم يذكر حكم حَيّ على الْفَلاح اكْتِفَاء بِذكر إِحْدَى الحيعلتين عَن الْأُخْرَى لظُهُوره. قَوْله: (لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه) يجوز فِيهِ خَمْسَة أوجه. الأول: فتحهما بِلَا تَنْوِين. وَالثَّانِي: فتح الأول وَنصب الثَّانِي منونا. الثَّالِث: رفعهما منونين. وَالرَّابِع: فتح الأول وَرفع الثَّانِي منونا. وَالْخَامِس: عَكسه. والحول: الْحَرَكَة أَي: لَا حَرَكَة وَلَا استطاعة إِلَّا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، قَالَه ثَعْلَب وَغَيره. وَقَالَ بَعضهم: لَا حول فِي دفع شَرّ، وَلَا قُوَّة فِي تَحْصِيل خير، إِلَّا بِاللَّه. وَقيل: لَا حول عَن مَعْصِيّة الله إِلَّا بعصمته، وَلَا قُوَّة على طَاعَته إِلَّا بمعونته. وَحكي هَذَا عَن ابْن مَسْعُود، وَحكى الْجَوْهَرِي لُغَة غَرِيبَة ضَعِيفَة أَنه يُقَال: لَا حيل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، بِالْيَاءِ، قَالَ: والحيل والحول بِمَعْنى. قلت: لَا ينْسب إِلَيْهِ الضعْف فِي ذَلِك، وَقد ذكر فِي (الْجَامِع) و (الْمُنْتَهى) و (الموعب) و (الْمُخَصّص) و (الْمُحكم) : الْحول والحيل والحول وَالْحِيلَة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل، كل ذَلِك: جودة النّظر وَالْقدر على التَّصَرُّف، فَلَا ينْفَرد إِذا بِهَذِهِ اللَّفْظَة. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: يُقَال فِي التَّعْبِير عَن قَوْلهم: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه: الحوقلة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحوقلة، فعلى الأول وَهُوَ الْمَشْهُور الْحَاء وَالْوَاو من الْحول، وَالْقَاف من الْقُوَّة، وَاللَّام من اسْم الله. وعَلى الثَّانِي: الْحَاء وَاللَّام من الْحول، وَالْقَاف من الْقُوَّة، وَمثلهَا: الحيعلة والبسملة والحمدلة والهيللة والسبحلة، فِي حَيّ على الصَّلَاة وَحي على الْفَلاح، وبسم الله، وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَسُبْحَان الله. وَقَالَ المطرزي: فِي (كتاب اليواقيت) وَفِي غَيره: إِن الْأَفْعَال الَّتِي اخذت من أسمائها سَبْعَة وَهِي: بسمل الرجل، إِذا قَالَ: بِسم الله، وسبحل، إِذا قَالَ: سُبْحَانَ الله، وحوقل، إِذا قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وحيعل، إِذا قَالَ: حَيّ على الْفَلاح. وَيَجِيء على الْقيَاس: حيصل، إِذا قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، وَلم يذكر: وحمدل، إِذا قَالَ: الْحَمد لله. و: هيلل، إِذا قَالَ: لَا أَله إِلَّا الله، و: جعفل، إِذا قَالَ: جعلت فداءك. زَاد الثعالبي: الطيقلة، إِذا قَالَ: أَطَالَ الله بَقَاءَك، و: الدمعزة، إِذا قَالَ: أدام الله عزك. وَقَالَ عِيَاض: قَوْله: الحيصلة على قِيَاس الحيعلة غير صَحِيح، بل الحيعلة تطلق على حَيّ على الصَّلَاة وَحي على الْفَلاح، كلهَا حيعلة، وَلَو كَانَ على قِيَاسه فِي الحيصلة لَكَانَ الَّذِي يُقَال فِي: حَيّ على الْفَلاح، الحيفلة بِالْفَاءِ، وَهَذَا لم يقل، وَإِنَّمَا الحيعلة من قَوْلهم: حَيّ على كَذَا، فَكيف وَهُوَ بَاب مسموع لَا يُقَاس عَلَيْهِ؟ وَانْظُر قَوْله: جعفل، فِي: جعلت فدَاك، لَو كَانَ على قِيَاس الحيعلة لقَالَ جعلف، إِذْ اللَّام مُقَدّمَة على الْفَاء، كَذَلِك: والطيقلة، تكون اللَّام على الْقيَاس قبل الْقَاف، وَالله تَعَالَى أعلم. (بابُ الدُّعاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء عِنْد تَمام النداء، وَهُوَ الْأَذَان. وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا لم يُقَيِّدهُ بذلك إتباعا لإِطْلَاق الحَدِيث. قلت: لَيْسَ فِي لفظ الحَدِيث هَذِه اللَّفْظَة، وَفِي لفظ الحَدِيث أَيْضا مُقَدّر، وإلَاّ يلْزم أَن يَدْعُو وَهُوَ يسمع، وَحَالَة السماع وَقت الْإِجَابَة، وَالدُّعَاء بعد تَمام السماع. ٦١٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَيَّاشٍ قَالَ حدَّثنا شُعَيبُ ابنُ أبي حَمْزَةَ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ المُنْكدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عبدِ الله أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ والصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتٍ مُحَمَّدا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَة وابْعَثْهُ مَقَاما مَحْمُودا الَّذِي وعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ. (الحَدِيث ٦١٤ طرفه فِي: ٤٧١٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عَليّ بن عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف شين مُعْجمَة: الْأَلْهَانِي، بِفَتْح الْهَمْز وَسُكُون اللَّام وبالنون بعد الْألف: الْحِمصِي، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: الْحِمصِي، وَقد تقدم.

стр. 1371

الثَّالِث: مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، بِوَزْن اسْم الْفَاعِل من الانكدار، وَقد تقدم. الرَّابِع: جَابر بن عبد الله. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَلم يرو عَنهُ أحد من السِّتَّة غَيره، وَقد حدث عَنهُ القدماء بِهَذَا الحَدِيث، أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) عَنهُ، وَرَوَاهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ شيخ البُخَارِيّ مَعَ تقدمه عَن أَحْمد عَنهُ، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه، وَذكر التِّرْمِذِيّ أَن شعيبا تفرد بِهِ عَن ابْن الْمُنْكَدر، فَهُوَ غَرِيب مَعَ صِحَّته، وَقد توبع ابْن الْمُنْكَدر عَلَيْهِ عَن جَابر. أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر نَحوه، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَخْبرنِي ابْن الْمُنْكَدر. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصيين ومدنيين. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن عَيَّاش، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سهل بن عَسْكَر، وَإِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى وَالْعَبَّاس بن الْوَلِيد وَمُحَمّد ابْن أبي الْحُسَيْن، سبعتهم عَن عَليّ بن عَيَّاش،. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من قَالَ حِين يسمع النداء) ، أَي: الْأَذَان، وَظَاهر الْكَلَام كَانَ يَقْتَضِي أَن يُقَال: حِين سمع، بِلَفْظ الْمَاضِي، لِأَن الدُّعَاء مسنون بعد الْفَرَاغ من الْأَذَان، لَكِن مَعْنَاهُ: حِين يفرغ من السماع أَو المُرَاد من النداء تَمَامه، إِذْ الْمُطلق مَحْمُول على الْكَامِل، وَيسمع، حَال لَا إستقبال، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، أخرجه مُسلم بِلَفْظ: (قُولُوا مثل مَا يَقُول، ثمَّ صلوا عَليّ ثمَّ سلوا الله لي الْوَسِيلَة) . فَفِي هَذَا: إِن ذَلِك إِنَّمَا يُقَال عِنْد فرَاغ الْأَذَان. قَوْله: (اللَّهُمَّ) ، يَعْنِي: يَا ألله، وَالْمِيم عوض عَن الْيَاء، فَلذَلِك لَا يَجْتَمِعَانِ. قَوْله: (رب) ، مَنْصُوب على النداء، وَيجوز رَفعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أَنْت رب هَذِه الدعْوَة، والرب: المربي المصلح للشأن. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ربه يربه فَهُوَ رب، وَيجوز أَن يكون وَصفا بِالْمَصْدَرِ للْمُبَالَغَة، كَمَا فِي الْوَصْف بِالْعَدْلِ، وَلم يطلقوا الرب إلَاّ فِي: الله، وَحده وَفِي غَيره على التَّقْيِيد بِالْإِضَافَة، كَقَوْلِهِم: رب الدَّار، وَنَحْوه. قَوْله: (االدعوة) ، بِفَتْح الدَّال وَفِي (الْمُحكم) : الدعْوَة والدعوة بِالْفَتْح وَالْكَسْر، والمدعاة: مَا دَعَوْت إِلَيْهِ، وَخص اللحياني بالمفتوحة: الدُّعَاء إِلَى الْوَلِيمَة. قلت: قَالُوا: الدعْوَة، بِالْفَتْح فِي الطَّعَام، والدعوة بِالْكَسْرِ فِي النّسَب، والدعوة بِالضَّمِّ فِي الْحَرْب، وَالْمرَاد: بالدعوة، هَهُنَا أَلْفَاظ الْأَذَان الَّتِي يدعى بهَا الشَّخْص إِلَى عبَادَة الله تَعَالَى. وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: من طَرِيق مُحَمَّد بن عَوْف عَن عَليّ ابْن عَيَّاش: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق هَذِه الدعْوَة، وَالْمرَاد بهَا: دَعْوَة التَّوْحِيد، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَهُ دَعْوَة الْحق﴾ (الرَّعْد: ١٤) . قَوْله: (التَّامَّة) صفة للدعوة، وصفت بالتمام لِأَن الشّركَة نقص، وَقيل: مَعْنَاهَا الَّتِي لَا يدخلهَا تَغْيِير وَلَا تَبْدِيل، بل هِيَ بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقيل: وصفت بالتمام لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تسْتَحقّ صفة التَّمام، وَمَا سواهَا معرض الْفساد. وَقَالَ ابْن التِّين: وصفت بالتامة لِأَن فِيهَا أتم القَوْل، وَهُوَ: لَا إِلَه إِلَّا الله. وَقيل: التَّامَّة الْكَامِلَة، وكمالها أَن لَا يدخلهَا نقص وَلَا عيب كَمَا يدْخل فِي كَلَام النَّاس. وَقيل: معنى التَّمام كَونهَا محمية عَن النّسخ بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: من أَوله إِلَى قَوْله: مُحَمَّد رَسُول الله، هِيَ الدعْوَة التَّامَّة. قَوْله: (وَالصَّلَاة الْقَائِمَة) أَي: الدائمة الَّتِي لَا يغيرها مِلَّة وَلَا ينسخها شَرِيعَة، وَأَنَّهَا قَائِمَة مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (آتٍ) أَي: أعْط وَهُوَ أَمر من الإيتاء، وَهُوَ الْإِعْطَاء. قَوْله: (الْوَسِيلَة) وَهِي فِي اللُّغَة: مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الْغَيْر والمنزلة عِنْد الْملك، يُقَال: وسل فلَان إِلَى ربه وَسِيلَة، وتوسل إِلَيْهِ بوسيلة: إِذا تقرب بِعَمَل، وَهِي على وزن فعيلة، وَتجمع على: وَسَائِل ووسل، وفسرها فِي حَدِيث مُسلم بِأَنَّهَا: منزلَة فِي الْجنَّة، حَدثنَا مُحَمَّد بن مسلمة الْمرَادِي حَدثنَا عبد الله بن وهب عَن حَيْوَة وَسَعِيد بن أبي أَيُّوب وَغَيرهمَا عَن كَعْب بن عَلْقَمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير: (عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول، ثمَّ صلوا عَليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ بهَا عشرا. ثمَّ سلوا الله لي الْوَسِيلَة، فَإِنَّهَا منزلَة فِي الْجنَّة لَا تنبغي لأحد إلَاّ لعبد من عباد الله، وَأَرْجُو أَن أكون أَنا هُوَ، فَمن سَأَلَ الله لي الْوَسِيلَة حلت لَهُ الشَّفَاعَة) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ إيضا وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَلَفظه: (فَإِنَّهَا منزلَة فِي الْجنَّة) ، فالمنزل والمنزلة وَاحِد، وَهِي المنهل وَالدَّار. قَوْله: (والفضيلة) أَي: الْمرتبَة الزَّائِدَة على سَائِر الْخَلَائق، وَيحْتَمل أَن تكون الْفَضِيلَة منزلَة أُخْرَى. وَقَالَ بَعضهم: أَو تكون تَفْسِيرا للوسيلة. قلت: لَا إِبْهَام فِي الْوَسِيلَة مَعَ أَنَّهَا بيّنت فِي الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو. قَوْله: (مقَاما مَحْمُودًا) انتصاب مقَاما

стр. 1372

على أَن يُلَاحظ معنى الْإِعْطَاء فِي الْبَعْث، فحينئذٍ يكون مَفْعُولا ثَانِيًا لَهُ، وَذكر الْكرْمَانِي فِيهِ وُجُوهًا أُخْرَى مَا تمشي إِلَّا بالتعسف، وَقد استبعد بَعضهم بِأَن قَالَ: نصب على الظَّرْفِيَّة، وَهُوَ مَكَان غير مُبْهَم، فَلَا يجوز أَن يقدر فِيهِ كلمة: فِي. فَإِن قلت: مَا وَجه التنكير فِيهِ؟ قلت: ليَكُون حِكَايَة عَن لفظ الْقُرْآن. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: إِنَّمَا نكر لِأَنَّهُ أفحم وأجزل، كَأَنَّهُ قيل: مقَاما، أَي: مقَاما مَحْمُودًا بِكُل لِسَان. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ثبتَتْ الرِّوَايَة بالتنكير. قلت: وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَغَيرهمَا: الْمقَام الْمَحْمُود، بِالْألف وَاللَّام. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْأَكْثَر على أَن المُرَاد يالمقام الْمَحْمُود: الشَّفَاعَة. وَقيل: إجلاسه على الْعَرْش. وَقيل: على الْكُرْسِيّ وَقيل: مَعْنَاهُ: الَّذِي يحمده الْقَائِم فِيهِ وكل من رَآهُ وعرفه، وَهُوَ مُطلق فِي كل مَا يجلب الْحَمد من أَنْوَاع الكرامات. وَعَن ابْن عَبَّاس: مقَام يحمدك فِيهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ، وتشرف فِيهِ على جَمِيع الْخَلَائق، تُسأل فتعطي، لَيْسَ أحدا إلَاّ تَحت لوائك. وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : هُوَ الْمقَام الَّذِي أشفع فِيهِ لأمتي. فَإِن قلت: قد وعده الله بالْمقَام الْمَحْمُود، وَهُوَ لَا يخلف الميعاد، فَمَا الْفَائِدَة فِي دُعَاء الْأمة بذلك؟ قلت: أما لطلب الدَّوَام والثبات، وَإِمَّا للْإِشَارَة إِلَى جَوَاز دُعَاء الشَّخْص لغيره، والاستعانة بدعائه فِي حَوَائِجه، وَلَا سِيمَا من الصَّالِحين. قَوْله: (الَّذِي وعدته) بدل من قَوْله: مقَاما، أَو مَرْفُوع بِتَقْدِير: هُوَ، أَو مَنْصُوب على الْمَدْح. فَإِن قلت: هَل يجوز أَن يكون صفة للمقام؟ قلت: أَن قُلْنَا: الْمقَام الْمَحْمُود، صَار علما لذَلِك الْمقَام يجوز أَن يكون صفة، وإلَاّ لَا يجوز لِأَنَّهُ نكرَة. وَأما على رِوَايَة النَّسَائِيّ: الْمقَام الْمَحْمُود، فَيجوز بِلَا نزاع، وَالْمرَاد بالوعد، مَا قَالَه تَعَالَى: ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٩) . وَأطلق عَلَيْهِ: الْوَعْد، لِأَن عَسى من الله وَاقع، وَلَيْسَ على بَابه فِي حق الله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (الَّذِي وعدته إِنَّك لَا تخلف الميعاد) . قَوْله: (حلت شَفَاعَتِي) ، جَوَاب: من. وَمعنى: حلت أَي: اسْتحقَّت، وَيكون من الْحَلَال لِأَنَّهُ من كَانَ الشَّيْء حَلَاله كَانَ مُسْتَحقّا لذَلِك، وَبِالْعَكْسِ، وَيجوز أَن يكون من الْحُلُول بِمَعْنى النُّزُول، وَتَكون اللَّام بِمَعْنى: على، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسلم: (حلت عَلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (وَجَبت لَهُ) ، وَلَا يجوز أَن يكون من الْحل خلاف الْحُرْمَة، لِأَنَّهَا لم تكن قبل ذَلِك مُحرمَة. فَإِن قيل: كَيفَ جعل ذَلِك ثَوابًا بالقائل ذَلِك مَعَ أَنه ثَبت أَن الشَّفَاعَة للمذنبين؟ وَأجِيب: بِأَن للنَّبِي ﷺ شفاعات مُتعَدِّدَة: كإدخال الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَرفع الدَّرَجَات، فَيشفع لكل أحد بِمَا يُنَاسب حَاله. وَنقل القَاضِي عِيَاض عَن بعض شُيُوخه: أَنه كَانَ يرى تَخْصِيص ذَلِك بِمن قَالَ مخلصا مستحضرا لجلال الله تَعَالَى، لَا بِمن قصد بذلك مُجَرّد الثَّوَاب وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا مُجَرّد تحكم، فَلَيْسَ بمناسب. وَقَالَ بَعضهم: وَلَو كَانَ أخرج من ذَلِك الغافل اللاهي لَكَانَ أشبه، وَفِيه نظر أَيْضا على مَا لَا يخفى. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الحض على الدُّعَاء فِي أَوْقَات الصَّلَاة حِين تفتح أَبْوَاب السَّمَاء للرحمة، وَقد جَاءَ: (ساعتان لَا يرد فيهمَا الدُّعَاء: حَضْرَة النداء بِالصَّلَاةِ، وحضرة الصَّفّ فِي سَبِيل الله) . فدلهم ﷺ على أَوْقَات الْإِجَابَة. فَإِن قلت: هَل الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة سَببا لاسْتِحْقَاق الشَّفَاعَة، أَو غَيرهَا يقوم مقَامهَا؟ قلت: روى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (مَا من مُسلم يَقُول، إِذا سمع النداء، فيكبر الْمُنَادِي فيكبر، ثمَّ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَيشْهد على ذَلِك ثمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ أعْط مُحَمَّدًا الْوَسِيلَة واجعله فِي الأعلين دَرَجَته، وَفِي المصطفين محبته، وَفِي المقربين ذكره إلَاّ وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة) . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. قَوْله: (واجعله) أَي: وَاجعَل لَهُ دَرَجَة فِي الأعلين، وَهُوَ جمع أَعلَى، وَهُوَ صفة من يعقل هَهُنَا لِأَن المُرَاد مِنْهُم الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلذَلِك جمع بِالْوَاو وَالنُّون، فإعرابه بِالْوَاو حَالَة الرّفْع وبالياء حالتي النصب والجر، وَهَذَا مَقْصُور، والضمة والكسرة فِيهِ مقدرتان فِي حالتي النصب والجر. قَوْله: (المصطفين) ، بِفَتْح الْفَاء جمع: مصطفى، وَهُوَ أَيْضا كَذَلِك بِالْوَاو وبالياء حالتي النصب والجر، والمصطفى: الْمُخْتَار من الصفوة، وَأَصله مصتفى، بِالتَّاءِ، فقلبت طاء كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: (عَلمنِي رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ: يَا أم سَلمَة إِذا كَانَ عِنْد أَذَان الْمغرب فَقولِي: اللَّهُمَّ عِنْد اسْتِقْبَال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعائك، وَحُضُور صلواتك، إغفر لي) وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَلَفظه: (اللَّهُمَّ هَذَا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فَاغْفِر لي) . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَفِي آخِره: وَكَانَت إِذا تعارت من اللَّيْل تَقول: رب إغفر وَارْحَمْ، واهد السَّبِيل الأقوم، وروى أَبُو

стр. 1373

الشَّيْخ من حَدِيث ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (من سمع النداء فَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، أبلغه الدرجَة والوسيلة عنْدك، واجعلنا فِي شَفَاعَته يَوْم الْقِيَامَة، إلَاّ وَجَبت لَهُ الشَّفَاعَة) وَفِيه: إِثْبَات الشَّفَاعَة للْأمة صَالحا وطالحا لزِيَادَة الثَّوَاب أَو إِسْقَاط الْعقَاب، لِأَن لَفْظَة: من، عَامَّة، فَهُوَ حجَّة على الْمُعْتَزلَة حَيْثُ خصصوها بالمطيع لزِيَادَة درجاته فَقَط. (بابُ الاستِهَامِ فِي الأذَانِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الاستهام أَي: الاقتراع فِي الْأَذَان. قَالَ الْخطابِيّ: وَإِنَّمَا قيل لَهُ الاستهام: لأَنهم كَانُوا يَكْتُبُونَ أَسْمَاءَهُم على سِهَام إِذا اخْتلفُوا فِي الشَّيْء، فَمن خرج سَهْمه غلب، والقرعة أصل من أصُول الشَّرِيعَة فِي حَال من اسْتَوَت دَعوَاهُم فِي الشَّيْء لترجيح أحدهم، وفيهَا تطبيب الْقُلُوب. ويُذْكَرُ أنَّ أقْوَاما اخْتَلَفُوا فِي الآذَانِ فَأقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ ويروى: (أَن قوما) . قَوْله: (الْأَذَان) أَي: فِي منصب التأذين، يَعْنِي: اخْتلَافهمْ لم يكن فِي نفس الْأَذَان، وَإِنَّمَا كَانَ فِي التأذين، وَالْأَذَان يَأْتِي بِمَعْنى: التأذين، وَسعد هُوَ سعد بن أبي وَقاص، أحد الْعشْرَة المبشرة، وَكَانَ ذَلِك عِنْد فتح الْقَادِسِيَّة فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي سنة خمس عشرَة، وَكَانَ سعد يَوْمئِذٍ أَمِيرا على النَّاس. وَذكره البُخَارِيّ هَكَذَا مُعَلّقا، وَأخرجه سعيد ابْن مَنْصُور، وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي عبيد، كِلَاهُمَا عَن هشيم عَن عبد الله بن شبْرمَة قَالَ: تشاح النَّاس فِي الْأَذَان بالقادسية فاختصموا إِلَى سعد بن أبي وَقاص، فأقرع بَينهم، وَهَذَا مُنْقَطع، وَقد وَصله سيف بن عمر فِي (الْفتُوح) والطبري من طَرِيقه: عَنهُ عَن عبد الله بن شبْرمَة عَن شَقِيق وَهُوَ أَبُو وَائِل قَالَ: افتتحنا الْقَادِسِيَّة صدر النَّهَار، فتراجعنا وَقد أُصِيب الْمُؤَذّن، فَذكره وَزَاد: فَخرجت الْقرعَة لرجل مِنْهُم، فَأذن. وَقَالَ الصغاني: الْقَادِسِيَّة قَرْيَة على طَرِيق الْحَاج على مرحلة من الْكُوفَة. وَقيل: مر إِبْرَاهِيم، ﵊، بالقادسية فَوجدَ هُنَاكَ عجوزا، فغسلت رَأسه فَقَالَ: قدست من أَرض، فسميت: الْقَادِسِيَّة. وَقيل: سميت بهَا لنزول أهل قادس بهَا، وقادس قَرْيَة بمروالروذ. ٦١٥ - حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ عنْ أبي صَالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ لَوْ يَعْلمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَاّ أنْ يَسْتَهِمُوا عليهِ لاستهموا ولَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ ولَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا ولَوْ حَبْوا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء) وَهُوَ الْأَذَان. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عبد الله التنيسِي، وَمَالك ابْن أنس، وَسمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف؛ مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام الْقرشِي الْمدنِي، قَتله الحرورية بِقديد سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن بن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عتبَة بن عبد الله وقتيبة فرقهما وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، سبعتهم عَن مَالك بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَو يعلم النَّاس) قَالَ الطَّيِّبِيّ: وضع الْمُضَارع مَوضِع الْمَاضِي ليُفِيد اسْتِمْرَار الْعلم. قَوْله: (مَا فِي النداء) أَي: الْأَذَان، وَهِي رِوَايَة بشر بن عمر عَن مَالك عِنْد السراج. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين النداء وَالْأَذَان؟ قلت: لَفْظَة الْأَذَان والتأذين أخص من لفظ النداء لُغَة وَشرعا. وَالْفرق بَين الْأَذَان والتأذين أَن التأذين يتَنَاوَل جَمِيع مَا يصدر من الْمُؤَذّن من قَول وَفعل وهيئة وَنِيَّة، وَأما الْأَذَان فَهُوَ حَقِيقَة تعقل بِدُونِ ذَلِك. قَوْله: (والصف الأول) زَاد أَبُو الشَّيْخ فِي رِوَايَة لَهُ

стр. 1374

من طَرِيق الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: (من الْخَيْر وَالْبركَة) ، وَالتَّقْدِير: لَو يعلم النَّاس مَا فِي الصَّفّ الأول؟ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: أطلق مفعول: يعلم، وَهُوَ كلمة: مَا، وَلم يبين الْفَضِيلَة مَا هِيَ ليُفِيد ضربا من الْمُبَالغَة، وَأَنه مِمَّا لَا يدْخل تَحت الْوَصْف. قَوْله: (ثمَّ لَا يَجدونَ) ، هَذِه رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (لم يَجدوا) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: (لَا يَجدوا) ، ثمَّ قَالَ: جوز بَعضهم حذف النُّون بِدُونِ الناصب والجازم، قَالَ ابْن مَالك: حذف نون الرّفْع فِي مَوضِع الرّفْع لمُجَرّد التَّخْفِيف ثَابت فِي اللُّغَة فِي الْكَلَام الفصيح نظمه ونثره. قَوْله: (إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ) من الاستهام وَهُوَ الاقتراع، يُقَال: استهموا فسهمهم فلَان سَهْما إِذا أقرعهم، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : الْقرعَة مِثَال الظلمَة، الاقتراع، وَقد اقترعوا وتقارعوا وقارعته فقرعته أَي: أصابتني الْقرعَة دونه، وأقرعت بَينهم: إِذا أَمرتهم أَن يقترعوا، وقارعت بَينهم أَيْضا، وَالْأول أصوب، ذكره ابْن التياني فِي (الموعب) وَفِي (التَّهْذِيب) لأَبي مَنْصُور عَن ابْن الْأَعرَابِي: القرع والسبق وَالنَّدْب: الْخطر الَّذِي يستبق عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أَنهم لَو علمُوا فَضِيلَة الْأَذَان وعظيم جَزَائِهِ، ثمَّ لم يَجدوا طَرِيقا يحصلونه بِهِ لضيق الْوَقْت أَو لكَونه لَا يُؤذن لِلْمَسْجِدِ إلَاّ وَاحِد لاقترعوا فِي تَحْصِيله. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْمَعْنى: لَو علمُوا مَا فِي النداء والصف الأول من الْفَضِيلَة، ثمَّ حاولوا الاستباق، لوَجَبَ عَلَيْهِم ذَلِك، وأتى: بثم، الْمُؤَذّن بتراخي رُتْبَة الاستباق من الْعلم، وَقدم ذكر الْأَذَان دلَالَة على تهيء الْمُقدمَة الموصلة إِلَى الْمَقْصُود الَّذِي هُوَ المثول بَين يَدي رب الْعِزَّة. قَوْله: (عَلَيْهِ) أَي: على كل وَاحِد من الْأَذَان والصف الأول، وَقد نَازع ابْن عبد الْبر والقرطبي فِي مرجع الضَّمِير، فَقَالَ ابْن عبد الْبر: يرجع إِلَى الصَّفّ الأول لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يلْزم مِنْهُ أَن يبْقى النداء ضائعا لَا فَائِدَة لَهُ، بل الضَّمِير يعود على معنى الْكَلَام الْمُتَقَدّم، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما﴾ (الْفرْقَان: ٦٨) . أَي: جَمِيع مَا ذكر. قلت: الصَّوَاب مَعَ الْقُرْطُبِيّ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن مَالك بِلَفْظ: (لاستهموا عَلَيْهِمَا) ، فَدلَّ ذَلِك على صِحَة التَّقْدِير الَّذِي قدرناه. قَوْله: (مَا فِي التهجير) أَي: التَّكْبِير إِلَى الصَّلَوَات. قَالَه الْهَرَوِيّ: وَقَالَ غَيره: المُرَاد التبكير بِصَلَاة الظّهْر، يَعْنِي الأتيان إِلَى صَلَاة الظّهْر فِي أول الْوَقْت، لِأَن التهجير مُشْتَقّ من الهاجرة وَهِي شدَّة الْحر نصف النَّهَار، وَهُوَ أول وَقت الظّهْر. قلت: الصَّوَاب مَعَ الْهَرَوِيّ، لِأَن اللَّفْظ مُطلق وتخصيصه بالاشتقاق لَا وَجه لَهُ. ثمَّ المُرَاد من التبكير إِلَى الصَّلَوَات التهيء والاستعداد لَهَا، وَلَا يلْزم من ذَلِك إِقَامَتهَا فِي أول أَوْقَاتهَا، وَكَيف وَقد أَمر الشَّارِع بالإبراد فِي الظّهْر، والإسفار فِي الْفجْر؟ وَأَيْضًا الهاجرة تطلق على وَقت الظّهْر إِلَى أَن يقرب الْعَصْر، فَإِذا أبرد يصدق عَلَيْهِ أَنه هجر على مَا لَا يخفى. قَوْله: (لاستبقوا إِلَيْهِ) أَي: إِلَى التهجير. وَقَالَ ابْن أبي حَمْزَة: المُرَاد من الاستباق التبكير، بِأَن يسْبق غَيره فِي الْحُضُور إِلَى الصَّلَاة. قَوْله: (مَا فِي الْعَتَمَة) ، وَهِي صَلَاة الْعشَاء، يَعْنِي: لَو يعلمُونَ مَا فِي ثَوَاب أَدَائِهَا وَأَدَاء (الصُّبْح لأتوهما وَلَو حبوا) أَي: وَلَو كَانُوا حابين، من: حبى الصَّبِي إِذا مَشى على أَربع. قَالَه صَاحب (الْمُجْمل) . وَيُقَال: إِذا مَشى على يَدَيْهِ أَو رُكْبَتَيْهِ أَو أسته. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فَضِيلَة الْأَذَان وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى من ذَلِك. وَفِيه: فَضِيلَة الصَّفّ الأول لاستماع الْقُرْآن إِذا جهر الإِمَام، والتأمين عِنْد فَرَاغه من الْفَاتِحَة، وَالتَّكْبِير عقيب تَكْبِير الإِمَام، وَأَيْضًا يحْتَمل أَن يحْتَاج الإِمَام إِلَى اسْتِخْلَاف عِنْد الْحَدث فَيكون هُوَ خَلِيفَته، فَحصل لَهُ بذلك أجر عَظِيم، أَو يضْبط صفة الصَّلَاة وينقلها وَيعلمهَا النَّاس، وروى مُسلم: (خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا، وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا) . وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني: (اسْتغْفر ﷺ للصف الأول ثَلَاث مَرَّات، وَللثَّانِي مرَّتَيْنِ، وللثالث مرّة) . وَعَن جَابر بن سَمُرَة من حَدِيث مُسلم: (أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة عِنْد رَبهَا، يتمون الصَّفّ الأول؟) وَعند ابْن مَاجَه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (لَا يزَال قوم يتأخرون عَن الصَّفّ الأول حَتَّى يؤخرهم الله إِلَى النَّار) . وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: (إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول) . وَعند ابْن حبَان عَن الْبَراء عَن عَازِب: (إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ اخْتلف فِي الصَّفّ الأول: هَل هُوَ الَّذِي يَلِي الإِمَام أَو المبكر؟ وَالصَّحِيح: أَنه الَّذِي يَلِي الإِمَام، فَإِن كَانَ بَين الإِمَام وَبَين النَّاس حَائِل، كَمَا أحدث النَّاس المقاصير، فالصف الأول الَّذِي على الْمَقْصُورَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : الصَّفّ الأول مَا يَلِي الإِمَام، وَلَو وَقع فِيهِ حَائِل، خلافًا لمَالِك. وَأبْعد من قَالَ: إِنَّه المبكر، وَلَو جَاءَ رجل وَرَأى الصَّفّ الأول مسدودا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يزاحمهم، وَقد

стр. 1375

رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (من ترك الصَّفّ الأول مَخَافَة أَن يُؤْذِي مُسلما أَضْعَف الله لَهُ الْأجر) . وَفِيه: فَضِيلَة التبكير إِلَى الصَّلَاة. وَفِيه: حث عَظِيم على حُضُور صَلَاتي الْعَتَمَة وَالصُّبْح، وَالْفضل الْكثير فِي ذَلِك لما فيهمَا من الْمَشَقَّة على النَّفس من تنقيص أول النّوم وَآخره. وَفِيه: تَسْمِيَة الْعشَاء بالعتمة. فَإِن قلت: قد ثَبت النَّهْي عَنهُ. قلت: هَذِه التَّسْمِيَة لبَيَان الْجَوَاز وَإِن النَّهْي لَيْسَ للتَّحْرِيم وَأَيْضًا اسْتِعْمَال الْعَتَمَة هَهُنَا لمصْلحَة، لِأَن الْعَرَب كَانَت تسْتَعْمل الْعشَاء فِي الْمغرب، فَلَو قَالَ: مَا فِي الْعشَاء لحملوها على الْمغرب، ففسد الْمَعْنى، وَفَاتَ الْمَطْلُوب، فَاسْتعْمل الْعَتَمَة الَّتِي لَا يَشكونَ فِيهَا، فقواعد الشَّرْع متظاهرة على احْتِمَال اخف المفسدتين لدفع أعظمهما. وَفِيه: أَن الصَّفّ الثَّانِي أفضل من الثَّالِث، وَالثَّالِث أفضل من الرَّابِع وهلم جرا. وَفِيه: دلَالَة لمشروعية الْقرعَة. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم لمن قَالَ بالاقتصار على مُؤذن وَاحِد، وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِر لصِحَّة إستهام أَكثر من وَاحِد فِي مُقَابلَة أَكثر من وَاحِد، وَزعم بعض من شرح الحَدِيث الْمَذْكُور أَن المُرَاد بالاستهام هَهُنَا الترامي بِالسِّهَامِ، وَأَنه أخرج مخرج الْمُبَالغَة، واستأنس لذَلِك بِحَدِيث: (لتجالدوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ) . قلت: الَّذِي قَصده البُخَارِيّ، وَذهب إِلَيْهِ هُوَ، الْأَوْجه وَالْأولَى، وَلذَلِك اسْتشْهد بقضية سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ١٠ - (بابُ الكَلَامِ فِي الأذَانِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْكَلَام فِي أثْنَاء الْأَذَان بِغَيْر أَلْفَاظه، وَلكنه مَا صرح بالحكم كَيفَ هُوَ أجائز أم غير جَائِز؟ لَكِن إِيرَاده الأثرين الْمَذْكُورين فِيهِ، وإيراده حَدِيث ابْن عَبَّاس يُشِير إِلَى أَنه اخْتَار الْجَوَاز، كَمَا ذهبت إِلَيْهِ طَائِفَة، على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَتَكَلّمَ سُلَيْمَانُ بنُ صْرَدٍ فِي أذَانِهِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وصرد، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَهُوَ سُلَيْمَان بن صرد بن أبي الجون الْخُزَاعِيّ الصَّحَابِيّ، وَكَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة: يسارا فَسَماهُ النَّبِي، ﷺ ، سُلَيْمَان، وكنيته أَبُو الطّرف، وَكَانَ خيّرا عابدا، نزل الْكُوفَة، وَقَالَ ابْن سعد: قتل بالجزيرة بِعَين الوردة فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ، وَكَانَ أَمِيرا على البوابين، أَرْبَعَة آلَاف يطْلبُونَ بِدَم الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وعلق البُخَارِيّ مَا روى عَنهُ، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة من حَدِيث مُوسَى بن عبد الله بن يزِيد بن سُلَيْمَان بن صرد، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة، كَانَ يُؤذن فِي الْعَسْكَر وَكَانَ يَأْمر غُلَامه بِالْحَاجةِ فِي أَذَانه، وَوَصله أَبُو نعيم شيخ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة لَهُ، وَأخرجه البُخَارِيّ عَنهُ فِي (التَّارِيخ) بِإِسْنَاد صَحِيح، وَلَفظه مثل لفظ ابْن أبي شيبَة. وَقَالَ الحَسَنُ لَا بَأسَ أَن يَضْحَكَ وهْوَ يُؤَذِّنُ أوْ يُقِيمُ الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَهَذَا الْأَثر الْمُعَلق غير مُطَابق للتَّرْجَمَة لِأَنَّهَا فِي الْكَلَام فِي الْأَذَان، والضحك لَيْسَ بِكَلَام، لِأَنَّهُ صَوت يسمعهُ نفس الضاحك، وَلَا يسمع غَيره، وَلَو علق عَنهُ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه: حَدثنَا ابْن علية، قَالَ: سَأَلت يُونُس عَن الْكَلَام فِي الْأَذَان وَالْإِقَامَة، فَقَالَ: حَدثنِي عبيد الله بن غلاب عَن الْحسن أَنه لم يكن يرى بذلك بَأْسا، لَكَانَ أولى وأوفق للمطابقة. ٦١٦ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَادٌ عنْ أيُّوبَ وعَبْدِ الحَمِيدَ صاحِبِ الزِّيادِي وعَاصِمٍ الأَحْوَلِ عنْ عَبْد الله بنِ الحارِثِ قَالَ خَطَبَنا ابنُ عَبَّاسِ فِي يَوْمِ رَدْغٍ فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَأمَرَهُ أنْ يُنَادِيَ الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَقَالَ فَعَلَ هَذا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإنَّهَا عَزْمَةٌ.

стр. 1376

هَذَا الحَدِيث غير مُطَابق للتَّرْجَمَة على مَا زَعمه الدَّاودِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا حجَّة فِيهِ على جَوَاز الْكَلَام فِي الْأَذَان، بل القَوْل الْمَذْكُور مَشْرُوع من جملَة الْأَذَان فِي ذَلِك الْمحل. قلت: سلمنَا أَنه مَشْرُوع فِي مثل هَذَا الْموضع، ولكننا لَا نسلم أَنه من جملَة أَلْفَاظ الْأَذَان الْمَعْهُودَة، بل يحْتَمل أَن يكون هَذَا حجَّة لمن يجوز الْكَلَام فِي الْأَذَان من السَّامع عِنْد ظُهُور مصلحَة، وَإِن كَانَت الْإِجَابَة وَاجِبَة فعلى هَذَا أَمر ابْن عَبَّاس للمؤذن بِهَذَا الْكَلَام يدل على أَنه لم ير بَأْسا بالْكلَام فِي الْأَذَان، فَمن هَذَا الْوَجْه يحصل التطابق بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث. فَافْهَم. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: خماد هُوَ ابْن زيد. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: عبد الحميد هُوَ ابْن دِينَار صَاحب الزيَادي. الْخَامِس: عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول. السَّادِس: عبد الله ابْن الْحَارِث ابْن عَم مُحَمَّد بن سِيرِين وَزوج ابْنَته. السَّابِع: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة أَيُّوب عَن ثَلَاثَة أنفس. وَفِيه: عبد الله بن الْحَارِث تَابِعِيّ صَغِير، وَرِوَايَة الثَّلَاثَة عَنهُ من رِوَايَة الأقران، لِأَن الثَّلَاثَة من صغَار التَّابِعين، فَيكون فِيهِ أَرْبَعَة أنفس من التَّابِعين، وهم أَيُّوب فَإِنَّهُ رأى أنس بن مَالك، وَعبد الحميد. سمع أنس بن مَالك، وَكَذَلِكَ عَاصِم بن سُلَيْمَان سمع أنس بن مَالك. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي، فرقهما، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، وَفِي الْجُمُعَة عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن عبد الحميد بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَأخرجه عَن أبي كَامِل الجحدري عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن شُعْبَة عَن عبد الحميد بِهِ، وَعَن عبد بن حميد عَن سعيد بن عَامر عَن شُعْبَة، وَعَن عبد بن حميد عَن أَحْمد بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ عَن وهب عَن أَيُّوب، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن أسماعيل بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ عَن عباد بن عباد المهلبي عَن عَاصِم بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي يَوْم ردغ) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالغين الْمُعْجَمَة: وَهَذِه رِوَايَة ابْن السكن والكشميهني وَأبي الْوَقْت. وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (رزغ) ، بالزاي مَوضِع الدَّال. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَالْأول أشهر. وَقَالَ أَيْضا: وَالصَّوَاب الْفَتْح، يَعْنِي فتح الدَّال، فَإِنَّهُ اسْم، وبالسكون مصدر. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الردغ، بدال مُهْملَة سَاكِنة وغين مُعْجمَة، رَوَاهُ العذري، وَبَعض رُوَاة مُسلم، وَكَذَا لِابْنِ السكن والقابسي إلَاّ أَنَّهُمَا فتحا الدَّال: وَهِي روايتنا من طَرِيق أبي الْوَقْت، وَرِوَايَة الْأصيلِيّ والسمرقندي: رزغ، بزاي مَفْتُوحَة بعْدهَا غين مُعْجمَة. وَقَالَ السفاقسي: روينَاهُ بِفَتْح الزَّاي وَهُوَ فِي اللُّغَة بسكونها. قَالَ الدَّاودِيّ: الرزغ: الْغَيْم الْبَارِد وَفِي (الْمُحكم) : الرزغ المَاء الْقَلِيل فِي الثماد، والرزغة أقل من الردغة، والرزغة بِالْفَتْح: الطين الرَّقِيق. وَفِي (الصِّحَاح) : الرزغة، بِالتَّحْرِيكِ: الوحل، وَكَذَلِكَ: الردغة بِالتَّحْرِيكِ، وَفِي كتاب ابي مُوسَى: الردغة، بِسُكُون الدَّال وَفتحهَا: طين ووحل كثير، وَالْجمع: رداغ، وَقد يُقَال: ارتدع، بِالْعينِ الْمُهْملَة تلطخ، وَالصَّحِيح الأول. وَقَوله: (فِي يَوْم ردغ) بِالْإِضَافَة، وَفِي رِوَايَة: (فِي يَوْم ذِي ردغ) ، وَفِي رِوَايَة ابْن علية: (فِي يَوْم مطير) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْيَوْم أهوَ بِالْإِضَافَة إِلَى الردغ أَو بِالتَّنْوِينِ على أَنه مَوْصُوف؟ قلت: الْإِضَافَة ظَاهِرَة، وَيحْتَمل الْوَصْف بِأَن يكون أَصله يَوْم ذِي ردغ قلت: لم يقف على الرِّوَايَة الَّتِي ذَكرنَاهَا حَتَّى تصرف بذلك. قَوْله: (فَأمره) أَي: أَمر ابْن عَبَّاس الْمُؤَذّن، وَهَذَا عطف على مُقَدّر، وَهُوَ جَوَاب لما تَقْدِيره: لما بلغ الْمُؤَذّن إِلَى أَن يَقُول: حَيّ على الصَّلَاة، أَرَادَ أَن يَقُولهَا فَأمره ابْن عَبَّاس إِن (يُنَادي: الصَّلَاة فِي الرّحال) ويوضح ذَلِك فِي رِوَايَة ابْن علية: (إِذا قلت: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَلَا تقل: حَيّ على الصَّلَاة) ، وَابْن علية هُوَ إِسْمَاعِيل، روى أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل أَخْبرنِي عبد الحميد صَاحب الزيَادي، حَدثنَا عبد الله بن الْحَارِث ابْن عَم مُحَمَّد بن سِيرِين: (أَن ابْن عَبَّاس قَالَ لمؤذنه فِي يَوْم مطير: إِذا قلت: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَلَا تقل: حَيّ على الصَّلَاة، قل: صلوا فِي بُيُوتكُمْ، قَالَ: فَكَأَن النَّاس استنكروا ذَلِك، فَقَالَ: قد فعل ذَا من هُوَ خير مني، إِن الْجُمُعَة عَزمَة، وَإِنِّي كرهت أَن أحرجكم فتمشون فِي الطين والمطر) . وَقَوله: (الصَّلَاة) ، مَنْصُوب بعامل مَحْذُوف

стр. 1377

تَقْدِيره: صلوا الصَّلَاة وأدوها فِي الرّحال، وَهُوَ جمع: رَحل، وَهُوَ مسكن الرجل وَمَا يستصحبه من الأناث. أَي: صلوها فِي مَنَازِلكُمْ. قَوْله: (فَنظر الْقَوْم) أَي: نظر إِنْكَار على تَغْيِير وضع الْأَذَان وتبديل الحيعلة بذلك، وَفِي رِوَايَة الحَجبي: كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِك، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (استنكروا ذَلِك) ، على مَا ذَكرنَاهَا آنِفا. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: ابْن عَبَّاس، فعل هَذَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أَمر الْمُؤَذّن أَن يَقُول: الصَّلَاة فِي الرّحال، مَوضِع: حَيّ على الصَّلَاة. قَوْله: (من هُوَ خير مِنْهُ) كلمة: من، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل قَوْله: (فعل) ، وَالضَّمِير فِي: مِنْهُ، يرجع إِلَى ابْن عَبَّاس، وَمَعْنَاهُ: أَمر بِهِ من هُوَ خير من ابْن عَبَّاس. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مِنْهُم، وَوَجهه أَن يرجع الضَّمِير فِيهِ إِلَى الْمُؤَذّن وَالْقَوْم جَمِيعًا. وَقَالَ بَعضهم: وَأما رِوَايَة الْكشميهني فَفِيهَا نظر، وَلَعَلَّ من أذن كَانُوا جمَاعَة، أَو أَرَادَ جنس المؤذنين. قلت: فِي نظره نظر، وتأويله بِالْوَجْهَيْنِ غير صَحِيح. أما الأول: فَلم يثبت أَن من أذن كَانُوا جمَاعَة، وَهَذَا احْتِمَال بعيد، لِأَن الْأَذَان بِالْجَمَاعَة مُحدث. وَأما الثَّانِي، فَلِأَن الْألف وَاللَّام فِي: الْمُؤَذّن، للْعهد، فَكيف يجوز أَن يُرَاد الْجِنْس وَفِي رِوَايَة الحَجبي: (من هُوَ خير مني) ، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد. قَوْله: (وَإِنَّهَا عَزمَة) أَي: إِن الْجُمُعَة عَزمَة، بِسُكُون الزَّاي، أَي: وَاجِبَة متحتمة، وَجَاء فِي بعض طرقه: إِن الْجُمُعَة عَزمَة. فَإِن قلت: لَمْ يسْبق ذكر الْجُمُعَة فَكيف يُعِيدهُ إِلَيْهَا؟ قلت: قَوْله: (خَطَبنَا) ، يدل على أَنهم كَانُوا فِي الْجُمُعَة، وَقد صرح بذلك فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، حَيْثُ قَالَ: (إِن الْجُمُعَة عَزمَة) ، قَوْله فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (أَن أحرجكم) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: كرهت أَن أشق عَلَيْكُم بإلزامكم السَّعْي إِلَى الْجُمُعَة فِي الطين والمطر، ويروى: (أَن أخرجكم) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من الْإِخْرَاج، ويروى: (كرهت أَن أؤثمكم) أَي: أكون سَببا لاكتسابكم الْإِثْم عِنْد ضيق صدوركم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ التَّيْمِيّ: رخص الْكَلَام فِي الْأَذَان جمَاعَة مستدلين بِهَذَا الحَدِيث مِنْهُم: أَحْمد بن حَنْبَل. وَحكى ابْن الْمُنْذر الْجَوَاز مُطلقًا عَن عُرْوَة وَعَطَاء وَالْحسن وَقَتَادَة، وَعَن النَّخعِيّ وَابْن سِيرِين وَالْأَوْزَاعِيّ الْكَرَاهَة، وَعَن الثَّوْريّ الْمَنْع، وَعَن أبي حنيفَة وصاحبيه خلاف الأولى، وَعَلِيهِ يدل كَلَام الشَّافِعِي وَمَالك. وَعَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: يكره إلَاّ أَن كَانَ يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر وَفِيه: دلَالَة على فَرضِيَّة الْجُمُعَة، وَأبْعد بعض الْمَالِكِيَّة حَيْثُ قَالَ: إِن الْجُمُعَة لَيست بِفَرْض، وَإِنَّمَا الْفَرْض الظّهْر أَو مَا يَنُوب مَنَابه، وَالْجَمَاعَة على خِلَافه، وَقَالَ ابْن التِّين: وَحكى ابْن أبي صفرَة عَن (موطأ ابْن وهب) عَن مَالك: إِن الْجُمُعَة سنة. قَالَ: وَلَعَلَّه يُرِيد فِي السّفر، وَلَا يحْتَج بِهِ. وَفِيه: تَخْفيف أَمر الْجَمَاعَة فِي الْمَطَر وَنَحْوه من الْأَعْذَار وَإِنَّهَا متأكدة إِذا لم يكن عذر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: أَن يُقَال: هَذِه الْكَلِمَة يَعْنِي: الصَّلَاة فِي الرّحال. فِي نفس الْأَذَان. قلت: أَخذه من كَلَام النَّوَوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: هَذِه الْكَلِمَة تقال فِي نفس الْأَذَان، وَيرد عَلَيْهِ حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْآتِي فِي بَاب الْأَذَان للْمُسَافِر: إِنَّهَا تقال بعده، وَنَصّ الشَّافِعِي على أَن الْأَمريْنِ جائزان، وَلَكِن بعده أحسن لِئَلَّا ينخرم نظم الْأَذَان. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ: لَا يَقُول إلَاّ بعد الْفَرَاغ. قَالَ: وَهُوَ ضَعِيف مُخَالف لصريح حَدِيث ابْن عَبَّاس. قلت: الْأَمْرَانِ جائزان، وَبعد الْفَرَاغ أحسن كَمَا ذكرنَا، وَكَلَام النَّوَوِيّ يدل على أَنَّهَا تزاد مُطلقًا إِمَّا فِي أَثْنَائِهِ وَإِمَّا بعده، لَا أَنَّهَا بدل من الحيعلة. قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس لم يسْلك مَسْلَك الْأَذَان، أَلا ترى أَنه قَالَ: فَلَا تقل: حَيّ على الصَّلَاة، قل: صلوا فِي بُيُوتكُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِشْعَار النَّاس بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُم للْعُذْر، كَمَا فعل فِي التثويب لِلْأُمَرَاءِ وَأَصْحَاب الولايات، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث ابْن عمر: أخرجه البُخَارِيّ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) أَنه إِنَّمَا يُقَال بعد فرَاغ الْأَذَان. ١١ - (بابُ أَذانِ الأعْمَى إذَا كانَ لهُ مَنْ يُخْبِرِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَذَان الْأَعْمَى، إِذا كَانَ عِنْده من يُخبرهُ بِدُخُول الْوَقْت، يَعْنِي يجوز أَذَانه حِينَئِذٍ، وَمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن مَسْعُود وَابْن الزبير وَغَيرهمَا أَنهم كَرهُوا أَن يكون الْمُؤَذّن أعمى، مَحْمُول على مَا إِذا لم يكن عِنْده من يُخبرهُ بِدُخُول الْوَقْت، وَنقل النَّوَوِيّ عَن أبي حنيفَة: أَن أَذَان الْأَعْمَى لَا يَصح قلت: هَذَا غلط لم يقل بِهِ أَبُو حنيفَة، وَإِنَّمَا ذكر أَصْحَابنَا أَنه يكره ذكره فِي (الْمُحِيط) وَفِي (الذَّخِيرَة) و (الْبَدَائِع) : غَيره أحب، فَكَأَن وَجه الْكَرَاهَة لأجل عدم قدرته على مُشَاهدَة دُخُول الْوَقْت، وَهُوَ فِي الأَصْل مَبْنِيّ على الْمُشَاهدَة.

стр. 1378

٦١٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمِ ابنِ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ إنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابنُ أمِّ مَكْتُومٍ ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رجُلاً أعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يُنَادي) إِلَى آخِره. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ومسلمة، بِفَتْح الْمِيم، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه الطَّحَاوِيّ من تسع طرق صِحَاح: ثَمَانِيَة مَرْفُوعَة، وَوَاحِدَة مَوْقُوفَة. الأول: عَن يزِيد بن سِنَان عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك إِلَى آخِره، نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ. الثَّانِي: عَن يزِيد بن سِنَان عَن عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ مثله. الثَّالِث: عَن إِبْرَاهِيم بن أبي دَاوُد عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: قَالَ سَالم بن عبد الله: سَمِعت عبد الله يَقُول: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي ابْن أم مَكْتُوم) . الرَّابِع: عَن يزِيد ابْن سِنَان عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة عَن الزُّهْرِيّ، فَذكر مثله. الْخَامِس: عَن الْحسن بن عبد الله بن مَنْصُور البالسي عَن مُحَمَّد بن كثير عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ مثله. السَّادِس: عَن إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق عَن وهب بن جرير عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ بِإِسْنَادِهِ، مثله. السَّابِع: عَن يُونُس عَن ابْن وهب أَن مَالِكًا حَدثهُ عَن عبد الله بن دِينَار، فَذكر بِإِسْنَادِهِ مثله. الثَّامِن: عَن عَليّ بن شيبَة عَن روح بن عبَادَة عَن مَالك وَشعْبَة عَن عبد الله بن دِينَار، فَذكره بِإِسْنَادِهِ مثله، غير أَنه قَالَ: (حَتَّى يُنَادي بِلَال أَو ابْن أم مَكْتُوم) ، شكّ شُعْبَة. التَّاسِع: هُوَ الْمَوْقُوف عَن يُونُس عَن ابْن وهب أَن مَالِكًا حَدثهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن النَّبِي ﷺ مثله، وَلم يذكر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: هَكَذَا رَوَاهُ يحيى عَن مَالك مُرْسلا عَن سَالم، لم يقل فِيهِ: عَن أَبِيه، وَتَابعه على ذَلِك أَكثر رُوَاة (الْمُوَطَّأ) ، وَمِمَّنْ تَابعه على ذَلِك: ابْن الْقَاسِم وَالشَّافِعِيّ وَابْن بكير وَأَبُو المصعب وَعبد الله بن يُوسُف التنيسِي، وَمصْعَب الزبيرِي وَمُحَمّد بن الْحسن وَمُحَمّد بن الْمُبَارك الصُّورِي وَسَعِيد بن عفير ومعن بن عِيسَى، وَوَصله جمَاعَة عَن مَالك فَقَالُوا فِيهِ: عَن سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ مُسْندًا هَكَذَا: القعْنبِي وَعبد الرَّزَّاق وَأَبُو قُرَّة مُوسَى بن طَارق وروح بن عبَادَة وَعبد الله بن نَافِع ومطرف وَابْن أبي أويس وَعبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الخبيبي وَمُحَمّد بن عمر الْوَاقِدِيّ وَأَبُو قَتَادَة الْحَرَّانِي وَمُحَمّد بن حَرْب الأبرش وَزُهَيْر ابْن عباد وكامل بن طَلْحَة وَابْن وهب فِي رِوَايَة أَحْمد بن صَالح عَنهُ. وَأما أَصْحَاب ابْن شهَاب فَرَوَوْه مُتَّصِلا مُسْندًا عَن ابْن شهَاب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل) ، ومعناهما وَاحِد، لِأَن معنى قَوْله: يُنَادي يُؤذن، وَالْبَاء فِي: بلَيْل، للظرفية. قَوْله: (حَتَّى يُنَادي) أَي: حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم، واسْمه: عبد الله، وَيُقَال: عَمْرو وَهُوَ الْأَكْثَر، وَيُقَال: كَانَ اسْمه الْحصين فَسَماهُ النَّبِي ﷺ عبد الله بن قيس بن زَائِدَة الْقرشِي العامري، وَاسم أم مَكْتُوم: عَاتِكَة بنت عبد الله بن عنكشة بن عَامر بن مَخْزُوم، وَهُوَ ابْن خَال خَدِيجَة بنت خويلد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَابْن ام مَكْتُوم هَاجر الى الْمَدِينَة قبل مقدم النَّبِي ﷺ واستخلفه النَّبِي ﷺ على الْمَدِينَة ثَلَاث عشرَة مرّة، وَشهد فتح الْقَادِسِيَّة، وَقتل شَهِيدا، وَكَانَ مَعَه اللِّوَاء يَوْمئِذٍ. وَقيل: رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَمَات بهَا، وَهُوَ الْأَعْمَى الْمَذْكُور فِي سُورَة: عبس، ومكتوم من: الكتم، سمي بِهِ لكتمان نور عَيْنَيْهِ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ وَكَانَ رجلا أعمى) . قيل: إِن هَذَا الْقَائِل هُوَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَبِذَلِك جزم الشَّيْخ الْمُوفق فِي (المغنى) قلت: فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: قَالَ ابْن شهَاب؛ وَكَانَ رجلا أعمى، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي خَليفَة. فَإِن قلت: فعلى هَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ إدراج. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يمْنَع كَون ابْن شهَاب قَالَه أَن يكون شَيْخه قَالَه، وَكَذَا شيخ شَيْخه، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان ... الحَدِيث الْمَذْكُور، وَفِيه: قَالَ سَالم: وَكَانَ رجلا ضَرِير الْبَصَر. قَوْله: (أَصبَحت) ، أَي: قاربت الصَّباح، لِأَن قرب الشَّيْء قد يعبر عَنهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا بلغن

стр. 1379

أَجلهنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٤، وَالطَّلَاق: ٢) . أَي: قاربن لِأَن الْعدة إِذا تمت فَلَا رَجْعَة، وَكَانَ فِيهِ تَامَّة، فَلَا تحْتَاج إِلَى خبر، فَهَذَا التَّفْسِير يدْفع إِشْكَال من يَقُول إِنَّه إِذا جعل أَذَانه غَايَة للْأَكْل فَلَو لم يُؤذن حَتَّى يدْخل الصَّباح للَزِمَ مِنْهُ جَوَاز الْأكل بعد طُلُوع الْفجْر، وَالْإِجْمَاع على خِلَافه إلَاّ مَا روى عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش جَوَازه بعد طُلُوع الْفجْر وَلَا يعْتد بِهِ. فَإِن قيل: يشكل على هَذَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَاللَّيْث جَمِيعًا عَن ابْن شهَاب. وَفِيه: (وَلم يكن يُؤذن حَتَّى يَقُول النَّاس حِين ينظرُونَ إِلَى بزوغ الْفجْر: أذن) . وَكَذَا رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الصّيام: (حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم، فَإِنَّهُ لَا يُؤذن حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَأَيْضًا، فَإِن قَوْله: (إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل) يشْعر أَن ابْن أم مَكْتُوم بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ قبل الصُّبْح لم يكن بَينه وَبَين بِلَال فرق لصدق أَن كلا مِنْهُمَا أذن قبل الْوَقْت، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بالبزوغ ابْتِدَاء طُلُوع الْفجْر، فَيكون أَذَانه عَلامَة لتَحْرِيم الْأكل، وَالظَّاهِر أَنه كَانَ يُرَاعِي لَهُ الْوَقْت، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو قُرَّة من وَجه آخر عَن ابْن عمر حَدِيثا فِيهِ، وَكَانَ ابْن ام مَكْتُوم يتوخى الْفجْر فَلَا يخطئه، وَلَا يكون توخي الْأَعْمَى فِي مثل هَذَا إلَاّ من كَانَ لَهُ من يُرَاعِي الْوَقْت. وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون المُرَاد بقَوْلهمْ: أَصبَحت، أَي: قاربت الصَّباح، وُقُوع أَذَانه قبل الْفجْر، لاحْتِمَال أَن يكون قَوْلهم ذَلِك وَقع فِي آخر جُزْء من اللَّيْل، وأذانه يَقع فِي أول جُزْء من طُلُوع الْفجْر. انْتهى. قلت: هَذَا بعيد جدا. والمؤقت الحاذق فِي علمه يعجز عَن تَحْرِير ذَلِك. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ الْأَوْزَاعِيّ وَعبد الله بن الْمُبَارك وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ فَقَالُوا: يجوز أَن يُؤذن للفجر قبل دُخُول وقته، وَمِمَّنْ ذهب إِلَيْهِ: أَبُو يُوسُف، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن عَائِشَة عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه قَالَ: (إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم) . على مَا يَجِيء، وَرَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا وَلَفظه: (إِذا أذن بِلَال فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي ابْن ام مَكْتُوم، فَإِن قلت: روى ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من حَدِيث أنيسَة بنت خبيب، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا أذن ابْن أم مَكْتُوم فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذا أذن بِلَال فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تشْربُوا. وَإِن كَانَت الْمَرْأَة منا ليبقى عَلَيْهَا شَيْء من سحورها فَتَقول لِبلَال: أمْهل حَتَّى أفرغ من سحوري) . وروى الدَّارمِيّ من حَدِيث الْأسود: (عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ لرَسُول الله ثَلَاثَة مؤذنين: بِلَال وَأَبُو مَحْذُورَة وَعَمْرو بن أم مَكْتُوم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا أذن عَمْرو فَإِنَّهُ ضَرِير الْبَصَر فَلَا يَغُرنكُمْ، وَإِذا أذن بِلَال فَلَا يطعمن أحد) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا: عَن يَعْقُوب عَن هشيم عَن مَنْصُور عَن خبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن عمته أنيسَة نَحْو حَدِيث ابْن خُزَيْمَة. قلت: يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ قد جعل الْأَذَان بِاللَّيْلِ نوبا بَين بِلَال وَعَمْرو، فَأمر فِي بعض اللَّيَالِي بِلَالًا أَن يُؤذن أَولا بِاللَّيْلِ، فَإِذا نزل بِلَال صعد عَمْرو فَأذن بعده بِالنَّهَارِ، فَإِذا جَاءَت نوبَة عَمْرو بَدَأَ فَأذن بلَيْل فَإِذا نزل صعد بِلَال فَأذن بعده بِالنَّهَارِ، وَكَانَت مقَالَة النَّبِي ﷺ : إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَت النّوبَة لِبلَال فِي الْأَذَان بِاللَّيْلِ، وَكَانَت مقَالَته ﷺ : إِن ابْن مَكْتُوم يُؤذن بلَيْل فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَت النّوبَة فِي الْأَذَان بِاللَّيْلِ نوبَة ابْن أم مَكْتُوم، فَكَانَ ﷺ يعلم النَّاس فِي كلا الْوَقْتَيْنِ أَن الْأَذَان الأول مِنْهُمَا هُوَ أَذَان بلَيْل لَا بنهار، وَأَنه لَا يمْنَع من إراد الصَّوْم طَعَاما وَلَا شرابًا، وَإِن الْأَذَان الثَّانِي إِنَّمَا يمْنَع الْمطعم وَالْمشْرَب، إِذْ هُوَ بنهار لَا بلَيْل. وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَزفر بن الْهُذيْل: لَا يجوز أَن يُؤذن للفجر أَيْضا إلَاّ بعد دُخُول وَقتهَا، كَمَا لَا يجوز لسَائِر الصَّلَوَات إلَاّ بعد دُخُول وَقتهَا، لِأَنَّهُ للإعلام بِهِ، وَقبل دُخُوله تجهيل وَلَيْسَ بإعلام، فَلَا يجوز. وَأما الْجَواب عَن أَذَان بِلَال الَّذِي كَانَ يُؤذن بِاللَّيْلِ قبل دُخُول الْوَقْت فَلم يكن ذَلِك لأجل الصَّلَاة، بل إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لينتبه النَّائِم وليتسحر الصَّائِم، وليرجع الْغَائِب، بَين ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يمنعن أحدكُم أَو وَاحِدًا مِنْكُم أَذَان بِلَال من سحوره، فَإِنَّهُ يُؤذن أَو يُنَادي بلَيْل ليرْجع غائبكم ولينتبه نائمك) الحَدِيث على مَا يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأخرجه مُسلم أَيْضا. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَلَاث طرق، وَلَفظه: (لَا يمنعن أحدكُم أَذَان بِلَال من سحوره، فَإِنَّهُ يُنَادي أَو يُؤذن ليرْجع غائبكم ولينتبه نائمكم) . الحَدِيث، وَمعنى: (ليرْجع غائبكم) : ليرد غائبكم من الْغَيْبَة، وَرجع يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وَلَا يتَعَدَّى، وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة: (ليرْجع قائمكم) من: الْقيام، وَمَعْنَاهُ: ليكمل ويستعجل بَقِيَّة ورده، وَيَأْتِي بوتره قبل الْفجْر. وَقَالَ عِيَاض مَا ملخصه: مَا قَالَه الْحَنَفِيَّة

стр. 1380

بعيد إِذْ لم يخْتَص هَذَا بِشَهْر رَمَضَان، وَإِنَّمَا أخبر عَن عَادَته فِي أَذَانه، وَلِأَنَّهُ الْعَمَل الْمَنْقُول فِي سَائِر الْحول بِالْمَدِينَةِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو يُوسُف حِين تحَققه، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ للسحور لم يخْتَص بِصُورَة الْأَذَان للصَّلَاة. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه بعيد لأَنهم لم يَقُولُوا بِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِشَهْر رَمَضَان، وَالصَّوْم غير مَخْصُوص بِهِ، فَكَمَا أَن الصَّائِم فِي رَمَضَان يحْتَاج إِلَى الإيقاظ لأجل السّحُور، فَكَذَلِك الصَّائِم فِي غَيره، بل هَذَا أَشد لِأَن من يحيي ليَالِي رَمَضَان أَكثر مِمَّن يحيي ليَالِي غَيره، فعلى قَوْله: إِذا كَانَ أَذَان بِلَال للصَّلَاة كَانَ يَنْبَغِي أَن يجوز أَدَاء صَلَاة الْفجْر بِهِ، بل هم يَقُولُونَ أَيْضا بِعَدَمِ جَوَازه، فَعلم أَن أَذَانه إِنَّمَا كَانَ لأجل إيقاظ النَّائِم، ولإرجاع الْقَائِم. وَمن أقوى الدَّلَائِل على أَن أَذَان بِلَال لم يكن لأجل الصَّلَاة مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن نَافِع: (عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَن بِلَالًا أذن قبل طُلُوع الْفجْر، فَأمره النَّبِي ﷺ ، أَن يرجع فينادي: أَلا إِن العَبْد نَام، فَرجع فَنَادَى: أَلا إِن العَبْد نَام) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا، فَهَذَا ابْن عمر روى هَذَا، وَالْحَال أَنه روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي ابْن ام مَكْتُوم) ، فَثَبت بذلك أَن مَا كَانَ من ندائه قبل طُلُوع الْفجْر لم يكن للصَّلَاة. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة غير مَحْفُوظ، وَالصَّحِيح هُوَ حَدِيثه الَّذِي فِيهِ: (إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل) إِلَى آخِره؟ قلت: مَا قَالَه: لَا يكون مَحْفُوظًا، صَحِيحا، لِأَنَّهُ لَا مُخَالفَة بَين حديثيه، لأَنا قد ذكرنَا أَن حَدِيثه الَّذِي رَوَاهُ غير حَمَّاد إِنَّمَا كَانَ لأجل إيقاظ النَّائِم وإرجاع الْقَائِم، فَلم يكن للصَّلَاة. وَأما حَدِيث حَمَّاد فَإِنَّهُ كَانَ لأجل الصَّلَاة فَلذَلِك أمره بِأَن يعود وينادي: (أَلا إِن العَبْد نَام) ، وَمِمَّا يُقَوي حَدِيث حَمَّاد مَا رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن بِلَالًا أذن قبل الْفجْر فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يصعد فينادي: إِن العَبْد نَام) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ أَبُو يُوسُف عَن سعيد، وَغَيره يُرْسِلهُ، والمرسل أصح. قلت: أَبُو يُوسُف ثِقَة، وهم وثقوه، وَالرَّفْع من الثِّقَة زِيَادَة مَقْبُولَة، وَمِمَّا يقويه حَدِيث حَفْصَة بنت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا أذن الْمُؤَذّن بِالْفَجْرِ قَامَ فصلى رَكْعَتي الْفجْر، ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد وَحرم الطَّعَام، وَكَانَ لَا يُؤذن حَتَّى يصبح) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ: فَهَذِهِ حَفْصَة تخبر أَنهم كَانُوا لَا يُؤذنُونَ للصَّلَاة إلَاّ بعد طُلُوع الْفجْر. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مَحْمُول إِن صَحَّ على الْأَذَان الثَّانِي، وَقَالَ الْأَثْرَم: رَوَاهُ النَّاس عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن حَفْصَة، وَلم يذكرُوا فِيهِ مَا ذكره عبد الْكَرِيم عَن نَافِع. قلت: كَلَام الْبَيْهَقِيّ يدل على صِحَة الحَدِيث عِنْده، وَلكنه لما لم يجد مجالاً لتضعيفه ذهب إِلَى تَأْوِيله، وَعبد الْكَرِيم الْجَزرِي ثِقَة، أخرج لَهُ الْجَمَاعَة وَغَيرهم، فَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة لَا يُنكر عَلَيْهِ إِذا ذكر مَا لم يذكرهُ غَيره. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: يحْتَمل أَن يكون بِلَال كَانَ يُؤذن فِي وَقت يرى أَن الْفجْر قد طلع فِيهِ، وَلَا يتَحَقَّق لضعف فِي بَصَره، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يَغُرنكُمْ أَذَان بِلَال، فَإِن فِي بَصَره شَيْئا) . وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا تَأْكِيدًا لذَلِك عَن أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لِبلَال: (أَنَّك تؤذن إِذا كَانَ الْفجْر ساطعا وَلَيْسَ ذَلِك الصُّبْح، إِنَّمَا الصُّبْح هَكَذَا مُعْتَرضًا) وَالْمعْنَى: أَن بِلَالًا كَانَ يُؤذن عِنْد طُلُوع الْفجْر الْكَاذِب الَّذِي لَا يخرج بِهِ حكم اللَّيْل، وَلَا تحل بِهِ صَلَاة الصُّبْح، وَمِمَّا يدل حَدِيث الْبَاب على اسْتِحْبَاب أَذَان وَاحِد بعد وَاحِد. وَأما أَذَان اثْنَيْنِ مَعًا فَمنع مِنْهُ قوم، وَقَالُوا: أول من أحدثه بَنو أُميَّة. وَقَالَ الشَّافِعِيَّة: لَا يكره إلَاّ إِن حصل مِنْهُ تهويش. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَأما الزِّيَادَة على الْإِثْنَيْنِ فَلَيْسَ فِي الحَدِيث تعرض إِلَيْهِ. وَنَصّ الشَّافِعِي على جَوَازه، وَلَفظه: وَلَا يضيق إِن أذن أَكثر من اثْنَيْنِ. وَفِيه: جَوَاز تَقْلِيد الْأَعْمَى للبصير فِي دُخُول الْوَقْت، وَصحح النَّوَوِيّ فِي كتبه: أَن للأعمى والبصير إعتماد الْمُؤَذّن الثِّقَة. وَفِيه: الِاعْتِمَاد على صَوت الْمُؤَذّن والاعتماد عَلَيْهِ أَيْضا فِي الرِّوَايَة إِذا كَانَ عَارِفًا بِهِ، وَإِن لم يُشَاهد الرَّاوِي. وَفِيه: اسْتِحْبَاب السّحُور وتأخيره. وَفِيه: جَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد. وَفِيه: أَن مَا بعد الْفجْر حكم النَّهَار. وَفِيه جَوَاز ذكر الرجل بِمَا فِيهِ من العاهة إِذا كَانَ لقصد التَّعْرِيف وَفِيه جَوَاز نِسْبَة الرجل إِلَى أمه إِذا اشْتهر بذلك. وَفِيه: جَوَاز التكنية للْمَرْأَة. (بابُ الآذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي الْأَذَان الْمُعْتَبر الْوَاقِع بعد طُلُوع الْفجْر، وَقدم هَذَا الْبَاب على الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ لكَونه أصلا، لِأَن الْأَذَان

стр. 1381

الْمُعْتَبر هُوَ الَّذِي يكون بعد دُخُول الْوَقْت، وَلِأَن الْأَذَان الْوَاقِع بعد طُلُوع الْفجْر لَا خلاف فِيهِ، بِخِلَاف الْأَذَان الَّذِي قبله. ٦١٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ قالَ أخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة لَا يَسْتَقِيم إلَاّ على مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَة عَن مَالك: (كَانَ إِذا سكت الْمُؤَذّن صلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) . لِأَنَّهُ يدل على أَن رُكُوعه كَانَ مُتَّصِلا بأذانه، وَلَا يجوز أَن يكون رُكُوعه إِلَّا بعد الْفجْر، فَلذَلِك كَانَ الْأَذَان بعد الْفجْر، وعَلى هَذَا الْمَعْنى حمله البُخَارِيّ وَترْجم عَلَيْهِ: بَاب الْأَذَان بعد الْفجْر. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، تكَرر ذكرهم. وَفِي الْإِسْنَاد: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْفِعْل الْمُؤَنَّث فِي مَوضِع وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين، والرواة مدنيون مَا خلا عبد الله. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَعَن مُسَدّد عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ. وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبيد الله ابْن سعيد وَعَن زُهَيْر عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن أَحْمد بن عبد الله بن الحكم وَعَن اسحاق بن ابراهيم وَعَن مُحَمَّد بن عباد واخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن عَليّ وَفِي الشَّمَائِل عَن احْمَد بن منيع وَعَن قُتَيْبَة عَن مَرْوَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن عبد الله بن الحكم وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن شُعَيْب وَعَن هِشَام بن عمار وَعَن يحيى بن مُحَمَّد وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ إِذا اعْتكف الْمُؤَذّن للصبح) ، هَكَذَا رَوَاهُ عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَهَكَذَا هُوَ عِنْد جُمْهُور الروَاة من البُخَارِيّ، وَخَالف عبد الله سَائِر الروَاة عَن مَالك، فَرَوَوْه: (كَانَ إِذا سكت الْمُؤَذّن من الْأَذَان لصَلَاة الصُّبْح، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، وَهُوَ الصَّوَاب: وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الْأصيلِيّ والقابسي وَأبي ذَر: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا اعْتكف الْمُؤَذّن للصبح وبدا الصُّبْح ركع رَكْعَتَيْنِ) . وَقَالَ الْقَابِسِيّ: معنى اعْتكف هُنَا: انتصب قَائِما للأذان، كَأَنَّهُ من مُلَازمَة مراقبة الْفجْر، وَفِي رِوَايَة الْهَمدَانِي: (كَانَ إِذا أذن الْمُؤَذّن) . وَعند النَّسَفِيّ: (كَانَ إِذا اعْتكف أذن الْمُؤَذّن للصبح) ، وَقَالَ بَعضهم: وَقد أطلق جمَاعَة من الْحفاظ القَوْل: بِأَن الْوَهم فِيهِ من عبد الله بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ. انْتهى. قلت: الْحَاصِل هَهُنَا خمس رِوَايَات، ولكلها وَجه فَلَا يحْتَاج إِلَى نِسْبَة الْوَهم إِلَى أحد مِنْهُم. الرِّوَايَة الأولى: رِوَايَة عبد الله بن يُوسُف كَانَ إِذا اعْتكف الْمُؤَذّن للصبح، وَمعنى اعْتكف قد مر الْآن. وَالثَّانيَِة: إِذا سكت الْمُؤَذّن، وَهِي ظَاهِرَة لَا نزاع فِيهَا. وَالثَّالِثَة: كَانَ إِذا أذن الْمُؤَذّن، وَهِي أَيْضا ظَاهِرَة كَذَلِك. وَالرَّابِعَة: كَانَ إِذا اعْتكف أذن الْمُؤَذّن، يَعْنِي إِذا اعْتكف النَّبِي ﷺ ، وَجَوَاب: إِذا هُوَ قَوْله: (صلى رَكْعَتَيْنِ) ، وَقَوله: (أذن الْمُؤَذّن) ، جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير: قد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أوجاؤكم حصرت صُدُورهمْ﴾ (النِّسَاء: ٩٠) ، أَي: قد حصرت. الْخَامِسَة: (كَانَ إِذا اعْتكف وَأذن الْمُؤَذّن) . وَكَذَلِكَ الضَّمِير فِي: اعْتكف، هَهُنَا يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ . وَقَوله: (وَأذن) عطف عَلَيْهِ. فَإِن قلت: على هَذَا يلْزم أَن يكون هَذَا مُخْتَصًّا بِحَال اعْتِكَافه ﷺ ، وَلَيْسَ كَذَلِك؟ قلت: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن حَفْصَة راوية الحَدِيث الْمَذْكُور قد شاهدت النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك الْوَقْت، وَهُوَ فِي الِاعْتِكَاف، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون ﷺ فِي كل هَذَا الْوَقْت فِي الِاعْتِكَاف. فَافْهَم. قَوْله: (وبدا الصُّبْح) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، فعل مَاض من: البدو، وَهُوَ الظُّهُور، أُسند إِلَى الصُّبْح وَهُوَ فَاعله، و: الْوَاو، فِيهِ وَاو الْحَال لَا وَاو الْعَطف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: وندا الصُّبْح، بالنُّون من المناداة. قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح. وَقَالَ بَعضهم: ظن أَنه مَعْطُوف على قَوْله: (للصبح) ، فَيكون التَّقْدِير: لنداء الصُّبْح، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الحَدِيث فِي جَمِيع

стр. 1382

النّسخ من (الْمُوَطَّأ) وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهَا: بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قلت: لكَلَام الْكرْمَانِي وَجه من جِهَة التَّرْكِيب وَالْإِعْرَاب، وَأما من جِهَة الرِّوَايَة فَيحْتَاج إِلَى الْبَيَان، وَمَعَ هَذَا كَونه بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي جَمِيع النّسخ من (الْمُوَطَّأ) وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم لَا يسْتَلْزم نَفيهَا بالنُّون عِنْد غَيرهَا، قَوْله: (قبل أَن تُقَام) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: قبل قيام الصَّلَاة، وَهِي الْفَرْض. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن سنة الصُّبْح رَكْعَتَانِ وأنهما خفيفتان، وَأَن وَقت صَلَاة الْفجْر بعد طُلُوع الْفجْر، وَلَو صلى الْفَرْض قبله لم يجز، وعَلى هَذَا ترْجم البُخَارِيّ، ﵀. ٦١٩ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيى عنْ أبي سَلمَةَ عنْ عَائِشَةَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ والإقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ (الحَدِيث ٦١٩ طرفه فِي: ١١٥٩) . وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة بطرِيق الْإِشَارَة، وَهُوَ أَن صلَاته ﷺ ، بِهَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة يدل على أَنه صلاهما بعد طُلُوع الْفجْر، وَأَن النداء أَيْضا بعد طُلُوع الْفجْر، وَهُوَ الْأَذَان بعد الْفجْر، فطابق التَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون، وَهُوَ الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن التَّيْمِيّ. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة، بِفَتْح اللَّام: بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. قَوْله: (بَين النداء) أَي: الْأَذَان. ٦٢٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قالَ أخْبَرَنا مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ إنَّ بِلالاً يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِي ابنُ أمِّ مَكْتُومٍ. قد مر هَذَا الحَدِيث قبل هَذَا الْبَاب. أخرجه البُخَارِيّ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه، الحَدِيث. وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا الْإِسْنَاد لم يخْتَلف عَن مَالك فِيهِ، وَوجه مطابقته للتَّرْجَمَة بطرِيق الْإِشَارَة أَيْضا، لِأَن قَوْله: (حَتَّى يُنَادي ابْن أم مَكْتُوم) ، يَقْتَضِي أَن نداءه حِين يطلع الْفجْر، لِأَنَّهُ لَو كَانَ قبله لم يكن فرق بَين أَذَانه وأذان بِلَال. قَوْله: (يُنَادي) ، أَي: يُؤذن، وَالْبَاء فِي: بلَيْل، للظرفية. (بابُ الأذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَذَان قبل طُلُوع الْفجْر، هَل هُوَ مَشْرُوع أم لَا؟ وَإِذا شرع، هَل يَكْتَفِي بِهِ عَن إِعَادَة الْأَذَان بعد الْفجْر أم لَا؟ وميل البُخَارِيّ إِلَى الْإِعَادَة بِدَلِيل إِيرَاده الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب الدَّالَّة على الْإِعَادَة، وَقد بَينا الْمذَاهب فِيهِ مفصلة فِيمَا مضى. ٦٢١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَن أبي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ لَا يَمْنَعَنَّ أحَدَكُمْ أَو أحَدا مِنْكُمْ أذَانُ بِلالٍ مِنْ سْحُورِهِ فإنَّهُ يُؤَذِّنُ أوْ يُنَادِي بِلَيْلً لِيَرْجِعَ قائِمَكُمْ ولِيُنَبِّهَ نائِمَكُمْ ولَيْسَ أَن يَقُولَ الفَجْرُ أَو الصُّبْحُ وَقَالَ بِأصابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وطَأْطأْ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقولَ هكذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إحْدَاهُمَا فَوْقَ الأخْرَى ثُمَّ مَدَّهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمَالِهِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن أَذَان بِلَال كَانَ قبل الْفجْر، لِأَنَّهُ أخبر أَنه كَانَ يُؤذن بلَيْل، يَعْنِي: قبل طُلُوع الْفجْر. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس الْمَعْرُوف بشيخ الْإِسْلَام. الثَّانِي: زُهَيْر بن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان

стр. 1383

ابْن طرخان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ: فِي: بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أحد الروَاة من المخضرمين وَهُوَ أَبُو عُثْمَان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ وهما: سُلَيْمَان وَأَبُو عُثْمَان. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ مَنْسُوب إِلَى جده، وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. وَفِيه: أَن الِاثْنَيْنِ الْأَوَّلين. من الروَاة كوفيان والإثنان الْآخرَانِ بصريان. وَفِيه: عَن أبي عُثْمَان بالعنعنة، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه حَدثنَا أَبُو عُثْمَان. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن مُحَمَّد بن نمير وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن يُونُس بِهِ، وَعَن مُسَدّد بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو ابْن عَليّ عَن يحيى بِهِ، وَفِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن حَكِيم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يمنعن أحدكُم) بِنصب: أحدكُم، وفاعله هُوَ قَوْله: (أَذَان بِلَال) . قَوْله: (أَو: أحدا مِنْكُم) ، شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) يحْتَمل أَن يكون هَذَا الشَّك من زُهَيْر، فَإِن جمَاعَة رَوَوْهُ عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ فَقَالُوا: لَا يمنعن أحدكُم أَذَان بِلَال. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو وَاحِدًا مِنْكُم، ثمَّ قَالَ: هَل فرق بَين أحدكُم أَو وَاحِدًا مِنْكُم؟ قلت: كِلَاهُمَا عَام، لَكِن الأول من جِهَة أَنه اسْم جنس مُضَاف، وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي. انْتهى. قلت: الْفرق بَين أحد وَوَاحِد من جِهَة الْمَعْنى: أَن أحدا يرجع إِلَى الذَّات، وواحدا يرجع إِلَى الصِّفَات. قَوْله: (من سَحوره) ، بِفَتْح السِّين، وَهُوَ مَا يتسحر بِهِ، وَبِضَمِّهَا التسحر كَالْوضُوءِ وَالْوُضُوء، وَفِي بعض النّسخ: من، سحره، وَلم أعلم صِحَّته. قَوْله: (فَإِنَّهُ أَي: فَإِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل أَو يُنَادي، شكّ من الرَّاوِي ومعناهما وَاحِد. وَقَوله (بلَيْل) أَي فِي ليل قَوْله: (ليرْجع) ، بِفَتْح الْيَاء وَكسر الْجِيم المخففة، يسْتَعْمل هَذَا لَازِما ومتعديا. تَقول: رَجَعَ زيد وَرجعت زيدا، وَهَهُنَا متعدٍ وفاعله: بِلَال. قَوْله: (قائمكم) ، بِالنّصب مَفْعُوله، وَمَعْنَاهُ: يرد الْقَائِم أَي المتهجد إِلَى رَاحَته ليقوم إِلَى صَلَاة الصُّبْح نشيطا، أَو يكون لَهُ حَاجَة إِلَى الصّيام فيتسحر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ليرْجع، إِمَّا من الرُّجُوع وَإِمَّا من الرجع. وقائمكم، مَرْفُوع أَو مَنْصُوب؟ قلت: فهم مِنْهُ أَنه جوز الْوَجْهَيْنِ هَهُنَا: أَحدهمَا كَون ليرْجع لَازِما، وَيكون قائمكم فَاعله مَرْفُوعا، وَالْآخر: يكون مُتَعَدِّيا، وَيكون قائمكم مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ. قَوْله: (ولينبه) من التَّنْبِيه أَي: وليوقظ نائمكم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ولينبه من التَّنْبِيه وَهُوَ الإنباه، وَفِي بَعْضهَا: ولينتبه من الانتباه. قلت: جوز الْوَجْهَيْنِ فِيهِ أَيْضا، ثمَّ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنه إِنَّمَا يُؤذن بِاللَّيْلِ ليعلمكم أَن الصُّبْح قريب، فَيرد الْقَائِم المتهجد إِلَى رَاحَته لينام لَحْظَة ليُصبح نشيطا ويوقظ نائمكم ليتأهب للصبح بِفعل مَا أَرَادَهُ من تهجد قَلِيل أَو تسحر أَو اغتسال. قلت: أَو لإيتار إِن كَانَ نَام عَن الْوتر، وَهَذَا كَمَا ترى جوز الْكرْمَانِي الْوَجْهَيْنِ فِي كل وَاحِد من قَوْله: (ليرْجع) و (لينبه) وَلم يبين أَنَّهُمَا رِوَايَة أم لَا، وَالظَّاهِر أَنه تصرف من جِهَة الْمَعْنى. وَقَالَ بَعضهم: من روى ليرْجع قائمكم، من الترجيع يَعْنِي: بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الْجِيم فقد أَخطَأ. قلت: أَن كَانَ خَطؤُهُ من جِهَة الرِّوَايَة فَيمكن، وإلَاّ فَمن جِهَة الْمَعْنى فَلَيْسَ بخطأ، وتعليل هَذَا الْقَائِل الْخَطَأ بقوله فَإِنَّهُ يصير من الترجيع، وَهُوَ الترديد وَلَيْسَ بمرده هُنَا فِيهِ نظر، لِأَن الَّذِي روى من الترجيع لَهُ أَن يَقُول: مَا أردْت بِهِ الترديد، وَإِنَّمَا أردْت بِهِ التَّعْدِيَة، فَإِن رَجَعَ الَّذِي هُوَ لَازم يجوز تعديته بالتضعيف كَمَا فِي سَائِر الْأَلْفَاظ اللَّازِمَة. قَوْله: (وَلَيْسَ أَن يَقُول) بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَهَذَا من كَلَام الرَّسُول ﷺ أَي: قَالَ ﷺ : لَيْسَ الْفجْر أَو الصُّبْح على الشَّك من الرَّاوِي، أَن يَقُول الشَّخْص هَكَذَا، وَأَشَارَ بإصبعيه ورفعهما إِلَى فَوق وطأطأ إِلَى أَسْفَل، وَأَشَارَ بِهِ النَّبِي ﷺ إِلَى الْفجْر الْكَاذِب، وَهُوَ الضَّوْء المستطيل من الْعُلُوّ إِلَى السّفل، وَهُوَ من اللَّيْل، وَلَا يدْخل بِهِ وَقت الصُّبْح، وَيجوز فِيهِ التسحر وَنَحْوه. قَوْله: (حَتَّى يَقُول) ، هَكَذَا إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى الصُّبْح الصَّادِق، وَقد فسر زُهَيْر الرَّاوِي الصَّادِق بقوله بسبابتيه إِلَى آخِره. وَاعْلَم أَن قَوْله: (الْفجْر) اسْم: لَيْسَ، وَخَبره هُوَ قَوْله: (أَن يَقُول) وَمعنى القَوْل بالأصابع: الْإِشَارَة بهَا، قَوْله: (بأصابعه) بِلَفْظ الْجمع رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (بإصبعيه) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: (باصبعه) ، بِلَفْظ

стр. 1384

الْمُفْرد، وَلم يذكرهُ غَيره. وَفِي الْأصْبع عشر لُغَات: فتح الْهمزَة، وَضمّهَا، وَكسرهَا، وَكَذَلِكَ الْبَاء فَهَذِهِ تسع لُغَات، والعاشر الأصبوع، والسبابة من الْأَصَابِع الَّتِي تلِي الْإِبْهَام، وَسميت بذلك لِأَن النَّاس يشيرون بهَا عِنْد الشتم. قَوْله: (إِلَى فَوق) رُوِيَ مَبْنِيا على الضَّم على نِيَّة الْإِضَافَة، ومنونا بِالْجَرِّ على عدم نِيَّتهَا، وَهَكَذَا حكم الْأَسْفَل لكنه غير منصرف فجره بِالْفَتْح، وَكَذَا سَائِر الظروف الَّتِي تقطع عَن الْإِضَافَة، وقرىء بهما فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ (الرّوم: ٤) . قَوْله: (وطأطأ) على وزن: دحرج، أَي: خفض إصبعيه إِلَى أَسْفَل، وَهَذَا هُوَ الْإِشَارَة إِلَى كَيْفيَّة الصُّبْح الصَّادِق، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عِيسَى بن يُونُس عَن سُلَيْمَان قَالَ: الْفجْر لَيْسَ هَكَذَا، وَلَكِن الْفجْر هَكَذَا وَاخْتلف أَلْفَاظ الروَاة فِي هَذَا فَقَالَ بَعضهم وأخصر مَا وَقع فيهل رِوَايَة جرير عَن سُلَيْمَان عِنْد مُسلم (لَيْسَ الْفجْر الْمُعْتَرض وَلَكِن المستطيل) . قلت: رِوَايَة مُسلم: (لَا يَغُرنكُمْ من سحوركم أَذَان بِلَال، وَلَا بَيَاض الْأُفق المستطيل، هَكَذَا، حَتَّى يستطير هَكَذَا) . وَحَكَاهُ حَمَّاد بن زيد، وَقَالَ: يَعْنِي مُعْتَرضًا. وَفِي رِوَايَة أبي الشَّيْخ من طَرِيق شُعْبَة عَن سوَادَة: سَمِعت سَمُرَة يخْطب، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يَغُرنكُمْ أَذَان بِلَال، وَلَا هَذَا الْبيَاض حَتَّى يَبْرق الْفجْر أَو ينفجر الْفجْر) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْأَذَان الَّذِي كَانَ يُؤذن بِهِ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ لرجع الْقَائِم وإيقاظ النَّائِم، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة. قَالَ: وَلَا بُد من أَذَان آخر، كَمَا فعل ابْن أم مَكْتُوم، وَهُوَ قَول النَّوَوِيّ أَيْضا، وَقد ذكرنَا اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ فِيمَا مضى، وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي: الَّذين قَالُوا بِجَوَاز الْأَذَان للصبح قبل دُخُول الْوَقْت اخْتلفُوا فِي وقته، فَذكر بعض الشَّافِعِيَّة أَنه يكون فِي وَقت السحر بَين الْفجْر الصَّادِق والكاذب، وَيكرهُ التَّقْدِيم على ذَلِك الْوَقْت، وَعند الْبَعْض: يُؤذن عِنْد انْقِضَاء صَلَاة الْعَتَمَة من نصف اللَّيْل، وَقيل: عِنْد ثلث اللَّيْل، وَقيل: عِنْد سدسه الآخر. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَأحمد وَمَالك فِي قَول الْجَوَاز: من نصف اللَّيْل، وَهُوَ الْأَصَح من أَقْوَال أَصْحَاب الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَالْقَوْل الثَّانِي: عِنْد طُلُوع الْفجْر فِي السحر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَبِه قطع الْبَغَوِيّ وَصَححهُ القَاضِي حُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ. وَالثَّالِث: يُؤذن لَهَا فِي الشتَاء لسبع يبْقى من اللَّيْل، وَفِي الصَّيف لنصف سبع يبْقى. وَالرَّابِع: من ثلث اللَّيْل آخر الْوَقْت الْمُخْتَار. وَالْخَامِس: جَمِيع اللَّيْل وَقت لأذان الصُّبْح، حَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ: لَوْلَا حِكَايَة أبي عَليّ لَهُ، وَأَنه لم ينْقل إلَاّ مَا صَحَّ عِنْده لما استجزت نَقله، وَكَيف يحسن الدُّعَاء لصَلَاة الصُّبْح فِي وَقت الدُّعَاء للمغرب؟ والسرف فِي كل شَيْء مطروح، وَأما السَّبع وَنصف السَّبع فَحَدِيث بَاطِل عِنْد أهل الحَدِيث، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن بعض أَصْحَابه عَن الْأَعْرَج عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن عمَارَة عَن أَبِيه عَن جده عَن سعيد الْقرظِيّ، وَهُوَ مُخَالف لمذهبه فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَ آذاننا فِي الشتَاء لسبع وَنصف السَّبع يبْقى من اللَّيْل، وَفِي الصَّيف لسبع يبْقى مِنْهُ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (شرح الْمسند) ، وَتَقْدِيم الْأَذَان على الْفجْر مُسْتَحبّ، وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَأَبُو يُوسُف. وَقَالَ بَعضهم: ادّعى بعض الْحَنَفِيَّة كَمَا حَكَاهُ السرُوجِي عَنْهُم أَن النداء قبل الْفجْر لم يكن بِأَلْفَاظ الْأَذَان، وَإِنَّمَا كَانَ تذكيرا أَو تسحيرا، كَمَا يَقع للنَّاس الْيَوْم، وَهَذَا مَرْدُود لِأَن الَّذِي يصنعه النَّاس الْيَوْم مُحدث قطعا، وَقد تظافرت الطّرق على التَّعْبِير بِلَفْظ الْأَذَان فَحَمله على مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ مقدم. قلت: لفظ الْأَذَان يتَنَاوَل مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ والشرعي، وَقد قَامَ دَلِيل من الشَّارِع أَن المُرَاد من أَذَان بِلَال لَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ، وَهُوَ أَذَان ابْن أم مَكْتُوم، إِذْ لَو لم يكن كَذَلِك لم يُوجد الْفرق بَين أذانيهما، وَالْحَال أَن الشَّارِع فرق بَينهمَا، وَقد قَالَ: أَن أَذَان بِلَال لإيقاظ النَّائِم ولرجع الْقَائِم، وَقَالَ لَهُم: لَا يَغُرنكُمْ أَذَان بِلَال. وَجعل أَذَان ابْن أم مَكْتُوم وَهُوَ الأَصْل كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا مضى، وتظافر الطّرق لَا يصادم مَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: بَيَان الْفجْر الْكَاذِب والصادق. وَفِيه: زِيَادَة الْإِيضَاح بِالْإِشَارَةِ تَأْكِيدًا للتعليم، وَقَالَ الْمُهلب يُؤْخَذ مِنْهُ أَن الْإِشَارَة تكون أقوى من الْكَلَام. ٦٢٢ - حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ أخبرنَا أبُو أُسامةَ قَالَ عُبَيْدُ الله حَدثنَا عَنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عَن عائِشَةَ وَعَن نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ وحدَّثني يُوسُفُ بنُ عِيسَى المَرُوزِيُّ قَالَ حَدثنَا الفَضْلُ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عَن عائِشَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ إنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أمِّ مَكْتُومٍ.

стр. 1385

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ أَذَان بِلَال فِي اللَّيْل قبل دُخُول وَقت الْفجْر. ذكر رِجَاله: وهم تِسْعَة: الأول: إِسْحَاق غير مَنْسُوب، وَزعم الجياني أَن إِسْحَاق عَن أبي أُسَامَة يحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي أَو إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج، أَو إِسْحَاق بن نصر السَّعْدِيّ وَزعم الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج الدِّمَشْقِي فِي (أَطْرَافه) : أَنه إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَوجد بِخَط الْحَافِظ الدمياطي على حَاشِيَته الصَّحِيح: أَن إِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ. وَقَالَ بَعضهم أما مَا وَقع بِخَط الدمياطي بِأَنَّهُ ابْن شاهين، فَلَيْسَ بصواب، لِأَنَّهُ لَا يعرف لَهُ عَن أبي أُسَامَة شَيْء. قلت: عدم مَعْرفَته بِعَدَمِ رِوَايَة ابْن شاهين عَن أبي أُسَامَة لَا يسْتَلْزم الْعَدَم مُطلقًا، وَجَهل الشَّخْص بِشَيْء لَا يسْتَلْزم جهل غَيره بِهِ. قلت: هَذَا الالتباس قدح فِي الأسناد؟ قلت: لَا، لِأَن أيا كَانَ مِنْهُم فَهُوَ عدل ضَابِط بِشَرْط البُخَارِيّ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة، وَهُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة وَقد تقدم. الثَّالِث: عبيد الله، بتصغير العَبْد، وَهُوَ: عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْمدنِي الْعمريّ الْعَدوي القريشي، وَقد تقدم. الرَّابِع: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد تقدم. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: يُوسُف بن عِيسَى أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وَقد تقدم. السَّابِع: الْفضل بن مُوسَى السينَانِي، وسينان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة، قَرْيَة من قرى مرو. الثَّامِن: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. التَّاسِع: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله بن عمر من وَجْهَيْن ذكر لَهُ فِي أَحدهمَا إسنادين: نَافِع عَن ابْن عمر، وَالقَاسِم عَن عَائِشَة. وَالْوَجْه الثَّانِي: اقْتصر فِيهِ على الْقَاسِم عَن عَائِشَة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد عَن إِسْحَاق وَعَن يُوسُف، ويروى بِصِيغَة الْجمع أَيْضا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: عبيد الله عَن الْقَاسِم، وَالْفضل عَن عبيد الله، ويوسف عَن الْفضل. وَمِنْهَا أَن فِيهِ: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع إِسْحَاق عَن أبي أُسَامَة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ: العنعنة فِي سَبْعَة مَوَاضِع، وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع بعد إِسْحَاق وَبعد أبي أُسَامَة وَبعد يُوسُف وَبعد الْفضل. قَوْله: (قَالَ عبيد الله: حَدثنَا عَن الْقَاسِم) فَاعل: قَالَ، هُوَ أَبُو أُسَامَة، وَعبيد الله هُوَ الْقَائِل بقوله: حَدثنَا. وَفِيه: تَقْدِيم وَتَأْخِير، وأصل التَّرْكِيب: قَالَ أَبُو أُسَامَة: حَدثنَا عبيد عَن الْقَاسِم، وَكَأَنَّهُ رَاعى لفظ شَيْخه وَلم يذكرهُ على الأَصْل. قَوْله: (وَعَن نَافِع) ، عطف على الْقَاسِم أَي: قَالَ عبيد الله عَن نَافِع أَيْضا، وَمِنْهَا أَن فِيهِ كلمة: (ح) فِي أَكثر النّسخ، وَهِي إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر متن الحَدِيث، أَو إِشَارَة إِلَى الْحَائِل أَو إِلَى الحَدِيث، وَقد مر فِي الْكتاب مثل هَذَا فِي غير مَوضِع. قَوْله: (حَتَّى يُؤذن) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يُنَادي) ، وَقد أوردهُ البُخَارِيّ فِي الصّيام بِلَفْظ: (يُؤذن) ، وَزَاد وَفِي آخِره: (فَإِنَّهُ لَا يُؤذن حَتَّى يطلع الْفجْر) . قَالَ الْقَاسِم: لم يكن بَين أذانهما إلَاّ أَن يرقى فِي هَذَا وَينزل هَذَا. فَإِن قلت: هَذَا مُرْسل. لِأَن الْقَاسِم تَابِعِيّ فَلم يدْرك الْقِصَّة الْمَذْكُورَة. قلت: ثَبت عِنْد الطَّحَاوِيّ من رِوَايَة يحيى الْقطَّان، وَعند النَّسَائِيّ من رِوَايَة حَفْص بن غياث، كِلَاهُمَا عَن عبيد الله بن عمر عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، فَذكر الحَدِيث، (قَالَت: فَلم يكن بَينهمَا إلَاّ أَن ينزل هَذَا ويصعد هَذَا) . وعَلى هَذَا فَمَعْنَى قَوْله: فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، قَالَ الْقَاسِم، أَي: فِي رِوَايَته عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قد مر عَن قريب: قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت الْحَنَفِيَّة: لَا يسن الْأَذَان قبل وَقت الصُّبْح. قَالَ الطَّحَاوِيّ: أَن ذَلِك النداء من بِلَال لينبه النَّائِم وَيرجع الْقَائِم لَا للصَّلَاة، وَقَالَ غَيره: إِنَّه كَانَ نِدَاء لَا أذانا، كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات أَنه كَانَ يُنَادي. أَقُول للشَّافِعِيَّة: أَن يَقُولُوا: الْمَقْصُود بَيَان أَن وُقُوع الْأَذَان قبل الصُّبْح، وَتَقْرِير الرَّسُول ﷺ لَهُ، وَأما أَنه للصَّلَاة أَو لغَرَض آخر، فَذَلِك بحث آخر. وَأما رِوَايَة: (كَانَ يُنَادي) ، فمعارض بِرِوَايَة: (كَانَ يُؤذن) وَالتَّرْجِيح مَعنا لِأَن كل أَذَان نِدَاء بِدُونِ الْعَكْس، فَالْعَمَل بِرِوَايَة: (يُؤذن عمل بالروايتين، وَجمع بَين الدَّلِيلَيْنِ، وَالْعَكْس لَيْسَ كَذَلِك. قلت: أَرَادَ الْكرْمَانِي أَن ينتصر لمذهبه لَكِن لم يَأْتِ بِشَيْء عَلَيْهِ قبُول، فَقَوله: قَالَ الطَّحَاوِيّ: إِن ذَلِك النداء من بِلَال لينبه النَّائِم وَيرجع الْقَائِم، هُوَ من كَلَام الشَّارِع، فَإِن أَرَادَ بذلك الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِل. وَقَوله: لَا للصَّلَاة، مُسلم عِنْدهم أَيْضا، حَتَّى لَو صلى بذلك الْأَذَان صَلَاة الْفجْر لَا يجوز. وَقَوله: الْمَقْصُود بَيَان أَن وُقُوع الْأَذَان قبل الصُّبْح، فَهَذَا لَا ننازعهم فِيهِ، وَنحن أَيْضا نقُول: إِنَّه وَقع قبل الصُّبْح، وَلَكِن لَا يعْتد بِهِ فِي حق الصَّلَاة. وَقَوله: وَتَقْرِير الرَّسُول ﷺ لَهُ، يردهُ قَوْله ﷺ لِبلَال: أَن يرجع فينادي: (أَلا إِن العَبْد نَام، فَرجع فَنَادَى: أَلا إِن العَبْد نَام) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث حَمَّاد

стр. 1386

ابْن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ، وَالصَّحِيح مَا روى عبيد الله بن عمر وَغَيره عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم) . قلت: مَا لحماد بن سَلمَة، وَهُوَ ثِقَة؟ . وَلَيْسَ حَدِيثه يُخَالف حَدِيث عبيد الله بن عمر، لِأَن حَدِيثه لإيقاظ النَّائِم وَرجع الْقَائِم، وَلم يكن لأجل الصَّلَاة، فَلذَلِك لم يَأْمُرهُ ﷺ بِأَن يرجع وينادي: (أَلا إِن العَبْد نَام) . وَأما حَدِيث حَمَّاد ابْن سَلمَة فقد كَانَ لأجل غَفلَة بِلَال عَن الْوَقْت، وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ: أَذَان بِلَال لم يكن معتدا للصَّلَاة. وَقَوله: وَأما رِوَايَة (كَانَ يُنَادي) إِلَى آخِره، فَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن كلَاّ من الْأَذَان والنداء فِي الْحَقِيقَة يرجع إِلَى معنى وَاحِد، وَهُوَ الْإِعْلَام، وَلَا إِعْلَام قبل الْوَقْت. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: بِأَن الْأَذَان للإعلام بِوَقْت الصَّلَاة بالألفاظ الَّتِي عينهَا الشَّارِع، وَهُوَ لَا يصدق عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ إعلاما بوقتها. فَأجَاب بِأَن الْإِعْلَام بِالْوَقْتِ أَعم من أَن يكون إعلاما بِأَن الْوَقْت دخل، أَو قرب أَن يدْخل. انْتهى. قلت: فعلى مَا ذكره إِذا أذن عِنْد قرب وَقت صَلَاة أَي صَلَاة كَانَت يَنْبَغِي أَن يَكْتَفِي بِهِ وَلَا يُعَاد، وَيصلى بِهِ. وَلم يقل بِهِ أحد فِي كل الصَّلَاة. وَقَالَ بَعضهم: وَاحْتج الطَّحَاوِيّ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان قبل الْفجْر، بقوله: (لما كَانَ بَين أذانيهما من الْقرب) ، مَا ذكر فِي حَدِيث عَائِشَة ثَبت أَنَّهُمَا كَانَا يقصدان وقتا وَاحِدًا وَهُوَ طُلُوع الْفجْر، فيخطئه بِلَال ويصيبه ابْن أم مَكْتُوم، وَتعقب بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لما أقره النَّبِي ﷺ مُؤذنًا، وَاعْتمد عَلَيْهِ، وَلَو كَانَ كَمَا ادّعى لَكَانَ وُقُوع ذَلِك مِنْهُ نَادرا. قلت: لَو اعْتمد عَلَيْهِ فِي أَذَان الْفجْر لَكَانَ لم يقل: لَا يَغُرنكُمْ أَذَان بِلَال، وَتَقْرِيره ﷺ إِيَّاه على ذَلِك لم يكن إلَاّ لِمَعْنى بَينه فِي الحَدِيث، وَهُوَ: تَنْبِيه النَّائِم وَرجع الْقَائِم، لمعان مَقْصُودَة فِي ذَلِك. ١٤ - بابٌ بَيْنَ الأَذَانِ والإقَامَةِ ومَنْ يَنْتَظِرُ إقَامَةَ الصَّلَاةِ أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كم بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة، فَحِينَئِذٍ يكون بَاب منونا مَرْفُوعا على أَنه خبر مبتد مَحْذُوف، وَقَالَ بَعضهم: أما بَاب، فَهُوَ فِي روايتنا بِلَا تَنْوِين. قلت: لَيْت شعري من هُوَ الرَّاوِي لَهُ، فَهَل هُوَ مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ فِي تصرفه فِي التراكيب، وَهَذَا لَيْسَ لفظ الحَدِيث حَتَّى يقْتَصر فِيهِ على الْمَرْوِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام البُخَارِيّ، فَالَّذِي لَهُ يَد فِي تَحْقِيق النّظر فِي تراكيب النَّاس يتَصَرَّف فِيهِ بِأَيّ وَجه، يَأْتِي مَعَه على قَاعِدَة أهل النَّحْو واصطلاح الْعلمَاء فِيهِ، وَبَاب هُنَا منون، وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ، ومميز: كم، مَحْذُوف أَي: كم سَاعَة، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَالْإِقَامَة) أَي: إِقَامَة الصَّلَاة. قَوْله: (وَمن ينْتَظر الْإِقَامَة) لَيْسَ بموجود فِي كثير من النّسخ، وعَلى تَقْدِير وجوده يكون عطفا على الْمُقدر الَّذِي قدرناه، تَقْدِيره: وَيذكر فِيهِ من ينْتَظر إِقَامَة الصَّلَاة. ٢٠ - (حَدثنَا إِسْحَاق الوَاسِطِيّ قَالَ حَدثنَا خَالِد عَن الْجريرِي عَن ابْن بُرَيْدَة عَن عبد الله بن مُغفل الْمُزنِيّ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ بَين كل أذانين صَلَاة ثَلَاثًا لمن شَاءَ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن معنى قَوْله " بَين كل أذانين صَلَاة " بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَقَالَ بَعضهم وَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَشَارَ بذلك أَي بقوله بَاب كم بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة إِلَى مَا رُوِيَ عَن جَابر ﵁ " أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لِبلَال اجْعَل بَين أذانك وإقامتك قدر مَا يفرغ الْآكِل من أكله والشارب من شربه والمقتصر إِذا دخل لقَضَاء حَاجَة " أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف (قلت) هَذَا كَلَام عَجِيب لِأَنَّهُ كَيفَ يترجم بَابا ويورد فِيهِ حَدِيثا صَحِيحا على شَرطه وَيُشِير بذلك إِلَى حَدِيث ضَعِيف فَأَي شَيْء هُنَا يدل على هَذِه الْإِشَارَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول اسحق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ وَفِي الروَاة اسحق بن وهب العلاف الوَاسِطِيّ وَلَكِن لَيست لَهُ رِوَايَة عَن خَالِد وَإِنَّمَا تميز اسحق هَهُنَا من غَيره من اسحق الْحَنْظَلِي واسحق بن نصر السَّعْدِيّ واسحق بن مَنْصُور الكوسج بقوله الوَاسِطِيّ الثَّانِي خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان وَقد تقدم الثَّالِث الْجريرِي بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء الْمُهْملَة هُوَ سعيد بن إِيَاس الرَّابِع ابْن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة وَهُوَ عبد الله بن حصيب الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو مَاتَ بهَا الْخَامِس عبد الله بن مُغفل بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْفَاء

стр. 1387

(ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه من الروَاة الْأَوَّلَانِ واسطيان والاثنان بصريان وَفِيه أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده وَأَنه لم يذكرهُ إِلَّا بنسبته إِلَى بَلَده وَاسِط (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن يزِيد الْمقري عَن كهمس بن الْحسن وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة ووكيع كِلَاهُمَا عَن كهمس بِهِ وَعَن ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن الْجريرِي بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النُّفَيْلِي عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن الْجريرِي بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بن سعيد عَن كهمس بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة ووكيع بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " بَين كل أذانين " أَي الْأَذَان وَالْإِقَامَة فَهُوَ من بَاب التغليب وَقَالَ الْخطابِيّ حمل أحد الاسمين على الآخر شَائِع كَقَوْلِهِم الأسودان للتمر وَالْمَاء وَالْأسود إِنَّمَا هُوَ أَحدهمَا وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيحْتَمل أَن يكون الِاسْم لكل وَاحِد مِنْهُمَا حَقِيقَة لِأَن الْأَذَان فِي اللُّغَة الْإِعْلَام وَالْأَذَان إِعْلَام بِحُضُور الْوَقْت وَالْإِقَامَة إِعْلَام بِفعل الصَّلَاة (قلت) الْأَذَان إِعْلَام الغائبين وَالْإِقَامَة إِعْلَام الْحَاضِرين وَقيل لَا يجوز حمل هَذَا على ظَاهره لِأَن الصَّلَاة وَاجِبَة بَين كل أذاني وَقْتَيْنِ والْحَدِيث يخبر بالتخيير بقوله " لمن شَاءَ " قَوْله " صَلَاة " أَي وَقت صَلَاة وموضعها قَوْله " ثَلَاثًا " أَي قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات وتفسره الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي بعد بَاب وَهِي قَوْله ﷺ َ - " بَين كل أذانين صَلَاة بَين كل أذانين صَلَاة ثمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَة لمن شَاءَ " وَفِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي " قَالَ فِي الرَّابِعَة لمن شَاءَ " وَعند أبي دَاوُد " قَالَهَا مرَّتَيْنِ " وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فَائِدَة هَذَا الحَدِيث أَنه يجوز أَن يتَوَهَّم أَن الْأَذَان للصَّلَاة يمْنَع أَن يفعل سوى الصَّلَاة الَّتِي أذن لَهَا فَبين أَن التَّطَوُّع بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة جَائِز (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة بَين كل أذانين يَعْنِي بَين الْإِقَامَة وَالْأَذَان وَالْحَاصِل أَن الْوَصْل بَينهمَا مَكْرُوه لِأَن الْمَقْصُود بِالْأَذَانِ إِعْلَام النَّاس بِدُخُول الْوَقْت لِيَتَأَهَّبُوا للصَّلَاة بِالطَّهَارَةِ فيحضروا الْمَسْجِد لإِقَامَة الصَّلَاة وبالوصل يَنْتَفِي هَذَا الْمَقْصُود ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا فِي حد الْفَصْل فَذكر التُّمُرْتَاشِيّ فِي جَامعه أَن الْمُؤَذّن يقْعد مِقْدَار رَكْعَتَيْنِ أَو أَربع أَو مِقْدَار مَا يفرغ الْآكِل من أكله والشارب من شربه والحاقن من قَضَاء حَاجته وَقيل مِقْدَار مَا يقْرَأ عشر آيَات ثمَّ يثوب ثمَّ يُقيم كَذَا فِي الْمُجْتَبى وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ يفصل بَينهمَا مِقْدَار رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فِي كل رَكْعَة نَحوا من عشر آيَات وينتظر الْمُؤَذّن للنَّاس وَيُقِيم للضعيف المستعجل وَلَا ينْتَظر رَئِيس الْمحلة وكبيرها وَهَذَا كُله إِلَّا فِي صَلَاة الْمغرب عِنْد أبي حنيفَة لِأَن تَأْخِيرهَا مَكْرُوه فيكتفي بِأَدْنَى الْفَصْل وَهُوَ سكتة يسكت قَائِما سَاعَة ثمَّ يُقيم (فَإِن قلت) مَا مِقْدَار السكتة عِنْده (قلت) قدر مَا يتَمَكَّن فِيهِ من قِرَاءَة ثَلَاث آيَات قصار أَو آيَة طَوِيلَة وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة مِقْدَار مَا يخطو ثَلَاث خطوَات وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يفصل بَينهمَا بجلسة خَفِيفَة مِقْدَار الجلسة بَين الْخطْبَتَيْنِ وَمذهب الشَّافِعِي مَا ذكره النَّوَوِيّ فَإِنَّهُ قَالَ يسْتَحبّ أَن يفصل بَين أَذَان الْمغرب وإقامتها فصلا يَسِيرا بقعدة أَو سكُوت أَو نَحْوهمَا وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ عندنَا وَنقل صَاحب الْهِدَايَة عَن الشَّافِعِي أَنه يفصل بِرَكْعَتَيْنِ اعْتِبَارا بِسَائِر الصَّلَوَات وَفِيه نظر وَقَالَ أَحْمد يفصل بَينهمَا بِصَلَاة رَكْعَتَيْنِ فِي الْمغرب اعْتِبَارا بِسَائِر الصَّلَوَات وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور (قلت) روى الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا عَن حبَان بن عبد الله الْعَدوي حَدثنَا عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " أَن عِنْد كل أذانين رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمغرب " (فَإِن قلت) ذكر ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات وَنقل عَن الفلاس أَنه قَالَ كَانَ حبَان هَذَا كذابا (قلت) الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده فَقَالَ لَا نعلم من رَوَاهُ عَن ابْن بُرَيْدَة إِلَّا حبَان بن عبد الله وَهُوَ رجل مَشْهُور من أهل الْبَصْرَة لَا بَأْس بِهِ - ٦٢٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ عَامِرٍ

стр. 1388

الأنصَارِيَّ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ كَانَ المُؤَذِّنُ إذَا أذَّنَ قامَ ناسٌ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النبيُّ ﷺ وهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرَبِ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ الآذَانِ والإقَامَةِ شَيْءٌ (انْظُر الحَدِيث ٥٠٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وهم يصلونَ الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب) فَإِن صلَاتهم قبل صَلَاة الْمغرب بعد الْأَذَان فصل بَينه وَبَين الْإِقَامَة، وَبِهَذَا أَخذ أَحْمد وَإِسْحَاق. وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ من اسْتثِْنَاء الْمغرب فِي حَدِيث بُرَيْدَة الْمَذْكُور آنِفا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، ذكرُوا غير مرّة، وبشار على وزن: فعال بِالتَّشْدِيدِ، وَالْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر ابْن امْرَأَة شُعْبَة، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَامر الْأنْصَارِيّ، مر فِي بَاب الْوضُوء من غير حدث. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني وواسطي، وَهُوَ شُعْبَة. بَيَان مَحل تعدده وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قبيصَة عَن سُفْيَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي عَامر عَن سُفْيَان عَنهُ بِهِ نَحوه، وَفِي نُسْخَة عَن شُعْبَة بدل عَن سُفْيَان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ الْمُؤَذّن إِذا أذن) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (إِذا أَخذ الْمُؤَذّن فِي أَذَان الْمغرب) . قَوْله: (قَامَ نَاس) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (قَامَ كبار أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ،) . قَوْله: (يبتدرون) ، أَي: يتسارعون ويستبقون. قَوْله: (السَّوَارِي) جمع سَارِيَة وَهِي: الأسطوانة، وَكَانَ غرضهم بالاستباق إِلَيْهَا الاستتار بهَا مِمَّن يمر بَين أَيْديهم لكَوْنهم يصلونَ فُرَادَى. قَوْله: (وهم كَذَلِك) ، أَي: فِي تِلْكَ الْحَالة هم مبتدرون منتظرون الْخُرُوج، وَفِي رِوَايَة مُسلم زِيَادَة وَهِي: (فَيَجِيء الْغَرِيب فيحسب أَن الصَّلَاة قد صليت من كَثْرَة من يُصليهَا) . رَوَاهَا من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: (وَهِي كَذَلِك) ، بدل: وهم، والأمران جائزان فِي ضمير الْعُقَلَاء، نَحْو: الرِّجَال فعلت وفعلوا. قَوْله: (قَالَ وَلم يكن بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة شَيْء) ، أَي: قَالَ أنس: وَلم يكن بَينهمَا زمَان أَو صَلَاة. فَإِن قلت: هَذَا أثر وَهُوَ ناف، وَالَّذِي سبق قبله من النَّبِي ﷺ وَهُوَ مُثبت، فَكيف الْجمع بَينهمَا؟ قلت: قَالَ ابْن الْمُنِير: يجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِحمْل النَّفْي الْمُطلق على الْمُبَالغَة مجَازًا، وَالْإِثْبَات للتَّعْلِيل على الْحَقِيقَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه الْجمع بَينهمَا أَن هَذَا خَاص بِأَذَان الْمغرب، وَذَاكَ عَام، وَالْخَاص إِذا عَارض الْعَام يخصصه عِنْد الشَّافِعِيَّة، سَوَاء علم تَأَخره أم لَا، وَالْمرَاد بقوله: (كل أذانين) غير أذاني الْمغرب، وَقيل: التَّنْوِين فِيهِ للتنكير والتعظيم، وَنفي الْكثير لَا يسْتَلْزم نفي الْقَلِيل، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث شُعْبَة: (وَكَانَ بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة قرب. قلت: يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عُثْمَان بن جبلة وَأَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة: (وَلم يكن بَينهمَا إلَاّ قَلِيل) . وَقيل: حَدِيث الْبَاب على ظَاهره، وَقَوله: وَلم يكن بَينهمَا شَيْء، يدل على أَن عُمُوم قَوْله: (بَين كل أذانين صَلَاة) مَخْصُوص بالمغرب، فَإِنَّهُم لم يَكُونُوا يصلونَ بَينهمَا، بل كَانُوا يشرعون فِي الصَّلَاة فِي أثْنَاء الْأَذَان ويفرغون مَعَ فَرَاغه، وَيُؤَيّد ذَلِك حَدِيث بُرَيْدَة الْمَذْكُور عَن قريب، فَإِن فِيهِ اسْتثِْنَاء الْمغرب كَمَا ذكرنَا. قلت: قَول هَذَا الْقَائِل: ويفرغون مَعَ فَرَاغه، فِيهِ نظر لِأَنَّهُ مَا فِي الحَدِيث شَيْء يدل على ذَلِك، وشروعهم فِي الْأَذَان لَا يسْتَلْزم فراغهم مَعَ فرَاغ الْأَذَان، وَادّعى بعض الْمَالِكِيَّة نسخهما لِأَن ذَلِك كَانَ فِي أول الْأَمر لما نهى عَن الصَّلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب، ثمَّ ندب الْمُبَادرَة إِلَى الْمغرب فِي أول وَقتهَا، فَلَو استمرت الْمُوَاظبَة على الِاشْتِغَال بغَيْرهَا لَكَانَ ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى مُخَالفَة إِدْرَاك أول وَقتهَا. وَقَالَ بَعضهم: دَعْوَى النّسخ لَا دَلِيل عَلَيْهَا. قلت: يسْتَأْنس لتأييد قَول هَذَا الْقَائِل بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن طَاوس، قَالَ: سُئِلَ ابْن عمر عَن الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْت أحدا على عهد رَسُول الله، ﷺ ، يُصَلِّيهمَا. وَقَالَ أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ: اخْتلف الصَّحَابَة فِيهِ، وَلم يَفْعَله أحد بعد الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ النَّخعِيّ: إِنَّهَا بِدعَة، وَرُوِيَ عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة أَنهم كَانُوا لَا يصلونهما.

стр. 1389

قَالَ عُثْمَانُ بنُ جَبَلَةَ وأبُو دَاوُد عَن شُعْبَةَ لَمْ يَكُن بَيْنَهُمَا إلَاّ قَلِيلٌ جبلة، بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن أبي رواد، ابْن أخي عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، واسْمه: مَيْمُون الْأَزْدِيّ، مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ وَأَبُو دَاوُد: سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم، وَيُقَال أَبُو دَاوُد هَذَا: عمر بن سعيد الْحَفرِي الْكُوفِي، وحفر بِالْفَاءِ مَوضِع بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ أيضامن أَفْرَاد مُسلم. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَنه تَعْلِيق مِنْهُ لِأَن البُخَارِيّ كَانَ ابْن عشرَة عِنْد وَفَاة الطَّيَالِسِيّ. ١٥ - (بابُ مَنِ انْتَظَرَ الإقَامَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سمع الْأَذَان وانتظر إِقَامَة الصَّلَاة، وَالظَّاهِر من وضع هَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك مُخْتَصّ بِالْإِمَامِ لِأَن الْمَأْمُوم يسْتَحبّ أَن يحوز الصَّفّ الأول، وَيُمكن أَن يُشَارك الإِمَام فِي ذَلِك من كَانَ منزله قَرِيبا من الْمَسْجِد بِحَيْثُ يسمع الْإِقَامَة من منزله، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ متهيأ للصَّلَاة كَانَ انْتِظَاره لَهَا كانتظاره إِيَّاهَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِد. ٦٢٦ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عَائِشَةَ قالَتْ كَانَ رسولُ الله ﷺ إذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بالأُولَى مِن صلاةِ الفَجْرِ قامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صلاةِ الفَجْرِ بَعْدَ أنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يَأتِيهِ المُؤَذِّنُ لِلإقَامَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اضْطجع على شقَّه الْأَيْمن) إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع والإخبار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين، وَفِي رُوَاته حمصيان ومدنيان. . وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن عَليّ بن عَيَّاش، كِلَاهُمَا عَن شُعَيْب بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا سكت الْمُؤَذّن) أَي: إِذا فرغ من الْأَذَان بِالسُّكُوتِ عَنهُ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْجُمْهُور الْمُعْتَمدَة، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. وَحكى ابْن التِّين: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَمَعْنَاهُ: صب الْأَذَان فِي الآذان، جمع الْأَذَان، واستعير الصب للإفاضة فِي الْكَلَام. وَقَالَ ابْن قرقول: ورويناه عَن الْخطابِيّ: (سكب الْمُؤَذّن) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ: وَرَأَيْت بِخَط أبي عَليّ الجياني عَن أبي مَرْوَان: سكب وَسكت، بِمَعْنى وَابْن الْأَثِير لم يذكر غير الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ: إِرَادَة إِذا أذن فاستعير السكب للإفاضة فِي الْكَلَام، كَمَا يُقَال: أفرغ فِي أُذُنِي حَدِيثا أَي: القى وصب، وَقَالَ الصَّاغَانِي فِي (الْعباب) أَيْضا: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَذكر أَن الْمُحدثين صحفوها بِالْمُثَنَّاةِ. وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. قلت: لم يبين وَجه الرَّد عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الصَّاغَانِي مِمَّن يرد عَلَيْهِ فِي مثل هَذَا، وَقَالَ ابْن بطال والسفاقسي: إِن هَذِه رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ. قَالَا: وَلها وَجه من الصَّوَاب. قلت: بل هُوَ عين الصَّوَاب، لِأَن سكت بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق لَا يسْتَعْمل بِالْبَاء الْمُوَحدَة، بل يسْتَعْمل بِكَلِمَة: من، أَو: عَن، وسكب بِالْبَاء الْمُوَحدَة اسْتعْمل هُنَا بِالْبَاء. فَإِن قلت: الْبَاء تَجِيء بِمَعْنى: عَن، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاسأل بِهِ خَبِيرا﴾ (الْفرْقَان: ٥٩) . أَي: عَنهُ. قلت: الأَصْل أَن يسْتَعْمل كل حرف فِي بَابه، وَلَا يسْتَعْمل فِي غير بَابه إلَاّ لنكتة، وَأي نُكْتَة هُنَا؟ قَوْله: (بِالْأولَى) ، مُرَاده الْأَذَان الأول، لِأَنَّهُ أول بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِقَامَة، وَلكنه أنثه بِاعْتِبَار المناداة وَالْأَذَان الأول يُؤذن بِهِ عِنْد دُخُول الْوَقْت، وَهُوَ أول بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِقَامَة، وثان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَذَان الَّذِي قبل الْفجْر، وَيجوز أَن يؤول: الأولى، بالمرة الأولى وبالساعة الأولى. قَوْله: (بعد أَن يستبين الْفجْر) من الاستبانة، وَهُوَ: الظُّهُور، ويروى: يَسْتَنِير من الاستنارة، ويروى: يستيقن. قَوْله: (على شقَّه) أَي: على جنبه الْأَيْمن. قَالَ

стр. 1390

الْكرْمَانِي: وَالْحكمَة فِيهِ أَن لَا يسْتَغْرق فِي النّوم، لِأَن الْقلب من جِهَة الْيَسَار مُتَعَلق حِينَئِذٍ غير مُسْتَقر، وَإِذا نَام على الْيَسَار كَانَ فِي دعة واستراحة فيستغرق، وَأَيْضًا يكون انحدار الثّقل إِلَى سفل أسهل وَأكْثر فَيصير سَببا لدغدغة قَضَاء الْحَاجة فينتبه فِي أسْرع وَقت. قلت: لَا يستحسن هَذَا الْكَلَام فِي حَقه، ﷺ ، وَإِنَّمَا يمشي فِي حق غَيره، وَالنَّبِيّ ﷺ كَانَ يحب التَّيَامُن فِي كل شَيْء، وَجَمِيع مَا صدر عَنهُ من قَول وَفعل كَانَ على أحسن الْوُجُوه وأفضلها وأكملها، وَأَيْضًا النّوم على الْيَمين نوم الصَّالِحين، وعَلى الْيَسَار نوم الْحُكَمَاء، وعَلى الظّهْر نوم الجبارين والمتكبرين، وعَلى الْوَجْه نوم الْكفَّار. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّخْفِيف فِي سنة الْفجْر، وَاسْتحبَّ قوم تخفيفها، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين. وَقَالَ النَّخعِيّ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ: لَا بَأْس بإطالتها، وَلَعَلَّه أَرَادَ بذلك غير محرم. وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة: عَن سعيد بن جُبَير: (كَانَ رَسُول الله ﷺ رُبمَا أَطَالَ رَكْعَتي الْفجْر) ، وَقَالَ مُجَاهِد: لَا بَأْس أَن يُطِيل رَكْعَتي الْفجْر، وَبَالغ قوم فَقَالُوا: لَا قِرَاءَة فِيهَا، حَكَاهُ عِيَاض والطَّحَاوِي: والْحَدِيث الصَّحِيح يرد ذَلِك، وَهُوَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب و: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الْكَافِرُونَ: ١) . وَفِي الثَّانِيَة بِالْفَاتِحَةِ و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) . وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس كَانَ يقْرَأ فيهمَا: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٦) . وَبِقَوْلِهِ: ﴿قل يَا أهل الْكتاب﴾ (آل عمرَان: ٦٤ و ٩٨ و ٩٩، والمائدة: ٥٩ و ٦٨ و ٧٧) . وَاسْتحبَّ مَالك الِاقْتِصَار على الْفَاتِحَة، على ظَاهر قَول عَائِشَة: كَانَ يخففهما حَتَّى إِنِّي لأقول قد قَرَأَ فيهمَا بِأم الْكتاب. وَفِي (فَضَائِل الْقُرْآن الْعَظِيم) لأبي الْعَبَّاس الغافقي: (أَمر رجلا شكى إِلَيْهِ شَيْئا أَن يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ألم نشرح، وَفِي الثَّانِيَة فِي الأولى بِالْفَاتِحَةِ وَسورَة ألم تَرَ كَيفَ) . وَفِيه: اسْتِحْبَاب الِاضْطِجَاع على الْأَيْمن عِنْد النّوم، وَهُوَ سنة عِنْد الْبَعْض وَاجِب عِنْد الْحسن الْبَصْرِيّ، وَذكر القَاضِي عِيَاض: أَن عِنْد مَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة بِدعَة. قلت: يَعْنِي الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) وَالتِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا صلى أحدكُم رَكْعَتي الْفجْر فليضطجع على يَمِينه) . وَاعْلَم أَنه ثَبت فِي الصَّحِيح (أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عشرَة رَكْعَة يُوتر مِنْهَا بِوَاحِدَة، فَإِذا فرغ مِنْهَا اضْطجع على شقَّه حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) ، فَهَذَا الِاضْطِجَاع كَانَ بعد صَلَاة اللَّيْل، وَقبل صَلَاة رَكْعَتي الْفجْر، وَلم يقل أحد: إِن الِاضْطِجَاع قبلهمَا سنة، فَكَذَا بعدهمَا. وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (إِن كنت مستيقظة حَدثنِي وَإِلَّا اضْطجع) . فَهَذَا يدل على أَنه لَيْسَ بِسنة، وَأَنه تَارَة كَانَ يضطجع قبل وَتارَة بعد وَتارَة لَا يضطجع. وَفِيه: اسْتِحْبَاب إتْيَان الْمُؤَذّن إِلَى الإِمَام الرَّاتِب وإعلامه بِحُضُور الصَّلَاة. وَفِيه: دلَالَة على أَن الِانْتِظَار للصَّلَاة فِي الْبَيْت كالانتظار فِي الْمَسْجِد، إِذْ لَو لم يكن كَذَلِك لخرج النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَسْجِد ليَأْخُذ لنَفسِهِ بحظها من فَضِيلَة الِانْتِظَار. وَفِيه: أَن مُرَاعَاة الْوَقْت للمؤذن وَأَن الإِمَام يَجْعَل إِلَيْهِ ذَلِك. وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي حَدِيث عَائِشَة دلَالَة أَن الْمُؤَذّن لَا يكون إلَاّ عَالما بالأوقات، أَو يكون لَهُ من يعرفهُ بهَا. وَفِيه: تَعْجِيل رَكْعَتي الْفجْر عِنْد طُلُوع الْفجْر، وَقد كره جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم أَصْحَابنَا التَّنَفُّل بعد أَذَان الْفجْر إِلَى صَلَاة الْفجْر بِأَكْثَرَ من رَكْعَتي الْفجْر، لما فِي مُسلم عَن حَفْصَة: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا طلع الْفجْر لَا يُصَلِّي إلَاّ رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) . وَعند أبي دَاوُد: (عَن يسَار مولى ابْن عمر، قَالَ: رَآنِي عبد الله وَأَنا أُصَلِّي بعد طُلُوع الْفجْر، فَقَالَ: يَا يسَار إِن رَسُول الله ﷺ خرج علينا وَنحن نصلي هَذِه الصَّلَاة فَقَالَ: لَا تصلوا بعد الْفجْر إلَاّ رَكْعَتَيْنِ) . وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث غرب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث قدامَة بن مُوسَى، وَهَذَا مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْعلم، كَرهُوا أَن يُصَلِّي الرجل بعد طُلُوع الْفجْر إلَاّ رَكْعَتي الْفجْر، وَإِلَى هَذَا ذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد، ولأصحاب الشَّافِعِي فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: مثل الْجَمَاعَة، الثَّانِي: لَا تدخل الْكَرَاهَة حَتَّى يُصَلِّي سنة الْفجْر، الثَّالِث: لَا تدخل الْكَرَاهَة حَتَّى يُصَلِّي الصُّبْح، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ الصَّحِيح، وَالله تَعَالَى أعلم. ١٦ - بابٌ بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صلاةٌ لِمَنْ شاءَ أَي: هَذَا بَاب بَيَان أَن بَين كل أذانين صَلَاة، وَقد قُلْنَا: إِن المُرَاد من الأذانين الْأَذَان وَالْإِقَامَة بطرِيق التغليب، كالعمرين والقمرين وَنَحْوهمَا، لَا يُقَال: هَذَا الْبَاب تكْرَار لِأَنَّهُ ذكر قبل هَذَا الْبَاب، لأَنا نقُول: إِنَّه قد ذكر هُنَاكَ بِبَعْض مَا دلّ عَلَيْهِ لفظ حَدِيث الْبَاب، وَهنا ذكر بِلَفْظ الحَدِيث، وَأَيْضًا لما كَانَ بعض اخْتِلَاف فِي رُوَاة الحَدِيث وَفِي مَتنه ذكره بترجمتين بِحَسب ذَلِك.

стр. 1391

٦٢٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا كَهْمَسَ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صلاةٌ بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صلاةٌ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شاءَ (انْظُر الحَدِيث ٦٢٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة لَفظه كَمَا ذكرنَا، وَعبد الله بن يزِيد هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري مولى آل عمر الْبَصْرِيّ، ثمَّ الْمَكِّيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَنهُ فِي الْأَحْكَام، وَعَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي الْبيُوع، وروى عَنهُ مُسلم بِوَاسِطَة. وكهمس، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْمِيم وبالسين الْمُهْملَة: ابْن الْحسن مكبر النمري، بِفَتْح النُّون وَالْمِيم: الْقَيْسِي، مَاتَ سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَبَاقِي الروَاة وَمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ قد ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين عبارَة حَدِيث ذَاك الْبَاب وَعبارَة حَدِيث هَذَا الْبَاب؟ قلت: الحَدِيث الَّذِي هُنَا يُفَسر ذَاك الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَوله هُنَاكَ: ثَلَاثًا، من لفظ الرَّاوِي أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات، وَبَين ذَلِك رِوَايَة النَّسَائِيّ: (بَين كل أذانين صَلَاة، بَين كل أذانين صَلَاة، بَين كل أذانين صَلَاة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَينه حَيْثُ قيد الثَّالِثَة بقوله: لمن شَاءَ، وَبَين الْمُطلق الَّذِي ثمَّة؟ قلت: هَذَا فِي الكرتين الْأَوليين مُطلق، وَذَاكَ مُقَيّد بقوله: (لمن شَاءَ) فِي المرات، وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، وإيضا ثمَّة نقل الزِّيَادَة فِي الْأَوليين، وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة عِنْد الْمُحدثين. قلت: مَشِيئَة الصَّلَاة مُرَادة بَين كل أذانين على أَي وَجه كَانَ، أَلَا ترى أَن عِنْد التِّرْمِذِيّ قَالَهَا مرّة، وَقَالَ فِي الرَّابِعَة لمن شَاءَ؟ وَعند أبي دَاوُد قَالَهَا مرَّتَيْنِ وَعند البُخَارِيّ ثَلَاثًا وَعند النَّسَائِيّ ثَلَاث مَرَّات مكررة بِغَيْر لفظ الْعدَد؟ وَالله تَعَالَى أعلم. ١٧ - بابُ مَنْ قَال لِيُؤَذِّن فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول: من قَالَ ... إِلَى آخِره،. وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن وَاحِدًا من الْمُسَافِرين إِذا أذن يَكْفِي وَلَا يحْتَاج إِلَى أَذَان الْبَقِيَّة، لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ يتخيل أَنه لَا يَكْفِي الْأَذَان إلَاّ من جَمِيعهم، لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل ظَاهرا أَن الْأَذَان فِي السّفر لَا يتَكَرَّر، سَوَاء كَانَ فِي الصُّبْح أَو فِي غَيره. ٦٢٨ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حَدثنَا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قلاِبِةَ عنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قالَ أتيْتُ النبيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ منْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وكانَ رَحِيما رَفيقا فَلَمَّا رَأى شَوْقَنا إلَى أهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فكونُوا فِيهِمْ وعَلِّمُوهُمْ وصَلوا فإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمُّكُمْ أكْبَرُكُمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليؤذن لكم أحدكُم) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُعلى بن أَسد، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: أَبُو الْهَيْثَم الْبَصْرِيّ الْعمريّ، أَخُو بهز بن أَسد، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: وهيب، مصغر وهب، ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ الْكَرَابِيسِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم غير مرّة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد. الْخَامِس: مَالك بن الْحُوَيْرِث، مصغر الْحَارِث، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أَشْيَم اللَّيْثِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ على قَول من قَالَ: إِن أَيُّوب رأى أنس بن مَالك. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي الْأَدَب عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِيه وَفِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَخلف بن هِشَام، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي سعيد

стр. 1392

الأشبح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حَاجِب بن الْوَلِيد وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بشر بن هِلَال الصَّواف. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي نفر) ، بِفَتْح الْفَاء: عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، والنفير مثله وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسموا بذلك لأَنهم إِذا حزبهم أَمر اجْتَمعُوا ثمَّ نفروا إِلَى عدوهم. وَفِي (الواعي) : وَلَا يَقُولُونَ عشرُون نَفرا وَلَا ثَلَاثُونَ نَفرا. قَوْله: (من قومِي) هم: بَنو لَيْث بن بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة. قَوْله: (فَأَقَمْنَا عِنْده) أَي: عِنْد النَّبِي ﷺ (عشْرين لَيْلَة) : المُرَاد بأيامها، بِدَلِيل الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي الْبَاب: (بعد عشْرين يَوْمًا وَلَيْلَة) . قَوْله: (وَكَانَ) أَي: النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (رحِيما) بِمَعْنى: ذَا رَحْمَة وشفقة ورقة قلب. قَوْله: (رَقِيقا) ، بقافين فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، قيل: والكشميهني أَيْضا، وَمَعْنَاهُ: كَانَ رَقِيق الْقلب، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (رَفِيقًا) بِالْفَاءِ أَولا ثمَّ بِالْقَافِ، من: الرِّفْق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رِوَايَة البُخَارِيّ بِوَجْهَيْنِ: بالقافين وبالفاء وَالْقَاف، وَرِوَايَة مُسلم بالقافين خَاصَّة. وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالْفَاءِ، والأصيلي وَأبي الْهَيْثَم بِالْقَافِ. قَوْله: (إِلَى أَهْلينَا) ، هُوَ جمع أهل، والأهل من النَّوَادِر حَيْثُ يجمع مكسرا نَحْو: الأهالي، ومصححا بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو: الأهلون، وبالألف وَالتَّاء نَحْو: الأهلات. قَوْله: (ارْجعُوا) من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (وصلوا) زَاد فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن علية عَن أَيُّوب: (كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) . قَوْله: (فَإِذا حضرت الصَّلَاة) يَعْنِي: إِذا حَان وَقتهَا. قَوْله: (فليؤذن لكم أحدكُم) . فَإِن قلت: فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ فِي حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث أَيْضا: (إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما) ، وَبَينهمَا تعَارض ظَاهر؟ قلت: قيل مَعْنَاهُ: من أحب مِنْكُمَا أَن يُؤذن فليؤذن، وَذَلِكَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْفضل، وَفِيه نظر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد يُقَال: فلَان قَتله بَنو تَمِيم، مَعَ أَن الْقَاتِل وَاحِد مِنْهُم، وَكَذَا فِي الْإِنْشَاء يُقَال: يَا تَمِيم اقْتُلُوهُ. قلت: حَاصله أَن التَّثْنِيَة تذكر وَيُرَاد بِهِ الْوَاحِد، مثل قَوْله: (قفا نبْكِ) وَمرَاده الْخطاب للْوَاحِد، وَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي الْجمع، وَقَالَ التَّيْمِيّ: المُرَاد من قَوْله: أذنا الْفضل وإلَاّ فأذان الْوَاحِد يجزىء. ذكر اخْتِلَاف الفاظ هَذَا الحَدِيث) : الرِّوَايَة هَهُنَا: (أتيت النَّبِي ﷺ فِي نفر من قومِي) ، وَعَن خَالِد بن أبي قلَابَة فِي بَاب الْأَذَان للمسافرين إِذا كَانُوا جمَاعَة: (أَتَى رجلَانِ النَّبِي ﷺ يُريدَان السّفر، فَقَالَ إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما ثمَّ ليؤمكما أكبركما) . وَفِي: بَاب: الإثنان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة: (إِذا حضرت الصَّلَاة فأذنا) الحَدِيث. وَفِي بَاب: إِذا اسْتَووا فِي الْقِرَاءَة: (فليؤمهم أكبرهم) ، قدمنَا على النَّبِي ﷺ وَنحن شببة متقاربون، وَفِيه: (لَو رجعتم إِلَى بِلَادكُمْ فعلمتموهم فليصلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، وَصَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا. وَفِي إجَازَة خبر الْوَاحِد: (فَلَمَّا ظن أَنا قد اشتقنا إِلَى أهلنا سَأَلنَا عَمَّن تركنَا بَعدنَا، فَأَخْبَرنَاهُ، فَقَالَ: إرجعوا إِلَى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم ... وَذكر أَشْيَاء أحفظها أَو لَا أحفظها وصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) الحَدِيث. وَفِي بَاب رَحْمَة النَّاس والبهائم، نَحوه. وَعند أبي دَاوُد: (كُنَّا يَوْمئِذٍ متقاربين فِي الْعلم) . وَفِي رِوَايَة لأبي قلَابَة: (فَأَيْنَ الْقُرْآن؟ قَالَ: إنَّهُمَا كَانَا متقاربين) . وَفِي رِوَايَة ابْن حزم: (متقارنين) ، بالنُّون فِي الْمَوْضِعَيْنِ، من: الْمُقَارنَة. يُقَال: فلَان قرين فلَان، إِذا كَانَ قرينه فِي السن، وَكَذَا إِذا كَانَ فِي الْعلم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الْأَلْفَاظ المتعددة كَانَت مِنْهُ فِي وفادتين أَو فِي وفادة وَاحِدَة، غير أَن النَّقْل تكَرر مِنْهُ، وَمن النَّبِي ﷺ . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بِأَذَان للْجَمَاعَة، وَهُوَ عَام للْمُسَافِر وَغَيره، وكافة الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب الْأَذَان للْمُسَافِر، إِلَّا عَطاء فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا لم يُؤذن وَلم يقم أعَاد الصَّلَاة، وإلَاّ مُجَاهدًا فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا نسي الْإِقَامَة أعَاد، وأخذا بِظَاهِر الْأَمر، وَهُوَ: أذنا وأقيما. وَقيل: الْإِجْمَاع صَارف عَن الْوُجُوب، وَفِيه نظر، وَحكى الطَّبَرِيّ عَن مَالك أَنه: يُعِيد إِذا ترك الْأَذَان، ومشهور مذْهبه الِاسْتِحْبَاب. وَفِي (الْمُخْتَصر) عَن مَالك: وَلَا أَذَان على مُسَافر، وَإِنَّمَا الْأَذَان على من يجْتَمع إِلَيْهِ لتأذينه، وبوجوبه على الْمُسَافِر قَالَ دَاوُد. قَالَت طَائِفَة: هُوَ مُخَيّر، إِن شَاءَ أذن وَأقَام، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَول عُرْوَة وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: تجزيه الْإِقَامَة، رُوِيَ ذَلِك عَن مَكْحُول وَالْحسن وَالقَاسِم، وَكَانَ ابْن عمر يُقيم فِي السّفر لكل صَلَاة إلَاّ الصُّبْح فَإِنَّهُ كَانَ يُؤذن لَهَا وَيُقِيم. وَقَالَ قاضيخان: من أَصْحَابنَا رجل صلى فِي سفر أَو فِي بَيته بِغَيْر أَذَان وَإِقَامَة يكره. قَالَ: فالكراهة مَقْصُورَة على الْمُسَافِر، وَمن صلى فِي بَيته فَالْأَفْضَل لَهُ أَن يُؤذن وَيُقِيم ليَكُون على هَيْئَة الْجَمَاعَة، وَلِهَذَا كَانَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي

стр. 1393

حَقه أفضل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي قَوْله: (ثمَّ ليؤمكما أكبركما) يدل على تساويهما فِي شُرُوط الْإِمَامَة، وَرجح أَحدهمَا بِالسِّنِّ. قلت: لِأَن هَؤُلَاءِ كَانُوا مستورين فِي بَاقِي الْخِصَال، لأَنهم هَاجرُوا جَمِيعًا، وَأَسْلمُوا جَمِيعًا وصحبوا رَسُول الله ﷺ ولازموه عشْرين لَيْلَة، فاستووا فِي الْأَخْذ عَنهُ. فَلم يبْق مَا يقدم بِهِ إلَاّ السن. وَفِيه: حجَّة لِأَصْحَابِنَا فِي تَفْضِيل الْإِمَامَة على الْأَذَان لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: (ليؤمكما أكبركما) خص الْإِمَامَة بالأكبر. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْجَمَاعَة تصح بِإِمَام ومأموم، وَهُوَ إِجْمَاع الْمُسلمين. وَفِيه: الحض على الْمُحَافظَة على الْأَذَان فِي الْحَضَر وَالسّفر. وَفِيه: أَن الْأَذَان وَالْجَمَاعَة مشروعان على الْمُسَافِرين. [رم ١٨ ٢ بابُ الآذَانِ للْمُسَافِرِينَ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً والإِقَامَةَ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَذَان للمسافرين، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن للْمُسَافِر أَن يُؤذن. وَقَوله: إِذا كَانُوا جمَاعَة. هُوَ مُقْتَضى أَحَادِيث الْبَاب، وَلَكِن لَيْسَ فِيهَا مَا يمْنَع أَذَان الْمُنْفَرد. وَقَوله: (للمسافرين) ، بِلَفْظ الْجمع هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ مُنَاسِب لقَوْله: (إِذا كَانُوا جمَاعَة) ، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (للْمُسَافِر) ، بِلَفْظ الْإِفْرَاد، فيؤول على أَن تكون الْألف وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس، وَفِيه معنى الْجمع فحصلت الْمُنَاسبَة من هَذَا الْوَجْه. قَوْله: (وَالْإِقَامَة) ، بِالْجَرِّ عطفا على الآذان. وكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ أَي: وَكَذَلِكَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة بِعَرَفَة وَجمع، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم: وَهُوَ الْمزْدَلِفَة، سميت بِجمع لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهَا لَيْلَة الْعِيد. وَأما عَرَفَة فَإِنَّهَا تطلق على الزَّمَان، وَهُوَ التَّاسِع من ذِي الْحجَّة، وعَلى الْمَكَان وَهُوَ الْموضع الْمَعْرُوف الَّذِي يقف فِيهِ الْحجَّاج يَوْم عَرَفَة، وَلم يذكر فِي: جمع، حَدِيثا، فَكَأَنَّهُ اكْتفى بِحَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي ذكره فِي كتاب الْجمع، وَفِيه: أَنه صلى الْمغرب بِأَذَان وَإِقَامَة، وَالْعشَاء بِأَذَان وَإِقَامَة، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَفْعَله، وَكَذَلِكَ لم يذكر فِي عَرَفَة شَيْئا، وَقد روى جَابر فِي حَدِيث طَوِيل أخرجه مُسلم، وَفِيه: (أَن بِلَالًا أذن وَأقَام لما جمع النَّبِي ﷺ بَين الظّهْر وَالْعصر يَوْم عَرَفَة) . وقَوْلِ المُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوْ المَطِيرَةِ وَقَول: مجرور أَيْضا عطفا على قَوْله: (وَالْإِقَامَة) ، وَإِلَى هُنَا كُله من التَّرْجَمَة. قَوْله: (الصَّلَاة) ، بِالنّصب أَي: أدوها، ويروى بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (فِي الرّحال) ، تَقْدِيره: الصَّلَاة تصلى فِي الرّحال. وَهُوَ جمع: رَحل، ورحل الشَّخْص: منزله. قَوْله: (أَو الْمَطِيرَة) بِفَتْح الْمِيم، على وزن: فعيلة، بِمَعْنى: الماطرة. وَإسْنَاد الْمَطَر إِلَى اللَّيْلَة بالمجاز، إِذْ اللَّيْل ظرف لَهُ لَا فَاعل، وللعلماء فِي: أنبت الرّبيع البقل، أَقْوَال أَرْبَعَة: مجَاز فِي الْإِسْنَاد، أَو فِي أنبت، أَو فِي الرّبيع، وَسَماهُ السكاكي: اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، أَو الْمَجْمُوع مجَاز عَن الْمَقْصُود، وَذكر الإِمَام الرَّازِيّ أَن الْمجَاز الْعقلِيّ، وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الْمَطِيرَة بِمَعْنى الممطور فِيهَا لِأَن فعيلة إِنَّمَا تجْعَل بِمَعْنى مفعولة إِذا لم يذكر موصوفها مَعهَا، وَهَهُنَا اللَّيْلَة موصوفها مَذْكُور، فَلذَلِك دَخلهَا تَاء التَّأْنِيث، وَعند عدم ذَلِك لَا تدخل فِيهَا تَاء التَّأْنِيث. ٦٢٨ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حَدثنَا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قلاِبِةَ عنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قالَ أتيْتُ النبيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ منْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وكانَ رَحِيما رَفيقا فَلَمَّا رَأى شَوْقَنا إلَى أهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فكونُوا فِيهِمْ وعَلِّمُوهُمْ وصَلوا فإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمُّكُمْ أكْبَرُكُمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليؤذن لكم أحدكُم) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُعلى بن أَسد، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: أَبُو الْهَيْثَم الْبَصْرِيّ الْعمريّ، أَخُو بهز بن أَسد، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: وهيب، مصغر وهب، ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ الْكَرَابِيسِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم غير مرّة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد. الْخَامِس: مَالك بن الْحُوَيْرِث، مصغر الْحَارِث، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أَشْيَم اللَّيْثِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ على قَول من قَالَ: إِن أَيُّوب رأى أنس بن مَالك. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي الْأَدَب عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِيه وَفِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَخلف بن هِشَام، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي سعيد الأشبح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حَاجِب بن الْوَلِيد وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بشر بن هِلَال الصَّواف. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي نفر) ، بِفَتْح الْفَاء: عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، والنفير مثله وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسموا بذلك لأَنهم إِذا حزبهم أَمر اجْتَمعُوا ثمَّ نفروا إِلَى عدوهم. وَفِي (الواعي) : وَلَا يَقُولُونَ عشرُون نَفرا وَلَا ثَلَاثُونَ نَفرا. قَوْله: (من قومِي) هم: بَنو لَيْث بن بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة. قَوْله: (فَأَقَمْنَا عِنْده) أَي: عِنْد النَّبِي ﷺ (عشْرين لَيْلَة) : المُرَاد بأيامها، بِدَلِيل الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي الْبَاب: (بعد عشْرين يَوْمًا وَلَيْلَة) . قَوْله: (وَكَانَ) أَي: النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (رحِيما) بِمَعْنى: ذَا رَحْمَة وشفقة ورقة قلب. قَوْله: (رَقِيقا) ، بقافين فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، قيل: والكشميهني أَيْضا، وَمَعْنَاهُ: كَانَ رَقِيق الْقلب، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (رَفِيقًا) بِالْفَاءِ أَولا ثمَّ بِالْقَافِ، من: الرِّفْق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رِوَايَة البُخَارِيّ بِوَجْهَيْنِ: بالقافين وبالفاء وَالْقَاف، وَرِوَايَة مُسلم بالقافين خَاصَّة. وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالْفَاءِ، والأصيلي وَأبي الْهَيْثَم بِالْقَافِ. قَوْله: (إِلَى أَهْلينَا) ، هُوَ جمع أهل، والأهل من النَّوَادِر حَيْثُ يجمع مكسرا نَحْو: الأهالي، ومصححا بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو: الأهلون، وبالألف وَالتَّاء نَحْو: الأهلات. قَوْله: (ارْجعُوا) من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (وصلوا) زَاد فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن علية عَن أَيُّوب: (كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) . قَوْله: (فَإِذا حضرت الصَّلَاة) يَعْنِي: إِذا حَان وَقتهَا. قَوْله: (فليؤذن لكم أحدكُم) . فَإِن قلت: فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ فِي حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث أَيْضا: (إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما) ، وَبَينهمَا تعَارض ظَاهر؟ قلت: قيل مَعْنَاهُ: من أحب مِنْكُمَا أَن يُؤذن فليؤذن، وَذَلِكَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْفضل، وَفِيه نظر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد يُقَال: فلَان قَتله بَنو تَمِيم، مَعَ أَن الْقَاتِل وَاحِد مِنْهُم، وَكَذَا فِي الْإِنْشَاء يُقَال: يَا تَمِيم اقْتُلُوهُ. قلت: حَاصله أَن التَّثْنِيَة تذكر وَيُرَاد بِهِ الْوَاحِد، مثل قَوْله: (قفا نبْكِ) وَمرَاده الْخطاب للْوَاحِد، وَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي الْجمع، وَقَالَ التَّيْمِيّ: المُرَاد من قَوْله: أذنا الْفضل وإلَاّ فأذان الْوَاحِد يجزىء. ذكر اخْتِلَاف الفاظ هَذَا الحَدِيث) : الرِّوَايَة هَهُنَا: (أتيت النَّبِي ﷺ فِي نفر من قومِي) ، وَعَن خَالِد بن أبي قلَابَة فِي بَاب الْأَذَان للمسافرين إِذا كَانُوا جمَاعَة: (أَتَى رجلَانِ النَّبِي ﷺ يُريدَان السّفر، فَقَالَ إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما ثمَّ ليؤمكما أكبركما) . وَفِي: بَاب: الإثنان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة: (إِذا حضرت الصَّلَاة فأذنا) الحَدِيث. وَفِي بَاب: إِذا اسْتَووا فِي الْقِرَاءَة: (فليؤمهم أكبرهم) ، قدمنَا على النَّبِي ﷺ وَنحن شببة متقاربون، وَفِيه: (لَو رجعتم إِلَى بِلَادكُمْ فعلمتموهم فليصلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، وَصَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا. وَفِي إجَازَة خبر الْوَاحِد: (فَلَمَّا ظن أَنا قد اشتقنا إِلَى أهلنا سَأَلنَا عَمَّن تركنَا بَعدنَا، فَأَخْبَرنَاهُ، فَقَالَ: إرجعوا إِلَى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم ... وَذكر أَشْيَاء أحفظها أَو لَا أحفظها وصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) الحَدِيث. وَفِي بَاب رَحْمَة النَّاس والبهائم، نَحوه. وَعند أبي دَاوُد: (كُنَّا يَوْمئِذٍ متقاربين فِي الْعلم) . وَفِي رِوَايَة لأبي قلَابَة: (فَأَيْنَ الْقُرْآن؟ قَالَ: إنَّهُمَا كَانَا متقاربين) . وَفِي رِوَايَة ابْن حزم: (متقارنين) ، بالنُّون فِي الْمَوْضِعَيْنِ، من: الْمُقَارنَة. يُقَال: فلَان قرين فلَان، إِذا كَانَ قرينه فِي السن، وَكَذَا إِذا كَانَ فِي الْعلم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الْأَلْفَاظ المتعددة كَانَت مِنْهُ فِي وفادتين أَو فِي وفادة وَاحِدَة، غير أَن النَّقْل تكَرر مِنْهُ، وَمن النَّبِي ﷺ . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بِأَذَان للْجَمَاعَة، وَهُوَ عَام للْمُسَافِر وَغَيره، وكافة الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب الْأَذَان للْمُسَافِر، إِلَّا عَطاء فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا لم يُؤذن وَلم يقم أعَاد الصَّلَاة، وإلَاّ مُجَاهدًا فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا نسي الْإِقَامَة أعَاد، وأخذا بِظَاهِر الْأَمر، وَهُوَ: أذنا وأقيما. وَقيل: الْإِجْمَاع صَارف عَن الْوُجُوب، وَفِيه نظر، وَحكى الطَّبَرِيّ عَن مَالك أَنه: يُعِيد إِذا ترك الْأَذَان، ومشهور مذْهبه الِاسْتِحْبَاب. وَفِي (الْمُخْتَصر) عَن مَالك: وَلَا أَذَان على مُسَافر، وَإِنَّمَا الْأَذَان على من يجْتَمع إِلَيْهِ لتأذينه، وبوجوبه على الْمُسَافِر قَالَ دَاوُد. قَالَت طَائِفَة: هُوَ مُخَيّر، إِن شَاءَ أذن وَأقَام، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَول عُرْوَة وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: تجزيه الْإِقَامَة، رُوِيَ ذَلِك عَن مَكْحُول وَالْحسن وَالقَاسِم، وَكَانَ ابْن عمر يُقيم فِي السّفر لكل صَلَاة إلَاّ الصُّبْح فَإِنَّهُ كَانَ يُؤذن لَهَا وَيُقِيم. وَقَالَ قاضيخان: من أَصْحَابنَا رجل صلى فِي سفر أَو فِي بَيته بِغَيْر أَذَان وَإِقَامَة يكره. قَالَ: فالكراهة مَقْصُورَة على الْمُسَافِر، وَمن صلى فِي بَيته فَالْأَفْضَل لَهُ أَن يُؤذن وَيُقِيم ليَكُون على هَيْئَة الْجَمَاعَة، وَلِهَذَا كَانَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي حَقه أفضل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي قَوْله: (ثمَّ ليؤمكما أكبركما) يدل على تساويهما فِي شُرُوط الْإِمَامَة، وَرجح أَحدهمَا بِالسِّنِّ. قلت: لِأَن هَؤُلَاءِ كَانُوا مستورين فِي بَاقِي الْخِصَال، لأَنهم هَاجرُوا جَمِيعًا، وَأَسْلمُوا جَمِيعًا وصحبوا رَسُول الله ﷺ ولازموه عشْرين لَيْلَة، فاستووا فِي الْأَخْذ عَنهُ. فَلم يبْق مَا يقدم بِهِ إلَاّ السن. وَفِيه: حجَّة لِأَصْحَابِنَا فِي تَفْضِيل الْإِمَامَة على الْأَذَان لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: (ليؤمكما أكبركما) خص الْإِمَامَة بالأكبر. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْجَمَاعَة تصح بِإِمَام ومأموم، وَهُوَ إِجْمَاع الْمُسلمين. وَفِيه: الحض على الْمُحَافظَة على الْأَذَان فِي الْحَضَر وَالسّفر. وَفِيه: أَن الْأَذَان وَالْجَمَاعَة مشروعان على الْمُسَافِرين. [رم ١٨ ٢ بابُ الآذَانِ للْمُسَافِرِينَ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً والإِقَامَةَ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَذَان للمسافرين، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن للْمُسَافِر أَن يُؤذن. وَقَوله: إِذا كَانُوا جمَاعَة. هُوَ مُقْتَضى أَحَادِيث الْبَاب، وَلَكِن لَيْسَ فِيهَا مَا يمْنَع أَذَان الْمُنْفَرد. وَقَوله: (للمسافرين) ، بِلَفْظ الْجمع هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ مُنَاسِب لقَوْله: (إِذا كَانُوا جمَاعَة) ، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (للْمُسَافِر) ، بِلَفْظ الْإِفْرَاد، فيؤول على أَن تكون الْألف وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس، وَفِيه معنى الْجمع فحصلت الْمُنَاسبَة من هَذَا الْوَجْه. قَوْله: (وَالْإِقَامَة) ، بِالْجَرِّ عطفا على الآذان. وكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ أَي: وَكَذَلِكَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة بِعَرَفَة وَجمع، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم: وَهُوَ الْمزْدَلِفَة، سميت بِجمع لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهَا لَيْلَة الْعِيد. وَأما عَرَفَة فَإِنَّهَا تطلق على الزَّمَان، وَهُوَ التَّاسِع من ذِي الْحجَّة، وعَلى الْمَكَان وَهُوَ الْموضع الْمَعْرُوف الَّذِي يقف فِيهِ الْحجَّاج يَوْم عَرَفَة، وَلم يذكر فِي: جمع، حَدِيثا، فَكَأَنَّهُ اكْتفى بِحَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي ذكره فِي كتاب الْجمع، وَفِيه: أَنه صلى الْمغرب بِأَذَان وَإِقَامَة، وَالْعشَاء بِأَذَان وَإِقَامَة، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَفْعَله، وَكَذَلِكَ لم يذكر فِي عَرَفَة شَيْئا، وَقد روى جَابر فِي حَدِيث طَوِيل أخرجه مُسلم، وَفِيه: (أَن بِلَالًا أذن وَأقَام لما جمع النَّبِي ﷺ بَين الظّهْر وَالْعصر يَوْم عَرَفَة) . وقَوْلِ المُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوْ المَطِيرَةِ وَقَول: مجرور أَيْضا عطفا على قَوْله: (وَالْإِقَامَة) ، وَإِلَى هُنَا كُله من التَّرْجَمَة. قَوْله: (الصَّلَاة) ، بِالنّصب أَي: أدوها، ويروى بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (فِي الرّحال) ، تَقْدِيره: الصَّلَاة تصلى فِي الرّحال. وَهُوَ جمع: رَحل، ورحل الشَّخْص: منزله. قَوْله: (أَو الْمَطِيرَة) بِفَتْح الْمِيم، على وزن: فعيلة، بِمَعْنى: الماطرة. وَإسْنَاد الْمَطَر إِلَى اللَّيْلَة بالمجاز، إِذْ اللَّيْل ظرف لَهُ لَا فَاعل، وللعلماء فِي: أنبت الرّبيع البقل، أَقْوَال أَرْبَعَة: مجَاز فِي الْإِسْنَاد، أَو فِي أنبت، أَو فِي الرّبيع، وَسَماهُ السكاكي: اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، أَو الْمَجْمُوع مجَاز عَن الْمَقْصُود، وَذكر الإِمَام الرَّازِيّ أَن الْمجَاز الْعقلِيّ، وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الْمَطِيرَة بِمَعْنى الممطور فِيهَا لِأَن فعيلة إِنَّمَا تجْعَل بِمَعْنى مفعولة إِذا لم يذكر موصوفها مَعهَا، وَهَهُنَا اللَّيْلَة موصوفها مَذْكُور، فَلذَلِك دَخلهَا تَاء التَّأْنِيث، وَعند عدم ذَلِك لَا تدخل فِيهَا تَاء التَّأْنِيث. ٦٢٩ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ المُهَاجِرِ بنِ أبي الحَسَنِ عنْ زَيْدِ بنِ وَهَبٍ عنْ أبي ذرٍّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ أبْرِدْ ثُمَّ أَرَادَ أنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لهُ أبْرِدْ ثمَّ أَرَادَ إِن يَأْذَن فَقَالَ لَهُ أبردحَتَّى ساوَى الظِّلُّ التُّلُولُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُؤَذّن أَرَادَ أَن يُؤذن فَأمره النَّبِي ﷺ بالإبراد ثَلَاث مَرَّات، وَلم يتَعَرَّض إِلَى ترك الْأَذَان، فَدلَّ على أَنه أذن بعد الْإِبْرَاد الْمَوْصُوف، وَأقَام، وَأَنه ﷺ مَعَ الصَّحَابَة كَانُوا فِي سفر، فطابق الحَدِيث التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة. فَإِن قلت: لَا دلَالَة هُنَا على الْإِقَامَة، والترجمة مُشْتَمِلَة على الْأَذَان وَالْإِقَامَة مَعًا؟ قلت: الْمَقْصُود هُوَ الدّلَالَة

стр. 1394

فِي الْجُمْلَة، وَلَا يلْزم الدّلَالَة صَرِيحًا على كل جُزْء من التَّرْجَمَة، وَمن لَا يتْرك الْأَذَان فِي السّفر مَعَ كَونه مَظَنَّة التَّخْفِيف لَا يتْرك الْإِقَامَة الَّتِي هِيَ أخف من الْأَذَان، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه وَلَفظه قد مر فِي: بَاب الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ فِي شدَّة الْحر، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: بَاب الْإِبْرَاد مَعَ الظّهْر فِي السّفر، مَعَ اخْتِلَاف يسير فِي الروَاة والمتن، فَإِنَّهُ فِي الْكل عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، غير أَن شَيْخه فِي الأول: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَفِي الثَّانِي: عَن آدم عَن شُعْبَة وَهَهُنَا، كَمَا رَأَيْت: عَن مُسلم ابْن ابراهيم عَن شُعْبَة، وَمُسلم الْأَزْدِيّ الفراهيدي القصاب الْبَصْرِيّ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. قَوْله: (سَاوَى) ، أَي: صَار الظل مُسَاوِيا التل. أَي: مثله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَحِينَئِذٍ يكون أول وَقت الْعَصْر عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَلَا يجوز تَأْخِير االظهر إِلَيْهِ؟ قلت: لَا نسلم، إِذْ لَيْسَ وَقت الظّهْر مُجَرّد كَون الظل مثله، بل هُوَ بعد الْفَيْء وظل الْمثل كليهمَا. قلت: أول وَقت الْعَصْر عِنْد صيرورة ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، وَبَين مُسَاوَاة الظل الْمثل، وَكَون ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ آنات عديدة. ٦٣٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عنْ أبي قِلَابَةَ عَنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ أتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدانِ السَّفَرَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ إذَا أنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا ثُمَّ أقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمُّكُمَا أكْبَرُكُمَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة لجمع الْمُسَافِرين، والْحَدِيث للتثنية؟ قلت: للتثنية حكم الْجمع، وَفِيه الْأَذَان وَالْإِقَامَة صريحان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. فَإِن قلت: قد روى البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَمن أَيْن إِن سُفْيَان هُنَا هُوَ الثَّوْريّ؟ قلت: لِأَن الَّذِي يروي عَن ابْن عُيَيْنَة هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وَلَيْسَت لَهُ رِوَايَة عَن الثَّوْريّ. فَإِن قلت: الْفرْيَابِيّ يروي أَيْضا عَن ابْن عُيَيْنَة؟ قلت: نعم، وَلَكِن إِذا أطلق سُفْيَان فَالْمُرَاد بِهِ الثَّوْريّ، وَأما إِذا روى عَن ابْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ يُبينهُ. قَوْله: (رجلَانِ) ، هما: مَالك بن الْحُوَيْرِث ورفيقه، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي: بَاب سفر الْإِثْنَيْنِ من كتاب الْجِهَاد: (انصرفت من عِنْد النَّبِي ﷺ ، أَنا وَصَاحب لي) . قَوْله: (فأذنا) ، قد قُلْنَا فِي الْبَاب الْمَاضِي: إِن المُرَاد بِهِ أَحدهمَا، لِأَن الْوَاحِد قد يُخَاطب بِصِيغَة التَّثْنِيَة، كَمَا ذكرنَا هُنَاكَ، وَيدل على هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن خَالِد الْحذاء فِي هَذَا الحَدِيث: (إِذا كنت مَعَ صَاحبك فَأذن وأقم وليؤمكما أكبركما) . وَقَالَ ابْن الْقصار: أَرَادَ بِهِ الْفضل، وإلَاّ فأذان الْوَاحِد يجزىء. قلت: نظر هُوَ إِلَى ظَاهر اللَّفْظ، وَلَيْسَ ظَاهر اللَّفْظ بِمُرَاد، لِأَن الْمَنْقُول عَن السّلف خلاف ذَلِك، وَأَن اراد أَن يُؤذن كل وَاحِد، فَلَيْسَ كَذَلِك أيضافإن أَذَان الْوَاحِد يَكْفِي الْجَمَاعَة. قَوْله: (ثمَّ ليؤمكما أكبركما) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يدل على تساويهما فِي شُرُوط الْإِقَامَة، وَرجح أَحدهمَا بِالسِّنِّ، وَقَالَ ابْن بزيزة: يجوز أَن يكون أَشَارَ إِلَى كبر الْفضل وَالْعلم. ٦٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلَابَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ قَالَ أتَيْنَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ ونَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْما وَلَيْلَةً وكانَ رسُولُ الله ﷺ رَحِيمَا رَفِيقا فلَمَّا ظَنَّ أنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أهْلَنَا أوْ قَدِ اشْتقْنَا سألَنا عَمنْ تَركْنَا بَعْدَنَا فأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إلَى أهْلِيكمْ فأقِيمُوا فِيهِمْ وعَلِّمُوهُمْ ومُرُوهُمْ وذَكَرَ أشْيَاءَ أحْفَظُها أَو لَا أحْفَظُهَا وَصَلُّوا كمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ ولْيُؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْكَلَام فِي أَكثر الحَدِيث قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الْبَصْرِيّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد، وَمَالك هُوَ: ابْن الْحُوَيْرِث. قَوْله: (شببة) ، على وزن: فعلة بتحريك الْعين وَهُوَ جمع: شَاب، (ومتقاربون) ، صفته أَي: فِي السن. قَوْله: (سَأَلنَا) بِفَتْح اللَّام، قَوْله: (أَو قد اشتقنا) شكّ من الرَّاوِي، ويروى

стр. 1395

(وَقد اشتقنا) بواو الْعَطف بِغَيْر شكّ. قَوْله: (إِلَى أهليكم) ، ويروى: (إِلَى أهاليكم) . قَوْله: (أَو لَا أحفظها) شكّ من الرَّاوِي. ٦٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أخبرنَا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ حدَّثني نافِعٌ قَالَ أذَّنَ ابنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ صَلوا فِي رِحَالِكُمْ فَأخْبَرَنا أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَأمُرُ مُؤَذِّنا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ على إثْرِهِ ألَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ (الحَدِيث ٦٣٢ طرفه فِي: ٦٦٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ: (وَقَول الْمُؤَذّن الصَّلَاة فِي الرّحال) إِلَى آخِره، ظَاهِرَة، لِأَن ابْن عمر هَذَا هُوَ الَّذِي أذن، ثمَّ قَالَ: صلوا فِي رحالكُمْ. قَوْله: (حَدثنَا يحيى) هُوَ الْقطَّان. قَوْله: (بضجنان) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم وَبعدهَا نون وَبعد الْألف نون أُخْرَى: وَهُوَ جبل على بريد من مَكَّة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: بَينه وَبَين مَكَّة خَمْسَة وَعِشْرُونَ ميلًا، وَبَينه وَبَين مر تِسْعَة أَمْيَال. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ويدلك أَن بَين ضجنَان وقديد لَيْلَة، قَول معبد الْخُزَاعِيّ: (قد نفرت من رفقتي مُحَمَّد ... تهوي على دين أَبِيهَا الأتلد) (قد جعلت مَاء قديد موعدي ... وَمَاء ضجنَان لنا ضحى الْغَد.) وَهُوَ على وزن: فعلان، غير منصرف. قَوْله: (وَأخْبرنَا) عطف على قَوْله: أذن، قَوْله: (ثمَّ يَقُول) عطف على قَوْله: (يُؤذن) . قَوْله: (على إثره) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتحهَا: مَا بَقِي من رسم الشَّيْء. قَوْله: (فِي اللَّيْلَة الْبَارِدَة) ، ظرف لقَوْله: (كَانَ يَأْمر) وَقَوله: (ثمَّ يَقُول) يشْعر بِأَن القَوْل بِهِ كَانَ بعد الْأَذَان. فَإِن قلت: قد تقدم فِي بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان أَنه كَانَ فِي أثْنَاء الْأَذَان؟ قلت: يجوز كِلَاهُمَا، وَهُوَ نَص الشَّافِعِي أَيْضا فِي (الْأُم) . وَلَكِن الأولى أَن يُقَال: بعد الْأَذَان. وَقَوله: (أَلَا) كلمة تَنْبِيه وتحضيض، وَقد مر تَفْسِير (الْمَطِيرَة) وَكلمَة: أَو، فِيهِ للتنويع لَا للشَّكّ. وَفِي (صَحِيح أبي عوَانَة) : لَيْلَة بَارِدَة أَو ذَات مطر أَو ذَات ريح. وَهَذَا يدل على أَن كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة عذر فِي التَّأَخُّر عَن الْجَمَاعَة. وَنقل ابْن بطال فِيهِ الْإِجْمَاع، لَكِن الْمَعْرُوف عِنْد الشَّافِعِيَّة أَن الرّيح عذر فِي اللَّيْل فَقَط. وَظَاهر الحَدِيث اخْتِصَاص الثَّلَاثَة بِاللَّيْلِ، وَلَكِن جَاءَ فِي (السّنَن) من طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث: (فِي اللَّيْلَة الْمَطِيرَة والغداة القرة) . ٦٣٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثنا أبْو العُمَيْسِ عنْ عوْن ابنِ أبي جُحَيْفَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ بِالأبْطَحِ فَجَاءَهُ بِلَالٌ فآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رسولِ الله ﷺ بِالأبْطَحِ وأقَامَ الصَّلَاةَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَالنَّبِيّ ﷺ مَعَ أَصْحَابه فِي السّفر. والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَنه أخرجه فِي مَوَاضِع من كتاب الطَّهَارَة وَكتاب الصَّلَاة. قَوْله: (إِسْحَاق) وَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت أَنه إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَبِذَلِك جزم خلف فِي الْأَطْهَار، وَتردد الكلاباذي: هَل هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم أَو ابْن مَنْصُور؟ وَرجح الجياني أَنه ابْن مَنْصُور، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن مُسلما أخرج هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، وَأَبُو العميس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَأَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء، واسْمه: وهب بن عبد الله السوَائِي. قَوْله: (بِالْأَبْطح) وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف خَارج مَكَّة، (والعنزة) ، بِفَتْح النُّون أطول من الْعَصَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ وَفِي غَيره مُسْتَوفى. ١٩ - (بابٌ هَل يُتْبِعُ المُؤَذِّنُ فاهُ هَهنا وهَهُنا وهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يتبع الْمُؤَذّن ... إِلَى آخِره. قَوْله: (يتبع) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَإِسْكَان التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق

стр. 1396

وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: من الإتباع، وَهُوَ رِوَايَة الإصيلي، و: الْمُؤَذّن، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: يتبع، و: فَاه، مَنْصُوب على أَنه مفعول. وَفِي رِوَايَة غَيره: يتتبع، بِفَتْح الْيَاء وبالتائين المثناتين من فَوق وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة، من: التتبع من بَاب: التفعل. وَقد تكلّف الْكرْمَانِي وَقَالَ: لفظ: الْمُؤَذّن، بِالنّصب مُوَافق لقَوْله: (فَجعلت أتتبع فَاه) . فَإِن قلت: مَا فَاعله؟ قلت: الشَّخْص. فَإِن قلت: فَمَا وَجه نصب فَاه؟ قلت: بدل عَن الْمُؤَذّن. انْتهى. قلت: الْمُوَافقَة الَّتِي ذكرهَا لَيست بلازمة، فَجعل غير اللَّازِم لَازِما تعسف. قَوْله: (هَهُنَا وَهَهُنَا) يَعْنِي يَمِينا وَشمَالًا، وهما ظرفا مَكَان. وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي جُحَيْفَة: (فَجعلت أتتبع فَاه هَهُنَا وَهَهُنَا، يَقُول يَمِينا وَشمَالًا: حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح) . وَعند أبي دَاوُد: (فَلَمَّا بلغ: حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح، لوى عُنُقه يَمِينا وَشمَالًا وَلم يستدر) . وَعند النَّسَائِيّ: (فَجعل يَقُول فِي أَذَانه هَكَذَا، ينحرف يَمِينا وَشمَالًا) . وَعند الطَّبَرَانِيّ: (فَجعل يَقُول بِرَأْسِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى فرغ من أَذَانه) . وَعند التِّرْمِذِيّ مصححا، من حَدِيث عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا سُفْيَان عَن عون عَن أَبِيه. قَالَ: (رَأَيْت بِلَالًا يُؤذن ويدور ويتتبع فَاه يَمِينا وَشمَالًا، هَهُنَا وَهَهُنَا) . وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة فِي (صَحِيحه) : فَجعل يتبع بِفِيهِ يَمِينا وَشمَالًا) . وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَن سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: (رَأَيْت بِلَالًا يُؤذن يتتبع بِفِيهِ) . وَوصف سُفْيَان يمِيل بِرَأْسِهِ يَمِينا وَشمَالًا، وَالْحَاصِل أَن بِلَالًا كَانَ يتتبع بِفِيهِ الناحيتين، وَكَانَ أَبُو جُحَيْفَة ينظر إِلَيْهِ، فَكل مِنْهُمَا متتبع بِاعْتِبَار. قَوْله: (وَهل يلْتَفت) أَي: هَل يلْتَفت الْمُؤَذّن فِي الْأَذَان؟ نعم يلْتَفت، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة، وَرِوَايَة أبي دَاوُد أَيْضا تدل عَلَيْهِ، وَالْمرَاد من الِالْتِفَات أَن يلوي عُنُقه وَلَا يحول صَدره عَن الْقبْلَة، وَلَا يزِيل قَدَمَيْهِ عَن مكانهما، وَسَوَاء المنارة وَغَيرهَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأحمد فِي رِوَايَة: وَقَالَ ابْن سِيرِين: يكره الِالْتِفَات، وَهُوَ قَول مَالك، إلَاّ أَن يُرِيد إسماع النَّاس. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) من الشَّافِعِيَّة: الِالْتِفَات فِي الحيعلتين سنة ليعم النَّاس بأسماعه، وَخص بذلك لِأَنَّهُ دُعَاء، وَفِي وَجه: يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا فيحيعل، ثمَّ يسْتَقْبل ثمَّ يلْتَفت فيحيعل، وَكَذَلِكَ الشمَال. قَالَ: ويلتفت فِي الْإِقَامَة أَيْضا على الْأَصَح، ثمَّ ذكر أَبُو دَاوُد فِي روايه، وَلم يستدر، وَتَمَامه: قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا قيس يَعْنِي ابْن الرّبيع وَحدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان جَمِيعًا عَن عون بن أبي جُحَيْفَة عَن أَبِيه، قَالَ: (أتيت النَّبِي ﷺ بِمَكَّة وَهُوَ فِي قبَّة حَمْرَاء من أَدَم، فَخرج بِلَال فَأذن، فَكنت اتتبع فَمه هَهُنَا وَهَهُنَا، قَالَ: ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ ، وَعَلِيهِ حلَّة حَمْرَاء برود يَمَانِية قطري) ، وَقَالَ مُوسَى: قَالَ: (رَأَيْت بِلَالًا خرج إِلَى الأبطح فَأذن، فَلَمَّا بلغ: حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح، لوى عُنُقه يَمِينا وَشمَالًا وَلم يستدر، ثمَّ دخل فَأخْرج العنزة) . وسَاق حَدِيثه. وَأخرج التِّرْمِذِيّ مصححا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا سُفْيَان عَن عون عَن أَبِيه، قَالَ: (رَأَيْت بِلَالًا يُؤذن ويدور ويتتبع فَاه هَهُنَا وَهَهُنَا) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه، قَالَ: (أتيت النَّبِي ﷺ بِالْأَبْطح وَهُوَ فِي قبَّة حَمْرَاء، فَخرج بِلَال فَأذن فَاسْتَدَارَ فِي أَذَانه وَجعل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ) . وَاعْترض الْبَيْهَقِيّ، فَقَالَ: الاستدارة فِي الْأَذَان لَيست فِي الطّرق الصَّحِيحَة فِي حَدِيث أبي جُحَيْفَة، وَنحن نتوهم أَن سُفْيَان رَوَاهُ عَن الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن عون، وَالْحجاج غير مُحْتَج بِهِ، وَعبد الرَّزَّاق وهم فِي إدراجه ثمَّ أسْند عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن سُفْيَان بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ الإستدارة. وَقد روينَاهُ من حَدِيث قيس بن الرّبيع عَن عون، وَفِيه: (وَلم يستدر) ، وَقَالَ الشَّيْخ فِي الإِمَام: أما كَونه غير مخرج فِي الصَّحِيح فَلَيْسَ بِلَازِم، وَقد صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَهُوَ من أَئِمَّة الشان. وَأما عبد الرَّزَّاق وهم فِيهِ فقد تَابعه مُؤَمل، كَمَا أخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَن مُؤَمل عَن سُفْيَان بِهِ نَحوه، وَتَابعه أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي أخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) على كتاب البُخَارِيّ، وَقد جَاءَت الاستدارة من غير جِهَة الْحجَّاج، أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَن زِيَاد بن عبد الله عَن إِدْرِيس الْأَزْدِيّ عَن عون بن أبي جُحَيْفَة عَن أَبِيه، قَالَ: (بَينا رَسُول الله، ﷺ ، وَحَضَرت الصَّلَاة، فَقَامَ بِلَال فَأذن وَجعل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ، وَجعل يستدير يَمِينا وَشمَالًا) . وَفِي (سنَن الدَّارَقُطْنِيّ) من حَدِيث كَامِل بن أبي الْعَلَاء: عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: أَمر أَبُو مَحْذُورَة أَن يستدير فِي أَذَانه. ويُذْكَرُ عَنْ بِلَالٍ أنَّهُ جَعَلَ إصْبَعَيْه فِي أُذُنَيْهِ ذكر هَذَا التَّعْلِيق بِصِيغَة التمريض، وَقد ذكرناالآن عَن ابْن مَاجَه حَدِيثه، وَفِيه جعل يَعْنِي بِلَال إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ.

стр. 1397

وَكَذَا فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ الْمَذْكُورَة الْآن. وَفِي كتاب أبي الشَّيْخ، من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سعد بن عمار: حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده: (أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بِلَالًا أَن يَجْعَل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ) . وَمن حَدِيث ابْن كاسب: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سعد عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَعُمَيْر وعمار ابْني حَفْص عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم عَن بِلَال: (أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِذا أَذِنت فَاجْعَلْ إصبعيك فِي أذنيك، فَإِنَّهُ أرفع لصوتك) . وَذكر ابْن الْمُنْذر فِي كتاب (الْأَشْرَاف) : أَن أَبَا مَحْذُورَة (جعل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ) زَاد فِي (شرح الْهِدَايَة) : ضم أَصَابِعه الْأَرْبَع ووضعها على أُذُنَيْهِ، وَفِي (المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: عَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ إِذا أذن اسْتقْبل الْقبْلَة وَأرْسل يَدَيْهِ، فَإِذا بلغ: الصَّلَاة والفلاح، أَدخل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ، وَفِي الصَّلَاة لأبي نعيم عَن سهل بن سعد، قَالَ: (من السّنة أَن تدخل إصبعيك فِي أذنيك) . وَكَانَ سُوَيْد بن غَفلَة يَفْعَله، وَكَذَا ابْن جُبَير، وَأمر بِهِ الشّعبِيّ وَشريك. قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه قَالَ الْحسن، وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن سِيرِين، وَقَالَ مَالك: ذَلِك وَاسع. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: عَلَيْهِ الْعَمَل عِنْد أهل الْعلم فِي الْأَذَان. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: وَفِي الْإِقَامَة أَيْضا، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ مُبَاح عِنْد الْعلمَاء، وروى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن جعل إِحْدَى يَدَيْهِ على أُذُنَيْهِ فَحسن، وَبِه قَالَ أَحْمد. قَوْله: (جعل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ) مجَاز عَن الْأُنْمُلَة من بَاب إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْجُزْء، وَالْحكمَة فِيهِ أَنه يُعينهُ على رفع صَوته، وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيث ابْن كاسب الْمَذْكُور: (فَإِنَّهُ أرفع لصوتك) . وَيُقَال: إِنَّه رُبمَا لَا يسمع صَوته من بِهِ صمم، فيستدل بِوَضْع إصبعيه على أُذُنَيْهِ على ذَلِك، وَلم يبين فِي الحَدِيث مَا هِيَ الإصبع، وَنَصّ النَّوَوِيّ على أَنَّهَا: المسبحة، وَلَو كَانَ فِي إِحْدَى يَدَيْهِ عِلّة جعل الإصبع الْأُخْرَى فِي صماخه، وَصرح الرَّوْيَانِيّ: أَن ذَلِك لَا يسْتَحبّ فِي الْإِقَامَة لفقد الْمَعْنى الَّذِي علل بِهِ، وَعَن بَعضهم: أَنه يسْتَحبّ فِي الْإِقَامَة أَيْضا، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَكَانَ ابنُ عُمَرَ لَا يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ذكر هَذَا التَّعْلِيق بِصِيغَة التَّصْحِيح، فَكَأَن ميله إِلَيْهِ. وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع: حَدثنَا سُفْيَان عَن نسير قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يُؤذن على بعير، قَالَ سُفْيَان: فَقلت لَهُ: رَأَيْته يَجْعَل أَصَابِعه فِي أُذُنَيْهِ؟ قَالَ: لَا. ونسير، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة: ابْن ذعلوق، بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم اللَّام وَفِي آخِره قَاف: أَبُو طعمة. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَا بَأسَ أنْ يُؤَذِّن عَلَى غَيرِ وُضُوءٍ إِبْرَاهِيم هُوَ: النَّخعِيّ، وروى هَذَا التَّعْلِيق ابْن ابي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم أَنه قَالَ: لَا بَأْس أَن يُؤذن على غير وضوء، ثمَّ ينزل فيتوضأ. وَحدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم: لَا بَأْس أَن يُؤذن على غير وضوء. وَعَن قَتَادَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَحَمَّاد: لَا بَأْس أَن يُؤذن الرجل وَهُوَ على غير وضوء، وَعَن الْحسن: لَا بَأْس أَن يُؤذن غير طَاهِر، وَيُقِيم وَهُوَ طَاهِر. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) من أَصْحَابنَا: وَيَنْبَغِي أَن يُؤذن وَيُقِيم على طهر، لِأَن الْأَذَان وَالْإِقَامَة ذكر شرِيف، فَيُسْتَحَب فِيهِ الطَّهَارَة، فَإِن أذن على غير وضوء جَازَ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَعَامة أهل الْعلم، وَعَن مَالك: أَن الطَّهَارَة شَرط فِي الْإِقَامَة دون الْأَذَان. وَقَالَ عَطاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَبَعض الشَّافِعِيَّة: تشْتَرط فيهمَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: وَيكرهُ أَن يُقيم على غير وضوء لما فِيهِ من الْفَصْل بَين الْإِقَامَة وَالصَّلَاة، بالاشتغال بأعمال الْوضُوء. وَعَن الْكَرْخِي: لَا تكره الْإِقَامَة بِلَا وضوء، وَتكره عندنَا أَن يُؤذن وَهُوَ جنب، وَذكر مُحَمَّد فِي (الْجَامِع الصَّغِير) : إِذا أذن الْجنب أحب إِلَيّ أَن يُعِيد الْأَذَان، وَإِن لم يعد أَجزَأَهُ. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : الْأَشْبَه بِالْحَقِّ أَن يُعَاد أَذَان الْجنب، وَلَا تُعَاد الْإِقَامَة، لِأَن تكْرَار الْأَذَان مَشْرُوع فِي الْجُمْلَة. وَقَالَ عَطَاءٌ الوُضُوءُ حقٌّ وَسُنَّةٌ أَي: عَطاء بن أبي رَبَاح. قَوْله: حق أَي ثَابت فِي الشَّرْع قَوْله (وَسنة) أَي: وَسنة للشَّرْع، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، قَالَ: قَالَ لي عَطاء: حق وَسنة مسنونة أَن لَا يُؤذن الْمُؤَذّن إلَاّ متوضأ، هُوَ من الصَّلَاة، هُوَ فَاتِحَة الصَّلَاة، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأَسدي، عَن معقل بن عبيد الله، عَن عَطاء أَنه كره أَن يُؤذن الرجل وَهُوَ على غير وضوء، وَقد جَاءَت هَذِه اللَّفْظَة مَرْفُوعَة، وَذكرهَا أَبُو الشَّيْخ عَن أبي عَاصِم: حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم عَن مُعَاوِيَة عَن يحيى عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: لَا يُؤذن

стр. 1398

إِلَّا متوضىء) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا رَوَاهُ مُعَاوِيَة بن يحيى الصَّدَفِي وَهُوَ ضَعِيف، وَالصَّحِيح رِوَايَة يُونُس وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ مُرْسلا وَلما ذكر التِّرْمِذِيّ حَدِيث يُونُس قَالَ: هَذَا أصح، يَعْنِي من الحَدِيث الْمَرْفُوع الَّذِي عِنْده من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَعند أبي الشَّيْخ من حَدِيث عبد الْجَبَّار بن وَائِل عَن أَبِيه قَالَ: حق وَسنة مسنونة أَن لَا يُؤذن إلَاّ وَهُوَ طَاهِر. وَقَالَهُ عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، وَرَوَاهُ عَن أَبِيه أَيْضا مَرْفُوعا، وَعند ابْن أبي شيبَة أَمر مُجَاهِد مؤذنه أَنه لَا يُؤذن حَتَّى يتَوَضَّأ. وقَالَتْ عائِشَةُ كانَ النبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله عَلَى كلِّ أحْيَانِهِ هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم من حَدِيث عبد الله الْبَهِي عَنْهَا، وَقَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيّ: حسن غَرِيب. فَإِن قلت: ذكر البُخَارِيّ هُنَا عَن بِلَال وَابْن عمر وَإِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَمَا وَجه ذَلِك فِي هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَة، مَا يشْتَمل على شَيْء من ذَلِك؟ قلت: إِنَّه لما ترْجم هَذَا الْبَاب بِمَا ترْجم بِهِ، وَذكر فِيهِ الِاسْتِفْهَام فِي موضِعين، وَلم يجْزم بِشَيْء فيهمَا لأجل الِاخْتِلَاف الَّذِي ذَكرْنَاهُ فيهمَا، أَشَارَ بِالْخِلَافِ الَّذِي بَين بِلَال وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، إِلَى أَن هَذَا الَّذِي شَاهد بِلَالًا حِين يتبعهُ فَاه، رَآهُ بِالضَّرُورَةِ أَنه جعل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ، وَالَّذِي شَاهد ابْن عمر لم ير مِنْهُ ذَلِك، فَكَانَ لذكر ذَلِك فِي هَذَا الْبَاب وَجه من هَذِه الْحَيْثِيَّة، ثمَّ أَشَارَ بِالْخِلَافِ الَّذِي بَين إِبْرَاهِيم وَعَطَاء: إِلَى أَن هَذَا الْمُؤَذّن الَّذِي يتبع فَاه أَو غَيره يتبع فَاه كَيفَ حَاله؟ أهوَ فِي الطَّهَارَة أم لَا؟ وَهُوَ أَيْضا وَجه مَا من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَوجدت الْمُنَاسبَة فِي ذكر هذَيْن الشَّيْئَيْنِ، وَأدنى الْمُنَاسبَة كافٍ، لِأَن الْمقَام إقناعي غير برهاني. وَأما وَجه ذكر مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، هَهُنَا فَهُوَ لبَيَان عدم صِحَة إِلْحَاق الْأَذَان بِالصَّلَاةِ، فَإِن مِنْهُم من شَرط فِيهِ الطَّهَارَة، وَذكر أَن حكمه مُخَالف لحكم الصَّلَاة، لِأَنَّهُ من جملَة الْأَذْكَار، فَلَا تشْتَرط فِيهِ الطَّهَارَة كَمَا لَا تشْتَرط فِي سَائِر الْأَذْكَار، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بِحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور، لِأَن قَوْلهَا: (على كل أحيانه) متناول لحين الْحَدث، وَأَشَارَ بِهَذَا أيضاإلى أَن قَوْله فِي ذَلِك هُوَ مثل قَول النَّخعِيّ، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا أَيْضا. كَمَا ذَكرْنَاهُ. ٦٣٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَوْنِ بنِ أبي جُحَيْفَةَ عنْ أبِيهِ أنَّهُ رَأى بِلالاً يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ فاهُ هَهُنَا وهَهُنَا بِالأذَانِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَعون، بِفَتْح الْعين: ابْن أبي جُحَيْفَة، وَأَبوهُ أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم: واسْمه وهب بن عبد الله، وَقد تقدمُوا كلهم. وَأخرجه الغساني فِي الصَّلَاة عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَنهُ نَحوه، وَرِوَايَة وَكِيع عَن سُفْيَان عِنْد مُسلم أتم من رِوَايَة البُخَارِيّ فَإِنَّهُ أوردهُ مُخْتَصرا، وفيهَا: (فَجعلت أتتبع فَاه هَهُنَا وَهَهُنَا يَمِينا وَشمَالًا يَقُول: حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح) . وَفِيه تَقْيِيد الِالْتِفَات فِي الْأَذَان وَأَن مَحَله عِنْد الحيعلتين، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن خُزَيْمَة: انحراف الْمُؤَذّن عِنْد قَوْله: حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح، بفمه لَا بِبدنِهِ كُله. قَالَ: وَإِنَّمَا يُمكن الانحراف بالفم بانحراف الْوَجْه، ثمَّ سَاقه من طَرِيق وَكِيع أَيْضا بِلَفْظ: فَجعل يَقُول فِي أَذَانه هَكَذَا، ويحرف رَأسه يَمِينا وَشمَالًا، وَقد ذكرنَا اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ فِي أول الْبَاب. وَالله أعلم. ٢٠ - (بابُ قَوْلِ الرَّجلِ فاتَتْنَا الصلاةُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الرجل: فاتتنا الصَّلَاة، يَعْنِي: هَل يكره أم لَا؟ وَكَرِهَ ابنُ سِيرِينَ أنْ يَقُولَ فاتَتْنَا الصَّلَاةُ ولَكِنْ لِيَقُلْ لَمْ نُدْرِكْ ابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة، ومطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن أَزْهَر عَن ابْن عون، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد يكره أَن يَقُول: فاتتنا الصَّلَاة، وَيَقُول: لم أدْرك مَعَ بني فلَان. قَوْله: (أَن يَقُول) ، أَي: الرجل. قَوْله: (وَليقل) ، ويروى: (وَلَكِن ليقل) . وَقَوْلُ النبيِّ ﷺ أصَحُّ

стр. 1399

(قَول النَّبِي) : كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَقَوله: (أصح) خَبره، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أفعل التَّفْضِيل، لِأَنَّهُ إِذا أُرِيد بِهِ التَّفْضِيل يلْزم أَن يكون قَول ابْن سِيرِين صَحِيحا. وَقَول النَّبِي ﷺ أصح مِنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا المُرَاد بالأصح: لِأَنَّهُ قد يذكر أفعل وَيُرَاد بِهِ التَّوْضِيح لَا التَّفْضِيل. وَهَذَا الْكَلَام من البُخَارِيّ رد على ابْن سِيرِين، لِأَن الشَّارِع جوز لفظ الْفَوات، وَابْن سِيرِين كرهه. ٦٣٥ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ عنْ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله ابنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ قالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرِّجَالِ فَلَمَّا صَلَّى قالْ مَا شَأنُكُمْ قالُوا اسْتَعْجَلْنَا إلَى الصَّلَاةِ قَالَ فَلَا تَفْعَلُوا إذَا أتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسكِينَةِ فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلوا وَما فَاتَكُمْ فأَتِمُّوا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: شَيبَان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: عبد الله بن أبي قَتَادَة. الْخَامِس: أَبُو قَتَادَة، واسْمه الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) أَصله: بَين، فزيدت فِيهِ: الْمِيم وَالْألف، وَرُبمَا تزاد الْألف فَقَط، فَيُقَال: بَينا، وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة، ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل ومبتدأ وَخبر، ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، والأفصح أَن لَا يكون إِذْ وَإِذا فِي جوابيهما. تَقول: بَينا زيد جَالس دخل عَلَيْهِ عَمْرو، وَإِذ دخل عَلَيْهِ عَمْرو، وَإِذا دخل عَلَيْهِ عَمْرو. وَقَوله: (جلبة الرِّجَال) بِالْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (جلبة رجال) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، والجلبة، بالفتحات: الْأَصْوَات، وَذَلِكَ الصَّوْت كَانَ بِسَبَب حركتهم وَكَلَامهم واستعجالهم. قَوْله: (مَا شَأْنكُمْ؟) الشَّأْن بِالْهَمْزَةِ وَالتَّخْفِيف أَي: الْحَال. أَي: مَا حالكم حَيْثُ وَقع مِنْك الجلبة؟ قَوْله: (لَا تَفعلُوا) أَي: لَا تستعجلوا، وَذكر بِلَفْظ الْفِعْل لَا بِلَفْظ الاستعجال مُبَالغَة فِي النَّهْي عَنهُ. قَوْله: (بِالسَّكِينَةِ) ، بِفَتْح السِّين وَكسر الْكَاف: التأني والهينة، ويروى: (فَعَلَيْكُم السكينَة) ، بِدُونِ حرف الْجَرّ، وَبِالنَّصبِ نَحْو: عَلَيْك زيدا، أَي: إلزمه، وَيجوز الرّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (عَلَيْكُم) . قَوْله: (فَمَا أدركتم) أَي: الْقدر الَّذِي أدركتموه فِي الصَّلَاة مَعَ الإِمَام فصلوا مَعَه، وَمَا فاتكم مِنْهَا فأتموه. وَفِي هَذِه اللَّفْظَة اخْتِلَاف، فَعِنْدَ أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: (وَمَا فاتكم فاقضوا) ، وَكَذَا ذكرهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث شَيبَان عَن يحيى، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، (فَمَا أدركتم فصلوا، وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) ، وَكَذَا هُوَ فِي أَكثر رِوَايَات مُسلم. وَفِي رِوَايَة: (فَاقْض مَا سَبَقَك) ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: (فاقضوا مَا سبقكم) ، وَعند أَحْمد من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد عَنهُ: (وَمَا فاتكم فاقضوا) . وَفِي (الْمحلى) : من حَدِيث ابْن جريج عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: (إِذا كَانَ أحدكُم مُقبلا إِلَى الصَّلَاة فليمش على رسله، فَإِنَّهُ فِي صَلَاة، فَمَا أدْرك فَليصل، وَمَا فَاتَهُ فليقض، بعد مَا قَالَ عَطاء: وَإِنِّي لَا أصنعه) . وَفِي (مُسْند أبي قُرَّة) : عَن ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَنهُ بِلَفْظ: (فاقضوا) . قَالَ: وَذكر سُفْيَان عَن سعد بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي عَمْرو بن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَنهُ، بِلَفْظ: (وليقض مَا سبقه) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلف الْعلمَاء فِي الْقَضَاء والإتمام الْمَذْكُورين: هَل هما بِمَعْنى وَاحِد أَو بمعنيين؟ وترتب على ذَلِك خلاف فِيمَا يُدْرِكهُ الدَّاخِل مَعَ الإِمَام: هَل هُوَ فِي أول صلَاته أَو آخرهَا؟ على أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه أول صلَاته وَأَنه يكون بانيا عَلَيْهِ فِي الْأَفْعَال والأقوال، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَمَكْحُول، وَرِوَايَة عَن مَالك وَأحمد، وَاسْتَدَلُّوا بقوله: (وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) ، لِأَن لفظ إلاتمام وَاقع على باقٍ من شَيْء

стр. 1400

قد تقدم سائره، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب: عَن عَطاء عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (مَا أدْركْت فَهُوَ أول صَلَاتك) ، وَعَن ابْن عمر بِسَنَد جيد مثله. الثَّانِي: أَنه أول صلَاته بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَفْعَال فيبنى عَلَيْهَا، وَآخِرهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَقْوَال فيقضيها، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ ابْن بطال عَنهُ: مَا أدْرك فَهُوَ أول صلَاته إلَاّ أَنه يقْضِي مثل الَّذِي فَاتَهُ من الْقِرَاءَة بِأم الْقُرْآن وَسورَة، وَقَالَ سَحْنُون: هَذَا الَّذِي لم يعرف خِلَافه دَلِيله مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث قَتَادَة: أَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: (مَا أدْركْت مَعَ الإِمَام فَهُوَ أول صَلَاتك، واقض مَا سَبَقَك بِهِ من الْقُرْآن) . الثَّالِث: أَن مَا أدْرك فَهُوَ أول صلَاته إلَاّ أَنه يقْرَأ فِيهَا. بِالْحَمْد وَسورَة مَعَ الإِمَام، وَإِذا قَامَ للْقَضَاء قضى بِالْحَمْد وَحدهَا، لِأَنَّهُ آخر صلَاته، وَهُوَ قَول الْمُزنِيّ وَإِسْحَاق وَأهل الظَّاهِر. الرَّابِع: أَنه آخر صلَاته وَأَنه يكون قَاضِيا فِي الْأَفْعَال والأقوال، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد فِي رِوَايَة، وسُفْيَان وَمُجاهد وَابْن سِيرِين. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْأَشْبَه بمذهبنا وَمذهب أبي حنيفَة أَنه آخر صلَاته، وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَأبي قلَابَة، وَرَوَاهُ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَهُوَ قَول أَشهب وَابْن الْمَاجشون، وَاخْتَارَهُ ابْن حبيب، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقوله ﷺ : (وَمَا فاتكم فاقضوا) . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح عَن أبي ذَر، وَابْن حزم بِسَنَد مثله عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْبَيْهَقِيّ بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ على رَأْي جمَاعَة عَن معَاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَالْجَوَاب عَمَّا اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي وَمن تبعه وَهُوَ قَوْله: (فَأتمُّوا) : أَن صَلَاة الْمَأْمُوم مرتبطة بِصَلَاة الإِمَام، فَحمل قَوْله: (فَأتمُّوا) على أَن: من قضى مَا فَاتَهُ فقد أتم لِأَن الصَّلَاة تنقص بِمَا فَاتَ، فقضاؤه إتْمَام لما نقص. فَإِن قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: وَحجَّة الْجُمْهُور أَن أَكثر الرِّوَايَات: (وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) . وَأجِيب: عَن رِوَايَة: (واقض مَا سَبَقَك) بِأَن المُرَاد بِالْقضَاءِ الْفِعْل لَا الْقَضَاء المصطلح عَلَيْهِ عِنْد الْفُقَهَاء، وَقد كثر اسْتِعْمَال الْقَضَاء بِمَعْنى الْفِعْل، فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: ١٢) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيتم مَنَاسِككُم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٠) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . وَيُقَال: قضيت حق فلَان، وَمعنى الْجَمِيع: الْفِعْل. قلت: أما الْجَواب عَن قَوْله: (فَأتمُّوا) فقد ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَأما قَوْله: المُرَاد بِالْقضَاءِ: الْفِعْل، فمشترك الدّلَالَة، لِأَن الْفِعْل يُطلق على الْأَدَاء وَالْقَضَاء جَمِيعًا، وَمعنى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ (فصلت: ١٢) . قدرهن، وَمعنى ﴿قضيتم مَنَاسِككُم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٠) . فَرَغْتُمْ عَنْهَا، وَكَذَا معنى ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . وَمعنى: قضيت حق فلَان، انهيت إِلَيْهِ حَقه، وَلَو سلمنَا أَن الْقَضَاء بِمَعْنى الْأَدَاء فَيكون مجَازًا، والحقيقة أولى من الْمجَاز، وَلَا سِيمَا على أصلهم أَن الْمجَاز ضَرُورِيّ لَا يُصَار إِلَيْهِ إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة والتعذر. فَإِن قلت: حكى الْبَيْهَقِيّ عَن مُسلم أَنه قَالَ: لَا أعلم هَذِه اللَّفْظَة يَعْنِي: فاقضوا رَوَاهَا عَن الزُّهْرِيّ إلَاّ ابْن عُيَيْنَة، وَأَخْطَأ. قلت: تَابعه ابْن أبي ذِئْب فرواها عَن الزُّهْرِيّ، كَذَلِك، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة لمُسلم وَأبي دَاوُد كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) ، دَلِيل للشَّافِعِيَّة حَيْثُ قَالُوا: مَا أدْركهُ الْمَسْبُوق مَعَ الإِمَام فَهُوَ أَولهَا، لِأَن التَّمام لَا يكون إلَاّ للْآخر، لِأَنَّهُ لَا يَقع على بَاقِي شَيْء تقدم أَوله، وَعكس أَبُو حنيفَة فَقَالَ: ماأدراك مَعَ الإِمَام فَهُوَ آخرهَا. انْتهى. قلت: هُوَ عكس حَيْثُ غفل عَن رِوَايَة: فاقضوا، وَمَا قَالَ فِيهِ الْعلمَاء وَقد ذَكرْنَاهُ، وَلَو تأدب لأحسن فِي عِبَارَته، وَلَيْسَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِيمَا قَالَه وَحده، وَقد ذكرنَا أَنه قَول: عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَول سُفْيَان وَابْن سِيرِين وَمُجاهد وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَأبي قلَابَة وَآخَرين. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: الْحَث فِي الْإِتْيَان إِلَى الصَّلَاة بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار، وَسَوَاء فِيهِ سَائِر الصَّلَوَات، سَوَاء خَافَ فَوت تَكْبِيرَة الْإِحْرَام أم لَا. وَفِيه: جَوَاز قَول الرجل: فاتتنا الصَّلَاة، وَأَنه لَا كَرَاهَة فِيهِ عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَالله أعلم. ٢١ - (بابٌ لَا يَسْعَى إلَى الصَّلَاةِ وَلْيَأْتِ بالسَّكِينَةِ والوَقارِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يسْعَى الرجل إِلَى الصَّلَاة ... إِلَى آخِره، وَسَقَطت هَذِه التَّرْجَمَة من رِوَايَة الْأصيلِيّ وَمن رِوَايَة أبي ذَر عَن غير السَّرخسِيّ، وَفِي بعض نسخ السراج: بَاب مَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا، قَالَه أَبُو قَتَادَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَالْأَوْجه مَا مشينا عَلَيْهِ. وَقَالَ مَا أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَما فَاتَكُمْ فَأتِمُّوا قالَهُ أبُو قَتَادَة عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 1401

أَي: قَالَ ﷺ ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: قَالَه، يرجع إِلَى الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (مَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) ، وَالْمعْنَى: قَالَه عَن النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْبَاب السَّابِق. ٦٣٦ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إذَا سَمِعْتُمُ الإقَامَةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ وعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ والوَقَارِ ولَا تُسْرِعُوا فَما أدرَكْتُمْ فَصَلوا ومَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا. (الحَدِيث ٦٣٦ طرفه فِي: ٩٠٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه من طَرِيقين. الأول: عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة. الثَّانِي: عَن آدم أَيْضا عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الزُّهْرِيّ حدث عَن شيخين عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة، وَقد جمع البُخَارِيّ بَينهمَا فِي: بَاب الْمَشْي إِلَى الْجُمُعَة عَن آدم، فَقَالَ فِيهِ: عَن سعيد وَأبي سَلمَة، كِلَاهُمَا عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، عَنْهُمَا. وَالتِّرْمِذِيّ أخرجه من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع: عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن أبي سَلمَة وَحده، وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَحده، وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ عسقلاني. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَة) أَي: إِقَامَة الصَّلَاة، إِنَّمَا ذكر الْإِقَامَة تَنْبِيها على مَا سواهَا لِأَنَّهُ إِذا نهى عَن إتيانها مسرعا فِي حَال الْإِقَامَة مَعَ خوف فَوت بَعْضهَا، فَقبل الْإِقَامَة أولى. وَيُقَال: الْحِكْمَة فِي التَّقْيِيد بِالْإِقَامَةِ أَن المسرع إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة يصل إِلَيْهَا وَقد انبهر، فَيقْرَأ فِي تِلْكَ الْحَالة فَلَا يحصل لَهُ تَمام الْخُشُوع فِي الترتيل، وَغَيره، بِخِلَاف من جَاءَ قبل ذَلِك، فَإِن الصَّلَاة قد لَا تُقَام حَتَّى يستريح. قَوْله: فَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: (وَعَلَيْكُم السكينَة) ، بِالنّصب بِلَا: بَاء، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق يُونُس، وضبطها الْقُرْطُبِيّ الشَّارِح بِالنّصب على الإغراء، وضبطها النَّوَوِيّ بِالرَّفْع على أَنَّهَا جملَة فِي مَوضِع الْحَال. وَقيل: دُخُول الْبَاء لَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٥) ورد بِأَنَّهَا زَائِدَة للتَّأْكِيد، وَلم تدخل للتعدية. وَجَاء فِي الْأَحَادِيث كثير من ذَلِك نَحْو: (عَلَيْكُم بِرُخْصَة الله تَعَالَى) ، (فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء) ، (وَعَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل) . وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: ثمَّ إِن الَّذِي علل بقوله لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ غير موف بمقصوده، إِذْ لَا يلْزم من كَونه يتَعَدَّى بِنَفسِهِ امْتنَاع تعديته بِالْبَاء. انْتهى. قلت: هَذَا الْقَائِل لم يشم شَيْئا من علم التصريف، وَنفى الْمُلَازمَة غير صَحِيح. قَوْله: (وَالْوَقار) قَالَ عِيَاض والقرطبي: وَهُوَ بِمَعْنى السكينَة، وَذكر على سَبِيل التَّأْكِيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: السكينَة: التأني فِي الحركات وَاجْتنَاب الْعَبَث وَالْوَقار فِي الْهَيْئَة، كغض الْبَصَر وخفض الصَّوْت وَعدم الِالْتِفَات. قَوْله: (وَلَا تسرعوا) ، فِيهِ زِيَادَة تَأْكِيد، وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ (الْجُمُعَة: ٩) وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ يشْعر بالإسراع، لِأَن المُرَاد بالسعي الذّهاب، يُقَال: سعيت إِلَى كَذَا أَي: ذهبت إِلَيْهِ، وَالسَّعْي أَيْضا جَاءَ بِمَعْنى: الْعَمَل، وَبِمَعْنى: الْقَصْد. وَالْحكمَة فِي منع الْإِسْرَاع أَنه يُنَافِي الْخُشُوع، وَتَركه أَيْضا يسْتَلْزم كَثْرَة الخطى، وَهُوَ أَمر مَنْدُوب مَطْلُوب، وَردت فِيهِ أَحَادِيث: مِنْهَا حَدِيث مُسلم رَوَاهُ عَن جَابر: (إِن بِكُل خطْوَة دَرَجَة) . قَوْله: (فَمَا أدركتم) : الْفَاء، فِيهِ جَزَاء شَرط مَحْذُوف، أَي: إِذا بيّنت لكم مَا هُوَ أولى بكم فَمَا أدركتم فصلوا. قَوْله: (وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) أَي: أكملوا، وَقد بَينا اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الدّلَالَة على حُصُول فَضِيلَة الْجَمَاعَة بِإِدْرَاك جُزْء من الصَّلَاة. لقَوْله: (فَمَا أدركتم فصلوا) ، وَلم يفصل بَين الْقَلِيل وَالْكثير. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدُّخُول مَعَ الإِمَام فِي أَي: حَالَة وجده عَلَيْهَا. وَفِيه: الْحَث على التأني وَالْوَقار عِنْد الذّهاب إِلَى الصَّلَاة، وَمِنْه اسْتدلَّ قوم على أَن من أدْرك الإِمَام رَاكِعا لم تحسب لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَة لِلْأَمْرِ بإتمام مَا فَاتَهُ، وَقد فَاتَهُ الْقيام وَالْقِرَاءَة فِيهِ، وَهُوَ أَيْضا مَذْهَب من ذهب إِلَى وجوب الْقِرَاءَة خلف الإِمَام، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة أَيْضا. وَاخْتَارَهُ ابْن

стр. 1402

خُزَيْمَة. وَعند أَصْحَابنَا، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور: أَنه يكون مدْركا لتِلْك الرَّكْعَة لحَدِيث أبي بكرَة حَيْثُ ركع دون الصَّفّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ : (زادك الله حرصا وَلَا تعد) . وَلم يَأْمُرهُ بِإِعَادَة تِلْكَ الرَّكْعَة، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُعَاوِيَة ابْن ابي سُفْيَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تبادروني بركوع وَلَا سُجُود، فَإِنَّهُ مهما أسبقكم بِهِ إِذا ركعت تدركوني بِهِ إِذا رفعت، وَإِنِّي قد بدنت) . وَهَذَا يدل على أَن الْمُقْتَدِي إِذا لحق الإِمَام وَهُوَ فِي الرُّكُوع فَلَو شرع مَعَه مَا لم يرفع رَأسه يصير مدْركا لتِلْك الرَّكْعَة، فَإِذا شرع وَقد رفع رَأسه لَا يكون مدْركا لتِلْك الرَّكْعَة، وَلَو ركع الْمُقْتَدِي قبل الإِمَام فَلحقه الإِمَام قبل قِيَامه يجوز عندنَا خلافًا لزفَر، ﵀. ٢٢ - (بابٌ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إذَا رَأوُا الإِمامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَتى تقوم الْجَمَاعَة إِذا رَأَوْا الإِمَام عِنْد إِقَامَة الصَّلَاة، وَحَدِيث الْبَاب يبين ذَلِك. ٦٣٧ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ كَتَبَ إلَيَّ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ إِذا أُقِيمَتِ االصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي ي: ٦٣٨، ٩٠٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن معنى الحَدِيث أَن الْجَمَاعَة لَا يقومُونَ عِنْد الْإِقَامَة إلَاّ حِين يرَوْنَ أَن الإِمَام قَامَ، وَقد بَين ذَلِك معنى التَّرْجَمَة الَّتِي فِيهَا الِاسْتِفْهَام عَن وَقت قيام النَّاس إِلَى الصَّلَاة، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي وَقت قيام النَّاس إِلَى الصَّلَاة على مَا نبينه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، قد ذكرُوا. و: هِشَام هُوَ الدستوَائي، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: الْكِتَابَة وَهِي طَرِيق من طرق الحَدِيث، وَهُوَ أَن يكْتب مسموعه لغَائِب أَو حَاضر إِمَّا أَن تكون مقرونة بِالْإِجَازَةِ أَو لَا، وَذَلِكَ عِنْدهم مَعْدُود فِي الْمسند الْمَوْصُول، وَظَاهر قَوْله: (كتب إِلَيّ يحيى) أَنه لم يسمعهُ مِنْهُ، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق هشيم عَن هِشَام وحجاج الصَّواف، وَكِلَاهُمَا عَن يحيى، وَهُوَ من تَدْلِيس الصِّيَغ، وَصرح أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من وَجه آخر: عَن هِشَام أَن يحيى كتب إِلَيْهِ أَن عبد الله بن أبي قَتَادَة حَدثهُ، فأمن من تَدْلِيس يحيى. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن ابْن أبي شيبَة عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعبيد الله بن سعيد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى وَعَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحُسَيْن ابْن حُرَيْث وَعَن عَليّ بن حجر. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَوْله: (أُقِيمَت الصَّلَاة) أَي: ذكرت أَلْفَاظ الْإِقَامَة وَنُودِيَ بهَا. قَوْله: (حَتَّى تروني) أَي: تبصروني خرجت، وَبِه صرح ابْن حبَان من طَرِيق عبد الرَّزَّاق وَحده: (حَتَّى تروني خرجت) ، وَلَا بُد فِيهِ من التَّقْدِير، تَقْدِيره: لَا تقوموا حَتَّى تروني خرجت فَإِذا رَأَيْتُمُونِي خرجت فَقومُوا. وَقد اخْتلف السّلف مَتى يقوم النَّاس إِلَى الصَّلَاة؟ فَذهب مَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَنه لَيْسَ لقيامهم حد، وَلَكِن اسْتحبَّ عامتهم الْقيام إِذا أَخذ الْمُؤَذّن فِي الْإِقَامَة، وَكَانَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقوم إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة وَكبر الإِمَام، وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن سُوَيْد بن غَفلَة، وَكَذَا قيس بن أبي حَازِم وَحَمَّاد، وَعَن سعيد بن الْمسيب وَعمر بن عبد الْعَزِيز: إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: الله إكبر، وَجب الْقيام، وَإِذا قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، اعتدلت الصُّفُوف، وَإِذا قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، كبر الإِمَام. وَذَهَبت عَامَّة الْعلمَاء إِلَى أَنه: لَا يكبر حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة. وَفِي (المُصَنّف) : كره هِشَام يَعْنِي ابْن عُرْوَة أَن يقوم حَتَّى يَقُول الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة، وَعَن يحيى بن وثاب: إِذا فرغ الْمُؤَذّن كبر، وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول: إِذا قَامَت الصَّلَاة كبر، وَمذهب الشَّافِعِي وَطَائِفَة أَنه يسْتَحبّ أَن لَا يقوم حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف، وَعَن

стр. 1403

مَالك رَحمَه الله تَعَالَى: السّنة فِي الشُّرُوع فِي الصَّلَاة بعد الْإِقَامَة وبداية اسْتِوَاء الصَّفّ. وَقَالَ أَحْمد: إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة، يقوم. وَقَالَ زفر: إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة، مرّة قَامُوا، وَإِذا قَالَ ثَانِيًا افتتحوا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: يقومُونَ فِي الصَّفّ إِذا قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، فَإِذا قَالَ: قد قَامَت الصَّلَاة كبر الإِمَام، لِأَنَّهُ أَمِين الشَّرْع، وَقد أخبر بقيامها فَيجب تَصْدِيقه وَإِذا لم يكن الإِمَام فِي الْمَسْجِد فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنهم لَا يقومُونَ حَتَّى يروه. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أُقِيمَت الصَّلَاة فقمنا فعدلنا الصُّفُوف قبل أَن يخرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ . وَفِي رِوَايَة: (إِن الصَّلَاة كَانَت تُقَام لرَسُول الله ﷺ ، فَيَأْخُذ النَّاس مَصَافهمْ قبل أَن يقوم النَّبِي ﷺ مقَامه) . وَفِي رِوَايَة جَابر بن سَمُرَة: (كَانَ بِلَال يُؤذن، إِذا دحضت الشَّمْس، فَلَا يُقيم حَتَّى يخرج النَّبِي ﷺ ، فَإِذا خرج الإِمَام أَقَامَ الصَّلَاة حِين يرَاهُ) وَبَين هَذِه الرِّوَايَات مُعَارضَة. قلت: وَجه الْجمع بَينهمَا: أَن بِلَالًا كَانَ يراقب خُرُوج النَّبِي ﷺ من حَيْثُ لَا يرَاهُ غَيره، أَو إلَاّ الْقَلِيل، فَعِنْدَ أول خُرُوجه يُقيم، وَلَا يقوم النَّاس حَتَّى يروه، ثمَّ لَا يقوم مقَامه حَتَّى بِعدْل الصُّفُوف. وَقَوله فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: (فَيَأْخُذ النَّاس مَصَافهمْ قبل خُرُوجه) ، لَعَلَّه كَانَ مرّة أَو مرَّتَيْنِ أَو نَحْوهمَا، لبَيَان الْجَوَاز؛ أَو لعذر. وَلَعَلَّ قَوْله، ﷺ : (فَلَا تقوموا حَتَّى تروني) كَانَ بعد ذَلِك. قَالَ الْعلمَاء: وَالنَّهْي عَن الْقيام قبل أَن يروه لِئَلَّا يطول عَلَيْهِم الْقيام، لِأَنَّهُ قد يعرض لَهُ عَارض فَيتَأَخَّر بِسَبَبِهِ. ٢٣ - (بابٌ لَا يَسْعَى إلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلاً وَلْيُقِمْ بِالسَّكِينَةِ والوَقَارِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يقوم الشَّخْص إِلَى الصَّلَاة حَال كَونه مستعجلاً، وليقم إِلَى الصَّلَاة متلبسا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار، وَقد مر مَعْنَاهُ، وَالْفرق بَينهمَا، وَهَذَا هَكَذَا هُوَ رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بَاب لَا يسْعَى إِلَى الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: بَاب لَا يسْعَى إِلَى الصَّلَاة وَلَا يقوم إِلَيْهَا مستعجلاً. ٦٣٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عنْ عبْدِ الله ابنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قالَ رسُولُ الله ﷺ إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ (انْظُر الحَدِيث ٦٣٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى بن أبي كثير، وَهَذَا الحَدِيث قد مر عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن يحيى عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه، وَفِي هَذَا زِيَادَة على ذَلِك وَهُوَ قَوْله: (وَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) ، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت: (وَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) بِحَذْف: الْبَاء، وَكَذَا أخرجه أَبُو عوَانَة من طَرِيق شَيبَان، وَقد ذكرنَا إِعْرَاب الْوَجْهَيْنِ عَن قريب. تَابَعَهُ عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ أَي: تَابع عَليّ بن الْمُبَارك الْبَصْرِيّ شَيبَان عَن يحيى بن أبي كثير، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْجُمُعَة، وَلَفظه: (وَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) بِغَيْر: بَاء. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الطرقي: تفرد شَيبَان وَعلي بن الْمُبَارك عَن يحيى بِهَذِهِ الزِّيَادَة، ورد عَلَيْهِ ذَلِك، لِأَن مُعَاوِيَة بن سَلام تابعهما عَن يحيى، ذكره أَبُو دَاوُد عقيب رِوَايَة أبان عَن يحيى، فَقَالَ: رَوَاهُ مُعَاوِيَة بن سَلام وَعلي بن الْمُبَارك عَن يحيى وَقَالا فِيهِ: (حَتَّى تروني وَعَلَيْكُم السكينَة) . ٢٤ - (بابٌ هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ ؟) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يخرج الرجل من الْمَسْجِد بعد إِقَامَة الصَّلَاة لأجل عِلّة؟ أَي: ضَرُورَة؟ وَذَلِكَ مثل أَن يكون مُحدثا أَو جنبا أَو كَانَ حاقنا أَو حصل بِهِ رُعَاف أَو نَحْو ذَلِك، أَو كَانَ إِمَامًا بِمَسْجِد آخر؟ فَإِن قلت: رُوِيَ (عَن أبي هُرَيْرَة أَنه رأى رجلا يخرج من الْمَسْجِد بعد أَن أذن الْمُؤَذّن بالعصر، فَقَالَ: أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم) . رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. قلت: هَذَا مَحْمُول على من خرج بِغَيْر ضَرُورَة، وَقد أوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَفظه: (لَا يسمع النداء فِي مَسْجِدي ثمَّ يخرج مِنْهُ إِلَّا لحَاجَة ثمَّ لَا يرجع إِلَيْهِ إلَاّ مُنَافِق.

стр. 1404

٦٣٩ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسَان عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ خَرَجَ وقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَعُدِّلَتِ الصُفُوفُ حَتَّى إذَا قامَ فِي مُصَلَاّهُ انْتَظَرْنا أنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ قالَ عَلَى مَكَانِكُمْ فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إلَيْنَا يَنْطُفُ رأسُهُ مَاء وقَدِ اغْتَسَلَ (انْظُر الحَدِيث ٢٧٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم القريشي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وهم صَالح بن كيسَان فَإِنَّهُ رأى عبد الله بن عمر، وَالزهْرِيّ وَأَبُو سَلمَة. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَأخرج البُخَارِيّ فِي كتاب الْغسْل فِي: بَاب إِذا ذكر فِي الْمَسْجِد أَنه جنب يخرج كَمَا هُوَ وَلَا يتَيَمَّم: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر، قَالَ: حَدثنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أُقِيمَت الصَّلَاة وَعدلت الصُّفُوف قيَاما، فَخرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذكر أَنه جنب، فَقَالَ لنا: مَكَانكُمْ، ثمَّ رَجَعَ فاغتسل ثمَّ خرج إِلَيْنَا وَرَأسه يقطر، فَكبر وصلينا مَعَه) . وَقد قُلْنَا هُنَاكَ: إِنَّه أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وتكلمنا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة، ولنتكلم هُنَا بِمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. فَقَوله: (خرج) أَي: من الْحُجْرَة، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون خُرُوجه فِي حَال الْإِقَامَة، وَيحْتَمل أَن تكون الْإِقَامَة تقدّمت خُرُوجه، وَهُوَ ظَاهر فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده لتعقيب الْإِقَامَة بالتسوية، وتعقيب التَّسْوِيَة بِخُرُوجِهِ جَمِيعًا بِالْفَاءِ. قلت: لَيْسَ فِيهِ الاحتمالان اللَّذَان ذكرهمَا، بل معنى الْحَدِيثين سَوَاء، لِأَن الجملتين أَعنِي قَوْله: (وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة وَعدلت الصُّفُوف) . وقعتا حَالين، وَالْمعْنَى أَنه خرج وَالْحَال أَنهم أَقَامُوا الصَّلَاة وَعدلُوا الصُّفُوف، وَكَذَلِكَ معنى الحَدِيث الثَّانِي، لِأَن الْفَاء فِيهِ لَيست للتعقيب كَمَا ظَنّه هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا هَذِه: الْفَاء، تسمى: فَاء الْحَال، وَالْمعْنَى: حَال إِقَامَة الصَّلَاة وتعديل الصُّفُوف خرج النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: السّنة أَن تكون الْإِقَامَة بِنَظَر الإِمَام، فَلم أُقِيمَت قبل خُرُوجه؟ وَتقدم حَدِيث: (لَا تقوموا حَتَّى تروني) فلِمَ عدلت الصُّفُوف قبل ذَلِك؟ قلت: لفظ: قد، يقرب الْمَاضِي من الْحَال، فَمَعْنَاه خرج فِي حَال الْإِقَامَة، وَفِي حَال التَّعْدِيل فَلَا يلْزم المحذوران الْمَذْكُورَان أَو علمُوا بالقرائن خُرُوجه، أَو أذن لَهُ فِي الْإِقَامَة وَلَهُم فِي الْقيام. انْتهى. قلت: لَا حَاجَة إِلَى قَوْله: بِأَن لفظ: قد، يقرب الْمَاضِي من الْحَال، لِأَن الْجُمْلَة الَّتِي دخلت عَلَيْهَا لَفْظَة: قد، حَالية كَمَا ذكرنَا، وَالْأَصْل أَن الْجُمْلَة الفعلية الْمَاضِيَة إِذا وَقعت حَالا تدخل عَلَيْهَا: قد، كَمَا تدخل: الْوَاو، على الْجُمْلَة الإسمية إِذا وَقعت حَالا، وَإِذا دخلت الْجُمْلَة الفعلية الْوَاقِعَة حَالا عَن لَفْظَة: قد، ظَاهرا تقدر فِيهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أوجاؤكم حصرت صُدُورهمْ﴾ (النِّسَاء: ٩٠) . أَي: قد حصرت. قَوْله: (وَعدلت) أَي: سويت. قَوْله: (حَتَّى إِذا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ انتظرناه أَن يكبر انْصَرف) . وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق يُونُس عَن الزُّهْرِيّ: (قبل أَن يكبر فَانْصَرف) . وَفِيه: دَلِيل على أَنه انْصَرف قبل أَن يدْخل فِي الصَّلَاة. فَإِن قلت: يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان: (عَن أبي بكرَة ان النَّبِي ﷺ دخل فِي صَلَاة الْفجْر فَكبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَيْهِم) ، وَمَا رَوَاهُ مَالك من طَرِيق عَطاء بن يسَار مُرْسلا أَنه ﷺ كبر فِي صَلَاة من الصَّلَوَات ثمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ، أَن: امكثوا قلت: إِذا قُلْنَا إنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ فَلَا تعَارض، وإلَاّ فَالَّذِي فِي الصَّحِيح أصح. قَوْله: (انتظرنا) ، جملَة حَالية عَامل فِي الظّرْف. قَوْله: (أَن يكبر) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: انتظرنا تكبيره. قَوْله: (انْصَرف) أَي: إِلَى الْحُجْرَة، وَهُوَ جَوَاب: إِذا. قَوْله: (قَالَ) ، اسْتِئْنَاف. قَوْله: (على مَكَانكُمْ) ، أَي: توقفوا على مَكَانكُمْ والزموا موضعكم. قَوْله: (فَمَكثْنَا) ، من: الْمكْث، وَهُوَ: اللّّبْث. قَوْله: (على هيئتنا) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْهمزَة بعْدهَا التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: أَي: على الْهَيْئَة وَالصُّورَة الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا، وَهِي: قيامهم فِي الصُّفُوف المعدلة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (على هينتنا) بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، والهينة: الرِّفْق والتأني، وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أصوب وأوجه. قَوْله: (ينطف) ، بِكَسْر الطَّاء وَضمّهَا أَي: يقطر، كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي بعْدهَا هَذِه، وَهَذِه الْجُمْلَة حَال، وَكَذَا

стр. 1405

قَوْله: (وَقد اغْتسل) ، و: مَاء، نصب على التَّمْيِيز، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر: عَن ابي هُرَيْرَة فَقَالَ: (إِنِّي كنت جنبا فنسيت أَن أَغْتَسِل) . وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: جَوَاز النسْيَان على الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي أَمر الْعِبَادَة للتشريع. وطهارة المَاء الْمُسْتَعْمل. وانتظار الْجَمَاعَة لإمامهم مَا دَامَ فِي سَعَة من الْوَقْت. وَجَوَاز الْفَصْل بَين الْإِقَامَة وَالصَّلَاة لِأَن قَوْله: (فصلى) ، ظَاهر فِي أَن الْإِقَامَة لم تعد، وَالظَّاهِر أَنه مُقَيّد بِالضَّرُورَةِ، وَعَن مَالك: إِذا بَعدت الْإِقَامَة من الْإِحْرَام تُعَاد. قلت: الظَّاهِر أَنه إِذا لم يكن لَهُ عذر، وَفِيه: أَنه لَا حَيَاء فِي أَمر الدّين. وَفِيه: جَوَاز الْكَلَام بَين الْإِقَامَة وَالصَّلَاة. وَجَوَاز تَأْخِير الْجنب الْغسْل عَن وَقت الْحَدث. وَفِيه: أَنه لَا يجب على من احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِد فَأَرَادَ الْخُرُوج مِنْهُ أَن يتَيَمَّم. ٢٥ - (بابٌ إذَا قالَ الإمامُ مكانَكُمْ حَتَّى نَرْجِعَ انْتَظِرُوه) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ الإِمَام للْجَمَاعَة: إلزموا مَكَانكُمْ حَتَّى نرْجِع. قَوْله: (انتظروه) على صِيغَة الْمَاضِي جَوَاب إِذا، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا اللَّفْظ فِي رِوَايَة يُونُس عَن الزُّهْرِيّ كَمَا مضى فِي الْغسْل. قلت: لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ فِي رِوَايَة يُونُس، فَإِن لَفظه: (فَقَالَ لنا: مَكَانكُمْ، ثمَّ رَجَعَ) . وَلَو قَالَ: هَذَا اللَّفْظ أَخذه من معنى رِوَايَة يُونُس لَكَانَ أصوب. قَوْله: (حَتَّى نرْجِع) ، بالنُّون فِي رِوَايَة الْكشميهني، وبالهمزة: (أرجع) للأصيلي، (وَيرجع) ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، لبَقيَّة الروَاة، وعل كل حَال: هُوَ مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة. ٦٤٠ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا الأوزاعيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ أقِيمَتِ الصَّلاةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ فَخَرَجَ رسولُ الله ﷺ فَتَقَدَّمَ وَهْوَ جنُبٌ ثُمَّ قَالَ عَلَى مكانِكُمْ فاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقطُرُ مَاء فَصَلَّى بِهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٢٧٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي جَمِيع الرِّوَايَات، قَالَ الغساني: لَعَلَّه إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَجوزهُ ابْن طَاهِر، وَجزم بِهِ الْمزي. وَمُحَمّد بن يُوسُف: هُوَ الْفرْيَابِيّ وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَأكْثر الرِّوَايَة عَنهُ بِغَيْر وَاسِطَة، وَهَهُنَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة، وَالْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَالزهْرِيّ: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ. نَحوه: (أُقِيمَت الصَّلَاة وصف النَّاس صفوفهم وَخرج رَسُول الله ﷺ فَقَامَ مقَامه، فَأَوْمأ إِلَيْهِم بِيَدِهِ أَن: مَكَانكُمْ، فَخرج وَقد اغْتسل وَرَأسه يقطر المَاء، فصلى بهم) . وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن الْوَلِيد بن مُسلم مُخْتَصرا، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُؤَمل بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث زُهَيْر بن حَرْب، وَفِي الصَّلَاة عَن مَحْمُود بن خَالِد وَدَاوُد بن رشيد، وَكِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث إِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى، قَوْله: (فَتقدم وَهُوَ جنب) ، يَعْنِي: فِي نفس الْأَمر، لَا أَنهم اطلعوا على ذَلِك مِنْهُ، قبل أَن يعلمهُمْ، وَقد مضى فِي رِوَايَة يُونُس فِي الْغسْل: (فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذكر أَنه جنب) ، وَفِي رِوَايَة أبي نعيمٍ: (ذكر أَنه لم يغْتَسل) . قَوْله: (على مَكَانكُمْ) ، أَي: اثبتوا فِي مَكَانكُمْ وَلَا تفَرقُوا. قَوْله: (فَرجع) أَي: إِلَى الْحُجْرَة. قَوْله: (وَرَأسه) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (يقطر) ، وَالْجُمْلَة حَال، و: مَا، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (فصلى بهم) ، ظَاهره أَنه لم يَأْمُرهُم بِإِعَادَة الْإِقَامَة، وَفِي بعض النّسخ بعده، قيل لأبي عبد الله: إِن بدا لِأَحَدِنَا مثل هَذَا يفعل كَمَا فعل النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ: فَأَي شَيْء يصنع؟ فَقيل: ينتظرونه قيَاما وقعودا، قَالَ: إِن كَانَ قبل التَّكْبِير فَلَا بَأْس، أَن يقعدوا، وَإِن كَانَ بعد التَّكْبِير ينتظرونه قيَاما. ٢٦ - (بابُ قَوْلِ الرَّجلِ مَا صَلَّيْنا) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول الرجل: مَا صلينَا، وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَول الرجل للنَّبِي ﷺ : مَا صلينَا. وَقَالَ ابْن بطال:
следующие страницы →