← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

أثر الطين فِي جَبهته، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث مُسْتَوفى بِجَمِيعِ تعلقاته فِي: بَاب السُّجُود على الْأنف فِي الطين، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير. ١٥٢ - (بابُ التَّسْلِيمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة، وَإِنَّمَا لم يشر إِلَى حكمه: هَل هُوَ وَاجِب أم سنة؟ لوُقُوع الِاخْتِلَاف فِيهِ، لتعارض الْأَدِلَّة. وَقَالَ بَعضهم: وَيُمكن إِن يُؤْخَذ الْوُجُوب من حَدِيث الْبَاب حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: كَانَ إِذا سلم، لِأَنَّهُ يشْعر بتحقيق مواظبته على ذَلِك. قلت: قَامَ الدَّلِيل على أَن التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة غير وَاجِب، وَأَن تَركه غير مفْسدَة للصَّلَاة، وَهُوَ (أَن رَسُول الله ﷺ صلى الظّهْر خمْسا، فَلَمَّا سلم أخبر بصنيعه، فَثنى رجله فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ) ، رَوَاهُ عبد الله بن مَسْعُود، وَأخرجه الْجَمَاعَة بطرق مُتعَدِّدَة، وألفاظ مُخْتَلفَة. قَالَ الطَّحَاوِيّ، ﵀: فَفِي هَذَا الحَدِيث أَنه أَدخل فِي الصَّلَاة رَكْعَة من غَيرهَا قبل التَّسْلِيم، وَلم ير ذَلِك مُفْسِدا للصَّلَاة، فَدلَّ ذَلِك أَن السَّلَام لَيْسَ من صلبها، وَلَو كَانَ وَاجِبا كوجوب السَّجْدَة فِي الصَّلَاة لَكَانَ حكمه أَيْضا كَذَلِك، وَلكنه بِخِلَافِهِ، فَهُوَ سنة. انْتهى. قلت: اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم: إِذا انْصَرف الْمُصَلِّي من صلَاته بِغَيْر لفظ التَّسْلِيم فَصلَاته بَاطِلَة، حَتَّى قَالَ النَّوَوِيّ: وَلَو اخْتَلَّ بِحرف من حُرُوف: السَّلَام عَلَيْكُم، لم تصح صلَاته، وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بقوله، ﷺ : (تحليلها التَّسْلِيم) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن ابْن عقيل عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور، وتحريمها التَّكْبِير، وتحليلها التَّسْلِيم) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث أصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وَأحسن. قلت: اخْتلفُوا فِي صِحَّته بِسَبَب ابْن عقيل، وَهُوَ: عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، فَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: هُوَ من الطَّبَقَة الرَّابِعَة من أهل الْمَدِينَة وَكَانَ مُنكر الحَدِيث لَا يحتجون بحَديثه، وَكَانَ كثير الْعلم، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ، عَن بشر بن عمر الزهْرَانِي: كَانَ مَالك لَا يروي عَنهُ، وَكَانَ يحيى بن سعيد لَا يروي عَنهُ، وَعَن يحيى بن معِين: لَيْسَ حَدِيثه بِحجَّة، وَعنهُ: ضَعِيف الحَدِيث، وَعنهُ. لَيْسَ بذلك. وَقَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ مدنِي جَائِز الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: صَدُوق، وَقد تكلم فِيهِ بعض أهل الْعلم من قبل حفظه، وعَلى تَقْدِير صِحَّته أجَاب الطَّحَاوِيّ عَنهُ بِمَا محصله أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (من رابه إِذا رفع رَأسه من آخر سَجْدَة فقد تمت صلَاته) ، فَدلَّ على أَن معنى الحَدِيث الْمَذْكُور لم يكن على أَن الصَّلَاة لَا تتمّ إلاّ بِالتَّسْلِيمِ، إِذا كَانَت تتمّ عِنْده بِمَا هُوَ قبل التَّسْلِيم، فَكَانَ معنى: تحليلها التَّسْلِيم، التَّحْلِيل الَّذِي يَنْبَغِي أَن تحل بِهِ لَا بِغَيْرِهِ، وَجَوَاب آخر: إِن الحَدِيث الْمَذْكُور من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يثبت بِهِ الْفَرْض. فَإِن قلت: كَيفَ أثبت فَرضِيَّة التَّكْبِير بِهِ وَلم يثبت فَرضِيَّة التَّسْلِيم؟ قلت: أصل فَرضِيَّة التَّكْبِير فِي أول الصَّلَاة بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ (الْأَعْلَى: ١٥) . وَقَوله: ﴿وَرَبك فَكبر﴾ (المدثر: ٣) . غَايَة مَا فِي الْبَاب: يكون الحَدِيث بَيَانا لما يُرَاد بِهِ من النَّص، وَالْبَيَان بِهِ يَصح كَمَا فِي مسح الراس، وَذهب عَطاء ابْن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وَقَتَادَة وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ بِهَذَا إِلَى: أَن التَّسْلِيم لَيْسَ بِفَرْض حَتَّى لَو تَركه لَا تبطل صلَاته. ٨٣٧ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنِ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ أنَّ أُمَّ سلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كَانَ رسولُ الله ﷺ إذَا سلَّمَ قامَ النِّساءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ ومَكَثَ يَسِيرا قَبْلَ أنْ يَقُومَ قَالَ ابنُ شِهَابٍ فَأُرَي. وَالله أعْلَمُ أنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ ينْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سلم) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَإِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عَوْف، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَهِنْد بنت الْحَارِث، تقدّمت فِي: بَاب الْعلم والعظة

стр. 1682

بِاللَّيْلِ، وَأم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة، زوج النَّبِي ﷺ . ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ بَصرِي. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تابعية عَن صحابية. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي الْوَلِيد وَيحيى بن قزعة وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى وَمُحَمّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مسلمة عَن ابْن وهب، وَأخرجه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى يقْضِي تَسْلِيمه) ، ويروى: (حِين يقْضِي تَسْلِيمه) ، أَي: حِين يتم تَسْلِيمه ويفرغ مِنْهُ. قَوْله: (فَأرى) بِضَم الْهمزَة أَي: اظن أَن مكث رَسُول الله ﷺ كَانَ يَسِيرا لأجل نَفاذ النِّسَاء وذهابهن قبل تفرق الرِّجَال لِئَلَّا يدركهن بعض المتفرقين من الصَّلَاة. قَوْله: (وَالله أعلم) جملَة مُعْتَرضَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد وسبقهن بالانصراف، والاختلاط بِهن مَظَنَّة الْفساد، وَيمْكث الإِمَام فِي مُصَلَّاهُ وَالْحَالة هَذِه، فَإِن لم يكن هُنَاكَ نسَاء فالمستحب للْإِمَام أَن يقوم من مُصَلَّاهُ عقيب صلَاته، كَذَا قَالَه الشَّافِعِي فِي (الْمُخْتَصر) وَفِي (الْأَحْيَاء) للغزالي: إِن ذَلِك فعل النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَصَححهُ ابْن حبَان فِي غير (صَحِيحه) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: وعللوا قَول الشَّافِعِي بعلتين: إِحْدَاهمَا: لِئَلَّا يشك من خَلفه هَل سلم أم لَا. الثَّانِيَة: لِئَلَّا يدْخل غَرِيب فيظنه بعد فِي الصَّلَاة فيقتدى بِهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لَكِن ظَاهر حَدِيث الْبَراء بن عَازِب: (رمقت صَلَاة لنَبِيّ ﷺ فَوجدت قِيَامه فركعته فاعتداله بعد رُكُوعه فسجدته فجلسته بَين السَّجْدَتَيْنِ فسجدته فجلسته مَا بَين التَّسْلِيم والانصراف قَرِيبا من السوَاء) . رَوَاهُ مُسلم، يَعْنِي: أَنه لم يكن يثبت سَاعَة مَا يسلم، بل كَانَ يجلس بعد السَّلَام جلْسَة قريبَة من السُّجُود. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) : وللمأموم أَن ينْصَرف إِذا قضى الإِمَام السَّلَام قبل قيام الإِمَام، وَإِن أخر ذَلِك حَتَّى ينْصَرف بعد الإِمَام أَو مَعَه كَانَ ذَلِك أحب إِلَيّ. وَفِي (الذَّخِيرَة) : إِذا فرغ من صلَاته أَجمعُوا أَنه لَا يمْكث فِي مَكَانَهُ مُسْتَقْبل الْقبْلَة، وَجَمِيع الصَّلَوَات فِي ذَلِك سَوَاء، فَإِن لم يكن بعْدهَا تطوع إِن شَاءَ انحرف عَن يَمِينه أَو يسَاره وَإِن شَاءَ اسْتقْبل النَّاس بِوَجْهِهِ، لَا إِذا لم يكن أَمَامه من يُصَلِّي، وَإِن كَانَ بعد الصَّلَاة سنَن يقوم إِلَيْهَا، وَبِه نقُول. وَيكرهُ تَأْخِيرهَا عَن أَدَاء الْفَرِيضَة فيتقدم أَو يتَأَخَّر أَو ينحرف يَمِينا أَو شمالاً. وَعَن الْحلْوانِي من الْحَنَفِيَّة: جَوَاز تَأْخِير السّنَن بعد الْمَكْتُوبَة، وَالنَّص: أَن التَّأْخِير مَكْرُوه، وَيَدْعُو فِي الْفجْر وَالْعصر لِأَنَّهُ لَا صَلَاة بعدهمَا، فَيجْعَل الدُّعَاء بدل الصَّلَاة، وَيسْتَحب أَن يَدْعُو بعد السَّلَام، وَقَالَ فِي (التَّوْضِيح) أَيْضا إِذا أَرَادَ الإِمَام أَن ينْتَقل فِي الْمِحْرَاب وَيقبل على النَّاس للذّكر وَالدُّعَاء جَازَ أَن ينْتَقل كَيفَ شَاءَ، وَأما الْأَفْضَل فَأن يَجْعَل يَمِينه إِلَيْهِم ويساره إِلَى الْمِحْرَاب. وَقيل: عَكسه، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة. وَمن فَوَائِد الحَدِيث: وجوب غض الْبَصَر، وَمكث الإِمَام فِي مَوْضِعه. وَمكث الْقَوْم فِي أماكنهم. ١٥٣ - (بابٌ يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإمامُ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يسلم الْمَأْمُوم حِين يسلم الإِمَام، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لَا يتَأَخَّر الْمَأْمُوم فِي سَلَامه بعد الإِمَام متشاغلاً بِدُعَاء وَنَحْوه، دلّ عَلَيْهِ أثر ابْن عمر الْمَذْكُور هُنَا، وَفِي هَذَا عَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ، فِي رِوَايَة: يسلم مَعَ الإِمَام كالتكبير، وَفِي رِوَايَة: يسلم بعد سَلام إِمَامه. وَقَالَ الشَّافِعِي: الْمُصَلِّي الْمُقْتَدِي يسلم بعد فرَاغ الإِمَام من التسليمة الأولى، فَلَو سلم مُقَارنًا بسلامه إِن قُلْنَا: نِيَّة الْخُرُوج بِالسَّلَامِ شَرط، لَا يجْزِيه، كَمَا لَو كبر مَعَ الإِمَام لَا تَنْعَقِد لَهُ صَلَاة الْجَمَاعَة، فعلى هَذَا تبطل صلَاته. وَإِن قُلْنَا: إِن نِيَّة الْخُرُوج غير وَاجِبَة، فيجزيه كَمَا لَو ركع مَعَه، وَفِي نِيَّة الْخُرُوج عَن الصَّلَاة بِالسَّلَامِ وَجْهَان: أَحدهمَا: تجب، وَالثَّانِي لَا تجب، كَذَا فِي تتمتهم. وَذكر فِي (الْمَبْسُوط) : الْمُقْتَدِي يخرج من الصَّلَاة بِسَلام الإِمَام. وَقيل: هُوَ قَول مُحَمَّد. أما عِنْدهمَا يخرج بِسَلام نَفسه، وَتظهر ثَمَرَة الْخلاف فِي انْتِقَاض الْوضُوء بِسَلام الإِمَام قبل سَلام نَفسه بالقهقهة، فَعنده لَا ينْتَقض خلافًا لَهما. وَكَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَسْتَحِبُّ إذَا سَلَّمَ الإمامُ أنْ يُسلِّمَ منْ خَلْفَهُ

стр. 1683

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقيل: غير ظَاهِرَة، لِأَن الْمَفْهُوم من التَّرْجَمَة أَن يسلم الْمَأْمُوم مَعَ الإِمَام، لِأَن سَلَامه إِذا كَانَ حِين سَلام الإِمَام يكون مَعَه بِالضَّرُورَةِ، وَالْمَفْهُوم من الْأَثر أَن يسلم الْمَأْمُوم عقيب صَلَاة الإِمَام، لِأَن كلمة: إِذا، للشّرط، والمشروط يكون عَقِيبه. قلت: لَا نسلم أَن: إِذا، هَهُنَا للشّرط، بل هِيَ هَهُنَا على بَابهَا لمُجَرّد الظّرْف، على أَنه هُوَ الأَصْل، فَحِينَئِذٍ يحصل التطابق بَين التَّرْجَمَة والأثر. فَافْهَم. ٨٣٨ - حدَّثنا حبَّانُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيُّ عنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ عنْ عِتْبَانَ قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: حبَان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْمروزِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي. الثَّالِث: معمر بن رَاشد الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: مَحْمُود بن الرّبيع أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ، عقل مجة مجها رَسُول الله ﷺ ، فِي وَجهه من دنو فِي دَارهم وَهُوَ ابْن خمس سِنِين، وَهُوَ ختن عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: عتْبَان، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم ذكره فِي: بَاب، إِذا دخل بَيْتا يُصَلِّي. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: من رُوَاته أَولا مروزيان ثمَّ بَصرِي ثمَّ مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، يروي عَن الصَّحَابِيّ. وَقد ذكرنَا فِي: بَاب إِذا دخل بَيْتا يُصَلِّي، أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (صَحِيحه) فِي أَكثر من عشرَة مَوَاضِع ذَكرنَاهَا هُنَاكَ، وَذكرنَا أَيْضا من أخرجه غَيره. ١٥٤ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى الإمَامِ واكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم يرد السَّلَام على الإِمَام، يَعْنِي بِتَسْلِيمَة ثَالِثَة بَين التسليمتين، وَاكْتفى بِتَسْلِيم الصَّلَاة وَهُوَ التسليمتان، ويروى: من لم يردد السَّلَام، من الترديد، وَهُوَ تَكْرِير السَّلَام. وَالْحَاصِل من هَذِه التَّرْجَمَة أَن البُخَارِيّ يرد بذلك على من يسْتَحبّ تَسْلِيمَة ثَالِثَة على الإِمَام بَين التسليمتين، وهم طَائِفَة من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ ابْن التِّين: يُرِيد البُخَارِيّ أَن من كَانَ خلف الإِمَام إِنَّمَا يسلم وَاحِدَة يَنْوِي بهَا الْخُرُوج من الصَّلَاة، وَلم يرد على الإِمَام وَلَا على من فِي يسَاره. وَفِيه نظر. وَإِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ مَا ذَكرْنَاهُ، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ لَا يرد على الإِمَام. وَعَن النَّخعِيّ: إِن شَاءَ رد وَإِن شَاءَ لم يرد. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَمَالك يرى أَنه يرد، وَبِه قَالَ ابْن عمر فِي أحد قوليه، وَالشعْبِيّ وَسَالم وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء. وَقَالَ ابْن بطال: أَظن البُخَارِيّ أَنه قصد الرَّد على من أوجب التسليمة الثَّانِيَة. قلت: فِيهِ نظر، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَذهب عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك: إِلَى أَن التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة مرّة وَاحِدَة، ويحكى ذَلِك عَن ابْن عمر وَأنس وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث سعد ابْن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يسلم من الصَّلَاة بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة: السَّلَام عَلَيْكُم) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) وَأَبُو عمر بن عبد الْبر فِي (الاستذكار) ، وَذهب نَافِع بن عبد الْحَارِث وعلقمة وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر: إِلَى أَن التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة ثِنْتَانِ، مرّة عَن يمينة وَمرَّة عَن يسَاره، ويحكى ذَلِك عَن أبي بكر الصّديق، وَعلي ابْن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود وعمار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَأخرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث التسليمتين عَن ثَلَاثَة عشر من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وهم: سعد وَعلي وَابْن مَسْعُود وعمار بن يَاسر وَعبد الله بن عمر وَجَابِر بن سَمُرَة والبراء بن عَازِب وَوَائِل بن حجر وعدي بن عميرَة الْحَضْرَمِيّ وَأَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ وطلق بن عَليّ وَأَوْس ابْن أبي أَوْس وَأَبُو رمثة. قلت: وَفِي

стр. 1684

الْبَاب أَيْضا: عَن جَابر بن عبد الله وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَسَهل بن سعد وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان والمغيرة بن شُعْبَة وَوَائِلَة بن الْأَسْقَع وَعبد الله بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَهَؤُلَاءِ عشرُون صحابيا رووا عَن رَسُول الله ت أَن الْمُصَلِّي يسلم فِي آخر صلَاته تسليمتين: تَسْلِيمَة عَن يمينة ﷺ وتسليمة عَن يسَاره. وَأجَاب ابْن عمر عَن حَدِيث سعد ابْن أبي وَقاص: أَنه وهم، وَإِنَّمَا الحَدِيث كَمَا رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك بِسَنَدِهِ عَنهُ أَنه ﷺ : كَانَ يسلم عَن يَمِينه وَعَن يسَاره. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ مثله بِمَا محصله: أَن رِوَايَة التسليمة الْوَاحِدَة هِيَ رِوَايَة الدَّرَاورْدِي، وَأَن عبد الله بن الْمُبَارك وَغَيره خالفوه فِي ذَلِك، وَرووا عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : أَنه كَانَ يسلم تسليمتين. ثمَّ اخْتلفُوا فِي السَّلَام: هَل هُوَ وَاجِب أم سنة؟ فَعَن أبي حنيفَة أَنه وَاجِب، وَعنهُ أَنه سنة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ثمَّ إِصَابَة لفظ السَّلَام وَاجِبَة، عندنَا، وَلَيْسَت بِفَرْض، خلافًا للشَّافِعِيّ. وَفِي (الْمُغنِي) : لِابْنِ قدامَة: التَّسْلِيم وَاجِب لَا يقوم غَيره مقَامه، وَالْوَاجِب تَسْلِيمَة وَاحِدَة وَالثَّانيَِة سنة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء على أَن صَلَاة من اقْتصر على تَسْلِيمَة وَاحِدَة جَائِزَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ الْحسن بن حر: هما واجبتان، وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد. وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ الثَّوْريّ: لَو أخل بِحرف من حُرُوف: السَّلَام عَلَيْكُم، لم تصح صلَاته. وَفِي (الْمُغنِي) : السّنة أَن يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، وَإِن قَالَ: وَبَرَكَاته، أَيْضا فَحسن، وَالْأول أحسن. وَإِن قَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، وَلم يزدْ فَظَاهر كَلَام أَحْمد أَنه يجْزِيه، وَقَالَ ابْن عقيل: الْأَصَح أَنه لَا يجْزِيه وَإِن نكس السَّلَام فَقَالَ: وَعَلَيْكُم السَّلَام، وَلم يجزه. وَقَالَ القَاضِي: فِيهِ وَجه أَنه يجْزِيه، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقَالَ ابْن حزم: الأولى فرض، وَالثَّانيَِة سنة حَسَنَة لَا يَأْثَم تاركها. ٨٣٣٩ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي مَحْمُودُ بنُ الرَّبِيعِ وزَعَمَ أنَّهُ عَقَلَ رسولَ الله ﷺ وعَقَلَ مَجَّةً مجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كانَ فِي دَارِهِمْ. ٨٤٠ - قَالَ سَمِعْتُ عِتْبَانَ بنَ مالِكٍ الأنْصَارِيَّ ثُمَّ أحَدَ بَنِي سَالِمٍ قالَ كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سالِمٍ فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فَقُلْتُ إنِّي أنْكَرْتُ بَصَرِي وإنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي فَلَوَدِدْتُ أنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مكَانا حَتَّى أتَّخِذَهُ مَسْجِدا فَقَالَ أفْعَلُ إنْ شَاءَ الله فَغَدا علَيَّ رسولُ الله ﷺ وأبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهارُ فاسْتَأذَنَ النبيُّ ﷺ فَأذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ أيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّي مِنْ بَيْتِكَ فأشَارَ ألَيْهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي أحبَّ أنْ يُصَلِّيَ فيهِ فقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ سلم وَسلمنَا حِين سلم) ، وَذَلِكَ من حَيْثُ إِنَّه لَيْسَ فِيهِ الرَّد على الإِمَام، لِأَن الَّذِي يَقْتَضِي مَعْنَاهُ أَنه ﷺ سلم وَسلم الْقَوْم أَيْضا حِين سلم، فَيكون سلامهم بعد تَمام سَلَامه ﷺ ، أَو بعد تقدمه بِلَفْظ بعض السَّلَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وغرض البُخَارِيّ أَن يبين أَن السَّلَام لَا يلْزم أَن يكون بعد سَلام الإِمَام حَتَّى لَو سلم مَعَ الإِمَام لَا تبطل صلَاته، نعم، لَو تقدم عَلَيْهِ تبطل، إلاّ أَنه يَنْوِي الْمُفَارقَة. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه لَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا مُرَاده أَن الْمَأْمُوم لَا يرد على الإِمَام بِتَسْلِيمَة ثَالِثَة بَين التسليمتين، كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي قبله. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت، بأطول مِنْهُ: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب. . إِلَى آخِره، وَهَهُنَا: عَن عَبْدَانِ وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَزعم) ، المُرَاد من الزَّعْم هَهُنَا: القَوْل المخقق، فَإِنَّهُ قد يُطلق عَلَيْهِ وعَلى الْكَذِب وعَلى الْمَشْكُوك فِيهِ، وَينزل فِي كل مَوضِع على مَا يَلِيق بِهِ. قَوْله: (مجة مجها من دلو) . من: مج لعابه: إِذا قذفه، وَقيل: لَا يكون مجة حَتَّى يباعد بهَا، وانتصاب: مجة، على أَنَّهَا مفعول: عقل. وَقَوله: (مجها من دلو) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لمجة، وَكلمَة: (من) ، بَيَانِيَّة. قَوْله: (كَانَت) ، صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: من بِئْر كَانَت فِي دَارهم، والدلو دَلِيل عَلَيْهِ،

стр. 1685

قَالَه الْكرْمَانِي. وَقَالَ بَعضهم: الدَّلْو، يذكر وَيُؤَنث، فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير قلت: التَّقْدِير لَا بُد مِنْهُ لِأَن الدَّلْو لَا يكون فِيهِ مَاء إلاّ من بِئْر وَنَحْوه. قلت: كَانَت، بالتأنيث رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة، جَاءَت: كَانَ، بالتذكير، فعلى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير. قَوْله: (الْأنْصَارِيّ) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ صفة: عتْبَان، الْمَنْصُوب بقوله: (سَمِعت) . قَوْله: (ثمَّ أحد) بِالنّصب أَيْضا عطفا على الْأنْصَارِيّ، وَالتَّقْدِير: الْأنْصَارِيّ ثمَّ السالمي، لِأَنَّهُ من بني سَالم أَيْضا. قَالَ بَعضهم: هَذَا الَّذِي يكَاد من لَهُ أدنى ممارسة بِمَعْرِِفَة الرِّجَال أَن يقطع بِهِ، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون عطفا على عتْبَان، يَعْنِي سَمِعت عتْبَان ثمَّ سَمِعت أحد بني سَالم أَيْضا. قَالَ: وَالْمرَاد بِهِ فِيمَا يظْهر: الْحصين بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، فَكَأَن مَحْمُودًا سمع من عتْبَان وَمن الْحصين. قَالَ: وَهُوَ بِخِلَاف مَا تقدم فِي: بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت، أَن الزُّهْرِيّ هُوَ الَّذِي سمع مَحْمُودًا، وَالْحصين، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا لاحْتِمَال أَن الزُّهْرِيّ ومحمودا سمعا جَمِيعًا من الْحصين، وَلَو وَقع بِرَفْع أحد، بِأَن يكون عطفا على: مَحْمُود، لساغ وَوَافَقَ الرِّوَايَة الأولى، يَعْنِي: فَيصير التَّقْدِير: قَالَ الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي مَحْمُود بن الرّبيع ثمَّ أَخْبرنِي أحد بني سَالم، أَي: الْحصين. انْتهى. قَالَ: وَكَانَ الْحَامِل لَهُ على ذَلِك كُله قَول الزُّهْرِيّ فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة: ثمَّ سَأَلت الْحصين بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ أحد بني سَالم، هُنَاكَ. فَكَأَنَّهُ ظن أَن المُرَاد بقوله: أحد بني سَالم هُنَا، هُوَ المُرَاد بقوله: أحد بني سَالم هُنَاكَ، وَلَا حَاجَة لذَلِك، فَإِن عتْبَان من بني سَالم أَيْضا، وَهُوَ: عتْبَان بن مَالك بن عَمْرو بن العجلان بن زِيَاد بن غنم بن سَالم بن عَوْف، وعَلى الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره إِشْكَال آخر، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْحصين بن مُحَمَّد هُوَ صَاحب الْقِصَّة الْمَذْكُورَة، أَو أَنَّهَا تعدّدت لَهُ ولعتبان، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْحصين الْمَذْكُور لَا صُحْبَة لَهُ، وَقد ذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (الْجرْح وَالتَّعْدِيل) وَلم يذكر لَهُ شَيخا غير عتْبَان. انْتهى كَلَامه. قلت: هَذَا الْقَائِل ذكر أَولا شَيْئا، وَهُوَ حط على الْكرْمَانِي فِي الْبَاطِن، ثمَّ أظهره بعد ذَلِك بِمَا لَا يجديه من وُجُوه: الأول: أَنه غيَّر غَالب عبارَة الْكرْمَانِي فِي النَّقْل لتمشية كَلَامه، يتأمله من يقف عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَن الْكرْمَانِي مَا جزم بِمَا ذكره، بل إِنَّمَا قَالَ بِالِاحْتِمَالِ، وَبَاب الِاحْتِمَال مَفْتُوح،. الثَّالِث: أَن قَوْله: فَكَأَنَّهُ ظن. . إِلَى آخِره، لَا يتَوَجَّه الرَّد بِهِ، فَإِنَّهُ مَحل الظَّن ظَاهر، أَو الْعبارَة تُؤدِّي إِلَى ذَلِك ظَاهرا، ثمَّ تَوْجِيهه الرَّد بقوله: فَإِن عتْبَان من بني سَالم أَيْضا غير موجه، لِأَن كَون عتْبَان من بني سَالم لَا يُنَافِي كَون الْحصين من بني سَالم أَيْضا، وَلَا يمْنَع إِخْبَار الزُّهْرِيّ عَنهُ أَيْضا. الرَّابِع: أَن قَوْله يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْحصين بن مُحَمَّد هُوَ صَاحب الْقِصَّة الْمَذْكُورَة لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، لِأَن كَون الْحصين غير صَحَابِيّ لَا يَقْتَضِي الْمُلَازمَة الَّتِي ذكرهَا، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون الْحصين قد سمع الْقِصَّة الْمَذْكُورَة من صَحَابِيّ، والراوي طوى ذكره اكْتِفَاء بِذكر عتْبَان. الْخَامِس: أَن تأييد مَا أدعاه بِمَا ذكره عَن ابْن أبي حَاتِم غير سديد وَلَا مَحل لَهُ، لِأَن عدم ذكر ابْن أبي حَاتِم للحصين شَيخا غير عتْبَان لَا يسْتَلْزم أَن لَا يكون لَهُ شيخ آخر أَو أَكثر، وَهَذَا ظَاهر. قَوْله: (فَلَوَدِدْت) أَي: فوَاللَّه لَوَدِدْت. قَوْله: (اتَّخذهُ) ، قَالَ الْكرْمَانِي بِالرَّفْع وبالجزم، لِأَنَّهُ وَقع جَوَابا للمودة المفيدة لِلتَّمَنِّي. قَوْله: (اشْتَدَّ النَّهَار) أَي: ارْتَفَعت الشَّمْس. قَوْله: (فَأَشَارَ إِلَيْهِ) قَالَ الْكرْمَانِي: (فَأَشَارَ) أَي: النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ المحبوب أَن يُصَلِّي فِيهِ، وَيحْتَمل أَن تكون: من، للتَّبْعِيض، وَلَا يُنَافِي مَا تقدم أَيْضا ثمَّة أَنه قَالَ: فأشرت، لِإِمْكَان وُقُوع الإشارتين مِنْهُ وَمن النَّبِي ﷺ إِمَّا مَعًا وَإِمَّا مُتَقَدما ومتأخرا. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن فَاعل: أَشَارَ، هُوَ: عتْبَان، لَكِن فِيهِ الْتِفَات، إِذْ ظَاهر السِّيَاق أَن يَقُول: فأشرت ... إِلَى آخِره، وَبِهَذَا تتوافق الرِّوَايَتَانِ. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي أولى وَأَحْرَى، لِأَن فِيهِ إِظْهَار معْجزَة النَّبِي، ﷺ ، حَيْثُ أَشَارَ إِلَى الْمَكَان الَّذِي كَانَ فِي قلب عتْبَان أَن يُصَلِّي فِيهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ قبل أَن يُعينهُ عتْبَان. وَبَقِيَّة الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث ذَكرنَاهَا فِي: بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت. ١٥٥ - (بابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الذّكر عقيب الْفَرَاغ من الصَّلَاة. ٨٤١ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخْبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخْبَرَني عَمْرٌ وأنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخبَرَهُ أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ

стр. 1686

بالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كانَ علَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ . وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ كُنتُ أعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن نصر وَهُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، فَالْبُخَارِي يروي عَنهُ تَارَة بنسبته إِلَى أَبِيه وَيَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَتارَة ينْسبهُ إِلَى جده وَيَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن نصر. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، بِضَم الْجِيم. الرَّابِع: عَمْرو بن دِينَار. الْخَامِس: أَبُو معبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: واسْمه نَافِذ، بالنُّون وبكسر الْفَاء وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بخاري ويماني ومكي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّزَّاق: وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي عَن عبد الرَّزَّاق. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ على عهد النَّبِي ﷺ أَي: على زَمَانه، وَمثل هَذَا يحكم لَهُ بِالرَّفْع عِنْد الْجُمْهُور خلافًا لمن شَذَّ فِي ذَلِك. قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ، قَوْله: (كنت أعلم) فِيهِ إِطْلَاق الْعلم على الْأَمر الْمُسْتَند إِلَى الظَّن الْغَالِب. قَوْله: (بذلك) أَي: بِرَفْع الصَّوْت إِذا سمعته، أَي: الذّكر، وَالْمعْنَى: كنت أعلم انصرافهم بِسَمَاع الذّكر. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهِ بعض السّلف على اسْتِحْبَاب رفع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ وَالذكر عقيب الْمَكْتُوبَة، وَمِمَّنْ استحبه من الْمُتَأَخِّرين: ابْن حزم، وَقَالَ ابْن بطال: أَصْحَاب الْمذَاهب المتبعة وَغَيرهم متفقون على عدم اسْتِحْبَاب رفع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ، وَالذكر، حاشا ابْن حزم، وَحمل الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث على أَنه جهر ليعلمهم صفة الذّكر، لَا أَنه كَانَ دَائِما. قَالَ: وَاخْتَارَ للْإِمَام وَالْمَأْمُوم أَن يذكر الله بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة، ويخفيان ذَلِك، إلاّ أَن يقْصد التَّعْلِيم فيعلما ثمَّ يسرا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: فِيهِ الْبَيَان على صِحَة فعل من كَانَ يفعل ذَلِك من الْأُمَرَاء والولاة، يكبر بعد صلَاته وَيكبر من خَلفه، وَقَالَ غَيره: لم أجد أحدا من الْفُقَهَاء قَالَ بِهَذَا إِلَّا ابْن حبيب فِي (الْوَاضِحَة) : كَانُوا يستحبون التَّكْبِير فِي العساكر والبعوث إِثْر صَلَاة الصُّبْح وَالْعشَاء، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه مُحدث، وَعَن عُبَيْدَة، وَهُوَ بِدعَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَقَول ابْن عَبَّاس: كَانَ على عهد النَّبِي ﷺ ، فِيهِ دلَالَة أَنه لم يكن يفعل حِين حدث بِهِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يفعل لم يكن لقَوْله معنى، فَكَانَ التَّكْبِير فِي إِثْر الصَّلَوَات لم يواظب الرَّسُول، ﷺ ، عَلَيْهِ طول حَيَاته، وَفهم أَصْحَابه أَن ذَلِك لَيْسَ بِلَازِم فَتَرَكُوهُ خشيَة أَن يظنّ أَنه مِمَّا لَا تتمّ الصَّلَاة إلاّ بِهِ، فَذَلِك كرهه من كرهه من الْفُقَهَاء. وَفِيه: دلَالَة أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يُصَلِّي فِي أخريات الصُّفُوف لكَونه صَغِيرا. قلت: قَوْله: (إِذا انصرفوا) ظَاهره أَنه لم يكن يحضر الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فِي بعض الْأَوْقَات لصغره. ٨٤٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا عَمْرٌ وَقَالَ أخبَرني أبُو مَعْبَدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ أعْرِفُ انْقِضَاءَ صلَاةِ النبيِّ ﷺ بالتَّكْبِيرِ (انْظُر الحَدِيث ٨٤١) . عَليّ هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي عَن سُفْيَان بِصِيغَة الْحصْر وَلَفظه: (مَا كُنَّا نَعْرِف انْقِضَاء صَلَاة النَّبِي ﷺ ، إلاّ بِالتَّكْبِيرِ) ، وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان. وَاخْتلف فِي كَون ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك، فَقَالَ عِيَاض: الظَّاهِر أَنه لم يكن يحضر الْجَمَاعَة، لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا مِمَّن لَا يواظب على ذَلِك، وَلَا يلْزم بِهِ، فَكَانَ يعرف انْقِضَاء الصَّلَاة بِمَا ذكره. وَقَالَ غَيره: يحْتَمل أَن يكون حَاضرا فِي أَوَاخِر الصُّفُوف، فَكَانَ لَا يعرف انقضاءها بِالتَّسْلِيمِ، وَإِنَّمَا كَانَ يعرفهُ بِالتَّكْبِيرِ. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لم يكن هُنَاكَ مبلغ جهير الصَّوْت يسمع من بعد. قَوْله:

стр. 1687

(كنت أعرف) وَفِي الحَدِيث السَّابِق: (كنت أعلم) ، وَبَين الْمعرفَة وَالْعلم فرق، وَهُوَ أَن الْمعرفَة تسْتَعْمل فِي الجزئيات وَالْعلم فِي الكليات، وَلَكِن: أعلم، هُنَا بِمَعْنى: أعرف، وَلَا يطْلب الْفرق. فَافْهَم. قَوْله: (التَّكْبِير) وَفِي الحَدِيث الأول: بِالذكر، فالذكر أَعم من التَّكْبِير، وَالتَّكْبِير أخص، فَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: (بِالتَّكْبِيرِ) تَفْسِيرا لقَوْله: بِالذكر، وَمن هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: بِالتَّكْبِيرِ أَي: بِذكر الله. قَالَ علِيُّ حَدثنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍ وَقَالَ كانَ أبْو مَعْبَدٍ أصْدَقَ مَوَالِي ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ عَلِيُّ وَاسْمُهُ نافِذٌ أَشَارَ البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِمَا نَقله عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار الْمَذْكُورين قبله أَن حَدِيث أبي معبد هَذَا لَا يقْدَح فِي صِحَّته لأجل مَا روى أَحْمد فِي (مُسْنده) هَذَا الحَدِيث. ثمَّ قَالَ: وَإنَّهُ يَعْنِي: أَبَا معبد قَالَ بِالتَّكْبِيرِ، ثمَّ سَاقه بِهِ. قَالَ عَمْرو: قد ذكرت لأبي معبد فَأنكرهُ، وَقَالَ: لم أحَدثك بِهَذَا. قَالَ عَمْرو: فقد أخبرنيه قبل ذَلِك، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم: قَالَ عَمْرو: ذكرت ذَلِك لأبي معبد بعد وَأنْكرهُ، وَقَالَ: لم أحَدثك بِهَذَا. قَالَ عَمْرو: وَقد أخبرنيه قبل ذَلِك، قَالَ الشَّافِعِي، بعد أَن رَوَاهُ عَن سُفْيَان: كَأَنَّهُ نَسيَه بعد أَن حَدثهُ بِهِ. انْتهى. فَهَذَا يدل على أَن مُسلما كَانَ يرى صِحَة الحَدِيث، وَلَو أنكرهُ رَاوِيه، إِذا كَانَ النَّاقِل عَنهُ عدلا، وَلَا شكّ أَن عَمْرو بن دِينَار كَانَ عدلا، وَكَذَا لَا شكّ أَن أَبَا معبد كَانَ عدلا، فَلذَلِك قَالَ عَمْرو، فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ البُخَارِيّ بِوَاسِطَة عَليّ وسُفْيَان: كَانَ أَبُو معبد أصدق موَالِي ابْن عَبَّاس. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الصدْق هُوَ مُطَابقَة الْكَلَام للْوَاقِع على الصَّحِيح، وَذَلِكَ لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان؟ قلت: الزِّيَادَة إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَفْرَاد الْكَلَام، يَعْنِي إِفْرَاد كَلَامه الصدْق أَكثر من إِفْرَاد كَلَام سَائِر الموَالِي. وَاعْلَم أَن قَوْله: وَقَالَ عَليّ. . إِلَى آخِره، زِيَادَة لم تثبت إلاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني، وَاعْلَم أَيْضا أَن الرَّاوِي إِذا أنكر رِوَايَته لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون إِنْكَار جحود وَتَكْذيب للفرع بِأَن قَالَ: كذبت عَليّ، لم يعْمل بِهَذَا الْخَبَر بِلَا خلاف بَين الْأَئِمَّة، أَو يكون إِنْكَار توقف لَا إِنْكَار تَكْذِيب وجحود، بِأَن قَالَ: لَا أذكر أَنِّي رويت ذَلِك، هَذَا أَو لَا أعرفهُ، فقد اخْتلف فِيهِ، فَذهب أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَأحمد فِي رِوَايَة إِلَى: أَنه يسْقط الْعَمَل بِهِ، كالوجه الأول، وَهُوَ مُخْتَار الْكَرْخِي وَالْقَاضِي أبي زيد وفخر الْإِسْلَام، وَذهب مُحَمَّد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى: أَنه لَا يسْقط الْعَمَل بِهِ، ونسيان الأَصْل لَا يقْدَح فِيهِ كَمَا لَو جن أَو مَاتَ. وَقيل: عدم الرِّوَايَة بإنكار الْمَرْوِيّ عَنهُ قَول أبي يُوسُف. وَقَالَ مُحَمَّد: لَا تسْقط الرِّوَايَة بإنكاره، وَهَذَا الْخلاف بَينهمَا فرغ اخْتِلَافهمَا فِي شَاهِدين شَهدا على القَاضِي بقضية، وَالْقَاضِي لَا يذكر قَضَاءَهُ، فَإِنَّهُ يقبل عِنْد مُحَمَّد، وَلَا يقبل عِنْد أبي يُوسُف. وَذكر الإِمَام فَخر الدّين فِي (الْمَحْصُول) فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تقسيما حسنا، وَهُوَ أَن رواي الْفَرْع إِمَّا أَن يكون جَازِمًا بالرواية أَو لَا، فَإِن كَانَ جَازِمًا فَالْأَصْل إِمَّا أَن يكون جَازِمًا بالإنكار أَو لَا، فَإِن كَانَ الأول فقد تَعَارضا، فَلَا يقبل الحَدِيث، وَإِن كَانَ الثَّانِي فإمَّا أَن يكون الْأَغْلَب على الظَّن إِنِّي رويته، أَو الْأَغْلَب أَنِّي مَا رويته، أَو الْأَمْرَانِ على السوَاء، أَو لَا يَقُول شَيْئا من ذَلِك، فالأشبه أَن يكون الْخَبَر مَقْبُولًا فِي جَمِيع هَذِه الْأَقْسَام، وَإِن كَانَ الْفَرْع غير جازم بل يَقُول: أَظن أَنِّي سَمِعت مِنْك، فَإِن جزم الأَصْل: بِأَنِّي مَا رويته لَك، تعين الرَّد، وَإِن قَالَ: أَظن إِنِّي مَا رويته لَك تَعَارضا، وَإِن ذهب إِلَى سَائِر الْأَقْسَام، فالأشبه قبُوله، وَالضَّابِط أَنه إِذا كَانَ قَول الأَصْل معادلاً لقَوْل الْفَرْع تَعَارضا، وَإِذا ترجح أَحدهمَا على الآخر فالمعتير الرَّاجِح. ٨٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ سُمَيٍّ عَن أبي صالحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جاءَ الفُقَراءُ إِلَى النبيِّ ﷺ فقالُوا ذهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأمْوَالِ بالدَّرَجَاتِ العُلَا والنَّعِيمِ المُقِيمِ يُصَلُّونَ كمَا نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ ولَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا ويَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ ويتَصَدَّقُونَ قَالَ ألَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا إنُ أخَذْتُمْ بهِ أدْرَكْتُمْ منْ سَبَقَكُمْ ولَمْ يُدْرِكُكُمْ أحَدٌ بَعْدَكُمْ وكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إلَاّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ

стр. 1688

وتَحْمَدُونَ وتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كلِّ صَلَاةٍ ثَلاثا وثَلَاثِينَ فاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فقالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلاثا وثَلاثِينَ ونَحْمَدُ ثَلاثا وثلَاثِينَ ونُكَبِّرُ أرْبَعا وثَلاثِينَ فرَجعْتُ إليهِ فَقَالَ تَقُولُ سُبْحَانَ الله وَالحَمْدُ لله وَالله أكبرُ حَتَّى يَكُونَ كُلِّهنَّ ثَلاثا وثَلاثِينَ. (الحَدِيث ٨٤٣ طرفه فِي: ٦٣٢٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي فِي قَوْله: (تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) . ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد ابْن أبي بكر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم، أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بالمقدمي الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: مُعْتَمر بن سُلَيْمَان بن طرخان الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: عبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمدنِي. الرَّابِع: سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مولى ابي بكر بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو صَالح ذكْوَان الزيات الْمدنِي. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: الْأَوَّلَانِ من رِجَاله بصريان والبقية مدنيون. وَفِيه: عبيد الله تَابِعِيّ صَغِير وَلَا يعرف لسمي رِوَايَة عَن أحد من الصَّحَابَة، فَهُوَ من رِوَايَة الْكَبِير عَن الصَّغِير. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عَاصِم ابْن النَّضر، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَنهُ بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ الْفُقَرَاء) ، وَهُوَ جمع فَقير، وَلم يعلم عَددهمْ هُنَا، وَجَاء فِي رِوَايَة أبي دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد ابْن أبي عَائِشَة: عَن أبي هُرَيْرَة أَن أَبَا ذَر مِنْهُم، وَأخرجه الْفرْيَابِيّ فِي (كتاب الذّكر) لَهُ من حَدِيث أبي ذَر نَفسه، وَجَاء فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَغَيره: أَن أَبَا الدَّرْدَاء مِنْهُم، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مُجَاهِد وَعِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (جَاءَ الْفُقَرَاء إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِن الْأَغْنِيَاء يصلونَ كَمَا نصلي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم، وَلَهُم أَمْوَال يعتقون وَيَتَصَدَّقُونَ. قَالَ: فَإِذا صليتم فَقولُوا: سُبْحَانَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مرّة، وَالْحَمْد لله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مرّة، وَالله أكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ مرّة، وَلَا إِلَه إلاّ الله عشر مَرَّات، فَإِنَّكُم تدركون بِهِ من سبقكم، وَلَا يسبقكم من بعدكم) . قَوْله: (ذهب أهل الدُّثُور) ، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة جمع: دثر، بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ المَال الْكثير. قَالَ ابْن سَيّده: لَا يثنى وَلَا يجمع. وَقيل: هُوَ الْكثير من كل شَيْء. وَقَالَ أَبُو عمر الْمُطَرز: إِنَّه يثني وَيجمع، وَوَقع عِنْد الْخطابِيّ: أهل الدّور، جمع: دَار. وَقَالَ ابْن قرقول: وَقع فِي رِوَايَة الْمروزِي: أهل الدّور، يَعْنِي: مثل مَا وَقع فِي رِوَايَة الْخطابِيّ. قَالَ: وَهُوَ تَصْحِيف، وَكلمَة: من، فِي: من الْأَمْوَال، بَيَانِيَّة تبين الدُّثُور، وَيجوز أَن تكون: من الْأَمْوَال، تَأْكِيدًا، وَيجوز أَن تكون وَصفا. قَوْله: (العُلى) بِضَم الْعين جمع: العلياء، وَهِي تَأْنِيث: الْأَعْلَى. قَوْله: (وَالنَّعِيم الْمُقِيم) النَّعيم: مَا يتنعم بِهِ، والمقيم: الدَّائِم، وَذكر الْمُقِيم تَعْرِيض بالنعيم العاجل، فَإِنَّهُ قَلما يصفو، وَإِن صفا فَهُوَ فِي صدد الزَّوَال وَسُرْعَة الِانْتِقَال. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي عَائِشَة عَن أبي هُرَيْرَة: (ذهب أَصْحَاب الدُّثُور بِالْأُجُورِ) . وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من رِوَايَة بشر بن عَاصِم عَن أَبِيه: (عَن أبي ذَر قَالَ: قيل: يَا رَسُول الله، وَرُبمَا قَالَ سُفْيَان: قلت: يَا رَسُول الله ذهب أهل الْأَمْوَال والدثور بِالْأُجُورِ، يَقُولُونَ كَمَا نقُول، وينفقون وَلَا ننفق. قَالَ لي: أَلا أخْبركُم بِأَمْر إِذا فعلتموه أدركتم من قبلكُمْ وفتم من بعدكم؟ تحمدون الله فِي دبر كل صَلَاة، وتسبحون وتكبرون ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وأربعا وَثَلَاثِينَ. قَالَ سُفْيَان: لَا أَدْرِي أيتهن أَربع!) وروى الْبَزَّار من رِوَايَة مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر، قَالَ: (اشْتَكَى فُقَرَاء الْمُؤمنِينَ إِلَى رَسُول الله ﷺ مَا فضل بِهِ أغنياؤهم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِخْوَاننَا صدقُوا تصديقنا، وآمنوا إيمَاننَا، وصاموا صيامنا، وَلَهُم أَمْوَال يتصدقون مِنْهَا وَيصلونَ مِنْهَا الرَّحِم وينفقونها فِي سَبِيل الله، وَنحن مَسَاكِين لَا نقدر على ذَلِك. فَقَالَ: أَلا أخْبركُم بِشَيْء إِذا فعلتموه أدركتم مثل فَضلهمْ؟ قُولُوا: الله أكبر فِي دبر كل صَلَاة إِحْدَى عشرَة مرّة، وَالْحَمْد لله مثل ذَلِك، وَلَا إِلَه إلاّ الله مثل ذَلِك، تدركون مثل فَضلهمْ. فَفَعَلُوا ذَلِك، فَذكرُوا للأغنياء، فَفَعَلُوا مثل ذَلِك، فَرجع الْفُقَرَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكرُوا ذَلِك، فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ إِخْوَاننَا فعلوا مثل مَا نقُول، فَقَالَ: ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ (الْمَائِدَة: ٥٤، الْحَدِيد: ٢١، وَالْجُمُعَة: ٤) . يَا معشر الْفُقَرَاء، أَلا يسركم أَن فُقَرَاء الْمُسلمين يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم بِنصْف يَوْم، خَمْسمِائَة عَام؟ وتلا مُوسَى بن عُبَيْدَة:

стр. 1689

﴿وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ (الْحَج: ٤٧) . وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد ابْن أبي عَائِشَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (قَالَ أَبُو ذَر: يَا رَسُول الله ذهب أَصْحَاب الدُّثُور بِالْأُجُورِ. .) الحَدِيث، وَذكر التَّكْبِير والتحميد وَالتَّسْبِيح ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَزَاد: (ويختمها بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على شَيْء قدير، غفرت لَهُ ذنُوبه وَلَو كَانَت مثل زبد الْبَحْر) . وروى النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة، من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن أبي صَالح: (عَن أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله ذهب أهل الْأَمْوَال بالدنيا وَالْآخِرَة، يصلونَ كَمَا نصلي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم، ويذكرون كَمَا نذْكر، ويجاهدون كَمَا نجاهد، وَلَا نجد مَا نتصدق بِهِ. قَالَ: أَلا أخْبرك بِشَيْء إِذا أَنْت فعلته أدْركْت من كَانَ قبلك وَلم يلحقك من كَانَ بعْدك إلاّ من قَالَ مثل مَا قلت؟ تسبح الله دبر كل صَلَاة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وتكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَة) . قَوْله: (يحجون بهَا) ، فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة جَعْفَر الْفرْيَابِيّ من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (ويحجون كَمَا نحج) . قلت: اشتراكهم فِي الْحَج كَانَ فِي الْمَاضِي، وَأما المتوقع فَلَا يقدر عَلَيْهِ إلَاّ أَصْحَاب الْأَمْوَال غَالِبا، فَإِن جَاءَت رِوَايَة: ويحجون بهَا، بِضَم الْيَاء من الإحجاج أَي: يعينون غَيرهم على الْحَج بِالْمَالِ، فَلَا إِشْكَال، وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي قَوْله: (ويجاهدون) ، هَهُنَا فِي الدَّعْوَات من رِوَايَة وَرْقَاء عَن سمي: (وَجَاهدُوا كَمَا جاهدنا) . قَوْله: (وَيَتَصَدَّقُونَ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة ابْن عجلَان عَن سمي: (وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نتصدق، ويعتقون وَلَا نعتق) . قَوْله: (أَلَا) كلمة تَنْبِيه وتحضيض. قَوْله: (بِمَا إِن أَخَذْتُم بِهِ؟) أَي: بِشَيْء إِن أخذتموه أدركتم من سبقكم من أهل الْأَمْوَال فِي الدَّرَجَات العلى؟ وَلَيْسَت كلمة: (بِمَا) ، فِي أَكثر الرِّوَايَات، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِدُونِ: بِمَا، وَلَفظه: (أَلا أحدثكُم بِأَمْر إِن أَخَذْتُم. .) وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (بِهِ) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى قَوْله: (بِمَا) ، لِأَن: مَا، بِمَعْنى: شَيْء كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَسَقَطت أَيْضا هَذِه اللَّفْظَة فِي أَكثر الرِّوَايَات. قَوْله: (أدركتم) ، جَوَاب: إِن، وَقَوله: (من سبقكم) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول: أدركتم، وَالْمعْنَى: أدركتم من سبقكم من أهل الْأَمْوَال الَّذين امتازوا عَلَيْكُم بِالصَّدَقَةِ والسبقية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ يُسَاوِي قَول هَذِه الْكَلِمَات مَعَ سهولتها وَعدم مشقتها الْأُمُور الشاقة الصعبة من الْجِهَاد وَنَحْوه، وَأفضل الْعِبَادَات أحمزهما؟ قلت: أَدَاء هَذِه الْكَلِمَات حَقّهَا الْإِخْلَاص، سِيمَا الْحَمد فِي حَال الْفقر من أفضل الْأَعْمَال وأشقها، ثمَّ إِن الثَّوَاب لَيْسَ بِلَازِم أَن يكون على قدر الْمَشَقَّة، أَلَا ترى فِي التَّلَفُّظ بِكَلِمَة الشَّهَادَة من الثَّوَاب مَا لَيْسَ فِي كثير من الْعِبَادَات الشاقة؟ وَكَذَا الْكَلِمَة المتضمنة لتمهيد قَاعِدَة خير عَام، وَنَحْوهَا؟ قَالَ الْعلمَاء: إِن إِدْرَاك صُحْبَة رَسُول الله ﷺ لَحْظَة خير وفضيلة لَا يوازيها عمل، وَلَا تنَال درجتها بِشَيْء، ثمَّ إِن كَانَت نيتهم، لَو كَانُوا أَغْنِيَاء لعملوا مثل عَمَلهم وَزِيَادَة، (وَنِيَّة الْمُؤمن خير من عمله) ، فَلهم ثَوَاب هَذِه النِّيَّة وَهَذِه الْأَذْكَار. قَوْله: (لم يدرككم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ لَا يحصل لمن بعدهمْ ثَوَاب ذَلِك؟ قلت: إلاّ من عمل اسْتثِْنَاء مِنْهُ أَيْضا، كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي فِي أَن الِاسْتِثْنَاء المتعقب للجمل عَائِد إِلَى كلهَا. قَوْله: (بَين ظهرانيهم) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي الْوَقْت: (بَين ظهرانيه) ، بِالْإِفْرَادِ، وَمَعْنَاهُ: أَنهم اقاموا بَينهم على سَبِيل الِاسْتِظْهَار والاستناد إِلَيْهِم، وزيدت فِيهِ الْألف وَالنُّون الْمَفْتُوحَة تَأْكِيدًا، وَمَعْنَاهُ: إِن ظهرا مِنْهُم قدامه، وظهرا وَرَاءه، فَهُوَ مَكْنُون من جانبيه، وَمن جوانبه إِذا قيل: بَين أظهرههم، ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل فِي الْإِقَامَة بَين الْقَوْم. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ أَولا: (أدركتم من سبقكم) يَعْنِي: تساوونهم، وَثَانِيا: كُنْتُم خير من أَنْتُم بَينهم) ، يَعْنِي تَكُونُونَ أفضل مِنْهُم، فتلزم الْمُسَاوَاة وَعدم الْمُسَاوَاة على تَقْدِير عدم عَمَلهم مثله؟ قلت: لَا نسلم أَن الْإِدْرَاك يسْتَلْزم الْمُسَاوَاة، فَرُبمَا يدركهم ويتجاوز عَنْهُم. قَوْله: (إلاّ من عمل مثله) أَي: إلاّ الْغَنِيّ الَّذِي يسبح، فَإِنَّكُم لم تَكُونُوا خيرا مِنْهُم، بل هُوَ خير مِنْكُم أَو مثلكُمْ نعم، إِذا قُلْنَا الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى الْجُمْلَة الأولى أَيْضا، يلْزم قطعا كَون الْأَغْنِيَاء أفضل، إِذْ مَعْنَاهُ: إِن أَخَذْتُم أدركتم إلاّ من عمل مثله، فَإِنَّكُم لَا تدركونه. فَإِن قلت: فالأغنياء إِذا سبحوا يترجحون فَيبقى بِحَالهِ مَا شكا الْفُقَرَاء مِنْهُ، وَهُوَ رجحانهم من جِهَة الْجِهَاد وإخواته. قلت: مَقْصُود الْفُقَرَاء مِنْهُ تَحْصِيل الدَّرَجَات العلى وَالنَّعِيم الْمُقِيم لَهُم أَيْضا، لَا نفي زيادتهم مُطلقًا، قَوْله: (تسبحون وتحمدون وتكبرون) كَذَا وَقع فِي أَكثر الْأَحَادِيث تَقْدِيم التَّسْبِيح على التَّحْمِيد وَتَأْخِير التَّكْبِير، وَفِي رِوَايَة ابْن عجلَان: تَقْدِيم التَّكْبِير على التَّحْمِيد خَاصَّة، وَفِي حَدِيث ابْن مَاجَه: تَقْدِيم التَّحْمِيد على التَّسْبِيح، فَدلَّ هَذَا الِاخْتِلَاف على أَن لَا تَرْتِيب فِيهَا، وَيدل عَلَيْهِ الحَدِيث الَّذِي فِيهِ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات: (لَا يَضرك

стр. 1690

بأيهن بدأت) ، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: الأولى الْبدَاءَة بالتسبيح لِأَنَّهُ يتَضَمَّن نفي النقائص عَن الله ، ثمَّ التَّحْمِيد لِأَنَّهُ يتَضَمَّن إِثْبَات الْكَمَال لله تَعَالَى، لِأَن جَمِيع المحامد لَهُ، ثمَّ التَّكْبِير لِأَنَّهُ تَعْظِيم، وَمن كَانَ منزها عَن النقائص، ومستحقا لجَمِيع المحامد يجب تَعْظِيمه، وَذَلِكَ بِالتَّكْبِيرِ، ثمَّ يخْتم ذَلِك كُله بالتهليل الدَّال على وحدانيته وانفراده تَعَالَى وتقدس، وَقَوله: (تسبحون وتحمدون وتكبرون) ثَلَاثَة أَفعَال تنازعت فِي ظرف، أَعنِي، قَوْله: (خلف كل صَلَاة) قَوْله: (خلف كل صَلَاة) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات: (دبر كل صَلَاة) ، وَفِي حَدِيث أبي ذَر: (إِثْر كل صَلَاة) ، وَيُمكن أَن يكون لفظ: (دبر) ، تَفْسِيرا للفظ: (خلف) ، قَوْله: (صَلَاة) يَشْمَل الْفَرْض وَالنَّفْل، وَلَكِن حمله أَكثر الْعلمَاء على الْفَرْض، لِأَنَّهُ وَقع فِي حَدِيث كَعْب بن عجْرَة عِنْد مُسلم التَّقْيِيد بالمكتوبة، فكأنهم حملُوا الْمُطلق على الْمُقَيد. قَوْله: (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) ، هَذَا اللَّفْظ يحْتَمل أَن يكون لمجموع هَذَا الْمِقْدَار بِحَيْثُ إِنَّه يكون كل وَاحِد مِنْهَا أحد عشر، وَأَن يكون كل وَاحِد يبلغ هَذَا الْعدَد فَهُوَ مُجمل، وَتَمام هَذَا الحَدِيث مُبين أَن الْمَقْصُود هُوَ الثَّانِي. قَوْله: (فاختلفنا بَيْننَا) أَي: فِي كل وَاحِد ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ؟ أَو الْمَجْمُوع؟ أَو أَن تَمام الْمِائَة بِالتَّكْبِيرِ؟ أَو بِغَيْرِهِ؟ فَإِن قلت: هَذَا الِاخْتِلَاف وَقع بَين من وَمن؟ قلت: ظَاهر العباراة أَنه وَقع بَين الصَّحَابَة، وَأَن الْقَائِل: (فاختلفنا) هُوَ أَبُو هُرَيْرَة، وَكَذَا الضَّمِير فِي: (رجعت) يرجع إِلَى أبي هُرَيْرَة، وَالضَّمِير فِي (إِلَى) يرجع إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ ، وَلَكِن بيّن مُسلم فِي رِوَايَته عَن ابْن عجلَان عَن سمي أَن الْقَائِل: (فاختلفنا) هُوَ: سمي، وَأَن الضَّمِير فِي (رجعت) يرجع إِلَيْهِ، وَالضَّمِير فِي (إِلَيْهِ) يرجع إِلَى أبي صَالح، وَأَن الْمُخَالف لَهُ بعض أَهله، وَلَفظه: (قَالَ سمي: فَحدثت بعض أَهلِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: وهمت) . فَذكر كَلَامه. قَالَ: (فَرَجَعت إِلَى أبي صَالح) ، وَالَّذِي ذكره مُسلم أقرب، لِأَن الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَلذَلِك اقْتصر صَاحب (الْعُمْدَة) على هَذَا، لَكِن مُسلما لم يُوصل هَذِه الزِّيَادَة، فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث: عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث ابْن عجلَان، ثمَّ قَالَ: زَاد غير قُتَيْبَة فِي هَذَا الحَدِيث عَن اللَّيْث، فَذكرهَا. قيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْغَيْر شُعَيْب بن اللَّيْث، فَإِن أَبَا عوَانَة أخرجه فِي (مستخرجه) : عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن شُعَيْب، وَيحْتَمل أَن يكون سعيد بن أبي مَرْيَم، فَإِن الْبَيْهَقِيّ أخرجه من طَرِيق سعيد؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون غَيرهمَا، وَقد روى ابْن حبَان هَذَا الحَدِيث من طَرِيق الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فَلم يذكر. قَوْله: (واختلفنا) إِلَى آخِره. قَوْله: (أَرْبعا) ، ويروى: (أَرْبَعَة) ، وَإِذا كَانَ الْمُمَيز غير مَذْكُور يجوز فِي الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث. قَوْله: (مِنْهُنَّ كُلهنَّ) ، بِكَسْر اللَّام، لِأَنَّهُ تَأْكِيد للضمير الْمَجْرُور. قَوْله: (ثَلَاث وَثَلَاثُونَ) ، بِالْوَاو عَلامَة الرّفْع، وَهُوَ اسْم: كَانَ، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي وَأبي الْوَقْت: (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) ، على أَنه خبر: كَانَ، واسْمه مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: حَتَّى يكون الْعدَد مِنْهُنَّ كُلهنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين هَذَا الْعدَد؟ أَعنِي: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ؟ قلت: هُنَا قد تعين هَذَا الْعدَد، وَقد اخْتلفت الْأَعْدَاد فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب على وُجُوه مُخْتَلفَة، فورد فِيهِ كَونه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، كَمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْبَاب، وَكَونه خمْسا وَعشْرين، كَمَا فِي حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة كثير بن أَفْلح عَن زيد بن ثَابت، قَالَ: (أمروا أَن يسبحوا دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، ويحمدوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، ويكبروا أَرْبعا وَثَلَاثِينَ، فَأتي رجل من الْأَنْصَار فِي مَنَامه، قيل: أَمركُم رَسُول الله ﷺ أَن تسبحوا دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وتحمدوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وتكبروا أَرْبعا وَثَلَاثِينَ؟ قَالَ: نعم، فاجعلوها خمْسا وَعشْرين، فاجعلوا فِيهَا التهليل، فَلَمَّا أصبح أَتَى النَّبِي ﷺ ، فَذكر ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: إجعلوها كَذَلِك) . وَكَونه إِحْدَى عشرَة، كَمَا فِي بعض طرق حَدِيث ابْن عمر، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن الْبَزَّار، وَكَونه عشرا كَمَا فِي حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عِكْرِمَة بن عمار عَن إِسْحَاق بن عبد الله ابْن أبي طَلْحَة: (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله! عَلمنِي كَلِمَات أَدْعُو بِهن فِي صَلَاتي. فَقَالَ: سبحي الله عشرا. واحمديه عشرا، وكبريه عشرا، ثمَّ سَلِي حَاجَتك، يَقُول: نعم نعم) . رَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو يعلى فِي (مسنديهما) وَفِيه: نعم نعم نعم، ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ

стр. 1691

فِي حَدِيث عبد الله بن عمر، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (خصلتان لَا يحصيهما رجل مُسلم إلاّ دخل الْجنَّة) الحَدِيث. وَفِيه: (يسبح الله أحدكُم فِي دبر كل صَلَاة عشرا، ويحمد عشرا، وَيكبر عشرا) . الحَدِيث فَهِيَ خَمْسُونَ وَمِائَة بِاللِّسَانِ، وَألف وَخَمْسمِائة فِي الْمِيزَان، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث سعد بن أبي وَقاص، أخرجه النَّسَائِيّ فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة، من رِوَايَة مُوسَى الْجُهَنِيّ: عَن مُصعب بن سعد عَن سعد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يمْنَع أحدكُم أَن يسبح دبر كل صَلَاة عشرا، وَيكبر عشرا ويحمد عشرا؟) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَحْمد فِي رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب عَن أَبِيه (عَن عَليّ أَن رَسُول الله ﷺ لما زوجه فَاطِمَة) الحَدِيث، وَفِيه: (تسبحان لله فِي دبر كل صَلَاة عشرا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا) ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أم مَالك الْأَنْصَارِيَّة، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب: عَن يحيى بن جعدة عَن رجل حَدثهُ، (عَن أم مَالك الْأَنْصَارِيَّة: قَالَ رَسُول الله ﷺ : هَنِيئًا لَك يَا أم مَالك بركَة عجل الله ثَوَابهَا، ثمَّ علمهَا فِي دبر كل صَلَاة: سُبْحَانَ الله عشرا، وَالْحَمْد لله عشرا، وَالله أكبر عشرا) . وَكَونه سِتا، كَمَا فِي حَدِيث أنس فِي بعض طرقه، وَمرَّة وَاحِدَة، كَمَا فِي بعض طرق حَدِيثه، أَيْضا، وَكَونه سبعين مرّة كَمَا فِي حَدِيث زميل الْجُهَنِيّ أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة أبي مشجعَة بن ربعي الْجُهَنِيّ: (عَن زميل الْجُهَنِيّ، قَالَ: كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، إِذا صلى الصُّبْح قَالَ، وَهُوَ ثَان رجله: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، واستغفر الله، إِنَّه كَانَ تَوَّابًا، سبعين مرّة، ثمَّ يَقُول: سبعين بسبعمائة. .) الحَدِيث. وَكَونه مائَة مرّة كَمَا فِي بعض طرق حَدِيث أبي هُرَيْرَة، أخرجه النَّسَائِيّ فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة، من رِوَايَة يَعْقُوب بن عَطاء: عَن عَطاء ابْن أبي عَلْقَمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من سبح فِي دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة مائَة، وَكبر مائَة وَحمد مائَة غفرت لَهُ ذنُوبه، وَإِن كَانَت أَكثر من زبد الْبَحْر) . ثمَّ الْجَواب عَن وَجه الْحِكْمَة فِي تعْيين هَذِه الْأَعْدَاد أَنه: يجب علينا أَولا: أَن نتمثل فِي ذَلِك وَإِن خَفِي علينا وَجهه، لِأَن كَلَام النَّبِي ﷺ لَا يَخْلُو عَن حكم. وَثَانِيا: نقُول بِمَا أوقع الله تَعَالَى فِي قُلُوبنَا من أنواره الَّتِي يتجلى بهَا فِي الغوامض، وَهُوَ أَن الِاخْتِلَاف فِي هَذِه الْأَعْدَاد الظَّاهِر أَنه بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال والأزمان والأشخاص، فَيمكن أَن يُقَال: فِي الذّكر مرّة، إِنَّهَا أدنى مَا يُقَال، لِأَنَّهَا مَا تحتهَا شَيْء. وَفِي السِّت: إِن الْأَيَّام سِتَّة، فَمن ذكر سِتّ مَرَّات فَكَأَنَّهُ ذكر فِي كل يَوْم مِنْهَا مرّة، فتستغرق أَيَّامه ببركة الذّكر. وَفِي الْعشْر: كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا بِالنَّصِّ. وَفِي إِحْدَى عشرَة كَذَلِك، وَلَكِن زِيَادَة الْوَاحِدَة عَلَيْهَا للجزم بتحقق الْعشْرَة. وَفِي خمس وَعشْرين إِن سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار أَربع وَعِشْرُونَ سَاعَة، فَمن ذكر خمْسا وَعشْرين فَكَأَنَّمَا ذكر فِي كل سَاعَة من سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار، وَالْوَاحد الزَّائِد للجزم بتحققها. وَفِي ثَلَاث وَثَلَاثِينَ إِنَّهَا إِذا ضوعفت ثَلَاث مَرَّات تكون تسعا وَتِسْعين، فَمن ذكر بِثَلَاث وَثَلَاثِينَ فَكَأَنَّمَا ذكر الله بأسمائه التِّسْعَة وَالتسْعين الَّتِي ورد بهَا الحَدِيث. وَفِي سبعين إِنَّه إِذا ذكر الله بِهَذَا الْعدَد يحصل لَهُ سَبْعمِائة ثَوَاب، لكل وَاحِد مِنْهَا عشرَة، وَقد صرح بذلك فِي حَدِيث زميل الْجُهَنِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَفِي مائَة: الْقَصْد فِيهَا الْمُبَالغَة فِي التكثير، لِأَنَّهَا الدرجَة الثَّالِثَة للأعداد. فَإِن قلت: إِذا نقص من هَذِه الْأَعْدَاد الْمعينَة أَو زَاد، هَل يحصل لَهُ الْوَعْد الَّذِي وعد لَهُ فِيهِ؟ قلت: ذكر شَيخنَا زين الدّين فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) قَالَ: كَانَ بعض مَشَايِخنَا يَقُول: إِن هَذِه الْأَعْدَاد الْوَارِدَة عقيب الصَّلَوَات أَو غَيرهَا من الْأَذْكَار الْوَارِدَة فِي الصَّباح والمساء وَغير ذَلِك، إِذا كَانَ ورد لَهَا عدد مَخْصُوص مَعَ ثَوَاب مَخْصُوص، فَزَاد الْآتِي بهَا فِي أعدادها عمدا لَا يحصل لَهُ ذَلِك الثَّوَاب الْوَارِد على الْإِتْيَان بِالْعدَدِ النَّاقِص، فَلَعَلَّ لتِلْك الْأَعْدَاد حِكْمَة، وخاصة تفوت بمجاوزة تِلْكَ الْأَعْدَاد وتعديها، وَلذَلِك نهى عَن الاعتداء فِي الدُّعَاء. انْتهى. قَالَ الشَّيْخ: فِيمَا قَالَه نظر، لِأَنَّهُ قد أَتَى بالمقدار الَّذِي رتب على الْإِتْيَان بِهِ ذَلِك الثَّوَاب، فَلَا تكون الزِّيَادَة مزيلة لذَلِك الثَّوَاب بعد حُصُوله عِنْد الْإِتْيَان بذلك الْعدَد. انْتهى. قلت: الصَّوَاب هُوَ الَّذِي قَالَه الشَّيْخ، لِأَن هَذَا لَيْسَ من الْحُدُود الَّتِي نهى عَن اعتدائها ومجاوزة أعدادها، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من قَالَ حِين يصبح وَحين يُمْسِي: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مائَة مرّة، لم يَأْتِ أحد يَوْم الْقِيَامَة بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ، إلاّ أحد قَالَ مثل مَا قَالَ أَو زَاد عَلَيْهِ. فَإِن قلت: الشَّرْط فِي هَذَا أَن يَقُول: الذّكر الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْعدَدِ مُتَتَابِعًا أم لَا؟ وَالشّرط أَن يكون فِي مجْلِس وَاحِد أم لَا؟ قلت: كل مِنْهُمَا لَيْسَ بِشَرْط، وَلَكِن الْأَفْضَل أَن يَأْتِي بِهِ مُتَتَابِعًا، وَأَن يُرَاعِي الْوَقْت الَّذِي عين فِيهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: من ذَلِك يتَعَلَّق بِهَذَا الحَدِيث الْمَسْأَلَة المشهودة فِي التَّفْضِيل بَين الْغَنِيّ الشاكر وَالْفَقِير الصابر، فَذهب الْجُمْهُور من الصُّوفِيَّة إِلَى تَرْجِيح الْفَقِير الصابر، لِأَن مدَار الطَّرِيق على تَهْذِيب النَّفس ورياضتها، وَذَلِكَ مَعَ الْفقر أَكثر

стр. 1692

مِنْهُ مَعَ الْغنى، فَكَانَ أفضل بِمَعْنى أشرف. وَذكر الْقُرْطُبِيّ: أَن فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خَمْسَة أَقْوَال: فَمن قَائِل بتفضيل الْغَنِيّ، من قَائِل بتفضيل الْفَقِير. وَمن قَائِل بتفضيل الكفاف. وَمن قَائِل برد هَذَا إِلَى اعْتِبَار أَحْوَال النَّاس فِي ذَلِك. وَمن قَائِل بِالْوَقْفِ لِأَنَّهَا مَسْأَلَة لَهَا غور، وفيهَا أَحَادِيث متعارضة. قَالَ: وَالَّذِي يظْهر لي أَن الْأَفْضَل مَا اخْتَارَهُ الله لنَبيه ﷺ ، ولجمهور صحابته، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ الْفقر غير المدقع، وَيَكْفِيك من هَذَا أَن فُقَرَاء الْمُسلمين يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم بِخَمْسِمِائَة عَام، وَأَصْحَاب الْأَمْوَال محبوسون على قنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار يسْأَلُون عَن فضول أَمْوَالهم. وَقَالَ ابْن بطال عَن الْمُهلب فِي هَذَا الحَدِيث: فضل الْغَنِيّ نصا لَا تَأْوِيلا إِذا اسْتَوَت أَعمال الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِيمَا افْترض الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا، فللغني حِينَئِذٍ فضل عمل الْبر من الصَّدَقَة وَنَحْوهَا، مِمَّا لَا سَبِيل للْفَقِير إِلَيْهِ. قَالَ: وَرَأَيْت بعض الْمُتَكَلِّمين ذهب إِلَى أَن الْفضل الْمُرَتّب على الذّكر يخص الْفُقَرَاء دون غَيرهم، قَالَ: وغفل عَن قَوْله: (إلاّ من عمل مثله) ، فَخص الْفضل لقائله كَائِنا من كَانَ، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: ظَاهر الحَدِيث الْقَرِيب من النَّص أَنه فضل الْغَنِيّ وَبَعض النَّاس، تَأَوَّلَه بِتَأْوِيل مستكره، قَالَ: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النّظر أَنَّهُمَا إِن تَسَاويا وفضلت الْعِبَادَة الْمَالِيَّة أَن يكون الْغَنِيّ أفضل، وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ، وَإِنَّمَا النّظر إِذا تَسَاويا وَانْفَرَدَ كل مِنْهُمَا بمصلحة مَا هُوَ فِيهِ، أَيهمَا أفضل؟ إِن فسر الْفضل بِزِيَادَة الثَّوَاب فَالْقِيَاس يَقْتَضِي أَن الْمصَالح المتعدية أفضل من القاصرة، فيترجح الْغَنِيّ، وَإِن فسر بالأشرف بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَات النَّفس، فَالَّذِي يحصل لَهَا من التَّطْهِير بِحَسب الْفقر أشرف، فيترجح الْفقر، وَمن ثمَّة ذهب جُمْهُور الصُّوفِيَّة إِلَى تَرْجِيح الْفَقِير الصابر. وَمن فَوَائِد الحَدِيث الْمَذْكُور: أَن الْعَالم إِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة يَقع فِيهَا الْخلاف أَن يُجيب بِمَا يلْحق بِهِ الْمَفْضُول دَرَجَة الْفَاضِل، وَلَا يُجيب بِنَفس الْفَاضِل، لِئَلَّا يَقع الْخلاف. أَلَا ترى أَنه ﷺ أجَاب بقوله: (أَلا أدلكم على أَمر تساوونهم فِيهِ) وَعدل عَن قَوْله: نعم هُوَ أفضل مِنْكُم بذلك. وَمِنْهَا: الْمُسَابقَة إِلَى الْأَعْمَال المحصلة للدرجات الْعَالِيَة لمبادرة الْأَغْنِيَاء إِلَى الْعَمَل بِمَا بَلغهُمْ، وَلم يُنكر عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ ، فيستنبط مِنْهُ أَن قَوْله: (إلاّ من عمل) ، عَام للْفُقَرَاء والأغنياء، والتأويل بِغَيْر ذَلِك يرد. وَمِنْهَا: فضل الذّكر عقيب الصَّلَوَات لِأَنَّهَا أَوْقَات فاضلة ترتجي فِيهَا إِجَابَة الدُّعَاء. وَمِنْهَا: أَن الْعَمَل الْقَاصِر قد يُسَاوِي الْمُتَعَدِّي، خلافًا لمن قَالَ: إِن الْمُتَعَدِّي أفضل مُطلقًا قلت: وَمِمَّا يُؤَيّدهُ أَن الثَّوَاب الَّذِي يُعْطِيهِ الله تَعَالَى لَا يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان بِحَسب الْأَذْكَار، وَلَا بِحَسب إِعْطَاء الْأَمْوَال، إِنَّمَا هُوَ ﴿فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ (الْمَائِدَة: ٥٤، الْحَدِيد: ٢١، وَالْجُمُعَة: ٤) . أَلا ترى إِلَى مَا رُوِيَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : عَن أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة سمي عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين أَتَوا رَسُول الله ﷺ . .) الحَدِيث. وَفِيه: (قَالَ أَبُو صَالح: فَرجع فُقَرَاء الْمُهَاجِرين إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالُوا: سمع إِخْوَاننَا إهل الْأَمْوَال مَا فعلنَا فَفَعَلُوا مثله، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ (الْمَائِدَة: ٥٤، الْحَدِيد: ٢١، وَالْجُمُعَة: ٤) . وَمِنْهَا: يفهم مِنْهُ أَنه لَا بَأْس أَن يغبط الرجل الرجل على مَا يَفْعَله من أَعمال الْبر، وَأَنه يتَمَنَّى أَن لَو فعل مثل مَا فعله، ويتسبب فِي تَحْصِيله لذَلِك أَو لما يقوم مقَامه من أَعمال الْبر، وَقد قَالَ ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (لَا حسد إلاّ فِي اثْنَتَيْنِ. .) الحَدِيث. وَأطلق هُنَا الْحَسَد وَأَرَادَ بِهِ الْغِبْطَة، فَأَما حَقِيقَة الْحَسَد فمذموم، وَهُوَ: تمني زَوَال نعْمَة الْمَحْسُود، كحسد إِبْلِيس لآدَم، ﵊، على تَفْضِيل الله لَهُ عَلَيْهِ، وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فضل الله بَعْضكُم على بعض﴾ (الْمَائِدَة: ٥٤) . فَهُوَ تمني مَا لَا يُمكن حُصُوله مِمَّا خص الله غَيره بِهِ، كتمني النِّسَاء مَا خص الله بِهِ الرِّجَال من الْإِمَامَة وَالْأَذَان، وَجعل الطَّلَاق إلَيْهِنَّ، وكتمني أحد من هَذِه الْأمة أَن يكون نَبيا بَعْدَمَا أخبر الله تَعَالَى أَن نَبينَا، ﷺ ، خَاتم الْأَنْبِيَاء. ٨٤٤ - ح دثنا مُحَمَّد بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عنْ وَرَّادٍ كاتِبِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قالَ أمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بنُ شعْبَة فِي كِتَابٍ إِلَى مُعاوِيةَ إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَا إلَهَ إلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وَهْوَ علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ ولَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ. .

стр. 1693

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: عبد الْملك بن عُمَيْر، بِضَم الْعين، تقدم فِي: بَاب أهل الْعلم أَحَق بِالْإِمَامَةِ. الرَّابِع: وراد، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة. الْخَامِس: الْمُغيرَة بن شُعْبَة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رجال إِسْنَاده كلهم كوفيون مَا خلا مُحَمَّد بن يُوسُف. وَفِيه: عَن وراد، وَفِي رِوَايَة مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنِي وراد. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن مُوسَى عَن أبي عوَانَة، وَفِي الرقَاق عَن عَليّ بن مُسلم وَفِي الْقدر عَن مُحَمَّد بن سِنَان وَفِي الدَّعْوَات عَن قُتَيْبَة وَفِي الصَّلَاة، وَقَالَ الْحَاكِم: عَن الْقَاسِم. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي بكر وَأبي كريب وَأحمد بن سِنَان وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن حَامِد بن عَمْرو عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن الْحسن بن إِسْمَاعِيل. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أمْلى عَليّ الْمُغيرَة) ، وَكَانَ الْمُغيرَة إِذْ ذَاك أَمِيرا على الْكُوفَة من قبل مُعَاوِيَة، وَعند أبي دَاوُد: (كتب مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغيرَة: أَي شَيْء كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا سلم من الصَّلَاة؟ فَكتب إِلَيْهِ الْمُغيرَة. .) . وَعند ابْن خُزَيْمَة: (يَقُول عِنْد انْصِرَافه من الصَّلَاة: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير، ثَلَاث مَرَّات) . وَعند السراج: حَدثنَا زِيَاد بن أَيُّوب حَدثنَا مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن عُثْمَان بن حَكِيم سَمِعت مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ سَمِعت مُعَاوِيَة يَقُول: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي دبر كل صَلَاة، إِذا انْصَرف: اللَّهُمَّ لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد) . وَفِي لفظ: (إِن الله لَا مُؤخر لما قدم، وَلَا مقدم لما أخر، وَلَا معطي لما منع وَلَا مَانع لما أعْطى، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد، وَمن يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين) . وَفِي لفظ: (إِنَّه لَا مُؤخر لما قدمت، وَلَا مقدم لما أخرت. .) . الحَدِيث كُله بتاء الْخطاب. فَإِن قلت: إِن مُعَاوِيَة إِذا كَانَ قد سمع هَذَا من رَسُول الله ﷺ ، فَكيف يسْأَل عَنهُ؟ قلت: أَرَادَ أَن يستثبت ذَلِك، وَينظر هَل رَوَاهُ غَيره أَو نسي بعض حُرُوفه أَو مَا أشبه ذَلِك؟ كَمَا جرى لجَابِر بن عبد الله فِي سُؤَاله عقبَة بن عَامر عَن حَدِيث سَمعه، وَأَرَادَ أَن ينظر هَل رَوَاهُ غَيره؟ قَوْله: (فِي دبر كل صَلَاة) ، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وسكونها أَي: عقيب كل صَلَاة مَكْتُوبَة، أَي: فَرِيضَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (كَانَ يَقُولهَا فِي دبر كل صَلَاة) ، وَلم يقل: مَكْتُوبَة. قَوْله: (لَا إِلَه إِلَّا الله. .) إِلَى آخِره، كلمة تَوْحِيد بِالْإِجْمَاع، وَهِي مُشْتَمِلَة على النَّفْي وَالْإِثْبَات. فَقَوله: (لَا إِلَه) ، نفي الألوهية عَن غير الله. وَقَوله (إِلَّا الله) إِثْبَات الألوهية لله تَعَالَى، وبهاتين الصفتين صَار هَذَا كلمة التَّوْحِيد وَالشَّهَادَة. وَقد قيل: إِن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات، وَمن الْإِثْبَات نفي، وَأَبُو حنيفَة يَقُول: الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي لَيْسَ بِإِثْبَات، وَاسْتدلَّ بقوله ﷺ : (لَا نِكَاح إِلَّا بولِي، وَلَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور) ، فَإِنَّهُ لَا يجب تحقق النِّكَاح عِنْد الْوَلِيّ، وَلَا يجب تحقق الصَّلَاة عِنْد الطّهُور، لتوقفه على شَرَائِط أخر. وأوردوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير لَا يكون كلمة التَّوْحِيد تَاما لِأَنَّهُ يكون المُرَاد مِنْهَا نفي الألوهية عَن غير الله تَعَالَى، وَلَا يلْزم مِنْهُ إِثْبَات الألوهية لله تَعَالَى، وَهَذَا لَيْسَ بتوحيد. وَالْجَوَاب عَن هَذَا: أَن مُعظم الْكفَّار كَانُوا أشركوا وَفِي عُقُولهمْ وجود الإل هـ ثَابت، فسيق لنفي الْغَيْر، ثمَّ يلْزم مِنْهُ وجوده تَعَالَى. ثمَّ إعلم أَن: إلاّ، هَهُنَا بِمَعْنى: غير، وَخبر: لَا، الَّتِي لنفي الْجِنْس مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا إِلَه مَوْجُود غير الله، وَلِهَذَا لم ينْتَصب إلاّ الله، لِأَن الْمُسْتَثْنى إِنَّمَا ينْتَصب إِمَّا وجوبا، وَإِمَّا جَوَازًا فِي مَوَاضِع مَخْصُوصَة، وَقد عرف فِي مَوْضِعه، وَأما إِذا كَانَت: إلاّ، للصفة لم يجب النصب فَيتبع الْمَوْصُوف، والموصوف هَهُنَا مَرْفُوع وَهُوَ: مَوْجُود، فَيتبع الْمُسْتَثْنى موصوفه. قَوْله: (وَحده) ، نصب على الْحَال، تَقْدِيره: ينْفَرد وَحده، فَإِن قلت: شَرط الْحَال أَن تكون نكرَة وَهَذَا معرفَة؟ قلت: لأجل ذَلِك أول بِمَا ذكرنَا، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله: (وأرسلها العراك) أَي: أرسل الْحمار تعترك العراك. قَوْله: (لَا شريك لَهُ) ، تَأْكِيد لقَوْله: (وَحده) ، لِأَن المتصف بالوحدانية لَا شريك لَهُ. قَوْله: (لَهُ الْملك) ، بِضَم الْمِيم بعم، وبكسرها يخص، فَلذَلِك قيل: الْملك من الْملك بِالضَّمِّ، وَالْمَالِك من الْملك بِالْكَسْرِ،

стр. 1694

وَقيل: الْمَالِك أبلغ فِي الْوَصْف لِأَنَّهُ يُقَال: مَالك الدَّار وَمَالك الدَّابَّة، وَلَا يُقَال: ملك إِلَّا لملك من الْمُلُوك. وَقيل: ملك أبلغ فِي الْوَصْف لِأَنَّك إِذا قلت: فلَان ملك هَذِه الْبَلدة يكون كِنَايَة عَن الْولَايَة دون الْملك، وَإِذا قلت: فلَان مَالك هَذِه الْبَلدة كل ذَلِك عبارَة عَن الْملك الْحَقِيقِيّ. وَقَالَ قطرب: الْفرق بَينهمَا أَن ملكا الْملك من الْمُلُوك، وَأما مَالك فَهُوَ مَالك الْمُلُوك، وَقد فسر الْملك فِي الْقُرْآن على معَان مُخْتَلفَة، وَالْمعْنَى هَهُنَا: لَهُ جَمِيع أَصْنَاف الْمَخْلُوقَات. قَوْله: (وَله الْحَمد) ، أَي: جَمِيع حمد أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَجَمِيع أَصْنَاف المحامد الَّتِي بالأعيان والأعراض، بِنَاء على أَن الْألف وَاللَّام لاستغراق الْجِنْس عندنَا، وَلما كَانَ الله مَالك الْملك كُله اسْتحق أَن تكون جَمِيع المحامد لَهُ دون غَيره، فَلَا يجوز أَن يحمد غَيره. وَأما قَوْلهم: حمدت فلَانا على صَنِيعه كَذَا، أَو حمدت الْجَوْهَرَة على صفائها، فَذَاك حمد للخالق فِي الْحَقِيقَة، لِأَن حمد الْمَخْلُوق على فعل أَو صفة حمد للخالق فِي الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَهُوَ على كل شَيْء قدير) ، من بَاب التتميم والتكميل، لِأَن الله تَعَالَى، لما كَانَت الوحدانية لَهُ وَالْملك لَهُ وَالْحَمْد لَهُ، فبالضرورة يكون قَادِرًا على كل شَيْء، وَذكره يكون للتتميم والتكميل، والقدير إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى: كالقادر والمقتدر، وَله الْقُدْرَة الْكَامِلَة الباهرة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض قَوْله: (لما أَعْطَيْت) أَي: الَّذِي أَعْطيته، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي قَوْله: (لما منعت) أَي: الَّذِي منعته. قَوْله: (وَلَا ينفع ذَا الْجد) الْجد، بِالْفَتْح: الْغنى، كَمَا فسره الْحسن الْبَصْرِيّ على مَا يَأْتِي ذكره عَن قريب، وَكَذَا قَالَ الْخطابِيّ، وَيُقَال: هُوَ الْحَظ وَالْبخْت وَالْعَظَمَة، وَكلمَة: من، بِمَعْنى الْبَدَل، كَقَوْل الشَّاعِر: (فليت لنا من مَاء زَمْزَم شربة ... مبردة باتت على الطهيان) يُرِيد: لَيْت لنا بدل مَاء زَمْزَم، والطهيان اسْم لبرادة. قلت: الطهيان، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَالْهَاء وَالْيَاء آخر الْحُرُوف: خَشَبَة يبرد عَلَيْهَا المَاء، ويروى: فليت لنا من مَاء حمنان شربة و: حمنان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالنونين بَينهمَا ألف: اسْم مَوضِع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: معنى: مِنْك، هُنَا: عنْدك، أَي: لَا ينفع ذَا الْغنى عنْدك غناهُ، إِنَّمَا يَنْفَعهُ الْعَمَل الصَّالح. وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّحِيح عِنْدِي أَنَّهَا لَيست للبدل، وَلَا بِمَعْنى: عِنْد، بل هُوَ كَمَا يَقُول: لَا ينفعك مني شَيْء إِن أَنا أردتك بِسوء. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : من، فِيهِ كَمَا فِي قَوْلهم: هُوَ من ذَاك، أَي: بدل ذَاك، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو نشَاء لجعلنا مِنْهُم مَلَائِكَة﴾ (الزخرف: ٦٠) . أَي: الْمَحْفُوظ لَا يَنْفَعهُ حَظه بدلك أَي بدل طَاعَتك، وَقَالَ التوربشتي: لَا ينفع ذَا الْغنى مِنْك غناء، وَإِنَّمَا يَنْفَعهُ الْعَمَل بطاعتك. فَمَعْنَى: مِنْك، عنْدك، وَقَالَ ابْن هِشَام: من، تَأتي على خَمْسَة عشر معنى، فَذكر الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث وَالرَّابِع، ثمَّ قَالَ: الْخَامِس الْبَدَل نَحْو: ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ (التَّوْبَة: ٣٨) . ﴿لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون﴾ (الزخرف: ٦٠) . لِأَن الْمَلَائِكَة لَا تكون من الْأنس. ثمَّ قَالَ: (وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد) أَي: وَلَا ينفع ذَا الْحَظ حَظه من الدُّنْيَا بدلك، أَي: بدل طَاعَتك، أَو بدل حظك، أَي: بدل حَظه مِنْك. وَقيل: ضمن: ينفع، بِمَعْنى: يمْنَع، وَمَتى علقت من بالجد انعكس الْمَعْنى. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: قَوْله: (مِنْك) ، يجب أَن يتَعَلَّق: بينفع، وَيَنْبَغِي أَن يكون: ينفع، قد ضمن معنى: يمْنَع، وَمَا قاربه، وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق: مِنْك، بالجد. كَمَا يُقَال: حظي مِنْك كثير، لِأَن ذَلِك نَافِع. ثمَّ الْجد، بِفَتْح الْجِيم فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَمَعْنَاهُ: الْغنى، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَحكى الرَّاغِب: قيل: إِن المُرَاد بالجد أَب الْأَب، وَأب الْأُم، أَي: لَا ينفع أحدا نسبه، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَلَا أَنْسَاب بَينهم﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٠١) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: حُكيَ عَن ابْن عمر والشيباني أَنه رَوَاهُ بِالْكَسْرِ، وَقَالَ: مَعْنَاهُ لَا ينفع ذَا الِاجْتِهَاد اجتهده، وَأنْكرهُ الطَّبَرِيّ، وَقَالَ الْقَزاز فِي تَوْجِيه إِنْكَاره: الِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل نَافِع لِأَن الله قد دَعَا الْخلق إِلَى ذَلِك، فَكيف لَا ينفع عِنْده؟ قَالَ: فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد الِاجْتِهَاد فِي طلب الدُّنْيَا وتضييع أَمر الْآخِرَة. وَقَالَ غَيره: لَعَلَّ المُرَاد إِنَّه: لَا ينفع بِمُجَرَّدِهِ مَا لم يقارنه الْقبُول، وَذَلِكَ لَا يكون إلاّ بِفضل الله وَرَحمته. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور فتح الْجِيم، وَمَعْنَاهُ: لَا ينفع ذَا الْغنى مِنْك غناهُ، أَو لَا ينجيه حظك مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَنْفَعهُ الْعَمَل الصَّالح. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب هَذَا الذّكر عقيب الصَّلَوَات لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من أَلْفَاظ التَّوْحِيد، وَنسبَة الْأَفْعَال إِلَى الله تَعَالَى، وَالْمَنْع وَالعطَاء، وَتَمام الْقُدْرَة وروى ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث أبي بكر: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يَقُول فِي دبر الصَّلَوَات: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْكفْر والفقر وَعَذَاب الْقَبْر) . وروى

стр. 1695

أَيْضا عَن عقبَة بن عَامر، قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : إقرأ المعوذات فِي دبر كل صَلَاة) . وَعند النَّسَائِيّ: (إقرأ المعوذتين) ، وَفِي (كتاب الْيَوْم وَاللَّيْلَة) لأبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: (من قَالَ حِين ينْصَرف من صَلَاة الْغَدَاة، قبل أَن يتَكَلَّم: لَا إِلَه إلاّ الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير، عشر مَرَّات، أعطي بِهن سبع خِصَال، وَكتب لَهُ عشر حَسَنَات، ومحي عَنهُ بِهن عشر سيئات، وَرفع لَهُ بِهن عشر دَرَجَات، وَكن لَهُ عدل عشر نسمات، وَكن لَهُ عصمَة من الشَّيْطَان وحرزا من الْمَكْرُوه، وَلَا يلْحقهُ فِي يَوْمه ذَلِك ذَنْب إلاّ الشّرك بِاللَّه وَمن قالهن حِين ينْصَرف من صَلَاة الْمغرب أعطي مثل ذَلِك) وَفِي لفظ (من قَالَ بعد الْفجْر ثَلَاث مَرَّات، وَبعد الْعَصْر: أسْتَغْفر الله الْعَظِيم الَّذِي لَا إِلَه إلاّ هُوَ وَأَتُوب إِلَيْهِ، كفرت ذنُوبه، وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر) . وَعَن أبي أُمَامَة: (من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ، وَقل هُوَ الله أحد، دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة لم يمنعهُ من دُخُول الْجنَّة إلاّ الْمَوْت) . رَوَاهُ ابْن السّني من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن دَاوُد بن إِبْرَاهِيم الذهلي عَن أبي أُمَامَة. وَفِي (كتاب عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة) لأبي نعيم الْحَافِظ من حَدِيث الْقَاسِم عَنهُ: (مَا يفوت النَّبِي ﷺ فِي دبر صَلَاة مَكْتُوبَة وَلَا تطوع إلَاّ سمعته يَقُول: اللَّهُمَّ إغفر لي خطاياي كلهَا، اللَّهُمَّ إهدني لصالح الْأَعْمَال والأخلاق إِنَّه لَا يهدي لصالحها وَلَا يصرف بسيئها إِلَّا أَنْت) وروى الثَّعْلَبِيّ فِي (تَفْسِيره) من حَدِيث أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أوحى الله تَعَالَى إِلَى مُوسَى، ﵊: من داوم على قِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ دبر كل صَلَاة أَعْطيته أجر الْمُتَّقِينَ وأعمال الصديقين. فَائِدَة: قد دارت على ألسن النَّاس زِيَادَة لفظ فِي حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ: (وَلَا رادَّ لما قضيت) ، وَهَذِه الزِّيَادَة فِي مُسْند عبد بن حميد، من رِوَايَة معمر عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، لَكِن حذف قَوْله: (وَلَا معطي لما منعت) . وَقَالَ شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بِهذَا أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن شُعْبَة أَيْضا روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، كَمَا رَوَاهُ سُفْيَان عَنهُ، وَوَصله السراج فِي (مُسْنده) : حَدثنَا معَاذ بن الْمثنى، حَدثنِي أبي عَن شُعْبَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، قَالَ: سَمِعت ورَّادا. . إِلَى آخِره. وَقَالَ الحسَنُ الجَدُّ: غنى أَي: الْحسن الْبَصْرِيّ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْحسن فسر لفظ. جد، فِي الحَدِيث: بالغنى. قَوْله: (جد) ، بِالرَّفْع بِلَا تَنْوِين على سَبِيل الْحِكَايَة، وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (غنى) ، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي رَجَاء، وَعبد بن حميد من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، كِلَاهُمَا عَن الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ تَعَالَى جد رَبنَا﴾ (الْجِنّ: ٣) . قَالَ: غنى رَبنَا، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة: قَالَ الْحسن: الْجد غنى، وَهَذَا الْأَثر لَيْسَ بموجود فِي أَكثر الرِّوَايَات. وعنِ الحَكَمِ عنِ القَاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَة عنْ وَرَّادٍ بِهذَا هَذَا التَّعْلِيق وَصله السراج وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان عَن شُعْبَة، قَالَ: حَدثنِي الحكم بن عتيبة عَن الْقَاسِم بن مخيمرة عَن وراد. . إِلَى آخِره كَلَفْظِ عبد الْملك بن عُمَيْر، إلاّ أَنهم قَالُوا فِيهِ: إِذا قضى صلَاته وَسلم قَالَ. . إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَقع هَكَذَا مُؤَخرا عَن أثر الْحسن. فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِالْعَكْسِ، لِأَن قَوْله: (عَن الحكم) مَعْطُوف على قَوْله: (عَن عبد الْملك) ، وَقَوله: (قَالَ الْحسن: الْجد غنى) ، معترض بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ. ١٥٦ - بابٌ يَسْتَقْبِلُ الإمَامُ النَّاسَ إذَا سَلَّمَ أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمَة يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم فِي آخر صلَاته. ٢٢٨ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا جرير بن حَازِم قَالَ حَدثنَا أَبُو رَجَاء عَن سَمُرَة بن جُنْدُب. قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا صلى صَلَاة أقبل علينا بِوَجْهِهِ)

стр. 1696

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الإقبال إِلَيْهِم بِوَجْهِهِ هُوَ الِاسْتِقْبَال إيَّاهُم (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة كلهم قد ذكرُوا وَأَبُو رَجَاء بخفة الْجِيم وبالمد اسْمه عمرَان بن تيم وَيُقَال ابْن ملْحَان العطاردي وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ مقطعا فِي الصَّلَاة وَفِي الْجِنَازَة وَفِي الْبيُوع وَفِي الْجِهَاد وَفِي بَدْء الْخلق وَفِي صَلَاة اللَّيْل وَفِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الصَّلَاة وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي التَّفْسِير وَفِي التَّعْبِير عَن مُؤَمل بن هِشَام عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار عَن بنْدَار عَن وهب بن جرير عَن أَبِيه بِهِ مُخْتَصرا كَمَا هَا هُنَا وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَالْحكمَة فِي اسْتِقْبَال الْمَأْمُومين أَن يعلمهُمْ مَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ كَذَا قيل (قلت) فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يفعل هَذَا من كَانَ حَاله مثل حَال النَّبِي ﷺ َ - من قصد التَّعْلِيم وَالْمَوْعِظَة وَقيل الْحِكْمَة فِيهِ تَعْرِيف الدَّاخِل لِأَن الصَّلَاة انْقَضتْ إِذْ لَو اسْتمرّ الإِمَام على حَاله لأوهم أَنه فِي التَّشَهُّد مثلا - ٨٤٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسَانَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عبْد الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عنْ زيْدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ أنَّهُ قالَ صلَّى لَنَا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ علَى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ فلمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فقالَ هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قَالَ ربُّكُمْ قالُو الله ورسولُهُ أعْلَمُ قَالَ أصْبَحَ مِنْ عِبَادي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ فأمَّا منْ قالَ مُطِرْنا بفَضْلِ الله ورَحْمَتِهِ فذلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بالكوْكَبِ وأمَّا مَنْ قَالَ بنَوْءٍ كَذَا وكذَا فذَلِكَ كافِرٌ بِي ومُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا انْصَرف أقبل على النَّاس) أَي: فَلَمَّا انْصَرف من الصَّلَاة اسْتقْبل النَّاس ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبيد الله بن عبد الله بتصغير العَبْد فِي الابْن وتكبيره فِي الْأَب. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. غير أَن صَالح بن كيسَان صرح بِسَمَاعِهِ لَهُ من عبيد الله عِنْد أبي عوَانَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِسْقَاء عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك، وَفِي الْمَغَازِي عَن خَالِد بن مخلد وَفِي التَّوْحِيد عَن مُسَدّد مُخْتَصرا. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطِّبّ عَن القعْنبِي بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن مسلمة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صلى لنا) أَي: لأجلنا، وَيجوز أَن تكون: اللَّام، بِمَعْنى: الْبَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ صلى بِنَا. قَوْله: (بِالْحُدَيْبِية) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف المخففة عِنْد الْبَعْض وبتشديدها عِنْد أَكثر الْمُحدثين، وَفِي كتاب (الْعِلَل) لعَلي الْمَدِينِيّ: الحجازيون ويخففون الْيَاء والعراقيون من الْمُحدثين يشددونها، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْحُدَيْبِيَة قَرْيَة قريبَة من مَكَّة سميت ببئر هُنَاكَ، وَهِي مُخَفّفَة، وَكثير من الْمُحدثين يشددونها. قلت: الصَّوَاب بِالتَّخْفِيفِ لِأَنَّهَا تَصْغِير: حدباء، سميت بشجرة هُنَاكَ حدباء بَعْضهَا فِي الْحل وَبَعضهَا فِي الْحرم، وَهِي أبعد أَطْرَاف الْحرم عَن الْبَيْت، وَهِي الْموضع الَّذِي صد فِيهِ الْمُشْركُونَ رَسُول الله ﷺ ، عَن زِيَارَة الْبَيْت. وَفِي الْحُدَيْبِيَة كَانَت بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة. قَالَ الرشاطي: وَفِي كتاب البُخَارِيّ، قَالَ اللَّيْث: عَن يحيى عَن ابْن الْمسيب، قَالَ: وَقعت الْفِتْنَة الأولى يَعْنِي: بقتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَلم تبْق من أَصْحَاب بدر وَاحِدًا، ثمَّ وَقعت الثَّانِيَة، يَعْنِي الْحرَّة، فَلم تبقِ من أَصْحَاب الْحُدَيْبِيَة أحدا، ثمَّ وَقعت الثَّالِثَة فَلم ترْتَفع وَلِلنَّاسِ طباخ. قلت: الطباخ، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف خاء مُعْجمَة، وأصل الطباخ: الْقُوَّة وَالسمن، ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيره، فَقيل: فلَان لَا طباخ لَهُ، أَي: لَا عقل لَهُ وَلَا خير عِنْده، وَالْمعْنَى هَهُنَا، أَن الْفِتْنَة الثَّالِثَة لم تبقِ فِي النَّاس

стр. 1697

من الصَّحَابَة أحدا، وَكَانَت غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ من الْهِجْرَة بِلَا خلاف، وَمِمَّنْ نَص على ذَلِك الزُّهْرِيّ وَنَافِع مولى ابْن عمر وَقَتَادَة ومُوسَى بن عقبَة وَمُحَمّد بن إِسْحَاق. قَوْله: (على إِثْر سَمَاء) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة على الْمَشْهُور، وَرُوِيَ، بأثر سَمَاء، بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الثَّاء أَيْضا، وَهُوَ: مَا يكون عقيب الشَّيْء، وَالْمرَاد من السَّمَاء: الْمَطَر، وَأطلق عَلَيْهَا: سَمَاء، لكَونهَا تنزل من جِهَة السَّمَاء، وكل جِهَة علو تسمى: سَمَاء. قَوْله: (كَانَت من اللَّيْل) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (من اللَّيْلَة) بِالْإِفْرَادِ، وَالسَّمَاء تذكر وتؤنث إِذا لم يرد بهَا الْمَطَر. فَإِن قلت: هَهُنَا قد أُرِيد بهَا الْمَطَر، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن تذكر؟ قلت: ذَاك على لَفظهَا لَا مَعْنَاهَا. قَوْله: (فَلَمَّا انْصَرف) أَي: من صلَاته. قَوْله: (هَل تَدْرُونَ؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل التَّنْبِيه، وَوَقع عِنْد النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَن صَالح: (ألم تسمعوا مَا قَالَ ربكُم اللَّيْلَة؟) وَهَذَا من الْأَحَادِيث القدسية. قَوْله: (أصبح من عبَادي) ، هَذِه الْإِضَافَة فِيهِ تدل على الْعُمُوم بِدَلِيل التَّقْسِيم إِلَى مُؤمن وَكَافِر، بِخِلَاف مثل الْإِضَافَة فِي قَوْله: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ (الْحجر: ٤٢، والإسراء: ٦٥) . فَإِن الْإِضَافَة فِيهِ للتشريف. قَوْله: (مُؤمن بِي وَكَافِر) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الْكفْر كفر الشّرك بِقَرِينَة مُقَابلَته بِالْإِيمَان، وَيُقَوِّي هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة نصر بن عَاصِم اللَّيْثِيّ عَن مُعَاوِيَة اللَّيْثِيّ مَرْفُوعا: (يكون النَّاس مجدبين فَينزل الله عَلَيْهِم رزقا من رزقه، فيصبحون مُشْرِكين يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا) . وَعَن هَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ الْكفْر الْحَقِيقِيّ، لِأَنَّهُ قابله بِالْإِيمَان حَقِيقَة، وَذَاكَ فِي حق من اعْتقد أَن الْمَطَر من فعل الْكَوَاكِب، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ كفر النِّعْمَة إِذا اعْتقد أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي خلق الْمَطَر واخترعه، ثمَّ تكلم بِهَذَا القَوْل، فَهُوَ مخطىء لَا كَافِر، وخطؤه من وَجْهَيْن: الأول: مُخَالفَته للشَّرْع. وَالثَّانِي: تشبهه بِأَهْل الْكفْر فِي قَوْلهم، وَذَلِكَ لَا يجوز، لأَنا أمرنَا بمخالفتهم. فَقَالَ: (خالفوا الْمُشْركين وخالفوا الْيَهُود) ، ونهينا عَن التَّشَبُّه بهم، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْأَمر بمخالفتهم فِي الْأَفْعَال والأقوال، فَلَو قَالَ: نَظِير هَذَا اللَّفْظ الْمَمْنُوع مِنْهُ يُرِيد الْإِخْبَار عَمَّا أجْرى الله بِهِ سنته جَازَ، كَمَا قَالَ ﷺ : (إِذا أنشأت بحريّة ثمَّ تشاءمت فَتلك عين غديقة) . قَوْله: (بِنَوْء كَذَا وَكَذَا) ، النوء، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره همزَة، قَالَ الْخطابِيّ: النوء: الْكَوْكَب، وَلذَلِك سموا نُجُوم منَازِل الْقَمَر: الأنواء، وَإِنَّمَا سمي النَّجْم نوأ لِأَنَّهُ ينوء طالعا عِنْد مغيب مُقَابِله نَاحيَة الْمغرب. وَقَالَ ابْن الصّلاح: النوء فِي أَصله لَيْسَ نفس الْكَوْكَب، فَإِنَّهُ مصدر: ناء النَّجْم إِذا سقط وَغَابَ، وَقيل: أَي نَهَضَ وطلع. وَقَالَ أَبُو عبيد: الأنواء ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ نجما مَعْرُوفَة الْمطَالع فِي أزمنة السّنة كلهَا، يسْقط مِنْهَا فِي كل ثَلَاث عشرَة لَيْلَة نجم فِي الْمغرب مَعَ طُلُوع الْفجْر، ويطلع آخر مُقَابِله فِي الْمشرق من سَاعَته، وَإِنَّمَا سمي نوأً لِأَنَّهُ إِذا سقط السَّاقِط ناء الطالع، وَذَلِكَ النهوض هُوَ النوء، وانقضاء هَذِه الثَّمَانِية وَالْعِشْرين مَعَ انْقِضَاء السّنة، وَكَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا سقط مِنْهَا نجم وطلع آخر يَقُولُونَ: لَا بُد أَن يكون عِنْد ذَلِك مطر أَو ريح فَيَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا، أَي: الْمَطَر كَانَ من أجل أَن الْكَوْكَب ناء، وَأَنه هُوَ الَّذِي هاجه. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الساقطة مِنْهَا فِي الْمغرب هِيَ: الأنواء، والطالعة مِنْهَا هِيَ: البوارح، وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : وَقد أجَاز الْعلمَاء أَن يُقَال: مُطِرْنَا فِي نوء كَذَا، وَلَا يُقَال بِنَوْء كَذَا، ويحكى عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول: مُطِرْنَا بِنَوْء الله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَة: مُطِرْنَا بِنَوْء الْفَتْح، ثمَّ يَتْلُو: ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا﴾ (فاطر: ٢) . وَفِي (الأنواء الْكَبِير) لأبي حنيفَة: الَّذِي عِنْدِي فِي الحَدِيث أَن الْمَطَر كَانَ من أجل أَن الْكَوْكَب ناء، وَأَنه هُوَ الَّذِي هاجه. وَأما من زعم أَن الْغَيْث يحصل عِنْد سُقُوط الثريا فَهَذَا، وَمَا أشبهه، إِنَّمَا هُوَ إِعْلَام للأوقات والفصول، وَلَيْسَ من وَقت وَلَا زمن إلاّ وَهُوَ مَعْرُوف بِنَوْع من مرافق الْعباد يكون فِيهِ دون غَيره، وَقد قَالَ عمر للْعَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ: يَا عَم رَسُول الله ﷺ ! كم بَقِي علينا من نوء الثريا؟ فَإِن الْعلمَاء يَزْعمُونَ أَنَّهَا تعترض بالأفق سبعا. قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لأمر أَخطَأ الله نوأها، يُرِيد أخطأها الْغَيْث، فَلَو لم يدلك على افْتِرَاق المذهبين فِي ذكر الأنواء، إلاّ هَذَانِ الخبران لكفى بهما دَلِيلا. قَوْله: (مُطِرْنَا بِنَوْء كدا وَكَذَا) قد عرف أَن كَذَا يرد على ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن تكون كَلِمَتَيْنِ باقيتين على أَصلهمَا وهما: كَاف، التَّشْبِيه. و: ذَا، الإشارية، كَقَوْلِك: رَأَيْت زيدا فَاضلا، وَرَأَيْت عمرا كَذَا، وَيدخل عَلَيْهَا: هَاء التَّنْبِيه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿هَكَذَا عرشك﴾ (النَّمْل: ٤٢) . الثَّانِي: أَن تكون كلمة وَاحِدَة مركبة من كَلِمَتَيْنِ مكنيا بهَا عَن غير عدد، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: أَنه يُقَال للْعَبد يَوْم الْقِيَامَة: (أَتَذكر يَوْم كَذَا وَكَذَا؟ فعلت كَذَا وَكَذَا؟) . وَالثَّالِث: أَن تكون كلمة وَاحِدَة مركبة مكنيا بهَا عَن الْعدَد، وَالَّذِي هَهُنَا من هَذَا الْقسم، وَفِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد النَّسَائِيّ

стр. 1698

(مُطِرْنَا بِنَوْء المجدح) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح الدَّال بعْدهَا حاء مُهْملَة. وَيُقَال: بِضَم أَوله، وَهُوَ: الدبران، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء، سمي بذلك لاستدباره الثريا، وَهُوَ نجم أَحْمَر مُنِير. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كل النُّجُوم الْمَذْكُورَة لَهَا نوء، وَغير أَن بَعْضهَا أَحْمَر وأغزر من غَيره، ونوء الدبران غير مَحْمُود عِنْدهم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: طرح الإِمَام الْمَسْأَلَة على أَصْحَابه تَنْبِيها لَهُم أَن يتأملوا مَا فِيهَا من الدقة. وَفِيه: أَن الله تَعَالَى خلق لكل شَيْء سَببا يُضَاف إِلَيْهِ، حكم، وَفِي الْحَقِيقَة الْفَاعِل هُوَ الله تَعَالَى الْقَادِر على كل شَيْء. وَفِيه: أَن النَّاس فِي الِاعْتِقَاد فِي هَذَا الْبَاب على نَوْعَيْنِ، كَمَا قد بَيناهُ. وَفِيه: بَيَان جلالة قدر النَّبِي ﷺ حَيْثُ أخبر عَن الله بِلَا وَاسِطَة. ٨٤٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ أخبرنَا حُمَيْدٌ عنْ أنَسٍ قَالَ أخَّرَ رسولُ الله ﷺ الصَّلاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إلَى شَطرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فلمَّا صَلَّى أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ إنَّ النَّاسَ قدْ صَلُّوا ورَقَدُوا وإنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتظَرْتُمُ الصَّلَاةَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا صلى أقبل علينا بِوَجْهِهِ) . وَرِجَاله قد مضوا فِيمَا مضى، وَعبد الله بن الْمُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون قد مر فِي: بَاب الْغسْل وَالْوُضُوء فِي المخضب، وَفِي بعض النّسخ: مُنِير، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، لِأَن الِاسْم إِذا كَانَ فِي الأَصْل صفة يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، أخرجه عَن عبد الرَّحِيم الْمحَاربي عَن زَائِدَة عَن حميد عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (ذَات لَيْلَة) لفظ: ذَات، مقحم، أَو هُوَ من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه، وَالْألف وَاللَّام فِي: النَّاس، للْعهد على غير الْحَاضِرين فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فِي صَلَاة) أَي: فِي ثَوَابهَا. قَوْله: (مَا انتظرتم) أَي: مُدَّة انْتِظَار الصَّلَاة. وَالْمعْنَى: أَن الرجل إِذا انْتظر الصَّلَاة فَكَأَنَّهُ فِي نفس الصَّلَاة. ١٥٧ - (بابُ مكْثِ الإمامِ فِي مُصَلَاّهُ بَعْدَ السَّلَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مكث الإِمَام، أَي: تَأَخره فِي مُصَلَّاهُ، أَي: فِي مَوْضِعه الَّذِي صلى فِيهِ الْفَرْض بعد السَّلَام، أَي: بعد فَرَاغه من الصَّلَاة بِالسَّلَامِ، ثمَّ الْمكْث أَعم من أَن يكون بِذكر أَو دُعَاء أَو تَعْلِيم علم للْجَمَاعَة أَو لوَاحِد مِنْهُم أَو صَلَاة نَافِلَة. وَلم يبين البُخَارِيّ حكم هَذَا الْمكْث: هَل هُوَ مُسْتَحبّ أَو مَكْرُوه؟ لأجل الِاخْتِلَاف بَين السّلف على مَا نبينه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٨٤٨ - وقالَ لَنَا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أيُّوبَ عَنْ نافِعٍ قَالَ كانَ ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صلَّى فِيِ الفَرِيضَةَ قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ لنا آدم، وَلم يقل: حَدثنَا آدم، لِأَنَّهُ لم يذكرهُ لَهُم نقلا وتحميلاً، بل مذاكرة ومحاورة، ومرتبته أحط دَرَجَة من مرتبَة التحديث. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مُحْتَمل لكنه لَيْسَ بمطرد، لِأَنِّي وجدت كثيرا مِمَّا قَالَ فِيهِ: قَالَ لنا، فِي (الصَّحِيح) قد أخرجه فِي تصانيف أُخْرَى بِصِيغَة: حَدثنَا. انْتهى. قلت: الصَّوَاب مَا ذكره الْكرْمَانِي، أَنه من بَاب المذاكرة، وَهَكَذَا قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : إِنَّه من بَاب المذاكرة، والكرماني مَا ادّعى الاطراد فِيهِ حَتَّى يكون هَذَا مُحْتملا، بل الظَّاهِر مِنْهُ أَنه غير مَوْصُول وَلَا مُسْند، وَلَا يلْزم من قَوْله: لِأَنِّي وجدت كثيرا. . إِلَى آخِره، أَن يكون قد أسْند أثر ابْن عمر هَذَا فِي تصنيف آخر غَيره بِصِيغَة التحديث، وَلِهَذَا قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُصَلِّي سبحته مَكَانَهُ. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب، فأكثرهم، كَمَا نَقله ابْن بطال عَنْهُم، على كَرَاهَة مكث الإِمَام إِذا كَانَ إِمَامًا راتبا، إلاّ إِن يكون مكثه لعِلَّة، كَمَا فعله الشَّارِع. قَالَ: وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: كل صَلَاة يتَنَفَّل بعْدهَا يقوم، وَمَا لَا يتَنَفَّل بعْدهَا كالعصر وَالصُّبْح فَهُوَ مُخَيّر، وَهُوَ قَول أبي مجلز: لَاحق بن أبي حميد. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد من الْمَالِكِيَّة: ينْتَقل فِي الصَّلَوَات كلهَا ليتَحَقَّق الْمَأْمُوم أَنه لم يبْق عَلَيْهِ شَيْء من سُجُود السَّهْو وَلَا غَيره، وَحكى الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي (شَرحه) هَكَذَا: عَن مُحَمَّد بن الْحسن، وَذكره ابْن التِّين أَيْضا، وَذكر ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود وَعَائِشَة،

стр. 1699

رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَا: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا سلم لم يقْعد إلاّ مِقْدَار مَا يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود أَيْضا: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا قضى صلَاته انْتقل سَرِيعا إِمَّا أَن يقوم وَإِمَّا أَن ينحرف) . وَقَالَ سعيد بن جُبَير: (شَرق أَو غرب وَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة) . وَقَالَ قَتَادَة: (كَانَ الصّديق إِذا سلم كَانَ على الرضف حَتَّى ينْهض) ، وَقَالَ ابْن عمر: الإِمَام إِذا سلم قَامَ. وَقَالَ مُجَاهِد: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: جُلُوس الإِمَام بعد السَّلَام بِدعَة. وَذهب جمَاعَة من الْفُقَهَاء إِلَى أَن الإِمَام إِذا سلم قَامَ، وَمن صلى خَلفه من الْمَأْمُومين يجوز لَهُم الْقيام قبل قِيَامه إلاّ رِوَايَة عَن الْحسن وَالزهْرِيّ، ذكره عبد الرَّزَّاق. وَقَالَ: لَا تنصرفوا حَتَّى يقوم الإِمَام. قَالَ الزُّهْرِيّ: إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، وَجَمَاعَة النَّاس على خلافهما. وروى ابْن شاهين فِي كتاب (الْمَنْسُوخ) من حَدِيث سُفْيَان عَن سماك: (عَن جَابر: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى الْغَدَاة لم يبرح من مَجْلِسه حَتَّى تطلع الشَّمْس حسناء) . وَمن حَدِيث ابْن جريج عَن عَطاء (عَن ابْن عَبَّاس: صليت مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ سَاعَة يسلم يقوم، ثمَّ صليت مَعَ أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ إِذا سلم وثب من مَكَانَهُ، وَكَأَنَّهُ يقوم عَن رضفة) . ثمَّ حمل ابْن شاهين الأول على صَلَاة لَا يعقبها نَافِلَة، وَالثَّانِي على مُقَابِله. ثمَّ إعلم أَن الْجُمْهُور على أَن الإِمَام لَا يتَطَوَّع فِي مَكَانَهُ الَّذِي صلى فِيهِ الْفَرِيضَة، وَذكر ابْن أبي شيبَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا يتَطَوَّع الإِمَام حَتَّى يتَحَوَّل من مَكَان أَو يفصل بَينهمَا بِكَلَام، وَكَرِهَهُ ابْن عمر للْإِمَام، وَلم ير بِهِ بَأْسا لغيره، وَعَن عبد الله بن عمر وَمثله، وَعَن الْقَاسِم: أَن الإِمَام إِذا سلم فواسع أَن يتنقل فِي مَكَانَهُ. قَالَ ابْن بطال: وَلم أجد لغيره من الْعلمَاء. قلت: ذكر ابْن التِّين أَنه قَول أَشهب. وفَعَلَهُ القاسِمُ أَي: فعل الصَّلَاة النَّفْل فِي الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ الْفَرِيضَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة: (عَن مُعْتَمر عَن عبيد الله بن عمر قَالَ: رَأَيْت الْقَاسِم وسالما يصليان الْفَرِيضَة ثمَّ يتطوعان فِي مكانهما) . ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَا يَتَطَوَّعُ الإمَامُ فِي مَكَانِهِ ولَمْ يَصِحَّ إِنَّمَا قَالَ: يذكر، بِصِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع لِأَنَّهُ صِيغَة التَّعْلِيق التمريضي. قَوْله: (رَفعه) ، مُضَاف إِلَى الْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ مَرْفُوع بِأَنَّهُ مفعول مَا لم يسم فَاعله. قَوْله: (لَا يتَطَوَّع الإِمَام) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول الْمصدر الْمَذْكُور، أَعنِي قَوْله: (رَفعه) . وَذكر أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه هَذَا بِالْمَعْنَى، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسَدّد أخبرنَا حَمَّاد وَعبد الْوَارِث عَن لَيْث عَن الْحجَّاج بن عبيد عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أَيعْجزُ أحدكُم؟ قَالَ عَن عبد الْوَارِث، أَن يتَقَدَّم أَو يتَأَخَّر أَو عَن يمينة أَو عَن شِمَاله؟) زَاد حَمَّاد: فِي الصَّلَاة، يَعْنِي فِي السبحة. انْتهى. يَعْنِي فِي التَّطَوُّع، وَبِهَذَا اسْتدلَّ أَصْحَابنَا أَن الرجل لَا يتَطَوَّع فِي مَكَان الْفَرْض، واليه ذهب ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَأَبُو سعيد وَعَطَاء وَالشعْبِيّ وَقَالَ صَاحب الْمُحِيط وَلَا يتَطَوَّع فِي مَكَان الْفَرْض لقَوْله ﷺ : (أَيعْجزُ أحدكُم إِذا فرغ من صلَاته أَن يتَقَدَّم أَو يتَأَخَّر بسبحته؟) وَلِأَنَّهُ رُبمَا يشْتَبه حَاله على الدَّاخِل فيحسب أَنه فِي الْفَرْض فيقتدي بِهِ فِي الْفَرْض، وَأَنه لَا يجوز. قَوْله: (وَلم يَصح) من كَلَام البُخَارِيّ، أَي: لم يثبت هَذَا الحَدِيث لضعف إِسْنَاده، لِأَن فِيهِ إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل. قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ مَجْهُول، وَتفرد بِهِ لَيْث بن أبي سليم وَهُوَ ضَعِيف، وَاخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَكِن أَبَا دَاوُد لما رَوَاهُ سكت عَنهُ وسكوته دَلِيل رِضَاهُ بِهِ. وَفِي (صَحِيح مُسلم) مَا يشده، وَهُوَ: أَن مُعَاوِيَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رأى السَّائِب بن يزِيد ابْن أُخْت نمر صلى بعد الْجُمُعَة فِي الْمَقْصُورَة. قَالَ: فَلَمَّا سلم الإِمَام قُمْت فِي مقَامي فَصليت، فَأرْسل إِلَيّ: لَا تعد لما فعلت، إِذا صليت الْجُمُعَة فَلَا تصلها بِصَلَاة حَتَّى تَتَكَلَّم أَو تخرج، فَإِن رَسُول الله ﷺ ، أمرنَا بذلك. ٨٤٩ - حدَّثنا أبوُ الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ هِنْدٍ بِنْتَ الحارثِ عنْ أمِّ سلَمَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مكَانِهِ يَسِيرا. قالَ ابنُ شُهَابٍ

стр. 1700

فَنُرَى وَالله أعْلَمُ لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي فِي قَوْله: (كَانَ إِذا سلم يمْكث فِي مَكَانَهُ يَسِيرا) . ذكر رِجَاله: وهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَهِنْد بنت الْحَارِث، بالثاء الْمُثَلَّثَة: تقدّمت فِي: بَاب التَّسْلِيم، وَقَبله فِي: بَاب الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ. والْحَدِيث أَيْضا مضى فِي: بَاب التَّسْلِيم. قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، هُوَ الزُّهْرِيّ، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، قَوْله: (فنرى) ، بِضَم النُّون أَي: نظن أَن مكثه، ﷺ فِي مَكَانَهُ كَانَ لأجل أَن ينْفد النِّسَاء المنصرفات من الصَّلَاة إِلَى مساكنهن. ٨٥٠ - وَقَالَ ابنُ أبِي مَرْيَمَ أخبرنَا نافِعُ بنُ يَزِيد قَالَ أَخْبرنِي جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ أنَّ شهَابٍ كتَبَ إلَيْهِ. قَالَ حدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ عنْ أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَتْ منْ صَوَاحِبَاتهَا قالَتْ كانَ يُسلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ قَبْلَ أنْ منْ يَنْصَرِفَ رسولُ الله ﷺ . . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ مُعَلّق وَصله مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي (الزهريات) . قَالَ: حَدثنَا سعيد بن أبي مَرْيَم فَذكره إِلَى آخِره. قَوْله: (الفراسية) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: نِسْبَة إِلَى بني فراس، وهم بطن من كنَانَة، وفراس هُوَ ابْن غنم بن ثَعْلَبَة بن مَالك بن كنَانَة. قَالَ ابْن دُرَيْد: فراس مُشْتَقّ من الْفرس، وَهُوَ دق الْعُنُق، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت ذكرهَا البُخَارِيّ فِي الطَّرِيق الأول الْمَوْصُول بِلَا نِسْبَة حَيْثُ قَالَ: عَن هِنْد بنت الْحَارِث عَن أم سَلمَة، وَهنا الَّذِي هُوَ الطَّرِيق الثَّانِي الْمُعَلق ذكرهَا بنسبتها إِلَى بني فراس، وَذكرهَا فِي الطَّرِيق الثَّالِث: عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، كَذَلِك: الفراسية، وَذكرهَا فِي الطَّرِيق الرَّابِع: عَن عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ: القرشية فِي بعض الرِّوَايَات، وَفِي أُخْرَى الفراسية، وَذكرهَا فِي الطَّرِيق الْخَامِس: عَن الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ: الفراسية، وَفِي بَعْضهَا: القرشية مَعَ زِيَادَة ذكر فِي وصفهَا على مَا يَأْتِي. وَذكرهَا فِي الطَّرِيق السَّادِس: عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ: القرشية. وَقد ذكرهَا الفراسية فِي الطَّرِيق السَّابِع: عَن ابْن أبي عَتيق عَن الزُّهْرِيّ. وَذكرهَا فِي الطَّرِيق الثَّامِن: عَن اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن شهَاب عَن امْرَأَة من قُرَيْش، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى بَيَان الِاخْتِلَاف فِي نِسْبَة هِنْد بنت الْحَارِث الْمَذْكُورَة، وَالْحَاصِل أَن مِنْهُم من قَالَ: الفراسية، وَمِنْهُم من قَالَ: القرشية، والتوفيق بَينهمَا من حَيْثُ قَالَ: إِن كنَانَة جماع قُرَيْش فَلَا مُغَايرَة بَين النسبتين، وَمن قَالَ: إِن جماع قُرَيْش فهر بن مَالك فَيحمل على أَن اجْتِمَاع النسبتين لهِنْد يكون إِحْدَاهمَا بطرِيق الْأَصَالَة، وَالْأُخْرَى بطرِيق المحالفة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَاف بمانع من أَن تكون: فراسية من بني فراس، ثمَّ من بني فَارس، ثمَّ من بني قُرَيْش، فنسبت مرّة إِلَى أَب من آبائها، وَمرَّة إِلَى أَب آخر، وَمرَّة إِلَى غَيره من آبائها، كَمَا يُقَال فِي جَابر بن عبد الله السّلمِيّ والأنصاري، وَسعد بن سَاعِدَة السَّاعِدِيّ والأنصاري، وَاعْترض ابْن التِّين على قَول الدَّاودِيّ ثمَّ من بني فَارس، وَقَالَ: مَا علمت لَهُ وَجها لِأَن فَارس أعجمي، وفراس وقريش عرب، وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ ذكر فَارس، ثمَّ ذكر عَن أبي عمر أَنه قَالَ: جعلت قرشية لما حالفها زَوجهَا. قَوْله: (من صواحباتها) الصواحبات جمع: صَوَاحِب، وَهُوَ جمع الْجمع، وَلَيْسَ بِجمع: صَاحِبَة، كَمَا قَالَ بَعضهم. قَوْله: (كَانَ يسلم) أَي: النَّبِي ﷺ . وَقَالَ ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهَابٍ أخْبَرَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ

стр. 1701

هَذَا التَّعْلِيق وَصله النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس بن يزِيد ... إِلَى آخِره، وَلَفظه: (أَن النِّسَاء كن إِذا سلمن قمن، وَثَبت رَسُول الله، ﷺ ، وَمن صلى من الرِّجَال مَا شَاءَ الله، فَإِذا قَامَ رَسُول الله ﷺ ، قَامَ الرِّجَال) . وَقَالَ عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ حدَّثَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد بِاللَّيْلِ والغلس، وَهُوَ الْبَاب الْخَامِس بعد هَذَا الْبَاب، رَوَاهُ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، فَفِي رِوَايَة ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب: أَخْبَرتنِي، وَفِي رِوَايَة عُثْمَان: عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ: حَدَّثتنِي، وَقد ذكرنَا الْفرق بَين اللَّفْظَيْنِ مستقصًى فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبرنِي الزُّهْرِيُّ أنَّ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ القُرَشِيَّةَ أخبَرَتْهُ وكانَتْ تَحْتَ معْبَد بنِ المِقْدَادِ وَهْوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وكانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ . الزبيدِيّ، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: نِسْبَة إِلَى زبيد، وَهُوَ: مُنَبّه بن صَعب، وَهُوَ: زبيد الْأَكْبَر، وَإِلَيْهِ ترجع قبائل زبيد. وَمن وَلَده مُنَبّه بن ربيعَة وَهُوَ زبيد الْأَصْغَر مِنْهُم: مُحَمَّد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ هَذَا وَهُوَ صَاحب الزُّهْرِيّ. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرَانِيّ فِي (مُسْند الشاميين) من طَرِيق عبد الله بن سَالم عَنهُ. وَفِيه: (أَن النِّسَاء كن يشهدن الصَّلَاة مَعَ رَسُول الله ﷺ فَإِذا سلم قَامَ النِّسَاء فانصرفن إِلَى بُيُوتهنَّ قبل أَن يقوم الرِّجَال) . قَوْله: (معبد بن الْمِقْدَاد) معبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة. والمقداد، بِكَسْر الْمِيم: ابْن الْأسود الصَّحَابِيّ. قَوْله: (وَهُوَ حَلِيف) أَي: معبد هُوَ حَلِيف لبني زهرَة، وَكَانَ الْمِقْدَاد حليفا لكندة. وَقَالَ شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ القُرَشِيَّةُ شُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُحَمَّد بن يحي فِي (الزهريات) . وَقَالَ ابنُ عَتِيقٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ هِنْدَ الفِرَاسِيَّةِ عَتيق، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عتيقة، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا مَوْصُول فِي (الزهريات) ، وَهَهُنَا يروي الزُّهْرِيّ بالعنعنة. وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَّثَتْهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا غير مَوْصُول لِأَن هِنْد بنت الْحَارِث تابعية، وَلَيْسَت بصحابية، وَفِيه: رِوَايَة يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن ابْن شهَاب من رِوَايَة الأقران. قَوْله: (عَن امْرَأَة) هِيَ، هِنْد بنت الْحَارِث، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَن امْرَأَة من قُرَيْش) . ١٥٨ - (بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: من صلى بِالنَّاسِ. . إِلَى آخِره، أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن المُرَاد من الْمكْث فِي الْمصلى بعد السَّلَام فِي الْبَاب الَّذِي قبله إِنَّمَا هُوَ إِذا لم تكن حَاجَة تَدْعُو إِلَى الْقيام عقيب السَّلَام على الْفَوْر، وَأما إِذا كَانَت حَاجَة تَدْعُو إِلَى الْقيام من غير مكث يتْرك الْمكْث كَمَا فعل النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب. ٨٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ قَالَ حدَّثنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النبيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ العَصْرَ فسَلَّمَ ثُمَّ قامَ مُسْرِعا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ فَفَزعَ النَّاسُ منْ سُرْعَتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأى أنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ ذَكَرْتُ شَيْئا مِنْ تِبْرٍ عَنْدَنَا فَكَرِهْتُ أنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فتخطى رِقَاب النَّاس) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن عبيد، بِضَم الْعين:

стр. 1702

ابْن مَيْمُون، وَهُوَ الْمَشْهُور بِمُحَمد بن أبي عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الْقرشِي: الثَّانِي: عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي أحد الْأَعْلَام، كَانَ يحجّ سنة ويغزو سنة، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة بِالْحَدَثِ، بِفَتْح الْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة: وَهِي ثغر بِنَاحِيَة الشَّام. قلت: هُوَ بَلْدَة بِالْقربِ من مرعش. الثَّالِث: عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن الْمَكِّيّ. الرَّابِع: عبد الله بن أبي مليكَة، الْخَامِس: عقبَة بن الْحَارِث النَّوْفَلِي، وَهُوَ أَبُو سروعة، بِكَسْر السِّين وَفتحهَا، وَيُقَال بِالْفَتْح وَضم الرَّاء: أسلم قبل يَوْم الْفَتْح، وَهُوَ الَّذِي تولى قتل خبيب. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الزَّكَاة من رِوَايَة أبي عَاصِم: عَن عمر بن سعيد أَن عقبَة بن الْحَارِث حَدثهُ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومكي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي عَاصِم النَّبِيل، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن بكار الْحَرَّانِي. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَسلم ثمَّ قَامَ) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَسلم فَقَامَ) . قَوْله: (مسرعا) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (فتخطى) أَي: فَتَجَاوز، يُقَال: تخطيت رِقَاب النَّاس إِذا تجاوزت عَلَيْهِم، وَلَا يُقَال: تخطأت، بِالْهَمْزَةِ. قَوْله: (فَفَزعَ النَّاس) بِكَسْر الزَّاي أَي: خَافُوا، وَكَانَت تِلْكَ عَادَتهم إِذا رَأَوْا مِنْهُ غير مَا يعهدون خشيَة أَن ينزل فيهم شَيْء يسوؤهم. قَوْله: (ذكرت شَيْئا من تبر) ، فِي رِوَايَة روح عَن عمر بن سعيد فِي أَوَاخِر الصَّلَاة: (ذكرت وَأَنا فِي الصَّلَاة) ، وَفِي رِوَايَة أبي عَاصِم: (تبرا من الصَّدَقَة) ، والتبر، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: مَا كَانَ من الذَّهَب غير مَضْرُوب. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: التبر هُوَ الذَّهَب كُله، وَقيل: هُوَ من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَجَمِيع جَوَاهِر الأَرْض مَا استخرج من الْمَعْدن قبل أَن يصاغ وَيسْتَعْمل. وَقيل: هُوَ الذَّهَب المكسور، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي كتاب (الِاشْتِقَاق) لأبي بكر بن السراج: أمْلى علينا ثَعْلَب عَن الْفراء عَن الْكسَائي، فَقَالَ: هَذَا تبر، لِلذَّهَبِ المكسور وَالْفِضَّة الْمَكْسُورَة، وَلكُل مَا كَانَ مكسورا من الصفر والنحاس وَالْحَدِيد، وَإِنَّمَا سمي: ذهب الْمَعْدن تبرا، لِأَنَّهُ هُنَاكَ بِمَنْزِلَة التبرة، وَهِي عروق تكون بَين ظَهْري الأَرْض مثل النورة وفيهَا صلابة، وَزعم أَصْحَاب الْمَعْدن: أَن الذَّهَب فِي الْمَعْدن بِهَذِهِ الْمنزلَة، كَذَا حُكيَ عَن الْأَصْمَعِي والمبرد. وَقَالَ الْقَزاز: وَقيل: يُسمى تبرا من التبير، وَهُوَ الْهَلَاك والتبار، فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ ذَلِك لافتراقه فِي أَيدي النَّاس وتبديده عِنْدهم. وَقيل: سمي بذلك لِأَن صَاحبه يلْحقهُ من التَّغْرِير مَا يُوجب هَلَاكه، وَقيل: هُوَ فعل من التبار وَهُوَ الْهَلَاك. وَفِي (الصِّحَاح) : لَا يُقَال تبرٌ إلاّ لِلذَّهَبِ، وَبَعْضهمْ يَقُول لِلْفِضَّةِ أَيْضا. قَوْله: (يحبسني) أَي: يشغلني التفكر فِيهِ عَن التَّوَجُّه والإقبال على الله تَعَالَى. قَوْله: (فَأمرت بقسمته) فِي رِوَايَة أبي عَاصِم: (فقسمته) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِبَاحَة التخطي رِقَاب النَّاس من أجل الضَّرُورَة الَّتِي لَا غنى للنَّاس عَنْهَا، كرعاف وحرقة بَوْل أَو غَائِط وَمَا أشبه ذَلِك. وَفِيه: السرعة للْحَاجة المهمة. وَفِيه: أَن التفكر فِي الصَّلَاة فِي أَمر لَا يتَعَلَّق بهَا لَا يُفْسِدهَا وَلَا ينقص من كمالها. وَفِيه: جَوَاز الِاسْتِنَابَة مَعَ الْقُدْرَة على الْمُبَاشرَة. وَفِيه: أَن من حبس صَدَقَة الْمُسلمين من وَصِيَّة أَو زَكَاة أَو شبههما يخَاف عَلَيْهِ أَن يحبس فِي الْقِيَامَة لقَوْله ﷺ : (فَكرِهت أَن يحبسني) ، يَعْنِي: فِي الْآخِرَة وَمِنْه قَالَ ابْن بطال: إِن تَأْخِير الصَّدَقَة يحبس صَاحبهَا يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: أَنه ﷺ ، كَانَ لَا يملك شَيْئا من الْأَمْوَال غير الرباع، قَالَه الدَّاودِيّ. ١٥٩ - (بابُ الإنْفِتَالِ وِالإنْصِرَافِ عنِ اليَمِينِ والشِّمَالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الانفتال فِي آخر الصَّلَاة، وَهُوَ أَنه إِذا فرغ من الصَّلَاة يَنْفَتِل عَن يمينة إِن شَاءَ أَو عَن شِمَاله، وَلَا يتَقَيَّد بِوَاحِد مِنْهُمَا، كَمَا دلّ عَلَيْهِ أثر أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يُقَال: فتلت الرجل عَن وَجهه فَانْفَتَلَ أَي: صرفته فَانْصَرف، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ قلب: لفت، وَقَالَ: صرفت الرجل عني فَانْصَرف، وَالَّذِي يفهم من الِاسْتِعْمَال أَن الِانْصِرَاف أَعم من الانفتال،

стр. 1703

لِأَن فِي الانفتال لَا بُد من لفتة بِخِلَاف الِانْصِرَاف، فَإِنَّهُ يكون بلفتة وبغيرها، وَالْألف وَاللَّام فِي: الْيَمين وَالشمَال، عوض عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، أَي: عَن يَمِين الْمُصَلِّي وَعَن شِمَاله. وكَانَ أنَسٌ يَنْفَتِلُ عنْ يَمِينِهِ وعنْ يَسَارِهِ وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى أوْ مَنْ يَعْمَدُ الانْفِتَالَ عنْ يَمِينِهِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ تَعْلِيق وَصله مُسَدّد فِي (مُسْنده الْكَبِير) من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة قَالَ: (كَانَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره) . وَقَالَ فِيهِ: (ويعيب على من يتوخى ذَلِك أَن لَا يَنْفَتِل إلاّ عَن يَمِينه، وَيَقُول: يَدُور كَمَا يَدُور الْحمار) . وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح: عَن عمر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَنْفَتِل عَن يَمِينه وَعَن يسَاره فِي الصَّلَاة) . وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث قبيصَة بن هلب عَن أَبِيه قَالَ: (أما رَسُول الله ﷺ فَكَانَ ينْصَرف عَن جانبيه جَمِيعًا) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: صَحَّ الْأَمْرَانِ عَن رَسُول الله ﷺ ، وَلَفظ أبي دَاوُد: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب عَن قبيصَة بن هلب، رجل من طي، عَن أَبِيه أَنه صلى مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ ينْصَرف مَعَ شقيه، يَعْنِي مَعَ جَانِبي، يَعْنِي تَارَة عَن يَمِينه وَتارَة عَن شِمَاله. وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن سماك بن حَرْب عَن قبيصَة بن هلب عَن أَبِيه قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يؤمنا فَيَنْصَرِف على جانبيه على يَمِينه وشماله) وَقَالَ: حَدِيث حسن وَعَلِيهِ الْعَمَل عِنْد أهل الْعلم أَنه ينْصَرف على أَي جانبيه شَاءَ إِن شَاءَ عَن يَمِينه وَإِن شَاءَ عَن يسَاره. ويروى عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: إِن كَانَت حَاجته عَن يَمِينه أَخذ عَن يَمِينه، وَإِن كَانَت حَاجته عَن يسَاره أَخذ عَن يسَاره. وهلب، بِضَم الْهَاء وَسُكُون اللَّام، وَقيل: الصَّوَاب فِيهِ فتح الْهَاء وَكسر اللَّام، وَذكر بَعضهم فِيهِ: ضم الْهَاء وَفتحهَا وَكسرهَا، واسْمه: يزِيد بن عدي بن قنافة، وَيُقَال: يزِيد بن عَليّ بن قنافة، وَفد على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ أَقرع، فَمسح رَأسه فنبت شعره فَسُمي: هلبا فَإِن قلت: روى مُسلم عَن أنس من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن السّديّ، قَالَ: (سَأَلت أنسا: كَيفَ انْصَرف إِذا صليت؟ أعن يَمِيني أَو عَن يساري؟ قَالَ: أما أَنا فَأكْثر مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ينْصَرف عَن يَمِينه) . فَهَذَا ظَاهره يُخَالف أثر أنس الْمَذْكُور. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يدل على منع الِانْصِرَاف عَن الشمَال أَيْضا. غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه يدل على أَن أَكثر انْصِرَافه ﷺ كَانَ عَن يَمِينه، وعيب أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ على من يتوخى ذَلِك، أَي: يقْصد ويتحرى ذَلِك، فَكَأَنَّهُ يرى تحتمه ووجوبه. وَأما إِذا لم يتوخ ذَلِك فيستوي فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَلَكِن جِهَة الْيَمين تكون أولى. قَوْله: (يتوخى) ، بتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة. قَوْله: (أَو يعمد) ، شكّ من الرَّاوِي. ٨٥٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عنِ الأسْوَدِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله لَا يَجْعَلَنَّ أحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئا منْ صَلَاتِهِ يَرَى أنَّ حَقّا عَلَيْهِ أنْ لَا يَنْصَرِفَ إلاّ عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ كثِيرا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ (الحَدِيث رقم (٨٥٣) فِي صفحة ١٤٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يدل على جَوَاز الِانْصِرَاف عقيب السَّلَام من الصَّلَاة من الْجَانِبَيْنِ، أما من جَانب الْيَسَار فصريح فِي ذَلِك، وَأما من جَانب الْيَمين فبقوله: (لَا يجعلن أحدكُم. .) إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: أَبُو الْوَلِيد هِشَام ابْن عبد الْملك، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، وَسليمَان الْأَعْمَش، وَعمارَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عُمَيْر، مصغر عَمْرو، وَالْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، وَعبد الله بن مَسْعُود. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن عمَارَة وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش سَمِعت عمَارَة بن عُمَيْر. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم: سُلَيْمَان وَعمارَة وَالْأسود كلهم كوفيون، وَشعْبَة واسطي، وَأَبُو الْوَلِيد شيخ البُخَارِيّ بَصرِي. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عَليّ بن خشرم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع وَعَن أبي بكر بن خَلاد.

стр. 1704

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يجعلن) ، بنُون التَّأْكِيد فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا يَجْعَل) ، بِدُونِ النُّون. قَوْله: (شَيْئا من صلَاته) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (جُزْءا من صلَاته) . قَوْله: (يرى) بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف بِمَعْنى: يعْتَقد أَو يرى، بِضَم الْيَاء بِمَعْنى: يظنّ، وَوجه ارتباط هَذِه الْجُمْلَة بِمَا قبلهَا هُوَ إِمَّا أَن يكون بَيَانا للجعل، أَو يكون استئنافا تَقْدِيره: كَيفَ يَجْعَل للشَّيْطَان من صلَاته؟ فَقَالَ: يرى أَن حَقًا عَلَيْهِ إِلَى آخِره. قَوْله: (حَقًا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ اسْم، أَن، قَوْله: (أَن لَا ينْصَرف) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: أَن، وَالْمعْنَى: يرى أَن وَاجِبا عَلَيْهِ عدم الِانْصِرَاف إلاّ عَن يَمِينه والكرماني تكلّف هَهُنَا فَقَالَ: أَن لَا ينْصَرف، معرفَة إِذْ تَقْدِيره: عدم الِانْصِرَاف، فَكيف وَقع خَبرا لِأَن واسْمه نكرَة؟ ثمَّ أجَاب بِأَن النكرَة الْمَخْصُوصَة كالمعرفة، أَو أَنه من بَاب الْقلب، أَي: يرى أَن عدم الِانْصِرَاف حق عَلَيْهِ انْتهى. قلت: هَذَا تعسف، وَظَاهر الْإِعْرَاب هُوَ الَّذِي ذكرته. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن، بِغَيْر التَّشْدِيد فَهِيَ إِمَّا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، وَحقا، مفعول مُطلق. وَفعله مَحْذُوف أَي: قد حق حَقًا. وَأَن لَا ينْصَرف، فَاعل الْفِعْل الْمُقدر. وَإِمَّا مَصْدَرِيَّة. قلت: لم تصح رِوَايَة التَّخْفِيف حَتَّى يُوَجه بِهَذَا التَّوْجِيه. قَوْله: (كثيرا ينْصَرف عَن يسَاره) انتصاب كثير على أَنه صفة لصدر رَأَيْت محذوفا. وَقَوله: (ينْصَرف) جملَة حَالية وَفِي رِوَايَة مُسلم: (أَكثر مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ينْصَرف عَن شِمَاله) . فَإِن قلت: روى مُسلم عَن أنس أَنه قَالَ: (أما أَنا فَأكْثر مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ينْصَرف عَن يَمِينه) ، وَبَينهمَا تعَارض، لِأَن كلا مِنْهُمَا قد عبر بِصِيغَة أفعل. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: يجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يفعل تَارَة هَذَا وَتارَة هَذَا، فَأخْبر كل مِنْهُمَا بِمَا اعْتقد أَنه الْأَكْثَر، وَإِنَّمَا كره ابْن مَسْعُود أَن يعْتَقد وجوب الِانْصِرَاف عَن الْيَمين، وَقد مر الْكَلَام فِي حكم هَذَا الْبَاب عَن قريب مستقصًى. ١٦٠ - (بابُ مَا جاءَ فِي الثُّومِ النَّيءِ والبَصعلِ والكُرَّاثِ وقَوْلِ النَّبي ﷺ مَنْ أكَلَ الثُّومَ أوِ البَصَلِ مِنَ الجُوعِ أوْ غَيْرِهِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي أكل الثوم النيء وَأكل البصل، والكراث. الثوم، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة. وَقَوله: (النىء) ، بِالْجَرِّ: صفته أَي: غير النضيج، هُوَ بِكَسْر النُّون بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ همزَة. وَقد تُدْغَم الْيَاء. قَوْله: (والبصل) أَي: وَمَا جَاءَ فِي البصل. قَوْله: (والكراث) ، أَي: وَمَا جَاءَ فِي الكراث، وَهُوَ بِضَم الْكَاف وَتَشْديد الرَّاء. قَوْله: (وَقَول النَّبِي ﷺ بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: (مَا جَاءَ) ، أَي: وَمَا جَاءَ فِي قَول النَّبِي ﷺ : (من أكل البصل. .) إِلَى آخِره، وَهَذَا أَيْضا، من جملَة التَّرْجَمَة وَلَيْسَ لفظ الحَدِيث هَكَذَا، بل هَذَا من تصرف البُخَارِيّ وتجويزه، نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب ذكر الكراث فَلِمَ ذكره فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: قَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق حَدِيث جَابر، وَهَذَا أولى من قَول بَعضهم: إِنَّه قاسه على البصل. انْتهى. قلت: روى مُسلم فِي (صَحِيحه) من حَدِيث جَابر قَالَ: (نهى النَّبِي ﷺ عَن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الْحَاجة فأكلنا مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : من أكل من هَذِه الشَّجَرَة المنتنة فَلَا يقربن مَسْجِدنَا) . وَفِي (مُسْند الْحميدِي) بِإِسْنَاد على شَرط الصَّحِيح: (سُئِلَ جَابر عَن الثوم فَقَالَ: مَا كَانَ بأرضنا يَوْمئِذٍ ثوم، إِنَّمَا الَّذِي نهى رَسُول الله ﷺ عَنهُ البصل والكراث) . وَفِي (مُسْند السراج) : (نهى رَسُول الله ﷺ عَن أكل الكراث فَلم ينْتَهوا، ثمَّ لم يَجدوا بدا من أكلهَا فَوجدَ رِيحهَا، فَقَالَ: ألم أنهكم. .؟) الحَدِيث. فالكراث إِن لم يذكر صَرِيحًا فِي أَحَادِيث الْبَاب فَيمكن أَن نقُول: إِنَّه مَذْكُور دلَالَة، فَإِن حَدِيث جَابر الَّذِي يَأْتِي فِيهِ: (وَأَن النَّبِي ﷺ أَتَى بِقدر فِيهِ خضرات من بقول فَوجدَ لَهَا ريحًا. .) الحَدِيث، يدل على أَن من جملَة الخضرات الَّتِي لَهَا ريح هُوَ الكراث، وَهُوَ أَيْضا من الْبُقُول، فَحِينَئِذٍ تقع الْمُطَابقَة بَينه وَبَين قَوْله فِي التَّرْجَمَة: والكراث، وَوُجُود التطابق بَين التراجم وَالْأَحَادِيث لَا يلْزم أَن يكون صَرِيحًا دَائِما، يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ، وَهَذَا التَّوْجِيه أقرب من قَول هَذَا الْقَائِل، كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَوله: هَذَا أولى من قَول بَعضهم، أَنه قاسه على البصل، أَرَادَ بِهِ صَاحب (التَّوْضِيح) فَإِنَّهُ قَالَه هَكَذَا، وَهَذَا أبعد من الَّذِي قَالَه. فَإِن قلت: قَوْله من الْجُوع لم يذكر صَرِيحًا فِي أَحَادِيث الْبَاب؟ قلت: لِمَ يَقع هَذَا إلاّ فِي كَلَام الصَّحَابِيّ، وَهُوَ فِي حَدِيث جَابر الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَفِيه: (فغلبتنا الْحَاجة) ، وَمن جملَة الْحَاجة: الْجُوع، وأصرح مِنْهُ مَا وَقع فِي حَدِيث أبي سعيد: (لم نعدُ أَن فتحت خَيْبَر فوقعنا فِي هَذِه البقلة وَالنَّاس

стр. 1705

جِيَاع) ، الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَزعم أَنه عِنْد مُسلم. قَوْله: (أَو غَيره) ، أَي: أَو غير الْجُوع، مثل الْأكل بالتشهي والتأدم بالخبز. ٨٥٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطَاءٌ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ أكَلَ منْ هاذِهِ الشَّجَرَةِ يُرِيدُ الثُّومَ فَلَا يَغْشَانِا فِي مَسَاجِدِنَا قُلْتُ مَا يَعْنِي بِهِ قَالَ مَا أرَاهُ يَعْنِي إلَاّ نِيِّئَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بنُ يَزِيدَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ إلاّ نَتْنَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا جَاءَ فِي الثوم) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر ابْن الْيَمَان أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَإِنَّمَا عرف بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ وَقت الطّلب يتتبع الْأَحَادِيث المسندة وَلَا يرغب فِي المقاطيع والمراسيل، مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو عَاصِم النَّبِيل، واسْمه الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّالِث: عبد الْملك بن جريج. الرَّابِع: عَطاء ابْن أبي رَبَاح. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع أَيْضا فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بخاري وبصري ومكي. وَفِيه: أَن شَيْخه المسندي من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن أَبَا عَاصِم أَيْضا شَيْخه. فَإِنَّهُ روى عَنهُ بِوَاسِطَة، ويروي عَنهُ أَيْضا بِلَا وَاسِطَة. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن مُحَمَّد ابْن رَافع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْوَلِيمَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث جَابر هَذَا قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَمْرو أبي أَيُّوب وَأبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَجَابِر بن سَمُرَة وقرة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن حُذَيْفَة وَأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي والمغيرة بن شُعْبَة وَعلي وَأنس وَعبد الله بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَحَدِيث عمر عِنْد مُسلم وَغَيره، وَحَدِيث أبي أَيُّوب عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم، وَحَدِيث أبي سعيد عَن مُسلم أَيْضا، وَحَدِيث جَابر بن سَمُرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَحَدِيث قُرَّة عِنْد الْبَيْهَقِيّ، وَحَدِيث ابْن عمر عِنْد البُخَارِيّ، وَمُسلم، وَحَدِيث حُذَيْفَة عِنْد ابْن حبَان، وَحَدِيث أبي ثَعْلَبَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَحَدِيث الْمُغيرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد أبي نعيم فِي (الْحِلْية) : وَحَدِيث أنس عِنْد البُخَارِيّ وَغَيره، وَحَدِيث عبد الله بن زيد عِنْد الطَّبَرَانِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من هَذِه الشَّجَرَة) الشَّجَرَة وَاحِدَة الشّجر وَالشَّجر النَّبَات الَّذِي لَهُ سَاق، والنجم النَّبَات الَّذِي ينجم فِي الأَرْض لَا سَاق لَهُ كالبقول، وَيُقَال عِنْد الْعَرَب: كل شَيْء ينْبت لَهُ أرومة فِي الأَرْض يخلف مَا قطع من ظَاهرهَا فَهُوَ شجر، وَمَا لَيْسَ لَهَا أرومة تبقى فَهُوَ نجم، والأرومة الأَصْل، فَإِن قلت: على مَا ذكر كَيفَ أطلق الشّجر على الثوم وَنَحْوه؟ قلت: قد يُطلق كل مِنْهُمَا على الآخر، وَتكلم أفْصح الفصحاء بِهِ من أقوى الدَّلَائِل. وَقَالَ الْخطابِيّ، فِيهِ: إِنَّه جعل الثوم من جملَة الشّجر، والعامة إِنَّمَا يسمون الشّجر مَا كَانَ لَهُ سَاق يحمل أغصانه دون مَا يسْقط على الأَرْض. قَوْله: (فَلَا يغشانا) من الغشيان، وَهُوَ الْمَجِيء والإتيان أَي: فَلَا يأتنا، وَإِنَّمَا أَثْبَتَت الْألف لِأَن الأَصْل: فَلَا يغشنا، كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة كَذَا لِأَنَّهُ أجْرى المعتل مجْرى الصَّحِيح، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (إِذا الْعَجُوز غضِبت فَطلق ... وَلَا ترضاها وَلَا تملق) وَإِمَّا أَن تكون الْألف مولدة من إشباع الفتحة بعد سُقُوط الْألف الْأَصْلِيَّة بِالْجَزْمِ. قَوْله: (فِي مَسْجِدنَا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَأبي الْوَقْت: (فِي مَسَاجِدنَا) ، بِصِيغَة الْجمع. قَوْله: (قلت: مَا يَعْنِي بِهِ؟) أَي: مَا يقْصد الْقَائِل هُوَ عَطاء ابْن أبي رَبَاح، يَعْنِي قَالَ عَطاء: قلت لجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: مَا يَعْنِي رَسُول الله ﷺ بِهِ، أَي: بالثوم أنضيجا أم نيا؟ قَالَ جَابر:

стр. 1706

مَا أرَاهُ، بِضَم الْهمزَة أَي: مَا أَظُنهُ ﷺ يَعْنِي أَي يقْصد نيه، أَي: ني الثوم. وَقَالَ بَعضهم: وأظن السَّائِل ابْن جريج والمسؤول عَطاء. قلت: الَّذِي قُلْنَا هُوَ الْأَقْرَب وَالْأَوْجه على مَا لَا يخفى، وَبِه جزم الْكرْمَانِي. قَوْله: (قَالَ مخلد) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة. قَوْله: (عَن ابْن جريج) يَعْنِي: يروي عَن عبد الْملك بن جريج: (إِلَّا نَتنه) بِفَتْح النونين بَينهمَا تَاء مثناة من فَوق سَاكِنة، يَعْنِي: قَالَ بدل: نيه نَتنه. وَهُوَ الرَّائِحَة الكريهة، وَهَذَا التَّعْلِيق يُخَالف مَا رَوَاهُ جمَاعَة عَن ابْن جريج، فَإِن أَبَا عوَانَة رَوَاهُ فِي (صَحِيحه) من طَرِيق روح ابْن عبَادَة: عَن ابْن جريج كَمَا رَوَاهُ أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج نَحوه، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق ابْن أبي عدي عَن ابْن جريج، فَلفظ الْكل: النيء، لَا النتن. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: كَرَاهَة أكل الثوم النىء، وَلَا يحرم، أما الْكَرَاهَة فلرائحته الكريهة، وَلِهَذَا قَالَ: (من أكل من هَذِه الشَّجَرَة فَلَا يغشانا فِي مَسْجِدنَا) ، وَأما عدم الْحُرْمَة فَلقَوْله ﷺ فِي حَدِيث جَابر الَّذِي يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب: (كل فَإِنِّي أُنَاجِي من لَا تناجي) . وَقَالَ ابْن بطال. قَوْله ﷺ : (من أكل) يدل على إِبَاحَة أكل الثوم، لِأَنَّهُ لفظ يدل على الْإِبَاحَة، وَتعقب بِأَن هَذِه الصِّيغَة إِنَّمَا تُعْطِي الْوُجُود لَا الحكم، لِأَن مَعْنَاهُ من وجد مِنْهُ الْأكل، وَهُوَ أَعم من كَونه مُبَاحا أَو غير مُبَاح. قلت: فَلَا حَاجَة إِلَى الِاسْتِدْلَال على الْإِبَاحَة بِهَذِهِ الطَّرِيقَة، فَإِن حَدِيث جَابر يدل على إِبَاحَته صَرِيحًا، وَكَذَلِكَ حَدِيث أبي أَيُّوب. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان حَدثنَا أَبُو دَاوُد أَنبأَنَا شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب سمع جَابر بن سَمُرَة يَقُول: (نزل رَسُول الله ﷺ على أبي أَيُّوب، وَكَانَ إِذا أكل طَعَاما بعث إِلَيْهِ بفضله، فَبعث إِلَيْهِ يَوْمًا بِطَعَام وَلم يَأْكُل مِنْهُ النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا أَتَى أَبُو أَيُّوب النَّبِي ﷺ فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : فِيهِ الثوم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أحرام هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أكرهه من أجل رِيحه) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضا: حَدثنَا مُحَمَّد بن حميد حَدثنَا زيد بن الْخَبَّاب عَن أبي خلدَة عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ: الثوم من طَيّبَات الرزق، وَأَبُو خلدَة اسْمه: خَالِد بن دِينَار، وَهُوَ ثِقَة عِنْد أهل الحَدِيث، وَقد أدْرك أنس بن مَالك وَسمع مِنْهُ، وَأَبُو الْعَالِيَة اسْمه: رفيع وَهُوَ الرباحي، وَهُوَ الَّذِي ذكرنَا أكله فِي الثوم النىء لأجل رَائِحَته، وَأما الثوم الْمَطْبُوخ مِنْهُ فَلَا يكره، لما روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا الْجراح أَبُو وَكِيع عَن أبي إِسْحَاق عَن شريك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (نهى عَن أكل الثوم إلاّ مطبوخا) . وروى أَيْضا عَن حَدِيث مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه: (أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن هَاتين الشجرتين، وَقَالَ: من أكلهما فَلَا يقربن مَسْجِدنَا،، وَقَالَ: إِن كُنْتُم لَا بُد آكليهما فأميتوهما طبخا) . ثمَّ إِن حَدِيث الْبَاب فِي الثوم فَقَط، وَسَيَجِيءُ حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هَذَا الْبَاب: أَن البصل مثل الثوم، وَأَن الخضرات من الْبُقُول الَّتِي لَهَا رَائِحَة كَذَلِك، وَيدخل فِيهِ الكراث والفجل أَيْضا، وَنَصّ على الفجل فِي (المعجم الصَّغِير) للطبراني، وَذكره مَعَ الثوم والكراث، وَنقل ابْن التِّين عَن مَالك قَالَ: الفجل، إِن كَانَ يظْهر رِيحه فَهُوَ كالثوم، وَقَيده عِيَاض بالجشاء. وَفِي (التَّوْضِيح) : وشذ أهل الظَّاهِر فحرموا هَذِه الْأَشْيَاء لإفضائها إِلَى ترك الْجَمَاعَة، وَهِي عِنْدهم فرض عين، وَتَقْرِيره أَن يُقَال: صَلَاة الْجَمَاعَة فرض عين، وَلَا يتم إلاّ بترك أكلهَا. وَمَا لَا يتم الْوَاجِب إلاّ بِهِ فَهُوَ وَاجِب، فَترك أكلهَا وَاجِب، فَتكون حَرَامًا. قلت: صرح ابْن حزم مِنْهُم بِأَن أكلهَا حَلَال مَعَ قَوْله بِأَن الْجَمَاعَة فرض عين. وَفِيه: ترك الْإِتْيَان إِلَى الْمَسْجِد عِنْد أكل الثوم وَنَحْوه، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل المجامع: كمصلى الْعِيد والجنازة وَمَكَان الْوَلِيمَة، وَحكم رحبة الْمَسْجِد حكمه، لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَخص القَاضِي عِيَاض الْكَرَاهَة بِمَا إِذا كَانَ مَعَهم غَيرهم، أما إِذا كَانَ كلهم أكلوه فَلَا، وَلَكِن يَنْبَغِي احترام الْمَلَائِكَة، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ الْحفظَة. قلت: الْعلَّة أَذَى الْمَلَائِكَة وأذى الْمُسلمين، فَيخْتَص النَّهْي بالمساجد وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَلَا يخْتَص بمسجده ﷺ ، بل الْمَسَاجِد كلهَا سَوَاء عملا بِرِوَايَة: مَسَاجِدنَا، بِالْجمعِ وشذ من خصّه بمسجده ﷺ . وَيلْحق بِمَا نَص عَلَيْهِ فِي الحَدِيث كل مَا لَهُ رَائِحَة كريهة من المأكولات وَغَيرهَا، وَإِنَّمَا خص الثوم هُنَا بِالذكر، وَفِي غَيره أَيْضا بالبصل والكراث لِكَثْرَة أكلهم بهَا، وَكَذَلِكَ ألحق بذلك بَعضهم من بِفِيهِ بخر، أَو بِهِ جرح لَهُ رَائِحَة، وَكَذَلِكَ القصاب والسماك والمجذوم والأبرص أولى بالإلحاق، وَصرح بالمجذوم ابْن بطال، وَنقل عَن سَحْنُون، لَا أرى الْجُمُعَة عَلَيْهِ، وَاحْتج بِالْحَدِيثِ. وَألْحق بِالْحَدِيثِ: كل من آذَى النَّاس بِلِسَانِهِ فِي الْمَسْجِد، وَبِه أفتى ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ أصل فِي نفي كل مَا يتَأَذَّى بِهِ وَلَا يبعد أَن يعْذر من كَانَ مَعْذُورًا بِأَكْل مَا لَهُ ريح كريهة، لما روى

стр. 1707

ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة: (انْتَهَيْت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَوجدَ مني ريح الثوم فَقَالَ من أكل الثوم؟ قَالَ: فَأخذت يَده فأدخلتها، فَوجدَ صَدْرِي معصوبا فَقَالَ: إِن لَك عذرا) . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : (اشتكيت صَدْرِي فأكلته) . وَفِيه: (فَلم يعنفه ﷺ . ٨٥٥ - ح دَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ وِهَبٍ عَنْ يُونُس عنِ ابنِ شِهَابٍ زَعَمَ عَطَاءٌ أنَّ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله زعَمَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ منْ أكَلَ ثُوما أوْ بَصَلاً فلْيَعْتَزِلْنَا أوْ قَالَ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِدْرٍ فيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا ريحًا فَسَألَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيها مِنَ البُقُولِ فقالَ قَرِّبُوهَا إلَى بَعْضِ أصْحَابِهِ كانَ مَعَهُ فلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أكلَهَا قالَ كُلْ فَإنِّي أنَاجِي منْ لَا تُنَاجِي مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الثوم والبصل. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: سعيد هُوَ ابْن كثير بن عفير أَبُو عُثْمَان الْمصْرِيّ، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: زعم فِي موضِعين، قَالَ الْخطابِيّ: لم يقل زعم على وَجه التُّهْمَة، لكنه لما كَانَ أمرا مُخْتَلفا فِيهِ أَتَى بِلَفْظ: زعم، لِأَن هَذَا اللَّفْظ لَا يكَاد يسْتَعْمل إلاّ فِي أَمر يرتاب فِيهِ أَو يخْتَلف فِيهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: زعم، أَي: قَالَ، لِأَن الزَّعْم يسْتَعْمل لِلْقَوْلِ الْمُحَقق، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: عَن عَطاء، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من وَجه آخر: عَن ابْن وهب حَدثنِي عَطاء، وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن صَالح الْآتِيَة عَن جَابر لم يقل: زعم. قلت: دلّت هَذِه الرِّوَايَات أَن: زعم، هَهُنَا بِمَعْنى: قَالَ، كَمَا ذكره الْكرْمَانِي. وَفِيه: أَن الْإِثْنَيْنِ الْأَوَّلين من الروَاة مصريان، وَالثَّالِث وَالرَّابِع مدنيان وَالْخَامِس مكي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عَليّ بن عبد الله وَعَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَو قَالَ: فليعتزل مَسْجِدنَا) شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ الزُّهْرِيّ، وَلم تخْتَلف الروَاة عَنهُ فِي ذَلِك. قَوْله: (وليقعد) بواو الْعَطف، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (أَو ليقعد) ، بِالشَّكِّ وَهُوَ أخص من الاعتزال، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون فِي الْبَيْت أَو غَيره. قَوْله: (وَأَن النَّبِي، ﷺ ، عطف على الْإِسْنَاد الْمَذْكُور، وَالتَّقْدِير: وَحدثنَا سعيد بن عفير بِإِسْنَادِهِ أَن النَّبِي ﷺ . . فَيكون هَذَا حَدِيثا آخر، وَقَالَ بَعضهم: وَقد تردد البُخَارِيّ فِيهِ، هَل مَوْصُول أَو مُرْسل؟ قلت: على التَّقْدِير الَّذِي ذكرنَا لَا تردد فِيهِ أَنه مَوْصُول، لِأَن الْمَعْطُوف فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ. قَوْله: (أُتِي بِقدر) ، بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ الْقدر الَّذِي يطْبخ فِيهِ الطَّعَام، وَيجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث. وَقَالَ

стр. 1708

بَعضهم: والتأنيث أشهر، لَكِن الضَّمِير فِي قَوْله: (فِيهِ خضرات) يعود إِلَى الطَّعَام الَّذِي فِي الْقدر، فالتقدير: أُتِي بِقدر من طَعَام فِيهِ خضرات، وَلِهَذَا لما أعَاد الضَّمِير على الْقدر أَعَادَهُ بالتأنيث حَيْثُ قَالَ: (فَأخْبر بِمَا فِيهَا) ، وَحَيْثُ قَالَ: (قربوها) انْتهى. قلت: هَذَا تصرف فِيهِ تعسف فَلَا يحْتَاج إِلَى تَطْوِيل الْكَلَام، وَلما جَازَ فِي الْقدر التَّذْكِير والتأنيث أعَاد الضَّمِير إِلَيْهِ تَارَة بالتذكير وَتارَة بالتأنيث نظرا إِلَى جَوَاز الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (خضرات) ، بِضَم الْخَاء وَفتح الضَّاد المعجمتين: جمع خضرَة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره بِفَتْح أَوله وَكسر ثَانِيه، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح الْخَاء وَكسر الضَّاد، وَقَالَ ابْن قرقول: ضَبطه الْأصيلِيّ بِضَم الْخَاء وَفتح الضَّاد، وَالْمَعْرُوف الأول. قَوْله: (من يَقُول) كلمة: من، فِيهِ بَيَانِيَّة، وَيجوز أَن تكون للتَّبْعِيض. قَوْله: (فَوجدَ) أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: فَأخْبر) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أخبر النَّبِي ﷺ بِمَا فِي الْقدر. قَوْله: (قربوها) الضَّمِير فِيهِ يجوز أَن يرجع إِلَى الخضرات، وَيجوز أَن يرجع إِلَى الْقدر، وَيجوز أَن يرجع إِلَى الْبُقُول. قَوْله: (إِلَى بعض أَصْحَابه) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا اللَّفْظ نقل بِالْمَعْنَى، إِذْ الرَّسُول، ﷺ ، لم يقل بِهَذِهِ الْعبارَة، بل قَالَ: قربوها إِلَى فلَان، مثلا أَو فِيهِ مَحْذُوف، أَي: قَالَ قربوها مُشِيرا أَو أَشَارَ إِلَى بعض أَصْحَابه. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بِالْبَعْضِ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ فَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي أَيُّوب فِي قصَّة نزُول النَّبِي ﷺ قَالَ: (فَكَانَ يصنع للنَّبِي ﷺ طَعَاما فَإِذا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ. .) أَي بعد أَن يَأْكُل النَّبِي ﷺ مِنْهُ، (سَأَلَ عَن مَوضِع أَصَابِع النَّبِي ﷺ فَصنعَ ذَلِك مرّة، فَقيل لَهُ: لم تَأْكُل،، وَكَانَ الطَّعَام فِيهِ ثوم، فَقَالَ: أحرام هُوَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لَا وَلَكِن أكرهه) . قلت: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على أَن المُرَاد من الْبَعْض أَبُو أَيُّوب، لمَ لَا يجوز أَن يكون غَيره من أَصْحَابه؟ بل الظَّاهِر أَنه غَيره، لِأَن رد طَعَامه إِلَيْهِ فِيهِ مَا فِيهِ. فَإِن قلت: قَوْله: (كل) ، خطاب لأبي أَيُّوب، فَذا يدل على أَن المُرَاد من الْبَعْض أَبُو أَيُّوب. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ يجوز أَن يَأْمر بالتقريب إِلَى غَيره، وَيَأْمُر بِالْأَكْلِ مَعَه. على أَنه جَاءَ فِي حَدِيث أم أَيُّوب، (قَالَت: نزل علينا النَّبِي ﷺ فتكلفنا لَهُ طَعَاما فِيهِ بعض الْبُقُول) فَذكر الحَدِيث نَحوه. وَقَالَ وَفِيه: (فَكُلُوا فَإِنِّي لست كَأحد مِنْكُم، أَخَاف أَن أوذي صَاحِبي) ، فههنا أَمر بِالْأَكْلِ للْجَمَاعَة، وَأَبُو أَيُّوب مِنْهُم، وَلَيْسَ بمتعين. قَوْله: ((فَإِنِّي أُنَاجِي من لَا تناجي) أَي: الْمَلَائِكَة، ويوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من وَجه آخر: (أَن رَسُول الله ﷺ أرسل إِلَيْهِ بِطَعَام من خضرات فِيهِ بصل أَو كراث، فَلم ير فِيهِ أثر رَسُول الله ﷺ ، فَأبى أَن يَأْكُل فَقَالَ لَهُ: مَا مَنعك؟ قَالَ: لم أر أثر يدك. قَالَ: أستحي من مَلَائِكَة الله وَلَيْسَ بِمحرم) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: من ذَلِك أَن الْبَعْض اسْتدلَّ بِهِ على أَن إِقَامَة الْفَرْض بِالْجَمَاعَة لَيست بِفَرْض، لِأَن أكل الثوم وَنَحْوه جَائِز، وَمن لوازمه الشَّرْعِيَّة ترك الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة، وَترك الْجَمَاعَة فِي حق آكله جَائِز، ولازم الْجَائِز جَائِز. وَفِيه: مَا يدل على أَن أكل الثوم وَنَحْوه من الْأَعْذَار المرخصة فِي ترك حُضُور الْجَمَاعَة. فَإِن قلت: لِمَ لَا يجوز أَن يكون النَّهْي خرج مخرج الزّجر عَن أكل هَذِه الْأَشْيَاء، فَلَا يَقْتَضِي ذَلِك أَن يكون عذرا فِي ترك الْجَمَاعَة إلاّ أَن تَدْعُو إِلَى أكلهَا ضَرُورَة، وَعَن هَذَا قَالَ الْخطابِيّ: توهم بَعضهم أَن أكل الثوم عذر فِي التَّخَلُّف عَن الْجَمَاعَة، وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَة لَا يحكم على فَاعله إِذا حرم فضل الْجَمَاعَة. قلت: قَوْله: ﷺ (قربوها إِلَى بعض أَصْحَابه) يَنْفِي الزّجر. فَإِن قلت: الزّجر مُتَأَخّر عَن الْأَمر بالتقريب بِمدَّة كَثِيرَة، لِأَن الْأَمر بالتقريب كَانَ حِين قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة، وَمن جملَة أَحَادِيث الزّجر حَدِيث ابْن عمر، وَهُوَ كَانَ فِي غَزْوَة خَيْبَر فِي سنة سِتّ قلت: سلمنَا ذَلِك، وَلَكِن قَوْله: ﷺ (وليقعد فِي بَيته) صَرِيح على أَن كل هَذِه الْأَشْيَاء عذر فِي التخليف عَن الْجَمَاعَة، وَأَيْضًا هَهُنَا عِلَّتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَذَى الْمُسلمين. وَالثَّانيَِة: أَذَى الْمَلَائِكَة، فبالنظر إِلَى الْعلَّة الأولى يعْذر فِي ترك الْجَمَاعَة وَحُضُور الْمَسْجِد، وبالنظر إِلَى الثَّانِيَة يعْذر فِي ترك حُضُور الْمَسْجِد، وَلَو كَانَ وَحده. وَمِنْه: مَا اسْتدلَّ بِهِ الْمُهلب، وَهُوَ قَوْله: (فَإِنِّي أُنَاجِي من لَا تناجي) : على أَن الْمَلَائِكَة أفضل من الْبشر، وَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من تَفْضِيل بعض أَفْرَاد الشَّيْء على بعضه تَفْضِيل الْجِنْس على الْجِنْس، وَقد علم فِي مَوْضِعه. وَمِنْه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن أكل الثوم وَنَحْوه كَانَ حَرَامًا على النَّبِي ﷺ ، وَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح، لِأَن قَوْله ﷺ فِي حَدِيث أبي أَيُّوب الْمَذْكُور: (وَلَيْسَ بِمحرم) ، يدل بِعُمُومِهِ على عدم التَّحْرِيم مُطلقًا. وَقَالَ أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ عنِ ابنِ وَهْبٍ أُتِيَ بِبَدْرٍ قَالَ ابنُ وَهَبٍ يعْنِي طَبَقا فِيهِ خَضِرَات

стр. 1709

ٌ ولَمْ يَذْكُرُ اللَّيْثُ وأبُو صَفْوَان عنْ يُونُسَ قِصَّةَ القدْرِ فَلَا أدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزْهْرِيِّ أوْ فِي الحَدِيثَ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ وَهُوَ أحد مشايخه، وَمن الْأَفْرَاد قد خَالف سعيد بن عفير شَيْخه الَّذِي روى عَنهُ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي لَفظه: قدر، بِالْقَافِ حَيْثُ روى عَن عبد الله بن وهب، وَقَالَ: أُتِي ببدر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الدَّال وَفِي آخِره رَاء، ومخالفته إِيَّاه فِي هَذِه اللَّفْظَة فَقَط، وَوَافَقَهُ فِي بَقِيَّة الحَدِيث عَن ابْن وهب. وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن صَالح، وَذكر قَول ابْن وهب يَعْنِي طبقًا فِيهِ خضرات وَكَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد، وَلَكِن أخر تَفْسِير ابْن وهب، فَذكره بعد فرَاغ الحَدِيث. وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: حَدثنِي عَطاء بن أبي رَبَاح أَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من أكل ثوما أَو بصلاً فليعتزلنا، أَو فليعتزل مَسْجِدنَا، أَو ليقعد فِي بَيته، وَأَنه أَتَى ببدر فِيهِ خضرات من الْبُقُول فَوجدَ لَهَا ريحًا، فَسَأَلَ، فَأخْبر بِمَا فِيهَا من الْبُقُول، فَقَالَ: قربوها، إِلَى بعض أَصْحَابه كَانَ مَعَه، فَلَمَّا رَآهُ كره أكلهَا، قَالَ: فَإِنِّي أُنَاجِي من لَا تناجي) ، قَالَ أَحْمد ابْن صَالح: ببدر، وَفَسرهُ ابْن وهب: بطبق. انْتهى. وَرجح جمَاعَة من الشُّرَّاح رِوَايَة أَحْمد بن صَالح لكَون عبد الله بن وهب فسر الْبَدْر بالطبق، فَدلَّ على أَنه حدث بِهِ كَذَلِك، وَزعم بَعضهم أَن لَفْظَة: بِقدر، بِالْقَافِ تَصْحِيف، لِأَنَّهَا تشعر بالطبخ، وَقد ورد الْإِذْن بِأَكْل الْبُقُول مطبوخة، بِخِلَاف الطَّبَق فَظَاهره أَن الْبُقُول كَانَت فِيهِ نِيَّة. قلت: أخرجه مُسلم عَن أبي الطَّاهِر وحرملة، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب، فَقَالَ: بِقدر، بِالْقَافِ وَالِاسْتِدْلَال على التَّصْحِيف بِلَفْظ: الطَّبَق، لَا يتم لِأَنَّهُ يُمكن أَن مَا كَانَ فِيهِ كَانَ مطبوخا، فَإِنَّهُ لَا مَانع من ذَلِك. فَافْهَم. وَسمي الطَّبَق بالبدر لاستدارته، تَشْبِيها بالقمر عِنْد كَمَاله. قَوْله: (وَلم يذكر اللَّيْث وَأَبُو صَفْوَان عَن يُونُس قصَّة الْقدر) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اللَّيْث بن سعد وَأَبا صَفْوَان عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن مَرْوَان الْأمَوِي رويا هَذَا الحَدِيث عَن يُونُس بن يزِيد عَن عَطاء عَن جَابر، وَلم يذكرَا قصَّة الْقدر، وَأما رِوَايَة اللَّيْث فَإِن الذهلي وَصلهَا فِي (الزهريات) وَأما رِوَايَة أبي صَفْوَان فوصلها البُخَارِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَنهُ، واقتصرا على الحَدِيث الأول. قَوْله: (وَلَا أَدْرِي) هُوَ من قَول الزُّهْرِيّ، أَو فِي الحَدِيث، أَشَارَ بِهَذَا الْكَلَام إِلَى أَن ذكر قصَّة الْقدر هَل هُوَ من قَول الزُّهْرِيّ، بِأَن يكون مدرجا؟ أَو هُوَ مَرْوِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: (لَا أَدْرِي) يحْتَمل أَن يكون قَول ابْن وهب أَو البُخَارِيّ أَو سعيد بن عفير شيخ البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ كَلَام البُخَارِيّ، وَوهم من زعم أَنه كَلَام أَحْمد بن صَالح. قلت: إِن كَانَ مُرَاده من هَذَا الزاعم هُوَ الْكرْمَانِي فَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْكرْمَانِي ردد فِي القَوْل بَين الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين، وَلم يذكر أَحْمد بن صَالح إلاّ عِنْد قَوْله: وَلم يذكر، قَالَ: وَلَعَلَّه قَول أَحْمد، وَإِن كَانَ مُرَاده غير الْكرْمَانِي من الشُّرَّاح فَهُوَ مَحل الِاحْتِمَال، وَلَيْسَ مَحل الزَّعْم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا معنى كَونه قَول الزُّهْرِيّ: أَو كَونه فِي الحَدِيث؟ قلت: مَعْنَاهُ أَن الزُّهْرِيّ نَقله مُرْسلا عَن النَّبِي ﷺ ، وَلِهَذَا لم يروه يُونُس عَن اللَّيْث وَأبي صَفْوَان، أَو مُسْندًا كَمَا فِي الحَدِيث، وَلِهَذَا نَقله ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ. ٨٥٦ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ سألَ رَجُلٌ أنسا مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ الله ﷺ يَقُولُ فِي الثُّومِ فَقَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ منْ أكَلَ مِنْ هاذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ أوْ لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا. (الحَدِيث ٨٥٦ طرفه فِي: ٥٤٥١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب الْبنانِيّ الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل

стр. 1710

فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون. وَفِيه: ذكر رجل لم يعرف اسْمه. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن شَيبَان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا سَمِعت؟) بِلَفْظ الْخطاب، وَكلمَة: مَا، استفهامية. قَوْله: (يَقُول فِي الثوم) ويروى: (يذكر فِي الثوم) . قَوْله: (هَذِه الشَّجَرَة) ، قد ذكرنَا وَجه إِطْلَاق الشَّجَرَة على الثوم. قَوْله: (فَلَا يقربن) ، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبنون التَّأْكِيد الْمُشَدّدَة. قَوْله: (وَلَا يصلين) ، عطف عَلَيْهِ بنُون التَّأْكِيد الْمُشَدّدَة أَيْضا. قَوْله: (مَعنا) ، بِسُكُون الْعين وَفتحهَا، وَمَعْنَاهُ مصاحبا لنا. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن آكل الثوم لَا يقرب أحدا حَتَّى لَا يتَأَذَّى برائحته، سَوَاء فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا. وَيُسْتَفَاد من قَوْله: (وَلَا يصلين مَعنا) جَوَاز ترك الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد وَغَيره، وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيد النَّهْي بِالْمَسْجِدِ، وَلَا تَخْصِيص مَسْجِد النَّبِي، ﷺ ، بذلك. ١٦١ - (بابُ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ ومَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمْ الغُسْلُ والطُّهُورُ وَحُضُورِهِمِ الجَمَاعَةَ وَالعِيدَيْنِ والجَنَائِزَ وَصُفُوفِهِمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضوء الصّبيان، وَلم يبين مَا حكمه: هَل هُوَ وَاجِب أَو ندب؟ لِأَنَّهُ لَو قَالَ: وَاجِب، لاقتضى أَن يُعَاقب الصَّبِي على تَركه، وَلَيْسَ كَذَلِك. وَلَو قَالَ: ندب، لاقتضى صِحَة صلَاته بِغَيْر وضوء، وَلَيْسَ كَذَلِك. فأبهم ليسلم من ذَلِك وَالصبيان جمع: صبي. قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّبِي الْغُلَام، وَالْجمع: صبية وصبيان، وَهُوَ من الواوي، وَلم يَقُولُوا: أصبية اسْتغْنَاء بصبية. كَمَا لم يَقُولُوا: أغلمة اسْتغْنَاء بغلمة، وَقَالَ فِي الْغُلَام: الْغُلَام مَعْرُوف. انْتهى. قلت: مَا دَامَ الْوَلَد فِي بطن أمه فَهُوَ جَنِين، فَإِذا وَلدته سمي صَبيا مَا دَامَ رضيعا، فَإِذا فطم سمي غُلَاما إِلَى سبع سِنِين، ثمَّ يصير يافعا إِلَى عشر حجج، ثمَّ يصير حزورا إِلَى خمس عشرَة سنة، ثمَّ يصير فمدا إِلَى خمس وَعشْرين سنة، ثمَّ يصير عنطنطا إِلَى ثَلَاثِينَ سنة، ثمَّ يصير صملاً إِلَى خمسين سنة، ثمَّ يصير شَيخا إِلَى ثَمَانِينَ سنة، ثمَّ يصير هما بعد ذَلِك فانيا كَبِيرا، هَكَذَا ذكر فِي كتاب (خلق الْإِنْسَان) عَن الْأَصْمَعِي وَغَيره. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم من طَرِيق عبد الْملك بن الرّبيع بن صبرَة عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: (علمُوا الصَّبِي الصَّلَاة ابْن سبع سِنِين، واضربوه عَلَيْهَا ابْن عشر) . فَهَذَا يدل على أَن الصَّبِي يُطلق على من سنه سبع سِنِين، فَكيف قيل: الْمَوْلُود سمي صَبيا مَا دَامَ رضيعا؟ قلت: أفْصح الفصحاء أطلق على ابْن سبع سِنِين لفظ الصَّبِي، وَهُوَ الَّذِي يقبل، وَعَن هَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّبِي الْغُلَام، وَقد ذكرنَا الْآن أَن الْمَوْلُود من حِين يفطم يُسمى غُلَاما إِلَى سبع سِنِين. قَوْله: (وَمَتى يجب عَلَيْهِم الْغسْل) وَبَين ذَلِك فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْآتِي عَن قريب، فَإِنَّهُ قَالَ: (الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم) ، فيفهم مِنْهُ أَن الِاحْتِلَام هُوَ شَرط لوُجُوب الْغسْل. فَإِن قلت: الحَدِيث الَّذِي ذكرته عَن أبي دَاوُد وَغَيره يَقْتَضِي تعْيين وَقت الْوضُوء لتوقف الصَّلَاة عَلَيْهَا: وَإِن لم يَحْتَلِم؟ قلت: لم يقل الْجُمْهُور بِظَاهِرِهِ، فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا تجب عَلَيْهِ إلاّ بِالْبُلُوغِ، وَقَالُوا: إِن التَّعْلِيم بِالصَّلَاةِ وَالضَّرْب عَلَيْهَا عِنْد عشر سِنِين للتدريب، وَقَالَ بِظَاهِرِهِ قوم حَتَّى قَالُوا: تجب الصَّلَاة على الصَّبِي لِلْأَمْرِ بضربه على تَركهَا، وَهَذِه صفة الْوُجُوب، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَالشَّافِعِيّ مَال إِلَيْهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الحَدِيث الْمَذْكُور مَنْسُوخ بِحَدِيث: (رفع الْقَلَم عَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم) . قَوْله: (وَالطهُور) ، من عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (وحضورهم) ، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: (وضوء الصّبيان) ، قَوْله: (الْجَمَاعَة) مَنْصُور بِالْمَصْدَرِ الْمُضَاف إِلَى فَاعله و: (الْعِيدَيْنِ) عطف عَلَيْهِ و: (الْجَنَائِز) بِالنّصب كَذَلِك عطف على مَا قبله. قَوْله: (وصفوفهم) بِالْجَرِّ أَيْضا، عطف على مَا قبله أَي: وصفوف الصّبيان، والترجمة الْمَذْكُورَة مركبة من سِتَّة أَجزَاء. ٨٥٧ - حدَّثنا مُحَمِّدُ بنُ المُثَنَّى قالَ حدَّثَنِي غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ. قَالَ أَخْبرنِي منْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فأمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا أبَا عَمْرٍ ومنْ حَدَّثَكَ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. . مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَهُوَ وضوء الصّبيان، وللجزء الثَّالِث وَهُوَ قَوْله: (وحضورهم الْجَمَاعَة) ، وللجزء السَّادِس وَهُوَ

стр. 1711

قَوْله: (وصفوفهم) ، فَإِن ابْن عَبَّاس كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت صَغِيرا طفْلا وَقد حضر الْجَمَاعَة وَدخل فِي صفهم وَصلى مَعَهم، وَلم يكن صلى إلاّ بِوضُوء. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن مَالك بن أنس الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، واسْمه: فَيْرُوز أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ الْكُوفِي. الْخَامِس: عَامر الشّعبِيّ. السَّادِس: صَحَابِيّ لم يسم. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده. وَفِيه: أَن أحد الروَاة مَذْكُور بلقبه. وَفِيه: صَحَابِيّ مَجْهُول، وَلَكِن جَهَالَة الصَّحَابِيّ لَا تضر صِحَة الْإِسْنَاد. وَفِيه: أَن الْأَوَّلين من رُوَاته بصريان، وَالثَّالِث واسطي، وَالرَّابِع كُوفِي، وَالْخَامِس كَذَلِك كُوفِي. وَفِيه: سُلَيْمَان مُمَيّز بنسبته. وَفِيه: أَن أحدهم يذكر كَذَلِك بنسبته إِلَى قبيلته. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وهما سُلَيْمَان وَالشعْبِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَسليمَان ابْن حَرْب وحجاج بن منهال، فرقهم أربعتهم عَن شُعْبَة، وَفِيه أَيْضا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد ابْن الْمثنى بِهِ وَعَن الْحسن بن الرّبيع وَأبي كَامِل الجحدري وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن الْحسن ابْن الرّبيع وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهَارُون بن عبد الله وَعَن أبي غَسَّان مُحَمَّد بن عَمْرو الرَّازِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من مر مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا الشّعبِيّ (أَخْبرنِي من رأى النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (على قبر منبوذ) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة: أَي على قبر مُنْفَرد عَن الْقُبُور. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقد رَوَاهُ قوم: (على قبر منبوذ) ، بِإِضَافَة: قبر: إِلَى: منبوذ، وفسروه باللقيط. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن فِي بعض الْأَلْفَاظ: (أَتَى قبرا مَنْبُوذًا) . انْتهى. قلت: يُؤَيّد مَا قَالَه رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (وَرَأى قبرا منتبذا فَصف أَصْحَابه) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة الصَّحِيح: (على قبر منبوذ) ، على أَن المنبوذ صفة للقبر، بِمَعْنى: مُنْفَرد، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ الْخطابِيّ أَيْضا: إِنَّه رُوِيَ على وَجْهَيْن: يَعْنِي بلإضافة وَالصّفة. قَالَ الْحَافِظ الدمياطي: من رَوَاهُ منونا فيهمَا على النَّعْت أَي: منتبذا عَن الْقُبُور نَاحيَة، يُقَال جَلَست: نبذة، بِالْفَتْح وَالضَّم أَي: نَاحيَة، وَيرجع إِلَى معنى الطرح، فَكَأَنَّهُ طرح فِي غير مَوضِع قُبُور النَّاس، وَمن رَوَاهُ بِغَيْر تَنْوِين على الْإِضَافَة فَمَعْنَاه: قبر لَقِيط وَولد مطروح، وَالرِّوَايَة الأولى أصح لِأَنَّهُ جَاءَ فِي بعض طرق البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي الَّتِي كَانَت تقم الْمَسْجِد. وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أنس وَبُرَيْدَة وَيزِيد بن ثَابت وَأبي هُرَيْرَة وعامر بن ربيعَة وَأبي قَتَادَة وَسَهل بن حنيف، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن جَابر وَأبي سعيد وَأبي أُمَامَة بن سهل. أما حَدِيث أنس، فَرَوَاهُ مُسلم عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ صلى على قبر) ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا وَزَاد (بَعْدَمَا دفن) . وَأما حَدِيث بُرَيْدَة فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه: (أَن النَّبِي ﷺ صلى على ميت بَعْدَمَا دفن) . وَأما حَدِيث يزِيد بن ثَابت، فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن عَمه يزِيد بن ثَابت (أَنهم خَرجُوا مَعَ النَّبِي ﷺ ذَات يَوْم فَرَأى قبرا حَدِيثا. قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذِه فُلَانَة مولاة أبي فلَان. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَامَ رَسُول الله ﷺ وصف النَّاس خَلفه فَكبر عَلَيْهَا أَرْبعا) . وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فمتفق عَلَيْهِ على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما حَدِيث عَامر بن ربيعَة فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ (أَن امْرَأَة سَوْدَاء مَاتَت) الحَدِيث وَفِيه: (قَالَ لأَصْحَابه: صفوا عَلَيْهَا، وَصلى عَلَيْهَا) ،. وَأما حَدِيث أبي قَتَادَة فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي وَفَاة الْبَراء بن معْرور، وَصَلَاة النَّبِي ﷺ على قَبره) . وَأما حَدِيث سهل بن حنيف فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ (أَنه ﷺ صلى على قبر امْرَأَة فَكبر أَرْبعا) . وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ (أَنه ﷺ صلى على قبر امْرَأَة بَعْدَمَا دفنت) وَأما حَدِيث أبي سعيد فراواه ابْن مَاجَه عَنهُ قَالَ: (كَانَت سَوْدَاء تقم

стр. 1712

الْمَسْجِد) الحَدِيث، وَفِيه: (فَخرج) أَي: النَّبِي ﷺ صلى (بِأَصْحَابِهِ فَوقف على قبرها فَكبر عَلَيْهَا وَالنَّاس خَلفه) . وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة بن سهل فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: (مَرضت امْرَأَة من أهل العوالي) الحَدِيث وَفِيه: (فَأتى قبرها فصلى عَلَيْهَا فَكبر أَرْبعا) . قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة: وَأَبُو أُمَامَة لَهُ صُحْبَة. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين الْعِرَاقِيّ: لَهُ رُؤْيَة، وَأما الصُّحْبَة فَلَا، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي كتاب (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : أَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف اسْمه: أسعد سَمَّاهُ، رَسُول الله ﷺ حَدِيثه مُرْسل. قَوْله: (وصفوا عَلَيْهِ) أَي: على الْقَبْر. قَوْله: (فَقلت: يَا با عَمْرو) أَصله يَا أَبَا عَمْرو، حذفت الْهمزَة للتخفف، وَأَبُو عَمْرو كنية الشّعبِيّ ﵀. قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) أَي: قَالَ: حَدثنِي ابْن عَبَّاس، وفاعل قَالَ: هُوَ الَّذِي مر مَعَ النَّبِي ﷺ . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الصَّلَاة على الْقَبْر، قَالَ أَصْحَابنَا: وَإِن دفن الْمَيِّت وَلم يصل عَلَيْهِ صلى على قَبره، وَلَا يخرج مِنْهُ وَيُصلي عَلَيْهِ مَا لم يعلم أَنه تفرق، هَكَذَا ذكر فِي (الْمَبْسُوط) وَهَذَا يُشِير إِلَى أَنه إِذا شكّ فِي تفرقه وتفسخه يصلى عَلَيْهِ، وَقد نَص الْأَصْحَاب على أَنه يُصَلِّي عَلَيْهِ مَعَ الشَّك فِي ذَلِك، ذكره فِي (الْمُفِيد) و (الْمَزِيد) و (جَوَامِع الْفِقْه) . وبقولنا: قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَهُوَ قَول ابْن عمر وَأبي مُوسَى وَعَائِشَة وَابْن سِيرِين وَالْأَوْزَاعِيّ. ثمَّ: هَل يشْتَرط فِي جَوَاز الصَّلَاة على قَبره كَونه مَدْفُونا بعد الْغسْل؟ فَالصَّحِيح أَنه يشْتَرط، وَرَوَاهُ ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه: لَا يشْتَرط، وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا دفن بعد الْغسْل قبل الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَإِذا دفنوه بعد الصَّلَاة عَلَيْهِ ثمَّ ذكرُوا أَنهم لم يغسلوه، فَإِن لم يهيلوا التُّرَاب عَلَيْهِ يخرج وَيغسل وَيصلى عَلَيْهِ، وَإِن أهالوا التُّرَاب عَلَيْهِ لم يخرج. ثمَّ: هَل يصلى عَلَيْهِ ثَانِيًا فِي الْقَبْر؟ ذكر الْكَرْخِي أَنه: يصلى عَلَيْهِ، وَفِي (النَّوَادِر) عَن مُحَمَّد: الْقيَاس أَن لَا يصلى عَلَيْهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَان: أَن يصلى عَلَيْهِ، وَفِي (الْمُحِيط) : لَو صلى عَلَيْهِ من لَا ولَايَة عَلَيْهِ يصلى على قَبره وَالِاعْتِبَار فِي كَونه قبل التفسخ غَالب الظَّن، فَإِن كَانَ غَالب الظَّن أَنه تفسخ لَا يصلى عَلَيْهِ، وإلاّ يصلى عَلَيْهِ. وَعَن أبي يُوسُف يصلى عَلَيْهِ إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام. وللشافعية: سِتَّة أوجه: أَولهَا: إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام. ثَانِيهَا: إِلَى شهر كَقَوْل أَحْمد. ثَالِثهَا: مَا لم يبل جسده. رَابِعهَا: يصلى عَلَيْهِ من كَانَ من أهل الصَّلَاة عَلَيْهِ يَوْم مَوته خَامِسهَا يُصَلِّي عَلَيْهِ من كَانَ من أهل فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ يَوْم مَوته يُصَلِّي عَلَيْهِ أبدا، فعلى هَذَا تجوز الصَّلَاة على قُبُور الصَّحَابَة وَمن قبلهم الْيَوْم، وَاتَّفَقُوا على تضعيفة. وَمِمَّنْ صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ والمحاملي والفوراني وَالْبَغوِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ، وَقَالَ إِسْحَاق: يُصَلِّي القادم من السّفر إِلَى شهر، والحاضر إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام. وَقَالَ سَحْنُون من الْمَالِكِيَّة: لَا يصلى على الْقَبْر، وَقَالَت الْمَالِكِيَّة، فِي جَوَاب الحَدِيث الْمَذْكُور بِأَنَّهُ: علل الصَّلَاة على الْقَبْر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِأَن هَذِه الْقُبُور ممتلئة على أَهلهَا ظلمَة، وَأَن الله ينورها بصلاتي عَلَيْهِم. قَالُوا: فَاثْبتْ أَن تنويرها بِصَلَاتِهِ هُوَ عَلَيْهِم لَا بِصَلَاة غَيره. وَقَالَ ابْن حبَان: وَلَو كَانَ خَاصّا لزجر أَصْحَابه أَن يصطفوا خَلفه ويصلوا مَعَه على الْقَبْر، فَفِي ترك إِنْكَاره أبين الْبَيَان أَنه فعل مُبَاح لَهُ ولأمته مَعًا. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ عَن عقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه ﷺ صلى على قَتْلَى أحد بعد ثَمَان سِنِين؟ قلت: أجَاب السَّرخسِيّ فِي (الْمَبْسُوط) وَغَيره: أَن ذَلِك مَحْمُول على الدُّعَاء، وَلكنه غير سديد، لِأَن الطَّحَاوِيّ روى عَن عقبَة بن عَامر أَن النَّبِي ﷺ خرج يَوْمًا فصلى على قَتْلَى أحد صلَاته على الْمَيِّت، وَالْجَوَاب السديد أَن أَجْسَادهم لم تبل. وَفِي (الْمُوَطَّإِ) : أَن عَمْرو بن الجموح وَعبد الله بن عَمْرو الأنصاريين كَانَ السَّيْل قد حفر قبرهما وهما من شُهَدَاء أحد، فوجدا لم يتغيرا كَأَنَّهُمَا مَاتَا بالْأَمْس، ولقتلهما سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة. وَفِيه: أَن اللَّقِيط إِذا وجد فِي بِلَاد الْإِسْلَام كَانَ حكمه حكم الْمُسلمين فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَنَحْوهَا من أَحْكَام الدّين، وَاسْتدلَّ بِهِ قوم على كَرَاهَة الصَّلَاة إِلَى الْمَقَابِر لِأَنَّهُ جعل انتباذ الْقَبْر عَن الْقُبُور شرطا فِي جَوَاز الصَّلَاة، وَفِيه نظر. ٨٥٨ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدَ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثني صَفْوَانُ بنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ علِى كُلِّ مُحْتَلِمٍ. . مطابقته الْجُزْء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَهُوَ قَوْله: (مَتى يجب الْغسْل عَلَيْهِم) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ

стр. 1713

بن عبد الله بن جَعْفَر، أَبُو الْحسن الَّذِي يُقَال لَهُ: ابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: صَفْوَان بن سليم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام: الإِمَام الْقدْوَة مِمَّن يستسقى بِهِ، يَقُولُونَ: إِن جَبهته ثقبت من كَثْرَة السُّجُود، وَكَانَ لَا يقبل جوائز السُّلْطَان، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار أَبُو مُحَمَّد الْهِلَالِي، مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي، ﷺ ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده وَأَنه بَصرِي وسُفْيَان مكي وَصَفوَان وَعَطَاء مدنيان. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن يُوسُف والقعنبي، كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَفِي الشَّهَادَات أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن سهل بن زَنْجَلَة عَن سُفْيَان بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَاجِب) ، أَي: متأكد فِي حَقه، كَمَا يَقُول الرجل لصَاحبه: حَقك وَاجِب عَليّ، أَي متأكد، لَا أَن المُرَاد الْوَاجِب المحتم المعاقب عَلَيْهِ، وَشهد لصِحَّة هَذَا التَّأْوِيل أَحَادِيث صَحِيحَة غَيره، كَحَدِيث سَمُرَة: (من تَوَضَّأ فبها ونعمت، وَمن اغْتسل فَهُوَ أفضل) ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ مُبينًا. قَوْله: (على كل محتلم) أَي: بَالغ مدرك. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث أهل الظَّاهِر، وَقَالُوا بِوُجُوب غسل الْجُمُعَة، ويحكى ذَلِك عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَالْمُسَيب بن رَافع. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَقَالَ مَالك: لَا أعلم أحدا أوجب غسل الْجُمُعَة إلَاّ أهل الظَّاهِر، فَإِنَّهُم أوجبوه. ثمَّ قَالَ: روى ابْن وهب عَن مَالك أَنه سُئِلَ عَن غسل يَوْم الْجُمُعَة أواجب هُوَ؟ قَالَ: حسن وَلَيْسَ بِوَاجِب، وَهَذِه الرِّوَايَة عَن مَالك تدل على أَنه مُسْتَحبّ، وَذَلِكَ عِنْدهم دون السّنة، وَأجَاب بعض أَصْحَابنَا عَن هَذَا الحَدِيث وَعَن أَمْثَاله الَّتِي ظَاهرهَا الْوُجُوب: أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِحَدِيث: (من تَوَضَّأ فبها ونعمت وَمن اغْتسل فَهُوَ أفضل) . فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَحَادِيث الْوُجُوب أصح وَأقوى، والضعيف لَا ينْسَخ الْقوي. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة، وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (سنَنه) وَالْبَيْهَقِيّ كَذَلِك وَابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَرَوَاهُ سَبْعَة من الصَّحَابَة وهم: سَمُرَة بن جُنْدُب عِنْد أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَأنس عِنْد ابْن مَاجَه، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عِنْد الْبَيْهَقِيّ، وَأَبُو هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار فِي (مُسْنده) ، وَجَابِر عِنْد عبد بن حميد فِي (مُسْنده) وَعبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) وَابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن عَبَّاس عِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) فَإِن قلت: أَفضَلِيَّة الْغسْل على الْوضُوء تدل على الْوُجُوب وإلاّ لثبتت الْمُسَاوَاة قلت: السّنة بَعْضهَا أفضل من بعض، فَجَاز أَن يكون الْغسْل من تِلْكَ السّنَن. فَإِن قلت: مَا ذكرنَا مقتضٍ وَمَا ذكرْتُمْ نافٍ فَالْأول رَاجِح. قلت: قَوْله: (فبها ونعمت) ، نَص على السّنة، وَمَا ذكرْتُمْ يحْتَمل أَن يكون أَمر إِبَاحَة فَالْعَمَل بِمَا ذكرنَا أولى. ٨٥٩ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ أَخْبرنِي كرَيْبٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَنَامَ النبِيُّ ﷺ فَلَمَّا كانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قامَ رسولُ الله ﷺ فتَوَضَّأ مِنْ شنٍّ مُعَلَّق وُضُوءا خَفِيفا يُخَفِّفُهُ عَمْرٌ ووَيُقَلِّلُهُ جِدَّا ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ فَتَوَضَّأتُ نَحْوا مِمَّا تَوَضَّأ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عنْ يَسَارِهِ فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ ثُمَّ صَلَّى مَا شاءَ الله ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ فأتَاهُ المُنَادِي يَأذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَهُ إلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى ولَمْ

стр. 1714

يَتَوَضَّأ قُلْنَا إنَّ نَاسا يَقُولُونَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ ولَا يَنامُ قَلْبُهُ قَالَ عَمْرٌ وسَمِعْتُ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ إنَّ رُؤيَا الأنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأ إنِّي أرَى فِي المَنَامِ أنِّي أذْبَحُكَ ... مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة، فَإِن فِيهِ وضوء ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: (فَتَوَضَّأت نَحوا مِمَّا تَوَضَّأ) . وَكَانَ إِذْ ذَاك صَغِيرا، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور مضى فِي أول: بَاب التَّخْفِيف فِي الْوضُوء، وَعلي بن عبد الله الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحَدِيث. ٨٦٠ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ ابنِ مالِكٍ أنَّ جدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ الله ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأكَلَ مِنْهُ فَقَالَ قُومُوا فَلَاصَليَ بِكُمْ فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقامَ رسولُ الله ﷺ واليَتِيمُ مَعِي والعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واليتيم معي) ، لِأَن الْيَتِيم دَال على الصَّبِي، إِذْ لَا يتم بعد الِاحْتِلَام، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك بن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَهُنَا أخرجه: عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس عَن مَالك، وَقد بَينا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ، ومليكة، بِضَم الْمِيم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. ٦١٨ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْد الله بنِ عَبْدِ الله ابنِ عُتْبَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ أقْبَلَتُ رَاكِبا عَلى حِمَارٍ أتانٍ وَأَنا يَوْمَئِذٍ قَدْ ناهِزْتُ الإحْتِلَامَ ورَسولُ الله ﷺ يُصَلِّي بالنَّاسِ بِمِنَى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنع يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فنزَلْتُ وَأرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ ودَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أحَدٌ. . مطابقته للجزء الثَّالِث وَالسَّادِس للتَّرْجَمَة، وَالثَّالِث فِي حُضُور الصّبيان الْجَمَاعَة، وَالسَّادِس فِي قَوْله: (وصفوفهم) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب مَتى يَصح سَماع الصَّغِير، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس عَن مَالك، وَهَهُنَا: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. ٨٦٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ أعْتَمَ النبيُّ ﷺ . وَقَالَ عَيَّاشٌ حدَّثنا عَبْدُ الأعلَى قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أعْتَمَ رسولُ الله ﷺ فِي العِشَاءِ حَتَّى نادَاهُ عُمَرُ قَدْ نامَ النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ فَخَرَجَ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ يُصَلِّي هاذِهِ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أهْلِ المَدِينَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِيمَا قَالَه الْكرْمَانِي فِي لفظ الصّبيان، لِأَن المُرَاد مِنْهُم إِمَّا الْحَاضِرُونَ مِنْهُم فِي الْمَسْجِد لصَلَاة الْجَمَاعَة، وَإِمَّا الغائبون، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمقصود حَاصِل. انْتهى. قلت: على تَقْدِير كَونهم غائبين لَا يحصل الْمَقْصُود، وَقَالَ ابْن رشيد، وَلَيْسَ الحَدِيث صَرِيحًا فِي ذَلِك، يَعْنِي فِي كَونهم حاضرين فِي الْمَسْجِد، إِذْ يحْتَمل أَنهم نَامُوا فِي الْبيُوت. انْتهى. الظَّاهِر من كَلَام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه شَاهد النِّسَاء اللَّاتِي حضرن فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ قد نمن وصبيانهن مَعَهُنَّ، وكونهن فِي بُيُوتهنَّ وصبيانهن مَعَهُنَّ احْتِمَال بعيد، وَلَوْلَا فهم البُخَارِيّ أَنَّهُنَّ مَعَ صبيانهن كن حضورا فِي الْمَسْجِد لما ذكر هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب الَّذِي من

стр. 1715

أَجزَاء تَرْجَمته: (وحضورهم) ، أَي: وَحُضُور الصّبيان، كَمَا ذكرنَا. وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي: بَاب فضل الْعشَاء، أخرجه هُنَاكَ: عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَقد مضى الْكَلَام هُنَاكَ فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (أعتم) ، أَي: أخر حَتَّى اشتدت ظلمَة اللَّيْل، وَهِي عتمته. قَوْله: (غَيْركُمْ) بِالرَّفْع وَالنّصب. ٨٦٣ - ح دَّثنا عَمْرُو بنُ علِيٍ ّ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّحمانِ بنِ عابِسٍ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَهُ رَجَلٌ شَهِدْتُ الخُرُوجَ مَعَ رسولِ الله ﷺ قَالَ نَعَمْ ولَوْلَا مَكانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ أتَى العلَمَ الذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بنِ الصَّلْتِ ثُمَّ خَطُبَ ثُمَّ أتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وذَكَرَهُنَّ وَأمَرَهُنَّ أنْ يَتَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تَهْوِي بِيَدِهَا إلَى علَقِهَا تُلْقِي فِي ثَوْبِ بِلَالٍ ثُمَّ أتَى هُوَ وبِلَالٌ البَيْتَ. . مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا شهدته) يَعْنِي من صغره. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي. الثَّانِي: يحيى الْقطَّان. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن عَابس، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن ربيعَة النَّخعِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعِيدَيْنِ عَن مُسَدّد، وَفِيه عَن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن كثير بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شهِدت) أَي: حضرت الْخُرُوج إِلَى مصلى الْعِيد مَعَ النَّبِي ﷺ قَالَ: نعم، أَي: شهدته. قَوْله: (وَلَوْلَا مَكَاني مِنْهُ) أَي: من النَّبِي ﷺ ، يَعْنِي: لَوْلَا قربي ومنزلتي مِنْهُ ﷺ مَا شهدته. قَوْله: (يَعْنِي من صغره) من كَلَام الرَّاوِي، وَكلمَة: من، للتَّعْلِيل، وَقَالَ بَعضهم: الضَّمِير فِي: مِنْهُ، يرجع إِلَى غير مَذْكُور، وَهُوَ الصغر. قلت: هَذَا تعسف غير مؤد للمراد على مَا لَا يخفى، قَالَ ابْن بطال: يُرِيد بِهِ أَنه شهد مَعَه النِّسَاء، وَلَوْلَا صغره لم يشهدن مَعَه. قَالَ الْكرْمَانِي: الأولى أَن يُقَال: مَعْنَاهُ لَوْلَا تمكني من الصغر وغلبتي عَلَيْهِ مَا شهدته، يَعْنِي: كَانَ قربه من الْبلُوغ سَببا لشهوده، وَزَاد على الْجَواب بتفصيل حِكَايَة مَا جرى إشعارا بِأَنَّهُ كَانَ مراهقا ضابطا، أَو: لَوْلَا منزلتي عِنْده ومقداري لَدَيْهِ لما شهِدت لصغري. قَوْله: (أُتِي الْعلم) ، بِفَتْح الْعين وَاللَّام: وَهُوَ الْمنَار والجبل والراية والعلامة، (وَكثير بن الصَّلْت) ، هُوَ أَبُو عبد الله، ولد فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَله دَار كَبِيرَة بِالْمَدِينَةِ قبْلَة الْمصلى للعيدين، وَكَانَ اسْمه: قَلِيلا، فَسَماهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كثيرا، وَكَانَ يعد فِي أهل الْحجاز. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: كثير بن الصَّلْت ابْن معدي الْكِنْدِيّ، أَخُو زيد، روى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن كثير بن الصَّلْت كَانَ اسْمه: قَلِيلا، فَسَماهُ النَّبِي ﷺ : كثيرا، الْأَصَح أَن الَّذِي سَمَّاهُ كثيرا عمر بن الْخطاب. قَوْله: (وذكرهن) ، بتَشْديد الْكَاف من التَّذْكِير. قَوْله: (تهوي بِيَدِهَا إِلَى حلقها) أَي: تمدها نَحوه وتميلها إِلَيْهِ، يُقَال: أَهْوى يَده وَبِيَدِهِ إِلَى الشَّيْء ليأخذه. قَوْله: (إِلَى حلقها) ، بِفَتْح اللَّام جمع: حَلقَة، وَهِي الْخَاتم لَا فص لَهُ. قَوْله: (تلقي) من الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَجعلْنَ النِّسَاء يشرن إِلَى آذانهن وحلوقهن) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الصَّبِي إِذا ملك نَفسه وضبطها عَن اللّعب وعقل الصَّلَاة وَشرع لَهُ حُضُور الْعِيد وَغَيره. وَفِيه: الْمُسْتَحبّ للْإِمَام أَن يعظ النِّسَاء ويذكرهن إِذا حضرن مصلى الْعِيد، ويأمرهن بِالصَّدَقَةِ. وَفِيه: الْخطْبَة فِي صَلَاة الْعِيد بعْدهَا، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فصلى ثمَّ خطب) ، وَلم يذكر أذانا وَلَا إِقَامَة. قَالَ: ثمَّ أَمر بِالصَّدَقَةِ. وَفِيه: الْمُسْتَحبّ أَن يصلى فِي الصَّحرَاء.

стр. 1716

١٦٢ - (بابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المسَاجِدِ بِاللَّيْلِ والغَلَسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد لأجل الصَّلَاة. قَوْله: (بِاللَّيْلِ) يتَعَلَّق بِالْخرُوجِ. قَوْله: (والغلس) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَاللَّام: بَقِيَّة ظلمَة اللَّيْل. فَإِن قلت: لم يبين حكم هَذَا الْخُرُوج: هَل هُوَ جَائِز أَو غير جَائِز؟ وَهل هُوَ لكل النِّسَاء أَو لِنسَاء مَخْصُوصَة؟ قلت: لما كَانَ فِي هَذَا الْبَاب خلاف بَين الْأَئِمَّة لم يجْزم بِنَفْي وَلَا إِثْبَات، وَسَنذكر الْخلاف فِيهِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٨٦٤ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أعْتَمَ رسولُ الله ﷺ بِالعَتَمَةِ حَتَّى نادَاهُ عُمَرُ نامَ النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ فقالَ مَا يَنْتَظِرُهَا أحَدٌ غيْرَكُمُ مِنْ أهْلِ الأَرْضِ ولَا يُصَلى يَوْمَئِذٍ إلَاّ بِالْمَدِينَةِ وكانُوا يُصَلُّونَ العَتَمَةَ فِيما بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلنَا: (نَام النِّسَاء) ، وَلَوْلَا فهم البُخَارِيّ أَن النِّسَاء كن حضورا فِي الْمَسْجِد لما وَضعه فِي هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة. وَأما الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فقد مضى فِي الْبَاب السَّابِق عَن أبي الْيَمَان. . إِلَى آخِره، وَبَينهمَا بعض التَّفَاوُت فِي الْمَتْن. قَوْله: (اعتم رَسُول الله ﷺ بالعتمة) بِفتْحَتَيْنِ، أَي: أَبْطَأَ بهَا وأخرها. قَوْله: (الأول) ، بِالْجَرِّ صفة الثُّلُث لَا اللَّيْل، وَقد ذكرنَا مَا يتَعَلَّق بِهِ من جَمِيع الْأَشْيَاء، غير أَن هَهُنَا التَّرْجَمَة فِي خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد، وَقَيده بِاللَّيْلِ لينبه على أَن حكم النَّهَار خلاف اللَّيْل. فَإِن قلت: بعض الْأَحَادِيث مُطلق. مِنْهَا: قَوْله ﷺ : (لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله) . قلت: حمل الْمُطلق فِي ذَلِك على الْمُقَيد، وَبنى البُخَارِيّ عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، وللعلماء فِيهِ أَقْوَال وتفاصيل. قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَيكرهُ لَهُنَّ حُضُور الْجَمَاعَات. قَالَت الشُّرَّاح: وَيَعْنِي الشوابَّ مِنْهُنَّ. وَقَوله: الْجَمَاعَات، يتَنَاوَل الجُمَعَ والأعياد والكسوف وَالِاسْتِسْقَاء، وَعَن الشَّافِعِي: يُبَاح لَهُنَّ الْخُرُوج. قَالَ أَصْحَابنَا: لِأَن فِي خروجهن خوف الْفِتْنَة وَهُوَ سَبَب لِلْحَرَامِ، وَمَا يُفْضِي إِلَى الْحَرَام فَهُوَ حرَام، فعلى هَذَا قَوْلهم: يكره، مُرَادهم يحرم، لَا سِيمَا فِي هَذَا الزَّمَان لشيوع الْفساد فِي أَهله، قَالَ: لَا بَأْس وللعجوز أَن تخرج فِي الْفجْر وَالْمغْرب وَالْعشَاء لحُصُول الْأَمْن، وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة، وَعَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يخْرجن فِي الصَّلَوَات كلهَا لِأَنَّهُ لَا فتْنَة فِيهِ لقلَّة الرَّغْبَة، ثمَّ قَالُوا: إِن حضورهن إِمَّا للصلوات أَو لتكثير الْجمع، فروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن خروجهن للصَّلَاة، يقمن فِي آخر الصُّفُوف فيصلين مَعَ الرِّجَال لِأَنَّهُنَّ من أهل الْجَمَاعَة تبعا للرِّجَال، وروى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة: أَن خروجهن لتكثير السوَاد يقمن فِي نَاحيَة وَلَا يصلين لِأَنَّهُ قد صَحَّ أَن النَّبِي ﷺ : مر الْحيض بذلك فَإِنَّهُنَّ لسن من أهل الصَّلَاة. ٨٦٥ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عنْ حَنْظَلَةَ عنْ سَالِمِ بن عَبْدِ الله عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إذَا اسْتَأذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى المَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ تَقْيِيده بِاللَّيْلِ، وَهُوَ ظَاهر. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن مُوسَى الْعَبْسِي الْكُوفِي. الثَّانِي: حَنْظَلَة ابْن أبي سُفْيَان الجُمَحِي من أهل مَكَّة، وَاسم أبي سُفْيَان: الْأسود بن عبد الرَّحْمَن، وَلم يذكر أَكثر الروَاة عَن حَنْظَلَة. الثَّالِث: سَالم بن عبد الله بن عمر. الرَّابِع: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومكي ومدني. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير. قَوْله: (بِاللَّيْلِ) ، كَذَا بِهَذَا الْقَيْد فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، وَقد اخْتلف فِيهِ الزُّهْرِيّ عَن سَالم أَيْضا، فَأوردهُ البُخَارِيّ فِي: بَاب اسْتِئْذَان الْمَرْأَة زَوجهَا بِالْخرُوجِ

стр. 1717

إِلَى الْمَسْجِد، بِغَيْر تَقْيِيد بِاللَّيْلِ، وَكَذَلِكَ مُسلم من رِوَايَة يُونُس ين يزِيد، وَأحمد من رِوَايَة عقيل والسراج من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ كلهم عَن الزُّهْرِيّ بِغَيْر ذكر اللَّيْل، وَقد قُلْنَا: إِن الْمُطلق فِي ذَلِك مَحْمُول على الْمُقَيد، وَفِيه أَنه يَنْبَغِي أَن يَأْذَن لَهَا وَلَا يمْنَعهَا مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَتهَا، وَذَلِكَ إِذا لم يخف الْفِتْنَة عَلَيْهَا وَلَا بهَا، وَقد كَانَ هُوَ الْأَغْلَب فِي ذَلِك الزَّمَان بِخِلَاف زَمَاننَا هَذَا، فَإِن الْفساد فِيهِ فاشٍ والمفسدون كَثِيرُونَ. وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، الَّذِي يَأْتِي يدل على هَذَا، وَعَن مَالك: إِن هَذَا الحَدِيث وَنَحْوه مَحْمُول على الْعَجَائِز. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ للْمَرْأَة خير من بَيتهَا وَإِن كَانَت عجوزا. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الْمَرْأَة عَورَة، وَأقرب مَا تكون إِلَى الله فِي قَعْر بَيتهَا، فَإِذا خرجت استشرفها الشَّيْطَان. وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يقوم يحصب النِّسَاء يَوْم الْجُمُعَة يخرجهن من الْمَسْجِد. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: سَمِعت ابْن مَسْعُود حلف فَبَالغ فِي الْيَمين: مَا صلت امْرَأَة صَلَاة أحب إِلَى الله تَعَالَى من صلَاتهَا فِي بَيتهَا إلاّ فِي حجَّة أَو عمْرَة، إِلَّا امْرَأَة قد يئست من البعولة. وَقَالَ ابْن مَسْعُود لامْرَأَة سَأَلته عَن الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: صَلَاتك فِي مخدعك أفضل من صَلَاتك فِي بَيْتك، وصلاتك فِي بَيْتك أفضل من صَلَاتك فِي حجرتك، وصلاتك فِي حجرتك أفضل من صَلَاتك فِي مَسْجِد قَوْمك. وَكَانَ إِبْرَاهِيم يمْنَع نِسَاءَهُ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة. وَسُئِلَ الْحسن الْبَصْرِيّ عَن امْرَأَة حَلَفت إِن خرج زَوجهَا من السجْن أَن تصلي فِي كل مَسْجِد تجمع فِيهِ الصَّلَاة بِالْبَصْرَةِ رَكْعَتَيْنِ،، فَقَالَ الْحسن: تصلي فِي مَسْجِد قَومهَا لِأَنَّهَا لَا تطِيق ذَلِك،، لَو أدْركهَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأوجع رَأسهَا. وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْإِذْن الْمَذْكُور لغير الْوَاجِب، لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لانتفى معنى الاسْتِئْذَان، لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا كَانَ المستأذن مُخَيّرا فِي الْإِجَابَة أَو الرَّد. تابَعَهُ شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: تَابع عبيد الله بن مُوسَى شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَقد وَصلهَا أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة ... فَذكره. ١٦٣ - (بابٌ) ٨٦٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخْبَرَتْهَا أنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رسولِ الله ﷺ كُنَّ إذَا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتُوبَةِ قُمْنَ وثَبَتَ رسولُ الله ﷺ ومَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ الله فإذَا قامَ رسولُ الله ﷺ قامَ الرِّجَالُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على أَن النِّسَاء كن يخْرجن إِلَى الْمَسَاجِد، ودلالته على ذَلِك أَعم من أَن يكون ذَلِك بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي الْحَافِظ الْبَصْرِيّ، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب التَّسْلِيم، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (وَثَبت) عطف على قَوْله: (قمن) ، أَي: كن إِذا سلمن ثَبت رَسُول الله ﷺ فِي مَكَانَهُ بعد قيامهن. قَوْله: (وَمن صلى) أَي: ثَبت أَيْضا من صلى مَعَ النَّبِي ﷺ من الرِّجَال. ٨٦٧ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحْيى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ إنْ كانَ رسولُ الله ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد بِاللَّيْلِ. وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك عَن يحيى إِلَى آخِره، وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك، وَقد مر الحَدِيث فِي: بَاب كم تصلي الْمَرْأَة من الثِّيَاب، وَفِي: بَاب وَقت الْفجْر، وَقد تكلمنا هُنَاكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. قَوْله: (إِن كَانَ) إِن: هَذِه مُخَفّفَة من المثقلة أَصله: أَنه كَانَ، أَي: إِن الشان، وَاللَّام فِي: (ليُصَلِّي) مَفْتُوحَة، وَهِي لَام التَّأْكِيد. قَوْله: (متلفعات) حَال من النِّسَاء أَي: متلحفات، من التلفع وَهُوَ شدّ اللفاع

стр. 1718

وَهُوَ مَا يُغطي الْوَجْه ويتلحف بِهِ، والمروط: جمع مرط، بِكَسْر الْمِيم: وَهُوَ كسَاء من صوف أَو خَز يؤتزر بِهِ، والغلس، بِفَتْح اللَّام: بَقِيَّة ظلمَة اللَّيْل. ٨٦٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مِسْكِينٍ قَالَ حدَّثنا بِشْرٌ قَالَ أخبرنَا الأوزاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بن أبي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ عَن ابيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إنّي لأقُومُ إلَى الصَّلاةِ وَأَنا أريدُ أنْ أُطَوِّلَ فيهَا فَأَسْمع بكاءَ الصَّبِيّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أنْ أشُقَّ عَلى أُمِّهِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٠٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (كَرَاهِيَة أَن أشق على أمه) ، لِأَنَّهُ يدل على حُضُور النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ أَيْضا أَعم من أَن يكون بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب من أخف الصَّلَاة عِنْد بكاء الصَّبِي، أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، وَالْأَوْزَاعِيّ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عمر. قَوْله: (فأتجوز) ، أَي: أخفف. قَوْله: (كَرَاهِيَة) ، نصب على التَّعْلِيل، أَي: لأجل كَرَاهِيَة أَن أشق، ويروى مَخَافَة أَن أشق، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. ٢٥٠ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف. قَالَ أخبرنَا مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لَو أدْرك رَسُول الله ﷺ َ - مَا أحدث النِّسَاء لمنعهن كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل قلت لعمرة أَو منعن قَالَت نعم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله تكَرر ذكرهم. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَعَن عَمْرو النَّاقِد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَعَن اسحق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك ستتهم عَن يحيى بن سعيد بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " مَا أحدث النِّسَاء " فِي مَحل النصب على أَنه مفعول أدْرك أَي مَا أحدثت من الزِّينَة وَالطّيب وَحسن الثِّيَاب وَنَحْوهَا (قلت) لَو شاهدت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَا أحدث نسَاء هَذَا الزَّمَان من أَنْوَاع الْبدع والمنكرات لكَانَتْ أَشد إنكارا وَلَا سِيمَا نسَاء مصر فَإِن فِيهِنَّ بدعا لَا تُوصَف ومنكرات لَا تمنع. مِنْهَا ثيابهن من أَنْوَاع الْحَرِير المنسوجة أطرافها من الذَّهَب والمرصعة باللآلىء وأنواع الْجَوَاهِر وَمَا على رءوسهن من الأقراص المذهبة المرصعة باللآلىء والجواهر الثمينة والمناديل الْحَرِير المنسوج بِالذَّهَب وَالْفِضَّة الممدودة وقمصانهن من أَنْوَاع الْحَرِير الواسعة الأكمام جدا السابلة أذيالها على الأَرْض مِقْدَار أَذْرع كَثِيرَة بِحَيْثُ يُمكن أَن يَجْعَل من قَمِيص وَاحِد ثَلَاثَة قمصان وَأكْثر وَمِنْهَا مشيهن فِي الْأَسْوَاق فِي ثِيَاب فاخرة وَهن متبخترات متعطرات مائلات متبخترات متزاحمات مَعَ الرِّجَال مكشوفات الْوُجُوه فِي غَالب الْأَوْقَات. وَمِنْهَا ركوبهن على الْحمير الْغرَّة وأكمامهن سابلة من الْجَانِبَيْنِ فِي أزر رفيعة جدا. وَمِنْهَا ركوبهن على مراكب فِي نيل مصر وخلجانها مختلطات بِالرِّجَالِ وبعضهن يغنين بِأَصْوَات عالية مطربة والأقداح تَدور بَينهُنَّ. وَمِنْهَا غلبتهن على الرِّجَال وقهرهن إيَّاهُم وحكمهن عَلَيْهِم بِأُمُور شَدِيدَة. ومنهن نسَاء يبعن الْمُنْكَرَات بالإجهار ويخالطن الرِّجَال فِيهَا. ومنهن قوادات يفسدن الرِّجَال وَالنِّسَاء ويمشين بَينهُنَّ بِمَا لم يرض بِهِ الشَّرْع. ومنهن صنف بَغَايَا قاعدات مترصدات للْفَسَاد ومنهن صنف دائرات على أرجلهن يصطدن الرِّجَال. ومنهن نصف سوارق من الدّرّ والحمامات. ومنهن صنف سواحر يسحرن وينفثن فِي العقد ومنهن بياعات فِي الْأَسْوَاق يتعايطن بِالرِّجَالِ. ومنهن دلالات نصابات على النِّسَاء. ومنهن صنف نوائح ودفافات يرتكبن هَذِه الْأُمُور القبيحة بِالْأُجْرَةِ. ومنهن مغنيات يغنين بأنواع الملاهي بِالْأُجْرَةِ للرِّجَال

стр. 1719

وَالنِّسَاء ومنهن صنف خطابات يخطبن للرِّجَال نسَاء لَهَا أَزوَاج بفتن يوقعنها بَينهم وَغير ذَلِك من الْأَصْنَاف الْكَثِيرَة الْخَارِجَة عَن قَوَاعِد الشَّرِيعَة فَانْظُر إِلَى مَا قَالَت الصديقة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا من قَوْلهَا لَو أدْرك رَسُول الله ﷺ َ - مَا أحدثت النِّسَاء وَلَيْسَ بَين هَذَا القَوْل وَبَين وَفَاة النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا مُدَّة يسيرَة على أَن نسَاء ذَلِك الزَّمَان مَا أحدثن جزأ من ألف جُزْء مِمَّا أحدثت نسَاء هَذَا الزَّمَان قَوْله " كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل " يحْتَمل أَن تكون شريعتهم الْمَنْع وَيحْتَمل أَن يكون منعن بعد الْإِبَاحَة وَيحْتَمل غير ذَلِك مِمَّا لَا طَرِيق لنا إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بالْخبر قَوْله " قلت لعمرة " الْقَائِل يحيى بن سعيد قَوْله " أَو منعن " بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وواو الْعَطف وَفعل الْمَجْهُول وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يعود إِلَى نسَاء بني إِسْرَائِيل قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) من أَيْن علمت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا هَذِه الْمُلَازمَة وَالْحكم بِالْمَنْعِ وَعَدَمه لَيْسَ إِلَّا الله تَعَالَى (قلت) مِمَّا شاهدت من الْقَوَاعِد الدِّينِيَّة الْمُقْتَضِيَة لحسم مواد الْفساد وَالْأولَى فِي هَذَا الْبَاب أَن ينظر إِلَى مَا يخْشَى مِنْهُ الْفساد فيجتنب لإشارته ﷺ َ - إِلَى ذَلِك بِمَنْع الطّيب والتزين لما روى مُسلم من حَدِيث زَيْنَب امْرَأَة ابْن مَسْعُود " إِذا شهِدت إحداكن الْمَسْجِد فَلَا تمس طيبا " وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ " لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله وَلَكِن ليخرجن وَهن تفلات " وَكَذَلِكَ قيد ذَلِك فِي بعض الْمَوَاضِع بِاللَّيْلِ ليتَحَقَّق الْأَمْن فِيهِ من الْفِتْنَة وَالْفساد وَبِهَذَا يمْنَع اسْتِدْلَال بَعضهم فِي الْمَنْع مُطلقًا فِي قَول عَائِشَة لِأَنَّهَا علقته على شَرط لم يُوجد فَقَالَت لَو رأى لمنع فَيُقَال عَلَيْهِ لم ير وَلم يمْنَع على أَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لم تصرح بِالْمَنْعِ وَإِن كَانَ ظَاهر كَلَامهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا ترى الْمَنْع وَأَيْضًا فالإحداث لم يَقع من الْكل بل من بَعضهم فَإِن تعين الْمَنْع فَيكون فِي حق من أحدثت لَا فِي حق الْكل وَقَالَ التَّيْمِيّ فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يَنْبَغِي للنِّسَاء أَن يخْرجن من الْمَسَاجِد إِذا حدث فِي النِّسَاء الْفساد انْتهى (قلت) الَّذِي يعول عَلَيْهِ مَا قُلْنَاهُ وَلم يحدث الْفساد فِي الْكل قَوْله (تفلات) جمع تفلة بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْفَاء من التفل وَهُوَ سوء الرَّائِحَة يُقَال امْرَأَة تفلة إِذا لم تطيب وَيُقَال رجل تفل وَامْرَأَة تفلة ومتفال (فَإِن قلت) لم قَالَ " لَا تمنعوا إِمَاء الله " وَلم يقل لَا تمنوا نساءكم (قلت) لِأَنَّهُ لما قَالَ مَسَاجِد الله رَاعى الْمُنَاسبَة فَقَالَ (إِمَاء الله) وَهُوَ أوقع فِي النَّفس من لفظ النِّسَاء - ١٦٤ - (بابُ صَلَاةِ النِّسَاءِ خَلْفَ الرِّجَالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن صَلَاة النِّسَاء خلف صُفُوف الرِّجَال، لِأَن مبْنى أمرهن على السّتْر وتأخرهن عَن الرِّجَال أستر لَهُنَّ. ٨٧٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ قَزَعَةَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ عنْ أمِّ سَلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا سَلَّمَ قامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ ويَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرا قَبْلَ أنْ يَقُومَ. قَالَ نَرَي وَالله أعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُنَّ مِنَ الرِّجَالِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن صف النِّسَاء لَو كَانَ أَمَام الرِّجَال أَو بَعضهم للَزِمَ من انصرافهن قبل أَن يتخطينهم، وَذَلِكَ مَنْهِيّ عَنهُ. قلت: هَذَا على مَذْهَبهم، وَأما على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة إِذا تقدم صف من النِّسَاء على صف من الرِّجَال يفْسد ذَلِك صَلَاة هَؤُلَاءِ الصَّفّ بِتَمَامِهِ، كَمَا علم من مَذْهَبهم فِي حكم الْمُحَاذَاة، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مضى فِي: بَاب التَّسْلِيم، أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد، وَهَهُنَا: عَن يحيى بن قزعة، بِالْقَافِ وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات، وَقد تسكن الزَّاي: الْمَكِّيّ الْمُؤَذّن عَن إِبْرَاهِيم بن سعد. قَوْله: (قَالَ نرى) أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ، وَهَذَا إدراج مِنْهُ. قَوْله: (قبل أَن يدركهن من الرِّجَال) ، ويروى: (قبل أَن يدركهن أحد من الرِّجَال) . ٢٥٢ - (حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن إِسْحَاق عَن أنس ﵁ قَالَ صلى النَّبِي ﷺ َ - فِي بَيت أم سليم فَقُمْت ويتيم خَلفه وَأم سليم خلفنا)

стр. 1720

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَأم سليم خلفنا " فَإِنَّهَا صلت خلف الرِّجَال وهم أنس وَمن مَعَه والْحَدِيث مضى فِي بَاب الْمَرْأَة تكون وَحدهَا صفا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان عَن إِسْحَاق عَن أنس وَهَهُنَا عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان إِلَى آخِره نَحوه قَوْله " فَقُمْت " الْقَائِل أنس قَوْله " ويتيم " عطف عَلَيْهِ وَفِيه شَاهد لمَذْهَب الْكُوفِيّين فِي إجَازَة الْعَطف على الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بِدُونِ التَّأْكِيد وعَلى مَذْهَب الْبَصرِيين يجب نصب الْمَعْطُوف على أَنه مفعول مَعَه واليتيم الْمَذْكُور اسْمه ضميرَة بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَقد مر فِي بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير - ١٦٥ - (بابُ سُرْعَةِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي سرعَة انصراف النِّسَاء من صَلَاة الصُّبْح، وَإِنَّمَا قيدة بالصبح لِأَنَّهُ طول التَّأْخِير فِيهِ يُفْضِي إِلَى الْإِسْفَار، فَالْمُنَاسِب هُوَ الْإِسْرَاع، بِخِلَاف الْعشَاء فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى زِيَادَة الظلمَة، فَلَا يضر الْمكْث. قَوْله: (مقامهن) ، بِفَتْح الْمِيم بِمَعْنى: قيامهن، وَقلة توقفهن فِي الْمَسْجِد خوفًا من أَن ينتشر الضياء ويعرفن حِينَئِذٍ. ٨٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ موساى قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُور قالَ حدَّثنا فُلَيْحٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمان بنِ القاسِمِ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغلَس أوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضا. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى الحَدِيث، وَأخرجه هَهُنَا: عَن يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. وَيُقَال لَهُ: الختي، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَعِيد بن مَنْصُور من شُيُوخ البُخَارِيّ، وَقد روى عَنهُ هَهُنَا بالواسطة. قَوْله: (فينصرفن نسَاء الْمُؤمنِينَ) ، هُوَ عَليّ لُغَة: أكلوني البراغيث، وَهِي لُغَة بني الْحَارِث. وَكَذَا قَوْله: (لَا يعرفن بَعضهنَّ بَعْضًا) ، وَهَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (لَا يعرف) ، بِالْإِفْرَادِ على الأَصْل. قَوْله: (الْمُؤمنِينَ) ذكر الْكرْمَانِي أَن فِي بعض النّسخ: نسَاء الْمُؤْمِنَات، ثمَّ قَالَ: تَأْوِيله نسَاء الْأَنْفس الْمُؤْمِنَات، أَو الْإِضَافَة بَيَانِيَّة نَحْو: شجر الْأَرَاك. وَقيل: إِن النِّسَاء بِمَعْنى الفاضلات، أَي فاضلات الْمُؤْمِنَات. قَالَ: وَفِيه دَلِيل على وجوب قطع الذرائع الداعية إِلَى الْفِتْنَة وَطلب إخلاص الْفِكر، لاشتغال النَّفس بِمَا جبلت عَلَيْهِ من أُمُور النِّسَاء، وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. (بَاب اسْتِئْذَان الْمَرْأَة زَوجهَا بِالْخرُوجِ إِلَى الْمَسْجِد) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان طلب الْمَرْأَة الْإِذْن من زَوجهَا لأجل الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد للصَّلَاة فِيهِ ٢٥٤ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِذا اسْتَأْذَنت امْرَأَة أحدكُم فَلَا يمْنَعهَا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة (فَإِن قلت) التَّرْجَمَة مُقَيّدَة بِالْخرُوجِ إِلَى الْمَسْجِد والْحَدِيث مُطلق (قلت) قَالَ الْكرْمَانِي إِمَّا أَن تقيد بِالْحَدِيثِ السَّابِق قَرِيبا أَو أَنه لما كَانَ جَائِزا على الْإِطْلَاق فالخروج إِلَى مَوضِع الْعِبَادَة بِالطَّرِيقِ الأولى (قلت) الحَدِيث السَّابِق هُوَ الْمَذْكُور فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد بِاللَّيْلِ فَالْبُخَارِي أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن حَنْظَلَة عَن سَالم بن عبد الله عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِذا استأذنكم نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِد فأذنوا لَهُنَّ " وَهَهُنَا أخرجه عَن مُسَدّد إِلَى آخِره على وَجه الْإِطْلَاق وَهَذَا مَعْنَاهُ الْعُمُوم وَفِي معنى هَذَا الْإِذْن لِلْخُرُوجِ إِلَى الْعِيد وزيارة قبر ميت لَهَا وَإِذا كَانَ حق عَلَيْهِنَّ أَن يأذنوا فِيمَا هُوَ مُطلق لَهُنَّ الْخُرُوج فِيهِ فالإذن لَهُنَّ فِيمَا هُوَ فرض عَلَيْهِنَّ أَو ينْدب الْخُرُوج إِلَيْهِ أولى كخروجهن لأَدَاء شَهَادَة لَهُ مِنْهُنَّ ولأداء فرض الْحَج وَشبهه من الْفَرَائِض أَو لزيارة آبائهن وأمهاتهن وَذَوي محارمهن وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآل - ١٦٦ - (بابُ اسْتِئْذَانِ المَرْأةِ زَوْجَهَا بالخُرُوجِ إلَى المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان طلب الْمَرْأَة الْإِذْن من زَوجهَا لأجل الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد للصَّلَاة فِيهِ. ٢٥٤ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِذا اسْتَأْذَنت امْرَأَة أحدكُم فَلَا يمْنَعهَا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة (فَإِن قلت) التَّرْجَمَة مُقَيّدَة بِالْخرُوجِ إِلَى الْمَسْجِد والْحَدِيث مُطلق (قلت) قَالَ الْكرْمَانِي إِمَّا أَن تقيد بِالْحَدِيثِ السَّابِق قَرِيبا أَو أَنه لما كَانَ جَائِزا على الْإِطْلَاق فالخروج إِلَى مَوضِع الْعِبَادَة بِالطَّرِيقِ الأولى (قلت) الحَدِيث السَّابِق هُوَ الْمَذْكُور فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد بِاللَّيْلِ فَالْبُخَارِي أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن حَنْظَلَة عَن سَالم بن عبد الله عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِذا استأذنكم نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِد فأذنوا لَهُنَّ " وَهَهُنَا أخرجه عَن مُسَدّد إِلَى آخِره على وَجه الْإِطْلَاق وَهَذَا مَعْنَاهُ الْعُمُوم وَفِي معنى هَذَا الْإِذْن لِلْخُرُوجِ إِلَى الْعِيد وزيارة قبر ميت لَهَا وَإِذا كَانَ حق عَلَيْهِنَّ أَن يأذنوا فِيمَا هُوَ مُطلق لَهُنَّ الْخُرُوج فِيهِ فالإذن لَهُنَّ فِيمَا هُوَ فرض عَلَيْهِنَّ أَو ينْدب الْخُرُوج إِلَيْهِ أولى كخروجهن لأَدَاء شَهَادَة لَهُ مِنْهُنَّ ولأداء فرض الْحَج وَشبهه من الْفَرَائِض أَو لزيارة آبائهن وأمهاتهن وَذَوي محارمهن وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآل -
следующие страницы →