← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وَحكى: أمحشته. وَقَالَ الدَّاودِيّ: امتحشوا: انقبضوا واسودوا. قَوْله: (مَاء الْحَيَاة) هُوَ الَّذِي من شربه أَو صب عَلَيْهِ لم يمت أبدا. قَوْله: (كَمَا تنْبت الْحبَّة) ، بِكَسْر الْحَاء هُوَ: بزور الصَّحرَاء مِمَّا لَيْسَ بقوت، وَوجه الشّبَه فِي سرعَة النَّبَات، وَيُقَال: شبه نَبَاته بنبات الْحبَّة لبياضها ولسرعة نباتها لِأَنَّهَا تنْبت فِي يَوْم وَلَيْلَة، لِأَنَّهَا رويت من المياء وترددت فِي غثاء السَّيْل. قَوْله: (فِي حميل السَّيْل) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ السَّيْل من طين وَنَحْوه. قَوْله: (ثمَّ يفرغ الله من الْقَضَاء) ، اسناد الْفَرَاغ إِلَى الله لَيْسَ على سَبِيل الْحَقِيقَة، إِذْ الْفَرَاغ هُوَ الْخَلَاص عَن المهام، وَالله تَعَالَى لَا يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن، وَالْمرَاد مِنْهُ إتْمَام الحكم بَين الْعباد بالثواب وَالْعِقَاب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ كمل خُرُوج الْمُوَحِّدين من النَّار. قَوْله: (دُخُولا) نصب على التَّمْيِيز، وَيجوز أَن يكون حَالا، على أَن يكون: دُخُولا، بِمَعْنى: دَاخِلا. قَوْله: (الْجنَّة) ، بِالنّصب على أَنه مفعول: دُخُولا. قَوْله: (مُقبلا) نصب على أَنه حَال من الْأَحْوَال المترادفة أَو المتداخلة، ويروى: (مقبل) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ مقبل بِوَجْهِهِ إِلَى جِهَة النَّار. قَوْله: (قد قشبني) ، بِفَتْح الْقَاف والشين الْمُعْجَمَة المخففة الْمَفْتُوحَة وبالباء الْمُوَحدَة، وَقَالَ السفاقسي: كَذَا هُوَ عِنْد الْمُحدثين، وَكَذَا ضَبطه بَعضهم، وَالَّذِي فِي اللُّغَة الشين وَمَعْنَاهُ سمني، وَقَالَ الفارابي فِي بَاب: فعل، بِفَتْح الْعين من الْمَاضِي وَكسرهَا من الْمُسْتَقْبل، قشبه، أَي: سقَاهُ السم، وقشب طَعَامه أَي: سمه. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: القشب أخلاط تخلط للنسر فيأكلها فَيَمُوت، فَيُؤْخَذ ريشه. يُقَال لَهُ: ريش قشيب ومقشوب، وكل مَسْمُوم قشيب، وَقَالَ أَبُو عمر: القشب هُوَ السم، وقشبه سقَاهُ السم، وَفِي (النَّوَادِر) للهجري: وَمعنى القشب هُوَ السم لغير النَّاس، يقشب بِهِ السبَاع وَالطير فيقتلها. وَفِي (الْمُحكم) : القشب والقشيب: السم، وَالْجمع أقشاب، وقشب لَهُ: سقَاهُ السم، وقشب الطَّعَام يقشبه قشبا: إِذا لطخ بالسم. وَفِي (كتاب ابْن طريف) : أقشب الشَّيْء إِذا خالطه بِمَا يُفْسِدهُ من سم أَو غَيره، وَعند أبي حنيفَة القشب: نَبَات يقتل الطير. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال قشبه الدُّخان إِذا مَلأ خياشيمه، وَأخذ بكظمه وَهُوَ انْقِطَاع نَفسه، وَأَصله: خلط السم. يُقَال: قشبه إِذا سمه، وَمِنْه حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَنه كَانَ بِمَكَّة فَوجدَ ريح طيب، فَقَالَ: من قشبنا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ دخلت على أم حَبِيبَة فطيبتني) . قَوْله: (وأحرقني ذكاؤها) قَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا وَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث: (ذكاؤها) بِالْمدِّ وبفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ: لهبها واشتعالها وَشدَّة وهجها، وَالْأَشْهر فِي اللُّغَة: ذكاها، مَقْصُورا، وَذكر جماعات أَن الْمَدّ وَالْقصر لُغَتَانِ. انْتهى. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَفِيه نظر. قلت: ذكر وَجه النّظر وَهُوَ أَنه عد كتبا عديدة فِي اللُّغَة وشروح دواوين الشُّعَرَاء، ثمَّ قَالَ: وَكلهمْ نصوا على قصره لَا يذكرُونَ الْمَدّ فِي ورد وَلَا صدر، حاشا مَا وَقع فِي (كتاب النَّبَات) لأبي حنيفَة الدينَوَرِي، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوضِع السعار: حر النَّار وذكااؤها، وَفِي آخر: ولهبها ذكاء لهبها، وَفِي مَوضِع آخر: مَعَ ذكاء وقودها، وَفِي آخر: وَقد ضربت الْعَرَب الْمثل بجمر الغضا لذكائه، ورد عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فَقَالَ: كل هَذَا غلط، لِأَن ذكاء النَّار مَقْصُور يكْتب بِالْألف. لِأَنَّهُ من الواوي من قَوْلهم: ذكت النَّار تذكو وذكو النَّار وذكاكها بِمَعْنى، وَهُوَ التهابها. وَيُقَال أَيْضا: ذكت النَّار تذكو ذكوا وذكوا، فَأَما ذكاء بِالْمدِّ فَلم يَأْتِ عَنْهُم بِالْمدِّ فِي النَّار، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي الْفَهم. قَوْله: (هَل عَسَيْت) ، بِفَتْح السِّين ذكره صَاحب (الفصيح) ، وَفِي (الموعب) : لم يعرف الْأَصْمَعِي: عَسَيْت، بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَقد ذكره بعض الْقُرَّاء وَهُوَ خطأ، وَعَن الْفراء: لَعَلَّهَا لُغَة نادرة. وَفِي (شرح المطرزي) عَن الْفراء: كَلَام الْعَرَب العالي: عَسَيْت، بِفَتْح السِّين، وَمِنْهُم من يَقُول: عَسَيْت، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه فِي كِتَابه: (تَصْحِيح الفصيل) : الْعَامَّة تَقول: عَسَيْت، بِكَسْر السِّين وَهِي لُغَة شَاذَّة، وَقَالَ ابْن السّكيت فِي كِتَابه: (فعلت وأفعلت) : عَسَيْت، بِالْكَسْرِ لُغَة رَدِيئَة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَيَقُولُونَ: مَا عَسَيْت، وإلأجود الْفَتْح، كَذَا قَالَه ثَابت (فِيمَا يلحن فِيهِ) . وَقَالَ أَبُو عبيد بن سَلام فِي كِتَابه (فِي الْقرَاءَات) : كَانَ نَافِع يقْرَأ عسيتم، بِالْكَسْرِ، وَالْقِرَاءَة عندنَا بِالْفَتْح، لِأَنَّهَا أعرب اللغتين، وَلَو كَانَت: عسيتم، بِالْكَسْرِ لقرىء: عَسى رَبنَا، أَيْضا، وَهَذَا الْحَرْف لَا نعلمهُمْ اخْتلفُوا فِي فَتحه، وَكَذَلِكَ سَائِر الْقُرْآن، ثمَّ إعلم أَن: عَسى، من الْآدَمِيّين يكون للترجي وَالشَّكّ، وَمن الله للْإِيجَاب وَالْيَقِين. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى الصّرْف الَّذِي يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (إصرف وَجْهي عَن النَّار) . قَوْله: (فيعطي الله) مَفْعُوله مَحْذُوف أَي: فيعطي الرجل الْمَذْكُور. قَوْله: (مَا شَاءَ) ويروى (مَا يَشَاء) ، بياء المضارعة. قَوْله: (الْعَهْد والميثاق) ، الْعَهْد: يَأْتِي لمعان، بِمَعْنى: الْحفاظ، ورعاية الْحُرْمَة والذمة والأمان وَالْيَمِين وَالْوَصِيَّة، والميثاق، الْعَهْد أَيْضا، وَهُوَ على وزن مفعال، من الوثاق، وَهُوَ فِي

стр. 1647

الأَصْل حَبل أَو قيد يشد بِهِ الْأَسير أَو الدَّابَّة. قَوْله: (بهجتها) أَي: حسنها ونضارتها. قَوْله: (لَا أكون أَشْقَى خلقك) قَالَ السفاقسي: كَذَا هُنَا (لأَكُون) وَفِي رِوَايَة أبي الْحسن: (لاأكونن) ، وَالْمعْنَى: إِن أَنْت أبقيتني على هَذِه الْحَالة وَلَا تدخلني الْجنَّة لأكونن أَشْقَى خلقك الَّذين دخلوها، وَالْألف زَائِدَة يَعْنِي فِي قَوْله: (لَا أكون أَشْقَى خلقك) وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (لَا أكون أَشْقَى خلقك) أَي: كَافِرًا، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ طابق هَذَا الْجَواب لفظ: (أَلَيْسَ قد أَعْطَيْت العهود) ؟ قلت: كَأَنَّهُ قَالَ: يَا رب أَعْطَيْت، لَكِن كرمك يطمعني إِذْ لَا ييأس من روح الله إلاّ الْقَوْم الْكَافِرُونَ. قَوْله: (فَمَا عَسَيْت إِن أَعْطَيْت ذَلِك) كلمة: مَا استفهامية، وَاسم: عَسى، هُوَ الضَّمِير، وَخَبره هُوَ قَوْله: (أَن تسْأَل) وَقَوله: (إِن أَعْطَيْت) جملَة مُعْتَرضَة، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: (ذَلِك) مفعول ثَان: لأعطيت، أَي: إِن أَعْطَيْت الْقَدِيم إِلَى بَاب الْجنَّة. وَقَوله: (غَيره) مفعول (أَن تسْأَل) أَي: غير التَّقْدِيم إِلَى بَاب الْجنَّة. وَكلمَة: (إِن) فِي: (إِن أَعْطَيْت) مَكْسُورَة، وَهِي شَرْطِيَّة وَالَّتِي فِي: (أَن تسْأَل) مَفْتُوحَة مَصْدَرِيَّة ويروى: (أَن لَا تسْأَل) ، بِزِيَادَة لَفْظَة: لَا، ووجهها، إِمَّا أَن تكون زَائِدَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب﴾ (الْحَدِيد: ٢٩) . وَإِمَّا أَن تكون على أَصْلهَا، وَتَكون كلمة: (مَا) فِي قَوْله: (فَمَا عَسَيْت) نَافِيَة، وَنفي النَّفْي إِثْبَات. وَقَالَ الْكرْمَانِي هُنَا فَإِن قلت: كَيفَ يَصح هَذَا من الله تَعَالَى وَهُوَ عَالم بِمَا كَانَ وَمَا يكون؟ قلت: مَعْنَاهُ أَنكُمْ يَا بني آدم لما عهد عَنْكُم نقض الْعَهْد أحقاء بِأَن يُقَال لكم ذَلِك، وَحَاصِله أَن معنى: عَسى، رَاجع إِلَى الْمُخَاطب لَا إِلَى الله تعالي. قَوْله: (فَيَقُول: لَا) أَي: فَيَقُول الرجل: لَا يَا رب لَا أسأَل غَيره وَحقّ عزتك. قَوْله: (فيعطي ربه) أَي: فيعطي الرجل ربه مَا شَاءَ من الْعَهْد والميثاق. قَوْله: (فَإِذا بلغ بَابهَا) أَي: بَاب الْجنَّة. قَوْله: (فَرَأى زهرتها) عطف على: بلغ، وَجَوَاب: إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: فَإِذا بلغ إِلَى آخِره سكت، ثمَّ بَين سُكُوته بقوله: (فيسكت) ، بِالْفَاءِ التفسيرية، ثمَّ إِن سُكُوته بِمِقْدَار مَشِيئَة الله تَعَالَى إِيَّاه، وَهُوَ معنى قَوْله: (فيسكت مَا شَاءَ الله أَن يسكت) وَكلمَة: أَن، هَذِه مَصْدَرِيَّة أَي: مَا شَاءَ الله سُكُوته. وَقَالَ الكلاباذي: إمْسَاك العَبْد عَن السُّؤَال حَيَاء من ربه، ، وَالله تَعَالَى يحب سُؤَاله لِأَنَّهُ يحب صَوته، فيباسطه بقوله: لَعَلَّك إِن أَعْطَيْت هَذَا تسْأَل غَيره؟ وَهَذِه حَال المقصر، فَكيف حَال الْمُطِيع، وَلَيْسَ نقض هَذَا العَبْد عَهده وَتَركه أقسامه جهلا مِنْهُ، وَلَا قلَّة مبالاة، بل علما مِنْهُ بِأَن نقض هَذَا الْعَهْد أولى من الْوَفَاء، لِأَن سُؤَاله ربه أولى من إبرار قسمه، لِأَنَّهُ علم قَول نبيه ﷺ : (من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليكفر عَن يَمِينه وليأت الَّذِي هُوَ خير) . قَوْله: (وَيحك) كلمة رَحْمَة، كَمَا أَن: وَيلك كلمة عَذَاب، وَقيل: هما بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (ابْن آدم) أَي: يَا ابْن آدم. قَوْله: (مَا أغدرك) ، فعل التَّعَجُّب، والغدر ترك الْوَفَاء. قَوْله: (أَلَيْسَ قد أَعْطَيْت) على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (غير الَّذِي أَعْطَيْت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فيضحك الله مِنْهُ) ، أَي: من فعل هَذَا الرجل، وَالْمرَاد من الضحك لَازمه، وَهُوَ الرضى مِنْهُ وَإِرَادَة الْخَيْر لَهُ، لِأَن إِطْلَاق حَقِيقَة الضحك على الله تَعَالَى لَا يتَصَوَّر، وأمثال هَذِه الأطلاقات كلهَا يُرَاد بهَا لوازمها. قَوْله: (تمن) أَمر من التَّمَنِّي، ويروى: (تمن كَذَا وَكَذَا) . قَوْله: (حَتَّى إِذا انْقَطع) ويروى: (إِذا انْقَطَعت) ، وَقد علم أَن إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى مثل هَذَا الْفَاعِل يجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث. قَوْله: (زد من كَذَا وَكَذَا) أَي: من أمانيك الَّتِي كَانَت لَك قبل أَن أذكرك بهَا. قَوْله: (أقبل) ، فعل مَاض من الإقبال، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الله تَعَالَى، وَكَذَا الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي قَوْله: (يذكرهُ) ، وَقد تنَازع هَذَانِ الفعلان فِي قَوْله: (ربه) . فَإِن قلت: مَا موقع هَاتين الجملتين؟ أَعنِي: (أقبل يذكرهُ؟) قلت: بدل من قَوْله: قَالَ الله : زد قَوْله: (الْأَمَانِي) جمع أُمْنِية. قَوْله: (لَك ذَلِك) أَي: مَا سَأَلته من الْأَمَانِي. قَوْله: (وَمثله مَعَه) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت حَالا. قَوْله: (لَك ذَلِك وَعشرَة أَمْثَاله) ، أَي: وَعشرَة أَمْثَال مَا سَأَلته، وَهَذَا فِي خبر أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَوجه الْجمع بَين خَبره وَخبر أبي هُرَيْرَة لِأَن فِي خبر أبي هُرَيْرَة: وَمثله، وَفِي خبر أبي سعيد: وَعشرَة أَمْثَاله، هُوَ أَنه ﷺ ، أخبر أَولا بِالْمثلِ، ثمَّ اطلع على الزِّيَادَة تكرما، وَلَا يحْتَمل الْعَكْس، لِأَن الْفَضَائِل لَا تنسخ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أعلم أَولا بِمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، ثمَّ تكرم الله فزادها فَأخْبر بِهِ ﷺ وَلم يسمعهُ أَبُو هُرَيْرَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات الرُّؤْيَة للرب نصا من كَلَام الشَّارِع، وَهُوَ تَفْسِير قَوْله ﷻ : ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ (الْقِيَامَة: ٢٢، ٢٣) . يَعْنِي: مبصرة، وَلَو لم يكن هَذَا القَوْل من الشَّارِع بِالرُّؤْيَةِ نصا لَكَانَ مَا فِي الْآيَة كِفَايَة لمن انصف، وَذَلِكَ أَن النّظر إِذا قرن بِذكر الْوَجْه لم يكن إلاّ نظر الْبَصَر، وَإِذا قرن بِذكر الْقُلُوب كَانَ بِمَعْنى الْيَقِين، فَلَا يجوز

стр. 1648

أَن ينْقل حكم الْوُجُوه إِلَى حكم الْقُلُوب. وَاعْلَم أَن أهل السّنة اتَّفقُوا على أَن الله تَعَالَى يَصح أَن يُرى بِمَعْنى: أَنه ينْكَشف لِعِبَادِهِ وَيظْهر لَهُم بِحَيْثُ تكون نِسْبَة ذَلِك الانكشاف إِلَى ذَاته الْمَخْصُوصَة كنسبة الإبصار إِلَى هَذِه المبصرات المادية، لكنه يكون مُجَردا عَن ارتسام صُورَة المرئي، وَعَن اتِّصَال الشعاع بالمرئي، وَعَن الْمُحَاذَاة والجهة وَالْمَكَان، خلافًا للمعتزلة فِي الرُّؤْيَة مُطلقًا، وللمشبهة والكرامية فِي خلوها عَن المواجهة وَالْمَكَان. احتجت الْمُعْتَزلَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِوُجُوه: الأول: بقوله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ (الْأَنْعَام: ١٠٣) . وَالْجَوَاب عَنهُ: إِن معنى الْإِدْرَاك هَهُنَا الْإِحَاطَة، وَنحن نقُول أَيْضا: إِن الْإِحَاطَة ممتنعة. وَقَالَ ابْن بطال: الْآيَة مَخْصُوصَة بِالسنةِ. قلت: فِيهِ نظر، وَالْأولَى مَا قُلْنَا. الثَّانِي: بقوله تَعَالَى: ﴿لن تراني﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٣) . فَإِن: لن، نفي للتأييد بِدَلِيل قَوْله: ﴿قل لن تتبعونا﴾ (الْفَتْح: ١٥) . فَإِذا ثَبت عدم الرُّؤْيَة فِي حق مُوسَى، ﵊، ثَبت فِي حق غَيره أَيْضا لانعقاد الْإِجْمَاع على عدم الْفرق، وَالْجَوَاب عَنهُ: إِنَّا لَا نسلم أَن: لن، تدل على التأييد بِدَلِيل قَوْله: ﴿لن يَتَمَنَّوْهُ أبدا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥) . مَعَ أَنهم يتمنونه فِي الْآخِرَة. الثَّالِث: بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إلاّ وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا﴾ (الشورى: ٥١) . الْآيَة، فَإِن الْآيَة دلّت على أَن كل من يتَكَلَّم الله تَعَالَى مَعَه، فَإِنَّهُ لَا يرَاهُ، فَإِذن ثَبت عدم الرُّؤْيَة فِي غير وَقت الْكَلَام ضَرُورَة أَنه لَا قَائِل بِالْفَصْلِ، وَالْجَوَاب: أَن الْوَحْي كَلَام يسمع بالسرعة وَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة تدل على كَون الْمُتَكَلّم محجوبا عَن نظر السَّامع. وَفِيه: أَن الصَّلَاة أفضل الْأَعْمَال لما فِيهَا من السُّجُود، وَقد قَالَ ﷺ : (أقرب مَا يكون العَبْد من ربه إِذا سجد) ، وَفِيه: فَضِيلَة السُّجُود، وَالْبَاب مترجم بذلك. وَفِيه: بَيَان كرم أكْرم الأكرمين ولطفه وفضله الْوَاسِع. وَفِيه: أَن الصِّرَاط حق، وَالْجنَّة حق، وَالنَّار حق، والحشر حق، والنشر حق، وَالسُّؤَال حق. ١٣٠ - (بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يُبْدِي الْمُصَلِّي، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: من الإبداء، وَهُوَ الْإِظْهَار، وَفِي الْمغرب: ابداء الضبعين: تفريجهما. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويبدي ضبعيه لقَوْله ﷺ : (وأبدِ ضبعيك) ويروى: (ابدد) من الإبداد وَهُوَ: الْمَدّ قلت: هَذَا الحَدِيث لم يرو هَكَذَا مَرْفُوعا، وَقد بَيناهُ فِي (شرحنا للهداية) قَوْله: ويروى (وأبدد) ، لَيْسَ لَهُ أصل وَلَا وجود فِي كتب الحَدِيث. قَوْله: (ضبعيه) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة تَثْنِيَة: ضبع، وَقيل: يجوز فِي الْبَاء الضَّم أَيْضا، والضبع الْعَضُد، وَقيل: ضبع الرجل وَسطه وبطنه، وَقيل: وسط الْعَضُد من دَاخل، وَقيل: هِيَ لحْمَة تَحت الْإِبِط. قَوْله: (ويجافي) ، مَفْعُوله مَحْذُوف أَي: يُجَافِي بَطْنه، أَي: يباعده، وثلاثيه: جفى، يُقَال: جفى السرج عَن ظهر الْفرس، وأجفيته أَنا إِذا رفعته، ويجافي جنبه عَن الْفراش أَي: يباعد. قَالَ تَعَالَى: ﴿تتجافي جنُوبهم عَن الْمضَاجِع﴾ (السَّجْدَة: ١٦) . أَي: تتباعد. وإعلم أَن هَذَا الْبَاب، وَالْبَاب الَّذِي بعده، قد ذكر هُنَا فِي كثير من النّسخ، وسقطا فِي بَعْضهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي وَغَيره: لِأَنَّهُمَا ذكرا مرّة قبل: بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة قلت: لم يذكر هُنَاكَ إلاّ قَوْله: بَاب يُبْدِي ضبعيه ويجافي جَنْبَيْهِ فِي السُّجُود، وَأما الْبَاب الثَّانِي، فَلم يذكر هُنَاكَ بترجمة، فَلذَلِك قيل: وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا هَهُنَا. ٨٠٧ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثني بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابنِ هُرْمِزَ عَن عبْدِ الله بنِ مالِكٍ ابنِ بُحيْنَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَيَاضُ إبْطَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٩٠ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن تفريج الْمُصَلِّي بَين يَدَيْهِ إِلَى أَن يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ لَا يكون إلاّ بإبداء ضبعيه والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَبِهَذَا الْمَتْن بِعَيْنِه، غير أَن هُنَاكَ نسب شَيْخه إِلَى جده حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا يحيى بن بكير إِلَى آخِره، وَابْن هُرْمُز هُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء. وَقَوله: (ابْن بُحَيْنَة) لَيْسَ صفة لمَالِك بل صفة لعبد الله، لِأَن بُحَيْنَة اسْم أمه، وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم من طَرِيقه بِلَفْظ: (كَانَ إِذا سجد فرج يَدَيْهِ عَن إبطَيْهِ حَتَّى إِنِّي لأرى بَيَاض إبطَيْهِ) .

стр. 1649

١٣١ - (بابٌ يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِأطْرَافِ رِجْلَيْهِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يسْتَقْبل الْمُصَلِّي الْقبْلَة بأطراف رجلَيْهِ. قالَهُ أبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِي عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: قَالَ: اسْتِقْبَال الْقبْلَة بأطراف رجلَيْهِ، ذكره أَبُو حميد فِي حَدِيثه على مَا يَأْتِي مَوْصُولا فِي: بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، قَرِيبا. وَأَبُو حميد عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ١٣٢ - (بابٌ إذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا لم يتم الْمُصَلِّي السُّجُود. ٨٠٨ - حدَّثنا الصلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مَهْدِيًّ عنْ وَاصِلٍ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ رَأى رَجُلاً لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ ولَا سُجُودَهُ فلمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ مَا صَلَّيْتَ قَالَ وأحْسبُهُ قَالَ ولَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٣٨٩ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب إِذا لم يتم الرُّكُوع قبل هَذَا الْبَاب بإثني عشر بَابا. وَأخرجه عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان، قَالَ: سَمِعت زيد بن وهب، قَالَ: رأى حُذَيْفَة رجلا لَا يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود، فَقَالَ: مَا صليت وَلَو مت مت على غير الْفطْرَة الَّتِي فطر الله مُحَمَّدًا، ﷺ ، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ. وَأَبُو وَائِل هُوَ: شَقِيق. ١٣٣ - (بابُ السجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن السُّجُود فِي الصَّلَاة على سَبْعَة أعظم، وَالْمرَاد من الْأَعْظَم هِيَ الْأَعْضَاء الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب، وَفِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ أَيْضا. ١٩٦ - (حَدثنَا قبيصَة قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس أَمر النَّبِي ﷺ َ - أَن يسْجد على سَبْعَة أَعْضَاء وَلَا يكف شعرًا وَلَا ثوبا الْجَبْهَة وَالْيَدَيْنِ والركبتين وَالرّجلَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَن المُرَاد من الْأَعْظَم الْأَعْضَاء كَمَا ذكرنَا على أَن الْمَذْكُور فِي أحد طريقي حَدِيث ابْن عَبَّاس لفظ الْأَعْضَاء مُصَرح على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول قبيصَة بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عقبَة بن عَامر الْكُوفِي. الثَّانِي سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار الرَّابِع طَاوس بن كيسَان. الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومكي ويماني. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة وَعَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد كلهم عَن عَمْرو بن دِينَار بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن حميد بن مسْعدَة وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن بشر بن معَاذ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَمر النَّبِي ﷺ َ - " على صِيغَة الْمَجْهُول فِي جَمِيع الرِّوَايَات وَالْمعْنَى أَمر الله تَعَالَى

стр. 1650

النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ عرف ذَلِك بِالْعرْفِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوُجُوب قيل فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِيغَة الْأَمر (قلت) فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " أمرت " قَالَ حَمَّاد أَمر نَبِيكُم أَن يسْجد على سَبْعَة وَلَا يكف شعرًا وَلَا ثوبا انْتهى فَهَذَا قَوْله ﷺ َ - " أمرت " يدل على أَن الله تَعَالَى أمره وَالْأَمر من الله تَعَالَى يدل على الْوُجُوب وَفِي رِوَايَة مُسلم " أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة الْجَبْهَة وَالْأنف وَالْيَدَيْنِ والركبتين والقدمين " (فَإِن قلت) رِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه تحْتَمل الخصوصية (قلت) رِوَايَته الْأُخْرَى الَّتِي ذكرهَا عقيب هَذَا الحَدِيث وَهِي قَوْله " أمرنَا " تدل على أَنه لعُمُوم الْأمة. وَاخْتلف النَّاس فِيمَا فرض على النَّبِي ﷺ َ - هَل تدخل مَعَه الْأمة فَقيل نعم وَالأَصَح لَا إِلَّا بِدَلِيل وَقيل إِذا خُوطِبَ بِأَمْر أَو نهي فَالْمُرَاد بِهِ الْأمة مَعَه وَهَذَا لَا يثبت إِلَّا بِدَلِيل وَرِوَايَة " أمرنَا " تدل على أَن ابْن عَبَّاس تَلقاهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - إِمَّا سَمَاعا مِنْهُ وَإِمَّا بلاغا عَنهُ وَبِهَذَا يرد كَلَام الْكرْمَانِي حَيْثُ قَالَ ظَاهره الْإِرْسَال أَي ظَاهر هَذَا الحَدِيث ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) بِمَ عرف ابْن عَبَّاس أَنه أَمر بذلك (قلت) إِمَّا بإخباره ﷺ َ - لَهُ أَو لغيره أَو بِاجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ ﷺ َ - مَا ينْطق عَن الْهوى انْتهى (قلت) على تَقْدِير إخْبَاره ﷺ َ - لِابْنِ عَبَّاس كَيفَ يكون الحَدِيث مُرْسلا وَقد قَالَ ظَاهره الْإِرْسَال قَوْله " وَلَا يكف شعرًا " عطف على قَوْله " أَن يسْجد " وَفِي رِوَايَة " لَا يكفت الثِّيَاب وَلَا الشّعْر " والكفت والكف بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ الْجمع وَالضَّم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا﴾ أَي نجمع النَّاس فِي حياتهم وموتهم والكفات بِمَعْنى الْكَفّ قَوْله " وَلَا ثوبا " أَي وَلَا يكف ثوبا قَوْله " الْجَبْهَة " بِالْجَرِّ عطف بَيَان لقَوْله " على سَبْعَة أَعْضَاء " وَمَا بعْدهَا عطف عَلَيْهَا قَوْله " وَالْيَدَيْنِ " يُرِيد الْكَفَّيْنِ خلافًا لمن زعم أَنه يحمل على ظَاهره لِأَنَّهُ لَو حمل على ذَلِك لدخل تَحت الْمنْهِي عَنهُ الافتراش كافتراش السَّبع وَالْكَلب قَوْله " وَالرّجلَيْنِ " يُرِيد أَطْرَاف الْقَدَمَيْنِ وَبَين ذَلِك رِوَايَة ابْن طَاوس عَنهُ كَذَلِك قَوْله " وَلَا يكف شعرًا وَلَا ثوبا " جملتان معترضتان بَين قَوْله " على سَبْعَة أَعْضَاء " وَبَين قَوْله " الْجَبْهَة " (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) احْتج بِهِ أَحْمد وَإِسْحَق على أَنه لَا يجْزِيه من ترك السُّجُود على شَيْء من الْأَعْضَاء السَّبْعَة وَهُوَ الْأَصَح من قولي الشَّافِعِي فِيمَا رَجحه الْمُتَأَخّرُونَ خلاف مَا رَجحه الرَّافِعِيّ وَهُوَ مَذْهَب ابْن حبيب وَكَأن البُخَارِيّ مَال إِلَى هَذَا القَوْل وَلم يذكر الْأنف فِي هَذَا الحَدِيث وَذكر الْأنف فِي حَدِيث آخر لِابْنِ عَبَّاس على مَا يَأْتِي عَن قريب. وَاخْتلفُوا فِي السُّجُود على الْأنف هَل هُوَ فرض مثل غَيرهَا فَقَالَت طَائِفَة إِذا سجد على جَبهته دون أَنفه أَجزَأَهُ رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالقَاسِم وَسَالم وَالشعْبِيّ وَالزهْرِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه وَمَالك وَأبي يُوسُف وَأبي ثَوْر وَالْمُسْتَحب أَن يسْجد على أَنفه مَعَ الْجَبْهَة وَقَالَت طَائِفَة يجْزِيه أَن يسْجد على أَنفه دون جَبهته وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه وروى أَسد بن عمر وَعنهُ لَا يجوز الِاقْتِصَار على الْأنف إِلَّا من عذر وَقَالَ ابْن بطال اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا يجزىء السُّجُود عَلَيْهِ من الْآرَاب السَّبْعَة بعد إِجْمَاعهم على أَن السُّجُود على الأَرْض فَرِيضَة وَقَالَ النَّوَوِيّ أَعْضَاء السُّجُود سَبْعَة وَيَنْبَغِي للساجد أَن يسْجد عَلَيْهَا كلهَا وَأَن يسْجد على الْجَبْهَة وَالْأنف جَمِيعًا وَأما الْجَبْهَة فَيجب وَضعهَا مكشوفة على الأَرْض وَيَكْفِي بَعْضهَا وَالْأنف مُسْتَحبّ فَلَو تَركه جَازَ وَلَو اقْتصر عَلَيْهِ وَترك الْجَبْهَة لم يجزه هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك والأكثرين وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَابْن الْقَاسِم من أَصْحَاب مَالك لَهُ أَن يقْتَصر على أَيهمَا شَاءَ وَقَالَ أَحْمد وَابْن حبيب من أَصْحَاب مَالك يجب أَن يسْجد على الْجَبْهَة وَالْأنف جَمِيعًا لظَاهِر الحَدِيث وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ بل ظَاهر الحَدِيث أَنَّهُمَا فِي حكم عُضْو وَاحِد لِأَنَّهُ قَالَ فِي الحَدِيث سَبْعَة فَإِن جعلا عضوين صَارَت ثَمَانِيَة وَذكر الْأنف اسْتِحْبَابا وَذكر أَصْحَاب التشريح أَن عظمي الْأنف يبتدئان من قرنة الْحَاجِب وينتهيان إِلَى الْموضع الَّذِي فَوق الثنايا والرباعيات فعلى هَذَا يكون الْأنف والجبهة الَّتِي هِيَ أَعلَى الخد وَاحِدًا وَقَالَ ابْن بطال أَن فِي بعض طرق حَدِيث ابْن عَبَّاس " أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة أعظم مِنْهَا الْوَجْه " (قلت) يُؤَيّدهُ قَوْله ﷺ َ - وَهُوَ ساجد فِيمَا رَوَاهُ مُسلم " سجد وَجْهي للَّذي خلقه " الحَدِيث وَأما اليدان وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ فَهَل يجب السُّجُود عَلَيْهَا فَقَالَ النَّوَوِيّ فِيهِ قَولَانِ للشَّافِعِيّ أَحدهمَا لَا يجب لَكِن يسْتَحبّ اسْتِحْبَابا متأكدا وَالثَّانِي يجب وَهُوَ الْأَصَح وَهُوَ الَّذِي رَجحه الشَّافِعِي فَلَو أخل بعضو مِنْهَا لم تصح

стр. 1651

صلَاته وَإِذا أَوجَبْنَا لم يجب كشف الْقَدَمَيْنِ والركبتين وَفِي الْكَفَّيْنِ قَولَانِ للشَّافِعِيّ أَحدهمَا يجب كشفه كالجبهة وَالأَصَح لَا يجب وَفِي شرح الْهِدَايَة السُّجُود على الْيَدَيْنِ والركبتين والقدمين غير وَاجِب وَفِي الْوَاقِعَات لَو لم يضع رُكْبَتَيْهِ على الأَرْض عِنْد السُّجُود لَا يجْزِيه وَقَالَ أَبُو الطّيب مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يجب وضع هَذِه الْأَعْضَاء وَهُوَ قَول عَامَّة الْفُقَهَاء وَعند زفر وَأحمد بن حَنْبَل يجب وَعَن أَحْمد فِي الْأنف رِوَايَتَانِ وَقَالَ ابْن الْقصار الْإِجْمَاع حجَّة وَوجدنَا التَّابِعين على قَوْلَيْنِ فَمنهمْ من أوجب السُّجُود على الْجَبْهَة وَالْأنف. وَمِنْهُم من جوز الِاقْتِصَار على الْجَبْهَة وَمن جوز الِاقْتِصَار على الْأنف خرج عَن إِجْمَاعهم (قلت) يُشِير بذلك إِلَى قَول أبي حنيفَة وَمَا قَالَه غير موجه لِأَن الْمَأْمُور بِهِ فِي السَّجْدَة وضع بعض الْوَجْه على الأَرْض لِأَنَّهُ لَا يُمكن بكله فَيكون بِالْبَعْضِ مَأْمُورا وَالْأنف بعضه فَكَمَا أَن الِاقْتِصَار على الْجَبْهَة يجوز بِلَا خلاف لكَونهَا بعض الْوَجْه ومسجدا فَكَذَا الِاقْتِصَار على الْأنف لِأَنَّهَا بعض الْوَجْه وَمَسْجِد إِلَّا أَنه يكره لمُخَالفَته السّنة وَذكر الطَّبَرِيّ فِي تَهْذِيب الْآثَار أَن حكم الْجَبْهَة وَالْأنف سَوَاء وَقَالَ أَيُّوب نبئت عَن طَاوس أَنه سُئِلَ عَن السُّجُود على الْأنف فَقَالَ أَلَيْسَ أكْرم الْوَجْه وَقَالَ أَبُو هِلَال سُئِلَ ابْن سِيرِين عَن الرجل يسْجد على أَنفه فَقَالَ أوما تقْرَأ ﴿يخرون للأذقان سجدا﴾ فَالله مدحهم بخرورهم على الأذقان فِي السُّجُود فَإِذا سقط السُّجُود على الذقن بِالْإِجْمَاع يصرف الْجَوَاز إِلَى الْأنف لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة لعدم الْفَصْل بَينهمَا بِخِلَاف الْجَبْهَة إِذْ الْأنف فاصل بَينهمَا فَكَانَ من الْجَبْهَة (فَإِن قلت) روى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَاصِم الْأَحول عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لَا صَلَاة لمن لَا يُصِيب أَنفه من الأَرْض مَا يُصِيب الجبين " (قلت) قَالُوا الصَّحِيح أَنه مُرْسل (فَإِن قلت) أخرج ابْن عدي فِي الْكَامِل عَن الضَّحَّاك بن حَمْزَة عَن مَنْصُور بن زَاذَان عَن عَاصِم البَجلِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ َ - " من لم يلصق أَنفه مَعَ جَبهته بِالْأَرْضِ إِذا سجد لم تجز صلَاته " (قلت) أعله بِالضحاكِ بن حَمْزَة وَأسْندَ إِلَى النَّسَائِيّ لَيْسَ بِثِقَة وَقَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِشَيْء (فَإِن قلت) أخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن ناشب بن عَمْرو الشَّيْبَانِيّ حَدثنَا مقَاتل بن حَيَّان عَن عُرْوَة " عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت أبْصر رَسُول الله ﷺ َ - امْرَأَة من أَهله تصلي وَلَا تضع أنفها بِالْأَرْضِ فَقَالَ يَا هَذِه ضعي أَنْفك بِالْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لمن لم يضع أَنفه بِالْأَرْضِ مَعَ جَبهته فِي الصَّلَاة " (قلت) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ناشب ضَعِيف وَلَا يَصح مقَاتل عَن عُرْوَة. وَفِيه كَرَاهَة كف الثَّوْب وَالشعر وَظَاهر الحَدِيث النَّهْي عَنهُ فِي حَال الصَّلَاة وَإِلَيْهِ مَال الدَّاودِيّ ورده عِيَاض بِأَنَّهُ خلاف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور فَإِنَّهُم كَرهُوا ذَلِك للْمُصَلِّي سَوَاء فعله فِي الصَّلَاة أَو قبل أَن يدْخل فِيهَا. وَاتَّفَقُوا أَنه لَا يفْسد الصَّلَاة إِلَّا مَا حُكيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وجوب الْإِعَادَة فِيهِ وَفِي التَّلْوِيح اتّفق الْعلمَاء على النَّهْي عَن الصَّلَاة وثوبه مشمر أَو كمه أَو رَأسه معقوص أَو مَرْدُود شعره تَحت عمَامَته أَو نَحْو ذَلِك وَهُوَ كَرَاهَة تَنْزِيه فَلَو صلى كَذَلِك فقد أَسَاءَ وَصحت صلَاته وَاحْتج الطَّبَرِيّ فِي ذَلِك بِالْإِجْمَاع وَقَالَ ابْن التِّين هَذَا مَبْنِيّ على الِاسْتِحْبَاب فَأَما إِذا فعله فَحَضَرت الصَّلَاة فَلَا بَأْس أَن يُصَلِّي كَذَلِك وَعند أبي دَاوُد بِسَنَد جيد رأى أَبُو رَافع الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُصَلِّي وَقد غرز ضفيرته فِي قَفاهُ فَحلهَا وَقَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول ذَلِك كفل الشَّيْطَان أَو قَالَ مقْعد الشَّيْطَان يَعْنِي مغرز ضفيرته وَفِي الْمعرفَة روينَا فِي الحَدِيث الثَّابِت " عَن ابْن عَبَّاس أَنه رأى عبد الله بن الْحَارِث يُصَلِّي وَرَأسه معقوص من وَرَائه فَقَامَ وَرَاءه فَجعل يحله وَقَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - إِنَّمَا مثل هَذَا كَمثل الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مكتوف " فَدلَّ الحَدِيث على كَرَاهَة الصَّلَاة وَهُوَ معقوص الشّعْر وَلَو عقصه وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَسدتْ صلَاته والعقص أَن يجمع شعره على وسط رَأسه ويشده بخيط أَو بصمغ ليتلبد وَافق الْجُمْهُور من الْعلمَاء أَن النَّهْي لكل من يُصَلِّي كَذَلِك سَوَاء تَعَمّده للصَّلَاة أَو كَانَ كَذَلِك قبلهَا لِمَعْنى آخر وَقَالَ مَالك النَّهْي لمن فعل ذَلِك للصَّلَاة وَالصَّحِيح الأول لإِطْلَاق الْأَحَادِيث. قيل الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي عَنهُ أَن الشّعْر يسْجد مَعَه وَلِهَذَا مثله بِالَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مكتوف وَقَالَ ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لرجل رَآهُ يسْجد وَهُوَ معقوص الشّعْر أرْسلهُ يسْجد مَعَك. وَفِيه من جملَة أَعْضَاء السُّجُود اليدان فَإِن صلى وهما فِي الثِّيَاب فَذكر ابْن بطال الْإِجْمَاع على جَوَازه وَكَرِهَهُ بَعضهم لِأَن حكمهمَا حكم الْوَجْه لَا حكم الرُّكْبَتَيْنِ وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ فِي وجوب كشفهما

стр. 1652

١٩٧ - (حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عَمْرو عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ أمرنَا أَن نسجد على سَبْعَة أعظم وَلَا نكف ثوبا وَلَا شعرًا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا على سَبْعَة أعظم وَلَفظ الحَدِيث كَذَلِك وَهَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عَبَّاس وَالْمرَاد بالأعظم هِيَ الْأَعْضَاء الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث السَّابِق وسمى كل عُضْو عظما وَإِن كَانَ فِيهِ عِظَام كَثِيرَة وَيجوز أَن يكون من بَاب تَسْمِيَة الْجُمْلَة باسم بَعْضهَا ٨١١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبي إسحاقَ عنْ عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ قالَ حدَّثنا البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ وَهْوَ غَيْرُ كذُوبٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النبيِّ ﷺ فإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ لَم يَحْن أحدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النبيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ علَى الأرْضِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٩٠ وطرفه) . قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: كَيفَ دلَالَته على التَّرْجَمَة؟ قلت: الْعَادة على أَن وضع الْجَبْهَة، إِنَّمَا هُوَ باستعانة السَّبْعَة الْبَاقِيَة غَالِبا. قلت: هَذَا لَا يَخْلُو عَن تعسف، وَالْوَجْه فِيهِ أَنه إِنَّمَا أورد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب للْإِشَارَة إِلَى أَن السَّجْدَة بالجبهة أَدخل فِي الْوُجُوب من بَقِيَّة الْأَعْضَاء، وَلِهَذَا لم يخْتَلف فِي وُجُوبهَا بالجبهة، وَاخْتلف فِي غَيرهَا من بَقِيَّة السَّبْعَة كَمَا ذكرنَا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم ابْن أبي إِيَاس، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس وَأَبُو إِسْحَاق، عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي. وَهَذَا لحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب مَتى يسْجد من خلف الإِمَام، عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن يزِيد، قَالَ: حَدثنِي الْبَراء. . إِلَى آخِره. وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الإشياء. قَوْله: (لم يحن) ، بِفَتْح الْيَاء وَكسر النُّون وَضمّهَا أَي: لم يقوس ظَهره. قَوْله: (أحدٌ منَّا) ويروى: (أَحَدنَا) . ١٣٤ - (بابُ السُّجُودِ عَلَى الأنْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السُّجُود على الْأنف. ٨١٢ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهِيْبٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ طاوُسَ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ وأشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أنْفِهِ واليَدَيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ وَأطْرَافِ القَدَمَيْنِ ولَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ والشِّعْرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَقد أخرجه البُخَارِيّ من ثَلَاثَة أوجه، وَهَذَا هُوَ الثَّالِث: عَن مُعلى بن أَسد الْعمي أَبُو الْهَيْثَم الْبَصْرِيّ، عَن وهيب، بِضَم الْوَاو وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء: ابْن خَالِد الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ عَن عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه طَاوُوس عَن عبد الله بن عَبَّاس، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ، وَنَذْكُر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ هُنَا. فَقَوله: (على سَبْعَة أعظم) قد تَكَرَّرت هُنَا كلمة: على، وَلَا يجوز جعلهَا صلَة لفعل مُكَرر، إلاّ أَن يُقَال: على الثَّانِيَة بدل عَن الأولى الَّتِي فِي حكم الطرح، أَو تكون الأولى مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَسجد على الْجَبْهَة حَال كَون السُّجُود على سَبْعَة أَعْضَاء. قَوْله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ على أَنفه) ، جملَة مُعْتَرضَة بَين الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَهُوَ: الْجَبْهَة، والمعطوف، وَهُوَ: الْيَدَيْنِ، وَالْغَرَض مِنْهَا بَيَان أَنَّهُمَا عُضْو وَاحِد، فَدلَّ على أَنه ﷺ سوى بَين الْجَبْهَة وَالْأنف، لِأَن عظمي الْأنف يبتدئان من قرنة الْحَاجِب وينتهيان عِنْد الْموضع الَّذِي فِيهِ الثنايا والرباعيات، وَسقط بِمَا ذكرنَا سُؤال من قَالَ؛ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث ثَمَانِيَة أعظم لَا سَبْعَة. قَوْله: (وَالْيَدَيْنِ) عطف على قَوْله: (على الْجَبْهَة) ، وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد بهما: الكفان. ١٣٥ - (بابُ السُّجُودِ عَلَى الأنْفِ فِي الطِّينِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السُّجُود على الْأنف حَال كَونه فِي الطين، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَأَكد أَمر السُّجُود

стр. 1653

على الْأنف، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يتْرك مَعَ وجود الطين، فَفِي غَيره أَحْرَى أَن لَا يتْرك. قَوْله: (السُّجُود على الْأنف فِي الطين) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بَاب السُّجُود على الْأنف، وَالسُّجُود على الطين، وَالْأول أوجه دفعا للتكرار. ٨١٣ - حدَّثنا مُوسَى قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ يَحْيى عنْ أبي سَلَمةَ قَالَ انْطَلَقْتُ إِلَى أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَقُلْتُ ألَا تَخْرُجَ بِنَا إلَى النَّخْلِ نتَحَدَّثُ فخرَجَ فقالَ قُلْتُ حدِّثْني مَا سَمِعْتَ مِنَ النبيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ قَالَ اعْتَكَفَ رسولُ الله ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمضَانَ واعْتَكفْنَا مَعهُ فَأتاهُ جِبرِيلُ فَقَالَ إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أمامَكَ فاعْتَكَفَ العَشْرَ الأوْسَطَ فاعْتَكَفْنَا معَهُ فأتاهُ جِبرِيلُ فقالِ إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أمامَكَ فقامَ النبيُّ ﷺ خَطِيبا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ منْ اعْتَكَفَ معَ النبيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ فَإنِّي رأيْتُ لَيلَةَ القَدْرِ وإنِّي نُسِّيتُهَا وإنَّهَا فِي العَشْرِ الأواخِرِ فِي وَتْرٍ وإنِّي رأيْتُ كأنِّي أسْجُدُ فِي طِينٍ وماءٍ وكانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّماءِ شَيئا فجَاءتْ قَزَعَةٌ فأُمْطِرْنَا فصَلَّى بِنَا النبيُّ ﷺ حَتَّى رَأيْتُ أثرَ الطِّينِ والمَاءِ علَى جَبْهةِ رسُولِ الله ﷺ وَأرْنَبَتِهِ تَصْدِيقُ رُؤيَاهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى رَأَيْت أثر المَاء) إِلَى آخِره. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَهَمَّام بن يحيى، وَيحيى بن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع، فِي الصَّلَاة فِي موضِعين عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَهَهُنَا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الصَّوْم عَن معَاذ بن فضَالة فِي الِاعْتِكَاف عَن عبد الله بن مُنِير وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَعَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن قُتَيْبَة وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن عبد بن حميد وَعَن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه ابو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن مُؤَمل بن الْفضل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاعْتِكَاف عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى مرَّتَيْنِ وَعَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نتحدث) فِي مَحل النصب على أَنه من الْأَحْوَال الْمقدرَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع والجزم، قَوْله: (عشر الأول) بِإِضَافَة الْعشْر إِلَى الأول، ويروى: الْعشْر الأول. قَوْله: (أمامك) ، بِفَتْح الْمِيم الثَّانِيَة، فِي مَحل الرّفْع على الخبرية، تَقْدِيره أَن الَّذِي تطلبه هُوَ قدامك. قَوْله: (فَقَامَ) ، ويروى: (ثمَّ قَامَ) . قَوْله: (خَطِيبًا) ، نصب على الْحَال، و: (صَبِيحَة) نصب على الظَّرْفِيَّة و: (رَمَضَان) لَا ينْصَرف. قَوْله: (مَعَ النَّبِي ﷺ أَي: معي، وَهُوَ الْتِفَات على الصَّحِيح، لِأَن الْمقَام يَقْتَضِي التَّكَلُّم. قَوْله: (فَليرْجع) أَي: إِلَى الِاعْتِكَاف. قَوْله: (فَإِنِّي رَأَيْت) مُشْتَقّ إِمَّا من الرُّؤْيَة، وَإِمَّا من الرُّؤْيَا بِخِلَاف: رَأَيْت، الَّذِي بعده. فَإِنَّهُ من الرُّؤْيَا قطعا. ويروى: (فَإِنِّي رئيت) . قَوْله: (نسيتهَا) ، من النسْيَان. ويروى: (أنسيتها) من: الإنساء، على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: (نسيتهَا) ، بِضَم النُّون وَتَشْديد السِّين. قَوْله: (فِي وتر) ، بِكَسْر الْوَاو، وَهُوَ الْفَرد وبالفتح: الدخل، ولغة أهل الْحجاز بالضد، وَتَمِيم تكسر الْوَاو فيهمَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ. فَإِن قلت: لِمَ خُولِفَ بَين الْأَوْصَاف فوصف الْعشْر الأول والأوسط بالمفرد والأخير بِالْجمعِ؟ قلت: تصور فِي كل لَيْلَة من ليَالِي الْعشْر الْأَخير لَيْلَة الْقدر، فَجمع، وَلَا كَذَلِك فِي الْعشْرين. قَوْله: (شَيْئا) أَي: من السَّحَاب. قَوْله: (قزعة) بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة: وَهِي وَاحِدَة القزع. وَهِي قطع من السَّحَاب رقيقَة. وَقيل: هِيَ السَّحَاب المتفرق. (وأرنبته) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح النُّون

стр. 1654

وَالْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: وَهِي طرف الْأنف، وَتجمع على: أرانب، وَالْألف فِيهِ زَائِدَة، وَلِهَذَا ذكره الْجَوْهَرِي فِي بَاب: رنب، قَوْله: (تَصْدِيق رُؤْيَاهُ) ، بِإِضَافَة التَّصْدِيق إِلَى الرُّؤْيَا، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أثر الطين وَالْمَاء على جَبهته هُوَ تَصْدِيق رُؤْيَاهُ وتأويله. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: مَشْرُوعِيَّة الِاعْتِكَاف، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الِاعْتِكَاف. وَفِيه: أَن لَيْلَة الْقدر فِي أوتار الْعشْر الْأَخير، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ أَيْضا. وفيهَا: جَوَاز السَّجْدَة فِي الطين، وَلَكِن الحَدِيث مَحْمُول على أَنه كَانَ شَيْئا يَسِيرا لَا يمْنَع مُبَاشرَة بشرة الْجَبْهَة الأَرْض، وَلَو كَانَ كثيرا لم تصح صلَاته، وَهَذَا هُوَ قَول الْجُمْهُور، وَاخْتلف قَول مَالك فِيهِ، فروى أَشهب عَنهُ أَنه: لَا يجوز إلاّ السُّجُود على الأَرْض، على حسب مَا يُمكنهُ. وَقَالَ ابْن حبيب: مَذْهَب مَالك أَن يومىء إلاّ عبد الله بن عبد الحكم فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: يسْجد عَلَيْهِ وَيسْجد فِيهِ إِذا كَانَ لَا يعم وَجهه وَلَا يمنعهُ من ذَلِك. وَقَالَ ابْن حبيب: وبالأول أَقُول: وَإِنَّمَا يومىء إِذا كَانَ لَا يجد موضعا نقيا من الأَرْض، فَإِن طمع أَن يدْرك موضعا نقيا قبل خُرُوج الْوَقْت لم يجزه الْإِيمَاء فِي الطين. وَقَالَ الْخطابِيّ: (حَتَّى رَأَيْت أثر الطين) فِيهِ دَلِيل على وجوب السَّجْدَة على الْجَبْهَة، وَلَوْلَا وُجُوبه لصانها عَن لثق الطين. وَفِيه: اسْتِحْبَاب أَن لَا يمسح إِلَى بعض مَا يُصِيب جبهة الساجد من أثر الأَرْض وغبارها. وَفِيه: أَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، صَادِقَة. وَفِيه: طلب الْخلْوَة عِنْد إِرَادَة المحادثة لتَكون أجمع للضبط. وَفِيه: الاستحداث عَن الشَّيْخ والالتماس مِنْهُ. وَفِيه: مُوَافقَة الْقَوْم لرئيسهم فِي الطَّاعَة المندوبة. وَالله تَعَالَى أعلم. ١٣٦ - (بابُ عَقْدِ الثِّيَابِ وشَدِّهَا وَمَنْ ضَمَّ إلَيْهِ ثَوْبَهُ إذَا خافَ أنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عقد الْمُصَلِّي ثَوْبه وشدها. وَفِي بَيَان من ضم إِلَيْهِ ثَوْبه من الْمُصَلِّين إِذا خَافَ أَن تنكشف عَوْرَته، فكلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: خوف انكشاف عَوْرَته، وَهُوَ فِي الصَّلَاة، فَكَأَن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن النَّهْي الْوَارِد عَن كف الثِّيَاب فِي الصَّلَاة مَحْمُول على حَالَة غير الِاضْطِرَار. فَإِن قيل: مَا وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب بَين أَبْوَاب أَحْكَام السُّجُود؟ أُجِيب: من حَيْثُ إِن الْهَوِي إِلَى السُّجُود وَالرَّفْع مِنْهُ يسهلان مَعَ عقد الثِّيَاب وَضمّهَا، بِخِلَاف إرسالها وسدلها. قلت: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن فِي ضم الثَّوْب أمنا من كشف الْعَوْرَة. ٨١٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قالَ كانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ معَ النبيِّ ﷺ وهُمْ عَاقِدُوا أُزُرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُؤُسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسا (انْظُر الحَدِيث ٣٦٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب إِذا كَانَ الثَّوْب ضيقا: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو حَازِم عَن سهل ... الحَدِيث. وَأخرج هَهُنَا: عَن مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء. قَوْله: (وهم عاقدو أزرهم) أَصله: عاقدون، فَلَمَّا أضيف سَقَطت النُّون للإضافة، ويروى: (عاقدي أزرهم) ، ووجهها أَن يكون خبر: كَانَ، محذوفا، أَي: هم كَانُوا عاقدي أزرهم. وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال. أَي: هم مؤتزرون حَال كَونهم عاقدي أزرهم، والأزر، بِضَم الْهَمْز وَالزَّاي: جمع إِزَار. قَوْله: (من الصغر) أَي: من أجل صغر أزرهم. قَوْله: (جُلُوسًا) أَي: جالسين. كَانَت النِّسَاء متأخرات عَن صف الرِّجَال، فنهين عَن رفع رُؤْسهمْ حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جالسين حَتَّى لَا يَقع بصرهن على عَوْرَاتهمْ. وَفِيه: الِاحْتِيَاط فِي ستر الْعَوْرَة، والتوثق بِحِفْظ الستْرَة. ١٣٧ - (بابٌ لَا يَكُفُّ شَعَرَا) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا يكف الْمُصَلِّي شعرًا. وَالْمرَاد بِهِ شعر الرَّأْس، وَقد مر أَن معنى الْكَفّ: الضَّم فَإِن قلت: قد أخرج

стр. 1655

حَدِيث هَذَا الْبَاب من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَمَا وَجه إِدْخَاله بَين أَبْوَاب أَحْكَام السُّجُود؟ قلت: لَهُ تعلق بِالسُّجُود من حَيْثُ إِن الشّعْر يسْجد مَعَ الراس إِذا لم يكف. وَأما حِكْمَة النَّهْي عَن ذَلِك فَهُوَ مَا قد ذَكرْنَاهُ عَن أبي دَاوُد، فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث أبي رَافع أَنه رأى الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يُصَلِّي وَقد غرز ضفيرته فِي قَفاهُ، فَحلهَا وَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: ذَلِك مقْعد الشَّيْطَان. ٨١٥ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ وَهْوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عنْ طَاوُسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُمِرَ النَّبِي ﷺ أنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ ولَا شَعَرَهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمَا يتَعَلَّق بِهِ قد ذَكرْنَاهُ فِي: بَاب السُّجُود على الْأنف. ١٣٨ - (بابٌ لَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِي الصَّلاةِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته لَا يكف الْمُصَلِّي ثَوْبه فِي الصَّلَاة. ٨١٦ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوانَةَ عنْ عَمْرٍ وَعَن طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ لَا أكْفُّ شَعَرا وَلَا ثَوْبا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا كَمَا قد رَأَيْته، قد أخرجه عَن خمس طرق، وَوضع لكل طَرِيق تَرْجَمَة فَفِي الطَّرِيق الأول وَالرَّابِع: أَمر النَّبِي ﷺ ، وَفِي الثَّانِي: أمرنَا، وَفِي الثَّالِث وَالْخَامِس: أمرت. وَفِي الأول: وَلَا يكف، وَكَذَا فِي الرَّابِع. وَفِي الثَّانِي: لَا نكف، بنُون الْجمع، وَفِي الثَّالِث: وَلَا نكفت، وَفِي الْخَامِس: لَا أكف بِصِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده، وَفِي الأول وَالْخَامِس: الشّعْر مقدم، وَفِي الْبَقِيَّة: الثَّوْب مقدم، وَفِي الأول: على سَبْعَة أَعْضَاء، وَفِي الْبَقِيَّة: على سَبْعَة أعظم. ١٣٩ - (بابُ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّسْبِيح وَالدُّعَاء فِي حَالَة السَّجْدَة، وَقد تقدّمت هَذِه التَّرْجَمَة بحديثها فِيمَا تقدم عَن قريب، وَلَكِن هُنَاكَ: بَاب الدُّعَاء فِي الرُّكُوع، والْحَدِيث هُنَاكَ عَن عَائِشَة أَيْضا، كَمَا نذكرهُ الْآن. ٨١٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ قَالَ حدَّثني مَنْصُورٌ عنْ مُسْلِمٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأوَّلُ القُرآنَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه فِي: بَاب الدُّعَاء فِي الرُّكُوع، عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة. . إِلَى آخِره نَحوه، غير أَن هَهُنَا: يكثر أَن يَقُول، وَهُنَاكَ: كَانَ يَقُول، وَهَهُنَا زِيَادَة وَهِي قَوْله: يتَأَوَّل الْقُرْآن، وَهَهُنَا ذكر اسْم أبي الضُّحَى، وَهُوَ: مُسلم بن صبيح، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة. وَهُنَاكَ: اقْتصر على ذكر كنيته، وَهِي أَبُو الضُّحَى، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالقصر، والإسناد هَهُنَا أنزل من الْإِسْنَاد الَّذِي هُنَاكَ، لِأَن بَينه وَبَين عَائِشَة هُنَاكَ خَمْسَة، وَهَهُنَا سِتَّة، لِأَنَّهُ يروي عَن مُسَدّد بن مسرهد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ألى آخِره. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء. قَوْله: (يتَأَوَّل الْقُرْآن) ، أَي: يعْمل مَا أَمر بِهِ فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ﴾ (النَّصْر: ٣) . . ١٤٠ - (بابُ المُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمكْث، وَهُوَ اللّّبْث بَين السَّجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ (بَين السُّجُود) .

стр. 1656

٨١٨ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ أبِي قِلَابَةَ أنَّ مالِكَ بنَ الحُوَيْرِثِ قَالَ لأِصْحابِهِ أَلا أنبِئُكُمْ صَلَاةَ رسُولِ الله ﷺ قَالَ وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ فَقَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ هُنَيَّةً ثمَّ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا قالَ أيُّوبُ كانَ يَفْعَلُ شَيْئا لَمْ أرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ كانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ. قالَ فَأتَيْنَا النبيَّ ﷺ فأقَمْنَا عِنْدَهُ فقالَ لَوْ رَجَعْتُمْ إلَى أهْلِيكُمْ صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كذَا صَلُّوا صَلَاةَ كذَا فِي حِينِ كَذَا فإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤذِّنْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ رفع رَأسه هنيَّة) ، وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب من قَالَ ليؤذن فِي السّفر مُؤذن وَاحِد: عَن مُعلى بن أَسد عَن وهيب عَن أَيُّوب. . إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب إِذا اسْتَووا فِي الْقِرَاءَة فليؤمهم أكبرهم، وَأخرجه أَيْضا فِي مَوَاضِع قد بيناها فِي: بَاب من قَالَ ليؤذن فِي السّفر. وَبينا أَيْضا من أخرجه غَيره، وَبينا أَيْضا بَقِيَّة مَا فِيهِ من المباحث والفوائد. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: هُوَ عبد الله بن زيد الْجرْمِي. قَوْله: (أَلا أنبئكم) كلمة: أَلا، للتّنْبِيه، وأنبئكم من الإنباء وَهُوَ الْإِخْبَار. قَوْله: (صَلَاة رَسُول الله ﷺ ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان. قَوْله: (قَالَ) : أَي: أَبُو قلَابَة. قَوْله: (وَذَاكَ) اشارة الى ابناء الَّذِي يدل عَلَيْهِ انبئكم قَوْله (فِي غير حنين صَلَاة) اي فِي غير وَقت صَلَاة من الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة قَوْله. (هنيَّة) ، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَي: قَلِيلا. وَقد مر تَفْسِيره فِي الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة مُسْتَوفى. قَوْله: (شَيخنَا) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ عطف بَيَان لسَلمَة بن عَمْرو لمجرور بِالْإِضَافَة. قَوْله: (كَانَ) أَي: الشَّيْخ الْمَذْكُور. قَوْله: (أَو الرَّابِعَة) شكّ من الرَّاوِي، وَبِهَذَا يسْقط سُؤال من قَالَ: لَا جُلُوس للاستراحة فِي الرَّكْعَة الرَّابِعَة، لِأَن بعْدهَا الْجُلُوس للتَّشَهُّد، وَالْمرَاد من ذَلِك جلْسَة الاسْتِرَاحَة، وَهِي تقع بَين الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة كَمَا تقع بَين الأولى وَالثَّانيَِة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يقْعد فِي آخر الثَّالِثَة، أَو فِي أول الرَّابِعَة، وَالْمعْنَى وَاحِد، فَشك الرَّاوِي: أَيهمَا قَالَ، وَقَالَ ابْن التِّين: فِي رِوَايَة أبي ذَر وَالرَّابِعَة، وَأرَاهُ غير صَحِيح. قَوْله: (فأتينا) أَي: قَالَ مَالك: فأتينا النَّبِي ﷺ . فَإِن قلت: مَا هَذِه الْفَاء؟ قلت: للْعَطْف على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: أسلمنَا فأتينا، أَو: قَومنَا أرسلونا فأتينا، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (لَو رجعتم) أَي: إِذا رجعتم، أَو: إِن رجعتم. ٨٢٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا أبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الزُّبَيْرِيُّ قَالَ حدَّثنا مسْعَرٌ عَن الحكَمِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبِي لَيْلَى عنِ البَرَاءِ قَالَ كانَ سُجُودُ النَّبِي ﷺ ورُكُوعِهِ وَقُعُودِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبا مِنَ السَّوَاءِ (انْظُر الحَدِيث ٧٩٩٢ وطرفه) . أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب حد إتْمَام الرُّكُوع والاعتدال، فِيهِ: عَن بدل بن المحبر عَن شُعْبَة عَن الحكم بن عتيبة إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. ٨٢٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا أبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الزُّبَيْرِيُّ قَالَ حدَّثنا مسْعَرٌ عَن الحكَمِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبِي لَيْلَى عنِ البَرَاءِ قَالَ كانَ سُجُودُ النَّبِي ﷺ ورُكُوعِهِ وَقُعُودِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبا مِنَ السَّوَاءِ (انْظُر الحَدِيث ٧٩٩٢ وطرفه) . أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب حد إتْمَام الرُّكُوع والاعتدال، فِيهِ: عَن بدل بن المحبر عَن شُعْبَة عَن الحكم بن عتيبة إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. ٨٢١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثَابِتٍ عَن أنَس رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ إنِّي لَا آلُو أنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّي بِنَا قَالَ ثَابِتٌ كانَ أنَسٌ يَصْنَعُ شَيئا لَمْ أرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ كانَ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قامَ حَتَّى يَقُولَ القائِلُ قَدْ نَسِيَ وبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ القَاِلُ قَدْ نَسِيَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٠٠) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَبَين السَّجْدَتَيْنِ) إِلَى آخِره، وبنحوه أخرجه من: بَاب الطُّمَأْنِينَة حِين يرفع رَأسه من الرُّكُوع: عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن ثَابت. قَالَ: (كَانَ أنس بن مَالك ينعَت لنا صَلَاة النَّبِي ﷺ الحَدِيث. قَوْله: (لَا آلو) ،

стр. 1657

أَي: لَا أقصر. قَوْله: (قد نسي) ، بِفَتْح النُّون من النسْيَان وَبِضَمِّهَا مَعَ تَشْدِيد السِّين الْمَكْسُورَة، وَالْخَبَر يدل على اسْتِحْبَاب الْمكْث بَين السَّجْدَتَيْنِ. قَالَ ابْن قدامَة: وَالْمُسْتَحب عِنْد أَحْمد أَن يَقُول بَين السَّجْدَتَيْنِ: رب اغْفِر لي، رب اغْفِر لي يكرره مرَارًا، انْتهى، وَعِنْدنَا: لَيْسَ بَينهمَا ذكر مسنون لِأَن الِاعْتِدَال فِيهِ تبع وَلَيْسَ بمقصود فَلَا يسن فِيهِ، وَمَا رُوِيَ فِي ذَلِك فَمَحْمُول على التَّهَجُّد، وَعند دَاوُد وَأهل الظَّاهِر: أَنه فرض إِن تعمد تَركه بطلت صلَاته. ١٤١ - (بابٌ لَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا يفترش الْمُصَلِّي ذِرَاعَيْهِ أَي: ساعديه، وَيجوز فِي يفترش الْجَزْم على النَّهْي، وَالرَّفْع على النَّفْي، وَهُوَ أَيْضا بِمَعْنى النَّهْي. وَقَالَ أبُو حُمَيْدٍ سَجَدَ النَّبِي ﷺ ووضَعَ يدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ولَا قابِضِهِمَا مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث مطول أخرجه فِي: بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، يَأْتِي بعد ثَلَاثَة أَبْوَاب، وَقَالَ الْخطابِيّ: وضع الْيَدَيْنِ فِي السَّجْدَتَيْنِ غير مفترش فَهُوَ أَن يضع كفيه على الأَرْض، ويقل ساعديه وَلَا يضعهما على الأَرْض. وَيُرِيد بقوله: (وَلَا قابضهما) أَنه يبسط كفيه مدا وَلَا يقبضهما بِأَن يضم أصابعهما، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بذلك ضم الساعدين والعضدين فيلصقهما ببطنه، وَلَكِن يُجَافِي مرفقيه عَن جَنْبَيْهِ. قَوْله: (وَلَا قابضهما) أَي: وَغير قَابض الْيَدَيْنِ بِأَن لَا يجافيهما عَن جَنْبَيْهِ، بل يضمهما إِلَيْهِمَا، وَهَذَا الَّذِي يُسمى بالتخوية عِنْد الْفُقَهَاء. ٢٠٨ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ سَمِعت قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ اعتدلوا فِي السُّجُود وَلَا ينبسط أحدكُم ذِرَاعَيْهِ انبساط الْكَلْب) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى فَإِن معنى قَوْله " وَلَا ينبسط " وَلَا يفترش. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن بنْدَار وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعَن أبي مُوسَى كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع وَعَن يحيى بن حبيب وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عَن أنس " فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ التَّصْرِيح بِسَمَاع قَتَادَة لَهُ عَن أنس قَوْله " اعتدلوا " أَي كونُوا متوسطين بَين الافتراش وَالْقَبْض وَالْحَاصِل أَن اعْتِدَال السُّجُود استقامته بَين افتراش وتقبيض قَوْله " وَلَا ينبسط " كَذَا وَهُوَ بالنُّون الساكنة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ " وَلَا يبتسط " بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من بَاب الافتعال وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر " وَلَا يبسط ذِرَاعَيْهِ " بِالْبَاء الْمُوَحدَة الساكنة فَقَط وَهَذِه هِيَ الْأَحْسَن وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين تَأمل لِأَن بَاب الانفعال لَازم لَا ينصب شَيْئا. وَالْحكمَة فِيهِ أَنه أشبه للتواضع وأبلغ فِي تَمْكِين الْجَبْهَة من الأَرْض وَأبْعد من هيئات الكسالى فَإِن المنبسط يشبه الكسالى ويشعر حَاله بالتهاون وَقلة الاعتناء بهَا والإقبال عَلَيْهَا فَلَو تَركه كَانَ مسيئا مرتكبا لنهي التَّنْزِيه وَصلَاته صَحِيحَة. وَاعْلَم أَن أَبَا دَاوُد أخرج هَذَا الحَدِيث وَترْجم لَهُ بقوله بَاب صفة السُّجُود ثمَّ ذكر هَذَا الحَدِيث ثمَّ قَالَ بَاب الرُّخْصَة فِي ذَلِك ثمَّ روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ " اشْتَكَى أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - إِلَى النَّبِي ﷺ َ - مشقة السُّجُود عَلَيْهِم إِذا انفرجوا فَقَالَ اسْتَعِينُوا بالركب " وَقَالَ ابْن عجلَان أحد رُوَاة هَذَا الحَدِيث وَذَلِكَ أَن يضع مرفقيه على رُكْبَتَيْهِ إِذا طَال السُّجُود وأعيى. وَفِي التَّلْوِيح وَزعم أَبُو دَاوُد أَن هَذَا كَانَ رخصَة وَأما أَبُو عِيسَى فَإِنَّهُ فهم مِنْهُ غير مَا قَالَه ابْن عجلَان فَذكره فِي بَاب مَا جَاءَ فِي الِاعْتِمَاد إِذا قَامَ من السُّجُود وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِذا سجد أحدكُم فليعتدل وَلَا يفترش ذِرَاعَيْهِ افتراش الْكَلْب " وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا " نهى النَّبِي ﷺ َ - أَن يفترش الرجل ذِرَاعَيْهِ افتراش السَّبع "

стр. 1658

وروى ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يرفعهُ " إِذا سجد أحدكُم فَلَا يفترش يَدَيْهِ افتراش الْكَلْب وليضم فَخذيهِ " وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث الْبَراء قَالَ ﷺ َ - " إِذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " وروى الْحَاكِم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن شبْل قَالَ " نهى النَّبِي ﷺ َ - عَن نقرة الْغُرَاب وافتراش السَّبع وَأَن يوطن الرجل الْمَكَان " (فَإِن قلت) الحَدِيث الْمَذْكُور عَن قريب الَّذِي أخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث قَالَ التِّرْمِذِيّ بَاب الرُّخْصَة فِي الإقعاء فَذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس " الإقعاء على الْقَدَمَيْنِ من سنة نَبِيكُم مُحَمَّد ﷺ َ - " وَحسنه وَفِي الْمُشكل للطحاوي عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ قَالَ رَأَيْت العبادلة ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يقعون فِي الصَّلَاة ويراهم الصَّحَابَة فَلَا ينكرونه وَعَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَ يضع يَدَيْهِ إِلَى جَنْبَيْهِ إِذا سجد (قلت) قَالَ أَبُو دَاوُد كَانَ هَذَا رخصَة وَقد ذَكرْنَاهُ وَقَالَ أَحْمد تَركه النَّاس وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ افتراش السَّبع لَا شكّ فِي كَرَاهَته واستحباب نقيضها وَقد روى مُسلم " عَن مَيْمُونَة أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ إِذا سجد جافى يَدَيْهِ فَلَو أَن بهمة أَرَادَت أَن تمر لمرت " وَفِي لفظ " خوى بيدَيْهِ " يَعْنِي جنح " حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ من وَرَائه " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن بُحَيْنَة " كَانَ إِذا صلى فرج بَين يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ " وَعَن ابْن أقرم " صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فَكنت أنظر إِلَى عفرتي إبطَيْهِ كلما سجد " قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَلَا يعرف لِابْنِ أقرم غير هَذَا الحَدِيث وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح ذكر الْبَغَوِيّ لَهُ حَدِيثا آخر فِي كتاب الصَّحَابَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ وَلما ذكر أَبُو عَليّ بن السكن فِي كتاب الصَّحَابَة عبد الله بن أقرم قَالَ لَهُ رِوَايَة ثَابِتَة " وَعَن الْحسن حَدثنَا أَحْمَر صَاحب رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ إِن كُنَّا لنأوي للنَّبِي ﷺ َ - مِمَّا يُجَافِي بيدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ " وَعَن أبي هُرَيْرَة " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا سجد رئي وضح إبطَيْهِ " وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا " وَعَن ابْن عَبَّاس من عِنْده أَيْضا أتيت النَّبِي ﷺ َ - من خَلفه فَرَأَيْت بَيَاض إبطَيْهِ وَهُوَ ممخ قد فرج يَدَيْهِ " وَأخرج ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر بن عبد الله ﵁ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا سجد جافى حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ " وَصَححهُ أَيْضا أَبُو زرْعَة - ١٤٢ - (بابُ مَنِ اسْتَوى قاعِدا فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: من اسْتَوَى. . إِلَى آخِره. قَوْله: (فِي وتر) أَي: فِي الرَّكْعَة الأولى وَالثَّالِثَة، لَا الثَّانِيَة وَالرَّابِعَة لِأَنَّهُمَا يستعقبان الْجُلُوس للتَّشَهُّد. ٨٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ قَالَ أخبرنَا هُشَيْمٌ قالَ أخبرنَا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ أبِي قِلَابَةَ قَالَ أخبرنَا مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ أنَّهُ رَأى النبيَّ ﷺ يُصَلِّي فإذَا كانَ فِي وِتْرٍ منْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قاعِدا مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: مُحَمَّد بن الصَّباح، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: الدولابي الْبَزَّاز، وهشيم بن بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وخَالِد بن مهْرَان الْحذاء، وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ وواسطي وبصري. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن عَليّ بن حجر عَن هشيم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل للشَّافِعِيَّة على ندبية جلْسَة الاسْتِرَاحَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لَيْسَ فِي حَدِيث أبي حميد جلْسَة الاسْتِرَاحَة، وَسَاقه بِلَفْظ: (فَقَامَ وَلم يتورك) ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد كَذَلِك: قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا تخَالف الحديثان احْتمل أَن يكون مَا فعله فِي حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث لعِلَّة كَانَت بِهِ، فَقعدَ من أجلهَا، لَا لِأَن ذَلِك من سنة الصَّلَاة. وَقَالَ أَيْضا: لَو كَانَت هَذِه الجلسة مَقْصُودَة لشرع لَهَا ذكر مَخْصُوص. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الأَصْل عدم الْعلَّة، وَأما تَركه ﷺ فلبيان جَوَاز

стр. 1659

التّرْك قلت: قَوْله: (لَا تبادروني فَإِنِّي قد بدنت) يدل على أَن ذَلِك كَانَ لعِلَّة، وَلِأَن هَذِه الجلسة للاستراحة وَالصَّلَاة غير مَوْضُوعَة لتِلْك، وَقَالَ بَعضهم: إِن مَالك بن الْحُوَيْرِث هُوَ رَاوِي حَدِيث: (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) ، فحكاياته لصفات صَلَاة النَّبِي ﷺ دَاخِلَة تَحت هَذَا الْأَمر. قلت: هَذَا لَا يُنَافِي وجود الْعلَّة لأجل هَذِه الجلسة، وبقولنا قَالَ مَالك وَأحمد. وَفِي (التَّمْهِيد) : اخْتلف الْفُقَهَاء فِي النهوض عَن السُّجُود إِلَى الْقيام، فَقَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: ينْهض على صُدُور قَدَمَيْهِ وَلَا يجلس، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ النُّعْمَان ابْن أبي عَيَّاش: أدْركْت غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يفعل ذَلِك. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: ذَلِك السّنة، وَبِه قَالَ أَحْمد ابْن رَاهَوَيْه. وَقَالَ أَحْمد: وَأكْثر الْأَحَادِيث على هَذَا. قَالَ الْأَثْرَم: رَأَيْت أَحْمد ينْهض بعد السُّجُود على صُدُور قَدَمَيْهِ وَلَا يجلس قبل أَن ينْهض. وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ ينْهض فِي الصَّلَاة على رُؤُوس قَدَمَيْهِ) ، ثمَّ قَالَ: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم. وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه كَانَ ينْهض فِي الصَّلَاة على صُدُور قَدَمَيْهِ وَلم يجلس. وَأخرج نَحوه عَن عَليّ وَابْن عمر وَابْن الزبير وَابْن عَبَّاس وَنَحْو ذَلِك. وَأخرج أَيْضا عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ١٤٣ - (بابٌ كيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأرْضِ إذَا قامَ مِنَ الرَّكْعَةِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: كَيفَ يعْتَمد الْمُصَلِّي على الأَرْض إِذا قَامَ من الرَّكْعَة، أَي: رَكْعَة كَانَت، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: من الرَّكْعَتَيْنِ. أَي: الرَّكْعَة الأولى والركعة الثَّانِيَة. ٨٢٤ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عَن أبِي قِلَابَةَ قَالَ جاءَنا مالِكُ بنُ الحُوَيْرثِ فصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذا فَقَالَ إنِّي لأصلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ ولَكِنْ أريدُ أنْ أرِيكُمْ كَيْفَ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّي. قَالَ أيُّوبُ فقُلْتُ لأبي قِلَابَةَ وَكيْفَ كانَتْ صَلاتُهُ قَالَ مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هذَا يَعْنِي عَمْرَو بنَ سَلِمَةَ قَالَ أيُّوبُ وكانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ وإذَا رَفَعَ رَأسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأرْضِ ثُمَّ قامَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَاعْتمد على الأَرْض) ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: التَّرْجَمَة لبَيَان كَيْفيَّة الِاعْتِمَاد لَا لبَيَان نفس الِاعْتِمَاد، فَمَا وَجه مُوَافقَة الحَدِيث لَهَا؟ قلت: فِيهِ بَيَان الْكَيْفِيَّة بِأَن يجلس أَولا ثمَّ يعْتَمد ثمَّ يقوم. قَالَ الْفُقَهَاء: يعْتَمد كَمَا يعْتَمد العاجن للخمير. وَقيل: المُرَاد من الِاعْتِمَاد أَن يكون بِالْيَدِ، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يقوم إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة مُعْتَمدًا على يَدَيْهِ قبل أَن يرفعهما. ورواة الحَدِيث قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب مُصَغرًا: ابْن خَالِد، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَفِي الَّذِي قبل قبله، وَفِيمَا مضى أَيْضا، وَقد ذكرنَا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (لكني) ويروى: (لَكِن) ، بِدُونِ نون الْوِقَايَة. قَوْله: (يتم التَّكْبِير) أَي: كَانَ يكبر عِنْد كل انْتِقَال غير الِاعْتِدَال لَا ينقص من التَّكْبِيرَات شَيْئا عِنْد الِانْتِقَالَات، أَو كَانَ يمده من أول الِانْتِقَال إِلَى آخِره. قَوْله: (فَإِذا رفع) ، ويروى: (وَإِذا رفع) بِالْوَاو. قَوْله: (من السَّجْدَة) كَذَا هُوَ بِكَلِمَة: من رِوَايَة أبي ذَر، وَهِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (فِي السَّجْدَة) ، وَفِي رِوَايَة غَيرهم (عَن السَّجْدَة) بِكَلِمَة: عَن. ١٤٤ - (بابٌ يُكَبِّرُ وَهْوَ يَنْهَضُ منَ السَّجدَتَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يكبر الْمُصَلِّي فِي حَالَة نهوضه من السَّجْدَتَيْنِ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن التَّكْبِير عِنْد الْقيام إِلَى الرَّكْعَة الثَّالِثَة من التَّشَهُّد الأول وَقت النهوض من السَّجْدَتَيْنِ، وَعند بَعضهم: وَقت الاسْتوَاء، وَنقل ذَلِك عَن مَالك، وَالْكَلَام فِي الْأَوْلَوِيَّة. فَافْهَم.

стр. 1660

وكانَ ابنُ الزَّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ هُوَ عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، وَقد غلب عَلَيْهِ هَذَا دون غَيره من أَوْلَاد الزبير، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار: أَن ابْن الزبير كَانَ يكبر لنهضته. ٨٢٢٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ صَالِحٍ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ سعِيدِ بنِ الحَارِثِ قَالَ صَّلَّى لَنَا أبُو سَعِيدٍ فجَهَرَ بالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأسَهُ منَ السُّجُودِ وحِينَ سَجَدَ وحينَ رفَعَ وحِينَ قامَ مِنَ الرَّكّعَتَيْنِ وَقَالَ هَكذَا رَأيْتُ النبيَّ ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حِين قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ) ، وَهِي حَالَة النهوض من السَّجْدَتَيْنِ، وَبِهَذَا يرد على ابْن الْمُنِير حَيْثُ قَالَ: أجْرى البُخَارِيّ التَّرْجَمَة وَأثر ابْن الزبير مجْرى التَّبْيِين لحديثي الْبَاب، لِأَنَّهُمَا ليسَا صريحين فِي أَن ابْتِدَاء التَّكْبِير يكون مَعَ أول النهوض. انْتهى. بَيَان وَجه الرَّد أَن قَول البُخَارِيّ: بَاب يكبر. . إِلَى آخِره، هُوَ حَاصِل معنى قَوْله فِي الحَدِيث: (وَحين قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ) ، فالمطابقة تَامَّة، وَلم يقل: بَاب يكبر مَعَ أول النهوض، حَتَّى يَصح كَلَام الْمُنِير. وَقَالَ ابْن رشيد: فِي هَذِه التَّرْجَمَة إِشْكَال لِأَنَّهُ ترْجم فِيمَا مضى: بَاب التَّكْبِير إِذا قَامَ من السُّجُود، وَأورد فِيهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة، وَفِيهِمَا التَّنْصِيص على أَنه يكبر فِي حَالَة النهوض، وَهُوَ الَّذِي اقتضته هَذِه التَّرْجَمَة، فَكَأَن ظَاهرهَا التّكْرَار. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن فِي هَذِه التَّرْجَمَة إشْكَالًا، وَلَا يلْزم مِمَّا ذكره التّكْرَار، فَقَوله فِي: بَاب التَّكْبِير إِذا قَامَ من السُّجُود، أَعم من أَن يكون من سُجُود الرَّكْعَة الأولى أَو الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة. وَهَذِه التَّرْجَمَة فِي التَّكْبِير عِنْد الْقيام إِلَى الرَّكْعَة الثَّالِثَة من بعد التَّشَهُّد خَاصَّة، وَأما فَائِدَة ذكر هَذَا بعد شُمُول الْأَعَمّ إِيَّاه، فلأجل إِيرَاده هَهُنَا حَدِيثي أبي سعيد وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: يحيى بن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي الْحِمصِي. الثَّانِي: فليح، بِضَم الْفَاء: ابْن سُلَيْمَان بن أبي الْمُغيرَة، وَكَانَ اسْمه: عبد الْملك ولقبه فليح، فغلب على اسْمه واشتهر بِهِ. الثَّالِث: سعيد بن الْحَارِث بن الْمُعَلَّى الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، قاضيها. الرَّابِع: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، واسْمه: سعد بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدنيين. وهذ الحَدِيث تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن أَصْحَاب الْكتب، وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته عَن أبي يعلى: حَدثنَا أَبُو خَيْثَمَة حَدثنَا يُونُس حَدثنَا فليح عَن سعيد سَمِعت هَذَا الحَدِيث مطولا، وَلَفظه: (اشْتَكَى أَبُو هُرَيْرَة أَو غَابَ فصلى أَبُو سعيد فجهر بِالتَّكْبِيرِ حِين افْتتح وَحين ركع. .) الحَدِيث، وَزَاد فِي آخِره: (فَلَمَّا انْصَرف قيل لَهُ: قد اخْتلف النَّاس على صَلَاتك، فَقَامَ عِنْد الْمِنْبَر فَقَالَ: أَيهَا النَّاس إِنِّي وَالله مَا أُبَالِي اخْتلفت صَلَاتكُمْ أم لم تخْتَلف، إِنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ هَكَذَا يُصَلِّي) . وَذكر الْحميدِي فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) أَن البرقاني خرجه فِي صَحِيحه بِلَفْظ: (أَن النَّاس قد اخْتلفُوا فِي صَلَاتك) . انْتهى. وَالِاخْتِلَاف بَينهم كَانَ فِي الْجَهْر بِالتَّكْبِيرِ والإسرار بِهِ، وَكَانَ مَرْوَان وَغَيره من بني أُميَّة يسرون، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي إِمَارَة مَرْوَان على الْمَدِينَة. وَفِيه دلَالَة على أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يُصَلِّي خلاف صلَاتهم، فَروِيَ فِي (الْمُوَطَّأ) عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يكبر فِي حَال قِيَامه، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عمر وَغَيره، وَقد تقدم فِي: فِي بَاب مَا يَقُول الإِمَام وَمن خَلفه، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (وَإِذا قَامَ من السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: الله أكبر) . والتوفيق بَينهمَا أَن يحمل على أَن الْمَعْنى: إِذا شرع فِي الْقيام. ٨٢٦ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا غَيْلَانُ بنُ جَرِيرٍ عنْ مُطَرِّفٍ قَالَ صَلَّيْتُ أَنا وعِمْرَانُ صَلَاةً خَلْفَ عَليِّ بن أبي طالِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فكانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ وإذَا رَفَعَ كَبَّرَ وإذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا سَلَّمَ أخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي فَقَالَ

стр. 1661

لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ قالَ لَقَدْ ذَكَّرَنِي هذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٧٨٤ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِذا نَهَضَ من الرَّكْعَتَيْنِ كبر) ، وَالْمرَاد من السَّجْدَتَيْنِ فِي التَّرْجَمَة الركعتان الأوليان، لِأَن السَّجْدَة تطلق على الرَّكْعَة، من إِطْلَاق الْجُزْء على الْكل، وَالْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي: بَاب إتْمَام التَّكْبِير فِي الرُّكُوع، وغيلان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَجَرِير بِفَتْح الْجِيم، ومطرف بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء: ابْن عبد الله بن الشخير العامري. ١٤٥ - (بابُ سُنَّةِ الجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، وَالْمرَاد من سنة الْجُلُوس يحْتَمل أَن تكون هَيئته كالافتراش مثلا، وَيحْتَمل أَن تكون نَفسه، وَحَدِيث الْبَاب يصلح للأمرين. وَقَالَ الْكرْمَانِي قلت: الْجُلُوس قد يكون وَاجِبا؟ قلت: المُرَاد بِالسنةِ الطَّرِيقَة المحمدية، وَهِي أَعم من الْمَنْدُوب. وكانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي صلَاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ وكانَتْ فَقِيهَةً اسْم أم الدَّرْدَاء: خيرة بنت أبي حَدْرَد، وَقيل: هجيمة، وَقد تقدّمت فِي: بَاب فضل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، وأثرها الَّذِي علقه البُخَارِيّ وَصله ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن ثَوْر عَن مَكْحُول أَن أم الدَّرْدَاء كَانَت تجْلِس فِي الصَّلَاة كجلسة الرجل. قيل: يفهم من رِوَايَة ابْن أبي شيبَة أَن أم الدَّرْدَاء هَذِه هِيَ الصُّغْرَى التابعية، لَا أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى الصحابية، لِأَن مَكْحُولًا أدْرك الصُّغْرَى دون الْكُبْرَى. قلت: قَالَ ابْن الْأَثِير: قد جعل ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم خيرة أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى، وهجيمة وَاحِدَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْكُبْرَى اسْمهَا: خيرة، وَأم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى اسْمهَا: هجيمة، الْكُبْرَى لَهَا صُحْبَة وَالصُّغْرَى لَا صُحْبَة لَهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمَا سواهُ وهم. قلت: إِطْلَاق البُخَارِيّ: أم الدَّرْدَاء، هَهُنَا من غير تعْيين يحْتَمل الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى، وَلَكِن احْتِمَال الْكُبْرَى يقوى بقوله: (وَكَانَت فقيهة) . ثمَّ قَوْله: (وَكَانَت فقيهة) هَل هُوَ من كَلَام البُخَارِيّ أَو غَيره؟ فَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) الْقَائِل: (وَكَانَت فقيهة) هُوَ البُخَارِيّ، فِيمَا أرى. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : الظَّاهِر أَنه قَول البُخَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ كَمَا قَالَ، وشيد كَلَامه بِأَن الدَّلِيل إِذا كَانَ عَاما وَعمل بِعُمُومِهِ بعض الْعلمَاء رجح بِهِ، وَإِن لم يحْتَج بِهِ بِمُجَرَّدِهِ، وَقد عرف من رِوَايَة مَكْحُول أَن المُرَاد بِأم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى التابعية لَا الْكُبْرَى الصحابية، لِأَن مَكْحُولًا لم يدْرك الْكُبْرَى، وَإِنَّمَا أدْرك الصُّغْرَى. قلت: عبارَة البُخَارِيّ تحْتَمل الْأَمريْنِ، وَلَكِن الظَّاهِر أَنَّهَا الْكُبْرَى كَمَا قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) و (التَّوْضِيح) [/ ح. قَوْله: (جلْسَة الرجل) ، بِكَسْر الْجِيم، لِأَن الفعلة بِالْكَسْرِ إِنَّمَا هِيَ للنوع، فَدلَّ هَذَا على أَن الْمُسْتَحبّ للْمَرْأَة أَن تجْلِس فِي التَّشَهُّد كَمَا يجلس الرجل، وَهُوَ أَن ينصب الْيُمْنَى ويفترش الْيُسْرَى، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك، ويروى عَن أنس كَذَلِك، وَعَن مَالك أَنَّهَا تجْلِس على وركها الْأَيْسَر وتضم بَعْضهَا إِلَى بعض قدر طاقتها، وَلَا تفرج فِي رُكُوع وَلَا سُجُود وَلَا جُلُوس، بِخِلَاف الرجل، وَقَالَ قوم: تجْلِس كَيفَ شَاءَت إِذا تجمعت، وَبِه قَالَ عَطاء وَالشعْبِيّ، وَكَانَت صَفِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تصلي متربعة، وَنسَاء ابْن عمر كن يفعلنه، وَقَالَ بعض السّلف: كن النِّسَاء يؤمرن أَن يتربعن إِذا جلسن فِي الصَّلَاة، وَلَا يجلسن جُلُوس الرِّجَال على أوراكهن. وَقَالَ عَطاء وَحَمَّاد: تجْلِس كَيفَ تيَسّر. ٨٢٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الله أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّهُ كانَ يَرَي عَبْدَ الله ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ إذَا جَلَسَ فَفَعَلْتُهُ وَأنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ فَنَهَانِي عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ وَقَالَ إنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى وتَثْنِيَ اليُسْرَى فقُلْتُ إنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فقالَ أنّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّمَا سنة الصَّلَاة أَن تنصب. .) إِلَى آخِره. وَرِجَاله مَشْهُورُونَ، وهم: عبد الله بن عبد الله بن

стр. 1662

عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالْعَبْد مكبر فِي الابْن وَالْأَب مَعًا، وَهُوَ تَابِعِيّ ثِقَة سمي باسم أَبِيه وكني بكنيته. قَوْله: (أَنه أخبرهُ) صَرِيح فِي أَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم روى عَن عبد الله الْمَذْكُور، وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مَالك عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عبد الله، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن نَافِع وَالْأَكْثَرُونَ عَن القعْنبِي، فَقَالُوا: عَن أَبِيه، وَعلم من رِوَايَة عبد الله بن مسلمة أَن عبد الرَّحْمَن سَمعه عَن أَبِيه عَن عبد الله، ثمَّ لَقِي عبد الله وسَمعه مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة، أَو يكون عبد الرَّحْمَن سَمعه من عبد الله وَأَبوهُ مَعَه. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن هناد بن السّري. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّمَا سنة الصَّلَاة) تدل على أَن هَذَا الحَدِيث مُسْند، لِأَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: سنة، فَإِنَّمَا يُرِيد سنة النَّبِي ﷺ . إِمَّا بقوله أَو بقوله أَو بِفعل شَاهده، كَذَا قَالَ ابْن التِّين. قَوْله: (وَأَنا يَوْمئِذٍ) ، الْوَاو فِيهِ ففحال. قَوْله: (أَن تنصب) أَي: لَا تلصقه بِالْأَرْضِ. قَوْله: (ويثني) أَي: يعْطف، لم يبين فِيهِ مَا يصنع بعد ثنيها: هَل يجلس فَوْقهَا أَو يتورك؟ وَوَقع فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن يحيى بن سعيد أَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَرَاهُم الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، فنصب رجله الْيُمْنَى وثنى الْيُسْرَى وَجلسَ على وركه الْيُسْرَى وَلم يجلس على قدمه، ثمَّ قَالَ: أَرَانِي هَذَا عبد الله بن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وحَدثني أَن أَبَاهُ كَانَ يفعل ذَلِك، فَظهر من رِوَايَة الْقَاسِم الْإِجْمَال الَّذِي فِي رِوَايَة ابْنه، وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق عَمْرو بن الْحَارِث عَن يحيى بن سعيد: أَن الْقَاسِم حَدثهُ عَن عبد الله بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه قَالَ: من سنة الصَّلَاة أَن تنصب الْيُمْنَى وتجلس على الْيُسْرَى. قَوْله: (تفعل ذَلِك) أَي: التربع. قَوْله: (إِن رجْلي) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا ابْن التِّين: (إِن رجلاي) وَوجه هَذِه بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن تكون: إِن، بِمَعْنى: نعم إفعل ذَلِك، وَيكون حرف جَوَاب، وَقد ورد ذَلِك فِي كَلَام الْعَرَب نظما ونثرا، أما النّظم فَفِي قَوْله: (وَيَقُلْنَ شيب قد علاك ... وَقد كَبرت فَقلت: إِنَّه) وَأما النثر، فقد قَالَ عبد الله بن الزبير لمن قَالَ: لعن الله نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك: إِن وراكبها، أَي: نعم وَلعن راكبها. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون على لُغَة بني الْحَارِث، فَإِنَّهُم لَا ينصبون بإن اسْمهَا، وَعَلِيهِ قِرَاءَة: ﴿أَن هَذَانِ لساحران﴾ (طه: ٦٣) . وَقَالَ الشَّاعِر: (إِن أَبَاهَا وَأَبا أَبَاهَا) قَوْله: (لَا تحملاني) رُوِيَ بتَشْديد النُّون وبتخفيفها. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن السّنة أَن ينصب الْمُصَلِّي رجله الْيُمْنَى ويثني الْيُسْرَى. وَقد اخْتلفُوا فِي صفة الْجُلُوس فِي الصَّلَاة، فَذهب يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَمَالك إِلَى: أَن الْمُصَلِّي ينصب رجله الْيُمْنَى ويثني رجله الْيُسْرَى، وَيقْعد بِالْأَرْضِ فِي الْقعدَة الأولى وَفِي الْأَخِيرَة، وَهَذَا هُوَ التورك الَّذِي ينْقل عَن مَالك. وَفِي (الْجَوَاهِر) : الْمُسْتَحبّ فِي الْجُلُوس كُله الأول والأخير وَبَين السَّجْدَتَيْنِ أَن يكون توركا. وَفِي (التَّمْهِيد) : الْمَرْأَة وَالرجل سَوَاء فِي ذَلِك عِنْد مَالك، وَذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق إِلَى: أَن الْمُصَلِّي يفعل فِي الْقعُود الأول مثل مَا ذكرنَا الْآن، وَإِن كَانَ فِي الْقعُود الثَّانِي يقْعد على رجله الْيُسْرَى وَينصب الْيُمْنَى. وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ الشَّافِعِي: إِذا قعد فِي الرَّابِعَة أماط رجلَيْهِ جَمِيعًا فأخرجهما عَن وركه الْأَيْمن وأفضى بمقعدته إِلَى الأَرْض، واضجع الْيُسْرَى وَنصب الْيُمْنَى فِي الْقعدَة الأولى. وَقَالَ أَحْمد مثل قَول الشَّافِعِي، إلاّ فِي الْجُلُوس فِي الصُّبْح، فَإِن عِنْده كالجلوس فِي ثِنْتَيْنِ، وَهُوَ قَول دَاوُود. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِن فعل هَذَا فَحسن، وَإِن فعل هَذَا فَحسن، لِأَن ذَلِك كُله قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ . وَقَالَ النَّوَوِيّ: الجلسات عِنْد الشَّافِعِي أَربع: الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ، وجلسة الاسْتِرَاحَة عقيب كل رَكْعَة يعقبها قيام، والجلسة للتَّشَهُّد الأول، والجلسة للتَّشَهُّد الْأَخير، فالجميع يسن مفترشا إلاّ الْأَخِيرَة. فَلَو كَانَ مَسْبُوقا وَجلسَ إِمَامه فِي آخر الصَّلَاة متوركا جلس الْمَسْبُوق مفترشا فِي تشهده، فَإِذا سجد سَجْدَتي السَّهْو تورك ثمَّ سلم انْتهى. وَعِنْدنَا: السّنة أَن يفترش رجله الْيُسْرَى وَيجْلس عَلَيْهَا وَينصب الْيُمْنَى نصبا فِي القعدتين جَمِيعًا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث عَائِشَة فِي (صَحِيح مُسلم) قَالَت: (كَانَ النَّبِي ﷺ يفْتَتح الصَّلَاة. .) إِلَى أَن قَالَت: (وَكَانَ يفرش رجله الْيُسْرَى وَينصب رجله الْيُمْنَى. .) الحَدِيث. وَأما جُلُوس الْمَرْأَة فَهُوَ التورك عندنَا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وجلوس الْمَرْأَة كجلوس الرجل، وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن بعض السّلف: أَن سنة الْمَرْأَة التربع، وَعَن بَعضهم: التربع فِي النَّافِلَة، وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي التربع فِي النَّافِلَة وَفِي الْفَرِيضَة للْمَرِيض، فَأَما الصَّحِيح فَلَا يجوز لَهُ التربع فِي الْفَرِيضَة

стр. 1663

بِإِجْمَاع الْعلمَاء، وروى ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لِأَن أقعد على رضفتين أحب إِلَيّ من أَن أقعد متربعا فِي الصَّلَاة، وَهَذَا يشْعر بِتَحْرِيمِهِ عِنْده، وَلَكِن الْمَشْهُور عِنْد أَكثر الْعلمَاء أَن هَيْئَة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد سنة، وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ عَن جمَاعَة من السّلف أَنهم كَانُوا يتربعون فِي الصَّلَاة، كَمَا فعله ابْن عمر، مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم وَعَطَاء وَابْن سِيرِين وَمُجاهد، وَجوزهُ الْحسن فِي النَّافِلَة، وَفِي رِوَايَة: كرهه هُوَ وَالْحكم وَابْن مَسْعُود. ٨٢٨ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ خَالِدٍ عنْ سَعِيد عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عطَاءٍ وحدَّثنا اللَّيْثُ عَن يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ ويَزِيدَ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ أنَّهُ كانَ جَالِسا معَ نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ أبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أنَا كُنْتُ أحْفَظُكُمْ لِصَلاةِ رسولِ الله ﷺ رَأيْتُهُ إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وإذَا رَكَعَ أمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فإذَا رَفَعَ رَأسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يعُودَ كُلُّ فَقارٍ مكَانَهُ فإذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ولَا قَابِضِهِمَا واسْتَقْبَلَ بِأطْرَافِ أصَابِعَ رجْلَيْهِ القِبْلَةَ فَإذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى ونَصَبَ اليُمْنَى وإذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّم رِجْلَهُ اليُسْرَى ونَصَبَ الأخْرَى وقَعَدَ عَلَى مَقعَدَتِهِ. [بشر مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا جلس فِي الرَّكْعَتَيْنِ. .) إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله: وهم تِسْعَة: الأول: يحيى ابْن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا الْمصْرِيّ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: خَالِد ابْن يزِيد الجُمَحِي الْمصْرِيّ. الرَّابِع: سعيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ الْمدنِي. الْخَامِس: مُحَمَّد بن عَمْرو بن حلحلة، بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون اللَّام الأولى: الديلِي الْمدنِي. السَّادِس: مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء بن عَيَّاش الْقرشِي العامري الْمدنِي. السَّابِع: يزِيد، من الزِّيَادَة، ابْن أبي حبيب أَبُو رَجَاء الْمصْرِيّ، وَاسم أبي حبيب: سُوَيْد. الثَّامِن: يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي. التَّاسِع: أَبُو حميد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، اسْمه: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: الْمُنْذر. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مصريين ومدنيين، فالثلاثة الأول مِنْهُم مصريون، فَكَذَلِك السَّابِع، والبقية مدنيون. وَفِيه: أَن خَالِدا من أَقْرَان شَيْخه. وَفِيه: إسنادان أَحدهمَا: عَن اللَّيْث عَن خَالِد، وَالْآخر: عَن اللَّيْث عَن يزِيد ابْن أبي حبيب. وَفِيه: أَن بَين اللَّيْث وَبَين مُحَمَّد بن عَمْرو بن حلحلة فِي الرِّوَايَة الأولى اثْنَيْنِ، وَبَينهمَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَاسِطَة وَاحِدَة. وَفِيه: أَن يزِيد ابْن أبي حبيب من صغَار التَّابِعين. وَفِيه: إرداف الرِّوَايَة النَّازِلَة بالرواية الْعَالِيَة على عَادَة أهل الحَدِيث. وَفِيه: أَن يزِيد ابْن مُحَمَّد من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن اللَّيْث فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة يروي عَن شيخين، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حلحلة. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَعَن مُسَدّد وَعَن قُتَيْبَة عَن ابْن لَهِيعَة وَعَن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم الْمصْرِيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار وَعَن ابْن بشار وَالْحسن بن عَليّ الْخلال. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن ابْن بشار عَن يحيى بِهِ وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن بنْدَار عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ: وَحدثنَا) قَائِله هُوَ يحيى بن بكير الْمَذْكُور، قَوْله: (فِي نفر) ، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (مَعَ نفر) ، بِفتْحَتَيْنِ، وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة، مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: النَّفر رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته. قَوْله: (من أَصْحَاب رَسُول الله) كلمة: من، فِي مَحل الْحَال من: أَي: حَال كَونهم من أَصْحَاب

стр. 1664

رَسُول الله، ﷺ ، وَلَفظ: النَّفر، يدل على أَنهم كَانُوا عشرَة، يدل عَلَيْهِ أَيْضا رِوَايَة أبي دَاوُد وَغَيره: عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء، قَالَ: سَمِعت أَبَا حميد السَّاعِدِيّ فِي عشرَة من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ . فَإِن قلت: أَبُو حميد من الْعشْرَة أَو خَارج مِنْهُم؟ قلت: يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ بِالنّظرِ إِلَى رِوَايَة: فِي عشرَة، وَإِلَى رِوَايَة: مَعَ عشرَة، وَكَانَ من جملَة الْعشْرَة: أَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَسَهل بن سعد وَأَبُو أسيد السَّاعِدِيّ مُحَمَّد بن سَلمَة فِي رِوَايَة أَحْمد وَغَيره، وَأَبُو هُرَيْرَة فِي رِوَايَة أبي دَاوُد. قَوْله: (أَنا كنت أحفظكم لصَلَاة رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (قَالُوا: فَلِمَ؟ فوَاللَّه مَا كنت بأكثرنا لَهُ تبعة وَلَا أقدمنا لَهُ صُحْبَة) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (إتيانا، وَلَا أقدمنا لَهُ صُحْبَة) . وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الْعَبَّاس بن سهل: (عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ أَنه كَانَ يَقُول لأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ : أَنا أعلمكُم بِصَلَاة النَّبِي ﷺ . قَالُوا: من أَيْن؟ قَالَ: رقبت ذَلِك مِنْهُ حَتَّى حفظت صلَاته) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: (أَنا أعلمكُم بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ ، فَقَالُوا: وَكَيف؟ فَقَالَ: اتبعت ذَلِك من رَسُول الله ﷺ ، قَالُوا: أرنا. قَالَ: فَقَامَ يُصَلِّي وهم ينظرُونَ) . وَزَاد عبد الحميد بن جَعْفَر فِي رِوَايَته: (قَالُوا: فَأَعْرض) ، وَفِي رِوَايَته عِنْد ابْن حبَان: (اسْتقْبل الْقبْلَة ثمَّ قَالَ: الله أكبر) . وَزَاد فليح ابْن سُلَيْمَان فِي رِوَايَته عِنْد ابْن خُزَيْمَة فِيهِ ذكر الْوضُوء. قَوْله: (فَجعل يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه) زَاد ابْن إِسْحَاق: (ثمَّ قَرَأَ بعض الْقُرْآن) . قَوْله: (ثمَّ هصر ظَهره) ، بِفَتْح الْهَاء وَالصَّاد الْمُهْملَة أَي: أماله فِي اسْتِوَاء من غير تقويس، وأصل الهصر: أَن تَأْخُذ رَأس الْعود فتثنيه إِلَيْك وتعطفه. وَفِي (الصِّحَاح) : الهصر الْكسر، وَقد هصره وأهصره واهتصره بِمَعْنى، وهصرت الْغُصْن وبالغصن إِذا أخذت بِرَأْسِهِ وأملته، والأسد هيصر وهيصار، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (ثمَّ هصره ظَهره غير مقنع رَأسه وَلَا صَافح بخده) . قَوْله: (غيرمقنع) من الْإِقْنَاع يَعْنِي: لَا يرفع رَأسه حَتَّى يكون أَعلَى من ظَهره، وَقَالَ ابْن عَرَفَة: يُقَال: أقنع رَأسه إِذا نَصبه لَا يلْتَفت يَمِينا وَلَا شمالاً، وَجعل طرفه موازيا لما بَين يَدَيْهِ. قَوْله: (وَلَا صَافح بخده) أَي: غير مبرز بصفحة خَدّه وَلَا مائل فِي أحد الشقين. قَوْله: (فَإِذا رفع رَأسه اسْتَوَى) زَاد عِيسَى عِنْد أبي دَاوُد (فَقَالَ: سمع الله لمن حَمده اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد، وَرفع يَدَيْهِ) . وَنَحْوه لعبد الحميد وَزَاد: (حَتَّى يُحَاذِي بهما مَنْكِبَيْه معتدلاً) . قَوْله: (حَتَّى يعود كل فقار) بِفَتْح الْفَاء وَالْقَاف وَبعد الْألف رَاء جمع: فقارة، وَهِي عِظَام الظّهْر. وَقَالَ ابْن قرقول: جَاءَ عِنْد الْأصيلِيّ هُنَا: (فقار) ، بِفَتْح الْفَاء وَكسرهَا، وَلَا أعلم لذَلِك معنى، وَعند ابْن السكن: فقار، بِكَسْر الْفَاء، وَلغيره: فقار، وَهُوَ الصَّوَاب. وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ الصَّحِيح، وَهُوَ الَّذِي روينَاهُ، وروينا فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن اللَّيْث: (قفار) ، بِتَقْدِيم الْقَاف وَكسرهَا، وَلَيْسَ، لِأَنَّهُ جمع: قفر، وَهِي: الْمَفَازَة. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الْفَقْرَة، بِكَسْر الْفَاء، والفقارة بِفَتْحِهَا: إِحْدَى فقار الظّهْر، وَهِي الْعِظَام المنتظمة الَّتِي يُقَال لَهَا: خرز الظّهْر، فَجمع الفقارة فقار، وَجمع الْفَقْرَة: فقر، وَقَالُوا: أفقرة، يُرِيدُونَ جمع: فقار، كَمَا تَقول: قذال وأقذلة. وَفِي (الْمُحكم) : الْفقر والفقرة: مَا انتضد من عِظَام الصلب من لدن الْكَاهِل إِلَى الْعجب، وَالْجمع: فقر وفقار. وَقَالَ ابْن الاعرابي: أقل فقر الْبَعِير ثَمَان عشرَة وأكثرها إِحْدَى وَعِشْرُونَ، وفقار الْإِنْسَان سبع. وَفِي (نَوَادِر) ابْن الْأَعرَابِي رِوَايَة عَن ثَعْلَب: فقار الْإِنْسَان سبع عشرَة وَأكْثر فقر الْبَعِير ثَلَاث وَعِشْرُونَ. وَفِي (الْمُخَصّص) الْفقر مَا بَين كل مفصلين، وَقيل: الفقار أَطْرَاف رُؤُوس الْفقر، وكل فقرة خرزة وَفِي (أمالي أبي إِسْحَاق الزجاجي) : هن سبع أُمَّهَات غير الصغار التوابع. وَفِي (كتاب الفصوص) لصاعد: هن أَربع وَعِشْرُونَ، سبع مِنْهَا فِي الْعُنُق وَخمْس مِنْهَا فِي الصلب، واثنتي عشرَة وَهِي الأضلاع. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هن خمس وَعِشْرُونَ فقرة. قَوْله: (غير مفترش) ، أَي: غير مفترش يَدَيْهِ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان من رِوَايَة عتبَة بن أبي الحكم عَن عَبَّاس بن سهل: (غير مفترش ذِرَاعَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (وَإِذا سجد فرج بَين فَخذيهِ غير حَامِل بَطْنه على شَيْء من فَخذيهِ، وَلَا مفترش ذِرَاعَيْهِ) . قَوْله: (وَلَا قابضهما) أَي: وَلَا قَابض يَدَيْهِ، وَهُوَ أَن يضمهما إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة فليح بن سُلَيْمَان: (ونحى يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ وَوضع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه) . وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (فاعلولى على جَنْبَيْهِ وراحتيه وركبتيه وصدور قَدَمَيْهِ حَتَّى رَأَيْت بَيَاض إبطَيْهِ، وَمَا تَحت مَنْكِبَيْه، ثمَّ ثَبت حَتَّى اطْمَأَن كل عظم مِنْهُ، ثمَّ رفع رَأسه فاعتدل) . قَوْله: (فَإِذا جلس فِي الرَّكْعَتَيْنِ) أَي: الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين ليتشهد، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (ثمَّ جلس فافترش رجله الْيُسْرَى، وَأَقْبل بصدر الْيُمْنَى على قبلته وَوضع كَفه الْيُمْنَى على ركبته الْيُمْنَى، وكفه الْيُسْرَى على ركبته الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ) . وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن عبد الله: (ثمَّ جلس بعد

стр. 1665

الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذا هُوَ أَرَادَ أَن ينتهض إِلَى الْقيام قَامَ بتكبيرة) . قلت: هَذَا يُخَالف فِي الظَّاهِر رِوَايَة عبد الحميد حَيْثُ قَالَ: (ثمَّ إِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ كبر وَرفع يَدَيْهِ كَمَا كبر عِنْد افْتِتَاح الصَّلَاة) . قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا بِأَن يَقُول معنى قَوْله: (إِذا قَامَ أَي: إِذا أَرَادَ الْقيام أَو شرع فِيهِ. قَوْله: (فَإِذا جلس فِي الرَّكْعَة الْآخِرَة. .) إِلَى آخِره، فِي رِوَايَة عبد الحميد: (حَتَّى إِذا كَانَت السَّجْدَة الَّتِي يكون فِيهَا التَّسْلِيم) ، وَفِي رِوَايَة عِنْد ابْن حبَان: (الَّتِي تكون عِنْد خَاتِمَة الصَّلَاة، أخر رجله الْيُسْرَى وَقعد متوركا على شقَّه الْأَيْسَر) . زَاد ابْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته: (ثمَّ سلم) . وَفِي رِوَايَة عِيسَى عِنْد الطَّحَاوِيّ: (فَلَمَّا سلم سلم عَن يَمِينه: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، وَعَن شِمَاله أَيْضا: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله) وَفِي رِوَايَة أبي عَاصِم عَن عبد الحميد عِنْد أبي دَاوُد وَغَيره (قَالُوا) أَي: الصَّحَابَة المذكورون: (صدقت، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمن قَالَ بقوله أَن هَيْئَة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد الأول مُغَايرَة لهيئة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد الْأَخير، وَقد ذكرنَا عَن قريب اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: الْقعُود فِي الصَّلَاة كلهَا سَوَاء، وَهُوَ أَن ينصب رجله الْيُمْنَى ويفترش رجله الْيُسْرَى فيقعد عَلَيْهَا، ثمَّ ذكر الِاحْتِجَاج فِي هَذَا بِحَدِيث وَائِل بن حجر الْحَضْرَمِيّ، قَالَ: (صليت خلف النَّبِي، ﷺ ، فَقلت: لأحفظن صَلَاة رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: فَلَمَّا قعد للتَّشَهُّد فرش رجله الْيُسْرَى ثمَّ قعد عَلَيْهَا وَوضع كَفه الْيُسْرَى على فَخذه الْيُسْرَى وَوضع مرفقه الْأَيْمن على فَخذه الْيُمْنَى، ثمَّ عقد أَصَابِعه وَجعل حَلقَة بالإبهام وَالْوُسْطَى، ثمَّ جعل يَدْعُو بِالْأُخْرَى) . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأحمد فِي رِوَايَة. فَإِن قلت: لَا يتم الِاسْتِدْلَال للحنفية بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ إلاّ أَنه فرش رجله الْيُسْرَى فَقَط. قلت: كثر الْخلاف فِيهِ فَاكْتفى بِهَذَا الْمِقْدَار، وَأما نصب رجله الْيُمْنَى فقد ذكرهه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا ابْن إِدْرِيس عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه (عَن وَائِل بن حجر أَن النَّبِي ﷺ جلس فَثنى الْيُسْرَى وَنصب الْيُمْنَى) ، يَعْنِي فِي الصَّلَاة. وَحَدِيث عَائِشَة أَيْضا، وَقد تقدم عَن قريب. فَإِن قلت: من أَيْن علم أَن المُرَاد من قَوْله: (فَلَمَّا قعد للتَّشَهُّد أفترش رجله الْيُسْرَى ثمَّ قعد عَلَيْهَا) وَهِي الْقعدَة الْأَخِيرَة؟ قلت: علم من قَوْله: (ثمَّ جعل يَدْعُو) ، أَن الدُّعَاء فِي التَّشَهُّد لَا يكون إلاّ فِي آخر الصَّلَاة، ثمَّ أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن حَدِيث أبي حميد الَّذِي احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَغَيره بِمَا ملخصه: أَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء لم يسمع هَذَا الحَدِيث من أبي حميد، وَلَا من أحد ذكر مَعَ أبي حميد، وَبَينهمَا رجل مَجْهُول، وَمُحَمّد بن عَمْرو ذكر فِي الحَدِيث أَنه حضر أَبُو قَتَادَة وسنه لَا يحْتَمل ذَلِك، فَإِن أَبَا قَتَادَة قتل قبل ذَلِك بدهر طَوِيل، لِأَنَّهُ قتل مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى عَلَيْهِ عَليّ، وَقد رَوَاهُ عطاف بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن عَمْرو، فَجعل بَينهمَا رجلا. ثمَّ أخرجه عَن يحيى بن سعيد بن أبي مَرْيَم: حَدثنَا عطاف بن خَالِد حَدثنِي مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء (حَدثنِي رجل أَنه: وجد عشرَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ جُلُوسًا. .) فَذكر نَحْو حَدِيث أبي عَاصِم، سَوَاء فَإِن ذكرُوا تَضْعِيف عطاف قيل لَهُم: وَأَنْتُم تضعفون عبد الحميد بن جَعْفَر أَكثر من تضعيفكم لعطاف، مَعَ أَنكُمْ لَا تطرحون حَدِيث عطاف كُله، إِنَّمَا تصححون قديمه وتتركون حَدِيثه، هَكَذَا ذكره ابْن معِين فِي كتايه، وَابْن أبي مَرْيَم سَمَاعه من عطاف قديم جدا، وَلَيْسَ أحد يَجْعَل هَذَا الحَدِيث سَمَاعا لمُحَمد بن عَمْرو من أبي حميد إلاّ عبد الحميد، وَهُوَ عنْدكُمْ أَضْعَف، وَقد اعْترض بَعضهم بِأَنَّهُ لَا يضر الثِّقَة الْمُصَرّح بِسَمَاعِهِ أَن يدْخل بَينه وَبَين شَيْخه وَاسِطَة، إِمَّا لزِيَادَة فِي الحَدِيث وَإِمَّا لتثبيت فِيهِ، وَقد صرح مُحَمَّد بن عَمْرو بِسَمَاعِهِ، وَأَن أَبَا قَتَادَة اخْتلف فِي وَقت مَوته، فَقيل: مَاتَ سنة أَربع وَخمسين، وعَلى هَذَا فلقاء مُحَمَّد لَهُ مُمكن. انْتهى. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ كَلَامه هَذَا من كَلَام الْبَيْهَقِيّ، فَإِنَّهُ ذكره فِي (كتاب الْمعرفَة) وَالْجَوَاب عَن هَذَا: أَن إِدْخَال الْوَاسِطَة إِنَّمَا يَصح إِذا وجد السماع، وَقد نفى الشّعبِيّ سَمَاعه، وَهُوَ أَمَام فِي هَذَا الْفَنّ، فنفيه نفي وإثباته إِثْبَات، ومبني نَفْيه من جِهَة تَارِيخ وَفَاته أَنه قَالَ: قتل مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَكَذَا قَالَ الْهَيْثَم بن عدي، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ الصَّحِيح. وَفِيه: رفع الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأحمد، وَقد قُلْنَا إِنَّه كَانَ للْعُذْر. وَفِيه: أَن سنة الْهَيْئَة فِي الرُّكُوع، أَن لَا يرفع رَأسه إِلَى فَوق وَلَا ينكسه، وَمن هَذَا قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويبسط ظَهره، لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا ركع بسط ظَهره، وَلَا يرفع رَأسه

стр. 1666

وَلَا ينكسه، لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا ركع لَا يصوب رَأسه وَلَا يقنعه. وَفِيه: أَن السّنة أَن يُجَافِي بَطْنه عَن فَخذيهِ وَيَديه عَن جَنْبَيْهِ. وَفِيه: بَيَان هَيْئَة الْجُلُوس، وَقد بيناها مَعَ الْخلاف فِيهَا مُسْتَوفى. وَفِيه: بَيَان تَوْجِيه أَصَابِع رجلَيْهِ نَحْو الْقبْلَة. وَفِيه: جَوَاز وصف الرجل نَفسه بِكَوْنِهِ أعلم من غَيره أذا أَمن الْإِعْجَاب وَأَرَادَ بَيَان ذَلِك عِنْد غَيره مِمَّن سَمعه، لما فِي التَّعْلِيم وَالْأَخْذ عَن الأعلم. وَفِيه: أَنه كَانَ يخفى على الْكثير من الصَّحَابَة بعض الْأَحْكَام المتلقاة عَن النَّبِي، ﷺ ، وَرُبمَا يذكرهُ بَعضهم إِذا ذكر. وسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بنَ أبِي حَبيبٍ ويَزِيدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ وابنُ حَلْحَلَةَ من ابنِ عطَاءٍ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اللَّيْث بن سعد الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رُوِيَ بالعنعنة عَن يزِيد بن أبي حبيب، وَيزِيد ابْن مُحَمَّد، وَقد سمع مِنْهُمَا وَأَن عنعنته سَماع. قَالَ الْكرْمَانِي: وَسمع اللَّيْث، أَي: قَالَ يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ: سمع اللَّيْث. . إِلَى آخِره، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: وَهُوَ كَلَام المُصَنّف وَوهم من جزم بِأَنَّهُ كَلَام يحيى بن بكير. قلت: الْكرْمَانِي لم يجْزم بِهَذَا قطعا. وَإِنَّمَا كَلَامه يَقْتَضِي الِاحْتِمَال وَفِي قَوْله أَيْضا: وَهُوَ كَلَام المُصَنّف، احْتِمَال لَا يخفى. قَوْله: (وَابْن حلحلة من ابْن عَطاء) أَي: سمع مُحَمَّد بن عَمْرو بن حلحلة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء. وقالَ أبُو صالِحٍ عنِ اللَّيْثِ كْلُّ قَفَارٍ أَبُو صَالح هَذَا هُوَ عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث بن سعد، وَقد وهم الْكرْمَانِي فِيهِ حَيْثُ قَالَ: أَبُو صَالح هُوَ عبد الْغفار الْبكْرِيّ، تقدم فِي كتاب الْوَحْي، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن أَبَا صَالح قَالَ فِي رِوَايَته عَن اللَّيْث بِإِسْنَادِهِ الثَّانِي عَن اليزيدين الْمَذْكُورين: كل قفار، بِدُونِ الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وبتقديم الْقَاف على الْفَاء كَمَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرَانِيّ عَن مطلب ابْن شُعَيْب وَابْن عبد الْبر من طَرِيق الْقَاسِم بن أصبغ، كِلَاهُمَا عَن أبي صَالح الْمَذْكُور. وَقَالَ ابنُ المبارَكُ عنْ يَحْيَى بنِ أيُّوبَ. قَالَ حدَّثني يَزِيدُ بنُ أبي حَبِيبٍ أنَّ محَمَّذَ بنَ عَمْرٍ وحدَّثَهُ كُلُّ فَقَارٍ أَي: قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك. . إِلَى آخِره، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الجوزقي فِي (جمعه) وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيبه) وجعفر الْفرْيَابِيّ فِي (صفة الصَّلَاة) كلهم من طَرِيق ابْن الْمُبَارك بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَوَقع عِنْدهم بِلَفْظ: (حَتَّى يعود كل فقار مِنْهُ) ، بِتَقْدِيم الْفَاء على الْقَاف، وَهِي نَحْو رِوَايَة يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ بِتَقْدِيم الْفَاء، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده: (كل فقاره) ، وَقد بَينا وَجه الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي شرح حَدِيث الْبَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي وَافق أَبُو صَالح يحيى عَن اللَّيْث فِي رِوَايَة: (كل فقار) بِدُونِ الضَّمِير، وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كل فقاره) ، بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، أَو بتاء التَّأْنِيث على اخْتِلَاف، والأصوب الْأَوْجه مَا ذَكرْنَاهُ. ١٤٦ - (بابُ مَن لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأولَ وَاجِبا لِأَن النَّبيَّ ﷺ قامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ ولَمْ يَرْجِعْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من لم ير التَّشَهُّد الأول فِي الجلسة الأولى من الثلاثية أَو الرّبَاعِيّة، وَالْمرَاد من التَّشَهُّد تشهد الصَّلَاة، وَهُوَ التَّحِيَّات، سمي تشهدا لِأَن فِيهِ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَهُوَ تفعل من الشَّهَادَة. فَإِن قلت: فِي التَّحِيَّات أَشْيَاء غير التَّشَهُّد، فَمَا وَجه التَّخْصِيص بِلَفْظ التَّشَهُّد؟ قلت: لشرفه على غَيره من حَيْثُ إِنَّه كَلَام بِهِ يصير الشَّخْص مُؤمنا ويرتفع عَنهُ السَّيْف، وينتظم فِي سلك الْمُوَحِّدين الَّذِي بِهِ النجَاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالْبُخَارِيّ مِمَّن يرى عدم وجود التَّشَهُّد الأول. وَفِي (التَّوْضِيح) : أجمع فُقَهَاء الْأَمْصَار، أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَاللَّيْث وَأَبُو ثَوْر: على أَن التَّشَهُّد الأول غير وَاجِب، حاشا أَحْمد، فَإِنَّهُ أوجبه. كَذَا نَقله ابْن الْقصار، وَنَقله ابْن التِّين أَيْضا عَن اللَّيْث وَأبي ثَوْر. وَفِي (شرح الْهِدَايَة) : قِرَاءَة التَّشَهُّد فِي الْقعدَة الأولى وَاجِبَة عِنْد أبي حنيفَة، وَهُوَ الْمُخْتَار وَالصَّحِيح، وَقيل: سنة وَهُوَ الأقيس، لكنه خلاف ظَاهر الرِّوَايَة،

стр. 1667

وَفِي (الْمُغنِي) : إِن كَانَت الصَّلَاة مغربا أَو ربَاعِية فهما واجبان فيهمَا على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَب اللَّيْث وَإِسْحَاق لِأَنَّهُ ﷺ فعله وداوم عَلَيْهِ وَأمر بِهِ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس بقوله: (قُولُوا التَّحِيَّات لله) وجبره بِالسُّجُود حِين نَسيَه، وَقَالَ: (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) وَفِي مُسلم: عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (وَكَانَ يَقُول فِي كل رَكْعَتَيْنِ: التَّحِيَّة) وللنسائي من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (إِذا قعدتم فِي كل رَكْعَتَيْنِ فَقولُوا: التَّحِيَّات. .) الحَدِيث، وَحَدِيث الْمُسِيء وَحَدِيث رِفَاعَة الَّذِي مضى، وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول: من لم يتَشَهَّد فَلَا صَلَاة لَهُ. وَحجَّة الْجُمْهُور هُوَ قَوْله: لِأَن النَّبِي ﷺ قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ، يَعْنِي قَامَ إِلَى الثَّالِثَة وَترك التَّشَهُّد وَلم يرجع إِلَى التَّشَهُّد، وَلَو كَانَ وَاجِبا لوَجَبَ عَلَيْهِ التَّدَارُك حِين علم تَركه مَا أَتَى بِهِ، بل جبره بسجود السَّهْو. وَقَالَ التَّيْمِيّ: سُجُوده نَاب عَن التَّشَهُّد وَالْجُلُوس، وَلَو كَانَا واجبين لم ينب منابهما سُجُود السَّهْو، كَمَا لَا يَنُوب عَن الرُّكُوع وَسَائِر الْأَركان، وَاحْتج الطَّبَرِيّ لوُجُوبه: بِأَن الصَّلَاة فرضت أَولا رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ التَّشَهُّد فِيهَا وَاجِبا، فَلَمَّا زيدت لم تكن الزِّيَادَة مزيلة لذَلِك. وَأجِيب بِأَن الزِّيَادَة لم تتَعَيَّن فِي الْأُخْرَيَيْنِ بل يحْتَمل، أَن تَكُونَا هما الْفَرْض الأول والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما، وَيُؤَيِّدهُ اسْتِمْرَار السَّلَام بعد التَّشَهُّد الْأَخير كَمَا كَانَ، وَفِيه نظر يخفى. ٨٢٩ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمنِ بنْ هُرْمُزَ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وقالَ مَرَّةً مَوْلَى بَنِي رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ أنَّ عَبْدَ الله بنَ مالِكٍ ابنِ بُحَيْنَةَ وَهْوَ مِنْ أزْدِ شنُوءَةَ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وكانَ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيَّ ﷺ أَن النَّبِي ﷺ صلَّى بِهِمُ الظهْرَ فقامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ فقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلَاةَ وانْتَظَرَ الناسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهْوَ جالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَنه ﷺ لما ترك التَّشَهُّد الأول من صَلَاة الظّهْر الَّذِي صلى بهم، لم يرجع إِلَيْهِ، فَلَو كَانَ التَّشَهُّد الأول وَاجِبا لرجع إِلَيْهِ كَمَا ذكرنَا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة وَاسم أبي حَمْزَة: دِينَار، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، بِالْهَاءِ وَالْمِيم المضمومتين بَينهمَا رَاء سَاكِنة: هُوَ الْأَعْرَج، وَعبد الله بن مَالك ابْن بُحَيْنَة، بِضَم الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون: وَهُوَ اسْم أم عبد الله. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن الْأَوَّلين من الروَاة حمصيان والإثنان بعدهمَا مدنيان. وَفِيه: ذكر عبد الله ابْن مَالك باسم أَبِيه وبنسبته إِلَى أمه. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: شَهَادَة الرَّاوِي التَّابِعِيّ أَن عبد الله بن مَالك من الصَّحَابَة. وَفِيه: ذكر الزُّهْرِيّ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز أَولا بمولى بني عبد الْمطلب، وَثَانِيا بمولى بني ربيعَة بن الْحَارِث، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، لِأَنَّهُ ذكر أَولا بجد موَالِيه الْأَعْلَى، وَثَانِيا بمولاه الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وَفِيه: ذكر عبد الله بن مَالك مَنْسُوبا إِلَى قبيلته وَهُوَ أَزْد شنُوءَة، وَهِي قَبيلَة مَشْهُورَة، وأزد، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الزَّاي بعْدهَا الدَّال الْمُهْملَة، وشنوءة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم النُّون وَفتح الْهمزَة على وزن: فعولة. وَفِيه: أَنه حَلِيف لبني عبد منَاف، وَهُوَ صَحِيح، لِأَن جده حَالف الْمطلب بن عبد منَاف. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن يُوسُف وَعَن قُتَيْبَة وَفِي السَّهْو عَن قُتَيْبَة وَفِي النذور عَن آدم. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي الطَّاهِر وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن سُوَيْد بن نصر وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود

стр. 1668

وَعَن سُلَيْمَان بن مُسلم وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعبد الله بن نمير. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لم يجلس) جملَة حَالية أَي: لم يجلس للتَّشَهُّد، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (فَلم يجلس) بِالْفَاءِ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: (وَلم يجلس) بِزِيَادَة: وَاو. قَوْله: (حَتَّى إِذا قضى الصَّلَاة) أَي: أَدَّاهَا وتممها، وَالْقَضَاء يَأْتِي بِمَعْنى الْأَدَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى وَفِيه: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . أَي: فَإِذا أدّيت. قَوْله: (وَهُوَ جَالس) جملَة حَالية. قَوْله: (سَجْدَتَيْنِ) أَي: سَجْدَتي السَّهْو. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن التَّشَهُّد الأول غير وَاجِب لقَوْله: (لم يجلس) ، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ مستقصى. وَفِيه: أَن الإِمَام إِذا سَهَا وَاسْتمرّ بِهِ السَّهْو حَتَّى يَسْتَوِي قَائِما فِي مَوضِع قعوده للتَّشَهُّد الأول تبعه الْقَوْم، قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ أَن مَوضِع سَجْدَتي السَّهْو قبل السَّلَام، وَمن فرق بِأَن السَّهْو إِذا كَانَ من نُقْصَان سجد قبل السَّلَام، وَإِذا كَانَ من زِيَادَة سجد بعد السَّلَام، لم يرجع فِيمَا ذهب إِلَيْهِ إِلَى فرق صَحِيح. قلت: قَوْله: مَوضِع سَجْدَتي السَّهْو قبل السَّلَام، هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، وَهُوَ مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَمَكْحُول وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد، وَقَالَ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) : السُّجُود كُله عِنْد أَحْمد قبل السَّلَام إلاّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذين ورد النَّص بسجودهما بعد السَّلَام، وهما: إِذا سلم من نقص فِي صلَاته، أَو تحرى الإِمَام فَبنى على غَالب ظَنّه، وَمَا عداهما يسْجد لَهُ قبل السَّلَام، نَص على هَذَا فِي رِوَايَة الْأَثْرَم. وَالْجَمَاعَة المذكورون احْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَقَول الْخطابِيّ: وَمن فرق بِأَن السَّهْو ... إِلَى آخِره، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَذْهَب مَالك، فَإِنَّهُ فصل، وَقَالَ: إِن سُجُود السَّهْو للنقصان قبل السَّلَام وللزيادة بعد السَّلَام، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو ثَوْر أَيْضا وَنَفر من الْحِجَازِيِّينَ. وَأجَاب الْكرْمَانِي عَن قَول الْخطابِيّ: لم يرجع فِيمَا ذهب إِلَيْهِ إِلَى فرق صَحِيح، بِأَن الْفرق صَحِيح، لِأَنَّهُ قَالَ: السُّجُود فِي النُّقْصَان لجبر مَا فَاتَ لَهُ من الصَّلَاة، فَنَاسَبَ أَن يتداركه فِي نفس الصَّلَاة، وَفِي الزِّيَادَة لترغيم الشَّيْطَان، فَنَاسَبَ خَارج الصَّلَاة. قلت: هَذَا دَلِيل عَقْلِي، فلِمَ لَمْ يقل فِي رده على الْخطابِيّ: إِن مَالِكًا عمل فِي النُّقْصَان بِحَدِيث ابْن بُحَيْنَة، وَهُوَ حَدِيث الْبَاب، وَبِحَدِيث مُعَاوِيَة أخرجه النَّسَائِيّ: (أَنه صلى إمَامهمْ فَقَامَ فِي الصَّلَاة وَعَلِيهِ جُلُوس فسبح النَّاس فتم على قِيَامه ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس بعد أَن أتم الصَّلَاة، ثمَّ قعد على الْمِنْبَر فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من نسي شَيْئا من صلَاته فليسجد مثل هَاتين السَّجْدَتَيْنِ) . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بأصرح مِنْهُ، وَلَفظه: (أَن مُعَاوِيَة صلى بهم فَقَامَ وَعَلِيهِ جُلُوس فَلم يجلس، فَلَمَّا كَانَ فِي آخر السَّجْدَة من صلَاته سجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم، فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصنع) . وَعمل فِي النُّقْصَان بِحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ وَغَيره، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مَحْمُول على أَن تَأْخِيره ﷺ بعد السَّلَام كَانَ عَن سَهْو، وَذَلِكَ أَن الصَّلَاة قد توالى فِيهَا السَّهْو وَالنِّسْيَان مَرَّات فِي أُمُور شَتَّى، فَلم يُنكر أَن يكون هَذَا مِنْهَا. انْتهى. قلت: أَشَارَ بِهِ إِلَى الْجَواب عَن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ الَّذِي احْتج بِهِ أَصْحَابنَا، على أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام، وَهَذَا غير سديد لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة إِلَى حمل تَأْخِيره على السَّهْو. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لِأَن جَمِيع الْعلمَاء قَائِلُونَ بِجَوَاز التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، ونزاعهم فِي الْأَفْضَل، فتأخيره مَحْمُول على بَيَان الْجَوَاز. قلت: فِي قَوْله: ونزاعهم فِي الْأَفْضَل، فِيهِ نظر، لِأَن الْقَدُورِيّ قَالَ: لَو سجد للسَّهْو قبل السَّلَام، رُوِيَ عَن أَصْحَابنَا أَنه: لَا يجوز لِأَنَّهُ أَدَّاهُ قبل وقته، وَلَكِن قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : هَذَا الْخلاف فِي الْأَوْلَوِيَّة، وَكَذَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ فِي (الْحَاوِي) وَابْن عبد الْبر وَغَيرهم، وأصحابنا احْتَجُّوا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ: (صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ فَسَهَا، فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فسبحنا بِهِ، فَمضى، فَلَمَّا أتم الصَّلَاة وَسلم سجد سَجْدَتي السَّهْو) . أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالتِّرْمِذِيّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَحَادِيث رويت عَن جمَاعَة من الصخابة فِيهَا سُجُود السَّهْو بعد السَّلَام، وَقد بَينا ذَلِك فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) لِلْحَافِظِ أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، وَمثل مَذْهَبنَا مَرْوِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَجَمَاعَة من التَّابِعين، أما الصَّحَابَة فهم: عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وعمار بن يَاسر وَعبد الله بن الزبير وَأنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأما التابعون: فإبراهيم النَّخعِيّ وَابْن أبي ليلى وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ مَذْهَب سُفْيَان الثَّوْريّ أَيْضا.

стр. 1669

١٤٧ - (بابُ التشَهُّدِ فِي الأُولى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّشَهُّد فِي الجلسة الأولى من الثلاثية أَو الرّبَاعِيّة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الاولى فِي بَيَان عدم وجوب التَّشَهُّد الاول وَالثَّانيَِة فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة التَّشَهُّد فِي الجلسة الاولى انْتهى (قلت) مَا الْفرق بَين تَرْجَمَة هَذَا الْبَاب وترجمة الْبَاب السَّابِق؟ قلت: وَيُمكن أَن يُقَال: الْفرق بَين الترجمتين أَن الأولى فِي عدم وجوب التَّشَهُّد، وَالثَّانيَِة فِي وُجُوبه، لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب: قَامَ وَعَلِيهِ جُلُوس، وَالْجُلُوس إِنَّمَا هُوَ للتَّشَهُّد، فَأخذت طَائِفَة بِالْأولَى وَطَائِفَة بِالثَّانِيَةِ، كَمَا بَيناهُ عَن قريب ٨٣٠ - حدَّثنا قُتَيبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا بكْرٌ عنْ جَعْفَرِ بنِ أبي رَبِيعَةَ عنِ الأعْرَجِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مالِكِ ابنِ بُحَيْنَةَ قالَ صلَّى بِنَا رسُوُلُ الله ﷺ الظهْرَ فقامَ وعَلَيْهِ جُلُوسٌ فلَمَّا كانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سجَدَ سَجْدَتَيْنِ وهْوَ جَالِسٌ. . وَجه التَّرْجَمَة عرف الْآن: وَهُوَ طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن بُحَيْنَة، وَبكر: هُوَ ابْن مُضر، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْمَذْكُور فِي سَنَد حَدِيث الْبَاب الَّذِي قبله، وَعبد الله بن مَالك ابْن بُحَيْنَة، وَهُوَ الْمَذْكُور فِي السَّنَد السَّابِق منتسبا إِلَى أمه، وَهَهُنَا ذكر منتسبا إِلَى أَبِيه، وَيَنْبَغِي أَن تكْتب الْألف فِي ابْن بُحَيْنَة إِذا ذكر مَالك، ويعرب إِعْرَاب عبد الله، وإذل لم يذكر مَالك لَا تكْتب. قَوْله: (السَّلَام علينا) اراد بِهِ الْحَاضِرين من الامام والمأمومين وَالْمَلَائِكَة عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله (وَعَلِيهِ جُلُوس) أَي: جلْسَة التَّشَهُّد الأول. ١٤٨ - (بابُ التَّشَهُّدِ فِي الآخِرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّشَهُّد فِي الجلسة الْأَخِيرَة. ٢١٧ - (حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة قَالَ قَالَ عبد الله كُنَّا إِذا صلينَا خلف النَّبِي ﷺ َ - قُلْنَا السَّلَام على جِبْرِيل وَمِيكَائِيل السَّلَام على فلَان وَفُلَان فَالْتَفت إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ إِن الله هُوَ السَّلَام فَإِذا صلى أحدكُم فَلْيقل التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين فَإِنَّكُم إِذا قُلْتُمُوهَا أَصَابَت كل عبد لله صَالح بالسماء وَالْأَرْض أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله) مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تتأتى إِلَّا بِاعْتِبَار تَمام هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ أخرجه تَمَامه فِي بَاب مَا يتَخَيَّر من الدُّعَاء بعد التَّشَهُّد وَهُوَ قَوْله ﷺ َ - فِي آخر الحَدِيث " ثمَّ ليتخير من الدُّعَاء أعجبه إِلَيْهِ فيدعو " وَمَعْلُوم أَن مَحل الدُّعَاء فِي آخر الصَّلَاة وَمَعْلُوم أَن الدُّعَاء لَا يكون إِلَّا بعد التَّشَهُّد وَيعلم من ذَلِك أَن المُرَاد من قَوْله " فَلْيقل التَّحِيَّات لله " إِلَى آخِره هُوَ التَّشَهُّد فِي آخر الصَّلَاة فَحِينَئِذٍ طابق الحَدِيث التَّرْجَمَة بِهَذَا الِاعْتِبَار لَا بِاعْتِبَار مَا قَالَه ابْن رشيد فَإِنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب تعْيين مَحل القَوْل لَكِن يُؤْخَذ ذَلِك من قَوْله " فَإِذا صلى أحدكُم فَلْيقل " فَإِن ظَاهر قَوْله " إِذا صلى " أَي أتم صلَاته لَكِن تعذر الْحمل على الْحَقِيقَة لِأَن التَّشَهُّد لَا يكون إِلَّا بعد السَّلَام فَلَمَّا تعين الْمجَاز كَانَ حمله على آخر جُزْء من الصَّلَاة أولى لِأَنَّهُ هُوَ الْأَقْرَب إِلَى الْحَقِيقَة انْتهى (قلت) لَا نسلم تعذر الْحمل على الْحَقِيقَة فَإِن حَقِيقَة تَمام الصَّلَاة بِالْجُلُوسِ فِي آخرهَا لَا بِالسَّلَامِ حَتَّى إِذا خرج بعد جُلُوسه مِقْدَار التَّشَهُّد من غير السَّلَام لَا تفْسد صلَاته لِأَن السَّلَام مُحَلل وَمَا دَامَ الْمُصَلِّي فِي الْجُلُوس فِي آخر الصَّلَاة فَهُوَ فِي حُرْمَة الصَّلَاة وَالسَّلَام يُخرجهُ عَن هَذِه الْحُرْمَة فَحِينَئِذٍ يكون معنى قَوْله ﷺ َ - " فَإِذا صلى أحدكُم " أَي فَإِذا أتم صلَاته بِالْجُلُوسِ فِي آخر الثنائية أَو فِي آخر الثلاثية أَو فِي آخر الرّبَاعِيّة فَلْيقل التَّحِيَّات لله إِلَى آخِره فَدلَّ

стр. 1670

على أَن التَّشَهُّد فِي آخر الصَّلَاة وَاجِب لقَوْله " فَلْيقل " لِأَن مُقْتَضى الْأَمر الْوُجُوب (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة قد ذكرُوا غير مرّة وَأَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه عَن شَقِيق وَفِي رِوَايَة يحيى الَّتِي تَأتي بعد بَاب عَن الْأَعْمَش حَدثنِي شَقِيق وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم كوفيون. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قبيصَة عَن سُفْيَان وَعَن مُسَدّد عَن يحيى وَعَن عَمْرو بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى عَن أبي مُعَاوِيَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن يحيى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو بن عَليّ وَعَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَعَن بشر بن خَالِد وَفِيه وَفِي النعوت عَن قُتَيْبَة وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة أَيْضا وَأخرجه ابْن ماجة فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن خَلاد وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن مُحَمَّد بن يحيى الزُّهْرِيّ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " كُنَّا إِذا صلينَا " وَفِي رِوَايَة يحيى الْآتِيَة " كُنَّا إِذا كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي الصَّلَاة " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد الله قَالَ " كُنَّا إِذا جلسنا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي الصَّلَاة " الحَدِيث وَمثله للإسماعيلي من رِوَايَة مُحَمَّد بن خَلاد عَن يحيى قَوْله " قُلْنَا السَّلَام على جِبْرِيل " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد " قُلْنَا السَّلَام على الله قبل عباده " وَكَذَا وَقع للْبُخَارِيّ فِي الاسْتِئْذَان من طَرِيق حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش وَفِي جِبْرِيل سبع لُغَات. الأولى على وزن تغشليل. الثَّانِيَة جبرئل بِحَذْف الْيَاء. الثَّالِثَة جِبْرِيل بِحَذْف الْهمزَة. الرَّابِعَة بِوَزْن قنديل. الْخَامِسَة جبرءل بلام مُشَدّدَة. السَّادِسَة جِبْرَائِيل بِوَزْن جبراعيل. السَّابِعَة جبرائل بِوَزْن جبراعل. وَمَعْنَاهُ عبد الله وَمنع الصّرْف فِيهِ للتعريف والعجمة فِي مِيكَائِيل خمس لُغَات. الأولى ميكال بِوَزْن قِنْطَار. الثَّانِيَة مِيكَائِيل بِوَزْن ميكاعيل. الثَّالِثَة ميكائل بِوَزْن ميكاعل. الرَّابِعَة ميكئل بِوَزْن ميكعل. الْخَامِسَة ميكئيل بِوَزْن ميكعيل. قَالَ ابْن جني الْعَرَب إِذا نطقت بالأعجمي خلطت فِيهِ قَوْله " السَّلَام على فلَان وَفُلَان " وَفِي رِوَايَة ابْن ماجة عَن عبد الله بن نمير عَن الْأَعْمَش " يعنون الْمَلَائِكَة " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن عَليّ بن مسْهر " فنعد الْمَلَائِكَة " وَفِي رِوَايَة السراج عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش " فنعد من الْمَلَائِكَة مَا شَاءَ الله " قَوْله " فَالْتَفت إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - " ظَاهره أَنه كَلمهمْ بذلك فِي أثْنَاء الصَّلَاة وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة حُصَيْن عَن أبي وَائِل وَهُوَ شَقِيق عِنْد البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة بِلَفْظ " فَسَمعهُ النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ قُولُوا " وَلَكِن بَين حَفْص بن غياث فِي رِوَايَته الْمحل الَّذِي خاطبهم بذلك فِيهِ وَأَنه بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة وَلَفظه " فَلَمَّا انْصَرف النَّبِي ﷺ َ - أقبل علينا بِوَجْهِهِ " وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس أَيْضا " فَلَمَّا انْصَرف من الصَّلَاة قَالَ " قَوْله " إِن الله هُوَ السَّلَام " قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) هَذَا إِنَّمَا يَصح ردا عَلَيْهِم لَو قَالَ السَّلَام على الله (قلت) هَذَا الحَدِيث مُخْتَصر مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَاب مَا يتَخَيَّر من الدُّعَاء بعد التَّشَهُّد وَقَالَ فِيهِ " قُلْنَا السَّلَام على الله فَقَالَ لَا تَقولُوا السَّلَام على الله فَإِن الله هُوَ السَّلَام " وَحَاصِله أَن النَّبِي ﷺ َ - أنكر التَّسْلِيم على الله وعلمهم أَن مَا يَقُولُونَهُ عكس مَا يجب أَن يُقَال فَإِن كل سَلامَة وَرَحْمَة لَهُ وَمِنْه وَهُوَ مَالِكهَا ومعطيها وَقَالَ الْخطابِيّ المُرَاد أَن الله هُوَ ذُو السَّلَام فَلَا تَقولُوا السَّلَام على الله فَإِن السَّلَام مِنْهُ بدىء وَإِلَيْهِ يعود ومرجع الْأَمر فِي إِضَافَة السَّلَام إِلَيْهِ أَنه ذُو السَّلَام من كل نقص وَآفَة وعيب وَيحْتَمل أَن يكون مرجعها إِلَى حَظّ العَبْد فِيمَا يَطْلُبهُ من السَّلامَة عَن الْآفَات والمهالك وَقَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ أَن السَّلَام اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى يَعْنِي السَّالِم من النقائص وَقيل الْمُسلم أولياءه وَقيل الْمُسلم عَلَيْهِم وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي أَمرهم أَن يصرفوه إِلَى الْخلق لحاجتهم إِلَى السَّلامَة وغناه عَنْهَا قَوْله " فَإِذا صلى أحدكُم فَلْيقل " بَين حَفْص بن غياث فِي رِوَايَته مَحل القَوْل وَلَفظه " فَإِذا جلس أحدكُم فِي الصَّلَاة " وَفِي رِوَايَة حُصَيْن عَن أبي وَائِل " إِذا قعد أحدكُم عَن الصَّلَاة " وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله " كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نقُول فِي كل رَكْعَتَيْنِ وَأَن مُحَمَّدًا علم فواتح الْخَيْر وخواتمه فَقَالَ إِذا قعدتم فِي كل رَكْعَتَيْنِ فَقولُوا " وللنسائي من طَرِيق الْأسود عَن عبد الله " فَقولُوا فِي كل جلْسَة " وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من وَجه آخر عَن الْأسود عَن

стр. 1671

عبد الله " عَلمنِي رَسُول الله ﷺ َ - فِي وسط الصَّلَاة وَفِي آخرهَا " وَزَاد الطَّحَاوِيّ من هَذَا الْوَجْه فِي أَوله " أخذت التَّشَهُّد من فِي رَسُول الله ﷺ َ - ولقنني كلمة كلمة " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ فِي الاسْتِئْذَان من طَرِيق أبي معمر عَن ابْن مَسْعُود " عَلمنِي رَسُول الله ﷺ َ - التَّشَهُّد وكفي بَين كفيه كَمَا يعلمني السُّورَة من الْقُرْآن " قَوْله " التَّحِيَّات " جمع تَحِيَّة وَمَعْنَاهُ السَّلَام. وَقيل الْبَقَاء. وَقيل العظمة. وَقيل السَّلامَة من الْآفَات وَالنَّقْص. وَقيل الْملك. وَقَالَ الْخطابِيّ التَّحِيَّات كَلِمَات مَخْصُوصَة كَانَت الْعَرَب تحيي بهَا الْمُلُوك نَحْو قَوْلهم أَبيت اللَّعْن وَقَوْلهمْ أنعم الله صباحا وَقَول الْعَجم وزى ده هزار سَأَلَ أَي عش عشرَة آلَاف سنة وَنَحْوهَا من عاداتهم فِي تَحِيَّة الْمُلُوك عِنْد الملاقاة وَهَذِه الْأَلْفَاظ لَا يصلح شَيْء مِنْهَا للثناء على الله تَعَالَى فَتركت أَعْيَان تِلْكَ الْأَلْفَاظ وَاسْتعْمل مِنْهَا معنى التَّعْظِيم فَقيل قُولُوا التَّحِيَّات لله أَي أَنْوَاع التَّعْظِيم لله كَمَا يسْتَحقّهُ وَرُوِيَ عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي أَسمَاء الله تَعَالَى السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار الْأَحَد الصَّمد قَالَ التَّحِيَّات لله بِهَذِهِ الْأَسْمَاء وَهِي الطَّيِّبَات لَا يحيى بهَا غَيره وَاللَّام فِي لله لَام الْملك والتخصيص وَهِي للْأولِ أبلغ وَللثَّانِي أحسن قَوْله " والصلوات " هِيَ الصَّلَوَات الْمَعْرُوفَة وَهِي الْخَمْسَة وَغَيرهَا وَقَالَ الْأَزْهَرِي الصَّلَوَات الْعِبَادَات وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا الصَّلَوَات الْمَعْهُودَة وَيكون التَّقْدِير أَنَّهَا وَاجِبَة لله تَعَالَى وَلَا يجوز أَن يقْصد بهَا غَيره أَو يكون ذَلِك إِخْبَارًا عَن قصد إخلاصنا الصَّلَوَات لَهُ أَي صلواتنا مخلصة لَهُ لَا لغيره وَيجوز أَن يُرَاد بالصلوات الرَّحْمَة وَيكون معنى قَوْله " لله " أَي المتفضل بهَا والمعطي هُوَ الله لِأَن الرَّحْمَة التَّامَّة لله لَا لغيره قَوْله " والطيبات " أَي الْكَلِمَات الطَّيِّبَات مِمَّا طَابَ من الْكَلَام وَحسن أَن يثنى بِهِ على الله تَعَالَى دون مَا لَا يَلِيق بصفاته وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَأما الطَّيِّبَات فقد فسرت بالأقوال الطَّيِّبَات وَلَعَلَّ تَفْسِيرهَا بِمَا هُوَ أَعم أولى أَعنِي الطَّيِّبَات من الْأَفْعَال والأقوال والأوصاف وَطيب الْأَوْصَاف كَونهَا صفة الْكَمَال وخلوصها عَن شوب النَّقْص وَقَالَ الشَّيْخ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ ﵀ التَّحِيَّات الْعِبَادَات القولية والصلوات الْعِبَادَات الفعلية والطيبات الْعِبَادَات الْمَالِيَّة وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ والصلوات والطيبات بِحرف الْعَطف يحْتَمل أَن يَكُونَا معطوفين على التَّحِيَّات وَأَن تكون الصَّلَوَات مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ عَلَيْك والطيبات معطوفة عَلَيْهَا وَالْوَاو الأولى لعطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة وَالثَّانيَِة لعطف الْمُفْرد على الْمُفْرد وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس لم يذكر العاطف أصلا انْتهى (قلت) كل وَاحِدَة من الصَّلَوَات والطيبات مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره والصلوات لله والطيبات لله فَتكون هَاتَانِ الجملتان معطوفتين على الْجُمْلَة الأولى وَهِي التَّحِيَّات لله قَوْله " السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي " قَالَ النَّوَوِيّ يجوز فِي السَّلَام فِي الْمَوْضِعَيْنِ حذف اللَّام وإثباتها وَالْإِثْبَات أفضل (قلت) لم يَقع فِي شَيْء من طرق حَدِيث ابْن مَسْعُود بِحَذْف اللَّام فَإِن كَانَ مُرَاده من الْجَوَاز من جِهَة الْعَرَبيَّة فَلهُ وَجه وَإِن كَانَ من جِهَة مُرَاعَاة لفظ النَّبِي فَلَا وَجه لَهُ نعم اخْتلف فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم وَقَالَ الطَّيِّبِيّ أصل سَلام عَلَيْك سلمت سَلاما عَلَيْك ثمَّ حذف الْفِعْل وأقيم الْمصدر مقَامه وَعدل عَن النصب إِلَى الرّفْع للابتداء للدلالة على ثُبُوت الْمَعْنى واستقراره وَقَالَ التوربشتي السَّلَام بِمَعْنى السَّلامَة كالمقام والمقامة وَالسَّلَام اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وضع الْمصدر مَوضِع الِاسْم مُبَالغَة وَالْمعْنَى أَنه سَلام من كل عيب وَآفَة وَنقص وَفَسَاد وَمعنى قَوْلنَا السَّلَام عَلَيْك الدُّعَاء أَي سلمت من المكاره وَقيل مَعْنَاهُ اسْم السَّلَام عَلَيْك كَأَنَّهُ يتبرك عَلَيْهِ باسم الله (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي الْعُدُول عَن الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب فِي قَوْله " عَلَيْك أَيهَا النَّبِي " مَعَ أَن لفظ الْغَيْبَة هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاق كَأَن يَقُول السَّلَام على النَّبِي فَينْتَقل من تَحِيَّة الله إِلَى تَحِيَّة النَّبِي ثمَّ إِلَى تَحِيَّة النَّفس ثمَّ إِلَى تَحِيَّة الصَّالِحين (قلت) أجَاب الطَّيِّبِيّ بِمَا محصله نَحن نتبع لفظ الرَّسُول بِعَيْنِه الَّذِي علمه للصحابة وَيحْتَمل أَن يُقَال على طَريقَة أهل الْعرْفَان أَن الْمُصَلِّين لما استفتحوا بَاب الملكوت بالتحيات أذن لَهُم بِالدُّخُولِ فِي حَرِيم الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت فقرت أَعينهم بالمناجاة فنبهوا على أَن ذَلِك بِوَاسِطَة نَبِي الرَّحْمَة وبركة مُتَابَعَته فَإِذا التفتوا فَإِذا الحبيب فِي حرم الحبيب حَاضر فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ قائلين السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته (فَإِن قلت) مَا الْألف وَاللَّام فِي السَّلَام عَلَيْك (قلت) قَالَ الطَّيِّبِيّ إِمَّا للْعهد التقديري أَي ذَلِك السَّلَام الَّذِي وَجه إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمُتَقَدّمَة موجه إِلَيْك أَيهَا النَّبِي وَالسَّلَام الَّذِي وَجه إِلَى الْأُمَم السالفة من الصلحاء علينا وعَلى إِخْوَاننَا وَإِمَّا للْجِنْس أَي حَقِيقَة السَّلَام الَّذِي يعرفهُ كل أحد أَنه مَا هُوَ وَعَمن يصدر وعَلى

стр. 1672

من ينزل عَلَيْك وعلينا وَإِمَّا للْعهد الْخَارِجِي إِشَارَة إِلَى قَول الله تَعَالَى ﴿وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى﴾ وَقَالَ الشَّيْخ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ يَعْنِي السَّلَام الَّذِي سلم الله عَلَيْك لَيْلَة الْمِعْرَاج (قلت) فعلى هَذَا تكون الْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد (فَإِن قلت) لم عدل عَن الْوَصْف بالرسالة إِلَى الْوَصْف بِالنُّبُوَّةِ مَعَ أَن الْوَصْف بالرسالة أَعم فِي حق الْبشر (قلت) الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن يجمع لَهُ الوصفين لكَونه وَصفه بالرسالة فِي آخر التَّشَهُّد وَإِن كَانَ الرَّسُول البشري يسْتَلْزم النُّبُوَّة لَكِن التَّصْرِيح بهَا أبلغ وَقيل الْحِكْمَة فِي تَقْدِيم الْوَصْف بِالنُّبُوَّةِ أَنَّهَا كَذَلِك وجدت فِي الْخَارِج لنزول قَوْله تَعَالَى ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ قبل قَوْله ﴿يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر﴾ قَوْله " وَرَحْمَة الله " الرَّحْمَة عبارَة عَن إنعامه عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَعْنى الغائي لِأَن مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ الحنو والعطف فَلَا يجوز أَن يُوصف الله بِهِ قَوْله " وَبَرَكَاته " جمع بركَة وَهُوَ الْخَيْر الْكثير من كل شَيْء واشتقاقه من البرك وَهُوَ صدر الْبَعِير وبرك الْبَعِير ألْقى بركه وَاعْتبر مِنْهُ معنى اللُّزُوم وَسمي محبس المَاء بركَة للُزُوم المَاء فِيهَا وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الْبركَة ثُبُوت الْخَيْر الإلهي فِي الشَّيْء سمي بذلك لثُبُوت الْخَيْر فِيهِ ثُبُوت المَاء فِي الْبركَة وَالْمبَارك مَا فِيهِ ذَلِك الْخَيْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهَذَا ذكر مبارك﴾ تَنْبِيها على مَا تفيض مِنْهُ الْخيرَات الإلهية وَلما كَانَ الْخَيْر الإلهي يصدر من حَيْثُ لَا يحس وعَلى وَجه لَا يُحْصى قيل لكل مَا يُشَاهد فِيهِ زِيَادَة غير محسوسة هُوَ مبارك أَو فِيهِ بركَة قَوْله " السَّلَام علينا " أَرَادَ بهَا الْحَاضِرين من الإِمَام والمأمومين وَالْمَلَائِكَة عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله " وعَلى عباد الله الصَّالِحين " الصَّالح هُوَ الْقَائِم بِمَا عَلَيْهِ من حُقُوق الله تَعَالَى وَحُقُوق الْعباد وَالصَّلَاح هُوَ استقامة الشَّيْء على حَالَة كَمَاله كَمَا أَن الْفساد ضِدّه وَلَا يحصل الصّلاح الْحَقِيقِيّ إِلَّا فِي الْآخِرَة لِأَن الْأَحْوَال العاجلة وَإِن وصفت بالصلاح فِي بعض الْأَوْقَات لَكِن لَا تَخْلُو من شَائِبَة فَسَاد وخلل وَلَا يصفو ذَلِك إِلَّا فِي الْآخِرَة خُصُوصا لزمرة الْأَنْبِيَاء لِأَن الاسْتقَامَة التَّامَّة لَا تكون إِلَّا لمن فَازَ بالقدح الْمُعَلَّى ونال الْمقَام الْأَسْنَى وَمن ثمَّ كَانَت هَذِه الْمرتبَة مَطْلُوبَة للأنبياء وَالْمُرْسلِينَ قَالَ الله تَعَالَى فِي حق الْخَلِيل ﴿وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ وَحكي عَن يُوسُف ﵊ أَنه دَعَا بقوله ﴿توفني مُسلما وألحقني بالصالحين﴾ قَوْله " فَإِنَّكُم إِذا قُلْتُمُوهَا " إِلَى قَوْله " وَالْأَرْض " جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله " وعَلى عباد الله الصَّالِحين " وَبَين قَوْله " أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قُلْتُمُوهَا يرجع إِلَى قَوْله " وعَلى عباد الله الصَّالِحين " وَفَائِدَة هَذِه الْجُمْلَة المعترضة الاهتمام بهَا لكَونه أنكر عَلَيْهِم عد الْمَلَائِكَة وَاحِدًا وَاحِدًا وَلَا يُمكن استيعابهم لَهُم مَعَ ذَلِك فعلمهم لفظا يَشْمَل الْجَمِيع مَعَ غير الْمَلَائِكَة من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَالصديقين وَغَيرهم بِغَيْر مشقة وَهَذَا من جَوَامِع الْكَلم الَّتِي أوتيها النَّبِي ﷺ َ - وَقد وَردت هَذِه الْجُمْلَة فِي بعض الطّرق فِي آخر الْكَلَام بعد سِيَاق التَّشَهُّد متواليا وَالظَّاهِر أَنه من تصرف الروَاة وَالله أعلم قَوْله " فِي السَّمَاء وَالْأَرْض " وَفِي رِوَايَة مُسَدّد عَن يحيى " أَو بَين السَّمَاء وَالْأَرْض " وَالشَّكّ فِيهِ من مُسَدّد وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ " من أهل السَّمَاء وَالْأَرْض " قَوْله " أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " زَاد ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه " وَحده لَا شريك لَهُ " وَسَنَد ضَعِيف لَكِن ثبتَتْ هَذِه الزِّيَادَة فِي حَدِيث أبي مُوسَى عِنْد مُسلم وَفِي حَدِيث عَائِشَة الْمَوْقُوف فِي الْمُوَطَّأ وَفِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ إِلَّا أَن سَنَده ضَعِيف وَقد روى أَبُو دَاوُد من وَجه آخر صَحِيح عَن ابْن عمر فِي التَّشَهُّد " أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ ابْن عمر زِدْت فِيهَا وَحده لَا شريك لَهُ " وَهَذَا ظَاهره الْوَقْف قَوْله " وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عبد وَرَسُوله " قَالَ أهل اللُّغَة يُقَال رجل مُحَمَّد ومحمود إِذا كثرت خصاله المحمودة وَقَالَ ابْن الْفَارِس وَبِذَلِك سمي نَبينَا ﷺ َ - مُحَمَّدًا يَعْنِي لعلم الله تَعَالَى بِكَثْرَة خصاله المحمودة (قلت) الْفرق بَين مُحَمَّد وَأحمد أَن مُحَمَّدًا مفعل للتكثير وَأحمد أفعل التَّفْضِيل وَالْمعْنَى إِذا حمدني أحد فَأَنت أَحْمد مِنْهُم وَإِذا حمدت أحدا فَأَنت مُحَمَّد وَالْعَبْد الْإِنْسَان حرا كَانَ أَو رَقِيقا يذهب فِيهِ إِلَى أَنه مربوب لباريه وَجمعه أعبد وَعبيد وَعباد وَعبد وعبدان وعبدان وأعابد جمع أعبد والعبدى والعبدي والعبوداء والعبدة أَسمَاء الْجمع وَجعل بَعضهم الْعباد لله وَغَيره من الْجمع لله وللمخلوقين وَخص بهم بالعبدى العبيد الَّذين ولدُوا فِي الْملك وَالْأُنْثَى عَبدة والعبدل العَبْد ولامه زَائِدَة (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) وَهُوَ على وُجُوه. الأول فِيمَا ورد من الِاخْتِلَاف فِي أَلْفَاظ التَّشَهُّد رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن ابْن

стр. 1673

مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعمر بن الْخطاب وَعبد الله بن عمر وَعَائِشَة وَعبد الله بن الزبير وَجَابِر بن عبد الله وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَمُعَاوِيَة وسلمان وَسمرَة وَأبي حميد. أما حَدِيث ابْن مَسْعُود فقد رَوَاهُ السِّتَّة عَنهُ وَلَفظ مُسلم قَالَ " عَلمنِي رَسُول الله ﷺ َ - التَّشَهُّد كفي بَين كفيه كَمَا يعلمني السُّورَة من الْقُرْآن فَقَالَ إِذا قعد أحدكُم فِي الصَّلَاة فَلْيقل التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين فَإِذا قَالَهَا أَصَابَت كل عبد صَالح فِي السَّمَاء وَالْأَرْض أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " انْتهى زادوا فِي رِوَايَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه " ليتخير أحدكُم من الدُّعَاء أعجبه إِلَيْهِ فيدعو بِهِ " وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَأخْرجهُ الْجَمَاعَة إِلَّا البُخَارِيّ عَن سعيد بن جُبَير وَطَاوُس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن وَكَانَ يَقُول التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات الطَّيِّبَات لله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " وَأما حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قَالَ حَدثنَا عبد الله بن وهب قَالَ أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث وَمَالك بن أنس أَن ابْن شهَاب حَدثهمَا عَن عُرْوَة بن الزبير " عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد القارىء أَنه سمع عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يعلم النَّاس التَّشَهُّد على الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول قُولُوا التَّحِيَّات لله الزاكيات لله والصلوات لله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عبد وَرَسُوله " وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق فِي مصنفيهما (قلت) هَذَا مَوْقُوف وَرَوَاهُ أَبُو بكر بن مرْدَوَيْه فِي كتاب التَّشَهُّد لَهُ مَرْفُوعا وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا نصر بن عَليّ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي بشر " سَمِعت مُجَاهدًا يحدث عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي التَّشَهُّد التَّحِيَّات لله الصَّلَوَات الطَّيِّبَات لله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته قَالَ ابْن عمر زِدْت فِيهَا وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن أبي دَاوُد عَن نصر بن عَليّ وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير حَدثنَا أَبُو مُسلم الْكشِّي حَدثنَا سهل بن بكار حَدثنَا أبان بن يزِيد عَن قَتَادَة عَن عبد الله بن بَابي " عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي التَّشَهُّد التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الصَّلَوَات لله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَلَفظه " التَّحِيَّات لله الصَّلَوَات الطَّيِّبَات السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " إِلَّا أَن يحيى زَاد فِي حَدِيثه " قَالَ ابْن عمر زِدْت فِيهَا وَبَرَكَاته وزدت فِيهَا وَحده لَا شريك لَهُ " وَيحيى بن إِسْمَاعِيل الْبَغْدَادِيّ أحد مَشَايِخ الطَّحَاوِيّ وَأخرجه الْبَزَّار مَرْفُوعا أَيْضا وَأما حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن الْقَاسِم عَنْهَا " قَالَت هَذَا تشهد النَّبِي ﷺ َ - التَّحِيَّات لله " إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة عَنْهَا " أَنَّهَا كَانَت تَقول فِي التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة فِي وَسطهَا وَفِي آخرهَا قولا وَاحِدًا بِسم الله التَّحِيَّات لله الصَّلَوَات لله الزاكيات لله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وَبعده لنا بيدَيْهِ عد الْعَرَب " وَأما حَدِيث عبد الله بن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن الْحَارِث بن يزِيد سَمِعت أَبَا الْورْد سَمِعت عبد الله بن الزبير يَقُول إِن تشهد النَّبِي ﷺ َ - بِسم الله وَبِاللَّهِ خير الْأَسْمَاء التَّحِيَّات لله الصَّلَوَات الطَّيِّبَات أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين اللَّهُمَّ اغْفِر لي واهدني هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين " قَالَ الطَّبَرَانِيّ تفرد بِهِ ابْن لَهِيعَة (قلت) فِيهِ مقَال

стр. 1674

وَأما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْعِلَل وَالْحَاكِم من حَدِيث أَيمن بن نائل حَدثنَا أَبُو الزبير عَن جَابر قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن بِسم الله وَبِاللَّهِ التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات لله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أسأَل الله الْجنَّة وَأَعُوذ بِاللَّه من النَّار " وَصَححهُ الْحَاكِم وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة وَهُوَ مَرْدُود فقد ضعفه جمَاعَة من الْحفاظ هم أجل من الْحَاكِم وأتقن وَمِمَّنْ ضعفه البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ التِّرْمِذِيّ سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ هُوَ خطأ وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي المتَوَكل عَنهُ قَالَ " كُنَّا نتعلم التَّشَهُّد كَمَا نتعلم السُّورَة من الْقُرْآن " ثمَّ ذكر مثل تشهد ابْن مَسْعُود وَأما حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ مطولا وَفِيه " فَإِذا كَانَ عِنْد الْقعدَة فَلْيَكُن من أول قَول أحدكُم أَن يَقُول التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الصَّلَوَات لله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله " وَأخرجه أَحْمد وَلم يقل وَبَرَكَاته وَلَا قَالَ وَأشْهد قَالَ وَأَن مُحَمَّدًا وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ عَنهُ " أَنه كَانَ يعلم النَّاس التَّشَهُّد وَهُوَ على الْمِنْبَر عَن النَّبِي ﷺ َ - التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات " إِلَى آخِره مثل حَدِيث ابْن مَسْعُود. وَأما حَدِيث سلمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه أَخْرجَاهُ عَن سَلمَة بن الصَّلْت عَن عَمْرو بن يزِيد الْأَزْدِيّ عَن أبي رَاشد قَالَ " سَأَلت سلمَان الْفَارِسِي عَن التَّشَهُّد فَقَالَ أعلمكُم كَمَا علمنيهن رَسُول الله ﷺ َ - التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات " إِلَى آخِره مثل حَدِيث ابْن مَسْعُود لَكِن زَاد لله بعد الطَّيِّبَات وَقَالَ فِي آخِره " قلها فِي صَلَاتك وَلَا تزد فِيهَا حرفا وَلَا تنقص مِنْهَا حرفا " وَإِسْنَاده ضَعِيف وَأما حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَلَفظه " قُولُوا التَّحِيَّات لله الطَّيِّبَات والصلوات وَالْملك لله ثمَّ سلمُوا على النَّبِي وسلموا على أقاربكم وعَلى أَنفسكُم " وَإِسْنَاده ضَعِيف قَالَه بَعضهم وَلَيْسَ كَذَلِك بل صَحِيح على شَرط ابْن حبَان وَأما حَدِيث أبي حميد فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ مثل حَدِيث ابْن مَسْعُود وَلَكِن زَاد " الزاكيات لله " بعد " الطَّيِّبَات " وَأسْقط وَاو الطَّيِّبَات وَإِسْنَاده ضَعِيف وَفِي الْبَاب عَن الْحُسَيْن بن عَليّ وَطَلْحَة بن عبيد الله وَأنس وَأبي هُرَيْرَة وَالْفضل بن عَبَّاس وَأم سَلمَة وَحُذَيْفَة وَالْمطلب بن ربيعَة وَابْن أبي أوفى رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَالُوا جملَة من روى فِي التَّشَهُّد من الصَّحَابَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ صحابيا (الْوَجْه الثَّانِي) فِي تَرْجِيح تشهد ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على جَمِيع رِوَايَات غَيره قَالَ التِّرْمِذِيّ أصح حَدِيث عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي التَّشَهُّد حَدِيث ابْن مَسْعُود وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ثمَّ أخرج عَن معمر عَن خصيف قَالَ " رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ إِن النَّاس قد اخْتلفُوا فِي التَّشَهُّد فَقَالَ عَلَيْك بتشهد ابْن مَسْعُود " وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه عَن بشير بن المُهَاجر عَن أبي بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ " مَا سَمِعت فِي التَّشَهُّد أحسن من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَذَلِكَ أَنه رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ َ - " وَقَالَ الْخطابِيّ أصح الرِّوَايَات وأشهرها رجَالًا تشهد ابْن مَسْعُود وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَأَبُو عَليّ الطوسي قد روى حَدِيث ابْن مَسْعُود من غير وَجه وَهُوَ أصح حَدِيث رُوِيَ فِي التَّشَهُّد عَن النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ أَبُو عمر بتشهد ابْن مَسْعُود أَخذ أَكثر أهل الْعلم لثُبُوت فعله عَن النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ لم يَصح فِي التَّشَهُّد إِلَّا مَا نَقله أهل الْكُوفَة عَن ابْن مَسْعُود وَأهل الْبَصْرَة عَن أبي مُوسَى وبنحوه قَالَه ابْن طَاهِر وَقَالَ النَّوَوِيّ أَشدّهَا صِحَة بِاتِّفَاق الْمُحدثين حَدِيث ابْن مَسْعُود ثمَّ حَدِيث ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْبَزَّار أصح حَدِيث فِي التَّشَهُّد حَدِيث ابْن مَسْعُود وروى عَنهُ عَن نَيف وَعشْرين طَرِيقا ثمَّ سرد أَكْثَرهَا قَالَ وَلَا أعلم فِي التَّشَهُّد أثبت مِنْهُ وَلَا أصح أَسَانِيد وَلَا أشهر رجَالًا (قلت) هَذَا الطَّحَاوِيّ الجهبذ أخرج حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي كِتَابه شرح مَعَاني آثَار من اثنى عشر طَرِيقا وسرد الْجَمِيع ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب فَلهَذَا الَّذِي ذكرنَا استحسنا مَا رُوِيَ عَن عبد الله بتشديده فِي ذَلِك ولإجماعهم عَلَيْهِ إِذْ كَانُوا قد اتَّفقُوا على أَنه

стр. 1675

لَا يَنْبَغِي أَن يتَشَهَّد إِلَّا بخاص من التَّشَهُّد يَعْنِي كلهم اتَّفقُوا على أَن التَّشَهُّد لَا يكون إِلَّا بِأَلْفَاظ مَخْصُوصَة وَلَا يكون بِأَيّ لفظ كَانَ فَإِذا كَانَ كَذَلِك فالمتفق عَلَيْهِ أولى من الْمُخْتَلف فِيهِ فَصَارَ كَونه مُتَّفقا عَلَيْهِ دون غَيره من مرجحاته لِأَن الروَاة عَنهُ من الثِّقَات لم يَخْتَلِفُوا فِي أَلْفَاظه بِخِلَاف غَيره وَأَن ابْن مَسْعُود تَلقاهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - تلقيا فروى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق الْأسود بن يزِيد عَنهُ قَالَ " أخذت التَّشَهُّد من فِي رَسُول الله ﷺ َ - ولقننيه كلمة كلمة " وَفِي رِوَايَة أبي معمر عَنهُ " عَلمنِي رَسُول الله ﷺ َ - التَّشَهُّد وكفي بَين كفيه " وَمن المرجحات ثُبُوت الْوَاو فِي الصَّلَوَات والطيبات وَهِي تَقْتَضِي الْمُغَايرَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فَتكون كل جملَة ثَنَاء مُسْتقِلّا بِخِلَاف مَا إِذا حذفت فَإِنَّهَا تكون صفة لما قبلهَا وتعدد الثَّنَاء فِي الأول صَرِيح فَيكون أولى وَلَو قيل أَن الْوَاو مقدرَة فِي الثَّانِي. وَمِنْهَا أَنه ورد بِصِيغَة الْأَمر بِخِلَاف غَيره فَإِنَّهُ مُجَرّد حِكَايَة وَمِنْهَا أَن فِي رِوَايَة أَحْمد أَن رَسُول الله ﷺ َ - علمه التَّشَهُّد وَأمره أَن يُعلمهُ النَّاس وَلم ينْقل ذَلِك لغيره فَفِيهِ دَلِيل على مزيته وَقَالَ الْكرْمَانِي ذهب الشَّافِعِي إِلَى أَن تشهد ابْن عَبَّاس أفضل لزِيَادَة لَفْظَة المباركات فِيهِ وَهِي مُوَافقَة لقَوْل الله تَعَالَى ﴿تَحِيَّة من عِنْد الله مباركة طيبَة﴾ . وَقَالَ مَالك تشهد عمر بن الْخطاب أفضل لِأَنَّهُ علمه النَّاس على الْمِنْبَر وَلم ينازعه أحد فَدلَّ على تفضيله (قلت) وَذهب بَعضهم إِلَى عدم التَّرْجِيح مِنْهُم ابْن خُزَيْمَة وَالْجَوَاب عَن تَرْجِيح الشَّافِعِي حَدِيث ابْن عَبَّاس بِالزِّيَادَةِ أَنَّهَا مُخْتَلف فِيهَا وَحَدِيث ابْن مَسْعُود مُتَّفق عَلَيْهِ كَمَا ذكرنَا وَحَدِيث ابْن عَبَّاس مَذْكُور مَعْدُود فِي أَفْرَاد مُسلم وَأَعْلَى دَرَجَة الصَّحِيح عِنْد الْحفاظ مَا اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَلَو فِي أَصله فَكيف إِذا اتفقَا على لَفظه فَلم يكن مَا ذكره سَببا للترجيح على أَن ابْن مَسْعُود قد أنكر على من زَاد على مَا رَوَاهُ من لفظ النَّبِي ﷺ َ - وَكَونه مُوَافقا لما فِي الْقُرْآن وَجه من التَّرْجِيح فَلَا يفضل بذلك على الَّذِي لَهُ وُجُوه من التَّرْجِيح وَالْجَوَاب عَن تَرْجِيح مَالك تشهد عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه مَوْقُوف عَلَيْهِ فَلَا يلْحق الْمَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ برهَان الدّين صَاحب الْهِدَايَة الْأَخْذ بتشهد ابْن مَسْعُود أولى لِأَن فِيهِ الْأَمر وَأقله الِاسْتِحْبَاب وَالْألف وَاللَّام وهما للاستغراق وَزِيَادَة الْوَاو لتجديد الْكَلَام كَمَا فِي الْقسم وتأكيد التَّعْلِيم وَمِمَّا رُوِيَ فِي إِنْكَار الزِّيَادَة مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث الْعَلَاء بن الْمسيب عَن أَبِيه قَالَ كَانَ ابْن مَسْعُود يعلم رجلا التَّشَهُّد فَقَالَ عبد الله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ الرجل وَحده لَا شريك لَهُ فَقَالَ عبد الله هُوَ كَذَلِك وَلَكِن يَنْتَهِي إِلَى مَا علمنَا وَفِي رِوَايَة الْبَزَّار فَقَالَ عبد الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَقَالَ الرجل وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ عبد الله مرَارًا كل ذَلِك يَقُول وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَالرجل يَقُول وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَقَالَ عبد الله كَذَا علمنَا وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه حَدثنَا وَكِيع عَن إِسْحَاق بن يحيى عَن الْمسيب بن رَافع سمع ابْن مَسْعُود رجلا يَقُول فِي التَّشَهُّد بِسم الله فَقَالَ إِنَّمَا يُقَال هَذَا على الطَّعَام (الْوَجْه الثَّالِث) فِي التَّشَهُّد هَل هُوَ وَاجِب أم سنة فَقَالَ الشَّافِعِي وَطَائِفَة التَّشَهُّد الأول سنة وَالْآخر وَاجِب وَقَالَ جُمْهُور الْمُحدثين هما واجبان وَقَالَ أَحْمد الأول وَاجِب وَالثَّانِي فرض وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب من لم ير التَّشَهُّد الأول وَاجِبا. (الْوَجْه الرَّابِع) فِي أَن السّنة فِي التَّشَهُّد الْإخْفَاء لما روى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن مَسْعُود من السّنة أَن يخفي التَّشَهُّد وَقَالَ حسن غَرِيب وَعند الْحَاكِم عَن عبد الله من السّنة أَن يخفي التَّشَهُّد وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَأخرج ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن عَائِشَة قَالَت نزلت هَذِه الْآيَة فِي التَّشَهُّد ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم - ١٤٩ - (بابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء قبل أَن يسلم الْمُصَلِّي، يَعْنِي: التَّشَهُّد قبل السَّلَام. ٨٣٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرنَا عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ زوْجِ النَّبيِّ ﷺ أخْبَرْتُهُ أنَّ رسولَ الله كانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ

стр. 1676

بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ وأعُوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيَا وَفِتْنَةِ المَمَاتِ اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ والمَغْرَمِ فقالَ لَهُ قائِلٌ مَا أكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ فَقَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرَمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ ووعَدَ فأخْلَفَ. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُف سَمِعْتُ خَلَفَ بنَ عَامِرٍ يَقُولُ فِي المَسِيحِ وَالمَسِيحِ مُشَدَّدٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَهُمَا واحِدٌ أحَدُهُمَا عِيسَى ﵇ والآخَرُ الدَّجَّالُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: بِالْقَرِينَةِ، وَهِي الَّتِي ذكرهَا الْكرْمَانِي من حَيْثُ إِن لكل مقَام ذكرا مَخْصُوصًا، فَتعين أَن يكون مقَامه بعد الْفَرَاغ من الْكل، وَهُوَ آخر الصَّلَاة. قلت: بَيَان ذَلِك أَن للصَّلَاة قيَاما وركوعا وسجودا وقعودا، فالقيام مَحل قِرَاءَة الْقُرْآن وَالرُّكُوع، وَالسُّجُود لَهما دعاءان مخصوصان، وَالْقعُود مَحل التَّشَهُّد، فَلم يبْق للدُّعَاء مَحل إلاّ بعد التَّشَهُّد قبل السَّلَام، وَبِهَذَا التَّقْرِير ينْدَفع قَول بَعضهم عقيب نَقله كَلَام الْكرْمَانِي: وَفِيه نظر، لِأَن هَذَا هُوَ مَحل التَّرْتِيب للْبُخَارِيّ، لكنه مطَالب بِدَلِيل اخْتِصَاص هَذَا الْمحل بِهَذَا الذّكر، وَلَو أمعن هَذَا الْقَائِل فِي تَأمل مَا ذكرنَا لما طلب الْكرْمَانِي بِمَا ذكره. وَالْوَجْه الآخر: أَن الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. وَقد رُوِيَ فِي بعض الطّرق تعْيين مَحل الدُّعَاء، فَأخْرج ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق ابْن جريج: أَخْبرنِي عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه أَنه: كَانَ يَقُول بعد التَّشَهُّد كَلِمَات يعظمهن جدا، قلت: فِي الْمثنى كليهمَا؟ قَالَا: بل فِي التَّشَهُّد الْأَخير: قلت: مَا هِيَ؟ قَالَ: أعوذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر. .) الحَدِيث. قَالَ ابْن جريج: أخبرنيه عَن أَبِيه عَن عَائِشَة مَرْفُوعا. وَرُوِيَ من طَرِيق مُحَمَّد ابْن أبي عَائِشَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: (إِذا تشهد أحدكُم فَلْيقل. .) فَذكر نَحوه، هَذِه رِوَايَة وَكِيع عَن الْأَوْزَاعِيّ عَنهُ، وَأخرجه أَيْضا من رِوَايَة الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ بِلَفْظ: (إِذا فرغ أحدكُم من التَّشَهُّد الْأَخير. .) فَذكره، وَفِي رواي ابْن مَاجَه: (إِذا فرغ أحدكُم من التَّشَهُّد الْأَخير فليتعوذ من أَربع. .) الحَدِيث. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين، وبالإفراد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: التَّصْرِيح بِأَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، زوج النَّبِي، ﷺ . وَفِيه: أَن الْإِثْنَيْنِ الْأَوَّلين من الروَاة حمصيان والآخران مدنيان. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي الْيَمَان فِي الاستقراض. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر عَن إِسْحَاق الصَّاغَانِي عَن أبي الْيَمَان بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن بَقِيَّة عَن شُعَيْب بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاة) أَي: فِي آخر الصَّلَاة بعد التَّشَهُّد قبل السَّلَام، بالقرائن الَّتِي ذَكرنَاهَا. قَوْله: (من فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال) الْفِتْنَة عبارَة عَن الِابْتِلَاء والامتحان، يُقَال: فتنته أفتنته فتنا وفتونا: إِذا امتحنته. وَيُقَال فِيهَا: افتنه أَيْضا، وَهُوَ قَلِيل. وَقد كثر اسْتِعْمَالهَا فِيمَا أخرجه الاختبار للمكروه، ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل بِمَعْنى الْإِثْم وَالْكفْر والقتال والإحراق والإزالة وَالصرْف عَن الشَّيْء والمسيح، بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين الْمُهْملَة المخففة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: يُطلق على عِيسَى ابْن مَرْيَم، وعَلى الدَّجَّال أَيْضا، وَلكنه يفرق بالتقييد، وَسمي الدَّجَّال بالمسيح لِأَن الْخَيْر مسح مِنْهُ، فَهُوَ مسيح الضَّلَالَة. وَقيل: سمي بِهِ لِأَن عينه الْمُوَحدَة ممسوحة، وَيُقَال: رجل مَمْسُوح الْوَجْه ومسيح، وَهُوَ أَن لَا يبْقى على أحد شقي وَجهه عين وَلَا حَاجِب إِلَّا اسْتَوَى. وَقيل: لِأَنَّهُ يمسح الأَرْض، أَي: يقطعهَا إِذا خرج. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: إِنَّه مسيح على وزن: سكيت، وَهُوَ الَّذِي مسح خلقه أَي شوه، فَكَأَنَّهُ هرب من الالتباس بالمسيح بن مَرْيَم، ﵉، وَلَا التباس، لِأَن عِيسَى، ﵊ إِنَّمَا سمي مسيحا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يمسح بِيَدِهِ الْمُبَارَكَة ذَا عاهة إلاّ برىء. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ أَمسَح

стр. 1677

الرجل لَا أَخْمص لَهُ. وَقيل: لِأَنَّهُ خرج من بطن أمه ممسوحا بدهن. وَقيل: الْمَسِيح الصّديق، وَقيل: هُوَ بالعبرانية مشيحا، فعرب. وَأما تَسْمِيَة الدَّجَّال بِهَذَا اللَّفْظ فَلِأَنَّهُ، خداع ملبس من الدجل، وَهُوَ الْخَلْط، وَيُقَال الطلي والتغطية، وَمِنْه الْبَعِير المدجل أَي: المدهون بالقطران، ودجلة نهر بِبَغْدَاد سميت بذلك لِأَنَّهَا تغطي الأَرْض بِمَائِهَا، وَهَذَا الْمَعْنى أَيْضا فِي الدَّجَّال لِأَنَّهُ يُغطي الأَرْض بِكَثْرَة أَتْبَاعه، أَو يُغطي الْحق بباطله. وَقيل: لِأَنَّهُ مطموس الْعين من قَوْلهم: دجل الْأَثر إِذا عفى ودرس، وَقيل: من دجل أَي: كذب، والدجال: الْكذَّاب. قَوْله: (من فتْنَة الْمحيا وفتنة الْمَمَات) ، والمحيا وَالْمَمَات كِلَاهُمَا مصدران ميميان بِمَعْنى: الْحَيَاة وَالْمَوْت، وَيحْتَمل زمَان ذَلِك، لِأَن مَا كَانَ مُعْتَلًّا من الثلاثي فقد يَأْتِي مِنْهُ الْمصدر وَالزَّمَان وَالْمَكَان بِلَفْظ وَاحِد. أما فتْنَة الْحَيَاة فَهِيَ الَّتِي تعرض للْإنْسَان مُدَّة حَيَاته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأشدها وَأَعْظَمهَا، وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى، أَمر الخاتمة عِنْد الْمَوْت، وَأما فتْنَة الْمَوْت فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقيل: فتْنَة الْقَبْر، وَقيل: يحْتَمل أَن يُرَاد بالفتنة عِنْد الاحتضار أضيفت إِلَى الْمَوْت لقربها مِنْهُ. فَإِن قلت: إِذا كَانَ المُرَاد من قَوْله: (وفتنة الْمَمَات) فتْنَة الْقَبْر، يكون هَذَا مكررا، لِأَن قَوْله: (من عَذَاب الْقَبْر) يدل على هَذَا؟ قلت: لَا تكْرَار، لِأَن الْعَذَاب يزِيد على الْفِتْنَة، والفتنة سَبَب لَهُ، وَالسَّبَب غير الْمُسَبّب. قَوْله: (من المأثم) أَي: الْإِثْم الَّذِي يجر إِلَى الذَّم والعقوبة، أَو المُرَاد هُوَ الْإِثْم نَفسه، وضعا للمصدر مَوضِع الإسم. قَوْله: (والمغرم) أَي: الدّين، يُقَال: غرم الرجل، بِالْكَسْرِ إِذا أدان. وَقيل: الْغرم والمغرم، مَا يَنُوب الْإِنْسَان فِي مَاله من ضَرَر بِغَيْر جِنَايَة مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا يلْزمه أَدَاؤُهُ، وَمِنْه الغرامة، والغريم: الَّذِي عَلَيْهِ الدّين، وَالْأَصْل فِيهِ: الغرام، وَهُوَ الشَّرّ الدَّائِم وَالْعَذَاب. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ قَائِل) أَي: قَالَ للنَّبِي، ﷺ ، قَائِل سَائِلًا عَن وَجه الْحِكْمَة فِي كَثْرَة استعاذته من المغرم، فَقَالَ، ﷺ : إِن الرجل إِذا عزم يَعْنِي إِذا لحقه دين حدث فكذب بِأَن يحْتَج بِشَيْء فِي وَفَاء مَا عَلَيْهِ، وَلم يقم بِهِ، فَيصير كَاذِبًا، ووعد فأخلف بِأَن قَالَ لصَاحب الدّين: أوفيك دينك فِي يَوْم كَذَا، أَو فِي شهر كَذَا، أَو فِي وَقت كَذَا، وَلم يوف فِيهِ، فَيصير مُخَالفا لوعده، وَالْكذب وَخلف الْوَعْد من صِفَات الْمُنَافِقين، كَمَا ورد فِي الحَدِيث الْمَشْهُور، فلولا هَذَا الدّين عَلَيْهِ لما ارْتكب هَذَا الْإِثْم الْعَظِيم، وَلما اتّصف بِصِفَات الْمُنَافِقين. وَكلمَة: مَا، فِي قَوْله: (مَا أَكثر مَا تستعيذ) للتعجب، و: مَا، الثَّانِيَة مَصْدَرِيَّة يَعْنِي: مَا أَكثر استعاذتك من المغرم، و: مَا تستعيذ، فِي مَحل النصب. قَوْله: (حدث) ، بِالتَّشْدِيدِ: جَزَاء الشَّرْط. قَوْله: (وَكذب) . بِالتَّخْفِيفِ عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (ووعد) عطف على: حدث. قَوْله: (أخلف) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فأخلف) ، بِالْفَاءِ. فَإِن قلت: قَوْله: (فتْنَة الْمحيا وَالْمَمَات) يَشْمَل جَمِيع مَا ذكر، فلأي شَيْء خصصت هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بِالذكر؟ قلت: لعظم شَأْنهَا وَكَثْرَة شَرها، وَلَا شكّ أَن تَخْصِيص بعض مَا يَشْمَلهُ الْعَام من بَاب الاعتناء بأَمْره لشدَّة حكمه، وَفِيه أَيْضا عطف الْعَام على الْخَاص، وَذَلِكَ لفخامة أَمر الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَعظم شَأْنه، وَفِيه اللف والنشر الْغَيْر الْمُرَتّب، لِأَن عَذَاب الْقَبْر دَاخل تَحت فتْنَة الْمَمَات، وفتنة الدَّجَّال تَحت فتْنَة الْمحيا. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة تعوذه ﷺ من هَذِه الْأُمُور الَّتِي قد عصم مِنْهَا؟ قلت: إِنَّمَا ذَلِك ليلتزم خوف الله تَعَالَى، ولتقتدي بِهِ الْأمة، وليبين لَهُم صفة الدُّعَاء. فَإِن قلت: سلمنَا ذَلِك، وَلَكِن مَا فَائِدَة تعوذه من فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال، مَعَ علمه بِأَنَّهُ مُتَأَخّر عَن ذَلِك الزَّمَان بِكَثِير؟ قلت: فَائِدَته أَن ينتشر خَبره بَين الْأمة من جيل إِلَى جيل، وَجَمَاعَة إِلَى جمَاعَة، بِأَنَّهُ كَذَّاب مُبْطل مفتر ساعٍ على وَجه الأَرْض بِالْفَسَادِ، مموه سَاحر، حَتَّى لَا يلتبس على الْمُؤمنِينَ أمره عِنْد خُرُوجه، عَلَيْهِ اللَّعْنَة، ويتحققوا أمره ويعرفوا أَن جَمِيع دعاويه بَاطِلَة، كَمَا أخبر بِهِ رَسُول الله ﷺ . وَيجوز أَن يكون هَذَا تَعْلِيما مِنْهُ لأمته أَو تعوذا مِنْهُ لَهُم. فَإِن قلت: يُعَارض التَّعَوُّذ بِاللَّه عَن المغرم مَا رَوَاهُ جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عبد الله بن جَعْفَر، يرفعهُ: (إِن الله تَعَالَى مَعَ الدَّائِن حَتَّى يقْضِي دينه مَا لم يكن فِيمَا يكرههُ الله تَعَالَى) ، وَكَانَ ابْن جَعْفَر يَقُول لِخَادِمِهِ: إذهب فَخذ لي بدين، فَإِنِّي أكره أَن أَبيت اللَّيْلَة، إلاّ وَالله معي. قَالَ الطَّبَرَانِيّ: وكلا الْحَدِيثين صَحِيح. قلت: المغرم الَّذِي استعاذ مِنْهُ إِمَّا أَن يكون فِي مُبَاح، وَلَكِن لَا وَجه عِنْده لقضائه، فَهُوَ متعرض لهلاك مَال أَخِيه، أَو يستدين وَله إِلَى الْقَضَاء سَبِيل غير أَنه يرى ترك الْقَضَاء، وَهَذَا لَا يَصح إلاّ أذا نزل كَلَامه ﷺ على التَّعْلِيم، لأمته، أَو يستدين من غير حَاجَة طَمَعا فِي مَال أَخِيه وَنَحْو ذَلِك، وَحَدِيث جَعْفَر فِيمَن يستدين لاحتياجه، احتياجا شَرْعِيًّا وَنِيَّته الْقَضَاء، وَإِن لم يكن لَهُ سَبِيل إِلَى الْقَضَاء

стр. 1678

فِي ذَلِك الْوَقْت، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَنِيَّة الْمُؤمن خير من عمله. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف) هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف إِبْنِ مطرف الْفربرِي، أحد الروَاة عَن البُخَارِيّ، يحْكى البُخَارِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: سَمِعت خلف بن عَامر، يَعْنِي الْهَمدَانِي، أحد الْحفاظ أَنه لم يفرق بَين الْمَسِيح بِالتَّخْفِيفِ والمسيح بِالتَّشْدِيدِ، وَذكرنَا عَن أبي الْهَيْثَم أَنه فرق بَينهمَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر ردا على الْمُعْتَزلَة وَمن أنكرهُ من غَيرهم. وَفِيه: إِثْبَات وجود الدَّجَّال وَإِثْبَات خُرُوجه. وَفِيه: الِاسْتِعَاذَة من الْفِتَن والشرور، وَالسُّؤَال من الله تَعَالَى دَفعهَا عَنهُ. وَفِيه: بشاعة الدّين وشدته وتأديته الدَّائِن إِلَى ارْتِكَاب الْكَذِب وَالْخلف فِي الْوَعْد اللَّذين هما من صِفَات الْمُنَافِقين. وَفِيه: وجوب الِاسْتِعَاذَة من الدّين لِأَنَّهُ يشين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَعَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (الدّين راية الله فِي الأَرْض، فَإِذا أَرَادَ الله أَن يذل عبدا وَضعه فِي عُنُقه) . رَوَاهُ الْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم. ٨٣٣ - حدَّثنا وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. . هَذَا عطف على قَوْله: (شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ) ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الزُّهْرِيّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور مطولا ومختصرا، فالمطول هُوَ الَّذِي سبق قبله الَّذِي استعاذ ﷺ بِاللَّه فِيهِ من الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة، وَهَهُنَا اقْتصر على الِاسْتِعَاذَة من فتْنَة الدَّجَّال، وَهَهُنَا زِيَادَة ذكر السماع عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن النَّبِي ﷺ . ثمَّ إعلم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيمَا يَدْعُو بِهِ الْإِنْسَان فِي صلَاته. فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأحمد: لَا يجوز الدُّعَاء إلاّ بالأدعية المأثورة أَو الْمُوَافقَة لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم، لقَوْله ﷺ : (إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن) . رَوَاهُ مُسلم، وَذكره ابْن أبي شيبَة عَن أبي هُرَيْرَة وطاووس وَمُحَمّد بن سِيرِين. وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: يجوز أَن يَدْعُو فِيهَا بِكُل مَا يجوز الدُّعَاء بِهِ فِي خَارج الصَّلَاة من أُمُور الدُّنْيَا وَالدّين، مِمَّا يشبه كَلَام النَّاس، وَلَا تبطل صلَاته بِشَيْء من ذَلِك عِنْدهمَا. وَقَالَ ابْن حزم بفرضية التَّعَوُّذ الَّذِي فِي حَدِيث عَائِشَة، لما ذكر مُسلم عَن طَاوُوس أَنه أَمر ابْنه بِإِعَادَة صلَاته الَّتِي لم يدع بهَا فِيهَا. ٨٣٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعِيدٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عَن أبي الخَيْرِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَعَن أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ عَلِّمْنِي دُعَاءً أدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْما كَثِيرا ولَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَاّ أنْتَ فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق. وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَأَبُو الْخَيْر: مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي الْمصْرِيّ، ومرثد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، ويزن، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالزَّاي وَفِي آخِره نون: بطن من حمير، وَتقدم ذكره فِي: بَاب إطْعَام الطَّعَام من الْإِسْلَام. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رجال إِسْنَاده كلهم سوى طَرفَيْهِ مصريون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ: فالتابعيان هما: يزِيد بن أبي حبيب وَأَبُو الْخَيْر. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ: وَهُوَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عبد الله بن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن مُحَمَّد بن رمح وقتيبة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي

стр. 1679

الْقُنُوت عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدُّعَاء عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ، وَرَوَاهُ غير وَاحِد فَجعله من مُسْند عبد الله بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ مِنْهُم: عَمْرو بن الْحَارِث، خَالف اللَّيْث فَجعله من مُسْند عبد الله بن عَمْرو، وَلَفظه: (عَن أبي الْخَيْر أَنه سمع عبد الله ابْن عَمْرو يَقُول: إِن أَبَا بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ النَّبِي ﷺ هَكَذَا رَوَاهُ ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث. وَأما مُقْتَضى رِوَايَة اللَّيْث بن سعيد عَن يزِيد ابْن أبي حبيب عَن أبي الْخَيْر عَن عبد الله بن عَمْرو عَن أبي بكر إِلَى آخِره: أَن الحَدِيث من مُسْند أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأوضح من ذَلِك رِوَايَة أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ عَن اللَّيْث، فَإِن لَفظه: عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله ... أخرجه الْبَزَّار من طَرِيقه، وَلَا يقْدَح هَذَا الِاخْتِلَاف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث. وَقد أخرج البُخَارِيّ طَرِيق عَمْرو معلقَة فِي الدَّعْوَات، وموصولة فِي التَّوْحِيد عَن يحيى بن سلمَان عَن عَمْرو، وَكَذَا أخرج مُسلم الطَّرِيقَيْنِ طَرِيق اللَّيْث وَطَرِيق ابْن وهب، وَزَاد مَعَ عَمْرو بن الْحَارِث رجلا مُبْهما، وَبَين ابْن خُزَيْمَة فِي رِوَايَته أَنه: عبد الله بن لَهِيعَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ادعو بِهِ) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (دَعَاهُ) الَّذِي هُوَ مَنْصُوب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله: (عَلمنِي) . قَوْله: (فِي صَلَاتي) ، ظَاهره وَعُمُوم جَمِيع الصَّلَاة، وَلَكِن المُرَاد فِي حَالَة الْقعُود بعد التَّشَهُّد قبل الْإِسْلَام، كَمَا حققنا هَكَذَا فِيمَا مضى، وَقد قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: لَعَلَّه يتَرَجَّح كَونه فِيمَا بعد التَّشَهُّد لظُهُور الْعِنَايَة بتعليم دُعَاء مَخْصُوص فِي هَذَا الْمحل، ونازعه بَعضهم فَقَالَ: الأولى الْجمع بَينهمَا فِي المحلين الْمَذْكُورين أَي: السُّجُود وَالتَّشَهُّد. قلت: لَا دَلِيل لَهُ على دَعْوَى الْأَوْلَوِيَّة: بل الدَّلِيل الصَّرِيح قَامَ على أَن مَحَله فِي الجلسة، وَقد مضى بَيَانه فِي أول الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (ظلمت نَفسِي) يَعْنِي بإتيان مَا يُوجب الْعقُوبَة. قَوْله: (ظلما كثيرا) بالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مُسلم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَيَنْبَغِي إِن يَقُول: ظلما كَبِيرا كثيرا. قَوْله: (وَلَا يغْفر الذُّنُوب إلاّ أَنْت) جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله: (ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا) وَبَين قَوْله: (فَاغْفِر لي مغْفرَة) . وَفَائِدَة هَذِه الْجُمْلَة الْإِشَارَة إِلَى الْإِقْرَار بِأَن الله هُوَ الَّذِي يغْفر الذُّنُوب، وَلَيْسَ ذَلِك لغيره. وَفِي الْحَقِيقَة: هُوَ إِقْرَار أَيْضا بالوحدانية، لِأَن مَن صفته غفران الذُّنُوب هُوَ الْمَوْصُوف بالوحدانية، والتنوين فِي قَوْله: (مغْفرَة) يدل على أَنه غفران لَا يكتنه كنهه. قَوْله: (من عنْدك) إِشَارَة إِلَى مزِيد ذَلِك التَّعْظِيم، لِأَن مَا يكون من عِنْده لَا يُحِيط بِهِ وصف الواصفين. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هُوَ طلب مغْفرَة متفضل بهَا لَا يقتضيها سَبَب من جِهَة العَبْد من عمل صَالح وَغَيره، وَحَاصِله: هَب لي الْمَغْفِرَة وَإِن لم أكن أَهلا لَهَا بعملي، وكمل الْكَلَام وختمه بقوله: (وارحمني إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم) . وَفِي هَاتين الصفتين مُقَابلَة حَسَنَة لِأَن قَوْله: (الغفور) مُقَابل لقَوْله: (اغْفِر لي) وَقَوله: (الرَّحِيم) مُقَابل لقَوْله: (ارْحَمْنِي) ، وَلنَا أَن نقُول: فِيهِ لف وَنشر مُرَتّب. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: طلب التَّعْلِيم من الْعَالم فِي كل مَا فِيهِ خير، خُصُوصا الدَّعْوَات الَّتِي فِيهَا جَوَامِع الْكَلم. وَفِيه: الِاعْتِرَاف بالتقصير وَنسبَة الظُّلم إِلَى نَفسه. وَفِيه: الِاعْتِرَاف بِأَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ المتفضل الْمُعْطِي من عِنْده رَحْمَة على عباده من غير مُقَابلَة عمل حسن. وَفِيه: اسْتِحْبَاب قِرَاءَة الْأَدْعِيَة فِي آخر الصَّلَاة من الدَّعْوَات المأثورة أَو المشابهة لألفاظ الْقُرْآن. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت الشَّافِعِيَّة: يجوز الدُّعَاء فِي الصَّلَاة بِمَا شَاءَ من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَا لم يكن إِثْمًا قَالَ ابْن عمر: لأدعو فِي صَلَاتي حَتَّى بشعير حماري وملح بَيْتِي. انْتهى. وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَنه لَا يَدْعُو إلاّ بالأدعية المأثورة، أَو بِمَا يشبه أَلْفَاظ الْقُرْآن، لقَوْله ﷺ : (إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن) ، وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم. ١٥٠ - (بابُ مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ولَيْسَ بِوَاجِبٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يتَخَيَّر الْمُصَلِّي من الدُّعَاء بعد فَرَاغه من التَّشَهُّد، يَعْنِي: قِرَاءَة التَّحِيَّات، وَالْحَال أَنه لَيْسَ بِوَاجِب. أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن حَدِيث الْبَاب الَّذِي فِيهِ الْأَمر وَهُوَ قَوْله: (ثمَّ ليتخير من الدُّعَاء أعجبه إِلَيْهِ) لَيْسَ للْوُجُوب

стр. 1680

وَإِنَّمَا هُوَ للاستحباب. فَإِن قلت: الْمَأْمُور بِهِ هُوَ التخير، وَهُوَ لَا يُنَافِي وجوب أصل الدُّعَاء؟ قلت: من الدَّلِيل فِي عدم وجوب أصل الدُّعَاء حَدِيث مسيء الصَّلَاة، لِأَنَّهُ لم ينْقل عَنهُ ﷺ أَنه أمره بذلك. ١٥١ - (بابُ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وأنْفَهُ حَتَّى صَلَّى) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: من لم يمسح. . إِلَى آخِره، يَعْنِي: لم يمسح جَبهته وَأَنْفه من المَاء والطين اللَّذين أصابا جَبهته وَأَنْفه، وَهُوَ فِي الصَّلَاة حَتَّى صلى صلَاته، وَلَكِن هَذَا مَحْمُول على أَن ذَلِك كَانَ قَلِيلا لَا يمْنَع التَّمَكُّن من السُّجُود، فَإِذا لم يمْنَع السُّجُود يسْتَحبّ أَن يتْركهُ إِلَى أَن يفرغ من صلَاته، لِأَن ذَلِك من بَاب التَّوَاضُع لله تَعَالَى، وَحَدِيث الْبَاب يشْهد بذلك. قَالَ أبُو عَبْدِ الله رَأيْتُ الحمَيْدِيَّ يَحْتَجُّ بهَذَا الحَدِيثِ أنْ لَا يَمْسَحَ الجَبْهَةَ فِي الصَّلاةِ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، والْحميدِي، بِضَم الْحَاء: شَيْخه، وَهُوَ: عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبد الله الزبير بن عبيد الله بن حميد الْحميدِي الْقرشِي الْمَكِّيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي أول كِتَابه: الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَفِي غير مَوضِع. قَوْله: (بِهَذَا الحَدِيث) أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث الْبَاب، وَكَأن البُخَارِيّ أَرَادَ بإيراده مَا نَقله عَن الْحميدِي أَنه يرى فِي ذَلِك مَا رَآهُ الْحميدِي، وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة من الْعلمَاء. ٨٣٦ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيى عنْ أبِي سلَمَةَ قَالَ سألْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَقَالَ رأيْتُ رَسولَ الله ﷺ يَسْجُدُ فِي الماءِ والطِّينِ حَتَّى رَأيْتُ أثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث دلّ على أَنه ﷺ سجد فِي المَاء والطين وَلم يمسحهما حَتَّى رأى أَبُو سعيد

стр. 1681

أثر الطين فِي جَبهته، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث مُسْتَوفى بِجَمِيعِ تعلقاته فِي: بَاب السُّجُود على الْأنف فِي الطين، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير. ١٥٢ - (بابُ التَّسْلِيمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة، وَإِنَّمَا لم يشر إِلَى حكمه: هَل هُوَ وَاجِب أم سنة؟ لوُقُوع الِاخْتِلَاف فِيهِ، لتعارض الْأَدِلَّة. وَقَالَ بَعضهم: وَيُمكن إِن يُؤْخَذ الْوُجُوب من حَدِيث الْبَاب حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: كَانَ إِذا سلم، لِأَنَّهُ يشْعر بتحقيق مواظبته على ذَلِك. قلت: قَامَ الدَّلِيل على أَن التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة غير وَاجِب، وَأَن تَركه غير مفْسدَة للصَّلَاة، وَهُوَ (أَن رَسُول الله ﷺ صلى الظّهْر خمْسا، فَلَمَّا سلم أخبر بصنيعه، فَثنى رجله فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ) ، رَوَاهُ عبد الله بن مَسْعُود، وَأخرجه الْجَمَاعَة بطرق مُتعَدِّدَة، وألفاظ مُخْتَلفَة. قَالَ الطَّحَاوِيّ، ﵀: فَفِي هَذَا الحَدِيث أَنه أَدخل فِي الصَّلَاة رَكْعَة من غَيرهَا قبل التَّسْلِيم، وَلم ير ذَلِك مُفْسِدا للصَّلَاة، فَدلَّ ذَلِك أَن السَّلَام لَيْسَ من صلبها، وَلَو كَانَ وَاجِبا كوجوب السَّجْدَة فِي الصَّلَاة لَكَانَ حكمه أَيْضا كَذَلِك، وَلكنه بِخِلَافِهِ، فَهُوَ سنة. انْتهى. قلت: اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم: إِذا انْصَرف الْمُصَلِّي من صلَاته بِغَيْر لفظ التَّسْلِيم فَصلَاته بَاطِلَة، حَتَّى قَالَ النَّوَوِيّ: وَلَو اخْتَلَّ بِحرف من حُرُوف: السَّلَام عَلَيْكُم، لم تصح صلَاته، وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بقوله، ﷺ : (تحليلها التَّسْلِيم) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن ابْن عقيل عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور، وتحريمها التَّكْبِير، وتحليلها التَّسْلِيم) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث أصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وَأحسن. قلت: اخْتلفُوا فِي صِحَّته بِسَبَب ابْن عقيل، وَهُوَ: عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، فَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: هُوَ من الطَّبَقَة الرَّابِعَة من أهل الْمَدِينَة وَكَانَ مُنكر الحَدِيث لَا يحتجون بحَديثه، وَكَانَ كثير الْعلم، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ، عَن بشر بن عمر الزهْرَانِي: كَانَ مَالك لَا يروي عَنهُ، وَكَانَ يحيى بن سعيد لَا يروي عَنهُ، وَعَن يحيى بن معِين: لَيْسَ حَدِيثه بِحجَّة، وَعنهُ: ضَعِيف الحَدِيث، وَعنهُ. لَيْسَ بذلك. وَقَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ مدنِي جَائِز الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: صَدُوق، وَقد تكلم فِيهِ بعض أهل الْعلم من قبل حفظه، وعَلى تَقْدِير صِحَّته أجَاب الطَّحَاوِيّ عَنهُ بِمَا محصله أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (من رابه إِذا رفع رَأسه من آخر سَجْدَة فقد تمت صلَاته) ، فَدلَّ على أَن معنى الحَدِيث الْمَذْكُور لم يكن على أَن الصَّلَاة لَا تتمّ إلاّ بِالتَّسْلِيمِ، إِذا كَانَت تتمّ عِنْده بِمَا هُوَ قبل التَّسْلِيم، فَكَانَ معنى: تحليلها التَّسْلِيم، التَّحْلِيل الَّذِي يَنْبَغِي أَن تحل بِهِ لَا بِغَيْرِهِ، وَجَوَاب آخر: إِن الحَدِيث الْمَذْكُور من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يثبت بِهِ الْفَرْض. فَإِن قلت: كَيفَ أثبت فَرضِيَّة التَّكْبِير بِهِ وَلم يثبت فَرضِيَّة التَّسْلِيم؟ قلت: أصل فَرضِيَّة التَّكْبِير فِي أول الصَّلَاة بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ (الْأَعْلَى: ١٥) . وَقَوله: ﴿وَرَبك فَكبر﴾ (المدثر: ٣) . غَايَة مَا فِي الْبَاب: يكون الحَدِيث بَيَانا لما يُرَاد بِهِ من النَّص، وَالْبَيَان بِهِ يَصح كَمَا فِي مسح الراس، وَذهب عَطاء ابْن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وَقَتَادَة وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ بِهَذَا إِلَى: أَن التَّسْلِيم لَيْسَ بِفَرْض حَتَّى لَو تَركه لَا تبطل صلَاته. ٨٣٧ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنِ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ أنَّ أُمَّ سلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كَانَ رسولُ الله ﷺ إذَا سلَّمَ قامَ النِّساءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ ومَكَثَ يَسِيرا قَبْلَ أنْ يَقُومَ قَالَ ابنُ شِهَابٍ فَأُرَي. وَالله أعْلَمُ أنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ ينْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سلم) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَإِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عَوْف، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَهِنْد بنت الْحَارِث، تقدّمت فِي: بَاب الْعلم والعظة

стр. 1682

بِاللَّيْلِ، وَأم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة، زوج النَّبِي ﷺ . ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ بَصرِي. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تابعية عَن صحابية. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي الْوَلِيد وَيحيى بن قزعة وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى وَمُحَمّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مسلمة عَن ابْن وهب، وَأخرجه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى يقْضِي تَسْلِيمه) ، ويروى: (حِين يقْضِي تَسْلِيمه) ، أَي: حِين يتم تَسْلِيمه ويفرغ مِنْهُ. قَوْله: (فَأرى) بِضَم الْهمزَة أَي: اظن أَن مكث رَسُول الله ﷺ كَانَ يَسِيرا لأجل نَفاذ النِّسَاء وذهابهن قبل تفرق الرِّجَال لِئَلَّا يدركهن بعض المتفرقين من الصَّلَاة. قَوْله: (وَالله أعلم) جملَة مُعْتَرضَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد وسبقهن بالانصراف، والاختلاط بِهن مَظَنَّة الْفساد، وَيمْكث الإِمَام فِي مُصَلَّاهُ وَالْحَالة هَذِه، فَإِن لم يكن هُنَاكَ نسَاء فالمستحب للْإِمَام أَن يقوم من مُصَلَّاهُ عقيب صلَاته، كَذَا قَالَه الشَّافِعِي فِي (الْمُخْتَصر) وَفِي (الْأَحْيَاء) للغزالي: إِن ذَلِك فعل النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَصَححهُ ابْن حبَان فِي غير (صَحِيحه) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: وعللوا قَول الشَّافِعِي بعلتين: إِحْدَاهمَا: لِئَلَّا يشك من خَلفه هَل سلم أم لَا. الثَّانِيَة: لِئَلَّا يدْخل غَرِيب فيظنه بعد فِي الصَّلَاة فيقتدى بِهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لَكِن ظَاهر حَدِيث الْبَراء بن عَازِب: (رمقت صَلَاة لنَبِيّ ﷺ فَوجدت قِيَامه فركعته فاعتداله بعد رُكُوعه فسجدته فجلسته بَين السَّجْدَتَيْنِ فسجدته فجلسته مَا بَين التَّسْلِيم والانصراف قَرِيبا من السوَاء) . رَوَاهُ مُسلم، يَعْنِي: أَنه لم يكن يثبت سَاعَة مَا يسلم، بل كَانَ يجلس بعد السَّلَام جلْسَة قريبَة من السُّجُود. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) : وللمأموم أَن ينْصَرف إِذا قضى الإِمَام السَّلَام قبل قيام الإِمَام، وَإِن أخر ذَلِك حَتَّى ينْصَرف بعد الإِمَام أَو مَعَه كَانَ ذَلِك أحب إِلَيّ. وَفِي (الذَّخِيرَة) : إِذا فرغ من صلَاته أَجمعُوا أَنه لَا يمْكث فِي مَكَانَهُ مُسْتَقْبل الْقبْلَة، وَجَمِيع الصَّلَوَات فِي ذَلِك سَوَاء، فَإِن لم يكن بعْدهَا تطوع إِن شَاءَ انحرف عَن يَمِينه أَو يسَاره وَإِن شَاءَ اسْتقْبل النَّاس بِوَجْهِهِ، لَا إِذا لم يكن أَمَامه من يُصَلِّي، وَإِن كَانَ بعد الصَّلَاة سنَن يقوم إِلَيْهَا، وَبِه نقُول. وَيكرهُ تَأْخِيرهَا عَن أَدَاء الْفَرِيضَة فيتقدم أَو يتَأَخَّر أَو ينحرف يَمِينا أَو شمالاً. وَعَن الْحلْوانِي من الْحَنَفِيَّة: جَوَاز تَأْخِير السّنَن بعد الْمَكْتُوبَة، وَالنَّص: أَن التَّأْخِير مَكْرُوه، وَيَدْعُو فِي الْفجْر وَالْعصر لِأَنَّهُ لَا صَلَاة بعدهمَا، فَيجْعَل الدُّعَاء بدل الصَّلَاة، وَيسْتَحب أَن يَدْعُو بعد السَّلَام، وَقَالَ فِي (التَّوْضِيح) أَيْضا إِذا أَرَادَ الإِمَام أَن ينْتَقل فِي الْمِحْرَاب وَيقبل على النَّاس للذّكر وَالدُّعَاء جَازَ أَن ينْتَقل كَيفَ شَاءَ، وَأما الْأَفْضَل فَأن يَجْعَل يَمِينه إِلَيْهِم ويساره إِلَى الْمِحْرَاب. وَقيل: عَكسه، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة. وَمن فَوَائِد الحَدِيث: وجوب غض الْبَصَر، وَمكث الإِمَام فِي مَوْضِعه. وَمكث الْقَوْم فِي أماكنهم. ١٥٣ - (بابٌ يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإمامُ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يسلم الْمَأْمُوم حِين يسلم الإِمَام، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لَا يتَأَخَّر الْمَأْمُوم فِي سَلَامه بعد الإِمَام متشاغلاً بِدُعَاء وَنَحْوه، دلّ عَلَيْهِ أثر ابْن عمر الْمَذْكُور هُنَا، وَفِي هَذَا عَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ، فِي رِوَايَة: يسلم مَعَ الإِمَام كالتكبير، وَفِي رِوَايَة: يسلم بعد سَلام إِمَامه. وَقَالَ الشَّافِعِي: الْمُصَلِّي الْمُقْتَدِي يسلم بعد فرَاغ الإِمَام من التسليمة الأولى، فَلَو سلم مُقَارنًا بسلامه إِن قُلْنَا: نِيَّة الْخُرُوج بِالسَّلَامِ شَرط، لَا يجْزِيه، كَمَا لَو كبر مَعَ الإِمَام لَا تَنْعَقِد لَهُ صَلَاة الْجَمَاعَة، فعلى هَذَا تبطل صلَاته. وَإِن قُلْنَا: إِن نِيَّة الْخُرُوج غير وَاجِبَة، فيجزيه كَمَا لَو ركع مَعَه، وَفِي نِيَّة الْخُرُوج عَن الصَّلَاة بِالسَّلَامِ وَجْهَان: أَحدهمَا: تجب، وَالثَّانِي لَا تجب، كَذَا فِي تتمتهم. وَذكر فِي (الْمَبْسُوط) : الْمُقْتَدِي يخرج من الصَّلَاة بِسَلام الإِمَام. وَقيل: هُوَ قَول مُحَمَّد. أما عِنْدهمَا يخرج بِسَلام نَفسه، وَتظهر ثَمَرَة الْخلاف فِي انْتِقَاض الْوضُوء بِسَلام الإِمَام قبل سَلام نَفسه بالقهقهة، فَعنده لَا ينْتَقض خلافًا لَهما. وَكَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَسْتَحِبُّ إذَا سَلَّمَ الإمامُ أنْ يُسلِّمَ منْ خَلْفَهُ

стр. 1683

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقيل: غير ظَاهِرَة، لِأَن الْمَفْهُوم من التَّرْجَمَة أَن يسلم الْمَأْمُوم مَعَ الإِمَام، لِأَن سَلَامه إِذا كَانَ حِين سَلام الإِمَام يكون مَعَه بِالضَّرُورَةِ، وَالْمَفْهُوم من الْأَثر أَن يسلم الْمَأْمُوم عقيب صَلَاة الإِمَام، لِأَن كلمة: إِذا، للشّرط، والمشروط يكون عَقِيبه. قلت: لَا نسلم أَن: إِذا، هَهُنَا للشّرط، بل هِيَ هَهُنَا على بَابهَا لمُجَرّد الظّرْف، على أَنه هُوَ الأَصْل، فَحِينَئِذٍ يحصل التطابق بَين التَّرْجَمَة والأثر. فَافْهَم. ٨٣٨ - حدَّثنا حبَّانُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيُّ عنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ عنْ عِتْبَانَ قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: حبَان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْمروزِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي. الثَّالِث: معمر بن رَاشد الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: مَحْمُود بن الرّبيع أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ، عقل مجة مجها رَسُول الله ﷺ ، فِي وَجهه من دنو فِي دَارهم وَهُوَ ابْن خمس سِنِين، وَهُوَ ختن عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: عتْبَان، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم ذكره فِي: بَاب، إِذا دخل بَيْتا يُصَلِّي. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: من رُوَاته أَولا مروزيان ثمَّ بَصرِي ثمَّ مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، يروي عَن الصَّحَابِيّ. وَقد ذكرنَا فِي: بَاب إِذا دخل بَيْتا يُصَلِّي، أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (صَحِيحه) فِي أَكثر من عشرَة مَوَاضِع ذَكرنَاهَا هُنَاكَ، وَذكرنَا أَيْضا من أخرجه غَيره. ١٥٤ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى الإمَامِ واكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم يرد السَّلَام على الإِمَام، يَعْنِي بِتَسْلِيمَة ثَالِثَة بَين التسليمتين، وَاكْتفى بِتَسْلِيم الصَّلَاة وَهُوَ التسليمتان، ويروى: من لم يردد السَّلَام، من الترديد، وَهُوَ تَكْرِير السَّلَام. وَالْحَاصِل من هَذِه التَّرْجَمَة أَن البُخَارِيّ يرد بذلك على من يسْتَحبّ تَسْلِيمَة ثَالِثَة على الإِمَام بَين التسليمتين، وهم طَائِفَة من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ ابْن التِّين: يُرِيد البُخَارِيّ أَن من كَانَ خلف الإِمَام إِنَّمَا يسلم وَاحِدَة يَنْوِي بهَا الْخُرُوج من الصَّلَاة، وَلم يرد على الإِمَام وَلَا على من فِي يسَاره. وَفِيه نظر. وَإِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ مَا ذَكرْنَاهُ، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ لَا يرد على الإِمَام. وَعَن النَّخعِيّ: إِن شَاءَ رد وَإِن شَاءَ لم يرد. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَمَالك يرى أَنه يرد، وَبِه قَالَ ابْن عمر فِي أحد قوليه، وَالشعْبِيّ وَسَالم وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء. وَقَالَ ابْن بطال: أَظن البُخَارِيّ أَنه قصد الرَّد على من أوجب التسليمة الثَّانِيَة. قلت: فِيهِ نظر، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَذهب عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك: إِلَى أَن التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة مرّة وَاحِدَة، ويحكى ذَلِك عَن ابْن عمر وَأنس وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث سعد ابْن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يسلم من الصَّلَاة بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة: السَّلَام عَلَيْكُم) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) وَأَبُو عمر بن عبد الْبر فِي (الاستذكار) ، وَذهب نَافِع بن عبد الْحَارِث وعلقمة وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر: إِلَى أَن التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة ثِنْتَانِ، مرّة عَن يمينة وَمرَّة عَن يسَاره، ويحكى ذَلِك عَن أبي بكر الصّديق، وَعلي ابْن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود وعمار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَأخرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث التسليمتين عَن ثَلَاثَة عشر من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وهم: سعد وَعلي وَابْن مَسْعُود وعمار بن يَاسر وَعبد الله بن عمر وَجَابِر بن سَمُرَة والبراء بن عَازِب وَوَائِل بن حجر وعدي بن عميرَة الْحَضْرَمِيّ وَأَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ وطلق بن عَليّ وَأَوْس ابْن أبي أَوْس وَأَبُو رمثة. قلت: وَفِي

стр. 1684

الْبَاب أَيْضا: عَن جَابر بن عبد الله وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَسَهل بن سعد وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان والمغيرة بن شُعْبَة وَوَائِلَة بن الْأَسْقَع وَعبد الله بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَهَؤُلَاءِ عشرُون صحابيا رووا عَن رَسُول الله ت أَن الْمُصَلِّي يسلم فِي آخر صلَاته تسليمتين: تَسْلِيمَة عَن يمينة ﷺ وتسليمة عَن يسَاره. وَأجَاب ابْن عمر عَن حَدِيث سعد ابْن أبي وَقاص: أَنه وهم، وَإِنَّمَا الحَدِيث كَمَا رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك بِسَنَدِهِ عَنهُ أَنه ﷺ : كَانَ يسلم عَن يَمِينه وَعَن يسَاره. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ مثله بِمَا محصله: أَن رِوَايَة التسليمة الْوَاحِدَة هِيَ رِوَايَة الدَّرَاورْدِي، وَأَن عبد الله بن الْمُبَارك وَغَيره خالفوه فِي ذَلِك، وَرووا عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : أَنه كَانَ يسلم تسليمتين. ثمَّ اخْتلفُوا فِي السَّلَام: هَل هُوَ وَاجِب أم سنة؟ فَعَن أبي حنيفَة أَنه وَاجِب، وَعنهُ أَنه سنة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ثمَّ إِصَابَة لفظ السَّلَام وَاجِبَة، عندنَا، وَلَيْسَت بِفَرْض، خلافًا للشَّافِعِيّ. وَفِي (الْمُغنِي) : لِابْنِ قدامَة: التَّسْلِيم وَاجِب لَا يقوم غَيره مقَامه، وَالْوَاجِب تَسْلِيمَة وَاحِدَة وَالثَّانيَِة سنة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء على أَن صَلَاة من اقْتصر على تَسْلِيمَة وَاحِدَة جَائِزَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ الْحسن بن حر: هما واجبتان، وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد. وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ الثَّوْريّ: لَو أخل بِحرف من حُرُوف: السَّلَام عَلَيْكُم، لم تصح صلَاته. وَفِي (الْمُغنِي) : السّنة أَن يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، وَإِن قَالَ: وَبَرَكَاته، أَيْضا فَحسن، وَالْأول أحسن. وَإِن قَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، وَلم يزدْ فَظَاهر كَلَام أَحْمد أَنه يجْزِيه، وَقَالَ ابْن عقيل: الْأَصَح أَنه لَا يجْزِيه وَإِن نكس السَّلَام فَقَالَ: وَعَلَيْكُم السَّلَام، وَلم يجزه. وَقَالَ القَاضِي: فِيهِ وَجه أَنه يجْزِيه، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقَالَ ابْن حزم: الأولى فرض، وَالثَّانيَِة سنة حَسَنَة لَا يَأْثَم تاركها. ٨٣٣٩ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي مَحْمُودُ بنُ الرَّبِيعِ وزَعَمَ أنَّهُ عَقَلَ رسولَ الله ﷺ وعَقَلَ مَجَّةً مجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كانَ فِي دَارِهِمْ. ٨٤٠ - قَالَ سَمِعْتُ عِتْبَانَ بنَ مالِكٍ الأنْصَارِيَّ ثُمَّ أحَدَ بَنِي سَالِمٍ قالَ كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سالِمٍ فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فَقُلْتُ إنِّي أنْكَرْتُ بَصَرِي وإنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي فَلَوَدِدْتُ أنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مكَانا حَتَّى أتَّخِذَهُ مَسْجِدا فَقَالَ أفْعَلُ إنْ شَاءَ الله فَغَدا علَيَّ رسولُ الله ﷺ وأبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهارُ فاسْتَأذَنَ النبيُّ ﷺ فَأذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ أيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّي مِنْ بَيْتِكَ فأشَارَ ألَيْهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي أحبَّ أنْ يُصَلِّيَ فيهِ فقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ سلم وَسلمنَا حِين سلم) ، وَذَلِكَ من حَيْثُ إِنَّه لَيْسَ فِيهِ الرَّد على الإِمَام، لِأَن الَّذِي يَقْتَضِي مَعْنَاهُ أَنه ﷺ سلم وَسلم الْقَوْم أَيْضا حِين سلم، فَيكون سلامهم بعد تَمام سَلَامه ﷺ ، أَو بعد تقدمه بِلَفْظ بعض السَّلَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وغرض البُخَارِيّ أَن يبين أَن السَّلَام لَا يلْزم أَن يكون بعد سَلام الإِمَام حَتَّى لَو سلم مَعَ الإِمَام لَا تبطل صلَاته، نعم، لَو تقدم عَلَيْهِ تبطل، إلاّ أَنه يَنْوِي الْمُفَارقَة. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه لَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا مُرَاده أَن الْمَأْمُوم لَا يرد على الإِمَام بِتَسْلِيمَة ثَالِثَة بَين التسليمتين، كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي قبله. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت، بأطول مِنْهُ: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب. . إِلَى آخِره، وَهَهُنَا: عَن عَبْدَانِ وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَزعم) ، المُرَاد من الزَّعْم هَهُنَا: القَوْل المخقق، فَإِنَّهُ قد يُطلق عَلَيْهِ وعَلى الْكَذِب وعَلى الْمَشْكُوك فِيهِ، وَينزل فِي كل مَوضِع على مَا يَلِيق بِهِ. قَوْله: (مجة مجها من دلو) . من: مج لعابه: إِذا قذفه، وَقيل: لَا يكون مجة حَتَّى يباعد بهَا، وانتصاب: مجة، على أَنَّهَا مفعول: عقل. وَقَوله: (مجها من دلو) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لمجة، وَكلمَة: (من) ، بَيَانِيَّة. قَوْله: (كَانَت) ، صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: من بِئْر كَانَت فِي دَارهم، والدلو دَلِيل عَلَيْهِ،

стр. 1685

قَالَه الْكرْمَانِي. وَقَالَ بَعضهم: الدَّلْو، يذكر وَيُؤَنث، فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير قلت: التَّقْدِير لَا بُد مِنْهُ لِأَن الدَّلْو لَا يكون فِيهِ مَاء إلاّ من بِئْر وَنَحْوه. قلت: كَانَت، بالتأنيث رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة، جَاءَت: كَانَ، بالتذكير، فعلى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير. قَوْله: (الْأنْصَارِيّ) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ صفة: عتْبَان، الْمَنْصُوب بقوله: (سَمِعت) . قَوْله: (ثمَّ أحد) بِالنّصب أَيْضا عطفا على الْأنْصَارِيّ، وَالتَّقْدِير: الْأنْصَارِيّ ثمَّ السالمي، لِأَنَّهُ من بني سَالم أَيْضا. قَالَ بَعضهم: هَذَا الَّذِي يكَاد من لَهُ أدنى ممارسة بِمَعْرِِفَة الرِّجَال أَن يقطع بِهِ، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون عطفا على عتْبَان، يَعْنِي سَمِعت عتْبَان ثمَّ سَمِعت أحد بني سَالم أَيْضا. قَالَ: وَالْمرَاد بِهِ فِيمَا يظْهر: الْحصين بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، فَكَأَن مَحْمُودًا سمع من عتْبَان وَمن الْحصين. قَالَ: وَهُوَ بِخِلَاف مَا تقدم فِي: بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت، أَن الزُّهْرِيّ هُوَ الَّذِي سمع مَحْمُودًا، وَالْحصين، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا لاحْتِمَال أَن الزُّهْرِيّ ومحمودا سمعا جَمِيعًا من الْحصين، وَلَو وَقع بِرَفْع أحد، بِأَن يكون عطفا على: مَحْمُود، لساغ وَوَافَقَ الرِّوَايَة الأولى، يَعْنِي: فَيصير التَّقْدِير: قَالَ الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي مَحْمُود بن الرّبيع ثمَّ أَخْبرنِي أحد بني سَالم، أَي: الْحصين. انْتهى. قَالَ: وَكَانَ الْحَامِل لَهُ على ذَلِك كُله قَول الزُّهْرِيّ فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة: ثمَّ سَأَلت الْحصين بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ أحد بني سَالم، هُنَاكَ. فَكَأَنَّهُ ظن أَن المُرَاد بقوله: أحد بني سَالم هُنَا، هُوَ المُرَاد بقوله: أحد بني سَالم هُنَاكَ، وَلَا حَاجَة لذَلِك، فَإِن عتْبَان من بني سَالم أَيْضا، وَهُوَ: عتْبَان بن مَالك بن عَمْرو بن العجلان بن زِيَاد بن غنم بن سَالم بن عَوْف، وعَلى الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره إِشْكَال آخر، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْحصين بن مُحَمَّد هُوَ صَاحب الْقِصَّة الْمَذْكُورَة، أَو أَنَّهَا تعدّدت لَهُ ولعتبان، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْحصين الْمَذْكُور لَا صُحْبَة لَهُ، وَقد ذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (الْجرْح وَالتَّعْدِيل) وَلم يذكر لَهُ شَيخا غير عتْبَان. انْتهى كَلَامه. قلت: هَذَا الْقَائِل ذكر أَولا شَيْئا، وَهُوَ حط على الْكرْمَانِي فِي الْبَاطِن، ثمَّ أظهره بعد ذَلِك بِمَا لَا يجديه من وُجُوه: الأول: أَنه غيَّر غَالب عبارَة الْكرْمَانِي فِي النَّقْل لتمشية كَلَامه، يتأمله من يقف عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَن الْكرْمَانِي مَا جزم بِمَا ذكره، بل إِنَّمَا قَالَ بِالِاحْتِمَالِ، وَبَاب الِاحْتِمَال مَفْتُوح،. الثَّالِث: أَن قَوْله: فَكَأَنَّهُ ظن. . إِلَى آخِره، لَا يتَوَجَّه الرَّد بِهِ، فَإِنَّهُ مَحل الظَّن ظَاهر، أَو الْعبارَة تُؤدِّي إِلَى ذَلِك ظَاهرا، ثمَّ تَوْجِيهه الرَّد بقوله: فَإِن عتْبَان من بني سَالم أَيْضا غير موجه، لِأَن كَون عتْبَان من بني سَالم لَا يُنَافِي كَون الْحصين من بني سَالم أَيْضا، وَلَا يمْنَع إِخْبَار الزُّهْرِيّ عَنهُ أَيْضا. الرَّابِع: أَن قَوْله يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْحصين بن مُحَمَّد هُوَ صَاحب الْقِصَّة الْمَذْكُورَة لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، لِأَن كَون الْحصين غير صَحَابِيّ لَا يَقْتَضِي الْمُلَازمَة الَّتِي ذكرهَا، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون الْحصين قد سمع الْقِصَّة الْمَذْكُورَة من صَحَابِيّ، والراوي طوى ذكره اكْتِفَاء بِذكر عتْبَان. الْخَامِس: أَن تأييد مَا أدعاه بِمَا ذكره عَن ابْن أبي حَاتِم غير سديد وَلَا مَحل لَهُ، لِأَن عدم ذكر ابْن أبي حَاتِم للحصين شَيخا غير عتْبَان لَا يسْتَلْزم أَن لَا يكون لَهُ شيخ آخر أَو أَكثر، وَهَذَا ظَاهر. قَوْله: (فَلَوَدِدْت) أَي: فوَاللَّه لَوَدِدْت. قَوْله: (اتَّخذهُ) ، قَالَ الْكرْمَانِي بِالرَّفْع وبالجزم، لِأَنَّهُ وَقع جَوَابا للمودة المفيدة لِلتَّمَنِّي. قَوْله: (اشْتَدَّ النَّهَار) أَي: ارْتَفَعت الشَّمْس. قَوْله: (فَأَشَارَ إِلَيْهِ) قَالَ الْكرْمَانِي: (فَأَشَارَ) أَي: النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ المحبوب أَن يُصَلِّي فِيهِ، وَيحْتَمل أَن تكون: من، للتَّبْعِيض، وَلَا يُنَافِي مَا تقدم أَيْضا ثمَّة أَنه قَالَ: فأشرت، لِإِمْكَان وُقُوع الإشارتين مِنْهُ وَمن النَّبِي ﷺ إِمَّا مَعًا وَإِمَّا مُتَقَدما ومتأخرا. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن فَاعل: أَشَارَ، هُوَ: عتْبَان، لَكِن فِيهِ الْتِفَات، إِذْ ظَاهر السِّيَاق أَن يَقُول: فأشرت ... إِلَى آخِره، وَبِهَذَا تتوافق الرِّوَايَتَانِ. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي أولى وَأَحْرَى، لِأَن فِيهِ إِظْهَار معْجزَة النَّبِي، ﷺ ، حَيْثُ أَشَارَ إِلَى الْمَكَان الَّذِي كَانَ فِي قلب عتْبَان أَن يُصَلِّي فِيهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ قبل أَن يُعينهُ عتْبَان. وَبَقِيَّة الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث ذَكرنَاهَا فِي: بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت. ١٥٥ - (بابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الذّكر عقيب الْفَرَاغ من الصَّلَاة. ٨٤١ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخْبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخْبَرَني عَمْرٌ وأنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخبَرَهُ أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ
следующие страницы →