← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الْمَرْأَة حسن التَّدْبِير فِي بَيت زَوجهَا والنصح لَهُ وَالْأَمَانَة فِي مَاله وَفِي نَفسهَا، ورعاية الْخَادِم لسَيِّده حفظ مَا فِي يَده من مَاله وَالْقِيَام بِمَا يسْتَحق من خدمته، وَالرجل لَيْسَ لَهُ بِإِمَام وَلَا لَهُ أهل وَلَا خَادِم يُرَاعِي أَصْحَابه وأصدقاءه بِحسن المعاشرة على مَنْهَج الصَّوَاب. فَإِن قيل: إِذا كَانَ كل من هَؤُلَاءِ راعياد فَمن المرعي؟ أُجِيب: هُوَ أَعْضَاء نَفسه وجوارحه وَقواهُ وحواسه، أَو الرَّاعِي يكون مرعيا بِاعْتِبَار أَمر آخر، ككون الشَّخْص مرعيا للْإِمَام رَاعيا لأَهله، أَو الْخطاب خَاص بأصحاب التَّصَرُّفَات وَمن تَحت نظره مَا عَلَيْهِ إصْلَاح حَاله. قَوْله: (قَالَ: وحسبت) فَاعل قَالَ يُونُس بن يزِيد الْمَذْكُور فِيهِ، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي جزما، وَالظَّاهِر أَن فَاعله: سَالم بن عبد الله الرَّاوِي، وَكلمَة: أَن مُخَفّفَة من المثقلة، وَالتَّقْدِير: وحسبت أَنه، أَي: أَن النَّبِي، ﷺ ، قد قَالَ: (وَالرجل رَاع فِي مَال أَبِيه. .) إِلَى آخِره، ثمَّ فِي هَذَا الْموضع من النُّكْتَة أَنه: عمم أَولا ثمَّ خصص ثَانِيًا، وَقسم الخصوصية إِلَى أَقسَام من جِهَة الرجل وَمن جِهَة الْمَرْأَة وَمن جِهَة الْخَادِم وَمن جِهَة النّسَب، ثمَّ عمم ثَانِيًا وَهُوَ قَوْله: (وكلكم رَاع. .) إِلَى آخِره تَأْكِيدًا، وردا للعجز إِلَى الصَّدْر بَيَانا لعُمُوم الحكم أَولا وآخرا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : إِيرَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث لأجل أَن أَيْلَة إِمَّا مَدِينَة أَو قَرْيَة، وَقد ترْجم لَهما. قلت: الْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور أَنَّهَا مَدِينَة كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَلَا وَجه للتردد فِيهَا، وَقد ذكر البُخَارِيّ الْبَاب بترجمتين، بقوله: فِي الْقرى والمدن، وَذكر فِيهِ حديثين: الأول: مِنْهُمَا مُطَابق للتَّرْجَمَة الأولى على زَعمه، وَالثَّانِي: مُطَابق للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة، وَكَلَام صَاحب (التَّوْضِيح) لَا طائل تَحْتَهُ. الثَّانِي: قَالَ بَعضهم: فِي هَذِه الْقِصَّة يَعْنِي الْقِصَّة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث إِيمَاء إِلَى أَن الْجُمُعَة تَنْعَقِد بِغَيْر إِذن من السُّلْطَان إِذا كَانَ فِي الْقَوْم من يقوم بمصالحهم. قلت: الَّذِي يقوم بمصالح الْقَوْم هُوَ الْمولى عَلَيْهِم من جِهَة السُّلْطَان، وَمن كَانَ مولى من جِهَة السُّلْطَان كَانَ مَأْذُونا بِإِقَامَة الْجُمُعَة لِأَنَّهَا من أكبر مصالحهم، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل أَنه يسْتَدلّ على عدم إِذن السُّلْطَان لإِقَامَة الْجُمُعَة بِالْإِيمَاءِ، وَيتْرك مَا دلّ على ذَلِك حَدِيث جَابر أخرجه ابْن مَاجَه وَفِيه: (من تَركهَا فِي حَياتِي أَو بعدِي وَله إِمَام عَادل أَو جَائِر اسْتِخْفَافًا بهَا وجحودا لَهَا فَلَا جمع الله شَمله، وَلَا بَارك لَهُ فِي أمره، أَلا وَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا زَكَاة لَهُ وَلَا حج لَهُ وَلَا صَوْم لَهُ وَلَا بر لَهُ) . الحَدِيث، وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : عَن ابْن عمر مثله، فَإِن قلت: فِي سَنَد ابْن مَاجَه: عبد الله بن مُحَمَّد الْعَدوي، وَفِي سَنَد الْبَزَّار: عَليّ بن زيد بن جدعَان، وَكِلَاهُمَا مُتَكَلم فِيهِ؟ قلت: إِذا رُوِيَ الحَدِيث من طرق ووجوه مُخْتَلفَة تحصل لَهُ قُوَّة، فَلَا يمْنَع من الِاحْتِجَاج بِهِ، وَلَا سِيمَا اعتضد بِحَدِيث ابْن عمر، وَالْقَائِل الْمَذْكُور أَشَارَ بقوله إِلَى قَول الشَّافِعِي، فَإِن عِنْده إِذن السُّلْطَان لَيْسَ بِشَرْط لصِحَّة الْجُمُعَة، وَلَكِن السّنة أَن لَا تُقَام إِلَّا بِإِذن السُّلْطَان، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعَن أَحْمد أَنه شَرط كمذهبنا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما كَانَ محصورا بِالْمَدِينَةِ صلى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْجُمُعَة بِالنَّاسِ، وَلم يرو أَنه صلى بِأَمْر عُثْمَان، وَكَانَ الْأَمر بِيَدِهِ. قُلْنَا هَذَا الِاحْتِجَاج سَاقِط لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن عليا فعل ذَلِك بأَمْره، أَو كَانَ لم يتَوَصَّل إِلَى إِذن عُثْمَان، وَنحن أَيْضا نقُول: إِذا لم يتَوَصَّل إِلَى إِذن الإِمَام فللناس أَن يجتمعوا ويقدموا من يُصَلِّي بهم، فَمن أَيْن علم أَن عليا فعل ذَلِك بِلَا إِذن عُثْمَان، وَهُوَ بِحَيْثُ يتَوَصَّل إِلَى إِذْنه؟ وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: مَضَت السّنة بِأَن الَّذِي يُقيم الْجُمُعَة السُّلْطَان أَو من قَامَ بهَا بأَمْره، فَإِذا لم يكن ذَلِك صلوا الظّهْر. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أَربع إِلَى السُّلْطَان، فَذكر مِنْهَا الْجُمُعَة. وَقَالَ حبيب بن أبي ثَابت: لَا تكون الْجُمُعَة إلاّ بأمير وخطبة، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَمُحَمّد بن مسلمة وَيحيى بن عمر الْمَالِكِي وَعَن مَالك: إِذا تقدم رجل بِغَيْر إِذن الإِمَام لم يجزهم، وَذكر صَاحب (الْبَيَان) قولا قَدِيما للشَّافِعِيّ: أَنَّهَا لَا تصح إلاّ خلف السُّلْطَان أَو من أذن لَهُ. وَعَن أبي يُوسُف: إِن لصَاحب الشرطة أَن يُصَلِّي بهم دون القَاضِي، وَقيل: يُصَلِّي القَاضِي. الثَّالِث: قَالَ بَعضهم: فِي الحَدِيث إِقَامَة الْجُمُعَة فِي الْقرى خلافًا لمن شَرط لَهَا المدن؟ قلت: لَا دَلِيل على ذَلِك أصلا لِأَنَّهُ إِن كَانَ يدعى بذلك بِنَفس الحَدِيث الْمُتَّصِل فَلَا يقوم بِهِ حجَّة، وَلَا يتم. وَإِن كَانَ يَدعِي بِكِتَاب ابْن شهَاب يَأْمر فِيهِ لرزيق بن حَكِيم بِأَن يجمع فَلَا تتمّ بِهِ حجَّته أَيْضا، لِأَنَّهُ من أَيْن علم أَنه أَمر بذلك؟ سَوَاء كَانَ فِي قَرْيَة أَو مَدِينَة؟ فَإِن قَالَ: رُزَيْق كَانَ عَاملا على أَرض يعملها، وَكَانَ فِيهَا جمَاعَة من السودَان وَغَيرهم، وَلَيْسَ هَذَا إلاّ قَرْيَة، فَلَا يتم بِهِ استدلاله أَيْضا، لِأَن الْموضع الْمَذْكُور صَار حكمه حكم الْمَدِينَة بِوُجُود الْمُتَوَلِي عَلَيْهِم من جِهَة الإِمَام، وَقد قُلْنَا فِيمَا مضى: إِن

стр. 1752

الإِمَام إِذا بعث إِلَى قَرْيَة نَائِبا لإِقَامَة الْأَحْكَام تصير مصرا، على أَن إِمَامه لَا يرى قَول الصَّحَابِيّ حجَّة، فَكيف بقول التَّابِعِيّ؟ الرَّابِع: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن الرجلَيْن إِذا حكما رجلا بَينهمَا نقد حكمه إِذا أصَاب. الْخَامِس: قَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ عَن بَعضهم: إِنَّه اسْتدلَّ بِهِ على سُقُوط الْقطع عَن الْمَرْأَة إِذا سرقت من مَال زَوجهَا، وَعَن العَبْد إِذا سرق من مَال سَيّده إِلَّا فِيمَا حجبهما عَنهُ، وَلم يكن لَهما فِيهِ تصرف. وَالله أعلم. ١٢ - (بابٌ هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ وغَيْرِهِمْ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: هَل على من. . إِلَى آخِره، وَإِنَّمَا اقْتصر على الِاسْتِفْهَام وَلم يجزه بالحكم لوُقُوع الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد فِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، مِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل) ، فَإِنَّهُ مُطلق يتَنَاوَل الْجَمِيع. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (إِذا جَاءَ أحدكُم الْجُمُعَة فليغتسل) ، فَإِنَّهُ مُقَيّد بالمجيء، وَيخرج من ذَلِك من لم يَجِيء. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ: (غسل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم) ، فَإِنَّهُ مُقَيّد بالاحتلام، فَيخرج الصّبيان. وَمِنْهَا: حَدِيث النَّهْي عَن منع النِّسَاء عَن الْمَسَاجِد إلاّ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّهُ يخرج الْجُمُعَة، وَقد مضى الْكَلَام مُسْتَوفى، فِي هَذِه الْأَحَادِيث. قَوْله: (وَغَيرهم) ، أَي: وَغير النِّسَاء وَالصبيان، مثل الْمُسَافِرين وَالْعَبِيد وَأهل السجْن والمرضى والعميان وَمن بهم زَمَانه. وقالَ ابنُ عُمَرَ إنَّمَا الغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ علَيْهِ الجُمُعَةُ مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه نبه بِهِ على أَن الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة لَا يشرع إلاّ على من تجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة، وَأَن مُرَاده بالاستفهام فِي التَّرْجَمَة الحكم بِعَدَمِ الْوُجُوب على من لم يشْهد الْجُمُعَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عمر. ٨٩٤ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧٧ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَفْهُوم، لِأَن عدم وجوب الْغسْل على من لم يَجِيء الْجُمُعَة، وَمن لم يَجِيء لم يشهدها، وَنبهَ بِهِ أَيْضا على أَن مُرَاده بالاستفهام الحكم بِعَدَمِ الْوُجُوب على من لم يشْهد، وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا فِي: بَاب فضل الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا جَاءَ أحدكُم الْجُمُعَة فليغتسل) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. ٨٩٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَفْهُوم، لِأَن مَفْهُومه عدم وجوب الْغسْل على كل من لم يَحْتَلِم، وَمن لم يَحْتَلِم مِمَّن لَا يشْهد الْجُمُعَة، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب وضوء الصّبيان عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن صَفْوَان عَن عَطاء عَن أبي سعيد. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب فضل الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَهَهُنَا عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب وضوء الصّبيان جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ. ٨٩٦ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طاوُسٍ عنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فهاذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيهِ فهَدَانَا الله فَغَدا لِلْيَهُودِ وبَعْدَ غَدٍ

стр. 1753

لِلنَّصَارَى فَسَكَتَ. ثمَّ قَالَ حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا يغسل فِيهِ رَأسه وَجَسَده) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " كل مُسلم " لِأَن المُرَاد من كل مُسلم هُوَ الْمُسلم المحتلم لِأَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا وَقد مر فِي الحَدِيث السَّابِق على كل محتلم وَلَيْسَ المُرَاد من لفظ محتلم أَي محتلم كَانَ بل المُرَاد كل محتلم مُسلم وَهَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ فَإِذا كَانَ المُرَاد الْمُسلم المحتلم يخرج عَنهُ الْمُسلم غير المحتلم وَهُوَ يدْخل فِي قَوْله " من لم يشْهد الْجُمُعَة " وَأَيْضًا المُرَاد من الْمُسلم هُوَ الْمُسلم الَّذِي يَجِيء إِلَى الْجُمُعَة يدل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب وَالْمُسلم الَّذِي لَا يَجِيء يخرج مِنْهُ وَبِهَذَا التَّقْرِير يخرج الْجَواب عَمَّا قَالَه الْكرْمَانِي التَّحْقِيق أَن الحَدِيث الأول أَعنِي حَدِيث ابْن عمر دلّ على أَن الْغسْل لمن جَاءَ إِلَى الْجُمُعَة خَاصَّة وَهَذَا الحَدِيث أعنى حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَام للمجمع وَغَيره فَلَا يحْتَاج إِلَى الْجَواب بقوله لَا مُنَافَاة بَين ذكر الْخَاص وَالْعَام لِأَن الْمُنَافَاة حَاصِلَة بِحَسب الظَّاهِر لِاتِّحَاد الْمحل وَالتَّحْقِيق مَا ذَكرْنَاهُ (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ ووهيب بن خَالِد الْبَصْرِيّ صَاحب الكرابيس وَابْن طَاوس عبد الله وَأَبوهُ طَاوس بن كيسَان وَأَبُو هُرَيْرَة (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه أَن الِاثْنَيْنِ الْأَوَّلين من الروَاة بصريان والاثنين الآخرين يمانيان وَفِيه رِوَايَة الابْن عَن الْأَب (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب وَأخرجه مُسلم فِي الْجُمُعَة عَن ابْن عمر عَن سُفْيَان عَن ابْن طَاوس بِهِ دون ذكر الْغسْل وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن بهز بن أَسد عَن وهيب بِذكر الْغسْل فَقَط وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي عَن سُفْيَان مثل حَدِيث ابْن أبي عمر وَأول الحَدِيث وَهُوَ من قَوْله " نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ بعد غَد " أخرجه البُخَارِيّ فِي بَاب فرض الْجُمُعَة عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَقد تكلمنا على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ قَوْله " فغدا للْيَهُود " ظرف مُتَعَلق إِمَّا بالْخبر وَإِمَّا بالمبتدأ تَقْدِيره الِاجْتِمَاع للْيَهُود فِي غَد وَلِلنَّصَارَى من بعد غَد ويروى فغد بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ فِي حكم الْمُضَاف فَلَا يضر كَونه فِي الصُّورَة نكرَة تَقْدِيره فغد الْجُمُعَة للْيَهُود وغد بعد غَد لِلنَّصَارَى قَوْله " فَسكت " أَي النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " فَحق " الْفَاء فِيهِ يجوز أَن تكون جَوَاب شَرط مَحْذُوف تَقْدِيره إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَحق على كل مُسلم أَن يغْتَسل وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة قَوْله " يَوْمًا " مُبْهَم هُنَا وَقد عينه جَابر فِي حَدِيث عِنْد النَّسَائِيّ بِلَفْظ " الْغسْل وَاجِب على كل مُسلم فِي كل أُسْبُوع يَوْمًا وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة " وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وروى سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب مَرْفُوعا نَحوه وَلَفظه " من الْحق على الْمُسلم أَن يغْتَسل يَوْم الْجُمُعَة " وبنحوه روى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان عَن رجل من الصَّحَابَة مَرْفُوعا قَوْله " وَجَسَده " أَي وَيغسل جسده أَيْضا وَإِنَّمَا ذكر الرَّأْس وَإِن كَانَ ذكر الْجَسَد يَشْمَلهُ للاهتمام بِهِ من حَيْثُ أَنه قوام الْبدن والعمدة فِيهِ (رَوَاهُ أبان بن صَالح عَن مُجَاهِد عَن طَاوس عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لله تَعَالَى على كل مُسلم حق أَن يغْتَسل فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور أبان بن صَالح بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي هِلَال عَن أبان عَن مُجَاهِد بن جبر وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر عَن طَاوس وَصرح فِيهِ بِسَمَاعِهِ لَهُ من أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -

стр. 1754

٨٩٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا شَبَابَةُ قَالَ حدَّثنا وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدِ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ ائْذِنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إلَى المَسَاجِدِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يخرج الْجُمُعَة فِي حقهن فَلَا يلزمهن شهودها، وَمن لم يشهدها فَلَيْسَ عَلَيْهِ غسل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلقه بالترجمة؟ قلت: عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا عقد تَرْجَمَة للباب وَذكر مَا يتَعَلَّق بهَا يذكر أَيْضا مَا يُنَاسِبهَا، فجَاء بِهَذَا الحَدِيث وَالَّذِي بعده ليبين إِن النِّسَاء لَهُنَّ شُهُود الْجُمُعَة. انْتهى. قلت: الْإِذْن مُقَيّد بِاللَّيْلِ، فَكيف يكون لَهُنَّ الْخُرُوج إِلَى الْجُمُعَة وَهِي نهارية؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي، فِيمَا قبل كَلَامه هَذَا فَإِن قلت: لفظ بِاللَّيْلِ مَفْهُومه أَن لَا يُؤذن فِي الْخُرُوج بِالنَّهَارِ؟ قلت: إِذا جَازَ خروجهن بِاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مَحل الْوُقُوع فِي الْفِتَن، فجواز الْخُرُوج بِالنَّهَارِ بِالطَّرِيقِ الأولى. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه مُخَالف لما قَالَه الْعلمَاء، فَإِنَّهُم قَالُوا: يخْرجن بِاللَّيْلِ لوُقُوع الْأَمْن من الْفساد من جِهَة الْفُسَّاق، لأَنهم بِاللَّيْلِ إِمَّا مشغولون بفسقهم أَو نائمون، وَلَا يخْرجن بِالنَّهَارِ لعدم الْأَمْن لانتشار الْفُسَّاق. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: عبد الله بن مُحَمَّد البُخَارِيّ المسندي، وَقد مر غير مرّة، وشبابة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة أُخْرَى: ابْن سوار الْفَزارِيّ أَبُو عَمْرو المدايني، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء، وورقاء بن عَمْرو الْمَدَائِنِي مر فِي: بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء، وَعَمْرو بن دِينَار تكَرر ذكره، وَمُجاهد بن جبر مر فِي أول كتاب الْإِيمَان. قَالُوا، قد رأى هاروت وماروت وَكَاد يتْلف. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بخاري ومدائني ومكيين وهما: عَمْرو وَمُجاهد. وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد بِاللَّيْلِ، عَن عبد الله بن عمر بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد وَغير هَذَا اللَّفْظ، أما إِسْنَاده: فَعَن عبيد الله بن مُوسَى عَن حَنْظَلَة عَن سَالم بن عبد الله عَن ابْن عمر، وَأما لَفظه: (إِذا استأذنكم نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِد فأذنوا لَهُنَّ) . وَقَالَ هُنَاكَ: تَابعه شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر وَقد أوضحناه هُنَاكَ. ٩٠٠ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسى اقال حدَّثنا أبُو أسامَةَ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ كانَتِ امْرَأةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ والعِشَاءِ فِي الجمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ وقَدْ تَعْلَمِينَ أنَّ عُمَرَ يَكْرهُ ذالِكَ ويَغَارُ قالَتْ وَمَا يَمْنَعُهُ أنْ يَنْهَانِي قالَ يَمْنَعُهُ قَوْلُ رسولِ الله ﷺ لَا تَمْنَعُوا إماءَ الله مَسَاجِدَ الله. . هَذَا الحَدِيث مُطلق، وَالَّذِي قبله مُقَيّد، فَكَأَن البُخَارِيّ حمل هَذَا الْمُطلق على ذَاك الْمُقَيد، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون الْمَعْنى: لَا تمنعوا أماء الله مَسَاجِد الله بِاللَّيْلِ، وَالْجُمُعَة تخرج عَنهُ لِأَنَّهَا نهارية، فَحِينَئِذٍ لَا تشهدها، وَمن لَا يشهدها لَيْسَ عَلَيْهِ غسل، فحصلت الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة بِهَذَا الطَّرِيق. فَافْهَم. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: يُوسُف بن مُوسَى بن رَاشد بن بِلَال الْقطَّان الْكُوفِي، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة. الثَّالِث: عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن عمر حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب أَبُو عُثْمَان الْمدنِي، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني. وَفِيه: أحد الروَاة بالكنية وَالْآخر بِالتَّصْغِيرِ، وَقد ذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) من حَدِيث ابْن عمر فِي مُسْنده، وَقيل: هُوَ من مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والْحَدِيث أَيْضا من أَوله إِلَى قَوْله: (قَول رَسُول الله ﷺ من المرسلات.

стр. 1755

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَت امْرَأَة لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) اسْمهَا: عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، أُخْت سعيد بن زيد أحد الْعشْرَة المبشرة، وعينها الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (عَن معمر عَنهُ، قَالَ: كَانَت عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل عِنْد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَت تشهد الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ عمر يَقُول لَهَا: وَالله إِنَّك لتعلمين أَنِّي مَا أحب هَذَا، قَالَت: وَالله لَا أَنْتَهِي حَتَّى تنهاني! قَالَ: فَلَقَد طعن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّهَا لفي الْمَسْجِد) . كَذَا ذكره مُرْسلا، وَرَوَاهُ عبد الْأَعْلَى عَن معمر مَوْصُولا بِذكر سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه، لَكِن أبهم الْمَرْأَة. أخرجه أَحْمد عَنهُ وسماها من وَجه آخر عَن سَالم قَالَ: (كَانَ عمر رجلا غيورا، وَكَانَ إِذا خرج إِلَى الصَّلَاة اتبعته عَاتِكَة بنت زيد) الحَدِيث، وَهُوَ مُرْسل. قَوْله: (تشهد) أَي: تحضر. قَوْله: (فَقيل لَهَا) أَي: لامْرَأَة عمر، وَقَالَ بَعضهم: إِن قَائِل ذَلِك كُله هُوَ عمر، وَلَا مَانع أَن يعبر عَن نَفسه بقوله: (إِن عمر) إِلَى آخِره، فَيكون من بَاب التَّجْرِيد والالتفات. انْتهى. قلت: هُوَ من بَاب التَّجْرِيد لَا من بَاب الِالْتِفَات. قَوْله: (لم تخرجين؟) أَصله: لما تخرجين، فحذفت الْألف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَم يتساءلون﴾ (النبأ: ١) . قَوْله: (وَقد تعلمين) ، جملَة وَقعت حَالا. وَقد علم أَن الْفِعْل الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَهُوَ مُثبت تدخل فِيهِ كلمة: قد. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى خُرُوجهَا الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (تخرجين) قَوْله: (ويغار) ، على وزن: يخَاف، من الْغيرَة. قَوْله: (فَمَا يمنعهُ) ، ويروى: (وَمَا يمنعهُ، بِالْوَاو وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل، وَالتَّقْدِير: فَمَا يَمْنعنِي بِأَن ينهاني، أَي: بنهيه إيَّايَ، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ مُسْتَوفى، فِي: بَاب اسْتِئْذَان الْمَرْأَة زَوجهَا بِالْخرُوجِ إِلَى الْمَسْجِد، قبيل كتاب الْجُمُعَة. ١٤ - (بابُ الرُّخْصَةِ إنْ لَمْ يَحْضُرِ الجُمُعَةَ فِي المَطَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الرُّخْصَة إِن لم يحضر الْمُصَلِّي صَلَاة الْجُمُعَة فِي وَقت نزُول الْمَطَر، وَكلمَة: إِن، بِالْكَسْرِ، و: لم يحضر، على صِيغَة الْمَعْلُوم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: و: أَن، بِالْفَتْح أَي: فِي أَن، و: يحضر، على لفظ الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الرُّخْصَة لمن لم يحضر الْجُمُعَة، وَهَذِه أحسن من غَيرهَا على مَا لَا يخفى. والرخصة فِي اللُّغَة عبارَة عَن الْإِطْلَاق والسهولة، وَفِي الشَّرِيعَة مَا يكون ثَابتا على إعذار الْعباد تيسيرا يُسمى: رخصَة. ٩٠١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ أَخْبرنِي عَبْدُ الحَمِيدِ صاحبُ الزِّيادِيِّ. قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ الحَارِثِ ابنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ قالَ ابنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إذَا قُلْتُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدا رَسُولَ الله فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فكأنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا. قَالَ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإنِّي كرهْتُ أنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٦ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث قد مر فِي: بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان مُسْتَوفى، لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب وَعبد الحميد بن دِينَار صَاحب الزيَادي، وَعَاصِم الْأَحول عَن عبد الله بن الْحَارِث قَالَ: (خَطَبنَا ابْن عَبَّاس فِي يَوْم ردغ. .) الحَدِيث، وَهنا أخرجه: عَن مُسَدّد أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن علية إِلَى آخِره. قَوْله: (فِي يَوْم مطير) . قَوْله: (فَكَأَن النَّاس استنكروا) أَي: استنكروا. قَوْله: (فَلَا تقل: حَيّ على الصَّلَاة، قل: صلوا فِي بُيُوتكُمْ) ، وَفِي رُوَاة الحَجبي: كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِك، وَفِي: بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان، فَنظر الْقَوْم بَعضهم إِلَى بعض، أَي: نظر إِنْكَار. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فعله) أَي: فعل مَا قلته للمؤذن. قَوْله: (من هُوَ خير مني) أَرَادَ بِهِ رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (عَزمَة) ، بِسُكُون الزَّاي، أَي: وَاجِبَة متحتمة. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (إِن الْجُمُعَة عَزمَة) لَا أَظُنهُ صَحِيحا، فَإِن أَكثر الرِّوَايَات بِلَفْظ: إِنَّهَا عَزمَة أَي: إِن كلمة الْأَذَان وَهِي: حَيّ على الصَّلَاة عَزمَة لِأَنَّهَا دُعَاء إِلَى الصَّلَاة يَقْتَضِي لسامعه الْإِجَابَة، وَلَو كَانَ الْمَعْنى: إِن الْجُمُعَة عَزمَة، لكَانَتْ

стр. 1756

عَزِيمَة لَا تَزُول بترك بَقِيَّة الْأَذَان. انْتهى. قلت: كَأَن الْإِسْمَاعِيلِيّ إِنَّمَا اسْتشْكل هَذَا بِالنّظرِ إِلَى معنى الْعَزِيمَة، وَهُوَ مَا يكون ثَابتا ابْتِدَاء غير مُتَّصِل بمعارض، وَلَكِن المُرَاد بقول ابْن عَبَّاس: وَإِن كَانَت الْجُمُعَة عَزِيمَة، وَلَكِن الْمَطَر من الْأَعْذَار الَّتِي تصير الْعَزِيمَة رخصَة، وَهَذَا مَذْهَب ابْن عَبَّاس: أَن من جملَة الْأَعْذَار لترك الْجُمُعَة الْمَطَر، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن سِيرِين وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يتَخَلَّف عَن الْجُمُعَة فِي الْيَوْم المطير، وروى ابْن قَانِع: قيل لمَالِك: أتتخلف عَن الْجُمُعَة فِي الْيَوْم المطير؟ قَالَ: مَا سَمِعت، قيل لَهُ: فِي الحَدِيث: (أَلا صلوا فِي الرّحال!) قَالَ: ذَلِك فِي السّفر، وَقد رخص فِي ترك الْجُمُعَة بأعذار أخر غير الْمَطَر، روى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه أجَاز أَن يتَخَلَّف عَنْهَا لجنازة أَخ من إخوانه لينْظر فِي أمره. وَقَالَ ابْن حبيب عَن مَالك: وَكَذَا إِن كَانَ لَهُ مَرِيض يخْشَى عَلَيْهِ الْمَوْت، وَقد زار ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ابْنا لسعد بن زيد ذكر لَهُ شكواه، فَأَتَاهُ إِلَى العقيق وَترك الْجُمُعَة، وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي أَمر الْوَالِد: إِذا خَافَ فَوَات نَفسه. وَقَالَ عَطاء: إِذا استصرخ على أَبِيك يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فَقُمْ إِلَيْهِ واترك الْجُمُعَة. وَقَالَ الْحسن: يرخص ترك الْجُمُعَة للخائف، وَقَالَ مَالك فِي (الْوَاضِحَة) : وَلَيْسَ على الْمَرِيض وَالصَّحِيح الفاني جُمُعَة. وَقَالَ أَبُو مجلز: إِذا اشْتَكَى بَطْنه لَا يَأْتِي الْجُمُعَة. وَقَالَ ابْن حبيب: أرخص ﷺ فِي التَّخَلُّف عَنْهَا لمن شهد الْفطر والأضحى صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم من أهل الْقرى الْخَارِجَة عَن الْمَدِينَة، لما فِي رُجُوعه من الْمَشَقَّة لما أَصَابَهُم من شغل الْعِيد، وَفعله عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأهل الغوالي، وَاخْتلف قَول مَالك فِيهِ، وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة: السُّقُوط، وَاخْتلف فِي تخلف الْعَرُوس والمجذوم، حَكَاهُ ابْن التِّين، وَاعْتبر بَعضهم شدَّة الْمَطَر، وَاخْتلف عَن مَالك: هَل عَلَيْهِ أَن يشهدها؟ وَكَذَا رُوِيَ عَنهُ، فِيمَن يكون مَعَ صَاحبه فيشتد مَرضه: لَا يدع الْجُمُعَة إلاّ أَن يكون فِي الْمَوْت. قَوْله: (أَن أحرجكم) من الإحراج، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالجيم من: الْحَرج، وَهُوَ الْمَشَقَّة. وَالْمعْنَى: إِنِّي كرهت أَن أشق عَلَيْكُم بإلزامكم السَّعْي إِلَى الْجُمُعَة فِي الطين والمطر. ويروى: (أَن أخرجكم) من الْإِخْرَاج، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من الْخُرُوج. ويروى: (كرهت أَو أؤثمكم) أَي: أَن أكون سَببا لاكتسابكم الْإِثْم عِنْد ضيق صدوركم. قَوْله: (فِي الدحض) ، بِفَتْح الدَّال والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره ضاد مُعْجمَة، وَيجوز تسكين الْحَاء وَهُوَ: الزلق. قَالَ فِي (الْمطَالع) : كَذَا فِي رِوَايَة الكافة، وَعند الْقَابِسِيّ بالراء، وَفَسرهُ بَعضهم بِمَا يجْرِي فِي الْبيُوت من الرحاضة، وَهُوَ بعيد إِنَّمَا الرحض: الْغسْل، والمرحاض خَشَبَة يضْرب بهَا الثَّوْب ليغسل عِنْد الْغسْل، وَأما ابْن التِّين فَإِنَّهُ ذكره بالراء. قَالَ: وَكَذَا لأبي الْحسن، ورحضت الشَّيْء غسلته، وَمِنْه المرحاض، أَي: المغتسل، فوجهه أَن الأَرْض حِين يُصِيبهَا الْمَطَر تصير كالمغتسل، وَالْجَامِع بَينهمَا: الزلق. ١٥ - (بابٌ مِنْ أيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ وعَلَى عَنْ تَجِبُ لِقَوْلِ الله ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ الله﴾ (الْجُمُعَة: ٩) .) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: من أَيْن تُؤْتى الْجُمُعَة؟ وَكلمَة: أَيْن، اسْتِفْهَام عَن الْمَكَان. وَقَوله: تُؤْتى، مَجْهُول من الْإِتْيَان. قَوْله: (وعَلى من تجب؟) أَي: الْجُمُعَة. قَوْله: (لقَوْله تَعَالَى) يتَعَلَّق بقوله: (تجب) ، وَأَرَادَ بإيراده بعض هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة الْإِشَارَة إِلَى وجوب الْجُمُعَة، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَكِن الْخلاف فِيمَن تجب عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ ذكر التَّرْجَمَة بالاستفهام لهَذَا الْمَعْنى، وَقد تكلمنا فِيمَا يتَعَلَّق بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة فِي أول كتاب الْجُمُعَة لِأَنَّهُ ذكر الْآيَة الْكَرِيمَة هُنَاكَ. وقَالَ عَطَاءٌ إذَا كُنْتُ فِي قَرْيَةٍ جامِعَةٍ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَحَقَّ عَلَيْكَ أنْ تَشْهَدَهَا سَمعْت النِّدَاءَ أوْ لَمْ تَسْمَعْهُ عَطاء هُوَ: ابْن أبي رَبَاح، وَوَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنهُ، وَزَاد فِي رِوَايَته: عَن ابْن جريج أَيْضا قلت لعطاء: مَا الْقرْيَة الجامعة؟ قَالَ: ذَات الْجَمَاعَة والأمير وَالْقَاضِي والدور المجتمعة الْآخِذ بَعْضهَا بِبَعْض، مثل جدة. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره حد الْمَدِينَة أطلق عَلَيْهَا اسْم الْقرْيَة. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: على رجل من القريتين﴾ (الزخرف: ٣١) . وهما: مَكَّة والطائف، وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة. قَوْله: (سَمِعت النداء أَو لم تسمعه) يَعْنِي: إِذا كَانَ دَاخل الْبَلَد، وَبِهَذَا صرح

стр. 1757

أَحْمد، وَنقل النَّوَوِيّ: أَنه لَا خلاف فِيهِ. وكانَ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي قَصْرِهِ أحْيانا يجَمِّعُ وأحْيانا لَا يُجَمِّعُ وَهْوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ أنس هُوَ ابْن مَالك خَادِم النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن أبي البخْترِي، قَالَ: رَأَيْت أنسا شهد الْجُمُعَة من الزاوية، وَهِي على فرسخين من الْبَصْرَة. قَوْله: (أَحْيَانًا) أَي: فِي بعض الْأَوْقَات، وانتصابه على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (يجمع) ، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الْمِيم أَي: يُصَلِّي الْجُمُعَة بِمن مَعَه، أأو: يشْهد الْجُمُعَة بِجَامِع الْبَصْرَة. قَوْله: (وَهُوَ) أَي: الْقصر (بالزاوية) : وَهُوَ مَوضِع ظَاهر الْبَصْرَة مَعْرُوف، بَينهَا وَبَين الْبَصْرَة فرسخان، والفرسخ، فِيهِ وقْعَة كَبِيرَة بَين الْحجَّاج وَابْن الْأَشْعَث قَوْله: (فرسخين) أَي: من الْبَصْرَة. فَإِن قلت: روى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ثَابت قَالَ: كَانَ أنس يكون فِي أرضه وَبَينه وَبَين الْبَصْرَة ثَلَاثَة أَمْيَال، فَيشْهد الْجُمُعَة بِالْبَصْرَةِ، فَهَذَا يُعَارض مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة؟ قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن الأَرْض الْمَذْكُورَة غير الْقصر، وَأَيْضًا الفرسخ ثَلَاثَة أَمْيَال، والميل أَرْبَعَة آلَاف خطْوَة. ٩٠٢ - حدَّثنا أحْمَدُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ وَهَبٍ. قَالَ أَخْبرنِي عَمْرُو بنُ الحارِثِ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ جَعْفَرِ بنِ الزُبَيْرِ حدَّثَهُ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيّ ﷺ قالَتْ كانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنازِلِهِمْ والعَوَالِي فيَأتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ والعَرَقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ العَرَقُ فأتَى رسولَ الله ﷺ إنْسَان مِنْهُمْ وَهْوَ عِنْدِي فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَوْ أنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هاذا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (كَانَ النَّاس ينتابون الْجُمُعَة من مَنَازِلهمْ والعوالي) . ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن صَالح، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَبِه قَالَ ابْن السكن، وَذكر الجياني أَن البُخَارِيّ روى عَن أَحْمد، يَعْنِي: غير مُسَمّى، عَن ابْن وهب فِي كتاب الصَّلَاة فِي موضِعين، وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد حَدثنَا ابْن وهب قَالَ ... ، وَنسبه أَبُو عَليّ بن السكن فِي نسخته، فَقَالَ: أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: روى البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع عَن أَحْمد عَن ابْن وهب، فَقيل: إِنَّه ابْن صَالح الْمصْرِيّ. وَقيل: ابْن عِيسَى التسترِي، وَلَا يَخْلُو أَن يكون وَاحِدًا مِنْهُمَا، فقد روى عَنْهُمَا فِي (الْجَامِع) ونسبهما فِي مَوَاضِع، وَذكر أَبُو نصر الكلاباذي، قَالَ: قَالَ لي أَبُو أَحْمد، يَعْنِي الْحَاكِم: أَحْمد عَن ابْن وهب فِي (الْجَامِع) هُوَ ابْن أخي ابْن وهب. وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: من قَالَ هَذَا فقد وهم وَغلط، دَلِيله أَن الْمَشَايِخ الَّذين ترك البُخَارِيّ الرِّوَايَة عَنْهُم فِي (الْجَامِع) فقد روى عَنْهُم فِي سَائِر مصنفاته: كَابْن صَالح وَغَيره، وَلَيْسَ لَهُ عَن ابْن أخي وهب رِوَايَة فِي مَوضِع، فَهَذَا يدل على أَنه لم يكْتب عَنهُ، أَو كتب عَنهُ ثمَّ ترك الرِّوَايَة عَنهُ أصلا. وَقَالَ الكلاباذي: قَالَ ابْن مَنْدَه: كلما قَالَ البُخَارِيّ فِي (الْجَامِع) : حَدثنَا أَحْمد عَن ابْن وهب فَهُوَ ابْن صَالح، وَلم يخرج عَن ابْن أخي ابْن وهب فِي (الصَّحِيح) وَإِذا حدث عَن أَحْمد بن عِيسَى نِسْبَة. الثَّانِي: عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ. الثَّالِث: عَمْرو بن الْحَارِث، مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. الرَّابِع: عبيد الله بن أبي جَعْفَر الْأمَوِي الْقرشِي، وَاسم أبي جَعْفَر: يسَار، أحد أَعْلَام مصر، مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير بن الْعَوام الْقرشِي. السَّادِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن الْأَرْبَعَة من الروَاة مصريون وهم: شَيْخه وَثَلَاثَة بعده متناسقون، وَاثْنَانِ بعدههما مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن هَارُون بن سعيد وَأحمد بن عِيسَى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن صَالح عَن ابْن وهب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ينتابون الْجُمُعَة) ، أَي: يحضرونها بالنوبة، وَهُوَ من الانتياب من النّوبَة، وَهُوَ الْمَجِيء نوبا،

стр. 1758

ويروى (يتناوبون) من النّوبَة أَيْضا. قَوْله: (والعوالي) جمع الْعَالِيَة، وَهِي مَوَاضِع وقرى بِقرب مَدِينَة رَسُول الله ﷺ من جِهَة الْمشرق من ميلين إِلَى ثَمَانِيَة أَمْيَال. وَقيل: أدناها من أَرْبَعَة أَمْيَال. قَوْله: (فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَار يصيبهم الْغُبَار) كَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَعند الْقَابِسِيّ: (فَيَأْتُونَ فِي العباء) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالمد جمع: عباءة، وعباية، لُغَتَانِ مشهورتان، وَكَذَا شَرحه النَّوَوِيّ فِي (شَرحه) لِأَنَّهُ عِنْد مُسلم كَذَا هُوَ، وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيرهمَا، وَهُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (إِنْسَان مِنْهُم) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (أنَاس مِنْهُم) . قَوْله: (لَو أَنكُمْ تطهرتم) ، كلمة: لَو، تَقْتَضِي دُخُولهَا على الْفِعْل، تَقْدِيره: لَو ثَبت تطهركم، ثمَّ إِن: لَو، هَذِه يجوز أَن تكون لِلتَّمَنِّي، فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَيجوز أَن تكون على أَصْلهَا وَالْجَزَاء مَحْذُوف تَقْدِيره: لَكَانَ حسنا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب أَعنِي: فِي وجوب الْجُمُعَة على من كَانَ خَارج الْمصر فَقَالَت طَائِفَة: تحب على من آواه اللَّيْل إِلَى أَهله، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس وَابْن عمر وَمُعَاوِيَة، وَهُوَ قَول نَافِع وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَالْحكم وَالنَّخَعِيّ وَأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَعَطَاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي ثَوْر، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَنْهُم لحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (الْجُمُعَة على من آواه اللَّيْل إِلَى أَهله) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وضعفاه، وَنقل عَن أَحْمد أَنه لم يره شَيْئا، وَقَالَ لمن ذكره لَهُ: اسْتغْفر رَبك اسْتغْفر رَبك، وَمعنى هَذَا الحَدِيث: أَنه إِذا جمع مَعَ الإِمَام أمكنه الْعود إِلَى أَهله آخر النَّهَار قبل دُخُول اللَّيْل. وَقَالَت طَائِفَة: إِنَّهَا تجب على من سمع النداء، رُوِيَ ذَلِك عَن عبد الله بن عمر أَيْضا وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَحَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ عَن مَالك أَيْضا وَاسْتدلَّ لَهُ بِحَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن سعيد عَن أبي سَلمَة بن نبيه عَن عبد الله بن هَارُون عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ : قَالَ: (الْجُمُعَة على من سمع النداء) . قَالَ أَبُو دَاوُد: روى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة عَن سُفْيَان مَقْصُورا على عبد الله بن عَمْرو، وَلم يرفعوه. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة الْوَلِيد عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِنَّمَا الْجُمُعَة على من سمع النداء) ، والوليد هُوَ ابْن مُسلم، وَزُهَيْر ابْن مُحَمَّد، كِلَاهُمَا من رجال (الصَّحِيح) . لَكِن زهيرا روى عَنهُ أهل الشَّام مَنَاكِير، مِنْهُم: الْوَلِيد والوليد مُدَلّس، وَقد رَوَاهُ بالعنعنة فَلَا تصح، وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة مُحَمَّد ابْن الْفضل بن عَطِيَّة عَن حجاج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (وَالْجُمُعَة على من يهدىء الصَّوْت) . قَالَ دَاوُد بن رشيد: يَعْنِي حَيْثُ يسمع الصَّوْت، وَمُحَمّد بن الْفضل بن عَطِيَّة ضَعِيف جدا، وَالْحجاج هُوَ: ابْن أَرْطَأَة، وَهُوَ مُدَلّس مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الْوُجُوب على من سمع النداء عِنْد الشَّافِعِي، قَالَ: وتعليقه السَّعْي على سَماع النداء يسْقطهُ عَمَّن كَانَ فِي الْمصر الْكَبِير إِذا لم يسمعهُ، وَقَالَت طَائِفَة: يجب على أهل الْمصر، وَلَا يجب على من كَانَ خَارج الْمصر، سمع النداء أَو لم يسمعهُ. قَالَ شَيخنَا فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَهُوَ قَول أبي حنيفَة بِنَاء على قَوْله: إِن الْجُمُعَة لَا تجب على أهل الْقرى والبوادي مَا لم يكن فِي الْمصر، وَرجحه القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ، وَقَالَ: إِن الظَّاهِر مَعَ أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن الْجُمُعَة لَا تصح إلاّ فِي مصر جَامع، أَو فِي مصلى الْمصر نَحْو مصلى الْعِيد. وَفِي (الْمُفِيد) و (الاسبيجابي) و (التُّحْفَة) : لَا تجب الْجُمُعَة عندنَا إلاّ فِي مصر جَامع، أَو فِيمَا هُوَ فِي حكمه، كمصلى الْعِيد. وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : وأرباض الْمصر كالمصر، وَفِي (الْيَنَابِيع) : لَو كَانَ منزله خَارج الْمصر لَا تجب عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا أصح مَا قيل فِيهِ، وَفِي (قاضيخان) : عَن أبي يُوسُف هُوَ رِوَايَة عَنهُ، وَعنهُ من ثَلَاثَة فراسخ، وَعنهُ إِذا شهد الْجُمُعَة فَإِن أمكنه الْمبيت بأَهْله لَزِمته الْجُمُعَة، وَاخْتَارَهُ كثير من مَشَايِخنَا. وَفِي (الذَّخِيرَة) : فِي ظَاهر رِوَايَة أَصْحَابنَا: لَا يجب شُهُود الْجُمُعَة إلاّ على من يسكن الْمصر والأرباض دون السوَاد، سَوَاء كَانَ قَرِيبا من مصر أَو بَعيدا عَنْهَا. وَعَن مُحَمَّد: إِذا كَانَ بَينه وَبَين الْمصر ميل أَو ميلان أَو ثَلَاثَة أَمْيَال فَعَلَيهِ الْجُمُعَة، وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث، وَفِي (منية الْمُفْتِي) على أهل السوَاد الْجُمُعَة إِذا كَانُوا على قدر فَرسَخ هُوَ الْمُخْتَار، وَعنهُ: إِذا كَانَ أقل من فرسخين تجب، وَفِي الْأَكْثَر. لَا، وَفِي رِوَايَة: كل مَوضِع لَو خرج الإِمَام إِلَيْهِ صلى الْجُمُعَة فَتجب، وَعَن معَاذ بن جبل: يجب الْحُضُور من خَمْسَة عشر فرسخا. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يجب عِنْد ابْن الْمُنْكَدر وَرَبِيعَة وَالزهْرِيّ فِي رِوَايَة: من أَرْبَعَة أَمْيَال، وَعَن الزُّهْرِيّ: من سِتَّة أَمْيَال، وَحَكَاهُ ابْن التِّين عَن النَّخعِيّ وَعَن مَالك وَاللَّيْث: ثَلَاثَة أَمْيَال. وَحكى أَبُو حَامِد عَن عَطاء: عشرَة أَمْيَال. وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك: هَل مُرَاعَاة

стр. 1759

ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمنَار أَو من طرف الْمَدِينَة؟ فَالْأول قَالَه القَاضِي أَبُو مُحَمَّد، وَالثَّانِي قَالَه مُحَمَّد بن عبد الحكم. وَعَن حُذَيْفَة: لَيْسَ على من على رَأس ميل جُمُعَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فِي حَدِيث الْبَاب رد لقَوْل الْكُوفِيّين أَن الْجُمُعَة لَا تجب على من كَانَ خَارج الْمصر، لِأَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخْبرت عَنْهُم بِفعل دَائِم أَنهم كَانُوا يتناوبون الْجُمُعَة، فَدلَّ على لُزُومهَا عَلَيْهِم. قلت: هَذَا نَقله عَن الْقُرْطُبِيّ، وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا على أهل العوالي مَا تناوبوا، ولكانوا يحْضرُون جَمِيعًا. وَفِيه من الْفَوَائِد: رفق الْعَالم بالمتعلم، واستحباب التَّنْظِيف لمجالسة أهل الْخَيْر، وَاجْتنَاب أَذَى الْمُسلم بِكُل طَرِيق، وحرص الصَّحَابَة على امْتِثَال الْأَمر وَلَو شقّ عَلَيْهِم. ١٦ - (بابُ وَقْتِ الجُمُعَةِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن وَقت صَلَاة الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس من كبد السَّمَاء: وَقَالَ بَعضهم: جزم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة مَعَ وُقُوع الْخلاف فِيهَا لضعف دَلِيل الْمُخَالف عِنْده. قلت: لَا حَاجَة إِلَى الْقَيْد بِلَفْظ: عِنْده، لِأَن عِنْد غَيره أَيْضا من جَمَاهِير الْعلمَاء: إِن وَقت الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس. وكَذالِكَ يُرْوَى عنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ والنُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ وعَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَي: كَمَا ذكرنَا: إِن وَقت الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس، كَذَلِك رُوِيَ عَن هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَهَذِه أَربع تعاليق. الأول: عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق سُوَيْد بن غَفلَة أَنه: صلى مَعَ أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حِين تَزُول الشَّمْس، وَفِي حَدِيث السَّقِيفَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وزالت الشَّمْس خرج عمر فَجَلَسَ على الْمِنْبَر. الثَّانِي: عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن أبي العنبس عَمْرو بن مَرْوَان عَن أَبِيه، قَالَ: كُنَّا نجمع مَعَ عَليّ إِذا زَالَت الشَّمْس، وَقَالَ ابْن حزم: روينَا عَن أبي إِسْحَاق، قَالَ: شهِدت عَليّ بن أبي طَالب يُصَلِّي الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس. عَن النُّعْمَان بن بشير، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن سماك، قَالَ: كَانَ النُّعْمَان يُصَلِّي بِنَا الْجُمُعَة بعد مَا تَزُول الشَّمْس. انْتهى. وَكَانَ النُّعْمَان أَمِيرا على الْكُوفَة فِي أول خلَافَة يزِيد بن مُعَاوِيَة. الرَّابِع: عَن عَمْرو بن حُرَيْث، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا من طَرِيق الْوَلِيد بن الغيزار قَالَ: (مَا رَأَيْت إِمَامًا كَانَ أحسن صَلَاة للْجُمُعَة من عَمْرو بن حُرَيْث، فَكَانَ يُصليهَا إِذا زَالَت الشَّمْس) . إِسْنَاده صَحِيح، وَكَانَ عَمْرو يَنُوب عَن زِيَاد وَعَن وَلَده فِي الْكُوفَة أَيْضا. فَإِن قلت: لم اقْتصر البُخَارِيّ على هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة دون غَيرهم؟ قلت: قيل: لِأَنَّهُ نقل عَنْهُم خلاف ذَلِك، وَفِي التَّوْضِيح لِأَنَّهُ روى عَن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَنهم كَانُوا يصلونَ الْجُمُعَة قبل الزَّوَال، من طَرِيق لَا يثبت قَالَه ابْن بطال. وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي رزين، قَالَ: كُنَّا نصلي مَعَ عَليّ الْجُمُعَة فأحيانا نجد فَيْئا، وَأَحْيَانا لَا نجد. وَرُوِيَ أَيْضا عَن طَرِيق عبد الله بن سَلمَة، بِكَسْر اللَّام، وَقَالَ: صلى بِنَا عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود الْجُمُعَة ضحىٌ، وَقَالَ: خشيت عَلَيْكُم الْحر. وَرُوِيَ أَيْضا من طَرِيق سعيد بن سُوَيْد قَالَ: صلى بِنَا مُعَاوِيَة الْجُمُعَة ضحى، وَرُوِيَ أَيْضا عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل عَن مُصعب بن سعد قَالَ: كَانَ سعد يقيل بعد الْجُمُعَة. قلت: الْجَواب عَمَّا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّه مَحْمُول على الْمُبَادرَة عِنْد الزَّوَال أَو التَّأْخِير قَلِيلا، وَأما الَّذِي رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، فَفِيهِ عبد الله، وَهُوَ صَدُوق وَلكنه تغير لما كبر، قَالَه شُعْبَة وَغَيره، وَأما الَّذِي روى عَن مُعَاوِيَة فَفِي سَنَده سعد، ذكره ابْن عدي فِي الضُّعَفَاء. وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يُتَابع على حَدِيثه، وَأما الَّذِي روى عَن سعد فَلَا يدل على فعلهَا قبل الزَّوَال، بل أَنه كَانَ يُؤَخر النّوم للقائلة إِلَى بعد الزَّوَال لاشتغاله بالتهيئة إِلَى الْجُمُعَة من الْغسْل والتنظيف أَو لتبكيره إِلَيْهَا. ٢٦ - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا يحيى بن سعيد أَنه سَأَلَ عمْرَة عَن الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَت قَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ النَّاس مهنة أنفسهم وَكَانُوا إِذا راحوا

стр. 1760

إِلَى الْجُمُعَة راحوا فِي هيئتهم فَقيل لَهُم لَو اغتسلتم) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " وَكَانُوا إِذا راحوا إِلَى الْجُمُعَة راحوا " لِأَن الرواح لَا يكون إِلَّا بعد الزَّوَال (فَإِن قلت) رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ المُرَاد بالرواح فِي قَوْله " من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ رَاح " الذّهاب مُطلقًا فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا تُوجد الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة (قلت) إِمَّا يكون مجَازًا أَو مُشْتَركا فعلى كل من التَّقْدِيرَيْنِ فالقرينة مخصصة فِي قَوْله " من رَاح فِي السَّاعَة الأولى " قَائِمَة فِي إِرَادَة مُطلق الذّهاب وَفِي هَذَا قَائِمَة فِي الذّهاب بعد الزَّوَال (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَبْدَانِ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْملَة وَبعد الْألف نون واسْمه عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع عمْرَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد الْأَنْصَارِيَّة المدنية. الْخَامِس عَائِشَة الصديقة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين وَفِيه السُّؤَال وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه شيخ البُخَارِيّ مَذْكُور باللقب وَفِيه رِوَايَة التابعية عَن الصحابية وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية وَفِيه من الروَاة مروزيان وهما شَيْخه وَشَيخ شَيْخه ومدني ومدنية وهما يحيى وَعمرَة (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رمح عَن اللَّيْث وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن سعيد بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " مهنة أنفسهم " بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء وَالنُّون جمع ماهن ككتبة جمع كَاتب والماهن الْخَادِم وَحكى ابْن التِّين أَنه رُوِيَ بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَهُوَ مصدر وَمَعْنَاهُ أَصْحَاب خدمَة أنفسهم (قلت) هِيَ رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد أَكَانَ النَّاس أهل عمل وَلم يكن لَهُم كفاءة أَي لم يكن لَهُم من يكفيهم الْعَمَل من الخدم قَوْله " إِذا راحوا " أَي إِذا ذَهَبُوا بعد الزَّوَال لِأَن حَقِيقَة الرواح بعد الزَّوَال عِنْد أَكثر أهل اللُّغَة وَفِيه سُؤال ذَكرْنَاهُ عَن قريب مَعَ جَوَابه قَوْله " لَو اغتسلتم " كلمة لَو إِمَّا لِلتَّمَنِّي فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب وَإِمَّا على أَصْلهَا فجوابها مَحْذُوف نَحْو لَكَانَ حسنا وَنَحْو ذَلِك (وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ) أَن وَقت الْجُمُعَة بعد الزَّوَال وَهُوَ وَقت الظّهْر وَإِن الِاغْتِسَال مُسْتَحبّ لإِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة حَتَّى لَا يتَأَذَّى النَّاس بل الْمَلَائِكَة أَيْضا - ٩٠٤ - حدَّثنا سُرَيْجُ بنُ النعْمَانِ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ عُثْمانَ بنِ عَبدِ الرَّحْمانِ بنِ عُثْمَانَ التَّيْمِي عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ كانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمُيلُ الشَّمْسُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسريج، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم: ابْن النُّعْمَان بِضَم النُّون الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وفليح، بِضَم الْفَاء، مر فِي أول كتاب الْعلم. قَوْله: (عَن أنس) صرح الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق زيد بن الْحباب عَن فليح بِسَمَاع عُثْمَان لَهُ من أنس. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن الْحسن بن عَليّ عَن زيد بن الْحباب عَن فليح بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع عَن سُرَيج بن النُّعْمَان بِهِ وَعَن يحيى بن مُوسَى عَن أبي دَاوُد عَن فليح نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَقَالَ: وَفِي الْبَاب عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع وَجَابِر وَالزُّبَيْر بن الْعَوام. قلت: وَفِيه أَيْضا عَن سهل بن سعد وَعبد الله بن مَسْعُود وعمار بن يَاسر وَسعد الْقرظِيّ وبلال، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع فَأخْرجهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة خلا التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة إِيَاس بن سَلمَة بن الْأَكْوَع عَن أَبِيه قَالَ: (كُنَّا نصلي مَعَ النَّبِي ﷺ الْجُمُعَة ثمَّ ننصرف وَلَيْسَ للحيطان ظلّ نستظل بِهِ) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (كُنَّا نجمع مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذا زَالَت الشَّمْس ثمَّ نرْجِع نتتبع الْفَيْء) . أما حَدِيث جَابر، فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: (كُنَّا نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ ثمَّ نرْجِع فنريح نواضحنا. قَالَ حسن: يَعْنِي ابْن عَيَّاش، فَقلت لجَعْفَر: فِي أَي سَاعَة تِلْكَ؟ قَالَ: بعد زَوَال الشَّمْس) . وَأما حَدِيث

стр. 1761

الزبير بن الْعَوام فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة مُسلم بن جُنْدُب عَن الزبير قَالَ: (كُنَّا نصلي مَعَ النَّبِي ﷺ الْجُمُعَة ثمَّ ننصرف فنبتدر فِي الأجام فَمَا نجد من الظل إلاّ قدر مَوضِع أقدامنا) . قَالَ يزِيد بن هَارُون، الأجام: الأطام. وَأما حَدِيث سهل بن سعد فَأخْرجهُ البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي، وَأخرجه أَيْضا مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ. وَأما حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) . وَأما حَدِيث عمار بن يَاسر فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) عَنهُ قَالَ: (كُنَّا نصلي الْجُمُعَة ثمَّ ننصرف فَمَا نجد للحيطان فَيْئا نستظل بِهِ) وَأما حَدِيث سعد الْقرظِيّ، فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه عَنهُ: (أَنه كَانَ يُؤذن يَوْم الْجُمُعَة على عهد رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ الْفَيْء مثل الشرَاك) . وَأما حَدِيث بِلَال فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) : (أَنه كَانَ يُؤذن لرَسُول الله ﷺ يَوْم الْجُمُعَة إِذا كَانَ الْفَيْء قدر الشرَاك، إِذا قعد النَّبِي ﷺ على الْمِنْبَر) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أجمع الْعلمَاء على أَن وَقت الْجُمُعَة بعد زَوَال الشَّمْس إلاّ مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: يجوز فعلهَا فِي وَقت صَلَاة الْعِيد، لِأَنَّهَا صَلَاة عيد، وَقَالَ أَحْمد: تجوز قبل الزَّوَال، وَنَقله ابْن الْمُنْذر عَن عَطاء وَإِسْحَاق، وَنَقله الْمَاوَرْدِيّ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي السَّادِسَة. وَقَالَ ابْن قدامَة، فِي (الْمقنع) : يشْتَرط لصِحَّة الْجُمُعَة أَرْبَعَة شُرُوط: أَحدهَا الْوَقْت، وأوله أول وَقت صَلَاة الْعِيد، قَالَ: وَقَالَ الْجرْمِي: يجوز فعلهَا فِي السَّاعَة السَّادِسَة، قَالَ: وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر وَسعد وَمُعَاوِيَة أَنهم صلوها قبل الزَّوَال، وَقَالَ القَاضِي وَأَصْحَابه: يجوز فعلهَا فِي وَقت صَلَاة الْعِيد. قَالَ: وَرُوِيَ ذَلِك عَن عبد الله عَن أَبِيه، قَالَ: نَذْهَب إِلَى أَنَّهَا كَصَلَاة الْعِيد، وَأَرَادَ بِعَبْد الله عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ عَطاء: كل عيد حِين يَمْتَد الضُّحَى الْجُمُعَة والأضحى وَالْفطر، لما رُوِيَ (عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: مَا كَانَ عيدا إلاّ فِي أول النَّهَار، وَلَقَد كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي بِنَا الْجُمُعَة فِي ظلّ الْحطيم) . رَوَاهُ ابْن البخْترِي فِي (أَمَالِيهِ) بِإِسْنَادِهِ، وَاحْتج بعض الْحَنَابِلَة بقوله ﷺ : (إِن هَذَا يَوْم جعله الله عيدا للْمُسلمين) ، قَالُوا: فَلَمَّا سَمَّاهُ عيدا جَازَت الصَّلَاة فِيهِ، فِي وَقت الْعِيد، كالفطر والأضحى، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من تَسْمِيَة يَوْم الْجُمُعَة عيدا أَن يشْتَمل على جَمِيع أَحْكَام الْعِيد، بِدَلِيل أَن يَوْم الْعِيد يحرم وصومه مُطلقًا، سَوَاء صَامَ قبله أَو بعده بِخِلَاف يَوْم الْجُمُعَة بالِاتِّفَاقِ. ١٧ - (بابٌ إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته إِذا اشْتَدَّ الْحر، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا اشْتَدَّ الْحر يَوْم الْجُمُعَة أبرد بهَا، وَإِنَّمَا لم يجْزم بالحكم الَّذِي يفهم من الْجَواب لكَونه لم يتَيَقَّن أَن قَوْله: يَعْنِي الْجُمُعَة، من كَلَام التَّابِعِيّ أَو من كَلَام من دونه، لِأَن قَول أنس: (كَانَ

стр. 1762

النَّبِي ﷺ إِذا اشْتَدَّ الْبرد بكر بِالصَّلَاةِ، وَإِذا اشْتَدَّ الْحر أبرد بِالصَّلَاةِ) ، وَمُطلق يتَنَاوَل الظّهْر وَالْجُمُعَة، كَمَا أَن قَوْله فِي رِوَايَة حميد عَنهُ: (كُنَّا نبكر بِالْجمعَةِ) ، مُطلق يتَنَاوَل شدَّة الْحر وَشدَّة الْبرد، وَالْحَاصِل أَن النَّقْل عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُخْتَلف. فرواية حميد عَنهُ تدل على التبكير بِالْجمعَةِ مُطلقًا، وَرِوَايَة أبي خلدَة عَنهُ تدل على التَّفْصِيل فِيهَا، وَرِوَايَته الثَّانِيَة عَنهُ تدل على أَن هَذَا الحكم بِالصَّلَاةِ مُطلقًا، يَعْنِي: سَوَاء كَانَ جُمُعَة أَو ظهرا، وَرِوَايَته الثَّالِثَة الَّتِي رَوَاهَا عَنهُ بشر بن ثَابت تدل على أَن هَذَا الحكم بِالظّهْرِ، وَيحصل الائتلاف بَين هَذِه الرِّوَايَات بِأَن نقُول: الأَصْل فِي الظّهْر التبكير عِنْد اشتداد الْبرد والإبراد عِنْد اشتداد الْحر، كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَالْأَصْل فِي الْجُمُعَة، التبكير لِأَن يَوْم الْجُمُعَة يَوْم اجْتِمَاع النَّاس وازدحامهم، فَإِذا أخرت يشق عَلَيْهِم: وَقَالَ ابْن قدامَة: وَلذَلِك كَانَ النَّبِي ﷺ يُصليهَا إِذا زَالَت الشَّمْس صيفا وشتاءً على مِيقَات وَاحِد، ثمَّ إِن أنسا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَاس الْجُمُعَة على الظّهْر عِنْد اشتداد الْحر لَا بِالنَّصِّ، لِأَن أَكثر الْأَحَادِيث تدل على التَّفْرِقَة فِي الظّهْر وعَلى التبكير فِي الْجُمُعَة. ٩٠٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ حدَّثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمَارَةَ قالَ حدَّثنا أبُو خَلْدَةَ هُوَ خالِدُ بنُ دِينارٍ قالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يَقُولُ كانَ النبيُّ ﷺ إذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَإذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الجُمُعَةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا اشْتَدَّ الْحر) . ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الْمقدمِي، بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة، وحرمي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء وَكسر الْمِيم: ابْن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم، وَأَبُو خلدَة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام وَبِفَتْحِهَا أَيْضا، وَهُوَ كنية خَالِد بن دِينَار التَّمِيمِي السَّعْدِيّ الْبَصْرِيّ الْخياط، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أحد الروَاة بِصِيغَة النِّسْبَة وَالْآخر بالكنية وتصريح الِاسْم. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ روى هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد فَقَط من أبي خلدَة. قَالَه الغساني، وَأخرجه النَّسَائِيّ وَلم يذكر فِيهِ لفظ: الْجُمُعَة، بل ذكره بعد قَوْله: تَعْجِيل الظّهْر فِي الْبرد. قَالَ يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ أخبرنَا أبُو خَلْدَةَ فَقَالَ بِالصَّلاةِ ولَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) وَلَفظه: (سَمِعت أنس بن مَالك، وَهُوَ مَعَ الحكم أَمِير الْبَصْرَة على السرير، يَقُول: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ الْحر أبرد بِالصَّلَاةِ، وَإِذا كَانَ الْبرد بكر بِالصَّلَاةِ) . قَوْله: (وَقَالَ بِالصَّلَاةِ) ، أَي: وَقَالَ أَبُو خلدَة فِي رِوَايَة يُونُس عَنهُ بِلَفْظ: الصَّلَاة، فَقَط، وَلم يذكر الْجُمُعَة، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي الْحسن: حَدثنَا أَبُو هِشَام عَن يُونُس بِلَفْظ: (إِذا كَانَ الْحر أبرد بِالصَّلَاةِ وَإِذا كَانَ الْبرد بكرها) ، يَعْنِي: الظّهْر، وَكَذَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبيد بن يعِيش عَنهُ بِلَفْظ: (الصَّلَاة) ، فَقَط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: وَلم يذكر الْجُمُعَة، مُوَافق لقَوْل الْفُقَهَاء حَيْثُ قَالُوا: ندب الْإِبْرَاد إلاّ فِي الْجُمُعَة لشدَّة الْخطر فِي فَوَاتهَا، وَلِأَن النَّاس يبكرون إِلَيْهَا فَلَا يتأذون بِالْحرِّ. وَقَالَ بِشْرُ بنُ ثابَتٍ حدَّثنا أبُو خَلْدَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا أميرٌ الجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لأِنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَيْفَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظهْرَ هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق عَن بشر عَن أنس، بِلَفْظ: (إِذا كَانَ الشتَاء بكر بِالظّهْرِ، وَإِذا كَانَ الصَّيف أبرد بهَا، وَلَكِن يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس بَيْضَاء نقية) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. قَوْله: (أَمِير) سَمَّاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب (الْأَدَب الْمُفْرد) على مَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ: الحكم بن أبي عقيل الثَّقَفِيّ، كَانَ نَائِبا عَن ابْن عَمه الْحجَّاج بن يُوسُف، وَكَانَ على طَريقَة

стр. 1763

ابْن عَمه فِي تَطْوِيل الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة حَتَّى يكَاد الْوَقْت أَن يخرج، وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن بطال على أَن وَقت الْجُمُعَة وَقت الظّهْر، لِأَن أنسا سوى بَينهمَا فِي جَوَابه للْحكم الْمَذْكُور، حَتَّى قيل: كَيفَ كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي الظّهْر خلافًا لمن أجَاز الْجُمُعَة قبل الزَّوَال؟ وَقَالَ التَّيْمِيّ: معنى الحَدِيث أَن الْجُمُعَة وَقتهَا وَقت الظّهْر، وَأَنَّهَا تصلى بعد الزَّوَال ويبرد بهَا فِي شدَّة الْحر، وَلَا يكون الْإِبْرَاد إلاّ بعد تمكن الْوَقْت، ١٨ - (بابُ المَشْيِ إلَى الجُمُعَةِ وقَوْلِ الله جَلَّ ذِكْرُهُ فاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ الله ومَنْ قَالَ السَّعْيُ العَمَلُ والذَّهَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ الْإِسْرَاء: ١٩) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمَشْي إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة، أَرَادَ أَن فِي حَالَة الْمَشْي إِلَيْهَا مَا يَتَرَتَّب من الحكم. قَوْله: (وَقَول الله) بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (الْمَشْي) أَي: وَفِي بَيَان معنى قَول الله : ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ (الْجُمُعَة: ٩) . وَالسَّعْي فِي لِسَان الْعَرَب: الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي والاشتداد. وَفِي (الْمُحكم) : السَّعْي عدوٌ دون الشد، سعى يسْعَى سعيا، وَالسَّعْي الْكسْب وكل عمل من خير أَو شَرّ سعي. وَقَالَ ابْن التِّين: ذهب مَالك إِلَى أَن الْمَشْي والمضي يسميان سعيا من حَيْثُ كَانَا عملا، وكل من عمل بِيَدِهِ أَو غَيرهَا، فقد سعى، وَأما السَّعْي بِمَعْنى الجري فَهُوَ الْإِسْرَاع، يُقَال: سعى إِلَى كَذَا بِمَعْنى: الْعَدو، والجري، فيتعدى بإلى، وَإِن كَانَ بِمَعْنى الْعَمَل فيتعدى بِاللَّامِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي قَوْله: ﴿وسعى لَهَا سعيها﴾ (الْإِسْرَاء: ١٩) . أَي: عمل لَهَا وَذهب إِلَيْهَا. فَإِن قلت: هَذَا معدى بِاللَّامِ، وَذَلِكَ بإلى؟ قلت لَا تفَاوت بَينهمَا إلاّ بِإِرَادَة الِاخْتِصَاص والانتهاء. انْتهى كَلَامه. قلت: الْفرق بَين: سعى لَهُ وسعى إِلَيْهِ، بِمَا ذكرنَا، وَهُوَ الَّذِي ذكره أهل اللُّغَة وَإِلَيْهِ أَشَارَ البُخَارِيّ. بقوله: (وَمن قَالَ السَّعْي: الْعَمَل) والذهاب يَعْنِي من فسر السَّعْي بِالْعَمَلِ والذهاب يَقُول بِاللَّامِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وسعى لَهَا سعيها﴾ (الْإِسْرَاء: ١٩) . أَي: عمل لَهَا، وَلَكِن: بِاللَّامِ، لَا تَأتي إلاّ فِي تَفْسِير السَّعْي بِالْعَمَلِ، وَأما فِي تَفْسِير السَّعْي بالذهاب فَلَا يَأْتِي إلاّ بإلى، ثمَّ اخْتلفُوا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ (الْجُمُعَة: ٩) . فَمنهمْ من قَالَ: مَعْنَاهُ: فامضوا، وَاحْتَجُّوا بِأَن عمر وَابْن مَسْعُود، ٠ مَا، كَانَا يقرآن: فامضوا إِلَى ذكر الله. قَالَا: وَلَو قرأناها فَاسْعَوْا لسعينا حَتَّى يسْقط رداؤنا. وَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَرَأَ: فَاسْعَوْا، لَا تزَال تقْرَأ الْمَنْسُوخ؟ كَذَا ذكره ابْن الْأَثِير. وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد، قيل لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن أَبَيَا يقْرَأ: فَاسْعَوْا: فامشوا؟ فَقَالَ عمر: أبي أعلمنَا بالمنسوخ. وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: وَقَرَأَ أبي وَابْن مَسْعُود: فامضوا، وَكَذَا ابْن الزبير فِيمَا ذكره ابْن التِّين، وَمِنْهُم من قَالَ: معنى: فَاسْعَوْا، فاقصدوا. وَفِي تَفْسِير أبي الْقَاسِم الْجَوْزِيّ: فَاسْعَوْا، أَي: فاقصدوا إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة، وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ: فامشوا، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن أبي. وَقَالَ ابْن التِّين: وَلم يذكر أحد من الْمُفَسّرين أَنه الجريء، وَقد ذكرنَا نبذا من ذَلِك فِي أول كتاب الْجُمُعَة. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَحْرُمُ البَيْعُ حِينَئِذٍ أَي: حِين نُودي للصَّلَاة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن حزم من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (لَا يصلح البيع يَوْم الْجُمُعَة حَتَّى يُنَادى للصَّلَاة، فَإِذا قضيت الصَّلَاة فاشترِ وبِعْ) . وَقَالَ الزّجاج: البيع فِي وَقت الزَّوَال من يَوْم الْجُمُعَة إِلَى انْقِضَاء الصَّلَاة كالحرام. وَقَالَ الْفراء: إِذا أذن الْمُؤَذّن حرم البيع وَالشِّرَاء، لِأَنَّهُ إِذا أَمر بترك البيع فقد أَمر بترك الشِّرَاء. وَلِأَن المُشْتَرِي وَالْبَائِع يَقع عَلَيْهِمَا البيعان، وَفِي تَفْسِير إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي: عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (تحرم التِّجَارَة عِنْد الْأَذَان، وَيحرم الْكَلَام عِنْد الْخطْبَة، وَيحل الْكَلَام بعد الْخطْبَة وَتحل التِّجَارَة بعد الصَّلَاة) . وَعَن قَتَادَة: (إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة حرم البيع وَالشِّرَاء) . وَقَالَ الضَّحَّاك: إِذا زَالَت الشَّمْس، وَعَن عَطاء وَالْحسن مثله، وَعَن أَيُّوب: لأهل الْمَدِينَة سَاعَة يَوْم الْجُمُعَة ينادون: حرم البيع، وَذَلِكَ عِنْد خُرُوج الإِمَام وَفِي (المُصَنّف) : عَن مُسلم ابْن يسَار إِذا علمت أَن النَّهَار قد انتصف يَوْم الْجُمُعَة فَلَا تتبايعن شَيْئا. وَعَن مُجَاهِد: من بَاعَ شَيْئا بعد زَوَال الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة فَإِن بَيْعه مَرْدُود. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) قيل: الْمُعْتَبر فِي وجوب السَّعْي وَحُرْمَة البيع هُوَ الْأَذَان الْأَصْلِيّ الَّذِي كَانَ على عهد النَّبِي ﷺ بَين يَدي الْمِنْبَر. قلت: هُوَ مَذْهَب الطَّحَاوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ الْمُعْتَبر فِي وجوب السَّعْي إِلَى الْجُمُعَة على الْمُكَلف، وَفِي حُرْمَة البيع وَالشِّرَاء، وَفِي (فَتَاوَى العتابي) : هُوَ الْمُخْتَار، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأكْثر فُقَهَاء الْأَمْصَار، وَنَصّ فِي المرغيناني: أَنه هُوَ

стр. 1764

الصَّحِيح. وَقَالَ ابْن عمر: الْأَذَان الأول بِدعَة، ذكره ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ: ثمَّ البيع إِذا وَقع فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالشَّافِعِيّ: يجوز البيع مَعَ الْكَرَاهَة، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ مَالك وَأحمد والظاهرية: يبطل البيع. وَفِي (الْمحلى) : يفْسخ البيع إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة، وَلَا يُصَحِّحهُ خُرُوج الْوَقْت، وَلَو كَانَا كَافِرين، وَلَا يُحَرك نِكَاح وَلَا إِجَارَة وَلَا سلم. وَقَالَ مَالك: كَذَلِك فِي البيع الَّذِي فِيهِ سلم، وَكَذَا فِي النِّكَاح وَالْإِجَارَة وَالسّلم، وأباح الْهِبَة وَالْقَرْض وَالصَّدَََقَة. وَعَن الثَّوْريّ: البيع صَحِيح وفاعله عَاص لله تَعَالَى، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: أَن البيع مفسوخ وَهُوَ قَول أَكثر الْمَالِكِيَّة، وروى عَنهُ ابْن وهب وَعلي بن زِيَاد: بئس مَا صنع، ويستغفر الله تَعَالَى. وَقَالَ عَنهُ: وَلَا أرى الرِّبْح فِيهِ حَرَامًا. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا يفسح مَا عقد من النِّكَاح، وَلَا يفْسخ الْهِبَة وَالصَّدَََقَة وَالرَّهْن والحمالة. وَقَالَ أصبغ: يفْسخ النِّكَاح. وَقَالَ ابْن التِّين: كل من لزمَه التَّوَجُّه إِلَى الْجُمُعَة يحرم عَلَيْهِ مَا يمنعهُ مِنْهُ من بيع أَو نِكَاح أَو عمل. قَالَ: وَاخْتلف فِي النِّكَاح وَالْإِجَارَة، قَالَ: وَذكر القَاضِي أَبُو مُحَمَّد: أَن الهبات وَالصَّدقَات مثل ذَلِك. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: من انْتقض وضوؤه فَلم يجد مَاء إلاّ بِثمن جَازَ لَهُ أَن يَشْتَرِيهِ ليتوضأ بِهِ، وَلَا يفْسخ شِرَاؤُهُ. قَالَ الشَّافِعِي: فِي (الام) : وَلَو تبَايع رجلَانِ ليسَا من أهل فرض الْجُمُعَة لم يحرم بِحَال وَلَا يكره، وَإِذا بَايع رجلَانِ من أهل فَرضهَا أَو أَحدهمَا من أهل فَرضهَا. فَإِن كَانَ قبل الزَّوَال فَلَا كَرَاهَة، وَإِن كَانَ بعده وَقبل ظُهُور الإِمَام أَو قبل جُلُوسه على الْمِنْبَر أَو قبل شُرُوع الْمُؤَذّن فِي الْأَذَان بَين يَدي الْخَطِيب كره كَرَاهَة تَنْزِيه، وَإِن كَانَ بعد جُلُوسه وشروع الْمُؤَذّن فِيهِ حرم على الْمُتَبَايعين جَمِيعًا، سَوَاء كَانَ من أهل الْفَرْض أَو أَحدهمَا، وَلَا يبطل البيع. وَحُرْمَة البيع وَوُجُوب السَّعْي مختصان بالمخاطبين بِالْجمعَةِ، أما غَيرهم كالنساء فَلَا يثبت فِي حَقه ذَلِك، وَذكر ابْن أبي مُوسَى فِي غير المخاطبين رِوَايَتَيْنِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا هَذَا التَّعْلِيق عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره الْكَبِير) عَن روح عَن ابْن جريج، قَالَ: قلت لعطاء: هَل من شَيْء يحرم إِذا نُودي بِالْأولِ سوى البيع؟ قَالَ عَطاء: إِذا نُودي بِالْأولِ حرم اللَّهْو وَالْبيع، والصناعات كلهَا بِمَنْزِلَة البيع، والرقاد، وَأَن يَأْتِي الرجل أَهله، وَأَن يكْتب كتابا. وقالَ إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أنْ يَشْهَدَ إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ القريشي الْمدنِي، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي (مراسيله) : حَدثنَا قُتَيْبَة عَن أبي صَفْوَان عَن أبي ذِئْب (عَن صَالح بن أبي كثير أَن ابْن شهَاب خرج لسفر يَوْم الْجُمُعَة من أول النَّهَار، قَالَ: فَقلت لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ خرج لسفر يَوْم الْجُمُعَة من أول النَّهَار) . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: عَن الْفضل حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن ابْن شهَاب بِغَيْر وَاسِطَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلف فِيهِ عَن الزُّهْرِيّ، وَقد روى عَنهُ مثل قَول الْجَمَاعَة. أَي: لَا جُمُعَة على مُسَافر، كَذَا رَوَاهُ الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: هُوَ كالإجماع من أهل الْعلم على ذَلِك لِأَن الزُّهْرِيّ اخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ. وَقيل: يحمل كَلَام الزُّهْرِيّ على حَالين، فَحَيْثُ قَالَ: لَا جُمُعَة على مُسَافر، وَأَرَادَ على طَرِيق الْوُجُوب. وَحَيْثُ قَالَ: فَعَلَيهِ أَن يشْهد، أَرَادَ على طَرِيق الِاسْتِحْبَاب. وَأما رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد عَنهُ فَيمكن أَن تحمل على أَنه إِذا اتّفق حُضُوره فِي مَوضِع تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة فَسمع النداء لَهَا أَنَّهَا تلْزم الْمُسَافِر، وَقَالَ ابْن بطال: وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا جُمُعَة على مُسَافر، حَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عمر وَأنس بن مَالك وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَابْن مَسْعُود وَنَفر من أَصْحَاب عبد الله وَمَكْحُول وَعُرْوَة بن الْمُغيرَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعبد الْملك بن مَرْوَان والشعب وَعمر بن عبد الْعَزِيز. وَلما ذكر ابْن التِّين قَول الزُّهْرِيّ، قَالَ: إِن أَرَادَ وُجُوبهَا فَهُوَ قَول شَاذ، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : أما السّفر لَيْلهَا يَعْنِي: لَيْلَة الْجُمُعَة قبل طُلُوع الْفجْر فَيجوز عندنَا، وَعند الْعلمَاء كَافَّة إلاّ مَا حَكَاهُ الْعَبدَرِي عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: لَا يُسَافر بعد دُخُول الْعشَاء من يَوْم الْخَمِيس حَتَّى يُصَلِّي الْجُمُعَة، وَهَذَا مَذْهَب بَاطِل لَا أصل لَهُ. انْتهى. قلت: بل لَهُ أصل صَحِيح، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن أبي مُعَاوِيَة عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن عَائِشَة، قَالَت: (إِذا أَدْرَكتك لَيْلَة الْجُمُعَة فَلَا تخرج حَتَّى تصلي

стр. 1765

الْجُمُعَة) ، وَأما السّفر قبل الزَّوَال فجوزه عمر بن الْخطاب وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَأبي عُبَيْدَة بن الْجراح وَعبد الله بن عمر وَالْحسن وَابْن سِيرِين، وَبِه قَالَ مَالك وَابْن الْمُنْذر. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : الْأَصَح تَحْرِيمه. وَبِه قَالَت عَائِشَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَحسان بن عَطِيَّة ومعاذ بن جبل. وَأما السّفر بعد الزول يَوْم الْجُمُعَة إِذا لم يخف فَوت الرّفْقَة وَلم يصل الْجُمُعَة فِي طَرِيقه فَلَا يجوز عِنْد مَالك وَأحمد، وَجوزهُ أَبُو حنيفَة. ٩٠٧ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا عَبَابَةُ بنُ رفَاعَةَ قَالَ أدْرَكنِي أبُو عَبْسٍ وَأَنا أذْهَبُ إلَى الجُمُعَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ فِي سبِيلِ الله حَرَّمَهُ الله عَلى النَّار (الحَدِيث ٩٠٧ طرفه فِي: ٢٨١١) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْجُمُعَة تدخل فِي قَوْله: (فِي سَبِيل الله) ، لِأَن السَّبِيل اسْم جنس مُضَاف فَيُفِيد الْعُمُوم، وَلِأَن أَبَا عبس جعل حكم السَّعْي إِلَى الْجُمُعَة حكم الْجِهَاد. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، قد تكَرر ذكره. والوليد بن مُسلم قد مر فِي: بَاب وَقت الْمغرب، وَيزِيد، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الزَّاي ابْن أبي مَرْيَم أَبُو عبد الله الْأنْصَارِيّ الدِّمَشْقِي إِمَام جَامعهَا، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وعباية، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة المخففة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة: ابْن رِفَاعَة، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وَبعد الْألف عين مُهْملَة: ابْن رَافع بن خديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وبالجيم: الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو عبس، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره سين مُهْملَة: واسْمه عبد الرَّحْمَن على الصَّحِيح ابْن جُبَير، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: وَقيل: جَابر بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ الأوسي الْحَارِثِيّ، بَدْرِي مَشْهُور. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الْأَوَّلين من الروَاة مدنيان والآخران دمشقيان. وَفِيه: أَنه لَيْسَ للْبُخَارِيّ فِي الْكتاب من أبي عبس إلاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. وَفِيه: أَن يزِيد هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، لِأَن يزِيد بن أبي مَرْيَم رأى وَاثِلَة بن الْأَسْقَع. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن الْمُبَارك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن أبي عمار الْحُسَيْن بن حُرَيْث عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجِهَاد أَيْضا كَذَلِك، وَلَفظه: قَالَ يزِيد بن أبي مَرْيَم: لَحِقَنِي عَبَايَة بن رَافع بن خديج وَأَنا ماشٍ إِلَى الْجُمُعَة، فَقَالَ: أبشر فَإِن خطاك هَذِه فِي سَبِيل الله، سَمِعت أَبَا عبس يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله فَهُوَ حرَام على النَّار) . وَزَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته: (وَهُوَ رَاكب، فَقَالَ: احتسب خطاك هَذِه) . فَذكر الحَدِيث، وَالظَّاهِر أَن الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَقعت لكل مِنْهُمَا، وَالله أعلم. وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر رَوَاهُ الفلاس عَن أبي نصر التمار عَن كوثر بن حَكِيم عَن نَافِع عَنهُ عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (حرمهَا الله على النَّار) . وَعَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد ابْن الْمقري، وَلَفظه: (مَا اغبرت قدما رجل فِي سَبِيل الله إلاّ حرم الله عَلَيْهِ النَّار) . وَعَن معَاذ يرفعهُ عِنْد ابْن عَسَاكِر، وَلَفظه: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا اغبرت قدما عبد وَلَا وَجهه فِي عمل أفضل عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة بعد الْمَكْتُوبَة من جِهَاد فِي سَبِيل الله) . وَعَن عبَادَة يرفعهُ عِنْد المخلص بِسَنَد جيد: (لَا يجْتَمع غُبَار فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم فِي جَوف امرىء مُسلم) . وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، مثله عِنْد أبي نعيم، وَعَن مَالك بن عبد الله النَّخعِيّ مثله عِنْد أَحْمد، وَعَن أبي الدَّرْدَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الطَّبَرَانِيّ: (لَا تلثموا من الْغُبَار فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ مسك الْجنَّة) ، وَعَن أنس عِنْده أَيْضا (الْغُبَار فِي سَبِيل الله إسفار الْوُجُوه يَوْم الْقِيَامَة) . وَعَن أبي أُمَامَة عِنْد ابْن عَسَاكِر: (مَا من رجل يغبر وَجهه فِي سَبِيل الله إلاّ أَمن الله وَجهه من النَّار، وَمَا من رجل يغبر قدماه فِي سَبِيل الله إلاّ أَمن الله قدمه من النَّار يَوْم الْقِيَامَة) ، وَعَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْد الخلعي: (من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله فَلَنْ يلج النَّار أبدا) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَأَنا أذهب) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَكَذَا وَقع عِنْد البُخَارِيّ أَن الْقِصَّة وَقعت لعباية مَعَ أبي عبس

стр. 1766

وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة عَليّ بن بَحر وَغَيره عَن الْوَلِيد بن مُسلم أَن الْقِصَّة وَقعت ليزِيد بن أبي مَرْيَم مَعَ عَبَايَة، وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَذكرنَا التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ. قَوْله: (اغبرت قدماه) أَي: أَصَابَهَا الْغُبَار، وَإِنَّمَا ذكر الْقَدَمَيْنِ وَإِن كَانَ الْغُبَار يعم الْبدن كُله عِنْد ثورانه: لِأَن أَكثر الْمُجَاهدين فِي ذَلِك الزَّمَان كَانُوا مشَاة والأقدام تتغبر على كل حَال سَوَاء كَانَ الْغُبَار قَوِيا أَو ضَعِيفا، وَلِأَن أساس ابْن آدم على الْقَدَمَيْنِ، فَإِذا سلمت القدمان من النَّار سلم سَائِر أَعْضَائِهِ عَنْهَا. وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي ذكر الْوَجْه فِي سَبِيل الله. ٩٠٨ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِي عنْ سَعِيدٍ وأبِي سلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ وحدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وأْتُوهَا تَمْشُونَ وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلوا وَمَا فاتكُمْ فأَتِمُّوا. (انْظُر الحَدِيث ٦٣٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ وجود لفظ السَّعْي فِي كل مِنْهُمَا، مَعَ الْإِشَارَة إِلَى أَن بَين لَفْظِي السَّعْي فيهمَا مُغَايرَة، بَيَانه أَن السَّعْي الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ (الْجُمُعَة: ٩) . الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة، غير السَّعْي الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث. فِي قَوْله: (فَلَا تأتوها تسعون) ، بَيَان ذَلِك أَن السَّعْي الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْمَأْمُور بِهِ مُفَسّر بالمضي والذهاب، وَالسَّعْي الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث مُفَسّر بالعدو، وَحَيْثُ قابله الْمَشْي، بقوله: (واتوها تمشون) ، وَهَذَا الحَدِيث قد ذكر فِي: بَاب (لَا يسْعَى إِلَى الصَّلَاة وليأتها بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار) فِي أَوَاخِر كتاب الْأَذَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور هُنَا: عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب. وَأخرجه هُنَاكَ أَيْضا من طَرِيق آخر عَن آدم، وَهَهُنَا أخرجه أَيْضا من طَرِيقين الأول: عَن آدم إِلَى آخِره، وَالثَّانِي: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ. وَفِي أَلْفَاظ الحَدِيث بعض تفَاوت، وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (تسعون) جملَة حَالية، فالنهي يتَوَجَّه إِلَيْهِ لَا إِلَى الْإِتْيَان. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ نهى عَنهُ وَالْقُرْآن قد أَمر بِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ (الْجُمُعَة: ٩) . قلت: المُرَاد بالسعي هُنَا هُوَ الْإِسْرَاع، وَفِي الْقُرْآن: الْقَصْد أَو الذّهاب أَو الْعَمَل. انْتهى. قلت: الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن فِي وَجه الْمُطَابقَة يُغني عَن هَذَا السُّؤَال مَعَ جَوَابه. قَوْله: (السكينَة) ، بِالنّصب يَعْنِي: الزموا السكينَة، وَمَعْنَاهَا: الهنيئة والتأني، وَيجوز بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء. ٩٠٩ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍ ّ قَالَ حدَّثني أبُو قُتَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ عنْ يَحْياى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادةَ قَالَ أبُو عَبْدِ الله لَا أعْلَمُهُ إلاّ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٣٧ وطرفه) . وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين التَّرْجَمَة قريب من وَجه الْمُطَابقَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث السَّابِق، وَيُؤْخَذ ذَلِك من لفظ السكينَة، وَإِن كَانَ فِيهِ بعض التعسف. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي أَوَاخِر كتاب الْأَذَان فِي: بَاب مَتى يقوم النَّاس إِذا رَأَوْا الإِمَام عِنْد الْإِقَامَة: عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام، قَالَ: كتب إِلَى يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تروني) ، وَهنا أخرجه: عَن عَمْرو بن عَليّ الفلاس عَن أبي قُتَيْبَة، بِضَم الْقَاف وَفتح الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه سلم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام: ابْن قُتَيْبَة الشعيري، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة: الْخُرَاسَانِي سكن الْبَصْرَة، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ، عَن عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي، بِضَم الْهَاء وَتَخْفِيف النُّون وبالمد، وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) المُرَاد بِهِ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (لَا أعلمهُ) ، هُوَ مقول: قَالَ أَبُو عبد الله، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: لَا أعلم رِوَايَة عبد الله هَذَا الحَدِيث عَن أحد

стр. 1767

إلاّ عَن أَبِيه. وَقَوله: قَالَ أَبُو عبد الله) فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن عِنْده توقف فِي وَصله لكَونه كتبه من حفظه أَو لغير ذَلِك، وَلأَجل ذَلِك قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا مُنْقَطع لِأَن شَيْخه لم يروه إلاّ مُنْقَطِعًا وَأَن حكم البُخَارِيّ بِأَنَّهُ رَوَاهُ من أَبِيه، قيل: فِي الأَصْل هُوَ مَوْصُول لَا شكّ فِيهِ لِأَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرجه عَن ابْن نَاجِية عَن أبي حَفْص، وَهُوَ عَمْرو بن عَليّ شيخ البُخَارِيّ، فَقَالَ فِيهِ: عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه، وَلم يشك. ١٩ - (بابٌ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا يفرق أَي الدَّاخِل الْمَسْجِد بَين اثْنَيْنِ يَوْم الْجُمُعَة. ٩١٠ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ وَدِيعَةَ عنْ سَلْمَانَ الفَارِسيِّ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثُمَّ ادَّهَنَ أوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ ثُمَّ راحَ فلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ إذَا خَرَجَ الإمَامُ أنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى. (انْظُر الحَدِيث ٨٨٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلم يفرق بَين اثْنَيْنِ) ، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب الدّهن للْجُمُعَة. أخرجه: عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب إِلَى آخِره، وَقد تكلمنا هُنَاكَ على مَا يتَعَلَّق بِهِ من سَائِر الْوُجُوه، لَكِن لم نمعن فِي الْكَلَام فِي التَّفْرِيق بَين اثْنَيْنِ، ونذكره هَهُنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وعبدان، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي، وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، وَقد تكَرر ذكره، وَأَبُو سعيد اسْمه كيسَان، وَابْن وَدِيعَة اسْمه عبد الله، ووديعة، بِفَتْح الْوَاو، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَاخْتلفُوا فِي التَّفْرِقَة بَين اثْنَيْنِ وَالْأَشْبَه بتأويله أَن لَا يتخطى رجلَيْنِ أَو يجلس بَينهمَا على ضيق الْموضع، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن أبي هُرَيْرَة: (لِأَن يُصَلِّي أحدكُم بِظهْر الْحرَّة خير لَهُ من أَن يقْعد حَتَّى إِذا قَامَ الإِمَام جَاءَ يتخطى رِقَاب النَّاس) . وَمَعْنَاهُ: أَن المأثم عِنْده فِي التخطي أَكثر من المأثم فِي التَّخَلُّف عَن الْجُمُعَة، كَذَا تَأَوَّلَه القَاضِي أَبُو الْوَلِيد. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: إِن صلَاته بِالْحرَّةِ أحب إِلَيّ من أَن أتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة) . وَعَن سعيد بن الْمسيب مثله، وَقَالَ كَعْب: لِأَن أدع الْجُمُعَة أحب إِلَيّ من أَن أتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة. وَقَالَ سلمَان: إياك والتخطي، واجلس، وَهُوَ قَول عَطاء وَالثَّوْري وَأحمد. وَقد ورد فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سهل بن معَاذ بن أنس عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من تخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة اتخذ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّم) ، وَقَالَ: حَدِيث سهل بن معَاذ عَن أَبِيه حَدِيث غَرِيب. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر بن عبد الله: (أَن رجلا دخل الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة وَرَسُول الله ﷺ يخْطب، فَجعل يتخطى النَّاس فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إجلس فقد آذيت وآنيت) . أخرجه ابْن مَاجَه، وَفِي سَنَده: إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ وَهُوَ ضَعِيف. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن بسر، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد من رِوَايَة أبي الزَّاهِرِيَّة، واسْمه: صدير بن كريب، قَالَ: (كُنَّا مَعَ عبد الله بن بسر، صَاحب النَّبِي ﷺ ، يَوْم الْجُمُعَة فجَاء رجل يتخطى رِقَاب النَّاس وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : إجلس فقد آذيت) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد حسن من رِوَايَة عَمْرو ابْن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة. .) الى آخِره، وَفِيه: (وَمن لَغَا وتخطى رِقَاب النَّاس كَانَت لَهُ ظهرا) ، يَعْنِي: لَا تكون لَهُ كَفَّارَة لما بَينهمَا. وَمِنْهَا: حَدِيث الأرقم أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) : عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِن الَّذِي يتخطى رِقَاب النَّاس وَيفرق بَين اثْنَيْنِ بعد خُرُوج الإِمَام كالجارِّ قصبه فِي النَّار) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (المعجم الْكَبِير) ، وَفِي سَنَده هِشَام بن زِيَاد، ضعفه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث عُثْمَان بن الْأَزْرَق، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَلَفظه: (من تخطى رِقَاب النَّاس بعد خُرُوج الإِمَام وَفرق بَين اثْنَيْنِ كَانَ

стр. 1768

كالجارّ قصبه فِي النَّار) ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عُثْمَان بن الْأَزْرَق لَهُ صُحْبَة، قَالَه فِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تَأْكُل مُتكئا، وَلَا تخط رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة) . وَفِي سَنَده عبد الله بن زُرَيْق، قَالَ الْأَزْدِيّ لم يَصح حَدِيثه. وَمِنْهَا: حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، قَالَ: (بَيْنَمَا النَّبِي ﷺ يخْطب إِذْ جَاءَ رجل فتخطى رِقَاب النَّاس. .) الحَدِيث، وَفِيه: (رَأَيْتُك تخطى رِقَاب النَّاس وتؤذيهم، من آذَى مُسلما فقد آذَانِي، وَمن آذَانِي فقد آذَى الله، . قَوْله: (اتخذ جِسْرًا) ، قَالَ شَيخنَا فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : الْمَشْهُور: اتخذ، على بِنَاء الْمَجْهُول بِمَعْنى: يَجْعَل جِسْرًا على طَرِيق جَهَنَّم ليوطأ ويتخطى كَمَا تخطى رِقَاب النَّاس، فَإِن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل، وَيحْتَمل إِن يكون على بِنَاء الْفَاعِل، أَي: اتخذ لنَفسِهِ جِسْرًا يمشي عَلَيْهِ إِلَى جَهَنَّم بِسَبَب ذَلِك. قَوْله: (وآنيت) أَي: أخرت الْمَجِيء وأبطأت. قَوْله: (قصبه) ، الْقصب، بِضَم الْقَاف: المعاء، وَجمعه: أقصاب، وَقيل: الْقصب إسم للأمعاء كلهَا، وَقيل: هُوَ مَا كَانَ أَسْفَل الْبَطن من الأمعاء. قَوْله: (مُتكئا) أَي: حَال كونك مُتكئا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي التخطي، فمذهبنا أَنه مَكْرُوه إلاّ أَن يكون قدامه فُرْجَة لَا يُصليهَا إلاّ بالتخطي فَلَا يكره حِينَئِذٍ، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَآخَرُونَ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر بكراهته مُطلقًا عَن سلمَان الْفَارِسِي وَأبي هُرَيْرَة، وَكَعب وبن سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَأحمد بن حَنْبَل، وَعَن مَالك: كَرَاهَته إِذا جلس على الْمِنْبَر، وَلَا بَأْس بِهِ قبله. وَقَالَ قَتَادَة: يَتَخَطَّاهُمْ إِلَى مَجْلِسه. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يَتَخَطَّاهُمْ إِلَى السعَة وَهَذَا يشبه قَول الْحسن، قَالَ: لَا بَأْس بالتخطي إِذا كَانَ فِي الْمَسْجِد سَعَة، وَقَالَ أَبُو بصرة: يَتَخَطَّاهُمْ بإذنهم. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا يجوز شَيْء من ذَلِك عِنْدِي، لِأَن الْأَذَى يحرم قَلِيله وَكَثِيره، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهُوَ الْمُخْتَار، وَعند أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة لَا بَأْس بالتخطي والدنو من الإِمَام إِذا لم يؤذ النَّاس. وَقيل: لَا بَأْس بِهِ إِذا لم يَأْخُذ الإِمَام فِي الْخطْبَة، وَيكرهُ إِن أَخذ. وَقَالَ الْحلْوانِي: الصَّحِيح أَن الدنو من الإِمَام أفضل لَا التباعد مِنْهُ، ثمَّ تَقْيِيد التخطي بِالْكَرَاهَةِ يَوْم الْجُمُعَة هُوَ الْمَذْكُور فِي الْأَحَادِيث، وَكَذَلِكَ قَيده التِّرْمِذِيّ فِي حكايته عَن أهل الْعلم، وَكَذَلِكَ قَيده الشَّافِعِيَّة فِي كتب فقههم فِي أَبْوَاب الْجُمُعَة، وَكَذَا هُوَ عبارَة الشَّافِعِي فِي (الْأُم) : وأكره تخطي رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة لما فِيهِ من الْأَذَى وَسُوء الْأَدَب. انْتهى. قلت: هَذَا التَّعْلِيل يَشْمَل يَوْم الْجُمُعَة وَغَيره من سَائِر الصَّلَوَات فِي الْمَسَاجِد وَغَيرهَا، وَسَائِر المجامع من حلق الْعلم وَسَمَاع الحَدِيث ومجالس الْوَعْظ، وعَلى هَذَا يحمل التَّقْيِيد بِيَوْم الْجُمُعَة على أَنه خرج مخرج الْغَالِب لاخْتِصَاص الْجُمُعَة بمَكَان الْخطْبَة وَكَثْرَة النَّاس، بِخِلَاف غَيره. وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَآهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي (مُسْند الفردوس) من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من تخطى حَلقَة قوم بِغَيْر إذْنهمْ فَهُوَ عَاص) ، وَلكنه ضَعِيف لِأَنَّهُ من رِوَايَة جَعْفَر بن الزبير، فَإِنَّهُ كذبه شُعْبَة وَتَركه للنَّاس. ثمَّ اخْتلفُوا فِي كَرَاهَة ذَلِك: هَل هُوَ للتَّحْرِيم أَو لَا؟ فالمتقدمون يطلقون الْكَرَاهَة ويريدون كَرَاهَة التَّحْرِيم وَحكى الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه عَن نَص الشَّافِعِي التَّصْرِيح بِتَحْرِيمِهِ، وَحكى الرَّافِعِيّ فِي الشَّهَادَات عَن صَاحب (الْعدة) أَنه عده من الصَّغَائِر، ونازعه الرَّافِعِيّ وَقَالَ: إِنَّه من المكروهات، وَقَالَ فِي: بَاب الْجُمُعَة: إِن تَركه من المندوبات، وَصرح النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) بِأَنَّهُ مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه. وَقَالَ فِي (زَوَائِد الرَّوْضَة) : إِن الْمُخْتَار تَحْرِيمه، للأحاديث الصَّحِيحَة. وَاقْتصر أَصْحَاب أَحْمد على الْكَرَاهَة فَقَط، وَقَالَ شَارِح التِّرْمِذِيّ: وَيسْتَثْنى من التَّحْرِيم أَو الْكَرَاهَة: الإِمَام أَو من كَانَ بَين يَدَيْهِ فُرْجَة لَا يصل إِلَيْهَا إلاّ بالتخطي، وَأطلق النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) اسْتثِْنَاء الإِمَام وَمن بَين يَدَيْهِ فرجه، وَلم يُقيد الإِمَام بِالضَّرُورَةِ وَلَا الفرجة بِكَوْن التخطي إِلَيْهَا يزِيد على صفّين. وَقيد ذَلِك فِي (شرح الْمُهَذّب) فَقَالَ: فَإِن كَانَ إِمَامًا لم يجد طَرِيقا إِلَى الْمِنْبَر والمحراب إلاّ بالتخطي لم يكره، لِأَنَّهُ ضَرُورَة. وَفِي (الْأُم) : فَإِن كَانَ الزحاام دون الإِمَام لم أكره لَهُ من التخطي مَا أكره للْمَأْمُوم، لِأَنَّهُ مُضْطَر إِلَى أَن يمْضِي إِلَى الْخطْبَة، وَقَالَ فِي (الْأُم) أَيْضا: فَإِن كَانَ دون مدْخل الرجل زحام وأمامه فُرْجَة، وَكَانَ تخطيه إِلَيْهَا بِوَاحِد أَو اثْنَيْنِ رَجَوْت أَن يَسعهُ التخطي، وَإِن كرهته إلاّ أَن لَا يجد السَّبِيل إِلَى مصلى، فِيهِ الْجُمُعَة إلاّ أَن يتخطى، فيسعه التخطي: إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَنقل النَّوَوِيّ عَن الشَّافِعِي فِي (الفروق) : إِنَّه إِذا وصل إِلَيْهَا بتخطي وَاحِد أَو اثْنَيْنِ فَلَا بَأْس بِهِ، فَإِن كَانَ أَكثر من ذَلِك كرهت لَهُ أَن يتخطى، ثمَّ لَا فرق فِي كَرَاهَة التخطي أَو تَحْرِيمه بَين أَن يكون المتخطي من ذَوي الحشمة والأصالة، أَو رجلا صَالحا أَو لَيْسَ فِيهِ وصف مِنْهُمَا. وَنقل صَاحب (الْبَيَان) عَن الْقفال: أَنه لَو كَانَ محتشما أَو مُحْتَرما لم يكره التخطي. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، وَالْأَصْل عدم

стр. 1769

التَّخْصِيص، وَقَالَ الْمُتَوَلِي: إِذا كَانَ لَهُ مَوضِع يألفه وَهُوَ مُعظم فِي نفوس النَّاس لَا يكره لَهُ التخطي قلت: فِيهِ نظر. ٢٠ - (بابٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أخَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ ويَقْعُدُ فِي مَكَانِهِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته لَا يُقيم الرجل. . إِلَى آخِره. قَوْله: (وَيقْعد) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه عطف على: لَا يُقيم، أَي: لَا يُقيم أَخَاهُ وَلَا يقْعد مَكَانَهُ، فَيكون كل مِنْهُمَا مَمْنُوعًا. وَأما النصب فعلى تَقْدِير: وَأَن يقْعد، فَيكون حِينَئِذٍ منعا عَن الْجمع بَين الْإِقَامَة وَالْقعُود، وَيجوز أَن يكون: وَيقْعد، فِي مَحل النصب على الْحَال، فتقديره: وَهُوَ يقْعد، فَيكون مَمْنُوعًا، كَالْأولِ. فَلَو أَقَامَهُ وَلم يقْعد هُوَ فِي مَكَانَهُ لم يكن مرتكبا للنَّهْي، وَلَو أَقَامَهُ وَقعد غَيره فَالْقِيَاس عَلَيْهِ أَن لَا يرتكب النَّهْي. فَإِن قلت: لِمَ قيد التَّرْجَمَة بِيَوْم الْجُمُعَة، مَعَ أَن الحَدِيث الَّذِي أوردهُ فِي الْبَاب مُطلق، والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ التَّقْيِيد بِالْجمعَةِ أخرجه مُسلم من طَرِيق أبي الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن جَابر بِلَفْظ: (لَا يقيمن أحدكُم أَخَاهُ يَوْم الْجُمُعَة، ثمَّ يُخَالف إِلَى مَقْعَده فيقعد فِيهِ، وَلَكِن يَقُول: تَفَسَّحُوا) . وَكَانَ الْمُنَاسب للتَّرْجَمَة هَذَا الحَدِيث قلت: إِنَّمَا لم يخرج هَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ لَيْسَ على شَرطه، وَلَكِن أَشَارَ بِهَذَا الْقَيْد إِلَى هَذَا الحَدِيث. ٩١١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا مَخْلَد بنُ يَزِيدَ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قالَ سَمِعْتُ نافِعا يقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقُولُ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافَعٍ الجُمُعَةَ وغَيْرَهَا. قد ذكرنَا أَن حَدِيث الْبَاب مُطلق والترجمة مُقَيّدَة بِيَوْم الْجُمُعَة، وأجبنا عَنهُ. وَأَيْضًا لما كَانَ يَوْم الْجُمُعَة يَوْم ازدحام فَرُبمَا يحْتَاج شخص فِي الْجُلُوس إِلَى مَكَان الْغَيْر، وَأَيْضًا فِيهِ إِشَارَة إِلَى التبكير، فَمن بكر لم يحْتَج إِلَى شَيْء من ذَلِك. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف اللَّام: ابْن الْفرج أَبُو عبد الله البُخَارِيّ البيكندي، مَاتَ يَوْم الْأَحَد لتسْع خلون من صفر سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: ذكر أَبِيه وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر. وَفِيه: ذكر أحد الروَاة مَنْسُوبا إِلَى جده وَهُوَ ابْن جريج لِأَنَّهُ هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. وَفِيه: أَن الرَّاوِي الأول بخاري وَالثَّانِي حراني وَالثَّالِث مكي وَالرَّابِع مدنِي، والْحَدِيث أخرجه مُسلم، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الاسْتِئْذَان عَن يحيى بن حبيب. ذكر مَعْنَاهُ: قد علم أَن قَول الصَّحَابِيّ: نهى النَّبِي ﷺ أَو قَوْله: أَمر النَّبِي ﷺ . قَوْله: (أَن يُقيم) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: نهى عَن إِقَامَة الرجل أَخَاهُ. قَوْله: (مقعدة) ، بِفَتْح الْمِيم: مَوضِع قعوده. قَوْله: (وَيجْلس) بِالنّصب عطفا على قَوْله: (أَن يُقيم) ، أَي: وَأَن يجلس، وَالْمعْنَى: كل وَاحِد مِنْهُمَا مَنْهِيّ عَنهُ، وَلَو صحت الرِّوَايَة بالرواية بِالرَّفْع لَكَانَ الْكل المجموعي مَنْهِيّا عَنهُ. قَوْله: (قلت لنافع: الْجُمُعَة؟) الْقَائِل لنافع هُوَ ابْن جريج، يَعْنِي هَذَا النَّهْي فِي يَوْم الْجُمُعَة خَاصَّة أَو مُطلقًا؟ قَالَ، أَي: نَافِع: الْجُمُعَة وَغَيرهَا، يَعْنِي: النَّهْي عَام فِي حق سَائِر الْأَيَّام فِي مَوَاضِع الصَّلَوَات. وَقَوله: (الْجُمُعَة) مَرْفُوع عى أَنه مُبْتَدأ. وَقَوله: وَغَيرهَا، عطف عَلَيْهِ، وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: الْجُمُعَة وَغَيرهَا متساويان فِي النَّهْي، أَو التَّقْدِير: مَنْهِيّ عَن الْإِقَامَة فيهمَا وَيجوز النصب فيهمَا أَي: فِي الْجُمُعَة وَغَيرهَا، فَيكون النصب بِنَزْع الْخَافِض. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَجه الْكَرَاهَة فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَنه لَا يفعل إلاّ تكبرا واحتقارا للَّذي يقيمه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا﴾ (الْقَصَص: ٨٣) . وَهَذَا من الْفساد، وَأَيْضًا فالإيثار مَمْنُوع فِي الْأَعْمَال الأخروية، وَلِأَن الْمَسْجِد بَيت الله وَالنَّاس فِيهِ سَوَاء فَمن سبق إِلَى مَكَان فَهُوَ أَحَق بِهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: النَّهْي ظَاهر فِي التَّحْرِيم فَلَا يعدل عَنهُ إلاّ بِدَلِيل

стр. 1770

وَذكر ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) فَإِن قدم صاحبا فَجَلَسَ فِي مَوضِع حَتَّى إِذا قَامَ وَأَجْلسهُ مَكَانَهُ جَازَ، فعل ابْن سِيرِين ذَلِك، كَانَ يُرْسل غُلَامه يَوْم الْجُمُعَة فيجلس فِي مَكَان فَإِذا جَاءَ قَامَ الْغُلَام، فَإِن لم يكن لَهُ نَائِب وَجَاء فَقَامَ لَهُ شخص ليجلسه مَكَانَهُ جَازَ، لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ فَإِن انْتقل الْقَائِم إِلَى مَكَان أقرب لسَمَاع الْخطْبَة فَلَا بَأْس، وَإِن انْتقل إِلَى دونه كره، وَلَو آثر شخصا بمكانه لم يجز لغيره أَن يسْبقهُ إِلَيْهِ لِأَن الْحق للجالس آثر بِهِ غَيره فَقَامَ مقَامه فِي اسْتِحْقَاقه، كَمَا لَو حجر مواتا ثمَّ آثر بِهِ غَيره. وَقَالَ ابْن عقيل: يجوز، لِأَن الْقَائِم أسقط حَقه فَبَقيَ على الأَصْل، وَإِن فرش مُصَلَّاهُ فِي مَكَان فَفِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا يجوز رَفعه وَالْجُلُوس فِي مَوْضِعه لِأَنَّهُ لَا حُرْمَة لَهُ، وَلِأَن السَّبق بالأجسام لَا بالمصلى. وَالثَّانِي: لَا يجوز لِأَنَّهُ رُبمَا يُفْضِي إِلَى الْخُصُومَة، وَلِأَنَّهُ سبق إِلَيْهِ فَصَارَ كحجر الْموَات. وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب من الشَّافِعِيَّة: تجوز إِقَامَة الرجل من مَكَانَهُ فِي ثَلَاث صور: وَهُوَ أَن يقْعد فِي مَوضِع الإِمَام، أَو فِي طَرِيق يمْنَع النَّاس من الْمُرُور فِيهِ، أَو بَين يَدي الصَّفّ مُسْتَقْبل الْقبْلَة. ٢١ - (بابُ الأذَانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَذَان يَوْم الْجُمُعَة مَتى يشرع. ٩١٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ كانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أوَّلُهُ إذَا جَلَسَ الإمامُ عَلَى المِنْبَر عَلى عَهْدِ النَّبِي ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَلَمَّا كانَ عُثْمَانُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكَثُرَ النَّاسُ زادَ النِّدَاءُ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: آدم بن أبي إِيَاس، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، والسائب بن يزِيد الْكِنْدِيّ ابْن اخت النمر. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه عَن السَّائِب، وَفِي رِوَايَة عقيل: عَن ابْن شهَاب أَن السَّائِب ابْن يزِيد أخبرهُ، وَفِي رِوَايَة يونسوفيه: عَن الزُّهْرِيّ سَمِعت السَّائِب، وَسَتَأْتِي هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجُمُعَة عَن أبي نعيم وَعَن يحيى بن بكير وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة الْمرَادِي وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي وَعَن هناد بن السّري وَعَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة الْمرَادِي بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن يُوسُف بن مُوسَى الْقطَّان وَعَن عبد الله بن سعيد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ النداء) ، أَي: الْأَذَان، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة عَن وَكِيع عَن ابْن أبي ذِئْب، (كَانَ الْأَذَان على عهد رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر أذانين يَوْم الْجُمُعَة) يُرِيد بالأذانين: الْأَذَان وَالْإِقَامَة. تَغْلِيبًا، أَو لاشْتِرَاكهمَا فِي الْإِعْلَام وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة عَن أبي عَامر: (عَن ابْن أبي ذِئْب: كَانَ ابْتِدَاء النداء الَّذِي ذكره الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن يَوْم الْجُمُعَة) . قَوْله: (أَوله) ، بِالرَّفْع بدل من النداء. قَوْله: (إِذا جلس الإِمَام على الْمِنْبَر) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا خبر: كَانَ، وَفِي رِوَايَة أبي عَامر الْمَذْكُورَة: (إِذا خرج الإِمَام وَإِذا أُقِيمَت الصَّلَاة) . وَكَذَا فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن أبي فديك عَن ابْن أبي ذِئْب. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: عَن الزُّهْرِيّ (كَانَ بِلَال يُؤذن إِذا جلس النَّبِي ﷺ على الْمِنْبَر، فَإِذا نزل أَقَامَ، ثمَّ كَانَ كَذَلِك فِي زمن أبي بكر وَعمر) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كَانَ يُؤذن بَين يَدي رَسُول الله ﷺ على بَاب الْمَسْجِد وَأبي بكر وَعمر) . وَكَذَا فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ، وَفِي رِوَايَة عبد بن حميد فِي تَفْسِيره: (فِي زمن رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعَامة خلَافَة عُثْمَان، فَلَمَّا تَبَاعَدت الْمنَازل وَكثر النَّاس أَمر بالنداء الثَّالِث فَلم يعب ذَلِك عَلَيْهِ، وعيب عَلَيْهِ إتْمَام الصَّلَاة بمنى) . وَقَالَ الشَّافِعِي، ﵀: حَدثنَا بعض أَصْحَابنَا عَن ابْن أبي ذِئْب، وَفِيه: ثمَّ أحدث عُثْمَان الْأَذَان الأول على الزَّوْرَاء. وَفِي (مُصَنف عبد الرَّزَّاق) : عَن ابْن جريج، قَالَ سُلَيْمَان بن مُوسَى: (أول من زَاد الْأَذَان بِالْمَدِينَةِ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ عَطاء: كلا إِنَّمَا كَانَ يَدْعُو النَّاس دُعَاء وَلَا

стр. 1771

يُؤذن غير أَذَان وَاحِد) ، وَفِيه أَيْضا عَن الْحسن: (النداء الأول يَوْم الْجُمُعَة الَّذِي يكون عِنْد خُرُوج الإِمَام، وَالَّذِي يكون قبل ذَلِك مُحدث) . وَكَذَا قَالَ ابْن عمر فِي رِوَايَة عَنهُ: الْأَذَان الأول يَوْم الْجُمُعَة بِدعَة، وَعَن الزُّهْرِيّ: أول من أحدث الْأَذَان الأول عُثْمَان، يُؤذن لأهل الْأَسْوَاق. وَفِي لفظ: (فأحدث عُثْمَان التأذينة الثَّالِثَة على الزَّوْرَاء ليجتمع النَّاس) . وَوَقع فِي (تَفْسِير جُوَيْبِر) : عَن الضَّحَّاك عَن برد بن سِنَان عَن مَكْحُول (عَن معَاذ بن عمر، هُوَ الَّذِي زَاد: فَلَمَّا كَانَت خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكثر السلمون أَمر مؤذنين أَن يؤذنا للنَّاس بِالْجمعَةِ خَارِجا فِي الْمَسْجِد حَتَّى يسمع النَّاس الْأَذَان، وَأمر أَن يُؤذن بَين يَدَيْهِ كَمَا كَانَ يفعل الْمُؤَذّن بَين يَدي النَّبِي ﷺ وَبَين يَدي أبي بكر، ثمَّ قَالَ عمر أما الْأَذَان الأول فَنحْن ابتدعناه لِكَثْرَة الْمُسلمين فَهُوَ سنة من رَسُول الله ﷺ مَاضِيَة) . وَقيل: إِن أول من أحدث الْأَذَان الأول بِمَكَّة: الْحجَّاج، وبالبصرة: زِيَاد. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان) أَرَادَ أَنه لما صَار خَليفَة. قَوْله: (وَكثر النَّاس) أَي: بِمَدِينَة النَّبِي ﷺ ، وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة الْمَاجشون، وَظَاهر هَذَا أَن عُثْمَان أَمر بذلك فِي ابْتِدَاء خِلَافَته، لَكِن فِي رِوَايَة أبي حَمْزَة عَن يُونُس عِنْد أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) أَن ذَلِك كَانَ بعد مُضِيّ مُدَّة خِلَافَته. قَوْله: (زَاد النداء الثَّالِث) إِنَّمَا سمي ثَالِثا بِاعْتِبَار كَونه مزيدا، لِأَن الأول هُوَ الْأَذَان عِنْد جُلُوس الإِمَام على الْمِنْبَر، وَالثَّانِي هُوَ الْإِقَامَة للصَّلَاة عِنْد نُزُوله، وَالثَّالِث عِنْد دُخُول وَقت الظّهْر فَإِن قلت: هُوَ الأول لِأَنَّهُ مقدم عَلَيْهِمَا قلت: نعم هُوَ أول فِي الْوُجُود، وَلكنه ثَالِث بِاعْتِبَار شرعيته بِاجْتِهَاد عُثْمَان وموافقة سَائِر الصَّحَابَة بِهِ بِالسُّكُوتِ وَعدم الْإِنْكَار، فَصَارَ إِجْمَاعًا سكوتيا وَإِنَّمَا أطلق الْأَذَان على الْإِقَامَة لِأَنَّهَا إِعْلَام كالأذان، وَمِنْه قَوْله ﷺ : (بَين كل أذانين صَلَاة لمن شَاءَ) . وَيَعْنِي بِهِ بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَإِنَّمَا أولناه هَكَذَا حَتَّى لَا يلْزم أَن يكون الْأَذَان ثَلَاثًا، وَلم يكن كَذَلِك، وَلَا يلْزم أَيْضا أَن يكون فِي الزَّمن الأول أذانان، وَلم يكن إلاّ أَذَان وَاحِد، فالأذان الثَّالِث الَّذِي زَاده عُثْمَان هُوَ الأول الْيَوْم، فَيكون الأول: هُوَ الْأَذَان الَّذِي كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ وزمن أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عِنْد الْجُلُوس على الْمِنْبَر، وَالثَّانِي: هُوَ الْإِقَامَة. وَالثَّالِث: الْأَذَان الَّذِي زَاده عُثْمَان، فَأذن بِهِ على الزَّوْرَاء. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قيل اسْتدلَّ البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث على الْجُلُوس على الْمِنْبَر قبل الْخطْبَة، قَالَ بَعضهم: خلافًا لبَعض الْحَنَفِيَّة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) قَوْله: (إِذا جلس الإِمَام على الْمِنْبَر) هَذَا سنة، وَعَلِيهِ عَامَّة الْعلمَاء، خلافًا لأبي حنيفَة، كَذَا قَالَه ابْن بطال وَتَبعهُ ابْن التِّين. وَقَالا: خَالف الحَدِيث قلت: هما خالفا الحَدِيث حَيْثُ نسبا إِلَيْهِ مَا لم يقل، لِأَن مذْهبه مَا ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) . وَإِذا صعد الإِمَام على الْمِنْبَر جلس وَأذن الْمُؤَذّن بَين يَدي الْمِنْبَر، بذلك جرى التَّوَارُث. انْتهى. وَاخْتلف أَن جُلُوس الإِمَام على الْمِنْبَر قبل الْخطْبَة هَل هُوَ للأذان أَو لراحة الْخَطِيب؟ فعلى الأول لَا يسن فِي الْعِيد، لِأَنَّهُ لَا أَذَان لَهُ. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن الْأَذَان قبل الْخطْبَة وَأَن الْخطْبَة قبل الصَّلَاة. وَمِنْه: أَن التأذين كَانَ بِوَاحِد، وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلف الْفُقَهَاء هَل يُؤذن بَين يَدي الإِمَام وَاحِد أَو مؤذنون؟ فَذكر ابْن عبد الحكم عَن مَالك: إِذا جلس على الْمِنْبَر ونادى الْمُنَادِي منع النَّاس من البيع تِلْكَ السَّاعَة، هَذَا يدل على أَن النداء عِنْده وَاحِد بَين يَدي الإِمَام، وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي، وَيشْهد لَهُ حَدِيث السَّائِب: (لم يكن لرَسُول الله ﷺ غير مُؤذن وَاحِد) ، وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بِلَالًا لمواظبته على الْأَذَان دون ابْن أم مَكْتُوم وَغَيره، وَعَن ابْن الْقَاسِم، عَن مَالك: إِذا جلس الإِمَام على الْمِنْبَر وَأخذ المؤذنون فِي الْأَذَان حرم البيع، فَذكر المؤذنون بِلَفْظ الْجَمَاعَة، وَيشْهد لهَذَا حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن ثَعْلَبَة بن أبي مَالك الْقرظِيّ: (أَنهم كَانُوا فِي زمن عمر بن الْخطاب يصلونَ يَوْم الْجُمُعَة حَتَّى يخرج عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَجلسَ على الْمِنْبَر وَأذن المؤذنون. .) الحَدِيث، وَهَكَذَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، قَالَ ابْن عمر: وَمَعْلُوم عِنْد النَّاس أَنه جَائِز أَن يكون المؤذنون وَاحِدًا وَجَمَاعَة فِي كل صَلَاة إِذا كَانَ ذَلِك مترادفا لَا يمْنَع من إِقَامَة الصَّلَاة فِي وَقتهَا، وَعَن الدَّاودِيّ: كَانُوا يُؤذنُونَ فِي أَسْفَل الْمَسْجِد لَيْسُوا بَين يَدي الإِمَام، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جعل من يُؤذن على الزَّوْرَاء، وَهِي كالصومعة، فَلَمَّا كَانَ هِشَام جعل المؤذنين أَو بَعضهم يُؤذنُونَ بَين يَدَيْهِ، فصاروا ثَلَاثَة، فَسُمي فعل عُثْمَان ثَالِثا لذَلِك. فَإِن قلت: قد مر عَن السَّائِب: (لم يكن لرَسُول الله ﷺ غير مُؤذن وَاحِد) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (لم يكن للنَّبِي ﷺ مُؤذن غير وَاحِد) ، فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن ابْن أم مَكْتُوم كَانَ يُؤذن للنَّبِي ﷺ فَلذَلِك قَالَ: (فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تسمعوا

стр. 1772

تأذين ابْن أم مَكْتُوم) ، وَكَانَ من مؤذنيه أَيْضا سعد الْقرظ وَأَبُو مَحْذُورَة والْحَارث الصدائي، فَمَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: أَرَادَ السَّائِب بقوله: (لم يكن لرَسُول الله ﷺ غير مُؤذن وَاحِد) ، يَعْنِي فِي الْجُمُعَة، فَلم ينْقل أَن غَيره كَانَ يُؤذن للْجُمُعَة، فَالَّذِي ورد عَنهُ التأذين يَوْم الْجُمُعَة، بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم ينْقل أَن ابْن أم مَكْتُوم كَانَ يُؤذن للْجُمُعَة. وَأما سعد الْقرظ فَكَانَ جعله مُؤذنًا بقباء، وَأما أَبُو مَحْذُورَة جعله مُؤذنًا بِمَكَّة، شرفها الله تَعَالَى، وَأما الْحَارِث، فَإِنَّهُ تعلم الْأَذَان حَتَّى يُؤذن لِقَوْمِهِ. قَالَ أبُو عُبَيْدِ الله الزَّوْرَاءُ مَوْضِعٌ بالسُّوقِ بالمَدِينَةِ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، والزوراء، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا رَاء ممدودة، وَقد فَسرهَا البُخَارِيّ بقوله: مَوضِع بِالسوقِ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْن بطال: هُوَ حجر كَبِير عِنْد بَاب الْمَسْجِد. قَالَ أَبُو عبيد: هِيَ ممدودة ومتصلة بِالْمَدِينَةِ، وَبهَا كَانَ مَال أحيحة بن الجلاح، وَهِي الَّتِي عنيت بقوله: (إِنِّي مُقيم على الزَّوْرَاء أعمرها ... إِن الْكَرِيم على الإخوان ذُو المَال) وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَمَوِيّ: هِيَ قرب الْجَامِع مُرْتَفعَة كالمنارة، وَيفرق بَينهَا وَبَين أَرض أحيحة وَفِي (فَتَاوَى ابْن يَعْقُوب الخاصي) : هِيَ المأذنة، وَفِيه نظر. وَلم يكن فِي زمن النَّبِي ﷺ مأذنة الَّتِي يُقَال لَهَا: المنارة، نعم كل مَوضِع مُرْتَفع عَال يشبه بالمنارة، وَعند ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة بِلَفْظ: (زَاد النداء الثَّالِث على دَار فِي السُّوق يُقَال لَهَا: الزَّوْرَاء) ، وَعند الطَّبَرَانِيّ: (فَأمر بالنداء الأول على دَار لَهُ يُقَال لَهَا الزَّوْرَاء) . ٢٢ - (بابٌ المُؤَذِّنُ الوَاحِدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: الْمُؤَذّن الْوَاحِد يَوْم الْجُمُعَة، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من قَالَ: (كَانَ النَّبِي، ﷺ ، إِذا رقي الْمِنْبَر وَجلسَ أذن المؤذنون، وَكَانُوا ثَلَاثَة وَاحِدًا بعد وَاحِد، فَإِذا فرغ الثَّالِث قَامَ فَخَطب) . وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ ابْن حبيب. ٩١٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي سَلَمَةَ المَاجِشُونُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ أنَّ الَّذِي زَادَ التَّأذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حينَ كَثُرَ أهْلُ المَدِينَةِ ولَمْ يَكُنْ للنبيِّ ﷺ مُؤذِّنٌ غَيْرُ وَاحِدٍ وكانَ التَّأذِينْ يوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإمامُ يَعْنِي عَلَى المِنْبَرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث أخرجه فِي الْبَاب الَّذِي قبله عَن آدم بن أبي إِيَاس، وَأخرجه هَهُنَا لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة للزِّيَادَة الَّتِي فِيهِ، وَهِي قَوْله: (وَلم يكن للنَّبِي ﷺ مُؤذن غير وَاحِد) ، عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن عبد الْعَزِيز ابْن أبي سَلمَة، بِفَتْح اللَّام الْمَاجشون، بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا، عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره. وَفِيه أَن عُثْمَان هُوَ الَّذِي زَاد الْأَذَان الثَّالِث الَّذِي هُوَ الأول فِي الْوُجُود، كَمَا ذكرنَا وَجهه مستقصىً وَذكرنَا أَيْضا وَجه قَوْله: (وَلم يكن للنَّبِي ﷺ مُؤذن غير وَاحِد) . وَفِيه: أَن الْمُسْتَحبّ أَن يجلس الإِمَام على الْمِنْبَر بعد صُعُوده، إِمَّا للأذان أَو للاستراحة، كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق، وَأَن الْمُسْتَحبّ الْخطْبَة على الْمِنْبَر، فَإِن لم يكن فعلى مَوضِع عَال مشرفٍ، وَسمي الْمِنْبَر أَيْضا بِهِ لِأَنَّهُ من النبر وَهُوَ الِارْتفَاع، وَالْقِيَاس فِيهِ فتح الْمِيم، وَلَكِن المسموع كسرهَا. فَافْهَم. ٢٣ - (بابٌ يُجِيبُ الإمَامُ عَلَى المِنْبَرِ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته يُجيب الإِمَام وَهُوَ على الْمِنْبَر إِذا سمع النداء أَي: الْأَذَان، وَإِنَّمَا أطلق الْأَذَان عَلَيْهِ. وَإِن كَانَ جَوَابا لَهُ، لِأَن صورته صُورَة الْأَذَان. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: يُؤذن، بدل: يُجيب، فَكَأَنَّهُ سَمَّاهُ أذانا لكَونه بِلَفْظِهِ.

стр. 1773

٩١٤ - حدَّثنا بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا أَبُو بَكْرِ بنُ عُثْمَانَ بنُ سَهلِ بنِ حُنَيْفٍ عَن أبي أمامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بنَ أبِي سُفْيَانَ وَهْوَ جالِسٌ عَلى المِنْبَرِ أذَّنَ المُؤذنُ قَالَ ألله أكبرُ الله أكبرُ قَالَ مُعَاوِيةُ الله أكبرُ الله أكْبَرُ قالَ أشهَدُ أنُ لَا إلَهَ إلَاّ الله فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأنا فَقَالَ أشهَدُ أنَّ مُحَمَّدا رَسولُ الله فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنا فلَمَّا أنْ قَضَى التَّأذِين قَالَ يَا أيُّها النَّاسُ إنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ عَلَى هَذَا المَجْلِسِ حِينَ أذَّنَ المُؤَذَّنُ يقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي. (انْظُر الحَدِيث ٦١٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي المجاور بِمَكَّة، ثِقَة صَاحب حَدِيث، مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي. الثَّالِث: أَبُو بكر بن عُثْمَان بن سهل بن حنيف، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء. الرَّابِع: أَبُو أُمَامَة، بِضَم الْهمزَة: واسْمه أسعد بن سهل بن حنيف. الْخَامِس: مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، واسْمه: صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه، وَهِي رِوَايَة أبي بكر عَن أبي أُمَامَة. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: عَن أبي أُمَامَة. وَفِيه: رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة. وَفِيه: أَن الْأَوَّلين من الروَاة مروزيان والاثنان مدنيان. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرج البُخَارِيّ أَيْضا حَدِيث أبي أُمَامَة بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه: فِي بَاب وَقت الْعَصْر، وتكلمنا فِي حَدِيث الْبَاب مستقصىً فِي: بَاب مَا يَقُول إِذا سمع الْمُنَادِي. قَوْله: (وَهُوَ جَالس على الْمِنْبَر) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أَنا) أَي: وَأَنا أشهد أَيْضا بِهِ، أَو وَأَنا أَيْضا أَقُول مثله. قَوْله: (فَلَمَّا أَن قضى) كلمة: أَن، زَائِدَة وَسَقَطت فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَمَعْنَاهُ: فَلَمَّا فرغ. وَفِي راية الْكشميهني: (فَلَمَّا أَن انْقَضى) أَي: انْتهى. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: تعلم الْعلم وتعليمه من الإِمَام وَهُوَ على الْمِنْبَر. وَفِيه: إِجَابَة الْخَطِيب للمؤذن وَهُوَ على الْمِنْبَر. وَفِيه: قَول الْمُجيب: وَأَنا كَذَلِك، وَنَحْوه. وَظَاهره أَن هَذَا الْمِقْدَار يَكْفِي، وَلَكِن الأولى أَن يَقُول مثل قَول الْمُؤَذّن. وَفِيه: إِبَاحَة الْكَلَام قبل الشُّرُوع فِي الْخطْبَة. وَفِيه: الْجُلُوس قبل الْخطْبَة. ٢٤ - (بابُ الجُلُوسِ عَلَى المِنْبَرِ عِنْدَ التَّأذِينِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جُلُوس الْخَطِيب على الْمِنْبَر عِنْد التأذين، أَي: عِنْد الْأَذَان أَو عِنْد تأذين الْمُؤَذّن بَين يَدَيْهِ. ٩١٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيثُ عَن عُقَيلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ السَّائبَ ابنَ يزِيدَ أخبرَهُ أنَّ التَّأذينَ الثَّاني يَومَ الجُمُعَةِ أمرَ بهِ عُثمانُ حِينَ كثُرَ أهْلُ المسْجدِ وكانَ التأذِينُ يومَ الجُمُعة حينَ يَجلِس الإمامُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ التأذين يَوْم الْجُمُعَة. .) إِلَى آخِره. وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول: بَاب التأذين يَوْم الْجُمُعَة حِين يجلس الإِمَام على الْمِنْبَر، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، و: عقيل، بِضَم الْعين الْمُهْملَة: ابْن خَالِد، وَقد تقدم مَا فِيهِ من المباحث. ٥٢ - (بابُ التَّأذِينِ عِنْدَ الخُطْبَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التأذين عِنْد الْخطْبَة أَي: قبلهَا عِنْد إرادتها.

стр. 1774

٩١٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ يَقُولُ إنَّ الأذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كانَ أوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإمامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رسولِ الله ﷺ وَأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فلَمَّا كانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكَثَرُوا أمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأذَانِ الثَّالِثِ فَأذِنَ بهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ فثَبَتَ الأمرُ علَى ذالِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حِين يجلس الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس ابْن يزِيد. قَوْله: (كَانَ أَوله) ، أَي: أول الْأَذَان أَي: قبل أَمر عُثْمَان بِهِ. قَوْله: (وكثروا) أَي: النَّاس. قَوْله: (أَمر) جَوَاب: (فَلَمَّا) . قَوْله: (بِالْأَذَانِ الثَّالِث) قد مر وَجه ذَلِك، وتسميته بالثالث. قَوْله: (فَأذن بِهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من التأذين. قَوْله: (فَثَبت الْأَمر) أَي: أَمر الْأَذَان على ذَلِك، أَي: على أذانين وَإِقَامَة كَمَا أَن الْيَوْم الْعَمَل عَلَيْهِ فِي جَمِيع الْأَمْصَار اتبَاعا للخلف وَالسَّلَف. ٢٦ - (بابُ الخُطْبَةِ عَلَى المِنْبَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخطْبَة على الْمِنْبَر، يَعْنِي مشروعيتها عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لم يقل يَوْم الْجُمُعَة ليتناول الْجُمُعَة وَغَيرهَا. وَقَالَ أنسٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ خطَبَ النبيُّ ﷺ عَلى المِنْبَرِ هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام، وَفِي الْفِتَن مطولا، وَفِيه قصَّة عبد الله بن حذافة، وَحَدِيث أنس أَيْضا فِي الاسْتِسْقَاء فِي قصَّة الَّذِي قَالَ: هلك المَال، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٩١٧ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ القَارِيُّ القُرَشِيُّ اْلإسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ حدَّثنا أبُو حازِمِ بنُ دِينارٍ أنَّ رِجالاً أتَوْا سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وقَدِ امْتَرَوْا فِي المِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَألُوهُ عنْ ذالِكَ فقالَ وَالله إِنِّي لَاعْرِفُ مِمَّا هُوَ ولَقَدْ رَأَيْتُهُ أوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ يَوْمَ جَلَسَ عَلَيْهِ رسولُ الله ﷺ أرْسَلَ رسولُ الله ﷺ إِلَى فُلَانَةَ امْرَأةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ أنْ يَعْمَلَ لِي أعْوَادا أجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفاءِ الغَابَةِ ثُمَّ جاءَ بِهَا إلَى رسولِ الله ﷺ فأمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هاهُنا ثُمَّ رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا وكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَكعَ وَهْوَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى فَسَجدَ فِي أصْلِ المِنْبَرِ ثُمَّ عادَ فَلَمَّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فقالَ أيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا صَنَعْتُ هذَا لتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتِي. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا كلمت النَّاس) إِذْ الْعَادة أَن الْخَطِيب لَا يتَكَلَّم على الْمِنْبَر، إِلَّا بِالْخطْبَةِ. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن هُوَ الْقَارِي، بِالْقَافِ وبالراء المخففة وبياء النِّسْبَة إِلَى القارة، وَهِي قَبيلَة. وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْقرشِي، لِأَنَّهُ حَلِيف بني زهرَة، و: الْمدنِي، لِأَن أَصله من الْمَدِينَة، و: الاسكندراني لِأَنَّهُ سكن فِيهَا وَمَات بهَا سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، واسْمه سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج. الرَّابِع: سهل بن سعد السَّاعِدِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ بلخي، والإثنان مدنيان، والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، جَمِيعهم عَن قُتَيْبَة.

стр. 1775

ذكر مَعْنَاهُ: قد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب الصَّلَاة فِي الْمِنْبَر والسطوح والخشب، وَلَكِن نذْكر هَهُنَا مَا لم نذْكر هُنَاكَ زِيَادَة للْبَيَان وَإِن وَقع فِيهِ بعض تكْرَار، فَنَقُول: قَوْله: (إِن رجَالًا) لم يسموا من هم. قَوْله: (وَقد امتروا) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال من: الامتراء. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ الشَّك، وَقَالَ بَعضهم: من المماراة: وَهِي المجادلة، وَالَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الأصوب. قَوْله: (وَالله إِنِّي لَا أعرف مِمَّا هُوَ) أَي: من أَي شَيْء هُوَ، أَي: عوده، وَإِنَّمَا أَتَى بالقسم مؤكدا بِالْجُمْلَةِ الإسمية وبكلمة: أَن، الَّتِي للتحقيق، وبلام التَّأْكِيد فِي الْخَبَر لإِرَادَة التَّأْكِيد فِيمَا قَالَه للسامع. قَوْله: (وَلَقَد رَأَيْته أول يَوْم وضع) أَي: لقد رَأَيْت الْمِنْبَر فِي أول يَوْم وضع فِي مَوْضِعه، وَهُوَ زِيَادَة على السُّؤَال، وَكَذَا قَوْله: (وَأول يَوْم جلس عَلَيْهِ) ، أَي: أول يَوْم جلس النَّبِي ﷺ على الْمِنْبَر، وَفَائِدَة هَذِه الزِّيَادَة الْمُؤَكّدَة بِاللَّامِ وَكلمَة: قد للإعلام بِقُوَّة مَعْرفَته بِمَا سَأَلُوهُ. قَوْله: (ارسل رَسُول الله ﷺ الى آخِره شرح جَوَابه لَهُم وَبَيَانه فَلذَلِك فَصله عَمَّا قبله وَلم يذكرهُ بعطف قَوْله (إِلَى فُلَانَة) ، فلَان للمذكر وفلانة للمؤنث، كِنَايَة عَن اسْم سمي بِهِ الْمُحدث عَنهُ خَاص غاالب، وَيُقَال فِي غير النَّاس الفلان والفلانة، وَالْمَانِع من صرفه، وجود العلتين: العلمية والتأنيث. وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الصَّلَاة على الْمِنْبَر، مَا قَالُوا فِي إسمها، وَكَذَلِكَ ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي صانع الْمِنْبَر على أَقْوَال كَثِيرَة مستقصاة، وَفِي حَدِيث سهل الْمَذْكُور وَهُنَاكَ: عمله فلَان مولى فُلَانَة، وَهَهُنَا قَوْله: (مري غلامك) تَقْدِيره: أرسل إِلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: مري غلامك، وَهُوَ أَمر من: أَمر يَأْمر، وَأَصله: أؤمري، على وزن افعلي، فاجتمعت همزتان فنقلتا فحذفت الثَّانِيَة واستغنيت عَن همزَة الْوَصْل فَصَارَ مري على وزن: عَليّ، لِأَن الْمَحْذُوف فَاء الْفِعْل. قَوْله: (غلامك النجار) بِنصب النجار لِأَنَّهُ صفة للغلام، وَقد سَمَّاهُ عَبَّاس بن سهل بِأَن اسْمه مَيْمُون، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من رَوَاهُ، وَيُقَال اسْمه: مينا، ذكره إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَبِيه، قَالَ: عمل الْمِنْبَر غُلَام لامْرَأَة من الْأَنْصَار من بني سَلمَة أَو بني سَاعِدَة أَو امْرَأَة لرجل مِنْهُم يُقَال لَهُ مينا. وأشبه الْأَقْوَال الَّتِي ذكرت فِي صانع الْمِنْبَر بِالصَّوَابِ قَول من قَالَ: هُوَ مَيْمُون، لكَون الْإِسْنَاد فِيهِ من طَرِيق سهل بن سعد، وَبَقِيَّة الْأَقْوَال بأسانيد ضَعِيفَة بل فِيهَا شَيْء واه. فَإِن قلت: كَيفَ يكون طَرِيق الْجمع بَين هَذِه الْأَقْوَال وَهِي سَبْعَة على مَا ذكرنَا فِي: بَاب الصَّلَاة على الْمِنْبَر؟ قلت: لَا طَرِيق فِي هَذَا إِلَّا أَن يحمل على وَاحِد بِعَيْنِه مَا هُوَ فِي صَنعته والبقية أعوانه. فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون الْكل قد اشْتَركُوا فِي الْعَمَل؟ قلت: جَاءَ فِي رِوَايَات كَثِيرَة أَنه لم يكن بِالْمَدِينَةِ إلاّ نجار وَاحِد. فَإِن قلت: مَتى كَانَ عمل هَذَا الْمِنْبَر؟ قلت: ذكر ابْن سعد أَنه كَانَ فِي السّنة السَّابِعَة، لَكِن يردهُ ذكر الْعَبَّاس وَتَمِيم فِيهِ، وَكَانَ قدوم الْعَبَّاس بعد الْفَتْح فِي آخر سنة ثَمَان، وقدوم تَمِيم سنة تسع، وَذكر ابْن النجار بِأَنَّهُ كَانَ فِي سنة ثَمَان، وَيَردهُ أَيْضا مَا ورد فِي حَدِيث الْإِفْك فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: فثار الْحَيَّانِ الْأَوْس والخزرج حَتَّى كَادُوا أَن يقتتلوا، وَرَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر، فحفضهم حَتَّى سكتوا) . وَعَن الطُّفَيْل بن أبي ابْن كَعْب عَن أَبِيه قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي إِلَى جذع إِذْ كَانَ الْمَسْجِد عَرِيشًا، وَكَانَ يخْطب إِلَى ذَلِك الْجذع. فَقَالَ رجل من أَصْحَابه: يَا رَسُول الله! هَل لَك أَن نجْعَل لَك منبرا تقوم عَلَيْهِ يَوْم الْجُمُعَة وَتسمع النَّاس يَوْم الْجُمُعَة خطبتك؟ قَالَ: نعم، فَصنعَ لَهُ ثَلَاث دَرَجَات هِيَ على الْمِنْبَر، فَلَمَّا صنع الْمِنْبَر وضع مَوْضِعه الَّذِي وَضعه فِيهِ رَسُول الله ﷺ ، وَبَدَأَ رَسُول الله ﷺ أَن يقوم فيخطب عَلَيْهِ، فَمر إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَازَ الْجذع الَّذِي كَانَ يخْطب إِلَيْهِ خار حَتَّى تصدع وَانْشَقَّ، فَنزل النَّبِي ﷺ لما سمع صَوت الْجذع فمسحه بِيَدِهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَر) . وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (لما وضع النَّبِي ﷺ يَده على الْجذع وسكنه غَار الْجذع فَذهب) . وَقيل: لما سكن لم يزل على حَاله، فَلَمَّا هدم الْمَسْجِد أَخذ ذَلِك أبي بن كَعْب فَكَانَ عِنْده إِلَى أَن بلي وأكلته الأَرْض، فَعَاد رفاتا، رَوَاهُ الشَّافِعِي وَأحمد وَابْن مَاجَه. وَفِي رِوَايَة: لما وضع يَده على الْجذع سكن حنينه، وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى: (لَو لم أفعل ذَلِك لحن إِلَى قيام السَّاعَة) . فَإِن قلت: حكى بعض أهل السّير أَنه ﷺ كَانَ يخْطب على مِنْبَر من طين قبل أَن يتَّخذ الْمِنْبَر الَّذِي من خشب. قلت: يردهُ الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، أَنه ﷺ كَانَ يسْتَند إِلَى الْجذع إِذا خطب. ثمَّ إعلم أَن الْمِنْبَر لم يزل على حَاله ثَلَاث دَرَجَات حَتَّى زَاده مَرْوَان فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سِتّ دَرَجَات من أَسْفَله، وَكَانَ سَبَب ذَلِك مَا حَكَاهُ الزبير بن بكار فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) بِإِسْنَادِهِ إِلَى حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: بعث مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان وَهُوَ عَامله على الْمَدِينَة أَن يحمل الْمِنْبَر إِلَيْهِ فَأمر بِهِ فَقلع: فأظلمت الْمَدِينَة، فَخرج مَرْوَان فَخَطب فَقَالَ:

стр. 1776

إنماأمرني أَمِير المأمنين أَن أرفعه، فَدَعَا نجارا وَكَانَ ثَلَاث دَرَجَات فَزَاد فِيهِ الزِّيَادَة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْم. وَرَوَاهُ من وَجه آخر، قَالَ: فكسفت الشَّمْس حَتَّى رَأينَا النُّجُوم، قَالَ: وَزَاد فِيهِ سِتّ دَرَجَات، وَقَالَ: إِنَّمَا زِدْت فِيهِ حِين كثر النَّاس. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عمر أَن النَّبِي، ﷺ ، لما بدن قَالَ لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ: (أَلا اتخذ لَك منبرا يَا رَسُول الله يجمع أَو يحمل عظامك؟ قَالَ: بلَى، فَاتخذ لَهُ منبرا مرقاتين) أَي: اتخذ لَهُ منبرا دَرَجَتَيْنِ، فبينه وَبَين مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه ثَلَاث دَرَجَات مُنَافَاة. قلت: الَّذِي قَالَ: مرقاتين، لم يعْتَبر الدرجَة الَّتِي كَانَ يجلس عَلَيْهَا ﷺ . وَقَالَ ابْن النجار وَغَيره: اسْتمرّ على ذَلِك إِلَّا مَا أصلح مِنْهُ إِلَى أَن أحترق مَسْجِد الْمَدِينَة سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة، فَاحْتَرَقَ ثمَّ جدد المظفر صَاحب الْيمن سنة سِتّ وَخمسين منبرا ثمَّ أرسل الظَّاهِر بيبرس ﵀ بعد عشر سِنِين منبرا، فأزيل مِنْبَر المظفر فَلم يزل ذَلِك إِلَى هَذَا الْعَصْر، فَأرْسل الْملك الْمُؤَيد شيخ، ﵀، فِي سنة عشْرين وثمان مائَة منبرا جَدِيدا، وَكَانَ أرسل فِي سنة ثَمَانِي عشرَة منبرا جَدِيدا إِلَى مَكَّة أَيْضا. قَوْله: (وأجلس) ، بِالرَّفْع والجزم، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: أما الرّفْع فعلى تَقْدِير: وَأَنا أَجْلِس، وَأما الْجَزْم فَلِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، قَوْله: (من طرفاء الغابة) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَن أبي حَازِم: من أثل الغابة. الطرفاء، بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبعد الرَّاء فَاء ممدودة، وَهُوَ شجر من شجر الْبَادِيَة، وَاحِدهَا طرفَة، بِفَتْح الْفَاء مثل قَصَبَة وقصباء، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: الطرفاء وَأحمد وَجمع. والأثل بِسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، قَالَ الْقَزاز: هُوَ ضرب من الشّجر يشبه الطرفاء، وَقَالَ الْخطابِيّ، هُوَ الشَّجَرَة الطرفاء. قلت: فعلى هَذَا لَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَتَيْنِ، والغاية، بالغين الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة: وَهِي أَرض على تِسْعَة أَمْيَال من الْمَدِينَة كَانَت إبل النَّبِي ﷺ مُقِيمَة بهَا للمرعى، وَبهَا وَقعت قصَّة العرنيين الَّذِي أَغَارُوا على سرحه، وَقَالَ ياقوت: بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة أَرْبَعَة أَمْيَال. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الغابة بريد من الْمَدِينَة من طَرِيق الشَّام. وَفِي (الْجَامِع) : كل شجر ملتف فَهُوَ غابة. وَفِي (الْمُحكم) : الغابة الأجمة الَّتِي طَالَتْ وَلها أَطْرَاف مُرْتَفعَة باسقة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ أجمة الْقصب. قَالَ: وَقد جعلت جمَاعَة الشّجر غابا مأخوذا من الغيابة، وَالْجمع غابات وَغَابَ. قَوْله: (فَأرْسلت) أَي: الْمَرْأَة تعلم النَّبِي ﷺ بِأَنَّهُ فرغ. قَوْله: (فَأمر بهَا فَوضعت) أنث الضَّمِير فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبَار الأعواد والدرجات. قَوْله: (عَلَيْهَا) أَي: على الأعواد. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهَا) ، جملَة حَالية. قَوْله: (ثمَّ نزل الْقَهْقَرَى) ، وَهُوَ الرُّجُوع إِلَى خلف. قيل: يُقَال رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَلَا يُقَال: نزل الْقَهْقَرَى، لِأَنَّهُ نوع من الرُّجُوع لَا من النُّزُول. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لما كَانَ النُّزُول رُجُوعا من فَوق إِلَى تَحت صَحَّ ذَلِك، وَكَانَ الْحَامِل على ذَلِك الْمُحَافظَة على اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَلم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة الْقيام بعد الرُّكُوع وَلَا الْقِرَاءَة بعد التَّكْبِير، وَقد بَين ذَلِك فِي رِوَايَة سُفْيَان عَن أبي حَازِم، وَلَفظه: (كبر فَقَرَأَ وَركع ثمَّ رفع رَأسه ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى) ، وَفِي رِوَايَة هِشَام بن سعد عَن أبي حَازِم عِنْد الطَّبَرَانِيّ: (فَخَطب النَّاس عَلَيْهِ ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فَكبر وَهُوَ على الْمِنْبَر) . قَوْله: (فِي أصل الْمِنْبَر) أَي: على الأَرْض إِلَى جنب الدرجَة السُّفْلى مِنْهُ. قَوْله: (ثمَّ عَاد) ، وَزَاد مُسلم من رِوَايَة عبد الْعَزِيز: (حَتَّى فرغ من آخر صلَاته) . قَوْله: (ولتعلموا) ، بِكَسْر اللَّام وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد اللَّام، وَأَصله: لتتعلموا، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَعرف مِنْهُ أَن الْحِكْمَة فِي صلَاته فِي أَعلَى الْمِنْبَر ليراه من قد يخفى عَلَيْهِ رُؤْيَته إِذا صلى على الأَرْض. وَقَالَ ابْن حزم، وبكيفية هَذِه الصَّلَاة قَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَاللَّيْث وَأهل الظَّاهِر. وَمَالك وَأَبُو حنيفَة لَا يجيزانها، وَقَالَ ابْن التِّين: الْأَشْبَه أَن ذَلِك كَانَ لَهُ خَاصَّة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن من فعل شَيْئا يُخَالف الْعَادة بَين حكمته لأَصْحَابه، فَإِن النَّبِي ﷺ صلى هَذِه الصَّلَاة بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة وَكَانَ ذَلِك لمصْلحَة بيناها، فَنَقُول: إِذا كَانَ مثل ذَلِك لمصْلحَة يَنْبَغِي أَن لَا تفْسد صلَاته وَلَا تكره أَيْضا، كَمَا فِي مَسْأَلَة من انْفَرد خلف الصَّفّ وَحده، فَإِن لَهُ أَن يجذب وَاحِدًا من الصَّفّ إِلَيْهِ ويصطفان، فَإِن المجذوب لَا تبطل صلَاته وَلَو مَشى خطْوَة أَو خطوتين، وَبِه صرح أَصْحَابنَا فِي الْفِقْه. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْفِعْل الْكثير بالخطوات وَغَيرهَا إِذا تفرق لَا يبطل الصَّلَاة، لِأَن النُّزُول عَن الْمِنْبَر والصعود تكَرر، وَجُمْلَته كَثِيرَة، وَلَكِن أَفْرَاده المتفرقة كل وَاحِد مِنْهَا قَلِيل. وَفِيه: اسْتِحْبَاب اتِّخَاذ الْمِنْبَر لكَونه أبلغ فِي مُشَاهدَة الْخَطِيب وَالسَّمَاع مِنْهُ، وَيسْتَحب أَن يكون الْمِنْبَر على يَمِين الْمِحْرَاب مُسْتَقْبل الْقبْلَة فَإِن لم يكن مِنْبَر فموضع عَال، وإلاّ فَإلَى خَشَبَة لِلِاتِّبَاعِ فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يخْطب إِلَى جذع قبل اتِّخَاذ الْمِنْبَر، فَلَمَّا صنع تحول إِلَيْهِ، وَيكرهُ الْمِنْبَر الْكَبِير جدا الَّذِي يضيق على الْمُصَلِّين إِذا لم يكن الْمَسْجِد متسعا. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الِافْتِتَاح بِالصَّلَاةِ فِي كل شَيْء جَدِيد، إِمَّا شكرا وَإِمَّا تبركا.

стр. 1777

٩١٨ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبرنِي يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ أنَسٍ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله قَالَ كانَ جِذْعٌ يَقُومُ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فلَمَّا وُضِعَ لَهُ المنْبَرُ سَمِعْنَا لَلْجِذْعِ مِثْلَ أصْواتِ العِشَارِ حَتَّى نزَلَ النبيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (حَتَّى نزل النَّبِي، ﷺ ، لِأَن نزُول كَانَ بعد صعودة إِلَى الْمِنْبَر. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير ضد قَلِيل الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: ابْن أنس، هُوَ حَفْص بن عبيد الله بن أنس، وَقد بَينه باسمه فِي الرِّوَايَة الْمُعَلقَة الَّتِي تَأتي عَن قريب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مَجْهُول، فَصَارَ الْإِسْنَاد بِهِ من بَاب الرِّوَايَة عَن المجاهيل، ثمَّ أجَاب عَنهُ بِأَن يحيى لما كَانَ لَا يروي إلاّ عَن الْعدْل الضَّابِط فَلَا بَأْس بِهِ، أَو لما علم من الطَّرِيق الَّذِي بعده أَنه حَفْص بن عبيد الله بن أنس، فَاكْتفى بِهِ. وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي (الْأَطْرَاف) : إِنَّمَا أبهم البُخَارِيّ حفصا لِأَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير يَقُول: عبيد الله بن حَفْص فيقبله، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق مُحَمَّد بن مِسْكين عَن ابْن أبي مَرْيَم شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الله بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق عَن يحيى بن سعيد، وَلَكِن أخرجه من طَرِيق أبي الْأَحْوَص مُحَمَّد بن الْهَيْثَم عَن ابْن أبي مَرْيَم، فَقَالَ: عَن حَفْص بن عبيد الله على الصَّوَاب. وَقَالَ: الصَّوَاب فِيهِ حَفْص بن عبيد الله. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : قَالَ بَعضهم: عبد الله بن حَفْص، وَلَا يَصح. وَفِي نُسْخَة أبي ذَر: حَفْص بن عبد الله بتكبير العَبْد وَصَوَابه: عبيد الله، بِالتَّصْغِيرِ. وَحَفْص هَذَا روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم روى عَن جده وَجَابِر بن عبد الله وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يثبت لَهُ السماع إلاّ من جده. وَفِي البُخَارِيّ فِي (عَلَامَات النُّبُوَّة) : عَن جَابر مُصَرحًا بِهِ. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة عَن مَجْهُول صُورَة، وَبينا وَجهه. وَفِيه: لَيْسَ لِابْنِ أنس عَن جَابر فِي البُخَارِيّ إلاّ هَذَا الحَدِيث، قَالَه الْحميدِي فِي جمعه. وَفِيه: إِطْلَاق الابْن على ابْن ابْنه مجَازًا. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ مصري والإثنان مدنيان، وَالرَّابِع بَصرِي. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جذع) ، بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة. قَالَه الْجَوْهَرِي: وَاحِد جُذُوع النّخل. قَوْله: (يقوم عَلَيْهِ) ويروى: (يقوم إِلَيْهِ. قَوْله: (مثل أصوات العشار) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا شين مُعْجمَة، قَالَه الْجَوْهَرِي: العشار جمع عشراء، بِالضَّمِّ، ثمَّ الْفَتْح، وَهِي النَّاقة الْحَامِل الَّتِي مَضَت لَهَا عشرَة أشهر وَلَا يزَال ذَلِك إسمها، إِلَى أَن تَلد. وَفِي (الْمطَالع) : العشار النوق الْحَوَامِل. قَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الَّتِي مَعهَا أَوْلَادهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ الَّتِي قاربت الْولادَة. يُقَال: نَاقَة عشراء ونوق عشار على غير قِيَاس، وَنقل ابْن التِّين: أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَام فعلاء على فعال، غير: نفسَاء وعشراء، وَيجمع على: عشراوات ونفساوات. وَمثل: صَوت الْجذع بِأَصْوَات العشار عِنْد فِرَاق أَوْلَادهَا، وَفِيه علم عَظِيم من أَعْلَام نبوته، ﷺ ، وَدَلِيل على صِحَة رسَالَته، وَهُوَ حنين الجماد، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى جعل للجذع حَيَاة حن بهَا، وَهَذَا من بَاب الإفضال من الرب، ﷻ ، الَّذِي يحيي الْمَوْتَى بقوله: ﴿كن فَيكون﴾ . (الْبَقَرَة: ٢١٧، آل عمرَان: ٤٧ لأ ٥٩، الْأَنْعَام: ٢٧٣، النَّحْل: ٢٤٠، مَرْيَم: ٣٥، ي س: ٨٣، وغافر: ٦٨) . وَفِيه: الرَّد على الْقَدَرِيَّة، لِأَن الصياح ضرب من الْكَلَام وهم لَا يجوزون الْكَلَام إِلَّا مِمَّن لَهُ فَم ولسان. قَالَ سُلَيْمَانُ عنْ يَحْيى أخبَرَني حَفْصُ بنُ عُبَيْدِ الله بنِ أنَسٍ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله هَذَا التَّعْلِيق عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى بن سعيد إِلَى آخِره، وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزعم بَعضهم أَنه سُلَيْمَان بن كثير

стр. 1778

لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد، ورد بِأَن سُلَيْمَان بن كثير قَالَ فِيهِ: عَن يحيى عَن سعيد بن الْمسيب عَن جَابر، كَذَلِك أخرجه الدَّارمِيّ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن أَخِيه سُلَيْمَان فَإِن كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فليحيى بن سعيد فِيهِ شَيْخَانِ، وَقَالَ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : ذكر أَبُو مَسْعُود وَخلف إِن سُلَيْمَان الَّذِي اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة هُوَ ابْن بِلَال، وَذكر أَن سُلَيْمَان بن كثير أَيْضا رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد عَن حَفْص بن عبد الله بن أنس، كَمَا قَالَ سُلَيْمَان وَالَّذِي ذكره الذهلي وَالدَّارَقُطْنِيّ أَن سُلَيْمَان بن كثير رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٩١٩ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عَن سالِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَخْطُبُ علَى المِنْبَرِ فَقَالَ منْ جاءَ إلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧٧ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سَمِعت النَّبِي ﷺ ، وَلأَجل هَذَا الْمِقْدَار أوردهُ هَهُنَا لأجل التَّرْجَمَة. وَأخرج بَقِيَّته فِي: بَاب فضل الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا جَاءَ أحدكُم الْجُمُعَة فليغتسل) . وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب هَل على من لم يشْهد الْجُمُعَة غسل؟ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ وحَدثني سَالم بن عبد الله أَنه سمع عبد الله بن عمر يَقُول: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من جَاءَ مِنْكُم الْجُمُعَة فليغتسل) ، وَهَهُنَا أخرجه عَن آدم عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب. والمستفاد مِنْهُ أَن الْخطْبَة يَنْبَغِي أَن تكون على الْمِنْبَر إِن وجد، وإلاّ فعلى مَوضِع مشرف. ٢٧ - (بابُ الخُطْبةِ قائِما) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْخطْبَة قَائِما، أَي: يكون الْخَطِيب فِيهَا قَائِما، هَذَا التَّقْدِير على كَون الْبَاب مُضَافا إِلَى الْخطْبَة، وَيجوز أَن يَنْقَطِع عَن الْإِضَافَة وينون على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَيكون لفظ: الْخطْبَة، مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء، وَيكون التَّقْدِير: هَذَا بَاب تَرْجَمته الْخطْبَة يخطبها الْخَطِيب حَال كَونه قَائِما. فانتصاب قَائِما على الْوَجْه الأول بِكَوْنِهِ خبر: يكون، وعَلى الْوَجْه الثَّانِي على أَنه حَال من الْخَطِيب، وَهَذَا كُله لَا يَخْلُو عَن تعسف لأجل التعسف فِي تركيب التَّرْجَمَة. وَقَالَ أنَسٌ بَيْنَا النبيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائِما هَذَا التَّعْلِيق مُوَافق للتَّرْجَمَة، وَهُوَ طرف من حَدِيث الاسْتِسْقَاء على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقد مر غير مرّة أَن: بَينا، أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون فَصَارَت ألفا. وَهُوَ ظرف زمَان بِمَعْنى المفاجأة مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة من مُبْتَدأ وَخبر، وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، وَجَوَابه: فِي حَدِيث الاسْتِسْقَاء. والمستفاد مِنْهُ أَن يكون الْخَطِيب قَائِما، لَكِن على أَي وَجه؟ نبينه عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٩٢٠ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ القَوَارِيرِيُّ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائِما ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ كمَا تَفْعَلُونَ الآنَ. . (الحَدِيث ٩٢٠ طرفه فِي: ٩٢٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن عمر بن ميسرَة الْبَصْرِيّ أَبُو سعيد القواريري، والقواريري، بِالْقَافِ: نِسْبَة لمن يعْمل الْقَوَارِير أَو يَبِيعهَا. الثَّانِي: خَالِد بن الْحَارِث بن سليم الهُجَيْمِي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَمر ذكره فِي: بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْقرشِي. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن نصف رُوَاته بَصرِي وَالنّصف الآخر مدنِي. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن القواريري وَأبي كَامِل فُضَيْل بن الْحُسَيْن الجحدري. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن خَالِد بن الْحَارِث وروى أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَن الحكم، (عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه:

стр. 1779

كَانَ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة قَائِما ثمَّ يقْعد ثمَّ يقوم ثمَّ يخْطب) ، اللَّفْظ لِأَحْمَد وَأبي يعلى. قَوْله: (ثمَّ يقْعد) أَي: بعد الْخطْبَة الأولى ثمَّ يقوم للخطبة الثَّانِيَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْإِخْبَار عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه كَانَ يخْطب قَائِما. قَالَ شَيخنَا فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : فِي اشْتِرَاط الْقيام فِي الْخطْبَتَيْنِ إلاّ عِنْد الْعَجز، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة. انْتهى. قلت: لَا يدل الحَدِيث على الِاشْتِرَاط، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه يدل على السّنيَّة. وَفِي (التَّوْضِيح) : الْقيام للقادر شَرط لصحتها، وَكَذَا الْجُلُوس بَينهمَا عِنْد الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه. فَإِن عجز عَنهُ اسْتخْلف، فَإِن خطب قَاعِدا أَو مُضْطَجعا للعجز جَازَ قطعا كَالصَّلَاةِ، وَيصِح الِاقْتِدَاء بِهِ حِينَئِذٍ، وَعِنْدنَا وَجه: أَنَّهَا تصح قَاعِدا للقادر، وَهُوَ شَاذ، نعم هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيّ عَنْهُم، قاسوه على الْأَذَان. وَحكى ابْن بطال عَن مَالك كالشافعي، وَعَن ابْن الْقصار كَأبي حنيفَة، وَنقل ابْن التِّين عَن القَاضِي أبي مُحَمَّد أَنه مسيىء، وَلَا يبطل حجَّة الشَّافِعِي حَدِيث الْبَاب. قلت: حَدِيث الْبَاب لَا يدل على الِاشْتِرَاط، وَاسْتدلَّ بَعضهم للشَّافِعِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِمَا فِي (صَحِيح مُسلم) : (أَن كَعْب بن عجْرَة دخل الْمَسْجِد وَعبد الرَّحْمَن بن أبي الحكم يخْطب قَاعِدا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَطِيب يخْطب قَاعِدا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَرَكُوك قَائِما﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) : (قَالَ كَعْب: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قطّ إِمَام يؤم الْمُسلمين يخْطب وَهُوَ جَالس، يَقُول ذَلِك مرَّتَيْنِ) . وَأجِيب: عَنهُ بِأَن إِنْكَار كَعْب عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ لتَركه السّنة، وَلَو كَانَ الْقيام شرطا لما صلوا مَعَه مَعَ ترك الْفَرْض. فَإِن قلت: روى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة سماك بن حَرْب عَن جَابر ابْن سَمُرَة قَالَ: (كَانَت للنَّبِي، ﷺ ، خطبتان يجلس بَينهمَا يقْرَأ الْقُرْآن وَيذكر النَّاس) وَفِي رِوَايَة: (كَانَ يخْطب قَائِما ثمَّ يجلس ثمَّ يقوم فيخطب قَائِما، فَمن نبأك أَنه كَانَ يخْطب جَالِسا فقد كذب، فقد وَالله صليت مَعَه أَكثر من ألفي صَلَاة) . قلت: هَذَا مَحْمُول على الْمُبَالغَة، لِأَن هَذَا الْقدر من الْجمع إِنَّمَا يكمل فِي نَيف وَأَرْبَعين سنة، وَهَذَا الْقدر لم يصله رَسُول الله ﷺ . فَإِن قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد الصَّلَوَات الْخمس لَا الْجمع، لِأَنَّهُ غير مُمكن. قلت: سِيَاق الْكَلَام يُنَافِي هَذَا التَّأْوِيل، لِأَن الْكَلَام فِي الْجمع لَا فِي الصَّلَوَات الْخمس، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا ذكره ابْن أبي شيبَة عَن طَاوُوس، قَالَ: (خطب رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان قيَاما، وَأول من جلس على الْمِنْبَر مُعَاوِيَة، قَالَ الشّعبِيّ: حِين كثر شَحم بَطْنه ولحمه) . وَرَوَاهُ ابْن حزم عَن على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا، وَالْجَوَاب عَنهُ وَعَن كل حَدِيث ورد فِيهِ الْقيام فِي خطْبَة النَّبِي ﷺ وَعَن قَوْله: ﴿وَتَرَكُوك قَائِما﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . بِأَن ذَلِك إِخْبَار عَن حَالَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عِنْد انقضاضهم، وَبِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يواظب على الشَّيْء الْفَاضِل مَعَ جَوَاز غَيره، وَنحن نقُول بِهِ، وَمن أقوى الْحجَج لِأَصْحَابِنَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ (عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: أَن النَّبِي ﷺ جلس ذَات يَوْم على الْمِنْبَر وَجَلَسْنَا حوله) ، على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَحَدِيث سهل: (مري غلامك يعْمل لي أعوادا أَجْلِس عَلَيْهِنَّ إِذا كلمت النَّاس) . ٢٨ - (بابُ يَسْتَقْبِلُ الإمامُ القومَ وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإمَامَ إِذا خَطَبَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِقْبَال النَّاس الإِمَام، والاستقبال مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَالْإِمَام بِالنّصب مفعول لَهُ، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: بَاب يسْتَقْبل الإِمَام الْقَوْم واستقبال النَّاس الإِمَام إِذا خطب. وَاسْتَقْبَلَ ابنُ عُمَرَ وَأنسٌ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الإمَامَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، أما أثر عبد الله بن عمر فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْوَلِيد بن مُسلم، قَالَ: ذكرت اللَّيْث بن سعد فَأَخْبرنِي عَن ابْن عجلَان عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ يفرغ من سبحته يَوْم الْجُمُعَة قبل خُرُوج الإِمَام، فَإِذا خرج لم يقْعد الإِمَام حَتَّى يستقبله، وَأما أثر أنس بن مَالك فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عبد الصَّمد (عَن المستمر بن رَيَّان، قَالَ: رَأَيْت أنسا إِذا أَخذ الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة فِي الْخطْبَة يستقبله بِوَجْهِهِ حَتَّى يفرغ الإِمَام من خطبَته) . وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من وَجه آخر: (عَن أنس أَنه جَاءَ يَوْم الْجُمُعَة فاستند إِلَى الْحَائِط واستقبل الإِمَام) . قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلَا أعلم فِي ذَلِك خلافًا بَين الْعلمَاء، وَحكى غَيره: (عَن سعيد بن الْمسيب أَنه كَانَ لَا يسْتَقْبل هِشَام بن إِسْمَاعِيل إِذا خطب، فَوكل بِهِ هِشَام شرطيا يعطفه إِلَيْهِ) . وَهِشَام هَذَا هُوَ هِشَام بن إِسْمَاعِيل بن الْوَلِيد بن

стр. 1780

الْمُغيرَة المَخْزُومِي، كَانَ واليا بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ الَّذِي ضرب سعيد بن الْمسيب أفضل التَّابِعين بالسياط، فويل لَهُ من ذَلِك، وَفِي (الْمُغنِي) : رُوِيَ عَن الْحسن أَنه اسْتقْبل الْقبْلَة وَلم ينحرف إِلَى الإِمَام، وروى التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اسْتَوَى على الْمِنْبَر استقبلناه بوجوهنا) . وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن الْفضل، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ ضَعِيف ذَاهِب الحَدِيث عِنْد أَصْحَابنَا، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وَغَيرهم يستحبون اسْتِقْبَال الإِمَام إِذا خطب، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَلَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي ﷺ شَيْء. وروى ابْن مَاجَه عَن عدي بن ثَابت عَن أَبِيه: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا قَامَ على الْمِنْبَر استقبله النَّاس) . وَفِي (سنَن الْأَثر) : عَن مُطِيع أبي يحيى الْمُزنِيّ عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ على الْمِنْبَر أَقبلنَا بوجوهنا إِلَيْهِ) . وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: أخبرنَا هشيم أخبرنَا عبد الحميد بن جَعْفَر الْأنْصَارِيّ بِإِسْنَاد لَا أحفظه، قَالَ: (كَانُوا يجيؤن يَوْم الْجُمُعَة يَجْلِسُونَ حول الْمِنْبَر ثمَّ يقبلُونَ على النَّبِي ﷺ بِوُجُوهِهِمْ) ، وَفِي (الْمَبْسُوط) : كَانَ أَبُو حنيفَة إِذا فرغ الْمُؤَذّن من أَذَانه أدَار وَجهه إِلَى الْأَمَام، وَهُوَ قَول شُرَيْح وطاووس وَمُجاهد وَسَالم وَالقَاسِم وزادان وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء، وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَابْن جَابر وَيزِيد بن أبي مَرْيَم وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهَذَا كالإجماع. ٩٢١ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عَن هلَال بنِ أبي مَيْمُونةَ قَالَ حدَّثنا عَطاءُ بنُ يَسَارٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ إنَّ النبيَّ ﷺ جلَسَ ذاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وجَلَسْنَا حَوْلَهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن جلوسهم حول النَّبِي ﷺ لَا يكون إلاّ وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ، وَهُوَ عين الِاسْتِقْبَال. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: معَاذ بن فضَالة أَبُو زيد الزهْرَانِي الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال: هِلَال بن هِلَال، وَهُوَ هِلَال بن عَليّ، تقدم ذكره فِي أول كتاب الْعلم. الْخَامِس: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، واسْمه: سعد بن مَالك مَشْهُور باسمه وكنيته. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن الأول من الروَاة بَصرِي. وَالثَّانِي أهوازي، وَالثَّالِث يماني وَالرَّابِع وَالْخَامِس مدنيان. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح وَفِي الزَّكَاة عَن معَاذ بن فضَالة أَيْضا وَفِي الرقَاق عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي الطَّاهِر ابْن السَّرْح وَعَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن زِيَاد بن أَيُّوب عَن ابْن علية بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة عِيسَى ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا دنا من منبره يَوْم الْجُمُعَة سلم على من عِنْده، فَإِذا صعده اسْتقْبل النَّاس بِوَجْهِهِ) . لفظ الْبَيْهَقِيّ، وَضَعفه، وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ: (فَإِذا صعد الْمِنْبَر توجه إِلَى النَّاس وَسلم عَلَيْهِم) ، وَعِيسَى بن عبد الله فِيهِ مقَال، وَعَن عدي بن ثَابت عَن أَبِيه أخرجه ابْن مَاجَه، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَعَن مُطِيع أبي يحيى عَن أَبِيه عَن جده أخرجه الْأَثْرَم، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَعَن الْبَراء من طَرِيق أبان بن عبد الله البَجلِيّ أخرجه ابْن خُزَيْمَة، وَقَالَ: إِنَّه مَعْلُول. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: الْحِكْمَة فِي استقبالهم للخطيب أَن يتفرغوا لسَمَاع موعظته وتدبر كَلَامه وَلَا يشتغلوا بِغَيْرِهِ. قَالَ الْفُقَهَاء: إِنَّمَا استدبر الْقبْلَة لِأَنَّهُ إِذا اسْتَقْبلهَا فَإِن كَانَ فِي صدر الْمَسْجِد كَانَ مستديرا للْقَوْم، واستدبارهم وهم المخاطبون قَبِيح خَارج عَن عرف المخاطبات، وَإِن كَانَ فِي آخِره فإمَّا أَن يستقبله الْقَوْم فَيَكُونُوا مستدبرين الْقبْلَة، واستدبار وَاحِد أَهْون من استدبار الْجَمَاعَة، وَإِمَّا أَن يستدبروه فتلزم الْهَيْئَة القبيحة، وَلَو خَالف الْخَطِيب فاستدبرهم واستقبل الْقبْلَة كره وَصحت خطبَته، وَحكى الشَّاشِي وَجها شاذا: أَنه لَا يَصح. فَإِن قلت: مَا المُرَاد باستقبال النَّاس الْخَطِيب؟ هَل المُرَاد من يواجهه؟ أَو المُرَاد جَمِيع أهل

стр. 1781

الْمَسْجِد حَتَّى أَن من هُوَ فِي الصَّفّ الأول وَالثَّانِي وَإِن طَالَتْ الصُّفُوف ينحرفون بأبدانهم أَو بِوُجُوهِهِمْ لسَمَاع الْخطْبَة؟ قلت: الظَّاهِر أَن المُرَاد بذلك من يسمع الْخطْبَة دون من بعد فَلم يسمع فاستقبال الْقبْلَة أولى بِهِ من توجهه لجِهَة الْخَطِيب، ثمَّ إِن الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ جزما باستحباب ذَلِك، وَصرح القَاضِي أَبُو الطّيب بِوُجُوب ذَلِك، ثمَّ بَقِي هُنَا اسْتِقْبَال الْخَطِيب للنَّاس فَذكر الرَّافِعِيّ: أَنه من سنَن الْخطْبَة، وَلَو خطب مستدبرا للنَّاس جَازَ، وَإِن خَالف السّنة. وَحكى فِي (الْبَيَان) وَغَيره وَجه: أَنه لَا يجْزِيه، كَمَا ذكرنَا عَن قريب عَن الشَّاشِي. فَإِن قلت: حول النَّبِي ﷺ ظَهره إِلَى النَّاس فِي خطْبَة الاسْتِسْقَاء؟ قلت: كَانَ ذَلِك تفاؤلاً بِتَغَيُّر الْحَال، كَمَا قلب رِدَاءَهُ فِيهَا تفاؤلاً بذلك، فَأَما فِي الْجُمُعَة فَلم ينْقل ذَلِك مَعَ كَونه قد استسقى فِي خطْبَة الْجُمُعَة وَلم يحول وَجهه فِي الدُّعَاء للْقبْلَة، وكل مِنْهُمَا أصل بِنَفسِهِ لَا يُقَاس عَلَيْهِ غَيره، واستنبط الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره من الحَدِيث الْمَذْكُور أَن الْخَطِيب لَا يلْتَفت يَمِينا وَلَا شمالاً حَالَة الْخطْبَة. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : اتّفق الْعلمَاء على كَرَاهَة ذَلِك، وَهُوَ مَعْدُود فِي الْبدع الْمُنكرَة، خلافًا لأبي حنيفَة، فَإِنَّهُ قَالَ: يلْتَفت يمنة ويسرة كالأذان، نَقله الشَّيْخ أَبُو حَامِد. قلت: فِي هَذَا النَّقْل عَن أبي حنيفَة نظر، وَلَا يَصح ذَلِك عَنهُ، وَمن السّنة عندنَا أَن يتْرك الْخَطِيب السَّلَام من وَقت خُرُوجه إِلَى دُخُوله فِي الصَّلَاة، وَالْكَلَام أَيْضا، وَبِه قَالَ مَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: السّنة إِذا صعد الْمِنْبَر أَن يسلم على الْقَوْم إِذا أقبلهم بِوَجْهِهِ، كَذَا رُوِيَ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ . قلت: هَذَا الحَدِيث أوردهُ ابْن عدي من حَدِيث ابْن عمر فِي تَرْجَمَة عِيسَى بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَضَعفه، وَكَذَا ضعفه ابْن حبَان. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن مجَالد: (عَن الشّعبِيّ، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صعد الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة اسْتقْبل النَّاس فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم. .) قلت: هَذَا مُرْسل فَلَا يحْتَج بِهِ عِنْدهم، وَقَالَ عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام الْكُبْرَى) : هُوَ مُرْسل، وَإِن أسْندهُ أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن لَهِيعَة فَهُوَ مَعْرُوف فِي الضُّعَفَاء، فَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الحَدِيث لَيْسَ بِقَوي. ٢٩ - (بابُ مَنْ قالَ فِي الخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ أمَّا بَعْدُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ فِي الْخطْبَة بعد الثَّنَاء عَن الله كلمة: أما بعد، وَكَانَ البُخَارِيّ، ﵀، لم يجد فِي صفة خطْبَة النَّبِي ﷺ يَوْم الْجُمُعَة حَدِيثا على شَرطه، فاقتصر على ذكر الثَّنَاء وَاللَّفْظ وضع للفصل بَينه وَبَين مَا بعده من موعظة وَنَحْوهَا، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس عَن سِيبَوَيْهٍ: معنى أما بعد، مهما يكن من شَيْء، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: إِذا كَانَ رجل فِي حَدِيث وَأَرَادَ أَن يَأْتِي بِغَيْرِهِ قَالَ: أما بعد، وَأَجَازَ الْفراء: أما بعدا، بِالنّصب والتنوين، و: أما بعد، بِالرَّفْع والتنوين، وَأجَاب هِشَام: أما بعد، بِفَتْح الدَّال. وَاعْلَم أَن: بعد وَقبل، من الظروف الَّتِي قطعت عَن الْإِضَافَة، فَإِذا أُرِيد مِنْهُمَا الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمُتَعَيّن بعد الْقطع يبْنى وَلَا يعرب، وَيكون بناؤهما على الضَّم لِأَن بناءهما عَارض يَزُول بِالْإِضَافَة، فَكَانَت الْحَرَكَة ضمة لِأَنَّهَا لَا توهم إعرابا، لِأَن الضَّم لَا يدخلهما مضافين. وَفِي (الْمُحكم) : مَعْنَاهُ أما بعد دعائي لَك. وَفِي (الْجَامِع) : يَعْنِي بعد الْكَلَام الْمُتَقَدّم، أَو بعد مَا بَلغنِي من الْخَبَر. وَاخْتلف فِي أول من قَالَهَا. فَقيل: دَاوُد، ﵊، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَفِي اسناده ضعف، وَقيل: قس بن سَاعِدَة. وَقيل: يعرب بن قحطان. وَقيل: كَعْب بن لؤَي جد النَّبِي ﷺ . وَقيل: سحبان بن وَائِل. وَفِي (غرائب مَالك) للدارقطني بِسَنَد ضَعِيف: (لما جَاءَ ملك الْمَوْت إِلَى يَعْقُوب، ﵊، قَالَ يَعْقُوب فِي جملَة كَلَامه: أما بعد، فَإنَّا أهل بَيت مُوكل بِنَا الْبلَاء) ، وَذكر الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن عبد الله الرهاوي أَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، رووا هَذِه اللَّفْظَة عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، مِنْهُم: سعد بن أبي وَقاص وَابْن مَسْعُود وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الله وَالْفضل ابْنا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو هُرَيْرَة وَسمرَة بن جُنْدُب وعدي بن حَاتِم وَأَبُو حميد السَّاعِدِيّ وَعقبَة بن عَامر والطفيل بن سَخْبَرَة وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَزيد بن أَرقم وَأَبُو بكرَة وَأنس بن مَالك وَزيد بن خَالِد وقرة بن دعموص والمسور بن مخرمَة وَجَابِر بن سَمُرَة وَعَمْرو بن ثَعْلَبَة ورزين بن أنس السّلمِيّ وَالْأسود بن سريع وَأَبُو شُرَيْح بن عَمْرو وَعَمْرو بن حزم وَعبد الله ابْن عليم وَعقبَة بن مَالك وَأَسْمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ.

стр. 1782

رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: روى القَوْل بِكَلِمَة: أما بعد، فِي الْخطْبَة عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي آخر هَذَا الْبَاب: عَن إِسْمَاعِيل بن أبان عَن ابْن الغسيل عَن عِكْرِمَة: (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: صعد النَّبِي ﷺ الْمِنْبَر) الحَدِيث. ٤٥ - (وَقَالَ مَحْمُود حَدثنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة قَالَ أَخْبَرتنِي فَاطِمَة بنت الْمُنْذر عَن أَسمَاء بنت أبي بكر قَالَت دخلت على عَائِشَة ﵂ وَالنَّاس يصلونَ قلت مَا شَأْن النَّاس فَأَشَارَتْ برأسها إِلَى السَّمَاء فَقلت آيَة فَأَشَارَتْ برأسها أَي نعم قَالَت فَأطَال رَسُول الله ﷺ َ - جدا حَتَّى تجلاني الغشي وَإِلَى جَنْبي قربَة فِيهَا مَاء ففتحتها فَجعلت أصب مِنْهَا على رَأْسِي فَانْصَرف رَسُول الله ﷺ َ - وَقد تجلت الشَّمْس فَخَطب النَّاس وَحمد الله بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ قَالَ أما بعد قَالَت ولغط نسْوَة من الْأَنْصَار فَانْكَفَأت إلَيْهِنَّ لأسكتهن فَقلت لعَائِشَة مَا قَالَ قَالَت قَالَ من شَيْء لم أكن أريته إِلَّا قد رَأَيْته فِي مقَامي هَذَا حَتَّى الْجنَّة وَالنَّار وَإنَّهُ قد أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور مثل أَو قَرِيبا من فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال يُؤْتى أحدكُم فَيُقَال لَهُ مَا علمك بِهَذَا الرجل فَأَما الْمُؤمن أَو قَالَ الموقن شكّ هِشَام فَيَقُول هُوَ رَسُول الله هُوَ مُحَمَّد ﷺ َ - جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهدى فَآمَنا وأجبنا وَاتَّبَعنَا وصدقنا فَيُقَال لَهُ نم صَالحا قد كُنَّا نعلم أَن كنت لتؤمن بِهِ وَأما الْمُنَافِق أَو قَالَ المرتاب شكّ هَاشم فَيُقَال لَهُ مَا علمك بِهَذَا الرجل فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فَقلت قَالَ هِشَام فَلَقَد قَالَت لي فَاطِمَة فأوعيته غير أَنَّهَا ذكرت مَا يغلط عَلَيْهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي قَوْله " ثمَّ قَالَ أما بعد ". (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مَحْمُود بن غيلَان أحد مشايخه مر فِي بَاب النّوم قبل الْعشَاء. الثَّانِي أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع فَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير بن الْعَوام امْرَأَة هِشَام بن عُرْوَة. الْخَامِس أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق أم عبد الله بن الزبير وَعُرْوَة أُخْت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه قَالَ مَحْمُود وَلم يقل حَدثنَا مَحْمُود أَو أخبرنَا لِأَن الظَّاهِر أَنه ذكره لَهُ محاورة ومذاكرة لَا نقلا وتحميلا لَكِن كَلَام أبي نعيم فِي الْمُسْتَخْرج يشْعر بِأَنَّهُ قَالَ حَدثنَا مَحْمُود وَفِيه رِوَايَة الرجل عَن بنت عَمه وَزَوجته وَفِيه رِوَايَة التابعية عَن الصحابية وَفِيه رِوَايَة الصحابية عَن الصحابية وَفِيه شيخ البُخَارِيّ مروزي وَشَيْخه كُوفِي والبقية مَدَنِيَّة (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع قد بَيناهُ فِي بَاب من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة الْيَد وَالرَّأْس فِي كتاب الْعلم وَقد ذكرنَا أَيْضا من أخرجه غير البُخَارِيّ وَذكرنَا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ وَنَذْكُر هَهُنَا مُخْتَصرا عَمَّا قد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ وَمَا لم نذكرهُ قَوْله " وَالنَّاس يصلونَ " جملَة حَالية قَوْله " مَا شَأْن النَّاس " أَي قَائِمين فزعين قَوْله " فَأَشَارَتْ " أَي عَائِشَة قَوْله " فَقلت آيَة " أَصله بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام أَي آيَة وارتفاعها على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي أَهِي آيَة أَي

стр. 1783

عَلامَة لعذاب النَّاس كَأَنَّهَا مُقَدّمَة لَهُ قَوْله " حَتَّى تجلاني " بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْجِيم وَتَشْديد اللَّام وَأَصله تجللني أَي علاني وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة هُنَاكَ قَوْله " الغشي " بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره يَاء آخر الْحُرُوف مُخَفّفَة من غشي عَلَيْهِ غشية وغشيا وغشيانا فَهُوَ مغشي عَلَيْهِ واستغشى بِثَوْبِهِ وتغشى أَي تغطى بِهِ قَوْله " وَقد تجلت الشَّمْس " جملَة حَالية أَي انكشفت قَوْله " ثمَّ قَالَ أما بعد " هَذَا لم يذكر هُنَاكَ قَالَ الْكرْمَانِي كلمة أما لَا بُد لَهَا من أُخْت فَمَا هِيَ إِذا وَقعت بعد الثَّنَاء على الله كَمَا هُوَ الْعَادة فِي ديباجة الرسائل والكتب بِأَن يُقَال الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله أما بعد وَأجَاب بِأَن الثَّنَاء أَو الْحَمد مقدم عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ أما الثَّنَاء على الله فَكَذَا وَأما بعد فَكَذَا وَلَا يلْزم فِي قسيمه أَن يُصَرح بِلَفْظِهِ بل يَكْتَفِي مَا يقوم مقَامه قيل هِيَ من أفْصح الْكَلَام وَهُوَ فصل بَين الثَّنَاء على الله وَبَين الْخَبَر الَّذِي يُرِيد الْخَطِيب إِعْلَام النَّاس بِهِ وَمثل هَذِه الْكَلِمَة تسمى بفصل الْخطاب الَّذِي أُوتِيَ دَاوُد ﵊ لِأَنَّهُ فصل مَا تقدم وَقَالَ الْحسن هِيَ فصل الْقَضَاء وَهِي " الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر " قَوْله " لغط نسْوَة من الْأَنْصَار " اللَّغط بِالتَّحْرِيكِ الْأَصْوَات الْمُخْتَلفَة الَّتِي لَا تفهم قَالَ ابْن التِّين ضَبطه بَعضهم بِفَتْح الْغَيْن وَبَعْضهمْ بِكَسْرِهَا وَهُوَ عِنْد أهل اللُّغَة بِالْفَتْح قَوْله " فَانْكَفَأت " أَي ملت بوجهي وَرجعت إلَيْهِنَّ لأسكتهن وَأَصله من كفأت الْإِنَاء إِذا أملته وكببته قَوْله " مَا من شَيْء " كلمة مَا للنَّفْي وَكلمَة من زَائِدَة لتأكيد النَّفْي وَشَيْء اسْم مَا وَقَوله " لم أكن أريته " جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لشَيْء وَهُوَ مَرْفُوع فِي الأَصْل وَإِن كَانَ جر بِمن الزَّائِدَة وَاسم أكن مستتر فِيهِ وأريته بِضَم الْهمزَة جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا خبر لم أكن قَوْله " إِلَّا وَقد رَأَيْته " اسْتثِْنَاء مفرغ وَتَحْقِيق الْكَلَام قد ذَكرْنَاهُ قَوْله " حَتَّى الْجنَّة وَالنَّار " يجوز فيهمَا الرّفْع على أَن تكون حَتَّى ابتدائية وَرفع الْجنَّة على الِابْتِدَاء مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره حَتَّى الْجنَّة مرئية وَالنَّار عطف عَلَيْهَا وَيجوز فيهمَا النصب على أَن تكون حَتَّى عاطفة على الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي رَأَيْته وَيجوز الْجَرّ أَيْضا على أَن تكون حَتَّى جَارة قَوْله " أُوحِي إِلَيّ " على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " أَنكُمْ " بِفَتْح الْهمزَة قَوْله " مثل أَو قَرِيبا " أَصله مثل فتْنَة الدَّجَّال أَو قَرِيبا من فتْنَة الدَّجَّال وتحقيقه قد مر قَوْله " يُؤْتى " على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " الموقن " أَي الْمُصدق بنبوة مُحَمَّد ﷺ َ - أَو الموقن بنبوته قَوْله " صَالحا " أَي مُنْتَفعا بأعمالك قَوْله " أَن كنت " أَن هَذِه مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة أَي أَن الشَّأْن كنت وَهِي مكسوة وَدخلت اللَّام فِي قَوْله " لموقنا " لتفرق بَين أَن هَذِه وَبَين أَن النافية قَوْله " الْمُنَافِق " هُوَ الْمظهر خلاف مَا يبطن والمرتاب الشاك وَهُوَ فِي مُقَابلَة الموقن وَهَذَا اللَّفْظ مُشْتَرك فِيهِ الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالْفرق تقديري قَوْله " فأوعيته " الأَصْل فِي مثل هَذَا أَن يُقَال وعيته يُقَال وعيت الْعلم وأوعيت الْمَتَاع وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث الْإِسْرَاء ذكر فِي كل سَمَاء أَنْبيَاء قد سماهم فأوعيت مِنْهُم إِدْرِيس فِي الثَّانِيَة هَكَذَا رُوِيَ فَإِن صَحَّ فَيكون مَعْنَاهُ أدخلته فِي وعَاء قلبِي يُقَال أوعيت الشَّيْء فِي الْوِعَاء إِذا أدخلته فِيهِ وَلَو روى وعيت بِمَعْنى حفظت لَكَانَ أبين وَأظْهر يُقَال وعيت الحَدِيث أعيه وعيا فَأَنا واع إِذا حفظته وفهمته وَفُلَان أوعى من فلَان أَي أحفظ وَأفهم وَهَهُنَا كَذَلِك إِن صحت الرِّوَايَة فَيكون مَعْنَاهُ أدخلته فِي وعَاء قلبِي وَإِلَّا فَالْقِيَاس وعيته بِدُونِ الْهمزَة فَافْهَم وَفِي بعض النّسخ فوعيته على الأَصْل قَوْله " مَا يغلظ عَلَيْهِ " ويروى " مَا يغلظ فِيهِ " (وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) الافتتان فِي الْقَبْر وَهُوَ الاختبار وَلَا فتْنَة أعظم من هَذِه الْفِتْنَة وَقد وَردت فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة. مِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِذا قبر الْمَيِّت أَو قَالَ أحدكُم أَتَاهُ ملكان أسودان أزرقان يُقَال لأَحَدهمَا الْمُنكر وَللْآخر النكير فَيَقُولَانِ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول مَا كَانَ يَقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول هَذَا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي سبعين ثمَّ ينور لَهُ فِيهِ ثمَّ يُقَال لَهُ نم فَيَقُول أرجع إِلَى أَهلِي فَأخْبرهُم فَيَقُولَانِ نم كنومة الْعَرُوس الَّذِي لَا يوقظه إِلَّا أحب أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك فَإِن كَانَ منافقا قَالَ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ فَقلت مثله لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول ذَلِك فَيُقَال للْأَرْض التئمي عَلَيْهِ فتلتئم عَلَيْهِ فتختلف أضلاعه فَلَا يزَال فِيهَا معذبا حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك " انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيّ من هَذَا الْوَجْه وَله طَرِيق آخر من رِوَايَة

стр. 1784

سعيد بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه ابْن مَاجَه عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِن الْمَيِّت يصير إِلَى الْقَبْر فيجلس الرجل الصَّالح فِي قَبره غير فزع وَلَا مشغوب ثمَّ يُقَال لَهُ فيمَ كنت فَيَقُول كنت فِي الْإِسْلَام فَيُقَال لَهُ مَا هَذَا الرجل فَيَقُول مُحَمَّد رَسُول الله جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله فَصَدَّقْنَاهُ فَيُقَال لَهُ هَل رَأَيْت الله فَيَقُول مَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرى الله فتفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَا وقاك الله ثمَّ يفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك وَيُقَال لَهُ على الْيَقِين كنت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله وَيجْلس الرجل السوء فِي قَبره فَزعًا مشغوبا فَيُقَال لَهُ فيمَ كنت فَيَقُول لَا أَدْرِي فَيُقَال لَهُ مَا هَذَا الرجل فَيَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فقلته فيفرج لَهُ قبل الْجنَّة فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَا صرف الله عَنْك ثمَّ يفرج لَهُ فُرْجَة إِلَى النَّار فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك على الشَّك كنت عَلَيْهِ ومت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله " وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى فِي التَّفْسِير وَفِي الْمَلَائِكَة من هَذَا الْوَجْه وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث أنس وَفِيه قَالَ " إِن الْمُؤمن إِذا وضع فِي قَبره أَتَاهُ ملك فَيَقُول لَهُ مَا كنت تعبد فَإِن الله إِذا هداه قَالَ كنت أعبد الله فَيُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله وَمَا يسْأَل عَن شَيْء غَيرهَا فَينْطَلق بِهِ إِلَى بَيت كَانَ لَهُ فِي النَّار فَيُقَال لَهُ هَذَا بَيْتك كَانَ فِي النَّار وَلَكِن الله عصمك ورحمك فأبدلك بِهِ بَيْتا فِي الْجنَّة فَيَقُول دَعونِي حَتَّى أذهب فأبشر أَهلِي فَيُقَال لَهُ اسكن وَإِن الْكَافِر إِذا وضع فِي قَبره أَتَاهُ ملك فيهزه فَيَقُول لَهُ مَا كنت تعبد فَيَقُول لَا أَدْرِي فَيَقُول لَهُ لَا دَريت وَلَا تليت فَيُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس فيضربه بمطراق من حَدِيد بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا الْخلق غير الثقلَيْن " وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث الْبَراء على اخْتِلَاف طرقه وَفِيه " ثمَّ يقيض لَهُ أعمى أبكم مَعَه مرزبة من حَدِيد لَو ضرب بهَا جبل لصار تُرَابا قَالَ فَيضْرب ضَرْبَة يسْمعهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب إِلَّا الثقلَيْن فَيصير تُرَابا ثمَّ يُعَاد فِيهِ الرّوح ". وَأخرج أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدِيث الْبَراء بن عَازِب " يَقُول العَبْد هُوَ رَسُول الله " الحَدِيث " وَفِيه يمثل لَهُ عمله فِي هَيْئَة رجل حسن الْوَجْه طيب الرّيح حسن الثِّيَاب فَيَقُول أبشر بِمَا أعد الله لَك أبشر برضوان الله تَعَالَى وجنات فِي نعيم مُقيم فَيَقُول بشرك الله بِخَير من أَنْت فوجهك الَّذِي جَاءَ بِالْخَيرِ فَيَقُول هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد أَنا عَمَلك الصَّالح ". وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا " فيأتيه الْملكَانِ أعينهما مثل قدور النّحاس " وَفِي رِوَايَة معمر " أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف مَعَهُمَا مرزبة من حَدِيد لَو اجْتمع عَلَيْهَا أهل الأَرْض لم يقلوها ". وَعند الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ " خلقهما لَا يشبه خلق الْآدَمِيّين وَلَا خلق الْمَلَائِكَة وَلَا خلق الطير وَلَا خلق الْبَهَائِم وَلَا خلق الْهَوَام بل هما خلق بديع " الحَدِيث وروى أَبُو نعيم من حَدِيث جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول " إِن ابْن آدم لفي غَفلَة عَمَّا خلقه الله " الحَدِيث وَفِيه " فَإِذا أَدخل حفرته رد الرّوح فِي جسده ثمَّ يرْتَفع ملك الْمَوْت ثمَّ جَاءَهُ ملكا الْقَبْر فامتحناه " وَذكر بَقِيَّة الحَدِيث. وَقد رُوِيَ فِي عَذَاب الْقَبْر عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وهم أَبُو هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالْبُخَارِيّ وَزيد بن ثَابت عِنْد مُسلم وَابْن عَبَّاس عِنْد السِّتَّة وَأَبُو أَيُّوب عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَالنَّسَائِيّ وَأنس عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَجَابِر عِنْد ابْن مَاجَه وَعَائِشَة عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو سعيد عِنْد ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره وَابْن عمر عِنْد النَّسَائِيّ وَعمر بن الْخطاب عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَسعد عِنْد البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَسْعُود عِنْد الطَّحَاوِيّ وَزيد بن أَرقم عِنْد مُسلم وَأَبُو بكرَة عِنْد النَّسَائِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَعبد الله بن عَمْرو عِنْد النَّسَائِيّ وَأَسْمَاء بنت أبي بكر عِنْد البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَسْمَاء بنت يزِيد عِنْد النَّسَائِيّ وَأم مُبشر عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف وَأم خَالِد عِنْد البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ ٤٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن معمر قَالَ حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن جرير بن حَازِم قَالَ سَمِعت الْحسن يَقُول حَدثنَا عَمْرو بن تغلب أَن رَسُول الله ﷺ َ - أُتِي بِمَال أَو سبي فَقَسمهُ فَأعْطى رجَالًا

стр. 1785

وَترك رجَالًا فَبَلغهُ أَن الَّذين ترك عتبوا فَحَمدَ الله ثمَّ أثنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فوَاللَّه إِنِّي لأعطي الرجل وأدع الرجل وَالَّذِي أدع أحب إِلَيّ من الَّذِي أعطي وَلَكِن أعطي أَقْوَامًا لما أرى فِي قُلُوبهم من الْجزع والهلع وَأكل أَقْوَامًا إِلَى مَا جعل الله فِي قُلُوبهم من الْغنى وَالْخَيْر فيهم عَمْرو بن تغلب فوَاللَّه مَا أحب أَن لي بِكَلِمَة رَسُول الله ﷺ َ - حمر النعم " مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " ثمَّ قَالَ أما بعد ". (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُحَمَّد بن معمر بِفَتْح الميمين أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ الْعَبْسِي الْمَعْرُوف بالبحراني ضد البراني. الثَّانِي أَبُو عَاصِم النَّبِيل واسْمه الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّالِث جرير بِفَتْح الْجِيم وتكرار الراءين ابْن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي. الرَّابِع الْحسن الْبَصْرِيّ. الْخَامِس عَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن تغلب بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة الْعَبْدي التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ رُوِيَ لَهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - حديثان رَوَاهُمَا البُخَارِيّ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين فِي الروَاة وَفِي مَوضِع آخر عَن الصَّحَابِيّ وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه السماع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون وَفِيه أَن هَذَا الحَدِيث من إِفْرَاد البُخَارِيّ. وَأخرجه أَيْضا فِي الْخمس عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّوْحِيد عَن أبي النُّعْمَان وَقَالَ عبد الْغَنِيّ لم يرو عَن عَمْرو بن تغلب غير الْحسن الْبَصْرِيّ فِيمَا قَالَه غير وَاحِد (قلت) لَعَلَّ مُرَاده فِي الصَّحِيح وَإِلَّا فقد قَالَ ابْن عبد الْبر أَن الحكم بن الْأَعْرَج روى عَنهُ أَيْضا كَمَا نبه عَلَيْهِ الْمزي ﵀ (فَإِن قلت) قَالَ الحكم وَعَلِيهِ الْجُمْهُور أَن شَرط البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَن لَا يذكر إِلَّا حَدِيثا رَوَاهُ صَحَابِيّ مَشْهُور عَن رَسُول الله ﷺ َ - وَله راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ تَابِعِيّ مَشْهُور وَله أَيْضا راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ كَذَلِك فِي كل دَرَجَة وَهَذَا الحَدِيث لم يروه عَن عَمْرو بن تغلب إِلَّا راو وَاحِد وَهُوَ الْحسن (قلت) قد ذكرت لَك أَن الحكم بن الْأَعْرَج روى عَنهُ أَيْضا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَتَى بِالْمَالِ أَو بِشَيْء " بالشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا همزَة ويروى بسبي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف ويروى " أَو سبي " بِدُونِ حرف الْبَاء وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " أَتَى بِمَال من الْبَحْرين " قَوْله " فَبَلغهُ أَن الَّذين ترك " كَذَا بِخَط الْحَافِظ الدمياطي وَقَالَ الْحَافِظ قطب الدّين الَّذِي فِي أصل روايتنا " أَن الَّذِي ترك " (قلت) الضَّمِير الَّذِي فِي ترك يرجع إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره أَن الَّذين تَركهم رَسُول الله ﷺ َ - عتبوا حَيْثُ حرمُوا عَن الْعَطاء وَأما وَجه أَن الَّذِي بإفراد الْمَوْصُول فعل تَقْدِير أَن الصِّنْف الَّذِي تَركه رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله " أما بعد " أَي أما بعد الْحَمد لله تَعَالَى وَالثنَاء عَلَيْهِ قَوْله " وَإِنِّي أعطي الرجل " أعطي بِلَفْظ الْمُتَكَلّم لَا بِلَفْظ الْمَجْهُول من الْمَاضِي قَوْله " وأدع الرجل " أَي الرجل الآخر وأدع بِلَفْظ الْمُتَكَلّم أَيْضا أَي أترك قَوْله " من الَّذِي أعطي " على لفظ الْمُتَكَلّم أَيْضا ومفعول أعطي الَّذِي هُوَ صلَة الْمَوْصُول مَحْذُوف قَوْله " لما أرى " من نظر الْقلب لَا من نظر الْعين قَوْله " من الْجزع " بِالتَّحْرِيكِ ضد الصَّبْر يُقَال جزع جزعا وجزوعا فَهُوَ جزع وجازع وَقَالَ يَعْقُوب الْجزع الْفَزع وَقَالَ ابْن سَيّده وجزع وجزاع قَوْله " والهلع " بِالتَّحْرِيكِ أَيْضا وَهُوَ أفحش الْفَزع وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر لِأَحْمَد بن يحيى مَا الهلوع فَقَالَ قد فسره الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا﴾ بقوله ﴿إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾ وَيُقَال الْهَلَع والهلاع والهلعان الْجُبْن عِنْد اللِّقَاء وَفِي أمالي ثَعْلَب الهلواعة الرجل الجبان وَفِي تَهْذِيب أبي مَنْصُور قَالَ الْحسن بن أبي الْحسن الهلوع الشره وَعَن الْفراء الضجور وَقَالَ أَبُو إِسْحَق الهلوع الَّذِي يفزع ويجزع من الشَّرّ وَقَالَ الْقَزاز الْهَلَع سوء الْجزع وَرجل هلعته مِثَال همزَة إِذا كَانَ يجزع سَرِيعا قَوْله " من الْغنى وَالْخَيْر " أَي أتركهم مَعَ مَا وهب الله تَعَالَى لَهُم من غنى النَّفس فصبروا وتعففوا عَن الْمَسْأَلَة والشره قَوْله " بِكَلِمَة رَسُول الله " مثل هَذِه الْبَاء تسمى بِالْبَاء الْبَدَلِيَّة وباء الْمُقَابلَة نَحْو اعتضت بِهَذَا الثَّوْب خير مِنْهُ أَي مَا أحب أَن حمر النعم لي بدل

стр. 1786

كلمة رَسُول الله ﷺ َ - أَي يقابلها أَي هَذِه الْكَلِمَة كَانَت أحب إِلَيّ مِنْهَا وَكَيف لَا وَالْآخِرَة خير وَأبقى والحمر بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم (تَابعه يُونُس) لم يُوجد هَذَا فِي كثير من النّسخ وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد الله بن دِينَار الْعَبْدي الْمصْرِيّ وَوَصله أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ عَنهُ عَن الْحسن عَن عَمْرو بن ثَعْلَب - ٩٢٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فصلى فِي المَسْجِدِ فصَلَّى رِجَال بِصَلاتِهِ فأصْبَحَ النَّاسُ فتَحَدَّثُوا فاجْتَمَعَ أكْثَرُ مِنْهُم فصَلُّوا معَهُ فأصْبَحَ النَّاسُ فتَحدَّثُوا فكثُرَ أهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رسولُ الله ﷺ فصلُّوا بِصَلاتِهِ فلَمَّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عجَزَ المَسْجدُ عَنْ أهْلِهِ حتَّى خَرَجَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ فلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسَ فتشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّهُ لَمْ يَخْفَ علَيَّ مَكانَكُمْ لَكِنِّي خَشيتُ أنْ تُفْرَضَ علَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَتشهد ثمَّ قَالَ: أما بعد) ، فَإِن قلت: التَّرْجَمَة هُوَ القَوْل فِي الْخطْبَة بِكَلِمَة: أما بعد، وَلَا ذكر للخطبة هَهُنَا؟ قلت: معنى قَوْله: (فَتشهد) ، هُوَ التَّشَهُّد فِي صدر الْخطْبَة، وَنَظِير هَذَا الحَدِيث قد مر فِي: بَاب إِذا كَانَ بَين الإِمَام وَالْقَوْم حَائِط أَو ستْرَة. أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد عَن عَبدة عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي من اللَّيْل فِي حجرته. .) الحَدِيث. وَأخرجه فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب فضل من قَامَ رَمَضَان بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه: عَن يحيى ابْن بكير عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة إِلَى آخِره. . نَحوه، وَفِي آخِره: (فَتوفي رَسُول الله ﷺ وَالْأَمر على ذَلِك) ، وَقد مضى بعض الْكَلَام هُنَاكَ، وَسَتَأْتِي الْبَقِيَّة فِي الصَّوْم، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. تابَعَهُ يُونُسُ يُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَقد وَصله مُسلم من طَرِيقه عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن إِسْحَاق عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن يُونُس، وَقَالَ خلف: قَوْله: (تَابعه يُونُس) أَي: فِي قَوْله: (أما بعد) وَتَبعهُ الْمزي على ذَلِك. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: إِنَّه روى جَمِيع الحَدِيث فَلَا يخْتَص: بأما بعد، فَقَط. ٩٢٥ - حدَّثنا أبُو اليَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرَوة عنْ أبي حُمَيْدٍ هُو السَّاعِدِيُّ أنَّهُ أخبرهُ أنَّ رسولِ الله ﷺ قامَ عَشِيَّةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فتَشَهَّدَ وأثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: هُوَ الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَأَبُو حميد اسْمه: عبد الرَّحْمَن وَقيل: غير ذَلِك، وَقد مر غير مرّة، وَهَذَا بعض حَدِيث ذكره فِي الزَّكَاة وَترك الْحِيَل وَالِاعْتِكَاف وَالنُّذُور (اسْتعْمل رَسُول الله ﷺ رجلا من الأزد يُقَال لَهُ: ابْن اللتيبة على الصَّدَقَة، فَلَمَّا قدم قَالَ: هَذَا لكم وَهَذَا أهْدى لي، فَقَامَ رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر، فَقَالَ: أما بعد، فَإِنِّي اسْتعْمل الرجل مِنْكُم) . وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو بن مُحَمَّد الناقذ وَابْن أبي عمر، وَأخرجه أَيْضا من وُجُوه كَثِيرَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجراح عَن أبي الطَّاهِر بن سرح وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي خلف، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ

стр. 1787

تابَعَهُ أبُو مُعَاوِيَة وأبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي حُمَيْدٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ أمَّا بَعْدُ أما مُتَابعَة أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير الْكُوفِي فأخرجها مُسلم فِي المغاوي عَن أبي كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَأما مُتَابعَة أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة فأخرجها البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة. وتابَعَهُ العَدَنِيُّ عنْ سُفْيَانَ فِي أمَّا بَعْدُ الْعَدنِي هُوَ: مُحَمَّد بن يحيى، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأخرج مُسلم مُتَابعَة الْعَدنِي عَنهُ عَن هِشَام، قيل: يحْتَمل أَن يكون الْعَدنِي هُوَ: عبد الله بن الْوَلِيد، وسُفْيَان هُوَ: الثَّوْريّ، وَمن هَذَا الْوَجْه وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَفِيه: قَوْله: أما بعد. قلت: الَّذِي ذكره مُسلم هُوَ الْأَقْرَب إِلَى الصَّوَاب. قَوْله: (فِي: أما بعد) أَي: تَابعه فِي مُجَرّد كلمة: أما بعد، لَا فِي تَمام هَذَا الحَدِيث. ٩٢٧ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبانَ قَالَ حدَّثنا ابنُ الغَسِيلِ قَالَ حدَّثنا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ صَعِدَ النبيُّ ﷺ المِنْبَرَ وكانَ آخِرُ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَهِ قَدْ عَصَبَ رَاسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أيُّهَا النَّاسُ إلَيَّ فَثَابُوا إلَيْهِ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ هاذا الحَيَّ مِنَ الأنْصَارِ يَقِلُّونَ ويَكْثُرُ النَّاسُ فَمَنْ وُلِيَ شَيْئا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاسْتَطَاعَ أنْ يُضِرَّ فِيهِ أحدا أوْ يَنْفَعَ فِيهِ أحدا فلْيَقُلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ويتَجاوَزْ عنْ مُسِيئِهِمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبان، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف نون: أَبُو إِسْحَاق الْوراق الْأَزْدِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن الغسيل، هُوَ: عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر الراهب الْمَعْرُوف بِابْن الغسيل الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، مَاتَ سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة، وحَنْظَلَة هُوَ غسيل الْمَلَائِكَة، اسْتشْهد بِأحد وغسلته الْمَلَائِكَة، فسألوا امْرَأَته فَقَالَت: سمع الهيعة وَهُوَ جنب فَلم يتَأَخَّر للاغتسال. الثَّالِث: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الرَّابِع: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن شَيْخه كُوفِي والبقية مدنيون. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن أبي نعيم، وَفِي فَضَائِل الْأَنْصَار عَن أَحْمد بن يَعْقُوب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل: عَن يُوسُف بن عِيسَى عَن وَكِيع عَنهُ مُخْتَصرا.

стр. 1788

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (متعطفا) أَي: مرتديا، يُقَال: تعطفت بالعطاف أَي: ارتديت بالرداء، والتعطف التردي بالرداء، وَسمي الرِّدَاء: عطافا، لوُقُوعه على عطف الرجل، وهما ناحيتا عُنُقه ومنكب الرجل عطفه، وَكَذَلِكَ الْعَطف، وَقد اعتطف بِهِ وَتعطف ذكره الْهَرَوِيّ، وَفِي (الْمُحكم) : الْجمع الْعَطف، وَقيل: المعاطف: الأردية لَا وَاحِد لَهَا. قَوْله: (ملحفة) ، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الْإِزَار الْكَبِير. قَوْله: (على مَنْكِبه) ، ويروى: مَنْكِبَيْه، بالتثنية. قَوْله: (بعصابة دسمة) ، وَفِي رِوَايَة: (دسما) ، ذكرهَا فِي اللبَاس، وَضبط صَاحب (الْمطَالع) : دسمة، بِكَسْر السِّين. وَقَالَ: الدسماء السَّوْدَاء، وَقيل: لَونه لون الدسم كالزيت، وَشبهه من غير أَن يخالطها شَيْء من الدسم، وَقيل: متغيرة اللَّوْن من الطّيب والغالية، وَزعم الدَّاودِيّ أَنَّهَا على ظَاهرهَا من عرقه ﷺ فِي الْمَرَض، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الدسمة غبرة فِيهَا سَواد، والعصابة: الْعِمَامَة، سميت عِصَابَة لِأَنَّهَا تعصب الرَّأْس أَي: تربطه، وَمِنْه الحَدِيث: (أمرنَا أَن نمسح على العصائب) . قَوْله: (إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: تقربُوا إِلَيّ. قَوْله: (فتابوا إِلَيْهِ) أَي: اجْتَمعُوا إِلَيْهِ، من: ثاب، بالثاء الْمُثَلَّثَة: يثوب إِذا رَجَعَ وَهُوَ رُجُوع إِلَى الْأَمر بالمبادرة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٥) . أَي: مرجعا ومجتمعا. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: أما بعد) أَي: بعد الْحَمد لله وَالثنَاء عَلَيْهِ. قَوْله: (هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار) ، وهم الَّذين نصروا رَسُول الله ﷺ من أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (يقلون) ، وَفِي رِوَايَة: حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاس بِمَنْزِلَة الْملح فِي الطَّعَام) ، هُوَ من معجزاته وإخباره عَن المغيبات، فَإِنَّهُم الْآن فيهم الْقلَّة. قَوْله: (فليقبل من محسنهم) ، أَي: الْحَسَنَة (ويتجاوز) أَي: يعف، وَذَلِكَ فِي غير الْحُدُود. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَنه، ﷺ ، كَانَ إِذا أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي الموعظة طلع الْمِنْبَر فيتأسى بِهِ. وَفِيه: الْخطْبَة بِالْوَصِيَّةِ. وَفِيه: فَضِيلَة الْأَنْصَار. وَفِيه: الْبدَاءَة بِالْحَمْد وَالثنَاء. وَفِيه: الْإِخْبَار بِالْغَيْبِ، لِأَن الْأَنْصَار قلوا وَكثر النَّاس. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْخلَافَة لَيست فِي الْأَنْصَار، إِذْ لَو كَانَت فيهم لأوصاهم وَلم يوص بهم. وَفِيه: من جَوَامِع الْكَلم، لِأَن الْحَال منحصر فِي الضّر أَو النَّفْع والشخص فِي المحسن والمسيىء. ٣٠ - (بابُ القَعْدَةِ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقعدَة الكائنة بَين الْخطْبَتَيْنِ يَوْم الْجُمُعَة، إِنَّمَا لم يبين حكم هَذِه الْقعدَة، هَل هِيَ وَاجِبَة أم سنة؟ لِأَن الحَدِيث حِكَايَة حَال وَلَا عُمُوم لَهُ. ٩٢٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا. (انْظُر الحَدِيث ٩٢٠) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يدل على أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقْعد بَين الْخطْبَتَيْنِ. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَرَوَاهُ مُسلم عَن عبيد الله بن عمر القواريري، وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، وَابْن مَاجَه عَن يحيى بن خلف، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الرَّزَّاق بِلَفْظ: (كَانَ يخْطب خطبتين بَينهمَا جلْسَة) ، وَفِي لفظ: (مرَّتَيْنِ) مَكَان: (خطبتين) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يخْطب خطبتين كَانَ يجلس إِذا صعد الْمِنْبَر حَتَّى يفرغ، أرَاهُ الْمُؤَذّن، ثمَّ يقوم فيخطب ثمَّ يجلس وَلَا يتَكَلَّم، ثمَّ يقوم فيخطب) . وَاسْتدلَّ بِهِ على مَشْرُوعِيَّة الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ، وَلَكِن هَل هُوَ على سَبِيل الْوُجُوب أَو على سَبِيل النّدب؟ فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَن ذَلِك على سَبِيل الْوُجُوب، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى أَنَّهَا سنة، وَلَيْسَت بواجبة، كجلسة الاسْتِرَاحَة فِي الصَّلَاة عِنْد من يَقُول باستحبابها. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: ذهب مَالك والعراقيون وَسَائِر فُقَهَاء الْأَمْصَار إلاّ الشَّافِعِي: إِلَى أَن الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ سنة لَا شَيْء على من تَركهَا، وَذهب بعض الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن الْمَقْصُود الْفَصْل، وَلَو بِغَيْر الْجُلُوس، حَكَاهُ صَاحب (الْفُرُوع) . وَقيل: الجلسة بِعَينهَا لَيست مُعْتَبرَة، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبر حُصُول الْفَصْل، سَوَاء حصل بجلسة أَو بسكتة أَو بِكَلَام من غير مَا هُوَ فِيهِ. وَقَالَ القَاضِي ابْن كج: إِن هَذَا الْوَجْه غلط، وَقَالَ ابْن قدامَة: هِيَ مُسْتَحبَّة لِلِاتِّبَاعِ وَلَيْسَت بواجبة فِي قَول أَكثر أهل الْعلم، لِأَنَّهَا جلْسَة لَيْسَ فِيهَا ذكر مَشْرُوع، فَلم تكن وَاجِبَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَصرح إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَن الطُّمَأْنِينَة بَينهمَا وَاجِبَة، وَهُوَ خَفِيف جدا قدر قِرَاءَة سُورَة الْإِخْلَاص تَقْرِيبًا. وَفِي وَجه شَاذ: يَكْفِي السُّكُوت فِي حق الْقَائِم، لِأَنَّهُ فصل. وَذكر ابْن التِّين: أَن مقدارها كالجلسة بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَعَزاهُ لِابْنِ الْقَاسِم،

стр. 1789

وَجزم الرَّافِعِيّ وَغَيره أَن يكون بِقدر سُورَة الْإِخْلَاص، وَحكي وَجه بِوُجُوب هَذَا الْمِقْدَار، حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن رِوَايَة الرَّوْيَانِيّ، وَلَفظ الرَّوْيَانِيّ: وَلَا يجوز أقل من ذَلِك، نَص عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث الْبَاب دَال على السّنيَّة، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَله، وَلم يقل: لَا يجْزِيه غَيره، لِأَن الْبيَاض فرض عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لم يقل بِوُجُوب الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ غير الشَّافِعِي، قيل: حكى القَاضِي عِيَاض عَن مَالك رِوَايَة كمذهب الشَّافِعِي؟ قلت: لَيست هَذِه الرِّوَايَة عَنهُ صَحِيحَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي الحَدِيث أَن خطْبَة الْجُمُعَة خطبتان وَفِيه الْجُلُوس بَينهمَا لاستراحة الْخَطِيب وَنَحْوهَا، وهما واجبتان لقَوْله ﷺ : (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) قلت: هَذَا أصل لَا يتَنَاوَل الْخطْبَة لِأَنَّهَا لَيست بِصَلَاة حَقِيقَة، وَقَالَ أَحْمد: رُوِيَ عَن أبي إِسْحَاق أَنه قَالَ: رَأَيْت عليا يخْطب على الْمِنْبَر فَلم يجلس ختى فرغ، وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَفِيه اشْتِرَاط خطبتين لصِحَّة الْجُمُعَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَته الْمَشْهُورَة عَنهُ، وَعند الْجُمْهُور: يَكْتَفِي بِخطْبَة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وَأبي ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد. ٣١ - (بابُ الاسْتِمَاعِ إِلَى الخُطْبَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاسْتِمَاع، أَي: الإصغاء إِلَى الْخطْبَة، والإصغاء من: صغى يصغو ويصغي صغوا، أَي: مَال، وأصغيت إِلَى فلَان: إِذا أملت بسمعك نَحوه، وَقَالَ الْكرْمَانِي، ﵀: الِاسْتِمَاع الإصغاء للسماع، والتوجه لَهُ وَالْقَصْد إِلَيْهِ، وكل مستمع سامع دون الْعَكْس. قلت: الِاسْتِمَاع من بَاب الافتعال، وَفِيه تكلّف واعتمال، بِخِلَاف السماع. ٩٢٩ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبِي عَبْدِ الله الأَغَرِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ إِذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةَ وقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلى بابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فالأوَّلَ ومَثَلُ المهَجَّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ كالَّذِي يُهْدِي بَقَرةً ثُمَّ كَبْشا ثُمَّ دَجاجَةً ثُمَّ بَيْضَةً فَإِذا خرجَ الإمامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ ويَستَمِعُونَ الذِّكْرَ. (الحَدِيث ٩٢٩ طرفه فِي: ٣٢١١) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويستمعون الذّكر) أَي: الْخطْبَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: آدم بن أبي أياس. الثَّانِي: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو عبد الله، واسْمه سلمَان الْجُهَنِيّ مَوْلَاهُم، مَعْدُود فِي أهل الْمَدِينَة، وَأَصله من أصفهان، ولقبه الْأَغَر، بِفَتْح الْهمزَة والغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بكنيته ولقبه وَالْآخر بنسبته إِلَى جده وَالْآخر بنسبته إِلَى قبيلته. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَنه خراساني سكن عسقلان، والبقية مدنيون. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الْجُمُعَة عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَعَمْرو بن سَواد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن نصر بن عَليّ وَفِي الْمَلَائِكَة عَن أَحْمد بن عَمْرو الْحَارِث بن مِسْكين وَعَمْرو بن سَواد وَعَن سُوَيْد بن نصر وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، وَأخرج أَيْضا فيهمَا عَن مُحَمَّد بن خَالِد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (المهجر) أَي: المبكر إِلَى الْمَسْجِد. قَوْله: (يهدي: أَي: يقرب) . وَقد اسْتَوْفَيْنَا مَعْنَاهُ فِي: بَاب فضل الْجُمُعَة، لِأَنَّهُ روى عَن أبي هُرَيْرَة قَرِيبا من هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن سمي عَن أبي صَالح السمان عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْإِنْصَات إِلَى الْخطْبَة وَهُوَ مَطْلُوب بالِاتِّفَاقِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : والجديد الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يحرم الْكَلَام وَيسن الْإِنْصَات، وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَدَاوُد، وَالْقَدِيم أَنه يحرم، وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأحمد، ﵏. وَقَالَ ابْن بطال: اسْتِمَاع الْخطْبَة وَاجِب وجوب سنة عِنْد أَكثر الْعلمَاء، وَمِنْهُم من جعله فَرِيضَة، وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد، أَنه قَالَ: لَا يجب الْإِنْصَات لِلْقُرْآنِ إِلَّا فِي موضِعين: فِي الصَّلَاة

стр. 1790

وَالْخطْبَة. ثمَّ نقل عَن أَكثر الْعلمَاء أَن الْإِنْصَات وَاجِب على من سَمعهَا وَمن لم يسْمعهَا، وَأَنه قَول مَالك، وَقد قَالَ عُثْمَان: للمنصت الَّذِي لَا يسمع من الْأجر مثل مَا للمنصت الَّذِي يسمع. وَكَانَ عُرْوَة لَا يرى بَأْسا بالْكلَام إِذا لم يسمع الْخطْبَة. وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس أَن يذكر الله وَيقْرَأ من لم يسمع الْخطْبَة. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا خلاف عَلمته بَين فُقَهَاء الْأَمْصَار فِي وجوب الْإِنْصَات لَهَا على من سَمعهَا. وَاخْتلف فِيمَن لم يسْمعهَا. قَالَ: وَجَاء فِي هَذَا الْمَعْنى خلاف عَن بعض التَّابِعين، فَروِيَ عَن الشّعبِيّ وَسَعِيد ابْن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وَابْن بردة: أَنهم كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ وَالْإِمَام يخْطب إِلَّا فِي قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الْخطْبَة خَاصَّة، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٤) . وفعلهم مَرْدُود عِنْد أهل الْعلم، وَأحسن أَحْوَالهم أَنهم لم يبلغهم الحَدِيث فِي ذَلِك، وَهُوَ قَوْله ﷺ : (إِذا قلت لصاحبك أنصت. .) الحَدِيث، لِأَنَّهُ حَدِيث انْفَرد بِهِ أهل الْمَدِينَة، وَلَا علم لمتقدمي أهل الْعرَاق بِهِ، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَكَانَ سعيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم بن مهَاجر وَأَبُو بردة وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ يَتَكَلَّمُونَ وَالْحجاج يخْطب. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: إِذا اشْتغل الإِمَام بِالْخطْبَةِ يَنْبَغِي للمستمع أَن يجْتَنب مَا يجتبه فِي الصَّلَاة لقَوْله : ﴿فَاسْتَمعُوا إِلَيْهِ وأنصتوا﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٤) . وَقَوله ﷺ : (إِذا قلت لصاحبك أنصت. .) الحَدِيث، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكره لَهُ رد السَّلَام وتشميت الْعَاطِس إلاّ فِي قَول جَدِيد للشَّافِعِيّ: إِنَّه يرد ويشمت، وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام: وَالأَصَح أَنه يشمت، وَفِي (المجتبي) : قيل: وجوب الِاسْتِمَاع مَخْصُوص بِزَمن الْوَحْي، وَقيل: فِي الْخطْبَة الأولى دون الثَّانِيَة لما فِيهَا من مدح الظلمَة، وَعَن أبي حنيفَة: إِذا سلم عَلَيْهِ يردهُ بِقَلْبِه، وَعَن أبي يُوسُف: يرد السَّلَام ويشمت الْعَاطِس فِيهَا، وَعَن مُحَمَّد: يرد ويشمت بعد الْخطْبَة وَيُصلي على النَّبِي ﷺ فِي قلبه، وَاخْتلف الْمُتَأَخّرُونَ فِيمَن كَانَ بَعيدا لَا يسمع الْخطْبَة، فَقَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة: الْمُخْتَار السُّكُوت وَهُوَ الْأَفْضَل، وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي. وَقَالَ نصر بن يحيى: يسبخ وَيقْرَأ الْقُرْآن، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَأَجْمعُوا أَنه لَا يتَكَلَّم. وَقيل: الِاشْتِغَال بِالذكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن أفضل من السُّكُوت. وَأما دراسة الْفِقْه وَالنَّظَر فِي كتب الْفِقْه وكتابته، فَقيل: يكره، وَقيل: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام: الِاسْتِمَاع إِلَى خطْبَة النِّكَاح والختم وَسَائِر الْخطب وَاجِب، وَفِي (الْكَامِل) : وَيَقْضِي الْفجْر إِذا ذكره فِي الْخطْبَة وَلَو تغذى بعد الْخطْبَة أَو جَامع فاغتسل يُعِيد الْخطْبَة، وَفِي الْوضُوء فِي بَيته لَا يُعِيد. ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي وَقت الْإِنْصَات، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: خُرُوج الإِمَام يقطع الْكَلَام وَالصَّلَاة جَمِيعًا، لقَوْله ﷺ : (فَإِذا خرج الإِمَام طَوَوْا صُحُفهمْ ويستمعون الذّكر. .) وَقَالَت طَائِفَة: لَا يجب الْإِنْصَات إلاّ عِنْد ابْتِدَاء الْخطْبَة، وَلَا بَأْس بالْكلَام قبلهَا، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ بَعضهم: وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: يحرم الْكَلَام من ابْتِدَاء خُرُوج الإِمَام وَورد فِيهِ حَدِيث ضَعِيف. قلت: حَدِيث الْبَاب هُوَ حجَّة للحنفية وَحجَّة عَلَيْهِم بِالتَّأَمُّلِ يدرى. ٣٢ - (بَاب إذَا رأى الإمامُ رَجُلاً جاءَ وَهْوَ يَخْطُبُ أمَرَهُ أنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا رأى الإِمَام. . إِلَى آخِره. قَوْله: (جَاءَ) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة: لرجلاً. قَوْله: (وَهُوَ يخْطب) جملَة إسمية وَقعت حَالا عَن الإِمَام. قَوْله: (أمره) جَوَاب: إِذا، وَإِنَّمَا يَأْمُرهُ إِذا كَانَ لم يصل الرَّكْعَتَيْنِ قبل أَن يرَاهُ. قَوْله: (أَن يُصَلِّي) أَي: بِأَن يُصَلِّي، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: أمره بِصَلَاة رَكْعَتَيْنِ. ٩٣٠ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ جاءَ رَجُلٌ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ الناسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فقالَ أصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ قَالَ لَا قَالَ قُمْ فارْكعْ رَكْعَتَيْنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان هُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيَعْقُوب الدَّوْرَقِي، وَعَن أبي الرّبيع وقتيبة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، هَذَا الرجل هُوَ: سليك، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره
следующие страницы →