Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
كلمة رَسُول الله ﷺ َ - أَي يقابلها أَي هَذِه الْكَلِمَة كَانَت أحب إِلَيّ مِنْهَا وَكَيف لَا وَالْآخِرَة خير وَأبقى والحمر بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم (تَابعه يُونُس) لم يُوجد هَذَا فِي كثير من النّسخ وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد الله بن دِينَار الْعَبْدي الْمصْرِيّ وَوَصله أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ عَنهُ عَن الْحسن عَن عَمْرو بن ثَعْلَب -
٩٢٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فصلى فِي المَسْجِدِ فصَلَّى رِجَال بِصَلاتِهِ فأصْبَحَ النَّاسُ فتَحَدَّثُوا فاجْتَمَعَ أكْثَرُ مِنْهُم فصَلُّوا معَهُ فأصْبَحَ النَّاسُ فتَحدَّثُوا فكثُرَ أهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رسولُ الله ﷺ فصلُّوا بِصَلاتِهِ فلَمَّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عجَزَ المَسْجدُ عَنْ أهْلِهِ حتَّى خَرَجَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ فلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسَ فتشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّهُ لَمْ يَخْفَ علَيَّ مَكانَكُمْ لَكِنِّي خَشيتُ أنْ تُفْرَضَ علَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَتشهد ثمَّ قَالَ: أما بعد) ، فَإِن قلت: التَّرْجَمَة هُوَ القَوْل فِي الْخطْبَة بِكَلِمَة: أما بعد، وَلَا ذكر للخطبة هَهُنَا؟ قلت: معنى قَوْله: (فَتشهد) ، هُوَ التَّشَهُّد فِي صدر الْخطْبَة، وَنَظِير هَذَا الحَدِيث قد مر فِي: بَاب إِذا كَانَ بَين الإِمَام وَالْقَوْم حَائِط أَو ستْرَة. أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد عَن عَبدة عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي من اللَّيْل فِي حجرته. .) الحَدِيث. وَأخرجه فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب فضل من قَامَ رَمَضَان بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه: عَن يحيى ابْن بكير عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة إِلَى آخِره. . نَحوه، وَفِي آخِره: (فَتوفي رَسُول الله ﷺ وَالْأَمر على ذَلِك) ، وَقد مضى بعض الْكَلَام هُنَاكَ، وَسَتَأْتِي الْبَقِيَّة فِي الصَّوْم، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
تابَعَهُ يُونُسُ
يُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَقد وَصله مُسلم من طَرِيقه عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن إِسْحَاق عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن يُونُس، وَقَالَ خلف: قَوْله: (تَابعه يُونُس) أَي: فِي قَوْله: (أما بعد) وَتَبعهُ الْمزي على ذَلِك. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: إِنَّه روى جَمِيع الحَدِيث فَلَا يخْتَص: بأما بعد، فَقَط.
٩٢٥ - حدَّثنا أبُو اليَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرَوة عنْ أبي حُمَيْدٍ هُو السَّاعِدِيُّ أنَّهُ أخبرهُ أنَّ رسولِ الله ﷺ قامَ عَشِيَّةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فتَشَهَّدَ وأثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: هُوَ الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَأَبُو حميد اسْمه: عبد الرَّحْمَن وَقيل: غير ذَلِك، وَقد مر غير مرّة، وَهَذَا بعض حَدِيث ذكره فِي الزَّكَاة وَترك الْحِيَل وَالِاعْتِكَاف وَالنُّذُور (اسْتعْمل رَسُول الله ﷺ رجلا من الأزد يُقَال لَهُ: ابْن اللتيبة على الصَّدَقَة، فَلَمَّا قدم قَالَ: هَذَا لكم وَهَذَا أهْدى لي، فَقَامَ رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر، فَقَالَ: أما بعد، فَإِنِّي اسْتعْمل الرجل مِنْكُم) . وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو بن مُحَمَّد الناقذ وَابْن أبي عمر، وَأخرجه أَيْضا من وُجُوه كَثِيرَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجراح عَن أبي الطَّاهِر بن سرح وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي خلف، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ
стр. 1787
تابَعَهُ أبُو مُعَاوِيَة وأبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي حُمَيْدٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ أمَّا بَعْدُ
أما مُتَابعَة أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير الْكُوفِي فأخرجها مُسلم فِي المغاوي عَن أبي كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَأما مُتَابعَة أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة فأخرجها البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة.
وتابَعَهُ العَدَنِيُّ عنْ سُفْيَانَ فِي أمَّا بَعْدُ
الْعَدنِي هُوَ: مُحَمَّد بن يحيى، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأخرج مُسلم مُتَابعَة الْعَدنِي عَنهُ عَن هِشَام، قيل: يحْتَمل أَن يكون الْعَدنِي هُوَ: عبد الله بن الْوَلِيد، وسُفْيَان هُوَ: الثَّوْريّ، وَمن هَذَا الْوَجْه وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَفِيه: قَوْله: أما بعد. قلت: الَّذِي ذكره مُسلم هُوَ الْأَقْرَب إِلَى الصَّوَاب. قَوْله: (فِي: أما بعد) أَي: تَابعه فِي مُجَرّد كلمة: أما بعد، لَا فِي تَمام هَذَا الحَدِيث.
٩٢٧ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبانَ قَالَ حدَّثنا ابنُ الغَسِيلِ قَالَ حدَّثنا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ صَعِدَ النبيُّ ﷺ المِنْبَرَ وكانَ آخِرُ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَهِ قَدْ عَصَبَ رَاسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أيُّهَا النَّاسُ إلَيَّ فَثَابُوا إلَيْهِ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ هاذا الحَيَّ مِنَ الأنْصَارِ يَقِلُّونَ ويَكْثُرُ النَّاسُ فَمَنْ وُلِيَ شَيْئا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاسْتَطَاعَ أنْ يُضِرَّ فِيهِ أحدا أوْ يَنْفَعَ فِيهِ أحدا فلْيَقُلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ويتَجاوَزْ عنْ مُسِيئِهِمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبان، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف نون: أَبُو إِسْحَاق الْوراق الْأَزْدِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن الغسيل، هُوَ: عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر الراهب الْمَعْرُوف بِابْن الغسيل الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، مَاتَ سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة، وحَنْظَلَة هُوَ غسيل الْمَلَائِكَة، اسْتشْهد بِأحد وغسلته الْمَلَائِكَة، فسألوا امْرَأَته فَقَالَت: سمع الهيعة وَهُوَ جنب فَلم يتَأَخَّر للاغتسال. الثَّالِث: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الرَّابِع: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن شَيْخه كُوفِي والبقية مدنيون.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن أبي نعيم، وَفِي فَضَائِل الْأَنْصَار عَن أَحْمد بن يَعْقُوب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل: عَن يُوسُف بن عِيسَى عَن وَكِيع عَنهُ مُخْتَصرا.
стр. 1788
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (متعطفا) أَي: مرتديا، يُقَال: تعطفت بالعطاف أَي: ارتديت بالرداء، والتعطف التردي بالرداء، وَسمي الرِّدَاء: عطافا، لوُقُوعه على عطف الرجل، وهما ناحيتا عُنُقه ومنكب الرجل عطفه، وَكَذَلِكَ الْعَطف، وَقد اعتطف بِهِ وَتعطف ذكره الْهَرَوِيّ، وَفِي (الْمُحكم) : الْجمع الْعَطف، وَقيل: المعاطف: الأردية لَا وَاحِد لَهَا. قَوْله: (ملحفة) ، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الْإِزَار الْكَبِير. قَوْله: (على مَنْكِبه) ، ويروى: مَنْكِبَيْه، بالتثنية. قَوْله: (بعصابة دسمة) ، وَفِي رِوَايَة: (دسما) ، ذكرهَا فِي اللبَاس، وَضبط صَاحب (الْمطَالع) : دسمة، بِكَسْر السِّين. وَقَالَ: الدسماء السَّوْدَاء، وَقيل: لَونه لون الدسم كالزيت، وَشبهه من غير أَن يخالطها شَيْء من الدسم، وَقيل: متغيرة اللَّوْن من الطّيب والغالية، وَزعم الدَّاودِيّ أَنَّهَا على ظَاهرهَا من عرقه ﷺ فِي الْمَرَض، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الدسمة غبرة فِيهَا سَواد، والعصابة: الْعِمَامَة، سميت عِصَابَة لِأَنَّهَا تعصب الرَّأْس أَي: تربطه، وَمِنْه الحَدِيث: (أمرنَا أَن نمسح على العصائب) . قَوْله: (إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: تقربُوا إِلَيّ. قَوْله: (فتابوا إِلَيْهِ) أَي: اجْتَمعُوا إِلَيْهِ، من: ثاب، بالثاء الْمُثَلَّثَة: يثوب إِذا رَجَعَ وَهُوَ رُجُوع إِلَى الْأَمر بالمبادرة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٥) . أَي: مرجعا ومجتمعا. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: أما بعد) أَي: بعد الْحَمد لله وَالثنَاء عَلَيْهِ. قَوْله: (هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار) ، وهم الَّذين نصروا رَسُول الله ﷺ من أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (يقلون) ، وَفِي رِوَايَة: حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاس بِمَنْزِلَة الْملح فِي الطَّعَام) ، هُوَ من معجزاته وإخباره عَن المغيبات، فَإِنَّهُم الْآن فيهم الْقلَّة. قَوْله: (فليقبل من محسنهم) ، أَي: الْحَسَنَة (ويتجاوز) أَي: يعف، وَذَلِكَ فِي غير الْحُدُود.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَنه، ﷺ ، كَانَ إِذا أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي الموعظة طلع الْمِنْبَر فيتأسى بِهِ. وَفِيه: الْخطْبَة بِالْوَصِيَّةِ. وَفِيه: فَضِيلَة الْأَنْصَار. وَفِيه: الْبدَاءَة بِالْحَمْد وَالثنَاء. وَفِيه: الْإِخْبَار بِالْغَيْبِ، لِأَن الْأَنْصَار قلوا وَكثر النَّاس. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْخلَافَة لَيست فِي الْأَنْصَار، إِذْ لَو كَانَت فيهم لأوصاهم وَلم يوص بهم. وَفِيه: من جَوَامِع الْكَلم، لِأَن الْحَال منحصر فِي الضّر أَو النَّفْع والشخص فِي المحسن والمسيىء.
٣٠ - (بابُ القَعْدَةِ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقعدَة الكائنة بَين الْخطْبَتَيْنِ يَوْم الْجُمُعَة، إِنَّمَا لم يبين حكم هَذِه الْقعدَة، هَل هِيَ وَاجِبَة أم سنة؟ لِأَن الحَدِيث حِكَايَة حَال وَلَا عُمُوم لَهُ.
٩٢٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا. (انْظُر الحَدِيث ٩٢٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يدل على أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقْعد بَين الْخطْبَتَيْنِ.
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَرَوَاهُ مُسلم عَن عبيد الله بن عمر القواريري، وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، وَابْن مَاجَه عَن يحيى بن خلف، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الرَّزَّاق بِلَفْظ: (كَانَ يخْطب خطبتين بَينهمَا جلْسَة) ، وَفِي لفظ: (مرَّتَيْنِ) مَكَان: (خطبتين) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يخْطب خطبتين كَانَ يجلس إِذا صعد الْمِنْبَر حَتَّى يفرغ، أرَاهُ الْمُؤَذّن، ثمَّ يقوم فيخطب ثمَّ يجلس وَلَا يتَكَلَّم، ثمَّ يقوم فيخطب) . وَاسْتدلَّ بِهِ على مَشْرُوعِيَّة الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ، وَلَكِن هَل هُوَ على سَبِيل الْوُجُوب أَو على سَبِيل النّدب؟ فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَن ذَلِك على سَبِيل الْوُجُوب، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى أَنَّهَا سنة، وَلَيْسَت بواجبة، كجلسة الاسْتِرَاحَة فِي الصَّلَاة عِنْد من يَقُول باستحبابها. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: ذهب مَالك والعراقيون وَسَائِر فُقَهَاء الْأَمْصَار إلاّ الشَّافِعِي: إِلَى أَن الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ سنة لَا شَيْء على من تَركهَا، وَذهب بعض الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن الْمَقْصُود الْفَصْل، وَلَو بِغَيْر الْجُلُوس، حَكَاهُ صَاحب (الْفُرُوع) . وَقيل: الجلسة بِعَينهَا لَيست مُعْتَبرَة، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبر حُصُول الْفَصْل، سَوَاء حصل بجلسة أَو بسكتة أَو بِكَلَام من غير مَا هُوَ فِيهِ. وَقَالَ القَاضِي ابْن كج: إِن هَذَا الْوَجْه غلط، وَقَالَ ابْن قدامَة: هِيَ مُسْتَحبَّة لِلِاتِّبَاعِ وَلَيْسَت بواجبة فِي قَول أَكثر أهل الْعلم، لِأَنَّهَا جلْسَة لَيْسَ فِيهَا ذكر مَشْرُوع، فَلم تكن وَاجِبَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَصرح إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَن الطُّمَأْنِينَة بَينهمَا وَاجِبَة، وَهُوَ خَفِيف جدا قدر قِرَاءَة سُورَة الْإِخْلَاص تَقْرِيبًا. وَفِي وَجه شَاذ: يَكْفِي السُّكُوت فِي حق الْقَائِم، لِأَنَّهُ فصل. وَذكر ابْن التِّين: أَن مقدارها كالجلسة بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَعَزاهُ لِابْنِ الْقَاسِم،
стр. 1789
وَجزم الرَّافِعِيّ وَغَيره أَن يكون بِقدر سُورَة الْإِخْلَاص، وَحكي وَجه بِوُجُوب هَذَا الْمِقْدَار، حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن رِوَايَة الرَّوْيَانِيّ، وَلَفظ الرَّوْيَانِيّ: وَلَا يجوز أقل من ذَلِك، نَص عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث الْبَاب دَال على السّنيَّة، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَله، وَلم يقل: لَا يجْزِيه غَيره، لِأَن الْبيَاض فرض عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لم يقل بِوُجُوب الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ غير الشَّافِعِي، قيل: حكى القَاضِي عِيَاض عَن مَالك رِوَايَة كمذهب الشَّافِعِي؟ قلت: لَيست هَذِه الرِّوَايَة عَنهُ صَحِيحَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي الحَدِيث أَن خطْبَة الْجُمُعَة خطبتان وَفِيه الْجُلُوس بَينهمَا لاستراحة الْخَطِيب وَنَحْوهَا، وهما واجبتان لقَوْله ﷺ : (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) قلت: هَذَا أصل لَا يتَنَاوَل الْخطْبَة لِأَنَّهَا لَيست بِصَلَاة حَقِيقَة، وَقَالَ أَحْمد: رُوِيَ عَن أبي إِسْحَاق أَنه قَالَ: رَأَيْت عليا يخْطب على الْمِنْبَر فَلم يجلس ختى فرغ، وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَفِيه اشْتِرَاط خطبتين لصِحَّة الْجُمُعَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَته الْمَشْهُورَة عَنهُ، وَعند الْجُمْهُور: يَكْتَفِي بِخطْبَة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وَأبي ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد.
٣١ - (بابُ الاسْتِمَاعِ إِلَى الخُطْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاسْتِمَاع، أَي: الإصغاء إِلَى الْخطْبَة، والإصغاء من: صغى يصغو ويصغي صغوا، أَي: مَال، وأصغيت إِلَى فلَان: إِذا أملت بسمعك نَحوه، وَقَالَ الْكرْمَانِي، ﵀: الِاسْتِمَاع الإصغاء للسماع، والتوجه لَهُ وَالْقَصْد إِلَيْهِ، وكل مستمع سامع دون الْعَكْس. قلت: الِاسْتِمَاع من بَاب الافتعال، وَفِيه تكلّف واعتمال، بِخِلَاف السماع.
٩٢٩ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبِي عَبْدِ الله الأَغَرِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ إِذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةَ وقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلى بابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فالأوَّلَ ومَثَلُ المهَجَّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ كالَّذِي يُهْدِي بَقَرةً ثُمَّ كَبْشا ثُمَّ دَجاجَةً ثُمَّ بَيْضَةً فَإِذا خرجَ الإمامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ ويَستَمِعُونَ الذِّكْرَ. (الحَدِيث ٩٢٩ طرفه فِي: ٣٢١١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويستمعون الذّكر) أَي: الْخطْبَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: آدم بن أبي أياس. الثَّانِي: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو عبد الله، واسْمه سلمَان الْجُهَنِيّ مَوْلَاهُم، مَعْدُود فِي أهل الْمَدِينَة، وَأَصله من أصفهان، ولقبه الْأَغَر، بِفَتْح الْهمزَة والغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بكنيته ولقبه وَالْآخر بنسبته إِلَى جده وَالْآخر بنسبته إِلَى قبيلته. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَنه خراساني سكن عسقلان، والبقية مدنيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الْجُمُعَة عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَعَمْرو بن سَواد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن نصر بن عَليّ وَفِي الْمَلَائِكَة عَن أَحْمد بن عَمْرو الْحَارِث بن مِسْكين وَعَمْرو بن سَواد وَعَن سُوَيْد بن نصر وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، وَأخرج أَيْضا فيهمَا عَن مُحَمَّد بن خَالِد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (المهجر) أَي: المبكر إِلَى الْمَسْجِد. قَوْله: (يهدي: أَي: يقرب) .
وَقد اسْتَوْفَيْنَا مَعْنَاهُ فِي: بَاب فضل الْجُمُعَة، لِأَنَّهُ روى عَن أبي هُرَيْرَة قَرِيبا من هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن سمي عَن أبي صَالح السمان عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْإِنْصَات إِلَى الْخطْبَة وَهُوَ مَطْلُوب بالِاتِّفَاقِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : والجديد الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يحرم الْكَلَام وَيسن الْإِنْصَات، وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَدَاوُد، وَالْقَدِيم أَنه يحرم، وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأحمد، ﵏. وَقَالَ ابْن بطال: اسْتِمَاع الْخطْبَة وَاجِب وجوب سنة عِنْد أَكثر الْعلمَاء، وَمِنْهُم من جعله فَرِيضَة، وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد، أَنه قَالَ: لَا يجب الْإِنْصَات لِلْقُرْآنِ إِلَّا فِي موضِعين: فِي الصَّلَاة
стр. 1790
وَالْخطْبَة. ثمَّ نقل عَن أَكثر الْعلمَاء أَن الْإِنْصَات وَاجِب على من سَمعهَا وَمن لم يسْمعهَا، وَأَنه قَول مَالك، وَقد قَالَ عُثْمَان: للمنصت الَّذِي لَا يسمع من الْأجر مثل مَا للمنصت الَّذِي يسمع. وَكَانَ عُرْوَة لَا يرى بَأْسا بالْكلَام إِذا لم يسمع الْخطْبَة. وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس أَن يذكر الله وَيقْرَأ من لم يسمع الْخطْبَة. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا خلاف عَلمته بَين فُقَهَاء الْأَمْصَار فِي وجوب الْإِنْصَات لَهَا على من سَمعهَا.
وَاخْتلف فِيمَن لم يسْمعهَا. قَالَ: وَجَاء فِي هَذَا الْمَعْنى خلاف عَن بعض التَّابِعين، فَروِيَ عَن الشّعبِيّ وَسَعِيد ابْن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وَابْن بردة: أَنهم كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ وَالْإِمَام يخْطب إِلَّا فِي قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الْخطْبَة خَاصَّة، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٤) . وفعلهم مَرْدُود عِنْد أهل الْعلم، وَأحسن أَحْوَالهم أَنهم لم يبلغهم الحَدِيث فِي ذَلِك، وَهُوَ قَوْله ﷺ : (إِذا قلت لصاحبك أنصت. .) الحَدِيث، لِأَنَّهُ حَدِيث انْفَرد بِهِ أهل الْمَدِينَة، وَلَا علم لمتقدمي أهل الْعرَاق بِهِ، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَكَانَ سعيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم بن مهَاجر وَأَبُو بردة وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ يَتَكَلَّمُونَ وَالْحجاج يخْطب. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: إِذا اشْتغل الإِمَام بِالْخطْبَةِ يَنْبَغِي للمستمع أَن يجْتَنب مَا يجتبه فِي الصَّلَاة لقَوْله : ﴿فَاسْتَمعُوا إِلَيْهِ وأنصتوا﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٤) . وَقَوله ﷺ : (إِذا قلت لصاحبك أنصت. .) الحَدِيث، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكره لَهُ رد السَّلَام وتشميت الْعَاطِس إلاّ فِي قَول جَدِيد للشَّافِعِيّ: إِنَّه يرد ويشمت، وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام: وَالأَصَح أَنه يشمت، وَفِي (المجتبي) : قيل: وجوب الِاسْتِمَاع مَخْصُوص بِزَمن الْوَحْي، وَقيل: فِي الْخطْبَة الأولى دون الثَّانِيَة لما فِيهَا من مدح الظلمَة، وَعَن أبي حنيفَة: إِذا سلم عَلَيْهِ يردهُ بِقَلْبِه، وَعَن أبي يُوسُف: يرد السَّلَام ويشمت الْعَاطِس فِيهَا، وَعَن مُحَمَّد: يرد ويشمت بعد الْخطْبَة وَيُصلي على النَّبِي ﷺ فِي قلبه، وَاخْتلف الْمُتَأَخّرُونَ فِيمَن كَانَ بَعيدا لَا يسمع الْخطْبَة، فَقَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة: الْمُخْتَار السُّكُوت وَهُوَ الْأَفْضَل، وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي. وَقَالَ نصر بن يحيى: يسبخ وَيقْرَأ الْقُرْآن، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَأَجْمعُوا أَنه لَا يتَكَلَّم. وَقيل: الِاشْتِغَال بِالذكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن أفضل من السُّكُوت. وَأما دراسة الْفِقْه وَالنَّظَر فِي كتب الْفِقْه وكتابته، فَقيل: يكره، وَقيل: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام: الِاسْتِمَاع إِلَى خطْبَة النِّكَاح والختم وَسَائِر الْخطب وَاجِب، وَفِي (الْكَامِل) : وَيَقْضِي الْفجْر إِذا ذكره فِي الْخطْبَة وَلَو تغذى بعد الْخطْبَة أَو جَامع فاغتسل يُعِيد الْخطْبَة، وَفِي الْوضُوء فِي بَيته لَا يُعِيد.
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي وَقت الْإِنْصَات، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: خُرُوج الإِمَام يقطع الْكَلَام وَالصَّلَاة جَمِيعًا، لقَوْله ﷺ : (فَإِذا خرج الإِمَام طَوَوْا صُحُفهمْ ويستمعون الذّكر. .) وَقَالَت طَائِفَة: لَا يجب الْإِنْصَات إلاّ عِنْد ابْتِدَاء الْخطْبَة، وَلَا بَأْس بالْكلَام قبلهَا، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ بَعضهم: وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: يحرم الْكَلَام من ابْتِدَاء خُرُوج الإِمَام وَورد فِيهِ حَدِيث ضَعِيف. قلت: حَدِيث الْبَاب هُوَ حجَّة للحنفية وَحجَّة عَلَيْهِم بِالتَّأَمُّلِ يدرى.
٣٢ - (بَاب إذَا رأى الإمامُ رَجُلاً جاءَ وَهْوَ يَخْطُبُ أمَرَهُ أنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا رأى الإِمَام. . إِلَى آخِره. قَوْله: (جَاءَ) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة: لرجلاً. قَوْله: (وَهُوَ يخْطب) جملَة إسمية وَقعت حَالا عَن الإِمَام. قَوْله: (أمره) جَوَاب: إِذا، وَإِنَّمَا يَأْمُرهُ إِذا كَانَ لم يصل الرَّكْعَتَيْنِ قبل أَن يرَاهُ. قَوْله: (أَن يُصَلِّي) أَي: بِأَن يُصَلِّي، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: أمره بِصَلَاة رَكْعَتَيْنِ.
٩٣٠ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ جاءَ رَجُلٌ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ الناسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فقالَ أصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ قَالَ لَا قَالَ قُمْ فارْكعْ رَكْعَتَيْنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان هُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي.
وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيَعْقُوب الدَّوْرَقِي، وَعَن أبي الرّبيع وقتيبة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، هَذَا الرجل هُوَ: سليك، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره
стр. 1791
كَاف: ابْن هدبة وَقيل: ابْن عمر، والغطفاني، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة وَالْفَاء: من غطفان بن سعيد بن قيس غيلَان، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم فِي هَذِه الْقِصَّة من رِوَايَة اللَّيْث بن سعد عَن أبي الزبير عَن جَابر وَلَفظه: (جَاءَ سليك الْغَطَفَانِي يَوْم الْجُمُعَة وَرَسُول الله ﷺ قَائِم على الْمِنْبَر، لَا فَقعدَ سليك قبل أَن يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ: أصليت رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: قُم فَارْكَعْهُمَا) . وَمن طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر نَحوه، وَفِيه: (فَقَالَ لَهُ: يَا سليك قُم فاركع رَكْعَتَيْنِ وَتجوز فيهمَا) . هَكَذَا رَوَاهُ حفاظ أَصْحَاب الْأَعْمَش عَنهُ. وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة حَفْص ابْن غياث عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر وَعَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَا: (جَاءَ سليك الْغَطَفَانِي وَرَسُول الله ﷺ يخْطب، فَقَالَ لَهُ: أصليت؟ قَالَ: لَا. قَالَ: صل رَكْعَتَيْنِ تجوز فيهمَا) . وروى النَّسَائِيّ قَالَ: أخبرنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: (جَاءَ سليك الْغَطَفَانِي وَرَسُول الله ﷺ قَاعد على الْمِنْبَر، فَقعدَ سليك قبل أَن يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أركعت رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: قُم فَارْكَعْهُمَا) . وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار سمع جَابِرا، وَأَبُو الزبير سمع جَابِرا، قَالَ: (دخل سليك الْغَطَفَانِي الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب، قَالَ: أصليت؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فصل رَكْعَتَيْنِ) . وَأما عَمْرو فَلم يذكر سليكا. وروى أَيْضا عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة وَعَن أبي سُفْيَان (عَن جَابر قَالَ: جَاءَ سليك الْغَطَفَانِي. .) الحَدِيث، وروى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش، قَالَ: سَمِعت أَبَا صَالح يحدث بِحَدِيث سليك الْغَطَفَانِي ثمَّ سَمِعت أَبَا سُفْيَان يحدث بِهِ عَن جَابر، فَظهر من هَذِه الرِّوَايَات أَن هَذِه الْقِصَّة لسليك، وَأَن من روى بِلَفْظ: رجل، غير مُسَمّى فَالْمُرَاد مِنْهُ: سليك، فَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ بِلَفْظ: رجل، كَمَا مر، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد كَرِوَايَة البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة للنسائي كَذَلِك، وَكَذَلِكَ لِابْنِ مَاجَه فِي رِوَايَة. وَجَاء أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب من غير جَابر، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي صَالح: (عَن أبي ذَر أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ يخْطب فَقَالَ لأبي ذَر: صليت رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا. .) الحَدِيث، وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة. وشذ بقوله: (وَهُوَ يخْطب) ، فَإِن الحَدِيث مَشْهُور: (عَن أبي ذَر أَنه جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد. .) أخرجه ابْن حبَان وَغَيره، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة مَنْصُور بن الْأسود عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان (عَن جَابر، قَالَ: دخل النُّعْمَان بن قوقل وَرَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر يخْطب يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : صل رَكْعَتَيْنِ تجوز فيهمَا) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُعْتَمر عَن أَبِيه عَن قَتَادَة (عَن أنس: دخل رجل من قيس الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ يخْطب، فَقَالَ: قُم فاركع رَكْعَتَيْنِ، وَأمْسك عَن الْخطْبَة حَتَّى فرغ من صلَاته) فَإِن قلت: كَيفَ وَجه هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: كَون معنى هَذِه الْأَحَادِيث وَاحِدًا لَا يمْنَع تعدد الْقَضِيَّة، وَأما حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يُخَالف كَون الدَّاخِل فِيهِ من قيس أَن يكون سليكا، فَإِن سليكا غطفاني، وغَطَفَان من قيس. قَوْله: (صليت؟) أَي: أصليت؟ وهمزة الِاسْتِفْهَام فِيهِ مقدرَة، ويروى بِإِظْهَار الْهمزَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ النَّوَوِيّ: هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا صَرِيحَة فِي الدّلَالَة لمَذْهَب الشَّافِعِي، وَأحمد وَإِسْحَاق وفقهاء الْمُحدثين أَنه إِذا دخل الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب يسْتَحبّ لَهُ أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّة الْمَسْجِد، وَيكرهُ الْجُلُوس قبل أَن يُصَلِّيهمَا. وَأَنه يسْتَحبّ أَن يتجوز فيهمَا ليسمع الْخطْبَة. وَحكي هَذَا الْمَذْهَب أَيْضا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره من الْمُتَقَدِّمين. وَقَالَ القَاضِي: قَالَ مَالك وَاللَّيْث وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَجُمْهُور السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ: لَا يُصَلِّيهمَا، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وحجتهم: الْأَمر بالإنصات للْإِمَام، وتأولوا هَذِه الْأَحَادِيث أَنه كَانَ عُريَانا فَأمره رَسُول الله ﷺ بِالْقيامِ ليراه النَّاس ويتصدقوا عَلَيْهِ، وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل يردهُ صَرِيح قَوْله: (إِذا جَاءَ أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فليركع رَكْعَتَيْنِ وليتجوز فيهمَا) وَهَذَا نَص لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَأْوِيل، وَلَا أَظن عَالما يبلغهُ هَذَا اللَّفْظ صَحِيحا فيخالفه. قلت: أَصْحَابنَا لم يأولوا الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِهَذَا الَّذِي ذكره حَتَّى يشنع عَلَيْهِم هَذَا التشنيع، بل أجابوا بأجوبة غير هَذَا. الأول: أَن النَّبِي ﷺ أنصت لَهُ حَتَّى فرغ من صلَاته، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ، مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث عبيد بن مُحَمَّد الْعَبْدي: حَدثنَا مُعْتَمر عَن أَبِيه عَن قَتَادَة عَن أنس، قَالَ: دخل رجل الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ يخْطب، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ :
стр. 1792
قُم فاركع رَكْعَتَيْنِ، وَأمْسك عَن الْخطْبَة حَتَّى فرغ من صلَاته) فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أسْندهُ عبيد بن مُحَمَّد وَوهم فِيهِ. قلت: ثمَّ أخرجه (عَن أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا مُعْتَمر عَن أَبِيه قَالَ: جَاءَ رجل وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب، فَقَالَ: يَا فلَان أصليت؟ قَالَ: لَا. قَالَ: قُم فصل، ثمَّ انتظره حَتَّى صلى) . قَالَ: وَهَذَا الْمُرْسل هُوَ الصَّوَاب. قلت: الْمُرْسل حجَّة عندنَا، وَيُؤَيّد هَذَا مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا هشيم، قَالَ: أخبرنَا أَبُو معشر (عَن مُحَمَّد بن قيس: أَن النَّبِي، ﷺ ، حَيْثُ أمره أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أمسك عَن الْخطْبَة حَتَّى فرغ من ركعتيه، ثمَّ عَاد إِلَى خطبَته) .
الْجَواب الثَّانِي: أَن ذَلِك كَانَ قبل شُرُوعه، ﷺ ، فِي الْخطْبَة. وَقد بوب النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) على حَدِيث سليك، قَالَ: بَاب الصَّلَاة قبل الْخطْبَة. ثمَّ أخرج عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: (جَاءَ سليك الْغَطَفَانِي وَرَسُول الله ﷺ قَاعد على الْمِنْبَر، فَقعدَ سليك قبل أَن يُصَلِّي. فَقَالَ لَهُ، ﷺ : أركعت رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: قُم فَارْكَعْهُمَا) .
الثَّالِث: أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ قبل أَن ينْسَخ الْكَلَام فِي الصَّلَاة، ثمَّ لما نسخ فِي الصَّلَاة نسخ أَيْضا فِي الْخطْبَة لِأَنَّهَا شطر صَلَاة الْجُمُعَة أَو شَرطهَا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَقَد تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَات عَن رَسُول الله ﷺ بِأَن من قَالَ لصَاحبه: أنصت وَالْإِمَام يخْطب يَوْم الْجُمُعَة فقد لَغَا، فَإِذا كَانَ قَول الرجل لصَاحبه وَالْإِمَام يخْطب: أنصت، لَغوا، كَانَ قَول الإِمَام للرجل: قُم فصل لَغوا أَيْضا، فَثَبت بذلك أَن الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ من رَسُول الله، ﷺ ، الْأَمر لسليك بِمَا أمره بِهِ إِنَّمَا كَانَ قبل النَّهْي، وَكَانَ الحكم فِيهِ فِي ذَلِك بِخِلَاف الحكم فِي الْوَقْت الَّذِي جعل مثل ذَلِك لَغوا، وَقَالَ ابْن شهَاب: خُرُوج الإِمَام يقطع الصَّلَاة، وَكَلَامه يقطع الْكَلَام، وَقَالَ ثَعْلَبَة بن أبي مَالك: كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا خرج للخطبة أنصتنا. وَقَالَ عِيَاض: كَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان يمْنَعُونَ من الصَّلَاة عِنْد الْخطْبَة.
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الصَّلَاة حِين ذَاك حرَام من ثَلَاثَة أوجه: الأول: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قرىء الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٤) . فَكيف يتْرك الْفَرْض الَّذِي شرع الإِمَام فِيهِ إِذا دخل عَلَيْهِ فِيهِ ويشتغل بِغَيْر فرض؟ الثَّانِي: صَحَّ عَنهُ، ﷺ ، أَنه قَالَ: (إِذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت) . فَإِذا كَانَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر الاصلان المفروضان الركنان فِي الْمَسْأَلَة يحرمان فِي حَال الْخطْبَة، فالنفل أولى أَن يحرم. الثَّالِث: لَو دخل وَالْإِمَام فِي الصَّلَاة وَلم يرْكَع، وَالْخطْبَة صَلَاة، إِذْ يحرم فِيهَا من الْكَلَام وَالْعَمَل مَا يحرم فِي الصَّلَاة.
وَأما حَدِيث سليك فَلَا يعْتَرض على هَذِه الْأُصُول من أَرْبَعَة أوجه: الأول: هُوَ خبر وَاحِد. الثَّانِي: يحْتَمل أَنه كَانَ فِي وَقت كَانَ الْكَلَام مُبَاحا فِي الصَّلَاة، لأَنا لَا نعلم تَارِيخه، فَكَانَ مُبَاحا فِي الْخطْبَة، فَلَمَّا حرم فِي الْخطْبَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر الَّذِي هُوَ آكِد فَرضِيَّة من الِاسْتِمَاع، فَأولى أَن يحرم مَا لَيْسَ بِفَرْض. الثَّالِث: أَن النَّبِي، ﷺ ، كلم سليكا وَقَالَ لَهُ: قُم فصل، فَلَمَّا كَلمه وَأمره سقط عَنهُ فرض الِاسْتِمَاع، إِذْ لم يكن هُنَاكَ قَول فِي ذَلِك الْوَقْت إلاّ مخاطبته لَهُ وسؤاله وَأمره. الرَّابِع: أَن سليكا كَانَ ذَا بذاذة، فَأَرَادَ، ﷺ ، أَن يشهره ليرى حَاله.
وَعند ابْن بزيزة: كَانَ سليك عُريَانا فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ ، أَن يرَاهُ النَّاس. وَقد قيل: إِن ترك الرُّكُوع حالتئذ سنة مَاضِيَة وَعمل مستفيض فِي زمن الْخُلَفَاء، وعولوا أَيْضا على حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يرفعهُ: (لَا تصلوا وَالْإِمَام يخْطب) . وَاسْتَدَلُّوا بإنكار عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على عُثْمَان فِي ترك الْغسْل وَلم ينْقل أَنه أمره بالركعتين، وَلَا نقل أَنه صلاهما. وعَلى تَقْدِير التَّسْلِيم لما يَقُول الشَّافِعِي، فَحَدِيث سليك لَيْسَ فِيهِ دَلِيل لَهُ، إِذْ مذْهبه أَن الرَّكْعَتَيْنِ تسقطان بِالْجُلُوسِ. وَفِي (اللّبَاب) : وروى عَليّ بن عَاصِم عَن خَالِد الْحذاء أَن أَبَا قلَابَة جَاءَ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب، فَجَلَسَ وَلم يصل. وَعَن عقبَة بن عَامر. قَالَ: (الصَّلَاة وَالْإِمَام على الْمِنْبَر مَعْصِيّة) . وَفِي (كتاب الْأَسْرَار) : لنا مَا روى الشّعبِيّ عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا صعد الإِمَام الْمِنْبَر فَلَا صَلَاة، وَلَا كَلَام حَتَّى يفرغ) . وَالصَّحِيح من الرِّوَايَة: (أذا جَاءَ أحدكُم وَالْإِمَام على الْمِنْبَر فَلَا صَلَاة وَلَا كَلَام) . وَقد تصدى بَعضهم لرد مَا ذكر من الِاحْتِجَاج فِي منع الصَّلَاة وَالْإِمَام يخْطب يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ جَمِيع مَا ذَكرُوهُ مَرْدُود، ثمَّ قَالَ: لِأَن الأَصْل عدم الخصوصية. قُلْنَا: نعم، إِذا لم تكن قرينَة، وَهنا قرينَة على الخصوصية، وَذَلِكَ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ يَقُول: (جَاءَ رجل يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ، ﷺ ، يخْطب بهيئة بذة، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : أصليت؟ قَالَ: لَا، قَالَ:
стр. 1793
صل رَكْعَتَيْنِ، وحث النَّاس على الصَّدَقَة، قَالَ: فَألْقوا ثيابًا فَأعْطَاهُ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ، فَلَمَّا كَانَت الْجُمُعَة الثَّانِيَة جَاءَ وَرَسُول الله ﷺ يخْطب، فَحَث النَّاس على الصَّدَقَة، قَالَ. فَألْقى أحد ثوبيه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : جَاءَ هَذَا يَوْم الْجُمُعَة بهيئة بذة فَأمرت النَّاس بِالصَّدَقَةِ فَألْقوا ثيابًا، فَأمرت لَهُ مِنْهَا بثوبين، ثمَّ جَاءَ الْآن فَأمرت النَّاس بِالصَّدَقَةِ فَألْقى أَحدهمَا، فانتهره وَقَالَ: خُذ ثَوْبك) . انْتهى. وَكَانَ مُرَاده بأَمْره إِيَّاه بِصَلَاة رَكْعَتَيْنِ أَن يرَاهُ النَّاس ليتصدقوا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي ثوب خلق. وَقد قيل: إِنَّه كَانَ عُريَانا، كَمَا ذَكرْنَاهُ، إِذْ لَو كَانَ مُرَاده إِقَامَة السّنة بِهَذِهِ الصَّلَاة لما قَالَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِذا قلت لصاحبك: أنصت، وَالْإِمَام يخْطب فقد لغوت) . وَهُوَ حَدِيث مجمع على صِحَّته من غير خلاف لأحد فِيهِ، حَتَّى كَاد أَن يكون متواترا، فَإِذا مَنعه من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي هُوَ فرض فِي هَذِه الْحَالة فَمَنعه من إِقَامَة السّنة، أَو الِاسْتِحْبَاب بِالطَّرِيقِ الأولى، فَحِينَئِذٍ قَول هَذَا الْقَائِل، فَدلَّ على أَن قصَّة التَّصْدِيق عَلَيْهِ جُزْء عِلّة لَا عِلّة كَامِلَة غير موجه، لِأَنَّهُ عِلّة كَامِلَة. وَقَالَ أَيْضا: وَأما إِطْلَاق من أطلق أَن التَّحِيَّة تفوت بِالْجُلُوسِ، فقد حكى النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) عَن الْمُحَقِّقين أَن ذَلِك فِي حق الْعَامِد الْعَالم أما الْجَاهِل أَو النَّاسِي فَلَا. قلت: هَذَا حكم بِالِاحْتِمَالِ، وَالِاحْتِمَال إِذا كَانَ غير ناشىء عَن دَلِيل فَهُوَ لَغْو لَا يعْتد بِهِ، وَقَالَ أَيْضا فِي قَوْلهم: (إِنَّه ﷺ لما خَاطب سليكا سكت عَن خطبَته حَتَّى فرغ سليك من صلَاته) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِمَا حَاصله أَنه مُرْسل، والمرسل حجَّة عِنْدهم. وَقَالَ أَيْضا: فِيمَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ، من أَنه ﷺ لما تشاغل بمخاطبة سليك سقط فرض الِاسْتِمَاع عَنهُ، إِذْ لم يكن مِنْهُ حِينَئِذٍ خطْبَة لأجل تِلْكَ المخاطبة، وَادّعى أَنه أقوى الْأَجْوِبَة. قَالَ: هُوَ من أَضْعَف الْأَجْوِبَة، لِأَن المخاطبة لما انْقَضتْ رَجَعَ ﷺ إِلَى خطْبَة وتشاغل سليك بامتثال مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة. فصح أَنه صلى فِي حَالَة الْخطْبَة. قلت: يرد مَا قَالَه من قَوْله هَذَا مَا فِي حَدِيث أنس الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ الَّذِي ذكرنَا عَنهُ أَنه قَالَ: وَالصَّوَاب أَنه مُرْسل، وَفِيه: (وَأمْسك أَي النَّبِي ﷺ عَن الْخطْبَة حَتَّى فرغ من صلَاته) يَعْنِي: سليك، فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل: فصح أَنه صلى فِي حَالَة الْخطْبَة، وَالْعجب مِنْهُ أَنه يصحح الْكَلَام السَّاقِط؟ وَقَالَ أَيْضا: قيل: كَانَت هَذِه الْقَضِيَّة قبل شُرُوعه ﷺ فِي الْخطْبَة، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي رِوَايَة اللَّيْث عِنْد مُسلم: (وَالنَّبِيّ ﷺ قَاعد على الْمِنْبَر) . وَأجِيب: بِأَن الْقعُود على الْمِنْبَر لَا يخْتَص بِالِابْتِدَاءِ، بل يحْتَمل أَن يكون بَين الْخطْبَتَيْنِ أَيْضا، قلت: الأَصْل ابْتِدَاء قعوده بَين الْخطْبَتَيْنِ، مُحْتَمل فَلَا يحكم بِهِ على الأَصْل على أَن أمره ﷺ إِيَّاه بِأَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وسؤاله إِيَّاه هَل صليت؟ وَأمره للنَّاس بِالصَّدَقَةِ، يضيق عَن الْقعُود بَين الْخطْبَتَيْنِ، لِأَن زمن هَذَا الْقعُود لَا يطول. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون الرَّاوِي تجوز فِي قَوْله: (قَاعد) . قلت: هَذَا ترويج لكَلَامه، وَنسبَة الرَّاوِي إِلَى ارْتِكَاب الْمجَاز مَعَ عدم الْحَاجة والضرورة. وَقَالَ أَيْضا: قيل: كَانَت هَذِه الْقَضِيَّة قبل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة، ثمَّ رده بقوله: إِن سليكا مُتَأَخّر الْإِسْلَام جدا، وَتَحْرِيم الْكَلَام مُتَقَدم حجدا، فَكيف يدعى نسخ الْمُتَأَخر بالمتقدم مَعَ ان النّسخ لَا يثبت بِالِاحْتِمَالِ؟ قلت: لم يقل أحد إِن قَضِيَّة سليك كَانَت قبل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الْقَائِل: إِن قَضِيَّة سليك كَانَت فِي حَالَة إِبَاحَة الْأَفْعَال فِي الْخطْبَة قبل أَن ينْهَى عَنْهَا، أَلا يرى أَن فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَألْقى النَّاس ثِيَابهمْ، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ أَن نزع الرجل ثَوْبه وَالْإِمَام يخْطب مَكْرُوه، وَكَذَلِكَ مس الْحَصَى، وَقَول الرجل لصَاحبه أنصت، كل ذَلِك مَكْرُوه، فَدلَّ ذَلِك على أَن مَا أَمر بِهِ ﷺ سليكا، وَمَا أَمر بِهِ النَّاس بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ كَانَ فِي حَال إِبَاحَة الْأَفْعَال فِي الْخطْبَة. وَلما أَمر ﷺ بالإنصات عِنْد الْخطْبَة وَجعل حكم الْخطْبَة كَحكم الصَّلَاة، وَجعل الْكَلَام فِيهَا لَغوا كَمَا كَانَ، جعله لَغوا فِي الصَّلَاة. ثَبت بذلك أَن الصَّلَاة فِيهَا مَكْرُوهَة، فَهَذَا وَجه قَول الْقَائِل بالنسخ، ومبنى كَلَامه هَذَا على هَذَا الْوَجْه لَا على تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: قيل: اتَّفقُوا على أَن منع الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة يَسْتَوِي فِيهِ من كَانَ دَاخل الْمَسْجِد أَو خَارجه، وَقد اتَّفقُوا على أَن من كَانَ دَاخل الْمَسْجِد يمْتَنع عَلَيْهِ التَّنَفُّل حَال الْخطْبَة، فَلْيَكُن الْآتِي كَذَلِك، قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَتعقب بِأَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص، فَهُوَ فَاسد. قلت: لم يبنِ الطَّحَاوِيّ كَلَامه ابْتِدَاء على الْقيَاس حَتَّى يكون مَا قَالَه قِيَاسا فِي مُقَابلَة النَّص، وَإِنَّمَا مدعي الْفساد لم يحرر مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ، فَادّعى الْفساد، فَوَقع فِي الْفساد. وتحرير كَلَام الطَّحَاوِيّ أَنه روى أَحَادِيث عَن سُلَيْمَان وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَأبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَوْس بن أَوْس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، كلهَا تَأمر بالإنصات إِذا خطب الإِمَام، فتدل كلهَا أَن مَوضِع كَلَام الإِمَام لَيْسَ بِموضع للصَّلَاة، فبالنظر إِلَى ذَلِك يَسْتَوِي الدَّاخِل والآتي
стр. 1794
وَمَعَ هَذَا الَّذِي قَالَه الطَّحَاوِيّ وَافقه عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره من الشَّافِعِيَّة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: قيل: اتَّفقُوا على أَن الدَّاخِل وَالْإِمَام فِي الصَّلَاة تسْقط عَنهُ التَّحِيَّة. وَلَا شكّ أَن الْخطْبَة صَلَاة، فَتسقط عَنهُ فِيهَا أَيْضا، وَتعقب بِأَن الْخطْبَة لَيست صَلَاة من كل وَجه، والداخل فِي حَال الْخطْبَة مَأْمُور بشغل الْبقْعَة بِالصَّلَاةِ قبل جُلُوسه، بِخِلَاف الدَّاخِل فِي حَال الصَّلَاة، فَإِن إِتْيَانه بِالصَّلَاةِ الَّتِي أُقِيمَت تحصل الْمَقْصُود. قلت: هَذَا الْقَائِل لم يدع أَن الْخطْبَة صَلَاة من كل وَجه حَتَّى يرد عَلَيْهِ مَا ذكره من التعقيب، بل قَالَ: هِيَ صَلَاة من حَيْثُ إِن الصَّلَاة قصرت لمكانها، فَمن حَيْثُ هَذَا الْوَجْه يَسْتَوِي الدَّاخِل والآتي، وَيُؤَيّد هَذَا حَدِيث أبي الزَّاهِرِيَّة: (عَن عبد الله بن بشر، قَالَ: كنت جَالِسا إِلَى جنبه يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ: جَاءَ رجل يتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : إجلس فقد آذيت وآنيت) . أَلا ترى أَنه ﷺ أمره بِالْجُلُوسِ وَلم يَأْمُرهُ بِالصَّلَاةِ؟ فَهَذَا خلاف حَدِيث سليك فَافْهَم. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: قيل: اتَّفقُوا على سُقُوط التَّحِيَّة عَن الإِمَام مَعَ كَونه يجلس على الْمِنْبَر، مَعَ أَن لَهُ ابْتِدَاء الْكَلَام فِي الْخطْبَة دون الْمَأْمُوم، فَيكون ترك الْمَأْمُوم التَّحِيَّة بطرِيق الأولى، وَتعقب بِأَنَّهُ أَيْضا قِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص فَهُوَ فَاسد؟ قلت: إِنَّمَا يكون الْقيَاس فِي مُقَابلَة النَّص فَاسِدا إِذا كَانَ ذَلِك النَّص سالما عَن الْمعَارض، وَلم يسلم سليك عَن أُمُور ذَكرنَاهَا، وَرُوِيَ أَيْضا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، منع الصَّلَاة للداخل وَالْإِمَام يخْطب. أما الصَّحَابَة فهم: عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وثعلبة ابْن أبي مَالك الْقرظِيّ وَعبد الله بن صَفْوَان بن أُميَّة الْمَكِّيّ وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس.
أما أثر عقبَة فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: الصَّلَاة وَالْإِمَام على الْمِنْبَر مَعْصِيّة. فَإِن قلت: فِي إِسْنَاده عبد الله بن لَهِيعَة وَفِيه مقَال! قلت: وَثَّقَهُ أَحْمد وَكفى بِهِ ذَلِك.
وَأما أثر ثَعْلَبَة بن مَالك فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح: أَن جُلُوس الإِمَام على الْمِنْبَر يقطع الصَّلَاة، وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن يحيى بن سعيد عَن يزِيد بن عبد الله عَن ثَعْلَبَة بن أبي مَالك الْقرظِيّ قَالَ: (أدْركْت عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَكَانَ الإِمَام إِذا خرج تركنَا الصَّلَاة، فَإِذا تكلم تركنَا الْكَلَام) .
وَأما أثر عبد الله بن صَفْوَان فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَن هِشَام بن عُرْوَة قَالَ: (رَأَيْت عبد الله بن صَفْوَان ابْن أُميَّة دخل الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة، وَعبد الله بن الزبير يخْطب على الْمِنْبَر. وَعَلِيهِ ازار ورداء وَنَعْلَان وَهُوَ معتم بعمامة، فاستلم الرُّكْن ثمَّ قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، ثمَّ جلس وَلم يرْكَع.
وَأما أثر عبد الله بن عمر وَعبد الله ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا (عَن عَطاء قَالَ: كَانَ ابْن عمر وَابْن عَبَّاس يكرهان الْكَلَام وَالصَّلَاة إِذا خرج الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة) .
وَأما التابعون فهم: الشّعبِيّ وَالزهْرِيّ وعلقمة وَأَبُو قلَابَة وَمُجاهد.
فأثر الشّعبِيّ عَامر بن شرَاحِيل أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ عَن شُرَيْح أَنه: إِذا جَاءَ وَقد خرج الإِمَام لم يصل. وَأثر الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم أخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ فِي: الرجل يدْخل الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب، قَالَ: يجلس وَلَا يسبح.
وَأثر عَلْقَمَة فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَن القَاضِي بكار عَن أبي عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن أبراهيم قَالَ لعلقمة: أَتكَلّم وَالْإِمَام يخْطب وَقد خرج الإِمَام؟ قَالَ: لَا ... إِلَى آخِره.
وَأثر أبي قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي أخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ أَنه: جَاءَ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فَجَلَسَ وَلم يصل. وَأثر مُجَاهِد أخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ: كره أَن يُصَلِّي وَالْإِمَام يخْطب. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا.
فَهَؤُلَاءِ السادات من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الْكِبَار لم يعْمل أحد مِنْهُم بِمَا فِي حَدِيث سليك، وَلَو علمُوا أَنه يعْمل بِهِ لما تَرَكُوهُ، فَحِينَئِذٍ بَطل اعْتِرَاض هَذَا الْمُعْتَرض.
فَإِن قلت: روى الْجَمَاعَة من حَدِيث أبي قَتَادَة السّلمِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فليركع رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يجلس) ، فَهَذَا عَام يتَنَاوَل كل دَاخل فِي الْمَسْجِد، سَوَاء كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب أَو غَيره. قلت: هَذَا على من دخل الْمَسْجِد فِي حَال تحل فِيهَا الصَّلَاة لَا مُطلقًا، ألَا يرى أَن من دخل الْمَسْجِد عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَعند غُرُوبهَا، أَو عِنْد قِيَامهَا فِي كبد السَّمَاء، لَا يُصَلِّي فِي هَذِه الْأَوْقَات للنَّهْي الْوَارِد فِيهِ؟ فَكَذَلِك لَا يُصَلِّي وَالْإِمَام يخْطب يَوْم الْجُمُعَة، لوُرُود وجوب الْإِنْصَات فِيهِ. وَالصَّلَاة حِينَئِذٍ مِمَّا يخل بالانصات. وَقَالَ أَيْضا: قيل: لَا نسلم
стр. 1795
أَن المُرَاد بالركعتين الْمَأْمُور بهما تَحِيَّة الْمَسْجِد، بل يحْتَمل أَن تكون صَلَاة فَائِتَة كالصبح مثلا، ثمَّ قَالَ: وَقد تولى رده ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: لَو كَانَ كَذَلِك لم يتَكَرَّر أمره لَهُ بذلك مرّة بعد أُخْرَى. قلت: هَذَا الْقَائِل نقل عَن ابْن الْمُنِير مَا يُقَوي القَوْل الْمَذْكُور، حَيْثُ قَالَ: لَعَلَّه ﷺ كَانَ كشف لَهُ عَن ذَلِك، وَإِنَّمَا استفهمه ملاطفة لَهُ فِي الْخطاب. قَالَ: وَلَو كَانَ المُرَاد بِالصَّلَاةِ التَّحِيَّة لم يحْتَج إِلَى استفهامه، لِأَنَّهُ قد رَآهُ لما قد دخل، وَهَذِه تَقْوِيَة جَيِّدَة بإنصاف. وَمَا نَقله عَن ابْن حبَان لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن تكراره يدل على أَن الَّذِي أمره بِهِ من الصَّلَاة الْفَائِتَة، لِأَن التّكْرَار لَا يحسن فِي غير الْوَاجِب، وَمن جملَة مَا قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقد نقل حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه دخل ومروان يخْطب، فصلى الرَّكْعَتَيْنِ، فَأَرَادَ حرس مَرْوَان أَن يمنعوه فَأبى حَتَّى صلاهما، ثمَّ قَالَ: مَا كنت لأدعهما بعد أَن سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَأْمر بهما. انْتهى. وَلم يثبت عَن أحد من الصَّحَابَة مَا يُخَالف ذَلِك، وَنقل أَيْضا عَن شَارِح التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ: كل من نقل عَنهُ منع الصَّلَاة وَالْإِمَام يخْطب مَحْمُول على من كَانَ دَاخل الْمَسْجِد، لِأَنَّهُ لم يَقع عَن أحد مِنْهُم التَّصْرِيح بِمَنْع التَّحِيَّة. انْتهى. قلت: قد ذكرنَا أَن الطَّحَاوِيّ روى عَن عقبَة بن عَامر: الصَّلَاة وَالْإِمَام على الْمِنْبَر مَعْصِيّة، وَكَيف يَقُول هَذَا الْقَائِل وَلم يثبت عَن أحد من الصَّحَابَة مَا يُخَالف ذَلِك؟ وإي مُخَالفَة تكون أقوى من هَذَا حَيْثُ جعل الصَّلَاة وَالْإِمَام على الْمِنْبَر مَعْصِيّة؟ وَكَيف يَقُول الشَّارِح التِّرْمِذِيّ: لم يَقع عَن أحد مِنْهُم التَّصْرِيح بِمَنْع التَّحِيَّة؟ وَأي تَصْرِيح يكون أقوى من قَول عقبَة حَيْثُ أطلق على فعل هَذِه الصَّلَاة مَعْصِيّة؟ فَلَو كَانَ قَالَ: يكره أَو لَا يفعل لَكَانَ منعا صَرِيحًا، فضلا أَنه قَالَ: مَعْصِيّة وَفعل الْمعْصِيَة حرَام، وَإِنَّمَا أطلق عَلَيْهِ الْمعْصِيَة لِأَنَّهَا فِي هَذَا الْوَقْت تخل بالإنصات الْمَأْمُور بِهِ، فَيكون بِفِعْلِهَا تَارِكًا لِلْأَمْرِ، وتارك الْأَمر يُسمى عَاصِيا، وَفعله يُسمى مَعْصِيّة، وَفِي الْحَقِيقَة هَذَا الْإِطْلَاق مُبَالغَة. فَإِن قلت: فِي سَنَد أثر عقبَة بن عبد الله بن لَهِيعَة؟ . قلت: مَاله، وَقد قَالَ أَحْمد: من كَانَ مثل ابْن لَهِيعَة بِمصْر فِي كَثْرَة حَدِيثه وَضَبطه وإتقانه؟ وَحدث عَنهُ أَحْمد كثيرا، وَقَالَ ابْن وهب: حَدثنِي الصَّادِق الْبَار وَالله عبد الله بن لَهِيعَة، وَقَالَ أَحْمد بن صَالح: كَانَ ابْن لَهِيعَة صَحِيح الْكتاب طلابا للْعلم.
وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَأما مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن عبد الله بن صَفْوَان أَنه دخل الْمَسْجِد وَابْن الزبير يخْطب فاستلم الرُّكْن ثمَّ سلم عَلَيْهِ ثمَّ جلس وَعبد الله بن صَفْوَان وَعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران، فقد اسْتدلَّ بِهِ الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ: لما لم يُنكر ابْن الزبير على ابْن صَفْوَان، وَلَا من حضرهما من الصَّحَابَة ترك التَّحِيَّة، فَدلَّ على صِحَة مَا قُلْنَاهُ، وَتعقب بِأَن تَركهم النكير لَا يدل على تَحْرِيمهَا، بل يدل على عدم وُجُوبهَا، وَلم يقل بِهِ مخالفوهم. قلت: هَذَا التعقيب متعقب لِأَنَّهُ مَا ادّعى تَحْرِيمهَا حَتَّى يرد مَا اسْتدلَّ بِهِ الطَّحَاوِيّ، وَلم يقل هُوَ وَلَا غَيره بِالْحُرْمَةِ، وَإِنَّمَا دَعوَاهُم أَن الدَّاخِل يَنْبَغِي أَن يجلس وَلَا يُصَلِّي شَيْئا، وَالْحَال أَن الإِمَام يخْطب، وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ.
وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: هَذِه الْأَجْوِبَة الَّتِي قدمناها تنْدَفع من أَصْلهَا بِعُمُوم قَوْله، ﷺ ، فِي حَدِيث أبي قَتَادَة: (إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فَلَا يجلس حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) . قلت: قد أجبنا عَن هَذَا بِأَنَّهُ مَخْصُوص، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا نَص لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ التَّأْوِيل، وَلَا أَظن عَالما يبلغهُ هَذَا اللَّفْظ، ويعتقده صَحِيحا فيخالفه قلت: فرق بَين التَّأْوِيل والتخصيص وَلم يقل أحد من المانعين عَن الصَّلَاة وَالْإِمَام يخْطب: أَنه مؤول، بل قَالُوا: إِنَّه مَخْصُوص. وَقَالَ الْقَائِل الْمَذْكُور: وَفِي هَذَا الحَدِيث، أَعنِي: حَدِيث هَذَا الْبَاب جَوَاز صَلَاة التَّحِيَّة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، لِأَنَّهَا إِذا لم تسْقط فِي الْخطْبَة مَعَ الْأَمر بالإنصات لَهَا فغيرها أولى. قلت: من جملَة الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة وَقت طُلُوع الشَّمْس وَوقت غُرُوبهَا وَوقت استوائها، وَحَدِيث عقبَة ابْن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (ثَلَاث سَاعَات كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، نَهَانَا أَن نصلي فِيهِنَّ أَو نقبر فِيهِنَّ مَوتَانا: حِين تطلع الشَّمْس بازعة حَتَّى ترْتَفع، وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل الشَّمْس، وَحين تضيف الشَّمْس للغروب حَتَّى تغرب) . رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، فَإِن هَذَا الحَدِيث بِعُمُومِهِ يمْنَع سَائِر الصَّلَوَات فِي هَذِه الْأَوْقَات من الْفَرَائِض والنوافل، وَصَلَاة التَّحِيَّة من النَّوَافِل.
٣٣ - (بابُ منْ جاءَ والإمامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: من جَاءَ ... إِلَى آخِره، وَكلمَة: من، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء. وَقَوله: (صلى رَكْعَتَيْنِ) خَبره. قَوْله: (وَالْإِمَام يخْطب) ، جملَة حَالية.
стр. 1796
٩٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ ووسَمِعَ جابِرا قَالَ دَخَلَ رَجلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ أصلَّيْتَ قَالَ لَا قَالَ قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٣٠ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصل رَكْعَتَيْنِ) ، قيل: فِي التَّرْجَمَة قيد الرَّكْعَتَيْنِ، بقوله: (خفيفتين) ، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث هَذَا الْقَيْد فَلم تقع الْمُطَابقَة تَامَّة. وَأجِيب: بِأَن من عَادَته أَن يُشِير إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق الحَدِيث، وَهَذَا الْقَيْد وَقع فِي سنَن أبي قُرَّة: عَن الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر بِلَفْظ: (قُم فاركع رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) ، وَوَقع فِي مُسلم بِمَعْنَاهُ بِلَفْظ: (وتجوَّز فيهمَا) . وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَنه أخرج حَدِيث ذَاك الْبَاب: عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر، وَأخرج حَدِيث هَذَا الْبَاب، عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن جَابر، وَالْفرق بَينهمَا فِي بعض الْأَلْفَاظ: فَفِي حَدِيث الْبَاب الأول لم يُصَرح بِسَمَاع عَمْرو عَن جَابر، وَهَهُنَا قد صرح بقوله: عَن عَمْرو سمع جَابِرا، وَنسب عمرا إِلَى أَبِيه دِينَار فِي الحَدِيث الأول، وَهَهُنَا لم ينْسبهُ. وَقَوله: (أصليت؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا بِحَذْف الْهمزَة، كَمَا فِي الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (قَالَ: قُم فصل) هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر (قَالَ: قُم فصل) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَيَان حكم رفع الْيَدَيْنِ، فِي الْبَاب السَّابِق.
٣٤ - (بابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الخُطْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم رفع الْيَدَيْنِ فِي الْخطْبَة.
٩٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ وعنْ يُونُسَ عنْ ثابِتٍ عَن أنَسٍ قَالَ بَيْنَمَا النبيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذْ قامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رسولَ الله هلَكَ الكُرَاعُ وهَلَكَ الشَّاءُ فادْعُ الله أنْ يَسْقِينَا فَمَدَّ يَدَيْهِ ودَعَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمد يَدَيْهِ ودعا) . فَإِن قلت: فِي التَّرْجَمَة رفع الْيَدَيْنِ، وَفِي الحَدِيث الْمَدّ، وَمن أَيْن التطابق؟ قلت: فِي الحَدِيث الَّذِي بعده: (فَرفع يَدَيْهِ) ، كَلَفْظِ التَّرْجَمَة، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى أَن المُرَاد بِالرَّفْع هُنَا الْمَدّ، لَا كالرفع الَّذِي فِي الصَّلَاة.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس. وَالثَّانِي: عَن مُسَدّد أَيْضا عَن حَمَّاد بن زيد عَن يُونُس بن عبيد عَن ثَابت عَن أنس، وَالرِّجَال كلهم بصريون، وَالْبُخَارِيّ أخرجه بِالطَّرِيقِ الأول أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُسَدّد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَنَحْوه عَن مُسَدّد، وبالطريق الثَّانِي أخرجه النَّسَائِيّ عَن حَمَّاد بن زيد عَن يُونُس عَن ثَابت عَن أنس، وَهَذَا طرف من حَدِيث أنس فِي الاسْتِسْقَاء أخرجه مطولا ومختصرا فِي مَوَاضِع عديدة على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (بَيْنَمَا) ، أَصله: بَين، فزيدت فِيهِ الْألف وَالْمِيم، وَقد تكَرر ذكره فِيمَا مضى، وأضيف إِلَى الْجُمْلَة بعده، وَقَوله: (إِذا قَامَ) ، وَجَوَابه وَفِي الحَدِيث الَّذِي بعده: (قَامَ أَعْرَابِي) ، وَفِي أُخْرَى: (فَقَامَ الْمُسلمُونَ) ، وَفِي أُخْرَى: (جَاءَ من نَحْو دَار الْقصار) وَفِي أُخْرَى فِي الاسْتِسْقَاء: (فَقَامَ النَّاس فصاحوا: يَا رَسُول الله قحط الْمَطَر) . قَوْله: (الكراع) ، بِضَم الْكَاف وَضَبطه بَعضهم عَن الْأصيلِيّ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ خطأ وَهُوَ اسْم لجمع الْخَيل. قَوْله: (الشَّاء) جمع شَاة وأصل الشَّاة شاهة لِأَن تصغيرها شويهة، وَالْجمع شِيَاه بِالْهَاءِ فِي الْعدَد، تَقول: ثَلَاث شِيَاه إِلَى الْعشْرَة، فَإِذا جَاوَزت فبالتاء، فَإِذا كثرت قيل هَذِه: شَاءَ كَثِيرَة، وَجمع الشَّاء: شوىً. قَوْله: (فَمد يَدَيْهِ) ، قذ ذكرنَا أَن المُرَاد من المدليس الرّفْع، كَمَا فِي الصَّلَاة.
٣٥ - (بابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الاسْتِسْقَاء: الاسْتِسْقَاء استفعال، وَهُوَ طلب السقيا، بِضَم السِّين وَهُوَ: الْمَطَر، يُقَال: سقى الله عباده الْغَيْث، وأسقاهم وأسقيت فلَانا، إِذا طلبت مِنْهُ أَن يسقيك، وَفِي (الْمطَالع) : يُقَال: سقى وأسقى بِمَعْنى وَاحِد. //
стр. 1797
٥٦ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ حَدثنَا أَبُو عَمْرو قَالَ حَدثنِي إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أنس بن مَالك قَالَ أَصَابَت النَّاس سنة على عهد النَّبِي ﷺ َ - فَبينا النَّبِي ﷺ َ - يخْطب فِي يَوْم جُمُعَة قَامَ أَعْرَابِي فَقَالَ يَا رَسُول الله هلك المَال وجاع الْعِيَال فَادع الله لنا فَرفع يَدَيْهِ وَمَا نرى فِي السَّمَاء قزعة فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ وَمَا وضعهما حَتَّى ثار السَّحَاب أَمْثَال الْجبَال ثمَّ لم ينزل عَن منبره حَتَّى رَأَيْت الْمَطَر يتحادر على لحيته ﷺ َ - فمطرنا يَوْمنَا ذَلِك وَمن الْغَد وَبعد الْغَد وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَة الْأُخْرَى وَقَامَ ذَلِك الْأَعرَابِي أَو قَالَ غَيره فَقَالَ يَا رَسُول الله تهدم الْبناء وغرق المَال فَادع الله لنا فَرفع يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا فَمَا يُشِير بِيَدِهِ إِلَى نَاحيَة من السَّحَاب إِلَّا انفرجت وَصَارَت الْمَدِينَة مثل الجوبة وسال الْوَادي قناة شهرا وَلم يَجِيء أحد من نَاحيَة إِلَّا حدث بالجود) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَرفع يَدَيْهِ " لِأَنَّهُ إِنَّمَا رفعهما لكَونه استسقى فببركته وبركة دُعَائِهِ أنزل الله الْمَطَر حَتَّى سَالَ الْوَادي قناة شهرا. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة وَالْأَوْزَاعِيّ اسْمه عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو ونسبته إِلَى الأوزاع وَهِي من قبائل شَتَّى وَقَالَ ابْن الْأَثِير نسبته إِلَى الأوزاع بطن من ذِي الكلاع من الْيمن وَقيل نسبته إِلَى الأوزاع قَرْيَة بِدِمَشْق (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَفِيه أحد الروَاة مَذْكُور بكنيته ونسبته وَفِيه أَن شَيْخه مدنِي وَاثْنَانِ بعده دمشقيان وَالَّذِي بعدهمَا مدنِي أَيْضا. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِسْقَاء عَن الْحسن بن بشر وَفِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن دَاوُد بن رشيد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن خَالِد كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " سنة " بِفَتْح السِّين أَي شدَّة وَجهد من الجدوبة وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد أَخذنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ وأصل السّنة سنهة بِوَزْن جبهة فحذفت لامها ونقلت حركتها إِلَى النُّون فَبَقيت سنة لِأَنَّهَا من سنهت النّخل وتسنهت إِذا أَتَى عَلَيْهَا السنون وَقيل أَن أَصْلهَا سنوة بِالْوَاو فحذفت كَمَا حذفت الْهَاء لقَولهم تسنيت عِنْده إِذا أَقمت عِنْده سنة فَلهَذَا يُقَال على الْوَجْهَيْنِ استأجرته مسانهة ومساناة وَأما السّنة الَّتِي هِيَ أول النّوم فبكسر السِّين وَأَصله وَسن لِأَنَّهُ من الوسن بِفتْحَتَيْنِ يُقَال وَسن يوسن كعلم يعلم سنة فحذفت الْوَاو وعوضت مِنْهَا الْهَاء كَمَا فِي عدَّة قَوْله " على عهد النَّبِي ﷺ َ - " أَي على زَمَنه قَوْله " فَبينا " قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي قبله قَوْله " قَامَ أَعْرَابِي " الْأَعرَابِي نِسْبَة إِلَى الْأَعْرَاب لِأَنَّهُ لَا وَاحِد لَهُ وَلَيْسَ هُوَ جمعا لعرب وَإِنَّمَا الْأَعْرَاب سكان الْبَادِيَة خَاصَّة وَالْعرب جيل من النَّاس وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ عَرَبِيّ بَين الْعرُوبَة وهم أهل الْأَمْصَار وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْأَعْرَاب ساكنوا الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إِلَّا لحَاجَة وَالْعرب اسْم لهَذَا الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أَعْرَابِي وعربي قَوْله " هلك المَال " المُرَاد بِالْمَالِ هُنَا وَمَا بعده الْحَيَوَان كَذَا فسره فِي حَدِيث الْمُوَطَّأ وَمعنى هلك المَال يَعْنِي الْحَيَوَانَات هَلَكت إِذْ لم تَجِد مَا ترعى قَوْله " والعيال " قَالَ الْجَوْهَرِي عِيَال الرجل من يعوله وَوَاحِد الْعِيَال عيل وَالْجمع عيايل مثل جيد جِيَاد وجيايد وأعال الرجل أَي كثر عِيَاله فَهُوَ معيل وَامْرَأَة معيلة قَالَ الْأَخْفَش أَي صَار ذَا عِيَال وَذكر الْجَوْهَرِي هَذِه الْمَادَّة فِي عيل فِي الْيَاء آخر الْحُرُوف وَذكره ابْن الْأَثِير فِي عول فِي الْوَاو ثمَّ قَالَ يُقَال عَال الرجل عِيَاله يعولهم إِذا قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من قوت وَكِسْوَة وَغَيرهمَا وَقَالَ الْكسَائي يُقَال عَال الرجل يعول إِذا كثر عِيَاله واللغة الجيدة أعال يعيل قَوْله " قزعة " بِالْقَافِ وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات وَهِي الْقطعَة من السَّحَاب وَفِي الْمُحكم القزع قطع من السَّحَاب
стр. 1798
رقاق كَأَنَّهَا ظلّ إِذا مرت من تَحت السَّحَاب الْكَثِيرَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأكْثر مَا يكون ذَلِك فِي الخريف وَقَالَ يَعْقُوب عَن الْبَاهِلِيّ يُقَال مَا على السَّمَاء قزعة أَي شَيْء من غيم وَفِي تَهْذِيب الْأَزْهَرِي كل شَيْء متفرق فَهُوَ قزع قَوْله " حَتَّى ثار السَّحَاب " بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي هاج يُقَال ثار الشَّيْء يثور إِذا ارْتَفع وانتشر قَوْله " كأمثال الْجبَال " أَي لكثرتها وإطباقها وَجه السَّمَاء قَوْله " يتحادر " أَي ينزل ويقطر وَهُوَ يتفاعل من الحدور وَهُوَ ضد الصعُود وَيُقَال حدر فِي قِرَاءَته إِذا أسْرع وَكَذَلِكَ فِي أَذَانه وَهُوَ يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى وأصل بَاب التفاعل للمشاركة بَين قوم وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك لِأَن تفَاعل قد تَجِيء بِمَعْنى فعل مثل توانيت أَي ونيت وَهَذَا كَذَلِك وَمَعْنَاهُ يحدر قَوْله " فمطرنا يَوْمنَا ذَلِك " بِضَم الْمِيم وَكسر الطَّاء مَعْنَاهُ حصل لنا الْمَطَر يُقَال مطرَت السَّمَاء تمطر ومطرتهم تمطرهم مَطَرا وأمطرتهم أَصَابَتْهُم بالمطر وأمطرهم الله بِالْعَذَابِ خَاصَّة ذكره ابْن سَيّده وَقَالَ الْفراء قطرت السَّمَاء وأقطرت مثل مطرَت السَّمَاء وأمطرت وَفِي الْجَامِع مطرَت السَّمَاء تمطر مَطَرا فالمطر بِالسُّكُونِ الْمصدر والمصدر بالحركة الِاسْم وَفِيه لُغَة أُخْرَى مطرَت تمطر مَطَرا وَكَذَا أمْطرت السَّمَاء تمطر وَفِي الصِّحَاح مطرَت السَّمَاء وأمطرها الله وناس يَقُولُونَ مطرَت السَّمَاء وأمطرت بِمَعْنى قَوْله " يَوْمنَا " مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة يَعْنِي فِي يَوْمنَا ذَلِك قَوْله " وَمن الْغَد " كلمة من إِمَّا بِمَعْنى فِي أَي فِي الْغَد وَإِمَّا تبعيضية قَوْله " حَتَّى الْجُمُعَة الْأُخْرَى " مثل أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا فِي جَوَاز الحركات الثَّلَاث فِي مدخولها أما النصب فعلى أَن حَتَّى عاطفة على الْمَنْصُوب قبله وَأما الرّفْع فعلى أَن مدخولها مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف وَأما الْجَرّ فعلى أَن حَتَّى جَارة قَوْله " حوالينا " بِفَتْح اللَّام وَفِي مُسلم " حولنا " وَكِلَاهُمَا صَحِيح يُقَال قعدوا حوله وحواله وحواليه أَي مطيفين بِهِ من جوانبه وَهُوَ ظرف مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره اللَّهُمَّ أنزل أَو أمطر حوالينا وَلَا تنزل علينا (فَإِن قلت) إِذا مطرَت حول الْمَدِينَة فالطريق ممتنعة فَإِذا لم يزل شكواهم (قلت) أَرَادَ بحوالينا الآكام والضراب وشبههما كَمَا فِي الحَدِيث فَتبقى الطّرق على هَذَا مسلوكة كَمَا سَأَلُوا قَوْله " وَلَا علينا " أَي وَلَا تمطر علينا أَرَادَ بِهِ الْأَبْنِيَة قَوْله " إِلَّا انفرجت " أَي إِلَّا انكشفت وَقَالَ ابْن الْقَاسِم مَعْنَاهُ تدورت كَمَا يَدُور جيب الْقَمِيص وَقَالَ ابْن وهب مَعْنَاهُ انْقَطَعت عَن الْمَدِينَة كَمَا يَنْقَطِع الثَّوْب وَقَالَ ابْن شعْبَان خرجت عَن الْمَدِينَة كَمَا يخرج الجيب عَن الثَّوْب قَوْله " مثل الجوبة " بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ الدَّاودِيّ أَي صَارَت مستديرة كالحوض المستدير وأحاطت بهَا الْمِيَاه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وجفان كالجواب﴾ وَقَالَ ابْن التِّين هَذَا عِنْدِي وهم لِأَن اشتقاق الْجَابِيَة من جبا الْعين بِكَسْر الْجِيم مَقْصُور وَهُوَ مَا جمع فِيهَا من المَاء فَيكون اسْم الفعلة مِنْهُ جبوة وَإِنَّمَا من بَاب جاب يجوب إِذا قطع من قَوْله تَعَالَى ﴿جابوا الصخر بالواد﴾ فالعين مِنْهُ وَاو فَتكون الفعلة مِنْهُ جوبة كَمَا فِي الحَدِيث وَقَالَ الْجَوْهَرِي الجوبة الفرجة من السَّحَاب وَالْجِبَال وَقَالَ ابْن فَارس الجوبة كالغائط من الأَرْض وَقَالَ الْخطابِيّ هِيَ الترس وَفِي حَدِيث آخر " فَبَقيت الْمَدِينَة كالترس " وَقَالَ والجوبة أَيْضا الوهدة المنقطعة عَمَّا علا عَن الأَرْض وَجَاء فِي حَدِيث آخر " مثل الإكليل " أَي دَار بهَا السَّحَاب قَوْله " الْوَادي قناة " بِفَتْح الْقَاف وَتَخْفِيف النُّون وَهُوَ علم لبقعة غير منصرف مَرْفُوع لِأَنَّهُ بدل عَن الْوَادي والوادي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل سَالَ والقناة اسْم وَاد من أَوديَة الْمَدِينَة قَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَات قناة بِالنّصب والتنوين فَهُوَ بِمَعْنى الْبِئْر المحفور أَي سَالَ الْوَادي مثل الْقَنَاة وَفِي بعض الرِّوَايَات قناة بِالْجَرِّ بِإِضَافَة الْوَادي إِلَيْهَا قَوْله " بالجودة " بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره دَال مُهْملَة وَهُوَ الْمَطَر الغزير الْوَاسِع يُقَال جادهم الْمَطَر يجودهم جودا (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ معْجزَة ظَاهِرَة للنَّبِي ﷺ َ - فِي إِجَابَة دُعَائِهِ مُتَّصِلا بِهِ فِي الدُّعَاء فَإِنَّهُ لم يسْأَل رفع الْمَطَر من أَصله بل سَأَلَ دفع ضَرَره وكشفه عَن الْبيُوت والمرافق والطرق بِحَيْثُ لَا يتَضَرَّر بِهِ سَاكن وَلَا ابْن سَبِيل وَسَأَلَ بَقَاءَهُ فِي مَوَاضِع الْحَاجة بِحَيْثُ يبْقى نَفعه وخصبه فِي بطُون الأودية وَنَحْوهَا. وَفِيه اسْتِحْبَاب طلب انْقِطَاع الْمَطَر عَن الْمنَازل إِذا كثر وتضرروا بِهِ. وَفِيه رفع الْيَدَيْنِ فِي الْخطْبَة. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الدُّعَاء فكرهه مَالك فِي رِوَايَة وَأَجَازَهُ غَيره فِي كل الدُّعَاء وَبَعض الْعلمَاء جوزوه فِي الاسْتِسْقَاء فَقَط وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء السّنة فِي دُعَاء رفع الْبلَاء أَن يرفع يَدَيْهِ وَيجْعَل ظهرهما إِلَى السَّمَاء وَفِي دُعَاء سُؤال شَيْء وتحصيله يَجْعَل بطنهما إِلَى السَّمَاء وَعَن مَالك بن يسَار أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " إِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ ببطون أكفكم وَلَا تسألوه بظهورها " وَقَالَ ﷺ َ - فِيمَا رَوَاهُ سلمَان الْفَارِسِي
стр. 1799
من عِنْد التِّرْمِذِيّ محسنا " إِن الله حَيّ كريم يستحيي أَن يرفع الرجل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا " قَالَ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ بَعضهم فَلم يرفعهُ وَعَن أبي يُوسُف إِن شَاءَ رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء وَإِن شَاءَ أَشَارَ بإصبعيه وَفِي الْمُحِيط بإصبعه السبابَة وَفِي التَّجْرِيد من يَده الْيُمْنَى وَقَالَ ابْن بطال رفع الْيَدَيْنِ فِي الْخطْبَة فِي معنى الضراعة إِلَى الْجَلِيل والتذلل لَهُ وَقَالَ الزُّهْرِيّ رفع الْأَيْدِي يَوْم الْجُمُعَة مُحدث وَقَالَ ابْن سِيرِين أول من رفع يَدَيْهِ فِي الْجُمُعَة عبيد الله بن عبد الله بن معمر. وَفِيه الاسْتِسْقَاء بِالدُّعَاءِ بِدُونِ صَلَاة وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَبِه احْتج على ذَلِك وَفِيه قيام الْوَاحِد بِأَمْر الْعَامَّة. وَفِيه إتْمَام الْخطْبَة فِي الْمَطَر وَفِيه قَالَ ابْن شعْبَان فِي قَوْله " إِلَّا انفرجت " خرجت عَن الْمَدِينَة كَمَا يخرج الجيب عَن الثَّوْب وَقَالَ ابْن التِّين فِيهِ دَلِيل على أَن من أودع وَدِيعَة فَجَعلهَا فِي جيب قَمِيصه أَنه يضمن قَالَ وَقيل لَا يضمن قَالَ وَالْأول أحوط لهَذَا الحَدِيث -
٣٦ - (بابُ الإنْصَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإمَامُ يَخْطُبُ وإذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أنْصِتْ فقَدْ لَغَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِنْصَات يَوْم الْجُمُعَة فِي حَالَة خطْبَة الإِمَام. قَوْله: (وَالْإِمَام يخْطب) جملَة حَالية ذكرهَا للإشعار بِأَن الْإِنْصَات قبل شُرُوع الإِمَام فِيهَا لَا يجب، خلافًا لقوم فِي ذَلِك، وَلَكِن الأولى الْإِنْصَات من وَقت خُرُوج الإِمَام. قَوْله: (وَإِذا قَالَ لصَاحبه: انصت، فقد لَغَا) من جملَة التَّرْجَمَة، وَهُوَ لفظ حَدِيث الْبَاب فِي بعض طرقه، وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِذا قَالَ الرجل لصَاحبه يَوْم الْجُمُعَة، وَالْإِمَام يخْطب: انصت، فقد لَغَا) وَبِهَذَا السَّنَد روى التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث إِلَى آخِره، وَلَفظه: (من قَالَ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب: انصت، فقد لَغَا) . قَوْله: (لصَاحبه) المُرَاد بِهِ، جليسه، وَقيل: الَّذِي يخاطبه بذلك مُطلقًا، وَإِنَّمَا أطلق عَلَيْهِ الصاحب بِاعْتِبَار أَنه صَاحبه فِي الْخطاب أَو الْجُلُوس. قَوْله: (أنصت) أَمر من أنصت ينصب إنصاتا. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي (الْمُنْتَهى) : نصت ينصت إِذا سكت، وأنصت لُغَتَانِ أَي: اسْتمع يُقَال: انصته وأنصت لَهُ وينشد:
(اذا قَالَت حذام فأنصتوها)
ويروى: فصدقوها، وَفِي (الْمُحكم) : أنصت أَعلَى، والنصتة الِاسْم من الْإِنْصَات. وَفِي (الْجَامِع) : وَالرجل ناصت ومنصت. وَفِي (الْمُجْمل) و (الْمغرب) : الْإِنْصَات السُّكُوت للاستماع وَأنْشد الرَّاغِب فِي المجالسات:
(السّمع للإنصات والإنصات للأذن)
وَقد مر عَن قريب: بَاب الِاسْتِمَاع إِلَى الْخطْبَة، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن الِاسْتِمَاع هُوَ الإصغاء، وَيعلم الْفرق بَين الِاسْتِمَاع والإنصات مِمَّا ذكرنَا الْآن، فَلذَلِك ذكر البُخَارِيّ تَرْجَمَة للاستماع وترجمة للانصات. قَوْله: (فقد لَغَا) اللَّغْو واللغاء: السقط وَمَا لَا يعْتد بِهِ من كَلَام وَغَيره، وَلَا يحصل مِنْهُ على فَائِدَة وَلَا نفع واللغو فِي الْأَيْمَان: لَا وَالله وبلى وَالله، وَقيل: مَعْنَاهُ الْإِثْم، ولغا فِي القَوْل يَلْغُو ويلغى لَغوا ولغا وملغاة: أخطا، ولغا يَلْغُو لَغوا: تكلم ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) : اللَّغْو: الْبَاطِل، تَقول: لغيت ألغى لغيا ولغىً بِمَعْنى، ولغا الطَّائِر يَلْغُو لَغوا: إِذا صَوت. وَفِي (التَّهْذِيب) : لغوت اللَّغْو والغى ولغى، ثَلَاث لُغَات، واللغو: كل مَا لَا يجوز. وَقَالَ الْأَخْفَش، اللَّغْو السَّاقِط من القَوْل، وَقيل: الْميل عَن الصَّوَاب. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل، معنى لغوت خبت من الْأجر. وَقيل: بطلت فَضِيلَة جمعتك، وَقيل: صَارَت جمعتك ظهرا. وَقيل: تَكَلَّمت بِمَا لَا يَنْبَغِي.
وقالَ سَلْمَانُ عنِ النبيِّ ﷺ يُنْصِت إذَا تكَلَّمَ الإمَامُ
هَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث سلمَان الَّذِي أخرجه فِي: بَاب الدّهن للْجُمُعَة، وَفِي: بَاب لَا يفرق بَين إثنين يَوْم الْجُمُعَة.
٩٣٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيثُ عَن عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أخبَرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا قُلْتَ لِصاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أنْصِتْ والإمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَعقيل: بِضَم الْعين: هُوَ ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث عَنهُ بِهِ. وَعَن عبد الْملك بن شُعَيْب عَن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن ابْن شهَاب
стр. 1800
عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا قلت لصاحبك: أنصت، وَالْإِمَام يخْطب فقد لغوت) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من قَالَ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب: انصت، فقد لَغَا) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث إِلَى آخِره،، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن شَبابَة بن سوار عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِذا قلت لصاحبك: أنصت يَوْم الْجُمُعَة، وَالْإِمَام يخْطب، فقد لغوت) وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيثه. قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن ابْن أبي أوفى وَجَابِر بن عبد الله، أما حَدِيث ابْن أبي أوفى فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن السكْسكِي، قَالَ: سَمِعت ابْن أبي أوفى قَالَ: (ثَلَاث من سلم مِنْهُنَّ غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة الْأُخْرَى: من أَن يحدث حَدثا، يَعْنِي: أَذَى، أَو أَن يتَكَلَّم أَو أَن يَقُول: صه) . وَرِجَاله ثِقَات، وَهَذَا، وَإِن كَانَ مَوْقُوفا، فَمثله لَا يُقَال من قبل الرَّأْي، فَحكمه الرّفْع. وَأما حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى فِي (مسنديهما) من رِوَايَة مجَالد بن سعيد عَن عَامر (عَن جَابر، قَالَ: قَالَ سعد لرجل يَوْم الْجُمُعَة: لَا صَلَاة لَك، قَالَ: فَذكر ذَلِك الرجل للنَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن سَعْدا قَالَ: لَا صَلَاة لَك، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ ، لِمَ يَا سعد؟ قَالَ: إِنَّه كَانَ يتَكَلَّم وَأَنت تخْطب قَالَ: صدق سعد) . اللَّفْظ لِابْنِ أبي شيبَة، وَقَالَ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار: سَمِعت سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ومجالد ضعفه الْجُمْهُور؟
قلت: وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس وَأبي ذَر وَأبي الدَّرْدَاء وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَمْرو وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي (مسنديهما) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة مجَالد عَن عَامر عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من تكلم يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فَهُوَ كالحمار يحمل أسفارا، وَالَّذِي يَقُول لَهُ: أنصت، لَيْسَ لَهُ جُمُعَة) . وَأما حَدِيث أبي ذَر وَأبي الدَّرْدَاء فرواهما الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة أنس ابْن عِيَاض عَن شريك عَن عَطاء بن يسَار (عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي ذَر: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر سُورَة، فغمز أَبُو الدَّرْدَاء أبي بن كَعْب، فَقَالَ: مَتى أنزلت هَذِه السُّورَة. . فَإِنِّي لم أسمعها إِلَّا الْآن؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن: اسْكُتْ. فَلَمَّا انصرفوا قَالَ أبي: لَيْسَ لَك من صَلَاتك إِلَّا مَا لغوت، فَأخْبر أَبُو الدَّرْدَاء النَّبِي ﷺ بِمَا قَالَ أبي، فَقَالَ: صدق أبي) . وَأما حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (المُصَنّف) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الركين بن الرّبيع عَن أَبِيه عَن عبد الله، قَالَ: (كفى لَغوا، إِذا صعد الإِمَام الْمِنْبَر أَن تَقول لصاحبك: أنصت) وَرِجَاله ثِقَات فَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع، لِأَنَّهُ لَا يُقَال من قبل الرَّأْي. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا مُسَدّد وَأَبُو كَامِل قَالَا: حَدثنَا يزِيد عَن حبيب الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (يحضر الْجُمُعَة ثَلَاثَة نفر: رجل حضرها بلغو فَهُوَ حَظه مِنْهَا، وَرجل حضرها يَدْعُو فَهُوَ رجل دَعَا الله إِن شَاءَ أعطَاهُ وَإِن شَاءَ مَنعه، وَرجل حضرها بإنصات وسكوت وَلم يتخط رَقَبَة مُسلم وَلم يؤذ أحدا فَهِيَ كَفَّارَة إِلَى الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَذَلِكَ بِأَن الله تَعَالَى يَقُول: من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا) . وَأما حَدِيث عَليّ فَأخْرجهُ أَحْمد مَرْفُوعا. (وَمن قَالَ: صه، فقد تكلم، وَمن تكلم فَلَا جُمُعَة لَهُ.
قَوْله: (لصاحبك) المُرَاد مِنْهُ: الجليس، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَالْإِمَام يخْطب) جملَة حَالية. قَوْله: (فقد لغوت) ، قد مر تَفْسِيره. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: لغيت، وَظَاهر الْقُرْآن يَقْتَضِي هَذِه اللُّغَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿والغوا فِيهِ﴾ (فصلت: ٢٦) . وَهَذَا من لغى يلغي، إِذْ لَو كَانَ من لغى يَلْغُو لقَالَ: والغوا بِضَم الْغَيْن.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن فِيهِ: النَّهْي عَن جَمِيع الْكَلَام حَال الْخطْبَة، وَنبهَ بِهَذَا على مَا سواهُ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: أنصت، وَهُوَ فِي الأَصْل أَمر بِمَعْرُوف، وَسَماهُ لَغوا، فَغَيره أولى. قيل: ذَلِك لِأَن الْخطْبَة أُقِيمَت مقَام الرَّكْعَتَيْنِ. فَكَمَا لَا يجوز التَّكَلُّم فِي المنوب لَا يجوز فِي النَّائِب، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب الِاسْتِمَاع إِلَى الْخطْبَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقَوله: (وَالْإِمَام يخْطب) دَلِيل على أَن وجوب الْإِنْصَات وَالنَّهْي عَن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي حَال الْخطْبَة، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمذهب مَالك وَالْجُمْهُور. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجب الْإِنْصَات بِخُرُوج الإِمَام قلت: أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ الصَّلَاة وَالْكَلَام بعد خُرُوج الإِمَام.
стр. 1801
٣٧ - (بابُ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السَّاعَة الَّتِي الدعْوَة فِيهَا مستجابة فِي يَوْم الْجُمُعَة.
٩٣٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ فيهِ ساعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ وَهْوَ قائِمٌ يُصَلِّي يَسْألُ الله تَعَالَى شيْئا إلَاّ أعْطَاهُ إيَّاهُ وأشَارَ بِيَدِهِ ويُقَلِّلُهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ ذكر السَّاعَة الَّتِي فِي يَوْم الْجُمُعَة، فَفِي كل من الحَدِيث والترجمة السَّاعَة مُبْهمَة، وَقد بيّنت فِي أَحَادِيث أُخْرَى كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْجُمُعَة عَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن مسلمة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وروى هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة ابْن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَهَمَّام وَمُحَمّد بن زِيَاد وَأَبُو سعيد المَقْبُري وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَأَبُو رَافع وَأَبُو الْأَحْوَص وَأَبُو بردة وَمُجاهد وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن. أما طَرِيق ابْن عَبَّاس فأخرجها النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. وَأما طَرِيق أبي مُوسَى فَذكرهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله. وَأما طَرِيق ابْن سِيرِين فأخرجها البُخَارِيّ فِي الطَّلَاق على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما طَرِيق أبي سَلمَة فأخرجها أَبُو دَاوُد حَدثنَا القعْنبِي عَن مَالك عَن يزِيد بن عبد الله بن الْهَاد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (خير يَوْم طلعت فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة) ، الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (وفيهَا سَاعَة لَا يصادفها عبد مُسلم وَهُوَ يُصَلِّي يسْأَل الله حَاجَة إلاّ أعطَاهُ إِيَّاهَا) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ حَدثنَا معن حَدثنَا مَالك بن أنس إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه النَّسَائِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ: حَدثنَا بكر وَهُوَ ابْن مُضر عَن ابْن الْهَاد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أتيت الطّور فَوجدت فِيهِ كَعْبًا) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (وفيهَا سَاعَة لَا يصادفها عبد مُؤمن وَهُوَ فِي الصَّلَاة يسْأَل الله تَعَالَى شَيْئا إلاّ أعطَاهُ إِيَّاه) . وَأما طَرِيق همام فأخرجها مُسلم. وَأما طَرِيق مُحَمَّد بن زِيَاد فأخرجها مُسلم أَيْضا. وَأما طَرِيق أبي سعيد المَقْبُري فأخرجها النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. وَأما طَرِيق سعيد بن الْمسيب فأخرجها النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. وَأما طَرِيق عَطاء من أبي رَبَاح فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: وَهُوَ مَوْقُوف. وَمن رَفعه فقد وهم. وَأما طَرِيق أبي رَافع فَذكرهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي (علله) . وَأما طَرِيق أبي الْأَحْوَص فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا وَقَالَ: الْأَشْبَه عَن ابْن مَسْعُود. وَأما طَرِيق أبي بردة وَمُجاهد فذكرهما الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا. وَأما طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب فَذكرهَا أَبُو عمر بن عبد الْبر وصححها.
قَوْله: (لَا يُوَافِقهَا) أَي: لَا يصادفها وَهَذِه اللَّفْظَة أَعم من أَن يقْصد لَهَا أَو يتَّفق لَهُ وُقُوع الدُّعَاء فِيهَا. قَوْله: (مُسلم) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (مُؤمن) . قَوْله: (وَهُوَ قَائِم) جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (وَهُوَ قَائِم) ، مَفْهُومه أَنه لَو لم يكن قَائِما لَا يكون لَهُ هَذَا الحكم، ثمَّ أجَاب بِأَن شَرط مَفْهُوم الْمُخَالفَة أَن لَا يخرج مخرج الْغَالِب، وَهَهُنَا ورد بِنَاء على أَن الْغَالِب فِي الْمُصَلِّي أَن يكون قَائِما، فَلَا اعْتِبَار لهَذَا الْمَفْهُوم، قَوْله: (يُصَلِّي) ، جملَة فعلية حَالية. وَقَوله: (يسْأَل الله) أَيْضا جملَة حَالية من الْأَحْوَال المترادفة أَو المتداخلة. وَقَالَ بَعضهم: (وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي يسْأَل الله) ، صِفَات: (لمُسلم) قلت: لَا يَصح ذَلِك لِأَن لفظ: مُسلم، وَلَفظ: صَالح، صفتان لعبد، وَالصّفة والموصوف فِي حكم شَيْء وَاحِد، والنكرة إِذا اتصفت يكون حكمهَا حكم الْمعرفَة، فَلَا يجوز وُقُوع الْجمل بعْدهَا صِفَات لَهَا، لِأَن الْجمل لَا تقع صفة للمعرفة، بل إِذا وَقعت بعْدهَا تكون حَالا كَمَا هُوَ الْمُقَرّر فِي مَوْضِعه، وَالْعجب مِنْهُ أَنه قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون: يُصَلِّي، حَالا فَلَا وَجه لذكر الِاحْتِمَال لكَونه حَالا محققا. قَوْله: (قَائِم يُصَلِّي) يحْتَمل الْحَقِيقَة، أَعنِي حَقِيقَة الْقيام، وَيحْتَمل: الدُّعَاء
стр. 1802
وَيحْتَمل الِانْتِظَار وَيحْتَمل الْمُوَاظبَة على الشَّيْء لَا الْوُقُوف من قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما﴾ (آل عمرَان: ٧٥) . يَعْنِي: مواظبا وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ بَعضهم: معنى (يُصَلِّي) ، يَدْعُو، وَمعنى: (قَائِم) ، ملازم ومواظب، وَإِنَّمَا ذكر هَذِه الِاحْتِمَالَات لِئَلَّا يرد الْإِشْكَال بأصح الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي تعْيين السَّاعَة الْمَذْكُورَة، وهما حديثان: أَحدهمَا من جُلُوس الْخَطِيب على الْمِنْبَر إِلَى انْصِرَافه من الصَّلَاة. وَالْآخر: من بعد الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس، فَفِي الأول حَال الْخطْبَة كُله، وَلَيْسَت صَلَاة حَقِيقَة وَفِي الثَّانِي: لَيست سَاعَة صَلَاة أَلا ترى أَن أَبَا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما روى حَدِيثه الْمَذْكُور قَالَ: (فَلَقِيت عبد الله بن سَلام، فَذكرت لَهُ هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: أَنا أعلم تِلْكَ السَّاعَة، فَقلت: أَخْبرنِي بهَا وَلَا تضنن بهَا عَليّ ﴿قَالَ: هِيَ بعد الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس. قلت: وَكَيف تكون بعد الْعَصْر وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يُوَافِقهَا عبد مُسلم وَهُوَ يُصَلِّي) ، وَتلك السَّاعَة لَا يُصَلِّي فِيهَا؟ قَالَ عبد الله ابْن سَلام: أَلَيْسَ قد قَالَ رَسُول الله ﷺ (من جلس مَجْلِسا ينْتَظر الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة؟ قلت: بلَى، قَالَ: فَهُوَ ذَاك) انْتهى. فَهَذَا دلّ على أَن المُرَاد من الصَّلَاة الدُّعَاء وَمن الْقيام الْمُلَازمَة والمواظبة لَا حَقِيقَة الْقيام، وَلِهَذَا سقط قَوْله: (قَائِم) ، من رِوَايَة أبي مُصعب وَابْن أبي أويس ومطرف والتنيسي وقتيبة، وأثبتها الْبَاقُونَ. قَالَ أَبُو عمر: وَهَذِه زِيَادَة مَحْفُوظَة عَن أبي الزِّنَاد من رِوَايَة مَالك وورقاء وَغَيرهمَا عَنهُ، وَكَانَ مُحَمَّد بن وضاح يَأْمر بِحَذْف هَذِه الزِّيَادَة من الحَدِيث لأجل أَنه كَانَ يسْتَشْكل بالإشكال الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن الْجَواب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (شَيْئا) أَي: مِمَّا يَلِيق أَن يَدْعُو بِهِ الْمُسلم وَيسْأل الله، وَفِي رِوَايَة عِنْد البُخَارِيّ فِي الطَّلَاق: (يسْأَل الله خيرا) ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (مَا لم يسْأَل حَرَامًا) . وَعند أَحْمد فِي حَدِيث سعد بن عبَادَة: (مَا لم يسْأَل إِثْمًا أَو قطيعة رحم) ، فَإِن قلت: قطيعة رحم من جملَة الْإِثْم. قلت: هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام للاهتمام بِهِ. قَوْله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ) ، أَي: وَأَشَارَ رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي مُصعب عَن مَالك. قَوْله: (يقللها) ، جملَة وَقعت حَالا، وَهُوَ من التقليل خلاف التكثير، يُرِيد أَن السَّاعَة لَحْظَة خَفِيفَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (يزهدها) ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ،، وَفِي لفظ: (وَهِي سَاعَة خَفِيفَة) ، وللطبراني فِي (الْأَوْسَط) فِي حَدِيث أنس: (وَهِي قدر هَذَا) ، يَعْنِي قَبْضَة. ثمَّ بَقِي الْكَلَام هُنَا فِي بَيَان السَّاعَة الْمَذْكُورَة وَبَيَان مَا فِيهَا من الْأَقْوَال وَهُوَ مُشْتَمل على وُجُوه:
الأول: فِي حَقِيقَة السَّاعَة، وَهِي: اسْم لجزء مَخْصُوص من الزَّمَان وَيرد على أنحاء: أَحدهَا يُطلق على جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ، وَهِي مَجْمُوع الْيَوْم وَاللَّيْلَة، وَتارَة تطلق مجَازًا على جُزْء مَا غير مُقَدّر من الزَّمَان. فَلَا يتَحَقَّق. وَتارَة تطلق على الْوَقْت الْحَاضِر، ولأرباب النُّجُوم والهندسة وضع آخر، وَذَلِكَ أَنهم يقسمون كل نَهَار وكل لَيْلَة بِاثْنَيْ عشر قسما سَوَاء كَانَ النَّهَار طَويلا أَو قَصِيرا، وَكَذَلِكَ اللَّيْل، ويسمون كل سَاعَة من هَذِه الْأَقْسَام سَاعَة، فعلى هَذَا تكون السَّاعَة تَارَة طَوِيلَة وَتارَة قَصِيرَة على قدر النَّهَار فِي طوله وقصره، ويسمون هَذِه السَّاعَات المعوجة، وَتلك الأول: مُسْتَقِيمَة.
الثَّانِي: إِن فِي هَذِه السَّاعَة اخْتِلَافا هَل هِيَ بَاقِيَة أَو رفعت؟ فَزعم قوم أَنَّهَا رفعت، حَكَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر وزيفه، وَقَالَ عِيَاض: رده السّلف على قَائِله، وَاحْتج أَبُو عمر فِيهِ بِمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن دَاوُد بن أبي عَاصِم (عَن عبد الله بن يحنس مولى مُعَاوِيَة، قَالَ: قلت لأبي هُرَيْرَة: زَعَمُوا أَن السَّاعَة الَّتِي فِي يَوْم الْجُمُعَة قد رفعت؟ قَالَ: كذب من قَالَ ذَلِك. قلت: فَهِيَ بَاقِيَة فِي كل جُمُعَة اسْتَقْبلهَا؟ قَالَ: نعم) . إِسْنَاده قوي، قَالَ أَبُو عمر على هَذَا تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار. وَفِي (صَحِيح الْحَاكِم) من حَدِيث أبي سَلمَة: (قلت: يَا أَبَا سعيد، إِن أَبَا هُرَيْرَة حَدثنَا عَن السَّاعَة الَّتِي فِي يَوْم الْجُمُعَة، هَل عنْدك فِيهَا علم؟ فَقَالَ: سَأَلنَا النَّبِي ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: إِنِّي كنت أعلمها ثمَّ أنسيتها كَمَا أنسيت لَيْلَة الْقدر) . ثمَّ قَالَ: صَحِيح. وخرجه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا فِي (صَحِيحه) وَفِي (كتاب ابْن زَنْجوَيْه) : عَن مُحَمَّد ابْن كَعْب الْقرظِيّ أَن كَلْبا مر بعد الْعَصْر فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ رجل من الصَّحَابَة: اللَّهُمَّ اقتله، فَمَاتَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد وَافق هَذَا السَّاعَة الَّتِي إِذا دعِي اسْتُجِيبَ.
الثَّالِث: أَنَّهَا لما ثَبت أَنَّهَا بَاقِيَة، هَل هِيَ فِي كل جُمُعَة أَو فِي جُمُعَة وَاحِدَة من كل سنة؟ قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: فِي كل سنة يَوْم، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة، بلَى فِي كل جُمُعَة﴾ قَالَ: فَقَرَأَ كَعْب التَّوْرَاة، فَقَالَ: صدق رَسُول الله ﷺ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، فَرجع كَعْب إِلَيْهِ.
الْوَجْه الرَّابِع: فِي بَيَان وَقتهَا، وَهُوَ على أَقْوَال، فَقيل: هِيَ مخفية فِي جَمِيع الْيَوْم كليلة الْقدر، قَالَه ابْن قدامَة، وَحَكَاهُ القَاضِي
стр. 1803
عِيَاض وَغَيره، وَنَقله ابْن الصّباغ عَن كَعْب الْأَحْبَار. وَالْحكمَة فِي إخفائها الْجد وَالِاجْتِهَاد فِي طلبَهَا فِي كل الْيَوْم كَمَا أخْفى أولياءه فِي خلقه تحسينا للظن بالصالحين. وَقيل: إِنَّهَا تنْتَقل فِي يَوْم الْجُمُعَة وَلَا تلْزم سَاعَة مُعينَة لَا ظَاهِرَة وَلَا مخفية، قَالَ الْغَزالِيّ: هَذَا أشبه الْأَقْوَال، وَجزم بِهِ ابْن عَسَاكِر وَغَيره. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: إِنَّه هُوَ الْأَظْهر. وَقيل: إِذا أذن الْمُؤَذّن لصَلَاة الْغَدَاة، ذكره ابْن أبي شيبَة. وَقيل: من طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس، وَرَوَاهُ ابْن عَسَاكِر من طَرِيق أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن لَيْث بن أبي سليم عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة، قَوْله: وَقيل مثله، وَزَاد: وَمن الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَن خلف بن خَليفَة عَن لَيْث ابْن أبي سليم عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة، وَتَابعه فُضَيْل بن عِيَاض عَن لَيْث عَن ابْن الْمُنْذر، وَقيل مثله وَزَاد: وَمَا بَين أَن ينزل الإِمَام من الْمِنْبَر إِلَى أَن يكبر، رَوَاهُ حميد بن زَنْجوَيْه فِي (التَّرْغِيب) لَهُ من طَرِيق عَطاء بن قُرَّة عَن عبد الله بن سَمُرَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: التمسوا السَّاعَة الَّتِي يُجَاب فِيهَا الدُّعَاء يَوْم الْجُمُعَة فِي هَذِه الْأَوْقَات الثَّلَاثَة، فَذكرهَا. وَقيل: إِنَّهَا أول سَاعَة بعد طُلُوع الشَّمْس، حَكَاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ. وَقيل: عِنْد طُلُوع الشَّمْس، حَكَاهُ الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) وَقيل: فِي آخر الثَّالِثَة من النَّهَار، لما رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ طبعت طِينَة آدم، وَفِي آخِره ثَلَاث سَاعَات مِنْهُ سَاعَة، من دعى الله تَعَالَى فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ) . وَفِي إِسْنَاده فَرح بن فضَالة وَهُوَ ضَعِيف، وَعلي لم يسمع من أبي هُرَيْرَة. وَقيل: من الزَّوَال إِلَى أَن يصير الظل نصف ذِرَاع، حَكَاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي (الْأَحْكَام) وَقيل: مثله لَكِن قَالَ إِلَى أَن يصير الظل ذِرَاعا، حَكَاهُ عِيَاض والقرطبي وَالنَّوَوِيّ. وَقيل: بعد زَوَال الشَّمْس بشبر إِلَى ذِرَاع، رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر وَابْن عبد الْبر بِإِسْنَاد قوي إِلَى الْحَارِث بن يزِيد الْحَضْرَمِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن حجيرة عَن أبي ذَر أَن امْرَأَته سَأَلته عَنْهَا فَقَالَ ذَلِك. وَقيل: إِذا زَالَت الشَّمْس، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن أبي الْعَالِيَة، وروى ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) : عَن عبيد الله بن نَوْفَل نَحوه، وروى ابْن عَسَاكِر من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة قَالَ: كَانُوا يرَوْنَ السَّاعَة المستجاب فِيهَا الدُّعَاء إِذا زَالَت الشَّمْس. وَقيل: إِذا أذن الْمُؤَذّن لصَلَاة الْجُمُعَة، رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: يَوْم الْجُمُعَة مثل يَوْم عَرَفَة تفتح فِيهِ أَبْوَاب السَّمَاء، وَفِيه سَاعَة لَا يسْأَل الله فِيهَا العَبْد شَيْئا إلاّ أعطَاهُ. قيل: أَيَّة سَاعَة؟ قَالَت: إِذا أذن الْمُؤَذّن لصَلَاة الْجُمُعَة، وَالْفرق بَينه وَبَين القَوْل الَّذِي قبله من حَيْثُ إِن الْأَذَان قد يتَأَخَّر عَن الزَّوَال. وَقيل: من الزَّوَال إِلَى أَن يدْخل الرجل فِي الصَّلَاة، ذكره ابْن الْمُنْذر عَن أبي السوار الْعَدوي، وَحَكَاهُ ابْن الصّباغ بِلَفْظ: إِلَى أَن يدْخل الإِمَام. وَقيل: من الزَّوَال إِلَى خُرُوج الإِمَام، حَكَاهُ القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ: وَقيل: من الزَّوَال إِلَى غرُوب الشَّمْس، حُكيَ عَن الْحسن وَنَقله صَاحب (التَّوْضِيح) . وَقيل: مَا بَين خُرُوج الإِمَام إِلَى أَن تُقَام الصَّلَاة، رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن. وَقيل: عِنْد خُرُوج الإِمَام، رُوِيَ ذَلِك عَن الْحسن. وَقيل: مَا بَين خُرُوج الإِمَام إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة، رَوَاهُ ابْن جرير من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن الشّعبِيّ. قَوْله: (من طَرِيق مُعَاوِيَة) بن قُرَّة عَن أبي بردة لبن ابي مُوسَى، قَوْله: (وَفِيه أَن ابْن عمر استصوب ذَلِك) . وَقيل: مَا بَين أَن يحرم البيع إِلَى أَن يحل، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر عَن الشّعبِيّ. قَوْله: (وَقيل مَا بَين الْأَذَان إِلَى انْقِضَاء الصَّلَاة) ، رَوَاهُ حميد بن زَنْجوَيْه عَن ابْن عَبَّاس، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) عَنهُ. وَقيل: مَا بَين أَن يجلس الإِمَام على الْمِنْبَر إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة، رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد من طَرِيق مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه عَن أبي بردة بن أبي مُوسَى أَن ابْن عمر سَأَلَهُ عَمَّا سمع من أَبِيه فِي سَاعَة الْجُمُعَة، فَقَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وسلمد، يَقُول، فَذكره. . وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا وَالْقَوْلَان اللَّذَان قبله متحدة. وَقيل: عِنْد التأذين، وَعند تذكير الإِمَام، وَعند الْإِمَامَة، رَوَاهُ حميد بن زَنْجوَيْه من طَرِيق سليم بن عَامر عَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقيل: مثله لَكِن قَالَ: إِذا أذن وَإِذا رقي الْمِنْبَر، وَإِذا أُقِيمَت الصَّلَاة، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن أبي أُمَامَة الصَّحَابِيّ. قَوْله. وَقيل: من حِين يفْتَتح الإِمَام الْخطْبَة حَتَّى يفرغها، رَوَاهُ ابْن عبد الْبر من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَقيل: إِذا بلغ الْخَطِيب الْمِنْبَر وَأخذ فِي الْخطْبَة، حَكَاهُ الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) . وَقيل: عِنْد الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ حَكَاهُ الطَّيِّبِيّ عَن بعض شرَّاح (المصابيح) . وَقيل: عِنْد نزُول الإِمَام عَن الْمِنْبَر، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَحميد بن زَنْجوَيْه وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى أبي إِسْحَاق عَن أبي بردة قَوْله. وَقيل: حِين تُقَام الصَّلَاة حَتَّى يقوم الإِمَام فِي مقَامه، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن
стр. 1804
أَيْضا، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مَيْمُونَة بنت سعد نَحوه مَرْفُوعا بِإِسْنَاد ضَعِيف. وَقيل: من إِقَامَة الصَّلَاة إِلَى تَمام الصَّلَاة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا، وَفِيه قَالُوا: (أَيَّة سَاعَة يَا رَسُول الله؟ قَالَ: حِين تُقَام الصَّلَاة إِلَى الِانْصِرَاف مِنْهَا) . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: (مَا بَين أَن ينزل الإِمَام من الْمِنْبَر إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة) ، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُغيرَة عَن وَاصل الأحدب عَن أبي بردة قَوْله، وَإِسْنَاده قوي، وَفِيه أَن ابْن عمر اسْتحْسنَ ذَلِك مِنْهُ. وبرك عَلَيْهِ وَمسح على رَأسه، وَرَوَاهُ ابْن جرير وَسَعِيد بن مَنْصُور عَن ابْن سِيرِين نَحوه. وَقيل: هِيَ السَّاعَة الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي فِيهَا الْجُمُعَة، رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن سِيرِين. وَقيل: من صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس، رَوَاهُ ابْن جرير من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا، وَمن طَرِيق صَفْوَان بن سليم عَن أبي سَلمَة عَن أبي سعيد مَرْفُوعا بِلَفْظ: (فالتمسوها بعد الْعَصْر) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق مُوسَى بن وردان عَن أنس مَرْفُوعا بِلَفْظ: بعد الْعَصْر إِلَى غيبوبة الشَّمْس، وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَقيل: فِي صَلَاة الْعَصْر، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن عمر بن أبي ذَر عَن يحيى بن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا. وَقيل: بعد الْعَصْر إِلَى آخر وَقت الِاخْتِيَار، حَكَاهُ الْغَزالِيّ فِي (الْأَحْيَاء) . وَقيل: بعد الْعَصْر مُطلقًا، رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق مُحَمَّد بن سَلمَة الْأنْصَارِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن سعيد مَرْفُوعا بِلَفْظ: (وَهِي بعد الْعَصْر) ، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد مثله. وَقيل: من حِين تصفر الشَّمْس إِلَى أَن تغيب، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن كيسَان عَن طَاوُوس قَوْله. وَقيل: آخر سَاعَة بعد الْعَصْر، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا، وَلَفظه: (يَوْم الْجُمُعَة ثنتا عشرَة، يُرِيد سَاعَة لَا يُوجد مُسلم يسْأَل الله شَيْئا إلاّ أَتَاهُ الله، فالتمسوها آخر السَّاعَة يَوْم الْجُمُعَة) ، وَأخرجه النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم. وَقيل: من حِين يغيب نصف قرص الشَّمْس إِلَى أَن يتكامل غُرُوبهَا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الشّعب) و (فَضَائِل الْأَوْقَات) من طَرِيق زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: (حَدَّثتنِي مرْجَانَة مولاة فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ قَالَت: حَدَّثتنِي فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن أَبِيهَا ... فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (قلت للنَّبِي ﷺ : أَي سَاعَة هِيَ؟ قَالَ: إِذا تدلى نصف الشَّمْس للغروب، فَكَانَت فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ...
فَهَذِهِ أَرْبَعُونَ قولا، وَكثير من هَذِه الْأَقْوَال يُمكن اتحاده مَعَ غَيره. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: أصح الْأَحَادِيث فِيهَا حَدِيث أبي مُوسَى، وَأشهر الْأَقْوَال فِيهَا قَول عبد الله بن سَلام. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُسلم أَنه قَالَ: حَدِيث أبي مُوسَى أَجود شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وأصحه، وَبِذَلِك قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ وَجَمَاعَة آخَرُونَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هُوَ نَص فِي مَوضِع الْخلاف فَلَا يلْتَفت إِلَى غَيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الصَّحِيح بل الصَّوَاب، وَجزم فِي (الرَّوْضَة) أَنه هُوَ الصَّوَاب، وَرجح أَيْضا بِكَوْنِهِ مَرْفُوعا صَرِيحًا فِي أحد الصَّحِيحَيْنِ، وَذهب الأخرون إِلَى تَرْجِيح قَول عبد الله بن سَلام، فَحكى التِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد أَنه قَالَ: أَكثر الْأَحَادِيث على ذَلِك. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: إِنَّه أثبت شَيْء فِي هَذَا الْبَاب قلت: حَدِيث أبي مُوسَى أخرجه مُسلم من رِوَايَة مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه عَن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: (قَالَ لي عبد الله بن عمر: أسمعت أَبَاك؟ . .) الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَلما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس وَأبي هُرَيْرَة قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي مُوسَى وَأبي ذَر وسلمان وَعبد الله بن سَلام وَأبي أُمَامَة وَسعد بن عبَادَة. قلت: وَفِيه أَيْضا: عَن جَابر وَعلي بن أبي طَالب وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَفَاطِمَة بنت النَّبِي ﷺ ومَيْمُونَة بنت سعد. فَحَدِيث أبي مُوسَى عِنْد مُسلم كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَحَدِيث أبي ذَر عِنْد. وَحَدِيث سلمَان عِنْد وَحَدِيث عبد الله بن سَلام عِنْد ابْن مَاجَه. وَحَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد ابْن مَاجَه أَيْضا. وَحَدِيث سعد بن عبَادَة عِنْد أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ. وَحَدِيث جَابر عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَحَدِيث عَليّ بن أبي طَالب عِنْد الْبَزَّار. وَحَدِيث أبي سعيد عِنْد أَحْمد. وَحَدِيث فَاطِمَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) . وَحَدِيث مَيْمُونَة بنت سعد عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) [/ ح.
وَقَالَ شَيخنَا شَارِح التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَصَحهَا وَلَيْسَ بَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَبَين حَدِيث أبي مُوسَى اخْتِلَاف وَلَا تبَاين،
стр. 1805
وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف بَين حَدِيث أبي مُوسَى وَبَين الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كَونهَا بعد الْعَصْر أَو آخر سَاعَة مِنْهُ، فإمَّا أَن يُصَار إِلَى الْجمع أوالترجيح، فَأَما الْجمع فَإِنَّمَا يُمكن بِأَن يُصَار إِلَى القَوْل بالانتقال، وَإِن لم يقل بالانتقال يكون الْأَمر بالترجيح، فَلَا شكّ أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كَونهَا بعد الْعَصْر أرجح لكثرتها واتصالها بِالسَّمَاعِ، وَلِهَذَا لم يخْتَلف فِي رَفعهَا، والاعتضاد بِكَوْنِهِ قَول أَكثر الصَّحَابَة فَفِيهَا أوجه من وُجُوه التَّرْجِيح.
وَفِي حَدِيث أبي مُوسَى وَجه وَاحِد من وُجُوه التَّرْجِيح، وَهُوَ كَونه فِي أحد الصَّحِيحَيْنِ دون بَقِيَّة الْأَحَادِيث، وَلَكِن عَارض كَونه فِي أحد الصَّحِيحَيْنِ أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَنه لَيْسَ مُتَّصِلا بِالسَّمَاعِ بَين مخرمَة بن بكير وَبَين أَبِيه بكير بن عبد الله بن الْأَشَج، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: مخرمَة ثِقَة وَلم يسمع من أَبِيه، وَقَالَ عَبَّاس الدوري عَن ابْن معِين: مخرمَة ضَعِيف الحَدِيث لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء، يَقُولُونَ: إِن حَدِيثه عَن أَبِيه كتاب. وَالْأَمر الثَّانِي: أَن أَكثر الروَاة جَعَلُوهُ من قَول أبي بردة مَقْطُوعًا، وَأَنه لم يرفعهُ غير مخرمَة عَن أَبِيه، وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا استدركه الدَّارَقُطْنِيّ على مُسلم.
٣٨ - (بابٌ إذَا نَفَرَ النَّاسُ عنُ الإمَامِ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الإمَامِ ومَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته إِذا نفر النَّاس عَن الإِمَام ... إِلَى آخِره، يَعْنِي خَرجُوا عَن مجْلِس الإِمَام وذهبوا. قَوْله: (فَصَلَاة الإِمَام) كَلَام إضافي مُبْتَدأ. قَوْله: (وَمن بَقِي) ، عطف عَلَيْهِ، أَي: وَصَلَاة منبقي من الْقَوْم مَعَ الإِمَام. قَوْله: (جَائِزَة) خبر الْمُبْتَدَأ. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: تَامَّة. وَظَاهر هَذِه التَّرْجَمَة يدل على أَن البُخَارِيّ، ﵀، لَا يرى اسْتِمْرَار الْجُمُعَة الَّذين تَنْعَقِد بهم الْجُمُعَة إِلَى تَمامهَا شرطا فِي صِحَة الْجُمُعَة، وَسَيَجِيءُ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ مفصلا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٩٣٦ - حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ عنْ حُصَيْنٍ عنْ سَالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ قَالَ حدَّثنا جابِرُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ بَيْنَما نَحْنُ نُصَلِّي معَ النبيِّ ﷺ أذْ أقْبلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَاما فالْتَفَتُوا إلَيْهَا حَتَّى مَا بقِيَ مَعَ النبيِّ ﷺ إلاّ اثْنا عشَرَ رَجُلاً فنَزلَتْ هاذِهِ الآيَةُ وَإِذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انفًضُّوا إِلَيْهَا وترَكُوكَ قَائِما. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الصَّحَابَة لما انْفَضُّوا حِين إقبال العير وَلم يبْق مِنْهُم إلاّ اثْنَا عشر نفسا أتم النَّبِي ﷺ صَلَاة الْجُمُعَة بهم، لِأَنَّهُ لم ينْقل أَنه أعَاد الظّهْر، فَدلَّ على التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، أَصله كُوفِي، مَاتَ فِي جمادي الأولى سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: زَائِدَة بن قدامَة أَبُو الصَّلْت الْكُوفِي. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعدهَا نون: ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ. الرَّابِع: سَالم بن أبي الْجَعْد وَاسم أبي الْجَعْد رَافع الْكُوفِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ روى هُنَا عَن مُعَاوِيَة بن عمر وَبلا وَاسِطَة وروى فِي مَوَاضِع عَنهُ بِوَاسِطَة عبد الله بن المسندي وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم وَأحمد بن أبي رَجَاء. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي وواسطي، وَقد علم ذَلِك مِمَّا سلف. وَفِيه: أَن مدَار هَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ على حُصَيْن الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ تَارَة يرويهِ عَن سَالم بن أبي الْجَعْد وَحده كَمَا هُنَا، وَهِي رِوَايَة أَكثر أَصْحَابه، وَتارَة عَن أبي سُفْيَان طَلْحَة بن نَافِع وَحده، وَهِي رِوَايَة قيس بن الرّبيع وَإِسْرَائِيل عِنْد ابْن مرْدَوَيْه، وَتارَة جمع بَينهمَا عَن جَابر وَهِي رِوَايَة خَالِد بن عبد الله عِنْد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير، وَعند مُسلم وَكَذَا رِوَايَة هشيم عِنْده أَيْضا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن طلق بن غَنَّام عَن زَائِدَة وَعَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل وَفِي التَّفْسِير عَن حَفْص بن عمر عَن خَالِد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن رِفَاعَة بن الْهَيْثَم وَعَن إِسْمَاعِيل بن سَالم. وَأخرجه
стр. 1806
التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن أَحْمد بن عبد الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) ، قد مر غير مرّة أَن أَصله: بَين، فزيدت عَلَيْهِ: الْألف وَالْمِيم، وأضيف إِلَى الْجُمْلَة بعده. وَقَوله: (إِذا أَقبلت) جَوَابه، ويروى: (بَينا) بِدُونِ الْمِيم. قَوْله: (نَحن نصلي) ظَاهره أَن انفضاضهم كَانَ بعد دُخُولهمْ فِي الصَّلَاة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة خَالِد بن عبد الله عِنْد أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : (بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي الصَّلَاة) . وَلَكِن وَقع عِنْد مُسلم: (وَرَسُول الله، ﷺ ، يخْطب) وَله فِي رِوَايَة: (بَينا النَّبِي، ﷺ ، قَائِم) وَزَاد أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيقه: (يخْطب) . فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: قَالُوا: قَوْله: (نصلي) أَي: نَنْتَظِر الصَّلَاة، وَهُوَ معنى: قَوْله: (فِي الصَّلَاة) فِي رِوَايَة أبي نعيم فِي الْخطْبَة، وَهُوَ من تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا قاربه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمرَاد بِالصَّلَاةِ انتظارها فِي حَال الْخطْبَة ليُوَافق رِوَايَة مُسلم، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَعْنَاهُ حَضَرنَا الصَّلَاة وَكَانَ ﷺ يخْطب يَوْمئِذٍ قَائِما، وَبَين هَذَا فِي حَدِيث جَابر أَنه، ﷺ ، كَانَ يخْطب قَائِما. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْأَشْبَه أَن يكون الصَّحِيح رِوَايَة من روى أَن ذَلِك كَانَ فِي الْخطْبَة. قلت: إِخْرَاج كَلَام جَابر الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ يُؤَدِّي إِلَى عدم مطابقته للتَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ وضع التَّرْجَمَة فِي نفور الْقَوْم عَن الإِمَام وَهُوَ فِي الصَّلَاة، وَمَا ذكره يدل على أَنهم نفروا وَالْإِمَام يخْطب. قَوْله: (عير) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: وَهِي الْإِبِل الَّتِي تحمل التِّجَارَة طَعَاما كَانَت أَو غَيره، وَهِي مُؤَنّثَة لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأذن مُؤذن أيتها العير﴾ (يُوسُف: ٧٠) . إِنَّهَا الْإِبِل الَّتِي عَلَيْهَا الْأَحْمَال لِأَنَّهَا تعير أَي: تذْهب وتجيء. وَقيل: هِيَ قافلة الْحمير، ثمَّ كثر حَتَّى قيل لكل قافلة: عير، كَأَنَّهَا جمع: عير، بِفَتْح الْعين وَالْمرَاد: أَصْحَاب العير، فعلى هَذَا إِسْنَاد الإقبال إِلَى العير مجَاز وَفِي (الْمُحكم) : وَالْجمع: عيرات وعير، وَنقل عبد الْحق فِي جمعه: أَن البُخَارِيّ لم يخرج قَوْله: (إِذا أَقبلت عير تحمل طَعَاما) ، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ ثَبت هُنَا وَفِي أَوَائِل الْبيُوع، نعم سقط ذَلِك فِي التَّفْسِير. وَزَاد البُخَارِيّ فِي الْبيُوع، أَنَّهَا أَقبلت من الشَّام، وَمثله لمُسلم من طَرِيق جرير عَن حُصَيْن فَإِن قلت: لمن كَانَت العير الْمَذْكُورَة؟ قلت: فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ من طَرِيق السّديّ أَن الَّذِي قدم بهَا من الشَّام هُوَ دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ، وَقَالَ السُّهيْلي: ذكر أهل الحَدِيث أَن دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ قدم من الشَّام بعير لَهُ تحمل طَعَاما وَبرا، وَكَانَ النَّاس إِذْ ذَاك مُحْتَاجين، فَانْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتركُوا النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس: جائت عير لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ؟ قلت: قيل جمع بَين هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن التِّجَارَة كَانَت لعبد الرَّحْمَن وَكَانَ دحْيَة السفير فِيهَا. قلت: يحْتَمل أَن يَكُونَا مشتركين فَصحت نسبتها لكل مِنْهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَار. قَوْله: (فالتفتوا إِلَيْهَا) أَي: إِلَى العير، وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل فِي الْبيُوع: (فانفض النَّاس) أَي: فَتفرق النَّاس، وَهُوَ مُوَافق لنَصّ الْقُرْآن، فَدلَّ هَذَا على أَن المُرَاد من الِالْتِفَات: الِانْصِرَاف، وَبِهَذَا يرد على من حمل الِالْتِفَات على ظَاهره حَيْثُ قَالَ: لَا يفهم من هَذَا الِانْصِرَاف عَن الصَّلَاة وقطعها، وَإِنَّمَا الَّذِي يفهم مِنْهُ التفاتهم بِوُجُوهِهِمْ أَو بقلوبهم، وَيرد هَذَا أَيْضا قَوْله: (حَتَّى مَا بَقِي مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَّا اثْنَا عشر رجلا) فَإِن بَقَاء اثْنَي عشر رجلا مِنْهُم يدل على أَن البَاقِينَ مَا بقوا مَعَه ﷺ . وَقَالَ بَعضهم: وَفِي قَوْله: (فالتفتوا) ، الْتِفَات لِأَن السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يَقُول: فالتفتنا، وَكَأن النُّكْتَة فِي عدُول جَابر عَن ذَلِك أَنه هُوَ لم يكن مِمَّن الْتفت. قلت: لَيْسَ فِيهِ الْتِفَات، لِأَن جَابِرا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ من الاثْنَي عشر، على مَا جَاءَ أَنه قَالَ: وَأَنا فيهم، فَيكون هَذَا إِخْبَارًا عَن الَّذين انْفَضُّوا، فَلَا عدُول فِيهِ عَن الأَصْل. قَوْله: (إلاّ اثْنَا عشر) اسْتثِْنَاء من الضَّمِير الَّذِي فِي لَفظه: بَقِي، الَّذِي يعود إِلَى الْمُصَلِّي، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، وَجَاءَت الرِّوَايَة بهما، وَلَا يُقَال: إِن الِاسْتِثْنَاء مفرغ، فَيتَعَيَّن الرّفْع لِأَن إعرابه على حسب العوامل، لِأَن مَا ذكر يمْنَع أَن يكون مفرغا. وَهنا وَجه آخر لجَوَاز الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فَيكون الْمُسْتَثْنى فِيهِ محذوفا تَقْدِيره: مَا بَقِي أحد مَعَ النَّبِي ﷺ إلاّ عدد كَانُوا اثْنَي عشر رجلا، وَأما النصب فلإعطاء اثْنَي عشر حكم أخواته الَّتِي هِيَ ثَلَاثَة عشر وَأَرْبَعَة عشر وَغَيرهمَا، لِأَن الأَصْل فِيهَا الْبناء لتضمنها الْحَرْف. فَافْهَم.
ثمَّ تعْيين عدد الَّذين بقوا مَعَ النَّبِي ﷺ مثل مَا هُوَ فِي (الصَّحِيح) وهم: اثْنَي عشر، وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ لَيْسَ مَعَه ﷺ إلاّ أَرْبَعِينَ رجلا أَنا فيهم، ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يقل كَذَلِك
стр. 1807
إلاّ عَليّ بن عَاصِم عَن حُصَيْن، وَخَالفهُ أَصْحَاب حُصَيْن فَقَالُوا: اثْنَي عشر رجلا، وَفِي (الْمعَانِي) للفراء إلاّ ثَمَانِيَة نفر، وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد: إلاّ سَبْعَة. وَوَقع فِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) وَابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى قَتَادَة (قَالَ: قَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ : كم أَنْتُم؟ فعدوا أنفسهم فَإِذا اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَة) . وَفِي تَفْسِير إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي: وَامْرَأَتَانِ، وَلابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: وَسبع نسْوَة، لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف.
وَأما تسميتهم فَوَقع فِي رِوَايَة خَالِد الطَّحَّان عِنْد مُسلم أَن جَابِرا قَالَ: أَنا فيهم، وَله فِي رِوَايَة هشيم: فيهم أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَفِي تَفْسِير إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي: أَن سالما مولى أبي حُذَيْفَة مِنْهُم، روى الْعقيلِيّ عَن ابْن عَبَّاس: أَن مِنْهُم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَابْن مَسْعُود وأناس من الْأَنْصَار، وَحكى السُّهيْلي أَن أَسد بن عَمْرو روى بِسَنَد مُنْقَطع أَن الاثْنَي عشر هم: الْعشْرَة المبشرة وبلال وَابْن مَسْعُود. قَالَ: وَفِي رِوَايَة: عمار، بدل: ابْن مَسْعُود. وأهمل جَابِرا، وَهُوَ مِنْهُم. كَمَا ذكر فِي الصَّحِيح.
قَوْله: (فَنزلت هَذِه الْآيَة) ظَاهر هَذَا أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة قدوم العير الْمَذْكُورَة، وَفِي (مَرَاسِيل أبي دَاوُد) : حَدثنَا مَحْمُود بن خَالِد حَدثنَا الْوَلِيد أَخْبرنِي بكير بن مَعْرُوف أَنه سمع مقَاتل بن حبَان قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَة قبل الْخطْبَة مثل الْعِيدَيْنِ، حَتَّى كَانَ يَوْم جُمُعَة، وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب، وَقد صلى الْجُمُعَة فَدخل رجل فَقَالَ: إِن دحْيَة قدم بتجارته، وَكَانَ دحْيَة إِذا قدم تَلقاهُ أَهله بِالدُّفُوفِ، فَخرج النَّاس لم يَظُنُّوا إلاّ أَنه لَيْسَ فِي ترك الْخطْبَة شَيْء، فَأنْزل الله : ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . الْآيَة، فَقدم النَّبِي ﷺ الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة وَأخر الصَّلَاة، فَكَانَ أحد لَا يخرج لرعاف أَو حدث بعد النَّهْي حَتَّى يسْتَأْذن النَّبِي ﷺ ، يُشِير إِلَيْهِ بإصبعه الَّتِي تلِي الْإِبْهَام، فَيَأْذَن لَهُ ﷺ ثمَّ يُشِير إِلَيْهِ بِيَدِهِ) قَالَ السُّهيْلي: هَذَا، وَإِن لم ينْقل من وَجه ثَابت، فالظن الْجَمِيل بالصحابة يُوجب أَن يكون صَحِيحا. وَقَالَ عِيَاض: وَقد أنكر بَعضهم كَونه ﷺ خطب قطّ بعد صَلَاة الْجُمُعَة، وَفِي (سنَن الشَّافِعِي) ﵀: عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (حَدثنِي جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه: كَانَ النَّبِي ﷺ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة، وَكَانَت لَهُم سوق يُقَال لَهَا: الْبَطْحَاء، كَانَت بَنو سليم يجلبون إِلَيْهَا الْخَيل وَالْإِبِل وَالسمن، وَقدمُوا فَخرج إِلَيْهِم النَّاس وَتركُوا رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ لَهُم لَهو إِذا تزوج أحد من الْأَنْصَار يضربونه، يُقَال لَهُ: الْكبر، فعيرهم الله بذلك فَقَالَ: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . وَهُوَ مُرْسل، لِأَن مُحَمَّد الباقر من التَّابِعين، وَوَصله أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) والطبري يذكر جَابِرا فِيهِ: أَنهم كَانُوا إِذْ نكحوا تضرب لَهُم الْجَوَارِي بالمزامير فيشتد النَّاس إِلَيْهِم وَيدعونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمقائما، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد: حَدثنَا يعلى عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس: قدم دحْيَة بِتِجَارَة فَخَرجُوا ينظرُونَ إلاّ سَبْعَة نفر، وَأَخْبرنِي عَمْرو بن عَوْف عَن هشيم عَن يُونُس، (عَن الْحسن قَالَ: فَلم يبْق مَعَه ﷺ إلاّ رَهْط مِنْهُم: أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . فَقَالَ ﷺ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَا يبْقى معي أحد مِنْكُم لَسَالَ بكم الْوَادي نَارا) . حَدثنَا يُونُس عَن شَيبَان (عَن قَتَادَة قَالَ: ذكر لنا أَن نَبِي الله ﷺ قَامَ يَوْم جُمُعَة فخطبهم، فَقيل: جَاءَت عير، فَجعلُوا يقومُونَ حَتَّى بقيت عِصَابَة مِنْهُم، فَقَالَ: كم أَنْتُم فعدوا أنفسهم فَإِذا اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَة، ثمَّ قَامَ الْجُمُعَة الثَّانِيَة فخطبهم ووعظهم فَقيل: جَاءَت عير، فَجعلُوا يقومُونَ حَتَّى بقيت مِنْهُم عِصَابَة، فَقيل لَهُم: كم أَنْتُم فعدوا أنفسهم فَإِذا اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَة. فَقَالَ: وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو اتبع آخركم أولكم لألهب الْوَادي عَلَيْكُم نَارا، فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهَا مَا تَسْمَعُونَ: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . الْآيَة) . حَدثنَا شَيبَان عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لَهو﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . قَالَ: كَانَ رجال يقومُونَ إِلَى نواضحهم وَإِلَى السّفر يقدمُونَ يتبعُون التِّجَارَة وَاللَّهْو. وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) : جمع إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن أبان (عَن أنس: بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، يخْطب يَوْم الْجُمُعَة إِذْ سمع أهل الْمَسْجِد صَوت الطبول والمزامير، وَكَانَ أهل الْمَدِينَة إِذا قدمت عَلَيْهِم العير من الشَّام بِالْبرِّ وَالزَّبِيب استقبلوها فَرحا بالمعازف، فَقدمت عير لدحية وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب، فتركوا النَّبِي ﷺ وَخَرجُوا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : من هَهُنَا؟ فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة. . فَإِذا اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَتَانِ. فَقَالَ ﷺ : لَو اتبع آخركم أولكم لاضطرم الْوَادي عَلَيْكُم نَارا، وَلَكِن الله تطول على بكم
стр. 1808
فَرفع الْعقُوبَة بكم عَمَّن خرج، فَنزلت الْآيَة. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَكَانُوا إِذا أَقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، وَهُوَ المُرَاد باللهو، وَفِيه أَيْضا: (بَينا رَسُول الله ﷺ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة، إِذْ قدم دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ ثمَّ أحد بني الْخَزْرَج ثمَّ أحد بني زيد بن مَنَاة من الشَّام بِتِجَارَة، وَكَانَ إِذا قدم لم يبْق بِالْمَدِينَةِ عاتق، وَكَانَ يقدم إِذا قدم بِكُل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من دَقِيق أَو بر أَو غَيره، فَنزل عِنْد أَحْجَار الزَّيْت، وَهُوَ مَكَان فِي سوق الْمَدِينَة، ثمَّ يضْرب الطبل ليؤذن النَّاس بقدومه فَيخرج إِلَيْهِ النَّاس ليبتاعوا مِنْهُ، فَقدم ذَات يَوْم جُمُعَة، وَكَانَ ذَلِك قبل أَن يسلم، وَرَسُول الله ﷺ قَائِم على الْمِنْبَر يخْطب، فَخرج إِلَيْهِ النَّاس فَلم يبْق فِي الْمَسْجِد إلاّ اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : كم بَقِي فِي الْمَسْجِد؟ فَقَالُوا: اثْنَي عشر رجلا وَامْرَأَة. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَوْلَا هَؤُلَاءِ لقد سومت لَهُم الْحِجَارَة من السَّمَاء، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة) .
قَوْله: (انْفَضُّوا إِلَيْهَا) من الانفضاض، وَهُوَ التَّفَرُّق. يُقَال: فضضت الْقَوْم فَانْفَضُّوا أَي: فرقتهم فَتَفَرَّقُوا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَيفَ قَالَ: إِلَيْهَا، وَقد ذكر شَيْئَيْنِ؟ قلت: تَقْدِيره إِذا رَأَوْا تِجَارَة انْفَضُّوا إِلَيْهَا أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهِ، فَحذف أَحدهمَا لدلَالَة الْمَذْكُور عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ قِرَاءَة من قَرَأَ: انْفَضُّوا إِلَيْهِ، وَقِرَاءَة من قَرَأَ لهوا أَو تِجَارَة انْفَضُّوا إِلَيْهَا. وقرىء: إِلَيْهِمَا. انْتهى. وَقيل: أُعِيد الضَّمِير إِلَى التِّجَارَة فَقَط لِأَنَّهَا كَانَت أهم إِلَيْهِم. وَقَالَ الزّجاج: يجوز فِي الْكَلَام: انْفَضُّوا إِلَيْهِ وإليها وإليهما، وَلِأَن الْعَطف إِذا كَانَ ضميرا فقياسه عوده إِلَى أَحدهمَا لَا إِلَيْهِمَا، وَأَن الضَّمِير أُعِيد إِلَى الْمَعْنى دون اللَّفْظ أَي: انْفَضُّوا إِلَى الرُّؤْيَة الَّتِي رأوها، أَي: مالوا إِلَى طلب مَا رَأَوْهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: يُسْتَفَاد من ظَاهر حَدِيث الْبَاب أَن الْقَوْم إِذا نفروا عَن الإِمَام وَهُوَ فِي صَلَاة الْجُمُعَة فَصَلَاة من بَقِي وَصَلَاة الإِمَام على حَالهَا، فَلذَلِك ترْجم البُخَارِيّ الْبَاب بقوله: بَاب إِذا نفر النَّاس. . إِلَى آخِره. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي الإِمَام يفْتَتح صَلَاة الْجُمُعَة بِجَمَاعَة ثمَّ يتفرقون، فَقَالَ الثَّوْريّ: إِذا ذَهَبُوا إلاّ رجلَيْنِ صلى رَكْعَتَيْنِ، وَإِن بَقِي وَاحِد صلى أَرْبعا. وَقَالَ أَبُو ثَوْر: يُصليهَا جُمُعَة. انْتهى. قلت: إِذا اقْتدى النَّاس بِالْإِمَامِ فِي صَلَاة الْجُمُعَة ثمَّ عرض للنَّاس عَارض أداهم إِلَى النفور فنفروا وَبَقِي الإِمَام وَحده، وَذَلِكَ قبل أَن يرْكَع وَيسْجد اسْتقْبل الظّهْر عِنْد أبي حنيفَة، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: إِن نفروا عَنهُ بَعْدَمَا افْتتح الصَّلَاة صلى الْجُمُعَة، وَإِن بَقِي وَحده. وَبِه قَالَ الْمُزنِيّ: فِي قَول، وَإِن نفروا عَنهُ بَعْدَمَا ركع وَسجد سَجْدَة بنى على الْجُمُعَة، فِي قَوْلهم جَمِيعًا، خلافًا لزفَر، فَعنده: يُصَلِّي الظّهْر، وَعند مَالك: ان انْفَضُّوا بعد الْإِحْرَام ويئس من رجوعهم بنى على إِحْرَامه أَرْبعا، وإلاّ جعلهَا نَافِلَة وانتظرهم، وَإِن انْفَضُّوا بعد رَكْعَة، قَالَ أَشهب وَعبد الْوَهَّاب: يُتمهَا جُمُعَة، وَهُوَ اخْتِيَار الْمُزنِيّ. وَقَالَ سَحْنُون: هُوَ كَمَا بعد الْإِحْرَام، فتشترط إِلَى الِانْتِهَاء. وَقَالَ إِسْحَاق: إِن بَقِي مَعَه اثْنَا عشر صلى الْجُمُعَة، وَظَاهر كَلَام أَحْمد اسْتِدَامَة الْأَرْبَعين.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَو أحرم بالأربعين الْمَشْرُوطَة ثمَّ انْفَضُّوا، فَفِيهِ خَمْسَة أَقْوَال: أَصَحهَا: يُتمهَا ظهرا كالابتداء، وللمزني تخريجان: أَحدهمَا: يُتمهَا جُمُعَة وَحده، وَالثَّانِي: إِن صلى رَكْعَة بسجدتيها أتمهَا جُمُعَة. وَقيل: إِن بَقِي مَعَه وَاحِد أتمهَا جُمُعَة، نَص عَلَيْهِ فِي الْقَدِيم وَذكر ابْن الْمُنْذر: إِن بَقِي مَعَه اثْنَان أتمهَا جُمُعَة. وَهِي رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ. وَقَالَ صَاحب (التَّقْرِيب) : يحْتَمل أَن يَكْتَفِي بِالْعَبدِ وَالْمُسَافر، وَأقَام الْمَاوَرْدِيّ الصَّبِي وَالْمَرْأَة مقامهما، فَالْحَاصِل بَقَاء الْأَرْبَعين فِي كل الصَّلَاة، هَل هُوَ شَرط أم لَا؟ قَولَانِ: فَإِن قُلْنَا: لَا، فَهَل يشْتَرط بَقَاء عدد أم لَا؟ فَقَوْلَانِ: فَإِن قُلْنَا: لَا. فَهَل يفصل بَين الرَّكْعَة الأولى وَالثَّانيَِة أم لَا؟ قَولَانِ، فَإِن قُلْنَا: نعم فكم يشْتَرط؟ قَولَانِ: أَحدهمَا: ثَلَاثَة، وَالْآخر، إثنان فَإِذا أردْت اخْتِصَار ذَلِك؟ قلت: فِي الْمَسْأَلَة خَمْسَة أَقْوَال: أَحدهَا: يُتمهَا ظهرا كَيفَ مَا كَانَ، وَهُوَ الصَّحِيح. وَالثَّانِي: جُمُعَة كَيفَ مَا كَانَ. وَالثَّالِث: إِن بَقِي مَعَه إثنان أتمهَا جُمُعَة. وإلاّ ظهرا. الرَّابِع: إِن بَقِي مَعَه وَاحِد أتمهَا جُمُعَة. وَالْخَامِس: إِن انْفَضُّوا أَو بَعضهم بعد تَمام الرَّكْعَة بسجدتيها أتمهَا جُمُعَة وإلاّ ظهرا.
قلت: الأَصْل أَن الْجَمَاعَة من شَرَائِط الْجُمُعَة لِأَنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْهَا. وأجمعت الْأمة على أَن الْجُمُعَة لَا تصح من الْمُنْفَرد إلاّ مَا ذكر ابْن حزم فِي (الْمحلى) عَن بعض النَّاس: أَن الْفَذ يُصَلِّي الْجُمُعَة كالظهر. ثمَّ أقل الْجَمَاعَة عِنْد أبي حنيفَة ثَلَاثَة سوى الإِمَام، وَبِه قَالَ زفر وَاللَّيْث بن سعد، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري فِي قَول وَأبي ثَوْر، وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: اثْنَان سوى الإِمَام. وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَالثَّوْري فِي قَول: وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ، ثمَّ الْجَمَاعَة للْجُمُعَة شَرط تأحكد العقد بِالسَّجْدَةِ عِنْد أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا للشروع، وَعند زفر يشْتَرط دوامها كالوقت
стр. 1809
وَالطَّهَارَة، وَفَائِدَة الْخلاف تظهر فِيمَا ذَكرْنَاهُ عَنْهُم الْآن.
وَفِي الْعدَد الَّذِي تصح بِهِ الْجُمُعَة أَرْبَعَة عشر قولا. ثَلَاثَة سوى الإِمَام عِنْد أبي حنيفَة، وإثنان سواهُ عِنْدهمَا، وَوَاحِد سواهُ عِنْد النَّخعِيّ وَالْحسن بن حَيّ وَجَمِيع الظَّاهِرِيَّة، وَسَبْعَة عَن عِكْرِمَة، وَتِسْعَة وَاثنا عشر عَن ربيعَة، وَثَلَاثَة عشر وَعِشْرُونَ وَثَلَاثُونَ عَن مَالك فِي رِوَايَة ابْن حبيب، وَأَرْبَعُونَ موَالِي عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، وَأَرْبَعُونَ أحرارا بالغين عقلاء مقيمين لَا يظعنون صيفا وَلَا شتاءً إلاّ ظعن حَاجَة عِنْد الشَّافِعِي، وَأحمد فِي ظَاهر قَوْله، وَخَمْسُونَ رجلا عَن أَحْمد فِي رِوَايَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز فِي رِوَايَة، وَثَمَانُونَ ذكره الْمَازرِيّ وَغير مَحْدُود بِعَدَد ذكره الْمَازرِيّ أَيْضا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي الحَدِيث دَلِيل لمَالِك حَيْثُ قَالَ: تَنْعَقِد الْجُمُعَة بإثني عشر، وَأجَاب الشَّافِعِي بِأَنَّهُ مَحْمُول على أَنهم رجعُوا أَو رَجَعَ مِنْهُم تَمام أَرْبَعِينَ، فَأَتمَّ بهم الْجُمُعَة. قلت: فِي اسْتِدْلَال مَالك نظر، وَكَذَا فِي جَوَاب الشَّافِعِيَّة، لِأَنَّهُ لم يرد أَنه أتم الصَّلَاة، وَيحْتَمل أَنه أتمهَا ظهرا. وَقيل: إِن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ذهب إِلَى ظَاهر هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: إِذا تفَرقُوا بعد الِانْعِقَاد يشْتَرط بَقَاء اثْنَي عشر، وَتعقب بِأَنَّهَا وَاقعَة عين لَا عُمُوم لَهَا، وَقَالَ بَعضهم: ترجح كَون انفضاض الْقَوْم وَقع فِي الْخطْبَة لَا فِي الصَّلَاة،، وَهُوَ اللَّائِق بالصحابة تحسينا للظن بهم. وَقَالَ الْأصيلِيّ: وصف الله تَعَالَى الصَّحَابَة بِخِلَاف هَذَا فَقَالَ: ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ (النُّور: ٣٧) . قلت: قيل: إِن نزُول الْآيَة بعد وُقُوع هَذَا الْأَمر على أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة تَصْرِيح بنزولها فِي الصَّحَابَة، وَلَئِن سلمنَا فَلم يكن تقدم لَهُم نهي عَن ذَلِك، فَلَمَّا نزلت آيَة الْجُمُعَة وفهموا مِنْهَا ذمّ ذَلِك اجتنبوه فوصفوا بعد ذَلِك بِآيَة النُّور.
٣٩ - (بابُ الصَّلاةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ وقَبْلَهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كمية الصَّلَاة بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَقبلهَا.
٩٣٣٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُصَلِّي قبْلَ الظُّهْرِ ركْعَتَيْنِ وبعْدَهَا ركْعَتَيْنِ وبَعْدَ المغْرِبِ ركْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وكانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى ينْصَرِفَ فَيُصَلِّي ركْعَتَيْنِ ...
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ لَا يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة. .) إِلَى آخِره. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على بعد الْجُمُعَة وَقبلهَا، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث إلاّ بعْدهَا؟ قلت: أُجِيب عَنهُ من وُجُوه: الأول: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق حَدِيث الْبَاب وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان من طَرِيق أَيُّوب، (عَن نَافِع قَالَ: كَانَ ابْن عمر يُطِيل الصَّلَاة قبل الْجُمُعَة وَيُصلي بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ، وَيحدث أَن رَسُول الله، ﷺ : كَانَ يفعل ذَلِك وَقد جرت عَادَته بِمثل ذَلِك) . وَالثَّانِي: أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى اسْتِوَاء الظّهْر وَالْجُمُعَة حَتَّى يدل الدَّلِيل على خِلَافه، لِأَن الْجُمُعَة بدل الظّهْر، وَكَانَت عنايته بِحكم الصَّلَاة بعْدهَا أَكثر، فَلذَلِك ذكره فِي التَّرْجَمَة مقدما على خلاف الْعَادة فِي تَقْدِيم الْقبل على الْبعد. وَالثَّالِث: وُرُود الْخَبَر فِي الْبعد صَرِيح، وَأَشَارَ إِلَى الَّذِي فِيهِ الْقبل، فَذكر الَّذِي فِيهِ الْبعد صَرِيحًا، وَأَشَارَ الَّذِي فِيهِ الْقبل.
وَأما رجال الحَدِيث فقد ذكرُوا غير مرّة.
وَأما من أخرجه غَيره: فقد أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق مَالك عَن نَافِع إِلَى آخِره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ (أَنه كَانَ يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ) . وَأخرجه ابْن ماجة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل أَرْبعا) . وَفِي (سنَن سعيد ابْن مَنْصُور) : عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، قَالَ: (علمنَا ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن نصلي بعد الْجُمُعَة أَرْبعا، فَلَمَّا قدم علينا عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، علمنَا أَن نصلي سِتا. .) . وروى ابْن حبَان من حَدِيث عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا من صَلَاة مَفْرُوضَة إلاّ وَبَين يَديهَا رَكْعَتَانِ) . وَعند أبي دَاوُد، وَقَالَ: هُوَ مُرْسل: (عَن أبي قَتَادَة أَن رَسُول الله ﷺ كره الصَّلَاة نصف النَّهَار إلاّ يَوْم الْجُمُعَة) . وَقَالَ: (إِن جَهَنَّم تسجر إلاّ يَوْم الْجُمُعَة) . وَعَن أبي هُرَيْرَة مثله، رَوَاهُ
стр. 1810
الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم شَيْخه. وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني من حَدِيث ابْن عُبَيْدَة عَن أَبِيه (أَن النَّبِي ﷺ : كَانَ يُصَلِّي قبل الْجُمُعَة أَرْبعا وَبعدهَا أَرْبعا) . وَعند ابْن مَاجَه بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يرْكَع قبل الْجُمُعَة أَرْبعا لَا يفصل فِي شَيْء مِنْهُنَّ) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) : بِرِجَال ابْن مَاجَه، وَهِي رِوَايَة بَقِيَّة عَن مُبشر بن عبيد عَن حجاج بن أَرْطَاة عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس، فَزَاد فِيهِ: (وَبعدهَا أَرْبعا) . قَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) : هَذَا حَدِيث بَاطِل اجْتمع فِيهِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة وهم ضعفاء، ومبشر وضَّاع صَاحب أباطيل. قلت: بَقِيَّة بن الْوَلِيد موثق وَلكنه مُدَلّس، وحجاج صَدُوق روى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِغَيْرِهِ، وعطية مَشاهُ يحيى بن معِين فَقَالَ فِيهِ: صَالح وَلَكِن ضعفهما الْجُمْهُور.
قَوْله: (حَتَّى ينْصَرف) أَي: إِلَى الْبَيْت. قَوْله: (فَيصَلي) بِالرَّفْع لَا بِالنّصب.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن صَلَاة النَّوَافِل فِي الْبَيْت أولى، وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا أعَاد ابْن عمر ذكر الْجُمُعَة بعد ذكر الظّهْر من أجل أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي سنة الْجُمُعَة فِي بَيته، بِخِلَاف الظّهْر، قَالَ: وَالْحكمَة فِيهِ أَن الْجُمُعَة لما كَانَت بدل الظّهْر وَاقْتصر فِيهَا على رَكْعَتَيْنِ ترك التَّنَفُّل بعْدهَا فِي الْمَسْجِد خشيَة أَن يظنّ أَنَّهَا الَّتِي حذفت. انْتهى. وَقد أجَاز مَالك الصَّلَاة بعد الْجُمُعَة فِي الْمَسْجِد للنَّاس وَلم يجز للْأمة. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي الصَّلَاة بعد الْجُمُعَة، فَقَالَت طَائِفَة: يُصَلِّي بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيته كالتطوع بعد الظّهْر، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَعمْرَان بن حُصَيْن وَالنَّخَعِيّ، وَقَالَ مَالك: إِذا صلى الإِمَام الْجُمُعَة فَيَنْبَغِي أَن لَا يرْكَع فِي الْمَسْجِد، لما رُوِيَ عَن رَسُول الله، ﷺ ، أَنه: كَانَ ينْصَرف بعد الْجُمُعَة وَلم يرْكَع فِي الْمَسْجِد، حَتَّى قَالَ: وَمن خَلفه أَيْضا إِذا سلمُوا، فَأحب أَن ينصرفوا، وَلَا يركعوا فِي الْمَسْجِد، وَإِن ركعوا فَذَاك وَاسع. وَقَالَت طَائِفَة: يُصَلِّي بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَرْبعا، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عمر وَأبي مُوسَى، وَهُوَ قَول عَطاء وَالثَّوْري وَأبي يُوسُف إلاّ أَن أَبَا يُوسُف اسْتحبَّ أَن تقدم الْأَرْبَع قبل الرَّكْعَتَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: مَا أَكثر الْمُصَلِّي بعد الْجُمُعَة من التَّطَوُّع فَهُوَ أحب إِلَيّ. وَقَالَت طَائِفَة: يُصَلِّي بعْدهَا أَرْبعا لَا يفصل بَينهُنَّ بِسَلام، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وعلقمة وَالنَّخَعِيّ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَإِسْحَاق.
حجَّة الْأَوَّلين حَدِيث ابْن عمر: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة إلاّ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيته) . قَالَ الْمُهلب: وهما الركعتان بعد الظّهْر. وَحجَّة الطَّائِفَة الثَّانِيَة مَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق (عَن عَطاء قَالَ: صليت مَعَ ابْن عمر الْجُمُعَة، فَلَمَّا سلم قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ صلى أَربع رَكْعَات ثمَّ انْصَرف) . وَجه قَول أبي يُوسُف مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن سُلَيْمَان بن مسْهر عَن حرشة بن الْحر: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كره أَن تصلي بعد صَلَاة مثلهَا. وَحجَّة الطَّائِفَة الثَّالِثَة مَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل أَرْبعا) . وَقد مر ذكره.
وَبَقِي الْكَلَام فِي سنة الظّهْر وَالْمغْرب وَالْعشَاء. أما سنة الظّهْر فَسَيَأْتِي بَيَانهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما سنة الْمغرب، فقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: (مَا أحصي مَا سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْفجْر. ﴿بقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا من رِوَايَة أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: (حفظت من النَّبِي، ﷺ ، عشر رَكْعَات) الحَدِيث. وَفِيه: (رَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب فِي بَيته) . وَاتفقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ من رِوَايَة يحيى بن سعيد عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَفِي هَذَا الْبَاب عَن عبد الله بن جَعْفَر عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن عَبَّاس عِنْد أبي دَاوُد وَأبي أُمَامَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَأبي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه: وَهَاتَانِ الركعتان بعد الْمغرب من السّنَن الْمُؤَكّدَة، وَبَالغ بعض التَّابِعين فيهمَا، فروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن وَكِيع عَن جرير بن حَازِم عَن عِيسَى بن عَاصِم الْأَسدي عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: لَو تركت الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب لَخَشِيت أَن لَا يغْفر لي، وَقد شَذَّ الْحسن الْبَصْرِيّ فَقَالَ بوجوبهما، وَلم يقل مَالك بِشَيْء من التوابع للفرائض إلاّ رَكْعَتي الْفجْر، وروى ابْن أبي شيبَة (عَن ابْن عمر، قَالَ: من صلى بعد الْمغرب أَرْبعا كَانَ كَالْمُعَقبِ غَزْوَة بعد غَزْوَة) . وَرُوِيَ أَيْضا عَن مَكْحُول، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى رَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب) ، يَعْنِي: قبل أَن يتَكَلَّم (رفعت صلَاته فِي عليين) . قَالَ شَارِح التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا لَا يَصح لإرساله، وَأَيْضًا فَلَا يدْرِي من الْقَائِل، يَعْنِي: قبل أَن يتَكَلَّم.
стр. 1811
قلت: رَوَاهُ مُتَّصِلا أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي كتاب (الثَّوَاب وفضائل الْأَعْمَال) من رِوَايَة مقَاتل عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: (مَا من صَلَاة أحب إِلَى الله من الْمغرب) . الحَدِيث، وَفِيه: (فَمن صلاهَا ثمَّ صلى بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يتَكَلَّم جليسه رفعت صلَاته فِي أَعلَى عليين) . قلت: يَصح هَذَا مُسْتَندا لِأَصْحَابِنَا فِي استحبابهم إِيصَال السّنَن للفرائض. وَقَالَ شَارِح التِّرْمِذِيّ: وَله وَجه فِي الْمغرب بِسَبَب ضيق وَقتهَا على القَوْل بِأَن وَقتهَا ضيق على قَول الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد، ثمَّ الْمُسْتَحبّ فِي رَكْعَتي الْمغرب أَن تَكُونَا فِي بَيته لظَاهِر الحَدِيث، وَكَذَلِكَ سَائِر النَّوَافِل التابعة للفرائض أَن تكون فِي الْبَيْت عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، للْحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ: (أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلاّ الْمَكْتُوبَة) . وَعند الثَّوْريّ وَمَالك: نوافل النَّهَار كلهَا فِي الْمَسْجِد أفضل، وَذهب ابْن أَلِي ليلى إِلَى أَن سنة الْمغرب لَا يجزىء فعلهَا فِي الْمَسْجِد. وَأما سنة الْعشَاء، وهما الركعتان بعْدهَا، فَمن السّنَن الْمُؤَكّدَة، وَقد صَحَّ أَنه ﷺ كَانَ لَا يدعهما. وَعَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى رَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء الْآخِرَة يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَعشْرين مرّة. ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ بنى الله لَهُ قصرا فِي الْجنَّة) . رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان.
٤٠ - (باُ قَوْلِ الله تعالَى فإذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان المُرَاد من ذكر قَول الله : ﴿فَإِذا قضيت﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . وَأَرَادَ بِذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَن الْأَمر فِي قَوْله: ﴿فَانْتَشرُوا﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . وَالْأَمر فِي قَوْله: ﴿وابتغوا﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . للْإِبَاحَة لَا للْوُجُوب، لأَنهم منعُوا عَن الانتشار فِي الأَرْض للتكسب وَقت النداء يَوْم الْجُمُعَة، لأجل إِقَامَة صَلَاة الْجُمُعَة، فَلَمَّا صلوا وفرغوا أمروا بالانتشار فِي الأَرْض والابتغاء من فضل الله، وَهُوَ رزقه، وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا الْأَمر للْإِبَاحَة لِأَنَّهُ لمَنْفَعَة لنا، فَلَو كَانَ للْوُجُوب لعاد علينا، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (الْمَائِدَة: ٢) . فَإِنَّهُ حرم عَلَيْهِم الصَّيْد وهم محرمون، فَلَمَّا خَرجُوا عَن الْإِحْرَام أحل لَهُم الصَّيْد، كَمَا كَانَ أَولا. وَقَالَ ابْن التِّين: جمَاعَة أهل الْعلم على أَن هَذَا إِبَاحَة بعد الْحَظْر، وَقيل: هُوَ أَمر على بَابه. وَعَن الدَّاودِيّ: هُوَ إِبَاحَة لمن كَانَ لَهُ كفاف وَلَا يُطيق التكسب، وَفرض على من لَا شَيْء لَهُ، ويطيق التكسب. وَقَالَ غَيره: من تعطف عَلَيْهِ بسؤال أَو غَيره لَيْسَ طلب التكسب عَلَيْهِ بفريضة. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . فرغ مِنْهَا ﴿فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . للتِّجَارَة وَالتَّصَرُّف فِي حَوَائِجكُمْ. ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . أَي: الرزق، ثمَّ أطلق لَهُم مَا حظر عَلَيْهِم بعد قَضَاء الصَّلَاة من الانتشار، وابتغاء الرِّبْح مَعَ التوصية بإكثار الذّكر وَأَن لَا يلهيهم شَيْء من التِّجَارَة وَلَا غَيرهَا عَنهُ، وهما أَمر إِبَاحَة وتخيير كَمَا فِي قَوْله: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (الْمَائِدَة: ٢) . وَعَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي قَول الله: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) . لَيْسَ لطلب دنياكم، وَلَكِن عِيَادَة مَرِيض وَحُضُور جَنَازَة وزيارة أَخ فِي الله. وَقيل: صَلَاة تطوع. وَقَالَ الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير ومحكول: وابتغوا من فضل الله، هُوَ طلب الْعلم، وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وابتغوا من فضل الله يَوْم السبت.
٩٣٨ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا أبُو غسَّانَ قَالَ حدَّثني أبُو حازمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ كانَتْ فِينَا امْرأةٌ تَجْعَلُ عَلى أرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعةٍ لَها سِلْقا فَكانَتْ إذَا كانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تنْزِعُ أصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدِرٍ ثُمَّ تجْعَلُ عَليْهِ قَبْضةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا فتَكُونُ اصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ وكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَرِّبُ ذالِكَ الطَّعَامَ إلَيْنَا فنَلْعَقُهُ وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذالِكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ آيَة من الْقُرْآن الْكَرِيم من حَيْثُ إِن فِي الْآيَة الانتشار بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة، وَهُوَ الِانْصِرَاف مِنْهَا، وَفِي الحَدِيث أَيْضا: كَانُوا يَنْصَرِفُونَ بعد فراغهم من صَلَاة الْجُمُعَة، وَفِي الْآيَة الابتغاء من فضل الله الَّذِي هُوَ الرزق
стр. 1812
وَفِي الحَدِيث أَيْضا: كَانُوا بعد انصرافهم مِنْهَا يَبْتَغُونَ مَا كَانَت تِلْكَ الْمَرْأَة تهيؤه من أصُول السلق، وَهُوَ أَيْضا رزق سَاقه الله إِلَيْهِم. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم وَهُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: أَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة: هُوَ مُحَمَّد بن مطرف الْمدنِي. الثَّالِث: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: هُوَ سَلمَة بن دِينَار. الرَّابِع: سُهَيْل بن سعيد بن مَالك الْأنْصَارِيّ والساعدي. .
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: راويان مذكوران بالكنية. وَفِيه: أَن رِجَاله مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ مصري.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (امْرَأَة) ، لم يعلم اسْمهَا. قَوْله: (تجْعَل) بِالْجِيم وَالْعين الْمُهْملَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: تحقل، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْقَاف أَي: تزرع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحقل الزَّرْع إِذا تشعب ورقه قبل أَن يغلظ سوقه، تَقول مِنْهُ: أحقل الزَّرْع، وَمِنْه: المحاقلة، وَهُوَ بيع الزَّرْع وَهُوَ فِي سنبله. قَوْله: (على أربعاء) ، جمع: ربيع، كأنصباء جمع نصيب. وَهُوَ الجداول، وَذكر ابْن سَيّده أَن الرّبيع هُوَ الساقية الصَّغِيرَة تجْرِي إِلَى النّخل مجاريه، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ الساقية. وَقيل: النَّهر الصَّغِير. وَقَالَ عبد الْملك: هُوَ حافات الأحواض ومجاري الْمِيَاه. الجداول: جمع جدول، وَهُوَ النَّهر الصَّغِير، قَالَه الْجَوْهَرِي. قَوْله: (فِي مزرعة) بِفَتْح الرَّاء، وَحكى ابْن مَالك جَوَاز تثليثها. قَوْله: (سلقا) ، بِكَسْر السِّين وَهُوَ مَعْرُوف، وانتصابه على أَنه مفعول تجْعَل أَو تحقل على الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وسلق، بِالرَّفْع مُبْتَدأ خَبره: لَهَا، أَو مفعول مَا لم يسم فَاعله على تَقْدِير أَن يَجْعَل بِلَفْظ الْمَجْهُول، وَبِالنَّصبِ إِن كَانَ بِلَفْظ الْمَعْرُوف، وَحِينَئِذٍ الأَصْل فِيهِ أَن يكْتب بِالْألف، لَكِن جَازَ على اللُّغَة الربيعية أَن يسكن بِدُونِ الْألف لأَنهم يقفون على الْمَنْصُوب الْمنون بِالسُّكُونِ، فَلَا يحْتَاج الْكَاتِب على لغتهم إِلَى الْألف، وَمثله كثير فِي هَذَا الصَّحِيح، نَحْو: سَمِعت أنس، وَرَأَيْت سَالم. انْتهى. قلت: تصرفه فِي إِعْرَاب: سلقا، تعسف مَعَ عدم مَجِيء الرِّوَايَة على الرّفْع، وَهُوَ مَنْصُوب قطعا على مَا ذكرنَا. قَوْله: (تطحنها) من الطَّحْن، وَمحله النصب على الْحَال من: شعير، قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن شَرط ذِي الْحَال أَن يكون معرفَة وَالْجُمْلَة بعد النكرَة صفة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (تطبخها) من الطَّبْخ. قَوْله: (عرقه) ، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح الْقَاف بعْدهَا هَاء الضَّمِير أَي: عرق الطَّعَام الَّذِي تطبخه الْمَرْأَة من أصُول السلق، وَقَالَ بَعضهم أَي: عرق الطَّعَام وَلَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لم يمض ذكره، وَلَفظ الطَّعَام قد ذكر فِيمَا بعده، والعرق اللَّحْم الَّذِي على الْعظم، يُقَال: عرقت الْعظم عرقا إِذا أكلت مَا عَلَيْهِ من اللَّحْم، وَالْمرَاد: أَن أصُول السلق كَانَت عوضا عَن اللَّحْم. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (غرقة) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَبعد الْقَاف هَاء تَأْنِيث بِمَعْنى: مغروقة، يَعْنِي السلق يغرق فِي المرقة لشدَّة نضجه. قَوْله: (فنلعقه) ، من: لعق يلعق من بَاب: علم يعلم، وَاخْتِيَار ثَعْلَب فِي الفصيح هَكَذَا، بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي وَفتحهَا فِي الْمُسْتَقْبل.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز السَّلَام على النسْوَة الْأَجَانِب واستحباب التَّقَرُّب بِالْخَيرِ وَلَو بالشَّيْء الحقير. وَفِيه: قناعة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَشدَّة الْعَيْش وَعدم حرصهم على الدُّنْيَا ولذاتها. وَفِيه: الْمُبَادرَة إِلَى الطَّاعَة.
٩٣٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَهْلٍ بهاذا وَقَالَ مَا كُنَّا نَقِيلُ ولَا نَتَغَدَّى إلاّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. .
عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: هُوَ القعْنبِي، وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز ابْن أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْمدنِي، مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَهُوَ ساجد. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: مَاتَ فَجْأَة يَوْم الْجُمُعَة فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور. قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي قبله، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن أَبَا غَسَّان وَعبد الْعَزِيز الْمَذْكُور اشْتَركَا فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن أبي حَازِم، وَزَاد عبد الْعَزِيز قَوْله: مَا كُنَّا نقِيل وَلَا نتغدى إلاّ بعد الْجُمُعَة. قَوْله: (نقِيل) بِفَتْح النُّون من: قَالَ يقيل قيلولة فَهُوَ قَائِل، والقيلولة: الاسْتِرَاحَة نصف النَّهَار، وَإِن لم يكن مَعهَا نوم، وَكَذَلِكَ: المقيل، وَأَصله أجوف يائي. قَوْله: (وَلَا نتغدى) بالغين الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْملَة من: الْغَدَاء، وَهُوَ الطَّعَام الَّذِي يُؤْكَل أول النَّهَار، واستدلت الْحَنَابِلَة بِهَذَا الحَدِيث لِأَحْمَد على جَوَاز صَلَاة الْجُمُعَة قبل الزَّوَال، ورد عَلَيْهِم بِمَا قَالَه ابْن بطال: بِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهِ على هَذَا، لِأَنَّهُ لَا يُسمى بعد الْجُمُعَة وَقت الْغَدَاء، بل فِيهِ أَنهم كَانُوا يتشاغلون عَن الْغَدَاء والقائلة بالتهيىء
стр. 1813
للْجُمُعَة ثمَّ بِالصَّلَاةِ ثمَّ يَنْصَرِفُونَ فيقيلون ويتغدون، فَتكون قائلتهم وغداؤهم بعد الْجُمُعَة عوضا عَمَّا فاتهم فِي وقته من أجل بكورهم، وعَلى هَذَا التَّأْوِيل جُمْهُور الْأَئِمَّة وَعَامة الْعلمَاء، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب وَقت الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس.
٤١ - (بابُ القَائِلَةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم القائلة بعد صَلَاة الْجُمُعَة، والقائلة على وزن الفاعلة بِمَعْنى: القيلولة، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
٩٤٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُقْبَةَ الشِّيبَانِيُّ قَالَ حدَّثنا أبُو إسْحَاقَ الفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنسا يقُولُ كُنَّا نُبَكِّرُ إلَى الجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ (انْظُر الحَدِيث ٩٠٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن ظَاهر الحَدِيث أَنهم كَانُوا يصلونَ الْجُمُعَة ثمَّ يقيلون.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد بن عقبَة أَبُو عبد الله الشَّيْبَانِيّ الْكُوفِي، أَخُو الْوَلِيد. الثَّانِي: أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء، المصِّيصِي بإهمال الصادين، مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: حميد بِضَم الْحَاء: ابْن أبي حميد الطَّوِيل الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته كُوفِي ومصيصي وبصري.
قَوْله: (نبكر) من التبكير وَهُوَ الْإِسْرَاع إِلَى الشَّيْء.
وَفِيه: نوم القائلة وَهُوَ مُسْتَحبّ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَحين تضعون ثيابكم من الظهيرة﴾ (النُّور: ٥٨) . أَي: من القائلة.
٩٤١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا أبُو غسَّانَ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلٍ. قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ القائِلَةُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو غَسَّان مُحَمَّد بن مطرف، وَقد مر فِي الْبَاب السَّابِق، وَكَذَلِكَ أَبُو حَازِم وَهُوَ: سَلمَة بن دِينَار. قَوْله: (ثمَّ تكون القائلة) أَي: تقع القيلولة، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر عَن قريب مُسْتَوفى.
هَذَا آخر كتاب الْجُمُعَة
١٢ - (كتاب الْخَوْف)
١ - أبْوَابُ صَلَاةِ الخَوْفِ وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمْ الذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكَافِرينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوا مُبِينا وإذَا كُنْتَ فِيهِمْ فأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ فإذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأتِ طائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وأسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفَلُونَ عنْ أسْلِحَتِكُمْ وَأمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً ولَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كانَ بِكُم أذا مِنْ مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ وخُذُوا حِذْرَكُمْ إنَّ الله أعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابا مُهِينا﴾ (النِّسَاء: ١٠١ و ١٠٢) [/ ح.
أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة الْخَوْف، كَذَا وَقع لَفْظَة أَبْوَاب بِصِيغَة الْجمع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَأبي الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة: بَاب، بِالْإِفْرَادِ، وَسقط فِي رِوَايَة البَاقِينَ. قَوْله: (وَقَول الله) بِالْجَرِّ، عطف على مَا قبله، وَثبتت الْآيَتَانِ بتمامهما إِلَى قَوْله: ﴿عذَابا مهينا﴾ فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ اقْتصر على قَوْله: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فيس عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ ثمَّ قَالَ: إِلَى قَوْله: ﴿عذَابا مهينا﴾ وَأما فِي رِوَايَة، أبي ذَر فساق الْآيَة الأولى بِتَمَامِهَا، وَمن الْآيَة الثَّانِيَة سَاق إِلَى قَوْله: ﴿مَعَك﴾ ثمَّ قالإلى قَوْله (عذبا مهينا) وَإِنَّمَا ذكر هَاتين الْآيَتَيْنِ الكريمتين فِي هَذِه التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى أَن صَلَاة الْخَوْف فِي هَيْئَة خَارِجَة عَن هيئات بَقِيَّة الصَّلَوَات، إِنَّمَا ثبتَتْ بِالْكتاب، وَأما بَيَان صورتهَا على اختلافها فبالسنة.
стр. 1814
قَوْله: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ الضَّرْب فِي الأَرْض السّفر، وَيُقَال: ضربت فِي الأَرْض إِذا سَافَرت، وَتَأْتِي هَذِه الْمَادَّة لمعان كَثِيرَة. قَوْله: ﴿جنَاح﴾ أَي: إِثْم. قَوْله: ﴿أَن تقصرُوا﴾ ظَاهره التَّخْيِير بَين الْقصر والإتمام، وَأَن الْإِتْمَام أفضل، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي، وَعَن أبي حنيفَة: الْقصر فِي السّفر عَزِيمَة غير رخصَة، لَا يجوز غَيره. وقرىء: إِن تقصرُوا، بِضَم التَّاء من: الإقصار، وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ ان تقصرُوا، بِالتَّشْدِيدِ، وَالْقصر ثَابت بِنَصّ الْكتاب فِي حَال الْخَوْف خَاصَّة. وَهُوَ قَوْله: ﴿إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ وَأما فِي حَال الْأَمْن فبالسنة، وَاحْتج الشَّافِعِي أَيْضا بِمَا رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة عَن يعلى بن أُميَّة. قَالَ: قلت لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ﴾ فقد أَمن النَّاس، قَالَ: عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ، فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: (صَدَقَة تصدق الله تَعَالَى بهَا عَلَيْكُم، فاقبلوا صدقته) . فقد علق الْقصر بِالْقبُولِ وَسَماهُ صَدَقَة والمتصدق عَلَيْهِ مُخَيّر فِي قبُول الصَّدَقَة، فَلَا يلْزمه الْقبُول حتما.
وَلنَا أَحَادِيث: مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فأقرت صَلَاة السّفر، وَزيد فِي صَلَاة الْحَضَر) . رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: (فرض الله الصَّلَاة على لِسَان نَبِيكُم فِي الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْف رَكْعَة) . رَوَاهُ مُسلم. وَمِنْهَا: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (صَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة الضُّحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة الْفطر رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة الْجُمُعَة رَكْعَتَانِ، تَمام غير قصر على لِسَان نَبِيكُم مُحَمَّد ﷺ . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْجَوَاب عَن حَدِيث يعلى بن أُميَّة أَنه دليلنا لِأَنَّهُ أَمر بِالْقبُولِ وَالْأَمر للْوُجُوب.
قَوْله: (أَن يَفْتِنكُم) ، المُرَاد من الْفِتْنَة هَهُنَا الْقِتَال والتعرض لما يكره. قَوْله: (وَإِذا كنت فيهم) تعلق بِهِ أَبُو يُوسُف وَذهب إِلَى أَن صَلَاة الْخَوْف غير مَشْرُوعَة بعد النَّبِي ﷺ ، وَبِه قَالَ الْحسن بن زِيَادَة والمزني وَإِبْرَاهِيم بن علية، فعلل الْمُزنِيّ بالنسخ فِي زمَان النَّبِي ﷺ ، حَيْثُ أَخّرهَا يَوْم الخَنْدَق، وَعلل أَبُو يُوسُف بِأَن الله شَرط كَون النَّبِي ﷺ فيهم لإقامتها، ورد مَا قَالَه الْمُزنِيّ بِمَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِي هَذَا الْبَاب بعد الخَنْدَق، وَالْخَنْدَق مقدم على الْمَشْهُور، فَكيف ينْسَخ الْمُتَأَخر؟ ذكره النَّوَوِيّ وَغَيره، ورد مَا قَالَه أَبُو يُوسُف بِأَن الصَّحَابَة فَعَلُوهَا بعده ﷺ ، وَأَن سَببهَا الْخَوْف وَهُوَ مُتَحَقق بعده، كَمَا فِي حَيَاته، ثمَّ إعلم أَن الْخَوْف لَا يُؤثر فِي نُقْصَان عدد الرَّكْعَات إلاّ عِنْد ابْن عَبَّاس وَالْحسن الْبَصْرِيّ وطاووس حَيْثُ قَالُوا: إِنَّهَا رَكْعَة، وروى مُسلم من حَدِيث مُجَاهِد، (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: فرض الله الصَّلَاة على لِسَان نَبِيكُم فِي الْحَضَر أَرْبعا وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْف رَكْعَة) . وَأخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا، وَإِلَيْهِ ذهب أَيْضا عَطاء وطاووس وَمُجاهد وَالْحكم بن عتيبة وَقَتَادَة وَإِسْحَاق وَالضَّحَّاك. وَقَالَ ابْن قدامَة: وَالَّذِي قَالَ مِنْهُم: رَكْعَة، إِنَّمَا جعلهَا عِنْد شدَّة الْقِتَال، وَرُوِيَ مثله عَن زيد بن ثَابت وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر، قَالَ جَابر: إِنَّمَا الْقصر رَكْعَة عِنْد الْقِتَال، وَقَالَ إِسْحَاق: يجْزِيك عَن الشدَّة رَكْعَة تومىء إِيمَاء فَإِن لم تقدر فسجدة وَاحِدَة، فَإِن لم تقدر فتكبيرة لِأَنَّهَا ذكر الله تَعَالَى. وَعَن الضَّحَّاك أَنه قَالَ: رَكْعَة، فَإِن لم تقدر كبر تَكْبِيرَة حَيْثُ كَانَ وَجهك،. وَقَالَ القَاضِي: لَا تَأْثِير للخوف فِي عدد الرَّكْعَات، وَهَذَا قَول أَكثر أهل الْعلم، مِنْهُم ابْن عمر وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَسَائِر أهل الْعلم من عُلَمَاء الْأَمْصَار لَا يجيزون رَكْعَة.
٩٤٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سألْتُهُ هَلْ صَلَّى النبيُّ ﷺ يَعْنِي صلَاةَ الخَوْفِ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ غَزَوْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فصَافَفْنَا لَهُمْ فقامَ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي لَنَا فقَامَتْ طائِفَةٌ مَعهُ تُصَلِّي وَأقْبَلَتْ طائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ ورَكَعَ رسولْ الله ﷺ بِمَنْ مَعَهُ وسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فجَاؤُا فرَكَعَ رسولُ الله ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً وسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وسَجدَ سَجْدتَيْنِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهَا مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الْخَوْف، والْحَدِيث فِيهِ كَذَلِك مَعَ بَيَان صفتهَا.
ذكر
стр. 1815
رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله بن عمر. الْخَامِس: أَبوهُ عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الْأَوَّلين من الروَاة حمصيان والإثنين بعدهمَا مدنيان.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْيَمَان. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن عبد ابْن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد بن عبد الْملك عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن كثير ابْن عبيد عَن بَقِيَّة عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عبد الْأَعْلَى بن وَاصل عَن يحيى بن آدم عَن سُفْيَان عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عمر قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن جَابر وَحُذَيْفَة وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود سهل ابْن أبي حثْمَة وَأبي عَيَّاش الزرقي، واسْمه زيد بن صَامت وَأبي بكرَة. قلت: وَفِيه أَيْضا عَن على وَعَائِشَة وخوات بن جُبَير وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. فَحَدِيث جَابر عِنْد مُسلم مَوْصُولا، وَعند البُخَارِيّ مُعَلّقا فِي الْمَغَازِي. وَحَدِيث حُذَيْفَة عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَحَدِيث زيد بن ثَابت عِنْد النَّسَائِيّ. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة. وَحَدِيث ابْن مَسْعُود عِنْد أبي دَاوُد. وَحَدِيث سهل بن أبي حثْمَة عِنْد التِّرْمِذِيّ. وَحَدِيث أبي عَيَّاش عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَحَدِيث أبي بكرَة عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَحَدِيث عَليّ عِنْد الْبَزَّار. وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد أبي دَاوُد. وَحَدِيث خَوات بن جُبَير عِنْد ابْن مَنْدَه فِي (معرفَة الصَّحَابَة) وَحَدِيث أَبُو مُوسَى عِنْد ابْن الْبر فِي (التَّمْهِيد) [/ ح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلته) السَّائِل هُوَ: شُعَيْب، أَي: سَأَلت الزُّهْرِيّ. قَوْله: (هَل صلى النَّبِي ﷺ ؟) وَفِي رِوَايَة السراج: عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن أبي الْيَمَان شيخ البُخَارِيّ: (سَأَلته هَل صلى رَسُول الله ﷺ صَلَاة الْخَوْف وَكَيف صلاهَا إِن كَانَ صلاهَا؟ قَوْله: (قبل نجد) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء، أَي: جِهَة نجد، والنجد كل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَهَذِه الْغَزْوَة هِيَ غَزْوَة ذَات الرّقاع. وَقَالَ ابْن أسْحَاق: أَقَامَ رَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد غَزْوَة بني النَّضِير شَهْري ربيع وَبَعض جُمَادَى، ثمَّ غزا نجدا يُرِيد بني محَارب وَبني ثَعْلَبَة من غطفان، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال: عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَسَار حَتَّى نزل نجدا وَهِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، قلت: ذكرهَا فِي السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة، وَكَانَت فِيهَا غَزْوَة بني النَّضِير أَيْضا، وَهِي الَّتِي أنزل الله تَعَالَى فِيهَا سُورَة الْحَشْر، وَحكى البُخَارِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة أَنه قَالَ: كَانَت غَزْوَة بني النَّضِير أَيْضا بعد بدر بِسِتَّة أشهر قبل أحد، وَكَانَت غَزْوَة أحد فِي شَوَّال سنة ثَلَاث.
وَاخْتلفُوا فِي أَي سنة نزل بَيَان صَلَاة الْخَوْف؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: إِن أول مَا صليت فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، قَالَه مُحَمَّد بن سعد وَغَيره. وَاخْتلف أهل السّير فِي أَي سنة كَانَت؟ فَقيل: سنة أَربع، وَقيل: سنة خمس، وَقيل: سنة سِتّ، وَقيل: سنة سبع، فَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق كَانَت أول مَا صليت قبل بدر الْموعد، وَذكر ابْن إِسْحَاق وَابْن عبد الْبر أَن بدر الْموعد كَانَت فِي شعْبَان من سنة أَربع. وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: وَكَانَت ذَات الرّقاع فِي جمادي الأولى، وَكَذَا قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر: إِنَّهَا فِي جُمَادَى الأولى سنة أَربع. فَإِن قلت: قَالَ الْغَزالِيّ فِي (الْوَسِيط) وَتَبعهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيّ: إِن غَزْوَة ذَات الرّقاع آخر الْغَزَوَات. قلت: هَذَا غير صَحِيح، وَقد أنكر عَلَيْهِ ابْن الصّلاح فِي (مُشكل الْوَسِيط) وَقَالَ: لَيست آخرهَا وَلَا من أواخرها، وَإِنَّمَا آخر غَزَوَاته: تَبُوك، وَهُوَ كَمَا ذكره أهل السّير، وَإِن أَرَادَ أَنَّهَا آخر غزَاة صلى فِيهَا صَلَاة الْخَوْف فَلَيْسَ بِصَحِيح أَيْضا، فقد صلى مَعَه صَلَاة الْخَوْف أَبُو بكرَة، وَإِنَّمَا نزل إِلَى النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة الطَّائِف، تدلى ببكرة فكنى بهَا، وَلَيْسَ بعد غَزْوَة الطَّائِف إلاّ غَزْوَة تَبُوك، وَلِهَذَا قَالَ ابْن حزم: إِن صفة صَلَاة الْخَوْف فِي حَدِيث أبي بكرَة أفضل صَلَاة الْخَوْف، لِأَنَّهَا آخر فعل رَسُول الله ﷺ لَهَا.
قَوْله: (فوازينا الْعَدو) أَي: قابلنا من الموازاة، وَهِي الْمُقَابلَة والمحاذاة وَأَصله من الإزاء: بِالْهَمْزَةِ، فِي أَوله يُقَال: هُوَ بإزائه: أَي: بحذائه، وَقد آزيته إِذا حاذيته. وَلَا تقل: وازيته، قَالَه الْجَوْهَرِي. قلت: فعلى هَذَا أصل. قَوْله: (فوازينا) أَي: فآزينا
стр. 1816
قلبت الْهمزَة واوا كَمَا أَن الوار تقلب همزَة فِي مَوَاضِع مِنْهَا: أواقي أَصله وواقي. قَوْله: (فصاففناهم) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: (فصاففنا لَهُم) ، ويروى: (فصففناهم) . قَوْله: (يُصَلِّي لنا) ، أَي: لأجلنا أَو يُصَلِّي بِنَا. قَوْله: (رَكْعَة وسجدتين) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ: مثل نصف صَلَاة الصُّبْح، وَهَذِه الزِّيَادَة تدل على أَن الصَّلَاة الْمَذْكُورَة كَانَت غير الصُّبْح: فَتكون ربَاعِية، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَا يدل على أَنَّهَا كَانَت صَلَاة الْعَصْر، وَصرح فِي رِوَايَة مُسلم فِي حَدِيث جَابر بالعصر، وَفِي حَدِيث أبي بكرَة بِالظّهْرِ. قَوْله: (ثمَّ انصرفوا مَكَان الطَّائِفَة الَّتِي لم تصل) أَي: فَقَامُوا فِي مكانهم، وَصرح فِيهِ فِي رِوَايَة بَقِيَّة عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن النَّسَائِيّ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: هَذَا الحَدِيث حجَّة لِأَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّة فِي صَلَاة الْخَوْف، وَحَدِيث ابْن مَسْعُود أَيْضا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عمرَان بن ميسرَة حَدثنَا ابْن فُضَيْل حَدثنَا خصيف عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ (صلى رَسُول الله ﷺ صَلَاة الْخَوْف فَقَامُوا صفا خلف رَسُول الله ﷺ وصف مُسْتَقْبل الْعَدو، فصلى بهم النَّبِي ﷺ رَكْعَة ثمَّ جَاءَ الْآخرُونَ فَقَامُوا مقامهم فَاسْتقْبل هَؤُلَاءِ الْعَدو فصلى بهم النَّبِي ﷺ رَكْعَة ثمَّ سلم فَقَامَ هَؤُلَاءِ فصلوا الأنفسهم رَكْعَة ثمَّ ذَهَبُوا فَقَامُوا مقَام أُولَئِكَ مستقبلي الْعَدو، وَرجع أُولَئِكَ إِلَى مقامهم فصلوا لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَة ثمَّ سلمُوا) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَقَالَ: أَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه، وخصيف لَيْسَ بِالْقَوِيّ. قلت: أَبُو عُبَيْدَة أخرج لَهُ البُخَارِيّ محتجا بِهِ فِي غير مَوضِع، وروى لَهُ مُسلم، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَوْم مَاتَ أَبوهُ ابْن سبع سِنِين مُمَيّزا، وَابْن سبع سِنِين يحْتَمل السماع وَالْحِفْظ، وَلِهَذَا يُؤمر الصَّبِي ابْن سبع سِنِين بِالصَّلَاةِ تخلقا وتأدبا، وخصيف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة وَالْعجلِي وَابْن معِين وَابْن سعد، وَقَالَ النَّسَائِيّ: صَالح، وَجعل الْمَازرِيّ حَدِيث ابْن عمر قَول الشَّافِعِي وَأَشْهَب، وَحَدِيث جَابر قَول أبي حنيفَة، وَهُوَ سَهْو فيهمَا، بل أَخذ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأَشْهَب بِرِوَايَة ابْن عمر، وَالشَّافِعِيّ بِرِوَايَة سهل بن أبي حثْمَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلَو فعل مثل رِوَايَة ابْن عمر فَفِي صِحَّته قَولَانِ، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور صِحَّته. قَالَ: وَقَول الْغَزالِيّ قَالَه بعض أَصْحَابنَا، بعيد وَغلط فِي شَيْئَيْنِ أَحدهمَا: نسبته إِلَى بعض الْأَصْحَاب، بل نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي (الْجَدِيد) وَفِي (الرسَالَة) وَفِي الثَّانِي: تَضْعِيفه انْتهى. قلت: هم يَقُولُونَ: قَالَ الشَّافِعِي: إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي، وَأي شَيْء يكون أصح من حَدِيث ابْن عمر وَقد خرجته الْجَمَاعَة؟ وَقَالَ الْقَدُورِيّ فِي (شرح مُخْتَصر الْكَرْخِي) وَأَبُو نصر الْبَغْدَادِيّ فِي (شرح مُخْتَصر الْقَدُورِيّ) : الْكل جَائِز، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الأولى.
فَائِدَة: قَالَ الْخطابِيّ: صَلَاة الْخَوْف أَنْوَاع صلاهَا النَّبِي ﷺ فِي أَيَّام مُخْتَلفَة وأشكال متباينة يتحَرَّى فِي كلهَا مَا هُوَ أحوط للصَّلَاة وأبلغ فِي الخراسة، فَهِيَ على اخْتِلَاف صورها متفقة الْمَعْنى. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) : رُوِيَ فِي صَلَاة الْخَوْف عَن النَّبِي ﷺ وُجُوه كَثِيرَة فَذكر مِنْهَا سِتَّة أوجه: الأول: مَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث ابْن عمر، قَالَ بِهِ من الْأَئِمَّة الْأَوْزَاعِيّ وَأَشْهَب. قلت: قَالَ بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على مَا ذكرنَا. الثَّانِي: حَدِيث صَالح بن خَوات عَن سهل بن أبي حثْمَة، قَالَ بِهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر. الثَّالِث: حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إلاّ أَبَا يُوسُف. الرَّابِع: حَدِيث أبي عَيَّاش الزرقي، قَالَ بِهِ ابْن أبي ليلى وَالثَّوْري. الْخَامِس: حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ بِهِ الثَّوْريّ فِي (مجيزه) وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: حُذَيْفَة وَابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت وَجَابِر بن عبد الله. السَّادِس: حَدِيث أبي بكرَة أَنه صلى بِكُل طَائِفَة رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يُفْتِي بِهِ، وَقد حكى الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي: أَنه لَو صلى فِي الْخَوْف بطَائفَة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم فصلى بالطائفة الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم كَانَ جَائِزا. قَالَ: وَهَكَذَا صلى النَّبِي ﷺ بِبَطن نخل، قَالَ ابْن عبد الْبر: وَرُوِيَ أَن صلَاته هَكَذَا كَانَت يَوْم ذَات الرّقاع، وَذكر أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) لصَلَاة الْخَوْف ثَمَانِيَة صور، وَذكرهَا ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) تِسْعَة أَنْوَاع، وَذكر القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) لصَلَاة الْخَوْف ثَلَاثَة عشر وَجها، وَذكر الثَّوْريّ أَنَّهَا تبلغ سِتَّة عشر وَجها، وَلم يبين شَيْئا من ذَلِك. وَقَالَ شَيخنَا الْحَافِظ زين الدّين فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : قد جمعت طرق الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي صَلَاة الْخَوْف فبلغت سَبْعَة عشر وَجها، وبيّنها، لَكِن يُمكن التَّدَاخُل فِي بَعْضهَا. وَحكى ابْن الْقصار الْمَالِكِي: أَن
стр. 1817
النَّبِي ﷺ صلاهَا عشر مَرَّات، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: صلاهَا أَرْبعا وَعشْرين مرّة وبيّن القَاضِي عِيَاض تِلْكَ المواطن، فَقَالَ: وَفِي حَدِيث ابْن أبي حثْمَة وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر أَنه صلاهَا فِي يَوْم ذَات الرّقاع سنة خمس من الْهِجْرَة، وَفِي حَدِيث أبي عَيَّاش الزرقي أَنه صلاهَا بعسفان وَيَوْم بني سليم، وَفِي حَدِيث جَابر فِي غزَاة جُهَيْنَة وَفِي غزَاة بني محَارب بِنَخْل، وروى أَنه صلاهَا فِي غَزْوَة نجد يَوْم ذَات الرّقاع، وَهِي غَزْوَة نجد وغزوة غطفان. وَقَالَ الْحَاكِم فِي (الإكليل) حِين ذكر غَزْوَة ذَات الرّقاع: وَقد تسمى هَذِه الْغَزْوَة غَزْوَة محَارب، وَيُقَال: غَزْوَة خصفة، وَيُقَال: غَزْوَة ثَعْلَبَة، وَيُقَال: غطفان، وَالَّذِي صَحَّ أَنه صلى بهَا صَلَاة الْخَوْف من الْغَزَوَات: ذَات الرّقاع وَذُو قرد وَعُسْفَان وغزوة الطَّائِف، وَلَيْسَ بعد غَزْوَة الطَّائِف إلاّ تَبُوك وَلَيْسَ فِيهَا لِقَاء الْعَدو، وَالظَّاهِر أَن غَزْوَة نجد مَرَّتَانِ، وَالَّذِي شَهِدَهَا أَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَة هِيَ غَزْوَة نجد الثَّانِيَة لصِحَّة حديثيهما فِي شهودها.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من حَدِيث الْبَاب من قَوْله: (طَائِفَة) أَنه لَا فرق بَين أَن تكون إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَكثر من الْأُخْرَى عددا أَو تساوى عددهما، لِأَن الطَّائِفَة تطلق على الْقَلِيل وَالْكثير حَتَّى على الْوَاحِد، فَلَو كَانُوا ثَلَاثَة وَوَقع عَلَيْهِم الْخَوْف جَازَ لأَحَدهم أَن يُصَلِّي بِوَاحِد ويحرس وَاحِد، ثمَّ يُصَلِّي الآخر، وَهُوَ أقل مَا يتَصَوَّر فِي صَلَاة الْخَوْف جمَاعَة، على القَوْل: بِأَن أقل الْجَمَاعَة ثَلَاثَة، لَكِن الشَّافِعِي قَالَ: أكره أَن تكون كل طَائِفَة أقل من ثَلَاثَة، لِأَنَّهُ أعَاد عَلَيْهِم ضمير الْجمع بقوله: (أسلحتهم) ، ذكره النَّوَوِيّ.
وَمن ذَلِك أَنهم كَانُوا مسافرين، فَلَو كَانُوا مقيمين فحكمهم حكم الْمُسَافِرين عِنْد الْخَوْف، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَعنهُ: لَا تجوز صَلَاة الْخَوْف فِي الْحَضَر. وَقَالَ أَصْحَابه: تجوز خلافًا لِابْنِ الْمَاجشون، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تجوز، وَنقل النَّوَوِيّ عَن مَالك عدم الْجَوَاز فِي الْحَضَر على الْإِطْلَاق غير صَحِيح، لِأَن الْمَشْهُور عَنهُ الْجَوَاز.
٢ - (بابُ صَلَاةِ الخَوْفِ رِجَالاً ورُكْبَانا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة الْخَوْف حَال كَون الْمُصَلِّين رجَالًا وركبانا، فالرجال جمع: راجل، والركبان جمع: رَاكب، وَذَلِكَ عِنْد الِاخْتِلَاط وَشدَّة الْخَوْف، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الصَّلَاة لَا تسْقط عِنْد الْعَجز عَن النُّزُول عَن الدَّابَّة فَإِنَّهُم يصلونَ ركبانا فُرَادَى يومئون بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود إِلَى أَي جِهَة شاؤا. وَفِي (الذَّخِيرَة) : إِذا اشْتَدَّ الْخَوْف صلوا رجَالًا قيَاما على أَقْدَامهم أَو ركبانا مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) : لَا يجوز ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِيهَا عِنْد أبي حنيفَة وَهَذَا غير صَحِيح، وَلَا تجوز بِجَمَاعَة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَابْن أبي لَيْلَة، وَعَن مُحَمَّد: تجوز، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَإِذا لم يقدروا على الصَّلَاة على مَا وَصفنَا أخروها وَلَا يصلونَ صَلَاة غير مَشْرُوعَة، وَعَن مُجَاهِد وطاووس وَالْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك: يصلونَ رَكْعَة وَاحِدَة لَا بإيماء، وَعَن الضَّحَّاك: فَإِن لم يقدروا يكبرُونَ تكبيرتين حَيْثُ كَانَت وُجُوههم، وَقَالَ إِسْحَاق: إِن لم يقدروا على الرَّكْعَة فسجدة وَاحِدَة، وإلاّ فتكبيرة وَاحِدَة.
رَاجِلٌ قائِمٌ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن رجَالًا فِي التَّرْجَمَة جمع: راجل، لَا جمع: رجل. وَالثَّانِي: أَن الراجل بِمَعْنى الْمَاشِي، كَمَا فِي سُورَة الْحَج ﴿يأتوك رجَالًا﴾ (الْحَج: ٢٧) .
٩٤٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيى بنِ سعِيدٍ القُرَشِيُّ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ نَحْوا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إذَا اخْتَلَطُوا قِياما. وزَادَ ابنُ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ فَلْيُصلُّوا قِياما ورُكْبَانا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن الْعَاصِ الْقرشِي، يكنى أَبَا عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ فِي النّصْف من ذِي الْقعدَة سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبوهُ يحيى بن سعيد الْمَذْكُور، قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنِي سعيد بن يحيى أَنه قَالَ: مَاتَ أبي فِي النّصْف من شعْبَان سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، مولى الزبير بن الْعَوام، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد بن عمر السابعمجاهد بن جُبَير.
стр. 1818
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَهِي قَوْله: حَدثنِي أبي، ويروى بِصِيغَة الْجمع أَيْضا. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بغدادي وَأَبوهُ كُوفِي وَابْن جريج وَمُجاهد مكيان ومُوسَى وَنَافِع مدنيان. وَفِيه: أَن أحد الروَاة مَنْسُوب إِلَى جده.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَالنَّسَائِيّ عَن عبد الْأَعْلَى بن وَاصل، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن آدم عَن سُفْيَان عَن مُوسَى بن عقبَة، فَذكر صَلَاة الْخَوْف نَحْو سِيَاق الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ ابْن عمر، فَإِذا كَانَ الْخَوْف أَكثر من ذَلِك فَليصل رَاكِبًا أَو قَائِما يومىء إِيمَاء، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن عَن مُوسَى بن عقبَة مَوْقُوفا، كُله، لَكِن قَالَ فِي آخِره: وَأخْبرنَا نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ يخبر بِهَذَا عَن النَّبِي ﷺ ، فَاقْتضى ذَلِك رَفعه كُله، وَرَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع كَذَلِك، لَكِن قَالَ فِي آخِره: قَالَ نَافِع: لَا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذَلِك إلاّ عَن النَّبِي ﷺ ، وَزَاد فِي آخِره: مستقبلي الْقبْلَة أَو غير مستقبليها.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن نَافِع عَن ابْن عمر نَحوا من قَول مُجَاهِد) أَي: روى نَافِع عَن ابْن عمر مثل قَول مُجَاهِد، وَقَول مُجَاهِد هُوَ قَوْله: إِذا اختلطوا، بيّن ذَلِك الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن مُحَمَّد عَن ابْن جريج عَن عبد الله بن كثير عَن مُجَاهِد: إِذا اختلطوا فَإِنَّمَا الأشارة بِالرَّأْسِ هُوَ الذّكر، وَإِشَارَة الرَّأْس، وكل وَاحِد من قَول ابْن عمر وَقَول مُجَاهِد مَوْقُوف، أما رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر فَإِنَّهَا مَوْقُوفَة على ابْن عمر، وَأما قَول مُجَاهِد فَإِنَّهُ مَوْقُوف على نَفسه، لِأَنَّهُ لم يروه عَن ابْن عمر، وَلَا عَن غَيره، وَقَالَ ابْن بطال: أما صَلَاة الْخَوْف رجَالًا وركبانا فَلَا تكون إلاّ إِذا اشْتَدَّ الْخَوْف واختلطوا فِي الْقِتَال، وَهَذِه الصَّلَاة تسمى: بِصَلَاة المسايفة، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك ابْن عمر، وَإِن كَانَ خوفًا شَدِيدا صلوا قيَاما على أَقْدَامهم أَو ركبانا مستقبلي الْقبْلَة أَو غير مستقبليها، وَهُوَ قَول مُجَاهِد: روى ابْن جريج عَن مُجَاهِد قَالَ: إِذا اختلطوا فَإِنَّمَا هُوَ الذّكر وَالْإِشَارَة بِالرَّأْسِ، فمذهب مُجَاهِد أَنه يجْزِيه الأيماء عِنْد شدَّة الْقِتَال كمذهب ابْن عمر، وَقَول البُخَارِيّ: وَزَاد ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ : (وَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فليصلوا قيَاما وركبانا) أَرَادَ بِهِ أَن ابْن عمر رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ من رَأْيه، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْند، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام، وَلَيْسَ أحد من الشُّرَّاح غير ابْن بطال أعْطى لهَذَا الحَدِيث حَقه. قَوْله: (إِذا اختلطوا قيَاما) أَي: قَائِمين، وانتصابه على الْحَال، وَذُو الْحَال مَحْذُوف تَقْدِيره: يصلونَ قيَاما، وَالْمرَاد من الِاخْتِلَاط: اخْتِلَاط الْمُسلمين بالعدو. قَوْله: (وَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك) أَي: وَإِن كَانَ الْعَدو أَكثر عِنْد اشتداد الْخَوْف. وَقَوله: (من ذَلِك) أَي: من الْخَوْف الَّذِي لَا يُمكن مَعَه الْقيام فِي مَوضِع وَلَا إِقَامَة صف فليصلوا حِينَئِذٍ قيَاما وركبانا. وانتصابهما على الْحَال، وَمعنى: ركبانا أَي: على رواحلهم، لِأَن فرض النُّزُول سقط. وَقَالَ الطخاوي: ذهب قوم إِلَى أَن الرَّاكِب لَا يُصَلِّي الْفَرِيضَة على دَابَّته وَإِن كَانَ فِي حَال لَا يُمكنهُ فِيهَا النُّزُول، لِأَن النَّبِي ﷺ لم يصل يَوْم الخَنْدَق رَاكِبًا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن حُذَيْفَة قَالَ: (سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول يَوْم الخَنْدَق: شغلونا عَن صَلَاة الْعَصْر، قَالَ: وَلم يصلها يَوْمئِذٍ حَتَّى غربت الشَّمْس، مَلأ الله قُبُورهم نَارا وَقُلُوبهمْ نَارا وَبُيُوتهمْ نَارا) . هَذَا لفظ الطَّحَاوِيّ. قلت: وَأَرَادَ الطَّحَاوِيّ بالقوم: ابْن أبي ليلى وَالْحكم بن عتيبة وَالْحسن بن حَيّ، وَقَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، وَأَرَادَ بهم: الثَّوْريّ وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا وَزفر ومالكا وَأحمد، فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن كَانَ الرَّاكِب فِي الْحَرْب يُقَاتل لَا يُصَلِّي وَإِن كَانَ رَاكِبًا لَا يُقَاتل وَلَا يُمكنهُ النُّزُول يُصَلِّي، وَعند الشَّافِعِي: يجوز لَهُ أَن يُقَاتل وَهُوَ يُصَلِّي من غير تتَابع الضربات والطعنات، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ لم يصل يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر حِينَئِذٍ أَن يُصَلِّي رَاكِبًا، دلّ على ذَلِك حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ: حبسنا يَوْم الخَنْدَق حَتَّى كَانَ بعد الْمغرب بهوي من اللَّيْل حَتَّى كفينا، وَذَلِكَ قَول الله : ﴿وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ الله قَوِيا عَزِيزًا﴾ (الْأَحْزَاب: ٢٥) . قَالَ: فَدَعَا رَسُول الله ﷺ بِلَالًا فَأَقَامَ الظّهْر فَأحْسن صلَاتهَا كَمَا كَانَ يُصليهَا فِي وَقتهَا، ثمَّ أمره فَأَقَامَ الْعَصْر فَصلاهَا كَذَلِك، ثمَّ أمره فَأَقَامَ الْمغرب فَصلاهَا كَذَلِك، وَذَلِكَ قبل أَن ينزل الله فِي صَلَاة الْخَوْف: ﴿فرجالاً أَو ركبانا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٩) . فَأخْبر أَبُو سعيد أَن تَركهم للصَّلَاة يَوْمئِذٍ ركبانا إِنَّمَا كَانَ قبل أَن يُبَاح لَهُم ذَلِك، ثمَّ أُبِيح لَهُم بِهَذِهِ الْآيَة.
стр. 1819
٣ - (بابٌ يحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضا فِي صَلاةِ الخَوْفِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يحرس بعض الْمُصَلِّين بَعْضًا فِي صَلَاة الْخَوْف. قَالَ ابْن بطال: وَمحل هَذِه الصُّورَة إِذا كَانَ الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة فَلَا يفترقون بِخِلَاف الصُّورَة الْمَاضِيَة فِي حَدِيث ابْن عمر، قَالَ الطَّحَاوِيّ: لَيْسَ بِخِلَاف الْقُرْآن لجَوَاز إِن يكون قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتأت طَائِفَة أُخْرَى﴾ (النِّسَاء: ١٠٢) . إِذا كَانَ الْعَدو فِي غير الْقبْلَة، وَذَلِكَ ببيانه، ﷺ ، ثمَّ بيّن كَيْفيَّة الصَّلَاة إِذا كَانَ الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة.
٦٧ - (حَدثنَا حَيْوَة بن شُرَيْح قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن حَرْب عَن الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَامَ النَّبِي ﷺ َ - وَقَامَ النَّاس مَعَه فَكبر وَكَبرُوا مَعَه وَركع وَركع نَاس مِنْهُم ثمَّ سجد وسجدوا مَعَه ثمَّ قَامَ للثَّانِيَة فَقَامَ الَّذين سجدوا وحرسوا إخْوَانهمْ وَأَتَتْ الطَّائِفَة الْأُخْرَى فركعوا وسجدوا مَعَ وَالنَّاس كلهم فِي صَلَاة وَلَكِن يحرس بَعضهم بَعْضًا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " حرسوا إخْوَانهمْ ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول حَيْوَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره هَاء ابْن شُرَيْح بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة أَبُو الْعَبَّاس الْحِمصِي الْحَضْرَمِيّ وَهُوَ حَيْوَة الْأَصْغَر مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي مُحَمَّد بن حَرْب ضد الصُّلْح الْخَولَانِيّ الْحِمصِي الْمَعْرُوف بالأبرش مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث مُحَمَّد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ يكنى أَبَا الْهُذيْل الشَّامي الْحِمصِي والزبيدي بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الدَّال الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى زبيد وَهُوَ مُنَبّه بن صَعب وَهَذَا هُوَ زبيد الْأَكْبَر. الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس عبيد الله بِضَم الْعين ابْن عبد الله بِالتَّكْبِيرِ ابْن عتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مَسْعُود الهزلي أَبُو عبد الله الْمدنِي الْفَقِيه الْأَعْمَى أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين. السَّادِس عبد الله بن عَبَّاس (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه عَن الزبيدِيّ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدثنَا الزبيدِيّ وَفِيه أَن الثَّلَاثَة الأول من الروَاة حمصيون والاثنان بعدهمْ مدنيان وَفِيه الِاثْنَان مِنْهُم مذكوران بِالنِّسْبَةِ وَفِيه أحدهم اسْمه مصغر. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن مُحَمَّد بن حَرْب عَن الزبيدِيّ عَنهُ بِهِ. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " وَركع نَاس مِنْهُم " زَاد الْكشميهني " مَعَه " قَوْله " ثمَّ قَامَ للثَّانِيَة " أَي للركعة الثَّانِيَة وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي " ثمَّ قَامَ إِلَى الرَّكْعَة الثَّانِيَة فَتَأَخر الَّذين سجدوا مَعَه " قَوْله " وَأَتَتْ الطَّائِفَة الْأُخْرَى " أَي الَّذين لم يركعوا وَلم يسجدوا مَعَه فِي الرَّكْعَة الأولى قَوْله " فركعوا وسجدوا " وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي " فركعوا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - " قَوْله " كلهم فِي صَلَاة " زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ " يكبرُونَ " وَلم يَقع فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ هَذِه هَل أكملوا الرَّكْعَة الثَّانِيَة أم لَا وَقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي بكر بن أبي الجهم عَن شَيْخه عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة فَزَاد فِي آخِره وَلم يقضوا وَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي اقتصارهم على كل رَكْعَة رَكْعَة (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) هَذَا الحَدِيث فِي صُورَة مَا إِذا كَانَ الْعَدو بَينه وَبَين الْقبْلَة فيصف النَّاس صفّين فيركع بالصف الَّذِي يَلِيهِ وَيسْجد مَعَه والصف الثَّانِي قَائِم يحرس فَإِذا قَامَ من سُجُوده إِلَى الرَّكْعَة الثَّانِيَة تقدم الصَّفّ الثَّانِي وَتَأَخر الأول فَرَكَعَ ﷺ َ - بهم وأكمل الرَّكْعَة وهم كلهم فِي صَلَاة وَقد رُوِيَ الحَدِيث من طَرِيق آخر " عَن ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ َ - صلى بهم صَلَاة الْخَوْف بِذِي قرد وَالْمُشْرِكُونَ بَينه وَبَين الْقبْلَة " وَقد روى نَحوه أَبُو عَيَّاش الزرقي وَجَابِر بن عبد الله مَرْفُوعا وَبِه قَالَ ابْن
стр. 1820
عَبَّاس إِذا كَانَ الْعَدو فِي الْقبْلَة أَن يُصَلِّي على هَذِه الصّفة وَهُوَ مَذْهَب ابْن أبي ليلى وَحكى ابْن الْقصار عَن الشَّافِعِي نَحوه وَقَالَ الطَّحَاوِيّ ذهب أَبُو يُوسُف إِلَى أَن الْعَدو إِذا كَانَ فِي الْقبْلَة فَالصَّلَاة هَكَذَا وَإِذا فِي غَيرهَا فَالصَّلَاة كَمَا روى ابْن عمر وَغَيره قَالَ وَبِهَذَا تتفق الْأَحَادِيث قَالَ وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَاف التَّنْزِيل لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون قَوْله (ولتأت طَائِفَة أُخْرَى لم يصلوا فليصلوا مَعَك) إِذا كَانَ الْعَدو فِي غير الْقبْلَة ثمَّ أُوحِي إِلَيْهِ بعد ذَلِك كَيفَ حكم الصَّلَاة إِذا كَانُوا فِي الْقبْلَة فَفعل الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا كَمَا جَاءَ الخبران وَترك مَالك وَأَبُو حنيفَة الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث لمُخَالفَته لِلْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله ﴿ولتأت طَائِفَة أُخْرَى﴾ الْآيَة وَالْقُرْآن يدل على مَا جَاءَت بِهِ الرِّوَايَات فِي صَلَاة الْخَوْف عَن ابْن عمر وَغَيره من دُخُول الطَّائِفَة الثَّانِيَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَلم يَكُونُوا صلوا قبل ذَلِك وَقَالَ أَشهب وَسَحْنُون إِذا كَانَ الْعَدو فِي الْقبْلَة لَا أحب أَن يصلى بالجيش أجمع لِأَنَّهُ يتَعَرَّض أَن يفتنه الْعَدو ويشغلوه وَيصلى بطائفتين شبه صَلَاة الْخَوْف وَالله تَعَالَى أعلم -
٤ - (بابُ الصَّلاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة عِنْد مناهضة الْحُصُون. يُقَال: ناهضته أَي: قاومته، وتناهض الْقَوْم فِي الْحَرْب: إِذا نَهَضَ كل فريق إِلَى صَاحبه، وثلاثيه من بَاب: فعل يفعل بِالْفَتْح فيهم، يُقَال: نَهَضَ ينْهض نهضا ونهوضا ونهوا أَي: قَامَ، وأنهضته أَنا فانتهض واستنهضته لأمر كَذَا، إِذا أَمرته بالنهوض. والحصون جمع: حصن، بِكَسْر الْحَاء، وَقد فسر الْجَوْهَرِي: القلعة بالحصن، حَيْثُ قَالَ: القلعة الْحصن على الْجَبَل، وَالظَّاهِر أَن بَينهمَا فرق بِاعْتِبَار الْعرف، فَإِن القلعة تكون أكبر من الْحصن، وَتَكون على الْجَبَل والسهل، والحصن غَالِبا يكون على الْجَبَل وألطف من القلعة. وأصل معنى الْحصن: الْمَنْع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يمْنَع من فِيهِ مِمَّن يَقْصِدهُ. قَوْله: (ولقاء الْعَدو) أَي: وَالصَّلَاة عِنْد لِقَاء الْعَدو، واللقاء: الملاقاة، وَهَذَا الْعَطف من عطف الْعَام على الْخَاص.
وَقَالَ الأوْزَاعِيُّ إنْ كانَ تَهَيَّأ الفَتْحَ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صلَّوْا إيمَاءً كْلُّ امْرِىءٍ لِنَفْسِهِ فإنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإيمَاءِ أخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أوْ يأمَنُوا فَيُصَلُّوًّ رَكْعَتَيْنِ فإنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلُّوْا رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَلَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ ويُؤَخِّرُوها حَتَّى يَأْمَنُوا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَذْهَب عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ أَنه إِن كَانَ تهَيَّأ الْفَتْح، أَي: تمكن فتح الْحصن. وَالْحَال أَنهم لم يقدروا على الصَّلَاة، أَي: على إِتْمَامهَا أفعالاً وأركانا. وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: إِن كَانَ بهَا الْفَتْح، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وهاء الضَّمِير، قيل: إِنَّه تَصْحِيف. قَوْله: (صلوا إِيمَاء) أَي: صلوا مومئين إِيمَاء. قَوْله: (كل امرىء لنَفسِهِ) أَي: كل شخص يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ مُنْفَردا بِدُونِ الْجَمَاعَة. قَوْله: (لنَفسِهِ) أَي: لأجل نَفسه دون غَيره بِأَن لَا يكون أماما لغيره. قَوْله: (فَإِن لم يقدروا على الْإِيمَاء) أَي: بِسَبَب اشْتِغَال الْقلب والجوارح، لِأَن الْحَرْب إِذا اشْتَدَّ غَايَة الاشتداد لَا يبْقى قلب الْمقَاتل وجوارحه إلاّ عِنْد الْقِتَال، ويتعذر عَلَيْهِ الْإِيمَاء. وَقيل: يحْتَمل أَن الْأَوْزَاعِيّ كَانَ يرى اسْتِقْبَال الْقبْلَة شرطا فِي الْإِيمَاء، فيعجز عَن الْإِيمَاء إِلَى جِهَة الْقبْلَة. فَإِن قلت: كَيفَ يتَعَذَّر الْإِيمَاء مَعَ حُصُول الْعقل؟ قلت: عِنْد وُقُوع الدهشة يُغلب الْعقل فَلَا يعْمل عمله. قَوْله: (أَو يأمنوا) اسْتشْكل فِيهِ ابْن رشيد بِأَنَّهُ جعل الْأَمْن قسيم الانكشاف، وَبِه يحصل الْأَمْن فَكيف يكون قسيمه؟ وَأجَاب الْكرْمَانِي عَن هَذَا فَقَالَ: قد ينْكَشف وَلَا يحصل الْأَمْن لخوف المعاودة، وَقد يَأْمَن لزِيَادَة الْقُوَّة وإيصال المدد مثلا، وَلم يكن منكشفا بعد. قَوْله: (فَإِن لم يقدروا) يَعْنِي: على صَلَاة رَكْعَتَيْنِ صلوا رَكْعَة وسجدتين، فَإِن لم يقدروا على صَلَاة رَكْعَة وسجدتين يؤخرون الصَّلَاة، فَلَا يجزيهم التَّكْبِير. وَقَالَ الثَّوْريّ: يجزيهم التَّكْبِير، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَطاء وَسَعِيد بن جُبَير وَأبي البخْترِي فِي آخَرين، قَالُوا: إِذا التقى الزحفان وَحَضَرت الصَّلَاة فَقَالُوا: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إلاّ الله وَالله أكبر، فَتلك صلَاتهم بِلَا إِعَادَة. وَعَن مُجَاهِد وَالْحكم: إِذا كَانَ عِنْد الطراد والمسايفة يجزىء أَن تكون صَلَاة الرجل تَكْبِيرا، فَإِن لم يُمكن إلاّ تَكْبِيرَة أَجْزَأته ايْنَ كَانَ وَجهه. وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: تجزىء عِنْد المسايفة رَكْعَة وَاحِدَة يومىء بهَا إِيمَاء فَإِن لم يقدر فسجدة، فَإِن لم يقدر فتكبيرة. قَوْله: (حَتَّى يأمنوا) أَي: حَتَّى يحصل لَهُم الْأَمْن التَّام، وَحجَّة الْأَوْزَاعِيّ فِيمَا قَالَه حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى
стр. 1821
عَنهُ: إِن لم يقدر على الْإِيمَاء أخر الصَّلَاة حَتَّى يُصليهَا كَامِلَة، وَلَا يجزىء عَنْهَا تَسْبِيح وَلَا تهليل، لِأَنَّهُ ﷺ قد أَخّرهَا يَوْم الخَنْدَق. وَهَذَا اسْتِدْلَال ضَعِيف، لِأَن آيَة صَلَاة الْخَوْف لم تكن نزلت قبل ذَلِك.
وبِهِ قالَ مَكْحُولٌ
أَي: بقول الْأَوْزَاعِيّ قَالَ مَكْحُول أَبُو عبد الله الدِّمَشْقِي فَقِيه أهل الشَّام التَّابِعِيّ، ولد مَكْحُول بكابل لِأَنَّهُ من سبيه، فَرفع إِلَى سعيد بن الْعَاصِ فوهب لأِمرأة من هُذَيْل فأعتقته، وَقيل غير ذَلِك. وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة. قَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة، وروى لَهُ البُخَارِيّ فِي (كتاب الْأَدَب) و (الْقِرَاءَة خلف الإِمَام) وروى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: وَبِه قَالَ مَكْحُول، يحْتَمل أَن يكون من تَتِمَّة كَلَام الْأَوْزَاعِيّ، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ؟ قلت: الظَّاهِر أَنه تَعْلِيق وَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَنهُ من غير طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ بِلَفْظ: إِذا لم يقدر الْقَوْم على أَن يصلوا على الأَرْض صلوا على ظهر الدَّوَابّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فَإِن لم يقدروا أخروا الصَّلَاة حَتَّى يأمنوا فيصلوا بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ أنَسٌ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إضَاءَةِ الفَجْرِ واشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إلاّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاها مَعَ أبِي مُوسى فَفُتِحَ لَنَا. وقالَ أنَسٌ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ، وَقَالَ خَليفَة بن خياط فِي (تَارِيخه) : حَدثنَا ابْن زُرَيْع عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: لم نصل يَوْمئِذٍ الْغَدَاة حَتَّى انتصف النَّهَار. قَالَ خَليفَة: وَذَلِكَ فِي سنة عشْرين. قَوْله: (تستر) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الثَّانِيَة وَفِي آخِره رَاء: وَهِي مَدِينَة مَشْهُورَة من كور الأهوار بخورستان، وَهِي بِلِسَان الْعَامَّة: ششتر، بشينين أولاهما مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. إعلم أَن تستر فتحت مرَّتَيْنِ الأولى: صلحا، وَالثَّانيَِة عنْوَة. قَالَ ابْن جرير: كَانَ ذَلِك فِي سنة سبع عشرَة فِي قَول سيف، وَقَالَ غَيره: سنة سِتّ عشرَة، وَقيل: فِي سنة تسع عشرَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: لما فرغ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من فتح السوس صَار إِلَى تستر فَنزل عَلَيْهَا وَبهَا يَوْمئِذٍ الهرمزان، وَفتحت على يَدَيْهِ، ومسك الهرمزان وَأرْسل بِهِ إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَلم يقدروا على الصَّلَاة) إِمَّا للعجز عَن النُّزُول أَو عَن الإيما، وَجزم الْأصيلِيّ بِأَن سَببه أَنهم لم يَجدوا إِلَى الْوضُوء سَبِيلا من شدَّة الْقِتَال. قَوْله: (إِلَّا بعد ارْتِفَاع النَّهَار) وَفِي رِوَايَة عمر بن أبي شيبَة: (حَتَّى انتصف النَّهَار) . قَوْله: (مَا يسرني بِتِلْكَ الصَّلَاة) الْبَاء فِيهَا للمقابلة والبدلية، أَي: بدل تِلْكَ الصَّلَاة ومقابلتها. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من تِلْكَ الصَّلَاة. قَوْله: (الدُّنْيَا) فَاعل: (مَا يسرني) ، وَقيل: مَعْنَاهُ لَو كَانَت فِي وَقتهَا كَانَت أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَفِي رِوَايَة خَليفَة: (الدُّنْيَا كلهَا) بدل: (الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) .
٩٤٥ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكِ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ جاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ فجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ويَقُولُ يَا رسُولَ الله مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كادَت الشَّمْسُ أنْ تَغِيبَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ وَأَنا وَالله مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قالَ فنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتوَضَّأَ وصَلَّى العَصْرَ بَعْدما غَابَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى المغْرِبَ بَعْدَهَا. .
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَهُوَ قَوْله: (ولقاء الْعَدو) ، وَكَانَ الحكم فِيهِ من جملَة الْأَحْكَام الَّتِي ذَكرنَاهَا تَأْخِير الصَّلَاة إِلَى وَقت الْأَمْن. وَفِي هَذَا الحَدِيث أَيْضا: أخرت الصَّلَاة عَن النَّبِي، ﷺ ، وَعَن عمر وَغَيرهمَا: حَتَّى نزلُوا إِلَى بطحان، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: وادٍ بِالْمَدِينَةِ، فصلواها فِيهِ. وَصرح هَهُنَا بِأَن الْفَائِتَة هِيَ صَلَاة الْعَصْر، وَفِي (الْمُوَطَّأ) : الظّهْر وَالْعصر. وَفِي النَّسَائِيّ: الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء. وَفِي التِّرْمِذِيّ: أَربع صلوَات. وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث
стр. 1822
من سَائِر الْوُجُوه فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ جمَاعَة بعد ذهَاب الْوَقْت، لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، وَهَهُنَا أخرجه: عَن يحيى بن جَعْفَر، والنسخ مُخْتَلفَة فِيهِ فَفِي أَكثر الرِّوَايَات: حَدثنَا يحيى حَدثنَا وَكِيع، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: يحيى بن مُوسَى، وَوَقع فِي نُسْخَة صَحِيحَة بعلامة الْمُسْتَمْلِي: يحيى بن جَعْفَر، وَوَقع فِي بعض النّسخ: يحيى ابْن مُوسَى بن جَعْفَر، وَهُوَ غلط. وَالنُّسْخَة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا: يحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ يحيى البيكندي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأما يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه بن سَالم فَهُوَ الملقب: بخت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ أَيْضا من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع وَالْحج ومواضع، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي سَبَب تَأْخِير الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق، فَقَالَ بَعضهم: اخْتلفُوا هَل كَانَ نِسْيَانا أَو عمدا، وعَلى الثَّانِي: هَل كَانَ للشغل بِالْقِتَالِ أَو لتعذر الطَّهَارَة؟ أَو قبل نزُول آيَة الْخَوْف؟ انْتهى. قلت: الْأَحْسَن فِي ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة الْأَدَب هُوَ الَّذِي قَالَه الطَّحَاوِيّ: وَقد يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ لم يصل يَوْمئِذٍ يَعْنِي: يَوْم الخَنْدَق لِأَنَّهُ كَانَ يُقَاتل، فالقتال عمل وَالصَّلَاة لَا يكون فِيهَا عمل، وَقد يجوز أَن يكون: لم يصل يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر حِينَئِذٍ أَن يُصَلِّي رَاكِبًا. وَأما الْقِتَال فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يبطل الصَّلَاة عندنَا، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يبطل، وَالله تَعَالَى أعلم.
٥ - (بابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ والمَطْلُوبِ رَاكبا وَإيمَاءً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الطَّالِب وَصَلَاة الْمَطْلُوب. قَوْله: (رَاكِبًا) حَال. قَوْله: (وَقَائِمًا) عطف عَلَيْهِ، وَفِي بعض النّسخ: أَو قَائِما، من الْقيام بِالْقَافِ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (رَاكِبًا وإيماء) أَي: حَال كَونه موميا.
وقالَ الوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلأوزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بنِ السِّمْطِ وأصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ كذالِكَ الأمْرُ عِنْدَنَا إذَا تُخُوِّفَ الفَوْتَ واحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لَا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلاّ فِي بَنِي قرَيْظَةَ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن شُرَحْبِيل وَمن مَعَه كَانُوا ركبانا، وَالْإِجْمَاع على أَن الْمَطْلُوب لَا يُصَلِّي إلاّ رَاكِبًا، فَكَانُوا مطلوبين راكبين، وَلَو كَانُوا طَالِبين أَيْضا فالمطابقة حَاصِلَة، والوليد، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ ابْن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي يكنى أَبَا الْعَبَّاس،، وَقَالَ كَاتب الْوَاقِدِيّ: حج سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. ثمَّ انْصَرف فَمَاتَ فِي الطَّرِيق قبل أَن يصل إِلَى دمشق، وَالْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وشرحبيل، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن السمط، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم، على وزن: الْكَتف، قَالَه الغساني. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْمِيم: ابْن الْأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعَة بن مُعَاوِيَة الأكرمين بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع بن كِنْدَة الْكِنْدِيّ أَبُو يزِيد، وَيُقَال: أَبُو السمط الشَّامي، مُخْتَلف فِي صحبته، ذكره فِي (الْكَمَال) من التَّابِعين. وَقَالَ: وَيُقَال: لَهُ صُحْبَة للنَّبِي ﷺ . وَيُقَال: لَا صُحْبَة لَهُ، وَذكره مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة: وَقَالَ: جاهلي إسلامي، وَفد إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَأسلم، وَقد شهد الْقَادِسِيَّة وَولي حمص، وَهُوَ الَّذِي افتتحها وَقسمهَا منَازِل، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَغْدَادِيّ صَاحب (تَارِيخ الحمصيين) : توفّي بسلمية سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، وَيُقَال: سنة أَرْبَعِينَ، وَيُقَال: مَاتَ بصفين، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ فِي غير هَذَا الْموضع، وَهُوَ تَعْلِيق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن عبد الْبر من وَجه آخر: (عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: قَالَ شُرَحْبِيل بن السمط لأَصْحَابه: لَا تصلوا الصُّبْح إلاّ على ظهر، فَنزل الأشتر يَعْنِي: النَّخعِيّ فصلى على الأَرْض، فَقَالَ شُرَحْبِيل: مُخَالف خَالف الله بِهِ) . وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع: حَدثنَا ابْن عون (عَن رَجَاء بن حَيْوَة الْكِنْدِيّ، قَالَ: كَانَ ثَابت بن السمط أَو السمط بن ثَابت فِي مسير فِي خوف، فَحَضَرت الصَّلَاة فصلوا ركبانا، فَنزل الأشتر، فَقَالَ مَاله؟ فَقَالُوا: نزل يُصَلِّي. قَالَ: مَاله خَالف؟ خُولِفَ بِهِ) انْتهى. وَذكر ابْن حبَان أَن ثَابت بن السمط أَخُو شُرَحْبِيل بن السمط، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيُشبه أَن يَكُونَا كَانَا فِي ذَلِك الْجَيْش فنسب إِلَى كل مِنْهُمَا، وَقد ذكر شُرَحْبِيل جمَاعَة فِي الصَّحَابَة، وثابتا فِي التَّابِعين، وَقَالَ ابْن بطال: طلبت قصَّة شُرَحْبِيل بن السمط بِتَمَامِهَا
стр. 1823
لأتبيّن هَل كَانُوا طَالِبين أم لَا؟ فَذكر الْفَزارِيّ فِي (السّنَن) عَن ابْن عون: (عَن رَجَاء عَن ثَابت بن السمط أَو السمط بن ثَابت قَالَ: كَانُوا فِي السّفر فِي خوف فصلوا ركبانا، فَالْتَفت فَرَأى الأشتر قد نزل للصَّلَاة، فَقَالَ: خَالف خُولِفَ بِهِ، فجرح الأشتر فِي الْفِتْنَة) . قَالَ: فَبَان بِهَذَا الْخَبَر أَنهم كَانُوا حِين صلوا ركبانا لِأَن الْإِجْمَاع حَاصِل على أَن الْمَطْلُوب لَا يُصَلِّي إلاّ رَاكِبًا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الطَّالِب فَقَالَ ابْن التِّين: صَلَاة ابْن السمط ظَاهرهَا إِنَّهَا كَانَت فِي الْوَقْت، وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿رجَالًا أَو ركبانا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٩) [/ ح.
قَوْله: (كَذَلِك الْأَمر) أَي: أَدَاء الصَّلَاة على ظهر الدَّابَّة بِالْإِيمَاءِ، وَهُوَ الشان وَالْحكم عِنْد خوف فَوَات الْوَقْت أَو فَوَات الْعَدو أَو فَوَات النَّفس. قَوْله: (وَاحْتج الْوَلِيد) أَي: الْوَلِيد الْمَذْكُور، وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَن الْوَلِيد قوى مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ فِي مَسْأَلَة الطَّالِب بِهَذِهِ الْقِصَّة. قلت: لَا يفهم من احتجاج الْوَلِيد بِالْحَدِيثِ تَقْوِيَة مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَوْزَاعِيّ صَرِيحًا وَإِنَّمَا وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة، لِأَن الَّذين أخروا الصَّلَاة حَتَّى وصلوا إِلَى بني قُرَيْظَة لم يعنفهم النَّبِي ﷺ مَعَ كَونهم فوتوا الْوَقْت، فَصَلَاة من لَا يفوت الْوَقْت بِالْإِيمَاءِ أَو كَيفَ مَا تمكن، أولى من تَأْخِير الصَّلَاة حَتَّى يخرج وَقتهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: احتجاج الْوَلِيد بِحَدِيث بني قُرَيْظَة لَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ قبل نزُول صَلَاة الْخَوْف قَالَ: وَقيل: إِنَّمَا صلى شُرَحْبِيل على ظهر الدَّابَّة لِأَنَّهُ طمع فِي فتح الْحصن، فصلى إِيمَاء ثمَّ فَتحه. وَقَالَ ابْن بطال: وَأما اسْتِدْلَال الْوَلِيد بِقصَّة بني قُرَيْظَة على صَلَاة الطَّالِب رَاكِبًا، فَلَو وجد فِي بعض طرق الحَدِيث أَن الَّذين صلوا فِي الطَّرِيق صلوا ركبانا لَكَانَ بَينا، وَلما لم يُوجد ذَلِك احْتمل أَن يُقَال: إِنَّه يسْتَدلّ بِأَنَّهُ كَمَا سَاغَ للَّذين صلوا فِي بني قُرَيْظَة مَعَ ترك الْوَقْت، وَهُوَ فرض، كَذَلِك سَاغَ للطَّالِب أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت رَاكِبًا بِالْإِيمَاءِ، وَيكون تَركه للرُّكُوع وَالسُّجُود كَتَرْكِ الْوَقْت وَيُقَال: لَا حجَّة فِي حَدِيث بني قُرَيْظَة لِأَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ سرعَة سيرهم، وَلم يَجْعَل لَهُم بني قُرَيْظَة موضعا للصَّلَاة، ومذاهب الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: إِذا كَانَ الرجل مَطْلُوبا فَلَا بَأْس بِصَلَاتِهِ سائرا، وَإِن كَانَ طَالبا فَلَا. وَقَالَ مَالك وَجَمَاعَة من أَصْحَابه: هما سَوَاء، كل وَاحِد مِنْهُمَا يُصَلِّي على دَابَّته. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين كَقَوْل أبي حنيفَة، وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحسن وَالثَّوْري وَأحمد وَأبي ثَوْر وَعَن الشَّافِعِي: إِن خَافَ الطَّالِب فَوت الْمَطْلُوب أَوْمَأ وإلاّ فَلَا.
٦٩ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء قَالَ حَدثنَا جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لنا لما رَجَعَ من الْأَحْزَاب لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَأدْرك بَعضهم الْعَصْر فِي الطَّرِيق فَقَالَ بَعضهم لَا نصلي حَتَّى نأتيها. وَقَالَ بَعضهم بل نصلي لم يرد منا ذَلِك فَذكر للنَّبِي ﷺ َ - فَلم يعنف وَاحِدًا مِنْهُم) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يدل على أَن الْمَطْلُوب إِذا صلى فِي الْوَقْت بِالْإِيمَاءِ جَازَ كَمَا أَن الَّذين صلوا فِي بني قُرَيْظَة مَعَ ترك الْوَقْت جَازَ لَهُم ذَلِك وَلِهَذَا لم يعنفهم النَّبِي ﷺ َ - فعلى هَذَا فالجواز فِي الْمَطْلُوب أقوى (فَإِن قلت) فِيهِ ترك الرُّكُوع وَالسُّجُود وهما فرضان (قلت) كَذَلِك فِي صلَاتهم فِي بني قُرَيْظَة ترك الْوَقْت وَالْوَقْت فرض وَلما ذكر البُخَارِيّ احتجاج الْوَلِيد بِحَدِيث قصَّة بني قُرَيْظَة ذكره مُسْندًا عَقِيبه ليعلم صِحَة الحَدِيث عِنْده وَصِحَّة الِاسْتِدْلَال بِهِ فَافْهَم. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء بن عبيد بن مُخَارق الضبعِي الْبَصْرِيّ ابْن أخي جوَيْرِية الْمَذْكُور وَهُوَ مصغر جَارِيَة بِالْجِيم ابْن أَسمَاء روى عَنهُ مُسلم أَيْضا مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي جوَيْرِية بن أَسمَاء يكنى أَبَا مِخْرَاق الْبَصْرِيّ. الثَّالِث نَافِع مولى ابْن عمر. الرَّابِع عبد الله بن عمر. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن النّصْف الأول من الروَاة بصريان وَالنّصف الثَّانِي مدنيان وَفِيه رِوَايَة الرجل عَن عَمه وَفِيه اسْم أحد الروَاة بِالتَّصْغِيرِ وَالْحَال أَن أصل وَضعه للْأُنْثَى. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن شيخ البُخَارِيّ عَن جوَيْرِية بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " من الْأَحْزَاب " هِيَ غَزْوَة الخَنْدَق وَقد أنزل الله فِيهَا سُورَة الْأَحْزَاب وَكَانَت فِي شَوَّال
стр. 1824
سنة خمس من الْهِجْرَة نَص على ذَلِك ابْن إِسْحَاق وَعُرْوَة بن الزبير وَقَتَادَة وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ ثمَّ كَانَت الْأَحْزَاب فِي شَوَّال سنة أَربع وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك بن أنس فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد عَن مُوسَى بن دَاوُد عَنهُ وَالْجُمْهُور على قَول ابْن إِسْحَق وَسميت بالأحزاب لِأَن الْكفَّار تألفوا من قبائل الْعَرَب وهم عشرَة آلَاف نفس وَكَانُوا ثَلَاثَة عَسَاكِر وَجَنَاح الْأَمر إِلَى أبي سُفْيَان وَسميت أَيْضا بغزوة الخَنْدَق لِأَن النَّبِي ﷺ َ - لما سمع بهم وَمَا جمعُوا لَهُ من الْأَمر ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة قَالَ ابْن هِشَام يُقَال أَن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ الطَّبَرِيّ والسهيلي أول من حفر الْخَنَادِق منوجهر بن أيرج وَكَانَ فِي زمن مُوسَى ﵊ وَذكر ابْن إِسْحَق لما انْصَرف رَسُول الله ﷺ َ - عَن الخَنْدَق رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة والمسلمون قد وضعُوا السِّلَاح فَلَمَّا كَانَ الظّهْر أَتَى جِبْرِيل ﵊ قَالَ لَهُ مَا وضعت الْمَلَائِكَة السِّلَاح بعد وَإِن الله يَأْمُرك أَن تسير إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِنِّي عَائِد إِلَيْهِم فَأمر رَسُول الله ﷺ َ - بِلَالًا فَأذن فِي النَّاس من كَانَ سَامِعًا مُطيعًا فَلَا يصلين الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة قَالَ ابْن سعد ثمَّ سَار إِلَيْهِم وهم ثَلَاثَة آلَاف وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لتسْع بَقينَ من ذِي الْقعدَة عقيب الخَنْدَق قَوْله " لَا يصلين " بالنُّون الثَّقِيلَة الْمُؤَكّدَة قَوْله " فِي بني قُرَيْظَة " بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره هَاء وهم فرقة من الْيَهُود وَقُرَيْظَة وَالنضير والنحام وَعَمْرو وَهُوَ هدل بَين الْخَزْرَج بن الصَّرِيح بن نومان بن السمط يَنْتَهِي إِلَى إِسْرَائِيل بن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ ابْن دُرَيْد الْقرظ ضرب من الشّجر يدبغ بِهِ يُقَال أَدِيم مقروظ وتصغيره قُرَيْظَة وَبِه سمي الْبَطن من الْيَهُود وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ التَّنْصِيص على الْعَصْر وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْعَصْر وَفِي صَحِيح مُسلم التَّنْصِيص على الظّهْر وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن حبَان ومستخرج أبي نعيم قبل التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ إِن هَذَا الْأَمر كَانَ بعد دُخُول وَقت الظّهْر وَقد صلى الظّهْر بَعضهم دون بعض فَقيل للَّذين لم يصلوا الظّهْر لَا تصلوا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وللذين صلوها بِالْمَدِينَةِ لَا تصلوا الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَقيل يحْتَمل أَنه قَالَ للْجَمِيع لَا تصلوا الْعَصْر وَلَا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَقيل يحْتَمل أَنه قيل للَّذين ذَهَبُوا أَولا لَا تصلوا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وللذين ذَهَبُوا بعدهمْ لَا تصلوا الْعَصْر إِلَّا بهَا قَوْله " فَأدْرك بَعضهم " الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى لفظ أحد وَفِي بَعضهم الثَّانِي وَالثَّالِث إِلَى الْبَعْض قَوْله " لم يرد منا " على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع أَي المُرَاد من قَوْله " لَا يصلين أحد " لَازمه وَهُوَ الاستعجال فِي الذّهاب إِلَى بني قُرَيْظَة لَا حَقِيقَة ترك الصَّلَاة أصلا وَلم يُعِنْهُمْ رَسُول الله ﷺ َ - على مُخَالفَة النَّهْي لأَنهم فَهموا مِنْهُ الْكِنَايَة عَن العجلة وَلَا التاركين للصَّلَاة المؤخرين عَن أول وَقتهَا لحملهم النَّهْي على ظَاهره (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) من ذَلِك مَا استنبط مِنْهُ ابْن حبَان معنى حسنا حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ تَأْخِير الْمَرْء للصَّلَاة عَن وَقتهَا إِلَى أَن يدْخل وَقت الصَّلَاة الْأُخْرَى يلْزمه بذلك اسْم الْكفْر لما أَمر الْمُصْطَفى بذلك. وَمِنْه مَا قَالَه السُّهيْلي فِيهِ دَلِيل على أَن كل مُخْتَلفين فِي الْفُرُوع من الْمُجْتَهدين مُصِيب إِذْ لَا يَسْتَحِيل أَن يكون الشَّيْء صَوَابا فِي حق إِنْسَان خطأ فِي حق غَيره فَيكون من اجْتهد فِي مَسْأَلَة فأداه اجْتِهَاده إِلَى الْحل مصيبا فِي حلهَا وَكَذَا الْحُرْمَة وَإِنَّمَا الْمحَال أَن يحكم فِي النَّازِلَة بحكمين متضادين فِي حق شخص وَاحِد وَإِنَّمَا عسر فهم هَذَا الأَصْل على طائفتين الظَّاهِرِيَّة والمعتزلة أما الظَّاهِرِيَّة فَإِنَّهُم عَلقُوا الْأَحْكَام بالنصوص فاستحال عِنْدهم أَن يكون النَّص يَأْتِي بحظر وَإِبَاحَة مَعًا إِلَّا على وَجه النّسخ وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم عَلقُوا الْأَحْكَام بتقبيح الْعقل وتحسينه فَصَارَ حسن الْفِعْل عِنْدهم أَو قبحه صفة عين فاستحال عِنْدهم أَن يَتَّصِف فعل بالْحسنِ فِي حق زيد والقبح فِي حق عَمْرو كَمَا يَسْتَحِيل ذَلِك فِي الألوان وَغَيرهَا من الصِّفَات الْقَائِمَة بالذوات وَأما مَا عدا هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ فَلَيْسَ الْحَظْر عِنْدهم وَالْإِبَاحَة بِصِفَات أَعْيَان وَإِنَّمَا هِيَ صِفَات أَحْكَام وَزعم الْخطابِيّ أَن قَول الْقَائِل فِي هَذَا كل مُجْتَهد مُصِيب لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ ظَاهر خطاب خص بِنَوْع من الدَّلِيل أَلا ترَاهُ قَالَ بل نصلي لم يرد منا ذَلِك يُرِيد أَن طَاعَة رَسُول الله ﷺ َ - فِيمَا أمره بِهِ من إِقَامَة الصَّلَاة فِي بني قُرَيْظَة لَا يُوجب تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا على عُمُوم الْأَحْوَال وَإِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ صلوا فِي بني قُرَيْظَة إِلَّا أَن يدرككم وَقتهَا قبل أَن تصلوا إِلَيْهَا وَكَذَا الطَّائِفَة الْأُخْرَى فِي تأخيرهم الصَّلَاة كَأَنَّهُ قيل لَهُم صلوا الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا إِلَّا أَن يكون لكم عذر فأخروها إِلَى آخر وَقتهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لَا احتجاج فِيهِ
стр. 1825
على إِصَابَة كل مُجْتَهد لِأَنَّهُ لم يُصَرح بِإِصَابَة الطَّائِفَتَيْنِ بل بِإِصَابَة ترك تعنيفهما وَلَا خلاف فِي ترك تعنيف الْمُجْتَهد وَإِن أَخطَأ إِذا بذل وَسعه وَأما اخْتلَافهمْ فسببه أَن الْأَدِلَّة تَعَارَضَت فَإِن الصَّلَاة مَأْمُور بهَا فِي الْوَقْت وَالْمَفْهُوم من " لَا يصلين " الْمُبَادرَة بالذهاب إِلَيْهِم فَأخذ بَعضهم بذلك فصلوا حِين خَافُوا فَوت الْوَقْت وَالْآخرُونَ بِالْآخرِ فأخروها وَيُقَال اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْمُبَادرَة بِالصَّلَاةِ عِنْد ضيق وَقتهَا وتأخيرها سَببه أَن أَدِلَّة الشَّرْع تَعَارَضَت عِنْدهم فَإِن الصَّلَاة مَأْمُور بهَا فِي الْوَقْت مَعَ أَن الْمَفْهُوم من قَوْله " لَا يصلين أحد إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة " الْمُبَادرَة بالذهاب إِلَيْهِ وَأَن لَا يشْتَغل عَنهُ بِشَيْء لَا أَن تَأْخِير الصَّلَاة مَقْصُود فِي نَفسه من حَيْثُ أَنه تَأْخِير فَأخذ بعض الصَّحَابَة بِهَذَا الْمَفْهُوم نظرا إِلَى الْمَعْنى لَا إِلَى اللَّفْظ فصلوا حِين خَافُوا فَوَات الْوَقْت وَأخذ آخَرُونَ بِظَاهِر اللَّفْظ وَحَقِيقَته وَلم يعنف الشَّارِع وَاحِدًا مِنْهُمَا لأَنهم مجتهدون فَفِيهِ دَلِيل لمن يَقُول بِالْمَفْهُومِ وَالْقِيَاس ومراعاة الْمَعْنى وَلمن يَقُول بِالظَّاهِرِ أَيْضا (قلت) هَذَا القَوْل مثل مَا قَالَ النَّوَوِيّ مَعَ بعض زِيَادَة فِيهِ وَقَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ أَن المتؤول إِذا لم يبعد فِي التَّأْوِيل لَيْسَ بمخطىء وَأَن السُّكُوت على فعل أَمر كالقول بإجازته -
٦ - (بابُ التَّكْبِيرِ والغَلَسِ بِالصُّبْحِ والصَّلَاةِ عِنْدَ الإغَارَةِ والحَرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّكْبِير من كبر يكبر تَكْبِيرا، وَهُوَ قَول: الله أكبر، هَكَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: التبكير، بِتَقْدِيم الْبَاء الْمُوَحدَة من: بكر يبكر تبكيرا إِذا أسْرع وبادر، و: الْغَلَس، بِفتْحَتَيْنِ: الظلمَة آخر اللَّيْل، وَالْمرَاد مِنْهُ التغليس بِصَلَاة الصُّبْح. قَوْله: (عِنْد الإغارة) يتَعَلَّق بِالتَّكْبِيرِ، وَمَا عطف عَلَيْهِ، والإغارة، بِكَسْر الْهمزَة فِي الأَصْل: الْإِسْرَاع فِي الْعَدو، وَيُقَال: أغار يُغير إغارة، وَكَذَلِكَ الْغَارة، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا: الهجوم على الْعَدو على وَجه الْغَفْلَة، فَهُوَ من الأجوف الواوي. فَإِن قلت: مَا مُنَاسبَة ذكر هَذَا الْبَاب فِي كتاب صَلَاة الْخَوْف؟ قلت: قيل: أَشَارَ بذلك إِلَى أَن صَلَاة الْخَوْف لَا يشْتَرط فِيهَا التَّأْخِير إِلَى آخر الْوَقْت، كَمَا شَرطه من شَرطه فِي صَلَاة شدَّة الْخَوْف عِنْد التحام الْقِتَال، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون للْإِشَارَة إِلَى تعْيين الْمُبَادرَة إِلَى الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا. قلت: هَذَا وَجه بعيد لَا يخفى ذَلِك، لِأَن مَحل ذَلِك فِي كتاب الصَّلَاة.
٩٤٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ البُنَانِيِّ عَن أنَسِ بنِ مالَكٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ الله أكْبَرُ خَرِبتْ خَيْبَرُ إنَّا إِذا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فسَاءَ صَبَاحُ المُنْذِرِينَ فَخَرَجُوا يسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ ويقُولُونَ مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ قَالَ والخمِيسُ الجَيْشُ فظَهَرَ علَيْهِمْ رسولُ الله ﷺ فقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وسَبَى الذرَارِيَّ فصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وصارَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا فقالَ عَبْدُ العَزِيزِ لِثَابِتٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أأنْتَ سَأَلْتَ أنَسا مَا أمْهَرَهَا قَالَ أمْهَرَهَا نَفْسَهَا فتَبَسَّمَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صلى الصُّبْح بِغَلَس ثمَّ ركب فَقَالَ الله أكبر) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب مَا يذكر فِي الْفَخْذ، بأطول مِنْهُ، وَأتم عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وتكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ.
قَوْله: (بِغَلَس) أَي: فِي أول الْوَقْت. وَقيل: التغليس بالصبح سنة سفرا أَو حضرا، وَكَانَ من عَادَته ﷺ ذَلِك. قلت: إِنَّمَا غلس هُنَا لأجل مبادرته إِلَى الرّكُوب، وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة بِالْأَمر بالإسفار. قَوْله: (فَقَالَ: الله أكبر) فِيهِ: أَن التَّكْبِير عِنْد الإشراف على المدن والقرى سنة، وَكَذَا عِنْد مَا يسر بِهِ من ذَلِك عِنْد رُؤْيَة الْهلَال، وَكَذَا رفع الصَّوْت بِهِ إِظْهَارًا لعلو دين الله تَعَالَى، وَظُهُور أمره. قَوْله: (خربَتْ خَيْبَر) ، يحْتَمل الْإِنْشَاء وَالْخَبَر، وَفِيه التفاؤل، وبخرابه سَعَادَة الْمُسلمين فَهُوَ من الفأل الْحسن لَا من الطَّيرَة. قَوْله: (بِسَاحَة قوم) قَالَ ابْن التِّين: الساحة الْموضع، وَقيل: ساحة الدَّار. قَوْله: (فسَاء صباح الْمُنْذرين) أَي: أَصَابَهُم السوء من الْقَتْل على الْكفْر
следующие страницы →