← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

عَنهُ: إِن لم يقدر على الْإِيمَاء أخر الصَّلَاة حَتَّى يُصليهَا كَامِلَة، وَلَا يجزىء عَنْهَا تَسْبِيح وَلَا تهليل، لِأَنَّهُ ﷺ قد أَخّرهَا يَوْم الخَنْدَق. وَهَذَا اسْتِدْلَال ضَعِيف، لِأَن آيَة صَلَاة الْخَوْف لم تكن نزلت قبل ذَلِك. وبِهِ قالَ مَكْحُولٌ أَي: بقول الْأَوْزَاعِيّ قَالَ مَكْحُول أَبُو عبد الله الدِّمَشْقِي فَقِيه أهل الشَّام التَّابِعِيّ، ولد مَكْحُول بكابل لِأَنَّهُ من سبيه، فَرفع إِلَى سعيد بن الْعَاصِ فوهب لأِمرأة من هُذَيْل فأعتقته، وَقيل غير ذَلِك. وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة. قَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة، وروى لَهُ البُخَارِيّ فِي (كتاب الْأَدَب) و (الْقِرَاءَة خلف الإِمَام) وروى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: وَبِه قَالَ مَكْحُول، يحْتَمل أَن يكون من تَتِمَّة كَلَام الْأَوْزَاعِيّ، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ؟ قلت: الظَّاهِر أَنه تَعْلِيق وَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَنهُ من غير طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ بِلَفْظ: إِذا لم يقدر الْقَوْم على أَن يصلوا على الأَرْض صلوا على ظهر الدَّوَابّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فَإِن لم يقدروا أخروا الصَّلَاة حَتَّى يأمنوا فيصلوا بِالْأَرْضِ. وَقَالَ أنَسٌ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إضَاءَةِ الفَجْرِ واشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إلاّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاها مَعَ أبِي مُوسى فَفُتِحَ لَنَا. وقالَ أنَسٌ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ، وَقَالَ خَليفَة بن خياط فِي (تَارِيخه) : حَدثنَا ابْن زُرَيْع عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: لم نصل يَوْمئِذٍ الْغَدَاة حَتَّى انتصف النَّهَار. قَالَ خَليفَة: وَذَلِكَ فِي سنة عشْرين. قَوْله: (تستر) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الثَّانِيَة وَفِي آخِره رَاء: وَهِي مَدِينَة مَشْهُورَة من كور الأهوار بخورستان، وَهِي بِلِسَان الْعَامَّة: ششتر، بشينين أولاهما مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. إعلم أَن تستر فتحت مرَّتَيْنِ الأولى: صلحا، وَالثَّانيَِة عنْوَة. قَالَ ابْن جرير: كَانَ ذَلِك فِي سنة سبع عشرَة فِي قَول سيف، وَقَالَ غَيره: سنة سِتّ عشرَة، وَقيل: فِي سنة تسع عشرَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: لما فرغ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من فتح السوس صَار إِلَى تستر فَنزل عَلَيْهَا وَبهَا يَوْمئِذٍ الهرمزان، وَفتحت على يَدَيْهِ، ومسك الهرمزان وَأرْسل بِهِ إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَلم يقدروا على الصَّلَاة) إِمَّا للعجز عَن النُّزُول أَو عَن الإيما، وَجزم الْأصيلِيّ بِأَن سَببه أَنهم لم يَجدوا إِلَى الْوضُوء سَبِيلا من شدَّة الْقِتَال. قَوْله: (إِلَّا بعد ارْتِفَاع النَّهَار) وَفِي رِوَايَة عمر بن أبي شيبَة: (حَتَّى انتصف النَّهَار) . قَوْله: (مَا يسرني بِتِلْكَ الصَّلَاة) الْبَاء فِيهَا للمقابلة والبدلية، أَي: بدل تِلْكَ الصَّلَاة ومقابلتها. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من تِلْكَ الصَّلَاة. قَوْله: (الدُّنْيَا) فَاعل: (مَا يسرني) ، وَقيل: مَعْنَاهُ لَو كَانَت فِي وَقتهَا كَانَت أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَفِي رِوَايَة خَليفَة: (الدُّنْيَا كلهَا) بدل: (الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) . ٩٤٥ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكِ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ جاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ فجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ويَقُولُ يَا رسُولَ الله مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كادَت الشَّمْسُ أنْ تَغِيبَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ وَأَنا وَالله مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قالَ فنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتوَضَّأَ وصَلَّى العَصْرَ بَعْدما غَابَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى المغْرِبَ بَعْدَهَا. . مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَهُوَ قَوْله: (ولقاء الْعَدو) ، وَكَانَ الحكم فِيهِ من جملَة الْأَحْكَام الَّتِي ذَكرنَاهَا تَأْخِير الصَّلَاة إِلَى وَقت الْأَمْن. وَفِي هَذَا الحَدِيث أَيْضا: أخرت الصَّلَاة عَن النَّبِي، ﷺ ، وَعَن عمر وَغَيرهمَا: حَتَّى نزلُوا إِلَى بطحان، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: وادٍ بِالْمَدِينَةِ، فصلواها فِيهِ. وَصرح هَهُنَا بِأَن الْفَائِتَة هِيَ صَلَاة الْعَصْر، وَفِي (الْمُوَطَّأ) : الظّهْر وَالْعصر. وَفِي النَّسَائِيّ: الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء. وَفِي التِّرْمِذِيّ: أَربع صلوَات. وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث

стр. 1822

من سَائِر الْوُجُوه فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ جمَاعَة بعد ذهَاب الْوَقْت، لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، وَهَهُنَا أخرجه: عَن يحيى بن جَعْفَر، والنسخ مُخْتَلفَة فِيهِ فَفِي أَكثر الرِّوَايَات: حَدثنَا يحيى حَدثنَا وَكِيع، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: يحيى بن مُوسَى، وَوَقع فِي نُسْخَة صَحِيحَة بعلامة الْمُسْتَمْلِي: يحيى بن جَعْفَر، وَوَقع فِي بعض النّسخ: يحيى ابْن مُوسَى بن جَعْفَر، وَهُوَ غلط. وَالنُّسْخَة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا: يحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ يحيى البيكندي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأما يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه بن سَالم فَهُوَ الملقب: بخت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ أَيْضا من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع وَالْحج ومواضع، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. ثمَّ اخْتلفُوا فِي سَبَب تَأْخِير الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق، فَقَالَ بَعضهم: اخْتلفُوا هَل كَانَ نِسْيَانا أَو عمدا، وعَلى الثَّانِي: هَل كَانَ للشغل بِالْقِتَالِ أَو لتعذر الطَّهَارَة؟ أَو قبل نزُول آيَة الْخَوْف؟ انْتهى. قلت: الْأَحْسَن فِي ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة الْأَدَب هُوَ الَّذِي قَالَه الطَّحَاوِيّ: وَقد يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ لم يصل يَوْمئِذٍ يَعْنِي: يَوْم الخَنْدَق لِأَنَّهُ كَانَ يُقَاتل، فالقتال عمل وَالصَّلَاة لَا يكون فِيهَا عمل، وَقد يجوز أَن يكون: لم يصل يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر حِينَئِذٍ أَن يُصَلِّي رَاكِبًا. وَأما الْقِتَال فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يبطل الصَّلَاة عندنَا، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يبطل، وَالله تَعَالَى أعلم. ٥ - (بابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ والمَطْلُوبِ رَاكبا وَإيمَاءً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الطَّالِب وَصَلَاة الْمَطْلُوب. قَوْله: (رَاكِبًا) حَال. قَوْله: (وَقَائِمًا) عطف عَلَيْهِ، وَفِي بعض النّسخ: أَو قَائِما، من الْقيام بِالْقَافِ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (رَاكِبًا وإيماء) أَي: حَال كَونه موميا. وقالَ الوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلأوزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بنِ السِّمْطِ وأصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ كذالِكَ الأمْرُ عِنْدَنَا إذَا تُخُوِّفَ الفَوْتَ واحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لَا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلاّ فِي بَنِي قرَيْظَةَ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن شُرَحْبِيل وَمن مَعَه كَانُوا ركبانا، وَالْإِجْمَاع على أَن الْمَطْلُوب لَا يُصَلِّي إلاّ رَاكِبًا، فَكَانُوا مطلوبين راكبين، وَلَو كَانُوا طَالِبين أَيْضا فالمطابقة حَاصِلَة، والوليد، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ ابْن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي يكنى أَبَا الْعَبَّاس،، وَقَالَ كَاتب الْوَاقِدِيّ: حج سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. ثمَّ انْصَرف فَمَاتَ فِي الطَّرِيق قبل أَن يصل إِلَى دمشق، وَالْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وشرحبيل، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن السمط، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم، على وزن: الْكَتف، قَالَه الغساني. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْمِيم: ابْن الْأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعَة بن مُعَاوِيَة الأكرمين بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع بن كِنْدَة الْكِنْدِيّ أَبُو يزِيد، وَيُقَال: أَبُو السمط الشَّامي، مُخْتَلف فِي صحبته، ذكره فِي (الْكَمَال) من التَّابِعين. وَقَالَ: وَيُقَال: لَهُ صُحْبَة للنَّبِي ﷺ . وَيُقَال: لَا صُحْبَة لَهُ، وَذكره مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة: وَقَالَ: جاهلي إسلامي، وَفد إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَأسلم، وَقد شهد الْقَادِسِيَّة وَولي حمص، وَهُوَ الَّذِي افتتحها وَقسمهَا منَازِل، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَغْدَادِيّ صَاحب (تَارِيخ الحمصيين) : توفّي بسلمية سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، وَيُقَال: سنة أَرْبَعِينَ، وَيُقَال: مَاتَ بصفين، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ فِي غير هَذَا الْموضع، وَهُوَ تَعْلِيق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن عبد الْبر من وَجه آخر: (عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: قَالَ شُرَحْبِيل بن السمط لأَصْحَابه: لَا تصلوا الصُّبْح إلاّ على ظهر، فَنزل الأشتر يَعْنِي: النَّخعِيّ فصلى على الأَرْض، فَقَالَ شُرَحْبِيل: مُخَالف خَالف الله بِهِ) . وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع: حَدثنَا ابْن عون (عَن رَجَاء بن حَيْوَة الْكِنْدِيّ، قَالَ: كَانَ ثَابت بن السمط أَو السمط بن ثَابت فِي مسير فِي خوف، فَحَضَرت الصَّلَاة فصلوا ركبانا، فَنزل الأشتر، فَقَالَ مَاله؟ فَقَالُوا: نزل يُصَلِّي. قَالَ: مَاله خَالف؟ خُولِفَ بِهِ) انْتهى. وَذكر ابْن حبَان أَن ثَابت بن السمط أَخُو شُرَحْبِيل بن السمط، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيُشبه أَن يَكُونَا كَانَا فِي ذَلِك الْجَيْش فنسب إِلَى كل مِنْهُمَا، وَقد ذكر شُرَحْبِيل جمَاعَة فِي الصَّحَابَة، وثابتا فِي التَّابِعين، وَقَالَ ابْن بطال: طلبت قصَّة شُرَحْبِيل بن السمط بِتَمَامِهَا

стр. 1823

لأتبيّن هَل كَانُوا طَالِبين أم لَا؟ فَذكر الْفَزارِيّ فِي (السّنَن) عَن ابْن عون: (عَن رَجَاء عَن ثَابت بن السمط أَو السمط بن ثَابت قَالَ: كَانُوا فِي السّفر فِي خوف فصلوا ركبانا، فَالْتَفت فَرَأى الأشتر قد نزل للصَّلَاة، فَقَالَ: خَالف خُولِفَ بِهِ، فجرح الأشتر فِي الْفِتْنَة) . قَالَ: فَبَان بِهَذَا الْخَبَر أَنهم كَانُوا حِين صلوا ركبانا لِأَن الْإِجْمَاع حَاصِل على أَن الْمَطْلُوب لَا يُصَلِّي إلاّ رَاكِبًا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الطَّالِب فَقَالَ ابْن التِّين: صَلَاة ابْن السمط ظَاهرهَا إِنَّهَا كَانَت فِي الْوَقْت، وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿رجَالًا أَو ركبانا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٩) [/ ح. قَوْله: (كَذَلِك الْأَمر) أَي: أَدَاء الصَّلَاة على ظهر الدَّابَّة بِالْإِيمَاءِ، وَهُوَ الشان وَالْحكم عِنْد خوف فَوَات الْوَقْت أَو فَوَات الْعَدو أَو فَوَات النَّفس. قَوْله: (وَاحْتج الْوَلِيد) أَي: الْوَلِيد الْمَذْكُور، وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَن الْوَلِيد قوى مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ فِي مَسْأَلَة الطَّالِب بِهَذِهِ الْقِصَّة. قلت: لَا يفهم من احتجاج الْوَلِيد بِالْحَدِيثِ تَقْوِيَة مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَوْزَاعِيّ صَرِيحًا وَإِنَّمَا وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة، لِأَن الَّذين أخروا الصَّلَاة حَتَّى وصلوا إِلَى بني قُرَيْظَة لم يعنفهم النَّبِي ﷺ مَعَ كَونهم فوتوا الْوَقْت، فَصَلَاة من لَا يفوت الْوَقْت بِالْإِيمَاءِ أَو كَيفَ مَا تمكن، أولى من تَأْخِير الصَّلَاة حَتَّى يخرج وَقتهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: احتجاج الْوَلِيد بِحَدِيث بني قُرَيْظَة لَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ قبل نزُول صَلَاة الْخَوْف قَالَ: وَقيل: إِنَّمَا صلى شُرَحْبِيل على ظهر الدَّابَّة لِأَنَّهُ طمع فِي فتح الْحصن، فصلى إِيمَاء ثمَّ فَتحه. وَقَالَ ابْن بطال: وَأما اسْتِدْلَال الْوَلِيد بِقصَّة بني قُرَيْظَة على صَلَاة الطَّالِب رَاكِبًا، فَلَو وجد فِي بعض طرق الحَدِيث أَن الَّذين صلوا فِي الطَّرِيق صلوا ركبانا لَكَانَ بَينا، وَلما لم يُوجد ذَلِك احْتمل أَن يُقَال: إِنَّه يسْتَدلّ بِأَنَّهُ كَمَا سَاغَ للَّذين صلوا فِي بني قُرَيْظَة مَعَ ترك الْوَقْت، وَهُوَ فرض، كَذَلِك سَاغَ للطَّالِب أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت رَاكِبًا بِالْإِيمَاءِ، وَيكون تَركه للرُّكُوع وَالسُّجُود كَتَرْكِ الْوَقْت وَيُقَال: لَا حجَّة فِي حَدِيث بني قُرَيْظَة لِأَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ سرعَة سيرهم، وَلم يَجْعَل لَهُم بني قُرَيْظَة موضعا للصَّلَاة، ومذاهب الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: إِذا كَانَ الرجل مَطْلُوبا فَلَا بَأْس بِصَلَاتِهِ سائرا، وَإِن كَانَ طَالبا فَلَا. وَقَالَ مَالك وَجَمَاعَة من أَصْحَابه: هما سَوَاء، كل وَاحِد مِنْهُمَا يُصَلِّي على دَابَّته. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين كَقَوْل أبي حنيفَة، وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحسن وَالثَّوْري وَأحمد وَأبي ثَوْر وَعَن الشَّافِعِي: إِن خَافَ الطَّالِب فَوت الْمَطْلُوب أَوْمَأ وإلاّ فَلَا. ٦٩ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء قَالَ حَدثنَا جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لنا لما رَجَعَ من الْأَحْزَاب لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَأدْرك بَعضهم الْعَصْر فِي الطَّرِيق فَقَالَ بَعضهم لَا نصلي حَتَّى نأتيها. وَقَالَ بَعضهم بل نصلي لم يرد منا ذَلِك فَذكر للنَّبِي ﷺ َ - فَلم يعنف وَاحِدًا مِنْهُم) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يدل على أَن الْمَطْلُوب إِذا صلى فِي الْوَقْت بِالْإِيمَاءِ جَازَ كَمَا أَن الَّذين صلوا فِي بني قُرَيْظَة مَعَ ترك الْوَقْت جَازَ لَهُم ذَلِك وَلِهَذَا لم يعنفهم النَّبِي ﷺ َ - فعلى هَذَا فالجواز فِي الْمَطْلُوب أقوى (فَإِن قلت) فِيهِ ترك الرُّكُوع وَالسُّجُود وهما فرضان (قلت) كَذَلِك فِي صلَاتهم فِي بني قُرَيْظَة ترك الْوَقْت وَالْوَقْت فرض وَلما ذكر البُخَارِيّ احتجاج الْوَلِيد بِحَدِيث قصَّة بني قُرَيْظَة ذكره مُسْندًا عَقِيبه ليعلم صِحَة الحَدِيث عِنْده وَصِحَّة الِاسْتِدْلَال بِهِ فَافْهَم. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء بن عبيد بن مُخَارق الضبعِي الْبَصْرِيّ ابْن أخي جوَيْرِية الْمَذْكُور وَهُوَ مصغر جَارِيَة بِالْجِيم ابْن أَسمَاء روى عَنهُ مُسلم أَيْضا مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي جوَيْرِية بن أَسمَاء يكنى أَبَا مِخْرَاق الْبَصْرِيّ. الثَّالِث نَافِع مولى ابْن عمر. الرَّابِع عبد الله بن عمر. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن النّصْف الأول من الروَاة بصريان وَالنّصف الثَّانِي مدنيان وَفِيه رِوَايَة الرجل عَن عَمه وَفِيه اسْم أحد الروَاة بِالتَّصْغِيرِ وَالْحَال أَن أصل وَضعه للْأُنْثَى. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن شيخ البُخَارِيّ عَن جوَيْرِية بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " من الْأَحْزَاب " هِيَ غَزْوَة الخَنْدَق وَقد أنزل الله فِيهَا سُورَة الْأَحْزَاب وَكَانَت فِي شَوَّال

стр. 1824

سنة خمس من الْهِجْرَة نَص على ذَلِك ابْن إِسْحَاق وَعُرْوَة بن الزبير وَقَتَادَة وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ ثمَّ كَانَت الْأَحْزَاب فِي شَوَّال سنة أَربع وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك بن أنس فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد عَن مُوسَى بن دَاوُد عَنهُ وَالْجُمْهُور على قَول ابْن إِسْحَق وَسميت بالأحزاب لِأَن الْكفَّار تألفوا من قبائل الْعَرَب وهم عشرَة آلَاف نفس وَكَانُوا ثَلَاثَة عَسَاكِر وَجَنَاح الْأَمر إِلَى أبي سُفْيَان وَسميت أَيْضا بغزوة الخَنْدَق لِأَن النَّبِي ﷺ َ - لما سمع بهم وَمَا جمعُوا لَهُ من الْأَمر ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة قَالَ ابْن هِشَام يُقَال أَن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ الطَّبَرِيّ والسهيلي أول من حفر الْخَنَادِق منوجهر بن أيرج وَكَانَ فِي زمن مُوسَى ﵊ وَذكر ابْن إِسْحَق لما انْصَرف رَسُول الله ﷺ َ - عَن الخَنْدَق رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة والمسلمون قد وضعُوا السِّلَاح فَلَمَّا كَانَ الظّهْر أَتَى جِبْرِيل ﵊ قَالَ لَهُ مَا وضعت الْمَلَائِكَة السِّلَاح بعد وَإِن الله يَأْمُرك أَن تسير إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِنِّي عَائِد إِلَيْهِم فَأمر رَسُول الله ﷺ َ - بِلَالًا فَأذن فِي النَّاس من كَانَ سَامِعًا مُطيعًا فَلَا يصلين الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة قَالَ ابْن سعد ثمَّ سَار إِلَيْهِم وهم ثَلَاثَة آلَاف وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لتسْع بَقينَ من ذِي الْقعدَة عقيب الخَنْدَق قَوْله " لَا يصلين " بالنُّون الثَّقِيلَة الْمُؤَكّدَة قَوْله " فِي بني قُرَيْظَة " بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره هَاء وهم فرقة من الْيَهُود وَقُرَيْظَة وَالنضير والنحام وَعَمْرو وَهُوَ هدل بَين الْخَزْرَج بن الصَّرِيح بن نومان بن السمط يَنْتَهِي إِلَى إِسْرَائِيل بن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ ابْن دُرَيْد الْقرظ ضرب من الشّجر يدبغ بِهِ يُقَال أَدِيم مقروظ وتصغيره قُرَيْظَة وَبِه سمي الْبَطن من الْيَهُود وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ التَّنْصِيص على الْعَصْر وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْعَصْر وَفِي صَحِيح مُسلم التَّنْصِيص على الظّهْر وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن حبَان ومستخرج أبي نعيم قبل التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ إِن هَذَا الْأَمر كَانَ بعد دُخُول وَقت الظّهْر وَقد صلى الظّهْر بَعضهم دون بعض فَقيل للَّذين لم يصلوا الظّهْر لَا تصلوا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وللذين صلوها بِالْمَدِينَةِ لَا تصلوا الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَقيل يحْتَمل أَنه قَالَ للْجَمِيع لَا تصلوا الْعَصْر وَلَا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَقيل يحْتَمل أَنه قيل للَّذين ذَهَبُوا أَولا لَا تصلوا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وللذين ذَهَبُوا بعدهمْ لَا تصلوا الْعَصْر إِلَّا بهَا قَوْله " فَأدْرك بَعضهم " الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى لفظ أحد وَفِي بَعضهم الثَّانِي وَالثَّالِث إِلَى الْبَعْض قَوْله " لم يرد منا " على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع أَي المُرَاد من قَوْله " لَا يصلين أحد " لَازمه وَهُوَ الاستعجال فِي الذّهاب إِلَى بني قُرَيْظَة لَا حَقِيقَة ترك الصَّلَاة أصلا وَلم يُعِنْهُمْ رَسُول الله ﷺ َ - على مُخَالفَة النَّهْي لأَنهم فَهموا مِنْهُ الْكِنَايَة عَن العجلة وَلَا التاركين للصَّلَاة المؤخرين عَن أول وَقتهَا لحملهم النَّهْي على ظَاهره (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) من ذَلِك مَا استنبط مِنْهُ ابْن حبَان معنى حسنا حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ تَأْخِير الْمَرْء للصَّلَاة عَن وَقتهَا إِلَى أَن يدْخل وَقت الصَّلَاة الْأُخْرَى يلْزمه بذلك اسْم الْكفْر لما أَمر الْمُصْطَفى بذلك. وَمِنْه مَا قَالَه السُّهيْلي فِيهِ دَلِيل على أَن كل مُخْتَلفين فِي الْفُرُوع من الْمُجْتَهدين مُصِيب إِذْ لَا يَسْتَحِيل أَن يكون الشَّيْء صَوَابا فِي حق إِنْسَان خطأ فِي حق غَيره فَيكون من اجْتهد فِي مَسْأَلَة فأداه اجْتِهَاده إِلَى الْحل مصيبا فِي حلهَا وَكَذَا الْحُرْمَة وَإِنَّمَا الْمحَال أَن يحكم فِي النَّازِلَة بحكمين متضادين فِي حق شخص وَاحِد وَإِنَّمَا عسر فهم هَذَا الأَصْل على طائفتين الظَّاهِرِيَّة والمعتزلة أما الظَّاهِرِيَّة فَإِنَّهُم عَلقُوا الْأَحْكَام بالنصوص فاستحال عِنْدهم أَن يكون النَّص يَأْتِي بحظر وَإِبَاحَة مَعًا إِلَّا على وَجه النّسخ وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم عَلقُوا الْأَحْكَام بتقبيح الْعقل وتحسينه فَصَارَ حسن الْفِعْل عِنْدهم أَو قبحه صفة عين فاستحال عِنْدهم أَن يَتَّصِف فعل بالْحسنِ فِي حق زيد والقبح فِي حق عَمْرو كَمَا يَسْتَحِيل ذَلِك فِي الألوان وَغَيرهَا من الصِّفَات الْقَائِمَة بالذوات وَأما مَا عدا هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ فَلَيْسَ الْحَظْر عِنْدهم وَالْإِبَاحَة بِصِفَات أَعْيَان وَإِنَّمَا هِيَ صِفَات أَحْكَام وَزعم الْخطابِيّ أَن قَول الْقَائِل فِي هَذَا كل مُجْتَهد مُصِيب لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ ظَاهر خطاب خص بِنَوْع من الدَّلِيل أَلا ترَاهُ قَالَ بل نصلي لم يرد منا ذَلِك يُرِيد أَن طَاعَة رَسُول الله ﷺ َ - فِيمَا أمره بِهِ من إِقَامَة الصَّلَاة فِي بني قُرَيْظَة لَا يُوجب تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا على عُمُوم الْأَحْوَال وَإِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ صلوا فِي بني قُرَيْظَة إِلَّا أَن يدرككم وَقتهَا قبل أَن تصلوا إِلَيْهَا وَكَذَا الطَّائِفَة الْأُخْرَى فِي تأخيرهم الصَّلَاة كَأَنَّهُ قيل لَهُم صلوا الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا إِلَّا أَن يكون لكم عذر فأخروها إِلَى آخر وَقتهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لَا احتجاج فِيهِ

стр. 1825

على إِصَابَة كل مُجْتَهد لِأَنَّهُ لم يُصَرح بِإِصَابَة الطَّائِفَتَيْنِ بل بِإِصَابَة ترك تعنيفهما وَلَا خلاف فِي ترك تعنيف الْمُجْتَهد وَإِن أَخطَأ إِذا بذل وَسعه وَأما اخْتلَافهمْ فسببه أَن الْأَدِلَّة تَعَارَضَت فَإِن الصَّلَاة مَأْمُور بهَا فِي الْوَقْت وَالْمَفْهُوم من " لَا يصلين " الْمُبَادرَة بالذهاب إِلَيْهِم فَأخذ بَعضهم بذلك فصلوا حِين خَافُوا فَوت الْوَقْت وَالْآخرُونَ بِالْآخرِ فأخروها وَيُقَال اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْمُبَادرَة بِالصَّلَاةِ عِنْد ضيق وَقتهَا وتأخيرها سَببه أَن أَدِلَّة الشَّرْع تَعَارَضَت عِنْدهم فَإِن الصَّلَاة مَأْمُور بهَا فِي الْوَقْت مَعَ أَن الْمَفْهُوم من قَوْله " لَا يصلين أحد إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة " الْمُبَادرَة بالذهاب إِلَيْهِ وَأَن لَا يشْتَغل عَنهُ بِشَيْء لَا أَن تَأْخِير الصَّلَاة مَقْصُود فِي نَفسه من حَيْثُ أَنه تَأْخِير فَأخذ بعض الصَّحَابَة بِهَذَا الْمَفْهُوم نظرا إِلَى الْمَعْنى لَا إِلَى اللَّفْظ فصلوا حِين خَافُوا فَوَات الْوَقْت وَأخذ آخَرُونَ بِظَاهِر اللَّفْظ وَحَقِيقَته وَلم يعنف الشَّارِع وَاحِدًا مِنْهُمَا لأَنهم مجتهدون فَفِيهِ دَلِيل لمن يَقُول بِالْمَفْهُومِ وَالْقِيَاس ومراعاة الْمَعْنى وَلمن يَقُول بِالظَّاهِرِ أَيْضا (قلت) هَذَا القَوْل مثل مَا قَالَ النَّوَوِيّ مَعَ بعض زِيَادَة فِيهِ وَقَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ أَن المتؤول إِذا لم يبعد فِي التَّأْوِيل لَيْسَ بمخطىء وَأَن السُّكُوت على فعل أَمر كالقول بإجازته - ٦ - (بابُ التَّكْبِيرِ والغَلَسِ بِالصُّبْحِ والصَّلَاةِ عِنْدَ الإغَارَةِ والحَرْبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّكْبِير من كبر يكبر تَكْبِيرا، وَهُوَ قَول: الله أكبر، هَكَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: التبكير، بِتَقْدِيم الْبَاء الْمُوَحدَة من: بكر يبكر تبكيرا إِذا أسْرع وبادر، و: الْغَلَس، بِفتْحَتَيْنِ: الظلمَة آخر اللَّيْل، وَالْمرَاد مِنْهُ التغليس بِصَلَاة الصُّبْح. قَوْله: (عِنْد الإغارة) يتَعَلَّق بِالتَّكْبِيرِ، وَمَا عطف عَلَيْهِ، والإغارة، بِكَسْر الْهمزَة فِي الأَصْل: الْإِسْرَاع فِي الْعَدو، وَيُقَال: أغار يُغير إغارة، وَكَذَلِكَ الْغَارة، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا: الهجوم على الْعَدو على وَجه الْغَفْلَة، فَهُوَ من الأجوف الواوي. فَإِن قلت: مَا مُنَاسبَة ذكر هَذَا الْبَاب فِي كتاب صَلَاة الْخَوْف؟ قلت: قيل: أَشَارَ بذلك إِلَى أَن صَلَاة الْخَوْف لَا يشْتَرط فِيهَا التَّأْخِير إِلَى آخر الْوَقْت، كَمَا شَرطه من شَرطه فِي صَلَاة شدَّة الْخَوْف عِنْد التحام الْقِتَال، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون للْإِشَارَة إِلَى تعْيين الْمُبَادرَة إِلَى الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا. قلت: هَذَا وَجه بعيد لَا يخفى ذَلِك، لِأَن مَحل ذَلِك فِي كتاب الصَّلَاة. ٩٤٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ البُنَانِيِّ عَن أنَسِ بنِ مالَكٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ الله أكْبَرُ خَرِبتْ خَيْبَرُ إنَّا إِذا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فسَاءَ صَبَاحُ المُنْذِرِينَ فَخَرَجُوا يسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ ويقُولُونَ مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ قَالَ والخمِيسُ الجَيْشُ فظَهَرَ علَيْهِمْ رسولُ الله ﷺ فقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وسَبَى الذرَارِيَّ فصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وصارَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا فقالَ عَبْدُ العَزِيزِ لِثَابِتٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أأنْتَ سَأَلْتَ أنَسا مَا أمْهَرَهَا قَالَ أمْهَرَهَا نَفْسَهَا فتَبَسَّمَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صلى الصُّبْح بِغَلَس ثمَّ ركب فَقَالَ الله أكبر) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب مَا يذكر فِي الْفَخْذ، بأطول مِنْهُ، وَأتم عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وتكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (بِغَلَس) أَي: فِي أول الْوَقْت. وَقيل: التغليس بالصبح سنة سفرا أَو حضرا، وَكَانَ من عَادَته ﷺ ذَلِك. قلت: إِنَّمَا غلس هُنَا لأجل مبادرته إِلَى الرّكُوب، وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة بِالْأَمر بالإسفار. قَوْله: (فَقَالَ: الله أكبر) فِيهِ: أَن التَّكْبِير عِنْد الإشراف على المدن والقرى سنة، وَكَذَا عِنْد مَا يسر بِهِ من ذَلِك عِنْد رُؤْيَة الْهلَال، وَكَذَا رفع الصَّوْت بِهِ إِظْهَارًا لعلو دين الله تَعَالَى، وَظُهُور أمره. قَوْله: (خربَتْ خَيْبَر) ، يحْتَمل الْإِنْشَاء وَالْخَبَر، وَفِيه التفاؤل، وبخرابه سَعَادَة الْمُسلمين فَهُوَ من الفأل الْحسن لَا من الطَّيرَة. قَوْله: (بِسَاحَة قوم) قَالَ ابْن التِّين: الساحة الْموضع، وَقيل: ساحة الدَّار. قَوْله: (فسَاء صباح الْمُنْذرين) أَي: أَصَابَهُم السوء من الْقَتْل على الْكفْر

стр. 1826

والاسترقاق. قَوْله: (يسعون) جملَة حَالية. قَوْله: (فِي السكَك) ، بِكَسْر السِّين: جمع سكَّة. وَهِي الزقاق. قَوْله: (وَالْخَمِيس) سمي الْجَيْش خميسا لانقسامه إِلَى خَمْسَة أَقسَام: الميمنة والميسرة وَالْقلب والمقدمة والساقة. قَوْله: (الْمُقَاتلَة) أَي: النُّفُوس الْمُقَاتلَة، وهم الرِّجَال. والذراري: جمع الذُّرِّيَّة وَهِي الْوَلَد، وَيجوز فِيهَا تَخْفيف الْيَاء وتشديدها، كَمَا فِي العواري وكل جمع مثله. قَوْله: (فَصَارَت صَفِيَّة لدحية الْكَلْبِيّ، وَصَارَت لرَسُول الله ﷺ ظَاهره أَنَّهَا صَارَت لَهما جَمِيعًا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل صَارَت أَولا لدحية ثمَّ صَارَت لرَسُول الله ﷺ ، فعلى هَذَا: الْوَاو، فِي: وَصَارَت، بِمَعْنى: ثمَّ، أَي: ثمَّ صَارَت للنَّبِي ﷺ أَو تكون بِمَعْنى: الْفَاء، والحروف يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض، وَيجوز أَن يكون هُنَا مُقَدّر للقرينة الدَّالَّة عَلَيْهِ، تَقْدِيره: فَصَارَت صَفِيَّة أَولا لدحية وَبعده صَارَت لرَسُول الله ﷺ وَكَيْفِيَّة الصيرورتين قد مَضَت فِي ذَلِك الْبَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: النِّسَاء لَيست داخلات تَحت لفظ الذَّرَارِي، فَكيف قَالَ: فَصَارَت صَفِيَّة لدحية؟ ثمَّ أجَاب: بِأَن المُرَاد بِالذَّرَارِيِّ غير الْمُقَاتلَة بِدَلِيل أَنه قسيمه. قَوْله: (وَجعل صَدَاقهَا عتقهَا) لِأَنَّهَا كَانَت بنت ملك، وَلم يكن مهرهَا إلاّ كثيرا، وَلم يكن بِيَدِهِ مَا يرضيها فَجعل صَدَاقهَا عتقهَا، لِأَن عتقهَا عِنْدهَا كَانَ أعز من الْأَمْوَال الْكَثِيرَة. قَوْله: (فَقَالَ عبد الْعَزِيز) ، هُوَ عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب الْمَذْكُور. قَوْله: (لِثَابِت) هُوَ الْبنانِيّ. قَوْله: (أَأَنْت؟) بهمزتين: أولاهما للاستفهام، وَفَائِدَة هَذَا السُّؤَال مَعَ علمه ذَلِك بقوله: (وَجعل صَدَاقهَا عتقهَا) للتَّأْكِيد، أَو كَانَ استفسره بعد الرِّوَايَة ليصدق رِوَايَته. قَوْله: (مَا أمهرها) قَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: مهرت الْمَرْأَة وأمهرتها إِذا جعلت لَهَا مهْرا، وَإِذا سقت إِلَيْهَا مهْرا، وَهُوَ: الصَدَاق: وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي (شَرحه) : صَوَابه مهرهَا يَعْنِي بِحَذْف الْألف، وبخط الْحَافِظ الدمياطي، مثل مَا قَالَه ابْن الْأَثِير، وَأنكر أَبُو حَاتِم: أمهرت، إِلَّا فِي لُغَة ضَعِيفَة، والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ، وَصَححهُ أَبُو زيد، وَقيل: مهرت، ثلاثي أفْصح وأعرب. ١٣ - (كِتَابُ العِيدَيْنِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أُمُور الْعِيدَيْنِ: عيد الْفطر وَعِيد الْأَضْحَى وأصل الْعِيد: عود لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من: عَاد يعود عودا. وَهُوَ الرُّجُوع، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، كالميزان والميقات من الْوَزْن وَالْوَقْت، وَيجمع على: أعياد، وَكَانَ من حَقه أَن يجمع على أَعْوَاد، لِأَنَّهُ من الْعود كَمَا ذكرنَا، وَلَكِن جمع بِالْيَاءِ للزومها فِي الْوَاحِد، أَو للْفرق بَينه وَبَين أَعْوَاد الْخَشَبَة، وسميا عيدين لِكَثْرَة عوائد الله تَعَالَى فيهمَا، وَقيل: لأَنهم يعودون إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى. وَفِي بعض النّسخ: أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ أَي: هَذِه أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ أَي: فِي بيانهما. وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَغَيره: بَاب الْعِيدَيْنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - (بابٌ فِي العِيدَيْنِ والتَّجَمُّلِ فِيهِ) لَيست فِي رِوَايَة أبي ذَر الْبَسْمَلَة، وَلما ذكر الْكتاب شرع يذكر الْأَبْوَاب الَّتِي يتضمنها الْكتاب وَاحِدًا بعد وَاحِد: أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعِيدَيْنِ وَبَيَان التجمل فِيهِ، أَي: التزين. قَوْله: (فِيهِ) أَي: فِي كل وَاحِد من الْعِيدَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فيهمَا) ، أَي: فِي الْعِيدَيْنِ، وَهِي على الأَصْل وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْعِيدَيْنِ بِدُونِ كلمة فِي، وَفِي بَعْضهَا: بَاب مَا جَاءَ فِي الْعِيدَيْنِ. ٩٤٨ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ قَالَ أخَذَ عُمَرَ جُبَّةً مِنْ إسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأخَذَهَا فأتَى رسولَ الله ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله ابْتع هاذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ والوُفُودِ فَقَالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ إنَّمَا هاذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خلَاقَ لَهُ فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شاءَ الله أنْ يَلْبَثَ ثُمَّ أرْسلَ إلَيْهِ رسولُ الله ﷺ بِجُبَّةِ ديبَاجٍ فأقْبَلَ بِهَا عُمَرُ فَأتَى بِهَا رسولَ الله ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّكَ قُلْتَ إنَّمَا هاذِه

стр. 1827

ِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ وأرْسلْتَ إلَيَّ بِهاذِهِ الجُبَّةِ فَقَالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ تَبِيعُهَا وتُصِيبُ بِهَا حاجَتَكَ. . مطابقته للجزء الْأَخير من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله بِهَذَا النسق قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع وَالزهْرِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزِّينَة عَن عبيد الله بن فضَالة عَن أبي الْيَمَان بِهِ، وَقد مر أَكثر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب مَا يلبس أحسن مَا يجد. ١ قَوْله: (أَخذ عمر) ، بِهَمْزَة وخاء وذال معجمتين، كَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات، وَفِي بعض النّسخ: (وجد عمر) ، بواو وجيم، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُسْند الشاميين) وَغير وَاحِد من طرق إِلَى أبي الْيَمَان شيخ البُخَارِيّ، فِيهِ. قيل: هُوَ الصَّوَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَرَادَ من أَخذ ملزومه وَهُوَ الشِّرَاء، قلت: الشِّرَاء لم يَقع وَلَكِن إِن أَرَادَ بِهِ السّوم فَلهُ وَجه. قَوْله: (جُبَّة) الْجُبَّة، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء، مَعْرُوفَة وَجَمعهَا: جباب. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْجبَاب مَا يلبس من الثِّيَاب. قَوْله: (من استبرق) الاستبرق، بِكَسْر الْهمزَة: الغليظ من الديباج، والديباج: الثِّيَاب المتخذة من الإبريسم فَارسي مُعرب، وَقد تفتح داله وَيجمع على: دياييج ودبابيج بِالْيَاءِ وَالْبَاء، لِأَن أَصله دباج، بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (تبَاع فِي السُّوق) جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة: لاستبرق. قَوْله: (فَأَخذهَا) أَي: عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَهَذَا من الْأَخْذ بِلَا خلاف، وَفَائِدَة التّكْرَار التَّأْكِيد إِذا كَانَ الْأَخْذ فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاء، وَأما على نُسْخَة: وجد، فَلَا يَجِيء معنى التَّأْكِيد. قَوْله: (ابْتَاعَ هَذِه) إِشَارَة إِلَى الْجُبَّة الْمَذْكُورَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذِه إِشَارَة إِلَى نوع تِلْكَ الْجُبَّة لَا إِلَى شخصها. قلت: ظَاهر التَّرْكِيب يشْهد لصِحَّة مَا ذكرته. وَقَوله: (ابْتَاعَ) أَمر وَقِيَاسه حذف الْألف، وَلَكِن بعض الروَاة أشْبع فَتْحة التَّاء فَصَارَ: ابْتَاعَ، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين: ابتع، بِحَذْف الْألف على الأَصْل، وعَلى الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (تجمل) ، مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، وأصل: تجمل تتجمل، بتاءين، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نَارا تلظَّى﴾ (اللَّيْل: ١٤) . أَصله: تتلظى، وَقيل: آبتاع؟ بِهَمْزَة اسْتِفْهَام ممدودة على صِيغَة لفظ الْمُتَكَلّم، وَمَعْنَاهُ: أأشتري؟ فعلى هَذَا يكون: تجمل، مَرْفُوعا. قَوْله: (للعيد والوفود) وَتقدم فِي كتاب الْجُمُعَة للْجُمُعَة بدل الْعِيد، وَهِي رِوَايَة نَافِع، وَالَّتِي هُنَا رِوَايَة سَالم، وَكَانَ ابْن عمر ذكرهمَا مَعًا، فَأخذ كل راوٍ وَاحِدًا مِنْهُمَا، والوفود جمع وَفد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقِصَّة وَاحِدَة وَالْجُمُعَة أَيْضا عيد. قَوْله: (تبيعها وتصيب بهَا حَاجَتك) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَو تصيب) ، وَمعنى الأول تنْتَفع بِثمنِهَا، وَمعنى الثَّانِي تجعلها لبَعض نِسَائِك مثلا. وَمن فَوَائده: اسْتِحْبَاب التجمل بالثياب فِي أَيَّام الأعياد وَالْجمع، وملاقاة النَّاس، وَلِهَذَا لم يُنكر الشَّارِع إلاّ كَونهَا حَرِيرًا، وَهَذَا على خلاف بعض المتقشفين، وَقد رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه خرج يَوْمًا وَعَلِيهِ حلَّة يمَان، وعَلى فرقد جُبَّة صوف، فَجعل فرقد ينظر ويمس حلَّة الْحسن ويسبح، فَقَالَ لَهُ: يَا فرقد ثِيَابِي ثِيَاب أهل الْجنَّة وثيابك ثِيَاب أهل النَّار يَعْنِي القسيسين والرهبان، ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا فرقد التَّقْوَى لست فِي هَذَا الكساء، وَإِنَّمَا التَّقْوَى مَا وقر فِي الصَّدْر وَصدقه الْعَمَل. وَفِيه: اسْتِفْهَام الصَّحَابَة عِنْد اخْتِلَاف القَوْل وَالْفِعْل ليعلموا الْوَجْه الَّذِي ينْصَرف إِلَيْهِ الْأَمر. وَفِيه: ائتلاف الصَّحَابَة بالعطاء وَقبُول الْعَطِيَّة إِذا لم يجر عَن مَسْأَلَة وَفضل الكفاف. وَفِيه: جَوَاز بيع الْحَرِير للرِّجَال وَالنِّسَاء وهبته، وَهَذَا الحَدِيث أغْلظ حَدِيث جَاءَ فِي لبس الْحَرِير. ٢ - (بابُ الحِرَابِ والدَّرَق يَوْمَ العِيدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر الحراب والدرق اللَّذين جَاءَ ذكرهمَا فِي الحَدِيث يَوْم الْعِيد، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن يَوْم الْعِيد يَوْم انبساط وانشراح يغْتَفر فِيهِ مَا لَا يغْتَفر فِي غَيره، والحراب، بِكَسْر الْحَاء: جمع حَرْبَة، والدرق بِفتْحَتَيْنِ: جمع درقة وَهِي الترس الَّذِي يتَّخذ من الْجُلُود ٢ - (حَدثنَا أَحْمد قَالَ حَدثنَا ابْن وهب قَالَ أخبرنَا عَمْرو أَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن

стр. 1828

الْأَسدي حَدثهُ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ َ - وَعِنْدِي جاريتان تُغنيَانِ بغناء بُعَاث فاضطجع على الْفراش وحول وَجهه وَدخل أَبُو بكر فَانْتَهرنِي وَقَالَ مزمارة الشَّيْطَان عِنْد النَّبِي ﷺ َ - فَأقبل عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ دعهما فَلَمَّا غفل غمزتهما فخرجتا وَكَانَ يَوْم عيد يلْعَب السودَان بالدرق والحراب فإمَّا سَأَلت النَّبِي ﷺ َ - وَإِمَّا قَالَ أتشتهين تنظرين فَقلت نعم فأقامني وَرَاءه خدي على خَدّه وَهُوَ يَقُول دونكم يَا بني أرفدة حَتَّى إِذا مللت قَالَ حَسبك قلت نعم قَالَ فاذهبي) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِيهِ لفظ الدرق والحراب وَهَذِه الْمُنَاسبَة فِي مُجَرّد الذّكر لِأَن التَّرْجَمَة مَا وضعت لبَيَان حكمه وَلِهَذَا قَالَ ابْن بطال لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب أَنه ﷺ َ - خرج بأصحاب الحراب مَعَه يَوْم الْعِيد وَلَا أَمر أَصْحَابه بالتأهب بِالسِّلَاحِ فَلَا يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة وَقد ذكرنَا وَجهه فَلَا يحْتَاج إِلَى مُطَابقَة تَامَّة بل أدنى الِاسْتِئْنَاس فِي ذَلِك كَاف. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة الأول أَحْمد بن عِيسَى بن حسان أَبُو عبد الله التسترِي مصري الأَصْل مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ تكلم فِيهِ يحيى بن معِين هَكَذَا وَقع أَحْمد بن عِيسَى فِي رِوَايَة أبي ذَر وَابْن عَسَاكِر وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع حَدثنَا أَحْمد غير مَنْسُوب وَقَالَ أَبُو عَليّ بن السكن كل مَا فِي البُخَارِيّ حَدثنَا أَحْمد غير مَنْسُوب فَهُوَ أَحْمد بن صَالح وَقَالَ الْحَاكِم رُوِيَ فِي كتاب الصَّلَاة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع عَن أَحْمد عَن ابْن وهب فَقيل أَنه أَحْمد بن صَالح وَقيل أَحْمد بن عِيسَى التسترِي وَلَا يَخْلُو أَن يكون وَاحِدًا مِنْهُمَا فقد رُوِيَ عَنْهُمَا فِي جَامعه ونسيهما فِي مَوَاضِع وَذكر الكلاباذي عَن أبي أَحْمد الْحَافِظ أَحْمد عَن ابْن وهب فِي جَامع البُخَارِيّ هُوَ ابْن أخي ابْن وهب قَالَ الْحَاكِم وَهَذَا وهم وَغلط وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْمَشَايِخ الَّذين ترك أَبُو عبد الله الرِّوَايَة عَنْهُم فِي الصَّحِيح قد رُوِيَ عَنْهُم فِي سَائِر تصانيفه كَابْن صَالح وَغَيره وَلَيْسَ عَن ابْن أخي وهب رِوَايَة فِي مَوضِع فَهَذَا يدلك على أَنه لم يكْتب عَنهُ أَو كتب عَنهُ ثمَّ ترك الرِّوَايَة عَنهُ أصلا وَقَالَ ابْن مندة كل مَا فِي البُخَارِيّ حَدثنَا أَحْمد عَن ابْن وهب فَهُوَ ابْن صَالح وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن ابْن أخي ابْن وهب فِي صَحِيحه شَيْئا وَإِذا حدث عَن أَحْمد بن عِيسَى نسبه الثَّانِي عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ الثَّالِث عَمْرو بن الْحَارِث وَقد تكَرر ذكره الرَّابِع مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن نَوْفَل بن الْأسود الْأَسدي الْقرشِي الْمدنِي يَتِيم عُرْوَة دخل مصر فِي زمن بني أُميَّة وَمَات سنة سبع عشرَة وَمِائَة الْخَامِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام السَّادِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن الشّطْر الأول من الروَاة مصريون وَالثَّانِي مدنيون ﵏. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه أَيْضا عقيب هَذَا الْبَاب وَفِي بَاب نظر الْمَرْأَة إِلَى الْحَبَشَة وَفِي بَاب إِذا قَامَ العَبْد يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَفِي حسن الْعشْرَة مَعَ الْأَهْل وَفِي بَاب أَصْحَاب الحراب فِي الْمَسْجِد فَهَذِهِ سَبْعَة أَبْوَاب وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " دخل على رَسُول الله ﷺ َ - " زَاد فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة " فِي أَيَّام منى " قَوْله " جاريتان " تَثْنِيَة جَارِيَة وَالْجَارِيَة فِي النِّسَاء كالغلام فِي الرِّجَال وَيُقَال على من دون الْبلُوغ مِنْهُمَا وَسَيَجِيءُ فِي الْبَاب الَّذِي بعده من جواري الْأَنْصَار وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أم سَلمَة أَن إِحْدَاهمَا كَانَت لحسان بن ثَابت فِي الْعِيدَيْنِ لِابْنِ أبي الدُّنْيَا من طَرِيق فليح عَن هِشَام بن عُرْوَة " وحمامة وصاحبتها تُغنيَانِ " وَإِسْنَاده صَحِيح وَلم يذكر أحد من مصنفي أَسمَاء الصَّحَابَة حمامة هَذِه وَذكر الذَّهَبِيّ فِي التَّجْرِيد حمامة أم بِلَال رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اشْتَرَاهَا أَبُو بكر وأعتقها

стр. 1829

قَوْله " تُغنيَانِ " جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لجاريتين وَزَاد فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ " تدففان " بفاءين أَي تضربان بالدف وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن هِشَام " تُغنيَانِ بدف " وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ " دَفِين " والدف بِضَم الدَّال وَفتحهَا وَالضَّم أشهر وَيُقَال لَهُ أَيْضا الكربال بِكَسْر الْكَاف وَهُوَ الَّذِي لَا جلاجل فِيهِ فَإِن كَانَت فِيهِ فَهُوَ المزهر وَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده " تُغنيَانِ بِمَا تقاولت الْأَنْصَار يَوْم بُعَاث " أَي قَالَ بَعضهم لبَعض من فَخر أَو هجاء وَسَيَأْتِي فِي الْهِجْرَة " بِمَا تعازفت " بِعَين مُهْملَة وزاي وَفَاء من العزف وَهُوَ الصَّوْت الَّذِي لَهُ دوِي وَفِي رِوَايَة " تقاذفت " بقاف بدل الْعين وذال مُعْجمَة بدل الزَّاي من الْقَذْف وَهُوَ هجاء بَعضهم لبَعض وَعند أَحْمد فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام " تذكران يَوْم بُعَاث " يَوْم قتل فِيهِ صَنَادِيد الْأَوْس والخزرج قَوْله " بغناء بُعَاث " الْغناء بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالمد قَالَ الْجَوْهَرِي الْغناء بِالْكَسْرِ من السماع وبالفتح النَّفْع وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَلما يرد بِهِ الْغناء الْمَعْرُوف من أهل اللَّهْو واللعب وَقد رخص عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي غناء الْأَعْرَاب وَهُوَ صَوت كالحداء وبعاث بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة وَالْمَشْهُور أَنه لَا ينْصَرف وَنقل عِيَاض عَن أبي عُبَيْدَة بالغين الْمُعْجَمَة وَنقل ابْن الْأَثِير عَن صَاحب الْعين خَلِيل كَذَلِك وَكَذَا حكى عَنهُ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم الْبلدَانِ وَجزم أَبُو مُوسَى فِي ذيل الْغَرِيب بِأَنَّهُ تَصْحِيف وَتَبعهُ صَاحب النِّهَايَة وَقَالَ أَبُو مُوسَى وَصَاحب النِّهَايَة هُوَ اسْم حصن لِلْأَوْسِ وَفِي كتاب أبي الْفرج الْأَصْفَهَانِي فِي تَرْجَمَة أبي قيس بن الأسلت هُوَ مَوضِع فِي ديار بني قُرَيْظَة فِيهِ أَمْوَالهم وَكَانَ مَوضِع الْوَقْعَة فِي مزرعة لَهُم هُنَاكَ وَقَالَ الْخطابِيّ يَوْم بُعَاث يَوْم مَشْهُور من أَيَّام الْعَرَب كَانَت فِيهِ مقتلة عَظِيمَة لِلْأَوْسِ على الْخَزْرَج وَبقيت الْحَرْب مائَة وَعِشْرُونَ سنة إِلَى الْإِسْلَام على مَا ذكره ابْن اسحق وَغَيره وَكَانَ أول هَذِه الْوَقْعَة فِيمَا ذكره ابْن اسحق وَهِشَام ابْن الْكَلْبِيّ وَغَيرهمَا أَن الْأَوْس والخزرج لما نزلُوا الْمَدِينَة وجدوا الْيَهُود مستوطنين بهَا فحالفوهم وَكَانُوا تَحت قهرهم ثمَّ غلبوا على الْيَهُود لعنهم الله بمساعدة أبي جبلة ملك غَسَّان فَلم يزَالُوا على اتِّفَاق بَينهم حَتَّى كَانَت أول حَرْب وَقعت بَينهم حَرْب سمير بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء بِسَبَب رجل يُقَال لَهُ كَعْب من بني ثَعْلَبَة نزل على مَالك بن العجلان الخزرجي فحالفه فَقتله رجل من الْأَوْس يُقَال لَهُ سمير فَكَانَ ذَلِك سَبَب الْحَرْب بَين الْحَيَّيْنِ ثمَّ كَانَت بَينهم وقائع من أشهرها يَوْم السرارة بمهملات وَيَوْم فارع بفاء وَرَاء وَعين مُهْملَة وَيَوْم الْفجار الأول وَالثَّانِي وَحرب حُصَيْن بن الأسلت وَحرب حَاطِب بن قيس إِلَى أَن كَانَ آخر ذَلِك يَوْم بُعَاث وَكَانَ رَئِيس الْأَوْس فِيهِ حضير وَالِد أسيد وَكَانَ يُقَال لَهُ حضير الْكَتَائِب وجرح يَوْمئِذٍ ثمَّ مَاتَ بعد مُدَّة من جراحته وَكَانَ رَئِيس الْخَزْرَج عَمْرو بن النُّعْمَان وجاءه سهم فِي الْقِتَال فصرعه فهزموا بعد أَن كَانُوا قد استظهروا ولحسان وَغَيره من الْخَزْرَج وَكَذَا لقيس بن الْحطيم وَغَيره من الْأَوْس فِي ذَلِك أشعار كَثِيرَة مثبتة فِي دواوينهم قَوْله " فاضطجع على الْفراش " وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ " أَنه تغشى بِثَوْبِهِ " وَفِي رِوَايَة لمُسلم " تسجى " أَي التف بِثَوْبِهِ قَوْله " وَدخل أَبُو بكر " ويروى " وَجَاء أَبُو بكر " وَفِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة فِي الْبَاب الَّذِي بعده " وَدخل على أَبُو بكر وَكَأَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا لَهَا بعد أَن دخل على النَّبِي ﷺ َ - بَيته " (قلت) يُمكن أَن يكون مَجِيئه لمَنعه الجاريتين المذكورتين عَن الْغناء قَوْله " فَانْتَهرنِي " أَي زجرني وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ " فانتهرهما " أَي الجاريتين والتوفيق بَينهمَا أَنه نهر عَائِشَة لتقريرها ذَلِك ونهرهما لفعلهما ذَلِك فِي بَيت النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " مزمارة الشَّيْطَان " بِكَسْر الْمِيم يَعْنِي الْغناء أَو الدُّف وهمزة الِاسْتِفْهَام قبلهَا مقدرَة وَهِي مُشْتَقَّة من الزمير وَهُوَ الصَّوْت الَّذِي لَهُ صفير وَسميت بِهِ الْآلَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي يرمز بهَا وإضافتها إِلَى الشَّيْطَان من جِهَة أَنَّهَا تلهي وتشغل الْقلب عَن الذّكر وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عِنْد أَحْمد " فَقَالَ يَا عباد الله المزمور عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - " قَالَ الْقُرْطُبِيّ " المزمور " الصَّوْت وَضَبطه عِيَاض بِضَم الْمِيم وَحكى فتحهَا وَقَالَ ابْن سَيّده يُقَال زمر يزمر زميرا وزمرانا غنى فِي الْقصب وَامْرَأَة زامرة وَلَا يُقَال رجل زامر إِنَّمَا هُوَ زمار وَقد حكى بَعضهم رجل زامر وَفِي الْجَامِع فِي الحَدِيث " نهى عَن كسب الزمارة " يُرِيد الْفَاجِرَة وَفِي الصِّحَاح وَلَا يُقَال للْمَرْأَة زمارة وَفِي كتاب ابْن التِّين الزمر الصَّوْت الْحسن وَيُطلق على الْغناء أَيْضا وَجمع المزمار مَزَامِير قَوْله " فَأقبل عَلَيْهِ " أَي على أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ " فكشف النَّبِي ﷺ َ - عَن وَجهه " وَفِي رِوَايَة فليح " فكشف رَأسه " وَقد مضى أَنه كَانَ ملتفا قَوْله " فَقَالَ دعهما " أَي فَقَالَ

стр. 1830

النَّبِي ﷺ َ - لأبي بكر دع الجاريتين أَي اتركهما وَفِي رِوَايَة هِشَام " يَا أَبَا بكر إِن لكل قوم عيدا وَهَذَا عيدنا " هَذَا تَعْلِيل لنَهْيه ﷺ َ - إِيَّاه بقوله " دعهما " وَبَيَان لخلاف مَا ظَنّه أَبُو بكر من أَنَّهُمَا فعلتا ذَلِك بِغَيْر علمه لكَونه دخل فَوجدَ النَّبِي ﷺ َ - مغطى بِثَوْبِهِ نَائِما وَلَا سِيمَا كَانَ الْمُقَرّر عِنْده منع الْغناء وَاللَّهْو فبادر إِلَى إِنْكَار ذَلِك قيَاما عَن النَّبِي ﷺ َ - فأوضح ﷺ َ - الْحَال وَبَينه بقوله " إِن لكل قوم عيدا " أَي أَن لكل طَائِفَة من الْملَل الْمُخْتَلفَة عيدا يسمونه باسم مثل النيروز والمهرجان وَإِن هَذَا الْيَوْم يَوْم عيدنا وَهُوَ يَوْم سرُور شَرْعِي فَلَا يُنكر مثل هَذَا على أَن ذَلِك لم يكن بِالْغنَاءِ الَّذِي يهيج النُّفُوس إِلَى أُمُور لَا تلِيق وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة " وليستا بمغنيتين " يَعْنِي لم تتخذا الْغناء صناعَة وَعَادَة وروى النَّسَائِيّ وَابْن حبَان بِإِسْنَاد صَحِيح " عَن أنس قدم النَّبِي ﷺ َ - الْمَدِينَة وَلَهُم يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فيهمَا فَقَالَ قد أبدلكم الله تَعَالَى بهما خيرا مِنْهُمَا يَوْم الْفطر وَيَوْم الْأَضْحَى " قَوْله " غمزتهما " جَوَاب " لما " الغمز بالمعجمتين الْإِشَارَة بِالْعينِ والحاجب أَو الْيَد وَالرَّمْز كَذَلِك قَوْله " فخرجتا " بفاء الْعَطف وَالْمَشْهُور خرجتا بِدُونِ الْفَاء قَالَ الْكرْمَانِي خرجتا بِدُونِ الْفَاء بدل أَو اسْتِئْنَاف قَوْله " وَكَانَ يَوْم عيد " أَي كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم عيد وَكَانَ الْقَائِل بذلك عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَيدل عَلَيْهِ مَا وَقع فِي رِوَايَة الجوزقي فِي هَذَا الحَدِيث " وَقَالَت عَائِشَة كَانَ يَوْم عيد " وَبِهَذَا يظْهر أَيْضا أَنه مَوْصُول كَغَيْرِهِ قَوْله " يلْعَب فِيهِ " أَي فِي ذَلِك الْيَوْم قَوْله " فَأَما سَأَلت " أَي التمست من رَسُول الله ﷺ َ - النّظر إِلَيْهِم وَكلمَة أما فِيهِ تدل على ترددها فِيمَا كَانَ وَقع مِنْهَا هَل كَانَ ﷺ َ - أذن لَهَا فِي ذَلِك ابْتِدَاء مِنْهُ من غير سُؤال مِنْهَا أَو كَانَ عَن سُؤال مِنْهَا إِيَّاه فِي ذَلِك قيل هَذَا بِنَاء على أَن " سَأَلت " بِسُكُون اللَّام على أَنه كَلَامهَا وَيحْتَمل أَن يكون بِفَتْح اللَّام كَلَام الرَّاوِي (قلت) سُكُون اللَّام يدل على أَنه لفظ الْمُتَكَلّم وَحده وَفتح اللَّام يدل على أَنه فعل مَاض مُفْرد مؤنث وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره يبعده قَوْله " فَقلت نعم " لَا يدرى إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ على أَن جعله من كَلَامهَا أولى من جعله من كَلَام الرَّاوِي لِأَن كَلَام الرَّاوِي لَيْسَ من الحَدِيث فَافْهَم قَوْله " تشتهين " كلمة الِاسْتِفْهَام فِيهِ مقدرَة وَكَذَلِكَ أَن المصدرية مقدرَة فِي قَوْله " تنظرين " وَالتَّقْدِير أتشتهين النّظر إِلَى السودَان وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَنْهَا فِي ذَلِك فَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق يزِيد بن رُومَان عَنْهَا " سمعنَا لَغطا وَصَوت صبيان فَقَامَ النَّبِي ﷺ َ - فَإِذا حبشية تزفن " أَي ترقص " وَالصبيان حولهَا فَقَالَ يَا عَائِشَة تعالي فانظري " فَهَذَا يدل على أَنه سَأَلَهَا وَفِي رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر عَنْهَا عِنْد مُسلم " أَنَّهَا قَالَت للعابين وددت أَنِّي أَرَاهُم " فَفِي هَذَا يحْتَمل أَن يكون السَّائِل هُوَ النَّبِي ﷺ َ - وَأَن تكون عَائِشَة لَا كَمَا جزم بِهِ الْبَعْض أَنَّهَا سَأَلته وَرِوَايَة للنسائي من طَرِيق أبي سَلمَة عَنْهَا " دخل الْحَبَشَة الْمَسْجِد يَلْعَبُونَ فَقَالَ لي النَّبِي ﷺ َ - يَا حميراء تحبين أَن تنظري إِلَيْهِم فَقلت نعم " إِسْنَاده صَحِيح قَالَ بَعضهم وَلم أر فِي حَدِيث صَحِيح ذكر الْحُمَيْرَاء إِلَّا فِي هَذَا (قلت) رُوِيَ من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه " عَن عَائِشَة قَالَت استخنت مَاء فِي الشَّمْس فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَا تفعلي يَا حميراء فَإِنَّهُ يُورث البرص " وَهَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ ضَعِيفا فَفِيهِ ذكر الْحُمَيْرَاء وَفِي مُسْند السراج من حَدِيث أنس " أَن الْحَبَشَة كَانَت تزفن بَين يَدي النَّبِي ﷺ َ - ويتكلمون بِكَلَام لَهُم فَقَالَ مَا يَقُولُونَ قَالَ يَقُولُونَ مُحَمَّد عبد صَالح " قَوْله " خدي على خَدّه " جملَة حَالية بِلَا وَاو كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْنَا اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وَقَول الْقَائِل كَلمته فوه إِلَى فِي (قلت) قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) حقق لي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْكَشَّاف تَارَة يَجْعَلهَا حَالا بِدُونِ الْوَاو فصيحا وَأُخْرَى ضَعِيفا (قلت) إِذا أمكن وضع مُفْرد مقامهما استفحصه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ أَي اهبطوا معادين وَهَهُنَا أَيْضا مُمكن إِذْ تَقْدِيره أقامني متلاصقين انْتهى (قلت) كل جملَة أَي جملَة كَانَت لَا يكتسى محلهَا إعرابا إِلَّا إِذا وَقعت موقع الْمُفْرد فَلَا يحْتَاج إِلَى تَفْصِيل وَالظَّاهِر أَن الْكرْمَانِي لم يمعن نظره فِي هَذَا الْموضع وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا اللَّفْظ فَفِي رِوَايَة مُسلم عَن هِشَام عَن أَبِيه " فَوضعت رَأْسِي على مَنْكِبَيْه " وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة " فَوضعت ذقني على عَاتِقه وأسندت وَجْهي إِلَى خَدّه " وَفِي رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر عَنْهَا " أنظر بَين أُذُنَيْهِ وعاتقه " وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة الَّتِي تَأتي بعد " فيسترني وَأَنا أنظر " وَقد مضى فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد بِلَفْظ " يسترني بردائه " قَوْله " وَهُوَ يَقُول " جملَة اسمية وَقعت حَالا قَوْله " دونكم " بِالنّصب

стр. 1831

على الظَّرْفِيَّة وَهُوَ كلمة الإغراء بالشَّيْء والمغرى بِهِ مَحْذُوف أَي الزموا مَا أَنْتُم فِيهِ وَعَلَيْكُم بِهِ وَالْعرب تغري بعليك وعندك وأخواتهما وشأنها أَن يتَقَدَّم الِاسْم كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث وَقد جَاءَ تَأْخِيرهَا شاذا كَقَوْلِه (يَا أَيهَا المانح دلوي دونكا ... إِنِّي رَأَيْت النَّاس يمدونكا) قَوْله " يَا بني أرفدة " بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْفَاء وَفتحهَا وَالْكَسْر أشهر وَهُوَ لقب للحبشة أَو اسْم أَبِيهِم الأقدم وَقيل جنس مِنْهُم يرقصون وَقيل الْمَعْنى يَا بني الآماء وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة " فزجرهم عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - أمنا بني أرفدة " وَبَين الزُّهْرِيّ أَيْضا عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة وَجه الزّجر حَيْثُ قَالَ " فَأَهوى إِلَى الْحَصْبَاء فحصبهم بهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - دعهم يَا عمر " وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَاد وَزَاد أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه فِيهِ " فَإِنَّهُم بَنو أرفدة " كَأَنَّهُ يَعْنِي أَن هَذَا شَأْنهمْ وطريقتهم وَهُوَ من الْأُمُور الْمُبَاحَة فَلَا إِنْكَار عَلَيْهِم قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِيهِ تَنْبِيه على أَنهم يغْتَفر لَهُم مَا لم يغْتَفر لغَيرهم لِأَن الأَصْل فِي الْمَسَاجِد تنزيهها عَن اللّعب فَيقْتَصر على مَا ورد فِيهِ النَّص قَوْله " أمنا بني أرفدة " مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي ائمنوا أمنا وَلَا تخافوا وَيجوز أَن يكون أمنا الَّذِي هُوَ مصدر أقيم مقَام الصّفة كَقَوْلِك رجل عدل أَي عَادل وَالْمعْنَى آمِنين بني أرفدة وَقَالَ ابْن التِّين وَضبط فِي بعض الْكتب آمنا على وزن فَاعِلا وَيكون أَيْضا بِمَعْنى آمِنين قَوْله " حَتَّى إِذا مللت " بِكَسْر اللَّام الأولى من الْملَل وَهُوَ السَّآمَة وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ " حَتَّى أكون أَنا الَّذِي أسأم " وَلمُسلم من طَرِيقه " حَتَّى أكون أَنا الَّذِي أنصرف " وَفِي رِوَايَة يزِيد بن رُومَان عِنْد النَّسَائِيّ " أما شبعت أما شبعت فَجعلت أَقُول لَا لأنظر منزلتي عِنْده " وَله من رِوَايَة أبي سَلمَة عَنْهَا " قلت يَا رَسُول الله لَا تعجل فَقَامَ لي ثمَّ قَالَ حَسبك قلت لَا تعجل قلت وَمَا بِي حب النّظر إِلَيْهِم وَلَكِن أَحْبَبْت أَن تبلغ النِّسَاء مقَامه لي ومكانه مني " قَوْله " حَسبك " الِاسْتِفْهَام مُقَدّر أَي أحسبك وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي أكافيك هَذَا الْقدر (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) وَهُوَ على وُجُوه. الأول الْكَلَام فِي الْغناء قَالَ الْقُرْطُبِيّ أما الْغناء فَلَا خلاف فِي تَحْرِيمه لِأَنَّهُ من اللَّهْو واللعب المذموم بالِاتِّفَاقِ فَأَما مَا يسلم من الْمُحرمَات فَيجوز الْقَلِيل مِنْهُ فِي الأعراس والأعياد وشبههما وَمذهب أبي حنيفَة تَحْرِيمه وَبِه يَقُول أهل الْعرَاق وَمذهب الشَّافِعِي كَرَاهَته وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك وَاسْتدلَّ جمَاعَة من الصُّوفِيَّة بِحَدِيث الْبَاب على إِبَاحَة الْغناء وسماعه بِآلَة وَبِغير آلَة وَيرد عَلَيْهِم بِأَن غناء الجاريتين لم يكن إِلَّا فِي وصف الْحَرْب والشجاعة وَمَا يجْرِي فِي الْقِتَال فَلذَلِك رخص رَسُول الله ﷺ َ - فِيهِ وَأما الْغناء الْمُعْتَاد عَن المشتهرين بِهِ الَّذِي يُحَرك السَّاكِن ويهيج الكامن الَّذِي فِيهِ وصف محَاسِن الصّبيان وَالنِّسَاء وَوصف الْخمر وَنَحْوهَا من الْأُمُور الْمُحرمَة فَلَا يخْتَلف فِي تَحْرِيمه وَلَا اعْتِبَار لما أبدعته الجهلة من الصُّوفِيَّة فِي ذَلِك فَإنَّك إِذا تحققت أَقْوَالهم فِي ذَلِك وَرَأَيْت أفعالهم وقفت على آثَار الزندقة مِنْهُم وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا مُجَرّد الْغناء وَالِاسْتِمَاع إِلَيْهِ مَعْصِيّة حَتَّى قَالُوا اسْتِمَاع الْقُرْآن بالألحان مَعْصِيّة والتالي وَالسَّامِع آثمان وَاسْتَدَلُّوا فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث﴾ جَاءَ فِي التَّفْسِير أَن المُرَاد بِهِ الْغناء وَفِي فردوس الْأَخْبَار " عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ إحذروا الْغناء فَإِنَّهُ من قبل إِبْلِيس وَهُوَ شرك عِنْد الله وَلَا يُغني إِلَّا الشَّيْطَان " وَلَا يلْزم من إِبَاحَة الضَّرْب بالدف فِي الْعرس وَنَحْوه إِبَاحَة غَيره من الْآلَات كالعود وَنَحْوه وَسُئِلَ أَبُو يُوسُف عَن الدُّف أتكرهه فِي غير الْعرس مثل الْمَرْأَة فِي منزلهَا وَالصَّبِيّ قَالَ فَلَا كَرَاهَة وَأما الَّذِي يَجِيء مِنْهُ اللّعب الْفَاحِش والغناء فَإِنِّي أكرهه. الثَّانِي فِيهِ جَوَاز اللّعب بِالسِّلَاحِ للتدريب على الْحَرْب والتنشيط عَلَيْهِ. وَفِيه جَوَاز المسايفة لما فِيهَا من تمرين الْأَيْدِي على آلَات الْحَرْب. الثَّالِث فِيهِ جَوَاز نظر النِّسَاء إِلَى فعل الرِّجَال الْأَجَانِب لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكره لَهُنَّ النّظر إِلَى المحاسن والاستلذاذ بذلك وَنظر الْمَرْأَة إِلَى وَجه الرجل الْأَجْنَبِيّ إِن كَانَ بِشَهْوَة فَحَرَام اتِّفَاقًا وَإِن كَانَ بِغَيْر شَهْوَة فَالْأَصَحّ التَّحْرِيم وَقيل هَذَا كَانَ قبل نزُول ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ أَو كَانَ قبل بُلُوغ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (قلت) فِيهِ نظر لِأَن فِي رِوَايَة ابْن حبَان أَن ذَلِك وَقع لما قدم وَفد الْحَبَشَة وَكَانَ قدومهم سنة سبع فَيكون عمرها حِينَئِذٍ خمس عشرَة سنة. الرَّابِع فِيهِ مَشْرُوعِيَّة التَّوسعَة على الْعِيَال فِي أَيَّام الأعياد بأنواع مَا يحصل لَهُم بِهِ بسط النَّفس وترويح الْبدن من كلف الْعِبَادَة وَإِن الْإِعْرَاض عَن ذَلِك أولى. الْخَامِس فِيهِ أَن إِظْهَار السرُور فِي الأعياد من شَعَائِر الدّين. السَّادِس فِيهِ جَوَاز دُخُول الرجل على

стр. 1832

ابْنَته وَهِي عِنْد زَوجهَا إِذا كَانَت لَهُ بذلك عَادَة. السَّابِع فِيهِ الْأَب ابْنَته بِحَضْرَة الزَّوْج وَإِن تَركه الزَّوْج إِذْ التَّأْدِيب وَظِيفَة الْآبَاء والعطف مَشْرُوع من الْأزْوَاج للنِّسَاء. الثَّامِن فِيهِ الرِّفْق بِالْمَرْأَةِ واستجلاب مودتها. التَّاسِع فِيهِ أَن مَوَاضِع أهل الْخَيْر تنزه عَن اللَّهْو واللغو وَإِن لم يكن لَهُم فِيهِ إِثْم إِلَّا بإذنهم. الْعَاشِر فِيهِ أَن التلميذ إِذا رأى عِنْد شَيْخه مَا يستنكر مثله بَادر إِلَى إِنْكَاره وَلَا يكون فِي ذَلِك افتيات على شَيْخه بل هُوَ أدب مِنْهُ ورعاية لِحُرْمَتِهِ وإجلال منصبه. الْحَادِي عشر فِيهِ فَتْوَى التلميذ بِحَضْرَة شَيْخه بِمَا يعرف من طَرِيقَته وَيحْتَمل أَن أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ظن أَن النَّبِي ﷺ َ - نَام فخشي أَن يَسْتَيْقِظ فيغضب على ابْنَته فبادر إِلَى سد هَذِه الذريعة وَفِي قَول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فِي آخر هَذَا الحَدِيث " فَلَمَّا غفل غمزتهما فخرجتا " دلَالَة على أَنَّهَا مَعَ ترخيص النَّبِي ﷺ َ - لَهَا فِي ذَلِك راعت خاطر أَبِيهَا أَو خشيت غَضَبه عَلَيْهَا فأخرجتهما واقتناعها فِي ذَلِك بِالْإِشَارَةِ فِيمَا يظْهر للحياء من الْكَلَام بِحَضْرَة من هُوَ أكبر مِنْهَا. الثَّانِي عشر فِيهِ جَوَاز سَماع صَوت الْجَارِيَة بِالْغنَاءِ وَإِن لم تكن مَمْلُوكَة لِأَنَّهُ ﷺ َ - لم يُنكر على أبي بكر سَمَاعه بل أنكر إِنْكَاره واستمرت إِلَى أَن أشارت إِلَيْهِمَا عَائِشَة بِالْخرُوجِ وَلَكِن لَا يخفى أَن مَحل الْجَوَاز مَا إِذا أمنت الْفِتْنَة بذلك وَقَالَ الْمُهلب الَّذِي أنكرهُ أَبُو بكر كَثْرَة التغنيم وَإِخْرَاج الإنشاد من وَجهه إِلَى معنى التطريب بالألحان أَلا ترى أَنه لم يُنكر الإنشاد وَإِنَّمَا أنكر مشابهة الزمر بِمَا كَانَ فِي الْمُعْتَاد الَّذِي فِيهِ اخْتِلَاف النغمات وَطلب الإطراب فَهُوَ الَّذِي يخْشَى مِنْهُ وَقطع الذريعة فِيهِ أحسن وَمَا كَانَ دون ذَلِك من الإنشاد وَرفع الصَّوْت حَتَّى لَا يخفى معنى الْبَيْت وَمَا أَرَادَهُ الشَّاعِر بِشعرِهِ فَغير مَنْهِيّ عَنهُ وَقد رُوِيَ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه رخص فِي غناء الْأَعرَابِي وَهُوَ صَوت كالحداء يُسمى النصب إِلَّا أَنه رَقِيق. الثَّالِث عشر اسْتدلَّ بِهِ ابْن حزم وَقَالَ الْغناء واللعب واللزفن فِي أَيَّام الْعِيدَيْنِ حسن فِي الْمَسْجِد وَغَيره وَقَالَ ابْن التِّين كَانَ هَذَا فِي أول الْإِسْلَام لتعلم الْقِتَال وَقَالَ أَبُو الْحسن فِي التَّبْصِرَة هُوَ مَنْسُوخ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله﴾ الْآيَة وَبِقَوْلِهِ ﷺ َ - " جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ مجانينكم وَصِبْيَانكُمْ ". الرَّابِع عشر فِيهِ جَوَاز اكْتِفَاء الْمَرْأَة فِي السّتْر بِالْقيامِ خلف من تتستر بِهِ من زوج أَو ذِي محرم. الْخَامِس عشر فِيهِ بَيَان أَخْلَاق النَّبِي ﷺ َ - الْحَسَنَة ولطفه وَحسن شمائله ﷺ َ -. ٣ - (بابُ سُنَّةِ العِيدَيْنِ لأِهْلِ الإسْلَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنية الدُّعَاء فِي الْعِيد، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب سنة الْعِيدَيْنِ لأهل الْإِسْلَام، وَسَنذكر وَجه الترجمتين على الْقَوْلَيْنِ. ٩٥١ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي زُبَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبيَّ عنِ البَرَاءِ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ إنَّ أوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنُ يَوْمنَا هاذَا أَن نُصلِّي ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أصَابَ سُنَّتَنَا. مطابقته للتَّرْجَمَة المروية عَن الْحَمَوِيّ فِي قَوْله: يخْطب) ، فَإِن الْخطْبَة مُشْتَمِلَة على الدُّعَاء كَمَا أَنَّهَا تشْتَمل على غَيره من بَيَان أَحْكَام الْعِيد، وَأما التَّرْجَمَة المروية عَن الْأَكْثَرين فَظَاهره، لِأَن فِيهِ بَيَان سنة الْعِيد لأهل الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا ذكر قَوْله: (لأهل الْإِسْلَام) ، إيضاحا أَن سنة أهل الْإِسْلَام فِي الْعِيد خلاف مَا يَفْعَله غير أهل الْإِسْلَام، لِأَن غير أهل الْإِسْلَام أَيْضا لَهُم أعياد كَمَا ذكر فِي الحَدِيث. (إِن لكل قوم عيدا وَهَذَا عيدنا) . فَإِن قلت: الحَدِيث فِي بَيَان سنة عيد النَّحْر، فَمَا وَجه قَوْله: (سنة الْعِيدَيْنِ) بالتثنية؟ قلت: من جملَة سنة الْعِيدَيْنِ وَأَعْظَمهَا: الصَّلَاة، وَلَا يَخْلُو العيدان مِنْهَا بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: ابْن الْحَارِث اليامي الْكُوفِي

стр. 1833

وكل مَا فِي البُخَارِيّ: زبيد فَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وكل مَا فِي (الْمُوَطَّأ) فَهُوَ: بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: الْبَراء بن عَازِب. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن الأول من الروَاة بَصرِي وَالثَّانِي واسطي وَالثَّالِث وَالرَّابِع كوفيان. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعِيدَيْنِ عَن آدم وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الْعِيدَيْنِ أَيْضا عَن بنْدَار عَن شُعْبَة وَفِي الْعِيدَيْنِ أَيْضا عَن أبي نعيم وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُسَدّد وَفِي الْعِيدَيْنِ أَيْضا عَن عُثْمَان عَن جرير وَعَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَكتب إِلَيّ مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الذَّبَائِح عَن يحيى بن يحيى عَن هشيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن يحيى بن يحيى عَن خَالِد وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَعَن عبد الله بن معَاذ وَعَن هناد وقتيبة، كِلَاهُمَا عَن أبي الْأَحْوَص وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن جرير وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أَحْمد بن سعيد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَضَاحِي عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص وَعَن خَالِد بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان ابْن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن عُثْمَان وَفِي الْأَضَاحِي عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن هناد عَن يحيى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يخْطب) ، جملَة فعلية فِي مَحل النصب على أَنَّهَا أحد مفعولي سَمِعت على مَذْهَب الْفَارِسِي، وَالصَّحِيح أَنه لَا يتَعَدَّى إلاّ إِلَى مفعول وَاحِد، فَحِينَئِذٍ يكون مَحل: يخْطب، نصبا على الْحَال. قَوْله: (هَذَا) أَشَارَ بِهِ إِلَى يَوْم الْعِيد، وَهُوَ عيد النَّحْر. قَوْله: (ثمَّ نرْجِع) ، بِالنّصب وَالرَّفْع، فالنصب على الْعَطف على: (أَن نصلي) ، وَالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: ثمَّ نَحن نرْجِع. قَوْله: (فَمن فعل) أَي: الِابْتِدَاء بِالصَّلَاةِ ثمَّ بعْدهَا بالنحر فقد أصَاب سنة النَّبِي ﷺ . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ أَن صَلَاة الْعِيد سنة وَلكنهَا مُؤَكدَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَقَالَ الاصطخري من أَصْحَابه فرض كِفَايَة، وَبِه قَالَ أَحْمد وَمَالك وَابْن أبي ليلى، وَالصَّحِيح عَن مَالك أَنه كَقَوْل الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه: وَاجِبَة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَتجب صَلَاة الْعِيد على كل من تجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة. وَفِي مُخْتَصر أبي مُوسَى الضَّرِير، هِيَ فرض كِفَايَة، وَكَذَا قَالَ فِي الغزنوي، وَفِي (الْقنية) : قيل: هِيَ فرض. وَنقل الْقُرْطُبِيّ عَن الْأَصْمَعِي أَنَّهَا فرض. وَاخْتلف فِيمَن يُخَاطب بالعيد، فروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: فِي الْقرْيَة فِيهَا عشرُون رجلا أرى أَن يصلوا الْعِيدَيْنِ، وروى ابْن نَافِع عَنهُ أَنه: لَيْسَ ذَلِك إلاّ على من تجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة، وَهُوَ قَول اللَّيْث، وَأكْثر أهل الْعلم فِيمَا حَكَاهُ ابْن بطال. وَقَالَ ربيعَة: كَانُوا يرَوْنَ الفرسخ وَهُوَ ثَلَاثَة أَمْيَال. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: من آواه اللَّيْل إِلَى أَهله فَعَلَيهِ الْجُمُعَة والعيد. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب: إِن شَاءَ من لَا تلزمهم الْجُمُعَة أَن يصلوها بِإِمَام فعلوا، وَلَكِن لَا خطْبَة عَلَيْهِم، فَإِن خطب فَحسن، وَحجَّة أَصْحَابنَا فِي الْوُجُوب مواظبته، ﷺ ، من غير ترك. وَاسْتدلَّ شيخ الْإِسْلَام على وُجُوبهَا بقوله تَعَالَى: ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٥ وَالْحج: ٣٧) . قيل: المُرَاد من صَلَاة الْعِيد، وَالْأَمر للْوُجُوب. وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ (الْكَوْثَر: ٢) . إِن المُرَاد بِهِ صَلَاة عيد النَّحْر، فَتجب بِالْأَمر. الْوَجْه الثَّانِي: أَن السّنة أَن يخْطب بعد الصَّلَاة، لما روى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، ثمَّ أَبُو بكر وَعمر يصلونَ الْعِيد قبل الْخطْبَة) . وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ أَن صَلَاة الْعِيد سنة، وَأَن النَّحْر لَا يكون إلاّ بعد الصَّلَاة، وَأَن الْخطْبَة أَيْضا بعْدهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأَخير مَمْنُوع، بل الْمُسْتَفَاد مِنْهُ أَن الْخطْبَة مُقَدّمَة على الصَّلَاة. قلت: لَا نسلم مَا قَالَه لِأَنَّهُ صرح بِأَن أول مَا يبْدَأ بِهِ يَوْم الْعِيد الصَّلَاة ثمَّ النَّحْر، وَلَقَد غر الْكرْمَانِي ظَاهر قَوْله: (يخْطب، فَقَالَ: فالفاء فِيهِ تفسيرية، فسر فِي خطبَته الَّتِي خطب بهَا بعد الصَّلَاة أَن أول مَا يبْدَأ بِهِ يَوْم الْعِيد الصَّلَاة، وَلِأَنَّهَا هِيَ الْأَمر المهم، وَالْخطْبَة من التوابع، حَتَّى لَو تَركهَا لَا يضر صلَاته، بِخِلَاف خطْبَة الْجُمُعَة. فَإِن قلت: وَقع للنسائي استدلاله بِحَدِيث الْبَراء على أَن الْخطْبَة قبل الصَّلَاة، وَترْجم لَهُ: بَاب الْخطْبَة يَوْم الْعِيد قبل الصَّلَاة، وَاسْتدلَّ فِي ذَلِك بقوله: (أول مَا نبدأ بِهِ فِي يَوْمنَا هَذَا أَن نصلي ثمَّ نَنْحَر) ، وَتَأَول أَن قَوْله: هَذَا قبل الصَّلَاة لِأَنَّهُ كَيفَ يَقُول: (أول مَا نبدأ بِهِ أَن نصلي)

стр. 1834

وَهُوَ قد صلى. قلت: قَالَ ابْن بطال: غلط النَّسَائِيّ فِي ذَلِك لِأَن الْعَرَب قد تضع الْفِعْل الْمُسْتَقْبل مَكَان الْمَاضِي، فَكَأَنَّهُ قَالَ ﷺ : أول مَا يكون الِابْتِدَاء بِهِ فِي هَذَا الْيَوْم الصَّلَاة الَّتِي قدمنَا فعلهَا، وبدأنا بهَا، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نقموا مِنْهُم إلاّ أَن يُؤمنُوا بِاللَّه﴾ (البروج: ٨) . الْمَعْنى إلاّ الْإِيمَان الْمُتَقَدّم مِنْهُم، وَقد بَين ذَلِك فِي: بَاب اسْتِقْبَال الإِمَام للنَّاس فِي خطْبَة الْعِيد، فَقَالَ: إِن أول نسكنا فِي يَوْمنَا هَذَا أَن نبدأ بِالصَّلَاةِ، وللنسائي: (خطب يَوْم النَّحْر بعد الصَّلَاة) . الْوَجْه الثَّالِث: أَن النَّحْر بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ فِيمَا بعد، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٩٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو أسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيه عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَ أبُو بَكْرٍ وعِنْدِي جارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قالَتْ ولَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ أبِمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُول الله ﷺ وذالِكَ فِي يَوْمِ عيدٍ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدا وَهاذا عِيدُنَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة المروية عَن الْحَمَوِيّ غير ظَاهِرَة، أللهم إلاّ إِذا قُلْنَا بالتكلف، بِأَن قَوْله ﷺ : (وَهَذَا عيدنا) ، تَقْرِير مِنْهُ لما وَقع من الجاريتين فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي هُوَ يَوْم السرُور والفرح، وَتَقْرِيره رِضَاهُ بذلك، والرضى مِنْهُ ﷺ يقوم مقَام الدُّعَاء. وَأما مطابقته للتَّرْجَمَة المروية عَن الْأَكْثَرين فَلَا تتأتى إلاّ إِذا حملنَا لفظ السّنة على مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَبِهَذَا الْمِقْدَار يسْتَأْنس بِهِ وَجه الْمُطَابقَة. وَفِيه الْكِفَايَة، وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا قد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب الحراب والدرق يَوْم الْعِيد، لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن عِيسَى عَن ابْن وهب عَن عَمْرو عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَهنا أخرجه: عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ يروي عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَمن زوائده على ذَاك قَوْله: (وليستا بمغنيتين) أَي: لَيْسَ الْغناء عَادَة لَهما وَلَا هما معروفتان بِهِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: أَي: ليستا مِمَّن تغني بعادة الْمُغَنِّيَات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبب بِأَهْل الْجمال وَمَا يُحَرك النُّفُوس كَمَا قيل: الْغناء رقية الزِّنَا وليستا أَيْضا مِمَّن اشْتهر بِإِحْسَان الْغناء الَّذِي فِيهِ تمطيط وتكسير، وَعمل يُحَرك السَّاكِن وَيبْعَث الكامن، وَلَا مِمَّن اتَّخذهُ صَنْعَة وكسبا. وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ الَّتِي اتَّخذت الْغناء صناعَة، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيق بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ . وَأما الترنم بِالْبَيْتِ والبيتين وتطريب الصَّوْت بذلك مِمَّا لَيْسَ فِيهِ فحش أَو ذكر مَحْظُور فَلَيْسَ مِمَّا يسْقط الْمُرُوءَة، وَحكم الْيَسِير مِنْهُ خلاف حكم الْكثير. قَوْله: (أبمزامير؟) ويروى: (أمزامير؟) بِدُونِ الْبَاء أَي: أتلتبسون أَو تشتغلون بهَا، وَهُوَ جمع: مزمور، وَقد مر مَعْنَاهُ مستقصىً. قَوْله: (وَهَذَا عيدنا) يُرِيد بِهِ أَن إِظْهَار السرُور فِي الْعِيدَيْنِ من شَعَائِر الدّين وإعلاء أمره. قَالَه الْخطابِيّ: قيل: وَفِيه دَلِيل على أَن الْعِيد مَوْضُوع للراحات وَبسط النُّفُوس وَالْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع، أَلا ترى أَنه أَبَاحَ الْغناء من أجل عذر الْعِيد؟ / ٤ - (بابُ الأكْلِ يَوْمَ الفطْرِ قَبْلَ الخُرُوجِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأكل يَوْم عيد الْفطر قبل الْخُرُوج إِلَى الْمصلى لأجل صَلَاة الْعِيد. ٩٥٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا هُشَيم قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله بنُ أبي بَكْرِ بنِ أنَسٍ عَن أنَسٍ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يأكُلَ تَمَرَاتٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم الْمَشْهُور بالصاعقة، وَقد تقدم. الثَّانِي: سعيد بن سُلَيْمَان الملقب بسعدويه، وَقد تقدم. الثَّالِث: هشيم، بِضَم الْهَاء: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْقَاسِم ابْن دِينَار السّلمِيّ الوَاسِطِيّ. الرَّابِع: عبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن أبي بكر بن أنس. الْخَامِس: جده أنس بن مَالك.

стр. 1835

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ بغدادي، وَسَعِيد وهشيم واسطيان وَعبيد الله مدنِي. وَفِيه: روى سعيد بن سُلَيْمَان عَن هشيم وَتَابعه أَبُو الرّبيع الزُّهْرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وجبارة بن الْمُغلس عِنْد ابْن مَاجَه. قاال: حَدثنَا جبارَة بن الْمُغلس حَدثنَا هشيم عَن عبيد الله ابْن أبي بكر (عَن أنس بن مَالك قَالَ: كَانَ النَّبِي، ﷺ ، لَا يخرج يَوْم الْفطر حَتَّى يطعم تمرات) . وَرَوَاهُ عَن هشيم قُتَيْبَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَأحمد بن منيع عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة عِنْد ابْن حبَان وَعَمْرو بن عون عِنْد الْحَاكِم، فَقَالُوا كلهم: عَن هشيم عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن حَفْص بن عبيد الله ابْن أنس، وَأعله الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَن هشيما مُدَلّس، وَقد اخْتلف عَلَيْهِ. فِيهِ، وَابْن إِسْحَاق لَيْسَ من شَرط البُخَارِيّ. قلت: هشيم صرح هُنَا بالإخبار فأمن تدليسه على أَن البُخَارِيّ نزل فِيهِ دَرَجَة، لِأَن سعيد بن سُلَيْمَان من شُيُوخه، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث عَنهُ بِوَاسِطَة لكَونه لم يسمعهُ مِنْهُ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن ابْن مَاجَه أخرجه أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ لَا يَغْدُو) وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (لَا يخرج) ، وَفِي لفظ ابْن حبَان وَالْحَاكِم: (مَا خرج يَوْم فطر حَتَّى يَأْكُل تمرات) . قَوْله: (حَتَّى يَأْكُل تمرات) وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (حَتَّى يطعم تمرات) ، وَفِي لفظ ابْن حبَان: (حَتَّى يَأْكُل تمرات ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو سبعا أَو أقل من ذَلِك أَو أَكثر وترا) . وَفِي لفظ أَحْمد: (ويأكلهن أفرادا) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن السّنة لَا يخرج إِلَى الْمصلى يَوْم عيد الْفطر إلاّ بعد أَن يطعم تمرات وترا وَله شَوَاهِد: مِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة: (كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يَغْدُو يَوْم الْفطر حَتَّى يَأْكُل، وَلَا يَأْكُل يَوْم الْأَضْحَى حَتَّى يرجع) . أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَفِي لفظ الْبَيْهَقِيّ: (فيأكل من كبد أضحيته) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر: (كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يَغْدُو يَوْم الْفطر حَتَّى تغدى الصَّحَابَة من صَدَقَة الْفطر) ، أخرجه ابْن مَاجَه، وَفِي سَنَده عَمْرو بن صهْبَان وَهُوَ مَتْرُوك. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يَأْكُل يَوْم الْفطر قبل أَن يخرج إِلَى الْمصلى) ، أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَالْبَزَّار فِي مُسْنده، وَزَاد: (فَإِذا خرج صلى رَكْعَتَيْنِ للنَّاس، وَإِذا رَجَعَ صلى فِي بَيته رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي قبل الصَّلَاة شَيْئا يَعْنِي يَوْم الْعِيد) . وروى التِّرْمِذِيّ، محسنا، عَن الْحَارِث (عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: من السّنة أَن يطعم الرجل يَوْم الْفطر قبل أَن يخرج إِلَى الْمصلى) ، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ وَعَن ابْن عَبَّاس. وَفِي (الْمُوَطَّأ) (عَن ابْن الْمسيب: أَن النَّاس كَانُوا يؤمرون بِالْأَكْلِ قبل الغدو يَوْم الْفطر) ، وَعَن الشَّافِعِي: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (أَخْبرنِي صَفْوَان بن سليم أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يطعم قبل أَن يخرج إِلَى الْجَبانَة وَيَأْمُر بِهِ) . وَهَذَا مُرْسل، وَقد رُوِيَ مَرْفُوعا عَن عَليّ وَرَوَاهُ الشَّافِعِي بِمَعْنَاهُ عَن ابْن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير (وَعَن السَّائِب بن يزِيد قَالَ: مَضَت السّنة أَن يَأْكُل قبل أَن يَغْدُو يَوْم الْفطر) وَعَن أبي إِسْحَاق (عَن رجل من الصَّحَابَة أَنه: كَانَ يَأْمر بِالْأَكْلِ يَوْم الْفطر قبل أَن يَأْتِي الْمصلى) ، وَحَكَاهُ عَن مُعَاوِيَة ابْن سُوَيْد بن مقرن وَابْن مُغفل وَعُرْوَة وَصَفوَان بن مُحرز وَابْن سِيرِين وَعبد الله بن شَدَّاد وَالْأسود بن يزِيد وَأم الدَّرْدَاء وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَمُجاهد وَتَمِيم بن سَلمَة وَأبي مخلد، وَعَن عبد الله بن نمير: (حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يخرج الى الْمصلى وَلَا يطعم شَيْئا) ، وَحدثنَا هشيم (أخبرنَا مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: إِن طعم فَحسن وَإِن لم يطعم فَلَا بَأْس) ، وَحَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن مَسْعُود (إِن شَاءَ أكل وَإِن شَاءَ لم يَأْكُل) ، وَعَن النَّخعِيّ مثله، وَكَانَ بعض التَّابِعين يَأْمُرهُم بِالْأَكْلِ فِي الطَّرِيق، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر اسْتِحْبَاب الْأكل. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي اسْتِحْبَاب التَّمْر؟ قلت: قيل: لما فِي الحلو من تَقْوِيَة الْبَصَر الَّذِي يُضعفهُ الصَّوْم، وَهُوَ أيسر من غَيره، وَمن ثمَّة اسْتحبَّ بعض التَّابِعين أَن يفْطر على الحلو مُطلقًا كالعسل، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة وَابْن سِيرِين وَغَيرهمَا، وروى فِيهِ حِكْمَة أُخْرَى عَن ابْن عون أَنه سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنَّه يحبس الْبَوْل. قلت: يحْتَمل أَن يكون التَّعْيِين فِي التَّمْر لكَونه أيسر الْمَوْجُود وَأَكْثَره وَأكْثر قوتهم مَعَ مَا فِيهِ من الحلو. وَقيل: الْحِكْمَة فِيهِ أَن النَّخْلَة ممثلة بِالْمُسلمِ، وَقيل: لِأَنَّهَا هِيَ الشَّجَرَة الطّيبَة. وَأما الْحِكْمَة فِي جَعلهنَّ وترا فَلِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُوتر فِي جَمِيع أُمُوره استشعارا للوحدانية، وَأما الْحِكْمَة فِي نفس الْأكل قبل صَلَاة عيد الْفطر

стр. 1836

فلئلا يظنّ أَن الصّيام يلْزم يَوْم الْفطر إِلَى أَن يُصَلِّي صَلَاة الْعِيد مَعَ التأسي برَسُول الله ﷺ . وَقَالَ مُرَجَّى رَجاء حدَّثني عُبَيْدُ الله قَالَ حدَّثني أنسٌ عنِ النَّبيِّ ﷺ ويَأكُلُهُنَّ وَتْرا ذكر البُخَارِيّ هَذَا الْمُعَلق لإِفَادَة أَرْبَعَة أَشْيَاء: الأول: أَن فِيهِ التَّصْرِيح بِإِخْبَار عبيد الله بن أبي بكر عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن فِي الرِّوَايَة الأولى: عنعنة. وَالثَّانِي: الْإِشَارَة إِلَى أَن الْأكل مُقَيّد بالوتر للحكمة الَّتِي ذَكرنَاهَا. وَالثَّالِث: الْإِشَارَة إِلَى أَن مرجَّى قد تَابع هشيما على رِوَايَته عَن عبيد الله بن أبي بكر. وَالرَّابِع: أَن مرجَّى، ضم الْمِيم وَفتح الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم الْمَفْتُوحَة وَالْيَاء الْمَقْصُورَة، ورجاء، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْجِيم وبالمد: السَّمرقَنْدِي. ٥ - (بابُ الأكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأكل يَوْم عيد النَّحْر، وَلم يذكر الْأكل هُنَا فِي وَقت معِين كَمَا ذكره معينا فِي بَاب الْأكل يَوْم الْفطر، فَإِنَّهُ قَيده بقوله: قبل الْخُرُوج، يَعْنِي إِلَى الْمصلى، لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب: فَقَامَ رجل فَقَالَ: هَذَا يَوْم يشتهى فِيهِ اللَّحْم، وَلم يُقيد بِوَقْت، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث الْبَراء: (إِن الْيَوْم يَوْم أكل وَشرب) ، وَلَكِن يُمكن أَن يكون المُرَاد من الْيَوْم بعض الْيَوْم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره﴾ (سُورَة: ﴿﴾ ) . ثمَّ إِن هَذَا الْبَعْض مُجمل، وَقد فسره فِي حَدِيث بُرَيْدَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق، فَإِنَّهُ بَين فِيهِ أَن وَقت الْأكل فِي هَذَا الْيَوْم بعد الصَّلَاة، كَمَا بَين أَن وقته فِي عيد الْفطر قبل الصَّلَاة. ٩٥٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أنَسٍ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ فقامَ رَجُلٌ فَقَالَ هاذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيِهِ اللَّحْمُ وذَكَرَ منْ جِيرَانِهِ فكأنَّ النبيَّ ﷺ صَدَّقَهُ قالَ وَعِنْدِي جذَعَةٌ أحَب ألَيَّ مِنْ شَاتِي لَحْمٍ فَرَخَّصَ لَهُ النبيُّ ﷺ فَلَا أدْرِي أبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أمْ لَا؟ . مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (هَذَا يَوْم يَشْتَهِي فِيهِ اللَّحْم) ، فَإِنَّهُ أطلق ذكر الْيَوْم، وَكَذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، قد ذكرُوا غير مرّة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن مُسَدّد، وَعَن عَليّ بن عبد الله، وَعَن صَدَقَة بن الْفضل، وَفِي صَلَاة الْعِيد عَن حَامِد بن عمر. وَأخرجه مُسلم فِي الذَّبَائِح عَن يحيى بن أَيُّوب وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَمْرو النَّاقِد، ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن علية بِهِ، وَعَن زِيَاد بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن عبيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة، وَفِي الْأَضَاحِي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَضَاحِي عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ مُخْتَصرا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من ذبح قبل الصَّلَاة فليعد) ، أَي: من ذبح أضحيته قبل صَلَاة عيد الْأَضْحَى فليعد أضحيته، لِأَن الذّبْح للتضحية لَا يَصح قبل الصَّلَاة. قَوْله: (فَقَامَ رجل) هُوَ أَبُو بردة بن نيار كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي بعده وَهُوَ خَال الْبَراء بن عَازِب. قَوْله: (فَقَالَ هَذَا يَوْم يُشتهى فِيهِ اللَّحْم) ، وَهَذَا يدل على أَنه يَوْم فطر. قَوْله: (وَذكر من جِيرَانه) ، يَعْنِي: ذكر مِنْهُم فَقرهمْ واحتياجهم، كَمَا يَجِيء هَذَا الْمَعْنى فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي فِي: بَاب كَلَام الإِمَام وَالنَّاس فِي خطْبَة الْعِيد، وَفِي لفظ: (وَذكره هنة من جِيرَانه، وَكَذَا هُوَ فِي نُسْخَة شَيْخه قطب الدّين، وبخط الدمياطي. وَذكر) : (من جِيرَانه) بِدُونِ لفظ: هنة، كَمَا هُوَ الْمَذْكُور هَهُنَا، والهنة: الْحَاجة والفقر، وَحكى الْهَرَوِيّ عَن بَعضهم شدّ النُّون فِي: هن وهنة، وَأنْكرهُ الْأَزْهَرِي، وَقَالَ الْخَلِيل: من الْعَرَب من يسكنهُ يجريه مجْرى: من، وَمِنْهُم من ينونه فِي الْوَصْل، قَالَ ابْن قرقول: وَهُوَ أحسن من الإسكان. قَوْله:

стр. 1837

(فَكَأَن النَّبِي ﷺ صدقه) أَي: فِيمَا قَالَ عَنْهُم. قَوْله: (جَذَعَة) ، بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة: الطاعنة فِي السّنة الثَّانِيَة، وَالذكر الْجذع، وَعَن الْأَصْمَعِي: الْجذع من الْمعز لسنة وَمن الضان لثمانية أشهر أَو تِسْعَة. وَفِي (الصِّحَاح) : وَالْجمع جذعات. وَفِي (الْمُحكم) الْجذع الصَّغِير السن. وَقيل: الْجذع من الْغنم، تَيْسًا كَانَ أَو كَبْشًا: الدَّاخِل فِي السّنة الثَّانِيَة، وَقيل: الْجذع من الْغنم لسنة وَالْجمع جذعات وجذعان وجذاع وَالِاسْم: الجذوعة، وَقيل: الجذوعة فِي الدَّوَابّ والأنعام قبل أَن يثنى بِسنة، وَفِي (الموعب) : الْجَذعَة السمينة من الضان، وَالْجمع: جذع، وَعَن عِيَاض: الْجذع مَا قوي من الْغنم قبل أَن يحول عَلَيْهِ الْحول فَإِذا تمّ لَهُ حول صَار ثنيا. قَوْله: (فَلَا أَدْرِي) أَي: هَذَا الحكم كَانَ خَاصّا بِهِ أَو عَاما لجَمِيع الْمُكَلّفين، وَهَذَا يدل على أَن أنسا لم يبلغهُ. قَوْله ﷺ : (لَا تذبحوا إلاّ مُسِنَّة) . قَوْله: (الرُّخْصَة) أَي: فِي تضحية الْجَذعَة، وَالْمرَاد مِنْهَا: جَذَعَة الْمعز، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (عنَاقًا جَذَعَة) ، والعناق من أَوْلَاد الْمعز. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن من ذبح أضحيته قبل صَلَاة الْعِيد فَإِنَّهُ لَا يجوز، وَوقت الْأُضْحِية يدْخل بِطُلُوع الْفجْر من يَوْم النَّحْر، وَقَالَ إِسْحَاق وَأحمد وَابْن الْمُنْذر: إِذا مضى من نَهَار يَوْم الْعِيد قدر مَا تحل فِيهِ الصَّلَاة والخطبتان جَازَت الْأُضْحِية، سَوَاء صلى الإِمَام أَو لم يصل، وَسَوَاء كَانَ فِي الْمصر أَو فِي الْقرى، وَعِنْدنَا: لَا يجوز لأهل الْأَمْصَار أَن يضحوا حَتَّى يُصَلِّي الإِمَام الْعِيد، فَأَما أهل السوَاد فَيذبحُونَ بعد الْفجْر، وَلَا يشْتَرط فيهم صَلَاة الإِمَام، وَاشْترط الشَّافِعِي فرَاغ الإِمَام عَن الْخطْبَة، وَاشْترط مَالك نحر الإِمَام، وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك فِي الإِمَام الَّذِي لَا يجوز أَن يُضحي قبل تضحيته، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَمِير الْبَلَد، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاة الْعِيد. وَفِيه: مواساة الْجِيرَان بِالْإِحْسَانِ. وَفِيه: أَن جَوَاز التَّضْحِيَة بالجذعة من الْمعز اخْتصَّ لأبي بردة، وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْجَذعَة من الْمعز لَا تجوز بِخِلَاف جَذَعَة الضَّأْن، وَقد قُلْنَا: إِن المُرَاد من الْجَذعَة فِي الحَدِيث الْجَذعَة من الْمعز لَا الْجَذعَة من الضان، لما فِي رِوَايَة مُسلم: (لَا تذبحوا إلاّ مُسِنَّة) ، وَهِي التَّثْنِيَة من كل شَيْء، فَفِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ: لَا تجوز الْجَذعَة من غير الضَّأْن، وَحكي عَن الْأَوْزَاعِيّ وَعَطَاء جَوَاز الْجذع من كل حَيَوَان حَتَّى الْمعز، وَكَأن الحَدِيث لم يبلغهما. وَفِيه: حجَّة لأبي حنيفَة على وجوب الْأُضْحِية لِأَنَّهُ ﷺ أَمر بِإِعَادَة أضْحِية من ذَبحهَا قبل الصَّلَاة، وَلَو لم تكن وَاجِبَة لما أَمر بإعادتها عِنْد وُقُوعهَا فِي غير محلهَا. ٩٥٥ - حدَّثنا عُثْمَانُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنِ الشَّعْبيِّ عنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خطَبَنَا النبيُّ ﷺ يَوْمَ الأضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ منْ صَلى صَلَاتَنَا أوْ نَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أصِابَ النُّسْكَ ومَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فإنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ ولَا نُسُكَ لَهُ فقالَ أبُو بُرْدَةَ ابنُ نِيَارٍ خالُ البَرَاءِ يَا رسولَ الله فَإنِّي نَسَكْتُ شاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ وعَرَفْتُ أنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أكْلٍ وشُرْبٍ وأحْبَبْتُ أنْ تَكُونَ شاتِي أوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي فَذَبَحْتُ شاتِي وتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أنْ آتِيَ الصَّلَاةَ قَالَ شاتُكَ شاةُ لَحْمٍ قَالَ يَا رسولَ الله فإنَّ عِنْدَنَا عَنَاقا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أفَتَجْزِي عَنِّي قَالَ نَعَمْ ولَنْ تَجْزِيَ عنْ أحَدٍ بَعْدَكَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعرفت أَن الْيَوْم يَوْم أكل وَشرب) ، وَلِهَذَا إِنَّه ﷺ لم يعنف أَبَا بردة لما قَالَ لَهُ: (تغديت قبل أَن آتِي الصَّلَاة) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عُثْمَان بن أبي شيبَة إسمه إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان أَبُو الْحسن الْعَبْسِي الْكُوفِي، أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَهُوَ أكبر من أبي بكر بِثَلَاث سِنِين، مَاتَ فِي الْمحرم سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: جرير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد الضَّبِّيّ، أَبُو عبد الله الرَّازِيّ، وَقد تقدم. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر الْكُوفِي. الرَّابِع: الشّعبِيّ عَامر ابْن شرَاحِيل. الْخَامِس: الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي

стр. 1838

موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون، وَجَرِير أَصله من الْكُوفَة. وَفِيه: أَنه ذركر شَيْخه بِلَا نِسْبَة لشهرته، وَقد ذكرنَا تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ونسك نسكنا) ، يُقَال: نسك ينْسك من بَاب: نصر ينصر، نسكا بِفَتْح النُّون: إِذا ذبح، والنسيكة الذَّبِيحَة، وَجَمعهَا: نسك، وَمعنى: (من نسك نسكنا) أَن من ضحى مثل ضحيتنا. وَفِي (الْمُحكم) : نسك، بِضَم السِّين عَن اللحياني، والنسك الْعِبَادَة، وَقيل لثعلب: هَل يُسمى الصَّوْم نسكا؟ فَقَالَ: كل حق لله يُسمى نسكا، والمنسك والمنسك شرعة النّسك، وَرجل ناسك أَي: عَابِد، وتنسك: إِذا تعبد. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: النّسك، حَاصِل الْمَعْنى أَن من نسك قبل الصَّلَاة فَلَا اعْتِدَاد بنسكه، وَلَفظ: (وَلَا نسك لَهُ) كالتوضيح وَالْبَيَان لَهُ. قَوْله: (أَبُو بردة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: واسْمه هانىء، بالنُّون ثمَّ بِالْهَمْز: ابْن عَمْرو بن عبيد البلوي الْمدنِي، وَقيل: اسْمه الْحَارِث بن عَمْرو، وَيُقَال: مَالك بن هُبَيْرَة، وَالْأول أصح، ونيار، بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف رَاء. قَوْله: (أول شَاة) بِالْإِضَافَة، ويروى بِدُونِ الْإِضَافَة مَفْتُوحًا ومضموما. أما الضَّم فَلِأَنَّهُ من الظروف المقطوعة عَن الْإِضَافَة، نَحْو: قبل وَبعد، وَأما الْفَتْح فَلِأَنَّهُ من الْمُضَاف إِلَى الْجُمْلَة، فَيجوز أَن يُقَال: إِنَّه مَبْنِيّ على الْفَتْح، أَو: إِنَّه مَنْصُوب، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هُوَ خبر الْكَوْن. قَوْله: (شَاتك شَاة لحم) ، أَي: لَيست أضْحِية وَلَا ثَوَاب فِيهَا، بل هِيَ لحم لَك تنْتَفع بِهِ. قيل: هُوَ كَقَوْلِهِم: خَاتم فضَّة، كَأَن الشَّاة شَاتَان شَاة تذبح لأجل اللَّحْم، وَشاء تذبح لأجل التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى. قَوْله: (لنا جَذَعَة) ، هما صفتان للعناق، وَلَا يُقَال: عناقة، لِأَنَّهُ مَوْضُوع للْأُنْثَى من ولد الْمعز، فَلَا حَاجَة إِلَى التَّاء الفارقة بَين الْمُذكر والمؤنث. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْجمع عنوق وأعنق، وَعَن ابْن دُرَيْد: وعنق. قَوْله: (أحب إِلَيّ من شَاتين) يَعْنِي: من جِهَة طيب لَحمهَا وسمنها وَكَثْرَة قيمتهَا. قَوْله: (أفتجرىء؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (وَلنْ تجزي) قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ بِفَتْح التَّاء، هَكَذَا الرِّوَايَة فِيهِ فِي جَمِيع الْكتب، وَمَعْنَاهُ: لن تَكْفِي كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ . (الْبَقَرَة: ٤٨، ٢٣) . ﴿وَلَا يَجْزِي وَالِد عَن وَلَده﴾ (لُقْمَان: ٣٣) . وَفِي (التَّوْضِيح) : هُوَ من جزى يَجْزِي بِمَعْنى: قضى، وأجزى يجزى بِمَعْنى: كفى. قَوْله: (بعْدك) أَي: غَيْرك، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُد فِي تضحية الْمعز من الثني وَهَذَا من خَصَائِص أبي بردة، كَمَا أَن قيام شَهَادَة خُزَيْمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مقَام شهادتين من خَصَائِص خُزَيْمَة، وَمثله كثير. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الْخطْبَة يَوْم الْعِيد بعد الصَّلَاة. وَفِيه: أَن يَوْم النَّحْر يَوْم أكل إلاّ أَنه لَا يسْتَحبّ فِيهِ الْأكل قبل الْمُضِيّ إِلَى الصَّلَاة. قَالَ ابْن بطال: وَلَا ينْهَى عَنهُ، وَأَنه ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث لم يحسن أكل الْبَراء وَلَا عنفه عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَجَابَهُ عَمَّا بِهِ الْحَاجة إِلَيْهِ من سنة الذّبْح، وعذره فِي الذّبْح لما قَصده من إطْعَام جِيرَانه لحاجتهم وفقرهم، وَلم ير ﷺ أَن يخيب فعلته الْكَرِيمَة، فَأجَاز لَهُ أَن يُضحي بالجذعة من الْمعز، وَقد مرت بَقِيَّة الْكَلَام فِيمَا مضى عَن قريب. ٦ - (بابُ الخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى بِغَيْرِ مِنْبَر) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خُرُوج الإِمَام إِلَى مصلى صَلَاة الْعِيد بِغَيْر مِنْبَر أَرَادَ أَن يبين أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يخرج إِلَى الْجَبانَة يَوْم عيد الْأَضْحَى وَالْفطر لأجل الصَّلَاة وَكَانَ يخْطب قَائِما بِغَيْر مِنْبَر وَذَلِكَ لأجل تواضعه ﷺ . ٩٥٦ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أخبرَني زيْدٌ عنْ عِيَاضِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي سَرْحٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأضْحَى إلَى المُصَلَّى فَأوَّلُ شيءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ والنَّاسُ جُلُوسٌ عَلى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظَهُمْ ويُوصِيهِمْ ويَأمُرُهُمْ فإنْ كانَ يُريدُ أنْ يَقْطَعَ بعْثا قَطَعَهُ أوْ يَأْمُرَ بِشَيءٍ أمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. قَالَ أبُو سَعِيدٍ فَلَمْ يَزَلِ (النَّاسُ عَلى ذالِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَهْوَ أمِيرُ المَدِينَةِ فِي أضْحًى أوْ فِطْرٍ فلَمَّا أتَيْنَا المُصَلَّى اذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بنُ الصَّلْتِ فإذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أنْ يُصَلَّيَ فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فجَبَذَنِي فارْتَفَعَ فَخطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ

стр. 1839

فقُلْتُ لَهُ غَيَّرْتُمْ وَالله فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ فَقُلْتُ مَا أعْلَمُ وَالله خَيْرٌ مِمَّا لَا أعْلَمُ فَقالَ إنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبلَ الصَّلَاةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الْمَذْكُور فِيهِ خُرُوج النَّبِي ﷺ إِلَى مصلى الْعِيد بِغَيْر مِنْبَر يحمل مَعَه وَلَا معد لَهُ هُنَاكَ قبل خُرُوجه. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم لِأَن الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد تقدم فِي: بَاب ترك الْحَائِض الصَّوْم، لِأَنَّهُ ذكر أول الحَدِيث هُنَاكَ مُخْتَصرا. وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ ابْن أبي كثير. وَرِجَاله كلهم مدنيون. وَقَوله: عَن أبي سعيد، فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: عَن دَاوُد بن قيس عَن عِيَاض، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد، وَكَذَا أخرجه أَبُو عوَانَة من طَرِيق ابْن وهب عَن دَاوُد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِلَى الْمصلى) ، بِضَم الْمِيم: هُوَ مَوضِع بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوف، بَينه وَبَين بَاب الْمَسْجِد ألف ذِرَاع، قَالَه عمر ابْن شيبَة فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) عَن أبي غَسَّان الكتاني صَاحب مَالك، ﵀. قَوْله: (فَأول شَيْء) ارْتِفَاع أول على أَنه مُبْتَدأ وَقَوله: (الصَّلَاة) ، خَبره وَلَفظ: أول، وَإِن كَانَ نكرَة فقد تخصص بِالْإِضَافَة، وَالْأولَى أَن تكون: الصَّلَاة، مُبْتَدأ. وَأول، خَبره، وَقَوله: (يبْدَأ بِهِ) جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لشَيْء. قَوْله: (ثمَّ ينْصَرف) أَي: من الصَّلَاة. قَوْله: (فَيقوم مُقَابل النَّاس) أَي: مواجها لَهُم، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان من طَرِيق دَاوُد بن قيس: (فَيَنْصَرِف إِلَى النَّاس قَائِما فِي مُصَلَّاهُ) . وروى ابْن خُزَيْمَة فِي مُخْتَصره: (خطب يَوْم عيد على رجلَيْهِ) . قَوْله: (وَالنَّاس جُلُوس) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، و: جُلُوس، جمع جَالس. قَوْله: (فيعظهم) من: وعظ يعظ وعظا وعظة، و: (يوصيهم) من: وصّى يُوصي توصية، وَمعنى: يَعِظهُمْ: يخوفهم بعواقب الْأُمُور، وَمعنى يوصيهم فِي حق الْغَيْر: لينصحوا لَهُم، وَمعنى: (يَأْمُرهُم) يَأْمر بالحلال وَالْحرَام. قَوْله: (فَإِن كَانَ يُرِيد) أَي: النَّبِي ﷺ إِن كَانَ يُرِيد فِي ذَلِك الْوَقْت (أَن يقطع بعثا) أَي: أَن يفرد قوما من غَيرهم بَعثهمْ إِلَى الْغَزْو، والبعث، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة بِمَعْنى الْمَبْعُوث وَهُوَ: الْجَيْش. قَوْله: (قطعه) أَي: أفرده، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى الْبَعْث. قَوْله: (أَو يَأْمر بِشَيْء) بِالنّصب أَي: أَو إِن كَانَ يُرِيد أَن يَأْمر بِشَيْء مِمَّا يتَعَلَّق بِالْبَعْثِ لأمر بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بتكرار لِأَن مَعْنَاهُ غير معنى الأول على مَا لَا يخفى. قَوْله: (ثمَّ ينْصَرف) أَي: ثمَّ هُوَ ينْصَرف إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (قَالَ أَبُو سعيد) هُوَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ الرَّاوِي واسْمه: سعد بن مَالك. قَوْله: (على ذَلِك) أَي: على الِابْتِدَاء بِالصَّلَاةِ وَالْخطْبَة بعْدهَا. قَوْله: (حَتَّى خرجت مَعَ مَرْوَان) وَهُوَ ابْن الحكم كَانَ مُعَاوِيَة اسْتَعْملهُ على الْمَدِينَة، وَقد مر ذكره فِي: بَاب البزاق فِي الْمَسْجِد، وَزَاد عبد الرَّزَّاق عَن دَاوُد ابْن قيس وَهُوَ بيني وَبَين أبي مَسْعُود، يَعْنِي: عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، يَعْنِي: مَرْوَان بيني وَبَين أبي مَسْعُود. قَوْله: (وَهُوَ) أَي: ومروان، وَالْوَاو للْحَال. قَوْله: (أَو فطر) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (إِذا مِنْبَر) كلمة: إِذا، للمفاجأة وارتفاع: مِنْبَر، على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (بناه مَرْوَان) ، وَيجوز أَن يكون الْخَبَر محذوفا تَقْدِيره: إِذا مِنْبَر هُنَاكَ، وَيكون (بِنَاء كثير) ، جملَة حَالية، وَالْعَامِل فِي: إِذا، معنى المفاجأة، وَالْمعْنَى: فاجأنا الْمِنْبَر زمَان الْإِتْيَان. وَقيل: إِذا، حرف لَا يحْتَاج إِلَى عَامل. قَوْله: (كثير بن الصَّلْت) ، كثير ضد الْقَلِيل والصلت، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ كثير بن الصَّلْت بن مُعَاوِيَة الْكِنْدِيّ، ولد فِي عهد النَّبِي ﷺ وَقدم الْمَدِينَة هُوَ وأخوته بعده، فسكنها وحالف بني جميح، وروى ابْن سعد بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى نَافِع قَالَ: كَانَ إسم كثير بن الصَّلْت قَلِيلا، فَسَماهُ عمر كثيرا، وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة فوصله بِذكر ابْن عمر وَرَفعه بِذكر النَّبِي ﷺ ، وَالْأول أصح. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : كثير بن الصَّلْت بن معدي كرب الْكِنْدِيّ أَخُو زبيد، ولد فِي عهد النَّبِي ﷺ روى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن كثير بن الصَّلْت كَانَ اسْمه: قَلِيلا فَسَماهُ النَّبِي كثيرا. الْأَصَح أَن الَّذِي سَمَّاهُ كثيرا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. انْتهى. وَقد صَحَّ سَماع كثير من عَمْرو من بعده. وَقَالَ الْعجلِيّ: هُوَ تَابِعِيّ مدنِي ثِقَة. وَكَانَ لَهُ شرف وَحَال جميلَة فِي نَفسه، وَله دَار كَبِيرَة بِالْمَدِينَةِ فِي الْمصلى وقبلة الْمصلى فِي الْعِيدَيْنِ إِلَيْهَا، وَكَانَ كَاتبا لعبد الْملك بن مَرْوَان على الرسائل، وَهُوَ ابْن أخي جمد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم أَو فتحهَا: أحد مُلُوك كِنْدَة الَّذين قتلوا فِي الرِّدَّة، وَقد ذكر ابْن مَنْدَه: الصَّلْت، فِي الصَّحَابَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: والصلت أَبُو زبيد الْكِنْدِيّ مُخْتَلف فِي صحبته، وروى عَنهُ ابْنه زبيد، وَكثير. قَوْله: (أَن يرتقيه) أَي: يُرِيد أَن يصعد إِلَيْهِ، و: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (فجبذت بِثَوْبِهِ) الجابذ هُوَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ إِنَّمَا جبذه ليبدأ بِالصَّلَاةِ قبل

стр. 1840

الْخطْبَة على الْعَادة. قَوْله: (فارتفع) أَي: مَرْوَان على الْمِنْبَر. قَوْله: (غيرتم) خطاب لمروان وَأَصْحَابه، أَي: غيرتم سنة رَسُول الله ﷺ وخلفائه فَإِنَّهُم كَانُوا يقدمُونَ الصَّلَاة على الْخطْبَة. قَوْله: (مَا أعلم) أَي: الَّذِي أعلمهُ خير لِأَنَّهُ هُوَ طَرِيق رَسُول الله ﷺ فَكيف يكون غَيره خيرا مِنْهُ؟ قَوْله: (وَالله) قسم معترض بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. قَوْله: (فجعلتها) أَي: الْخطْبَة، فالقرينة تدل على هَذَا، وَإِن لم يمض ذكر الْخطْبَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يخْطب فِي الْمصلى فِي الْعِيدَيْنِ وَهُوَ وَاقِف وَلم يكن على الْمِنْبَر وَلم يكن فِي الْمصلى فِي زَمَانه مِنْبَر، وَمُقْتَضى قَول أبي سعيد: إِن أول من اتخذ الْمِنْبَر فِي الْمصلى مَرْوَان، وَقد رَوَاهُ مُسلم أَيْضا من رِوَايَة عِيَاض: (عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخرج يَوْم الْأَضْحَى. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَخرجت محاضرا مَرْوَان حَتَّى أَتَيْنَا الْمصلى، فَإِذا كثير بن الصَّلْت قد بنى منبرا من طين وَلبن. .) الحَدِيث. وَقد اخْتلف فِي أول من فعل ذَلِك. فَقيل: عمر بن الْخطاب، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَهُوَ شَاذ. وَقيل: عُثْمَان، وَلَيْسَ لَهُ أصل. وَقيل: مُعَاوِيَة، حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض. وَقيل: زِيَاد بِالْبَصْرَةِ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، حَكَاهُ عِيَاض أَيْضا. بل الصَّوَاب أَن أول من فعله مَرْوَان بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا اخْتصَّ كثير بن الصَّلْت بِبِنَاء الْمِنْبَر بالمصلى لِأَن دَاره كَانَت مجاورة بالمصلى على مَا يَجِيء فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ أَتَى فِي يَوْم الْعِيد إِلَى الْعلم الَّذِي عِنْد دَار كثير بن الصَّلْت. قَالَ ابْن سعيد: كَانَت دَار كثير بن الصَّلْت قبْلَة الْمصلى فِي الْعِيدَيْنِ وَهِي تطل على بطحان الْوَادي الَّذِي فِي وسط الْمَدِينَة. وَفِيه: الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإِن كَانَ الْمُنكر عَلَيْهِ واليا، أَلا يرى أَن أَبَا سعيد كَيفَ أنكر على مَرْوَان وَهُوَ والٍ بِالْمَدِينَةِ. وَفِيه: أَن الصَّلَاة قبل الْخطْبَة، وَلِهَذَا أنكر أَبُو سعيد على مَرْوَان خطبَته قبل الصَّلَاة، وَمِمَّنْ قَالَ بِتَقْدِيم الصَّلَاة على الْخطْبَة: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي والمغيرة وَأَبُو مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي ثَوْر وَإِسْحَاق وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَعند الْحَنَفِيَّة والمالكية: لَو خطب قبلهَا جَازَ وَخَالف السّنة وَيكرهُ، وَلَا يكره الْكَلَام عِنْدهَا. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ لمروان تَغْيِير السّنة؟ قلت: تَقْدِيم الصَّلَاة فِي الْعِيد لَيْسَ وَاجِبا فَجَاز تَركه. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّه لَيْسَ تغييرا للسّنة لما فعل رَسُول الله، ﷺ ، فِي الْجُمُعَة، وَلِأَن الْمُجْتَهد قد يُؤَدِّي اجْتِهَاده إِلَى ترك الأولى إِذا كَانَ فِيهِ الْمصلحَة. انْتهى. قلت: حمل أَبُو سعيد فعل النَّبِي ﷺ على التَّعْيِين، وَحمله مَرْوَان على الْأَوْلَوِيَّة وَاعْتذر عَن ترك الأولى بِمَا ذكره من تغير حَال النَّاس، فَرَأى أَن الْمُحَافظَة على أصل السّنة وَهُوَ اسْتِمَاع الْخطْبَة أولى من الْمُحَافظَة على هَيْئَة لَيست من شَرطهَا. فَإِن قلت: وَقع عِنْد مُسلم من طَرِيق طَارق بن شهَاب، قَالَ: أول من بَدَأَ بِالْخطْبَةِ يَوْم الْعِيد قبل الصَّلَاة مَرْوَان، فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ: الصَّلَاة قبل الْخطْبَة، فَقَالَ: قد ترك مَا هُنَالك. فَقَالَ أَبُو سعيد: أما هَذَا فقد قضى مَا عَلَيْهِ، وَهَذَا ظَاهر فِي أَنه غير أبي سعيد. قلت: أُجِيب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون هُوَ أَبَا مَسْعُود الَّذِي وَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق أَنه كَانَ مَعَهُمَا، وَيحْتَمل تعدد الْقَضِيَّة. فَإِن قلت: روى الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنِي دَاوُد بن الْحصين عَن عبد الله بن يزِيد الخطمي: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان كَانُوا يبدأون بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة حَتَّى قدم مُعَاوِيَة فَقدم مُعَاوِيَة الْخطْبَة) ، وَهَذَا يدل على أَن ذَلِك لم يزل إِلَى آخر زمن عُثْمَان، وَعبد الله صَحَابِيّ، وَإِنَّمَا قدم مُعَاوِيَة فِي حَال خِلَافَته. وَحَدِيث أبي سعيد هَذَا: أول من قدمهَا مَرْوَان. قلت: يُمكن الْجمع بِأَن مَرْوَان كَانَ أَمِيرا على الْمَدِينَة لمعاوية فَأمره مُعَاوِيَة بتقديمها، فنسب أَبُو سعيد التَّقْدِيم إِلَى مَرْوَان لمباشرته التَّقْدِيم، وَنسبه عبد الله إِلَى مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَمر بِهِ. وَفِيه: بُنيان الْمِنْبَر، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا أَن يكون بِاللَّبنِ والطين لَا من الْخشب لكَونه يتْرك بالصحراء فِي غير حرز فَلَا يخَاف عَلَيْهِ من النَّقْل، بِخِلَاف مَنَابِر الْجَوَامِع. وَفِيه: إِخْرَاج الْمِنْبَر إِلَى الْمصلى فِي الأعياد، قِيَاسا على الْبناء، وَعَن بَعضهم: لَا بَأْس بِإِخْرَاج الْمِنْبَر، وَعَن بَعضهم: كره بُنْيَانه فِي الْجَبانَة، ويخطب قَائِما أَو على دَابَّته. وَعَن أَشهب: إِخْرَاج الْمِنْبَر إِلَى الْعِيدَيْنِ وَاسع، وَعَن مَالك: لَا يخرج فيهمَا، من شَأْنه أَن يخْطب إِلَى جَانِبه، وَإِنَّمَا يخْطب على الْمِنْبَر الْخُلَفَاء. وَفِيه: إِن الْمِنْبَر لم يكن قبل بِنَاء كثير بن الصَّلْت. وَفِيه: مُوَاجهَة الْخَطِيب للنَّاس، وَأَنَّهُمْ بَين يَدَيْهِ. وَفِيه:

стр. 1841

البروز إِلَى الْمصلى وَالْخُرُوج إِلَيْهِ، وَلَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد إلاّ عَن ضَرُورَة، وروى ابْن زِيَاد عَن مَالك، قَالَ: السّنة الْخُرُوج إِلَى الْجَبانَة إِلَّا لأهل مَكَّة، فَفِي الْمَسْجِد، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) : بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخرج فِي الْعِيدَيْنِ إِلَى الْمصلى بِالْمَدِينَةِ وَكَذَا من بعده إِلَّا من عذر مطر وَنَحْوه، وَكَذَا عَامَّة أهل الْبلدَانِ إلاّ مَكَّة، شرفها الله تَعَالَى. وَفِيه: جَوَاز عمل الْعَالم بِخِلَاف الأولى، لِأَن أَبَا سعيد حضر الْخطْبَة وَلم ينْصَرف فيستدل بِهِ على أَن الْبدَاءَة بِالصَّلَاةِ فِيهَا لَيست بِشَرْط فِي صِحَّتهَا. وَفِيه: وعظ الإِمَام فِي صَلَاة الْعِيد ووصيته وتخويفه عَن عواقب الْأُمُور، وَفِيه: أَن الزَّمَان تغير فِي زمن مَرْوَان. ٧ - (بابُ المَشْي والرُّكُوبِ إِلَى العِيدِ والصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ بِغَيْرِ أذَانٍ ولَا إقَامَةٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمَشْي وَالرُّكُوب إِلَى صَلَاة الْعِيد، وَبَيَان حكم الصَّلَاة قبل الْخطْبَة بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة. ٧٥٩ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله كانَ يُصَلِّي فِي الأضْحَى والفِطْرِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. (الحَدِيث ٩٥٧ طرفه فِي: ٩٦٣) . مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، وَهُوَ: الصَّلَاة قبل الْخطْبَة، ولترجمة الْبَاب ثَلَاثَة أَجزَاء: الأول: فِي صفة التَّوَجُّه، وَالثَّانِي: فِي تَأْخِير الْخطْبَة عَن الصَّلَاة، وَالثَّالِث: فِي ترك النداء فِيهَا. وطابق قَوْله: (كَانَ يُصَلِّي ثمَّ يخْطب) ، الْجُزْء الثَّانِي من التَّرْجَمَة صَرِيحًا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الله، أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الزَّاي: نِسْبَة إِلَى حزَام أحد أجداده، واشتبه بالحرامي، بِفَتْح الْحَاء وَتَخْفِيف الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ. الثَّانِي: أنس بن عِيَاض أَبُو ضَمرَة وَلَيْسَ هُوَ بأخي يزِيد بن عِيَاض، وَلَيْسَ بَينهمَا قرَابَة. الثَّالِث: عبد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاث مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم مدنيون. وروى مُسلم: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا عبد بن سُلَيْمَان وَأَبُو أُسَامَة عَن عبيد الله عَن نَافِع، (عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر كَانُوا يصلونَ الْعِيدَيْنِ قبل الْخطْبَة) . ٩٥٨ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى قَالَ أخبرنَا هِشَامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبرنِي عَطَاءٌ عنْ جَابِرِ ابنِ عَبْدِ الله. قَالَ سَمِعْتُهُ يقُولُ إنَّ النبيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ فبَدَأ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. ٩٦٠ - وَأَخْبرنِي عَطَاءٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وعنْ جَابِرِ ابنِ عَبْدِ الله قالَا لَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ الفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الأضْحَى. ٩٦١ - وعَنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ سَمِعْتُهُ يقُولُ إنَّ النَّبيَّ ﷺ قامَ فَبَدأ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ الله ﷺ نَزَلَ فأتَى النِّسَاءَ فَذَكَرَهُنَّ وَهْوَ يتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ وبِلَالٌ باسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءَ صَدَقةً قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أتَرَى حَقَّا عَلَى الإمامِ الآنَ أنْ يَأتِيَ النِّسَاءُ فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرَغُ قَالَ إِن ذالكَ لَحَق عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ أنْ لَا يَفْعَلُوا. (انْظُر الحَدِيث ٩٥٨ وطرفه) . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للجزء الثَّانِي وَالثَّالِث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأما مطابقته فِي الثَّانِي فَفِي قَوْله: (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة) ، وَفِي قَوْله: (قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثمَّ خطب النَّاس) ، وَأما مطابقته فِي الثَّالِث فَفِي قَوْله: (لم يكن يُؤذن بِالصَّلَاةِ يَوْم الْفطر وَلَا يَوْم الْأَضْحَى) ، وَبَقِي الْجُزْء الأول خَالِيا عَن حَدِيث يدل عَلَيْهِ ظَاهرا، وَلِهَذَا اعْترض ابْن التِّين فَقَالَ، لَيْسَ فِيمَا ذكره من الْأَحَادِيث

стр. 1842

مَا يدل على مشي وَلَا ركُوب. وَأجِيب: بِأَن عدم ذَلِك مشْعر بتسويغ كل مِنْهُمَا، وَأَنه لَا مزية لأَحَدهمَا على الآخر. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، وَلَكِن يسْتَأْنس فِي ذَلِك من قَوْله: (وَهُوَ يتَوَكَّأ على يَد بِلَال) لِأَن فِيهِ تَخْفِيفًا عَن مشقة الْمَشْي، فَكَذَلِك فِي الرّكُوب هَذَا الْمَعْنى، فَفِي كل من التوكىء وَالرُّكُوب ارتفاق، وَإِن كَانَ الرّكُوب أبلغ فِي ذَلِك. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة بِالْيمن. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. السَّابِع: عبد الله ابْن الزبير. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي أَرْبَعَة مواضة. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه رازي وَالثَّانِي من الروَاة يماني وَالثَّالِث وَالرَّابِع مكيان. وَفِيه: أَن هشاما من أَفْرَاده. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن رَافع، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن عبد الرَّزَّاق وَمُحَمّد بن بكر. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِلَى ابْن الزبير) ، وَهُوَ عبد الله ابْن الزبير. قَوْله: (فِي أول مَا بُويِعَ لَهُ) أَي: لِابْنِ الزبير بالخلافة، وَكَانَ ذَلِك فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ، عقيب موت يزِيد بن مُعَاوِيَة. قَوْله: (لم يكن يُؤذن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التأذين أَي: لم يكن يُؤذن فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وَالضَّمِير فِي (أَنه) ، وَفِي: (لم يكن) ، للشأن. قَوْله: (قَالَ: وَأَخْبرنِي عَطاء) وَالْقَائِل هُوَ ابْن جريج فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُوَ مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الْمَذْكُور، وَكَذَا قَوْله: (وَعَن جَابر بن عبد الله) مَعْطُوف أَيْضا. قَوْله: (وَإِنَّمَا الْخطْبَة بعد الصَّلَاة) ، كَذَا للأكثرين. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَأما) بدل: (وَإِنَّمَا) . قيل: إِنَّه تَصْحِيف؟ قلت: دَعْوَى التَّصْحِيف مَا لَهَا وَجه لِأَن الْمَعْنى صَحِيح. قَوْله: (فَذَكرهنَّ) ، بالتشدد من التَّذْكِير أَي: وعظهن. قَوْله: (وَهُوَ يتَوَكَّأ) جملَة حَالية أَي: يعْتَمد على يَد بِلَال، وَكَذَا الْوَاو فِي: وبلال، للْحَال. قَوْله: (يلقِي) بِضَم الْيَاء من الْإِلْقَاء وَهُوَ: الرَّمْي. قَوْله: (أَن يَأْتِي النِّسَاء) مفعول أول للرؤية. قَوْله: (حَقًا) ، مفعول ثَان. قَوْله: (مَا لَهُم أَن لَا يَفْعَلُوا؟) يُرِيد بذلك التأسي بهم. فَإِن قلت: كلمة: مَا، هَذِه مَا هِيَ؟ قلت: يحْتَمل أَن تكون نَافِيَة، وَأَن تكون استفهامية. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْخُرُوج إِلَى الْمصلى. وَفِيه: أَن الصَّلَاة قبل الْخطْبَة. وَفِيه: أَن لَا أَذَان لصَلَاة الْعِيدَيْنِ وَلَا إِقَامَة. وروى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، قَالَ: (صليت مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، الْعِيدَيْنِ غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث طَاوُوس (عَن بن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ صلى الْعِيد بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان) . وَأخرجه ابْن مَاجَه، وروى الْبَزَّار من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص: (أَن النَّبِي ﷺ صلى الْعِيد بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة) . وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب: (أَن رَسُول الله ﷺ صلى فِي يَوْم الْأَضْحَى بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة) . وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير: من حَدِيث مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي رَافع عَن أَبِيه عَن جده: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخرج إِلَى الْعِيد مَاشِيا يُصَلِّي بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة) . وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا ابْن مهْدي: (عَن سماك، قَالَ: رَأَيْت الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَالضَّحَّاك وزيادا يصلونَ يَوْم الْفطر والأضحى بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة) . وَحدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن بردة عَن مَكْحُول نه كَانَ يَقُول: لَيْسَ فِي الْعِيدَيْنِ أَذَان وَلَا إِقَامَة، وَكَذَلِكَ قَالَه عِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم وَأَبُو وَائِل. وَقَالَ الشّعبِيّ وَالْحكم: هُوَ بِدعَة، وَقَالَ مُحَمَّد: وَبِسَنَد صَحِيح عَن ابْن الْمسيب: أول من أحدثه مُعَاوِيَة. وَحدثنَا ابْن أويس عَن حُصَيْن: أول من أذن فِي الْعِيد زِيَاد، وَفِي (الْوَاضِحَة) لِابْنِ حبيب: أول من فعله هِشَام. وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَرْوَان، وَعند الشَّافِعِي وَغَيره: يُنَادي لَهما: الصَّلَاة جَامِعَة، بِنصب الأولى على الإغراء وَنصب الثَّانِي على الْحَال. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) لِلْحَافِظِ زين الدّين، قَالَ الشَّافِعِي: وَاجِب أَن يَأْمر الإِمَام الْمُؤَذّن أَن يَقُول فِي الأعياد وَمَا جمع النَّاس من الصَّلَاة: الصَّلَاة جَامِعَة، أَو الصَّلَاة. فَإِن قَالَ: هلموا إِلَى الصَّلَاة لم نكرهه، فَإِن قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، فَلَا بَأْس بِهِ. وَنقل الْمَاوَرْدِيّ فِي (الْحَاوِي) عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: فَإِن قَالَ: هلموا إِلَى الصَّلَاة، أَو: حَيّ على الصَّلَاة، أَو: قد قَامَت الصَّلَاة كرهنا لَهُ ذَلِك، وأجزأه. وَحكى ابْن الرّفْعَة عَن القَاضِي حُسَيْن أَنه يَقُول: الصَّلَاة الصَّلَاة، وَلَا يَقُول: جَامِعَة. وَفِيه: الْأَمر بِالصَّدَقَةِ للنِّسَاء، وخصهن بذلك فِي قَول بعض الْعلمَاء (لقد رأيتكن أَكثر أهل

стр. 1843

النَّار) . وَفِيه: الْحجَّة لأبي حنيفَة فِي وجوب الزَّكَاة فِي الْحلِيّ، وَأما الْمَشْي إِلَى الْعِيد فَفِي التِّرْمِذِيّ (عَن عَليّ: من السّنة أَن يخرج إِلَى الْعِيد مَاشِيا) وَعند ابْن مَاجَه (عَن سعد الْقرظ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يخرج إِلَى الْعِيد مَاشِيا) ، وَعند ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر: (كَانَ رَسُول الله ﷺ ، يخرج إِلَى الْعِيد مَاشِيا وَيرجع مَاشِيا) وَإِسْنَاده ضَعِيف جدا وَعند الْبَزَّار من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص: (أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يخرج إِلَى الْعِيد مَاشِيا وَيرجع فِي طَرِيق غير الطَّرِيق الَّذِي خرج مِنْهُ) . ٨ - (بابُ الخُطْبَةِ بَعْدَ العيدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْخطْبَة تكون بعد صَلَاة الْعِيد. فَإِن قلت: كَون الْخطْبَة بعد صَلَاة الْعِيد، علم من حَدِيث عبد الله بن عمر وَحَدِيث جَابر بن عبد الله الْمَذْكُورين فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَكَذَلِكَ علم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الْمَذْكُور فِي بَاب الْخُرُوج إِلَى الْمصلى بِغَيْر مِنْبَر، فَلم كرر هَذَا؟ وَمَا فَائِدَة إِعَادَة هَذَا الحكم؟ قلت: لشدَّة الاعتناء بِهِ، وَمَا هَذَا شَأْنه يذكر بطرِيق الِاسْتِقْلَال والاستبداد، وَالْمَذْكُور فِي الْأَحَادِيث السَّابِقَة، وَإِن كَانَ فِي بَعْضهَا تَصْرِيح بِهِ، وَلكنه بطرِيق التّبعِيَّة. وَالَّذِي يذكر بطرِيق التّبعِيَّة لَا يكون مثل الَّذِي يذكر بطرِيق الِاسْتِقْلَال. ٩٦٢ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي الحَسَنُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ. قَالَ شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رسولِ الله ﷺ وَأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فكُلُّهُمْ كانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الصَّلَاة إِذا كَانَت قبل الْخطْبَة تكون الْخطْبَة بعْدهَا ضَرُورَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم: الشَّيْبَانِيّ النَّبِيل الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: الْحسن ابْن مُسلم، بِضَم الْمِيم: من الْإِسْلَام ابْن يناق، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَشْديد النُّون وَبعد الْألف قَاف. الرَّابِع: طَاوُوس بن كيسَان. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وَكَذَلِكَ بِصِيغَة الْإِخْبَار فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي والراوي الثَّانِي وَالثَّالِث مكيان وَالرَّابِع يماني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي تَفْسِير سُورَة الممتحنة عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج إِلَى آخِره مطولا. وَأخرج أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس من طَرِيق عَطاء (أَنه، ﷺ ، خرج يَوْم فطر فصلى ثمَّ خطب. .) الحَدِيث، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت. ٩٦٣ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا أبُو أسَامَةَ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٥٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي أَبُو يُوسُف، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر ابْن حَفْص، وَقد مر عَن قريب. وَأخرجه مُسلم عَن ابْن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان وَأبي أُسَامَة عَن عبيد الله عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر كَانُوا يصلونَ الْعِيدَيْنِ قبل الْخطْبَة) . ٩٦٤ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيِّ بنِ ثابِتٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا ولَا بَعْدَهُمَا ثُمَّ أتَى النِّسَاءَ ومَعَهُ بِلَالٌ فأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ تُلْقِي المَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا.

стр. 1844

مطابقته للتَّرْجَمَة تَأتي بالتكلف من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على الْعِيد، وَالْمرَاد مِنْهُ: صَلَاة الْعِيد، وَأَشَارَ بِالْحَدِيثِ إِلَى أَن صَلَاة الْعِيد رَكْعَتَانِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يدل على التَّرْجَمَة؟ قلت: كَأَنَّهُ جعل أَمر النِّسَاء بِالصَّدَقَةِ من تَتِمَّة الْخطْبَة، وَتَبعهُ بَعضهم على هَذَا. قلت: الَّذِي ذكرته من الْوَجْه فِي الدّلَالَة على التَّرْجَمَة قد استبعدته، وذكرته بالتعسف، فَالَّذِي ذكره الْكرْمَانِي أبعد من ذَلِك. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي الْوَلِيد فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الزَّكَاة أَيْضا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن عرْعرة وحجاج بن منهال فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن بنْدَار وَأبي بكر بن نَافِع كِلَاهُمَا عَن غنْدر، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بنْدَار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تلقي الْمَرْأَة) فَائِدَة التّكْرَار فِيهِ أَنه ذكر الْإِلْقَاء أَولا مُجملا ثمَّ ذكره مفصلا، وَهَذَا أوقع فِي الْقُلُوب، لِأَنَّهُ يكون علمين: علم إجمالي وَعلم تفصيلي، والعلمان خير من علم وَاحِد. قَوْله: (خرصها) الْخرص، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسرهَا: القرط بِحَبَّة وَاحِدَة، وَقيل: هِيَ الْحلقَة من الذَّهَب أَو الْفضة، وَالْجمع: خرصة، والخرصة لُغَة فِيهَا وَفِي (الصِّحَاح) : الْخرص بِالضَّمِّ وبالكسر وَالْجمع: خرصان. قَوْله: (وسخابها) ، بِكَسْر السِّين وبالخاء الْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهُوَ قلادة تتَّخذ من طيب وَغَيره لَيْسَ فِيهَا جَوْهَر، وَرُبمَا عمل من خَرَزَات أَو نوى الزَّيْتُون، وَالْجمع: سخب، مثل كتاب وَكتب. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ قلادة تتَّخذ من قرنفل وسك ومحلب. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: وَيكون من الطّيب والجوهر والخرز. وَقيل: هُوَ خيط فِيهِ خرز، وَسمي سخابا لصوت خرزه عِنْد الْحَرَكَة، مَأْخُوذ من السخب وَهُوَ اخْتِلَاط الْأَصْوَات، يُقَال: بالصَّاد وبالسين. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على ثَلَاثَة أوجه: الأول: أَن صَلَاة الْعِيد رَكْعَتَانِ، قَالَ ابْن بزيزة: انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن صَلَاة الْعِيد رَكْعَتَانِ لَا أَكثر إلاّ مَا رُوِيَ عَن عَليّ فِي (الْجَامِع) : أَربع، فَإِن صليت فِي الْمصلى فَهِيَ رَكْعَتَانِ كَقَوْل الْجُمْهُور. الثَّانِي: أَن الحَدِيث يدل على أَن لَا تنفل قبل صَلَاة الْعِيد وَلَا بعْدهَا، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَذهب أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري إِلَى أَنه يجوز التَّنَفُّل بعد صَلَاة الْعِيد، وَلَا يتَنَفَّل قبلهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يتَنَفَّل قبلهَا وَبعدهَا، وروى ابْن وهب وَأَشْهَب عَن مَالك: لَا يتَنَفَّل قبلهَا وَيُبَاح بعْدهَا. وَفِي (البدرية) : يجوز فِي بَيته. وَعَن ابْن حبيب: قَالَ قوم: هِيَ سبْحَة ذَلِك الْيَوْم يقْتَصر عَلَيْهَا إِلَى الزَّوَال، قَالَ: وَهُوَ أحب إِلَيّ. وَفِي (الذَّخِيرَة) : لَيْسَ قبل صَلَاة الْعِيد صَلَاة، كَذَا ذكره مُحَمَّد بن الْحسن فِي الأَصْل، وَإِن شَاءَ تطوع قبل الْفَرَاغ من الْخطْبَة، يَعْنِي: لَيْسَ قبلهَا صَلَاة مسنونة لَا إِنَّهَا تكره إلاّ أَن الْكَرْخِي نَص على الْكَرَاهَة قبل الْعِيد حَيْثُ قَالَ: يكره لمن حضر الْمصلى التَّنَفُّل قبل صَلَاة الْعِيد. وَفِي (شرح الْهِدَايَة) : كَانَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي يَقُول: لَا بَأْس بِصَلَاة الضُّحَى قبل الْخُرُوج إِلَى الْمصلى، وَإِنَّمَا تكره فِي الْجَبانَة، وَعَامة الْمَشَايِخ على الْكَرَاهَة مُطلقًا. وَعَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَجَابِر وَابْن أبي أوفى أَنهم كَانُوا لَا يرونها قبل وَلَا بعد، وَهُوَ قَول ابْن عمر ومسروق وَالشعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَسَالم وقاسم وَالزهْرِيّ وَمعمر وَابْن جريج وَأحمد، وَقَالَ أنس وَالْحسن وَسَعِيد بن أبي الْحسن وَابْن زيد وَعُرْوَة وَالشَّافِعِيّ: يُصَلِّي قبلهَا وَبعدهَا، وَزَاد ابْن أبي شيبَة: أَبَا الشعْثَاء وَأَبا بردة الْأَسْلَمِيّ ومكحولاً وَالْأسود وَصَفوَان بن مُحرز ورجالاً من الصَّحَابَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي غير (الْأُم) : وَقَالَ أَبُو مَسْعُود البدري: لَا يُصَلِّي قبلهَا وَيُصلي بعْدهَا، وَهُوَ قَول عَلْقَمَة وَالْأسود وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن أبي ليلى. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ، بعد أَن أخرج حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقد رأى طَائِفَة من أهل الْعلم الصَّلَاة بعد صَلَاة الْعِيد وَقبلهَا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَغَيرهم، وَالْقَوْل الأول أصح. وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا، قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عمر وَأبي سعيد؟ قلت: قد أخرج ابْن مَاجَه حَدِيث عبد الله بن عمر وَمن حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: (أَن النَّبِي ﷺ لم يصل قبلهَا وَلَا بعْدهَا) ، وَانْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ ابْن مَاجَه. وَأما حَدِيث أبي سعيد فقد أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا، وَانْفَرَدَ بِهِ من حَدِيث عَطاء بن يسَار: (عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يُصَلِّي قبل الْعِيد شَيْئا، فَإِذا

стр. 1845

رَجَعَ إِلَى منزله صلى رَكْعَتَيْنِ) . قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب وَأبي مَسْعُود وَكَعب بن عجْرَة وَعبد الله بن أبي أوفى، فَحَدِيث عَليّ عِنْد الْبَراء فِي حَدِيث طَوِيل، وَفِيه: (أَن النَّبِي ﷺ لم يصل قبلهَا وَلَا بعْدهَا، فَمن شَاءَ فعل وَمن شَاءَ ترك) . وَحَدِيث أبي مَسْعُود عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (عَن أبي مَسْعُود، قَالَ: لَيْسَ من السّنة الصَّلَاة قبل خُرُوج الإِمَام يَوْم الْعِيد) . وَحَدِيث كَعْب بن عجْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي حَدِيث وَفِيه: (إِن هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ سبْحَة هَذَا الْيَوْم حَتَّى تكون الصَّلَاة تدعوك) ، وَحَدِيث ابْن أبي أوفى عِنْده أَيْضا من رِوَايَة قَائِد أبي الورقاء، قَالَ: قدت عبد الله بن أبي أوفى فِي يَوْم الْعِيد إِلَى الْجَبانَة فَقَالَ: أدنني من الْمِنْبَر، فأدنيته فَجَلَسَ فَلم يصل قبلهَا وَلَا بعْدهَا، وَأخْبر أَن رَسُول الله ﷺ لم يصل قبلهَا وَلَا بعْدهَا، وقائد مَتْرُوك. الْوَجْه الثَّالِث: إِتْيَانه ﷺ النِّسَاء بعد خطبَته وأمرهن بِالصَّدَقَةِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب عظتهن وتذكيرهن الْآخِرَة وحثهن على الصَّدَقَة، وَهَذَا إِذا لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مفْسدَة وَخَوف على الْوَاعِظ والموعوظ أَو غَيرهمَا، وَهَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة صرح بهَا ظَاهر الحَدِيث. وَفِيه: أَيْضا أَن صَدَقَة التَّطَوُّع لَا تحْتَاج إِلَى إِيجَاب وَقبُول بل يَكْفِي فِيهَا المعاطاة، لِأَنَّهُنَّ ألقين الصَّدَقَة فِي ثوب بِلَال من غير كَلَام مِنْهُنَّ وَلَا من بِلَال وَلَا من غَيره، وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، وَأكْثر الْعِرَاقِيّين قَالُوا: تفْتَقر إِلَى الْإِيجَاب وَالْقَبُول بِاللَّفْظِ كَالْهِبَةِ. وَفِيه: جَوَاز خُرُوج النِّسَاء للعيدين، وَاخْتلف السّلف فِي ذَلِك، فَرَأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا عَلَيْهِنَّ مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر، وَغَيرهم وَقَالَ أَبُو قلَابَة: (قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كَانَت الكواعب تخرج لرَسُول الله ﷺ فِي الْفطر والأضحى) . وَكَانَ عَلْقَمَة وَالْأسود يخرجَانِ نِسَاءَهُمْ فِي الْعِيد ويمنعانهن الْجُمُعَة، وروى ابْن نَافِع عَن مَالك أَنه: لَا بَأْس أَن يخرج النِّسَاء إِلَى الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَة وَلَيْسَ بِوَاجِب،. وَمِنْهُم من مَنعهنَّ ذَلِك، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَالنَّخَعِيّ وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَأَبُو يُوسُف وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة مرّة وَمنعه مرّة، وَقَول: من رأى خروجهن أصح بِشَهَادَة السّنة الثَّابِتَة لَهُ. قلت: الْغَالِب فِي هَذَا الزَّمَان الْفِتْنَة وَالْفساد فَيَنْبَغِي أَن يمنعهن عَن ذَلِك مُطلقًا. وَفِيه: إِن النِّسَاء إِذا حضرن صَلَاة الرِّجَال ومجامعهم يكن بمعزل عَنْهُم خوفًا من الْفِتْنَة وَالْفساد. وَفِيه: جَوَاز صَدَقَة الْمَرْأَة من مَالهَا، وَعَن مَالك: لَا يجوز الزِّيَادَة على ثلث مَالهَا إلاّ برضى زَوجهَا. ٩٦٥ - حدَّثنا آدَمْ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا زُبَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عنِ البَرَاءِ بنَ عازِبٍ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ أوَّلَ مَا نَبْدَأ بهِ فِي يَوْمِنَا هاذا أنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذالِكَ فقَدْ أصَابَ سُنَّتَنَا ومَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فإنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأِهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النّسْكِ فِي شَيءٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُقالُ لَهُ أبُو بُرْدَةَ بنَ نِيَارٍ يَا رسولَ الله ذَبَحْتُ وعِنْدِي جَذَعَةٌ خُيْرٌ منْ مُسِنَّةٍ فقالَ اجْعَلْهُ مكانَهُ ولَنْ تُوفِيَ أوْ تَجْزِيَ عنْ أحَدٍ بَعْدَكَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد ذكر الحَدِيث فِي: بَاب سنة الْعِيدَيْنِ لأهل الْإِسْلَام، غير أَنه رُوِيَ هُنَاكَ: عَن حجاج عَن شُعْبَة وَهَهُنَا عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة إِلَى آخِره نَحوه. وَزَاد هَهُنَا: (وَمن نحر قبل الصَّلَاة) إِلَى آخِره، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء. قَوْله: (ذبحت) أَي: قبل الصَّلَاة. قَوْله: (مُسِنَّة) ، هِيَ الَّتِي تدلت أسنانها، قَالَه الدَّاودِيّ، وَقَالَ غَيره: هِيَ الثَّنية. قَوْله: (إجعله مَكَانَهُ) ، إِنَّمَا ذكر الضميرين مَعَ أَنَّهُمَا يرجعان إِلَى الْمُؤَنَّث اعْتِبَارا لمسماهما، إِذْ الْجَذعَة عبارَة عَن معز ذِي سنة، والمسنة عَن معز ذِي سنتَيْن. قَوْله: (وَلنْ توفّي أَو تجزي) ، شكّ من الْبَراء. قَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: وفى وأوفى بِمَعْنى وَاحِد، وَيُقَال جزى يَجْزِي هَهُنَا مهموزا، لِأَن المهموز لَا يسْتَعْمل مَعَه: عَن، عِنْد الْعَرَب، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: هَذَا يَجْزِي من هَذَا، أَي: يكون مَكَانَهُ، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: أَجْزَأَ يجزىء بِالْهَمْزَةِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا من النَّبِي ﷺ تَخْصِيص لعين من الْأَعْيَان بِحكم مُنْفَرد وَلَيْسَ من بَاب النّسخ فَإِن الْمَنْسُوخ إِنَّمَا يَقع للْأمة عَامَّة غير خَاص لبَعْضهِم.

стр. 1846

٩ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي العِيدِ والحَرَمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الَّذِي يكره من حمل السِّلَاح، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. أعترض بِأَن هَذِه التَّرْجَمَة تخَالف التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: بَاب الخراب والدرق يَوْم الْعِيد. بَيَان ذَلِك أَن التَّرْجَمَة تدل على الْإِبَاحَة وَالنَّدْب لدلَالَة حَدِيثهَا عَلَيْهَا، وَهَذِه التَّرْجَمَة تدل على الْكَرَاهَة وَالتَّحْرِيم، لقَوْل عبد الله بن عمر فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي: من أَمر بِحمْل السِّلَاح فِي يَوْم لَا يحل فِيهِ حمله. . وَأجِيب: بِأَن حَدِيث التَّرْجَمَة الأولى يدل على وُقُوعهَا مِمَّن حملهَا بالتحفظ عَن إِصَابَة أحد من النَّاس، وَطلب السَّلامَة من إِيصَال الْإِيذَاء إِلَى أحد، وَحَدِيث هَذِه التَّرْجَمَة يدل على قلَّة مبالاة حامله وَعدم احترازه عَن إِيصَال الْأَذَى إِلَى أحد مِنْهُ، بل الظَّاهِر أَن حمله إِيَّاه هَهُنَا لم يكن إلاّ بطرا وأشرا، وَلَا سِيمَا عِنْد مزاحمة النَّاس والمسالك الضيقة. وقالَ الحَسَنُ نُهُوا أنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدٍ إلاّ أَن يَخَافُوا عدُوّا الْحسن: هُوَ الْبَصْرِيّ وَقَوله: (نوا) بِضَم النُّون وَأَصله: نهيوا، مثل نفوا أَصله: نفيوا. استثقلت الضمة على الْيَاء فنقلت إِلَى مَا قبلهَا بعد سلب حَرَكَة مَا قبلهَا ثمَّ حذفت الْيَاء لالتقاء الساكنين. وَجه النَّهْي خوفًا من إِيصَال أَذَى لأحد، وَوجه الِاسْتِثْنَاء أَن الْخَوْف من الْعَدو يُبِيح مَا حرم من حمل السِّلَاح للضَّرُورَة، وروى عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد مُرْسل، قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ أَن يخرج بِالسِّلَاحِ يَوْم الْعِيد) ، وروى ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس: (إِن النَّبِي ﷺ نهى أَن يلبس السِّلَاح فِي بِلَاد الْإِسْلَام فِي الْعِيدَيْنِ إلاّ أَن يَكُونُوا بِحَضْرَة الْعَدو) . ٩٦٦ - حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحْيَى أبُو السُّكَيْنِ قَالَ حدَّثنا المُحَارِبِيُّ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سُوقَةَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابنِ عُمَرَ حِينَ أصابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أخْمَصِ قَدَمِهِ فلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ فنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذالِكَ بِمِنىً فبَلَغَ الحَجَّاجُ فجَعَلَ يَعُودُهُ فقالَ الحَجِّاجُ لَوْ نَعْلَمُ منْ أصابَكَ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ أنْتَ أصَبْتَنِي قَالَ وكَيْفَ قَالَ حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ وأدْخَلْتَ السِّلَاحَ الحَرَمَ ولَمْ يَكُنْ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الحَرَمَ (الحَدِيث ٩٦٦ طرفه فِي: ٩٦٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لم يكن يحمل فِيهِ) إِلَى آخر الحَدِيث. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: زَكَرِيَّا بن يحيى بن عمر الطَّائِي الْكُوفِي، وكنيته أَبُو السكين، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون، وَقد مر فِي أول كتاب التَّيَمُّم. الثَّانِي: الْمحَاربي، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد يكنى أَبَا مُحَمَّد، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن سوقة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْقَاف: أَبُو بكر الغنوي الْكُوفِي. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، لِأَن مُحَمَّد بن سوقة تَابِعِيّ صَغِير من أجلة النَّاس. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعِيدَيْنِ عَن أَحْمد بن يَعْقُوب عَن إِسْحَاق بن سعيد عَن مُحَمَّد بن سوقة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَخْمص قدمه) ، بِإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وبالصاد الْمُهْملَة، قَالَ ثَابت فِي (كتاب خلق الْإِنْسَان) : وَفِي الْقدَم الأخمص وَهُوَ خصر بَاطِنهَا الَّذِي يتجافى عَن الأَرْض لَا يُصِيبهَا إِذا مَشى الْإِنْسَان. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ بَاطِن الْقدَم، وَمَا رق من أَسْفَلهَا. قَوْله: (فنزعتها) ، أَي: فنزعت السنان، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير إِمَّا بِاعْتِبَار السِّلَاح لِأَنَّهُ مؤنث، وَإِمَّا بِاعْتِبَار أَنَّهَا حَدِيدَة، أَو يكون الضَّمِير رَاجعا إِلَى: الْقدَم، فَيكون من بَاب الْقلب كَمَا يُقَال: أدخلت الْخُف فِي الرجل. قَوْله: (وَذَلِكَ بمنى) أَي: مَا ذكر وَقع فِي منى، وَهُوَ يصرف وَيمْنَع، سمي بهَا لِأَن الدِّمَاء تمنى فِيهَا أَي: تراق، أَو لِأَن جِبْرِيل، ﵇، لما أَرَادَ مُفَارقَة آدم، ﵇،

стр. 1847

قَالَ لَهُ: تمن فَقَالَ: أَتَمَنَّى الْجنَّة، أَو لتقدير الله فِيهَا الشعائر من منى الله أَي: قدره. قَوْله: (فَبلغ الْحجَّاج) أَي: ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ، وَكَانَ إِذْ ذَاك أَمِيرا على الْحجاز، وَذَلِكَ بعد قتل عبد الله بن الزبير بِسنة، وَكَانَ عَاملا على الْعرَاق عشْرين سنة وَفعل فِيهَا مَا فعل من سفك الدِّمَاء والإلحاد فِي حرم الله وَغير ذَلِك من الْمَفَاسِد، مَاتَ بواسط سنة خمس وَتِسْعين وَدفن بهَا، وَعفى قَبره وَأجْرِي عَلَيْهِ المَاء. قَوْله: (فجَاء) ، أَي: الْحجَّاج (يعودهُ) أَي: يعود عبد الله بن عمر، وَهِي جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. وَقَوله: (فجَاء) ، رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ (فآتاه) وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَجعل يعودهُ) ، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة الَّتِي وضعت للدلالة على الشُّرُوع فِي الْعَمَل، وَيعود خَبره. قَوْله: (لَو نعلم) ، بنُون الْمُتَكَلّم، (مَا أَصَابَك) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (لَو نعلم من أَصَابَك) ، وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف تَقْدِيره: لجازيناه أَو عزرناه، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة ابْن سعد عَن ابي نعيم عَن إِسْحَاق بن سعيد، فَقَالَ فِيهِ: (لَو نعلم من أَصَابَك عاقبناه) . وَله من وَجه آخر قَالَ: لَو أعلم الَّذِي أَصَابَك لضَرَبْت عُنُقه، وَيجوز أَن تكون كلمة: لَو، لِلتَّمَنِّي، فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَاعْلَم أَن الْإِصَابَة تسْتَعْمل متعدية إِلَى مفعول نَحْو أَصَابَهُ سِنَان الرمْح، وَإِلَى مفعولين نَحْو أَنْت أصبتني أَي سنانه. قَوْله: (أَنْت أصبتني) خطاب ابْن عمر للحجاج، وَفِيه نِسْبَة الْفِعْل إِلَى الْآمِر بِشَيْء يتسبب مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل، لَكِن حكى الزبير فِي (الْأَنْسَاب) : أَن عبد الْملك لما كتب إِلَى الْحجَّاج: أَن لَا يُخَالف ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، شقّ عَلَيْهِ، فَأمر رجلا مَعَه حَرْبَة، يُقَال: إِنَّهَا مَسْمُومَة، فلصق ذَلِك الرجل بِهِ، فَأمر الحربة على قدمه فَمَرض مِنْهَا أَيَّامًا ثمَّ مَاتَ. وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين. قَوْله: (قَالَ: وَكَيف؟) أَي: قَالَ الْحجَّاج: وَكَيف أصبتك. قَالَ ابْن عمر: حملت السِّلَاح فِي يَوْم أَي فِي يَوْم الْعِيد لم يكن يحمل فِيهِ سلَاح، وأدخلت السِّلَاح فِي حرم مَكَّة وخالفت السّنة من وَجْهَيْن: لِأَنَّهُ حمل السِّلَاح فِي غير مَكَانَهُ وَغير زَمَانه. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن منى من الْحرم. وَفِيه: الْمَنْع من حمل السِّلَاح فِي الْحرم للأمن الَّذِي جعله الله لجَماعَة الْمُسلمين فِيهِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ (آل عمرَان: ٩٧) . وَحمل السِّلَاح فِي الْمشَاهد الَّتِي لَا يحْتَاج إِلَى الْحَرْب فِيهَا مَكْرُوه لما يخْشَى فِيهَا من الْأَذَى والعقر عِنْد تزاحم النَّاس، وَقد قَالَ ﷺ للَّذي رَآهُ يحمل: (أمسك بنصالها لَا تعقرن بهَا مُسلما) . فَإِن خَافُوا عدوا فمباح حملهَا، كَمَا قَالَ الْحسن: وَقد أَبَاحَ الله تَعَالَى حمل السِّلَاح فِي الصَّلَاة فِي الْخَوْف. فَإِن قلت: ذكر فِي كتاب الصريفيني، لما أنكر عبد الله على الْحجَّاج نصب المنجنيق يَعْنِي: على الْكَعْبَة، وَقتل عبد الله بن الزبير، أَمر الْحجَّاج بقتْله، فَضَربهُ بِهِ رجل من أهل الشَّام ضَرْبَة، فَلَمَّا أَتَاهُ الْحجَّاج يعودهُ قَالَ لَهُ عبد الله: تقتلني ثمَّ تعودني؟ كفى الله حكما بيني وَبَيْنك؟ هَذَا صَرِيح بِأَنَّهُ أَمر بقتْله وَهُوَ قَاتله، وَلِهَذَا قَالَ عبد الله: تقتلني ثمَّ تعودني؟ وَفِيمَا حَكَاهُ الزبير فِي (الْأَنْسَاب) الْأَمر بِالْقَتْلِ غير صَرِيح، وروى ابْن سعد من وَجه آخر أَن الْحجَّاج دخل على ابْن عمر يعودهُ لما أُصِيبَت رجله، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن هَل تَدْرِي من أصَاب رجلك؟ قَالَ: لَا. قَالَ أما وَالله لَو علمت من أَصَابَك لقتلته! قَالَ: فَأَطْرَقَ ابْن عمر، فَجعل لَا يكلمهُ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، فَوَثَبَ كالمغضب. قلت: يحْتَمل تعدد الْوَاقِعَة وتعدد السُّؤَال، وَأما أَمر عبد الله مَعَه فَثَلَاثَة أَحْوَال: الأولى: عرض بِهِ، وَالثَّانيَِة: صرح بِهِ، وَالثَّالِثَة: أعرض عَنهُ وَلم يتَكَلَّم بِشَيْء. وَفِيه: ميل من البُخَارِيّ إِلَى أَن قَول الصَّحَابِيّ: كَانَ يفعل كَذَا، على صِيغَة الْمَجْهُول حكم مِنْهُ بِرَفْعِهِ. ٩٦٧ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يَعْقُوبَ قَالَ حدَّثني إسْحَاقُ بنُ سَعيدٍ بنِ عَمْرِو بنِ سعِيدِ بنِ العَاصِي عنْ أبِيهِ قَالَ دَخَلَ الحجَّاجُ عَلَى ابنِ عُمَرَ وَأنَا عِنْدَهُ فَقَالَ كَيْفَ هُوَ فَقَالَ صالِحٌ فَقَالَ منْ أصَابَكَ قَالَ أصَابَنِي مَنْ أمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ يَعْنِي الحَجَّاجَ. (انْظُر الحَدِيث ٩٦٦) . مطابقته للجزء الْأَخير للتَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله: (من أَمر بِحمْل السِّلَاح. .) إِلَخ، وَأحمد بن يَعْقُوب أَبُو يَعْقُوب المَسْعُودِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَإِسْحَاق بن سعيد هُوَ أَخُو خَالِد بن سعيد الْأمَوِي الْقرشِي، مَاتَ سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة، وَأَبُو سعيد بن عَمْرو بن سعيد ابْن الْعَاصِ الْقرشِي الْأمَوِي، يكنى أَبَا عُثْمَان، مر فِي: بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (يَعْنِي: الْحجَّاج) بِالنّصب على المفعولية، وقائله هُوَ ابْن عمر، وَزَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذِه الطَّرِيق قَالَ: لَو عَرفْنَاهُ لعاقبناه، قَالَ: وَذَلِكَ لِأَن النَّاس

стр. 1848

نفروا عَشِيَّة وَرجل من أَصْحَاب الْحجَّاج عَارض حربته، فَضرب ظهر قدم ابْن عمر فَأصْبح وَهنا مِنْهَا ثمَّ مَاتَ. ١٠ - (بابُ التَّبْكِيرِ إلَى العِيدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التبكير للعيد، من بكَّر إِذا بَادر وأسرع، وَكَذَا هُوَ للأكثرين: بِالْبَاء، الْمُوَحدَة قبل الْكَاف، وَكَذَا شَرحه الشارحون، وَوَقع للمستملي: بَاب التَّكْبِير، بِتَقْدِيم الْكَاف. قيل: هُوَ تَحْرِيف، وَفِي بعض النّسخ: بَاب التَّكْبِير إِلَى الْعِيد. وقالَ عَبْدُ الله بنُ بُسْرٍ إنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هاذِهِ السَّاعَةِ وَذالِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ عبد الله بن بسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: أَبُو صَفْوَان السّلمِيّ الْمَازِني الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ، مَاتَ بحمص فَجْأَة وَهُوَ يتَوَضَّأ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالشَّام، وَهُوَ مِمَّن صلى إِلَى الْقبْلَتَيْنِ. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو دَاوُد: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا صَفْوَان حَدثنَا يزِيد بن خمير الرَّحبِي قَالَ: (خرج عبد الله بن بسر صَاحب النَّبِي، ﷺ ، مَعَ النَّاس فِي يَوْم عيد فطر أَو أضحى، فَأنْكر إبطاء الإِمَام، وَقَالَ: إِن كُنَّا قد فَرغْنَا ساعتنا هَذِه وَذَلِكَ حِين التَّسْبِيح) . وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. قلت: أَبُو الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج الْحِمصِي الشَّامي، وخمير، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم: أَبُو عمر الشَّامي الرَّحبِي نِسْبَة إِلَى رحبة، بِفَتْح الرَّاء والحاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ رحبة بن زرْعَة بن سبأ الْأَصْفَر. بطن من حمير. قَوْله: (إِن كُنَّا) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (إِنَّا كُنَّا) ، وَكلمَة: إِن، هَهُنَا هِيَ المخففة من الثَّقِيلَة، وَأَصله: إِنَّه، بضمير الشان. قَوْله: (وَذَلِكَ حِين التَّسْبِيح) أَي: حِين صَلَاة السبحة، وَهِي صَلَاة الضُّحَى، وَذَلِكَ إِذا مضى وَقت الْكَرَاهَة. وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة للطبراني: (وَذَلِكَ حِين تَسْبِيح الضُّحَى) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حِين التَّسْبِيح أَي: حِين صَلَاة الضُّحَى أَو حِين صَلَاة الْعِيد، لِأَن صَلَاة الْعِيد سبْحَة ذَلِك الْيَوْم. ٩٦٨ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ زُبَيْدٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ البَرَاءِ قَالَ خطَبَنَا النبيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ إنَّ أوَّلَ مَا يبْدَأ بِهِ فِي يَوْمِنَا هاذا أنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذالِكَ فَقَدْ أصَابَ سُنَّتَنَا ومَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ فإنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأِهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ فقامَ خَالِي أبُو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ فَقَالَ يَا رسولَ الله أنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أُصَلِّيَ وعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ قَالَ اجْعَلْهَا مَكانَها أَو قالَ اذْبَحْهَا ولَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عنْ أحَدٍ بَعْدَكَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة حَيْثُ إِن الِابْتِدَاء بِالصَّلَاةِ يَوْم الْعِيد والمبادرة إِلَيْهَا قبل الِاشْتِغَال بِكُل شَيْء غير التأهب لَهَا، وَمن لَوَازِم ذَلِك التبكير إِلَيْهَا، والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب الْأكل يَوْم النَّحْر عَن قريب. وَأخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن الشّعبِيّ ... إِلَى آخِره، فَانْظُر إِلَى التَّفَاوُت الَّذِي بَينهمَا فِي الْأَلْفَاظ. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الْخطْبَة بعد الْعِيد، عَن آدم عَن شُعْبَة عَن زبيد. . ألى آخِره، وَهَذَا الْإِسْنَاد وَإسْنَاد حَدِيث الْبَاب وَاحِد غير الْمُغَايرَة فِي شَيْخه الَّذِي روى عَنهُ. وَالِاخْتِلَاف فِي متنيهما قَلِيل، وَفِي حَدِيث هَذَا الْبَاب: (وَمن ذبح) وَهُنَاكَ: (وَمن نحر) . وَالْفرق بَينهمَا أَن الْمَشْهُور أَن النَّحْر فِي الْإِبِل وَالذّبْح فِي غَيره. وَقَالُوا: النَّحْر فِي اللب مثل الذّبْح فِي الْحلق، وَهنا أطلق النَّحْر على الذّبْح بِاعْتِبَار أَن كلا مِنْهُمَا إنهار الدَّم، وَاخْتلفُوا فِي وَقت الغدو إِلَى الْعِيد، فَكَانَ ابْن عمر يُصَلِّي الصُّبْح ثمَّ يَغْدُو، وكما هُوَ إِلَى الْمصلى، وَفعله سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: كَانُوا يصلونَ الْفجْر وَعَلَيْهِم ثِيَابهمْ يَوْم الْعِيد، وَعَن أبي مجلز مثله، وَعَن رَافع بن خديج: أَنه كَانَ يجلس فِي الْمَسْجِد بنيه، فَإِذا طلعت الشَّمْس صلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يذهبون إِلَى الْفطر والأضحى، وَكَانَ عُرْوَة لَا يَأْتِي الْعِيد حَتَّى تشعل الشَّمْس، وَهُوَ قَول عَطاء وَالشعْبِيّ. وَفِي (الْمُدَوَّنَة) : عَن مَالك يَغْدُو من دَاره أَو من الْمَسْجِد إِذا طلعت الشَّمْس. وَقَالَ عَليّ بن زِيَاد عَنهُ: وَمن غَدا إِلَيْهَا قبل الطُّلُوع فَلَا

стр. 1849

بَأْس، وَلَكِن لَا يكبر حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَلَا يَنْبَغِي أَن يَأْتِي الْمُصَلِّي حَتَّى تحين الصَّلَاة، وَقَالَ الشَّافِعِي يَأْتِي إِلَى الْمصلى حِين تبرز الشَّمْس فِي الْأَضْحَى، وَيُؤَخر الغدو فِي الْفطر قَلِيلا. ١١ - (بابُ فَضْلِ العَمَلَ فِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْعَمَل فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ مصدر من شَرق اللَّحْم إِذا بَسطه فِي الشَّمْس ليجف، وَسميت بذلك أَيَّام التَّشْرِيق لِأَن لُحُوم الْأَضَاحِي كَانَت تشرق فِيهَا بمنى، وَقيل: سميت بِهِ لِأَن الْهَدْي والضحايا لَا تنحر حَتَّى تشرق الشَّمْس، أَي: تطلع. وَكَانَ الْمُشْركُونَ يَقُولُونَ: أشرق ثبير كَيْمَا نغير، و: ثبير، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ جبل بمنى، أَي: أَدخل أَيهَا الْجَبَل فِي الشروق، وَهُوَ ضوء الشَّمْس، كَيْمَا نغير أَي: ندفع للنحر، وَذكر بَعضهم أَن أَيَّام التَّشْرِيق سميت بذلك، وَقيل: التَّشْرِيق صَلَاة الْعِيد لِأَنَّهَا تُؤدِّي عِنْد إشراق الشَّمْس وارتفاعها، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: (لَا جُمُعَة وَلَا تَشْرِيق إلاّ فِي مصر جَامع) . أخرجه أَبُو عبيد بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَوْقُوفا، وَمَعْنَاهُ: لَا صَلَاة جُمُعَة وَلَا صَلَاة عيد. وَفِي (الْخُلَاصَة) : أَيَّام النَّحْر ثَلَاثَة، وَأَيَّام التَّشْرِيق ثَلَاثَة، ويمضي ذَلِك فِي أَرْبَعَة أَيَّام، فَإِن الْعَاشِر من ذِي الْحجَّة نحر خَاص، وَالثَّالِث عشر تَشْرِيق خَاص، وَمَا بَينهمَا اليومان للنحر والتشريق جَمِيعًا. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَاذْكُرُوا الله فِي أيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أيامُ العَشْرِ والأيَّامُ المَعْدُودَاتُ أيَّامُ التَّشْرِيقِ قَالَ ابْن عَبَّاس: واذْكُرُوا الله ... إِلَى آخِره، رِوَايَة كَرِيمَة وَابْن شبويه وَرِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: ﴿ويذكروا الله فِي أَيَّام معدودات﴾ (الْحَج: ٢٨) . وَرِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: ﴿ويذكروا الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٣) . الْحَاصِل من ذَلِك إِن ابْن عَبَّاس لَا يُرِيد بِهِ لفظ الْقُرْآن، إِذْ لَفظه هَكَذَا: ﴿ويذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات﴾ (الْحَج: ٢٨) . وَمرَاده أَن الْأَيَّام المعلومات هِيَ: الْعشْر الأول من ذِي الْحجَّة وَالْأَيَّام المعدودات الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واذْكُرُوا الله فِي أَيَّام معدودات﴾ (الْحَج: ٢٨) . هِيَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة هِيَ: الْحَادِي عشر من ذِي الْحجَّة الْمُسَمّى بِيَوْم النَّفر، وَالثَّانِي عشر وَالثَّالِث عشر المسميان بالنفر الأول والنفر الثَّانِي. وَالتَّعْلِيق الْمَذْكُور وَصله عبد الله بن حميد فِي تَفْسِيره: حَدثنَا قبيصَة عَن سُفْيَان عَن ابْن جريج: (عَن عَمْرو بن دِينَار: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: اذْكروا الله فِي أَيَّام معدودات: الله أكبر، واذْكُرُوا الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات: الله أكبر الْأَيَّام المعدودات أَيَّام التَّشْرِيق وَالْأَيَّام المعلومات الْعشْر) . وَاخْتلف السّلف فِي الْأَيَّام المعدودات والمعلومات، فالأيام المعلومات الْعشْر، والمعدودات أَيَّام التَّشْرِيق وَهِي ثَلَاثَة أَيَّام بعد يَوْم النَّحْر عِنْد أبي حنيفَة، رَوَاهُ عَنهُ الْكَرْخِي، وَهُوَ قَول الْحسن وَقَتَادَة، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر أَن المعلومات هِيَ: ثَلَاثَة أَيَّام النَّحْر، والمعدودات: أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد: سميت معدودات لقلتهن ومعلومات لجزم النَّاس على علمهَا لأجل فعل الْمَنَاسِك فِي الْحَج، وَقَالَ الشَّافِعِي: من الْأَيَّام المعلومات النَّحْر، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَعمر: يَوْم النَّحْر ويومان بعده، وَبِه قَالَ مَالك. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَإِلَيْهِ أذهب لقَوْله تَعَالَى: ﴿لِيذكرُوا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ (الْحَج: ٢٨) . وَهِي أَيَّام النَّحْر، وَسميت معدودات لقَوْله تَعَالَى: ﴿واذْكُرُوا الله فِي أَيَّام معدودات فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٣) . وَسميت أَيَّام التَّشْرِيق معدودات لِأَنَّهُ إِذا زيد عَلَيْهَا فِي الْبَقَاء كَانَ حصرا. لقَوْله ﷺ : (لَا يبْقين مُهَاجِرِي بِمَكَّة بعد قَضَاء نُسكه فَوق ثَلَاث) . وكانَ ابنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إلَى السُّوقِ فِي أيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ ويُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا كَذَا ذكره الْبَغَوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة مُعَلّقا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أخرجه الشَّافِعِي: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد أَخْبرنِي عبيد الله عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمصلى يَوْم الْفطر إِذا طلعت الشَّمْس فيكبر حَتَّى يَأْتِي الْمصلى يَوْم الْعِيد، ثمَّ يكبر بالمصلى حَتَّى إِذا جلس الإِمَام ترك التَّكْبِير) . زَاد فِي (المُصَنّف) : (وَيرْفَع صَوته حَتَّى يبلغ الإِمَام) . قلت: الَّذِي

стр. 1850

رَوَاهُ الشَّافِعِي لَيْسَ بمطابق لما علقه البُخَارِيّ، فَكيف يَقُول صَاحب (التَّوْضِيح) : أخرجه الشَّافِعِي؟ وَلِهَذَا قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) الَّذِي هُوَ عمدته فِي شَرحه: قَالَ الشَّافِعِي: حَدثنَا إِبْرَاهِيم ... إِلَى آخِره، وَلم يقل: أخرجه وَلَا وَصله، وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن إِبْنِ عمر مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ فِي رفع الصَّوْت بالتهليل وَالتَّكْبِير حَتَّى يَأْتِي الْمصلى، وروى فِي ذَلِك عَن عَليّ وَغَيره من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ . وَأَعْتَرِض: على البُخَارِيّ فِي ذكر هَذَا الْأَثر فِي تَرْجَمَة الْعَمَل فِي أَيَّام التَّشْرِيق وَأجِيب: بِأَن البُخَارِيّ كثيرا يذكر التَّرْجَمَة ثمَّ يضيف إِلَيْهَا مَا لَهُ أدنى مُلَابسَة بهَا اسْتِطْرَادًا. وكَبَّرَ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، الْمَعْرُوف بالباقر، مر فِي: بَاب من لم ير الْوضُوء إلاّ من المخرجين. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الدَّارَقُطْنِيّ فِي (المؤتلف) من طَرِيق معن بن عِيسَى الْقَزاز: أخبرنَا أَبُو وهنة رُزَيْق الْمدنِي، قَالَ: رَأَيْت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ يكبر بمنى فِي أَيَّام التَّشْرِيق خلف النَّوَافِل، و: أَبُو وهنة، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْهَاء وبالنون. ورزيق بِتَقْدِيم الرَّاء مُصَغرًا. وَقَالَ السفاقسي: لم يُتَابع مُحَمَّدًا على هَذَا أحد، وَعَن بعض الشَّافِعِيَّة: يكبر عقيب النَّوَافِل والجنائز على الْأَصَح. وَعَن مَالك قَولَانِ، وَالْمَشْهُور أَنه: مُخْتَصّ بالفرائض. قَالَ ابْن بطال: وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَسَائِر الْفُقَهَاء لَا يرَوْنَ التَّكْبِير إلاّ خلف الْفَرِيضَة. وَفِي (الْأَشْرَاف) : التَّكْبِير فِي الْجَمَاعَة مَذْهَب ابْن مَسْعُود، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة، وَهُوَ الْمَشْهُور عَن أَحْمد، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: يكبر الْمُنْفَرد، وَالصَّحِيح مَذْهَب أبي حنيفَة: إِن التَّكْبِير وَاجِب. وَفِي (قاضيخان) : سنة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد، وَاخْتلف الْمَشَايِخ على قَول أبي حنيفَة: هَل يشْتَرط على إِقَامَتهَا الْحُرِّيَّة أم لَا؟ وَالأَصَح أَنَّهَا لَيست بِشَرْط عِنْده، وَكَذَا السُّلْطَان لَيْسَ بِشَرْط عِنْده، وَلَيْسَ على جمَاعَة النِّسَاء إِذا لم يكن مَعَهُنَّ رجل، فَإِذا كَانَ يجب عَلَيْهِنَّ بطرِيق التّبعِيَّة. ٩٦٩ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ مَا العَمَلُ فِي أيَّامِ العَشْرِ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ فِي هاذِهِ قالُوا وَلَا الجِهَادُ قَالَ وَلَا الجِهَادُ إلَاّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ ومالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيءٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة إِن كَانَ المُرَاد من قَوْله: (فِي هَذِه) أَيَّام التَّشْرِيق. فَإِن قلت: المُرَاد مِنْهُ أَيَّام الْعشْر، بِدَلِيل أَن التِّرْمِذِيّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور من حَدِيث الْأَعْمَش: عَن مُسلم عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (مَا من أيامٍ العملُ الصَّالح فيهم أحب إِلَى الله من هَذِه الْأَيَّام الْعشْر) الحَدِيث، فَحِينَئِذٍ لَا يكون الحَدِيث مطابقا للتَّرْجَمَة. قلت: يحْتَمل أَن البُخَارِيّ زعم أَن قَوْله: (فِي هَذِه) ، إِشَارَة إِلَى أَيَّام التَّشْرِيق وَفسّر الْعَمَل بِالتَّكْبِيرِ لكَونه أورد الْآثَار الْمَذْكُورَة الْمُتَعَلّقَة بِالتَّكْبِيرِ فَقَط. فَإِن قلت: الْأَكْثَرُونَ من الروَاة على أَن قَوْله: (فِي هَذِه) على الْإِبْهَام، إلاّ رِوَايَة كَرِيمَة عَن الْكشميهني: (مَا الْعَمَل فِي أَيَّام الْعشْر أفضل من الْعَمَل فِي هَذِه) . قلت: هَذَا مِمَّا يُقَوي مَا زَعمه البُخَارِيّ. فَإِن قلت: رِوَايَة كَرِيمَة شَاذَّة مُخَالفَة لما رَوَاهُ أَبُو ذَر، وَهُوَ من الْحفاظ عَن الْكشميهني شيخ كَرِيمَة بِلَفْظ: (مَا الْعَمَل فِي أَيَّام أفضلُ مِنْهَا فِي هَذَا الْعشْر) ، وَكَذَا أخرجه أَحْمد وَغَيره عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة فَقَالَ: (فِي أَيَّام أفضل مِنْهُ فِي عشر ذِي الْحجَّة) ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارمِيّ عَن سعيد بن الرّبيع عَن شُعْبَة، وروى أَبُو عوَانَة وَابْن حبَان فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من حَدِيث جَابر: (مَا من أيامٍ أفضل عِنْد الله من أَيَّام عشر ذِي الْحجَّة) ، فَظهر من هَذَا كُله أَن المُرَاد بِالْأَيَّامِ فِي حَدِيث الْبَاب أَيَّام عشر ذِي الْحجَّة، فعلى هَذَا لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. قلت: الشَّيْء يشرف بمجاورته للشَّيْء الشريف، وَأَيَّام التَّشْرِيق تقع تلو أَيَّام الْعشْر، وَقد ثَبت بِهَذَا الحَدِيث أَفضَلِيَّة أَيَّام الْعشْر، وَثَبت أَيْضا بذلك أَفضَلِيَّة أَيَّام التَّشْرِيق، وَأَيْضًا قد ذكرنَا أَن من جملَة صَنِيع البُخَارِيّ فِي جَامعه أَنه يضيف إِلَى تَرْجَمَة شَيْئا من غَيرهَا لأدنى مُلَابسَة بهَا. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن عرْعرة، بِفَتْح الْعَينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وتكرير الرَّاء، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: سُلَيْمَان

стр. 1851

الْأَعْمَش. الرَّابِع: مُسلم، بِلَفْظ الْفَاعِل من الْإِسْلَام، وَهُوَ مُسلم بن أبي عمرَان الْكُوفِي، والبطين، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون: وَهُوَ صفة لمُسلم، لقب بذلك لعظم بَطْنه. الْخَامِس: سعيد بن جُبَير، وَقد تكَرر ذكره. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَالثَّانِي من الروَاة بسطامي والبقية كوفيون. وَفِيه: أَن الْأَعْمَش يروي عَن البطين بالعنعنة، وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ عَن الْأَعْمَش سَمِعت مُسلما، وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة وَكِيع عَن الْأَعْمَش، فَقَالَ: عَن مُسلم وَمُجاهد وَأبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أما طَرِيق مُجَاهِد فقد رَوَاهُ أَبُو عوَانَة من طَرِيق مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن مُجَاهِد، فَقَالَ: عَن ابْن عمر بدل عَن ابْن عَبَّاس. وَأما طَرِيق أبي صَالح فقد رَوَاهَا أَبُو عوَانَة أَيْضا من طَرِيق مُوسَى بن أعين عَن الْأَعْمَش فَقَالَ: عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْمَحْفُوظ فِي هَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَفِيه اخْتِلَاف آخر عَن الْأَعْمَش، رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن الْأَعْمَش، فَقَالَ: عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود أخرجه الطَّبَرَانِيّ. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصّيام عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن الْأَعْمَش. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا الْعَمَل) ، قَالَ ابْن بطال: الْعَمَل فِي أَيَّام التَّشْرِيق هُوَ التَّكْبِير الْمسنون، وَهُوَ أفضل من صَلَاة النَّافِلَة، لِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا الْكَلَام حضا على الصَّلَاة وَالصِّيَام فِي هَذِه الْأَيَّام لعارضه مَا قَالَه ﷺ : (إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب) . وَقد نهى عَن صِيَام هَذِه الْأَيَّام، وَهَذَا يدل على تَفْرِيغ هَذِه الْأَيَّام للْأَكْل وَالشرب، فَلم يبْق تعَارض إِذا عَنى بِالْعَمَلِ التَّكْبِير، ورد عَلَيْهِ بِأَن الَّذِي يفهم من الْعَمَل عِنْد الْإِطْلَاق: الْعِبَادَة، وَهِي لَا تنَافِي اسْتِيفَاء حَظّ النَّفس من الْأكل وَسَائِر مَا ذكر، فَإِن ذَلِك لَا يسْتَغْرق الْيَوْم وَاللَّيْلَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْعَمَل فِي أَيَّام التَّشْرِيق لَا ينْحَصر فِي التَّكْبِير، بل الْمُتَبَادر مِنْهُ إِلَى الذِّهْن أَنه هُوَ الْمَنَاسِك من: الرَّمْي وَغَيره، الَّذِي يجْتَمع بِالْأَكْلِ وَالشرب، مَعَ أَنه لَو حمل على التَّكْبِير لم يبْق لقَوْله بعده: بَاب التَّكْبِير أَيَّام منى، معنى، وَيكون تَكْرَارا مَحْضا. ورد عَلَيْهِ بَعضهم: بِأَن التَّرْجَمَة الأولى لفضل التَّكْبِير، وَالثَّانيَِة لمشروعيته أَو صفته. أَو أَرَادَ تَفْسِير الْعَمَل الْمُجْمل فِي الأولى بِالتَّكْبِيرِ الْمُصَرّح بِهِ فِي الثَّانِيَة، فَلَا تكْرَار. قلت: الَّذِي يدل على فضل التَّكْبِير يدل على مشروعيته أَيْضا بِالضَّرُورَةِ، والمجمل والمفسر فِي نفس الْأَمر شَيْء وَاحِد. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: فِي هَذِه الْأَيَّام أَي: فِي أَيَّام التَّشْرِيق على تَأْوِيل من أَوله بِهَذَا، وَلَكِن الَّذِي يدل عَلَيْهِ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: أَنَّهَا أَيَّام الْعشْر، كَمَا ذَكرْنَاهُ مُبينًا عَن قريب. قَوْله: (وَلَا الْجِهَاد) أَي: وَلَا الْجِهَاد أفضل مِنْهَا. وَفِي رِوَايَة سَلمَة بن كهيل: (فَقَالَ رجل: وَلَا الْجِهَاد) ، وَفِي رِوَايَة غنْدر عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، قَالَ: (وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، مرَّتَيْنِ) . قَوْله: (إلاّ رجلٌ) فِيهِ حذف أَي: إلاّ جهادُ رجلٍ. قَوْله: (يخاطر بِنَفسِهِ) ، جملَة حَالية أَي: يكافح الْعَدو بِنَفسِهِ وسلاحه وجواده فَيسلم من الْقَتْل أَو لَا يسلم، فَهَذِهِ المخاطرة وَهَذَا الْعَمَل أفضل من هَذِه الْأَيَّام وَغَيرهَا، مَعَ أَن هَذَا الْعَمَل لَا يمْنَع صَاحبه من إتْيَان التَّكْبِير والإعلان بِهِ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَلَا الْجِهَاد إلاّ من خرج يخاطر) . قَوْله: (فَلم يرجع بِشَيْء) أَي: من مَاله وَيرجع هُوَ وَيحْتَمل أَن لَا يرجع هُوَ وَلَا مَاله فيرزقه الله الشَّهَادَة، وَقد وعد الله عَلَيْهَا الْجنَّة. قيل: قَوْله: (فَلم يرجع بِشَيْء) يسْتَلْزم أَنه يرجع بِنَفسِهِ، وَلَا بُد ورد بِأَن. قَوْله: (بِشَيْء) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، فتعم مَا ذكر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: (بِشَيْء) أَي: لَا بِنَفسِهِ وَلَا بِمَالِه كليهمَا، أَو لَا بِمَالِه إِذْ صدق هَذِه السالبة يحْتَمل أَن يكون بِعَدَمِ الرُّجُوع، وَأَن يكون بِعَدَمِ المرجوع بِهِ. وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن حميد عَن شُعْبَة بِلَفْظ: (إِلَّا من عقر جَوَاده وَأُهْرِيقَ دَمه) ، وَله فِي رِوَايَة الْقَاسِم بن أبي أَيُّوب: (إِلَّا من لَا يرجع بِنَفسِهِ وَلَا مَاله) . وَفِي طَرِيق سَلمَة بن كهيل، فَقَالَ: (لَا إلاّ أَن لَا يرجع) وَفِي حَدِيث جَابر: (إلاّ من عفر وَجهه فِي التُّرَاب) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَعْظِيم قدر الْجِهَاد وتفاوت درجاته، وَأَن الْغَايَة القصوى فِيهِ بذل النَّفس لله تَعَالَى. وَفِيه: تَفْضِيل بعض الْأَزْمِنَة على بعض، كالأمكنة، وَفضل أَيَّام عشر ذِي الْحجَّة على غَيرهَا من أَيَّام السّنة، وَتظهر فَائِدَة ذَلِك فِيمَن نذر الصّيام أَو علق عملا من الْأَعْمَال بِأَفْضَل الْأَيَّام، فَلَو أفرد يَوْمًا مِنْهَا تعين يَوْم عَرَفَة لِأَنَّهُ على الصَّحِيح أفضل أَيَّام الْعشْر

стр. 1852

الْمَذْكُور، فَإِن أَرَادَ أفضل أَيَّام الْأُسْبُوع تعين يَوْم الْجُمُعَة جمعا بَين حَدِيث الْبَاب وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (خير يَوْم طلعت فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة) . رَوَاهُ مُسلم. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لم يرد ﷺ أَن هَذِه الْأَيَّام خير من يَوْم الْجُمُعَة، لِأَنَّهُ قد يكون فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة فَيلْزم تَفْضِيل الشَّيْء على نَفسه، ورد بِأَن المُرَاد أَن كل يَوْم من أَيَّام الْعشْر أفضل من غَيره من أَيَّام السّنة، سَوَاء كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أم لَا، وَيَوْم الْجُمُعَة فِيهِ أفضل من يَوْم الْجُمُعَة فِي غَيره. لِاجْتِمَاع الفضيلتين فِيهِ، وَالله أعلم. ١٢ - (بابُ التَّكْبِيرِ أيَّامَ مِنًى وإذَا غَدَا إلَى عَرَفَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّكْبِير أَيَّام منى، وَهِي يَوْم الْعِيد وَالثَّلَاثَة بعده. قَوْله: (وَإِذا غَدا إِلَى عَرَفَة) أَي: صَبِيحَة يَوْم التَّاسِع. وكانَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنىً فَيَسْمَعُهُ أهْلُ المَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ ويُكَبِّرُ أهْلُ الأسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تكْبِيرا مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ تَعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر، قَالَ: (كَانَ عمر يكبر فِي قُبَّته بمنى وَيكبر أهل الْمَسْجِد وَيكبر أهل السُّوق حَتَّى ترتج منى تَكْبِيرا) . قَوْله: (فِي قُبَّته) د الْقبَّة بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة من الْخيام: بَين صَغِير مستدير، وَهُوَ من بيُوت الْعَرَب. قَوْله: (حَتَّى ترتج) يُقَال: ارتج الْبَحْر، بتَشْديد الْجِيم إِذا اضْطربَ، والرج: التحريك. قَوْله: (منى) فَاعل: ترتج. قَوْله: (تَكْبِيرا) نصب على التَّعْلِيل، أَي: لأجل التَّكْبِير، وَهُوَ مُبَالغَة فِي إجتماع رفع الْأَصْوَات. وكانَ ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمنىً تِلْكَ الأيَّامُ وخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وعَلَى فِرَاشِهِ وفِي فُسْطَاطِهِ ومَجْلِسِهِ ومَمْشَاهُ تِلْكَ الأيَّامُ جَمِيعا مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ تَعْلِيق وَصله ابْن الْمُنْذر، والفاكهي فِي (أَخْبَار مَكَّة) من طَرِيق ابْن جريج: أَخْبرنِي نَافِع أَن ابْن عمر ... فَذكره سَوَاء، ذكره الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. قَوْله: (تِلْكَ الْأَيَّام) أَي: أَيَّام منى. قَوْله: (خلف الصَّلَوَات) ظَاهره يتَنَاوَل الْفَرَائِض والنوافل. قَوْله: (وعَلى فرشه) ، ويروى (فرَاشه) . قَوْله: (وَفِي فسطاطه) فِيهِ سِتّ لُغَات: فسطاط وفستاط وفساط بتَشْديد السِّين أَصله فسساط فأدغمت السِّين وأصل فسساط فستاط قلبت التَّاء سينا وأدغمت السِّين فِي السِّين لِاجْتِمَاع المثلثين وبضم الْفَاء وَكسرهَا. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بَيت من الشّعْر، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ ضرب من الْأَبْنِيَة فِي السّفر دون السرادق، وَبِه سميت الْمَدِينَة الَّتِي فيهمَا مُجْتَمع النَّاس، وكل مَدِينَة فسطاط. وَيُقَال لمصر وَالْبَصْرَة: الْفسْطَاط، وَيُقَال: الْفسْطَاط الْخَيْمَة الْكَبِيرَة. قَوْله: (وممشاه) ، بِفَتْح الْمِيم الأولى مَوضِع الْمَشْي، وَيجوز أَن يكون مصدرا ميميا بِمَعْنى الْمَشْي. قَوْله: (تِلْكَ الْأَيَّام) أَي: فِي تِلْكَ الْأَيَّام، وَإِنَّمَا كَرَّرَه للتَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة، وأكده أَيْضا بِلَفْظ (جَمِيعًا) ويروى: (وَتلك الْأَيَّام) بواو الْعَطف، وَبِدُون الْوَاو رِوَايَة أبي ذَر على أَن يكون ظرفا للمذكورات. وكانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ مَيْمُونَة: هِيَ بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، زوج النَّبِي ﷺ ، تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ سنة سِتّ من الْهِجْرَة، توفيت بسرف وَهُوَ مَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة حَيْثُ بنى بهَا رَسُول الله ﷺ ، وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَخمسين، وَصلى عَلَيْهَا عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وروى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا تَكْبِير مَيْمُونَة يَوْم النَّحْر. وكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أبانَ بنِ عُثْمَانَ وعُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ لَيالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ أبان، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف نون: ابْن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ فَقِيها مُجْتَهدا، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة خمس وَمِائَة، وَعمر بن عبد الْعَزِيز، أَمِير الْمُؤمنِينَ من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَقد تقدم فِي أول كتاب الْإِيمَان. قَوْله:

стр. 1853

(وَكَانَ النِّسَاء) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: (وَكن النِّسَاء) على لُغَة: أكلوني البراغيث، وَقد دلّت هَذِه الْآثَار الْمَذْكُورَة على اسْتِحْبَاب التَّكْبِير أَو وُجُوبه على الِاخْتِلَاف فِي أَيَّام التَّشْرِيق ولياليها عقيب الصَّلَاة. وَفِيه اخْتِلَاف من وُجُوه: الأول: إِن تَكْبِير التَّشْرِيق وَاجِب عِنْد أَصْحَابنَا، وَلَكِن عِنْد أبي حنيفَة عقيب الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة على المقيمين فِي الْأَمْصَار فِي الْجَمَاعَة المستحبة، فَلَا يكبر عقيب الْوتر وَصَلَاة الْعِيد وَالسّنَن والنوافل، وَلَيْسَ على الْمُسَافِرين وَلَا على الْمُنْفَرد، وَهُوَ مَذْهَب ابْن مَسْعُود، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ، وَهُوَ الْمَشْهُور عَن أَحْمد. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: على كل من صلى الْمَكْتُوبَة، سَوَاء كَانَ مُقيما أَو مُسَافِرًا أَو مُنْفَردا أَو بِجَمَاعَة. وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك، وَعند الشَّافِعِي: يكبر فِي النَّوَافِل والجنائز على الْأَصَح، وَلَيْسَ على جمَاعَة النِّسَاء إِذا لم يكن مَعَهُنَّ رجل، وَلَا على الْمُسَافِرين إِذا لم يكن مَعَهم مُقيم. الثَّانِي: فِي وَقت التَّكْبِير فَعِنْدَ أَصْحَابنَا يبْدَأ بعد صَلَاة الْفجْر يَوْم عَرَفَة وَيخْتم عقيب الْعَصْر يَوْم النَّحْر، عِنْد أبي حنيفَة، وَهُوَ قَول عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وعلقمة وَالْأسود وَالنَّخَعِيّ، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يخْتم عقيب صَلَاة الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الله بن عَبَّاس، وَبِه قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَبُو ثَوْر وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَفِي (التَّحْرِير) ذكر عُثْمَان مَعَهم، وَفِي (الْمُفِيد) : وَأَبا بكر، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى، وَهَهُنَا تِسْعَة أَقْوَال وَقد ذكرنَا الْقَوْلَيْنِ. الثَّالِث: يخْتم بعد ظهر يَوْم النَّحْر، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود، فعلى هَذَا يكبر فِي سبع صلوَات، وعَلى قَوْله: الأول فِي ثَمَان صلوَات، وعَلى قَوْلهمَا: فِي ثَلَاث وَعشْرين صَلَاة. الرَّابِع: يكبر من ظهر يَوْم النَّحْر وَيخْتم فِي صبح آخر أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور، وَيحيى الْأنْصَارِيّ. وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف. الْخَامِس: من ظهر عَرَفَة إِلَى عصر آخر أَيَّام التَّشْرِيق، حكى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير. السَّادِس: يبْدَأ من ظهر يَوْم النَّحْر إِلَى ظهر يَوْم النَّفر الأول، وَهُوَ قَول بعض أهل الْعلم. السَّابِع: حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عُيَيْنَة، وَاسْتَحْسنهُ أَحْمد: إِن أهل منى يبدأون من ظهر يَوْم النَّحْر، وَأهل الْأَمْصَار من صبح يَوْم عَرَفَة، وَإِلَيْهِ مَال أَبُو ثَوْر. الثَّامِن: من ظهر عَرَفَة إِلَى ظهر يَوْم النَّحْر، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر. التَّاسِع: من مغرب لَيْلَة النَّحْر عِنْد بَعضهم، قَالَه قاضيخان وَغَيره. الثَّالِث: فِي صفة التَّكْبِير، وَهُوَ أَن يَقُول مرّة وَاحِدَة: الله أكبر الله أكبر، لَا إِلَه لَا الله وَالله كبر الله كبر وَللَّه الْحَمد. وَهُوَ قَول عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود، وَبِه قَالَ النوري وَأحمد وإسخاق. وَفِيه أَقْوَال أخر: الأول: قَول الشَّافِعِي: إِنَّه يكبر ثَلَاثًا نسقا وَهُوَ قَول ابْن جُبَير. الثَّانِي: قَول مَالك، إِنَّه يقف على الثَّانِيَة ثمَّ يقطع فَيَقُول: الله كبر، لَا إِلَه إِلَّا الله، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ عَنهُ. الثَّالِث: عَن ابْن عَبَّاس: الله كبر الله كبر الله أكبر وَأجل الله أكبر وَللَّه الْحَمد. الرَّابِع: الله أكبر الله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عمر. الْخَامِس: عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا: الله أكبر الله أكبر لَا إِلَه إلاّ الله هُوَ الْحَيّ القيوم يحيي وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير. السَّادِس: عَن عبد الرَّحْمَن: الله أكبر الله أكبر لَا إِلَه إلاّ الله الله أكبر الْحَمد لله، ذكره فِي (الْمحلى) . السَّابِع: أَنه لَيْسَ فِيهِ شَيْء مُؤَقّت، قَالَه الْحَاكِم وَحَمَّاد، وَقَول أَصْحَابنَا أولى لِأَن عَلَيْهِ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلم يثبت فِي شَيْء من ذَلِك حَدِيث وَأَصَح مَا ورد فِيهِ عَن الصَّحَابَة قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه: من صبح يَوْم عَرَفَة إِلَى آخر أَيَّام منى، أخرجهُمَا ابْن الْمُنْذر وَغَيره. ٩٧٠ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ بنُ أنَسٍ قَالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ الثَّقَفِي قالَ سألْتُ أنَسا وَنَحْنُ غادِيَانِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ عنِ التَّلْبِيَةِ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كانَ يُلَبِّي المُلَبِّي لَا يُنْكَره عَلَيْهِ ويُكَبِّرُ المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ (الحَدِيث ٩٧٠ طرفه فِي: ١٦٥٩) . مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيكبر المكبر) . ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: أَبُو نعيم، الْفضل بن دُكَيْن تكَرر ذكره، وَمُحَمّد بن أبي بكر بن عَوْف بن رَبَاح الثَّقَفِيّ، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف المفتوحتين. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن يحيى بن

стр. 1854

يحيى عَن مَالك وَعَن شُرَيْح بن يُونُس عَن عبد الله بن رَجَاء. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي نعيم بِهِ، وَعَن إِسْحَاق بن عبد الله بن رَجَاء بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلت أنسا) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (سَأَلت أنس بن مَالك) . قَوْله: (وَنحن) الْوَاو للْحَال، قَوْله: (غاديان) ، من غَدا يَغْدُو غدوا، وَالْمعْنَى: نَحن سائران من منى متوجهان إِلَى عَرَفَات. قَوْله: (عَن التَّلْبِيَة) ، يتَعَلَّق بقوله: (سَأَلت) . قَوْله: (كَانَ) أَي: الشان. قَوْله: (لَا يُنكر عَلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ وَالتَّكْبِير الْمَذْكُور من نوع من الذّكر، أدخلهُ الملبي فِي خلال التَّلْبِيَة من غير ترك لِلتَّلْبِيَةِ، لِأَن الْمَرْوِيّ عَن الشَّارِع أَنه لم يقطع التَّلْبِيَة حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، قَالَ مَالك: يقطع إِذا زَالَت الشَّمْس، وَقَالَ مرّة أُخْرَى: إِذا وقف، وَقَالَ أَيْضا: إِذا رَاح إِلَى مَسْجِد عَرَفَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: السّنة الْمَشْهُورَة فِيهِ أَن لَا يقطع التَّلْبِيَة حَتَّى يَرْمِي أول حَصَاة من جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر، وَعَلَيْهَا الْعَمَل. وَأما قَول أنس هَذَا فقد يحْتَمل أَن يكون تَكْبِير المكبر مِنْهُم شَيْئا من الذّكر يدخلونه فِي خلال التَّلْبِيَة الثَّابِتَة فِي السّنة من غير ترك التَّلْبِيَة. ٩٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا عُمَر بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي عنْ عاصِمٍ عنْ حَفْصَةَ عنْ أمِّ عطيَّةَ قالَتْ كُنَّا نُؤْمَرُ أنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ البكْرَ مِنْ خِدْرِهَا حَتَّى نخْرِجَ الحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ ويدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذالِكَ اليَوْمَ وطُهْرَتَهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن يَوْم الْعِيد يَوْم مشهود كأيام منى، فَكَمَا أَن التَّكْبِير فِي أَيَّام منى، فَكَذَلِك فِي أَيَّام الأعياد، وَالْجَامِع بَينهمَا كَونهَا أَيَّامًا مشهودات. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد، ذكر فِي بعض النّسخ غير مَنْسُوب، قَالَ أَبُو عَليّ: كَذَا رَوَاهُ أَبُو ذَر، وَكَذَلِكَ أخرجه أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي كِتَابه: مُحَمَّد عَن عمر، قَالَ أَبُو عَليّ: وَفِي روايتنا: عَن أبي عَليّ بن السكن وَأبي أَحْمد وَأبي زيد حَدثنَا عمر بن حَفْص، لم يذكرُوا مُحَمَّدًا قبل عمر، وَيُشبه أَن يكون مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْحَاكِم فِي هَذَا الْموضع. وَأما خلف والطرقي فذكرا أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن عمر بن حَفْص، لم يذكرَا مُحَمَّدًا قبل عمر، وَكَذَا ذكر أَبُو نعيم أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن عمر بن حَفْص، فعلى هَذَا لَا وَاسِطَة بَين البُخَارِيّ وَبَين عمر بن حَفْص فِيهِ، وَقد حدث البُخَارِيّ عَن عمر ابْن حَفْص كثيرا بِغَيْر وَاسِطَة، وَرُبمَا أَدخل بَينه وَبَينه الْوَاسِطَة أَحْيَانًا، قيل الرَّاجِح سُقُوط الْوَاسِطَة بَينهمَا فِي هَذَا الْإِسْنَاد. قلت: لم يبين وَجه الرجحان، والموضع مَوضِع الِاحْتِمَال، والكرماني جزم بالواسطة، فَقَالَ مُحَمَّد: أَي ابْن يحيى الذهلي، بِضَم الذَّال وَسُكُون الْهَاء: أَبُو عبد الله النَّيْسَابُورِي الْحَافِظ، مَاتَ بعد موت البُخَارِيّ سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عمر بن حَفْص بن غياث النَّخعِيّ الْكُوفِي. الثَّالِث: أَبُو حَفْص النَّخعِيّ، وَقد تقدما فِي: بَاب الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق فِي الْجَنَابَة. الرَّابِع: عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول، وَقد مر أَيْضا. الْخَامِس: حَفْصَة بنت سِيرِين أم الْهُذيْل الْأَنْصَارِيَّة، أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين. السَّادِس: أم عَطِيَّة، وَاسْمهَا: نسيبة بنت كَعْب الْأَنْصَارِيَّة، وَقد تقدّمت فِي: بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه غير مَنْسُوب على الِاخْتِلَاف فِيهِ. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: أَن شَيْخه نيسابوري على تَقْدِير كَونه الذهلي، وَالثَّانِي من الروَاة وَالثَّالِث كوفيان، وَالرَّابِع وَالْخَامِس بصريان. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد أخرج البُخَارِيّ بعضه فِي حَدِيث مطول فِي: بَاب شُهُود الْحَائِض الْعِيدَيْنِ، عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن عبد الْوَهَّاب عَن أَيُّوب عَن حَفْصَة، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَنه أخرجه أَيْضا فِي الْعِيدَيْنِ: عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن عبد الله الحَجبي عَن حَمَّاد، وَفِي الْحَج عَن مُؤَمل بن هِشَام، أربعتهم عَن أَيُّوب، وَذكرنَا أَيْضا أَن بَقِيَّة السِّتَّة أَخْرجُوهُ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كُنَّا نؤمر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذِه الصِّيغَة تعد من الْمَرْفُوع كَمَا قد ذكرنَا غير مرّة، وَقد جَاءَ

стр. 1855

ذَلِك صَرِيحًا كَمَا سَيَجِيءُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (أَن نخرج) بنُون الْمُتَكَلّم، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير: بِأَن نخرج، أَي: بِالْإِخْرَاجِ. قَوْله: (حَتَّى نخرج الْبكر) كلمة: حَتَّى، للغاية و: حَتَّى الثَّانِيَة غَايَة الْغَايَة أَو عطف على الْغَايَة الأولى. وَالْوَاو مَحْذُوف مِنْهَا وَهُوَ جَائِز عِنْدهم. قَوْله: (من خدرها) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة: وَهُوَ ستر يكون فِي نَاحيَة الْبَيْت تقعد الْبكر وَرَاءه. وَقيل: هُوَ الهودج، وَقيل: سَرِير عَلَيْهِ ستر. وَقيل: هُوَ الْبَيْت، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب شُهُود الْحَائِض الْعِيدَيْنِ. قَوْله: (الْحيض) بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، جمع حَائِض. قَوْله: (فيكبرن) أَي: النِّسَاء، وَيدعونَ كَذَلِك وَهَذِه اللَّفْظَة مُشْتَركَة بَين الْجمع الْمُذكر وَالْجمع الْمُؤَنَّث، وَالْفرق تقديري، فوزن الْجمع الْمُذكر: يَفْعَلُونَ، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث: يفعلن. قَوْله: (يرجون بركَة ذَلِك الْيَوْم) ، هَذَا شَأْن الْمُؤمن يَرْجُو عِنْد الْعَمَل وَلَا يقطع وَلَا يدْرِي مَا يحدث لَهُ. قَوْله: (وطهرته) ، بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء أَي: طهرة ذَلِك الْيَوْم أَي طَهَارَته. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ وَابْن بطال: معنى التَّكْبِير فِي هَذِه الْأَيَّام أَن الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يذبحون لطواغيتها فَجعلُوا التَّكْبِير استشعارا للذبح لله تَعَالَى حَتَّى لَا يذكر فِي أَيَّام الذّبْح غَيره. وَفِيه: تَأْخِير النِّسَاء عَن الرِّجَال. وَفِيه: تَسَاوِي النِّسَاء وَالرِّجَال فِي التَّكْبِير وَالدُّعَاء. وَفِيه: إِخْرَاج النِّسَاء يَوْم الْعِيد إِلَى الْمصلى حَتَّى الْحيض مِنْهُنَّ، ولكنهن، يعتزلن الْمصلى، وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّكْبِير يَوْم الْعِيد، وَكَذَا فِي ليلته فِي طَرِيق الْمصلى، وَرُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كبر يَوْم الْأَضْحَى حَتَّى أَتَى الْجَبانَة، وَعَن أبي قَتَادَة: أَنه كَانَ يكبر يَوْم الْعِيد حَتَّى يبلغ الْمصلى، وَعَن ابْن عمر أَنه كَانَ يكبر فِي الْعِيد حَتَّى يبلغ الْمصلى وَيرْفَع صَوته بِالتَّكْبِيرِ، وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ مَالك: يكبر فِي الْمصلى إِلَى أَن يخرج الإِمَام، فَإِذا خرج قطعه وَلَا يكبر إلاّ إِذا رَجَعَ. وَقَالَ الشَّافِعِي: أحب إِظْهَار التَّكْبِير لَيْلَة النَّحْر، وَإِذا غدوا إِلَى الْمصلى حَتَّى يخرج الإِمَام لَيْلَة الْفطر عقيب الصَّلَوَات فِي الْأَصَح. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يكبر يَوْم الْأَضْحَى، يخرج فِي ذَهَابه وَلَا يكبر يَوْم الْفطر، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَمن كبر يَوْم الْفطر تَأَول فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٥، وَالْحج: ٣٧،) . وَتَأَول ذَلِك زيد بن أسلم، وَيجْعَل ذَلِك تَعْظِيم الله بالأفعال والأقوال كَقَوْلِه: ﴿وَكبره تَكْبِيرا﴾ (الْإِسْرَاء: ١١١) . وَالْقِيَاس أَن يكبر فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا، لِأَن صَلَاتي الْعِيدَيْنِ لَا تختلفان فِي التَّكْبِير فيهمَا، وَالْخطْبَة بعدهمَا وَسَائِر سنتهما، وَكَذَلِكَ التَّكْبِير فِي الْخُرُوج إِلَيْهِمَا. ١٣ - (بابُ الصَّلَاةِ إلَى الحَرْبَةِ يَوْمَ العِيدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة إِلَى الحربة، يَعْنِي: يُصَلِّي والحربة بَين يَدَيْهِ، والحربة دون الرمْح العريض النصل. قَوْله: (يَوْم الْعِيد) ، من زَوَائِد الْكشميهني. ٩٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوهَّابِ قَالَ حدَّثنا عَبْيدُ الله عنْ نافَعٍ عَن ابنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ تُرْكَزُ الحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الفِطْرِ والنَّحْرِ ثُمَّ يُصَلِّي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق عَن عبد الله بن نمير عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع، (عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا خرج يَوْم الْعِيد أَمر بالحربة فتوضع بَين يَدَيْهِ. .) الحَدِيث. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الصَّلَاة إِلَى الحربة: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب ستْرَة الإِمَام، جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء، وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ. ١٤ - (بابْ حَمْلِ العَنْزَةِ أَو الحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَيِ الإمَامِ يَوْمَ العِيدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حمل العنزة، وَهِي أقصر من الرمْح وَفِي طرفها زج. ٩٧٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حدَّثنا أبُو عَمْرٍ وَقَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إلَى المُصَلَّى والعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ

стр. 1856

بالمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إليْهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر تقدم عَن قريب فِي: بَاب الْمَشْي وَالرُّكُوب إِلَى الْعِيد، والحزامي، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، والوليد هُوَ ابْن مُسلم، وَالْأَوْزَاعِيّ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو. والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن هِشَام ابْن عمار عَن عِيسَى بن يُونُس وَعَن دُحَيْم عَن الْوَلِيد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب ستره الإِمَام. قَوْله: (فصلى) ، ويروى (يصلى) ، ويروى: (فيصلى) . فَإِن قلت: صلى النَّبِي ﷺ بمنى إِلَى غير جِدَار، رَوَاهُ ابْن عَبَّاس؟ قلت: ذَلِك ليبين أَن الستْرَة لَيست شرطا بل سنة، أَو كَانَ ذَلِك نَادرا مِنْهُ، وَالَّذِي واظب عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ ، طول دهره: الصَّلَاة إِلَى ستْرَة. ١٥ - (بابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ وَالحُيَّضِ إلَى المُصَلَّى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم خُرُوج النِّسَاء الطاهرات وَالنِّسَاء الْحيض إِلَى الْمصلى يَوْم الْعِيد، وَالْحيض، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْيَاء: جمع حَائِض، وَهُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام. ٢٣ - (حَدثنَا عبد الله بن عبد الْوَهَّاب قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أم عَطِيَّة قَالَت أمرنَا أَن نخرج الْعَوَاتِق وَذَوَات الْخُدُور) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " خُرُوج النِّسَاء فَقَط " وَهُوَ الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة وَحَدِيث أَيُّوب عَن حَفْصَة يُطَابق الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله " وَالْحيض " وَقد مر حَدِيث أم عَطِيَّة هَذِه فِي بَاب التَّكْبِير أَيَّام منى عَن قريب قَوْله " حَمَّاد بن زيد " كَذَا وَقع بِالنِّسْبَةِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا حَمَّاد بِلَا نِسْبَة قَوْله " أمرنَا " بِفَتْح الرَّاء كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والحموي وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ " أمرنَا " بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول بِدُونِ لفظ نَبينَا وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد " قَالَت أمرنَا " يَعْنِي النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " الْعَوَاتِق " جمع العاتق وَهِي الَّتِي بلغت وَسميت بهَا لِأَنَّهَا عتقت عَن أمهاتها فِي الْخدمَة أَو عَن قهر أَبَوَيْهَا يُقَال عتقت الْجَارِيَة فَهِيَ عاتق مثل حَاضَت فَهِيَ حَائِض والعتيق الْقَدِيم وَقَالَ ابْن الْأَثِير ويروى فِي حَدِيث أم عَطِيَّة " أمرنَا أَن نخرج فِي الْعِيدَيْنِ الْحيض والعتيق " والخدور جمع خدر وَهُوَ السّتْر وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي فِي كتاب الْحيض فِي بَاب شُهُود الْحَائِض الْعِيدَيْنِ (وَعَن أَيُّوب عَن حَفْصَة بِنَحْوِهِ) هُوَ مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الْمَذْكُور وَالْحَاصِل أَن حمادا روى عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أم عَطِيَّة وروى أَيْضا عَن أَيُّوب عَن حَفْصَة بنت سِيرِين عَن أم عَطِيَّة بِنَحْوِهِ أَي بِنَحْوِ مَا روى أَيُّوب عَن مُحَمَّد وكلتا الرِّوَايَتَيْنِ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد أما الأولى فرواها عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب وَيُونُس وحبِيب وَيحيى بن عَتيق وَهِشَام فِي آخَرين " عَن مُحَمَّد أَن أم عَطِيَّة قَالَت أمرنَا رَسُول الله ﷺ َ - أَن نخرج ذَوَات الْخُدُور يَوْم الْعِيد " الحَدِيث وَأما الثَّانِيَة فرواها عَن مُحَمَّد بن عبيد حَدثنَا حَمَّاد حَدثنَا أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أم عَطِيَّة بِهَذَا الْخَبَر قَالَ وَحدث عَن حَفْصَة عَن امْرَأَة تحدثه امْرَأَة أُخْرَى أَي حدث مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أُخْته حَفْصَة بنت سِيرِين وَيُقَال هَذَا كَانَ فِي ذَلِك الزَّمَان لأمنهن عَن الْمفْسدَة بِخِلَاف الْيَوْم وَلِهَذَا صَحَّ " عَن عَائِشَة لَو رأى رَسُول الله ﷺ َ - مَا أحدث النِّسَاء لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل " فَإِذا كَانَ الْأَمر قد تغير فِي زمن عَائِشَة حَتَّى قَالَت هَذَا القَوْل فَمَاذَا يكون الْيَوْم الَّذِي عَم الْفساد فِيهِ وفشت الْمعاصِي من الْكِبَار وَالصغَار فنسأل الله الْعَفو والتوفيق (وَزَاد فِي حَدِيث حَفْصَة قَالَ أَو قَالَت الْعَوَاتِق وَذَوَات الْخُدُور ويعتزلن الْحيض الْمصلى) أَي وَزَاد أَيُّوب فِي حَدِيث حَفْصَة فِي رِوَايَة عَنْهَا قَالَ أَو قَالَت حَفْصَة يَعْنِي شكّ أَيُّوب فِي أَنَّهَا قَالَت نخرج الْعَوَاتِق ذَوَات الْخُدُور على أَن ذَوَات الْخُدُور تكون صفة للعواتق أَو قَالَت وَذَوَات الْخُدُور بواو الْعَطف وَمَعْنَاهَا صَوَاحِب الْخُدُور

стр. 1857

وإعراب ذَوَات كإعراب مسلمات قَوْله " ويعتزلن الْحيض " من بَاب أكلوني البراغيث وَالْأَمر بالاعتزال إِمَّا لِئَلَّا يلْزم الِاخْتِلَاف بَين النَّاس من صَلَاة بَعضهم وَترك الصَّلَاة لبَعْضهِم أَو لِئَلَّا تنجس الْمَوَاضِع أَو لِئَلَّا تؤذي جارتها إِن حصل أَذَى مِنْهَا - ١٦ - (بابُ خُرُوجِ الصِّبْيَانِ إلَى المُصَلَّى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خُرُوج الصّبيان إِلَى مصلى الْعِيد مَعَ الْقَوْم، وَإِنَّمَا قَالَ: إِلَى الْمصلى، وَلم يقل: إِلَى صَلَاة الْعِيد ليشْمل من يَتَأَتَّى مِنْهُ الصَّلَاة وَمن لَا يَتَأَتَّى. ٩٧٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاس قَالَ خَرَجْتُ معَ النَّبِي ﷺ يَوْمَ فطْرٍ أوْ أضْحَى فَصَلَّى العِيدَ ثُمَّ خطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وذَكَّرَهُنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عَبَّاس كَانَ وَقت خُرُوجه مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَى صَلَاة الْعِيد طفْلا، لِأَنَّهُ عِنْد وَفَاة النَّبِي ﷺ كَانَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يشْعر بِكَوْن ابْن عَبَّاس طفْلا حِينَئِذٍ؟ قلت: سَيَأْتِي فِي: بَاب الْعلم الَّذِي بالمصلى، قَالَ: (وَلَوْلَا مَكَاني من الصغر مَا شهدته) ، فجرت عَادَته فِي التراجم أَنه يترجم بِمَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو بن عَبَّاس أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، وَعَمْرو بِالْوَاو، وعباس، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة، وَقد تقدم ذكره. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان الْأَزْدِيّ الْعَنْبَري. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن عَابس، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة مَكْسُورَة، تقدم فِي آخر كتاب الصَّلَاة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ بَصرِي وَشَيْخه كَذَلِك، وسُفْيَان كُوفِي وَعبد الرَّحْمَن بن عَابس كَذَلِك، وَفِيه: سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن، وَصرح يحيى الْقطَّان عَنهُ بِأَن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور حَدثهُ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن عَليّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْعِيدَيْنِ عَن مُسَدّد وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن كثير، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن كثير بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَو أضحى) ، شكّ من الرَّاوِي، وَالظَّاهِر أَن الشَّك من عبد الرَّحْمَن بن عَابس. قَوْله: (فوعظهن) الْوَعْظ: الْإِنْذَار بالعقاب. قَوْله: (وذكرهن) ، بتَشْديد الْكَاف: من التَّذْكِير، وَهُوَ الْإِخْبَار بالثواب، وَيجوز أَن تكون هَذِه الْجُمْلَة تَفْسِيرا لقَوْله: (وعظهن) أَو تَأْكِيدًا لَهَا. وَقيل: التَّذْكِير لأمر علم سَابِقًا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: خُرُوج الصّبيان إِلَى الْمصلى وَلَكِن بِشَرْط التَّمْيِيز، أَلا يرى أَن ابْن عَبَّاس كَيفَ ضبط الْقِصَّة؟ وَفِيه: خُرُوج النِّسَاء أَيْضا، وَسَوَاء فِيهِ الطاهرات وَالْحيض، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث السَّابِق. وَفِيه: أَن الصَّلَاة قبل الْخطْبَة. وَفِيه: الْوَعْظ للنِّسَاء وَالْأَمر لَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ دون الرِّجَال، لِأَنَّهُنَّ أَكثر أهل النَّار، وَالله أعلم. ٧١ - (بابُ اسْتِقْبَالِ الإمَامِ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ العِيدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِقْبَال الإِمَام النَّاس وَقت خطبَته بعد صَلَاة الْعِيد. فَإِن قلت: قد تقدم فِي كتاب الْجُمُعَة: بَاب اسْتِقْبَال النَّاس الإِمَام إِذا خطب، وَعلم من ذَلِك أَن الِاسْتِقْبَال سنة فِي الْخطْبَة فَيكون هَذَا تَكْرَارا. قلت: أُجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة لدفع وهم من يتَوَهَّم أَن الْعِيد يُخَالف الْجُمُعَة فِي ذَلِك، لِأَن اسْتِقْبَال الإِمَام فِي الْجُمُعَة ضَرُورِيّ لِأَنَّهُ يخْطب على مِنْبَر، بِخِلَاف الْعِيد فَإِنَّهُ يخْطب فِيهِ على رجلَيْهِ كَمَا تقدم فِي بَاب خطْبَة الْعِيد.

стр. 1858

قَالَ أبُو سَعِيدٍ قَامَ النبيُّ ﷺ مُقَابِلَ النَّاسِ هَذَا طرف من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب الْخُرُوج إِلَى الْمصلى بِغَيْر مِنْبَر، قاال: (كَانَ النَّبِي ﷺ يخرج يَوْم الْفطر والأضحى إِلَى الْمصلى، فَأول شَيْء يبْدَأ بِهِ الصَّلَاة ثمَّ ينْصَرف فَيقوم مُقَابل النَّاس. .) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَامَ فَأقبل على النَّاس. .) الحَدِيث. ١٨ - (بابُ العَلَمِ الَّذِي بالمُصَلَّى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعلم الَّذِي هُوَ بمصلى الْعِيد، وَالْعلم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ الشَّيْء الَّذِي عمل من بِنَاء أَو وضع حجر أَو نصب عَمُود وَنَحْو ذَلِك ليعرف بِهِ الْمصلى. ٩٧٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قل حدَّثنا يَحْيى عَن سُفْيَانَ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَابِسٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لهُ أشَهِدْتَ العِيدَ مَعَ النبيِّ ﷺ قَالَ نَعَمْ ولَوْلَا مَكانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ حَتَّى أتَى العَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بنِ الصَّلْتِ فَصلَّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أتَى النِّسَاءَ ومَعَهُ بِلالٌ فَوَعَظَهُنَّ وذَكَّرَهِنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ فَرَأيْتُهُنَّ يَهْوِينَ بِأيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وبِلَالٌ إلاى بَيْتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى أَتَى الْعلم الَّذِي عِنْد دَار كثير بن الصَّلْت) ، والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب وضوء الصّبيان وَمَتى يجب عَلَيْهِم الْغسْل وَالطهُور، قبل كتاب الْجُمُعَة بأَرْبعَة أَبْوَاب. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن سُفْيَان، وَهنا أخرجه: عَن مُسَدّد عَن يحيى، وَيحيى هُوَ الْقطَّان وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء، ولنذكر هُنَا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. قَوْله: (قيل لَهُ) ، أَي: لِابْنِ عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُنَاكَ: (وَقَالَ لَهُ رجل) . قَوْله: (أشهدت؟) أَي: أحضرت؟ والهمزة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (وَلَوْلَا مَكَاني من الصغر مَا شهدته) ، فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير

стр. 1859

وَحذف تَقْدِيره: وَلَوْلَا مَكَاني من رَسُول الله ﷺ لم أشهده لأجل الصغر، وَكلمَة: من، للتَّعْلِيل، والْحَدِيث الْمَذْكُور هُنَاكَ يُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى. وَهُوَ قَوْله: (لَوْلَا مَكَاني مِنْهُ مَا شهدته) أَي: لَوْلَا مَكَاني من النَّبِي ﷺ مَا حَضرته أَي: الْعِيد، وَفسّر الرَّاوِي هُنَاكَ عِلّة عدم الْحُضُور بقوله: (يَعْنِي من صغره) ، فالصغر عِلّة لعدم الْحُضُور، وَلَكِن قرب ابْن عَبَّاس مِنْهُ ﷺ ومكانه عِنْده كَانَ سَببا لحضوره. قَوْله: (حَتَّى أَتَى الْعلم) ، بِفتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْعَلامَة الَّتِي عملت عِنْد دَار كثير بن الصَّلْت، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب وضوء الصّبيان، و: كلمة: حَتَّى، للغاية وَلَكِن فِيهِ مُقَدّر تَقْدِيره: خرج رَسُول الله ﷺ حَتَّى أَتَى الْعلم. قَوْله: (وَمَعَهُ بِلَال) أَي: مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (يهوين) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف من: أَهْوى يهوي إهواءً. يُقَال: أَهْوى الرجل بِيَدِهِ إِلَى الشَّيْء ليتناوله وَيَأْخُذهُ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: أَهْوى بِيَدِهِ إِلَيْهِ أَي: مدها نَحوه، وأمالها إِلَيْهِ، يُقَال أَهْوى يَده وَبِيَدِهِ إِلَى الشَّيْء ليأخذه، وَالْمعْنَى هُنَا يمددن أَيْدِيهنَّ بِالصَّدَقَةِ ليتناولها بِلَال، وَفَسرهُ بَعضهم بقوله: أَي: يلقين، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن لفظ: (يلقين) تَفْسِير قَوْله: (يقذفنه، وَإِذا فسر: يهوين بيلقين يكون قَوْله: (يقذفنه) تَكْرَارا بِلَا فَائِدَة، وَمحل: (يقذفنه) من الْإِعْرَاب النصب لِأَنَّهَا وَقعت حَالا، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْمُتَصَدّق بِهِ، يدل عَلَيْهِ لفظ الصَّدَقَة. وَبَقِيَّة فَوَائده ذكرت هُنَاكَ. ١٩ - (بابُ مَوْعِظَةِ الإمَامِ النِّسَاءِ يَوْمَ العِيدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النِّسَاء يَوْم الْعِيد إِذا لم يسمعن الْخطْبَة مَعَ الرِّجَال. ٩٧٨ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ نَصْرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطاءٌ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ سَمِعْتُهُ يقُولُ قَامَ النبيُّ يَوْمَ الفِطْرِ فَصَلَّى فَبَدأ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فأتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ وبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ زكاةَ يَوْمَ الفِطْرِ قالَ لَا ولاكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ تُلْقى فَتَخَهَا ويُلْقِينَ قُلْتُ أتُرَى حَقّا عَلَى الإمَامِ ذالِكَ ويُذَكِّرُهُنَّ قَالَ إنَّهُ لَحَق علَيْهِمْ وَمَا لهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٩٥٨ وطرفه) . ٩٧٩ - قالَ ابنُ جُرَيْجٍ وأخْبرَنِي الحسَنُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ طَاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ شَهِدْتُ الفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأبي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الخُطْبَةِ ثُمَّ يخْطبُ بَعْدُ خَرِجَ النبيُّ ﷺ كَأنِّي أنْظُرُ إليْهِ حِينَ يُجْلِسُ بِيَدِهِ ثُمَّ أقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى جاءَ النِّسَاءَ مَعَهُ بِلَالٌ فَقَالَ يَا أيُّهَا النَّبِي إذَا جاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ الآيَةَ ثُمَّ قَالَ حِينَ فرَغَ مِنْهَا آنْتُنَّ عَلَى ذالِكَ قالَتِ امْرَأةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُها نَعَمْ لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ قَالَ فتَصَدَّقْنَ فبَسَطَ بِلالٌ ثَوْبَهُ ثُمَّ هَلُمَّ لَكُنَّ فِدَاءُ أبي وأمِّي فيُلْقِينَ الفَتَخَ والخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ، قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الفتخ الخَوَاتِيمُ العِظَامُ كانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأتى النِّسَاء فَذَكرهنَّ) . ذكر رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: إِسْحَاق بن نصر: هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام صَاحب (الْمسند) و (المُصَنّف) . الثَّالِث: عبد الْملك ابْن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ. السَّادِس: الْحسن بن مُسلم بن يناق الْمَكِّيّ. السَّابِع: طَاوُوس بن كيسَان. الثَّامِن: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. . ذكر

стр. 1860

لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي تِسْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: إِن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَن نسبته إِلَى جده وَهُوَ رِوَايَة الْأصيلِيّ فَإِنَّهُ روى عَنهُ فِي كِتَابه فِي مَوَاضِع، فَمرَّة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن نصر فينسبه إِلَى جده، وَمرَّة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فينسبه إِلَى أَبِيه. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري سكن الْمَدِينَة وَالثَّانِي يماني وَالثَّالِث وَالرَّابِع مكيان وَالسَّادِس كَذَلِك وَالسَّابِع يماني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ، وَلم يذكر حَدِيث عَطاء عَن جَابر، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن خَلاد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَلَمَّا فرغ) أَي: عَن الْخطْبَة، نزل قيل: فِيهِ إِشْعَار أَنه كَانَ يخْطب على مَكَان مُرْتَفع، لِأَن النُّزُول يدل على ذَلِك. (وَاعْترض عَلَيْهِ) بِأَن تقدم فِي: بَاب الْخُرُوج إِلَى الْمصلى، أَنه ﷺ كَانَ يخْطب فِي الْمصلى على الأَرْض. وَأجِيب: بِأَن الرَّاوِي لَعَلَّه ضمن النُّزُول معنى الِانْتِقَال قلت: يحْتَمل تعدد الْقَضِيَّة. قَوْله: (وَهُوَ يتَوَكَّأ) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَلِكَ: الْوَاو فِي: (وبلال) . قَوْله: (تلقي) بِضَم التَّاء من الإقاء، وَالنِّسَاء بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (قلت لعطاء) الْقَائِل هُوَ ابْن جريج، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول. قَوْله: (زَكَاة يَوْم الْفطر) ، كَلَام إضافي مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مَعَ تَقْدِير الِاسْتِفْهَام أَي: أَهِي زَكَاة يَوْم الْفطر؟ وَأطلق على صَدَقَة الْفطر اسْم: الزَّكَاة، فَدلَّ أَنَّهَا وَاجِبَة. قَوْله: (وَلَكِن صَدَقَة) أَي: وَلَكِن هِيَ صَدَقَة، فارتفاعها على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. قَوْله: (تلقي) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الْإِلْقَاء أَي: تلقي النِّسَاء، وَالنِّسَاء، وَإِن كَانَ جمعا للْمَرْأَة من غير لَفظه، وَلكنه مُفْرد لفظا. قَوْله: (فتخها) ، بِالنّصب مفعول: تلقي، الفتخ، بِفَتْح الْفَاء وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْخَاء الْمُعْجَمَة: جمع فتخة، وَهُوَ خَوَاتِم بِلَا فصوص كَأَنَّهَا حلق، وَسَيَأْتِي تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (يلقين) ، من الْإِلْقَاء أَيْضا وَإِنَّمَا كرر ليُفِيد الْعُمُوم. وَقَالَ بَعضهم: الْمَعْنى تلقي الْوَاحِدَة وَكَذَلِكَ الْبَاقِيَات. قلت: التَّرْكِيب لَا يَقْتَضِي هَذَا على مَا لَا يخفى، ومفعول: (يلقين) ، مَحْذُوف وَهُوَ: كل نوع من أَنْوَاع حليهن. قَوْله: (قلت لعطاء) الْقَائِل هُوَ ابْن جريج أَيْضا والمسؤول عَطاء. قَوْله: (أَتَرَى حَقًا على الإِمَام ذَلِك؟) الْهمزَة فِيهِ للإستفهام، و: حَقًا، مَنْصُوب على أَنه مفعول: ترى، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من الْوَعْظ للنِّسَاء وَالْأَمر إياهن بِالصَّدَقَةِ، وَالظَّاهِر أَن عَطاء يرى وجوب ذَلِك، وَلِهَذَا قَالَ عِيَاض: لم يقل بذلك غَيره، وَالنَّوَوِيّ وَغَيره حملوه على الِاسْتِحْبَاب. قَوْله: (قَالَ ابْن جريج: وَأَخْبرنِي حسن بن مُسلم) مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الأول، وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث وَلكنه قدم الثَّانِي على الأول، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن رَافع، قَالَ ابْن رَافع: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي عَطاء (عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: سمعته يَقُول: إِن النَّبِي، ﷺ ، قَامَ يَوْم الْفطر فصلى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة ثمَّ خطب النَّاس، فَلَمَّا فرغ نَبِي الله، ﷺ ، نزل فَأتى النِّسَاء فَذَكرهنَّ وَهُوَ يتَوَكَّأ على يَد بِلَال، وبلال باسط ثَوْبه، يلقين النِّسَاء صَدَقَة. قلت لعطاء: زَكَاة الْفطر؟ قَالَ: لَا وَلَكِن صَدَقَة يتصدقن بهَا حِينَئِذٍ، تلقي الْمَرْأَة فتخها ويلقين. قلت لعطاء: أحقا على الإِمَام الْآن إِن يَأْتِي النِّسَاء حِين يفرغ فيذكرهن؟ قَالَ: أَي لعمري إِن ذَلِك لحق عَلَيْهِم، وَمَا لَهُم لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك؟ قَوْله: (ثمَّ يخْطب بعد) لفظ: (يخْطب) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَالَ الْكرْمَانِي: مَعْنَاهُ: ثمَّ يخْطب كل وَاحِد، فعلى تَفْسِيره هُوَ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَبعد مَبْنِيّ على الضَّم أَي: بعد إِن يصلوا. قَوْله: (خرج النَّبِي ﷺ ، كَذَا وَقع بِدُونِ حرف الْعَطف. قيل: قد حذف مِنْهُ حرف الْعَطف وَأَصله: وَخرج. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك، لِأَن هَذَا ابْتِدَاء كَلَام من ابْن عَبَّاس. قَوْله: (حِين يجلس بِيَدِهِ) ، بتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة من: التجليس، ومفعوله مَحْذُوف أَي: حِين يجلس النَّاس بِيَدِهِ، وتفسره رِوَايَة مُسلم قَالَ: (فَنزل نَبِي الله ﷺ كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ حِين يجلس الرِّجَال بِيَدِهِ) . وَذَلِكَ لأَنهم أَرَادوا الِانْصِرَاف فَأَمرهمْ بِالْجُلُوسِ حَتَّى يفرغ من حَاجته ثمَّ ينصرفوا جَمِيعًا، أَو، أَنهم: أَرَادوا أَن يتبعوه فَمَنعهُمْ وَأمرهمْ بِالْجُلُوسِ. قَوْله: (يشقهم) ، أَي: يشق صُفُوف الرِّجَال الجالسين. قَوْله: (مَعَه بِلَال) جملَة حَالية وَقعت بِلَا وَاو قَوْله: (فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات﴾ ) (الممتحنة: ١٢) . أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ ، يَعْنِي: تَلا هَذِه الْآيَة. وَفِي صَحِيح مُسلم: (فَتلا هَذِه الْآيَة حَتَّى فرغ) مِنْهَا، وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الممتحنة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ (الممتحنة: ١) . ثمَّ الْآيَة الْمَذْكُورَة
следующие страницы →