Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
على فعله شهرا بأدلتنا. وَالثَّالِث: مَا رُوِيَ عَن الْبَراء بن عَازِب، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ أَحْمد: لَا يرْوى عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه قنت فِي الْمغرب إلاّ فِي هَذَا الحَدِيث. وَالرَّابِع: مَا هُوَ صَرِيح فِي حجتهم نَحْو مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) ، وَقد ذَكرْنَاهُ، انْتهى. قلت: كَيفَ تستدل الشَّافِعِيَّة بِهَذَا الحَدِيث وهم لَا يرَوْنَ الْقُنُوت فِي الْمغرب، فيعملون بِبَعْض الحَدِيث ويتركون بعضه، وَهَذَا تحكم.
وَقد أورد الْخَطِيب فِي كِتَابه الَّذِي صنفه فِي (الْقُنُوت) أَحَادِيث أظهر فِيهَا تعصبه. فَمِنْهَا: مَا أخرجه عَن دِينَار بن عبد الله خَادِم أنس بن مَالك (عَن أنس، قَالَ: مَا زَالَ رَسُول الله، ﷺ ، يقنت فِي صَلَاة الصُّبْح حَتَّى مَاتَ) . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وسكوته عَن الْقدح فِي هَذَا الحَدِيث واحتجاحه بِهِ وقاحة عَظِيمَة وعصبية بَارِدَة وَقلة دين، لِأَنَّهُ يعلم أَنه بَاطِل. وَقَالَ ابْن حبَان: دِينَار يروي عَن أنس أَشْيَاء مَوْضُوعَة لَا يحل ذكرهَا فِي الْكتب إلاّ على سَبِيل الْقدح فِيهَا، فواعجبا للخطيب، أما سمع فِي الصَّحِيح: (من حدث عني حَدِيثا وَهُوَ يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَذَّابين؟) وَهل مثله إلاّ مثل من أنْفق بهرجا ودلسه فَإِن أَكثر النَّاس لَا يعْرفُونَ الصَّحِيح من السقيم، وَإِنَّمَا يظْهر ذَلِك للنقاد، فَإِذا أورد الحَدِيث مُحدث وَاحْتج بِهِ حَافظ لم يَقع فِي النُّفُوس إلاّ أَنه صَحِيح؟ وَلَكِن عصبيته حَملته على هَذَا، وَمن نظر فِي كِتَابه الَّذِي صنفه فِي (الْقُنُوت) ، وَكتابه الَّذِي صنفه فِي (الْجَهْر بالبسملة) وَمَسْأَلَة العتم، واحتجاجه بالأحاديث الَّتِي يعلم بُطْلَانهَا، اطلع على فرط عصبيته وَقلة دينه، ثمَّ ذكر لَهُ أَحَادِيث أُخْرَى كلهَا عَن أنس: أَن النَّبِي، ﷺ ، لم يزل يقنت فِي الصُّبْح حَتَّى مَاتَ، وَطعن فِي أسانيدها.
وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ حكم الْقُنُوت فِي الْمغرب؟ قلت: كَانَ رَسُول الله ﷺ ، تَارَة يقنت فِي جَمِيع الصَّلَوَات وَتارَة فِي طرفِي النَّهَار، لزِيَادَة شرف وقتهما حرصا على إِجَابَة الدُّعَاء حَتَّى نزل: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ (آل عمرَان: ٨٢١) . فَترك إلاّ فِي الصُّبْح، كَمَا روى أنس أَنه ﷺ ، لم يزل يقنت فِي الصُّبْح حَتَّى فَارق الدُّنْيَا. انْتهى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا الْمقدمِي حَدثنَا أَبُو معشر حَدثنَا أَبُو حَمْزَة عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: (قنت رَسُول الله ﷺ شهرا يَدْعُو على عصبَة وذكوان، فَلَمَّا ظهر عَلَيْهِم ترك الْقُنُوت، وَكَانَ ابْن مَسْعُود لَا يقنت فِي صلَاته) . ثمَّ قَالَ: فَهَذَا ابْن مَسْعُود يخبر أَن قنوت رَسُول الله ﷺ الَّذِي كَانَ إِنَّمَا كَانَ من أجل من كَانَ يَدْعُو عَلَيْهِ، وَأَنه قد كَانَ ترك ذَلِك، فَصَارَ الْقُنُوت مَنْسُوخا فَلم يكن هُوَ من بعد رَسُول الله ﷺ يقنت، وَكَانَ أحد من روى أَيْضا عَن رَسُول الله ﷺ عبد الله بن عمر، ثمَّ أخْبرهُم أَن الله نسخ ذَلِك حِين أنزل على رَسُول الله ﷺ : ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ (آل عمرَان: ٨٢١) . الْآيَة، فَصَارَ ذَلِك عَن ابْن عمر مَنْسُوخا أَيْضا، فَلم يكن هُوَ يقنت بعد رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ يُنكر على من كَانَ يقنت، وَكَانَ أحد من روى عَنهُ الْقُنُوت عَن رَسُول الله ﷺ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، فَأخْبر فِي حَدِيثه بِأَن مَا كَانَ يقنت بِهِ رَسُول الله ﷺ دُعَاء على من كَانَ يَدْعُو عَلَيْهِ، وَأَن الله نسخ ذَلِك بقوله: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ (آل عمرَان: ٨٢١) . الْآيَة، فَفِي ذَلِك أَيْضا وجوب ترك الْقُنُوت فِي الْفجْر. انْتهى. فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، فَمن أَيْن للكرماني حَيْثُ يَقُول: إلاّ فِي الصُّبْح؟ والْحَدِيث الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ على ذَلِك لَا يفِيدهُ؟ لأَنا قد ذكرنَا أَن الْقُنُوت يَأْتِي لمعان كَثِيرَة مِنْهَا: الطول فِي الصَّلَاة، وَقَالَ ﷺ : (أفضل الصَّلَاة طول الْقُنُوت) . فَإِن قلت: قد ثَبت عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يقنت فِي الصُّبْح بعد النَّبِي ﷺ ، فَكيف تكون الْآيَة ناسخة لجملة الْقُنُوت؟ وَكَذَا أنكر الْبَيْهَقِيّ ذَلِك، فَبسط فِيهِ كلَاما فِي (كتاب الْمعرفَة) فَقَالَ: وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم فِي غَزْوَة خَيْبَر وَهُوَ بعد نزُول الْآيَة بِكَثِير، لِأَنَّهَا نزلت فِي أحد، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يقنت فِي حَيَاته ﷺ وَبعد وَفَاته؟ قلت: يحْتَمل أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن علم نزُول هَذِه الْآيَة، فَكَانَ يعْمل على مَا علم من فعل رَسُول الله ﷺ ، وقنوته إِلَى أَن مَاتَ، لِأَن الْحجَّة لم تثبت عِنْده بِخِلَاف ذَلِك، أَلا ترى أَن عبد الله بن عمر وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، لما علما بنزول الْآيَة وعلما كَونهَا ناسخة لما كَانَ ﷺ يَفْعَله تركا الْقُنُوت؟ وَعَن إِبْرَاهِيم بِسَنَد صَحِيح: أَنه لَا يقنت فِي صَلَاة الصُّبْح، وَعَن عَمْرو بن مَيْمُون وَالْأسود أَن عمر بن الْخطاب لم يقنت فِي الْفجْر، وَكَانَ ابْن عَبَّاس وَابْن عمر لَا يقنتان فِيهِ، وَكَذَلِكَ ابْن الزبير وجده أَبُو بكر الصّديق وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم. وَقَالَ الشّعبِيّ: إِنَّمَا جَاءَ الْقُنُوت فِي الْفجْر من قبل الشَّام، وَعَن ابْن عمر وطاووس: الْقُنُوت فِي الْفجْر بِدعَة، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى، وَبِه قَالَت جمَاعَة، وروى التِّرْمِذِيّ (عَن أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ عَن أَبِيه عمر، قَالَ: صليت خلف النَّبِي، ﷺ ، فَلم يقنت، وَخلف أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي فَلم يقنتوا، يَا بني إِنَّه مُحدث) . وَزَاد ابْن مَنْدَه فِي (كتاب الْقُنُوت) : رَوَاهُ جمَاعَة من الثِّقَات عَن أبي مَالك، وَاسم أبي مَالك
стр. 1892
الْأَشْجَعِيّ: سعد بن طَارق بن أَشْيَم، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم، والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وروى الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَاس: الْقُنُوت فِي صَلَاة الصُّبْح بِدعَة، وَفِي سَنَده أَبُو ليلى عبد الله بن ميسرَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مَتْرُوك، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة بشر بن حَرْب، قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: أَرَأَيْت قيامهم عِنْد فرَاغ القاريء من السُّورَة بِهَذَا الْقُنُوت؟ إِنَّهَا لبدعة مَا فعلهَا رَسُول الله ﷺ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ بشر بن حَرْب: ضَعِيف. قلت: وَثَّقَهُ أَيُّوب، وَمَشاهُ ابْن عدي، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة وَالْأسود (عَن عبد الله ابْن مَسْعُود، قَالَ: مَا قنت رَسُول الله ﷺ فِي شَيْء من صلَاته إلاّ فِي الْوتر، وَإنَّهُ كَانَ إِذا حَارب يقنت فِي الصَّلَوَات كُلهنَّ يَدْعُو على الْمُشْركين، وَلَا قنت أَبُو بكر وَلَا عمر وَلَا عُثْمَان حَتَّى مَاتُوا، وَلَا قنت عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى حَارب أهل الشَّام، وَكَانَ يقنت فِي الصَّلَوَات كُلهنَّ، وَكَانَ مُعَاوِيَة يَدْعُو عَلَيْهِ أَيْضا، يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر) . وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: ابْن مَسْعُود لم يدْرك محاربة عَليّ أهل الشَّام، وَلَا موت عُثْمَان، فَإِنَّهُ مَاتَ فِي زمن عُثْمَان. قلت: يحْتَمل أَن يكون قَوْله: وَلَا عُثْمَان إِلَى آخِره من كَلَام إِبْرَاهِيم أَو من عَلْقَمَة أَو من الْأسود، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أم سَلمَة، قَالَت: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن الْقُنُوت فِي الْفجْر) . وَقد ذكرنَا أَن الطَّحَاوِيّ قد روى حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَذكر فِيهِ أَن مَا رُوِيَ من الْقُنُوت فِي الصَّلَوَات مَنْسُوخ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي، وَأَبُو بكر الْبَزَّار، وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة شريك عَن أبي حَمْزَة الْأَعْوَر عَن إِبْرَاهِيم (عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله، قَالَ: قنت رَسُول الله ﷺ شهرا يَدْعُو على عصية وذكوان، فَلَمَّا ظهر عَلَيْهِم ترك الْقُنُوت) . وَقَالَ الْبَزَّار فِي رِوَايَته: (لم يقنت النَّبِي ﷺ إلاّ شهرا وَاحِدًا، لم يقنت قبله وَلَا بعده) . وَقَالَ: لَا نعلم روى هَذَا الْكَلَام عَن أبي حَمْزَة إلاّ شريك. قلت: بل قد رَوَاهُ عَنهُ أَيْضا أَبُو معشر يُوسُف بن يزِيد بِاللَّفْظِ الأول رَوَاهُ أَبُو معِين أَيْضا، وَقَالَ الشَّيْخ زين الدّين: وَأَبُو معشر الْبَراء، وَإِن احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ، فقد ضعفه ابْن معِين، وَأَبُو دَاوُد، وَأَبُو حَمْزَة الْأَعْوَر القصاب اسْمه: مَيْمُون، ضَعِيف. انْتهى. قلت: مَا انصف الشَّيْخ هَهُنَا حَيْثُ أَشَارَ بِكَلَامِهِ إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث الْمَذْكُور لأجل مذْهبه، فَإِذا ضعف هَذَا الحَدِيث بِأبي معشر الَّذِي احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ لَا يبْقى فِي (الصَّحِيحَيْنِ) حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته إلاّ شَيْء يسير، وَكم من حَدِيث فيهمَا ضعف ابْن معِين أحد رُوَاته، وَكَذَلِكَ غير ابْن معِين، وَمَعَ هَذَا لم يلتفتوا إِلَى ذَلِك، فَكَذَلِك هَذَا. وَأَبُو حَمْزَة قد روى عَن التَّابِعين الْكِبَار مثل: الْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم وَغَيرهم، وروى عَنهُ مثل: الثَّوْريّ والحمادان وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَهُوَ من أقرانه، وروى لَهُ التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ: تكلم فِيهِ من قبل حفظه، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِقَوي يكْتب حَدِيثه، وَكَذَلِكَ طعن الشَّيْخ فِي حَدِيث أم سَلمَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَالَ: وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَضَعفه، لِأَن ابْن مَاجَه رَوَاهُ من رِوَايَة مُحَمَّد بن يعلى عَن عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن عَن عبد الله بن نَافِع عَن أَبِيه عَن أم سَلمَة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَؤُلَاءِ ضعفاء وَلَا يَصح لنافع سَماع من أم سَلمَة. قلت: مُحَمَّد بن يعلى وَثَّقَهُ أَبُو كريب، وَلما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) قَالَ: لَا يرْوى عَن أم سَلمَة إلاّ بِهَذَا الْإِسْنَاد تفرد بِهِ مُحَمَّد بن يعلى، وَأما أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَإِنَّهَا مَاتَت فِي شَوَّال سنة تسع وَخمسين، وَنَافِع مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة، حَكَاهُ النَّسَائِيّ عَن هَارُون بن حَاتِم. وَقَالَ الشَّيْخ أَيْضا: قَالَ أَكثر السّلف وَمن بعدهمْ أَو كثير مِنْهُم اسْتِحْبَاب الْقُنُوت فِي صَلَاة الصُّبْح، سَوَاء نزلت نازلة أم لم تنزل، ثمَّ عد مِنْهُم: أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وعليا وَأَبا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأَبا هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس والبراء بن عَازِب، وعد من التَّابِعين: الْحسن الْبَصْرِيّ وَحميد الطَّوِيل وَالربيع بن خَيْثَم وَزِيَاد بن عُثْمَان وَسَعِيد بن الْمسيب وسُويد بن غَفلَة وطاووسا وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَعبيدَة السَّلمَانِي وَعبيد بن عُمَيْر وَعُرْوَة بن الزبير وَأَبا عُثْمَان النَّهْدِيّ، وعد من الْأَئِمَّة: مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز، فَقِيه أهل الشَّام، وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَدَاوُد. قلت: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ابْن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر وَعبد الله بن الزبير وَأَبا مَالك الْأَشْجَعِيّ لم يَكُونُوا يقنتون وَلَا رَأَوْا الْقُنُوت فِي الصَّلَوَات، وَقد ذكرنَا عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس: أَن الْقُنُوت فِي الصُّبْح بِدعَة، وَقد ذكرنَا أَن ابْن عمر كَانَ يُنكر على من يقنت، وَقد ذكرنَا من التَّابِعين الَّذين لَا يرَوْنَ الْقُنُوت: عَمْرو بن مَيْمُون وَالْأسود وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وطاووسا حَتَّى قَالَ طَاوُوس: الْقُنُوت فِي الْفجْر بِدعَة، وَحكي عَن الزُّهْرِيّ أَيْضا، وَمن الْأَئِمَّة الَّذين
стр. 1893
لَا يرَوْنَ بِهِ الإِمَام أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق وَاللَّيْث بن سعد. فَإِن قلت: فِيمَا ذكرت إِثْبَات وَنفي، فَإِذا تَعَارضا قدم الْمُثبت على النَّافِي؟ قلت: نَحن لَا نقُول: إِن هَهُنَا تَعَارضا حَتَّى نعمل بالمثبت، بل ندعي النّسخ كَمَا ذكرنَا وَجهه، وَمِمَّنْ قَالَ بالنسخ هَهُنَا الزُّهْرِيّ، وَالله تَعَالَى أعلم.
٥١ - (كتابُ الاسْتِسْقَاء)
أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الاسْتِسْقَاء، وَهُوَ طلب السقيا، بِضَم السِّين: وَهُوَ الْمَطَر. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ استفعال من طلب السقيا، أَي: إِنْزَال الْغَيْث على الْبِلَاد والعباد، يُقَال: سقى الله عباده الْغَيْث، وأسقاهم، والإسم السقيا، بِالضَّمِّ، واستسقيت فلَانا طلبت مِنْهُ أَن يسقيك. وَفِي (الْمطَالع) : يُقَال: سقى وأسقى وأسقى بِمَعْنى وَاحِد. وقرىء: ﴿نسقيكم مِمَّا فِي بطونها﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٢) . بِالْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا ذكره الْخَلِيل وَابْن الْقُوطِيَّة: سقى الله الأَرْض وأسقاها. وَقَالَ آخَرُونَ: سقيته ناولته يشرب، وأسقيته جعلت لَهُ سقيا يشرب مِنْهُ، وَالِاسْتِسْقَاء الدُّعَاء لطلب السقيا.
١ - (بابُ الاسْتِسْقَاءِ وخُرُوجِ النبيِّ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ)
لما قَالَ أَولا: أَبْوَاب الاسْتِسْقَاء، شرع يبين هَذِه الْأَبْوَاب بَابا بَابا، فَقَالَ: بَاب الاسْتِسْقَاء أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الاسْتِسْقَاء وَخُرُوج النَّبِي ﷺ فِيهِ، والنسخ هَهُنَا مُخْتَلفَة، فَوَقع للمستملي: بَاب الاسْتِسْقَاء، وَخُرُوج النَّبِي ﷺ بِدُونِ الْبَسْمَلَة، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني سقط مَا قبل بَاب، وَثبتت الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة ابْن شبويه.
٥٠٠١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عَن عَمِّهِ قَالَ خرَجَ النبيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي وحَوَّلَ رِدَاءَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا صيغت من نفس الحَدِيث.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: لأوّل: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون وَهُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم، قَاضِي الْمَدِينَة. الرَّابِع: عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن تَمِيم بن زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ الْمَازِني. الْخَامِس: عَمه عبد الله ابْن زيد بن عَاصِم بن كَعْب بن عمر وَأَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ البُخَارِيّ الْمَازِني.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه كُوفِي وَشَيخ شَيْخه أَيْضا كُوفِي والبقية مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، فَإِن عبد الله بن أبي بكر روى عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَوَاضِع فِي الاسْتِسْقَاء عَن آدم وَأبي الْيَمَان وعَلى ابْن عبد الله وَعبد الله بن مُحَمَّد وقتيبة وَإِسْحَاق عَن وهب وَمُحَمّد عَن عبد الْوَهَّاب، وَأخرجه أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَعَن يحيى بن يحيى عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن أبي الطَّاهِر ابْن السَّرْح وحرملة بن يحيى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ وَعنهُ عَن سُلَيْمَان بن بِلَال بِهِ وَعَن أبي الطَّاهِر ابْن السَّرْح وَسليمَان بن دَاوُد وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد وَعَن مُحَمَّد بن عَوْف وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَعنهُ عَن الدَّرَاورْدِي بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَمْرو بن عَليّ وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن هِشَام بن عبد الْملك وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن ثَابت عَن عبد الرَّزَّاق، وأخرجوه أَيْضا خلا ابْن مَاجَه، من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عباد بن تَمِيم. وأخرجوه، خلا التِّرْمِذِيّ، من رِوَايَة أبي بكر بن مُحَمَّد كَمَا ذكرنَا. وَأخرجه أَيْضا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة عَن عباد بن تَمِيم وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن يحيى بن مُوسَى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عباد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج النَّبِي ﷺ أَي: إِلَى الْمصلى. قَوْله: (يَسْتَسْقِي) جملَة فعلية وَقعت حَالا، وَالتَّقْدِير: خرج
стр. 1894
إِلَى الصَّحرَاء حَال كَونه مرِيدا الاسْتِسْقَاء. قَوْله: (وحول رِدَاءَهُ) ، عطف على: (خرج) ، قَالَ الْخطابِيّ: اخْتلفُوا فِي صفة التَّحْوِيل، فَقَالَ الشَّافِعِي: بنكس أَعْلَاهُ أَسْفَله وأسفله أَعْلَاهُ، ويتوخى أَن يَجْعَل مَا على شقَّه الْأَيْمن على الشمَال، وَيجْعَل الشمَال على الْيَمين، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاق، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِذا كَانَ الرِّدَاء مربعًا يَجْعَل أَعْلَاهُ أَسْفَله وَإِن كَانَ طيلسانا مدورا قلبه وَلم ينكسه، وَقَالَ أَصْحَابنَا: إِن كَانَ مربعًا يَجْعَل أَعْلَاهُ أَسْفَله، وَإِن كَانَ مدورا يَجْعَل جَانب الْأَيْمن على الْأَيْسَر والأيسر على الْأَيْمن. وَقَالَ ابْن بزيزة: ذكر أهل الْآثَار أَن رِدَاءَهُ ﷺ كَانَ طوله أَرْبَعَة أَذْرع وشبرا فِي عرض ذراعين وشبر، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ طوله سِتَّة أَذْرع فِي ثَلَاثَة أَذْرع وشبر، وَإِزَاره من نسج عمان طوله أَرْبَعَة أَذْرع وشبر فِي عرض ذراعين وشبر، كَانَ يَلْبسهُمَا يَوْم الْجُمُعَة والعيد، ثمَّ يطويان. وَالْحكمَة فِي التَّحْوِيل التفاؤل بتحويل الْحَال عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ: حول رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّل الْقَحْط. قَالَ القَاضِي أَبُو بكر: هَذِه أَمارَة بَينه وَبَين ربه لَا على طَرِيق الفأل، فَإِن من شَرط الفأل إِن لَا يكون يقْصد، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: حول رداءك فيتحول حالك. فَإِن قلت: لَعَلَّ رِدَاءَهُ سقط فَرده، وَكَانَ ذَلِك اتِّفَاقًا قلت: الرَّاوِي الْمشَاهد للْحَال أعرف، وَقد قرنه بِالصَّلَاةِ وَالْخطْبَة وَالدُّعَاء، فَدلَّ أَنه من السّنة، وَيشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) على شَرط مُسلم، من حَدِيث ابْن زيد: أَن النَّبِي ﷺ استسقى وَعَلِيهِ خميصة سَوْدَاء فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ أَسْفَلهَا فَيَجْعَلهُ أَعْلَاهَا فَثقلَتْ عَلَيْهِ فقلبها عَلَيْهِ الْأَيْمن على الْأَيْسَر والأيسر على الْأَيْمن. قلت: هَذَا يرشح قَول أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ وُجُوه: الأول: أَنه احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة على أَن الاسْتِسْقَاء اسْتِغْفَار وَدُعَاء وَلَيْسَ فِيهِ صَلَاة مسنونة فِي جمَاعَة، فَإِن الحَدِيث لم يذكر فِيهِ الصَّلَاة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : فَإِن صلى النَّاس وحدانا جَازَ، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: السّنة أَن يُصَلِّي الإِمَام رَكْعَتَيْنِ بِجَمَاعَة كَهَيئَةِ صَلَاة الْعِيد، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَذكر فِي (الْمُحِيط) قَول أبي يُوسُف مَعَ أبي حنيفَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ لم يقل أحد غير أبي حنيفَة هَذَا القَوْل. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ مثل قَول أبي حنيفَة، فروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا هشيم عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم أَنه خرج مَعَ الْمُغيرَة بن عبد الله الثَّقَفِيّ يَسْتَسْقِي، قَالَ: فصلى الْمُغيرَة فَرجع إِبْرَاهِيم حَيْثُ رَآهُ يُصَلِّي، وروى ذَلِك أَيْضا عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن عِيسَى بن حَفْص عَن عَاصِم عَن عَطاء بن أبي مَرْوَان الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: خرجنَا مَعَ عمر ابْن الْخطاب يَسْتَسْقِي فَمَا زَاد على الاسْتِغْفَار.
الْوَجْه الثَّانِي: أَنه يدل على أصل الاسْتِسْقَاء وَأَنه مَشْرُوع.
الثَّالِث: يدل على أَن تَحْويل الرِّدَاء فِيهِ سنة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : تَحْويل الرِّدَاء سنة عِنْد الْجُمْهُور، وَانْفَرَدَ أَبُو حنيفَة وَأنْكرهُ وَوَافَقَهُ ابْن سَلام. من قدماء الْعلمَاء بالأندلس وَالسّنة قاضية عَلَيْهِ. قلت: أَبُو حنيفَة لم يُنكر التَّحْوِيل الْوَارِد فِي الْأَحَادِيث إِنَّمَا أنكر كَونه من السّنة لِأَن تحويله ﷺ كَانَ لأجل التفاؤل لينقلب حَالهم من الجدب إِلَى الخصب، فَلم يكن لبَيَان السّنة، وَمَا ذَكرْنَاهُ من حَدِيث ابْن زيد الَّذِي رَوَاهُ الْحَاكِم يُقَوي مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَوقت التَّحْوِيل عندنَا عِنْد مُضِيّ صدر الْخطْبَة، وَبِه قَالَ ابْن الْمَاجشون، وَفِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم: بعد تَمامهَا، وَقيل: بَين الْخطْبَتَيْنِ، وَالْمَشْهُور عَن مَالك: بعد تَمامهَا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَلَا يقلب الْقَوْم أرديتهم عندنَا، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة وَالثَّوْري وَاللَّيْث بن سعد وَابْن عبد الْحَكِيم وَابْن وهب وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: الْقَوْم كَالْإِمَامِ، يَعْنِي يقلبون أرديتهم، وَاسْتثنى ابْن الْمَاجشون النِّسَاء، وَفِي هَذَا الْبَاب وُجُوه كَثِيرَة يَأْتِي بَيَان ذَلِك عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢ - (بابُ دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ اجْعَلْهَا عَلَيّهِم سِنِينَ كَسِنِي يوسُفَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دُعَاء النَّبِي ﷺ فِي الْقُنُوت على الْكَافرين بقوله: (إجعلها) أَي: اجْعَل تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي تقع فِيهَا الشدَّة، وَهِي الَّتِي قَالَ ﷺ : (اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر) ، وَهَذَا الضَّمِير هُوَ الْمَفْعُول الأول لقَوْله: (اجْعَل) ، وَقَوله: (سِنِين) ، بِالنّصب هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي، وسنين جمع: سنة، وَفِيه شذوذان: أَحدهمَا: تَغْيِير مفرده من الفتحة إِلَى الكسرة. وَالْآخر: كَونه جمعا لغير ذَوي الْعُقُول، وَحكمه أَيْضا مُخَالف لسَائِر الجموع فِي أَنه يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه. الأول: أَن يعرب كإعراب مُسلمين. وَالثَّانِي: أَن تجْعَل نونه متعقب الْإِعْرَاب منونا. وَالثَّالِث: أَن يكون منونا وَغير منون، منصرفا وَغير منصرف.
стр. 1895
قَوْله: (كَسِنِي يُوسُف) بِإِضَافَة سِنِين إِلَى يُوسُف، فَلذَلِك سَقَطت نون الْجمع، وَالْمرَاد بِهِ مَا وَقع فِي زمَان يُوسُف، ﵊، من الْقَحْط فِي السنين السَّبع، كَمَا وَقع فِي الْقُرْآن. فَإِن قلت: مَا وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الاسْتِسْقَاء؟ قلت: للتّنْبِيه على أَنه كَمَا شرع الدُّعَاء فِي الاسْتِسْقَاء للْمُؤْمِنين، كَذَلِك شرع الدُّعَاء بِالْقَحْطِ على الْكَافرين، لِأَن فِيهِ إضعافهم وَهُوَ نفع للْمُسلمين.
٦٠٠١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا مُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذَا رَفَعَ رَأسهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يقُولُ اللَّهُمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْج سَلمَة بن هِشَام أللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينِ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا كَسِنِي يُوسُفَ وَأنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ غِفَارُ غَفَرَ الله لَهَا وأسْلَمُ سالمَهَا الله..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا صيغت من قَوْله ﷺ : (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِين كَسِنِي يُوسُف) ، وَقد مضى حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا مطولا فِي: بَاب يهوي بِالتَّكْبِيرِ حِين يسْجد، أخرجه البُخَارِيّ، هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن وَأبي سَلمَة: أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يكثر الحَدِيث، وَفِي آخِره قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: (وَكَانَ رَسُول الله ﷺ حِين يرفع رَأسه يَقُول: سمع الله لمن حَمده رَبنَا وَلَك الْحَمد، وَيَدْعُو لرجال فيسميهم بِأَسْمَائِهِمْ. فَيَقُول: اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَسَلَمَة ابْن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف) . وَأهل الْمشرق يَوْمئِذٍ من مُضر مخالفون لَهُ. انْتهى. وَهَهُنَا أخرج بِزِيَادَة قَوْله: (وَأَن النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره عَن قُتَيْبَة ابْن سعيد عَن ال مُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن الْحزَامِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الزَّاي: الْمدنِي عَن أبي الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج، وَقد فسرنا هُنَاكَ معنى الحَدِيث مُسْتَوفى.
قَوْله: (الْمُسْتَضْعَفِينَ) عَام بعد خَاص، وَالْوَطْأَةُ، بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ: الدوس بالقدم، وسمى بهَا الإهلاك لِأَن من يطَأ على شَيْء بِرجلِهِ فقد استقصى فِي إهلاكه، وَالْمعْنَى: خذهم أخذا شَدِيدا. وَالضَّمِير فِي: (اجْعَلْهَا) ، يرجع إِلَى الْوَطْأَة. قَوْله: (كَسِنِي يُوسُف) وَجه الشّبَه غَايَة الشدَّة، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ يَأْتِي من بعد ذَلِك سبع شَدَّاد﴾ (يُوسُف: ٨٤) . وَقَوله: ﴿تزرعون سبع سِنِين﴾ (يُوسُف: ٧٤) . وسنين جمع سنة بِالْفَتْح وَهُوَ الْقَحْط والجدب قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أَخذنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٣١) . قَوْله: (وَأَن النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره حَدِيث آخر، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، فَكَأَنَّهُ سَمعه هَكَذَا، فَأوردهُ كَمَا سَمعه. وَقد أخرجه أَحْمد كَمَا أخرجه البُخَارِيّ، وروى مُسلم من حَدِيث خَيْثَم بن عرَاك عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أسلم سَالَمَهَا الله، وغفار غفر الله لَهَا، أما إِنِّي لم أقلهَا وَلَكِن قَالَهَا الله) . وروى أَيْضا عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (غفار غفر الله لَهَا، وَأسلم سَالَمَهَا الله، وَعصيَّة عَصَتْ الله وَرَسُوله) . وروى أَيْضا عَن خفاف بن أيماء الْغِفَارِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي صَلَاة: (اللَّهُمَّ الْعَن بني لحيان وَرِعْلًا وذكوان وَعصيَّة عصوا الله وَرَسُوله، وغفار غفر الله لَهَا، وَأسلم سَالَمَهَا الله) . وروى عَن جَابر أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أسلم سَالَمَهَا الله وغفار غفر الله لَهَا) . وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا شُعْبَة عَن عَليّ ابْن يزِيد عَن الْمُغيرَة بن أبي بَرزَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (غفار غفر الله لَهَا، وَأسلم سَالَمَهَا الله) ، وَرَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي نَحوه، وَزَاد فِي آخِره: (مَا أَنا قلته وَلَكِن الله، ، قَالَه) وغفار، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالراء: أَبُو قَبيلَة من كنَانَة، وَهِي: غفار بن مليك بن ضَمرَة بن بكر بن مَنَاة بن كنَانَة، قَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ من غفر إِذا ستر، مِنْهُم أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ. وَأسلم، بِالْهَمْزَةِ وَاللَّام المفتوحتين قَبيلَة أَيْضا من خُزَاعَة وَهِي: أسلم بن أقْصَى، وَهُوَ خُزَاعَة بن حَارِثَة ابْن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، مِنْهُم: سَلمَة الْأَكْوَع، وَفِي مدحج: أسلم بن أَوْس الله بن سعد الْعَشِيرَة بن مذْحج، وَفِي بجيلة: أسلم بطن، هُوَ: أسلم بن عَمْرو بن لؤَي بن رهم بن مُعَاوِيَة بن أسلم بن أخمس بن الْغَوْث بن بجيلة، ذكره ابْن الْكَلْبِيّ.
стр. 1896
وَقَالَ ابْن الْأَثِير: (غفار غفر الله لَهَا) ، يحْتَمل أَن يكون دُعَاء لَهَا بالمغفرة، أَو إِخْبَارًا بِأَن الله تَعَالَى قد غفر لَهَا، وَكَذَلِكَ معنى: (أسلم سَالَمَهَا الله) ، يحْتَمل أَن يكون دُعَاء لَهَا إِن يسالمها الله تَعَالَى، وَلَا يَأْمر بحربها، أَو يكون إِخْبَارًا بِأَن الله قد سَالَمَهَا وَمنع من حربها، وَإِنَّمَا خصت هَاتَانِ القبيلتان بِالدُّعَاءِ لِأَن غفارًا أَسْلمُوا قَدِيما، وَأسلم سالموا النَّبِي ﷺ .
وَفِيه: الدُّعَاء بِمَا يشتق من الِاسْم، كَمَا يُقَال لِأَحْمَد: أَحْمد الله عاقبتك، ولعلي أعلاك الله وَهُوَ من جناس الِاشْتِقَاق وَفِيه الدُّعَاء على الظَّالِم بِالْهَلَاكِ وَالدُّعَاء للْمُؤْمِنين بالنجاة وَقَالَ بَعضهم: إِن كَانُوا منتهكين لحُرْمَة الدّين يدعى عَلَيْهِم بِالْهَلَاكِ، وإلاّ يدعى لَهُم بِالتَّوْبَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ : (اللَّهُمَّ اهدِ دوسا وأت بهم) . وَرُوِيَ أَن أَبَا بكر وَزَوجته، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يدعوان على عبد الرَّحْمَن ابنهما يَوْم بدر بِالْهَلَاكِ إِذا حمل على الْمُسلمين، وَإِذا أدبر يدعوان لَهُ بِالتَّوْبَةِ.
قَالَ ابنُ أبِي الزِّنَادِ عنْ أبِيهِ هاذا كُلهُ فِي الصُّبْحِ
أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان: هَذَا الحَدِيث كُله فِي صَلَاة الصُّبْح، يَعْنِي أَنه روى عَن أَبِيه هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَبين أَن الدُّعَاء الْمَذْكُور كَانَ فِي صَلَاة الصُّبْح، وَيدل على هَذَا قَوْله: (فِي الرَّكْعَة الْآخِرَة من الصُّبْح) ، وَقيل: كَانَ ذَلِك فِي الْعشَاء، وَقيل: فِي الظّهْر وَالْعشَاء، وعَلى كل حَال قد بَينا أَنه مَنْسُوخ.
٧٠٠١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كُنَّا عنْدَ عَبْدِ الله فَقَالَ إنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا رَأى مِنَ النَّاسِ إدْبَارا قَالَ اللَّهُمَّ سَبْعا كَسَبْعِ يُوسُفَ فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ وَالجِيفَ وَيَنْظُرَ أحَدُهُمْ إلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الجُوعِ فأتَاهُ أبُو سُفْيَانَ فقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ الله وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قدْ هَلَكُوا فادْعُ الله لَهُمْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (الدُّخان: ٠١) . إلَى قَوْلِهِ عَائِدُونَ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) . فالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ والبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وآيةُ الرُّومِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اللَّهُمَّ سبعا كسبع يُوسُف) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عُثْمَان بن أبي شيبَة هُوَ عُثْمَان ابْن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان بن خواستي الْعَبْسِي، مَوْلَاهُم أَبُو الْحسن الْكُوفِي أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة وَالقَاسِم بن أبي شيبَة، وَكَانَ أكبر من أبي بكر، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر أَبُو عَبَّاس الْكُوفِي. الرَّابِع: أَبُو الضُّحَى، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة، واسْمه: مُسلم بن صبيح، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الْهَمدَانِي الْكُوفِي الْعَطَّار. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع الْهَمدَانِي أَبُو عَائِشَة الْكُوفِي. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا جَرِيرًا فَإِنَّهُ رازي.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الاسْتِسْقَاء أَيْضا عَن الْحميدِي، وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَعَن يحيى عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن يحيى عَن وَكِيع وَعَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن بشر بن خَالِد، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن إِسْحَاق عَن جرير وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي سعيد الْأَشَج وَعَن عُثْمَان عَن جرير وَعَن يحيى ابْن يحيى وَأبي كريب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن بشر بن خَالِد بِهِ وَعَن أبي كريب بِهِ وَعَن مَحْمُود بن غيلَان.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عِنْد عبد الله) يَعْنِي ابْن مَسْعُود. قَوْله: (لما رأى من النَّاس) أَي: قُرَيْش، وَاللَّام للْعهد. قَوْله: (إدبارا) أَي: عَن الْإِسْلَام، وَفِي تَفْسِير الدُّخان: (أَن قُريْشًا لما أبطأوا عَن الْإِسْلَام) . قَوْله: (سبعا) مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر
стр. 1897
أَي: اجْعَل سنيهم سبعا، أَو ليكن سبعا، ويروى سبع بِالرَّفْع، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: الْبلَاء الْمَطْلُوب عَلَيْهِم سبع سِنِين، كالسنين السَّبع الَّتِي كَانَت فِي زمن يُوسُف، وَهِي السَّبع الشداد الَّتِي أَصَابَهُم فِيهَا الْقَحْط، أَو يكون الْمَعْنى: الْمَدْعُو عَلَيْهِم قحط كقحط يُوسُف، وَيجوز أَن يكون ارتفاعه على أَنه اسْم كَانَ التَّامَّة، تَقْدِيره: ليكن سبع. وَفِي الْوَجْه الأول: كَانَ، نَاقِصَة. وَجَاء فِي رِوَايَة (لما دَعَا قُريْشًا كذبوه واستعصوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعنِي عَلَيْهِم بِسبع كسبع يُوسُف، قَوْله: (سنة) ، بِالْفَتْح: الْقَحْط والجدب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أَخذنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٣١) . قَوْله: (حصت كل شَيْء) ، بحاء وصاد مهملتين مُشَدّدَة الصَّاد أَي: استأصلت وأذهبت النَّبَات، فَانْكَشَفَتْ الأَرْض، وَفِي (الْمُحكم) : سنة حصاء: جدبة قَليلَة النَّبَات. وَقيل: هِيَ الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا. قَوْله: (حَتَّى أكلُوا) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي وَعند غَيرهمَا: (حَتَّى أكلنَا) ، وَالْأول أشبه. قَوْله: (والجيف) ، بِكَسْر الْجِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: جمع الجيفة، وَهِي جثة الْمَيِّت وَقد أراح، فَهِيَ أخص من الْمَيِّت لِأَنَّهَا مَا لم تلْحقهُ ذَكَاة. قَوْله: (وَينظر أحدكُم) ، ويروى: (أحدهم) ، وَهُوَ الْأَوْجه. قَوْله: (فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَان) يَعْنِي: صَخْر بن حَرْب، وَدلّ هَذَا على أَن الْقِصَّة كَانَت قبل الْهِجْرَة. قَوْله: (قَالَ الله تَعَالَى: فَارْتَقِبْ) يَعْنِي: لما قَالَ أَبُو سُفْيَان: إِن قَوْمك قد هَلَكُوا فَادع الله لَهُم، قَرَأَ النَّبِي، ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٠١) . وَكَذَا فِي: بَاب إِذا استشفع الْمُشْركُونَ بِالْمُسْلِمين عِنْد الْقَحْط، فَإِن البُخَارِيّ أخرج حَدِيث الْبَاب أَيْضا هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق. قَالَ: أتيت ابْن مَسْعُود. . الحَدِيث. وَفِيه: (فجَاء أَبُو سُفْيَان فَقَالَ: يَا مُحَمَّد تَأمر بصلَة الرَّحِم وَأَن قَوْمك قد هَلَكُوا؟ فَادع الله فَقَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٠) . .
وَأخرج فِي تَفْسِير سُورَة الدُّخان، حَدثنَا يحيى حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى (عَن مَسْرُوق، قَالَ: دخلت على عبد الله، فَقَالَ: إِن من الْعلم أَن تَقول لما لَا تعلم: الله أعلم، إِن الله قَالَ لنَبيه، ﷺ : ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر وَمَا أَنا من المتكلفين﴾ (ص: ٦٨) . إِن قُريْشًا لما غلبوا النَّبِي، ﷺ ، واستعصوا عَلَيْهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَعنِي عَلَيْهِم بِسبع كسبع يُوسُف، فَأَخَذتهم سنة أكلُوا فِيهَا الْعِظَام وَالْميتَة من الْجهد، حَتَّى جعل أحدهم يرى مَا بَينه وَبَين السَّمَاء كَهَيئَةِ الدُّخان من الْجُوع، قَالَ: ﴿رَبنَا اكشف عَنَّا الْعَذَاب إِنَّا مُؤمنُونَ﴾ (الدُّخان: ٢١) . فَقيل لَهُ: إِن كشفنا عَنْهُم عَادوا، فَدَعَا ربه فكشف عَنْهُم. فعادوا، فانتقم الله مِنْهُم يَوْم بدر، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان﴾ (الدُّخان: ٠١) . إِلَى قَوْله، جلّ ذكره: ﴿إِنَّا منتقمون﴾ (الدُّخان: ٦١) . وَأخرج مُسلم (عَن مَسْرُوق قَالَ: جَاءَ إِلَى عبد الله رجل فَقَالَ: تركت فِي الْمَسْجِد رجلا يُفَسر الْقُرْآن بِرَأْيهِ، يُفَسر هَذِه الْآيَة: ﴿يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٢١) . قَالَ: يَأْتِي النَّاس دُخان يَوْم الْقِيَامَة فَيَأْخُذ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذهُمْ مِنْهُ كَهَيئَةِ الزُّكَام، فَقَالَ عبد الله؛ من علم علما فَلْيقل بِهِ، وَمن لَا يعلم فَلْيقل: الله أعلم، فَإِن من فقه الرجل إِن يَقُول لما لَا يعلم: الله أعلم، إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَن قُريْشًا لما اسْتَعْصَتْ على النَّبِي ﷺ دَعَا عَلَيْهِم بسنين كَسِنِي يُوسُف، فَأَصَابَهُمْ قحط وَجهد حَتَّى جعل الرجل ينظر إِلَى السَّمَاء فَيرى بَينه وَبَينهَا كَهَيئَةِ الدُّخان من الْجهد، حَتَّى أكلُوا الْعِظَام، فَأتى النَّبِي ﷺ رجل، فَقَالَ: يَا رَسُول الله اسْتغْفر الله لمضر فَإِنَّهُم قد هَلَكُوا. فَقَالَ لمضر: إِنَّك لجريء، قَالَ: فَدَعَا الله لَهُم، فَأنْزل الله: ﴿إِنَّا كاشفوا الْعَذَاب قَلِيلا إِنَّكُم عائدون﴾ (الدُّخان: ٥١) . قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَهُم الرَّفَاهِيَة، قَالَ: عَادوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين يغشى النَّاس هَذَا عَذَاب أَلِيم يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى إِنَّا منتقمون﴾ (الدُّخان: ٠١، ١١) . يَعْنِي: يَوْم بدر. انْتهى. وَقد علمت أَن الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَذَلِكَ أَن أَبَا سُفْيَان لما قَالَ: ادْع الله لَهُم قَرَأَ النَّبِي ﷺ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٠١) . كَمَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن كثير الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَصرح فِي رِوَايَة مُسلم أَنه لما دَعَا الله لَهَا أنزل الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كاشفوا الْعَذَاب قَلِيلا إِنَّكُم عائدون﴾ (الدُّخان: ٥١) . فَقبل الله دعاءه ﷺ ، فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَهُم الرَّفَاهِيَة عَادوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٠١) . المعني: فانتظر يَا مُحَمَّد عَذَابهمْ. ومفعول ارتقب، مَحْذُوف وَهُوَ: عَذَابهمْ.
قَوْله: (يغشى النَّاس) صفة للدخان فِي مَحل الْجَرّ يَعْنِي: يشملهم ويلبسهم. وَقيل: ﴿يَوْم تَأتي السَّمَاء﴾ (الدُّخان: ٠١) . مفعول ﴿فَارْتَقِبْ﴾ (الدُّخان: ٠١) . قَوْله: ﴿هَذَا عَذَاب أَلِيم﴾ (الدُّخان: ١١) . يَعْنِي: يمْلَأ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، يمْكث أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْلَة، أما الْمُؤمن فَيُصِيبهُ مِنْهُ كَهَيئَةِ الزُّكَام، وَأما الْكَافِر كمنزلة السَّكْرَان يخرج من مَنْخرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدبره. وَقَوله: ﴿هَذَا عَذَاب أَلِيم رَبنَا اكشف عَنَّا الْعَذَاب إِنَّا مُؤمنُونَ﴾ (الدُّخان: ٢١) . كل ذَلِك مَنْصُوب الْمحل بِفعل مُضْمر، وَهُوَ: يَقُولُونَ، وَيَقُولُونَ
стр. 1898
مَنْصُوب على الْحَال، أَي: قائلين ذَلِك. قَوْله: ﴿إِنَّا مُؤمنُونَ﴾ (الدُّخان: ٢١) . موعدة بِالْإِيمَان إِن كشف عَنْهُم الْعَذَاب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أنَّى لَهُم الذكرى﴾ (الدُّخان: ٣١) . أَي: من أَيْن لَهُم التَّذَكُّر والاتعاظ بعد نزُول الْبلَاء وحلول الْعَذَاب؟ (و) الْحَال أَنه: ﴿قد جَاءَهُم رَسُول﴾ (الدُّخان: ٣١) . بِمَا هُوَ أعظم من ذَلِك وَأدْخل فِي وجوب الْأَذْكَار من كشف الدُّخان، وَهُوَ مَا ظهر على رَسُول الله، ﷺ ، من الْآيَات الْبَينَات من الْكتاب المعجز وَغَيره من المعجزات، فَلم يذكرُوا، وتولوا عَنهُ وبهتوه بِأَن عداسا، غُلَاما أعجميا لبَعض ثَقِيف، هُوَ الَّذِي علمه، ونسبوه إِلَى الْجُنُون، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ثمَّ توَلّوا عَنهُ وَقَالُوا معلم مَجْنُون﴾ (الدُّخان: ٤١) . ثمَّ قَالَ: ﴿إِنَّا كاشفوا الْعَذَاب قَلِيلا إِنَّكُم عائدون﴾ (الدُّخان: ٥١) . إِلَى (كفركم) ثمَّ قَالَ: ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) . وَهُوَ يَوْم بدر، كَمَا فِي متن حَدِيث الْبَاب، وَعَن الْحسن: البطشة الْكُبْرَى: يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله: (فقد مَضَت) إِلَى آخِره من كَلَام ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم يسْندهُ إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن دحْيَة: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النّظر الصَّحِيح حمل أَمر الدُّخان على قضيتين: إِحْدَاهمَا: وَقعت وَكَانَت، وَالْأُخْرَى: ستقع قلت: فعلى هَذَا هما دخانان: أَحدهمَا: الَّذِي يمْلَأ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَلَا يجد الْمُؤمن مِنْهُ إِلَّا كالزكمة، وَهُوَ كَهَيئَةِ الدُّخان، وهيئة الدُّخان غير الدُّخان الْحَقِيقِيّ. وَالْآخر: هُوَ الدُّخان الَّذِي يكون عِنْد ظُهُور الْآيَات والعلامات، وَيُقَال: هُوَ من آثَار جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة، وَلَا يمْتَنع إِذا ظَهرت تِلْكَ العلامات أَن يَقُولُوا: ﴿رَبنَا اكشف عَنَّا الْعَذَاب إِنَّا مُؤمنُونَ﴾ (الدُّخان: ٢١) . قَوْله: (وَاللزَام) ، اخْتلف فِيهِ، فَذكر ابْن أبي حَاتِم فِي تفسره: أَنه الْقَتْل الَّذِي أَصَابَهُم ببدر، روى ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَمُحَمّد بن كَعْب وَمُجاهد وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فعلى هَذَا تكون البطشة وَاللزَام وَاحِدًا. وَعَن الْحسن: اللزام يَوْم الْقِيَامَة، وَعنهُ أَنه: الْمَوْت. وَقيل: يكون ذنبكم عذَابا لَازِما لكم. وَفِي (الْمُحكم) : اللزام الْحساب. وَفِي (الصَّحِيح) : عَن مَسْرُوق عَن عبد الله قَالَ: (خمس قد مضين: الدُّخان وَاللزَام وَالروم وَالْبَطْشَة وَالْقَمَر) . قَوْله: (وَآيَة الرّوم) ، وَهُوَ أَن الْمُسلمين حِين اقْتتلَتْ فَارس وَالروم كَانُوا يحبونَ ظُهُور الرّوم على فَارس، لأَنهم أهل كتاب، وكل كفار قُرَيْش يحبونَ ظُهُور فَارس لأَنهم مجوس، وكفار قُرَيْش عَبدة أوثان، فتخاطر أَبُو بكر وَأَبُو جهل فِي ذَلِك، أَي: أخرجَا شَيْئا وَجعلُوا بَينهم مُدَّة بضع سِنِين، فَقَالَ ﷺ : (إِن الْبضْع قد يكون إِلَى تسع، أَو قَالَ: إِلَى سبع فزده فِي الْمدَّة أَو فِي الخطار) . فَفعل، فَغلبَتْ الرّوم فَقَالَ تَعَالَى: ﴿آلم غلبت الرّوم﴾ (الرّوم: ١ و ٢) . يَعْنِي: الْمدَّة الأولى، قبل الْخطاب ثمَّ قَالَ: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ (الرّوم: ٣ و ٤) . إِلَى قَوْله: ﴿يفرح الْمُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾ (الرّوم: ٤ و ٥) . يَعْنِي: بِغَلَبَة الرّوم فَارِسًا، وَرُبمَا أخذُوا من الخطار، وَقَالَ الشّعبِيّ: كَانَ الْقمَار فِي ذَلِك الْوَقْت حَلَالا، وَالله تَعَالَى أعلم.
٣ - (بابُ سُؤالِ النَّاسِ الإمامَ الاسْتِسْقَاءَ إذَا قَحَطُوا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سُؤال النَّاس الإِمَام. فَقَوله: (سُؤال النَّاس) ، مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَقَوله: (الإِمَام) ، بِالنّصب مَفْعُوله، و (الاسْتِسْقَاء) بِالنّصب مفعول آخر. فَإِن قلت: الْفِعْل من غير أَفعَال الْقُلُوب لَا يَجِيء لَهُ مفعولان صريحان، بل يَجِيء إِذا كَانَ أَحدهمَا غير صَرِيح، وَكَيف هُوَ هَهُنَا؟ قلت: الَّذِي قلته هُوَ الْأَكْثَر، وَقد يَجِيء مُطلقًا، أَو نقُول: انتصاب الاسْتِسْقَاء بِنَزْع الْخَافِض أَي: عَن الاستسثقاء، يُقَال: سَأَلته الشَّيْء وَسَأَلته عَن الشَّيْء. قَوْله: (إِذا قحطوا) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم، بِفَتْح الْقَاف والحاء، وبلفظ الْمَجْهُول يُقَال: قحط الْمَطَر قحوطا إِذا احْتبسَ. وَحكى الْفراء: قحط بِالْكَسْرِ، وَجَاء: قحط الْقَوْم، على صِيغَة الْمَجْهُول. قحطا وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا معنى الْمَعْرُوف إِذْ الْمَطَر هُوَ المحتبس لَا النَّاس؟ وَأجَاب: بِأَنَّهُ من بَاب الْقلب، أَو إِذا كَانَ هُوَ محتبسا عَنْهُم فهم محتبسون عَنهُ. قيل: لَو أَدخل البُخَارِيّ حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله لَكَانَ أنسب وأوضح. وَأجِيب: بِأَن الَّذِي سَأَلَ قد يكون مُشْركًا، وَقد يكون مُسلما، وَقد يكون من الْفَرِيقَيْنِ، والسائل فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود كَانَ مُشْركًا حِينَئِذٍ، فَنَاسَبَ أَن يذكر فِي الَّذِي بعده من يَشْمَل الْفَرِيقَيْنِ، فَلذَلِك ذكر فِي التَّرْجَمَة مَا يشملهما، وَهُوَ لفظ النَّاس.
٨٠٠١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا أبُو قُتَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله ابنِ دِينَارٍ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أبي طالِبٍ:
(وَأبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ)
(الحَدِيث ٨٠٠١ طرفه فِي: ٩٠٠١) .
стр. 1899
مُنَاسبَة هَذَا للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (يستسقى الْغَمَام) لِأَن فَاعله مَحْذُوف، لِأَن تَقْدِيره: يستسقى النَّاس بالغمام، وَاعْترض بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون النَّاس فَاعِلا ليستسقى أَن يَكُونُوا سَأَلُوا الإِمَام أَن يستسقى لَهُم، فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن معنى قَول أبي طَالب هَذَا فِي الْحَقِيقَة توسل إِلَى الله بِنَبِيِّهِ، لِأَنَّهُ حضر استسقاء عبد الْمطلب وَالنَّبِيّ ﷺ مَعَه، فَيكون استسقاء النَّاس الْغَمَام فِي ذَلِك الْوَقْت ببركة وَجهه الْكَرِيم، وَإِن لم يكن فِي الظَّاهِر أَن أحدا سَأَلَهُ، وَكَانُوا مستشفعين بِهِ، وَهُوَ فِي معنى السُّؤَال عَنهُ. على ان ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَا أَرَادَ مُجَرّد مَا دلّ عَلَيْهِ شعر أبي طَالب، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى قصَّة وَقعت فِي الْإِسْلَام حضرها.
قَوْله: (حَدثنِي عَمْرو بن عَليّ) وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا، بِصِيغَة الْجمع، وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، وَأَبُو قُتَيْبَة سلم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام: ابْن قُتَيْبَة الْخُرَاسَانِي الْبَصْرِيّ، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ، وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة قَالَهَا أَبُو طَالب، وَهِي قصيدة طنانة لامية من بَحر الطَّوِيل، وَهِي مائَة بَيت وَعشر أَبْيَات، أَولهَا قَوْله:
(خليلي مَا أُذُنِي لأوّل عاذل ... ٧٠ بصفواء فِي حق وَلَا عِنْد بَاطِل)
وَآخِرهَا قَوْله:
(وَلَا شكّ أَن الله رَافع أمره ... ومعليه فِي الدُّنْيَا وَيَوْم التجادل)
(كَمَا قد رأى فِي الْيَوْم والأمس جده ... ووالده رؤياهم غير آفل)
يذكر فِيهَا أَشْيَاء كَثِيرَة من عَدَاوَة قُرَيْش إِيَّاه بِسَبَب النَّبِي ﷺ ، ومدحه نَفسه وَنسبه وَذكر سيادته وحمايته للنَّبِي ﷺ ، والتعرض لبني أُميَّة، وَغير ذَلِك، يعرفهَا من يقف عَلَيْهَا. وَقد تمثل عبد الله بن عمر بِالْبَيْتِ الْمَذْكُور، وَمعنى التمثل: إنشاد شعر غَيره. قَوْله: (وأبيض) ، بِفَتْح الضَّاد وَضمّهَا، وَجه الْفَتْح أَن يكون مَعْطُوفًا على قَوْله: (سيدا) فِي الْبَيْت الَّذِي قبله، وَهُوَ قَوْله:
(وَمَا ترك قوم لَا أَبَا لَك سيدا ... ٧٠ يحوط الذمار غير ذرب مؤاكل)
و: الذمار، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهُوَ مَا لزمك حفظه مِمَّا وَرَاءَك، وَتعلق بِهِ قَوْله: (غير ذرب) أَرَادَ بِهِ: ذرب اللِّسَان بِالشَّرِّ، وَأَصله من: ذرب الْمعدة، وَهُوَ فَسَادهَا، والمؤاكل، بِضَم الْمِيم: الَّذِي يستأكل، وَيجوز أَن يكون مَفْتُوحًا فِي مَوضِع الْجَرّ بِرَبّ الْمقدرَة، وَالْوَجْه الأول أوجه، وَوجه الضَّم هُوَ الرّفْع إِن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَهُوَ أَبيض. قَوْله: (يَسْتَسْقِي الْغَمَام بِوَجْهِهِ) جملَة وَقعت صفة لأبيض، ومحلها من الْإِعْرَاب النصب أَو الرّفْع على التَّقْدِيرَيْنِ. قَوْله: (ثمال الْيَتَامَى) كَلَام إضافي يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب على التَّقْدِيرَيْنِ الْمَذْكُورين، والثمال، بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة: قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ مطعم لِلْيَتَامَى، يُقَال: ثملهم يثملهم إِذا كَانَ يُطعمهُمْ وَفِي (مجمع الغرائب) : يُقَال: هُوَ ثمال قومه إِذا كَانَ يقوم بأمرهم، وَفِي (الْمُحكم) : فلَان ثمال بني فلَان، أَي: عمادهم. وَقَالَ ابْن التِّين: أَي الْمطعم عِنْد الشدَّة. قَوْله: (عصمَة للأرامل) ، كَذَلِك بِالْوَجْهَيْنِ فِي الْإِعْرَاب، والأرامل جمع أرمل، وَهُوَ الَّذِي نفد زَاده، وَقَالَ ابْن سَيّده: رجل أرمل وَامْرَأَة أرملة وَهِي المحتاجة والأرامل والأراملة، كسروه تكسير الْأَسْمَاء لغلبته، وكل جمَاعَة من رجال وَنسَاء أَو رجال دون نسَاء أَو نسَاء دون رجال أرامل بعد أَن يَكُونُوا مُحْتَاجين. وَفِي (الْجَامِع) : قَالُوا: وَلَا يُقَال رجل أرمل لِأَنَّهُ لَا يكَاد يذهب زَاده بذهاب امْرَأَته، إِذْ لم تكن قيِّمة عَلَيْهِ بالمعيشة، بِخِلَاف الْمَرْأَة، وَقد زعم قوم أَنه يُقَال: رجل أرمل إِذا مَاتَت امْرَأَته، قَالَ الحطيئة:
(هذي الأرامل قد قضيت حَاجَتهَا ... ٧٠ فَمن لحَاجَة هَذَا الأرمل الذّكر)
قَالَ السُّهيْلي، رَحمَه الله تَعَالَى. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ أَبُو طَالب: يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ، وَلم يره قطّ استسقى، إِنَّمَا كَانَ ذَاك من بعد الْهِجْرَة؟ وَأجَاب: بِمَا حَاصله: أَن أَبَا طَالب أَشَارَ إِلَى مَا وَقع فِي زمن عبد الْمطلب، حَيْثُ استسقى لقريش وَالنَّبِيّ ﷺ مَعَه وَهُوَ غُلَام، قيل: يحْتَمل أَن يكون أَو طَالب مدحه بذلك لما رأى من مخائل ذَلِك فِيهِ، وَإِن لم يُشَاهد وُقُوعه، وَقَالَ ابْن التِّين: إِن فِي شعر أبي طَالب هَذَا دلَالَة على أَنه كَانَ يعرف نبوة النَّبِي ﷺ قبل أَن يبْعَث، لما أخبرهُ بِهِ بحيراء وَغَيره من شَأْنه. قيل: فِيهِ نظر، لِأَن ابْن إِسْحَاق زعم أَن أَبَا طَالب أنشأ هَذَا الشّعْر بعد الْبَعْث. قلت: فِي هَذَا النّظر نظر، لِأَنَّهُ لما علم أَنه نَبِي بأخبار بحيراء وَغَيره أنْشد هَذَا الشّعْر بِنَاء على مَا علمه من ذَلِك قبل أَن يبْعَث ﷺ .
стр. 1900
٩٠٠١ - وقَالَ عُمَرُ بنُ حَمْزَةَ حدَّثنا سالِمٌ عنْ أبِيهِ رُبَّمَا ذكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وأنَا أنْظُرُ إلَى وَجْهِ النبيِّ ﷺ يَسْتَسْقِي فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كلُّ مِيزَابٍ
(وأبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ)
وَهُوَ قولُ أبِي طالِبٍ.
(أنظر الحَدِيث ٨٠٠١) .
مُنَاسبَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (يستسقى) لِأَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يخبر عَن استسقاء النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ ينظر إِلَى وَجهه الْكَرِيم، وَلم يكن استسقاؤه فِي ذَلِك إلاّ عَن سُؤال عَنهُ ﷺ ، ويوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ البيهي فِي (الدَّلَائِل) قَالَ: أخبرنَا أَبُو زَكَرِيَّا بن أبي إِسْحَاق أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن دُحَيْم حَدثنَا جَعْفَر بن عَنْبَسَة حَدثنَا عبَادَة ابْن زِيَاد الْأَزْدِيّ عَن سعيد بن خَيْثَم عَن مُسلم الْملَائي عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَالله لقد أَتَيْنَاك وَمَا لنا بعير يئط، وَلَا صبي يغط، ثمَّ أنْشد:
(أَتَيْنَاك والعذراء يدمى لبانها ... وَقد شغلت أم الصَّبِي عَن الطِّفْل)
(وَألقى بكفيه الصَّبِي استكانة ... من الْجُوع ضعفا مَا يمر وَمَا يحلى)
(وَلَا شَيْء مِمَّا يَأْكُل النَّاس عندنَا ... سوى الحنظل العاهي وَالْعِلْهِز الفسل)
(وَلَيْسَ لنا إلاّ إِلَيْك فرارنا ... وَأَيْنَ فرار النَّاس إلاّ إِلَى الرُّسُل؟)
فَقَامَ رَسُول الله ﷺ يجر رِدَاءَهُ حَتَّى صعد الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اسقنا. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فجَاء أهل البطانة يصيحون: الْغَرق الْغَرق، فَضَحِك رَسُول الله ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، ثمَّ قَالَ: لله در أبي طَالب لَو كَانَ حَاضرا لقرت عَيناهُ، من ينشدنا شعره؟ فَقَالَ عَليّ: يَا رَسُول الله كَأَنَّك أردْت قَوْله:
(وأبيض يَسْتَسْقِي الْغَمَام بِوَجْهِهِ)
فَذكر أبياتا مِنْهَا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أجل، فَقَامَ رجل من بني كنَانَة فَأَنْشد أبياتا:
(لَك الْحَمد وَالْحَمْد مِمَّن شكر ... سقينا بِوَجْه النَّبِي الْمَطَر)
(دَعَا الله خالقه دَعْوَة ... ٧٠ وأشخص مَعهَا إِلَيْهِ الْبَصَر)
(فَلم يَك إِلَّا كالف الردا ... ٧٠ وأسرع حَتَّى رَأينَا الدُّرَر)
فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِن يكن شَاعِر أحسن فقد أَحْسَنت) . ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق الَّذِي أوردهُ البُخَارِيّ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ ابْن مَاجَه مَوْصُولا فِي (سنَنه) : حَدثنَا أَحْمد بن الْأَزْهَر عَن ابْن النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم عَن أبي عقيل، يَعْنِي عبيد الله بن عقيل الثَّقَفِيّ، حَدثنَا عمر بن حَمْزَة حَدثنَا سَالم عَن أَبِيه، قَالَ: رُبمَا ذكرت قَول الشَّاعِر وَأَنا أنظر إِلَى وَجه رَسُول الله، ﷺ ، على الْمِنْبَر، فَمَا نزل حَتَّى جَيش كل ميزاب بِالْمَدِينَةِ، فَذكر قَول الشَّاعِر:
وأبيض يَسْتَسْقِي الْغَمَام بِوَجْهِهِ
إِلَى آخِره، وَعمر بن حَمْزَة هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، ابْن أخي سَالم بن عبد الله ابْن عمر، أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب) أَيْضا، وَتكلم فِيهِ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ، وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَقَالَ: كَانَ يخطىء. وَقَالَ ابْن عدي: وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه، وروى لَهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. فَإِن قلت: عمر بن حَمْزَة هَذَا مُتَكَلم فِيهِ، وَكَذَلِكَ عبد الرَّحْمَن ابْن عبد الله بن دِينَار مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ، الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الموصولة، فَكيف أوردهما البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) ؟ قلت: أُجِيب بِأَن إِحْدَى الطَّرِيقَيْنِ اعتضدت بِالْأُخْرَى، وَهُوَ من أَمْثِلَة أحد قسمي (الصَّحِيح) كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه، وَفِيه نظر، لَا يخفى. قَوْله: (وَأَنا أنظر) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (يستسقى) ، جملَة فعلية وَقعت حَالا، كَذَلِك. قَوْله: (حَتَّى يَجِيش) بِالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة، من: جاش الْبَحْر إِذا هاج، وجاش الْقدر جيشانا إِذا غلت، وجاش الْوَادي إِذا زهر وامتد جدا، وجاش الشَّيْء إِذا تحرّك، وَهُوَ هُنَا كِنَايَة عَن كَثْرَة الْمَطَر، و (الْمِيزَاب) بِكَسْر الْمِيم وبالزاي مَعْرُوف، وَهُوَ مَا يسيل مِنْهُ المَاء من مَوضِع عَال، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (حَتَّى يَجِيش لَك) ، بِتَقْدِيم اللَّام على الْكَاف، وَهُوَ تَصْحِيف.
قَوْله: (يئط) أَي: يحن، ويصيح، يُرِيد: مَا لنا
стр. 1901
بعير أصلا، لِأَن الْبَعِير لَا بُد أَن يئط. قَوْله: (وَلَا صبي يغط) ، من الغطيط، يُقَال: غط يغط غطا وغطيطا إِذا صَاح. قَوْله: (والعذراء) وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي لم يَمَسهَا رجل، وَهِي الْبكر. قَوْله: (يدمي لبانها) ، بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ الصَّدْر، وأصل اللبان فِي الْفرس مَوضِع اللَّبن ثمَّ استعير للنَّاس، وَمعنى: يدمي لبانها يَعْنِي يدمي صدرها لامتهانها نَفسهَا فِي الْخدمَة حَيْثُ لَا تَجِد مَا تغطيه من تخدمها من الجدب وَشدَّة الزَّمَان. وَقَوله: (استكانة) أَي: خضوعا، وذلة. قَوْله: (مَا يمر) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء. قَوْله: (وَلَا يحلى) ، بِضَم الْيَاء أَيْضا. وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام، وَالْمعْنَى: مَا ينْطق بِخَير وَلَا شَرّ من الْجُوع والضعف، واشتقاق الأول: من المرارة، وَالثَّانِي: من الْحَلَاوَة، فَالْأول كِنَايَة عَن الشَّرّ، وَالثَّانِي: عَن الْخَيْر. قَوْله: (سوى الحنظل العاهي) ، الحنظل: مَعْرُوف، والعاهي: فَاعل من العاهة وَهِي: الآفة. قَوْله: (وَالْعِلْهِز) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَكسر الْهَاء وَفِي آخِره زَاي: وَهُوَ شَيْء يتخذونه فِي سني المجاعة يخلطون الدَّم بأوبار الْإِبِل ثمَّ يشوونه بالنَّار، ويأكلونه، وَقيل: كَانُوا يخلطون فِيهِ القردان، وَيُقَال: القراد الضخم العلهز، وَقيل: العلهز شَيْء ينْبت بِبِلَاد بني سليم لَهُ أصل كأصل البرذي، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَمِنْه حَدِيث الاسْتِسْقَاء، وَأنْشد الأبيات الْمَذْكُورَة. قَوْله: (الفسل) ، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ الشَّيْء الرَّدِيء الرذل، يُقَال: فسله وأفسله. قَالَه ابْن الْأَثِير، ويروى بالشين الْمُعْجَمَة، وَقَالَ فِي بَاب الشين: الفشل والفزع وَالْخَوْف والضعف، وَمِنْه حَدِيث الاسْتِسْقَاء:
سوى الحنظل العاهي وَالْعِلْهِز الفشل
أَي: الضَّعِيف يَعْنِي الفشل مدخره، وَأكله فصرف الْوَصْف إِلَى العلهز، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لآكله. قَوْله: (الدُّرَر) ، بِكَسْر الدَّال وَفتح الرَّاء الأولى، جمع درة، بِكَسْر الدَّال وَتَشْديد الرَّاء، يُقَال: للسحاب درة، أَي: صب واندفاق.
٠١٠١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني أبي عَبْدُ الله بنُ المُثَنَّى عنْ ثَمامَةَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أنَسٍ عنْ أنَسٍ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وإنَّا نتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فاسْقِنَا قَالَ فيُسْقَوْنَ.
(الحَدِيث ٠١٠١ طرفه فِي: ٠١٧٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَول عمر: (إِنَّا كُنَّا نتوسل إِلَيْك بنبينا. .) إِلَى آخِره، بَيَانه أَنهم كَانُوا إِذا استسقوا كَانُوا يستسقون بِالنَّبِيِّ، ﷺ ، فِي حَيَاته، وَبعده استسقى عمر بِمن مَعَه بِالْعَبَّاسِ عَم النَّبِي، ﷺ ، فجعلوه كَالْإِمَامِ الَّذِي يسْأَل فِيهِ، لِأَنَّهُ كَانَ أمس النَّاس بِالنَّبِيِّ، ﷺ ، وأقربهم إِلَيْهِ رحما فَأَرَادَ عمر أَن يصلها ليتصل بهَا إِلَى من كَانَ يَأْمر بصلَة الْأَرْحَام، ﷺ ، وَعَن كَعْب الْأَحْبَار أَن بني إِسْرَائِيل كَانُوا إِذا قحطوا استسقوا بِأَهْل بَيت نَبِيّهم، وَزعم ابْن قدامَة أَن ذَلِك كَانَ عَام الرَّمَادَة، وَذكر ابْن سعد وَغَيره أَن عَام الرَّمَادَة كَانَ سنة ثَمَانِي عشرَة، وَكَانَ ابتداؤه مصدر الْحَاج مِنْهَا ودام تِسْعَة أشهر، والرمادة، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْمِيم: سمي الْعَام بهَا لما حصل من شدَّة الجدب، فاغبرت الأَرْض من عدم الْمَطَر، وَذكر سيف فِي (كتاب الرِّدَّة) : (عَن أبي سَلمَة: كَانَ أَبُو بكر الصّديق إِذا بعث جندا إِلَى أهل الرِّدَّة خرج ليشيعهم، وَخرج بِالْعَبَّاسِ مَعَه، قَالَ: يَا عَبَّاس استنصر وَأَنا أُؤْمِن، فَإِنِّي أَرْجُو أَن لَا يخيب دعوتك لِمَكَانِك من نَبِي الله ﷺ ، وَذكر الإِمَام أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر فِي (كتاب الاسْتِسْقَاء) من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن حُسَيْن بن عبد الله عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْعَبَّاس قَالَ ذَلِك الْيَوْم: اللَّهُمَّ إِن عنْدك سحابا وَإِن عنْدك مَاء فانشر السَّحَاب ثمَّ أنزل مِنْهُ المَاء، ثمَّ أنزلهُ علينا وَاشْدُدْ بِهِ الأَصْل وأطل بِهِ الْفَرْع وأدر بِهِ الضَّرع، اللَّهُمَّ شفعنا إِلَيْك عَمَّن لَا منطق لَهُ من بهايمنا وأنعامنا. اللَّهُمَّ إسقنا سقيا وَادعَة بَالِغَة طبقًا مجيبا، اللَّهُمَّ لَا نرغب إلاّ إِلَيْك وَحدك، لَا شريك لَك، اللَّهُمَّ إِنَّا نشكوا أُليك سغب كل ساغب وَعدم كل عادم وجوع كل جَائِع وعري كل عَار وَخَوف كل خَائِف. .) وَفِي حَدِيث أبي صَالح: (فَلَمَّا صعد عمر وَمَعَهُ الْعَبَّاس الْمِنْبَر، قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: اللَّهُمَّ إِنَّا توجهنا إِلَيْك بعم نبيك وصنو أَبِيه فاسقنا الْغَيْث وَلَا تجعلنا من القانطين، ثمَّ قَالَ: قل يَا أَبَا الْفضل، فَقَالَ الْعَبَّاس: اللَّهُمَّ لم ينزل بلَاء إلاّ بذنب، وَلم يكْشف إلاّ بتوبة وَقد توجه بِي الْقَوْم إِلَيْك لمكاني
стр. 1902
من نبيك، وَهَذِه أَيْدِينَا إِلَيْك بِالذنُوبِ، ونواصينا بِالتَّوْبَةِ، فاسقنا الْغَيْث. قَالَ: فَأَرختْ السَّمَاء شآبيب مثل الْجبَال حَتَّى أخصبت الأَرْض وعاش النَّاس.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح الزَّعْفَرَانِي. الثَّانِي: مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله ابْن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، قَاضِي الْبَصْرَة، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: أَبوهُ عبد الله بن الْمثنى الْمَذْكُور. الرَّابِع: ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: تقدم فِي: بَاب من أعَاد. . الحَدِيث. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: رِوَايَة البُخَارِيّ عَن شَيْخه بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا التحديث بِصِيغَة الْجمع وَالْآخر بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: التحديث أَيْضا بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا يروي عَنهُ أَيْضا كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَهَهُنَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة. وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب وَهِي: رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن الْمثنى، وَيَنْبَغِي أَن يقْرَأ عبد الله بِالرَّفْع فِي قَوْله: (حَدثنَا أبي عبد الله) لِأَنَّهُ يشْتَبه بالكنية، وَهُوَ عطف بَيَان، وَمحل تيقظ. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه، وَهِي: رِوَايَة عبد الله بن الْمثنى عَن عَمه ثُمَامَة بن عبد الله. وَفِيه: أَن عبد الله بن الْمثنى من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن جده، وَهِي: رِوَايَة ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس عَن أنس جده.
وَهَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن السِّتَّة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا قحطوا) ، بِضَم الْقَاف وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة أَي: أَصَابَهُم الْقَحْط. قَوْله: (استسقى بِالْعَبَّاسِ) أَي: متوسلاً بِهِ حَيْثُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا. .) إِلَى آخِره، وَصفَة مَا دَعَا بِهِ الْعَبَّاس قد ذَكرنَاهَا عَن قريب.
وَفِيه من الْفَوَائِد: اسْتِحْبَاب الاستشفاع بِأَهْل الْخَيْر وَالصَّلَاح وَأهل بَيت النُّبُوَّة. وَفِيه: فضل الْعَبَّاس وَفضل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لتواضعه للْعَبَّاس ومعرفته بِحقِّهِ. قَالَ ابْن بطال: وَفِيه: أَن الْخُرُوج إِلَى الاسْتِسْقَاء والاجتماع لَا يكون إلاّ بِإِذن الإِمَام لما فِي الْخُرُوج والاجتماع من الْآفَات الدَّاخِلَة على السُّلْطَان، وَهَذِه سنَن الْأُمَم السالفة قَالَ تَعَالَى: ﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى إِذْ استسقاه قومه﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٦١) .
٤ - (بابُ تحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَحْويل الرِّدَاء فِي الاسْتِسْقَاء.
١١٠١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا وَهْبٌ قَالَ أخبرنَا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبِي بَكْرٍ عنْ عَبَّادِ ابنِ تَمِيمٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ زَيْدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ ردَاءَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَلَا يُقَال: التَّرْجَمَة بِلَفْظ التَّحْوِيل، وَفِي الحَدِيث: (فَقلب رِدَاءَهُ) لِأَن التَّحْوِيل وَالْقلب بِمَعْنى وَاحِد، مَعَ أَن لفظ الحَدِيث فِي الطَّرِيق الأولى. (وحول) ، على أَنه فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة فِي رِوَايَة أبي ذَر: (حول) ، بدل (قلب) ، وَقَالَ بَعضهم: ترْجم لمشروعيته خلافًا لمن نَفَاهُ، ثمَّ ترْجم بعد ذَلِك لكيفيته. قلت: علم مشروعيته من الحَدِيث الَّذِي أخرجه فِي أول كتاب الاسْتِسْقَاء، رَوَاهُ عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عباد بن تَمِيم عَن عَمه وَهُوَ عبد الله بن زيد، وَهَهُنَا أخرجه عَن إِسْحَاق عَن وهب عَن مُحَمَّد بن أبي بكر عَن عباد بن تَمِيم عَن عبد الله بن زيد، والْحَدِيث وَاحِد، وَفِي سَنَده مُغَايرَة، وَإِنَّمَا أعَاد هَذَا الحَدِيث لأمور ثَلَاثَة: الأول: أَنه ترْجم لَهُ هَهُنَا فِي تَحْويل الرِّدَاء، وَهُنَاكَ فِي خُرُوجه ﷺ للاستسقاء. الثَّانِي: ليشيرا إِلَى تغاير السَّنَد وَبَعض الِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن. وَالثَّالِث: صرح هَهُنَا بِعَبْد الله بن زيد وَهُنَاكَ أبهم اسْمه وَلم يذكرهُ إلاّ بِلَفْظ الْعم، وَإِسْحَاق: هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي، وَمُحَمّد: ابْن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَهُوَ أَخُو عبد الله بن أبي بكر الْمَذْكُور فِي السَّنَد الأول، وَقد ذكرنَا مَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٢١٠١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ سَمِعَ
стр. 1903
عَبَّادَ بنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أباهُ عنْ عَمِّهِ عَبْدِ الله بن زَيْدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ خَرَجَ إلَى المُصَلَّى فاسْتَسْقَى فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وقَلَبَ رِدَاءَهُ وصَلَّى رَكْعَتَيْنِ..
هَذِه طَريقَة أُخْرَى فِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبله أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر الَّذِي يُقَال لَهُ: ابْن الْمَدِينِيّ: عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن عباد بن تَمِيم، إِلَى آخِره. قَوْله: (عَن سُفْيَان عَن عبد الله) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي أَعنِي: بِلَفْظ: (عَن عبد الله) وَوَقع فِي رِوَايَة الآخرين، قَالَ: (حَدثنَا سُفْيَان قَالَ عبد الله بن أبي بكر) ، أَي: قَالَ: قَالَ عبد الله، وَجَرت عَادَتهم بِحَذْف إِحْدَاهمَا من الْخط. قَوْله: (يحدث أَبَاهُ) الضَّمِير فِي قَوْله: (أَبَاهُ) يعود على عبد الله بن أبي بكر، لَا على: عباد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَوضِع: أَبَاهُ، أرَاهُ أَي: أَظُنهُ، ثمَّ قَالَ: وَفِي بَعْضهَا: أَبَاهُ أَي: أَبَا عبد الله، يَعْنِي: أَبَا بكر وَقَالَ بَعضهم: وَلم أر فِي شَيْء من الرِّوَايَات الَّتِي اتَّصَلت لنا. انْتهى. قلت: لَا يسْتَلْزم عدم رُؤْيَته لذَلِك عدم رُؤْيَة غَيره، وَالنُّسْخَة الَّتِي اطلع عَلَيْهَا الْكرْمَانِي أوضح وَأظْهر.
وَهَذَا الحَدِيث يشْتَمل على أَحْكَام: الأول: فِيهِ خُرُوج النَّبِي ﷺ إِلَى الصَّحرَاء للاستسقاء لِأَنَّهُ أبلغ فِي التَّوَاضُع، وأوسع للنَّاس، وَذكر ابْن حبَان: كَانَ خُرُوجه ﷺ إِلَى الْمصلى للاستسقاء فِي شهر رَمَضَان سنة سِتّ من الْهِجْرَة. الثَّانِي: فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الاسْتِسْقَاء. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِقْبَال الْقبْلَة وتحويل الرِّدَاء، وَقد ذكرنَا حكمه مستقصىً. الرَّابِع: فِيهِ أَنه ﷺ صلى رَكْعَتَيْنِ.
وَيحْتَاج فِي بَيَان هَذَا إِلَى أُمُور:
الأول: فِيهِ الدّلَالَة على أَن الْخطْبَة فِيهِ قبل الصَّلَاة، وَصرح يحيى بن سعيد فِي بَاب كَيفَ يحول ظَهره، ثمَّ صلى لنا رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ مُقْتَضى حَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عَنْهَا، قَالَت: (شكى النَّاس إِلَى رَسُول الله ﷺ قُحُوط الْمَطَر، فَأمر بمنبر فَوضع لَهُ فِي الْمصلى، ووعد النَّاس يَوْمًا يخرجُون فِيهِ، قَالَت عَائِشَة: فَخرج رَسُول الله ﷺ حِين بدا حَاجِب الشَّمْس، فَقعدَ على الْمِنْبَر، فَكبر وَحمد الله، ثمَّ قَالَ: إِنَّكُم شكوتم جَدب دِيَاركُمْ واستئخار الْمَطَر عَن إبان زَمَانه عَلَيْكُم، وَقد أَمركُم الله تَعَالَى أَن تَدعُوهُ، ووعدكم أَن الله يستجيب لكم، ثمَّ قَالَ: الْحَمد لله رب الْعَالمين، الرَّحْمَن الرَّحِيم، مَالك يَوْم الدّين، لَا إِلَه إلاّ الله يفعل مَا يُرِيد، اللَّهُمَّ أَنْت الله لَا إِلَه إلاّ أَنْت الْغَنِيّ وَنحن الْفُقَرَاء، أنزل علينا الْغَيْث، وَاجعَل مَا أنزلت لنا قُوَّة وبلاغا إِلَى حِين، ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَلم يزل فِي الرّفْع حَتَّى بدا بَيَاض إبطَيْهِ، ثمَّ حول إِلَى النَّاس ظَهره وقلب أَو حول رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافع يَدَيْهِ، ثمَّ أقبل على النَّاس وَنزل فصلى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ الله سَحَابَة فَرعدَت وَبَرقَتْ ثمَّ أمْطرت بِإِذن الله تَعَالَى، فَلم يَأْتِ مَسْجده حَتَّى سَالَتْ السُّيُول، فَلَمَّا رأى سُرْعَتهمْ إِلَى الْكن ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، فَقَالَ: أشهد أَن الله على كل شَيْء قدير وَإِنِّي عبد الله وَرَسُوله) . وَالْمَفْهُوم من هَذَا الحَدِيث أَن الْخطْبَة قبل الصَّلَاة، وَلَكِن وَقع عِنْد أَحْمد فِي حَدِيث عبد الله بن زيد التَّصْرِيح بِأَنَّهُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة، وَالْجمع بَينهمَا أَنه مَحْمُول على الْجَوَاز، وَالْمُسْتَحب تَقْدِيم الصَّلَاة لأحاديث أخر.
الْأَمر الثَّانِي: أَن صَلَاة الاسْتِسْقَاء رَكْعَتَانِ، وروى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس حَدِيثا. وَفِيه: (وَلم يخْطب خطبتكم هَذِه وَلَكِن لم يزل فِي الدُّعَاء والتضرع وَالتَّكْبِير، ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيد) . وَقَالَ الْخطابِيّ: وَفِيه دلَالَة على أَنه يكبر كَمَا يكبر فِي الْعِيدَيْنِ، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَمَكْحُول وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد، وَذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَنه يكبر فيهمَا كَسَائِر الصَّلَوَات تَكْبِيرَة وَاحِدَة للافتتاح، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَأبي ثَوْر وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهمَا من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَقَالَ دَاوُد: إِن شَاءَ كبر كَمَا يكبر فِي الْعِيدَيْنِ، وَإِن شَاءَ كبر تَكْبِيرَة وَاحِدَة للاستفتاح كَسَائِر الصَّلَوَات. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن المُرَاد من قَوْله: (كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ) ، يَعْنِي فِي الْعدَد والجهر بِالْقِرَاءَةِ، وَفِي كَون الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْخطْبَة. فَإِن قلت: قد روى الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَالدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن) : عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أَبِيه (عَن طَلْحَة، قَالَ: أَرْسلنِي مَرْوَان إِلَى ابْن عَبَّاس اسأله عَن سنة الاسْتِسْقَاء، فَقَالَ: سنة الاسْتِسْقَاء سنة الصَّلَاة فِي الْعِيدَيْنِ إلاّ أَن رَسُول الله ﷺ قلب رِدَاءَهُ فَجعل يَمِينه على يسَاره ويساره على يَمِينه، وَصلى رَكْعَتَيْنِ كبر فِي الأولى سبع تَكْبِيرَات، وَقَرَأَ بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَة: هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية، وَكبر فِيهَا خمس تَكْبِيرَات) . قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد
стр. 1904
وَلم يخرجَاهُ. قلت: أُجِيب عَنهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه ضَعِيف، فَإِن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ضَعِيف الحَدِيث لَيْسَ لَهُ حَدِيث مُسْتَقِيم، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : يروي عَن الثِّقَات المعضلات، وينفرد بالطامات عَن الْأَثْبَات حَتَّى سقط الِاحْتِجَاج بِهِ، وَقَالَ ابْن قطان فِي كِتَابه: هُوَ أحد ثَلَاثَة أخوة كلهم ضعفاء: مُحَمَّد وَعبد الله وَعمْرَان، بَنو عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وأبوهم عبد الْعَزِيز مَجْهُول الْحَال، فاعتل الحَدِيث بهما. وَالثَّانِي: أَنه معَارض بِحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ (عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ ، استسقى فَخَطب قبل الصَّلَاة، واستقبل الْقبْلَة وحول رِدَاءَهُ، ثمَّ نزل فصلى رَكْعَتَيْنِ لم يكبر فيهمَا إلاّ تَكْبِيرَة) .
الْأَمر الثَّالِث: فِي أَن وَقت صَلَاة الاسْتِسْقَاء كوقت صَلَاة الْعِيدَيْنِ، كَمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَقد اخْتلف فِي ذَلِك. فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: إِلَى أَنه يخرج لَهَا كالخروج إِلَى صَلَاة الْعِيدَيْنِ، وَحكى ابْن الْمُنْذر وَابْن عبد الْبر عَن الشَّافِعِي هَذَا، وَنقل ابْن الصّباغ فِي (الشَّامِل) وَصَاحب (جمع الْجَوَامِع) عَن نَص الشَّافِعِي: أَنَّهَا لَا تخْتَص بِوَقْت، وَبِه قطع الْمُتَوَلِي وَالْمَاوَرْدِيّ وَابْن الصّباغ، وَصَححهُ الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر، وَنقل النَّوَوِيّ الْقطع بِهِ عَن الْأَكْثَرين، وَأَنه صَححهُ الْمُحَقِّقُونَ وَأما وَقتهَا كوقت الْعِيد، فَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: إِنَّه لم يرو لغير الشَّيْخ أبي عَليّ. قلت: لم ينْفَرد بِهِ الشَّيْخ أَبُو عَليّ، بل قَالَه أَيْضا الشَّيْخ أَبُو حَامِد والمحاملي الْبَغَوِيّ فِي (التَّهْذِيب) [/ ح.
الْأَمر الرَّابِع: فِي أَنه يقْرَأ فِي صَلَاة الاسْتِسْقَاء بعد الْفَاتِحَة مَا يقْرَأ فِي الْعِيدَيْنِ، أما سُورَة ق واقتربت، أَو سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى والغاشية، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي اسْتِدْلَالا بِمَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور: (فصلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ) . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) : وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ لَا يُخَالف صَلَاة الْعِيد بِشَيْء، ونأمره أَن يقْرَأ فِيهَا مَا يقْرَأ فِي صَلَاة الْعِيد. قَالَ: وَمَا قَرَأَ بِهِ مَعَ أم الْقُرْآن أَجزَأَهُ، وَإِن اقْتصر على أم الْقُرْآن فِي كل رَكْعَة أَجزَأَهُ، وَصدر الرَّافِعِيّ كَلَامه بِأَنَّهُ يقْرَأ فِي الأولى ق، وَفِي الثَّانِيَة: اقْتَرَبت، ثمَّ حكى عَن بعض الْأَصْحَاب أَنه يقْرَأ فِي الأولى: ق، وَفِي الثَّانِيَة: إِنَّا أرسلنَا نوحًا. وَعند أَصْحَابنَا: لَيْسَ فِي صَلَاة، أَي صَلَاة كَانَت، قِرَاءَة مُؤَقَّتَة، وَذكر فِي (الْبَدَائِع) و (التُّحْفَة) : الْأَفْضَل أَن يقْرَأ فيهمَا: سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى فِي الأولى، وَفِي الثَّانِيَة: هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية. .
الْأَمر الْخَامِس: أَنه يجْهر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الاسْتِسْقَاء، لما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث (عبد الله بن زيد أَن رَسُول الله ﷺ خرج بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فصلى بهم رَكْعَتَيْنِ جهر بِالْقِرَاءَةِ فيهمَا. .) الحَدِيث. وَعَن أبي يُوسُف: أحسن مَا سمعنَا فِيهِ أَن يُصَلِّي الإِمَام رَكْعَتَيْنِ جاهرا بِالْقِرَاءَةِ مُسْتَقْبلا بِوَجْهِهِ قَائِما على الأَرْض دون الْمِنْبَر، مُتكئا على قَوس يخْطب بعد الصَّلَاة خطبتين، وَعَن أبي يُوسُف: خطْبَة وَاحِدَة، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا الدُّعَاء فَلَا يقطعهَا بالجلسة، وَعند مُحَمَّد: يخْطب خطبتين يفصل بَينهمَا بجلسة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي.
ثمَّ إعلم أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: لَيْسَ فِي الاسْتِسْقَاء صَلَاة مسنونة فِي جمَاعَة، فَإِن صلى النَّاس وحدانا جَازَ، إِنَّمَا الاسْتِسْقَاء الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار، لقَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا﴾ (نوح: ٠١ و ١١) . علق نزُول الْغَيْث بالاستغفار لَا بِالصَّلَاةِ، فَكَأَن الأَصْل فِيهِ الدُّعَاء والتضرع دون الصَّلَاة، وَيشْهد لذَلِك أَحَادِيث: مِنْهَا: الحَدِيث الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ الصَّلَاة. وَمِنْهَا: حَدِيث أنس، على مَا يَأْتِي فِي الْبَاب الْآتِي. وَمِنْهَا: حَدِيث كَعْب بن مرّة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة شُرَحْبِيل بن السمط، أَنه قَالَ لكعب: يَا كَعْب بن مرّة (حدِّثنا عَن رَسُول الله ﷺ وَاحْذَرْ! قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، استسق الله، ، فَرفع رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إسقنا غيثا مريعا طبقًا عَاجلا غير رائث، نَافِعًا غير ضار، قَالَ: فَاجْتمعُوا حَتَّى أجِيبُوا. قَالَ: فاتوه فشكوا إِلَيْهِ الْمَطَر، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، تهدمت الْبيُوت، فَقَالَ رَسُول الله: اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا. قَالَ: فَجعل السَّحَاب يتقطع يَمِينا وَشمَالًا) . وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة يزِيد الْفَقِير (عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: أَتَت إِلَى النَّبِي ﷺ بواكٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نَافِعًا غير ضار، عَاجلا غير آجل، قَالَ: فأطبقت عَلَيْهِم السَّمَاء) ، انْتهى. قَوْله: (بواك) ، جمع باكية. وَقَالَ الْخطابِيّ: بواكي، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ: مَعْنَاهُ التحامل. قَوْله: (مريعا) ، بِفَتْح
стр. 1905
الْمِيم وَكسر الرَّاء: أَي مخصبا ناجعا من: مرع الْوَادي مراعة، ويروى بِضَم الْمِيم من أمرع الْمَكَان إِذا أخصب، ويروى بِالْبَاء الْمُوَحدَة من: أَربع الْغَيْث إِذا أنبت الرّبيع، ويروى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: ينْبت لله فِيهِ مَا ترتع فِيهِ الْمَوَاشِي. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم (عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَامَ رَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد ضحى. فَكبر ثَلَاث تَكْبِيرَات ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اسقنا، ثَلَاثًا، اللَّهُمَّ ارزقنا سمنا ولبنا وشحما وَلَحْمًا، وَمَا نرى فِي السَّمَاء سحابا، فثارت ريح وغيرة ثمَّ اجْتمع سَحَاب فصبت السَّمَاء، فصاح أهل الْأَسْوَاق وثاروا إِلَى سقائف الْمَسْجِد إِلَى بُيُوتهم. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن جَراد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة يعلى قَالَ: (حَدثنَا عبد الله ابْن جَراد أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا استسقى قَالَ: اللَّهُمَّ غيثا مغيثا مريئا توسع بِهِ لِعِبَادِك تغزر بِهِ الضَّرع وتحيي بِهِ الزَّرْع) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عمر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا استسقى قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادك وبهائمك وانشر رحمتك واحيي بلدك الْمَيِّت) . وَمِنْهَا: حَدِيث عُمَيْر مولى أبي اللَّحْم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة ابْن الْهَاد: عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم (عَن عُمَيْر مولى أبي اللَّحْم أَنه رأى النَّبِي ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْد أَحْجَار الزَّيْت) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَنهُ، قَالَ: (قحط الْمَطَر على عهد رَسُول الله ﷺ فسألنا نَبِي الله ﷺ أَن يَسْتَسْقِي لنا فَاسْتَسْقَى. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي لبَابَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) من رِوَايَة عبد الله بن حَرْمَلَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر قَالَ: (استسقى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَبُو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر: إِن التَّمْر فِي المرابد يَا رَسُول الله، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إسقنا حَتَّى يقوم أَبُو لبَابَة عُريَانا ويسد مثقب مربده بِإِزَارِهِ، وَمَا نرى فِي السَّمَاء سحابا فأمطرت، فَاجْتمعُوا إِلَى أبي لبَابَة فَقَالُوا: إِنَّهَا لن تقلع حَتَّى تقوم عُريَانا وتسد مثقب مربدك بإزارك، فَفعل فأصحت) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو عوَانَة أَنه قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله لقد جئْتُك من عِنْد قوم مَا يتزود لَهُم رَاع وَلَا يخْطر لَهُم فَحل، فَصَعدَ الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اسقنا. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ أَبُو عوَانَة أَيْضا: (أَن رَسُول الله ﷺ نزل وَاديا لَا مَاء فِيهِ، وَسَبقه الْمُشْركُونَ إِلَى المَاء، فَقَالَ بعض الْمُنَافِقين: لَو كَانَ نَبيا لاستسقى لِقَوْمِهِ، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ ، فَبسط يَدَيْهِ وَقَالَ: أللهم جللنا سحابا كثيفا قصيفا دلوتا مخلوفا زبرحاء تمطرنا مِنْهُ رذاذا قطقطا سجلاً بعاقا يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام، فَمَا رد يَدَيْهِ من دُعَائِهِ حَتَّى أظلتنا السَّحَاب الَّتِي وصف) . وَعِنْده أَيْضا: عَن عَامر بن خَارِجَة بن سعد عَن جده (أَن قوما شكوا إِلَى النَّبِي ﷺ قحط الْمَطَر، فَقَالَ: إجثوا على الركب، ثمَّ قُولُوا: يَا رب يَا رب، قَالَ: فَفَعَلُوا فسقوا حَتَّى أَحبُّوا أَن ينْكَشف عَنْهُم) .
وَمِنْهَا: حَدِيث السفا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة خَالِد بن إلْيَاس عَن أبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة عَن الشِّفَاء بنت خلف (أَن النَّبِي ﷺ استسقى يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمَسْجِد وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ: إستغفروا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا، وحول رِدَاءَهُ) . وخَالِد بن إلْيَاس ضَعِيف، وَمن حَدِيث الْوَاقِدِيّ عَن مشايخه قَالَ: (قدم وَفد بني مرّة بن قيس وَرَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد فشكو إِلَيْهِ السّنة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : اللَّهُمَّ اِسْقِهِمْ الْغَيْث. .) الحَدِيث. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَلما قدم وَفد سلامان سنة عشر فشكوا إِلَيْهِ الجدب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ بيدَيْهِ: اللَّهُمَّ إسقهم الْغَيْث فِي دَارهم. .) الحَدِيث. وَفِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) للبيهقي (عَن أبي وجرة: أَتَى وَفد فَزَارَة بعد تَبُوك فشكوا إِلَى رَسُول الله ﷺ السّنة، فَصَعدَ الْمِنْبَر وَرفع يَدَيْهِ وَكَانَ لَا يرفع يَدَيْهِ إلاّ فِي الاسْتِسْقَاء، قَالَ: فوَاللَّه مَا رَأَوْا الشَّمْس سبتا، فَقَامَ الرجل الَّذِي سَأَلَ الاسْتِسْقَاء. فَقَالَ: يَا رَسُول الله هَلَكت الْأَمْوَال وانقطعت السبل. .) الحَدِيث. وَفِي (سنَن سعيد بن مَنْصُور) بِسَنَد جيد إِلَى الشّعبِيّ قَالَ: (خرج عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَسْتَسْقِي فَلم يزدْ على الاسْتِغْفَار، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاك اسْتَسْقَيْت، فَقَالَ: لقد طلبت الْغَيْث بمجاريح السَّمَاء الَّذِي يسْتَنْزل بِهِ الْمَطَر، ثمَّ قَرَأَ: ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (هود: ٣، ٢٥ و ٠٩) . الْآيَة. . وَفِي (مَرَاسِيل أبي دَاوُد) من حَدِيث شريك: (عَن عَطاء بن يسَار أَن رجلا من نجد أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله أجدبنا وهلكنا فَادع الله، فَدَعَا رَسُول الله ﷺ الحَدِيث.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيث والْآثَار كلهَا تشهد لأبي حنيفَة أَن الاسْتِسْقَاء اسْتِغْفَار وَدُعَاء، وَأجِيب عَن الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الصَّلَاة أَنه ﷺ فعلهَا مرّة وَتركهَا أُخْرَى، وَذَا لَا يدل على السّنة، وَإِنَّمَا يدل على الْجَوَاز.
стр. 1906
قَالَ أبُو عَبْدِ الله كانَ ابنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ هُوَ صاحِبُ الأذَانِ ولاكِنَّهُ وَهَمٌ لأنَّ هاذَا عَبْدُ الله بنُ زَيْدِ بنِ عاصِمٍ المَازِنِيُّ الأنْصَارِي
أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (كَانَ ابْن عُيَيْنَة) أَي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول هُوَ أَي: رَاوِي حَدِيث الاسْتِسْقَاء صَاحب الْأَذَان، هَذَا يحْتَمل أَن يكون تَعْلِيقا، وَيحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ سمع ذَلِك من شَيْخه عَليّ بن عبد الله الْمَذْكُور، وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ وهم ابْن عُيَيْنَة فِي قَوْله فِي عبد الله بن زيد الْمَذْكُور فِي الحَدِيث: أَنه صَاحب الْأَذَان، يَعْنِي الَّذِي أرِي النداء، وَهُوَ عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثَعْلَبَة بن زيد بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج، وراوي حَدِيث الاسْتِسْقَاء هُوَ: عبد الله ابْن عَاصِم بن عَمْرو بن عَوْف بن مبذول بن عَمْرو بن غنم بن مَازِن، وَهُوَ معنى قَوْله: لِأَن هَذَا، أَي: رَاوِي حَدِيث الاسْتِسْقَاء عبد الله بن زيد بن عَاصِم، وَلم يذكر البُخَارِيّ مُقَابِله حَيْثُ لم يقل: وَذَاكَ عبد الله بن زيد بن عبد ربه، كَأَنَّهُ اكْتفى بِالَّذِي ذكره، وَقد اتّفق كِلَاهُمَا فِي الِاسْم وَاسم الْأَب وَالنِّسْبَة إِلَى الْأَنْصَار، ثمَّ إِلَى الْخَزْرَج والصحبة وَالرِّوَايَة، وافترقا فِي الْجد والبطن الَّذِي من الْخَزْرَج، لِأَن حفيد عَاصِم بن مَازِن، وحفيد عبد ربه من بلحارث بن الْخَزْرَج. قَوْله: (الْمَازِني الْأنْصَارِيّ) وَفِي بعض النّسخ: عبد الله بن زيد بن عَاصِم مَازِن الْأنْصَارِيّ، وَاحْترز بِهِ عَن مَازِن تَمِيم وَغَيره، والموازن كَثِيرَة: مَازِن فِي قيس غيلَان وَهُوَ مَازِن بن الْمَنْصُور بن الْحَارِث بن حَفْصَة بن قيس غيلَان، وَفِي قيس غيلَان أَيْضا: مَازِن بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن قيس غيلَان، ومازن فِي فَزَارَة وَهُوَ: مَازِن بن فَزَارَة، ومازن فِي ضبة وَهُوَ: مَازِن بن كَعْب بن ربيعَة بن ثَعْلَبَة بن سعد بن ضبة. ومازن فِي مدحج وَهُوَ: مَازِن بن ربيعَة بن زيد بن صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مذْحج، ومازن فِي الْأَنْصَار وَهُوَ: مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، ومازن فِي تَمِيم وَهُوَ: مَازِن بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم، ومازن فِي شَيبَان وَهُوَ: مَازِن بن ذهل بن ثَعْلَبَة بن شَيبَان، ومازن فِي خذيل وَهُوَ: مَازِن بن مُعَاوِيَة بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل، ومازن فِي الأزد وَهُوَ: مَازِن بن الأزد. وَقَالَ الرشاطي: مَازِن فِي الْقَبَائِل كثير، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: المازن بيض النَّمْل، وَوَقع فِي (مُسْند الطَّيَالِسِيّ) وَغَيره مثل مَا قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهُوَ غلط.
(بَابُ انْتِقَامِ الرَّبِّ منْ خَلْقِهِ بالقَحْطِ إذَا انْتُهِكَ مَحَارِمُهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان انتقام الله، ، من عباده بإيقاع الْقَحْط فيهم إِذا انتهك محارم الله، الانتهاك: للْمُبَالَغَة فِي خرق محارم الشَّرْع وإتيانها، وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَحده خَالِيَة من حَدِيث وَأثر، قيل: كَأَنَّهَا كَانَت فِي رقْعَة مُفْردَة أهملها الْبَاقُونَ، وَالظَّاهِر أَنه وَضعهَا ليذكر فِيهَا أَحَادِيث مُطَابقَة لَهَا، فعاقه عَن ذَلِك عائق، وَالله تَعَالَى أعلم.
٦ - (بابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الاسْتِسْقَاء فِي الْمَسْجِد الْجَامِع، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن الْخُرُوج إِلَى الْمصلى لَيْسَ بِشَرْط فِي الاسْتِسْقَاء، لِأَن الْمَقْصُود فِي الْخُرُوج إِلَى الصَّحرَاء تَكْثِير النَّاس، وَذَلِكَ يحصل فِي الْجَوَامِع، وَإِنَّمَا كَانُوا يخرجُون إِلَى الصَّحرَاء لعدم تعدد الْجَوَامِع بِخِلَاف هَذَا الزَّمَان.
٣١٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا أبُو ضَمْرَةَ أنَسُ بنُ عِيَاضٍ قَالَ حدَّثنا شَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله ابنِ أبِي نمِرٍ أنَّهُ سَمِعَ مالِكٍ يَذْكُرُ أنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بابٍ كانَ وِجاهَ المِنْبَرِ وَرسُولُ الله قائِمٌ يَخْطُبُ فاسْتَقْبَلَ رسولَ الله ﷺ قائِما فَقَالَ يَا رسولَ الله هَلَكَتِ المَوَاشِي وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فادْعُ الله يُغِيثُنَا قَالَ فَرَفَعَ رسولُ الله ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا قَالَ أنَسٌ وَلَا وَالله مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ ولَا قَزَعَةٍ ولَا شَيْئا وَمَا بَيْنَنَا
стр. 1907
وبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ ولَا دَارٍ قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلَ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أمْطَرَتْ قَالَ وَالله مَا رأيْنَا الشَّمْسَ سِتّا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذالِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ ورَسُولُ الله ﷺ قائِمٌ يَخْطُبُ فاسْتَقْبَلَهُ قائِما فَقَالَ يَا رسولَ الله هَلَكَتِ الأمْوَالُ وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فادْعُ الله يُمْسِكْهَا قَالَ فرَفَعَ رسولُ الله ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ اللَّهُمَّ حوَالَيْنَا ولَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ والآجَامِ والظِّرَابِ والأوْدِيَةِ ومنَابِتَ الشَّجَرِ. قَالَ فانْقَطَعَتْ وخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَالَ شرِيكٌ فسَألْتُ أنَسا أهُوَ الرَّجُلُ الأوَّلُ قَالَ لَا أدْرِي..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَن رجلا دخل يَوْم الْجُمُعَة من بَاب كَانَ وجاه الْمِنْبَر وَرَسُول الله ﷺ قَائِم يخْطب) ، وَفِي قَوْله: (فَرفع رَسُول الله ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اسقنا) فَفِي الأول: ذكر الْجَامِع، وَفِي الثَّانِي: استسقاء النَّبِي ﷺ فِيهِ وَهُوَ على الْمِنْبَر.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام البُخَارِيّ البيكندي. الثَّانِي: أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء: وَهُوَ أنس بن عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة، مر فِي: بَاب التبرز فِي الْبيُوت. الثَّالِث: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم، مر فِي: بَاب الْقِرَاءَة على الْمُحدث. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَنه مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة. وَفِيه: من هُوَ مَذْكُور بكنيته وباسمه، وَهُوَ من الرباعيات.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِسْقَاء: عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَعَن القعْنبِي وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَعبد الله بن يُوسُف، فرقهم، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِسْقَاء عَن يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر، أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عِيسَى ابْن حَمَّاد عَن اللَّيْث عَن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن عِيسَى بن حَمَّاد وَعَن عَليّ بن حجر بِهِ وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن رجلا) ، لم يدر اسْمه. قيل: روى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث كَعْب بن مرّة مَا يُمكن أَن يُفَسر هَذَا الْمُبْهم بِأَنَّهُ: كَعْب، الْمَذْكُور قلت: حَدِيث كَعْب بن مرّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، فَانْظُر فِيهِ هَل ترى مَا قَالَه مِمَّا يُمكن من حَيْثُ التَّرْكِيب؟ فَإِن أَرَادَ الْإِمْكَان الْعقلِيّ فَلَا دخل لَهُ هَهُنَا، وَقيل: إِنَّه أَبُو سُفْيَان بن حَرْب. قلت: هَذَا غير صَحِيح لِأَن قَوْله فِي الحَدِيث: (فَقَالَ: يَا رَسُول الله) يدل على أَن السَّائِل كَانَ مُسلما، وَأَبُو سُفْيَان إِذْ ذَاك لم يكن مُسلما. قَوْله: (وَجَاء الْمِنْبَر) ، بِكَسْر الْوَاو وَضمّهَا أَي: مواجهه. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) نَاقِلا عَن ابْن التِّين، وجاه الْمِنْبَر يَعْنِي مستدبر الْقبْلَة، ثمَّ قَالَ: إِن كَانَ يُرِيد بالمستدبر الْمِنْبَر، فَصَحِيح، وَلَكِن لَا معنى لذكره، وَإِن كَانَ أَرَادَ الْبَاب فَلَا يتَّجه لباب يواجه الْمِنْبَر أَن يستدبر الْقبْلَة، وَوَقع فِي رِوَايَة اسماعيل بن جَعْفَر: من بَاب كَانَ نَحْو دَار الْقَضَاء، وَهِي دَار عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسميت: دَار الْقَضَاء، لِأَنَّهَا بِيعَتْ فِي قَضَاء دينه فَكَانَ يُقَال لَهَا: دَار قَضَاء دين عمر، ثمَّ لما طَال ذَلِك قيل لَهَا: دَار الْقَضَاء، وَقد صَارَت إِلَى مَرْوَان بعد ذَلِك وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة. وَقَالَ عِيَاض: كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أنْفق من بَيت المَال وَكتبه على نَفسه، وَأوصى ابْنه عبد الله أَن يُبَاع فِيهِ مَاله، فَإِن عجز مَاله اسْتَعَانَ ببني عدي ثمَّ بِقُرَيْش، فَبَاعَ عبد الله هَذِه الدَّار لمعاوية، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقضى دينه، وَكَانَ: ثَمَانِيَة وَعشْرين ألفا، انْتهى. وَفِي قَوْله: ثَمَانِيَة وَعشْرين ألفا، غرابة، وَالَّذِي فِي (الصَّحِيح) وَغَيره من كتب المؤرخين: كَانَ سِتَّة وَثَمَانِينَ ألفا. قَوْله: (وَرَسُول الله ﷺ قَائِم) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَقَوله: (يخْطب) ، جملَة فعلية حَالية أَيْضا، أما حَال مترادفة أَو متداخلة. قَوْله: (هَلَكت الْمَوَاشِي) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي ذَر جَمِيعًا عَن الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيرهم: (هَلَكت الْأَمْوَال) ، وَالْمرَاد بالأموال: الْمَوَاشِي أَيْضا لَا الصَّامِت، وَتقدم فِي كتاب الْجُمُعَة بِلَفْظ: (قَامَ أَعْرَابِي فَقَالَ: يَا رَسُول الله هلك المَال وجاع الْعِيَال) ، قيل: وَقد تقدم فِي كتاب الْجُمُعَة بِلَفْظ: (هلك الكراع) ، وَهُوَ بِضَم الْكَاف: يُطلق على الْخَيل وَغَيرهَا، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد
стр. 1908
الْآتِيَة: (هَلَكت الْمَوَاشِي هلك الْعِيَال هلك النَّاس) ، وَهُوَ من قبيل ذكر الْعَام بعد الْخَاص، وَالْمرَاد بهلاكهم عدم وجود مَا يعيشون بِهِ من الأقوات المفقودة بِحَبْس الْمَطَر. قَوْله: (وانقطعت السبل) ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (وتقطعت) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الطَّاء، فَالْأول من بَاب الانفعال، وَالثَّانِي من بَاب التفعل، وَالْمرَاد من السبل: الطّرق، وَهُوَ بِضَم السِّين وَالْبَاء جمع: سَبِيل، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ فَقيل: ضعفت الْإِبِل لقلَّة الْكلأ أَن يُسَافر بهَا، وَقيل: إِنَّهَا لَا تَجِد فِي سفرها من الْكلأ مَا يبلغهَا، وَقيل: إِن النَّاس أَمْسكُوا مَا عِنْدهم من الطَّعَام وَلم يجلبوه إِلَى الْأَسْوَاق، وَقيل: نفاد مَا عِنْدهم من الطَّعَام أَو قلته فَلَا يَجدونَ مَا يحملونه إِلَى الْأَسْوَاق، وَوَقع فِي رِوَايَة قَتَادَة الْآتِيَة عَن أنس: (قحط الْمَطَر) ، أَي: قل أَو لم ينزل أصلا. وَفِي رِوَايَة ثَابت الْآتِيَة عَن أنس: (واحمرت الشّجر) ، واحمرارها كِنَايَة عَن يبس وَرقهَا لعدم شربهَا المَاء أَو لانتشاره، فَيصير الشّجر أعوادا بِغَيْر ورق، وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة قَتَادَة: (وانحلت الأَرْض) . فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون السَّائِل قَالَ ذَلِك كُله، وَيحْتَمل أَن يكون بعض الروَاة روى شَيْئا مِمَّا قَالَه بِالْمَعْنَى، فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَة. قَوْله: (فَادع الله أَن يغيثنا) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (فَادع الله يغيثنا) ، وَوَجهه أَن كلمة: أَن، مقدرَة قبل، أَي: فَهُوَ يغيثنا، وَفِيه بعد. وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل ابْن جَعْفَر الْآتِيَة للكشميهني: (يغثنا) ، بِالْجَزْمِ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجه لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر.
ثمَّ إعلم أَن لفظ: يغيثنا، بِضَم الْيَاء فِي جَمِيع النّسخ، و: اللَّهُمَّ أغثنا، بِالْألف من بَاب أغاث يغيث إغاثة من مزِيد الثلاثي، وَالْمَشْهُور فِي كتب اللُّغَة أَنه يُقَال فِي الْمَطَر: غاث الله النَّاس وَالْأَرْض يغيثهم، بِفَتْح الْيَاء. قَالَ عِيَاض: قَالَ بَعضهم: هَذَا الْمَذْكُور فِي الحَدِيث من الإغاثة بِمَعْنى المعونة وَلَيْسَ من طلب الْغَيْث، وَإِنَّمَا يُقَال فِي طلب الْغَيْث: أللهم أغثنا. قَالَ أَبُو الفهل: وَيحْتَمل أَن يكون من طلب الْغَيْث، أَي: هَب لنا غيثا أَو ارزقنا غيثا، كَمَا يُقَال: سقَاهُ وأسقاه، أَي: جعل لَهُ سقيا على لُغَة من فرق بَينهمَا. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (أللهم أغثنا) أَي: فرج عَنَّا وأدركنا، فعلى هَذَا يجوز مَا وَقع فِي عَامَّة النّسخ. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي (الْمُنْتَهى) : يُقَال أغاثه الله يغيثه، والغياث مَا أغاثك الله بِهِ إسم من أغاث واستغاثني فأغثته. وَقَالَ الْقَزاز: غاثه يغوثه غوثا وأغاثه يغيثه إغاثة، فأميت: غاث، وَاسْتعْمل: أغات. وَيَقُول الْوَاقِع فِي بلية: أللهم أَغِثْنِي، أَي: فرج عني. وَقَالَ الْفراء: الْغَيْث والغوث متقاربان فِي الْمَعْنى، وَالْأَصْل، وَفِي (كتاب النَّبَات) لأبي حنيفَة: وَقد غيثت الأَرْض فَهِيَ مغيثة ومغيوثة. وَقَالَ أَبُو الْحسن اللحياني: أَرض مغيثة ومغيوثة أَي مسقية ومغيرة ومغيورة، والإسم الْغيرَة والغيث. وَقَالَ الْفراء: الْغَيْث يغورنا ويغيرنا، وَقد غارنا الله بِخَير: أغاثنا.
قَوْله: (فَرفع يَدَيْهِ) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن شريك: (فَرفع يَدَيْهِ حذاء وَجهه) ، وَتقدم فِي الْجُمُعَة بِلَفْظ: (فَمد يَدَيْهِ ودعا) ، وَزَاد فِي رِوَايَة قَتَادَة فِي الْأَدَب: (فَنظر إِلَى السَّمَاء) . قَوْله: (فَقَالَ: أللهم اسقنا ثَلَاث مَرَّات) ، وَوَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة: (اللَّهُمَّ اسقنا ثَلَاث مَرَّات) ، وَوَقع فِي رِوَايَة ثَابت الْآتِيَة عَن أنس: (أللهم إسقنا مرَّتَيْنِ) . قَوْله: (فَلَا وَالله) ، بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا وَالله) بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة ثَابت الْآتِيَة: (وأيم الله) ، وَالتَّقْدِير: فَلَا نرى وَالله، فَحذف الْفِعْل مِنْهُ لدلَالَة الْمَذْكُور عَلَيْهِ. قَوْله: (من سَحَاب) أَي: من سَحَاب مُجْتَمع وَلَا قزعة أَي من سَحَاب متفرق، وَهُوَ بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : القزعة، مِثَال شَجَرَة قِطْعَة من السَّحَاب رقيقَة كَأَنَّهَا ظلّ إِذا مرت من تَحت السَّحَاب الْكثير. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: القزع: السَّحَاب المتفرق. وَقَالَ يَعْقُوب عَن الْبَاهِلِيّ: يُقَال: مَا على السَّحَاب قزعة أَي: شَيْء من غيم، ذكره فِي (الموعب) وَفِي (تَهْذِيب الْأَزْهَرِي) : كل شَيْء متفرق فَهُوَ قزع. وَفِي (الْمُحكم) : أَكثر مَا يكون ذَلِك فِي الخريف. قَوْله: (وَلَا شَيْئا) بِالنّصب تَقْدِيره أَي: وَلَا نرى شَيْئا من الكدورة الَّتِي تكون مَظَنَّة للمطر. قَوْله: (وَبَين سلع) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام، وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ جبل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ، وَوَقع عِنْد ابْن سهل، بِفَتْح اللَّام وسكونها: وَقيل: بغين مُعْجمَة، وَكله خطأ. وَفِي (الْمُحكم) و (الْجَامِع) : سلع مَوضِع، وَقيل: جبل. وَقَالَ الْبكْرِيّ: هُوَ جبل مُتَّصِل بِالْمَدِينَةِ، وَزعم الْهَرَوِيّ أَن سلعا معرفَة لَا يجوز إِدْخَال اللَّام عَلَيْهِ. قلت: وَفِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) للبيهقي، وَكتاب أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ، وَأبي سعيد الْوَاعِظ و (الإكليل) للْحَاكِم: (فطلعت سَحَابَة من وَرَاء السّلع) . قَوْله: (من بَيت وَلَا دَار) أَي: تحجبنا عَن رُؤْيَته، وَأَرَادَ بذلك أَن السَّحَاب كَانَ مفقودا لَا مستترا بِبَيْت وَلَا غَيره، وَوَقع فِي رِوَايَة ثَابت فِي (عَلَامَات النُّبُوَّة) : (وَإِن السَّمَاء لفي مثل الزجاجة أَي لشدَّة صفائها وَذَلِكَ أَيْضا مشْعر بقدم السَّحَاب أصلا قَوْله (فطلعت) أَي: ظَهرت من وَرَائه أَي من وَرَاء سلع. قَوْله: (مثل
стр. 1909
الترس) ، أَي: مستديرة، والتشبيه فِي الاستدارة لَا فِي الْقدر يدل عَلَيْهِ مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي عوَانَة: (فَنَشَأَتْ سَحَابَة مثل رجل الطَّائِر وَأَنا أنظر إِلَيْهَا) . فَهَذَا يشْعر بِأَنَّهَا كَانَت صَغِيرَة، وَفِي رِوَايَة ثَابت: (فهاجت ريح أنشأت سحابا ثمَّ اجْتمع) ، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة فِي الْأَدَب: (فَنَشَأَ السَّحَاب بعضه إِلَى بعض) ، وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق الْآتِيَة: (حَتَّى ثار السَّحَاب أَمْثَال الْجبَال) أَي: لكثرته وَفِيه: (ثمَّ ينزل عَن منبره حَتَّى رَأينَا الْمَطَر يتحادر على لحيته) ، وَهَذَا يدل على أَن السّقف وكف لكَونه كَانَ من جريد النّخل. قَوْله: (فَلَمَّا توسطت السَّمَاء) أَي: بلغت إِلَى وسط السَّمَاء وَهِي على هَيْئَة مستديرة ثمَّ انتشرت. قَوْله: (ثمَّ أمْطرت) ، قد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الاسْتِسْقَاء فِي الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (مَا رَأينَا الشَّمْس سبتا) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَرَادَ بِهِ الْيَوْم الَّذِي بعد الْجُمُعَة، وَلَكِن المُرَاد بِهِ الْأُسْبُوع، وَهُوَ من تَسْمِيَة الشَّيْء باسم بعضه، كَمَا يُقَال: جُمُعَة، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. فَإِن قلت: كَيفَ عبر أنس بالسبت؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ من الْأَنْصَار، وَكَانُوا قد جاوروا الْيَهُود فَأخذُوا بِكَثِير من اصطلاحهم، وَإِنَّمَا سموا الْأُسْبُوع سبتا لِأَنَّهُ أعظم الْأَيَّام عِنْدهم، كَمَا أَن الْجُمُعَة أعظم الْأَيَّام عِنْد الْمُسلمين، وَوَقع فِي رِوَايَة الدَّاودِيّ: سِتا، بِكَسْر السِّين وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأَرَادَ بِهِ: سِتَّة أَيَّام، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ تَصْحِيف، ورد عَلَيْهِ بِأَن الدَّاودِيّ لم ينْفَرد بِهِ، فقد وَقع فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي كَذَا، يَعْنِي: سِتا، وَكَذَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَن الدَّرَاورْدِي عَن شريك، وَوَافَقَهُ أَحْمد من رِوَايَة ثَابت عَن أنس. فَإِن قلت: وَجه التَّصْحِيف أَنه مستبعد لرِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الْآتِيَة: سبعا. قلت: لَا استبعاد فِي ذَلِك، لِأَن من روى سبعا أضَاف إِلَى السبت يَوْمًا مُلَفقًا من الجمعتين، وَوَقع فِي رِوَايَة إِسْحَاق الْآتِيَة: (فمطرنا يَوْمنَا ذَلِك وَمن الْغَد وَمن بعد الْغَد وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَة الْأُخْرَى) ، وَوَقع فِي رِوَايَة مَالك عَن شريك: (فمطرنا من جُمُعَة إِلَى جُمُعَة) ، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة الْآتِيَة: (فمطرنا فَمَا كدنا نصل إِلَى مَنَازلنَا) ، أَي: من كَثْرَة الْمَطَر، وَقد تقدم فِي كتاب الْجُمُعَة من وَجه آخر: (فخرجنا نَخُوض المَاء حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازلنَا) ، وَلمُسلم فِي رِوَايَة ثَابت: (فأمطرنا حَتَّى رَأَيْت الرجل تهمه نَفسه أَن يَأْتِي أَهله) ، وَلابْن خُزَيْمَة فِي رِوَايَة حميد: (حَتَّى أهم الشَّبَاب الْقَرِيب الدَّار الرُّجُوع إِلَى أَهله) ، وللبخاري فِي (الْأَدَب) من طَرِيق قَتَادَة: (حَتَّى سَالَتْ مثاعب الْمَدِينَة) ، المثاعب: جمع مثعب، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: مسيل المَاء. قَوْله: (ثمَّ دخل رجل من ذَلِك الْبَاب) الظَّاهِر: أَن هَذَا غير ذَاك الرجل الأول، لِأَن النكرَة إِذا أُعِيدَت نكرَة تكون غَيره، وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق عَن أنس: (فَقَامَ ذَلِك الرجل أَو غَيره) ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون هَذَا هُوَ الرجل الأول، وَلكنه شكّ فِيهِ بقوله: (أَو غَيره) ، أَي: أَو غير ذَلِك الرجل، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: (فَأتى الرجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله) ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن هَذَا هُوَ الأول، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق حَفْص عَن أنس بِلَفْظ: (فَمَا زلنا نمطر حَتَّى جَاءَ ذَلِك الْأَعرَابِي فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى) ، وَهَذَا أَيْضا كَذَلِك. قَوْله: (وَرَسُول الله قَائِم) ، جملَة إسمية حَالية، قَوْله: (فَاسْتَقْبلهُ قَائِما) انتصاب: قَائِما، على أَنه حَال من الضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِي: اسْتقْبل، لَا من الضَّمِير الْمَنْصُوب. قَوْله: (هَلَكت الْأَمْوَال وانقطعت السبل) ، يَعْنِي: بِسَبَب كَثْرَة المياة، لِأَنَّهُ انْقَطع المرعى فَهَلَكت الْمَوَاشِي من عدم الرَّعْي، أَو لعدم مَا يكنها من الْمَطَر، وَيدل على ذَلِك قَوْله فِي رِوَايَة سعيد عَن شريك أخرجهَا النَّسَائِيّ: (من كَثْرَة المَاء) ، وَفِي رِوَايَة حميد عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (وَاحْتبسَ الركْبَان) ، وَفِي رِوَايَة مَالك عَن شريك: (تهدمت الْبيُوت) ، وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق الْآتِيَة: (هدم الْبناء وغرق المَال) . قَوْله: (فَادع الله أَن يمْسِكهَا) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني. وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَادع الله يمْسِكهَا) ، بِدُونِ كلمة: إِن، وَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجزم إِمَّا الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَأما النصب فبكلمة: إِن، الْمقدرَة، وَأما الْجَزْم فعلى أَنه جَوَاب الْأَمر، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الأمطار الَّتِي يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (ثمَّ أمْطرت) ، أَو إِلَى السحابة، وَوَقع فِي رِوَايَة سعيد عَن شريك: (أَن يمسك عَنَّا المَاء) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من طَرِيق ثَابت: (أَن يرفعها عَنَّا) ، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة فِي الْأَدَب: (فَادع رَبك أَن يحبسها عَنَّا، فَضَحِك) . وَفِي رِوَايَة ثَابت: (فَتَبَسَّمَ) ، وَزَاد حميد: (لسرعة ملال ابْن آدم) . قَوْله: (حوالينا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حولنا) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، والحول والحوال بِمَعْنى الْجَانِب، وَالَّذِي فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: تَثْنِيَة، حوال، وَهُوَ ظرف يتَعَلَّق بِمَحْذُوف، تَقْدِيره: اللَّهُمَّ أنزل أَو أمطر حوالينا وَلَا تنزل علينا. فَإِن قلت: إِذا أمْطرت حول الْمَدِينَة فالطريق تكون ممتنعة، وَإِذن لم يزل شكواهم؟ قلت: أَرَادَ بقوله: (حوالينا) : الآكام والظراب، وشبههما كَمَا فِي الحَدِيث، فَتبقى الطَّرِيق على هَذَا مسلوكة، كَمَا سَأَلُوا. وَأَيْضًا أخرج الطّرق بقوله:
стр. 1910
(وَلَا علينا) وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي إِدْخَال: الْوَاو، هَهُنَا معنى لطيف، وَذَلِكَ أَنه لَو أسقطها لَكَانَ مستسقيا للأكام وَمَا مَعهَا فَقَط، وَدخُول: الْوَاو، يَقْتَضِي أَن طلب الْمَطَر على الْمَذْكُورَات لَيْسَ مَقْصُودا لعَينه، وَلَكِن ليَكُون وقاية من أَذَى الْمَطَر، فَلَيْسَتْ: الْوَاو، مخلصة للْعَطْف، وَلكنهَا: للتَّعْلِيل. وَهُوَ كَقَوْلِهِم: تجوع الْحرَّة وَلَا تَأْكُل بثدييها، فَإِن الْجُوع لَيْسَ مَقْصُودا لعَينه، وَلَكِن لكَونه مَانِعا من الرَّضَاع بِأُجْرَة، إِذْ كَانُوا يكْرهُونَ ذَلِك. قَوْله: (على الأكام) ، فِيهِ بَيَان للمراد بقوله: (حوالينا) ، رُوِيَ: (الإكام) ، بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا، ممدودة وَهُوَ جمع: أكمة بِفَتَحَات، قَالَ ابْن البرقي: هُوَ التُّرَاب الْمُجْتَمع. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أكبر من الكدية. وَقَالَ الْقَزاز: هِيَ الَّتِي من حجر وَاحِد. وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ الهضبة الضخمة. وَقيل: الْجَبَل الصَّغِير. وَقيل: مَا ارْتَفع من الأَرْض. قَوْله: (والظراب) بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: جمع ظرب، بِسُكُون الرَّاء. قَالَه الْقَزاز، وَقَالَ: هُوَ جبل منبسط على الأَرْض، وَقيل بِكَسْر الرَّاء، وَيُقَال: ظراب وظرب، كَمَا يُقَال: كتاب وَكتب. وَيُقَال: ظرب، بتسكين الرَّاء. قَالُوا: أصل الظراب مَا كَانَ من الْحِجَارَة أَصله ثَابت فِي جبل أَو أَرض حزنة، وَكَانَ أَصله الثَّانِي محدودا، وَإِذا كَانَت خلقَة الْجَبَل كَذَلِك سمي ظربا. وَفِي (الْمُحكم) : الظرب كل مَا كَانَ نتأً من الْحِجَارَة وحدٌ طرفه. وَقيل: هُوَ الْجَبَل الصَّغِير. وَفِي (الْمُنْتَهى) للبرمكي: الظراب: الروابي الصغار دون الْجَبَل، وَفِي (الغريبين) : الأظراب جمع ظرب. قَوْله: (والأودية) جمع وادٍ وَفِي رِوَايَة مَالك: (بطُون الأودية) ، وَالْمرَاد بهَا مَا يتَحَصَّل فِيهِ المَاء لينْتَفع بِهِ، قَالُوا: وَلم يسمع أفعلة جمع فَاعل إلاّ أَوديَة جمع وَاد، وَزَاد مَالك فِي رِوَايَته: (ورؤوس الْجبَال) . قَوْله: (ومنابت الشّجر) أَرَادَ بِالشَّجَرِ: المرعى ومنابته الَّتِي تنْبت الزَّرْع والكلأ. قَوْله: (فَانْقَطَعت) أَي: السَّمَاء، ويروى: (فأقلعت) ، ويروى: (فانقلعت) ، وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد، وَفِي رِوَايَة مَالك: (فانجابت عَن الْمَدِينَة انجياب الثَّوْب) ، أَي: خرجت عَنْهَا كَمَا يخرج الثَّوْب عَن لابسه، وَفِي رِوَايَة سعيد عَن شريك: (فَمَا هُوَ إِلَّا أَن تكلم رَسُول الله ﷺ بذلك تمزق السَّحَاب حَتَّى مَا نرى مِنْهُ شَيْئا) ، وَالْمرَاد بقوله: (مَا نرى شَيْئا) ، أَي: فِي الْمَدِينَة، وَلمُسلم من رِوَايَة حَفْص: (فَلَقَد رَأَيْت السَّحَاب يتمزق كَأَنَّهُ الملا حِين يطوى) ، والملا، بِضَم مَقْصُور وَقد يمد جمع: ملاءة، وَهُوَ ثوب مَعْرُوف. وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عِنْد البُخَارِيّ: (فَلَقَد رَأَيْت السَّحَاب يتقطع يَمِينا وَشمَالًا يمطرون) أَي: أهل النواحي وَلَا يمطرون أهل الْمَدِينَة، وَله فِي الْأَدَب: (فَجعل الله السَّحَاب يتصدع عَن الْمَدِينَة) ، وَزَاد فِيهِ: (يُرِيهم الله كَرَامَة نبيه وَإجَابَة دَعوته) . وَله فِي رِوَايَة ثَابت عَن أنس: (فتكشطت) ، أَي: تكشفت، (فَجعلت تمطر حول الْمَدِينَة وَلَا تمطر بِالْمَدِينَةِ قَطْرَة، فَنَظَرت إِلَى الْمَدِينَة وَإِنَّهَا لفي مثل الإكليل) . وَفِي مُسْند أَحْمد من هَذَا الْوَجْه: (فتقور مَا فَوق رؤوسنا من السَّحَاب حَتَّى كأنا فِي إكليل) ، وَهُوَ بِكَسْر الْهمزَة: التَّاج، وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق عَن أنس: (فَمَا يُشِير بِيَدِهِ إِلَى نَاحيَة من السَّمَاء إِلَّا تفرجت حَتَّى صَارَت الْمَدِينَة فِي مثل الجوبة) ، والجوبة، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: هِيَ الحفرة المستديرة الواسعة، وَالْمرَاد بهَا هَهُنَا الفرجة فِي السَّحَاب، وَقَالَ الْخطابِيّ: الجوبة هُنَا الترس، وَضبط بَعضهم: الجونة بالنُّون ثمَّ فسره: بالشمس إِذا ظَهرت فِي خلل السَّحَاب. وَقَالَ عِيَاض: فقد صحف من قَالَ بالنُّون. وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق من الزِّيَادَة أَيْضا: (وسال الْوَادي وَادي قناة شهرا) ، وَقد فسرنا هَذَا فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الاسْتِسْقَاء فِي الْخطْبَة فِي الْجُمُعَة، وَأكْثر مَا ذكرنَا هُنَا ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ، وَإِن كَانَ مكررا لزِيَادَة الْإِيضَاح ولسرعة وقُوف الطَّالِب للمعاني. قَوْله: (فَسَأَلت أنسا أهوَ الرجل الأول؟ قَالَ: لَا أَدْرِي) وَفِي مَوضِع آخر: (فَأتى الرجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله) ، وَفِي لفظ: (جَاءَ رجل فَقَالَ: ادْع الله يغثنا، ثمَّ جَاءَ فَقَالَ:) وَفِي لفظ فِي الأول: (قَامَ أَعْرَابِي) ، ثمَّ قَالَ فِي آخِره: (فَقَامَ ذَلِك الْأَعرَابِي) ، قَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ أنسا تذكر بعد أَو نسي بعد ذكره إِن كَانَ هَذَا الحَدِيث قبل قَوْله: (لَا أَدْرِي أهوَ الأول أم لَا؟) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز مكالمة الإِمَام فِي الْخطْبَة للْحَاجة. وَفِيه: الْقيام للخطبة، وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِع بالْكلَام وَلَا تقطع بالمطر وَفِيه: قيام الْوَاحِد بِأَمْر الْجَمَاعَة. وَفِيه: سُؤال الدُّعَاء من أهل الْخَيْر وَمن يُرْجَى مِنْهُ الْقبُول وإجابتهم لذَلِك. وَفِيه: تكْرَار الدُّعَاء ثَلَاثًا. وَفِيه: إِدْخَال دُعَاء الاسْتِسْقَاء فِي خطْبَة الْجُمُعَة وَالدُّعَاء على الْمِنْبَر. وَفِيه: لَا تَحْويل وَلَا اسْتِقْبَال. وَفِيه: الاجتزاء بِصَلَاة الْجُمُعَة عَن صَلَاة الاسْتِسْقَاء. وَفِيه: امْتِثَال الصَّحَابَة بِمُجَرَّد الْإِشَارَة. وَفِيه: الْأَدَب فِي الدُّعَاء حَيْثُ لم يدع بِرَفْع الْمَطَر مُطلقًا لاحْتِمَال الِاحْتِيَاج إِلَى استمراره، فاحترز فِيهِ مَا يَقْتَضِي رفع الضَّرَر وإبقاء النَّفْع. وَفِيه: أَن الدُّعَاء بِدفع الضَّرَر لَا يُنَافِي
стр. 1911
التَّوَكُّل. وَفِيه: الْيَمين لتأكيد الْكَلَام. وَفِيه: أَن الدُّعَاء بِرَفْع الضَّرَر لَا يُنَافِي التَّوَكُّل، وَإِن كَانَ مقَام الْأَفْضَل التَّفْوِيض. وَقَالَ ابْن بطال اسْتدلَّ على الِاكْتِفَاء بِدُعَاء الإِمَام فِي الاسْتِسْقَاء قيل: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: (وَرفع النَّاس أَيْديهم مَعَ رَسُول الله ﷺ يدعونَ) . وَفِيه: حجَّة وَاضِحَة لأبي حنيفَة أَن الاسْتِسْقَاء دُعَاء واستغفار وَلَا صَلَاة فِيهِ، قيل: مُجَرّد الدُّعَاء لَا يُنَافِي مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة فِيهِ. قلت: أَبُو حنيفَة لم يقل: إِن الصَّلَاة فِيهِ غير مَشْرُوعَة، بل يَقُول: إِنَّهَا لَيست بِسنة، وَمَا ورد فِي أَحَادِيث الصَّلَاة فلبيان الْجَوَاز، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
٧ - (بابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ غيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الاسْتِسْقَاء فِي خطْبَة الْجُمُعَة حَال كَون الْخَطِيب غير مُسْتَقْبل الْقبْلَة.
٤١٠١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شَرِيكٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ رجُلاً دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ منْ بابٍ كانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ ورَسُولُ الله ﷺ قائِمٌ يَخْطُبُ فاسْتَقْبَلَ رسولَ الله ﷺ قائِما ثُمَّ قَالَ يَا رسولَ الله هَلَكَتِ الأمْوَالُ وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فادْعُ الله يُغِيثُنَا فَرَفَعَ رسولُ الله ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ اللَّهُمَّ أغِثْنَا اللَّهُمَّ أغِثْنَا أللَّهُمَّ أغِثْنَا قَالَ أنَسٌ وَلَا وَالله مَا نَرَي فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ ولَا قَزَعَةٍ وَمَا بَيْنَنَا وبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ ولَا دَار قَالَ فَطلعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلَ الترْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أمْطَرَتْ فَلَا وَالله مَا رَأيْنَا الشَّمْسَ سِتَّا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذالِكَ البابِ فِي الجُمُعَةِ ورَسولُ الله ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فاسْتَقْبَلَهُ قائِما فَقَالَ يَا رسولَ الله هَلَكَتِ الأمْوَالُ وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فادْعُ الله يُمْسِكْهَا عَنَّا فَرَفَعَ رسولُ الله ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وبُطُونِ الأوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فأقْلَعَتْ وخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَالَ شَرِيكٌ سألْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ أهُوَ الرَّجُلُ الأوَّلُ فقالَ مَا أدْرِي..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأعَاد حَدِيث أنس الْمَذْكُور لأجل هَذِه التَّرْجَمَة ولبيان اخْتِلَاف سَنَده فَإِنَّهُ روى أَولا: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي ضَمرَة عَن شريك بن عبد الله، وَهَذَا رَوَاهُ: عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أبي إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمدنِي عَن شريك الْمَذْكُور عَن أنس، وَهُوَ أَيْضا من الرباعيات. قَوْله: (يَوْم الْجُمُعَة) بِالْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بالتنكير. قَوْله: (قَائِما) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (اسْتقْبل) . قَوْله: (يغيثنا) ، بِضَم الْيَاء وَقد مر بَيَانه. قَوْله: (فأقلعت) ، بِفَتْح الْهمزَة من الإقلاع، والإقلاع عَن الْأَمر: الْكَفّ عَنهُ والإمساك، يُقَال: فلَان أقلع عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَوجه تأنيثها بِاعْتِبَار السحابة.
٨ - (بابُ الاسْتِسْقَاءِ عَلَى المِنْبَرِ)
أَي: هَذَا بَاب حكم الاسْتِسْقَاء على الْمِنْبَر.
٥١٠١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو عُوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عنْ أنَس قَالَ بيْنَمَا رسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذْ جَاءَ رجُلٌ فَقَالَ يَا رسولَ الله قَحَطَ المَطَرُ فادْعُ الله أنْ يَسْقِيَنَا فدَعَا فَمُطِرْنَا فَمَا كِدْنَا أنْ نَصِلَ إلَى مَنَازِلِنَا فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ قَالَ فقَامَ ذالِكَ الرَّجُلُ أوْ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا فَقَالَ رسولُ الله ﷺ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. قَالَ
стр. 1912
فَلَقَدْ رَأيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينا وشِمَالاً لَا يُمْطَرُونَ ولَا يُمْطَرُ أهْلُ المَدِينَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَعَادَهُ لأجل هَذِه التَّرْجَمَة وللمغايرة فِيمَن أخرجه، لِأَنَّهُ رَوَاهُ هُنَا: عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي عَن قَتَادَة عَن أنس. قَوْله: (بَيْنَمَا) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة إِذْ أَصله: بَين زيدت فِيهِ الْألف وَالْمِيم، ويضاف إِلَى الْجُمْلَة. وَقَوله: (إِذا جَاءَ) ، جَوَابه. قَوْله: (قحط) بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا. قَوْله: (فمطرنا) بِضَم الْمِيم وَكسر الطَّاء. قَوْله: (فَمَا كدنا أَن نصل) كلمة: أَن نصل، خبر: لكاد مَعَ أَن، لِأَن بَينه وَبَين عَسى مُعَاوضَة فِي دُخُول أَن وَعدمهَا، وَأَرَادَ بِهِ أَنه كثر الْمَطَر بِحَيْثُ تعذر الْوُصُول إِلَى مَنَازلنَا. قَوْله: (نمطر) بِضَم النُّون وَسُكُون الْمِيم وَفتح الطَّاء. قَوْله: (يتقطع) من بَاب التفعل. قَوْله: (يمطرون) أَي: أهل الْيَمين وَأهل الشمَال، ومحلها من الْإِعْرَاب الرّفْع لِأَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم يمطرون، وَيجوز أَن يكون حَالا، أَي: السَّحَاب يتقطع حَال كَون أهل الْيَمين وَالشمَال يمطرون.
٩ - (بابُ منِ اكْتَفَى بِصَلاةِ الجُمُعَةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من اكْتفى بِصَلَاة الْجُمُعَة فِي حَال الاسْتِسْقَاء.
٦١٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَن مالِكٍ عنْ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أنَسٍ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ هَلَكَتِ المَوَاشِي وتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فَدَعَا فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إلَى الجُمُعَةِ ثُمَّ جاءَ فقالَ تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وتقطَّعَتِ السُّبُلُ وهَلَكَتِ المَوَاشِي فادْعُ الله يُمْسِكْهَا فقامَ ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ والظِّرَابِ وَالأوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجرِ فانْجَابَتِ عنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ..
أعَاد هَذَا الحَدِيث أَيْضا لما ذكرنَا من الْوَجْهَيْنِ. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِأَن السَّائِل الْمَذْكُور عَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا سَأَلَهُ وَهُوَ على الْمِنْبَر يخْطب يَوْم الْجُمُعَة؟ قلت: هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا فِي الأَصْل وَاحِد، ويفسر بَعْضهَا بَعْضًا. قَوْله: (فَدَعَا فمطرنا) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فَادع الله) بدل (فَدَعَا) ، أَي: قَالَ الرجل: ادْع الله فَدَعَا الرَّسُول ﷺ . قَوْله: (هَلَكت الْمَوَاشِي) أَي: من قلَّة المَاء والنبات (وتقطعت السبل) أَيْضا من قلتهما أَيْضا. وَأما الْهَلَاك والتقطع ثَانِيًا فَمن كَثْرَة المَاء. قَوْله: (فانجابت) ، بِالْجِيم وبالباء الْمُوَحدَة أَي: انكشفت، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
وَفِيه: مَا يدل على أَن الرجل الثَّانِي فِيهِ هُوَ الرجل الأول، لِأَن الضَّمِير فِي قَوْله: (ثمَّ جَاءَ) ، يرجع إِلَى قَوْله: (جَاءَ رجل) ، فَافْهَم، وَالله أعلم.
٠١ - (بابُ الدُّعَاءِ إذَا تقَطَّعَتِ السُّبُلُ مِنْ كَثْرَةِ المَطَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء إِذا انْقَطَعت السبل لأجل كَثْرَة الْمَطَر، وَفِي بعض النّسخ: إِذا انْقَطَعت.
٧١٠١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالَكٌ عنْ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي نَمِرٍ عنْ أنَس بنِ مالِكٍ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى رسُولِ الله ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله هَلَكَتِ المَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فادْعُ الله فدَعَا رسولُ الله ﷺ فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إلَى جُمُعَةٍ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وَهَلَكَتِ المَوَاشي فَقَالَ رسولُ الله ﷺ اللَّهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ وَالآكَامِ وبُطُونِ الأوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ فانْجَابَتْ عنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ..
أعَاد هَذَا الحَدِيث أَيْضا لما ذكرنَا، وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس. وَفِيه: مَا يدل على أَن الرجل الثَّانِي غير الرجل الأول، وَهَذَا ظَاهر. قَوْله: (انجياب الثَّوْب) أَي: كانجياب الثَّوْب.
стр. 1913
١١ - (بابُ مَا قِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل: إِن النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره. فَإِن قلت: خبر التَّحْوِيل صَحِيح، فَكيف قَالَ بقوله: بَاب مَا قيل؟ قلت: لِأَن قَوْله فِي الحَدِيث: (وَلم يذكر أَنه حول رِدَاءَهُ) يحْتَمل أَن يكون الْقَائِل بِهِ هُوَ الرَّاوِي عَن أنس، أَو يكون من دونه، فلأجل هَذَا التَّرَدُّد ذكر بِهَذِهِ الصِّيغَة.
٨١٠١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ بِشْرٍ قَالَ حدَّثنا مُعَافَى بنُ عِمْرَانَ عنِ الأوزَاعِيِّ عنْ إسْحَاقَ ابنِ عَبْدِ الله عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ رَجُلاً شكا إلَى النبيِّ ﷺ هَلَاكَ المَالِ وجَهْدِ العِيَالِ فدَعَا الله يَسْتَسْقِي ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ولَا اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلم يذكر أَنه حول رِدَاءَهُ) . فَإِن قلت: كَيفَ الْمُطَابقَة وَلَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر يَوْم الْجُمُعَة؟ قلت: هَذَا الحَدِيث بِرِوَايَة إِسْحَاق عَن أنس مُخْتَصر من حَدِيث مطول يَأْتِي ذكره بعد أَبْوَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَفِيه ذكر يَوْم الْجُمُعَة على مَا تقف عَلَيْهِ، وَشَيخ البُخَارِيّ: الْحسن بن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو عَليّ البَجلِيّ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم المفتوحتين: الْكُوفِي، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، والمعافى، بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء: وَهُوَ اسْم مفعول من المعافاة، ابْن عمرَان أَبُو مَسْعُود الْموصِلِي، قَالَ الثَّوْريّ: هُوَ ياقوتة الْعلمَاء، مَاتَ سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَالْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَإِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، يكنى أَبَا يحيى.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِي الاسْتِسْقَاء أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن دَاوُد بن رشيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مَحْمُود بن خَالِد.
قَوْله: (هَلَاك المَال) أَي: من قلَّة المَاء. قَوْله: (وَجهد الْعِيَال) ، أَي: من الْقَحْط، والجهد، بِفَتْح الْجِيم وَضمّهَا: الطَّاقَة، لَكِن الرِّوَايَة بِالْفَتْح، وَقَالَ الْفراء، بِالضَّمِّ: الطَّاقَة، وبالفتح: الْمَشَقَّة. قَوْله: (وَلم يذكر) أَي: الرَّاوِي عَن أنس، أَو من دونه، كَمَا قُلْنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلم يذكر أَي أنس وَفِيه شَيْئَانِ: أَحدهمَا: عدم التَّحْوِيل، وَالْآخر: عدم اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: عدم التَّحْوِيل والاستقبال مُتَّفق عَلَيْهِمَا إِذا كَانَ الاسْتِسْقَاء فِي غير الصَّحرَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف فِيهَا؟ قلت: عدم التَّحْوِيل كَيفَ يكون مُتَّفقا عَلَيْهِ وَفِيه خلاف أبي حنيفَة، فَإِنَّهُ يحْتَج بِهَذَا الحَدِيث على عدم سنية التَّحْوِيل مُطلقًا، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢١ - (بابُ إذَا اسْتَشْفَعُوا إلَى الإمَامِ لِيَسْتَسْقِي لَهُمْ ولَمْ يَرُدُّهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا استشفعوا ... إِلَى آخِره، أَي: إِذا استشفع النَّاس أَو الْقَوْم إِلَى الإِمَام يَسْتَسْقِي لأجلهم، وَقَوله: يَسْتَسْقِي يجوز أَن يكون من الْأَحْوَال المنتظرة، وَفِي بعض النّسخ: ليستسقي، بلام التَّعْلِيل، وَالْوَاو فِي (وَلم يردهم) للْعَطْف، وَيصْلح أَن يكون للْحَال. فَإِن قلت: قد ذكر فِي بَاب سُؤال النَّاس الإِمَام الاسْتِسْقَاء إِذا قحطوا، فَمَا فَائِدَة هَذَا الْبَاب؟ قلت: ذَلِك لبَيَان مَا على النَّاس أَن يَفْعَلُوا إِذا احتاجوا إِلَى الاسْتِسْقَاء، وَهَذَا الْبَاب لبَيَان مَا على الإِمَام من إِجَابَة سُؤَالهمْ.
٩١٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنا مالِكٌ عنْ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي نَمِرٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى رسُولِ الله ﷺ فقَالَ يَا رسولَ الله هَلَكَتِ المَوَاشِي وتَقَطَّعَتِ السّبُلُ فادْعُ الله فَدَعَا الله فمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إلَى الجُمُعَةِ فَجَاءَ رَجلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فقالَ يَا رَسُول الله تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وتَقَطَّعَتِ السّبُلُ وهَلَكَتِ المَواشِي فَقَالَ رسولُ الله ﷺ اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الجِبَالِ والآكَامِ وبُطُونِ الأوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ فانْجَابَتْ عنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ..
أعَاد حَدِيث شريك أَيْضا لأجل هَذِه التَّرْجَمَة، ولبيان مُغَايرَة شَيْخه وَشَيخ شَيْخه. قَوْله: (اللَّهُمَّ على ظُهُور الْجبَال) أَي:
стр. 1914
يَا ألله أنزل الْمَطَر على ظُهُور الْجبَال. قَوْله: (منابت الشّجر) المنابت جمع منبت على وزن مفعل بِكَسْر الْعين، قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ يُمكن وُقُوع الْمَطَر عَلَيْهَا؟ ثمَّ أجَاب: بِأَن المُرَاد مَا حولهَا أَو مَا يصلح أَن يكون منبتا.
وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: دَلِيل على أَن للْإِمَام إِذا سُئِلَ الْخُرُوج إِلَى الاسْتِسْقَاء أَن يُجيب إِلَيْهِ لما فِيهِ من الضراعة إِلَى الله تَعَالَى، فِي إصْلَاح أَحول عباده، وَكَذَا فِي كل مَا فِيهِ صَلَاح الرّعية أَن يُجِيبهُمْ إِلَى ذَلِك، لِأَن الإِمَام رَاع ومسؤول عَن رَعيته فَيلْزمهُ حياطتهم.
٣١ - (بابٌ إذَا اسْتَشْفَعَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ عِنْدَ القَحْطِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا استشفع ... إِلَى آخِره، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، اكْتِفَاء بِمَا وَقع فِي الحَدِيث، لِأَن فِيهِ أَن أَبَا سُفْيَان استشفع بِالنَّبِيِّ، ﷺ ، وَسَأَلَهُ أَن يَدْعُو الله ليرْفَع عَنْهُم مَا ابْتَلَاهُم بِهِ من الْقَحْط، وَأَبُو سُفْيَان إِذْ ذَاك كَانَ كَافِرًا. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث التَّصْرِيح بِدُعَاء النَّبِي ﷺ ، وَلم يعلم مِنْهُ حكم الْبَاب، فَكيف الِاكْتِفَاء بِهِ؟ قلت: سَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة ص بِلَفْظ: (فَاسْتَسْقَى لَهُم فسقوا) ، والْحَدِيث وَاحِد وَأَيْضًا صرح بذلك فِي زِيَادَة أَسْبَاط على مَا يَأْتِي الْآن، لَا يُقَال كَانَ استشفاعه عقيب دُعَاء النَّبِي ﷺ عَلَيْهِم، لأَنا نقُول: هَذَا لَا يضر بِالْمَقْصُودِ، لِأَن المُرَاد مِنْهُ استشفاع الْكَافِر بِالْمُؤمنِ مُطلقًا، وَقد وجد فِي الحَدِيث ذَلِك على أَنه لَا فرق بَين الْوَجْهَيْنِ، لِأَن فِيهِ إِظْهَار التضرع والخضوع مِنْهُم ووقوعهم فِي الذلة، وَفِيه عزة للْمُؤْمِنين. وَقَالَ بَعضهم: لَا دلَالَة فِيمَا وَقع من النَّبِي ﷺ فِي هَذِه الْقَضِيَّة على مَشْرُوعِيَّة ذَلِك لغير النَّبِي ﷺ إِذْ الظَّاهِر أَن ذَلِك من خَصَائِص النَّبِي ﷺ لأطلاعه على الْمصلحَة فِي ذَلِك، بِخِلَاف من بعده من الْأَئِمَّة انْتهى. قلت: لَا دَلِيل هُنَا على الخصوصية، وَهِي لَا تثبت بِالِاحْتِمَالِ على أَن ابْن بطال قَالَ: استشفاع الْمُشْركين بِالْمُسْلِمين جَائِز إِذا رجى رجوعهم إِلَى الْحق، وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة.
٠٢٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ عنْ سُفْيَانَ. قَالَ حدَّثنا مَنْصُورٌ وَالأعْمَشُ عنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوق قَالَ أتَيْتُ ابنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ إنَّ قُرَيْشا أبْطَؤا عنِ الإسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمُ النبيُّ ﷺ فأخَذَتْهُم سَنةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وأكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ فَجَاءَهُ أبُو سُفْيَانَ فقالَ يَا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وإنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا فادْعِ الله تعَالى فَقَرَأَ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (الدُّخان: ٠١) . ثُمَّ عادُوا إلَى كُفْرِهِمْ فَذالِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى﴾ . (الدُّخان: ٠١) . يَوْمَ بَدْرٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد سلف هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب دُعَاء النَّبِي ﷺ : (إجعلها سِنِين كَسِنِي يُوسُف) ، فَإِنَّهُ أخرج هُنَاكَ: عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق، وَهَهُنَا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن كثير الْعَبْدي الْبَصْرِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش، كِلَاهُمَا عَن أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء.
قَوْله: (أتيت ابْن مَسْعُود) أَي: عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (أبطؤوا) أَي: تَأَخَّرُوا عَن الْإِسْلَام وَلم يبادروا إِلَيْهِ. قَوْله: (سنة) ، بِفَتْح السِّين. أَي: جَدب وقحط. قَوْله: (فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَان) ، يَعْنِي: وَالِد مُعَاوِيَة، وَاسم أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب الْأمَوِي، وَكَانَ مَجِيئه قبل الْهِجْرَة، لقَوْل ابْن مَسْعُود: ثمَّ عَادوا، فَذَلِك قَوْله: ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) . يَوْم بدر وَلم ينْقل أَن أَبَا سُفْيَان قدم الْمَدِينَة قبل بدر. قَوْله: (جِئْت تَأمر بصلَة الرَّحِم) يَعْنِي: الَّذين هَلَكُوا بدعائك من ذَوي رَحِمك، فَيَنْبَغِي أَن تصل رَحِمهم بِالدُّعَاءِ لَهُم، وَلم يَقع دعاؤه لَهُم بالتصريح فِي هَذَا السِّيَاق. قَوْله: ( ﴿بِدُخَان مُبين. .﴾ ) (الدُّخان: ٠١) . الْآيَة لَيْسَ فِي رِوَايَة ابي ذَر ذكر لفظ: الْآيَة. قَوْله: ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) . زَاد الْأصيلِيّ، فِي رِوَايَته بَقِيَّة الْآيَة. قَوْله: (ثمَّ عَادوا) ، يَعْنِي: لما كشف الله تَعَالَى عَنْهُم عَادوا إِلَى كفرهم فَابْتَلَاهُمْ الله بِيَوْم البطشة، أَي: يَوْم بدر.
قَالَ وزَادَ أسْبَاطٌ عنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رسولُ الله ﷺ فَسُقُوا الغَيْثَ فأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعا وشَكا النَّاسُ كَثْرَةَ المَطَرِ. فقالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولَا عَلَيْنَا فانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عنْ رَأسِهِ فَسُقُوا النَّاسَ حَوْلَهُمْ
стр. 1915
هَذَا تَعْلِيق يَعْنِي: زَاد أَسْبَاط عَن مَنْصُور بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور قبله إِلَى ابْن مَسْعُود، وَقد وَصله الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عَليّ بن ثَابت عَن أَسْبَاط بن نصر عَن مَنْصُور عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق (عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لما رأى رَسُول الله ﷺ من النَّاس إدبارا) فَذكر نَحْو الَّذِي قبله، وَزَاد: (فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَان وأناس من أهل مَكَّة، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد إِنَّك تزْعم أَنَّك بعثت رَحْمَة، وَأَن قَوْمك هَلَكُوا فَادع الله لَهُم، فَدَعَا رَسُول الله ﷺ فسقوا الْغَيْث) الحَدِيث، وأسباط، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره طاء مُهْملَة، قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَسْبَاط هَذَا هُوَ ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقَاص أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي مَوْلَاهُم الْكُوفِي، ضعفه الْكُوفِيُّونَ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين، مَاتَ فِي الْمحرم سنة مِائَتَيْنِ قلت: ذكر فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ أَنه أَسْبَاط بن نصر، وَهُوَ الصَّحِيح، وَهُوَ أَسْبَاط بن نصر الْهَمدَانِي أَبُو يُوسُف، وَيُقَال: أَبُو نصر الْكُوفِي، وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَتوقف فِيهِ أَحْمد، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَاعْترض على البُخَارِيّ بِزِيَادَة أَسْبَاط هَذَا، فَقَالَ الدَّاودِيّ: أَدخل قصَّة الْمَدِينَة فِي قصَّة قُرَيْش وَهُوَ غلط، وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: الَّذِي زَاده أَسْبَاط وهم واختلاط لِأَنَّهُ ركب سَنَد عبد الله ابْن مَسْعُود على متن حَدِيث أنس بن مَالك، وَهُوَ قَوْله: (فَدَعَا رَسُول الله ﷺ فسقوا الْغَيْث) إِلَى آخِره، وَكَذَا قَالَ الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي، وَقَالَ: وَحَدِيث عبد الله بن مَسْعُود كَانَ بِمَكَّة وَلَيْسَ فِيهِ هَذَا، وَالْعجب من البُخَارِيّ كَيفَ أورد هَذَا وَكَانَ مُخَالفا لما رَوَاهُ الثِّقَات، وَقد ساعد بَعضهم البُخَارِيّ بقوله: لَا مَانع أَن يَقع ذَلِك مرَّتَيْنِ وَفِيه نظر لَا يخفى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قصَّة قُرَيْش والتماس أبي سُفْيَان كَانَت فِي مَكَّة لَا فِي الْمَدِينَة؟ قلت: الْقِصَّة مَكِّيَّة إلاّ الْقدر الَّذِي زَاد أَسْبَاط، فَإِنَّهُ وَقع فِي الْمَدِينَة. قَوْله: (فسقوا) ، بِضَم السِّين وَالْقَاف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَصله: سقيوا، استثقلت الضمة على الْيَاء بعد سلب حَرَكَة مَا قبلهَا فَصَارَ: سقوا، على وزن فعوا. قَوْله: (الْغَيْث) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان. قَوْله: (فسقوا النَّاس حَولهمْ) الْكَلَام فِي: سقوا، قد مر الْآن، و: النَّاس، مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص أَي: أَعنِي النَّاس الَّذين حول الْمَدِينَة وَأَهْلهَا، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (فاسقى النَّاس حَولهمْ) ، وَزَاد بعد هَذَا: قَالَ يَعْنِي ابْن مَسْعُود لقد مرت آيَة الدُّخان.
٤١ - (بابُ الدعاءِ إذَا كَثُرَ المَطَرُ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء عِنْد كَثْرَة الْمَطَر بقوله: (أللهم حوالينا وَلَا علينا) هَذَا إِذا أضيف الْبَاب إِلَى الدُّعَاء، وَيجوز قطع الْإِضَافَة، فَحِينَئِذٍ يكون الدُّعَاء مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ. وَقَوله: (حوالينا) خَبره، وَيكون التَّقْدِير: هَذَا بَاب تَرْجَمته الدُّعَاء إِذا كثر الْمَطَر حوالينا، يَعْنِي بِلَفْظ: حوالينا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون الدُّعَاء عَاملا فِي: حوالينا، وَإِن كَانَ عمل الْمصدر الْمُعَرّف بِاللَّامِ قَلِيلا، لَكِن بِشَرْط كَون الدُّعَاء مجرورا بِإِضَافَة الْبَاب إِلَيْهِ، إِذْ لَو كَانَ مُبْتَدأ: و (إِذا كثر الْمَطَر) خَبره، لزم الْفَصْل بَين الْمصدر ومعموله بأجنبي، هُوَ الْخَبَر، وَأَن يكون، حوالينا، بَيَانا للدُّعَاء أَو بَدَلا.
١٢٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ ثَابِتٍ عنْ أنَسٍ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ فقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فقَالُوا يَا رسُولَ الله قَحَطَ المَطَرُ واحْمَرَّتِ الشَّجَرُ وهَلَكَتِ البَهَائِمُ فادْعُ الله يَسْقِينَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا مَرَّتَيْنِ وايْمُ الله مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحابٍ فَنَشَأتْ سَحَابَةٌ وأمْطَرَتْ ونَزَلَ عنِ المِنْبَرِ فَصلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَمَّا قامَ النبيُّ ﷺ يَخْطُبُ صاحُوا إلَيْهِ تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وانْقَطَعَتِ السُّبخلُ فادْعُ الله يَحْبِسْهَا عَنَّا فَتَبَسَّمَ النبيُّ ﷺ ثُمَّ قالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولَا عَلَيْنَا فكَشَطَتِ المَدِينَةُ فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَهَا وَلَا تُمْطِرُ بِالمَدِينَةِ قَطْرَةً فنَظَرْتُ إلَى المَدِينَةِ وَإنَّهَا لَفِي مِثْلَ الإكْلِيلِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأعَاد حَدِيث أنس أَيْضا من طَرِيق ثَابت عَنهُ لأجل هَذِه التَّرْجَمَة، وَلأَجل مُغَايرَة الروَاة،
стр. 1916
وَإِنَّمَا وضع رِوَايَة ثَابت هُنَا لقَوْله: (وَمَا تمطر بِالْمَدِينَةِ قَطْرَة) لِأَن ذَلِك أبلغ فِي انكشاف الْمَطَر، وَهَذِه اللَّفْظَة لم تقع إلاّ فِي هَذِه الرِّوَايَة. قَوْله: (احْمَرَّتْ الشّجر) يَعْنِي: تغير لَوْنهَا عَن الخضرة إِلَى الْحمرَة من اليبس، وأنث الْفِعْل بِاعْتِبَار جنس الشّجر. قَوْله: (وَهَلَكت الْبَهَائِم) ، ويروى: (الْمَوَاشِي) ، وَهِي: الدَّوَابّ والأنعام. قَوْله: (مرَّتَيْنِ) ظرف لِلْقَوْلِ لَا للسقي. قَوْله: (وأيم الله) ، الْهمزَة فِيهِ همزَة الْوَصْل، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. قَوْله: (قزعة من سَحَاب) أَي: قِطْعَة مِنْهُ. قَوْله: (لم يزل الْمَطَر) ويروى: (لم تزل تمطر) ، قَوْله: (تكشطت) أَي تكشفت يُقَال: كشطت الجل عَن ظهر الْفرس، والغطاء عَن الشَّيْء: إِذا كشفته عَنهُ، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (فكشطت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (الإكليل) ، بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ شَيْء مثل عِصَابَة تزين بالجواهر، وَيُسمى التَّاج إكليلاً.
٥١ - (بابُ الدُّعاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ قائِما)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء فِي الاسْتِسْقَاء حَال كَونه قَائِما فِي الْخطْبَة وَغَيرهَا، لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْخُشُوع والتواضع، وَقيل: ليراه النَّاس فيقتدوا بِهِ فِيمَا صنع.
٢٢٠١ - وقَالَ لنا أبُو نُعَيْمٍ عنْ زُهَيْرٍ عنْ أبِي إسْحَاقَ خَرَجَ عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ الأنْصَارِيُّ وخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بنُ عازِبٍ وَزَيْدُ بنُ أرْقَمَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فاسْتَسْقَى فقامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ فاسْتَغْفَرَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ وَلَمْ يْؤَذِّنْ ولَمْ يُقِمْ. قَالَ أبُو إسْحَاقَ وَرَأى عَبْدُ الله ابنُ يَزِيدَ النبيَّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَامَ لَهُم على رجلَيْهِ من غير مِنْبَر) .
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: وَهُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: زُهَيْر بن مُعَاوِيَة الْكُوفِي. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، واسْمه: عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي. الرَّابِع: عبد الله بن يزِيد بن زيد بن حُصَيْن بن عَمْرو الأوسي الخطمي أَبُو مُوسَى، قَالَ الذَّهَبِيّ: شهد الْحُدَيْبِيَة وَمَات قبل ابْن الزبير. وَقَالَ أَبُو عمر: وَشهد الْحُدَيْبِيَة وَهُوَ ابْن سبع عشرَة سنة، وَكَانَ أَمِيرا على الْكُوفَة، وَشهد مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صفّين والجمل والنهروان، وَذكره ابْن طَاهِر أَيْضا فِي الصَّحَابَة الَّذين خرج لَهُم فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَقَالَ: كَانَ صَغِيرا على عهد رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَ أَمِير اعلى الْكُوفَة على عهد ابْن الزبير. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ فِي زمن ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ أَبُو عبيد الأجري: قلت لأبي دَاوُد: عبد الله بن يزِيد الخطمي لَهُ صُحْبَة؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَهُ رُؤْيَة، سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول، هَذَا، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعت مصعبا الزبيرِي يَقُول: لَيْسَ لَهُ صُحْبَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: قَالَ البُخَارِيّ قَالَ لنا أَبُو نعيم، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفرق بَين قَالَ لنا، وَحدثنَا: أَن القَوْل يسْتَعْمل إِذا سمع من شَيْخه فِي مقَام المذاكرة والمحاورة، والتحديث إِذا سمع فِي مقَام التحميل وَالنَّقْل. قيل: لَيْسَ اسْتِعْمَال البُخَارِيّ لذَلِك منحصرا فِي المذاكرة، فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلهُ فِيمَا يكون ظَاهره الْوَقْف، وَفِيمَا يصلح للمتابعات. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق بِهِ فِي حَدِيث لزيد بن أَرقم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج عبد الله بن يزِيد) يَعْنِي: خرج إِلَى الصَّحرَاء، وَذَلِكَ لما كَانَ أَمِيرا على الْكُوفَة من جِهَة عبد الله بن الزبير فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ قبل غَلَبَة الْمُخْتَار بن أبي عبيد عَلَيْهَا، ذكره ابْن سعد وَغَيره. قَوْله: (فَقَامَ) ، أَي: عبد الله بن يزِيد. قَوْله: (لَهُم) ، ويروى (بهم) ، قَوْله: (فَاسْتَغْفر) هَذِه رِوَايَة أبي الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَاسْتَسْقَى) ، قَوْله: (ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ) ظَاهره أَنه أخر الصَّلَاة عَن الْخطْبَة، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ. قَوْله: (يجْهر) ، فِي مَوضِع النصب على الْحَال. قَوْله: (وَلم يُؤذن وَلم يقم) ، قَالَ ابْن بطال: أَجمعُوا على أَن لَا أَذَان وَلَا إِقَامَة للاستسقاء. قَوْله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاق) هُوَ: أَبُو إِسْحَاق الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (روى عبد الله بن يزِيد عَن النَّبِي، ﷺ ويروى: (وَرَأى عبد الله بن يزِيد) ، قَالَ
стр. 1917
الْكرْمَانِي: وعَلى تَقْدِير الرِّوَايَة إِن أَرَادَ رِوَايَة مَا صدر عَنهُ من الصَّلَاة والجهر فيهمَا وَغَيرهمَا صَار مَرْفُوعا، وَإِن أَرَادَ الرِّوَايَة فِي الْجُمْلَة فَهُوَ مَوْقُوف عَلَيْهِ. قلت: رأى عبد الله بن يزِيد رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَرِوَايَة الْحَمَوِيّ وَحده: وروى عبد الله، وَقد أخرج يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي (تَارِيخه) هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة قبيصَة عَن الثَّوْريّ: (عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: بعث ابْن الزبير إِلَى عبد الله بن يزِيد الخطمي: أَن استسق بِالنَّاسِ، فَخرج وَخرج النَّاس مَعَه، وَفِيهِمْ زيد بن أَرقم والبراء بن عَازِب) ، وَخَالفهُ عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ فَقَالَ فِيهِ: (ان ابْن الزبير خرج يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ. .) الحَدِيث. وَقَوله: (إِن ابْن الزبير هُوَ الَّذِي فعل ذَلِك) وهم، وَإِنَّمَا الَّذِي فعله هُوَ عبد الله بن يزِيد بِأَمْر ابْن الزبير، وَفِي (سنَن الْكَجِّي) مَا يدل على أَن الَّذِي صلى بهم ذَلِك الْيَوْم هُوَ زيد بن أَرقم.
٣٢٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عَبَّادُ بنُ تَمِيمٍ أنَّ عَمَّهُ وكانَ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ أخبَرَهُ أنَّ النبيَّ ﷺ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ فقامَ فَدَعَا الله قائِما ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ وَحَوَّلَ ردَاءَهُ فَأُسْقُوا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَامَ فَدَعَا الله قَائِما) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب تَحْويل الرِّدَاء فِي الاسْتِسْقَاء، أخرجه هُنَا: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عباد بن تَمِيم عَن عَمه عبد الله بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قبل الْقبْلَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: جِهَة الْقبْلَة. قَوْله: (فاسقوا) ، بِضَم الْهمزَة وَالْقَاف على بِنَاء الْمَجْهُول، وَأَصله: اسقيوا، استثقلت الضمة على الْيَاء فنقلت إِلَى مَا قبلهَا بعد حذف حركتها، فَصَارَ: اسقوا، على وزن: افعوا. ويروى: (فسقوا) ، على بِنَاء الْمَجْهُول أَيْضا وإعلاله مثل إعلال: اسقوا، لَكِن الأول من الْمَزِيد وَهُوَ: الاسْتِسْقَاء، وَالثَّانِي من الْمُجَرّد وَهُوَ: السَّقْي.
٦١ - (بابُ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الاسْتِسْقَاء.
٤٢٠١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَمِّهِ قَالَ خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ إلَى القِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يجْهر فيهمَا بِالْقِرَاءَةِ) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب تَحْويل الرِّدَاء فِي الاسْتِسْقَاء، غير أَن هُنَا زَاد قَوْله: (ويجهر فيهمَا بِالْقِرَاءَةِ) . قَوْله: (يجْهر) فِي مَحل النصب على الْحَال وَرِوَايَة كَرِيمَة هَكَذَا: (يجْهر) بِلَفْظ الْمُضَارع، وَرِوَايَة الْأصيلِيّ (جهر) ، بِلَفْظ الْمَاضِي.
وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب.
وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الْخطْبَة فِي الاسْتِسْقَاء قبل الصَّلَاة لِأَن: ثمَّ، للتَّرْتِيب وَهُوَ قَول عمر بن عبد الْعَزِيز وَاللَّيْث بن سعد، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَابْن الزبير والبراء بن عَازِب وَزيد بن أَرقم. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: الصَّلَاة قبل الْخطْبَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه خطب بعد الصَّلَاة، فَوَجَدنَا الْجُمُعَة فِيهَا خطْبَة وَهِي قبل الصَّلَاة، ورأينا الْعِيدَيْنِ فيهمَا الْخطْبَة وَهِي بعد الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يفعل فَينْظر فِي خطْبَة الاسْتِسْقَاء بِأَيّ الْخطْبَتَيْنِ أشبه فنعطف حكمهَا على حكمهَا، فالجمعة فرض وَكَذَلِكَ خطبتها، وخطبة الْعِيد لَيست كَذَلِك، لِأَنَّهَا تجوز بِغَيْر الْخطْبَة، وَكَذَلِكَ صَلَاة الاسْتِسْقَاء تجوز وَإِن لم يخْطب، غير أَنه إِذا تَركهَا أَسَاءَ، فَكَانَت بِخطْبَة الْعِيدَيْنِ أشبه مِنْهَا بِخطْبَة الْجُمُعَة، فَدلَّ ذَلِك أَنَّهَا بعد الصَّلَاة. وَمن فَوَائِد الحَدِيث: الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الاسْتِسْقَاء، وَهُوَ مِمَّا أجمع عَلَيْهِ الْفُقَهَاء، وَقد مر غير مرّة.
стр. 1918
٧١ - (بابٌ كيْفَ حَوَّلَ النبيُّ ﷺ ظَهْرَهُ إلَى النَّاسِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته كَيفَ حول إِلَى آخِره.
٥٢٠١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَمِّهِ قَالَ رأيْتُ النبيَّ ﷺ يَوْمَ خرَجَ يَسْتَسْقِي قَالَ فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ..
أعَاد حَدِيث عبد الله بن زيد الْمَذْكُور لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، وَلأَجل مُغَايرَة شُيُوخه وَاخْتِلَاف بعض الْمَتْن. فَإِن قلت: أَيْن مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، لِأَنَّهَا فِي كَيْفيَّة التَّحْوِيل، والْحَدِيث فِي وُقُوعه فَقَط؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: مَعْنَاهُ حوله حَال كَونه دَاعيا. قلت: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْحَال من الكيفيات، وَقيل: كي، هُنَا استفهامية لِأَنَّهُ، لما كَانَ التَّحْوِيل الْمَذْكُور لم يتَبَيَّن كَونه من نَاحيَة الْيَمين أَو الْيَسَار احْتَاجَ إِلَى الِاسْتِفْهَام. قلت: يُمكن أَن تُؤْخَذ الْكَيْفِيَّة من حَال النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُعجبهُ التَّيَمُّن فِي شَأْنه كُله، وَكَانَ الْمَفْهُوم من: حول، وُقُوعه وَمن: حَاله، كيفيته، وَهُوَ كَونه من الْيَمين لِأَن الْمَعْهُود مِنْهُ التَّيَمُّن فِي كل حَاله، فَافْهَم، وآدَم شَيْخه هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَابْن أبي ذِئْب هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَقد مر فِي الْبَاب السَّابِق، وَمحل التَّحْوِيل بعد فرَاغ الموعظة وَإِرَادَة الدُّعَاء.
٨١ - (بابُ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الاسْتِسْقَاء، وَأَرَادَ بِهِ بَيَان كميتها، وَأَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: (رَكْعَتَيْنِ) على طَرِيق عطف الْبَيَان، لِأَن لفظ: الاسْتِسْقَاء، مجرور بِالْإِضَافَة. وَقيل: مجرور على الْبَدَل، وَلَا يَصح ذَلِك، لِأَن الْمُبدل مِنْهُ فِي حكم السُّقُوط فَيصير التَّقْدِير: بَاب صَلَاة رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْسَ بِصَحِيح.
٦٢٠١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَمِّهِ أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وقَلَبَ رِدَاءَهُ..
أعَاد الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله لأجل وضع التَّرْجَمَة، وَلأَجل مُغَايرَة شُيُوخه على مَا لَا يخفى، ومطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
قَوْله: (عَن عَمه) ، هُوَ عبد الله بن زيد، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (عَن عَمه سمع النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وقلب رِدَاءَهُ) عطف على: (فصلى رَكْعَتَيْنِ) ، بِالْوَاو. وَقَوله: (فصلى) عطف على: استسقى، بِالْفَاءِ، فِيهِ دَلِيل على أَن الصَّلَاة وقلب الرِّدَاء وَقعا مَعًا، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون الْقلب قبل الصَّلَاة، على مَا فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق، وَيحْتَمل أَن يكون بعد الصَّلَاة، لِأَن: الْوَاو، لَا تدل على التَّرْتِيب، بل لمُطلق الْجمع كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.
٩١ - (بابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي المُصَلَّى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الاسْتِسْقَاء فِي الْمصلى الَّذِي فِي الصَّحرَاء، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ أَن يُصَلِّي صَلَاة الاسْتِسْقَاء فِي الْجَبانَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التَّرْجَمَة أخص من التَّرْجَمَة الْمُتَقَدّمَة أول الْأَبْوَاب، وَهِي: بَاب الْخُرُوج إِلَى الاسْتِسْقَاء، وَوَقع فِي هَذَا الْبَاب تعْيين الْخُرُوج إِلَى الْمصلى، فَنَاسَبَ كل رِوَايَة ترجمتها قلت: لَا نسلم الأخصية بل كِلَاهُمَا سَوَاء، لِأَن معنى الْخُرُوج إِلَى الاسْتِسْقَاء هُوَ الْخُرُوج إِلَى الْمصلى، لِأَن هَذَا الْقَائِل فسر قَوْله: (خرج يَسْتَسْقِي) ، بقوله: (أَي: إِلَى الْمصلى) .
٧٢٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ سَمِعَ عَبَّادَ ابنِ تَمِيمٍ عنْ عَمِّهِ قَالَ خَرَجَ النبيُّ ﷺ إِلَى المُصَلَّى يَسْتَسْقِي واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وقَلَبَ رِدَاءَهُ. قَالَ سُفْيَانُ فأخْبَرَني المَسْعُودِيُّ عنْ أبِي بَكْرٍ قَالَ جَعَلَ اليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ.
.
стр. 1919
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد هُوَ عَمْرو بن حزم.
قَوْله: (يَسْتَسْقِي) من الْأَحْوَال الْمقدرَة. قَوْله: (واستقبل) ، عطف على قَوْله: (خرج) . قَوْله: (قَالَ سُفْيَان وَأَخْبرنِي المَسْعُودِيّ) ، هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عتبَة بن عبد الله بن مَسْعُود، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة. قَوْله: (عَن أبي بكر) يَعْنِي: يروي عَن أبي بكر وَالِد عبد الله الْمَذْكُور فِيهِ، قَالَ الْحَافِظ الْمزي: هَذَا مُعَلّق، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: لَا يدْرِي عَمَّن أَخذه البُخَارِيّ، وَلِهَذَا لَا يعد أحد المَسْعُودِيّ فِي رِجَاله. وَأجِيب عَن هَذَا بِأَن: الظَّاهِر أَنه أَخذه عَن شَيْخه عبد الله بن مُحَمَّد، وَلَا يلْزم من عدم عد المَسْعُودِيّ فِي رِجَاله أَن لَا يكون وصل هَذَا الْموضع عَنهُ. قلت: فِيهِ نظر لِأَن الظَّاهِر مَا قَالَه الْمزي، وَإِنَّمَا يَصح الْجَواب الْمَذْكُور أَن لَو قَالَ: وَقَالَ سُفْيَان، بواو الْعَطف، ليَكُون عطفا على الْإِسْنَاد الأول، وَإِنَّمَا قطعه عَن الأول بِالْفَصْلِ فَلَا يفهم مِنْهُ الِاتِّصَال. وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث أبي بكر هَذَا يدل على تَقْدِيم الصَّلَاة على الْخطْبَة، لِأَنَّهُ ذكر أَنه صلى قبل قلب الرِّدَاء، وَهُوَ أضبط للقصة من ابْنه عبد الله الَّذِي ذكر الْخطْبَة قبل الصَّلَاة. قُلْنَا: لَا نزاع فِي جَوَاز الْأَمريْنِ، وَإِنَّمَا النزاع فِي الْأَفْضَل. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: فِيهِ دَلِيل على أَنه ﷺ كَانَ يلبس الرِّدَاء على حسب لِبَاس أهل الأندلس ومصر وبغداد، وَهُوَ غير الاشتمال بِهِ، لِأَنَّهُ حول مَا على يَمِينه على يسَاره، وَلَو كَانَ لِبَاسه اشتمالاً لقيل: قلب أَسْفَله أَعْلَاهُ، أَو: حل رِدَاءَهُ فقلبه.
(بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الاسْتِسْقَاء)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الدُّعَاء فِي الاسْتِسْقَاء
٦٩ - (حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الْوَهَّاب قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد قَالَ أَخْبرنِي أَبُو بكر بن مُحَمَّد أَن عباد بن تَمِيم أخبرهُ أَن عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ أخبرهُ أَن النَّبِي ﷺ َ - خرج إِلَى الْمصلى يُصَلِّي وَأَنه لما دَعَا أَو أَرَادَ أَن يَدْعُو اسْتقْبل الْقبْلَة وحول رِدَاءَهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " أَو اراد أَن يَدْعُو اسْتقْبل الْقبْلَة " وَأعَاد أَيْضا حَدِيث عبد الله بن زيد لما ذكرنَا من المعان فِيمَا قبل قَوْله " مُحَمَّد بن سَلام " كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بِنِسْبَة مُحَمَّد إِلَى أَبِيه وَفِي رِوَايَة غَيره حَدثنَا مُحَمَّد بِذكرِهِ مُجَردا عَن النِّسْبَة وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ قَوْله " خرج إِلَى الْمصلى يَدْعُو " هَذِه رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره " خرج إِلَى الْمصلى يُصَلِّي " قَوْله " أَو أَرَادَ أَن يَدْعُو " شكّ من الرَّاوِي قيل يحْتَمل أَن يكون الشَّك من يحيى بن سعيد فقد رَوَاهُ السراج من طَرِيق ابْن أَيُّوب عَنهُ بِالشَّكِّ أَيْضا وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال فَلم يشك وَقَالَ ابْن بطال سنة من خطب النَّاس معلما لَهُم وواعظا لَهُم أَن يستقبلهم لَكِن عِنْد دُعَاء الاسْتِسْقَاء يسْتَقْبل الْقبْلَة لِأَن الدُّعَاء مُسْتَقْبل الْقبْلَة أفضل وَقَالَ النَّوَوِيّ يلْحق بِالدُّعَاءِ الْوضُوء وَالْغسْل والأذكار وَالْقِرَاءَة وَسَائِر الطَّاعَات إِلَّا مَا خرج بِالدَّلِيلِ كالخطبة (قَالَ أَبُو عبد الله. ابْن زيد هَذَا مازني وَالْأول كُوفِي هُوَ ابْن يزِيد) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه أَشَارَ بقوله هَذَا إِلَى عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ هُوَ عَم عباد بن مَازِن وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله " مازني " وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب تَحْويل الرِّدَاء فِي الاسْتِسْقَاء قَوْله " وَالْأول هُوَ عبد الله بن يزِيد " بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف فِي أَوله كُوفِي وَفَسرهُ بقوله " هُوَ ابْن يزِيد " وَهَذَا أَعنِي قَوْله " قَالَ أَبُو عبد الله " إِلَى آخِره فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيره قيل كَانَ اللَّائِق أَن يذكر هَذَا فِي بَاب الدُّعَاء فِي الاسْتِسْقَاء قَائِما لِأَن كليهمَا مذكوران فِيهِ وَكَانَ الأولى بَيَان تغايرهما هُنَاكَ وَلَيْسَ هَهُنَا ذكر عبد الله بن يزِيد
стр. 1920
(بَاب رفع النَّاس أَيْديهم مَعَ الإِمَام فِي الاسْتِسْقَاء)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن النَّاس يرفعون أَيْديهم عِنْد رفع الإِمَام يَدَيْهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الرَّد على من زعم أَنه يكْتَفى بِدُعَاء الإِمَام
(وَقَالَ أَيُّوب بن سُلَيْمَان حَدثنِي أَبُو بكر بن أبي أويس عَن سُلَيْمَان بن هِلَال. قَالَ يحيى بن سعيد سَمِعت أنس بن مَالك قَالَ أَتَى رجل أَعْرَابِي من أهل البدو إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ يَا رَسُول الله هَلَكت الْمَاشِيَة هلك الْعِيَال هلك النَّاس فَرفع رَسُول الله ﷺ َ - يَدَيْهِ يَدْعُو وَرفع النَّاس أَيْديهم مَعَه يدعونَ. قَالَ فَمَا خرجنَا من الْمَسْجِد حَتَّى مُطِرْنَا فَمَا زلنا نمطر حَتَّى كَانَت الْجُمُعَة الْأُخْرَى فَأتى الرجل إِلَى نَبِي الله ﷺ َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله بشق الْمُسَافِر وَمنع الطَّرِيق بشق أَي مل) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة هَذَا تَعْلِيق ذكره البُخَارِيّ عَن شَيْخه أَيُّوب بن سُلَيْمَان بن هِلَال وَوَصله أَبُو نعيم الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن أَحْمد حَدثنَا مُوسَى بن الْعَبَّاس وَإِسْحَق الْحَرْبِيّ قَالَا حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ حَدثنَا أَيُّوب عَن سُلَيْمَان حَدثنَا أَبُو بكر فَذكره وَقَالَ ذكره البُخَارِيّ فَقَالَ وَقَالَ أَيُّوب بن سُلَيْمَان بِلَا رِوَايَة وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أخبرنَا مُوسَى بن الْعَبَّاس حَدثنَا أَبُو إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَيُّوب بن سُلَيْمَان وَعِنْده " حبس الْمُسَافِر وَانْقطع الطَّرِيق " وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الْخَالِق الْمُؤَذّن أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن خنب البُخَارِيّ أخبرنَا أَبُو إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ حَدثنَا أَيُّوب عَن سُلَيْمَان وَفِيه " فَأتى الرجل إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله بشق الْمُسَافِر وَمنع الطَّرِيق " الحَدِيث قَوْله " أَبُو بكر بن أبي أويس " هُوَ أَبُو بكر عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله ابْن أبي أويس بن مَالك بن عَامر الأصبحي الْمدنِي وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس قَوْله " عَن سُلَيْمَان " هُوَ أَبُو أَيُّوب الْمَذْكُور وَيحيى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ وَأَبُو سعيد الْمدنِي القَاضِي قَوْله " يَدْعُو " من الْأَحْوَال الْمقدرَة وَكَذَلِكَ قَوْله " يدعونَ " قَوْله " مُطِرْنَا " بِضَم الْمِيم على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " فَأتى الرجل " أَي الْمَذْكُور إِذْ اللَّام فِي مثله للْعهد عَن النكرَة السَّابِقَة قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) قد مر أَن أنسا قَالَ " لَا أَدْرِي أهوَ الرجل الأول أَو غَيره " (قلت) لَا مُنَافَاة إِذْ رُبمَا نسي ثمَّ تذكر أَو كَانَ ذَاكِرًا ثمَّ نسي قَوْله " بشق الْمُسَافِر " بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره قَاف وَفَسرهُ البُخَارِيّ بقوله " بشق أَي مل " وَقَالَ الْخطابِيّ بشق لَيْسَ بِشَيْء إِنَّمَا هُوَ لثق الْمُسَافِر من اللثق بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الوحل يُقَال لثق الثَّوْب إِذا أَصَابَهُ ندى الْمَطَر ولطخ الطين وَيحْتَمل أَن يكون مشق بِالْمِيم فحسبه السَّامع بشق لتقارب مخرجي الْبَاء وَالْمِيم يُرِيد أَن الطّرق صَارَت مزلة زلقا وَمِنْه مشق الْخط وَقَالَ ابْن بطال وَذكر الروَاة فِي هَذَا الحَدِيث بشق الْمُسَافِر بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَلم أجد لَهُ فِي اللُّغَة معنى وَوجدت فِي نَوَادِر اللحياني نشق بالنُّون وَكسر الشين بِمَعْنى نشب وعَلى هَذَا يَصح الْمَعْنى فِي قَوْله " وَمنع الطَّرِيق " قَالَ صَاحب التَّلْوِيح وَفِيه نظر لما ذكره أَبُو مُحَمَّد فِي الْكتاب الواعي فِي الحَدِيث بشق الْمُسَافِر وَرَوَاهُ الْمُسْتَمْلِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ كَذَا يَعْنِي بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَمعنى بشق مل قَالَ وَفِي المنضد لكراع بشق تَأَخّر وَلم يتَقَدَّم قَالَ فَمَعْنَى بشق الْمُسَافِر ضعف عَن السّفر وَعجز مِنْهُ لِكَثْرَة الْمَطَر كضعف الباشق وعجزه عَن التصيد لِأَنَّهُ ينفر الصَّيْد وَلَا يصيد وَقَالَ صَاحب الْمُجْمل بشق الظبي فِي الحبالة علق وَرجل بشق يَقع فِي الْأَمر لَا يكَاد يتَخَلَّص مِنْهُ قَالُوا رفع الْيَد مُسْتَحبّ فِي الاسْتِسْقَاء لِأَنَّهُ خضوع وتضرع إِلَى الله تَعَالَى رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِن الله حييّ يستحيي إِذا رفع العَبْد إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا " وَكَانَ مَالك يرى رفع الْيَدَيْنِ فِي الاسْتِسْقَاء وبطونهما إِلَى الأَرْض وَذَلِكَ الْعَمَل عِنْد الاستكانة وَالْخَوْف وَهُوَ الرهب وَأما عِنْد الرَّغْبَة وَالسُّؤَال فَبسط الْأَيْدِي وَهُوَ الرغب وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالَ جمَاعَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم السّنة فِي كل دُعَاء لدفع بلَاء كالقحط أَن يرفع يَدَيْهِ وَيجْعَل ظهر كفيه إِلَى السَّمَاء فَإِذا دَعَا
стр. 1921
لسؤال شَيْء وتحصله جعل بطُون كفيه إِلَى السَّمَاء
(وَقَالَ الأويسي حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن يحيى بن سعيد وَشريك سمعا أنسا عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه رفع يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْت بَيَاض إبطَيْهِ) الأويسي بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَقد تقدم وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْمدنِي أَخُو إِسْمَاعِيل وَقد تقدم وَشريك بن عبد الله وَقد تقدم وَهَذَا التَّعْلِيق هُنَا ثَابت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَثَبت لأبي الْوَقْت وكريمة فِي آخر الْبَاب الَّذِي بعده وَسقط بِالْكُلِّيَّةِ عِنْد الْبَقِيَّة وَهُوَ مَذْكُور عِنْد الْجَمِيع فِي كتاب الدَّعْوَات وَوصل أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج هَذَا التَّعْلِيق وَسَيَأْتِي هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(بَاب رفع الإِمَام يَده فِي الاسْتِسْقَاء)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الإِمَام يَده هَذِه التَّرْجَمَة ثبتَتْ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي قيل ذكر هَذِه التَّرْجَمَة وَإِن كَانَت التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا تتضمنها الْفَائِدَة أُخْرَى وَهِي أَنه ﷺ َ - لم يفعل ذَلِك إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء وَقيل الأولى لبَيَان اتِّبَاع الْمَأْمُومين الإِمَام فِي رفع الْيَدَيْنِ وَالثَّانيَِة لإِثْبَات رفع الْيَدَيْنِ للْإِمَام فِي الاسْتِسْقَاء (قلت) الأولى تَتَضَمَّن الثَّانِيَة فَلَا وَجه لهَذَا وَقيل قد قصد بِالثَّانِيَةِ كَيْفيَّة رفع الإِمَام يَده لقَوْله " حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ "
٧٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا يحيى وَابْن أبي عدي عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ َ - لَا يرفع يَدَيْهِ فِي شَيْء من دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء وَإنَّهُ يرفع حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَأَبُو عدي كنية إِبْرَاهِيم وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة النَّبِي ﷺ َ - عَن عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِسْقَاء عَن أبي مُوسَى وَعَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى وَيحيى بن سعيد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن شُعَيْب بن يُوسُف عَن يحيى بن سعيد وَعَن حميد بن مسْعدَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن نصر بن عَليّ بِهِ قَوْله " أبطيه " بِسُكُون الْبَاء قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا الحَدِيث ظَاهره يُوهم أَنه لم يرفع ﷺ َ - يَدَيْهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل قد ثَبت رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء فِي مَوَاطِن غير الاسْتِسْقَاء وَهِي أَكثر من أَن تحصى فيتؤول هَذَا الحَدِيث على أَنه لم يرفع الرّفْع البليغ بِحَيْثُ يرى بَيَاض أبطيه إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء أَو أَن المُرَاد لم أره يرفع وَقد رَآهُ غَيره فَتقدم رِوَايَة المثبتين فِيهِ
(بَاب مَا يُقَال إِذا مطرَت)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يُقَال إِذا مطرَت أَي السَّمَاء وَفِي بعض النّسخ إِذا مطرَت السَّمَاء بِإِظْهَار الْفَاعِل وَقَالَ الْكرْمَانِي كلمة مَا مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة أَو استفهامية وَأَخذه بَعضهم فِي شَرحه وَلم يبين وَاحِد مِنْهُمَا حَقِيقَة هَذَا الْكَلَام فَنَقُول إِذا كَانَت مَوْصُولَة يكون التَّقْدِير بَاب فِي بَيَان الَّذِي يُقَال عِنْد الْمَطَر وَأما إِذا كَانَت مَوْصُوفَة فَيكون التَّقْدِير بَاب فِي بَيَان شَيْء يُقَال إِذا مطرَت فَيكون مَا الَّذِي بِمَعْنى شَيْء قد اتّصف بقوله يُقَال إِذا مطرَت وَذَلِكَ كَمَا فِي قَول الشَّاعِر
(رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحل العقال)
أَي رب شَيْء تكرره النُّفُوس وَأما الاستفهامية فَيكون التَّقْدِير بَاب فِي بَيَان أَي شَيْء يُقَال إِذا مطرَت قَوْله " مطرَت " بِلَا ألف من الثلاثي الْمُجَرّد رِوَايَة أبي ذَر وَعند الْبَقِيَّة " إِذا أمْطرت " بِالْألف من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ يُقَال مطرَت السَّمَاء تمطر ومطرتهم تمطرهم مَطَرا وأمطرتهم أَصَابَتْهُم بالمطر وأمطرهم الله فِي الْعَذَاب خَاصَّة ذكره ابْن سَيّده قَالَ الْفراء مطرَت السَّمَاء تمطر مَطَرا أَو مَطَرا فالمطر الْمصدر والمطر الِاسْم وناس يَقُولُونَ مطرَت السَّمَاء وأمطرت بِمَعْنى
стр. 1922
(وَقَالَ ابْن عَبَّاس كصيب الْمَطَر) أَي قَالَ ابْن عَبَّاس الصيب الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو كصيب من السَّمَاء﴾ المُرَاد مِنْهُ الْمَطَر وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ هَذَا لمناسبته لقَوْله ﷺ َ - " صيبا نَافِعًا " وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الصيب الْمَطَر وَعَن قَتَادَة وَمُجاهد وَعَطَاء وَالربيع بن أنس الصيب الْمَطَر وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد ﴿أَو كصيب من السَّمَاء﴾ قَالَ أَو كغيث من السَّمَاء وَفِي تَفْسِير الضَّحَّاك الصيب الرزق وَقَالَ سُفْيَان الصيب الَّذِي فِيهِ الْمَطَر (وَقَالَ غَيره صاب وَأصَاب يصوب) أَي قَالَ غير ابْن عَبَّاس كَأَنَّهُ يُشِير بِهِ إِلَى أَن اشتقاقه من الأجوف الواوي وَلَكِن لَا يُقَال أصَاب يصوب وَإِنَّمَا يُقَال صاب يصوب وَأصَاب يُصِيب وَقَالَ بَعضهم لَعَلَّه كَانَ فِي الأَصْل صاب وانصاب كَمَا حَكَاهُ صَاحب الْمُحكم فَسَقَطت النُّون (قلت) لَا يَزُول بِهَذَا الْإِشْكَال بل زَاد الْإِشْكَال إشْكَالًا لِأَنَّهُ لَا يُقَال انصاب يصوب بل يُقَال انصاب ينصاب انصبابا وَالظَّاهِر أَن النساخ قدمُوا لَفْظَة أصَاب على لَفْظَة يصوب وَمَا كَانَ إِلَّا صاب يصوب وَأصَاب وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الثلاثي الْمُجَرّد والمزيد فِيهِ وَقد قُلْنَا أَنه أجوف واوي وأصل صاب صوب قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا ويصوب أَصله يصوب بِسُكُون الصَّاد وَضم الْوَاو فاستثقلت الضمة على الْوَاو فنقلت إِلَى مَا قبلهَا فَصَارَ يصوب وأصل صيب صيوب اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء كسيد وميت وَيُقَال مطر صيب وصيوب وَصوب
٧١ - (حَدثنَا مُحَمَّد هُوَ ابْن مقَاتل أَبُو الْحسن الْمروزِي قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ إِذا رأى الْمَطَر قَالَ اللَّهُمَّ صيبا نَافِعًا) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ مَا يُقَال عِنْد رُؤْيَة الْمَطَر. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة الأول مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن الْمروزِي وَقد مر ذكره. الثَّانِي عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. الثَّالِث عبيد الله بن عمر الْعمريّ. الرَّابِع نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق. السَّادِس أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَفِيه أَنه بَينه بقوله هُوَ ابْن مقَاتل وَفِيه عبد الله بِالتَّكْبِيرِ وَعبيد الله بِالتَّصْغِيرِ وَفِيه أَن نَافِعًا من جملَة من روى عَن عَائِشَة وَفِيه نزل عَنْهَا وَفِيه عبيد الله من جملَة من سمع عَن الْقَاسِم وَفِيه نزل عَنهُ مَعَ أَن معمرا قد رَوَاهُ عَن عبيد الله بن عمر عَن الْقَاسِم نَفسه بِإِسْقَاط نَافِع من السَّنَد أخرجه عبد الرَّزَّاق عَنهُ وَفِيه أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه رازيان وَالثَّلَاثَة الْبَقِيَّة مدنيون وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مَحْمُود بن خَالِد وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب وَعَن عَبدة بن عبد الرَّحِيم وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدُّعَاء عَن هِشَام بن عمار (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " اللَّهُمَّ صيبا نَافِعًا " كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة لَيست لَفْظَة اللَّهُمَّ وصيبا مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره يَا الله اجْعَل صيبا نَافِعًا ونافعا صفة صيبا وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَات " صبا نَافِعًا " من الصب أَي اصببه صبا نَافِعًا وَاحْترز بقوله " نَافِعًا " عَن الصيب الضار وَقَالَ ابْن قرقول ضَبطه الْقَابِسِيّ صيبا بِالتَّخْفِيفِ وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا رأى ناشئا فِي أفق السَّمَاء ترك الْعَمَل وَإِن كَانَ فِي صَلَاة ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَرها فَإِن مُطِرْنَا قَالَ اللَّهُمَّ صيبا هَنِيئًا " وَعند النَّسَائِيّ " كَانَ إِذا مُطِرُوا قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ سيبا نَافِعًا " وَعند ابْن مَاجَه " إِذا رأى سحابا مُقبلا من أفق من الْآفَاق ترك مَا هُوَ فِيهِ وَإِن كَانَ فِي صَلَاة حَتَّى يستقبله فَيَقُول اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من شَرّ من أرسل بِهِ فَإِن أمطر قَالَ اللَّهُمَّ سيبا نَافِعًا مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا
стр. 1923
وَإِن كشفه الله تَعَالَى وَلم يمطروا حمد الله على ذَلِك " وَقَالَ الْخطابِيّ السيب الْعَطاء والسيب مجْرى المَاء وَالْجمع سيوب وَقد سَاب يسوب إِذا جرى
(تَابعه الْقَاسِم بن يحيى عَن عبيد الله وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ وَعقيل عَن نَافِع) الْقَاسِم بن يحيى بن عَطاء بن مقدم أَبُو مُحَمَّد الْهِلَالِي الوَاسِطِيّ مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْمَذْكُور وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح هَذِه الْمُتَابَعَة ذكرهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي الغرائب عَن الْمحَامِلِي حَدثنَا حَفْص بن عمر أخبرنَا يحيى عَن عبيد الله وَلَفظه " صيبا هَنِيئًا " انْتهى (قلت) لم يظْهر لي وَجه هَذِه الْمُتَابَعَة قَوْله " وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ " أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن نَافِع وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن نَافِع وَلَفظه " هَنِيئًا " بدل " نَافِعًا " (فَإِن قلت) الْوَلِيد مُدَلّس (قلت) رُوِيَ فِي الغيلانيات من طَرِيق دُحَيْم عَن الْوَلِيد وَشُعَيْب بن إِسْحَق قَالَا حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ حَدثنِي نَافِع وَأمن بِهَذَا عَن تَدْلِيس الْوَلِيد واستبعد صِحَة سَماع الْأَوْزَاعِيّ من نَافِع خلافًا لمن نَفَاهُ قَوْله " وَعقيل " بِالرَّفْع عطف على الْأَوْزَاعِيّ أَي وَرَوَاهُ أَيْضا عقيل بن خَالِد عَن نَافِع وَذكره الدَّارَقُطْنِيّ وَذكر فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا فَمرَّة ذكر رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن نَافِع وَمرَّة عَن رجل عَنهُ وَمرَّة عَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن نَافِع وَذكره مرّة عَن عقيل عَن نَافِع وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) لم قَالَ أَولا تَابعه وَثَانِيا رَوَاهُ وَمَا فَائِدَة تَغْيِير الأسلوب (قلت) إِمَّا لإِرَادَة التَّعْمِيم لِأَن الرِّوَايَة أَعم من أَن تكون على سَبِيل الْمُتَابَعَة أم لَا وَإِمَّا لِأَنَّهُمَا لم يرويا عَن نَافِع بِوَاسِطَة عبيد الله بِخِلَاف الْقَاسِم فَلَا يَصح عطفهما عَلَيْهِ وَالله المتعال سُبْحَانَهُ هُوَ يعلم بِحَقِيقَة الْحَال
(بَاب من تمطر فِي الْمَطَر حَتَّى يتحادر على لحيته)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من تمطر إِلَى آخِره قَوْله " تمطر " بتَشْديد الطَّاء على وزن تفعل وَبَاب تفعل يَأْتِي لمعان للتكلف كتشجع لِأَن مَعْنَاهُ كلف نَفسه الشجَاعَة وللاتخاذ نَحْو توسدت التُّرَاب أَي أَخَذته وسَادَة وللتجنب نَحْو تأثم أَي جَانب الْإِثْم وللعمل يَعْنِي فَيدل على أَن أصل الْفِعْل حصل مرّة بعد مرّة نَحْو تجرعته أَي شربته جرعة بعد جرعة وَقَالَ بَعضهم أليق الْمعَانِي هُنَا أَنه بِمَعْنى مُوَاصلَة الْعَمَل فِي مهلة نَحْو تفكر وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى مَا أخرجه مُسلم من طَرِيق جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن ثَابت " عَن أنس قَالَ حسر رَسُول الله ﷺ َ - ثَوْبه حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَر " وَقَالَ لِأَنَّهُ حَدِيث عهد بربه قَالَ الْعلمَاء مَعْنَاهُ قريب الْعَهْد بتكوين ربه فَكَأَن المُصَنّف أَرَادَ أَن يبين أَن تحادر الْمَطَر على لحيته ﷺ َ - لم يكن اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا كَانَ قصدا فَلذَلِك ترْجم بقوله " من تمطر " أَي قصد نزُول الْمَطَر عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَو لم يكن بِاخْتِيَارِهِ لنزل عَن الْمِنْبَر أول مَا وكف السّقف لكنه تَمَادى فِي خطبَته حَتَّى كثر نُزُوله بِحَيْثُ تحادر على لحيته انْتهى (قلت) الَّذِي ذكره أهل الصّرْف فِي مَعَاني تفعل هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَالَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل يقرب من الْمَعْنى الرَّابِع وَلَكِن لَا يدل على هَذَا شَيْء مِمَّا فِي حَدِيث الْبَاب وَقَوله وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى أَن مَا أخرجه مُسلم لَا يساعده لِأَن حَدِيث مُسلم لَا يدل على مُوَاصلَة الْعَمَل فِي مهلة وَإِنَّمَا الَّذِي يدل هُوَ أَنه ﷺ َ - كشف ثَوْبه ليصيبه الْمَطَر لما ذكره من الْمَعْنى وَهَذَا لَا يدل على أَنه وَاصل ذَلِك وَتَمَادَى فِيهِ حَتَّى يُطلق عَلَيْهِ أَنه تمطر وَقصد هَذَا الْمَعْنى فِي الحَدِيث غير صَحِيح وَلَا وضع التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة على هَذَا الْمَعْنى وَقَوله " تحادر الْمَطَر على لحيته ﷺ َ - " لم يكن اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا كَانَ قصدا غَيره مُسلم من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الَّذِي تحادر على لحيته ﷺ َ - لم يكن إِلَّا من المَاء النَّازِل من وكف السّقف وَإِن كَانَ هُوَ من الْمَطَر فِي الأَصْل وَلم يكن فِي الْمَطَر الَّذِي أصَاب ثَوْبه ﷺ َ - فِي حَدِيث مُسلم حاجز بَينه وَبَين الْموضع الَّذِي وصل إِلَيْهِ وَالْآخر أَن قَوْله إِنَّمَا كَانَ قصدا دَعْوَى بِلَا برهَان وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك واستدلاله على مَا ادَّعَاهُ بقوله لِأَنَّهُ لَو لم يكن بِاخْتِيَارِهِ لنزل عَن الْمِنْبَر إِلَى آخِره لَا يساعده لِأَن لقَائِل أَن يَقُول عدم نُزُوله من الْمِنْبَر إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا تَنْقَطِع الْخطْبَة
٧٢ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا الْأَوْزَاعِيّ قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق بن
стр. 1924
عبد الله بن أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ قَالَ حَدثنِي أنس بن مَالك قَالَ أَصَابَت النَّاس سنة على عهد رَسُول الله ﷺ َ - فَبينا رَسُول الله ﷺ َ - يخْطب على الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة قَامَ أَعْرَابِي فَقَالَ يَا رَسُول الله هلك المَال وجاع الْعِيَال فَادع الله لنا أَن يسقينا قَالَ فَرفع رَسُول الله ﷺ َ - يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاء قزعة قَالَ فثار سَحَاب أَمْثَال الْجبَال ثمَّ لم ينزل عَن منبره حَتَّى رَأَيْت الْمَطَر يتحادر على لحيته قَالَ فمطرنا يَوْمنَا ذَلِك وَفِي الْغَد وَمن بعد الْغَد وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَة الْأُخْرَى فَقَامَ ذَلِك الْأَعرَابِي أَو رجل غَيره فَقَالَ يَا رَسُول الله تهدم الْبناء وغرق المَاء فَادع الله لنا فَرفع رَسُول الله ﷺ َ - يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا. قَالَ فَمَا جعل يُشِير بِيَدِهِ إِلَى نَاحيَة من السَّمَاء إِلَّا تفرجت حَتَّى صَارَت الْمَدِينَة فِي مثل الجوبة حَتَّى سَالَ الْوَادي وَادي قناة شهرا قَالَ فَلم يَجِيء أحد من نَاحيَة إِلَّا حدث بالجود) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " حَتَّى رَأَيْت الْمَطَر يتحادر على لحيته " وَلكنهَا غير ظَاهِرَة لِأَن هَذَا الْكَلَام لَا يدل على التمطر الَّذِي هُوَ من التفعل الدَّال على التَّكَلُّف وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجُمُعَة وَكتاب الاسْتِسْقَاء مطولا ومختصرا برواة مُخْتَلفَة ومتون مُتَغَايِرَة بِزِيَادَة ونقصان وَقد استقصينا الْكَلَام فِي تَفْسِيره بِجَمِيعِ مَا يتَعَلَّق بِهِ قَوْله " بالجود " بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو الْمَطَر الْكثير
(بَاب إِذا هبت الرّيح)
أَي هَذَا بَاب تَرْجَمته إِذا هبت الرّيح وَجَوَاب إِذا مُقَدّر تَقْدِيره إِذا هبت الرّيح مَا يصنع من قَول أَو فعل وَوجه دُخُول هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الاسْتِسْقَاء أَن المُرَاد من الاسْتِسْقَاء نزُول الْمَطَر وَالرِّيح فِي الْغَالِب يَأْتِي بِهِ لِأَن الرِّيَاح على أَقسَام مِنْهَا الرّيح الَّذِي يَسُوق السحب الممطرة
٧٢ - (حَدثنَا سعيد بن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ أَخْبرنِي حميد أَنه سمع أنسا يَقُول كَانَت الرّيح الشَّدِيدَة إِذا هبت عرف ذَلِك فِي وَجه النَّبِي ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة قَوْله " عرف ذَلِك " أَي هبوبها أَي أَثَره يَعْنِي تغير وَجهه وَظهر فِيهِ عَلامَة الْخَوْف. وَالْحَاصِل أَنه أطلق السَّبَب وَأَرَادَ الْمُسَبّب إِذْ الهبوب سَبَب الْخَوْف من أَن يكون عذَابا سلطه الله على أمته قيل كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يخْشَى أَن تصيبهم عُقُوبَة ذنُوب الْعَامَّة كَمَا أصَاب الَّذين قَالُوا ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ وروى أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح عَن قَتَادَة " عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ إِذا هَاجَتْ ريح شَدِيدَة قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من خير مَا أمرت بِهِ وَأَعُوذ بك من شَرّ مَا أمرت بِهِ " وَهَذِه زِيَادَة على رِوَايَة حميد يجب قبُولهَا لثقة رواتها وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأبي بن كَعْب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه أَنه قَالَ " سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول الرّيح من روح الله قَالَ سَلمَة فَروح الله تَأتي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذا رأيتموها فَلَا تسبوها وسلوا الله خَيرهَا واستعيذوا بِاللَّه من شَرها ". وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا هَاجَتْ ريح اسْتَقْبلهَا بِوَجْهِهِ وجثى على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من خير هَذِه وَخير مَا أرْسلت بِهِ وَأَعُوذ بك من شَرها وَشر مَا أرْسلت بِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَة وَلَا تجعلها عذَابا اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رياحا وَلَا تجعلها ريحًا ". وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ مُسلم أَنَّهَا قَالَت " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا عصفت الرّيح قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك خَيرهَا وَخير مَا فِيهَا وَخير مَا أرْسلت بِهِ وَأَعُوذ بك من شَرها وَشر مَا فِيهَا وَشر مَا أرْسلت بِهِ قَالَت فَإِذا تَخَيَّلت السَّمَاء تغير لَونه وَخرج وَدخل وَأَقْبل وَأدبر فَإِذا مطرَت
стр. 1925
سرى عَنهُ فَعرفت ذَلِك عَائِشَة فَسَأَلته فَقَالَ لَعَلَّه يَا عَائِشَة كَمَا قَالَ قوم عَاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عارضا مُسْتَقْبل أَوْدِيَتهمْ قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ . وَأما حَدِيث أبي بن كَعْب رَضِي الله تعنه فَرَوَاهُ. وَأما حَدِيث عُثْمَان بن الْعَاصِ فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا اشتدت الرّيح الشمَال قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَرّ مَا أرْسلت بِهِ ". (وَمن فَوَائِد حَدِيث الْبَاب) الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إِلَيْهِ عِنْد اخْتِلَاف الْأَحْوَال وحدوث مَا يخَاف بِسَبَبِهِ وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
(بَاب قَول النَّبِي ﷺ َ - نصرت بالصبا)
أَي هَذَا بَاب قَول النَّبِي ﷺ َ - نصرت بالصبا وَذكر أَبُو حنيفَة فِي كتاب الأنواء أَن خَالِد بن صَفْوَان قَالَ الرِّيَاح أَربع الصِّبَا ومهبها فِيمَا بَين مطلع الشَّرْطَيْنِ إِلَى القطب ومهب الشمَال فِيمَا بَين القطب إِلَى مسْقط الشَّرْطَيْنِ وَمَا بَين مسْقط الشَّرْطَيْنِ إِلَى القطب الْأَسْفَل مهب الدبور وَمَا بَين القطب الْأَسْفَل إِلَى مطلع الشَّرْطَيْنِ مهب الْجنُوب وَحكي عَن جَعْفَر بن سعد بن سَمُرَة أَنه قَالَ الرِّيَاح سِتّ الْقبُول وَهِي الصِّبَا مخرجها مَا بَين المشرقين وَمَا بَين المغربين الدبور وَزَاد النكباء ومحوة وَقَالَ الْجَوْهَرِي الصِّبَا ريح مهبها المستوى مَوضِع مطلع الشَّمْس إِذا اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار وَالدبور الرّيح الَّذِي يُقَابل الصِّبَا وَيُقَال الصِّبَا مَقْصُورَة الرّيح الشرقية وَالدبور بِفَتْح الدَّال الرّيح الغربية وَيُقَال الصِّبَا الَّتِي تَجِيء من ظهرك إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة وَالدبور الَّتِي تَجِيء من قبل وَجهك إِذا استقبلتها وَعَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ مهب الصِّبَا من مطلع الثريا إِلَى بَنَات نعش ومهب الدبور من مسْقط النسْر الطَّائِر إِلَى سُهَيْل وَالصبَا ريح الْبرد وَالدبور ريح الصَّيف وَعَن أبي عُبَيْدَة الصِّبَا للإلذاذ وَالدبور للبلاء وأهونه أَن يكون غبارا عاصفا يقذي الْأَعْين وَهِي أقلهن هبوبا وَفِي التَّفْسِير ريح الصِّبَا هِيَ الَّتِي حملت ريح يُوسُف ﵊ قبل البشير إِلَيْهِ فإليها يستريح كل محزون وَالدبور هِيَ الرّيح الْعَقِيم يُقَال صبا وصبيان وصبوات وأصباء وكتابتها بِالْألف لقَولهم صبَّتْ الرّيح تصبو أصبا إِذا هبت وَقَالَ أَبُو عَليّ الصِّبَا وَالدبور يكونَانِ اسْما وَصفَة وَالدبور يجمع على دبر وأدبار ودبائر وَيجمع قبُول على قبائل يُقَال قبلت الرّيح تقبل قبولا ودبرت تدبر دبورا وَيُقَال أَقبلنَا من الْقبُول وأصبينا من الصِّبَا وأدبرنا من الدبور فَنحْن مصبون ومدبرون فَإِذا أردْت أَنَّهَا أصابتنا قلت قبلنَا فَنحْن مقبولون وصبينا فَنحْن مصبون ومصبيون ودبرنا فَنحْن مدبرون -
٥٣٠١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَة عنِ الحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ قَالَ نُصِرْتُ بِالصبَا وَأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن آدم وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن مُحَمَّد بن عرْعرة وَفِي الْمَغَازِي عَن مُسَدّد عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي مُوسَى وَبُنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (نصرت بالصبا) ، ونصرته ﷺ بالصبا كَانَ يَوْم الخَنْدَق، بعث الله الصِّبَا ريحًا بَارِدَة على الْمُشْركين فِي ليَالِي شَاتِيَة شَدِيدَة الْبرد، فأطفأت النيرَان وَقطعت الْأَوْتَاد والأطناب وَأَلْقَتْ الْمضَارب والأخبية، فَانْهَزَمُوا بِغَيْر قتال لَيْلًا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِذا جاءتكم جنود فارسلنا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا﴾ (الْأَحْزَاب: ٩) . وَأما عَاد فَإِنَّهُ: ابْن عوص بن أرم بن سَام بن نوح، ﵊، فتفرعت أَوْلَاده، فَكَانُوا ثَلَاث عشرَة قَبيلَة ينزلون الْأَحْقَاف وبلادها، وَكَانَت دِيَارهمْ بالدهناء وعالج وبثرين ووبار إِلَى حَضرمَوْت، وَكَانَت أخصب الْبِلَاد، فَلَمَّا سخط الله تَعَالَى عَلَيْهِم جعلهَا مفاوز، فَأرْسل الله عَلَيْهِم الدبور فأهلكتهم، وَكَانَت ﴿عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما﴾ (الحاقة: ٧) . أَي: متتابعة ابتدأت غدْوَة الْأَرْبَعَاء وسكنت فِي آخر الثَّامِن، وَاعْتَزل هود نَبِي الله، ﵇، وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ فِي حَظِيرَة لَا يصيبهم مِنْهَا إلاّ مَا يلين الْجُلُود وتلذ الْأَعْين، وَقَالَ مجاهذ: وَكَانَ قد آمن مَعَه أَرْبَعَة آلَاف، فَذَلِك
стр. 1926
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أمرنَا نجينا هودا وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ (هود: ٨٥) . وَكَانَت الرّيح تقلع الشّجر وتهدم الْبيُوت، وَمن لم يكن فِي بَيته مِنْهُم أهلكته فِي البراري وَالْجِبَال، وَكَانَت ترفع الظعينة بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى ترى كَأَنَّهَا جَرَادَة، وترميهم بِالْحِجَارَةِ فتدق أَعْنَاقهم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: دخلُوا الْبيُوت وَأَغْلقُوا أَبْوَابهَا فَجَاءَت الرّيح ففتحت الْأَبْوَاب وَسَفتْ عَلَيْهِم الرمل فبقوا تَحْتَهُ سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام، وَكَانَ يسمع أنينهم تَحت الرمل، وماتوا. وَقَالَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لم تجر الرِّيَاح قطّ بِمِكْيَال إلاّ فِي قصَّة عَاد، فَإِنَّهَا عَصَتْ عل الْخزَّان فَغَلَبَتْهُمْ فَلم يعلمُوا مِقْدَار مكيالها، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة﴾ (الحاقة: ٦) . والصرصر ذَات الصَّوْت الشَّديد ﴿كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية﴾ (الحاقة: ٧) . منقعرا من أَصله.
وَقَالَ ابْن بطال: فِي هَذَا الحَدِيث تَفْضِيل الْمَخْلُوقَات بَعْضهَا على بعض. وَفِيه: إِخْبَار الْمَرْء عَن نَفسه بِمَا فَضله الله بِهِ على جِهَة التحديث بِنِعْمَة الله وَالشُّكْر لَهُ لَا على الْفَخر. وَفِيه: الْإِخْبَار عَن الْأُمَم الْمَاضِيَة وإهلاكها.
٧٢ - (بابُ مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالآيَاتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي الزلازل، وَهُوَ جمع الزلزلة، والآيات جمع آيَة، وَهِي الْعَلامَة وَأَرَادَ بهَا: عَلَامَات الْقِيَامَة أَو عَلَامَات قدرَة الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الاسْتِسْقَاء، لِأَن وجود الزلزلة وَنَحْوهَا يَقع غَالِبا مَعَ نزُول الْمَطَر.
٦٣٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ أخبرنَا أبُو الزِّنَادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ وتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ ويَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وتَظْهَرَ الفِتَنُ ويَكْثُرَ الهَرْجُ وَهُوَ القَتْلُ القَتْلُ حتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المالُ فَيَفِيضُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة أَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج، وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث مطولا فِي كتاب الْفِتَن، وَذكر مِنْهُ قطعا هُنَا وَفِي الزَّكَاة وَفِي الرقَاق.
قَوْله: (لَا تقوم السَّاعَة) أَرَادَ بهَا يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (حَتَّى يقبض الْعلم) ، وَذَلِكَ بِمَوْت الْعلمَاء وَكَثْرَة الجهلاء، وَقَالَ السفاقسي: يَعْنِي أَكْثَرهم، لقَوْله ﷺ : (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله) . قَوْله: (وتكثر الزلازل) ، قَالَ الْمُهلب: ظُهُور الزلازل والآيات وَعِيد من الله تَعَالَى لأهل الأَرْض، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إلاّ تخويفا﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٥) . والتخويف والوعيد بِهَذِهِ الْآيَات إِنَّمَا يكون عِنْد المجاهرة والإعلان بِالْمَعَاصِي، أَلا ترى أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين زلزلت الْمَدِينَة فِي أَيَّامه، قَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة مَا أسْرع مَا أحدثتم، وَالله لَئِن عَادَتْ لأخْرجَن من بَين أظْهركُم، فخشي أَن تصيبه الْعقُوبَة مَعَهم، كَمَا قيل لرَسُول الله ﷺ : (أنهلك وَفينَا الصالحون؟ قَالَ: نعم إِذا كثر الْخبث، وَيبْعَث الله الصَّالِحين على نياتهم) . قَوْله: (ويتقارب الزَّمَان) . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه قرب الْقِيَامَة، ثمَّ الْمَعْنى: إِذا قربت الْقِيَامَة كَانَ من شَرطهَا الشُّح والهرج. وَالثَّانِي: أَنه قصر مُدَّة الْأَزْمِنَة عَمَّا جرت بِهِ الْعَادة، كَمَا جَاءَ: حَتَّى تكون السّنة كالشهر، والشهر كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَة كَالْيَوْمِ. قيل: وَالْيَوْم كالساعة، والساعة كالضرمة بالنَّار. وَالثَّالِث: أَنه قصر الْأَعْمَار بقلة الْبركَة فِيهَا. وَالرَّابِع: تقَارب أَحْوَال النَّاس فِي غَلَبَة الْفساد عَلَيْهِم، وَيكون الْمَعْنى: ويتقارب أهل الزَّمَان، أَي تتقارب صفاتهم فِي القبائح، وَلِهَذَا ذكر على أَثَره الْهَرج وَالشح. وَقَالَ ابْن التِّين: معنى ذَلِك قرب الْآيَات بَعْضهَا من بعض، وَفِي (حَوَاشِي الْمُنْذِرِيّ) قيل: مَعْنَاهُ تطيب تِلْكَ الْأَيَّام حَتَّى لَا تكَاد تستطال، بل تقصر، قَالَ: وَقيل: على ظَاهره من قصر مددها. وَقيل: تقَارب أَحْوَال أَهله فِي قلَّة الدّين حَتَّى لَا يكون فيهم من يَأْمر بِمَعْرُوف وَلَا ينْهَى عَن مُنكر لغَلَبَة الْفسق وَظُهُور أَهله. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد يكون مَعْنَاهُ فِي ترك طلب الْعلم خَاصَّة. وَقيل: يتقارب اللَّيْل وَالنَّهَار فِي عدم ازدياد السَّاعَات وانتقاصها بِأَن يتساويا طولا وقصرا. قَالَ أهل الْهَيْئَة: تنطبق دَائِرَة منْطقَة البروج على دَائِرَة معدل النَّهَار، فَحِينَئِذٍ يلْزم تساويهما ضَرُورَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: حَتَّى يقرب الزَّمَان من الْقِيَامَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَاصِل تَفْسِيره أَنه لَا تكون الْقِيَامَة حَتَّى تقرب، وَهَذَا كَلَام مهمل لَا طائل تَحْتَهُ. قلت: هَذِه جرْأَة من غير طَريقَة، وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي ذكره حَاصِل تَفْسِيره، بل معنى كَلَامه:
стр. 1927
يقرب الزَّمَان الْعَام بَين الْخلق من الْقِيَامَة الَّتِي هِيَ الزَّمَان الْخَاص، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: أَو يُرَاد أَن تتسارع الدول إِلَى الِانْقِضَاء فتقارب أَيَّام الْمُلُوك. قَوْله: (وَيكثر الْهَرج) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره جِيم: وَهُوَ الْقِتَال، والاختلاط، ورأيتهم يتهارجون أَي: يتسافدون، قَالَه صَاحب (الْعين) . وَقَالَ يَعْقُوب: الْهَرج الْقَتْل. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْهَرج الْفِتْنَة فِي آخر الزَّمَان. قَالَ: وَرُوِيَ: (أَمَام السَّاعَة هرج) . وَأَصله الْإِكْثَار من الشَّيْء. وَفِي (الْمُحكم) : الْهَرج شدَّة الْقَتْل وكثرته، كَثْرَة الْكَذِب وَكَثْرَة النّوم، والهرج شَيْء ترَاهُ فِي النّوم وَلَيْسَ بصادق. قَوْله: (حَتَّى يكثر) ، وَذَلِكَ لقلَّة الرِّجَال وَقلة الرغبات ولقصر الآمال لعلمهم بِقرب السَّاعَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ ترك: الْوَاو، وَلم يعْطف على مَا قبله؟ يَعْنِي: لم يقل: وَحَتَّى يكثر؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا غَايَة لِكَثْرَة الْهَرج، وَيحْتَمل أَن يكون مَعْطُوفًا على مَا قبله، وَالْوَاو محذوفة، وَحذف الْوَاو جَائِز فِي اللُّغَة. قَوْله: (فيفيض) بِفَتْح حرف المضارعة، وَيجوز فِي الضَّاد الرّفْع وَالنّصب: أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: فَهُوَ يفِيض، وَأما النصب فعلى أَنه عطف على: أَن يكثر، يُقَال: فاض المَاء يفِيض إِذا كثر حَتَّى سَالَ على ضفة الْوَادي أَي جَانِبه، وَيُقَال: أَفَاضَ الرجل إناءه أَي ملأَهُ حَتَّى فاض، وَيُقَال: فيض المَال كثرته حَتَّى يفضل مِنْهُ بأيدي ملاكه مَا لَا حَاجَة لَهُم بِهِ، وَقيل: بل ينتشر فِي النَّاس ويعمهم، وَهُوَ الْأَظْهر.
٧٣٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شامِنَا وَفِي يَمِنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شامِنَا وَفِي يَمِنِنا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ هُنَاكَ الزَّلازِلُ والفِتَنُ وبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ.
(الحَدِيث ٧٣٠١ طرفه فِي: ٤٩٠٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هُنَالك الزلازل والفتن) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد أَبُو مُوسَى، يعرف بالزمن الْعَنْبَري من أهل الْبَصْرَة. الثَّانِي: حُسَيْن بن الْحسن بن يسَار من آل مَالك بن يسَار ضد الْيَمين الْبَصْرِيّ مَاتَ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الله بن عون بن أرطبان، بِفَتْح الْهمزَة: الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون مَا خلا نَافِعًا. وَفِيه: أَن هَذَا مَوْقُوف على ابْن عمر، قَالَ الْحميدِي: اخْتلف على ابْن عون فِيهِ، فروى عَنهُ مُسْندًا، وروى عَنهُ مَوْقُوفا على ابْن عمر من قَوْله، وَالْخلاف إِنَّمَا وَقع من حُسَيْن بن الْحسن فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي روى الْوَقْف، وَأما أَزْهَر السمان وَعبيد الله بن عبد الله بن عون فروياه عَن ابْن عون فروياه عَن ابْن عون عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ . . فَذكره، وَفِي رِوَايَة: ذكر النَّبِي ﷺ ، وَذكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن: سقط من سَنَده ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا لفظ النَّبِي ﷺ ، لِأَن مثل هَذَا لَا يدْرِي بِالرَّأْيِ وَقَالَ النَّسَفِيّ: قَالَ أَبُو عبد الله: هَذَا الحَدِيث مَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ إلاّ أَن ابْن عون كَانَ يوقفه.
وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن عبد الله عَن أَزْهَر بن سعد مُصَرحًا فِيهِ بِذكر النَّبِي ﷺ ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بشر بن آدم بن بنت أَزْهَر السمان عَن جده أَزْهَر مَرْفُوعا، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ مُسْندًا، وَفِيه: فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة قَالَ: أَظُنهُ قَالَ: وَفِي نجدنا. قَالَ الدَّاودِيّ: وَإِنَّمَا لم يقل: فِي نجدنا، لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو بِمَا سبق فِي علم الله تَعَالَى خِلَافه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي شامنا) ، قَالَ ابْن هِشَام فِي (التيجان) هُوَ اسْم أعجمي من لُغَة بني حام، وَتَفْسِيره بالعربي: خير طيب، وَذكر الْكَلْبِيّ فِي (كتاب الْبلدَانِ) عَن الشرفي: إِنَّمَا سميت بسام بن نوح لِأَنَّهُ أول من نزلها. قَالَ الْكَلْبِيّ: وَلم ينزلها سَام قطّ، قَالَ: وَلما أخرج النَّاس من بابل أَخذ بَعضهم يمنة فسميت الْيمن، وتشاءم آخَرُونَ فسميت الشَّام. وَكَانَت الشَّام يُقَال لَهَا: أَرض كنعان، قَالَ: وَكَانَ فالخ بن عَامر هُوَ الَّذِي قسم الأَرْض بَين بني نوح، ﵇، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي فِي كَلَامه على الزَّاهِر: سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضهَا من بعض، فشبهت بالشامات، وَقَالَ أهل الْأَثر: سميت بذلك لِأَن قوما من كنعان بن حام خَرجُوا عِنْد التَّفَرُّق فتشأموا إِلَيْهَا: أَي أخذُوا ذَات الشمَال، وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي (تَارِيخ دمشق) :
стр. 1928
قَالَ ابْن المقفع: سميت الشَّام بسام بن نوح، ﵇، وسام اسْمه بالسُّرْيَانيَّة: شام، وبالعبرانية: شيم. قَالَ ابْن عَسَاكِر. وَقيل: سميت شاما لِأَنَّهَا عَن شمال الأَرْض. وَقَالَ بعض الروَاة: إِن اسْم الشَّام أَولا سورية، وككانت أَرض بني إِسْرَائِيل، قسمت على اثْنَي عشر سَهْما، فَصَارَ لسهم مِنْهُم مَدِينَة شامرين، وَهِي من أَرض فلسطين، فَصَارَ إِلَيْهَا متجر الْعَرَب فِي ذَلِك، وَمِنْهَا كَانَت ميرتهم فسموا الشَّام بشامرين، ثمَّ حذفوا فَقَالُوا: الشَّام. وَقَالَ الْبكْرِيّ: الشأم، مَهْمُوز الْألف، وَقد لَا يهمز، وَقَالَ الْفراء: فِيهَا لُغَتَانِ: شام وشأم، وَالنّسب إِلَيْهَا شأمي وشامي، وشام على الْحَذف. قَالَ الْجَوْهَرِي: يذكر وَيُؤَنث، وَلَا يُقَال: شأم، وَمَا جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر فَمَحْمُول على أَنه اقْتصر من النِّسْبَة على ذكر الْبَلَد، وَالْقَوْم أشأموا، أَي: أَتَوا الشَّام أَو ذَهَبُوا إِلَيْهَا. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن سراج مَهْمُوز مَمْدُود، وأباء أَكْثَرهم إلاّ فِي النّسَب أَعنِي: فتح الْهمزَة، كَمَا اخْتلف فِي إِثْبَات الْيَاء مَعَ الْهمزَة الممدودة، فَأَجَازَهُ سِيبَوَيْهٍ وَمنعه غَيره. وَيُقَال: قَوْله: (فِي شامنا ويمننا) أَي: الإقليمين الْمَشْهُورين، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهما: الْبِلَاد الَّتِي فِي يميننا ويسارنا أَعم مِنْهُمَا، يُقَال: نظرت يمنة وشامة أَي: يَمِينا ويسارا، ونجد هُوَ خلاف الْغَوْر. والغور هُوَ تهَامَة، وكل مَا ارْتَفع عَن تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَإِنَّمَا ترك الدُّعَاء لأهل الْمشرق ليضعفوا عَن الشَّرّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع فِي جهتهم لاستيلاء الشَّيْطَان بلفتن عَلَيْهَا. قَوْله: (وَبهَا) أَي: وبنجد يطلع قرن الشَّيْطَان، أَي: أمته وَحزبه. وَقَالَ كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يخرج الدَّجَّال من الْعرَاق.
٨٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله ... إِلَى آخِره، وَجه إِدْخَال هَذِه التَّرْجَمَة فِي أَبْوَاب الاسْتِسْقَاء لِأَن هَذِه الْآيَة فِيمَن قَالُوا: الاسْتِسْقَاء بالأنواء، على مَا روى عبد بن حميد الْكشِّي فِي تَفْسِيره: حَدثنِي يحيى بن عبد الحميد عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن ابْن عَبَّاس: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . قَالَا: الاسْتِسْقَاء بالأنواء، أخبرنَا إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن عِكْرِمَة عَن مَوْلَاهُ ﴿وتجعلون رزقكم﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . قَالَ: تَجْعَلُونَ شكركم، وَفِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: جمع إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي، وَرِوَايَته عَن الضَّحَّاك عَنهُ: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . قَالَ: وَذَلِكَ ان النَّبِي ﷺ مر على رجل وَهُوَ يَسْتَسْقِي بقدح لَهُ ويصبه فِي قربَة من مَاء السَّمَاء، وَهُوَ يَقُول: سقينا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . يَعْنِي: الْمَطَر، حَيْثُ يَقُولُونَ سقينا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا. وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (قَالَ مطر النَّاس على عهد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أصبح من النَّاس شاكرا وَمِنْهُم كَافِرًا، قَالُوا: هَذِه رَحْمَة وَضعهَا الله تَعَالَى، وَقَالَ بَعضهم: لقد صدق نوء كَذَا فَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . وَذكر أَبُو الْعَبَّاس فِي (مقامات التَّنْزِيل) عَن الْكَلْبِيّ أَن النَّبِي ﷺ عَطش أَصْحَابه فاستسقوه، قَالَ: إِن سقيتم قُلْتُمْ سقينا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا. قَالُوا: وَالله مَا هُوَ بِحِين الأنواء، فَدَعَا الله تَعَالَى فَمُطِرُوا، فَمر النَّبِي ﷺ بِرَجُل يغْرف من قدح وَيَقُول: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، فَنزلت. وروى الحكم عَن السّديّ، قَالَ: أَصَابَت قُريْشًا سنة شَدِيدَة، فسألوا النَّبِي ﷺ أَن يَسْتَسْقِي، فَدَعَا فأمطروا. فَقَالَ بَعضهم: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، فَنزلت الْآيَة. قَالَ السّديّ: وحَدثني عبد خير عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يقْرؤهَا: وتجعلون شكركم، وَقَالَ عبد بن حميد: حَدثنَا عمر ابْن سعد وَقبيصَة عَن سُفْيَان عَن عبد الْأَعْلَى عَن أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ: كَانَ عَليّ يقْرَأ: ﴿وتجعلون شكركم أَنكُمْ تكذبون﴾ وروى سعيد بن الْمَنْصُور عَن هشيم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، أَنه كَانَ يقْرَأ: ﴿وتجعلون شكركم أَنكُمْ تكذبون﴾ ، وَمن هَذَا الْوَجْه أخرجه ابْن مرْدَوَيْه فِي (التَّفْسِير الْمسند) . وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: وقرئت: ﴿وتجعلون شكركم أَنكُمْ تكذبون﴾ ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يقْرَأ بهَا بِخِلَاف الْمُصحف. وَقيل: فِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة حذف، تَقْدِيره: وتجعلون شكر رزقكم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الْمَعْنى، وتجعلون الرز الَّذِي وَجب عَلَيْكُم بِهِ الشُّكْر تكذيبكم بِهِ، وَقيل: بل الرزق بِمَعْنى الشُّكْر فِي لُغَة أَزْد شنُوءَة، نَقله الطَّبَرِيّ عَن الْهَيْثَم بن عدي: وَفِي (تَفْسِير أبي الْقَاسِم الْجَوْزِيّ) : وتجعلون نصيبكم من الْقُرْآن أَنكُمْ تكذبون.
قَالَ ابنُ عَبَّاسِ شُكْرَكُمْ
стр. 1929
هَذَا التَّعْلِيق ذكره عبد بن حميد فِي تَفْسِيره، وَقد ذَكرْنَاهُ آنِفا: أطلق الرزق وَأَرَادَ بِهِ لَازمه وَهُوَ الشُّكْر، فَهُوَ مجَاز، أَو أَرَادَ شكر رزقكم، فَهُوَ من بَاب الْإِضْمَار.
٨٣٠١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسَانَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ ابنِ مَسْعُودٍ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنه قَالَ صلَّى لَنا رسولُ الله ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ علَى إثْرِ سَماء كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ فلمَّا انْصَرَفَ النبيُّ ﷺ أقْبَلَ علَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربُّكُمْ قَالُوا الله ورسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ فَأمَّا مَنْ قالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله ورَحْمَتِهِ فذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ وأمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذَا وَكَذَا فذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهُم كَانُوا ينسبون الْأَفْعَال إِلَى غير الله، فيظنون أَن النَّجْم يمطرهم ويرزقهم، فَهَذَا تكذيبهم، فنهاهم الله عَن نِسْبَة الغيوث الَّتِي جعلهَا الله حَيَاة لِعِبَادِهِ وبلاده إِلَى الأنواء، وَأمرهمْ أَن يضيفوا ذَلِك إِلَيْهِ لِأَنَّهُ من نعْمَته عَلَيْهِم، وَأَن يفردوه بالشكر على ذَلِك.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس.
قَوْله: (عَن زيد بن خَالِد) ، هَكَذَا يَقُول صَالح بن كيسَان: لم يخْتَلف عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَخَالفهُ الزُّهْرِيّ فَرَوَاهُ عَن شيخهما عبيد الله فَقَالَ: عَن أبي هُرَيْرَة، أخرجه مُسلم عقب رِوَايَة صَالح، وَصحح الطَّرِيقَيْنِ، لِأَن عبيد الله سمع من زيد بن خَالِد وَأبي هُرَيْرَة جَمِيعًا عدَّة أَحَادِيث، فَلَعَلَّهُ سمع هَذَا مِنْهُمَا، فَحدث بِهِ تَارَة عَن هَذَا وَتارَة عَن هَذَا، وَإِنَّمَا لم يجمعهما لاخْتِلَاف لَفْظهمَا، وَقد صرح صَالح سَمَاعه لَهُ من عبيد الله عِنْد أبي عوَانَة، وروى صَالح عَن عبيد الله بِوَاسِطَة الزُّهْرِيّ عدَّة أَحَادِيث.
وَحَدِيث الْبَاب أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك إِلَى آخِره وَنَحْوه، وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٩٢ - (بابٌ لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ إلاّ الله)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته لَا يدْرِي وَقت مَجِيء الْمَطَر إلاّ الله، وَلما كَانَ الْبَاب السَّابِق يتَضَمَّن أَن الْمَطَر إِنَّمَا ينزل بِقَضَاء الله تَعَالَى، وَأَنه لَا تَأْثِير للكواكب فِي نُزُوله ذكر هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة ليبين أَن أحدا لَا يعلم مَتى يَجِيء، وَلَا يعلم ذَلِك إلاّ الله ، لِأَن نُزُوله إِذا كَانَ بِقَضَائِهِ وَلَا يُعلمهُ أحد غَيره فَكَذَلِك لَا يعلم أحد إبان مَجِيئه.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلاّ الله
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي الْإِيمَان، وَفِي تَفْسِير لُقْمَان من طَرِيق أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة فِي سُؤال جِبْرِيل، ﵊، عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام، لَكِن لَفظه: فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إلاّ الله، وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات فِي التَّفْسِير بِلَفْظ: وَخمْس، وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي التَّفْسِير من طَرِيق يحيى بن أَيُّوب البَجلِيّ عَن جده عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: (خمس من الْغَيْب لَا يعلمهُنَّ إلاّ الله: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة ... ﴾ (لُقْمَان: ٤٣) . إِلَى آخِره الْآيَة.
٩٣٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينار عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إلاّ الله لَا يَعْلَمْ أحدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ ولَا يَعْلَمُ أحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأرْحَامِ وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ وَمَا يَدْرِي أحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ مطولا فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل النَّبِي ﷺ عَن الْإِيمَان والاسلام، وَلَفظه فِيهِ: (فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله ثمَّ
стр. 1930
تَلا النَّبِي ﷺ أَن الله عِنْده علم السَّاعَة) الْآيَة.
قَوْله: (مِفْتَاح الْغَيْب) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (مفاتح الْغَيْب) ، ذكر الطَّبَرَانِيّ أَن: المفاتيح جمع مِفْتَاح، والمفاتح جمع مفتح، وهما فِي الأَصْل كل مَا يتوسل بِهِ إِلَى اسْتِخْرَاج المغلقات الَّتِي يتَعَذَّر الْوُصُول إِلَيْهَا، وَهُوَ إِمَّا اسْتِعَارَة مكنية بِأَن يَجْعَل الْغَيْب كالمخزن المستوثق بالإغلاق فيضاف إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص المخزن الْمَذْكُور، وَهُوَ الْمِفْتَاح وَهُوَ الِاسْتِعَارَة الترشيحية، وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة مصرحة بِأَن يَجْعَل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْغَيْب للمخزون، وَيكون لفظ الْغَيْب قرينَة لَهُ، والغيب مَا غَابَ عَن الْخلق، وَسَوَاء كَانَ محصلاً فِي الْقُلُوب أَو غير مُحَصل، وَلَا غيب عِنْد الله .
وَهَهُنَا أسئلة: الأول: أَن الغيوب الَّتِي لَا يعلمهَا إِلَّا الله كَثِيرَة، وَلَا يعلم مبلغها إِلَّا الله تَعَالَى، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعلم جنود رَبك إلاّ هُوَ﴾ (المدثر: ١٣) . فَمَا وَجه التَّخْصِيص بالخمس؟ وَأجِيب: بأوجه. . الأول: أَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد، وَالثَّانِي: أَن ذكر هَذَا الْعدَد فِي مُقَابلَة مَا كَانَ الْقَوْم يَعْتَقِدُونَ أَنهم يعْرفُونَ من الْغَيْب هَذِه الْخمس. وَالثَّالِث: لأَنهم كَانُوا يسألونه عَن هَذِه الْخمس. وَالرَّابِع: أَن أُمَّهَات الْأُمُور هَذِه، لِأَنَّهَا إِمَّا أَن تتَعَلَّق بِالآخِرَة وَهُوَ علم السَّاعَة، وَإِمَّا بالدنيا، وَذَلِكَ إِمَّا مُتَعَلق بالجماد أَو بِالْحَيَوَانِ. وَالثَّانِي إِمَّا بِحَسب مبدأ وجوده أَو بِحَسب معاده أَو بِحَسب معاشه.
السُّؤَال الثَّانِي: من أَيْن يعلم مِنْهُ علم السَّاعَة، وَقد ذكر الله الْخَمْسَة حَيْثُ قَالَ: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة﴾ (لُقْمَان: ٤٣) . وَأجِيب: بِأَن الأول من هَذِه إِشَارَة إِلَيْهِ إِذْ يحْتَمل وُقُوع أَشْرَاط السَّاعَة فِي الْغَد.
السُّؤَال الثَّالِث: أَنه قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ نفس، وَفِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: أحد وَأجِيب: بِأَن النَّفس هِيَ الكاسبة وَهِي المائتة، قَالَ تَعَالَى: ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ (المدثر: ٨٣) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا﴾ (الزمر: ٢٤) . فَلَو قيل بدلهَا لفظ أحد، فِيهَا لاحتمل أَن يفهم مِنْهُ لَا يعلم أحد مَاذَا تكسب نَفسه أَو بِأَيّ أَرض تَمُوت نَفسه. فتفوت الْمُبَالغَة الْمَقْصُودَة، وَهِي: أَن النَّفس لَا تعرف حَال نَفسهَا لَا حَالا ومآلاً وَإِذ لم يكن لَهَا طَرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا فَكَانَ إِلَى عدم معرفَة مَا عَداهَا أولى.
السُّؤَال الرَّابِع: مَا الْفرق بَين الْعلم والدراية؟ وَأجِيب: بِأَن الدِّرَايَة أخص لِأَنَّهَا علم باحتيال، أَي أَنَّهَا لَا تعرف وَإِن أعملت حيلها.
السُّؤَال الْخَامِس: لم عدل عَن لفظ: الْقُرْآن، وَهُوَ يدْرِي إِلَى لفظ: يعلم فيماذا تكسب غَدا؟ وَأجِيب: لإِرَادَة زِيَادَة الْمُبَالغَة، إِذْ نفي الْعَام مُسْتَلْزم لنفي الْخَاص بِدُونِ الْعَكْس، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تعلم أصلا سَوَاء احتالت أم لَا. وَقَالَ ابْن بطال: وَهَذَا يبطل خرص المنجمين فِي تعاطيهم علم الْغَيْب، فَمن ادّعى علم مَا أخبر الله وَرَسُوله، وَأَن الله مُنْفَرد بِعِلْمِهِ فقد كذب الله وَرَسُوله، وَذَلِكَ كفر من قَائِله، وَقَالَ الزّجاج: من ادّعى أَنه يعلم شَيْئا من هَذِه الْخمس فقد كفر بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦١ - (كِتَابُ الكُسُوفِ)
أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي بَيَان أُمُور الْكُسُوف، وَفِي بعض النّسخ: كتاب الْكُسُوف، وَالْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، وَأَصله: من كسفت حَاله أَي: تَغَيَّرت، وَهُوَ نُقْصَان الضَّوْء، وَالْأَشْهر فِي ألسن الْفُقَهَاء تَخْصِيص الْكُسُوف بالشمس والخسوف بالقمر، وَادّعى الْجَوْهَرِي أَنه الْأَفْصَح، وَقيل: هما يستعملان فيهمَا، وَبَوَّبَ لَهُ البُخَارِيّ بَابا كَمَا سَيَأْتِي. وَقيل: الْكُسُوف للقمر والخسوف للشمس، وَهُوَ مَرْدُود. وَقيل: الْكُسُوف أَوله، والخسوف آخِره، وَقَالَ اللَّيْث بن سعد: الخسوف فِي الْكل، والكسوف فِي الْبَعْض. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِيمَا تقدم.
١ - (بابُ الصَّلاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة صَلَاة كسوف الشَّمْس، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: أَنه لَا خلاف فِي مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الْكُسُوف والخسوف، وأصل مشروعيتها بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إلاّ تخويفا﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٥) . والكسوف آيَة من آيَات الله المخوفة، وَالله تَعَالَى يخوف عباده ليتركوا الْمعاصِي ويرجعوا إِلَى طَاعَة الله الَّتِي فِيهَا فوزهم. وَأما السّنة فَقَوله ﷺ : (إِذا رَأَيْتُمْ شَيْئا من هَذِه الأفزاع فافزعوا إِلَى الصَّلَاة) . وَأما الْإِجْمَاع، فَإِن الْأمة قد اجْتمعت عَلَيْهَا من غير إِنْكَار اُحْدُ. الثَّانِي: أَن سَبَب مشروعيتها هُوَ الْكُسُوف، فَإِنَّهَا تُضَاف إِلَيْهِ وتتكرر بتكرره. الثَّالِث: أَن شَرط جَوَازهَا هُوَ مَا يشْتَرط بِسَائِر الصَّلَوَات. الرَّابِع: أَنَّهَا سنة وَلَيْسَت بواجبة، وَهُوَ الْأَصَح. وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا: إِنَّهَا وَاجِبَة لِلْأَمْرِ بهَا. وَنَصّ فِي (الْأَسْرَار) على وُجُوبهَا، وَصرح أَبُو عوَانَة أَيْضا بِوُجُوبِهَا، وَعَن مَالك أَنه: أجراها مجْرى الْجُمُعَة، وَقيل: إِنَّهَا فرض كِفَايَة
следующие страницы →