Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أمرنَا نجينا هودا وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ (هود: ٨٥) . وَكَانَت الرّيح تقلع الشّجر وتهدم الْبيُوت، وَمن لم يكن فِي بَيته مِنْهُم أهلكته فِي البراري وَالْجِبَال، وَكَانَت ترفع الظعينة بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى ترى كَأَنَّهَا جَرَادَة، وترميهم بِالْحِجَارَةِ فتدق أَعْنَاقهم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: دخلُوا الْبيُوت وَأَغْلقُوا أَبْوَابهَا فَجَاءَت الرّيح ففتحت الْأَبْوَاب وَسَفتْ عَلَيْهِم الرمل فبقوا تَحْتَهُ سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام، وَكَانَ يسمع أنينهم تَحت الرمل، وماتوا. وَقَالَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لم تجر الرِّيَاح قطّ بِمِكْيَال إلاّ فِي قصَّة عَاد، فَإِنَّهَا عَصَتْ عل الْخزَّان فَغَلَبَتْهُمْ فَلم يعلمُوا مِقْدَار مكيالها، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة﴾ (الحاقة: ٦) . والصرصر ذَات الصَّوْت الشَّديد ﴿كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية﴾ (الحاقة: ٧) . منقعرا من أَصله.
وَقَالَ ابْن بطال: فِي هَذَا الحَدِيث تَفْضِيل الْمَخْلُوقَات بَعْضهَا على بعض. وَفِيه: إِخْبَار الْمَرْء عَن نَفسه بِمَا فَضله الله بِهِ على جِهَة التحديث بِنِعْمَة الله وَالشُّكْر لَهُ لَا على الْفَخر. وَفِيه: الْإِخْبَار عَن الْأُمَم الْمَاضِيَة وإهلاكها.
٧٢ - (بابُ مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالآيَاتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي الزلازل، وَهُوَ جمع الزلزلة، والآيات جمع آيَة، وَهِي الْعَلامَة وَأَرَادَ بهَا: عَلَامَات الْقِيَامَة أَو عَلَامَات قدرَة الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الاسْتِسْقَاء، لِأَن وجود الزلزلة وَنَحْوهَا يَقع غَالِبا مَعَ نزُول الْمَطَر.
٦٣٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ أخبرنَا أبُو الزِّنَادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ وتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ ويَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وتَظْهَرَ الفِتَنُ ويَكْثُرَ الهَرْجُ وَهُوَ القَتْلُ القَتْلُ حتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المالُ فَيَفِيضُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة أَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج، وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث مطولا فِي كتاب الْفِتَن، وَذكر مِنْهُ قطعا هُنَا وَفِي الزَّكَاة وَفِي الرقَاق.
قَوْله: (لَا تقوم السَّاعَة) أَرَادَ بهَا يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (حَتَّى يقبض الْعلم) ، وَذَلِكَ بِمَوْت الْعلمَاء وَكَثْرَة الجهلاء، وَقَالَ السفاقسي: يَعْنِي أَكْثَرهم، لقَوْله ﷺ : (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله) . قَوْله: (وتكثر الزلازل) ، قَالَ الْمُهلب: ظُهُور الزلازل والآيات وَعِيد من الله تَعَالَى لأهل الأَرْض، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إلاّ تخويفا﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٥) . والتخويف والوعيد بِهَذِهِ الْآيَات إِنَّمَا يكون عِنْد المجاهرة والإعلان بِالْمَعَاصِي، أَلا ترى أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين زلزلت الْمَدِينَة فِي أَيَّامه، قَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة مَا أسْرع مَا أحدثتم، وَالله لَئِن عَادَتْ لأخْرجَن من بَين أظْهركُم، فخشي أَن تصيبه الْعقُوبَة مَعَهم، كَمَا قيل لرَسُول الله ﷺ : (أنهلك وَفينَا الصالحون؟ قَالَ: نعم إِذا كثر الْخبث، وَيبْعَث الله الصَّالِحين على نياتهم) . قَوْله: (ويتقارب الزَّمَان) . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه قرب الْقِيَامَة، ثمَّ الْمَعْنى: إِذا قربت الْقِيَامَة كَانَ من شَرطهَا الشُّح والهرج. وَالثَّانِي: أَنه قصر مُدَّة الْأَزْمِنَة عَمَّا جرت بِهِ الْعَادة، كَمَا جَاءَ: حَتَّى تكون السّنة كالشهر، والشهر كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَة كَالْيَوْمِ. قيل: وَالْيَوْم كالساعة، والساعة كالضرمة بالنَّار. وَالثَّالِث: أَنه قصر الْأَعْمَار بقلة الْبركَة فِيهَا. وَالرَّابِع: تقَارب أَحْوَال النَّاس فِي غَلَبَة الْفساد عَلَيْهِم، وَيكون الْمَعْنى: ويتقارب أهل الزَّمَان، أَي تتقارب صفاتهم فِي القبائح، وَلِهَذَا ذكر على أَثَره الْهَرج وَالشح. وَقَالَ ابْن التِّين: معنى ذَلِك قرب الْآيَات بَعْضهَا من بعض، وَفِي (حَوَاشِي الْمُنْذِرِيّ) قيل: مَعْنَاهُ تطيب تِلْكَ الْأَيَّام حَتَّى لَا تكَاد تستطال، بل تقصر، قَالَ: وَقيل: على ظَاهره من قصر مددها. وَقيل: تقَارب أَحْوَال أَهله فِي قلَّة الدّين حَتَّى لَا يكون فيهم من يَأْمر بِمَعْرُوف وَلَا ينْهَى عَن مُنكر لغَلَبَة الْفسق وَظُهُور أَهله. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد يكون مَعْنَاهُ فِي ترك طلب الْعلم خَاصَّة. وَقيل: يتقارب اللَّيْل وَالنَّهَار فِي عدم ازدياد السَّاعَات وانتقاصها بِأَن يتساويا طولا وقصرا. قَالَ أهل الْهَيْئَة: تنطبق دَائِرَة منْطقَة البروج على دَائِرَة معدل النَّهَار، فَحِينَئِذٍ يلْزم تساويهما ضَرُورَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: حَتَّى يقرب الزَّمَان من الْقِيَامَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَاصِل تَفْسِيره أَنه لَا تكون الْقِيَامَة حَتَّى تقرب، وَهَذَا كَلَام مهمل لَا طائل تَحْتَهُ. قلت: هَذِه جرْأَة من غير طَريقَة، وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي ذكره حَاصِل تَفْسِيره، بل معنى كَلَامه:
стр. 1927
يقرب الزَّمَان الْعَام بَين الْخلق من الْقِيَامَة الَّتِي هِيَ الزَّمَان الْخَاص، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: أَو يُرَاد أَن تتسارع الدول إِلَى الِانْقِضَاء فتقارب أَيَّام الْمُلُوك. قَوْله: (وَيكثر الْهَرج) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره جِيم: وَهُوَ الْقِتَال، والاختلاط، ورأيتهم يتهارجون أَي: يتسافدون، قَالَه صَاحب (الْعين) . وَقَالَ يَعْقُوب: الْهَرج الْقَتْل. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْهَرج الْفِتْنَة فِي آخر الزَّمَان. قَالَ: وَرُوِيَ: (أَمَام السَّاعَة هرج) . وَأَصله الْإِكْثَار من الشَّيْء. وَفِي (الْمُحكم) : الْهَرج شدَّة الْقَتْل وكثرته، كَثْرَة الْكَذِب وَكَثْرَة النّوم، والهرج شَيْء ترَاهُ فِي النّوم وَلَيْسَ بصادق. قَوْله: (حَتَّى يكثر) ، وَذَلِكَ لقلَّة الرِّجَال وَقلة الرغبات ولقصر الآمال لعلمهم بِقرب السَّاعَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ ترك: الْوَاو، وَلم يعْطف على مَا قبله؟ يَعْنِي: لم يقل: وَحَتَّى يكثر؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا غَايَة لِكَثْرَة الْهَرج، وَيحْتَمل أَن يكون مَعْطُوفًا على مَا قبله، وَالْوَاو محذوفة، وَحذف الْوَاو جَائِز فِي اللُّغَة. قَوْله: (فيفيض) بِفَتْح حرف المضارعة، وَيجوز فِي الضَّاد الرّفْع وَالنّصب: أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: فَهُوَ يفِيض، وَأما النصب فعلى أَنه عطف على: أَن يكثر، يُقَال: فاض المَاء يفِيض إِذا كثر حَتَّى سَالَ على ضفة الْوَادي أَي جَانِبه، وَيُقَال: أَفَاضَ الرجل إناءه أَي ملأَهُ حَتَّى فاض، وَيُقَال: فيض المَال كثرته حَتَّى يفضل مِنْهُ بأيدي ملاكه مَا لَا حَاجَة لَهُم بِهِ، وَقيل: بل ينتشر فِي النَّاس ويعمهم، وَهُوَ الْأَظْهر.
٧٣٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شامِنَا وَفِي يَمِنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شامِنَا وَفِي يَمِنِنا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ هُنَاكَ الزَّلازِلُ والفِتَنُ وبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ.
(الحَدِيث ٧٣٠١ طرفه فِي: ٤٩٠٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هُنَالك الزلازل والفتن) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد أَبُو مُوسَى، يعرف بالزمن الْعَنْبَري من أهل الْبَصْرَة. الثَّانِي: حُسَيْن بن الْحسن بن يسَار من آل مَالك بن يسَار ضد الْيَمين الْبَصْرِيّ مَاتَ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الله بن عون بن أرطبان، بِفَتْح الْهمزَة: الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون مَا خلا نَافِعًا. وَفِيه: أَن هَذَا مَوْقُوف على ابْن عمر، قَالَ الْحميدِي: اخْتلف على ابْن عون فِيهِ، فروى عَنهُ مُسْندًا، وروى عَنهُ مَوْقُوفا على ابْن عمر من قَوْله، وَالْخلاف إِنَّمَا وَقع من حُسَيْن بن الْحسن فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي روى الْوَقْف، وَأما أَزْهَر السمان وَعبيد الله بن عبد الله بن عون فروياه عَن ابْن عون فروياه عَن ابْن عون عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ . . فَذكره، وَفِي رِوَايَة: ذكر النَّبِي ﷺ ، وَذكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن: سقط من سَنَده ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا لفظ النَّبِي ﷺ ، لِأَن مثل هَذَا لَا يدْرِي بِالرَّأْيِ وَقَالَ النَّسَفِيّ: قَالَ أَبُو عبد الله: هَذَا الحَدِيث مَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ إلاّ أَن ابْن عون كَانَ يوقفه.
وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن عبد الله عَن أَزْهَر بن سعد مُصَرحًا فِيهِ بِذكر النَّبِي ﷺ ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بشر بن آدم بن بنت أَزْهَر السمان عَن جده أَزْهَر مَرْفُوعا، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ مُسْندًا، وَفِيه: فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة قَالَ: أَظُنهُ قَالَ: وَفِي نجدنا. قَالَ الدَّاودِيّ: وَإِنَّمَا لم يقل: فِي نجدنا، لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو بِمَا سبق فِي علم الله تَعَالَى خِلَافه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي شامنا) ، قَالَ ابْن هِشَام فِي (التيجان) هُوَ اسْم أعجمي من لُغَة بني حام، وَتَفْسِيره بالعربي: خير طيب، وَذكر الْكَلْبِيّ فِي (كتاب الْبلدَانِ) عَن الشرفي: إِنَّمَا سميت بسام بن نوح لِأَنَّهُ أول من نزلها. قَالَ الْكَلْبِيّ: وَلم ينزلها سَام قطّ، قَالَ: وَلما أخرج النَّاس من بابل أَخذ بَعضهم يمنة فسميت الْيمن، وتشاءم آخَرُونَ فسميت الشَّام. وَكَانَت الشَّام يُقَال لَهَا: أَرض كنعان، قَالَ: وَكَانَ فالخ بن عَامر هُوَ الَّذِي قسم الأَرْض بَين بني نوح، ﵇، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي فِي كَلَامه على الزَّاهِر: سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضهَا من بعض، فشبهت بالشامات، وَقَالَ أهل الْأَثر: سميت بذلك لِأَن قوما من كنعان بن حام خَرجُوا عِنْد التَّفَرُّق فتشأموا إِلَيْهَا: أَي أخذُوا ذَات الشمَال، وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي (تَارِيخ دمشق) :
стр. 1928
قَالَ ابْن المقفع: سميت الشَّام بسام بن نوح، ﵇، وسام اسْمه بالسُّرْيَانيَّة: شام، وبالعبرانية: شيم. قَالَ ابْن عَسَاكِر. وَقيل: سميت شاما لِأَنَّهَا عَن شمال الأَرْض. وَقَالَ بعض الروَاة: إِن اسْم الشَّام أَولا سورية، وككانت أَرض بني إِسْرَائِيل، قسمت على اثْنَي عشر سَهْما، فَصَارَ لسهم مِنْهُم مَدِينَة شامرين، وَهِي من أَرض فلسطين، فَصَارَ إِلَيْهَا متجر الْعَرَب فِي ذَلِك، وَمِنْهَا كَانَت ميرتهم فسموا الشَّام بشامرين، ثمَّ حذفوا فَقَالُوا: الشَّام. وَقَالَ الْبكْرِيّ: الشأم، مَهْمُوز الْألف، وَقد لَا يهمز، وَقَالَ الْفراء: فِيهَا لُغَتَانِ: شام وشأم، وَالنّسب إِلَيْهَا شأمي وشامي، وشام على الْحَذف. قَالَ الْجَوْهَرِي: يذكر وَيُؤَنث، وَلَا يُقَال: شأم، وَمَا جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر فَمَحْمُول على أَنه اقْتصر من النِّسْبَة على ذكر الْبَلَد، وَالْقَوْم أشأموا، أَي: أَتَوا الشَّام أَو ذَهَبُوا إِلَيْهَا. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن سراج مَهْمُوز مَمْدُود، وأباء أَكْثَرهم إلاّ فِي النّسَب أَعنِي: فتح الْهمزَة، كَمَا اخْتلف فِي إِثْبَات الْيَاء مَعَ الْهمزَة الممدودة، فَأَجَازَهُ سِيبَوَيْهٍ وَمنعه غَيره. وَيُقَال: قَوْله: (فِي شامنا ويمننا) أَي: الإقليمين الْمَشْهُورين، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهما: الْبِلَاد الَّتِي فِي يميننا ويسارنا أَعم مِنْهُمَا، يُقَال: نظرت يمنة وشامة أَي: يَمِينا ويسارا، ونجد هُوَ خلاف الْغَوْر. والغور هُوَ تهَامَة، وكل مَا ارْتَفع عَن تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَإِنَّمَا ترك الدُّعَاء لأهل الْمشرق ليضعفوا عَن الشَّرّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع فِي جهتهم لاستيلاء الشَّيْطَان بلفتن عَلَيْهَا. قَوْله: (وَبهَا) أَي: وبنجد يطلع قرن الشَّيْطَان، أَي: أمته وَحزبه. وَقَالَ كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يخرج الدَّجَّال من الْعرَاق.
٨٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله ... إِلَى آخِره، وَجه إِدْخَال هَذِه التَّرْجَمَة فِي أَبْوَاب الاسْتِسْقَاء لِأَن هَذِه الْآيَة فِيمَن قَالُوا: الاسْتِسْقَاء بالأنواء، على مَا روى عبد بن حميد الْكشِّي فِي تَفْسِيره: حَدثنِي يحيى بن عبد الحميد عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن ابْن عَبَّاس: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . قَالَا: الاسْتِسْقَاء بالأنواء، أخبرنَا إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن عِكْرِمَة عَن مَوْلَاهُ ﴿وتجعلون رزقكم﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . قَالَ: تَجْعَلُونَ شكركم، وَفِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: جمع إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي، وَرِوَايَته عَن الضَّحَّاك عَنهُ: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . قَالَ: وَذَلِكَ ان النَّبِي ﷺ مر على رجل وَهُوَ يَسْتَسْقِي بقدح لَهُ ويصبه فِي قربَة من مَاء السَّمَاء، وَهُوَ يَقُول: سقينا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . يَعْنِي: الْمَطَر، حَيْثُ يَقُولُونَ سقينا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا. وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (قَالَ مطر النَّاس على عهد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أصبح من النَّاس شاكرا وَمِنْهُم كَافِرًا، قَالُوا: هَذِه رَحْمَة وَضعهَا الله تَعَالَى، وَقَالَ بَعضهم: لقد صدق نوء كَذَا فَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٨) . وَذكر أَبُو الْعَبَّاس فِي (مقامات التَّنْزِيل) عَن الْكَلْبِيّ أَن النَّبِي ﷺ عَطش أَصْحَابه فاستسقوه، قَالَ: إِن سقيتم قُلْتُمْ سقينا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا. قَالُوا: وَالله مَا هُوَ بِحِين الأنواء، فَدَعَا الله تَعَالَى فَمُطِرُوا، فَمر النَّبِي ﷺ بِرَجُل يغْرف من قدح وَيَقُول: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، فَنزلت. وروى الحكم عَن السّديّ، قَالَ: أَصَابَت قُريْشًا سنة شَدِيدَة، فسألوا النَّبِي ﷺ أَن يَسْتَسْقِي، فَدَعَا فأمطروا. فَقَالَ بَعضهم: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، فَنزلت الْآيَة. قَالَ السّديّ: وحَدثني عبد خير عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يقْرؤهَا: وتجعلون شكركم، وَقَالَ عبد بن حميد: حَدثنَا عمر ابْن سعد وَقبيصَة عَن سُفْيَان عَن عبد الْأَعْلَى عَن أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ: كَانَ عَليّ يقْرَأ: ﴿وتجعلون شكركم أَنكُمْ تكذبون﴾ وروى سعيد بن الْمَنْصُور عَن هشيم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، أَنه كَانَ يقْرَأ: ﴿وتجعلون شكركم أَنكُمْ تكذبون﴾ ، وَمن هَذَا الْوَجْه أخرجه ابْن مرْدَوَيْه فِي (التَّفْسِير الْمسند) . وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: وقرئت: ﴿وتجعلون شكركم أَنكُمْ تكذبون﴾ ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يقْرَأ بهَا بِخِلَاف الْمُصحف. وَقيل: فِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة حذف، تَقْدِيره: وتجعلون شكر رزقكم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الْمَعْنى، وتجعلون الرز الَّذِي وَجب عَلَيْكُم بِهِ الشُّكْر تكذيبكم بِهِ، وَقيل: بل الرزق بِمَعْنى الشُّكْر فِي لُغَة أَزْد شنُوءَة، نَقله الطَّبَرِيّ عَن الْهَيْثَم بن عدي: وَفِي (تَفْسِير أبي الْقَاسِم الْجَوْزِيّ) : وتجعلون نصيبكم من الْقُرْآن أَنكُمْ تكذبون.
قَالَ ابنُ عَبَّاسِ شُكْرَكُمْ
стр. 1929
هَذَا التَّعْلِيق ذكره عبد بن حميد فِي تَفْسِيره، وَقد ذَكرْنَاهُ آنِفا: أطلق الرزق وَأَرَادَ بِهِ لَازمه وَهُوَ الشُّكْر، فَهُوَ مجَاز، أَو أَرَادَ شكر رزقكم، فَهُوَ من بَاب الْإِضْمَار.
٨٣٠١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسَانَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ ابنِ مَسْعُودٍ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنه قَالَ صلَّى لَنا رسولُ الله ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ علَى إثْرِ سَماء كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ فلمَّا انْصَرَفَ النبيُّ ﷺ أقْبَلَ علَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربُّكُمْ قَالُوا الله ورسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ فَأمَّا مَنْ قالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله ورَحْمَتِهِ فذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ وأمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذَا وَكَذَا فذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهُم كَانُوا ينسبون الْأَفْعَال إِلَى غير الله، فيظنون أَن النَّجْم يمطرهم ويرزقهم، فَهَذَا تكذيبهم، فنهاهم الله عَن نِسْبَة الغيوث الَّتِي جعلهَا الله حَيَاة لِعِبَادِهِ وبلاده إِلَى الأنواء، وَأمرهمْ أَن يضيفوا ذَلِك إِلَيْهِ لِأَنَّهُ من نعْمَته عَلَيْهِم، وَأَن يفردوه بالشكر على ذَلِك.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس.
قَوْله: (عَن زيد بن خَالِد) ، هَكَذَا يَقُول صَالح بن كيسَان: لم يخْتَلف عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَخَالفهُ الزُّهْرِيّ فَرَوَاهُ عَن شيخهما عبيد الله فَقَالَ: عَن أبي هُرَيْرَة، أخرجه مُسلم عقب رِوَايَة صَالح، وَصحح الطَّرِيقَيْنِ، لِأَن عبيد الله سمع من زيد بن خَالِد وَأبي هُرَيْرَة جَمِيعًا عدَّة أَحَادِيث، فَلَعَلَّهُ سمع هَذَا مِنْهُمَا، فَحدث بِهِ تَارَة عَن هَذَا وَتارَة عَن هَذَا، وَإِنَّمَا لم يجمعهما لاخْتِلَاف لَفْظهمَا، وَقد صرح صَالح سَمَاعه لَهُ من عبيد الله عِنْد أبي عوَانَة، وروى صَالح عَن عبيد الله بِوَاسِطَة الزُّهْرِيّ عدَّة أَحَادِيث.
وَحَدِيث الْبَاب أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك إِلَى آخِره وَنَحْوه، وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٩٢ - (بابٌ لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ إلاّ الله)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته لَا يدْرِي وَقت مَجِيء الْمَطَر إلاّ الله، وَلما كَانَ الْبَاب السَّابِق يتَضَمَّن أَن الْمَطَر إِنَّمَا ينزل بِقَضَاء الله تَعَالَى، وَأَنه لَا تَأْثِير للكواكب فِي نُزُوله ذكر هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة ليبين أَن أحدا لَا يعلم مَتى يَجِيء، وَلَا يعلم ذَلِك إلاّ الله ، لِأَن نُزُوله إِذا كَانَ بِقَضَائِهِ وَلَا يُعلمهُ أحد غَيره فَكَذَلِك لَا يعلم أحد إبان مَجِيئه.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلاّ الله
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي الْإِيمَان، وَفِي تَفْسِير لُقْمَان من طَرِيق أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة فِي سُؤال جِبْرِيل، ﵊، عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام، لَكِن لَفظه: فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إلاّ الله، وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات فِي التَّفْسِير بِلَفْظ: وَخمْس، وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي التَّفْسِير من طَرِيق يحيى بن أَيُّوب البَجلِيّ عَن جده عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: (خمس من الْغَيْب لَا يعلمهُنَّ إلاّ الله: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة ... ﴾ (لُقْمَان: ٤٣) . إِلَى آخِره الْآيَة.
٩٣٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينار عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إلاّ الله لَا يَعْلَمْ أحدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ ولَا يَعْلَمُ أحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأرْحَامِ وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ وَمَا يَدْرِي أحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ مطولا فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل النَّبِي ﷺ عَن الْإِيمَان والاسلام، وَلَفظه فِيهِ: (فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله ثمَّ
стр. 1930
تَلا النَّبِي ﷺ أَن الله عِنْده علم السَّاعَة) الْآيَة.
قَوْله: (مِفْتَاح الْغَيْب) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (مفاتح الْغَيْب) ، ذكر الطَّبَرَانِيّ أَن: المفاتيح جمع مِفْتَاح، والمفاتح جمع مفتح، وهما فِي الأَصْل كل مَا يتوسل بِهِ إِلَى اسْتِخْرَاج المغلقات الَّتِي يتَعَذَّر الْوُصُول إِلَيْهَا، وَهُوَ إِمَّا اسْتِعَارَة مكنية بِأَن يَجْعَل الْغَيْب كالمخزن المستوثق بالإغلاق فيضاف إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص المخزن الْمَذْكُور، وَهُوَ الْمِفْتَاح وَهُوَ الِاسْتِعَارَة الترشيحية، وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة مصرحة بِأَن يَجْعَل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْغَيْب للمخزون، وَيكون لفظ الْغَيْب قرينَة لَهُ، والغيب مَا غَابَ عَن الْخلق، وَسَوَاء كَانَ محصلاً فِي الْقُلُوب أَو غير مُحَصل، وَلَا غيب عِنْد الله .
وَهَهُنَا أسئلة: الأول: أَن الغيوب الَّتِي لَا يعلمهَا إِلَّا الله كَثِيرَة، وَلَا يعلم مبلغها إِلَّا الله تَعَالَى، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعلم جنود رَبك إلاّ هُوَ﴾ (المدثر: ١٣) . فَمَا وَجه التَّخْصِيص بالخمس؟ وَأجِيب: بأوجه. . الأول: أَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد، وَالثَّانِي: أَن ذكر هَذَا الْعدَد فِي مُقَابلَة مَا كَانَ الْقَوْم يَعْتَقِدُونَ أَنهم يعْرفُونَ من الْغَيْب هَذِه الْخمس. وَالثَّالِث: لأَنهم كَانُوا يسألونه عَن هَذِه الْخمس. وَالرَّابِع: أَن أُمَّهَات الْأُمُور هَذِه، لِأَنَّهَا إِمَّا أَن تتَعَلَّق بِالآخِرَة وَهُوَ علم السَّاعَة، وَإِمَّا بالدنيا، وَذَلِكَ إِمَّا مُتَعَلق بالجماد أَو بِالْحَيَوَانِ. وَالثَّانِي إِمَّا بِحَسب مبدأ وجوده أَو بِحَسب معاده أَو بِحَسب معاشه.
السُّؤَال الثَّانِي: من أَيْن يعلم مِنْهُ علم السَّاعَة، وَقد ذكر الله الْخَمْسَة حَيْثُ قَالَ: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة﴾ (لُقْمَان: ٤٣) . وَأجِيب: بِأَن الأول من هَذِه إِشَارَة إِلَيْهِ إِذْ يحْتَمل وُقُوع أَشْرَاط السَّاعَة فِي الْغَد.
السُّؤَال الثَّالِث: أَنه قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ نفس، وَفِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: أحد وَأجِيب: بِأَن النَّفس هِيَ الكاسبة وَهِي المائتة، قَالَ تَعَالَى: ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ (المدثر: ٨٣) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا﴾ (الزمر: ٢٤) . فَلَو قيل بدلهَا لفظ أحد، فِيهَا لاحتمل أَن يفهم مِنْهُ لَا يعلم أحد مَاذَا تكسب نَفسه أَو بِأَيّ أَرض تَمُوت نَفسه. فتفوت الْمُبَالغَة الْمَقْصُودَة، وَهِي: أَن النَّفس لَا تعرف حَال نَفسهَا لَا حَالا ومآلاً وَإِذ لم يكن لَهَا طَرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا فَكَانَ إِلَى عدم معرفَة مَا عَداهَا أولى.
السُّؤَال الرَّابِع: مَا الْفرق بَين الْعلم والدراية؟ وَأجِيب: بِأَن الدِّرَايَة أخص لِأَنَّهَا علم باحتيال، أَي أَنَّهَا لَا تعرف وَإِن أعملت حيلها.
السُّؤَال الْخَامِس: لم عدل عَن لفظ: الْقُرْآن، وَهُوَ يدْرِي إِلَى لفظ: يعلم فيماذا تكسب غَدا؟ وَأجِيب: لإِرَادَة زِيَادَة الْمُبَالغَة، إِذْ نفي الْعَام مُسْتَلْزم لنفي الْخَاص بِدُونِ الْعَكْس، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تعلم أصلا سَوَاء احتالت أم لَا. وَقَالَ ابْن بطال: وَهَذَا يبطل خرص المنجمين فِي تعاطيهم علم الْغَيْب، فَمن ادّعى علم مَا أخبر الله وَرَسُوله، وَأَن الله مُنْفَرد بِعِلْمِهِ فقد كذب الله وَرَسُوله، وَذَلِكَ كفر من قَائِله، وَقَالَ الزّجاج: من ادّعى أَنه يعلم شَيْئا من هَذِه الْخمس فقد كفر بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦١ - (كِتَابُ الكُسُوفِ)
أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي بَيَان أُمُور الْكُسُوف، وَفِي بعض النّسخ: كتاب الْكُسُوف، وَالْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، وَأَصله: من كسفت حَاله أَي: تَغَيَّرت، وَهُوَ نُقْصَان الضَّوْء، وَالْأَشْهر فِي ألسن الْفُقَهَاء تَخْصِيص الْكُسُوف بالشمس والخسوف بالقمر، وَادّعى الْجَوْهَرِي أَنه الْأَفْصَح، وَقيل: هما يستعملان فيهمَا، وَبَوَّبَ لَهُ البُخَارِيّ بَابا كَمَا سَيَأْتِي. وَقيل: الْكُسُوف للقمر والخسوف للشمس، وَهُوَ مَرْدُود. وَقيل: الْكُسُوف أَوله، والخسوف آخِره، وَقَالَ اللَّيْث بن سعد: الخسوف فِي الْكل، والكسوف فِي الْبَعْض. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِيمَا تقدم.
١ - (بابُ الصَّلاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة صَلَاة كسوف الشَّمْس، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: أَنه لَا خلاف فِي مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الْكُسُوف والخسوف، وأصل مشروعيتها بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إلاّ تخويفا﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٥) . والكسوف آيَة من آيَات الله المخوفة، وَالله تَعَالَى يخوف عباده ليتركوا الْمعاصِي ويرجعوا إِلَى طَاعَة الله الَّتِي فِيهَا فوزهم. وَأما السّنة فَقَوله ﷺ : (إِذا رَأَيْتُمْ شَيْئا من هَذِه الأفزاع فافزعوا إِلَى الصَّلَاة) . وَأما الْإِجْمَاع، فَإِن الْأمة قد اجْتمعت عَلَيْهَا من غير إِنْكَار اُحْدُ. الثَّانِي: أَن سَبَب مشروعيتها هُوَ الْكُسُوف، فَإِنَّهَا تُضَاف إِلَيْهِ وتتكرر بتكرره. الثَّالِث: أَن شَرط جَوَازهَا هُوَ مَا يشْتَرط بِسَائِر الصَّلَوَات. الرَّابِع: أَنَّهَا سنة وَلَيْسَت بواجبة، وَهُوَ الْأَصَح. وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا: إِنَّهَا وَاجِبَة لِلْأَمْرِ بهَا. وَنَصّ فِي (الْأَسْرَار) على وُجُوبهَا، وَصرح أَبُو عوَانَة أَيْضا بِوُجُوبِهَا، وَعَن مَالك أَنه: أجراها مجْرى الْجُمُعَة، وَقيل: إِنَّهَا فرض كِفَايَة
стр. 1931
واستبعد ذَلِك. الْخَامِس: أَنَّهَا تصلى فِي الْمَسْجِد الْجَامِع أَو فِي مصلى الْعِيد. السَّادِس: أَن وَقتهَا هُوَ الْوَقْت الَّذِي يسْتَحبّ فِيهِ سَائِر الصَّلَوَات دون الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، وَبِه قَالَ مَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يكره فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة. السَّابِع: فِي كمية عدد ركعاتها، فَعِنْدَ اللَّيْث بن سعد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر: صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ، فِي كل رَكْعَة ركوعان وسجودان، فَتكون الْجُمْلَة أَربع ركوعات وَأَرْبع سَجدَات فِي رَكْعَتَيْنِ، وَعند طَاوُوس وحبِيب بن أبي ثَابت وَعبد الْملك بن جريج: رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَة أَربع ركوعات وسجدتان، فَتكون الْجُمْلَة ثَمَان ركوعات وَأَرْبع سَجدَات، ويحكى هَذَا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَعند قَتَادَة وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر: رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَة ثَلَاث ركوعات وسجدتان، فَتكون الْجُمْلَة سِتّ ركوعات وَأَرْبع سَجدَات، وَعند سعيد بن جُبَير وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي رِوَايَة، وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَبَعض الشَّافِعِيَّة: لَا تَوْقِيت فِيهَا، بل يُطِيل أبدا وَيسْجد إِلَى أَن تنجلي الشَّمْس. وَقَالَ عِيَاض: وَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّمَا ذَلِك بِحَسب مكث الْكُسُوف، فَمَا طَال مكثه زَاد تَكْرِير الرُّكُوع فِيهِ، وَمَا قصر اقْتصر فِيهِ، وَمَا توَسط اقتصد فِيهِ قَالَ: وَإِلَى هَذَا نحا الْخطابِيّ وَيحيى وَغَيرهمَا. وَقد يعْتَرض عَلَيْهِ بِأَن طولهَا ودوامها لَا يعلم من أول الْحَال وَلَا من الرَّكْعَة الأولى، وَعند إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد هِيَ: رَكْعَتَانِ كَسَائِر صَلَاة التَّطَوُّع فِي كل رَكْعَة رُكُوع وَاحِد وسجدتان، ويروى ذَلِك عَن ابْن عمر وَأبي بكرَة وَسمرَة بن جُنْدُب وَعبد الله بن عَمْرو وَقبيصَة الْهِلَالِي والنعمان بن بشير وَعبد الرَّحْمَن ابْن سَمُرَة وَعبد الله بن الزبير، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي (الْمُحِيط) : عَن أبي حنيفَة: إِن شاؤا صلوها رَكْعَتَيْنِ وَإِن شاؤا أَرْبعا. وَفِي (الْبَدَائِع) : وَإِن شاؤا أَكثر من ذَلِك، هَكَذَا رَوَاهُ الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَعند الظَّاهِرِيَّة: يُصَلِّي لكسوف الشَّمْس خَاصَّة إِن كسفت من طُلُوعهَا إِلَى أَن يصلى الظّهْر رَكْعَتَيْنِ، وَإِن كسفت من بعد صَلَاة الظّهْر إِلَى أَخذهَا فِي الْغُرُوب صلى أَربع رَكْعَات كَصَلَاة الظّهْر، وَالْعصر وَفِي كسوف الْقَمَر خَاصَّة: إِن كسف بعد صَلَاة الْمغرب إِلَى أَن يُصَلِّي الْعشَاء الْآخِرَة صلى ثَلَاث رَكْعَات كَصَلَاة الْمغرب، وَإِن كسفت بعد صَلَاة الْعَتَمَة إِلَى الصُّبْح صلى أَرْبعا كَصَلَاة الْعَتَمَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث النُّعْمَان بن بشير: (إِذا خسفت الشَّمْس وَالْقَمَر فصلوا كأحدث صَلَاة صليتموها) .
٠٤٠١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ عنْ أبِي بَكْرَةَ قَالَ كُنَّا عنْدَ رسولِ الله ﷺ فانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فقامَ النبيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ فدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَصَلّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي صَلَاة النَّبِي ﷺ عِنْد كسوف الشَّمْس.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عون، مر فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْقبْلَة. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان الوَاسِطِيّ. الثَّالِث: يُونُس بن عبيد. الرَّابِع: الْحسن الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: أَبُو بكرَة، نفيع بن الْحَارِث، وَقد تقدم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الْإِسْنَاد كُله بصريون غير خَالِد. وَفِيه: أَن رِوَايَة الْحسن عَن أبي بكرَة مُتَّصِلَة عِنْد البُخَارِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ،، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ مُرْسل، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد فِي (كتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل) : أخرج البُخَارِيّ حَدِيثا فِيهِ الْحسن: سَمِعت أَبَا بكرَة، فتأوله الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره من الْحفاظ على أَنه: الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، لِأَن الْبَصْرِيّ لم يسمع عِنْدهم من أبي بكرَة، وَالصَّحِيح أَن الْحسن فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَذَا قَالَه الدَّاودِيّ فِيمَا ذكره ابْن بطال،
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صَلَاة الْكُسُوف عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث وَفِي اللبَاس عَن مُحَمَّد عَن عبد الْأَعْلَى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث نَحوه، وَفِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يزِيد مقطعا وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَن
стр. 1932
خَالِد وَفِيه وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِبَعْضِه وَعَن مُحَمَّد بن كَامِل.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فانكسفت) يُقَال: كسفت الشَّمْس، بِفَتْح الْكَاف، وانكسفت بِمَعْنى، وَأنكر الْقَزاز: انكسفت، والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ. قَوْله: (يجر رِدَاءَهُ) ، جملَة وَقعت حَالا، وَزَاد فِي اللبَاس من وَجه آخر عَن يُونُس: مستعجلاً. وللنسائي فِي رِوَايَة يزِيد ابْن زُرَيْع عَن يُونُس: من العجلة، قَوْله: (فَإِذا رأيتموها) ، بتوحيد الضَّمِير، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (فَإِذا رأيتموهما) ، بتثنية الضَّمِير، وَجه الأول أَن الضَّمِير يرجع إِلَى الكسفة الَّتِي يدل عَلَيْهَا قَوْله: (لَا يكسفان) . أَو الْآيَة، لِأَن الكسفة آيَة من الْآيَات، وَوجه الثَّانِي ظَاهر، لِأَن الْمَذْكُور الشَّمْس وَالْقَمَر.
ذكر استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: اسْتدلَّ بِهِ أَصْحَابنَا على أَن صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ، لِأَنَّهُ مُصَرح فِيهِ بقوله: (فصلى ركعتينن) ، وَكَذَلِكَ روى جمَاعَة من الصَّحَابَة عَن النَّبِي ﷺ أَن صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ. مِنْهُم: ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) عَنهُ: (انكسفت الشَّمْس فَقَالَ النَّاس: إِنَّمَا انكسفت لمَوْت إِبْرَاهِيم، ﵇، فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فصلى رَكْعَتَيْنِ) . وَمِنْهُم: عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه مُسلم: (انخسفت الشَّمْس فَانْطَلَقت، فَإِذا رَسُول الله ﷺ قَائِم يسبح وَيكبر وَيَدْعُو، حَتَّى انجلت الشَّمْس، وَقَرَأَ سورتين وَركع رَكْعَتَيْنِ) . وَأخرجه الْحَاكِم، وَلَفظه: (وَقَرَأَ سورتين فِي رَكْعَتَيْنِ) . وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.، وَأخرجه النَّسَائِيّ وَلَفظه: (فصلى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات) . وَمِنْهُم: سَمُرَة بن جُنْدُب، أخرج حَدِيثه الْأَرْبَعَة أَصْحَاب السّنَن، وَفِيه: (فصلى فَقَامَ بِنَا كأطول مَا قَامَ بِنَا فِي صَلَاة قطّ لَا نسْمع لَهُ صَوتا، قَالَ: ثمَّ ركع بِنَا كأطول مَا ركع بِنَا فِي صَلَاة قطّ لَا نسْمع لَهُ صَوتا، قَالَ: ثمَّ سجد بِنَا كأطول مَا سجد بِنَا فِي صَلَاة قطّ لَا نسْمع لَهُ صَوتا، قَالَ: ثمَّ فعل فِي الرَّكْعَة الْأُخْرَى مثل ذَلِك) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَمِنْهُم: النُّعْمَان بن بشير، أخرج حَدِيثه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الصَّيْرَفِي الْبَصْرِيّ قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد، قَالَ: حَدثنَا شريك عَن عَاصِم الْأَحول عَن أبي قلَابَة عَن النُّعْمَان بن بشير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي كسوف الشَّمْس كَمَا تصلونَ رَكْعَة وسجدتين) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: أَبُو قلَابَة لم يسمع من النُّعْمَان، والْحَدِيث مُرْسل قلت: صرح فِي (الْكَمَال) بِسَمَاعِهِ عَن النُّعْمَان، وَقَالَ ابْن حزم: أَبُو قلَابَة أدْرك النُّعْمَان وروى هَذَا الْخَبَر عَنهُ، وَصرح ابْن عبد الْبر بِصِحَّة هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: من أحسن حَدِيث ذهب إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ حَدِيث أبي قلَابَة عَن النُّعْمَان، وَأَبُو قلَابَة أحد الْأَعْلَام، واسْمه: عبد الله بن زيد الْجرْمِي، والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَمِنْهُم: عبد الله بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرج حَدِيثه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا أَسد، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو، وَقَالَ: كسفت الشَّمْس على عهد النَّبِي ﷺ فَقَامَ بِالنَّاسِ فَلم يكد يرفع ثمَّ رفع فَلم يكد يسْجد ثمَّ سجد فَلم يكد يرفع ثمَّ رفع، وَفعل فِي الثَّانِيَة مثل ذَلِك، فَرفع رَأسه وَقد امحصت الشَّمْس) . وَأخرجه الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ من أجل عَطاء بن السَّائِب. قلت: قد أخرج البُخَارِيّ لعطاء هَذَا حَدِيثا مَقْرُونا بِأبي بشر، وَقَالَ أَيُّوب: هُوَ ثِقَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا وَأحمد فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) . وَمِنْهُم: قبيصَة الْهِلَالِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد، قَالَ: (كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ فَخرج فَزعًا يجر ثَوْبه وَأَنا مَعَه يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ فصلى رَكْعَتَيْنِ) الحَدِيث، وَفِيه: (فَإِذا رأيتموها فصلوا كأحدث
стр. 1933
صَلَاة صليتموها من الْمَكْتُوبَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين، فَفِي طَرِيقه الأولى: عَن قبيصَة البَجلِيّ، وَفِي الثَّانِيَة: عَن قبيصَة الْهِلَالِي وَغَيره، وكل مِنْهُمَا صَحَابِيّ على مَا ذكره الْبَعْض، وَذكر أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) أَولا قبيصَة الْهِلَالِي فَقَالَ: سكن الْبَصْرَة وروى عَن النَّبِي ﷺ أَحَادِيث، ثمَّ ذكر قبيصَة آخر، فَقَالَ: قبيصَة يُقَال: إِنَّه البَجلِيّ، وَيُقَال: الْهِلَالِي: سكن الْبَصْرَة، وروى عَن النَّبِي ﷺ حَدِيثا. حَدثنَا أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن قبيصَة قَالَ: (انكسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ فَنَادَى فِي النَّاس، فصلى بهم رَكْعَتَيْنِ، فَأطَال فيهمَا حَتَّى انجلت الشَّمْس، فَقَالَ: إِن هَذِه الْآيَة تخويف يخوف الله بهَا عباده فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك: فصلوا كأخف صَلَاة صليتموها من الْمَكْتُوبَة) . وَقَالَ أَبُو نعيم: ذكر بعض الْمُتَأَخِّرين قبيصَة البَجلِيّ وَهُوَ عِنْدِي قبيصَة بن مُخَارق الْهِلَالِي، والبجلي وهم قلت: رِوَايَة الطَّحَاوِيّ وَكَلَام الْبَغَوِيّ يدلان على أَنَّهُمَا اثْنَان. قَوْله: (كأحدث صَلَاة) ، يَعْنِي: كأقرب صَلَاة. قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ إِن آيَة من هَذِه الْآيَات إِذا وَقعت مثلا بعد الصُّبْح يصلى وَيكون فِي كل رَكْعَة ركوعان، وَإِن كَانَت بعد الْمغرب يكون فِي كل رَكْعَة ثَلَاث ركوعات، وَإِن كَانَت بعد الرّبَاعِيّة يكون فِي كل رَكْعَة أَربع ركوعات. وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَن آيَة من هَذِه الْآيَات إِذا وَقعت عقيب صَلَاة جهرية يصلى ويجهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، وَإِن وَقعت عقيب صَلَاة سَرِيَّة يصلى ويخافت فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ. قلت: رِوَايَة الْبَغَوِيّ: كأخف صَلَاة، تدل على أَن المُرَاد كَمَا وَقع فِي صَلَاة من الْمَكْتُوبَة فِي الخفة، وَهِي صَلَاة الصُّبْح، وَأَرَادَ بِهِ أَنه يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاة الصُّبْح بركوعين وَأَرْبع سَجدَات. فَافْهَم. وَمِنْهُم: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه أَحْمد من رِوَايَة حَنش عَنهُ قَالَ: (كسفت الشَّمْس فصلى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للنَّاس فَقَرَأَ يس أَو نَحْوهَا، ثمَّ ركع نَحوا من قدر سُورَة، ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ: سمع الله لمن حَمده، ثمَّ سجد ثمَّ قَامَ إِلَى الرَّكْعَة الثَّانِيَة، فَفعل كَفِعْلِهِ فِي الرَّكْعَة الأولى، ثمَّ جلس يَدْعُو ويرغب حَتَّى انجلت الشَّمْس، ثمَّ حَدثهمْ أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَذَلِك فعل) . وروى ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح (عَن السَّائِب بن مَالك، وَالِد عَطاء: أَن النَّبِي، ﷺ ، صلى فِي كسوف الْقَمَر رَكْعَتَيْنِ) . وَفِي (علل ابْن أبي حَاتِم) : السَّائِب لَيست لَهُ صُحْبَة، وَالصَّحِيح إرْسَاله، وَرَوَاهُ بَعضهم عَن أبي إِسْحَاق عَن السَّائِب بن مَالك عَن ابْن عمر عَن النَّبِي، ﷺ ، وروى ابْن أبي شيبَة أَيْضا بِسَنَد صَحِيح (عَن إِبْرَاهِيم: كَانُوا يَقُولُونَ: إِذا كَانَ ذَلِك فصلوا كصلاتكم حَتَّى تنجلي) . وَحدثنَا وَكِيع حَدثنَا إِسْحَاق بن عُثْمَان الْكلابِي (عَن أبي أَيُّوب الهجري، قَالَ: انكسفت الشَّمْس بِالْبَصْرَةِ وَابْن عَبَّاس أَمِير عَلَيْهَا، فَقَامَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقَرَأَ فَأطَال الْقِرَاءَة. ثمَّ ركع فَأطَال الرُّكُوع، ثمَّ رفع رَأسه ثمَّ سجد، ثمَّ فعل مثل ذَلِك فِي الثَّانِيَة، فَلَمَّا فرغ قَالَ: هَكَذَا صَلَاة الْآيَات! قَالَ: فَقلت: بِأَيّ شَيْء قَرَأَ فيهمَا؟ قَالَ: بالبقرة وَآل عمرَان) . وَحدثنَا وَكِيع عَن يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن الْحسن (أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي كسوف رَكْعَتَيْنِ، فَقَرَأَ فِي إِحْدَاهمَا بِالنَّجْمِ) وَفِي (الْمحلى) أَخذ بِهَذَا طَائِفَة من السّلف، مِنْهُم عبد الله بن الزبير صلى فِي الْكُسُوف رَكْعَتَيْنِ كَسَائِر الصَّلَوَات. فَإِن قيل: قد خطأه فِي ذَلِك أَخُوهُ عُرْوَة. قُلْنَا: عُرْوَة أَحَق بالْخَطَأ من عبد الله الصاحب الَّذِي عمل بِعلم، وَعُرْوَة أنكر مَا لم يعلم، وَذهب ابْن حزم إِلَى الْعَمَل بِمَا صَحَّ من الْأَحَادِيث فِيهَا، ونحا نَحوه ابْن عبد الْبر، فَقَالَ: وَإِنَّمَا يصير كل عَالم إِلَى مَا روى عَن شُيُوخه، وَرَأى عَلَيْهِ أهل بَلَده، وَقد يجوز أَن يكون ذَلِك اخْتِلَاف إِبَاحَة وتوسعة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَبِه قَالَ ابْن رَاهَوَيْه وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو بكر بن إِسْحَاق والخطابي، وَاسْتَحْسنهُ ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ ابْن قدامَة: مُقْتَضى مَذْهَب أَحْمد أَنه يجوز أَن تصلى صَلَاة الْكُسُوف على كل صفة، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: إِن رَسُول الله ﷺ صلى صَلَاة الْكُسُوف مرَارًا، فَحكى كل مَا رأى، وَكلهمْ صَادِق كَالنُّجُومِ، من اقْتدى بهم اهْتَدَى، وَذهب الْبَيْهَقِيّ إِلَى أَن الْأَحَادِيث المروية فِي هَذَا الْبَاب كلهَا ترجع إِلَى صَلَاة النَّبِي ﷺ فِي كسوف الشَّمْس يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم. وَقد روى فِي حَدِيث كل وَاحِد مِنْهُم مَا يدل على ذَلِك، وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ أُولَئِكَ الْأَئِمَّة توفيق بَين الْأَحَادِيث، وَإِذا عمل بِمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ حصل بَينهَا خلاف يلْزم مِنْهُ سُقُوط بَعْضهَا وإطراحه، وَإِنَّمَا يدل على وَهن قَوْله مَا روته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْد النَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح: أَن رَسُول الله ﷺ صلى فِي كسوف فِي صفة زَمْزَم يَعْنِي بِمَكَّة، وَأكْثر الْأَحَادِيث كَانَت بِالْمَدِينَةِ، فَدلَّ ذَلِك على التَّعَدُّد، وَكَانَت وَفَاة إِبْرَاهِيم يَوْم الثُّلَاثَاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وَدفن بِالبَقِيعِ، وَالْحَاصِل فِي ذَلِك أَن أَصْحَابنَا تعلقوا بِأَحَادِيث من ذَكَرْنَاهُمْ من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ورأوها أولى من رِوَايَة غَيرهم، نَحْو حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَغَيرهمَا، لموافقتها الْقيَاس فِي أَبْوَاب الصَّلَاة،
وَقد نَص فِي حَدِيث أبي بكرَة على رَكْعَتَيْنِ صَرِيحًا. بقوله: (فصلى رَكْعَتَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (كَمَا تصلونَ) ، وَحمل ابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ على أَن الْمَعْنى: كَمَا تصلونَ فِي الْكُسُوف، بعيد وَظَاهر الْكَلَام يردهُ. فَإِن قلت: خَاطب أَبُو بكرَة بذلك أهل الْبَصْرَة، وَقد كَانَ ابْن عَبَّاس علمهمْ أَن صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ، فِي كل رَكْعَة ركوعان. قلت: حَدِيث أبي بكرَة إِخْبَار عَن الَّذِي شَاهده من صَلَاة النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ فِيهِ خطاب أصلا، وَلَئِن سلمنَا أَنه خَاطب بذلك من الْخَارِج، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا حمله ابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ، لِأَن الْمَعْنى: كَمَا كَانَت عبادتكم فِيمَا إِذا صليتم رَكْعَتَيْنِ بركوعين وَأَرْبع سَجدَات، على مَا تقرر شَأْن الصَّلَوَات على هَذَا. وَقَالَ بَعضهم: وَظهر أَن رِوَايَة أبي بكرَة مجملة وَرِوَايَة جَابر: أَن فِي كل رَكْعَة ركوعين، مبينَة، فالأخذ بالمبين أولى قلت: لَيْت شعري أَيْن الْإِجْمَال فِي حَدِيث أبي بكرَة؟ هَل هُوَ إِجْمَال لغَوِيّ أَو إِجْمَال اصطلاحي؟ وَلَيْسَ هَهُنَا أثر من ذَلِك؟ وَلَو قَالَ هَذَا الْقَائِل: الْأَخْذ بِحَدِيث
стр. 1934
جَابر أولى لِأَن فِيهِ زِيَادَة، وَالْأَخْذ بِالزِّيَادَةِ فِي رِوَايَات الثِّقَات أولى وأجدر. فَنَقُول: وَإِن كَانَ الْأَمر هَذَا، وَلَكِن الْأَخْذ بِمَا يُوَافق الْأُصُول أولى. وأعجب من هَذَا أَن هَذَا الْقَائِل ادّعى اتِّحَاد الْقِصَّة، وَقد أبطلنا ذَلِك عَن قريب.
الثَّانِي من الْوُجُوه: الِاسْتِدْلَال بقوله: (حَتَّى انجلت) ، على إطالة الصَّلَاة، حَتَّى يَقع الانجلاء، وَلَا تكون الإطالة إلاّ بتكرار الرَّكْعَات والركوعات وَعدم قطعهَا إِلَى الانجلاء، وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن ذَلِك بِأَنَّهُ قد قَالَ فِي بعض الْأَحَادِيث: (فصلوا وَادعوا حَتَّى ينْكَشف) . ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ، حَدِيثا عَن عبد الله بن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله تَعَالَى لَا ينكسفان لمَوْت أحد أرَاهُ قَالَ: وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ مثل ذَلِك فَعَلَيْكُم بِذكر الله وَالصَّلَاة) . فَدلَّ ذَلِك على أَنه ﷺ لم يرد مِنْهُم مُجَرّد الصَّلَاة، بل أَرَادَ مِنْهُم مَا يَتَقَرَّبُون بِهِ إِلَى الله تَعَالَى من الصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار وَغير ذَلِك، نَحْو: الصَّدَقَة والعتاقة. وَقَالَ بَعضهم بعد أَن نقل بعض كَلَام الطَّحَاوِيّ فِي هَذَا: وَقَررهُ ابْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّهُ جعل الْغَايَة لمجموع الْأَمريْنِ، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون غَايَة لكل مِنْهُمَا على انْفِرَاده. فَجَاز أَن يكون الدُّعَاء ممتدا إِلَى غَايَة الانجلاء بعد الصَّلَاة، فَيصير غَايَة للمجموع وَلَا يلْزم مِنْهُ تَطْوِيل الصَّلَاة وَلَا تكريرها. قلت: فِي الحَدِيث أَعنِي حَدِيث أبي بكرَة: (فصلوا وَادعوا حَتَّى ينْكَشف مَا بكم) ، فقد ذكر الصَّلَاة وَالدُّعَاء بواو الْجمع، فَاقْتضى أَن يجمع بَينهمَا إِلَى وَقت الانجلاء قبل الْخُرُوج من الصَّلَاة، وَذَلِكَ لَا يكون إلاّ بإطالة الرُّكُوع وَالسُّجُود بِالذكر فيهمَا وبإطالة الْقِرَاءَة أما إطالة الرُّكُوع والسجزد فقد وَردت فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي رِوَايَة مُسلم: (مَا ركعت رُكُوعًا قطّ وَلَا سجدت سجودا قطّ كَانَ أطول مِنْهُ) . وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا: (ثمَّ سجد سجودا طَويلا) . وَقَالَ أَيْضا (فصلى بأطول قيام وركوع وَسُجُود) . وَأما إطالة الْقِرَاءَة فَفِي حَدِيث عَائِشَة: (فَأطَال الْقِرَاءَة) ، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: (فَقَامَ قيَاما طَويلا قدر نَحْو سُورَة الْبَقَرَة) ، وَلَا يشك أَنه ﷺ لم يكن فِي طول قِيَامه ساكتا، بل كَانَ مشتغلاً بِالْقِرَاءَةِ وبالدعاء، وَإِذا مد الدُّعَاء بعد خُرُوجه من الصَّلَاة لَا يكون جَامعا بَين الصَّلَاة وَالدُّعَاء فِي وَقت وَاحِد، لِأَن خُرُوجه من الصَّلَاة يكون قَاطعا للْجمع، وَلَا شكّ أَن الْوَاو تدل على الْجمع، وَقد وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير، قَالَ: (كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ فَجعل يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيسْأل عَنْهَا حَتَّى انجلت) . فَهَذَا يدل على أَن إطالته ﷺ كَانَت بتعداد الرَّكْعَات، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (رَكْعَتَيْنِ) أَي: ركوعين وَأَن يكون السُّؤَال وَقع بِالْإِشَارَةِ فَلَا يلْزم التّكْرَار قلت: مُرَاد هَذَا الْقَائِل الرَّد على الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم أَن صَلَاة الْكُسُوف كَسَائِر الصَّلَوَات بِلَا تكْرَار الرُّكُوع، لما ذكرنَا وَجه ذَلِك، وَلَا يساعده مَا يذكرهُ لِأَن تَأْوِيله: رَكْعَتَيْنِ بركوعين، تَأْوِيل فَاسد بِاحْتِمَال غير ناشيء عَن دَلِيل، وَهُوَ مَرْدُود. فَإِن قلت: فعلى مَا ذكرت فقد دلّ الحَدِيث على أَنه يُصَلِّي للكسوف رَكْعَتَانِ بعد رَكْعَتَيْنِ، وَيُزَاد أَيْضا إِلَى وَقت الانجلاء، فَأنْتم مَا تَقولُونَ بِهِ؟ قلت: لَا نسلم ذَلِك، وَقد روى الْحسن عَن أبي حنيفَة: إِن شاؤا صلوا رَكْعَتَيْنِ، وَإِن شاؤا صلوا أَرْبعا، وَإِن شاؤا صلوا أَكثر من ذَلِك، ذكره فِي (الْمُحِيط) وَغَيره، فَدلَّ ذَلِك على أَن الصَّلَاة إِن كَانَت بِرَكْعَتَيْنِ يطول ذَلِك بِالْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاء فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَى وَقت الانجلاء، وَإِن كَانَت أَكثر من رَكْعَتَيْنِ فالتطويل يكون بتكرار الرَّكْعَات دون الركوعات، وَقَول الْقَائِل الْمَذْكُور، وَإِن يكون السُّؤَال وَقع بِالْإِشَارَةِ؟ قلت: يرد هَذَا مَا أخرجه عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي قلَابَة أَنه ﷺ كلما ركع رَكْعَة أرسل رجلا لينْظر: هَل انجلت؟ قلت: فَهَذَا يدل على أَن السُّؤَال فِي حَدِيث النُّعْمَان كَانَ بِالْإِرْسَال لَا بِالْإِشَارَةِ، وَأَنه كلما كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ على الْعَادة يُرْسل رجلا يكْشف عَن الانجلاء. فَإِن قلت: قَوْله: (ركع رَكْعَة) ، يدل على تكْرَار الرُّكُوع قلت: لَا نسلم ذَلِك، بل المُرَاد كلما ركع رَكْعَتَيْنِ من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء على الْكل، وَهُوَ كثير فَلَا يقدر الْمُعْتَرض على رده.
الثَّالِث: فِي هَذَا الحَدِيث إبِْطَال مَا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يعتقدونه من تَأْثِير الْكَوَاكِب فِي الأَرْض، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَعْتَقِدُونَ أَن الْكُسُوف يُوجب حُدُوث تغير فِي الأَرْض من موت أَو ضَرَر، فَأعْلم النَّبِي ﷺ أَنه اعْتِقَاد بَاطِل، وَأَن الشَّمْس وَالْقَمَر خلقان مسخران لله تَعَالَى، لَيْسَ لَهما سُلْطَان فِي غَيرهمَا وَلَا قدرَة على الدّفع عَن أَنفسهمَا.
الرَّابِع: فِيهِ مَا كَانَ النَّبِي ﷺ عَلَيْهِ من الشَّفَقَة على أمته وَشدَّة الْخَوْف من آيَة الله تَعَالَى، . الْخَامِس: فِيهِ مَا يدل على أَن جر الثَّوْب لَا يذم إلاّ من قصد بِهِ الْخُيَلَاء، كَمَا صرح بذلك فِي غير هَذَا الحَدِيث. السَّادِس: فِيهِ الْمُبَادرَة إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى، أَلا ترى أَنه ﷺ كَيفَ قَامَ، وَهُوَ يجر رِدَاءَهُ مشتغلاً بِمَا نزل؟ السَّابِع: قَالُوا: وَفِيه دلَالَة على أَنه يجمع فِي
стр. 1935
خُسُوف الْقَمَر كَمَا يجمع فِي كسوف الشَّمْس، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأهل الحَدِيث، وَذهب أَبُو حنيفَة وَأحمد وَمَالك إِلَى أَن: لَيْسَ فِي خُسُوف الْقَمَر جمَاعَة. قلت: أَبُو حنيفَة لم ينف الْجَمَاعَة فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: الْجَمَاعَة فِيهِ غير سنة، بل هِيَ جَائِزَة وَذَلِكَ لتعذر اجْتِمَاع النَّاس من أَطْرَاف الْبَلَد بِاللَّيْلِ، وَكَيف وَقد ورد قَوْله ﷺ : (أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إِلَّا الْمَكْتُوبَة) ؟ وَقَالَ مَالك: لم يبلغنَا، وَلَا أهل بلدنا، أَنه ﷺ جمع لكسوف الْقَمَر، وَلَا نقل عَن أحد من الْأَئِمَّة بعده أَنه ﷺ جمع فِيهِ. وَنقل ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) عَن مَالك: لَيْسَ فِي كسوف الْقَمَر سنة وَلَا صَلَاة، وَقَالَ الْمُهلب: يُمكن أَن يكون تَركه ﷺ ، وَالله أعلم، رَحْمَة للْمُؤْمِنين لِئَلَّا تَخْلُو بُيُوتهم بِاللَّيْلِ فيخطفهم النَّاس وَيَسْرِقُونَ، يدل على ذَلِك قَوْله: ﷺ لأم سَلمَة لَيْلَة نزُول التَّوْبَة على كَعْب بن مَالك وصاحبيه: (قلت لَهُ: أَلا أبشِّر النَّاس؟ فَقَالَ ﷺ : أخْشَى أَن يخطفهم النَّاس) . وَفِي حَدِيث آخر: (أخْشَى أَن يمْنَع النَّاس نومهم) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ﴾ (الْقَصَص: ٣٧) . فَجعل السّكُون فِي اللَّيْل من النعم الَّتِي عَددهَا الله تَعَالَى على عباده، وَقد سمى ذَلِك رَحْمَة، وَقد قَالَ ابْن الْقصار: خُسُوف الْقَمَر يتَّفق لَيْلًا فَيشق الِاجْتِمَاع لَهُ، وَرُبمَا أدْرك النَّاس نياما فيثقل عَلَيْهِم الْخُرُوج لَهَا، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُقَاس على كسوف الشَّمْس، لِأَنَّهُ يدْرك النَّاس مستيقظين متصرفين، وَلَا يشق اجْتِمَاعهم كالعيدين وَالْجُمُعَة وَالِاسْتِسْقَاء. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، قَالَ: خسف الْقَمَر وَابْن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ، فصلى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة رَكْعَتَانِ، فَلَمَّا فرغ خَطَبنَا: وَقَالَ: صليت بكم كَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي بِنَا. رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي (مُسْنده) وَذكره ابْن التِّين بِلَفْظ: (أَنه صلى فِي خُسُوف الْقَمَر ثمَّ خطب، وَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي لم ابتدع هَذِه الصَّلَاة بِدعَة، وَإِنَّمَا فعلت كَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فعل) . وَقد علمنَا أَنه صلاهَا فِي جمَاعَة لقَوْله: (خطب) لِأَن الْمُنْفَرد لَا يخْطب، وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: (أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي خُسُوف الشَّمْس أَربع رَكْعَات وَأَرْبع سَجدَات وَيقْرَأ فِي الأولى بالعنكبوت أَو الرّوم وَفِي الثَّانِيَة بيس) . قلت: أما رِوَايَة الْحسن فرواها الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد وَهُوَ ضَعِيف، وَقَول الْحسن: خَطَبنَا، لَا يَصح، فَإِن الْحسن لم يكن بِالْبَصْرَةِ لما كَانَ ابْن عَبَّاس بهَا. وَقيل: إِن هَذَا من تدليساته. وَأما حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فمستغرب. فَإِن قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من طَرِيق حبيب: (عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ صلى كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر ثَمَان رَكْعَات فِي أَربع سَجدَات) . قلت: فِي إِسْنَاده نظر، والْحَدِيث فِي مُسلم وَلَيْسَ فِيهِ ذكر: الْقَمَر، وَالْعجب من شَيخنَا زين الدّين الْعِرَاقِيّ، ﵀، يَقُول: لم تثبت صلَاته ﷺ لخسوف الْقَمَر بِإِسْنَاد مُتَّصِل، ثمَّ ذكر حَدِيث عَائِشَة وَحَدِيث ابْن عَبَّاس اللَّذين رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: وَرِجَال إسنادهما ثِقَات، وَلَكِن كَون رجالهما ثِقَات لَا يسْتَلْزم اتِّصَال الْإِسْنَاد. وَلَا نفي المدرج ,.
الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: مَا الْحِكْمَة فِي الْكُسُوف؟ وَالْجَوَاب:: مَا قَالَه أَبُو الْفرج: فِيهِ سبع فَوَائِد. الأول: ظُهُور التَّصَرُّف فِي الشَّمْس وَالْقَمَر. الثَّانِي: تَبْيِين قبح شَأْن من يعبدهما. الثَّالِث: إزعاج الْقُلُوب الساكنة بالغفلة عَن مسكن الذهول. الرَّابِع: ليرى النَّاس نموذج مَا سيجري فِي الْقِيَامَة من قَوْله: ﴿وَجمع الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ (الْقِيَامَة: ٩) . الْخَامِس: أَنَّهُمَا يوجدان على حَال التَّمام فيركسان، ثمَّ يلطف بهما فيعادان إِلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ، فيشار بذلك إِلَى خوف الْمَكْر ورجاء الْعَفو. السَّادِس: أَن يفعل بهما صُورَة عِقَاب لمن لَا ذَنْب لَهُ. السَّابِع: أَن الصَّلَوَات المفروضات عِنْد كثير من الْخلق عَادَة لَا انزعاج لَهُم فِيهَا وَلَا وجود هَيْبَة، فَأتى بِهَذِهِ الْآيَة وسنت لَهما الصَّلَاة ليفعلوا صَلَاة على انزعاج وهيبة.
وَمِنْهَا مَا قيل: أَلَيْسَ فِي رُؤْيَة الْأَهِلّة وحدوث الْحر وَالْبرد وكل مَا جرت الْعَادة بحدوثه من آيَات الله تَعَالَى فَمَا معنى قَوْله فِي الكسوفين: (أَنَّهُمَا آيتان) ؟ وَأجِيب: بِأَن: هَذِه الْحَوَادِث آيَات دَالَّة على وجوده، ، وَقدرته. وَخص الكسوفين لإخباره ﷺ عَن ربه أَن الْقِيَامَة تقوم وهما منكوسان وذاهبا النُّور، فَلَمَّا أعلمهم بذلك أَمرهم عِنْد رُؤْيَة الْكُسُوف بِالصَّلَاةِ وَالتَّوْبَة خوفًا من أَن يكون الْكُسُوف لقِيَام السَّاعَة ليعتدوا لَهَا. وَقَالَ الْمُهلب: يحْتَمل أَن يكون هَذَا قبل أَن يُعلمهُ الله تَعَالَى بأشراط السَّاعَة.
وَمِنْهَا مَا قيل: مَا الْكُسُوف؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ تغير يخلقه الله تَعَالَى فيهمَا لأمر يشاؤه وَلَا يدْرِي مَا هُوَ، أَو يكون تخويفا للاعتبار بهما مَعَ عظم خلقهما، وكونهما عرضة للحوادث، فَكيف بِابْن آدم الضَّعِيف الْخلق؟ وَقيل: يحْتَمل أَن يكون الخسوف فيهمَا عِنْد تجلي الله سُبْحَانَهُ لَهما، وَفِي حَدِيث قبيصَة الْهِلَالِي عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك، فَقَالَ فِيهِ: (أَن
стр. 1936
الشَّمْس وَالْقَمَر لَا يخسفان لمَوْت أحد، ولكنهما خلقان من خلقه فَإِن الله يحدث فِي خلقه مَا يَشَاء، وَإِن الله إِذا تجلى لشَيْء من خلقه خشع لَهُ) الحَدِيث: وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٤١) . وَلأَهل الْحساب فِيهِ كَلَام كثير، أَكْثَره خباط. يَقُولُونَ: أما كسوف الشَّمْس فَإِن الْقَمَر يحول بَينهَا وَبَين النّظر، وَأما كسوف الْقَمَر فَإِن الشَّمْس تخلع نورها عَلَيْهِ، فَإِذا وَقع فِي ظلّ الأَرْض لم يكن لَهُ نور بِحَسب مَا تكون لَهُ الْمُقَابلَة، وَيكون الدُّخُول فِي ظلّ الأَرْض يكون الْكُسُوف من كل أَو بعض. قَالُوا: وَهَذَا أَمر يدل عَلَيْهِ الْحساب وَيصدق فِيهِ الْبُرْهَان، ورد عَلَيْهِم بِأَنَّهُم قَالُوا بالبرهان: إِن الشَّمْس أَضْعَاف الْقَمَر فِي الجرمية بِالْعقلِ، فَكيف يحجب الصَّغِير الْكَبِير إِذا قابله وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ عشرَة؟ وَأَيْضًا إِن الشَّمْس إِذا كَانَت تعطيه نورها، فَكيف يحجب نورها ونوره من نورها؟ هَذَا خباط، وَأَيْضًا: قُلْتُمْ: إِن الشَّمْس أكبر من الأَرْض بتسعين ضعفا أَو نَحْوهَا، وقلتم: إِن الْقَمَر أكبر مِنْهَا بِأَقَلّ من ذَلِك، فَكيف يَقع الْأَعْظَم فِي ظلّ الْأَصْغَر، وَكَيف تحجب الأَرْض نور الشَّمْس، وَهِي فِي زَاوِيَة مِنْهَا. وَأَيْضًا فالشمس لَهَا فلك ومجرى، وَلَا خلاف أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَحْدُود وَمَعْلُوم لَا يعدو مجْرَاه، كل يَوْم إِلَى مثله من الْعَام، فيجتمعان ويتقابلان، فَلَو كَانَ الْكُسُوف لوُقُوعه فِي ظلّ الأَرْض فِي وَقت لَكَانَ ذَلِك الْوَقْت محدودا مَعْلُوما، لِأَن المجرى مِنْهُمَا مَحْدُود مَعْلُوم، فَلَمَّا كَانَ تَأتي الْأَوْقَات الْمُخْتَلفَة والجري وَاحِدًا والحساب وَاحِدًا علم قطعا فَسَاد قَوْلهم.
١٤٠١ - حدَّثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْدٍ عنِ اسمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ الشمْسَ والقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ مِنَ النَّاسِ ولاكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصلُّوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: شهَاب بن عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: الْعَبْدي الْكُوفِي، من شُيُوخ مُسلم أَيْضا. وَلَهُم شيخ آخر يُقَال لَهُ: شهَاب بن عباد الْعَبْدي، لكنه بَصرِي، وَهُوَ أقدم من الْكُوفِي فِي طبقَة شُيُوخ شُيُوخه، روى لَهُ البُخَارِيّ وَحده فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) . الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن حميد، بِضَم الْحَاء: الرواسِي، بِضَم الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة: الْكُوفِي، مَاتَ سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، وَقد مر. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم، وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة الْأنْصَارِيّ الخزرجي البدري، لِأَنَّهُ من مَاء بدر وَلم يشْهد بَدْرًا وَسكن الْكُوفَة، مَاتَ أَيَّام عَليّ بن أبي طَالب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: إِن رُوَاته كلهم كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْكُسُوف عَن مُسَدّد عَن يحيى وَفِي بَدْء الْخلق عَن أبي مُوسَى عَن يحيى، وَأخرجه مُسلم فِي الخسوف عَن يحيى بن يحيى وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (آيتان) أَي: علامتان من آيَات الله الدَّالَّة على وحدانيته وعظيم قدرته أَو: آيتان على تخويف عباده من بأسه وسطوته، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إلاّ تخويفا﴾ أَو آيتان لقرب الْقِيَامَة أَو لعذاب الله تَعَالَى، أَو لِكَوْنِهِمَا مسخرين لقدرة الله وَتَحْت حكمه، وأصل آيَة: أويه، بِالتَّحْرِيكِ، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَوضِع الْعين من الْآيَة: وَاو، لِأَن مَا كَانَ مَوضِع الْعين وَاللَّام: يَاء، أَكثر مِمَّا مَوضِع الْعين وَاللَّام فِيهِ ياءان، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ: أووي، قَالَ الْفراء: هِيَ من الْفِعْل فاعلة، وَإِنَّمَا ذهب مِنْهُ اللَّام، وَلَو جَاءَت تَامَّة لجاءت آيية، وَلكنهَا خففت، وَجمع الْآيَة: آي وأيائي وآيات. قَوْله: (فَإِذا رأيتموهما) ، بتثنية الضَّمِير رِوَايَة الْكشميهني، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (فَإِذا رأيتموها) ، بتوحيد الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى الْآيَة الَّتِي يدل عَلَيْهَا، قَوْله: (آيتان) ، أَو الْآيَات، وَالْمعْنَى على الأول: إِذا رَأَيْتُمْ كسوف كل مِنْهُمَا، لِاسْتِحَالَة وُقُوع ذَلِك فيهمَا مَعًا فِي حَالَة وَاحِدَة عَادَة، وَإِن كَانَ جَائِزا فِي الْقُدْرَة الإلهية. قَوْله: (فَقومُوا فصلوا) : أَمر
стр. 1937
النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث بِالصَّلَاةِ، قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: ذكر سِتَّة أَشْيَاء عَامَّة وخاصة، اذْكروا الله ادعوا كبروا صلوا تصدقوا أعتقوا، أما ذكر الله فَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فاذكروا الله) ، وَأما التَّكْبِير فَفِي حَدِيث عَائِشَة فِي (الصَّحِيح) (فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فَادعوا الله وَكَبرُوا) . وَأما الصَّلَاة فَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأما الصَّدَقَة فَفِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور. وَفِيه: (وتصدقوا) ، وأماالعتق فَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَت: أَمر رَسُول الله ﷺ بالعتاقة فِي صَلَاة الْكُسُوف. وَقَوله: (صلوا) مُجمل وَبَينه ﷺ بِفِعْلِهِ فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة.
٢٤٠١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرٌ وعنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القَاسِمِ حدَّثَهُ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ وَلاكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهما فَصَلّوا.
(الحَدِيث ٢٤٠١ طرفه فِي: ١٠٢٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أصبغ، بِفَتْح الْهمزَة: ابْن الْفرج أَبُو عبد الله الْمصْرِيّ. الثَّانِي: عبد الله ابْن وهب الْمصْرِيّ. الثَّالِث: عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. الْخَامِس: أَبوهُ الْقَاسِم. السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: من الروَاة الثَّلَاثَة الأول مصريون والبقية مدنيون.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن يحيى بن سُلَيْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يخسفان) ، بِفَتْح أَوله وَيجوز الضَّم، وَحكى ابْن الصّلاح مَنعه وَلم يبين وَجه الْمَنْع. قَوْله: (وَلَا لِحَيَاتِهِ) أَي: وَلَا يخسفان لحياة أحد. فَإِن قلت: الحَدِيث ورد فِي حق من ظن أَن ذَلِك لمَوْت إِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي ﷺ ، وَقد روى ابْن خُزَيْمَة وَالْبَزَّار من طَرِيق نَافِع (عَن ابْن عمر قَالَ: خسفت الشَّمْس يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم) ، الحَدِيث فَإِذا كَانَ السِّيَاق إِنَّمَا هُوَ فِي موت إِبْرَاهِيم فَمَا فَائِدَة قَوْله: (وَلَا لِحَيَاتِهِ) إِذا لم يقل أحد بِأَن الانكساف لحياة أحد؟ قلت: فَائِدَته دفع توهم من يَقُول: لَا يلْزم من نفي كَونه سَببا للفقدان أَن لَا يكون سَببا للإيجاد، فعمم الشَّارِع النَّفْي أَي لَيْسَ سَببه لَا الْمَوْت وَلَا الْحَيَاة، بل سَببه قدرَة الله تَعَالَى.
٣٤٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هاشِمُ بنُ القاسِمِ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ زِيادِ بنِ عِلَاقَةَ عنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قَالَ كسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ يَوْمَ ماتَ إبْرَاهِيمُ فقالَ الناسُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ فقالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا الله .
(٣٤٠١ طرفان فِي: ٠٦٠١، ٩٩١٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي. الثَّانِي: هَاشم بن الْقَاسِم أَبُو النَّضر اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي، خراساني سكن بَغْدَاد وَتُوفِّي بهَا غرَّة ذِي الْقعدَة سنة سبع وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: شَيبَان بن مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ، مر فِي كتاب الْعلم. الرَّابِع: زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن علاقَة، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام وبالقاف، مر فِي آخر كتاب الْإِيمَان. الْخَامِس: الْمُغيرَة بن شُعْبَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن أحد رُوَاته بخاري ويلقب بالمسندي لِأَنَّهُ كَانَ وَقت الطّلب يتتبع الْأَحَادِيث المسندة وَلَا يرغب فِي المقاطيع والمراسيل. وَالثَّانِي: خراساني بغدادي، وَالثَّالِث بَصرِي كُوفِي، وَالرَّابِع كُوفِي.
ذكر تعدد
стр. 1938
مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي (الْأَدَب) عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ عَن زَائِدَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم) يَعْنِي ابْن النَّبِي ﷺ ، وَذكر جُمْهُور أهل السّير أَنه مَاتَ فِي السّنة الْعَاشِرَة من الْهِجْرَة، قيل: فِي ربيع الأول، وَقيل: فِي رَمَضَان. وَقيل: فِي ذِي الْحجَّة، وَالْأَكْثَر على أَنَّهَا وَقعت فِي عَاشر الشَّهْر، وَقيل: فِي رابعه، وَقيل: فِي رَابِع عشره، وَلَا يَصح شَيْء مِنْهَا على قَول ذِي الْحجَّة لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذْ ذَاك بِمَكَّة فِي الْحَج، وَقد ثَبت أَنه شهد وَفَاته وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خلاف فلعلها كَانَت فِي آخر الشَّهْر. فَإِن قلت: الْكُسُوف فِي الشَّمْس إِنَّمَا يكون فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين أَو التَّاسِع وَالْعِشْرين من آخر الشَّهْر الْعَرَبِيّ، فَكيف تكون وَفَاته فِي الْعَاشِر؟ قلت: هَذَا التَّارِيخ يَحْكِي عَن الْوَاقِدِيّ، وَهُوَ ذكر ذَلِك بِغَيْر إِسْنَاد، فقد تكلمُوا فِيمَا يسْندهُ الْوَاقِدِيّ، فَكيف فِيمَا يُرْسِلهُ؟ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِي بَاب مَا يحول على جَوَاز الِاجْتِمَاع للعيد وللخسوف لجَوَاز وُقُوع الخسوف فِي الْعَاشِر، ثمَّ رُوِيَ عَن الْوَاقِدِيّ مَا ذَكرْنَاهُ عَن تَارِيخ وَفَاة إِبْرَاهِيم. وَقَالَ الذَّهَبِيّ، فِي (مُخْتَصر السّنَن) : لم يَقع ذَلِك وَلنْ يَقع، وَالله قَادر على كل شَيْء، لَكِن امْتنَاع وُقُوع ذَلِك كامتناع رُؤْيَة الْهلَال لَيْلَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من الشَّهْر، وَأم إِبْرَاهِيم مَارِيَة الْقبْطِيَّة، ولد فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان، وَتُوفِّي وعمره ثَمَانِيَة عشر شهرا، هَذَا هُوَ الْأَشْهر. وَقيل: سِتَّة عشر شهرا. وَقيل: سَبْعَة عشر شهرا وَثَمَانِية أَيَّام. وَقيل: سنة وَعشرَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام، وَدفن بِالبَقِيعِ. قَوْله: (فَإِذا رَأَيْتُمْ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف تَقْدِيره إِذا رَأَيْتُمْ شَيْئا من ذَلِك، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك.
٢ - (بابُ الصَّدَقَةِ فِي الكُسُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّدَقَة فِي حَالَة الْكُسُوف، ذكر البُخَارِيّ فِيمَا قبل هَذَا الْبَاب أَرْبَعَة أَحَادِيث فِي ثَلَاثَة مِنْهَا الْأَمر بِمُجَرَّد الصَّلَاة من غير بَيَان هيئتها، وَذكر الحَدِيث الْوَاحِد الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بكرَة مُبينًا بِرَكْعَتَيْنِ، ثمَّ ذكر فِي هَذَا الْبَاب هَيْئَة لصَلَاة الْكُسُوف غير هَيْئَة ذَاك، وَالظَّاهِر أَن تَقْدِيمه حَدِيث أبي بكرَة على غَيره لميله إِلَيْهِ لموافقته الْقيَاس.
٤٤٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكٍ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أنَّهَا قالَتْ خَسفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فَصَلَّى رسولُ الله ﷺ بِالنَّاسِ فَقَامَ فأطَالَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قامَ فأطَالَ القِيامَ وَهْوَ دُونَ القِيامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُكُوعَ وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ فأطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأولَى ثُمَّ انْصَرَفَ وقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رأيْتُمْ ذالِكَ فادْعُوا الله وكبِّرُوا وَصَلُّوا وتَصَدَّقُوا ثُمَّ قالَ يَا أمَّةَ مُحَمَّدٍ وَالله مَا مِنْ أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ الله أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أوْ تَزْنِي أمتُهُ يَا أمَّةَ مُحَمَّدٍ وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتصدقوا) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك مُخْتَصرا على قَوْله: (الشَّمْس وَالْقَمَر لَا يخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فادعو الله وَكَبرُوا وتصدقوا) وَاعْلَم أَن صَلَاة الْكُسُوف رويت على أوجه كَثِيرَة ذكر أَبُو دَاوُد مِنْهَا جملَة، وَذكر البُخَارِيّ وَمُسلم جملَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه كَذَلِك.
وَقَالَ الْخطابِيّ: اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا الْبَاب، فَروِيَ أَنه: ركع رَكْعَتَيْنِ فِي أَربع ركوعات وَأَرْبع سَجدَات، وَرُوِيَ أَنه: ركعهما فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات، وَرُوِيَ
стр. 1939
أَنه: ركع رَكْعَتَيْنِ فِي سِتّ ركوعات وَأَرْبع سَجدَات، وَرُوِيَ إِنَّه ركع رَكْعَتَيْنِ فِي عشر ركوعات وَأَرْبع سَجدَات، وَقد ذكر أَبُو دَاوُد أنواعا مِنْهَا، وَيُشبه أَن يكون الْمَعْنى فِي ذَلِك أَنه صلاهَا مَرَّات وكرات، وَكَانَ إِذا طَالَتْ مُدَّة الْكُسُوف مد فِي صلَاته، وَزَاد فِي عدد الرُّكُوع، وَإِذا قصرت نقص من ذَلِك وحذا بِالصَّلَاةِ حذوها، وكل ذَلِك جَائِز يُصَلِّي على حسب الْحَال وَمِقْدَار الْحَاجة فِيهِ.
ذكر مَا فِيهِ من الْمَعْنى واستنباط الْأَحْكَام: قَوْله: (فِي عهد رَسُول الله ﷺ أَي: فِي زَمَنه. قَوْله: (فصلى رَسُول الله ﷺ اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَنه ﷺ كَانَ يحافظ على الْوضُوء، فَلهَذَا لم يحْتَج إِلَى الْوضُوء فِي تِلْكَ الْحَال. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر لِأَن السِّيَاق حذفا لِأَن فِي رِوَايَة ابْن شهَاب (خسفت فَخرج إِلَى الْمَسْجِد فَصف النَّاس وَرَاءه) . وَفِي رِوَايَة عمْرَة: (فخسفت فَرجع ضحى فَمر بَين الْحجر ثمَّ قَامَ يُصَلِّي) . قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَا يدل على أَنه ﷺ كَانَ على الْوضُوء أَو لم يكن، وَلَكِن حَاله يَقْتَضِي وجلالة قدره تستدعي كَونه على مُحَافظَة الْوضُوء. قَوْله: (فَأطَال الْقيام) أَي: يطول الْقِرَاءَة فِيهِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة ابْن شهَاب: (فاقترأ قِرَاءَة طَوِيلَة) ، وَمن وَجه آخر عَنهُ: (فَقَرَأَ سُورَة طَوِيلَة) ، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس على مَا سَيَأْتِي: (فَقَرَأَ نَحوا من سُورَة الْبَقَرَة فِي الرَّكْعَة الأولى) ، وَنَحْوه لأبي دَاوُد من طَرِيق سُلَيْمَان بن يسَار عَن عُرْوَة، وَزَاد أَنه قَرَأَ فِي الْقيام الأول من الرَّكْعَة الثَّانِيَة نَحوا من آل عمرَان، وَعند الشَّافِعِيَّة يستفتح الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الأولى وَالثَّانيَِة بِأم الْقُرْآن، وَأما الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فَيقْرَأ بهَا أَيْضا عِنْدهم، وَعند مَالك يقْرَأ السُّورَة، وَفِي الْفَاتِحَة قَولَانِ: قَالَ مَالك: نعم، وَقَالَ ابْن مسلمة: لَا. قَوْله: (ثمَّ قَامَ فَأطَال الْقيام) وَفِي رِوَايَة ابْن شهَاب: (ثمَّ قَالَ: سمع الله لمن حَمده) ، وَزَاد من وَجه آخر: (رَبنَا وَلَك الْحَمد) ، وَقيل: اسْتدلَّ بِهِ على اسْتِحْبَاب الذّكر الْمَشْرُوع فِي الِاعْتِدَال فِي أول الْقيام الثَّانِي من الرَّكْعَة الأولى وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتَشْكَلَهُ بعض متأخري الشَّافِعِيَّة من جِهَة كَونه قيام قِرَاءَة لَا قيام اعْتِدَال، بِدَلِيل اتِّفَاق الْعلمَاء مِمَّن قَالَ بِزِيَادَة الرُّكُوع فِي كل رَكْعَة على قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِيهِ. قلت: هَذَا المستشكل هُوَ صَاحب الْمُهِمَّات، وَقَوله بِدَلِيل اتِّفَاق الْعلمَاء فِيهِ نظر، لِأَن مُحَمَّد بن مسلمة من الْمَالِكِيَّة مِمَّن قَالَ بِزِيَادَة الرُّكُوع فِي كل رَكْعَة، وَلم يقل بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة كَمَا قُلْنَا عَن قريب. وَأجَاب عَن ذَلِك شَيخنَا الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ، ﵀ بقوله: فَفِي استشكاله نظر لصِحَّة الحَدِيث فِيهِ، بل لَو زَاد الشَّارِع عَلَيْهِ ذكرا آخر لما كَانَ مستشكلاً. قَوْله: (وَهُوَ دون الْقيام الأول) أَرَادَ بِهِ أَن الْقيام الأول أطول من الثَّانِي فِي الرَّكْعَة الأولى، وَأَرَادَ أَن الْقيام فِي الثَّانِيَة دون الْقيام الأول فِي الأولى، وَالرُّكُوع الأول فِيهَا دون الرُّكُوع الأول فِي الأولى. وَأَرَادَ بقوله: فِي الْقيام الثَّانِي فِي الثَّانِيَة أَنه دون الْقيام الأول فِيهَا، وَكَذَلِكَ رُكُوعه الثَّانِي فِيهَا دون رُكُوعه الأول فِيهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اتَّفقُوا على أَن الْقيام الثَّانِي وَالرُّكُوع الثَّانِي من الأولى أقصر من الْقيام الأول وَالرُّكُوع، وَكَذَا الْقيام الثَّانِي وَالرُّكُوع الثَّانِي من الثَّانِيَة أقصر من الأول مِنْهُمَا من الثَّانِيَة. وَاخْتلفُوا فِي الْقيام الأول وَالرُّكُوع الأول من الثَّانِيَة، هَل هما أقصر من الْقيام الثَّانِي وَالرُّكُوع الثَّانِي من الرَّكْعَة الأولى؟ وَيكون هَذَا معنى قَوْله: وَهُوَ دون الْقيام الأول، وَدون الرُّكُوع الأول، أم يكونَانِ سَوَاء وَيكون قَوْله: دون الْقيام أَو الرُّكُوع الأول أَي أول قيام وَأول رُكُوع؟ قَوْله: (ثمَّ ركع فَأطَال الرُّكُوع) يَعْنِي أَنه خَالف بِهِ عَادَته فِي سَائِر الصَّلَوَات كَمَا فِي الْقيام وَقَالَ مَالك: وَيكون رُكُوعه نَحوا من قِيَامه وقراءته. قَوْله: (ثمَّ سجد فَأطَال السُّجُود) ، وَهُوَ ظَاهر فِي تطويله، قَالَ أَبُو عمر عَن مَالك: لم أسمع أَن السُّجُود يطول فِي صَلَاة الْكُسُوف، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، وَرَأَتْ فرقة من أهل الحَدِيث تَطْوِيل السُّجُود فِي ذَلِك. قلت: حكى التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه يُقيم فِي كل سَجْدَة من الرَّكْعَة الأولى نَحوا مِمَّا قَامَ فِي رُكُوعه، وَقَالَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة: ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ وَلم يصف مِقْدَار إِقَامَته فيهمَا، فَيحْتَمل أَن يُرِيد مثل مَا تقدم فِي سُجُود الرَّكْعَة الأولى، وَيحْتَمل أَنه كسجود سَائِر الصَّلَوَات، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: وَهل يطول السُّجُود فِي هَذِه الصَّلَاة؟ فِيهِ قَولَانِ، وَيُقَال: وَجْهَان: أظهرهمَا: لَا، كَمَا لَا يزِيد فِي التَّشَهُّد وَلَا يطول الْقعدَة بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَالثَّانِي: وَبِه قَالَ ابْن شُرَيْح: نعم، ويحكى عَن الْبُوَيْطِيّ: وَقد صحّح النَّوَوِيّ خِلَافه فِي (الرَّوْضَة) فَقَالَ: الصَّحِيح الْمُخْتَار أَنه يطول، وَكَذَا صَححهُ فِي (شرح الْمُهَذّب) وَفِي (الْمِنْهَاج) من زياداته، وَاقْتصر فِي (تَصْحِيح التَّنْبِيه على الْمُخْتَار) قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ زين الدّين،: إِن قُلْنَا بتطويل السُّجُود فِي صَلَاة الْكُسُوف فَمَا مِقْدَار الْإِقَامَة فِيهِ؟ فَالَّذِي ذكره التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ تامتين، وَيُقِيم فِي كل سَجْدَة نَحوا مماأقام فِي رُكُوعه، وَهِي رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي أَيْضا إلاّ أَنه زَاد بعد. قَوْله: (تامتين
стр. 1940
طويلتين) وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف) أَي: من الصَّلَاة. قَوْله: (وَقد تجلت الشَّمْس) أَي: انكشفت، وَفِي رِوَايَة ابْن شهَاب، (وَقد انجلت الشَّمْس قبل أَن ينْصَرف) ، وَفِي رِوَايَة: (ثمَّ تشهد وَسلم) . قَوْله: (فَخَطب النَّاس) صَرِيح فِي إستحبابها، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَإِسْحَاق وَابْن جرير وفقهاء أَصْحَاب الحَدِيث، وَتَكون بعد الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: لَا خطْبَة فِيهَا، قَالُوا: لِأَن النَّبِي ﷺ أَمرهم بِالصَّلَاةِ وَالتَّكْبِير وَالصَّدَََقَة، وَلم يَأْمُرهُم بِالْخطْبَةِ، وَلَو كَانَت سنة لأمرهم بهَا، وَلِأَنَّهَا صَلَاة كَانَ يَفْعَلهَا الْمُنْفَرد فِي بَيته فَلم يشرع لَهَا خطْبَة، وَإِنَّمَا خطب ﷺ بعد الصَّلَاة ليعلمهم حكمهَا وَكَأَنَّهُ مُخْتَصّ بِهِ، وَقيل: خطب بعْدهَا لَا لَهَا، بل ليردهم عَن قَوْلهم: إِن الشَّمْس كسفت لمَوْت إِبْرَاهِيم، كَمَا فِي الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: وَالْعجب أَن مَالِكًا روى حَدِيث هِشَام هَذَا، وَفِيه التَّصْرِيح بِالْخطْبَةِ، وَلم يقل بِهِ أَصْحَابه؟ قلت: لَيْسَ بعجب ذَلِك، فَإِن مَالِكًا وَإِن كَانَ قد رَوَاهَا فِيهِ وعللها بِمَا قُلْنَا فَلم يقل بهَا، وَتَبعهُ أَصْحَابه فِيهَا. قَوْله: (فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ) زَاد النَّسَائِيّ فِي حَدِيث سَمُرَة: (وَيشْهد أَنه عبد الله وَرَسُوله) . قَوْله: (فَادعوا الله) رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فاذكروا الله) . قَوْله: (أغير) أفعل التَّفْضِيل من الْغيرَة، وَهِي تغير يحصل من الحمية والأنفة، وَأَصلهَا فِي الزَّوْجَيْنِ والأهلين، وكل ذَلِك مخال على الله ، وَهُوَ مجَاز مَحْمُول على غَايَة إِظْهَار غَضَبه على الزَّانِي. قيل: لما كَانَت ثَمَرَة الْغيرَة صون الْحَرِيم ومنعهم وزجرهم من يقصدهم وزجر من يقْصد إِلَيْهِم، أطلق ذَلِك لكَونه منع من فعل ذَلِك وزجر فَاعله وتوعده، فَهُوَ من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن فورك: الْمَعْنى: مَا أحد أَكثر زجرا عَن الْفَوَاحِش من الله تَعَالَى. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: أهل التَّنْزِيه فِي مثل هَذَا على قَوْلَيْنِ: إِمَّا سَاكِت وَإِمَّا مؤول، على أَن المُرَاد من الْغيرَة شدَّة الْمَنْع والحماية، وَقيل: مَعْنَاهُ لَيْسَ أحدا منع من الْمعاصِي من الله وَلَا أَشد كَرَاهَة لَهَا مِنْهُ. قلت: يجوز أَن يكون هَذَا اسْتِعَارَة مصرحة تَبَعِيَّة قد شبه حَال مَا يفعل الله مَعَ عَبده الزَّانِي من الانتقام وحلول الْعقَاب بِحَالَة مَا يَفْعَله العَبْد لعَبْدِهِ الزَّانِي من الزّجر وَالتَّعْزِير. فَإِن قلت: كَيفَ إِعْرَاب: أغير؟ قلت: بِالنّصب خبر: مَا، النافية، وَيجوز الرّفْع على أَن يكون خَبرا للمبتدأ، أَعنِي قَوْله: (أحد) . وَكلمَة: من، زَائِدَة لتأكيد الْعُمُوم. وَقَوله: (أَن يَزْنِي) يتَعَلَّق بأغير، وَحذف الْجَار وَهِي: فِي، أَو: على فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص العَبْد وَالْأمة بِالذكر؟ قلت: رِعَايَة لحسن الْأَدَب مَعَ الله تَعَالَى لتنزهه عَن الزَّوْجَة والأهل مِمَّن تعلق بهم الْغيرَة غَالِبا. فَإِن قلت: مَا وَجه اتِّصَال هَذَا الْكَلَام بِمَا قبله من قَوْله: (فاذكروا الله) إِلَى آخِره؟ قلت: قَالَ الطَّيِّبِيّ: الْمُنَاسبَة من جِهَة أَنهم لما أمروا باستدفاع الْبلَاء بِالذكر وَالصَّلَاة وَالصَّدَََقَة ناسب ردعهم عَن الْمعاصِي الَّتِي هِيَ من أَسبَاب جلب الْبلَاء، وَخص مِنْهَا الزِّنَا لِأَنَّهُ أعظمها فِي ذَلِك. وَقيل: لما كَانَت هَذِه الْمعْصِيَة من أقبح الْمعاصِي وأشدها تَأْثِيرا فِي إثارة النُّفُوس وَغَلَبَة الْغَضَب، ناسب ذَلِك تخويفهم فِي هَذَا الْمقَام من مُؤَاخذَة رب الْغيرَة وخالقها. قَوْله: (يَا أمة مُحَمَّد) قيل: فِيهِ معنى الإشفاق كَمَا يُخَاطب الْوَالِد وَلَده، إِذا أشْفق عَلَيْهِ بقوله: (يَا بني) قلت: لَيْسَ هَذَا مثل الْمِثَال الَّذِي ذكره، فَلَو كَانَ قَالَ: يَا أمتِي، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَكَانَ من هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا هَذَا يشبه أَن يكون من بَاب التَّجْرِيد، كَأَنَّهُ أبعدهم عَنهُ فخاطبهم بِهَذَا الْخطاب، لِأَن الْمقَام مقَام التخويف والتحذير. قَوْله: (وَالله لَو تعلمُونَ) أَي: من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وَشدَّة عِقَابه وأهوال الْقِيَامَة وَأَحْوَالهَا كَمَا عَلمته لما ضحكتم أصلا، إِذْ الْقَلِيل بِمَعْنى العديم على مَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاق، فَإِن قلت: لَا يرتاب فِي صدق النَّبِي ﷺ ، فَلم صدر كَلَامه بقوله (وَالله) فِي الْمَوْضِعَيْنِ؟ قلت: لإِرَادَة التَّأْكِيد لخبره، وَإِن كَانَ لَا يشك فِيهِ، لِأَن الْمقَام مقَام الْإِنْكَار عَمَّا يَلِيق فعله فَيَقْتَضِي التَّأْكِيد. وَقيل: معنى هَذَا الْكَلَام: لَو علمْتُم من سَعَة رَحْمَة الله وحلمه ولطفه وَكَرمه مَا أعلم لبكيتم على مَا فاتكم من ذَلِك. وَقيل: إِنَّمَا خص نَفسه ﷺ بِعلم لَا يُعلمهُ غَيره لِأَنَّهُ لَعَلَّه أَن يكون مَا رَآهُ فِي عرض الْحَائِط من النَّار، وَرَأى فِيهَا منْظرًا شَدِيدا لَو علمت أمته من ذَلِك مَا علم ﷺ لَكَانَ ضحكهم قَلِيلا وبكاؤهم كثيرا، إشفاقا وخوفا. وَقد حكى ابْن بطال عَن الْمُهلب: أَن سَبَب ذَلِك مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْصَار من محبَّة اللَّهْو والغناء، وَأَطْنَبَ فِيهِ ورد عَلَيْهِ ذَلِك بِأَنَّهُ قَول بِلَا دَلِيل وَلَا حجَّة فِي تخصيصهم بذلك والقضية كَانَت فِي أَوَاخِر زَمَنه ﷺ مَعَ كَثْرَة الْأَصْنَاف من الْخَلَائق فِي الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ.
стр. 1941
وَفِي الحَدِيث فَوَائِد أُخْرَى: فِيهِ: الْمُبَادرَة بِالصَّلَاةِ وَالذكر وَالتَّكْبِير وَالصَّدَََقَة عِنْد وُقُوع كسوف وخسوف وَنَحْوهمَا من زَلْزَلَة وظلمة شَدِيدَة وريح عاصف، وَنَحْو ذَلِك من الْأَهْوَال. وَفِيه: الزّجر عَن كَثْرَة الضحك والتحريض على كَثْرَة الْبكاء. وَفِيه: الرَّد على من زعم أَن للكواكب تَأْثِيرا فِي حوادث الأَرْض، على مَا ذكرنَا. وَفِيه: اهتمام الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِنَقْل أَفعَال النَّبِي ﷺ ليقتدي بِهِ فِيهَا. وَفِيه: الْأَمر بِالدُّعَاءِ والتضرع فِي سُؤَاله. وَفِيه: التحريض على فعل الْخيرَات وَلَا سِيمَا الصَّدَقَة الَّتِي نَفعهَا مُتَعَدٍّ. وَفِيه: عظة الإِمَام عِنْد الْآيَات وَأمرهمْ بأعمال الْبر. وَفِيه: أَن صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ وَلَكِن على هَيْئَة مَخْصُوصَة من تَطْوِيل زَائِد فِي الْقيام وَغَيره على الْعَادة من زِيَادَة رُكُوع فِي كل رَكْعَة، وَقَالَ بَعضهم: الْأَخْذ بِهَذَا أولى من إلغائها، وَبِذَلِك قَالَ جُمْهُور أهل الْعلم من أهل الْفتيا، وَقد وَافق عَائِشَة على ذَلِك عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر، وَمثله عَن أَسمَاء بنت أبي بكر وَعَن جَابر عِنْد مُسلم، وَعَن عَليّ عِنْد أَحْمد، وَعَن أبي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيّ، وَعَن ابْن عمر عِنْد الْبَزَّار، وَعَن أم سُفْيَان عِنْد الطَّبَرَانِيّ. قلت: لِمَ سكت هَذَا الْقَائِل عَن: حَدِيث: أبي بكرَة الَّذِي صَدره البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ؟ وَحَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) ، وَحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة عِنْد مُسلم، وَحَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب عِنْد الْأَرْبَعَة، وَحَدِيث النُّعْمَان بن بشير عِنْد الطَّحَاوِيّ، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عِنْده أَيْضا وَعند أبي دَاوُد وَأحمد، وَحَدِيث قبيصَة الْهِلَالِي عِنْد أبي دَاوُد، وَقد ذكرنَا جَمِيع ذَلِك مستقصىً،؟ فأحاديث هَؤُلَاءِ كلهَا تدل على أَن: صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ كَهَيئَةِ النَّافِلَة من غير الزِّيَادَة على ركوعين. فَإِن قلت: أَحَادِيث هَؤُلَاءِ غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنَّهَا تدل على أَن صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ، والخصم قَائِل بِهِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَنْفِي مَا ذهب إِلَيْهِ الْخصم من الزِّيَادَة؟ قلت: فِي أَحَادِيثهم نَص على الرَّكْعَتَيْنِ مُطلقًا، وَالْمُطلق ينْصَرف إِلَى الْكَامِل وَهِي الصَّلَاة الْمَعْهُودَة من غير الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة، مَعَ أَنهم لم يَقُولُوا بإلغاء تِلْكَ الزِّيَادَة، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لموافقته الْقيَاس، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ (عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول: فرض النَّبِي ﷺ أَربع صلوَات: صَلَاة الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَصَلَاة السّفر رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَاة الْمَنَاسِك رَكْعَتَيْنِ) . وَقد قرنت صَلَاة الْكُسُوف بِصَلَاة السّفر وَصَلَاة الْمَنَاسِك، وَفِي رَكْعَة كل وَاحِدَة مِنْهُمَا رُكُوع وَاحِد بِلَا خلاف، فَكَذَلِك صَلَاة الْكُسُوف، وَلَا سِيمَا على قَول من يَقُول: إِن الْقُرْآن فِي النّظم يُوجب الْقُرْآن فِي الحكم، فَإِن قَالُوا: الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة ثبتَتْ فِي رِوَايَة الْحفاظ الثِّقَات فَوَجَبَ قبُولهَا وَالْعَمَل بهَا. قُلْنَا: قد ثَبت عِنْد مُسلم عَن عَائِشَة وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن فِي كل رَكْعَة ثَلَاث ركوعات، وَعِنْده عَن ابْن عَبَّاس: أَن فِي كل رَكْعَة ثَلَاث ركوعات، وَعند أبي دَاوُد عَن أبي بن كَعْب وَعند الْبَزَّار عَن عَليّ: أَن فِي كل رَكْعَة خمس ركوعات، فَمَا كَانَ جوابهم فِي هَذِه فَهُوَ جَوَابنَا فِي تِلْكَ، ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل نقل عَن صَاحب (الْهدى) أَنه نقل عَن الشَّافِعِي وَأحمد وَالْبُخَارِيّ أَنهم: كَانُوا يعدون الزِّيَادَة على الركوعين فِي كل رَكْعَة غَلطا من بعض الروَاة. قلت: يَنْبَغِي أَن لَا يُؤَاخذ بِهَذَا لِأَنَّهُ ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) ثَلَاث ركوعات وَأَرْبع ركوعات، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن.
٣ - (بابُ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ جامِعَةً فِي الكُسُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمُنَادِي لصَلَاة الْكُسُوف: الصَّلَاة جَامِعَة، بِالنّصب فيهمَا على الْحِكَايَة فِي لفظ الصَّلَاة، وحروف الْجَرّ لَا يظْهر عَملهَا فِي بَاب الْحِكَايَة، ومعمولها مَحْذُوف، تَقْدِيره: بَاب النداء بقوله الصَّلَاة جَامِعَة، أَي: حَال كَونهَا جَامِعَة. وَقَالَ بَعضهم: أَي أحضروا الصَّلَاة فِي كَونهَا جمَاعَة. قلت: لَا يَصح هَذَا، لِأَن الصَّلَاة لَيست بِجَمَاعَة، وَإِنَّمَا هِيَ جَامِعَة للْجَمَاعَة، وَيقدر: أحضروا الصَّلَاة حَال كَونهَا جَامِعَة للْجَمَاعَة، وَهُوَ من الْأَحْوَال الْمقدرَة، وَيجوز أَن يرفع بِالصَّلَاةِ، وجامعة أَيْضا فَالصَّلَاة على الِابْتِدَاء وجامعة على الْخَبَر، على تَقْدِير: جَامِعَة للْجَمَاعَة، وَقَالَ بَعضهم: وَقيل جَامِعَة، صفة وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: احضروا. قلت: هَذَا أَيْضا لَا يَصح، لِأَن الصَّلَاة معرفَة، وجامعة نكرَة، فَلَا تقع صفة للمعرفة لاشْتِرَاط التطابق بَين الصّفة والموصوف.
стр. 1942
٥٤٠١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ صالِحٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلَاّمِ بنِ أبي سَلَاّمٍ الحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ أبي كَثِيرٍ قَالَ أَخْبرنِي أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الراحْمانِ بنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ نُودِيَ إنَّ الصَّلَاةَ جامِعَةٌ.
(الحَدِيث ٥٤٠١ طرفه فِي: ١٥٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق هُوَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور على زعم أبي عَليّ الجياني وَقيل: إِنَّه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه على زعم أبي نعيم. الثَّانِي: يحيى بن صَالح الوحاظي. الثَّالِث: مُعَاوِيَة بن سَلام بن أبي سَلام، بتَشْديد اللَّام فيهمَا، مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير، وَقد مر غير مرّة. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد عَن شَيْخه إِسْحَاق. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع عَن يحيى بن صَالح. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد عَن مُعَاوِيَة وَعَن يحيى بن أبي كثير. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد عَن أبي سَلمَة وَفِي رِوَايَة حجاج الصَّواف عَن يحيى: حَدثنَا أَبُو سَلمَة حَدثنِي عبد الله، أخرجه ابْن خُزَيْمَة، وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه قد ذكره من غير نِسْبَة. وَفِيه: أَن يحيى بن صَالح شَيْخه أَيْضا روى عَنهُ بِلَا وَاسِطَة فِي: بَاب مَا إِذا كَانَ الثَّوْب ضيقا، وَهَهُنَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة إِسْحَاق. وَفِيه: أَن مُعَاوِيَة ذكر بنسبتين: أحداهما: بقوله: الحبشي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة: مَنْسُوب إِلَى بِلَاد الْحَبَش، وَقَالَ ابْن معِين: الْحَبَش حَيّ من حمير، وَقَالَ الْأصيلِيّ: هُوَ بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْبَاء، وَهُوَ كَمَا يُقَال: عجم بِفتْحَتَيْنِ وعجم بِضَم الْعين وَإِسْكَان الْجِيم، وَالْأُخْرَى: نِسْبَة إِلَى دمشق، بِكَسْر الدَّال وَهِي دمشق الشَّام. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْكُسُوف عَن أبي نعيم عَن شَيبَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن سَلام.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نُودي: إِن الصَّلَاة) ، بتَخْفِيف إِن المفسرة، ويروى بِالتَّشْدِيدِ، وَيكون خَبَرهَا محذوفا تَقْدِيره: إِن الصَّلَاة حَاضِرَة، أَو نَحْو ذَلِك، وجامعة، نصب على الْحَال كَمَا ذكرنَا عَن قريب، فَإِن صحت الرِّوَايَة بِرَفْع جَامِعَة يكون هُوَ خَبرا لإن، وَقيل: يجوز فِيهِ رفع الْكَلِمَتَيْنِ أَيْضا وَرفع الأول وَنصب الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ.
وَفِيه: أَن صَلَاة الْكُسُوف لَيْسَ فِيهَا أَذَان وَلَا إِقَامَة وَإِنَّمَا يُنَادى لَهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (نُودي: الصَّلَاة جَامِعَة) ، بِدُونِ: أَن، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أجمع الْعلمَاء على أَن صَلَاة الْكُسُوف لَيْسَ فِيهَا أَذَان وَلَا إِقَامَة إِلَّا أَن الشَّافِعِي قَالَ: لَو نَادَى مُنَاد: الصَّلَاة جَامِعَة، ليخرج النَّاس بذلك إِلَى الْمَسْجِد لم يكن بذلك بَأْس.
٤ - (بابُ خُطْبَةِ الإمامِ فِي الكُسُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خطْبَة الإِمَام فِي كسوف الشَّمْس.
وقالَتْ عائِشَةُ وأسْمَاءُ خطَبَ النبيُّ ﷺ
أَي: خطب فِي الْكُسُوف، أما تَعْلِيق عَائِشَة فقد أخرجه فِي بَاب الصَّدَقَة فِي الْكُسُوف، وَقد مضى عَن قريب، وَفِيه: وَقد تجلت الشَّمْس وخطب النَّاس، وَأما تَعْلِيق أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أُخْت عَائِشَة لأَبِيهَا، فَسَيَأْتِي بعد أحد عشر بَابا فِي: بَاب قَول الإِمَام فِي خطْبَة الْكُسُوف: أما بعد.
٦٤٠١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْل عنِ ابنِ شهَابٍ ح وحدَّثني
стр. 1943
أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ قَالَ حدَّثنا عَنْبَسةُ قَالَ حدَّثنا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي ﷺ قالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النبيِّ ﷺ فَخَرَجَ إلَى المَسْجِدِ فصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رسولُ الله ﷺ قِرَاءَةً طوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً ثُمَّ قالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فقامَ ولَمْ يَسْجُدْ وقَرَأ قِرَاءَةً طَوِيلةً هِيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأولَى ثُمَّ كَبَّرَ ورَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ أدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ ثُمَّ الأول قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ربَّنَا ولكَ الحَمْدُ ثُمَّ سجَدَ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذالِكَ فَاسْتَكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أرْبَعِ سَجَدَاتٍ وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ قامَ فأثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ هُمَا آيَتَانِ منْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِموْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فَإذَا رأيْتُمُوهما فافْزَعُوا إلَى الصَّلاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ثمَّ قَامَ فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله) ، لِأَن الْقيام وَالثنَاء على الله فِيهِ هُوَ الْخطْبَة.
ذكر رِجَاله: وهم تِسْعَة، لِأَنَّهُ رَوَاهُ من طَرِيقين: الأول: يحيى بن بكير، هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْمصْرِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: أَحْمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ. السَّادِس: عَنْبَسَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا سين مُهْملَة مَفْتُوحَة: ابْن خَالِد بن يزِيد الْأَيْلِي، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. السَّابِع: يُونُس بن يزِيد بن مسكان أَبُو يزِيد الْأَيْلِي، مَاتَ سنة بضع وَخمسين وَمِائَة. الثَّامِن: عُرْوَة بن الزبير. التَّاسِع: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد كَذَلِك فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَحْمد بن صَالح من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مصريون مَا خلا ابْن شهَاب وَعُرْوَة، فَإِنَّهُمَا مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة الشَّخْص عَن عَمه، وَهُوَ: عَنْبَسَة عَن يُونُس.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك. وَأخرجه مُسلم فِي الْكُسُوف عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَأبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَمُحَمّد بن سَلمَة، ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن وهب عَن يُونُس بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر وَابْن سَلمَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَصف النَّاس) بِرَفْع النَّاس لِأَنَّهُ فَاعل صف، يُقَال: صف الْقَوْم إِذا صَارُوا صفا، وَيجوز نصب النَّاس وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: فَصف النَّبِي، ﷺ ، النَّاس وَرَاءه. قَوْله: (ثمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَة الْأَخِيرَة) أَي: فعل، وَهُوَ إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل، وَالْعرب تفعل هَذَا كثيرا. قَوْله: (ثمَّ قَامَ فَأثْنى على الله تَعَالَى) يَعْنِي: قَامَ لأجل الْخطْبَة فَخَطب. قَوْله: (فافزعوا) ، بِفَتْح الزَّاي، أَي: التجئوا وتوجهوا إِلَيْهَا. أَو: اسْتَعِينُوا بهَا على دفع الْأَمر الْحَادِث من: بَاب: فزع بِالْكَسْرِ يفزع بِالْفَتْح فَزعًا، والفزع فِي الأَصْل: الْخَوْف، فَوضع مَوضِع الإغاثة والنصر لِأَن من شَأْنه الإغاثة وَالدَّفْع. قَوْله: (إِلَى الصَّلَاة) قَالَ بَعضهم: أَي الْمَعْهُودَة الْحَاصِل، وَهِي الَّتِي تقدم فعلهَا مِنْهُ، ﷺ ، قبل الْخطْبَة، وَلم يصب من اسْتدلَّ بِهِ على مُطلق الصَّلَاة. قلت: الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ على مُطلق الصَّلَاة هُوَ الْمسيب لِأَن الْمَذْكُور هُوَ الصَّلَاة فَإِذا ذكرت مُطلقَة ينْصَرف إِلَى الصَّلَاة الْمَعْهُودَة فِيمَا بَينهم الَّتِي يصلونها على الصّفة الْمَعْهُودَة، وَلَا تذْهب أذهان النَّاس إلاّ إِلَى ذَلِك، وَالْعجب من غير الْمُصِيب يرد كَلَام الْمُصِيب.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَقد مر أَكثر ذَلِك. فِيهِ: فعل صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد دون الصَّحرَاء وَإِن كَانَ يجوز فعلهَا فِي الصَّحرَاء، وَلَعَلَّ كَونهَا فِي الْمَسْجِد هَهُنَا لخوف الْفَوْت بالانجلاء، وَقَالَ الْقَدُورِيّ: كَانَ أَبُو حنيفَة يرى صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد وَالْأَفْضَل فِي الْجَامِع. وَفِي (شرح الطَّحَاوِيّ) : صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد الْجَامِع أَو فِي مصلى الْعِيد، وَعند مَالك: تصلى فِيهِ دون
стр. 1944
الصَّحرَاء. وَقَالَ ابْن حبيب: هُوَ مُخَيّر، وَحكي عَن أصبغ: وَصوب بعض أهل الْعلم الْمَسْجِد فِي الْمصر الْكَبِير للْمَشَقَّة، وَخَوف الْفَوْت دون الصَّغِير. وَفِيه: الْخطْبَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا مستقصىً. وَفِيه: تَقْدِيم الإِمَام على الْمَأْمُوم، وَهُوَ من قَوْله: (فَصف النَّاس وَرَاءه) ، وَفِيه: الْمُبَادرَة إِلَى الْمَأْمُور بِهِ والمسارعة إِلَى فعله. وَفِيه: الالتجاء إِلَى الله تَعَالَى عِنْد المخاوف بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار لِأَنَّهُ سَبَب لمحو مَا فرط مِنْهُ من الْعِصْيَان. وَفِيه: أَن الذُّنُوب سَبَب لوُقُوع البلايا والعقوبات العاجلة والآجلة.
وكانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بنُ عَبَّاسٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ إنَّ أخاكَ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ قالَ أجَلْ لأِنَّهُ أخْطَأ السُّنَّةَ
قَوْله: (كَانَ يحدث كثير بن عَبَّاس) وَهُوَ مقول الزُّهْرِيّ عطفا على قَوْله: (حَدثنِي عُرْوَة) . وَقَوله: (كثير) ، بِالرَّفْع: اسْم كَانَ وَخَبره. قَوْله: (يحدث) ، مقدما، وَقد وَقع صَرِيحًا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ (قَالَ: كثير ابْن الْعَبَّاس يحدث أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يحدث عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ يَوْم كسفت الشَّمْس، مثل مَا حدث عُرْوَة عَن عَائِشَة) . وَحَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة هُوَ مَا روى عُرْوَة عَنْهَا (أَن النَّبِي ﷺ جهر فِي صَلَاة الخسوف بقرَاءَته، فصلى أَربع ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات) . قَالَ الزُّهْرِيّ: وَأَخْبرنِي كثير بن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس (عَن النَّبِي ﷺ أَنه صلى أَربع ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات. .) إِلَى هُنَا لفظ مُسلم. قَوْله: (فَقلت) الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ. قَوْله: (أَن أَخَاك) يَعْنِي: عبد الله بن الزبير. قَوْله: (مثل الصُّبْح) ، أَي: مثل صَلَاة الصُّبْح فِي الْعدَد والهيئة. قَوْله: (قَالَ: أجل) أَي: قَالَ عُرْوَة: نعم صلى كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان، فَقَالَ: أجل كَذَلِك صنع (لِأَنَّهُ إخطأ السّنة) أَي: لِأَن عبد الله بن الزبير أَخطَأ السّنة، لِأَن السّنة هِيَ أَن تصلي فِي كل رَكْعَة ركوعان. وَقَالَ: بَعضهم: وَتعقب بِأَن عُرْوَة تَابِعِيّ وَعبد الله صَحَابِيّ فالأخذ بِفِعْلِهِ أولى. ثمَّ أجَاب: بِمَا حَاصله: إِن مَا صنعه عبد الله يتَأَدَّى بِهِ أصل السّنة، وَإِن كَانَ فِيهِ تَقْصِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَال السّنة، وَيحْتَمل أَن يكون عبد الله أَخطَأ السّنة من غير قصد لِأَنَّهَا لم تبلغه. قلت: وَقد قُلْنَا فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف: إِن عُرْوَة أَحَق بالْخَطَأ من عبد الله الصاحب الَّذِي عمل بِمَا علم، وَعُرْوَة أنكر مَا لَا يعلم، وَلَا نسلم أَنَّهَا لم تبلغه لاحْتِمَال أَنه بلغه من أبي بكرَة أَو من غَيره مَعَ بُلُوغ حَدِيث عَائِشَة إِيَّاه، فَاخْتَارَ حَدِيث أبي بكرَة لموافقته الْقيَاس، فَإِذا لَا يُقَال فِيهِ: إِنَّه أَخطَأ السّنة. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٥ - (بابُ هَلْ يَقُولُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أوْ خَسَفَتْ ؟)
أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: هَل يَقُول الْقَائِل: كسفت الشَّمْس؟ أَو يَقُول: خسفت الشَّمْس؟ قيل: أَتَى البُخَارِيّ بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام إشعارا مِنْهُ بِأَنَّهُ لم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك شَيْء، وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ (عَن عُرْوَة: لَا تَقولُوا كسفت الشَّمْس، وَلَكِن قُولُوا: خسفت) وَهَذَا مَوْقُوف صَحِيح رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَنهُ. قلت: تَرْتِيب البُخَارِيّ يدل على أَن الخسوف يُقَال فِي الشَّمْس وَالْقَمَر جَمِيعًا لِأَنَّهُ ذكر الْآيَة وفيهَا نِسْبَة الخسوف إِلَى الْقَمَر ثمَّ ذكر الحَدِيث وَفِيه نِسْبَة الخسوف إِلَى الشَّمْس وَكَذَلِكَ يُقَال بالكسوف فيهمَا جَمِيعًا، لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب (فَقَالَ فِي كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر: إنَّهُمَا آيتان) . وَبِهَذَا يرد على عُرْوَة فِيمَا روى الزُّهْرِيّ عَنهُ. وَبِمَا روى فِي أَحَادِيث كَثِيرَة: كسفت الشَّمْس، مِنْهَا: حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة الَّذِي مضى فِي أول الْأَبْوَاب، (قَالَ: كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ . .) الحَدِيث، وَفِيه: أَيْضا: (أَن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحد) الحَدِيث وَاسْتِعْمَال الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر اصْطِلَاح الْفُقَهَاء وَاخْتَارَهُ ثَعْلَب أَيْضا قَالَ فِي الفضيح إِن كسفت الشَّمْس وَخسف الْقَمَر أَجود الْكَلَامَيْنِ، وَذكر الْجَوْهَرِي: أَنه أفْصح، وَحكى عِيَاض عَن بَعضهم عَكسه، وغلطه لثُبُوته بِالْخَاءِ فِي الْقُرْآن، وَفِي الْحَقِيقَة فِي مَعْنَاهُمَا فرق، فَقيل: الْكُسُوف أَن يكْشف ببعضهما، والخسوف: أَن يخسف بكلهما، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ وَقَالَ شمر: الْكُسُوف فِي الْوَجْه الصُّفْرَة والتغير، وَقَالَ ابْن حبيب فِي (شرح الْمُوَطَّأ) : الْكُسُوف تغير اللَّوْن والخسوف انخسافهما، وَكَذَلِكَ تَقول فِي عين الْأَعْوَر إِذا انخسفت وَغَارَتْ فِي جفن الْعين، وَذهب نورها وضياؤها.
стр. 1945
وقالَ الله تعالَى وخَسَفَ القَمَرُ
إِيرَاد البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة إِشَارَة إِلَى أَن الأجود أَن يُقَال: خسف الْقَمَر، وَإِن كَانَ يجوز أَن يُقَال: كسف الْقَمَر، لَا كَمَا قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أَن يُقَال: خسف الْقَمَر، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن، وَلَا يُقَال: كسف، وَكَيف لَا يُقَال كسف وَقد أسْند الكسف إِلَيْهِ كَمَا أسْند الشَّمْس؟ كَمَا فِي حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة الْمَذْكُور فِي أول الْأَبْوَاب وَفِي غَيره، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث الْبَاب.
٧٤٠١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرُ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخبرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فقَامَ فكَبَّرَ فقَرَأ قرَاءَةً طوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَويلاً ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ وقامَ كَمَا هُوَ ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَهْيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْيَ أدْنَى مِنَ الركْعَةِ الأُولى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودا طَوِيلاً ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذالِكَ ثُمَّ سَلَّمَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فقالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آياتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ فِي كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر) ، وَقَوله: (لَا يخسفان) لِأَن كل وَاحِد من الْكُسُوف والخسوف اسْتعْمل فِي كل وَاحِد من الشَّمْس وَالْقَمَر، وإيراده الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهَذَا الحَدِيث يدلان على هَذَا وَيدل أَيْضا على أَن الِاسْتِفْهَام فِي التَّرْجَمَة لَيْسَ للنَّفْي وَالْإِنْكَار. فَافْهَم، وَسَعِيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، وَقد مر فِي: بَاب من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين، فِي كتاب الْعلم، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ قد مَضَت مستقصاة.
٦ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ يُخَوِّفُ الله عِبَادَهُ بالكُسُوفِ قَالَه أبُو مُوسَى عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: (يخوف الله، ، عباده بالكسوف) ، وَسَيَأْتِي حَدِيث أبي مُوسَى هَذَا فِي: بَاب الذّكر الْكُسُوف.
٨٤٠١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يُوُنُسَ عنِ الحَسَنِ عنْ أبي بَكْرَةَ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ ولاكِنَّ الله تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ..
قد مضى الْكَلَام فِي حَدِيث أبي بكرَة فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف، ومطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
قَوْله: (وَلَكِن الله يخوف بهما) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَلَكِن الله يخوف) . قَوْله: (يخوف) ، فِيهِ رد على أهل الْهَيْئَة حَيْثُ يَزْعمُونَ أَن الْكُسُوف أَمر عادي لَا يتَأَخَّر وَلَا يتَقَدَّم، فَلَو كَانَ كَذَلِك لم يكن فِيهِ تخويف، فَيصير بِمَنْزِلَة الجزر وَالْمدّ فِي الْبَحْر، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث أبي مُوسَى، على مَا يَأْتِي: (فَقَامَ فَزعًا يخْشَى أَن تكون السَّاعَة) ، فَلَو كَانَ الْكُسُوف بِالْحِسَابِ لم يَقع الْفَزع، وَلم يكن لِلْأَمْرِ بِالْعِتْقِ وَالصَّدَََقَة وَالصَّلَاة وَالذكر معنى، وَقد رددنا عَلَيْهِم فِيمَا مضى، وَيرد عَلَيْهِم أَيْضا بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا: (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفا لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ، ولكنهما آيتان من آيَات الله، وَإِن الله إِذا تجلى لشَيْء من خلقه خضع لَهُ) . وَقَالَ الْغَزالِيّ: هَذِه الزِّيَادَة لم تثبت فَيجب تَكْذِيب ناقلها، وَلَو صحت لَكَانَ أَهْون من مُكَابَرَة أُمُور قَطْعِيَّة لَا تصادم الشَّرِيعَة، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ: كَيفَ يسلم دَعْوَى الفلاسفة وَيَزْعُم أَنَّهَا لَا تصادم الشَّرِيعَة مَعَ أَنَّهَا مَبْنِيَّة على أَن الْعَالم
стр. 1946
كري الشكل وَظَاهر الشَّرْع خلاف ذَلِك؟ وَالثَّابِت من قَوَاعِد الشَّرْع أَن الْكُسُوف أثر الْإِرَادَة الْقَدِيمَة، وَفعل الْفَاعِل الْمُخْتَار فيخلق فِي هذَيْن الجرمين النُّور مَتى شَاءَ والظلمة مَتى شَاءَ من غير تَوْقِيف على سَبَب أَو ربط باقتراب، وَكَيف يرد الحَدِيث الْمَذْكُور وَقد أثْبته جمَاعَة من الْعلمَاء وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم؟ وَلَئِن سلمنَا أَن مَا ذكره أهل الْحساب صَحِيح فِي نفس الْأَمر، فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي كَون ذَلِك مخوفا لعباد الله تَعَالَى.
وَقَالَ أبُو عُبَيه الله لَمْ يَذْكُرْ عبْدُ الوَارِثِ وشُعْبَةُ وخالِدُ بنُ عَبْدِ الله وحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ يُونُسَ يُخوِّفُ بِهِمَا عِبَادِهِ
أَشَارَ بِهَذَا الْكَلَام إِلَى أَن عبد الْوَارِث بن سعيد التنوري وَشعْبَة بن الْحجَّاج وخَالِد بن عبد الله الطَّحَّان الوَاسِطِيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة، بِفَتْح اللَّام، لم يذكرُوا فِي روايتهم عَن يُونُس بن عبيد الْمَذْكُور عَن قريب لفظ: (يخوف الله بهما عباده) فِي رِوَايَته عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن أبي بكرَة. أما رِوَايَة عبد الْوَارِث فَذكرهَا البُخَارِيّ بعد عشرَة أَبْوَاب فِي بَاب الصَّلَاة فِي كسوف الْقَمَر، وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا اللَّفْظ، على مَا ستقف عَلَيْهَا، وَلَكِن ثَبت ذَلِك عَن عبد الْوَارِث من وَجه آخر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث، قَالَ: حَدثنَا يُونُس عَن الْحسن عَن أبي بكرَة قَالَ: (كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ فانكسفت الشَّمْس فَخرج رَسُول الله ﷺ يجر رِدَاءَهُ حَتَّى انْتهى إِلَى الْمَسْجِد وثاب إِلَيْهِ النَّاس، فصلى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انكشفت قَالَ: إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله يخوف الله بهما عباده، وإنهما لَا ينخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فصلوا حَتَّى يكسف مَا بكم، وَذَلِكَ أَن ابْنا لَهُ مَاتَ يُقَال لَهُ: إِبْرَاهِيم، فَقَالَ نَاس فِي ذَلِك) . وَأما رِوَايَة شُعْبَة فأخرجها البُخَارِيّ فِي: بَاب كسوف الْقَمَر، حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن عَامر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن يُونُس عَن الْحسن (عَن أبي بكرَة قَالَ: انكسفت الشَّمْس على عهد النَّبِي ﷺ فصلى رَكْعَتَيْنِ) . وَأما رِوَايَة خَالِد بن عبد الله فقد مَضَت فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف. وَأما رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة فأخرجها الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) : عَن عَليّ بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: حَدثنَا حجاج بن منهال حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن يُونُس فَذكره، وأخرجها الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من طَرِيق أبي زَكَرِيَّا السيلَحِينِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن يُونُس فَذكره.
وتَابَعَهُ مُوسى عنْ مُبَارَكٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ أَخْبرنِي أبُو بَكْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ الله تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ
أَي: تَابع يُونُس فِي رِوَايَته عَن الْحسن مُوسَى عَن مبارك، وَاخْتلف فِي المُرَاد بمُوسَى، فَقيل: هُوَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي وَجزم بِهِ الْحَافِظ الْمزي، وَقيل: هُوَ مُوسَى بن دَاوُد الضَّبِّيّ، وَمَال إِلَيْهِ الْحَافِظ الدمياطي وَجَمَاعَة. قيل: الأول أرجح لكَون مُوسَى بن إِسْمَاعِيل مَعْرُوفا فِي رجال البُخَارِيّ، ومبارك هُوَ: ابْن فضَالة بن أبي أُميَّة الْقرشِي الْعَدوي الْبَصْرِيّ، وَفِيه مقَال، وَأَرَادَ بِهِ البُخَارِيّ تنصيص الْحسن على سَمَاعه من أبي بكرَة، فَإِن ابْن خَيْثَمَة ذكر فِي (تَارِيخه الْكَبِير) عَن يحيى أَنه لم يسمع مِنْهُ، وَذكر هَذِه الْمُتَابَعَة للرَّدّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ صرح فِيهَا أَن الْحسن قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكرَة، وَقد علم أَن الْمُثبت يرجح على النَّافِي. قَوْله: (يخوف الله بهما) أَي: بكسوف الشَّمْس وكسوف الْقَمَر، ويروى: (بهَا) ، أَي: بِالْآيَةِ، فَإِن كسوفهما آيَة من الْآيَات، وَفِي رِوَايَة غير أبي ذَر: (إِن الله يخوف) .
وتابَعَهُ أشْعَثُ عنِ الحَسَنِ
يَعْنِي: تَابع مبارك بن فضَالة أَشْعَث بن عبد الْملك الحمراني عَن الْحسن كَذَلِك، لَكِن بِلَا ذكر التخويف، رَوَاهُ النَّسَائِيّ كَذَلِك عَن الفلاس عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن أَشْعَث عَن الْحسن (عَن أبي بكرَة، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِي ﷺ فكسفت الشَّمْس فَوَثَبَ يجر ثَوْبه فصلى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انجلت الشَّمْس) . وَقَالَ بَعضهم: وَقع قَوْله: (تَابعه أَشْعَث) ، فِي بعض
стр. 1947
الرِّوَايَات عقيب مُتَابعَة مُوسَى، وَالصَّوَاب تَقْدِيمه لخلو رِوَايَة أَشْعَث عَن ذكر التخويف. قلت: لَا يلْزم من مُتَابعَة أَشْعَث لمبارك بن فضَالة فِي الرِّوَايَة عَن الْحسن أَن يكون فِيهِ ذكر التخويف، لِأَن مُجَرّد الْمُتَابَعَة تَكْفِي فِي الرِّوَايَة، وَقد ذهل صَاحب (التَّلْوِيح) هُنَا حَيْثُ قَالَ: فِي قَوْله: (تَابعه أَشْعَث عَن الْحسن) يَعْنِي: تَابع مبارك بن فضَالة عَن الْحسن بِذكر التخويف رَوَاهُ النَّسَائِيّ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن الْأَشْعَث ذكر التخويف، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٧ - (بابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عذَابِ القَبْرِ فِي الكُسُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر فِي حَالَة الْكُسُوف، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة حِين يَدْعُو فِيهَا أَو بعد الْفَرَاغ مِنْهَا.
والمناسبة فِي ذَلِك من حَيْثُ كَون كل وَاحِد من الْكُسُوف والقبر مُشْتَمِلًا على الظلمَة، فَيحصل الْخَوْف من هَذَا كَمَا يحصل من هَذَا، فَإِذا تعوذ بِاللَّه تَعَالَى رُبمَا يحصل لَهُ الاتعاظ فِي الْعَمَل بِمَا ينجيه من عَاقِبَة الْأَمر.
٩٤٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالَكٍ عنْ يَحْيى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الراحْمانِ عنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ يَهُودِيَّةً جاءَتْ تَسْألُهَا فقَالَتْ لَهَا أعَاذَكِ الله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فَسَألَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا رسولَ الله ﷺ أيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ عائذا بِاللَّه مِنْ ذالِكَ..
ثُمَّ رَكِبَ رسولُ الله ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبا فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحىً فَمَرَّ رسولُ الله ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَي الحُجَرِ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي وقامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَاما طَوِيلاً ثمَّ ركع رُكُوعًا طَويلا ثمَّ رفع مقَام فَقَامَ قيَاما طَويلا وَهُوَ دون الْقيام الأول ثمَّ ركع رُكُوعًا طَويلا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قامَ فَقَامَ قِيَاما طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قامَ قِيَاما طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شاءَ الله أنْ يَقُولَ ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أَمرهم أَن يتعوذوا من عَذَاب الْقَبْر) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن القعْنبِي وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن يَهُودِيَّة) أَي: امْرَأَة يَهُودِيَّة، وَفِي (مُسْند السراج) من حَدِيث أَشْعَث بن الشعشاء عَن أَبِيه عَن مَسْرُوق، قَالَ: (دخلت يَهُودِيَّة على عَائِشَة فَقَالَت لَهَا: أسمعتِ رَسُول الله ﷺ يذكر شَيْئا فِي عَذَاب الْقَبْر؟ فَقَالَت عَائِشَة: لَا، وَمَا عَذَاب الْقَبْر؟ قَالَت: فسليه، فجَاء النَّبِي ﷺ فَسَأَلته عَائِشَة عَن عَذَاب الْقَبْر، فَقَالَ ﷺ : عَذَاب الْقَبْر حق. قَالَت عَائِشَة: فَمَا صلى بعد ذَلِك صَلَاة إلاّ سمعته يتَعَوَّذ من عَذَاب الْقَبْر) . وَفِي حَدِيث مَنْصُور عَن أبي وَائِل (عَن مَسْرُوق عَنْهَا، قَالَت: دخل على عجوزتان من عَجَائِز الْيَهُود، فَقَالَت: إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم، فكذبتهما وَلم أصدقهما، فَدخل على رَسُول الله ﷺ فَقلت لَهُ: دخل عَليّ عجوزتان من عجز الْيَهُود فَقَالَتَا: إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم، فَقَالَ: إِنَّهُم ليعذبون فِي قُبُورهم عذَابا تسمعه البهائر) . وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْيَهُودِيَّة كَانَت تعلم عَذَاب الْقَبْر، إِمَّا سَمِعت ذَلِك من التَّوْرَاة أَو فِي كتاب من كتبهمْ. قَوْله: (أيعذب النَّاس؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام (ويعذب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول فِيهِ دَلِيل على أَن عَائِشَة لم تكن قبل ذَلِك علمت بِعَذَاب الْقَبْر، لِأَنَّهَا كَانَت تعلم أَن الْعَذَاب وَالثَّوَاب إِنَّمَا يكونَانِ بعد الْبَعْث. قَوْله: (عائذا بِاللَّه) على وزن: فَاعل، مصدر لِأَن الْمصدر قد يَجِيء على هَذَا الْوَزْن كَمَا فِي قَوْلهم: عافاه الله عَافِيَة، فعلى هَذَا انتصابه على المصدرية
стр. 1948
تَقْدِيره: أعوذ عائذا بِاللَّه، أَي: أعوذ عياذا بِاللَّه، وَيجوز أَن يكون: عائذا، على بَابه، وَيكون مَنْصُوبًا على الْحَال، وَذُو الْحَال مَحْذُوف تَقْدِيره: أعوذ حَال كوني عائذا بِاللَّه. وَرُوِيَ: (عَائِذ بِاللَّه) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أَنا عَائِذ بِاللَّه. قَوْله: (من ذَلِك) أَي: من عَذَاب الْقَبْر. قَوْله: (ذَات غَدَاة) ، لَفْظَة: (ذَات) ، زَائِدَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَفْظَة (ذَات) بِمَعْنى: فِي، أَي: فِي غَدَاة ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين: بِأَنَّهُ غير صَحِيح، بل تَقْدِيره: فِي ذَات غَدَاة. قلت: الصَّوَاب مَعَه لِأَنَّهُ لم يقل أحد: إِن ذَات بِمَعْنى: فِي، وَيجوز أَن يكون من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. قَوْله: (ضحى) بِضَم الضَّاد مَقْصُور، فَوق الضحوة وَهِي ارْتِفَاع أول النَّهَار. قَوْله: (بَين ظهراني الْحجر) ، أَي: فِي ظَهْري الْحجر، الْألف وَالنُّون زائدتان، وَيُقَال: الْكَلِمَة كلهَا زَائِدَة، وَالْحجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم: جمع حجرَة وَالْمرَاد بهَا بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ .
وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ: أَنه: يدل على أَن عَذَاب الْقَبْر حق، وَأهل السّنة مجمعون على الْإِيمَان بِهِ والتصديق، وَلَا يُنكره إلاّ مُبْتَدع. وَإِن من لَا علم لَهُ بذلك لَا يَأْثَم، وَأَن من سمع بذلك وَجب عَلَيْهِ أَن يسْأَله أهل الْعلم ليعلم صِحَّته. وَفِيه: مَا يدل على أَن حَال عَذَاب الْقَبْر عَظِيم، فَلذَلِك أَمر النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك الْوَقْت بالتعوذ مِنْهُ. وَفِيه: أَن وَقت صَلَاة الْكُسُوف وَقت الضُّحَى على مَا صلى ﷺ فِي ذَلِك الْوَقْت بِحَسب حُصُول الْكُسُوف فِيهِ، وَالْعُلَمَاء اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ ابْن التِّين: أول وقته وَقت جَوَاز النَّافِلَة، وَأما آخِره فَقَالَ مَالك: إِنَّهَا إِنَّمَا تصلى ضحوة النَّهَار وَلَا تصلى بعد الزَّوَال، فَجَعلهَا كالعيدين، وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم، وروى عَنهُ ابْن وهب: تصلى فِي وَقت صَلَاة النَّافِلَة وَإِن زَالَت الشَّمْس، وَعنهُ: لَا تصلى بعد الْعَصْر، وَلَكِن يجْتَمع النَّاس فِيهِ فَيدعونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ويرغبون. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يصلونَ فِي الْأَوْقَات الْمنْهِي عَن الصَّلَاة فِيهَا لوُرُود النَّهْي بذلك، وتصلى فِي سَائِر الْأَوْقَات، وَهُوَ قَول ابْن أبي مليكَة وَعَطَاء وَجَمَاعَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: تصلى فِي كل وَقت، نصف النَّهَار وَبعد الْعَصْر وَالصُّبْح، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر وَابْن الْجلاب الْمَالِكِي: وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: وَقتهَا الْمُسْتَحبّ كَسَائِر الصَّلَوَات، وَلَا تصلى فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، وَبِه قَالَ الْحسن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَعَمْرو بن شُعَيْب وَقَتَادَة وَأَيوب وَإِسْمَاعِيل بن علية وَأحمد، وَقَالَ إِسْحَاق: يصلونَ بعد الْعَصْر مَا لم تصفر الشَّمْس، وَبعد صَلَاة الصُّبْح وَلَو كسفت فِي الْغُرُوب لم تصل أجماعا، وَلَو طلعت مكسوفة لم تصل حَتَّى تحل النَّافِلَة، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَآخَرُونَ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه أَقُول، خلافًا للشَّافِعِيّ.
٩٤٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالَكٍ عنْ يَحْيى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الراحْمانِ عنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ يَهُودِيَّةً جاءَتْ تَسْألُهَا فقَالَتْ لَهَا أعَاذَكِ الله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فَسَألَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا رسولَ الله ﷺ أيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ عائذا بِاللَّه مِنْ ذالِكَ..
ثُمَّ رَكِبَ رسولُ الله ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبا فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحىً فَمَرَّ رسولُ الله ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَي الحُجَرِ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي وقامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَاما طَوِيلاً ثمَّ ركع رُكُوعًا طَويلا ثمَّ رفع مقَام فَقَامَ قيَاما طَويلا وَهُوَ دون الْقيام الأول ثمَّ ركع رُكُوعًا طَويلا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قامَ فَقَامَ قِيَاما طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قامَ قِيَاما طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شاءَ الله أنْ يَقُولَ ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أَمرهم أَن يتعوذوا من عَذَاب الْقَبْر) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن القعْنبِي وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن يَهُودِيَّة) أَي: امْرَأَة يَهُودِيَّة، وَفِي (مُسْند السراج) من حَدِيث أَشْعَث بن الشعشاء عَن أَبِيه عَن مَسْرُوق، قَالَ: (دخلت يَهُودِيَّة على عَائِشَة فَقَالَت لَهَا: أسمعتِ رَسُول الله ﷺ يذكر شَيْئا فِي عَذَاب الْقَبْر؟ فَقَالَت عَائِشَة: لَا، وَمَا عَذَاب الْقَبْر؟ قَالَت: فسليه، فجَاء النَّبِي ﷺ فَسَأَلته عَائِشَة عَن عَذَاب الْقَبْر، فَقَالَ ﷺ : عَذَاب الْقَبْر حق. قَالَت عَائِشَة: فَمَا صلى بعد ذَلِك صَلَاة إلاّ سمعته يتَعَوَّذ من عَذَاب الْقَبْر) . وَفِي حَدِيث مَنْصُور عَن أبي وَائِل (عَن مَسْرُوق عَنْهَا، قَالَت: دخل على عجوزتان من عَجَائِز الْيَهُود، فَقَالَت: إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم، فكذبتهما وَلم أصدقهما، فَدخل على رَسُول الله ﷺ فَقلت لَهُ: دخل عَليّ عجوزتان من عجز الْيَهُود فَقَالَتَا: إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم، فَقَالَ: إِنَّهُم ليعذبون فِي قُبُورهم عذَابا تسمعه البهائر) . وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْيَهُودِيَّة كَانَت تعلم عَذَاب الْقَبْر، إِمَّا سَمِعت ذَلِك من التَّوْرَاة أَو فِي كتاب من كتبهمْ. قَوْله: (أيعذب النَّاس؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام (ويعذب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول فِيهِ دَلِيل على أَن عَائِشَة لم تكن قبل ذَلِك علمت بِعَذَاب الْقَبْر، لِأَنَّهَا كَانَت تعلم أَن الْعَذَاب وَالثَّوَاب إِنَّمَا يكونَانِ بعد الْبَعْث. قَوْله: (عائذا بِاللَّه) على وزن: فَاعل، مصدر لِأَن الْمصدر قد يَجِيء على هَذَا الْوَزْن كَمَا فِي قَوْلهم: عافاه الله عَافِيَة، فعلى هَذَا انتصابه على المصدرية تَقْدِيره: أعوذ عائذا بِاللَّه، أَي: أعوذ عياذا بِاللَّه، وَيجوز أَن يكون: عائذا، على بَابه، وَيكون مَنْصُوبًا على الْحَال، وَذُو الْحَال مَحْذُوف تَقْدِيره: أعوذ حَال كوني عائذا بِاللَّه. وَرُوِيَ: (عَائِذ بِاللَّه) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أَنا عَائِذ بِاللَّه. قَوْله: (من ذَلِك) أَي: من عَذَاب الْقَبْر. قَوْله: (ذَات غَدَاة) ، لَفْظَة: (ذَات) ، زَائِدَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَفْظَة (ذَات) بِمَعْنى: فِي، أَي: فِي غَدَاة ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين: بِأَنَّهُ غير صَحِيح، بل تَقْدِيره: فِي ذَات غَدَاة. قلت: الصَّوَاب مَعَه لِأَنَّهُ لم يقل أحد: إِن ذَات بِمَعْنى: فِي، وَيجوز أَن يكون من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. قَوْله: (ضحى) بِضَم الضَّاد مَقْصُور، فَوق الضحوة وَهِي ارْتِفَاع أول النَّهَار. قَوْله: (بَين ظهراني الْحجر) ، أَي: فِي ظَهْري الْحجر، الْألف وَالنُّون زائدتان، وَيُقَال: الْكَلِمَة كلهَا زَائِدَة، وَالْحجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم: جمع حجرَة وَالْمرَاد بهَا بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ .
وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ: أَنه: يدل على أَن عَذَاب الْقَبْر حق، وَأهل السّنة مجمعون على الْإِيمَان بِهِ والتصديق، وَلَا يُنكره إلاّ مُبْتَدع. وَإِن من لَا علم لَهُ بذلك لَا يَأْثَم، وَأَن من سمع بذلك وَجب عَلَيْهِ أَن يسْأَله أهل الْعلم ليعلم صِحَّته. وَفِيه: مَا يدل على أَن حَال عَذَاب الْقَبْر عَظِيم، فَلذَلِك أَمر النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك الْوَقْت بالتعوذ مِنْهُ. وَفِيه: أَن وَقت صَلَاة الْكُسُوف وَقت الضُّحَى على مَا صلى ﷺ فِي ذَلِك الْوَقْت بِحَسب حُصُول الْكُسُوف فِيهِ، وَالْعُلَمَاء اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ ابْن التِّين: أول وقته وَقت جَوَاز النَّافِلَة، وَأما آخِره فَقَالَ مَالك: إِنَّهَا إِنَّمَا تصلى ضحوة النَّهَار وَلَا تصلى بعد الزَّوَال، فَجَعلهَا كالعيدين، وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم، وروى عَنهُ ابْن وهب: تصلى فِي وَقت صَلَاة النَّافِلَة وَإِن زَالَت الشَّمْس، وَعنهُ: لَا تصلى بعد الْعَصْر، وَلَكِن يجْتَمع النَّاس فِيهِ فَيدعونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ويرغبون. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يصلونَ فِي الْأَوْقَات الْمنْهِي عَن الصَّلَاة فِيهَا لوُرُود النَّهْي بذلك، وتصلى فِي سَائِر الْأَوْقَات، وَهُوَ قَول ابْن أبي مليكَة وَعَطَاء وَجَمَاعَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: تصلى فِي كل وَقت، نصف النَّهَار وَبعد الْعَصْر وَالصُّبْح، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر وَابْن الْجلاب الْمَالِكِي: وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: وَقتهَا الْمُسْتَحبّ كَسَائِر الصَّلَوَات، وَلَا تصلى فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، وَبِه قَالَ الْحسن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَعَمْرو بن شُعَيْب وَقَتَادَة وَأَيوب وَإِسْمَاعِيل بن علية وَأحمد، وَقَالَ إِسْحَاق: يصلونَ بعد الْعَصْر مَا لم تصفر الشَّمْس، وَبعد صَلَاة الصُّبْح وَلَو كسفت فِي الْغُرُوب لم تصل أجماعا، وَلَو طلعت مكسوفة لم تصل حَتَّى تحل النَّافِلَة، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَآخَرُونَ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه أَقُول، خلافًا للشَّافِعِيّ.
٨ - (بابُ طُولِ السُّجُودِ فِي الكُسُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان طول السُّجُود فِي صَلَاة الْكُسُوف، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى الرَّد على من أنكر طول السُّجُود فِيهِ، وَهُوَ قَول بعض الْمَالِكِيَّة، فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الَّذِي شرع فِيهِ التَّطْوِيل شرع تكراره كالقيام وَالرُّكُوع، وَلم تشرع الزِّيَادَة فِي السُّجُود فَلَا يشرع التَّطْوِيل فِيهِ، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الرَّافِعِيّ قَالَ: هَل يطول السُّجُود فِي هَذِه الصَّلَاة؟ فِيهِ قَولَانِ، وَيُقَال: وَجْهَان: أظهرهمَا: لَا، وَالثَّانِي: نعم، وَبِه قَالَ ابْن شُرَيْح، لِأَنَّهُ مَنْقُول فِي بعض الرِّوَايَات: مَعَ تَطْوِيل الرُّكُوع، أوردهُ مُسلم فِي (الصَّحِيح) . قلت: لم ينْفَرد بِهِ مُسلم، بل حَدِيث الْبَاب يدل عَلَيْهِ أَيْضا وَيرد بِهَذَا على من يَقُول: إِن التَّطْوِيل فِي الْقيام وَالرُّكُوع لِإِمْكَان رُؤْيَة انجلاء الشَّمْس، بِخِلَاف السُّجُود، وعَلى من يَقُول: إِن فِي تَطْوِيل السُّجُود استرخاء المفاصل المفضي إِلَى النّوم المفضي إِلَى خُرُوج شَيْء.
١٥٠١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو أَنه قالَ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ نُودِيَ إنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ فَرَكَعَ النبيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ قامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ جُلِّيَ عنِ الشَّمْسِ قالَ وقالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا مَا سَجَدْتُ سُجُودا قطّ كانَ أطْوَلَ مِنْهَا.
(أنظر الحَدِيث ٥٤٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي قَول عَائِشَة فِي آخر الحَدِيث.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِي، أَصله من الْبَصْرَة وَسكن الْكُوفَة. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير اليمامي
стр. 1949
الطَّائِي من أهل الْبَصْرَة سكن الْيَمَامَة. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو، بِفَتْح الْعين وَفِي آخِره وَاو، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: عبد الله بن عمر، بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم بِلَا وَاو، قيل: إِنَّه وهم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ويمامي ومدني. وَفِيه: راويان بكنية وراويان بِلَا نِسْبَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْكُسُوف عَن إِسْحَاق عَن يحيى بن صَالح عَن مُعَاوِيَة بن سَلام عَن يحيى ببه مُخْتَصرا، كَمَا هُنَا، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن خَالِد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على عهد رَسُول الله ﷺ أَي: على زَمَنه. قَوْله: (نُودي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من النداء وَهُوَ الْإِعْلَام. وَقَوله: (إِن الصَّلَاة جَامِعَة) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (فِي سَجْدَة) أَي: فِي رَكْعَة، وَقد يعبر بِالسَّجْدَةِ عَن الرَّكْعَة من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء على الْكل. قَوْله: (ثمَّ جلى) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول: من التجلية، وَهُوَ الانكشاف. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَت) أَي: قَالَ أَبُو سَلمَة: (قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: مَا سجدت سجودا قطّ) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مَا ركعت رُكُوعًا قطّ وَلَا سجدت سجودا قطّ كَانَ أطول مِنْهُ) ، وَيحْتَمل أَن يكون فَاعل: قَالَ، هُوَ عبد الله بن عَمْرو، فَيكون فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صحابية. فَإِن قلت: مَا وَجه رِوَايَة البُخَارِيّ: أطول مِنْهَا بتأنيث الضَّمِير وَالسُّجُود مُذَكّر؟ قلت: وَقع فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره مِنْهُ بتذكير الضَّمِير، وَهُوَ الأَصْل، ويؤول فِي رِوَايَة البُخَارِيّ السُّجُود بِالسَّجْدَةِ، فتأنيث الضَّمِير بِهَذَا الِاعْتِبَار.
وإطالة السُّجُود وَردت فِي أَحَادِيث كَثِيرَة. مِنْهَا: مَا تقدم فِي رِوَايَة عُرْوَة عَن عَائِشَة بِلَفْظ: (ثمَّ سجد فَأطَال السُّجُود) . وَمِنْهَا: مَا تقدم فِي أَوَائِل صفة الصَّلَاة من حَدِيث أَسمَاء بنت أبي بكر مثله. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عبد الله ابْن عَمْرو: (ثمَّ رفع رَأسه وسجدها فَأطَال السُّجُود) ، وَنَحْوه مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي مُوسَى (بأطول قيام وركوع وَسُجُود) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث سَمُرَة: (كأطول مَا سجد بِنَا فِي صَلَاة) ، وَقَالَ بعض الْمَالِكِيَّة: لَا يلْزم من كَونه أَطَالَ السُّجُود أَن يكون بلغ بِهِ حد الإطالة فِي الرُّكُوع، ورد عَلَيْهِم بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: (وَسُجُوده نَحْو من رُكُوعه) ، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وَادّعى صَاحب (الْمُهَذّب) : أَنه لم يقل بِهِ الشَّافِعِي، ورد عَلَيْهِ بِأَن الشَّافِعِي نَص عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيّ، وَلَفظه: (ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ طويلتين يُقيم فِي كل سَجْدَة نَحوا مِمَّا قَامَ لَهُ فِي رُكُوعه) ، وَحَدِيث جَابر الَّذِي رَوَاهُ مُسلم يدل على تَطْوِيل الِاعْتِدَال الَّذِي يَلِيهِ السُّجُود، وَلَفظه: (فَأطَال الْقيام حَتَّى جعلُوا يخرجُون، ثمَّ ركع فَأطَال ثمَّ رفع فَأطَال ثمَّ ركع فَأطَال ثمَّ رفع فَأطَال ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ) ، الحَدِيث. وَأنكر النَّوَوِيّ هَذِه الرِّوَايَة، وَقَالَ: هَذِه رِوَايَة شَاذَّة مُخَالفَة فَلَا يعْمل بهَا، أَو المُرَاد: زِيَادَة الطُّمَأْنِينَة فِي الِاعْتِدَال، ورد عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَغَيرهمَا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، فَفِيهِ: (ثمَّ ركع فَأطَال حَتَّى قيل: لَا يرفع، ثمَّ رفع فَأطَال حَتَّى قيل: لَا يسْجد، ثمَّ سجد فَأطَال حَتَّى قيل: لَا يرفع، ثمَّ رفع فَجَلَسَ فَأطَال الْجُلُوس حَتَّى قيل: لَا يسْجد ثمَّ سجد) ، فَهَذَا يدل على تَطْوِيل الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَبِهَذَا يرد على الْغَزالِيّ فِي نَقله الِاتِّفَاق على ترك إطالته، أللهمّ إلاّ إِذا أَرَادَ بِهِ: بالِاتِّفَاقِ من أهل الْمَذْهَب. وَالله أعلم.
٩ - (بابُ صَلَاةِ الكُسُوفِ جَمَاعَةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الْكُسُوف بِالْجَمَاعَة، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن صَلَاة الْكُسُوف بِالْجَمَاعَة سنة. وَقَالَ صَاحب (الذَّخِيرَة: من أَصْحَابنَا: الْجَمَاعَة فِيهَا سنة، وَيُصلي بهم الإِمَام الَّذِي يُصَلِّي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ، وَفِي (المرغيناني) : يؤمهم فِيهَا إِمَام حيهم بِإِذن السُّلْطَان، لِأَن اجْتِمَاع النَّاس رُبمَا أوجب فتْنَة وخللاً، وَلَا يصلونَ فِي مَسَاجِدهمْ بل يصلونَ جمَاعَة وَاحِدَة، وَلَو لم يقمها الإِمَام صلى النَّاس فُرَادَى. وَفِي (مَبْسُوط) بكر، عَن أبي حنيفَة فِي غير رِوَايَة الْأُصُول: لكل إِمَام مَسْجِد أَن يُصَلِّي بِجَمَاعَة فِي مَسْجده، وَكَذَا فِي (الْمُحِيط) . وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيّ: لَكِن بِإِذن الإِمَام الْأَعْظَم، وَقَالَ بَعضهم: بَاب صَلَاة الْكُسُوف جمَاعَة، أَي: وَإِن لم يحضر الإِمَام. قلت:
стр. 1950
إِذا لم يكن الإِمَام حَاضرا كَيفَ يصلونَ جمَاعَة؟ وَلَا تكون الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة إلاّ إِذا كَانَ فيهم إِمَام؟ فَإِن لم يكن إِمَام وصلوا فُرَادَى لَا يُقَال صلوا بِجَمَاعَة، وَإِن كَانُوا جماعات؟ فَإِن قلت: بِمَ انتصب جمَاعَة؟ قلت: يجوز أَن يكون بِنَزْع الْخَافِض، كَمَا قدرناه، فَإِن قلت: هَل يجوز أَن يكون حَالا؟ قلت: يجوز إِذا قدر هَكَذَا: بَاب صَلَاة الْقَوْم الْكُسُوف حَال كَونهم جمَاعَة، فطوى ذكر الْفَاعِل للْعلم بِهِ.
وصَلَّى ابنُ عَبَّاس لَهُمْ فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ
أَي: صلى للْقَوْم عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي صفة زَمْزَم، وَالصّفة، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء، قَالَ ابْن التِّين: صفة زَمْزَم، قيل: كَانَت أبنية يُصَلِّي فِيهَا ابْن عَبَّاس، وَالصّفة مَوضِع مظلل يَجْعَل فِي دَار أَو فِي حوش. وَقَالَ ابْن الْأَثِير، فِي ذكر أهل الصّفة: هم فُقَرَاء الْمُهَاجِرين، وَلم يكن لوَاحِد مِنْهُم منزل يسكنهُ، فَكَانُوا يأوون إِلَى مَوضِع مظلل فِي مَسْجِد الْمَدِينَة يسكنونة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صفة، بِضَم الْمُهْملَة وَفِي بَعْضهَا بِالْمُعْجَمَةِ وَهِي بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح: جَانب الْوَادي، وصفتاه جانباه، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن غنْدر: حَدثنَا ابْن جريج عَن سُلَيْمَان الْأَحول عَن طَاوُوس: أَن الشَّمْس انكسفت على عهد ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَصلى على صفة زَمْزَم رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة أَرْبَعَة سَجدَات، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي وَسَعِيد بن مَنْصُور جَمِيعًا: عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سُلَيْمَان الْأَحول (سَمِعت طاووسا يَقُول: كسفت الشَّمْس فصلى بِنَا ابْن عَبَّاس فِي صفة زَمْزَم سِتّ ركوعات فِي أَربع سَجدَات، وَبَين الرِّوَايَتَيْنِ مُخَالفَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روى عبد الله بن أبي بكر عَن صَفْوَان بن عبد الله بن صَفْوَان قَالَ: رَأَيْت ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صلى على ظهر زَمْزَم فِي كسوف الشَّمْس رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة ركوعان. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا كَانَ عَطاء وَعَمْرو وَصَفوَان وَالْحسن يروون عَن ابْن عَبَّاس خلاف سُلَيْمَان الْأَحول كَانَت رِوَايَة ثَلَاثَة أولى أَن تقبل، وَلَو ثَبت عَن ابْن عَبَّاس أشبه أَن يكون ابْن عَبَّاس فرق بَين خُسُوف الشَّمْس وَالْقَمَر وَبَين الزلزلة، فقد رُوِيَ أَنه صلى فِي زَلْزَلَة ثَلَاث ركوعات فِي رَكْعَة، فَقَالَ: مَا أَدْرِي أزلزلت الأَرْض أم بِي أَرض، أَي: رعدة؟ قَالَ الْجَوْهَرِي: الأَرْض: النفضة والرعدة ثمَّ نقل قَول ابْن عَبَّاس، هَذَا، قَالَ أَبُو عمر: لم يَأْتِ عَن النَّبِي ﷺ من وَجه صَحِيح: أَن الزلزلة كَانَت فِي عصره وَلَا صحت عَنهُ فِيهَا سنة، وَأول مَا جَاءَت فِي الْإِسْلَام على عهد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (الْمعرفَة) للبيهقي: صلى عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي زَلْزَلَة سِتّ ركوعات فِي أَربع سَجدَات وَخمْس رَكْعَات وسجدتين فِي رَكْعَة وركعة، وسجدتين فِي رَكْعَة، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَو ثَبت هَذَا الْخَبَر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لقلنا بِهِ، وهم يثبتونه وَلَا يَقُولُونَ بِهِ.
وجَمَّعَ عَلِيُّ بنُ عَبْد، الله بنِ عَبَّاسٍ وصَلَّى ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
أَي: جمع النَّاس عَليّ بن عبد الله لصَلَاة الْكُسُوف، وَعلي بن عبد الله تَابِعِيّ ثِقَة، روى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، وروى لَهُ البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب) وَكَانَ أَصْغَر ولد أَبِيه سنا، وَكَانَ يدعى: السَّجَّاد، وَكَانَ يسْجد كل يَوْم ألف سَجْدَة، ولدليلة قتل عَليّ بن أبي طَالب فِي شهر رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ، فَسُمي باسمه وكني بكنيته: أَبَا الْحسن، وَفِي وَلَده الْخلَافَة، مَاتَ سنة أَربع عشرَة وَمِائَة، وَعَن يحيى بن معِين: مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة بالحميمة من أَرض البلقاء فِي أَرض الشَّام وَهُوَ ابْن ثَمَان أَو تسع وَسبعين سنة، قَوْله: (وَصلى ابْن عمر) يَعْنِي: صَلَاة الْكُسُوف بِالنَّاسِ، وَأخرج ابْن أبي شيبَة قَرِيبا من مَعْنَاهُ: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عَاصِم بن عبيد الله، قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يُهَرْوِل إِلَى الْمَسْجِد فِي كسوف وَمَعَهُ نعلاه، يَعْنِي لأجل الْجَمَاعَة، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَيْنِ الأثرين إِلَى أَن صَلَاة الْكُسُوف بِالْجَمَاعَة، وَهَذَا هُوَ الْمُطَابقَة بَينهمَا وَبَين التَّرْجَمَة.
٢٥٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فَصلَّى رسولُ الله ﷺ فَقَامَ قِيَاما نَحْوا منْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلا ثُمَّ رَفَعَ فقَامَ قِيَاما طَوِيلا وَهْوَ
стр. 1951
دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلا وهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قامَ قِيَاما طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِياما طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيامِ الأوَّلِ ثُمَّ ركعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فقالَ ﷺ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإذَا رَأيْتُمْ ذالِكَ فاذْكُرُوا الله قالُوا يَا رسولَ الله رَأيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئا فِي مَقامِكَ ثُمَّ رَأيْنَاكَ كَعْكَعْتَ قَالَ ﷺ إنِّي رَأيْتُ الجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودا وَلَوْ أصَبْتهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا وأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أرَ مَنْظَرا كاليَوْمِ قَطُّ أفْظَعَ وَرَأيْتُ أكثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا بِمَ يَا رسولَ الله قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِالله قَالَ يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ لوْ أحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئا قالَتْ مَا رأيْتُ مِنْكَ خَيْرا قَط..
مطابقته للتَّرْجَمَة تَأتي بِمَحْذُوف مُقَدّر فِي قَوْله: (فصلى رَسُول الله ﷺ ، أَي: صلى بِالْجَمَاعَة، وَهَذَا لَا يشك فِيهِ، وَلَكِن الرَّاوِي طوى ذكره إِمَّا اختصارا وَإِمَّا اعْتِمَادًا على الْقَرِينَة الحالية، لِأَنَّهُ لم ينْقل عَنهُ أَنه صلى صَلَاة الْكُسُوف وَحده.
وَرِجَاله تكَرر ذكرهم. قَوْله: (عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس) كَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) وَجَمِيع من أخرجه من طَرِيق مَالك، وَوَقع فِي رِوَايَة اللؤْلُؤِي فِي (سنَن أبي دَاوُد) : عَن أبي هُرَيْرَة بدل ابْن عَبَّاس قيل: هُوَ غلط نبه عَلَيْهِ ابْن عَسَاكِر، وَقَالَ الْمزي: هُوَ وهم.
وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي صَلَاة الخسوف وَفِي الْإِيمَان عَن القعْنبِي وَفِي النِّكَاح عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي بَدْء الْخلق عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن سُوَيْد بن سعيد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نَحوا من قِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة) وَفِي لفظ: (نَحوا من قيام سُورَة الْبَقَرَة) ، وَعند مُسلم: (قدر سُورَة الْبَقَرَة) ، وَهَذَا يدل على أَن الْقِرَاءَة كَانَت سرا، وَكَذَا فِي بعض طرق حَدِيث عَائِشَة. (فحزرت قِرَاءَته فَرَأَيْت أَنه قَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة) . وَقيل: إِن ابْن عَبَّاس كَانَ صَغِيرا فمقامه آخر الصُّفُوف فَلم يسمع الْقِرَاءَة فحزر الْمدَّة، ورد على هَذَا بِأَن فِي بعض طرقه: (قُمْت إِلَى جَانب النَّبِي ﷺ ، فَمَا سَمِعت مِنْهُ حرفا) ، ذكره أَبُو عمر. قَوْله: (رَأَيْنَاك تناولت شَيْئا) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (تناولت) ، بِصِيغَة الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (تنَاول شَيْئا) ، بِالْخِطَابِ من الْمُضَارع، وَأَصله: تتَنَاوَل، بتاءين لِأَنَّهُ من بَاب التفاعل فحذفت مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، ويروى: (تتَنَاوَل) على الأَصْل. قَوْله: (كعكعت) قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب رفع الْبَصَر إِلَى الْأَمَام، لِأَنَّهُ أخرج هَذَا الحَدِيث فِيهِ مُخْتَصرا. وَفِيه: تكعكعت) ، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني بِزِيَادَة التَّاء فِي أَوله، وَفِي رِوَايَة غَيره: كعكعت، ومعناهما: تَأَخَّرت. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: مَعْنَاهُ تقهقرت، وَهُوَ الرُّجُوع إِلَى وَرَائه. وَقَالَ أَبُو عبيد: كعكعته فتكعكع. قلت: هَذَا يدل على أَن: كعكع، مُتَعَدٍّ: وتكعكع لَازم، فَإِن قلت: فعلى هَذَا قَوْله: (كعكعت) يَقْتَضِي مَفْعُولا فَمَا هُوَ؟ قلت: على هَذَا مَعْنَاهُ: رَأَيْنَاك كعكعت نَفسك، وَأما رِوَايَة: تكعكعت فظاهرة. فَإِن قلت: هَذَا من الرباعي الأَصْل أَو من الْمَزِيد؟ قلت: نقل أهل اللُّغَة هَذِه الْمَادَّة يدل على أَنه جَاءَ من الْبَابَيْنِ، فَقَوْل أبي عبيد يدل على أَنه رباعي مُجَرّد، وَقَول الْجَوْهَرِي وَغَيره يدل على أَنه ثلاثي مزِيد فِيهِ، لِأَنَّهُ نقل عَن يُونُس: كع يكع، بِالضَّمِّ. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: يكع، بِالْكَسْرِ أَجود، وَأَصله: كعع، فأسكنت الْعين الأولى وأدرجت فِي الثَّانِيَة: كمد وفر، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني، كععت وكععت بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح أكع وأكع بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح كعا وكعاعةً بِالْفَتْح، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : كع كعوعا وَهُوَ الَّذِي لَا يمْضِي فِي عزم، وَفِي (الْمُحكم) : كع كعوعا
стр. 1952
وكعاعة وكيعوعة وكعكعه عَن الْورْد: نحاه. وَيُقَال: أكعه الْفرق إكعاعا إِذا حَبسه عَن وَجهه، وَيُقَال: أصل كعكعت كععت، فَفرق بَينهمَا بِحرف مُكَرر للاستثقال. قلت: هَذَا تصرف من غير التصريف، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (رَأَيْنَاك كَفَفْت) ، من الْكَفّ، وَهُوَ الْمَنْع. قَوْله: (إِنِّي رَأَيْت الْجنَّة) ، ظَاهره من رُؤْيَة الْعين: كشف الله تَعَالَى الْحجب الَّتِي بَينه وَبَين الْجنَّة وطوى الْمسَافَة الَّتِي بَينهمَا حَتَّى أمكنه أَن يتَنَاوَل مِنْهَا عنقودا، وَالَّذِي يُؤَيّد هَذَا حَدِيث أَسمَاء الَّذِي مضى فِي أَوَائِل صفة الصَّلَاة بِلَفْظ: (دنت مني الْجنَّة حَتَّى لَو اجترأت عَلَيْهَا لجئتكم بقطاف من قطافها) ، وَمن الْعلمَاء من حمل هَذَا على أَن الْجنَّة مثلت لَهُ فِي الْحَائِط كَمَا ترى الصُّورَة فِي الْمرْآة. فَرَأى جَمِيع مَا فِيهَا. وَاسْتَدَلُّوا على هَذَا بِحَدِيث أنس على مَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد: (لقد عرضت عَليّ الْجنَّة وَالنَّار آنِفا فِي عرض هَذَا الْحَائِط وَأَنا أُصَلِّي) ، وَفِي رِوَايَة: (لقد مثلت، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لقد صورت) فَإِن قلت: انطباع الصُّورَة إِنَّمَا يكون فِي الْأَجْسَام الصقيلة؟ قلت: هَذَا من حَيْثُ الْعَادة فَلَا يمْتَنع خرق الْعَادة لَا سِيمَا فِي حق هَذَا النَّبِي الْعَظِيم ﷺ ، وَمَعَ هَذَا هَذِه قصَّة أُخْرَى وَقعت فِي صَلَاة الظّهْر، وَتلك فِي صَلَاة الْكُسُوف، وَلَا مَانع أَن ترى الْجنَّة وَالنَّار مرَّتَيْنِ وَأكْثر على صور مُخْتَلفَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَيْسَ من الْمحَال إبْقَاء هَذِه الْأُمُور على ظواهره، لَا سِيمَا على مَذْهَب أهل السّنة فِي أَن الْجنَّة وَالنَّار وَقد خلقتا وهما موجودتان الْآن، فَيرجع إِلَى أَن الله تَعَالَى خلق لنَبيه ﷺ إدراكا خَاصّا بِهِ أدْرك بِهِ الْجنَّة وَالنَّار على حقيقتهما، وَمِنْهُم من تَأَول الرُّؤْيَة هُنَا بِالْعلمِ، وَقد أبعد لعدم الْمَانِع من الْأَخْذ بِالْحَقِيقَةِ والعدول عَن الأَصْل من غير ضَرُورَة. قَوْله: (عنقودا) بِضَم الْعين. قَوْله: (وَلَو أصبته) فِي رِوَايَة مُسلم: (وَلَو أَخَذته) . قَوْله: (مَا بقيت الدُّنْيَا) أَي: مُدَّة بَقَاء الدُّنْيَا، لِأَن طَعَام الْجنَّة لَا ينفذ وثمار الْجنَّة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة، وَحكى ابْن الْعَرَبِيّ عَن بعض شُيُوخه: إِن معنى قَوْله: (لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدُّنْيَا) ، أَن يخلق فِي نفس الْآكِل مثل الَّذِي أكل: دَائِما بِحَيْثُ لَا يغيب عَن ذوقه، وَقد رد عَلَيْهِ بِأَن هَذَا رَأْي فلسفي مَبْنِيّ على أَن دَار الْآخِرَة لَا حقائق لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ أَمْثَال، وَالْحق أَن ثمار الْجنَّة لَا تقطع وَلَا تمنع، فَإِذا قطعت خلقت فِي الْحَال فَلَا مَانع أَن يخلق الله مثل ذَلِك فِي الدُّنْيَا إِذا شَاءَ، وَفِيه بحث، لِأَن كَلَام هَذَا الْقَائِل لَا يسْتَلْزم نفي حَقِيقَة دَار الْآخِرَة، لِأَن مَا قَالَه فِي حَال الدُّنْيَا وَالْفرق بَين حَال الدُّنْيَا وَحَال الْآخِرَة ظَاهر. فَإِن قلت: بَين قَوْله: (وَلَو أصبته) ، أَو: (لَو أَخَذته) . وَبَين قَوْله: (رَأَيْنَاك تناولت شَيْئا) ، مُنَافَاة ظَاهرا؟ قلت: يحمل التَّنَاوُل على تكلّف الْأَخْذ لَا حَقِيقَة الْأَخْذ. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل بالتكلف لعدم وُرُود السُّؤَال الْمَذْكُور، لِأَن قَوْله: (تناولت) خطاب للنَّبِي ﷺ مِنْهُم، وَقَوله: (وَلَو أصبته) إِخْبَار النَّبِي ﷺ عَن نَفسه، وَلَا مُنَافَاة بَين الإخبارين، فكأنهم تخيلوا التَّنَاوُل من النَّبِي ﷺ وَلم يكن فِي نفس الْأَمر حَقِيقَة التَّنَاوُل مَوْجُودَة يدل عَلَيْهِ معنى. قَوْله: (وتناولت عنقودا) د، يَعْنِي تناولته حَقِيقَة فِي الْجنَّة، وَلَكِن لم يُؤذن لي بقطفه وَهُوَ معنى قَوْله: (وَلَو أصبته) ، يَعْنِي: لَو أذن لي بقطفه لأصبته، وأخرجته مِنْهَا إِلَيْكُم، وَلَكِن لم يقدر لي لِأَنَّهُ من طَعَام الْجنَّة، وَهُوَ لَا يفنى وَالدُّنْيَا فانية، فَلَا يجوز أَن يُؤْكَل فِيهَا مَا لَا يفنى، لِأَنَّهُ يلْزم من أكل مَا لَا يفنى أَن لَا يفنى آكله، وَهُوَ محَال فِي الدُّنْيَا.
فَإِن قلت: كَيفَ يَقُول: مَعْنَاهُ تناولته حَقِيقَة فِي الْجنَّة وَلَكِن لم يُؤذن لي بقطفه؟ وَقد وَقع فِي حَدِيث عقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن ابْن خُزَيْمَة: (أَهْوى بِيَدِهِ ليتناول شَيْئا) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي حَدِيث أَسمَاء فِي أَوَائِل صفة الصَّلَاة: (حَتَّى لَو اجترأت عَلَيْهَا؟) وَكَأن لم يُؤذن لَهُ فِي ذَلِك، فَلم يجترىء عَلَيْهِ، وَفِي حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم: (وَلَقَد مددت يَدي وَأَنا أُرِيد أَن أتناول من ثمارها لتنظروا إِلَيْهِ، ثمَّ بدا لي أَن لَا أفعل) ؟ وَفِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْد البُخَارِيّ: (لقد رَأَيْت أَن آخذ قطفا من الْجنَّة حِين رَأَيْتُمُونِي، جعلت أتقدم) ، وَوَقع لعبد الرَّزَّاق من طَرِيق مُرْسلَة: (أردْت أَن آخذ مِنْهَا قطفا لأريكموه فَلم يقدر) ؟ قلت: كل هَذِه الرِّوَايَات لَا تنَافِي مَا قُلْنَا. أما فِي حَدِيث عقبَة فَلَا يلْزم من قَوْله: (أَهْوى بِيَدِهِ ليتناول شَيْئا) عدم تنَاوله حَقِيقَة، لرؤيتهم صُورَة التَّنَاوُل وَعدم رُؤْيَتهمْ حَقِيقَته. وَأما فِي حَدِيث أَسمَاء فَلِأَن عدم اجترائه على إِخْرَاجه من الْجنَّة لِأَنَّهُ لم يُؤذن لَهُ بذلك، فَلَا يمْنَع ذَلِك حَقِيقَة التَّنَاوُل. وَأما فِي حَدِيث جَابر فَلِأَن صُورَة التَّنَاوُل لأجل إِخْرَاجه إِلَيْهِم لم يكن، لِأَن نظرهم إِلَيْهِ وَهُوَ يتَنَاوَل فِي الْجنَّة لَا يتَصَوَّر فِي حَقهم لعدم قدرتهم على ذَلِك، فَهَذَا لَا يُنَافِي حَقِيقَة التَّنَاوُل فِي الْجنَّة، وَلَكِن لم يُؤذن لَهُ بِالْإِخْرَاجِ لما قُلْنَا. وَأما فِي حَدِيث عَائِشَة فلأنهم لَو رَأَوْهُ أَخذ مِنْهَا قطفا حَقِيقَة لَكَانَ إِيمَانهم بِالشَّهَادَةِ وَلم يكن بِالْغَيْبِ، وَالْإِيمَان بِالْغَيْبِ هُوَ الْمُعْتَبر، وَهُوَ أَيْضا لَا يُنَافِي حَقِيقَة التَّنَاوُل فِي حَقه ﷺ .
قَوْله: (وأريت النَّار) أريت، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وأقيم الْمَفْعُول الَّذِي هُوَ الرَّائِي فِي
стр. 1953
الْحَقِيقَة مقَام الْفَاعِل، وانتصاب النَّار على أَنه مفعول ثَان، لِأَن: أريت، من الإراءة، وَهُوَ يَقْتَضِي مفعولين، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر. وَفِي رِوَايَة غَيره: (رَأَيْت النَّار) ، وَكَانَت رُؤْيَة النَّار قبل رُؤْيَة الْجنَّة لما وَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (عرضت على النَّبِي ﷺ النَّار فَتَأَخر عَن مُصَلَّاهُ حَتَّى أَن النَّاس ليركب بَعضهم بَعْضًا، وَإِذ رَجَعَ عرضت عَلَيْهِ الْجنَّة، فَذهب يمشي حَتَّى وقف فِي مُصَلَّاهُ) . وروى مُسلم من حَدِيث جَابر، قَالَ: (انكسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ . .) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (مَا من شَيْء توعدونه إلاّ قد رَأَيْته فِي صَلَاتي هَذِه لقد جِيءَ بالنَّار وذلكم حِين رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرت مَخَافَة أَن يُصِيبنِي من لفحها) ، وَفِيه: (ثمَّ جِيءَ بِالْجنَّةِ، وذلكم حِين رَأَيْتُمُونِي تقدّمت حَتَّى قُمْت فِي مقَامي. .) الحَدِيث وَجَاء من حَدِيث سَمُرَة، أخرجه ابْن خُزَيْمَة: (لقد رَأَيْت مُنْذُ قُمْت أُصَلِّي مَا أَنْتُم لاقون فِي دنياكم وآخرتكم) . فَإِن قلت: رُؤْيَاهُ النَّار من أَي بَاب كَانَ من أَبْوَاب النيرَان؟ فَإِن قلت: قيل: من الْبَاب الَّذِي يدْخل مِنْهُ العصاة من الْمُسلمين. قلت: يحْتَاج هَذَا إِلَى دَلِيل مَعَ أَن قَوْله ﷺ : (وَلَقَد رَأَيْت جَهَنَّم يحطم بَعْضهَا بَعْضًا حَتَّى رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرت، وَرَأَيْت فِيهَا ابْن لحي وَهُوَ الَّذِي سَبَب السائبة) . رَوَاهُ مُسلم، فَدلَّ على أَنه ﷺ رأى النيرَان كلهَا، وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ فِي رِوَايَة مُسلم: (وَعرضت عَليّ النَّار فَرَأَيْت فِيهَا إمرأة من بني إِسْرَائِيل تعذب فِي هرة لَهَا ربطتها فَلم تطعمها، وَلم تدعها تَأْكُل من حشائش الأَرْض، وَرَأَيْت أَبَا ثُمَامَة عمر بن مَالك يجر قَصَبَة فِي النَّار) . قَوْله: (فَلم أر منْظرًا كَالْيَوْمِ قطّ أفظع) . وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (فَلم أنظر كَالْيَوْمِ أفظع) . قَوْله: (منْظرًا) مَنْصُوب بقوله: (لم أر) . و (أفظع) ، أفعل التَّفْضِيل مَنْصُوب لِأَنَّهُ صفة المنظر. وَقَوله: (كَالْيَوْمِ قطّ) معترض بَين الصّفة والموصوف، وَالْكَاف فِيهِ بِمَعْنى الْمثل، وَالْمرَاد من الْيَوْم الْوَقْت الَّذِي فِيهِ وَتَقْدِير الْكَلَام: لم أر منْظرًا أفظع مثل الْيَوْم، وَأدْخل كَاف التَّشْبِيه عَلَيْهِ لبشاعة مَا رأى فِيهِ، وَمعنى أفظع: أبشع وأقبح. وَقَالَ ابْن سَيّده: فظع الْأَمر فظاعة وَهُوَ فظيع وأفظع وَأَشد وأفظع افظاعا وَهُوَ مفظع، والإسم الفظاعة وأفظعني هَذَا الْأَمر وأفظعته وأفظع هُوَ، وَفِي (الصِّحَاح) أفظع الرجل، على مَا لم يسم فَاعله: إِذا نزل بِهِ أَمر عَظِيم. قَوْله: (وَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا) أَي: أهل النَّار النِّسَاء. فَإِن قلت: كَيفَ يلتئم هَذَا مَعَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة: (إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة من لَهُ زوجتان من الدُّنْيَا) ، وَمُقْتَضَاهُ أَن النِّسَاء ثلثا أهل الْجنَّة؟ قلت: يحمل حَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا بعد خروجهن من النَّار، وَقيل: خرج هَذَا مخرج التَّغْلِيظ والتخويف، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ أخبر بِالرُّؤْيَةِ الْحَاصِلَة. وَقيل: لَعَلَّه مَخْصُوص بِبَعْض النِّسَاء دون بعض. قَوْله: (بِمَ يَا رَسُول الله؟) أَصله: بِمَا، لِأَنَّهَا كلمة الِاسْتِفْهَام، فحذفت الْألف تَخْفِيفًا. قَوْله: (أيكفرن بِاللَّه؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (قَالَ: يكفرن العشير) ، كَذَا وَقع لِلْجُمْهُورِ عَن مَالك بِدُونِ الْوَاو، وَقيل: ويكفرن، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم. قَالَ: حَدثنَا حَفْص بن ميسرَة، قَالَ: حَدثنِي زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (انكسفت الشَّمْس. .) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (وَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: بكفرهن، قيل: يكفرن بِاللَّه؟ قَالَ: يكفرن العشير) الحَدِيث، وروى يحيى بن يحيى عَن مَالك فِي (موطئِهِ) قَالَ: ويكفرن العشير، بِزِيَادَة الْوَاو، قيل: زِيَادَة الْوَاو غلط. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لَا فَسَاد فِيهِ من جِهَة الْمَعْنى لِأَنَّهُ أجَاب مطابقا للسؤال،. وَزَاد، وَقَالَ بَعضهم: إِن كَانَ المُرَاد من تغليطه كَونه خَالف غَيره من الروَاة فَهُوَ كَذَلِك. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن الْمُخَالفَة للرواة إِنَّمَا تعد غَلطا إِذا فسد الْمَعْنى، وَلَا فَسَاد. كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: كفر يتَعَدَّى بِالْبَاء، وَقَوله: (أيكفرن بِاللَّه؟) على الأَصْل، وَقَوله: (يكفرن العشير) بِلَا بَاء؟ قلت: لِأَن الَّذِي تعدى بِالْبَاء يتَضَمَّن معنى الِاعْتِرَاف، وَكفر العشير لَا يتَضَمَّن ذَلِك. قَوْله: (ويكفرن الْإِحْسَان) يحْتَمل أَن يكون تَفْسِيرا لقَوْله: (يكفرن العشير) ، لِأَن الْمَقْصُود كفر إِحْسَان العشير لَا كفر ذَاته، والعشير هُوَ الزَّوْج، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي كتاب الْإِيمَان، وَالْمرَاد من كفر الْإِحْسَان تغطيته وَعدم الِاعْتِرَاف بِهِ أَو جَحده وإنكاره كَمَا يدل عَلَيْهِ آخر الحَدِيث. قَوْله: (لَو أَحْسَنت إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْر كُله) ، بَيَان لِمَعْنى: كفر الْإِحْسَان وَكلمَة: لَو، شَرْطِيَّة وَيحْتَمل أَن تكون امتناعية بِأَن يكون الحكم ثَابتا على النقيضين، وَيكون الطّرف الْمَسْكُوت عَنهُ أولى من الْمَذْكُور، و: الدَّهْر، مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة، وَيجوز أَن يكون المُرَاد مِنْهُ: مُدَّة عمر الرجل، وَأَن يكون الزَّمَان كُله مُبَالغَة، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْله: (أَحْسَنت) ، خطاب رجل بِعَيْنِه، بل كل من يَتَأَتَّى مِنْهُ أَن يكون مُخَاطبا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ المجرمون﴾ (السَّجْدَة: ٢١) . لِأَن المُرَاد مِنْهُ
стр. 1954
كل من تتأتى مِنْهُ الرُّؤْيَة، فَهُوَ خطاب خَاص لفظا وعام معنى. قَوْله: (شَيْئا) التَّنْوِين فِيهِ للتقليل: أَي: شَيْئا قَلِيلا لَا يُوَافق غرضها من أَي نوع كَانَ.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ غير مَا ذكر فِيمَا مضى: الْمُبَادرَة إِلَى طَاعَة الله، ، عِنْد حُصُول مَا يخَاف مِنْهُ وَمَا يحذر عَنهُ، وَطلب دفع الْبلَاء بِذكر الله تَعَالَى وتمجيده وأنواع طَاعَته. وَفِيه: معْجزَة ظَاهِرَة للنَّبِي ﷺ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ من نصح أمته وتعليمهم مَا يَنْفَعهُمْ وتحذيرهم عَمَّا يضرهم. وَفِيه: مُرَاجعَة المتعلم للْعَالم فِيمَا لَا يُدْرِكهُ فهمه. وَفِيه: جَوَاز الِاسْتِفْهَام عَن عِلّة الحكم وَبَيَان الْعَالم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ تِلْمِيذه. وَفِيه: تَحْرِيم كفران الْإِحْسَان. وَفِيه: وجوب شكر الْمُنعم. وَفِيه: إِطْلَاق الْكفْر على جحود النِّعْمَة. وَفِيه: بَيَان تَعْذِيب أهل التَّوْحِيد لأجل الْمعاصِي. وَفِيه: جَوَاز الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة.
٠١ - (بابُ صَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجالِ فِي الكُسُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال فِي صَلَاة الْكُسُوف، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى رد قَول من منع ذَلِك، وَقَالَ: يصلين فُرَادَى، وَهُوَ مَنْقُول عَن الثَّوْريّ والكوفيين. قلت: إِن أَرَادَ بالكوفيين أَبَا حنيفَة وَأَصْحَابه فَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن أَبَا حنيفَة يرى بِخُرُوج الْعَجَائِز فِيهَا، غير أَنَّهُنَّ يَقِفن وَرَاء صُفُوف الرِّجَال، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يخْرجن فِي جَمِيع الصَّلَوَات لعُمُوم الْمُصِيبَة، فَلَا يخْتَص ذَلِك بِالرِّجَالِ، وروى الْقُرْطُبِيّ عَن مَالك: إِن الْكُسُوف يُخَاطب بِهِ من يُخَاطب بِالْجمعَةِ، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَرخّص مَالك والكوفيون للعجائز وكرهوا للشابة. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا أكره لمن لَا هَيْئَة لَهُ بارعة من النِّسَاء وَلَا للصبية شُهُود صَلَاة الْكُسُوف مَعَ الإِمَام، بل أحب لَهُنَّ ونحب لَهُنَّ ونحب لذات الْهَيْئَة أَن تصليها فِي بَيتهَا، وَرَأى إِسْحَاق أَن يخْرجن، شبَابًا كن أَو عَجَائِز، وَلَو كن حيضا، وتعتزل الْحيض الْمَسْجِد وَلَا يقربن مِنْهُ.
٣٥٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكُ عنْ هِشَام بنِ عُرْوَةَ عنِ امْرَأتِهِ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عنْ أسْمَاءَ بنتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَهَا قالَتْ أتَيْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوجَ النبيِّ ﷺ حينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فإذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإذَا هيَ قَائِمَةٌ فَقُلْتُ مَا لِلَّنَاسِ فأشارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ وقالَتْ سُبْحَانَ الله فقُلْتُ آيَة فأشارَتْ أيْ نَعَمْ قالَتْ فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَاّنِي الغَشْيُ فَجَعَلْتُ أصُبُّ فَوْقَ رَأسِي المَاءَ فَلَمَّا انْصَرَفَ رسولُ الله ﷺ حَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ مَا منْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أرَهُ إلاّ قَدْ رَأيْتُهُ فِي مَقَامِي هاذا حَتَّى الجَنَّةَ والنَّارَ ولَقَدْ أوحِيَ إلَيَّ أنَّكُمْ تُفْتِنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ أوْ قَرِيبا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أدْرِي أيَّتُهُمَا قالَتْ أسْمَاءُ يُؤتَى أحدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهاذا الرَّجُلِ فأمَّا المُؤمِنُ أوِ المُوقِنُ لَا أدْرِي أيَّ ذالِكَ قالتْ أسْمَاءُ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ رسولُ الله ﷺ جاءَنا بالبَيِّنَاتِ وَالْهدى فاجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا فَيُقالُ لَهُ نَمْ صالِحا فَقَدْ عَلِمْنَا إنْ كُنْتَ لَمُوقِنا وَأمَّا المُنَافِقُ أوِ المُرْتَابُ لَا أدْرِي أيَّتُهُمَا قالَتْ أسْمَاءُ فيَقُولِ لَا أدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئا فَقُلْتُهُ. [/ نه.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِذا النَّاس قيام يصلونَ (وَإِذا هِيَ قَائِمَة تصلي) ، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة الْيَد وَالرَّأْس، فِي كتاب الْعلم. وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب عَن هِشَام عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن البُخَارِيّ أخرجه فِي مَوَاضِع. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْكُسُوف، وَقد ذكرنَا مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ مستقصىً، وَفَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير بن الْعَوام، وَأَسْمَاء بنت أبي بكر الصّديق، هِيَ جدة فَاطِمَة وَهِشَام لأبويهما.
قَوْله: (فَأَشَارَتْ أَي نعم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَن نعم) ، بالنُّون بدل الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَالله أعلم.
стр. 1955
١١ - (بابُ من أحَبَّ العَتَاقَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أحب الْعتْق فِي حَالَة كسوف الشَّمْس، والعتاقة بِفَتْح الْعين: الْحُرِّيَّة: أَي: من أحب عتق الرَّقِيق سَوَاء صدر الْإِعْتَاق مِنْهُ أَو من غَيره. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة تَقْيِيد حب الْعتَاقَة فِي الْكُسُوف، وَهُوَ عمل مَحْبُوب فِي كل حَال؟ قلت: لِأَن أَسمَاء بنت أبي بكر هِيَ الَّتِي رَوَت قصَّة كسوف الشَّمْس، وَهَذَا قِطْعَة مِنْهُ، أما أَن يكون هِشَام بن عُرْوَة حدث بِهِ هَكَذَا، فَسَمعهُ مِنْهُ زَائِدَة بن قدامَة، أَو يكون زَائِدَة اخْتَصَرَهُ.
٤٥٠١ - حدَّثنا رَبِيعُ بنُ يَحْيَى قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ فاطِمَةَ عنْ أسْمَاءَ قالَتْ لَقَدْ أمَرَ النبيُّ ﷺ بِالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أَمر بالعتاقة فِي الْكُسُوف، وكل مَا أَمر بِهِ فَهُوَ مَحْبُوب.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: ربيع بن يحيى أَبُو الْفضل الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَيجوز فِيهِ اللَّام وَتَركه كَمَا فِي الْحسن. الثَّانِي: زَائِدَة بن قدامَة، وَقد مر. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير. الرَّابِع: فَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير وَهِي زَوْجَة هِشَام. الْخَامِس: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، جدة فَاطِمَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن أول الروَاة بَصرِي وَالثَّانِي كُوفِي وَالثَّالِث مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن امْرَأَته، وَرِوَايَة الْمَرْأَة عَن جدَّتهَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْكُسُوف عَن مُوسَى بن مَسْعُود وَفِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن مُعَاوِيَة عَن زَائِدَة.
قَوْله: (لقد أَمر) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كَانَ النَّبِي ﷺ يَأْمر) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يَأْمُرهُم) ، وَالظَّاهِر أَن الْأَمر للاستحباب ترغيبا للنَّاس فِي فعل الْبر.
٢١ - (بابُ صَلَاةِ الكُسُوفِ فِي المَسْجَدَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد.
٥٥٠١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ يَحْيى بن سعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ يَهُودِيَّةً جاءَتْ تَسْألُهَا فقالَتْ أعَاذَكَ الله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فَسَألَتْ عائِشَةُ رسولَ الله ﷺ أيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ عائِذا بِاللَّه منْ ذالِكَ. ثمَّ رَكِبَ رسولُ الله ﷺ ذَاتَ غَدَاة مَرْكَبا فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحىً فَمَرَّ رسولُ الله ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ ثُمَّ قامَ فَصَلَّى وقامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فقامَ قِيَاما طَوِيلاً ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قيَاما طَويلا وَهُوَ دون الْقيام الأول ثمَّ ركع رُكُوعًا طَويلا وَهُوَ دون الرُّكُوع الأول ثمَّ رفع فَسَجَدَ سُجُودا طَوِيلاً ثُمَّ قامَ فقامَ قِياما طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ قامَ قِيَاما طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ ركَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ وَهْوَ دُونَ السُّجُودِ الأوَّلِ ثُمَّ انْصَرَفَ فقالَ رسولُ الله ﷺ وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ وَهْوَ دُونَ السُّجُودِ الأوَّلِ ثُمَّ انْصَرَفَ فقالَ رسولُ الله ﷺ مَا شاءَ الله أنْ يَقُولَ ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فصلى رَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي فِي الْمَسْجِد، وَقد صرح مُسلم بِذكر
стр. 1956
الْمَسْجِد فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث، وَفِيه: (فَخرجت فِي نسْوَة بَين ظهراني الْحجر فِي الْمَسْجِد فَأتى النَّبِي ﷺ من مركبه حَتَّى انْتهى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ) ، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، قبل هَذَا الْبَاب بأَرْبعَة أَبْوَاب، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. والمركب الَّذِي كَانَ النَّبِي ﷺ فِيهِ بِسَبَب موت ابْنه إِبْرَاهِيم، ﵇، وَالله أعلم.
٣١ - (بابٌ لَا تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ لِمَوْتِ أحِدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا تنكسف الشَّمْس لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ.
رَوَاهُ أبُو بَكْرَةَ وَالمُغِيرَة وأبُو مُوساى وابنُ عَبَّاسٍ وابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم
أَي: روى الْكَلَام الْمَذْكُور وَهُوَ قَوْله: (لَا تنكسف الشَّمْس لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ) ، هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وهم أَبُو بكرَة نفيع بن الْحَارِث، والمغيرة بن شُعْبَة، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس، وَعبد الله بن عَبَّاس، وَعبد الله بن عمر. أما حَدِيث أبي بكرَة فقد رَوَاهُ فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف. وَأما حَدِيث الْمُغيرَة، فَمضى فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف، وَعَن قريب يَأْتِي فِي: بَاب الدُّعَاء فِي الْكُسُوف أَيْضا. وَأما حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَكَذَلِك يَأْتِي فِي: بَاب الذّكر فِي الْكُسُوف. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فقد مضى فِي بَاب صَلَاة الْكُسُوف جمَاعَة. وَأما حَدِيث ابْن عمر فقد مضى فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف، وَقد ذكر البُخَارِيّ أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَحَدِيث عَائِشَة. وَفِي الْبَاب مِمَّا لم يذكرهُ عَن جَابر عِنْد مُسلم وَعَن عبد الله بن عَمْرو والنعمان بن بشير وَقبيصَة وَأبي هُرَيْرَة، كلهَا عِنْد النَّسَائِيّ وَغَيره، وَعَن ابْن مَسْعُود وَسمرَة ابْن جُنْدُب ومحمود بن لبيد عِنْد أَحْمد، وَغَيره، وَعَن عقبَة بن عَمْرو وبلال عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَغَيره، فَهَذِهِ كلهَا تكذب من زعم أَن الْكُسُوف لمَوْت أحد أَو لحياة أحد.
٧٥٠١ - حدَّثنا مُسَدَّد قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قيْسٌ عنْ أبِي مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ الشَّمْسُ والقمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلاكِنَّهُمَا آيَتَانِ منْ آيَاتِ الله فإذَا رأيْتُمُوهُمَا فصَلُّوا.
(أنظر الحَدِيث ١٤٠١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْبَصْرِيّ الْأَحول. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد الأخمسي الْكُوفِي. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم الْكُوفِي. الْخَامِس: أَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَامر الْأنْصَارِيّ البدري.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن النّصْف الأول من الروَاة بَصرِي وَالنّصف الثَّانِي كُوفِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن الروَاة الْأَرْبَعَة ذكرُوا بِلَا نِسْبَة، وَالْخَامِس ذكر بكنيته.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْكُسُوف عَن شهَاب بن عباد وَفِي بَدْء الْخلق عَن أبي مُوسَى عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الخسوف عَن يحيى بن يحيى وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن أبراهيم وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن يحيى الْقطَّان بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه بِهِ.
٨٥٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ الزُّهْرِيِّ وَهِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فقَامَ النبيُّ ﷺ فَصَلَّى بالنَّاسِ فأطَالَ القِرَاءَةَ ثُمَّ ركَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فأطَالَ القِرَاءَةَ وَهْيَ دُونَ قِرَاءَتِهِ الأولى ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ دُونَ رُكُوعِهِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ
стр. 1957
قامَ فصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذالِكَ ثُمَّ قامَ فقالَ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدَ ولَا لِحَيَاتِهِ ولاكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله يُرِيهِمَا عِبَادَهُ فإذَا رَأيْتُمْ ذالِكَ فافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ معمر بن رَاشد. قَوْله: (وَهِشَام ابْن عُرْوَة) ، بِالْجَرِّ عطفا على الزُّهْرِيّ.
٤١ - (بابُ الذِّكْرِ فِي الكسوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الذّكر عِنْد كسوف الشَّمْس.
رَوَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
أَي: روى الذّكر فِي الْكُسُوف عبد الله بن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، وَقد تقدم فِي حَدِيثه فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف جمَاعَة، وَفِيه: (فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فاذكروا الله) .
٩٥٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسى ا. قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فقامَ النبيُّ ﷺ فَزَعا يَخْشَى أنْ تكُونَ السَّاعَةُ فَأتى المَسْجِدَ فَصَلَّى بِأطْوَلِ قِيَامٍ ورُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأيْتُهُ قَط يَفْعَلُهُ وَقَالَ هاذِهِ الآياتُ الَّتِي يُرْسِلُ الله لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلاكِنْ يُخَوِّفُ الله بهِ عِبَادَهُ فإذَا رَأيْتُمْ شَيْئا مِنْ ذالِكَ فافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ الله وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فافزعوا إِلَى ذكر الله) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن زيد الْقرشِي الكوفى. الثَّالِث: بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء: ابْن عبد الله ابْن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْكُوفِي. الرَّابِع: جده أَبُو بردة اسْمه الْحَارِث بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: عَامر بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: اسْمه كنيته. الْخَامِس: عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رجال إِسْنَاده كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة مكيون، وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن جده وجده عَن أَبِيه.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن عبد الله بن براد وَأبي كريب، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَزعًا) بِكَسْر الزَّاي صفة مشبهة، وَيجوز أَن يكون بِفَتْح الزَّاي وَيكون مصدرا بِمَعْنى الصّفة. قَوْله: (يخْشَى) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (أَن يكون) ، فِي مَحل النصب على أَنه مفعول: يخْشَى. قَوْله: (السَّاعَة) ، بِالنّصب وَالرَّفْع، أما النصب فعلى أَن يكون خبر: يكون نَاقِصَة، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْخَسْف الَّذِي يدل عَلَيْهِ: (خسفت) ، وَأما الرّفْع فعلى أَن يكون تكون تَامَّة، قَالَ الْكرْمَانِي، وَهَذَا تَمْثِيل من الرَّاوِي كَأَنَّهُ قَالَ: فَزعًا كالخاشي، أَن تكون الْقِيَامَة، وإلاّ فَكَانَ النَّبِي ﷺ عَالما بِأَن السَّاعَة لَا تقوم، وَهُوَ بَين أظهرهم، وَقد وعده الله إعلاء دينه على الْأَدْيَان كلهَا، وَلم يبلغ الْكتاب أَجله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قد يسْتَشْكل هَذَا من حَدِيث أَن السَّاعَة لَهَا مُقَدمَات كَثِيرَة لَا بُد من وُقُوعهَا: كطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، وَخُرُوج الدَّابَّة والدجال وَغَيرهَا، وَكَيف الخشية من قِيَامهَا حِينَئِذٍ، وَيُجَاب بِأَنَّهُ: لَعَلَّ هَذَا الْكُسُوف كَانَ قبل إِعْلَامه ﷺ بِهَذِهِ العلامات، أَو لَعَلَّه خشِي أَن تكون بعض مقدماتها أَو أَن الرَّاوِي ظن أَن النَّبِي ﷺ خشِي أَن تكون السَّاعَة، وَلَيْسَ يلْزم من ظَنّه أَن يكون ﷺ خشِي حَقِيقَة، بل رُبمَا خَافَ وُقُوع عَذَاب الْأمة، فَظن الرَّاوِي ذَلِك. قلت: كل وَاحِد من هَذِه الْأَجْوِبَة لَا يَخْلُو عَن نظر، إِذا تَأمله النَّاظر، وَالْأَوْجه فِي ذَلِك مَا قَالَه الْكرْمَانِي، أَو أَنه
стр. 1958
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل مَا سيقع كالواقع إِظْهَارًا لتعظيم شَأْن الْكُسُوف وتنبيها لأمته أَنه إِذا وَقع بعده يَخْشونَ أَمر ذَلِك ويفزعون إِلَى ذكر الله وَالصَّلَاة وَالصَّدَََقَة، لِأَن ذَلِك مِمَّا يدْفع الله بِهِ الْبلَاء. قَوْله: (رَأَيْته قطّ يَفْعَله) كلمة: قطّ، لَا تقع إلاّ بعد الْمَاضِي الْمَنْفِيّ، وَهنا وَقعت بِدُونِ كلمة: مَا، مَعَ أَن فِي كثير من النّسخ وَقعت على الأَصْل، وَهُوَ: (مَا رَأَيْته قطّ يَفْعَله) ، وَوجه ذَلِك: إِمَّا أَن يقدر حرف النَّفْي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تالله تفتؤ تذكر يُوسُف﴾ (يُوسُف: ٥٨) . وَإِمَّا أَن لفظ: أطول، فِيهِ معنى عدم الْمُسَاوَاة أَي: بِمَا لم يساو قطّ قيَاما رَأَيْته يَفْعَله، وَإِمَّا أَن يكون قطّ بِمَعْنى: حسب، أَي: صلى فِي ذَلِك الْيَوْم فَحسب بأطول قيام رَأَيْته يَفْعَله، أَو يكون بِمَعْنى: أبدا، وَيَنْبَغِي أَن تكون لَفْظَة: قطّ، فِي النُّسْخَة الَّتِي مَا تقدمها حرف النَّفْي بِفَتْح الْقَاف، وَسُكُون الطَّاء، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَعْنى: حسب، فَلَا يَقْتَضِي حرف النَّفْي. وَأما إِذا كَانَ على بَابه فَهُوَ بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَتَشْديد الطَّاء وتخفيفها، وَبِفَتْحِهَا وَكسر الطَّاء المخففة. قَوْله: (هَذِه الْآيَات) أَشَارَ بهَا إِلَى الْآيَات الَّتِي تقع مثل: الْكُسُوف والخسوف والزلزلة وهبوب الرّيح الشَّدِيدَة وَنَحْوهَا، فَفِي كل وَاحِدَة مِنْهَا تخويف الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إلاّ تخويفا﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٥) . وَيفهم من هَذَا أَن الْمُبَادرَة وَالذكر وَالدُّعَاء لَا يخْتَص بالكسوفين، وَبِه قَالَ أَصْحَابنَا، وَحكى ذَلِك عَن أبي مُوسَى، وَقَالَ بَعضهم: لم يَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة ذكر الصَّلَاة فَلَا حجَّة فِيهِ لمن استحبها عِنْد كل آيَة. قلت: لم تَنْحَصِر الْحجَّة بِهَذِهِ الرِّوَايَة بل فِي قَوْله: (افزعوا إِلَى ذكر الله) حجَّة لمن قَالَ ذَلِك، لِأَن الصَّلَاة يُطلق عَلَيْهَا: ذكر الله، لِأَن فِيهَا أنواعا من ذكر الله تَعَالَى، وَقد ورد ذَلِك فِي (صَحِيح مُسلم) : (إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن) .
٥١ - (بابُ الدُّعَاءِ فِي الخُسُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء فِي الْكُسُوف، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي الْوَقْت: بَاب الدُّعَاء فِي الخسوف.
قالَهُ أبُو مُوسى وَعَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبِيِّ ﷺ .
أَي: قَالَ مَا ذكر من الدُّعَاء فِي الْكُسُوف أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ فِي حَدِيثه الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: (فافزعوا إِلَى ذكره ودعائه واستغفاره) ، وَأما حَدِيث عَائِشَة فقد تقدم فِي الْبَاب الثَّانِي، وَهُوَ: بَاب الصَّدَقَة فِي الْكُسُوف، ولفظها: (فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فادعو الله) .
٠٦٠١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ قَالَ حدَّثنا زيادُ بن عِلَاقَة قَالَ سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يَقُولِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ ماتَ إبْرَاهِيمُ فقالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ فقالَ رسولُ الله ﷺ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمِا فادْعُوا الله وَصَلّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ.
(أنظر الحَدِيث ٣٤٠١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد تقدم فِي الْبَاب الأول، أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن شَيبَان بن مُعَاوِيَة عَن زِيَاد بن علاقَة عَن الْمُغيرَة، وَهَذَا من الخماسيات، وَالَّذِي فِي هَذَا الْبَاب من الرباعيات، وَهُنَاكَ: عَن زِيَاد عَن الْمُغيرَة، وَهنا: التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ من الْمُغيرَة، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.
قَوْله: (رأيتموها) أَي: الْآيَة ويروى (رأيتموهما) بتثنية الضَّمِير، يرجع إِلَى الشَّمْس وَالْقَمَر بِاعْتِبَار كسوفهما. قَوْله: (حَتَّى تنجلي) ويروى بالتذكير، والتأنيث، ووجههما ظَاهر.
٦١ - (بابُ قَوْلِ الإِمَام فِي خُطْبَةِ الكُسوفِ أمَّا بَعْدُ)
١٦٠١ - وقالَ أبُو أسامَةَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أخْبَرَتْنِي فاطِمَة بنْتُ المُنْذِرِ عنْ أسْمَاءَ قالَتْ فانْصَرَفَ رسولُ الله ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ فَحَمِدَ الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ..
مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد ذكره فِي: بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة بعد الثَّنَاء أما بعد، فِي كتاب الْجُمُعَة. وَقَالَ مَحْمُود: حَدثنَا
стр. 1959
أَبُو أُسَامَة، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة، قَالَ: أَخْبَرتنِي فَاطِمَة بنت الْمُنْذر (عَن أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، قَالَت: دخلت على عَائِشَة وَالنَّاس يصلونَ) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (وَقد تجلت الشَّمْس. .) إِلَى أَن قَالَ: (أما بعد) ، وَقَالَ مُسلم: (عَن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأبي كريب عَن أبي أُسَامَة فَذكره، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث وهم، وَذَلِكَ أَنه زَاد فِي الْإِسْنَاد رجلا أَدخل بَين هِشَام وَفَاطِمَة عُرْوَة بن الزبير، وَالصَّوَاب: هِشَام عَن فَاطِمَة، وَالله أعلم، وَقد تكلمنا فِيهِ هُنَاكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة.
٧١ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ القَمَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة فِي كسوف الْقَمَر.
٢٦٠١ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عامِرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنُ عنْ أبي بَكْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي بكرَة، وَقد ذكرنَا الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، ومطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِذا كَانَ ذَلِك) أَي: الْخَسْف فِي الشَّمْس وَالْقَمَر، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد. قَوْله: (وثاب إِلَيْهِ النَّاس) بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي: اجْتمع، وَحَدِيث أبي بكرَة هَذَا بِطرقِهِ حجَّة للحنفية كَمَا ذكرنَا فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف.
(بابُ صَبِّ المَرْأةِ عَلَى رَأْسِهَا المَاءَ إذَا أطَالَ الإمَامُ القِيامَ فِي الرَّكْعَةِ الأولَى)
стр. 1960
قيل: وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة للمستملي وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيث مُطَابق لَهَا، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لم يذكر البُخَارِيّ فِيهِ حَدِيثا فَكَأَنَّهُ اكْتفى بِحَدِيث أَسمَاء الَّذِي مضى فِي: بَاب صَلَاة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال فِي الْكُسُوف. قلت: مَا أبعد هَذَا عَن الْقبُول وَالْأَوْجه مَا قيل فِيهِ: إِن المُصَنّف ترْجم بهَا، وأخلى بَيَاضًا ليذكر لَهَا حَدِيثا أَو طَرِيقا كَمَا جرت عَادَته فَلم يحصل غَرَضه، وَكَانَ الْأَلْيَق بِهَذِهِ التَّرْجَمَة حَدِيث أَسمَاء الْمَذْكُور قبل سَبْعَة أَبْوَاب فَإِنَّهُ نَص فِيهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه عَن الْفربرِي هَكَذَا: بَاب صب الْمَرْأَة إِلَى آخِره: وَقَالَ فِي الْحَاشِيَة: لَيْسَ فِيهِ حَدِيث، ثمَّ ذكر.
٨١ - (بابٌ الرَّكْعَةُ الأولى فِي الكُسُوفِ أطْوَلُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الرَّكْعَة الأولى فِي صَلَاة الْكُسُوف أطول من الرَّكْعَة الثَّانِيَة، وَهَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا وَقعت للكشميهني والحموي، وَلَيْسَ فِي غَالب نسخ البُخَارِيّ التَّرْجَمَة الأولى مَوْجُودَة.
٤٦٠١ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قَالَ حدَّثنا أبُو أحْمَدَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيى عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ الأوَّلُ أطْوَلُ مِنَ الثَّانِي..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومحمود هُوَ: ابْن غيلَان الْمَذْكُور عَن قريب، وَأَبُو أَحْمد هُوَ: مُحَمَّد بن عبد الله بن الزبير الْأَسدي الْكُوفِي وَلَيْسَ من ولد الزبير بن الْعَوام، قَالَ بنْدَار: مَا رَأينَا مثله أحفظ مِنْهُ. وَقَالَ غَيره: كَانَ يَصُوم الدَّهْر، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من الحَدِيث الطَّوِيل الَّذِي فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد، وَكَأَنَّهُ مُخْتَصر مِنْهُ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: (ثمَّ قَامَ قيَاما طَويلا وَهُوَ دون الْقيام الأول) . وَقَالَ فِي هَذَا: (أَربع رَكْعَات فِي سَجْدَتَيْنِ الأولى أطول) ، وَأَرَادَ بقوله: (أَربع رَكْعَات أَربع ركوعات) ، وَأَرَادَ بقوله: (فِي سَجْدَتَيْنِ) ، يَعْنِي: رَكْعَتَيْنِ، وَأطلق على الرَّكْعَة سَجْدَة من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء على الْكل، وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي قَوْله: ﷺ (من أدْرك من الصَّلَاة سَجْدَة فقد أدْركهَا) أَي: رَكْعَة. قَوْله: (فَالْأولى) ، ويروى: (الأولى) ، بِدُونِ الْفَاء أَي: الرَّكْعَة الأولى أطول، أَي: من الرَّكْعَة التالية، ويروى (الأول أطول من الثَّانِي) أَي: الرُّكُوع الأول أطول من الرُّكُوع الثَّانِي. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا كُله حجَّة على أبي حنيفَة فِي أَن صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ كَسَائِر النَّوَافِل. قلت: لَيْت شعري لِمَ لَا يذكر حَدِيث أبي بكرَة الَّذِي هُوَ حجَّة عَلَيْهِ، على أَنه لَا خلاف بَين أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أَن صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تكْرَار الرُّكُوع، كَمَا مر تَحْقِيقه فِيمَا مضى، وَفِي مثل هَذَا لَا يُقَال: هَذَا حجَّة على فلَان وَذَاكَ على فلَان، وَإِنَّمَا هَذَا اخْتِيَار، فَأَبُو حنيفَة اخْتَار حَدِيث أبي بكرَة وَغَيره من الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكرنَاهَا عِنْد الِاحْتِجَاج لَهُ، وَالشَّافِعِيّ اخْتَار حَدِيث عَائِشَة وَمَا أشبهه من الْأَحَادِيث الأُخر، فَأَبُو حنيفَة لم يقل إِذا كرر الرُّكُوع أَن صلَاته تفْسد، وَالشَّافِعِيّ: لم يقل أَنه إِذا ترك التّكْرَار تفْسد، وَلَكِن حمية العصبية توقع بَعضهم فِي أَكثر من هَذَا.
٩١ - (بابُ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الكُسُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الْكُسُوف، سَوَاء كَانَ الْكُسُوف للشمس أَو للقمر.
٥٦٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَهْرَانَ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ أخبرنَا ابنُ نَمِرٍ سَمِعَ بنُ مُسْلِمِ بنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا جَهَرَ النبيُّ ﷺ فِي صَلاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءتِهِ فإذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فرَكَعَ وَإذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلاةِ الكُسُوفِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وأرْبَعَ سَجَدَاتٍ.
.
стр. 1961
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مهْرَان، بِكَسْر الْمِيم: أَبُو جَعْفَر الْجمال الرَّازِيّ، قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ أول سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ أَو قَرِيبا مِنْهُ. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي مَوْلَاهُم الدِّمَشْقِي، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة رَاجعا من مَكَّة قبل أَن يصل إِلَى دمشق. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم الدِّمَشْقِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: ابْن نمر الْمَذْكُور وَلَيْسَ لَهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) غير هَذَا الحَدِيث، وَضَعفه ابْن معِين، لَكِن تَابعه الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْكُسُوف عَن مُحَمَّد بن مهْرَان مُخْتَصرا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ: عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن الْوَلِيد بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عُثْمَان بِطُولِهِ وَهُوَ أتم الرِّوَايَات وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن الْوَلِيد بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن أبان عَن إِبْرَاهِيم بن صَدَقَة عَن سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي، ﷺ ، صلى صَلَاة الْكُسُوف وجهر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا) . قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق فِي أَن صَلَاة الْكُسُوف يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، حكى التِّرْمِذِيّ ذَلِك عَنْهُم، ثمَّ حكى عَن الشَّافِعِي مثل ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : إِن مَذْهَبنَا وَمذهب مَالك وَأبي حنيفَة وَاللَّيْث بن سعد وَجُمْهُور الْفُقَهَاء أَنه: يسَّر فِي كسوف الشَّمْس ويجهر فِي خُسُوف الْقَمَر، قَالَ: وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق: يجْهر فيهمَا وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الصيدلاني أَن مثله يرْوى عَن أبي حنيفَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: الْجَهْر والإسرار سَوَاء، وَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيّ عَن مَالك هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ بِخِلَاف مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ، فقد حُكيَ عَن مَالك الْإِسْرَار، كَقَوْل الشَّافِعِي ابْن الْمُنْذر فِي (الْأَشْرَاف) وَابْن عبد الْبر فِي (الاستذكار) . وَقَالَ أَبُو عبد الله الْمَازرِيّ أَن مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مَالك من الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ رِوَايَة شَاذَّة مَا وقفت عَلَيْهَا فِي غير كِتَابه. قَالَ: وَذكرهَا ابْن شعْبَان عَن الْوَاقِدِيّ عَن مَالك، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) والقرطبي فِي (الْمُفْهم) : أَن معن بن عِيسَى والواقدي رويا عَن مَالك الْجَهْر، قَالَا: ومشهور قَول مَالك الْإِسْرَار فِيهَا، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: روى المصريون أَنه يسر، وروى المدنيون: أَنه يجْهر، قَالَ: والجهر عِنْدِي أولى؟ فَإِن قلت: الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يدل على أَن الخسوف للشمس، وَلذَلِك من لم ير بالجهر حمله على كسوف الْقَمَر. قلت: قد روى الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر عَن الْوَلِيد بِلَفْظ: (كسفت الشَّمْس فِي عهد رَسُول الله ﷺ ، فَذكر الحَدِيث، وروى إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَيْضا عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَن النَّبِي ﷺ صلى بهم فِي كسوف الشَّمْس وجهر بِالْقِرَاءَةِ) ، وَقد احْتج من قَالَ: إِنَّه يسر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بِحَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ: (صلى بِنَا النَّبِي ﷺ فِي كسوف الشَّمْس لَا نسْمع لَهُ صَوتا) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، والطَّحَاوِي: أخرجه من أَربع طرق صِحَاح، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: (مَا سَمِعت من النَّبِي ﷺ فِي صَلَاة الْكُسُوف حرفا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، وَأجَاب من قَالَ بالجهر بِأَنَّهُ، يجوز أَن يكون ابْن عَبَّاس وَسمرَة لم يسمعا من النَّبِي ﷺ فِي صلَاته تِلْكَ حرفا، وَالْحَال أَنه ﷺ قد جهر فيهمَا، ولكنهما لم يسمعا ذَلِك لبعدهما عَن النَّبِي ﷺ فحكيا على مَا شاهداه من ذَلِك، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَذَا لَا يُنَافِي جهره ﷺ بِالْقِرَاءَةِ فيهمَا، وَكَيف وَقد ثَبت الْجَهْر عَنهُ ﷺ فيهمَا؟ فَإِن قلت: روى الشَّافِعِي (عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: قُمْت إِلَى جنب النَّبِي، ﷺ ، فِي خُسُوف الشَّمْس فَمَا سَمِعت مِنْهُ حرفا) . قلت: روى الْبَيْهَقِيّ هَذَا من ثَلَاث طرق كلهَا ضَعِيفَة فَرَوَاهُ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: صليت مَعَ النَّبِي ﷺ صَلَاة الْكُسُوف فَلم أسمع مِنْهُ حرفا) ، وَرَوَاهُ من رِوَايَة الْوَاقِدِيّ عَن عبد الحميد ابْن جَعْفَر عَن يزِيد بن أبي حبيب، فَذكر نَحوه، قَالَ: وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ الحكم بن أبان عَن عِكْرِمَة، ثمَّ قَالَ: وَابْن لَهِيعَة، وَإِن كَانَ غير مُحْتَج بِهِ فِي الرِّوَايَة، وَكَذَلِكَ الْوَاقِدِيّ وَالْحكم بن أبان، فهم عدد. قَالَ: وَإِنَّمَا رُوِيَ الْجَهْر عَن الزُّهْرِيّ فَقَط، وَهُوَ وَإِن كَانَ حَافِظًا فَيُشبه أَن يكون الْعدَد أولى بِالْحِفْظِ من الْوَاحِد. قلت: لَيْسَ فِي الطّرق الَّتِي ذكرهَا الْبَيْهَقِيّ أَن ابْن عَبَّاس قَالَ
стр. 1962
أَنه كَانَ إِلَى جنب النَّبِي، ﷺ ، وَلم يَصح ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَلَو صَحَّ يحمل على فعله فِي وَقت دون وَقت، وَرِوَايَات الْجَهْر أصح.
٦٦٠١ - وَقَالَ الأوْزَاعِيُّ وغَيْرُهُ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ الشَّمْسَ خسفَتْ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فبَعَثَ مُنَادِيا بِالصَّلَاةِ جامِعَةً فتَقَدَّمَ فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وأرْبَعَ سَجَدَاتٍ..
قَالَ الْكرْمَانِي: (وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ) ، عطف على: حَدثنَا ابْن نمر، لِأَنَّهُ مقول الْوَلِيد. قلت: لِأَنَّهُ يُشِير بذلك إِلَى أَنه مَوْصُول، وَقد وَصله مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن مهْرَان الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيّ بن عَمْرو وَغَيره: سَمِعت ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ يخبر عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن الشَّمْس خسفت على عهد رَسُول الله ﷺ ، فَبعث مناديا يُنَادي: الصَّلَاة جَامِعَة، فَاجْتمعُوا وَتقدم فَكبر وَصلى أَربع رَكْعَات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات) . قَوْله: (وَأَرْبع سَجدَات) بِالنّصب على (أَربع رَكْعَات) قيل: لَا يسْتَدلّ بِرِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن نمر فِي الْجَهْر لِأَنَّهُ ضَعِيف، وَعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ وَإِن كَانَ تَابعه فَإِنَّهُ لم يذكر فِي رِوَايَته الْجَهْر. وَأجِيب: بِأَن من ذكر حجَّة على من لم يذكرهُ، وَلَا سِيمَا الَّذِي لم يذكرهُ يتَعَرَّض لنفيه، وَقد ثَبت الْجَهْر فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عِنْد أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن مزِيد أَخْبرنِي أبي أخبرنَا الْأَوْزَاعِيّ أَخْبرنِي الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير (عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ قِرَاءَة طَوِيلَة، فجهر بهَا) يَعْنِي فِي صَلَاة الْكُسُوف.
قَالَ الوَلِيدُ وَأَخْبرنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ نَمِرِ سَمِعَ ابنَ شِهَابٍ مثْلَهُ
أعَاد البُخَارِيّ الْإِسْنَاد الْمَذْكُور إِلَى الْوَلِيد بن مُسلم، وَأدْخل الْوَاو فِيهِ ليعطف على مَا سبق مِنْهُ، كَأَنَّهُ قَالَ، الْوَلِيد: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن نمر كَذَا، وَأَخْبرنِي أَنه سمع مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ مثله، أَي: مثل الحَدِيث الأول.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ مَا صَنَعَ أخُوك ذالِكَ عَبْدُ الله بنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إلَاّ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إذْ صَلَّى بِالمَدِينَةِ قَالَ أجَلْ إنَّهُ أخْطأ السُّنَّةَ
أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ، وَهُوَ يُخَاطب عُرْوَة بن الزبير: مَا صنع أَخُوك ذَلِك، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فعله أَخُوهُ فِي صَلَاة الْكُسُوف حَيْثُ صلى رَكْعَتَيْنِ مثل صَلَاة الصُّبْح بِلَا تكْرَار الرُّكُوع، وَقد مر هَذَا مستقصىً فِي: بَاب خطْبَة الإِمَام فِي الْكُسُوف.
قَوْله: (عبد الله بن الزبير) بِالرَّفْع عطف بَيَان لقَوْله: (أَخُوك) ، وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: (صنع) . قَوْله: (إِذا صلى) أَي: حِين صلى عبد الله بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة بِرَكْعَتَيْنِ مثل الصُّبْح. قَوْله: (قَالَ: أجل) أَي: قَالَ عُرْوَة: نعم إِنَّه صلى كَذَا، لكنه أَخطَأ السّنة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من أجل أَنه أَخطَأ السّنة) ، فعلى هَذِه الرِّوَايَة بِفَتْح همزَة أَنه للإضافة، وعَلى رِوَايَة غَيره بِكَسْر الْهمزَة، لِأَنَّهُ ابْتِدَاء كَلَام.
تابَعَهُ سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ وسُلَيْمَنُ بنُ كَثِيرٍ عنِ الزّهْرِيِّ فِي الجَهْرِ
أَي: تَابع عبد الرَّحْمَن بن نمر فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ سُلَيْمَان بن كثير ضد قَلِيل الْعَبْدي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة مَوْصُولَة أَحْمد عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَنهُ بِلَفْظ: (خسفت الشَّمْس على عهد النَّبِي ﷺ ، فَأتى النَّبِي ﷺ فَكبر فَكبر النَّاس ثمَّ قَرَأَ فجهر بِالْقِرَاءَةِ) . الحَدِيث: قَوْله: (وسُفْيَان) بِالرَّفْع عطفا على سُلَيْمَان، أَي: تَابع عبد الرَّحْمَن بن نمر أَيْضا سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ، وَقد انْفَرد الوَاسِطِيّ فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة مَوْصُولَة التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبان حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن صَدَقَة عَن سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ صلى صَلَاة الْكُسُوف وجهر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ شَيخنَا زين
стр. 1963
الدّين: حَدِيث عَائِشَة لَهُ طرق، وَلَكِن الَّذِي ذكر فِيهِ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ ثَلَاث طرق: رِوَايَة سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ، وَقد انْفَرد التِّرْمِذِيّ بوصلها وَذكرهَا البُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَرِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن نمر عَن الزُّهْرِيّ، وَقد اتّفق على إخْرَاجهَا البُخَارِيّ وَمُسلم، وَرِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ وَقد انْفَرد بهَا أَبُو دَاوُد. قلت: لَهُ طرق أَرْبَعَة أخرجهَا الطَّحَاوِيّ: عَن عقيل بن خَالِد الْأَيْلِي قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن خَالِد، قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن عقيل بن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ جهر بِالْقِرَاءَةِ فِي كسوف الشَّمْس) ، وَله طَرِيق خَامِسَة أخرجهَا الدَّارَقُطْنِيّ عَن إِسْحَاق بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ، وَهَذِه طرق متعاضدة يحصل بهَا الْجَزْم فِي ذَلِك، فَحِينَئِذٍ لَا يلْتَفت إِلَى تَعْلِيل من أعله بسفيان بن حُسَيْن وَغَيره، فَلَو لم تكن فِي ذَلِك إلاّ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ لكَانَتْ كَافِيَة، وَقد رُوِيَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الْكُسُوف عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة حَدثنَا قبيصَة، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن الشَّيْبَانِيّ عَن الحكم (عَن حَنش: أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جهر بِالْقِرَاءَةِ فِي كسوف الشَّمْس) . وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد صلى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا روينَاهُ عَن فَهد بن سُلَيْمَان عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن زُهَيْر عَن الْحسن بن الْحر، قَالَ: (وَحدثنَا الحكم عَن رجل يدعى حنشا عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه صلى بِالنَّاسِ فِي كسوف الشَّمْس كَذَلِك، ثمَّ حَدثهمْ أَن النَّبِي ﷺ كَذَلِك فعل) ، وَلَو لم يجْهر النَّبِي، ﷺ ، حِين صلى عَليّ مَعَه لما جهر عَليّ أَيْضا، لِأَنَّهُ علم أَن السّنة فَلم يتْرك الْجَهْر، وَالله أعلم.
٧١ - (كتابُ سُجُودِ القُرْآن)
١ - (أبْوَابُ سُجُودُ القُرآن)
أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي سُجُود الْقُرْآن، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (بَاب مَا جَاءَ فِي سُجُود الْقُرْآن وسنتها) أَي: سنة سَجْدَة التِّلَاوَة، وَوَقع للأصيلي: (وسنته) ، بتذكير الضَّمِير أَي: سنة السُّجُود، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر ذكر الْبَسْمَلَة.
٧٦٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الأسْودَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَرَأ النبيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَّةَ سْجَدَ فِيهَا وسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرُ شَيْخٍ أخَذَ كَفَّا منْ حَصًى أوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ يَكْفِيني هاذا فَرَأيْتُهُ بَعْدَ ذالِكَ قُتِلَ كافِرا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة فِيمَا جَاءَ فِي سُجُود الْقُرْآن وَهَذِه السُّورَة أَعنِي سُورَة النَّجْم مِمَّا جَاءَت فِيهَا السَّجْدَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة: الملقب ببندار الْبَصْرِيّ وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة على الْأَصَح وبالراء: وَهُوَ لقب مُحَمَّد ابْن جَعْفَر، مر فِي: بَاب ظلم دون ظلم. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، واسْمه: عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي. الْخَامِس: الْأسود بن زيد النَّخعِيّ. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وغندر بَصرِي أَيْضا وَشعْبَة واسطي وَأَبُو إِسْحَاق وَالْأسود كوفيان. وَفِيه: غنْدر مَذْكُور بلقبه، وَأَبُو إِسْحَاق بكنيته، وَشعْبَة وَالْأسود مذكوران بِغَيْر نِسْبَة، وَكَذَلِكَ عبد الله. وَفِيه: من يروي عَن زوج أمه وَهُوَ: غنْدر، لِأَنَّهُ ابْن امْرَأَة شُعْبَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب عَن حَفْص بن عمر الحوضي، وَفِي مبعث النَّبِي ﷺ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله عَن أَبِيه، وَفِي التَّفْسِير عَن نصر بن عَليّ، وَأخرجه مُسلم
стр. 1964
فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن الحوضي بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد عَن شُعْبَة بِهِ مُخْتَصرا قَرَأَ النَّجْم فَسجدَ فِيهَا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَرَأَ النَّجْم) أَي: سُورَة والنجم. قَوْله: (بِمَكَّة) أَي: فِي مَكَّة، ومحلها النصب على الْحَال. قَوْله: (وَسجد من مَعَه) أَي: مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَكلمَة: من، مَوْصُولَة بِمَعْنى: الَّذِي. قَوْله: (غير شيخ) سَمَّاهُ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق أُميَّة بن خلف، وَوَقع فِي سير ابْن إِسْحَاق أَنه الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ لم يقتل، وَقيل: عتبَة بن ربيعَة، وَقيل: أَبُو أحيجة سعيد بن الْعَاصِ، وَفِي النَّسَائِيّ: (عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ سجد فِي النَّجْم وَسجد النَّاس مَعَه، قَالَ الْمطلب فَلم أَسجد مَعَهم وَهُوَ يَوْمئِذٍ مُشْرك) ، وَفِي لفظ: (فأبيت أَن أَسجد مَعَهم، وَلم يكن يَوْمئِذٍ أسلم، فَلَمَّا أسلم قَالَ: لَا أدع السُّجُود فِيهَا أبدا) . وَقَالَ ابْن بزيزة: كَانَ منافقا، وَفِيه نظر، لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة وَإِنَّمَا المُنَافِقُونَ فِي الْمَدِينَة، وَفِي (المُصَنّف) بِسَنَد صَحِيح (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: سجد النَّبِي ﷺ والمسلمون فِي النَّجْم إلاّ رجلَيْنِ من قُرَيْش، أَرَادَ بذلك الشُّهْرَة) . قَوْله: (فرأيته) الرَّائِي هُوَ عبد الله بن مَسْعُود، أَي: رَأَيْت الشَّيْخ الْمَذْكُور (بعد ذَلِك قتل كَافِرًا) ببدر، ويروى: (فرأيته بعدُ قتل كَافِرًا) بِضَم الدَّال، أَي: بعد ذَلِك.
ذكر مَا يتَعَلَّق بِحكم هَذَا الْبَاب: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِي أَن سَبَب وجوب سَجْدَة التِّلَاوَة، التِّلَاوَة فِي حق التَّالِي وَالسَّمَاع فِي حق السَّامع، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: لَا خلاف فِي كَون التِّلَاوَة سَببا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي سَبَبِيَّة السماع، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ سَبَب لقَولهم السَّجْدَة على من سَمعهَا، وَهُوَ اخْتِيَار شيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ السماع بِسَبَب، وَقَالَ الوبري: سَبَب وجوب سَجْدَة التِّلَاوَة ثَلَاثَة: التِّلَاوَة وَالسَّمَاع والاقتداء بِالْإِمَامِ وَإِن لم يسْمعهَا وَلم يَقْرَأها، وللشافعية ثَلَاثَة أوجه: الأول: أَنه فِي حق السَّامع من غير قصد يسْتَحبّ، وَهُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص فِي الْبُوَيْطِيّ وَغَيره، وَلَا يتَأَكَّد فِي حَقه. الْوَجْه الثَّانِي: هُوَ كالمستمع. وَالثَّالِث: لَا يسن لَهُ، وَبِه قطع أَبُو حَامِد والبندنيجي.
الثَّانِي: أَن سَجْدَة التِّلَاوَة أسنة أم وَاجِبَة؟ فَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى وُجُوبهَا على التَّالِي وَالسَّامِع، سَوَاء قصد سَماع الْقُرْآن، أَو لم يقْصد، وَاسْتدلَّ صَاحب (الْهِدَايَة) على الْوُجُوب بقوله ﷺ : (السَّجْدَة على من سَمعهَا، السَّجْدَة على من تَلَاهَا) . ثمَّ قَالَ كلمة: على، للْإِيجَاب، والْحَدِيث غير مُقَيّد بِالْقَصْدِ. قلت: هَذَا غَرِيب لم يثبت، وَإِنَّمَا روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) (عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: السَّجْدَة على من سَمعهَا) . وَفِي البُخَارِيّ (قَالَ عُثْمَان: إِنَّمَا السُّجُود على من اسْتمع) . وَاسْتدلَّ أَيْضا بِالْآيَاتِ: ﴿فَمَا لَهُم لَا يُؤمنُونَ وَإِذا قرىء عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ﴾ (الانشقاق: ٠٢، ١٢) . ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ (النَّجْم: ٢٦) . واسجد واقترب﴾ (العلق: ٩١) . وَقَالُوا: الذَّم لَا يتَعَلَّق إلاّ بترك وَاجِب، وَالْأَمر فِي الْآيَتَيْنِ للْوُجُوب، وروى ابْن أبي شيبَة (عَن حَفْص عَن حجاج عَن إِبْرَاهِيم وَنَافِع وَسَعِيد ابْن جُبَير: أَنهم قَالُوا: من سمع السَّجْدَة فَعَلَيهِ أَن يسْجد) . وَعَن إِبْرَاهِيم بِسَنَد صَحِيح: (إِذا سمع الرجل السَّجْدَة وَهُوَ يُصَلِّي فليسجد) ، وَعَن الشّعبِيّ: (كَانَ أَصْحَاب عبد الله إِذا سمعُوا السَّجْدَة سجدوا، فِي صَلَاة كَانُوا أَو غيرهآ) . وَقَالَ شُعْبَة: (سَأَلت حمادا عَن الرجل يُصَلِّي فَيسمع السَّجْدَة؟ قَالَ: يسْجد) . وَقَالَ الحكم مثل ذَلِك، وَحدثنَا هشيم: أخبرنَا مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم أَنه كَانَ يَقُول فِي الْجنب: (إِذا سمع السَّجْدَة يغْتَسل، ثمَّ يقْرؤهَا فيسجدها، فَإِن كَانَ لَا يحسنها قَرَأَ غَيرهَا ثمَّ يسْجد) . وَحدثنَا حَفْص (عَن حجاج عَن فُضَيْل عَن إِبْرَاهِيم وَعَن حَمَّاد وَسَعِيد بن جُبَير قَالُوا: إِذا سمع الْجنب السَّجْدَة اغْتسل ثمَّ سجد) . وَحدثنَا عبيد الله ابْن مُوسَى عَن أبان الْعَطَّار عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب (عَن عُثْمَان فِي الْحَائِض تسمع السَّجْدَة؟ قَالَ: تومىء برأسها، وَتقول: اللَّهُمَّ لَك سجدت) . (وَعَن الْحسن فِي رجل نسي السَّجْدَة من أول صلَاته فَلم يذكرهَا حَتَّى كَانَ فِي آخر رَكْعَة من صلَاته، قَالَ: يسْجد فِيهَا ثَلَاث سَجدَات، فَإِن لم يذكرهَا حَتَّى يقْضِي صلَاته غير أَنه لم يسلم مَعَه، قَالَ: يسْجد سَجْدَة وَاحِدَة مَا لم يتَكَلَّم، فَإِن تكلم اسْتَأْنف الصَّلَاة) . وَعَن إِبْرَاهِيم: (إِذا نسي السَّجْدَة فليسجدها مَتى مَا ذكرهَا فِي صلَاته) ، وَسُئِلَ مُجَاهِد فِي رجل شكّ فِي سَجْدَة وَهُوَ جَالس لَا يدْرِي سجدها أم لَا؟ قَالَ مُجَاهِد: إِن شِئْت فاسجدها، فَإِذا قضيت صَلَاتك فاسجد سَجْدَتَيْنِ وَأَنت جَالس، وَإِن شِئْت فَلَا تسجدها واسجد سَجْدَتَيْنِ وَأَنت جَالس فِي آخر صَلَاتك) . وَذهب الشَّافِعِي وَمَالك فِي أحد قوليه وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ وَدَاوُد إِلَى: أَنَّهَا سنة، وَهُوَ قَول عمر وسلمان وَابْن عَبَّاس وَعمْرَان بن الْحصين، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَدَاوُد. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعند الْمَالِكِيَّة خلاف فِي كَونهَا سنة أَو فَضِيلَة، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْآتِي:
стр. 1965
(إِن الله لم يكْتب علينا السُّجُود إلاّ أَن نشَاء) ، وَهَذَا يَنْفِي الْوُجُوب. قَالُوا: قَالَ عمر هَذَا القَوْل وَالصَّحَابَة حاضرون، وَالْإِجْمَاع السكوتي حجَّة عِنْدهم، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث زيد بن ثَابت الْآتِي، (قَالَ: قرىء على النَّبِي ﷺ والنجم فَلم يسْجد فِيهَا) . وَبِحَدِيث الْأَعرَابِي: (هَل عَليّ غَيرهَا؟ قَالَ: لَا، إلاّ أَن تطوع) . أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، وَبِحَدِيث سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؛ (أَنه دخل الْمَسْجِد وَفِيه قوم يقرأون فقرأوا السَّجْدَة، فسجدوا فَقَالَ لَهُ صَاحبه: يَا أَبَا عبد الله لَوْلَا أَتَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم؟ فَقَالَ مَا لهَذَا غدونا) . رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة.
وَاسْتَدَلُّوا بالمعقول من وُجُوه: الأول: أَنَّهَا لَو كَانَت وَاجِبَة لما جَازَت بِالرُّكُوعِ كالصلبية. الثَّانِي: أَنَّهَا لَو كَانَت وَاجِبَة لما تداخلت. الثَّالِث: لما أدّيت بِالْإِيمَاءِ من رَاكب يقدر على النُّزُول. الرَّابِع: أَنَّهَا تجوز على الرَّاحِلَة، فَصَارَ كالتأمين. الْخَامِس: لَو كَانَت وَاجِبَة لبطلت الصَّلَاة بِتَرْكِهَا كالصلبية.
الْجَواب عَن حَدِيث زيد بن ثَابت أَن مَعْنَاهُ: أَنه لم يسْجد على الْفَوْر، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَنه لَيْسَ فِي النَّجْم سَجْدَة، وَلَا فِيهِ نفي الْوُجُوب. وَعَن حَدِيث الْأَعرَابِي: أَنه فِي الْفَرَائِض، وَنحن لم نقل: إِن سَجْدَة التِّلَاوَة فرض، وَمَا رُوِيَ عَن سلمَان وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فموقوف وَهُوَ لَيْسَ بِحجَّة عِنْدهم.
وَالْجَوَاب: عَن دليلهم الْعقلِيّ. أما عَن الأول: فلَان أداءها فِي ضمن شَيْء لَا يُنَافِي وُجُوبهَا فِي نَفسهَا، كالسعي إِلَى الْجُمُعَة يتَأَدَّى بالسعي إِلَى الْجُمُعَة يتَأَدَّى بالسعي إِلَى التِّجَارَة. وَعَن الثَّانِي: إِنَّمَا جَازَ التَّدَاخُل لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا إِظْهَار الخضوع والخشوع، وَذَلِكَ يحصل بِمرَّة وَاحِدَة. وَعَن الثَّالِث: لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبت، فَإِن تلاوتها على الدَّابَّة مَشْرُوعَة فَكَانَ كالشروع على الدَّابَّة فِي التَّطَوُّع. وَعَن الرَّابِع: كَانَت تلاوتها مَشْرُوعَة على الرَّاحِلَة فَلَا يُنَافِي الْوُجُوب. وَعَن الْخَامِس: أَن الْقيَاس على الصلبية فَاسد، لِأَنَّهَا جُزْء فِي الصَّلَاة، وَسجْدَة التِّلَاوَة لَيست بِجُزْء الصَّلَاة.
الثَّالِث: فِي أَنهم اخْتلفُوا فِي عدد سُجُود الْقُرْآن على اثْنَي عشر قولا: الأول: مَذْهَبنَا أَنَّهَا: أَربع عشرَة سَجْدَة: فِي آخر الْأَعْرَاف، والرعد، والنحل، وَبني إِسْرَائِيل، وَمَرْيَم، وَالْأولَى فِي الْحَج، وَالْفرْقَان، والنمل، وآلم تَنْزِيل، وص، وحم السَّجْدَة، والنجم، وَإِذا السَّمَاء انشقت، واقرأ باسم رَبك. الثَّانِي: إِحْدَى عشرَة، بِإِسْقَاط الثَّلَاث من الْمفصل، وَبِه قَالَ الْحسن وَابْن الْمسيب وَابْن جُبَير وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَعَطَاء وطاووس وَمَالك فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. الثَّالِث: خمس عشرَة، وَبِه قَالَ المدنيون عَن مَالك، فكملتها: ثَانِيَة الْحَج، وَهُوَ مَذْهَب عمر وَابْنه عبد الله وَاللَّيْث وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر، وَرِوَايَة عَن أَحْمد، وَاخْتَارَهُ الْمروزِي وَابْن شُرَيْح الشافعيان. الرَّابِع: أَربع عشرَة، بِإِسْقَاط ص وَهُوَ أصح قولي الشَّافِعِي وَأحمد. الْخَامِس: أَربع عشرَة بِإِسْقَاط سَجْدَة النَّجْم، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر. السَّادِس: ثنتا عشرَة، بِإِسْقَاط: ثَانِيَة الْحَج، وص، والانشقاق، وَهُوَ قَول مَسْرُوق، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ. السَّابِع: ثَلَاث عشرَة، بِإِسْقَاط ثَانِيَة الْحَج والإنشقاق، وَهُوَ قَول عَطاء الْخُرَاسَانِي. الثَّامِن: أَن عزائم السُّجُود خمس: الْأَعْرَاف، وَبَنُو إِسْرَائِيل، والنجم، والإنشقاق، واقرأ باسم رَبك، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مُغيرَة عَن أبراهيم عَنهُ. التَّاسِع: عَزَائِمه أَربع: آلم تَنْزِيل، وحم تَنْزِيل، والنجم، واقرأ باسم رَبك، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عَفَّان عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَليّ بن زيد عَن يُوسُف بن مهْرَان عَن عبد الله بن عَبَّاس عَنهُ. الْعَاشِر: ثَلَاث، قَالَه سعيد بن جُبَير، وَهِي: آلم تَنْزِيل، وحم تَنْزِيل، والنجم، واقرأ باسم رَبك، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن دَاوُد يَعْنِي ابْن أبي إِيَاس عَن جَعْفَر عَنهُ. الْحَادِي عشر: عزائم السُّجُود: آلم تَنْزِيل، والأعراف، وحم تَنْزِيل، وَبَنُو إِسْرَائِيل، وَهُوَ مَذْهَب عبد بن عُمَيْر. الثَّانِي عشر: عشر سَجدَات، قالته جمَاعَة. قَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا أُسَامَة حَدثنَا ثَابت بن عمَارَة عَن أبي تَمِيمَة الهُجَيْمِي أَن أشياخا من الهجيم بعثوا رَسُولا لَهُم إِلَى الْمَدِينَة وَإِلَى مَكَّة يسْأَل لَهُم عَن سُجُود الْقُرْآن، فَأخْبرهُم أَنهم أَجمعُوا على عشر سَجدَات، وَذهب ابْن حزم إِلَى أَنَّهَا تسْجد للْقبْلَة ولغير الْقبْلَة، وعَلى طَهَارَة وعَلى غير طَهَارَة، قَالَ: وثانية الْحَج لَا نقُول بهَا أصلا فِي الصَّلَاة، وَتبطل الصَّلَاة بهَا، يَعْنِي: إِذا سجدت. قَالَ لِأَنَّهَا لم تصح بهَا سنة عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا أجمع عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهَا أثر مُرْسل. قلت: الظَّاهِر أَنه غفل وَذهل، بل فِيهَا حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْحَاكِم، (عَن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن رَسُول الله ﷺ أقرأه خمس عشرَة سَجْدَة فِي الْقُرْآن الْعَظِيم، مِنْهَا ثَلَاثَة فِي الْمفصل. الرَّابِع: السَّجْدَة فِي آخر الْأَعْرَاف: ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٠٢) . وَفِي الرَّعْد عِنْد: ﴿وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وظلالهم بِالْغُدُوِّ
следующие страницы →