Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع مُخْتَصرا على التَّكْبِير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك، ستتهم عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نعى النَّجَاشِيّ) أَي: أخبر بِمَوْتِهِ، وَالنَّجَاشِي، بِفَتْح النُّون وَكسرهَا: كلمة للحبش تسمى بهَا مُلُوكهَا، والمتأخرون يلقبونه الأبجري. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ بالنبطية، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: هُوَ بِكَسْر النُّون، يجوز أَن يكون من نجش أوقد كَأَنَّهُ يطريه، ويوقد فِيهِ، قَالَه قطرب. وَفِي (الفصيح) : النَّجَاشِيّ، بِالْفَتْح، وَفِي (الْعلم الْمَشْهُور) لأبي الْخطاب مشدد الْيَاء، قَالُوا: وَالصَّوَاب تخفيفها، وَفِي (الْمثنى) لِابْنِ عديس: النَّجَاشِيّ، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الْمُسْتَخْرج للشَّيْء. وَفِي (سيرة ابْن إِسْحَاق) . اسْمه: أَصْحَمَة، وَمَعْنَاهُ، عَطِيَّة. وَقَالَ أَبُو الْفرج: أَصْحَمَة بن أبجري، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ: وَقع فِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) فِي هَذَا الحَدِيث تَسْمِيَته: صحمة، بِفَتْح الصَّاد وَإِسْكَان الْحَاء. قَالَ: هَكَذَا قَالَ لنا يزِيد بن هَارُون، وَإِنَّمَا هُوَ صمحة، بِتَقْدِيم الْمِيم على الْحَاء. قَالَ: وَهَذَانِ شَاذان. وَفِي (التَّلْوِيح) : أَخْبرنِي غير وَاحِد من نبلاء الْحَبَشَة أَنهم لَا ينطقون بِالْحَاء على صرافتها، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِي اسْم الْملك: أَصْمِخَة، بِتَقْدِيم الْمِيم على الْخَاء الْمُعْجَمَة. وَذكر السُّهيْلي أَن اسْم أَبِيه: يجْرِي، بِغَيْر همزَة، وَذكر مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي كِتَابه (نَوَادِر التَّفْسِير) : إسمه مَكْحُول بن صصه، وَفِي كتاب (الطَّبَقَات) لِابْنِ سعد: لما رَجَعَ رَسُول الله ﷺ من الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ أرسل النَّجَاشِيّ سنة سبع فِي الْمحرم عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي، فَأخذ كتاب النَّبِي ﷺ فَوَضعه على عَيْنَيْهِ، وَنزل عَن سَرِيره فَجَلَسَ على الأَرْض تواضعا، ثمَّ أسلم، وَكتب إِلَى النَّبِي ﷺ بذلك، وَأَنه أسلم على يَدي جَعْفَر ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة تسع منصرفة من تَبُوك. فَإِن قلت: وَقع فِي (صَحِيح مُسلم) : كتب ﷺ إِلَى النَّجَاشِيّ، وَهُوَ غير النَّجَاشِيّ الَّذِي صلى عَلَيْهِ؟ قلت: قيل: كَأَنَّهُ وهم من بعض الروَاة، أَو أَنه عبر بِبَعْض مُلُوك الْحَبَشَة عَن الْملك الْكَبِير، أَو يحمل على أَنه لما توفّي قَامَ مقَامه آخر فَكتب إِلَيْهِ. قَوْله: (خرج إِلَى الْمصلى) ، ذكر السُّهيْلي من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع أَنه ﷺ صلى عَلَيْهِ بِالبَقِيعِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: فِيهِ إِبَاحَة النعي، وَهُوَ أَن يُنَادى فِي النَّاس أَن فلَانا مَاتَ ليشهدوا جنَازَته، وَقَالَ بعض أهل الْعلم: لَا بَأْس أَن يعلم الرجل قرَابَته وإخواته، وَعَن إِبْرَاهِيم: لَا بَأْس أَن يعلم قرَابَته. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: إِعْلَام أهل الْمَيِّت وقرابته وأصدقائه استحسنه الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم، وَذكر صَاحب (الْحَاوِي) من أَصْحَابنَا وَجْهَيْن فِي اسْتِحْبَاب الْإِنْذَار بِالْمَيتِ وإشاعة مَوته بالنداء والإعلام، فاستحب ذَلِك بَعضهم للغريب والقريب لما فِيهِ من كَثْرَة الْمُصَلِّين عَلَيْهِ والداعين لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: يسْتَحبّ ذَلِك للغريب وَلَا يسْتَحبّ لغيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمُخْتَار اسْتِحْبَابه مُطلقًا إِذا كَانَ مُجَرّد إِعْلَام. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ صَاحب الْبَيَان) من أَصْحَابنَا: يكره نعي الْمَيِّت، وَهُوَ أَن يُنَادى عَلَيْهِ فِي النَّاس أَن فلَانا قد مَاتَ ليشهدوا جنَازَته، وَفِي وَجه حَكَاهُ الصيدلاني: لَا يكره. وَفِي (حلية الرَّوْيَانِيّ) من أَصْحَابنَا: الإختيار إِن يُنَادى بِهِ ليكْثر المصلون. وَقَالَ ابْن الصّباغ: قَالَ أَصْحَابنَا: يكره النداء عَلَيْهِ، وَلَا بَأْس أَن يعلم أصدقاءه، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا بَأْس بِهِ، وَنَقله الْعَبدَرِي عَن مَالك أَيْضا، وَنقل ابْن التِّين عَن مَالك كَرَاهَة الْإِنْذَار بالجنائز على أَبْوَاب الْمَسَاجِد والأسواق لِأَنَّهُ من النعي. قَالَ عَلْقَمَة بن قيس: الْإِنْذَار بالجنائز من النعي وَهُوَ من أَمر الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ النَّهْي أَيْضا عَن ابْن عمر وَأبي سعيد وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالربيع بن خَيْثَم. قلت: وَأبي وَائِل وَأبي ميسرَة وَعلي بن الْحُسَيْن وسُويد بن غَفلَة ومطرف بن عبد الله وَنصر بن عمرَان أبي جَمْرَة، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه قَالَ: إِذا مت فَلَا تؤذنوا بِي أحدا فَإِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا، وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، ينْهَى عَن النعي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وروى أَيْضا من حَدِيث عبد الله عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (إيَّاكُمْ والنعي، فَإِن النعي من أَمر الْجَاهِلِيَّة) . وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب. والمجوزون احْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَرُبمَا ورد فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي، ﷺ ، نعى للنَّاس زيدا وجعفرا. وَفِي الصَّحِيح أَيْضا
стр. 2207
قَول فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حِين توفّي النَّبِي، ﷺ ، وأبتاه، من ربه مَا أدناه، وأبتاه إِلَى جِبْرِيل ننعاه، وَفِي الصَّحِيح أَيْضا فِي قصَّة الرجل الَّذِي مَاتَ وَدفن لَيْلًا فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (أَفلا كُنْتُم آذنتموني؟) فَهَذِهِ الْأَحَادِيث دَالَّة على جَوَاز النعي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن النعي الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ نعي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ: وَكَانَت عَادَتهم إِذا مَاتَ مِنْهُم شرِيف بعثوا رَاكِبًا إِلَى الْقَبَائِل يَقُول: نعا يَا فلَان، أَو: يَا نعاء الْعَرَب، أَي: هَلَكت الْعَرَب بِهَلَاك فلَان. وَيكون مَعَ النعي ضجيج وبكاء، وَأما إِعْلَام أهل الْمَيِّت وأصدقائه وقرابته فمستحب على مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. وَاعْترض بِأَن حَدِيث النَّجَاشِيّ لم يكن نعيا، إِنَّمَا كَانَ مُجَرّد إِخْبَار بِمَوْتِهِ، فَسمى نعيا لشبهه بِهِ فِي كَونه إعلاما، وَكَذَا القَوْل فِي جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه، ورد بِأَن الأَصْل الْحَقِيقَة على أَن حَدِيث النَّجَاشِيّ أصح من حَدِيث حُذَيْفَة وَعبد الله. فَإِن قلت: قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا نعي النَّبِي، ﷺ ، النَّجَاشِيّ وَصلى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد بعض النَّاس على غير الْإِسْلَام فَأَرَادَ إعلامهم بِصِحَّة إِسْلَامه (قلت) نعيه ﷺ جعفراً وَأَصْحَابه يرد ذَلِك، وَحمل بَعضهم النَّهْي على نعي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمل على ذكر المفاخر وَشبههَا.
الْوَجْه الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يُصَلِّي على الْجِنَازَة فِي الْمَسْجِد، لِأَن النَّبِي ﷺ أخبر بِمَوْتِهِ فِي الْمَسْجِد ثمَّ خرج بِالْمُسْلِمين إِلَى الْمصلى، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، أَنه لَا يصلى على ميت فِي مَسْجِد جمَاعَة، وَبِه قَالَ مَالك وَابْن أبي ذِئْب، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر: لَا بَأْس بهَا إِذا لم يخف تلويثه، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ (أَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما توفّي أمرت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِإِدْخَال جنَازَته الْمَسْجِد حَتَّى صلى عَلَيْهَا أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، ثمَّ قَالَت: هَل عَابَ النَّاس علينا مَا فعلنَا؟ فَقيل لَهَا: نعم، فَقَالَت: مَا أسْرع مَا نسوا، مَا صلى رَسُول الله ﷺ على جَنَازَة سُهَيْل بن الْبَيْضَاء إلَاّ فِي الْمَسْجِد) . رَوَاهُ مُسلم، وَاحْتج أَصْحَابنَا من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب عَن صَالح مولى التومة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى على ميت فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَفظه: (فَلَيْسَ لَهُ شَيْء) ، وَقَالَ الْخَطِيب الْمَحْفُوظ: (فَلَا شَيْء لَهُ، وَرُوِيَ (فَلَا شَيْء عَلَيْهِ) ، وَرُوِيَ: (فَلَا أجر لَهُ) . وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رِوَايَة: فَلَا أجر لَهُ، خطأ فَاحش، وَالصَّحِيح: فَلَا شَيْء لَهُ، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِلَفْظ: (فَلَا صَلَاة لَهُ) . فَإِن قلت: روى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) هَذَا الحَدِيث وعده من مُنكرَات صَالح، ثمَّ أسْند إِلَى شُعْبَة أَنه كَانَ لَا يروي عَنهُ وَينْهى عَنهُ، وَإِلَى مَالك: لَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِثِقَة، وَإِلَى النَّسَائِيّ أَنه قَالَ فِيهِ: ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : اخْتَلَط بِآخِرهِ وَلم يتَمَيَّز حَدِيثه من قديمه فَاسْتحقَّ التّرْك، ثمَّ ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: إِنَّه بَاطِل، وَكَيف يَقُول رَسُول الله ﷺ ، وَقد صلى على سُهَيْل بن الْبَيْضَاء فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: صَالح مُخْتَلف فِي عَدَالَته، كَانَ مَالك يجرحه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة. أَحدهَا: أَنه ضَعِيف لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هَذَا حَدِيث ضَعِيف تفرد بِهِ صَالح مولى التومة وَهُوَ ضَعِيف. الثَّانِي: أَن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة من سنَن أبي دَاوُد: فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَلَا حجَّة فِيهِ. الثَّالِث: أَن اللَّام فِيهِ بِمَعْنى: على، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِن أسأتم فلهَا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧) . أَي: فعلَيْهَا، جمعا بَين الْأَحَادِيث. قلت: الْجَواب عَمَّا قَالُوهُ من وُجُوه:
الأول: أَن أَبَا دَاوُد روى بِهَذَا الحَدِيث وَسكت عَنهُ، فَهَذَا دَلِيل رِضَاهُ بِهِ، وَأَنه صَحِيح عِنْده. الثَّانِي: أَن يحيى بن معِين الَّذِي هُوَ فيصل فِي هَذَا الْبَاب قَالَ: صَالح ثِقَة إلَاّ أَنه اخْتَلَط قبل مَوته، فَمن سمع مِنْهُ قبل ذَلِك فَهُوَ ثَبت حجَّة، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط: ابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب. الثَّالِث: قَالَ ابْن عبد الْبر: مِنْهُم من يقبل عَن صَالح مَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي ذِئْب خَاصَّة. الرَّابِع: أَن غَالب مَا ذكر فِيهِ تحامل من ذَلِك قَول النَّوَوِيّ: إِن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة من سنَن أبي دَاوُد: فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يردهُ قَول الْخَطِيب الْمَحْفُوظ: (فَلَا شَيْء لَهُ) وَقَول السرُوجِي؛ وَفِي الاسرار (فَلَا صَلَاة لَهُ) وَفِي المرغيناني: (فَلَا أجر لَهُ) وَلم يذكر ذَلِك فِي كتب الحَدِيث يردهُ مَا ذَكرْنَاهُ من رِوَايَة ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (فَلَا صَلَاة لَهُ) . وَقَالَ الْخَطِيب: (فَلَا أجر لَهُ) فلعدم إطلاعه فِي هَذَا الْموضع جازف فِيهِ، وَمن تحاملهم جعل: اللَّام، بِمَعْنى: على، بالتحكم من غير دَلِيل وَلَا دَاع إِلَى ذَلِك، وَلَا سِيمَا أَن الْمجَاز عِنْدهم ضَرُورِيّ لَا يُصَار إِلَيْهِ إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة، فَلَا ضررة هَهُنَا. وَأقوى مَا يرد كَلَامه هَذَا رِوَايَة ابْن أبي شيبَة:
стр. 2208
(فَلَا صَلَاة لَهُ) ، فَلَا يُمكن لَهُ أَن يَقُول: اللَّام، بِمَعْنى: على، لفساد الْمَعْنى. الْخَامِس: أَن قَول ابْن حبَان: هَذَا بَاطِل، جرْأَة مِنْهُ على تبطيل الصَّوَاب، فَكيف يَقُول هَذَا القَوْل وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَنهُ؟ فَأَقل الْأَمر أَنه عِنْده حسن لِأَنَّهُ رَضِي بِهِ، وحاشاه من أَن يرضى بِالْبَاطِلِ. السَّادِس: مَا قَالَه الجهبذ النقاد الإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، ﵀، مُلَخصا، وَهِي أَن الرِّوَايَات لما اخْتلفت عَن رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الْبَاب يحْتَاج إِلَى الْكَشْف ليعلم الْمُتَأَخر مِنْهَا، فَيجْعَل نَاسِخا لما تقدم، فَحَدِيث عَائِشَة إِخْبَار عَن فعل رَسُول الله ﷺ فِي حَال الْإِبَاحَة الَّتِي لم يتقدمها شَيْء، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة إِخْبَار عَن نهي رَسُول الله ﷺ الَّذِي تقدمه الْإِبَاحَة، فَصَارَ نَاسِخا لحَدِيث عَائِشَة، وإنكار الصَّحَابَة عَلَيْهَا مِمَّا يُؤَكد ذَلِك. فَإِن قلت: من أَي قبيل يكون هَذَا النّسخ؟ قلت: من قبيل النّسخ بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للحظر وَالْآخر مُوجبا للْإِبَاحَة، فَفِي مثل هَذَا يتَعَيَّن الْمصير إِلَى النَّص الْمُوجب للحظر، لِأَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، والحظر طَار عَلَيْهَا، فَيكون مُتَأَخِّرًا. فَإِن قلت: فَلم لَا يَجْعَل بِالْعَكْسِ؟ قلت: لِئَلَّا يلْزم النّسخ مرَّتَيْنِ، وَهَذَا ظَاهر. فَإِن قلت: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين مُنَافَاة فَلَا تعَارض فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّوْفِيق؟ قلت: ظهر لَك صِحَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة؟ بالوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا فَثَبت التَّعَارُض (فَإِن قلت) مُسلم أخرج حَدِيث عَائِشَة وَلم يخرج حَدِيث أبي هُرَيْرَة قلت: لَا يلْزم من ترك مُسلم تَخْرِيجه عدم صِحَّته، لِأَنَّهُ لم يلْتَزم بِإِخْرَاج كل مَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَذَلِكَ البُخَارِيّ، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك وَأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا يَخْلُو من كَلَام، فَكَذَلِك حَدِيث عَائِشَة لَا يَخْلُو عَن كَلَام، لِأَن جمَاعَة من الْحفاظ مثل الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره عابوا على مُسلم تَخْرِيجه إِيَّاه مُسْندًا، لِأَن الصَّحِيح أَنه مُرْسل كَمَا رَوَاهُ مَالك والماجشون عَن أبي النَّضر عَن عَائِشَة مُرْسلا، والمرسل لَيْسَ بِحجَّة عِنْدهم. وَقد أول بعض أَصْحَابنَا حَدِيث عَائِشَة بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا صلى فِي الْمَسْجِد بِعُذْر مطر. وَقيل: بِعُذْر الِاعْتِكَاف، وعَلى كل: تَقْدِير الصَّلَاة على الْجِنَازَة خَارج الْمَسْجِد أولى وَأفضل، بل أوجب، لِلْخُرُوجِ عَن الْخلاف، لَا سِيمَا فِي بَاب الْعِبَادَات. وَلِأَن الْمَسْجِد بني لأَدَاء الصَّلَوَات المكتوبات فَيكون غَيرهَا فِي خَارج الْمَسْجِد أولى وَأفضل. فَإِن قلت: قَالُوا: خُرُوج النَّبِي، ﷺ ، من الْمَسْجِد إِلَى الْمصلى كَانَ لِكَثْرَة الْمُصَلِّين وللإعلام. قلت: نَحن أَيْضا نقُول صلَاته فِي الْمَسْجِد كَانَ للمطر أَو للاعتكاف كَمَا ذكرنَا.
الْوَجْه الثَّالِث فِيهِ: دَلِيل على أَن سنة هَذِه الصَّلَاة الصَّفّ كَسَائِر الصَّلَوَات، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مَالك بن هُبَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى عَلَيْهِ ثَلَاثَة صُفُوف فقد أوجب) ، مَعْنَاهُ: وَجَبت لَهُ الْجنَّة، أَو وَجَبت لَهُ الْمَغْفِرَة، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة الحكم بن فروخ، قَالَ: صلى بِنَا أَبُو الْمليح على حنازة فظننا أَنه كبر، فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم، وَقَالَ أَبُو الْمليح: حَدثنِي عبد الله عَن إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَهِي مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ ، قَالَت: أَخْبرنِي النَّبِي ﷺ ، قَالَ: مَا من ميت يُصَلِّي عَلَيْهِ أمة من النَّاس إلَاّ شفعوا فِيهِ، فَسَأَلت أَبَا الْمليح عَن الْأمة، قَالَ: أَرْبَعُونَ.
الْوَجْه الرَّابِع فِيهِ: حجَّة لمن جوز الصَّلَاة على الْغَائِب، وَمِنْهُم الشَّافِعِي وَأحمد. قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن كَانَ الْمَيِّت فِي الْبَلَد فَالْمَذْهَب أَنه لَا يجوز أَن يصلى عَلَيْهِ حَتَّى يحضر عِنْده، وَقيل: يجوز، وَفِي الرَّافِعِيّ: يَنْبَغِي أَن لَا يكون بَين الإِمَام وَالْمَيِّت أَكثر من مِائَتي ذِرَاع، أَو ثلثمِائة تَقْرِيبًا.
فرع: عِنْدهم: لَو صلى على الْأَمْوَات الَّذين مَاتُوا فِي قَرْيَة وغسلوا فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، وَلَا يعرف عَددهمْ، جَازَ. قَالَه فِي (الْبَحْر) . قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : وَهُوَ صَحِيح، لَكِن لَا يخْتَص بِبَلَد، وَقَالَ الْخطابِيّ: النَّجَاشِيّ رجل مُسلم قد آمن برَسُول الله ﷺ وَصدقه على ثُبُوته إلَاّ أَنه كَانَ يكتم إيمَانه، وَالْمُسلم إِذا مَاتَ وَجب على الْمُسلمين أَن يصلوا عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه كَانَ بَين ظهراني أهل الْكفْر وَلم يكن بِحَضْرَتِهِ من يقوم بِحقِّهِ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، فَلَزِمَ رَسُول الله ﷺ ، أَن يفعل ذَلِك، إِذْ هُوَ نبيه ووليه وأحق النَّاس بِهِ، فَهَذَا وَالله أعلم هُوَ السَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهِ بِظهْر الْغَيْب، فعلى هَذَا إِذا مَاتَ الْمُسلم بِبَلَد من الْبلدَانِ وَقد قضى حَقه من الصَّلَاة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يصلى عَلَيْهِ من كَانَ بِبَلَد آخر غَائِبا عَنهُ، فَإِن علم أَنه لم يصل عَلَيْهِ لعائق أَو مَانع عذر كَانَ السّنة
стр. 2209
أَن يصلى عَلَيْهِ وَلَا يتْرك ذَلِك لبعد الْمسَافَة، فَإِذا صلوا عَلَيْهِ استقبلوا الْقبْلَة وَلم يتوجهوا إِلَى بلد الْمَيِّت إِن كَانَ فِي غير جِهَة الْقبْلَة، وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى كَرَاهَة الصَّلَاة على الْمَيِّت الْغَائِب، وَزَعَمُوا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْفِعْل، إِذْ كَانَ فِي حكم الْمشَاهد للنجاشي لما رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار أَنه قد سويت لَهُ الأَرْض حَتَّى يبصر مَكَانَهُ، وَهَذَا تَأْوِيل فَاسد، لِأَن رَسُول الله، ﷺ ، إِذا فعل شَيْئا من أَفعَال الشَّرِيعَة كَانَ علينا اتِّبَاعه والأيتساء بِهِ، والتخصيص لَا يعلم إلَاّ بِدَلِيل، وَمِمَّا يبين ذَلِك أَنه، ﷺ ، خرج بِالنَّاسِ إِلَى الصَّلَاة، فَصف بهم وصلوا مَعَه، فَعلم أَن هَذَا التَّأْوِيل فَاسد. قلت: هَذَا التشنيع كُله على الْحَنَفِيَّة من غير تَوْجِيه وَلَا تَحْقِيق، فَنَقُول: مَا يظْهر لَك فِيهِ دفع كَلَامه، وَهُوَ أَن النَّبِي، ﷺ ، رفع سَرِيره فَرَآهُ، فَتكون الصَّلَاة عَلَيْهِ كميت رَآهُ الإِمَام وَلَا يرَاهُ الْمَأْمُوم. فَإِن قلت: هَذَا يحْتَاج إِلَى نقل يُبينهُ، وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال. قلت: ورد مَا يدل على ذَلِك، فروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: إِن أَخَاكُم النَّجَاشِيّ توفّي، فَقومُوا صلوا عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُول الله، ﷺ ، وصفوا خَلفه فَكبر أَرْبعا وهم يظنون أَن جنَازَته بَين يَدَيْهِ، وَجَوَاب آخر: أَنه من بَاب الضَّرُورَة، لِأَنَّهُ مَاتَ بِأَرْض لم تقم فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَة الصَّلَاة، فَتعين فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ لعدم من يُصَلِّي عَلَيْهِ ثمَّة، وَيدل على ذَلِك أَن النَّبِي، ﷺ ، لم يصل على غَائِب غَيره، وَقد مَاتَ من الصَّحَابَة خلق كثير وهم غائبون عَنهُ، وَسمع بهم فَلم يصل عَلَيْهِم إلَاّ غَائِبا وَاحِدًا ورد أَنه طويت لَهُ الأَرْض حَتَّى حَضَره وَهُوَ: مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ، روى حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) وَكتاب (مُسْند الشاميين) : حَدثنَا عَليّ بن سعيد الرَّازِيّ حَدثنَا نوح بن عُمَيْر بن حوى السكْسكِي حَدثنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد الْأَلْهَانِي (عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بتبوك فَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل، ﵊، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، أَتُحِبُّ أَن تطوى لَك الأَرْض فَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، فَضرب بجناحه على الأَرْض وَرفع لَهُ سَرِيره فصلى عَلَيْهِ وَخَلفه صفان من الْمَلَائِكَة، فِي كل صف سَبْعُونَ ألف ملك، ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ النَّبِي ﷺ لجبريل، ﵊: بِمَ أدْرك هَذَا؟ قَالَ: بحبه سُورَة: قل هُوَ الله أحد، وقراءته إِيَّاهَا جاثيا وذاهبا وَقَائِمًا وَقَاعِدا وعَلى كل حَال) . انْتهى. فَإِن قلت: قد صلى على اثْنَيْنِ أَيْضا وهما غائبان وهما زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب، ورد عَنهُ أَنه كشف لَهُ عَنْهُمَا أخرجه الْوَاقِدِيّ فِي كتاب (الْمَغَازِي) فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن صَالح عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة، وحَدثني عبد الْجَبَّار بن عمَارَة عَن عبد الله بن أبي بكر، قَالَا: لما التقى النَّاس بمؤتة جلس رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر وكشف لَهُ مَا بَينه وَبَين الشَّام، فَهُوَ ينظر إِلَى معتركهم، فَقَالَ ﷺ : أَخذ الرَّايَة زيد بن حَارِثَة فَمضى حَتَّى اسْتشْهد، وَصلى عَلَيْهِ ودعا لَهُ: وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ وَقد دخل الْجنَّة وَهُوَ يسْعَى ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فَمضى حَتَّى اسْتشْهد، فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ودعا لَهُ، وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ وَقد دخل الْجنَّة، فَهُوَ يطير فِيهَا بجناحيه حَيْثُ شَاءَ. قلت: هُوَ مُرْسل من الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين، والمرسل لَيْسَ بِحجَّة، على أَنهم يَقُولُونَ: فِي الْوَاقِدِيّ مقَال، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) فِي معرض التحامل: وَمن ادّعى أَن الأَرْض طويت لَهُ حَتَّى شَاهده لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَإِن كَانَت الْقُدْرَة صَالِحَة لذَلِك. قلت: كَأَنَّهُ لم يطلع على مَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَوَقع فِي كَلَام ابْن بطال تَخْصِيص ذَلِك بالنجاشي، فَقَالَ: بِدَلِيل إطباق الْأمة على ترك الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَلم أجد لأحد من الْعلمَاء إجَازَة الصَّلَاة على الْغَائِب إلَاّ مَا ذكره ابْن زيد عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا استؤذن أَنه غرق أَو قتل أَو أكله السبَاع وَلم يُوجد مِنْهُ شَيْء صلى عَلَيْهِ، كَمَا فعل بالنجاشي، وَبِه قَالَ ابْن حبيب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَكثر أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن ذَلِك مَخْصُوص بِهِ، وَأَجَازَهُ بَعضهم إِذا كَانَ فِي يَوْم الْمَوْت أَو قريب مِنْهُ، وَفِي (المُصَنّف) عَن الْحسن إِنَّمَا دَعَا لَهُ وَلم يصل.
الْوَجْه الْخَامِس: فِي أَن التَّكْبِير على الْجِنَازَة أَرْبَعَة، وَصرح بذلك فِي الحَدِيث وَهُوَ آخر مَا اسْتَقر عَلَيْهِ أمره ﷺ ، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: يكبر خمْسا، وَإِلَيْهِ ذهب الشِّيعَة. وَقيل: ثَلَاثًا، قَالَه بعض الْمُتَقَدِّمين، وَقيل: أَكْثَره سبع وَأقله ثَلَاث، ذكره القَاضِي أَبُو مُحَمَّد، وَقيل: سِتّ، ذكره ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن أَحْمد: لَا ينقص من أَربع وَلَا يُزَاد على سبع. وَقَالَ ابْن
стр. 2210
مَسْعُود: يكبر مَا كبر إِمَامه، وروى مُسلم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى. قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يكبر على جنائزنا خمْسا، فَسَأَلته، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يكبرها، وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، وَقَالَ: ذهب قوم إِلَى أَن التَّكْبِير على الْجَنَائِز خمس، وَأخذُوا بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَعِيسَى مولى حُذَيْفَة وَأَصْحَاب معَاذ بن جبل وَأَبا يُوسُف من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَإِلَيْهِ ذهبت الظَّاهِرِيَّة والشيعة. وَفِي (الْمَبْسُوط) وَهِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف، وَقَالَ الْحَازِمِي: وَمِمَّنْ رأى التَّكْبِير على الْجِنَازَة خمْسا ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان. وَقَالَ فرقة: يكبر سبعا، رُوِيَ ذَلِك عَن ذَر بن حُبَيْش. وَقَالَ فرقة: يكبر ثَلَاثًا روى ذَلِك عَن أنس وَجَابِر بن زيد، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ. قلت: أَرَادَ بهم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وسُويد بن غَفلَة وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبا مجلز لَاحق بن حميد، ويحكى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَزيد بن ثَابت وَجَابِر وَابْن أبي أوفى وَالْحسن بن عَليّ والبراء بن عَازِب، وَأبي هُرَيْرَة وَعقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلم يذكر التَّسْلِيم هُنَا فِي حَدِيث النَّجَاشِيّ. وَذكر فِي حَدِيث سعيد ابْن الْمسيب رِوَايَة ابْن حبيب عَن مطرف عَن مَالك، وَاسْتَغْرَبَهُ ابْن عبد الْبر، قَالَ: إِلَّا أَنه لَا خلاف عَلمته بَين الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ من الْفُقَهَاء فِي السَّلَام، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا: هَل هِيَ وَاحِدَة أَو اثْنَتَانِ؟ فالجمهور على تَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَت طَائِفَة: تسليمتان، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ، وَرِوَايَة عَن إِبْرَاهِيم، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ وَاحِدَة: عمر وَابْنه عبد الله وَعلي وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَأنس وَابْن أبي أوفى وواثلة وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَجَابِر بن زيد وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَمَكْحُول وَإِبْرَاهِيم فِي رِوَايَة. وَقَالَ الْحَاكِم: صحت الرِّوَايَة فِي الْوَاحِدَة عَن عَليّ وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن أبي أوفى أَنهم كَانُوا يسلمُونَ تَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَسَأَلَ أَشهب مَالِكًا: أتكره السَّلَام فِي صَلَاة الْجَنَائِز؟ قَالَ: لَا، وَقد كَانَ ابْن عمر يسلم. قَالَ: فاستناد مَالك إِلَى فعل ابْن عمر دَلِيل على أَنه ﷺ لم يسلم فِي صلَاته على النَّجَاشِيّ وَلَا على غَيره.
٦٤٢١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلَالٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ أخَذَ الرَّايةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا عَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فأُصِيبَ وَإنَّ عَيْنَيْ رسولِ الله ﷺ لَتَذْرِفَانِ ثُمَّ أخَذَهَا خالِدُ بنُ الوَلِيدِ منْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله ﷺ (أَخذ الرَّايَة زيد. .) إِلَى آخِره نعى مِنْهُ إِلَيْهِم، لِأَنَّهُ أخبر بموتهم. غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه صرح بالنعي فِي الحَدِيث السَّابِق وَهَهُنَا ذكره بِالْمَعْنَى، وَصرح بالنعي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة حَيْثُ قَالَ: (إِن النَّبِي ﷺ نعى زيدا وجعفرا. .) الحَدِيث.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن يُوسُف بن يَعْقُوب وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم فرقهما، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي فضل خَالِد وَفِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد بن وَاقد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَخذ الرَّايَة زيد) ، وقصته فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَهِي مَوضِع فِي أَرض البلقاء من أَطْرَاف الشَّام، وَذَلِكَ أَنه ﷺ أرسل سَرِيَّة فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة، وَقَالَ: إِن أُصِيب زيد فجعفر ابْن أبي طَالب على النَّاس، فَإِن أُصِيب جَعْفَر فعبد الله بن رَوَاحَة على النَّاس، فَخَرجُوا وهم ثَلَاثَة آلَاف فتلاقوا مَعَ الْكفَّار فَاقْتَتلُوا فَقتل زيد بن حَارِثَة ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فقاتل بهَا حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فقاتل بهَا حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَفتح الله على يَدَيْهِ. وَعَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ نعى زيدا
стр. 2211
وجعفرا وَابْن رَوَاحَة للنَّاس قبل أَن يَأْتِيهم خبر، وَلما أخبر رَسُول الله ﷺ بخبرهم حَتَّى قَالَ: ثمَّ أَخذ الرَّايَة سيف من سيوف الله حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن ابْن عمر: فالتمسنا جَعْفَر بن أبي طَالب فوجدناه فِي الْقَتْلَى، وَوجدنَا فِي جسده بضعا وَسبعين من طعنة ورمية، وَعَن خَالِد: لقد انْقَطَعت فِي يَدي يَوْم مُؤْتَة تِسْعَة أسياف فَمَا بَقِي فِي يديّ إلَاّ صفيحة يَمَانِية، رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَزيد هُوَ ابْن حَارِثَة بن شرَاحِيل بن كَعْب الْكَلْبِيّ الْقُضَاعِي مولى رَسُول الله ﷺ ، أعْتقهُ رَسُول الله ﷺ وتبناه، وَلم يذكر الله تَعَالَى أحدا من الصَّحَابَة فِي الْقُرْآن باسمه الْخَاص إلَاّ زيدا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٣) . وجعفر ابْن أبي طَالب الْهَاشِمِي الطيار ذُو الجناحين، وَهُوَ صَاحب الهجرتين، الْجواد ابْن الْجواد، وَكَانَ أَمِير الْمُهَاجِرين إِلَى الْحَبَشَة. وَعبد الله بن رَوَاحَة، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْوَاو وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: الخزرجي الْمدنِي، أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة. قَوْله: (لتذرفان) اللَّام للتَّأْكِيد، وتذرفان، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من: ذرفت عينه إِذا سَالَ مِنْهَا الدمع. قَوْله: (من غير إمرة) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الرَّاء.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دَلِيل النُّبُوَّة لِأَنَّهُ أخبر بأصابتهم فِي الْمَدِينَة وهم بمؤتة، وَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ . وَفِيه: جَوَاز الْبكاء على الْمَيِّت. وَفِيه: أَن الرَّحْمَة الَّتِي تكون فِي الْقلب محمودة. وَفِيه: جَوَاز تولي أَمر الْقَوْم من غير تَوْلِيَة إِذا خَافَ ضيَاعه وَحُصُول الْفساد بِتَرْكِهِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: لما نظر خَالِد بعد مَوْتهمْ وَهُوَ فِي ثغر مخوف وبإزاء عَدو عَددهمْ جم وبأسهم شَدِيد خَافَ ضيَاع الْأَمر وهلاك من مَعَه من الْمُسلمين، فتصدى للإمارة عَلَيْهِم وَأخذ الرَّايَة من غير تأمير وَقَاتل إِلَى أَن فتح الله على الْمُسلمين، فَرضِي رَسُول الله ﷺ فعله، إِذْ وَافق الْحق، وَإِن لم يكن من رَسُول الله ﷺ إِذن وَلَا من الْقَوْم الَّذين مَعَه بيعَة وتأمير، فَصَارَ هَذَا أصلا فِي الضرورات إِذا وَقعت من معاظم أَمر الدّين فِي أَنَّهَا لَا تراعى فِيهَا شَرَائِط أَحْكَامهَا عِنْد عدم الضَّرُورَة، وَكَذَا فِي حُقُوق آحَاد أَعْيَان النَّاس، مثل أَن يَمُوت رجل بفلاة وَقد خلف تَرِكَة، فَإِن على من شهده حفظ مَاله وإيصاله إِلَى أَهله وَإِن لم يوص المتوفي بذلك فَإِن النَّصِيحَة وَاجِبَة للْمُسلمين. وَفِيه: أَيْضا جَوَاز دُخُول الْخطر فِي الوكالات وتعليقها بالشرائط.
٥ - (بابُ الإذنِ بِالجَنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِذْن، بِكَسْر الْهمزَة، وَالْمرَاد الْعلم بهَا، ويروى: بَاب الْأَذَان أَي: الْإِعْلَام بهَا. وَقيل: بَاب الآذان، بِمد الْهمزَة وَكسر الذَّال على وزن الْفَاعِل، وَهُوَ الَّذِي يُؤذن بالجنازة أَي: يعلم بهَا بِأَنَّهَا تهيأت، وَالْفرق بَين هَذِه التَّرْجَمَة والترجمة الَّتِي قبلهَا أَن الأولى إِعْلَام وَلَيْسَ لَهُ علم بِالْمَيتِ، وَهَذِه إِعْلَام من أعلم يتهيء أمره.
وقالَ أبُو رافِعٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ أَلا آذَنْتُمُونِي
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو رَافع الصَّائِغ اسْمه: نفيع، بِضَم النُّون، وَهُوَ طرف حَدِيث أخرجه فِي: بَاب كنس الْمَسْجِد والتقاط الْخرق، حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت عَن أبي رَافع (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رجلا أسود، أَو امْرَأَة سَوْدَاء، كَانَ يقم الْمَسْجِد فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ عَنهُ فَقَالُوا: مَاتَ، فَقَالَ: أَفلا كُنْتُم آذنتموني بِهِ؟ دلوني على قَبره أَو على قبرها فَأتى قَبره فصلى عَلَيْهَا) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٧٤٢١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عنْ أبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِي عنِ الشَّعْبِيَّ عنِ ابنِ عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ ماتَ إنْسَانٌ كانَ رسولُ الله ﷺ يَعُودُهُ فَمَاتَ باللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلاً فلَمَّا أصْبَحَ أخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا منَعَكُمْ أنْ تُعْلِمُونِي قالُوا كانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا وكانَتْ ظُلْمَةٌ أنَّ نَشُقَّ عَلَيْكَ فأتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَليهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا منعكم أَن تعلموني؟) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام أَو ابْن الْمثنى
стр. 2212
لِأَن كلا مِنْهُمَا روى عَن أبي مُعَاوِيَة، وَلَكِن جزم أَبُو عَليّ بن السكن فِي رِوَايَته عَن الْفربرِي أَنه مُحَمَّد بن سَلام. الثَّانِي: أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق بن أبي سُلَيْمَان فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَهُوَ البيكندي البُخَارِيّ، وَبَقِيَّة الروَاة كوفيون. وَفِيه: ذكر شَيْخه بِلَا نِسْبَة وإثنان بالكنية وَوَاحِد بِالنِّسْبَةِ إِلَى شعب بطن من هَمدَان.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَسليمَان بن حَرْب وحجاج بن منهال، فرقهم أربعتهم عَن شُعْبَة، وَفِيه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير وَعَن مُحَمَّد وَعَن أبي مُعَاوِيَة هُنَا وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن يحيى بن أبي بكير عَن زَائِدَة، خمستهم عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن الْحسن بن الرّبيع وَأبي كَامِل الجحدري وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن الْحسن بن الرّبيع وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَعَن يحيى ابْن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهَارُون بن عبد الله وَعَن أبي غَسَّان، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن الْعَلَاء، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد.
ذكر اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ: وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (فَقَالَ: مَتى دفن؟ فَقَالُوا: البارحة) . وَفِي لفظ مُسلم: (انْتهى رَسُول الله ﷺ إِلَى قبر رطب) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روى هريم بن سُفْيَان عَن الشّعبِيّ (فَقَالَ: بعد مَوته بِثَلَاث لَيَال) ، وروى عَن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء عَن الشَّيْبَانِيّ، (فَقَالَ: صلى على قَبره بعد مَا دفن بليلتين) ، وَرَوَاهُ بشر بن آدم وَغَيره عَن أبي عَاصِم عَن سُفْيَان عَن الشَّيْبَانِيّ: (صلى على قبر بعد شهر) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهَذَا بشر بن آدم وَخَالفهُ عَن أبي عَاصِم وَهُوَ الْعَبَّاس بن مُحَمَّد، فَقَالَ: (صلى على قبر بَعْدَمَا دفن) ، وروى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن سعيد بن الْمسيب: (أَن أم سعد مَاتَت وَالنَّبِيّ، ﷺ ، غَائِب، فَلَمَّا قدم صلى عَلَيْهَا وَقد مضى لذَلِك شهر) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: (قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: (أَكثر مَا سمعنَا عَن ابْن الْمسيب أَن النَّبِي ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبَادَة بعد شهر) . فَإِن قلت: قد وَردت الصَّلَاة على الْقَبْر بعد سنة فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة أبي معبد بن معبد بن أبي قَتَادَة أَن الْبَراء بن معْرور كَانَ أول من اسْتقْبل الْقبْلَة وَكَانَ أحد السّبْعين النُّقَبَاء فَقدم الْمَدِينَة قبل أَن يُهَاجر رَسُول الله ﷺ فَجعل يُصَلِّي نَحْو الْقبْلَة، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة أوصى بِثلث مَاله لرَسُول الله ﷺ ، يَضَعهُ حَيْثُ يَشَاء، وَقَالَ: وجهوني إِلَى الْقبْلَة فِي قَبْرِي، فَقدم النَّبِي، ﷺ ، بعد سنة فصلى عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابه، ورد ثلث مِيرَاثه على وَلَده. قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد رِوَايَته: كَذَا وجدت فِي كتابي، وَالصَّوَاب: بعد شهر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَاتَ إِنْسَان كَانَ رَسُول الله ﷺ يعودهُ) قيل: الْإِنْسَان هَذَا هُوَ: طَلْحَة بن الْبَراء ابْن عُمَيْر البلوي، حَلِيف الْأَنْصَار، وروى الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عُرْوَة بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه (عَن حُصَيْن بن وحوح الْأنْصَارِيّ: أَن طَلْحَة بن الْبَراء مرض فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ يعودهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أرى طَلْحَة إلَاّ قد حدث فِيهِ الْمَوْت، فآذنوني بِهِ وعجلوا، فَلم يبلغ النَّبِي ﷺ بني سَالم بن عَوْف حَتَّى توفّي، وَكَانَ قَالَ لأَهله لما دخل اللَّيْل: إِذا مت فادفنوني وَلَا تَدْعُو رَسُول الله ﷺ فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْهِ يهود أَن يصاب بسببي، فَأخْبر النَّبِي ﷺ حِين أصبح، فجَاء حَتَّى وقف على قَبره فَصف النَّاس مَعَه ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إلق طَلْحَة يضْحك إِلَيْك وتضحك إِلَيْهِ) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد مُخْتَصرا من حَدِيث الْحصين بن وحوح: (أَن طَلْحَة بن الْبَراء مرض فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ يعودهُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أرى طَلْحَة إلَاّ قد حدث بِهِ الْمَوْت، فآذنوني بِهِ وعجلوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لجيفة مُسلم أَن تحبس بَين ظهراني أَهله. .) وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : إِن هَذَا الْإِنْسَان هُوَ الْمَيِّت الْمَذْكُور
стр. 2213
فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي يقم الْمَسْجِد. قيل: وَهَذَا وهم، لِأَن الصَّحِيح فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنَّهَا امْرَأَة يُقَال لَهَا: أم محجن. قَوْله: (فَلَمَّا أصبح) أَي: دخل رَسُول الله، ﷺ ، فِي الصَّباح. قَوْله: (وَكَانَ اللَّيْل) بِرَفْع اللَّيْل، وَكَانَ تَامَّة، وَكَذَا كَانَ فِي: (كَانَت ظلمَة) . قَوْله: (أَن نشق) ، كلمة أَن مَصْدَرِيَّة أَي: كرهنا الْمَشَقَّة عَلَيْهِ. وَقَوله: (وَكَانَت ظلمَة) ، جملَة مُعْتَرضَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: عِيَادَة الْمَرِيض، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، وَفِيه: جَوَاز دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَطاء (عَن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ دخل قبرا لَيْلًا فأسرج لَهُ بسراج، فَأخذ من قبل الْقبْلَة وَقَالَ: رَحِمك الله إِن كنت لأواها تلاءً لِلْقُرْآنِ، وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا) ، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَرخّص أَكثر أهل الْعلم فِي الدّفن بِاللَّيْلِ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (المُصَنّف) بِإِسْنَادِهِ (عَن أبي ذَر، قَالَ: كَانَ رجل يطوف بِالْبَيْتِ يَقُول: أوه أوه. قَالَ أَبُو ذَر: فَخرجت لَيْلَة فَإِذا النَّبِي، ﷺ ، فِي الْمَقَابِر يدْفن ذَلِك الرجل وَمَعَهُ مِصْبَاح) . وَفِيه: الْأذن بالجنازة والإعلام بِهِ، وَقد مر بَيَانه مَعَ الْخلاف فِيهِ. وَفِيه: تَعْجِيل الْجِنَازَة، فَإِنَّهُم ظنُّوا أَن ذَلِك آكِد من إيذانه. وَفِيه: جَوَاز الصَّلَاة على الْقَبْر وَفِيه خلاف، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: الْعَمَل على هَذَا، أَي: الصَّلَاة على الْقَبْر عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: لَا يصلى على الْقَبْر، وَهُوَ قَول مَالك بن أنس، وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: إِذا دفن الْمَيِّت وَلم يصل عَلَيْهِ صلى على الْقَبْر. وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: يصلى على الْقَبْر إِلَى شهر، وَقَالَ ابْن التِّين: جُمْهُور أَصْحَاب مَالك على الْجَوَاز خلافًا لأَشْهَب وَسَحْنُون فَإِنَّهُمَا قَالَا: إِن نسي أَن يُصَلِّي على الْمَيِّت فَلَا يُصَلِّي على قَبره وليدع لَهُ. وَقَالَ ابْن قَاسم وَسَائِر أَصْحَابنَا: يصلى على الْقَبْر إِذا فَاتَت الصَّلَاة على الْمَيِّت، فَإِذا لم تفت وَكَانَ قد صلي عَلَيْهِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن وهب عَن مَالك: ذَلِك جَائِز، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَعبد الله بن وهب وَابْن عبد الحكم وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَسَائِر أَصْحَاب الحَدِيث، وكرهها النَّخعِيّ وَالْحسن، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن حَيّ وَاللَّيْث بن سعد، قَالَ ابْن الْقَاسِم: قلت لمَالِك: فَالْحَدِيث الَّذِي جَاءَ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ؟ قَالَ: قد جَاءَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَل، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَإِن دفن الْمَيِّت وَلم يصل عَلَيْهِ صلي على قَبره، وَلَا يخرج مِنْهُ وَيُصلي عَلَيْهِ مَا لم يعلم أَنه تفرق، هَكَذَا فِي (الْمَبْسُوط) ؛ وَإِذا شكّ فِي ذَلِك نَص الْأَصْحَاب على أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَهُوَ قَول عمر وَأبي مُوسَى وَعَائِشَة وَابْن سِيرِين وَالْأَوْزَاعِيّ، وَهل يشْتَرط فِي جَوَاز الصَّلَاة على قَبره كَونه مَدْفُونا بعد الْغسْل؟ فَالصَّحِيح أَنه يشْتَرط، وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد: أَنه لَا يشْتَرط، وَفِي (الْمُحِيط) : لَو صلى عَلَيْهِ من لَا ولَايَة لَهُ عَلَيْهِ يُصَلِّي على قَبره، وَيُصلي عَلَيْهِ قبل أَن يتفسخ، وَالْمُعْتَبر فِي ذَلِك أكبر الرَّأْي، أَي: غَالب الظَّن، فَإِن كَانَ غَالب الظَّن أَنه تفسخ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ غَالب الظَّن أَنه لم يتفسخ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَإِذا شكّ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف: يُصَلِّي عَلَيْهِ إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام وَبعدهَا لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وللشافعية سِتَّة أوجه. أَولهَا: إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام. ثَانِيهَا: إِلَى شهر، كَقَوْل أَحْمد. ثَالِثهَا: مَا لم يبل جسده. رَابِعهَا: يُصَلِّي عَلَيْهِ من كَانَ من أهل الصَّلَاة عَلَيْهِ يَوْم مَوته. خَامِسهَا: يُصَلِّي عَلَيْهِ من كَانَ من أهل فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ يَوْم مَوته. سادسها: يُصَلِّي عَلَيْهِ أبدا، فعلى هَذَا تجوز الصَّلَاة على قُبُور الصَّحَابَة وَمن قبلهم الْيَوْم، وَاتَّفَقُوا على تَضْعِيفه، وَمِمَّنْ صرح بِهِ: الْمَاوَرْدِيّ والمحاملي والفوراني وَالْبَغوِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ. فَإِن قلت: فِي البُخَارِيّ عَن عقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه ﷺ صلى على قَتْلَى أحد بعد ثَمَان سِنِين. قلت: أجَاب السَّرخسِيّ فِي (الْمَبْسُوط) وَغَيره: أَن ذَلِك مَحْمُول على الدُّعَاء، وَلكنه غير سديد، لِأَن الطَّحَاوِيّ روى عَن عقبَة بن عَامر أَنه ﷺ خرج يَوْمًا فصلى على قَتْلَى أحد صلَاته على الْمَيِّت، وَالْجَوَاب السديد: أَن أَجْسَادهم لم تبل.
٦ - (بابُ فَضْلِ منْ ماتَ لَهُ وَلَدٌ فاحْتَسَبَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من مَاتَ لَهُ ولد فاحتسب، أَي: صَبر رَاضِيا بِقَضَاء الله تَعَالَى راجيا لِرَحْمَتِهِ وغفرانه، والاحتساب من الْحسب، كالاعتداد من الْعدَد، وَإِنَّمَا قيل لمن يَنْوِي بِعَمَلِهِ وَجه الله: احتسبه، لِأَن لَهُ حِينَئِذٍ أَن يعْتد بِعَمَلِهِ، فَجعل فِي حَال مُبَاشرَة الْفِعْل كَأَنَّهُ مُعْتَد بِهِ، والاحتساب فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَعند المكروهات هُوَ البدار إِلَى طلب الْأجر وتحصيله بِالتَّسْلِيمِ وَالصَّبْر أَو بِاسْتِعْمَال أَنْوَاع الْبر وَالْقِيَام بهَا على الْوَجْه المرسوم فِيهَا طلبا للثَّواب المرجو مِنْهَا، وَإِنَّمَا ذكر لفظ الْوَلَد ليتناول
стр. 2214
الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْوَاحد فَمَا فَوْقه. فَإِن قلت: أَحَادِيث الْبَاب ثَلَاثَة، وفيهَا التَّقْيِيد بِثَلَاثَة واثنين؟ قلت: فِي بعض طرق الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ ذكر الْوَاحِد كَمَا ستقف عَلَيْهِ فِيمَا نذكرهُ الْآن، لِأَنَّهُ روى فِي هَذَا الْبَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وهم أَبُو هُرَيْرَة وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ومعاذ بن جبل وَعتبَة بن عبد وَجَابِر بن عبد الله ومطرف ابْن الشخير وَأنس بن مَالك وَأَبُو ذَر وَعبادَة بن الصَّامِت وَأَبُو ثَعْلَبَة وَعقبَة بن عَامر وقرة بن أياس الْمُزنِيّ وَعلي بن أبي طَالب وَأَبُو أُمَامَة وَأَبُو مُوسَى والْحَارث بن وقيش وَجَابِر بن سَمُرَة وَعَمْرو بن عبسة وَمُعَاوِيَة بن حيدة وَعبد الرَّحْمَن بن بشير وَزُهَيْر بن عَلْقَمَة وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَعبد الله بن الزبير وَابْن النَّضر السّلمِيّ وسفينة وحوشب بن طخمة والحسحاس بن بكر وَعبد الله بن عمر وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَبُرَيْدَة وَأَبُو سَلمَة راعي رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وحبيبة بنت سهل وَأم سليم وَأم مُبشر وَرجل لم يسم رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
فَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ. وَحَدِيث عبد الله بن مَسْعُود عِنْد التِّرْمِذِيّ عَن ابْنه أبي عُبَيْدَة عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من قدم ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث كَانُوا لَهُ حصنا حصينا. قَالَ أَبُو ذَر: قدمت اثْنَيْنِ؟ قَالَ: وإثنين. قَالَ أبي بن كَعْب سيد الْقُرَّاء: قدمت وَاحِدًا؟ قَالَ: وواحدا، وَلَكِن إِنَّمَا ذَلِك عِنْد الصدمة الأولى) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَأَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه. وَحَدِيث عبد الله ابْن عَبَّاس عِنْد التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث سماك بن الْوَلِيد الْحَنَفِيّ يحدث أَنه سمع ابْن عَبَّاس يحدث أَنه سمع رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (من كَانَ لَهُ فرطان من أمتِي أدخلهُ الله بهما الْجنَّة، فَقَالَت عَائِشَة: فَمن كَانَ لَهُ فرط من أمتك؟ فَقَالَ: وَمن كَانَ لَهُ فرط يَا موفقة. قَالَت: فَمن لم يكن لَهُ فرط من أمتك؟ قَالَ أَنا فرط أمتِي لن يصابوا بمثلي) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَحَدِيث أبي سعيد عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة ذكروان عَنهُ على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَحَدِيث معَاذ عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (أوجب ذُو الثَّلَاثَة. قَالُوا: وَذُو الْإِثْنَيْنِ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَذُو الْإِثْنَيْنِ. .) وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا، وروى ابْن مَاجَه عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن السقط ليجر أمه بسروره إِلَى الْجنَّة إِذا احتسبته) . وَالسُّرُور بِفتْحَتَيْنِ هُوَ مَا تقطعه الْقَابِلَة من السُّرَّة. وَحَدِيث عتبَة بن عبد عِنْد ابْن مَاجَه عَن مَحْمُود بن لبيد عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (مَا من مُسلم يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث إلَاّ تلقوهُ من أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية، من أَيهَا شَاءَ دخل) . وَحَدِيث جَابر بن عبد الله عِنْد الْبَيْهَقِيّ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول (من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد فاحتسبهم عِنْد الله دخل الْجنَّة، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله وإثنان؟ قَالَ: وإثنان. قَالَ مَحْمُود: فَقلت لجَابِر، وَالله إِنِّي لأَرَاكُمْ لَو قُلْتُمْ وَاحِدًا لقَالَ وَاحِدًا. قَالَ: أَنا وَالله أَظن ذَلِك.) وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا. وَحَدِيث مطرف بن الشخير عِنْد مُسَدّد فِي (مُسْنده) قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، للْأَنْصَار: مَا الرقوب فِيكُم؟ قَالُوا: الَّذِي لَا ولد لَهُ. قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، لَيْسَ ذاكم بالرقوب، الرقوب الَّذِي يقدم على ربه وَلم يقدم أحدا من وَلَده) ، الحَدِيث عِنْد البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ. وَحَدِيث أبي ذَر عِنْد النَّسَائِيّ من رِوَايَة الْحسن (عَن صعصعة بن مُعَاوِيَة، قَالَ: لقِيت أَبَا ذَر، قلت: حَدثنِي. قَالَ: نعم، قَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا من مُسلمين يَمُوت بَينهمَا ثَلَاثَة أَوْلَاد لم يبلغُوا الْحِنْث إلَاّ غفر الله لَهما بِفضل رَحمته إيَّاهُم) . وَحَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت عِنْد أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (وَالنُّفَسَاء يجرها وَلَدهَا يَوْم الْقِيَامَة بسرره إِلَى الْجنَّة) . وَحَدِيث أبي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِيّ عِنْد أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) من رِوَايَة ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن عمر بن نَبهَان عَنهُ، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، مَاتَ لي ولدان فِي الْإِسْلَام، فَقَالَ: من مَاتَ لَهُ ولدان فِي الْإِسْلَام أدخلهُ الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُمَا) . وَحَدِيث عقبَة بن عَامر عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث أبي غثانة المغافري أَنه سمع عقبَة بن عَامر يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من أثكل ثَلَاثَة من صلبه فاحتسبهم على الله وَجَبت لَهُ الْجنَّة) ، وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا. وَحَدِيث قُرَّة بن إِيَاس عِنْد النَّسَائِيّ من حَدِيث مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه (أَن رجلا أَتَى النَّبِي، ﷺ ، وَمَعَهُ ابْن لَهُ، فَقَالَ: أنحبه فَقَالَ أحبك الله كَمَا أحبه، فَمَاتَ فَفَقدهُ فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالَ: مَا يَسُرك أَن لَا تَأتي بَابا من أَبْوَاب الْجنَّة إلَاّ وجدته عِنْده يسْعَى يفتح لَك؟) وَحَدِيث عَليّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل عَنهُ عَن النَّبِي، ﷺ ، (من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله
стр. 2215
عَلَيْهِ وَسلم: (إِن السقط ليراغم ربه إِن أَدخل أَبَوَيْهِ النَّار حَتَّى يُقَال لَهُ: أَيهَا السقط المراغم ربه إرجع فَإِنِّي قد أدخلت أَبَوَيْك الْجنَّة. قَالَ: فيجرهما بسرره حَتَّى يدخلهما الْجنَّة) . وَرَوَاهُ أَبُو يعلى أَيْضا. وَحَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (مَا من مُؤمنين يَمُوت لَهما ثَلَاثَة من الْأَوْلَاد لم يبلغُوا الْحلم إلَاّ أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم) . وَحَدِيث أبي مُوسَى عِنْد البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز. وَحَدِيث الْحَارِث بن وقيش، وَيُقَال أقيش، عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما أَرْبَعَة أفراط إلَاّ أدخلهما الله الْجنَّة، قَالُوا: يَا رَسُول الله، وَثَلَاثَة؟ قَالَ: وَثَلَاثَة. قَالُوا: وإثنان؟ قَالَ: وإثنان) . وَحَدِيث جَابر بن سَمُرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من دفن ثَلَاثَة من الْوَلَد فَصَبر عَلَيْهِم واحتسبهم وَجَبت لَهُ الْجنَّة، فَقَالَت أم أَيمن: أَو اثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: وَمن دفن اثْنَيْنِ فَصَبر عَلَيْهِمَا واحتسبهما وَجَبت لَهُ الْجنَّة؟ فَقَالَت أم أَيمن أَو وَاحِدًا؟ قَالَت: فَسكت أَو أمسك، فَقَالَ: سَمِعت أم أَيمن من دفن وَاحِدًا فَصَبر واحتسب كَانَت لَهُ الْجنَّة) . وَحَدِيث عَمْرو بن عبسة عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الْوَضِين، الحَدِيث، وَفِيه: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (مَا من مُؤمن وَلَا مُؤمنَة يقدم الله لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد من صلبه لم يبلغُوا الْحِنْث إلَاّ أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل رَحمته هُوَ وإياهم) . وَحَدِيث مُعَاوِيَة بن حيدة عِنْد ابْن حبَان فِي الضُّعَفَاء عَنهُ عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (سَوْدَاء ولود خير من حسناء لَا تَلد، إِنِّي مُكَاثِر بكم الْأُمَم، حَتَّى إِن السقط ليظل محبنطيا على بَاب الْجنَّة، فَيُقَال: أَدخل فَيَقُول: أَنا وأبوي، فَيُقَال أَنْت وأبويك) . وَحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن بشير عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث لن يلج النَّار إلَاّ عَابِر سَبِيل) يَعْنِي الْجَوَاز على الصِّرَاط. وَحَدِيث زُهَيْر بن عَلْقَمَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ: (جَاءَت امْرَأَة من الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي ابْن لَهَا مَاتَ، فَكَانَ الْقَوْم عنفوها فَقَالَت: يَا رَسُول الله مَاتَ لي ابْنَانِ، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : لقد احتظرت من النَّار احتظارا شَدِيدا) وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا، رَحمَه الله تَعَالَى. وَحَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (قد استجن جنَّة حَصِينَة من النَّار رجل سلف بَين يَدَيْهِ ثَلَاثَة من صلبه فِي الْإِسْلَام) ، وَحَدِيث عبد الله بن الزبير عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد. .) الحَدِيث. وَحَدِيث ابْن النَّضر السّلمِيّ عِنْد مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا يَمُوت لأحد من الْمُسلمين ثَلَاثَة من الْوَلَد فيحتسبهم إلَاّ كَانُوا لَهُ جنَّة من النَّار، فَقَالَت امْرَأَة عِنْد رَسُول الله ﷺ : أَو اثْنَان؟ قَالَ: أَو اثْنَان) . قَالَ ابْن عبد الْبر: ابْن النَّضر هَذَا مَجْهُول فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَاخْتلف الروَاة (للموطأ) فبعضهم يَقُول: عَن ابْن النَّضر، وَهُوَ الْأَكْثَر، وَبَعْضهمْ يَقُول: عَن أبي النَّضر، وَلَا يعرف إلَاّ بِهَذَا الحَدِيث. وَحَدِيث سفينة عِنْد ابْن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب (رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر) قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (بخ بخ، خمس مَا أثقلهن فِي الْمِيزَان: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إلَاّ الله وَالله أكبر، وفرط صَالح يفرطه) . وَحَدِيث حَوْشَب بن طخمة الْحِمْيَرِي عِنْد ابْن مَنْدَه فِي كتاب (الصَّحَابَة) ، وَابْن قَانِع أَيْضا فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه قَالَ: (من مَاتَ لَهُ ولد فَصَبر واحتسب قيل لَهُ: ادخل الْجنَّة بِفضل مَا أَخذنَا مِنْك) . اللَّفْظ لِابْنِ قَانِع، وَهُوَ عِنْد ابْن مَنْدَه مطول بِلَفْظ آخر. وَحَدِيث الحسحاس ابْن بكر عِنْد أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ الَّذِي ذيل بِهِ على الصَّحَابَة لِابْنِ مَنْدَه عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (من لَقِي الله بِخمْس عوفي من النَّار وَأدْخل الْجنَّة: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إلَاّ الله، وَالله أكبر، وَولد يحْتَسب) . وَحَدِيث عبد الله بن عمر عِنْد الطَّبَرَانِيّ، قَالَ: (إِن رجلا من الْأَنْصَار كَانَ لَهُ ابْن يروح إِذا رَاح النَّبِي، فَسَأَلَ نَبِي الله، ﷺ ، عَنهُ فَقَالَ: أَتُحِبُّهُ؟ قَالَ: يَا نَبِي الله، نعم، فأحبك الله كَمَا أحبه، فَقَالَ إِن الله أَشد لي حبا مِنْك لَهُ، فَلم يلبث أَن مَاتَ ابْنه ذَاك، فراح إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَقد أقبل عَلَيْهِ بثه، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ : أجزعت؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ ، أَو لَا ترْضى أَن يكون ابْنك مَعَ ابْني إِبْرَاهِيم يلاعبه تَحت ظلّ الْعَرْش؟ قَالَ: بلَى يَا رَسُول الله) . وَحَدِيث الزبير بن الْعَوام عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) عَن النَّبِي، ﷺ : (من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد. .) الحَدِيث. وَحَدِيث بُرَيْدَة عِنْد الْبَزَّار قَالَ: (كنت عِنْد النَّبِي ﷺ فَبَلغهُ أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار مَاتَ ابْن لَهَا. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الرقوب الَّذِي
стр. 2216
يعِيش وَلَدهَا، إِنَّه لَا يَمُوت لامْرَأَة مسلمة أَو امرىء مُسلم نسمَة، أَو قَالَ ثَلَاثَة من وَلَده، فيحتسبهم إلَاّ وَجَبت لَهُ الْجنَّة، فَقَالَ عمر: واثنين؟ قَالَ: واثنين) . وَحَدِيث ابْن سلمى عِنْد النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ مَرْفُوعا: (بخ بخ بِخمْس. .) مثل حَدِيث سفينة، وَحَدِيث أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ عِنْد أَحْمد رَوَاهُ من حَدِيث الْحَارِث بن وقيش، قَالَ: كُنَّا عِنْد أبي بَرزَة فَحدث ليلتئذ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما أَرْبَعَة أفراط ألَاّ أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله وَثَلَاثَة؟ قَالَ: وَثَلَاثَة، قَالُوا: وإثنان؟ قَالَ: وإثنان) . وَاسم أبي بَرزَة نَضْلَة بن عبيد على الصَّحِيح. وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) (من قدم ثَلَاثَة من الْوَلَد صَابِرًا محتسبا حجبوه عَن النَّار بِإِذن الله تَعَالَى) . وَحَدِيث حَبِيبَة بنت سهل عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين عَنْهَا، قَالَت: قَالَ النَّبِي ﷺ : (مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما ثَلَاثَة أَطْفَال لم يبلغُوا الْحِنْث، إلَاّ أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم) . وَحَدِيث أم سليم عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من حَدِيث عَمْرو الْأنْصَارِيّ عَن أم سليم ابْنة ملْحَان، وَهِي أم أنس، أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: (مَا من مُسلمين) الحَدِيث، نَحْو حَدِيث حَبِيبَة بنت سهل. وَحَدِيث أم مُبشر عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَنْهَا، (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهَا: يَا أم مُبشر، من كَانَ لَهُ ثَلَاثَة أفراط من وَلَده أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم، وَكَانَت أم مُبشر تطبخ طبيخا، فَقَالَت: أَو فرطان؟ فَقَالَ: أَو فرطان) . وَحَدِيث رجل لم يسم عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) (عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه قَالَ لامْرَأَة أَتَتْهُ بصبي لَهَا، فَقَالَت: يَا رَسُول الله أدع الله أَن يبقيه، فقد مضى لي ثَلَاثَة، فَقَالَ: أمذ أسلمت؟ قَالَت: نعم، قَالَ: جنَّة حَصِينَة من النَّار) .
وَقَوْلِ الله ﴿وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٥١) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: من مَاتَ، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَبشر الصابرين﴾ وَوَقع هَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَذكر هَذَا تَأْكِيدًا لقَوْله: فاحتسب، لِأَن الاحتساب لَا يكون إلَاّ بِالصبرِ، وَقد بشر الله الصابرين فِي هَذِه الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْبَقَرَة ووصفهم بقوله ﴿وَبشر الصابرين الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (الْبَقَرَة: ٥٥١) . وَلَفظ: الْمُصِيبَة، عَام فَيتَنَاوَل الْمُصِيبَة بِالْوَلَدِ وَغَيره.
٨٤٢١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلَاّ أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ.
(الحَدِيث ٨٤٢١ طرفه فِي: ١٨٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَذكر الْوَلَد فِيهَا يتَنَاوَل الثَّلَاثَة فَمَا فَوْقهَا. فَإِن قلت: ذكر فِيهَا الاحتساب وَلَيْسَ ذَلِك فِي الحَدِيث؟ قلت: هُوَ مُرَاد فِيهِ وَإِن لم يذكر صَرِيحًا لِأَن دُخُول الْجنَّة لَا يكون إِلَّا بالاحتساب فِيهِ.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: أَنه من الرباعيات.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الْجَنَائِز عَن يُوسُف ابْن حَمَّاد، وَعند النَّسَائِيّ: (من احتسب ثَلَاثَة من صلبه دخل الْجنَّة، فَقَامَتْ امْرَأَة فَقَالَت: أَو اثْنَان؟ قَالَ: وإثنان، قَالَت الْمَرْأَة: يَا لَيْتَني قلت وَاحِدًا) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا من النَّاس من مُسلم) كلمة: من، الأولى بَيَانِيَّة وَالثَّانيَِة زَائِدَة، وَهُوَ اسْم: لما، قَوْله: (ثَلَاثَة) ، أَي: ثَلَاثَة أَوْلَاد، ويروى: (ثَلَاث) ، لَا يُقَال الْوَلَد مُذَكّر فَلَا بُد من عَلامَة التَّأْنِيث فِيهِ لأَنا نقُول: إِذا كَانَ الْمُمَيز محذوفا جَازَ فِي لفظ الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث. قَوْله: (يتوفى) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: يَمُوت. قَوْله: (لم يبلغُوا الْحِنْث) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، كَذَا هُوَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَحكى صَاحب (الْمطَالع) عَن الدَّاودِيّ أَنه روى: (لم يبلغُوا
стр. 2217
الْخبث) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة أَي: لم يبلغُوا فعل الْمعاصِي. قَالَ: وَهَذَا لَا يعرف، إِنَّمَا هُوَ الْحِنْث وَهُوَ الْمَحْفُوظ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي (الْمُنْتَهى) : بلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي: بلغ مبلغا تجْرِي عَلَيْهِ الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة. وَفِي (الْمُحكم) : الْحِنْث الْحلم، وَقَالَ الْخَلِيل: بلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي: جرى عَلَيْهِ الْقَلَم، والحنث الذَّنب، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم﴾ (الْوَاقِعَة: ٦٤) . وَقيل: المُرَاد بلغ إِلَى زمَان يُؤَاخذ بِيَمِينِهِ إِذا حنث، وَقَالَ الرَّاغِب: عبر بِالْحِنْثِ عَن الْبلُوغ لما كَانَ الْإِنْسَان يُؤَاخذ بِمَا يرتكبه فِيهِ، بِخِلَاف مَا قبله قَوْله: (إلَاّ أدخلهُ الْجنَّة) ، هَذَا الِاسْتِثْنَاء وَمَا بعده خبر قَوْله: (وَمَا من مُسلم) . قَوْله: (بِفضل رَحمته) أَي: بِفضل رَحْمَة الله للأولاد، وَقيل: إِن الضَّمِير فِي: رَحمته، يرجع إِلَى الْأَب لكَونه كَانَ يرحمهم فِي الدُّنْيَا فيجازى بِالرَّحْمَةِ فِي الْآخِرَة، ورد ذَلِك بِأَن الضَّمِير يرجع إِلَى الله تَعَالَى، بِدَلِيل مَا روى فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه، بِفضل رَحْمَة الله إيَّاهُم. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، من حَدِيث أبي ذَر: (إلَاّ غفر الله لَهما بِفضل رَحمته) وَكَذَا فِي حَدِيث الْحَارِث بن وقيش، وَقد مر عَن قريب، وَكَذَا فِي حَدِيث عَمْرو بن عبسة وَقد مر أَيْضا، فَكَأَن هَذَا الْقَائِل لم يطلع على الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة، وَتصرف فِيمَا قَالَه. قَوْله: (إيَّاهُم) ، الضَّمِير يرجع إِلَى قَوْله: (ثَلَاثَة من الْوَلَد) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ الْمُسلم الَّذِي توفيت أَوْلَاده، لَا الْأَوْلَاد، وَإِنَّمَا جمع بِاعْتِبَار أَنه نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم. قلت: الظَّاهِر غير ظَاهر لِأَن فِي غير طَرِيق هَذَا الحَدِيث مَا يدل على أَن الضَّمِير للأولاد، وَذَلِكَ فِي حَدِيث عَمْرو بن أبي عبسة وَأبي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِيّ، وَقد مر ذكرهمَا، وَقد تكلّف الْكرْمَانِي فِيمَا قَالَه لعدم إطلاعه على هَذِه الْأَحَادِيث، وَقد علم أَن الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، فَافْهَم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: خص الصَّغِير لِأَن الشَّفَقَة عَلَيْهِم أعظم وَالْحب لَهُ أَشد وَالرَّحْمَة لَهُ أوفر، وعَلى هَذَا فَمن بلغ الْحِنْث لَا يحصل لمن فَقده مَا ذكر من هَذَا الثَّوَاب، وَإِن كَانَ فِي فقد الْوَلَد مُطلقًا أجر فِي الْجُمْلَة وعَلى هَذَا كثير من الْعلمَاء، لِأَن الْبَالِغ يتَصَوَّر مِنْهُ العقوق الْمُقْتَضِي لعدم الرَّحْمَة، بِخِلَاف الصَّغِير فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر مِنْهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ غير مُخَاطب. وَقيل: بل يدْخل الْكَبِير فِي ذَلِك من طرق الفحوى لِأَنَّهُ إِذا ثَبت ذَلِك فِي الطِّفْل الَّذِي هُوَ كلٌّ على أَبَوَيْهِ، فَكيف لَا يثبت فِي الْكَبِير الَّذِي بلغ مَعَه السَّعْي وَوصل لَهُ مِنْهُ النَّفْع، وَتوجه إِلَيْهِ الْخطاب بالحقوق؟ قَالَ هَذَا الْقَائِل: دَلِيل هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِلْغَاء البُخَارِيّ التَّقْيِيد بذلك فِي التَّرْجَمَة. قيل: يَقُول الأول: قَوْله: (بِفضل رَحمته إيَّاهُم) لِأَن الرَّحْمَة للصغار أَكثر لعدم حُصُول الْإِثْم مِنْهُم؟ قلت: رَحْمَة الله وَاسِعَة تَشْمَل الصَّغِير وَالْكَبِير فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّقْيِيد. فَإِن قلت: هَل يلْتَحق بالصغار من بلغ مَجْنُونا مثلا وَاسْتمرّ على ذَلِك فَمَاتَ؟ قلت: الظَّاهِر أَنه يلْحق لعدم الْخطاب. فَإِن قلت: فِي النَّاس من يكره وَلَده ويتبرأ مِنْهُ، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ ضيق الْحَال؟ قلت: لما كَانَ الْوَلَد مَظَنَّة الْمحبَّة نيط بهَا الحكم، وَإِن كَانَ يُوجد التَّخَلُّف فِي بعض الْأَفْرَاد. فَإِن قلت: هَل يدْخل أَوْلَاد الْأَوْلَاد فِي هَذَا الحكم؟ قلت: الحَدِيث الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق حَفْص بن عبيد الله عَن أنس عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (من احتسب ثَلَاثَة من صلبه دخل الْجنَّة. .) الحَدِيث يدل على أَن أَوْلَاد الْأَوْلَاد لَا يدْخلُونَ، وَكَذَلِكَ حَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ، (رجل سلف بَين يَدَيْهِ ثَلَاثَة من صلبه فِي الأسلام) ، وَقد مر عَن قريب، وَلَكِن الظَّاهِر أَن أَوْلَاد الْأَوْلَاد الذُّكُور مِنْهُم يدْخلُونَ، وَأَوْلَاد الْبَنَات لَا يدْخلُونَ، وَفِيه: التَّقْيِيد بِالْإِسْلَامِ ليدل على اخْتِصَاص ذَلِك الثَّوَاب بِالْمُسلمِ فَإِن قلت: من مَاتَ لَهُ أَوْلَاد فِي الْكفْر ثمَّ أسلم هَل يدْخل فِيهِ؟ قلت: حَدِيث أبي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِيّ وَحَدِيث عَمْرو ابْن عبسة اللَّذين قد ذكرا عَن قريب يدلان على عدم ذَلِك. وَفِيه: دَلِيل على أَن أَطْفَال الْمُسلمين فِي الْجنَّة. قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : وَهُوَ إِجْمَاع، وَلَا عِبْرَة للمجبرة حَيْثُ جعلوهم تَحت الْمَشِيئَة، فَلَا يعْتد بخلافهم وَلَا بوفاقهم. وَفِي أَطْفَال الْمُشْركين اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء، فَذهب جمَاعَة إِلَى التَّوَقُّف فِي أَطْفَال الْمُشْركين أَن يَكُونُوا فِي جنَّة أَو نَار، مِنْهُم ابْن الْمُبَارك وَحَمَّاد وَإِسْحَاق لحَدِيث أبي هُرَيْرَة: (سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْأَطْفَال؟ فَقَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) . كَذَا قَالَ: الْأَطْفَال، وَلم يخص طفْلا من طِفْل. قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) : رُوِيَ أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ لعَائِشَة فِي أَطْفَال الْمُشْركين: (إِن شِئْت دَعَوْت الله تَعَالَى أَن يسمعك تضاغيهم فِي النَّار؟) وَقَالَ سَمُرَة بن جُنْدُب: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أَوْلَاد الْمُشْركين هم خدم أهل الْجنَّة) . وَرُوِيَ عَنهُ أَنه سُئِلَ عَنْهُم فَقَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين، فَرجع الْأَمر إِلَى قَول رَسُول الله ﷺ : ألله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين، فَمن سبق علم
стр. 2218
الله فِيهِ أَنه لَو كبر آمن هم الَّذين قَالَ: (هم خدم أهل الْجنَّة) ، وَهُوَ قَول أهل السّنة. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا قيس بن الرّبيع عَن يحيى بن إِسْحَاق عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ أَتَى بصبي من الْأَنْصَار ليُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقَالَت: طُوبَى لَهُ عُصْفُور من عصافير الْجنَّة لم يعْمل سوأً قطّ وَلم يدره ﴿فَقَالَ: يَا عَائِشَة﴾ أوَلَا تدرين أَن الله تبَارك خلق الْجنَّة وَخلق لَهَا أَهلا، خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم، وَخلق النَّار وَخلق لَهَا أَهلا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم؟) وَرُوِيَ (عَن سَلمَة بن يزِيد الْجعْفِيّ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله إِن أمنا مَاتَت فِي الْجَاهِلِيَّة، وَإِنَّهَا وَأَدت أُخْتا لنا لم تبلغ الْحِنْث فِي الْجَاهِلِيَّة، فَهَل ذَلِك نَافِع أُخْتنَا؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أما إِن الوائدة والموءودة فَإِنَّهُمَا فِي النَّار إلَاّ أَن يدْرك الْإِسْلَام) . وَرُوِيَ بَقِيَّة عَن مُحَمَّد بن يزِيد الْأَلْهَانِي قَالَ: سَمِعت عبد الله بن قيس، سَمِعت عَائِشَة (سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن ذَرَارِي الْمُسلمين؟ فَقَالَ: هم من آبَائِهِم، قلت: بِلَا عمل؟ قَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين؟ وَسَأَلته عَن ذَرَارِي الْمُشْركين؟ فَقَالَ: مَعَ آبَائِهِم، قلت: بِلَا عمل؟ قَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) . وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث أبي عقيل، صَاحب بهية، عَن بهية (عَن عَائِشَة قَالَت: سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن أَطْفَال الْمُشْركين. .) الحَدِيث؟ قلت: قيس بن الرّبيع وَأَبُو عقيل وَبَقِيَّة مُتَكَلم فيهم، فأحاديثهم ضِعَاف. وَقَالَ أَبُو عمر: قَوْله: (إِن الله خلق الْجنَّة. .) إِلَى آخِره سَاقِط ضَعِيف مَرْدُود بِالْإِجْمَاع، وَفِي إِسْنَاده طَلْحَة بن يحيى وَهُوَ ضَعِيف. قلت: كَيفَ يُقَال: إِنَّه سَاقِط وَطَلْحَة ضَعِيف والْحَدِيث أخرجه مُسلم: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن طَلْحَة بن يحيى عَن عمته عَائِشَة بنت طَلْحَة (عَن عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ، قَالَت: دعِي رَسُول الله ﷺ إِلَى جَنَازَة صبي من الْأَنْصَار، فَقلت: يَا رَسُول الله! طُوبَى لهَذَا عُصْفُور من عصافير الْجنَّة، لم يعْمل السوء وَلم يُدْرِكهُ. قَالَ: أَو غير ذَلِك يَا عَائِشَة إِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهمْ لَهَا وهم فِي أصلاب الرِّجَال، وَخلق للنار أَهلا خلقهمْ لَهَا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم) . وَالْجَوَاب عَنهُ أَن المُرَاد بِهِ النَّهْي عَن المسارعة إِلَى الْقطع من غير دَلِيل قَاطع، وَقيل ذَلِك قبل أَن يعلم ﷺ كَونهم فِي الْجنَّة، فَلَمَّا علم ذَلِك أثْبته بِحَدِيث شَفَاعَة الْأَطْفَال، وَيُقَال: على تَقْدِير الصِّحَّة يُعَارض الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة مَا فِي الصَّحِيح من حَدِيث سَمُرَة حَدِيث الرُّؤْيَا: (وَأما الرجل الَّذِي فِي الرَّوْضَة، إِبْرَاهِيم، ﵊، وَأما الْولدَان حوله فَكل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة. قيل: يَا رَسُول الله وَأَوْلَاد الْمُشْركين؟ قَالَ: وَأَوْلَاد الْمُشْركين) . وَفِي لفظ: (وَأما الشَّيْخ فِي أصل الشَّجَرَة فإبراهيم، ﵊، وَالصبيان حوله أَوْلَاد النَّاس) . وروى الْحَاكِم عَن أبي هُرَيْرَة على شَرط الشَّيْخَيْنِ يرفعهُ: (أَوْلَاد الْمُؤمنِينَ فِي جبل فِي الْجنَّة يكفلهم إِبْرَاهِيم، ﵊، حَتَّى يردهم إِلَى آبَائِهِم يَوْم الْقِيَامَة) . وَفِي (التَّمْهِيد) حَدِيث مُفَسّر يقْضِي على مَا رُوِيَ فِي الْأَحَادِيث بِأَن ذَلِك كَانَ فِي أَحْوَال ثَلَاثَة عَن عَائِشَة: أَن خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، (سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن أَوْلَاد الْمُشْركين رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، (سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن أَوْلَاد الْمُشْركين؟ فَقَالَ: هم مَعَ آبَائِهِم، ثمَّ سَأَلته بعد ذَلِك، فَقَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين، ثمَّ بَعْدَمَا استحكم الْإِسْلَام وَنزلت: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ قَالَ: هم على الْفطْرَة، وَذكر مُحَمَّد بن سنجر فِي مُسْنده: حَدثنَا هودة حَدثنَا عَوْف (عَن خنساء بنت مُعَاوِيَة قَالَت: حَدثنِي عمي قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله من فِي الْجنَّة؟ قَالَ النَّبِي: فِي الْجنَّة، والشهيد فِي الْجنَّة، والمولود فِي الْجنَّة، والوئيد فِي الْجنَّة) . وَعَن أنس قَالَ رَسُول الله ﷺ : (سَأَلت رَبِّي فِي اللَاّهِين، يَعْنِي الْأَطْفَال من ذُرِّيَّة الْمُشْركين، أَن لَا يعذبهم فأعطانيهم) . وروى الْحجَّاج بن نصير عَن الْمُبَارك بن فضَالة عَن عَليّ بن زيد عَن أنس يرفعهُ: (أَوْلَاد الْمُشْركين خدم أهل الْجنَّة) ، وروى الْحَكِيم فِي (نَوَادِر الْأُصُول) عَن أبي طَالب الْهَرَوِيّ: حَدثنَا يُوسُف بن عَطِيَّة، حَدثنَا أنس بِلَفْظ: (كل مَوْلُود من ولد كَافِر أَو مُسلم فَإِنَّهُم إِنَّمَا يولدون على فطْرَة الْإِسْلَام كلهم) ، وَفِي حَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد الْمُجَاشِعِي: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي خطبَته: (إِن الله تَعَالَى أَمرنِي أَن أعلمكُم، وَقَالَ: إِنِّي خلقت عبَادي كلهم حنفَاء فَاتَتْهُمْ الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَن دينهم، وأمرتهم أَن يشركوا بِي، وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم) . وَالْجَوَاب: عَن حَدِيث سَلمَة بن يزِيد أَنه: وَإِن كَانَ صَحِيحا، وَلكنه يحْتَمل أَن يكون خرج على جَوَاب السَّائِل فِي غير مَقْصُوده، فَكَانَت الْإِشَارَة إِلَيْهَا.
٩٤٢١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ الأصْبِهَانِيِّ عنْ ذَكْوَانَ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النِّساءَ قُلْنَ للنبيِّ ﷺ اجْعَلْ لَنَا يَوْما فَوَعَظَهُنَّ وَقَالَ أيُّمَا
стр. 2219
امْرَأةٍ ماتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ كانُوا حِجَابا مِنَ النَّارِ قالَتِ امْرَأةٌ واثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ.
(أنظر الحَدِيث ١٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ وَاسم الْأَصْبَهَانِيّ عبد الله ويروى عبد الرَّحْمَن الْأَصْبَهَانِيّ بِدُونِ لَفْظَة ابْن، والأصبهاني بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا وبالفاء وبالباء الْمُوَحدَة أَربع لُغَات قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي لِسَان الْعَجم، وبالفاء فِي اسْتِعْمَال الْعَرَب. الرَّابِع: ذكْوَان هُوَ أَبُو صَالح السمان. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه: سعد بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ أخبرنَا. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي. وَشعْبَة واسطي وَعبد الرَّحْمَن كُوفِي وَأَصله من أَصْبَهَان وَكَانَ أَبوهُ يتجر إِلَى أَصْبَهَان فَقيل لَهُ الْأَصْبَهَانِيّ وذكوان مدنِي.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع قد ذَكرنَاهَا فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب هَل يَجْعَل للنِّسَاء يَوْم على حِدة فِي الْعلم، وَهُنَاكَ أخرجه عَن آدم عَن شُعْبَة إِلَى آخِره نَحوه مَعَ زِيَادَة فِيهِ. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن النِّسَاء قُلْنَ) وَفِي رِوَايَة مُسلم (أَنَّهُنَّ كن من نسَاء الْأَنْصَار) . قَوْله: (فوعظهن) ، عطف على مُقَدّر تَقْدِيره، فَجعل لَهُنَّ يَوْمًا فوعظهن فِيهِ وَمن جملَة مَا قَالَ لَهُنَّ قَوْله: (أَيّمَا امْرَأَة) قَوْله: (ثَلَاث من الْوَلَد) فِي رِوَايَة أبي ذَر، هَكَذَا وَفِي رِوَايَة غيرَة (ثَلَاثَة) وَقد مر تَوْجِيهه عَن قريب. وَقَوله (ولد) يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى والمفرد وَالْجمع. قَوْله: (كن) هَكَذَا رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَكَأَنَّهُ أنث بِاعْتِبَار النَّفس أَو النَّسمَة وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا. (كَانُوا) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت (كَانُوا لَهَا حِجَابا) وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقيَاس: كَانُوا، وَلَكِن الْأَطْفَال كالنساء فِي كَونهم غير عاقلين، أَو المُرَاد كَانَت النِّسَاء محجوبات. قلت: تشبيههم بِالنسَاء هَكَذَا غير موجه لِأَن النِّسَاء عاقلات، غير أَن فِي عقولهن قصورا. قَوْله: (فَقَالَت امْرَأَة) ، هِيَ أم سليم الْأَنْصَارِيَّة وَالِدَة أنس بن مَالك، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنْهَا بِإِسْنَاد جيد. (قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم وَأَنا عِنْده: مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم، فَقلت: وإثنان قَالَ: وَاثْنَانِ. وَمِمَّنْ سَأَلَ عَن ذَلِك أم أَيمن، وَقد تقدم فِي حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، ومنهن أم مُبشر، مضى من حَدِيث جَابر بن عبد الله، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن عَائِشَة مِنْهُنَّ، وَحكى ابْن بشكوال أَن أم هانىء سَأَلت عَن ذَلِك. فَإِن قلت: سؤالهن كَانَ فِي مجْلِس وَاحِد أَو فِي مجَالِس؟ قلت: يحْتَمل كلا مِنْهُمَا. وَقَالَ بَعضهم فِي تعدد القصةُ بعد. قلت: الْأَقْرَب تعدد الْقِصَّة أَلا ترى أَنه قد تقدم فِي حَدِيث جَابر بن عبد الله أَنه: مِمَّن سَأَلَ عَن ذَلِك أَيْضا ... وَقد مضى فِي حَدِيث بُرَيْدَة أَن عمر سَأَلَ عَن ذَلِك أَيْضا، فَظهر من ذَلِك أَن اتِّحَاد الْمجْلس فِيهِ بعد ظَاهر، فَافْهَم. قَوْله: (وإثنان) عطف على ثَلَاثَة وَمثله يُسمى بالْعَطْف التلقيني أَي: قل يَا رَسُول الله: وَاثْنَانِ، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم: ﴿وَمن ذريتي﴾ (إِبْرَاهِيم: ٠٤) . وَقَالَ بَعضهم: وإثنان، أَي: وَإِذا مَاتَ اثْنَان مَا الحكم؟ فَقَالَ: وإثنان. أَي: وَإِذا مَاتَ اثْنَان فَالْحكم كَذَلِك؟ قلت: فِيهِ كَثْرَة الْحَذف المخلة بالفصاحة، وَفِي رِوَايَة مُسلم من هَذَا الْوَجْه: واثنين، بِالنّصب أَي: وَمَا أَمر اثْنَيْنِ؟ وَفِي رِوَايَة سُهَيْل: أَو إثنان؟ أَي: أَو إِن وجد إثنان فكالثلاثة، وَفِيه التَّسْوِيَة بَين ثَلَاثَة وإثنين. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ فِي الْحَال: وإثنان؟ قلت: قَالَ ابْن بطال: هُوَ مَحْمُول على أَنه أُوحِي إِلَيْهِ بذلك فِي الْحَال، وَلَا يبعد أَن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي أسْرع من طرفَة عين، وَيحْتَمل أَن يكون كَانَ الْعلم عِنْده حَاصِلا لكنه أشْفق عَلَيْهِم أَن يتكلموا، لِأَن موت الْإِثْنَيْنِ غَالِبا أَكثر من موت الثَّلَاثَة، ثمَّ لما سُئِلَ عَن ذَلِك لم يكن بُد من الْجَواب.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا قَالَه ابْن التِّين تبعا للْقَاضِي عِيَاض: أَن مَفْهُوم الْعدَد لَيْسَ بِحجَّة، لِأَن الصحابية من أهل اللِّسَان وَلم تعتبره إِذْ لَو اعتبرته لانتفى الحكم عِنْدهَا عَمَّا عدا الثَّلَاثَة، لَكِنَّهَا جوزت ذَلِك فَسَأَلت، وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنَّهَا اعْتبرت مَفْهُوم الْعدَد إِذْ لَو لم تعتبره لم تسْأَل. قلت: دلَالَة مَفْهُوم الْعدَد بطرِيق الِاحْتِمَال لَا بطرِيق الْقطع، فَلذَلِك وَقع السُّؤَال عَن ذَلِك. فَإِن قلت: لم خصت الثَّلَاثَة بِالذكر؟ لِأَنَّهَا أول مَرَاتِب الْكَثْرَة فتعظم الْمُصِيبَة فيكثر الْأجر، فَإِذا زَاد عَلَيْهَا يخف أمرهَا لكَونهَا تصير
стр. 2220
كالعادة كَمَا قيل:
روعت بالبين حَتَّى مَا اراع بِهِ
كَذَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ، وَقيل: هَذَا مصير مِنْهُ إِلَى انحصار الْأجر الْمَذْكُور، فِي الثَّلَاثَة ثمَّ فِي الِاثْنَيْنِ بِخِلَاف الْأَرْبَعَة والخمسة، وَيلْزم فِي ذَلِك أَن يرْتَفع الْأجر فِي الْأَرْبَعَة مَعَ وجود الثَّلَاثَة فِيهَا مَعَ تجدّد الْمُصِيبَة، وَالْوَجْه السديد فِي هَذَا أَن يُقَال: إِن تنَاول الْخَبَر الْأَرْبَعَة فَمَا فَوْقهَا من بَاب الأولى والأجدر، ألَا ترى أَنهم مَا سَأَلُوا عَن الْأَرْبَعَة وَلَا مَا فَوْقهَا، لِأَنَّهُ كالمعلوم عِنْدهم أَن الْمُصِيبَة إِذا كثرت كَانَ الْأجر أعظم.
وَقَالَ شَرِيكٌ عنِ ابنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو صالِحٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ وَأبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ.
شريك بن عبد الله، وَابْن الاصبهاني هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَقد مضى الْآن، وَأَبُو صَالح ذكْوَان وَقد مضى صَرِيحًا فِي الحَدِيث السَّابِق، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَنهُ، حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ: أَتَانِي أَبُو صَالح يعزيني عَن ابْن لي فَأخذ يحدث عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (مَا من امْرَأَة تدفن ثَلَاثَة أفراط إلَاّ كَانُوا لَهَا حِجَابا من النَّار فَقَالَت امْرَأَة: يَا رَسُول الله قدمت اثْنَيْنِ؟ قَالَ: ثَلَاثَة، ثمَّ قَالَ: واثنين وإثنين) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: الفرط من لم يبلغ الْحِنْث، وَقد قَالَ فِي كتاب الْعلم وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ: سَمِعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ: ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث.
١٥٢١ - حدَّثنا عَلِيٌّ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَا يَمْوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إلَاّ تَحِلَّةَ القَسَمْ.
(الحَدِيث ١٥٢١ طرفه فِي: ٦٥٦٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة قد ذَكرنَاهَا فِي الْحَدِيثين السَّابِقين، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يَمُوت لمُسلم) ، قيد الْإِسْلَام شَرط لِأَنَّهُ لَا نجاة للْكَافِرِ بِمَوْت أَوْلَاده، وَإِنَّمَا ينجو من النَّار بِالْإِيمَان والسلامة من الْمعاصِي، وَهَذِه اللَّفْظَة فِيهَا عُمُوم تَشْمَل الرِّجَال وَالنِّسَاء بِخِلَاف الرِّوَايَة الْمَاضِيَة لأبي هُرَيْرَة فَإِنَّهَا مُقَيّدَة بِالنسَاء. قَوْله: (فيلج النَّار) من الولوج وَهُوَ الدُّخُول، يُقَال: ولج يلج ولوجا ولجة أَي: دخل، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِنَّمَا جَاءَ مصدره ولوجا وَهُوَ من مصَادر غير الْمُتَعَدِّي على معنى: ولجت فِيهِ وأولجه أدخلهُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يولج اللَّيْل فِي النَّهَار ويولج النَّهَار فِي اللَّيْل﴾ (الْحَج: ١٦) . أَي: يزِيد من هَذَا فِي ذَلِك وَمن ذَلِك فِي هَذَا. قَوْله: (إلَاّ تَحِلَّة الْقسم) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْحَاء وَتَشْديد اللَّام، وَهُوَ مصدر حلل الْيَمين أَي: كفرها. يُقَال: حلل تحليلاً وتحلة وتحلاً وَهُوَ شَاذ، وَالتَّاء فِيهِ زَائِدَة، وَمعنى: تَحِلَّة، الْقسم: مَا ينْحل بِهِ الْقسم وَهُوَ الْيَمين تَقول الْعَرَب: ضربه تحليلاً وضربه تعزيرا إِذا لم يُبَالغ فِي ضربه، وَهَذَا مثل فِي الْقَلِيل المفرط الْقلَّة وَهُوَ أَن يُبَاشر من الْفِعْل الَّذِي يقسم عَلَيْهِ الْمِقْدَار الَّذِي يبر قسمه بِهِ مثل أَن يحلف على النُّزُول بمَكَان فَلَو وَقع بِهِ وقْعَة خَفِيفَة أَجْزَأته فَتلك تَحِلَّة قسمه، وَقَالَ أهل اللُّغَة: يُقَال فعلته تَحِلَّة الْقسم، أَي: قدر مَا حللت بِهِ يَمِيني، وَلم أبالغ، وَقَالَ الْخطابِيّ: حللت الْقسم تَحِلَّة أَي: أبررتها، بقوله: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . أَي: لَا يدْخل النَّار ليعاقبه بهَا، وَلكنه يجوز عَلَيْهَا فَلَا يكون ذَلِك إلَاّ بِقدر مَا يبر الله بِهِ قسمه، وَالْقسم مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِن مِنْكُم وَالله إلَاّ واردها. وَقَالَ ابْن بطال: المُرَاد بِهَذِهِ الْكَلِمَة تقليل مكث الشَّيْء، وشبهوه بتحليل الْقسم. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: التَّحْلِيل ضد التَّحْرِيم، تَقول: حللته تحليلاً وتحلة. وَفِي الحَدِيث: (إلَاّ تَحِلَّة الْقسم) أَي: قدر مَا يبر الله قسمه فِيهِ بقوله: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف فِي المُرَاد بِهَذَا الْقسم، فَقيل: هُوَ معِين، وَقيل: غير معِين، فالجمهور على الأول. وَقيل: لم يعن بِهِ قسم بِعَيْنِه. وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: التقليل لأمر وُرُودهَا، وَهَذَا اللَّفْظ يسْتَعْمل فِي هَذَا، يُقَال: مَا ينَام فلَان إلَاّ كتحليل الألية، وَيُقَال: مَا ضربه إلَاّ تحليلاً إِذا لم يُبَالغ فِي الضَّرْب، أَي: قدرا يُصِيبهُ مِنْهُ مَكْرُوه. وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: المُرَاد بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . وَلَيْسَ المُرَاد دُخُولهَا للعقاب، وَلَكِن للْجُوَاز. كَمَا قَالَه
стр. 2221
الْخطابِيّ، وَيدل على ذَلِك مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ فِي آخر هَذَا الحَدِيث: إلَاّ تَحِلَّة الْقسم، يَعْنِي: الْوُرُود، وَفِي (سنَن أبي سعيد بن مَنْصُور) : عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي آخِره ثمَّ قَرَأَ سُفْيَان: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . وَمن طَرِيق زَمعَة بن صَالح عَن الزُّهْرِيّ فِي آخِره، قيل: وَمَا تَحِلَّة الْقسم؟ قَالَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة فِي أصل البُخَارِيّ. قَالَ أَبُو عبد الله: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . وَالْمرَاد: بأبو عبد الله، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَلم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة غير كَرِيمَة، وَمن أقوى الدَّلِيل على أَن المُرَاد من الْوُرُود: الْجَوَاز، حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن بشير الْأنْصَارِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي أَوَائِل الْبَاب، وَهُوَ: (من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث لم يرد النَّار إلَاّ على عَابِر سَبِيل) ، يَعْنِي: الْجَوَاز على الصِّرَاط، وَمَعَ هَذَا اخْتلف السّلف فِي المُرَاد بالورود فِي الْآيَة، فَقيل: هُوَ الدُّخُول، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا (الْوُرُود: الدُّخُول، لَا يبْقى بر وَلَا فَاجر إلَاّ دَخلهَا، فَيكون على الْمُؤمنِينَ بردا وَسلَامًا) وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا وَزَاد: (كَمَا كَانَت على إِبْرَاهِيم حَتَّى إِن للنار أَو لِجَهَنَّم ضجيج من بردهمْ، ثمَّ يُنجي الله الَّذين اتَّقوا ويذر الظَّالِمين فِيهَا جثيا) . وروى التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا عبد بن حميد، قَالَ: أخبرنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل (عَن السّديّ قَالَ: سَأَلت مرّة الْهَمدَانِي عَن قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . فَحَدثني أَن عبد الله بن مَسْعُود حَدثهمْ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : يرد النَّاس النَّار ثمَّ يصدرون عَنْهَا بأعمالهم، فأولهم كلمح الْبَرْق ثمَّ كَالرِّيحِ ثمَّ كحضر الْفرس ثمَّ كالراكب فِي رَحْله ثمَّ كشد الرجل ثمَّ كمشيه) ، هَذَا حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن السّديّ وَلم يرفعهُ. حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن عَن شُعْبَة: عَن السّديّ بِمثلِهِ، قَالَ عبد الرَّحْمَن: قلت لشعبة: إِن إِسْرَائِيل حَدثنِي عَن السّديّ عَن مرّة عَن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ قَالَ شُعْبَة وَقد سمعته من السّديّ مَرْفُوعا وَلَكِنِّي أَدَعهُ عمدا. وَقيل: المُرَاد بالورود الْمَمَر عَلَيْهَا. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الإِمَام أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد مندوست، قَالَ: حَدثنَا فَارس بن مرْدَوَيْه، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْفضل، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَاصِم، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون، قَالَ: حَدثنَا الْجريرِي عَن أبي السَّلِيل عَن غنيم بن قيس (عَن أبي الْعَوام، قَالَ: قَالَ كَعْب: هَل تَدْرُونَ مَا قَوْله: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . قَالُوا: مَا كُنَّا لنرى وُرُودهَا إلَاّ دُخُولهَا. قَالَ: لَا، وَلَكِن وُرُودهَا: أَن يجاء بجهنم كَأَنَّهَا متن إهالة حَتَّى اسْتَوَت عَلَيْهَا أَقْدَام الْخَلَائق برهم وفاجرهم، نَادَى مُنَاد: خذي أَصْحَابك وذري أَصْحَابِي، فتجيب بِكُل ولي لَهَا وَهِي أعلم بهم من الْوَالِد بولده، وينجو الْمُؤْمِنُونَ ندية ثِيَابهمْ) قَوْله: (كَأَنَّهَا متن إهالة) أَي: ظهرهَا، والإهالة، بِكَسْر الْهمزَة، كل شَيْء من الأدهان مِمَّا يؤتدم بِهِ. وَقيل: هُوَ مَا أذيب من الإلية والشحم. وَقيل: الدسم الجامد. وَقيل: المُرَاد بالورود الدنو مِنْهَا، وَقيل: الإشراف عَلَيْهَا. وَقيل: المُرَاد بِهِ مَا يُصِيب الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا من الْحمى، وَهُوَ محكي عَن مُجَاهِد فَإِنَّهُ قَالَ: الْحمى حَظّ الْمُؤمن من النَّار، وَقيل: الْوُرُود مُخْتَصّ بالكفار، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِقِرَاءَة بَعضهم: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ وَحكي ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَيكون الْوُرُود على ذَلِك فِي الْكفَّار دون الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ أَبُو عمر: ظَاهر قَوْله ﷺ (فَتَمَسهُ النَّار) ، يدل على أَن المُرَاد بالورود الدُّخُول، لِأَن الْمَسِيس حَقِيقَة فِي اللُّغَة: المماسة، ثمَّ قَالَ: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن الْوُرُود الدُّخُول، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل عَن جَابر. انْتهى. وَيدل على صِحَة ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أم مُبشر: أَن حَفْصَة قَالَت للنَّبِي ﷺ لما قَالَ: (لَا يدْخل أحد شهد الْحُدَيْبِيَة النَّار: أَلَيْسَ الله يَقُول: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . فَقَالَ لَهَا: أَلَيْسَ الله يَقُول: ﴿ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا﴾ (مَرْيَم: ٢٧) . الْآيَة، وَيكون على مَذْهَب هَؤُلَاءِ: ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا بِخُرُوج الْمُتَّقِينَ من جملَة من يدخلهَا ليعلم فضل النِّعْمَة بِمَا شاهدوا فِيهِ أهل الْعَذَاب.
ذكر إعرابه: قَوْله: (فيلج النَّار) ، مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة، تَقْدِيره: فَأن يلج النَّار، لِأَن الْفِعْل الْمُضَارع الْمَنْفِيّ ينصب بِأَن الْمقدرَة، وَحكى الطَّيِّبِيّ عَن بَعضهم: إِنَّمَا تنصب الْفَاء الْفِعْل الْمُضَارع بِتَقْدِير: أَن إِذا كَانَ مَا قبلهَا أَو مَا بعْدهَا سَبَبِيَّة، وَلَا سَبَبِيَّة هَهُنَا، إِذْ لَا يجوز أَن يكون موت الْأَوْلَاد وَلَا عَدمه سَببا لولوج أَبِيهِم النَّار، فالفاء بِمَعْنى الْوَاو الَّتِي للجمعية، وَتَقْدِيره: لَا يجْتَمع لمُسلم موت ثَلَاثَة من أَوْلَاده وولوجه النَّار، وَنَظِيره مَا ورد: (مَا من عبد يَقُول فِي صباح كل يَوْم وَمَسَاء كل لَيْلَة: بِسم الله الَّذِي لَا يضر مَعَ اسْمه شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم، فيضره شَيْء) . بِالنّصب، وَتَقْدِيره: لَا يجْتَمع قَول عبد هَذِه الْكَلِمَات فِي هَذِه الْأَوْقَات وضر شَيْء إِيَّاه. قَالَ الطَّيِّبِيّ: إِن كَانَت الرِّوَايَة على النصب فَلَا محيد عَن ذَلِك، وَالرَّفْع يدل على أَنه لَا يُوجد ولوج النَّار عقيب موت الْأَوْلَاد إلَاّ مِقْدَارًا يَسِيرا، وَمعنى: فَاء التعقيب، كمعنى الْمَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى:
стр. 2222
﴿ونادى أَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب النَّار﴾ (ك: ٤٤) . فِي أَن مَا سَيكون بمنزله الْكَائِن، لِأَن مَا أخبر بِهِ الصَّادِق من الْمُسْتَقْبل كالواقع، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا قد تَلقاهُ جمَاعَة عَن الطَّيِّبِيّ وأقروه عَلَيْهِ، وَفِيه نظر، لِأَن السَّبَبِيَّة حَاصِلَة بِالنّظرِ إِلَى الِاسْتِثْنَاء، لِأَن الِاسْتِثْنَاء بعد النَّفْي إِثْبَات، فَكَانَ الْمَعْنى: أَن تَخْفيف الولوج مسبب عَن موت الْأَوْلَاد، وَهُوَ ظَاهر، لِأَن الولوج عَام وتخفيفه يَقع بِأُمُور مِنْهَا موت الْأَوْلَاد بِشَرْطِهِ، وَمَا ادَّعَاهُ أَن الْفَاء بِمَعْنى الْوَاو الَّتِي للْجمع فِيهِ نظر. قلت: فِي كل وَاحِد من نظريه نظر، أما الأول: فلأنا لَا نسلم حُصُول السَّبَبِيَّة بِالنّظرِ إِلَى الِاسْتِثْنَاء، لِأَن الولوج هَهُنَا لَيْسَ على حَقِيقَته بالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْوُرُود، وَقد مر أَن فِي مَعْنَاهُ أقوالاً. وَقَوله: لِأَن الِاسْتِثْنَاء بعد النَّفْي إِثْبَات مَحل نزاع، وَقد علم فِي مَوْضِعه. وَإِمَّا الثَّانِي: فأيضا مَمْنُوع، لِأَن الْحُرُوف يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض، وَلم يمْنَع أحد عَن ذَلِك أَلا ترى أَن بَعضهم قَالُوا: إِن الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى: الْوَاو، أَي: لَا تمسه النَّار قَلِيلا وَلَا كثيرا، وَلَا تَحِلَّة الْقسم، وَقد جوز الْفراء والأخفش وَأَبُو عُبَيْدَة مَجِيء: إلَاّ بِمَعْنى: الْوَاو، وَجعلُوا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم﴾ (الْبَقَرَة: ٠٥١) . أَي: وَلَا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم.
٧ - (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأةِ عِنْدَ القَبْرِ اصبِرِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز قَول الرجل للْمَرْأَة عِنْد قبر الْمَيِّت: إصبري، وَالْقَصْد من هَذِه التَّرْجَمَة جَوَاز مُخَاطبَة الرِّجَال للنِّسَاء بِمَا فِيهِ موعظة وَأمر بِمَعْرُوف وَنهي عَن مُنكر، وَإِنَّمَا ذكر بقوله: (قَول الرجل) إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك لَا يخْتَص بِالنَّبِيِّ، ﷺ ، وَإِن كَانَ فِي الحَدِيث قَوْله، ﷺ ، وَأطلق إمرأة ليتناول الشَّابَّة والعجوز، وَعين لفظ: اصْبِرِي، وَلم يقل لفظ: اتقِي، كَمَا فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنَاسب فِي ذَلِك الْوَقْت. فَإِن قلت: لِمَ قَالَ: قَول الرجل، وَلم يقل: وعظ الرجل، وَنَحْوه؟ قلت: لعُمُوم معنى القَوْل وشموله.
٢٥٢١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا ثابِتٌ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مرَّ النبيُّ ﷺ بامْرَأةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهْيَ تَبْكِي فَقَالَ اتَّقِي الله واصْبِرِي..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واصبري) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي الْأَحْكَام أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن بنْدَار وَعَن غنْدر عَن أبي مُوسَى وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن عقبَة بن مكرم وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَزُهَيْر بن حَرْب عَن عبد الصَّمد، ستتهم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى نَحوه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن عَليّ عَن غنْدر.
قَوْله: (وَهِي تبْكي) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: النَّبِي، ﷺ ، لَهَا: (اتقِي الله واصبري) أَي: لَا تجزعي، فَإِن الْجزع يحبط الْأجر، واصبري فَإِن الصَّبْر يجزل الْأجر، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ (الزمر: ٠١) . وَقَالَ ابْن ابْن بطال: أَرَادَ النَّبِي، ﷺ ، أَن لَا يجْتَمع عَلَيْهَا مصيبتان: مُصِيبَة فقد الْوَلَد، ومصيبة فقد الْأجر الَّذِي يُبطلهُ الْجزع، فَأمرهَا بِالصبرِ الَّذِي لَا بُد للجازع من الرُّجُوع إِلَيْهِ بعد سُقُوط أجره، وَقيل: كل مُصِيبَة لم يذهب فَرح ثَوَابهَا ألم حزنها فَهِيَ الْمُصِيبَة الدائمة، والحزن الْبَاقِي. وَقَالَ الْحسن: الْحَمد لله الَّذِي أجرنا على مَا لَا بُد لنا مِنْهُ.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز زِيَارَة الْقُبُور وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَفِيه: دلَالَة على تواضعه، ﷺ ، وَكَونه لم ينهرها، وَفِيه: النَّهْي عَن الْبكاء بعد الْمَوْت. وَفِيه: الموعظة للباكي بتقوى الله وَالصَّبْر.
٨ - (بابُ غُسْلِ المَيِّتِ وَوَضُوئِهِ بِالمَاءِ والسِّدْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الْمَيِّت. . إِلَى آخِره.
وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على أُمُور.
الأول: فِي غسل الْمَيِّت، هَل هُوَ فرض أَو وَاجِب أَو سنة؟ فَقَالَ أَصْحَابنَا: هُوَ وَاجِب على الْأَحْيَاء بِالسنةِ وَإِجْمَاع الْأمة. أما السّنة: فَقَوله ﷺ (للْمُسلمِ على الْمُسلم سِتّ حُقُوق. .) وَذكر مِنْهَا: إِذا مَاتَ أَن يغسلهُ، وأجمعت الْأمة على هَذَا. وَفِي (شرح الْوَجِيز) : الْغسْل والتكفين وَالصَّلَاة فرض
стр. 2223
على الْكِفَايَة بِالْإِجْمَاع، وَكَذَا نقل النَّوَوِيّ الْإِجْمَاع على أَن غسل الْمَيِّت فرض كِفَايَة، وَقد أنكر بَعضهم على النَّوَوِيّ فِي نَقله هَذَا فَقَالَ: وَهُوَ ذُهُول شَدِيد، فَإِن الْخلاف مَشْهُور جدا عِنْد الْمَالِكِيَّة، حَتَّى أَن الْقُرْطُبِيّ رجح فِي (شرح مُسلم) أَنه سنة، وَلَكِن الْجُمْهُور على وُجُوبه. انْتهى. قلت: هَذَا ذُهُول أَشد من هَذَا الْقَائِل حَيْثُ لم ينظر إِلَى معنى الْكَلَام، فَإِن معنى قَوْله: سنة، أَي: سنة مُؤَكدَة، وَهِي فِي قُوَّة الْوُجُوب، حَتَّى قَالَ هُوَ: وَقد رد ابْن الْعَرَبِيّ على من لم يقل بذلك، أَي: بِالْوُجُوب، وَقَالَ: توارد بِهِ القَوْل وَالْعَمَل وَغسل الطَّاهِر المطهر فَكيف بِمن سواهُ؟ .
الثَّانِي: فِي أَن أصل وجوب غسل الْمَيِّت مَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (الْمسند) (أَن آدم، ﵊، غسلته الْمَلَائِكَة وكفنوه وحنطوه وحفروا لَهُ وألحدوا وصلوا عَلَيْهِ، ثمَّ دخلُوا قَبره فوضعوه فِيهِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ اللَّبن، ثمَّ خَرجُوا من قَبره، ثمَّ حثوا عَلَيْهِ التُّرَاب، ثمَّ قَالُوا: يَا بني آدم هَذِه سبيلكم) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِمَعْنَاهُ.
الثَّالِث: فِي سَبَب وجوب غسل الْمَيِّت، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْحَدث، فَإِن الْمَوْت سَبَب لاسترخاء مفاصله، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ وَغَيره من مَشَايِخ الْعرَاق، إِنَّمَا أوجب النَّجَاسَة الْمَوْت إِذْ الْآدَمِيّ لَهُ دم مسفوح كَسَائِر الْحَيَوَانَات، وَلِهَذَا يَتَنَجَّس الْبِئْر بِمَوْتِهِ فِيهَا، وَفِي (الْبَدَائِع) : عَن مُحَمَّد بن الشجاع البَجلِيّ أَن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة لَهُ، لِأَنَّهُ لَو تنجس لما حكم بِطَهَارَتِهِ بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات الَّتِي حكم بنجاستها بِالْمَوْتِ، وَسَيَأْتِي قَول ابْن عَبَّاس: إِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا. وَقَالَ بعض الْحَنَابِلَة: ينجس بِالْمَوْتِ وَلَا يطهر بِالْغسْلِ ويتنجس الثَّوْب الَّذِي ينشف بِهِ كَسَائِر الميتات، وَهَذَا بَاطِل بِلَا شكّ وخرق للْإِجْمَاع
الرَّابِع: فِي وضوء الْمَيِّت، فوضوؤه سنة كَمَا فِي الِاغْتِسَال فِي حَالَة الْحَيَاة، غير أَنه لَا يمضمض وَلَا يستنشق عندنَا لِأَنَّهُمَا متعسران. وَقَالَ صَاحب (الْمُغنِي) : وَلَا يدْخل المَاء فَاه وَلَا مَنْخرَيْهِ فِي قَول أَكثر أهل الْعلم. وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأحمد. وَقَالَ الشَّافِعِي: يمضمض ويستنشق كَمَا يَفْعَله الْحَيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَضْمَضَة جعل المَاء فِي فِيهِ. قلت: هَذَا خلاف مَا قَالَه أهل اللُّغَة، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْمَضْمَضَة تَحْرِيك المَاء فِي الْفَم، وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ لم يصوب من قَالَ مثل مَا قَالَ النَّوَوِيّ.
الْخَامِس: فِي المَاء والسدر، فَالْحكم فِيهِ عندنَا أَن المَاء يغلي بالسدر والأشنان مُبَالغَة فِي التَّنْظِيف، فَإِن لم يكن السدر أَو الأشنان فالماء القراح، وَذكر فِي (الْمُحِيط) و (الْمَبْسُوط) : أَنه يغسل أَولا بِالْمَاءِ القراح، ثمَّ بِالْمَاءِ الَّذِي يطْرَح فِيهِ السدر، وَفِي الثَّالِثَة يَجْعَل الكافور فِي المَاء وَيغسل بِهِ، هَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعند سعيد بن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري: يغسل فِي الْمرة الأولى وَالثَّانيَِة بِالْمَاءِ القراح، وَالثَّالِثَة بالسدر. وَقَالَ الشَّافِعِي: يخْتَص السدر بِالْأولَى، وَبِه قَالَ ابْن الْخطاب من الْحَنَابِلَة. وَعَن أَحْمد: يسْتَعْمل السدر فِي الثَّلَاث كلهَا، وَهُوَ قَول عَطاء وَإِسْحَاق وَسليمَان بن حَرْب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَجْعَل السدر فِي مَاء ويخضخض إِلَى أَن تخرج رغوته ويدلك جسده ثمَّ يصب عَلَيْهِ المَاء القراح، فَهَذِهِ غسلة، وكرهت الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَابِلَة المَاء المسخن، وخيره مَالك مَا ذكره فِي (الْجَوَاهِر) وَفِي (الْخُتلِي) من كتب الشَّافِعِيَّة، قيل: المسخن أولى بِكُل حَال وَهُوَ قَول إِسْحَاق. وَفِي (الدِّرَايَة) : وَعند الشَّافِعِي وَأحمد المَاء الْبَارِد أفضل إلَاّ أَن يكون عَلَيْهِ وسخ أَو نَجَاسَة لَا تَزُول إلَاّ بِالْمَاءِ الْحَار أَو يكون الْبرد شَدِيدا. فَإِن قلت: الْوضُوء مَذْكُور فِي التَّرْجَمَة وَلم يذكر لَهُ حَدِيثا. قلت: اعْتمد على الْمَعْهُود من الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة، عَن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه اعْتمد على مَا ورد فِي بعض طرق حَدِيث الْبَاب من حَدِيث أم عَطِيَّة: (إبدأن بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا) . وَقيل: أَرَادَ وضوء الْغَاسِل أَي: لَا يلْزمه وضوء. قلت: هَذَا بعيد، لِأَن الْغَاسِل لم يذكر فِيمَا قبله وَلَا يعود الضَّمِير فِي قَوْله: (ووضوئه) إلَاّ إِلَى الْمَيِّت، وَوجه بَعضهم هَذَا فَقَالَ: إلَاّ أَن يُقَال: تَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب غسل الْحَيّ الْمَيِّت، لِأَن الْمَيِّت لَا يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ فَيَعُود الضَّمِير على الْمَحْذُوف. قلت: هَذَا عسف وَإِن كَانَ لَهُ وَجه مَعَ أَن رُجُوع الضَّمِير إِلَى أقرب الشَّيْئَيْنِ إِلَيْهِ أولى.
وَحَنَّطَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ابْنا لِسَعِيدِ بنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى ولَمْ يَتَوَضَّأ
مطابقتة للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من موضِعين: الأول: من قَوْله: (حنط) ، لِأَن التحنيط يسْتَلْزم الْغسْل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: غسله وحنطه، وَهُوَ مُطَابق لقَوْله: بَاب غسل الْمَيِّت، وَالثَّانِي: من قَوْله: (وَلم يتَوَضَّأ) ، لأَنا قد ذكرنَا أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (ووضوئه) ، يرجع إِلَى الْمَيِّت، وَقَوله: (لم
стр. 2224
يتَوَضَّأ) يدل على أَن الْغَاسِل لَيْسَ عَلَيْهِ وضوء، فَوَقع التطابق من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَقَالَ بَعضهم: وَقيل: تعلق هَذَا الْأَثر وَمَا بعده بالترجمة من جِهَة أَن المُصَنّف يرى أَن الْمُؤمن لَا ينجس بِالْمَوْتِ وَأَن غسله إِنَّمَا هُوَ للتعبد، لِأَنَّهُ لَو كَانَ نجسا لم يطهره المَاء والسدر وَلَا المَاء وَحده، وَلَو كَانَ نجسا مَا مَسّه ابْن عمر، ولغسل مَا مَسّه من أَعْضَائِهِ. قلت: لَيْسَ بَين هَذَا الْأَثر وَبَين التَّرْجَمَة تعلق أصلا من هَذِه الْجِهَة الْبَعِيدَة، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ الْأَوْجه. نعم، هَذَا الَّذِي ذكره يصلح أَن يكون وَجه التطابق بَين التَّرْجَمَة وَبَين أثر ابْن عَبَّاس الْآتِي، لِأَن إِيرَاده أثر ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَنه يرى فِيهِ رَأْي ابْن عَبَّاس، وَيفهم مِنْهُ أَن غسل الْمَيِّت عِنْده أَمر تعبدي، وَإِن كَانَ قَوْله: بَاب غسل الْمَيِّت، أَعم من ذَلِك، لَكِن إِيرَاده أثر ابْن عَبَّاس وَأثر سعد، والْحَدِيث الْمُعَلق يدل على ذَلِك فَافْهَم.
وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيف مَا أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق عَمْرو بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من غسل الْمَيِّت فليغتسل وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ) ، رُوَاته ثِقَات إلَاّ عَمْرو بن عُمَيْر فَلَيْسَ بِمَعْرُوف، وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَحوه، وَهُوَ مَعْلُول لِأَن أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: عَن أَبِيه الصَّوَاب: عَن أبي هُرَيْرَة، مَوْقُوف. وَقَالَ أَبُو دَاوُد بعد تَخْرِيجه: هَذَا مَنْسُوخ وَلم يبين ناسخه، وَقَالَ الذهلي فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِم فِي (تَارِيخه) : لَيْسَ فِيمَن غسل مَيتا فليتغسل حَدِيث ثَابت. انْتهى. قلت: إيش وَجه إِشَارَة البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث الْمَذْكُور؟ فَأَي عبارَة تدل على هَذَا بِدلَالَة من أَنْوَاع الدلالات، وَهَذَا كَلَام واه.
قلت: أما حَدِيث أبي دَاوُد فقد قَالَ فِي (سنَنه) : حَدثنَا أَحْمد بن صَالح أخبرنَا ابْن أبي فديك حَدثنِي ابْن أبي ذِئْب عَن الْقَاسِم ابْن عَبَّاس عَن عَمْرو بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من غسل الْمَيِّت. .) الحَدِيث، وَابْن أبي فديك: هُوَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك، وَابْن أبي ذِئْب: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث ابْن أبي ذِئْب، وَعَمْرو بن عُمَيْر، بِفَتْح الْعين فِي الإبن وَضمّهَا فِي الْأَب قلت: قَوْله: عَمْرو بن عُمَيْر لَيْسَ بِمَعْرُوف، إِشَارَة إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث، فَهَذَا أَبُو دَاوُد قد روى لَهُ وَسكت عَلَيْهِ فَدلَّ على أَنه قد رَضِي بِهِ، وَلكنه قَالَ: هَذَا مَنْسُوخ، فَرده هَذَا الحَدِيث لم يكن إلَاّ من جِهَة كَونه مَنْسُوخا، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَلم يبين ناسخه قلت: بِتَرْكِهِ بَيَان النَّاسِخ لَا يلْزم تَضْعِيف الحَدِيث، والنسخ يعلم بِأُمُور مِنْهَا: ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يدل على وجود نَاسخ وَإِن لم يطلع عَلَيْهِ.
وَأما حَدِيث التِّرْمِذِيّ فقد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي الشَّوَارِب حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من غسله الْغسْل وَمن حمله الْوضُوء) يَعْنِي الْمَيِّت، وَقَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن، وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا، ثمَّ قَالَ: وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي الَّذِي يغسل الْمَيِّت، فَقَالَ بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم: إِذا غسل مَيتا فَعَلَيهِ الْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: عَلَيْهِ الْوضُوء، وَقَالَ مَالك بن أنس: اسْتحبَّ الْغسْل من غسل الْمَيِّت وَلَا أرى ذَلِك وَاجِبا، وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِي، وَقَالَ أَحْمد: من غسل مَيتا أَرْجُو أَن لَا يجب عَلَيْهِ الْغسْل، فَأَما الْوضُوء فَأَقل مَا فِيهِ. وَقَالَ إِسْحَاق: لَا بُد من الْوضُوء، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله بن الْمُبَارك أَنه قَالَ: لَا يغْتَسل وَلَا يتَوَضَّأ من غسل الْمَيِّت، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَعَائِشَة. قلت: كِلَاهُمَا عِنْد أبي دَاوُد، وَفِي الْبَاب عَن حُذَيْفَة عِنْد الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد سَاقِط، وَقَالَ مَالك فِي (الْعُتْبِيَّة) : أدْركْت النَّاس على أَن غاسل الْمَيِّت يغْتَسل، وَاسْتَحْسنهُ ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب، وَقَالَ ابْن حبيب: لَا غسل عَلَيْهِ وَلَا وضوء، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: الْجَدِيد هَذَا، وَالْقَدِيم: الْوُجُوب، وبالغسل قَالَ ابْن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ، قَالَه ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا قَالَ بِوُجُوب الْغسْل مِنْهُ، وَأوجب أَحْمد وَإِسْحَاق الْوضُوء مِنْهُ.
وَأما التَّعْلِيق الْمَذْكُور فقد وَصله مَالك فِي (موطئِهِ) عَن نَافِع: أَن ابْن عمر حنط ابْنا لسَعِيد بن زيد وَحمله ثمَّ دخل الْمَسْجِد فصلى وَلم يتَوَضَّأ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه: أَن ابْن عمر كفن مَيتا وحنطه وَلم يمس مَاء، وَعَن أبي الْأَحْوَص عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عمر: اغْتسل من غسل الْمَيِّت؟ قَالَ: لَا. وَحدثنَا عباد بن الْعَوام عَن حجاج عَن سُلَيْمَان بن ربيع عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: غسلت أُمِّي ميتَة، فَقَالَت لي: سل، عَليّ غسل؟ فَأتيت ابْن عمر فَسَأَلته، فَقَالَ: أنجسا غسلت؟ ثمَّ أتيت ابْن عَبَّاس، فَسَأَلته فَقَالَ مثل ذَلِك: أنجسا غسلت؟ وَحدثنَا عباد عَن حجاج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر أَنَّهُمَا قَالَا: لَيْسَ على غاسل الْمَيِّت غسل؟
قَوْله: (حنط) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون أَي: اسْتعْمل الحنوط، وَهُوَ كل شَيْء خلط من الطّيب
стр. 2225
للْمَيت خَاصَّة، قَالَه الْكرْمَانِي وَتَبعهُ بَعضهم على هَذَا. وَفِي (الصِّحَاح) بالحنوط ذريرة، وَهُوَ طيب الْمَيِّت. قلت: الحنوط: عطر مركب من أَنْوَاع الطّيب يَجْعَل على رَأس الْمَيِّت ولحيته ولبقيه جسده إِن تيَسّر،. وَفِي الحَدِيث: (أَن ثمودا لما استيقنوا بِالْعَذَابِ تكفنوا بالأنطاع وتحنطوا بِالصبرِ لِئَلَّا يجيفوا وينتنوا) . وَفِي (الْمُحِيط) : لَا بَأْس بِسَائِر الطّيب فِي الحنوط غير الزَّعْفَرَان والورس فِي حق الرِّجَال، وَلَا بَأْس بهما فِي حق النِّسَاء، فَيدْخل فِيهِ الْمسك، وَأَجَازَهُ أَكثر الْعلمَاء، وَأمر بِهِ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَاسْتَعْملهُ أنس وَابْن عمر وَابْن الْمسيب، وَبِه قَالَ: مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَكَرِهَهُ: عَطاء وَالْحسن وَمُجاهد، وَقَالُوا: إِنَّه ميتَة واستعماله فِي الحنوط على الْجَبْهَة والراحتين والركبتين والقدمين. وَفِي (الرَّوْضَة) : وَلَا بَأْس بِجعْل الْمسك فِي الحنوط وَقَالَ النَّخعِيّ: يوضع الحنوط على الْجَبْهَة والراحتين والركبتين والقدمين، وَفِي (الْمُفِيد) : وَإِن لم يفعل فَلَا يضر، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ والقرافي: يسْتَحبّ فِي الْمرة الثَّالِثَة شَيْء من الكافور. قَالَا: وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يسْتَحبّ. قلت: نقلهما ذَلِك عَنهُ خطأ.
قَوْله: (ابْنا لسَعِيد) وَاسم الابْن: عبد الرَّحْمَن، روى عَن اللَّيْث عَن نَافِع أَنه رأى عبد الله بن عمر حنط عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن زيد، وَسَعِيد بن زيد هَذَا أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، أسلم قَدِيما وَمَات بالعقيق، وَنقل إِلَى الْمَدِينَة فَدفن بهَا سنة إِحْدَى وَخمسين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا المُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيَّا وَلَا مَيِّتا
وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة قد ذَكرنَاهَا فِي أثر ابْن عمر الَّذِي مضى، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن عَطاء (عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُؤمن لَيْسَ بِنَجس حَيا وَلَا مَيتا) . قَوْله: (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم) أَي: لَا تَقولُوا إِنَّهُم نجس، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور أَيْضا عَن سُفْيَان نَحوه، وَرَوَاهُ الْحَاكِم مَرْفُوعا، قَالَ: أخبرنَا إِبْرَاهِيم ابْن عصمَة بن إِبْرَاهِيم الْعدْل حَدثنَا أَبُو مُسلم الْمسيب بن زُهَيْر الْبَغْدَادِيّ حَدثنَا أَبُو بكر وَعُثْمَان ابْنا ابْن أبي شيبَة، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله: (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
وقَالَ سَعدٌ لَوْ كانَ نَجِسا مَا مَسِستُهُ
وَجه الْمُطَابقَة مَا ذَكرْنَاهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت سعيد بِالْيَاءِ وَالْأول أشهر وَأَصَح، وَهُوَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن الْجَعْد عَن عَائِشَة قَالَت: أُوذِنَ سعد بِجنَازَة سعيد بن زيد وَهُوَ بِالبَقِيعِ فَجَاءَهُ فَغسله وكفنه وحنطه، ثمَّ أَتَى دَاره فصلى عَلَيْهِ، ثمَّ دَعَا بِمَاء فاغتسل، ثمَّ قَالَ: لم أَغْتَسِل من غسله وَلَو كَانَ نجسا مَا غسلته أَو مَا مَسسْته، وَلَكِنِّي أَغْتَسِل من الْحر.
وَفِي هَذَا الْأَثر فَائِدَة حَسَنَة وَهِي: أَن الْعَالم إِذا عمل عملا يخْشَى أَن يلتبس على من رَآهُ يَنْبَغِي لَهُ أَن يعلمهُمْ بِحَقِيقَة الْأَمر لِئَلَّا يحملوه على غير محمله.
وَقَالَ النَّبِي ﷺ المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ
هَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ذكره البُخَارِيّ مُسْندًا فِي: بَاب الْجنب يمشي، فِي كتاب الْغسْل: حَدثنَا عَيَّاش، قَالَ: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدثنَا حميد عَن أبي رَافع (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُول الله، ﷺ ، وَأَنا جنب. .) الحَدِيث، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ حميع مَا يتَعَلَّق بِهِ مستقصىً.
٣٥٢١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سيرِينَ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَ علَيْنَا رسولُ الله حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاثا أوْ خَمْسا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ أنْ رَأيْتُنَّ ذالِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُورا أوْ شَيْئا مِنْ كافُورٍ فَإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي فلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فأعْطَانا حِقْوَهُ فَقَالَ
стр. 2226
أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ تَعْنِي إزَارَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا، وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك، وَأم عَطِيَّة اسْمهَا: نسيبة، بِضَم النُّون، بنت كَعْب، وَيُقَال: بنت الْحَارِث الْأَنْصَارِيَّة، وَقد شهِدت غسل ابْنة رَسُول الله، ﷺ ، وحكت ذَلِك فأتقنت، وحديثها أصل فِي غسل الْمَيِّت، ومدار حَدِيثهَا على مُحَمَّد وَحَفْصَة ابْني سِيرِين، حفظت مِنْهَا حَفْصَة مَا لم يحفظ مُحَمَّد، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَيْسَ فِي أَحَادِيث غسل الْمَيِّت أَعلَى من حَدِيث أم عَطِيَّة، وَعَلِيهِ عول الْأَئِمَّة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مدنيان، وَأَيوب وَابْن سِيرِين بصريان. وَفِيه: عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: عَن أَيُّوب سَمِعت ابْن سِيرِين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث من أحد عشر طَرِيقا. الأول: أخرجه فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل، عَن مُسَدّد وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره. الثَّانِي: عَن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب. الثَّالِث: عَن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب فِي: بَاب مَا يسْتَحبّ أَن يغسل وترا. الرَّابِع: عَن عَليّ بن عبد الله فِي: بَاب مَا يبْدَأ بميامن الْمَيِّت. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن يحيى بن أَيُّوب وَابْن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل وَعَن إِسْمَاعِيل بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي كَامِل الجحدري عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن أَحْمد بن جنبل عَن إِسْمَاعِيل بِهِ. الْخَامِس: عَن يحيى بن مُوسَى فِي: بَاب مَوَاضِع الْوضُوء من الْمَيِّت. السَّادِس: عَن عبد الرَّحْمَن بن حَمَّاد فِي: بَاب هَل تكفن الْمَرْأَة فِي إِزَار الرجل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن شُعَيْب بن يُوسُف. السَّابِع: عَن حَامِد بن عمر فِي: بَاب يَجْعَل الكافور فِي آخِرَة. الثَّامِن: عَن أَحْمد عَن ابْن وهب فِي: بَاب ينْقض شعر الْمَرْأَة. التَّاسِع: عَن أَحْمد عَن ابْن وهب أَيْضا فِي: بَاب كَيفَ الْإِشْعَار للْمَيت. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وقتيبة، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن يحيى بن أَيُّوب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ وَعَن مُسَدّد وَمُحَمّد بن عبيد، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَحَمَّاد بن زيد فرقهما بِهِ، وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن يُوسُف بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن أبي شيبَة عَن الثَّقَفِيّ بِهِ. الْعَاشِر: عَن قبيصَة عَن سُفْيَان فِي: بَاب هَل يَجْعَل شعر الْمَرْأَة ثَلَاثَة قُرُون. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. الْحَادِي عشر: عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد فِي: بَاب يلقى شعر الْمَرْأَة خلفهَا. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن عَليّ عَن يحيى بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حِين توفيت ابْنة) هِيَ زَيْنَب زوج أبي الْعَاصِ بن الرّبيع وَالِدَة أُمَامَة هِيَ الَّتِي كَانَ رَسُول الله ﷺ يحملهَا فِي الصَّلَاة، فَإِذا سجد وَضعهَا وَإِذا قَامَ حملهَا، وَزَيْنَب أكبر بَنَات رَسُول الله، ﷺ ، وَتزَوج بِزَيْنَب: أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع فَولدت مِنْهُ عليا وأمامة، وَتوفيت زَيْنَب فِي سنة ثَمَان. قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ قَتَادَة عَن ابْن حزم: فِي أول سنة ثَمَان، وَلم يَقع فِي رِوَايَات البُخَارِيّ ابْنَته هَذِه مُسَمَّاة، وَهُوَ مُصَرح بِهِ فِي لفظ مُسلم (عَن أم عَطِيَّة، قَالَت: لما مَاتَت زَيْنَب بنت رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ : اغسلنها. .) الحَدِيث، هَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ الْأَكْثَر وَذكر بعض أهل السّير أَنَّهَا أم كُلْثُوم زوج عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ذكره أَبُو دَاوُد أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أبي عَن أبي إِسْحَاق حَدثنِي نوح بن حَكِيم الثَّقَفِيّ وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ عَن رجل من بني عُرْوَة بن مَسْعُود يُقَال لَهُ دَاوُد، وَقد وَلدته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي، ﷺ ، عَن ليلى بنت قانف الثقفية، قَالَت: كنت فِيمَن غسل أم كُلْثُوم ابْنة رَسُول الله ﷺ ، عِنْد وفاتها، فَكَانَ أول مَا أَعْطَانَا، ﷺ ، الحقا ثمَّ الدرْع ثمَّ الْخمار ثمَّ الملحفة، ثمَّ أدرجت بعد فِي الثَّوْب الآخر. قَالَت: وَرَسُول الله ﷺ جَالس عِنْد الْبَاب مَعَه
стр. 2227
كفنها يناولنا ثوبا ثوبا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: فِيهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَفِيه من لَيْسَ بِمَشْهُور، وَالصَّحِيح أَن هَذِه الْقِصَّة فِي زَيْنَب، لِأَن أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله، ﷺ ، غَائِب ببدر، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه: ونوح بن حَكِيم رجل مَجْهُول لم تثبت عَدَالَته، وَقد غلطوا الْمُنْذِرِيّ فِي قَوْله: أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله، ﷺ ، غَائِب ببدر، لِأَن الَّتِي توفيت حِينَئِذٍ رقية. فَإِن قلت: حكى ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ الشَّارِح بِأَنَّهُ جزم بِأَن الْبِنْت الْمَذْكُورَة أم كُلْثُوم زوج عُثْمَان. وَذكر صَاحب (التَّلْوِيح) : بِأَن التِّرْمِذِيّ زعم أَنَّهَا أم كُلْثُوم قلت: أما الدَّاودِيّ فَإِنَّهُ لم يذكر مُسْتَنده، وَأما التِّرْمِذِيّ فَلم يذكر شَيْئا من ذَلِك. فَإِن قلت: ذكر الدولابي من طَرِيق أبي الرِّجَال عَن عمْرَة أَن أم عَطِيَّة كَانَت مِمَّن غسل أم كُلْثُوم بنت النَّبِي ﷺ قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن تكون الْبِنْت فِي حَدِيث الْبَاب أم كُلْثُوم، لِأَن أم عَطِيَّة كَانَت غاسلة الميتات فَيمكن أَن تكون حضرت لَهما جَمِيعًا.
قَوْله: (ثَلَاثًا أَو خمْسا) وَفِي رِوَايَة هِشَام بن حسان عَن حَفْصَة: (إغسلنها وترا ثَلَاثًا أَو خمْسا) . وَكلمَة: أَو. هُنَا للتنويع، وَالنَّص على الثَّلَاث أَو الْإِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ، الإيتار، أَلا يُرى أَنه نقلهن من الثَّلَاث إِلَى الْخمس دون الْأَرْبَع، وَقَالَ بَعضهم: أَو، هُنَا للتَّرْتِيب لَا للتَّخْيِير. قلت: لم ينْقل عَن أحد أَن: أَو، تَجِيء للتَّرْتِيب، وَقد ذكر النُّحَاة أَن: أَو، تَأتي لاثني عشر معنى، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يدل على أَنَّهَا تَجِيء للتَّرْتِيب، وَالظَّاهِر أَنه أَخذه من الطَّيِّبِيّ فَإِنَّهُ نقل من الْمظهر شرح المصابيح) : أَن فِيهِ للتَّرْتِيب دون التَّخْيِير، إِذْ لَو حصل الِاكْتِفَاء بالغسلة الأولى اسْتحبَّ التَّثْلِيث، وَكره التجاوز عَنهُ فَإِن حصلت بِالثَّانِيَةِ أَو بالثالثة اسْتحبَّ التخميس، وَإِلَّا فالتسبيع، وَالْمَنْع بَاقٍ فِيهِ. وَفِي الطَّيِّبِيّ فِي نَقله، وَفِي صَاحب الْمظهر شَارِح (المصابيح) . قَوْله: (أَو أَكثر من ذَلِك) أَي: من الْخمس يَنْتَهِي إِلَى السَّبع، كَمَا فِي رِوَايَة أَيُّوب عَن حَفْصَة: ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو سبعا، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات أَكثر من السَّبع إلَاّ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أم عَطِيَّة بِمَعْنى حَدِيث مَالك، زَاد فِي حَدِيث حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة نَحْو هَذَا، وزادت فِيهِ: أَو سبعا أَو أَكثر، من ذَلِك إِن رَأَيْته. وَيُسْتَفَاد من هَذَا اسْتِحْبَاب الإيتار بِالزِّيَادَةِ على السَّبْعَة لِأَن ذَلِك أبلغ فِي التَّنْظِيف، وَكره أَحْمد مُجَاوزَة السَّبع، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا أعلم أحدا قَالَ بمجاوزة السَّبع، وسَاق من طَرِيق قَتَادَة أَن ابْن سِيرِين كَانَ يَأْخُذ الْغسْل عَن أم عَطِيَّة ثَلَاثًا وإلَاّ فخمسا وإلَاّ فسبعا. قَالَ: فَرَأَيْنَا أَن الْأَكْثَر من ذَلِك سبع. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: الزِّيَادَة على السَّبع سرف، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: بَلغنِي أَن جَسَد الْمَيِّت يسترخي بِالْمَاءِ، فَلَا أحب الزِّيَادَة على ذَلِك. قَوْله: (إِن رأيتن ذَلِك) ، قَالَ الطَّيِّبِيّ: بِكَسْر الْكَاف خطاب لأم عَطِيَّة وَرَأَيْت بِمَعْنى الرَّأْي يَعْنِي أَن احتجتن إِلَى أَكثر من ثَلَاث أَو خمس للانقاء لَا للتشهي فلتفعلن قلت: كسر الْكَاف فِي ذَلِك الثَّانِي لَا فِي الأول، فَإِن بَعضهم نقل ذَلِك عَن الطَّيِّبِيّ. وَلكنه غلط فِيهِ، وَذكره فِي ذَلِك الأول، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا يخفى، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: إِنَّمَا فوض الرَّأْي إلَيْهِنَّ بِالشّرطِ الْمَذْكُور وَهُوَ الإيتار. وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم، قَالَ: يحْتَمل قَوْله: (إِن رأيتن) أَن يرجع إِلَى الْأَعْدَاد الْمَذْكُورَة، وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: إِن رأيتن أَن تفعلن ذَلِك وإلَاّ فالاتقاء يَكْفِي. قَوْله: (بِمَاء وَسدر) ، الْبَاء تتَعَلَّق بقوله: (اغسلنها) قَالَ الطَّيِّبِيّ نَاقِلا عَن المطهر: قَوْله: (بِمَاء وَسدر) لَا يَقْتَضِي اسْتِعْمَال السدر فِي جَمِيع الغسلات، وَالْمُسْتَحب اسْتِعْمَاله فِي الكرة الأولى ليزيل الأقذار، وَيمْنَع من تسارع الْفساد. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَوْله: (بِمَاء وَسدر) أصل فِي جَوَاز التطهر بِالْمَاءِ الْمُضَاف إِذا لم يسلب الْإِطْلَاق. وَقَالَ ابْن التِّين. قَوْله: (بِمَاء وَسدر) هُوَ السّنة فِي ذَلِك، والخطمي مثله، فَإِن عدم فَمَا يقوم مقَامه كالأشنان والنطرون، وَلَا معنى لطرح ورق السدر فِي المَاء، كَمَا تفعل الْعَامَّة، وأنكرها أَحْمد وَلم يُعجبهُ، وَمثله من قَالَ: يحك الْمَيِّت بالسدر وَيصب عَلَيْهِ المَاء فَتحصل طَهَارَته بِالْمَاءِ، وَعَن ابْن سِيرِين، أَنه كَانَ يَأْخُذ الْغسْل عَن أم عَطِيَّة فَيغسل بِالْمَاءِ والسدر مرَّتَيْنِ وَالثَّالِثَة بِالْمَاءِ والكافور. وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَن الغسلات كلهَا بِالْمَاءِ والسدر، وَهُوَ قَول أَحْمد: وَلما غسلوا النَّبِي، ﷺ ، غسلوه بِمَاء وَسدر ثَلَاث مَرَّات، فِي كُلهنَّ ذكره أَبُو عمر. قَوْله: (واجعلن فِي الْآخِرَة) أَي فِي الْمرة الْآخِرَة ويروى (الْأَخِيرَة) قَوْله: (كافورا) وَالْحكمَة فِيهِ أَن الْجِسْم يتصلب بِهِ وتنفر الْهَوَام من رَائِحَته، وَفِيه إكرام الْمَلَائِكَة. وَخَصه صَاحب (الْمَذْهَب) بالثالثة، والجرجاني بِالثَّانِيَةِ، وهما غَرِيبَانِ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَانْفَرَدَ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: لَا يسْتَحبّ الكافور
стр. 2228
وَالسّنة قاضية عَلَيْهِ. قلت: لم يقل أَبُو حنيفَة هَذَا أصلا، وَقد بَينا فِيمَا مضى مذْهبه، وَقَالَ أَيْضا: يسْتَحبّ عندنَا أَن يَجْعَل فِي كل غسلة قَلِيل كافور. قَوْله: (أَو شَيْئا من كافور) شكّ من الرَّاوِي أَي اللَّفْظَيْنِ قَالَ. وَقَوله: (شَيْئا) نكرَة فِي سِيَاق الْإِثْبَات فَيصدق بِكُل شَيْء مِنْهُ، وَهل يقوم الْمسك مقَام الكافور، قَالَ بَعضهم: إِن نظر إِلَى مُجَرّد التَّطَيُّب، نعم وَإِلَّا فَلَا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل ينظر إِن كَانَ يُوجد فِيهِ مَا ذكره من الْأُمُور فِي الكافور يَنْبَغِي أَن يقوم وإلَاّ فَلَا إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة، فَيقوم غَيره مقَامه. قَوْله: (آذنني) ، بتَشْديد النُّون الأولى، قَالَه الْكرْمَانِي، وَلم يبين وَجهه. قلت: هَذَا أَمر لجَماعَة الْإِنَاث، من: آذن يُؤذن إِيذَانًا إِذا علم. . قَوْله: (فَلَمَّا فَرغْنَا) هَكَذَا هُوَ بِصِيغَة الْمَاضِي لجَماعَة الْمُتَكَلِّمين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فَلَمَّا فرغن) بِصِيغَة الْمَاضِي للْجمع الْمُؤَنَّث. وَقَالَ بَعضهم: (فَلَمَّا فَرغْنَا) للْأَكْثَر بِصِيغَة الْخطاب من الْحَاضِر، وللأصيلي: (فَلَمَّا فرغن) بِصِيغَة الْغَائِب قلت: هَذَا الْقَائِل لم يمس شَيْئا من علم التصريف وَلَا يخفى فَسَاد تصرفه. قَوْله: (حقوه) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَفِي (الْمُحكم) الحقو، والحقو يَعْنِي بِالْفَتْح وَالْكَسْر، والحقوة والحقا: كُله الْإِزَار، كَأَنَّهُ سمي بِمَا يلاث عَلَيْهِ، وَالْجمع: أَحَق وأحقاء وحقي وحقاء، وَقد فسره فِي الْمَتْن بقوله: تَعْنِي إزَاره، يَعْنِي إِزَار النَّبِي ﷺ . وَقَالَ بَعضهم: الحقو فِي الأَصْل معقد الْإِزَار واطلق على الْإِزَار مجَازًا (وَفِي رِوَايَة ابْن عَوْف عَن مُحَمَّد بن سِيرِين بِلَفْظ فَنزع من حقوه إزَاره) والحقو فِي هَذَا على حَقِيقَته. قلت: إِن كَانَ أخذا من مَوضِع كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يبين مأخذه، وَإِن كَانَ هَذَا تَصرفا من عِنْده فَهُوَ غير صَحِيح، وَلم يقل أحد إِن الحقو فِي مَوضِع مجَاز وَفِي مَوضِع حَقِيقَة، بل هُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَقِيقَة لِأَنَّهُ مُشْتَرك بَين الْمَعْنيين، والمشترك حَقِيقَة فِي الْمَعْنيين وَالثَّلَاثَة وَأكْثر وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْجَوْهَرِي قَالَ: الحقو: الْإِزَار وَثَلَاثَة أَحَق. ثمَّ قَالَ: والحقو أَيْضا الخصر ومشد الْإِزَار. قَوْله: (أشعرنها إِيَّاه) أَمر من الْإِشْعَار وَهُوَ إلباس الثَّوْب الَّذِي يَلِي بشرة الْإِنْسَان أَي: إجعلن هَذَا الْإِزَار شعارها، وَسمي: شعارا لِأَنَّهُ يَلِي شعر الْجَسَد، والدثار مَا فَوق الْجَسَد، وَالْحكمَة فِيهِ التَّبَرُّك بآثاره الشَّرِيفَة، وَإِنَّمَا أَخّرهُ إِلَى فراغهن من الْغسْل وَلم يناولهن إِيَّاه أَولا ليَكُون قريب الْعَهْد من جسده، ﷺ ، الشريف حَتَّى لَا يكون بَين انْتِقَاله من جسده إِلَى جَسدهَا فاصل، وَهُوَ أصل فِي التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين، وَاخْتلف فِي صفة إشعارها إِيَّاه فَقيل يَجْعَل لَهَا مئزرا، وَقيل: تلفُّ فِيهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب اسْتِعْمَال السدر والكافور فِي حق الْمَيِّت. وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز اسْتِعْمَال الْمسك وكل مَا شابهه من الطّيب، وَأَجَازَ الْمسك أَكثر الْعلمَاء، وَأمر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِهِ فِي حنوطه. وَقَالَ: هُوَ من فضل حنوط النَّبِي، ﷺ ، وَاسْتَعْملهُ أنس وَابْن عمر وَسَعِيد بن الْمسيب، وَكَرِهَهُ عمر وَعَطَاء وَالْحسن وَمُجاهد. وَقَالَ عَطاء وَالْحسن: أَنه ميتَة، وَفِي اسْتِعْمَال الشَّارِع لَهُ فِي حنوطه حجَّة عَلَيْهِم. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمسك حَلَال للرِّجَال وَالنِّسَاء. وَفِيه: مَا يدل على أَن النِّسَاء أَحَق بِغسْل الْمَرْأَة من الزَّوْج، وَبِه قَالَ الْحسن وَالثَّوْري وَالشعْبِيّ وَأَبُو حنيفَة، وَالْجُمْهُور على خِلَافه، وَهُوَ قَول الثَّلَاثَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقد وصت فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، زَوجهَا عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بذلك، وَكَانَ بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلم يُنكر أحد، فَصَارَ إِجْمَاعًا. قلت: وَفِيه: نظر لِأَن صَاحب (الْمَبْسُوط) و (الْمُحِيط) و (الْبَدَائِع) وَآخَرُونَ قَالُوا: إِن ابْن مَسْعُود سُئِلَ عَن فعل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّهَا زَوجته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وعنى بذلك أَن الزَّوْجِيَّة بَاقِيَة بَينهمَا لم تَنْقَطِع، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ لَو بقيت الزَّوْجِيَّة بَينهمَا لما تزوج أُمَامَة بنت زَيْنَب بعد موت فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد مَاتَ عَن أَربع حرائر، وَوَصِيَّة فَاطِمَة عليا بغسلها رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن نَافِع، قَالَ يحيى: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك، وَالْبَيْهَقِيّ رَوَاهُ فِي (سنَنه الْكَبِير) وَسكت، وَظن أَنه يخفى، وَأما الْمَرْأَة إِذا غسلت زَوجهَا وَهِي مُعْتَدَّة فَهُوَ جَائِز لَهُ لِأَنَّهَا فِي الْعدة. وَفِيه: جَوَاز تكفين الْمَرْأَة فِي ثوب الرجل.
٩ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ أنْ يُغْسَلَ وِتْرا)
كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة وَكَذَا كلمة: أَن، وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب غسل الْمَيِّت وترا. قيل: يحْتَمل أَن تكون: مَا، مَصْدَرِيَّة
стр. 2229
أَو مَوْصُولَة وَالثَّانِي أظهر. قلت: الأول أظهر، بل الْمَعْنى لَا يَصح إلَاّ على هَذَا. وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد ذَلِك أوقع التَّعْبِير: بِمن، الَّتِي لمن يعقل قلت: هَذَا نظر يسْتَحق الْعَمى لِأَن المُرَاد من التَّرْجَمَة بَيَان اسْتِحْبَاب غسل الْمَيِّت وترا لَا بَيَان من يسْتَحبّ ذَلِك، فَإِن حَدِيث الْبَاب بطريقيه فِي بَيَان الِاسْتِحْبَاب لَا فِي بَيَان الْمُسْتَحبّ وَغَيره.
٤٥٢١ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِي عنْ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عنْ أمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا رسولُ الله ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاثا أوْ خَمْسا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُورا فإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فألْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ فَقَالَ أيُّوبُ وَحَدَّثَتنِي حَفْصَةُ بِمِثلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ وكانَ فِي حدِيث حَفْصَةَ اغْسِلْنَهَا وِتْرا وكانَ فِيهِ ثَلاثا أوْ خَمْسا أوْ سَبْعا وكانَ فِيهِ أنَّهُ قَالَ ابْدَأوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا وكانِ فِيهِ أنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قالَتْ وَمَشَطْنَاهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقَالَ بَعضهم أورد المُصَنّف فِيهِ حَدِيث أم عَطِيَّة أَيْضا من رِوَايَة أَيُّوب عَن مُحَمَّد وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بالوتر، وَمن رِوَايَة أَيُّوب، قَالَ: حَدَّثتنِي حَفْصَة، وَفِيه ذَلِك. قلت: مُرَاده من قَوْله: وترا، فِي التَّرْجَمَة أَن يكون خلاف الشفع، وَهُوَ مَوْجُود فِي حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: (ثَلَاثًا أَو خمْسا) وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ لفظ الْوتر حَتَّى إِذا ذكر حَدِيثا لَيْسَ فِيهِ لفظ الْوتر لَا يكون مطابقا للتَّرْجَمَة، وَإِن كَانَ مُرَاد هَذَا الْقَائِل لفظ الْوتر فَلَيْسَ بموجود هَذَا أَيْضا فِي حَدِيث حَفْصَة، وَالْحَدِيثَانِ سَوَاء فِي الدّلَالَة على الْوتر، فَكيف يفرق بَينهمَا؟ وَلَفظ الْوتر لم يَقع فِي حَدِيث أم عَطِيَّة إلَاّ فِي رِوَايَة هِشَام بن حسان عَن حَفْصَة عَنْهَا، على مَا يَجِيء فِي: بَاب يلقى شعر الْمَرْأَة خلفهَا.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، ذكر بِلَا نِسْبَة فِي أَكثر الرِّوَايَات، قَالَ ابْن السكن: هُوَ مُحَمَّد بن سَلام، وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْوَلِيد. وَهُوَ التسترِي، ولقبه حمدَان وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ أَيْضا. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، يكنى أَبَا مُحَمَّد. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: أم عَطِيَّة.
وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. ولنتكلم فِي الزِّيَادَات الَّتِي فِيهِ.
قَوْله: (فَقَالَ أَيُّوب) يَعْنِي السّخْتِيَانِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِالْفَاءِ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: بِالْوَاو، وَرُبمَا يظنّ أَنه مُعَلّق وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بالإسنادين مَوْصُولا. قَوْله: (وابدأوا) ويروى: (وابدأن) ، بِلَفْظ خطاب جمع الْمُؤَنَّث، وَهُوَ ظَاهر وَأما رِوَايَة: (ابدأوا) بِجمع الْمُذكر فوجهها أَن يكون تَغْلِيبًا للذكور لِأَنَّهُنَّ كن محتاجات إِلَى معاونة الرِّجَال من حمل المَاء إلَيْهِنَّ وَنَحْوه، أَو الْخطاب بِاعْتِبَار الْأَشْخَاص أَو النَّاس. قَوْله: (بميامنها) جمع ميمنة. قَوْله: (ومشطناها) من: مشطت الماشطة تمشطهَا مشطا: إِذا سرحت شعرهَا. قَوْله: (ثَلَاثَة قُرُون) انتصاب ثَلَاثَة يجوز أَن يكون بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِثَلَاثَة قُرُون، أَو على الظَّرْفِيَّة أَي: فِي ثَلَاثَة قُرُون، والقرون جمع: الْقرن، وَهُوَ الْخصْلَة من الشّعْر، وَحَاصِل الْمَعْنى: جعلن شعرهَا ثَلَاث ضفائر بعد أَن حللوها بالمشط.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْغسْل بِالْمَاءِ والسدر وَجعل الشّعْر ثَلَاثَة قُرُون، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: فِي حَدِيث حَفْصَة التَّنْصِيص على لفظ الْوتر بِالثلَاثِ أَو بالخمس أَو بالسبع، وَفِي حَدِيث غَيرهَا التَّنْصِيص على عدد الثَّلَاث وَالْخمس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: وترا ثَلَاثًا أَو خمْسا، اسْتدلَّ بِهِ على أَن أقل الْوتر ثَلَاث، وَلَا دلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ سيق مساق الْبَيَان للمراد إِذْ لَو أطلق لتناول الْوَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا؟ قلت: المُرَاد بِالْغسْلِ الإنقاء، والتنصيص على الْوتر بِالْعدَدِ الْمَذْكُور لأجل اسْتِحْبَاب الْوتر فِي الغسلات لِأَن الله وتر يحب الْوتر، حَتَّى لَو حصل الإنقاء بالمرة الْوَاحِدَة لقام بِالْوَاجِبِ كَمَا فِي الِاسْتِنْجَاء، وَفِيه: الْبدَاءَة بالميامن لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يحب التَّيَمُّن فِي شَأْنه كُله، أَي: فِي التنظيفات. وَفِيه: الِابْتِدَاء بمواضع الْوضُوء مِنْهَا. قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : مَعْنَاهُ عِنْد مَالك أَن يبْدَأ بهَا عِنْد الْغسْل الَّذِي هُوَ مَحْض الْعِبَادَة فِي غسل الْجَسَد من أَذَى، وَهُوَ الْمُسْتَحبّ.
стр. 2230
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يوضأ الْمَيِّت. قلت: لم يقل أَبُو حنيفَة بِهَذَا، بل مذْهبه أَنه يوضأ من غير مضمضة واستنشاق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. وَفِيه: مشط شعرهَا بِثَلَاث ضفائر. وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَعِنْدنَا يَجْعَل ضفيرتين على صدرها فَوق الدرْع، وَقَالَ الشَّافِعِي: يسرح شعرهَا وَيجْعَل ثَلَاث ضفائر وَيجْعَل خلف ظهرهَا، وَبِه قَالَه أَحْمد وَإِسْحَاق. قُلْنَا: لَيْسَ فِي الحَدِيث إِشَارَة من النَّبِي ﷺ إِلَى ذَلِك، وَإِنَّمَا الْمَذْكُور فِيهِ الْإِخْبَار من أم عَطِيَّة أَنَّهَا مشطت شعرهَا ثَلَاثَة قُرُون، وَكَونهَا فعلت ذَلِك بِأَمْر النَّبِي ﷺ احْتِمَال، وَالْحكم لَا يثبت بِهِ، وَلِأَن مَا ذكره زِينَة وَالْمَيِّت مستغن عَنْهَا. فَإِن قلت: جَاءَ فِي حَدِيث ابْن حبَان: (واجعلن لَهَا ثَلَاثَة قُرُون) . قلت: هَذَا أَمر بالتضفير، وَنحن لَا ننكر التضفير حَتَّى يكون الحَدِيث حجَّة علينا، وَإِنَّمَا ننكر جعلهَا خلف ظهرهَا، لِأَن هَذَا التصنيع زِينَة، وَالْمَيِّت مَمْنُوع مِنْهَا، ألَا ترى أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (علام تنصون ميتكم؟) أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن سُفْيَان عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَنْهَا، وتنصون: فِي نصوت الرجل أنصوه نصوا إذات مددت ناصيه، وأرادت عَائِشَة مِنْهُ أَن الْمَيِّت لَا يحْتَاج إِلَى التسريح وَنَحْوه، لِأَنَّهُ للبلى وَالتُّرَاب.
٠١ - (بابٌ يُبْدَأ بِمَيَامِنِ المَيِّتِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْغَاسِل يبْدَأ بميامن الْمَيِّت.
٥٥٢١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قَالَ رسولُ الله ﷺ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ االوُضُوءِ منْهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وخَالِد هُوَ الْحذاء. قَوْله: (حَدثنَا خَالِد. .) إِلَى آخِره، وَقَالَ مُسلم: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: أخبرنَا هشيم عَن خَالِد عَن حَفْصَة بنت سِيرِين عَن أم عَطِيَّة أَن رَسُول الله، ﷺ ، حَيْثُ أمرهَا أَن تغسل ابْنَته فَقَالَ لَهَا: إبدأن بميامنها. قَوْله: (إبدأن) أَمر لجمع الْمُؤَنَّث من بَدَأَ يبْدَأ، والبداءة بالميامن فِي الغسلات الَّتِي لَا وضوء فِيهَا. قَوْله: (ومواضع الْوضُوء) أَي: فِي الغسلات الْمُتَّصِلَة بِالْوضُوءِ. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من الِابْنَة، وَفِي هَذَا رد على أبي قلَابَة يَقُول: يبْدَأ أَولا بِالرَّأْسِ ثمَّ باللحية، وَالْحكمَة فِي أمره ﷺ بِالْوضُوءِ تَجْدِيد أثر سيماء الْمُؤمنِينَ فِي ظُهُور أثر الْغرَّة والتحجيل.
١١ - (بابُ مَوَاضِع الوُضُوءِ مِنَ المَيِّتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْبدَاءَة بمواضع الْوضُوء من الْمَيِّت، أَشَارَ بِهِ إِلَى استحبابها.
٦٥٢١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُوسى اقال حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ خالِدِ الحَذَّاءِ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النبيِّ ﷺ قَالَ لَنا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا ابْدَأُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ومواضع الْوضُوء مِنْهَا) ، وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي، وَيُقَال لَهُ: خت، مَاتَ فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بِهِ على اسْتِحْبَاب الْمَضْمَضَة والاستنشق فِي غسل الْمَيِّت، خلافًا للجنفية، بل قَالُوا: لَا يسْتَحبّ وضوؤه أصلا. قلت: هَذَا تَقول على الْحَنَفِيَّة، وَمذهب أبي حنيفَة: أَن الْمَيِّت يوضأ لَكِن لَا يمضمض وَلَا يستنشق لتعذر إِخْرَاج المَاء من الْأنف والفم، وَقد ذَكرْنَاهُ مرّة.
قَوْله: (ابدأوا) بِصِيغَة الْخطاب للْجمع الْمُذكر، وَهَذِه فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ابدأن) ، بِصِيغَة الْخطاب للْجمع الْمُؤَنَّث، وَقد ذكرنَا وَجه: إبدأوا، عَن قريب.
стр. 2231
٢١ - (بابٌ هَلْ تُكَفَّنُ المَرْأةُ فِي إزَارِ الرَّجُل)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل تكفن الْمَرْأَة فِي إِزَار الرجل؟ وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوف، تَقْدِيره: نعم، تكفن. ولاعتماده على مَا فِي الحَدِيث اقْتصر على الِاسْتِفْهَام بِدُونِ الْجَواب.
٧٥٢١ - حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ حَمَّادٍ قَالَ أخبرَنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ محَمَّدٍ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النبيِّ ﷺ فَقَالَ لَنَا اغْسِلْنَهَا ثَلاثا أوْ خَمْسا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ إنْ رَأيْتُنَّ فإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَنَزَعَ مِنْ حَقْوِهِ إزَارَهُ فأعْطَانَا وَقَالَ أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأعطانا) ، وَهَذَا يدل على جَوَاز تكفين الْمَرْأَة فِي إِزَار الرجل، وَعبد الرَّحْمَن بن حَمَّاد أَبُو سَلمَة الْبَصْرِيّ الْعَنْبَري، مَاتَ سنة إثنتي عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَابْن عون هُوَ: عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه يجوز تكفين الْمَرْأَة فِي ثوب الرجل وَعَكسه، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنَّهَا تكفن فِي خَمْسَة أَثوَاب. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: الْوتر أحب إِلَى مَالك فِي الْكَفَن، وَإِن لم يُوجد إلَاّ ثَوْبَان تلف فيهمَا. وَقَالَ أَشهب: لَا بَأْس بتكفين الْمَرْأَة فِي ثوب الرجل. وَقَالَ ابْن شعْبَان: الْمَرْأَة فِي عدد الأكفان أَكثر من الرِّجَال، وَأقله لَهَا خَمْسَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: درع وخمار ولفافتان: لفافة تَحت الدرْع تلف بهَا، وَأُخْرَى فَوْقه، وثوب لطيف يشد على وَسطهَا يجمع ثِيَابهَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: تكفن الْمَرْأَة فِي خَمْسَة أَثوَاب: درع وَإِزَار وخمار ولفافة وخرقة ترْبط فَوق ثدييها، تلبس الدرْع وَهُوَ الْقَمِيص أَولا، ثمَّ يوضع الْخمار على رَأسهَا كالمقنعة منشورا فَوق الدرْع تَحت اللفافة والإزار، ثمَّ الْخمار فَوق ذَلِك تَحت الْإِزَار، ثمَّ الْإِزَار تَحت اللفافة، وتربط الْخِرْقَة فَوق اللفافة عِنْد الصَّدْر. وَقَالَ إِبْنِ الْمُنْذر: كل من يحفظ عَنهُ يرى أَن تكفن الْمَرْأَة فِي خَمْسَة أَثوَاب: كالشعبي وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَعَن ابْن سِيرِين: تكفن الْمَرْأَة فِي خَمْسَة أَثوَاب: درع وخمار ولفافتين وخرقة، وَعَن النَّخعِيّ: تكفن فِي خَمْسَة: درع وخمار ولفافة ومبطن ورداء. وَعَن الْحسن: فِي خَمْسَة: درع وخمار وَثَلَاث لفائف وَعَن عَطاء: تكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب: درع وثوب تَحْتَهُ تلف بِهِ، وثوب فَوْقه. وَقَالَ الشَّافِعِي: تكفن فِي خَمْسَة: ثَلَاث لفائف وَإِزَار وخمار. وَفِي الْقَدِيم: قَمِيص ولفافتان، وَهُوَ الْأَصَح، وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ. وَقَالَ أَحْمد: تكفن فِي قَمِيص ومئزر ولفافة ومقنعة وخامسة تشد بهَا فخذاها.
٣١ - (بابٌ يَجْعَلُ الكافُورَ فِي آخِرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَنه يَجْعَل الكافور فِي آخر الْغسْل، وَفِي بعض النّسخ الْأَخِيرَة أَي: فِي الغسلة الْأَخِيرَة.
٨٥٢١ - حدَّثنا حامِدُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ تُوُفِّيَتْ إحْدَى بَنَاتِ النبيِّ ﷺ فَخَرَجَ فَقَالَ اغْسهلْنَهَا ثَلاثَا أوْ خَمْسا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ إنْ رَأيْتُنَّ بِمَاءٍ وِسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُورا أوْ شَيْئا منْ كافُورٍ فإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي قالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فألْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ فقالَ أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واجعلن فِي الْآخِرَة كافورا) . وحامد عمر بن حَفْص الثَّقَفِيّ البكراوي الْبَصْرِيّ، قَاضِي كرمان، سكن نيسابور وَمَات بهَا أول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين.
٩٥٢١ - وعنْ أيُّوبَ عنْ حَفْصَةَ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا بِنَحْوِهِ. وقالَتْ إنَّهُ قَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاثَا أوْ خَمْسا أوْ سَبْعا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ إنْ رَأيْتُنَّ قالَتْ حَفْصَةُ قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَجَعَلْنَا
стр. 2232
رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ..
هُوَ عطف على الْإِسْنَاد الأول تَقْدِيره: وَحدثنَا حَامِد بن عمر حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن حَفْصَة بنت سِيرِين. قَوْله: (بِنَحْوِهِ) أَي: بِنَحْوِ الحَدِيث الأول. قَوْله: (وَجَعَلنَا رَأسهَا) أَي: شعر رَأسهَا (ثَلَاث قُرُون) أَي: ثَلَاث ضفائر.
٤١ - (بابُ نَقْضِ شَعْرِ المَرْأةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نقض شعر الْمَرْأَة الْميتَة عِنْد الْغسْل، وَذكر الْمَرْأَة خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن حكم الرجل الْمَيِّت كَذَلِك إِذا كَانَ شعره مضفورا ليصل المَاء إِلَى أصُول الشّعْر لأجل التَّنْظِيف، وَفِي بعض النّسخ: بَاب، بِالْقطعِ. وينقض، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَشعر الْمَرْأَة كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. فَافْهَم.
وَقَالَ ابنُ سِيرِينَ لَا بَأسَ أنْ يُنْقَضَ شَعْرُ المَرْأَةِ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: لَا بَأْس بِنَقْض شعر الْمَرْأَة، ويروى: بِنَقْض شعر الْمَيِّت، وَهُوَ أَعم لتنَاوله الرجل وَالْمَرْأَة، من حَيْثُ الحكم. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور، عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن حَفْصَة حَدثنَا أَشْعَث عَن مُحَمَّد أَنه كَانَ يَقُول إِذا غسلت الْمَرْأَة ذوب شعرهَا ثَلَاث ذوائب ثمَّ جعل خلفهَا.
٠٦٢١ - حدَّثنا أحْمَدُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ وَهَبٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أيُّوبُ وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قالَتْ حدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأسَ بِنْتِ رسولِ الله ﷺ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاثَةَ قُرُونٍ..
مطابقته ظَاهِرَة، وَأحمد، كَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَنسبه ابْن السكن. وَقَالَ: أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ، وَقَالَ: الجياني، وَقيل: أَحْمد بن عِيسَى التسترِي، وَقَالَ ابْن مَنْدَه الْأَصْفَهَانِي: كلما قَالَ البُخَارِيّ فِي (الْجَامِع) : حَدثنَا أَحْمد عَن ابْن وهب، فَهُوَ: ابْن صَالح الْمصْرِيّ، وَإِذا حدث عَن أَحْمد بن عِيسَى ذكره بنسبته، وَابْن وهب هُوَ: عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج.
قَوْله: (قَالَ أَيُّوب: وَسمعت حَفْصَة) الْوَاو، فِيهِ مَعْطُوف على مُقَدّر تَقْدِيره: سَمِعت كَذَا وَسمعت حَفْصَة. قَوْله: (أَنَّهُنَّ) أَي: أَن النِّسَاء اللَّاتِي باشرن غسل بنت رَسُول الله ﷺ قيل: مِنْهُنَّ أَسمَاء بنت عُمَيْس وَصفِيَّة بنت عبد الْمطلب وليلى بنت قانف، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: وقانف، بِالْقَافِ وَالنُّون. قَوْله: (جعلن رَأس بنت رَسُول الله ﷺ أَي: جعلن شعر رَأسهَا. قَوْله: (ثَلَاثَة قُرُون) أَي: ثَلَاث ضفائر. قَوْله: (نقضنه) لأجل إِيصَال المَاء إِلَى أُصُوله. قَوْله: (ثمَّ جعلنه ثَلَاثَة قُرُون) ، يَعْنِي بعد الْغسْل لينجمع وينضم وَلَا ينتشر، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أَيُّوب عَن حَفْصَة (عَن أم عَطِيَّة: مشطناها ثَلَاثَة قُرُون) . قَالَ بَعضهم: أَي سرحناها بالمشط.
وَفِيه: حجَّة للشَّافِعِيّ وَمن وَافقه على اسْتِحْبَاب تَسْرِيح الشّعْر. قلت: لَيْت شعري كَيفَ يَقُول: وَفِيه حجَّة للشَّافِعِيّ، وَهُوَ لَا يرى قَول الصَّحَابِيّ وَلَا فعله حجَّة، وَأم عَطِيَّة أخْبرت ذَلِك عَن فعلهن وَلَا يخبر عَن النَّبِي ﷺ ؟
٥١ - (بابٌ كَيْفَ الإشْعَارُ لِلْمَيِّتِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ الْإِشْعَار للْمَيت فِي قَوْله ﷺ : (أشعرنها إِيَّاه) ، وَإِنَّمَا أورد هَذِه التَّرْجَمَة مُخْتَصًّا بقوله: كَيفَ الْإِشْعَار؟ مَعَ أَن هَذِه اللَّفْظَة قد ذكرت فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة غير مرّة تَنْبِيها على أَن الْإِشْعَار مَعْنَاهُ فِي هَذَا الطَّرِيق: الإلفاف، وَهُوَ قَوْله: وَزعم الْإِشْعَار ألففنها فِيهِ، على مَا يَجِيء الْآن.
وَقَالَ الحسَنُ الخِرْقَةُ الخَامِسَةُ تَشُدُّ بِهَا الفَخِذَيْنِ وَالوَرِكَيْنِ تَحْتَ الدِّرْعِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن شدّ الفخذين والوركين بالخرقة الْخَامِسَة هُوَ لفها، وَقد فسر الْإِشْعَار فِي آخر حَدِيث
стр. 2233
الْبَاب باللف، وَبِهَذَا الْمِقْدَار يسْتَأْنس بِهِ فِي وَجه الْمُطَابقَة. وَالْحسن: هُوَ الْبَصْرِيّ، وَأَشَارَ بقوله: (الْخِرْقَة الْخَامِسَة) إِلَى أَن الْمَيِّت يُكفن بِخَمْسَة أَثوَاب، لَكِن هَذَا فِي حق النِّسَاء، وَفِي حق الرِّجَال بِثَلَاثَة، وَهُوَ كفن السّنة فِي حَقّهمَا على مَا عرف فِي مَوْضِعه.
قَوْله: (الفخذين والوركين) منصوبان على المفعولية، وَالْفَاعِل هُوَ الضَّمِير الَّذِي فِي: يشد، الرَّاجِع إِلَى الْغَاسِل بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّة عَلَيْهِ، ويروى: (الفخذان والوركان) ، مرفوعين لِأَنَّهُمَا مفعولان نابا عَن الْفَاعِل، فَفِي الأولى: يشد، على بِنَاء الْمَعْلُوم، وَفِي الثَّانِيَة على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (تَحت الدرْع) ، بِكَسْر الدَّال وَهُوَ الْقَمِيص هُنَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ وأخلى بعده بَيَاضًا. وَقَالَ بَعضهم: وَقد وَصله ابْن أبي شيبَة نَحوه. قلت: لم يبين وَصله بِمن وَفِي أَي مَوضِع وَصله، وَالظَّاهِر أَنه غير صَحِيح، ثمَّ قَالَ: وروى الجوزقي من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن حبيب بن الشَّهِيد عَن هِشَام بن حسان عَن حَفْصَة (عَن أم عَطِيَّة، قَالَت: فكفناها فِي خَمْسَة أَثوَاب وخمرناها بِمَا يخمر بِهِ الْحَيّ) ، وَهَذَا يصلح مُسْتَندا لكَون كفن الْمَرْأَة خَمْسَة أَثوَاب، لِأَن قَوْله: (الْخِرْقَة الْخَامِسَة تستدعي الْأَرْبَعَة قبْلَة) وَهَذَا عين مَذْهَب أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
١٦٢١ - حدَّثنا أحْمَدُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ وَهَبٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ أنَّ أيُّوبَ أخْبَرَهُ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ سِيرِينَ يقُولُ جاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ مِنَ الَّلاتِي بايَعْنَ قَدِمَتِ البَصْرَةَ تبَادِرُ ابْنا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ فَحَدَّثَتْنعا قالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا النَبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاثا أوْ خَمْسا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ إنْ رَأيْتُنَّ ذالِكَ بِمَاءٍ وَسِدْر وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورا فإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي قالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا ألْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذالِكَ وَلَا أدْرِي أيُّ بَنَاتِهِ وَزَعَمَ الإْشْعَارَ الْفُفْنَهَا فيهِ وكَذالِكَ كانَ ابنُ سِيرِينَ يَأمُرُ بِالمَرْأةِ أنْ تُشْعَرَ وَلَا تُؤْزَرَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَزعم الْإِشْعَار ألففنها فِيهِ) ، وَفِيه بَيَان كَيْفيَّة الْإِشْعَار، وَهُوَ: اللف. وَصدر السَّنَد مثل صدر سَنَد الحَدِيث فِي الْبَاب السَّابِق، لِأَن فِي كل مِنْهُمَا: حَدثنَا أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أخبرنَا ابْن جريج، إِلَى هُنَا كِلَاهُمَا سَوَاء عَن أَحْمد بن صَالح على الْخلاف عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَهُنَاكَ قَالَ: أَيُّوب وَسمعت حَفْصَة بنت سِيرِين، قَالَ: حَدثنَا أم عَطِيَّة، وَهنا أَن أَيُّوب أخبرهُ قَالَ: سَمِعت ابْن سِيرِين يَقُول جَاءَت أم عَطِيَّة امْرَأَة ... الحَدِيث.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (امْرَأَة من الْأَنْصَار) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ عطف بَيَان، وَلَا يلْزم فِي عطف الْبَيَان أَن يكون من الْأَعْلَام والكنى، وَكلمَة: من، فِي الْمَوْضِعَيْنِ بَيَانِيَّة، وَيجوز أَن تكون الثَّانِيَة للتَّبْعِيض. قَوْله: (قدمت الْبَصْرَة) بَيَان لقَوْله: (جَاءَت) أَو بدل مِنْهُ، قَوْله: (تبادر ابْنا لَهَا) جملَة حَالية، و: تبادر، من الْمُبَادرَة وَهِي الْإِسْرَاع، وَالْمعْنَى: أَنَّهَا أسرعت فِي الْمَجِيء إِلَى بصرة لأجل إبنها الَّذِي كَانَ فِيهَا وَلم تُدْرِكهُ لِأَنَّهُ إِمَّا مَاتَ قبل مجيئها، وَإِمَّا خرج إِلَى مَوضِع آخر. قَوْله: (فحدثتنا) أَي: أم عَطِيَّة، وَالْقَائِل بِهَذَا ابْن سِيرِين. قَوْله: (ذَلِك) ، بِكَسْر الْكَاف، خطابا لأم عَطِيَّة لِأَنَّهَا كَانَت الغاسلة. قَوْله: (فِي الْآخِرَة) أَي: فِي الغسلة الْآخِرَة. قَوْله: (حقوه) أَي: إزَاره. قَوْله: (وَلم يزدْ على ذَلِك) أَي: قَالَ أَيُّوب: لم يزدْ ابْن سِيرِين على الْمَذْكُور، بِخِلَاف حَفْصَة بنت سِيرِين فَإِنَّهَا زَادَت أَشْيَاء مِنْهَا أَنَّهَا قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إبدأوا بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا) . قَوْله: (وَلَا أَدْرِي أَي بَنَاته) أَي: قَالَ أَيُّوب: وَلَا أَدْرِي أَي بَنَاته كَانَت المغسولة، فَأَي، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَي بَنَاته كَانَت، وَنَحْوه وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالَه آخَرُونَ: أَنَّهَا زَيْنَب، إِذْ عدم علمه لَا يُنَافِي علم الْغَيْر، وَقد صرح عَاصِم فِي رِوَايَته عَن حَفْصَة أَنَّهَا زَيْنَب، وَهِي رِوَايَة مُسلم، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد جَمِيعًا عَن أبي مُعَاوِيَة. قَالَ عَمْرو: حَدثنَا مُحَمَّد بن حَازِم أَبُو مُعَاوِيَة. قَالَ: حَدثنَا عَاصِم الْأَحول عَن حَفْصَة بنت سِيرِين عَن أم عَطِيَّة. قَالَت: لما مَاتَت زَيْنَب بنت رَسُول الله ﷺ قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ : (إغسلنها وترا) الحَدِيث. قَوْله: (وَزعم) أَي: أَيُّوب. قَوْله: (الْإِشْعَار) ، مَنْصُوب بقوله: (زعم) . أَي: قَالَ أَيُّوب: إِن معنى أشعرنها فِي الحَدِيث أَي ألففنها
стр. 2234
فِيهِ من الإلفاف، وَذكر فِيهِ لَفْظَة الْإِشْعَار مَعَ أَنه لَيْسَ فِيهِ صِيغَة الْأَمر، ثمَّ فسره بِصِيغَة الْأَمر. بقوله: (ألففنها فِيهِ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ طلب الِاخْتِصَار، وَتَقْدِيره: أَن الْإِشْعَار هُوَ اللف، فَمَعْنَى: أشعرنها إِيَّاه، ألففنها فِيهِ. وَلَا التباس فِيهِ للقرينة الدَّالَّة على ذَلِك. قَوْله: (وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن سِيرِين) أَي: قَالَ أَيُّوب: وَكَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين يَأْمر بِالْمَرْأَةِ أَن تشعر، أَي: تلف، وتشعر على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَلَا تؤزر) أَي: وَلَا تجْعَل الشعار عَلَيْهَا مثل الْإِزَار، لِأَن الْإِزَار لَا يعم الْبدن بِخِلَاف الشعار. وَكَانَ ابْن سِيرِين أعلم التَّابِعين بِعَمَل الْمَوْتَى، وَأَيوب بعده. قَوْله: (لَا تؤزر) ، بِضَم التَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَفتح الزَّاي، وَيجوز بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الزَّاي من: التأزير.
٦١ - (بابٌ هَلْ يُجْعَلُ شَعرُ المَرْأةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يَجْعَل شعر الْمَرْأَة ثَلَاثَة قُرُون؟ أَي: ضفائر؟ وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوف تَقْدِيره يَجْعَل، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن فِي غَالب النّسخ: بَاب يَجْعَل. . إِلَى آخِره، بِدُونِ كلمة: هَل.
٢٦٢١ - حدَّثنا قَبِيصَةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَامٍ عنْ أمِّ الهُذَيْلِ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ تَعْنِي ثَلَاثَةَ قُرُونٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عقبَة العامري. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: هِشَام بن حسان الفردوسي الْأَزْدِيّ. الرَّابِع: أم الْهُذيْل، بِضَم الْهَاء وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره لَام، وَاسْمهَا: حَفْصَة بنت سِيرِين. الْخَامِس: أم عَطِيَّة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه كوفيان وَهِشَام بَصرِي وَأم الْهُذيْل مصريان. وَفِيه: ثَلَاثَة ذكرُوا من غير نِسْبَة. وَفِيه: اثْنَتَانِ مذكورتان بالكنية، وَلم تذكر أم حَفْصَة بكنيتها إلَاّ فِي هَذَا الطَّرِيق.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ضفرنا) ، بالضاد وَتَخْفِيف الْفَاء، من الضفر وَهُوَ نسج الشّعْر عريضا، وَكَذَلِكَ التضفير. قَوْله: (تَعْنِي) أَي: أم عَطِيَّة. قَوْله: (ثَلَاثَة قُرُون) أَي: ضفائر.
وَقَالَ وَكِيعٌ قَالَ سفْيَانُ ناصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا
أَي: قَالَ وَكِيع بن جراح عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِهَذَا الْإِسْنَاد: ناصيتها وقرنيها، أَي: جَانِبي رَأسهَا، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مُحَمَّد بن علوِيَّة: حَدثنَا عَمْرو بن عبد الله حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن حَارِث الْمحَاربي عَن سُفْيَان، وَمن حَدِيث عبد الله بن صَالح حَدثنَا هَارُون بن عبد الله حَدثنَا قبيصَة حَدثنَا سُفْيَان عَن هِشَام، وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان. وَمعنى: ناصيتها وقرنيها، أَنَّهَا جعلت ناصيتها ضفيرة وقرناها ضفيرتين، وَلَا تنَافِي بَين قَوْلهَا: قرنيها، هَهُنَا وَفِيمَا قبله ثَلَاثَة قُرُون، لِأَن المُرَاد بالقرنين جانبا الرَّأْس، كَمَا ذكرنَا، وبالقرون: الذوائب.
قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: اسْتِحْبَاب تضفير الشّعْر خلافًا للكوفيين. قلت: لَيْت شعري كَيفَ ينْقل هَؤُلَاءِ مَذَاهِب النَّاس على غير مَا هِيَ عَلَيْهِ، والكوفيون مَا أَنْكَرُوا التضفير، وَإِنَّمَا مَذْهَبهم أَن شعرهَا يَجْعَل ضفيرتين على صدرها فَوق الدرْع، وَعند الشَّافِعِي وَمن تبعه: يَجْعَل ثَلَاثَة ضفائر خلف ظهرهَا. وَقَالَ بَعضهم: وَالْحَنَفِيَّة ترسل شعر الْمَرْأَة خلفهَا وعَلى وَجههَا مُتَفَرقًا. قلت: هَذَا أبعد من الصَّوَاب من ذَاك، وَلم ينْقل أحد مِنْهُم بِهَذَا الْوَجْه إلَاّ مِمَّن لَا يقبل قَوْله، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب مَا يسْتَحبّ أَن يغسل وترا.
٧١ - (بَاب يُلْقَى شَعَرُ المَرْأةِ خَلْفَهَا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: يلقى شعر الْمَرْأَة خلفهَا بعد الْفَرَاغ من الْغسْل، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت: يَجْعَل شعر الْمَرْأَة خلفهَا، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: يلقى شعر الْمَرْأَة خلفهَا ثَلَاثَة قُرُون.
٣٦٢١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ عنْ هِشَامِ بنِ حَسَّانٍ قَالَ حدَّثَتْنَا
стр. 2235
حَفْصَةُ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ تُوُفِّيَتْ إحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَانَا النبيُّ ﷺ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرا ثَلَاثا أوْ خَمْسا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ إنْ رَأيْتُنَّ ذالِكَ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُورا أوْ شَيْئا مِنْ كافُورٍ فَإذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فألْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ وَألْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فألقيناها خلفهَا) ، وَهَذِه التَّرْجَمَة هِيَ الْعَاشِرَة الَّتِي ذكرهَا هَهُنَا، والحادية عشرَة ذكرهَا فِي كتاب الْوضُوء. قَوْله: (فضفرنا شعرهَا) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بِلَفْظ: (ومشطناها) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق من طَرِيق أَيُّوب عَن حَفْصَة: (ضفرنا رَأسهَا ثَلَاثَة قُرُون: ناصيتها وقرنيها) . وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذَا الحَدِيث على عدم وجوب الْغسْل على غاسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ مَوضِع تَعْلِيم، وَلم يَأْمر بِهِ، وردَّ بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون شرع ذَلِك بعد هَذِه الْقَضِيَّة. وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف، فَعَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة أَنَّهُمَا قَالَا: (من غسل مَيتا فليغتسل) ، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالزهْرِيّ. وَقَالَ النَّخعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: يتَوَضَّأ. وَقَالَ مَالك: أحب لَهُ الْغسْل، واستحبه الشَّافِعِي، وَقَالَ الْبُوَيْطِيّ: إِن صَحَّ الحَدِيث قلت بِوُجُوبِهِ، وَعند عَامَّة أهل الْعلم: لَا غسل عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَائِشَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ.
وَاسْتدلَّ الْفَرِيق الأول بِمَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) : (عَن عَائِشَة أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يغْتَسل من أَربع: من الْجَنَابَة، وَيَوْم الْجُمُعَة، وَمن الْحجامَة، وَغسل الْمَيِّت) . وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة: أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من غسل الْمَيِّت فليغتسل، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، وروى ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: (أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما غسل أَبَاهُ أمره النَّبِي ﷺ أَن يغْتَسل) . وَعَن مَكْحُول قَالَ: سَأَلَ رجل حُذَيْفَة عَن غسل الْمَيِّت فَعلمه، وَقَالَ: إِذا فرغت فاغتسل، وَعَن أبي قلَابَة بِسَنَد صَحِيح أَنه كَانَ إِذا غسل مَيتا اغْتسل. وأجابت الْفرْقَة الثَّانِيَة بِمَا قَالَ الْحَاكِم: عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي: لَا نعلم فِيمَن غسل مَيتا فليغتسل حَدِيثا ثَابتا، وَلَو ثَبت للزمني اسْتِعْمَاله، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة رُوِيَ مَوْقُوفا، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: إِن رَفعه خطأ، إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف لَا يرفعهُ الثِّقَات. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيث مَنْسُوخ. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَالَت جمَاعَة أهل الحَدِيث: هُوَ حَدِيث ضَعِيف، وروى الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيثا عَن ابْن عمر؛ فمنا من اغْتسل وَمنا من لم يغْتَسل، وَالله أعلم.
٨١ - (بابُ الثِّيَابِ البِيضِ لِلْكَفَنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الثِّيَاب الْبيض لأجل الْكَفَن، وَالْبيض بِكَسْر الْبَاء جمع أَبيض، وَلما فرغ عَن بَيَان أَحْكَام غسل الْمَوْتَى شرع فِي بَيَان الْكَفَن على التَّرْتِيب.
٩١ - (بابُ الكفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْكَفَن فِي ثَوْبَيْنِ، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الثَّلَاثَة لَيْسَ بِوَاجِب. بل هُوَ كفن السّنة فَإِن اقْتصر على الْإِثْنَيْنِ من غير ضَرُورَة يكون ترك السّنة، وَأما الْوَاحِد فَلَا بُد مِنْهُ.
٥٦٢١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إذْ وَقَعَ عنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أوْ قالَ فأوْقَصَتْهُ قَالَ النبيُّ ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وسِدْر وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان: اسْمه مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، يعرف بعارم. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: شَيْخه وَحَمَّاد وَأَيوب بصريون وَسَعِيد بن جُبَير كُوفِي. وَفِيه: شَيْخه بكنيته وَاثْنَانِ بِلَا نِسْبَة. وَفِيه: حَمَّاد عَن أَيُّوب، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب.
ذكر تعدد
стр. 2236
مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا، فِي الْجَنَائِز عَن قُتَيْبَة ومسدد، وَفِي الْحَج عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَأخرجه مُسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَأخرجه أَبُو دَاوُد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ عَن سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن عبيد ومسدد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. عَن حَفْص وَأخرجه ابْن ماجة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. (ذكر الِاخْتِلَاف فِي عدد كَفنه وَفِي صفته) فَفِي البُخَارِيّ مَا ذكر وَفِي مُسلم " عَن عَائِشَة قَالَت أدرج رَسُول الله ﷺ َ - فِي حلَّة يَمَانِية كَانَت لعبد الله بن أبي بكر ثمَّ نزعت عَنهُ وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة يَمَانِية لَيْسَ فِيهَا عِمَامَة وَلَا قَمِيص " الحَدِيث وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَنْهَا " أدرج رَسُول الله ﷺ َ - فِي ثوب وَاحِد حبرَة ثمَّ أخرج عَنهُ " وَفِيه أَيْضا مثل رِوَايَة البُخَارِيّ وَفِيه عَن ابْن عَبَّاس " فِي ثَلَاثَة أَثوَاب نجرانية الْحلَّة ثَوْبَان وقميصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ " قَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة " فِي ثَلَاثَة أَثوَاب حلَّة حَمْرَاء وقميصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ " وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْهَا " كفن النَّبِي ﷺ َ - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض يَمَانِية وَلَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة " قَالَ فَذكرُوا لعَائِشَة قَوْلهم فِي ثَوْبَيْنِ وَبرد حبرَة فَقَالَت قد أُتِي بالبرد وَلَكنهُمْ ردُّوهُ وَلم يكفنوه فِيهِ وَفِي النَّسَائِيّ عَنْهَا كَذَلِك وَفِي سنَن ابْن ماجة كَذَلِك وَفِي رِوَايَة لَهُ " عَن ابْن عمر قَالَ كفن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ثَلَاثَة رياط بيض سحُولِيَّة " وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ " كفن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب قَمِيصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ وحلة نجرانية " وَفِي مُسْند أَحْمد عَنْهَا " أَن رَسُول الله ﷺ َ - كفن فِي ثَلَاث رياط بيض يَمَانِية " وَفِيه أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس " كفن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ثَوْبَيْنِ أَبيض وَبرد أَحْمَر " وَانْفَرَدَ أَحْمد بِالْحَدِيثين وَعند أبي سعيد بن الْأَعرَابِي " عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ كفن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ريطتين وَبرد نجراني " وَعند ابْن عَسَاكِر " كفن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا قبَاء وَلَا عِمَامَة " وَعند ابْن أبي شيبَة " عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ - كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب " وَفِي إِسْنَاده سُوَيْد بن عَمْرو وَثَّقَهُ ابْن معِين وَالْعجلِي وَغَيرهمَا وَضَعفه ابْن حبَان وَفِيه عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل اخْتلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَعند الْبَزَّار " كفن فِي سَبْعَة ثَلَاثَة سحُولِيَّة وقميصه وعمامة وَسَرَاويل والقطيفة الَّتِي جعلت تَحْتَهُ " وَعند ابْن سعد " عَن الشّعبِيّ كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب برد يَمَانِية غِلَاظ إِزَار ورداء ولفافة " وَعَن مرّة بن شُرَحْبِيل " عَن ابْن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ َ - لما ثقل قُلْنَا فيمَ نكفنك قَالَ فِي ثِيَابِي هَذِه إِن شِئْتُم أَو فِي يَمَانِية أَو فِي ثِيَاب مصر " وَعَن مُحَمَّد بن سِيرِين " عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - زر عَلَيْهِ قَمِيصه الَّذِي كفن فِيهِ " قَالَ ابْن سِيرِين وَأَنا زررت على أبي هُرَيْرَة وَعند أبي بشر الدولابي عَن سَالم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ َ - كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب ثَوْبَيْنِ صحارين وثوب حبرَة " وَعند ابْن عدي " عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كفن النَّبِي ﷺ َ - فِي ثَوْبَيْنِ أبيضين سحولتين " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رُوِيَ فِي كفن النَّبِي ﷺ َ - رِوَايَات مُخْتَلفَة حَدِيث عَائِشَة أصح الرِّوَايَات الَّتِي رويت فِي كفن النَّبِي ﷺ َ - وَالْعَمَل على حَدِيث عَائِشَة ﵂ عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - وَغَيرهم (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يَمَانِية " بتَخْفِيف الْيَاء منسوبة إِلَى الْيمن وَإِنَّمَا خففوا الْيَاء وَإِن كَانَ الْقيَاس تَشْدِيد يَاء النّسَب لأَنهم حذفوا يَاء النّسَب لزِيَادَة الْألف وَكَانَ الأَصْل يمنية قَالَ الْأَزْهَرِي فِي التَّهْذِيب قَوْلهم رجل يمَان مَنْسُوب إِلَى الْيمن وَكَانَ فِي الأَصْل يمني فزادوا الْفَا قبل النُّون وحذفوا يَاء النِّسْبَة قَالَ وَكَذَلِكَ قَالُوا رجل شآم كَانَ فِي الأَصْل شَامي فزادوا الْفَا وحذفوا يَاء النِّسْبَة قَالَ وَهَذَا قَول الْخَلِيل وسيبويه وَقَالَ الْهَرَوِيّ فِي الغريبين يُقَال رجل يمَان وَالْأَصْل يماني فخففوا يَاء النِّسْبَة وَحكى الْجَوْهَرِي فِيهِ التَّشْدِيد مَعَ إِثْبَات الْألف فَيُقَال يماني وَهِي لُغَة حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ أَيْضا وَالتَّخْفِيف أصح قَوْله " سحُولِيَّة " قَالَ الْأَزْهَرِي بِالْفَتْح نَاحيَة بِالْيمن تعْمل فِيهَا الثِّيَاب وبالضم الثِّيَاب الْبيض وَقيل بِالْفَتْح نِسْبَة إِلَى قَرْيَة بِالْيمن وبالضم ثِيَاب الْقطن وَفِي التَّلْخِيص لأبي هِلَال العسكري وَفِي الحَدِيث " كفن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ثَوْبَيْنِ سحولين " بِفَتْح السِّين فسحول قَبيلَة بِالْيمن تنْسب إِلَيْهَا هَذِه الثِّيَاب والسحل ثوب أَبيض وَجمعه سحول وسحل وَذكر ابْن سَيّده والقزاز أَن السحل ثوب لَا يبرم غزله طاقين والسحل ثوب أَبيض رَقِيق وَخص بِهِ بَعضهم الْقطن وَجمعه أسحال وَسحُول مَوضِع بِالْيمن تعْمل فِيهِ هَذِه الثِّيَاب وَفِي الْمغرب للمطرزي منسوبة إِلَى سحول قَرْيَة بِالْيمن بِالْفَتْح وَالضَّم
стр. 2237
قَوْله " من كُرْسُف " بِضَم الْكَاف وَسُكُون الرَّاء وَضم السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره فَاء وَهُوَ الْقطن وَتَفْسِير بَقِيَّة الْأَلْفَاظ الَّتِي فِي أَحَادِيث غير الْبَاب قَوْله " حبرَة " بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء برد هُوَ يمَان يُقَال برد حبير وَبرد حبرَة على الْوَصْف وَالْإِضَافَة وَالْجمع حبر وحبرات وَقيل الْحبرَة مَا كَانَ من البرود مخططا موشيا وَفِي التَّهْذِيب لَيْسَ حبرَة موضعا أَو شَيْئا مَعْلُوما إِنَّمَا هُوَ وشى كَقَوْلِك ثوب قرمز والقرمز صبغه قَوْله " نجرانية " بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم نِسْبَة إِلَى نَجْرَان بليدَة فِي الْيمن قَوْله " حلَّة " بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام وَهِي إِزَار ورداء وَلَا تكون الْحلَّة إِلَّا من اثْنَيْنِ قَوْله " رياط " بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف جمع ريطة وَهِي كل ملاءة لَيست بلفقين وكل ثوب رَقِيق لين وَيجمع على ريط أَيْضا والقطيفة بِفَتْح الْقَاف وَكسر الطَّاء كسَاء لَهُ خمل (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) بِهِ احْتج أَصْحَابنَا فِي أَن كفن السّنة فِي حق الرجل ثَلَاثَة أَثوَاب وَلَكِن قَوْلهم فِي الْكتب إِزَار وقميص ولفافة يمْنَع الِاسْتِدْلَال بِهِ فَيكون حجَّة عَلَيْهِم فِي عدم الْقَمِيص وَالشَّافِعِيّ أَخذ بِظَاهِرِهِ وَاحْتج بِهِ على أَن الْمَيِّت يُكفن فِي ثَلَاثَة لفائف وَبِه قَالَ أَحْمد وَلَكِن الَّذِي يتم بِهِ اسْتِدْلَال أَصْحَابنَا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيث جَابر بن سَمُرَة فَإِنَّهُ قَالَ " كفن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب قَمِيص وَإِزَار ولفافة " رَوَاهُ ابْن عدي فِي الْكَامِل وَفِيه ترك الْعِمَامَة وَفِي الْمَبْسُوط وَكره بعض مَشَايِخنَا الْعِمَامَة لِأَنَّهُ يصير شفعا وَاسْتَحْسنهُ بعض الْمَشَايِخ لما رُوِيَ عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه كفن ابْنه واقدا فِي خَمْسَة أَثوَاب قَمِيص وعمامة وَثَلَاث لفائف وأدار الْعِمَامَة إِلَى تَحت حنكه رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور
(بَاب الْكَفَن فِي ثَوْبَيْنِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْكَفَن فِي ثَوْبَيْنِ وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الثَّلَاثَة لَيْسَ بِوَاجِب بل هُوَ كفن السّنة فَإِن اقْتصر على الِاثْنَيْنِ من غير ضَرُورَة يكون ترك السّنة وَأما الْوَاحِد فَلَا بُد مِنْهُ
٢٧ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵃. قَالَ بَيْنَمَا رجل وَاقِف بِعَرَفَة إِذْ وَقع عَن رَاحِلَته فوقصته أَو قَالَ فأوقصته قَالَ النَّبِي ﷺ َ - اغسلوه بِمَاء وَسدر وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تحنطوه وَلَا تخمروا رَأسه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول أَبُو النُّعْمَان اسْمه مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي يعرف بعارم. الثَّانِي حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع سعيد بن جُبَير. الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه شَيْخه وَحَمَّاد وَأَيوب بصريون وَسَعِيد بن جُبَير كُوفِي وَفِيه شَيْخه بكنيته وَاثْنَانِ بِلَا نِسْبَة وَفِيه حَمَّاد عَن أَيُّوب وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن قُتَيْبَة ومسدد وَفِي الْحَج عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأخرجه مُسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَأخرجه أَبُو دَاوُد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِيهِ عَن سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن عبيد ومسدد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة -
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) ، أَصله: بَين، فزيدت فِيهِ الْألف وَالْمِيم، وَهُوَ من الظروف الزمانية يُضَاف إِلَى جملَة من فعل وفاعل ومبتدأ وَخبر، وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، وَجَوَابه هُنَا قَوْله: (إِذْ وَقع) أَي: وَقع رجل وَاقِف. قَوْله: (فوقصته) (أَو قَالَ: فأوقصته) شكّ من الرَّاوِي: الأول: من الوقص وَهُوَ كسر الْعُنُق، وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة. وَالثَّانِي: من الإيقاص وَهُوَ شَاذ، لِأَن الْأَصَح هُوَ الثلاثي. وَفِي (فصيح ثَعْلَب) : وقص الرجل إِذا سقط عَن دَابَّته فاندقت عُنُقه فَهُوَ موقوص، وَعَن
стр. 2238
الْكسَائي: وقصا، وَلَا يكون: وقصت الْعُنُق نَفسهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا صرعته فَكسرت عُنُقه، وَقَالَ: أقصعته بِتَقْدِيم الصَّاد الْمُهْملَة على الْعين الْمُهْملَة، لَيْسَ بِشَيْء، والقصع هُوَ كسر الْعَطش، وَيحْتَمل أَن يستعار لكسر الرَّقَبَة وَأما الإقعاص، أَي: بِتَقْدِيم الْعين فَهُوَ إعجال الْهَلَاك أَي: لم يلبث أَن مَاتَ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال ضربه فأقعصه، أَي: قَتله مَكَانَهُ وَيُقَال: قصع القملة أَي قَتلهَا، وقصع المَاء عطشه أَي: أذهبه وسكنه، وَاعْلَم أَن الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي (فوقصته) ، للراحلة، والمنصوب يرجع إِلَى الرجل. وَقَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون فَاعل: وقصته، الْوَقْعَة أَو الرَّاحِلَة، بِأَن تكون أَصَابَته بعد أَن وَقع قلت: الْفَاعِل هُوَ الرَّاحِلَة، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهر التَّرْكِيب، وَكَون الْفَاعِل هُوَ الْوَقْعَة بعيد) وَخلاف الظَّاهِر، وَقَالَ أَيْضا: وَقَالَ الْكرْمَانِي: فوقصته أَي رَاحِلَته. قلت: لم يقل الْكرْمَانِي هَذَا، وَإِنَّمَا نقل عَن الْخطابِيّ مَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ آنِفا، والعنق، بِضَمَّتَيْنِ وبسكون النُّون، وَصله مَا بَين الرَّأْس والجسد، وَيذكر وَيُؤَنث، فَمن قَالَ: عنق بِإِسْكَان النُّون ذكر، وَمن قَالَ بِضَم النُّون أنث، وَعند ابْن خالويه: التصغير فِي لُغَة من ذكَّر: عنيق، وَفِي لُغَة من أنث، عنيقة. وَالْجمع أَعْنَاق. قَوْله: (وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ) إِنَّمَا لم يزده ثَالِثا إِكْرَاما لَهُ، كَمَا فِي الشَّهِيد لم يزدْ على ثِيَابه. قَوْله: (وَلَا تحنطوه) بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: لَا تمسوه حنوطا. قَوْله: (وَلَا تخمروا رَأسه) أَي: وَلَا تغطوها. وَفِي (أَفْرَاد مُسلم) : (وَلَا تخمروا رَأسه وَلَا وَجهه) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَذكر الْوَجْه وهم من بعض رُوَاته فِي الْإِسْنَاد والمتن، وَالصَّحِيح: (لَا تغطوا رَأسه) . قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن هَذَا الرجل. قَوْله: (ملبيا) ، نصب على الْحَال، أَي: حَال كَونه قَائِلا لبيْك، وَالْمعْنَى أَنه يحْشر يَوْم الْقِيَامَة على هَيئته الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا ليَكُون ذَلِك عَلامَة لحجه، كالشهيد يَأْتِي وأوداجه تشخب دَمًا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَفِي رِوَايَة (ملبدا) أَي: على هَيْئَة ملبدا شعره بصمغ وَنَحْوه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأهل الظَّاهِر فِي أَن الْمحرم على إِحْرَامه بعد الْمَوْت، وَلِهَذَا يحرم ستر رَأسه وتطييبه، وَهُوَ قَول عُثْمَان وَعلي وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَالثَّوْري. وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ إِلَى أَنه يصنع بِهِ مَا يصنع بالحلال، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَائِشَة وَابْن عمر وَطَاوُس لِأَنَّهَا عبَادَة شرعت فبطلت بِالْمَوْتِ: كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام. وَقَالَ ﷺ : (إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إلَاّ من ثَلَاث. .) وإحرامه من عمله، وَلِأَن الْإِحْرَام لَو بَقِي لطيف بِهِ وكملت مَنَاسِكه، وَقَالَ بَعضهم: وَأجِيب: بِأَن ذَلِك ورد على خلاف الأَصْل، فَيقْتَصر بِهِ على مورد النَّص، وَلَا سِيمَا قد وضح أَن الْحِكْمَة فِي ذَلِك اسْتِبْقَاء شعار الْإِحْرَام كاستبقاء دم الشُّهَدَاء قلت: لَا نسلم أَنه ورد على خلاف الأَصْل، وَكَيف ورد على خلاف الأَصْل وَقد أَمر بِغسْلِهِ بِالْمَاءِ والسدر، وَهُوَ الأَصْل فِي الْمَوْتَى؟ وَأما قَوْله: لَا تحنطوه. . إِلَى آخِره فَهُوَ مَخْصُوص بِهِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله: الْحِكْمَة فِي ذَلِك. . إِلَى آخِره. وَفِيه: الرَّد على كَلَامه، بَيَان ذَلِك أَن اسْتِبْقَاء دم الشَّهِيد مَخْصُوص بِهِ، فَكَذَلِك اسْتِبْقَاء شعار الْإِحْرَام مَخْصُوص بالموقوص. وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ لَيْسَ عَاما بِلَفْظِهِ، لِأَنَّهُ فِي شخص معِين، وَلِأَنَّهُ لم يقل يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا لِأَنَّهُ محرم، فَلَا يتَعَدَّى حكمه إِلَى غَيره إلَاّ بِدَلِيل. وَقَالَ: اغسلوه بسدر، وَالْمحرم لَا يجوز غسله بسدر، وَذكر الطرطوشي فِي (كتاب الْحَج) أَن أَبَا الشعْثَاء جَابر بن زيد روى عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا تخمروا رَأسه وخمروا وَجهه. وَقد روى عبد الرَّزَّاق ابْن جريج عَن عَطاء أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (خمروا وُجُوههم وَلَا تتشبهوا باليهود وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ وَحكم ابْن الْقطَّان بِصِحَّتِهِ وَلَفظه (خمروا وُجُوه مَوْتَاكُم) . وَفِي (الْمُوَطَّأ) أَن عبد الله بن عمر لما مَاتَ ابْنه وَاقد وَهُوَ محرم كَفنه وخمر وَجهه وَرَأسه، وَقَالَ: لَوْلَا أَنا محرمون لحنطناك يَا وَاقد. وَفِي (المُصَنّف) بأسانيد جِيَاد: عَن عَطاء، قَالَ: وَسُئِلَ عَن الْمحرم يغطى رَأسه إِذا مَاتَ؟ قيل: غطى ابْن عمر وكشف غَيره. وَقَالَ طَاوُوس: يغيب رَأس الْمحرم إِذا مَاتَ. وَقَالَ الْحسن: إِذا مَاتَ الْمحرم فَهُوَ حَلَال، وَمن حَدِيث مجَالد عَن عَامر: (إِذا مَاتَ الْمحرم ذهب إِحْرَامه) . وَمن حَدِيث إِبْرَاهِيم عَن عَائِشَة: إِذا مَاتَ الْمحرم ذهب إِحْرَام صَاحبكُم، وَقَالَهُ عِكْرِمَة بِسَنَد جيد، وَحكى ابْن حزم أَنه صَحَّ عَن عَائِشَة تحنيط الْمَيِّت الْمحرم إِذا مَاتَ، وتطييبه وتخمير رَأسه، وَعَن جَابر عَن أبي جَعْفَر، قَالَ: الْمحرم يُغطي رَأسه وَلَا يكْشف. وَفِيه: جَوَاز الْكَفَن فِي ثَوْبَيْنِ، وَهُوَ كفن الْكِفَايَة، وكفن الضَّرُورَة وَاحِد. وَفِيه: فِي قَوْله: (فِي ثَوْبَيْنِ) اسْتِدْلَال بَعضهم على إِبْدَال ثِيَاب الْمحرم. وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْحَج بِلَفْظ: فِي ثَوْبه) ، وللنسائي من طَرِيق يُونُس بن نَافِع عَن عَمْرو بن دِينَار: (فِي ثوبيه الَّذين أحرم فيهمَا) . قلت: ظَاهر متن الحَدِيث هُنَا يدل على صِحَة اسْتِدْلَال بَعضهم على إِبْدَال ثِيَاب الْمحرم، وَهَذَا يدل على أَنه خرج من
стр. 2239
الْإِحْرَام، وَلَا يضرنا رِوَايَة: ثوبيه، وَلَا رِوَايَة النَّسَائِيّ، لِأَن رِوَايَة: ثَوْبَيْنِ، أقوى لكَون البُخَارِيّ أخرجه من ثَلَاث طرق. وَفِيه: غسله بالسدر، وَهَذَا يدل على أَنه خرج من الْإِحْرَام، وَعكس صَاحب التَّوْضِيح فَقَالَ: غسله بالسدر يدل على أَنه جَائِز للْمحرمِ. وَفِيه: رد على مَالك وَأبي حنيفَة وَآخَرين حَيْثُ منعُوهُ. قلت: ظَاهر الحَدِيث يرد عَلَيْهِ كَلَامه، لِأَن الأَصْل عدم جَوَاز غسل الْمحرم بالسدر، فلولا أَنه خرج عَن لإحرام مَا أَمر بِغسْلِهِ بالسدر. وَفِيه: إِطْلَاق الْوَاقِف على الرَّاكِب، وَالرجل لم يُوقف على اسْمه، وَكَانَ وُقُوعه عَن رَاحِلَته عِنْد الصخرات موقف رَسُول الله ﷺ ، قَالَه ابْن حزم وَفِيه: أَن الْكَفَن من رَأس المَال. وَفِيه: أَن الْمحرم إِذا مَاتَ لَا يكمل عَلَيْهِ غَيره كَالصَّلَاةِ، وَقد وَقع أجره على الله، وَمِنْه أَخذ بَعضهم أَن النِّيَابَة فِي الْحَج لَا تجوز لِأَنَّهُ ﷺ لم يَأْمر أحدا أَن يكمل عَن هَذَا الموقوص أَفعَال الْحَج، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من النّظر. وَفِيه: أَن إِحْرَام الرجل فِي الرَّأْس دون الْوَجْه. وَفِيه: أَن من شرع فِي طَاعَة ثمَّ حَال بَينه وَبَين إِتْمَامهَا الْمَوْت يُرْجَى لَهُ أَن الله تَعَالَى يَكْتُبهُ فِي الْآخِرَة من أهل ذَلِك الْعَمَل، ويقبله مِنْهُ إِذا صحت النِّيَّة، وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله﴾ (النِّسَاء: ٠٠١) . الْآيَة.
٠٢ - (بابُ الحُنُوطِ لِلْمَيِّتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الحنوط للْمَيت، وَقد مر تَفْسِير الحنوط.
٦٦٢١ - حدَّثنا قتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عَنْ أيُّوبَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ واقِفٌ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِعَرَفَةَ إذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فأقْصَعَتْهُ أوْ قَالَ فأفعَصتْهُ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهِ وَلَا تخَمِّرُوا رأْسَهُ فإنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تحنطوه) ، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه هُوَ الحَدِيث السَّابِق سندا ومتنا، غير أَن شَيْخه هُنَا: قُتَيْبَة ابْن سعد، وَهُنَاكَ: أَبُو النُّعْمَان.
قَوْله: (فأقصعته أَو قَالَ: فأفعصته) شكّ من الرَّاوِي من ابْن عَبَّاس، فَالْأول: بِتَقْدِيم الْقَاف على الصَّاد الْمُهْملَة، وَالثَّانِي: بِتَقْدِيم الْعين على الصَّاد، من قعاص الْغنم.
١٢ - (بابٌ كيْفَ يُكَفَّنُ المحْرِمُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ يُكفن الْمحرم إِذا مَاتَ، وَلَيْسَت هَذِه التَّرْجَمَة بموجودة فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، قيل: ضمن هَذِه التَّرْجَمَة الِاسْتِفْهَام عَن الْكَيْفِيَّة، مَعَ أَنَّهَا مبينَة، لَكِنَّهَا لما كَانَت يحْتَمل أَن تكون خَاصَّة بذلك الرجل وَأَن تكون عَامَّة لكل محرم آثر المُصَنّف الِاسْتِفْهَام، وَقَالَ بَعضهم: يظْهر أَن المُرَاد بقوله: كَيفَ يُكفن؟ أَي: كَيْفيَّة التَّكْفِين؟ وَلم يرد الإستفهام. وَكَيف يظنّ بِهِ أَنه مُتَرَدّد فِيهِ وَقد جزم قبل ذَلِك بِأَنَّهُ عَام فِي حق كل أحد حَيْثُ ترْجم بِجَوَاز التَّكْفِين فِي ثَوْبَيْنِ؟ قلت: قَوْله لم يرد بِهِ الِاسْتِفْهَام، غير صَحِيح، لِأَن: كَيفَ، للاستفهام الْحَقِيقِيّ فِي الْغَالِب، وَمَعْنَاهُ السُّؤَال عَن الْحَال، وَعدم تردد البُخَارِيّ فِي: بَاب التَّكْفِين فِي ثَوْبَيْنِ، لَا يسْتَلْزم عدم تردده فِي هَذَا الْبَاب.
٢٩ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ أخبرنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رجلا وقصه بعيره وَنحن مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ محرم فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - اغسلوه بِمَاء وَسدر وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تمسوه طيبا وَلَا تخمروا رَأسه فَإِن الله يَبْعَثهُ يَوْم الْقِيَامَة ملبدا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَلَا تخمروا رَأسه " وَهُوَ مثل الحَدِيث الأول غير أَن سَنَده عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل عَن ابْن عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَيُقَال الْكِنْدِيّ الوَاسِطِيّ عَن أبي بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جَعْفَر بن أبي
стр. 2240
وحشية قَوْله " وَنحن " الْوَاو فِيهِ للْحَال وَكَذَلِكَ الْوَاو فِي " وَهُوَ محرم " قَوْله " وَلَا تمسوه " بِضَم التَّاء وَكسر الْمِيم من الإمساس قَوْله " ملبدا " كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي " ملبيا " كَمَا فِي الرِّوَايَة الأولى وَالثَّانيَِة وَهُوَ من التلبيد وَهُوَ أَن يَجْعَل الْمحرم فِي رَأسه شَيْئا من الصمغ ليلتصق شعره فَلَا يشعث فِي الْإِحْرَام وَأنكر عِيَاض رِوَايَة التلبيد وَقَالَ لَيْسَ لَهُ معنى (قلت) لَهُ معنى وَهُوَ أَن الله تَعَالَى يَبْعَثهُ على هَيئته الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا
٣٠ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو وَأَيوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ رجل وَاقِف مَعَ النَّبِي ﷺ َ - بِعَرَفَة فَوَقع عَن رَاحِلَته. قَالَ أَيُّوب فوقصته وَقَالَ عَمْرو فأقعصته فَمَاتَ فَقَالَ اغسلوه بِمَاء وَسدر وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تحنطوه وَلَا تخمروا رَأسه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ أَيُّوب يُلَبِّي. وَقَالَ عَمْرو ملبيا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَلَا تخمروا وَجهه " وَهَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عَبَّاس عَن مُسَدّد إِلَى آخِره وَعَمْرو بِفَتْح الْعين هُوَ ابْن دِينَار وَحَمَّاد بن زيد يرويهِ عَن عَمْرو وَعَن أَيُّوب جَمِيعًا وَكِلَاهُمَا يرويان عَن سعيد بن جُبَير قَوْله " كَانَ رجل وَاقِف " بِالرَّفْع لِأَن كَانَ تَامَّة ويروى " وَاقِفًا " بِالنّصب على أَنَّهَا نَاقِصَة قَوْله " قَالَ أَيُّوب فوقصته " أَي قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي رِوَايَته " فوقصته " بِالْقَافِ بعْدهَا الصَّاد من الوقص وَهُوَ كسر الْعُنُق كَمَا ذكرنَا قَوْله " وَقَالَ عَمْرو " أَي قَالَ عَمْرو بن دِينَار فِي رِوَايَة " فأقعصته " بِالْقَافِ بعْدهَا الْعين ثمَّ الصَّاد المهملتان من الإقعاص وَهُوَ إعجال الْهَلَاك كَمَا قُلْنَا فِيمَا مضى مستقصى قَوْله " قَالَ أَيُّوب " أَي قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي رِوَايَته " يُلَبِّي " بِصِيغَة الْمُضَارع الْمَبْنِيّ للْفَاعِل وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار فِي رِوَايَته " ملبيا " على صِيغَة اسْم الْفَاعِل الْمَنْصُوب على الْحَال وَالْفرق بَينهمَا أَن يُلَبِّي يدل على تجدّد التَّلْبِيَة مستمرا وملبيا يدل على ثُبُوتهَا -
٢٢ - (بابُ الكَفَنِ فِي القَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أوْ لَا يُكَفُّ وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كفن الْمَيِّت حَال كَونه فِي الْقَمِيص الَّذِي يكف، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي الْقَمِيص الَّذِي خيطت حَاشِيَته أَولا، يكف على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا أَي: أَو لَمْ تخط حَاشِيَته. وكف الثَّوَاب هُوَ خياطَة حَاشِيَته، وكففت الثَّوْب أَي: خطت حَاشِيَته. وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم: بِضَم الْيَاء وَفتح الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء، وَضَبطه بَعضهم: بِفَتْح الْيَاء وَضم الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء، وَقيل: بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْكَاف وَكسر الْفَاء من الْكِفَايَة، وَأَصلهَا يَكْفِي أَو لَا يَكْفِي. وَقيل: هَذَا لحن، إِذْ لَا مُوجب لحذف الْيَاء، وَقد جزم الْمُهلب بِأَنَّهُ الصَّوَاب، وَأَن الْيَاء سَقَطت من الْكَاتِب غَلطا. قلت: لَا ينْسب هَذَا إِلَى غلط من الْكَاتِب، وَإِنَّمَا سُقُوط الْيَاء من مثل هَذَا من غير مُوجب اكْتِفَاء بالكسرة جَاءَ من بعض الْعَرَب، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) : بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَمن كفن بِغَيْر قَمِيص. وَقَالَ: كَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص الَّذِي يكف أَو لَا يكف. وَقَالَ ابْن بطال: صَوَابه يَكْفِي أَو لَا يَكْفِي بِإِثْبَات الْيَاء، وَمَعْنَاهُ: طَويلا كَانَ الثَّوْب أَو قَصِيرا، فَإِنَّهُ يجوز الْكَفَن فِيهِ.
٩٦٢١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافَعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عَبْدَ الله بنِ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جاءَ ابنُهُ إلَى النبيِّ ﷺ فقالَ يَا رسولَ الله أعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ علَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ فأعْطَاهُ النبيُّ ﷺ قَمِيصَهُ فَقَالَ آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْه فآذَنَهُ فَلَمَّا أرَادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ ألَيْسَ الله نهَاكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ فَقَالَ أَنا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ قَالَ الله تَعَالَى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُم فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَدا.
.
стр. 2241
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اشتماله على الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَذَلِكَ أَن النَّبِي، ﷺ ، أعْطى قَمِيصه لعبد الله ابْن أبي وكفن فِيهِ.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس وَفِي التَّوْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأبي قدامَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بشر بكر بن خلف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن عبد الله بن أبي) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن سلول رَأس الْمُنَافِقين، وَأبي هُوَ: أَبُو مَالك بن الْحَارِث بن عبيد، وسلول امْرَأَة من خُزَاعَة، وَهِي أم أبي مَالك بن الْحَارِث وَأم عبد الله ابْن أبي: خَوْلَة بنت الْمُنْذر بن حرَام من بني النجار، وَكَانَ عبد الله سيد الْخَزْرَج فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ عبد الله هَذَا هُوَ الَّذِي تولى كبره فِي قصَّة الصديقة، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل. وَقَالَ: لَا تنفقوا عَليّ من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا، وَرجع يَوْم أحد بِثلث الْعَسْكَر إِلَى الْمَدِينَة بعد أَن خَرجُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ .
قَوْله: (لما توفّي) قَالَ الْوَاقِدِيّ: مرض عبد الله بن أبي فِي لَيَال بَقينَ من شَوَّال، وَمَات فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع منصرف رَسُول الله ﷺ من تَبُوك، وَكَانَ مَرضه عشْرين لَيْلَة، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يعودهُ فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ دخل عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، فَقَالَ: قد نهيتك عَن حب الْيَهُود، فَقَالَ: قد أبْغضهُم أسعد بن زُرَارَة فَمَا نَفعه، ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله لَيْسَ هَذَا بِحِين عتاب هُوَ الْمَوْت فَإِن مت فَاحْضُرْ غسْلي وَأَعْطِنِي قَمِيصك الَّذِي يَلِي جسدك فَكَفِّنِّي فِيهِ وصل عَليّ واستغفر لي، فَفعل ذَلِك بِهِ رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ الْحَاكِم: كَانَ على النَّبِي ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ عبد الله: وَأَعْطِنِي قَمِيصك الَّذِي يَلِي جسدك فَأعْطَاهُ إِيَّاه. وَفِي حَدِيث الْبَاب أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعطَاهُ رَسُول الله ﷺ قَمِيصه على مَا يَجِيء الْآن. قَوْله: (جَاءَ ابْنه) أَي: ابْن عبد الله بن أبي، وَكَانَ اسْمه: الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره بَاء أَيْضا، فَسَماهُ رَسُول الله ﷺ بِعَبْد الله كاسم أَبِيه، وَهُوَ من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم، شهد الْمشَاهد وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة فِي خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ أَشد النَّاس على أَبِيه، وَلَو أذن لَهُ رَسُول الله ﷺ فِيهِ لضرب عُنُقه. قَوْله: (فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصك) ، الْقَائِل هُوَ عبد الله بن عبد الله بن أبي. قَوْله: (أكَفنهُ فِيهِ) أَي: أكفن عبد الله بن أبي فِيهِ. قَوْله: (فَأعْطَاهُ قَمِيصه) أَي: أعطي النَّبِي ﷺ عبد الله بن عبد الله قَمِيصه، وَهَذَا صَرِيح فِي أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعْطى لَهُ رَسُول الله قَمِيصه، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَنه أخرج بَعْدَمَا أَدخل حفرته فَوَضعه على ركبته وَنَفث فِيهِ من رِيقه وَألبسهُ قَمِيصه، وَكَانَ أهل عبد الله بن أبي خَشوا على النَّبِي ﷺ الْمَشَقَّة فِي حُضُوره، فبادروا إِلَى تَجْهِيزه قبل وُصُول النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا وصل وجدهم قد دلوه فِي حفرته، فَأَمرهمْ بِإِخْرَاجِهِ إنجازا لوعده فِي تكفينه فِي الْقَمِيص وَالصَّلَاة عَلَيْهِ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ: إِن عبد الله بن أبي هُوَ الَّذِي أعطَاهُ النَّبِي ﷺ الْقَمِيص، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَن ابْنه هُوَ الَّذِي أعطَاهُ النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة جَابر أَنه ألبسهُ قَمِيصه بَعْدَمَا أخرجه من حفرته؟ قلت: رِوَايَة الْوَاقِدِيّ وَغَيره لَا تقاوم رِوَايَة البُخَارِيّ، وَأما التَّوْفِيق بَين رواتي ابْن عمر وَجَابِر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقيل: إِن معنى قَوْله فِي حَدِيث ابْن عمر: فَأعْطَاهُ، أَي: أنعم لَهُ بذلك، فَأطلق على الْوَعْد اسْم الْعَطِيَّة مجَازًا لتحَقّق وُقُوعهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، يجوز أَن يكون أعطَاهُ قميصين قَمِيصًا للكفن ثمَّ أخرجه فألبسه غَيره، وَالله أعلم. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي دفع قَمِيصه لَهُ وَهُوَ كَانَ رَأس الْمُنَافِقين؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة. فَقيل: كَانَ ذَلِك إِكْرَاما لوَلَده. وَقيل: لِأَنَّهُ مَا سُئِلَ شَيْئا فَقَالَ: لَا. وَقيل: إِنَّه ﷺ قَالَ: إِن قَمِيصِي لن يُغني عَنهُ شَيْئا من الله، إِنِّي أُؤَمِّل من أَبِيه أَن يدْخل فِي الأسلام بِهَذَا السَّبَب، فروى أَنه أسلم من الْخَزْرَج ألف مَا رَأَوْهُ يطْلب الِاسْتِشْفَاء بِثَوْب رَسُول الله ﷺ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ، وَقَالَ أَكْثَرهم: إِنَّمَا ألبسهُ قَمِيصه مُكَافَأَة لما صنع فِي إلباس الْعَبَّاس عَم النَّبِي ﷺ قَمِيصه يَوْم بدر، وَكَانَ الْعَبَّاس طَويلا فَلم يَأْتِ عَلَيْهِ إلَاّ قَمِيص ابْن أبي، وروى عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ : لم يخدع إنْسَانا قطّ، غير أَن ابْن أبي قَالَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة كلمة حَسَنَة، وَهِي: أَن الْكفَّار قَالُوا: لَو طفت أَنْت بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ: لَا، لي فِي رَسُول الله إسوة حَسَنَة، فَلم يطف. قَوْله: (فَقَالَ: آذني) أَي: أعلمني، وَهُوَ أَمر من: آذن وَيُؤذن إِيذَانًا. قَوْله: (أصلِّ عَلَيْهِ) يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: الْجَزْم جَوَابا لِلْأَمْرِ، وَعدم الْجَزْم استئنافا.
стр. 2242
قَوْله: (فَقَالَ: أَلَيْسَ الله نهاك؟) أَي: فَقَالَ عمر للنَّبِي ﷺ : أَلَيْسَ الله نهاك أَن تصلي على الْمُنَافِقين؟ وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره نهاك من الصَّلَاة عَلَيْهِم، أَخذ ذَلِك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٠٨) . وَبِهَذَا يدْفع من يسْتَشْكل فِي قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا فَإِن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ (التَّوْبَة: ٤٨) . نزل بعد ذَلِك كَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاق حَدِيث الْبَاب. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ الصَّلَاة؟ قلت: لما كَانَت الصَّلَاة تَتَضَمَّن الاسْتِغْفَار وَغَيره أَولهَا على ذَلِك، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الإستغفار وَالدُّعَاء يُسمى صَلَاة. قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) ، تَثْنِيَة خيرة على وزن: عنبة إسم من قَوْلك: إختاره الله، أَي: أَنا مُخَيّر بَين أَمريْن وهما الاسْتِغْفَار وَعَدَمه، فإيهما أردْت إختاره. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا اللَّفْظ أَعنِي قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) ، غير مَحْفُوظ لِأَنَّهُ خلاف مَا رَوَاهُ أنس، وَأرى رِوَايَة أنس هِيَ المحفوظة، لِأَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: (أَلَيْسَ قد نهاك الله تَعَالَى أَن تصلي على الْمُنَافِقين) ؟ ثمَّ قَالَ: فَنزلت: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ (التَّوْبَة: ٤٨) . جعل النَّهْي بعد قَوْله: (أَلَيْسَ قد نهاك) ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) بل هُوَ أَي: قَوْله: (أَنا بَين خيرتين) مَحْفُوظ، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فهم النَّهْي من الاسْتِغْفَار لاشتمالها عَلَيْهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الصَّحِيح مَا رَوَاهُ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك رَجَاء التَّخْفِيف. قَوْله: ﴿قَالَ اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة﴾ (التَّوْبَة: ٤٨) . ذكر السّبْعين على التكثير. وَرُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ: لأَسْتَغْفِرَن لَهُم أَكثر من سبعين فَنزلت: ﴿سَوَاء عَلَيْهِم استغفرت لَهُم﴾ (المُنَافِقُونَ: ٦) . الْآيَة، فَتَركه. واستغفار الشَّارِع لسعة حمله عَمَّن يُؤْذِيه أَو لِرَحْمَتِهِ عِنْد جَرَيَان الْقَضَاء عَلَيْهِم، أَو إِكْرَاما لوَلَده. وَقيل: معنى الْآيَة الشَّرْط، أَي: إِن شِئْت فَاسْتَغْفر وَإِن شِئْت فَلَا، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿قل انفقوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم﴾ (التَّوْبَة: ٣٥) . وَقيل: مَعْنَاهُ هما سَوَاء، وَقيل: مَعْنَاهُ الْمُبَالغَة فِي الْيَأْس. وَقَالَ الْفراء: لَيْسَ بِأَمْر، إِنَّمَا هُوَ على تَأْوِيل الْجَزَاء. وَقَالَ ابْن النّحاس: مِنْهُم من قَالَ: ﴿اسْتغْفر لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٠٨) . مَنْسُوخ بقوله: ﴿وَلَا تصل﴾ (التَّوْبَة: ٤٨) . وَمِنْهُم من قَالَ: لَا، بل هِيَ على التهديد، وتوهم بَعضهم أَن قَوْله: ﴿لَا تصل﴾ (التَّوْبَة: ٤٨) . نَاسخ لَهُ لقَوْله: ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ (التَّوْبَة: ٣٠١) . وَهُوَ غلط، فَإِن تِلْكَ نزلت فِي أبي لبَابَة وَجَمَاعَة مَعَه لما ربطوا أنفسهم لتخلفهم عَن تَبُوك.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة على الْكَفَن فِي الْقَمِيص، وَسَوَاء كَانَ الْقَمِيص مكفوف الْأَطْرَاف أَو غير مكفوف. وَمِنْهُم من قَالَ: إِن الْقَمِيص لَا يسوغ إلَاّ إِذا كَانَت أَطْرَافه غير مَكْفُوفَة. أَو كَانَ غير مزرر ليشبه الرِّدَاء، ورد البُخَارِيّ ذَلِك بالترجمة الْمَذْكُورَة وَفِي (الخلافيات) للبيهقي، من طَرِيق ابْن عون، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين يسْتَحبّ أَن يكون قَمِيص الْمَيِّت كقميص الْحَيّ مكففا مزررا. وَفِيه: النَّهْي عَن الصَّلَاة على الْكَافِر الْمَيِّت، وَهل يجوز غسله وتكفينه وَدَفنه أم لَا؟ فَقَالَ ابْن التِّين: من مَاتَ لَهُ وَالِد كَافِر لَا يغسلهُ وَلَده الْمُسلم وَلَا يدْخلهُ قَبره إلَاّ أَن يخَاف أَن يضيع فيواريه، نَص عَلَيْهِ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وروى أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ أَن أَبَاهُ مَاتَ، فَقَالَ: إذهب فواره، وَلم يَأْمُرهُ بِغسْلِهِ، وروى أَنه أمره بِغسْلِهِ، وَلَا أصل لَهُ، كَمَا قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: يجوز أَن يقوم على قبر وَالِده الْكَافِر لإصلاحه وَدَفنه، قَالَ: وَبِذَلِك صَحَّ الْخَبَر، وَعمل بِهِ أهل الْعلم. وَقَالَ ابْن حبيب: لَا بَأْس أَن يحضرهُ ويلي أَمر تكفينه، فَإِذا كفن دَفنه. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَإِن مَاتَ الْكَافِر وَله ابْن مُسلم يغسلهُ ويكفنه ويدفنه، بذلك أُمر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حق أَبِيه أبي طَالب، وَهَذَا أخرجه ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) فَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ، حَدثنِي مُعَاوِيَة بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رَافع عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ، قَالَ: لما أخْبرت رَسُول الله ﷺ بِمَوْت أبي طَالب، بَكَى ثمَّ قَالَ لي: إذهب فاغسله وكفنه، وواره. قَالَ: فَفعلت ثمَّ أَتَيْته، فَقَالَ لي: إذهب فاغتسل. قَالَ: وَجعل رَسُول الله ﷺ يسْتَغْفر لَهُ أَيَّامًا، وَلَا يخرج من بَيته حَتَّى نزل جِبْرَائِيل ﵊ بِهَذِهِ الْآيَة: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : لَكِن يغسل غسل الثَّوْب النَّجس ويلف فِي خرقَة من غير مُرَاعَاة سنة التَّكْفِين من اعْتِبَار عدد وَغير حنوط، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَيْسَ لوَلِيّ الْكَافِر غسله وَلَا دَفنه، وَلَكِن قَالَ مَالك: لَهُ مواراته. وَفِيه: فَضِيلَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: فِي قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَلَيْسَ الله نهاك أَن تصلي على الْمُنَافِقين؟ جَوَاز الشَّهَادَة على الأنسان بِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاة وَالْمَوْت عِنْد الْحَاجة، وَإِن كَانَت مَكْرُوهَة. وَفِيه: جَوَاز الْمَسْأَلَة لمن عِنْده جدة تبركا.
стр. 2243
٠٧٢١ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرٍ وسَمِعَ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ أتَى النبيُّ ﷺ عَبْدَ الله بنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا دُفِنَ فأخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَألْبَسَهُ قَمِيصَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (وَألبسهُ قَمِيصه) وَعَن مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد النَّهْرِي الْكُوفِي، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز: عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي اللبَاس: عَن عبد الله بن عُثْمَان، وَفِي الْجِهَاد: عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأحمد بن عَبدة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن الْحَارِث بن مِسْكين وَعبد الْجَبَّار بن عَلَاء وَعبد الله بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ فرقهم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَتَى النَّبِي، ﷺ ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل و (عبد الله) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (بَعْدَمَا دفن) ، وَهَذَا يدل على أَنه ﷺ مَا جَاءَهُ إلَاّ بعد أَن دفنوه، فَلذَلِك قَالَ: فَأخْرجهُ، أَي: من قَبره، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن أهل عبد الله بن أبي خَشوا على النَّبِي ﷺ الْمَشَقَّة فِي حُضُوره فبادروا إِلَى تَجْهِيزه قبل وُصُول النَّبِي ﷺ إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فنفث فِيهِ من رِيقه) . وَفِي (تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ) : لما مَاتَ عبد الله بن أبي انْطلق ابْنه ليؤذن بِهِ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمك؟ قَالَ: الْحباب. قَالَ: أَنْت عبد الله، والحباب شَيْطَان، ثمَّ شهده النَّبِي ﷺ وَنَفث فِي جلده وَدَلاهُ فِي قَبره، فَمَا لبث النَّبِي ﷺ إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم﴾ (التَّوْبَة: ٤٨) . الْآيَة، وَفِي (تَفْسِير أبي بكر بن مرْدَوَيْه) من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر: جَاءَ عبد الله بن عبد الله فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن عبد الله قد وضع مَوضِع الْجَنَائِز، فَانْطَلق فصلى عَلَيْهِ. قَوْله: (وَألبسهُ قَمِيصه) ، قد مر فِي حَدِيث ابْن عمر أَن ابْن عبد الله بن أبي جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ قَمِيصه فَأعْطَاهُ، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ وَجه التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يجوز أَن يكون جَابر شَاهد من ذَلِك مَا لم يُشَاهِدهُ ابْن عمر، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَانَ البُخَارِيّ فهم من قَول جَابر: أخرج بعد دَفنه فِيهِ وَألبسهُ قَمِيصه أَنه كَانَ دفن بِغَيْر قَمِيص، فَلهَذَا بوب: وَمن دفن بِغَيْر قَمِيص قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه إِنَّمَا يتمشى على التَّرْجَمَة الَّتِي فِي نسخته الَّتِي ادّعى أَنَّهَا كَذَلِك فِي نُسْخَة سَمَاعه، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَذكرنَا أَيْضا أَنه يجوز أَن يكون أعطَاهُ قميصين، وَيجوز أَن يكون خلع عَنهُ الْقَمِيص الَّذِي كفن فِيهِ وَألبسهُ قَمِيصه ﷺ .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز إِخْرَاج الْمَيِّت من قَبره لحَاجَة أَو لمصْلحَة وَنَفث الرِّيق فِيهِ، قَالَه الْكرْمَانِي. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهُوَ دَلِيل لِابْنِ الْقَاسِم الَّذِي يَقُول بِإِخْرَاجِهِ إِذا لم يصل عَلَيْهِ للصَّلَاة مَا لم يخْش التَّغَيُّر. وَقَالَ ابْن وهب: إِذا سوى عَلَيْهِ التُّرَاب فَاتَ إِخْرَاجه. وَقَالَهُ يحيى بن يحيى: وَقَالَ أَشهب: إِذا أهيل عَلَيْهِ التُّرَاب فَاتَ إِخْرَاجه وَيصلى عَلَيْهِ فِي قَبره. وَفِي (الْمَبْسُوط) و (الْبَدَائِع) : لَو وضع الْمَيِّت فِي قَبره لغير الْقبْلَة أَو على شقَّه الْأَيْسَر أَو جعل رَأسه فِي مَوضِع رجلَيْهِ وأهيل عَلَيْهِ التُّرَاب لَا ينبش قَبره لِخُرُوجِهِ من أَيْديهم، فَإِن وضع اللَّبن وَلم يهل التُّرَاب عَلَيْهِ ينْزع اللَّبن وتراعى السّنة فِي وَضعه، وَيغسل إِن لم يكن غسل. وَهُوَ قَول أَشهب، وَرِوَايَة ابْن نَافِع عَن مَالك، وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز نبشه إِذا وضع لغير الْقبْلَة.
وَأما نقل الْمَيِّت من مَوضِع إِلَى مَوضِع فكرهه جمَاعَة وَجوزهُ آخَرُونَ، فَقيل: إِن نقل ميلًا أَو ميلين فَلَا بَأْس بِهِ. وَقيل: مَا دون السّفر. وَقيل: لَا يكره السّفر أَيْضا. وَعَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أَمر بقبور كَانَت عِنْد الْمَسْجِد أَن تحول إِلَى البقيع، وَقَالَ: توسعوا فِي مَسْجِدكُمْ. وَعَن مُحَمَّد أَنه إِثْم ومعصية. وَقَالَ الْمَازرِيّ: ظَاهر مَذْهَبنَا جَوَاز نقل الْمَيِّت من بلد إِلَى بلد. وَقد مَاتَ سعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد بالعقيق ودفنا بِالْمَدِينَةِ. وَفِي (الْحَاوِي) قَالَ الشَّافِعِي: لَا أحب نَقله إلَاّ أَن يكون بِقرب مَكَّة أَو الْمَدِينَة أَو بَيت الْمُقَدّس، فَاخْتَارَ إِن ينْقل إِلَيْهَا لفضل الدّفن فِيهَا. وَقَالَ الْبَغَوِيّ والبندنيجي: يكره نَقله. وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن والدارمي وَالْبَغوِيّ: يحرم نَقله. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا هُوَ الْأَصَح، وَلم ير أَحْمد بَأْسا أَن يحول الْمَيِّت من قَبره إِلَى غَيره، وَقَالَ: قد نبش معَاذ امْرَأَته، وحول طَلْحَة وَخَالف الْجَمَاعَة فِي ذَلِك.
٣٢ - (بَاب الكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْكَفَن بِغَيْر قَمِيص، وَهَذِه التَّرْجَمَة مَوْجُودَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَعند الْمُسْتَمْلِي سَاقِطَة.
стр. 2244
١٧٢١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ هِشَامٍ عنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كُفِّنَ النبيّ ﷺ فِي ثَلاثَةِ أثْوَابٍ سَحُولٍ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَميصٌ وَلَا عَمَامةٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة) ، هَذِه التَّرْجَمَة تَتَضَمَّن التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا الَّتِي صورتهَا: وَمن كفن بِغَيْر قَمِيص، كَمَا هِيَ فِي بعض النّسخ. وَقد ذَكرْنَاهُ.
وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.
قَوْله: (سحول) ، بِضَم السِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَفِي آخِره لَام: جمع سحل، وَهُوَ الثَّوْب الْأَبْيَض النقي وَهِي صفة لأثواب. قَوْله: (كُرْسُف) ، بِضَم الْكَاف: هُوَ الْقطن، وَهُوَ بَيَان لسحول، وَالْمعْنَى: ثَلَاثَة أَثوَاب بيض نقية من قطن، وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: لِمَ لَا تَجْعَلهُ اسْم الْقرْيَة؟ قلت: لِأَن تَقْدِيره حِينَئِذٍ من سحول وَحذف حرف الْجَرّ من الِاسْم الصَّرِيح غير فصيح، وَلَو صحت الرِّوَايَة بِالْإِضَافَة فَهُوَ ظَاهر. انْتهى. قلت: هَذَا السُّؤَال مَعَ جَوَابه غير موجهين، لِأَن المُرَاد من السحول الثِّيَاب الْبيض كَمَا قُلْنَا، وَقد تقدم فِي: بَاب الثِّيَاب الْبيض للكفن، بِلَفْظ: كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب يَمَانِية بيض سحُولِيَّة من كُرْسُف، فالسحولية هَهُنَا، بِفَتْح السِّين نِسْبَة إِلَى سحول قَرْيَة بِالْيمن، والسحول هَهُنَا، بِضَم السِّين، وَقَالَ الْأَزْهَرِي، بِفَتْح السِّين: الْمَدِينَة، وبالضم: الثِّيَاب الْبيض، وَقد تعسف الْكرْمَانِي فِيهِ لعدم إمعانه فِي الِاطِّلَاع عَلَيْهِ.
٤٢ - (بابُ الكَفَنِ بِلَا عِمَامَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْكَفَن بِلَا عِمَامَة، هَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَعند الْمُسْتَمْلِي: بَاب الْكَفَن فِي الثِّيَاب الْبيض، فَالْأول أولى وأرجح لِئَلَّا تَتَكَرَّر التَّرْجَمَة بِلَا فَائِدَة، وَفِي بعض النّسخ لَا تُوجد هَذِه التَّرْجَمَة أصلا.
٣٧٢١ - حدَّثنا أسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ..
قد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الثِّيَاب الْبيض للكفن، أخرجه عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن هِشَام. . إِلَى آخِره. وَفِيه زِيَادَة وَهِي: يَمَانِية، بعد قَوْله: (أَثوَاب) ، وَلَفظ: (كُرْسُف) بعد قَوْله: (سحُولِيَّة) . وَهَذَا أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.
٥٢ - (بابُ الكَفَنِ مِنْ جَمِيعِ المَالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن كفن الْمَيِّت من جَمِيع المَال، يَعْنِي لَا من الثُّلُث كَمَا ذهب إِلَيْهِ خلاس بن عمر، وَذكر الطَّحَاوِيّ، ﵀، أَنه أحد قولي سعيد بن الْمسيب، وَقَول طَاوُوس فَإِنَّهُمَا قَالَا: الْكَفَن من الثُّلُث، وَعَن طَاوُوس: من الثُّلُث إِن كَانَ قَلِيلا.
وَبِهِ قالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بنُ دِينَارٍ وقَتَادَةُ
أَي: يكون الْكَفَن من جَمِيع المَال. قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح، وَوَصله الدَّارمِيّ من طَرِيق ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جريج عَنهُ،
стр. 2245
قَالَ: الحنوط والكفن من رَأس المَال. قَوْله: (وَالزهْرِيّ) ، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَوصل قَوْله عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة قَالَا: الْكَفَن من جَمِيع المَال. قَوْله: (وَعَمْرو بن دِينَار) ، عطف على قَوْله: (وَالزهْرِيّ) وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن ابْن جريج عَن عَطاء: الْكَفَن والحنوط من رَأس المَال. قَالَ: وَقَالَهُ عمر بن دِينَار. قَوْله: (وَقَتَادَة) هُوَ ابْن دعامة السدُوسِي، وَهُوَ أَيْضا قَالَ مثل مَا قَالَ عَطاء وَالزهْرِيّ، وَقد مر الْآن.
وَقَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ الحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ
ذكر عبد الرَّزَّاق عَنهُ هَكَذَا، وَقد ذَكرْنَاهُ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ يُبْدَأُ بِالكَفَنِ ثُمَّ بِالدَّيْنِ ثُمَّ بِالوَصِيَّةِ
أَي: قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَوصل قَوْله الدَّارمِيّ، وَإِنَّمَا يبْدَأ بالكفن أَولا لِأَن النَّبِي ﷺ لم يستفسر فِي حَدِيث حَمْزَة وَمصْعَب بن عمر بِأَنَّهُ عَلَيْهِمَا دين، وَلَو لم يكن مقدما على الدّين لاستفسر لِأَنَّهُ مَوضِع الْحَاجة إِلَى الْبَيَان، وسكوت الشَّارِع فِي مَوضِع الْحَاجة إِلَى الْبَيَان بَيَان. فَإِن قلت: يرد عَلَيْهِ العَبْد الْجَانِي والمرهون وَالْمُسْتَأْجر فِي بعض الرِّوَايَات، وَالْمُشْتَرِي قبل الْقَبْض إِذا مَاتَ المُشْتَرِي قبل أَدَاء الثّمن، فَإِن ولي الْجِنَايَة وَالْمُرْتَهن وَالْمُسْتَأْجر وَالْبَائِع أَحَق بِالْعينِ من تجهيز الْمَيِّت وتكفينه، فَإِن فضل شَيْء من ذَلِك يصرف إِلَى التَّجْهِيز والتكفين. قلت: هَذَا كُله لَيْسَ بتركة لِأَن التَّرِكَة مَا يتْركهُ الْمَيِّت من الْأَمْوَال صافيا عَن تعلق حق الْغَيْر بِعَيْنِه، وَهَهُنَا تعلق بِعَيْنِه حق الْغَيْر قبل أَن يكون تَرِكَة.
وَقَالَ سُفْيَانُ أجْرُ القَبْرِ والغَسْلِ هُوَ مِنَ الكَفَنِ
سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ قَوْله: (أجر الْقَبْر) أَي: أجر حفر الْقَبْر، وَأجر الْغسْل من جنس الْكَفَن، أَو: من بعض الْكَفَن، وَالْغَرَض: أَن حكمه حكم الْكَفَن فِي أَنه من رَأس المَال لَا من الثُّلُث.
٤٧٢١ - حدَّثنا حْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ. قَالَ أُتِيَ عَبْدُ الرَّحمانِ بنُ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَوْما بِطَعَامِهِ فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وكانَ خَيْرا مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَاّ بُرْدَةٌ وَقُتِلَ حَمْزَةُ أوْ رَجلٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَاّ بُرْدَةٌ لَقَدْ خَشِيتُ أنْ تَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلم يُوجد لَهُ مَا يُكفن فِيهِ إلَاّ بردة) وكفن رَسُول الله ﷺ مُصعب بن عُمَيْر فِي بردته، وَحَمْزَة ابْن عبد الْمطلب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي بردته، وَلم يلْتَفت إِلَى غَرِيم وَلَا إِلَى وَصِيَّة وَلَا إِلَى وَارِث، وَبَدَأَ بالتكفين على ذَلِك كُله، فَعلم أَن التَّكْفِين مقدم وَأَنه من جَمِيع المَال لِأَن جَمِيع مَا لَهما كَانَ لكل مِنْهُمَا بردة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ الْأَزْرَقِيّ أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال الزرقي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، مر فِي: بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان. الثَّالِث: أَبوهُ سعد بن إِبْرَاهِيم، كَانَ قَاضِي الْمَدِينَة، مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة،. الرَّابِع: أَبُو سعد إِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أحد الْعشْرَة المبشرة، أسلم قَدِيما على يَد الصّديق وَهَاجَر الهجرتين وَشهد الْمشَاهد وَثَبت يَوْم أحد وجرح عشْرين جِرَاحَة وَأكْثر، وَصلى رَسُول الله ﷺ خَلفه يَوْم تَبُوك، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَدفن فِي البقيع.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: الثَّلَاثَة الْبَقِيَّة مدنيون. وَفِيه: إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه عَن جده عَن جد أَبِيه، تَوْضِيحه إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه سعد، وَسعد يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم، وَإِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه عبد الرَّحْمَن. فإبراهيم يروي عَن أَبِيه عَن جده إِبْرَاهِيم. ويروي عَن جد أَبِيه عبد الرَّحْمَن. فَافْهَم.
وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِي الْمَغَازِي عَن عَبْدَانِ، كِلَاهُمَا عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم بِهِ.
следующие страницы →