Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وَابْن مَاجَه وَأحمد فِي مُسْنده وَعبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث ثَوْبَان عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ " لكل سَهْو سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يسلم " وَبِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث قَتَادَة " عَن أنس فِي الرجل يهم فِي صلَاته لَا يدْرِي أزاد أم نقص قَالَ يسْجد سَجْدَتَيْنِ بعد السَّلَام " (فَإِن قلت) قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة روى عَن الزُّهْرِيّ أَنه ادّعى نسخ السُّجُود بعد السَّلَام وأسنده الشَّافِعِي عَنهُ ثمَّ أكده بِحَدِيث مُعَاوِيَة أَنه ﷺ َ - سجدهما قبل السَّلَام رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه قَالَ وصحبة مُعَاوِيَة مُتَأَخِّرَة (قلت) قَول الزُّهْرِيّ مُنْقَطع وَهُوَ غير حجَّة عِنْدهم وَقَالَ الطرطوشي هَذَا لَا يَصح عَن الزُّهْرِيّ وَفِي إِسْنَاده أَيْضا مطرف بن مَازِن قَالَ يحيى كَذَّاب وَقَالَ النَّسَائِيّ غير ثِقَة وَقَالَ ابْن حبَان لَا تجوز الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا للاعتبار (فَإِن قلت) قَالُوا المُرَاد بِالسَّلَامِ فِي الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَت بِالسُّجُود بعد السَّلَام هُوَ السَّلَام على النَّبِي ﷺ َ - فِي التَّشَهُّد أَو يكون تَأْخِيرهَا على سَبِيل السَّهْو (قلت) هَذَا بعيد جدا مَعَ أَنه معَارض بِمثلِهِ وَهُوَ أَن يُقَال حَدِيثهمْ قبل السَّلَام يكون على سَبِيل السَّهْو وَيحْتَمل حَدِيثهمْ على السَّلَام الْمَعْهُود الَّذِي يخرج بِهِ عَن الصَّلَاة وَهُوَ سَلام التَّحَلُّل وَيبْطل أَيْضا حملهمْ على السَّلَام الَّذِي فِي التشهدان سُجُود السَّهْو لَا يكون إِلَّا بعد التسليمتين اتِّفَاقًا. وَأما الْجَواب عَن أَحَادِيثهم فَنَقُول أما حَدِيث الْبَاب وَهُوَ حَدِيث ابْن بُحَيْنَة فَهُوَ يخبر عَن فعله ﷺ َ - وَفِي أحاديثنا مَا يخبر عَن قَوْله فَالْعَمَل بقوله أولى على أَنه قد تعَارض فعلاه لِأَن فِي أَحَادِيثهم أَنه ﷺ َ - سجد للسَّهْو قبل السَّلَام وَفِي أحاديثنا سجد بعد السَّلَام فَفِي مثل هَذَا الْمصير إِلَى قَوْله أولى وَقد يُقَال أَن سُجُوده بعد السَّلَام إِنَّمَا كَانَ لبَيَان الْجَوَاز قبل السَّلَام لَا لبَيَان الْمسنون وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة وَللشَّافِعِيّ قَول آخر أَنه يتَخَيَّر إِن شَاءَ قبل السَّلَام وَإِن شَاءَ بعده وَالْخلاف عندنَا فِي الْأَجْزَاء وَقيل فِي الْأَفْضَل وَادّعى الْمَاوَرْدِيّ اتِّفَاق الْفُقَهَاء يَعْنِي جَمِيع الْعلمَاء عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحب الذَّخِيرَة للحنفية لَو سجد قبل السَّلَام جَازَ عندنَا قَالَ الْقَدُورِيّ هَذَا فِي رِوَايَة الْأُصُول قَالَ وروى عَنْهُم أَنه لَا يجوز لِأَنَّهُ أَدَّاهُ قبل وقته وَوجه رِوَايَة الْأُصُول أَنه فعل حصل فِي مُجْتَهد فِيهِ فَلَا يحكم بفساده وَهَذَا لَو أمرناه بِالْإِعَادَةِ يتَكَرَّر عَلَيْهِ السُّجُود وَلم يقل بِهِ أحد من الْعلمَاء وَذكر صَاحب الْهِدَايَة أَن هَذَا الْخلاف فِي الْأَوْلَوِيَّة وَذكر ابْن عبد الْبر كلهم يَقُولُونَ لَو سجد قبل السَّلَام فِيمَا يجب السُّجُود بعده أَو بعده فِيمَا يجب قبله لَا يضر وَهُوَ مُوَافق لنقل الْمَاوَرْدِيّ الْمَذْكُور آنِفا وَقَالَ الْحَازِمِي طَرِيق الْإِنْصَاف أَن نقُول أما حَدِيث الزُّهْرِيّ الَّذِي فِيهِ دلَالَة على النّسخ فَفِيهِ انْقِطَاع فَلَا يَقع مُعَارضا للأحاديث الثَّابِتَة وَأما بَقِيَّة الْأَحَادِيث فِي السُّجُود قبل السَّلَام وَبعده قولا وفعلا فَهِيَ وَإِن كَانَت ثَابِتَة صَحِيحَة فَفِيهَا نوع من تعَارض غير أَن تَقْدِيم بَعْضهَا على بعض غير مَعْلُوم رِوَايَة صَحِيحَة مَوْصُولَة وَالْأَشْبَه حمل الْأَحَادِيث على التَّوَسُّع وَجَوَاز الْأَمريْنِ انْتهى. وَأما حَدِيث أبي سعيد فَإِن مُسلما أخرجه مُنْفَردا بِهِ وَرَوَاهُ مَالك مُرْسلا (فَإِن قلت) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ القَوْل لمن وَصله (قلت) قَالَ الْبَيْهَقِيّ الأَصْل الْإِرْسَال. وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة فَإِن النَّسَائِيّ أخرجه من حَدِيث ابْن عجلَان عَن مُحَمَّد بن يُوسُف مولى عُثْمَان عَن أَبِيه عَنهُ ثمَّ قَالَ ويوسف لَيْسَ بِمَشْهُور. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَهُوَ مَنْسُوخ. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن مَكْحُول عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس وَرَوَاهُ أَبُو عَليّ الطوسي فِي الْأَحْكَام عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا ابْن علية حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنِي مَكْحُول أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ فَذكره وَقَالَ الدراقطني رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن إِسْحَق عَن مَكْحُول مُرْسلا وَرَوَاهُ ابْن علية وَعبد الله بن نمير والمحاربي عَن ابْن إِسْحَق عَن مَكْحُول مُرْسلا وَوَصله يرجع إِلَى حُسَيْن بن عبد الله وَإِسْمَاعِيل بن مُسلم وَكِلَاهُمَا ضعيفان. وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَإِن أَبَا عُبَيْدَة رَوَاهُ عَن أَبِيه وَلم يسمع مِنْهُ وَبقيت هُنَا أَحْكَام أُخْرَى. الأول أَن فِي مَحل سَجْدَتي السَّهْو خَمْسَة أَقْوَال الْقَوْلَانِ للحنفية وَالشَّافِعِيَّة ذكرناهما. وَالثَّالِث مَذْهَب الْمَالِكِيَّة فَإِن عِنْدهم إِن كَانَ للنقصان فَقبل السَّلَام وَإِن كَانَ للزِّيَادَة فَبعد السَّلَام وَهُوَ قَول للشَّافِعِيّ. وَالرَّابِع مَذْهَب الْحَنَابِلَة أَنه يسْجد قبل السَّلَام فِي الْمَوَاضِع الَّتِي سجد فِيهَا رَسُول الله ﷺ َ - وَبعد السَّلَام فِي الْمَوَاضِع الَّتِي سجد فِيهَا بعد السَّلَام وَمَا كَانَ من السُّجُود فِي غير تِلْكَ الْمَوَاضِع يسْجد لَهُ أبدا قبل السَّلَام. وَالْخَامِس مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة أَنه لَا يسْجد للسَّهْو إِلَّا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي سجد فِيهَا رَسُول الله ﷺ َ - فَقَط وَغير ذَلِك إِن كَانَ فرضا أَتَى بِهِ وَإِن كَانَ ندبا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء. والمواضع الَّتِي سجد فِيهَا رَسُول الله ﷺ َ - خَمْسَة. أَحدهَا قَامَ من ثِنْتَيْنِ على مَا جَاءَ بِهِ فِي حَدِيث
стр. 2172
ابْن بُحَيْنَة. وَالثَّانِي سلم من ثِنْتَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ. وَالثَّالِث سلم من ثَلَاث كَمَا جَاءَ بِهِ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن. وَالرَّابِع أَنه صلى خمْسا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَالْخَامِس السُّجُود على الشَّك كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الحكم الثَّانِي أَن فِي الحَدِيث دلَالَة على سنية التَّشَهُّد الأول وَالْجُلُوس لَهُ إِذْ لَو كَانَا واجبين لما جبرا بِالسُّجُود كالركوع وَغَيره وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة كَذَا نَقله صَاحب التَّوْضِيح عَن أبي حنيفَة فَإِن كَانَ مُرَاده من السّنة السّنة الْمُؤَكّدَة يَصح النَّقْل عَنهُ لِأَن السّنة الْمُؤَكّدَة فِي قُوَّة الْوَاجِب وَفِي الْمُحِيط قَالَ الْكَرْخِي والطَّحَاوِي وَبَعض الْمُتَأَخِّرين الْقعدَة الأولى وَاجِبَة وَقِرَاءَة التَّشَهُّد فِيهَا سنة عِنْد بعض الْمَشَايِخ وَهُوَ الأقيس وَعند بَعضهم وَاجِبَة وَهُوَ الْأَصَح وَقِرَاءَة التَّشَهُّد فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة وَاجِبَة بالِاتِّفَاقِ الحكم الثَّالِث فِي أَن التَّكْبِير مَشْرُوع لسجود السَّهْو بِالْإِجْمَاع وَفِي التَّوْضِيح مَذْهَبنَا أَن تَكْبِير الصَّلَوَات كلهَا سنة غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَهُوَ ركن وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَأَبُو حنيفَة يُسمى تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَاجِبَة وَفِي رِوَايَة عَن أَحْمد والظاهرية أَن كلهَا وَاجِبَة (قلت) مَذْهَب أبي حنيفَة أَن تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فرض وَنحن نفرق بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب وَلكنه شَرط أَو ركن فعندنا شَرط وَعند الشَّافِعِي ركن كَمَا عرف فِي مَوْضِعه الحكم الرَّابِع فِي أَنه هَل يتَشَهَّد فِي سُجُود السَّهْو أم لَا فعندنا يتَشَهَّد وَعند الشَّافِعِي فِي الصَّحِيح لَا يتَشَهَّد كَمَا فِي سُجُود التِّلَاوَة والجنازة وَقَالَ ابْن قدامَة إِن كَانَ قبل السَّلَام يسلم عقيب التَّكْبِير وَإِن كَانَ بعده يتَشَهَّد وَيسلم قَالَ وَبِه قَالَ ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَعَن النَّخعِيّ يتَشَهَّد وَلَا يسلم وَعَن أنس وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَعَطَاء لَيْسَ فيهمَا تشهد وَلَا تَسْلِيم وَعَن سعد بن أبي وَقاص وعمار وَابْن أبي ليلى وَابْن سِيرِين وَابْن الْمُنْذر فيهمَا تَسْلِيم بِغَيْر تشهد وَقَالَ ابْن الْمُنْذر التَّسْلِيم فيهمَا ثَابت من غير وَجه وَفِي ثُبُوت التَّشَهُّد عَنهُ نظر وَقَالَ أَبُو عمر لَا أحفظه مَرْفُوعا من وَجه صَحِيح وَعَن عَطاء إِن شَاءَ يتَشَهَّد وَيسلم وَإِن شَاءَ لم يفعل (قلت) عندنَا يسلم ثِنْتَيْنِ وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأحمد وَيسلم عَن يَمِينه وشماله وَفِي الْمُحِيط يَنْبَغِي أَن يسلم وَاحِدَة عَن يَمِينه وَهُوَ قَول الْكَرْخِي وَبِه قَالَ النَّخعِيّ كالجنازة وَفِي الْبَدَائِع يسلم تِلْقَاء وَجهه فِي صفة السَّلَام فهما رِوَايَتَانِ عَن مَالك الحكم الْخَامِس فِي أَنه لَا يتَكَرَّر السُّجُود فَإِنَّهُ ﷺ َ - لما ترك التَّشَهُّد الأول وَالْجُلُوس لَهُ اكْتفى بسجدتين وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم وَعَن الْأَوْزَاعِيّ إِذا سَهَا عَن شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين يُكَرر وَيسْجد أَرْبعا وَقَالَ ابْن أبي ليلى يتَكَرَّر السُّجُود بِتَكَرُّر السَّهْو وَقَالَ ابْن أبي حَازِم وَعبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة إِذا كَانَ عَلَيْهِ سهوان فِي صَلَاة وَاحِدَة مِنْهُ مَا يسْجد لَهُ قبل السَّلَام وَمِنْه مَا يسْجد لَهُ بعد السَّلَام فليفعلهما الحكم السَّادِس فِي أَن سُجُود السَّهْو فِي التَّطَوُّع كالفرض سَوَاء وَقَالَ ابْن سِيرِين وَقَتَادَة لَا سُجُود فِي التَّطَوُّع وَهُوَ قَول غَرِيب ضَعِيف للشَّافِعِيّ الحكم السَّابِع فِي أَن مُتَابعَة الإِمَام عِنْد الْقيام من هَذَا الْجُلُوس وَاجِبَة أم لَا فَذكر فِي التَّوْضِيح أَنَّهَا وَاجِبَة وَقد وَقع كَذَلِك فِي الحَدِيث وَيجوز أَن يَكُونُوا علمُوا حكم هَذِه الْحَادِثَة أَو لم يعلمُوا فَسَبحُوا فَأَشَارَ إِلَيْهِم أَن يقومُوا نعم اخْتلفُوا فِيمَن قَامَ من اثْنَتَيْنِ سَاهِيا هَل يرجع إِلَى الْجُلُوس فَقَالَت طَائِفَة بِهَذَا الحَدِيث أَن من استتم قَائِما واستقل من الأَرْض فَلَا يرجع وليمض فِي صلَاته وَإِن لم يستو قَائِما جلس وروى ذَلِك عَن عَلْقَمَة وَقَتَادَة وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة وَالشَّافِعِيّ وَقَالَت طَائِفَة إِذا فَارَقت إليته الأَرْض وَإِن لم يعتدل فَلَا يرجع ويتمادى وَيسْجد قبل السَّلَام رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي الْمَجْمُوعَة وَقَالَت طَائِفَة يقْعد وَإِن كَانَ استتم قَائِما رُوِيَ ذَلِك عَن النُّعْمَان بن بشير وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ إِلَّا أَن النَّخعِيّ قَالَ يجلس مَا لم يستتم الْقِرَاءَة وَقَالَ الْحسن مَا لم يرْكَع وَقد روى عَن
стр. 2173
عمر وَابْن مَسْعُود وَمُعَاوِيَة وَسَعِيد والمغيرة بن شُعْبَة وَعقبَة بن عَامر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَنهم قَامُوا من اثْنَتَيْنِ فَلَمَّا ذكرُوا بعد الْقيام لم يجلسوا وَقَالُوا أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يفعل ذَلِك وَفِي قَول أَكثر الْعلمَاء أَن من رَجَعَ إِلَى الْجُلُوس بعد قِيَامه من ثِنْتَيْنِ أَنه لَا تفْسد صلَاته إِلَّا مَا ذكر ابْن أبي زيد عَن سَحْنُون أَنه قَالَ أفسد الصَّلَاة رُجُوعه وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة الحكم الثَّامِن فِيمَن سَهَا فِي سَجْدَتي السَّهْو لَا سَهْو عَلَيْهِ قَالَه النَّخعِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد والمغيرة وَابْن أبي ليلى وَالْحسن الحكم التَّاسِع أَن سُجُود السَّهْو وَاجِب عِنْد أبي حنيفَة لوُجُود الْأَمر بِهِ فِي غير حَدِيث لقَوْله ﷺ َ - فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَّفق عَلَيْهِ " فَإِذا وجد ذَلِك أحدكُم فليسجد سَجْدَتَيْنِ " وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَن سُجُود السَّهْو سنة يجوز تَركه والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن شبْرمَة فِي رجل نسي سَجْدَتي السَّهْو حَتَّى يخرج من الْمَسْجِد قَالَ يُعِيد الصَّلَاة (فَإِن قلت) روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ َ - لم يسْجد يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ (قلت) فِي إِسْنَاده عبد الله بن عمر الْعمريّ وَهُوَ مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَئِن سلمنَا صِحَّته فَإِنَّهُ لَا يُقَاوم حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَافْهَم
٢٤٨ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك بن أنس عَن ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن عبد الله بن بُحَيْنَة ﵁ أَنه قَالَ صلى لنا رَسُول الله ﷺ َ - رَكْعَتَيْنِ من بعض الصَّلَوَات ثمَّ قَامَ فَلم يجلس فَنَامَ النَّاس مَعَه فَلَمَّا قضى صلَاته ونظرنا تَسْلِيمه كبر قبل التَّسْلِيم فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس ثمَّ سلم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " صلى لنا رَسُول الله ﷺ َ - رَكْعَتَيْنِ من بعض الصَّلَوَات ثمَّ قَامَ " وَهَذَا الحَدِيث نَحْو الحَدِيث الأول غير أَن مَالِكًا يروي عَن يحيى بن سعيد فِيهِ وَهَهُنَا يروي عَن ابْن شهَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَفِيه زِيَادَة وَفِي أَكثر النّسخ هَذَا الحَدِيث مَذْكُور قبل الحَدِيث الأول قَوْله " من بعض الصَّلَوَات " بَين ذَلِك فِي الحَدِيث السَّابِق أَنَّهَا صَلَاة الظّهْر قَوْله " ثمَّ قَامَ " أَي إِلَى الثَّالِثَة وَزَاد الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن الْأَعْرَج " فَسَبحُوا بِهِ فَمضى حَتَّى فرغ من صلَاته " أخرجه ابْن خُزَيْمَة قَوْله " فَلَمَّا قضى صلَاته " أَي لما فرغ مِنْهَا وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْقَضَاء الَّذِي يُقَابل الْأَدَاء قَوْله " ونظرنا تَسْلِيمه " أَي انتظرنا وَفِي رِوَايَة شُعَيْب " وانتظر النَّاس تَسْلِيمه " قَوْله " وَهُوَ جَالس " جملَة اسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي " فَسجدَ " قَوْله " ثمَّ سلم " زَاد فِي رِوَايَة يحيى بن سعيد " ثمَّ سلم بعد ذَلِك " وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة اللَّيْث " وسجدهما النَّاس مَعَه مَكَان مَا نسي من الْجُلُوس " (وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَشْيَاء) الأول فِي قَوْله " فَلَمَّا قضى صلَاته " دلَالَة على أَن السَّلَام لَيْسَ من الصَّلَاة حَتَّى لَو أحدث بعد أَن جلس وَقبل أَن يسلم تمت صلَاته وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَقَالَ بَعضهم وَتعقب بِأَن السَّلَام لما كَانَ للتحليل من الصَّلَاة كَانَ الْمُصَلِّي إِذا انْتهى إِلَيْهِ كمن فرغ من صلَاته وَيدل على ذَلِك قَوْله فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من طَرِيق جمَاعَة من الثِّقَات عَن يحيى بن سعيد عَن الْأَعْرَج " حَتَّى إِذا فرغ من الصَّلَاة إِلَّا أَن يسلم " فَدلَّ أَن بعض الروَاة حذف الِاسْتِثْنَاء لوضوحه وَالزِّيَادَة من الْحَافِظ مَقْبُولَة انْتهى (قلت) أَصْحَابنَا مَا اكتفوا بِهَذَا فِي عدم فَرضِيَّة السَّلَام حَتَّى يذكر هَذَا الْقَائِل التعقب بل احْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث " عبد الله بن مَسْعُود أَن نَبِي الله ﷺ َ - أَخذ بِيَدِهِ فَعلمه التَّشَهُّد " وَفِي آخِره " إِذا قلت هَذَا أَو قضيت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأحمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَإِسْحَاق فِي مُسْنده وَهَذَا يُنَافِي فَرضِيَّة السَّلَام فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ ﷺ َ - خير الْمُصَلِّي بعد الْقعُود بقوله " إِن شِئْت " أَي آخِره وهم تمسكوا بقوله ﷺ َ - " تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم " وَمَعْنَاهُ لَا يخرج من الصَّلَاة إِلَّا بِهِ وَنحن نمْنَع إِثْبَات الْفَرْضِيَّة بِخَبَر الْوَاحِد على أَن مدَار هَذَا الحَدِيث على عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وعَلى أبي سُفْيَان من طَرِيق ابْن شهَاب وَكِلَاهُمَا ضعيفان وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل أَنه يجوز للراوي حذف شَيْء من الحَدِيث لوضوحه وَكَيف يجوز التَّصَرُّف فِي كَلَام النَّبِي ﷺ َ - بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان وَلَا سِيمَا فِي بَاب الْأَحْكَام
стр. 2174
الثَّانِي فِيهِ الدّلَالَة على مَشْرُوعِيَّة سَجْدَتي السَّهْو وَأَن الْمَشْرُوع سَجْدَتَانِ فَلَو اقْتصر على سَجْدَة وَاحِدَة سَاهِيا أَو عَامِدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَذكر بَعضهم أَنه لَو تَركهَا عَامِدًا بطلت صلَاته لِأَنَّهُ تعمد الْإِتْيَان بِسَجْدَة زَائِدَة لَيست مَشْرُوعَة (قلت) كَيفَ تبطل الصَّلَاة إِذا زَاد فِيهَا شَيْئا من جِنْسهَا الثَّالِث فِيهِ أَن سَجْدَتي السَّهْو قبل السَّلَام وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ مَعَ حججه فِيمَا مضى. الرَّابِع فِيهِ أَن الْمَأْمُوم يسْجد مَعَ الإِمَام سَجْدَتي السَّهْو إِذا سَهَا الإِمَام وَإِن سَهَا الْمَأْمُوم لم يلْزمه وَلَا الإِمَام وَفِي مَبْسُوط أبي الْيُسْر وَيسْجد الْمَسْبُوق مَعَ الإِمَام للسَّهْو سَوَاء أدْركهُ فِي الْقعدَة أَو فِي وسط الصَّلَاة الْخَامِس فِيهِ أَن السَّهْو وَالنِّسْيَان جائزان على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وأزكى السَّلَام فِيمَا طَرِيقه التشريع. السَّادِس فِيهِ أَن مَحل سَجْدَتي السَّهْو آخر الصَّلَاة.
(بَاب إِذا صلى خمْسا)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صلى الْمُصَلِّي الرّبَاعِيّة خمس رَكْعَات وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى التَّفْرِقَة بَين مَا إِذا كَانَ السَّهْو بِالنُّقْصَانِ وَبَين مَا إِذا كَانَ بِالزِّيَادَةِ فَفِي الْبَاب الأول كَانَ السُّجُود قبل السَّلَام وَفِي هَذَا بعد السَّلَام وَإِلَى التَّفْرِقَة ذهب مَالك كَمَا ذَكرْنَاهُ.
٢٤٩ - (حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - صلى الظّهْر خمْسا فَقيل لَهُ أَزِيد فِي الصَّلَاة فَقَالَ وَمَا ذَاك قَالَ صليت خمْسا فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سلم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمضى هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه فِي بَاب مَا جَاءَ فِي الْقبْلَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن شُعْبَة عَن الحكم إِلَى آخِره وَهنا عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن الحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ والتفاوت بَينهمَا يسير سندا ومتنا فَاعْتبر ذَلِك بِالنّظرِ وَأخرجه أَيْضا فِي بَاب التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة بأطول مِنْهُ عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة قَالَ قَالَ عبد الله صلى النَّبِي ﷺ َ - إِلَى آخِره وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن حَدِيث عُثْمَان أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَحَدِيث أبي الْوَلِيد أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. فَلفظ مُسلم " أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى الظّهْر خمْسا فَلَمَّا سلم قيل أَزِيد فِي الصَّلَاة قَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا صليت خمْسا فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ َ - خمْسا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله أَزِيد فِي الصَّلَاة قَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا صليت خمْسا قَالَ إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أذكر كَمَا تذكرُونَ وأنسى كَمَا تنسون ثمَّ سجد سَجْدَتي السَّهْو " وَفِي لفظ لَهُ " صلى رَسُول الله ﷺ َ - فَزَاد أَو نقص قَالَ إِبْرَاهِيم وَالوهم مني فَقيل يَا رَسُول الله أَزِيد فِي الصَّلَاة شَيْء فَقَالَ إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسي أحدكُم فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس ثمَّ تحول رَسُول الله ﷺ َ - فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " أَن النَّبِي ﷺ َ - سجد سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام وَالْكَلَام " وَفِي لفظ لَهُ " قَالَ صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فإمَّا زَاد أَو نقص قَالَ إِبْرَاهِيم وأيم الله مَا جَاءَ ذَاك إِلَّا من قبلي قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله أحدث فِي الصَّلَاة شَيْء قَالَ لَا قَالَ قُلْنَا لَهُ الَّذِي صنع فَقَالَ إِذا زَاد الرجل أَو نقص فليسجد سَجْدَتَيْنِ قَالَ ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ أبي دَاوُد قَالَ " صلى رَسُول الله ﷺ َ - الظّهْر خمْسا " وَالْبَاقِي نَحْو لفظ البُخَارِيّ وَفِي لفظ لَهُ " قَالَ عبد الله صلى رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ إِبْرَاهِيم فَلَا أَدْرِي أزاد أم نقص فَلَمَّا سلم قيل يَا رَسُول الله أحدث فِي الصَّلَاة شَيْء قَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا صليت كَذَا وَكَذَا قَالَ فَثنى رجلَيْهِ واستقبل الْقبْلَة فَسجدَ بهم سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم فَلَمَّا انْفَتَلَ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَنه لَو أحدث فِي الصَّلَاة شَيْء أنبأتكم بِهِ وَلَكِن إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني وَإِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليتحر الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ ثمَّ ليسلم ثمَّ ليسجد سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " فَإِذا نسي أحدكُم فليسجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ تحول فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " قَالَ عبد الله صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ َ - خمْسا فَلَمَّا انْفَتَلَ توشوش الْقَوْم بَينهم فَقَالَ
стр. 2175
مَا شَأْنكُمْ قَالُوا يَا رَسُول الله هَل زيد فِي الصَّلَاة قَالَ لَا قَالُوا فَإنَّك قد صليت خمْسا فَانْفَتَلَ فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ قَالَ إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أنسى كَمَا تنسون " وَلَفظ التِّرْمِذِيّ " أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى الظّهْر خمْسا فَقيل لَهُ أَزِيد فِي الصَّلَاة فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سلم " وَفِي لفظ لَهُ " سجد سَجْدَتَيْنِ بعد الْكَلَام " وَلَفظ النَّسَائِيّ " قَالَ عبد الله صلى رَسُول الله ﷺ َ - فَزَاد أَو نقص فَقيل يَا رَسُول الله هَل حدث فِي الصَّلَاة شَيْء قَالَ لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء أنبأتكموه وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أنسى كَمَا تنسون فَأَيكُمْ مَا شكّ فِي صلَاته فَلْينْظر أَحْرَى ذَلِك إِلَى الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ ثمَّ ليسلم وَيسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " صلى رَسُول الله ﷺ َ - فَزَاد فِيهَا أَو نقص فَلَمَّا سلم قُلْنَا يَا نَبِي الله هَل حدث فِي الصَّلَاة شَيْء قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ فَذَكرنَا لَهُ الَّذِي فعل فَثنى رجله فَاسْتقْبل الْقبْلَة فَسجدَ سَجْدَتي السَّهْو ثمَّ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء لأنبأتكم بِهِ ثمَّ قَالَ إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَأَيكُمْ أنسى فِي صلَاته شَيْئا فليتحر الَّذِي يرى أَنه هُوَ صَوَاب ثمَّ يسلم ثمَّ يسْجد سَجْدَتي السَّهْو " وَفِي لفظ لَهُ " إِذا أوهم أحدكُم فِي صلَاته فليتحر أقرب ذَلِك من الصَّوَاب ثمَّ ليتم عَلَيْهِ ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَلَفظ ابْن مَاجَه " قَالَ عبد الله صلى رَسُول الله ﷺ َ - صَلَاة لَا نَدْرِي أزاد أَو نقص فَسَأَلَ فحدثاه فَثنى رجله واستقبل الصَّلَاة وَسجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء لأنبأتكموه وَإِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني وَأَيكُمْ مَا شكّ فِي الصَّلَاة فليتحر أقرب ذَلِك من الصَّوَاب فَيتم عَلَيْهِ وَيسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَقد استقصينا الْكَلَام فِي هَذَا فِي بَاب التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " صلى الظّهْر خمْسا " أَي خمس رَكْعَات فَهُنَا جزم بِأَن الَّذِي صلى كَانَ خمْسا وَقد مر فِي بَاب التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة فِي رِوَايَة مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم وَفِيه قَالَ إِبْرَاهِيم لَا أَدْرِي زَاد أَو نقص قَوْله " قيل لَهُ " أَي لرَسُول الله ﷺ َ - قَوْله أَزِيد الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله " وَمَا ذَاك " أَي وَمَا سؤالكم عَن الزِّيَادَة فِي الصَّلَاة قَوْله " فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ " أَي للسَّهْو قَوْله " بَعْدَمَا سلم " كلمة مَا مَصْدَرِيَّة أَي بعد سَلام الصَّلَاة (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) هَذَا الحَدِيث حجَّة لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام وَإِن كَانَت للزِّيَادَة وَقَالَ بَعضهم وَتعقب بِأَنَّهُ لم يعلم بِزِيَادَة الرَّكْعَة إِلَّا بعد السَّلَام حِين سَأَلُوهُ هَل زيد فِي الصَّلَاة وَقد اتّفق الْعلمَاء فِي هَذِه الصُّورَة على أَن سُجُود السَّهْو بعد السَّلَام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو ورد بِأَنَّهُ وَقع فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود هَذَا فِي لفظ مُسلم فِي الزِّيَادَة أَنه أَمر بالإتمام وَالسَّلَام ثمَّ بسجدتي السَّهْو وَهُوَ قَوْله " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليتحر الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ ثمَّ ليسلم ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَالشَّكّ بالسهو غير الْعلم بِهِ وعورض بِأَنَّهُ معَارض بِحَدِيث أبي سعيد عِنْد مُسلم وَلَفظه " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فَلم يدر كم صلى فليطرح الشَّك وليبن على مَا استيقن ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم " وَأجِيب بِأَن التَّعَارُض إِذا كَانَ بَين الْقَوْلَيْنِ يُصَار إِلَى جَانب الْفِعْل لسلامته عَن الْمعَارض وَإِذا كَانَ بَين القَوْل وَالْفِعْل يُصَار إِلَى جَانب القَوْل لقُوته أَو يُقَال كَانَ ذَلِك مِنْهُ ﷺ َ - لبَيَان الْجَوَاز والتوسع فِي الْأَمريْنِ وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة لَا حجَّة للعراقيين فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود لأَنهم خالفوه فَقَالُوا إِن جلس الْمُصَلِّي فِي الرَّابِعَة مِقْدَار التَّشَهُّد يُضَاف إِلَى الْخَامِسَة سادسة ثمَّ سلم وَسجد للسَّهْو وَإِن لم يجلس فِي الرَّابِعَة لم تصح صلَاته وَلم ينْقل فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود إِضَافَة سادسة وَلَا إِعَادَة وَلَا بُد من أَحدهمَا عِنْدهم وَيحرم على الْعَالم أَن يُخَالف السّنة بعد علمه بهَا (قلت) لَا نسلم أَنهم خالفوه فَلَو وقف هَذَا الْمُعْتَرض على مدارك هَذِه الصُّورَة لما قَالَ ذَلِك. الْمدْرك الأول أَن الْقعدَة الْأَخِيرَة فرض عِنْدهم فَلَو ترك شخص فرضا من فروض الصَّلَاة تبطل صلَاته. الْمدْرك الثَّانِي أَنه حِين قَامَ إِلَى السَّادِسَة بعد الْقعُود صَار شَارِعا فِي صَلَاة أُخْرَى بِنَاء على التَّحْرِيمَة الأولى لِأَنَّهَا شَرط عِنْدهم وَلَيْسَ بِرُكْن. الْمدْرك الثَّالِث أَن الصَّلَاة بِرَكْعَة وَاحِدَة منهية عِنْدهم كَمَا ثَبت ذَلِك فِي مَوْضِعه فَإِذا كَانَ كَذَلِك فبالضرورة من إِضَافَة رَكْعَة أُخْرَى إِلَيْهَا ليخرج عَن البتيراء. الْمدْرك الرَّابِع أَن التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة غير فرض عِنْدهم فبتركه لَا تبطل صلَاته فَإِذا وقف أحد على هَذِه المدارك لَا يصدر مِنْهُ هَذَا الِاعْتِرَاض وَيحرم عَلَيْهِ أَن ينْسب أحدا إِلَى مُخَالفَة السّنة بعد الْعلم بهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي قَوْله " أَزِيد فِي الصَّلَاة " دَلِيل لمَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف أَن من زَاد فِي صلَاته رَكْعَة نَاسِيا لم تبطل صلَاته بل إِن علم بعد السَّلَام فقد مَضَت صلَاته صَحِيحَة وَيسْجد للسَّهْو وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا
стр. 2176
زَاد رَكْعَة سَاهِيا بطلت صلَاته وَلَزِمَه إِعَادَتهَا وَقَالَ أَيْضا إِن كَانَ تشهد فِي الرَّابِعَة ثمَّ زَاد خَامِسَة أضَاف إِلَيْهَا سادسة تشفعها وَإِن لم يكن تشهد بطلت صلَاته وَهَذَا الحَدِيث يرد عَلَيْهِ وَهُوَ حجَّة لِلْجُمْهُورِ (قلت) لَا نسلم صِحَة النَّقْل عَن أبي حنيفَة بِبُطْلَان صلَاته إِذا زَاد رَكْعَة سادسة سَاهِيا وَالظَّاهِر من حَال النَّبِي ﷺ َ - أَنه قعد على الرَّابِعَة لِأَن حمل فعله على الصَّوَاب أحسن من حمله على غَيره وَهُوَ اللَّائِق بِحَالهِ على أَن الْمَذْكُور فِيهِ صلى الظّهْر خمْسا وَالظّهْر اسْم للصَّلَاة الْمَعْهُودَة فِي وَقتهَا بِجَمِيعِ أَرْكَانهَا (فَإِن قلت) لم يرجع النَّبِي ﷺ َ - من الْخَامِسَة وَلم يشفعها (قلت) لَا يضرنا ذَلِك لأَنا لَا نلزمه بِضَم الرَّكْعَة السَّادِسَة على طَرِيق الْوُجُوب حَتَّى قَالَ صَاحب الْهِدَايَة وَلَو لم يضم لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مظنون وَقَالَ صَاحب الْبَدَائِع وَالْأولَى أَن يضيف إِلَيْهَا رَكْعَة أُخْرَى ليصيرا نفلا إِلَّا فِي الْعَصْر
(بَاب إِذا سلم فِي رَكْعَتَيْنِ أَو فِي ثَلَاث فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ مثل سُجُود الصَّلَاة أَو أطول)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا سلم الْمُصَلِّي فِي رَكْعَتَيْنِ وَكلمَة فِي بِمَعْنى من أَو بِمَعْنى على قَوْله " أَو فِي ثَلَاث " أَي أَو سلم على ثَلَاث رَكْعَات قَوْله " مثل سُجُود الصَّلَاة أَو أطول " أَي أطول مِنْهُ وَهَذَا اللَّفْظ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة يَأْتِي فِي الْبَاب الثَّانِي وَهُوَ قَوْله " ثمَّ كبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول "
٢٥٠ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ صلى بِنَا النَّبِي ﷺ َ - الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ الصَّلَاة يَا رَسُول الله أنقصت فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - لأَصْحَابه أَحَق مَا يَقُول قَالُوا نعم فصلى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ. قَالَ سعد وَرَأَيْت عُرْوَة بن الزبير صلى من الْمغرب رَكْعَتَيْنِ فَسلم وَتكلم ثمَّ صلى مَا بَقِي وَسجد سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا فعل النَّبِي ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الحَدِيث ينبىء أَنه ﷺ َ - سلم على آخر الرَّكْعَتَيْنِ وَهَذَا ظَاهر وَلَكِن لَيْسَ فِي الْبَاب ذكر مَا إِذا سلم على آخر ثَلَاث رَكْعَات وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي بَاب هَل يَأْخُذ الإِمَام إِذا شكّ بقول النَّاس من طَرِيقين. أَحدهمَا عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك بن أنس عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن سِيرِين " عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - انْصَرف من اثْنَتَيْنِ " إِلَى آخِره. وَالْآخر عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مطولا فِي بَاب تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَغَيره وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مستقصى فَمن أَرَادَ ذَلِك فَليرْجع إِلَى ذَاك الْبَاب قَوْله " صلى بِنَا النَّبِي ﷺ َ - الظّهْر " ظَاهره أَن أَبَا هُرَيْرَة حضر الْقِصَّة وَذُو الْيَدَيْنِ اسْتشْهد ببدر قَالَه الزُّهْرِيّ وَمُقْتَضَاهُ أَن تكون الْقِصَّة قبل بدر وَهِي قبل إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِأَكْثَرَ من خمس سِنِين وَلَكِن معنى قَول أبي هُرَيْرَة " صلى بِنَا " أَي صلى بِالْمُسْلِمين وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة كَمَا رُوِيَ عَن النزال بن سُبْرَة قَالَ " قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ َ - أَنا وَإِيَّاكُم كُنَّا ندعى بني عبد منَاف " الحَدِيث والنزال لم ير رَسُول الله ﷺ َ - وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك قَالَ لقومنا وروى " عَن طَاوس قَالَ قدم علينا معَاذ بن جبل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَلم يَأْخُذ من الخضراوات شَيْئا " وَإِنَّمَا أَرَادَ قدم بلدنا لِأَن معَاذًا قدم الْيمن فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - قبل أَن يُولد طَاوس وَقَالَ بَعضهم اتّفق أَئِمَّة الحَدِيث كَمَا نَقله ابْن عبد الْبر وَغَيره على أَن الزُّهْرِيّ وهم فِي ذَلِك وَسَببه أَنه جعل الْقِصَّة لذِي الشمالين وَذُو الشمالين هُوَ الَّذِي قتل ببدر وَهُوَ خزاعي واسْمه عَمْرو بن نَضْلَة وَأما ذُو الْيَدَيْنِ فَتَأَخر بعد النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ سلمي واسْمه الْخِرْبَاق وَقد وَقع عِنْد مُسلم من طَرِيق أبي سَلمَة " عَن أبي هُرَيْرَة فَقَامَ رجل من بني سليم " فَلَمَّا وَقع عِنْد الزُّهْرِيّ بِلَفْظ " فَقَامَ ذُو الشمالين " وَهُوَ يعرف أَنه قتل ببدر قَالَ لأجل ذَلِك أَن الْقِصَّة وَقعت قبل بدر انْتهى (قلت) وَقع فِي كتاب النَّسَائِيّ أَن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد كِلَاهُمَا لقب على الْخِرْبَاق حَيْثُ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن رَافع حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي
стр. 2177
سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة " عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ صلى النَّبِي ﷺ َ - الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم من رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرف فَقَالَ لَهُ ذُو الشمالين ابْن عَمْرو أنقصت الصَّلَاة أم نسيت قَالَ النَّبِي ﷺ َ - مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ قَالُوا صدق يَا رَسُول الله فَأَتمَّ بهم الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نقص " وَهَذَا سَنَد صَحِيح مُتَّصِل صرح فِيهِ بِأَن ذَا الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ وروى النَّسَائِيّ أَيْضا بِسَنَد صَحِيح صرح فِيهِ أَيْضا أَن ذَا الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ وَقد تَابع الزُّهْرِيّ على ذَلِك عمرَان بن أبي أنس قَالَ النَّسَائِيّ أخبرنَا عِيسَى بن حَمَّاد أخبرنَا اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن أبي سَلمَة " عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - صلى يَوْمًا فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف فأدركه ذُو الشمالين فَقَالَ يَا رَسُول الله أنقصت الصَّلَاة أم نسيت فَقَالَ لم تنقص الصَّلَاة وَلم أنس قَالَ بلَى وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أصدق ذُو الْيَدَيْنِ قَالُوا نعم فصلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ " وَهَذَا أَيْضا سَنَد صَحِيح على شَرط مُسلم وَأخرج نَحوه الطَّحَاوِيّ عَن ربيع الْمُؤَذّن عَن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب إِلَى آخِره فَثَبت أَن الزُّهْرِيّ لم يهم وَلَا يلْزم من عدم تَخْرِيج ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ عدم صِحَّته فَثَبت أَن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل أَنه مَعَ اطِّلَاعه على مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من هَذَا كَيفَ اعْتمد على قَول من نسب الزُّهْرِيّ إِلَى الْوَهم وَلَكِن أريحية العصبية تحمل الرجل على أَكثر من هَذَا وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا وَقد جوز بعض الْأَئِمَّة أَن تكون الْقِصَّة لكل من ذِي الشمالين وَذي الْيَدَيْنِ وَأَن أَبَا هُرَيْرَة روى الْحَدِيثين فَأرْسل أَحدهمَا وَهُوَ قصَّة ذِي الشمالين وَشَاهد الآخر وَهُوَ قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ وَهَذَا يحْتَمل فِي طَرِيق الْجمع (قلت) هَذَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل صَحِيح وَجعل الْوَاحِد اثْنَيْنِ خلاف الأَصْل وَقد يلقب الرجل بلقبين وَأكْثر وَقَالَ أَيْضا وَيدْفَع الْمجَاز الَّذِي ارْتَكَبهُ الطَّحَاوِيّ مَا رَوَاهُ مُسلم وَأحمد وَغَيرهمَا من طَرِيق يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة فِي هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ " بَيْنَمَا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - صَلَاة الظّهْر سلم رَسُول الله ﷺ َ - من رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ رجل من بني سليم واقتص " الحَدِيث (قلت) هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من خمس طرق فلفظه من طَرِيقين " صلى بِنَا " وَفِي طَرِيق " صلى لنا " وَفِي طَرِيق " أَن رَسُول الله ﷺ َ - صلى رَكْعَتَيْنِ " وَفِي طَرِيق " بَيْنَمَا أَنا أُصَلِّي " وَفِي ثَلَاث طرق التَّصْرِيح بِلَفْظ ذِي الْيَدَيْنِ وَفِي الطَّرِيقَيْنِ بِلَفْظ رجل من بني سليم وَفِي الطَّرِيق الأول إِحْدَى صَلَاتي الْعشي إِمَّا الظّهْر أَو الْعَصْر بِالشَّكِّ وَفِي الثَّانِي إِحْدَى صَلَاتي الْعشي من غير ذكر الظّهْر وَالْعصر بِدُونِ الْيَقِين وَفِي الثَّالِث صَلَاة الْعَصْر بِالْجَزْمِ وَفِي الرَّابِع وَالْخَامِس صَلَاة الظّهْر بِالْجَزْمِ فَهَذَا كُله يدل على اخْتِلَاف الْقَضِيَّة وَإِلَّا يكون فِيهَا إِشْكَال فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك يحْتَمل أَن يكون الرجل الْمَذْكُور الَّذِي نَص عَلَيْهِ أَنه من بني سليم غير ذِي الْيَدَيْنِ وَأَن تكون قَضيته غير قَضِيَّة ذِي الْيَدَيْنِ وَأَن أَبَا هُرَيْرَة شَاهد هَذَا حَتَّى أخبر عَن ذَلِك بقوله " بَينا أَنا أُصَلِّي " وَكَون ذِي الْيَدَيْنِ من بني سليم على قَول من يَدعِي ذَلِك لَا يسْتَلْزم أَن لَا يكون غَيره من بني سليم وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا وَالظَّاهِر أَن الِاخْتِلَاف فِيهِ أَي فِي الْمَذْكُور من إِحْدَى صَلَاتي العشى وَالْعصر وَالظّهْر من الروَاة وَأبْعد من قَالَ يحمل على أَن الْقَضِيَّة وَقعت مرَّتَيْنِ (قلت) أَن الْحمل على التَّعَدُّد أولى من نِسْبَة الروَاة إِلَى الشَّك (فَإِن قلت) روى النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عون عَن ابْن سِيرِين أَن الشَّك فِيهِ من أبي هُرَيْرَة وَلَفظه " صلى النَّبِي ﷺ َ - إِحْدَى صَلَاتي العشى قَالَ وَلَكِنِّي نسيت " فَالظَّاهِر أَن أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ كثيرا على الشَّك وَكَانَ رُبمَا غلب على ظَنّه أَنَّهَا الظّهْر فَجزم بهَا وَتارَة غلب على ظَنّه أَنَّهَا الْعَصْر فَجزم (قلت) لَيْسَ فِي الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ من الطَّرِيق الْمَذْكُور شكّ وَإِنَّمَا صرح أَبُو هُرَيْرَة بِأَنَّهُ نسي وَالنِّسْيَان غير الشَّك وَقَوله فَالظَّاهِر إِلَى آخِره غير ظَاهر فَلَا دَلِيل على ظُهُوره من نفس الْمُتُون وَلَا من الْخَارِج يعرف هَذَا بِالتَّأَمُّلِ قَوْله " فَسلم " يَعْنِي على آخر الرَّكْعَتَيْنِ وَزَاد أَبُو دَاوُد من طَرِيق معَاذ عَن شُعْبَة " فِي الرَّكْعَتَيْنِ " قَوْله " قَالَ سعد " يَعْنِي سعد بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن سعد فَذكره وَقَالَ أَبُو نعيم رَوَاهُ يَعْنِي البُخَارِيّ عَن آدم عَن شُعْبَة وَزَاد قَالَ سعد وَرَأَيْت عُرْوَة إِلَى آخِره وَأوردهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق معَاذ وَيحيى عَن شُعْبَة حَدثنَا سعد بن إِبْرَاهِيم سَمِعت أَبَا سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة الحَدِيث ثمَّ قَالَ فِي آخِره وَرَوَاهُ غنْدر (فصلى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ " لم يقل ثمَّ سلم ثمَّ سجد قَالَ لم يتَضَمَّن هَذَا
стр. 2178
الحَدِيث مَا ذكره فِي التَّرْجَمَة وَخرج مَا ذكره من تَرْجَمَة هَذَا الْبَاب فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ وَكَذَا قَالَ ابْن التِّين لم يَأْتِ فِي الحَدِيث شَيْء مِمَّا يشْهد للسلام من ثَلَاث قَوْله " الصَّلَاة يَا رَسُول الله أنقصت " الصَّلَاة مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله " أنقصت " ويروى " نقصت " بِدُونِ همزَة الِاسْتِفْهَام وَيجوز فِي نون نقصت الْفَتْح على أَن يكون لَازِما وَيجوز ضمهَا على أَن يكون مُتَعَدِّيا وَقَوله " يَا رَسُول الله " جملَة مُعْتَرضَة بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر قَوْله " أَحَق مَا يَقُول " يجوز فِي إعرابه وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون لفظ حق مُبْتَدأ دخلت عَلَيْهِ همزَة الِاسْتِفْهَام وَقَوله " مَا يَقُول " سَاد مسد الْخَبَر وَالْآخر أَن يكون أَحَق خَبرا وَمَا يَقُول مُبْتَدأ قَوْله " أُخْرَيَيْنِ " ويروى " أخراوين " على خلاف الْقيَاس وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) كَيفَ بنى الصَّلَاة على الرَّكْعَتَيْنِ وَقد فسدتا بالْكلَام (قلت) كَانَ سَاهِيا لِأَنَّهُ كَانَ يظنّ أَنه خَارج الصَّلَاة (قلت) فِي هَذَا اخْتِلَاف الْعلمَاء فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَق إِلَى أَن كَلَام الْقَوْم فِي الصَّلَاة لإمامهم لإِصْلَاح الصَّلَاة مُبَاح وَكَذَا الْكَلَام من الإِمَام لأجل السَّهْو لَا يُفْسِدهَا وَقَالَ أَبُو عمر ذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه إِلَى أَن الْكَلَام وَالسَّلَام سَاهِيا فِي الصَّلَاة لَا يُفْسِدهَا كَقَوْل مَالك وَأَصْحَابه سَوَاء وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهمَا أَن مَالِكًا يَقُول لَا يفْسد الصَّلَاة تعمد الْكَلَام فِيهَا إِذا كَانَ فِي إصلاحها وَهُوَ قَول ربيعَة وَابْن الْقَاسِم إِلَّا مَا رُوِيَ عَنهُ فِي الْمُنْفَرد وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ عِيَاض وَقد اخْتلف قَول مَالك وَأَصْحَابه فِي التعمد بالْكلَام لإِصْلَاح الصَّلَاة من الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَمنع ذَلِك بِالْجُمْلَةِ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأهل الظَّاهِر وجعلوه مُفْسِدا للصَّلَاة إِلَّا أَن أَحْمد أَبَاحَ ذَلِك للْإِمَام وَحده وَسوى أَبُو حنيفَة بَين الْعمد والسهو (فَإِن قلت) كَيفَ تكلم ذُو الْيَدَيْنِ وَالْقَوْم وهم بعد فِي الصَّلَاة (قلت) أجَاب النَّوَوِيّ بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنهم لم يَكُونُوا على الْيَقِين من الْبَقَاء فِي الصَّلَاة لأَنهم كَانُوا مجوزين لنسخ الصَّلَاة من أَربع إِلَى رَكْعَتَيْنِ وَالْآخر أَن هَذَا كَانَ خطابا للنَّبِي ﷺ َ - وجوابا وَذَلِكَ لَا يبطل عندنَا وَلَا عِنْد غَيرنَا وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح " أَن الْجَمَاعَة أومأوا أَي أشاروا نعم " فعلى هَذِه الرِّوَايَة لم يتكلموا (قلت) الْكَلَام وَالْخُرُوج من الْمَسْجِد وَنَحْو ذَلِك كُله قد نسخ حَتَّى لَو فعل أحد مثل هَذَا فِي هَذَا الْيَوْم بطلت صلَاته وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ " أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ مَعَ النَّبِي ﷺ َ - يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ ثمَّ حدث بِهِ تِلْكَ الْحَادِثَة بعد النَّبِي ﷺ َ - فَعمل فِيهَا بِخِلَاف مَا عمل ﷺ َ - يَوْمئِذٍ وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِمَّن حضر فعله من الصَّحَابَة وَذَلِكَ لَا يَصح أَن يكون مِنْهُ وَمِنْهُم إِلَّا بعد وقوفهم على نسخ مَا كَانَ مِنْهُ ﷺ َ - يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ
(بَاب من لم يتَشَهَّد فِي سَجْدَتي السَّهْو)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم يتَشَهَّد فِي سَجْدَتي السَّهْو يَعْنِي يسْجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو فَقَط وَلَا يتَشَهَّد وَقَالَ بَعضهم أَي إِذا سجدهما بعد السَّلَام من الصَّلَاة وَأما قبل السَّلَام فالجمهور على أَنه لَا يُعِيد التَّشَهُّد (قلت) لم يشر البُخَارِيّ إِلَى هَذَا التَّفْصِيل أصلا لَا فِي التَّرْجَمَة وَلَا فِي الَّذِي ذكره فِي الْبَاب وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى بَيَان من لَا يرى التَّشَهُّد فِي سَجْدَتي السَّهْو وَهُوَ مَذْهَب سعد وعمار وَابْن سِيرِين وَابْن أبي ليلى فَإِنَّهُم قَالُوا من عَلَيْهِ السَّهْو يسْجد وَيسلم وَلَا يتَشَهَّد وَقَالَ أنس وَالْحسن وَعَطَاء وَطَاوُس لَيْسَ فِي سَجْدَتي السَّهْو تشهد وَلَا سَلام وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَقَتَادَة وَالْحكم وَاللَّيْث وَحَمَّاد يتَشَهَّد وَيسلم وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَق وَفِي التَّوْضِيح وَالأَصَح عندنَا لَا يتَشَهَّد وَهُوَ مَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن الشَّافِعِي وَالْأَوْزَاعِيّ. وَهنا قَول رَابِع إِن سجد قبل السَّلَام لَا يتَشَهَّد وَإِن سجد بعده يتَشَهَّد رَوَاهُ أَشهب عَن مَالك وَهُوَ قَول ابْن الْمَاجشون وَأحمد (وَسلم أنس وَالْحسن وَلم يتشهدا) أَي سلم أنس بن مَالك وَالْحسن الْبَصْرِيّ عقيب سَجْدَتي السَّهْو وَلم يتشهدا وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة وَقَالَ حَدثنَا ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب أَن أنس بن مَالك قعد فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة فَسَبحُوا بِهِ فَقَامَ وأتمهن أَرْبعا فَلَمَّا سلم سجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ أقبل على الْقَوْم بِوَجْهِهِ وَقَالَ افعلوا هَكَذَا وروى ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن ابْن مهْدي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن وَأنس أَنَّهُمَا سجدا للسَّهْو بعد السَّلَام ثمَّ قاما وَلم يسلما
стр. 2179
(وَقَالَ قَتَادَة لَا يتَشَهَّد) لِأَنَّهُ روى عَن شَيْخه أنس وَالْحسن أَنَّهُمَا لم يتشهدا فذهبا فِيهِ إِلَى مَا ذَهَبا إِلَيْهِ قَالَ بَعضهم وَفِيه نظر فقد رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ يتَشَهَّد فِي سَجْدَتي السَّهْو وَيسلم فَلَعَلَّ لَا فِي التَّرْجَمَة زَائِدَة (قلت) فِي نظره نظر لجَوَاز أَن يكون عَن قَتَادَة رِوَايَتَانِ فَإِذا قيل بِزِيَادَة لَا فِيمَا ذكره البُخَارِيّ فللقائل أَن يَقُول لَعَلَّهَا سَقَطت فِيمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وَقَوله أَيْضا فَلَعَلَّ لَا فِي التَّرْجَمَة زَائِدَة لَيْسَ كَذَلِك فَإِن التَّرْجَمَة لَيست فِيهَا كلمة لَا وَإِنَّمَا ظَنّه بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَثر الَّذِي ذكره عَن قَتَادَة
٢٥١ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك بن أنس عَن أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - انْصَرف من اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أصدق ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاس نعم فَقَامَ رَسُول الله ﷺ َ - فصلى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ كبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ ﷺ َ - لم يتَشَهَّد فِي هَذِه الصُّورَة وَادّعى ابْن الْمُهلب أَنه لَيْسَ فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ تشهد وَلَا تَسْلِيم قيل يحْتَمل ذَلِك وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون ﷺ َ - تشهد فِيهَا وَسلم وَلم ينْقل ذَلِك الْمُحدث وَالثَّانِي أَنه لم يتَشَهَّد فيهمَا وَلَا سلم وَألْحق الْمُسلمُونَ بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ سنَن الصَّلَاة تَأْكِيدًا لَهما وَقَالَ ابْن الْمُنْذر فِي التَّسْلِيم فيهمَا أَنه ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ َ - من غير وَجه وَفِي ثُبُوت التَّشَهُّد عَنهُ نظر والْحَدِيث قد مر فِي بَاب هَل يَأْخُذ الإِمَام إِذا شكّ بقول النَّاس بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد والمتن بِلَا اخْتِلَاف قَوْله " ثمَّ رفع " أَي رفع رَأسه من السَّجْدَتَيْنِ وَلم يتَشَهَّد وَلم يسلم وَاسْتشْكل بَعضهم فِي قَوْله " فَقَامَ رَسُول الله ﷺ َ - " لِأَنَّهُ كَانَ قَائِما (وَأجِيب) بِأَن المُرَاد بقوله " فَقَامَ " أَي اعتدل لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَندا إِلَى الْخَشَبَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقيل هُوَ كِنَايَة عَن الدُّخُول فِي الصَّلَاة
٢٥٢ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن سَلمَة بن عَلْقَمَة. قَالَ قلت لمُحَمد فِي سَجْدَتي السَّهْو تشهد قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد وَسَلَمَة بِفَتْح اللَّام ابْن عَلْقَمَة أَبُو بشر التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي الْمُسْتَخْرج " سَأَلت مُحَمَّد بن سِيرِين " قَوْله لَيْسَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة يَعْنِي لَيْسَ فِيهِ تشهد وَفِي رِوَايَة أبي نعيم " فَقَالَ لم أحفظ فِيهِ عَن أبي هُرَيْرَة شَيْئا وَأحب إِلَى أَن يتَشَهَّد " وَقد ورد التَّشَهُّد فِي حَدِيث غَيره من ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أبي الْمُهلب " عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى بهم فَسَهَا فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ تشهد ثمَّ سلم " وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا وَأخرجه الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا
(بَاب يكبر فِي سَجْدَتي السَّهْو)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الساهي فِي صلَاته يكبر فِي سَجْدَتي السَّهْو وَفِي بعض النّسخ بَاب من يكبر فِي سَجْدَتي السَّهْو فجمهور الْعلمَاء على الِاكْتِفَاء بتكبير السُّجُود وَبِذَلِك يشْهد غَالب الْأَحَادِيث وَحكى الْقُرْطُبِيّ أَن قَول مَالك مُخْتَلف فِي وجوب السَّلَام بعد سَجْدَتي السَّهْو قَالَ وَمَا يتَحَلَّل مِنْهُ بِسَلام لَا بُد لَهُ من تَكْبِيرَة إِحْرَام قَالَ وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من
стр. 2180
طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن هَاشم بن حسان عَن ابْن سِيرِين فِي حَدِيث الْبَاب " ثمَّ رفع وَكبر ثمَّ كبر وَسجد للسَّهْو " وَهَذَا يدل على تكبيرتين إِحْدَاهمَا تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَالْأُخْرَى تَكْبِيرَة السَّجْدَة وَلَكِن أَشَارَ أَبُو دَاوُد إِلَى شذوذ هَذِه الرِّوَايَة حَيْثُ قَالَ وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَلم يقل أحد فَكبر ثمَّ كبر إِلَّا حَمَّاد بن زيد
٢٥٣ - (حَدثنَا حَفْص بن عمر قَالَ حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ صلى النَّبِي ﷺ َ - إِحْدَى صَلَاتي الْعشي. قَالَ مُحَمَّد وَأكْثر ظَنِّي الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَة فِي مقدم الْمَسْجِد فَوضع يَده عَلَيْهَا وَفِيهِمْ أَبُو بكر وَعمر ﵄ فَهَابَا أَن يُكَلِّمَاهُ وَخرج سرعَان النَّاس فَقَالُوا أقصرت الصَّلَاة وَرجل يَدعُوهُ النَّبِي ﷺ َ - ذَا الْيَدَيْنِ فَقَالَ أنسيت أم قصرت فَقَالَ لم أنس وَلم تقصر قَالَ بلَى قد نسيت فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ كبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع رَأسه فَكبر ثمَّ وضع رَأسه فَكبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع رَأسه وَكبر) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم التسترِي وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين والإسناد كُله بصريون وَقد مضى الحَدِيث فِي بَاب تشييك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَغَيره فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَق عَن ابْن شُمَيْل عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره وَهُنَاكَ بعض زِيَادَة تعلم عِنْد الرُّجُوع إِلَيْهِ وتكلمنا هُنَاكَ أَيْضا على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَشْيَاء الْمُتَعَلّقَة بِهِ قَوْله " قَالَ مُحَمَّد " هُوَ ابْن سِيرِين قَوْله " فِي مقدم الْمَسْجِد " بتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة أَي فِي جِهَة الْقبْلَة وَفِي رِوَايَة ابْن عون " فَقَامَ إِلَى خَشَبَة معروضة فِي الْمَسْجِد " أَي مَوْضُوعَة بِالْعرضِ وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن أَيُّوب " ثمَّ أَتَى جذعا فِي قبْلَة الْمَسْجِد فاستند إِلَيْهَا مغضبا " قَوْله " فَهَابَا أَن يُكَلِّمَاهُ " وَفِي رِوَايَة ابْن عون " فهاباه " بِزِيَادَة الضَّمِير وَالْمعْنَى أَنَّهُمَا غلب عَلَيْهِمَا احترام النَّبِي ﷺ َ - وتعظيمه عَن الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ قَوْله " سرعَان النَّاس " بالمهملات الْمَفْتُوحَة أَي أخفاؤهم والمستعجلون مِنْهُم وأوائلهم وَيلْزم الْإِعْرَاب نونه فِي كل وَجه وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور من أهل الحَدِيث واللغة وَهَكَذَا ضَبطه المتقنون وَقَالَ ابْن الْأَثِير السرعان بِفَتْح السِّين وَالرَّاء أَوَائِل النَّاس الَّذين يتسارعون إِلَى الشَّيْء ويقبلون عَلَيْهِ بِسُرْعَة وَيجوز تسكين الرَّاء (قلت) وَكَذَا نقل القَاضِي عَن بَعضهم قَالَ وَضَبطه الْأصيلِيّ فِي البُخَارِيّ بِضَم السِّين وَإِسْكَان الرَّاء وَوَجهه أَنه جمع سريع كقفيز وقفزان وكثيب وكثبان وَمن قَالَ سرعَان بِكَسْر السِّين فَهُوَ خطأ وَقيل يُقَال أَيْضا بِكَسْر السِّين وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ جمع سريع كرعيل ورعلان وَأما قَوْلهم سرعَان مَا فعلت فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات الضَّم وَالْكَسْر وَالْفَتْح مَعَ إسكان الرَّاء وَالنُّون مَفْتُوحَة أبدا قَوْله " أقصرت الصَّلَاة " بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَفِي رِوَايَة ابْن عون بحذفها " وَقصرت " على صِيغَة الْمَجْهُول ويروى على بِنَاء الْفَاعِل قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا أَكثر قَوْله " وَرجل يَدعُوهُ النَّبِي ﷺ َ - " أَي يُسَمِّيه ذَا الْيَدَيْنِ (فَإِن قلت) مَا الرافع للرجل (قلت) هُوَ مُبْتَدأ تخصص بِالصّفةِ وَهُوَ قَوْله " يَدعُوهُ النَّبِي ﷺ َ - " وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره وَهُنَاكَ رجل وَفِي رِوَايَة ابْن عون " وَفِي الْقَوْم رجل فِي يَده طول يُقَال لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ "
٢٥٤ - (حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا لَيْث عَن ابْن شهَاب عَن الْأَعْرَج عَن عبد الله بن بُحَيْنَة الْأَسدي حَلِيف بني عبد الْمطلب أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَامَ فِي صَلَاة الظّهْر وَعَلِيهِ جُلُوس فَلَمَّا أتم صلَاته سجد سَجْدَتَيْنِ فَكبر فِي كل سَجْدَة وَهُوَ جَالس قبل أَن يسلم وسجدهما النَّاس مَعَه مَكَان مَا نسي من الْجُلُوس)
стр. 2181
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " يكبر فِي كل سَجْدَة " وَقد مضى هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي بَاب مَا جَاءَ فِي السَّهْو إِذا قَامَ من رَكْعَتي الْفَرِيضَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن الْأَعْرَج وَهنا عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بن سعد عَن ابْن شهَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء قَوْله " الْأَسدي " بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَمِنْهُم من يَقُول الْأَزْدِيّ بالزاي مَوضِع السِّين نِسْبَة إِلَى أَزْد قَوْله " بني عبد الْمطلب " الصَّوَاب بني الْمطلب بِإِسْقَاط عبد لِأَن جده حَالف الْمطلب بن عبد منَاف
(تَابعه ابْن جريج عَن ابْن شهَاب فِي التَّكْبِير) أَي تَابع اللَّيْث عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك بن جريج فِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ فِي الْإِتْيَان بِلَفْظ التَّكْبِير فِي سَجْدَتي السَّهْو وَقد وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج وَأخرجه أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق وَمُحَمّد بن بكير كِلَاهُمَا عَن ابْن جريج بِلَفْظ " فَكبر فَسجدَ ثمَّ كبر فَسجدَ ثمَّ سلم "
(بَاب إِذا لم يدر كم صلى ثَلَاثًا أَو أَرْبعا سجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يدر الْمُصَلِّي كم صلى ثَلَاث رَكْعَات أَو أَربع رَكْعَات فَإِنَّهُ يسْجد سَجْدَتَيْنِ وَالْحَال أَنه جَالس
٢٥٥ - (حَدثنَا معَاذ بن فضَالة قَالَ حَدثنَا هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي عَن يحيى ابْن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط حَتَّى لَا يسمع الْأَذَان فَإِذا قضي الْأَذَان أقبل فَإِذا ثوب بهَا أدبر فَإِذا قضي التثويب أقبل حَتَّى يخْطر بَين الْمَرْء وَنَفسه يَقُول اذكر كَذَا وَكَذَا مَا لم يكن يذكر حَتَّى يظل الرجل إِن يدْرِي كم صلى فَإِذا لم يدر أحدكُم كم صلى ثَلَاثًا أَو أَرْبعا فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَإِذا لم يدر " إِلَى آخِره والْحَدِيث مضى فِي بَاب تفكر الرجل الشَّيْء فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن جَعْفَر عَن الْأَعْرَج وَمضى أَيْضا فِي بَاب فضل التأذين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ وَنَذْكُر هَهُنَا مَا يتَعَلَّق بالمسائل مَعَ بعض التَّعَرُّض إِلَى بعض الْمَتْن قَوْله " فَإِذا قضى التثويب " أَي إِذا فرغ مِنْهُ وَهُوَ إِقَامَة الصَّلَاة قَوْله " حَتَّى يخْطر " أَكثر الروَاة على ضم الطَّاء والمتقنون على أَنه بِالْكَسْرِ قَوْله " أَن يدْرِي " بِكَسْر الْهمزَة لِأَنَّهَا نَافِيَة أَي مَا يدْرِي قَوْله " فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس " لَيْسَ فِيهِ تعْيين مَحل السُّجُود وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق عِكْرِمَة بن عمار عَن يحيى بن أبي كثير بِهَذَا الْإِسْنَاد مَرْفُوعا " إِذا سَهَا أحدكُم فَلم يدر أزاد أَو نقص فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس ثمَّ يسلم " وروى أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه نَحوه بِلَفْظ " وَهُوَ جَالس قبل التَّسْلِيم " وروى أَيْضا من طَرِيق ابْن إِسْحَق قَالَ حَدثنِي الزُّهْرِيّ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِيهِ " فليسجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم ثمَّ يسلم " (فَإِن قلت) هَذِه الرِّوَايَات تدل على أَن سَجْدَتي السَّهْو قبل السَّلَام (قلت) رِوَايَات الْفِعْل متعارضة فَبَقيَ لنا رِوَايَة القَوْل وَهُوَ حَدِيث ثَوْبَان لكل سَهْو سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يسلم من غير فصل بَين الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان سالما من الْمعَارض فَيعْمل بِهِ لسلامته عَن الْمعَارض. ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور فَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَطَائِفَة من السّلف بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث وَقَالُوا إِذا شكّ الْمُصَلِّي فَلم يدر زَاد أَو نقص فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا سَجْدَتَانِ وَهُوَ جَالس عملا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث وَقَالَ الشّعبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَجَمَاعَة كَثِيرَة من السّلف إِذا لم يدر كم صلى لزمَه أَن يُعِيد الصَّلَاة مرّة بعد أُخْرَى أبدا حَتَّى يستيقن وَقَالَ بَعضهم يُعِيد ثَلَاث مَرَّات فَإِذا شكّ فِي الرَّابِعَة فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَآخَرُونَ مَتى شكّ فِي صلَاته هَل
стр. 2182
صلى ثَلَاثًا أَو أَرْبعا لزمَه الْبناء على الْيَقِين فَيجب أَن يَأْتِي برابعة وَيسْجد للسَّهْو عملا بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. فَلفظ مُسلم قَالَ أَبُو سعيد قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فَلم يدر كم صلى ثَلَاثًا أم أَرْبعا فليطرح الشَّك وليبن على مَا استيقن ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم فَإِن صلى خمْسا شفعن لَهُ صلَاته وَإِن كَانَ صلى إتماما لأَرْبَع كَانَتَا ترغيما للشَّيْطَان " وَلَفظ أبي دَاوُد " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليلق الشَّك وليبن على الْيَقِين فَإِذا استيقن التَّمام سجد سَجْدَتَيْنِ فَإِن كَانَت صلَاته تَامَّة كَانَت الرَّكْعَة نَافِلَة والسجدتين وَإِن كَانَت نَاقِصَة كَانَت الرَّكْعَة تَمامًا لصلاته وَكَانَت السجدتان مرغمتين للشَّيْطَان " أَي مغيظتين لَهُ ومذلتين لَهُ مَأْخُوذ من الرغام وَهُوَ التُّرَاب وَمِنْه أرْغم الله أَنفه وَإِنَّمَا يكون إرغاما لِأَنَّهُ يبغض السَّجْدَة لِأَنَّهُ مَا لعن إِلَّا من إبائه عَن سُجُود آدم ﵊ قَالَت الشَّافِعِيَّة فَحَدِيث أبي سعيد هَذَا مُفَسّر لحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فَيحمل حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْحَابنَا إِن كَانَ الشَّك عرض لَهُ أول مرّة يسْتَقْبل وَإِن كَانَ يعرض لَهُ كثيرا بنى على أكبر رَأْيه لما رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم " إِذا شكّ أحدكُم فليتحر الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ " وَإِن لم يكن لَهُ رَأْي بنى على الْيَقِين لقَوْله ﷺ َ - " إِذا سَهَا أحدكُم فِي صلَاته فَلم يدر وَاحِدَة صلى أَو اثْنَيْنِ فليبن على وَاحِدَة فَإِن لم يدر ثِنْتَيْنِ صلى أَو وَاحِدَة فليبن على ثِنْتَيْنِ فَإِن لم يدر ثَلَاثًا صلى أَو أَرْبعا فليبن على ثَلَاث وليسجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - " يَقُول إِذا سَهَا أحدكُم " إِلَى آخِره وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا وَلَفظه " إِذا سَهَا أحدكُم فِي صلَاته فَلم يدر وَاحِدَة صلى أَو ثِنْتَيْنِ فليجعلها وَاحِدَة وَإِذا شكّ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاث فليجعلها ثِنْتَيْنِ وَإِذا شكّ فِي الثَّلَاث والأربع فليجعلها ثَلَاثًا ثمَّ ليتم مَا بَقِي من صلَاته حَتَّى يكون الْوَهم فِي الزِّيَادَة ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس قبل أَن يسلم " وَأخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَلَفظه " فَلم يدر أَثلَاثًا صلى أم أَرْبعا فليتم فَإِن الزِّيَادَة خير من النُّقْصَان " وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره فِيهِ عمار بن مطر الرهاوي وَقد تَرَكُوهُ وعمار لَيْسَ فِي السّنَن وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا فِيمَا إِذا شكّ ثمَّ تحرى الصَّوَاب فَإِنَّهُ يَبْنِي على أكبر رَأْيه لما قُلْنَا وتبويب أبي دَاوُد يدل على هَذَا حَيْثُ قَالَ بَاب من قَالَ يتم على أكبر ظَنّه وَذكر الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل الْعلم أَنه يَأْخُذ بِأَيِّهِمَا أحب لعدم التَّارِيخ قَالَ وَمِنْهُم من رجح حَدِيث أبي سعيد بِالْقِيَاسِ لِأَن من شكّ أَنه لم يفعل والركعة فِي ذمَّته بِيَقِين فَلَا يبرأ بشك وَفِي التَّوْضِيح وَقَالَ أَبُو عبد الْملك حَدِيث أبي هُرَيْرَة يحمل على كل ساه وَأَن حكمه السُّجُود وَيرجع فِي بَيَان حكم الْمُصَلِّي فِيمَا يشك فِيهِ وَفِي مَوضِع سُجُوده من صلَاته إِلَى سَائِر الْأَحَادِيث المفسرة وَهُوَ قَول أنس وَأبي هُرَيْرَة وَالْحسن وَرَبِيعَة وَمَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَق وَمَا حمله عَلَيْهِ أَبُو عبد الْملك هُوَ مَا فسره اللَّيْث بن سعد قَالَه مَالك وَابْن الْقَاسِم وَعَن مَالك قَول آخر لَا يسْجد لَهُ أَيْضا حَكَاهُ ابْن نَافِع عَنهُ وَقَالَ ابْن عبد الحكم لَو سجد بعد السَّلَام كَانَ أحب إِلَيّ وَقَالَ آخَرُونَ إِذا لم يدر كم صلى أَعَادَهَا أبدا حَتَّى يحفظ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَالشعْبِيّ وَشُرَيْح وَعَطَاء وَمَيْمُون بن مهْرَان وَسَعِيد بن جُبَير وَقَول آخر أَنهم إِذا شكوا فِي الصَّلَاة أعادوها ثَلَاث مَرَّات فَإِذا كَانَ الرَّابِعَة لم يعيدوها وَالْقَوْلَان مخالفان للآثار وَلَا معنى لمن حد ثَلَاث مَرَّات وَقَالَ النَّوَوِيّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِن حصل لَهُ الشَّك أول مرّة بطلت صلَاته وَإِن صَار عَادَة لَهُ اجْتهد وَعمل بغالب ظَنّه وَإِن لم يظنّ شَيْئا عمل بِالْأَقَلِّ ثمَّ قَالَ قَالَ أَبُو حَامِد قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم مَا رَأَيْت قولا أقبح من قَول أبي حنيفَة هَذَا وَلَا أبعد من السّنة (قلت) النَّقْل عَن إِمَام بِمَا لَيْسَ قَوْله والتشنيع عَلَيْهِ بِغَيْر وَجه أقبح من هَذَا فَكيف رأى النووى نقل هَذَا التشنيع الْبَاطِل عَمَّن فِيهِ ميل إِلَى التعصب الْفَاحِش عَن مثل الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الَّذِي شهد لأبي حنيفَة بِأَن النَّاس عِيَال لَهُ فِي الْفِقْه وَهَذَا الَّذِي نَقله عَن أبي حنيفَة وَنَقله أَيْضا ابْن قدامَة وَغَيره من الْمُخَالفين لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا هُوَ بموجود فِي أُمَّهَات كتب أَصْحَابنَا الْمَشْهُورَة بل الْمَشْهُور فِيهَا أَنهم قَالُوا يسْتَقْبل لتقع صلَاته على وصف الصِّحَّة بِيَقِين حَتَّى قَالَ أَبُو نصر الْبَغْدَادِيّ الْمَشْهُور بالأقطع الِاسْتِئْنَاف أولى لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ الشَّك بِيَقِين وَمَعَ هَذَا فَأَبُو حنيفَة عمل فِي كل وَاحِدَة من الْأَحْوَال الثَّلَاث بِحَدِيث مَعَ كَون قَول ابْن عمر مثله وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه من حَدِيث ابْن سِيرِين عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه قَالَ أما أَنا فَإِذا لم أدر كم صليت فَإِنِّي أُعِيد وروى من حَدِيث جُبَير عَن ابْن عمر
стр. 2183
فِي الَّذِي لَا يدْرِي ثَلَاثًا صلى أَو أَرْبعا قَالَ يُعِيد حَتَّى يحفظ وَعَن جرير بن مَنْصُور قَالَ سَأَلت ابْن جُبَير عَن الشَّك فِي الصَّلَاة فَقَالَ أما أَنا فَإِذا كَانَ فِي الْمَكْتُوبَة فَإِنِّي أُعِيد وَعَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ قَالَ يُعِيد وَكَانَ شُرَيْح يَقُول يُعِيد وَعَن لَيْث عَن طَاوس قَالَ إِذا صليت فَلم تدر كم صليت فأعدها مرّة فَإِن التبست عَلَيْك مرّة أُخْرَى فَلَا تعدها. وَقَالَ عَطاء يُعِيدهَا مرّة روى ذَلِك عَنهُ مَالك
(بَاب السَّهْو فِي الْفَرْض والتطوع)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السَّهْو فِي الْفَرْض والتطوع هَل هُوَ سَوَاء فيهمَا أَو يفْتَرق حكمهمَا فَفِيهِ خلاف والأثر والْحَدِيث اللَّذَان فِي الْبَاب يدلان على أَن حكمه فيهمَا سَوَاء أما الْأَثر فَإِن ابْن عَبَّاس يرى أَن الْوتر غير وَاجِب وَمَعَ ذَلِك سجد فِيهِ وَأما الحَدِيث فَإِن قَوْله إِذا صلى فَإِن الصَّلَاة أَعم من الْفَرْض والتطوع على أَن قَوْله ﷺ َ - فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي قبله " إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان " فالنداء غَالِبا يكون للْفَرض وَقد اخْتلفُوا فِي إِطْلَاق الصَّلَاة على الْفَرْض وَالنَّفْل هَل هُوَ من الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ أَو الْمَعْنَوِيّ فَذهب جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ إِلَى الثَّانِي وَذهب الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ إِلَى الأول
(وَسجد ابْن عَبَّاس ﵄ سَجْدَتَيْنِ بعد وتره) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ يرى الْوتر سنة وَمَعَ هَذَا سجد فِيهِ فَدلَّ على أَن حكمه فِي السّنة مثل حكمه فِي الْفَرْض وَوصل هَذَا الْمُعَلق ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ رَأَيْت ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا سجد بعد وتره سَجْدَتَيْنِ
٢٥٦ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ إِن أحدكُم إِذا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَان فَلبس عَلَيْهِ حَتَّى يدْرِي كم صلى فَإِذا وجد ذَلِك أحدكُم فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَقد مضى الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله مُسْتَوْفِي قَوْله " فَلبس " بِالْبَاء الْمُوَحدَة المخففة هُوَ الصَّحِيح أَي خلط عَلَيْهِ أَمر صلَاته وَمِنْهُم من يثقل الْبَاء من التلبيس
(بَاب إِذا كلم وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ واستمع)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا كلم الْمُصَلِّي وَالْحَال أَنه فِي الصَّلَاة فَأَشَارَ بِيَدِهِ يُعلمهُ أَنه فِي الصَّلَاة وكلم بِضَم الْكَاف على صِيغَة الْمَجْهُول
٢٥٧ - (حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي ابْن وهب قَالَ أَخْبرنِي عَمْرو عَن بكير عَن كريب أَن ابْن عَبَّاس والمسور بن مخرمَة وَعبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر ﵃ أَرْسلُوهُ إِلَى عَائِشَة ﵂ فَقَالُوا اقْرَأ ﵍ منا جَمِيعًا وسلها عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد صَلَاة الْعَصْر وَقل لَهَا إِنَّا أخبرنَا أَنَّك تصليهما وَقد بلغنَا أَن النَّبِي ﷺ َ - نهى عَنْهُمَا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَكنت أضْرب النَّاس مَعَ عمر بن الْخطاب عَنْهَا قَالَ كريب فَدخلت على عَائِشَة ﵂ فبلغتها مَا أرسلوني بِهِ فَقَالَت سل أم سَلمَة فَخرجت إِلَيْهِم فَأَخْبَرتهمْ بقولِهَا فردوني إِلَى أم سَلمَة بِمثل
стр. 2184
مَا أرسلوني بِهِ إِلَى عَائِشَة فَقَالَت أم سَلمَة ﵂ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - ينْهَى عَنْهَا ثمَّ رَأَيْته يُصَلِّيهمَا حِين صلى الْعَصْر ثمَّ دخل عَليّ وَعِنْدِي نسْوَة من بني حرَام من الْأَنْصَار فَأرْسلت إِلَيْهِ الْجَارِيَة فَقلت قومِي بجنبه قولي لَهُ تَقول لَك أم سَلمَة يَا رَسُول الله سَمِعتك تنْهى عَن هَاتين وأراك تصليهما فَإِن أَشَارَ بِيَدِهِ فاستأخري عَنهُ فَفعلت الْجَارِيَة فَأَشَارَ بِيَدِهِ فاستأخرت عَنهُ فَلَمَّا انْصَرف قَالَ يَا بنت أبي أُميَّة سَأَلت عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر وَإنَّهُ أَتَانِي نَاس من عبد الْقَيْس فشغلوني عَن الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بعد الظّهْر فهما هَاتَانِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَفعلت الْجَارِيَة " أَي قَالَت يَا رَسُول الله فكلمته مثل مَا قَالَت لَهَا أم سَلمَة فَأَشَارَ النَّبِي ﷺ َ - بِيَدِهِ وَهَذِه عين التَّرْجَمَة لِأَن رَسُول الله ﷺ َ - كلم وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَأَشَارَ بِيَدِهِ. (ذكر رِجَاله) وهم أحد عشر. الأول يحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى أَبُو سعيد الْجعْفِيّ مَاتَ بِمصْر سنة ثَمَان وَيُقَال سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَه الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ. الثَّانِي عبد الله بن وهب وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث عَمْرو بن الْحَارِث. الرَّابِع بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة تَصْغِير بكر بن عبد الله بن الْأَشَج. الْخَامِس كريب بِضَم الْكَاف مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس عبد الله بن عَبَّاس. السَّابِع الْمسور بِكَسْر الْمِيم ابْن مخرمَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الزُّهْرِيّ الصَّحَابِيّ. الثَّامِن عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر على وزن أفعل القريشي الزُّهْرِيّ الصَّحَابِيّ عَم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مَاتَ قبل الْحرَّة وَشهد حنينا مَعَ النَّبِي ﷺ َ -. التَّاسِع عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. الْعَاشِر أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة وَاسم أبي أُميَّة حُذَيْفَة وَيُقَال سُهَيْل بن الْمُغيرَة. الْحَادِي عشر عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار مُفردا فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَفِيه الْإِرْسَال والبلاغ وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه كُوفِي سكن مصر وَابْن وهب وَعَمْرو مصريان والبقية مدنيون وَفِيه عَمْرو يروي عَن اثْنَيْنِ وَفِيه سِتَّة من الصَّحَابَة أَرْبَعَة من الرِّجَال وثنتان من النِّسَاء وَفِيه اثْنَان مذكوران باسم أَبِيه وَاثْنَانِ بِالتَّصْغِيرِ مجردان عَن النِّسْبَة وَوَاحِد بِلَا نِسْبَة أَيْضا وَفِيه أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن سُلَيْمَان وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن صَالح عَن ابْن وهب (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَرْسلُوهُ " أَي أرْسلُوا كريبا إِلَى عَائِشَة قَوْله " وسلها " أَصله اسألها قَوْله " عَن الرَّكْعَتَيْنِ " أَي صَلَاة الرَّكْعَتَيْنِ قَوْله " أخبرنَا " على صِيغَة الْمَجْهُول قيل كَانَ الْمخبر عبد الله بن الزبير وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق " عبد الله بن الْحَارِث قَالَ دخلت مَعَ ابْن عَبَّاس على مُعَاوِيَة فأجلسه مُعَاوِيَة على السرير ثمَّ قَالَ مَا رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهمَا النَّاس بعد الْعَصْر قَالَ ذَلِك مَا يُفْتِي بِهِ النَّاس ابْن الزبير فَأرْسل إِلَى ابْن الزبير فَسَأَلَهُ فَقَالَ أَخْبَرتنِي بذلك عَائِشَة فَأرْسل إِلَى عَائِشَة فَقَالَت أَخْبَرتنِي أم سَلمَة فَأرْسل إِلَى أم سَلمَة فَانْطَلَقت مَعَ الرَّسُول " فَذكر الْقِصَّة وَاسم الرَّسُول كثير بن الصَّلْت سَمَّاهُ الطَّحَاوِيّ فِي رِوَايَته قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الله بن أبي لبيد " عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر لكثير بن الصَّلْت اذْهَبْ إِلَى عَائِشَة فسلها عَن رَكْعَتي النَّبِي ﷺ َ - بعد الْعَصْر فَقَالَ أَبُو سَلمَة فَقُمْت مَعَه قَالَ ابْن عَبَّاس لعبد الله بن الْحَارِث اذْهَبْ مَعَه فَجِئْنَاهَا فسألناها فَقَالَت لَا أَدْرِي سلوا أم سَلمَة قَالَ فسألناها فَقَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ َ - ذَات يَوْم بعد الْعَصْر فصلى رَكْعَتَيْنِ فَقلت يَا رَسُول الله مَا كنت تصلي هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَ قدم عَليّ وَفد من بني تَمِيم أَو جَاءَتْنِي صَدَقَة فشغلوني عَن رَكْعَتَيْنِ كنت أصليهما بعد الظّهْر وهما هَاتَانِ " (قلت) كثير بن الصَّلْت ابْن معدي كرب الْكِنْدِيّ أَبُو عبد الله الْمدنِي قيل أَنه أدْرك النَّبِي ﷺ َ - وَذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين وَكَانَ كَاتبا لعبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ أَخُو زبيد بن الصَّلْت وَعبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ الصَّحَابِيّ قَوْله " إِنَّك تصليهما " بِحَذْف النُّون فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره " تصلينهما "
стр. 2185
أَي الرَّكْعَتَيْنِ ويروى " تصليها " بإفراد الضَّمِير رَاجعا إِلَى الصَّلَاة قَوْله " وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَكنت أضْرب النَّاس " من الضَّرْب بالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ كَانَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يضْرب النَّاس عَلَيْهَا وروى السَّائِب بن يزِيد أَنه رأى عمر يضْرب الْمُنْكَدر على الصَّلَاة بعد الْعَصْر وروى " أصرف النَّاس " من الصّرْف بالصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء قَوْله " عَنْهَا " أَي عَن الصَّلَاة بعد الْعَصْر وَالْمعْنَى لأَجلهَا وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " عَنهُ " أَي عَن فعل الصَّلَاة وَقَوله " وَقَالَ ابْن عَبَّاس " مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَكَذَا قَوْله " قَالَ كريب " مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله " سل أم سَلمَة " أَصله اسْأَل أم سَلمَة وَفِي رِوَايَة مُسلم " فَقَالَت سل أم سَلمَة فَخرجت إِلَيْهِم فَأَخْبَرتهمْ بقولِهَا فردوني إِلَى أم سَلمَة " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للطحاوي " أَن مُعَاوِيَة أرسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن السَّجْدَتَيْنِ بعد الْعَصْر فَقَالَت لَيْسَ عِنْدِي صلاهما وَلَكِن أم سَلمَة حَدَّثتنِي أَنه صلاهما عِنْدهَا فَأرْسل إِلَى أم سَلمَة فَقَالَت صلاهما رَسُول الله ﷺ َ - عِنْدِي لم أره صلاهما قبل وَلَا بعد فَقلت يَا رَسُول الله مَا سَجْدَتَانِ رَأَيْتُك صليتهما بعد الْعَصْر مَا رَأَيْتُك صليتهما قبل وَلَا بعد فَقَالَ هما سَجْدَتَانِ كنت أصليهما بعد الظّهْر فَقدم عَليّ قَلَائِص من الصَّدَقَة فنسيتهما حَتَّى صليت الْعَصْر ثمَّ ذكرتهما فَكرِهت أَن أصليهما فِي الْمَسْجِد وَالنَّاس يرونني فصليتهما عنْدك " (قلت) القلائص جمع قلُوص وَهُوَ من النوق الشَّابَّة وَهِي بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة من النِّسَاء قَوْله " ثمَّ دخل " أَي النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " من بني حرَام " بحاء وَرَاء مهملتين مفتوحتين وهم من الْأَنْصَار (فَإِن قلت) إِذا كَانَ بَنو حرَام من الْأَنْصَار فَمَا الْفَائِدَة فِي قَوْلهَا من الْأَنْصَار (قلت) يحْتَمل أَن يكون هَذَا احْتِرَازًا من غير الْأَنْصَار فَإِن فِي الْعَرَب عدَّة بطُون يُقَال لَهُم بَنو حرَام بطن فِي تَمِيم وبطن فِي جذام وبطن فِي بكر بن وَائِل وبطن فِي خُزَاعَة وبطن فِي عذرة وبطن فِي بلَى قَوْله " فَأرْسلت إِلَيْهِ الْجَارِيَة " وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي " فَأرْسلت إِلَيْهِ الْخَادِم " وَلم يعلم اسْمهَا قيل يحْتَمل أَن تكون بنتهَا زَيْنَب (قلت) هَذَا حدس وتخمين قَوْله " هَاتين " يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ قَوْله " يَا بنت أبي أُميَّة " قد ذكرنَا أَن أَبَا أُميَّة وَالِد أم سَلمَة قَوْله " عَن الرَّكْعَتَيْنِ " أَي اللَّتَيْنِ صليتهما الْآن قَوْله " نَاس من عبد الْقَيْس " وللبخاري فِي الْمَغَازِي " أَتَانِي نَاس من عبد الْقَيْس بِالْإِسْلَامِ من قَومهمْ فشغلوني " وَقد مر أَن للطحاوي فِي رِوَايَة " قدم عَليّ وَفد من بني تَمِيم أَو جَاءَتْنِي صَدَقَة فشغلوني " وَقَالَ بَعضهم قَوْله من تَمِيم وهم وَإِنَّمَا هم من عبد الْقَيْس قلت لم يبين وَجه الْوَهم قَوْله " فهما هَاتَانِ " أَي اللَّتَان سألتهما يَا بنت أبي أُميَّة هَاتَانِ الركعتان اللَّتَان كنت أصليهما بعد الظّهْر فشغلت عَنْهُمَا وَقَالَ بَعضهم فِي رِوَايَة عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن أم سَلمَة عِنْد الطَّحَاوِيّ من الزِّيَادَة " فَقلت أمرت بهما فَقَالَ لَا وَلَكِن كنت أصليهما بعد الظّهْر فشغلت عَنْهُمَا فصليتهما الْآن " وَله من وَجه آخر عَنْهَا " لم أره صلاهما قبل وَلَا بعد " لَكِن هَذَا لَا يَنْفِي الْوُقُوع فقد ثَبت فِي مُسلم عَن أبي سَلمَة أَنه سَأَلَ عَائِشَة عَنْهَا فَقَالَت كَانَ يُصَلِّيهمَا قبل الْعَصْر فشغل عَنْهُمَا أَو نسيهما أَو صلاهما بعد الْعَصْر ثمَّ أثبتهما وَكَانَ إِذا صلى صَلَاة أثبتها أَي داوم عَلَيْهَا وَمن طَرِيق عُرْوَة عَنْهَا مَا ترك رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر عِنْدِي قطّ (قلت) أَرَادَ هَذَا الْقَائِل بِمَا نَقله من كَلَام الطَّحَاوِيّ الغمز عَلَيْهِ والطَّحَاوِي مَا ادّعى نفي الْوُقُوع وَلَكِن ادّعى الانتفاء أَعنِي انْتِفَاء مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة بِمَا رُوِيَ عَن أم سَلمَة فَإِنَّهُ روى أَولا مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة من تسع طرق. إِحْدَاهَا من رِوَايَة الْأسود ومسروق " عَن عَائِشَة قَالَت مَا كَانَ الْيَوْم الَّذِي يكون عِنْدِي فِيهِ رَسُول الله ﷺ َ - إِلَّا صلى رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر " وَاحْتج بِهِ قوم وَقَالُوا لَا بَأْس أَن يُصَلِّي الرجل بعد الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ على أَنا نقُول أَن هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي رَوَاهَا الطَّحَاوِيّ من طَرِيق عبيد الله بن عبد الله غير حَدِيث الْبَاب فَإِن حَدِيث الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس والمسور بن مخرمَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْأَزْهَر وَحَدِيث عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة " عَن مُعَاوِيَة أَنه أرسل إِلَى أم سَلمَة يسْأَلهَا عَن الرَّكْعَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ ركعهما رَسُول الله ﷺ َ - بعد الْعَصْر فَقَالَت نعم صلى رَسُول الله ﷺ َ - عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر فَقلت أمرت بهما " إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده حَدثنَا ابْن نمير قَالَ حَدثنَا طَلْحَة بن يحيى قَالَ زعم لي عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة أَن مُعَاوِيَة أرسل إِلَى آخِره نَحوه وَلَكِن فِيهِ " يَا نَبِي الله أنزل عَلَيْك فِي هَاتين السَّجْدَتَيْنِ قَالَ لَا " انْتهى وَجه الِاسْتِدْلَال لِلْجُمْهُورِ بذلك أَنه ﷺ َ - قَالَ أمرت بهَا فَدلَّ ذَلِك أَنَّهَا من خَصَائِصه
стр. 2186
- ﷺ َ - وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى " عَن أم سَلمَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله أفنقضيهما إِذا فاتتا قَالَ لَا " وَبِهَذَا بَطل مَا قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة أَن الأَصْل الِاقْتِدَاء بِهِ ﷺ َ - وَعدم التَّخْصِيص حَتَّى يقوم دَلِيل بِهِ وَلَا دَلِيل أعظم وَأقوى من هَذَا وَهنا شَيْء آخر يلْزمهُم وَهُوَ أَنه ﷺ َ - كَانَ يداوم عَلَيْهِمَا وهم لَا يَقُولُونَ بِهِ فِي الصَّحِيح الْأَشْهر فَإِن عورضوا يَقُولُونَ هُوَ من خَصَائِص النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ فِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ يَقُولُونَ الأَصْل عدم التَّخْصِيص وَهَذَا كَمَا يُقَال فلَان مثل الظليم يستحمل عِنْد الاستطارة ويستطير عِنْد الاستحمال وَيُقَال أَنه صلى بعد الْعَصْر تبيينا لأمته أَن نَهْيه ﷺ َ - عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح وَبعد الْعَصْر على وَجه الْكَرَامَة لَا على التَّحْرِيم وَيُقَال أَنه صلاهما يَوْمًا قَضَاء لفائت رَكْعَتي الظّهْر وَكَانَ ﷺ َ - إِذا فعل فعلا واظب عَلَيْهِ وَلم يقطعهُ فِيمَا بعد (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز اسْتِمَاع الْمُصَلِّي إِلَى كَلَام غَيره وفهمه لَهُ وَلَا يضر ذَلِك صلَاته. وَفِيه أَن إِشَارَة الْمُصَلِّي بِيَدِهِ وَنَحْوهَا من الْأَفْعَال الْخَفِيفَة لَا تبطل الصَّلَاة. وَفِيه أَنه يسْتَحبّ للْعَالم إِذا طلب لَهُ تَحْقِيق أَمر مُهِمّ وَعلم أَن غَيره أعلم أَو أعرف بِأَصْلِهِ أَن يُرْسل إِلَيْهِ إِذا أمكنه. وَفِيه الِاعْتِرَاف لأهل الْفضل بمزيتهم. وَفِيه من أدب الرَّسُول أَن لَا يسْتَقلّ بِتَصَرُّف شَيْء لم يُؤذن لَهُ فِيهِ فَإِن كريبا لم يسْتَقلّ بالذهاب إِلَى أم سَلمَة حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِم. وَفِيه قبُول خبر الْوَاحِد وَالْمَرْأَة مَعَ الْقُدْرَة على الْيَقِين بِالسَّمَاعِ. وَفِيه لَا بَأْس للْإنْسَان أَن يذكر نَفسه بالكنية إِذا لم يعرف إِلَّا بهَا. وَفِيه يَنْبَغِي للتابع إِذا رأى من الْمَتْبُوع شَيْئا يُخَالف الْمَعْرُوف من طَرِيقَته والمعتاد من حَاله أَن يسْأَله بلطف عَنهُ فَإِن كَانَ نَاسِيا يرجع عَنهُ وَإِن كَانَ عَامِدًا وَله معنى مُخَصص عرفه للتابع واستفاده. وَفِيه إِثْبَات سنة الظّهْر بعْدهَا. وَفِيه إِذا تَعَارَضَت الْمصَالح والمهمات بَدَأَ بأهمها وَلِهَذَا بَدَأَ النَّبِي ﷺ َ - بِحَدِيث الْقَوْم فِي الْإِسْلَام وَترك سنة الظّهْر حَتَّى فَاتَ وَقتهَا لِأَن الِاشْتِغَال بإرشادهم وبهدايتهم إِلَى الْإِسْلَام أهم. وَفِيه أَن الْأَدَب إِذا سُئِلَ من الْمُصَلِّي شَيْئا أَن يقوم إِلَى جنبه لَا خَلفه وَلَا أَمَامه لِئَلَّا يشوش عَلَيْهِ بِأَن لَا تمكنه الْإِشَارَة إِلَيْهِ إِلَّا بِمَشَقَّة. وَفِيه دلَالَة على فطنة أم سَلمَة وَحسن تأتيها بملاطفة سؤالها واهتمامها بِأَمْر الدّين. وَفِيه إكرام الضَّيْف حَيْثُ لم تَأمر أم سَلمَة امْرَأَة من النسْوَة اللَّاتِي كن عِنْدهَا. وَفِيه زِيَارَة النِّسَاء الْمَرْأَة وَلَو كَانَ زَوجهَا عِنْدهَا. وَفِيه جَوَاز التَّنَفُّل فِي الْبَيْت. وَفِيه كَرَاهَة الْقرب من الْمُصَلِّي لغير ضَرُورَة. وَفِيه الْمُبَادرَة إِلَى معرفَة الحكم الْمُشكل فِرَارًا من الوسوسة. وَفِيه جَوَاز النسْيَان على النَّبِي ﷺ َ - وَقد مر الْبَحْث عَنهُ عَن قريب
(بَاب الْإِشَارَة فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِشَارَة فِي الصَّلَاة وَالْفرق بَين الْبَابَيْنِ أَن فِي الْبَاب الأول كَانَت الْإِشَارَة بمقتض لَهُم وَهَذَا الْبَاب أَعم من ذَلِك وَقد مر الْبَحْث فِي الْإِشَارَة فِيمَا مضى
(قَالَه كريب عَن أم سَلمَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ َ -) أَي قَالَ مَا ذكر من الْإِشَارَة كريب عَن أم سَلمَة فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق
٢٥٨ - (حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - بلغه أَن بني عَمْرو بن عَوْف كَانَ بَينهم شَيْء فَخرج رَسُول الله ﷺ َ - يصلح بَينهم فِي أنَاس مَعَه فحبس رَسُول الله ﷺ َ - وحانت الصَّلَاة فجَاء بِلَال إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا بكر إِن رَسُول الله ﷺ َ - قد حبس وَقد
стр. 2187
حانت الصَّلَاة فَهَل لَك أَن تؤم النَّاس. قَالَ نعم إِن شِئْت فَأَقَامَ بِلَال وَتقدم أَبُو بكر ﵁ فَكبر للنَّاس وَجَاء رَسُول الله ﷺ َ - يمشي فِي الصُّفُوف حَتَّى قَامَ فِي الصَّفّ فَأخذ النَّاس فِي التصفيق وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ لَا يلْتَفت فِي صلَاته فَلَمَّا أَكثر النَّاس الْتفت فَإِذا رَسُول الله ﷺ َ - فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ - يَأْمُرهُ أَن يُصَلِّي فَرفع أَبُو بكر ﵁ يَدَيْهِ فَحَمدَ الله وَرجع الْقَهْقَرَى وَرَاءه حَتَّى قَامَ فِي الصَّفّ فَتقدم رَسُول الله ﷺ َ - فصلى للنَّاس فَلَمَّا فرغ أقبل على النَّاس فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس مالكم حِين نابكم شَيْء فِي الصَّلَاة أَخَذْتُم فِي التصفيق إِنَّمَا التصفيق للنِّسَاء من نابه شَيْء فِي صلَاته فَلْيقل سُبْحَانَ الله فَإِنَّهُ لَا يسمعهُ أحد حِين يَقُول سُبْحَانَ الله إِلَّا الْتفت يَا أَبَا بكر مَا مَنعك أَن تصلي للنَّاس حِين أَشرت إِلَيْك فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أبي قُحَافَة أَن يُصَلِّي بَين يَدي رَسُول الله ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " فَأخذ النَّاس فِي التصفيق " لِأَن التصفيق يكون بِالْيَدِ وحركتها بِهِ كحركتها بِالْإِشَارَةِ وَيُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله " الْتفت " أَي أَبُو بكر لِأَن الِالْتِفَات فِي معنى الْإِشَارَة (فَإِن قلت) قد أنكر ﷺ َ - عَلَيْهِم فِي التصفيق فَكيف تُؤْخَذ مِنْهُ إِبَاحَة الْإِشَارَة (قلت) لَا يضر ذَلِك لإباحة الْإِشَارَة أَلا ترى أَنه ﷺ َ - لم يَأْمُرهُم بِإِعَادَة الصَّلَاة بِسَبَب ذَلِك (فَإِن قلت) لم لَا يُؤْخَذ وَجه التَّرْجَمَة من قَوْله " حِين أَشرت إِلَيْك " (قلت) لَا يُطَابق هَذَا لِأَن هَذِه الْإِشَارَة وَقعت مِنْهُ ﷺ َ - قبل أَن يحرم بِالصَّلَاةِ وَالْكَلَام فِي الْإِشَارَة الْوَاقِعَة فِي الصَّلَاة ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث قد مضى فِي بَاب من دخل ليؤم النَّاس أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي حَازِم بن دِينَار عَن سهل بن سعد وَفِي بَاب رفع الْأَيْدِي فِي الصَّلَاة لأمر نزل بِهِ وَقد تكلمنا فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة وَقَالَ الْخطابِيّ فِيهِ أَن الصَّحَابَة بَادرُوا إِلَى إِقَامَة الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا وَلم يُنكر ﷺ َ - عدم انتظارهم (قلت) لَا يفهم من لفظ الحَدِيث مبادرتهم وَإِنَّمَا كَانَت الْمُبَادرَة من بِلَال لَا لأجل أَن الْأَفْضَل أَدَاؤُهَا فِي أول الْأَوْقَات وَإِنَّمَا بَادر لِأَن الْجَمَاعَة قد حَضَرُوا وَرُبمَا كَانُوا يتضررون بِالتَّأْخِيرِ والانتظار إِلَى مَجِيء رَسُول الله ﷺ َ - لما لَهُم من الْأُمُور الشاغلة
٢٥٩ - (حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي ابْن وهب قَالَ حَدثنَا الثَّوْريّ عَن هِشَام عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء قَالَت دخلت على عَائِشَة ﵂ وَهِي تصلي قَائِمَة وَالنَّاس قيام فَقلت مَا شَأْن النَّاس فَأَشَارَتْ برأسها إِلَى السَّمَاء قلت آيَة فَأَشَارَتْ برأسها أَي نعم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَأَشَارَتْ برأسها أَي نعم " والْحَدِيث مضى فِي بَاب الْفتيا بِإِشَارَة الْيَد وَالرَّأْس عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن ابْن وهب عَن هِشَام عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء الحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم وَمضى أَيْضا فِي بَاب صَلَاة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال فِي الْكُسُوف فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن امْرَأَته فَاطِمَة بنت الْمُنْذر " عَن أَسمَاء بنت أبي بكر أَنَّهَا قَالَت أتيت عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ َ - حِين خسفت الشَّمْس فَإِذا النَّاس قيام يصلونَ وَإِذا هِيَ قَائِمَة تصلي " الحَدِيث مطولا وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب وَالثَّوْري بالثاء الْمُثَلَّثَة سُفْيَان وَقد مضى شَرحه مُسْتَوْفِي
٢٦٠ - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا مَالك عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ زوج النَّبِي ﷺ َ - أَنَّهَا قَالَت صلى رَسُول الله ﷺ َ - فِي بَيته وَهُوَ شَاك جَالِسا وَصلى وَرَاءه
стр. 2188
قوم قيَاما فَأَشَارَ إِلَيْهِم أَن اجلسوا فَلَمَّا انْصَرف قَالَ إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ فَإِذا ركع فاركعوا وَإِذا رفع فارفعوا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَأَشَارَ إِلَيْهِم " والْحَدِيث مضى فِي بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ الحَدِيث بأطول مِنْهُ وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس قَوْله " وَهُوَ شَاك " أَي يشكو عَن انحراف مزاجه أَرَادَ أَنه مَرِيض وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ بعون الله كمل طبع الْجُزْء السَّابِع من عُمْدَة الْقَارِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ للْإِمَام الْبَدْر الْعَيْنِيّ ويتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّامِن ومطلعه (كتاب الْجَنَائِز) نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ الْإِعَانَة لإتمامه على هَذَا الْوَجْه الْحسن وَمَا ذَلِك على الله بعزيز -
стр. 2189
٣٢ - (كِتَابُ الجَنَائِزِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْجَنَائِز، كَذَا وَقع للأصيلي وَأبي الْوَقْت، وَوَقع لكريمة: بَاب الْجَنَائِز وَكَذَا وَقع لأبي ذَر وَلَكِن بِحَذْف لَفْظَة بَاب، والجنائز جمع: جَنَازَة، وَهِي بِفَتْح الْجِيم اسْم للْمَيت الْمَحْمُول، وبكسرها اسْم للنعش الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْمَيِّت، وَيُقَال عكس ذَلِك، حَكَاهُ صَاحب (الْمطَالع) واشتقاقها من: جنز، إِذا ستر، ذكره ابْن فَارس وَغَيره، ومضارعه يجنز، بِكَسْر النُّون. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجِنَازَة وَاحِدَة الْجَنَائِز، والعامة تَقول: الْجِنَازَة، بِالْفَتْح، وَالْمعْنَى للْمَيت على السرير، فَإِذا لم يكن عَلَيْهِ الْمَيِّت فَهُوَ سَرِير. ونعش، قيل: أورد المُصَنّف كتاب الْجَنَائِز بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة لِأَن الَّذِي يفعل بِالْمَيتِ من غسل وتكفين وَغير ذَلِك أهمه الصَّلَاة عَلَيْهِ لما فِيهَا من فَائِدَة الدُّعَاء بالنجاة من الْعَذَاب وَلَا سِيمَا عَذَاب الْقَبْر الَّذِي يدْفن فِيهِ انْتهى. قلت: للْإنْسَان حالتان: حَالَة الْحَيَاة وَحَالَة الْمَمَات، وَيتَعَلَّق بِكُل مِنْهُمَا أَحْكَام الْعِبَادَات وَأَحْكَام الْمُعَامَلَات، فَمن الْعِبَادَات الصَّلَاة الْمُتَعَلّقَة بِالْإِحْيَاءِ، وَلما فرغ من بَيَان ذَلِك شرع فِي بَيَان الصَّلَاة الْمُتَعَلّقَة بالموتى.
١ - ومَنْ كانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلاهَ إلَاّ الله
هَذَا من التَّرْجَمَة، وَفِي غَالب النّسخ: بَاب من كَانَ آخر كَلَامه: لَا إِلَه إِلَّا الله، أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من كَانَ آخر كَلَامه عِنْد خُرُوجه من الدُّنْيَا: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَلم يذكر جَوَاب: من، وَهُوَ فِي الحَدِيث مَذْكُور، وَهُوَ لفظ: دخل الْجنَّة، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مَالك بن عبد الْوَاحِد المسمعي عَن الضَّحَّاك بن مخلد عَن عبد الحميد بن جَعْفَر عَن صَالح بن أبي عريب عَن كثير بن مرّة الْحَضْرَمِيّ عَن معَاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) . وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد، وروى أَبُو بكر بن أبي شيبَة بِإِسْنَادِهِ عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إعلم أَن من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) . وَفِي (مُسْند مُسَدّد) : (عَن معَاذ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: يَا معَاذ! قَالَ: لبيْك يَا رَسُول الله، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: بشر النَّاس أَنه من قَالَ: لَا إِلَه إلَاّ الله، دخل الْجنَّة) . وروى أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) : (عَن أبي حَرْب بن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ قَالَ: أشهد على أبي أَنه قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أنادي: أَنه من شهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله دخل الْجنَّة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي قَوْله: (لَا إِلَه إلَاّ الله) أَي: هَذِه الْكَلِمَة، وَالْمرَاد هِيَ وضميمتها: مُحَمَّد رَسُول الله. قلت: ظَاهر الحَدِيث فِي حق الْمُشرك فَإِنَّهُ إِذا قَالَ: لَا إِلَه إلَاّ الله، يحكم بِإِسْلَامِهِ فَإِذا اسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ دخل الْجنَّة. وَأما الموحد من الَّذين يُنكرُونَ نبوة سيدنَا مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ أَو يَدعِي أَنه مَبْعُوث للْعَرَب خَاصَّة، فَإِنَّهُ لَا يحكم بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّد قَوْله: لَا إِلَه إلَاّ الله، فَلَا بُد من ضميمة
стр. 2190
مُحَمَّد رَسُول الله، على أَن جُمْهُور عُلَمَائِنَا شرطُوا فِي صِحَة إِسْلَامه، بعد التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَن يَقُول: تبرأت عَن كل دين سوى دين الْإِسْلَام، وَمُرَاد البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة أَن من قَالَ: لَا إِلَه إلَاّ الله، من أهل الشّرك وَمَات لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا فَإِنَّهُ يدْخل الْجنَّة، وَالدَّلِيل على ذَلِك حَدِيث الْبَاب على مَا نذْكر مَا قَالُوا فِيهِ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد البُخَارِيّ الْإِشَارَة إِلَى من قَالَ: لَا إِلَه إلَاّ الله عِنْد الْمَوْت مخلصا كَانَ ذَلِك مسْقطًا لما تقدم لَهُ، وَالْإِخْلَاص يسْتَلْزم التَّوْبَة والندم، وَيكون النُّطْق علما على ذَلِك قلت: يلْزم مِمَّا قَالَه أَن من قَالَ لَا إلاه إِلَّا الله وَاسْتمرّ عَلَيْهِ وَلكنه عِنْد الْمَوْت لم يذكرهُ وَلم يدْخل تَحت هَذَا الْوَعْد الصَّادِق وَالشّرط أَن يَقُول: لَا إِلَه إلَاّ الله وَاسْتمرّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يدْخل الْجنَّة، وَإِن لم يذكرهُ عِنْد الْمَوْت، لِأَنَّهُ لَا فرق بَين الْإِسْلَام النطقي وَبَين الْحكمِي المستصحب، وَأما أَنه إِذا عمل أعمالاً سَيِّئَة فَهُوَ فِي سَعَة رَحْمَة الله تَعَالَى مَعَ مَشِيئَته. فَإِن قلت: لِمَ حذف البُخَارِيّ جَوَاب: من، من التَّرْجَمَة مَعَ أَن لفظ الحَدِيث: (من كَانَ آخر كَلَامه: لَا إِلَه إلَاّ الله دخل الْجنَّة) ؟ قلت: قيل: مُرَاعَاة لتأويل وهب بن مُنَبّه لِأَنَّهُ لما قيل لَهُ: أَلَيْسَ لَا إِلَه إلَاّ الله مِفْتَاح الْجنَّة؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن لَيْسَ مِفْتَاح إلَاّ وَله أَسْنَان ... إِلَى آخِره، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه لَا بُد لَهُ من الطَّاعَات، وَأَن بِمُجَرَّد القَوْل بِهِ بِدُونِ الطَّاعَات لَا يدْخل الْجنَّة، فَظن هَذَا الْقَائِل أَن رَأْي البُخَارِيّ فِي هَذَا مثل رَأْي وهب، فَلذَلِك حذف لفظ: دخل الْجنَّة، الَّذِي هُوَ جَوَاب من قلت: الَّذِي يظْهر أَن حذفه إِنَّمَا كَانَ اكْتِفَاء بِمَا ذكر فِي حَدِيث الْبَاب، فَإِنَّهُ صرح بِأَن من مَاتَ وَلم يُشْرك بِاللَّه شَيْئا فَإِنَّهُ يدْخل الْجنَّة وَإِن ارْتكب الذنبين العظيمين الْمَذْكُورين فِيهِ، مَعَ أَن الدَّاودِيّ قَالَ: قَول وهب مَحْمُول على التَّشْدِيد، أَو لَعَلَّه لم يبلغهُ حَدِيث أبي ذَر، وَهُوَ حَدِيث الْبَاب.
وَقِيلَ لِوَهِبِ بنِ مُنَبِّهٍ: ألَيْسَ لَا إلَهَ إلَاّ الله مِفْتَاحُ الجَنَّةِ؟ قَالَ بَلَى وَلاكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إلَاّ لَهُ أسْنَانٌ فَإنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ وَإلَاّ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ
وهب بن مُنَبّه مر فِي كتاب الْعلم، وَهَذَا القَوْل وَقع فِي حَدِيث مَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ ذكره الْبَيْهَقِيّ: (عَن معَاذ ابْن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ حِين بَعثه إِلَى الْيمن: (إِنَّك ستأتي أهل كتاب يَسْأَلُونَك عَن مِفْتَاح الْجنَّة، فَقل: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إلَاّ الله، وَلَكِن مِفْتَاح بِلَا أَسْنَان، فَإِن جِئْت بمفتاح لَهُ أَسْنَان فتح لَك وَإِلَّا لم يفتح لَك) . وَذكر أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي فِي كِتَابه (أَحْوَال الْمُوَحِّدين) أَن أَسْنَان هَذَا الْمِفْتَاح هِيَ الطَّاعَات الْوَاجِبَة من الْقيام بِطَاعَة الله تَعَالَى وتأديتها، والمفارقة لمعاصي الله تَعَالَى ومجانبتها. قلت: قد ذكرنَا أَحَادِيث فِيمَا مضى تدل على أَن قَائِل: لَا إِلَه إلَاّ الله يدْخل الْجنَّة، وَلَيْسَت مُقَيّدَة بِشَيْء. غَايَة مَا فِي الْبَاب جَاءَ فِي حَدِيث آخر: أَن هَذِه الْكَلِمَة مِفْتَاح الْجنَّة، وَالظَّاهِر أَن قيد الْمِفْتَاح بالأسنان مدرج فِي الحَدِيث، وَذكر الْمِفْتَاح لَيْسَ على الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَة عَن التَّمَكُّن من الدُّخُول عِنْد هَذَا القَوْل، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْمِفْتَاح الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَهُ أَسْنَان وَلَا يفتح إِلَّا بهَا، وَإِذا قُلْنَا: المُرَاد من الْأَسْنَان الطَّاعَات يلْزم من ذَلِك أَن من قَالَ: لَا إلاه أَلا الله، وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن من مَاتَ وَلم يعْمل بِطَاعَة أَنه لَا يدْخل الْجنَّة، وَهُوَ مَذْهَب الرافضة والإباضية وَأكْثر الْخَوَارِج، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: إِن أَصْحَاب الْكَبَائِر والمذنبين من الْمُؤمنِينَ يخلدُونَ فِي النَّار بِذُنُوبِهِمْ، وَالْقُرْآن نَاطِق بتكذيبهم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ (النِّسَاء: ٨٤) . وَحَدِيث الْبَاب أَيْضا يكذبهم وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عُثْمَان مَرْفُوعا (من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إلَاّ الله دخل الْجنَّة) .
٧٣٢١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ قَالَ حدَّثنا وَاصِلٌ الأحْدَبُ عنِ المَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ أتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فأخْبَرَني أوْ قالَ بَشرَني أنَّهُ منْ ماتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئا دَخَلَ الجنَّةَ قُلْتُ وَإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ قالَ وإنْ زَنى وَإنْ سَرَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث يدل على أَن من مَاتَ وَلم يُشْرك بِاللَّه شَيْئا فَإِنَّهُ يدْخل الْجنَّة، وَهُوَ معنى
стр. 2191
قَوْله فِي التَّرْجَمَة: من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إلَاّ الله، فَإِن ترك الْإِشْرَاك هُوَ التَّوْحِيد، وَالْقَوْل: بِلَا إِلَه إلَاّ الله هُوَ التَّوْحِيد بِعَيْنِه.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري يُقَال لَهُ: التَّبُوذَكِي، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: مهْدي، بِفَتْح الْمِيم: ابْن مَيْمُون المعولي الْأَزْدِيّ، مر فِي: بَاب إِذا لم يتم السُّجُود. الثَّالِث: وَاصل، اسْم فَاعل من الْوُصُول: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد تقدم فِي: بَاب الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة فِي كتاب الْإِيمَان. الرَّابِع: الْمَعْرُور، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالراء المكررة: ابْن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَقد تقدم أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور. الْخَامِس: أَبُو ذَر، اسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة، وَقد تكَرر ذكره.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه ومهديا بصريان، وواصل ومعرور كوفيان. وَفِيه: وَاصل مَذْكُور بِلَا نِسْبَة، وَقد ذكر بلقبه الأحدب ضد الأقعس.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن بنْدَار بِهِ وَعَن مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله بن بكر عَن مهْدي بن مَيْمُون. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن حبيب بن أبي ثَابت وَعبد الْعَزِيز بن رفيع وَالْأَعْمَش، كلهم سمعُوا زيد بن وهب (عَن أبي ذَر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيل، ﵊، فبشرني أَنه من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة. قلت: وَإِن زني وَإِن سرق؟ قَالَ: نعم) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَفِي الْبَاب عَن أبي الدَّرْدَاء قلت: روى حَدِيث أبي الدَّرْدَاء مُسَدّد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا يحيى حَدثنَا نعيم بن حَكِيم حَدثنِي أَبُو مَرْيَم سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء يحدث عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (مَا من رجل يشْهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله وَمَات لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا دخل الْجنَّة أَو: لم يدْخل النَّار. قلت: وَإِن زنى وَإِن سرق؟ قَالَ: وَإِن زنى وَإِن سرق، وَرَغمَ أنف أبي الدَّرْدَاء) . وَرَوَاهُ أَبُو يعلى: حَدثنَا أَبُو عبد الله الْمقري حَدثنَا يحيى ... فَذكره، وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) قلت: يحيى هُوَ الْقطَّان، ونعيم بن حَكِيم وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَالْعجلِي وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَأَبُو مَرْيَم الثَّقَفِيّ: قَاضِي الْبَصْرَة ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَتَانِي آتٍ من رَبِّي) ، وَالْمرَاد بِهِ جِبْرِيل، ﵊، وَفَسرهُ بِهِ فِي التَّوْحِيد: من طَرِيق شُعْبَة وَكَانَ هَذَا فِي رُؤْيا مَنَام، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي اللبَاس من طَرِيق أبي الْأسود عَن أبي ذَر، قَالَ: (أتيت النَّبِي، ﷺ ، وَعَلِيهِ ثوب أَبيض وَهُوَ نَائِم ثمَّ انتبه وَقد اسْتَيْقَظَ) وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مهْدي فِي أول قصَّة: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي مسير لَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيْل تنحى، فَلبث طَويلا ثمَّ أَتَانَا. .) فَذكر الحَدِيث. قَوْله: (وَإِن زنى وَإِن سرق؟) حرف الِاسْتِفْهَام فِيهِ مُقَدّر، وَتَقْدِيره: أَدخل الْجنَّة وَإِن سرق وَإِن زنى؟ قَالَ الْكرْمَانِي: وَالشّرط حَال. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الْجَواب اسْتِفْهَام، فَلَزِمَ مِنْهُ أَن من لم يسرق وَلم يزن لم يدْخل الْجنَّة، إِذْ انْتِفَاء الشَّرْط يسْتَلْزم انْتِفَاء الْمَشْرُوط. قلت: هُوَ من بَاب: (نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) ، وَالْحكم فِي الْمَسْكُوت عَنهُ ثَابت بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (من أمتِي) يَشْمَل أمة الْإِجَابَة وَأمة الدعْوَة. قَوْله: (لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي اللبَاس بِلَفْظ: (مَا من عبد قَالَ: لَا إِلَه إلَاّ الله ثمَّ مَاتَ على ذَلِك. .) الحَدِيث، وَنفي الشّرك يسْتَلْزم إِثْبَات التَّوْحِيد، وَالشَّاهِد لَهُ حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود: (من مَاتَ يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل النَّار) ، على مَا يَجِيء عَن قريب. قَوْله: (فَقلت) الْقَائِل هُوَ أَبُو ذَر، وَلَيْسَ هُوَ النَّبِي، ﷺ ، وَقد يتَبَادَر الذِّهْن إِلَى أَنه هُوَ النَّبِي، ﷺ ، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ فِي رِوَايَة: (قَالَ أَبُو ذَر: يَا رَسُول الله وَإِن سرق وَإِن زنى؟ ثَلَاث مَرَّات، وَفِي الرَّابِعَة قَالَ: على رغم أنف أبي ذَر) ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَيجمع بَين اللَّفْظَيْنِ بِأَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَه مستوضحا، وَأَبُو ذَر قَالَه مستبعدا، لِأَن فِي ذهنه قَوْله، ﷺ : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن) ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا ذكر من الْكَبَائِر نَوْعَيْنِ لِأَن
стр. 2192
الذَّنب إِمَّا حق الله تَعَالَى، وَأَشَارَ بِالزِّنَا إِلَيْهِ، وَإِمَّا حق الْعباد، وَأَشَارَ بِالسَّرقَةِ إِلَيْهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: حجَّة لأهل السّنة أَن أَصْحَاب الْكَبَائِر لَا يقطع لَهُم بالنَّار وَأَنَّهُمْ إِن دخلوها خَرجُوا مِنْهَا، وَقَالَ ابْن بطال: من مَاتَ على اعْتِقَاد لَا إِلَه إلَاّ الله، وَإِن بَعُدَ قَوْله لَهَا عَن مَوته إِذا لم يقل بعْدهَا خلَافهَا حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ يدْخل الْجنَّة. وَيُقَال: وَجه هَذَا الحَدِيث عِنْد بعض أهل الْعلم أَن أهل التَّوْحِيد سيدخلون الْجنَّة وَإِن عذبُوا فِي النَّار بِذُنُوبِهِمْ فَإِنَّهُم لَا يخلدُونَ فِي النَّار. وَقيل: حَدِيث أبي ذَر من أَحَادِيث الرَّجَاء الَّتِي أفْضى الاتكال عَلَيْهَا لبَعض الجهلة إِلَى الْإِقْدَام على الموبقات، وَلَيْسَ هُوَ على ظَاهره، فَإِن الْقَوَاعِد اسْتَقَرَّتْ على أَن حُقُوق الْآدَمِيّين لَا تسْقط بِمُجَرَّد الْمَوْت على الْإِيمَان، وَلَكِن لَا يلْزم من عدم سُقُوطهَا أَن لَا يتكفل الله بهَا عَمَّن يُرِيد أَن يدْخلهُ الْجنَّة، وَمن ثمَّ رد رَسُول الله، ﷺ ، على أبي ذَر استبعاده، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله: (دخل الْجنَّة) أَي: صَار إِلَيْهَا إِمَّا ابْتِدَاء من أول الْحَال، وَإِمَّا بعد أَن يَقع مَا يَقع من الْعَذَاب.
٨٣٢١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا شَقِيقٌ عنْ عَبْدَ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ ماتَ يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئا دَخَلَ النَّارَ وقُلْتُ أنَا مَنْ ماتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئا دَخَلَ الجنَّةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الَّذِي يَمُوت مُشْركًا يدْخل النَّار، وَيفهم مِنْهُ أَن الَّذِي يَمُوت وَلَا يُشْرك بِاللَّه يدْخل الْجنَّة، فَلذَلِك قَالَ ابْن مَسْعُود: (قلت أَنا. .) إِلَى آخِره، وَالَّذِي لَا يُشْرك بِاللَّه هُوَ الْقَائِل: لَا إِلَه إلَاّ الله، فَوَقع التطابق بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَبِهَذَا يرد على من يَقُول: لَيْسَ الحَدِيث مُوَافقا للتبويب.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عمر بن حَفْص النَّخعِيّ. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: شَقِيق بن سَلمَة. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الاب. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَذَلِكَ لِأَن الْأَعْمَش روى حَدِيثا عَن أنس بن مَالك فِي دُخُول الْخَلَاء، وَإِمَّا فِي رُؤْيَته إِيَّاه فَلَا نزاع فِيهَا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة، وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه ووكيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن النَّضر بن شُمَيْل.
ذكر مَعْنَاهُ: وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَوْله: (من مَاتَ يُشْرك بِاللَّه) ، وَفِي رِوَايَة أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش فِي تَفْسِير الْبَقَرَة: (من مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو من دون الله ندا) . وَفِي أَوله: (قَالَ النَّبِي ﷺ كلمة، وَأَنا أُخْرَى، قَالَ: من مَاتَ يَجْعَل لله ندا دخل النَّار، وَقلت: من مَاتَ لَا يَجْعَل لله ندا دخل الْجنَّة) . وَفِي رِوَايَة وَكِيع وَابْن نمير لمُسلم بِالْعَكْسِ: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة، وَقلت أَنا: من مَاتَ يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل النَّار) . وَقَالَ فِي (التَّلْوِيح) : وَهَذَا يرد قَول من قَالَ: إِن ابْن مَسْعُود سمع أحد الْحكمَيْنِ فَرَوَاهُ وَضم إِلَيْهِ الحكم الآخر قِيَاسا على الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة، وَالَّذِي يظْهر أَنه نسي مرّة، وَهِي الرِّوَايَة الأولى، وَحفظ مرّة وَهِي الْأُخْرَى، فرواهما مرفوعين كَمَا فعله غَيره من الصَّحَابَة، وَقَالَ بَعضهم: لم تخْتَلف الرِّوَايَات فِي (الصَّحِيحَيْنِ) فِي أَن الْمَرْفُوع الْوَعيد وَالْمَوْقُوف الْوَعْد، وَزعم الْحميدِي فِي (جمعه) وَتَبعهُ مغلطاي فِي (شَرحه) وَمن أَخذ عَنهُ: أَن رِوَايَة مُسلم من طَرِيق وَكِيع وَابْن نمير بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَكَانَ سَبَب الْوَهم فِي ذَلِك مَا وَقع عِنْد أبي عوَانَة والإسماعيلي من طَرِيق وَكِيع بِالْعَكْسِ، لَكِن بيَّن الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن الْمَحْفُوظ عَن وَكِيع كَمَا فِي البُخَارِيّ. قلت: كَيفَ يكون وهما وَقد وَقع عِنْد مُسلم بِالْعَكْسِ؟ وَوجه ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ، وَقد قَالَ النَّوَوِيّ: الْجيد أَن يُقَال: سمع ابْن مَسْعُود اللَّفْظَيْنِ من النَّبِي ﷺ وَلكنه فِي وَقت حفظ أَحدهمَا وتيقنه وَلم يحفظ الآخر، فَرفع الْمَحْفُوظ وَضم الآخر إِلَيْهِ. وَفِي وَقت بِالْعَكْسِ، فَهَذَا جمع بَين روايتي ابْن مَسْعُود وموافقة
стр. 2193
لرِوَايَة غَيره فِي رفع اللَّفْظَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: من أَيْن علم ابْن مَسْعُود هَذَا الحكم؟ قلت: من حَيْثُ إِن انْتِفَاء السَّبَب يُوجب انْتِفَاء الْمُسَبّب، فَإِذا انْتَفَى الشّرك انْتَفَى دُخُول النَّار، وَإِذا انْتَفَى دُخُول النَّار يلْزم دُخُول الْجنَّة، إِذْ لَا ثَالِث لَهما، أَو مِمَّا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ (النِّسَاء: ٨٤) . الْآيَة وَنَحْوه.
٢ - (بابُ الأمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة أَمر النَّبِي ﷺ بِاتِّبَاع الْجَنَائِز، وَإِنَّمَا لم يبين حكم هَذَا الْأَمر لِأَن قَوْله: (أمرنَا) ، أَعم من أَن يكون للْوُجُوب أَو للنَّدْب، وَيَجِيء الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٩٣٢١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأشْعَثِ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بنَ سُوَيْدٍ بنِ مُقْرِنٍ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أمرَنا النبيُّ ﷺ بِسَبْعٍ ونَهَانَا عنْ سَبْعٍ أمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ المَرِيضِ وَإجَابَةِ الدَّاعِي وَنَصْرِ المَظْلُومِ وَإبْرَارِ القَسَمِ وَرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ ونَهَانَا عنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ والحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ والقَسيِّ وَالإسْتَبْرَقِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أمرنَا بِاتِّبَاع الْجَنَائِز) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الْأَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة: ابْن سليم بن الْأسود الْمحَاربي، وسليم يكنى أَبَا الشعْثَاء، مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة، مر فِي: بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء. الرَّابِع: مُعَاوِيَة بن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة: ابْن مقرن، بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره نون. الْخَامِس: الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي والأشعث وَمُعَاوِيَة كوفيان. وَفِيه: أحدهم مكنى وَاثْنَانِ مذكوران مجردين عَن النِّسْبَة وَآخر مَذْكُور باسم أَبِيه وجده. وَفِيه: عَن الْبَراء بن عَازِب فَسَمعته يَقُول. . فَذكر الحَدِيث.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع: هُنَا عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي الْمَظَالِم عَن سعيد ابْن الرّبيع، وَفِي اللبَاس عَن آدم وَعَن قبيصَة وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِي الطِّبّ عَن حَفْص بن عمر، وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي النذور عَن بنْدَار وَعَن قبيصَة، وَفِي النِّكَاح عَن الْحسن بن الرّبيع، وَفِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن يحيى بن يحيى وَأحمد بن يُونُس وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن عبد الله بن معَاذ وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر، وَعَن إِسْحَاق عَن يحيى وَعَمْرو بن مُحَمَّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي اللبَاس عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن سُلَيْمَان بن مَنْصُور وهناد بن السّري، وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، وَفِي الزِّينَة عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد مُخْتَصرا، وَفِي اللبَاس عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِبَعْضِه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِسبع) : بسبعة أَشْيَاء. قَوْله: (بِاتِّبَاع الْجَنَائِز) : الِاتِّبَاع افتعال من اتبعت الْقَوْم إِذا مشيت خَلفهم، أَو مروا بك فمضيت مَعَهم، وَكَذَلِكَ تبِعت الْقَوْم بِالْكَسْرِ تبعا وتباعة، وَاتِّبَاع الْجِنَازَة: الْمُضِيّ مَعهَا. قَوْله: (وعيادة الْمَرِيض) من عدت الْمَرِيض أعوده عِيَادَة إِذا زرته وَسَأَلت عَن حَاله، وَعَاد إِلَى فلَان يعود عودة وعودا إِذا رَجَعَ، وَفِي الْمثل: الْعود أَحْمد، وأصل عِيَادَة: عوادة، قلبت الْوَاو يَاء لكسرة مَا قبلهَا طلبا للخفة. قَوْله: (وَإجَابَة الدَّاعِي) الْإِجَابَة مصدر، وَالِاسْم الجابة بِمَنْزِلَة الطَّاعَة، تَقول مِنْهُ: أَجَابَهُ وَأجَاب عَن سُؤَاله، والاستجابة بِمَعْنى الْإِجَابَة، وأصل إِجَابَة أجوابا، حذفت الْوَاو وعوضت عَنْهَا التَّاء لِأَن أَصله أجوف واوي، وَمِنْه الْجَواب، والداعي من: دَعَا يَدْعُو دَعْوَة، والدعوة بِالْفَتْح إِلَى الطَّعَام، وبالكسر
стр. 2194
فِي النّسَب، وبالضم فِي الْحَرْب. يُقَال: دَعَوْت الله لَهُ وَعَلِيهِ دُعَاء و: الدعْوَة الْمرة الْوَاحِدَة، وأصل: دُعَاء دَعَا وإلَاّ أَن الْوَاو لما جَاءَت بعد الْألف همزت. قَوْله: (وإبرار الْقسم) ، الإبرار، بِكَسْر الْهمزَة إفعال من الْبر، خلاف الْحِنْث، يُقَال: أبر الْقسم إِذا صدقه، ويروى: (إبرار الْمقسم) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَكسر السِّين، قيل: هُوَ تَصْدِيق من أقسم عَلَيْك، وَهُوَ أَن يفعل مَا سَأَلَهُ الملتمس. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُقَال: الْمقسم الْحَالِف، وَيكون الْمَعْنى أَنه: لَو حلف أحد على أَمر يسْتَقْبل وَأَنت تقدر على تَصْدِيق يَمِينه كَمَا لَو أقسم أَن لَا يفارقك حَتَّى تفعل كَذَا وَأَنت تَسْتَطِيع فعله فافعل كَيْلا يَحْنَث فِي يَمِينه. قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) تشميت الْعَاطِس دُعَاء، وكل دَاع لأحد بِخَير فَهُوَ مشمت، وَيُقَال أَيْضا بِالسِّين الْمُهْملَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: التشميت بالشين وَالسِّين: الدُّعَاء بِالْخَيرِ وَالْبركَة، والمعجمة أعلاهما، يُقَال: شمت فلَانا وشمت عَلَيْهِ تشميتا، فَهُوَ مشمت، واشتقاقه من الشوامت، وَهِي القوائم، كَأَنَّهُ دُعَاء للعاطس بالثبات على طَاعَة الله، ، وَقيل: مَعْنَاهُ: أبعدك الله عَن الشماتة وجنبك مَا يشمت بِهِ عَلَيْك، والشماتة فَرح الْعَدو ببلية تنزل بِمن يعاديه، يُقَال: شمت بِهِ يشمت فَهُوَ شامت وأشمته غَيره. قَوْله: (ونهانا عَن سبع: آنِية الْفضة) أَي: نَهَانَا عَن سَبْعَة أَشْيَاء، وَلم يذكر البُخَارِيّ فِي المنهيات إلَاّ سِتَّة، قَالَ بَعضهم: إِمَّا سَهْو من المُصَنّف أَو من شَيْخه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَبُو الْوَلِيد اختصر الحَدِيث أَو نَسيَه؟ قلت: حمل التّرْك على النَّاسِخ أولى من نسبته إِلَى البُخَارِيّ أَو شَيْخه، وَمَعَ هَذَا ذكر البُخَارِيّ فِي: بَاب خَوَاتِيم الذَّهَب، عَن آدم عَن شُعْبَة. . إِلَى آخِره. وَذكر السَّابِع، وَهُوَ: المثيرة الْحَمْرَاء، وَسَنذكر مَا قيل فِيهَا فِي مَوْضِعه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (آنِية الْفضة) يجوز فِيهِ الرّفْع والجر، أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أَحدهَا آنِية الْفضة، وَأما الْجَرّ فعلى أَنه بدل من: سبع. قَوْله: (وَالْحَرِير) ، يتَنَاوَل الثَّلَاثَة الَّتِي بعده فَيكون وَجه عطفها عَلَيْهِ لبَيَان الاهتمام بِحكم ذكر الْخَاص بعد الْعَام، أَو لدفع وهم أَن تَخْصِيصه باسم مُسْتَقل لَا يُنَافِي، دُخُوله تَحت حكم الْعَام، أَو الْإِشْعَار بِأَن هَذِه الثَّلَاثَة غير الْحَرِير، نظرا إِلَى الْعرف. وَكَونهَا ذَوَات أَسمَاء مُخْتَلفَة يكون مقتضيا لاخْتِلَاف مسمياتها. قَوْله: (وَخَاتم الذَّهَب) ، الْخَاتم والخاتم بِكَسْر التَّاء وَفتحهَا، والخيتام والخاتام كُله بِمَعْنى، وَالْجمع: الخواتيم. قَوْله: (والديباج) ، بِكَسْر الدَّال: فَارسي مُعرب، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الديباج الثِّيَاب المتخذة من الإبريسم، وَقد تفتح داله. وَيجمع على: دباييج ودبابيج بِالْيَاءِ وبالباء، لِأَن أَصله: دباج. قَوْله: (والقسي) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسر السِّين الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة. قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ ثِيَاب من كتَّان مخلوط بحرير يُؤْتى بهَا من مصر، نسبت إِلَى قَرْيَة على سَاحل الْبَحْر قَرِيبا مِمَّن تنيس يُقَال لَهَا: القس، بِفَتْح الْقَاف، وَبَعض أهل الحَدِيث يكسرها، وَقيل: أصل القسي القزي، بالزاي، مَنْسُوب إِلَى القز، وَهُوَ ضرب من الإبريسم، وأبدل من الزَّاي سينا. وَقيل: هُوَ مَنْسُوب إِلَى القس وَهُوَ الصقيع لبياضه. قلت: القس وتنيس وفرما كَانَت مدنا على سَاحل بَحر دمياط غلب عَلَيْهَا الْبَحْر فاندثرت، فَكَانَت يخرج مِنْهَا ثِيَاب مفتخرة ويتاجر بهَا فِي الْبِلَاد. قَوْله: (والاستبرق) بِكَسْر الْهمزَة: ثخين الديباج على الْأَشْهر. وَقيل: رَقِيقه، وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيلبسُونَ من سندس واستبرق﴾ (الدُّخان: ٣٥) . السندس مَا رق من الْحَرِير، والديباج والاستبرق مَا غلظ مِنْهُ، وَهُوَ تعريب إستبرك، وَإِذا عرب خرج من أَن يكون عجميا، لِأَن معنى التعريب أَن يَجْعَل عَرَبيا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ وتغيير عَن منهاجه وإجرائه على أوجه الْإِعْرَاب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على أوجه:
الأول: فِي اتِّبَاع الْجَنَائِز وَالْمَشْي مَعهَا إِلَى حِين دَفنهَا بعد الصَّلَاة عَلَيْهَا. أما الصَّلَاة فَهِيَ من فروض الْكِفَايَة عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، وَقَالَ إصبغ: الصَّلَاة على الْمَيِّت سنة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: اتِّبَاع الْجَنَائِز حملهَا بعض النَّاس عَن بعض. قَالَ: وَهُوَ وَاجِب على ذِي الْقَرَابَة الْحَاضِر وَالْجَار، وَيَرَاهُ للتأكد لَا الْوُجُوب الْحَقِيقِيّ. ثمَّ الِاتِّبَاع على ثَلَاثَة أَقسَام: أَن يُصَلِّي فَقَط، فَلهُ قِيرَاط. الثَّانِي: أَن يذهب فَيشْهد دَفنهَا، فَلهُ قيراطان. وَثَالِثهَا: أَن يلقنه. قلت: التَّلْقِين عندنَا عِنْد الإحتضار، وَقد عرف فِي الْفُرُوع، وَكَذَا الْمَشْي عندنَا خلف الْجِنَازَة أفضل، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَالْمَشْي عندنَا أمامها بقربها أفضل من الإتباع، وَبِه قَالَ أَحْمد، لِأَنَّهُ شَفِيع. وَعند الْمَالِكِيَّة ثَلَاثَة أَقْوَال، ومشهور مذهبم كمذهبنا. قلت: احتجت الشَّافِعِيَّة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيث أخرجه الْأَرْبَعَة: عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا القعْنبِي حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ (عَن سَالم عَن أَبِيه قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر يَمْشُونَ أَمَام الْجِنَازَة) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة وَأحمد بن منيع وَإِسْحَاق بن مَنْصُور ومحمود بن غيلَان، قَالُوا: حَدثنَا سُفْيَان بن
стр. 2195
عُيَيْنَة. . إِلَى آخِره نَحوه، وَقَالَ النَّسَائِيّ: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعلي بن حجر وقتيبة بن سعيد عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ (عَن سَالم عَن أَبِيه أَنه رأى النَّبِي ﷺ . .) إِلَى آخِره نَحوه، وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد وَهِشَام بن عمار وَسَهل ابْن أبي سهل قَالُوا: حَدثنَا سُفْيَان. . إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة أبي دَاوُد، وَبِه قَالَ الْقَاسِم وَسَالم بن عبد الله وَالزهْرِيّ وَشُرَيْح وخارجة بن زيد وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة وعلقمة وَالْأسود وَعَطَاء، وَمَالك وَأحمد، ويحكى ذَلِك عَن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَالْحسن بن عَليّ وَابْن الزبير وَأبي قَتَادَة وَأبي أسيد.
ذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وسُويد بن غَفلَة ومسروق وَأَبُو قلَابَة وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَإِسْحَاق وَأهل الظَّاهِر إِلَى أَن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل، ويروى ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي أُمَامَة وَعمر بن الْعَاصِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ: حَدثنَا هَارُون بن عبد الله حَدثنَا عبد الصَّمد وَحدثنَا ابْن الْمثنى حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا حَرْب يَعْنِي: ابْن شَدَّاد حَدثنِي يحيى حَدثنِي نَاب بن عُمَيْر حَدثنِي رجل من أهل الْمَدِينَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (لَا تتبع الْجِنَازَة بِصَوْت وَلَا نَار) ، وَزَاد هَارُون: (وَلَا يمشي بَين يَديهَا) ، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث سهل بن سعد: (أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يمشي خلف الْجِنَازَة) . رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَبِحَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ: (سَأَلَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل أم أمامها؟ فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ إِن فضل الْمَاضِي خلفهَا على الْمَاشِي أمامها كفضل الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة على التَّطَوُّع، فَقَالَ لَهُ أَبُو سعيد: أبرأيك تَقول أم بِشَيْء سمعته من النَّبِي، ﷺ ؟ فَغَضب، وَقَالَ: لَا وَالله، بل سمعته غير مرّة وَلَا اثْنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاث حَتَّى سبعا. فَقَالَ أَبُو سعيد: إِنِّي رَأَيْت أَبَا بكر وَعمر يمشيان أمامها؟ فَقَالَ عَليّ: يغْفر الله لَهما، لقد سمعا ذَلِك من رَسُول الله، ﷺ ، كَمَا سمعته وإنهما وَالله لخير هَذِه الْأمة ولكنهما كرها أَن يجْتَمع النَّاس ويتضايقوا فأحبا أَن يسهلا على النَّاس) . رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) وروى عبد الرَّزَّاق أَيْضا: أخبرنَا معمر (عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه قَالَ: مَا مَشى رَسُول الله ﷺ حَتَّى مَاتَ إلَاّ خلف الْجِنَازَة) . وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن شُرَيْح عَن مَسْرُوق، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن لكل أمة قرباناا، وَإِن قرْبَان هَذِه الْأمة موتاها، فاجعلوا مَوْتَاكُم بَين أَيْدِيكُم) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبيد الله بن كَعْب بن مَالك، قَالَ: (جَاءَ ثَابت بن قيس بن شماس إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن أمه توفيت وَهِي نَصْرَانِيَّة وَهُوَ يحب أَن يحضرها، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إركب دابتك وسر أمامها فَإنَّك إِذا كنت أمامها لم تكن مَعهَا) . وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عبد الله أخبرنَا إِسْرَائِيل عَن عبيد الله بن الْمُخْتَار عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة حَدثنَا أَبُو كريب أَو أَبُو حَرْب (عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن أَبَاهُ قَالَ لَهُ: كن خلف الْجِنَازَة فَإِن مقدمها للْمَلَائكَة ومؤخرها لبني آدم) . فَإِن قَالُوا: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَجْهُولَانِ، وَفِي حَدِيث سهل بن سعد، قَالَ ابْن قطان: لَا يعرف من هُوَ، وَفِيه: يحيى بن سعيد الْحِمصِي، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مطرح بن يزِيد، ضعفه ابْن معِين، وَفِيه: عبيد الله بن زجر، قَالَ ابْن حبَان: مُنكر الحَدِيث جدا، وَأثر طَاوُوس مُرْسل، وَفِي حَدِيث كَعْب بن مَالك: أَبُو معشر، ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ. قُلْنَا: إِذا سلمنَا ضعف الْأَحَادِيث الَّتِي تكلم فِيهَا فَإِنَّهَا تتقوى وتشتد فتصلح للاحتجاج، مَعَ أَن لنا حَدِيثا فِيهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابا وَكَانَ مَعهَا حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا ويفرغ من دَفنهَا فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين) ، والاتباع لَا يكون إلَاّ إِذا مَشى خلفهَا. فَدلَّ ذَلِك على أَن الْجِنَازَة متبوعة. وَقد جَاءَ هَذَا اللَّفْظ صَرِيحًا فِي حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (الْجِنَازَة متبوعة وَلَا تتبع، وَلَيْسَ مَعهَا من تقدمها) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو يعلى وَابْن أبي شيبَة. وَأما أثر طَاوُوس فَإِنَّهُ، وَإِن كَانَ مُرْسلا فَهُوَ حجَّة عندنَا، وحديثهم الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، وَهُوَ حَدِيث ابْن عمر، قد اخْتلف فِيهِ أَئِمَّة الحَدِيث بِحَسب الصِّحَّة والضعف، وَقد رُوِيَ مُتَّصِلا ومرسلاً، فَذهب ابْن الْمُبَارك إِلَى تَرْجِيح الرِّوَايَة الْمُرْسلَة على الْمُتَّصِلَة مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَنهُ، وَقَالَ النَّسَائِيّ بعد تَخْرِيجه للرواية الْمُتَّصِلَة: هَذَا خطأ، وَالصَّوَاب مُرْسل. وَقد طول شَيخنَا زين الدّين، ﵀، فِي هَذَا الْموضع نصْرَة لمذهبه، وَمَعَ هَذَا كُله فقد قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَأهل الحَدِيث كلهم يرَوْنَ أَن الحَدِيث الْمُرْسل فِي ذَلِك أصح. فَإِن قلت:
стр. 2196
روى التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر حَدثنَا يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس بن مَالك: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يمشي أَمَام الْجِنَازَة وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم) قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا خطأ، فِيهِ مُحَمَّد بن بكر، وَإِنَّمَا يروي هَذَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ: أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر كَانُوا يَمْشُونَ أَمَام الْجِنَازَة، فَإِذا صَحَّ الْأَمر على ذَلِك فَلَا يبْقى لَهُم حجَّة فِيهِ، لِأَن الْمُرْسل لَيْسَ بِحجَّة عِنْدهم.
الْوَجْه الثَّانِي: فِي عِيَادَة الْمَرِيض، هِيَ سنة. وَقيل: وَاجِبَة، بِظَاهِر حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي، وَقد رُوِيَ فِي ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وهم: أَبُو مُوسَى وثوبان وَأَبُو هُرَيْرَة وَعلي بن أبي طَالب وَأَبُو أُمَامَة وَجَابِر بن عبد الله وَجَابِر ابْن عتِيك وَأَبُو مَسْعُود وَأَبُو سعيد وَعبد الله بن عمر وَأنس وَأُسَامَة بن زيد وَزيد بن أَرقم وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو وَأَبُو أَيُّوب وَعُثْمَان وكعت بن مَالك وَعبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده وَعمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَالْمُسَيب بن حزن وسلمان وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وعَوْف بن مَالك وَأَبُو الدَّرْدَاء وَصَفوَان بن عَسَّال ومعاذ بن جبل وَجبير بن مطعم وَعَائِشَة وَفَاطِمَة الْخُزَاعِيَّة وَأم سليم وَأم الْعَلَاء. فَحَدِيث: أبي مُوسَى عِنْد البُخَارِيّ: (عودوا الْمَرِيض وأطعموا الجائع وفكوا العاني) . وَحَدِيث ثَوْبَان عِنْد مُسلم: (إِن الْمُسلم إِذا عَاد أَخَاهُ الْمُسلم لم يزل فِي خرفة الْجنَّة حَتَّى يرجع، قيل: يَا رَسُول الله! وَمَا خرفة الْجنَّة؟ قَالَ: جناها) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد البُخَارِيّ يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَحَدِيث عَليّ بن أبي طَالب عِنْد التِّرْمِذِيّ: (مَا من مُسلم يعود مُسلما إلَاّ يبْعَث الله سبعين ألف ملك يصلونَ عَلَيْهِ، أَي: سَاعَة من النَّهَار كَانَت، حَتَّى يُمْسِي، وَأي سَاعَة من اللَّيْل كَانَت حَتَّى يصبح) . وَحَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد أَحْمد: (من تَمام عِيَادَة الْمَرِيض أَن يضع أحدكُم يَده على جَبهته أَو يَده ويسأله كَيفَ هُوَ؟) . وَحَدِيث جَابر بن عبد الله عِنْد أَحْمد أَيْضا: (من عَاد مَرِيضا لم يزل يَخُوض فِي الرَّحْمَة حَتَّى يجلس فَإِذا جلس اغتمس فِيهَا) . وَحَدِيث جَابر بن عتِيك عِنْد أبي دَاوُد: (أَن رَسُول الله ﷺ عَاد عبد الله بن ثَابت. .) الحَدِيث مطولا. وَحَدِيث أبي مَسْعُود عِنْد الْحَاكِم: (للْمُسلمِ على الْمُسلم أَربع خلال: يشمته إِذا عطس، ويجيبه إِذا دَعَاهُ، ويشهده إِذا مَاتَ، ويعوده إِذا مرض) . وَحَدِيث أبي سعيد عِنْد ابْن حبَان: (عودوا الْمَرِيض وَاتبعُوا الْجَنَائِز) . وَحَدِيث عبد الله بن عمر عِنْد مُسلم: (من يعود مِنْكُم سعد بن عبَادَة؟ فَقَامَ، وقمنا مَعَه وَنحن بضعَة عشرَة) . وَحَدِيث أنس عِنْد البُخَارِيّ (عَاد النَّبِي ﷺ غُلَاما يَهُودِيّا كَانَ يَخْدمه) . وَحَدِيث أُسَامَة ابْن زيد عِنْد الْحَاكِم قَالَ: (خرج رَسُول الله ﷺ يعود عبد الله بن أبيَّ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ) . وَحَدِيث زيد ابْن أَرقم (عادني رَسُول الله ﷺ من وجع كَانَ بعيني) وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرطهمَا. وَحَدِيث سعد ابْن أبي وَقاص عِنْد الْحَاكِم، قَالَ: (اشتكيت بِمَكَّة فَجَاءَنِي رَسُول الله ﷺ يعودنِي، وَوضع يَده على جبهتي) . وَحَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الْحَاكِم أَيْضا: (من عَاد أَخَاهُ الْمُسلم فَقعدَ عِنْد رَأسه. .) الحَدِيث، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ. وَحَدِيث ابْن عَمْرو عِنْده أَيْضا: (إِذا عَاد أحدكُم مَرِيضا فَلْيقل: اللَّهُمَّ إشف عَبدك) ، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم. وَحَدِيث أبي أَيُّوب عِنْد ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: (عَاد رَسُول الله ﷺ رجلا من الْأَنْصَار، فأكب عَلَيْهِ يسْأَله قَالَ: يَا رَسُول الله مَا غمضت مُنْذُ سبع لَيَال، وَلَا أحد يحضرني؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَي أخي إصبر تخرج من ذنوبك كَمَا دخلت فِيهَا) وَحَدِيث عُثْمَان عِنْد قَالَ: دخل عَليّ رَسُول الله، ﷺ ، يعودنِي وَأَنا مَرِيض، فَقَالَ: أُعِيذك بِاللَّه الْأَحَد الصَّمد) الحَدِيث، وَسَنَده جيد. وَحَدِيث كَعْب بن مَالك عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) : (من عَاد مَرِيضا خَاضَ فِي الرَّحْمَة فَإِذا جلس استنقع فِيهَا) . وَحَدِيث عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا: (من عَاد مَرِيضا فَلَا يزَال فِي الرَّحْمَة حَتَّى إِذا قعد عِنْده استنقع فِيهَا، ثمَّ إِذا خرج من عِنْده فَلَا يزَال يَخُوض فِيهَا حَتَّى يروح من حَيْثُ خرج) . وَحَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد ابْن مرْدَوَيْه: (قَالَ: يَا رَسُول الله؟ مَا لنا من الْأجر فِي عِيَادَة الْمَرِيض؟ فَقَالَ: أَن العَبْد إِذا عَاد الْمَرِيض خَاضَ فِي الرَّحْمَة إِلَى حقوه) . وَحَدِيث أبي
стр. 2197
عُبَيْدَة بن الْجراح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من عَاد مَرِيضا أَو أماط أَذَى من الطَّرِيق فحسنته بِعشر أَمْثَالهَا) . وَحَدِيث الْمسيب بن حزن. وَحَدِيث سلمَان عِنْد الطَّبَرَانِيّ قَالَ: (دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ يعودنِي فَلَمَّا أَرَادَ أَن يخرج قَالَ: يَا سلمَان كشف الله ضرك وَغفر ذَنْبك وعافاك فِي دينك وجسدك إِلَى أَجلك. وَحَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ عِنْد الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) : (جَاءَنِي رَسُول الله ﷺ يعودنِي من وجع اشْتَدَّ بِي. .) . وَحَدِيث عَوْف بن مَالك عِنْد الطَّبَرَانِيّ عَن النَّبِي ﷺ (قَالَ: عودوا الْمَرِيض وَاتبعُوا الْجِنَازَة) . وَحَدِيث أبي الدَّرْدَاء عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن الرجل إِذا خرج يعود أَخَاهُ مُؤمنا خَاضَ فِي الرَّحْمَة إِلَى حقْوَيْهِ، فَإِذا جلس عِنْد الْمَرِيض فَاسْتَوَى جَالِسا غمرته الرَّحْمَة) . وَحَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من زار أَخَاهُ الْمُؤمن خَاضَ فِي الرَّحْمَة حَتَّى يرجع، وَمن زار أَخَاهُ الْمُؤمن خَاضَ فِي رياض الْجنَّة حَتَّى يرجع) . وَحَدِيث معَاذ بن جبل عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (خمس من فعل وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنا على الله تَعَالَى، من عَاد مَرِيضا أَو خرج مَعَ جَنَازَة أَو خرج غازيا أَو دخل على إِمَامه يُرِيد تعزيزه وتوقيره، أَو قعد فِي بَيته فَسلم النَّاس مِنْهُ وَسلم من النَّاس) . وَحَدِيث جُبَير بن مطعم عِنْده أَيْضا قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، عَاد سعيد بن الْعَاصِ، فَرَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، يكمده بِخرقَة) . وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْد سيف فِي (كتاب الرِّدَّة) قَالَت: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (العيادة سنة عودوا غبا، فَإِن أُغمي على مَرِيض فحتى يفِيق) . وَحَدِيث فَاطِمَة الْخُزَاعِيَّة عِنْد ابْن أبي الدُّنْيَا قَالَت: (عَاد رَسُول الله، ﷺ ، امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَ: كَيفَ تجدك؟ قَالَت: بِخَير يَا رَسُول الله. .) الحَدِيث. وَحَدِيث أم سليم عِنْد ابْن أبي الدُّنْيَا أَيْضا فِي (كتاب المرضى وَالْكَفَّارَات) قَالَت: (مَرضت فعادني رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: يَا أم سليم أتعرفين النَّار والْحَدِيث وخبث الْحَدِيد؟ قلت: نعم يَا رَسُول الله. قَالَ: فأبشري يَا أم سليم، فَإنَّك إِن تخلصي من وجعك هَذَا تخلصي مِنْهُ كَمَا يخلص الْحَدِيد من النَّار من خبثه) . وَحَدِيث أم الْعَلَاء عِنْد أبي دَاوُد قَالَت: (عادني رَسُول الله، ﷺ ، وَأَنا مَرِيضَة) الحَدِيث.
الْوَجْه الثَّالِث: فِي إِجَابَة الدَّاعِي، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (إِن من حق الْمُسلم على الْمُسلم أَن يجِيبه إِذا دَعَاهُ) ، وَفِي (التَّوْضِيح) : إِن كَانَت إِجَابَة الدَّاعِي إِلَى نِكَاح فجمهور الْعلمَاء على الْوُجُوب، قَالُوا: وَالْأكل وَاجِب على الصَّائِم، وَعِنْدنَا مُسْتَحبّ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: إِذا دَعَا الْمُسلم الْمُسلم إِلَى الضِّيَافَة والمعاونة وَجب عَلَيْهِ طَاعَته إِذا لم يكن ثمَّ يتَضَرَّر بِدِينِهِ من الملاهي ومفارش الْحَرِير. وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث: إِذا دعيت إِلَى وَلِيمَة فَإِن لم يكن مَاله حَرَامًا وَلم يكن فِيهَا فسق فَلَا بَأْس بالإجابة، وَإِن كَانَ مَاله حَرَامًا فَلَا يُجيب، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ فَاسِقًا مُعْلنا فَلَا يجِيبه ليعلم أَنَّك غير رَاض بِفِسْقِهِ، وَإِذا أتيت وَلِيمَة فِيهَا مُنكر عَن ذَلِك فَإِن لم ينْتَهوا عَن ذَلِك فَارْجِع لِأَنَّك إِن جالستهم ظنُّوا أَنَّك راضٍ بفعلهم، وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم) ، وَقَالَ بَعضهم: إِجَابَة الدعْوَة وَاجِبَة لَا يسع تَركهَا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (من لم يجب الدعْوَة فقد عصى أَبَا الْقَاسِم) . وَقَالَ عَامَّة الْعلمَاء: لَيست بواجبة وَلكنهَا سنة، وَالْأَفْضَل أَن يُجيب إِذا كَانَت وَلِيمَة يدعى فِيهَا الْغَنِيّ وَالْفَقِير، وَإِذا دعيت إِلَى وَلِيمَة وَأَنت صَائِم فَأخْبرهُ بذلك، فَإِن قَالَ: لَا بُد لَك من الْحُضُور فأجبه، فَإِذا دخلت الْمنزل فَإِن كَانَ صومك تَطَوّعا وَتعلم أَنه لَا يشق عَلَيْهِ ذَلِك لَا تفطر، وَإِن علمت أَنه يشق عَلَيْهِ امتناعك من الطَّعَام فَإِن شِئْت فَأفْطر واقض يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِن شِئْت فَلَا تفطر، والإفطار أفضل لِأَن فِيهِ إِدْخَال السرُور على الْمُؤمن.
الْوَجْه الرَّابِع: فِي نصر الْمَظْلُوم، وَهُوَ فرض على من قدر عَلَيْهِ، ويطاع أمره، وَعَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قَالَ رَسُول الله، ﷺ : أنْصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله أنصره إِن كَانَ مَظْلُوما، أَفَرَأَيْت إِن كَانَ ظَالِما كَيفَ أنصره؟ قَالَ: تحجزه أَو تَمنعهُ عَن الظُّلم فَإِن ذَلِك نَصره) . رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن جَابر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 2198
قَالَ: ولينصر الرجل أَخَاهُ ظَالِما أَو مَظْلُوما، إِن كَانَ ظَالِما فلينهه فَإِنَّهُ لَهُ نصْرَة، وَإِن كَانَ مَظْلُوما فلينصره) . وَعَن سهل ابْن معَاذ بن أنس الْجُهَنِيّ عَن أَبِيه عَن النَّبِي، ﷺ : (قَالَ من حمى مُؤمنا عَن مُنَافِق، إراه قَالَ: بعث الله ملكا يحمي لَحْمه يَوْم الْقِيَامَة من نَار جَهَنَّم) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (قَالَ الله ﵎: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأنتقمن من الظَّالِم فِي عاجله وآجله، ولأنتقمن من رأى مَظْلُوما فَقدر أَن ينصره فَلم يفعل) . رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ بن حبَان فِي (كتاب التوبيخ) .
الْوَجْه الْخَامِس: فِي إبرار الْقسم، وَهُوَ خَاص فِيمَا يحل وَهُوَ من مَكَارِم الْأَخْلَاق، فَإِن ترَتّب على تَركه مصلحَة فَلَا، وَلِهَذَا قَالَ، ﷺ ، لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قصَّة تَعْبِير الرُّؤْيَا: (لَا تقسم، حِين قَالَ: أَقْسَمت عَلَيْك يَا رَسُول الله لتخبرني بِالَّذِي أصبت) .
الْوَجْه السَّادِس: فِي رد السَّلَام، هُوَ فرض على الْكِفَايَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : رد السَّلَام فرض على الْكِفَايَة عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَعند الْكُوفِيّين فرض عين كل وَاحِد من الْجَمَاعَة. وَقَالَ صَاحب (المعونة) : الِابْتِدَاء بِالسَّلَامِ سنة ورده آكِد من ابْتِدَائه، وَأقله: السَّلَام عَلَيْكُم. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: رد السَّلَام فَرِيضَة على كل من سمع السَّلَام، إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ، وَالتَّسْلِيم سنة وَالرَّدّ فَرِيضَة، وثواب الْمُسلم أَكثر، وَلَا يَصح الرَّد حَتَّى يسمعهُ الْمُسلم إلَاّ أَن يكون أَصمّ فَيَنْبَغِي أَن يرد عَلَيْهِ بتحريك شَفَتَيْه، وَكَذَلِكَ: تشميت الْعَاطِس، وَلَو سلم على جمَاعَة وَفِيهِمْ صبي فَرد الصَّبِي إِن كَانَ لَا يعقل لَا يَصح، وَإِن كَانَ يعقل هَل يَصح؟ فِيهِ اخْتِلَاف، وَيجب على الْمَرْأَة رد سَلام الرجل وَلَا ترفع صَوتهَا لِأَن صَوتهَا عَورَة، وَإِن سلمت عَلَيْهِ فَإِن كَانَت عجوزا رد عَلَيْهَا، وَإِن كَانَت شَابة رد فِي نَفسه، وعَلى هَذَا التَّفْصِيل تشميت الرجل الْمَرْأَة وَبِالْعَكْسِ، وَلَا يجب رد سَلام السَّائِل، وَلَا يَنْبَغِي أَن يسلم على من يقْرَأ الْقُرْآن، فَإِن سلم عَلَيْهِ يجب الرَّد عَلَيْهِ.
الْوَجْه السَّابِع: فِي تشميت الْعَاطِس، وَهُوَ أَن يَقُول: يَرْحَمك الله، إِذا حمد الْعَاطِس، وَيرد الْعَاطِس بقوله: يهديكم الله وَيصْلح بالكم، وَرُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ أَن رجلا عطس بِحَضْرَتِهِ فَلم يحمد، فَقَالَ لَهُ: كَيفَ يَقُول إِذا عطست؟ قَالَ: الْحَمد لله، فَقَالَ لَهُ: يَرْحَمك الله، وَجَوَابه كِفَايَة، خلافًا لبَعض الْمَالِكِيَّة. قَالَ مَالك: وَمن عطس فِي الصَّلَاة حمد فِي نَفسه، وَخَالفهُ سَحْنُون فَقَالَ: وَلَا فِي نَفسه. وَقد ذكرنَا حكمه الْآن، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ حكم السَّبْعَة الَّتِي أَمر بهَا النَّبِي ﷺ .
وَأما السَّبْعَة الَّتِي نَهَانَا عَنْهَا: فأولها: آنِية الْفضة، وَالنَّهْي فِيهِ تَحْرِيم، وَكَذَلِكَ الْآنِية الذَّهَب بل هِيَ أَشد، قَالَ أَصْحَابنَا: لَا يجوز اسْتِعْمَاله آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة للرِّجَال وَالنِّسَاء لما فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد الْجَمَاعَة: (وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا تَأْكُلُوا فِي صحافها. .) الحَدِيث. قَالُوا: وعَلى هَذَا: المجمرة والملعقة والمدهن والميل والمكحلة والمرآة وَنَحْو ذَلِك، فيستوي فِي ذَلِك الرِّجَال وَالنِّسَاء لعُمُوم النَّهْي، وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع، وَيجوز الشّرْب فِي الْإِنَاء المفضض وَالْجُلُوس على السرير المفضض إِذا كَانَ يَتَّقِي مَوضِع الْفضة، أَي: يَتَّقِي فَمه ذَلِك، وَقيل: يَتَّقِي أَخذه بِالْيَدِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يكره. وَقَول مُحَمَّد مُضْطَرب، وَيجوز التجمل بالأواني من الذَّهَب وَالْفِضَّة بِشَرْط أَن لَا يُرِيد بِهِ التفاخر وَالتَّكَاثُر، لِأَن فِيهِ إِظْهَار نعم الله تَعَالَى.
الثَّانِي: خَاتم الذَّهَب فَإِنَّهُ حرَام على الرِّجَال، والْحَدِيث يدل عَلَيْهِ، وَمن النَّاس من أَبَاحَ التَّخَتُّم بِالذَّهَب لما روى الطَّحَاوِيّ فِي (شرح الْآثَار) بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّد بن مَالك، قَالَ: رَأَيْت على الْبَراء خَاتمًا من ذهب، فَقيل لَهُ: فَقَالَ: قسم رَسُول الله ﷺ فألبسنيه. وَقَالَ: (إلبس مَا كساك الله، ، وَرَسُوله) . وَالْجَوَاب عَنهُ أَن التَّرْجِيح للْمحرمِ وَمَا رُوِيَ من ذَلِك كَانَ قبل النَّهْي، وَأما التَّخَتُّم بِالْفِضَّةِ فَإِنَّهُ يجوز لما رُوِيَ (عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ اتخذ خَاتمًا من فضَّة لَهُ فص حبشِي وَنقش عَلَيْهِ: مُحَمَّد رَسُول الله) ، رَوَاهُ الْجَمَاعَة، وَالسّنة أَن يكون قدر مِثْقَال فَمَا دونه، والتختم سنة لمن يحْتَاج إِلَيْهِ كالسلطان وَالْقَاضِي وَمن فِي مَعْنَاهُمَا، وَمن لَا حَاجَة لَهُ إِلَيْهِ فَتَركه أفضل.
الثَّالِث: الْحَرِير وَهُوَ حرَام على الرِّجَال دون النِّسَاء لما روى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن النَّبِي ﷺ أَخذ حَرِيرًا فَجعله فِي يَمِينه، وَأخذ ذَهَبا فَجعله فِي شِمَاله، ثمَّ قَالَ: إِن هذَيْن حرَام على ذُكُور أمتِي) ، زَاد ابْن مَاجَه: (حل لإناثهم) ، وَرُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنهم رووا حل الْحَرِير للنِّسَاء، وهم: عمر، فَحَدِيثه عِنْد الْبَزَّار وَأَبُو مُوسَى
стр. 2199
الْأَشْعَرِيّ، فَحَدِيثه عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَعبد الله بن عَمْرو فَحَدِيثه عِنْد إِسْحَاق وَالْبَزَّار وَأبي يعلى. وَعبد الله بن عَبَّاس فَحَدِيثه عَن الْبَزَّار، وَزيد بن أَرقم فَحَدِيثه عِنْد ابْن أبي شيبَة وواثلة بن الْأَسْقَع فَحَدِيثه عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَعقبَة بن العامر الْجُهَنِيّ فَحَدِيثه عِنْد أبي سعيد بن يُونُس، فأحاديثهم خصت أَحَادِيث التَّحْرِيم على الْإِطْلَاق، وَقَالَ بَعضهم: حرَام على النِّسَاء وَالرِّجَال لعُمُوم النَّهْي.
الرَّابِع: الديباح.
وَالْخَامِس: القسي.
السَّادِس: الاستبرق، وكل هَذَا دَاخل فِي الْحَرِير، وَقد ذكرنَا أَن وَاحِدَة قد سَقَطت من المنهيات وَهِي: الميثرة الْحَمْرَاء، وسنذكرها فِي موضعهَا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد سَأَلَ الْكرْمَانِي هَهُنَا بِمَا حَاصله: أَن الْأَمر فِي الْمَأْمُور بِهِ فِي بعضه للنَّدْب، وَفِي النَّهْي كَذَلِك بعضه للْحُرْمَة وَبَعضه لغَيْرهَا، فَهُوَ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي معنييه الْحَقِيقِيّ والمجازي، وَذَلِكَ مُمْتَنع، وَأجَاب بِمَا حَاصله: أَن ذَلِك غير مُمْتَنع عِنْد الشَّافِعِي وَعند غَيره بِعُمُوم الْمجَاز، وَسَأَلَ أَيْضا بِأَن بعض هَذِه الْأَحْكَام عَام للرِّجَال وَالنِّسَاء: كآنية الْفضة، وَبَعضهَا خَاص كَحُرْمَةِ خَاتم الذَّهَب للرِّجَال، وَلَفظ الحَدِيث يَقْتَضِي التَّسَاوِي. وَأجَاب بِأَن التَّفْصِيل عُلِمَ من غير هَذَا الحَدِيث.
٠٤٢١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ أبِي سَلَمَةَ عنِ الأوزَاعِيِّ قَالَ أخبرَنِي ابنُ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ المَرِيضِ وَاتِّبَاع الجَنَائِزِ وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَاتِّبَاع الْجَنَائِز) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد قَالَ الكلاباذي، روى البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن أبي سَلمَة غير مَنْسُوب فِي (كتاب الْجَنَائِز) : يُقَال إِنَّه مُحَمَّد بن يحيى الذهلي. وَقَالَ فِي (أَسمَاء رجال الصَّحِيحَيْنِ) : مُحَمَّد بن يحيى ابْن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذِئْب، أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّوْم والطب والجنائز وَالْعِتْق وَغير مَوضِع فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا، وَلم يقل: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا، وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَيَقُول: مُحَمَّد بن عبد الله ينْسبهُ إِلَى جده، وَيَقُول: مُحَمَّد بن خَالِد ينْسبهُ إِلَى جد أَبِيه، وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن البُخَارِيّ لما دخل نيسابور شغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ وَكَانَ قد سمع مِنْهُ فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه مَاتَ مُحَمَّد بن يحيى بعد البُخَارِيّ بِيَسِير تَقْدِيره سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عَمْرو بن أبي سَلمَة، بِفَتْح اللَّام: أَبُو حَفْص التنيسِي، مَاتَ سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سعيد بن الْمسيب. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بِلَا نِسْبَة وَوَاحِد مَذْكُور بنسبته وَالْآخر مَذْكُور باسم جده. قيل: عَمْرو بن أبي سَلمَة ضعفه ابْن معِين وَغَيره، فَكيف حَال حَدِيثه عِنْد البُخَارِيّ؟ وَأجِيب: بِأَن تَضْعِيفه كَانَ بِسَبَب أَن فِي حَدِيثه عَن الْأَوْزَاعِيّ مناولة وإجازة فَلذَلِك عنعن، فَدلَّ على أَنه لم يسمعهُ. وَأجِيب: نصْرَة للْبُخَارِيّ: بِأَنَّهُ اعْتمد على المناولة وَاحْتج بهَا. وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهَا ويحتج بهَا، وَمَعَ هَذَا لم يكْتب بذلك، وَقد قواه بالمتابعة على مَا نذكرها عَن قريب. وَفِيه: أَن شَيْخه نيسابوري، وَعَمْرو بن أبي سَلمَة تنيسي سكن بهَا وَمَات بهَا وَأَصله من دمشق، وَالْأَوْزَاعِيّ شَامي، وَابْن شهَاب وَابْن الْمسيب مدنيان.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ نَحوه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حق الْمُسلم على الْمُسلم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (خمس يجب للْمُسلمِ على أَخِيه: رد السَّلَام وتشميت الْعَاطِس وَإجَابَة الدعْوَة وعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز) . قَالَ عبد الرَّزَّاق: كَانَ معمر يُرْسل هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ
стр. 2200
فأسنده مرّة عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، حَدثنِي يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَابْن حجر قَالُوا: حَدثنَا إِسْمَاعِيل وَهُوَ ابْن جَعْفَر عَن الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل: مَا هن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ، وَإِذا دعَاك فأجبه. وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ، فَإِذا عطس فَحَمدَ الله فشمته. وَإِذا مرض فعده، وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ) . والْعَلَاء هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (حق الْمُسلم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا اللَّفْظ أَعم من الْوَاجِب على الْكِفَايَة وعَلى الْعين، وَمن الْمَنْدُوب، وَقَالَ ابْن بطال: أَي: حق الْحُرْمَة والصحبة. وَفِي (التَّوْضِيح) : الْحق فِيهِ بِمَعْنى حق حرمته عَلَيْهِ وَجَمِيل صحبته لَهُ، لَا أَنه من الْوَاجِب، وَنَظِيره: (حق الْمُسلم أَن يغْتَسل كل جُمُعَة) . وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد من الْحق هُنَا الْوُجُوب خلافًا لقَوْل ابْن بطال. قلت: المُرَاد هُوَ الْوُجُوب على الْكِفَايَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هَذِه كلهَا من حق الْإِسْلَام، يَسْتَوِي فِيهَا جَمِيع الْمُسلمين برهم وفاجرهم، غير أَنه يخص الْبر بالبشاشة والمصافحة دون الْفَاجِر الْمظهر للفجور، وَقد مر الْكَلَام فِي بَقِيَّة الحَدِيث عَن قريب.
تابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ
أَي: تَابع عَمْرو بن أبي سَلمَة عبد الرَّزَّاق بن هما، قَالَ: أخبرنَا معمر بن رَاشد، وَهَذِه الْمُتَابَعَة ذكرهَا مُسلم، ﵀، وَقد ذَكرنَاهَا الْآن.
وَرَوَاهُ سَلَامَةُ عنْ عُقَيْلٍ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور سَلامَة، بتَخْفِيف اللَّام: ابْن خَالِد بن عقيل الْأَيْلِي توفّي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة، وَهُوَ ابْن أخي عقيل، بِضَم الْعين: إِبْنِ خَالِد بن عقيل، ذكر البُخَارِيّ أَنه سمع من عقيل بن خَالِد، وَذكر غير وَاحِد أَن حَدِيثه عَنهُ كتاب وَلم يسمع مِنْهُ، وَسُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن سَلامَة فَقَالَ: ضَعِيف مُنكر الحَدِيث.
٣ - (بابُ الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إذَا أُدْرِجَ فِي أكفَانِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الدُّخُول على الْمَيِّت إِذا أدرج أَي: إِذا لف فِي أَكْفَانه.
٢٤٢١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرَنا عَبْدُ الله قَالَ أَخْبرنِي مَعْمَرٌ ويُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَة أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْهُ قالَتْ أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حتَّى نَزَلَ فدَخَلَ المَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فتَيَمَّمَ النبيُّ ﷺ وَهْوَ مُسَجَّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فقَالَ بِأبِي أنْتَ يَا نَبِيَّ الله لَا يَجْمَعُ الله عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ الله علَيْكَ فَقَدْ مُتُّهَا. قَالَ أبُو سَلَمَةَ فَأَخْبرنِي ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ فَأبَى فَقَالَ إجْلِسْ فأبَى فتَشَهَّدَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَالَ إلَيْهِ النَّاسُ وتَرَكُوا عُمَرَ فقالَ أمَّا بَعْدُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدا فإنَّ مُحَمَّدا قَدْ ماتَ وَمَنْ كانَ يَعْبُدُ الله فَإنَّ الله حيٌّ لَا يَمُوتُ. قَالَ الله تَعَالَى وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رَسُولٌ إِلَى الشَّاكِرِينَ وَالله لَكَأنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الله أنزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إلَاّ يَتْلُوهَا.
. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، قيل: لَا نسلم الظُّهُور، لِأَن التَّرْجَمَة فِي الدُّخُول على الْمَيِّت إِذا أدرج فِي الْكَفَن، وَمتْن الحَدِيث وَهُوَ مسجى يبرد حبرَة، وَلم يكن حِينَئِذٍ غسل، فضلا عَن أَن يكون مدرجا فِي الْكَفَن. وَأجِيب: بِأَن كشف الْمَيِّت بعد تسجيته
стр. 2201
مساوٍ لحاله بعد تكفينه، وَذَلِكَ لِأَن مِنْهُم من منع عَن الِاطِّلَاع على الْمَيِّت إلَاّ الْغَاسِل، وَمن يَلِيهِ، لِأَن الْمَوْت سَبَب لتغير محَاسِن الْحَيّ، لِأَنَّهُ يكون كريها فِي المنظر، فَلذَلِك أَمر بتغميضه وتسجيته، وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى جَوَاز ذَلِك بالترجمة الْمَذْكُورَة، وَلما كَانَ حَاله بعد التسجية مثل حَاله بعد التَّكْفِين وَقع التطابق بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين، ابْن رَاشد. الرَّابِع: يُونُس ابْن يزِيد. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. السَّادِس: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ وَعبد الله مروزيان وَمعمر بَصرِي وَيُونُس أيلي وَالزهْرِيّ وَأَبُو سَلمَة مدنيان. وَفِيه: أَرْبَعَة مِنْهُم بِلَا نِسْبَة، وَوَاحِد بالكنية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن عقيل وَفِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بالسنح) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَالنُّون والحاء الْمُهْملَة، وَهُوَ منَازِل بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج، بَينهمَا وَبَين منزل رَسُول الله ﷺ ميل، وَزعم صَاحب (الْمطَالع) أَن أَبَا ذَر كَانَ يَقُوله بِإِسْكَان النُّون. قَوْله: (فتميم) ، أَي: قصد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَهُوَ مسجى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. ومسجى إسم مفعول من سجى يسجي تسجية. يُقَال: سجيت الْمَيِّت تسجية إِذا مددت عَلَيْهِ ثوبا، وَمعنى مسجىً: هُنَا مغطىً. قَوْله: (ببر حبرَة) ، بِالْوَصْفِ وَالْإِضَافَة، وَالْبرد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ نوع من الثِّيَاب مَعْرُوف، وَالْجمع: أبراد وبرود، والبردة والشملة المخططة وحبرة على وزن عنبة ثوب يماني يكون من قطن أَو كتاب مخطط، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ ثوب أَخْضَر. قَوْله: (ثمَّ أكب عَلَيْهِ) ، هَذَا اللَّفْظ من النَّوَادِر حَيْثُ هُوَ لَازم، وثلاثيه كب مُتَعَدٍّ عكس مَا هُوَ الْمَشْهُور فِي الْقَوَاعِد التصريفية. قَوْله: (فَقبله) أَي: بَين عَيْنَيْهِ وَقد ترْجم عَلَيْهِ النَّسَائِيّ وَأوردهُ صَرِيحًا حَيْثُ قَالَ: تَقْبِيل الْمَيِّت وَأَيْنَ يقبل مِنْهُ؟ قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن أَبَا بكر قبل بَين عَيْني النَّبِي ﷺ وَهُوَ ميت) . قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: أَنْت مفدىً بِأبي، فالباء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف فَيكون مَرْفُوعا لِأَنَّهُ يكون مُبْتَدأ وخبرا. وَقيل: فعل، فَيكون مَا بعده مَنْصُوبًا تَقْدِيره: فديتك بِأبي. قَوْله: (لَا يجمع الله عَلَيْك موتتين) ، قَالَ الدَّاودِيّ: لم يجمع الله عَلَيْك شدَّة بعد الْمَوْت لِأَن الله تَعَالَى قد عصمك من أهوال الْقِيَامَة. قَالَ: وَقيل: لَا يَمُوت موتَة أُخْرَى فِي قَبره كَمَا يحيى غَيره فِي الْقَبْر فَيسْأَل ثمَّ يقبض، وَقَالَ ابْن التِّين: أَرَادَ بذلك مَوته وَمَوْت شَرِيعَته، يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا) . وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ردا لمن قَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ لم يمت وسيبعث وَيقطع أَيدي رجال وأرجلهم. قيل: إِنَّه معَارض لقَوْله تَعَالَى: ﴿امتّنا اثْنَتَيْنِ واحيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ (غَافِر: ١١) . وَأجِيب: بِأَن الأولى الْخلقَة من التُّرَاب وَمن نُطْفَة لِأَنَّهُمَا موَات، وَالثَّانيَِة الَّتِي بِمَوْت الْخلق، وَإِحْدَى الحياتين فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى بعد الْمَوْت فِي الْآخِرَة. وَعَن الضَّحَّاك: أَن الأولى الْمَوْت فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانيَِة الْمَوْت فِي الْقَبْر بعد الْفِتْنَة والمسالة، وَاحْتج بِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال للنطفة وَالتُّرَاب ميت، وَإِنَّمَا الْمَيِّت من تقدّمت لَهُ حَيَاة، ورد عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة أحييناها﴾ (يس: ٣٣) . لم يتَقَدَّم لَهَا حَيَاة قطّ، وَإِنَّمَا خلقهَا الله جمادا ومواتا، وَهَذَا من سَعَة كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (الَّتِي كتب الله) أَي: قدر الله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (الَّتِي كتبت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: قدرت. قَوْله: (مِنْهَا) ، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا، من: مَاتَ يَمُوت، وَمَات يمات، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الموتة. قَوْله: (وَعمر يكلم النَّاس) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَمَا يسمع بشر) ، يسمع على صِيغَة الْمَجْهُول تَقْدِيره: مَا يسمع بشر يَتْلُو شَيْئا إلَاّ هَذِه الْآيَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ اسْتِحْبَاب تسجية الْمَيِّت. وَفِيه: جَوَاز تَقْبِيل الْمَيِّت لفعل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَأن
стр. 2202
أَبَا بكر فِي تقبيله النَّبِي ﷺ لم يَفْعَله إلَاّ قدوة بِهِ، ﵊، لما روى التِّرْمِذِيّ مصححا: (أَن رَسُول الله ﷺ دخل على عُثْمَان بن مَظْعُون وَهُوَ ميت فأكب عَلَيْهِ وَقَبله ثمَّ بَكَى حَتَّى رَأَيْت الدُّمُوع تسيل على وجنتيه وَفِي (التَّمْهِيد) لما توفّي عُثْمَان كشف النَّبِي ﷺ الثَّوْب عَن وَجهه وَبكى بكاء طَويلا وَقبل بَين عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا رفع على السرير قَالَ: طُوبَى لَك يَا عُثْمَان، لم تلبسك الدُّنْيَا وَلم تلبسها) . وَفِيه: جَوَاز الْبكاء على الْمَيِّت من غير نوح. وَفِيه: أَن الصدِّيق أعلم من عمر، وَهَذِه إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي ظهر فِيهَا ثاقب علمه، وَفضل مَعْرفَته، ورجاحة رَأْيه، وبارع فهمه، وَحسن إسراعه بِالْقُرْآنِ، وثبات نَفسه، وَكَذَلِكَ مكانته عِنْد الإمرة لَا يُسَاوِيه فِيهَا أحد إلَاّ يرى أَنه حِين تشهد بَدَأَ بالْكلَام مَال إِلَيْهِ النَّاس وَتركُوا عمر وَلم يكن ذَلِك إلَاّ لعَظيم مَنْزِلَته فِي النُّفُوس على عمر وسمو مَحَله عِنْدهم، وَقد أقرّ بذلك عمر حِين مَاتَ الصّديق، فَقَالَ: وَالله مَا أحب أَن ألْقى الله بِمثل عمل أحد إلَاّ بِمثل عمل أبي بكر، ولوددت أَنِّي شَعْرَة فِي صَدره، وَذكر الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنِّي وَالله لأمشي مَعَ عمر فِي خِلَافَته وَبِيَدِهِ الدرة وَهُوَ يحدث نَفسه وَيضْرب قدمه بدرته مَا مَعَه غَيْرِي، إِذْ قَالَ لي: يَا ابْن عَبَّاس، هَل تَدْرِي مَا حَملَنِي على مَقَالَتي الَّتِي قلت حِين مَاتَ رَسُول الله ﷺ ؟ قلت: لَا أَدْرِي وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَا حَملَنِي على ذَلِك إلَاّ قَوْله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿شَهِيدا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤١) . فوَاللَّه إِن كنت لأَظُن أَن رَسُول الله ﷺ سَيبقى فِي أمته حَتَّى يشْهد عَلَيْهَا بأجزاء أَعمالهَا. وَفِيه: حجَّة مَالك فِي قَوْله فِي الصَّحَابَة: مخطىء ومصيب فِي التَّأْوِيل. وَفِيه اهتمام عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بِأَمْر الشَّرِيعَة وَإِنَّهَا لم يشغلها ذَلِك عَن حفظهَا مَا كَانَ من أَمر النَّاس فِي ذَلِك اليوموفيه: غيبَة الصدّيق عَن وَفَاته، ﷺ ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم بالسنح، وَكَانَ متزوجا هُنَاكَ. وَفِيه: الدُّخُول على الْمَيِّت بِغَيْر اسْتِئْذَان، وَيجوز أَن يكون عِنْد عَائِشَة غَيرهَا فَصَارَ كالمحفل لَا يحْتَاج الدَّاخِل إِلَى إِذن، وَرُوِيَ أَنه اسْتَأْذن فَلَمَّا دخل أذن للنَّاس. وَفِيه: قَول أبي بكر لعمر: إجلس، فَأبى إِنَّمَا ذَلِك لما دخل عمر من الدهشة والحزن، وَقد قَالَت أم سَلمَة: مَا صدقت بِمَوْت النَّبِي ﷺ حَتَّى سَمِعت وَقع الكرازين. قَالَ الْهَرَوِيّ: هِيَ الفئوس، وَقيل: تُرِيدُ وَقع الْمساحِي تحثو التُّرَاب عَلَيْهِ، ﷺ ، وَيحْتَمل أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ظن أَن أَجله، ﷺ ، لم يَأْتِ وَأَن الله تَعَالَى منَّ على الْعباد بطول حَيَاته، وَيحْتَمل أَن يكون أنسي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك ميت﴾ (الزمر: ٠٣) . وَقَوله: ﴿وَمَا مُحَمَّد إلَاّ رَسُول﴾ إِلَى: ﴿أفائن مَاتَ﴾ (آل عمرَان: ٤٤١) . وَكَانَ يَقُول مَعَ ذَلِك: ذهب مُحَمَّد لميعاد ربه، كَمَا ذهب مُوسَى لمناجاة ربه، وَكَانَ فِي ذَلِك ردعا لِلْمُنَافِقين وَالْيَهُود حِين اجْتمع النَّاس. وَأما أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَأى إِظْهَار الْأَمر تجلدا، وَلما تَلا الْآيَة كَانَت تعزيا وتصبرا. وَفِيه: جَوَاز التفدية بِالْآبَاءِ والأمهات. وَفِيه: ترك تَقْلِيد الْمَفْضُول عِنْد وجود الْفَاضِل.
٣٤٢١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي خارِجَةُ ابنُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أنَّ أُمَّ العَلَاءِ امْرَأةً مِنَ الأنْصَارِ بايَعَتِ النبيَّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّهُ اقتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ فأنْزَلْنَاهُ فِي أبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أثْوَابِهِ دَخَلَ رسولُ الله ﷺ فَقُلْتُ رَحْمَةُ الله عليْكَ أبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لقدْ أكْرَمَكَ الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ ومَا يُدْرِيكِ أنَّ الله أكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأبِي أنْتَ يَا رسولَ الله فَمَنْ يُكْرِمُهُ الله؟ فَقَالَ أمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ وَالله إنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ وَالله مَا أدْرِي وَأنَا رسولُ الله مَا يفْعَلُ بِي قالَتْ فَوالله لَا اُزْكِي أحدا بَعْدَهُ أبَدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (دخل رَسُول الله ﷺ يَعْنِي على عُثْمَان بعد أَن غسل وكفن، وَهَذِه الْمُطَابقَة أظهر من مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: خَارِجَة اسْم فَاعل من الْخُرُوج ابْن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ، مَاتَ سنة مائَة. السَّادِس: أم الْعَلَاء بنت الْحَارِث
стр. 2203
ابْن ثَابت بن خَارِجَة الْأَنْصَارِيَّة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم جده وَأَنه وَشَيْخه مصريان وعقيلي أيلي وَابْن شهَاب وخارجة مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أم الْعَلَاء ذكر فِي (تَهْذِيب الْكَمَال) وَيُقَال: إِن أم الْعَلَاء زَوْجَة زيد بن ثَابت وَأم أَبِيه خَارِجَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هِيَ أم خَارِجَة، ثمَّ قَالَ: وَلَا يخفى أَن ذكر خَارِجَة مُبْهمَة لَا يَخْلُو عَن غَرَض أَو أغراض.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْهِجْرَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن عَبْدَانِ، وَفِي التَّعْبِير والجنائز أَيْضا عَن سعيد بن عقيل، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أم الْعَلَاء) ، مَنْصُوب بِأَن وَخَبره. قَوْله: (أخْبرته) قَوْله: (امْرَأَة من الْأَنْصَار) عطف بَيَان وَيجوز أَن يرفع على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ امْرَأَة من الْأَنْصَار. قَوْله: (بَايَعت النَّبِي ﷺ ، جملَة فِي مَحل الرّفْع أَو النصب على أَنَّهَا صفة لامْرَأَة على الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (أَنه) الضَّمِير فِيهِ للشأن. قَوْله: (اقتسم الْمُهَاجِرُونَ قرعَة) اقتسم على صِيغَة الْمَجْهُول. و: الْمُهَاجِرُونَ، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، و: قرعَة، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِقرْعَة، وَالْمعْنَى: اقتسم الْأَنْصَار الْمُهَاجِرين بِالْقُرْعَةِ فِي نزولهم عَلَيْهِم وسكناهم فِي مَنَازِلهمْ، لِأَن الْمُهَاجِرين لما دخلُوا الْمَدِينَة لم يكن مَعَهم شَيْء من أَمْوَالهم فَدَخَلُوهَا فُقَرَاء، وَكَانَ بَنو مَظْعُون ثَلَاثَة: عُثْمَان وَعبد الله وَقُدَامَة بدريون أخوال ابْن عمر. قَوْله: (فطار لنا عُثْمَان) يَعْنِي: وَقع فِي الْقرعَة فِي سهم الْأَنْصَار الَّذين أم الْعَلَاء مِنْهُم، ويروى: (فَصَارَ لنا) ، فَإِن ثبتَتْ هَذِه الرِّوَايَة فمعناها صَحِيح. قَوْله: (وَجَعه) ، نصب على الْمصدر. قَوْله: (أَبَا السَّائِب) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، منادى حذف حرف ندائه، وَالتَّقْدِير: يَا أَبَا السَّائِب، وَهُوَ كنية عُثْمَان بن مَظْعُون، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب الْقرعَة فِي المشكلات: أَن عُثْمَان بن مَظْعُون طَار لَهُ سَهْمه فِي السُّكْنَى حِين أقرعت الْأَنْصَار سُكْنى الْمُهَاجِرين. قَالَت: أم الْعَلَاء: فسكن عندنَا عُثْمَان بن مَظْعُون، فاشتكى فمرضناه حَتَّى إِذا توفّي وجعلناه فِي ثِيَابه دخل علينا رَسُول الله، ﷺ ، فَقلت: رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب. وَفِي كتاب الْهِجْرَة وَالتَّعْبِير: (قَالَت أم الْعَلَاء: فأحزنني ذَلِك فَنمت، فأوريت لَهُ عينا تجْرِي، فَجئْت رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته فَقَالَ: ذَاك عمله يجْرِي لَهُ) . قَوْله: (فشهادتي عَلَيْك) ، جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَمثل هَذَا التَّرْكِيب يسْتَعْمل عرفا وَيُرَاد بِهِ معنى الْقسم، كَأَنَّهَا قَالَت: أقسم بِاللَّه لقد أكرمك الله. قَالَ الْكرْمَانِي: (شهادتي) مُبْتَدأ، (وَعَلَيْك) صلته، وَالْقسم مُقَدّر، وَالْجُمْلَة القسمية خبر الْمُبْتَدَأ، وَتَقْدِيره: شهادتي عَلَيْك قولي وَالله لقد أكرمك الله. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: هَذِه الشَّهَادَة لَهُ لَا عَلَيْهِ؟ قلت: الْمَقْصُود مِنْهَا معنى الاستعلاء فَقَط بِدُونِ مُلَاحظَة الْمضرَّة وَالْمَنْفَعَة. قَوْله: (وَمَا يدْريك؟) بِكَسْر الْكَاف أَي: من أَيْن علمت أَن الله أكْرمه؟ أَي: عُثْمَان؟ قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: مفدى أَنْت بِأبي، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب: قَوْله: (فَمن يُكرمهُ الله) أَي: هُوَ مُؤمن خَالص مُطِيع فَإِذا لم يكن هُوَ من الْمُكرمين من عِنْد الله فَمن يُكرمهُ؟ قَوْله: (أما هُوَ) أَي: عُثْمَان وَكلمَة: أما، تَقْتَضِي القسيم، وقسميهما هُنَا مُقَدّر تَقْدِيره: وَأما غَيره فخاتمة أمره غير مَعْلُومَة، أهوَ مِمَّا يُرْجَى لَهُ الْخَيْر عِنْد الْيَقِين أَي الْمَوْت أم لَا؟ قَوْله: (وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي) كلمة: مَا، مَوْصُولَة أَو استفهامية. قَالَ الدَّاودِيّ: مَا يفعل بِي وهم، وَالصَّوَاب: مَا يفعل بِهِ، أَي: بعثمان، لِأَنَّهُ لَا يعلم من ذَلِك إِلَّا مَا يُوحى إِلَيْهِ. وَقيل: قَوْله: (مَا يفعل بِي) ، يحْتَمل أَن يكون قبل إِعْلَامه بالغفران لَهُ، أَو يكون الْمَعْنى: مَا يفعل بِي فِي أَمر الدُّنْيَا مِمَّا يصيبهم فِيهَا. فَإِن قلت: عُثْمَان هَذَا أسلم بعد ثَلَاثَة عشر رجلا، وَهَاجَر الهجرتين، وَشهد بَدْرًا، وَهُوَ أول من مَاتَ من الْمُهَاجِرين بِالْمَدِينَةِ، وَقد أخبر النَّبِي ﷺ بِأَن أهل بدر غفر الله لَهُم. قلت: قد قيل: بِأَن ذَلِك قبل أَن يخبر أَن أهل بدر من أهل الْجنَّة. فَإِن قلت: هَذَا أَيْضا يُعَارض قَوْله ﷺ فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها حَتَّى رفعتموه) . قلت: لَا تعَارض فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ ﷺ لَا ينْطق عَن الْهوى، فَأنْكر على أم الْعَلَاء قطعهَا على عُثْمَان إِذْ لم تعلم هِيَ من أمره شَيْئا. وَفِي حَدِيث جَابر، قَالَ: مَا علمه إلَاّ بطرِيق الْوَحْي إِذْ لَا يقطع على مثل هَذَا إلَاّ بِوَحْي، حَاصله أَن مَا قَالَه النَّبِي ﷺ إِخْبَار من لَا ينْطق عَن الْهوى، وَذَلِكَ كَلَام أم الْعَلَاء وليسا بالسواء.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على أَنه لَا يجْزم لأحد بِالْجنَّةِ إلَاّ مَا نَص عَلَيْهِ الشَّارِع: كالعشرة المبشرة وأمثالهم
стр. 2204
سِيمَا وَالْإِخْلَاص أَمر قلبِي لَا اطلَاع لنا عَلَيْهِ. وَفِيه: مواساة الْفُقَرَاء الَّذين لَيْسَ لَهُم مَال وَلَا منزل ببذل المَال وَإِبَاحَة الْمنزل. وَفِيه: إِبَاحَة الدُّخُول على الْمَيِّت بعد التَّكْفِين. وَفِيه: جَوَاز الْقرعَة. وَفِيه: الدُّعَاء للْمَيت.
حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ مِثْلَهُ
سعيد هَذَا هُوَ سعيد بن كثير بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا رَاء: أَبُو عُثْمَان الْمصْرِيّ، يروي عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ بِمثلِهِ، أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأخرج من هَذَا الطَّرِيق فِي التَّعْبِير على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وقالَ نافِعُ بنُ يَزيدَ عنْ عُقَيْلٍ مَا يُفْعَلُ بِهِ
أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن الْمَحْفُوظ فِي رِوَايَة اللَّيْث مَا يفعل بِهِ، وَقد مر أَنه الصَّوَاب دون مَا يفعل بِي، وأكتفي بِهَذَا الْقدر إِشَارَة إِلَى أَن بَاقِي الحَدِيث لم يخْتَلف فِيهِ، وَنَافِع بن يزِيد أَبُو يزِيد مولى شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي الْمصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَوصل الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا التَّعْلِيق عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا: حَدثنَا الْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي حَدثنَا عبد الله بن يحيى المغافري حَدثنَا نَافِع بن يزِيد عَن عقيل بِهِ.
وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ
ذكر البُخَارِيّ مُتَابعَة شُعَيْب فِي كتاب الشَّهَادَات، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي خَارِجَة ابْن زيد الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الحَدِيث، ومتابعة عَمْرو بن دِينَار وَصلهَا ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة عَنهُ، ومتابعة معمر بن رَاشد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير فِي: بَاب الْعين الْجَارِيَة: حَدثنَا عَبْدَانِ أخبرنَا عبد الله أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن أم الْعَلَاء. . إِلَى آخِره.
٤٤٢١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ المُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا قُتِلَ أبي جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عنْ وَجْهِهِ أبْكِي ويَنْهَوْنِي عَنْهُ والنبيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فاطِمةُ تَبْكِي فقالَ النبيُّ ﷺ تَبْكِينَ أوْ لَا تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جعلت أكشف الثَّوْب عَن وَجهه) ، وَالثَّوْب أَعم من أَن يكون الثَّوْب الَّذِي سجوه بِهِ أَو من الْكَفَن.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو بن يزِيد وَفِي المناقب عَن أبي كريب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما قتل أبي) ، وَكَانَ قتل أَبِيه عبد الله يَوْم أحد، وَكَانَ الْمُشْركُونَ مثلُوا بِهِ، جدعوا أَنفه وَأُذُنَيْهِ، وَكَانَت غَزْوَة أحد فِي سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة فِي شَوَّال. قَوْله: (أبْكِي) جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (وينهوني) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وينهونني) على الأَصْل. قَوْله: (عَمَّتي فَاطِمَة) ، عمَّة جَابر هِيَ شَقِيقَة أَبِيه عبد الله بن عَمْرو. قَوْله: (تبكين أَو لَا تبكين) ، كلمة: أَو، لَيست هِيَ للشَّكّ من الرَّاوِي، بل هِيَ من كَلَام الرَّسُول ﷺ للتسوية بَين الْبكاء وَعَدَمه، أَي: فوَاللَّه إِن الْمَلَائِكَة تظله سَوَاء تبكين أم لَا. وَفِي (التَّلْوِيح) فِي مَوضِع آخر: (لِمَ تبْكي) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَذَا صحت الرِّوَايَة بِلِمَ، الَّتِي للاستفهام وَفِي مُسلم: (تبْكي) بِغَيْر نون لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام لمخاطب عَن فعل غَائِبَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَو خاطبها بالاستفهام خطاب الْحَاضِرَة قَالَ: لِمَ تبكين، بالنُّون. وَفِي رِوَايَة: (تبكيه أَو لَا تبكيه) . وَهُوَ إِخْبَار عَن غَائِبَة، وَلَو كَانَ خطاب الْحَاضِرَة لقَالَ: تبكينه أَو لَا تبكينه، بنُون فعل الْوَاحِدَة الْحَاضِرَة، ثمَّ معنى هَذَا: أَن عبد الله مكرم عِنْد الْمَلَائِكَة، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (تبكين. .) إِلَى آخِره،
стр. 2205
يعزيها بذلك ويخبرها بِمَا صَار إِلَيْهِ من الْفضل. قَوْله: (حَتَّى رفعتموه) ، أَي: من مغسلة، لِأَنَّهُ نسب الْفِعْل إِلَى أَصله قَالَه الدَّاودِيّ، وإظلاله بأجنحتها لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ وتزاحمهم على الْمُبَادرَة بصعود روحه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتبشيره بِمَا أعد الله لَهُ من الْكَرَامَة، أَو أَنهم أظلوه من الْحر لِئَلَّا يتَغَيَّر أَو لِأَنَّهُ من السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إلَاّ ظله، وروى بَقِي بن مخلد (عَن جَابر: لَقِيَنِي رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: أَلا أُبَشِّرك أَن الله أَحَي أَبَاك وَكلمَة كفاحا وَمَا كلم أحدا قطّ إلَاّ من وَرَاء حجاب؟ .
وَفِيه: فَضِيلَة عَظِيمَة لم تسمع لغيره من الشُّهَدَاء فِي دَار الدُّنْيَا. وَفِيه: جَوَاز الْبكاء على الْمَيِّت كَمَا مضى، وَنهى أهل الْمَيِّت بَعضهم بَعْضًا عَن الْبكاء للرفق بالباكي.
تابَعَهُ ابنُ جُرَيْجَ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ المُنْكَدِرِ سَمِعَ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
يَعْنِي: تَابع شُعْبَة عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ذكر هَذِه الْمُتَابَعَة لينفي مَا وَقع فِي نُسْخَة ابْن ماهان فِي (صَحِيح مُسلم) عَن عبد الْكَرِيم عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن عَن جَابر جعل بدل مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، فَبين البُخَارِيّ أَن الصَّوَاب: ابْن الْمُنْكَدر، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَة، وشده بِرِوَايَة ابْن جريج، وَوصل مُسلم هَذِه الْمُتَابَعَة: حَدثنَا عبد بن حميد حَدثنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر.
وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من خَمْسَة طرق. الأول: من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر (عَن جَابر يَقُول: لما كَانَ يَوْم أحد جِيءَ بِأبي مسجى، وَقد مثل بِهِ) الحَدِيث. الثَّانِي: من طَرِيق شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. الثَّالِث: من طَرِيق ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. الرَّابِع: من طَرِيق معمر عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر. الْخَامِس: من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن جَابر، وَهَذَا فِي نُسْخَة ابْن ماهان.
٤ - (بابٌ الرَّجُلِ يَنْعَى إلَى أهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرجل ينعي إِلَى أهل الْمَيِّت، فَقَوله: بَاب، منون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَمَا قَدرنَا. وَقَوله: الرجل، مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. وَقَوله: (ينعى) ، خَبره وَمعنى: ينعى إِلَى أهل الْمَيِّت، يظْهر خبر مَوته إِلَيْهِم، يُقَال: نعاه ينعاه نعيا ونعيانا، وَهُوَ من بَاب: فعل يفعل، بِفَتْح الْعين فيهمَا، وَفِي (الْمُحكم) : النعي الدُّعَاء بِمَوْت الْمَيِّت والإشعار بِهِ. وَفِي (الصِّحَاح) : النعي خبر الْمَوْت، وَكَذَلِكَ النعي على فعيل وَفِي (الواعي) : النعي على فعيل هُوَ نِدَاء الناعي، والنعي: أَيْضا هُوَ الرجل الَّذِي ينعى، والنعي: الرجل الْمَيِّت، والنعي) الْفِعْل، وَالضَّمِير فِي: بِنَفسِهِ، يرجع إِلَى الْمَيِّت أَي: بِنَفس الْمَيِّت، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الصّفة هِيَ الْمَشْهُورَة فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِحَذْف الْبَاء فِي: بِنَفسِهِ، أَي: ينعي نفس الْمَيِّت إِلَى أَهله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ سقط ذكر الْأَهْل، وَلَيْسَ لَهَا وَجه. وَقَالَ الْمُهلب: الصَّوَاب أَن يَقُول: بَاب الرجل ينعى إِلَى النَّاس الْمَيِّت بِنَفسِهِ، وَإِلَيْهِ مَال ابْن بطال، فَقَالَ: فِي التَّرْجَمَة خلل، ومقصود البُخَارِيّ: بَاب الرجل ينعى إِلَى النَّاس الْمَيِّت بِنَفسِهِ، وَيكون الْمَيِّت نصبا مفعول: ينعى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا خلل فِيهِ لجَوَاز حذف الْمَفْعُول عِنْد الْقَرِينَة، وَقَالَ بَعضهم نصْرَة للْبُخَارِيّ: التَّعْبِير بالأهل لَا خلل فِيهِ، لِأَن مُرَاده بِهِ مَا هُوَ أَعم من الْقَرَابَة أَو أخوة الدّين، وَهُوَ أولى من التَّعْبِير بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ يخرج من لَيْسَ لَهُ بِهِ أَهْلِيَّة كالكفار. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن الْأَهْل لَا يسْتَعْمل فِي أخوة الدّين، وَقد تكلم جمَاعَة فِي هَذَا الْموضع بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة فَافْهَم.
٥٤٢١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن سَعِيدِ ابنِ المُسَيِّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي ماتَ فِيهِ خَرَجَ إلَى المُصَلَّى فصَفَّ بِهِمْ وكَبَّرَ أرْبَعا.
(٥٤٢١.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ النّظر إِلَى مُجَرّد النعي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: من كَانَ فِي الْمَدِينَة أَهلا للنجاشي حَتَّى تصح التَّرْجَمَة؟ قلت: الْمُؤْمِنُونَ أَهله من حَيْثُ أخوة الْإِسْلَام. قلت: قد ذكرنَا أَن الْأَهْل لَا يسْتَعْمل فِي أخوة الدّين أللهم إلَاّ إِذا ارْتكب الْمجَاز فِيهِ، وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد تكَرر واجدا وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أويس عبد الله الأصبحي الْمدنِي إِبْنِ أُخْت مَالك ابْن أنس، وَابْن شهَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
стр. 2206
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع مُخْتَصرا على التَّكْبِير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك، ستتهم عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نعى النَّجَاشِيّ) أَي: أخبر بِمَوْتِهِ، وَالنَّجَاشِي، بِفَتْح النُّون وَكسرهَا: كلمة للحبش تسمى بهَا مُلُوكهَا، والمتأخرون يلقبونه الأبجري. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ بالنبطية، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: هُوَ بِكَسْر النُّون، يجوز أَن يكون من نجش أوقد كَأَنَّهُ يطريه، ويوقد فِيهِ، قَالَه قطرب. وَفِي (الفصيح) : النَّجَاشِيّ، بِالْفَتْح، وَفِي (الْعلم الْمَشْهُور) لأبي الْخطاب مشدد الْيَاء، قَالُوا: وَالصَّوَاب تخفيفها، وَفِي (الْمثنى) لِابْنِ عديس: النَّجَاشِيّ، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الْمُسْتَخْرج للشَّيْء. وَفِي (سيرة ابْن إِسْحَاق) . اسْمه: أَصْحَمَة، وَمَعْنَاهُ، عَطِيَّة. وَقَالَ أَبُو الْفرج: أَصْحَمَة بن أبجري، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ: وَقع فِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) فِي هَذَا الحَدِيث تَسْمِيَته: صحمة، بِفَتْح الصَّاد وَإِسْكَان الْحَاء. قَالَ: هَكَذَا قَالَ لنا يزِيد بن هَارُون، وَإِنَّمَا هُوَ صمحة، بِتَقْدِيم الْمِيم على الْحَاء. قَالَ: وَهَذَانِ شَاذان. وَفِي (التَّلْوِيح) : أَخْبرنِي غير وَاحِد من نبلاء الْحَبَشَة أَنهم لَا ينطقون بِالْحَاء على صرافتها، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِي اسْم الْملك: أَصْمِخَة، بِتَقْدِيم الْمِيم على الْخَاء الْمُعْجَمَة. وَذكر السُّهيْلي أَن اسْم أَبِيه: يجْرِي، بِغَيْر همزَة، وَذكر مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي كِتَابه (نَوَادِر التَّفْسِير) : إسمه مَكْحُول بن صصه، وَفِي كتاب (الطَّبَقَات) لِابْنِ سعد: لما رَجَعَ رَسُول الله ﷺ من الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ أرسل النَّجَاشِيّ سنة سبع فِي الْمحرم عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي، فَأخذ كتاب النَّبِي ﷺ فَوَضعه على عَيْنَيْهِ، وَنزل عَن سَرِيره فَجَلَسَ على الأَرْض تواضعا، ثمَّ أسلم، وَكتب إِلَى النَّبِي ﷺ بذلك، وَأَنه أسلم على يَدي جَعْفَر ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة تسع منصرفة من تَبُوك. فَإِن قلت: وَقع فِي (صَحِيح مُسلم) : كتب ﷺ إِلَى النَّجَاشِيّ، وَهُوَ غير النَّجَاشِيّ الَّذِي صلى عَلَيْهِ؟ قلت: قيل: كَأَنَّهُ وهم من بعض الروَاة، أَو أَنه عبر بِبَعْض مُلُوك الْحَبَشَة عَن الْملك الْكَبِير، أَو يحمل على أَنه لما توفّي قَامَ مقَامه آخر فَكتب إِلَيْهِ. قَوْله: (خرج إِلَى الْمصلى) ، ذكر السُّهيْلي من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع أَنه ﷺ صلى عَلَيْهِ بِالبَقِيعِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: فِيهِ إِبَاحَة النعي، وَهُوَ أَن يُنَادى فِي النَّاس أَن فلَانا مَاتَ ليشهدوا جنَازَته، وَقَالَ بعض أهل الْعلم: لَا بَأْس أَن يعلم الرجل قرَابَته وإخواته، وَعَن إِبْرَاهِيم: لَا بَأْس أَن يعلم قرَابَته. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: إِعْلَام أهل الْمَيِّت وقرابته وأصدقائه استحسنه الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم، وَذكر صَاحب (الْحَاوِي) من أَصْحَابنَا وَجْهَيْن فِي اسْتِحْبَاب الْإِنْذَار بِالْمَيتِ وإشاعة مَوته بالنداء والإعلام، فاستحب ذَلِك بَعضهم للغريب والقريب لما فِيهِ من كَثْرَة الْمُصَلِّين عَلَيْهِ والداعين لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: يسْتَحبّ ذَلِك للغريب وَلَا يسْتَحبّ لغيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمُخْتَار اسْتِحْبَابه مُطلقًا إِذا كَانَ مُجَرّد إِعْلَام. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ صَاحب الْبَيَان) من أَصْحَابنَا: يكره نعي الْمَيِّت، وَهُوَ أَن يُنَادى عَلَيْهِ فِي النَّاس أَن فلَانا قد مَاتَ ليشهدوا جنَازَته، وَفِي وَجه حَكَاهُ الصيدلاني: لَا يكره. وَفِي (حلية الرَّوْيَانِيّ) من أَصْحَابنَا: الإختيار إِن يُنَادى بِهِ ليكْثر المصلون. وَقَالَ ابْن الصّباغ: قَالَ أَصْحَابنَا: يكره النداء عَلَيْهِ، وَلَا بَأْس أَن يعلم أصدقاءه، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا بَأْس بِهِ، وَنَقله الْعَبدَرِي عَن مَالك أَيْضا، وَنقل ابْن التِّين عَن مَالك كَرَاهَة الْإِنْذَار بالجنائز على أَبْوَاب الْمَسَاجِد والأسواق لِأَنَّهُ من النعي. قَالَ عَلْقَمَة بن قيس: الْإِنْذَار بالجنائز من النعي وَهُوَ من أَمر الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ النَّهْي أَيْضا عَن ابْن عمر وَأبي سعيد وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالربيع بن خَيْثَم. قلت: وَأبي وَائِل وَأبي ميسرَة وَعلي بن الْحُسَيْن وسُويد بن غَفلَة ومطرف بن عبد الله وَنصر بن عمرَان أبي جَمْرَة، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه قَالَ: إِذا مت فَلَا تؤذنوا بِي أحدا فَإِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا، وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، ينْهَى عَن النعي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وروى أَيْضا من حَدِيث عبد الله عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (إيَّاكُمْ والنعي، فَإِن النعي من أَمر الْجَاهِلِيَّة) . وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب. والمجوزون احْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَرُبمَا ورد فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي، ﷺ ، نعى للنَّاس زيدا وجعفرا. وَفِي الصَّحِيح أَيْضا
стр. 2207
قَول فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حِين توفّي النَّبِي، ﷺ ، وأبتاه، من ربه مَا أدناه، وأبتاه إِلَى جِبْرِيل ننعاه، وَفِي الصَّحِيح أَيْضا فِي قصَّة الرجل الَّذِي مَاتَ وَدفن لَيْلًا فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (أَفلا كُنْتُم آذنتموني؟) فَهَذِهِ الْأَحَادِيث دَالَّة على جَوَاز النعي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن النعي الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ نعي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ: وَكَانَت عَادَتهم إِذا مَاتَ مِنْهُم شرِيف بعثوا رَاكِبًا إِلَى الْقَبَائِل يَقُول: نعا يَا فلَان، أَو: يَا نعاء الْعَرَب، أَي: هَلَكت الْعَرَب بِهَلَاك فلَان. وَيكون مَعَ النعي ضجيج وبكاء، وَأما إِعْلَام أهل الْمَيِّت وأصدقائه وقرابته فمستحب على مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. وَاعْترض بِأَن حَدِيث النَّجَاشِيّ لم يكن نعيا، إِنَّمَا كَانَ مُجَرّد إِخْبَار بِمَوْتِهِ، فَسمى نعيا لشبهه بِهِ فِي كَونه إعلاما، وَكَذَا القَوْل فِي جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه، ورد بِأَن الأَصْل الْحَقِيقَة على أَن حَدِيث النَّجَاشِيّ أصح من حَدِيث حُذَيْفَة وَعبد الله. فَإِن قلت: قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا نعي النَّبِي، ﷺ ، النَّجَاشِيّ وَصلى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد بعض النَّاس على غير الْإِسْلَام فَأَرَادَ إعلامهم بِصِحَّة إِسْلَامه (قلت) نعيه ﷺ جعفراً وَأَصْحَابه يرد ذَلِك، وَحمل بَعضهم النَّهْي على نعي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمل على ذكر المفاخر وَشبههَا.
الْوَجْه الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يُصَلِّي على الْجِنَازَة فِي الْمَسْجِد، لِأَن النَّبِي ﷺ أخبر بِمَوْتِهِ فِي الْمَسْجِد ثمَّ خرج بِالْمُسْلِمين إِلَى الْمصلى، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، أَنه لَا يصلى على ميت فِي مَسْجِد جمَاعَة، وَبِه قَالَ مَالك وَابْن أبي ذِئْب، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر: لَا بَأْس بهَا إِذا لم يخف تلويثه، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ (أَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما توفّي أمرت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِإِدْخَال جنَازَته الْمَسْجِد حَتَّى صلى عَلَيْهَا أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، ثمَّ قَالَت: هَل عَابَ النَّاس علينا مَا فعلنَا؟ فَقيل لَهَا: نعم، فَقَالَت: مَا أسْرع مَا نسوا، مَا صلى رَسُول الله ﷺ على جَنَازَة سُهَيْل بن الْبَيْضَاء إلَاّ فِي الْمَسْجِد) . رَوَاهُ مُسلم، وَاحْتج أَصْحَابنَا من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب عَن صَالح مولى التومة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى على ميت فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَفظه: (فَلَيْسَ لَهُ شَيْء) ، وَقَالَ الْخَطِيب الْمَحْفُوظ: (فَلَا شَيْء لَهُ، وَرُوِيَ (فَلَا شَيْء عَلَيْهِ) ، وَرُوِيَ: (فَلَا أجر لَهُ) . وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رِوَايَة: فَلَا أجر لَهُ، خطأ فَاحش، وَالصَّحِيح: فَلَا شَيْء لَهُ، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِلَفْظ: (فَلَا صَلَاة لَهُ) . فَإِن قلت: روى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) هَذَا الحَدِيث وعده من مُنكرَات صَالح، ثمَّ أسْند إِلَى شُعْبَة أَنه كَانَ لَا يروي عَنهُ وَينْهى عَنهُ، وَإِلَى مَالك: لَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِثِقَة، وَإِلَى النَّسَائِيّ أَنه قَالَ فِيهِ: ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : اخْتَلَط بِآخِرهِ وَلم يتَمَيَّز حَدِيثه من قديمه فَاسْتحقَّ التّرْك، ثمَّ ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: إِنَّه بَاطِل، وَكَيف يَقُول رَسُول الله ﷺ ، وَقد صلى على سُهَيْل بن الْبَيْضَاء فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: صَالح مُخْتَلف فِي عَدَالَته، كَانَ مَالك يجرحه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة. أَحدهَا: أَنه ضَعِيف لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هَذَا حَدِيث ضَعِيف تفرد بِهِ صَالح مولى التومة وَهُوَ ضَعِيف. الثَّانِي: أَن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة من سنَن أبي دَاوُد: فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَلَا حجَّة فِيهِ. الثَّالِث: أَن اللَّام فِيهِ بِمَعْنى: على، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِن أسأتم فلهَا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧) . أَي: فعلَيْهَا، جمعا بَين الْأَحَادِيث. قلت: الْجَواب عَمَّا قَالُوهُ من وُجُوه:
الأول: أَن أَبَا دَاوُد روى بِهَذَا الحَدِيث وَسكت عَنهُ، فَهَذَا دَلِيل رِضَاهُ بِهِ، وَأَنه صَحِيح عِنْده. الثَّانِي: أَن يحيى بن معِين الَّذِي هُوَ فيصل فِي هَذَا الْبَاب قَالَ: صَالح ثِقَة إلَاّ أَنه اخْتَلَط قبل مَوته، فَمن سمع مِنْهُ قبل ذَلِك فَهُوَ ثَبت حجَّة، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط: ابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب. الثَّالِث: قَالَ ابْن عبد الْبر: مِنْهُم من يقبل عَن صَالح مَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي ذِئْب خَاصَّة. الرَّابِع: أَن غَالب مَا ذكر فِيهِ تحامل من ذَلِك قَول النَّوَوِيّ: إِن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة من سنَن أبي دَاوُد: فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يردهُ قَول الْخَطِيب الْمَحْفُوظ: (فَلَا شَيْء لَهُ) وَقَول السرُوجِي؛ وَفِي الاسرار (فَلَا صَلَاة لَهُ) وَفِي المرغيناني: (فَلَا أجر لَهُ) وَلم يذكر ذَلِك فِي كتب الحَدِيث يردهُ مَا ذَكرْنَاهُ من رِوَايَة ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (فَلَا صَلَاة لَهُ) . وَقَالَ الْخَطِيب: (فَلَا أجر لَهُ) فلعدم إطلاعه فِي هَذَا الْموضع جازف فِيهِ، وَمن تحاملهم جعل: اللَّام، بِمَعْنى: على، بالتحكم من غير دَلِيل وَلَا دَاع إِلَى ذَلِك، وَلَا سِيمَا أَن الْمجَاز عِنْدهم ضَرُورِيّ لَا يُصَار إِلَيْهِ إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة، فَلَا ضررة هَهُنَا. وَأقوى مَا يرد كَلَامه هَذَا رِوَايَة ابْن أبي شيبَة:
стр. 2208
(فَلَا صَلَاة لَهُ) ، فَلَا يُمكن لَهُ أَن يَقُول: اللَّام، بِمَعْنى: على، لفساد الْمَعْنى. الْخَامِس: أَن قَول ابْن حبَان: هَذَا بَاطِل، جرْأَة مِنْهُ على تبطيل الصَّوَاب، فَكيف يَقُول هَذَا القَوْل وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَنهُ؟ فَأَقل الْأَمر أَنه عِنْده حسن لِأَنَّهُ رَضِي بِهِ، وحاشاه من أَن يرضى بِالْبَاطِلِ. السَّادِس: مَا قَالَه الجهبذ النقاد الإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، ﵀، مُلَخصا، وَهِي أَن الرِّوَايَات لما اخْتلفت عَن رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الْبَاب يحْتَاج إِلَى الْكَشْف ليعلم الْمُتَأَخر مِنْهَا، فَيجْعَل نَاسِخا لما تقدم، فَحَدِيث عَائِشَة إِخْبَار عَن فعل رَسُول الله ﷺ فِي حَال الْإِبَاحَة الَّتِي لم يتقدمها شَيْء، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة إِخْبَار عَن نهي رَسُول الله ﷺ الَّذِي تقدمه الْإِبَاحَة، فَصَارَ نَاسِخا لحَدِيث عَائِشَة، وإنكار الصَّحَابَة عَلَيْهَا مِمَّا يُؤَكد ذَلِك. فَإِن قلت: من أَي قبيل يكون هَذَا النّسخ؟ قلت: من قبيل النّسخ بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للحظر وَالْآخر مُوجبا للْإِبَاحَة، فَفِي مثل هَذَا يتَعَيَّن الْمصير إِلَى النَّص الْمُوجب للحظر، لِأَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، والحظر طَار عَلَيْهَا، فَيكون مُتَأَخِّرًا. فَإِن قلت: فَلم لَا يَجْعَل بِالْعَكْسِ؟ قلت: لِئَلَّا يلْزم النّسخ مرَّتَيْنِ، وَهَذَا ظَاهر. فَإِن قلت: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين مُنَافَاة فَلَا تعَارض فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّوْفِيق؟ قلت: ظهر لَك صِحَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة؟ بالوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا فَثَبت التَّعَارُض (فَإِن قلت) مُسلم أخرج حَدِيث عَائِشَة وَلم يخرج حَدِيث أبي هُرَيْرَة قلت: لَا يلْزم من ترك مُسلم تَخْرِيجه عدم صِحَّته، لِأَنَّهُ لم يلْتَزم بِإِخْرَاج كل مَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَذَلِكَ البُخَارِيّ، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك وَأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا يَخْلُو من كَلَام، فَكَذَلِك حَدِيث عَائِشَة لَا يَخْلُو عَن كَلَام، لِأَن جمَاعَة من الْحفاظ مثل الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره عابوا على مُسلم تَخْرِيجه إِيَّاه مُسْندًا، لِأَن الصَّحِيح أَنه مُرْسل كَمَا رَوَاهُ مَالك والماجشون عَن أبي النَّضر عَن عَائِشَة مُرْسلا، والمرسل لَيْسَ بِحجَّة عِنْدهم. وَقد أول بعض أَصْحَابنَا حَدِيث عَائِشَة بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا صلى فِي الْمَسْجِد بِعُذْر مطر. وَقيل: بِعُذْر الِاعْتِكَاف، وعَلى كل: تَقْدِير الصَّلَاة على الْجِنَازَة خَارج الْمَسْجِد أولى وَأفضل، بل أوجب، لِلْخُرُوجِ عَن الْخلاف، لَا سِيمَا فِي بَاب الْعِبَادَات. وَلِأَن الْمَسْجِد بني لأَدَاء الصَّلَوَات المكتوبات فَيكون غَيرهَا فِي خَارج الْمَسْجِد أولى وَأفضل. فَإِن قلت: قَالُوا: خُرُوج النَّبِي، ﷺ ، من الْمَسْجِد إِلَى الْمصلى كَانَ لِكَثْرَة الْمُصَلِّين وللإعلام. قلت: نَحن أَيْضا نقُول صلَاته فِي الْمَسْجِد كَانَ للمطر أَو للاعتكاف كَمَا ذكرنَا.
الْوَجْه الثَّالِث فِيهِ: دَلِيل على أَن سنة هَذِه الصَّلَاة الصَّفّ كَسَائِر الصَّلَوَات، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مَالك بن هُبَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى عَلَيْهِ ثَلَاثَة صُفُوف فقد أوجب) ، مَعْنَاهُ: وَجَبت لَهُ الْجنَّة، أَو وَجَبت لَهُ الْمَغْفِرَة، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة الحكم بن فروخ، قَالَ: صلى بِنَا أَبُو الْمليح على حنازة فظننا أَنه كبر، فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم، وَقَالَ أَبُو الْمليح: حَدثنِي عبد الله عَن إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَهِي مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ ، قَالَت: أَخْبرنِي النَّبِي ﷺ ، قَالَ: مَا من ميت يُصَلِّي عَلَيْهِ أمة من النَّاس إلَاّ شفعوا فِيهِ، فَسَأَلت أَبَا الْمليح عَن الْأمة، قَالَ: أَرْبَعُونَ.
الْوَجْه الرَّابِع فِيهِ: حجَّة لمن جوز الصَّلَاة على الْغَائِب، وَمِنْهُم الشَّافِعِي وَأحمد. قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن كَانَ الْمَيِّت فِي الْبَلَد فَالْمَذْهَب أَنه لَا يجوز أَن يصلى عَلَيْهِ حَتَّى يحضر عِنْده، وَقيل: يجوز، وَفِي الرَّافِعِيّ: يَنْبَغِي أَن لَا يكون بَين الإِمَام وَالْمَيِّت أَكثر من مِائَتي ذِرَاع، أَو ثلثمِائة تَقْرِيبًا.
فرع: عِنْدهم: لَو صلى على الْأَمْوَات الَّذين مَاتُوا فِي قَرْيَة وغسلوا فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، وَلَا يعرف عَددهمْ، جَازَ. قَالَه فِي (الْبَحْر) . قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : وَهُوَ صَحِيح، لَكِن لَا يخْتَص بِبَلَد، وَقَالَ الْخطابِيّ: النَّجَاشِيّ رجل مُسلم قد آمن برَسُول الله ﷺ وَصدقه على ثُبُوته إلَاّ أَنه كَانَ يكتم إيمَانه، وَالْمُسلم إِذا مَاتَ وَجب على الْمُسلمين أَن يصلوا عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه كَانَ بَين ظهراني أهل الْكفْر وَلم يكن بِحَضْرَتِهِ من يقوم بِحقِّهِ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، فَلَزِمَ رَسُول الله ﷺ ، أَن يفعل ذَلِك، إِذْ هُوَ نبيه ووليه وأحق النَّاس بِهِ، فَهَذَا وَالله أعلم هُوَ السَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهِ بِظهْر الْغَيْب، فعلى هَذَا إِذا مَاتَ الْمُسلم بِبَلَد من الْبلدَانِ وَقد قضى حَقه من الصَّلَاة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يصلى عَلَيْهِ من كَانَ بِبَلَد آخر غَائِبا عَنهُ، فَإِن علم أَنه لم يصل عَلَيْهِ لعائق أَو مَانع عذر كَانَ السّنة
стр. 2209
أَن يصلى عَلَيْهِ وَلَا يتْرك ذَلِك لبعد الْمسَافَة، فَإِذا صلوا عَلَيْهِ استقبلوا الْقبْلَة وَلم يتوجهوا إِلَى بلد الْمَيِّت إِن كَانَ فِي غير جِهَة الْقبْلَة، وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى كَرَاهَة الصَّلَاة على الْمَيِّت الْغَائِب، وَزَعَمُوا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْفِعْل، إِذْ كَانَ فِي حكم الْمشَاهد للنجاشي لما رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار أَنه قد سويت لَهُ الأَرْض حَتَّى يبصر مَكَانَهُ، وَهَذَا تَأْوِيل فَاسد، لِأَن رَسُول الله، ﷺ ، إِذا فعل شَيْئا من أَفعَال الشَّرِيعَة كَانَ علينا اتِّبَاعه والأيتساء بِهِ، والتخصيص لَا يعلم إلَاّ بِدَلِيل، وَمِمَّا يبين ذَلِك أَنه، ﷺ ، خرج بِالنَّاسِ إِلَى الصَّلَاة، فَصف بهم وصلوا مَعَه، فَعلم أَن هَذَا التَّأْوِيل فَاسد. قلت: هَذَا التشنيع كُله على الْحَنَفِيَّة من غير تَوْجِيه وَلَا تَحْقِيق، فَنَقُول: مَا يظْهر لَك فِيهِ دفع كَلَامه، وَهُوَ أَن النَّبِي، ﷺ ، رفع سَرِيره فَرَآهُ، فَتكون الصَّلَاة عَلَيْهِ كميت رَآهُ الإِمَام وَلَا يرَاهُ الْمَأْمُوم. فَإِن قلت: هَذَا يحْتَاج إِلَى نقل يُبينهُ، وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال. قلت: ورد مَا يدل على ذَلِك، فروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: إِن أَخَاكُم النَّجَاشِيّ توفّي، فَقومُوا صلوا عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُول الله، ﷺ ، وصفوا خَلفه فَكبر أَرْبعا وهم يظنون أَن جنَازَته بَين يَدَيْهِ، وَجَوَاب آخر: أَنه من بَاب الضَّرُورَة، لِأَنَّهُ مَاتَ بِأَرْض لم تقم فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَة الصَّلَاة، فَتعين فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ لعدم من يُصَلِّي عَلَيْهِ ثمَّة، وَيدل على ذَلِك أَن النَّبِي، ﷺ ، لم يصل على غَائِب غَيره، وَقد مَاتَ من الصَّحَابَة خلق كثير وهم غائبون عَنهُ، وَسمع بهم فَلم يصل عَلَيْهِم إلَاّ غَائِبا وَاحِدًا ورد أَنه طويت لَهُ الأَرْض حَتَّى حَضَره وَهُوَ: مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ، روى حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) وَكتاب (مُسْند الشاميين) : حَدثنَا عَليّ بن سعيد الرَّازِيّ حَدثنَا نوح بن عُمَيْر بن حوى السكْسكِي حَدثنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد الْأَلْهَانِي (عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بتبوك فَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل، ﵊، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، أَتُحِبُّ أَن تطوى لَك الأَرْض فَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، فَضرب بجناحه على الأَرْض وَرفع لَهُ سَرِيره فصلى عَلَيْهِ وَخَلفه صفان من الْمَلَائِكَة، فِي كل صف سَبْعُونَ ألف ملك، ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ النَّبِي ﷺ لجبريل، ﵊: بِمَ أدْرك هَذَا؟ قَالَ: بحبه سُورَة: قل هُوَ الله أحد، وقراءته إِيَّاهَا جاثيا وذاهبا وَقَائِمًا وَقَاعِدا وعَلى كل حَال) . انْتهى. فَإِن قلت: قد صلى على اثْنَيْنِ أَيْضا وهما غائبان وهما زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب، ورد عَنهُ أَنه كشف لَهُ عَنْهُمَا أخرجه الْوَاقِدِيّ فِي كتاب (الْمَغَازِي) فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن صَالح عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة، وحَدثني عبد الْجَبَّار بن عمَارَة عَن عبد الله بن أبي بكر، قَالَا: لما التقى النَّاس بمؤتة جلس رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر وكشف لَهُ مَا بَينه وَبَين الشَّام، فَهُوَ ينظر إِلَى معتركهم، فَقَالَ ﷺ : أَخذ الرَّايَة زيد بن حَارِثَة فَمضى حَتَّى اسْتشْهد، وَصلى عَلَيْهِ ودعا لَهُ: وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ وَقد دخل الْجنَّة وَهُوَ يسْعَى ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فَمضى حَتَّى اسْتشْهد، فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ودعا لَهُ، وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ وَقد دخل الْجنَّة، فَهُوَ يطير فِيهَا بجناحيه حَيْثُ شَاءَ. قلت: هُوَ مُرْسل من الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين، والمرسل لَيْسَ بِحجَّة، على أَنهم يَقُولُونَ: فِي الْوَاقِدِيّ مقَال، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) فِي معرض التحامل: وَمن ادّعى أَن الأَرْض طويت لَهُ حَتَّى شَاهده لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَإِن كَانَت الْقُدْرَة صَالِحَة لذَلِك. قلت: كَأَنَّهُ لم يطلع على مَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَوَقع فِي كَلَام ابْن بطال تَخْصِيص ذَلِك بالنجاشي، فَقَالَ: بِدَلِيل إطباق الْأمة على ترك الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَلم أجد لأحد من الْعلمَاء إجَازَة الصَّلَاة على الْغَائِب إلَاّ مَا ذكره ابْن زيد عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا استؤذن أَنه غرق أَو قتل أَو أكله السبَاع وَلم يُوجد مِنْهُ شَيْء صلى عَلَيْهِ، كَمَا فعل بالنجاشي، وَبِه قَالَ ابْن حبيب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَكثر أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن ذَلِك مَخْصُوص بِهِ، وَأَجَازَهُ بَعضهم إِذا كَانَ فِي يَوْم الْمَوْت أَو قريب مِنْهُ، وَفِي (المُصَنّف) عَن الْحسن إِنَّمَا دَعَا لَهُ وَلم يصل.
الْوَجْه الْخَامِس: فِي أَن التَّكْبِير على الْجِنَازَة أَرْبَعَة، وَصرح بذلك فِي الحَدِيث وَهُوَ آخر مَا اسْتَقر عَلَيْهِ أمره ﷺ ، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: يكبر خمْسا، وَإِلَيْهِ ذهب الشِّيعَة. وَقيل: ثَلَاثًا، قَالَه بعض الْمُتَقَدِّمين، وَقيل: أَكْثَره سبع وَأقله ثَلَاث، ذكره القَاضِي أَبُو مُحَمَّد، وَقيل: سِتّ، ذكره ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن أَحْمد: لَا ينقص من أَربع وَلَا يُزَاد على سبع. وَقَالَ ابْن
стр. 2210
مَسْعُود: يكبر مَا كبر إِمَامه، وروى مُسلم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى. قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يكبر على جنائزنا خمْسا، فَسَأَلته، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يكبرها، وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، وَقَالَ: ذهب قوم إِلَى أَن التَّكْبِير على الْجَنَائِز خمس، وَأخذُوا بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَعِيسَى مولى حُذَيْفَة وَأَصْحَاب معَاذ بن جبل وَأَبا يُوسُف من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَإِلَيْهِ ذهبت الظَّاهِرِيَّة والشيعة. وَفِي (الْمَبْسُوط) وَهِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف، وَقَالَ الْحَازِمِي: وَمِمَّنْ رأى التَّكْبِير على الْجِنَازَة خمْسا ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان. وَقَالَ فرقة: يكبر سبعا، رُوِيَ ذَلِك عَن ذَر بن حُبَيْش. وَقَالَ فرقة: يكبر ثَلَاثًا روى ذَلِك عَن أنس وَجَابِر بن زيد، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ. قلت: أَرَادَ بهم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وسُويد بن غَفلَة وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبا مجلز لَاحق بن حميد، ويحكى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَزيد بن ثَابت وَجَابِر وَابْن أبي أوفى وَالْحسن بن عَليّ والبراء بن عَازِب، وَأبي هُرَيْرَة وَعقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلم يذكر التَّسْلِيم هُنَا فِي حَدِيث النَّجَاشِيّ. وَذكر فِي حَدِيث سعيد ابْن الْمسيب رِوَايَة ابْن حبيب عَن مطرف عَن مَالك، وَاسْتَغْرَبَهُ ابْن عبد الْبر، قَالَ: إِلَّا أَنه لَا خلاف عَلمته بَين الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ من الْفُقَهَاء فِي السَّلَام، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا: هَل هِيَ وَاحِدَة أَو اثْنَتَانِ؟ فالجمهور على تَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَت طَائِفَة: تسليمتان، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ، وَرِوَايَة عَن إِبْرَاهِيم، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ وَاحِدَة: عمر وَابْنه عبد الله وَعلي وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَأنس وَابْن أبي أوفى وواثلة وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَجَابِر بن زيد وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَمَكْحُول وَإِبْرَاهِيم فِي رِوَايَة. وَقَالَ الْحَاكِم: صحت الرِّوَايَة فِي الْوَاحِدَة عَن عَليّ وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن أبي أوفى أَنهم كَانُوا يسلمُونَ تَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَسَأَلَ أَشهب مَالِكًا: أتكره السَّلَام فِي صَلَاة الْجَنَائِز؟ قَالَ: لَا، وَقد كَانَ ابْن عمر يسلم. قَالَ: فاستناد مَالك إِلَى فعل ابْن عمر دَلِيل على أَنه ﷺ لم يسلم فِي صلَاته على النَّجَاشِيّ وَلَا على غَيره.
٦٤٢١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلَالٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ أخَذَ الرَّايةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا عَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فأُصِيبَ وَإنَّ عَيْنَيْ رسولِ الله ﷺ لَتَذْرِفَانِ ثُمَّ أخَذَهَا خالِدُ بنُ الوَلِيدِ منْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله ﷺ (أَخذ الرَّايَة زيد. .) إِلَى آخِره نعى مِنْهُ إِلَيْهِم، لِأَنَّهُ أخبر بموتهم. غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه صرح بالنعي فِي الحَدِيث السَّابِق وَهَهُنَا ذكره بِالْمَعْنَى، وَصرح بالنعي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة حَيْثُ قَالَ: (إِن النَّبِي ﷺ نعى زيدا وجعفرا. .) الحَدِيث.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن يُوسُف بن يَعْقُوب وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم فرقهما، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي فضل خَالِد وَفِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد بن وَاقد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَخذ الرَّايَة زيد) ، وقصته فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَهِي مَوضِع فِي أَرض البلقاء من أَطْرَاف الشَّام، وَذَلِكَ أَنه ﷺ أرسل سَرِيَّة فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة، وَقَالَ: إِن أُصِيب زيد فجعفر ابْن أبي طَالب على النَّاس، فَإِن أُصِيب جَعْفَر فعبد الله بن رَوَاحَة على النَّاس، فَخَرجُوا وهم ثَلَاثَة آلَاف فتلاقوا مَعَ الْكفَّار فَاقْتَتلُوا فَقتل زيد بن حَارِثَة ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فقاتل بهَا حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فقاتل بهَا حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَفتح الله على يَدَيْهِ. وَعَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ نعى زيدا
следующие страницы →