Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وَفِي الْوَصَايَا عَن أبي نعيم، وَفِي النَّفَقَات عَن مُحَمَّد بن كثير، وَفِي الْوَصَايَا أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم عَن زَكَرِيَّا بن عدي، وَفِي الطِّبّ أَيْضا عَن مكي بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن يحيى بن يحيى وَعَن قُتَيْبَة وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عُثْمَان وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْوَصَايَا أَيْضا عَن هِشَام بن عمار وَالْحسن بن أبي الْحسن الْمروزِي وَسَهل بن أبي سهل الرَّازِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعودنِي) من العيادة وَهِي الزِّيَارَة. وَلَا يُقَال ذَلِك إلَاّ لزيارة الْمَرِيض. قَوْله: (عَام حجَّة الْوَدَاع) ، نصب على الظّرْف، وَهِي السّنة الْعَاشِرَة من الْهِجْرَة، وَسميت حجَّة الْوَدَاع لِأَنَّهُ ودعهم فِيهَا. وَسمي أَيْضا الْبَلَاغ، لِأَنَّهُ قَالَ: هَل بلغت؟ وَحجَّة الْإِسْلَام: لِأَنَّهَا الْحجَّة الَّتِي فِيهَا حج الْإِسْلَام لَيْسَ فِيهَا مُشْرك، هَذَا قَول الزُّهْرِيّ. وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: كَانَ ذَلِك يَوْم فتح مَكَّة حِين عَاد، ﷺ ، سَعْدا. وَهُوَ من أَفْرَاده. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: خَالف سُفْيَان الْجَمَاعَة، فَقَالَ: عَام الْفَتْح، وَالصَّحِيح فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (من وجع) ، الوجع اسْم لكل مرض. قَالَ الْجَوْهَرِي: الوجع الْمَرَض، وَالْجمع: أوجاع ووجاع، مثل جبل وأجبال وجبال، ووجع فلَان يوجع وييجع ويأجع فَهُوَ وجع، وَقوم وجعون ووجعى، مثل: مرضى ووجاعى، وَنسَاء وجاعى أَيْضا ووجعات، وَبَنُو أَسد يَقُولُونَ: ييجع، بِكَسْر الْيَاء. قَوْله: (اشْتَدَّ بِي) أَي: قوي عَليّ. قَوْله: (قد بلغ بِي) أَي: بلغ أثر الوجع فِي، وَوصل غَايَته وَفِي رِوَايَة: (أشفيت مِنْهُ على الْمَوْت) أَي: قاربت، وَلَا يُقَال: أشفى، إلَاّ فِي الشَّرّ، بِخِلَاف أشرف، وقارب. قَوْله: (وَلَا ترثني إلَاّ ابْنة) اسْمهَا: عَائِشَة، كَذَا ذكرهَا الْخَطِيب وَغَيره، وَلَيْسَت بِالَّتِي روى عَنْهَا مَالك، تيك أُخْت هَذِه، وَهِي تابعية وَعَائِشَة لَهَا صُحْبَة، وَكَانَ قد زعم بعض من لَا علم عِنْده أَن مَالِكًا تَابِعِيّ بروايته عَنْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِك. وَقَوله: (إلَاّ ابْنة لي) أَي: من الْوَلَد وخواص الْوَرَثَة، وإلَاّ فقد كَانَ لَهُ عصبَة. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي من أَصْحَاب الْفُرُوض سواهَا. وَقيل: من النِّسَاء، وَهَذَا قَالَه قبل أَن يُولد لَهُ الذُّكُور. قَوْله: (أفأتصدق بِثُلثي مَالِي؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ مُنجزا أَو مُعَلّقا، بِمَا بعد الْمَوْت، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ تَأتي (أفأوصى) يدل: (أفأتصدق؟) . قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تَتَصَدَّق بالثلثين. قَوْله: (فَقلت: بالشطر؟) أَي: اتصدق بالشطر. أَي: بِالنِّصْفِ؟ بِدَلِيل رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ تَأتي: (فأوصي بِالنِّصْفِ) ويروى: (فَالشَّطْر؟) بِالْفَاءِ وَرفع الشّطْر. فَإِن قلت: بِمَاذَا ارْتِفَاع: فَالشَّطْر؟ قلت: مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مَحْذُوف، تَقْدِيره: فَالشَّطْر أَتصدق بِهِ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: الثُّلُث، وَالثلث) يجوز فِي الثُّلُث الأول النصب وَالرَّفْع، فالنصب على الإغراء أَو على تَقْدِير: أعْط الثُّلُث وَالرَّفْع، على أَنه فَاعل، أَي: يَكْفِيك الثُّلُث، أَو على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَو عَكسه. وَالثلث الثَّانِي: مُبْتَدأ، و: كثير، خَبره، وَهُوَ: بالثاء الْمُثَلَّثَة وَقَوله: كَبِير، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (إِنَّك إِن تذر) أَي: إِن تتْرك، وَهَذَا من الَّذِي أميت ماضيه. قَالَ عِيَاض: روينَاهُ بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: سمعناه من رُوَاة الحَدِيث بِكَسْر: إِن، وَقَالَ لنا عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ: إِنَّمَا هُوَ بِفَتْح الْألف، وَلَا يجوز الْكسر، لِأَنَّهُ لَا جَوَاب لَهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: روايتنا بِفَتْح الْهمزَة، وَقد وهم من كسرهَا بَين أَن جعلهَا شرطا لَا جَوَاب لَهُ، أَو يبْقى خَبرا إِلَّا رَافع لَهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يَصح كسرهَا لِأَنَّهَا تكون شَرْطِيَّة، وَالشّرط لما يسْتَقْبل وَهُوَ فقد كَانَ فَاتَ. انْتهى. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ مَا قَالَه ابْن مَالك: إِن الأَصْل: إِن تركت وَرثتك أَغْنِيَاء فَهُوَ خير لَك، فَحذف الْفَاء، والمبتدأ وَنَظِيره قَوْله ﷺ لأبي بن كَعْب: (فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وإلَاّ فاستمتع بهَا) . وَقَوله: لهِلَال بن أُميَّة: (الْبَيِّنَة وإلَاّ حدٌّ فِي ظهرك) ، وَذَلِكَ مِمَّا زعم النحويون أَنه مَخْصُوص بِالضَّرُورَةِ، وَلَيْسَ مَخْصُوصًا بهَا، بل يكثر اسْتِعْمَاله فِي الشّعْر ويقل فِي غَيره. وَمن خص هَذَا الْحَذف بالشعر حاد عَن الطَّرِيق وضيق حَيْثُ لَا تضييق. قَوْله: (عَالَة) أَي: فُقَرَاء، وَقَالَ ابْن التِّين: العالة، جمع عائل، وَقيل: العائل الْكثير الْعِيَال، حَكَاهُ الْكسَائي وَلَيْسَ بِمَعْرُوف، بل العائل الْفَقِير. وَقيل: العيل والعالة الْفقر. قَوْله: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) أَي: يطْلبُونَ الصَّدَقَة من أكف النَّاس وَقيل: يَسْأَلُونَهُمْ بأكفهم. قَوْله: (وَإنَّك لن تنْفق) عطف على قَوْله: (إِنَّك إِن تذر) ، وَهُوَ عِلّة للنَّهْي عَن الْوَصِيَّة بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، كَأَنَّهُ قيل: لَا تفعل لِأَنَّك إِن مت وَتَذَر وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تذرهم فُقَرَاء فَإِن عِشْت تَصَدَّقت بِمَا بَقِي من الثُّلُث وأنفقت على عِيَالك يكن خير لَك. قَوْله: (إلَاّ أجرت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بِتِلْكَ النَّفَقَة. قَوْله: (حَتَّى مَا تجْعَل)
стр. 2277
أَي: الَّذِي تَجْعَلهُ. قَالَ ابْن بطال: تجْعَل، بِرَفْع اللَّام، و: مَا، كَافَّة كفت: حَتَّى عَن عَملهَا. قَوْله: (فِي فِي امْرَأَتك) أَي: فِي فَم امْرَأَتك، وأصل فَم: فوه، لِأَن الْجمع: أَفْوَاه، وَعند الْإِفْرَاد لَا يحْتَمل الْوَاو التَّنْوِين فحذفوها وعوضوا من الْهَاء ميما، وَقَالُوا: هَذَا فَم وفمان وفموان، وَلَو كَانَ الْمِيم عوضا من الْوَاو لما اجْتمعَا. قَوْله: (أخلف) على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي أخلف فِي مَكَّة بعد أَصْحَابِي الْمُهَاجِرين المنصرفين مَعَك؟ قَالَ أَبُو عمر: يحْتَمل أَن يكون لما سمع النَّبِي ﷺ يَقُول: إِنَّك لن تنْفق نَفَقَة، وتنفق فعل مُسْتَقْبل، أَيقَن أَنه لَا يَمُوت من مَرضه ذَلِك. أَو أَظن ذَلِك فاستفهمه: هَل يبْقى بعد أَصْحَابه؟ فَأَجَابَهُ ﷺ بِضَرْب من قَوْله: (لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله) . وَهُوَ قَوْله: (إِنَّك لن تخلف فتعمل عملا صَالحا إلَاّ ازددت بِهِ رفْعَة ودرجة) ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا الِاسْتِفْهَام إِنَّمَا صدر من سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَخَافَة الْمقَام بِمَكَّة إِلَى الْوَفَاة، فَيكون قادحا فِي هجرته، كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي بعض الرِّوَايَات، إِذْ قَالَ: (خشيت أَن أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرت مِنْهَا) . فَأَجَابَهُ ﷺ بِأَن ذَلِك لَا يكون وَإنَّهُ يطول عمره وَقَالَ عِيَاض كَانَ حكم الْهِجْرَة بَاقِيا بعد الْفَتْح بِهَذَا الحَدِيث وَقيل إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لمن هَاجر قبل الْفَتْح، فَأَما من هَاجر بعده فَلَا. قَوْله: (إلَاّ ازددت بِهِ) أَي: بِالْعَمَلِ الصَّالح. قَوْله: (ثمَّ لَعَلَّك أَن تخلف) المُرَاد بتخلفه طول عمره، وَكَانَ كَذَلِك عَاشَ زِيَادَة على أَرْبَعِينَ سنة، فَانْتَفع بِهِ قوم وتضرر بِهِ آخَرُونَ. وَقَالَ ابْن بطال: لما أَمر سعد على الْعرَاق أَتَى بِقوم ارْتَدُّوا فاستتابهم فَتَابَ بَعضهم وأصر بَعضهم فَقَتلهُمْ، فَانْتَفع بِهِ من تَابَ وتضرر بِهِ الْآخرُونَ، وَحكى الطَّحَاوِيّ هَذَا عَن بكير بن الْأَشَج عَن أَبِيه عَن عَامر أَنه سَأَلَهُ عَن معنى قَول النَّبِي ﷺ ذَلِك القَوْل، وَأَن الْمُرْتَدين كَانُوا يسجعون سجعة مُسَيْلمَة، قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَمثل هَذَا لم يقلهُ عَامر استنباطا، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيف إِمَّا أَن يكون سَمعه من أَبِيه أَو مِمَّن يصلح لَهُ أَخذ ذَلِك عَنهُ، وَاعْلَم أَن كلمة: لَعَلَّ، مَعْنَاهَا للترجي إلَاّ إِذا وَردت عَن الله أَو رَسُوله أَو أوليائه، فَإِن مَعْنَاهَا التَّحْقِيق. قَوْله: (اللَّهُمَّ أمض) بِقطع الْهمزَة، يُقَال: أمضيت الْأَمر أَي أنفذته أَي: تممها لَهُم وَلَا تنقصها عَلَيْهِم فيرجعون إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (وَلَا تردهم على أَعْقَابهم) أَي: بترك هجرتهم ورجوعهم عَن مُسْتَقِيم حالم المرضية، فيخيب قصدهم ويسوء حَالهم. وَيُقَال لكل من رَجَعَ إِلَى حَال دون مَا كَانَ عَلَيْهِ: رَجَعَ على عقبه، وحار. وَمِنْه الحَدِيث: (أعوذ بك من الْحور بعد الكور) ، أَي من النُّقْصَان بعد الزِّيَادَة. قَوْله: (لَكِن البائس) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أثر الْبُؤْس. أَي: الْفقر والعيلة، وَقَالَ الْأصيلِيّ: البائس الَّذِي ناله الْبُؤْس، وَقد يكون بِمَعْنى مفعول، كَقَوْلِه: ﴿عيشة راضية﴾ (الحاقة: ١٢، القارعة: ٧) . أَي: مرضية. قَوْله: (سعد بن خَوْلَة) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر لقَوْله: (البائس) ، وَعَامة المؤرخين يَقُولُونَ: ابْن خَوْلَة، إلَاّ أَبَا معشر، فَإِنَّهُ يَقُول: ابْن خولى، وَقَالَ ابْن التِّين: خَوْلَة، سَاكِنة الْوَاو عِنْد أهل اللُّغَة والعربية، وَكَذَا رَوَاهُ بَعضهم. وَقل الشَّيْخ أَبُو الْحسن: مَا سمعنَا قطّ أحدا قَرَأَهُ إِلَّا بِفَتْحِهَا، والمحدثون على ذَلِك، قيل: إِنَّه أسلم وَلم يُهَاجر من مَكَّة حَتَّى مَاتَ بهَا، وَذكره البُخَارِيّ فِيمَن هَاجر وَشهد بَدْرًا وَغَيرهَا، وَتُوفِّي بِمَكَّة فِي حجَّة الْوَدَاع كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (يرثي لَهُ) أَي: يرق لَهُ ويترحم عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (إِن مَاتَ) ، بِفَتْح الْهمزَة أَي: لِأَنَّهُ مَاتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجر مِنْهَا، وَهَذَا كَلَام سعد ابْن أبي وَقاص، صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي كتاب الدَّعْوَات. وَقَالَ ابْن بطال: وَأما: (يرثي لَهُ ﷺ فَهُوَ من كَلَام الزُّهْرِيّ، وَهُوَ تَفْسِير لقَوْله ﷺ : (لَكِن البائس سعد بن خَوْلَة) ، أَي: رثي لَهُ حِين مَاتَ بِمَكَّة، وَكَانَ يهوى أَن يَمُوت بغَيْرهَا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ أَبُو عمر: هَذَا حَدِيث اتّفق أهل الْعلم على صِحَة سَنَده، وَجعله جُمْهُور الْفُقَهَاء أصلا فِي مِقْدَار الْوَصِيَّة وَأَنه لَا يتَجَاوَز بهَا الثُّلُث، إلَاّ أَن فِي بعض أَلْفَاظه اخْتِلَافا عِنْد نقلته، فَمن ذَلِك ابْن عُيَيْنَة، قَالَ فِيهِ عَن الزُّهْرِيّ: عَام الْفَتْح، انْفَرد بذلك عَن ابْن شهَاب فِيمَا علمت، وَقد روينَا هَذَا الحَدِيث من طَرِيق معمر وَيُونُس بن يزِيد وَعبد الْعَزِيز ابْن أبي سَلمَة وَيحيى ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ وَابْن أبي عَتيق وَإِبْرَاهِيم بن سعد، فكلهم قَالَ: عَن ابْن شهَاب: عَام حجَّة الْوَدَاع، كَمَا قَالَ مَالك، وَكَذَلِكَ قَالَ شُعَيْب، قَالَ ابْن الْمُنْذر: الَّذين قَالُوا: حجَّة الْوَدَاع، أصوب. قَالَ أَبُو عمر: وَكَذَا رَوَاهُ عَفَّان بن مُسلم عَن وهيب بن خَالِد عَن عبد الله بن عُثْمَان عَن عمرٍ وبن القاريء (أَن رَسُول الله ﷺ قدم مَكَّة عَام الْفَتْح فخلف سَعْدا مَرِيضا حَتَّى خرج إِلَى جَنِين، فَلَمَّا قدم من الْجِعِرَّانَة مُعْتَمِرًا دخل عَلَيْهِ وَهُوَ وجع مغلوب، فَقَالَ سعد: يَا رَسُول الله إِن لي مَالا ... .) الحَدِيث، وَالْعَمَل على هَذَا الحَدِيث أَن أهل الْعلم لَا يرَوْنَ أَن يُوصي الرجل بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، ويستحبون أَن ينقص من الثُّلُث. وَقَالَ الثَّوْريّ: كَانُوا يستحبون فِي الْوَصِيَّة الْخمس بعد الرّبع، وَالرّبع دون الثُّلُث، فَمن أوصى بِالثُّلثِ فَلم يتْرك شَيْئا، فَلَا يجوز لَهُ إلَاّ الثُّلُث، وَأجْمع عُلَمَاء الْمُسلمين
стр. 2278
على أَنه لَا يجوز لأحد أَن يُوصي بِأَكْثَرَ من ثلثه إِذا ترك وَرَثَة من بَنِينَ وعصبة، وَاخْتلفُوا إِذا لم يتركهما وَلَا وَارِثا بِنسَب أَو نِكَاح، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ لَهُ أَن يُوصي بِمَالِه كُله، وَعَن أبي مُوسَى مثله، وَقَالَ بقولهمَا قوم، مِنْهُم: مَسْرُوق وَعبيدَة وَإِسْحَاق، وَاخْتلف فِي ذَلِك قَول أَحْمد، وَذهب إِلَيْهِ جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين مِمَّن لَا يَقُول بقول زيد بن ثَابت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَعَن عُبَيْدَة: إِذا مَاتَ الرجل وَلَيْسَ عَلَيْهِ عقد لأحد وَلَا عصبَة تَرثه فَإِنَّهُ يُوصي بِمَالِه كُله حَيْثُ شَاءَ. وَعَن مَسْرُوق وَشريك، مثله. وَعَن الْحسن وَأبي الْعَالِيَة مثله، ذكره فِي (المُصَنّف) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأحمد وَإِسْحَاق وَمَالك فِي أحد قوليهما. وَقَالَ زيد بن ثَابت: لَا يجوز لأحد إِن يُوصي بِأَكْثَرَ من ثلثه إِذا كَانَ لَهُ بنُون أَو وَرَثَة كَلَالَة أَو ورث جمَاعَة الْمُسلمين، لِأَن بَيت مَا لَهُم عصبَة من لَا عصبَة لَهُ، وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة. وَأجْمع فُقَهَاء الْأَمْصَار أَن الْوَصِيَّة بِأَكْثَرَ من الثُّلُث إِذا أجازها الْوَرَثَة جَازَت، وَإِن لم تجزها الْوَرَثَة لم يجز مِنْهَا إلَاّ الثُّلُث. وأبى ذَلِك أهل الظَّاهِر فمنعوها وَإِن أجازتها الْوَرَثَة، وَهُوَ قَول عبد الرَّحْمَن بن كيسَان، وَكَذَلِكَ قَالُوا: إِن الْوَصِيَّة للْوَارِث لَا تجوز، وَإِن أجازها الْوَرَثَة لحَدِيث: (لَا وَصِيَّة لوَارث) ، وَسَائِر الْفُقَهَاء يجيزون ذَلِك إِذا أجازها الْوَرَثَة، ويجعلونها هبة. وَفِي الحَدِيث دلَالَة على أَن الثُّلُث هُوَ الْغَايَة تَنْتَهِي إِلَيْهَا الْوَصِيَّة، وَإِن التَّقْصِير عَنهُ أفضل.
وَكره جمَاعَة من أهل الْعلم الْوَصِيَّة بِجَمِيعِ الثُّلُث. قَالَ طَاوُوس: إِذا كَانَت ورثته قَلِيلا وَمَاله كثيرا فَلَا بَأْس إِن يبلغ الثُّلُث، وَاسْتحبَّ طَائِفَة الْوَصِيَّة بِالربعِ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ إِسْحَاق: السّنة الرّبع، لقَوْله ﷺ : (الثُّلُث كثير) إلَاّ أَن يكون رجل يعرف فِي مَاله شُبْهَة، فَيجوز لَهُ الثُّلُث. قَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم لإسحاق حجَّة فِي قَوْله: السّنة الرّبع، وَقَالَ ابْن بطال: أوصى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالربعِ. وَاخْتَارَ آخَرُونَ السُّدس، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يوصوا بِمثل نصيب أحد الْوَرَثَة حَتَّى يكون أقل، رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح، وَكَانَ السُّدس أحب إِلَيْهِ من الثُّلُث. وَأوصى أنس، فِيمَا ذكره فِي (المُصَنّف) من حَدِيث عبَادَة الصيدلاني عَن ثَابت عَنهُ، بِمثل نصيب أحد وَلَده، وَأَجَازَ آخَرُونَ الْعشْر، وَعَن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه يفضل الْوَصِيَّة بالخمس، وَبِذَلِك أوصى، وَقَالَ: رضيت لنَفْسي مَا رَضِي الله لنَفسِهِ: يَعْنِي خمس الْغَنِيمَة.
وَاسْتحبَّ جمَاعَة الْوَصِيَّة بِالثُّلثِ محتجين بِحَدِيث الْبَاب، وَبِحَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ ابْن وهب عَن طَلْحَة بن عَمْرو، وَتفرد بِذكرِهِ مَعَ ضعفه عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : (جعل الله لكم فِي الْوَصِيَّة ثلث أَمْوَالكُم زِيَادَة فِي أَعمالكُم) . وَفِيه جَوَاز ذكر الْمَرِيض مَا يجده لغَرَض صَحِيح من مداواة أَو دُعَاء أَو وَصِيَّة أَو نَحْو ذَلِك، وَإِنَّمَا يكره من ذَلِك مَا كَانَ على سَبِيل التسخط وَنَحْوه، فَإِنَّهُ قَادِح فِي أجر مَرضه.
وَفِيه: فِي قَوْله: (أفأتصدق مَالِي كُله؟) فِي رِوَايَة إِن صحت حجَّة قَاطِعَة لما ذهب إِلَيْهِ جُمْهُور أهل الْعلم فِي هبات الْمَرِيض وصدقته وعتقه، أَن ذَلِك من ثلثه لَا من جَمِيع مَاله، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَعَامة أهل الحَدِيث والرأي، محتجين بِحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فِي الَّذِي اعْتِقْ سِتَّة أعبد، فِي مَرضه وَلَا مَال لَهُ غَيرهم، ثمَّ توفّي فَأعتق رَسُول الله ﷺ مِنْهُم اثْنَيْنِ وأرق أَرْبَعَة، وَقَالَت فرقة من أهل النّظر وَأهل الظَّاهِر، فِي هبة الْمَرِيض؛ إِنَّهَا من جَمِيع المَال، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا القَوْل لَا نعلم أحدا من الْمُتَقَدِّمين قَالَ بِهِ، وَقَالَ أَبُو عمر: قد قَالَ بعض أهل الْعلم إِن عَامر بن سعد هُوَ الَّذِي قَالَ فِي حَدِيث سعد: (أفأتصدق) وَأما مُصعب بن سعد فَإِنَّمَا قَالَ: أفأوصي، وَلم يقل: أفأتصدق، قَالَ أَبُو عَمْرو: الَّذِي أقوله أَن ابْن شهَاب رَوَاهُ عَن سعد، فَقَالَ: أفأوصي؟ كَمَا قَالَ مُصعب وَهُوَ الصَّحِيح إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد روى شُعْبَة وَالثَّوْري عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن عَامر عَن سعد: أفأوصي بِمَالي كُله؟ وَكَذَا روى عبد الْملك بن عُمَيْر عَن مُصعب.
وَفِيه: اسْتِحْبَاب عِيَادَة الْمَرِيض للْإِمَام وَغَيره. إِبَاحَة جمع المَال وَأَنه لَا عيب فِي ذَلِك كَمَا يَدعِيهِ بعض المتصوفة. وَفِيه: الْحَث على صلَة الرَّحِم وَالْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب واستحباب الْإِنْفَاق فِي وُجُوه الْخَيْر، وَأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَأَن الْمُبَاح إِذا قصد بِهِ وَجه الله صَار طَاعَة، ويثاب بِهِ، وَقد نبه عَلَيْهِ بِأَحْسَن الحظوظ الدُّنْيَوِيَّة الَّتِي تكون فِي الْعَادة عِنْد المداعبة، وَهُوَ وضع اللُّقْمَة فِي فَم الزَّوْجَة، فَإِذا قصد بأبعد الْأَشْيَاء عَن الطَّاعَة وَجه الله تَعَالَى فَيحصل بِهِ الْأجر، فَغَيره بِالطَّرِيقِ الأولى. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص ذكر الزَّوْجَة دون غَيرهَا؟ قلت: لِأَن زَوْجَة الْإِنْسَان من أخص حظوظه الدُّنْيَوِيَّة وشهواته. وَفِيه: من أَعْلَام نبوته، ﷺ ، حَيْثُ أطلعه الله تَعَالَى: أَن سَعْدا لَا يَمُوت حَتَّى يخلف جمَاعَة، كَمَا أطلعه أَنه لَا يَمُوت حَتَّى ينْتَفع بِهِ قوم ويتضرر بِهِ آخَرُونَ، على مَا ذَكرْنَاهُ، حَتَّى إِنَّه عَاشَ وَفتح الْعرَاق
стр. 2279
وَغَيره. وَفِيه: أَن الْإِنْفَاق إِنَّمَا يحصل فِيهِ الْأجر إِذا أُرِيد بِهِ وَجه الله، وَالنَّفقَة على الْعِيَال تحْتَمل وَجْهَيْن. الأول: أَن يكون الْمَعْنى يكْتب لَهُ بذلك أجر الصَّدَقَة. الثَّانِي: أَنه لما أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِمَالِه أخبرهُ أَن مَا يَنَالهُ الْعِيَال فِيهِ أجر كَمَا فِي الصَّدَقَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُفِيد منطوقه أَن الْأجر فِي النَّفَقَات لَا يحصل إلَاّ بِقصد الْقرْبَة، وَإِن كَانَت وَاجِبَة، وَمَفْهُومه أَن من لم يقْصد الْقرْبَة لم يُؤجر على شَيْء مِنْهَا، والمعنيان صَحِيحَانِ، وَهل إِذا أنْفق نَفَقَة وَاجِبَة على الزَّوْجَة أَو الْوَلَد الْفَقِير، وَلم يقْصد التَّقَرُّب هَل تَبرأ ذمَّته أم لَا؟ فَالْجَوَاب أَنَّهَا تَبرأ ذمَّته من الْمُطَالبَة، لِأَن وجوب النَّفَقَة من الْعِبَادَات المعقولة الْمَعْنى، فتجزىء بِغَيْر نِيَّة: كالديون وَأَدَاء الْأَمَانَات وَغَيرهَا من الْعِبَادَات، لَكِن إِذا لم ينْو لم يحصل لَهُ أجر. وَفِيه: فَضِيلَة طول الْعُمر، للازدياد من الْخَيْر. وَفِيه: وجوب اسْتِدَامَة حكم الْهِجْرَة، وَلكنه ارْتَفع يَوْم الْفَتْح، واستبعد القَاضِي عِيَاض ارْتِفَاع حكم الْهِجْرَة بعد الْفَتْح، قَالَ: وَحكمه بَاقٍ بعد الْفَتْح لهَذَا الحَدِيث. وَقيل: إِنَّمَا لزم الْمُهَاجِرين الْمقَام بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة لنصرة النَّبِي ﷺ وَأخذ الشَّرِيعَة عَنهُ وَشبه ذَلِك، فَلَمَّا مَاتَ ارتحل أَكْثَرهم مِنْهَا. وَقَالَ عِيَاض: قيل لَا يحبط أجر هِجْرَة المُهَاجر بَقَاؤُهُ بِمَكَّة وَمَوته بهَا إِذا كَانَ لضَرُورَة، وَإِنَّمَا يحبطه مَا كَانَ بِالِاخْتِيَارِ، وَقَالَ قوم: المُهَاجر بِمَكَّة تحبط هجرته كَيفَ مَا كَانَ، وَقيل: لم تفرض الْهِجْرَة إلَاّ على أهل مَكَّة خَاصَّة. وَفِيه: أَن طلب الْغَنِيّ للْوَرَثَة أرجح على تَركهم عَالَة، وَمن هُنَا أَخذ تَرْجِيح الْغَنِيّ على الْفَقِير. وَفِيه: جَوَاز تَخْصِيص عُمُوم الْوَصِيَّة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن بِالسِّنِّ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَالله أعلم.
٧٣ - (بابُ مَا يُنْهى مِنَ الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى من الْحلق، وَكلمَة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة.
٦٩٢١ - قالَ الحَكَمُ بنُ مُوسى احدَّثنا يَحْيى بنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ جابِرٍ أنَّ القَاسِمَ بنَ مخَيْمِرَةَ حدَّثَهُ. قَالَ حدَّثني أبُو بُرْدَةَ بنُ مُوسى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ وَجِعَ أبُو مُوسى وَجَعا فَغُشِيَ عليهِ وَرَأسُهُ فِي حجْرِ امْرَأةٍ مِنْ أهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئا فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ أَنا بَرِىءٌ مِمَّنْ بَرِيءٌ مِنْهُ رسولُ الله ﷺ إنَّ رسولَ الله ﷺ بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقةِ وَالحالِقَةِ والشَّاقَّةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والحالقة) ، وَإِنَّمَا خص الْحلق بِالذكر، وَإِن كَانَ حَدِيث الْبَاب مُشْتَمِلًا على ثَلَاثَة أَشْيَاء لكَونه أبشعها فِي حق النِّسَاء.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الحكم، بِفتْحَتَيْنِ: ابْن مُوسَى أَبُو صَالح الْقَنْطَرِي، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون النُّون الزَّاهِد، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن حَمْزَة أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي دمشق، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن جَابر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر الْأَزْدِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة. الرَّابِع: الْقَاسِم بن مخيمرة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: أَبُو عُرْوَة. الْخَامِس: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه: عَامر. وَقيل: الْحَارِث. السَّادِس: أَبوهُ، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: أَنه صدر الحَدِيث بقوله: قَالَ الحكم، بِدُونِ التحديث أَو الْإِخْبَار، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: حَدثنَا الحكم، قَالَ بَعضهم: هُوَ وهم فَإِن الَّذين جمعُوا رجال البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) أطبقوا على ترك ذكره فِي شُيُوخه، فَدلَّ على أَن الصَّوَاب رِوَايَة الْجَمَاعَة بِصِيغَة التَّعْلِيق. قلت: قيل: روى عَنهُ وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أبي الْوَقْت وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ذكر الحكم وَالقَاسِم ابْن مخيمرة فِيمَن خرج لَهما البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا لم يسْندهُ البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَا يخرج للقاسم بن مخيمرة، وَزعم بَعضهم أَنه لَا يخرج للْحكم أَيْضا إلَاّ هَكَذَا غير مُحْتَج بهما. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع لِأَن فِي بعض النّسخ: قَالَ، وَقَالَ الحكم: أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ الحكم. وَفِيه: أَن الحكم بغدادي وَيحيى بن حَمْزَة شَامي بيتلهي من أهل بَيت لهيا، قَرْيَة بِالْقربِ من دمشق، كَانَ قَاضِيا بِدِمَشْق، وَعبد الرَّحْمَن أَيْضا شَامي، وَالقَاسِم كُوفِي سكن الشَّام وَأَبُو بردة كُوفِي. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب، وَفِيه: من هُوَ مَذْكُور باسم جده. وَفِيه: من هُوَ مَذْكُور بكنيته، مُخْتَلف فِي اسْمه.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي كتاب الْإِيمَان فَقَالَ:
стр. 2280
حَدثنَا الحكم بن مُوسَى الْقَنْطَرِي، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن حَمْزَة عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر أَن الْقَاسِم بن مخيمرة حَدِيثه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بردة بن أبي مُوسَى الحَدِيث، وَكَذَا وَصله ابْن حبَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: أخبرنَا أَبُو يعلى حَدثنَا الحكم. . إِلَى آخِره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وجع أَبُو مُوسَى) ، بِكَسْر الْجِيم، أَي: مرض. قَوْله: (وجعا) ، بِفَتْح الْجِيم أَيْضا مصدر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، ويروى: (وجعا شَدِيدا) . قَوْله: (فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ) ، ويروى (فَغشيَ عَلَيْهِ) . قَوْله: (وَرَأسه فِي حجر امْرَأَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَالْحجر، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جمعه حجور. وَفِي (الْمُحكم) : حجره وحجره: حضنه، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (أُغمي على أبي مُوسَى وَأَقْبَلت امْرَأَته أم عبد الله تصيح برنة. .) وَذكر فِي كتاب النَّسَائِيّ إمرأة أبي مُوسَى هِيَ: أم عبد الله بنت أبي دومة، وَذكر عمر بن شبة فِي (تَارِيخ الْبَصْرَة) أَن اسْمهَا: صَفِيَّة بنت دمون، وَأَنَّهَا وَالِدَة أبي بردة بن مُوسَى، وَأَن ذَلِك وَقع حَيْثُ كَانَ أَبُو مُوسَى أَمِيرا على الْبَصْرَة من قبل عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (إِنِّي بَرِيء) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَنا بَرِيء) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (مِمَّن بَرِيء مِنْهُ مُحَمَّد) ، ويروى: (مِمَّن بَرِيء مِنْهُ رَسُول الله ﷺ وأصل الْبَرَاءَة: الِانْفِصَال، وَهُوَ يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ ظَاهره، وَهُوَ الْبَرَاءَة من فَاعل ذَلِك الْفِعْل، وَقَالَ الْمُهلب بَرِيء مِنْهُ، أَي: أَنه لم يرض بِفِعْلِهِ فَهُوَ مِنْهُ بَرِيء فِي وَقت ذَلِك الْفِعْل، لَا أَنه بَرِيء من الْإِسْلَام. قَوْله: (من الصالقة) ، الصالقة والسالقة لُغَتَانِ هِيَ الَّتِي ترفع صَوتهَا عِنْد الْمُصِيبَة. وَفِي (الْمُحكم) : الصلقة والصلق والصلق: الصياح، والولولة، وَقد صلقوا وأصلقوا، وَصَوت صلاق ومصلاق شَدِيد. وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: الصلق ضرب الْوَجْه. قَوْله: (والحالقة) الَّتِي: تحلق شعرهَا. قَوْله: (والشاقة) الَّتِي: تشق ثِيَابهَا عِنْد الْمُصِيبَة. وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق أبي صَخْرَة: (أَنا بَرِيء مِمَّن حلق وسلق وخرق) . أَي: حلق شعره، وسلق صَوته، أَي: رَفعه، وخرق ثَوْبه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: النّدب والنياحة وَلَطم الخد وشق الجيب وخمش الْوَجْه وَنشر الشّعْر وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور، كلهَا محرم بِاتِّفَاق الْأَصْحَاب، وَوَقع فِي كَلَام بَعضهم لفظ الْكَرَاهَة؟ قلت: هَذِه كلهَا حرَام عندنَا، وَالَّذِي يذكرهُ بِالْكَرَاهَةِ فمراده كَرَاهَة التَّحْرِيم.
٨٣ - (بابٌ لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: لَيْسَ منا من ضرب الخدود.
٧٩٢١ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ضرب الخدود) ، وَحَدِيث الْبَاب مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَترْجم هُنَا بالجزء الأول، كَمَا ترْجم فِي الْبَاب الَّذِي قبله ببابين بالجزء الثَّانِي من هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ وَجهه. وَقد أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٩٣ - (بابُ مَا يُنْهى مِنَ الوَيْلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي من الويل، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة، وَالْوَيْل أَن يَقُول عِنْد الْمُصِيبَة: وَا ويلاه، هَذِه التَّرْجَمَة مَعَ حَدِيثهَا لَيست بموجوده عِنْد الْكشميهني، وَثبتت عِنْد البَاقِينَ.
٨٩٢١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَيْسَ مِنَّا منْ ضَرَبَ الخُدُودَ وشَقَّ الجُيُوبَ ودَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ.
стр. 2281
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة) ، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت أخرج هَذَا الحَدِيث فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَترْجم فِي كل مَوضِع بِجُزْء من أَجزَاء الحَدِيث الْمَذْكُور الثَّلَاثَة مَعَ مُغَايرَة فِي السَّنَد، لِأَن شَيْخه فِي الأول: أَبُو نعيم، وَفِي الثَّانِي: مُحَمَّد بن بشار، وَفِي الثَّالِث: عمر بن حَفْص، وَالْكل عَن عبد الله بن مَسْعُود. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر النَّهْي من الويل؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة مستلزمة للويل، وَلَفظ: لَيْسَ منا، للنَّهْي. وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه، فَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد ابْن مَاجَه، وَصَححهُ ابْن حبَان: (إِن رَسُول الله ﷺ لعن الخامشة وَجههَا والشاقة جيبها والداعية بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور) . انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الْأَوْجه لِأَن ذكر التَّرْجَمَة لحَدِيث لَيْسَ بمذكور فِي كِتَابه وَلَا يعرف أَيْضا هَل هُوَ اطلع عَلَيْهِ أم لَا بعيد عَن السداد.
٠٤ - (بابُ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من جلس. كلمة: من، مَوْصُولَة، أَي: الَّذِي جلس عِنْد حُلُول الْمُصِيبَة. قَوْله: (يعرف) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أسْند إِلَى قَوْله: (الْحزن) ، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (جلس) ، وَالضَّمِير الَّذِي فِي: (فِيهِ) يرجع إِلَى قَوْله: (من) وَلم يُصَرح البُخَارِيّ بِحكم هَذِه الْمَسْأَلَة، وَلَكِن يفهم من فعله ﷺ لِأَن إِظْهَار الْحزن يدل على إِبَاحَته وَلَا يمْنَع من ذَلِك إلَاّ إِذا كَانَ مَعَه شَيْء من اللِّسَان أَو الْيَد.
٩٩٢١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى. قَالَ أخبرَتْنِي عَمْرَةُ قالَتْ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا جاءَ النبيُّ ﷺ قَتْلُ ابنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ وَأنَا أنْظُرُ مِنْ صائِرِ البَابِ شَقِّ البَابِ فأتَاهُ رَجُلٌ فقالَ إنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فأمَرَهُ أنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ انْهَهُنَّ فأتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ وَالله غَلَبْنَنَا يَا رسولَ الله فَزَعمَتْ أنَّهُ قَالَ فاحْثُ فِي أفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ فَقُلْتُ أرْغَمَ الله أنْفَكَ لَمْ تَفْعَلْ مَا أمَرَكَ رسولُ الله ﷺ ولَمْ تَترُكْ رسولَ الله ﷺ مِنَ العَنَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جلس يعرف فِيهِ الْحزن) ، والترجمة قِطْعَة من الحَدِيث، غير أَنه زَاد فِيهِ: (عِنْد الْمُصِيبَة) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن ابْن أبي عَمْرو وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن أبي الطَّاهِر عَن ابْن وهب وَعَن أَحْمد ابْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن ابْن وهب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما جَاءَ النَّبِي) انتصاب: النَّبِي، بِأَنَّهُ مفعول. وَقَوله: (قتل ابْن حَارِثَة) بِالرَّفْع فَاعله، وَابْن حَارِثَة: هُوَ زيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل بن كَعْب بن عبد الْعزي بن امرىء الْقَيْس الْكَلْبِيّ الْقُضَاعِي، مولى رَسُول الله ﷺ ، وَذَلِكَ أَن أمه ذهبت تزور أَهلهَا فَأَغَارَ عَلَيْهِم خيل من بني الْقَيْس، فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة بنت خويلد فَوَهَبته من رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ وُجد أَبوهُ فَاخْتَارَ الْمقَام عِنْد رَسُول الله ﷺ فَأعْتقهُ وتبناه فَكَانَ يُقَال: زيد بن مُحَمَّد، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُحِبهُ حبا شَدِيدا. وَقَالَ السُّهيْلي: باعوا زيدا بسوق حُبَاشَة، وَهُوَ من أسواق الْعَرَب، وَزيد يَوْمئِذٍ ابْن ثَمَانِيَة أَعْوَام وَأعْتقهُ رَسُول الله ﷺ وزوجه مولاته أم أَيمن وَاسْمهَا بركَة، فَولدت لَهُ أُسَامَة بن زيد، وَعَن عَائِشَة كَانَت تَقول: مَا بعث رَسُول الله ﷺ زيد بن حَارِثَة فِي سَرِيَّة إلَاّ أمره عَلَيْهِم، وَلَو بَقِي بعده لاستخلفه. رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ، وَابْن أبي شيبَة: جيد قوي على شَرط الصَّحِيح وَهُوَ غَرِيب جدا. قَوْله: (وجعفر) ، هُوَ ابْن أبي طَالب عَم النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ أكبر من أَخِيه عَليّ بِعشر سِنِين، أسلم جَعْفَر قَدِيما وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة وَقد أخبر عَنهُ رَسُول الله ﷺ بِأَنَّهُ شَهِيد، فَهُوَ مِمَّن
стр. 2282
يقطع لَهُ بِالْجنَّةِ. قَوْله: (وَابْن رَوَاحَة) ، هُوَ عبد الله بن رَوَاحَة بن ثَعْلَبَة بن امريء الْقَيْس بن عمر، وَأَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال أَبُو رَوَاحَة، أسلم قَدِيما وَشهد الْعقبَة وبدرا وأحدا وَالْخَنْدَق وَالْحُدَيْبِيَة وخيبر، وَقد شهد لَهُ رَسُول الله، ﷺ ، بِالشَّهَادَةِ فَهُوَ مِمَّن يقطع لَهُ بِالْجنَّةِ، وقصة قَتلهمْ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، أرسلهم فِي نَحْو من ثَلَاثَة آلَاف إِلَى أَرض البلقاء من أَطْرَاف الشَّام فِي جماد الأولى من سنة ثَمَان، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيدا وَقَالَ: إِن أُصِيب زيد فجعفر على النَّاس، فَإِن أُصِيب جَعْفَر فعبد الله بن رَوَاحَة على النَّاس، فَخَرجُوا وَخرج رَسُول الله، ﷺ ، يشيعهم فَمَضَوْا حَتَّى نزلُوا معَان من أَرض البلقاء، فَبَلغهُمْ أَن هِرقل قد نزل مآب من أَرض البلقاء فِي مائَة ألف من الرّوم، وانضم إِلَيْهِم من لخم وجذام والقين وبهراء ويلي مائَة ألف، وانحاز الْمُسلمُونَ إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا: مُؤْتَة، بِضَم الْمِيم وبالهمز، وَقيل: بِلَا همز، ثمَّ تلاقوا فَاقْتَتلُوا، فقاتل زيد براية رَسُول الله ﷺ حَتَّى قتل، فَأَخذهَا جَعْفَر فقاتل حَتَّى قتل، وَأَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة. قَالَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن رَسُول الله ﷺ نعي الثَّلَاثَة وَعَيناهُ تَذْرِفَانِ، ثمَّ قَالَ: أَخذ الرَّايَة سيف من سيوف الله تَعَالَى حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم، وَهُوَ خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن خَالِد: لقد انْقَطَعت فِي يَدي يَوْم مُؤْتَة تِسْعَة أسياق فَمَا بَقِي فِي يَدي إلَاّ صفيحة يَمَانِية، وَسَيَجِيءُ ذَلِك كُله فِي الْكتاب، وَجَمِيع من قتل من الْمُسلمين يَوْمئِذٍ اثْنَي عشر رجلا، وَهَذَا أَمر عَظِيم جدا أَن يُقَاتل جيشان متعاديان فِي الدّين أَحدهمَا الفئة الَّتِي تقَاتل فِي سَبِيل الله تَعَالَى عدتهَا ثَلَاثَة آلَاف، وَأُخْرَى كَافِرَة عدتهَا مِائَتَا ألف مائَة ألف من الرّوم وَمِائَة ألف من نَصَارَى الْعَرَب. قَوْله: (جلس) جَوَاب: لما، وَزَاد أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته: (جلس فِي الْمَسْجِد) . قَوْله: (يعرف فِيهِ الْحزن) جملَة حَالية. قَالَ الطَّيِّبِيّ: كَأَنَّهُ كظم الْحزن كظما فَظهر مِنْهُ مَا لَا بُد لجبلة البشرية مِنْهُ. قَوْله: (وَأَنا أنظر) ، جملَة حَالية أَيْضا، وقائلها عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (من صائر الْبَاب) ، بالصَّاد الْمُهْملَة والهمزة بعد الْألف وَفِي آخِره رَاء، وَقد فسره فِي الحَدِيث بقوله: (شقّ الْبَاب) ، وَهُوَ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة أَي: الْموضع الَّذِي ينظر مِنْهُ، وَلم يرد بِكَسْر الشين أَي: النَّاحِيَة لِأَنَّهَا لَيست بمرادة هُنَا، قَالَه ابْن التِّين. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِفَتْح الشين وَكسرهَا. وَقَالَ الْمَازِني: كَذَا وَقع فِي (الصَّحِيحَيْنِ) هُنَا: صائر الْبَاب، وَالصَّوَاب: صيراي، بِكَسْر الصَّاد وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الشق. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ والخطابي: صائر وصير بِمَعْنى وَاحِد. فَإِن قلت: هَذَا التَّفْسِير مِمَّن؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون من عَائِشَة، وَيحْتَمل أَن يكون مِمَّن بعْدهَا، وَلَكِن الظَّاهِر هُوَ الأول. قَوْله: (فَأَتَاهُ رجل) أَي: أَتَى النَّبِي ﷺ رجل، وَلم يُوقف على اسْمه، وَيحْتَمل أَن عَائِشَة لم تصرح باسمه لانحرافها عَلَيْهِ. قَوْله: (إِن نسَاء جَعْفَر) أَي: امْرَأَته أَسمَاء بنت عُمَيْس الخثعمية وَمن حضر عِنْدهَا من أقاربها وأقارب جَعْفَر، وَخبر: إِن، مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن نسَاء جَعْفَر يبْكين، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وَقد حذفت رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا خبر: إِن، من القَوْل المحكي عَن جَعْفَر بِدلَالَة الْحَال، يَعْنِي قَالَ ذَلِك الرجل: إِن نسَاء جَعْفَر فعلن كَذَا وَكَذَا، مِمَّا حظره الشَّرْع من الْبكاء الشنيع والنياحة الفظيعة إِلَى غير ذَلِك. قَوْله: (وَذكر بكاءهن) ، حَال من الْمُسْتَتر فِي: قَالَ. قَوْله: (لم يطعنه) حِكَايَة لِمَعْنى قَول الرجل أَي: فَذهب ونهاهن ثمَّ أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: نَهَيْتُهُنَّ فَلم يطعنني، يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الْمرة الثَّالِثَة: (وَالله غلبننا) ، قَوْله: (ثمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة لم يطعنه) أَي: أَتَى النَّبِي، ﷺ ، الْمرة الثَّانِيَة فَقَالَ: إنَّهُنَّ لم يطعنه. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي عوَانَة: فَذكر أَنَّهُنَّ لم يطعنه. قَوْله: (الثَّالِثَة) أَي: الْمرة الثَّالِثَة. قَوْله: (وَالله غلبننا) بِلَفْظ جمع الْمُؤَنَّث الغائبة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (غلبتنا) ، بِلَفْظ الْمُفْرد الْمُؤَنَّث الغائبة. قَوْله: (فَزَعَمت) أَي: عَائِشَة، وَهُوَ مقول عمْرَة، وَمعنى: زعمت: قَالَت. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: أَي ظَنَنْت قلت: الزَّعْم يُطلق على القَوْل الْمُحَقق وعَلى الْكَذِب والمشكوك فِيهِ، وَينزل فِي كل مَوضِع على مَا يَلِيق بِهِ قَوْله: (فأحث) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة، أَمر من: حثا يحثو، وبكسرها أَيْضا من حثى يحثي. قَوْله: (التُّرَاب) مفعول: (أحث) ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى تَأتي: (من التُّرَاب) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا يدل على أَنَّهُنَّ رفعن أصواتهن بالبكاء، فَلَمَّا لم ينتهين أمره أَن يسد أفواههن بِالتُّرَابِ، وَخص الأفواه بذلك لِأَنَّهَا مَحل النوح. انْتهى. وَقَالَ عِيَاض: هُوَ بِمَعْنى التَّعْجِيز، أَي: أَنَّهُنَّ لَا يسكتن إلَاّ بسد أفواههن، وَلَا تسدها إلَاّ بِأَن تملأ بِالتُّرَابِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَنَّهُنَّ لم يطعن الناهي لكَونه لم يُصَرح لَهُنَّ بِأَن النَّبِي ﷺ نهاهن، فحملن ذَلِك على أَنه مرشد إِلَى الْمصلحَة من قبل نَفسه، أَو علِمْنَ لَكِن غلب عَلَيْهِنَّ شدَّة الْحزن لحرارة الْمُصِيبَة. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه حسن، وَهُوَ اللَّائِق فِي حق الصحابيات، لِأَنَّهُ يبعد أَن يتمادين بعد تكْرَار نهيهن على محرم، وَيُقَال
стр. 2283
إِن كَانَ بكاؤهن مُجَردا يكون النَّهْي عَنهُ للتنزيه خشيَة أَن يسترسلن فِيهِ فيفضي بِهن إِلَى الْأَمر الْمحرم لضعف صبرهن، وَلَا يكون النَّهْي للتَّحْرِيم، فَلِذَا أصررن عَلَيْهِ متأولات. وَقيل: كَانَ بكاؤهن بنياح وَلذَا تَأَكد النَّهْي، وَلَو كَانَ مُجَرّد دمع الْعين لم ينْه عَنهُ لِأَنَّهُ رَحْمَة وَلَيْسَ بِحرَام. قلت: إِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكر يحمل حالهن على أَن الرجل لم يسند النَّهْي إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَلهَذَا لم يطعنه. قَوْله: (فَقلت) ، مقول عَائِشَة. قَوْله: (أرْغم الله أَنْفك) بالراء والغين الْمُعْجَمَة أَي: ألصق الله أَنْفك بالرغام، بِفَتْح الرَّاء، وَهُوَ التُّرَاب. دعت عَلَيْهِ حَيْثُ لم يفعل مَا أمره رَسُول الله ﷺ بِهِ، وَهُوَ أَن ينهاهن وَحَيْثُ لم يتْركهُ على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْحزن بإخبارك ببكائهن وإصررهن عَلَيْهِ وتكرارك ذَلِك. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هُوَ فعل مَا أمره بِهِ ولكنهن لم يطعنه؟ قلت: حَيْثُ لم يَتَرَتَّب على فعله الِامْتِثَال، فَكَأَنَّهُ لم يَفْعَله، أَو هُوَ لم يفعل الحثو. وَقَالَ بَعضهم: لَفْظَة: لم يعبر بهَا عَن الْمَاضِي، وَقَوْلها ذَلِك وَقع قبل أَن يتَوَجَّه، فَمن أَيْن علمت أَنه لم يفعل؟ فَالظَّاهِر أَنَّهَا قَامَت عِنْدهَا قرينَة بِأَنَّهُ لَا يفعل، فعبرت عَنهُ بِلَفْظ الْمَاضِي مُبَالغَة فِي نفي ذَلِك عَنهُ. انْتهى. قلت: لَا يُقَال: لَفْظَة: لم، يعبر بهَا عَن الْمَاضِي، وَإِنَّمَا يُقَال: حرف: لم، حرف جزم لنفي الْمُضَارع، وَقَلبه مَاضِيا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَه أهل الْعَرَبيَّة. وَقَوله: فعبرت عَنهُ بِلَفْظ الْمَاضِي، لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ غير مَاض بل هُوَ مضارع وَلَكِن صَار مَعْنَاهُ معنى الْمَاضِي بِدُخُول: لم، عَلَيْهِ. قَوْله: (من العناء) ، بِفَتْح الْعين المهمة بعْدهَا النُّون وبالمد وَهُوَ: الْمَشَقَّة والتعب. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (من العي) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. قيل: وَقع فِي رِوَايَة العذري من الغي، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: ضد الرشد. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَلَا وَجه لَهُ هُنَا، ورد عَلَيْهِ بِأَن لَهُ وَجها، وَلَكِن الأول أليق لموافقته لرِوَايَة العناء الَّتِي هِيَ رِوَايَة الْأَكْثَرين ﴿وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أَنَّك قَاصِر لَا تقوم بِمَا أمرت بِهِ، من الْإِنْكَار لنقصك وتقصيرك وَلَا تخبر النَّبِي ﷺ بقصورك عَن ذَلِك حَتَّى يُرْسل غَيْرك فيستريح من العناء.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الْجُلُوس للعزاء بسكينة ووقار. وَفِيه: الْحَث على الصَّبْر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِن قَالَ الْقَائِل: إِن أَحْوَال النَّاس فِي الصَّبْر مُتَفَاوِتَة فَمنهمْ من يظْهر حزنه على الْمُصِيبَة فِي وَجهه بالتغيير لَهُ، وَفِي عَيْنَيْهِ بانحدار الدُّمُوع وَلَا ينْطق بِشَيْء من القَوْل، وَمِنْهُم من يجمع ذَلِك كُله، وَيزِيد عَلَيْهِ إِظْهَاره فِي مطعمه وملبسه، وَمِنْهُم من يكون حَاله فِي الْمُصِيبَة وَقبلهَا سَوَاء فَأَيهمْ الْمُسْتَحق لاسم الصَّبْر، قد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ بَعضهم: الْمُسْتَحق لاسم الصَّبْر هُوَ الَّذِي يكون فِي حَاله مثلهَا قبلهَا، وَلَا يظْهر عَلَيْهِ حزن فِي جارحة وَلَا لِسَان، كَمَا زعمت الصُّوفِيَّة، أَن الْوَلِيّ لَا تتمّ لَهُ الْولَايَة إلَاّ إِذا تمّ لَهُ الرضى بِالْقدرِ، وَلَا يحزن على شَيْء، وَالنَّاس فِي هَذَا الْحَال مُخْتَلفُونَ، فَمنهمْ من فِي قلبه الْجلد وَقلة المبالاة بالمصائب، وَمِنْهُم من هُوَ بِخِلَاف ذَلِك، فَالَّذِي يكون طبعه الْجزع وَيملك نَفسه ويستشعر الصَّبْر أعظم أجرا من الَّذِي يتجلد طباعه. قَالَ الطَّبَرِيّ: كَمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه نعى أَخُوهُ عتبَة. قَالَ: لقد كَانَ من أعز النَّاس عَليّ وَمَا يسرني أَنه بَين أظْهركُم الْيَوْم حَيا. قَالُوا: وَكَيف هُوَ من أعز النَّاس عَلَيْك؟ قَالَ: إِنِّي لأوجر فِيهِ أحب إِلَيّ من أَن يُؤجر فِي. وَقَالَ ثَابت: إِن الصَّلْت بن أَشْيَم مَاتَ أَخُوهُ، فجَاء رجل وَهُوَ يطعم، فَقَالَ: يَا أَبَا الصَّهْبَاء إِن أَخَاك مَاتَ﴾ قَالَ: هَلُمَّ فَكل قد نعي إِلَيْنَا، فَكل. قَالَ: وَالله مَا سبقني إِلَيْك أحد مِمَّن نعاه، قَالَ: يَقُول الله : ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ (الزمر: ٠٣) . وَقَالَ الشّعبِيّ: كَانَ شُرَيْح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يدْفن جنائزه لَيْلًا، فيغتنم ذَلِك فيأتيه الرجل حِين يصبح فيسأله عَن الْمَرِيض، فَيَقُول: هَذَا لله الشُّكْر وَأَرْجُو أَن يكون مستريحا. وَكَانَ ابْن سِيرِين يكون عِنْد الْمُصِيبَة كَمَا هُوَ قبلهَا يتحدث ويضحك إلَاّ يَوْم مَاتَت حَفْصَة فَإِنَّهُ جعل يكشر، وإنت تعرف فِي وَجهه، وَسُئِلَ ربيعَة: مَا مُنْتَهى الصَّبْر؟ قَالَ: أَن تكون يَوْم تصيبه الْمُصِيبَة مثله قبل أَن تصيبه وَأما جزع الْقلب وحزن النَّفس ودمع الْعين فَإِن ذَلِك لَا يخرج العَبْد من مَعَاني الصابرين إِذا لم يتجاوزه إِلَى مَا لَا يجوز لَهُ فعل، لِأَن نفوس بني آدم مجبولة على الْجزع من المصائب، وَقد مدح الله تَعَالَى الصابرين وَوَعدهمْ جزيل الثَّوَاب عَلَيْهِ، وتغيير الأجساد عَن هيآتها ونقلها عَن طبعها الَّذِي جبلت عَلَيْهِ، لَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الَّذِي أَنْشَأَهَا. وروى المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، قَالَ: (قَالَ الله تَعَالَى: إِذا ابْتليت عَبدِي الْمُؤمن فَلم يشكني إِلَى عواده أنشطه من عقاله وبدلته لَحْمًا خيرا من لَحْمه ودما خيرا من دَمه، ويستأنف الْعَمَل) . وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمنْهِي عَن الْمُنكر إِن لم ينْتَه عُوقِبَ وأدب إِن أمكن. وَفِيه: جَوَاز نظر النِّسَاء المحتجبات إِلَى الرِّجَال الْأَجَانِب. وَفِيه: جَوَاز التميين لتأكيد الْخَبَر.
стр. 2284
٠٠٣١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ قَالَ حدَّثنا عاصِمٌ الأَحْوَلُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَنَتَ رسولُ الله ﷺ شَهْرا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ فَمَا رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ حَزِنَ حُزْنا قَطُّ أشَدَّ مِنْهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمَا رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ إِلَى آخِره، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ الفلاس الصَّيْرَفِي، والْحَدِيث تقدم فِي أَبْوَاب الْوتر فِي: بَاب الْقُنُوت قبل الرُّكُوع وَبعده، أخرجه عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد عَن عَاصِم قَالَ: سَأَلت أنس بن مَالك عَن الْقُنُوت ... الحَدِيث، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٤ - (بابُ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ المُصِيبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم يظْهر حزنه عِنْد حُلُول الْمُصِيبَة، وَهَذَا الْبَاب عكس الْبَاب السَّابِق، لِأَن فِيهِ من أظهر حزنه، وَفِي هَذَا من لم يظْهر، وَفِي كل مِنْهُمَا لم يُصَرح بالحكم، أما ذَاك فقد بَينا وَجهه، وَأما هَذَا فَفِيهِ ترك مَا أُبِيح لَهُ من إطهار الْحزن الَّذِي لَا إسخاط فِيهِ لله تَعَالَى، وَفِيه قهر النَّفس بِالصبرِ الَّذِي هُوَ خير، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خير للصابرين﴾ (النَّحْل: ٦٢١) .
وَقَالَ محَمَّدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ الجَزَعُ القَوْلُ السَّيِّءُ والظَّنُّ السَّيِّءُ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمُقَابلَة، وَهِي ذكر الشَّيْء وَمَا يضاده مَعَه، وَذَلِكَ أَن ترك إِظْهَار الْحزن من القَوْل الْحسن وَالظَّن الْحسن، وإظهاره مَعَ الْجزع الَّذِي يُؤَدِّيه إِلَى مَا حظره الشَّرْع قَول سيىء وَظن سيء، وَمُحَمّد بن كَعْب بن سليم الْقرظِيّ، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء بعْدهَا ظاء مُعْجمَة الْمَدِينِيّ، حَلِيف الْأَوْس، سمع زيد بن أَرقم وَغَيره. قَالَ قُتَيْبَة: بَلغنِي أَنه ولد فِي حَيَاة النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة سبع عشرَة وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَتِسْعين سنة، وَمعنى القَوْل السيء مَا يبْعَث الْحزن غَالِبا، وَالظَّن السيء الاستبعاد لحُصُول مَا وعد بِهِ من الثَّوَاب على الصَّبْر، أَو الْيَأْس من تَفْوِيض مَا هُوَ خير لَهُ من الْفَائِت.
وَقَالَ يَعْقُوبُ ﵇ إنَّمَا أشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى الله
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الله، عَلَيْهِم الصَّلَاة وأزكى السَّلَام، لما ابْتُلِيَ صَبر وَلم يشك إِلَى أحد وَلَا بَث حزنه إلَاّ إِلَى الله، فطابق التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، والبث: بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة شدَّة الْحزن.
١٠٣١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ الحَكَمِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ قَالَ أخبرنَا إسْحَاقُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ اشْتَكَى ابْنٌ لأِبي طَلْحَةَ قَالَ فَماتَ وَأبُو طَلْحَةَ خارِجٌ فَلَمَّا رَأتْ امْرَأتُهُ أنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأتْ شَيْئا وَنَحَّتْهُ فِي جانِبِ البَيْتِ فَلَمَّا جاءَ أبُو طَلْحَةَ قَالَ كَيْفَ الغُلَامُ قالَتْ قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ وَأرْجُو أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ وظَنَّ أبُو طَلْحَةَ أنَّهَا صادِقَةٌ قَالَ فباتَ فَلَمَّا أصْبَحَ اغْتَسَلَ فَلَمَّا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ أعْلَمَتْهُ أنَّهُ قَدْ مَاتَ فَصَلَّى مَعَ النبيِّ ﷺ ثُمَّ أخْبَرَ النبيَّ ﷺ بِمَا كانَ مِنْهُمَا فَقَالَ رسولُ الله ﷺ لَعَلَّ الله أنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلتِكُمَا. قَالَ سُفْيَانُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَرَأيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أوْلَادٍ كُلَّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ.
(الحَدِيث ١٠٣١ طرفه فِي: ٠٧٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن امْرَأَة أبي طَلْحَة لما مَاتَ ابْنهَا لم تظهر الْحزن بل أظهرت الْفَرح وَالسُّرُور،
стр. 2285
حَتَّى جَامعهَا أَبُو طَلْحَة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة، فَلَمَّا أصبح واغتسل وَأَرَادَ الْخُرُوج من عِنْدهَا أعلمته بذلك.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الحكم، بِفتْحَتَيْنِ: الْعَبْدي، مر فِي: بَاب التَّهَجُّد. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موض وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، قَالَ أَبُو نعيم: هَذَا الحَدِيث مِمَّا تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن بشر بن الحكم، وَأخرجه مُسلم من طرق عَن ثَابت عَن أنس. وَأخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا من طَرِيق أنس بن سِيرِين وَمُحَمّد بن سعد من طَرِيق حميد الطَّوِيل، كِلَاهُمَا عَن أنس. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الله بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، وَهُوَ أَخُو إِسْحَاق الْمَذْكُور عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله (اشْتَكَى ابْن لأبي طَلْحَة) أَي مرض وَلَيْسَ المُرَاد أَنه صدرت مِنْهُ الشكوى لَكِن لما كَانَ الإصل أَن الْمَرِيض يحصل مِنْهُ ذَلِك اسْتعْمل فِي كل مرض لكل مَرِيض وَالِابْن الْمَذْكُور وَهُوَ أَبُو عُمَيْر صَاحب النغير قَالَه ابْن حبَان والخطيب فِي آخَرين وَأَبُو طَلْحَة زيد بن سهل الإنصاري وَامْرَأَته هِيَ أم أنس بن مَالك قَوْله (خَارج) أَي خَارج الْبَيْت وَكَانَ يكون عِنْد النَّبِي ﷺ فِي أَوَاخِر النَّهَار وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ كَانَ لأبي طَلْحَة ولد فَتوفي فَأرْسلت أم سليم أنسا يَدْعُو أَبَا طَلْحَة وأمرته أَن لَا يُخبرهُ بوفاة ابْنه وَكَانَ أَبُو طَلْحَة صَائِما قَوْله (هيأت شَيْئا) أَي أعدت طَعَاما وأصلحته وَقيل هيأت شَيْئا من حَالهَا وتزينت لزَوجهَا تعرضا للجماع وَقيل هيأت أَمر الصَّبِي بأنغسلته وكفنته على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُود الطَّيَالِسِيّ عَن مشايخه عَن صَالح (فهيأت الصَّبِي) وَفِي رِوَايَة حميد عِنْد ابْن سعد (فَتوفي الْغُلَام فهيأت أم سعيد أمره) وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن زَاذَان عَن ثَابت (فَهَلَك الصَّبِي فَقَامَتْ أم سليم فغسلته وكفنته وحنطته وسجت عَلَيْهِ ثوبا قَوْله: (ونحته) ، بِفَتْح النُّون والحاء الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة: أَي جعلته فِي جَانب الْبَيْت. وَقيل: بعدته، وَفِي رِوَايَة جَعْفَر عَن ثَابت: (فَجَعَلته فِي مخدعها) . قَوْله: (قد هدأت نَفسه) بِالْهَمْز أَي: سكنت نَفسه بِسُكُون الْفَاء، وَالْمعْنَى: أَن نَفسه كَانَت قلقة منزعجة بِعَارِض الْمَرَض، فسكنت بِالْمَوْتِ، وَظن أَبُو طَلْحَة أَن مرادها: سكنت بِالنَّوْمِ لوُجُود الْعَافِيَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (هدأ نَفسه) ، بِفَتْح الْفَاء أَي: سكن لِأَن الْمَرِيض يكون نَفسه عَالِيا فَإِذا زَالَ مَرضه سكن، وَكَذَا إِذا مَاتَ. وَوَقع فِي رِوَايَة أنس بن سِيرِين: (هُوَ أسكن مَا كَانَ) ، وَنَحْوه فِي رِوَايَة جَعْفَر عَن ثَابت، وَفِي رِوَايَة معمر عَن ثَابت: (أَمْسَى هادئا) . وَفِي رِوَايَة حميد: (بِخَير مَا كَانَ) ، وَالْكل مُتَقَارب الْمعَانِي. قَوْلهَا: (وَأَرْجُو أَن يكون قد استراح) ، من حسن المعاريض، وَهُوَ مَا احْتمل لَهُ مَعْنيانِ: فَإِنَّهَا أخْبرت بِكَلَام لم تكذب فِيهِ، وَلَكِن ورت بِهِ عَن الْمَعْنى الَّذِي كَانَ يحزنها، أَلا يرى أَن نَفسه قد هدأ، كَمَا قَالَت بِالْمَوْتِ وَانْقِطَاع النَّفس، وأوهمته أَنه استراح من قلقه، وَإِنَّمَا استراح من نصب الدُّنْيَا وهمها. وَقَالَ ابْن بطال، رَحمَه الله تَعَالَى: هدأ نَفسه من معاريض الْكَلَام، وأرادت بِسُكُون النَّفس: الْمَوْت، وَظن أَبُو طَلْحَة، رَحمَه الله تَعَالَى، أَنَّهَا تُرِيدُ بِهِ سُكُون نَفسه من الْمَرَض وَزَوَال الْعلَّة وتبدلها بالعافية، وَإِنَّهَا صَادِقَة فِيمَا خيل إِلَيْهِ فِي ظَاهر قَوْلهَا، وَبَارك الله لَهَا بدعائه ﷺ فرزقا تِسْعَة أَوْلَاد من الْقُرَّاء الصلحاء، وَذَلِكَ بصبرهما فِيمَا نالها ومراعاتها زَوجهَا. قَوْله: (وَظن أَبُو طَلْحَة أَنَّهَا صَادِقَة) أَي: بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فهمه من كَلَامهَا، وإلَاّ فَهِيَ صَادِقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَرَادَت. قَوْله: (فَبَاتَ) ، أَي: بَات أَبُو طَلْحَة مَعَ امْرَأَته الْمَذْكُورَة، وَهَذِه كِنَايَة عَن الْجِمَاع، وَلِهَذَا لما أصبح اغْتسل لِأَن الْغسْل غَالِبا لَا يكون إلَاّ من الْجِمَاع، وَقد وَقع التَّصْرِيح بذلك فِي رِوَايَة أنس بن سِيرِين: (فقربت إِلَيْهِ الْعشَاء فتعشى ثمَّ أصَاب مِنْهَا) . وَفِي رِوَايَة حَمَّاد عَن ثَابت: (ثمَّ تطيبت) ، زَاد جَعْفَر عَن ثَابت: (فتعرضت لَهُ حَتَّى وَقع بهَا) ، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان عَن ثَابت: (ثمَّ تصنعت لَهُ أحسن مَا كَانَت تتصنع قبل ذَلِك، فَوَقع بهَا) . وَفِي رِوَايَة عبد الله بن عبد الله: (ثمَّ تعرضت لَهُ فَأصَاب مِنْهَا) . قَوْله: (فَلَمَّا أَرَادَ أَن يخرج) أَي: فَلَمَّا أَرَادَ أَبُو طَلْحَة أَن يخرج من الْبَيْت (أعلمته) أَي: أعلمت أَبَا طَلْحَة بِأَنَّهُ: أَي بِأَن الصَّبِي قد مَاتَ، وَفِيه زِيَادَة لمُسلم قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن حَاتِم بن مَيْمُون حَدثنَا بهز حَدثنَا سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت (عَن
стр. 2286
أنس قَالَ: مَاتَ ابْن لأبي طَلْحَة من أم سليم، فَقَالَت لأَهْلهَا: لَا تحدثُوا أَبَا طَلْحَة بِابْنِهِ حَتَّى أكون أَنا أحدثه. قَالَ: فجَاء فقربت إِلَيْهِ عشَاء فَأكل وَشرب، قَالَ: ثمَّ تصنعت لَهُ أحسن مَا كَانَت تصنع قبل ذَلِك، فَوَقع بهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنه قد شبع وَأصَاب مِنْهَا قَالَت: يَا أَبَا طَلْحَة! أَرَأَيْت أَن قومآ أعاروا عاريتهم أهل بَيت فطلبوا عاريتهم ألهم أَن يمنعوهم؟ قَالَ: لَا، قَالَت: احتسب ابْنك. قَالَ: فَغَضب، وَقَالَ: تركتيني ثمَّ تلطخت ثمَّ اخبرتيني بِابْني؟ فَانْطَلق حَتَّى أَتَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : بَارك الله لَكمَا فِي غابر ليلتكما، قَالَ: فَحملت) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَفِي رِوَايَة عبد الله؛ (فَقَالَت: يَا أَبَا طَلْحَة أَرَأَيْت قوما أعاروا مَتَاعهمْ ثمَّ بدا لَهُم فِيهِ فَأَخَذُوهُ فكأنهم وجدوا فِي أنفسهم) زَاد حَمَّاد فِي رِوَايَته عَن ثَابت: (فَأَبَوا أَن يردوها، فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: لَيْسَ لَهُم ذَلِك، إِن الْعَارِية مُؤَدَّاة إِلَى أَهلهَا. ثمَّ اتفقَا، فَقَالَت: إِن الله أعارنا فلَانا ثمَّ أَخذه منا) . زَاد حَمَّاد: (فَاسْتَرْجع) . قَوْله: (لَعَلَّ الله أَن يُبَارك لَهما فِي ليلتهما) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره (يُبَارك لَكمَا فِي ليلتكما) وَفِي رِوَايَة عبد الله بن عبد الله: (فَجَاءَت بِعَبْد الله بن أبي طَلْحَة) . قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار) هُوَ عَبَايَة بن رِفَاعَة، وَهُوَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) وَغَيره من طَرِيق سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة قَالَ: (كَانَت أم أنس تحب أَبَا طَلْحَة) ، فَذكر الْقِصَّة شَبيهَة بسياق ثَابت عَن أنس، وَقَالَ فِي آخِره: (فَولدت لَهُ غُلَاما، قَالَ عَبَايَة: فَلَقَد رَأَيْت لذَلِك الْغُلَام سبع بَنِينَ كلهم قد ختم الْقُرْآن) ، قَالَ بَعضهم: أفادت هَذِه الرِّوَايَة أَن فِي رِوَايَة سُفْيَان تجوزا فِي قَوْله لَهما، لِأَن ظَاهره أَنه من ولدهما بِغَيْر وَاسِطَة، وَإِنَّمَا المُرَاد من أَوْلَاد ولدهما الْمَدْعُو لَهُ بِالْبركَةِ، وَهُوَ عبد الله بن أبي طَلْحَة. قلت: لَا نسلم التَّجَوُّز فِي رِوَايَة سُفْيَان لِأَنَّهُ مَا صرح فِي قَوْله: قَالَ رجل من الْأَنْصَار: فَرَأَيْت تِسْعَة أَوْلَاد كلهم قد قرأوا الْقُرْآن، وَلم يقل: رَأَيْت مِنْهُمَا، أَو لَهما تِسْعَة أَوْلَاد. وَقَوله ﷺ : (يُبَارك لَهما) لَا يسْتَلْزم أَن يكون التِّسْعَة مِنْهُمَا. فَإِن قلت: قد وَقع فِي رِوَايَة عَبَايَة: (سبع بَنِينَ) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: (تِسْعَة أَوْلَاد) ؟ قلت: الظَّاهِر أَن المُرَاد بالسبعة من ختم الْقُرْآن كُله، وبالتسعة من قَرَأَ معظمه. فَإِن قلت: ذكر ابْن سعد وَغَيره من أهل الْعلم بالأنساب أَن لَهُ من الْوَلَد: إِسْحَاق وَإِسْمَاعِيل وَعبد الله وَيَعْقُوب وَعمر وَالقَاسِم وَعمارَة وَإِبْرَاهِيم وَعُمَيْر وَزيد وَمُحَمّد، وَأَرْبع من الْبَنَات؟ قلت: قَول عَبَايَة: رَأَيْت سَبْعَة، أَو تِسْعَة فِي رِوَايَة سُفْيَان، لَا يُنَافِي الزِّيَادَة لِأَنَّهُ مَا أخبر إلَاّ عَمَّن رَآهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: عدم إِظْهَار الْحزن عِنْد الْمُصِيبَة، وَهُوَ فقه الْبَاب، كَمَا فعلت أم سليم فَإِنَّهَا اخْتَارَتْ الصَّبْر وقهرت نَفسهَا. وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لأم سليم بصبرها ورضائها بِقَضَاء الله تَعَالَى. وَفِيه: جَوَاز الْأَخْذ بالشدة وَترك الرُّخْصَة لمن قدر عَلَيْهَا، وَأَن ذَلِك مِمَّا ينَال بِهِ العَبْد رفيع الدَّرَجَات وجزيل الْأجر. وَفِيه: أَن الْمَرْأَة تتزين لزَوجهَا تعرضا للجماع. وَفِيه: أَن من ترك شَيْئا لله تَعَالَى وآثر مَا ندب إِلَيْهِ وحض عَلَيْهِ من جميل الصَّبْر أَنه يعوض خيرا مِمَّا فَاتَهُ، أَلا ترى قَوْله: (فَرَأَيْت تِسْعَة أَوْلَاد كلهم قد قرأوا الْقُرْآن) ؟ وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المعاريض الموهمة إِذا دعت الضَّرُورَة إِلَيْهَا، وَشرط جَوَازهَا أَن لَا تبطل حَقًا لمُسلم. وَفِيه: إِجَابَة دَعْوَة النَّبِي ﷺ .
٢٤ - (بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)
يجوز فِي: بَاب، التَّنْوِين، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الصَّبْر، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ارْتِفَاع بَاب على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَلَفظ الصَّبْر عِنْد إِضَافَة الْبَاب إِلَيْهِ يكون مجرورا بِالْإِضَافَة، وَعند كَون الْبَاب منونا يكون لفظ الصَّبْر مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: عِنْد الصدمة الأولى.
وَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نِعْمَ العِدْلَانِ ونِعْمَ العِلَاوَةُ الَّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنَّا لله وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ (الْبَقَرَة: ٦٥١، ٧٥١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الله تَعَالَى أخبر عَن الصابرين الَّذين يَقُولُونَ عِنْد الْمُصِيبَة: ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (الْبَقَرَة: ٦٥١، ٧٥١) . وَأخْبر
стр. 2287
أَنهم هم الَّذين ﴿عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَأخْبر أَنهم: ﴿هم المهتدون﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَإِنَّمَا استحقوا هَذِه الْفَضَائِل الجزيلة بصبرهم المبشر عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْبشَارَة، وَهُوَ الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى، وَهُوَ الصَّبْر الْمَحْمُود الَّذِي يكون عِنْد مفاجأة الْمُصِيبَة فَإِنَّهُ إِذا طَالَتْ الْأَيَّام عَلَيْهَا وَقع السلو وَصَارَ الصَّبْر حِينَئِذٍ طبعا. قَوْله: (نعم العدلان) بِكَسْر الْعين أَي المثلان، وَقَالَ الْمُهلب: العدلان الصَّلَوَات وَالرَّحْمَة والعلاوة: ﴿أُولَئِكَ هم المهتدون﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَقيل: ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (الْبَقَرَة: ٦٥١) . والعلاوة الَّتِي يُثَاب عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ أَبُو الْحسن: الْعدْل الْوَاحِد قَول الْمُصَاب: ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (الْبَقَرَة: ٦٥١) . وَالْعدْل الثَّانِي الصَّلَوَات الَّتِي هِيَ عَلَيْهِنَّ من الله تَعَالَى، والعلاوة ﴿وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَهُوَ ثَنَاء من الله تَعَالَى عَلَيْهِم. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا هُوَ مثل ضربه للجزاء، فالعدلان عدلا الْبَعِير أَو الدَّابَّة، والعلاوة الغرارة الَّتِي تُوضَع فِي وسط العدلين مَمْلُوءَة، يَقُول: وكما حملت هَذِه الرَّاحِلَة وسقاءها فَإِنَّهَا لم يبْق مَوضِع يحمل عَلَيْهِ، فَكَذَلِك أعْطى هَذَا الْأجر وافرا، وعَلى قَول الدَّاودِيّ يكون العدلان والعلاوة. ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . إِلَى ﴿المهتدون﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَقَالَ ابْن قرقول: الْعدْل هُنَا نصف الْحمل على أحد شقي الدَّابَّة، وَالْحمل عَدْلَانِ، والعلاوة مَا جعل بَينهمَا. وَقيل: مَا علق على الْبَعِير، ضرب ذَلِك مثلا بقوله: ﴿صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . قَالَ: فالصلوات عدل، وَالرَّحْمَة عدل. ﴿وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . العلاوة. وَقَالَ الْفراء: الْعدْل، بِالْفَتْح: مَا عدل الشَّيْء من غير جنسه، وبالكسر: الْمثل، والعلاوة، بِالْكَسْرِ، مَا علقت على الْبَعِير بعد تَمام الوقر. نَحْو السقاء وَغَيره. قَوْله: (نعم) ، كلمة مدح، والعدلان فَاعله، (وَنعم العلاوة) عطف عَلَيْهِ. وَقَوله: (الَّذين) هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالعدلين القَوْل وجزاؤه، أَي قَوْله الْكَلِمَتَيْنِ وَنَوع الثَّوَاب، وهما متلازمان فِي أَن الْعدْل الأول مركب من كَلِمَتَيْنِ، وَالثَّانِي من النَّوْعَيْنِ من الثَّوَاب، وَمعنى الصَّلَاة من الله الْمَغْفِرَة، ثمَّ هَذَا الْأَثر الْمُعَلق وَصله الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من طَرِيق جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. كَمَا سَاقه البُخَارِيّ، وَزَاد ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . نعم العدلان. ﴿وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . نعم العلاوة. وَهَكَذَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم.
وقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿واسْتَعِينُوا بالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَاّ علَى الخَاشِعِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٤) .
وَقَوله، مجرور لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: بَاب الصَّبْر، وَالتَّقْدِير: وَبَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٤) . الْآيَة، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا عطفا على قَوْله: (الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى) ، على تَقْدِير قطع الْإِضَافَة فِي لفظ: بَاب، كَمَا ذكرنَا فِيهِ الْوَجْهَيْنِ، وَجه ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة هُنَا هُوَ أَنه: لما كَانَ الْمعبر من الصَّبْر هُوَ الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى الَّذِي ذكرنَا مَعْنَاهُ أَتَى الصابر بصبر مقرون بِالصَّلَاةِ، وَلِهَذَا (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا حزبه أَمر صلَّى) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (تَفْسِيره) بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَنه نعى إِلَيْهِ أَخُوهُ قثم، وَهُوَ فِي سفر، فَاسْتَرْجع ثمَّ تنحى عَن الطَّرِيق فَأَنَاخَ فصلى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فيهمَا الْجُلُوس، ثمَّ قَامَ وَهُوَ يَقُول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٤) . الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى الْآيَة: اسْتَعِينُوا على مَا يستقبلكم من أَنْوَاع البلايا بِالصبرِ وَالصَّلَاة، وَقيل: فِي أَمر الْآخِرَة، وَقيل: فِي ترك الرياسة. وَالصَّبْر الْحَبْس، لِأَن الصابر حَابِس نَفسه على مَا تكرههُ، وسمى الصَّوْم صبرا لحبس النَّفس فِيهِ عَن الطَّعَام وَغَيره، وَنهى ﷺ عَن قتل شَيْء من الدَّوَابّ صبرا وَهُوَ أَن يحبس حَيا. وَقيل: المُرَاد بِالصبرِ فِي هَذِه الْآيَة الصَّوْم، قَالَه مُجَاهِد. قَوْله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ أَي: وَإِن الصَّلَاة، وَلم يقل: وإنهما، مَعَ أَن الْمَذْكُور: الصَّبْر وَالصَّلَاة، فَقيل: لِأَنَّهُ رد الضَّمِير إِلَى مَا هُوَ الأهم والأغلب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ (التَّوْبَة: ٤٣) . رد الضَّمِير إِلَى الْفضة لِأَنَّهَا أَعم وأغلب. فَإِن قلت: مَا وَجه الِاسْتِعَانَة بِالصَّلَاةِ؟ قلت: لما كَانَ فِيهَا تِلَاوَة الْقُرْآن وَالدُّعَاء والخضوع لله تَعَالَى كَانَ ذَلِك مَعُونَة على مَا تنَازع إِلَيْهِ النَّفس من حب الرياسة والأنفة من الانقياد إِلَى الطَّاعَة. قَوْله: ﴿لكبيرة﴾ أَي: شَدِيدَة ثَقيلَة على الْكَافرين إلَاّ على الخاشعين لَيست بكبيرة، والخاشع الَّذِي يرى أثر الذل والخضوع عَلَيْهِ، والخشوع فِي اللُّغَة: السّكُون. قَالَ: خَشَعت الْأَصْوَات للرحمن، وَقيل: الْخُشُوع فِي الصَّوْت وَالْبَصَر، والخضوع فِي الْبدن. فَإِن قلت: قد علمت أَن العَبْد مَنْهِيّ عَن الهجر وتسخط قَضَاء الرب فِي كل حَال، فَمَا وَجه خُصُوص نزُول النائبة بِالصبرِ فِي حَال حدوثها؟ قلت: لِأَن النَّفس عِنْد هجوم الْحَادِثَة تتحرك على الْخُشُوع لَيْسَ فِي غَيرهَا مثله، وَذَلِكَ يضعف على ضبط النَّفس فِيهَا لكثير من النَّاس، بل يصير كل جازع بعد ذَلِك إِلَى السلو ونسيان الْمُصِيبَة وَالْأَخْذ بقهر الصابر النَّفس،
стр. 2288
وغلبته هَواهَا عِنْد صدمته يكون إيثارا لأمر الله تَعَالَى على هوى نَفسه، ومنجزا لوعده، بل السالي عَن مصائبه لَا يسْتَحق الصَّبْر على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ آثر السلو على الْجزع وَاخْتَارَهُ، وَإِنَّمَا الصَّبْر على الْحَقِيقَة من صَبر نَفسه وحبسها عَن شهواتها وقهرها عَن الْحزن والجزع والبكاء الَّذِي فِيهِ رَاحَة النَّفس وإطفاء لنار الْحزن، فَإِذا قَابل سُورَة الْحزن وهجومه بِالصبرِ الْجَمِيل، وَتحقّق أَنه لَا خُرُوج لَهُ عَن قَضَائِهِ وَأَنه يرجع إِلَيْهِ بعد الْمَوْت، اسْتحق حِينَئِذٍ جزيل الْأجر وعد من الصابرين الَّذين وعدهم الله بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة.
٢٠٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ ثَابِتٍ. قَالَ سَمِعْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي ﷺ قَالَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولى.
التَّرْجَمَة هِيَ عين الحَدِيث، وَقد مر الحَدِيث مطولا فِي: بَاب زِيَارَة الْقُبُور، أخرجه عَن آدم عَن شُعْبَة. . إِلَى آخِره، وَلَفظه هُنَاكَ: (إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى) ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد تكَرر ذكره.
٣٤ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ إنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر قَول النَّبِي ﷺ لِم تقع هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا التَّعْلِيق الْمَذْكُور بعْدهَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَإِنَّمَا ذكرا فِي رِوَايَة البَاقِينَ.
وقالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبيِّ ﷺ تَدْمَعُ العَيْنُ ويَحْزَنُ القَلْبُ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُصَاب إِذا كَانَ مَحْزُونا تَدْمَع عينه، فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَخذ من بعض معنى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب، وَلَفظه: (إِن الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا يحزن الْقلب) ، وَذَلِكَ لِأَن عدم تَعْذِيب الله بدمع الْعين وحزن الْقلب يسْتَلْزم أَنَّهُمَا إِذا وجدا لَا يعذب بهما، وباللفظ الْمَذْكُور روى مُسلم من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ولد لي اللَّيْلَة غُلَام فسميته إِبْرَاهِيم. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ، ﷺ : تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) ، وَوَقع كَذَلِك فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أَسمَاء بنت يزِيد، قَالَت: (لما توفّي ابْن رَسُول الله ﷺ الحَدِيث، وَفِيه: (تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) . وَكَذَا وَقع فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (توفّي ابْن رَسُول الله ﷺ إِبْرَاهِيم بَكَى رَسُول الله ﷺ الحَدِيث، وَفِيه: (تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) . وَكَذَا وَقع فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان عَن (أبي هُرَيْرَة، قَالَ: توفّي ابْن رَسُول الله ﷺ الحَدِيث، وَفِيه: ((الْقلب يحزن وَالْعين تَدْمَع) . وَوَقع أَيْضا فِي حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ حِين توفّي إِبْرَاهِيم. .) الحَدِيث، وَفِيه: (يحزن الْقلب وتدمع الْعين وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب وَإِنَّا على إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَيْضا: (عَن السَّائِب بن يزِيد: أَن النَّبِي ﷺ لما هلك ابْنه طَاهِر) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الْعين تذرف، وَإِن الدمع يغلب، وَإِن الْقلب يحزن وَلَا نعصى الله .
٣٠٣١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَسَّانَ قَالَ حدَّثنا قُرَيْشٌ هُوَ ابنُ حَيَّانَ عنْ ثَابِتٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ عَلَى أبِي سَيْفٍ القَيْنِ وكانَ ظِئْرا لإِبْرَاهِيمَ ﵇ فأخَذَ رسولُ الله ﷺ إبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عليْهِ بَعْدَ ذالِكَ وَإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسولِ الله ﷺ تَذْرِفانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحمانِ بنِ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وأنْتَ يَا رَسُول الله فَقَالَ يَا ابنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ﷺ إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إلَاّ مَا يَرْضى ربُّنَا وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.
стр. 2289
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الْحسن بن عبد الْعَزِيز ابْن الْوَزير الجروي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء: الجذامي، مَاتَ بالعراق سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن حسان، منصرفا وَغير منصرف، أَبُو زَكَرِيَّاء الإِمَام الرئيس. الثَّالِث: قُرَيْش، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة. ابْن حَيَّان من الْحَيَاة أَبُو بكر الْعجلِيّ، بِكَسْر الْعين. الرَّابِع: ثَابت بن أسلم الْبنانِيّ. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه جروي وَهِي قَرْيَة من قرى تنيس، وَيُقَال لَهُ التنيسِي أَيْضا، وَهُوَ من طبقَة البُخَارِيّ، وَمَات بعده بِسنة وَلَيْسَ عِنْده سوى هَذَا الحَدِيث، وحديثين آخَرين فِي التَّفْسِير، وَشَيْخه هَذَا من أَفْرَاده وَيحيى بن حسان أَيْضا تنيسي، أدْركهُ البُخَارِيّ وَلم يلقه لِأَنَّهُ مَاتَ قبل أَن يدْخل مصر، وقريش وثابت بصريان.
وَالْبُخَارِيّ تفرد بِهِ بِهَذَا السَّنَد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على أبي سيف الْقَيْن) سيف، بِفَتْح السِّين، و: الْقَيْن، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون. وَهُوَ صفة لَهُ واسْمه: الْبَراء بن أَوْس الْأنْصَارِيّ، والقين: الْحداد، قَالَ ابْن سَيّده: قيل: كل صانع قين، وَالْجمع: أقيان وقيون، وَيُقَال: قان يَقِين قيانة، صَار قينا. وقان الحديدة عَملهَا، وقان الْإِنَاء يقينه قينا: أصلحه، والمقين المزين. وَفِي (الطَّبَقَات الْكَبِير) لمُحَمد بن سعد عَن مُحَمَّد بن عمر: ولد إِبْرَاهِيم فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة، وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة: لما ولد تنافست فِيهِ نسَاء الْأَنْصَار أيتهن ترْضِعه، فَدفعهُ رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى أم بردة بنت الْمُنْذر بن زيد بن لبيد بن خِدَاش بن عَامر بن تَمِيم بن عدي بن النجار، وَزوجهَا الْبَراء بن أَوْس بن الْجَعْد بن عَوْف بن مبذول بن عَمْرو بن غنم بن عدي بن النجار، فَكَانَت ترْضِعه، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِيهِ فِي بني النجار. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إسم أم بردة: خَوْلَة بنت الْمُنْذر، زَوْجَة أبي سيف الْبَراء بن أَوْس. قَوْله: (وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم) ، أَي: كَانَ أَبُو سيف الْبَراء ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي ﷺ ، الظِّئْر: زوج الْمُرضعَة، وَتسَمى الْمُرضعَة أَيْضا ظِئْرًا، قَالَه ابْن قرقول. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الظِّئْر الْمُرضعَة، وَلما كَانَ زَوجهَا تكفله سمي ظِئْرًا، وَأَصله عطف على النَّاقة على غير وَلَدهَا ترْضِعه، وَالِاسْم: الظأر. وَفِي (الْجَامِع) : ظئرت النَّاقة فَهِيَ مظئورة، وظأرت فُلَانَة إِذا أخذت ولدا غير وَلَدهَا لترضعه، وأظأرت أَنا وَلَدي ظِئْرًا إِذا اتخذته لَهُ. وَفِي (الْمُحكم) : الظِّئْر العاطفة على ولد غَيرهَا، الْمُرضعَة من النَّاس وَالْإِبِل الذّكر والانثى فِي ذَلِك سَوَاء، وَالْجمع: أظؤر وأظآر وظئور وظئورة وظؤار، الْأَخير من الْجمع الْعَزِيز، وظئورة. وَهُوَ عِنْد سِيبَوَيْهٍ: اسْم للْجمع، وَقيل: الْجمع من الْإِبِل ظؤار، وَمن النِّسَاء ظئورة. وَفِي (الصِّحَاح) : وَالْجمع ظآر على وزن فعال بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: لَا يجمع على فعلة إلَاّ ثَلَاثَة أحرف: ظئر وظئورة، وَصَاحب وصحبة، وفاره وفرهة. قَوْله: (لإِبْرَاهِيم) أَي: ابْن رَسُول الله، ﷺ ، وَلَفظه عِنْد مُسلم فِي أَوله: (ولد لي اللَّيْلَة غُلَام فسميته باسم أبي إِبْرَاهِيم، ثمَّ دَفعه إِلَى أم سيف امْرَأَة قين بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهُ أَبُو سيف، فَانْطَلق رَسُول الله ﷺ ، فاتبعته، فَانْتهى إِلَى أبي سيف وَهُوَ ينْفخ بكيره وَقد امْتَلَأَ الْبَيْت دخانا، فتسرعت الْمَشْي بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَقلت: يَا أَبَا سيف أمسك، جَاءَ رَسُول الله ﷺ . وَقَوله: (وَإِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ) أَي: يُخرجهَا ويدفعها كَمَا يجود الْإِنْسَان بِإِخْرَاج مَاله، وَفِي بعض طرقه: يكيد بِنَفسِهِ. قَالَ صَاحب (الْعين) : أَي: يَسُوق بهَا، من كَاد يكيد أَي: قَارب الْمَوْت. قَوْله: (تَذْرِفَانِ) ، بذال مُعْجمَة وَفَاء: من ذرفت الْعين تذرف، بِالْكَسْرِ: إِذا جرى دمعها. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) أَي: لرَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (وَأَنت يَا رَسُول الله؟) مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره، النَّاس لَا يصبرون عِنْد المصائب وَأَنت يَا رَسُول الله تفعل كفعلهم، كَأَنَّهُ تعجب واستغرب ذَلِك مِنْهُ لمقاومته الْمُصِيبَة، ولعهده أَنه يحث على الصَّبْر وَينْهى عَن الْجزع. قَوْله: (فَقَالَ: يَا ابْن عَوْف) ، هَذَا جَوَاب من رَسُول الله ﷺ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فَقَالَ: يَا ابْن عَوْف إِنَّهَا رَحْمَة أَي: إِن الْحَالة الَّتِي شاهدتها مني هِيَ رقة وشفقة على الْوَلَد، وَلَيْسَت بجزع كَمَا توهمت أَنْت، وَوَقع فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف نَفسه، (فَقلت: يَا رَسُول الله تبْكي؟ أَو لم تنه عَن الْبكاء؟) وَزَاد فِيهِ: (إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين: صَوت عِنْد نَغمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان، وَصَوت عِنْد مُصِيبَة وخمش وَجه وشق جُيُوب وَرَنَّة شَيْطَان، وَإِنَّمَا هَذَا رَحْمَة، وَمن لَا يرحم
стр. 2290
لَا يُرحم) . وَفِي رِوَايَة مَحْمُود بن لبيد: (فَقَالَ: إِنَّمَا أَنا بشر) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق من مُرْسل مَكْحُول (إِنَّمَا أنهى النَّاس عَن النِّيَاحَة أَن ينْدب الرجل بِمَا لَيْسَ فِيهِ) . قَوْله: (ثمَّ أتبعهَا بِأُخْرَى) أَي: ثمَّ أتبع الدمعة الأولى بِالْأُخْرَى، وَيجوز أَن يُقَال: ثمَّ أتبع الْكَلِمَة الْمَذْكُورَة، وَهِي: إِنَّهَا رَحْمَة، بِكَلِمَة أُخْرَى، وَهِي: (إِن الْعين تَدْمَع وَالْقلب يحزن. .) إِلَى آخِره، فَكَأَن هَذِه الْكَلِمَة الْأُخْرَى صَارَت مفسرة للكلمة الأولى. قَوْله: (وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) ، وَقد مر أَن فِي حَدِيث أبي أُمَامَة: (وَإِنَّا على إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: ذكر إِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي ﷺ وَمَوته ومجموع أَوْلَاد النَّبِي ﷺ ثَمَانِيَة: الْقَاسِم وَبِه كَانَ يكنى، والطاهر وَالطّيب، وَيُقَال أَن الطَّاهِر هُوَ الطّيب، وَإِبْرَاهِيم وَزَيْنَب زَوْجَة ابْن أبي الْعَاصِ، ورقية وَأم كُلْثُوم زوجا عُثْمَان، وَفَاطِمَة زَوْجَة عَليّ بن أبي طَالب، وَجَمِيع أَوْلَاده من خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، إلَاّ ابراهيم فَإِنَّهُ من مَارِيَة الْقبْطِيَّة، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَو عَاشَ إِبْرَاهِيم لوضعت الْجِزْيَة على كل قبْطِي) ، وَعَن مَكْحُول أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي إِبْرَاهِيم: (لَو عَاشَ مَا رق لَهُ خَال) ، وَاتَّفَقُوا على أَن مولده كَانَ فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان، وَاخْتلفُوا فِي وَقت وَفَاته، فالواقدي جزم بِأَنَّهُ مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء لعشر لَيَال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وَقَالَ ابْن حزم: مَاتَ قبل النَّبِي ﷺ بِثَلَاثَة، وَقيل: بلغ سِتَّة عشر شهرا وَثَمَانِية أَيَّام، وَقيل: سَبْعَة عشر شهرا، وَقيل: سنة وَعشرَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : توفّي وَله سَبْعُونَ يَوْمًا. وَعَن مَحْمُود بن لبيد: توفّي وَله ثَمَانِيَة عشر شهرا. وَفِي (صَحِيح مُسلم) : قَالَ عَمْرو: فَلَمَّا توفّي إِبْرَاهِيم قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن إِبْرَاهِيم ابْني وَإنَّهُ مَاتَ فِي الثدي وَإِن لَهُ لظئرين يكملان إرضاعه فِي الْجنَّة) . وَعند ابْن سعد بِسَنَد صَحِيح عَن الْبَراء بن عَازِب يرفعهُ: (أما أَن لَهُ مُرْضعًا فِي الْجنَّة) . وَفِي رِوَايَة جَابر عَن عَامر عَن الْبَراء: (إِنَّه صديق شَهِيد) ، وَعَن مُحَمَّد ابْن عمر بن عَليّ بن أبي طَالب: أول من دفن بِالبَقِيعِ ابْن مَظْعُون، ثمَّ اتبعهُ إِبْرَاهِيم، وَعَن رجل من آل عَليّ بن أبي طَالب: لما دفن إِبْرَاهِيم قَالَ النَّبِي ﷺ : هَل من أحد يَأْتِي بقربة؟ فَأتى رجل من الْأَنْصَار بقربة مَاء، فَقَالَ: رشها على قبر إِبْرَاهِيم.
وَاخْتلف فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، فصححه ابْن حزم، وَقَالَ أَحْمد: مُنكر جدا. وَقَالَ السّديّ: سَأَلت أنسا: أصلى النَّبِي ﷺ على ابْنه إِبْرَاهِيم؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، وروى عَطاء عَن ابْن عجلَان عَن أنس أَنه كبر عَلَيْهِ أَرْبعا، وَهُوَ أفقه، أَعنِي: عَطاء. وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَنه: مَا صلى، وَهِي مُرْسلَة، فَيجوز أَن يكون اشْتغل بالكسوف عَن الصَّلَاة. وَحكى الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس الْعِرَاقِيّ السبتي: أَن مَعْنَاهُ: لم يصل عَلَيْهِ بِنَفسِهِ، وَصلى عَلَيْهِ غَيره. وَقيل: لِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي على نَبِي، وَقد جَاءَ عَنهُ، ﷺ ، أَنه لَو عَاشَ كَانَ نَبيا. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: كل هَذِه ضَعِيفَة، وَالصَّلَاة عَلَيْهِ أثبت.
وَفِيه: جَوَاز تَقْبِيل من قَارب الْمَوْت وَذَلِكَ قبل الْوَدَاع والتشفي مِنْهُ. وَفِيه: جَوَاز الْبكاء الْمُجَرّد والحزن، وَقد مر هَذَا فِيمَا مضى. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا مُحَمَّد بن بشر حَدثنَا مُحَمَّد بن عمر وحَدثني أبي عَن عَلْقَمَة (عَن عَائِشَة: كَانَ رَسُول الله ﷺ ، لَا تَدْمَع عينه على أحد، قَالَ عَلْقَمَة: أَي أمه! كَيفَ كَانَ يصنع؟ قَالَت: كَانَ إِذا وجد فَإِنَّمَا هُوَ أَخذ بلحيته) . قلت: يحْتَمل أَن عَائِشَة مَا شاهدت مَا شَاهده غَيرهَا، أَو يكون مرادها: لَا تَدْمَع عينه بفيض.
رَوَاهُ مُوسى عنْ سُلَيْمَانَ بنِ المُغِيرَةِ عنْ ثَابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: روى الحَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي الْمنْقري عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة: عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ ، وَوَصله الْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) من طَرِيق تمْتَام الْحَافِظ عَنهُ، و: تمْتَام، بتائين مثناتين من فَوق: لقب مُحَمَّد بن غَالب الْبَغْدَادِيّ.
وَأخرجه مُسلم: حَدثنَا شَيبَان بن فروخ وهدبة بن خَالِد، كِلَاهُمَا عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت عَن أنس فَذكره.
٤٤ - (بابُ البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْبكاء عِنْد الْمَرِيض، وَفِي بعض النّسخ: الْبكاء على الْمَرِيض، وَلَفظ: بَاب، سَاقِط فِي رِوَايَة أبي ذَر.
стр. 2291
٦٢ - (حَدثنَا أصبغ عَن ابْن وهب قَالَ أَخْبرنِي عَمْرو عَن سعيد بن الْحَارِث الْأنْصَارِيّ عَن عبد الله بن عمر ﵄. قَالَ اشْتَكَى سعد بن عبَادَة شكوى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ َ - يعودهُ مَعَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود ﵃ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غاشية أَهله فَقَالَ قد قضى قَالُوا لَا يَا رَسُول الله فَبكى النَّبِي ﷺ َ - فَلَمَّا رأى الْقَوْم بكاء النَّبِي ﷺ َ - بكوا فَقَالَ أَلا تَسْمَعُونَ إِن الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا بحزن الْقلب وَلَكِن يعذب بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه أَو برحم وَإِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَكَانَ عمر ﵁ يضْرب فِيهِ بالعصا وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ ويحثي بِالتُّرَابِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي بكائه ﷺ َ - عِنْد سعد بن عبَادَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول أصبغ بن الْفرج أَبُو عبد الله مَاتَ يَوْم الْأَحَد لأَرْبَع بَقينَ من شَوَّال سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي عبد الله بن وهب. الثَّالِث عَمْرو بن الْحَارِث. الرَّابِع سعد بن الْحَارِث الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة. الْخَامِس عبد الله بن عمر (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاث مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ وَابْن وهب وَعَمْرو بن الْحَارِث مصريون وَسَعِيد بن الْحَارِث مدنِي والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَعَمْرو بن سَواد كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن سعيد بن الْحَارِث بِهِ. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " اشْتَكَى " أَي ضعف قَالَه بَعضهم وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ على هَذَا التَّفْسِير لَا يلائمه قَوْله " شكوى " لِأَن معنى الشكوى الْمَرَض وَالتَّفْسِير الصَّحِيح أَن اشتكي من الشكاية وشكوى بِلَا تَنْوِين لِأَنَّهُ مثل حُبْلَى أَي اشْتَكَى سعد عَن مزاجه لمَرض لَهُ قَوْله " يعودهُ " جملَة حَالية قَوْله " فِي غاشية أَهله " بالغين والشين المعجمتين وَقَالَ الْخطابِيّ هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن أَن يُرَاد بِهِ الْقَوْم الْحُضُور عِنْده الَّذين هم غاشيته أَي يغشونه للْخدمَة وَأَن يُرَاد يتغشاه من كرب الوجع الَّذِي بِهِ (قلت) لفظ أَهله يَأْبَى الْمَعْنى الثَّانِي فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا على رِوَايَة الْعَامَّة بِإِسْقَاط أَهله ويروى فِي غَشيته قَالَ الْكرْمَانِي أَي فِي إغمائه وَقَالَ التوريشتي فِي شرح المصابيح الغاشية الداهية من شَرّ أَو مرض أَو مَكْرُوه وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا مَا كَانَ يتغشاه من كرب الوجع الَّذِي فِيهِ لَا الْمَوْت لِأَنَّهُ بَرِيء من ذَلِك الْمَرَض وعاش بعده زَمَانا قَوْله " فَقَالَ " أَي رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله " قد قضى " فِيهِ معنى الِاسْتِفْهَام أَي أقد خرج من الدُّنْيَا ظن أَنه قد مَاتَ فَسَأَلَ عَن ذَلِك قَوْله " أَلا تَسْمَعُونَ " لَا يَقْتَضِي مَفْعُولا لِأَنَّهُ جعل كالفعل اللَّازِم أَي أَلا تَجِدُونَ السماع قَوْله " إِن الله " بِكَسْر الْهمزَة لِأَنَّهُ ابْتِدَاء كَلَام هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَاعْتمد عَلَيْهِ بَعضهم حَتَّى نَقله عَنهُ من غير أَن ينْسب إِلَيْهِ وَلَكِنِّي أَقُول مَا الْمَانِع أَن يكون أَن الْفَتْح فِي مَحل الْمَفْعُول لتسمعون وَهُوَ الملائم لِمَعْنى الْكَلَام قَوْله " وَلَكِن يعذب بِهَذَا " يَعْنِي إِذا قَالُوا سوأ من القَوْل وهجرا قَوْله " أَو يرحم الله " قَالَ ابْن بطال يحْتَمل مَعْنيين أَو يرحم إِن لم ينفذ الْوَعيد فِيهِ أَو يرحم من قَالَ خيرا أَو استسلم لقَضَاء الله تَعَالَى وَقَالَ الْكرْمَانِي إِن صحت الرِّوَايَة بِالنّصب أَو بِمَعْنى إِلَى أَنه يَعْنِي يعذب إِلَى أَن يرحمه الله لِأَن الْمُؤمن لَا بُد أَن يدْخل الْجنَّة آخرا قَوْله " وَكَانَ عمر " عطف على لفظ اشْتَكَى فَيكون مَوْصُولا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى ابْن عمر ﵁ إِنَّمَا كَانَ عمر ﵁ يضْرب بعد الْمَوْت لقَوْله ﷺ َ - " فَإِذا وَجب فَلَا تبكين باكية " فِي حَدِيث الْمُوَطَّأ عَن جَابر بن عتِيك وَكَانَ عمر يضربهن أدبا لَهُنَّ لِأَنَّهُ كَانَ الإِمَام قَالَه الدَّاودِيّ وَقَالَ غَيره إِنَّمَا كَانَ يضْرب فِي بكاء مَخْصُوص وَقبل الْمَوْت وَبعده سَوَاء وَذَلِكَ إِذا نَحن وَنَحْوه قَوْله " ويحثي بِالتُّرَابِ " كَانَ يتأسى بقوله ﷺ َ - فِي نسَاء جَعْفَر " أحث فِي أفواههن التُّرَاب " (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ اسْتِحْبَاب عِيَادَة الْفَاضِل الْمَفْضُول واستحباب عِيَادَة الْمَرِيض. وَفِيه النَّهْي عَن الْمُنكر وَبَيَان الْوَعيد عَلَيْهِ. وَفِيه جَوَاز الْبكاء عِنْد الْمَرِيض والترجمة معقودة لذَلِك. وَفِيه جَوَاز اتِّبَاع الْقَوْم للباكي فِي بكائه. وَفِيه أَن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي -
стр. 2292
٥٤ - (بابُ مَا يُنْهَى عنِ النَّوْحِ والبُكَاءِ وَالزَّجْرِ عنْ ذالِك)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى ... إِلَى آخِره، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: بَاب النَّهْي، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة وَالْفرق بَين الْبكاء وَالنوح أَن الْبكاء إِذا كَانَ بِالْمدِّ يكون بِمَعْنى النوح، وَإِذا كَانَ مَقْصُورا يكون بِمَعْنى الْحزن، والزجر: الردع.
٥٠٣١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سَعيد. قَالَ أخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ لَمَّا جاءَ قَتْلُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وعَبْدِ الله بنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ النبيُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الحزْنُ وأنَا أطَّلِعُ مِنْ شَقِّ البَابِ فأتاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فأمَرَهُ بِأنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ وذَكَرَ أنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ فَأمَرَهُ الثَّانِيَةَ أنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أتَى فَقَالَ وَالله لَقَدْ غَلَبْنَنِي أوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بنِ حَوْشَبٍ فَزَعَمَتْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فاحْثُ فِي أفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ فَقُلْتُ أرْغَمَ الله أنْفَكَ فَوَالله مَا أنْتَ بِفَاعِلٍ وَما تَرَكْتَ رسولَ الله ﷺ مِنَ العَنَاءِ.
(أنظر الحَدِيث ٩٩٢١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمره بِأَن ينهاهن) . وَفِي قَوْله: (فاحث فِي أفواههن من التُّرَاب) فَإِن فِيهِ زجرا عَن ذَلِك، وَقد مر الحَدِيث قبل هَذَا الْبَاب بأَرْبعَة أَبْوَاب فِي: بَاب من جلس عِنْد الْمُصِيبَة يعرف فِيهِ الْحزن.
وَأخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. وحوشب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة على وزن جَعْفَر، وَمُحَمّد هَذَا طائفي، نزل الْكُوفَة. قَالَ بَعضهم: ذكر الْأصيلِيّ أَنه لم يرو عَنهُ غير البُخَارِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل روى عَنهُ أَيْضا مُحَمَّد بن مُسلم بن واره كَمَا ذكره الْمزي فِي (التَّهْذِيب) قلت: مُرَاد الْأصيلِيّ أَنه لم يرو عَنهُ غَيره من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة. قَوْله: (أَي رَسُول الله) يَعْنِي: يَا رَسُول الله. قَوْله: (إِن نسَاء جَعْفَر) ، خبر: إِن، مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ قَوْله: (فَذكر بكاءهن) . قَوْله: (الشَّك من مُحَمَّد بن حَوْشَب) ، من كَلَام البُخَارِيّ وَنسبه هُنَا إِلَى جده. قَوْله: (مَا أَنْت بفاعل) أَي: لما أَمرك رَسُول الله ﷺ من النَّهْي الْوَاجِب. قَوْله: (من العناء) أَي: من جِهَة العناء وَهُوَ التَّعَب أَو خَالِيا مِنْهُ.
٦٠٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أمِّ عطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أخذَ عَلَيْنَا النبيُّ ﷺ عِنْدَ البَيْعَةِ أنْ لَا نَنُوحَ فَما وفتْ مِنَّا امْرَأةٌ غَيْرُ خَمْسِ نِسْوَةٍ أُمُ سُلَيْمٍ وَأُمُ العَلَاءِ وَابْنَةُ أبِي سَبْرَةَ امْرَأةُ مُعَاذ وَامْرَأتَيْنِ أوْ ابْنَةُ أبِي سَبْرَةَ وَامْرَأةُ مُعَاذٍ وِامْرَأةٌ أُخْرَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَخذ علينا النَّبِي ﷺ أَن لَا ننوح) ، وَالنوح لَو لم يكن مَنْهِيّا عَنهُ لما أَخذ ﷺ عَلَيْهِنَّ فِي الْبيعَة ترك النوح، وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب هُوَ الحَجبي، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَأم عَطِيَّة اسْمهَا نسيبة، وَالْكل تقدمُوا وَكلهمْ بصريون.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة عَن الْحسن بن أَحْمد.
قَوْله: (عِنْد الْبيعَة) ، بِفَتْح الْبَاء وَهِي المعاهدة لما بايعهن على الْإِسْلَام. قَوْله: (أَن لَا ننوح) أَي: بِأَن لَا ننوح، و: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (فَمَا وفت) أَي: بترك النوح. قَوْله: (أم سليم) ، بِضَم السِّين: هِيَ ابْنة ملْحَان وَالِدَة أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسْمهَا: سهلة، على اخْتِلَاف فِيهِ. قَوْله: (وَأم الْعَلَاء) ، بِالْمدِّ، الْأَنْصَارِيَّة تقدم ذكرهَا فِي الْبَاب الثَّالِث من أول الْجَنَائِز. قَوْله: (وَابْنَة أبي سُبْرَة) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي امْرَأَة معَاذ بن جبل
стр. 2293
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي: بَاب زَوْجَة فلَان: زَوْجَة معَاذ، قَالَت أم عَطِيَّة: أَخذ علينا فِي الْبيعَة أَن لَا ننوح، فَمَا وفت منا غير خمس، فَسَمت هَذِه. قَوْله: (وَامْرَأَتَانِ) ، ويروى: (وَامْرَأَتَيْنِ) ، وَذَلِكَ بِحَسب الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، وَهُوَ أَن قَوْله: (أم سليم) يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَنه خبر مُبْتَدأ الرّفْع على مَحْذُوف تَقْدِيره: أَحدهَا أم سليم، وَالْآخر الْجَرّ على أَنه بدل من خمس نسْوَة، وَكَذَلِكَ الْوَجْهَانِ فِي أم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة. وَقَوله: (وَامْرَأَتَيْنِ) تَكْمِلَة الْخمس النسْوَة، وَهِي: أم سليم وَأم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة وَامْرَأَتَانِ. قَوْله: (أَو ابْنة أبي سُبْرَة) إِلَى آخِره، شكّ من الرَّاوِي، فعلى القَوْل الأول تكون بنت أبي سُبْرَة امْرَأَة معَاذ بن جبل، وعَلى القَوْل الثَّانِي تكون غَيرهَا، لِأَنَّهُ عطف على ابْنة أبي سُبْرَة، بقوله: (وَامْرَأَة معَاذ) ، وعَلى هَذَا الْخمس هِيَ: أم سليم وَأم الْعَلَاء وَابْنَة أبي سُبْرَة وَامْرَأَة معَاذ وَامْرَأَة أُخْرَى. وَلَقَد خلط بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان بِالنَّقْلِ من مَوَاضِع كَثِيرَة غير الصِّحَاح وَتكلم بالتخمين والحسبان، وَالصَّحِيح مَا فِي الصَّحِيح وَالله أعلم، وَقَالَ النَّوَوِيّ قَوْلهَا: (فَمَا وفت منا امْرَأَة) إلَاّ خمس، مَعْنَاهُ: لم يَفِ مِمَّن بَايع مَعَ أم عَطِيَّة فِي الْوَقْت الَّذِي بَايَعت فِيهِ من النسْوَة، لَا أَنه لم يتْرك النِّيَاحَة من المسلمات غير خمس.
وَقَالَ: فِيهِ: تَحْرِيم النوح وَعظم قبحه والاهتمام بإنكاره والزجر عَنهُ لِأَنَّهُ مهيج للحزن ودافع للصبر. وَفِيه: مُخَالفَة للتسليم للْقَضَاء والإذعان لأمر الله تَعَالَى.
٦٤ - (بابُ القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقيام للجنازة إِذا مرت بِهِ وَلم يكن مَعهَا، وَإِنَّمَا لم يشر إِلَى الحكم لِأَن فِيهِ اخْتِلَافا على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٠٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَامِرِ بنِ أبِي رَبِيعَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إذَا رَأيْتُمْ الجِنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ. قَالَ سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ عنْ أبِيهِ. قَالَ أخبرنَا عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ عنِ النبيِّ ﷺ زَادَ الحُمَيْدِيُّ حَتَّى تخَلِّفَكُمْ أوْ تُوضَعَ.
(الحَدِيث ٧٠٣١ طرفه فِي: ٨٠٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب. الْخَامِس: أَبوهُ عبد الله بن عمر. السَّادِس: عَامر بن ربيعَة، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: صَاحب الهجرتين، مر فِي كتاب تَقْصِير الصَّلَاة. السَّابِع: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم: واسْمه عبد الله بن الزبير الْقرشِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن سُفْيَان والْحميدِي مكيان وَالزهْرِيّ وَسَالم مدنيان. وَفِيه: أَن الْحميدِي أَيْضا من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ عَن النَّبِي ﷺ .
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن ابْن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَابْن نمير، جَمِيعهم عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن لَيْث وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب وَعَن أبي كَامِل الجحدري عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن يَعْقُوب بن أبراهيم عَن ابْن علية وَعَن أبي مُوسَى عَن ابْن أبي عدي وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عَامر بن ربيعَة وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن عَامر بن ربيعَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عَامر بن ربيعَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن رمج عَن اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع إِلَى آخِره. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا من خمس طرق صِحَاح.
стр. 2294
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى تخلفكم) بِضَم التَّاء وَتَشْديد اللَّام أَي: تتجاوزكم وتجعلكم خلفهَا، وَلَيْسَ المُرَاد التَّخْصِيص بِكَوْن الْجِنَازَة تتقدم، بل المُرَاد مفارقتها سَوَاء تخلف الْقَائِم لَهَا وَرَاءَهَا أَو خلفهَا الْقَائِم وَرَاءه وَتقدم، وَهُوَ من قَوْلك: خلفت فلَانا ورائي فَتخلف عني أَي: تَأَخّر، وَهُوَ بتَشْديد اللَّام. وَأما خلفت بتَخْفِيف اللَّام فَمَعْنَاه: صرت خَليفَة عَنهُ، تَقول: خلفت الرجل فِي أَهله إِذا أَقمت بعده فيهم وَقمت عَنهُ بِمَا كَانَ يَفْعَله، وَخلف الله لَك بِخَير وأخلف عَلَيْك خيرا أَي: أبدلك بِمَا ذهب مِنْك وعوضك عَنهُ، وَالْخلف، بتحريك اللَّام والسكون: كل من يَجِيء بعد من مضى، إلَاّ أَن بِالتَّحْرِيكِ فِي الْخَيْر، وبالتسكين فِي الشَّرّ. يُقَال: خلف صدق وَخلف سوء. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة﴾ (مَرْيَم: ٩٥) . ثمَّ إِسْنَاد التخليف إِلَى الْجِنَازَة على سَبِيل الْمجَاز لِأَن المُرَاد حاملها: قَوْله: (زَاد الْحميدِي) ، يَعْنِي: عَن سُفْيَان بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقد رَوَاهُ الْحميدِي مَوْصُولا فِي (مُسْنده) . قَوْله: (أَو تُوضَع) ، هَذَا رُوِيَ بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة. فَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (حَتَّى تخلفكم أَو تُوضَع) أَي: أَو تُوضَع الْجِنَازَة من أَعْنَاق الرِّجَال على الأَرْض، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (حَتَّى تخلفه أَو تُوضَع) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (حَتَّى تخلفكم) ، فَقَط وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (حَتَّى تُوضَع أَو تخلفكم) ، وَقَالَ عِيَاض: وَفِي لفظ: (حَتَّى تخلف أَو تُوضَع) . ثمَّ هَل المُرَاد بِالْوَضْعِ الْوَضع على الأَرْض أَو وَضعهَا فِي اللَّحْد؟ اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَات، فَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عقيب حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقومُوا، فَمن تبعها فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع) . روى هَذَا الحَدِيث الثَّوْريّ عَن سهل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ فِيهِ: (حَتَّى تُوضَع بِالْأَرْضِ) . وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة عَن سُهَيْل، قَالَ: (حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد) . قَالَ أَبُو دَاوُد: وسُفْيَان أحفظ من أبي مُعَاوِيَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله من حَدِيث عُثْمَان. أخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبان بن عُثْمَان أَنه: مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا، وَقَالَ: إِن عُثْمَان مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا: وَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ لَهَا. وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار أَيْضا. وَمن حَدِيث أبي سعيد الْمَذْكُور آنِفا، وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم على جَنَازَة وَلم يمش مَعهَا فَليقمْ حَتَّى تغيب عَنهُ، فَإِن مَشى مَعهَا فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع) . أخرجه الطَّحَاوِيّ، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (مر على النَّبِي ﷺ بِجنَازَة فَقَامَ، وَقَالَ: قومُوا فَإِن للْمَوْت فَزعًا) . وَمن حَدِيث يزِيد بن ثَابت: (أَنهم كَانُوا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله ﷺ فطلعت جَنَازَة، فَقَامَ رَسُول الله ﷺ وَقَامَ من مَعَه، فَلم يزَالُوا قيَاما حَتَّى بَعدت) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَمن حَدِيث عبد الله بن سَخْبَرَة: (أَن أَبَا مُوسَى أخْبرهُم أَن النَّبِي، ﷺ ، إِذا مرت بِهِ جَنَازَة قَامَ حَتَّى تجاوزه) ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة. وَقوم على أَن الْجِنَازَة إِذا مرت بِأحد يقوم لَهَا وهم: الْمسور ابْن مخرمَة وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو بن مَيْمُون. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : جَاءَت آثَار صِحَاح ثَابِتَة توجب الْقيام للجنازة، وَقَالَ بهَا جمَاعَة من السّلف وَالْخلف، ورأوها غير مَنْسُوخَة، وَقَالُوا: لَا يجلس من اتبع الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع عَن أَعْنَاق الرِّجَال، مِنْهُم إِسْحَاق وَالْحسن بن عَليّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن الزبير وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَذهب إِلَى ذَلِك الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: لَيْسَ على من مرت بِهِ جَنَازَة أَن يقوم لَهَا، وَلمن تبعها أَن يجلس وَإِن لم تُوضَع. قلت: أَرَادَ بالآخرين عُرْوَة ابْن الزبير وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة وَالْأسود وَنَافِع وَابْن جُبَير وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأَبا يُوسُف ومحمدا، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَمُجاهد وَأبي إِسْحَاق،. ويروى ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْنه الْحسن وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة، قَالَه الْحَازِمِي، وَقَالَ عِيَاض: وَمِنْهُم من ذهب إِلَى التَّوسعَة والتخيير وَلَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق وَابْن حبيب وَابْن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة.
وذهبوا إِلَى أَن الْأَمر بِالْقيامِ مَنْسُوخ، وتمسكوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث مِنْهَا: مَا أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) : عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يقوم فِي الْجِنَازَة ثمَّ جلس بعد) ، وَعند ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) (كَانَ يَأْمُرنَا بِالْقيامِ فِي الْجَنَائِز ثمَّ جلس بعد ذَلِك وَأمر بِالْجُلُوسِ) . قَالَ الْحَازِمِي: قَالَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن: حَدثنَا أَبُو بكر الطَّبَرِيّ حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة عَن سُفْيَان عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَن أبي معمر قَالَ: مرت بِنَا جَنَازَة فَقُمْت، فَقَالَ عَليّ: من أَفْتَاك هَذَا؟ قلت: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، فَقَالَ عَليّ: مَا فعله رَسُول الله ﷺ إلَاّ مرّة
стр. 2295
فَلَمَّا نسخ ذَلِك وَنهى عَنهُ) .
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْأَمر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، فَقيل: للْوُجُوب، وَإِن الْقيام للجنازة إِذا مرت وَاجِب وَقيل للنَّدْب والاستحباب، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن حزم. وَقيل: كَانَ وَاجِبا ثمَّ نسخ على مَا ذكرنَا، وَاخْتَارَ النَّوَوِيّ على أَنه للاستحباب، وَإِلَيْهِ ذهب الْمُتَوَلِي من الشَّافِعِيَّة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: والْحَدِيث لَيْسَ بمنسوخ وَلَا تصح دَعْوَى النّسخ فِي مثل هَذَا، لِأَن النّسخ إِنَّمَا يكون إِذا تعذر الْجمع بَين الْأَحَادِيث وَلم يتَعَذَّر. قلت: ورد التَّصْرِيح بالنسخ فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَذْكُور، وَتكلم الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على حَدِيث عَامر بن ربيعَة باحتمالات حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ والحازمي، فَقَالَ: وَهَذَا لَا يعدو أَن يكون مَنْسُوخا. وَأَن يكون النَّبِي ﷺ قَامَ لَهَا لعِلَّة، وَقد رَوَاهَا بعض الْمُحدثين أَنَّهَا كَانَت جَنَازَة يَهُودِيّ، فَقَامَ لَهَا كَرَاهَة أَن تطوله. قَالَ: وَأيهمَا كَانَ فقد جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ تَركه بعد فعله، قَالَ: وَالْحجّة فِي ذَلِك فِي الْآخِرَة من أمره إِن كَانَ الأول وَاجِبا فالآخر من أمره نَاسخ، وَإِن كَانَ الأول اسْتِحْبَابا فالآخر من أمره هُوَ الِاسْتِحْبَاب، وَإِن كَانَ مُبَاحا فَلَا بَأْس بِالْقيامِ وَالْقعُود. قَالَ: وَالْقعُود أحب إِلَيّ لِأَنَّهُ الآخر من فعله، ثمَّ الْأَمر بِالْقيامِ للجنازة فِي حَدِيث الْبَاب وَغَيره عَام فِي جَنَازَة الْمُسلم وَغَيره من أهل الْكتاب، وَقد ورد فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ التَّصْرِيح بذلك فِيمَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زياداته على الْمسند) والطَّحَاوِي من رِوَايَة لَيْث عَن أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِذا مرت بكم جَنَازَة فَإِن كَانَ مُسلما أَو يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا فَقومُوا لَهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يقوم لَهَا وَلَكِن يقوم لمن مَعهَا من الْمَلَائِكَة) . وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: فِي حَدِيث أبي مُوسَى هَذَا التَّخْصِيص بِجنَازَة الْمُسلم وَأهل الْكتاب، وَالْعلَّة الْمَذْكُورَة فِيهِ تَقْتَضِي عدم تَخْصِيصه بهم، بل بِجَمِيعِ بني آدم، وَإِن كَانُوا كفَّارًا غير أهل كتاب، لِأَن الْمَلَائِكَة مَعَ كل نفس.
وَاخْتلفت الْأَحَادِيث فِي تَعْلِيل الْقيام بِجنَازَة الْيَهُودِيّ أَو الْيَهُودِيَّة، فَفِي حَدِيث جَابر: التَّعْلِيل، بقوله: (إِن الْمَوْت فزع) ، وَحَدِيث جَابر أخرجه البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَفِي حَدِيث سهل بن حنيف وَقيس التَّعْلِيل بِكَوْنِهَا نفسا، وحديثهما أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ على مَا يَأْتِي. وَفِي حَدِيث أنس: (إِنَّمَا قمنا للْمَلَائكَة) ، أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن جَنَازَة مرت برَسُول الله ﷺ فَقَامَ، فَقيل: إِنَّهَا جَنَازَة يَهُودِيّ ... فَقَالَ: إِنَّمَا قمنا للْمَلَائكَة) ، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. وَفِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (إِنَّمَا يقومُونَ إعظاما للَّذي يقبض الْأَرْوَاح) أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة ربيعَة بن سيف المغافري عَن أبي عبد الرَّحْمَن الْجبلي (عَن عبد الله ابْن عَمْرو، قَالَ: سَأَلَ رجل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، تمر بِنَا جَنَازَة الْكَافِر أفنقوم لَهَا؟ قَالَ: نعم، فَقومُوا لَهَا فَإِنَّكُم لَسْتُم تقومون لَهَا، إِنَّمَا تقومون إعظاما للَّذي يقبض الْأَرْوَاح) . وَفِي حَدِيث الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه كره أَن تعلو رَأسه، أخرجه النَّسَائِيّ (فَقَالَ الْحسن: مر بِجنَازَة يَهُودِيّ وَكَانَ رَسُول الله ﷺ على طريقها جَالِسا، فكره أَن تعلو رَأسه جَنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ) . وَفِي حَدِيث رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن وَابْن عَبَّاس، أَو عَن أَحدهمَا. (أَن النَّبِي ﷺ مرت بِهِ جَنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ) وَقَالَ: آذَانِي (نتنها) ويروي آذَانِي (رِيحهَا) .
(بَاب مَتى يقْعد إِذا قَامَ للجنازة) ٢.
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَتى يقْعد الرجل إِذا قَامَ لجنازة مرت بِهِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي ذكر هَذَا الْبَاب وَلَا التَّرْجَمَة وَثبتت التَّرْجَمَة دون ذكر الْبَاب فِي رِوَايَة غَيره.
حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ عَن عَامر بن ربيعَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا رأى أحدكُم جَنَازَة فَإِن لم يكن مَاشِيا مَعهَا فَليقمْ حَتَّى يخلفها أَو تخلفه أَو تُوضَع من قبل أَن تخلفه.
مطابقته للتَّرْجَمَة على تَقْدِير وجودهَا تَأْخُذ من قَوْله (أَو تُوضَع) فَإِنَّهَا إِذا وضعت يقْعد وَهَذَا زمَان الْقعُود وعَلى تَقْدِير عدم التَّرْجَمَة يكون الحَدِيث دَاخِلا فِي حكم الْبَاب السَّابِق، لِأَن الْمَذْكُور فيهمَا عَن عَامر بن ربيعَة. قَوْله: (حَتَّى يخلفها
стр. 2296
أَو تخلفه) شكّ من أحد الروَاة، أَي: حَتَّى يخلف الرجل الْجِنَازَة أَو تخلف الْجِنَازَة الرجل، وَقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة وَمُسلم عَنهُ وَعَن مُحَمَّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث فَقَالَا: (حَتَّى تخلفه) من غير شكّ. قَوْله: (أَو تُوضَع) كلمة: أَو، هُنَا للتنويع لَا للشَّكّ أَي: تُوضَع الْجِنَازَة على الأَرْض من أَعْنَاق الرِّجَال.
٠١٣١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ يَعْنِي ابنَ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ . قَالَ إذَا رَأيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ.
(أنظر الحَدِيث ٩٠٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع) ، فَإِنَّهُ يدل على أَن زمن الْقعُود لمن مرت بِهِ جَنَازَة حِين وَضعهَا على الأَرْض إِذا تبعها، وَأما إِذا يتبعهَا فَإِنَّهُ يقوم إِلَى أَن تغيب عَنهُ الْجِنَازَة لما روى أَحْمد فِي (مُسْنده) من طَرِيق سعيد ابْن مرْجَانَة عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من صلى على جَنَازَة وَلم يمش مَعهَا، فَليقمْ حَتَّى تغيب عَنهُ، وَإِن مَشى مَعهَا فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع) . وَشَيخ البُخَارِيّ هُوَ مُسلم بن أبراهيم، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَالْكل قد ذكرُوا غير مرّة. قَوْله: (فَقومُوا) أَمر بِالْقيامِ، وَلَا يُؤمر بِالْقيامِ إلَاّ للقاعد، فَإِن كَانَ رَاكِبًا يقف لِأَن الْوُقُوف فِي حَقه كالقيام فِي حق الْقَاعِد.
٨٤ - (بابُ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ فانْ قَعَدَ أُمِرَ بِالقِيامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من اتبع جَنَازَة، وَالْحكم هُوَ أَن لَا يقْعد حَتَّى تُوضَع الْجِنَازَة عَن مناكب الرِّجَال، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِي المُرَاد بِالْوَضْعِ: هَل هُوَ وَضعهَا على الأَرْض أَو فِي اللَّحْد؟ فَكَأَن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَنه اخْتَار رِوَايَة من روى حَتَّى تُوضَع فِي الأَرْض. قَوْله: (أَمر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، مَعْنَاهُ: أَن الَّذِي مرت بِهِ جَنَازَة إِن كَانَ قَائِما ثمَّ قعد فَإِنَّهُ يُؤمر بِالْقيامِ إِلَى أَن تُوضَع، وَقد مر الْكَلَام فِي الْأَمر بِالْقيامِ: هَل كل وَاجِبا أَو سنة أَو مُسْتَحبا؟
٩٠٣١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ. قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فأخَذَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أنْ تُوضَعَ فَجَاءَ أبُو سعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فأخَذَ بِيَدَ مَرْوَانَ فَقَالَ قُمْ فَوَالله لَقَدْ عَلِمَ هاذَا أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَانَا عنْ ذالِكَ فَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ صَدَقَ.
(الْحَدث ٩٠٣١ طرفه فِي: ٠١٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا سعيد أَمر بِالْقيامِ للجنازة بعد أَن جلس هُوَ وَأَبُو هُرَيْرَة فَإِن قلت: سلمنَا أَنه أَمر مَرْوَان بِالْقيامِ، وَلَكِن قِيَامه لَا يفهم من صَرِيح الحَدِيث؟ قلت: روى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق الشّعبِيّ عَن أبي سعيد، قَالَ: مر على مَرْوَان بِجنَازَة فَلم يقم، فَقَالَ لَهُ أَبُو سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن رَسُول الله ﷺ مرت عَلَيْهِ جَنَازَة فَقَامَ، فَقَامَ مَرْوَان، وأصل الحَدِيث وَاحِد.
ذكر رِجَاله: وهم أَحْمد بن يُونُس وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَابْن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة: هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، وَسَعِيد المَقْبُري، بِفَتْح الْمِيم وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا وَقيل بِكَسْرِهَا أَيْضا: سمي بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يحفظ مَقْبرَة بني دِينَار، وَأَبوهُ كيسَان، ومروان هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ أَبُو عبد الْملك الْأمَوِي، وَأَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك، وَالْكل تقدمُوا. والْحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
قَوْله: (لقد علم هَذَا) أَي: أَبُو هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ نَهَانَا عَن الْجُلُوس قبل وضع الْجِنَازَة. قَوْله: (صدق) ، أَي: أَبُو سعيد، وَفِي (التَّوْضِيح) : قعُود أبي هُرَيْرَة ومروان دَلِيل على أَنَّهُمَا علما أَن الْقيام لَيْسَ بِوَاجِب، وَأَنه أَمر مَتْرُوك لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَل، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون الْعَمَل على الْقيام عِنْدهم، ويجلسان، وَلَو كَانَ مَعْمُولا بِهِ لما خَفِي على مَرْوَان لتكرر مثل هَذَا الْأَمر وَكَثْرَة شهودهم الْجَنَائِز. فَإِن قلت: مَا وَجه تَصْدِيق أبي هُرَيْرَة أَبَا سعيد على مَا ذكر؟ قلت: تَصْدِيقه إِيَّاه لأجل مَا علم من
стр. 2297
النَّبِي ﷺ أَنه نهى أَولا عَن الْقعُود عِنْد مُرُور الْجِنَازَة، وَعلم بعد ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ قعد، فَصدقهُ على مَا كَانَ أَولا وَجلسَ هُوَ ومروان على مَا اسْتَقر عَلَيْهِ آخر الْعَمَل.
٩٤ - (بابُ منْ قامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من قَامَ لأجل جَنَازَة يَهُودِيّ، وَلَيْسَ ذكر الْيَهُودِيّ قيدا، بل النَّصْرَانِي وَغَيرهمَا من الْكفَّار سَوَاء، وَقد ذكرنَا وَجه ذَلِك عَن قريب.
١١٣١ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عنْ عُبَيدِ الله بنِ مِقْسَمٍ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ مرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فقامَ لَهَ النبيُّ ﷺ وَقُمْنَا بِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله إنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ قَالَ إذَا رَأيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ أَمر بِالْقيامِ عِنْد رُؤْيَة الْجِنَازَة، وَلَو كَانَت جَنَازَة غير مُسلم.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: معَاذ بن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء: أَبُو زيد الزهْرَانِي. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير ضد الْقَلِيل. الرَّابِع: عبد الله بن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح السِّين الْمُهْملَة: مولى ابْن أبي نمر الْقرشِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه بَصرِي وَهِشَام أَيْضا بَصرِي وَلكنه اشْتهر بنسبته إِلَى دستوا قَرْيَة من قرى الأهواز، كَانَ يَبِيع الثِّيَاب الَّتِي تجلب مِنْهَا فنسب إِلَيْهَا، وَيحيى يمامي وَعبيد الله مدنِي.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن شُرَيْح بن يُونُس وَعلي بن حجر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُؤَمل بن الْفضل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، وَلَفظ مُسلم: (مرت جَنَازَة فَقَامَ لَهَا رَسُول الله ﷺ وقمنا مَعَه، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله إِنَّهَا يَهُودِيَّة؟ فَقَالَ: إِن الْمَوْت فزع، فَإِذا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقومُوا) . وَلَفظ أبي دَاوُد، قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ إِذْ مرت جَنَازَة، فَقَامَ لَهَا، فَلَمَّا ذَهَبْنَا لنحمل أذا هِيَ جَنَازَة يَهُودِيّ، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله إِنَّمَا هِيَ جَنَازَة يَهُودِيّ؟ فَقَالَ: إِن الْمَوْت فزع، فَإِذا رَأَيْتُمْ جَنَازَة فَقومُوا) . وَلَفظ النَّسَائِيّ كَلَفْظِ مُسلم، وَعلل ﷺ الْقيام للجنازة بِالرُّؤْيَةِ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره بِكَوْن الْمَوْت فَزعًا، فَيكون الْقيام لأجل الْفَزع من الْمَوْت وعظمته، والجنازة تذكر ذَلِك فتستوي فِيهِ جَنَازَة الْمُسلم وَالْكَافِر. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
قَوْله: (مر بِنَا) ، بِضَم الْمِيم على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مرت) ، بِفَتْح الْمِيم. قَوْله: (فَقَامَ لَهَا) ، وَسقط: لَهَا، فِي رِوَايَة كَرِيمَة. قَوْله: (وقمنا) ، بِالْوَاو رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فقمنا) بِالْفَاءِ، وَزَاد الْأصيلِيّ وكريمة: (بِهِ) ، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْقيام الدَّال عَلَيْهِ. قَوْله: (قَامَ) أَي: قمنا لأجل قِيَامه. قَوْله: (فزع) من قبيل قَوْلهم: رجل عدل للْمُبَالَغَة، لِأَنَّهُ جعل نفس الْمَوْت فَزعًا، أَو التَّقْدِير: ذُو فزع، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (إِن للْمَوْت فَزعًا) ، وَمثله عَن ابْن عَبَّاس عِنْد الْبَزَّار.
٢١٣١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ: قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي لَيْلَى. قَالَ كانَ سَحْلُ بنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بنُ سَعْدٍ قاعِدَيْنِ بِالقَادِسِيَّةِ فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا فَقِيلَ لَهُمَا إنَّهَا مِنْ أهْلِ الأرْضِ أيْ مِنْ أهْلِ الذِّمَّةِ فقالَا إنَّ النبيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فقَامَ فَقِيلَ لَهُ إنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ ألَيْسَتْ نَفْسا؟
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: آدم بن أبي إِيَاس خراساني، سكن عسقلان، وَشعْبَة بن الْحجَّاج واسطي، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن عبد الله الْمرَادِي الْأَعْمَى الْكُوفِي، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، بِفَتْح الّلامين، وَاسم أبي ليلى يسَار الْكُوفِي، وَسَهل بن حنيف، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء وَفِي آخِره فَاء: الأوسي الْأنْصَارِيّ،
стр. 2298
رُوِيَ لَهُ أَرْبَعُونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ مِنْهَا أَرْبَعَة، مَاتَ بِالْكُوفَةِ وَصلى عَلَيْهِ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيس بن سعد بن عبَادَة، بِضَم الْمُهْملَة: الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ الْجواد ابْن الْجواد، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة ودهاة الْعَرَب شرِيف قومه لم يكن فِي وَجهه لحية وَلَا شَعْرَة، وَكَانَت الْأَنْصَار تَقول: وَدِدْنَا أَن نشتري لحية الْقَيْس بِأَمْوَالِنَا، وَكَانَ جميلاً، مَاتَ سنة سِتِّينَ.
واالحديث أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَاعِدين) ، تَثْنِيَة قَاعد مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ. قَوْله: (بالقادسية) ، بِالْقَافِ وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وبالسين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مَدِينَة صَغِيرَة ذَات نخيل ومياه. قَالَ الْكرْمَانِي: بَينهَا وَبَين الْكُوفَة مرحلتان، وَفِي (الْمُشْتَرك) بَينهَا وَبَين الْكُوفَة خَمْسَة عشر فرسخا فِي طَرِيق الْحَاج، وَبهَا كَانَت وقْعَة الْقَادِسِيَّة فِي أَيَّام عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والقادسية قَرْيَة كَبِيرَة بِالْقربِ من سامراء يعْمل فِيهَا الزّجاج، وَإِنَّمَا سميت بِهَذَا الإسم لنزول أهل قادس بهَا، وقادس قَرْيَة بمرو الروذ، وَذكر ياقوت خمس بِلَاد يُقَال لكل وَاحِد مِنْهَا: قادسية. قَوْله: (عَلَيْهِمَا) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (عَلَيْهِم) ، أَي: على سهل وَقيس وَمن كَانَ مَعهَا. قَوْله: (أَي من أهل الذِّمَّة) ، هَذَا تَفْسِير لقَوْله: (من أهل الأَرْض) ، كَذَا فِي رِوَايَات (الصَّحيحين) وَغَيرهمَا، وَقَالَ ابْن التِّين نَاقِلا عَن الدَّاودِيّ: إِنَّه شَرحه بِلَفْظ: أَو، الَّتِي للشَّكّ. وَقَالَ: لم أر لغيره، وَقيل: لأهل الذِّمَّة: أهل الأَرْض، لِأَن الْمُسلمين لما فتحُوا الْبِلَاد أقروهم على عمل الأَرْض وَحمل الْخراج. قَوْله: (أليست نفسا؟) قَالَ ابْن بطال: أليست نفسا فَمَاتَتْ؟ فالقيام لَهَا لأجل صعوبة الْمَوْت وتذكره، فَكَأَنَّهُ إِذا قَامَ كَانَ أَشد لتذكره، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الْقيام للجنازة، اخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي تَعْلِيل الْقيام لَهَا، فتراها أحسن وأوجه من الَّذِي ذكره بَعضهم فِي هَذَا الْموضع.
٣١٣١ - وَقَالَ أبُو حمْزَةُ عَن الأَعْمَشِ عنْ عَمْرٍ وعنِ ابنِ أبي لَيْلَى. قَالَ كنْتُ مَعَ قَيْسٍ وسَهْلٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فقَالَا كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ
أَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة: واسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، مر فِي: بَاب نقض الْيَدَيْنِ من الْغسْل، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَعَمْرو بِالْوَاو هُوَ عَمْرو بن مرّة الْمَذْكُور، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة وَلَفظه نَحْو حَدِيث شُعْبَة إلَاّ أَنه قَالَ فِي رِوَايَته: (فمرت عَلَيْهِمَا جَنَازَة فقاما) ، وَلم يقل فِيهِ: بالقادسية، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَماع عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى لهَذَا الحَدِيث من سهل وَقيس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأَرَادَ بِهَذَا التقوية حَيْثُ قَالَ بِلَفْظ: كُنَّا، بِخِلَاف الطَّرِيق الأول فَإِنَّهُ يحْتَمل الْإِرْسَال.
وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ أبِي لَيْلَى كانَ أبُو مَسْعُودٍ وقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ
زَكَرِيَّا هُوَ: ابْن أبي زَائِدَة، من الزِّيَادَة، وَالشعْبِيّ هُوَ: عَامر بن شرَاحِيل، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن زَكَرِيَّا، وَأَبُو مَسْعُود اسْمه: عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ الخزرجي البدري، وَلم يشْهد بَدْرًا، وَإِنَّمَا قيل لَهُ البدري لِأَنَّهُ من مَاء بدر، سكن الْكُوفَة، مر فِي: بَاب مَا جَاءَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَقيس هُوَ الْمَذْكُور ابْن سعد، وغرضه من ذكر أبي مَسْعُود هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ يقوم للجنازة مثل قيس.
٠٥ - (بابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حمل الرِّجَال الْجِنَازَة دون حمل النِّسَاء إِيَّاهَا، لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث أخرجه أَبُو يعلى (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة، فَرَأى نسْوَة فَقَالَ: أتحملنه؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: أتدفنه؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: فارجعن مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات) . لِأَن الرِّجَال أقوى لذَلِك وَالنِّسَاء ضعيفات ومظنة للانكشاف غَالِبا، خُصُوصا إِذا باشرن الْحمل، ولأنهن إِذا حملنها مَعَ وجود الرِّجَال لوقع اختلاطهن بِالرِّجَالِ، وَهُوَ مَحل الْفِتْنَة ومظنة الْفساد. فَإِن قلت: إِذا لم يُوجد رجال؟ قلت: الضرورات مُسْتَثْنَاة فِي الشَّرْع.
стр. 2299
٤١٣١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا الليْثُ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَى أعْناقِهِمْ فإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كْلُّ شَيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ ولَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واحتملها الرِّجَال) فَإِن قلت: هَذَا إِخْبَار، فَكيف يكون حجَّة فِي منع النِّسَاء؟ قلت: كَلَام الشَّارِع مهما أمكن يحمل على التشريع لَا مُجَرّد الْإِخْبَار عَن الْوَاقِع.
وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وَاسم أبي سعيد: كيسَان، وَاسم أبي سعيد الْخُدْرِيّ: سعد بن مَالك، والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وضعت الْجِنَازَة) ، أَي: الْمَيِّت على النعش، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا اللَّفْظ يُطلق على الْمَيِّت وعَلى السرير الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْمَيِّت، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا النعش، وَلَفظ: احتملها، يؤكده وَيكون إِسْنَاد القَوْل إِلَيْهِ مجَازًا. قَوْله: (يَا وَيْلَهَا) ، مَعْنَاهُ: يَا حزني إحضر فَهَذَا أوانك، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: يَا ويلي، لكنه أضيف إِلَى الْغَائِب حملا على الْمَعْنى، كَأَنَّهُ لما أبْصر نَفسه غير صَالِحَة نفر عَنْهَا وَجعلهَا كَأَنَّهَا غَيره، وَكره أَن يضيف الويل إِلَى نَفسه. قَوْله: (لصعق) الصَّعق: أَن يغشى على الْإِنْسَان من صَوت شَدِيد يسمعهُ، وَرُبمَا مَاتَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْن بطال: (قدموني) أَي: إِلَى الْعَمَل الصَّالح الَّذِي عملته، يَعْنِي إِلَى ثَوَابه. وَفِي لفظ: (يسمع) ، دلَالَة أَن القَوْل هَهُنَا حَقِيقَة لَا مجَاز، وَأَنه تَعَالَى يحدث النُّطْق فِي الْمَيِّت إِذا شَاءَ. وَقَالَ: يَا وَيْلَهَا، لِأَنَّهَا تعلم أَنَّهَا لم تقدم خيرا، وَأَنَّهَا تقدم على مَا يسوؤها فتكره الْقدوم عَلَيْهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله: (لَو سَمعه) رَاجع إِلَى دُعَائِهِ بِالْوَيْلِ على نَفسهَا، أَي: تصيح بِصَوْت مُنكر لَو سَمعه الْإِنْسَان لأغشي عَلَيْهِ.
١٥ - (بابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِسْرَاع بالجنازة بعد الْحمل.
وَقَالَ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنْتُمْ مُشَيِّعُونَ فَامْشُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وعَنْ يَمِينِهَا وعَنْ شِمَالِهَا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السرعة بالجنازة لَا تكون غَالِبا إلَاّ فِي وجهات مُخْتَلفَة، وَلَا تكون فِي جِهَة مُعينَة لتَفَاوت النَّاس فِي الْمَشْي، وَتحصل الْمَشَقَّة من بَعضهم على بعض فِي تعْيين جِهَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تكون السرعة من جوانبها الْأَرْبَع، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن حميد عَن أنس فِي الْجِنَازَة: أَنْتُم مشيعون لَهَا تمشون أمامها وَخَلفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَن شمالها. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن حميد بِهِ. قَوْله: (فامشوا) بِصِيغَة الْجمع، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فامش) ، بِالْإِفْرَادِ وَالْأول أنسب.
وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبا مِنْهَا
أَي: قَالَ غير أنس: إمشِ قَرِيبا من الْجِنَازَة، وَالْمَقْصُود أَن يكون قَرِيبا من الْجِنَازَة من أَي جِهَة كَانَ، لاحْتِمَال أَن يحْتَاج حاملوها إِلَى المعاونة، فَإِن بعد مِنْهَا لم يكن مشيعا، فَإِن كَانَت الْمُتَابَعَة بعده لِكَثْرَة الْجَمَاعَة حصل لَهُ فضل الْمُتَابَعَة، وَقَالَ بَعضهم: والغير الْمَذْكُور أَظُنهُ عبد الرَّحْمَن بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا طاء مُهْملَة. قَالَ سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا مِسْكين بن مَيْمُون حَدثنِي عُرْوَة بن رُوَيْم، قَالَ: (شهد عبد الرَّحْمَن بن قرط جَنَازَة فَرَأى نَاسا تقدمُوا، وَآخَرين استأخروا، فَأمر بالجنازة فَوضعت، ثمَّ رماهم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمعُوا إِلَيْهِ، ثمَّ أَمر بهَا فَحملت، ثمَّ قَالَ: بَين يَديهَا وَخَلفهَا وَعَن يسارها وَعَن يَمِينهَا) . انْتهى. قلت: هَذَا تخمين وحسبان، وَلَئِن سلمنَا إِنَّه هُوَ ذَاك الْغَيْر، فَلَا نسلم أَن هَذَا مُنَاسِب لما ذكره الْغَيْر، بل هُوَ بِعَيْنِه مثل مَا قَالَه أنس، وَلَا يخفى ذَلِك على المتأمل، وَعبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور صَحَابِيّ ذكر البُخَارِيّ وَغَيره أَنه كَانَ من أهل الصّفة، وَكَانَ واليا على حمص فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
стр. 2300
٥١٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ عَن الزهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ فإنْ تَكُ صالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ وَإنْ تَكُ سِوَى ذالِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عنْ رِقَابِكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد يبلغ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن أبي شيبَة وَهِشَام بن عمار، كلهم عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حفظناه) ، ويروى: (حفظته) . قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ) ، هُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِكَلِمَة: عَن، وَفِي رِوَايَة غَيره: من، بدل: عَن. قَوْله: (أَسْرعُوا) ، أَمر من الْإِسْرَاع وَلَيْسَ المُرَاد بالإسراع شدَّة الْإِسْرَاع، بل المُرَاد الْمُتَوَسّط بَين شدَّة السَّعْي وَبَين الْمَشْي الْمُعْتَاد، بِدَلِيل قَوْله فِي حَدِيث أبي بكرَة: (وَإِنَّا لنكاد أَن نرمل) ، ومقاربة الرمل لَيْسَ بالسعي الشَّديد، قَالَه شَيخنَا زين الدّين. قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد (عَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه: أَنه كَانَ فِي جَنَازَة عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ، وَكُنَّا نمشي مشيا خَفِيفا. فلحقنا أَبُو بكرَة، فَرفع صَوته فَقَالَ: لقد رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ رَسُول الله ﷺ نرمل رملاً) . قَوْله: (نرمل) ، من رمل رملاً ورملانا: إِذا أسْرع فِي الْمَشْي، وهز مَنْكِبه. قلت: مُرَاده الْإِسْرَاع الْمُتَوَسّط، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، فِي (مُصَنفه) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (إِن أَبَاهُ أوصاه قَالَ: إِذا أَنْت حَملتنِي على السرير فامشِ مشيا بَين المشيين، وَكن خلف الْجِنَازَة، فَإِن مقدمها للْمَلَائكَة وَخَلفهَا لبني آدم) . قَوْله: (بالجنازة) أَي: يحملهَا إِلَى قبرها. وَقيل: المُرَاد الْإِسْرَاع بتجهيزها وتعجيل الدّفن بعد تَيَقّن مَوته، لحَدِيث حُصَيْن بن وحوح (إِن طَلْحَة بن الْبَراء مرض، فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ يعودهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أرى طَلْحَة إلَاّ وَقد حدث بِهِ الْمَوْت، فآذنوني بِهِ وعجلوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لجيفة مُسلم أَن تحبس بَين ظهراني أَهله) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قلت: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَابْن وحوح بواوين مفتوحتين، وحائين مهملتين أولاهما سَاكِنة، وَهُوَ أَنْصَارِي لَهُ صُحْبَة. قيل: إِنَّه مَاتَ بالعذيب، روى لَهُ أَبُو دَاوُد، وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عمر: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول: (إِذا مَاتَ أحدكُم فَلَا تَحْبِسُوهُ، وأسرعوا بِهِ إِلَى قَبره) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الأول: أظهر، وَقَالَ النَّوَوِيّ الثَّانِي: بَاطِل مَرْدُود، بقوله فِي الحَدِيث: (تضعونة عَن رِقَابكُمْ) ، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْحمل على الرّقاب قد يعبر بِهِ عَن الْمعَانِي، كَمَا تَقول: حمل فلَان على رقبته ذنوبا، فَيكون الْمَعْنى: استريحوا من نظر من لَا خير فِيهِ، وَيدل عَلَيْهِ أَن الْكل لَا يحملونه. قلت: وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَإِن تَكُ) ، أَصله: فَإِن تكن، حذفت النُّون للتَّخْفِيف، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْجِنَازَة الَّتِي هِيَ عبارَة عَن الْمَيِّت. قَوْله: (صَالِحَة) ، نصب على الخبرية. قَوْله: (فَخير) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَهُوَ (وَخير، تقدمونها إِلَيْهِ) يَوْم الْقِيَامَة، أَو: هُوَ، مُبْتَدأ أَي: فثمة خير تقدمون الْجِنَازَة إِلَيْهِ، يَعْنِي حَاله فِي الْقَبْر حسن طيب فَأَسْرعُوا بهَا حَتَّى تصل إِلَى تِلْكَ الْحَالة قَرِيبا. قَوْله: (إِلَيْهِ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْخَيْر بِاعْتِبَار الثَّوَاب. وَقَالَ ابْن مَالك: رُوِيَ: (تقدمونه إِلَيْهَا) أَي: تقدمون الْمَيِّت إِلَيْهَا أَي: إِلَى الْخَيْر، وَأَنت الضَّمِير على تَأْوِيل الْخَيْر بِالرَّحْمَةِ أَو الْحسنى، قَوْله: (فشر) إعرابه مثل إِعْرَاب: (فَخير) . قَوْله: (تضعونه) أَي: إِنَّهَا بعيدَة من الرَّحْمَة فَلَا مصلحَة لكم فِي مصاحبتها.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بالإسراع وَنقل ابْن قدامَة أَن الْأَمر فِيهِ للاستحباب بِلَا خلاف بَين الْعلمَاء. وَقَالَ ابْن حزم: وُجُوبه، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : جَاءَ عَن بعض السّلف كَرَاهَة الْإِسْرَاع بالجنازة، وَلَعَلَّه يكون مَحْمُولا على الْإِسْرَاع المفرط الَّذِي يخَاف مِنْهُ انفجار الْمَيِّت، وَخُرُوج شَيْء مِنْهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بالإسراع شدَّة الْمَشْي، وعَلى ذَلِك حمله بعض السّلف، وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب. وَفِي (الْمَبْسُوط) : لَيْسَ فِيهِ شَيْء موقت، غير إِن العجلة أحب إِلَى أبي حنيفَة. قلت: قَوْله: وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح، وَلم يقل أحد مِنْهُم بِشدَّة الْمَشْي، وعذا احب (الْهِدَايَة) الَّذِي لَا يذكر إلَاّ مَا هُوَ الْعُمْدَة عِنْد أبي حنيفَة، يَقُول: ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب، وَقَوله: دون الخبب، يدل على أَن المُرَاد
стр. 2301
من الْإِسْرَاع: الْإِسْرَاع الْمُتَوَسّط لَا شدَّة الْإِسْرَاع الَّتِي هِيَ الخبب، وَهُوَ الْعَدو. وَكَذَلِكَ المُرَاد من قَول صَاحب (الْمَبْسُوط) : العجلة أحب هِيَ العجلة المتوسطة لَا الشَّدِيدَة، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل يَقُول شدَّة الْمَشْي قَول الْحَنَفِيَّة، ثمَّ يذكر عَن كتابين معتبرين فِي الْمَذْهَب مَا يدل على نفي شدَّة الْمَشْي، لِأَن قَوْله: دون الخبب، هُوَ شدَّة الْمَشْي وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) قَالَ الشَّافِعِي: الْإِسْرَاع بالجنازة هُوَ فَوق سجية الْمَشْي الْمُعْتَاد، وَيكرهُ الْإِسْرَاع الشَّديد. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة عَطاء قَالَ: حَضَرنَا مَعَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جَنَازَة مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بسرف، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هَذِه مَيْمُونَة إِذا رفعتم نعشها فَلَا تزعزعوه وَلَا تزلزلوه وارفقوا. وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن بنت أبي بردة (عَن أبي مُوسَى، قَالَ: مر على النَّبِي، ﷺ ، بِجنَازَة وَهِي تمحض كَمَا يمحض الزق، فَقَالَ: عَلَيْكُم بِالْقَصْدِ فِي جنائزكم) وَهَذَا يدل على اسْتِحْبَاب الرِّفْق بالجنازة وَترك الْإِسْرَاع قلت: أما ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ أَرَادَ الرِّفْق فِي كَيْفيَّة الْحمل لَا فِي كَيْفيَّة الْمَشْي بهَا، وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَإِنَّهُ مُنْقَطع بَين بنت أبي بردة وَبَين أبي مُوسَى، وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ ظَاهر فِي أَنه كَانَ يفرط فِي الْإِسْرَاع بهَا، وَلَعَلَّه خشِي انفجارها أَو خُرُوج شَيْء مِنْهُ، وَكَذَا الحكم عِنْد ذَلِك فِي كل مَوضِع. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْمُبَادرَة إِلَى دفن الْمَيِّت، لَكِن بعد تحقق مَوته، فَإِن من المرضى من يخفى مَوته وَلَا يظْهر إلَاّ بعد مُضِيّ زمَان، كالمسبوت وَنَحْوه، وَعَن ابْن بزيزة: يَنْبَغِي أَن لَا يسْرع بتجهيزهم حَتَّى يمْضِي يَوْم وَلَيْلَة ليتَحَقَّق مَوْتهمْ. وَفِيه: مجانبة صُحْبَة أهل البطالة وصحبة غير الصَّالِحين.
٢٥ - (بابُ قَوْلِ المَيِّتِ وَهْوَ عَلَى الجِنَازَةِ قَدِّمُونِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمَيِّت وَهُوَ على النعش: قدموني، وَهَذَا القَوْل إِذا كَانَ صَالحا.
٦١٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ فاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعْنَاقِهِمْ فإنْ كانَتْ صَالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ لأِهْلِهَا يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ ولَوْ سَمِعَ الإنْسَانُ لَصَعِقَ.
(أنظر الحَدِيث ٤١٣١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَول الْجِنَازَة (قدموني) . وَرِجَاله مضوا غير مرّة، وَسَعِيد المَقْبُري يروي عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مر فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (إِذا وضعت الْجِنَازَة) فِيهِ احْتِمَالَانِ. الأول: أَن يكون المُرَاد من الْجِنَازَة نفس الْمَيِّت، وبوضعه جعله على السرير. وَالثَّانِي: أَن يكون المُرَاد النعش، ووضعها على الْأَعْنَاق، وَالظَّاهِر هُوَ الأول، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عبد الرَّحْمَن ابْن مولى أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أوصى أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا أَنا مت فَلَا تضربوا عَليّ فسطاطا وَلَا تتبعوني بِنَار، وأسرعوا بِي، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (إِن الْمُؤمن إِذا وضع على سَرِيره قَالَ: قدموني قدموني، فَإِن الْكَافِر إِذا وضع على سَرِيره قَالَ: يَا ويله أَيْن تذهبون بِهِ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يَقُول ذَلِك الرّوح، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا مَانع أَن يرد الله الرّوح إِلَى الْجَسَد فِي تِلْكَ الْحَال ليَكُون ذَلِك زِيَادَة فِي بشرى الْمُؤمن وبؤسا للْكَافِرِ. وَأجِيب: بِأَن دَعْوَى إِعَادَة الرّوح إِلَى الْجَسَد قبل الدّفن يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَالله قَادر على أَن يحدث نطقا فِي الْمَيِّت إِذا شَاءَ. وَقَالَ ابْن بزيزة: فِي قَوْله: (يسمع صَوتهَا كل شَيْء) . هُوَ بِلِسَان الْمقَال لَا بِلِسَان الْحَال، وَكَذَا قَالَ فِي قَوْله: (لصعق) أَنه مُخْتَصّ بِالْمَيتِ الَّذِي هُوَ غير صَالح، وَأما الصَّالح فَمن شَأْنه اللطف والرفق فِي كَلَامه، فَلَا يُنَاسب الصَّعق من سَماع كَلَامه. قَوْله: (وَإِن كَانَت غير ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَإِن كَانَت غير صَالِحَة) ، وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على أَن كَلَام الْمَيِّت يسمعهُ كل حَيَوَان غير الْإِنْسَان، وَقَالَ ابْن بطال:
стр. 2302
الْمَعْنى يسْمعهَا من لَهُ عقل كالملائكة وَالْجِنّ لِأَن الْمُتَكَلّم روح إِنَّمَا يسمع الرّوح من هُوَ مثله، ورد بِأَنَّهُ لَا مَانع من إنطاق الله تَعَالَى الْجَسَد بِغَيْر روح، وَهُوَ على كل شَيْء قدير.
٣٥ - (بابُ مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أوْ ثَلَاثَةً عَلَى الجَنَازَةِ خَلْفَ الإمَامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من صف النَّاس صفّين أَو ثَلَاثَة صُفُوف على الْجِنَازَة خلف الإِمَام، وَاعْترض على هَذِه التَّرْجَمَة من وَجْهَيْن: الأول: أَن فِي حَدِيث الْبَاب قَول جَابر: كنت فِي الصَّفّ الثَّانِي وَالثَّالِث، لَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون مُنْتَهى الصُّفُوف، وَالثَّانِي: لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على كَون الصُّفُوف خلف الإِمَام. وَأجِيب: عَن الأول: بِأَن فِي حَدِيث مُسلم عَن جَابر: فقمنا فصففنا صفّين، فَدلَّ هَذَا أَن قَوْله: وَالثَّالِث، شكّ هَل كَانَ هُنَاكَ صف ثَالِث أم لَا. وَعَن الثَّانِي: بِأَن البُخَارِيّ روى فِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَن قَتَادَة بِهَذَا الْإِسْنَاد بِزِيَادَة: (فصفنا وَرَاءه) وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: فصفوا خَلفه، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الْمخْرج وَاحِدًا وَالْأَصْل متحدا.
٧١٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ أبِي عَوَانَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ عَطَاءٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أوِ الثَّالِثِ..
وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث قد ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَأَبُو عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا فِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة بِهِ.
قَوْله: (النَّجَاشِيّ) ملك الْحَبَشَة بتَخْفِيف الْيَاء، قَالَ صَاحب (الْمغرب) : سَمَاعا من الثِّقَات، وَهُوَ اخْتِيَار الفارابي، وَعَن صَاحب (التكملة) بِالتَّشْدِيدِ وَعَن الْهَرَوِيّ كلتا اللغتين، وَأما تَشْدِيد الْجِيم فخطأ.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتِحْبَاب صف أَو صفّين وَرَاء الإِمَام فِي الصَّلَاة على الْمَيِّت.
٤٥ - (بابُ الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصُّفُوف فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة.
٨١٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عَن سَعِيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ نَعى النبيُّ ﷺ إلَى أصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّر أرْبَعا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصفوا خَلفه) ، لِأَنَّهُ يدل على الصُّفُوف، إِذْ الْغَالِب أَن الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَعَ كَثْرَة الْمُلَازمَة للرسول ﷺ لَا يسعون صفا أَو صفّين. فَإِن قلت: الحَدِيث لَا يدل على الْجِنَازَة؟ قلت: المُرَاد من الْجِنَازَة الْمَيِّت، سَوَاء كَانَ مَدْفُونا أَو غير مدفون. فَإِن قلت: أَحَادِيث الْبَاب لَيْسَ فِيهَا صَلَاة على جَنَازَة، وَإِنَّمَا فِيهَا الصَّلَاة على الْغَائِب أَو على من فِي الْقَبْر. قلت: الاصطفاف إِذا شرع والجنازة غَائِبَة فَفِي الْحَاضِرَة أولى.
وَيزِيد من الزِّيَادَة وزريع، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ: مُحَمَّد بن مُسلم، وَسَعِيد ابْن الْمسيب.
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَقَالَ ابْن بطال: أَوْمَأ المُصَنّف إِلَى الرَّد على عَطاء حَيْثُ ذهب إِلَى أَنه لَا يشرع فِيهَا تَسْوِيَة الصُّفُوف، كَمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، قَالَ: قلت لعطاء: أَحَق على الناى أَن يسووا صفوفهم على الْجَنَائِز كَمَا يسوونها فِي الصَّلَاة؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا يكبِّرون وَيَسْتَغْفِرُونَ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: يَنْبَغِي لأهل الْمَيِّت إِذا لم يخشوا عَلَيْهِ التَّغَيُّر أَن ينتظروا بِهِ اجْتِمَاع قوم حَتَّى يقوم مِنْهُم ثَلَاثَة صُفُوف لهَذَا الحَدِيث. قلت: لأجل ذَلِك ذكر البُخَارِيّ: بَاب الصُّفُوف، بِصِيغَة الْجمع، وَجعل الصُّفُوف ثَلَاثًا مُسْتَحبّ لما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث مَالك بن هُبَيْرَة مَرْفُوعا: (من صلى عَلَيْهِ ثَلَاث صُفُوف
стр. 2303
فقد أوجب) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه، وَصَححهُ الْحَاكِم، وَفِي رِوَايَة: (إلَاّ غفر لَهُ) . وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يَمُوت أحد من الْمُسلمين فَيصَلي عَلَيْهِ أمة من الْمُسلمين يبلغُوا أَن يَكُونُوا مائَة يشفعوا لَهُ إلَاّ شفعوا فِيهِ) . وَرَوَاهُ أَيْضا مُسلم وَالنَّسَائِيّ. وروى ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من صلى عَلَيْهِ مائَة من الْمُسلمين غفر لَهُ) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي الْمليح: حَدثنِي عبد الله عَن إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَهِي مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت: أَخْبرنِي النَّبِي ﷺ قَالَ: (مَا من ميت يُصَلِّي عَلَيْهِ أمة من النَّاس إلَاّ شفعوا فِيهِ، فَسَأَلت أَبَا الْمليح عَن الْأمة قَالَ: أَرْبَعُونَ) . وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من رِوَايَة شريك بن عبد الله عَن كريب، قَالَ: مَاتَ ابْن لِابْنِ عَبَّاس بِقديد أَو بعسفان، فَقَالَ: يَا كريب أنظر مَا اجْتَمعُوا لَهُ من النَّاس؟ فَخرجت فَإِذا النَّاس قد اجْتَمعُوا لَهُ، فَأَخْبَرته فَقَالَ: أَتَقول وهم أَرْبَعُونَ؟ قلت: نعم، قَالَ: أَخْرجُوهُ، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (مَا من رجل مُسلم يَمُوت فَيقوم على جنَازَته أَرْبَعُونَ رجلا لَا يشركُونَ بِاللَّه شَيْئا إلَاّ شفعهم الله فِيهِ) . فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث؟ قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: إِن هَذِه الْأَحَادِيث خرجت أجوبة لسائلين سَأَلُوا عَن ذَلِك، فَأجَاب كل وَاحِد عَن سُؤَاله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ أخبر بِقبُول شَفَاعَة مائَة فَأخْبر بِهِ. ثمَّ بِقبُول شَفَاعَة أَرْبَعِينَ، ثمَّ ثَلَاثَة صُفُوف. وَإِن قل عَددهمْ فأخبريه وَيحْتَمل أَن يُقَال: هَذَا مَفْهُوم عدد وَلَا يحْتَج بِهِ جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ، فَلَا يلْزم من الْإِخْبَار عَن قبُول شَفَاعَة مائَة منع قبُول مَا دون ذَلِك، وَكَذَا فِي الْأَرْبَعين مَعَ ثَلَاثَة صُفُوف.
قَوْله: (فَكبر أَرْبعا) ، يدل على أَن تَكْبِيرَات الْجِنَازَة أَربع، وَبِه احْتج جَمَاهِير الْعلمَاء مِنْهُم: مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وسُويد بن غَفلَة وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. ويحكى ذَلِك عَن: عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَزيد بن ثَابت وَجَابِر وَابْن أبي أوفى وَالْحسن بن عَليّ والبراء بن عَازِب وَأبي هُرَيْرَة وَعقبَة ابْن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَذهب قوم إِلَى أَن التَّكْبِير على الْجَنَائِز خمس، مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَعِيسَى مولى حُذَيْفَة وَأَصْحَاب معَاذ بن جبل وَأَبُو يُوسُف من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَهُوَ مَذْهَب الشِّيعَة والظاهرية. وَقَالَ الْحَازِمِي: وَمِمَّنْ رأى التَّكْبِير على الْجَنَائِز خمْسا ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان. وَقَالَت فرقة: يكبر سبعا، رُوِيَ ذَلِك عَن زر بن حُبَيْش، وَقَالَت فرقة: يكبر ثَلَاثًا، رُوِيَ ذَلِك عَن أنس وَجَابِر بن زيد، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا ابْن فُضَيْل عَن يزِيد عَن عبد الله بن الْحَارِث قَالَ: (صلى رَسُول الله ﷺ على حَمْزَة فَكبر عَلَيْهِ تسعا، ثمَّ جِيءَ بِأُخْرَى فَكبر عَلَيْهَا سبعا ثمَّ جِيءَ بِأُخْرَى فَكبر عَلَيْهَا خمْسا، حَتَّى فرغ مِنْهُنَّ، غير أَنَّهُنَّ وترا) . وَقَالَ ابْن قدامَة: لَا يخْتَلف الْمَذْهَب أَنه لَا تجوز الزِّيَادَة على سبع تَكْبِيرَات، وَلَا النَّقْص من أَربع، وَالْأولَى أَربع لَا يُزَاد عَلَيْهَا. وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِيمَا بَين ذَلِك، فَظَاهر كَلَام الْخرقِيّ أَن الإِمَام إِذا كبر خمْسا تَابعه الْمَأْمُوم وَلَا يُتَابِعه فِي زِيَادَة عَلَيْهَا، وَرَوَاهُ الْأَثْرَم عَن أَحْمد، وروى حَرْب عَن أَحْمد: إِذا كبر خمْسا لَا يكبر مَعَه وَلَا يسلم إلَاّ مَعَ الإِمَام، وَمِمَّنْ لَا يرى مُتَابعَة الإِمَام فِي زِيَادَة على أَربع: الثَّوْريّ وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: وَاخْتَارَهُ ابْن عقيل: وَاحْتج الَّذين ذَهَبُوا إِلَى أَن التَّكْبِير على الْجِنَازَة خمس بِحَدِيث زيد بن أَرقم، أخرجه مُسلم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يكبر على جنائزنا أَرْبعا، وَأَنه كبر على جَنَازَة خمْسا، فَسَأَلته، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يكبرها. وَأخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا. والطَّحَاوِي، وَبِحَدِيث حُذَيْفَة بن الْيَمَان أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا عِيسَى بن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن يحيى بن عبد الله التَّمِيمِي، قَالَ: صليت مَعَ عِيسَى مولى حُذَيْفَة بن الْيَمَان على جَنَازَة فَكبر عَلَيْهَا خمْسا، ثمَّ الْتفت إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا وهمت وَلَا نسيت، وَلَكِنِّي كَبرت كَمَا كبر مولَايَ وَولي نعمتي، يَعْنِي حُذَيْفَة بن الْيَمَان، صلى على جَنَازَة فَكبر عَلَيْهَا خمْسا، ثمَّ الْتفت إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا وهمت وَلَا نسيت وَلَكِنِّي كَبرت كَمَا كبر رَسُول الله، ﷺ ، وَبِحَدِيث عَمْرو بن عَوْف، أخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ كبر خمْسا، وَاسم جده عَمْرو ابْن عَوْف الْمُزنِيّ.
وَالْجَوَاب عَن الأحديث الَّتِي فِيهَا التَّكْبِير على الْجِنَازَة بِأَكْثَرَ من أَربع: أَنَّهَا مَنْسُوخَة، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: قبض رَسُول الله ﷺ وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي التَّكْبِير على الْجِنَازَة، لَا تشَاء أَن تسمع رجلا يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يكبر سبعا، وَآخر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يكبر خمْسا، وَآخر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله،
стр. 2304
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكبر أَرْبعا إِلَّا سمعته، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِك، فَكَانُوا على ذَلِك حَتَّى قبض أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا ولي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرَأى اخْتِلَاف النَّاس فِي ذَلِك شقّ عَلَيْهِ جدا، فَأرْسل إِلَى رجال من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُم معاشر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، مَتى تختلفون على النَّاس يَخْتَلِفُونَ من بعدكم، وَمَتى تجتمعون على أَمر يجْتَمع النَّاس عَلَيْهِ، فانظروا أمرا تجتمعون عَلَيْهِ، فَكَأَنَّمَا أيقظهم، فَقَالُوا: نعم مَا رَأَيْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فأشر علينا، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: بل أَشِيرُوا عَليّ، فَإِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ، فتراجعوا الْأَمر بَينهم فَأَجْمعُوا أَمرهم على أَن يجْعَلُوا التَّكْبِير على الْجَنَائِز مثل التَّكْبِير فِي الْأَضْحَى، وَالْفطر أَربع تَكْبِيرَات، فأجمع أَمرهم على ذَلِك، فَهَذَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد رد الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى أَربع تَكْبِيرَات بمشورة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بذلك، وهم حَضَرُوا من فعل رَسُول الله. مَا رَوَاهُ حُذَيْفَة وَزيد بن أَرقم، فَكَانُوا مَا فعلوا، فَمن ذَلِك عِنْدهم هُوَ أولى مِمَّا قد كَانُوا فَذَلِك نسخ لما كَانُوا قد عمِلُوا لأَنهم مأمونون على مَا قد فعلوا، كَمَا كَانُوا مأمونين على مَا قد رووا. فَإِن قلت: كَيفَ ثَبت النّسخ بِالْإِجْمَاع؟ لِأَن الْإِجْمَاع لَا يكون إلَاّ بعد النَّبِي ﷺ ، وَأَوَان النّسخ حَيَاة النَّبِي ﷺ للاتفاق على أَن لَا نسخ بعده؟ قلت: قد جوز ذَلِك بعض مَشَايِخنَا بطرِيق أَن الْإِجْمَاع يُوجب علم الْيَقِين كالنص، فَيجوز أَن يثبت النَّص بِهِ، وَالْإِجْمَاع فِي كَونه حجَّة أقوى من الْخَبَر الْمَشْهُور، فَإِذا كَانَ النّسخ يجوز بالْخبر الْمَشْهُور فجوازه بِالْإِجْمَاع أولى، على أَن ذَلِك الْإِجْمَاع مِنْهُم إِنَّمَا كَانَ على مَا اسْتَقر عَلَيْهِ آخر أَمر النَّبِي ﷺ الَّذِي قد رفع كل مَا كَانَ قبله مِمَّا يُخَالِفهُ، فَصَارَ الْإِجْمَاع مظْهرا لما قد كَانَ فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ فَافْهَم. حَتَّى قَالَ بَعضهم: إِن حَدِيث النَّجَاشِيّ هُوَ النَّاسِخ لِأَنَّهُ مخرج فِي الصَّحِيح من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة، قَالُوا: وَأَبُو هُرَيْرَة مُتَأَخّر الْإِسْلَام، وَمَوْت النَّجَاشِيّ كَانَ بعد إِسْلَام أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمِمَّا يُؤَكد هَذَا مَا رَوَاهُ قَاسم بن أصبغ من حَدِيث أبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة عَن أَبِيه، (قَالَ: كَانَ النَّبِي، ﷺ ، يكبر على الْجَنَائِز أَرْبعا وخمسا وستا وَسبعا وثمانيا، حَتَّى مَاتَ النَّجَاشِيّ فَخرج إِلَى الْمصلى فَصف النَّاس من وَرَائه فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا، ثمَّ ثَبت النَّبِي ﷺ على أَربع حَتَّى توفاه الله تَعَالَى.
وَفِيه: معْجزَة عَظِيمَة للنَّبِي، ﷺ ، حَيْثُ أعلم الصَّحَابَة بِمَوْت النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ مَعَ بعد عَظِيم مَا بَين أَرض الْحَبَشَة وَالْمَدينَة. وَفِيه: حجَّة للحنفية والمالكية فِي منع الصَّلَاة على الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد، لِأَنَّهُ ﷺ خرج بهم إِلَى الْمصلى فَصف بهم، وَصلى عَلَيْهِ، وَلَو سَاغَ أَن يصلى عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد لما خرج بهم إِلَى الْمصلى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا حجَّة فِيهِ، لِأَن الْمُمْتَنع عِنْد الْحَنَفِيَّة إِدْخَال الْمَيِّت الْمَسْجِد لَا مُجَرّد الصَّلَاة عَلَيْهِ، حَتَّى لَو كَانَ الْمَيِّت خَارج الْمَسْجِد جَازَت الصَّلَاة عَلَيْهِ لمن هُوَ دَاخله. وَقَالَ ابْن بزيزة وَغَيره: اسْتدلَّ بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة، وَهُوَ بَاطِل، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِيغَة نهي لاحْتِمَال أَن يكون خرج بهم إِلَى الْمصلى لأمر غير الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَقد ثَبت أَنه ﷺ صلى على سُهَيْل بن بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد، فَكيف يتْرك هَذَا الصَّرِيح لأمر مُحْتَمل؟ بل الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا خرج بِالْمُسْلِمين إِلَى الْمصلى لقصد تَكْثِير الْجمع الَّذين يصلونَ عَلَيْهِ، ولإشاعة كَونه مَاتَ على الْإِسْلَام، فقد كَانَ بعض النَّاس لم يدر بِكَوْنِهِ أسلم. فقد روى ابْن أبي حَاتِم فِي التَّفْسِير من طَرِيق ثَابت وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَاد، وَالْبَزَّار من طَرِيق حميد، كِلَاهُمَا عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ لما صلى على النَّجَاشِيّ، قَالَ بعض أَصْحَابه: صلى على علج من الْحَبَشَة، فَنزلت: ﴿وَإِن من أهل الْكتاب لمن يُؤمن بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْكُم﴾ (آل عمرَان: ٩٩١) . الْآيَة.
وَفِي الْأَوْسَط للطبراني من حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن الَّذِي طعن بذلك فِيهِ كَانَ منافقا قلت: قَول النَّوَوِيّ: لَا حجَّة فِيهِ غير صَحِيح لِأَن تَعْلِيله بقوله: لِأَن الْمُمْتَنع. . إِلَى آخِره، يرد قَوْله وَيبْطل مَا قَالَه لِأَنَّهُ ﷺ لم يفعل مُجَرّد الصَّلَاة على النَّجَاشِيّ فِي الْمَسْجِد، مَعَ كَونه غَائِبا، فَدلَّ على الْمَنْع وَإِن لم يكن الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد، وَقَوله: حَتَّى لَو كَانَ الْمَيِّت ... إِلَى آخِره، على تَعْلِيل من يُعلل منع الصَّلَاة على الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد لخوف التلوث من الْمَيِّت، وَأما بِالنّظرِ إِلَى مُطلق حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (من صلى على جَنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ) ، فالمنع مُطلق. وَقَول ابْن بزيزة لَيْسَ فِيهِ صِيغَة النَّهْي ...
стр. 2305
إِلَى آخِره مَرْدُود أَيْضا، لِأَن إِثْبَات منع شَيْء غير مقتصر على الصِّيغَة، وتعليله بِالِاحْتِمَالِ غير مُفِيد لدعواه، وَأما صلَاته ﷺ على سُهَيْل فَلَا ننكرها، غير أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (من صلى على جَنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ) ، وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا وَلَفظه: (فَلَيْسَ لَهُ شَيْء) وَقَالَ الْخَطِيب: الْمَحْفُوظ، (فَلَا شَيْء لَهُ) ويروى: (فَلَا شَيْء عَلَيْهِ) ، وَرُوِيَ (فَلَا أجر لَهُ) ، قد نسخ حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بَيَانه أَن حَدِيث عَائِشَة إِخْبَار عَن فعل رَسُول الله ﷺ فِي حَال الْإِبَاحَة الَّتِي لم يتقدمها نهي، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة إِخْبَار عَن نهي رَسُول الله ﷺ الَّذِي قد تقدمته الْإِبَاحَة، فَصَارَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَاسِخا، وَيُؤَيِّدهُ إِنْكَار الصَّحَابَة على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لأَنهم قد كَانُوا علمُوا فِي ذَلِك خلاف مَا علمت، وَلَوْلَا ذَلِك مَا أَنْكَرُوا ذَلِك عَلَيْهَا.
فَإِن قلت: مَا صُورَة الْإِنْكَار فِي ذَلِك؟ قلت: فِي رِوَايَة مُسلم: (عَن عَائِشَة: لما توفّي سعد بن أبي وَقاص قَالَت: ادخُلُوا بِهِ الْمَسْجِد حَتَّى أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهَا) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (إِن النَّاس عابوا ذَلِك، وَقَالُوا: مَا كَانَت الْجَنَائِز يدْخل بهَا الْمَسْجِد. .) الحَدِيث. فَإِن قلت: لِمَ لَا يَجْعَل الْمُوجب للْإِبَاحَة مُتَأَخِّرًا؟ قلت: يلْزم من ذَلِك إِثْبَات نسخين: نسخ الْإِبَاحَة الثَّابِتَة فِي الِابْتِدَاء بِالنَّصِّ الْمُوجب للحظر، ثمَّ نسخ الْحَظْر بِالنَّصِّ الْمُوجب للْإِبَاحَة. فَإِن قلت: من أَي قبيل يكون هَذَا النّسخ؟ قلت: من قبيل النّسخ بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للحظر ثمَّ نسخ مُوجبا للْإِبَاحَة، فَفِي مثل هَذَا يتَعَيَّن الْمصير إِلَى النَّص الْمُوجب للحظر، وَإِلَى الْأَخْذ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، والحظر طارىء عَلَيْهَا فَيكون مُتَأَخِّرًا. فَإِن قلت: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين مُسَاوَاة، لِأَن حَدِيث عَائِشَة أخرجه مُسلم، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة قد ضَعَّفُوهُ بِصَالح مولى التومة، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّوْفِيق. وَقَالَ ابْن عدي: هَذَا من مُنكرَات صَالح، وَالْأَئِمَّة طعنوا فِيهِ بِسَبَبِهِ، وَقَالُوا: إِنَّه ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : اخْتَلَط صَالح بآخر عمره وَلم يتَمَيَّز حَدِيث حَدِيثه من قديمه، ثمَّ ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: إِنَّه بَاطِل، وَكَيف يَقُول الرَّسُول ذَلِك وَقد صلى على سُهَيْل ابْن بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة. أَحدهَا: أَنه ضَعِيف لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ، وَقَالَ أَحْمد: هَذَا حَدِيث ضَعِيف تفرد بِهِ صَالح مولى التومة وَهُوَ ضَعِيف. وَالثَّانِي: أَن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة فِي (سنَن أبي دَاوُد) : فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَلَا صِحَة فِيهِ. وَالثَّالِث: أَن اللَّام فِيهِ بِمَعْنى: على كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِن أسأتم فلهَا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧) . أَي: فعلَيْهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَانَ مَالك يُخرجهُ. قلت: رجال هَذَا ثِقَات يحْتَج بهم لَا نزاع فيهم، وَأما صَالح فَإِن الْعجلِيّ قَالَ: صَالح ثِقَة، وَعَن ابْن معِين أَنه قَالَ: صَالح ثِقَة حجَّة، قيل لَهُ: إِن مَالِكًا ترك السماع مِنْهُ. قَالَ: إِنَّمَا أدْركهُ مَالك بَعْدَمَا كبر وخرف، وَمن سمع مِنْهُ قبل أَن يخْتَلط فَهُوَ ثَبت. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ إِذا سمعُوا مِنْهُ قَدِيما مثل ابْن أبي ذِئْب وَابْن جريج وَزِيَاد بن سعد وَغَيرهم. انْتهى. فَعَن هَذَا علم أَنه لَا خلاف فِي عَدَالَته وَابْن أبي ذِئْب سمع مِنْهُ هَذَا الحَدِيث قَدِيما قبل اخْتِلَاطه، فَصَارَ الحَدِيث حجَّة. وَقَول ابْن حبَان: إِنَّه بَاطِل، كَلَام بَاطِل لِأَن مثل أبي دَاوُد أخرج هَذَا الحَدِيث وَسكت عَنهُ، فَأَقل الْأَمر فِيهِ أَن يكون حسنا عِنْده، لِأَنَّهُ رضى بِهِ. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا، وَكَيف يجوز لَهُ الحكم بِبُطْلَان هَذَا الحَدِيث؟ فَإِن كَانَ تشنيعه بِسَبَب اخْتِلَاط صَالح، فقد ذكرنَا أَنه كَانَ قبل الِاخْتِلَاط مِمَّن اثنى عَلَيْهِ بالثقة، وَأَن من أَخذ مِنْهُ قبله لَا يرد مَا أَخذه مِنْهُ، وَأَن ابْن أبي ذِئْب أَخذ عَنهُ قبله، وإلَاّ فَلَا يظْهر مِنْهُ إلَاّ التعصب الْمَحْض. وَالْعجب مِنْهُ أَنه يَقُول: وَكَيف يَقُول رَسُول الله ﷺ ذَلِك وَقد صلى على سُهَيْل؟ فَكَأَنَّهُ نسي بَاب النّسخ، وَمثل هَذَا كثير قد فعله رَسُول الله ﷺ ثمَّ تَركه، وَبِهَذَا يرد أَيْضا مَا قَالَه النَّوَوِيّ، فَإِنَّهُ أَيْضا مَا إِلَى مَا قَالَ ابْن حبَان وَقَوله: إِن اللَّام، بِمَعْنى: على، عدُول عَن الْحَقِيقَة من غير ضَرُورَة، وَلَا سِيمَا على أصلهم، فَإِن الْمجَاز ضَرُورِيّ لَا يُصَار إِلَيْهِ إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة، وَلَا ضَرُورَة هَهُنَا، وَيرد عَلَيْهِ فِي ذَلِك أَيْضا رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: فَلَا صَلَاة لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُمكن أَن يَقُول: إِن: اللَّام، هُنَا بِمَعْنى: على، لفساد الْمَعْنى. وَأما قَول الْبَيْهَقِيّ: كَانَ مَالك يُخرجهُ، فَإِن مُرَاده فِيمَا أَخذ عَنهُ بعد الِاخْتِلَاط.
وَأما حَدِيث مُسلم فِي ذَلِك فَإِن أَصله فِي (موطأ) مَالك فَإِنَّهُ أخرجه فِيهِ عَن أبي النَّضر عَن عَائِشَة قَالَ أَبُو عمر: هَكَذَا هَذَا الحَدِيث عِنْد جُمْهُور الروَاة مُنْقَطِعًا إلَاّ أَن أَبَا النَّضر لم يسمع من عَائِشَة شَيْئا، وَقَالَ ابْن وضاح: وَلَا أدْركهَا، وَإِنَّمَا يروي عَن أبي سَلمَة عَنْهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ أسْندهُ مُسلم، وَعمد عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ: وَلَا يَصح إلَاّ مُرْسلا عَن أبي النَّضر عَن عَائِشَة، لِأَنَّهُ قد خَالف فِي ذَلِك رجلَانِ حَافِظَانِ: مَالك والماجشون رِوَايَة عَن أبي النَّضر عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث الشَّافِعِي وَغَيره فِي مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة على الْغَائِب، قَالُوا: وَهُوَ سنة فِي حق من كَانَ
стр. 2306
غَائِبا عَن بلد الْمَيِّت إِذا كَانَ فِي بلد وَفَاته قد اسقطوا فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ. قَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي. أما من لم يحصل فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي بلد وفاه، كَالْمُسلمِ يَمُوت فِي بلد الْمُشْركين وَلَيْسَ فِيهِ مُسلم، فَإِنَّهُ يجب على أهل الْإِسْلَام الصَّلَاة عَلَيْهِ كَمَا فِي قصَّة النَّجَاشِيّ، وَقَالَ الْخطابِيّ: النَّجَاشِيّ رجل مُسلم قد آمن برَسُول الله ﷺ وَصدقه على نبوته إلَاّ أَنه كَانَ يكتم إيمَانه، وَالْمُسلم إِذا مَاتَ يجب على الْمُسلمين أَن يصلوا عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه كَانَ بَين ظهراني أهل الْكفْر، وَلم يكن بِحَضْرَتِهِ من يقوم بِحقِّهِ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، فَلَزِمَ رَسُول الله ﷺ أَن يفعل ذَلِك إِذْ هُوَ نبيه ووليه وأحق النَّاس بِهِ، فَهَذَا وَالله أعلم هُوَ السَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهِ بِظهْر الْغَيْب فَإِذا صلوا عَلَيْهِ استقبلوا الْقبْلَة وَلم يتوجهوا إِلَى بلد الْمَيِّت إِن كَانَ فِي غير جِهَة الْقبْلَة،
وَقَالَ الْخطابِيّ: وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى كَرَاهَة الصَّلَاة على الْمَيِّت الْغَائِب، وَزَعَمُوا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْفِعْل، إِذْ كَانَ فِي حكم الْمشَاهد للنَّبِي ﷺ لما روى فِي بعض الْأَخْبَار أَنه قد سويت لَهُ الأَرْض حَتَّى يبصر مَكَانَهُ، وَهَذَا تَأْوِيل فَاسد، لِأَن رَسُول الله ﷺ إِذا فعل شَيْئا من أَفعَال الشَّرِيعَة كَانَ علينا الْمُتَابَعَة والاتساء بِهِ، والتخصيص لَا يعلم إلَاّ بِدَلِيل، وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ خرج بِالنَّاسِ إِلَى الصَّلَاة فَصف بهم وصلوا مَعَه، فَعلم أَن هَذَا التَّأْوِيل فَاسد. قلت: هَذَا التَّشَيُّع كُله على الْحَنَفِيَّة من غير تَوْجِيه وَلَا تَحْقِيق، فَنَقُول، مَا يظْهر لَك فِيهِ دفع كَلَامه، وَهُوَ أَن النَّبِي ﷺ رفع لَهُ سَرِيره فَرَآهُ، فَتكون الصَّلَاة عَلَيْهِ كميت رَآهُ الإِمَام وَلَا يرَاهُ الْمَأْمُوم. فَإِن قلت: هَذَا يحْتَاج إِلَى نقل بَيِّنَة وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِمُجَرَّد الاجتمال. قلت: ورد مَا يدل على ذَلِك، فروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عمرَان بن الْحصين أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِن أَخَاكُم النَّجَاشِيّ توفّي فَقومُوا صلوا عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُول الله ﷺ وصفوا خَلفه، فَكبر أَرْبعا وهم لَا يظنون إلَاّ أَن جنَازَته بَين يَدَيْهِ) . أخرجه من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَنهُ، وَلأبي عوَانَة من طَرِيق أبان وَغَيره عَن يحيى: (فصلينا خَلفه وَنحن لَا نرى إلَاّ الْجِنَازَة قدامنا) . وَذكر الواحدي فِي (أَسبَابه) عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كشف للنَّبِي ﷺ عَن سَرِير النَّجَاشِيّ حَتَّى رَآهُ وَصلى عَلَيْهِ، وَيدل على ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ لم يصل على غَائِب غَيره، وَقد مَاتَ من الصَّحَابَة خلق كثير وهم غائبون عَنهُ وَسمع بهم فَلم يصل عَلَيْهِم إلَاّ غَائِبا وَاحِدًا، ورد أَنه طويت لَهُ الأَرْض حَتَّى حَضَره وَهُوَ مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ، روى حَدِيث الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) وَكتاب (مُسْند الشاميين) من حَدِيث أبي أُمَامَة، قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ بتبوك فَنزل جِبْرِيل، ﵊، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، أَتُحِبُّ أَن تطوى لَك الأَرْض فَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، فَضرب بجناحه على الأَرْض وَرفع لَهُ سَرِيره، فصلى عَلَيْهِ وَخَلفه صفان من الْمَلَائِكَة فِي كل صف سَبْعُونَ ألف ملك ثمَّ رَجَعَ) .
٩١٣١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا الشَّيْبَانِيُّ عنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ أخبرَنِي مَنْ شَهِدَ النبيَّ ﷺ أتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أرْبَعا قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصفهم) ، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، والشيباني، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: هُوَ سُلَيْمَان، واسْمه فَيْرُوز أَبُو إِسْحَاق الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل الْكُوفِي.
وَمن لطائف إِسْنَاده: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: إِبْهَام الصَّحَابِيّ الَّذِي روى الحَدِيث ثمَّ تبيينه بِأَنَّهُ عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب وضوء الصّبيان مَتى يجب عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر عَن شُعْبَة. . إِلَى آخِره، نَحوه مَعَ اخْتِلَاف فِي الْمَتْن، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من كل الْوُجُوه.
قَوْله: (حَدثنَا الشَّيْبَانِيّ عَن الشّعبِيّ) وَهُنَاكَ: (سَمِعت سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ سَمِعت الشّعبِيّ) . قَوْله: (من شهد النَّبِي ﷺ وَهُنَاكَ: (من مر على النَّبِي ﷺ على قبر منبوذ) . قَوْله: (فصفهم) ، وَهُنَاكَ: (فَأمهمْ وصفوا) . قَوْله: (قلت من حَدثَك؟) . وَهُنَاكَ: (فَقلت: يَا أَبَا عَمْرو من حَدثَك؟) . قَوْله: (قبر منبوذ) بِالْإِضَافَة، وَالصّفة: قبر لَقِيط لِأَنَّهُ رمي بِهِ، أَو قبر منتبذ عَن الْقُبُور أَي معتزل بعيد عَنْهَا.
стр. 2307
٠٢٣١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى اقال أخبرنَا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبرنِي عَطَاءٌ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ قَدْ تُوُفِّيَ اليوْمَ رَجُلٌ صالِحٌ منَ الحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ قَالَ فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النبيُّ ﷺ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ قَالَ أبُو الزُّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصففنا) ، وَفِي قَوْله: (وَنحن صُفُوف) أَيْضا على رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، فَإِن قَوْله: (وَنحن صُفُوف) فِي الحَدِيث على رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَلَيْسَ ذَلِك فِي رِوَايَة غَيره.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق، يعرف بالصغير. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز ابْن جريج. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه رازي وَأَن هشاما من أَفْرَاده وَأَنه يماني وقاضيها وَابْن جريج وَعَطَاء مكيان.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَن أبي الرّبيع. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبيد الْكُوفِي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من الْحَبَش) ، وَهُوَ الصِّنْف الْمَخْصُوص من السودَان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَبَش والحبشة، جنس من السودَان، وَالْجمع: الحبشان، مثل: حمل وحملان. قَوْله: (فَهَلُمَّ) ، بِفَتْح الْمِيم أَي: تعال، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع فِي لُغَة الْحجاز وَأهل نجد يصرفونها، فَيَقُولُونَ: (هلما هلموا هَلُمِّي هلما هلممنن. قَوْله: (وَنحن صُفُوف) ، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال، وَهَذِه رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: كَمَا ذكرنَا آنِفا، قَالَ بَعضهم: وَبِه يَصح مَقْصُود التَّرْجَمَة. قلت: الْمَقْصُود يحصل من قَوْله: (فصففنا) لِأَن قَوْله: (وَنحن صُفُوف) لَيْسَ فِي غير رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، فَإِذا لم نعتبر فِيهَا. قَوْله: (فصففنا) لَا تبقى الْمُطَابقَة. قَوْله: (قَالَ أَبُو الزبير) ، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الدَّال وَضم الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة، مر فِي: بَاب من شكا إِمَامه، وَهَذَا وَصله النَّسَائِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن أبي الزبير بِلَفْظ: (كنت فِي الصَّفّ الثَّانِي يَوْم صلى النَّبِي ﷺ على النَّجَاشِيّ) .
٥٥ - (بابُ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ عَلَى الجَنَائِزِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صُفُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال عِنْد إِرَادَة الصَّلَاة فِي الْجَنَائِز، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على الْجَنَائِز.
١٢٣١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا الشَّيْبَانِي عنْ عَامِرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً فَقَالَ مَتَى دُفِنَ هاذا قالُوا البَارِحَةَ قَالَ أفَلَا آذَنْتُمُونِي قالُوا دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أنْ نُوقِظَكَ فقامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَأنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ فِي وَقت مَا صلى مَعَهم صَغِيرا، لِأَنَّهُ كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ دون الْبلُوغ، لِأَنَّهُ شهد حجَّة الْوَدَاع وَقد قَارب الِاحْتِلَام، فيطابق الحَدِيث التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة. والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب السَّابِق، غير أَنه هَهُنَا أتم من ذَاك، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري الْبَصْرِيّ الَّذِي يُقَال لَهُ: التَّبُوذَكِي، وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، والشيباني هُوَ سُلَيْمَان، وَقد مضى فِي الْبَاب السَّابِق، وعامر هُوَ الشّعبِيّ وَقد مضى هُنَاكَ بنسبته.
قَوْله: (دفن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَنسبَة الدّفن إِلَى الْقَبْر مجَاز، لِأَن المدفون هُوَ صَاحب
стр. 2308
الْقَبْر وَهُوَ من قبيل ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. قَوْله: (لَيْلًا) نصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (فَقَالُوا: البارحة) أَي: دفن البارحة. قَالَ الْجَوْهَرِي: البارحة أقرب لَيْلَة مَضَت، تَقول: مَا لَقيته البارحة، ولقيته البارحة الأولى، وَهُوَ من: برح، أَي: زَالَ. قَوْله: (أَفلا آذنتموني؟) أَي: أَفلا أعلمتموني؟
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الأحكم: الأول: فِيهِ جَوَاز الدّفن بِاللَّيْلِ، وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق عَطاء (عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ دخل قبرا لَيْلًا فأسرج لَهُ بسراج، فَأخذ من الْقبْلَة وَقَالَ: رَحِمك الله إِن كنت لأواها تلاء لِلْقُرْآنِ، وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا) قَالَ: حَدِيث ابْن عَبَّاس حَدِيث حسن، وَقَالَ: وَقد رخص أَكثر أهل الْعلم فِي الدّفن بِاللَّيْلِ، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: (رأى نَاس نَارا فِي الْمقْبرَة، فأتوها فَإِذا رَسُول الله ﷺ فِي الْقَبْر، وَإِذا هُوَ يَقُول: ناولوني صَاحبكُم، فَإِذا هُوَ الرجل الَّذِي كَانَ يرفع صَوته بِالذكر) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَسَنَده على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة عَن أبي يُونُس الْبَاهِلِيّ، قَالَ: سَمِعت شَيخا بِمَكَّة كَانَ أَصله روميا يحدث عَن أبي ذَر قَالَ: كَانَ رجل يطوف بِالْبَيْتِ يَقُول: أوه أوه. قَالَ أَبُو ذَر: فَخرجت ذَات لَيْلَة فَإِذا النَّبِي ﷺ فِي الْمَقَابِر يدْفن ذَلِك الرجل وَمَعَهُ مِصْبَاح. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: يحدث عَن النَّبِي ﷺ : (خطب يَوْمًا فَذكر رجلا من أَصْحَابه قبض فَكفن فِي كفن غير طائل وقبر لَيْلًا، فزجر النَّبِي ﷺ أَن يقبر الرجل بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهِ إلَاّ أَن يضْطَر إِنْسَان فِي ذَلِك، فَقَالَ النَّبِي ﷺ (إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. قلت: يحْتَمل أَن يكون نهى عَن ذَلِك أَولا ثمَّ رخصه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمنْهِي عَنهُ الدّفن قبل الصَّلَاة. قلت: الدّفن قبل الصَّلَاة منهيٌّ عَنهُ مُطلقًا، سَوَاء كَانَ بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ، وَالظَّاهِر أَنه نهى عَن الدّفن بِاللَّيْلِ، وَلَو كَانَ بعد الصَّلَاة وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) من حَدِيث أبي الزبير: عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تدفنوا مَوْتَاكُم بِاللَّيْلِ إلَاّ أَن تضطروا) ، وَلَكِن بشكل على هَذَا أَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة دفنُوا لَيْلًا، وَفِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: وَدفن، أَي: النَّبِي ﷺ ، قبل أَن يصبح. وَفِي (الْمَغَازِي) لِلْوَاقِدِي: عَن عمْرَة عَن عَائِشَة قَالَت: مَا علمنَا بدفن النَّبِي ﷺ حَتَّى سمعنَا صَوت الْمساحِي فِي السحر لَيْلَة الثُّلَاثَاء. وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَدفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء.
الثَّانِي من الْأَحْكَام: فِيهِ الصَّلَاة على الْغَائِب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
الثَّالِث: فِيهِ الصَّلَاة على الْجِنَازَة بالصفوف، وَأَن لَهَا تَأْثِيرا، وَكَانَ مَالك بن هُبَيْرَة الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يصف من يحضر الصَّلَاة على الْجِنَازَة ثَلَاثَة صُفُوف، سَوَاء قلوا أَو كَثُرُوا، وَلَكِن الْكَلَام فِيمَا إِذا تعدّدت الصُّفُوف وَالْعدَد قَلِيل، أَو كَانَ الصَّفّ وَاحِدًا. وَالْعدَد كثيرا أَيهمَا أفضل؟ وَعِنْدِي: الصُّفُوف أفضل، وَالله أعلم.
الرَّابِع: فِيهِ تدريب الصّبيان على شرائع الْإِسْلَام وحضورهم مَعَ الْجَمَاعَات ليستأنسوا إِلَيْهَا، وَتَكون لَهُم عَادَة إِذا لزمتهم وَإِذا ندبوا إِلَى صَلَاة الْجِنَازَة ليتدربوا إِلَيْهَا، وَهِي فرض كِفَايَة، فَفرض الْعين أَحْرَى.
الْخَامِس: فِيهِ الْإِعْلَام للنَّاس بِمَوْت أحد من الْمُسلمين لينهضوا إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهِ. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة على قبر الْمَيِّت، قَالَ أَصْحَابنَا: إِذا دفن الْمَيِّت وَلم يصل عَلَيْهِ صلى على قَبره مَا لم يعلم أَنه تفرق، كَذَا فِي (الْمَبْسُوط) وَهَذَا يُشِير إِلَى أَنه إِذا شكّ فِي تفرقه وتفسخه يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقد نَص الْأَصْحَاب على أَنه لَا يصلى عَلَيْهِ مَعَ الشَّك فِي ذَلِك، ذكره فِي (الْمُفِيد) و (الْمَزِيد) وبقولنا قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَهُوَ قَول عمر وَأبي مُوسَى وَعَائِشَة وَابْن سِيرِين وَالْأَوْزَاعِيّ ثمَّ هَل يشْتَرط فِي جَوَاز الصَّلَاة على قَبره كَونه مَدْفُونا بعد الْغسْل؟ فَالصَّحِيح: أَنه يشْتَرط. وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه لَا يشْتَرط. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَيصلى عَلَيْهِ قبل أَن يتفسخ، وَالْمُعْتَبر فِي ذَلِك أكبر الرَّأْي، أَي: غَالب، فَإِن كَانَ غَالب الظَّن أَنه تفسخ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ غَالب الظَّن أَنه لم يتفسخ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَإِذا شكّ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ. وَعَن أبي يُوسُف: يُصَلِّي عَلَيْهِ إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، وَبعدهَا لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ لِأَن الصَّحَابَة كَانُوا يصلونَ على النَّبِي ﷺ إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام.
وللشافعية سِتَّة أوجه: إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، إِلَى شهر كَقَوْل أَحْمد، مَا لم يبل جسده. يُصَلِّي عَلَيْهِ من كَانَ من أهل الصَّلَاة عَلَيْهِ يَوْم مَوته. يُصَلِّي من كَانَ من أهل فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ يَوْم مَوته. يُصَلِّي عَلَيْهِ أبدا. فعلى هَذَا تجوز الصَّلَاة على قُبُور الصَّحَابَة وَمن قبلهم الْيَوْم، وَاتَّفَقُوا على تَضْعِيفه، وَمِمَّنْ صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ والمحاملي والفواراني وَالْبَغوِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ. وَقَالَ إِسْحَق يُصَلِّي القادم من السّفر إِلَى شهر، والحاضر إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام. وَقَالَ سَحْنُون من الْمَالِكِيَّة: لَا يصلى
стр. 2309
على الْقَبْر، سدا للذريعة فِي الصَّلَاة على الْقُبُور. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لما اخْتلفت الْأَحْوَال فِي ذَلِك فوض الْأَمر إِلَى رَأْي المبتلي بِهِ. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ عَن عقبَة بن عَامر أَنه ﷺ صلى على قَتْلَى أحد بعد ثَمَان سِنِين؟ قلت: حمل ذَلِك على الدُّعَاء، قَالَه بعض أَصْحَابنَا: وَفِيه نظر، لِأَن الطَّحَاوِيّ روى عَن عقبَة أَنه ﷺ خرج يَوْمًا فصلى على قَتْلَى أحد صلَاته على الْمَيِّت. قلت: الْجَواب السديد أَن أَجْسَادهم لم تبل.
٦٥ - (بابُ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَالْمرَاد من السّنة مَا شَرعه النَّبِي ﷺ فِي صَلَاة الْجِنَازَة من الشَّرَائِط، والأركان. وَمن الشَّرَائِط أَنَّهَا لَا تجوز بِغَيْر الطَّهَارَة، وَلَا تجوز عُريَانا، وَلَا تجوز بِغَيْر اسْتِقْبَال الْقبْلَة. وَمن الْأَركان: التَّكْبِيرَات. وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَض البُخَارِيّ بَيَان جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، وَكَونهَا مَشْرُوعَة، وَإِن لم تكن ذَات الرُّكُوع وَالسُّجُود فاستدل عَلَيْهِ تَارَة بِإِطْلَاق اسْم الصَّلَاة عَلَيْهِ، والآمر بهَا. وَتارَة بِإِثْبَات مَا هُوَ من خَصَائِص الصَّلَاة، نَحْو: عدم التَّكَلُّم فِيهَا، وَكَونهَا مفتتحة بِالتَّكْبِيرِ مختتمة بِالتَّسْلِيمِ وَعدم صِحَّتهَا إلَاّ بِالطَّهَارَةِ، وَعدم أَدَائِهَا عِنْد الْوَقْت الْمَكْرُوه، وبرفع الْيَد وَإِثْبَات الأحقية بِالْإِمَامَةِ، ولوجوب طلب المَاء لَهُ وَالدُّخُول فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَيكون استفتاحها بِالتَّكْبِيرِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ﴾ . فَإِنَّهُ أطلق الصَّلَاة عَلَيْهِ، حَيْثُ نهى عَن فعلهَا، وبكونها ذَات صُفُوف وَإِمَام، وَحَاصِله أَن الصَّلَاة لفظ مُشْتَرك بَين ذَات الْأَركان الْمَخْصُوصَة من الرُّكُوع وَنَحْوه، وَبَين صَلَاة الْجِنَازَة، وَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة فيهمَا. انْتهى. قلت: فِي قَوْله: وَحَاصِله ... إِلَى آخِره، فِيهِ نظر، لِأَن الصَّلَاة فِي اللُّغَة وَالدُّعَاء والاتباع، وَقد اسْتعْملت فِي الشَّرْع فِيمَا لم يجد فِيهِ الدُّعَاء والاتباع: كَصَلَاة الْأَخْرَس المنفردة، وَصَلَاة من لَا يقدر على الْقِرَاءَة وَحده، ثمَّ إِن الشَّارِع استعملها فِي غير مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَغلب اسْتِعْمَالهَا فِيهَا بِحَيْثُ يتَبَادَر الذِّهْن إِلَى الْمَعْنى الَّذِي استعملها الشَّارِع فِيهِ عِنْد الْإِطْلَاق، وَهِي مجَاز هجرت حَقِيقَته بِالشَّرْعِ فَصَارَت حَقِيقَة شَرْعِيَّة، وَلَيْسَت بمشتركة بَين الصَّلَاة الْمَعْهُودَة فِي الشَّرْع وَبَين صَلَاة الْجِنَازَة، فَلَا تكون حَقِيقَة شَرْعِيَّة فيهمَا، وَلَا يفهم من كَلَام البُخَارِيّ الَّذِي نَقله عَنهُ الْكرْمَانِي أَن إِطْلَاق لفظ الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بطرِيق الْحَقِيقَة لَا بطرِيق الِاشْتِرَاك بَين الصَّلَاة الْمَعْهُودَة وَصَلَاة الْجِنَازَة.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ
هَذَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ: من صلى على الْجِنَازَة ... فَأطلق بِلَفْظ (صلى على الْجِنَازَة) ، وَلم يقل: من دَعَا للجنازة، وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مَوْصُولا فِي: بَاب من انْتظر حَتَّى تدفن، وَلَكِن لَفْظَة: (من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يُصَلِّي فَلهُ قِيرَاط) الحَدِيث، وَلَفظ مُسلم: (من صلى على جَنَازَة وَلم يتبعهَا فَلهُ قِيرَاط، وَإِن تبعها فَلهُ قيراطان) .
وَقَالَ صَلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ
هَذَا اسْتدلَّ بِهِ على مَا ذهب إِلَيْهِ من إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ: (صلوا) ، وَهُوَ طرف من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع، أخرجه مَوْصُولا فِي أَوَائِل الْحِوَالَة مطولا، وأوله: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِي ﷺ إِذْ أُتِي بِجنَازَة، فَقَالُوا: صل عَلَيْهَا) الحَدِيث، وَفِيه: قَالَ: (هَل عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا: ثَلَاثَة دَنَانِير! قَالَ: صلوا على صَاحبكُم) . الحَدِيث.
وَقَالَ صلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ
هَذَا أَيْضا بطرِيق الْأَمر، وَقد تقدم هَذَا فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَلَكِن لَفظه هُنَا، فصلوا عَلَيْهِ.
سَمَّاهَا صَلَاةً لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ
أَي: سمى النَّبِي ﷺ الْهَيْئَة الْخَاصَّة الَّتِي يدعى فِيهَا للْمَيت: صَلَاة، وَالْحَال أَنه لَيْسَ فِيهَا رُكُوع وَلَا سُجُود، وَلَكِن التَّسْمِيَة لَيست بطرِيق الْحَقِيقَة، وَلَا بطرِيق الِاشْتِرَاك، وَلَكِن بطرِيق الْمجَاز.
وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيها وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ
أَي: وَلَا يتَكَلَّم فِي صَلَاة الْجِنَازَة، وَهَذَا أَيْضا من جملَة جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة بِإِثْبَات مَا هُوَ من
стр. 2310
خَصَائِص الصَّلَاة، وَهُوَ عدم التَّكَلُّم فِي صَلَاة الْجِنَازَة كَالصَّلَاةِ. قَوْله: (وفيهَا) أَي: وَفِي صَلَاة الْجِنَازَة (تَكْبِير وَتَسْلِيم) كَمَا فِي الصَّلَاة. أما التَّكْبِير فَلَا خلاف فِيهِ، وَأما التَّسْلِيم فمذهب أبي حنيفَة أَنه يسلم تسليمتين، وَاسْتدلَّ لَهُ بِحَدِيث عبد الله بن أبي أوفى أَنه يسلم عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: (لَا أَزِيدكُم على مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصنع أَو هَكَذَا يصنع) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: حَدِيث صَحِيح. وَفِي (المُصَنّف) بِسَنَد جيد عَن جَابر بن زيد وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَنهم كَانُوا يسلمُونَ تسليمتين. وَفِي (الْمعرفَة) : روينَا عَن أبي عبد الرَّحْمَن (عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: ثَلَاث كَانَ رَسُول الله ﷺ يفعلهن، تركهن النَّاس: إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيم على الْجِنَازَة مثل التسليمتين فِي الصَّلَاة، وَقَالَ قوم: يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة) روى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَأبي أُمَامَة بن سهل وَأنس وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق.
ثمَّ: هَل يسرّ بهَا أَو يجْهر؟ فَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِخْفَاؤُهَا، وَعَن مَالك: يسمع بهَا من يَلِيهِ، وَعَن أبي يُوسُف: لَا يجْهر كل الْجَهْر وَلَا يسر كل الْإِسْرَار وَلَا يرفع يَدَيْهِ إلَاّ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، لما روى التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، مَرْفُوعا: (إِذا صلى على جَنَازَة يرفع يَدَيْهِ فِي أول تَكْبِيرَة) . وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ لَا يعود) ، وَعَن ابْن عَبَّاس عِنْده مثله بِسَنَد فِيهِ الْحجَّاج ابْن نصير. وَفِي (الْمَبْسُوط) : أَن ابْن عمر وعليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَا: لَا ترفع الْيَد فِيهَا، إلَاّ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن ابْن مَسْعُود، وَابْن عمر، ثمَّ قَالَ: لم يَأْتِ بِالرَّفْع فِيمَا عدا الأولى نَص وَلَا إِجْمَاع. وَحكى فِي (المُصَنّف) عَن النَّخعِيّ وَالْحسن بن صَالح: أَن الرّفْع فِي الأولى فَقَط، وَحكى ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على الرّفْع فِي أول تَكْبِيرَة، وَعند الشَّافِعِيَّة: يرفع فِي الْجَمِيع، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَرُوِيَ مثل قَوْلنَا عَن ابْن عمر وَسَالم وَعَطَاء وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق.
وكانَ ابنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إلَاّ طاهِرا وَلَا تُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ
هَذَا أَيْضا مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة.
هَذِه ثَلَاث مسَائِل.
الأولى: أَن عبد الله ابْن عمر كَانَ لَا يُصَلِّي على الْجِنَازَة إلَاّ بِطَهَارَة، وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ غَرَض البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على الشّعبِيّ، فَإِنَّهُ أجَاز الصَّلَاة على الْجِنَازَة بِغَيْر طَهَارَة، قَالَ: لِأَنَّهُ دُعَاء لَيْسَ فِيهَا رُكُوع وَلَا سُجُود. قَالَ: وَالْفُقَهَاء مجمعون من السّلف وَالْخلف على خلاف قَوْله. انْتهى. قلت: وَقَالَ بِهِ أَيْضا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ والشيعة، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن علية: الصَّلَاة على الْمَيِّت اسْتِغْفَار، وَالِاسْتِغْفَار يجوز بِغَيْر وضوء، وأوصل هَذَا التَّعْلِيق مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن نَافِع بِلَفْظ: أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول: لَا يُصَلِّي الرجل على الْجِنَازَة إلَاّ وَهُوَ طَاهِر. وَأما إِطْلَاق الطَّهَارَة فَيتَنَاوَل الْوضُوء وَالتَّيَمُّم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز التَّيَمُّم للجنازة مَعَ وجود المَاء إِذا خَافَ فَوتهَا بِالْوضُوءِ، وَكَانَ الْوَلِيّ غَيره، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ، وَعَطَاء وَسَالم وَالنَّخَعِيّ وَعِكْرِمَة وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَرَبِيعَة وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَابْن وهب، وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد، وروى ابْن عدي عَن ابْن عَبَّاس (مَرْفُوعا) (إِذا فجأتك جَنَازَة وَأَنت على غير وضوء فَتَيَمم) . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَنهُ مَوْقُوفا. وَحَكَاهُ أَيْضا عَن الحكم وَالْحسن، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: لَا يتَيَمَّم. وَقَالَ ابْن حبيب: الْأَمر فِيهِ وَاسع، وَنقل ابْن التِّين عَن ابْن وهب أَنه يتَيَمَّم إِذا خرج طَاهِرا فأحدث، وَإِن خرج مَعهَا على غير طَهَارَة لم يتَيَمَّم.
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: أَن عبد الله بن عمر مَا كَانَ يُصَلِّي على الْجِنَازَة عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَلَا عِنْد غُرُوبهَا لما روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن أنيس بن أبي يحيى عَن أَبِيه أَن جَنَازَة وضعت، فَقَامَ ابْن عمر قَائِما فَقَالَ: أَيْن ولي هَذِه الْجِنَازَة؟ ليصل عَلَيْهَا قبل أَن يطلع قرن الشَّمْس. وَحدثنَا وَكِيع عَن جَعْفَر بن برْقَان عَن مَيْمُون، قَالَ: كَانَ ابْن عمر يكره الصَّلَاة على الْجِنَازَة إِذا طلعت الشَّمْس حَتَّى تغيب، وَحدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي بكر، يَعْنِي ابْن حَفْص، قَالَ: كَانَ ابْن عمر إِذا كَانَت الْجِنَازَة صلى الْعَصْر ثمَّ قَالَ: عجلوا بهَا قبل أَن تطفل الشَّمْس. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهَة الصَّلَاة على الْجِنَازَة عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَعند غُرُوبهَا، ثمَّ روى حَدِيث عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ: (ثَلَاث سَاعَات كَانَ رَسُول الله ﷺ ينهانا أَن نصلي فِيهَا، ونقبر فِيهِنَّ مَوتَانا، حِين تطلع الشَّمْس: بازغة حَتَّى ترْتَفع، وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل، وَحين تضيف الشَّمْس للغروب حَتَّى تغرب) . وَأخرجه مُسلم وَبَقِيَّة أَصْحَاب السّنَن أَيْضا، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على
стр. 2311
هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم، يكْرهُونَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة فِي هَذِه الْأَوْقَات، وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: معنى هَذَا الحَدِيث أَن نقبر فِيهِنَّ مَوتَانا، يَعْنِي: الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا بَأْس أَن يصلى على الْجِنَازَة فِي السَّاعَات الَّتِي تكره فِيهَا الصَّلَاة.
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: هِيَ قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) ، أَي: وَيرْفَع ابْن عمر يَدَيْهِ فِي صَلَاة الْجِنَازَة، قَالَ بَعضهم: وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب (رفع الْيَدَيْنِ) الْمُفْرد من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي كل تَكْبِيرَة على الْجِنَازَة. قلت: قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) . مُطلق يتَنَاوَل الرّفْع فِي أول التَّكْبِيرَات ويتناول الرّفْع فِي جَمِيعهَا، وَعدم تَقْيِيد البُخَارِيّ ذَلِك يدل على أَن الَّذِي رَوَاهُ فِي كتاب (رفع الْيَدَيْنِ) غير مرضِي عِنْده، إِذْ لَو كَانَ رَضِي بِهِ لَكَانَ ذكره فِي (الصَّحِيح) أَو قيد قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) بِلَفْظ: فِي التَّكْبِيرَات كلهَا، على أَنا قد ذكرنَا عَن قريب أَن ابْن حزم حكى عَن ابْن عمر أَنه لم يرفع إلَاّ فِي الأولى. وَقَالَ: لم يَأْتِ فِيمَا عدا الأولى نَص وَلَا إِجْمَاع، وَذكرنَا عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس مثله. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي الْكل؟ قلت: إِسْنَاده ضَعِيف فَلَا يحْتَج بِهِ، وَالله تَعَالَى أعلم.
وَقَالَ الحَسَنُ أدْرَكْتُ النَّاسَ وَأحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ
هَذَا أَيْضا من جملَة مَا يسْتَدلّ بِهِ البُخَارِيّ على جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، فَإِن الَّذين أدركهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الْكِبَار كَانُوا يلحقون صَلَاة الْجِنَازَة بالصلوات، وَلِهَذَا مَا كَانَ أَحَق بِالصَّلَاةِ على الْجِنَازَة إلَاّ من كَانَ يُصَلِّي لَهُم الْفَرَائِض، وَالْوَاو فِي: وأحقهم، للْحَال وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره هُوَ قَوْله: من، وَهِي مَوْصُولَة، يَعْنِي: الَّذين. وَقَوله: رضوهم، صلتها. وَقَوله: رضوهم بضمير الْجمع رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: رضوه، بإفراد الضَّمِير. وَهَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف بَين الْعلمَاء. قَالَ ابْن بطال: أَكثر أهل الْعلم قَالَ: الْوَالِي أَحَق من الْوَلِيّ، رُوِيَ ذَلِك عَن جمَاعَة، مِنْهُم: عَلْقَمَة وَالْأسود وَالْحسن، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ: الْوَلِيّ أَحَق من الْوَالِي، وَقَالَ مطرف وَابْن عبد الحكم وَأصبغ: لَيْسَ ذَلِك إلَاّ إِلَى من أليه الصَّلَاة من قَاض أَو صَاحب شرطة أَو خَليفَة الْوَالِي الْأَكْبَر، وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى الْوَالِي الْأَكْبَر الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ الطَّاعَة، وَحكى ابْن أبي شيبَة عَن النَّخعِيّ وابي بردة وَابْن أبي ليلى وَطَلْحَة وزبيد وسُويد بن غَفلَة: تَقْدِيم إِمَام الْحَيّ، وَعَن أبي الشعْثَاء وَسَالم وَالقَاسِم وطاووس وَمُجاهد وَعَطَاء: أَنهم كَانُوا يقدمُونَ الإِمَام على الْجِنَازَة، وروى الثَّوْريّ عَن أبي حَازِم قَالَ: شهِدت الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قدم سعيد بن الْعَاصِ يَوْم مَاتَ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقَالَ لَهُ: تقدم، فلولا السّنة مَا قدمتك، وَسَعِيد يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب أَعلَى من هَذَا، لِأَن شَهَادَة الْحسن شَهِدَهَا عوام النَّاس من الصَّحَابَة والمهاجرين وَالْأَنْصَار.
وَإذَا أحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يِطْلُبُ المَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ
الظَّاهِر أَن هَذَا من بَقِيَّة كَلَام الْحسن، لِأَن ابْن أبي شيبَة روى عَن حَفْص على أَشْعَث عَن الْحسن أَنه سُئِلَ عَن الرجل يكون فِي الْجِنَازَة على غير وضوء، قَالَ: لَا يتَيَمَّم وَلَا يُصَلِّي إلَاّ على طهر. فَإِن قلت: روى سعيد بن مَنْصُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن كثير بن شنظير، قَالَ: سُئِلَ الْحسن عَن الرجل يكون فِي الْجِنَازَة على غير وضوء، فَإِن ذهب يتَوَضَّأ تفوته. قَالَ: يتَيَمَّم وَيُصلي. قلت: يحمل هَذَا على أَنه روى عَنهُ رِوَايَتَانِ، وَيدل ذكر البُخَارِيّ هَذَا على أَنه لم يقف عَن الْحسن إلَاّ على مَا روى عَنهُ من عدم جَوَاز الصَّلَاة على الْجِنَازَة إلَاّ بِالْوضُوءِ، أما التَّيَمُّم لصَلَاة الْجِنَازَة فقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب.
وَأما التَّيَمُّم لصَلَاة الْعِيد فعلى التَّفْصِيل عندنَا، وَهُوَ أَنه إِن كَانَ قبل الشُّرُوع فِي صَلَاة الْعِيد لَا يجوز للْإِمَام، لِأَنَّهُ ينْتَظر، وَأما الْمُقْتَدِي فَإِن كَانَ المَاء قَرِيبا بِحَيْثُ لَو تَوَضَّأ لَا يخَاف الْفَوْت لَا يجوز، وإلَاّ فَيجوز، فَلَو أحدث أَحدهمَا بعد الشُّرُوع بِالتَّيَمُّمِ يتَيَمَّم وَإِن كَانَ الشُّرُوع بِالْوضُوءِ وَخَافَ ذهَاب الْوَقْت لَو تَوَضَّأ، فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما. وَفِي (الْمُحِيط) وَإِن كَانَ الشُّرُوع بِالْوضُوءِ وَخَافَ زَوَال الشَّمْس لَو تَوَضَّأ يتَيَمَّم بِالْإِجْمَاع، وإلَاّ فَإِن كَانَ يَرْجُو إِدْرَاك الإِمَام قبل الْفَرَاغ لَا يتَيَمَّم بِالْإِجْمَاع، وإلَاّ يتَيَمَّم وَيَبْنِي عِنْد أبي حنيفَة. وَقَالا: يتَوَضَّأ وَلَا يتَيَمَّم، فَمن الْمَشَايِخ من قَالَ: هَذَا اخْتِلَاف عصر وزمان، فَفِي زمن أبي حنيفَة كَانَت
стр. 2312
الْجَبانَة بعيدَة من الْكُوفَة، وَفِي زمنهما كَانُوا يصلونَ فِي جبانة قريبَة، وَعند الشَّافِعِي: لَا يجوز التَّيَمُّم لصَلَاة الْعِيد أَدَاء وَبِنَاء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَاس الشَّافِعِي صَلَاة الْجِنَازَة والعيد على الْجُمُعَة، وَقَالَ: تفوت الْجُمُعَة بِخُرُوج الْوَقْت بِالْإِجْمَاع، والجنازة لَا تفوت بل يصلى على الْقَبْر إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام بِالْإِجْمَاع، وَيجوز بعْدهَا عندنَا.
وإذَا انْتَهِى إلَى الجنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ
هَذَا بَقِيَّة من كَلَام الْحسن أَيْضا، أَي: إِذا انْتهى الرجل إِلَى الْجِنَازَة وَالْحَال أَن الْجَمَاعَة يصلونَ يدْخل مَعَهم بتكبيرة، وَقد وَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا معَاذ عَن أَشْعَث عَن الْحسن فِي الرجل يَنْتَهِي إِلَى الْجِنَازَة وهم يصلونَ عَلَيْهَا، قَالَ: يدْخل مَعَهم بتكبيرة، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن مُحَمَّد، قَالَ: يكبر مَا أدْرك وَيَقْضِي مَا سبقه. وَقَالَ الْحسن: يكبر مَا أدْرك وَلَا يقْضِي مَا سبقه، وَعِنْدنَا لَو كبر الإِمَام تَكْبِيرَة أَو تكبيرتين لَا يكبر الْآتِي حَتَّى يكبر الإِمَام تَكْبِيرَة أُخْرَى عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، ثمَّ إِذا كبر الإِمَام يكبر مَعَه، فَإِذا فرغ الإِمَام كبر هَذَا الْآتِي مَا فَاتَهُ قبل أَن ترفع الْجِنَازَة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يكبر حِين يحضر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعَن أَحْمد مُخَيّر، وقولهما هُوَ قَول الثَّوْريّ والْحَارث بن يزِيد، وَبِه قَالَ مَالك وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة.
وَقَالَ ابنُ المُسَيَّبُ يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أرْبَعا
أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب: يكبر الرجل فِي صَلَاة الْجِنَازَة سَوَاء كَانَت بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ، وَسَوَاء كَانَت فِي السّفر أَو فِي الْحَضَر أَرْبعا أَي: أَربع تَكْبِيرَات، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي عدد التَّكْبِيرَات.
وقَالَ أنسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ التَّكْبِيرَةُ الوَاحِدَةِ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ
هَذَا أَيْضا مِمَّا يدل على مَا قَالَه البُخَارِيّ من جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة حَيْثُ أثبت لَهَا تَكْبِيرَة الاستفتاح، كَمَا فِي صَلَاة الْفَرْض، وروى سعيد بن مَنْصُور مَا يتَضَمَّن مَا ذكره البُخَارِيّ عَن أنس عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق، قَالَ زُرَيْق بن كريم لأنس بن مَالك: رجل صلى فَكبر ثَلَاثًا؟ قَالَ أنس: أوليس التَّكْبِير ثَلَاثًا؟ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَة، التَّكْبِير أَربع. قَالَ: أجل غير أَن وَاحِدَة هِيَ افْتِتَاح الصَّلَاة.
وَقَالَ ولَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ
هَذَا مَعْطُوف على أصل التَّرْجَمَة، وَهِي قَوْله: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، فَإِنَّهُ أطلق عَلَيْهِ الصَّلَاة حَيْثُ نهى عَن فعلهَا على أحد من الْمُنَافِقين.
وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإمَامٌ
هَذَا عطف على قَوْله: وفيهَا تَكْبِير وَتَسْلِيم، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى صَلَاة الْجِنَازَة، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور أَو بِاعْتِبَار فعل الصَّلَاة، أَرَادَ أَن كَون الصُّفُوف فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَكَون الإِمَام فِيهَا يدلان على إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة.
٢٢٣١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ أَخْبرنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَقُلْنَا يَا أبَا عَمْرٍ ومَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأمنا فصففنا) ، لِأَن الْإِمَامَة وتسوية الصُّفُوف من سنة صَلَاة الْجِنَازَة، والْحَدِيث قد مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَقبل قبله، والشيباني هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. قَوْله: (يابا عَمْرو) أَصله: يَا أَبَا عَمْرو، حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَأَبُو عَمْرو هَذَا هُوَ الشّعبِيّ.
стр. 2313
٧٥ - (بابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل اتِّبَاع الْجَنَائِز، وَالْمرَاد من الإتباع أَن يتبع الْجِنَازَة وَيُصلي عَلَيْهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن يتبع ثمَّ ينْصَرف بِغَيْر صَلَاة. فَإِن قلت: مَا تدل التَّرْجَمَة على الحكم؟ قلت: المُرَاد إِثْبَات الْأجر وَالتَّرْغِيب فِيهِ لَا تعْيين الحكم وَقيل: المُرَاد من الِاتِّبَاع الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ مُسَمَّاهُ الَّذِي يحصل بِهِ القيراط من الْأجر.
وقَالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ: إذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الصَّلَاة على الْمَيِّت لَا تحصل إِلَّا باتباعه، وَزيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك بن زيد الْأنْصَارِيّ النجاري أَبُو خَارِجَة الْمدنِي، قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة، وَكَانَ يكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة، وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى، توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عُرْوَة عَنهُ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت: (إِذا صليتم على الْجِنَازَة فقد قضيتم مَا عَلَيْكُم فَخلوا بَينهَا وَبَين أَهلهَا) . قَوْله: (إِذا صليت) أَي: على الْمَيِّت (فقد قضيت) حَقه (الَّذِي عَلَيْك) ، من الْوَاجِب الَّذِي هُوَ على الْكِفَايَة، وَإِذا أَرَادَ الِاتِّبَاع بعد ذَلِك إِلَى قَبره فَلهُ زِيَادَة الْأجر.
وَقَالَ حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا علَى الجَنَازَةِ إذْنا وَلاكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من صلى ثمَّ رَجَعَ) لِأَن الصَّلَاة تكون بالاتباع، وَحميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن هِلَال ابْن هُبَيْرَة أَبُو نصر الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، مر فِي: بَاب يرد الْمُصَلِّي من يمر بَين يَدَيْهِ. قَوْله: (إِذْنا) ، بِكَسْر الْهمزَة أَي، مَا ثَبت عندنَا أَنه يُؤذن على الْجِنَازَة، وَلَكِن ثَبت من صلى ... إِلَى آخِره، هَذَا أَن الصَّلَاة على الْجِنَازَة حق الْمَيِّت، ولابتغاء الْفضل وَلَيْسَ للأولياء فِيهَا حق حَتَّى يتَوَقَّف الِانْصِرَاف بعد الصَّلَاة على الْأذن. وَفِي هَذَا الْبَاب اخْتِلَاف، فَروِيَ عَن زيد بن ثَابت وَجَابِر بن عبد الله وَعُرْوَة بن الزبير وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَقَتَادَة وَابْن سِيرِين وَأبي قلَابَة: أَنهم كَانُوا يَنْصَرِفُونَ بعد الصَّلَاة وَلَا يستأذنون، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَجَمَاعَة من الْعلمَاء، وَقَالَت طَائِفَة: لَا بُد من الْإِذْن فِي ذَلِك، وَرُوِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة والمسور بن مخرمَة وَالنَّخَعِيّ: أَنهم كَانُوا لَا يَنْصَرِفُونَ حَتَّى يستأذنون، وروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك قَالَ: لَا يجب لمن يشْهد جَنَازَة أَن ينْصَرف عَنْهَا حَتَّى يُؤذن لَهُ، إلَاّ أَن يطول ذَلِك. فَإِن قلت: روى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مَعَ الْجِنَازَة يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع حَتَّى يسْتَأْذن وَليهَا) الحَدِيث، وروى الْبَزَّار من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (أميران وليسا بأميرين: الْمَرْأَة تحج مَعَ الْقَوْم فتحيض، وَالرجل يتبع الْجِنَازَة فَيصَلي عَلَيْهَا لَيْسَ لَهُ أَن يرجع حَتَّى يستأمر أهل الْجِنَازَة) . وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (من تبع جَنَازَة فَحمل من علوها، وحثى فِي قبرها، وَقعد حَتَّى يُؤذن لَهُ رَجَعَ بقيراطين) . قلت: أما حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب فَهُوَ مُنْقَطع مَوْقُوف. فَإِن قلت: روى عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَيْضا؟ قلت: قَالَ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ: لم يُتَابع عَلَيْهِ. وَأما حَدِيث جَابر فَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ حَدِيث أَحْمد ضَعِيف.
٣٢٣١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ نافِعا يَقُولُ حُدِّثَ ابنُ عُمَرَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يقُولُ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ فَقَالَ أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عائِشَةَ أبَا هُرَيْرَةَ وَقالَتْ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُهُ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم
стр. 2314
وبكسر الرَّاء المكررة: ابْن حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، سبق فِي: بَاب يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا كَمَا أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا من رِوَايَة نَافِع عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا من رِوَايَة سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من رِوَايَة سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن رِوَايَة يزِيد بن كيسَان عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة خباب صَاحب الْمَقْصُورَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من رِوَايَة سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عَمْرو حَدثنَا أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن تبعها حَتَّى يقْضِي دَفنهَا فَلهُ قيراطان أَحدهمَا أَو أصغرهما مثل أحد، فَذكرت ذَلِك لِابْنِ عمر، فَأرْسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن ذَلِك، فَقَالَت: صدق أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ ابْن عمر: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) . وَفِي الْبَاب عَن الْبَراء رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من تبع جَنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا كَانَ لَهُ من الْأجر قِيرَاط، وَمن مَشى مَعَ الْجِنَازَة حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ من الْأجر قيراطان، والقيراط مثل أحد) ، وَعَن عبد الله بن الْمُغَفَّل روى حَدِيثه النَّسَائِيّ أَيْضا عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من تبع جَنَازَة حَتَّى يفرغ مِنْهَا فَلهُ قيراطان، فَإِن رَجَعَ قبل أَن يفرغ مِنْهَا فَلهُ قِيرَاط. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، روى حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أَتَى الْجِنَازَة عِنْد أَهلهَا فَمشى مَعهَا حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان مثل أحد) . وَعَن أبي بن كَعْب أخرج حَدِيثه ابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قِيرَاط، وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ القيراط أعظم من أحد) . وَعَن ابْن عمر: أخرج حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط) ، وَعَن ثَوْبَان أخرج حَدِيثه مُسلم وَابْن مَاجَه، عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، فَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان، القيراط مثل أحد) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حدث) ، بِضَم الْحَاء على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي وَلم يبين فِي شَيْء من الطّرق من كَانَ حدث ابْن عمر عَن أبي هُرَيْرَة بذلك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه بَين فِي موضِعين أَحدهمَا فِي (صَحِيح مُسلم) : حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، قَالَ: حَدثنَا حَيْوَة بن صَخْر عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط أَنه حدث أَن دَاوُد بن عَامر ابْن سعد بن أبي وَقاص حَدثهُ عَن أَبِيه أَنه كَانَ قَاعِدا عِنْد عبد الله بن عمر إِذْ طلع خباب صَاحب الْمَقْصُورَة، فَقَالَ: يَا عبد الله بن عمر ألَا تسمع مَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة؟ إِنَّه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: من خرج مَعَ جَنَازَة من بَيتهَا وَصلى عَلَيْهَا ثمَّ تبعها حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ قيراطان من الْأجر مثل أحد، وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أحد. فَأرْسل ابْن عمر خبابا إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن قَول أبي هُرَيْرَة، ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ يُخبرهُ مَا قَالَت، وَأخذ ابْن عمر قَبْضَة من حَصْبَاء الْمَسْجِد يقلبها فِي يَده حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُول، فَقَالَ: قَالَت عَائِشَة: صدق أَبُو هُرَيْرَة، فَضرب ابْن عمر بالحصباء الَّذِي كَانَ فِي يَده ثمَّ قَالَ: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) . والموضع الآخر فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أَن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: من تبع) كَذَا فِي جَمِيع الطّرق لم يذكر فِيهِ النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن رَاشد عَن أبي النُّعْمَان شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه عَن مهْدي بن الْحَارِث عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن أبي أُميَّة عَن أبي النُّعْمَان وَعَن التسترِي عَن شَيبَان، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بن حَازِم عَن نَافِع، قَالَ: قيل لِابْنِ عمر: إِن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط من الْأجر) ، فَذكره. قَوْله: (من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته: (من الْأجر. .) والقيراط، بِكَسْر الْقَاف. قَالَ الْكرْمَانِي:
стр. 2315
القيراط لُغَة: نصف دانق، وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا النَّصِيب. وَقيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشره فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جُزْءا من أَرْبَعَة وَعشْرين، وَأَصله: القراط، يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ بِدَلِيل جمعه بالقراريط، فأبدل إِحْدَى الراءين يَاء. وَعَن ابْن عقيل: القيراط نصف سدس دِرْهَم أَو نصف عشر دِينَار. وَقيل: المُرَاد بالقيراط هَهُنَا جُزْء من أَجزَاء مَعْلُومَة عِنْد الله تَعَالَى، وَقد قربهَا النَّبِي، ﷺ ، للفهم بتمثيله القيراط بِأحد، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: (مثل أحد) تَفْسِير للمقصود من الْكَلَام لَا للفظ القيراط، وَالْمرَاد مِنْهُ أَن يرجع بِنَصِيب من الْأجر، وَذَلِكَ لِأَن لفظ القيراط مُبْهَم من وَجْهَيْن فَبين الْمَوْزُون بقوله: (من الْأجر) وَبَين الْمِقْدَار المُرَاد مِنْهُ بقوله: (مثل أحد) . فَإِن قلت: لِمَ خص القيراط بِالذكر؟ قلت: لِأَن غَالب مَا تقع بِهِ معاملتهم كَانَ بالقيراط.
وَقد ورد لفظ القيراط فِي عدَّة أَحَادِيث: فَمِنْهَا: مَا يحمل على القيراط الْمُتَعَارف. وَمِنْهَا: مَا يحمل على الْجُزْء وَإِن لم تعرف النِّسْبَة، فَمن الأول: حَدِيث كَعْب بن مَالك: (إِنَّكُم ستفتحون بَلَدا يذكر فِيهَا القيراط) ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا (كنت أرى الْغنم لأهل مَكَّة بالقراريط) . قَالَ ابْن مَاجَه عَن بعض شُيُوخه، يَعْنِي: كل شَاة بقيراط، وَقَالَ غَيره: قراريط جبل بِمَكَّة، وَمن الْمُحْتَمل حَدِيث ابْن عمر الَّذين أعْطوا الْكتاب أعْطوا قيراطا قيراطا، وَحَدِيث الْبَاب. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة: (من اقتنى كَلْبا نقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط) . وَقد جَاءَ فِي حَدِيث مُسلم، وَغَيره: (القيراط مثل أحد) ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَأْتِي: القيراطان مثل الجبلين العظيمين، وَهَذَا تَمْثِيل واستعارة، وَيجوز أَن يكون حَقِيقَة بِأَن يَجْعَل الله عمله ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة عين يُوزن كَمَا توزن الْأَجْسَام، وَيكون قدر هَذَا كَقدْر أحد. فَإِن قلت: التَّمْثِيل بِأحد مَا وَجه تَخْصِيصه؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبا من المخاطبين وَكَانَ أَكْثَرهم يعرفونه كَمَا يَنْبَغِي، وَقيل: لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي حَقه: (إِنَّه جبل يحبنا وَنحن نحبه) . وَقيل: لِأَنَّهُ أعظم الْجبَال خلقا. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: قَالَ ابْن عمر: أَكثر أَبُو هُرَيْرَة علينا. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: فِي ذكر الْأجر أَو فِي رِوَايَة الحَدِيث، خَافَ لِكَثْرَة رواياته أَنه اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر، فِيهِ لَا أَنه نسبه إِلَى رِوَايَة مَا لم يسمع لِأَن مرتبتهما أجل من ذَلِك وَقَالَ ابْن التِّين لم يهتم ابْن عمر بل خشِي عَلَيْهِ السَّهْو أَو قَالَ ذَلِك لكَونه لم ينْقل لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه رَفعه، فَظن أَنه قَالَ بِرَأْيهِ، فاستنكره. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي سَلمَة عِنْد سعيد ابْن مَنْصُور، فَبلغ ذَلِك ابْن عمر فتعاظمه، وَفِي رِوَايَة الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن عِنْد سعيد أَيْضا ومسدد وَأحمد بِإِسْنَاد صَحِيح: فَقَالَ ابْن عمر: يَا أَبَا هُرَيْرَة أنظر مَا تحدث من رَسُول الله ﷺ ؟ قَوْله: (فصدقت) يَعْنِي عَائِشَة أَبَا هُرَيْرَة، لفظ: يَعْنِي، من البُخَارِيّ، كَأَنَّهُ شكّ فاستعملها، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي النُّعْمَان شيخ البُخَارِيّ فَلم يقلها، وَقد ذكرنَا رِوَايَة مُسلم وفيهَا: فَبعث ابْن عمر إِلَى عَائِشَة فَسَأَلَهَا فصدقت أَبَا هُرَيْرَة، وَقد ذكرنَا أَيْضا عَن التِّرْمِذِيّ: (فَأرْسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن ذَلِك فَقَالَت: صدق أَبُو هُرَيْرَة) . فَإِن قلت: روى سعيد بن مَنْصُور من حَدِيث الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن: (فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَة فَأخذ بِيَدِهِ فَانْطَلقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أنْشدك الله أسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول؟ فَذكره، فَقَالَت: أللهم نعم) . قلت: التَّوْفِيق فِي ذَلِك بِأَن الرَّسُول لما رَجَعَ إِلَى ابْن عمر بِخَبَر عَائِشَة بلغ ذَلِك أَبَا هُرَيْرَة فَمشى إِلَى ابْن عمر فأسمعه ذَلِك من عَائِشَة مشافهة، وَزَاد فِي رِوَايَة الْوَلِيد: (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لم يشغلني عَن رَسُول الله ﷺ غرس بالوادي وَلَا صفق بالأسواق، وَإِنَّمَا كنت أطلب من رَسُول الله، ﷺ ، أَكلَة يطعمنيها أَو كلمة يعلمنيها. قَالَ لَهُ ابْن عمر: كنت ألزمنا رَسُول الله، ﷺ ، وَأَعْلَمنَا بحَديثه) . قَوْله: (لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) أَي: من عدم الْمُوَاظبَة على حُضُور الدّفن.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَمْيِيز أبي هُرَيْرَة فِي الْحِفْظ، وَأَن إِنْكَار الْعلمَاء بَعضهم على بعض قديم، وَأَن الْعَالم يستغرب مَا لم يصل إِلَى علمه. وَفِيه: عدم مبالاة الْحَافِظ بإنكار من لم يحفظ. وَفِيه: مَا كَانَت الصَّحَابَة عَلَيْهِ من التثبت فِي الْعلم والْحَدِيث النَّبَوِيّ والتحرير فِيهِ. وَفِيه: دلَالَة على فَضِيلَة ابْن عمر من حرصه على الْعلم وتأسفه على مَا فَاتَهُ من الْعَمَل الصَّالح. وَفِيه: فِي قَوْله: (من تبع جَنَازَة) حجَّة لمن قَالَ: إِن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، لِأَن ذَلِك حَقِيقَة الِاتِّبَاع حسا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الَّذين رجحوا الْمَشْي أمامها حملُوا الإتباع هُنَا على الإتباع الْمَعْنَوِيّ، أَي: المصاحبة، وَهُوَ أَعم من
следующие страницы →