Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم، يكْرهُونَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة فِي هَذِه الْأَوْقَات، وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: معنى هَذَا الحَدِيث أَن نقبر فِيهِنَّ مَوتَانا، يَعْنِي: الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا بَأْس أَن يصلى على الْجِنَازَة فِي السَّاعَات الَّتِي تكره فِيهَا الصَّلَاة.
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: هِيَ قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) ، أَي: وَيرْفَع ابْن عمر يَدَيْهِ فِي صَلَاة الْجِنَازَة، قَالَ بَعضهم: وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب (رفع الْيَدَيْنِ) الْمُفْرد من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي كل تَكْبِيرَة على الْجِنَازَة. قلت: قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) . مُطلق يتَنَاوَل الرّفْع فِي أول التَّكْبِيرَات ويتناول الرّفْع فِي جَمِيعهَا، وَعدم تَقْيِيد البُخَارِيّ ذَلِك يدل على أَن الَّذِي رَوَاهُ فِي كتاب (رفع الْيَدَيْنِ) غير مرضِي عِنْده، إِذْ لَو كَانَ رَضِي بِهِ لَكَانَ ذكره فِي (الصَّحِيح) أَو قيد قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) بِلَفْظ: فِي التَّكْبِيرَات كلهَا، على أَنا قد ذكرنَا عَن قريب أَن ابْن حزم حكى عَن ابْن عمر أَنه لم يرفع إلَاّ فِي الأولى. وَقَالَ: لم يَأْتِ فِيمَا عدا الأولى نَص وَلَا إِجْمَاع، وَذكرنَا عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس مثله. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي الْكل؟ قلت: إِسْنَاده ضَعِيف فَلَا يحْتَج بِهِ، وَالله تَعَالَى أعلم.
وَقَالَ الحَسَنُ أدْرَكْتُ النَّاسَ وَأحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ
هَذَا أَيْضا من جملَة مَا يسْتَدلّ بِهِ البُخَارِيّ على جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة، فَإِن الَّذين أدركهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الْكِبَار كَانُوا يلحقون صَلَاة الْجِنَازَة بالصلوات، وَلِهَذَا مَا كَانَ أَحَق بِالصَّلَاةِ على الْجِنَازَة إلَاّ من كَانَ يُصَلِّي لَهُم الْفَرَائِض، وَالْوَاو فِي: وأحقهم، للْحَال وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره هُوَ قَوْله: من، وَهِي مَوْصُولَة، يَعْنِي: الَّذين. وَقَوله: رضوهم، صلتها. وَقَوله: رضوهم بضمير الْجمع رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: رضوه، بإفراد الضَّمِير. وَهَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف بَين الْعلمَاء. قَالَ ابْن بطال: أَكثر أهل الْعلم قَالَ: الْوَالِي أَحَق من الْوَلِيّ، رُوِيَ ذَلِك عَن جمَاعَة، مِنْهُم: عَلْقَمَة وَالْأسود وَالْحسن، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ: الْوَلِيّ أَحَق من الْوَالِي، وَقَالَ مطرف وَابْن عبد الحكم وَأصبغ: لَيْسَ ذَلِك إلَاّ إِلَى من أليه الصَّلَاة من قَاض أَو صَاحب شرطة أَو خَليفَة الْوَالِي الْأَكْبَر، وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى الْوَالِي الْأَكْبَر الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ الطَّاعَة، وَحكى ابْن أبي شيبَة عَن النَّخعِيّ وابي بردة وَابْن أبي ليلى وَطَلْحَة وزبيد وسُويد بن غَفلَة: تَقْدِيم إِمَام الْحَيّ، وَعَن أبي الشعْثَاء وَسَالم وَالقَاسِم وطاووس وَمُجاهد وَعَطَاء: أَنهم كَانُوا يقدمُونَ الإِمَام على الْجِنَازَة، وروى الثَّوْريّ عَن أبي حَازِم قَالَ: شهِدت الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قدم سعيد بن الْعَاصِ يَوْم مَاتَ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقَالَ لَهُ: تقدم، فلولا السّنة مَا قدمتك، وَسَعِيد يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب أَعلَى من هَذَا، لِأَن شَهَادَة الْحسن شَهِدَهَا عوام النَّاس من الصَّحَابَة والمهاجرين وَالْأَنْصَار.
وَإذَا أحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يِطْلُبُ المَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ
الظَّاهِر أَن هَذَا من بَقِيَّة كَلَام الْحسن، لِأَن ابْن أبي شيبَة روى عَن حَفْص على أَشْعَث عَن الْحسن أَنه سُئِلَ عَن الرجل يكون فِي الْجِنَازَة على غير وضوء، قَالَ: لَا يتَيَمَّم وَلَا يُصَلِّي إلَاّ على طهر. فَإِن قلت: روى سعيد بن مَنْصُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن كثير بن شنظير، قَالَ: سُئِلَ الْحسن عَن الرجل يكون فِي الْجِنَازَة على غير وضوء، فَإِن ذهب يتَوَضَّأ تفوته. قَالَ: يتَيَمَّم وَيُصلي. قلت: يحمل هَذَا على أَنه روى عَنهُ رِوَايَتَانِ، وَيدل ذكر البُخَارِيّ هَذَا على أَنه لم يقف عَن الْحسن إلَاّ على مَا روى عَنهُ من عدم جَوَاز الصَّلَاة على الْجِنَازَة إلَاّ بِالْوضُوءِ، أما التَّيَمُّم لصَلَاة الْجِنَازَة فقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب.
وَأما التَّيَمُّم لصَلَاة الْعِيد فعلى التَّفْصِيل عندنَا، وَهُوَ أَنه إِن كَانَ قبل الشُّرُوع فِي صَلَاة الْعِيد لَا يجوز للْإِمَام، لِأَنَّهُ ينْتَظر، وَأما الْمُقْتَدِي فَإِن كَانَ المَاء قَرِيبا بِحَيْثُ لَو تَوَضَّأ لَا يخَاف الْفَوْت لَا يجوز، وإلَاّ فَيجوز، فَلَو أحدث أَحدهمَا بعد الشُّرُوع بِالتَّيَمُّمِ يتَيَمَّم وَإِن كَانَ الشُّرُوع بِالْوضُوءِ وَخَافَ ذهَاب الْوَقْت لَو تَوَضَّأ، فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما. وَفِي (الْمُحِيط) وَإِن كَانَ الشُّرُوع بِالْوضُوءِ وَخَافَ زَوَال الشَّمْس لَو تَوَضَّأ يتَيَمَّم بِالْإِجْمَاع، وإلَاّ فَإِن كَانَ يَرْجُو إِدْرَاك الإِمَام قبل الْفَرَاغ لَا يتَيَمَّم بِالْإِجْمَاع، وإلَاّ يتَيَمَّم وَيَبْنِي عِنْد أبي حنيفَة. وَقَالا: يتَوَضَّأ وَلَا يتَيَمَّم، فَمن الْمَشَايِخ من قَالَ: هَذَا اخْتِلَاف عصر وزمان، فَفِي زمن أبي حنيفَة كَانَت
стр. 2312
الْجَبانَة بعيدَة من الْكُوفَة، وَفِي زمنهما كَانُوا يصلونَ فِي جبانة قريبَة، وَعند الشَّافِعِي: لَا يجوز التَّيَمُّم لصَلَاة الْعِيد أَدَاء وَبِنَاء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَاس الشَّافِعِي صَلَاة الْجِنَازَة والعيد على الْجُمُعَة، وَقَالَ: تفوت الْجُمُعَة بِخُرُوج الْوَقْت بِالْإِجْمَاع، والجنازة لَا تفوت بل يصلى على الْقَبْر إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام بِالْإِجْمَاع، وَيجوز بعْدهَا عندنَا.
وإذَا انْتَهِى إلَى الجنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ
هَذَا بَقِيَّة من كَلَام الْحسن أَيْضا، أَي: إِذا انْتهى الرجل إِلَى الْجِنَازَة وَالْحَال أَن الْجَمَاعَة يصلونَ يدْخل مَعَهم بتكبيرة، وَقد وَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا معَاذ عَن أَشْعَث عَن الْحسن فِي الرجل يَنْتَهِي إِلَى الْجِنَازَة وهم يصلونَ عَلَيْهَا، قَالَ: يدْخل مَعَهم بتكبيرة، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن مُحَمَّد، قَالَ: يكبر مَا أدْرك وَيَقْضِي مَا سبقه. وَقَالَ الْحسن: يكبر مَا أدْرك وَلَا يقْضِي مَا سبقه، وَعِنْدنَا لَو كبر الإِمَام تَكْبِيرَة أَو تكبيرتين لَا يكبر الْآتِي حَتَّى يكبر الإِمَام تَكْبِيرَة أُخْرَى عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، ثمَّ إِذا كبر الإِمَام يكبر مَعَه، فَإِذا فرغ الإِمَام كبر هَذَا الْآتِي مَا فَاتَهُ قبل أَن ترفع الْجِنَازَة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يكبر حِين يحضر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعَن أَحْمد مُخَيّر، وقولهما هُوَ قَول الثَّوْريّ والْحَارث بن يزِيد، وَبِه قَالَ مَالك وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة.
وَقَالَ ابنُ المُسَيَّبُ يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أرْبَعا
أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب: يكبر الرجل فِي صَلَاة الْجِنَازَة سَوَاء كَانَت بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ، وَسَوَاء كَانَت فِي السّفر أَو فِي الْحَضَر أَرْبعا أَي: أَربع تَكْبِيرَات، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي عدد التَّكْبِيرَات.
وقَالَ أنسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ التَّكْبِيرَةُ الوَاحِدَةِ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ
هَذَا أَيْضا مِمَّا يدل على مَا قَالَه البُخَارِيّ من جَوَاز إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة حَيْثُ أثبت لَهَا تَكْبِيرَة الاستفتاح، كَمَا فِي صَلَاة الْفَرْض، وروى سعيد بن مَنْصُور مَا يتَضَمَّن مَا ذكره البُخَارِيّ عَن أنس عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق، قَالَ زُرَيْق بن كريم لأنس بن مَالك: رجل صلى فَكبر ثَلَاثًا؟ قَالَ أنس: أوليس التَّكْبِير ثَلَاثًا؟ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَة، التَّكْبِير أَربع. قَالَ: أجل غير أَن وَاحِدَة هِيَ افْتِتَاح الصَّلَاة.
وَقَالَ ولَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ
هَذَا مَعْطُوف على أصل التَّرْجَمَة، وَهِي قَوْله: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، فَإِنَّهُ أطلق عَلَيْهِ الصَّلَاة حَيْثُ نهى عَن فعلهَا على أحد من الْمُنَافِقين.
وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإمَامٌ
هَذَا عطف على قَوْله: وفيهَا تَكْبِير وَتَسْلِيم، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى صَلَاة الْجِنَازَة، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور أَو بِاعْتِبَار فعل الصَّلَاة، أَرَادَ أَن كَون الصُّفُوف فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَكَون الإِمَام فِيهَا يدلان على إِطْلَاق الصَّلَاة على صَلَاة الْجِنَازَة.
٢٢٣١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ أَخْبرنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَقُلْنَا يَا أبَا عَمْرٍ ومَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأمنا فصففنا) ، لِأَن الْإِمَامَة وتسوية الصُّفُوف من سنة صَلَاة الْجِنَازَة، والْحَدِيث قد مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَقبل قبله، والشيباني هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. قَوْله: (يابا عَمْرو) أَصله: يَا أَبَا عَمْرو، حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَأَبُو عَمْرو هَذَا هُوَ الشّعبِيّ.
стр. 2313
٧٥ - (بابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل اتِّبَاع الْجَنَائِز، وَالْمرَاد من الإتباع أَن يتبع الْجِنَازَة وَيُصلي عَلَيْهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن يتبع ثمَّ ينْصَرف بِغَيْر صَلَاة. فَإِن قلت: مَا تدل التَّرْجَمَة على الحكم؟ قلت: المُرَاد إِثْبَات الْأجر وَالتَّرْغِيب فِيهِ لَا تعْيين الحكم وَقيل: المُرَاد من الِاتِّبَاع الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ مُسَمَّاهُ الَّذِي يحصل بِهِ القيراط من الْأجر.
وقَالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ: إذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الصَّلَاة على الْمَيِّت لَا تحصل إِلَّا باتباعه، وَزيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك بن زيد الْأنْصَارِيّ النجاري أَبُو خَارِجَة الْمدنِي، قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة، وَكَانَ يكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة، وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى، توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عُرْوَة عَنهُ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت: (إِذا صليتم على الْجِنَازَة فقد قضيتم مَا عَلَيْكُم فَخلوا بَينهَا وَبَين أَهلهَا) . قَوْله: (إِذا صليت) أَي: على الْمَيِّت (فقد قضيت) حَقه (الَّذِي عَلَيْك) ، من الْوَاجِب الَّذِي هُوَ على الْكِفَايَة، وَإِذا أَرَادَ الِاتِّبَاع بعد ذَلِك إِلَى قَبره فَلهُ زِيَادَة الْأجر.
وَقَالَ حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا علَى الجَنَازَةِ إذْنا وَلاكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من صلى ثمَّ رَجَعَ) لِأَن الصَّلَاة تكون بالاتباع، وَحميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن هِلَال ابْن هُبَيْرَة أَبُو نصر الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، مر فِي: بَاب يرد الْمُصَلِّي من يمر بَين يَدَيْهِ. قَوْله: (إِذْنا) ، بِكَسْر الْهمزَة أَي، مَا ثَبت عندنَا أَنه يُؤذن على الْجِنَازَة، وَلَكِن ثَبت من صلى ... إِلَى آخِره، هَذَا أَن الصَّلَاة على الْجِنَازَة حق الْمَيِّت، ولابتغاء الْفضل وَلَيْسَ للأولياء فِيهَا حق حَتَّى يتَوَقَّف الِانْصِرَاف بعد الصَّلَاة على الْأذن. وَفِي هَذَا الْبَاب اخْتِلَاف، فَروِيَ عَن زيد بن ثَابت وَجَابِر بن عبد الله وَعُرْوَة بن الزبير وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَقَتَادَة وَابْن سِيرِين وَأبي قلَابَة: أَنهم كَانُوا يَنْصَرِفُونَ بعد الصَّلَاة وَلَا يستأذنون، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَجَمَاعَة من الْعلمَاء، وَقَالَت طَائِفَة: لَا بُد من الْإِذْن فِي ذَلِك، وَرُوِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة والمسور بن مخرمَة وَالنَّخَعِيّ: أَنهم كَانُوا لَا يَنْصَرِفُونَ حَتَّى يستأذنون، وروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك قَالَ: لَا يجب لمن يشْهد جَنَازَة أَن ينْصَرف عَنْهَا حَتَّى يُؤذن لَهُ، إلَاّ أَن يطول ذَلِك. فَإِن قلت: روى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مَعَ الْجِنَازَة يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع حَتَّى يسْتَأْذن وَليهَا) الحَدِيث، وروى الْبَزَّار من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (أميران وليسا بأميرين: الْمَرْأَة تحج مَعَ الْقَوْم فتحيض، وَالرجل يتبع الْجِنَازَة فَيصَلي عَلَيْهَا لَيْسَ لَهُ أَن يرجع حَتَّى يستأمر أهل الْجِنَازَة) . وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (من تبع جَنَازَة فَحمل من علوها، وحثى فِي قبرها، وَقعد حَتَّى يُؤذن لَهُ رَجَعَ بقيراطين) . قلت: أما حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب فَهُوَ مُنْقَطع مَوْقُوف. فَإِن قلت: روى عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَيْضا؟ قلت: قَالَ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ: لم يُتَابع عَلَيْهِ. وَأما حَدِيث جَابر فَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ حَدِيث أَحْمد ضَعِيف.
٣٢٣١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ نافِعا يَقُولُ حُدِّثَ ابنُ عُمَرَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يقُولُ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ فَقَالَ أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عائِشَةَ أبَا هُرَيْرَةَ وَقالَتْ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُهُ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم
стр. 2314
وبكسر الرَّاء المكررة: ابْن حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، سبق فِي: بَاب يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا كَمَا أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا من رِوَايَة نَافِع عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا من رِوَايَة سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من رِوَايَة سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن رِوَايَة يزِيد بن كيسَان عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة خباب صَاحب الْمَقْصُورَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من رِوَايَة سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عَمْرو حَدثنَا أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن تبعها حَتَّى يقْضِي دَفنهَا فَلهُ قيراطان أَحدهمَا أَو أصغرهما مثل أحد، فَذكرت ذَلِك لِابْنِ عمر، فَأرْسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن ذَلِك، فَقَالَت: صدق أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ ابْن عمر: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) . وَفِي الْبَاب عَن الْبَراء رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من تبع جَنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا كَانَ لَهُ من الْأجر قِيرَاط، وَمن مَشى مَعَ الْجِنَازَة حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ من الْأجر قيراطان، والقيراط مثل أحد) ، وَعَن عبد الله بن الْمُغَفَّل روى حَدِيثه النَّسَائِيّ أَيْضا عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من تبع جَنَازَة حَتَّى يفرغ مِنْهَا فَلهُ قيراطان، فَإِن رَجَعَ قبل أَن يفرغ مِنْهَا فَلهُ قِيرَاط. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، روى حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أَتَى الْجِنَازَة عِنْد أَهلهَا فَمشى مَعهَا حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان مثل أحد) . وَعَن أبي بن كَعْب أخرج حَدِيثه ابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قِيرَاط، وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ القيراط أعظم من أحد) . وَعَن ابْن عمر: أخرج حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط) ، وَعَن ثَوْبَان أخرج حَدِيثه مُسلم وَابْن مَاجَه، عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، فَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان، القيراط مثل أحد) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حدث) ، بِضَم الْحَاء على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي وَلم يبين فِي شَيْء من الطّرق من كَانَ حدث ابْن عمر عَن أبي هُرَيْرَة بذلك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه بَين فِي موضِعين أَحدهمَا فِي (صَحِيح مُسلم) : حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، قَالَ: حَدثنَا حَيْوَة بن صَخْر عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط أَنه حدث أَن دَاوُد بن عَامر ابْن سعد بن أبي وَقاص حَدثهُ عَن أَبِيه أَنه كَانَ قَاعِدا عِنْد عبد الله بن عمر إِذْ طلع خباب صَاحب الْمَقْصُورَة، فَقَالَ: يَا عبد الله بن عمر ألَا تسمع مَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة؟ إِنَّه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: من خرج مَعَ جَنَازَة من بَيتهَا وَصلى عَلَيْهَا ثمَّ تبعها حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ قيراطان من الْأجر مثل أحد، وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أحد. فَأرْسل ابْن عمر خبابا إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن قَول أبي هُرَيْرَة، ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ يُخبرهُ مَا قَالَت، وَأخذ ابْن عمر قَبْضَة من حَصْبَاء الْمَسْجِد يقلبها فِي يَده حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُول، فَقَالَ: قَالَت عَائِشَة: صدق أَبُو هُرَيْرَة، فَضرب ابْن عمر بالحصباء الَّذِي كَانَ فِي يَده ثمَّ قَالَ: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) . والموضع الآخر فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أَن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: من تبع) كَذَا فِي جَمِيع الطّرق لم يذكر فِيهِ النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن رَاشد عَن أبي النُّعْمَان شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه عَن مهْدي بن الْحَارِث عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن أبي أُميَّة عَن أبي النُّعْمَان وَعَن التسترِي عَن شَيبَان، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بن حَازِم عَن نَافِع، قَالَ: قيل لِابْنِ عمر: إِن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط من الْأجر) ، فَذكره. قَوْله: (من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته: (من الْأجر. .) والقيراط، بِكَسْر الْقَاف. قَالَ الْكرْمَانِي:
стр. 2315
القيراط لُغَة: نصف دانق، وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا النَّصِيب. وَقيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشره فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جُزْءا من أَرْبَعَة وَعشْرين، وَأَصله: القراط، يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ بِدَلِيل جمعه بالقراريط، فأبدل إِحْدَى الراءين يَاء. وَعَن ابْن عقيل: القيراط نصف سدس دِرْهَم أَو نصف عشر دِينَار. وَقيل: المُرَاد بالقيراط هَهُنَا جُزْء من أَجزَاء مَعْلُومَة عِنْد الله تَعَالَى، وَقد قربهَا النَّبِي، ﷺ ، للفهم بتمثيله القيراط بِأحد، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: (مثل أحد) تَفْسِير للمقصود من الْكَلَام لَا للفظ القيراط، وَالْمرَاد مِنْهُ أَن يرجع بِنَصِيب من الْأجر، وَذَلِكَ لِأَن لفظ القيراط مُبْهَم من وَجْهَيْن فَبين الْمَوْزُون بقوله: (من الْأجر) وَبَين الْمِقْدَار المُرَاد مِنْهُ بقوله: (مثل أحد) . فَإِن قلت: لِمَ خص القيراط بِالذكر؟ قلت: لِأَن غَالب مَا تقع بِهِ معاملتهم كَانَ بالقيراط.
وَقد ورد لفظ القيراط فِي عدَّة أَحَادِيث: فَمِنْهَا: مَا يحمل على القيراط الْمُتَعَارف. وَمِنْهَا: مَا يحمل على الْجُزْء وَإِن لم تعرف النِّسْبَة، فَمن الأول: حَدِيث كَعْب بن مَالك: (إِنَّكُم ستفتحون بَلَدا يذكر فِيهَا القيراط) ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا (كنت أرى الْغنم لأهل مَكَّة بالقراريط) . قَالَ ابْن مَاجَه عَن بعض شُيُوخه، يَعْنِي: كل شَاة بقيراط، وَقَالَ غَيره: قراريط جبل بِمَكَّة، وَمن الْمُحْتَمل حَدِيث ابْن عمر الَّذين أعْطوا الْكتاب أعْطوا قيراطا قيراطا، وَحَدِيث الْبَاب. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة: (من اقتنى كَلْبا نقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط) . وَقد جَاءَ فِي حَدِيث مُسلم، وَغَيره: (القيراط مثل أحد) ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَأْتِي: القيراطان مثل الجبلين العظيمين، وَهَذَا تَمْثِيل واستعارة، وَيجوز أَن يكون حَقِيقَة بِأَن يَجْعَل الله عمله ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة عين يُوزن كَمَا توزن الْأَجْسَام، وَيكون قدر هَذَا كَقدْر أحد. فَإِن قلت: التَّمْثِيل بِأحد مَا وَجه تَخْصِيصه؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبا من المخاطبين وَكَانَ أَكْثَرهم يعرفونه كَمَا يَنْبَغِي، وَقيل: لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي حَقه: (إِنَّه جبل يحبنا وَنحن نحبه) . وَقيل: لِأَنَّهُ أعظم الْجبَال خلقا. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: قَالَ ابْن عمر: أَكثر أَبُو هُرَيْرَة علينا. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: فِي ذكر الْأجر أَو فِي رِوَايَة الحَدِيث، خَافَ لِكَثْرَة رواياته أَنه اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر، فِيهِ لَا أَنه نسبه إِلَى رِوَايَة مَا لم يسمع لِأَن مرتبتهما أجل من ذَلِك وَقَالَ ابْن التِّين لم يهتم ابْن عمر بل خشِي عَلَيْهِ السَّهْو أَو قَالَ ذَلِك لكَونه لم ينْقل لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه رَفعه، فَظن أَنه قَالَ بِرَأْيهِ، فاستنكره. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي سَلمَة عِنْد سعيد ابْن مَنْصُور، فَبلغ ذَلِك ابْن عمر فتعاظمه، وَفِي رِوَايَة الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن عِنْد سعيد أَيْضا ومسدد وَأحمد بِإِسْنَاد صَحِيح: فَقَالَ ابْن عمر: يَا أَبَا هُرَيْرَة أنظر مَا تحدث من رَسُول الله ﷺ ؟ قَوْله: (فصدقت) يَعْنِي عَائِشَة أَبَا هُرَيْرَة، لفظ: يَعْنِي، من البُخَارِيّ، كَأَنَّهُ شكّ فاستعملها، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي النُّعْمَان شيخ البُخَارِيّ فَلم يقلها، وَقد ذكرنَا رِوَايَة مُسلم وفيهَا: فَبعث ابْن عمر إِلَى عَائِشَة فَسَأَلَهَا فصدقت أَبَا هُرَيْرَة، وَقد ذكرنَا أَيْضا عَن التِّرْمِذِيّ: (فَأرْسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن ذَلِك فَقَالَت: صدق أَبُو هُرَيْرَة) . فَإِن قلت: روى سعيد بن مَنْصُور من حَدِيث الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن: (فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَة فَأخذ بِيَدِهِ فَانْطَلقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أنْشدك الله أسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول؟ فَذكره، فَقَالَت: أللهم نعم) . قلت: التَّوْفِيق فِي ذَلِك بِأَن الرَّسُول لما رَجَعَ إِلَى ابْن عمر بِخَبَر عَائِشَة بلغ ذَلِك أَبَا هُرَيْرَة فَمشى إِلَى ابْن عمر فأسمعه ذَلِك من عَائِشَة مشافهة، وَزَاد فِي رِوَايَة الْوَلِيد: (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لم يشغلني عَن رَسُول الله ﷺ غرس بالوادي وَلَا صفق بالأسواق، وَإِنَّمَا كنت أطلب من رَسُول الله، ﷺ ، أَكلَة يطعمنيها أَو كلمة يعلمنيها. قَالَ لَهُ ابْن عمر: كنت ألزمنا رَسُول الله، ﷺ ، وَأَعْلَمنَا بحَديثه) . قَوْله: (لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) أَي: من عدم الْمُوَاظبَة على حُضُور الدّفن.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَمْيِيز أبي هُرَيْرَة فِي الْحِفْظ، وَأَن إِنْكَار الْعلمَاء بَعضهم على بعض قديم، وَأَن الْعَالم يستغرب مَا لم يصل إِلَى علمه. وَفِيه: عدم مبالاة الْحَافِظ بإنكار من لم يحفظ. وَفِيه: مَا كَانَت الصَّحَابَة عَلَيْهِ من التثبت فِي الْعلم والْحَدِيث النَّبَوِيّ والتحرير فِيهِ. وَفِيه: دلَالَة على فَضِيلَة ابْن عمر من حرصه على الْعلم وتأسفه على مَا فَاتَهُ من الْعَمَل الصَّالح. وَفِيه: فِي قَوْله: (من تبع جَنَازَة) حجَّة لمن قَالَ: إِن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، لِأَن ذَلِك حَقِيقَة الِاتِّبَاع حسا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الَّذين رجحوا الْمَشْي أمامها حملُوا الإتباع هُنَا على الإتباع الْمَعْنَوِيّ، أَي: المصاحبة، وَهُوَ أَعم من
стр. 2316
أَن يكون أمامها أَو خلفهَا أَو غير ذَلِك. قلت: هَذَا تحكم، وَاتِّبَاع الرجل غَيره فِي اللُّغَة وَالْعرْف عبارَة عَن أَن يمشي وَرَاءه، وَلَيْسَ لما قَالَه وَجه من الْوُجُوه.
فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أمْرِ الله
جرى دأب البُخَارِيّ أَنه يُفَسر الْكَلِمَة الغريبة من الحَدِيث إِذا وَافَقت كلمة من الْقُرْآن، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا ورد فِي الْقُرْآن: ﴿يَا حسرتا على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ (الزمر: ٦٥) . وَمَعْنَاهُ: ضيعت من أَمر الله، وَفِي جَمِيع الطّرق وَقع: فرطت ضيعت من أَمر الله، وَفِي بعض النّسخ: فرطت من أَمر الله أَي: ضيعت، وَهَذَا أشبه.
٨٥ - (بابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى يُدْفَنَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ثَوَاب من انْتظر الْمَيِّت أَي: لم يُفَارِقهُ حَتَّى يدْفن، يَعْنِي إِلَى أَن يدْفن، وَإِنَّمَا لم يذكر جَوَاب الشَّرْط اكْتِفَاء بِمَا ذكر فِي الحَدِيث. وَقيل: إِنَّمَا لم يذكر توقفا عَن إِثْبَات الِاسْتِحْقَاق بِمُجَرَّد الِانْتِظَار إِن خلا عَن الِاتِّبَاع. فَإِن قلت: لفظ الحَدِيث (من شهد الْجِنَازَة) ، فَلم عدل عَنهُ إِلَى لفظ الِانْتِظَار. قلت: قيل: لينبه على أَن الْمَقْصُود من الشُّهُود إِنَّمَا هُوَ معاضدة أهل الْمَيِّت والتصدي لمعونتهم، وَذَلِكَ من الْمَقَاصِد الْمُعْتَبرَة. وَقَالَ بَعضهم: اخْتَار لفظ الِانْتِظَار لكَونه أَعم من الْمُشَاهدَة. انْتهى وَفِي كل وَاحِد مِنْهُمَا نظر. أما الأول: فَلِأَنَّهُ إِذا عاضد أهل الْمَيِّت وتصدى لمعونتهم وَلم يصلِّ لَا يسْتَحق القيراط الْمَوْعُود بِهِ، وَكَذَلِكَ إِذا صلى وَلم يحضر الدّفن لَا يسْتَحق القيراطين الْمَوْعُود بهما. وَإِنَّمَا يسْتَحق قيراطا وَاحِدًا، فَعلم من ذَلِك أَن الْمَقْصُود من الشُّهُود لَيْسَ مُجَرّد الشُّهُود لأجل مَا ذكره. وَأما الثَّانِي: فَلَا نسلم أَن الِانْتِظَار أَعم من الْمُشَاهدَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَين مفهوميهما عُمُوم وخصوص، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: إِنَّمَا اخْتَار لفظ الِانْتِظَار إِشَارَة إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه بِلَفْظ الِانْتِظَار فِي رِوَايَة الْبَزَّار، رَحمَه الله تَعَالَى: (فَإِن انتظرها حَتَّى تدفن فَلهُ قِيرَاط) . رَوَاهُ ابْن عجلَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٥٢٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ. قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ابنِ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي سعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سألَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فقالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ وحدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا هِشَامٌ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حدَّثنا أحْمَدُ بنُ شَبِيبِ بنِ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثنا يُونُسُ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ وحدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ الأعْرَجِ أنَّ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كانَ لَهُ قِيرَاطانِ قِيلَ وَما القِيرَاطانِ قَالَ مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ.
(أنظر الحَدِيث ٧٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (من شهد حَتَّى تدفن) إِذا جعل شهد بِمَعْنى حضر، وَالتَّحْقِيق فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة عشر رجلا، لِأَنَّهُ رَوَاهُ من ثَلَاث طرق: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب. الثَّالِث: سعيد بن أبي سعيد. الرَّابِع: أَبوهُ أَبُو سعيد، واسْمه كيسَان، وَهَؤُلَاء قد ذكرُوا غير مرّة. الْخَامِس: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي. السَّادِس: هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي صنعاء من أَبنَاء فَارس. السَّابِع: معمر ابْن رَاشد. الثَّامِن: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. التَّاسِع: سعيد بن الْمسيب. الْعَاشِر: أَحْمد بن شبيب، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: ابْن سعيد أَبُو عبد الله الحبطي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالطاء الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ. الْحَادِي عشر: أَبوهُ شبيب بن سعيد. الثَّانِي عشر: يُونُس بن يزِيد. الثَّالِث عشر: عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج. الرَّابِع عشر:
стр. 2317
أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْقِرَاءَة على الشَّيْخ. وَفِيه السُّؤَال وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: عبد الله بن مسلمة مدنِي سكن الْبَصْرَة، وَمعمر وَأحمد بن شبيب وَأَبوهُ بصريون، وَيُونُس أيلي، وَالْبَاقُونَ مدنيون. وَفِيه: عَن سعيد بن أبي سعيد، وَحكى الْكرْمَانِي أَن: عَن أَبِيه، سَاقِط فِي بعض الطّرق. قيل: الصَّوَاب إثْبَاته. وَكَذَا أخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه والإسماعيلي وَغَيرهمَا من طَرِيق ابْن أبي ذِئْب، وَسقط: عَن أَبِيه، عِنْد أبي عوَانَة فِي رِوَايَة ابْن عجلَان، وَعند ابْن أبي شيبَة كَذَلِك فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَعبد بن حميد بن زَنْجوَيْه فِي رِوَايَة أبي معشر.
ذكر من أخرجه غَيره: الطَّرِيق الأول لم يُخرجهُ غَيره من بَقِيَّة السِّتَّة. وَالطَّرِيق الثَّانِي: أخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد وَعَن عبد الْملك بن شُعَيْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن نوح بن حبيب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَالطَّرِيق الثَّالِث: أخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَهَارُون بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وحَدثني) ذكر بِلَفْظ: الْوَاو، عطفا على مُقَدّر، أَي: قَالَ ابْن شهَاب: حَدثنِي فلَان بِهِ، وحَدثني عبد الرَّحْمَن أَيْضا بِهِ. قَوْله: (حَتَّى يُصَلِّي) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهِ) ، وَفِي أَكثر الرِّوَايَات: اللَّام، فِيهِ مَفْتُوحَة وَفِي بَعْضهَا بِكَسْرِهَا. وحملت: رِوَايَة الْفَتْح على رِوَايَة الْكسر لِأَن حُصُول القيراط مُتَوَقف على وجود الصَّلَاة من الَّذِي يشْهد، وَلم يبين فِي هَذِه ابْتِدَاء الْحُضُور، وَفِي رِوَايَة أبي سعيد المَقْبُري بَين ذَلِك حَيْثُ قَالَ: من أَهلهَا. وَفِي رِوَايَة خباب عِنْد مُسلم: (من خرج مَعَ جَنَازَة من بَيتهَا) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ: (فَمشى مَعهَا من أَهلهَا) ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تَقْتَضِي أَن القيراط يخْتَص بِمن حضر من أول الْأَمر إِلَى انْقِضَاء الصَّلَاة. وَقَالَ بَعضهم: يحصل أَيْضا لمن صلى فَقَط، لِأَن كل مَا قبل الصَّلَاة وَسِيلَة إِلَيْهَا، لَكِن يكون قِيرَاط من صلى فَقَط دون قِيرَاط من شيع وَصلى. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن كل مَا كَانَ قبل الصَّلَاة لَيْسَ لأجل الصَّلَاة خَاصَّة، وَإِنَّمَا هُوَ لَهَا ولمعاضدة أهل الْجِنَازَة ومعونتهم، وَلأَجل إِظْهَار الْخدمَة لَهُم تطييبا لقُلُوبِهِمْ. والشارع قد نَص عَن أَن الَّذِي يُصَلِّي فَقَط فَلهُ قِيرَاط، وَلم يتَعَرَّض إِلَى اخْتِلَاف القيراط فِي نَفسه. وَهَذَا التَّصَرُّف فِيهِ تحكم. فَإِن قلت: يخْتَلف القيراط باخْتلَاف كَثْرَة الْعَمَل فِيهِ كَمَا فِي الْجُمُعَة: (من جَاءَ فِي السَّاعَة الأولى. .) الحَدِيث. قلت: هَذَا الْقيَاس لَا يَصح، لِأَن عين القيراط نَص عَلَيْهِ فَلَا يُمكن أَن يتَصَرَّف فِي الشَّيْء الْمعِين الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، بِخِلَاف الْجُمُعَة فَإِن الِاخْتِلَاف فِيهِ لَيْسَ فِي شَيْء بِعَيْنِه. فَافْهَم. قَوْله: (كَانَ لَهُ قيراطان) ظَاهره أَنَّهُمَا غير قِيرَاط الصَّلَاة، وَبِذَلِك جزم الْبَعْض، وَحَكَاهُ ابْن التِّين عَن القَاضِي أبي الْوَلِيد. لَكِن رِوَايَة الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين صَرِيحَة فِي أَن الْحَاصِل من الصَّلَاة وَمن الدّفن قيراطان فَقَط، وروايتهما قد مرت فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان، فِي كتاب الْإِيمَان رويا عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (من تبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابا وَكَانَ مَعهَا حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا ويفرغ من دَفنهَا فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين، كل قِيرَاط مثل أحد. وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قبل أَن تدفن فَإِنَّهُ يرجع بقيراط) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: رِوَايَة ابْن سِيرِين صَرِيحَة فِي أَن الْمَجْمُوع قيراطان. قلت: يحْتَمل أَن تكون رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مُتَأَخِّرَة عَن رِوَايَة ابْن سِيرِين عَنهُ. قَوْله: (حَتَّى تدفن) اخْتلف فِيهِ أَن حُصُول القيراطين يحصل بِمُجَرَّد وضع الْمَيِّت فِي الْقَبْر أَو عِنْد انْتِهَاء الدّفن قبل إهالة التُّرَاب أَو بعد الْفَرَاغ بِالْكُلِّيَّةِ، وَبِكُل ذَلِك ورد الْخَبَر. فَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق معمر فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ: (حَتَّى يفرغ مِنْهَا) ، وَفِي الْأُخْرَى: (حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد) ، وَفِي رِوَايَة أبي حَازِم عِنْده: (حَتَّى تُوضَع فِي الْقَبْر) ، وَفِي رِوَايَة أبي مُزَاحم عِنْد أَحْمد: (حَتَّى يقْضِي قضاءها) ، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة عِنْد التِّرْمِذِيّ: (حَتَّى يقْضِي دَفنهَا) . وَفِي رِوَايَة ابْن عِيَاض عِنْد أبي عوَانَة: (حَتَّى يسوى عَلَيْهَا) ، أَي: التُّرَاب. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: الصَّحِيح عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن ذَلِك يتَوَقَّف على كَمَال الدّفن لَا على وَضعه فِي اللَّحْد، وَذهب بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي إِلَى أَنه يحصل بِمُجَرَّد الْوَضع فِي اللَّحْد. قَوْله: (قيل: وَمَا القيراطان؟) قَالَ بَعضهم: لم يعين هَهُنَا
стр. 2318
الْقَائِل وَلَا الْمَقُول لَهُ، وَقد بَين لَهُ مُسلم فِي رِوَايَة الْأَعْرَج فَقَالَ: (قيل: وَمَا القيراطان يَا رَسُول الله؟) ، وَبَين الْقَائِل أَبُو عوَانَة من طَرِيق أبي مُزَاحم عَن أبي هُرَيْرَة وَلَفظه: (قلت: وَمَا القيراط يَا رَسُول الله؟) . قلت: الظَّاهِر بِحَسب الْقَرِينَة يدل على أَن الْقَائِل رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَة، وَالْمقول لَهُ هُوَ النَّبِي ﷺ . أما الْقَائِل فَفِيهِ احْتِمَال أَن يكون غير الرَّاوِي مِمَّن كَانَ حَاضرا فِي ذَلِك الْمجْلس. وَأما الْمَقُول لَهُ فَهُوَ النَّبِي ﷺ قطعا لِأَنَّهُ قَالَ: (مثل الجبلين العظيمين) ، وَلَيْسَ هَذَا إلَاّ وَظِيفَة النَّبِي ﷺ لِأَن الضَّمِير فِي قَوْله: قَالَ، يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (مثل الجبلين العظيمين) ، وَفِي رِوَايَة ابْن سِيرِين وَغَيره: (مثل أحد) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: (القيراط مثل جبل أحد) . وَكَذَا فِي حَدِيث ثَوْبَان عِنْد مُسلم، والبراء عِنْد النَّسَائِيّ، وَأبي سعيد عِنْد أَحْمد وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق الشّعبِيّ: (فَلهُ قيراطان من الْأجر، كل وَاحِد مِنْهُمَا أعظم من أحد) . وَفِي رِوَايَة أبي صَالح عِنْد مُسلم: (أصغرهما مثل أحد) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي بن كَعْب: (القيراط أعظم من أحد) ، وَعند ابْن عدي من حَدِيث وَاثِلَة (كتب لَهُ قيراطان من أجر أخفهما فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة أثقل من جبل أحد) وَقد ذكرنَا أَن هَذَا من بَاب التَّمْثِيل والاستعارة.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَفِيه: فِيهِ: التَّرْغِيب فِي شُهُود جَنَازَة الْمَيِّت وَالْقِيَام بأَمْره والحض على الِاجْتِمَاع لَهُ، والتنبيه على عَظِيم فضل الله تَعَالَى، وتكريمه للْمُسلمِ فِي تكثيره الثَّوَاب لمن يتَوَلَّى أمره بعد مَوته. وَفِيه: تَقْدِير الْأَعْمَال بِنِسْبَة الأوزان أَو بجعلها أعيانا حَقِيقَة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا يهم فِيهِ.
٩٥ - (بابُ صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الصّبيان على الْمَوْتَى. فَإِن قلت: قد ذكر قبل هَذَا: بَاب صُفُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال فِي الْجَنَائِز أَو لَيْسَ هَذَا بتكرار؟ قلت: أَفَادَ بذلك الْبَاب وقُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال، وَأَنَّهُمْ يصفونَ مَعَهم لَا يتأخرون عَنْهُم لقَوْل ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث ذَلِك الْبَاب: وَأَنا فيهم، وَأفَاد بِهَذَا الْبَاب مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الصّبيان على الْمَوْتَى، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: هَذَا كَانَ يُسْتَفَاد من ذَلِك الْبَاب. قلت: نعم لَكِن ضمنا وَهنا ذكره قصدا ونصا.
٦٢٣١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ أبي بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا زَائِدَةُ قَالَ حَدثنَا أبُو إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عنْ عامِرِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ أتَى رَسولُ الله ﷺ قَبْرا فقالُوا هاذا دُفِنَ أوْ دُفِنَتِ البَارِحَةَ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصففنا خَلفه) ، والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب صُفُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال فِي الْجَنَائِز، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي مر فِي: بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان، وَيحيى بن أبي بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدي الْكُوفِي قَاضِي كرمان، مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ، وزائدة، من الزِّيَادَة، وَأَبُو إِسْحَاق، إسمه سُلَيْمَان، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَقد مرا فِي الْبَاب الْمَذْكُور.
وَفِيه: الصَّلَاة على الْقَبْر. وَفِيه: الْجَمَاعَة. وَفِيه: الدّفن بِاللَّيْلِ.
٠٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالمُصَلَّى وَالمَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة على الْجَنَائِز بالمصلى، بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام الْمُشَدّدَة، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يتَّخذ للصَّلَاة على الْمَوْتَى فِيهِ. قَوْله: (وَالْمَسْجِد) ، أَي: وَالصَّلَاة عَلَيْهَا بِالْمَسْجِدِ. قيل: إِنَّمَا ذكر الْمَسْجِد فِي التَّرْجَمَة لاتصاله بمصلى الْجَنَائِز. قلت: نذْكر وَجه ذكره فِي بَيَان الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة.
٧٢٣١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ
стр. 2319
ابنِ المُسَيَّبِ وَأبِي سَلَمَةَ أنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ نَعَى لَنَا رسولُ الله ﷺ النَّجَاشِيَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي ماتَ فِيهِ قَالَ اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ. وعَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ إنَّ النبيَّ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أرْبَعا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صف بهم بالمصلى) ، وَقد تقدم الحَدِيث فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَيحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، مصغر بكر، المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. وَقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. قَوْله: (النجاش) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: نعي (وَصَاحب الْحَبَشَة) مَنْصُوب لِأَنَّهُ صفته، وَالْيَوْم مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَعَن ابْن شهَاب) مَعْطُوف على إِسْنَاد الْمصدر وَالرِّوَايَة عَن ابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ فِي الأول: بالعنعنة، وَفِي الثَّانِي: بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْإِفْرَاد.
٩٢٣١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسى بنُ عُقْبَةَ عنْ نَافَعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ اليَهُودَ جاؤا إلَى النبيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأةٍ زَنَيَا فأمَرَ بِهِما فَرُجِمَا قَرِيبا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ..
وَجه مطابقه هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة لَا يَتَأَتَّى إلَاّ إِذا قُلْنَا إِن: عِنْد، فِي قَوْله: (عِنْد الْمَسْجِد) ، يكون بِمَعْنى: فِي، أَو نقُول. قَوْله: بَاب الصَّلَاة على الْجَنَائِز بالمصلى وَالْمَسْجِد، يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا: الاثبات، وَالْآخر: النَّفْي، وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ النَّفْي بِأَن لَا يصلى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِد بِدَلِيل تعْيين رَسُول الله ﷺ مَوضِع الْجِنَازَة عِنْد الْمَسْجِد، وَلَو جَازَ فِيهِ لما عينه فِي خَارجه، وَبِهَذَا يدْفع كَلَام ابْن بطال: لَيْسَ فِيهِ، أَي: فِي حَدِيث ابْن عمر، دَلِيل على الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، إِنَّمَا الدَّلِيل فِي حَدِيث عَائِشَة: (صلى رَسُول الله ﷺ على سُهَيْل بن بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد) . قلت: لَو كَانَ إِسْنَاده على شَرطه لأخرجه فِي (صَحِيحه) وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِيمَا مضى عَن قريب.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الله الْحزَامِي، وَقد مر. الثَّانِي: أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء: اسْمه أنس بن عِيَاض، مر فِي: بَاب التبرز فِي الْبيُوت. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف، مر فِي أول الْوضُوء. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الِاعْتِصَام عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم عَن مُحَمَّد بن معدان.
أما رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير فَقَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر حَدثنَا أَبُو ضَمرَة حَدثنَا مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَن الْيَهُود جاؤوا إِلَى النَّبِي ﷺ بِرَجُل مِنْهُم وَامْرَأَة قد زَنَيَا، فَقَالَ لَهُم: كَيفَ تَفْعَلُونَ بِمن زنى مِنْكُم؟ قَالُوا: نحممهما ونضربهما، فَقَالَ: لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم؟ فَقَالُوا: لَا نجد فِيهَا شَيْئا. فَقَالَ لَهُم: عبد الله بن سَلام: كَذبْتُمْ، فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فَوضع مدراسها الَّذِي يدرسها مِنْهُم كَفه على آيَة الرَّجْم، فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم. فَنزع يَده عَن آيَة الرَّجْم فَقَالَ: مَا هَذِه؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَالُوا: هِيَ آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما فَرُجِمَا قَرِيبا من حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز عِنْد الْمَسْجِد، فَرَأَيْت صَاحبهَا يحني عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَة) . هَذَا لَفظه فِي سُورَة آل عمرَان فِي التَّفْسِير. وَأما لَفظه فِي كتاب الِاعْتِصَام، فكلفظه هَهُنَا سندا ومتنا بعينهما.
وَأما رِوَايَة مُسلم فَفِي الْحُدُود: حَدثنِي الحكم بن مُوسَى أَبُو صَالح
стр. 2320
حَدثنَا شُعَيْب بن إِسْحَاق أخبرنَا عبيد الله عَن نَافِع أَن عبد الله أخبرهُ أَن رَسُول الله أَتَى بِيَهُودِيٍّ وبيهودية قد زَنَيَا فَانْطَلق رَسُول الله ﷺ حَتَّى جَاءَ يهود فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى؟ قَالُوا: نسود وُجُوههمَا ونحملهما وَنُخَالِف بَين وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما. قَالَ: فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤا بهَا فقرأوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم، وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام، وَهُوَ مَعَ رَسُول الله ﷺ : مُره فَليرْفَعْ يَده، فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما رَسُول الله ﷺ فرجمهما. قَالَ عبد الله بن عمر: كنت فِيمَن رجمهما، فَلَقَد رَأَيْته يَقِيهَا من الْحِجَارَة بِنَفسِهِ) .
وَأما رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَفِي الرَّجْم: أخبرنَا مُحَمَّد بن معدان، قَالَ: حَدثنَا الْحسن ابْن أعين، قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن الْيَهُود جاؤوا إِلَى رَسُول الله ﷺ بِرَجُل مِنْهُم وَامْرَأَة قد وزنيا، قَالَ: فَكيف تَفْعَلُونَ بِمن زنى مِنْكُم؟ قَالُوا: نضربهما. قَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة؟ قَالُوا: مَا نجد فِيهَا شَيْئا. فَقَالَ: عبد الله بن سَلام: كَذبْتُمْ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم، فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤوا بِالتَّوْرَاةِ فَوضع مدرسها الَّذِي يدرسها مِنْهُم كَفه على آيَة الرَّجْم فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم، فَضرب عبد الله بن سَلام يَده فَقَالَ: مَا هَذِه؟ قَالَ: هِيَ آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما رَسُول الله، ﷺ ، فَرُجِمَا قَرِيبا حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز. قَالَ عبد الله: فَرَأَيْت صَاحبهَا يحني عَلَيْهَا ليقيها الْحِجَارَة) . وَفِي لفظ لَهُ: (فجاؤوا بِالتَّوْرَاةِ وجاؤوا بقارىء لَهُم أَعور، فَقَرَأَ حَتَّى انْتهى إِلَى مَوضِع مِنْهَا وضع يَده عَلَيْهِ، فَقيل: إرفع يدك فَرفع فَإِذا هِيَ تلوح، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن فِيهَا الرَّجْم وَلَكنَّا كُنَّا نكاتمه) الحَدِيث، وَفِي لفظ لَهُ: (فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام: (إزحل كفك فَإِذا هُوَ بِالرَّجمِ يلوح) .
قَوْله: (نحممهما) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: نسودهما بالحممة، وَهِي الفحمة وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ونحملهما) ، بِالْحَاء وَاللَّام أَي: نحملهما على جمل، وَفِي رِوَايَة: (نجملهما) بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة أَي: نجعلهما جَمِيعًا على الْجمل. قَوْله: (لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم؟) قَالُوا: هَذَا السُّؤَال لَيْسَ لتقليدهم، وَلَا لمعونة الحكم مِنْهُم، وَإِنَّمَا هُوَ لإلزامهم بِمَا يعتقدونه فِي كِتَابهمْ. وَلَعَلَّه ﷺ قد أُوحِي إِلَيْهِ أَن الرَّجْم فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة فِي أَيْديهم لم يغيروه كَمَا غيروا أَشْيَاء، أَو أَنه أخبرهُ بذلك من أسلم مِنْهُم، وَلِهَذَا لم يخف ذَلِك عَلَيْهِ حِين كتموه. قَوْله: (مدراسها) ، بِكَسْر الْمِيم على وزن: مفعال، من أبنية الْمُبَالغَة، وَهُوَ صَاحب دراسة كتبهمْ، من: درس يدرس درسا ودراسة، وأصل الدراسة: الرياضة والتعهد للشَّيْء، وَكَذَلِكَ الْمدرس، بِكَسْر الْمِيم على وزن: مفعل، من أبنية الْمُبَالغَة، وَجَاء فِي حَدِيث آخر: (حَتَّى أَتَى الْمِدْرَاس) ، بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْبَيْت الَّذِي يدرسون فِيهِ، ومفعال غَرِيب فِي الْمَكَان. قَوْله: (فَطَفِقَ) ، بِكَسْر الْفَاء: بِمَعْنى أَخذ فِي الْفِعْل وَشرع يعْمل، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة. قَوْله: (يحني) من حَنى يحنو ويحني إِذا أشْفق وَعطف. قَوْله: (يَقِيهَا) أَي: يحفظها، من: وقى يقي وقاية، وَهَذِه الْجُمْلَة محلهَا النصب على الْحَال. قَوْله: (إزحل) ، بالزاي: أزل كفك. قَوْله: (يلوح) أَي: يظْهر ويبرق.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل لوُجُوب حد الزِّنَا على الْكَافِر وَأَنه يَصح نِكَاحه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لِأَنَّهُ لَا يجب الرَّجْم إلَاّ على الْمُحصن، فَلَو لم يَصح نِكَاحه لم يثبت إحْصَانه وَلم يرْجم. قلت: من جملَة شُرُوط الْإِحْصَان الْإِسْلَام لقَوْله ﷺ (من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَعَن أبي يُوسُف، أَنه لَيْسَ بِشَرْط، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب. قُلْنَا: كَانَ ذَلِك بِحكم التَّوْرَاة قبل نزُول آيَة الْجلد فِي أول مَا دخل، ﷺ ، الْمَدِينَة، وَصَارَ مَنْسُوخا بهَا، ثمَّ نسخ الحلد فِي حق الْمُحصن، وَالْكَافِر لَيْسَ بمحصن، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (خُذُوا عني خُذُوا عني: قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا بالبكر جلد مائَة وَنفي سنة وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم) . فالنبي ﷺ فرق بَينهمَا بالثيوبة، فَمن فرق بَينهمَا بِالْإِسْلَامِ فقد زَاد على النَّص. قلت: هَذَا مَنْسُوخ، لِأَنَّهُ ﷺ مَا كَانَ يحكم بعد نزُول الْقُرْآن إلَاّ بِمَا فِيهِ، وَفِيه النَّص على الْجلد فَقَط. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِذا قبلوا عقد الذِّمَّة فأعلموهم أَن لَهُم مَا للْمُسلمين وَعَلَيْهِم مَا على الْمُسلمين، وَالرَّجم على الْمُسلم الثّيّب، فَكَذَا على الْكَافِر الثّيّب. قلت: الرَّجْم غير وَاجِب على كَافَّة الْمُسلمين، فَدلَّ على أَنه يخْتَص بالزناة المحصنين دون غَيرهم.
стр. 2321
ثمَّ إعلم أَن الْعلمَاء أَجمعُوا على وجوب حد جلد الزَّانِي الْبكر مائَة، ورجم الْمُحصن وَهُوَ الثّيّب، وَلم يُخَالف فِي هَذَا أحد من أهل الْقبْلَة إلَاّ مَا حكى القَاضِي وَغَيره عَن الْخَوَارِج وَبَعض الْمُعْتَزلَة: كالنظام وَأَصْحَابه، فَإِنَّهُم لم يَقُولُوا بِالرَّجمِ، وَاخْتلفُوا فِي جلد الثّيّب مَعَ الرَّجْم، فَقَالَت طَائِفَة: يجب الْجمع بَينهمَا فيجلد ثمَّ يرْجم، وَبِه قَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وَدَاوُد وَأهل الظَّاهِر وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي. وَقَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء: الْوَاجِب الرَّجْم وَحده، وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن طَائِفَة من أهل الحَدِيث أَنه يجب الْجمع بَينهمَا إِذا كَانَ الزَّانِي شَيخا ثَيِّبًا وَإِن كَانَ شَابًّا ثَيِّبًا اقْتصر على الرَّجْم وَهَذَا مَذْهَب بَاطِل لَا أصل لَهُ، وَالْمرَاد من الْبكر من الرِّجَال من لم يُجَامع فِي نِكَاح صَحِيح، وَهُوَ حر عَاقل بَالغ، وَالْمرَاد من الثّيّب من جَامع فِي دهره مرّة بِنِكَاح صَحِيح وَهُوَ حر عَاقل بَالغ، وَالرجل وَالْمَرْأَة فِي هَذَا سَوَاء. قَالَ النَّوَوِيّ: وَسَوَاء فِي كل هَذَا الْمُسلم وَالْكَافِر والرشيد والمحجور عَلَيْهِ بِسَفَه، وَقَالَ أَيْضا: وَأما قَوْله ﷺ فِي الْبكر: (وَنفي سنة) ، فَفِيهِ حجَّة للشَّافِعِيّ، والجماهير أَنه يجب نَفْيه سنة رجلا كَانَ أَو امْرَأَة. وَقَالَ الْحسن: لَا يجب النَّفْي. وَقَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا نفي على النِّسَاء، وروى مثله عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالُوا: لِأَنَّهَا عَورَة وَفِي نَفيهَا تَضْييع لَهَا وتعريض للفتنة، وَلِهَذَا نهيت عَن المسافرة إلَاّ مَعَ محرم.
وَأما العَبْد وَالْأمة ففيهما ثَلَاثَة أَقْوَال للشَّافِعِيّ: أَحدهمَا: يغرب كل وَاحِد مِنْهُمَا سنة لظَاهِر الحَدِيث، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَابْن جرير. وَالثَّانِي: يغرب نصف سنة، وَهَذَا أصح الْأَقْوَال. وَالثَّالِث: لَا يغرب الْمَمْلُوك أصلا، وَبِه قَالَ الْحسن وَحَمَّاد وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق.
وَفِيه: أَن الْكفَّار مخاطبون بِفُرُوع الشَّرْع، قَالَه النَّوَوِيّ. قلت: فِيهِ: اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء على مَا عرف فِي مَوْضِعه. وَفِيه: أَن الْكفَّار إِذا تحاكموا إِلَيْنَا حكم القَاضِي بَينهم بِحكم شرعنا. فَإِن قلت: كَيفَ رجم اليهوديان أبِالْبَيِّنة أم بِالْإِقْرَارِ؟ قلت: الظَّاهِر أَنه بِالْإِقْرَارِ، وَقد جَاءَ فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَغَيره أَنه شهد عَلَيْهِمَا أَرْبَعَة أَنهم رَأَوْا ذكره فِي فرجهَا، فَإِن كَانَ الشُّهُود مُسلمين فَظَاهر، وَإِن كَانُوا كفَّارًا فَلَا اعْتِبَار بِشَهَادَتِهِم، وَيتَعَيَّن أَنَّهُمَا أقرا بِالزِّنَا.
١٦ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور. فَإِن قلت: يَأْتِي بعد ثَمَانِيَة أَبْوَاب: بَاب بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر، فَمَا وَجه هذَيْن الْبَابَيْنِ؟ قلت: وَجه ذَلِك أَنَّهُمَا فِي الحكم سَوَاء، غير أَنه صرح بِالْكَرَاهَةِ فِي تَرْجَمَة هَذَا الْبَاب، وَاكْتفى هُنَاكَ بِدلَالَة حَدِيث الْبَاب على الْكَرَاهَة، وَقيل: الاتخاذ أَعم من الْبناء، فَلذَلِك أفرده بالترجمة، ولفظها يَقْتَضِي أَن بعض الاتخاذ لَا يكره، فَكَأَنَّهُ يفصل بَين مَا إِذا ترَتّب على الاتخاذ مفْسدَة أم لَا. قلت: لَا نسلم أَن لَفظهَا يَقْتَضِي أَن بعض الاتخاذ لَا يكره، وَدَعوى الْعُمُوم بَين الاتخاذ وَالْبناء غير صَحِيحَة.
وَلَمَّا ماتَ الحَسَنُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم ضَرَبَتِ امْرَأتُهُ القُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً ثُمَّ رُفِعَتْ فَسَمِعُوا صائِحا يَقُولُ ألَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا فأجابَهُ الآخَرُ بَلْ يَئِسُوا فانْقَلَبُوا
مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه الْقبَّة المضروبة لم تخل عَن الصَّلَاة فِيهَا، واستلزم ذَلِك اتِّخَاذ الْمَسْجِد عِنْد الْقَبْر، وَقد يكون الْقَبْر فِي جِهَة الْقبْلَة فتزداد الْكَرَاهَة. وَقَالَ ابْن بطال: ضربت الْقبَّة على الْحسن وسكنت فِيهَا وَصليت فِيهَا فَصَارَت كالمسجد، وَأورد البُخَارِيّ ذَلِك دَلِيلا على الْكَرَاهَة، وَكره أَحْمد أَن يضْرب على الْقَبْر فسطاطا. وَأوصى إِبْرَاهِيم مرّة أَن لَا تضربوا عَليّ فسطاطا. وَقَالَ ابْن حبيب: ضربه على قبر الْمَرْأَة أفضل من ضربه على قبر الرجل، وَضرب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على قبر زَيْنَب بنت جحش، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمِمَّنْ كره ضربه على قبر الرجل ابْن عمر وَأَبُو سعيد وَابْن الْمسيب، وَضربت عَائِشَة على قبر أَخِيهَا فَنَزَعَهُ ابْن عمر، وضربه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة على قبر ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن حبيب: أرَاهُ فِي الْيَوْم واليومين وَالثَّلَاثَة وَاسِعًا إِذا خيف من نبش أَو غَيره، وَالْحسن بن الْحسن بِلَفْظ التَّكْبِير فيهمَا ابْن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أحد أَعْيَان بني هَاشم فضلا وخبرا. مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين، وَامْرَأَته فَاطِمَة بنت حُسَيْن بن عَليّ، وَهِي الَّتِي حَلَفت لَهُ
стр. 2322
بِجَمِيعِ مَا تملكه أَنَّهَا لَا تزوج عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان، ثمَّ تزوجته، فأولدها مُحَمَّد الديباج. قَوْله: (قبَّة) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْقبَّة، بِالضَّمِّ من الْبناء وَالْجمع: قبب وقباب. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْقبَّة من الْخيام: بَيت صَغِير مستدير، وَهُوَ من بيُوت الْعَرَب، وَضرب الْقبَّة: نصبها وإقامتها على أوتاد مَضْرُوبَة فِي الأَرْض، وَجَاء فِي رِوَايَة الْمُغيرَة ابْن مقسم: لما مَاتَ الْحسن بن الْحسن ضربت امْرَأَته على قَبره فسطاطا وأقامت عَلَيْهِ سنة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْفسْطَاط بَيت من شعر، وَفِي (الْمغرب) : هُوَ خيمة عَظِيمَة، وَفِي (الباهر) : هُوَ مضرب السُّلْطَان الْكَبِير وَهُوَ السرادق أَيْضا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ ضرب من الْأَبْنِيَة فِي السّفر دون السرادق، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ الخباء وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن السّكيت: فسطاط، بِضَم الْفَاء، وفسطاط بِكَسْرِهَا، وفستاط وفستاط وفساط وفساط، وَالْجمع: فساطيط وفساسيط. وَفِي (الباهر) : وفساتيط. قَوْله: (ثمَّ رفعت) على بِنَاء الْفَاعِل بِفَتْح الرَّاء وَبِضَمِّهَا أَيْضا على بِنَاء الْمَفْعُول. قَوْله: (فَسمِعت) ويروى: (فَسَمِعُوا) ، قَوْله: (مَا فقدوا) ويروى (مَا طلبُوا) قَوْله: (فَأَجَابَهُ آخر) أَي: صائح آخر، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون هَذَانِ الصائحان من مؤمني الْجِنّ أَو من الْمَلَائِكَة.
٠٣٣١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اعنْ شيْبَانَ عنْ هِلَالٍ هُوَ الوَزَّانُ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ فِي مرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ لَعَنَ الله اليَهُودَ والنَّصَارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدا قالَتْ ولَوْلَا ذالِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أنِّي أخْشَى أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ التلازم، وَذَلِكَ أَن التَّرْجَمَة اتِّخَاذ الْمَسْجِد على الْقَبْر، ومدلول الحَدِيث اتِّخَاذ الْقَبْر مسجداولكنهما متلازمان، وَإِن كَانَ مفهوماهما متغايران.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبيد الله بن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: شَيبَان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِي النَّحْوِيّ. الثَّالِث: هِلَال بن حميد، وَيُقَال ابْن عبد الله الْوزان. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَفِي العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع أَن شَيْخه بَصرِي سكن الْكُوفَة، وشيبان وهلال كوفيان وَعُرْوَة مدنِي. وَفِيه: أَن هلالاً مَذْكُور بصنعته الْمَشْهُور أَنه ابْن أبي حمد، وَكَذَا وَقع مَنْسُوبا عِنْد ابْن أبي شيبَة والإسماعيلي وَغَيرهمَا. وَقيل: قَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : قَالَ وَكِيع: هِلَال بن حميد، وَقَالَ مرّة: هِلَال بن عبد الله، وَلَا يَصح قلت: وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: هِلَال بن مِقْلَاص.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه فِي الْمَغَازِي عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، كِلَاهُمَا عَن هَاشم ابْن الْقَاسِم عَن شَيبَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي مَرضه) ، إِنَّمَا قَالَه فِي مَرضه تحذيرا مِمَّا صنعوه. قَوْله: (لعن الله) ، اللَّعْن: الطَّرْد والإبعاد، فهم مطرودون ومبعودون من الرَّحْمَة، ولعنوا بكفرهم. قَوْله: (مَسْجِدا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مساجدا) . قَوْله: (لَوْلَا ذَلِك لأبرز) حَاصله: لَوْلَا خشيَة الاتخاذ لأبرز قَبره، أَي: لكشف قبر النَّبِي ﷺ وَلم يتَّخذ عَلَيْهِ الْحَائِل، وَلَكِن خشيَة الاتخاذ مَوْجُودَة، فَامْتنعَ الإبراز، لِأَن: لَوْلَا، لِامْتِنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره، وَهَذَا قالته عَائِشَة قبل أَن يُوسع الْمَسْجِد، وَلِهَذَا لما وسع الْمَسْجِد جعلت حُجْرَتهَا مُثَلّثَة الشكل محددة حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لأحد أَن يُصَلِّي إِلَى جِهَة الْقَبْر مَعَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَفِي رِوَايَة: (لأبرزوا) ، بِلَفْظ الْجمع أَي: لكشفوا قَبره كشفا ظَاهرا من غير بِنَاء بني عَلَيْهِ يمْنَع من الدُّخُول إِلَيْهِ. قَوْله: (غير أَنه خشِي) وَالْهَاء فِي أَنه ضمير الشَّأْن، وخشي على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة (خشى) على بِنَاء الْمَعْلُوم، فعلى هَذَا الضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ أَي: إِن النَّبِي ﷺ خشِي أَن يتَّخذ قَبره مَسْجِدا وَأمرهمْ بترك الإبراز. وَفِي رِوَايَة: (إِنِّي أخْشَى) ، وَهَذِه تَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي منعت من إبرازه.
وَمِمَّا
стр. 2323
يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن قَوْله، ﷺ : هَذَا من بَاب قطع الذريعة لِئَلَّا يعبد قَبره الْجُهَّال، كَمَا فعلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى بقبور أَنْبِيَائهمْ، وَكره مَالك الْمَسْجِد على الْقُبُور، وَإِذا بني مَسْجِد على مَقْبرَة دَائِرَة ليصلى فِيهِ فَلَا بَأْس بِهِ، وَكره مَالك الدّفن فِي الْمَسْجِد.
٢٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على النُّفَسَاء إِذا مَاتَت فِي مُدَّة نفَاسهَا، وَالنُّفَسَاء: بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: الْمَرْأَة الحديثة الْعَهْد بِالْولادَةِ، وَهِي صِيغَة مُفْردَة على غير الْقيَاس، وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي كِتَابه (الْمَمْدُود والمقصور) : يَعْنِي، بِفَتْح النُّون لُغَة فِي نفسَاء، بِالضَّمِّ وَهِي ثَلَاث لُغَات يُقَال: امْرَأَة نفسَاء وَهِي الفصيحة الجيدة، ونفساء ونفساء وَهِي أفلها وأردؤها.
١٣٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا حُسَيْنٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عنْ سَمُرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النبيِّ ﷺ عَلَى امْرَأةٍ ماتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسْطَهَا.
(أنظر الحَدِيث ٢٣٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمضى الحَدِيث فِي أول كتاب الْغسْل فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء وسنتها، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن أبي سريح عَن شَبابَة عَن شُعْبَة عَن حُسَيْن الْمعلم عَن ابْن بُرَيْدَة عَن سَمُرَة بن جُنْدُب: (أَن امْرَأَة مَاتَت فِي بطن فصلى عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ فَقَامَ وَسطهَا) . وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَيزِيد بن زُرَيْع قد مر غير مرّة، وَيزِيد من الزِّيَادَة، وزريع مصغر الزَّرْع، وحسين هُوَ ابْن ذكْوَان الْمعلم، وَبُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (وَسطهَا) ، بِسُكُون السِّين: يتَنَاوَل العجيزة أَيْضا لِأَنَّهُ أَعم من الْوسط بِالتَّحْرِيكِ، وَفِي (التَّوْضِيح) : بِسُكُون السِّين هُوَ الصَّوَاب، وَقَيده بَعضهم بِالْفَتْح أَيْضا، وَكَون هَذِه الْمَرْأَة فِي نفَاسهَا وصف غير مُعْتَبر اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة أَمر وَقع.
وَأما وصف كَونهَا امْرَأَة فَهَل هُوَ مُعْتَبر أم لَا؟ من الْفُقَهَاء من ألغاه، وَقَالَ: يُقَام عِنْد وسط الْجِنَازَة مُطلقًا، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَمِنْهُم من خص ذَلِك بِالْمَرْأَةِ محاولة للستر. وَقيل: كَانَ قبل اتِّخَاذ الأنعشة والقباب.
وَأما الرجل فَعِنْدَ رَأسه لِئَلَّا ينظر إِلَى فرجه، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي يُوسُف، وَالْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي الأَصْل وَغَيره: أَن يقوم من الرجل وَالْمَرْأَة حذاء الصَّدْر، وَعَن الْحسن بحذاء الْوسط مِنْهُمَا. وَقَالَ مَالك: يقوم من الرجل عِنْد وَسطه وَمن الْمرْآة عِنْد منكبيها، وَقَالَ أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ، من الشَّافِعِيَّة: يقوم الإِمَام عِنْد صَدره وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَقطع بِهِ السَّرخسِيّ. قَالَ الصيدلاني: وَهُوَ اخْتِيَار أَئِمَّتنَا. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا البصريون: يقوم عِنْد صَدره، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ. وَقَالَ البغداديون: عِنْد رَأسه، وَقَالُوا: لَيْسَ فِي ذَلِك نَص، وَمِمَّنْ قَالَه الْمحَامِلِي وَصَاحب (الْحَاوِي) وَالْقَاضِي حُسَيْن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وروى حَرْب عَن أَحْمد كَقَوْل أبي حنيفَة، وَذكر عَن الْحسن التَّوسعَة فِي ذَلِك، وَبهَا قَالَ أَشهب وَابْن شعْبَان.
وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ.
وَالْإِجْمَاع قَائِم على أَنه لَا يقوم ملاصقا للجنازة، وَأَنه لَا بُد من فُرْجَة بَينهمَا، وَفِي الحَدِيث إِثْبَات الصَّلَاة على النُّفَسَاء، وَإِن كَانَت شهيدة وَعَن الْحسن أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا بِمَوْت من زنا وَلَا وَلَدهَا، وَقَالَ قَتَادَة: فِي وَلَدهَا.
٣٦ - (بابٌ أَيْن يَقُومُ مِنَ المَرْأةِ وَالرَّجُلِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَيْن يقوم الْمُصَلِّي على الْمَيِّت من الْمَرْأَة وَالرجل؟ فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب بَيَان مَوضِع قيام الرجل، فَلم ذكره فِي التَّرْجَمَة. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: للإشعار بِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ فِي ذَلِك، وَأما لقياس الرجل على الْمَرْأَة إِذا لم يقل أحد بِالْفرقِ بَينهمَا، وَفِيه نظر أما فِي الأول فَلِأَنَّهُ لما لم يجد حَدِيثا فِي ذَلِك بِشَرْطِهِ لم يكن لذكره وَجه، وَأما فِي الثَّانِي فَمن أَيْن علم؟ لم يقل بِالْفرقِ بَينهمَا. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ عدم التَّفْرِقَة بَين الرجل وَالْمَرْأَة، وَأَشَارَ
стр. 2324
إِلَى تَضْعِيف مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي غَالب عَن أنس بن مَالك: (أَنه صلى على رجل فَقَامَ عِنْد رَأسه، وَصلى على امْرَأَة فَقَامَ عِنْد عجيزتها، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء بن زِيَاد: أهكذا كَانَ رَسُول الله ﷺ يفعل؟ قَالَ: نعم. انْتهى. قلت: روى أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث مطولا وَسكت عَلَيْهِ، وسكوته دَلِيل رِضَاهُ بِهِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا، فَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عبد الله بن مُنِير عَن سعيد بن عَامر عَن همام (عَن أبي غَالب، قَالَ: صليت مَعَ أنس بن مَالك على جَنَازَة رجل فَقَامَ حِيَال رَأسه، ثمَّ جاؤوا بِجنَازَة امْرَأَة من قُرَيْش فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَة صل عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَال وسط السرير، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء بن زِيَاد: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَامَ على الْجِنَازَة مقامك مِنْهَا وَمن الرجل مقامك مِنْهُ؟ قَالَ: نعم، فَلَمَّا فرغ قَالَ: إحفظوه) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث أنس حَدِيث حسن، وَاسم أبي غَالب: نَافِع، وَقيل: رَافع، وَكَيف يضعف هَذَا وَقد رَضِي بِهِ أَبُو دَاوُد وَحسنه التِّرْمِذِيّ، وَلَكِن لما كَانَ هَذَا الحَدِيث مُسْتَند الْحَنَفِيَّة طعنوا فِيهِ بِمَا لَا يفيدهم، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك، وَلَكِن لَا نسلم وقُوف البُخَارِيّ عَلَيْهِ، والتضعيف وَعَدَمه مبنيان عَلَيْهِ، وَذكر البُخَارِيّ الرجل فِي التَّرْجَمَة لَا يدل على عدم التَّفْرِقَة بَينهمَا عِنْده لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون مذْهبه غير هَذَا، وَذكر الرجل وَقع اتِّفَاقًا لَا قصدا.
٢٣٣١ - حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حَدثنَا حُسَيْنٌ عنِ ابنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حدَّثنا سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النبيِّ ﷺ عَلَى امْرَأةٍ ماتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا.
(أنظر الحَدِيث ٢٣٣ وطرفه) .
ذكر حَدِيث سَمُرَة هُنَا من وَجه آخر عَن عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة وَقد مر فِي: بَاب رفع الْعلم عَن عبد الْوَارِث ابْن سعيد عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عبد الله بن بُرَيْدَة إِلَى آخِره، وَفِي الْبَاب السَّابِق يرْوى عَن ابْن بُرَيْدَة عَن سَمُرَة بالعنعنة، وَهنا بِصِيغَة التحديث، وَهُنَاكَ يروي حُسَيْن عَن ابْن بُرَيْدَة بِالتَّحْدِيثِ، وَهَهُنَا بالعنعنة.
٤٦ - (بَاب التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ أرْبَعا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن التَّكْبِير على الْجِنَازَة أَربع تَكْبِيرَات، وَقد استقصينا الْكَلَام فِي عدد تَكْبِيرَات الْجِنَازَة فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة.
وقالَ حُمَيْدٌ صَلى بِنَا أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَكَبَّرَ ثَلَاثا ثُمَّ سَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ ثُمَّ سَلَّمَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَحميد هَذَا هُوَ حميد بن أبي حميد الطَّوِيل الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، وَاخْتلفُوا فِي اسْم أبي حميد، فَقيل: دَاوُد، وَقيل: تيرويه، وَقيل: زادويه، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: طرخان، وَقيل: مهْرَان، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه عبد الرَّزَّاق من غير طَرِيق حميد، وَذَلِكَ: عَن معمر عَن قَتَادَة (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كبر على جَنَازَة ثَلَاثًا ثمَّ انْصَرف نَاسِيا، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَة إِنَّك كَبرت ثَلَاثًا؟ قَالَ: فصفوا، فَكبر الرَّابِعَة) . فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الِاقْتِصَار على ثَلَاث. قَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من طَرِيق معَاذ عَن عمرَان بن حدير، قَالَ: صليت مَعَ أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على جَنَازَة، فَكبر عَلَيْهَا ثَلَاثًا لم يزدْ عَلَيْهَا) . وروى ابْن الْمُنْذر من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق قَالَ: قيل لأنس: إِن فلَانا كبر ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَهل التَّكْبِير إلَاّ ثَلَاثًا؟ قلت: يُمكن التَّوْفِيق بِأَن يَكُونَا وَاقِعَتَيْنِ لتغايرهما، فَفِي الأولى كَانَ يرى الثَّلَاث مجزئة، ثمَّ اسْتَقر على الْأَرْبَع لما ثَبت عِنْده أَن الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ جَمَاهِير الصَّحَابَة هُوَ الْأَرْبَع. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَيحمل على أَن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وهم. قلت: هَذَا الْحمل غير موجه، وَالْأَحْسَن مَا قُلْنَاهُ، وَأما قَوْله: وَهل التَّكْبِير إلَاّ ثَلَاث؟ يَعْنِي: غير تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح، كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق أَن أنسا قَالَ: أَو لَيْسَ التبكير ثَلَاثًا؟ فَقيل لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَة التَّكْبِير أَربع. قَالَ: أجل غير أَن وَاحِدَة افْتِتَاح الصَّلَاة. قَوْله: (فَكبر ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث تَكْبِيرَات. قَوْله: (فَقيل لَهُ) أَي: قيل لَهُ: كَبرت ثَلَاثًا. قَوْله:
стр. 2325
(ثمَّ كبر الرَّابِعَة) ، أَي: التَّكْبِيرَة الرَّابِعَة. وَقَالَ ابْن حبيب: إِذا ترك بعض التَّكْبِير جهلا أَو نِسْيَانا أتم مَا بَقِي من التَّكْبِير، وَإِن رفعت إِذا كَانَ بِقرب ذَلِك فَإِن طَال وَلم تدفن أُعِيدَت الصَّلَاة عَلَيْهَا. وَإِن دفنت تركت، وَفِي (العتيبية) نَحوه عَن مَالك، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا خلاف فِي الْبطلَان إِذا رفعت فِي أثْنَاء الصَّلَاة، وَالأَصَح الصِّحَّة، وَإِن صلى عَلَيْهَا قبل وَضعهَا فَفِي الصِّحَّة وَجْهَان، وَعِنْدنَا كل تَكْبِيرَة قَائِمَة مقَام رَكْعَة حَتَّى لَو ترك تَكْبِيرَة مِنْهَا لَا تجوز صلَاته. كَمَا لَو ترك رَكْعَة، وَلِهَذَا قيل أَربع كأربع الظّهْر، والمسبوق بتكبيرة أَو أَكثر يَقْضِيهَا بعد السَّلَام، مَا لم ترفع الْجِنَازَة، وَلَو رفعت بِالْأَيْدِي وَلم تُوضَع على الأكتاف يكبر فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَعَن مُحَمَّد: إِن كَانَت إِلَى الأَرْض أقرب يكبر، وَإِن كَانَت إِلَى الأكتاف أقرب لَا يكبر. وَقيل: لَا يقطع حَتَّى يتباعد. وَفِي (الْأَشْرَاف) : قَالَ ابْن الْمسيب وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالزهْرِيّ وَابْن سِيرِين وَالثَّوْري وَقَتَادَة وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة وَإِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ: الْمَسْبُوق يقْضِي مَا فَاتَهُ مُتَتَابِعًا قبل أَن ترفع الْجِنَازَة، فَإِذا رفعت سلم وَانْصَرف، كَقَوْل أَصْحَابنَا، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه أَقُول: وَقَالَ ابْن عمر: لَا يقْضِي مَا فَاتَهُ من التَّكْبِير، وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ والسختياني وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة، وَلَو جَاءَ وَكبر الإِمَام أَرْبعا وَلم يسلم لم يدْخل مَعَه وفاتته الصَّلَاة، وَعند أبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ: يدْخل مَعَه وَيَأْتِي بالتكبيرات نسقا إِن خَافَ رفع الْجِنَازَة. وَفِي (الْمُحِيط) : وَعَلِيهِ الْفَتْوَى.
٣٣٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي ماتَ فِيهِ وخَرَجَ بِهِمْ إلَى المُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث قد مضى فِي بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة.
٤٣٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ قَالَ حدَّثنا سَلِيمُ بنُ حَبَّانَ قَالَ حدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أصْحَمَةَ النَّجَاشِيُّ فَكَبَّرَ أرْبَعا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة مثل الَّذِي قبله.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى: أَبُو بكر الْكُوفِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سليم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام: ابْن حبَان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف منصرفا وَغير منصرف: ابْن بسطَام الْهُذلِيّ. الثَّالِث: سعيد بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون وبالمد وَالْقصر: أَبُو الْوَلِيد. الرَّابِع: جَابر بن عبد الله.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن سُلَيْمَان بَصرِي وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سليم، بِالْفَتْح غَيره، وَسَعِيد بن ميناء مكي.
وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على أَصْحَمَة) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّة، وَهُوَ اسْم ذَلِك الْملك الصَّالح. قَوْله: (فَكبر أَرْبعا) أَي: أَربع تَكْبِيرَات.
وَقَالَ يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَعَبْدُ الصَّمعدِ عنْ سَلِيمٍ أصْحَمَةَ
يزِيد من الزِّيَادَة: ابْن هَارُون الوَاسِطِيّ، وَعبد الصَّمد عبد الْوَارِث أَي: قَالَ، يزِيد وَعبد الصَّمد مِمَّا روياه عَن سليم الْمَذْكُور بأسناده إِلَى جَابر، رَحمَه الله تَعَالَى: أَصْحَمَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وَقَالَ يزِيد عَن سليم أَصْحَمَة، وَرِوَايَة يزِيد هَذِه وَصلهَا البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَنهُ.
وَتَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ
أَي: تَابع يزِيد بن هَارُون عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَوصل رِوَايَته الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أَحْمد بن سعيد عَنهُ، وَوَقع فِي (مُصَنف ابْن أبي شيبَة) : عَن يزِيد: صحمة، بِفَتْح الصَّاد وَسُكُون الْحَاء يَعْنِي بِحَذْف الْهمزَة، وَحكى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن فِي رِوَايَة عبد الصَّمد
стр. 2326
أصخمة، بِإِثْبَات الْألف وَالْخَاء الْمُعْجَمَة. قَالَ: وَهُوَ غلط، وَحكى الْكرْمَانِي أَن فِي بعض النّسخ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن سِنَان: أصحبة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة عوض الْمِيم.
٥٦ - (بابُ قِرَاءَةِ فاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى الجَنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة قِرَاءَة الْفَاتِحَة على الْجِنَازَة، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَنقل ابْن الْمُنْذر عَن ابْن مَسْعُود وَالْحسن ابْن عَليّ وَابْن الزبير والمسور بن مخرمَة مشروعيتها، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَإِسْحَاق، وَنقل عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر: لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَة، وَهُوَ قَول مَالك والكوفيين. قلت: وَلَيْسَ فِي صَلَاة الْجِنَازَة قِرَاءَة الْقُرْآن عندنَا. وَقَالَ ابْن بطال: وَمِمَّنْ كَانَ لَا يقْرَأ فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة وينكر: عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة، وَمن التَّابِعين: عَطاء وطاووس وَسَعِيد بن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَالْحكم، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَحَمَّاد وَالثَّوْري، وَقَالَ مَالك: قِرَاءَة الْفَاتِحَة لَيست مَعْمُولا بهَا فِي بلدنا فِي صَلَاة الْجِنَازَة، وَعند مَكْحُول وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: يقْرَأ الْفَاتِحَة فِي الأولى، وَقَالَ ابْن حزم: يقْرؤهَا فِي كل تَكْبِيرَة عِنْد الشَّافِعِي، وَهَذَا النَّقْل عَنهُ غلط، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: يقْرؤهَا فِي كل تَكْبِيرَة، وَهُوَ قَول شهر بن حَوْشَب، وَعَن الْمسور بن مخرمَة: يقْرَأ فِي الأولى فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة قَصِيرَة.
وَقَالَ الحَسَنُ يَقْرَى علَى الطِّفْلِ بِفاتِحَةِ الكِتَابِ ويَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطا وَسَلَفا وَأجْرا
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَوَصله أَبُو نصر عبد الْوَهَّاب بن عَطاء الْخفاف فِي (كتاب الْجَنَائِز) تأليفه: عَن سعيد بن أبي عرُوبَة أَنه سُئِلَ عَن الصَّلَاة على الصَّبِي فَأخْبرهُم عَن قَتَادَة عَن الْحسن أَنه كَانَ يكبر ثمَّ يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب ثمَّ يَقُول: أللهم اجْعَلْهُ لنا سلفا وفرطا وَأَجرا. قَوْله: (فرطا) الفرط بِالتَّحْرِيكِ الَّذِي يتَقَدَّم الْوَارِدَة فيهيء لَهُم أَسبَاب الْمنزل. قَوْله: (وسلفا) ، بتحريك اللَّام: أَي: مُتَقَدما إِلَى الْجنَّة لأجلنا.
٥٣٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدٍ عنْ طَلْحَةَ. قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ طَلْحَةَ بنِ عَبْدِ الله بنِ عَوْفٍ. قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرأ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ قَالَ لِيَعْلَمُوا أنَّهَا سُنَّةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَضمّهَا: وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، مَاتَ عَام خَمْسَة وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف ابْن أخي عبد الرَّحْمَن، كَانَ فَقِيها سخيا يُقَال لَهُ: طَلْحَة الندي، مَاتَ عَام تِسْعَة وَتِسْعين. السَّادِس: مُحَمَّد بن كثير ضد قَلِيل وَقد تقدم. السَّابِع: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّامِن: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: طَرِيقَانِ عَن شيخين كِلَاهُمَا مسميان بِمُحَمد. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُورَة بلقبه. وَفِيه: أَن شَيْخه مُحَمَّد بن بشار وَشَيخ شَيْخه بصريان وَشعْبَة واسطي وَسعد وَطَلْحَة مدنيان وَمُحَمّد بن كثير بَصرِي وسُفْيَان كُوفِي.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن كثير بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بِهِ، وَعَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب الطَّالقَانِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه.
стр. 2327
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب) ، لَيْسَ فِيهِ بَيَان لموْضِع الْقِرَاءَة، قَالَ شَيخنَا زين الدّين: هُوَ مُبين فِي حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي، قَالَ: أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل (عَن جَابر بن عبد الله: أَن النَّبِي ﷺ كبر على الْمَيِّت أَرْبعا وَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن بعد التَّكْبِيرَة الأولى) . قَالَ شَيخنَا: وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَقَالَ: وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق. قَوْله: (ليعلموا أَنَّهَا) أَي: أَن قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة سنة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (إِنَّهَا من السّنة) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) بِلَفْظ: (فَأخذت بِيَدِهِ فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَقَالَ: يَا ابْن أخي إِنَّه حق وَسنة) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (إِنَّه من السّنة، أَو من تَمام السّنة) . وَفِي رِوَايَة للنسائي بِلَفْظ: (فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة وجهر حَتَّى أسمعنا، فَلَمَّا فرغ أخذت بِيَدِهِ فَسَأَلته، فَقَالَ: سنة وَحقّ) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: أَن التِّرْمِذِيّ لما روى هَذَا الحَدِيث، قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، ثمَّ قَالَ: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ . وَغَيرهم يختارون أَن يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب بعد التَّكْبِيرَة الأولى، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق.
الثَّانِي: مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي من أَن الْقِرَاءَة بعد التَّكْبِيرَة الأولى، هَل هُوَ على سَبِيل الْوُجُوب أَو على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب؟ حكى الرَّوْيَانِيّ وَغَيره عَن نَص الشَّافِعِي أَنه: لَو أخر قِرَاءَة الْفَاتِحَة إِلَى التَّكْبِيرَة الثَّانِيَة جَازَ، وَهَذَا يدل على أَن المُرَاد الِاسْتِحْبَاب دون الْوُجُوب، وَحكى ابْن الرّفْعَة والبندنيجي وَالْقَاضِي حُسَيْن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ تعين الْقِرَاءَة عقيب التَّكْبِيرَة الأولى، وَاخْتلف فِي الْمَسْأَلَة كَلَام النَّوَوِيّ، فَجزم فِي (الْبَيَان) بِوُجُوب قرَاءَتهَا فِي التَّكْبِيرَة الأولى، وَخَالف ذَلِك فِي (الرَّوْضَة) : فَقَالَ: إِنَّه يجوز تَأْخِيرهَا إِلَى التَّكْبِيرَة الثَّانِيَة. وَقَالَ فِي (شرح الْمُهَذّب) فَإِن قَرَأَ الْفَاتِحَة بعد تَكْبِيرَة أُخْرَى غير الأولى جَازَ، وَكَذَا قَالَ فِي (الْمِنْهَاج) .
الثَّالِث: لَيْسَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس صفة الْقِرَاءَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَهْر والإسرار، وَعند الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن عجلَان عَن سعيد بن أبي سعيد، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يجْهر بِفَاتِحَة الْكتاب فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَيَقُول: إِنَّمَا فعلت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سنة، فقد يسْتَدلّ بِهِ على الْجَهْر بهَا، وَهُوَ أحد الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَاب الشَّافِعِي فِيمَا إِذا كَانَت الصَّلَاة عَلَيْهَا لَيْلًا. قَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَالصَّحِيح أَنه يسر بهَا لَيْلًا أَيْضا وَأما النَّهَار فاتفقوا على أَنه يسر فِيهِ. قَالَ: وَيُجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ أَرَادَ بذلك إعلامهم بِمَا يقْرَأ ليتعلموا ذَلِك، وَلَعَلَّه جهر بِبَعْضِهَا، كَمَا صَحَّ فِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يسمعهم الْآيَة أَحْيَانًا فِي صَلَاة الظّهْر، وَكَانَ مُرَاده ليعرفهم السُّورَة الَّتِي كَانَ يقْرَأ بهَا فِي الظّهْر. فَإِن قيل للشَّافِعِيَّة: لِمَ لم تقرأوا بِسُورَة مَعَ الْفَاتِحَة كَمَا فِي غَيرهَا من الصَّلَوَات؟ مَعَ أَن فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ الْمَذْكُورَة آنِفا: فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة؟ وَأجِيب: عَن ذَلِك بِأَن الْبَيْهَقِيّ قَالَ فِي (سنَنه) إِن ذكر السُّورَة فِيهِ غير مَحْفُوظ.
الرَّابِع: قَول الصَّحَابِيّ من السّنة حكمه حكم الْمَرْفُوع على القَوْل الصَّحِيح، قَالَه شَيخنَا زين الدّين. وَفِيه: خلاف مَشْهُور.
ووردت أَحَادِيث أخر فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة. مِنْهَا: حَدِيث أم شريك، رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنْهَا، قَالَت: (أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نَقْرَأ على الْجِنَازَة بِفَاتِحَة الْكتاب) . وَمِنْهَا: حَدِيث أم عفيف النهدية أَنَّهَا قَالَت: (أمرنَا النَّبِي ﷺ أَن نَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب على ميتنا) رَوَاهُ أَبُو نعيم. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة بن سهل أَنه قَالَ: (السّنة فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة أَن يقْرَأ فِي التَّكْبِيرَة الأولى بِأم الْقُرْآن مخافته، ثمَّ يكبر ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيم عِنْد الْأَخِيرَة) ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) : إِن إِسْنَاده على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَالَ: وَأَبُو أُمَامَة هَذَا صَحَابِيّ، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: لم يعقل بِرُؤْيَة النَّبِي ﷺ فَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف: اسْمه أسعد، سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ ، وَحَدِيثه مُرْسل، وروى ابْن أبي شيبَة عَن رجل من هَمدَان: أَن عبد الله بن مَسْعُود قَرَأَ على جَنَازَة بِفَاتِحَة الْكتاب، وروى أَيْضا من حَدِيث أبي الْعُرْيَان الْحذاء، قَالَ: صليت خلف الْحسن بن عَليّ على جَنَازَة، فَقلت لَهُ: كَيفَ صنعت؟ قَالَ: قَرَأت عَلَيْهَا بِفَاتِحَة الْكتاب، وَعَن ابْن أبي عون: كَانَ الْحسن بن أبي الْحسن يقْرَأ بِالْفَاتِحَةِ فِي كل تَكْبِيرَة على الْجِنَازَة، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا قَول شهر بن حَوْشَب، وَقَالَ الضَّحَّاك: أَقرَأ فِي التكبيرتين الْأَوليين بِفَاتِحَة الْكتاب، وَكَانَ مَكْحُول يفعل ذَلِك، وَعَن فضَالة مولى
стр. 2328
عمر أَن الَّذِي كَانَ صلى على أبي بكر أَو عمر، أَقرَأ عَلَيْهِ بِفَاتِحَة الْكتاب، وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ عَن ابْن الزبير وَعُثْمَان بن حنيف أَنَّهُمَا كَانَا يقرآن عَلَيْهَا بِالْفَاتِحَةِ، وَفِي (كتاب الْجَنَائِز) للمزني: وبلغنا أَن أَبَا بكر وَغَيره من الصَّحَابَة كَانُوا يقرؤون بِأم الْقُرْآن عَلَيْهَا. وَفِي (الْمحلى) : صلى الْمسور بن مخرمَة فَقَرَأَ فِي التَّكْبِيرَة الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة قَصِيرَة رفع بهما صَوته، فَلَمَّا فرغ قَالَ: لَا أَجْهَل أَن تكون هَذِه الصَّلَاة عجماء، وَلَكِنِّي أردْت أَن أعلمكُم أَن فِيهَا قِرَاءَة. وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء وَأنس وَأبي هُرَيْرَة: أَنهم كَانُوا يقرأون بِالْفَاتِحَةِ. قلت: قد ذكرنَا فِي أول الْبَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَن لَا قِرَاءَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة، وَعَن ابْن مَسْعُود: لم يُوَقت فِيهَا النَّبِي ﷺ قولا وَلَا قِرَاءَة، وَلِأَن مَا لَا رُكُوع فِيهِ لَا قِرَاءَة فِيهِ كسجود التِّلَاوَة، وَاسْتدلَّ الطَّحَاوِيّ على ترك الْقِرَاءَة فِي الأولى بِتَرْكِهَا فِي بَاقِي التَّكْبِيرَات، وبترك التَّشَهُّد. وَقَالَ: لَعَلَّ، قِرَاءَة من قَرَأَ الْفَاتِحَة من الصَّحَابَة كَانَ على وَجه الدُّعَاء لَا على وَجه التِّلَاوَة.
وَمن الدُّعَاء للْمَيت مَا رَوَاهُ مُسلم (عَن عَوْف بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: صلى رَسُول الله ﷺ على جَنَازَة فَحفِظت من دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إغفر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ، وَأكْرم نزله ووسع مدخله، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد، ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، وأبد لَهُ دَارا خيرا من دَاره، وَأهلا خيرا من أَهله، وزوجا خيرا من زوجه وَأدْخلهُ الْجنَّة وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار، حَتَّى تمنيت أَن أكون ذَلِك الْمَيِّت) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: (صلى رَسُول الله ﷺ على جَنَازَة فَقَالَ: أللهم إغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، وَذكرنَا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا. أللهم من أحييته منا فأحيه من الْإِيمَان، وَمن توفيته منا فتوفه على الْإِسْلَام. أللهم لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تضلنا بعده) . وروى أَيْضا (عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ على رجل من الْمُسلمين، فَسَمعته يَقُول: أللهم إِن فلَان ابْن فلَان فِي ذِمَّتك، فَقِهِ من عَذَاب الْقَبْر) . قَالَ عبد الرَّحْمَن شيخ أبي دَاوُد: (فِي ذِمَّتك وحبل جوارك فَقِهِ من فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَأَنت أهل الْوَفَاء وَالْحق. أللهم اغْفِر لَهُ وارحمه أَنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم) . وَالْحَبل الْعَهْد والميثاق. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه (قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى على الْجِنَازَة قَالَ: أللهم إغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، وَذكرنَا وأنثانا) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: البُخَارِيّ عَن اسْم أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي فَلم يعرفهُ. وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث يزِيد بن ركَانَة: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ يُصَلِّي على الْجِنَازَة قَالَ: أللهم عَبدك وَابْن عَبدك احْتَاجَ إِلَى رحمتك وَأَنت غَنِي عَن عَذَابه، إِن كَانَ محسنا فزد فِي إحسانه، وَإِن كَانَ مسيئا فَتَجَاوز عَنهُ) . وروى المستغفري فِي (الدَّعْوَات) من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يَا على: إِذا صليت على جَنَازَة فَقل: أللهم عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن أمتك، ماضٍ فِيهِ حكمك، وَلم يكن شَيْئا مَذْكُورا، إزارك وَأَنت خير مزور. أللهم لقنه حجَّته وألحقه بِنَبِيِّهِ، ونزله فِي قَبره ووسع عَلَيْهِ فِي مدخله وثبته بالْقَوْل الثَّابِت فَإِنَّهُ افْتقر إِلَيْك واستغنيت عَنهُ، وَكَانَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لَهُ، أللهم لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تفتنا بعده. يَا عَليّ: وَإِذا صليت على امْرَأَة فَقل: أَنْت خلقتها ورزقتها، وَأَنت أحييتها وَأَنت أمتها، وَأَنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئْنَاك شُفَعَاء لَهَا إغفر لَهَا، أللهم لَا تَحْرِمنَا أجرهَا وَلَا تفتنا بعْدهَا. يَا عَليّ: وَإِذا صليت على طِفْل فَقل: أللهم إجعل لِأَبَوَيْهِ سلفا، واجعله لَهما فرطا، واجعله لَهما نورا وسدادا، أعقب وَالِديهِ الْجنَّة إِنَّك على كل شَيْء قدير) . وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن حَارِث عَن أَبِيه (أَن النَّبِي، ﷺ ، علمهمْ الصَّلَاة على الْمَيِّت: أللهم إغفر لأحيائنا وأمواتنا، وَأصْلح ذَات بَيْننَا، وَألف بَين قُلُوبنَا. أللهم هَذَا عَبدك فلَان بن فلَان لَا تعلم إلَاّ خيرا، وَأَنت أعلم بِهِ. فَاغْفِر لنا وَله) .
٦٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَمَا يُدْفَنُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على الْقَبْر بَعْدَمَا يدْفن الْمَيِّت فِيهِ، وَهَذَا من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا، فَلذَلِك أطلق التَّرْجَمَة بِالْجَوَازِ أَو بِعَدَمِهِ، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: بعد الدّفن.
стр. 2329
٦٣٣١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثني سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيُّ. قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ. قَالَ أَخْبرنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النبيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فأمَّهُيْ وَصَلوْا خَلْفَهُ قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ هاذا يَا أبَا عَمْرٍ وَقَالَ ابنُ عَباسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
(أنظر الحَدِيث ٧٥٨ أَطْرَافه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي موضِعين فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَرُوِيَ نَحوه عَن أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب كنس الْمَسْجِد، ثفي: بَاب الخدا فِي الْمَسْجِد وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
٧٣٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ قَالَ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أبِي رَافِعٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ أسْوَدَ رَجُلاً أوِ امْرَأةً كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ ولَمْ يَعْلَمِ النبيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْم فَقَالَ مَا فَعَلَ ذالِكَ الإنْسَانُ قالُوا ماتَ يَا رسولَ الله قَالَ أفَلَا آذَنْتُمُونِي فقالُوا إنَّهُ كانَ كَذَا وكَذَا قِصَّتَهُ قَالَ فَحَقَّرُوا شَأنَهُ قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فأتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
(أنظر الحَدِيث ٨٥٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصلى عَلَيْهِ) أَي: على قَبره، وَقد ذكرنَا الْآن أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورين، أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد. وَالْآخر: عَن أَحْمد بن وَاقد عَن حَمَّاد، وَقد مضى الْكَلَام فيهمَا هُنَاكَ.
قَوْله: (رجلا) بِالنّصب بدل عَن أسود، وَيجوز بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. قَوْله: (كَانَ يقم) أَي: يكنس ويروى: (يكون فِي الْمَسْجِد يقم) . قَوْله (قَالُوا مَاتَ) ويروى (فَقَالُوا) قَوْله (ذَات يَوْم) من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه أَو لَفظه ذَات مقحمة قَوْله: (قصَّته) ، مَنْصُور بمقدر، أَي: ذكرُوا قصَّته. قَوْله: (فدلوني) ، بِضَم الدَّال. وَفِي هَذَا الحَدِيث زَاد ابْن حبَان فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت، ثمَّ قَالَ: (إِن هَذِه الْقُبُور مَمْلُوءَة ظلمَة على أَهلهَا، وَإِن الله منورها عَلَيْهِم بصلاتي) . فَإِن قلت: صلَاته ﷺ على قبر الْأسود الْمَذْكُور بِسَبَب أَنهم حقروا شَأْنه، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: صلَاته عَلَيْهِ بِسَبَب أَن قَبره مَمْلُوء ظلمَة على أَهلهَا) . قلت: الحكم يثبت بعلتين وَأكْثر.
٧٦ - (بابٌ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَيِّت يسمع خَفق نعال الْأَحْيَاء، وخفق النِّعَال صَوتهَا عِنْد دوسها على الأَرْض، وَقَوله: الْمَيِّت، مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: يسمع، وَلَفظ: بَاب، مَقْطُوع عَن الْإِضَافَة وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف.
٨٣٣١ - حدَّثنا عَيَّاشٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ قَالَ وَقَالَ لِي خَلِيفَة حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ . قَالَ العَبْدُ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّىَ وَذَهَبَ أصْحَابُهُ حَتَّى إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أتَاهُ مَلَكَانِ فَأقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُولُ أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبْدَلَكَ الله بِهِ مَقْعَدا مِنَ الجَنَّةِ قَالَ النبيُّ ﷺ فَيَرَاهُمَا جَمِيعا وَأمَّا الكَافِرُ أوِ المُنَافِقُ فَيَقُولُ لَا أدْرِي كُنْتُ أقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ لَا يَلِيهِ إلَاّ الثَّقَلَيْنِ.
(الحَدِيث ٨٣٣١ طرفه فِي: ٤٧٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّه يسمع قرع نعَالهمْ) فَإِن قلت: فِي التَّرْجَمَة خَفق النِّعَال فَلَا تطابق؟ قلت: الخفق والقرع فِي
стр. 2330
الْمَعْنى سَوَاء، على أَنه ورد فِي بعض طرق الحَدِيث بِلَفْظ: الخفق، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأحمد من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي أثْنَاء حَدِيث طَوِيل، فِيهِ: (وَإنَّهُ ليسمع خَفق نعَالهمْ) . وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي حَدثنَا عبد الْوَهَّاب يَعْنِي ابْن عَطاء عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ) .
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: ابْن الْوَلِيد الرقام، مر فِي: بَاب الْجنب يخرج. الثَّانِي: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة. الثَّالِث: خَليفَة، من الْخلَافَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء: ابْن خياط، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الرَّابِع: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع، بِضَم الزَّاي، وَقد مر غير مرّة. الْخَامِس: سعيد بن أبي عرُوبَة. السَّادِس: قَتَادَة بن دعامة. السَّابِع: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: سَاق حَدِيثه مَقْرُونا بِرِوَايَة خَليفَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع على لفظ خَليفَة، وَهُوَ معنى قَوْله: وَقَالَ لي خَليفَة، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي خَليفَة. وَمثل هَذَا إِذا قَالَ يكون قد أَخذه عَنهُ فِي المذاكرة غَالِبا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: إِن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن خَليفَة وَعَيَّاش الرقام، وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي صفة النَّار، قَالَ: حَدثنَا عبد بن حميد حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا شَيبَان ابْن عبد الرَّحْمَن (عَن قَتَادَة حَدثنَا أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ لي نبيّ الله ﷺ : إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ. قَالَ: يَأْتِيهِ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول: أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، قَالَ: فَيُقَال لَهُ أنظر إِلَى مَقْعَدك من النَّار، قد أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة. قَالَ نَبِي الله ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. قَالَ قَتَادَة: وَذكر لنا أَنه يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا، ويملأ عَلَيْهِ خضراء إِلَى يَوْم يبعثون) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن أبي عبد الله الْوراق مُخْتَصرا وَمُطَولًا. وَعند ابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة، يرفعهُ: (إِن الْمَيِّت يصير إِلَى الْقَبْر فيجلس الرجل الصَّالح غير فزع وَلَا مشغوب، ثمَّ يُقَال لَهُ: فيمَ كنت؟ فَيَقُول: كنت فِي الْإِسْلَام، فَيُقَال: مَا هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: مُحَمَّد رَسُول الله جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَال لَهُ: هَل رَأَيْت الله؟ فَيَقُول لَا، وَمَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرَاهُ، فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار، فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا، فَيُقَال لَهُ: أنظر ألى مَا وقاك الله، ثمَّ تفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة، فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا، فَيُقَال: هَذَا مَقْعَدك، وَيُقَال لَهُ: على الْيَقِين كنت، وَعَلِيهِ مت، وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَيجْلس الرجل السوء فِي قَبره فَزعًا مشغوباً، فَيُقَال لَهُ: فيمَ كنت؟ فَيَقُول: لَا أَدْرِي، فَيُقَال لَهُ: مَا هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فقلته، فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة، فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا، فَيُقَال لَهُ أنظر إِلَى مَا صرفه الله عَنْك، ثمَّ تفرج لَهُ فُرْجَة إِلَى النَّار، فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ: هَذَا مَقْعَدك، على الشَّك كنت، وَعَلِيهِ مت، وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله تَعَالَى) . وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: (فَإِن كَانَ مُؤمنا كَانَت الصَّلَاة عِنْد رَأسه، وَكَانَ الصَّوْم عَن يَمِينه، وَكَانَت الزَّكَاة عَن يسَاره وَكَانَ فعل الْخيرَات من الصَّدَقَة والصلة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس عِنْد رجلَيْهِ، فَأَي جِهَة أَتَى مِنْهَا يمْنَع، فيقعد فتمثل لَهُ الشَّمْس قد دنت للغروب، فَيُقَال لَهُ: مَا تَقول فِي هَذَا الرجل ... ؟ الحَدِيث مطولا. وَقَالَ: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا قبر الْمَيِّت، أَو قَالَ: أحدكُم أَتَاهُ ملكان أسودان أزرقان يُقَال لأَحَدهمَا الْمُنكر، وَللْآخر: النكير. فَيَقُولَانِ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَيَقُول، مَا كَانَ يَقُول: هُوَ عبد الله وَرَسُوله أشهد إِن لَا إِلَه إلَاّ الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول هَذَا، ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي سبعين، ثمَّ ينور لَهُ فِيهِ، ثمَّ يُقَال لَهُ: نم، فَيَقُول أرجع إِلَى أَهلِي فَأخْبرهُم، فَيَقُولَانِ: نم كنومة الْعَرُوس الَّذِي لَا يوقظه إلَاّ أحب أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك، فَإِن كَانَ منافقا، قَالَ: سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ فَقلت مثلهم لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول ذَلِك، فَيُقَال للْأَرْض التئمي عَلَيْهِ، فتلتئم عَلَيْهِ فتختلف أضلاعه فَلَا يزَال فِيهَا معذبا حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب. وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني: وَوصف الْملكَيْنِ: أعينهما مثل
стр. 2331
قدور النّحاس، وأنيابهما مثل صياصي الْبَقر، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (أَتَدْرُونَ فِيمَن أنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ (طه: ٤٢١) . هُوَ عَذَاب الْكَافِر فِي الْقَبْر، يُسَلط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا. أَتَدْرُونَ مَا التنين؟ هُوَ تِسْعَة وَتسْعُونَ حَيَّة، لكل حَيَّة تِسْعَة أرؤس ينفخن لَهُ ويلسعنه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (العَبْد) ، أَي: العَبْد الْمُؤمن المخلص. قَوْله: (وَتَوَلَّى) ، أَي: أعرض وَذهب أَصْحَابه، وَهُوَ من بَاب تنَازع الذّهاب. وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه كرر اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَاحِد. قلت: لَا نسلم أَن الْمَعْنى وَاحِد، لِأَن التولي هُوَ الْإِعْرَاض، وَلَا يسْتَلْزم الذّهاب. وَقَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَن لفظ: تولى، مضبوطا بِخَط مُعْتَمد على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: تولى أمره أَي: الْمَيِّت. قلت: لَا يعْتَمد على هَذَا، وَالْمعْنَى مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قرع نعَالهمْ) أَي: نعال النَّاس الَّذين حول قَبره من الَّذين باشروا دَفنه وَغَيرهم، وقرع النِّعَال: صَوتهَا عِنْد الْمَشْي، والقرع فِي الأَصْل الضَّرْب، فَكَأَن أَصْحَاب النِّعَال إِذا ضربوا الأَرْض بهَا خرج مِنْهَا صَوت. قَوْله: (ملكان) ، وهما الْمُنكر والنكير، كَمَا فسر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره، وَإِنَّمَا سميا بِهَذَا الأسم لِأَن خلقهما لَا يشبه خلق الْآدَمِيّين، وَلَا خلق الْمَلَائِكَة وَلَا خلق الْبَهَائِم وَلَا خلق الْهَوَام، بل لَهما خلق بديع، وَلَيْسَ فِي خلقتيهما أنس للناظرين إِلَيْهِمَا، جَعلهمَا الله تكرمة لِلْمُؤمنِ لتثبته وتبصره، وهتكا لستر الْمُنَافِق فِي البرزخ من قبل أَن يبْعَث حَتَّى يحل عَلَيْهِ الْعَذَاب، وسميا أَيْضا: فتانأ الْقَبْر، لِأَن فِي سؤالهما انتهار، أَو فِي خلقهما صعوبة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ بِسَنَد ضَعِيف: ناكور وسيدهم رُومَان. قَوْله: (فأقعداه) أَي: أجلساه. قَالَ الْكرْمَانِي، رَحمَه الله تَعَالَى: وهما مُتَرَادِفَانِ، وَهَذَا يبطل قَول من فرق بَينهمَا، بِأَن الْقعُود هُوَ عَن الْقيام، وَالْجُلُوس عَن الِاضْطِجَاع. قلت: اسْتِعْمَال الإقعاد مَوضِع الإجلاس لَا يمْنَع الْفرق الْمَذْكُور. قَوْله: (فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد؟) أَي: النَّبِي ﷺ . وَقَوله: (مُحَمَّد) بِالْجَرِّ عطف بَيَان عَن الرجل، وَيجوز أَن يكون بَدَلا فَإِن قلت: هَذِه عبارَة خشنة لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيم وَلَا توقير؟ قلت: قصد بهَا الامتحان للمسؤول لِئَلَّا يَتَلَقَّن تَعْظِيمه عَن عبارَة الْقَائِل، ثمَّ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت. قَوْله: (فَيُقَال) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل من الْمُنكر والنكير، وَيحْتَمل أَن يكون من غَيرهمَا من الْمَلَائِكَة. قَوْله: (فَيَرَاهُمَا) أَي: الْمَقْعَدَيْنِ اللَّذين أَحدهمَا من الْجنَّة وَالْآخر من النَّار. قَوْله: (أَو الْمُنَافِق) شكّ من الرَّاوِي، وَالْمرَاد بالمنافق الَّذِي يقر بِلِسَانِهِ وَلَا يصدق بِقَلْبِه، وَظَاهر الْكَلَام وَهُوَ قَوْله: (لَا أَدْرِي كنت أَقُول كَمَا يَقُول النَّاس) ، يَشْمَل الْكَافِر وَالْمُنَافِق، وَلَكِن الْكَافِر لَا يَقُول ذَلِك فَيتَعَيَّن الْمُنَافِق، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ. قَوْله: (لَا دَريت) قَالَ الدَّاودِيّ: أَي: لَا وقفت فِي مقامك هَذَا وَلَا فِي الْبَيْت. قَوْله: (وَلَا تليت) قَالَ الْخطابِيّ: هَكَذَا يرويهِ المحدثون وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب: ايتليت، على وزن: إفتعلت، من قَوْلك: مَا ألوته أَي: مَا استطعته. وَيُقَال: لَا آلو كَذَا، أَي: لَا استطيعه. قلت: وَكَذَا قَالَ ابْن السّكيت: قَوْلهم لَا دَريت وَلَا ايتليت، هُوَ افتعلت من قَوْلك: مَا ألوت هَذَا، أَي: مَا استطعته من الإيالو، أَي: قصر، أَو: فلَان لَا يألوك نصحا، فَهُوَ آل، وَالْمَرْأَة: آلية، وَجَمعهَا: أوال، وَيُقَال أَيْضا: إِلَى يؤلى تالية إِذا قصر، وَأَبْطَأ. وَقَالَ ابْن قرقول: قيل: مَعْنَاهُ لَا تَلَوت يَعْنِي الْقُرْآن، أَي: لم تدر وَلم تتل. أَي: لم تنْتَفع بدرايتك وَلَا بتلاوتك، كَمَا قَالَ: ﴿فَلَا صدق وَلَا صلى﴾ (الْقِيَامَة: ١٣) . قيل: مَعْنَاهُ لَا اتبعت الْحق. قَالَه الدَّاودِيّ. وَقيل: لَا اتبعت مَا تَدْرِي، قَالَه الْقَزاز. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: تليت غلط وَالصَّوَاب: أتليت، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون التَّاء: يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَن تتلى إبِله أَي: لَا يكون لَهَا أَوْلَاد تتلوها. أَي: تتبعها. وَقَالَ ابْن سراج: هَذَا بعيد فِي دُعَاء الْملكَيْنِ للْمَيت، وَأي مَال لَهُ؟ وَقَالَ القَاضِي: لَعَلَّ ابْن الْأَنْبَارِي رأى أَن هَذَا أصل هَذَا الدُّعَاء، ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيره كَمَا اسْتعْمل غَيره من أدعية الْعَرَب. انْتهى. قلت: ابْن الْأَنْبَارِي لم يذكر الْملكَيْنِ، وَإِنَّمَا بَين الصَّوَاب من الْخَطَأ فِي هَذِه الْمَادَّة، وَقَوله بِأَن لَا تتلى إبِله من: اتليت النَّاقة، إِذا تَلَاهَا وَلَدهَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَمِنْه قَوْلهم: لَا دَريت وَلَا اتليت، يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَن لَا تتلى إبِله، أَي: لَا يكون لَهَا أَوْلَاد. وتلو النَّاقة وَلَدهَا الَّذِي يتلوها، وَقَالَ ثَعْلَب: لَا دَريت وَلَا تليت، أَصله: وَلَا تَلَوت، فقلبت الْوَاو يَاء لازدواج الْكَلَام. قلت: هَذَا أصوب من كل مَا ذَكرُوهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن هَذِه اللَّفْظَة جَاءَت هَكَذَا فِي حَدِيث الْبَراء فِي مُسْند أَحْمد: (لَا دَريت وَلَا تَلَوت) ، أَي: لم تتل الْقُرْآن فَلم تنْتَفع بدرايتك وَلَا تلاوتك، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ: وَلَا أتبعت النَّاس بِأَن تَقول شَيْئا يَقُولُونَهُ. وَقيل: لَا قَرَأت فقلبت الْوَاو يَاء للمزاوجة أَي: مَا علمت بِنَفْسِك بالاستدلال، وَلَا اتبعت الْعلمَاء بالتقليد
стр. 2332
وَقِرَاءَة الْكتب. وَقَالَ ابْن بطال: الْكَلِمَة من ذَوَات الْوَاو لِأَنَّهَا من تِلَاوَة الْقُرْآن، لكنه لما كَانَ مَعَ: دَريت، تكلم بِالْيَاءِ ليزدوج الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: الدُّعَاء عَلَيْهِ. أَي: لَا كنت داريا وَلَا تاليا. قَوْله: (ثمَّ يضْرب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: الْمَيِّت. قَوْله: (بِمِطْرَقَةٍ) ، بِكَسْر الْمِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: طرق النجاد الصُّوف يطرقه طرقا إِذا ضربه، والقضيب الَّذِي يضْرب بِهِ يُسمى: مطرقة، وَكَذَلِكَ مطرقة الْحداد. قَوْله: (من حَدِيد) ، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: من ضَارب حَدِيد، أَي قوي شَدِيد الْغَضَب. وَالْآخر: أَن يكون صفة لمطرقة، فعلى هَذَا تكون كلمة: من، بيانة، ثمَّ إِن الظَّاهِر أَن الضَّارِب غير الْمُنكر والنكير، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا، وَيحْتَمل أَن يكون غَيرهمَا. وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) مَا يدل على جَوَاز الْوَجْهَيْنِ: الأول: مَا رَوَاهُ من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، قَالَ: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلم يلْحد، فَجَلَسَ رَسُول الله ﷺ وَجَلَسْنَا حوله كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير، وَفِي يَده عود ينكت بِهِ فِي الأَرْض، فَرفع رَأسه فَقَالَ: استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَإنَّهُ يسمع خَفق نعَالهمْ إِذا ولوا مُدبرين حِين يُقَال لَهُ: يَا هَذَا من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك؟ قَالَ هُنَاكَ: ويأتيه ملكان ويجلسانه. .) الحَدِيث، وَفِيه: (ثمَّ يقيض لَهُ أعمى أبكم مَعَه مرزبة من حَدِيد، لَو ضرب بهَا جبل لصار تُرَابا، قَالَ فيضربه بهَا ضَرْبَة يسْمعهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب إلَاّ الثقلَيْن، فَيصير تُرَابا ثمَّ يُعَاد فِيهِ الرّوح) . فَهَذَا يدل صَرِيحًا على أَن الضَّارِب غير الْمُنكر والنكير. الثَّانِي: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي ﷺ دخل نخلا لبني النجار فَسمع صَوتا فَفَزعَ فَقَالَ: من أَصْحَاب هَذِه الْقُبُور؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله نَاس مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (فَيَقُول لَهُ: مَا كنت تعبد؟ فَيَقُول لَهُ: لَا أَدْرِي، فَيَقُول: لَا دَريت وَلَا تليت، فَقَالَ لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَيَقُول: كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس، فيضربه بمطراق من حَدِيد بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا الْخلق غير الثقلَيْن) . فَهَذَا يدل صَرِيحًا على أَن الضَّارِب هُوَ الْملك الَّذِي يسْأَله، وَهُوَ إِمَّا الْمُنكر أَو النكير. فَإِن قلت: كَيفَ وَجه جمع الْوَجْهَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون الضَّرْب مُتَعَددًا مرّة من أحد الْملكَيْنِ وَمرَّة من الْأَعْمَى الأبكم، وكل هَذَا فِي حق الْكفَّار. فَافْهَم. قَوْله: (من يَلِيهِ؟) أَي: من يَلِي الْمَيِّت؟ قيل: المُرَاد بِهِ الْمَلَائِكَة الَّذين تكون فتنته ومساءلته. قَوْله: (إِلَّا الثقلَيْن) أَي: غير الثقلَيْن، وهما: الْإِنْس وَالْجِنّ، وسميا بِهِ لثقلهما على الأَرْض. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي منع الثقلَيْن من سَماع صَيْحَة ذَاك المعذب بِمِطْرَقَةٍ الْحَدِيد؟ قلت: لَو سمعا لارتفع الِابْتِلَاء وَصَارَ الْإِيمَان ضَرُورِيًّا، ولأعرضوا عَن التدابير والصنائع وَنَحْوهمَا مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ بقاؤهما. فَإِن قلت: من للعقلاء فانحصر السماع على الْمَلَائِكَة. قلت: نعم، وَقيل: المُرَاد مِنْهُ الْعُقَلَاء وَغَيرهم، وَغلب جَانب الْعقل وَهَذَا أظهر، وَقيل: المُرَاد بِمن يَلِيهِ أَعم من الْمَلَائِكَة الَّذين تكون فتنته وَغَيرهم من الثقلَيْن، وَإِنَّمَا منعت الْجِنّ هَذِه النَّصِيحَة وَلم يمْنَع سَماع كَلَام الْمَيِّت إِذا حمل، وَقَالَ: قدموني، لِأَن كَلَام الْمَيِّت حِين يحمل إِلَى قَبره فِي حكم الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْجَزَاء والعقوبة، لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إلَاّ فِي الْآخِرَة، وَإِنَّمَا كَلَامه اعْتِبَار لمن سَمعه وموعظة، فاسمعه الله الْجِنّ لِأَنَّهُ جعل فيهم قُوَّة يثبتون بهَا عِنْد سَمَاعه وَلَا يصعقون، بِخِلَاف الأنسان الَّذِي كَانَ يصعق لَو سَمعه، وصيحة الْمَيِّت فِي الْقَبْر عِنْد فتنته هِيَ عُقُوبَة وَجَزَاء، فَدخلت فِي حكم الْآخِرَة، فَمنع الله تَعَالَى الثقلَيْن الَّذين هما فِي دَار الدُّنْيَا سَماع عُقُوبَته وجزائه فِي الْآخِرَة، وأسمعه سَائِر خلقه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأنكر ذَلِك ضرار بن عَمْرو وَبشر المريسي وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين من الْمُعْتَزلَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى﴾ (الدُّخان: ٦٥) . أَي: لَا يذوقون فِي الْجنَّة موتا سوى الموتة الأولى، وَلَو صَارُوا أَحيَاء فِي الْقُبُور لذاقوا مرَّتَيْنِ لَا موتَة وَاحِدَة، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور﴾ (فاطر: ٢٢) . فَإِن الْغَرَض من سِيَاق الْآيَة تَشْبِيه الْكَفَرَة بِأَهْل الْقُبُور فِي عدم الإسماع. وَقَالُوا: أما من جِهَة الْعقل فَأَنا نرى شخصا يصلب وَيبقى مصلوبا إِلَى أَن تذْهب أجزاؤه وَلَا نشاهد فِيهِ أَحيَاء ومساءلة، وَالْقَوْل لَهُم بهما مَعَ الْمُشَاهدَة سفسطة ظَاهِرَة، وأبلغ مِنْهُ من أَكلته السبَاع والطيور وَتَفَرَّقَتْ أجزاؤه فِي بطونها وحواصلها، وأبلغ مِنْهُ من أحرق حَتَّى يفتت وذري أجزاؤه المفتتة فِي الرِّيَاح الْعَاصِفَة شمالاً وجنوبا وقبولاً ودبورا، فَإنَّا نعلم عدم إحيائه ومساءلته وعذابه ضَرُورَة. وَلنَا آيَات: إِحْدَاهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ (غَافِر: ٦٤) . فَهُوَ صَرِيح فِي التعذيب بعد الْمَوْت. الثَّانِيَة: قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحيينا اثْنَتَيْنِ﴾ (غَافِر: ١١) . فَإِن الله تَعَالَى ذكر الموتة مرَّتَيْنِ، وهما لَا تتحققان
стр. 2333
إلَاّ أَن يكون فِي الْقَبْر حَيَاة وَمَوْت، حَتَّى تكون إِحْدَى الموتتين مَا يتَحَصَّل عقيب الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى مَا يتَحَصَّل عقيب الْحَيَاة الَّتِي فِي الْقَبْر، وَالثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ (غَافِر: ٦٤) . عطف هَذَا الْعَذَاب الَّذِي هُوَ عَذَاب بوم الْقِيَامَة على الْعَذَاب الَّذِي هُوَ عرض النَّار صباحا وَمَسَاء، فَعلم أَنه غَيره، وَذهب أَبُو الْهُذيْل بن العلاف وَبشر بن الْمُعْتَمِر إِلَى أَن الْكَافِر يعذب فِيمَا بَين النفختين أَيْضا، وَإِذا ثَبت التعذيب ثَبت الْإِحْيَاء والمساءلة، لِأَن كل من قَالَ بِعَذَاب الْقَبْر قَالَ بهما.
وَلنَا أَيْضا أَحَادِيث صَحِيحَة وأخبار متواترة. مِنْهَا: حَدِيث الْبَاب. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن ثَابت أخرجه مُسلم مطولا، وَفِيه: (تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه السِّتَّة عَنهُ قَالَ: (مر النَّبِي، ﷺ ، بقبرين فَقَالَ: إنَّهُمَا ليعذبان. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، أخرجه السِّتَّة قَالَ: (إِذا قعد الْمُؤمن فِي قَبره أُتِي فَيشْهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . لفظ البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيحَيْنِ: ( ﴿يثبت الَّذين آمنُوا﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب أخرجه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد أخرجه ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : ﴿يثبت الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . فِي الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ، وَفِيه: عَذَاب الْقَبْر حق، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتَعَوَّذ من الْجُبْن وَالْبخل وَعَذَاب الْقَبْر وفتنة الصَّدْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث سعد، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَنه كَانَ يَقُول لِبَنِيهِ: أَي بني تعوذوا بِكَلِمَات كَانَ رَسُول الله ﷺ يتَعَوَّذ بِهن، فَذكر عَذَاب الْقَبْر. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَغَيره عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : (أَمر بِعَبْد من عباد الله أَن يضْرب فِي قَبره مائَة جلدَة، فَلم يزل يسْأَل الله ويدعوه حَتَّى صَارَت وَاحِدَة، فَامْتَلَأَ قَبره عَلَيْهِ نَارا) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن أَرقم، أخرجه مُسلم عَنهُ، (قَالَ: لَا أَقُول لكم إلَاّ مَا سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: أللهم أَنِّي أعوذ بك من الْعَجز والكسل والجبن وَالْبخل وَعَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بكرَة، أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ (عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي إِثْر الصَّلَاة: أللهم إِنِّي أعوذ بك من الْكفْر والفقر وَعَذَاب الْقَبْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة. أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ فِي حَدِيث مَرْفُوع، قَالَ فِيهِ: (أَو مَا علمْتُم مَا أصَاب صَاحب بني إِسْرَائِيل؟ كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا أصَاب الشَّيْء من الْبَوْل قرضه بالمقراض، فنهاهم عَن ذَلِك فعذب فِي قَبره) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (أللهم إِنِّي أعوذ بك من الكسل. .) الحَدِيث. وَفِيه: (وَأَعُوذ بك من عَذَاب الْقَبْر) . وروى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي (نَوَادِر الْأُصُول) حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (أَن رَسُول الله ﷺ ذكر فتاني الْقَبْر، فَقَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أترد لنا عقولنا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، كهيئتكم الْيَوْم. فَقَالَ عمر: فِي فِيهِ الْحجر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ على مَا يَأْتِي. وَمِنْهَا: حَدِيث أم مُبشر أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَت: (دخل عَليّ النَّبِي ﷺ وَأَنا فِي حَائِط من حَوَائِط بني النجار فِيهِ قُبُور مِنْهُم قد مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَت: فَخرج فَسَمعته يَقُول: استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر. قلت: يَا رَسُول الله، وللقبر عَذَاب؟ قَالَ: إِنَّهُم ليعذبون عذَابا فِي قُبُورهم تسمعه الْبَهَائِم) . وَمِنْهَا: حَدِيث أم خَالِد أخرجه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَنْهُمَا أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي ﷺ وَهُوَ يتَعَوَّذ من عَذَاب الْقَبْر.
وَأما الْجَواب عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إلَاّ الموتة الأولى﴾ (الدُّخان: ٦٥) . أَن ذَلِك وصف لأهل الْجنَّة، وَالضَّمِير فِيهَا للجنة أَي: لَا يذوقون أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة الْمَوْت فَلَا يَنْقَطِع نعيمهم كَمَا انْقَطع نعيم أهل الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ، فَلَا دلَالَة فِي الْآيَة على انْتِفَاء موتَة أُخْرَى بعد المساءلة، وَقبل دُخُول الْجنَّة. وَأما قَوْله: ﴿إِلَّا الموتة الأولى﴾ (الدُّخان: ٦٥) . فَهُوَ تَأْكِيد لعدم مَوْتهمْ فِي الْجنَّة على سَبِيل التَّعْلِيق بالمحال، كَأَنَّهُ قيل: لَو أمكن ذوقهم الموتة الأولى لذاقوا الموتة الألى، لكنه لَا يُمكن بِلَا شُبْهَة، فَلَا يتَصَوَّر مَوْتهمْ فِيهَا وَقد يُقَال:
стр. 2334
﴿إلَاّ الموتة الأولى﴾ (الدُّخان: ٦٥) . للْجِنْس لَا للوحدة، وَإِن كَانَت الصِّيغَة صِيغَة الْوَاحِد نَحْو: ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ (الْعَصْر: ٢) . وَلَيْسَ فِيهَا نفي تعدد الْمَوْت، لِأَن الْجِنْس يتَنَاوَل المتعدد أَيْضا بِدَلِيل أَن الله تَعَالَى أحيى كثيرا من الْأَمْوَات فِي زمَان مُوسَى وَعِيسَى وَغَيرهمَا، وَذَلِكَ يُوجب تَأْوِيل الْآيَة بِمَا ذكرنَا، وأماالجواب عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور﴾ (فاطر: ٢٢) فَهُوَ أَن عدم إسماع أهل الْقُبُور وَلَا يسْتَلْزم عدم إدراكهم وَأما الْجَواب عَن دليلهم الْعقلِيّ فَهُوَ أَن المصلوب لَا بعد فِي الْأَحْيَاء والمسائلة مَعَ عدم الْمُشَاهدَة كَمَا فِي صَاحب السكر فَإِنَّهُ حَيّ مَعَ أَنا لَا نشاهد حَيَاته وكما فِي رُؤْيَة النَّبِي ﷺ جِبْرِيل ﵊ وَهُوَ بَين أظهر أَصْحَابه مَعَ ستره عَنْهُم وَلَا بعد فِي رد الْحَيَاة إِلَى أَجزَاء الْبدن فَيخْتَص بِالْإِحْيَاءِ والمسائلة وَالْعَذَاب وَإِن لم يكن ذَلِك مشاهدا لنا وَقَالَ الصَّالِحِي من الْمُعْتَزلَة وَابْن جرير الطَّبَرِيّ وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين يجوز التعذيب على الْمَوْتَى من غير إحْيَاء وَهَذَا خُرُوج عَن الْمَعْقُول لِأَن الجماد لَا حس لَهُ فَكيف يتَصَوَّر تعذيبه وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين الآلام تَجْتَمِع فِي أجساد الْمَوْتَى وتتضاعف من غير إحساس بهَا فَإِذا حشروا أحسوا بهَا دفْعَة وَاحِدَة وَهَذَا إِنْكَار للعذاب قبل الْحَشْر وَهُوَ بَاطِل بِمَا قَرَّرْنَاهُ. وَفِيه إِثْبَات السُّؤَال بالملكين اللَّذين بَينا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَأنكر الجبائي وَابْنه الْبَلْخِي تَسْمِيَة الْملكَيْنِ بالمنكر والنكير وَقَالُوا إِنَّمَا الْمُنكر مَا يصدر من الْكَافِر عِنْد تلجلجه إِذا شئل والنكير إِنَّمَا هُوَ تقريع الْملكَيْنِ وَيرد عَلَيْهِم بِالْحَدِيثِ الَّذِي فسر فِيهِ الْملكَانِ بهما كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: جَوَاز لبس النَّعْل لزائر الْقُبُور الْمَاشِي بَين ظهرانيها، وَذهب أهل الظَّاهِر إِلَى كَرَاهَة ذَلِك، وَبِه قَالَ يزِيد بن زُرَيْع وَأحمد بن حَنْبَل، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَلَا يحل لأحد أَن يمشي بَين الْقُبُور بنعلين سبتيتين، وهما اللَّذَان لَا شعر عَلَيْهِمَا، فَإِن كَانَ فيهمَا شعر جَازَ ذَلِك، وَإِن كَانَ فِي أَحدهمَا شعر وَالْآخر بِلَا شعر جَازَ الْمَشْي فيهمَا، وَفِي (الْمُغنِي) : ويخلع النِّعَال إِذا دخل الْمَقَابِر، وَهَذَا مُسْتَحبّ. وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث بشير بن الخصاصية: (أَن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا يمشي بَين الْقُبُور فِي نَعْلَيْنِ فَقَالَ: وَيحك يَا صَاحب السبتيتين إلق سبتيتيك) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه بأتم مِنْهُ، وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ، وَكَذَا صَححهُ ابْن حزم، والخصاصية، أمه وَاخْتلف فِي اسْم أَبِيه، فَقيل: بشير بن نَذِير، وَقيل: ابْن معبد ابْن شرَاحِيل. وَقَالَ الْجُمْهُور من الْعلمَاء بِجَوَاز ذَلِك، وَهُوَ قَول الْحسن وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وجماهير الْفُقَهَاء من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، وَأجِيب عَن حَدِيث ابْن الخصاصية بِأَنَّهُ إِنَّمَا اعْترض عَلَيْهِ بِالْخلْعِ إحتراما للمقابر، وَقيل: لاختياله فِي مَشْيه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: إِن أمره ﷺ بِالْخلْعِ لَا لكَون الْمَشْي بَين الْقُبُور بالنعال مَكْرُوها. وَلَكِن لما رأى ﷺ قذرا فيهمَا يقذر الْقُبُور أَمر بِالْخلْعِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون إِنَّمَا كره ذَلِك لِأَنَّهُ فعل أهل النِّعْمَة وَالسعَة، فَأحب أَن يكون دُخُول الْمقْبرَة على التَّوَاضُع والخشوع. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث سوى الْحِكَايَة عَمَّن يدْخل الْمَقَابِر، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إِبَاحَة وَلَا تَحْرِيمًا، وَيدل على أَنه أمره بِالْخلْعِ احتراما للقبور لِأَنَّهُ نهى عَن الِاسْتِنَاد وَالْجُلُوس عَلَيْهَا. وَفِيه: ذُهُول عَمَّا ورد فِي بعض الْأَحَادِيث أَن صَاحب الْقَبْر، كَانَ يسْأَل فَلَمَّا سمع صرير السبتتين أصغى إِلَيْهِ فكاد يهْلك لعدم جَوَاب الْملكَيْنِ فَقَالَ لَهُ ﷺ إلقهما لِئَلَّا تؤذي صَاحب الْقَبْر ذكره أَبُو عبد الله التِّرْمِذِيّ. فَإِن قلت: بعد فرَاغ الْملكَيْنِ من السُّؤَال مَا يكون الْمَيِّت؟ قلت: إِن كَانَ سعيدا كَانَ روحه فِي الْجنَّة، وَإِن كَانَ شقيا فَفِي سجّين على صَخْرَة على شَفير جَهَنَّم فِي الأَرْض السَّابِعَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: يكون قوم فِي برزخ لَيْسُوا فِي جنَّة وَلَا نَار، وَيدل عَلَيْهِ قصَّة أَصْحَاب الْأَعْرَاف، وَالله أعلم مَا يُقَال لمن يدْخل من أَصْحَاب الْكَبَائِر، أَكَانَ يُقَال لَهُ: نم صَالحا أَو يسكت عَنهُ. وَقيل: إِن أَرْوَاح السُّعَدَاء تطلع على قبورها، وَأكْثر مَا يكون مِنْهَا لَيْلَة الْجُمُعَة ويومها، وَلَيْلَة السبت إِلَى طُلُوع الشَّمْس، فَإِنَّهُم يعْرفُونَ أَعمال الْأَحْيَاء، يسْأَلُون من مَاتَ من السُّعَدَاء: مَا فعل فلَان فَإِن ذكر خيرا قَالَ: أللهم ثبته وَإِن كَانَ غَيره قَالَ: أللهم رَاجع بِهِ، وَإِن قيل لَهُم: مَاتَ. قيل: ألم يأتكم؟ قَالُوا: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، سلك بِهِ غير طريقنا، هوى بِهِ إِلَى أمه الهاوية. وَقيل: إِنَّهُم إِذا كَانُوا على قُبُورهم يسمعُونَ من يسلم عَلَيْهِم، فَلَو أذن لَهُم لردوا السَّلَام.
٨٦ - (بابُ مَنْ أحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أوْ نَحْوِهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي يذكر فِيهِ من أحب أَن يدْفن فِي بَيت الْمُقَدّس إِمَّا طلبا للقرب من الْأَنْبِيَاء المدفونين هُنَاكَ، أَو ليقرب عَلَيْهِ
стр. 2335
الْمَشْي إِلَى الْمَحْشَر، وَتسقط عَنهُ الْمَشَقَّة الَّتِي تحصل لمن بعد مِنْهُ. قَوْله: (أَو نَحْوهَا) أَي: من بَقِيَّة مَا تشد إِلَيْهِ الرّحال من الْحَرَمَيْنِ.
٩٣٣١ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ ابنِ طاوُسٍ عَن أبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلَى مُوسى ﵉ فَلَمَّا جاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إلَى رَبِّهِ فَقَالَ أرْسَلْتَنِي إلَى عبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوتَ فَرَدَّ الله عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعْ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْر فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ أيْ رَبِّ ثُمَّ ماذَا قَالَ ثُمَّ المَوْتُ قَالَ فاْلآنَ فَسَالَ الله أنْ يُدْنِيهِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلَى جانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ.
(الحَدِيث ٩٣٣١ طرفه فِي: ٧٠٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَسَأَلَ الله أَن يُدْنِيه من الأَرْض المقدسة) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مَحْمُود بن غيلَان، بالغين الْمُعْجَمَة، مر فِي: بَاب النّوم قبل الْعشَاء. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام، وَقد مضى. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: عبد الله بن طَاوُوس، مر فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض. الْخَامِس: طَاوُوس بن كيسَان، وَقد مر غير مرّة. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَمعمر بَصرِي وَعبد الرَّزَّاق وَعبد الله بن طَاوُوس وَأَبوهُ طَاوُوس يمانيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يرفع الحَدِيث هَهُنَا فَلذَلِك عابه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَرَفعه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، على مَا يَجِيء.
وَأخرجه عَن يحيى بن مُوسَى، وَأخرجه مُسلم فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن رَافع.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أرسل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْلُوم أَن الله هُوَ الَّذِي أرْسلهُ. قَوْله: (صَكه) أَي: ضربه بِحَيْثُ فَقَأَ عينه، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (فَرد الله عينه) ، وَقد صرح بذلك فِي رِوَايَة مُسلم، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد، قَالَ عبد: أخبرنَا، وَقَالَ ابْن رَافع: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه، (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أرسل ملك الْمَوْت إِلَى مُوسَى، ﵊، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكه ففقأ عينه، فَرجع إِلَى ربه فَقَالَ: أرسلتني إِلَى عبد لَا يُرِيد الْمَوْت. قَالَ: فَرد الله إِلَيْهِ عينه) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (جَاءَ ملك الْمَوْت إِلَى مُوسَى، ﵊، فَقَالَ لَهُ: أجب رَبك، قَالَ: فلطم مُوسَى عين ملك الْمَوْت ففقأها، فَرجع الْملك إِلَى الله فَقَالَ: أرسلتني إِلَى عبد لَك لَا يُرِيد الْمَوْت، وَقد فَقَأَ عَيْني. قَالَ: فَرد الله إِلَيْهِ عينه) الحَدِيث. وَهَذَا الطَّرِيق مَرْفُوع، وَالَّذِي قبله مَوْقُوف كَمَا أخرجه البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: أنكر بعض أهل الْبدع والجهمية هَذَا الحَدِيث، وَقَالُوا: لَا يَخْلُو أَن يكون مُوسَى، ﵊، عرف ملك الْمَوْت أَو لم يعرفهُ، فَإِن كَانَ عرفه فقد استخف بِهِ، وَأَن كَانَ لم يعرفهُ فرواية من روى أَنه كَانَ يَأْتِي مُوسَى عيَانًا لَا معنى لَهَا، ثمَّ إِن الله تَعَالَى لم يقْتَصّ لملك الْمَوْت من اللَّطْمَة وفقء الْعين، وَالله تَعَالَى لَا يظلم أحدا.
قَالَ ابْن خُزَيْمَة: وَهَذَا اعْتِرَاض من أعمى الله بصيرته، وَمعنى الحَدِيث صَحِيح، وَذَلِكَ أَن مُوسَى لم يبْعَث الله إِلَيْهِ ملك الْمَوْت وَهُوَ يُرِيد قبض روحه، حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا بَعثه اختبارا وبلاءً، كَمَا أَمر الله تَعَالَى خَلِيله بِذبح وَلَده وَلم يرد إِمْضَاء ذَلِك، وَلَو أَرَادَ أَن يقبض روح مُوسَى، ﵊، حِين لطم الْملك لَكَانَ مَا أَرَادَ، وَكَانَت اللَّطْمَة مُبَاحَة عِنْد مُوسَى إِذْ رأى آدَمِيًّا دخل عَلَيْهِ، وَلَا يعلم أَنه ملك الْمَوْت، وَقد أَبَاحَ الرَّسُول، ﵊، فَقَأَ عين النَّاظر فِي دَار الْمُسلم بِغَيْر إِذن، ومحال أَن يعلم مُوسَى أَنه ملك الْمَوْت ويفقأ عينه، وَقد جَاءَت الْمَلَائِكَة إِلَى إِبْرَاهِيم، ﵊، فَلم يعرفهُمْ ابْتِدَاء، وَلَو علمهمْ لَكَانَ من الْمحَال أَن يقدم إِلَيْهِم عجلاً، لأَنهم لَا يطْعمُون. وَقد جَاءَ الْملك إِلَى مَرْيَم فَلم تعرفه، وَلَو عَرفته لما استعاذت مِنْهُ، وَقد دخل الْملكَانِ على دَاوُد، ﵊، فِي شبه آدميين يختصمان عِنْده فَلم يعرفهما، وَقد جَاءَ جِبْرِيل، ﵊، إِلَى سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَسَأَلَهُ
стр. 2336
عَن الْإِيمَان فَلم يعرفهُ، وَقَالَ: مَا أَتَانِي فِي صُورَة قطّ إِلَّا عَرفته فِيهَا غير هَذِه الْمرة، فَكيف يستنكر أَن لَا يعرف مُوسَى الْملك حِين دخل عَلَيْهِ.
وَأما قَول الجهمي: ءن الله تَعَالَى لم يقْتَصّ للْملك، فَهُوَ دَلِيل على جَهله من الَّذِي أخبرهُ أَن بَين الْمَلَائِكَة والآدميين قصاصا وَمن أخبرهُ أَن الْملك طلب الْقصاص فَلم يقْتَصّ لَهُ، وَمَا الدَّلِيل على أَن ذَلِك كَانَ عمدا وَقد أخبرنَا نَبينَا، ﷺ ، أَن الله تَعَالَى لم يقبض نَبيا قطّ حَتَّى يرِيه مَقْعَده فِي الْجنَّة، ويخبره فَلم ير أَن يقبض روحه قبل أَن يرِيه مَقْعَده من الْجنَّة ويخبره، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقَول من قَالَ: فَقَأَ عينه بِالْحجَّةِ، لَيْسَ بِشَيْء لما فِي الحَدِيث: فَرد الله عينه، وَقَالَ الْخطابِيّ. فَإِن قيل: كَيفَ يجوز أَن يفعل مُوسَى، ﵊، بِالْملكِ مثل هَذَا الصَّنِيع؟ أَو كَيفَ تصل يَده إِلَيْهِ؟ أَو كَيفَ لَا يقبض الْملك روحه وَلَا يمْضِي أَمر الله تَعَالَى بِهِ؟ قلت: أكْرم الله مُوسَى، ﵊، فِي حَيَاته بِأُمُور أفرده بهَا، فَلَمَّا دنت وَفَاته لطف أيضابه بِأَن لم يَأْمر الْملك بِهِ بِأخذ روحه قهرا، لَكِن أرْسلهُ على سَبِيل الامتحان فِي صُورَة الْبشر، فاستنكر مُوسَى، ﵊، شَأْنه وَدفعه عَن نَفسه، فَأتى ذَلِك على عينه الَّتِي ركبت فِي الصُّورَة البشرية الَّتِي جَاءَهُ فِيهَا دون الصُّورَة الملكية، وَقد كَانَ فِي طبع مُوسَى، ﵊، حِدة. رُوِيَ أَنه كَانَ إِذا غضب اشتعلت قلنسوته نَارا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ عَلَيْهِ فقء عين الْملك؟ قلت: لَا يمْتَنع أَن يَأْذَن الله لَهُ فِي هَذِه اللَّطْمَة، وَيكون ذَلِك امتحانا للملطوم، وَالله يفعل مَا يَشَاء. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي (مُخْتَلف الحَدِيث) : أذهب مُوسَى، ﵊، الْعين الَّتِي هِيَ تخييل وتمثيل وَلَيْسَت على حَقِيقَته، وَعَاد ملك الْمَوْت إِلَى حَقِيقَة خلقه الروحاني كَمَا كَانَ لم ينتقص مِنْهُ شَيْء.
قَوْله: (قَالَ: أَي رب) أَي: قَالَ مُوسَى، ﵊: يَا رب. قَوْله: (ثمَّ مَاذَا) ، وَفِي رِوَايَة: (ثمَّ مَه) ، وَهِي: مَا، الاستفهامية. وَلما وقف عَلَيْهَا زَاد هَاء السكت، وَالْمعْنَى: ثمَّ مَا يكون بعد ذَلِك؟ . قَوْله: (قَالَ: ثمَّ الْمَوْت) أَي: قَالَ الله تَعَالَى: ثمَّ يكون بعد ذَلِك الْمَوْت. قَوْله: (قَالَ فَالْآن) أَي: قَالَ مُوسَى، ﵊، فَالْآن يكون الْمَوْت، وَلَفظ: الْآن، ظرف زمَان غير مُتَمَكن، وَهُوَ اسْم لزمان الْحَال وَهُوَ الزَّمَان الْفَاصِل بَين الْمَاضِي والمستقبل، وَهُوَ يدل على أَن مُوسَى، ﵇، لما خَيره الله تَعَالَى اخْتَار الْمَوْت شوقا إِلَى لِقَاء ربه تَعَالَى، كَمَا خير نَبينَا، ﵊، فَقَالَ: (الرفيق الْأَعْلَى) . قَوْله: (فَسَأَلَ الله أَن يُدْنِيه من الأَرْض المقدسة) أَي: فَعِنْدَ ذَلِك سَأَلَ مُوسَى الله أَن يقربهُ من الأَرْض المقدسة، وَهِي بَيت الْمُقَدّس. وَقَالَ ابْن التِّين: الأَرْض المقدسة الشَّام، وَمعنى: المقدسة، المطهرة. وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل النصب على المفعولية، أَي: سَأَلَ الله تَعَالَى الدنو من بَيت الْمُقَدّس ليدفن فِيهِ دنوا لَو رمى رام الْحجر من ذَلِك الْموضع الَّذِي هُوَ الْآن مَوضِع قَبره لوصل إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَإِنَّمَا سَأَلَ ذَلِك لفضل من دفن فِي الأَرْض المقدسة من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ، فاستحب مجاورتهم فِي الْمَمَات كَمَا فِي الْحَيَاة، وَلِأَن النَّاس يقصدون الْمَوَاضِع الفاضلة ويزورون قبورها وَيدعونَ لأَهْلهَا. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا سَأَلَ الدنو مِنْهَا ليسهل على نَفسه وَيسْقط عَنهُ الْمَشَقَّة الَّتِي تكون على من هُوَ بعيد مِنْهَا، وصعوبته عِنْد الْبَعْث والحشر. فَإِن قلت: لِمَ لم يسْأَل نفس الْبَيْت وَسَأَلَ الدنو مِنْهُ؟ قلت: خَافَ أَن يكون قَبره مَشْهُورا فيفتنن بِهِ النَّاس، كَمَا أخبر بِهِ الشَّارِع أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد. قَوْله: (رمية بِحجر) ، يحْتَمل أَن يكون على قربهَا دونهَا قدر رمية حجر أَو أدنى من مَكَاني إِلَى الأَرْض المقدسة، هَذَا الْقدر. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي طلبه الدنو من الأَرْض المقدسة؟ قلت: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن الله لما منع بني إِسْرَائِيل من دُخُول بَيت الْمُقَدّس وتركهم فِي التيه أَرْبَعِينَ سنة إِلَى أَن أفناهم الْمَوْت وَلم يدْخل الأَرْض المقدسة إِلَّا أَوْلَادهم مَعَ يُوشَع، ﵇، وَمَات هَارُون ثمَّ مُوسَى، ﵉، قبل فتحهَا، ثمَّ إِن مُوسَى لما لم يتهيأ لَهُ دُخُولهَا لغَلَبَة الجبارين عَلَيْهَا، وَلَا يُمكن نبشه بعد ذَلِك لينقل إِلَيْهَا طلب الْقرب مِنْهَا، لِأَن مَا قَارب الشَّيْء أعطي حكمه. وَقيل: إِنَّمَا طلب الدنو لِأَن النَّبِي ﷺ يدْفن حَيْثُ يَمُوت وَلَا ينْقل. قيل: فِيهِ نظر، لِأَن مُوسَى قد نقل يُوسُف، ﵉ إِلَى بلد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، ﵊. قلت: وَفِيه نظر، لِأَن مُوسَى مَا نَقله إلَاّ بِالْوَحْي، فَكَانَ ذَاك مَخْصُوصًا بِهِ. قَوْله: (فَلَو كنت ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَهُوَ اسْم يشار بِهِ. وَلما عرج النَّبِي ﷺ رأى مُوسَى قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره. .
وَفِي (الْمرْآة) اخْتلفُوا فِي مَوضِع قبر مُوسَى، ﵊، على أَقْوَال.
أَحدهَا: أَنه بِأَرْض التيه، هُوَ وَهَارُون، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يذخل الأَرْض المقدسة إلَاّ رمية حجر، رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ: لَا يعرف قَبره، وَرَسُول الله، ﷺ ، أبهم ذَلِك
стр. 2337
بقوله: (إِلَى جَانب الطَّرِيق عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، وَلَو أَرَادَ بَيَانه لبين صَرِيحًا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَو علمت الْيَهُود قبر مُوسَى وَهَارُون لاتخذوهما ال هَين من دون الله تَعَالَى، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لم يطلع على قبر مُوسَى، ﵊ إِلَّا الرخمة، وَهِي الَّتِي أطلعت على قبر هَارُون لما دفن فِي التيه، فَنزع الله تَعَالَى عقلهَا لِئَلَّا تدل عَلَيْهِ، وَمعنى عقلهَا: إلهامها.
الثَّانِي: أَنه بِبَاب لد بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ الصَّحِيح. قلت: كَيفَ يكون هُوَ الصَّحِيح، وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس ووهب وَعَامة الْعلمَاء: إِنَّه بِأَرْض التيه.
الثَّالِث: أَن قَبره مَا بَين عالية وعويلة، ذكره الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي (تَارِيخ دمشق) فَقَالَ، وَرُوِيَ: أَن قبر مُوسَى بَين عالية وعويلة وهما محلتان عِنْد مَسْجِد الْقدَم، وَيُقَال: إِن قَبره رئي فِي الْمَنَام فِيهَا. قَالَ: وَالأَصَح أَنه بتيه بني إِسْرَائِيل.
الرَّابِع: أَن قَبره بواد فِي أَرض مآب بَين بصرى والبلقاء.
الْخَامِس: أَن قَبره بِدِمَشْق، ذكره الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَن كَعْب الْأَحْبَار، وَذكر ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) أَن قبر مُوسَى بمدين بَين الْمَدِينَة وَبَين الْمُقَدّس وَاعْترض عَلَيْهِ الضياء مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد فِي كِتَابه (علل الْأَحَادِيث) بِأَن مَدين لَيست قريبَة من الْقُدس وَلَا من الأَرْض المقدسة، وَقد اشْتهر أَن قَبره بأريحا وَهِي من الأَرْض المقدسة مرار، وَيُقَال: إِنَّه قبر مُوسَى ﷺ وَعِنْده كثيب أَحْمَر، كَمَا فِي الحَدِيث، وَطَرِيق، وَالدُّعَاء عِنْده مستجاب.
قَوْله: (إِلَى جَانب الطّور) ذكر ياقوت فِي (كتاب الْمُشْتَرك) أَن الطّور سَبْعَة مَوَاضِع: مِنْهَا: جبل بَيت الْمُقَدّس يُقَال لَهُ طور زيتا، وَفِي الْأَثر: مَاتَ بطور زيتا سَبْعُونَ ألف نَبِي قَتلهمْ الْجُوع وَهُوَ شَرْقي وَادي سلوان، وَمِنْهَا: طور هَارُون، علم لجبل عَال مشرف من قبلي بَيت الْمُقَدّس فِيهِ فِيمَا قيل قبر هَارُون أخي مُوسَى، ﵊، وَالظَّاهِر أَن الطّور الْمَذْكُور هُوَ أحد الطورين الْمَذْكُورين، وَلَكِن الْأَقْرَب أَنه: طور زيتا، وَالله أعلم. قَوْله: (عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، هُوَ الرمل الْمُجْتَمع.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة ظَاهِرَة على أَن لمُوسَى، ﵊، منزلَة كَبِيرَة حَيْثُ فَقَأَ عين ملك الْمَوْت وَلم يعاتبه عَلَيْهِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدّفن فِي الْمَوَاضِع الفاضلة والقرب من مدافن الصَّالِحين. وَفِيه: أَن للْملك قدرَة على التَّصَوُّر بِصُورَة غير صورته. وَفِيه: فِي قَوْله: (يضع يَده على متن ثَوْر) دلَالَة على أَن الدُّنْيَا بَقِي مِنْهَا كثير، وَإِن كَانَ قد ذهب أَكْثَرهَا. وَفِيه: دلَالَة على الزِّيَادَة فِي الْعُمر مثل الحَدِيث الآخر: (من سره أَن يبسط رزقه وينسأ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه) ، وَهُوَ يُؤَيّد قَول من قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعمر من معمر ... ﴾ (فاطر: ١١) . الْآيَة، أَنه زِيَادَة وَنقص فِي الْحَقِيقَة.
٩٦ - (بابُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة دفن الْمَيِّت فِي اللَّيْل، وَإِنَّمَا لم يُفَسر الْجَوَاز بل أطلق التَّرْجَمَة لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، فَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَقَتَادَة وَأحمد فِي رِوَايَة إِلَى كَرَاهَة دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَحْمد والطَّحَاوِي، قَالَ: (إِن رجلا من بني عذرة دفن لَيْلًا وَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ ، فَنهى عَن الدّفن بِاللَّيْلِ، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: (لَا تدفنوا أمواتكم بِاللَّيْلِ) . وَقَالَ ابْن حزم: لَا يجوز أَن يدْفن أحد لَيْلًا إلَاّ عَن ضَرُورَة، وكل من دفن لَيْلًا مِنْهُ ﷺ وَمن أَزوَاجه وَأَصْحَابه، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَإِنَّمَا ذَلِك لضَرُورَة أوجبت ذَلِك من خوف زحام أَو خوف الْحر على من حضر وحر الْمَدِينَة شَدِيد، أَو خوف تغير أَو غير ذَلِك مِمَّا يُبِيح الدّفن لَيْلًا، لَا يحل لأحد أَن يظنّ بهم خلاف ذَلِك، وَذهب النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَعَطَاء وَابْن أبي حَازِم ومطرف ابْن عبد الله وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْأَصَح وَإِسْحَاق إِلَى أَن دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ يجوز، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار، قَالَ أَخْبرنِي: جَابر بن عبد الله أَو سَمِعت جَابر بن عبد الله، قَالَ: (رأى نَاس نَارا فِي الْمقْبرَة فأتوها فَإِذا رَسُول الله ﷺ فِي الْقَبْر، وَإِذا هُوَ يَقُول: ناولوني صَاحبكُم، فَإِذا هُوَ الرجل الَّذِي كَانَ يرفع صَوته بِالذكر) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: النَّهْي فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور لَيْسَ لأجل كَرَاهَة الدّفن بِاللَّيْلِ، وَلَكِن لإِرَادَة رَسُول الله ﷺ أَن يُصَلِّي على جَمِيع الْمُسلمين، لما يكون لَهُم فِي ذَلِك من الْفضل وَالْخَيْر ببركة صلَاته عَلَيْهِم، لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيث يزِيد بن
стр. 2338
ثَابت: فَإِن صَلَاتي عَلَيْهِم رَحْمَة، وَلِأَن صلَاته عَلَيْهِم نور فِي قُبُورهم. وَذكر فِيهِ وَجها آخر، وَهُوَ مَا ذكره عَن الْحسن: أَن قوما كَانُوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم لَيْلًا، فَنهى النَّبِي ﷺ لذَلِك، وَقَالَ أَيْضا: وَقد فعل ذَلِك برَسُول الله ﷺ فَدفن بِاللَّيْلِ، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: دفن عَليّ بن أبي طَالب فَاطِمَة لَيْلًا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: دفن أَبُو بكر لَيْلًا.
وَدُفِنَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَيْلاً
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز فِي: بَاب موت يَوْم الْإِثْنَيْنِ، من حَدِيث عَائِشَة، وَفِيه: (دفن أَبُو بكر قبل أَن يصبح) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن الْوَلِيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (دفن أَبُو بكر لَيْلًا، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد عَن ابْن السباق أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دفن أَبَا بكر لَيْلًا، ثمَّ دخل الْمَسْجِد فأوتر.
٠٤٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ صَلَّى النبيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَما دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قامَ هُوَ وَأصْحَابُهُ وكانَ سَألَ عَنْهُ فقالَ مَنْ هاذا فَقَالُوا فُلانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ فَصَلُّوا عَلَيهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهُم لما قَالُوا: دفن البارحة، لم يُنكر عَلَيْهِم، فَدلَّ ذَلِك على عدم كَرَاهَة دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب الصَّلَاة على الْقَبْر بَعْدَمَا يدْفن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. والشيباني: هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل.
قَوْله: (قَامَ) ، ويروى: (فَقَامَ) ، قَوْله: (فصلوا) ، على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي: أَي صلى الرَّسُول ﷺ وَأَصْحَابه عَلَيْهِ، وَلَا يُقَال: هَذَا تكْرَار لقَوْله صلى ﷺ ، لِأَن ذَلِك مُجمل وَهَذَا تَفْصِيل لأحواله، فَافْهَم وتيقظ.
٠٧ - (بابُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان منع بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على هَذَا.
١٤٣١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأيْنَهَا بِأرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حَبِيبَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أتَتَا أرْضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرفع رَأسه فَقَالَ أُولَئِكَ إِذا مان مِنْهُم الرجل الصَّالح بنوا على قَبره مَسْجِدا ثمَّ صوروا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بنوا على قَبره مَسْجِدا. .) إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الصَّلَاة فِي الْبيعَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا عَبدة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض، ومارية، بِكَسْر الرَّاء: علم للكنيسة. قَوْله: (تِلْكَ) .
١٧ - (بابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من يدْخل قبر الْمَرْأَة لأجل إلحادها.
стр. 2339
٢٤٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا هِلالُ بنُ عَلِيْ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ شَهِدْنَا بِنْتَ رسولِ الله ﷺ ورَسولُ الله ﷺ جالِسٌ عَلَى القَبْرِ فَرَأيْتُ عَيْنَيْهِ تدْمَعَانِ فَقَالَ هَلْ فِيكُمْ مِنْ أحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ أَنا قَالَ فانْزِلْ فِي قَبْرِهَا قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا. قَالَ ابنُ المُبَارَكِ قَالَ فُلَيْحٌ أرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ.
(أنظر الحَدِيث ٥٨٢١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ لأبي طَلْحَة: إنزل فِي قبر بنته، فَنزل فقبرها. وَقد ذكرنَا وَجه هَذَا فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : يعذب الْمَيِّت ببكاء أَهله، لِأَنَّهُ أخرج هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ أَيْضا: عَن عبد الله بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَامر، قَالَ: حَدثنَا فليح بن سُلَيْمَان إِلَى آخِره. . وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (لم يقارف) أَي: لم يُبَاشر الْمَرْأَة. قَوْله: (فَقَالَ أَبُو طَلْحَة) : اسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (فقبرها) ، أَي: قبر أَبُو طَلْحَة بنت النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَقَالَ ابْن الْمُبَارك) ، هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك. قَالَ فليح: أرَاهُ، بِضَم الْهمزَة أَي: أَظُنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَكَذَا قَالَ شُرَيْح بن النُّعْمَان عَن فليح: أخرجه أَحْمد عَنهُ، وَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: كَذَا فِي النّسخ. قَالَ ابْن الْمُبَارك: وَفِي أصل أبي الْحسن الْقَابِسِيّ، قَالَ أَبُو الْمُبَارك: قَالَ أَبُو الْحسن، هُوَ أَبُو الْمُبَارك مُحَمَّد بن سِنَان يَعْنِي: أَبُو الْمُبَارك كنيته مُحَمَّد بن سِنَان شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور. وَقَالَ الجياني: هَذَا وهم من مُحَمَّد بن سِنَان لَا أعلم بَينهم خلافًا أَنه يكنى أَبَا بكر، وَكَانَ فِي نُسْخَة عَبدُوس عَن أبي زيد، كَمَا عِنْد سَائِر الروَاة على الصَّوَاب، وَفِي (التَّلْوِيح) ، وروى هَذَا الحَدِيث البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ. وانْتهى إِلَى قَوْله: قَالَ: فَنزل فِي قبرها، وَلم يذكر التَّفْسِير الَّذِي ذكره فِي (الْجَامِع) . وَرِوَايَة عبد الله بن الْمُبَارك عَن فليح مَشْهُورَة، وَقد روى فِي معنى المقارفة معنى آخر غير مَا فسر فليح (عَن أنس: لما مَاتَت رقية، قَالَ النَّبِي، ﷺ : لَا يدْخل الْقَبْر رجل قارف اللَّيْلَة أَهله، فَلم يدْخل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) . قَالَ البُخَارِيّ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ النَّبِي، ﷺ ، لم يشْهد رقية.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله لِيَقْتَرِفُوا أَي لِيَكْتَسِبُوا
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا تأييد مَا قَالَه ابْن الْمُبَارك عَن فليح، فَإِن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿وليقترفوا مَا هم مقترفون﴾ (الْأَنْعَام: ٣١١) . أَي: ليكتسبوا مَا هم مكتسبون، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، هَذَا التَّفْسِير من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَهَذَا أَعنِي: قَوْله: قَالَ أَبُو عبد الله ... إِلَى آخِره، لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة الْكشميهني.
٢٧ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة على الشَّهِيد، وَإِنَّمَا لم يُفَسر الحكم وَأطلق التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ ذكر فِي الْبَاب حديثين: أَحدهمَا يدل على نَفيهَا، وَهُوَ حَدِيث جَابر. وَالْآخر: يدل على إِثْبَاتهَا، وَهُوَ حَدِيث عقبَة. وَمن هُنَا وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْعلمَاء، فَذهب الشَّافِعِي وَمَالك وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة: إِلَى أَن الشَّهِيد لَا يصلى عَلَيْهِ كَمَا لَا يغسل. وَإِلَيْهِ ذهب أهل الظَّاهِر، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث جَابر الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وَذهب ابْن أبي ليلى وَالْحسن بن يحيى وَعبيد الله بن الْحسن وَسليمَان بن مُوسَى وَسَعِيد ابْن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة: إِلَى أَنه يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول أهل الْحجاز أَيْضا، وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِحَدِيث عقبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا نذكرهُ.
٣٤٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ كَعْب بنِ مالِكٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ
стр. 2340
مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذا لِلْقُرانِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أنَا شَهِيدٌ عَلَى هاؤلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ ولَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ علَيْهِمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن بعمومها يدل على نفس الصَّلَاة على الشَّهِيد.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك أَبُو الْخطاب الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه دمشقي نزل تنيس، وَاللَّيْث مصري وَابْن شهَاب وَشَيْخه مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب عَن جَابر، كَذَا يَقُول اللَّيْث عَن ابْن شهَاب. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَا أعلم أحدا تَابع اللَّيْث من ثِقَات أَصْحَاب الزُّهْرِيّ على هَذَا الأسناد، وَاخْتلف على الزُّهْرِيّ فِيهِ، ثمَّ سَاقه من طَرِيق عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر عَن ابْن شهَاب عَن عبد الله بن ثَعْلَبَة، فَذكر الحَدِيث مُخْتَصرا، وَكَذَا أخرجه أَحْمد من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَعَمْرو بن الْحَارِث، وَكلهمْ عَن ابْن شهَاب عَن عبد الله بن ثَعْلَبَة، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمرو فَزَاد فِيهِ جَابِرا، وَهُوَ مِمَّا يُقَوي اخْتِيَار البُخَارِيّ، فَإِن ابْن شهَاب صَاحب حَدِيث، فَيحمل على أَن الحَدِيث عِنْده عَن شيخين خُصُوصا أَن فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن كَعْب مَا لَيْسَ فِي رِوَايَة عبد الله بن ثَعْلَبَة. قَالَ الذَّهَبِيّ: عبد الله بن ثَعْلَبَة لَهُ رُؤْيَة وَرِوَايَة، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز الْأنْصَارِيّ: حَدثنَا الزُّهْرِيّ (حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ يَوْم أحد: من رأى مقتل حَمْزَة؟ فَقَالَ رجل: أَنا، فَخرج حَتَّى وقف على حَمْزَة فَرَآهُ وَقد شقّ بَطْنه وَمثل بِهِ، فكره رَسُول الله، ﷺ ، أَن ينظر إِلَيْهِ، ثمَّ وقف بَين ظَهْري الْقَتْلَى، فَقَالَ: أَنا شَهِيد على هَؤُلَاءِ، لفوهم فِي دِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ جريح يجرح إلَاّ جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة يدمى، لَونه لون الدَّم وريحه ريح الْمسك، وَقَالَ: قدمُوا أَكثر الْقَوْم قُرْآنًا فَاجْعَلُوهُ فِي اللَّحْد) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِي هَذَا زيادات لَيست فِي رِوَايَة اللَّيْث، وَفِي رِوَايَة اللَّيْث زِيَادَة لَيست فِي هَذِه الرِّوَايَة، فَيحْتَمل أَن تكون رِوَايَته عَن جَابر وَعَن أَبِيه صحيحتان وَإِن كَانَتَا مختلفتين، فالليث بن سعد إِمَام حَافظ، فروايته أولى. وَلما ذكر ابْن أبي حَاتِم هَذَا الحَدِيث فِي (كتاب الْعِلَل) قَالَ: قَالَ أبي يروي هَذَا عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن كَعْب عَن الزُّهْرِيّ مَرْفُوعا، وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الْعَزِيز هَذَا شيخ مدنِي مُضْطَرب الحَدِيث، وروى الْحَاكِم من حَدِيث أُسَامَة بن زيد أَن ابْن شهَاب حَدثهُ أَن أنسا حَدثهُ: أَن شُهَدَاء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم وَلم يصل عَلَيْهِم، وَهُوَ صَحِيح على شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ. وَفِي (الْعِلَل) لِلتِّرْمِذِي: قَالَ مُحَمَّد: حَدِيث أُسَامَة عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس غير مَحْفُوظ، غلط فِيهِ أُسَامَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن سعيد بن سُلَيْمَان، وَأبي الْوَلِيد، وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن عَبْدَانِ وَمُحَمّد بن مقَاتل، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز عَن قُتَيْبَة وَيزِيد بن خَالِد وَعَن سُلَيْمَان بن دَاوُد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح عَن اللَّيْث بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من قَتْلَى أحد) ، الْقَتْلَى جمع: قَتِيل، كالجرحى جمع جريح. قَوْله: (فِي ثوب وَاحِد) ، ظَاهره تكفين الْإِثْنَيْنِ فِي ثوب وَاحِد. وَقَالَ المظهري فِي (شرح المصابيح) : معنى ثوب وَاحِد قبر وَاحِد، إِذْ لَا يجوز تجريدهما بِحَيْثُ تتلاقى بشرتاهما. قَوْله: (أَيهمْ) ، أَي: أَي الْقَتْلَى؟ هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: أَيهمَا، أَي: أَي الرجلَيْن. قَوْله: (أخذا) على التَّمْيِيز. قَوْله: (أَنا شَهِيد على هَؤُلَاءِ) ، أَي: أشهد لَهُم بِأَنَّهُم بذلوا أَرْوَاحهم لله تَعَالَى. قَوْله: (وَلم يغسلوا) على صِيغَة الْمَجْهُول،
стр. 2341
وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ ستأتي بِلَفْظ: (وَلم يصل عَلَيْهِم وَلم يغسلهم) ، كِلَاهُمَا بِصِيغَة الْمَعْلُوم أَي: لم يفعل ذَلِك النَّبِي ﷺ بِنَفسِهِ وَلَا بأَمْره.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: قَالَ ابْن التِّين: فِيهِ: جَوَاز الْجمع جمع الرجلَيْن فِي ثوب وَاحِد، وَقَالَ أَشهب: لَا يفعل ذَلِك إلَاّ لضَرُورَة، وَكَذَا الدّفن، وَعَن الْعَلامَة ابْن تَيْمِية، معنى الحَدِيث أَنه كَانَ يقسم الثَّوْب الْوَاحِد بَين الْجَمَاعَة فيكفن كل وَاحِد بِبَعْضِه للضَّرُورَة، وَإِن لم يستر إلَاّ بعض بدنه، يدل عَلَيْهِ تَمام الحَدِيث: أَنه كَانَ يسْأَل عَن أَكْثَرهم قُرْآنًا فَيقدمهُ فِي اللَّحْد، فَلَو أَنهم فِي ثوب وَاحِد جملَة لسأل عَن أفضلهم قبل ذَلِك كَيْلا يُؤَدِّي إِلَى نقض التَّكْفِين وإعادته. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن التَّكْلِيف قد ارْتَفع بِالْمَوْتِ، وإلَاّ فَلَا يجوز أَن يلصق الرجل بِالرجلِ إلَاّ عِنْد انْقِطَاع التَّكْلِيف أَو للضَّرُورَة.
الثَّانِي: فِيهِ التَّفْضِيل بِقِرَاءَة الْقُرْآن، فَإِذا اسْتَووا فِي الْقِرَاءَة قدم أكبرهم لِأَن للسن فَضِيلَة.
الثَّالِث فِيهِ: جَوَاز دفن الْإِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة فِي قبر، وَبِه أَخذ غير وَاحِد من أهل الْعلم، وَكَرِهَهُ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَلَا بَأْس أَن يدْفن الرجل وَالْمَرْأَة فِي الْقَبْر الْوَاحِد، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، غير أَن الشَّافِعِي وَأحمد قَالَا ذَلِك فِي مَوضِع الضرورات، وحجتهم حَدِيث جَابر. وَقَالَ أَشهب: إِذا دفن اثْنَان فِي قبر لم يَجْعَل بَينهمَا حاجز من التُّرَاب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا معنى لَهُ إلَاّ التَّضْيِيق. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم، ذكر أبي حَدِيثا رَوَاهُ ابْن وهب عَن ابْن جريج عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن رَسُول الله ﷺ جمع يَوْم أحد النَّفر فِي الْقَبْر الْوَاحِد، فَكَانَ يقدم فِي الْقَبْر إِلَى الْقبْلَة أقرأهم، ثمَّ ذَا السن يَلِي أقرأهم) . قَالَ: أبي يحيى هَذَا: هُوَ ابْن صبيح، وَفِي (سنَن الْكَجِّي) : حَدثنَا أَيُّوب عَن حميد بن هِلَال عَن أبي الدهماء (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: شكوا إِلَى النَّبِي ﷺ الْقرح يَوْم أحد، فَقَالَ: أحفروا وَاجْعَلُوا فِي الْقَبْر الْإِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَقدمُوا أَكْثَرهم قُرْآنًا) . وَقَالَ الْقَدُورِيّ فِي شَرحه، والسرخسي فِي (الْمَبْسُوط) : إِن وَقعت الْحَاجة إِلَى الزِّيَادَة فَلَا بَأْس أَن يدْفن الإثنان وَالثَّلَاثَة فِي قبر وَاحِد، وَفِي المرغيناني: أَو خَمْسَة، وَهُوَ إِجْمَاع، وَفِي (الْبَدَائِع) : وَيقدم أفضلهَا، وَيجْعَل بَين كل اثْنَيْنِ حاجز من التُّرَاب فَيكون فِي حكم قبرين، وَيقدم الرجل فِي اللَّحْد، وَفِي صَلَاة الْجِنَازَة تقدم الْمَرْأَة على الرجل إِلَى الْقبْلَة، وَيكون الرجل إِلَى الرجل أقرب وَالْمَرْأَة عَنهُ أبعد.
الرَّابِع: فِيهِ دفن الشَّهِيد بدمه، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن ثَعْلَبَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (زملوهم بدمائهم) .
الْخَامِس فِيهِ: أَن الشَّهِيد لَا يغسل، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ إلَاّ مَا روى عَن سعيد بن الْمسيب وَالْحسن ابْن أبي الْحسن من: أَنه يغسل. قَالَا: مَا مَاتَ ميت إلَاّ أجنب، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَنْهُمَا بِسَنَد صَحِيح، وَعَن الْحسن بِسَنَد صَحِيح: (أَن النَّبِي ﷺ أَمر بِحَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَغسل) وَحكي عَن الشّعبِيّ وَغَيره أَن حَنْظَلَة بن الراهب غسلته الْمَلَائِكَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ جنبا. وَقَالَ السُّهيْلي: فِي ترك غسل الشُّهَدَاء تَحْقِيق حياتهم وتصديق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ (آل عمرَان: ٩٦١) . الْآيَة، وَلِأَن الدَّم أثر عبَادَة فَلَا يزَال، كَمَا قَالُوا فِي السِّوَاك للصَّائِم.
السَّادِس: فِيهِ أَن الشَّهِيد لَا يصلى عَلَيْهِ، وَهَذَا بَاب فِيهِ خلاف، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الشَّهِيد يصلى عَلَيْهِ بِلَا غسل، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عقبَة الْآتِي عَن قريب، وَبِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي بكر ابْن عَيَّاش عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن مقسم (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أَتَى بهم النَّبِي ﷺ يَوْم أحد فَجعل يُصَلِّي على عشرَة عشرَة وَحَمْزَة، وَهُوَ كَمَا هُوَ يرفعون وَهُوَ كَمَا هُوَ مَوْضُوع) ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن أبي دَاوُد عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن يزِيد ابْن أبي زِيَاد عَن مقسم (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يوضع بَين يَدَيْهِ يَوْم أحد عشرَة فَيصَلي عَلَيْهِم وعَلى حَمْزَة، ثمَّ تُوضَع الْعشْرَة وَحَمْزَة مَوْضُوع، ثمَّ تُوضَع عشرَة فيصلى عَلَيْهِم وعَلى حَمْزَة مَعَهم) . وَأخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) بأتم مِنْهُ: حَدثنَا الْعَبَّاس، رَحمَه الله تَعَالَى، ابْن عبد الله الْبَغْدَادِيّ حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش حَدثنَا يزِيد بن أبي زِيَاد عَن مقسم (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما قتل حَمْزَة يَوْم أحد أَقبلت صَفِيَّة تسْأَل: مَا صنع؟ فَلَقِيت عليا وَالزُّبَيْر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَت: يَا عَليّ وَيَا زبير! مَا فعل حَمْزَة؟ فأوهماهما أَنَّهُمَا لَا يدريان، قَالَ: فَضَحِك النَّبِي، ﷺ : وَقَالَ: إِنِّي أَخَاف على عقلهَا، فَوضع يَده على صدرها فاسترجعت وبكت، ثمَّ
стр. 2342
قَامَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَوْلَا جزع النِّسَاء لتركته حَتَّى يحْشر من بطُون السبَاع وحواصل الطُّيُور، ثمَّ أَتَى بالقتلى فَجعل يُصَلِّي عَلَيْهِم فَيُوضَع سَبْعَة وَحَمْزَة فيكبر عَلَيْهِم سبع تَكْبِيرَات، ثمَّ يرفعون وَيتْرك حَمْزَة مَكَانَهُ فيكبر عَلَيْهِم سبع تَكْبِيرَات حَتَّى فرغ مِنْهُم) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) وَلَفْظهمْ: (أَمر رَسُول الله، ﷺ ، بِحَمْزَة يَوْم أحد فهيىء للْقبْلَة ثمَّ كبر عَلَيْهِ سبعا، ثمَّ جمع إِلَيْهِ الشُّهَدَاء حَتَّى صلى عَلَيْهِ سبعين صَلَاة) . زَاد الطَّبَرَانِيّ: (ثمَّ وقف عَلَيْهِم حَتَّى واراهم) . وَسكت الْحَاكِم عَنهُ. فَإِن قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ: يزِيد بن أبي زِيَاد لَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَكَذَا رَوَاهُ يزِيد بن أبي زِيَاد، وَحَدِيث جَابر: أَنه لم يصل عَلَيْهِم، أصح. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّحْقِيق) : وَيزِيد بن زِيَاد مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. قلت: قَالَ صَاحب (التَّنْقِيح) : الَّذِي قَالُوهُ إِنَّمَا هُوَ فِي يزِيد بن زِيَاد، وَأما رَاوِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ الْكُوفِي، وَلَا يُقَال فِيهِ: ابْن زِيَاد، وَإِنَّمَا هُوَ: ابْن أبي زِيَاد، وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه على لينه، وَقد روى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِغَيْرِهِ، وروى لَهُ أَصْحَاب السّنَن، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا أعلم أحدا ترك حَدِيثه. وَابْن الْجَوْزِيّ جَعلهمَا فِي كِتَابه الَّذِي فِي الضُّعَفَاء وَاحِدًا، وَهُوَ وهم وَغلط، وَمِمَّا يُؤَيّد حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد هَذَا مَا رَوَاهُ هِشَام فِي السِّيرَة عَن إِبْنِ إِسْحَاق: حَدثنِي من لَا أتهم عَن مقسم مولى ابْن عَبَّاس (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أَمر رَسُول الله، ﷺ ، بِحَمْزَة فسجي بِبُرْدَةٍ ثمَّ صلى عَلَيْهِ وَكبر سبع تَكْبِيرَات، ثمَّ أُتِي بالقتلى فوضعوا إِلَى حَمْزَة فصلى عَلَيْهِم وَعَلِيهِ مَعَهم، حَتَّى صلى عَلَيْهِ ثِنْتَيْنِ وَسبعين صَلَاة) . فَإِن قلت: قَالَ السُّهيْلي فِي (الرَّوْض الْأنف) : قَول ابْن إِسْحَاق فِي هَذَا الحَدِيث: حَدثنِي من لَا أتهم، إِن كَانَ هُوَ الْحسن بن عمَارَة كَمَا قَالَه بَعضهم فَهُوَ ضَعِيف بِإِجْمَاع أهل الحَدِيث، وَإِن كَانَ غَيره فَهُوَ مَجْهُول. قلت: نَحن مَا نجزم أَنه الْحسن بن عمَارَة، وَلَئِن سلمنَا أَنه هُوَ فَنحْن مَا نحتج بِهِ، وَإِنَّمَا نستشهد بِهِ، وَيَكْفِي فِي الاستشهاد قَول ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي من لَا أتهم بِهِ، وَلَو كَانَ مُتَّهمًا عِنْده لما حدث عَنهُ. وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَن رَسُول الله ﷺ أَمر يَوْم أحد بِحَمْزَة فسجي بِبُرْدَةٍ ثمَّ صلى عَلَيْهِ، فَكبر تسع تَكْبِيرَات، ثمَّ أَتَى بالقتلى يصفونَ وَيُصلي عَلَيْهِم وَعَلِيهِ مَعَهم) . وَأخرجه ابْن شاهين أَيْضا فِي كِتَابه من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن يحيى بن عبَادَة (عَن عبد الله بن الزبير، قَالَ: صلى النَّبِي ﷺ على حَمْزَة فَكبر سبعا) . وَقَالَ الْبَغَوِيّ: حفظي أَنه قَالَ: عَن عبد الله بن الزبير، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي مَالك الْغِفَارِيّ، قَالَ: كَانَ قَتْلَى أحد يُؤْتى بِتِسْعَة وعاشرهم حَمْزَة فَيصَلي عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ يحملون. ثمَّ يُؤْتى بِتِسْعَة فَيصَلي عَلَيْهِم وَحَمْزَة مَكَانَهُ، حَتَّى صلى عَلَيْهِم رَسُول الله، ﷺ . وَرَوَاهُ أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ (عَن أبي مَالك، قَالَ: كَانَ يجاء بقتلى أحد تِسْعَة وَحَمْزَة عاشرهم فَيصَلي عَلَيْهِم فيرفعون التِّسْعَة وَيدعونَ حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه قَالَ: (صلى النَّبِي، ﷺ ، على قَتْلَى أحد عشرَة عشرَة، فِي كل عشرَة مِنْهُم حَمْزَة، حَتَّى صلى عَلَيْهِ سبعين صَلَاة) . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (مُخْتَصر السّنَن) : كَذَا قَالَ: وَلَعَلَّه سبع صلوَات إِذْ شُهَدَاء أحد سَبْعُونَ أَو نَحْوهَا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْمَرَاسِيل، وَأَبُو مَالك اسْمه غَزوَان الْكُوفِي، وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَذكره ابْن حبَان فِي التَّابِعين الثِّقَات.
وَلنَا معاشر الْحَنَفِيَّة أَن نرجح مَذْهَبنَا بِأُمُور. الأول: أَن حَدِيث عقبَة الْآتِي ذكره مُثبت وَكَذَا غَيره من الصَّلَاة على الشَّهِيد، وَحَدِيث جَابر نافٍ والمثبت أولى. الثَّانِي: أَن جَابِرا كَانَ مَشْغُولًا بقتل أَبِيه وَعَمه، على مَا يَجِيء، فَذهب إِلَى الْمَدِينَة ليدبر حملهمْ، فَلَمَّا سمع الْمُنَادِي بِأَن الْقَتْلَى تدفن فِي مصَارِعهمْ سارع لدفنهم، فَدلَّ على أَنه لم يكن حَاضرا حِين الصَّلَاة، على أَن فِي (الإكليل) : حَدِيثا عَن ابْن عقيل (عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ صلى على حَمْزَة، ثمَّ جِيءَ بِالشُّهَدَاءِ فوضعوا إِلَى جنبه فصلى عَلَيْهِم) . فالشافعية يحتجون بِرِوَايَة ابْن عقيل ويوجبون بهَا التَّسْلِيم من الصَّلَاة. الثَّالِث: مَا روى أَصْحَابنَا أَكثر مِمَّا رَوَاهُ أَصْحَاب الشَّافِعِي. الرَّابِع: الصَّلَاة على الْمَوْتَى أصل فِي الدّين وَفرض كِفَايَة فَلَا تسْقط من غير فعل أحد بالتعارض، بِخِلَاف غسله، إِذْ النَّص فِي سُقُوطه لَا معَارض لَهُ. الْخَامِس: لَو كَانَت الصَّلَاة عَلَيْهِم غير مَشْرُوعَة لبينها النَّبِي ﷺ كَمَا نبه على الْغسْل. السَّادِس: نَتَنَزَّل ونقول كَمَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: لم يصلِّ ﷺ وَصلى غَيره. السَّابِع: يجوز أَنه: لم يصل عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْيَوْم، لما حصل لَهُ من الْجراحَة وَشبههَا، وَلَا سِيمَا من ألمه على حَمْزَة وَغَيره، وَصلى عَلَيْهِم فِي يَوْم غَيره لِأَنَّهُ لَا تغير بهم كَمَا جَاءَ فِي صلَاته عَلَيْهِم بعد ثَمَان سِنِين. الثَّامِن: قد رُوِيَ أَنه قد صلى على غَيرهم. التَّاسِع: لَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا: يحمل قَول عقبَة: صلى عَلَيْهِم، بِمَعْنى اسْتغْفر، لقَوْله: صلَاته
стр. 2343
على الْمَيِّت. الْعَاشِر: أَن مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا أحوط فِي الدّين، وَفِيه تَحْصِيل الْأجر. وَقد قَالَ، ﷺ : (من صلى على ميت فَلهُ قِيرَاط) ، فَلم يفصل مَيتا من ميت، فَإِن قَالُوا: الصَّلَاة لَا تصح على الْمَيِّت بِلَا غسل، فَلَمَّا لم يغسل الشَّهِيد لم تصح الصَّلَاة، قُلْنَا: يَنْبَغِي أَن لَا يدْفن أَيْضا بِلَا غسل، فَلَمَّا دفن الشَّهِيد بِلَا غسل دلّ أَنه فِي حكم المغسولين فيصلى عَلَيْهِ. فَإِن قَالُوا: الشُّهَدَاء أَحيَاء وَالصَّلَاة إِنَّمَا شرعت على الْمَوْتَى؟ قُلْنَا: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يقسم ميراثهم وَلَا تتَزَوَّج نِسَاؤُهُم وَشبه ذَلِك، وَإِنَّمَا هم أَحيَاء فِي حكم الْآخِرَة لَا فِي حكم الدُّنْيَا، وَالصَّلَاة عَلَيْهِم من أَحْكَام الدُّنْيَا، كَذَا قَالَه فِي (الْمَبْسُوط) ، فَإِن قَالُوا: ترك الصَّلَاة عَلَيْهِم لاستغنائهم مَعَ التَّخْفِيف على من بَقِي من الْمُسلمين، قُلْنَا: لَا يسْتَغْنى أحد عَن الْخَيْر، وَالصَّلَاة خير مَوْضُوع، وَلَو اسْتغنى أحد من هَذِه الْأمة لاستغنى أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَذَلِكَ الصغار، وَمن هُوَ فِي مثل حَالهم. وَالتَّعْلِيل بِالتَّخْفِيفِ لَا وَجه لَهُ، لأَنهم يسعون فِي تجهيزهم وحفر قُبُورهم، وَنَحْو ذَلِك، فَالصَّلَاة أخف من هَذَا كُله، فَإِن قَالُوا: إِنَّكُم لَا ترَوْنَ الصَّلَاة على الْقَبْر بعد ثَلَاثَة أَيَّام، قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِك، بل تجوز الصَّلَاة على الْقَبْر مَا لم يتفسخ، وَالشُّهَدَاء لَا يتفسخون وَلَا يحصل لَهُم تغير. فَالصَّلَاة عَلَيْهِم لَا تمْتَنع أَي وَقت كَانَ.
٤٤٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا الليْثُ قَالَ حدَّثني يَزِيدُ بن أبِي حَبِيبٍ عَن أبِي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْما فَصَلَّى عَلَى أهْلِ أُحُدٍ صلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى المِنْبَرِ فَقَالَ إنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإنِّي وَالله لأنْظُرِ إلَى حَوْضِي الآنَ وَإنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأرْضَ أوْ مَفَاتِيحَ الأرْضِ وَإنِّي وَالله مَا أخافُ عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلاكِنْ أخَافُ عَلَيْكُمْ أنْ تَنَافَسُوا فِيهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا تحْتَمل مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة على الشَّهِيد من جِهَة عمومها.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدمُوا، وَأَبُو الْخَيْر اسْمه مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي، وَعقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن عَامر الْجُهَنِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مصريون وَهُوَ مَعْدُود من أصح الْأَسَانِيد. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أحدهم مَذْكُور بالكنية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن سعيد بن شُرَحْبِيل، وَفِي المغاوي عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم وَعَن قُتَيْبَة وَفِي ذكر الْحَوْض عَن عَمْرو بن خَالِد. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي، ﷺ ، عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز عَن قُتَيْبَة بِهِ مُخْتَصرا وَعَن الْحسن بن عَليّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فصلى على أهل أحد) ، وهم الَّذين اسْتشْهدُوا فِيهِ، وَكَانَت أحد فِي شَوَّال سنة ثَلَاث. قَوْله: (صلَاته على الْمَيِّت) أَي: مثل صلَاته على الْمَيِّت، وَهَذَا يرد قَول من قَالَ: إِن الصَّلَاة فِي الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت مَحْمُولَة على الدُّعَاء، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ ابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ وَالنَّوَوِيّ، حَتَّى قَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد من الصَّلَاة هُنَا الدُّعَاء، وَأما كَونه مثل الَّذِي على الْمَيِّت فَمَعْنَاه أَنه دَعَا لَهُم بِمثل الدُّعَاء الَّذِي كَانَت عَادَته أَن يَدْعُو بِهِ للموتى. قلت: هَذَا عدُول عَن الْمَعْنى الَّذِي يتضمنه هَذَا اللَّفْظ، لأجل تمشية مذْهبه فِي ذَلِك، وَهَذَا لَيْسَ بإنصاف. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: معنى صلَاته ﷺ لَا يَخْلُو من ثَلَاثَة معَان: أما أَن يكون نَاسِخا لما تقدم من ترك الصَّلَاة عَلَيْهِم، أَو يكون من سُنَنهمْ أَن لَا يُصَلِّي عَلَيْهِم إلَاّ بعد هَذِه الْمدَّة، أَو تكون الصَّلَاة عَلَيْهِم جَائِزَة، بِخِلَاف غَيرهم، فَإِنَّهَا وَاجِبَة، وأيها كَانَ فقد تثبت بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِم الصَّلَاة على الشُّهَدَاء. وَقَالَ بَعضهم: غَالب مَا ذكره بصدد الْمَنْع لِأَن صلَاته عَلَيْهِم تحْتَمل أمورا. مِنْهَا: أَن تكون من خَصَائِصه. وَمِنْهَا: أَن يكون الْمَعْنى: الدُّعَاء، ثمَّ هِيَ وَاقعَة عين لَا عُمُوم فِيهَا، فَكيف ينتهض الِاحْتِجَاج بهَا لدفع حكم قد تقرر؟ وَلم يقل أحد من الْعلمَاء بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي الَّذِي ذكره؟ انْتهى. قلت: كل مَا ذكر هَذَا الْقَائِل مَمْنُوع، لِأَن قَوْله: مِنْهَا أَن تكون من خَصَائِصه، وَإِثْبَات الخصوصية بِالِاحْتِمَالِ
стр. 2344
لَا يَصح، لِأَن الِاحْتِمَال الناشيء من غير دَلِيل لَا يعْتَبر وَلَا يعْمل بِهِ، وَقَوله: وَمِنْهَا أَن يكون الْمَعْنى الدُّعَاء، يردهُ لفظ الحَدِيث ويبطله، وَقَوله: وَهِي وَاقعَة عين لَا عُمُوم فِيهَا، كَلَام غير موجه لِأَن هَذَا الْكَلَام لَا دخل لَهُ فِي هَذَا الْمقَام، وَقَوله: لدفع حكم تقرر، لَا ينتهض دَلِيلا لَهُ لدفع خَصمه لِأَنَّهُ لَا يعلم مَا هَذَا الحكم الْمُقَرّر. وَقَوله: وَلم يقل أحد من الْعلمَاء بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي، كَلَام واه لِأَنَّهُ مَا ادّعى أَن أحدا من الْعلمَاء قَالَ بِهِ حَتَّى يُنكر عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذكره بطرِيق الاستنباط من لفظ الحَدِيث. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف إِلَى الْمِنْبَر) ، وَلَفظ مُسلم: (ثمَّ صعد الْمِنْبَر، كَالْمُودعِ للأحياء والأموات، فَقَالَ: إِنِّي فَرَطكُمْ على الْحَوْض، وَإِن عرضه كَمَا بَين أَيْلَة إِلَى الْجحْفَة) وَفِي آخِره: (قَالَ عقبَة: فَكَانَت آخر مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر) . قَوْله: (إِنِّي فرط لكم) ، بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء، وَهُوَ الَّذِي يتَقَدَّم الْوَارِدَة ليصلح لَهُم الْحِيَاض والدلاء، وَنَحْوهمَا، وَمعنى: (فَرَطكُمْ) سابقكم إِلَيْهِ كالمهيىء لَهُ. قَوْله: (وَأَنا شَهِيد عَلَيْكُم) أَي: أشهد لكم. قَوْله: (مَفَاتِيح الأَرْض) جمع: مِفْتَاح، ويروى: (مفاتح الأَرْض) ، بِدُونِ الْيَاء فَهُوَ جمع مفتح على وزن مفعل بِكَسْر الْمِيم، قَوْله: (لأنظر إِلَى حَوْضِي) هُوَ على ظَاهره، وَكَأَنَّهُ كشف لَهُ عَنهُ فِي تِلْكَ الْحَالة. قَوْله: (مَا أَخَاف عَلَيْكُم أَن تُشْرِكُوا بعدِي) مَعْنَاهُ: على مجموعكم، لِأَن ذَلِك قد وَقع من الْبَعْض، وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى. قَوْله: (أَن تنافسوا) ، من المنافسة، وَهِي الرَّغْبَة فِي الشَّيْء والانفراد بِهِ، وَهُوَ من الشَّيْء النفيس الْجيد فِي نَوعه، ونافست الشَّيْء مُنَافَسَة ونفاسا: إِذا رغبت فِيهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ أَنه ﷺ قد صلى على أهل أحد بعد مُدَّة، فَدلَّ على أَن الشَّهِيد يصلى عَلَيْهِ كَمَا يصلى على من مَاتَ حتف أَنفه، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة، وَأول الْخَبَر فِي ترك الصَّلَاة عَلَيْهِم يَوْم أحد على معنى اشْتِغَاله عَنْهُم وَقلة فَرَاغه لذَلِك، وَكَانَ يَوْمًا صعبا على الْمُسلمين، فعذروا بترك الصَّلَاة عَلَيْهِم. وَفِيه: أَن الْحَوْض مَخْلُوق مَوْجُود الْيَوْم وَأَنه حَقِيقِيّ. وَفِيه: معْجزَة للنَّبِي ﷺ حَيْثُ نظر إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَأخْبر عَنهُ. وَفِيه: معْجزَة أُخْرَى أَنه أعْطى مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض وملكتها أمته بعده. وَفِيه: أَن أمته لَا يخَاف عَلَيْهِم من الشّرك، وَإِنَّمَا يخَاف عَلَيْهِم من التنافس، وَيَقَع مِنْهُ التحاسد والتباخل. وَفِيه: جَوَاز الْحلف من غير استحلاف لتفخيم الشَّيْء وتوكيده.
٣٧ - (بابُ دَنْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز دفن الرجلَيْن الميتين وَالثَّلَاثَة من الرِّجَال فِي قبر وَاحِد، قيل: لَو قَالَ: بَاب دفن الشخصين وَالثَّلَاثَة، لَكَانَ أحسن ليتناول النِّسَاء. قلت: النِّسَاء تبع للرِّجَال فِي الْأَحْكَام، إلَاّ إِذا خصصت بِشَيْء مِنْهَا.
٥٤٣١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ كَعْبٍ أنَّ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخبرهُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي دفن الرجلَيْن فِي قبر وَاحِد ظَاهِرَة، وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب لفظ: الثَّلَاثَة، وَإِنَّمَا ذكره على عَادَته بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَا ورد من لفظ الثَّلَاثَة، وَلكنه لما لم يكن على شَرطه لم يُورِدهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْكَجِّي فِي (سنَنه) عَن ابْن عَبَّاس، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أنس: (أَن رَسُول الله ﷺ مر على حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مثل بِهِ. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَكَانَ الرجل وَالرجلَانِ وَالثَّلَاثَة يكفنون فِي الثَّوْب الْوَاحِد) زَاد قُتَيْبَة: (ثمَّ يدفنون فِي قبر وَاحِد) .
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: غَرِيب، وَقيل: ذكر الثَّلَاثَة بِالْقِيَاسِ وَفِيه نظر لِأَنَّهُ لَو كَانَ بِالْقِيَاسِ لَكَانَ يَقُول: بَاب دفن الرجلَيْن وَأكْثر فِي قبر وَاحِد.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: سعيد بن سُلَيْمَان الملقب بسعدويه الْبَزَّار، مر فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ الشّعْر، فِي كتاب الْوضُوء. وَاللَّيْث بن سعد، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن ابْن كَعْب مر فِي أول الْبَاب السَّابِق.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه:
стр. 2345
أَن شَيْخه واسطي سكن بَغْدَاد، وَاللَّيْث مصري وَابْن شهَاب وَعبد الرَّحْمَن مدنيان، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب السَّابِق، وَذكرنَا أَيْضا مَا يتَعَلَّق بِحكم الحَدِيث.
٤٧ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من لم ير غسل الشُّهَدَاء، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى رد مَا روى عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: يغسل الشَّهِيد، لِأَن كل ميت يجنب فَيجب غسله، وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
٦٤٣١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا لَ يْثٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبٍ عنْ جَابِرٍ. قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصَّلَاة على الشُّهَدَاء، أَعَادَهُ هُنَا لأجل هَذَا التَّبْوِيب، وَوَقع الْكَلَام هُنَاكَ فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب. وَأَبُو الْوَلِيد: هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
٥٧ - (بابُ مَنْ يُقَدِّمُ فِي اللَّحْدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من يقدم من الْمَوْتَى إِذا وضعُوا فِي اللَّحْد، وَحَدِيث الْبَاب بَين ذَلِك هُوَ أَن يقدم مِنْهُم من كَانَ أَكثر أخذا بِالْقُرْآنِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة، ثمَّ أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى تَفْسِير اللَّحْد بقوله:
وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأِنَّهُ فِي ناحِيَةٍ
أَي: سمي اللَّحْد لحدا لِأَنَّهُ لَا شقّ يعْمل فِي جَانب الْقَبْر، يُقَال: لحد الْقَبْر يلحده لحدا أَو لحده: عمل لَهُ لحدا، وَكَذَلِكَ، لحد الْمَيِّت يلحده لحدا وألحده وألحد لَهُ، وَقيل: لحده: دَفنه، وألحده عمل لَهُ لحدا. ولحد إِلَى الشَّيْء يلْحد، وألحد والتحد: مَال، ولحد فِي الدّين يلْحد وألحد: مَال وَعدل، وَقيل: لحد جَار وَمَال، وألحد مارى وجادل. وأصل الْإِلْحَاد: الْميل والعدول عَن الشَّيْء، وَمِنْه قيل للمائل عَن الدّين: ملحد، وَمِنْه قيل: لحد الْقَبْر لِأَنَّهُ يمِيل عَن وسط الْقَبْر إِلَى جَانِبه. وَفِي (الجمهرة) ؛ كل مائل لَاحَدَّ وملحد، وَلَا يُقَال لَهُ ذَلِك حَتَّى يمِيل عَن حق إِلَى بَاطِل. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: والملحد اللَّحْد، وَالْجمع ملاحد، وَقَالَ الْفراء: لحد وألحد: اعْترض وَالْألف أَجود، وَيُقَال: لحدت للْمَيت وألحدت أَجود، وَقَالَ ابْن سَيّده: اللَّحْد، واللحد الَّذِي يكون فِي جَانب الْقَبْر، وَقيل: الَّذِي يحْفر فِي عرضه، وَالْجمع ألحاد ولحود.
وَكُلُّ جائِرٍ مُلْحِدٌ
من الْإِلْحَاد من بَاب الإفعال، بِكَسْر الْهمزَة، وَقد قُلْنَا: إِن الملحد هُوَ المماري والمجادل، والجائز يُسمى اللاحد، وَذكر البُخَارِيّ ذَلِك بحاصل الْمَعْنى.
مُلْتَحَدا مَعْدِلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلنْ أجد من دونه ملتحدا﴾ (الْجِنّ: ٢٢) . أَي: ملتجأ يعدل إِلَيْهِ عَن الله، لِأَن قدرَة الله مُحِيطَة بِجَمِيعِ خلقه، كَذَا فسره الطَّبَرِيّ، والملتحد من بَاب الافتعال على وزن مفتعل من اللَّحْد، من لحد إِلَى الشَّيْء والتحد إِذا مَال، كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا.
وَلَوْ كانَ مُسْتَقِيما كانَ ضَرِيحا
أَي: وَلَو كَانَ الْقَبْر أَو الشق مُسْتَقِيمًا غير مائل إِلَى نَاحيَة لَكَانَ ضريحا، لِأَن الضريح شقّ فِي الأَرْض على الاسْتوَاء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الضارح هُوَ الَّذِي يعْمل الضريح، وَهُوَ الْقَبْر وَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول بن الضرح وَهُوَ الشق فِي الأَرْض ثمَّ الْجُمْهُور على كَرَاهَة الزَّمن وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَلَو شَقوا لمُسلم يكون تركا للسّنة أللهم إلَاّ إِذا كَانَت الأَرْض رخوة لَا تحْتَمل اللَّحْد، فَإِن الشق حِينَئِذٍ مُتَعَيّن. وَقَالَ فَخر الْإِسْلَام فِي (الْجَامِع الصَّغِير) : وَإِن تعذر اللَّحْد
стр. 2346
فَلَا بَأْس بتابوت يتَّخذ للْمَيت، لَكِن السّنة أَن يفرش فِيهِ التُّرَاب. وَقَالَ صَاحب (الْمَبْسُوط) و (الْمُحِيط) و (الْبَدَائِع) وَغَيرهم عَن الشَّافِعِي: أَن الشق أفضل عِنْده، وَهَكَذَا نَقله الْقَرَافِيّ فِي (الذَّخِيرَة) عَنهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أجمع الْعلمَاء على أَن اللَّحْد والشق جائزان، لَكِن إِن كَانَت الأَرْض صلبة لَا ينهار ترابها، فاللحد أفضل، وَإِن كَانَت رخوة ينهار، فالشق أفضل. قلت: فِيهِ نظر من وَجْهَيْن: الأول: أَن الأَرْض إِذا كَانَت رخوة يتَعَيَّن الشق فَلَا يُقَال أفضل. وَالثَّانِي: أَنه يصادم الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (اللَّحْد لنا والشق لغيرنا) ، وَمعنى (اللَّحْد لنا) أَي: لأجل أموات الْمُسلمين، والشق لأجل أموات الْكفَّار، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: المُرَاد بقوله: (لغيرنا) أهل الْكتاب كَمَا ورد مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرق حَدِيث جرير فِي (مُسْند الإِمَام أَحْمد) : (والشق لأهل الْكتاب) فالنبي ﷺ جعل اللَّحْد للْمُسلمين والشق لأهل الْكتاب، فَكيف يكونَانِ سَوَاء؟
على أَنه روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي ﷺ فِي اللَّحْد أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُمَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن وَكِيع عَن الْعمريّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَعَن الْعمريّ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ أوصى أَن يلْحد لَهُ) . وروى ابْن مَاجَه (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما مَاتَ رَسُول الله ﷺ اخْتلفُوا فِي اللَّحْد والشق حَتَّى تكلمُوا فِي ذَلِك وَارْتَفَعت أَصْوَاتهم، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تصخبوا عِنْد رَسُول الله ﷺ حَيا وَلَا مَيتا، أَو كلمة نَحْوهَا، فأرسلوا إِلَى الشقاق واللاحد جَمِيعًا، فجَاء اللاحد يلْحد لرَسُول الله ﷺ ثمَّ دفن) . وَفِي (طَبَقَات ابْن سعد) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ بِالْمَدِينَةِ حفاران) وَفِي رِوَايَة (قباران أَحدهمَا يلْحد وَالْآخر يشق) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سعد، رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عَامر بن سعد بن أبي وَقاص: أَن سعد بن وَقاص قَالَ فِي مَرضه الَّذِي هلك فِيهِ: ألحدوا لي لحدا وانصبوا عَليّ اللَّبن نصبا، كَمَا فعل برَسُول الله ﷺ . وَمِنْهَا: حَدِيث أنس رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ قَالَ: (لما توفّي النَّبِي ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَالْآخر يضرح، فَقَالُوا نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ، فَأرْسل إِلَيْهِمَا فَسبق صَاحب اللَّحْد فلحدوا للنَّبِي، ﷺ . وَمِنْهَا: حَدِيث الْمُغيرَة رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن المجالد عَن عَامر قَالَ: قَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: لحد بِالنَّبِيِّ، ﷺ . وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (عَن ابْن بردة عَن أَبِيه قَالَ: أَدخل النَّبِي ﷺ من قبل الْقبْلَة، وألحد لَهُ لحدا، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا) . وَفِي سَنَده أَبُو بردة عَن عَلْقَمَة، قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو بردة: هَذَا هُوَ عَمْرو بن بريد التَّمِيمِي الْكُوفِي وَهُوَ ضَعِيف. قلت: لكَون هَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ بَادر إِلَى تَضْعِيفه. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي طَلْحَة رَوَاهُ ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) قَالَ: (اخْتلفُوا فِي الشق واللحد للنَّبِي، ﷺ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: شَقوا كَمَا يحْفر أهل مَكَّة، وَقَالَت الْأَنْصَار: إلحدوا كَمَا يحْفر بأرضنا، فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي ذَلِك قَالُوا: أللهم خر لنبيك، إبعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة وَإِلَى أبي طَلْحَة فَأَيّهمَا جَاءَ قبل الآخر فليعمل عمله. قَالَ: فجَاء أَبُو طَلْحَة فَقَالَ وَالله أنني قد خار لِبَنِيهِ ﷺ أَنه كَانَ يرى اللحدفيعجبه ثمَّ قَالَ الْحِكْمَة فِي اخْتِيَاره ﷺ اللَّحْد على الشق لكَونه أستر للْمَيت، وَاخْتِيَار للشق للْأَنْصَار فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُم: (الْمحيا محياكم وَالْمَمَات مماتكم) ، فَأَرَادَ إعلامهم بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمُوت عِنْدهم وَلَا يُرِيد الرُّجُوع إِلَى بَلَده مَكَّة، فوافقهم أَيْضا فِي صفة الدّفن، وَاخْتَارَ الله لَهُ ذَلِك. وَفِيه حَدِيث رَوَاهُ السلَفِي عَن أبي بن كَعْب يرفعهُ: (اللَّحْد لآدَم وَغسل بِالْمَاءِ وترا. وَقَالَت الْمَلَائِكَة، هَذِه سنة وَلَده من بعده) .
٧٤٣١ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ منْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذا لِلْقُرآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ. وَقَالَ أَنا شَهِيدٌ عَلَى هاؤلَاءِ وَأمَرَ بِدَفْنِهِمْ
стр. 2347
بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ قدم فِي اللَّحْد من قَتْلَى أحد من كَانَ أَكثر أخذا لِلْقُرْآنِ.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن مقَاتل هُوَ: مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله: هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.
والْحَدِيث مر عَن قريب، أخرجه فِي: بَاب الصَّلَاة على الشَّهِيد، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث، إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه فِي: بَاب دفن الرجلَيْن وَالثَّلَاثَة فِي قبر وَاحِد، عَن سعيد بن سُلَيْمَان عَن اللَّيْث إِلَى آخِره، وَأخرجه أَيْضا مُخْتَصرا فِي: بَاب من لم ير غسل الشَّهِيد، عَن أبي الْوَلِيد عَن اللَّيْث إِلَى آخِره، وَقد تكلمنا فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة.
٨٤٣١ - وأخبَرَنَا الأوْزَاعِيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ أيُّ هاؤُلَاءِ أكْثَرُ أخْذا لِلْقُرْآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى رَجُللٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صاحِبِهِ..
أَي: قَالَ عبد الله وَأخْبرنَا عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ، وَهَذَا طَرِيق مُنْقَطع لِأَن ابْن شهَاب لم يسمع من جَابر، لِأَن جَابِرا توفّي فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَفِي (الكاشف) : سنة ثَمَان وَسبعين، ومولد الزُّهْرِيّ سنة ثَمَان وَخمسين، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي: مولده سنة خمسين. قلت: لقِيه إِيَّاه مُمكن، وَلَكِن سَمَاعه مِنْهُ لم يثبت، وَأما طَرِيق ابْن شهَاب الأول فمتصل.
وَقَالَ جابِرٌ فَكُفِّنَ أبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ
ذكر فِي (التَّلْوِيح) أَن قَوْله: (عمي) يتَبَادَر الذِّهْن إِلَيْهِ أَنه عَم جَابر، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ عَمْرو بن الجموح بن زيد بن حرَام، وَعبد الله أَبُو جَابر هُوَ ابْن عَمْرو بن حرَام فَهُوَ ابْن عَمه وَزوج أُخْته هِنْد بنت عَمْرو، فَسَماهُ: عَمَّا تَعْظِيمًا لَهُ، وتكريما، ذكره أَبُو عمر وَغَيره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: عمي، قيل: هَذَا تَصْحِيف أَو وهم لِأَن المدفون مَعَ أَبِيه هُوَ: عَمْرو بن الجموح الْأنْصَارِيّ الخزرجي السّلمِيّ، وَيحْتَمل أَن يُجَاب عَنهُ أَنه أطلق الْعم عَلَيْهِ مجَازًا، كَمَا هُوَ عَادَتهم فِيهِ، لَا سِيمَا وَكَانَ بَينهمَا قرَابَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن عبد الله وعمرا كَانَا صهرين، والنمرة، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم: بردة من صوف أَو غَيره مخططة. وَقَالَ الْقَزاز: هِيَ دراعة فِيهَا لونان سَواد وَبَيَاض، وَيُقَال للسحابة إِذا كَانَت كَذَلِك: نمرة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: النمرة بردة من صوف تلبسها الْأَعْرَاب، وَهِي بِكَسْر الْمِيم وسكونها، وَيجوز كسر النُّون مَعَ سُكُون الْمِيم. فَإِن قلت: ذكر الْوَاقِدِيّ فِي (الْمَغَازِي) وَابْن سعد: أَنَّهُمَا كفنا فِي ثَوْبَيْنِ. قلت: إِذا ثَبت ذَلِك حمل على أَن النمرة شقَّتْ بَينهمَا نِصْفَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ حدَّثني الزُّهْرِيُّ قَالَ حدَّثني منْ سَمِعَ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ
سُلَيْمَان بن كثير ضد قَلِيل الْعَبْدي أَبُو مُحَمَّد، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس إلَاّ فِي الزُّهْرِيّ. وَقَالَ يحيى بن معِين، ضَعِيف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن الْفرق بَين هَذِه الطّرق أَن اللَّيْث ذكر عبد الرَّحْمَن وَاسِطَة بَين الزُّهْرِيّ وَجَابِر، وَالْأَوْزَاعِيّ لم يذكر الْوَاسِطَة بَينهمَا، وَسليمَان ذكر وَاسِطَة مَجْهُولا، فَاعْلَم ذَلِك. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: اضْطربَ فِيهِ الزُّهْرِيّ، وَمنع بَعضهم الِاضْطِرَاب بقوله: لِأَن الْحَاصِل من الِاخْتِلَاف فِيهِ على الثِّقَات أَن الزُّهْرِيّ حمله عَن شيخين، وَأما إِبْهَام سُلَيْمَان لشيخ الزُّهْرِيّ وَصدق الْأَوْزَاعِيّ لَهُ فَلَا يُؤثر ذَلِك فِي رِوَايَة من سَمَّاهُ لِأَن الْحجَّة لمن ضبط. وَزَاد: إِذا كَانَ ثِقَة لَا سِيمَا إِذا كَانَ حَافِظًا. قلت: الِاخْتِلَاف على الثِّقَات والإبهام مِمَّا يُورث الإضطراب، وَلَا ينْدَفع ذَلِك بِمَا ذكره.
٦٧ - (بابُ الإذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِي القَبْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعْمَال الْإِذْخر والحشيش فِي الْفرج الَّتِي تتخلل بَين اللبنات فِي الْقَبْر. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب ذكر الْحَشِيش فَلم ذكره؟ قلت: نبه بِهِ على إِلْحَاقه بالإذخر، لِأَن المُرَاد بِاسْتِعْمَال الْإِذْخر هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ لَا التَّطَيُّب، فَيكون الْحَشِيش فِي مَعْنَاهُ، كَمَا أَن الْمسك وَمَا جانسه من الطّيب فِي الحنوط دَاخل فِي معنى إِبَاحَة الكافور للْمَيت، ثمَّ الْإِذْخر،
стр. 2348
بِكَسْر الْهمزَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره رَاء، وَهُوَ نبت مَعْلُوم وَله أصل مندفن وقضبان دقاق ذفر الرّيح، وَهُوَ مثل الأسل، أسل الكولان، إِلَّا أَنه أعرض وأصغر كعوبا وَله ثَمَرَة كَأَنَّهَا مكاميع الْقصب إلَاّ أَنَّهَا أرق وأصغر. وَقَالَ أَبُو زِيَاد: الْإِذْخر: يشبه فِي نَبَاته الغرز، والغرز نَبَاته نَبَات الأسل الَّذِي يعْمل مِنْهُ الْحصْر، والإذخر أدق مِنْهُ وَله كعوب كَثِيرَة وَهُوَ يطحن فَيدْخل فِي الطّيب. وَقَالَ أَبُو النَّصْر: هُوَ من الذُّكُور، وَإِنَّمَا الذُّكُور من البقل، وَلَيْسَ الْإِذْخر من البقل، وَله أرومة فينبت فِيهَا فَهُوَ بالحلبة أشبه. وَقَالَ أَبُو عمر: هُوَ من الحلبة، وقلما ينْبت الْإِذْخر مُنْفَردا، وَهُوَ ينْبت فِي السهول والحزون وَإِذا جف الْإِذْخر ابيضَّ. وَفِي شرح أَلْفَاظ المنصوري) : الْإِذْخر خشب يجلب من الْحجاز، وبالمغرب صنف مِنْهُ. قيل: هَذَا أصح مَا قيل فِي الْإِذْخر، وَيدل عَلَيْهِ قَول ابْن عَبَّاس: لبيوتهم وقبورهم، فَإِن الْبيُوت مَا تسقف إِلَّا بالخشب وَلَا يَجْعَل على اللحود إلَاّ الْخشب. قلت: قدذكرنا أَنه تنسد بِهِ الْفرج الَّتِي تتخلل بَين اللبنات بِدَلِيل قَوْله: والحشيش، فَإِن الْحَشِيش لَا يسقف بِهِ، لِأَنَّهُ غير متماسك لَا رطبا وَلَا يَابسا.
٩٤٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ . قَالَ حَرَّمَ الله مَكَّةَ فلَمْ تَحِلُّ لأِحَدٍ قَبْلِي وَلَا لأِحَدٍ بَعْدِي أحِلَّتْ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا ييُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَاّ لِمُعَرِّفٍ فَقَالَ العَبَّاسُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ إلَاّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إلَاّ الإذْخِرَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ الْإِذْخر) إِلَى آخِره.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم ذكرُوا، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وخَالِد هُوَ الْحذاء.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي مُوسَى عَن عبد الْوَهَّاب، وَفِي الْبيُوع عَن إِسْحَاق عَن خَالِد، وَفِي اللّقطَة قَالَ: قَالَ خَالِد: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حرم الله مَكَّة) أَي: جعلهَا حَرَامًا، وَقد فسره بقوله: (فَلم تحل لأحد قبلي وَلَا لأحد بعدِي) ، وَلَفظه فِي الْحَج: عَن طَاوُوس عَن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، يَوْم فتح مَكَّة: (إِن هَذَا الْبَلَد حرمه الله. .) الحَدِيث، وَفِي غَزْوَة الْفَتْح: (أَن الله حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَهِيَ حرَام بِحرَام الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) ، وَلَفظ مُسلم: (إِن هَذَا الْبَلَد حرمه الله تَعَالَى يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهِيَ حرَام بِحرْمَة الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . وَأخرجه الْبَزَّار عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِن مَكَّة حرَام حرمهَا الله تَعَالَى يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله ، حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر، ووضعها بَين هذَيْن الأخشبين. .) الحَدِيث. وَقَالَ الْبَزَّار: وَهَذَا الحَدِيث قد رُوي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، من غير وَجه، وَعَن غير ابْن عَبَّاس بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة ومعانيها قريبَة. قَوْله: (الأخشبين) أَي: الجبلين المطيفين بِمَكَّة، وهما أَبُو قبيس والأحمر، وَهُوَ جبل مشرف وَجهه على قعيقعان، والأخشب: كل جبل خشن غليظ. وَفِي الحَدِيث: (لَا تَزُول مَكَّة حَتَّى يَزُول أخشباها) . قَوْله: (سَاعَة من نَهَار) ، لم يرد بهَا السَّاعَة من الإثني عشر سَاعَة، وَالْمرَاد بهَا: الْقَلِيل من الْوَقْت وَالزَّمَان، وَإنَّهُ كَانَ بعض النَّهَار وَلم يكن يَوْمًا تَاما، وَدَلِيله: (وَقد عَادَتْ حرمتهَا الْيَوْم كحرمتها بالْأَمْس) . وَقيل: أَرَادَ بِهِ سَاعَة الْفَتْح أبيحت لَهُ إِرَاقَة الدَّم فِيهَا، دون الصَّيْد، وَقطع الشّجر وَنَحْوهمَا. قَوْله: (لَا يخْتَلى خَلاهَا) أَي: لَا يقطع كلاؤها، والخلا، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة مَقْصُورا: الرطب من الْكلأ، كَمَا أَن الْحَشِيش اسْم الْيَابِس مِنْهُ، والواحدة خلاة، ولامه: يَاء، لقَولهم: خليت البقل: قطعته. وَفِي (الْمُخَصّص) : تَقول: خليت الخلا خليا: جززته. وَفِي (الْمُحكم) : وَقيل: الخلا، كل بقلة قطعتها، وَقد يجمع الخلا على أخلاء، حَكَاهُ أَبُو حنيفَة وأخلت الأَرْض: كثر خَلاهَا، واختلاه: جزه. وَقَالَ اللحياني: نَزعه. وَقَالَ القَاضِي: وَمعنى: لَا يخْتَلى خَلاهَا؛ لَا يحصد كلاها، مَقْصُور ومده بعض الروَاة، وَهُوَ خطأ. والاختلاء: الْقطع، فعل مُشْتَقّ من الخلا. والمخلا مَقْصُورَة: حَدِيدَة
стр. 2349
يخْتَلى بهَا الخلا، والمخلاة وعَاء يخْتَلى فِيهِ للدابة، ثمَّ سمى كل مَا يعتلف فِيهِ مِمَّا يعلق فِي رَأسهَا مخلاة، والخلاء، بِالْمدِّ: الْموضع الْخَالِي وَأَيْضًا مصدر من خلا يَخْلُو قَوْله: (وَلَا يعضد شَجَرهَا) أَي: لَا يقطع، يُقَال: عضد واستعضذ بِمَعْنى كَمَا يُقَال علا واستعلى قَالَ القَاضِي وَقع فِي رِوَايَة (وَلَا يعضد شجرائها) وَهُوَ الشّجر وَقَالَ الطَّبَرِيّ معنى لَا يعضد لَا يفْسد وَيقطع من عدد الرجل إِذا أصَاب عضده بِسوء وَفِي الموعب عضدت الشجرا عضده عضد مثل ضَربته إِذا قطعته وَفِي الْمُحكم الشَّيْء معضود وعضيد قَوْله (أَلا لمعرف) بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَهُوَ الَّذِي يعرفهَا حَتَّى يَجِيء صَاحبهَا وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ (وَلَا يلتقط لقطته إِلَّا من عرفهَا) وَفِي لفظ (وَلَا يحل لقطتهَا إِلَّا لِمُنْشِد) والمنشد هُوَ الْمُعَرّف والناشد هُوَ الطَّالِب يُقَال ناشدت الضَّالة إِذا طلبتها فَإِذا عرفتها قلت أنشدتها وأصل الإنشاد رفع الصَّوْت وَمِنْه إنساد الشّعْر قَوْله (لصاغتنا) أَصله الصوغة جمع صائغ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن مَكَّة حرَام يحرم فِيهَا أَشْيَاء مَا يحل فِي غَيرهَا من بِلَاد الله تَعَالَى، فَإِن قلت: الحَدِيث هُنَا (حرم الله مَكَّة) ، وَفِي حَدِيث صَحِيح: (أَن إِبْرَاهِيم ﷺ حرم مَكَّة) . قلت: يَعْنِي بلغ تَحْرِيم الله تَعَالَى لَهَا، فَكَانَ التَّحْرِيم على لِسَانه، فنسب إِلَيْهِ وَحكى الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره الْخلاف بَين الْعلمَاء فِي ابْتِدَاء تَحْرِيم مَكَّة، فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا مَا زَالَت مُحرمَة وَأَنه خَفِي تَحْرِيمهَا فأظهره إِبْرَاهِيم، ﵊، وأشاعه، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن ابْتِدَاء تَحْرِيمهَا من زمن إِبْرَاهِيم، ﵊، وَأَنَّهَا كَانَت قبل ذَلِك غير مُحرمَة كَغَيْرِهَا من الْبِلَاد، وَإِن معنى: حرمهَا الله يَوْم خلق السَّمَوَات، أَنه قدر ذَلِك فِي الْأَزَل أَنه سيحرمها على لِسَان إِبْرَاهِيم، ﵊، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن الله كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن إِبْرَاهِيم، ﵊، سيحرم مَكَّة بِأَمْر الله تَعَالَى.
وَفِيه: (أحلّت لي سَاعَة من نَهَار) ، احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة أَن مَكَّة فتحت عنْوَة لَا صلحا، لِأَنَّهُ، ﵊، فتحهَا بِالْقِتَالِ. وَبِه قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَسَيَجِيءُ فِي حَدِيث أبي شُرَيْح الْعَدوي فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله، ﷺ ، فِيهَا فَقولُوا لَهُ: إِن الله أذن لرَسُول الله، ﷺ ، وَلم يَأْذَن لَك، وَإِنَّمَا أذن لَهُ سَاعَة من النَّهَار، وَذهب الشَّافِعِي وَجَمَاعَة إِلَى أَنَّهَا فتحت صلحا، وتأولوا الحَدِيث على أَنه أُبِيح لَهُ الْقِتَال لَو احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَو احْتَاجَ إِلَيْهِ لقَاتل، وَلكنه بِمَ يحْتَج إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَهَذَا التَّأْوِيل يبعده قَوْله: لقِتَال رَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي فِي حَدِيث أبي شُرَيْح فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وجود قتال ظَاهرا. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَفِي الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث: إِن بَعْضهَا فتح صلحا، وَبَعضهَا عنْوَة، لِأَن الْمَكَان الَّذِي دخل مِنْهُ النَّبِي ﷺ لم يَقع فِيهِ الْقِتَال، وَإِنَّمَا وَقع فِي غير الْمَكَان الَّذِي دخل مِنْهُ.
وَفِيه: لَا يجوز اختلاء خلا مَكَّة هَذَا مِمَّا ينْبت بِنَفسِهِ بِالْإِجْمَاع. وَأما الَّذِي يزرعه النَّاس نَحْو الْبُقُول والخضراوات، والفصيل فَإِنَّهَا يجوز قطعهَا. وَاخْتلف فِي الرَّعْي فِيمَا أَنْبَتَهُ الله من خَلاهَا، فَمَنعه أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَأَجَازَهُ أَبُو يُوسُف وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع على تَحْرِيم قطع شجر الْحرم، وَقَالَ الإِمَام: اخْتلف النَّاس فِي قطع شجر الْحرم: هَل فِيهِ جَزَاء أم لَا؟ فَعِنْدَ مَالك: لَا جَزَاء فِيهِ، وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فِيهِ الْجَزَاء. قلت: هَذَا فِيمَا لم يغرسه الْآدَمِيّ من الشّجر. وَأما مَا غرسه الْآدَمِيّ فَلَا شَيْء فِيهِ، وخكى الْخطابِيّ أَن مَذْهَب الشَّافِعِي منع قطع مَا غرسه الْآدَمِيّ من شجر الْبَوَادِي ونماه وَأمه، وَغَيره مِمَّا أَنْبَتَهُ الله سَوَاء، وَاخْتلف قَوْله فِي جَزَاء الشّجر، فَعِنْدَ الشَّافِعِي: فِي الدوحة بقرة، وَفِيمَا دونهَا شَاة. وَعند أبي حنيفَة: يُؤْخَذ مِنْهُ قيمَة مَا قطع يشترى بِهِ هدى، فَإِن لم يبلغ ثمنه تصدق بِهِ بنضف صَاع لكل مِسْكين. وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي الْخشب وَنَحْوه قيمتهَا بَالِغَة مَا بلغت. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: فِيهَا قيمتهَا، وَالْمحرم والحلال فِي ذَلِك سَوَاء. وَاخْتلفُوا فِي أَخذ السِّوَاك من شجر الْحرم: فَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعَمْرو بن دِينَار أَنهم رخصوا فِي ذَلِك، وَحكى أَبُو ثَوْر ذَلِك عَن الشَّافِعِي، وَكَانَ عَطاء يرخص فِي أَخذ ورق السنا يستمشي بِهِ وَلَا ينْزع من أَصله، وَرخّص فِيهِ عَمْرو بن دِينَار.
وَفِيه: دَلِيل على أَن الشّجر المؤذي كالشوك لَا يقطع من الْحرم لإِطْلَاق قَوْله: (وَلَا يعضد شَجَرهَا) ، وَهُوَ اخْتِيَار أبي سعيد الْمُتَوَلِي من الشَّافِعِيَّة: وَذهب جُمْهُور أَصْحَاب الشَّافِعِي
стр. 2350
إِلَى أَنه لَا يحرم قطع الشوك لِأَنَّهُ مؤذٍ، فَأشبه الفواسق الْخمس، وخصوا الحَدِيث بِالْقِيَاسِ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَالصَّحِيح مَا اخْتَارَهُ المتولى.
وَفِيه: تَصْرِيح بِتَحْرِيم إزعاج صيد مَكَّة وَنبهَ بالتنفير على الاتلاف وَنَحْوه لِأَنَّهُ إِذا حرم التنفير فالاتلاف أولى.
وَفِيه: أَن وَاجِد لقطَة الْحرم لَيْسَ لَهُ غير التَّعْرِيف أبدا، وَلَا يملكهَا بِحَال وَلَا يستنفقها، وَلَا يتَصَدَّق بهَا حَتَّى يظفر بصاحبها، بِخِلَاف لقطَة سَائِر الْبِقَاع، وَهُوَ أظهر قولي الشَّافِعِي، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعِنْدنَا: لقطَة الْحل وَالْحرم سَوَاء لعُمُوم قَوْله ﷺ : (أعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة) . من غير فصل، وروى الطَّحَاوِيّ عَن معَاذَة العدوية: أَن امْرَأَة قد سَأَلت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَت: إِنِّي قد أصبت ضَالَّة فِي الْحرم، فَإِنِّي قد عرفتها فَلم أجد أحدا يعرفهَا. فَقَالَت لَهَا عَائِشَة: استنفقي بهَا.
وَفِيه: جَوَاز اسْتِعْمَال الْإِذْخر فِي الْقُبُور، والصاغة وَأهل مَكَّة يستعملون من الْإِذْخر ذريرة ويطيبون بهَا أكفان الْمَوْتَى، وَقَوله ﷺ : (إلَاّ الْإِذْخر) يجوز أَن يكون أُوحِي إِلَيْهِ تِلْكَ السَّاعَة، أَو من اجْتِهَاده ﷺ .
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ لِقُبُورِنِا وَبُيُوتِنَا
ذكر البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق مَوْصُولا فِي بَاب كتال الْعلم، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، قَالَ: حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن خُزَاعَة قتلوا رجلا من بني لَيْث. .) الحَدِيث، وَفِيه: (إلَاّ الْإِذْخر يَا رَسُول الله، فَإنَّا نجعله فِي بُيُوتنَا وَقُبُورنَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إلَاّ الْإِذْخر) .
وقالَ أبَانُ بنُ صالِحٍ عنِ الحسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ مِثْلَهُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن مَاجَه: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا يُونُس بن بكير، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنَا أبان بن صَالح عَن الْحسن بن مُسلم بن بناق (عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، قَالَت: سَمِعت النَّبِي ﷺ يخْطب عَام الْفَتْح، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِن الله حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهِيَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لَا يعضد شَجَرهَا وَلَا ينفر صيدها وَلَا يَأْخُذ لقطتهَا إلَاّ منشد، فَقَالَ الْعَبَّاس: إلَاّ الْإِذْخر فَإِنَّهُ للبيوت والقبور. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إلَاّ الْإِذْخر) .
وَقَالَ مُجاهِدٌ عنْ طَاووسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لِقَيْنِهِمْ وبُيُوتِهِمْ
هَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور من أول الْبَاب، رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَسَيَأْتِي مَوْصُولا فِي كتاب الْحَج. وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس هَذَا الحَدِيث بِوُجُوه، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من طَرِيق مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم الْفَتْح، فتح مَكَّة: (لَا هِجْرَة وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله إلَاّ الْإِذْخر، فَإِنَّهُم لِقَيْنِهِم ولبيوتهم، فَقَالَ: إلَاّ الْإِذْخر) الْقَيْن، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون: الْحداد، وَالله أعلم.
٧٧ - (بابٌ هَلْ يخْرج المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ واللَّحْدِ لِعِلَّةٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يخرج الْمَيِّت من قَبره ولحده بعد دَفنه لعِلَّة؟ أَي: لأجل سَبَب من الْأَسْبَاب؟ وَإِنَّمَا ذكر التَّرْجَمَة بالاستفهام وَلم يذكر جَوَابه اكْتِفَاء بِمَا فِي أَحَادِيث الْبَاب الثَّلَاثَة: عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن فِي الحَدِيث الأول إِخْرَاج الْمَيِّت من قَبره لعِلَّة، وَهِي إقماص النَّبِي ﷺ عبد الله بن أبي بِقَمِيصِهِ الَّذِي على جسده، وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّالِث: إِخْرَاجه أَيْضا لعِلَّة، وَهِي تطييب قلب جَابر، فَفِي الأول لمصْلحَة الْمَيِّت، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِث لمصْلحَة الْحَيّ، وَيتَفَرَّع على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ جَوَاز إِخْرَاج الْمَيِّت من قَبره إِذا كَانَت الأَرْض مَغْصُوبَة أَو أظهرت مُسْتَحقَّة أَو توزعت بِالشُّفْعَة، وَكَذَلِكَ نقل الْمَيِّت من مَوضِع إِلَى مَوضِع، فَذكر فِي الْجَوَامِع، وَإِن نقل ميلًا أَو ميلين فَلَا بَأْس بِهِ، وَقيل: مَا دون السّفر، وَقيل: لَا يكره السّفر أَيْضا. وَعَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أَمر بقبور كَانَت عِنْد الْمَسْجِد إِن تحول إِلَى البقيع، وَقَالَ: توسعوا فِي مَسْجِدكُمْ، وَقيل: لَا بَأْس فِي مثله، وَقَالَ الْمَازرِيّ: ظَاهر مَذْهَبنَا جَوَاز نقل الْمَيِّت من بلد إِلَى بلد، وَقد مَاتَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بالعقيق، وَدفن بِالْمَدِينَةِ. وَكَذَلِكَ سعيد بن زيد، وَفِي (الْحَاوِي) : قَالَ الشَّافِعِي: لَا أحب نَقله إلَاّ أَن يكون بِقرب مَكَّة أَو الْمَدِينَة أَو
следующие страницы →