← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

مَا دَامَ حَيا لِأَنَّهُ ﷺ إِذا شمت أحد الْمُنَافِقين وَالْيَهُود قَالَ: يهديكم الله وَيصْلح بالكم، وَقد يعْمل الرجل بِعَمَل أهل النَّار وَيخْتم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة، وَفِيه: تَصْحِيح القَوْل بِدَلِيل الْخطاب لاستعمال النَّبِي ﷺ لَهُ، وَذَلِكَ أَن إخْبَاره تَعَالَى أَنه لَا يغْفر لَهُ وَلَو اسْتغْفر لَهُ سبعين مرّة، يحْتَمل أَنه لَو زَاد عَلَيْهَا كَانَ يغْفر لَهُ، لَكِن لما شهد الله تَعَالَى أَنه كَافِر بقوله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله﴾ (التَّوْبَة: ٠٨) . دلّت هَذِه الْآيَة على تَغْلِيب أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَهُوَ أَنه لَا يغْفر لَهُ لكفره، فَلذَلِك أمسك ﷺ من الدُّعَاء لَهُ. وَفِي إقدام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مُرَاجعَة رَسُول الله ﷺ من الْفِقْه أَن الْوَزير الْفَاضِل الناصح لَا حرج عَلَيْهِ فِي إِن يخبر سُلْطَانه بِمَا عِنْده من الرَّأْي، وَإِن كَانَ مُخَالفا لرأيه، وَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ بعض الخفاء إِذا علم فضل الْوَزير وثقته وَحسن مذْهبه، فَإِنَّهُ لَا يلْزمه اللوم على مَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَلَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ سوء الظَّن، وَإِن صَبر السُّلْطَان على ذَلِك من تَمام فَضله، أَلا يرى سُكُوته ﷺ عَن عمر وَتَركه الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَفِي رَسُول الله ﷺ أكبر الأسوة. ٥٨ - (بابُ ثَنَاءِ النَّاسِ علَى المَيِّتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة ثَنَاء النَّاس على الْمَيِّت، وَالثنَاء عَلَيْهِ بِأَن يذكر عَنهُ من أَوْصَاف جميلَة وخصال حميدة. ٧٦٣١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فأثْنُوا عَلَيْهَا خَيْرا فَقَالَ النبيُّ ﷺ وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرى فأثْنُوا عَلَيْهَا شَرّا فَقَالَ وَجَبَتْ فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَا وَجَبَتْ قَالَ هاذا أثْنَيْتُمْ عليهِ خَيْرا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ وَهاذا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأرْضِ. (الحَدِيث ٧٦٣١ طرفه فِي: ٢٤٦٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم هُوَ ابْن إِيَاس. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مروا بِجنَازَة) ، ويروى: (مر بِجنَازَة) ، بِضَم الْمِيم على صِيغَة الْمَجْهُول: (فَأَثْنوا عَلَيْهَا) أَي: على الْجِنَازَة، وأثنوا من الثَّنَاء: بالثاء الْمُثَلَّثَة بعْدهَا النُّون وبالمد، وَهُوَ يسْتَعْمل فِي الْخَيْر وَلَا يسْتَعْمل فِي الشَّرّ، وَقيل: يسْتَعْمل فيهمَا، وَقيل: اسْتِعْمَال الثَّنَاء فِي الشَّرّ لُغَة شَاذَّة. فَإِن قلت: قد عرفت أَن الثَّنَاء الممدودة لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي الْخَيْر، وَكَيف وَقد اسْتعْمل فِي الشَّرّ فِي كَلَام الفصيح؟ قلت: قد قيل هَذَا على اللُّغَة الشاذة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: اسْتعْمل هَذَا لأجل المشاكلة والتجانس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ (الشورى: ٠٤) . وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من حَدِيث ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: مر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ نَبِي الله ﷺ : (وَجَبت وَجَبت وَجَبت، وَمر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا شرا، فَقَالَ نَبِي الله ﷺ : وَجَبت وَجَبت وَجَبت) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض. .) وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث النَّضر بن أنس: (كنت قَاعِدا عِنْد النَّبِي ﷺ فَمر بِجنَازَة فَقَالَ: مَا هَذِه الْجِنَازَة؟ قَالُوا: جَنَازَة فلَان الْفُلَانِيّ، كَانَ يحب الله وَرَسُوله وَيعْمل بِطَاعَة الله وَيسْعَى فِيهَا، فَقَالَ: وَجَبت وَجَبت وَجَبت. وَمر بِجنَازَة أُخْرَى فَقَالَ: مَا هَذِه الْجِنَازَة؟ قَالُوا: جَنَازَة فلَان الْفُلَانِيّ، كَانَ يبغض الله وَرَسُوله ﷺ وَيعْمل بِمَعْصِيَة الله وَيسْعَى فِيهَا، فَقَالَ: وَجَبت وَجَبت وَجَبت. قَالُوا: يَا رَسُول الله، قَوْلك فِي الْجِنَازَة وَالثنَاء عَلَيْهَا أثني على الأول خير، وعَلى الآخر شَرّ، فَقلت فيهمَا وَجَبت وَجَبت وَجَبت، فَقَالَ: نعم يَا أَبَا بكر، إِن لله مَلَائِكَة ينْطق على لِسَان بني آدم بِمَا فِي الْمَرْء من الْخَيْر وَالشَّر) . وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ، وَفِي هَذَا الحَدِيث تَفْسِير مَا أبهم من الْخَيْر وَالشَّر فِي حَدِيث الْبَاب، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة: (أَتَى النَّبِي ﷺ بِجنَازَة فَقيل: هَذَا بئس الرجل، وأثنوا عَلَيْهِ شرا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : تعلمُونَ ذَلِك؟ قَالُوا نعم. قَالَ: وَجَبت، وَقَالَ فِي الَّتِي أثنوا عَلَيْهَا خيرا كَذَلِك) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (مروا

стр. 2382

على رَسُول الله ﷺ بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ: وَجَبت، ثمَّ مروا بِأُخْرَى فَأَثْنوا عَلَيْهَا شرا، فَقَالَ: وَجَبت، ثمَّ قَالَ: إِن بَعْضكُم على بعض شُهَدَاء) . وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْمَلَائِكَة، ﵈، شُهَدَاء الله فِي السَّمَاء وَأَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، إِن بَعْضكُم على بعض شَهِيد) . قَوْله: (وَجَبت) أَي: وَجَبت الْجنَّة فِي الأول، وَوَجَبَت النَّار فِي الثَّانِي، وَالْمرَاد بِالْوُجُوب الثُّبُوت، أَو هُوَ فِي صِحَة الْوُقُوع كالشيء الْوَاجِب، وَحَاصِل الْمَعْنى أَن ثناءهم عَلَيْهِ بِالْخَيرِ يدل على أَن أَفعاله كَانَت خيرا فَوَجَبت لَهُ الْجنَّة، وثناءهم عَلَيْهِ بِالشَّرِّ يدل على أَن أَفعاله كَانَت شرا فَوَجَبت لَهُ النَّار، وَذَلِكَ لِأَن الْمُؤمنِينَ شُهَدَاء بَعضهم على بعض، لما صرح فِي الحَدِيث، والتكرير فِيهِ فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره لتأكيد الْكَلَام وتحقيقه لِئَلَّا يشكوا فِيهِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث عِنْد الْفُقَهَاء إِذا أثنى عَلَيْهِ أهل الْفضل والصدق، لِأَن الفسقة قد يثنون على الفسقة فَلَا يدْخلُونَ فِي معنى هَذَا الحَدِيث، وَالْمرَاد، وَالله أعلم، إِذا كَانَ الثَّنَاء بِالشَّرِّ مِمَّن لَيْسَ لَهُ بعدوٍّ، لِأَنَّهُ قد يكون للرجل الصَّالح الْعَدو، وَإِذا مَاتَ عدوه فَذكر عَن ذَلِك الرجل الصَّالح شرا فَلَا يدْخل الْمَيِّت فِي معنى هَذَا الحَدِيث، لِأَن شَهَادَته كَانَت لَا تجوز عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِن كَانَ عدلا للعداوة والبشر غير معصومين. فَإِن قيل: كَيفَ يجوز ذكر شَرّ الْمَوْتَى، مَعَ وُرُود الحَدِيث الصَّحِيح عَن زيد بن أَرقم فِي النَّهْي عَن سبّ الْمَوْتَى وَذكرهمْ إلَاّ بِخَير. وَأجِيب: بِأَن النَّهْي عَن سبّ الْأَمْوَات غير الْمُنَافِق وَالْكَافِر والمجاهر بِالْفِسْقِ أَو بالبدعة، فَإِن هَؤُلَاءِ لَا يحرم، وَذكرهمْ بِالشَّرِّ للحذر من طريقهم، وَمن الِاقْتِدَاء بهم، وَقيل: لَا بُد أَن يكون ثناؤهم مطابقا لأفعاله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون النَّهْي عَن سبّ الْمَوْتَى مُتَأَخِّرًا عَن هَذَا الحَدِيث، فَيكون نَاسِخا، وَقيل: حَدِيث أنس الْمَذْكُور يجْرِي مجْرى الْغَيْبَة فِي الْأَحْيَاء، فَإِن كَانَ الرجل أغلب أَحْوَاله الْخَيْر، وَقد يكون مِنْهُ الْغَلَبَة فالإغتياب لَهُ محرم، وَإِن كَانَ فَاسِقًا مُعْلنا فَلَا غيبَة فِيهِ، فَكَذَلِك الْمَيِّت، فَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يُنْهِي عَنهُ من سبّ الْأَمْوَات، وَقَالَ بَعضهم: الثَّنَاء على عُمُومه لكل مُسلم مَاتَ، فَإِذا ألهم الله النَّاس، أَو معظمهم، الثَّنَاء عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك دَلِيلا أَنه من أهل الْجنَّة، سَوَاء كَانَت أَفعاله تَقْتَضِي ذَلِك أم لَا، لِأَنَّهُ، وَإِن لم تكن أَفعاله مقتضية فَلَا تتحتم عَلَيْهِ الْعقُوبَة، بل هُوَ فِي الْمَشِيئَة، فَإِذا ألهم الله النَّاس الثَّنَاء عَلَيْهِ استدللنا بذلك أَن الله تَعَالَى قد شَاءَ الْمَغْفِرَة لَهُ، وَبِهَذَا تظهر فَائِدَة الثَّنَاء فِي قَوْله: (وَجَبت) ، وَقيل: هَذَا خَاص بالمثنين الْمَذْكُورين لغيب أطلع الله نبيه ﷺ عَلَيْهِ، ورد بِأَن كلمة: من، تستدعي الْعُمُوم والتخصيص بِلَا مُخَصص، لَا يجوز. قَوْله: (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض) . الْخطاب للصحابة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلمن كَانَ على صفتهمْ من الْإِيمَان، وَحكى ابْن التِّين أَن ذَلِك مَخْصُوص بالصحابة لأَنهم كَانُوا ينطقون بالحكمة بِخِلَاف من بعدهمْ، ثمَّ قَالَ: وَالصَّوَاب أَن ذَلِك يخْتَص بالثقات والمتقين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِر أَن الَّذِي أثنوا عَلَيْهِ شرا كَانَ من الْمُنَافِقين. قلت: ويستأنس لما قَالَه بِمَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي قَتَادَة بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه ﷺ لم يصلِّ على الَّذِي أثنوا عَلَيْهِ شرا، وَصلى على الآخر. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِيهِ: دلَالَة على جَوَاز ذكر الْمَرْء بِمَا يُعلمهُ إِذا وَقعت الْحَاجة إِلَيْهِ، نَحْو سُؤال القَاضِي الْمُزَكي وَنَحْوه. ٨٦٣١ - حدَّثنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا دَاوُدُ بنُ أبي الفُرَاتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ أبِي الأسْوَدِ قَالَ قَدِمْتُ المَدِينَةَ وقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَمَرَّ بِهِمْ جَنَازَةُ فأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرا فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فأُثْنِيَ عَلَى صاحِبِهَا خَيْرا فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شرَّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ أبُو الأسْوَدِ فقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قالَ النبيُّ ﷺ أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ فقُلْنَا وثَلَاثَةٌ قَالَ وثَلَاثَةٌ فقُلْنَا واثْنَان قالَ واثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْألْهُ عنِ الوَاحِدِ. (الحَدِيث ٨٦٣١ طرفه فِي: ٣٤٦٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة قَوْله: (حَدثنَا) ، كَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَذكر أَصْحَاب الْأَطْرَاف أَنه أخرجه قَائِلا: قَالَ عَفَّان،

стр. 2383

وَبِذَلِك جزم الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا عَن شَيْخه، فَقَالَ: وَقَالَ عَفَّان، وَقَالَهُ أَيْضا أَبُو الْعَبَّاس الطرقي، وَخلف فِي كتاب (الْأَطْرَاف) : وَالَّذِي فِي نسخه سَمَاعنَا: حَدثنَا عَفَّان، وعَلى تَقْدِير صِحَة الأول فقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ، حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا عَفَّان إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَفَّان، بتَشْديد الْفَاء: ابْن مُسلم، بِكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة: الصفار. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي الْفُرَات، بِلَفْظ النَّهر الْمَشْهُور، وَاسم أبي الْفُرَات: عَمْرو، وَهُوَ كندي وَلَهُم شيخ آخر يُقَال لَهُ: دَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَاسم أَبِيه: بكر، وَاسم جده: أَبُو الْفُرَات، وَهُوَ أشجعي من أهل الْمَدِينَة أقدم من الْكِنْدِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن بُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، مر فِي أَوَاخِر كتاب الْحيض. الرَّابِع: أَبُو الْأسود ظَالِم بن عَمْرو بن سُفْيَان من سَادَات التَّابِعين، ولي الْبَصْرَة وَهُوَ أول من تكلم فِي النَّحْو بعد عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالدؤلي، وَفِيه اختلافات: فَقيل، بِضَم الدَّال وَسُكُون الْوَاو وبالضم والهمزة الْمَفْتُوحَة، قَالَ الْأَخْفَش: هُوَ بِالضَّمِّ وَكسر الْهمزَة، إلَاّ أَنهم فتحُوا الْهمزَة فِي النِّسْبَة استثقالاً للكسرتين، وياء النِّسْبَة، وَرُبمَا قَالُوا: بِضَم الدَّال وَفتح الْوَاو المقلوبة عَن الْهمزَة، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: بِكَسْر الدَّال وقلب الْهمزَة يَاء. الْخَامِس: عمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَفَّان بن مُسلم الصفار مَذْكُور فِي بعض النّسخ بالصفار وَفِي بَعْضهَا بِدُونِهِ. وَفِيه: رِوَايَة عبد الله بن بُرَيْدَة معنعنة عَن أبي الْأسود، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (التتبع) عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَن ابْن بُرَيْدَة إِنَّمَا يروي عَن يحيى بن يعمر عَن أبي الْأسود، وَلم يقل فِي هَذَا الحَدِيث: سَمِعت أَبَا الْأسود، قيل: إِن ابْن بُرَيْدَة ولد فِي عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فقد أدْرك أَبَا الْأسود بِلَا ريب، لَكِن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا يَكْتَفِي بالمعاصرة فَلَعَلَّهُ أخرجه شَاهدا، وَاكْتفى للْأَصْل بِحَدِيث أنس الَّذِي قبله. وَفِيه: قَالَ الْكرْمَانِي: وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم بصريون. قلت: دَاوُد مروزي، وَلكنه تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن مُوسَى وَهَارُون بن عبد الله الْبَزَّار، قَالَا: حَدثنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا دَاوُد بن أبي الْفُرَات حَدثنَا عبد الله بن بُرَيْدَة (عَن أبي الْأسود الديلِي، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَمروا بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ عمر: وَجَبت، فَقلت لعمر: مَا وَجَبت؟ قَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: مَا من مُسلم يشْهد لَهُ ثَلَاثَة إلَاّ وَجَبت لَهُ الْجنَّة. قُلْنَا: وإثنان؟ قَالَ: وإثنان، قَالَ: وَلم نسْأَل رَسُول الله ﷺ عَن الْوَاحِد) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَفِي لَفظه: (أَرْبَعَة) مثل لفظ البُخَارِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدمت الْمَدِينَة) أَي: مَدِينَة النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَقد وَقع مرض) ، جملَة حَالية، وَزَاد البُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات: (وهم يموتون موتا ذريعا) ، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَي: سَرِيعا. قَوْله: (فَجَلَست إِلَى عمر) ، يحْتَمل أَن يكون إِلَى هَهُنَا على بَابه بِمَعْنى الِانْتِهَاء والغاية، وَالْمعْنَى انْتهى جلوسي إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْأَوْجه أَن يكون إِلَى هَهُنَا بِمَعْنى: عِنْد، أَي: جَلَست عِنْد عمر كَمَا قَالَ فِي قَول الشَّاعِر: (أم لَا سَبِيل إِلَى الشَّبَاب وَذكره ... أشهى إِلَيّ من الرَّحِيق السلسل) قَوْله: (فَأثْنى على صَاحبهَا خيرا) بِنصب: خيرا، فِي أَكثر الْأُصُول، وَكَذَا شرا. ويروى: (خير وَشر) ، بِالرَّفْع فيهمَا، وأثني على صِيغَة الْمَجْهُول. فَوجه النصب مَا قَالَه ابْن بطال: إِنَّه أَقَامَ الْجَار وَالْمَجْرُور مقَام الْمَفْعُول الأول، وَخيرا مقَام الْمَفْعُول الثَّانِي. وَقَالَ ابْن مَالك: خيرا، صفة لمصدر مَحْذُوف وأقيمت مقَامه فنصب لِأَن: أثنى، مُسْند إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور، والتفاوت بَين الْإِسْنَاد إِلَى الْمصدر والإسناد إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور قَلِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ مَنْصُوب بِإِسْقَاط الْجَار أَي: فَأثْنى عَلَيْهَا بِخَير، وَوجه الرّفْع ظَاهر، وَهُوَ أَن: أُثنى، مُسْند إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب بِالرَّفْع، وَفِي نَصبه بعد فِي اللِّسَان. قَوْله: (وَجَبت) أَي: الْجنَّة، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (قَالَ أَبُو الْأسود) وَهُوَ الرَّاوِي الْمَذْكُور، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (وَمَا وَجَبت؟) اسْتِفْهَام عَن

стр. 2384

معنى الْوُجُوب فيهمَا مَعَ اخْتِلَاف الثَّنَاء بِالْخَيرِ وَالشَّر. قَوْله: (أَيّمَا مُسلم) إِلَى آخِره، مقول قَول النَّبِي، ﷺ ، قَوْله: (شهد لَهُ أَرْبَعَة) أَي: أَرْبَعَة من الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ثَلَاثَة، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي اخْتِلَاف هَذَا الْعدَد حَيْثُ جَاءَ أَرْبَعَة وَثَلَاثَة وَاثْنَانِ؟ قلت: لاخْتِلَاف الْمعَانِي، لِأَن الثَّنَاء قد يكون بِالسَّمَاعِ الفاشي على الْأَلْسِنَة فاستحب فِي ذَلِك التَّوَاتُر وَالْكَثْرَة، وَالشَّهَادَة لَا تكون إلَاّ بالمعرفة بأحوال الْمَشْهُود لَهُ، فَيَأْتِي فِي ذَلِك أَرْبَعَة شُهَدَاء، لِأَن ذَلِك أَعلَى مَا يكون من الشَّهَادَة، أَلا يرى أَن الله تَعَالَى جعل فِي الزِّنَى أَرْبَعَة شُهَدَاء، فَإِن قصروا يَأْتِي فِيهِ ثَلَاثَة، فَإِن قصروا فِيهِ يَأْتِي فِيهِ شَاهِدَانِ؟ لِأَن ذَلِك أقل مَا يَجْزِي فِي الشَّهَادَة على سَائِر الْحُقُوق رَحْمَة من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ، وتجاوزا عَنْهُم حَيْثُ أجْرى أُمُورهم فِي الْآخِرَة على نمط أُمُورهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لم يسْأَلُوا النَّبِي، ﷺ ، عَن الْوَاحِد، حَيْثُ قَالَ: (ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد) أَي: ثمَّ لم نسْأَل النَّبِي ﷺ عَن ثَنَاء الشَّخْص الْوَاحِد: هَل يَكْتَفِي بِهِ؟ وَذَلِكَ أَن هَذَا الْمقَام مقَام عَظِيم فَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِأَقَلّ من النّصاب. فَإِن قلت: هَل يخْتَص الثَّنَاء الَّذِي ينفع الْمَيِّت بِالرِّجَالِ أم يشْتَرك فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء، فَإِذا قُلْنَا: يشتركون فِيهِ، فَهَل يَكْتَفِي فِي ذَلِك بامرأتين؟ أَو لَا بُد من رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو أَربع نسْوَة؟ قلت: الظَّاهِر الِاكْتِفَاء بِاثْنَيْنِ مُسلمين، وَإنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى قيام امْرَأتَيْنِ مقَام رجل وَاحِد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير من رِوَايَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن قسطاس عَن سعد بن إِسْحَاق بن كَعْب بن عجْرَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا لأَصْحَابه: (مَا تَقولُونَ فِي رجل قتل فِي سَبِيل الله؟ قَالُوا: ألله وَرَسُوله أعلم. قَالَ الْجنَّة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي رجل مَاتَ فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل فَقَالَا: لَا نعلم إلَاّ خيرا؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: الْجنَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي رجل مَاتَ فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل، فَقَالَا: لَا نعلم خيرا، فَقَالُوا: النَّار، قَالَ رَسُول الله ﷺ : مذنب، وَالله غَفُور رَحِيم) . فقد يُقَال: لَا يكْتَفى بِشَهَادَة النِّسَاء، ألَا يُرى أَن النَّبِي ﷺ لم يكتف بِشَهَادَة الْمَرْأَة الَّتِي أثنت على عُثْمَان بن مَظْعُون بقولِهَا: شهادتي عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فَقَالَ لَهَا: وَمَا يدْريك؟ وَقد يُجَاب عَنهُ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أنكر عَلَيْهَا الْقطع بِأَن الله أكْرمه، وَذَلِكَ مغيب عَنْهَا، بِخِلَاف الشَّهَادَة للْمَيت بأفعاله الجميلة الَّتِي كَانَ متلبسا بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ قَضِيَّة عُثْمَان بن مَظْعُون رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث حَارِثَة بن زيد: أَن أم الْعَلَاء امْرَأَة من الْأَنْصَار قد بَايَعت رَسُول الله ﷺ أخْبرته أَنهم اقتسموا للمهاجرين قرعَة، فطار لنا عُثْمَان بن مَظْعُون فأنزلناه فِي أَبْيَاتنَا، فوجع وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا توفّي وَغسل وكفن فِي أثوابه دخل رَسُول الله ﷺ فَقلت: يَا عُثْمَان بن مَظْعُون، رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فشهادتي عَلَيْك، لقد أكرمك الله تَعَالَى، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه؟ فَقلت: بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، فَمن؟ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : أما هُوَ فقد جَاءَهُ الْيَقِين فوَاللَّه إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَاذَا يفعل بِي قَالَت فوَاللَّه مَا أزكي بعده أحدا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. فَإِن قلت: هَل يخْتَص الثَّنَاء الَّذِي ينفع الْمَيِّت بِكَوْنِهِ مِمَّن خالطه وَعرف حَاله أم هُوَ على عُمُومه؟ قلت: الظَّاهِر الأول بِدَلِيل قَوْله، ﷺ ، فِي حَدِيث أنس الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: قَالَ رَسُول الله: (مَا من مُسلم يَمُوت فَيشْهد لَهُ أَرْبَعَة من أهل أَبْيَات من جِيرَانه الأدنين أَنهم لَا يعلمُونَ إلَاّ خيرا، إلَاّ قَالَ الله تَعَالَى: قد قبلت علمكُم وغرت لَهُ مَا لَا تعلمُونَ) . فَإِن قلت: هَل ينفع الثَّنَاء على الْمَيِّت بِالْخَيرِ وَإِن خَالف الْوَاقِع أم لَا بُد أَن يكون الثَّنَاء عَلَيْهِ مطابقا للْوَاقِع؟ قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء أصَحهمَا أَن ذَلِك يَنْفَعهُ، وَأَن لم يُطَابق الْوَاقِع لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَا يَنْفَعهُ إلَاّ بالموافقة لم يكن للثناء فَائِدَة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة فرات بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِن العَبْد سيرزق الثَّنَاء والستر وَالْحب من النَّاس حَتَّى تَقول الْحفظَة: رَبنَا إِنَّك تعلم ونعلم غير مَا يَقُولُونَ، فَيَقُول: أشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُ مَا لَا يعلمُونَ، وَقبلت شَهَادَتهم على مَا يَقُولُونَ) . فَإِن قلت: الحَدِيث

стр. 2385

الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى يدل على أَن المُرَاد الثَّنَاء المطابق بِدَلِيل قَوْله: (قد قبلت علمكُم) ، وَالْعلم لَا يُخَالف الْوَاقِع. قلت: المُرَاد بِالْعلمِ: الشَّهَادَة، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى عَن ابْن عمر، وَكَذَلِكَ فِي (مُسْند أَحْمد) فِي هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: (قد قبلت شَهَادَتهم) ، وَمعنى قَوْله: (غفرت لَهُ مَا لَا يعلمُونَ) ، أَي: من الذُّنُوب الَّتِي لم يطلعوا عَلَيْهَا. فَإِن قلت: عل تشْتَرط فِي هَذِه الشَّهَادَة الْعَدَالَة كَسَائِر الشَّهَادَات؟ أم تَكْفِي فِي ذَلِك شَهَادَة الْمُسلمين وَإِن لم يَكُونُوا بِوَصْف الْعَدَالَة المشترطة فِي الشَّهَادَة؟ قلت: يدل على الأول حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل) ، وعَلى الثَّانِي يدل ظَاهر حَدِيث الْبَاب، وَمَعَ هَذَا الأَصْل فِي الشَّهَادَة الْعَدَالَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: فَضِيلَة هَذِه الْأمة. وَفِيه: إِعْمَال الحكم بِالظَّاهِرِ. وَفِيه: جَوَاز ذكر الْمَرْء بِمَا فِيهِ من خير أَو شَرّ للْحَاجة، وَلَا يكون ذَلِك من الْغَيْبَة، وَذكر الْغَزالِيّ وَالنَّوَوِيّ إِبَاحَة الْعلمَاء الْغَيْبَة فِي سِتَّة مَوَاضِع، فَهَل تُبَاح فِي حق الْمَيِّت أَيْضا؟ وَإِن مَا جَازَ غيبَة الْحَيّ بِهِ جَازَت غيبَة الْمَيِّت بِهِ، أم يخْتَص جَوَاز الْغَيْبَة فِي هَذِه الْمَوَاضِع المستثناة بِالْإِحْيَاءِ، يَنْبَغِي أَن ينظر فِي السَّبَب الْمُبِيح للغيبة إِن كَانَ قد انْقَطع بِالْمَوْتِ كالمصاهرة والمعاملة، فَهَذَا لَا يذكر فِي حق الْمَيِّت، لِأَنَّهُ قد انْقَطع ذَلِك بِمَوْتِهِ، وَإِن لم يَنْقَطِع ذَلِك بِمَوْتِهِ كجرح الروَاة وَكَونه يُؤْخَذ عَنهُ اعْتِقَاد أَو نَحوه فَلَا بَأْس بِذكرِهِ بِهِ ليحذر ويتجنب. وَفِيه: جَوَاز الشَّهَادَة قبل الاستشهاد. وَفِيه: اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ سَأَلَ عَن الثَّلَاثَة وَلم يسْأَل عَمَّا فَوق الْأَرْبَعَة كالخمسة مثلا. وَفِيه: أم مَفْهُوم الْعدَد لَيْسَ دَلِيلا قَطْعِيا، بل هُوَ فِي مقَام الِاحْتِمَال. ٦٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ وقولهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَراي إذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِم أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . الهُونُ هُوَ الهَوَانُ والهَوْنُ الرِّفْقُ. وقولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ وَقولُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حقية عَذَاب الْقَبْر، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى مُجَرّد وجود عَذَاب الْقَبْر دون التَّعَرُّض أَنه يَقع على الرّوح وَحده أَو عَلَيْهِ وعَلى الْبدن. وَفِي هَذَا الْبَاب خلاف مَشْهُور بَين أهل السّنة والمعتزلة، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة الثَّلَاث تَنْبِيها على ثُبُوت ذكر عَذَاب الْقَبْر فِي الْقُرْآن، وردا على من ادّعى عدم ذكره فِي الْقُرْآن، وَأَن ذكره ورد فِي أَخْبَار الْآحَاد الْآيَة الأولى هُوَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْعَام: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله، و: قَوْله تَعَالَى، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: عَذَاب الْقَبْر. قَوْله: ﴿وَلَو ترى﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . خطاب للنَّبِي، ﷺ ، وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف أَي: لرأيت أمرا عجيبا عَظِيما وَكلمَة إِذْ ظرف مُضَاف إِلَى جملَة إسمية، وَهِي قَوْله: ﴿الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُرِيد الظَّالِمين الَّذين ذكرهم من الْيَهُود والمتنبئة فَتكون اللَّام للْعهد، وَيجوز أَن تكون للْجِنْس فَيدْخل فِيهِ هَؤُلَاءِ لاشْتِمَاله، وَقَالَ غَيره: المُرَاد من الظَّالِمين هَؤُلَاءِ قوم كَانُوا أَسْلمُوا بِمَكَّة أخرجهم الْكفَّار إِلَى قتال بدر، فَلَمَّا أبصروا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ رجعُوا عَن الْإِيمَان، وَقيل: هم الَّذين قَالُوا: ﴿مَا أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ (الْأَنْعَام: ١٩) . قَوْله: ﴿فِي غَمَرَات الْمَوْت﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: فِي شدائده وَسَكَرَاته وكرباته وَهُوَ جمع غمرة، وأصل الغمرة مَا يغمر من المَاء فاستعيرت للشدة الْغَالِبَة. قَوْله: ﴿باسطوا أَيْديهم﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يبسطون إِلَيْهِم، يَقُول: هاتوا أرواحكم أخرجوها إِلَيْنَا من أجسادكم، وَهَذِه عبارَة عَن العنف فِي السِّيَاق والإلحاح وَالتَّشْدِيد فِي الإزهاق من غير تَنْفِيس، وإمهال. وَقَالَ اضحاك وَأَبُو صَالح: باسطوا أَيْديهم بِالْعَذَابِ، وروى الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . الْآيَة، قَالَ: هَذَا عِنْد الْمَوْت، والبسط: الضَّرْب، يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي عَذَاب الْقَبْر، وَهَذَا قبل الدّفن؟ قلت: هَذَا من جملَة الْعَذَاب

стр. 2386

الْوَاقِع قبل يَوْم الْقِيَامَة وَإِضَافَة الْعَذَاب إِلَى الْقَبْر لِكَثْرَة وُقُوعه على الْمَوْتَى فِي الْقُبُور، وإلَاّ فالكافر، وَمن شَاءَ الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد مَوته، وَلَو لم يدْفن، وَلَكِن هَذَا مَحْجُوب عَن الْخلق إلَاّ من شَاءَ الله تَعَالَى لحكمة اقْتَضَت ذَلِك. قَوْله: ﴿أخرجُوا أَنفسكُم﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: تَقول الْمَلَائِكَة أخرجُوا أَنفسكُم، وَذَلِكَ لِأَن الْكَافِر إِذا احْتضرَ بَشرته الْمَلَائِكَة بِالْعَذَابِ والنكال والسلاسل والجحيم وَغَضب الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَتفرق روحه فِي جسده ويعصى ويأبى الْخُرُوج، فتضر بهم الْمَلَائِكَة حَتَّى تخرج أَرْوَاحهم من أَجْسَادهم قائلين لَهُم: أخرجُوا أَنفسكُم. وَقيل: مَعْنَاهُ أخرجُوا أَنفسكُم من الْعَذَاب إِن قدرتم تقريعا لَهُم وتوبيخا. وَاخْتلف فِي النَّفس وَالروح فَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر وَأَصْحَابه: إنَّهُمَا إسمان لشَيْء وَاحِد. وَقَالَ ابْن حبيب: الرّوح هُوَ النَّفس الْجَارِي يدْخل وَيخرج لَا حَيَاة للنَّفس إلَاّ بِهِ. وَالنَّفس يألم ويلذ، وَالروح لَا يألم وَلَا يلذ، وَعَن ابْن الْقَاسِم عَن عبد الرَّحْمَن بن خلف: بَلغنِي أَن الرّوح لَهُ جَسَد ويدان ورجلان وَرَأس وعينان يسل من الْجَسَد سلاً، وَعَن ابْن الْقَاسِم: الرّوح مثل المَاء الْجَارِي. قَوْله: ﴿الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: الْيَوْم تهانون غَايَة الإهانة بِمَا كُنْتُم تكفرون على الله وتستكبرون عَن اتِّبَاع آيَاته والانقياد لرسله. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْيَوْم تُجْزونَ، يجوز أَن يُرِيدُوا وَقت الإماتة، وَمَا يُعَذبُونَ بِهِ من شدَّة النزع، وَأَن يُرِيدُوا الْوَقْت الممتد المتطاول الَّذِي يلحقهم فِيهِ الْعَذَاب فِي البرزخ وَالْقِيَامَة، وَفسّر البُخَارِيّ الْهون بقوله: هُوَ الهوان، وَهُوَ الهوان الشَّديد وَإِضَافَة الْعَذَاب إِلَيْهِ كَقَوْلِك: رجل سوء يُرِيد العراقة فِي الْهون والتمكن فِيهِ. قَوْله: (والهون الرِّفْق) أَي: الْهون، بِفَتْح الْهَاء مَعْنَاهُ الرِّفْق مَا قَالَ فِي قَوْله: ﴿الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ (الْفرْقَان: ٣٦) . أَي بِرِفْق وسكينة. الْآيَة الثَّانِيَة هِيَ قَوْله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ﴾ (التَّوْبَة: ١٠١) . أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: وَقَوله، ، بِالْجَرِّ أَيْضا عطفا على مَا قبله، وَهَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْبَرَاءَة، وَقبلهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ﴾ (التَّوْبَة: ١٠١) . وَقَالَ مُجَاهِد: مرَّتَيْنِ الْقَتْل والسبي، وَعنهُ: الْعَذَاب بِالْجُوعِ وَعَذَاب الْقَبْر، وَقيل: الفضيحة وَعَذَاب الْقَبْر، وروى الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ عَن أبي مَالك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (خطب رَسُول الله ﷺ يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ: أخرج يَا فلَان فَإنَّك مُنَافِق، واخرج يَا فلَان، فَإنَّك مُنَافِق، فَأخْرج من الْمَسْجِد نَاسا مِنْهُم فضحهم، فجَاء عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وهم يخرجُون من الْمَسْجِد فاختبىء مِنْهُم حَيَاء أَنه لم يشْهد الْجُمُعَة، وَظن أَن النَّاس قد انصرفوا، واختبأوا هم عَن عمر ظنُّوا أَنه قد علم بأمرهم، فجَاء عمر فَدخل الْمَسْجِد فَإِذا النَّاس لم يصلوا، فَقَالَ لَهُ رجل من الْمُسلمين: أبشر يَا عمر، فقد فَضَح الله الْمُنَافِقين. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَهَذَا الْعَذَاب الأول حِين أخرجهم من الْمَسْجِد، وَالْعَذَاب الثَّانِي عَذَاب الْقَبْر، وَكَذَا قَالَ الثَّوْريّ عَن السّديّ عَن أبي مَالك نَحْو هَذَا. الْآيَة الثَّالِثَة هِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وحاق بآل فِرْعَوْن﴾ (غَافِر، الْمُؤمن، ٥٤) . إِلَى قَوْله: ﴿أَشد الْعَذَاب﴾ (غَافِر، الْمُؤمن: ٥٤) . وَهِي فِي سُورَة الْمُؤمن الَّتِي تسمى بِسُورَة غَافِر أَيْضا، وَمعنى: ﴿حاق بآل فِرْعَوْن﴾ (غَافِر، الْمُؤمن: ٥٤) . يَعْنِي: نزل بهم سوء الْعَذَاب، يَعْنِي شدَّة الْعَذَاب. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وحاق بآل فِرْعَوْن مَا هموا بِهِ من تَعْذِيب الْمُسلمين، وَرجع عَلَيْهِم كيدهم، يُقَال: حاق بِهِ الشَّيْء يَحِيق، أَي: أحاطه بِهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِيق الْمَكْر السىء إلَاّ بأَهْله﴾ (فاطر: ٣٤) . وحاق بهم الْعَذَاب أَي: أحَاط بهم، وَنزل قَوْله: ﴿النَّار يعرضون﴾ (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . بدل من قَوْله: ﴿سوء الْعَذَاب﴾ (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَأَن قَائِلا يَقُول: مَا سوء الْعَذَاب؟ فَقيل: هُوَ النَّار، أَو مُبْتَدأ وَخَبره: ﴿يعرضون عَلَيْهَا﴾ (غَافِر الْمُؤمن: ٥٤) . وعرضهم عَلَيْهَا إحراقهم بهَا، يُقَال: عرض الْأُسَارَى على السَّيْف إِذا قَتلهمْ بِهِ، وقرىء: النَّار، بِالنّصب وَتَقْدِيره: يدْخلُونَ النَّار يعرضون عَلَيْهَا، وَيجوز أَن ينْتَصب على الِاخْتِصَاص. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يعرضون يَعْنِي: أَرْوَاحهم على النَّار غدوا وعشيا، يَعْنِي: فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ. وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد، وَقَتَادَة، وَقَالَ مقَاتل: تعرض روح كل كَافِر على مَنَازِلهمْ من النَّار كل يَوْم مرَّتَيْنِ، وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي: الْآيَة تدل على عَذَاب الْقَبْر، لِأَنَّهُ ذكر دُخُولهمْ النَّار يَوْم الْقِيَامَة، وَذَلِكَ أَنه يعرض عَلَيْهِم النَّار قبل ذَلِك غدوا وعشيا. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن فِي أَجْوَاف طير سود تعرض على النَّار مرَّتَيْنِ، يُقَال لَهُم: هَذِه داركم. وَقَالَ مُجَاهِد: غدوا وعشيا من أَيَّام الدُّنْيَا، وَقَالَ الْفراء: لَيْسَ فِي الْقِيَامَة غدو وَلَا عشي، لَكِن مِقْدَار ذَلِك، وَيرد عَلَيْهِ قَوْله: ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة﴾ (غَافِر وَالْمُؤمن: ٥٤) . فَدلَّ على أَن الأول بِمَنْزِلَة عَذَاب الْقَبْر، وَحَدِيث الْبَراء مُفَسّر لِلْآيَةِ، قَوْله: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة﴾ (غَافِر الْمُؤمن: ٥٤) . يَعْنِي: يُقَال لَهُم يَوْم الْقِيَامَة: أدخلُوا آل فِرْعَوْن. قَرَأَ ابْن كثير وَابْن عَامر وَأَبُو عمر: وادخلوا، بِضَم

стр. 2387

الْهمزَة، وَهَكَذَا قَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الْهمزَة، فَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاه: أدخلُوا يَا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب، فَصَارَ الْآل نصبا بالنداء، وَمن قَرَأَ: أدخلُوا، بِفَتْح الْهمزَة، فَمَعْنَاه يُقَال للخزنة: أدخلُوا آل فِرْعَوْن، يَعْنِي قوم فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب، يَعْنِي أَشد الْعقَاب، وَصَارَ الْآل نصبا لوُقُوع الْفِعْل عَلَيْهِ. ٩٦٣١ - حدَّثنا حفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِي ﷺ . قَالَ إذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أنْ لَا إِلَه إلَاّ الله وأنَّ مُحَمَّدا رسولُ الله فَذالِكَ قولُهُ ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . (الحَدِيث ٩٦٣١ طرفه فِي: ٩٩٦٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أصل الحَدِيث فِي عَذَاب الْقَبْر، كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن مُحَمَّد بن بشار. وفيهَا: وَزَاد ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا﴾ (ابراهيم: ٧٢) . نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث الحوضي النمري الْأَزْدِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَلْقَمَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام: ابْن مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة. الرَّابِع: سعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مر فِي آخر الْوضُوء. الْخَامِس: الْبَراء، بتَخْفِيف الرَّاء: ابْن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ بَصرِي وَشعْبَة واسطي وعلقمة وَسعد كوفيان. وَفِيه: شُعْبَة عَن عَلْقَمَة مُعَنْعَن، وَفِي التَّفْسِير صرح بالإخبار عَنهُ، وَكَذَلِكَ صرح أَيْضا بِالسَّمَاعِ بَين عَلْقَمَة وَسعد. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز: عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي التَّفْسِير: عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن بنْدَار بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن أبي الْوَلِيد بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز وَفِي التَّفْسِير. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد جَمِيعًا عَن بنْدَار بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أُتِي) ، بِضَم الْهمزَة أَي حَال كَونه مأتيا إِلَيْهِ، والآتي الْملكَانِ: مُنكر وَنَكِير. قَوْله: (ثمَّ شهد) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (ثمَّ تشهد) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي خَليفَة عَن حَفْص بن عمر شيخ البُخَارِيّ: (إِن الْمُؤمن إِذا شهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله وَعرف مُحَمَّدًا فِي قَبره فَذَلِك قَوْله: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . وَأخرجه ابْن مرْدَوَيْه من هَذَا الْوَجْه وَغَيره بِلَفْظ: (إِن النَّبِي ﷺ ذكر عَذَاب الْقَبْر، فَقَالَ: إِن الْمُسلم إِذا شهد أَن لَا إلاه إلَاّ الله وَعرف أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) الحَدِيث. قَوْله: (فَذَلِك قَوْله) ، يَعْنِي: قَول الْمُؤمن لَا إلاه إلَاّ الله، هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . وَالْقَوْل الثَّابِت هُوَ كلمة التَّوْحِيد لِأَنَّهَا راسخة فِي قلب الْمُؤمن. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه، ﴿وَيثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . لَا إلاه إلَاّ الله، وَفِي الْآخِرَة قَالَ: الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر) . وَقَالَ قَتَادَة: أما الْحَيَاة الدُّنْيَا فيثبتهم بِالْخَيرِ وَالْعَمَل الصَّالح، وَفِي الْآخِرَة فِي الْقَبْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن غير وَاحِد من السّلف، وَذكر ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ: عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ( ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ ) (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: ذَلِك إِذا قيل لَهُ فِي الْقَبْر: من رَبك؟ وَمَا دينك؟ وَمن نبيك؟ فَيَقُول: رَبِّي الله، وديني الْإِسْلَام، ونبيي مُحَمَّد جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله، فآمنت بِهِ وصدقت. فَيُقَال: صدقت، على هَذَا عِشْت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث) . وَقَالَ أَيْضا قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي خَيْثَمَة عَن الْبَراء فِي قَوْله: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: عَذَاب الْقَبْر.

стр. 2388

٠٧٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنِ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ بِهاذا وَزَادَ ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. هَذَا طَرِيق آخر للْبُخَارِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر غير مرّة، وَفِيه زِيَادَة أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: وَزَاد. . إِلَى آخِره، وبهذه الزِّيَادَة أخرجه مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار بن عُثْمَان الْعَبْدي حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سعد بن عُبَيْدَة (عَن الْبَراء بن عَازِب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . قَالَ: نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر) . ٠٧٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثَنِي أبي عنْ صَالِحٍ قَالَ حدَّثني نافِعٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخبرهُ قَالَ اطَّلَعَ النبيُّ ﷺ عَلَى أهْلِ القَلِيبِ فَقَالَ ﴿وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٤) . فَقِيلَ لَهُ أتَدْعُو أمْوَاتا فَقَالَ مَا أنْتُمْ بِأسْمَعَ منْهُمْ وَلاكِنْ لَا يُجِيبُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ شَاهد أهل القليب، قليب بدر، وهم يُعَذبُونَ فَلذَلِك قَالَ: ﴿وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٤) . يَعْنِي: من الْعَذَاب فِي الْقَبْر قبل يَوْم الْقِيَامَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ. الثَّالِث: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ فَإِن صَالحا رأى عبد الله بن عمر، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ: مَاتَ: بعد الْأَرْبَعين وَالْمِائَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي: حَدثنِي عُثْمَان حَدثنَا عَبدة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (وقف النَّبِي ﷺ على قليب بدر، فَقَالَ: هَل ﴿وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ... ﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٤) . الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن أبي كريب وَأبي بكر ابْن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إطلع) أَي: شَاهد أهل القليب، وَحضر عِنْدهم وهم: أَبُو جهل بن هِشَام وَأُميَّة بن خلف وَعتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة واطلع عَلَيْهِ وهم مقتولون فَقَالَ مَا قَالَ، ثمَّ أَمرهم فسحبوا فَألْقوا فِي قليب بدر، والقليب، بِفَتْح الْقَاف وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: وَهُوَ الْبِئْر قبل أَن يطوى، يذكر وَيُؤَنث، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ الْبِئْر العادية الْقَدِيمَة وَجمع الْقلَّة: أقلبة، وَالْكثير: قلب، بِضَمَّتَيْنِ وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا: قليب بدر، وَبَينه فِي الحَدِيث بقوله: (قليب بدر) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ بدل عَن قَوْله: (أهل القليب) . قَوْله: (وهم يُعَذبُونَ) جملَة حَالية، وَلما رَآهُمْ وهم يُعَذبُونَ قَالَ ﷺ : (وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٤) . قَوْله: (فَقيل لَهُ) أَي: للنَّبِي ﷺ ، وَالْقَائِل هُوَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم فِي رِوَايَة أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن رَسُول الله ﷺ ترك قَتْلَى بدر ثَلَاثًا، ثمَّ أَتَاهُم فَقَامَ عَلَيْهِم فناداهم، فَقَالَ: يَا أَبَا جهل ابْن هِشَام يَا أُميَّة بن خلف يَا عتبَة بن ربيعَة يَا شيبَة بن ربيعَة أَلَيْسَ قد وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا؟ فَإِنِّي قد وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًا، فَسمع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَول النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ يسمعوا وأنى يجيبوا وَقد جيفوا؟ فَقَالَ ﷺ : (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم. وَلَكنهُمْ لَا يقدرُونَ أَن يجيبوا ثمَّ أَمر بهم فسحبوا فَألْقوا فِي قليب بدر) . قَوْله (وَلَكِن لَا يجيبون) أَي لَا يقدرُونَ على الْجَواب فَعلم أَن فِي الْقَبْر حَيَاة فيصلح الْعَذَاب فِيهِ ١٧٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَام بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّمَا قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أنَّ مَا كُنْتُ أقُولُ حَقٌّ وقَدْ

стр. 2389

قَالَ الله تَعَالَى إنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّهُم يعلمُونَ الْآن أَن مَا كنت أَقُول حق) ، وَالَّذِي كَانَ يَقُوله هُوَ من عَذَاب الْقَبْر وَغَيره. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر حَدِيث ابْن عمر وَحَدِيث عَائِشَة وهما متعارضان فِي تَرْجَمَة عَذَاب الْقَبْر؟ قلت: لما ثَبت من سَماع أهل القليب كَلَامه وتوبيخه لَهُم دلّ إدراكهم كَلَامه بحاسة السّمع على جَوَاز إدراكهم ألم الْعَذَاب بِبَقِيَّة الْحَواس فَحسن ذكرهمَا فِي هَذِه التَّرْجَمَة ثمَّ التَّوْفِيق بَين الْخَبَرَيْنِ أَن حَدِيث ابْن عمر مَحْمُول على أَن مُخَاطبَة أهل القليب كَانَت وَقت المساءلة ووقتها وَقت إِعَادَة الرّوح إِلَى الْجَسَد وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الْأُخْرَى أَن الْكَافِر المسؤول يعذب، وَأَن حَدِيث عَائِشَة مَحْمُول على غير وَقت المساءلة، فَبِهَذَا يتَّفق الخبران. ذكر رِجَاله: وهم قد ذكرُوا، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة إِبْرَاهِيم الْكُوفِي وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَفِي سَنَده التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ ، جَاءَ بِلَفْظ: إِنَّمَا، وَهِي للحصر، قَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ حَدِيث (مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهُم) لم يثبت عِنْدهَا، ومذهبها أَن أهل الْقُبُور يعلمُونَ مَا سمعُوا قبل الْمَوْت وَلَا يسمعُونَ بعد الْمَوْت. انْتهى. قلت: هَذَا من عَائِشَة يدل على أَنَّهَا ردَّتْ رِوَايَة ابْن عمر الْمَذْكُورَة، وَلَكِن الْجُمْهُور خالفوها فِي ذَلِك وقبلوا حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لموافقة من رَوَاهُ غَيره عَلَيْهِ. وَقَالَ السُّهيْلي: عَائِشَة لم تحضر قَول النَّبِي ﷺ ، فغيرها مِمَّن حضر أحفظ للفظ النَّبِي ﷺ : وَقد قَالُوا: يَا رَسُول الله أتخاطب قوما قد جيفوا؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم، قَالَ: وَإِذا جَازَ أَن يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَال عَالمين، جَازَ أَن يَكُونُوا سَامِعين أيا مَا كَانَ روسهم، كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور، أَو يَأْذَن الرّوح على رَأْي من يُوَجه السُّؤَال إِلَى الرّوح من غير رُجُوع الْجَسَد. قَالَ: وَأما الْآيَة فَإِنَّهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أفأنت تسمع الصم أَو تهدي الْعمي﴾ (الزخرف: ٠٤) . أَي: إِن الله هُوَ الَّذِي يسمع وَيهْدِي. وَقَالَ ابْن التِّين: لَا مُعَارضَة بَين حَدِيث ابْن عمر وَالْآيَة، لِأَن الْمَوْتَى لَا يسمعُونَ، لَا شكّ، لَكِن إِذا أَرَادَ الله إسماع مَا لَيْسَ من شَأْنه السماع لم يمْتَنع، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة ... ﴾ (الْأَحْزَاب: ٢٧) . الْآيَة. وَقَوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا﴾ (فصلت: ١١) . الْآيَة وَإِن النَّار اشتكت إِلَى رَبهَا، وَيكون معنى قَوْله: ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ (النَّمْل: ٠٨) . مثل قَوْله: ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ (الْقَصَص: ٦٥) . ثمَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ (النَّمْل: ٠٨) . فِي سُورَة النَّمْل، وَقَبله: ﴿فتوكل على الله إِنَّك على الْحق الْمُبين إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء إِذا ولوا مُدبرين﴾ (النَّمْل: ٩٧ و ٠٨) . قَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، ﵀: هَذَا مثل ضربه للْكفَّار، فَكَمَا أَنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى فَكَذَلِك لَا تفقه كفار مَكَّة وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء، قَرَأَ ابْن كثير: وَلَا يسمع الصم، بِفَتْح الْيَاء وبضم الصم، على أَنه فَاعل: لَا يسمع، وَالْبَاقُونَ: وَلَا تسمع، بِالْخِطَابِ وَنصب: الصم، على المفعولية، والصم جمع: الْأَصَم. قَوْله: ﴿إِذا ولوا مُدبرين﴾ (النَّمْل: ٠٨) يَعْنِي إِذا عرضوا عَن الْحق مكدبين وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ (إِذا ولوا مُدبرين) . تَأْكِيد لحَال الْأَصَم، لِأَنَّهُ إِذا تبَاعد عَن الدَّاعِي بِأَن تولى عَنهُ مُدبرا كَانَ أبعد عَن إِدْرَاك صَوته. ٢٧٣١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ شُعْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ الأشْعَثَ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ يهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ فقالَتْ لَهَا أعَاذَكِ الله مِنْ عَذَابِ القبْرِ فَسَألَتْ عائِشَةُ رسولَ الله ﷺ عنْ عَذَابِ القَبْرِ فَقَالَ نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَمَا رأيْتُ رسولَ الله ﷺ بَعْدُ صلَى صَلَاةً إلَاّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عَبْدَانِ، لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: أَبوهُ عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد، واسْمه ثَابت. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: الْأَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو الشعْثَاء بِالْمدِّ، واسْمه: سليم بن الْأسود الْمحَاربي. السَّادِس: مَسْرُوق بن الأجدع بِالدَّال. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة

стр. 2390

فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث: سَمِعت أبي. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب فِي موضِعين. وَفِيه: شَيْخه مَذْكُور بلقبه وَأَنه مروزي أَصله من الْبَصْرَة، وَأَبوهُ بَصرِي وَشعْبَة واسطي وَالثَّلَاثَة الْبَقِيَّة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية، فَإِن أَبَا الشعْثَاء روى عَن حديفة وَأبي هُرَيْرَة. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هناد عَن أبي الْأَحْوَص، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن ابْن بشار عَن غنْدر، وَلم يذكر قصَّة الْيَهُودِيَّة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ: نعم عَذَاب الْقَبْر حق) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (عَذَاب الْقَبْر) فَقَط بِدُونِ لفظ حق، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لَيست بجيدة لِأَن المُصَنّف قَالَ عقيب هَذَا الطَّرِيق: زَاد غنْدر (عَذَاب الْقَبْر حق) ، فَبين أَن لَفْظَة: حق، لَيست فِي رِوَايَة عَبْدَانِ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة، وَأَنَّهَا ثَابِتَة فِي رِوَايَة غنْدر يَعْنِي عَن شُعْبَة وَهُوَ كَذَلِك، وَقد أخرج طَرِيق غنْدر النَّسَائِيّ والإسماعيلي كَذَلِك. قلت: قَوْله: (زَاد غنْدر: عَذَاب الْقَبْر حق) لَيْسَ بموجود فِي كثير من النّسخ، وَلَئِن سلمنَا وجود هَذَا فَلَا نسلم أَنه يسْتَلْزم حذف الْخَبَر، مَعَ أَن الأَصْل ذكر الْخَبَر، وَكَيف يَنْفِي الْجَوْدَة من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي مَعَ كَونهَا على الأَصْل؟ فَمَاذَا يلْزم من الْمَحْذُور إِذا ذكر الْخَبَر فِي الرِّوَايَات كلهَا. قَوْله: (بعد) ، مَبْنِيّ على الضَّم، أَي: بعد ذَلِك. قَوْله: (إلَاّ تعوذ) أَي: إلَاّ صَلَاة تعوذ فِيهَا، وَقد تقدم فِي: بَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، فِي الْكُسُوف من طَرِيق عمْرَة (عَن عَائِشَة أَن يَهُودِيَّة جَاءَت تسألها، فَقَالَت لَهَا: أَعَاذَك الله من عَذَاب الْقَبْر؟ فَسَأَلت عَائِشَة رَسُول الله، ﷺ ، أيعذب النَّاس فِي قُبُورهم؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عائذا بِاللَّه من ذَلِك، ثمَّ ركب ذَات غَدَاة مركبا فخسفت الشَّمْس) الحَدِيث وَوَقع عِنْد البُخَارِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي وَائِل عَن مَسْرُوق، فِي الدَّعْوَات (دخل عجوزان عَن عجز يهود الْمَدِينَة، فَقَالَتَا: إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم) ، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ من حَيْثُ إِن إِحْدَاهمَا تَكَلَّمت وأقرتها الْأُخْرَى، على ذَلِك، فنسب القَوْل إِلَيْهِمَا مجَازًا. فَإِن قلت: روى مُسلم من طَرِيق ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: دخلت على امْرَأَة من الْيَهُود وَهِي تَقول: هَل شَعرت أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور؟ قَالَت: فارتاع رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ: إِنَّمَا تفتن يهود، قَالَت عَائِشَة: فلبثنا ليَالِي، ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ : هَل شَعرت أَنه أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور؟ قَالَت عَائِشَة: فَسمِعت رَسُول الله ﷺ يستعيذ من عَذَاب الْقَبْر) ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة مُخَالفَة للرواية الأولى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: هما قضيتان سمع الْيَهُودِيَّة فَقَالَ: إِنَّمَا تفتن الْيَهُود، ثمَّ أعلم بذلك وَلم يعلم عَائِشَة، فَجَاءَت الْيَهُودِيَّة مرّة أُخْرَى فَذكرت لعَائِشَة ذَلِك فأنكرت عَلَيْهَا مستندة إِلَى الْإِنْكَار الأول، فأعلمها النَّبِي ﷺ بِأَن الْوَحْي نزل بإثباته. وَقَالَ الْكرْمَانِي، ﵀: يحْتَمل أَنه كَانَ يتَعَوَّذ قبل ذَلِك سرا. وَلما رأى استغرابها حَيْثُ سَمِعت من الْيَهُودِيَّة أعلن ليترسخ ذَلِك فِي عقائد أمته ويكونوا على حذر من فتنته. قلت: كَأَنَّهُ لم يطلع على رِوَايَة ابْن شهَاب الْمَذْكُورَة من (صَحِيح مُسلم) فَلذَلِك ذكر مَا ذكره بِالِاحْتِمَالِ، وَوَقع صَرِيحًا بِأَنَّهُ ﷺ ، لم يكن عِنْده علم بِعَذَاب الْقَبْر لهَذِهِ الْأمة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ: عَن سعيد بن عَمْرو بن سعيد الْأمَوِي (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن يَهُودِيَّة كَانَت تخدمها فَلَا تصنع عَائِشَة إِلَيْهَا شَيْئا من الْمَعْرُوف إلَاّ قَالَت لَهَا الْيَهُودِيَّة: وقاك الله تَعَالَى عَذَاب الْقَبْر، قَالَت: فَقلت: يَا رَسُول الله! هَل للقبر عَذَاب؟ قَالَ: كذبت يهود، لَا عَذَاب دون يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ مكث بعد ذَلِك مَا شَاءَ الله أَن يمْكث، فَخرج ذَات يَوْم نصف النَّهَار وَهُوَ يُنَادي بِأَعْلَى صَوته: أَيهَا النَّاس استعيذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر، فَإِن عَذَاب الْقَبْر حق) . وَفِي هَذَا كُله أَنه ﷺ إِنَّمَا علم بِحكم عَذَاب الْقَبْر إِذْ هُوَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخر الْأَمر. فَإِن قلت: الْآيَة، أَعنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . مَكِّيَّة، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ (غَافِر: ٦٤) . قلت: أُجِيب بِأَن عَذَاب الْقَبْر يُؤْخَذ من الْآيَة الأولى بطرِيق الْمَفْهُوم فِي حق من لم يَتَّصِف بِالْإِيمَان، وَكَذَا بالمنطوق وَفِي الْآيَة الثَّانِيَة فِي حق آل فِرْعَوْن، والتحق بهم من كَانَ لَهُ حكمهم من الْكفَّار، فَالَّذِي أنكرهُ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا هُوَ وُقُوع عَذَاب الْقَبْر على الْمُوَحِّدين، ثمَّ أعلم ﷺ أَن ذَلِك قد يَقع على من شَاءَ الله مِنْهُم، فَجزم بِهِ وحذر مِنْهُ وَبَالغ فِي الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ، تَعْلِيما لأمته، وإرشادا، فَزَالَ التَّعَارُض، وَالله أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن عَذَاب الْقَبْر حق وَأَنه لَيْسَ بخاص بِهَذِهِ الْأمة. وَفِيه: جَوَاز التحدث عَن أهل الْكتاب

стр. 2391

إِذا وَافق قَول الرَّسُول، ﷺ . وَفِيه: التَّوَقُّف عَن خبرهم حَتَّى يعرف أصدق هُوَ أم كذب. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر عقيب الصَّلَاة لِأَنَّهُ وَقت إِجَابَة الدعْوَة. وَفِيه: جَوَاز دُخُول الْيَهُودِيَّة عِنْد المسلمات. وَفِي حَدِيث أَحْمد، جَوَاز اسْتِخْدَام أهل الذِّمَّة. ٣٧٣١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ قَالَ أَخْبرنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ أسْمَاءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا تَقُولُ قامَ رَسولُ الله ﷺ خَطِيبا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ فَلَمَّا ذَكَرَ ذالِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً زَادَ غُنْدَرٌ عَذَابُ القَبْرِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فتْنَة الْقَبْر أَعم من المساءلة وَغَيرهَا من الْعَذَاب، بل عين المساءلة عَذَاب فِي حق الْكفَّار، وَلِهَذَا أخرج النَّسَائِيّ أَيْضا هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، قَالَ: أخبرنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس، قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَنه سمع أَسمَاء بنت أبي بكر تَقول: (قَامَ رَسُول الله ﷺ فَذكر فتْنَة الْقَبْر الَّتِي يفتتن الْمَرْء فِيهَا فِي قَبره، فَلَمَّا ذكر ذَلِك ضج الْمُسلمُونَ ضجة حَالَتْ بيني وَبَين أَن أفهم رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا سكتت ضجتهم قلت لرجل قريب عني: أَي بَارك الله فِيك، مَاذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي آخر قَوْله؟ قَالَ: قد أُوحِي إِلَيّ إِنَّكُم تفتنون فِي الْقُبُور قَرِيبا من فتْنَة الدَّجَّال) . وَأخرجه البُخَارِيّ كَمَا ترَاهُ مُخْتَصرا عَن يحيى بن سُلَيْمَان أبي سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزيل مصر عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ الْمدنِي عَن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام إِلَى آخِره. قَوْله: (خَطِيبًا) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (الَّتِي تفتتن) صفة للفتنة، يَعْنِي ذكر الْفِتْنَة بتفاصيلها كَمَا يجْرِي على الْمَرْء فِي قَبره، وَمن ثمَّة ضج الْمُسلمُونَ وصاحوا وجزعوا، والتنوين فِي ضجة، للتعظيم. قَوْله: (زَاد غنْدر: عَذَاب الْقَبْر) ، غنْدر، بِضَم الْغَيْن: وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر غير مرّة. قيل: وَقع: زَاد غنْدر، فِي بعض النّسخ عقيب حَدِيث أَسمَاء وَهُوَ غلط. قلت: دَعْوَى الْغَلَط بِلَا دَلِيل غلط، فَإِن كَانَ دَلِيله أَن غندرا إِنَّمَا رَوَاهُ عَن شُعْبَة، وَحَدِيث أَسمَاء لَيْسَ فِيهِ عَن شُعْبَة، فَنَقُول: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن رِوَايَة غنْدر عَن شُعْبَة لَا تَسْتَلْزِم نفي رِوَايَته عَن غَيره فِي حَدِيث أَسمَاء، فَافْهَم. ٤٧٣١ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ حدَّثَهُمْ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إنَّ العَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وتَوَلَّى عَنْهُ أصْحَابُهُ وَإنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ مَا كُنْتُ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فأمَّا المؤْمِنُ فَيَقُولُ أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أبْدَلَكَ الله بِهِ مَقْعَدا مِنَ الجنَّةِ فَيَراهُمَا جَمِيعا. قَالَ قَتَادَةُ وذُكِرَ لَنَا أنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أنَسٍ قَالَ وَأمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هاذا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أدْرِي كُنْتُ أقُولُ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ. (أنظر الحَدِيث ٨٣٣١) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيضْرب بمطارق من حَدِيد) ، إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه: عَن عَيَّاش عَن عبد الْأَعْلَى عَن سعيد عَن قَتَادَة. . إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا أَيْضا عَن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة، عَن عبد الْأَعْلَى كَذَلِك عَن سعيد بن أبي عرُوبَة كَذَلِك إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

стр. 2392

ذكر مَعْنَاهُ: نذْكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ لزِيَادَة فَائِدَة. قَوْله: (ليسمع قرع نعَالهمْ) زَاد مُسلم: (إِذا انصرفوا) ، قَوْله: (فَيُقْعِدَانِهِ) ، زَاد فِي حَدِيث الْبَراء: (فتعاد روحه فِي جسده) . قَوْله: (لمُحَمد) بَيَان من الرَّاوِي أَي: لأجل مُحَمَّد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل؟) وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث عَائِشَة: (مَا هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم؟) قَوْله: (أنظر إِلَى مَقْعَدك من النَّار) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَيُقَال لَهُ: هَذَا بَيْتك كَانَ فِي النَّار، وَلَكِن الله عصمك ورحمك فأبدلك بِهِ بَيْتا فِي الْجنَّة، فَيَقُول لَهُم: دَعونِي حَتَّى أذهب فأبشر أَهلِي فَيُقَال لَهُ: أسكت) . وَفِي حَدِيث أبي سعيد عَن أَحْمد: (كَانَ هَذَا مَنْزِلك لَو كفرت بِرَبِّك) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِإِسْنَاد صَحِيح: (فَيُقَال لَهُ: هَل رَأَيْت الله؟ فَيَقُول: مَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرى الله، فيفرج الله لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا فيحطم بَعْضهَا بَعْضًا. فَيُقَال لَهُ: أنظر إِلَى مَا وقاك الله) . قَوْله: (وَذكر لنا) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، قَوْله: (يفسح لَهُ فِي قَبره) كلمة فِي، زَائِدَة، إِذْ الأَصْل: يفسح لَهُ فِي قَبره، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شَيبَان عَن قَتَادَة: (سَبْعُونَ ذِرَاعا، ويملأ خضرًا إِلَى يَوْم يبعثُون) ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (سبعين ذِرَاعا فِي سبعين ذِرَاعا) ، وَله من وَجه آخر: عَن أبي هُرَيْرَة: (ويرحب لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا وينور لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر) . وَفِي حَدِيث طَوِيل للبراء: (فينادي منادٍ من السَّمَاء أَن: صدق عَبدِي فافرشوه من الْجنَّة، وافتحوا لَهُ بَابا فِي الْجنَّة، والبسوه من الْجنَّة. قَالَ: فيأتيه من رِيحهَا وطيبها، ويفسح لَهُ مد بَصَره) . وَزَاد ابْن حبَان من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة: (فَيَزْدَاد غِبْطَة وسرورا فيعاد الْجلد إِلَى مَا بدا مِنْهُ، وَيجْعَل روحه فِي نسم طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة) . قَوْله: (وَأما الْمُنَافِق وَالْكَافِر) ، كَذَا بواو الْعَطف فِي هَذِه الطَّرِيق، وَتقدم فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال: وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق بِالشَّكِّ، وَفِي حَدِيث أبي دَاوُد: (وَأَن الْكَافِر إِذا وضع) ، وَعند أَحْمد فِي حَدِيث أبي سعيد: (وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو منافقا) بِالشَّكِّ، وَله فِي حَدِيث أَسمَاء: (فَإِن كَانَ فَاجِرًا أَو كَافِرًا) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيثهَا: (وَأما الْمُنَافِق أَو المرتاب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن جَابر، وَعند التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: (وَأما الْمُنَافِق) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمد وَأبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن مَاجَه: (وَأما الرجل السوء) ، وللطبراني من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (وَإِن كَانَ من أهل الشَّك) . قَوْله: (كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس) ، وَفِي حَدِيث أَسمَاء: (سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته) ، وَكَذَا فِي أَكثر الْأَحَادِيث. قَوْله: (وَلَا تليت) أَي: وَلَا تَلَوت، أَي: لَا فهمت وَلَا قَرَأت الْقُرْآن، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَوْله: (بمطارق حَدِيد) جمع مطرقة، وَكَذَا فِي: بَاب خَفق النِّعَال، بِالْإِفْرَادِ. والمطارق: مُضَاف إِلَى حَدِيد مثل: خَاتم فضَّة، ويروى: (بمطارق من حَدِيد) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه الْجمع للإيذان بِأَن كل جُزْء من أَجزَاء تِلْكَ المطرقة مطرقة برأسها مُبَالغَة. قَوْله: (يسْمعهَا من يَلِيهِ) قَالَ الْمُهلب: المُرَاد الْمَلَائِكَة الَّذين يلون فتنته. قلت: لَا وَجه لتخصيصه بِالْمَلَائِكَةِ، فقد ثَبت أَن الْبَهَائِم تسمعه، وَفِي حَدِيث الْبَراء: (يسْمعهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب) ، وَفِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد أَحْمد، رَحمَه الله تَعَالَى (يسمعهُ خلق الله كلهم غير الثقلَيْن) ، وَيدخل فِي هَذَا، وَفِي حَدِيث الْبَراء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْحَيَوَان والجماد، لَكِن يُمكن أَن يخص مِنْهُ الجماد لما فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الْبَزَّار، رَحمَه الله تَعَالَى: (يسمعهُ كل دَابَّة إلَاّ الثقلَيْن) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر، وَأَنه وَاقع على الْكفَّار وَمن شَاءَ الله من الْمُؤمنِينَ. فَإِن قلت: المساءلة عَامَّة على جَمِيع الْأُمَم أم على أمة مُحَمَّد، ﷺ ؟ فَذهب الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ إِلَى أَنَّهَا تخْتَص بِهَذِهِ الْأمة، وَقَالَ: كَانَت الْأُمَم قبل هَذِه الْأمة تأتيهم الرُّسُل، فَإِن أطاعوا فَذَاك، وَإِن أَبَوا اعتزلوهم وعوجلوا بِالْعَذَابِ، فَلَمَّا أرسل الله مُحَمَّدًا، ﷺ ، رَحْمَة للْعَالمين أمسك عَنْهُم الْعَذَاب، وَقبل الْإِسْلَام مِمَّن أظهره سَوَاء أسر الْكفْر أَو لَا، فَلَمَّا مَاتُوا قيض الله لَهُم فتاني الْقَبْر ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الْخَبيث من الطّيب، وَيثبت الَّذين آمنُوا ويضل الظَّالِمين. انْتهى. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: (إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها) الحَدِيث أخرجه مُسلم وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا قَول الْملكَيْنِ: مَا تَقول فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد؟ وَحَدِيث عَائِشَة أَيْضا عِنْد أَحْمد بِلَفْظ: وَأما فتْنَة الْقَبْر فِي يفتنون وعني يسْأَلُون) وَذهب ابْن الْقيم إِلَى عُمُوم المساءلة، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث مَا يَنْفِي المساءلة عَمَّن تقدم من الْأُمَم، وَإِنَّمَا أخبر

стр. 2393

النَّبِي ﷺ أمته بكيفية إمتحانهم فِي الْقُبُور، لَا أَنه نفى ذَلِك عَن غَيرهم، قَالَ: وَالَّذِي يظْهر أَن كل نَبِي مَعَ أمته كَذَلِك، فيعذب كفارهم فِي قُبُورهم بعد سُؤَالهمْ وَإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم، كَمَا يُعَذبُونَ فِي الْآخِرَة بعد السُّؤَال وَإِقَامَة الْحجَّة. وَحكى فِي مساءلة الْأَطْفَال احْتِمَالا. قلت: ذكر أَصْحَابنَا أَنهم يسْأَلُون وَقَطعُوا بذلك، وَقَالَ ابْن الْقيم: السُّؤَال للْكَافِرِ وَالْمُسلم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) . وَفِي حَدِيث أنس فِي البُخَارِيّ: (وَأما الْمُنَافِق وَالْكَافِر) ، بواو الْعَطف، وَفِي حَدِيث أبي سعيد: (فَإِن كَانَ مُؤمنا) فَذكره، وَفِيه: (وَإِن كَانَ كَافِرًا) . وَقَالَ ابْن عبد الْبر: الْآثَار تدل على أَن الْفِتْنَة لمن كَانَ مَنْسُوبا إِلَى أهل الْقبْلَة، وَأما الْكَافِر الجاحد فَلَا يسْأَل، ورد بِأَنَّهُ نفي بِلَا دَلِيل، بل فِي الْكتاب الْعَزِيز الدّلَالَة على أَن الْكَافِر يسْأَل عَن دينه، قَالَ تَعَالَى: ﴿فلنسألن الَّذين أرسل إِلَيْهِم ولنسألن الْمُرْسلين﴾ (الْأَعْرَاف: ٦) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ﴾ (الْحجر: ٢٩) . قلت: لقَائِل أَن يَقُول: المُرَاد من هَذَا السُّؤَال يحْتَمل أَن يكون فِي الْآخِرَة. وَفِيه: ذمّ التَّقْلِيد فِي الاعتقادات لمعاقبة من قَالَ: كنت أسمع النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته. وَفِيه: أَن الْمَيِّت يحيى فِي قَبره للمساءلة، خلافًا لمن رده، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. ٧٨ - (بابُ التَّعَوَّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، وَكَيْفِيَّة التَّعَوُّذ، وإلَاّ فأحاديث هَذَا الْبَاب دَاخِلَة فِي الْحَقِيقَة فِي الْبَاب الَّذِي قبله. ٥٧٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثني عَوْنُ بنُ أبِي جُحَيْفَةَ عنْ أبِيهِ عنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ عنْ أبِي أيُّوبَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَالَ خَرَجَ النبيُّ ﷺ وقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صَوْتا فقالَ يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا. قيل: لَا مُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث فِي بَيَان ثُبُوت عَذَاب الْقَبْر، والترجمة فِي التَّعَوُّذ مِنْهُ، حَتَّى قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا أدخلهُ فِي هَذَا الْبَاب بعض من نسخ الْكتاب وَلم يُمَيّز. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْعَادة قاضية بِأَن كل من سمع مثل ذَلِك الصَّوْت يتَعَوَّذ من مثله، أَو تَركه اختصارا. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد، يعرف بالزمن الْعَنْبَري. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: عون بن أبي جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْأَحْمَر. لخامس: أَبوهُ أَبُو جُحَيْفَة الصَّحَابِيّ واسْمه: وهب بن عبد الله السوَائِي. السَّادِس: الْبَراء بن عَازِب السَّابِع: أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، واسْمه: خَالِد بن زيد. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَيحيى كُوفِي وَشعْبَة واسطي وَعون كُوفِي وَالثَّلَاثَة الْبَاقِيَة صحابيون يروي بَعضهم عَن بعض. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي صفة أهل النَّار عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن أبي قدامَة عَن يحيى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج النَّبِي ﷺ أَي: من الْمَدِينَة إِلَى خَارِجهَا. قَوْله: (وَقد وَجَبت الشَّمْس) ، جملَة حَالية، وَقد علم أَن الْجُمْلَة الفعلية الْمَاضِيَة إِذا وَقعت حَالا فَلَا بُد من لَفْظَة: قد، صَرِيحَة أَو مقدرَة. وَمعنى: وَجَبت: سَقَطت، وَالْمرَاد أَنَّهَا غربت. قَوْله: (فَسمع صَوتا) ، يحْتَمل أَن يكون صَوت مَلَائِكَة الْعَذَاب، أَو صَوت الْيَهُود الْمُعَذَّبين، أَو صَوت وَقع الْعَذَاب، وَقد وَقع عِنْد الطَّبَرَانِيّ: أَنه صَوت الْيَهُود، رَوَاهُ من طَرِيق عبد الْجَبَّار بن الْعَبَّاس عَن عون بِهَذَا السَّنَد، وَلَفظه: (خرجت مَعَ النَّبِي ﷺ حِين غربت الشَّمْس وَمَعِي كوز من مَاء، فَانْطَلق لِحَاجَتِهِ حَتَّى جَاءَ فوضأته فَقَالَ: ألم تسمع مَا أسمع؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: أسمع أصوات الْيَهُود يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَوت الْمَيِّت من الْعَذَاب يسمعهُ غير الثقلَيْن، فَكيف سمع ذَلِك؟ ثمَّ أجَاب بقوله: هُوَ فِي الضجة الْمَخْصُوصَة وَهَذَا غَيرهَا، أَو سَماع رَسُول الله ﷺ على سَبِيل المعجزة.

стр. 2394

قَوْله: (يهود تعذب) ، وارتفاع يهود على الِابْتِدَاء وَخَبره تعذب وَهُوَ علم للقبيلة، وَقد يدْخل فِيهِ الْألف وَاللَّام، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَرَادوا باليهود الهوديين، وَلَكنهُمْ حذفوا يَاء الْإِضَافَة كَمَا قَالُوا: زنجي وزنج، وَإِنَّمَا عرف على هَذَا الْحَد فَجمع على قِيَاس شعيرَة وشعير، ثمَّ عرف الْجمع بِالْألف وَاللَّام، وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ معرفَة مؤنث، فجرس فِي كَلَامهم مجْرى الْقَبِيلَة، وَلم يَجْعَل كالحي، وَقَالَ بَعضهم: يهود خبر مُبْتَدأ أَي: هَذِه يهود. قلت: كَأَنَّهُ ظن أَنه نكرَة فَلذَلِك قَالَ: هُوَ خبر مُبْتَدأ، وَقد قُلْنَا: إِنَّه علم وَهُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث، وهودهم الْيَهُود. وَقَالَ النَّضْرُ أخبرنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَوْنٌ قَالَ سَمِعْتُ أبي سَمِعْتُ البَرَاءَ عنْ أبِي أيُّوبَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل مر فِي: بَاب حمل العنزة فِي الِاسْتِنْجَاء، وسَاق البُخَارِيّ هَذَا الطَّرِيق تَنْبِيها على أَنه مُتَّصِل بِالسَّمَاعِ، وَالطَّرِيق الأول بالعنعنة، وَهُوَ من الْمُتَابَعَة الْمُعَلقَة ليحيى بن سعيد، وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ، قَالَ: حَدثنَا مكي حَدثنَا زاج حَدثنَا النَّضر حَدثنَا شُعْبَة إِلَى آخِره. ٦٧٣١ - حدَّثنا مُعَلَّى قَالَ حَدثنَا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خالِدِ بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِي أنَّهَا سَمِعَتِ النبيَّ ﷺ وَهْوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. (الحَدِيث ٦٧٣١ طرفه فِي: ٤٦٣٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُعلى، بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام الْمُشَدّدَة: ابْن أَسد، مر فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض بعد الْإِفَاضَة. الثَّانِي: وهيب، بِالتَّصْغِيرِ، ابْن خَالِد. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي. الرَّابِع: ابْنة خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَاسْمهَا: أمة، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم: أم خَالِد الأموية ولدت بِالْحَبَشَةِ، تزَوجهَا الزبير فَولدت لَهُ خَالِدا وعمرا. قَالَ الذَّهَبِيّ: لَهَا صُحْبَة، روى عَنْهَا مُوسَى بن إِبْرَاهِيم ابْنا عقبَة وكريب بن سُلَيْمَان. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه ووهيبا بصريان ومُوسَى مدنِي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَوَقع فِي الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن مُوسَى بن عقبَة بِلَفْظ: (استجيروا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر) ، ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ إِذا استعاذ من عَذَاب الْقَبْر، وَالْحَال أَنه مَعْصُوم مطهر مغْفُور لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر، فَيَنْبَغِي لَك يَا من لَا عصمَة لَك وَلَا طَهَارَة لَك عَن الذُّنُوب أَن تستعيذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر مَعَ امْتِثَال الْأَوَامِر والاجتناب عَن الْمعاصِي حَتَّى ينجيك الله من النَّار وَمن عَذَاب الْقَبْر، واستعاذته ﷺ إرشاد لأمته ليقتدوا بِهِ فِيمَا فعله وَفِيمَا أمره حَتَّى يتخلصوا من شَدَائِد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. ٧٧٣١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هشَامٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى اعنْ أبِي سَلَمَة عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يعدْعُو اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ ومِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي القصاب. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان وَيحيى يمامي وَأَبُو سَلمَة مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَيحيى رأى أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي عَن هِشَام، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الدُّعَاء قبل السَّلَام، فَإِنَّهُ أخرج حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، هُنَاكَ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاة: أللهم إِنِّي

стр. 2395

أعوذ بك من عَذَاب الْقَبْر، وَأَعُوذ بك من فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال، وَأَعُوذ بك من فتْنَة الْمحيا وفتنة الْمَمَات. .) الحَدِيث. قَوْله: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَدْعُو: اللَّهُمَّ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (كَانَ يَدْعُو وَيَقُول: اللَّهُمَّ) إِلَى آخِره. قَوْله: (وَمن عَذَاب النَّار) تَعْمِيم بعد تَخْصِيص، كَمَا أَن: (وَمن فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال) تَخْصِيص بعد تَعْمِيم، والمحيا وَالْمَمَات مصدران ميميان، وَيجوز أَن يَكُونَا إسمي زمَان. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: رَسُول الله ﷺ أَمن عَن فتْنَة الدَّجَّال وَنَحْوهَا، فَمَا الْفَائِدَة فِيهِ؟ قلت: نفس الدُّعَاء عبَادَة، كَقَوْلِه: اللَّهُمَّ اغْفِر لي، مَعَ كَونه مغفورا لَهُ، أَو لتعليم الْأمة والإرشاد لَهُم. ٨٨ - (بابُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عَذَاب الْقَبْر الْحَاصِل من أجل الْغَيْبَة، وَكلمَة: من، للتَّعْلِيل، و: الْغَيْبَة، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة: أَن تذكر الْإِنْسَان فِي غيبته بِسوء وَإِن كَانَ فِيهِ، فَإِذا ذكرته بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ بهت وبهتان، والغيب والغيبة، بِفَتْح الْغَيْن: كل مَا غَابَ عَن الْعُيُون سَوَاء كَانَ محصلاً فِي الْقُلُوب أَبُو غير مُحَصل، تَقول: غَابَ عَنهُ غيبا وغيبة. قَوْله: (وَالْبَوْل) ، عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير: وَبَيَان عَذَاب الْقَبْر من أجل الْبَوْل أَي: من أجل عدم استنزاهه مِنْهُ، كَمَا ورد قَوْله ﷺ : (استنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ) فَإِن قلت: عَذَاب الْقَبْر غير مقتصر على الْغَيْبَة وَالْبَوْل، فَمَا وَجه الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا؟ قلت: تخصيصهما بِالذكر لعظم أَمرهمَا لَا لنفي الحكم عَمَّا عداهما. ٨٧٣١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُسٍ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرَّ النبيُّ ﷺ عَلى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَما يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ثمَّ قَالَ بَلى أما أحَدُهُمَا فَكانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ وَأمَّا الآخَرُ فَكانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ. قَالَ ثُمَّ أخَذَ عُودا رَطْبا فكَسَرَهُ باثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.. التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: الْغَيْبَة والنميمة، ومطابقة الحَدِيث للبول ظَاهِرَة، وَأما الْغَيْبَة فَلَيْسَ لَهَا ذكر فِي الحَدِيث، وَلَكِن يُوَجه بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْغَيْبَة من لَوَازِم النميمة لِأَن الَّذِي ينم ينْقل كَلَام الرجل الَّذِي اغتابه، وَيُقَال: الْغَيْبَة والنميمة أختَان، وَمن نم عَن أحد فقد اغتابه. قيل: لَا يلْزم من الْوَعيد على النميمة ثُبُوته على الْغَيْبَة وَحدهَا، لِأَن مفْسدَة النميمة أعظم وَإِذا لم تساوها لم يَصح الْإِلْحَاق. قُلْنَا: لَا يلْزم من اللحاق وجود الْمُسَاوَاة، والوعيد على الْغَيْبَة الَّتِي تضمنتها النميمة مَوْجُود، فَيصح الْإِلْحَاق لهَذَا الْوَجْه. الْوَجْه الثَّانِي: أَنه وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ الْغَيْبَة، وَقد جرت عَادَة البُخَارِيّ فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث. فَافْهَم، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب من الْكَبَائِر أَن لَا يسْتَتر من بَوْله، فِي كتاب الْوضُوء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهنا أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس، عَن ابْن عَبَّاس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. ٩٨ - (بابُ المَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَيِّت يعرض عَلَيْهِ. . إِلَى آخِره، وَالْمرَاد (بِالْغَدَاةِ والعشي) وقتهما، وإلَاّ فالموتى لَا صباح عِنْدهم وَلَا مسَاء، وَالْمرَاد من المقعد: الْموضع الَّذِي أعد لَهُ فِي الْجنَّة أَو فِي النَّار. ٩٧٣١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إنَّ أحدَكُمْ إذَا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَدَاةِ وَالَعَشِيِّ إنْ كانَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أهْلِ الجَنَّةِ وَإنْ كانَ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هاذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ.

стр. 2396

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا جُزْء من الحَدِيث. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة وَإِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس واسْمه عبد الله، وَهُوَ ابْن أُخْت مَالك، ﵀. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِالْغَدَاةِ) أَي: فِي الْغَدَاة وَفِي الْعشي قَوْله: (إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة) يَعْنِي: إِن كَانَ الْمَيِّت من أهل الْجنَّة فمقعده من مقاعد أهل الْجنَّة يعرض عَلَيْهِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يجوز أَن يكون الْمَعْنى: إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فسيبشر بِمَا لَا يكتنه كنهه لِأَن هَذَا الْمنزل لطليعة تباشير السَّعَادَة الْكُبْرَى، لِأَن الشَّرْط وَالْجَزَاء إِذا اتحدا دلّ على الفخامة، كَقَوْلِهِم: من أدْرك الصمان فقد أدْرك المرعى. قلت: الصمان، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم وَبعد الْألف نون: جبل ينقاد ثَلَاث لَيَال وَلَيْسَ لَهُ ارْتِفَاع، سمي بِهِ لصلابته. قَوْله: (حَتَّى يَبْعَثك الله يَوْم الْقِيَامَة) وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك: (حَتَّى يَبْعَثك الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) ، وَحكى ابْن عبد الْبر فِيهِ الِاخْتِلَاف بَين أَصْحَاب مَالك، وَأَن الْأَكْثَرين رَوَوْهُ كَرِوَايَة البُخَارِيّ، وَأَن ابْن الْقَاسِم رَوَاهُ كَرِوَايَة مُسلم، قَالَ: وَالْمعْنَى حَتَّى يَبْعَثك الله إِلَى ذَلِك المقعد، وَيحْتَمل أَن يعود الضَّمِير على: الله وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور، وَكَونه عَائِدًا إِلَى المقعد الَّذِي يصير إِلَيْهِ أشبه، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه بِلَفْظ: (ثمَّ يُقَال: هَذَا مَقْعَدك الَّذِي تبْعَث إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) أخرجه مُسلم. وَقد أخرج النَّسَائِيّ رِوَايَة ابْن الْقَاسِم لَكِن لَفظه كَلَفْظِ البُخَارِيّ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى: حَتَّى يَبْعَثك الله، و: حَتَّى، للغاية، أَنه يرى بعد الْبَعْث من عِنْد الله كَرَامَة ومنزلة ينسى عِنْده هَذَا المقعد، كَمَا قَالَ صَاحب (الْكَشَّاف) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدّين﴾ (ص: ٨٧) . أَي: إِنَّك مَذْمُوم مدعوٌّ عَلَيْك باللعنة إِلَى يَوْم الدّين فَإِذا جَاءَ ذَلِك الْيَوْم عذب بِمَا تنسى اللَّعْن مَعَه. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: عرض مقْعد الْمَيِّت عَلَيْهِ، قيل: معنى الْعرض هُنَا الْإِخْبَار بِأَن هَذَا مَوضِع أَعمالكُم وَالْجَزَاء لَهَا عِنْد الله تَعَالَى، وَأُرِيد بالبكور بِالْغَدَاةِ والعشي تذكارهم بذلك، ولسنا نشك أَن الأجساد بعد الْمَوْت والمساءلة هِيَ فِي الْفَوات وَأكل التُّرَاب لَهَا والفناء، وَلَا يعرض شَيْء على الفاني فَبَان أَن الْعرض الَّذِي يَدُوم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِنَّمَا هُوَ على الْأَرْوَاح خَاصَّة، لِأَنَّهَا لَا تفنى. وَقَالَ أَبُو الطّيب: اتّفق الْمُسلمُونَ على أَنه لَا غدو وَلَا عشي فِي الْآخِرَة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا فهم معرضون بعد مماتهم على النَّار. وَقيل: يَوْم الْقِيَامَة، وَيَوْم الْقِيَامَة يدْخلُونَ أَشد الْعَذَاب. انْتهى. قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا﴾ (مَرْيَم: ٢٦) . وَالَّذِي يُقَال فِي هَذِه الْآيَة، يُقَال فِي هَذَا أَيْضا، وَالله تَعَالَى أعلم. وَقَالَ ابْن التِّين: وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِالْغَدَاةِ والعشي: غَدَاة وَاحِدَة وَعَشِيَّة وَاحِدَة، يكون الْعرض فِيهَا، وَمعنى قَوْله: (حَتَّى يَبْعَثك الله) أَي: لَا تصل إِلَيْهِ إِلَى يَوْم الْبَعْث، وَيحْتَمل أَن يُرِيد كل غَدَاة وكل عشي، وَذَلِكَ لَا يكون إلَاّ بِأَن يكون الْإِحْيَاء بِجُزْء مِنْهُ فَإنَّا نشاهد الْمَيِّت مَيتا بِالْغَدَاةِ والعشي، وَذَلِكَ يمْنَع إحْيَاء جَمِيعه وإعادة جِسْمه،. وَلَا يمْتَنع أَن تُعَاد الْحَيَاة فِي جُزْء أَو أَجزَاء مِنْهُ وَتَصِح مخاطبته وَالْعرض عَلَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بذلك غَدَاة وَاحِدَة وَيكون الْعرض فِيهَا، وَيكون معنى قَوْله: (حَتَّى يَبْعَثك الله) أَي: أَنه مَقْعَدك لَا تصل إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثك الله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يجوز أَن يكون هَذَا الْعرض على الرّوح فَقَط، وَيجوز أَن يكون عَلَيْهِ مَعَ جُزْء من الْبدن، قَالَ: وَهَذَا فِي حق الْمُؤمن وَالْكَافِر وَاضح، وَأما الْمُؤمن المخلط فَيحْتَمل أَيْضا فِي حَقه، لِأَنَّهُ يدْخل الْجنَّة فِي الْجُمْلَة، ثمَّ هُوَ مَخْصُوص بِغَيْر الشُّهَدَاء. وَقيل: يحْتَمل أَن يُقَال: إِن فَائِدَة الْعرض فِي حَقهم تبشير أَرْوَاحهم باستقرارها فِي الْجنَّة مقترنة بأجسادها، فَإِن فِيهِ قدرا زَائِدا على مَا هِيَ فِيهِ الْآن. وَفِيه مَا قَالَ ابْن عبد الْبر عَن بَعضهم، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِهِ على أَن الْأَرْوَاح على أفنية الْقُبُور، قَالَ: وَالْمعْنَى عِنْدِي أَنَّهَا قد تكون على أفنية الْقُبُور لَا أَنَّهَا لَا تفارق الأفنية، بل هِيَ كَمَا قَالَ مَالك: إِنَّه بلغَة أَن الْأَرْوَاح تسرح حَيْثُ شَاءَت. قلت: كَونهَا تسرح حَيْثُ شَاءَت لَا يمْنَع كَونهَا على الأفنية، لِأَنَّهَا تسرح، ثمَّ تأوي إِلَى الْقَبْر، وَعَن مُجَاهِد: الْأَرْوَاح على الْقُبُور سَبْعَة أَيَّام من يَوْم دفن الْمَيِّت لَا تفارق. ٠٩ - (بابُ كَلَامِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَلَام الْمَيِّت بعد حمله على الْجِنَازَة.

стр. 2397

٠٨٣١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ إذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ فاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعْنَاقِهِمْ فإنْ كانَتْ صَالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي وإنْ كانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قالَتْ يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهَا الإنْسَانُ لَصَعِقَ. (أنظر الحَدِيث ٤١٣١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن الْمَيِّت إِذا حمل على الْجِنَازَة يَقُول هَذَا الْكَلَام، وَالْمَيِّت هُوَ الَّذِي يَقُول ذَلِك، وَإِنَّمَا أسْند إِلَى الْجِنَازَة مجَازًا، وَلِهَذَا صرح بذلك فِيمَا مضى فِي كتاب الْجَنَائِز، بقوله: بَاب قَول الْمَيِّت وَهُوَ على الْجِنَازَة: قدموني: فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذَا التّكْرَار؟ قلت: فَائِدَته أَنه رَاعى هُنَاكَ مُنَاسبَة التَّرْجَمَة لترجمة الْبَاب الَّذِي قبله، وَهِي: بَاب السرعة بالجنازة، لاشتمال حَدِيثه على بَيَان مُوجب الْإِسْرَاع، وراعى هُنَا أَيْضا مُنَاسبَة تَرْجَمَة هَذَا الْبَاب لترجمة الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ عرض المقعد عَلَيْهِ، فَكَأَن ابتداءه يكون عِنْد حمل الْجِنَازَة، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يظْهر للْمَيت مَا يؤول إِلَيْهِ حَاله، فَعِنْدَ ذَلِك يَقُول مَا يَقُول. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب قَول الْمَيِّت وَهُوَ على الْجِنَازَة: قدموني، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن سعيد عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ ... وَأخرجه هُنَا: عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث. . إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَقَالَ ابْن بطال: الْكَلَام لَا يكون إلَاّ من الرّوح، وَقد جَاءَت آثَار تدل على معرفَة الْمَيِّت من يحملهُ ويدخله فِي قَبره. وروى بِسَنَد لَهُ إِلَى مُعَاوِيَة أَو ابْن مُعَاوِيَة عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ : (أَن الْمَيِّت ليعرف من يحملهُ وَمن يغسلهُ وَمن يدليه فِي قَبره) . وَعَن مُجَاهِد: (إِذا مَاتَ الْمَيِّت فَمَا من شَيْء إلَاّ وَهُوَ يرَاهُ عِنْد غسله وَعند حمله حَتَّى يصل إِلَى قَبره) . ١٩ - (بابُ مَا قِيلَ فِي أوْلَادِ المُسْلِمِينَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُسلمين غير الْبَالِغين. قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ ماتَ لَهُ ثلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ كانَ لَهُ حِجِابا مِنَ النَّارِ أوْ دَخَلَ الجَنَّةَ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْوَلَد الَّذِي لم يبلغ الْحِنْث إِذا كَانَ حِجَابا لِأَبَوَيْهِ من النَّار فبالطريق الأولى أَن يكون محجوبا عَن النَّار، فَيدل هَذَا على أَن أَوْلَاد الْمُسلمين الْأَطْفَال من أهل الْجنَّة، وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَقد رَوَاهُ فِي: بَاب فضل من مَاتَ لَهُ ولد فاحتسب، رَوَاهُ عَن عَليّ عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يَمُوت لمُسلم ثَلَاثَة من الْوَلَد فيلج النَّار إلَاّ تَحِلَّة الْقسم) . وَقد رُوِيَ هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة بطرق مُخْتَلفَة لَيْسَ فِيهَا مَوْصُول من حَدِيثه على الْوَجْه الَّذِي ذكره مُعَلّقا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجمع من يعْتد بِهِ من عُلَمَاء الْمُسلمين على أَن من مَاتَ من أَطْفَال الْمُسلمين فَهُوَ من أهل الْجنَّة، وَتوقف فِيهِ بَعضهم لحَدِيث عَائِشَة، أخرجه مُسلم بِلَفْظ: (توفّي صبي من الْأَنْصَار فَقلت: طُوبَى لَهُ لم يعْمل سوءا وَلم يُدْرِكهُ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أَو غير ذَلِك يَا عَائِشَة؟ إِن الله تَعَالَى خلق للجنة أَهلا. .) الحَدِيث. وَأجِيب عَنهُ: أَنه لَعَلَّه نهاها عَن المسارعة إِلَى الْقطع من غير دَلِيل، أَو قَالَ ذَلِك قبل أَن يعْمل أَن أَطْفَال الْمُسلمين فِي الْجنَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: نفى بَعضهم الْخلاف وَكَأَنَّهُ عَنى ابْن أبي زيد، فَإِنَّهُ أطلق الْإِجْمَاع فِي ذَلِك، وَلَعَلَّه أَرَادَ إِجْمَاع من يعْتد بِهِ، وَقَالَ الْمَازرِيّ: الْخلاف فِي غير أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى فِي أَوَائِل كتاب الْجَنَائِز. ١٨٣١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ صُهَيْبٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ

стр. 2398

ثَلاثَةٌ منَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلَاّ أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ. (أنظر الحَدِيث ٨٤٢١) . مطابقته للتَّرْجَمَة من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة آنِفا، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب فضل من مَاتَ لَهُ ولد، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن عبد الْعَزِيز عَن أنس، وَهنا أخرجه: عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي عَن ابْن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: واسْمه إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَعليَّة اسْم أمه. قَوْله: (من الْوَلَد) لَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ. ٢٨٣١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ أنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ أبْرَاهِيمْ ﵇ قَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ لَهُ مُرْضِعا فِي الجَنَّةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي، ﷺ ، أخبر أَن لأبنه إِبْرَاهِيم مُرْضعًا فِي الْجنَّة، وَهَذَا يدل على أَن أَوْلَاد الْمُسلمين الْأَطْفَال فِي الْجنَّة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْوَلِيد، هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأخرجه أَيْضا فِي صفة الْجنَّة عَن حجاج بن منهال، وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. قَوْله: (إِبْرَاهِيم) ، يَعْنِي: ابْن النَّبِي، ﷺ ، وَلَا خلاف أَن جَمِيع أَوْلَاد النَّبِي، ﷺ ، من خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، سوى إِبْرَاهِيم، ﵇، فَإِنَّهُ مَا مَارِيَة الْقبْطِيَّة، وَكَانَ ميلاده فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ إِبْرَاهِيم يَوْم الثُّلَاثَاء لعشر خلون من ربيع الأول سنة عشر، وَهُوَ ابْن ثَمَانِيَة عشر شهرا فِي بني مَازِن بن النجار، فِي دَار أم بَرزَة بنت الْمُنْذر، وَدفن بِالبَقِيعِ. قَوْله: (إِن لَهُ مُرْضعًا) ، بِضَم الْمِيم أَي: من يتم رضاعه فِي الْجنَّة، ويروى بِفَتْح الْمِيم أَي: رضَاعًا. قَالَه الْخطابِيّ: وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة: مُرْضعًا ترْضِعه فِي الْجنَّة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : (إِنَّا بك لَمَحْزُونُونَ) . ٢٩ - (بابُ مَا قِيلَ فِي أوْلادِ المُشْرِكِينَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين وَلم يجْزم بذلك لتوقفه فِيهِ، وَلَكِن ذكر فِي تَفْسِير سُورَة الرّوم مَا يدل على أَنه اخْتَار قَول من قَالَ: إِنَّهُم يصيرون إِلَى الْجنَّة وَأَرَادَ بالأولاد غير الْبَالِغين. ٣٨٣١ - حدَّثنا حِبَّانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا شُعْبَةُ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَالَ سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عنْ أوْلَادِ المُشْرِكِينَ فقالَ الله إذْ خَلَقَهُمْ أعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِينَ. (الحَدِيث ٣٨٣١ طرفه فِي: ٧٩٥٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على الْوَقْف فِي أَمر أَوْلَاد الْمُشْركين، والترجمة فِيهَا التَّوَقُّف أَيْضا، وَأَحَادِيث هَذَا الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس وَاحِد، وَعَن أبي هُرَيْرَة اثْنَان، وَعَن سَمُرَة وَاحِد، كَحَدِيث ابْن عَبَّاس، وَالْأول من حَدِيثي أبي هُرَيْرَة على التَّوَقُّف وَالثَّانِي من حَدِيثي أبي هُرَيْرَة يدل على كَونهم فِي الْجنَّة، لَكِن من غير تَصْرِيح، وَحَدِيث سَمُرَة يدل صَرِيحًا على أَنهم فِي الْجنَّة، وَذَلِكَ قَوْله: (وَالشَّيْخ فِي أصل الشَّجَرَة إِبْرَاهِيم، ﵊، وَالصبيان حوله أَوْلَاد النَّاس) وأصرح مِنْهُ الَّذِي يَأْتِي فِي التَّعْبِير، وَهُوَ قَوْله: (وَأما الرجل الَّذِي فِي الروضه فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيم، ﵊، وَأما الْولدَان الَّذين حوله فَكل مَوْلُود مَاتَ على الْفطْرَة. قَالَ: فَقَالَ بعض الْمُسلمين: يَا رَسُول الله وَأَوْلَاد الْمُشْركين؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَأَوْلَاد الْمُشْركين) . وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: (سَأَلت رَبِّي اللَاّهين من ذُرِّيَّة الْبشر أَن لَا يعذبهم فأعطانيهم) إِسْنَاده حسن وَورد تَفْسِير اللَاّهين بِأَنَّهُم الْأَطْفَال، من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا، أخرجه الْبَزَّار: حَدثنَا أَبُو كَامِل الْفضل بن الْحُسَيْن الجحدري حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن هِلَال بن خباب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض مغازيه، فَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا تَقول فِي اللَاّهين؟ فَسكت رَسُول الله ﷺ فَلم يرد عَلَيْهِ كلمة، فَلَمَّا

стр. 2399

فرغ رَسُول الله ﷺ من غَزْوَة طائف فَإِذا هُوَ بِغُلَام قد وَقع يعبث فِي الأَرْض، فَنَادَى مناديه: أَيْن السَّائِل عَن اللَاّهين؟ فَأقبل الرجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَنهى رَسُول الله ﷺ عَن قتل الْأَطْفَال، ثمَّ قَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين، هَذَا من اللَاّهين) . وروى أَحْمد من طَرِيق خنساء بنت مُعَاوِيَة بن صريم عَن عَمَّتهَا، قَالَت: (قلت: يَا رَسُول الله من فِي الْجنَّة؟ قَالَ: النَّبِي فِي الْجنَّة، والشهيد فِي الْجنَّة والمولود فِي الْجنَّة والوئيد فِي الْجنَّة) ، إِسْنَاده حسن. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: حبَان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى، مر غير مرّة، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية وَقد مر أَيْضا. وَفِي سَنَده: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان وَشعْبَة واسطي وَأَبُو بشر بَصرِي وَسَعِيد بن جُبَير كُوفِي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْقدر عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُجَاهِد بن مُوسَى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، قَوْله: (سُئِلَ رَسُول الله ﷺ . .) لم يدر هَذَا السَّائِل من هُوَ، قيل: يحْتَمل أَن تكون عَائِشَة هِيَ السائلة لما روى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد من طَرِيق عبد الله بن أبي قيس عَنْهَا، قَالَت: (قلت: يَا رَسُول الله، ذَرَارِي الْمُسلمين؟ قَالَ: مَعَ آبَائِهِم. قلت: يَا رَسُول الله بِلَا عمل؟ قَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) الحَدِيث، وروى ابْن عبد الْبر من طَرِيق أبي معَاذ عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: سَأَلت خَدِيجَة النَّبِي ﷺ عَن أَوْلَاد الْمُشْركين، فَقَالَ: هم مَعَ آبَائِهِم، ثمَّ سَأَلته عَن ذَلِك، فَقَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين، ثمَّ سَأَلته بَعْدَمَا استحكم الْإِسْلَام فَنزلت: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ (الْأَنْعَام: ٤٦١، الْإِسْرَاء ٥١٢، فاطر: ٨١، الزمر: ٧ والنجم: ٨٣) . فَقَالَ: هم على الْفطْرَة، أَو قَالَ: فِي الْجنَّة) . وَأَبُو معَاذ هُوَ: سُلَيْمَان بن أَرقم، وَهُوَ ضَعِيف، وَلَو صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطعا للنزاع. قَوْله: (إِذْ خلقهمْ) أَي: حِين خلقهمْ. قَوْله: (الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَي علم أَنهم لَا يعلمُونَ شَيْئا وَلَا يرجعُونَ فيعملون، أَو أخبر بِعلم الشَّيْء لَو وجد كَيفَ يكون، مثل قَوْله: ﴿وَلَو ردوا لعادوا﴾ (الْأَنْعَام: ٨٢) . وَلَكِن لم يرد أَنهم يجازون بذلك فِي الْآخِرَة، لِأَن العَبْد لَا يجازى بِمَا لم يعْمل. وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل قَوْله: (الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) ، وُجُوهًا من التَّأْوِيل. أَحدهَا: أَن يكون قبل إِعْلَامه أَنهم من أهل الْجنَّة. الثَّانِي: أَي: على أَي دين يميتهم لَو عاشوا فبلغوا الْعَمَل فَأَما إِذا عدم مِنْهُم الْعَمَل فهم فِي رَحْمَة الله الَّتِي ينالها من لَا ذَنْب لَهُ. الثَّالِث: أَنه مُجمل يفسره. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم ... ﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٧١) . الْآيَة، فَهَذَا إِقْرَار عَام يدْخل فِيهِ أَوْلَاد الْمُؤمنِينَ وَالْمُشْرِكين فَمن مَاتَ مِنْهُم قبل بُلُوغ الْحِنْث مِمَّن أقرّ بِهَذَا الْإِقْرَار من أَوْلَاد النَّاس كلهم فَهُوَ على إِقْرَاره الْمُتَقَدّم لَا يقْضِي لَهُ بِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لم يدْخل عَلَيْهِ مَا ينْقضه إِلَى أَن يبلغ الْحِنْث، وَأما من قَالَ: حكمهم حكم آبَائِهِم فَهُوَ مَرْدُود بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ (الْأَنْعَام: ٤٦١، الْإِسْرَاء: ٥١٢، فاطر: ٨١، الزمر: ٧ والنجم: ٨٣) [/ ح. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلف الْعلمَاء قَدِيما وحديثا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على أَقْوَال: الأول: أَنهم فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى، وَهُوَ مَنْقُول عَن حَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد بن زيد وَعبد الله بن الْمُبَارك وَإِسْحَاق، وَنَقله الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي فِي حق أَوْلَاد الْكفَّار خَاصَّة، وَالْحجّة فِيهِ (الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) . الثَّانِي: أَنهم تبع لِآبَائِهِمْ، فأولاد الْمُسلمين فِي الْجنَّة وَأَوْلَاد الْكفَّار فِي النَّار، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن الْأزَارِقَة من الْخَوَارِج، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ (نوح ٦٢) . ورد بِأَن المُرَاد قوم نوح خَاصَّة، وَإِنَّمَا دَعَا بذلك لما أوحى الله إِلَيْهِ: ﴿إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إلَاّ من قد آمن﴾ (هود: ٦٣) . فَإِن قلت: فِي الحَدِيث هم من آبَائِهِم أَو مِنْهُم (قلت) ذَاك ورد فِي الْحَرْب (فَإِن قلت) روى أَحْمد من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (سَأَلت رَسُول لله ﷺ عَن ولدان الْمُسلمين؟ قَالَ: فِي الْجنَّة، وَعَن أَوْلَاد الْمُشْركين؟ قَالَ: فِي النَّار، وَلَو شِئْت أسمعتك تضاغيهم فِي النَّار) قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف جدا لِأَن فِي إِسْنَاده أَبَا عقيل مولى نهية وَهُوَ مَتْرُوك. الثَّالِث: أَنهم يكونُونَ فِي برزخ بَين الْجنَّة وَالنَّار لأَنهم لم يعملوا حَسَنَات يدْخلُونَ بهَا الْجنَّة وَلَا سيئات يدْخلُونَ بهَا النَّار. الرَّابِع: هم خدم أهل الْجنَّة، وَورد فِيهِ حَدِيث ضَعِيف أخرجه أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار من حَدِيث سَمُرَة مَرْفُوعا: (أَوْلَاد الْمُشْركين خدم أهل الْجنَّة) . الْخَامِس: أَنهم يمْتَحنُونَ

стр. 2400

فِي الْآخِرَة بِأَن ترفع لَهُم نَار، فَمن دَخلهَا كَانَت عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا، وَمن أبي عذب. وَقَالَ الْبَزَّار: حَدثنَا مُحَمَّد بن عمر بن هتاخ الْكُوفِي حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى حَدثنَا فُضَيْل بن مَرْزُوق عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ أَحْسبهُ قَالَ: (يُؤْتى بالهالك فِي الفترة وَالْمَعْتُوه والمولود، فَيَقُول الْهَالِك فِي الفترة: لم يأتني كتاب وَلَا رَسُول، وَيَقُول الْمَعْتُوه: أَي رب، لم تجْعَل لي عقلا أَعقل بِهِ خيرا وَلَا شرا، وَيَقُول الْمَوْلُود: لم أدْرك الْعَمَل. قَالَ: فَترفع لَهُم نَار، فَيُقَال لَهُم: رِدُوها، أَو قَالَ: أدخلوها فيدخلها من كَانَ فِي علم الله سعيدا أَو أدْرك الْعَمَل، قَالَ: ويمسك عَنْهَا من كَانَ فِي علم الله شقيا، أَي: لَو أدْرك الْعَمَل فَيَقُول: ﵎: إيَّايَ عصيتم فَكيف برسلي بِالْغَيْبِ) . قَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ يرْوى عَن أبي سعيد إلَاّ من حَدِيث فُضَيْل، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث معَاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: قد صحت مَسْأَلَة الامتحان فِي حق الْمَجْنُون وَمن مَاتَ فِي الفترة من طرق صَحِيحَة وروى الْبَزَّار من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يُؤْتى بأَرْبعَة يَوْم الْقِيَامَة: بالمولود وَالْمَعْتُوه وَمن مَاتَ فِي الفترة وبالشيخ الفاني، كلهم يتَكَلَّم بحجته، فَيَقُول الله تَعَالَى لعنق من جَهَنَّم، أَحْسبهُ قَالَ: إبرزي، فَيَقُول لَهُم: إِنِّي كنت أبْعث إِلَى عبَادي رسلًا من أنفسهم، وَإِنِّي رَسُول نَفسِي إِلَيْكُم أدخلُوا هَذِه. فَيَقُول من كتب عَلَيْهِ الشَّقَاء: يَا رب أتدخلناها وَمِنْهَا كُنَّا نفرق، وَمن كتب لَهُ السَّعَادَة فيمضي فيقتحم فِيهَا مسرعا. قَالَ: فَيَقُول الله: قد عصيتموني وَأَنْتُم لرسلي أَشد تَكْذِيبًا ومعصية. قَالَ: فَيدْخل هَؤُلَاءِ الْجنَّة وَهَؤُلَاء النَّار) . وروى أَيْضا من حَدِيث الْأسود بن سريع عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (يعرض على الله الْأَصَم الَّذِي لَا يسمع شَيْئا والأحمق والهرم وَرجل مَاتَ فِي الفترة: فَيَقُول الْأَصَم رب جَاءَ الأسلام وَمَا أسمع شَيْئا وَيَقُول الأحمق رب جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أَعقل شَيْئا وَيَقُول الَّذِي مَاتَ فِي الفترة رب مَا أَتَانِي لَك من رَسُول، قَالَ: فَيَأْخُذ مواثيقهم، فَيُرْسل إِلَيْهِم ﵎: أدخلُوا النَّار، فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو دخلوها لكَانَتْ عَلَيْهِم بردا وَسلَامًا. وَحكى الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الِاعْتِقَاد أَن مَسْأَلَة الامتحان فِي حق الْمَجْنُون وَمن مَاتَ فِي الفترة هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح، وَاعْترض بِأَن الْآخِرَة لَيست بدار تَكْلِيف فَلَا عمل فِيهَا وَلَا ابتلاء. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك بعد أَن يَقع الِاسْتِقْرَار فِي الْجنَّة أَو النَّار، وَأما فِي عرصات يَوْم الْقِيَامَة فَلَا مَانع من ذَلِك، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (الْقَلَم: ٢٤) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (أَن النَّاس يؤمرون بِالسُّجُود فَيصير ظهر الْمُنَافِق طبقًا فَلَا يَسْتَطِيع أَن يسْجد) . السَّادِس: أَنهم فِي الْجنَّة، قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي صَار إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ (الْإِسْرَاء: ٥١) . وَإِذا كَانَ لَا يعذب الْعَاقِل لكَونه لم تبلغه الدعْوَة، فَلِأَن لَا يعذب غير الْعَاقِل من بَاب الأولى. وَقَالَ النَّوَوِيّ أَيْضا: فِي أَطْفَال الْمُشْركين ثَلَاثَة مَذَاهِب، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هم فِي النَّار تبعا لِآبَائِهِمْ، وَتوقف طَائِفَة مِنْهُم، وَالثَّالِث هُوَ الصَّحِيح أَنهم من أهل الْجنَّة، لحَدِيث إِبْرَاهِيم، ﵊، حِين رَآهُ فِي الْجنَّة وَحَوله أَوْلَاد النَّاس. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث: (وَالله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) أَنه لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُم فِي النَّار، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: الثَّوَاب وَالْعِقَاب ليسَا بِالْأَعْمَالِ وإلَاّ لزم أَن تكون الذَّرَارِي لَا فِي الْجنَّة وَلَا فِي النَّار، بل الْمُوجب لَهما هُوَ اللطف الرباني والخذلان الإل هِيَ الْمُقدر لَهُم فِي الْأَزَل، فَالْوَاجِب فيهم التَّوَقُّف، فَمنهمْ من سبق الْقَضَاء بِأَنَّهُ سعيد حَتَّى لَو عَاشَ عمل بِعَمَل أهل الْجنَّة، وَمِنْهُم بِالْعَكْسِ. ٤٨٣١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ أَخْبرنِي عَطَاءُ بنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ سُئِلَ النبيُّ ﷺ عنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ فَقَالَ الله أعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِينَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي وَجه مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الْمدنِي. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْقدر عَن يحيى بن بكير. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن أبي الطَّاهِر وَعَن مُحَمَّد بن حميد وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ وَعَن سَلمَة بن شُعَيْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.

стр. 2401

٥٨٣١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ كمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتِجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيها جَدْعَاءَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله: (كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة) يشْعر بِأَن أَوْلَاد الْمُشْركين فِي الْجنَّة، لِأَن قَوْله فِي التَّرْجَمَة: بَاب مَا قيل، يتَنَاوَل ذَلِك، وَلَكِن لَا يدل على ذَلِك صَرِيحًا، إِذْ لَو دلّ صَرِيحًا مَا كَانَ مطابقا للتَّرْجَمَة. وَالَّذِي يدل صَرِيحًا قد ذَكرْنَاهُ، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث مَبْسُوطا فِي: بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ هَل يصلى عَلَيْهِ؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن ابْن شهَاب. وَالثَّانِي: عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَهُنَا أخرجه عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَنَذْكُر هُنَا مَا فاتنا هُنَاكَ. قَوْله: (كل مَوْلُود) أَي: من بني آدم، وَصرح بِهِ جَعْفَر بن ربيعَة عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (كل بني آدم يُولد على الْفطْرَة) . قيل: ظَاهره الْعُمُوم فِي جَمِيع المولودين، يدل عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، بِلَفْظ: (لَيْسَ من مَوْلُود يُولد إلَاّ على هَذِه الْفطْرَة حَتَّى يعبر عَنهُ لِسَانه) . وَفِي رِوَايَة لَهُ: (مَا من مَوْلُود يُولد إلَاّ وَهُوَ على الْملَّة) ، وَقيل: إِنَّه لَا يَقْتَضِي الْعُمُوم، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن كل من ولد على الْفطْرَة،. وَكَانَ لَهُ أَبَوَانِ على غير الْإِسْلَام نَقَلَاه إِلَى دينهما، فتقدير الْخَبَر على هَذَا: كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَأَبَوَاهُ يَهُودِيَّانِ مثلا، فَإِنَّهُمَا يُهَوِّدَانِهِ ثمَّ يصير عِنْد بُلُوغه إِلَى مَا يحكم بِهِ عَلَيْهِ. قَوْله: (فَأَبَوَاهُ) أَي: فَأَبَوا الْمَوْلُود، قَالَ الطَّيِّبِيّ: الْفَاء إِمَّا للتعقيب أَو للسَّبَبِيَّة أَو جَزَاء شَرط مُقَدّر أَي: إِذا تقرر ذَلِك فَمن تغير كَانَ بِسَبَب أَبَوَيْهِ إِمَّا بتعليمهما إِيَّاه أَو ترغيبهما فِيهِ، أَو كَونه تبعا لَهما فِي الدّين، يَقْتَضِي أَن يكون حكمه حكمهمَا فِيهِ، وَخص الأبوان بِالذكر للْغَالِب. قَوْله: (تنْتج) الْبَهِيمَة أَي: تلدها. ٣٩ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْله: (فصل) ، وَيذكر هَذَا هَكَذَا لتَعَلُّقه فِي الحكم بِمَا قبله، ثمَّ إِنَّه وَقع هَكَذَا عِنْد الروَاة كلهم إلَاّ أَبَا ذَر. ٦٨٣١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجاءٍ عنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ. قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ إذَا صَلَّى صَلَاةً أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ منْ رَأي مِنْكُمْ اللَّيلَةَ رُؤيَا قَالَ فإنْ رَأى أحَدٌ قَصَّها فَيَقُولُ مَا شاءَ الله فسَألَنا يَوما فَقَالَ هَلْ رَأى أحدٌ مِنْكُمْ رُؤيَا قُلْنَا لَا قَالَ لاكِنِّي رَأيْتُ اللَّيلَة رَجُلَيْنِ أتيَانِي فأخذَا بِيَدِي فأخْرجَانِي إِلَى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَإِذا رَجُلٌ جالِسٌ ورَجُلٌ قائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَديدٍ قَالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا عنْ مُوسى أنَّهُ يُدْخِلُ ذالِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَثْلُغَ قَفاهُ ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذالِكَ ويَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هاذا فيَعُودُ فيَصْنَعُ مِثْلَهُ قُلْتُ مَا هاذا قالَا انْطَلِقْ فانْطَلَقْنَا حَتَّى أتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلى قَفَاهُ ورَجُلٌ قائِمٌ عَلى رَأسِهِ بِفِهْرٍ أوْ صَخْرَةٍ فَيَشْدَخُ بِهِ رَأسَهُ فإذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ فانْطَلَقَ إلَيْهِ لِيَأخُذَهُ فلَا يَرْجِعُ إلَى هاذا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأسُهُ وعَادَ رأسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إلَيْهِ فَضَرَبَهُ قُلْتُ مَنْ هاذا قالَا انْطَلِقْ فانْطَلَقْنا إلَى ثَقْبٍ مِثلِ التَّنُّورِ أعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارا فإذَا اقْتَرَبَ ارْتَفعُوا حتَّى كَاد أنْ يَخْرُجوا فَإِذا خمَدتْ رجَعُوا فِيها وَفيها رِجالٌ وَنِساءٌ عُرَاةٌ فَقُلْتُ مَنْ هاذَا قالَا

стр. 2402

انْطَلِقْ فانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قائِمٌ عَلَى وسَطِ النَّهْرِ وَقَالَ يَزِيدُ ووَهْبُ بنُ جَرِيرِ بنِ حازِمٍ وعلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فأقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهرِ فإذَا أرادَ أنْ يَخْرُجَ رَمى الرَّجلُ بِحجَرٍ فِي فيهِ فرَدَّهُ حيْثُ كانَ فجَعلَ كلَّما جاءَ لِيخْرُجَ رمَى فِي فيهِ بِحجَرٍ فيَرْجِعُ كَما كانَ فقُلتُ مَا هاذا قَالَا انْطَلِقْ فانْطَلَقْنا حتَّى انْتَهينَا إِلَى رَوضَةٍ خَضْراءَ فِيها شجرَةٌ عَظيمَةٌ وَفِي أصْلِهَا شَيْخٌ وصِبْيَانٌ وَأذا رجلٌ قَريبٌ مِنَ الشَّجرَةِ بَيْنَ يدَيْهِ نارٌ يُوقِدُها فصَعِدَا بِي فِي الشَّجرةِ وأدْخلانِي دَارا لَمْ أرَ قطُّ أحْسَنُ مِنْهَا فِيهَا رِجالٌ شُيُوخٌ وشَبَابٌ ونِسَاءٌ وصِبْيَانٌ ثُمَّ أخْرَجَانِي مِنْهَا فصعِدَا بِي الشَّجَرةَ فأدْخلانِي دَارا هيَ أحْسَنُ وأفْضَلُ فِيها شُيوخٌ وشبَابٌ قُلتُ طوَّفْتُمَانِي اللَّيلَةَ فأخبِراني عَمَّا رَأيْتُ قالَا نَعَمْ أمَّا الَّذِي رَأيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ فتُحْمَلُ عنهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفاقَ فَيْصْنَعُ بِهِ مَا رَأيْتَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَالَّذِي رَأيْتَهُ يُشْدَخْ رَأسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ الله القُرْآنَ فنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ ولَمُ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ يُفْعَلُ بِهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ والَّذِي رَأيْتهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ والَّذِي رأيْتَهُ فِي النَّهْرِ آكِلُوا الرِّبا والشَّيْخُ فِي أصْلِ الشَّجَرَةِ إبْرَاهِيمُ ﵇ والصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فأوْلادُ النَّاسِ والَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَالدَّارُ الأولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وأمَّا هاذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ وَأَنا جِبْرِيلُ وهاذا مِيكائِيلُ فارْفَعْ رَأسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فإذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قالَا ذَاكَ مَنْزِلُكَ قُلْتُ دَعَانِي أدْخُلْ مَنْزِلِي قالَا إنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أتَيْتَ مَنْزِلَكَ.. مطابقته لترجمة الْبَاب فِي قَوْله: (وَالشَّيْخ فِي أصل الشَّجَرَة إِبْرَاهِيم ﵊ وَالصبيان حوله أَوْلَاد النَّاس) . وَهَذَا صَرِيح فِي كَون أَوْلَاد النَّاس كلهم فِي الْجنَّة، وَيدخل فِيهِ أَوْلَاد الْمُشْركين، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَته فِي التَّعْبِير بِلَفْظ: (وَأما الْولدَان الَّذين حوله فَكل مَوْلُود مَاتَ على الْفطْرَة، فَقَالَ بعض الْمُسلمين: وَأَوْلَاد الْمُشْركين؟ فَقَالَ: وَأَوْلَاد الْمُشْركين) . ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري الَّذِي يُقَال لَهُ: التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: جرير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي. الثَّالِث: أَبُو رَجَاء، بتَخْفِيف الْجِيم وبالمد: واسْمه عمرَان بن تَمِيم، وَيُقَال: ابْن ملْحَان العطاردي. الرَّابِع: سَمُرَة بن جُنْدُب. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَنه من رباعيات البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشَيخ شَيْخه كَذَلِك وَأَبُو رَجَاء مخضرم أدْرك زمَان النَّبِي ﷺ بعد فتح مَكَّة وَلم ير النَّبِي، ﷺ ، وَنزل الْبَصْرَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع وَفِي الْجِهَاد وَفِي بَدْء الْخلق وَفِي صَلَاة اللَّيْل وَفِي الْأَدَب: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الصَّلَاة وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي التَّفْسِير وَفِي التَّعْبِير: عَن مُؤَمل بن هِشَام، وَالَّذِي أخرجه فِي الصَّلَاة فِي: بَاب عقد الشَّيْطَان على قافية الرَّأْس، أخرجه عَن مُؤَمل بن هِشَام عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن عَوْف عَن أبي رَجَاء عَن سَمُرَة بن جُنْدُب مُخْتَصرا جدا، وَذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فسألنا) ، بِفَتْح اللَّام جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول. قَوْله: (يَوْمًا) نصب على الظّرْف. قَوْله: (رُؤْيا) ، على وزن: فعلى، بِالضَّمِّ، يُقَال: رأى فِي مَنَامه رُؤْيا على: فعلى بِلَا تَنْوِين، وَجمعه، رأى بِالتَّنْوِينِ، مِثَال: رعى، وَالْمَشْهُور عِنْد أهل اللُّغَة أَن الرُّؤْيَا

стр. 2403

فِي النّوم، والرؤية فِي الْيَقَظَة. وَقد قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله : ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس﴾ (يُوسُف:) . أَن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وتكتب بِالْألف كَرَاهَة اجْتِمَاع الياءين. قَوْله: (فَإِذا رجل) كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (كَلوب) ، بِفَتْح الْكَاف وَضم اللَّام الْمُشَدّدَة، وَهُوَ: الحديدة الَّتِي ينشل بهَا اللَّحْم عَن الْقدر، وَكَذَلِكَ الْكلاب، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ. قَوْله: (من حَدِيد) ، كلمة: من، للْبَيَان كَمَا فِي قَوْلك: خَاتم من فضَّة. قَوْله: (قَالَ بعض أَصْحَابنَا عَن مُوسَى) ، وَهُوَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور فِي أول الحَدِيث، وَهَذَا الْبَعْض مُبْهَم، وَلَكِن لَا يضر لما عرف من عَادَة البُخَارِيّ أَنه لَا يرْوى إلَاّ عَن الْعدْل الَّذِي بِشَرْطِهِ، فَلَا بَأْس بِجَهْل اسْمه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ مَا صرح باسمه حَتَّى لَا يلْزم التَّدْلِيس؟ قلت: لَعَلَّه نسي اسْمه أَو لغَرَض آخر. فَإِن قلت: مَا الْمِقْدَار الَّذِي هُوَ مقول بعض الْأَصْحَاب؟ قلت: كَلوب من حَدِيد. فَإِن قلت: فعلى رِوَايَة غيرَة لَا يتم الْكَلَام إِذا لم يذكر مَا بِيَدِهِ؟ قلت: مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: بِيَدِهِ شَيْء فسره بعض الْأَصْحَاب بِأَنَّهُ كَلوب. قَوْله: (أَنه) أَي: أَن ذَلِك الرجل الَّذِي فِي يَده الكلوب. قَوْله: (يدْخل) ، بِضَم الْيَاء من الإدخال. قَوْله: (الكلوب) مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (فِي شدقه) بِكَسْر الشين: جَانب الْفَم. قَوْله: (حَتَّى يثلغ قَفاهُ) ، من ثلغ يثلغ بِفَتْح اللَّام فيهمَا ثلغا، ومادته ثاء مُثَلّثَة وَلَام وغين مُعْجمَة، والثلغ: الشدخ. وَقيل: هُوَ ضربك الشَّيْء الرطب بالشَّيْء الْيَابِس حَتَّى يتشدخ. قَوْله: (مثل ذَلِك) أَي: مثل مَا فعل بشدقه الأول. قَوْله: (وَرجل قَائِم) ، جملَة حَالية. قَوْله: (بفهر) ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْهَاء وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الْحجر ملْء الْكَفّ. وَقيل: هُوَ الْحجر مُطلقًا. قَوْله: (فيشدخ) ، من الشدخ، وَهُوَ: كسر الشَّيْء الأجوف. تَقول: شدخت رَأسه فانشدخ، ومادته: شين مُعْجمَة ودال مُهْملَة وخاء مُعْجمَة. قَوْله: (تدهده الْحجر) أَي: تدحرج وَهُوَ على وزن: تفعلل، من مزِيد الرباعي ورباعيه: دهده، على وزن: فعلل. يُقَال: دهدهت الْحجر إِذا دحرجته. وَيُقَال: أَيْضا: دهيدته. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قد تبدل من الْهَاء يَاء، فَيُقَال: تدهدى الْحجر وَغَيره تدهديا، ودهديته أَنا أدهديه دهدأة ودهداء: إِذا دحرجته. قَوْله: (إِلَى ثقب) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ويروى بالنُّون وَفِي (الْمطَالع) : وَعند الْأصيلِيّ: نقب، بالنُّون وَفتح الْقَاف وَهُوَ بِمَعْنى: ثقب، بالثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: (مثل التَّنور) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد النُّون المضمومة وَفِي آخِره رَاء، وَهَذِه اللَّفْظَة من الغرائب حَيْثُ توَافق فِيهَا جَمِيع اللُّغَات، وَهُوَ الَّذِي يخبز فِيهِ. قَوْله: (يتوقد تَحْتَهُ نَارا) ، الضَّمِير فِي يتوقد يرجع إِلَى الثقب، و: نَارا، مَنْصُوب على التَّمْيِيز كَمَا يُقَال: مَرَرْت بِامْرَأَة يتضوع من أردانها طيبا، أَي: يتضوع طيبها من أردانها. ويروى: نَار، بِالرَّفْع على أَنه فَاعل: يتوقد. قَوْله: (فَإِذا اقْترب ارتفعوا) ، من الْقرب، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي، وَالضَّمِير فِي اقْترب يرجع إِلَى الْوقُود أَو الْحر الدَّال عَلَيْهِ. قَوْله: (يتوقد) ، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَابْن السكن وعبدوس: (فَإِذا افترت) ، بِالْفَاءِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: فَإِذا أخمدت، وَأَصله من الفترة وَهُوَ الانكسار والضعف، وَقد فتر الْحر وَغَيره يفتر فتورا، وفتره الله تفتيرا. وَقَالَ ابْن التِّين: بِالْقَافِ، قترت، وَمَعْنَاهُ: ارْتَفَعت من القترة وَهُوَ الْغُبَار، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قتر اللَّحْم يقتر بِالْكَسْرِ إِذا ارْتَفع قتارها، وقتر اللَّحْم بِالْكَسْرِ لُغَة فِيهِ حَكَاهَا أَبُو عَمْرو. وَقَالَ: والقتار ريح الشواء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَأما فترت بِالْفَاءِ فَمَا علمت لَهُ وَجها لِأَن بعده: فَإِذا خمدت رجعُوا، وَمعنى: خمدت وفترت وَاحِد، وَعند النَّسَفِيّ: إِذا أوقدت ارتفعوا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي (شرح الْمشكاة) : فَإِذا ارتقت من الارتقاء وَهُوَ الصعُود، ثمَّ قَالَ: كَذَا فِي الْحميدِي و (جَامع الْأُصُول) ، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيح دراية وَرِوَايَة قَوْله: (ارتفعوا) جَوَاب: إِذا، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى النَّاس، بِدلَالَة سِيَاق الْكَلَام. قَوْله: (حَتَّى كَاد أَن يخرجُوا) أَي: كَاد خُرُوجهمْ، وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: حَتَّى كَاد خُرُوجهمْ يتَحَقَّق. قَالَ الطَّيِّبِيّ: وَفِي (نسخ المصابيح) حَتَّى يكادوا يخرجُوا، وَحقه إِثْبَات النُّون، أللهم إلَاّ أَن يتمحل وَيقدر: أَن يخرجُوا، تَشْبِيها لكاد بعسى، ثمَّ حذف: أَن، وَترك على حَاله، وَفِي (التَّوْضِيح) : وروى بِإِثْبَات النُّون. قَوْله: قَالَ يزِيد ووهب بن جرير عَن جرير بن حَازِم: (وعَلى شط النَّهر رجل) ، وَهَذَا التَّعْلِيق من يزِيد بن هَارُون، ووهب ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر كَمَا جَاءَ فِي التَّعْبِير: على شط النَّهر رجل، أما التَّعْلِيق عَن يزِيد فوصله أَحْمد عَنهُ وسَاق الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (فَإِذا نهر من دم فِيهِ رجل، وعَلى شط النَّهر رجل) . وَأما التَّعْلِيق عَن جرير بن حَازِم فوصله أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيقه، وَفِيه: (حَتَّى ينتهى إِلَى نهر من دم وَرجل قَائِم فِي وَسطه وَرجل على شاطىء النَّهر) . قَوْله: (فِي فِيهِ) أَي: فِي فَمه. قَوْله: (فَجعل كلما جَاءَ ليخرج وَقع) خبر: جعل،

стр. 2404

هُنَا جملَة فعلية مصدرة: بكلما، وَحقه أَن يكون فعلا مضارعا كَمَا فِي غَيره من أَفعَال المقاربة، وَلَكِن ترك الأَصْل شذوذا كَمَا وَقع هُنَا جملَة من فعل مَاض مقدم عَلَيْهِ. قَوْله: (رمى الرجل) ، رُوِيَ بِالرَّفْع وَالنّصب، قَالَه الْكرْمَانِي قلت: وَجه الرّفْع أَن: رمي، على صِيغَة الْمَجْهُول أسْند إِلَيْهِ الرجل، وَوجه النصب أَن: رمي، على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الرجل الْقَائِم على شط النَّهر. قَوْله: (فَقلت: مَا هَذَا؟) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ ذكر فِي المشدوخ بِلَفْظ: من، وَفِي أخواته الثَّلَاثَة بِلَفْظ: مَا؟ قلت: السُّؤَال: بِمن، عَن الشَّخْص، و: بِمَا، عَن حَاله وهما متلازمان، فَلَا تفَاوت فِي الْحَاصِل مِنْهُمَا. أَو لما كَانَ هَذَا الرجل عبارَة عَن الْعَالم بِالْقُرْآنِ ذكره بِلَفْظ: من، الَّذِي للعقلاء، إِذْ الْعلم من حَيْثُ هُوَ فَضِيلَة وَإِن لم يكن مَعَه الْعَمَل بِخِلَاف غَيره، إِذْ لَا فَضِيلَة لَهُم، وَكَأَنَّهُ لَا عقل لَهُم. قَوْله: (وَفِي أَصْلهَا شيخ وصبيان) ، يُرِيد الَّذين هم فِي علم الله من أهل السَّعَادَة من أَوْلَاد الْمُسلمين، قَالَه أَبُو عبد الْملك. قَوْله: (وأدخلاني) ويروى: (فأدخلاني) ، بِالْفَاءِ. قَوْله: (طوفتماني) بالنُّون ويروى: (طوفتما بِي) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة من التطويف، يُقَال: طوف إِذا أَكثر الطّواف وَهُوَ الدوران، يُقَال: طَاف حول الْبَيْت يطوف طوفا وطوفانا، وَتَطوف واستطاف كُله بِمَعْنى. قَوْله: (أما الَّذِي رَأَيْته يشق شدقه، فكذاب) ، قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الْمَالِكِي: لَا بُد من جعل الْمَوْصُول الَّذِي هَهُنَا للمعين، كالعام، حَتَّى جَازَ دُخُول الْفَاء فِي خَبره أَي: المُرَاد هُوَ وَأَمْثَاله قلت: نقل الطَّيِّبِيّ عَنهُ مَبْسُوطا فَقَالَ: قَالَ الْمَالِكِي: فِي هَذَا شَاهد على أَن الحكم قد يسْتَحق بِجُزْء الْعلَّة، وَذَلِكَ أَن الْمُبْتَدَأ لَا يجوز دُخُول الْفَاء على خَبره إلَاّ إِذا كَانَ شَبِيها بِمن الشّرطِيَّة فِي الْعُمُوم، واستقبال مَا يتم بِهِ الْمَعْنى نَحْو الَّذِي يأتيني فمكرم، فَلَو كَانَ الْمَقْصُود بِالَّذِي مَعنا زَالَت مشابهته بِمن وَامْتنع دُخُول الْفَاء على الْخَبَر كَمَا يمْتَنع دُخُولهَا على أَخْبَار المبتدآت الْمَقْصُود بهَا، التَّعْيِين، نَحْو: زيد مكرم، فمكرم لم يجز، فَكَذَا لَا يجوز الَّذِي يأتيني إِذا قصدت بِهِ معينا، لَكِن الَّذِي يأتيني عِنْد قصد التَّعْيِين شَبيه فِي اللَّفْظ بِالَّذِي يأتيني عِنْد قصد الْعُمُوم، فَجَاز دُخُول الْفَاء حملا للشبيه على الشبيه، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ فبإذن الله﴾ (آل عمرَان: ٦٦١) . فَإِن مَدْلُول: مَا، معِين ومدلول: أَصَابَكُم، مَاض إلَاّ أَنه روعي فِيهِ الشّبَه اللَّفْظِيّ، يشبه هَذِه الْآيَة بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ (الشورى: ٠٣) . فَأجرى: مَا، فِي مصاحبة: الْفَاء، مجْرى وَاحِد، ثمَّ قَالَ الطَّيِّبِيّ: أَقُول: هَذَا كَلَام متين، لَكِن جوب الْملكَيْنِ تَفْصِيل لتِلْك الرُّؤْيَا المتعددة المبهمة، فَلَا بُد من ذكر كلمة التَّفْصِيل كَمَا فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) والْحميدِي و (الْمشكاة) أَو تقديرها بِالْفَاءِ جَوَاب أما وَالْفَاء فِي قَوْله: (فأولاد النَّاس) ، جَازَ دُخُوله على الْخَبَر لِأَن الْجُمْلَة معطوفة على مَدْخُول، أما فِي قَوْله أما الرجل الَّذِي رَأَيْته وَحذف الْفَاء فِي بعض المعطوفات نظرا إِلَى أَن أما مَا حذفت حذف مقتضاها، وَكِلَاهُمَا جائزان. قَوْله: (فَنَامَ عَنهُ) أَي: أعرض عَنهُ. و: عَن، هَهُنَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ (الماعون: ٥) . قَوْله: (دَار الشُّهَدَاء) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ اكْتفى فِي هَذِه الدَّار بِذكر الشُّيُوخ والشباب وَلم يذكر النِّسَاء وَالصبيان؟ قلت: لِأَن الْغَالِب أَن الشَّهِيد لَا يكون إلَاّ شَيخا أَو شَابًّا لَا امْرَأَة أَو صَبيا. فَإِن قلت: مُنَاسبَة التَّعْبِير للرؤيا ظَاهِرَة إلَاّ فِي الزناة، فَمَا هِيَ؟ قلت: من جِهَة أَن العري فضيحة كَالزِّنَا ثمَّ إِن الزَّانِي يطْلب الْخلْوَة كالتنور وَلَا شكّ أَنه خَائِف حذر وَقت الزِّنَا، كَأَنَّهُ تَحت النَّار فَإِن قلت: دَرَجَة إِبْرَاهِيم ﵊ رفيعة فَوق دَرَجَات الشُّهَدَاء، فَمَا وَجه كَونه تَحت الشَّجَرَة، وَهُوَ خَلِيل الله وَأَبُو الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ قلت: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه الأَصْل فِي الْملَّة وَأَن كل من بعده من الْمُوَحِّدين فَهُوَ تَابع لَهُ وبممره يصعدون شَجَرَة الْإِسْلَام ويدخلون الْجنَّة. قَوْله: (دَعَاني) أَي: اتركاني، وَهُوَ خطاب للملكين. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الاهتمام بِأَمْر الرُّؤْيَا واستحباب السُّؤَال عَنْهَا وَذكرهَا بعد الصَّلَاة. وَفِيه: التحذير عَن الْكَذِب وَالرِّوَايَة بِغَيْر الْحق. وَفِيه: التحذير عَن ترك قِرَاءَة الْقُرْآن وَالْعَمَل بِهِ. وَفِيه: التَّغْلِيظ على الزناة. وَوجه الضَّبْط فِي هَذِه الْأُمُور أَن الْحَال لَا يَخْلُو من الثَّوَاب وَالْعِقَاب فالعذاب إِمَّا على مَا يتَعَلَّق بالْقَوْل أَو بِالْفِعْلِ، وَالْأول: أما على وجود قَول لَا يَنْبَغِي أَو على عدم قَول يَنْبَغِي، الثَّانِي: إِمَّا على بدني وَهُوَ الزِّنَا وَنَحْوه، أَو مَالِي وَهُوَ الرِّبَا أَو نَحوه، وَالثَّوَاب إِمَّا لرَسُول الله، ﷺ ، ودرجته فَوق الْكل مثل السحابة، وَإِمَّا للْأمة وَهِي ثَلَاث دَرَجَات: الْأَدْنَى للصبيان

стр. 2405

والأوسط للعامة والأعلى للشهداء. وَفِيه: فضل تَعْبِير الرُّؤْيَا. وَفِيه: أَن من قدم خيرا وجده غَدا فِي الْقِيَامَة لقَوْله: (أتيت مَنْزِلك) . وَفِيه: اسْتِحْبَاب إقبال الإِمَام بعد سَلَامه على أَصْحَابه. وَفِيه: مبادرة الْمعبر إِلَى تَأْوِيلهَا أول النَّهَار قبل أَن يتشعب ذهنه باشتغاله فِي معاشه فِي الدُّنْيَا، وَلِأَن عهد الرَّائِي قريب وَلم يطْرَأ عَلَيْهِ مَا يشوشها، وَلِأَنَّهُ قد يكون فِيهَا مَا يسْتَحبّ تَعْجِيله: كالحث على خير والتحذير عَن مَعْصِيّة. وَفِيه: إِبَاحَة الْكَلَام فِي الْعلم. وَفِيه: أَن استدبار الْقبْلَة فِي جُلُوسه للْعلم أَو غَيره جَائِز. ٤٩ - (بابُ مَوْتِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْمَوْت يَوْم الِاثْنَيْنِ. فَإِن قلت: لَيْسَ لأحد اخْتِيَار فِي تعْيين وَقت الْمَوْت، فَمَا وَجه هَذَا؟ قلت: لَهُ مدْخل فِي التَّسَبُّب فِي حُصُوله بِأَن يرغب إِلَى الله لقصد التَّبَرُّك، فَإِن أُجِيب فَخير حصل وإلَاّ يُثَاب على اعْتِقَاده. ٧٨٣١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النبيَّ ﷺ قالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَقَالَ لَهَا فِي أيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ قالَتْ يَوْمَ الإثْنَيْنِ قَالَ فأيُّ يَوْمٍ هاذا قالَتْ يَوْمُ الإثْنَيْنِ قَالَ أرْجُو فِيمَا بَيْنِي وبَيْنَ اللَّيْلِ فنَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يْمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هاذا وَزِيدُوا علَيْهِ ثَوْبَيْنِ فكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْتُ إنَّ هاذا خَلْقً. قَالَ إنَّ الحَيَّ أحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ ودُفِنَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ كَانَت وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، فَمن مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ يُرْجَى لَهُ الْخَيْر لموافقة يَوْم وَفَاته يَوْم وَفَاة النَّبِي ﷺ ، فظهرت لَهُ مزية على غَيره من الْأَيَّام بِهَذَا الِاعْتِبَار، فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة إلَاّ وَقَاه الله تَعَالَى فتْنَة الْقَبْر) . قلت: هَذَا حَدِيث انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل لِأَن ربيعَة بن سيف يرويهِ عَن ابْن عمر، وَلَا يعرف لَهُ سَماع مِنْهُ، فَلذَلِك لم يذكرهُ البُخَارِيّ، فاقتصر على مَا وَافق شَرطه. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخلت على أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) تَعْنِي أَبَاهَا. قَوْله: (فِي كم كفنتم النَّبِي ﷺ ؟) أَي: فِي كم ثوبا كفنتم، و: كم، الاستفهامية وَإِن كَانَ لَهَا صدر الْكَلَام، وَلَكِن الْجَار كالجزء لَهُ فَلَا يتصدر عَلَيْهِ. فَإِن قلت: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أقرب النَّاس إِلَى النَّبِي ﷺ وأعلمهم بِحَالهِ وأموره، فَمَا وَجه هَذَا السُّؤَال؟ قلت: هَذَا السُّؤَال من أبي بكر عَن كفن النَّبِي ﷺ وَعَن الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَالْجَوَاب عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَا فِي مرض مَوته، وَكَانَ قَصده من ذَلِك مُوَافَقَته للنَّبِي ﷺ حَتَّى فِي التَّكْفِين، وَكَانَ يَرْجُو أَيْضا أَن تكون وَفَاته فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ النَّبِي ﷺ ، وَذَلِكَ لشدَّة إتباعه إِيَّاه فِي حَيَاته، فَأَرَادَ اتِّبَاعه فِي مماته، وَحصل قَصده فِي التَّكْفِين، لِأَن عَائِشَة لما قَالَت: كفن رَسُول الله ﷺ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة، أَشَارَ أَبُو بكر أَن يكون كَفنه أَيْضا فِي ثَلَاثَة أَثوَاب، حَيْثُ قَالَ: إغسلوا ثوبي هَذَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى ثَوْبه الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ، وزيدوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ليصير ثَلَاثَة أَثوَاب، مثل كفن النَّبِي ﷺ ، وَأما وَفَاته فقد تَأَخَّرت عَن وَقت وَفَاة النَّبِي ﷺ ، لِأَن النَّبِي ﷺ توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَتُوفِّي أَبُو بكر لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، وَذَلِكَ كَانَ لحكمة فِي التَّأْخِير، وَهِي أَنه إِنَّمَا تَأَخّر عَن يَوْم الْإِثْنَيْنِ

стр. 2406

لكَونه قَامَ بِالْأَمر بعد النَّبِي ﷺ ، فَنَاسَبَ أَن تكون وَفَاته مُتَأَخِّرَة عَن الْوَقْت الَّذِي قبض فِيهِ، ﵊، وَقيل: إِنَّمَا سَأَلَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك بِصِيغَة الِاسْتِفْهَام تَوْطِئَة لعَائِشَة للصبر على فَقده، لِأَنَّهُ لم تكن خرجت من قَلبهَا الحرقة، لمَوْت النَّبِي ﷺ ، وَلَو كَانَ ذكر ابْتِدَاء من أَمر مَوته لدخل عَلَيْهَا غم عَظِيم من ذَلِك، وتجديد حزن، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ غم على غم وحزن على حزن، وَلم يقْصد أَبُو بكر ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون السُّؤَال عَن قدر الْكَفَن على حَقِيقَته لِأَنَّهُ لم يحضر ذَلِك لاشتغاله بِأَمْر الْبيعَة. انْتهى. قلت: مَا أبعد هَذَا عَن مَنْهَج الصَّوَاب، لأَنا قد ذكرنَا أَن السُّؤَال وَالْجَوَاب إِنَّمَا كَانَا فِي مرض موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأجل الْمُوَافقَة والاتباع، وَأَيْنَ كَانَ وَقت اشْتِغَاله بِأَمْر الْبيعَة من هَذَا الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ مَرِيضا مرض الْمَوْت، وَمن الْبعيد أَن لَا يحضر أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تكفين النَّبِي ﷺ مَعَ كَونه أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي كل شَيْء، وَمَعَ هَذَا كَانَت الْبيعَة فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يَوْم الِاثْنَيْنِ، والتكفين كَانَ وَقت دَفنه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء. قَالَه ابْن إِسْحَاق. فَإِن قلت: قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت الْبيعَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ قلت: كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ يَوْم السَّقِيفَة، وَكَانَت الْبيعَة الْعَامَّة يَوْم الثُّلَاثَاء، قَالَه الزُّهْرِيّ وَغَيره. قَوْله: (بيض) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: أَبيض. قَوْله: (سحُولِيَّة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى سحول، قَرْيَة بِالْيمن، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب الثِّيَاب الْبيض للكفن، قَوْله: (وَقَالَ لَهَا) أَي: قَالَ أَبُو بكر لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي أَي يَوْم توفّي فِيهِ رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ بَعضهم: وَأما تعْيين الْيَوْم فنسيانه أَيْضا يحْتَمل، لِأَنَّهُ ﷺ دفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، فَيمكن أَن يحصل التَّرَدُّد: هَل مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ أَو الثُّلَاثَاء؟ انْتهى قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَنَّهُ كَيفَ يخفى عَلَيْهِ ذَلِك وَقد بُويِعَ لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم بيعَة السَّقِيفَة؟ وَأَيْضًا كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهِ فِي مَوته، فَمن قَائِل، قَالَ: مَاتَ رَسُول الله ﷺ ، وَمن قَائِل قَالَ: لم يمت وَمِنْهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى خطب أَبُو بكر إِلَى جَانب الْمِنْبَر، وَبَين لَهُم وَفَاة النَّبِي ﷺ ، فأزال الْجِدَال وأزاح الْإِشْكَال. وَكَيف يخفى عَلَيْهِ مثل ذَلِك الْيَوْم مَعَ قرب الْعَهْد، وَإِنَّمَا كَانَ وَجه سُؤَاله ليعلمها أَنه كَانَ يتَمَنَّى أَن تكون وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَلم يكن سُؤَاله عَن حَقِيقَة ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، يَوْم الِاثْنَيْنِ تطييبا لِقَلْبِهِ، لما قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَي يَوْم توفّي رَسُول الله ﷺ ؟ وَيَوْم الِاثْنَيْنِ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (قَالَ فَأَي يَوْم هَذَا؟) أَي: قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي يَوْم هَذَا؟ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْيَوْم الَّذِي كَانَ مَرِيضا فِيهِ، وَكَانَ آخر أَيَّامه، وَلم يكن مَوته فِيهِ لما ذكرنَا قَوْله: (قلت يَوْم الِاثْنَيْنِ) ، بِرَفْع الْيَوْم لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا الْيَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ. قَوْله: (أَرْجُو فِيمَا بيني وَبَين اللَّيْل) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَبَين اللَّيْلَة) وَمَعْنَاهُ: أَرْجُو من الله تَعَالَى أَن يكون موتِي فِيمَا بَين الْوَقْت الَّذِي أَنا فِيهِ وَبَين اللَّيْل الَّذِي يَأْتِي، يَعْنِي يكون يَوْم الِاثْنَيْنِ ليَكُون مَوته فِي يَوْم موت النَّبِي ﷺ ، وَمَعَ هَذَا توفّي لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة لثمان بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، كَمَا ذكرنَا آنِفا. وَقيل: توفّي أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْجُمُعَة، وَقيل: لَيْلَة الْجُمُعَة و: الأول أصح، وَلَا خلاف أَنه، ﷺ ، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ قبل أَن ينشب النَّهَار، وَمرض لإثنين وَعشْرين لَيْلَة من صفر، وَبَدَأَ وَجَعه عِنْد وليدة لَهُ يُقَال لَهَا رَيْحَانَة كَانَت من سبي الْيَهُود وَكَانَ أول يَوْم مرض يَوْم السبت، وَتُوفِّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتَمام عشر سِنِين من مقدمه ﷺ الْمَدِينَة، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب موت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ سيف بن عمر، إِسْنَاده عَن ابْن عمر، قَالَ: كَانَ سَبَب مرض أبي بكر وَفَاة رَسُول الله ﷺ ، كمد فَمَا زَالَ جِسْمه يذوب حَتَّى مَاتَ. وَقيل: سم، فَقَالَ ابْن سعد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن شهَاب: إِن أَبَا بكر والْحَارث بن كلدة يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فَقَالَ لَهُ الْحَارِث: إرفع يدك يَا خَليفَة رَسُول الله، وَالله إِن فِيهَا السم سنة وَأَنا وَأَنت نموت فِي يَوْم وَاحِد عِنْد انْتِهَاء السّنة، فماتا عِنْد انْقِضَائِهَا، وَلم يَزَالَا عليلين حَتَّى مَاتَا. والخزيرة أَن يقطع اللَّحْم ويذر عَلَيْهِ الدَّقِيق. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الَّذِي سمته امْرَأَة من الْيَهُود فِي أرز، وَقيل: إِن الْيَهُود سمته فِي حسو. وَقيل: اغْتسل فِي يَوْم بَارِد فَحم خَمْسَة عشر يَوْمًا وَتُوفِّي، حَكَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن عَائِشَة. وَقيل: علق بِهِ سل قبل وَفَاة رَسُول الله ﷺ فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَتله، حَكَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (ثمَّ نظر) ، أَي: أَبُو بكر، إِلَى ثوب عَلَيْهِ أَي

стр. 2407

ثوب كَائِن على بدنه، قَوْله: (كَانَ يمرض فِيهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض، من مَرضت فلَانا بِالتَّشْدِيدِ إِذا أَقمت عَلَيْهِ بالتعهد والمداواة، قَوْله: (بِهِ ردع) ، أَي: بِهَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ ردع، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ اللطخ والأثر، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من زعفران) ، للْبَيَان. قَوْله: (وزيدوا عَلَيْهِ) أَي: على هَذَا الثَّوْب. قَوْله: (فيهمَا) أَي: فِي الْمَزِيد والزيد عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن بطال: إِن كَانَت الرِّوَايَة: فِيهَا، فَالضَّمِير عَائِد إِلَى الأثواب الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت: فيهمَا، يَعْنِي بالتثنية، فكأنهما جَعلهمَا جِنْسَيْنِ: الثَّوْب الَّذِي كَانَ يمرض فِيهِ جِنْسا، والثوبين الآخرين جِنْسا، فذكرهما بِلَفْظ التَّثْنِيَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فِيهَا بإفراد الضَّمِير. قَوْله: (قلت: إِن هَذَا خلق) أَي: قَالَت عَائِشَة: إِن هَذَا الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ خلق، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام، أَي: بَال، عَتيق، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عِنْد ابْن سعد: (أَلا تجعلها جددا كلهَا؟ قَالَ: لَا) . وَيفهم من هَذَا أَنه كَانَ يرى عدم المغالاة فِي الأكفان، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بعد ذَلِك: (إِن الْحَيّ أَحَق بالجديد، إِنَّمَا هُوَ للمهلة) ، بِضَم الْمِيم وَهُوَ: الْقَيْح والصديد، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالمهلة مَعْنَاهَا الْمَشْهُور، أَي: الْجَدِيد لمن يرى المهلة فِي بَقَائِهِ، ويروى: المهلة، بِكَسْر الْمِيم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: فَإِنَّمَا هما للمهل وَالتُّرَاب، ويروى: للمهلة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا وَهُوَ: الْقَيْح والصديد الَّذِي يذوب. وَقيل: من الْجَسَد، وَمِنْه قيل للنحاس الذائب: مهل. وَقَالَ ابْن حبيب: المهلة، بِالْكَسْرِ: الصديد وَبِفَتْحِهَا من التمهل وَبِضَمِّهَا عكر الزَّيْت الْأسود المظلم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ﴾ (المعارج: ٨) . وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي هَذَا الحَدِيث إِنَّهَا صديد الْمَيِّت، زَعَمُوا أَن الْمهل ضرب من القطران، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَا تغَالوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يسلب سَرِيعا) . قَوْله: (لَا تغَالوا) ، من المغالاة وَهِي مُجَاوزَة الْعدَد، وَالْمعْنَى: لَا تبالغوا. قَوْله: (يسلب سَرِيعا) يَعْنِي: يسلب الْمَيِّت الْكَفَن، وَالْمعْنَى: يبْلى عَلَيْهِ وَيقطع وَلَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمَيِّت. فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه مُسلم عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه) . وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بن أُسَامَة وَأحمد بن منيع: (إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه فَإِنَّهُم يبعثون فِي أكفانهم ويتزاورون فِي أكفانهم) . وَفِي رِوَايَة أبي نصر عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَحْسنُوا أكفان مَوْتَاكُم فَإِنَّهُم يتباهون ويتزاورون) . قلت: لَا تعَارض بَينهمَا، لِأَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ بالمغالاة فِي ثمنه ورقته، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ كَونه جَدِيدا أَبيض، حَكَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن سَلام بن أبي مُطِيع، وروى ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه كَانَ يُعجبهُ الْكَفَن الصفيق، وروى أَيْضا عَن جَعْفَر بن مَيْمُون، قَالَ: كَانُوا يستحبون أَن تكون الْمَرْأَة فِي غِلَاظ الثِّيَاب، وروى أَيْضا عَن الْحسن وَمُحَمّد أَنه: كَانَ يعجبهما أَن يكون الْكَفَن كتانا، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن الحنيفة. قَالَ: لَيْسَ للْمَيت من الْكَفَن شَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ تكرمة الْحَيّ. وَقيل فِي الْجمع بَينهمَا: يحمل التحسين على الصّفة، وَتحمل المغالاة على الثّمن، وَقيل: التحسين حق الْمَيِّت فَإِذا أوصى بِتَرْكِهِ اتبع، كَمَا فعل الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون اخْتَار ذَلِك الثَّوْب بِعَيْنِه لِمَعْنى فِيهِ من التَّبَرُّك بِهِ، لكَونه كَانَ جَاهد فِيهِ أَو تعبد فِيهِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن سعد من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، قَالَ أَبُو بكر: كفنوني فِي ثوبي اللَّذين كنت أُصَلِّي فيهمَا. قلت: يحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن الثَّوْب الَّذِي اخْتَارَهُ كَانَ وصل إِلَيْهِ من النَّبِي ﷺ ، فَلذَلِك اخْتَارَهُ تبركا بِهِ، وَحقّ لَهُ هَذَا الِاخْتِيَار. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّكْفِين فِي الثِّيَاب الْبيض. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تثليث الْكَفَن. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِين فِي الثِّيَاب المغسولة. وَفِيه: إِيثَار الْحَيّ بالجديد. وَفِيه: جَوَاز دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْمُوَافقَة فِيمَا وَقع للأكابر تبركا بذلك. وَفِيه: أَخذ الْمَرْء الْعلم عَمَّن دونه. وَفِيه: فضل أبي بكر وَصِحَّة فراسته وثباته عِنْد وَفَاته، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن وَصِيَّة الْمَيِّت مُعْتَبرَة فِي كَفنه وَغير ذَلِك من أمره إِذا وَافق صَوَابا، فَإِن أوصى بسرف، فَعَن مَالك: يُكفن بِالْقَصْدِ، فَإِن لم يوص لم ينقص عَن ثَلَاثَة أَثوَاب من جنس لِبَاسه فِي حَيَاته، لِأَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَالنَّقْص مِنْهَا خُرُوج بِهِ عَن عَادَته، وَلَا خلاف فِي جَوَاز التَّكْفِين فِي خلق الثِّيَاب إِذا كَانَت سَالِمَة من الْقطع وساترة لَهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: فِيهِ: أَن التَّكْفِين فِي الثَّوْب الْجَدِيد والخلق سَوَاء، وَاعْترض عَلَيْهِ بِاحْتِمَال أَن يكون أَبُو بكر اخْتَارَهُ لِمَعْنى من الْمعَانِي الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، وعَلى تَقْدِير أَن لَا يكون كَذَلِك فَلَا دَلِيل فِيهِ على الْمُسَاوَاة. وَالله أعلم.

стр. 2408

٥٩ - (بابُ مَوْتِ الفَجْأةِ البَغْتَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال الْمَوْت فَجْأَة، وَلم يُبينهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ غير مَكْرُوه، لِأَنَّهُ ﷺ لم يظْهر مِنْهُ كراهيته لما أخبرهُ الرجل بِأَن أمه افتلتت نَفسهَا، والفجاءة، بِضَم الْفَاء وبالمد، وَفِي (الْمُحكم) : فَجْأَة وفجأة يفجؤه فجَاء وفجاءة وافتجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عَلَيْهِ من غير أَن يشْعر بِهِ، ولقيته فَجْأَة وضعوه مَوضِع الْمصدر، وَمَوْت الْفجأَة مَا يفجأ الْإِنْسَان من ذَلِك. . وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ بِالضَّمِّ، والهمزة، وَفِي (الاصلاح) ليعقوب: فاجأني وفجأني الرجل. قَالَ أَبُو زيد: إِذا لَقيته وَلَا تشعر بِهِ وَهُوَ لَا يشْعر بك أَيْضا. وَعند ابْن التياني: فجأ الْأَمر وفاجأ وفجىء، وَبِه يرد على ابْن درسْتوَيْه فِي كتاب (تَصْحِيح الفصيح) ٧ والعامة تفتح ماضيه، وَقَالَ قطرب: الأَصْل: فجا، وَنحن نتفجى فلَانا أَي ننتظره وأتيته فجواء أَي: مفاجأة، وَحكى الْمُطَرز عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه يُقَال: أَتَيْته فجاة والتقاطا وعينا وبددا، أَي: بِغَيْر تلبث. قَوْله: (البغتة) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْفجأَة وَيجوز أَن يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ البغتة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بَغْتَة، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال بغته يبغته بغتا، أَي: فاجأه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: البغت أَن يفجأك الشَّيْء، تَقول: بَغْتَة أَي: فَجْأَة ولقيته بَغْتَة أَي فجاءة، والمباغتة المفاجأة. ٨٨٣١ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبرنِي هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنبيِّ ﷺ إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها قالَ نَعَمْ. (الحَدِيث ٨٨٣١ طرفه فِي: ٠٦٧٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لما أجَاب بقوله: (نعم) لذَلِك الْقَائِل الَّذِي فِي الحَدِيث دلّ على أَن موت الْفجأَة غير مَكْرُوه، وَقد ورد فِي حَدِيث عَن عَائِشَة وَابْن مَسْعُود، أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (موت الْفجأَة رَاحَة لِلْمُؤمنِ وأسف على الْفَاجِرَة) . فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبيد بن خَالِد السّلمِيّ، رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، قَالَ: موت الْفجأَة أَخْذَة آسَف، والآسف على فَاعل من الصِّفَات المشبهة، والآسف بِفتْحَتَيْنِ اسْم، وَالْمعْنَى: أَخْذَة غَضْبَان فِي الْوَجْه الأول، وَأَخْذَة غضب فِي الْوَجْه الثَّانِي، وَمَعْنَاهُ: أَنه فعل مَا أوجب الْغَضَب عَلَيْهِ والانتقام مِنْهُ بِأَن أَمَاتَهُ بَغْتَة من غير استعداد وَلَا حُضُور لذَلِك، وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي ﷺ مر بجدار مائل فأسرع، وَقَالَ: أكره موت الْفَوات) . قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن الأول: مَحْمُول على من استعد وتأهب، وَالثَّانِي: مَحْمُول على من فرط. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَانَ ذَلِك، وَالله أعلم، لما فِي موت الْفجأَة من خوف حرمَان الْوَصِيَّة وَترك الاستعداد للمعاد بِالتَّوْبَةِ وَغَيرهَا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْمَوْت) : من حَدِيث أنس نَحْو حَدِيث عبيد بن خَالِد، وَزَاد فِيهِ: المحروم من حرم وَصيته) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر بن أبي كثير. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مصري وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون، وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ سعد بن عبَادَة، قَالَ أَبُو عمر: وَاسم أمه عمْرَة. قَوْله: (افتلتت نَفسهَا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: مَاتَت فَجْأَة، يُقَال: افتلت فلَان على صِيغَة الْمَجْهُول، وافتلتت نَفسه أَيْضا، و: نَفسهَا، نصب على التَّمْيِيز أَو مفعول ثانٍ بِمَعْنى: سلبت، ويروى بِرَفْع النَّفس، وَهُوَ ظَاهر. وَسَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سعد بن عبَادَة استفتى رَسُول الله ﷺ فِي نذر كَانَ على أمه توفيت قبل أَن تقضيه، فَقَالَ: إقضه عَنْهَا، وَلأبي دَاوُد: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي افتلتت نَفسهَا. .) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وللنسائي عَن ابْن عَبَّاس، (عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، إِن أُمِّي مَاتَت فَأَي الصَّدَقَة

стр. 2409

أفضل؟ قَالَ: المَاء) . وَفِي حَدِيث مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، إِن أبي مَاتَ وَترك مَالا وَلم يوص، فَهَل يَكْفِي ذَلِك عَنهُ أَن أَتصدق؟ قَالَ: نعم) فالقضية إِذن مُتعَدِّدَة. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن الصَّدَقَة عَن الْمَيِّت تجوز، وَأَنه ينْتَفع بهَا، وروى أَحْمد عَن عبد الله بن عَمْرو أَن الْعَاصِ بن وَائِل نذر فِي الْجَاهِلِيَّة أَن ينْحَر مائَة بَدَنَة، وَأَن هِشَام بن الْعَاصِ نحر عَنهُ خمسين، وَأَن عمرا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك، فَقَالَ: أما أَبوك فَلَو أقرّ بِالتَّوْحِيدِ فَصمت وتصدقت عَنهُ نَفعه ذَلِك، وَعند ابْن مَاكُولَا، من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن حبَان عَن أَبِيه عَن جده (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقلت: إِنَّا لندعو لموتانا ونتصدق عَنْهُم ونحج، فَهَل يصل ذَلِك إِلَيْهِم؟ فَقَالَ: إِنَّه ليصل إِلَيْهِم ويفرحون بِهِ كَمَا يفرح أحدكُم بالهدية) . ٦٩ - (بابُ مَا جاءَ فِي قَبْرِ النبيِّ ﷺ وَأبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي صفة قبر النَّبِي ﷺ ، وَصفَة قبر أبي بكر الصّديق وَعمر الْفَارُوق من كَون قبرهم فِي بَيت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَكَونه مسنما أَو غير مسنم، وَكَونه بارزا أَو غير بارز، وَمن كَون أبي بكر وَعمر مَعَه ﷺ ، وَفِيه فَضِيلَة عَظِيمَة لَهما فِيمَا لَا يشاركهما فِيهَا أحد، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا وزيريه فِي حَال حَيَاته، وصارا ضجيعيه بعد مماته، وَهَذِه فَضِيلَة عَظِيمَة خصهما الله تَعَالَى بهَا، وكرامة حياهما بهَا لم تحصل لأحد: أَلا ترى وَصِيَّة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، إِلَى ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَن لَا يدفنها مَعَهم خشيَة أَن تزكّى بذلك، وَهَذَا من تواضعها وإقرارها بِالْحَقِّ لأَهله، وإيثارها بِهِ على نَفسهَا، وَرَأَتْ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَهلا وَأَيْضًا لقرب طينتهما من طينته، فَفِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (مر رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة عِنْد قبر، فَقَالَ: من هَذَا؟ فَقيل: فلَان الحبشي، فَقَالَ ﷺ : لَا إلاه إلَاّ الله، سيق من أرضه وسمائه إِلَى تربته الَّتِي مِنْهَا خلق) . قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَإِنَّمَا استأذنها عمر فِي ذَلِك وَرغب إِلَيْهَا فِيهِ لِأَن الْموضع كَانَ بَيتهَا، وَلها فِيهِ حق، وَلها أَن تُؤثر بِهِ نَفسهَا لذَلِك، فآثرت بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقد كَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَأَتْ رُؤْيا دلتها على مَا فعلت حِين رَأَتْ ثَلَاثَة أقمار سقطن فِي حُجْرَتهَا، فقصتها على والدها لما توفّي رَسُول الله ﷺ وَدفن فِي بَيتهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو بكر: هَذَا أول أقمارك وَهُوَ خَيرهَا. وَقَوْلُ الله ﴿فأقبره﴾ قَول الله: مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: فأقبره، بالتأويل، يَعْنِي قَول الله مقول فِيهِ فأقبره يُشِير بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره﴾ (عبس: ١٢) . وَذَلِكَ بعد أَن خلقه سويا ثمَّ أَمَاتَهُ، أَي: قبض روحه فأقبره أَي: جعله ذَا قبر يدْفن فِيهِ، وَقيل: جعل لَهُ من يقبره ويواريه وَلَا يلقى للسباع وَالطير، ليَكُون مكرما حَيا وَمَيتًا، وَلم يقل: قَبره، لِأَن فَاعل ذَلِك هُوَ الله تَعَالَى، أَي: صيره مقبورا فَلَيْسَ كَفعل الْآدَمِيّ، وَالْعرب تَقول: طردت فلَانا عني، وَالله أطرده أَي: جعله طريدا. أقْبَرْتُ الرَّجُلَ إذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرا وقَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْفرق فِي الْمَعْنى بَين: أقبرت، الَّذِي هُوَ من الثلاثي الْمَزِيد من بَاب: الْأَفْعَال، وَبَين: قبرت، الَّذِي من الثلاثي الْمُجَرّد، وبيَّن أَن معنى: أقبرت، جعلت لَهُ قبرا، وَأَن معنى: قبرت فلَانا: دَفَنته. كِفَاتا يَكُونُونَ فِيهَا أحْيَاءً ويُدْفَنُونَ فِيهَا أمْوَاتا أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا﴾ (المرسلات: ٥٢) . وَقَوله: كفاتا، كلمة من الْقُرْآن الْكَرِيم، وَقَوله: يكونُونَ فِيهَا تَفْسِيره. وروى عبد بن حميد من طَرِيق مُجَاهِد، قَالَ فِي قَوْله: ﴿ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا أَحيَاء وأمواتا﴾ (المرسلات: ٥٢) . قَالَ يكونُونَ فِيهَا مَا أَرَادوا، ثمَّ يدفنون فِيهَا. انْتهى. والكفات من: كفت الشَّيْء أكفته إِذا جمعته وضممته. قَالَه الزّجاج: وَقَالَ الْفراء: نكفتهم أَمْوَاتًا فِي بَطنهَا، أَي: نحفظهم ونحرزهم وَنصب الْأَحْيَاء والأموات بِوُقُوع الكفات عَلَيْهِ. وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) : كفاتا وعَاء. وَعَن ابْن عَبَّاس: كُنَّا، وَعَن مُجَاهِد: ﴿ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا﴾ (المرسلات: ٥٢) . قَالَ: نكفت أذاهم وَمَا يخرج مِنْهُم. وَفِي (الْمُحكم) : كفته وكفته: قَبضه وضمه. قَالَ: وَعِنْدِي أَن الكفات فِي الْآيَة الْكَرِيمَة مصدر من: كفت.

стр. 2410

٩٨٣١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني سُلَيْمَانُ عنْ هِشَامٍ ح وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا أبُو مَرْوَانَ يَحْيى بنُ أبِي زَكَرِيَّاءَ عنْ هِشَامٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ إنْ كانَ رسولُ الله ﷺ ليَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ أيْنَ أَنا اليَوْمَ أيْنَ أَنا غَدا اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عائِشَةَ فَلَمَّا كانَ يَوْمِي قَبَضَهُ الله بَيْنَ سَحْري ونَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ دفن فِي بَيت عَائِشَة، وَفِيه قَبره، والترجمة فِي قبر النَّبِي ﷺ . ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس واسْمه عبد الله إِبْنِ أُخْت مَالك بن أنس، وَقد تقدم. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير. الرَّابِع: مُحَمَّد بن حَرْب ضد الصُّلْح أَبُو عبد الله النَّسَائِيّ، بِفَتْح النُّون وبالشين الْمُعْجَمَة، مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الْخَامِس: أَبُو مَرْوَان يحيى بن أبي زَكَرِيَّا الغساني، مَاتَ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة. السَّادِس: عُرْوَة ابْن الزبير بن الْعَوام. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه إِسْمَاعِيل وَسليمَان وَهِشَام وَعُرْوَة مدنيون وَمُحَمّد بن حَرْب شَيْخه واسطي وَيحيى بن أبي زَكَرِيَّا شَامي سكن وَاسِط. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن كَانَ رَسُول الله، ﷺ كلمة: إِن، هَذِه مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، فَتدخل على الجملتين، فَإِن دخلت على الإسمية جَازَ إعمالها خلافًا للكوفيين. وَحكى سِيبَوَيْهٍ: إِن عمرا لمنطلقٌ، وَإِن دخلت على الفعلية وَجب إهمالها، وَهَهُنَا دخلت على الفعلية، وَالْأَكْثَر كَون الْفِعْل مَاضِيا. قَوْله: (ليتعذر) بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة أَي: يطْلب الْعذر، فِيمَا يحاوله من الِانْتِقَال إِلَى بَيت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَيُمكن أَن يكون بِمَعْنى: يتعسر، أَي: يتعسر عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الصَّبْر. وَعند ابْن التِّين فِي رِوَايَة أبي الْحسن: ليتقدر، بِالْقَافِ وَالدَّال الْمُهْملَة. قَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ يسْأَل عَن قدر مَا بَقِي إِلَى يَوْمهَا ليهون عَلَيْهِ بعض مَا يجد، لِأَن الْمَرِيض يجد عِنْد بعض أَهله مَا لَا يجده عِنْد غَيره من الْأنس والسكون. قَوْله: (أَيْن أَنا الْيَوْم) أَي: أَيْن أكون فِي هَذَا الْيَوْم، وَأَيْنَ أكون غَدا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يُرِيد بقوله: (أَيْن أَنا الْيَوْم) : لمن النّوبَة الْيَوْم؟ وَلمن النّوبَة غَدا؟ أَي: فِي حجرَة أَي امْرَأَة من النِّسَاء أكون غَدا؟ استبطاء ليَوْم عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، يستطيل الْيَوْم اشتياقا إِلَيْهَا وَإِلَى نوبتها. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ يومي) أَي: فِي النّوبَة. قَوْله: (بَين سحرِي وَنَحْرِي) السحر، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَا التزق بالحلقوم والمريء من أَعلَى الْبَطن، وَالسحر، بِفتْحَتَيْنِ كَذَلِك وبضم السِّين كَذَلِك، وَالسحر أَيْضا: الرئة، وَالْجمع: سحور، ذكره ابْن سَيّده. وَذكر ابْن عديس أَيْضا فِي الرئة: سحرًا، بِفتْحَتَيْنِ. وَفِي (الصِّحَاح) السحر الرئة وَالْجمع أسحار، كبرد وأبراد. وَقَالَ الْفراء: السحر أَكثر قَول الْعَرَب السحر والنحر، بالنُّون: الصَّدْر. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه (الْغَرِيب) : بَلغنِي عَن عمَارَة بن عقيل بن بِلَال بن جرير أَنه قَالَ: إِنَّمَا هُوَ شجري وَنَحْرِي، بالشين المنقوطة وَالْجِيم، فَسئلَ عَن ذَلِك فشبك بَين أَصَابِعه وقدمها من صَدره، كَأَنَّهُ يضم شَيْئا إِلَيْهِ، أَرَادَ أَنه قبض وَقد ضمته بِيَدَيْهَا إِلَى نحرها وصدرها، وَالشَّجر التشبيك. وَفِي (الْمُخَصّص) : الشّجر طرفا اللحيين من أَسْفَل،. وَقيل: هُوَ مُؤخر الْفَم، وَالْجمع أَشجَار وشجور. وَيُسْتَفَاد من الحَدِيث فَضِيلَة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (وَدفن فِي بَيْتِي) نِسْبَة الْبَيْت إِلَيْهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: (وَقرن فِي بيوتكن﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣) . لِأَن الْبيُوت كَانَت لرَسُول الله ﷺ . ٠٩٣١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ هِلالٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قَالَ رسولُ الله ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ الله اليَهُودَ والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَوْلَا ذالِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أنَّهُ خَشِيَ أوْ خُشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدا وعنْ هِلالٍ قَالَ كَنَّانِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ ولَمْ يُولَدْ لِي. .

стр. 2411

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أبرز قَبره) ، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري، تكَرر ذكره، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وهلال بن حميد، وَيُقَال ابْن أبي حميد، وَيُقَال ابْن عبد الله الجهيني الْوزان، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الزَّاي وبالنون، مر فِي: بَاب مَا يكره من اتِّخَاذ الْمَسَاجِد، مَعَ الحَدِيث فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن شَيبَان عَن هِلَال الْوزان عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا فِيهِ الْكِفَايَة. قَوْله: (لَوْلَا ذَلِك) من كَلَام عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (أبرز) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أظهر. قَوْله: (خشِي) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم، أَي: خشِي رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (أَو خشِي) على صِيغَة الْمَجْهُول، فالخاشي الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَو عَائِشَة، أَو رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (وَعَن هِلَال) يَعْنِي: بلإسناد الْمَذْكُور. قَوْله: (كناني: عُرْوَة) أَي: ابْن الزبير بن الْعَوام الَّذِي روى عَنهُ هَذَا الحَدِيث، وَاخْتلفُوا فِي كنية هِلَال، فَقيل: أَبُو أُميَّة، وَقيل: أَبُو الجهم، وَقيل: أَبُو عَمْرو وَهُوَ الْمَشْهُور، وَمعنى: كناني أَي: جعلني ذَا كنية ونسبني إِلَيْهَا. وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ بإيراد هَذَا الْكَلَام التَّنْبِيه على لِقَاء هِلَال عُرْوَة. قَوْله: (وَلم يُولد لي) جملَة حَالية أَي: كناني بكنية وَالْحَال لم يُولد لي ولد، لِأَن الْغَالِب لَا يكنى الشَّخْص إلَاّ باسم أول أَوْلَاده، وَهَذَا كناه وَلَا جَاءَ لَهُ ولد. وَفِيه: جَوَاز التكنية سَوَاء جَاءَ للمكني ولد أَو لَا، وَقد كنى الشَّارِع عَائِشَة بِابْن أُخْتهَا، عبد الله بن الزبير. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا أبُو بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ عنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أنَّهُ حدَّثَهُ أنَّهُ رَأى قَبْرَ النبيِّ ﷺ مُسَنَّما مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن الْمروزِي المجاور بِمَكَّة. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي. الثَّالِث: أَبُو بكر بن عَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: الْكُوفِي المقرىء الْمُحدث، مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة. الرَّابِع: سُفْيَان بن دِينَار الْكُوفِي التمار، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْمِيم: وَهُوَ من كبار أَتبَاع التَّابِعين، وَقد لحق عصر الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَلم تعرف لَهُ رِوَايَة عَن صَحَابِيّ. وَفِي (تَارِيخ البُخَارِيّ: سُفْيَان بن زِيَاد، وَيُقَال: ابْن دِينَار التمار الْعُصْفُرِي، وَزعم الْبَاجِيّ: أَن بَعضهم فرق بَين ابْن زِيَاد وَبَين أبي دِينَار، وَزعم أَنه هُوَ الْمَذْكُور عِنْد البُخَارِيّ فِي (الصَّحِيح) ، وكل مِنْهُمَا كُوفِي عصفري، وَلم يروِ البُخَارِيّ عَن أبي دِينَار التمار إلَاّ قَوْله هَذَا، وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، وروى ابْن أبي شيبَة هَذَا القَوْل، وَزَاد: (وقبر أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مسنمين) . وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : وقبر أبي بكر وَعمر كَذَلِك، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَخْبرنِي من رأى قبر رَسُول الله ﷺ وصاحبيه مسنمة نَاشِزَة من الأَرْض عَلَيْهَا مرمر أَبيض. وَقَالَ الشّعبِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: رَأَيْت قُبُور شُهَدَاء أحد مسنمة، وَكَذَا فعل بِقَبْر عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي يزِيد بن أبي حبيب أَنه يسْتَحبّ أَن تُسنم الْقُبُور وَلَا ترفع وَلَا يكون عَلَيْهَا تُرَاب كثير، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين وَالثَّوْري وَمَالك وَأحمد، وَاخْتَارَهُ جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة مِنْهُم، الْمُزنِيّ: أَن الْقُبُور تُسنم لِأَنَّهَا أمنع من الْجُلُوس عَلَيْهَا، وَقَالَ أَشهب وَابْن حبيب: أحب إِلَى أَن يسنم الْقَبْر، وَإِن يرفع فَلَا بَأْس. وَقَالَ طَاوُوس: كَانَ يعجبهم أَن يرفع الْقَبْر شَيْئا حَتَّى يعلم أَنه قبر، وَادّعى القَاضِي حُسَيْن اتِّفَاق أَصْحَاب الشَّافِعِي على التسنيم، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ جمَاعَة من قدماء الشَّافِعِيَّة استحبوا التسطيح، كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي، وَبِه جزم الْمَاوَرْدِيّ وَآخَرُونَ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ الشَّافِعِي: تسطح الْقُبُور وَلَا تبنى وَلَا ترفع وَتَكون على وَجه الأَرْض نَحوا من شبر. قَالَ: وبلغنا أَن النَّبِي ﷺ سطح قبر ابْنه إِبْرَاهِيم، ﵇، وَوضع عَلَيْهِ الْحَصْبَاء ورش عَلَيْهِ المَاء، وَأَن مَقْبرَة الْأَنْصَار والمهاجرين مسطحة قُبُورهم، وَرُوِيَ عَن مَالك مثله وَاحْتج الشَّافِعِي أَيْضا بِمَا روى التِّرْمِذِيّ عَن أبي الْهياج الْأَسدي، واسْمه: حَيَّان. قَالَ لي عَليّ: أَلا أَبْعَثك على مَا بَلغنِي عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ : (أَن لَا أدع قبرا مشرفا إلَاّ سويته، وَلَا تمثالاً إلَاّ طمسته) . وَبِمَا روى أَبُو دَاوُد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: دخلت عَليّ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقلت: يَا أُمَّاهُ اكشفي لي قبر رَسُول الله ﷺ ، فَكشفت لي عَن ثَلَاثَة قُبُور لَا مشرفة وَلَا لاطئة مبطوحة ببطحاء الْعَرَصَة الْحَمْرَاء، فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ مقدما، وَأَبا بكر رَأسه بَين كَتِفي النَّبِي

стр. 2412

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعمرا رَأسه عِنْد رجْلي النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويسنم الْقَبْر من التسنيم، وتسنيمه، رَفعه من الأَرْض، مِقْدَار شبر أَو أَكثر قَلِيلا. وَفِي (ديوَان الْأَدَب) : يُقَال: قبر مسنم، أَي: غير مسطح، وَبِه قَالَ مُوسَى بن طَلْحَة وَيزِيد بن أبي حبيب، وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَمَالك وَأحمد. وَفِي (الْمُغنِي) : وَاخْتَارَ التسنيم أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ وَأَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة والجويني وَالْغَزالِيّ وَالرُّويَانِيّ والسرخسي، وَذكر القَاضِي حُسَيْن اتِّفَاقهم عَلَيْهِ، وخالفوا الشَّافِعِي فِي ذَلِك، وَالْجَوَاب عَمَّا رَوَاهُ الشَّافِعِي: أَنه ضَعِيف ومرسل وَهُوَ لَا يحْتَج بالمرسل، وَعَما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: أَن المُرَاد من المشرفة الْمَذْكُورَة فِيهِ هِيَ المبنية الَّتِي يطْلب بهَا المباهاة، وَعَما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَن رِوَايَة البُخَارِيّ تعارضها. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالْبَغوِيّ: وَرِوَايَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد أصح، وَأولى أَن تكون مَحْفُوظَة، قلت: قَالَ صَاحب (اللّبَاب) : هَذِه كبوة مِنْهُمَا بِمَا رفلا فِيهِ من ثِيَاب التعصب والعناد، وإلَاّ فَأَحْمَد يرجح رِوَايَة أبي دَاوُد على رِوَايَة البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) . وَقَالَ صَاحب (الْمُغنِي) : رِوَايَة البُخَارِيّ أصح وَأولى. وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ: التربيع من شعار الرافضة، وَقَالَ ابْن قدامَة: التسطيح هُوَ شعار أهل الْبدع، فَكَانَ مَكْرُوها. وَقَالَ الْمُزنِيّ فِي (كتاب الْجَنَائِز) : إِذا ثَبت أحد الْخَبَرَيْنِ المسطح أَو المسنم فَأشبه الْأَمريْنِ بِالْمَيتِ مَا لَا يشبه المصانع ليجلس عَلَيْهِ، والمسطح يشبه مَا يصنع للجلوس، وَلَيْسَ المسنم هُوَ مَوضِع الْجُلُوس، وَقد نهى عَن الْجُلُوس على الْقُبُور. وَقَالَ الْمُزنِيّ؛ وَفِي التسنيم منع الْجُلُوس فَهُوَ أمنع من أَن يجلس عَلَيْهَا، وأشبه بِأَمْر الْآخِرَة، وَلَكِن لَا يُزَاد فِيهِ أَكثر من ترابه، وَيعلم ليعرف فيدعى لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: وَقَول سُفْيَان التمار لَا حجَّة فِيهِ، كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ لاحْتِمَال أَن قَبره ﷺ لم يكن فِي الأول مسنما، ثمَّ ذكر مَا ذَكرْنَاهُ عَن أبي دَاوُد. قلت: قد أبعد عَن مَنْهَج الصَّوَاب من يحْتَج بالإحتمال، مَعَ أَن هَذَا الْقَائِل لَا يقدم شَيْئا على رِوَايَة البُخَارِيّ، وَعند قيام التعصب يحيد عَن ذَلِك، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: ثمَّ الإختلاف فِي ذَلِك أَيهمَا أفضل لَا فِي أصل الْجَوَاز، ثمَّ قَالَ: ويرجح التسطيح مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث فضَالة بن عبيد أَنه مر بِقَبْر فسوي، ثمَّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَأْمر بتسويتها قلت: إِنَّمَا أَمر بالتسوية لأجل الْبناء الَّذِي يبْنى عَلَيْهَا، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ للمباهاة كَمَا ذكرنَا، وَذكر الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النجار فِي كِتَابه (الدرة الثمينة فِي أَخْبَار الْمَدِينَة) : أَن قبر النَّبِي ﷺ وقبر صَاحِبيهِ فِي صفة بَيت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَالَ: وَفِي الْبَيْت مَوضِع قبر فِي السهوة المشرفة، قَالَ سعيد بن الْمسيب: فِيهِ يدْفن عِيسَى ابْن مَرْيَم، ﵊. وَعَن عبد الله بن سَلام، قَالَ: يدْفن عِيسَى مَعَ النَّبِي ﷺ فَيكون قَبره رَابِعا. وَعَن عُثْمَان بن نسطاس، قَالَ: رَأَيْت قبر النَّبِي ﷺ لما هَدمه عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مرتفعا نَحْو أَرْبَعَة أَصَابِع، وَرَأَيْت قبر أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرَاء قبر النَّبِي ﷺ ، وقبر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَسْفَل مِنْهُ، وَعَن عمْرَة عَن عَائِشَة، قَالَت: رَأس النَّبِي ﷺ مِمَّا يَلِي الْمغرب، وَرَأس أبي بكر عِنْد رجلَيْهِ ﷺ ، وَعمر خلف ظهر النَّبِي ﷺ ، وَعَن نَافِع بن أبي نعيم قبر النَّبِي ﷺ أمامهما إِلَى الْقبْلَة مقدما ثمَّ قبر أبي بكر حذاء مَنْكِبي رَسُول الله، ﷺ ، وقبر عمر حذاء مَنْكِبي أبي بكر، وَعَن مُحَمَّد بن الْمُبَارك. قَالَ: قبر النَّبِي ﷺ هَكَذَا، وقبر أبي بكر خَلفه، وقبر عمر عِنْد رجْلي النَّبِي ﷺ . وَقَالَ ابْن عقيل: قبر أبي بكر عِنْد رجلَيْهِ ﷺ ، وقبر عمر عِنْد رجْلي أبي بكر. وَقَالَ ابْن التِّين: يُقَال: إِن أَبَا بكر خلف النَّبِي ﷺ قد جَازَ ملحده ملحد النَّبِي ﷺ ، وَرَأس عمر عِنْد رجْلي أبي بكر قد حازت رِجْلَاهُ رجْلي النَّبِي ﷺ ، وَقد ذكرت فِي صفة قُبُورهم أَقْوَال فالأكثر هَكَذَا.

стр. 2413

وَقد استدلت جمَاعَة على فَضِيلَة الشَّيْخَيْنِ بمجاورتهما ملحده ﷺ ولقرب طينهما من طينه، لما فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي الحبشي الْمَذْكُور فِي أَوَائِل الْبَاب، وَله شَوَاهِد أَكْثَرهَا صَحِيحَة. مِنْهَا: حَدِيث جُنْدُب بن سُفْيَان يرفعهُ: (إِذا أَرَادَ الله قبض عبد بِأَرْض جعل لَهُ بهَا حَاجَة) . وَحَدِيث ابْن مَسْعُود ومطرز بن مكامس وَعُرْوَة بن مُضرس بِنَحْوِهِ. وَفِي (الْحِلْية) لأبي نعيم الْحَافِظ: عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا من مَوْلُود إلَاّ وَقد ذَر عَلَيْهِ من تُرَاب حفرته) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. وَفِي (نَوَادِر الْأُصُول) للحكيم أبي عبد الله التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مرّة الطّيب عَن عبد الله بن مَسْعُود (أَن الْملك الْمُوكل بالرحم يَأْخُذ النُّطْفَة فيعجنها بِالتُّرَابِ الَّذِي يدْفن فِي بقعته، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم﴾ (طه: ٥٥) . وَفِي (التَّمْهِيد) من حَدِيث عبد الْوَهَّاب بن عَطاء الْخفاف: حَدثنَا أبي عَن دَاوُد بن أبي هِنْد حَدثنِي عَطاء الْخُرَاسَانِي: (أَن الْملك ينْطَلق فَيَأْخُذ من تُرَاب الْمَكَان الَّذِي يدْفن فِيهِ، فيذره على النُّطْفَة فتخلق من التُّرَاب، وَمن النُّطْفَة، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى﴾ (طه: ٥٥) . وَعند التِّرْمِذِيّ أبي عبد الله، قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: لَو حَلَفت حَلَفت صَادِقا بارا غير شاكٍ وَلَا مستثن أَن الله تَعَالَى مَا خلق نبيه ﷺ وَلَا أَبَا بكر وَلَا عمر إلَاّ من طِينَة وَاحِدَة، ثمَّ ردهم إِلَى تِلْكَ الطينة. حدَّثنافَرْوَةُ قَالَ حدَّثنا علِيٌّ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطَ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ أخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا وظَنُّوا أنَّهَا قَدَمُ النبيِّ ﷺ فَمَا وَجَدُوا أحَدا يَعْلَمُ ذالِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ لَا وَالله مَا هِيَ قَدَمُ النبيِّ ﷺ مَا هِيَ إلَاّ قَدَمُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. ١٩٣١ - وعَنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا أوْصَتْ عَبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ لَا أُزَكَّى بِهِ أبَدا. (الحَدِيث ١٩٣١ طرفه فِي: ٧٢٣٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حَائِط مَسْجِد النَّبِي ﷺ لما سقط وبدا قدم ففزعوا وظنوا أَنَّهَا قدم النَّبِي ﷺ وَلم تكن إلَاّ قدم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دلّ هَذَا على قدم النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي الْقَبْر، والترجمة فِي قبر النَّبِي ﷺ . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: فَرْوَة، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء: ابْن أبي المغراء، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالراء وبالمد وبالقصر: أَبُو الْقَاسِم. الثَّانِي: عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم: مر فِي مُبَاشرَة الْحَائِض. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده روى عَنهُ، وَقَالَ: مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ وَشَيْخه كوفيان وَهِشَام وَأَبوهُ مدنيان. وَفِيه: حَدثنَا عَليّ بن حُسَيْن فِي رِوَايَة أبي ذَر، كَذَا هُوَ مَذْكُور باسم أَبِيه، وَفِي رِوَايَة غَيره لم يذكر اسْم أَبِيه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما سقط عَلَيْهِم الْحَائِط) أَي: حَائِط حجرَة النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (لما سقط عَنْهُم) ، وَالسَّبَب فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو بكر الْآجُرِيّ من طَرِيق شُعَيْب بن إِسْحَاق عَن هِشَام بن عُرْوَة قَالَ أَخْبرنِي

стр. 2414

قَالَ: كَانَ النَّاس يصلونَ إِلَى الْقَبْر فَأمر بِهِ عمر بن عبد الْعَزِيز فَرفع حَتَّى لَا يُصَلِّي إِلَيْهِ أحد، فَلَمَّا هدم بَدَت قدم بساق وركبة، فَفَزعَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَأَتَاهُ عُرْوَة فَقَالَ: هَذَا سَاق عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وركبته، فَسرِّي عَن عمر بن عبد الْعَزِيز: وروى الْآجُرِيّ من طَرِيق مَالك بن مغول عَن رَجَاء بن حَيْوَة قَالَ: كتب الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز، وَكَانَ قد اشْترى حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ : أَن أهدمها ووسع بهَا الْمَسْجِد، فَقعدَ عمر فِي نَاحيَة ثمَّ أَمر بهدمها، فَمَا رَأَيْت باكيا أَكثر من يَوْمئِذٍ، ثمَّ بناه كَمَا أَرَادَ، فَلَمَّا أَن بنى الْبَيْت على الْقَبْر وَهدم الْبَيْت الأول ظَهرت الْقُبُور الثَّلَاثَة، وَكَانَ الرمل الَّذِي عَلَيْهَا قد انهار، فَفَزعَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَأَرَادَ أَن يقوم فيسويها بِنَفسِهِ، فَقلت لَهُ: أصلحك الله، إِنَّك إِن قُمْت قَامَ النَّاس مَعَك، فَلَو أمرت رجلا أَن يصلحها، ورجوت أَنه يَأْمُرنِي بذلك، فَقَالَ: يَا مُزَاحم يَعْنِي مَوْلَاهُ قُم فأصلحها. قَالَ رَجَاء: فَكَانَ قبر أبي بكر عِنْد وسط النَّبِي ﷺ ، وَعمر خلف أبي بكر رَأسه عِنْد وَسطه. وَفِي (الإكليل) : عَن وردان، وَهُوَ الَّذِي بني بَيت عَائِشَة: لما سقط شقَّه الشَّرْقِي فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، وَإِن الْقَدَمَيْنِ لما بدتا قَالَ سَالم بن عبد الله: أَيهَا الْأَمِير هَذَانِ قدما جدي وَجدك عمر. وَقَالَ أَبُو الْفرج الْأمَوِي فِي (تَارِيخه) : وردان هَذَا هُوَ أَبُو امْرَأَة أشعب الطماع، وَفِي (الطَّبَقَات) قَالَ مَالك: قسم بَيت عَائِشَة ثَلَاثِينَ: قسم كَانَ فِيهِ الْقَبْر، وَقسم كَانَ تكون فِيهِ عَائِشَة وَبَينهمَا حَائِط، فَكَانَت عَائِشَة رُبمَا دخلت جنب الْقَبْر فصلا، فَلَمَّا دفن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لم تدخله إلَاّ وَهِي جَامِعَة عَلَيْهَا ثِيَابهَا. وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار وَعبيد الله ابْن أبي يزِيد: لم يكن على عهد النَّبِي ﷺ على بَيت النَّبِي ﷺ حَائِط، فَكَانَ أول من بنى عَلَيْهِ جدارا عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ عبيد الله: كَانَ جِدَاره قَصِيرا، ثمَّ بناه عبد الله بن الزبير وَزَاد فِيهِ. وَفِي (الدرة الثمينة) لِابْنِ النجار: سقط جِدَار الْحُجْرَة مِمَّا يَلِي مَوضِع الْجَنَائِز فِي زمَان عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فظهرت الْقُبُور، فَمَا رُؤِيَ باكيا أَكثر من يَوْمئِذٍ فَأمر عمر بقباطي يستر بهَا الْموضع، وَأمر ابْن وردان أَن يكْشف عَن الأساس، فَلَمَّا بَدَت القدمان قَامَ عمر فَزعًا، فَقَالَ لَهُ عبيد الله بن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَ حَاضرا: أَيهَا الْأَمِير لَا تفزع فهما قدما جدك عمر، ضَاقَ الْبَيْت عَنهُ فحفر لَهُ فِي الأساس، فَقَالَ لَهُ عمر: يَا ابْن وردان غطِّ مَا رَأَيْت، فَفعل. وَفِي رِوَايَة: أَن عمر أَمر أَبَا حَفْصَة، مولى عَائِشَة وناسا مَعَه، فبنوا الْجِدَار وَجعلُوا فِيهِ كوَّة، فَلَمَّا فرغوا مِنْهُ ورفعوه دخل مُزَاحم مولى عمر فَقُمْ مَا سقط على الْقَبْر من التُّرَاب وَبنى عمر على الْحُجْرَة حاجزا فِي سقف الْمَسْجِد إِلَى الأَرْض، وَصَارَت الْحُجْرَة فِي وَسطه وَهُوَ على دورانها، فَلَمَّا ولي المتَوَكل أزرها بالرخام من حولهَا، فَلَمَّا كَانَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، فِي خلَافَة المقتفي، جدد التأزير وَجعل قامة وبسطة، وَعمل لَهَا شباكا من الصندل والأبنوس وأداره حولهَا مِمَّا يَلِي السّقف، ثمَّ إِن الْحسن بن أبي الهيجا، صهر الصَّالح وَزِير المصريين، عمل لَهَا ستارة من الديبقي الْأَبْيَض مرقومة بالإبريسيم الْأَصْفَر والأحمر، ثمَّ جَاءَت من المستضيء بِأَمْر الله ستارة من الإبريسيم البنفسجي وعَلى دوران حاماتها مرقوم: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ شيلت تِلْكَ ونفذت إِلَى مشْهد عَليّ بن أبي طَالب، وعلقت هَذِه. ثمَّ إِن النَّاصِر لدين الله نفذ ستارة من الإبريسيم الْأسود وطرزها وحاماتها أَبيض، فعلقت فَوق تِلْكَ، ثمَّ لما حجت الْجِهَة الخليفية عملت ستارة على شكل الْمَذْكُورَة ونفذتها فعلقت. قَوْله: (فِي زمَان الْوَلِيد بن عبد الْملك) بِفَتْح الْوَاو وَكسر اللَّام، وجده مَرْوَان بن الحكم ولي الْأَمر بعد موت عبد الْملك فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ، وَكَانَ أكبر ولد عبد الْملك، وَكَانَت خِلَافَته تسع سِنِين وَثَمَانِية أشهر على الْمَشْهُور، وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت منتصف جُمَادَى الْآخِرَة من سنة سِتّ وَتِسْعين بِدِمَشْق بدير مَرْوَان، وَصلى عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز، وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال وَدفن بمقابر بَاب الصَّغِير، وَقيل: بِبَاب الفراديس، ثمَّ بعد وَفَاته بُويِعَ بالخلافة لِأَخِيهِ سُلَيْمَان بن عبد الْملك، وَكَانَ سُلَيْمَان بالرملة. قَوْله: (فبدت لَهُم قدم) أَي: ظَهرت من البدو وَهُوَ الظُّهُور. قَوْله: (وَعَن هِشَام عَن أَبِيه) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مُسْندًا فِي الِاعْتِصَام عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام بِزِيَادَة، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَبدة عَن هِشَام وَزَاد فِيهِ: (وَكَانَ فِي بَيتهَا مَوضِع قبر) . قَوْله: (لَا تدفني مَعَهم) أَي: مَعَ النَّبِي، ﷺ ، وَأبي بكر وَعمر، وَإِنَّمَا قَالَت ذَلِك مَعَ أَنه بَقِي فِي الْبَيْت مَوضِع لَيْسَ فِيهِ أحد خوفًا من أَن يَجْعَل لَهَا بذلك مزية فضل. وَفِي (التكملة) لِابْنِ الْأَبَّار، من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله الْعمريّ: حَدثنَا شُعَيْب بن طَلْحَة من ولد أبي بكر عَن أَبِيه

стр. 2415

عَن جده (عَن عَائِشَة قَالَ: قَالَت للنَّبِي، ﷺ : إِنِّي لَا أَرَانِي إلَاّ سأكون بعْدك فتأذن لي أَن أدفن إِلَى جَانِبك؟ قَالَ: وأنى لَك، ذَلِك الْموضع مَا فِيهِ إلَاّ قَبْرِي وقبر أبي بكر وَعمر، وَفِيه عِيسَى بن مَرْيَم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا قَوْلهَا لما طلب مِنْهَا أَن يدْفن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَعَهُمَا أردْت لنَفْسي قلت: قيل: لِأَن ظَاهره أَن الْبَيْت لَيْسَ فِيهِ غير مَوضِع عمر. وَقيل: كَانَ ظنا من عَائِشَة. وَقيل: كَانَ اجتهادها فِي ذَلِك تغير. وَقيل: إِنَّمَا قَالَت ذَلِك قبل أَن يَقع لَهَا مَا وَقع فِي قَضِيَّة الْجمل، فاستحت بعد ذَلِك أَن تدفن هُنَاكَ. وَقَالَ قَالَ عَنْهَا عمار بن يَاسر، وَهُوَ أحد من حاربها يَوْمئِذٍ: إِنَّهَا زَوْجَة نَبِيكُم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. قلت: إِذا صَحَّ مَا رَوَاهُ ابْن الْأَبَّار فَهُوَ جَوَاب قَاطع. قَوْله: (وادفني مَعَ صواحبي) أَرَادَت بذلك بَقِيَّة نسَاء النَّبِي، ﷺ ، المدفونات فِي البقيع. قَوْله: (لَا أزكى بِهِ أبدا) أَي: لَا يثنى عَليّ بِسَبَبِهِ، و: أزكى، على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّزْكِيَة. قَالَ ابْن بطال: فِيهِ معنى التَّوَاضُع، كرهت عَائِشَة أَن يُقَال: إِنَّهَا مدفونة مَعَ النَّبِي ﷺ فَيكون فِي ذَلِك تَعْظِيمًا لَهَا. ٢٩٣١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ قَالَ حدَّثنا حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ الأوْدِيِّ. قَالَ رَأيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ يَا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ اذْهَبْ إلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَقُلْ يَقْرَأُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ ثُمَّ سَلْهَا أنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أقْبَلَ قَالَ لَهُ مَا لَدَيْكَ قَالَ أذِنَتْ لَكَ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مَا كانَ شَيءٌ أهَمَّ إلَيَّ مِنْ ذالِكَ الْمَضْجَعِ فإذَا قُبِضْتُ فاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فإنْ أذِنَتْ لِي فادْفِنُونِي وَإلَاّ فَرُدُّونِي إلَى مقَابِرِ المُسْلِمِينَ إنِّي لَا أعْلَمُ أحَدا أحَقَّ بِهاذَا الأمْرِ مِنْ هاؤُلَاءِ النَّفر الَّذِيَ تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وَهْوَ عَنْهُمْ رَاض فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهْوَ الخَلِيفَةُ فاسْمَعُوا لَهُ وأطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وعَلِيَّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بنَ أبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عَلَيْهِ شابٌّ مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ أبْشِرْ يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ بِبُشْرَى الله كانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتُ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هاذا كُلِّهِ فَقَالَ لَيْتنِي يَا ابنَ أخِي وَذالِكَ كَفافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بالمُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ خَيْرا أنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالأنْصَارِ خَيْرا الذِينَ تَبَوَّؤا الدَّارَ وَالإيمَانَ أنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِيهِمْ ويُعْفَى عنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ الله وذِمَّةِ رسولهِ ﷺ أنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طاقَتِهِمْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَضِيَّة عمر بن الْخطاب، لِأَن فِيهَا السُّؤَال بِأَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ، وهما النَّبِي ﷺ وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَا ذَاك إلَاّ فِي قبر النَّبِي ﷺ ، والترجمة فِي. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: جرير، بِالْجِيم: ابْن عبد الحميد، مر فِي: بَاب من جعل لأهل الْعلم أَيَّامًا. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالنون، مر فِي كتاب الصَّلَاة. الرَّابِع: عَمْرو بن مَيْمُون الأودي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى أود بن صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مذْحج، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَلم يلق النَّبِي ﷺ ، وَسمع عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَثَّقَهُ يحيى وَغَيره، مَاتَ سنة خمس وَسبعين.

стр. 2416

ذكر مَعْنَاهُ: هَذَا الَّذِي ذكره عَمْرو بن مَيْمُون قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل سَيَأْتِي فِي مَنَاقِب عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (أَن أدفن، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (مَعَ صَاحِبي) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء، وَأَصله صاحبين لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت النُّون، وَأَرَادَ بصاحبيه: النَّبِي، ﷺ ، وَأَبا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (كنت أريده) أَي: كنت أُرِيد الدّفن مَعَ صَاحِبيهِ، قَوْله: (فلأوثرنه) من الإيثار، يُقَال: آثرت فلَانا على نَفسِي، إِذا اخْتَارَهُ على نَفسه وفضله عَلَيْهِ. قَوْله: (فَلَمَّا أقبل) أَي: عبد الله بن عمر. قَوْله: (مَا لديك؟) أَي: مَا عنْدك من الْخَبَر؟ قَوْله: (أَذِنت لَك) أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَذِنت لَهُ بالدفن مَعَ صَاحِبيهِ. قَوْله: (من ذَلِك المضجع) ، أَرَادَ بِهِ مَضْجَع النَّبِي، ﷺ ، ومضجع أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَإِذا قبضت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم تأذنِ لي. قَوْله: (إِنِّي لَا أعلم. .) إِلَى آخِره من جملَة وَصيته، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بِهَذَا الْأَمر) ، أَرَادَ بِهِ الْخلَافَة. قَوْله: (من هَؤُلَاءِ النَّفر؟) النَّفر: عدَّة رجال من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة. قَوْله: (وَهُوَ عَنْهُم راضٍ) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فَمن استخلفوا) ، أَي: فَمن اسْتَخْلَفَهُ هَؤُلَاءِ النَّفر المذكورون فَهُوَ الْخَلِيفَة، أَي: فَهُوَ أَحَق بالخلافة، قَوْله: (فَسمى عُثْمَان) إِلَى آخِره، إِنَّمَا لم يذكر أَبَا عُبَيْدَة لِأَنَّهُ كَانَ قد مَاتَ، وَلم يذكر سعيد ابْن زيد لِأَنَّهُ كَانَ غَائِبا، قَالَ بَعضهم: لم يذكرهُ لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبه وصهره، فَفعل كَمَا فعل بِهِ عبد الله بن عمر. قَوْله: (وولج عَلَيْهِ) أَي: دخل، من ولج يلج ولوجا. قَوْله: (كَانَ لَك من الْقدَم) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الدَّال، ويروى بِفَتْح الْقَاف: وَهُوَ السَّابِقَة فِي الْأَمر، يُقَال: لفُلَان قدم صدق، أَي: إثرة حَسَنَة، وَلَو صحت الرِّوَايَة بِالْكَسْرِ فَالْمَعْنى صَحِيح أَيْضا. قَوْله: (ثمَّ اسْتخْلفت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (ثمَّ الشَّهَادَة) أَي: ثمَّ جاءتك الشَّهَادَة، فَيكون ارْتِفَاع: الشَّهَادَة، على أَنه فَاعل فعل مَحْذُوف، وَذَلِكَ أَنه قَتله علج يُسمى فَيْرُوز وكنيته أَبُو لؤلؤة، وَكَانَ غُلَاما للْمُغِيرَة بن شُعْبَة، وَكَانَ يدَّعي الْإِسْلَام، وَسَببه أَنه قَالَ لعمر: ألَا تكلم مولَايَ يضع عني من خراجي؟ قَالَ: كم خراجك؟ قَالَ: دِينَار. قَالَ: مَا أرى أَن أفعل، إِنَّك عَامل محسن وَمَا هَذَا بِكَثِير، فَغَضب مِنْهُ، فَلَمَّا خرج عمر إِلَى النَّاس لصَلَاة الصُّبْح جَاءَ عَدو الله فطعنه بسكين مَسْمُومَة ذَات طرفين فَقتله، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: طعن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع ليالٍ بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاثَة وَعشْرين، وَدفن يَوْم الْأَحَد صباح هِلَال الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين، وَكَانَ عمره يَوْم مَاتَ سِتِّينَ سنة، وَقيل: ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَقيل: إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقيل: سِتَّة وَسِتِّينَ، وَكَانَت خِلَافَته عشر سِنِين وَخَمْسَة أشهر، وَإِحْدَى وَعشْرين لَيْلَة من متوفى أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَه الْوَاقِدِيّ. فَإِن قلت: الشَّهِيد من قتل فِي قتال الْكفَّار على قَول الشَّافِعِيَّة، وعَلى قَول الْحَنَفِيَّة: من قتل ظلما وَلم يجب بقتْله دِيَة أَيْضا قلت: أما على قَوْلهم: فَإِنَّهُ كالشهيد فِي ثَوَاب الْآخِرَة، وَأما على قَوْلنَا فَإِنَّهُ قتل ظلما وَوَجَب الْقصاص على قَاتله، فَهُوَ شَهِيد حَقِيقَة. فَإِن قلت: بالإرتثاث تسْقط الشَّهَادَة. قلت: هُوَ قتل لأجل كلمة الْحق، وَالْقَوْل بِكَلِمَة الْحق من الدّين، وورود: (من قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد) . قَوْله: (لَيْتَني) جَوَاب هُوَ قَوْله: (وَلَا عليَّ) أَي: لَيْتَني لَا عِقَاب عَليّ وَلَا ثَوَاب لي فِيهِ: أَي: أَتَمَنَّى أَن أكون رَأْسا بِرَأْس فِي أَمر الْخلَافَة، ويروى: وَلَا ليا، بإلحاق ألف الْإِطْلَاق فِي آخِره. قَوْله: (كفاف) بِفَتْح الْكَاف بِمَعْنى الْمثل، قَالَه الْكرْمَانِي قلت: مَعْنَاهُ: أَن أَمر الْخلَافَة مكفوف عني شَرها، وَقيل: مَعْنَاهُ إِن لَا تنَال مني وَلَا أنال مِنْهَا، أَي: تكف عني وأكف عَنْهَا، والكفاف فِي الأَصْل هُوَ الَّذِي لَا يفضل عَن الشَّيْء وَيكون بِقدر الْحَاجة إِلَيْهِ، وإرتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ، وَهُوَ قَوْله ذَلِك، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَمر الْخلَافَة، وَهَذِه الْجُمْلَة مُعْتَرضَة بَين: لَيْت وخبرها، قَوْله: (أَن يعرف لَهُم) ، تَفْسِير لقَوْله: (خيرا) وَبَيَان لَهُ. قَوْله: (بالمهاجرين الْأَوليين) وهم الَّذين هَاجرُوا قبل بيعَة الرضْوَان، أَو الَّذين صلوا إِلَى الْقبْلَتَيْنِ، أَو الَّذين شهدُوا بَدْرًا. قَوْله: (وأوصيه بالأنصار الَّذين تبوأوا الدَّار) ، قد وَقع هُنَا خيرا بَين الصّفة والموصوف، وَوجه جَوَازه أَن مَجْمُوع الْكَلَام يدل على مَا تقدم، وَالْمرَاد من الدَّار: الْمَدِينَة، قدمهَا عَمْرو بن عَامر حِين رأى بسد مأرب مَا دله على فَسَاده فَاتخذ الْمَدِينَة وطنا لما أَرَادَ الله من كَرَامَة الْأَنْصَار لنصرة نبيه، ﷺ ، وَبِالْإِسْلَامِ. قَوْله: (وَالْإِيمَان) ، قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: الْإِيمَان اسْم من أَسمَاء الْمَدِينَة، فَإِن لم يكن كَذَلِك فَيحمل أَن

стр. 2417

يُرِيد: تبوأوا الدَّار وَأَجَابُوا إِلَى الْإِيمَان من قبل أَن يهاجروا إِلَيْهِم. قَوْله: (أَن يقبل) بدل من قَوْله: (خيرا) . وَمَعْنَاهُ: يفعل بهم من التلطف وَالْبر مَا كَانَ يَفْعَله الرَّسُول والخليفتان بعده. قَوْله: (ويُعفَى عَن مسيئهم) ، يَعْنِي: مَا دون الْحُدُود وَحُقُوق النَّاس. قَوْله: (بِذِمَّة الله) ، أَي: بعهده وبذمة رَسُوله، وَيُقَال: بِذِمَّة الله، يَعْنِي بِأَهْل ذمَّة الله، وهم عَامَّة الْمُؤمنِينَ، لِأَن كلهم فِي ذمتهما، وَهَذَا تَعْمِيم بعد تَخْصِيص. قَوْله: (من ورائهم) ، الوراء بِمَعْنى الْخلف، وَقد يكون بِمَعْنى القدام وَهُوَ من الأضداد. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْحِرْص على مجاورة الصَّالِحين فِي الْقُبُور طَمَعا فِي إِصَابَة الرَّحْمَة إِذا نزلت عَلَيْهِم، وَفِي دُعَاء من يزورهم من أهل الْخَيْر. وَفِيه: أَن من وعد عدَّة جَازَ لَهُ الرُّجُوع فِيهَا وَلَا يلْزم بِالْوَفَاءِ. وَفِيه: أَن من بعث رَسُولا فِي حَاجَة مهمة أَن لَهُ أَن يسْأَل الرَّسُول قبل وُصُوله إِلَيْهِ، وَلَا يعد ذَلِك من قلَّة الصَّبْر، بل من الْحِرْص على الْخَيْر. وَفِيه: أَن الْخلَافَة بعد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، شُورَى. وَفِيه: التَّعْزِيَة لمن يحضرهُ الْمَوْت بِمَا يذكر من صَالح عمله. ٧٩ - (بابُ مَا يُنْهِى مِنْ سَبِّ الأمْوَاتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى من سبّ الْأَمْوَات، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة. أَي: بَاب النَّهْي عَن سبّ الْأَمْوَات، يَعْنِي: شتمهم من السب، وَهُوَ الْقطع. وَقيل: من السبة، وَهِي خلقَة الدبر كَأَنَّهَا على القَوْل الأول قطع المسبوب عَن الْخَيْر وَالْفضل، وعَلى الثَّانِي كشف الْعَوْرَة وَمَا يَنْبَغِي أَن يستر. ١٤٨ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد فأفضوا إِلَى مَا قدمُوا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الحَدِيث نهى عَن سبّ الْأَمْوَات والترجمة كَذَلِك قيل لفظ التَّرْجَمَة يشْعر بانقسام السب إِلَى مَنْهِيّ وَغير مَنْهِيّ وَلَفظ الْخَبَر مضمونه النَّهْي عَن السب مُطلقًا أجَاب بَعضهم أَن عُمُومه مَخْصُوص بِحَدِيث أنس حَيْثُ قَالَ " أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض " وَذَلِكَ عِنْد ثنائهم بِالْخَيرِ وَالشَّر وَلم يُنكر عَلَيْهِم (قلت) لَا نسلم أشعار التَّرْجَمَة إِلَى الانقسام الْمَذْكُور لِأَن قد ذكرنَا أَن كلمة مَا فِي التَّرْجَمَة مَصْدَرِيَّة فَلَا تَقْتَضِي الانقسام بل هِيَ للْعُمُوم وَأورد على البُخَارِيّ أَنه غفل عَن حَدِيث وَجَبت وَجَبت لِأَن فِيهِ تَفْصِيلًا وَقد أطلق هُنَا (قلت) لَا يرد عَلَيْهِ شَيْء لِأَن الثَّنَاء بِالشَّرِّ على الْمَيِّت لَا يُسمى سبا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يثني بِالشَّرِّ أما فِي حق الْفَاسِق أَو الْمُنَافِق أَو الْكَافِر وَلَيْسَ هَذَا بداخل فِي معنى حَدِيث الْبَاب. وَرِجَاله قد ذكرُوا وآدَم وَابْن أبي إِيَاس وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن حميد بن مسْعدَة عَن بشر بن الْمفضل عَن شُعْبَة بِهِ قَوْله " الْأَمْوَات " الْألف وَاللَّام للْعهد أَي أموات الْمُسلمين وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " اذْكروا محَاسِن مَوْتَاكُم وَكفوا عَن مساويهم " وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي كتاب الْأَدَب من سنَنه وَلَا حرج فِي ذكر مساوي الْكفَّار وَلَا يَأْمر بِذكر محَاسِن إِن كَانَت لَهُم من صَدَقَة وإعتاق وإطعام طَعَام وَنَحْو ذَلِك اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتَأَذَّى بذلك مُسلم من ذُريَّته فيجتنب ذَلِك حِينَئِذٍ كَمَا ورد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد أَحْمد وَالنَّسَائِيّ " أَن رجلا من الْأَنْصَار وَقع فِي أبي الْعَبَّاس كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَطَمَهُ الْعَبَّاس فَجَاءَهُ قومه فَقَالُوا وَالله لنلطمنه كَمَا لطمه فلبسوا السِّلَاح فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ َ - فَصَعدَ الْمِنْبَر فَقَالَ أَيهَا النَّاس أَي أهل الأَرْض أكْرم عِنْد الله قَالُوا أَنْت قَالَ فَإِن الْعَبَّاس مني وَأَنا مِنْهُ فَلَا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا فجَاء الْقَوْم فَقَالُوا يَا رَسُول الله نَعُوذ بِاللَّه من غضبك " وَفِي كتاب الصمت لِابْنِ أبي الدُّنْيَا فِي حَدِيث مُرْسل صَحِيح الْإِسْنَاد من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَليّ الباقر قَالَ " نهى رَسُول الله ﷺ َ - أَن يسب قَتْلَى بدر من الْمُشْركين وَقَالَ لَا تسبوا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ لَا يخلص إِلَيْهِم شَيْء مِمَّا تَقولُونَ وتؤذون الْأَحْيَاء إِلَّا أَن الْبذاء لؤم " وَقَالَ ابْن بطال ذكر شرار الْمَوْتَى من أهل الشّرك خَاصَّة جَائِز لِأَنَّهُ لَا شكّ أَنهم فِي النَّار وَقَالَ سبّ الْأَمْوَات يجْرِي مجْرى الْغَيْبَة فَإِن كَانَ أغلب أَحْوَال الْمَرْء الْخَيْر وَقد تكون مِنْهُ الْغَلَبَة فالاغتياب لَهُ مَمْنُوع وَإِن كَانَ فَاسِقًا مُعْلنا فَلَا غيبَة لَهُ فَكَذَلِك الْمَيِّت قَوْله " فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا " أَي قد وصلوا إِلَى جَزَاء أَعْمَالهم

стр. 2418

(وَرَوَاهُ عبد الله بن عبد القدوس عَن الْأَعْمَش وَمُحَمّد بن أنس عَن الْأَعْمَش) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور عبد الله بن عبد القدوس السَّعْدِيّ الرَّازِيّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش مُتَابعًا لشعبة وَرَوَاهُ أَيْضا مُحَمَّد بن أنس الْعَدوي الْمولى الْكُوفِي عَن الْأَعْمَش مُتَابعًا لشعبة قَالَ الْكرْمَانِي وَقَالَ هَهُنَا رَوَاهُ وَلم يقل تَابعه لِأَنَّهُ روى اسْتِقْلَالا وبطريق آخر لَا مُتَابعَة لآدَم بطريقه وَلَيْسَ لأبي عبد القدوس فِي الصَّحِيح غير هَذَا الْموضع الْوَاحِد وَذكر البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَقَالَ إِنَّه صَدُوق إِلَّا أَنه يروي عَن قوم ضعفاء (تَابعه عَلَيْهِ بن الْجَعْد وَابْن عرْعرة وَابْن أبي عدي عَن شُعْبَة) هَذَا قد وَقع فِي بعض النّسخ قبل قَوْله " وَرَوَاهُ عبد الله " إِلَى آخِره قَوْله " تَابعه " أَي تَابع آدم عَليّ بن الْجَعْد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَقد تقدم فِي بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان وَقد وَصله البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْجَعْد فِي الرقَاق قَوْله " وَابْن عرْعرة " أَي وَتَابعه أَيْضا مُحَمَّد بن عرْعرة بِفَتْح الْعَينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الرَّاء الأولى وَقد تقدم فِي بَاب خوف الْمُؤمن وروى البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْجَعْد وَابْن عرْعرة بِدُونِ الْوَاسِطَة وروى عَن ابْن أبي عدي بالواسطة لِأَنَّهُ لم يدْرك عصره قَوْله " وَابْن أبي عدي " أَي وتابع آدم أَيْضا مُحَمَّد بن أبي عدي وَقد تقدم فِي كتاب الْغسْل وَطَرِيق ابْن أبي عدي ذكرهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَوَصله أَيْضا من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن شُعْبَة - ٨٩ - (بابُ ذِكْرِ شِرَارِ المَوْتَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر شرار الْمَوْتَى. ٤٩٣١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ قَالَ أبُو لَهَبٍ عَلَيْهِ لَعْنَةُ الله لِلنَّبِيِّ ﷺ تَبَّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ فنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قَالَ أَبُو لَهب، عَلَيْهِ لعنة الله) وَقَالَ ابْن عَبَّاس: ذكر أَبَا لَهب باللعنة عَلَيْهِ، وَهُوَ من شرار الْمَوْتَى، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا الحَدِيث مُرْسل لِأَن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت بِمَكَّة المشرفة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذْ ذَاك صَغِيرا. انْتهى. بل كَانَ على بعض الْأَقْوَال غير موجور، وَاعْترض على البُخَارِيّ فِي تَخْرِيجه هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، لِأَن تبويبه لَهُ يدل على الْعُمُوم فِي شرار الْمُؤمنِينَ والكافرين، وَكَأَنَّهُ نسي حَدِيث أنس: (مروا بِجنَازَة. فَأَثْنوا عَلَيْهَا شرا. .) الحَدِيث، فَترك النَّبِي ﷺ نهيهم عَن ذكر الشَّرّ يدل أَن للنَّاس أَن يذكرُوا الْمَيِّت بِمَا فِيهِ من شَرّ إِذا كَانَ شَره مَشْهُورا. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد الْخُصُوص، فطابقت الْآيَة التَّرْجَمَة، أَو يُرِيد الْعُمُوم قِيَاسا للْمُسلمِ المجاهر بِالشَّرِّ على الْكَافِر، لِأَن الْمُسلم الْفَاسِق لَا غيبَة لَهُ. انْتهى. قلت: قد مر الْجَواب عَنهُ فِي الْبَاب السَّابِق بأوجه من هَذَا وأوضح. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو عمر شيخ البُخَارِيّ هُوَ حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها، مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، مر فِي: بَاب تَسْوِيَة الصُّفُوف. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَأورد هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا، وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِير مطولا فِي سُورَة الشُّعَرَاء، فَإِنَّهُ أخرجه فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن عبد الله وَمُحَمّد بن سَلام فرقهما، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة، وَفِيه وَفِي مَنَاقِب قُرَيْش بِتَمَامِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة بِهِ وَعَن أبي بكر وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هناد بن السّري وَأحمد بن منيع، كِلَاهُمَا عَن مُعَاوِيَة نَحوه، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب عَن عَمْرو بن حَفْص

стр. 2419

بِهِ، وَفِيه وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي كريب عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَفْسِير الشُّعَرَاء لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . صعد رَسُول الله ﷺ على الصَّفَا، فَجعل يُنَادي: يَا بني فهر يَا بني عدي، لبطون قُرَيْش، حَتَّى اجْتَمعُوا فَجعل الرجل إِذا لم يسْتَطع أَن يخرج أرسل رَسُولا ينظر مَا هُوَ، فجَاء أَبُو لَهب وقريش فَقَالَ: أَرَأَيْتُم إِن أَخْبَرتكُم أَن خيلاً بالوادي تُرِيدُ أَن تغير عَلَيْكُم أَكُنْتُم مصدقي؟ قَالُوا: نعم مَا جربنَا عَلَيْك إلَاّ صدقا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد، فَقَالَ أَبُو لَهب: تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم ﴿) وَفِي تَفْسِير: تبت، فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاه﴾ فَقَالُوا: من هَذَا؟ فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ. . وَفِيه: فَقَالَ أَبُو لَهب: أَلِهَذَا جمعتنَا؟ ثمَّ قَامَ فَنزلت ﴿تبت يدا أبي لَهب وَقد تب﴾ (المسد: ١) . هَكَذَا قَرَأَ الْأَعْمَش، وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) : حَدثنَا يُونُس أخبرنَا ابْن وهب أخبرنَا ابْن زيد، قَالَ أَبُو لَهب للنَّبِي، ﷺ : مَاذَا أُعطى يَا مُحَمَّد إِن آمَنت بك؟ قَالَ: كَمَا يُعطى الْمُسلمُونَ. قَالَ: فَمَا لي فضل عَلَيْهِم؟ تَبًّا لهَذَا من دين أكون أَنا وَهَؤُلَاء سَوَاء. فَأنْزل الله ﵎: ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ (المسد: ١) . قَالَ: خسرت يَدَاهُ، وَالْيَدَانِ هُنَا الْعَمَل، أَلا ترَاهُ يَقُول بِمَا عملت أَيْديهم؟) . وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فَلَمَّا دعاهم أَقبلُوا إِلَيْهِ يسعون من كل نَاحيَة واكتنفوه، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد لماذا دَعوتنَا؟ قَالَ: (إِن الله ﵎ أَمرنِي أَن أنذركم خَاصَّة، وَالنَّاس عَامَّة، فَقَالُوا: قد أجبناك لما دَعوتنَا. قَالَ: كلمة تقرأون بهَا تَمْلِكُونَ الْعَرَب وَتَدين لكم بهَا الْعَجم، فَقَالَ أَبُو لَهب من بَينهم: وَعشر كَلِمَات، لله أَبوك فَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله. فَقَالَ أَبُو لَهب: تَبًّا لَك! أَلِهَذَا دَعوتنَا؟ فَنزلت ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ (المسد: ١) . أَي: صغرت يَدَاهُ، وَفِي مَعَاني الْقُرْآن الْعَظِيم للقزاز فِي قِرَاءَة عبد الله: وَقد تب، فَالْأول: دُعَاء وَالثَّانِي: خبر، كَمَا تَقول للرجل أهْلكك الله، وَقد أهْلكك. وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: (دَعَا عمومته وَقدم إِلَيْهِم صَحْفَة فِيهَا طَعَام، فَقَالُوا أَحَدنَا وَحده يَأْكُل الشَّاة وَإِنَّمَا قدم لنا هَذِه، فَأَكَلُوا مِنْهَا جَمِيعًا وَلم ينقص مِنْهَا إلَاّ الشَّيْء الْيَسِير، فَقَالُوا لَهُ: مَا لنا عنْدك إِن اتَّبَعْنَاك؟ قَالَ: مَا للْمُسلمين، وَإِنَّمَا يتفاضلون فِي الدّين. فَقَالَ أَبُو لَهب: تَبًّا لَك. .) الحَدِيث. وَفِي كتاب (الْأَفْعَال) : تب ضعف وخسر، وَتب هلك وَفِي الْقُرْآن ﴿وَمَا كيد فِرْعَوْن إلَاّ فِي تباب﴾ (غَافِر: ٧٣) . وَأَبُو لَهب كنيته، وسمه عبد الْعُزَّى بن عبد الْمطلب، عَم النَّبِي، ﷺ ، مَاتَ كَافِرًا وَفِي (التَّلْوِيح) : وَاخْتلف فِي أبي لَهب، هَل هُوَ لقب لَهُ أَو كنية لَهُ، فَالَّذِي عِنْد ابْن إِسْحَاق والكلبي فِي آخَرين أَن عبد الْمطلب لقبه بذلك لحمرة خديه وتوقدهما كالجمر، وَفِي حَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد أَنه ﷺ قَالَ للهب بن أبي لَهب واسْمه عبد الْعُزَّى: (أكلك كلب الله) ، فَأَكله الْأسد، وَهُوَ دَال على أَنه كنى بِابْنِهِ، قَوْله: (تَبًّا) مفعول مُطلق يجب حذف عَامله أَي: هَلَاكًا وخسارا. قَوْله: (سَائِر الْيَوْم) ، مَنْصُوب بالظرفية أَي: بَاقِي الْيَوْم، أَو: بَاقِي الْأَيَّام جَمِيعهَا، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : سُورَة تبت مَكِّيَّة، وَهِي سَبْعَة وَسَبْعُونَ حرفا وَثَلَاث وَعِشْرُونَ كلمة وَخمْس آيا. قَوْله: (تبت) أَي: خابت وخسرت (يدا أبي لَهب) أخبر عَن يَدَيْهِ، وَأَرَادَ بِهِ نَفسه، على عَادَة الْعَرَب فِي التَّعْبِير بِبَعْض الشَّيْء عَن كُله. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: لِمَ كنَّاه والكنية مكرمَة؟ قلت: فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون مشتهرا بالكنية دون الإسم. وَالثَّانِي: أَنه كَانَ اسْمه: عبد الْعُزَّى فَعدل عَنهُ إِلَى كنيته. وَالثَّالِث: أَنه لما كَانَ من أهل النَّار ومآله إِلَى النَّار ذَات لَهب وَافَقت حَاله كنيته، وَكَانَ جَدِيرًا بِأَن يذكر بهَا، وقرىء: ﴿تبت يدا أَبُو لَهب﴾ كَمَا قيل: عَليّ بن أَبُو طَالب، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، لِئَلَّا يُغير مِنْهُ شَيْء فيشكل على السَّامع، وَالله تَعَالَى أعلم. ٤٢ - (كِتَابُ الزَّكَاة) ١ - (بابُ وُجُوبِ الزَّكاةِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الزَّكَاة، وَقد وَقع عِنْد بعض الروَاة: كتاب وجوب الزَّكَاة، وَعند بَعضهم: بَاب وجوب الزَّكَاة، وَلم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر لَا بَاب وَلَا كتاب، وَفِي أَكثر النّسخ وَقع: كتاب الزَّكَاة، ثمَّ وَقع بعده: بَاب وجوب الزَّكَاة، كَمَا هُوَ الْمَذْكُور

стр. 2420

هَهُنَا، إِنَّمَا ذكر كتاب الزَّكَاة عقيب كتاب الصَّلَاة من حَيْثُ إِن الزَّكَاة ثَالِثَة الْإِيمَان وثانية الصَّلَاة فِي الْكتاب وَالسّنة. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٣) . وَأما السّنة فَقَوله ﷺ : (بني الْإِسْلَام على خمس. .) الحَدِيث، وَهِي لُغَة: عبارَة عَن النَّمَاء، يُقَال: زكا الزَّرْع، إِذا نما، وَقيل: عَن الطَّهَارَة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قد أَفْلح من تزكّى﴾ (الْأَعْلَى: ٤١) . أَي: تطهر. قلت: الزَّكَاة اسْم للتزكية وَلَيْسَت بمصدر، وَقَالَ نفطويه: سميت بذلك لِأَن مؤديها يتزكى إِلَى الله أَي: يتَقرَّب إِلَيْهِ بِصَالح الْعَمَل وكل من تقرب إِلَى الله بِصَالح عمل فقد تزكّى إِلَيْهِ. وَقيل: سميت زَكَاة للبركة الَّتِي تظهر فِي المَال بعْدهَا. وَفِي (الْمُحكم) : الزَّكَاة ممدودا: النَّمَاء والريع، زكا يزكو زكاء وزكوا وأزكى والزكاء: مَا أخرجته الأَرْض من الثَّمر، وَالزَّكَاة الصّلاح، وَرجل زكي من قوم أزكياء، وَقد زكى زكاء، وَالزَّكَاة مَا أخرجته من مَالك لتطهره. وَقَالَ أَبُو عَليّ: الزَّكَاة صفوة الشَّيْء. وَفِي (الْجَامِع) : زكتْ النَّفَقَة: أَي بورك فِيهَا. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه (المدارك) : تطلق الزَّكَاة على الصَّدَقَة أَيْضا وعَلى الْحق وَالنَّفقَة وَالْعَفو عِنْد اللغويين، وَهِي شرعا: إيتَاء جُزْء من النّصاب الحولي إِلَى فَقير غير هاشمي. ثمَّ لَهَا ركن وَسبب وَشرط وَحكم وَحِكْمَة. فركنها: جعلهَا الله تَعَالَى بالإخلاص، وسببها: المَال، وَشَرطهَا نَوْعَانِ: شَرط السَّبَب وَشرط من تجب عَلَيْهِ، فَالْأول: ملك النّصاب الحولي، وَالثَّانِي: الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة، وَحكمهَا: سُقُوط الْوَاجِب فِي الدُّنْيَا وَحُصُول الثَّوَاب فِي الْآخِرَة، وحكمتها كَثِيرَة. مِنْهَا: التطهر من أدناس الذُّنُوب وَالْبخل، وَمِنْهَا: ارْتِفَاع الدرجَة والقربة، وَمِنْهَا: الْإِحْسَان إِلَى المحتاجين، وَمِنْهَا: استرقاق الْأَحْرَار فَإِن الْإِنْسَان عبيد الْإِحْسَان، وَقَالَ الْقشيرِي على قَول من قَالَ: النَّمَاء، أَي: إخْرَاجهَا يكون سَببا للنماء كَمَا صَحَّ: (مَا نقص مَال من صَدَقَة) ، وَوجه الدَّلِيل مِنْهُ أَن النَّقْص محسوس بِإِخْرَاج الْقدر الْوَاجِب، وَلَا يكون غير نَاقص إلَاّ بِزِيَادَة تبلغه إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْمَعْنيين جَمِيعًا الْمَعْنَوِيّ والحسي فِي الزِّيَادَة، أَو بِمَعْنى تَضْعِيف أجورها كَمَا جَاءَ: (إِن الله يُربي الصَّدَقَة حَتَّى تكون كالجبل) ، وَمن قَالَ: إِنَّهَا طَهَارَة فللنفس من رذيلة الْبُخْل، أَو لِأَنَّهَا تطهر من الذُّنُوب، وَهَذَا الْحق أثْبته الشَّارِع لمصْلحَة الدَّافِع والآخذ مَعًا، أما الدَّافِع فلتطهيره وتضعيف أجره، وَأما الْآخِذ فلسد خلته. (بابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الزَّكَاة أَي: فرضيتها، وَقد يذكر الْوُجُوب وَيُرَاد بِهِ الْفَرْض، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوُجُوب الثُّبُوت والتحقق. قَالَ ﷺ : وَجَبت وَجَبت، أَي: ثبتَتْ وتحققت، أَو ذكر الْوُجُوب لأجل الْمَقَادِير فَإِنَّهَا ثبتَتْ بأخبار الْآحَاد، أَو لِأَنَّهُ لَو قَالَ: فرض الزَّكَاة، لتبادر الذِّهْن إِلَى الَّذِي هُوَ التَّقْدِير، إِذْ التَّقْدِير هُوَ الْغَالِب فِي بَاب الزَّكَاة لِأَنَّهَا جُزْء مُقَدّر من جَمِيع أَصْنَاف الْأَمْوَال. قلت: لَا شكّ أَن الْكتاب مُجمل وَالْحكم فِيهِ التَّوَقُّف إِلَى أَن يَأْتِي الْبَيَان، وَالْبَيَان فوض إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَالنَّبِيّ ﷺ بيَّن ذَلِك فِي سَائِر الْأَمْوَال، فَيكون أصل الزَّكَاة ثَابتا بِدَلِيل قَطْعِيّ، والمقدار بِالْحَدِيثِ، فَلَعَلَّ من أطلق على الزَّكَاة لفظ: الْوُجُوب، نظر إِلَى هَذَا الْمَعْنى. وقَوْلِ الله تعَالى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤ و ٣٨ و ٠١١، النِّسَاء: ٧٧، الْحَج: ٨٧، النُّور: ٦٥، المجادلة: ٣١، المزمل: ٠٢) . قَول الله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن فَرضِيَّة الزَّكَاة بِالْقُرْآنِ، لِأَن الله تَعَالَى أَمر بهَا بقوله: ﴿وَآتوا الزَّكَاة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤، ٣٨ و ٠١١، النِّسَاء: ٧٧، الْحَج: ٨٧، النُّور: ٦٥، المجادلة: ٣١، والمزمل: ٠٢) . وَالْأَمر للْوُجُوب. وَقيل: هُوَ بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، أَي: هُوَ دَلِيل على مَا قُلْنَاهُ من الْوُجُوب. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لَا يخفى على الفطن، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، قَالَ ابْن الْمُنْذر: انْعَقَد الْإِجْمَاع على فَرضِيَّة الزَّكَاة وَهِي الرُّكْن الثَّالِث، قَالَ ﷺ : (بني الْإِسْلَام على خمس) وَفِيه قَالَ: (وإيتاء الزَّكَاة) ، وَقَالَ ابْن بطال: فَمن جحد وَاحِدَة من هَذِه الْخمس فَلَا يتم إِسْلَامه، أَلا ترى أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: من منعهَا مُنْكرا وُجُوبهَا فقد كفر إِلَّا أَن يكون حَدِيث عهد بِالْإِسْلَامِ وَلم يعلم وُجُوبهَا. وَقَالَ الْقشيرِي: من جَحدهَا كفر، وَأجْمع الْعلمَاء أَن مانعها تُؤْخَذ
следующие страницы →