← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

فَلَا بَأْس بتابوت يتَّخذ للْمَيت، لَكِن السّنة أَن يفرش فِيهِ التُّرَاب. وَقَالَ صَاحب (الْمَبْسُوط) و (الْمُحِيط) و (الْبَدَائِع) وَغَيرهم عَن الشَّافِعِي: أَن الشق أفضل عِنْده، وَهَكَذَا نَقله الْقَرَافِيّ فِي (الذَّخِيرَة) عَنهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أجمع الْعلمَاء على أَن اللَّحْد والشق جائزان، لَكِن إِن كَانَت الأَرْض صلبة لَا ينهار ترابها، فاللحد أفضل، وَإِن كَانَت رخوة ينهار، فالشق أفضل. قلت: فِيهِ نظر من وَجْهَيْن: الأول: أَن الأَرْض إِذا كَانَت رخوة يتَعَيَّن الشق فَلَا يُقَال أفضل. وَالثَّانِي: أَنه يصادم الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (اللَّحْد لنا والشق لغيرنا) ، وَمعنى (اللَّحْد لنا) أَي: لأجل أموات الْمُسلمين، والشق لأجل أموات الْكفَّار، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: المُرَاد بقوله: (لغيرنا) أهل الْكتاب كَمَا ورد مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرق حَدِيث جرير فِي (مُسْند الإِمَام أَحْمد) : (والشق لأهل الْكتاب) فالنبي ﷺ جعل اللَّحْد للْمُسلمين والشق لأهل الْكتاب، فَكيف يكونَانِ سَوَاء؟ على أَنه روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي ﷺ فِي اللَّحْد أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُمَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن وَكِيع عَن الْعمريّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَعَن الْعمريّ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ أوصى أَن يلْحد لَهُ) . وروى ابْن مَاجَه (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما مَاتَ رَسُول الله ﷺ اخْتلفُوا فِي اللَّحْد والشق حَتَّى تكلمُوا فِي ذَلِك وَارْتَفَعت أَصْوَاتهم، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تصخبوا عِنْد رَسُول الله ﷺ حَيا وَلَا مَيتا، أَو كلمة نَحْوهَا، فأرسلوا إِلَى الشقاق واللاحد جَمِيعًا، فجَاء اللاحد يلْحد لرَسُول الله ﷺ ثمَّ دفن) . وَفِي (طَبَقَات ابْن سعد) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ بِالْمَدِينَةِ حفاران) وَفِي رِوَايَة (قباران أَحدهمَا يلْحد وَالْآخر يشق) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سعد، رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عَامر بن سعد بن أبي وَقاص: أَن سعد بن وَقاص قَالَ فِي مَرضه الَّذِي هلك فِيهِ: ألحدوا لي لحدا وانصبوا عَليّ اللَّبن نصبا، كَمَا فعل برَسُول الله ﷺ . وَمِنْهَا: حَدِيث أنس رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ قَالَ: (لما توفّي النَّبِي ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَالْآخر يضرح، فَقَالُوا نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ، فَأرْسل إِلَيْهِمَا فَسبق صَاحب اللَّحْد فلحدوا للنَّبِي، ﷺ . وَمِنْهَا: حَدِيث الْمُغيرَة رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن المجالد عَن عَامر قَالَ: قَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: لحد بِالنَّبِيِّ، ﷺ . وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (عَن ابْن بردة عَن أَبِيه قَالَ: أَدخل النَّبِي ﷺ من قبل الْقبْلَة، وألحد لَهُ لحدا، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا) . وَفِي سَنَده أَبُو بردة عَن عَلْقَمَة، قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو بردة: هَذَا هُوَ عَمْرو بن بريد التَّمِيمِي الْكُوفِي وَهُوَ ضَعِيف. قلت: لكَون هَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ بَادر إِلَى تَضْعِيفه. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي طَلْحَة رَوَاهُ ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) قَالَ: (اخْتلفُوا فِي الشق واللحد للنَّبِي، ﷺ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: شَقوا كَمَا يحْفر أهل مَكَّة، وَقَالَت الْأَنْصَار: إلحدوا كَمَا يحْفر بأرضنا، فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي ذَلِك قَالُوا: أللهم خر لنبيك، إبعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة وَإِلَى أبي طَلْحَة فَأَيّهمَا جَاءَ قبل الآخر فليعمل عمله. قَالَ: فجَاء أَبُو طَلْحَة فَقَالَ وَالله أنني قد خار لِبَنِيهِ ﷺ أَنه كَانَ يرى اللحدفيعجبه ثمَّ قَالَ الْحِكْمَة فِي اخْتِيَاره ﷺ اللَّحْد على الشق لكَونه أستر للْمَيت، وَاخْتِيَار للشق للْأَنْصَار فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُم: (الْمحيا محياكم وَالْمَمَات مماتكم) ، فَأَرَادَ إعلامهم بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمُوت عِنْدهم وَلَا يُرِيد الرُّجُوع إِلَى بَلَده مَكَّة، فوافقهم أَيْضا فِي صفة الدّفن، وَاخْتَارَ الله لَهُ ذَلِك. وَفِيه حَدِيث رَوَاهُ السلَفِي عَن أبي بن كَعْب يرفعهُ: (اللَّحْد لآدَم وَغسل بِالْمَاءِ وترا. وَقَالَت الْمَلَائِكَة، هَذِه سنة وَلَده من بعده) . ٧٤٣١ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ منْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذا لِلْقُرآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ. وَقَالَ أَنا شَهِيدٌ عَلَى هاؤلَاءِ وَأمَرَ بِدَفْنِهِمْ

стр. 2347

بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ قدم فِي اللَّحْد من قَتْلَى أحد من كَانَ أَكثر أخذا لِلْقُرْآنِ. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن مقَاتل هُوَ: مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله: هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي. والْحَدِيث مر عَن قريب، أخرجه فِي: بَاب الصَّلَاة على الشَّهِيد، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث، إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه فِي: بَاب دفن الرجلَيْن وَالثَّلَاثَة فِي قبر وَاحِد، عَن سعيد بن سُلَيْمَان عَن اللَّيْث إِلَى آخِره، وَأخرجه أَيْضا مُخْتَصرا فِي: بَاب من لم ير غسل الشَّهِيد، عَن أبي الْوَلِيد عَن اللَّيْث إِلَى آخِره، وَقد تكلمنا فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. ٨٤٣١ - وأخبَرَنَا الأوْزَاعِيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ أيُّ هاؤُلَاءِ أكْثَرُ أخْذا لِلْقُرْآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى رَجُللٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صاحِبِهِ.. أَي: قَالَ عبد الله وَأخْبرنَا عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ، وَهَذَا طَرِيق مُنْقَطع لِأَن ابْن شهَاب لم يسمع من جَابر، لِأَن جَابِرا توفّي فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَفِي (الكاشف) : سنة ثَمَان وَسبعين، ومولد الزُّهْرِيّ سنة ثَمَان وَخمسين، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي: مولده سنة خمسين. قلت: لقِيه إِيَّاه مُمكن، وَلَكِن سَمَاعه مِنْهُ لم يثبت، وَأما طَرِيق ابْن شهَاب الأول فمتصل. وَقَالَ جابِرٌ فَكُفِّنَ أبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ ذكر فِي (التَّلْوِيح) أَن قَوْله: (عمي) يتَبَادَر الذِّهْن إِلَيْهِ أَنه عَم جَابر، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ عَمْرو بن الجموح بن زيد بن حرَام، وَعبد الله أَبُو جَابر هُوَ ابْن عَمْرو بن حرَام فَهُوَ ابْن عَمه وَزوج أُخْته هِنْد بنت عَمْرو، فَسَماهُ: عَمَّا تَعْظِيمًا لَهُ، وتكريما، ذكره أَبُو عمر وَغَيره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: عمي، قيل: هَذَا تَصْحِيف أَو وهم لِأَن المدفون مَعَ أَبِيه هُوَ: عَمْرو بن الجموح الْأنْصَارِيّ الخزرجي السّلمِيّ، وَيحْتَمل أَن يُجَاب عَنهُ أَنه أطلق الْعم عَلَيْهِ مجَازًا، كَمَا هُوَ عَادَتهم فِيهِ، لَا سِيمَا وَكَانَ بَينهمَا قرَابَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن عبد الله وعمرا كَانَا صهرين، والنمرة، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم: بردة من صوف أَو غَيره مخططة. وَقَالَ الْقَزاز: هِيَ دراعة فِيهَا لونان سَواد وَبَيَاض، وَيُقَال للسحابة إِذا كَانَت كَذَلِك: نمرة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: النمرة بردة من صوف تلبسها الْأَعْرَاب، وَهِي بِكَسْر الْمِيم وسكونها، وَيجوز كسر النُّون مَعَ سُكُون الْمِيم. فَإِن قلت: ذكر الْوَاقِدِيّ فِي (الْمَغَازِي) وَابْن سعد: أَنَّهُمَا كفنا فِي ثَوْبَيْنِ. قلت: إِذا ثَبت ذَلِك حمل على أَن النمرة شقَّتْ بَينهمَا نِصْفَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ حدَّثني الزُّهْرِيُّ قَالَ حدَّثني منْ سَمِعَ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ سُلَيْمَان بن كثير ضد قَلِيل الْعَبْدي أَبُو مُحَمَّد، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس إلَاّ فِي الزُّهْرِيّ. وَقَالَ يحيى بن معِين، ضَعِيف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن الْفرق بَين هَذِه الطّرق أَن اللَّيْث ذكر عبد الرَّحْمَن وَاسِطَة بَين الزُّهْرِيّ وَجَابِر، وَالْأَوْزَاعِيّ لم يذكر الْوَاسِطَة بَينهمَا، وَسليمَان ذكر وَاسِطَة مَجْهُولا، فَاعْلَم ذَلِك. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: اضْطربَ فِيهِ الزُّهْرِيّ، وَمنع بَعضهم الِاضْطِرَاب بقوله: لِأَن الْحَاصِل من الِاخْتِلَاف فِيهِ على الثِّقَات أَن الزُّهْرِيّ حمله عَن شيخين، وَأما إِبْهَام سُلَيْمَان لشيخ الزُّهْرِيّ وَصدق الْأَوْزَاعِيّ لَهُ فَلَا يُؤثر ذَلِك فِي رِوَايَة من سَمَّاهُ لِأَن الْحجَّة لمن ضبط. وَزَاد: إِذا كَانَ ثِقَة لَا سِيمَا إِذا كَانَ حَافِظًا. قلت: الِاخْتِلَاف على الثِّقَات والإبهام مِمَّا يُورث الإضطراب، وَلَا ينْدَفع ذَلِك بِمَا ذكره. ٦٧ - (بابُ الإذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِي القَبْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعْمَال الْإِذْخر والحشيش فِي الْفرج الَّتِي تتخلل بَين اللبنات فِي الْقَبْر. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب ذكر الْحَشِيش فَلم ذكره؟ قلت: نبه بِهِ على إِلْحَاقه بالإذخر، لِأَن المُرَاد بِاسْتِعْمَال الْإِذْخر هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ لَا التَّطَيُّب، فَيكون الْحَشِيش فِي مَعْنَاهُ، كَمَا أَن الْمسك وَمَا جانسه من الطّيب فِي الحنوط دَاخل فِي معنى إِبَاحَة الكافور للْمَيت، ثمَّ الْإِذْخر،

стр. 2348

بِكَسْر الْهمزَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره رَاء، وَهُوَ نبت مَعْلُوم وَله أصل مندفن وقضبان دقاق ذفر الرّيح، وَهُوَ مثل الأسل، أسل الكولان، إِلَّا أَنه أعرض وأصغر كعوبا وَله ثَمَرَة كَأَنَّهَا مكاميع الْقصب إلَاّ أَنَّهَا أرق وأصغر. وَقَالَ أَبُو زِيَاد: الْإِذْخر: يشبه فِي نَبَاته الغرز، والغرز نَبَاته نَبَات الأسل الَّذِي يعْمل مِنْهُ الْحصْر، والإذخر أدق مِنْهُ وَله كعوب كَثِيرَة وَهُوَ يطحن فَيدْخل فِي الطّيب. وَقَالَ أَبُو النَّصْر: هُوَ من الذُّكُور، وَإِنَّمَا الذُّكُور من البقل، وَلَيْسَ الْإِذْخر من البقل، وَله أرومة فينبت فِيهَا فَهُوَ بالحلبة أشبه. وَقَالَ أَبُو عمر: هُوَ من الحلبة، وقلما ينْبت الْإِذْخر مُنْفَردا، وَهُوَ ينْبت فِي السهول والحزون وَإِذا جف الْإِذْخر ابيضَّ. وَفِي شرح أَلْفَاظ المنصوري) : الْإِذْخر خشب يجلب من الْحجاز، وبالمغرب صنف مِنْهُ. قيل: هَذَا أصح مَا قيل فِي الْإِذْخر، وَيدل عَلَيْهِ قَول ابْن عَبَّاس: لبيوتهم وقبورهم، فَإِن الْبيُوت مَا تسقف إِلَّا بالخشب وَلَا يَجْعَل على اللحود إلَاّ الْخشب. قلت: قدذكرنا أَنه تنسد بِهِ الْفرج الَّتِي تتخلل بَين اللبنات بِدَلِيل قَوْله: والحشيش، فَإِن الْحَشِيش لَا يسقف بِهِ، لِأَنَّهُ غير متماسك لَا رطبا وَلَا يَابسا. ٩٤٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ . قَالَ حَرَّمَ الله مَكَّةَ فلَمْ تَحِلُّ لأِحَدٍ قَبْلِي وَلَا لأِحَدٍ بَعْدِي أحِلَّتْ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا ييُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَاّ لِمُعَرِّفٍ فَقَالَ العَبَّاسُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ إلَاّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إلَاّ الإذْخِرَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ الْإِذْخر) إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم ذكرُوا، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وخَالِد هُوَ الْحذاء. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي مُوسَى عَن عبد الْوَهَّاب، وَفِي الْبيُوع عَن إِسْحَاق عَن خَالِد، وَفِي اللّقطَة قَالَ: قَالَ خَالِد: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حرم الله مَكَّة) أَي: جعلهَا حَرَامًا، وَقد فسره بقوله: (فَلم تحل لأحد قبلي وَلَا لأحد بعدِي) ، وَلَفظه فِي الْحَج: عَن طَاوُوس عَن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، يَوْم فتح مَكَّة: (إِن هَذَا الْبَلَد حرمه الله. .) الحَدِيث، وَفِي غَزْوَة الْفَتْح: (أَن الله حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَهِيَ حرَام بِحرَام الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) ، وَلَفظ مُسلم: (إِن هَذَا الْبَلَد حرمه الله تَعَالَى يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهِيَ حرَام بِحرْمَة الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . وَأخرجه الْبَزَّار عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِن مَكَّة حرَام حرمهَا الله تَعَالَى يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله ، حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر، ووضعها بَين هذَيْن الأخشبين. .) الحَدِيث. وَقَالَ الْبَزَّار: وَهَذَا الحَدِيث قد رُوي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، من غير وَجه، وَعَن غير ابْن عَبَّاس بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة ومعانيها قريبَة. قَوْله: (الأخشبين) أَي: الجبلين المطيفين بِمَكَّة، وهما أَبُو قبيس والأحمر، وَهُوَ جبل مشرف وَجهه على قعيقعان، والأخشب: كل جبل خشن غليظ. وَفِي الحَدِيث: (لَا تَزُول مَكَّة حَتَّى يَزُول أخشباها) . قَوْله: (سَاعَة من نَهَار) ، لم يرد بهَا السَّاعَة من الإثني عشر سَاعَة، وَالْمرَاد بهَا: الْقَلِيل من الْوَقْت وَالزَّمَان، وَإنَّهُ كَانَ بعض النَّهَار وَلم يكن يَوْمًا تَاما، وَدَلِيله: (وَقد عَادَتْ حرمتهَا الْيَوْم كحرمتها بالْأَمْس) . وَقيل: أَرَادَ بِهِ سَاعَة الْفَتْح أبيحت لَهُ إِرَاقَة الدَّم فِيهَا، دون الصَّيْد، وَقطع الشّجر وَنَحْوهمَا. قَوْله: (لَا يخْتَلى خَلاهَا) أَي: لَا يقطع كلاؤها، والخلا، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة مَقْصُورا: الرطب من الْكلأ، كَمَا أَن الْحَشِيش اسْم الْيَابِس مِنْهُ، والواحدة خلاة، ولامه: يَاء، لقَولهم: خليت البقل: قطعته. وَفِي (الْمُخَصّص) : تَقول: خليت الخلا خليا: جززته. وَفِي (الْمُحكم) : وَقيل: الخلا، كل بقلة قطعتها، وَقد يجمع الخلا على أخلاء، حَكَاهُ أَبُو حنيفَة وأخلت الأَرْض: كثر خَلاهَا، واختلاه: جزه. وَقَالَ اللحياني: نَزعه. وَقَالَ القَاضِي: وَمعنى: لَا يخْتَلى خَلاهَا؛ لَا يحصد كلاها، مَقْصُور ومده بعض الروَاة، وَهُوَ خطأ. والاختلاء: الْقطع، فعل مُشْتَقّ من الخلا. والمخلا مَقْصُورَة: حَدِيدَة

стр. 2349

يخْتَلى بهَا الخلا، والمخلاة وعَاء يخْتَلى فِيهِ للدابة، ثمَّ سمى كل مَا يعتلف فِيهِ مِمَّا يعلق فِي رَأسهَا مخلاة، والخلاء، بِالْمدِّ: الْموضع الْخَالِي وَأَيْضًا مصدر من خلا يَخْلُو قَوْله: (وَلَا يعضد شَجَرهَا) أَي: لَا يقطع، يُقَال: عضد واستعضذ بِمَعْنى كَمَا يُقَال علا واستعلى قَالَ القَاضِي وَقع فِي رِوَايَة (وَلَا يعضد شجرائها) وَهُوَ الشّجر وَقَالَ الطَّبَرِيّ معنى لَا يعضد لَا يفْسد وَيقطع من عدد الرجل إِذا أصَاب عضده بِسوء وَفِي الموعب عضدت الشجرا عضده عضد مثل ضَربته إِذا قطعته وَفِي الْمُحكم الشَّيْء معضود وعضيد قَوْله (أَلا لمعرف) بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَهُوَ الَّذِي يعرفهَا حَتَّى يَجِيء صَاحبهَا وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ (وَلَا يلتقط لقطته إِلَّا من عرفهَا) وَفِي لفظ (وَلَا يحل لقطتهَا إِلَّا لِمُنْشِد) والمنشد هُوَ الْمُعَرّف والناشد هُوَ الطَّالِب يُقَال ناشدت الضَّالة إِذا طلبتها فَإِذا عرفتها قلت أنشدتها وأصل الإنشاد رفع الصَّوْت وَمِنْه إنساد الشّعْر قَوْله (لصاغتنا) أَصله الصوغة جمع صائغ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن مَكَّة حرَام يحرم فِيهَا أَشْيَاء مَا يحل فِي غَيرهَا من بِلَاد الله تَعَالَى، فَإِن قلت: الحَدِيث هُنَا (حرم الله مَكَّة) ، وَفِي حَدِيث صَحِيح: (أَن إِبْرَاهِيم ﷺ حرم مَكَّة) . قلت: يَعْنِي بلغ تَحْرِيم الله تَعَالَى لَهَا، فَكَانَ التَّحْرِيم على لِسَانه، فنسب إِلَيْهِ وَحكى الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره الْخلاف بَين الْعلمَاء فِي ابْتِدَاء تَحْرِيم مَكَّة، فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا مَا زَالَت مُحرمَة وَأَنه خَفِي تَحْرِيمهَا فأظهره إِبْرَاهِيم، ﵊، وأشاعه، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن ابْتِدَاء تَحْرِيمهَا من زمن إِبْرَاهِيم، ﵊، وَأَنَّهَا كَانَت قبل ذَلِك غير مُحرمَة كَغَيْرِهَا من الْبِلَاد، وَإِن معنى: حرمهَا الله يَوْم خلق السَّمَوَات، أَنه قدر ذَلِك فِي الْأَزَل أَنه سيحرمها على لِسَان إِبْرَاهِيم، ﵊، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن الله كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن إِبْرَاهِيم، ﵊، سيحرم مَكَّة بِأَمْر الله تَعَالَى. وَفِيه: (أحلّت لي سَاعَة من نَهَار) ، احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة أَن مَكَّة فتحت عنْوَة لَا صلحا، لِأَنَّهُ، ﵊، فتحهَا بِالْقِتَالِ. وَبِه قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَسَيَجِيءُ فِي حَدِيث أبي شُرَيْح الْعَدوي فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله، ﷺ ، فِيهَا فَقولُوا لَهُ: إِن الله أذن لرَسُول الله، ﷺ ، وَلم يَأْذَن لَك، وَإِنَّمَا أذن لَهُ سَاعَة من النَّهَار، وَذهب الشَّافِعِي وَجَمَاعَة إِلَى أَنَّهَا فتحت صلحا، وتأولوا الحَدِيث على أَنه أُبِيح لَهُ الْقِتَال لَو احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَو احْتَاجَ إِلَيْهِ لقَاتل، وَلكنه بِمَ يحْتَج إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَهَذَا التَّأْوِيل يبعده قَوْله: لقِتَال رَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي فِي حَدِيث أبي شُرَيْح فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وجود قتال ظَاهرا. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَفِي الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث: إِن بَعْضهَا فتح صلحا، وَبَعضهَا عنْوَة، لِأَن الْمَكَان الَّذِي دخل مِنْهُ النَّبِي ﷺ لم يَقع فِيهِ الْقِتَال، وَإِنَّمَا وَقع فِي غير الْمَكَان الَّذِي دخل مِنْهُ. وَفِيه: لَا يجوز اختلاء خلا مَكَّة هَذَا مِمَّا ينْبت بِنَفسِهِ بِالْإِجْمَاع. وَأما الَّذِي يزرعه النَّاس نَحْو الْبُقُول والخضراوات، والفصيل فَإِنَّهَا يجوز قطعهَا. وَاخْتلف فِي الرَّعْي فِيمَا أَنْبَتَهُ الله من خَلاهَا، فَمَنعه أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَأَجَازَهُ أَبُو يُوسُف وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع على تَحْرِيم قطع شجر الْحرم، وَقَالَ الإِمَام: اخْتلف النَّاس فِي قطع شجر الْحرم: هَل فِيهِ جَزَاء أم لَا؟ فَعِنْدَ مَالك: لَا جَزَاء فِيهِ، وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فِيهِ الْجَزَاء. قلت: هَذَا فِيمَا لم يغرسه الْآدَمِيّ من الشّجر. وَأما مَا غرسه الْآدَمِيّ فَلَا شَيْء فِيهِ، وخكى الْخطابِيّ أَن مَذْهَب الشَّافِعِي منع قطع مَا غرسه الْآدَمِيّ من شجر الْبَوَادِي ونماه وَأمه، وَغَيره مِمَّا أَنْبَتَهُ الله سَوَاء، وَاخْتلف قَوْله فِي جَزَاء الشّجر، فَعِنْدَ الشَّافِعِي: فِي الدوحة بقرة، وَفِيمَا دونهَا شَاة. وَعند أبي حنيفَة: يُؤْخَذ مِنْهُ قيمَة مَا قطع يشترى بِهِ هدى، فَإِن لم يبلغ ثمنه تصدق بِهِ بنضف صَاع لكل مِسْكين. وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي الْخشب وَنَحْوه قيمتهَا بَالِغَة مَا بلغت. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: فِيهَا قيمتهَا، وَالْمحرم والحلال فِي ذَلِك سَوَاء. وَاخْتلفُوا فِي أَخذ السِّوَاك من شجر الْحرم: فَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعَمْرو بن دِينَار أَنهم رخصوا فِي ذَلِك، وَحكى أَبُو ثَوْر ذَلِك عَن الشَّافِعِي، وَكَانَ عَطاء يرخص فِي أَخذ ورق السنا يستمشي بِهِ وَلَا ينْزع من أَصله، وَرخّص فِيهِ عَمْرو بن دِينَار. وَفِيه: دَلِيل على أَن الشّجر المؤذي كالشوك لَا يقطع من الْحرم لإِطْلَاق قَوْله: (وَلَا يعضد شَجَرهَا) ، وَهُوَ اخْتِيَار أبي سعيد الْمُتَوَلِي من الشَّافِعِيَّة: وَذهب جُمْهُور أَصْحَاب الشَّافِعِي

стр. 2350

إِلَى أَنه لَا يحرم قطع الشوك لِأَنَّهُ مؤذٍ، فَأشبه الفواسق الْخمس، وخصوا الحَدِيث بِالْقِيَاسِ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَالصَّحِيح مَا اخْتَارَهُ المتولى. وَفِيه: تَصْرِيح بِتَحْرِيم إزعاج صيد مَكَّة وَنبهَ بالتنفير على الاتلاف وَنَحْوه لِأَنَّهُ إِذا حرم التنفير فالاتلاف أولى. وَفِيه: أَن وَاجِد لقطَة الْحرم لَيْسَ لَهُ غير التَّعْرِيف أبدا، وَلَا يملكهَا بِحَال وَلَا يستنفقها، وَلَا يتَصَدَّق بهَا حَتَّى يظفر بصاحبها، بِخِلَاف لقطَة سَائِر الْبِقَاع، وَهُوَ أظهر قولي الشَّافِعِي، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعِنْدنَا: لقطَة الْحل وَالْحرم سَوَاء لعُمُوم قَوْله ﷺ : (أعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة) . من غير فصل، وروى الطَّحَاوِيّ عَن معَاذَة العدوية: أَن امْرَأَة قد سَأَلت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَت: إِنِّي قد أصبت ضَالَّة فِي الْحرم، فَإِنِّي قد عرفتها فَلم أجد أحدا يعرفهَا. فَقَالَت لَهَا عَائِشَة: استنفقي بهَا. وَفِيه: جَوَاز اسْتِعْمَال الْإِذْخر فِي الْقُبُور، والصاغة وَأهل مَكَّة يستعملون من الْإِذْخر ذريرة ويطيبون بهَا أكفان الْمَوْتَى، وَقَوله ﷺ : (إلَاّ الْإِذْخر) يجوز أَن يكون أُوحِي إِلَيْهِ تِلْكَ السَّاعَة، أَو من اجْتِهَاده ﷺ . وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ لِقُبُورِنِا وَبُيُوتِنَا ذكر البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق مَوْصُولا فِي بَاب كتال الْعلم، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، قَالَ: حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن خُزَاعَة قتلوا رجلا من بني لَيْث. .) الحَدِيث، وَفِيه: (إلَاّ الْإِذْخر يَا رَسُول الله، فَإنَّا نجعله فِي بُيُوتنَا وَقُبُورنَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إلَاّ الْإِذْخر) . وقالَ أبَانُ بنُ صالِحٍ عنِ الحسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ مِثْلَهُ هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن مَاجَه: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا يُونُس بن بكير، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنَا أبان بن صَالح عَن الْحسن بن مُسلم بن بناق (عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، قَالَت: سَمِعت النَّبِي ﷺ يخْطب عَام الْفَتْح، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِن الله حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهِيَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لَا يعضد شَجَرهَا وَلَا ينفر صيدها وَلَا يَأْخُذ لقطتهَا إلَاّ منشد، فَقَالَ الْعَبَّاس: إلَاّ الْإِذْخر فَإِنَّهُ للبيوت والقبور. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إلَاّ الْإِذْخر) . وَقَالَ مُجاهِدٌ عنْ طَاووسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لِقَيْنِهِمْ وبُيُوتِهِمْ هَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور من أول الْبَاب، رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَسَيَأْتِي مَوْصُولا فِي كتاب الْحَج. وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس هَذَا الحَدِيث بِوُجُوه، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من طَرِيق مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم الْفَتْح، فتح مَكَّة: (لَا هِجْرَة وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله إلَاّ الْإِذْخر، فَإِنَّهُم لِقَيْنِهِم ولبيوتهم، فَقَالَ: إلَاّ الْإِذْخر) الْقَيْن، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون: الْحداد، وَالله أعلم. ٧٧ - (بابٌ هَلْ يخْرج المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ واللَّحْدِ لِعِلَّةٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يخرج الْمَيِّت من قَبره ولحده بعد دَفنه لعِلَّة؟ أَي: لأجل سَبَب من الْأَسْبَاب؟ وَإِنَّمَا ذكر التَّرْجَمَة بالاستفهام وَلم يذكر جَوَابه اكْتِفَاء بِمَا فِي أَحَادِيث الْبَاب الثَّلَاثَة: عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن فِي الحَدِيث الأول إِخْرَاج الْمَيِّت من قَبره لعِلَّة، وَهِي إقماص النَّبِي ﷺ عبد الله بن أبي بِقَمِيصِهِ الَّذِي على جسده، وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّالِث: إِخْرَاجه أَيْضا لعِلَّة، وَهِي تطييب قلب جَابر، فَفِي الأول لمصْلحَة الْمَيِّت، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِث لمصْلحَة الْحَيّ، وَيتَفَرَّع على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ جَوَاز إِخْرَاج الْمَيِّت من قَبره إِذا كَانَت الأَرْض مَغْصُوبَة أَو أظهرت مُسْتَحقَّة أَو توزعت بِالشُّفْعَة، وَكَذَلِكَ نقل الْمَيِّت من مَوضِع إِلَى مَوضِع، فَذكر فِي الْجَوَامِع، وَإِن نقل ميلًا أَو ميلين فَلَا بَأْس بِهِ، وَقيل: مَا دون السّفر، وَقيل: لَا يكره السّفر أَيْضا. وَعَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أَمر بقبور كَانَت عِنْد الْمَسْجِد إِن تحول إِلَى البقيع، وَقَالَ: توسعوا فِي مَسْجِدكُمْ، وَقيل: لَا بَأْس فِي مثله، وَقَالَ الْمَازرِيّ: ظَاهر مَذْهَبنَا جَوَاز نقل الْمَيِّت من بلد إِلَى بلد، وَقد مَاتَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بالعقيق، وَدفن بِالْمَدِينَةِ. وَكَذَلِكَ سعيد بن زيد، وَفِي (الْحَاوِي) : قَالَ الشَّافِعِي: لَا أحب نَقله إلَاّ أَن يكون بِقرب مَكَّة أَو الْمَدِينَة أَو

стр. 2351

بَيت الْمُقَدّس، فَاخْتَارَ أَن ينْقل إِلَيْهَا لفضل الدّفن فِيهَا، وَقَالَ الْبَغَوِيّ والبندنيجي: يكره نَقله، وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن والدارمي: يحرم نَقله: قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا هُوَ الْأَصَح، وَلم ير أحد بَأْسا أَن يحول الْمَيِّت من قَبره إِلَى غَيره، وَقَالَ: قد نبش معَاذ امْرَأَته وحول طَلْحَة. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة قَوْله: واللحد مَعَ تنَاول الْقَبْر إِلَيْهِ؟ قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى جَوَاز الْإِخْرَاج لعِلَّة، سَوَاء كَانَ وَحده فِي الْقَبْر، نبه عَلَيْهِ بقوله: من الْقَبْر، أَو كَانَ مَعَه غَيره، نبه عَلَيْهِ بقوله: واللحد، لِأَن وَالِد جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ فِي اللَّحْد وَمَعَهُ غَيره، فَأخْرجهُ جَابر وَجعله فِي قبر وَحده حَيْثُ قَالَ فِي حَدِيثه: وَدفن مَعَه آخر فِي قَبره. . إِلَى آخِره، كَمَا يَأْتِي الْآن، وَعلل لإخراجه عدم طيب نَفسه إِن يتْركهُ مَعَ الآخر، فاستخرجه بعد سِتَّة أشهر وَجعله فِي قبر على حِدة. ٠٥٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌ وسَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ أَتَى رسولُ الله ﷺ عَبْدَ الله بنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فأمَرَ بِهِ فأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَألْبَسَهُ قَمِيصَهُ فَالله أعْلَمُ وكانَ كَسَا عَبَّاسا قَمِيصا. قَالَ سُفْيانُ وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ وكانَ عَلَى رسُولِ الله ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ لَهُ ابنُ عَبْدِ الله يَا رسولَ الله ألْبِسْ أبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيانُ فَيُرَوْنَ أنَّ النبيَّ ﷺ ألْبَسَ عَبْدَ الله قَمِيصَهُ مُكَافَأةً لِمَا صَنَعَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمر بِهِ فَأخْرج) أَي: من قَبره بعد أَن دفن. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، كَذَا نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ. الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) . الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: سُفْيَان قَالَ عَمْرو: وَكَأن ذَاك كَانَ فِي حَال المذاكرة. وَفِيه: السماع. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل وَفِي اللبَاس عَن عبد الله. ابْن عُثْمَان وَفِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأحمد ابْن عَبدة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن الْحَارِث بن مِسْكين وَعبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء وَعبد الله بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ، فرقهم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عبد الله بن أبي) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن سلول، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة، وَأبي: هُوَ أَبُو مَالك بن الْحَارِث بن عبيد، وسلول امْرَأَة من خُزَاعَة، وَهِي أم أبي مَالك بن الْحَارِث وَأم عبد الله ابْن أبي خَوْلَة بنت الْمُنْذر بن حرَام من بني النجار، وَعبد الله سيد الْخَزْرَج فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ رَأس الْمُنَافِقين. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: مرض عبد الله بن أبي فِي لَيَال بَقينَ من شَوَّال، وَمَات فِي ذِي الْقعدَة من سنة تسع من الْهِجْرَة، وَكَانَ مَرضه عشْرين لَيْلَة، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يعودهُ فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي توفّي دخل عَلَيْهِ ﷺ وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، فَقَالَ: قد نهيتك عَن حب يهود، فَقَالَ: قد أبْغضهُم أسعد بن زُرَارَة فَمَا نَفعه؟ ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله لَيْسَ هَذَا بِحِين عتاب، هُوَ الْمَوْت، فَإِن مت فَاحْضُرْ غسْلي واعطني قَمِيصك الَّذِي يَلِي جِلْدك فَكَفِّنِّي فِيهِ، وصلِّ عَليّ واستغفر لي، فَفعل ذَلِك رَسُول الله ﷺ : قَوْله: (حفرته) أَي: قَبره، قَوْله: (فَأمر بِهِ) أَي: فَأمر رَسُول الله ﷺ بِعَبْد الله بن أبي فَأخْرج من قَبره. قَوْله: (فَالله أعلم) ، جملَة مُعْتَرضَة أَي: فَالله أعلم بِسَبَب إلباس رَسُول الله ﷺ إِيَّاه قَمِيصه. قَوْله: (وَكَانَ) ، أَي: عبد الله كسا عباسا قَمِيصًا، وعباس هُوَ ابْن عبد الْمطلب عَم رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا كَسَاه مُكَافَأَة لما كَانَ كسا الْعَبَّاس قَمِيصه حِين قدم الْمَدِينَة، وَذَلِكَ أَنهم لم يَجدوا قَمِيصًا يصلح للْعَبَّاس إلَاّ قَمِيص عبد الله بن أبي، لِأَن الْعَبَّاس كَانَ طَويلا جدا، وَكَذَلِكَ عبد الله بن أبي. قَالَ أنس: شهِدت رجلَيْهِ وَقد فضلتا السرير من طوله. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ: ابْن عُيَيْنَة. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة، هَكَذَا هُوَ فِي كثير من الرِّوَايَات، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: قَالَ سُفْيَان: وَقَالَ أَبُو هَارُون: قيل: هُوَ الصَّوَاب، وَأَبُو هُرَيْرَة تَصْحِيف، وَأَبُو هَارُون هَذَا هُوَ مُوسَى بن أبي عِيسَى ميسرَة الحناط، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالنون: الْمدنِي، كَذَا نَص عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقيل: هُوَ إِبْرَاهِيم بن الْعَلَاء الغنوي من شُيُوخ الْبَصْرَة، وَكِلَاهُمَا من أَتبَاع التَّابِعين.

стр. 2352

وَقَالَ بَعضهم: أَبُو هَارُون الْمَذْكُور جزم الْمزي بِأَنَّهُ عِيسَى بن أبي مُوسَى الحناط، قَالَ: وَقد أخرجه الْحميدِي فِي (مُسْنده) عَن سُفْيَان، فَسَماهُ عِيسَى، وَلَفظه: حَدثنَا عِيسَى بن أبي مُوسَى. قلت: قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : أَبُو هَارُون هَذَا مُوسَى بن أبي عِيسَى ميسرَة الحناط الْغِفَارِيّ أَخُو عِيسَى بن أبي عِيسَى الطَّحَّان، وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) وَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: أَبُو هَارُون هُوَ مُوسَى بن أبي عِيسَى الحناط. قَالَ الغساني: أَتَى ذكره فِي (الْجَامِع) فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب هَل يخرج الْمَيِّت من الْقَبْر، فِي قصَّة ابْن سلول، فَقَط، وعَلى كل حَال الحَدِيث معضل. قَوْله: (قَالَ لَهُ ابْن عبد الله) أَي: قَالَ للنَّبِي، ﷺ ، ابْن عبد الله بن أبي، وَهُوَ أَيْضا اسْمه عبد الله، وَكَانَ اسْمه: الْحباب، فَسَماهُ رَسُول الله ﷺ : عبد الله، فَقَالَ: أَنْت عبد الله، والحباب شَيْطَان، وَقد كَانَ أسلم وَحسن إِسْلَامه وَشهد بَدْرًا مُسلما مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ يصعب عَلَيْهِ صُحْبَة أَبِيه لِلْمُنَافِقين، وَهُوَ الَّذِي جلس على بَاب الْمَدِينَة وَمنع أَبَاهُ فِي غزَاة الْمُريْسِيع من دُخُولهَا. قَوْله: (ألبس) ،، بِفَتْح الْهمزَة من الإلباس. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان، فيرون. .) إِلَى آخِره، مُتَّصِل عِنْد سُفْيَان أخرجه البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد فِي: بَاب كسْوَة الْأُسَارَى، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عمر وَسمع جَابر بن عبد الله، قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر أُتِي بِأسَارَى وَأتي بِالْعَبَّاسِ وَلم يكن عَلَيْهِ ثوب، فَنظر النَّبِي ﷺ لَهُ قَمِيصًا فوجدوا قَمِيص عبد الله بن أبي يقدر عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِي ﷺ إِيَّاه، فَلذَلِك نزع النَّبِي ﷺ قَمِيصه الَّذِي ألبسهُ. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: كَانَت لَهُ عِنْد النَّبِي ﷺ يدٌ فَأحب أَن يُكَافِئهُ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز إِخْرَاج الْمَيِّت من قَبره لعِلَّة، وَقد ذَكرْنَاهُ مُسْتَوفى، وَمن الْعلَّة أَن يكون دفن بِلَا غسل أَو لحق الأَرْض المدفون فِيهَا سيل أَو نداوة، قَالَه الْمَاوَرْدِيّ فِي أَحْكَامه. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلف الْعلمَاء فِي نبش من دفن وَلم يغسل فأكثرهم يُجِيز إِخْرَاجه وغسله، هَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ، إلَاّ أَن مَالِكًا قَالَ: مَا لم يتَغَيَّر، وَكَذَا عندنَا: مَا لم يتَغَيَّر بالنتن. وَقيل: ينبش مَا دَامَ فِيهِ جُزْء من عظم وَغَيره، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: إِذا وضع فِي اللَّحْد وَلم يغسل لَا يَنْبَغِي أَن ينبشوه، وَبِه قَالَ أَشهب، وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِيمَن دفن بِغَيْر صَلَاة، قَالَ ابْن الْمُنْذر: فعندنا لَا ينبش بل يصلى على الْقَبْر، أللهم إلَاّ أَن لَا يهال عَلَيْهِ التُّرَاب فَإِنَّهُ يخرج وَيصلى عَلَيْهِ، نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي لعِلَّة الْمَشَقَّة، وَأَنه لَا يُسمى نبشا، وَقيل: ترفع لبنته وَهُوَ فِي لحده مِمَّا يُقَابل وَجهه لينْظر بعضه فيصلى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يخرج مَا لم يتَغَيَّر، وَهُوَ قَول سَحْنُون. وَقَالَ أَشهب: إِن ذكرُوا ذَلِك قبل أَن يهال عَلَيْهِ التُّرَاب أخرج وَصلي عَلَيْهِ، وَإِن أهالوا فليترك، وَإِن لم يصل عَلَيْهِ. وَعَن مَالك: إِذا نسيت الصَّلَاة على الْمَيِّت حَتَّى فرغ من دَفنه لَا أرى أَن ينبشوه لذَلِك، وَلَا يصلى على قَبره، وَلَكِن يدعونَ لَهُ، وروى سعد بن مَنْصُور عَن شُرَيْح بن عبيد: أَن رجَالًا قبروا صاحبا لَهُم لم يغسلوه وَلم يَجدوا لَهُ كفنا، فوجدوا معَاذ بن جبل فأخبروه فَأَمرهمْ أَن يخرجوه ثمَّ غسل وكفن وحنط وَصلى عَلَيْهِ، وَفِيه: وَنَفث عَلَيْهِ من رِيقه. احْتج بِهِ على من يرى نَجَاسَة الرِّيق والنخامة، وَهُوَ قَول يرْوى عَن سلمَان الْفَارِسِي وإبرهيم النَّخعِيّ، وَالْعُلَمَاء كلهم على خِلَافه، وَالسّنَن وَردت برده، فمعاذ الله من صِحَة خِلَافه والشارع علمنَا النَّظَافَة وَالطَّهَارَة، وَبِه طهرنا الله من الأدناس، فريقه، ﷺ ، يتبرك بِهِ ويستشفى. وَفِيه: أَن الشُّهَدَاء لَا تَأْكُل الأَرْض لحومهم، وَقيل: أَرْبَعَة لَا تعدو عَلَيْهِم الأَرْض وَلَا هوامها الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْعُلَمَاء وَالشُّهَدَاء والمؤذنون، وَقيل: ذَلِك لأهل أحد كَرَامَة لَهُم. ١٥٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أخبرنَا بِشْرً بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حدَّثنا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ عنْ عَطَاءٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أبي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ مَا أُرَانِي إلَاّ مَقْتُولاً فِي أوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أصْحَابَ النبيِّ ﷺ وَإنِّي لَا أتْرُكُ بَعْدِي أعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رسولِ الله ﷺ فإنَّ عَلَيَّ دَيْنا فاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِأخَوَاتِكَ خَيْرا فأصْبَحْنَا فَكانَ أوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أنْ أتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ فإذَا هُوَ كَيَوْمَ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ. (الحَدِيث ١٥٣١ طرفه فِي: ٢٥٣١) .

стр. 2353

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاستخرجته) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، و: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، والمفضل، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. وَقَالَ الجياني: كَذَا رُوِيَ هَذَا الْإِسْنَاد عَن البُخَارِيّ إلَاّ أَبَا عَليّ بن السكن وَحده، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَته: شُعْبَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن جَابر. وَأخرجه أَبُو نعيم من طَرِيق أبي الْأَشْعَث عَن بشر بن الْمفضل، فَقَالَ: سعيد بن يزِيد عَن أبي نَضرة عَن جَابر. وَقَالَ بعده: لَيْسَ أَبُو نَضرة من شَرط البُخَارِيّ. قَالَ: وَرِوَايَته عَن حُسَيْن عَن عَطاء عزيزة جدا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن سعيد بن يزِيد أبي سَلمَة عَن أبي نَضرة عَن جَابر، قَالَ: دفن مَعَ أبي رجل فَكَانَ فِي نَفسِي من ذَلِك حَاجَة. فَأَخْرَجته بعد سِتَّة أشهر، فَمَا أنْكرت مِنْهُ شَيْئا إلَاّ شعيرات كن فِي لحيته مِمَّا يَلِي الأَرْض، وَأَبُو نَضرة: الْمُنْذر بن مَالك الْعَوْفِيّ. وَأخرجه أَيْضا ابْن سعد وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق سعيد عَن أبي نَضرة عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما حضر أحد) ، أَي: وقْعَة أحد، وَإسْنَاد الْحُضُور إِلَيْهِ مجازي، وَكَانَت وقْعَة أحد فِي سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة، خرج النَّبِي ﷺ ، إِلَيْهَا عَشِيَّة الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة خلت من شَوَّال، وَقَالَ مَالك: كَانَت أحد وخيبر فِي أول النَّهَار. قَوْله: (مَا أَرَانِي) ، بِضَم الْهمزَة أَي: مَا أظنني، أَي: مَا أَظن نَفسِي، وَذكر الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) عَن الْوَاقِدِيّ: أَن سَبَب ظَنّه ذَلِك مَنَام رَآهُ أَنه رأى مُبشر بن عبد الله الْمُنْذر، وَكَانَ مِمَّن اسْتشْهد ببدر، يَقُول لَهُ: أَنْت قادم علينا فِي هَذِه الْأَيَّام، فَقَصَّهَا على النَّبِي ﷺ فَقَالَ: هَذِه شَهَادَة، وَفِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن عَن أبي نَضرة. (عَن جَابر: أَن أَبَاهُ قَالَ لَهُ: إِنِّي معرض نَفسِي للْقَتْل. .) الحَدِيث. وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِنَاء على مَا كَانَ عزم عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ إِشَارَة إِلَى مَا أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ أَن بعض أَصْحَابه سيقتل. قَوْله: (فَإِن عَليّ دينا) كَانَت عَلَيْهِ أوسق تمر ليهودي. قَوْله: (فَاقْض) ، من: قضى يقْضِي أَي: أدِّ الدّين، ويروى: (فاقضه) ، بِذكر الضَّمِير الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول. قَوْله: (واستوصِ) أَي: أطلب الْوَصْل بأخواتك خيرا، يُقَال: وصيت الشَّيْء بِكَذَا إِذا وصلته بِهِ. قَالَ ابْن بطال: أَي: إقبل وصيتي بِالْخَيرِ إلَيْهِنَّ، وَكَانَت لَهُ تسع أَخَوَات باخْتلَاف فِيهِ، فوكد عَلَيْهِ فِيهِنَّ مَعَ مَا كَانَ فِي جَابر من الْخَيْر، فَوَجَبَ لَهُنَّ: حق الْقَرَابَة، وَحقّ وَصِيَّة الْأَب، وَحقّ الْيَتِيم، وَحقّ الْإِسْلَام. وَفِي (الصَّحِيح) : (لما قَالَ لَهُ ﷺ : تزوجت بكرا أم ثَيِّبًا؟ قَالَ: بل ثَيِّبًا، فَقَالَ: هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟ قَالَ: إِن أبي ترك أَخَوَات كرهت أَن أضم إلَيْهِنَّ خرقاء مِثْلهنَّ) . فَلم يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك. قَوْله: (أَن أتركه) ، أَن: مَصْدَرِيَّة أَي: لم تطب نَفسِي تَركه مَعَ الآخر، وَهُوَ عَمْرو بن الجموح بن زيد بن حرَام الْأنْصَارِيّ، وَكَانَ صديق وَالِد جَابر وَزوج أُخْته هِنْد بنت عَمْرو، فَكَانَ جَابر سَمَّاهُ عَمَّا تَعْظِيمًا. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) : حَدثنِي أبي عَن رجال من بني سَلمَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ حِين أُصِيب عبد الله بن عَمْرو وَعَمْرو بن الجموح: إجمعوا بَينهمَا، فَإِنَّهُمَا كَانَا متصادقين فِي الدُّنْيَا. وَفِي (مغازي الْوَاقِدِيّ) عَن عَائِشَة: أَنَّهَا رَأَتْ هِنْد بنت عَمْرو تَسوق بَعِيرًا لَهَا عَلَيْهِ زَوجهَا عَمْرو بن الجموح وأخوها عبد الله بن عَمْرو بن حرَام لتدفنها بِالْمَدِينَةِ ثمَّ أَمر رَسُول الله ﷺ برد الْقَتْلَى إِلَى مضاجعهم، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) : بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث أبي قَتَادَة، قَالَ: قتل عَمْرو بن الجموح وَابْن أَخِيه يَوْم أحد فَأمر بهما رَسُول الله ﷺ فَجعلَا فِي قبر وَاحِد، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : لَيْسَ هُوَ ابْن أَخِيه، وَإِنَّمَا هُوَ ابْن عَمه، قَوْله: (فاستخرجته بعد سِتَّة أشهر) أَي: من يَوْم دَفَنته. فَإِن قلت: وَقع فِي (الْمُوَطَّأ) عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة لَهُ: بلغه أَن عَمْرو بن الجموح وَعبد الله بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ كَانَا قد حفر السَّيْل قبرهما، وَكَانَا فِي قبر وَاحِد، فحفر عَنْهُمَا ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كَأَنَّهُمَا مَاتَا بالْأَمْس، وَكَانَ بَين أحد وَيَوْم حفر عَنْهُمَا سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة. انْتهى. وَهَذَا يُخَالف مَا ذكره جَابر. قلت: أجَاب ابْن عبد الْبر بِتَعَدُّد الْقِصَّة، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: لِأَن الَّذِي فِي حَدِيث جَابر أَنه دفن أَبَاهُ فِي قبر وَاحِد بعد سِتَّة أشهر، وَفِي حَدِيث (الْمُوَطَّأ) أَنَّهُمَا وجدا فِي قبر وَاحِد بعد سِتَّة وَأَرْبَعين سنة، فإمَّا أَن المُرَاد بكونهما فِي قبر وَاحِد قرب الْمُجَاورَة، أَو أَن السَّيْل غرق أحد القبرين فصارا كقبر وَاحِد. قلت: فِيهِ مَا لَا يخفى، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: الْمَنْقُول عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة بَلَاغ فَلَا يُقَاوم الْمَرْوِيّ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) كلمة: إِذا، للمفاجأة. وَقَوله: هُوَ، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (كَيَوْم وَضعته) بِإِضَافَة: يَوْم، إِلَى: وَضعته، و: الْكَاف، بِمَعْنى: الْمثل، وَالْيَوْم بِمَعْنى: الْوَقْت. قَوْله: (هنيَّة) ، بِضَم الْهَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، مصغر هُنَا،

стр. 2354

أَي: قَرِيبا وانتصابه على الْحَال، وَقَوله: (غير إِذْنه) مُسْتَثْنى مِمَّا قبله، وَحَاصِل الْمَعْنى: استخرجت أبي من قَبره ففاجأته قَرِيبا مثل الْوَقْت الَّذِي وَضعته فِيهِ، غير أَن أُذُنه تغير بِسَبَب التصاقها بِالْأَرْضِ، وَهَذَا الْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة الْمروزِي والجرجاني وَأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن والنسفي: (كَيَوْم وَضعته فِي الْقَبْر غير هنيَّة فِي أُذُنه) ، يُرِيد غير أثر يسير غيرته الأَرْض من أُذُنه، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَحكى ابْن التِّين: أَنه فِي رِوَايَته، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا همزَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ هَاء الضَّمِير، وَمَعْنَاهُ: على حَالَته، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي خَيْثَمَة وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق غَسَّان بن نصر عَن أبي سَلمَة بِلَفْظ: (وَهُوَ كَيَوْم دَفَنته إلَاّ هنيَّة عِنْد أُذُنَيْهِ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم من طَرِيق الْأَشْعَث: (غير هنيَّة عِنْد أُذُنه) . وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَاكِم: (فَإِذا هُوَ كَيَوْم وَضعته غير أُذُنه) ، سقط مِنْهُ لفظ: هنيَّة، وَكَذَا ذكره الْحميدِي فِي (الْجمع فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ) وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن من طَرِيق شُعْبَة عَن أبي مسلمة بِلَفْظ: (غير أَن طرف أذن أحدهم تغير) ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن سعد من طَرِيق أبي هِلَال عَن أبي مسلمة: (إلَاّ قَلِيلا من شحمة أُذُنه) ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، وَقد ذَكرنَاهَا من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن أبي مسلمة: (إلَاّ شعيرات كن من لحيته مِمَّا يَلِي الأَرْض) . فَإِن قلت: مَا وَجه رِوَايَة أبي دَاوُد بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة؟ قلت: المُرَاد بالشعيرات الَّتِي تتصل بشحمة الْأذن. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر أَن أَبَاهُ قتل يَوْم أحد، ثمَّ مثلُوا بِهِ فجدعوا أَنفه وَأُذُنَيْهِ. . الحَدِيث؟ قلت: يحمل هَذَا على أَنهم قطعُوا بعض أُذُنَيْهِ لَا جميعهما. فَافْهَم. ٨٧ - (بابُ اللَّحْدِ والشَّقِّ فِي القَبْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اللَّحْد والشق الكائنين فِي الْقَبْر. فَإِن قلت: لَيْسَ للشق ذكر فِي حَدِيث الْبَاب. قلت: قَوْله: قدمه فِي اللَّحْد، يدل على الشق، لِأَن فِي تَقْدِيم أحد الميتين تَأْخِير الآخر غَالِبا فِي الشق لمَشَقَّة تَسْوِيَة اللَّحْد، لمَكَان اثْنَيْنِ، وَتَقْدِيم ذكر اللَّحْد يدل على مزية فَضله، دلّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (اللَّحْد لنا والشق لغيرنا) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.

стр. 2355

٣٥٣١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ عنْ جابِرِ ابنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ يَقُولُ أيُّهُمْ أكْثَر أخْذا لِلْقُرْآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ فقالَ أنَا شَهِيدٌ عَلى هاؤلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغسِّلْهُمْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة علمت مِمَّا ذَكرْنَاهُ الْآن. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة، وعبدان بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب الصَّلَاة على الشَّهِيد، رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث إِلَى آخِره، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة الَّتِي بعده. قَوْله: (بَين الرجلَيْن) ، ويروى: (بَين رجلَيْنِ) ، بِلَا ألف وَلَام. قَوْله: (وَلم يغسلهم) ، بِفَتْح الْيَاء ويروى بضَمهَا: من التغسيل. ٩٧ - (بابٌ إذَا أسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَليهِ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإسْلَامُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ قبل الْبلُوغ، هَل يصلى عَلَيْهِ أم لَا؟ هَذِه تَرْجَمَة. وَقَوله: وَهل يعرض على الصَّبِي الْإِسْلَام؟ تَرْجَمَة أُخْرَى. أما التَّرْجَمَة الأولى: فَفِيهَا خلاف، فَلذَلِك لم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام، وَلَا خلاف أَنه يصلى على الصَّغِير الْمَوْلُود فِي الْإِسْلَام لِأَنَّهُ كَانَ على دين أَبَوَيْهِ، قَالَ ابْن الْقَاسِم: إِذا أسلم الصَّغِير وَقد عقل الْإِسْلَام فَلهُ حكم الْمُسلمين فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ. وَاخْتلفُوا فِي حكم الصَّبِي إِذا أسلم أحد أَبَوَيْهِ على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: يتبع أَيهمَا أسلم، وَهُوَ أحد قولي مَالك، وَبِه أَخذ ابْن وهب، وَيصلى عَلَيْهِ إِن مَاتَ على هَذَا. وَالثَّانِي: يتبع أَبَاهُ وَلَا يعد بِإِسْلَام أمه مُسلما، وَهَذَا قَول مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) . وَالثَّالِث: تبع لأمه، وَإِن أسلم أَبوهُ، وَهَذِه مقَالَة شَاذَّة لَيست فِي مَذْهَب مَالك، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء فِي الطِّفْل الْحَرْبِيّ يسبى وَمَعَهُ أَبَوَاهُ أَن إِسْلَام الْأُم إِسْلَام لَهُ، وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا لم يكن مَعَه أَبوهُ، أَو وَقع فِي الْقِسْمَة دونهمَا ثمَّ مَاتَ فِي ملك مُشْتَرِيه، فَقَالَ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) : لَا يصلى عَلَيْهِ إلَاّ أَن يُجيب إِلَى الْإِسْلَام بِأَمْر يعرف بِهِ أَنه عقله، وَهُوَ الْمَشْهُور من مذْهبه، وَعنهُ: إِذا لم يكن مَعَه أحد من آبَائِهِ وَلم يبلغ أَن يتدين أَو يدعى، وَنوى سَيّده الْإِسْلَام فَإِنَّهُ يصلى عَلَيْهِ، وَأَحْكَامه أَحْكَام الْمُسلمين فِي الدّفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين والموارثة، وَهُوَ قَول ابْن الْمَاجشون وَابْن دِينَار وإصبغ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ. وَفِي (شرح الْهِدَايَة) : إِذا سبي صبي مَعَه أحد أَبَوَيْهِ فَمَاتَ لم يصل عَلَيْهِ حَتَّى يقر بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ يعقل، أَو يسلم أحد أَبَوَيْهِ خلافًا لمَالِك فِي إِسْلَام الْأُم، وَللشَّافِعِيّ فِي إِسْلَامه هُوَ وَالْولد يتبع خير الْأَبَوَيْنِ دينا، وللتبعية مَرَاتِب أقواها تَبَعِيَّة الْأَبَوَيْنِ. ثمَّ الدَّار ثمَّ الْيَد. وَفِي (الْمُغنِي) : لَا يصلى على أَوْلَاد الْمُشْركين إِلَّا أَن يسلم أحد أبويهم أَو يَمُوت مُشْركًا، فَيكون وَلَده مُسلما أَو يسبى مُنْفَردا أَو مَعَ أحد أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يصلى عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا سبى مَعَ أحد أَبَوَيْهِ لَا يصلى عَلَيْهِ إلَاّ إِذا أسلم، وَعنهُ إِذا أسر مَعَ أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا أَو وَحده ثمَّ مَاتَ قبل أَن يخْتَار الْإِسْلَام يصلى عَلَيْهِ. وَأما التَّرْجَمَة الثَّانِيَة: فَإِنَّهُ ذكرهَا هُنَا بِلَفْظ الإستفهام، وَترْجم فِي كتاب الْجِهَاد بِصِيغَة تدل على الْجَزْم بذلك، فَقَالَ: كَيفَ يعرض الْإِسْلَام على الصَّبِي؟ وَذكر فِيهِ قصَّة ابْن صياد، وَفِيه: وَقد قَارب ابْن صياد يَحْتَلِم، فَلم يشْعر حَتَّى ضرب النَّبِي ﷺ ظَهره بِيَدِهِ، ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ : (أَتَشهد أَنِّي رَسُول الله؟) الحَدِيث، وَفِيه عرض الْإِسْلَام على الصَّغِير، وَاحْتج بِهِ قوم على صِحَة إِسْلَام الصَّبِي إِن قَارب الِاحْتِلَام، وَهُوَ مَقْصُود البُخَارِيّ من تبويبه بقوله: وَهل يعرض على الصَّبِي الْإِسْلَام؟ وَجَوَابه: يعرض، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك، خلافًا للشَّافِعِيّ. وَقَالَ الحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإبْرَاهِيمُ وقَتَادَةُ إذَا أسْلَمَ أحَدُهُمَا فالوَلَدُ مَعَ المُسْلِمِ مطابقته أثر هَؤُلَاءِ تحسن أَن تكون للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة، وَهِي قَوْله: وَهل يعرض على الصَّبِي الْإِسْلَام؟ فَإِن أَبَوَيْهِ إِذا أسلما أَو أسلم أَحدهمَا يكون مُسلما. وَأما أثر الْحسن الْبَصْرِيّ فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يحيى بن يحيى حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع

стр. 2356

عَن يُونُس عَن الْحسن فِي: الصَّغِير، قَالَ: مَعَ الْمُسلم من وَالِديهِ. وَأما أثر شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة: القَاضِي فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن يحيى بن يحيى حَدثنَا هشيم عَن أَشْعَث عَن الشّعبِيّ عَن شُرَيْح أَنه اخْتصم إِلَيْهِ فِي صبي أحد أَبَوَيْهِ نَصْرَانِيّ، قَالَ: الْوَالِد الْمُسلم أَحَق بِالْوَلَدِ، وَأما أثر إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَأخْرجهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ فِي نَصْرَانِيين بَينهمَا ولد صَغِير فَأسلم أَحدهمَا، قَالَ: أولاهما بِهِ الْمُسلم، وَأما أثر قَتَادَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن معمر عَنهُ نَحْو قَول الْحسن. وكانَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَعَ أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أبِيهِ عَلَى دِينِ قَومِهِ أَي: وَكَانَ عبد الله بن عَبَّاس مَعَ أمه لبَابَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة من الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عبد الله حَدثنَا سُفْيَان، قَالَ: قَالَ عبيد الله: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: كنت أَنا وَأمي من الْمُسْتَضْعَفِينَ: إِنَّا من الْولدَان وَأمي من النِّسَاء، وَأَرَادَ بقوله: من الْمُسْتَضْعَفِينَ، قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان﴾ (النِّسَاء: ٨٩) . وهم الَّذين أَسْلمُوا بِمَكَّة وصدهم الْمُشْركُونَ عَن الْهِجْرَة فبقوا بَين أظهرهم مستضعفين يلقون مِنْهُم الْأَذَى الشَّديد. قَوْله: (وَلم يكن مَعَ أَبِيه) أَي: وَلم يكن ابْن عَبَّاس مَعَ أَبِيه عَبَّاس على دين قومه الْمُشْركين، وَهَذَا من كَلَام البُخَارِيّ ذكره مستنبطا، وَلَكِن هَذَا مَبْنِيّ على أَن إِسْلَام الْعَبَّاس كَانَ بعد وقْعَة بدر. فَإِن قلت: روى ابْن سعد من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَنه أسلم قبل الْهِجْرَة، وَأقَام بِأَمْر النَّبِي ﷺ لَهُ فِي ذَلِك لمصْلحَة الْمُسلمين. قلت: هَذَا فِي إِسْنَاده الْكَلْبِيّ وَهُوَ مَتْرُوك، وَيَردهُ أَيْضا أَن الْعَبَّاس أسر ببدر وفدى نَفسه على مَا يَجِيء فِي الْمَغَازِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَيَردهُ أَيْضا أَن الْآيَة الَّتِي فِي قصَّة الْمُسْتَضْعَفِينَ نزلت بعد بدر بِلَا خلاف.، وَكَانَ شهد بَدْرًا مَعَ الْمُشْركين، وَكَانَ خرج إِلَيْهَا مكْرها وَأسر يَوْمئِذٍ ثمَّ أسلم بعد ذَلِك. وَقَالَ الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى كَذَا قَالَ البُخَارِيّ وَلم يعين من الْقَائِل، وَرُبمَا يظنّ أَن الْقَائِل هُوَ ابْن عَبَّاس، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ أخرجه فِي كتاب النِّكَاح فِي (سنَنه) بِسَنَد صَحِيح على شَرط الْحَاكِم، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَحْمد بن الْحُسَيْن الْحداد حَدثنَا شَبابَة بن خياط حَدثنَا حشرج بن عبد الله بن حشرج حَدثنِي أبي عَن حدي عَن عَائِذ بن عَمْرو الْمُزنِيّ، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعلى) . وروى (إِن عَائِذ بن عَمْرو جَاءَ عَام الْفَتْح مَعَ أبي سُفْيَان بن حَرْب، فَقَالَ الصَّحَابَة: هَذَا عَائِذ ابْن عَمْرو وَأَبُو سُفْيَان، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (هَذَا عَائِذ بن عَمْرو وَأَبُو سُفْيَان، الْإِسْلَام أعز من ذَلِك، الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعلى) . فَإِن قلت: مَا مُنَاسبَة ذكر هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب؟ قلت: الْبَاب فِي نفس الْأَمر ينبىء عَن علو الْإِسْلَام، أَلا يرى أَن الصَّبِي غير الْمُكَلف إِذا أسلم وَمَات يصلى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ ببركة الْإِسْلَام وعلو قدره، وَكَذَلِكَ يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام حَتَّى لَا يحرم من هَذِه الْفَضِيلَة. ١١٠ - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله أَن ابْن عمر ﵄ أخبرهُ أَن عمر انْطلق مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي رَهْط قبل ابْن صياد حَتَّى وجدوه يلْعَب مَعَ الصّبيان عِنْد أَطَم بني مغالة وَقد قَارب ابْن صياد الْحلم فَلم يشْعر حَتَّى ضرب النَّبِي ﷺ َ - بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ لِابْنِ صياد تشهد أَنِّي رَسُول الله فَنظر إِلَيْهِ ابْن صياد فَقَالَ أشهد أَنَّك رَسُول الْأُمِّيين فَقَالَ ابْن صياد للنَّبِي ﷺ َ - أَتَشهد أَنِّي رَسُول الله فرفضه وَقَالَ آمَنت بِاللَّه وبرسله فَقَالَ لَهُ مَاذَا ترى فَقَالَ ابْن صياد يأتيني صَادِق وكاذب فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - خلط عَلَيْك الْأَمر ثمَّ قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ - إِنِّي قد خبأت لَك خبيئا فَقَالَ ابْن صياد هُوَ الدخ فَقَالَ أخسا فَلَنْ تعدو قدرك فَقَالَ عمر ﵁ دَعْنِي يَا رَسُول الله أضْرب عُنُقه فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - إِن يكنه فَلَنْ تسلط عَلَيْهِ وَإِن لم يكنه فَلَا خير لَك فِي قَتله) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " تشهد أَنِّي رَسُول الله " فَإِن فِيهِ عرض الْإِسْلَام على الصَّبِي وَيفهم مِنْهُ أَيْضا أَنه لَو لم يَصح إِسْلَام الصَّبِي لما عرض ﵊ على ابْن صياد وَهُوَ غير مدرك فطابق الحَدِيث جزئي التَّرْجَمَة كليهمَا. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عَبْدَانِ وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان وَقد مر فِي الْبَاب السَّابِق. الثَّانِي عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث يُونُس

стр. 2357

ابْن يزِيد. الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس سَالم بن عبد الله بن عمر. السَّادِس عبد الله بن عمر بن الْخطاب. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وبلفظ الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي مَوضِع وَفِيه أَن شَيْخه مَذْكُور بلقبه وَأَنه وَشَيْخه عبد الله مروزيان وَيُونُس أيلي وَالزهْرِيّ وَسَالم مدنيان وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق وَأَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن عَبْدَانِ مقطعا وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب عَنهُ بِهِ. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " فِي رَهْط " قَالَ أَبُو زيد الرَّهْط مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال وَفِي الْعين هُوَ عدد جمع من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة وَبَعض يَقُول من سَبْعَة إِلَى عشرَة وَمَا دون السَّبْعَة إِلَى ثَلَاثَة نفر وَعَن ثَعْلَب الرَّهْط للْأَب الْأَدْنَى وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ قَالُوا رَهْط وأراهط كَأَنَّهُمْ كسروا أرهط وَقَالَ كرَاع جَاءَنَا أرهوط مِنْهُم مثل أركوب وَالْجمع أراهيط وأراهط وَفِي الْمُحكم أراهط جمع أرهط والرهط لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَفِي الْجَامِع الرَّهْط مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَرُبمَا جاوزوا ذَلِك وأراهط جمع الْجمع وَفِي الصِّحَاح أرهط الرجل قومه وقبيلته والرهط مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَالْجمع أرهاط وَفِي الجمهرة رُبمَا جمع رَهْط فَقَالُوا أرهط قَوْله " قبل ابْن صياد " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي جِهَته ويروي ابْن صائد وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَن ابْن الصياد يُقَال لَهُ ابْن الصَّائِد وَابْن صائد واسْمه صافي كقاضي وَقيل عبد الله وَقَالَ الْوَاقِدِيّ هُوَ من بني النجار وَقيل من الْيَهُود وَكَانُوا حلفاء بني النجار وَابْنه عمَارَة شيخ مَالك من خِيَار الْمُسلمين وَلما دَفعه بَنو النجار عَن نسبهم خلف مِنْهُم تِسْعَة وَأَرْبَعُونَ رجلا وَرجل من بني سَاعِدَة على دَفعه والصياد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ مُبَالغَة صائد قَوْله " حَتَّى وجدوه " ويروى " حَتَّى وجده " بإفراد الْفِعْل فَفِي الأول يرجع الضَّمِير الْمَرْفُوع إِلَى الرَّسُول وَمن مَعَه من الرَّهْط وَفِي الثَّانِي إِلَى الرَّسُول وَحده وَالضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى ابْن الصياد قَوْله " يلْعَب " جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال قَوْله " عِنْد أَطَم " بِضَم الْهمزَة والطاء كالحصن وَقيل هُوَ بِنَاء بِالْحِجَارَةِ كالحصن وَقيل هُوَ الْحصن وَجمعه آطام قَوْله " بني مغالة " بِفَتْح الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة المخففة بطن من الْأَنْصَار وَقَوله " أَطَم بني مغالة " كَذَا هُوَ الصَّحِيح وَفِي صَحِيح مُسلم رِوَايَة الْحلْوانِي بني مُعَاوِيَة ذكر الزبير بن أبي بكر أَن كل مَا كَانَ عَن يَمِينك إِذا وَقعت آخر البلاط مُسْتَقْبل مَسْجِد النَّبِي ﷺ َ - فَهُوَ لبني مغالة ومسجده ﷺ َ - فِي بني مغالة وَمَا كَانَ على يسارك فلبني جديلة وَهِي امْرَأَة نسبوا إِلَيْهَا وَهِي امْرَأَة عدي بن عَمْرو بن مَالك بن النجار قَوْله " الْحلم " بِضَم اللَّام وسكونها وَهُوَ الْبلُوغ قَوْله " الْأُمِّيين " قَالَ الرشاطي الأميون مُشْرِكُوا الْعَرَب نسبوا إِلَى مَا عَلَيْهِ أمة الْعَرَب وَكَانُوا لَا يَكْتُبُونَ وَقيل الأمية هِيَ الَّتِي على أصل ولادات أمهاتها وَلم تتعلم الْكِتَابَة وَقيل نِسْبَة إِلَى أم الْقرى قَوْله " فرفضه " كَذَا هُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة أَي تَركه وَزعم عِيَاض أَنه بصاد مُهْملَة قَالَ وَهِي روايتنا عَن الْجَمَاعَة وَقَالَ بَعضهم الرفص بالصَّاد الْمُهْملَة الضَّرْب بِالرجلِ مثل الرفس بِالسِّين الْمُهْملَة فَإِن صَحَّ هَذَا فَهُوَ بِمَعْنَاهُ قَالَ وَلَكِن لم أجد هَذِه اللَّفْظَة فِي أصُول اللُّغَة وَوَقع فِي رِوَايَة القَاضِي التَّمِيمِي فَرْضه بضاد مُعْجمَة وَهُوَ وهم وَفِي رِوَايَة الْمروزِي فوقصه بقاف وصاد مُهْملَة قَالَ وَلَا وَجه لَهُ وَعند الْخطابِيّ فرصه بصاد مُهْملَة أَي ضغطه حَتَّى ضم بعضه إِلَى بعض وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿بُنيان مرصوص﴾ قَوْله " آمَنت بِاللَّه وبرسله " قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) كَيفَ طابق هَذَا الْجَواب أَتَشهد (قلت) لما أَرَادَ أَن يلْزمه وَيظْهر للْقَوْم كذبه فِي دَعْوَى الرسَالَة أخرج الْكَلَام مخرج كَلَام المُصَنّف وَمعنى آمَنت برسله فَإِن كنت رَسُولا صَادِقا فِي دعواك غير ملبس عَلَيْك الْأَمر أومن بك وَإِن كنت كَاذِبًا وخلط الْأَمر عَلَيْك فَلَا لكنك خلط الْأَمر عَلَيْك فاخسأ وَلَا تعد طورك حَتَّى تَدعِي الرسَالَة انْتهى وَفِيه نظر لَا يخفى قَوْله خلط عَلَيْك الْأَمر مَعْنَاهُ خلط عَلَيْك شَيْطَانك مَا يلقى إِلَيْك من السّمع مَعَ مَا يكذب قَوْله " خبأت لَك خبيئا " على وزن فعيل ويروى " خبأت لَك خبا " على وزن فعل وَكِلَاهُمَا صَحِيح بِمَعْنى الشَّيْء الْغَائِب المستور أَي أضمرت لَك سُورَة الدُّخان وَاخْتلف فِي هَذَا المخبأ مَا هُوَ فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْأَكْثَر على أَنه أضمر لَهُ فِي نَفسه ﴿يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ قَالَ الدَّاودِيّ كَانَ فِي يَده سُورَة الدُّخان

стр. 2358

مَكْتُوبَة وَقَالَ الْخطابِيّ لَا معنى للدخان هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يخبا فِي كف أَو كم بل الدخ نبت مَوْجُود بَين النخيل والبساتين وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كِتَابه المغيث وَقيل إِن الدَّجَّال يقْتله عِيسَى ﵊ بجبل الدُّخان فَيحْتَمل أَن يكون ﷺ َ - أَرَادَهُ انْتهى وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح وَفِيه نظر من حَيْثُ أَنا وجدنَا مَا قَالَه تحرصا مُسْندًا إِلَى سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - من طَرِيق صَحِيحَة قَالَ أَحْمد فِي مُسْنده حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن أبي الزبير عَن جَابر فَذكره مَرْفُوعا مطولا قَوْله " هُوَ الدخ " قَالَ أَبُو مُوسَى بِضَم الدَّال وَفتحهَا لُغَتَانِ وَقَالَ الْكرْمَانِي بِضَم الدَّال وَتَشْديد الْخَاء الدُّخان وَهُوَ لُغَة فِيهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ الْمَشْهُور فِي كتب اللُّغَة والْحَدِيث ضمهَا فَقَط وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن ابْن سَيّده وَأَبا التياني وَأَبا الْمَعَالِي وَصَاحب مجمع الغرائب حكوا الْفَتْح حاشا الْجَوْهَرِي فَإِنَّهُ نَص على الضَّم وَلم يذكر غَيره ورد عَلَيْهِ بِأَن حِكَايَة هَؤُلَاءِ الْفَتْح لَا يسْتَلْزم نفي الضَّم كَمَا أَن ذكر الْجَوْهَرِي الضَّم لَا يسْتَلْزم نفي الْفَتْح وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وجدته فِي كتاب الشَّيْخ الدخ سَاكن الْخَاء مصححا عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ على الْوَقْف قَالَ وَأما الَّذِي فِي الشّعْر فمشدد الْخَاء وَكَذَلِكَ قِرَاءَته فِي الحَدِيث وَقَالَ ابْن قرقول الدخ لُغَة فِي الدُّخان لم يسْتَطع ابْن صياد أَن يتم الكمة وَلم يهتد من الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَّا لهذين الحرفين على عَادَة الْكُهَّان من اختطاف بعض الْكَلِمَات من أَوْلِيَائِهِمْ من الْجِنّ أَو من هُوَ أجس النَّفس وَلِهَذَا قَالَ لَهُ " اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك " أَي لست بِنَبِي وَلنْ تجَاوز قدرك وَإِنَّمَا أَنْت كَاهِن فَلَنْ تجَاوز يَعْنِي قدر الْكُهَّان قَوْله " اخْسَأْ " فِي الأَصْل لفظ يزْجر بِهِ الْكَلْب ويطرد من خسأت الْكَلْب خسأ طردته وخسأ الْكَلْب نَفسه يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى واخسأ أَيْضا وَهُوَ خطاب زجر واستهانة أَي اسْكُتْ صاغرا مطرودا قَوْله " فَلَنْ تعدو " بِالنّصب بِكَلِمَة لن وَقَالَ السفاقسي وَقع هُنَا فَلَنْ تعدو بِغَيْر وَاو وَقَالَ الْقَزاز هِيَ لُغَة لبَعض الْعَرَب يجزمون بلن مثل لم وَقَالَ ابْن مَالك الْجَزْم لمن لُغَة حَكَاهَا الْكسَائي وَقيل حذفت الْوَاو تَخْفِيفًا وَقيل لن بِمَعْنى لَا أَو لم بالتأويل وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ يَعْنِي لَا يبلغ قدرك أَن تطالع بِالْغَيْبِ من قبل الْوَحْي الْمَخْصُوص بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلَا من قبيل الإلهام الَّذِي يُدْرِكهُ الصالحون وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي قَالَه من شَيْء أَلْقَاهُ الشَّيْطَان إِلَيْهِ إِمَّا لكَون النَّبِي ﷺ َ - تكلم بذلك بَينه وَبَين نَفسه فَسَمعهُ الشَّيْطَان وَإِمَّا أَن يكون الشَّيْطَان سمع مَا يجْرِي بَينهمَا من السَّمَاء لِأَنَّهُ إِذا قضي الْقَضَاء فِي السَّمَاء تَكَلَّمت بِهِ الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فاسترق الشَّيْطَان السّمع وَإِمَّا أَن يكون رَسُول الله ﷺ َ - حدث بعض أَصْحَابه بِمَا أضمر وَيدل على ذَلِك قَول عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وخبأ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ - ﴿يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ فَالظَّاهِر أَنه أعلم الصَّحَابَة بِمَا يخبأ لَهُ وَإِنَّمَا فعل ذَلِك بِهِ ﷺ َ - ليختبره عَن طَريقَة الْكُهَّان وليتعين للصحابة حَاله وَكذبه قَوْله " أَن يكنه " هَذَا الضَّمِير الْمُتَّصِل فِي يكنه هُوَ خَبَرهَا وَقد وضع مَوضِع الْمُنْفَصِل وَاسم يكن مستتر فِيهِ ويروى إِن يكن هُوَ هُوَ الصَّحِيح لِأَن الْمُخْتَار فِي خبر كَانَ هُوَ الِانْفِصَال وعَلى تَقْدِير هَذِه الرِّوَايَة لفظ هُوَ تَأْكِيد للضمير الْمُسْتَتر وَكَانَ تَامَّة أَو وضع هُوَ مَوضِع إِيَّاه أَي إِن يكن إِيَّاه أَي الدَّجَّال قَوْله " وَإِن لم يكنه " أَي وَإِن لم يكن هُوَ دجالًا فَلَا خير فِي قَتله (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) وَهُوَ على وُجُوه. الأول اخْتلفُوا فِي أَن الدَّجَّال هُوَ ابْن صياد أَو غَيره فَذهب قوم إِلَى أَن الدَّجَّال هُوَ ابْن صياد قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه بَاب فِي قصَّة ابْن صياد وَأَنه الدَّجَّال حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة واسحق بن إِبْرَاهِيم وَاللَّفْظ لعُثْمَان قَالَ عُثْمَان حَدثنَا جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل " عَن عبد الله قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فمررنا بصبيان فيهم ابْن صياد ففر الصّبيان وَجلسَ ابْن صياد فَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - كره ذَلِك فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ - تربت يداك تشهد أَنِّي رَسُول الله فَقَالَ لَا بل تشهد أَنِّي رَسُول الله فَقَالَ عمر بن الْخطاب ذَرْنِي يَا رَسُول الله حَتَّى أَقتلهُ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - إِن يكن الَّذِي ترى فَلَنْ تَسْتَطِيع قَتله " وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد قَالَ " لقِيه رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي بعض طرق الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ ﷺ َ - أَتَشهد أَنِّي رَسُول الله فَقَالَ هُوَ أَتَشهد أَنِّي رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه مَا ترى قَالَ أرى عرشا على المَاء فَقَالَ رَسُول الله ترى عرش إِبْلِيس على الْبَحْر وَمَا ترى قَالَ أرى صَادِقين وكاذبا أَو كاذبين وصادقا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لبس عَلَيْهِ دَعوه " ثمَّ روى مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ رَأَيْت جَابر بن عبد الله يحلف بِاللَّه أَن ابْن صائد الدَّجَّال فَقلت لَهُ تحلف

стр. 2359

على ذَلِك قَالَ إِنِّي سَمِعت عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يحلف على ذَلِك عِنْد النَّبِي ﷺ َ - فَلم يُنكره النَّبِي ﷺ َ - وروى أَبُو دَاوُد قَالَ حَدثنَا أَبُو معَاذ قَالَ أخبرنَا أبي قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة مُسلم وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْعلمَاء قصَّة ابْن الصياد مشكلة وَأمره مشتبه فِي أَنه هَل هُوَ الْمَسِيح الدَّجَّال الْمَشْهُور أم غَيره وَلَا شكّ أَنه دجال من الدجاجلة قَالَ الْعلمَاء ظَاهر الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب أَن النَّبِي ﷺ َ - لم يُوح إِلَيْهِ بِأَنَّهُ الْمَسِيح الدَّجَّال وَلَا غَيره وَإِنَّمَا أوحى إِلَيْهِ بعلامات الدَّجَّال وَكَانَ فِي ابْن صياد قَرَائِن مُحْتَملَة فَلذَلِك كَانَ النَّبِي ﷺ َ - لَا يقطع بِأَنَّهُ الدَّجَّال وَلَا غَيره وَلِهَذَا قَالَ لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِن يكن هُوَ فَلَنْ تَسْتَطِيع قَتله وَفِي سنَن أبي دَاوُد فِي خبر الْجَسَّاسَة من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَقَالَ شهد جَابر أَنه هُوَ ابْن صياد قلت فَإِنَّهُ قد مَاتَ قَالَ وَإِن مَاتَ قلت فَإِنَّهُ قد أسلم فَقَالَ وَإِن أسلم قلت فَإِنَّهُ قد دخل الْمَدِينَة قَالَ وَإِن دخل الْمَدِينَة وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث نَافِع قَالَ كَانَ ابْن عمر يَقُول وَالله مَا أَشك أَن الْمَسِيح الدَّجَّال ابْن صياد وَإِسْنَاده صَحِيح وَقَالَ الْخطابِيّ اخْتلف السّلف فِي أمره بعد كبره فروى عَنهُ أَنه تَابَ من ذَلِك القَوْل وَمَات بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُمْ لما أَرَادوا الصَّلَاة عَلَيْهِ كشفوا عَن وَجهه حَتَّى رَآهُ النَّاس وَقيل لَهُم اشْهَدُوا وَاعْترض عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن جَابر قَالَ فَقدنَا ابْن صياد يَوْم الْحرَّة وَيرد بِهَذَا قَول من قَالَ أَنه مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وصلوا عَلَيْهِ وَفِيه كتاب الْفتُوح لسيف لما نزل النُّعْمَان على السوس أعياهم حصارها فَقَالَ لَهُم القسيسون يَا معشر الْعَرَب إِن مِمَّا عهد عُلَمَاؤُنَا وأوائلنا أَن لَا يفتح السوس إِلَّا الدَّجَّال فَإِن كَانَ فِيكُم تستفتحونها فَإِن لم يكن فِيكُم فَلَا قَالَ وصاف ابْن صياد فِي جند النُّعْمَان وأتى بَاب السوس غضبانا فدقه بِرجلِهِ وَقَالَ انْفَتح فتقطعت السلَاسِل وتكسرت الأغلاق وَانْفَتح الْبَاب فَدخل الْمُسلمُونَ وَقَالَ ابْن التِّين وَالأَصَح أَنه لَيْسَ هُوَ لِأَن عينه لم تكن ممسوحة وَلَا عينه طافية وَلَا وجدت فِيهِ عَلامَة وروى ابْن أبي شيبَة عَن الغلتان ابْن عَاصِم عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ أما مسيح الضَّلَالَة فَرجل أجلى الْجَبْهَة مَمْسُوح الْعين الْيُسْرَى عريض النَّحْر فِيهِ دفاء أَي انحناء وروى مُسلم عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " الدَّجَّال أَعور عين الْيُسْرَى جفال الشّعْر مَعَه جنَّة ونار فناره جنَّة وجنته نَار " وَفِي حَدِيث عبد الله بن عمر قَالَ " ذكر رَسُول الله ﷺ َ - يَوْمًا بَين ظهراني النَّاس الْمَسِيح الدَّجَّال فَقَالَ إِن الله لَيْسَ بأعور إِلَّا أَن الْمَسِيح الدَّجَّال أَعور الْعين الْيُمْنَى كَأَنَّهُ عينه عنبة طافية " رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ مُسلم بَاب فِي أَمر ابْن صياد وتبريه من أَن يكون الدَّجَّال حَدثنِي عبيد الله بن عمر القواريري وَمُحَمّد بن الْمثنى قَالَ حَدثنَا عبد الْأَعْلَى حَدثنَا دَاوُد عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ صَحِبت ابْن صائد إِلَى مَكَّة فَقَالَ لي مَا لقِيت من النَّاس يَزْعمُونَ أَنِّي الدَّجَّال أَلَسْت سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول أَنه لَا يُولد لَهُ قَالَ فَقلت بلَى قَالَ فقد ولد لي أَو لَيْسَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول لَا يدْخل الْمَدِينَة وَلَا مَكَّة قلت بلَى قَالَ فَلَقَد ولدت بِالْمَدِينَةِ وَهَا أَنا أُرِيد مَكَّة قَالَ ثمَّ قَالَ فِي آخر قَوْله أما وَالله إِنِّي لأعْلم مولده ومكانه وَأَيْنَ هُوَ فليسني وَفِي لَفْظَة لَهُ قَالَ فَمَا زَالَ حَتَّى كَاد أَن يَأْخُذ فِي قَوْله قَالَ فَقَالَ أما وَالله إِنِّي لأعْلم الْآن حَيْثُ هُوَ وَأعرف أَبَاهُ وَأمه قَالَ وَقيل لَهُ أَيَسُرُّك أَنَّك ذَاك الرجل لَو عرض على مَا كرهت وَفِي لفظ لَهُ ثمَّ قَالَ أَنا وَالله إِنِّي لأعرفه وَأعرف مولده وَأَيْنَ هُوَ الْآن قَالَ قلت تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَأما احتجاجه بِأَنَّهُ مُسلم والدجال كَافِر وَبِأَنَّهُ لَا يُولد للدجال وَقد ولد لَهُ وَأَن الدَّجَّال لَا يدْخل الْحَرَمَيْنِ وَقد دخلهما هُوَ فَغير وَاضح وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن جرير وَغَيره ذَكرُوهُ فِي جملَة الصَّحَابَة لِأَن النَّبِي ﷺ َ - إِنَّمَا أخبر عَن صِفَات الدَّجَّال وَقت فتنته وَخُرُوجه الثَّانِي مِمَّا يستنبط مِنْهُ وَمن غَيره من الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن ابْن صياد إِذا كَانَ هُوَ الدَّجَّال كَيفَ كَانَ حَاله حَتَّى بَقِي إِلَى وَقت خُرُوجه فِي آخر الزَّمَان قَالَ صَاحب زهرَة الرياض رَأَيْت فِي أمالي القَاضِي الإِمَام أبي بكر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْفضل الورنجري بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ " بَينا رَسُول الله ﷺ َ - يُصَلِّي صَلَاة الْغَدَاة فَلَمَّا سلم اسْتقْبل أَصْحَابه بِوَجْهِهِ يُحَدِّثهُمْ إِذْ أَقبلت صَيْحَة شَدِيدَة بِنَاحِيَة الْيَهُود مَا سمعنَا صَيْحَة أَشد مِنْهَا فَأرْسل رجلا ليَأْتِينَا بالْخبر قَالَ فَمَا مكث حَتَّى رَجَعَ وَقد تغير لَونه فَقَالَ يَا رَسُول الله أما علمت أَن البارحة ولد ولد فِي الْيَهُود وَأَنه غضب وتزبد حَتَّى امْتَلَأَ الْبَيْت مِنْهُ وَقد ضم أمه مَعَ سريرها إِلَى زَاوِيَة

стр. 2360

الْبَيْت وَرفع السّقف عَن حيطانها وهم يخافونه فَاسْتَرْجع النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ قَالَ أَخَاف أَنه دجال فَلَمَّا مَضَت سَبْعَة أَيَّام قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لأَصْحَابه أَلا تمضون بِنَا إِلَى هَذَا الْمَوْلُود فَإِذا الدَّجَّال على رَأس نَخْلَة يلتقط رطبا ويأكله وَله همهمة شَدِيدَة وَأمه جالسة فِي آصال النَّخْلَة فَلَمَّا رَأَتْ النَّبِي ﷺ َ - نادته يَا ابْن الصَّائِد هَذَا مُحَمَّد قد أقبل قَالَ فَسكت وَترك الهمهمة قَالَ فَرجع النَّبِي ﷺ َ - وَنزل الدَّجَّال من النَّخْلَة وَاتبع النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - لأَصْحَابه اسمعوا إِلَى مقَالَته وَأَنا أسأله ثمَّ قَالَ أَتَشهد أَنِّي نَبِي وَقَالَ لَهُ الدَّجَّال أَتَشهد أَنِّي نَبِي ثمَّ رَجَعَ النَّبِي ﷺ َ - مَعَ أَصْحَابه قَالَ فَقَامَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَضرب السَّيْف على هامته فنبأ السَّيْف كَأَنَّهُ قد ضرب على حجر ثمَّ رَجَعَ السَّيْف فشج رَأس عمر قَالَ فَوَقع عمر صَرِيعًا جريحا يسيل الدَّم من رَأسه قَالَ وَقَامَ الدَّجَّال على رَأسه يسخر بِهِ ويستهزيء بِهِ حَتَّى ورد الْخَبَر إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَامَ النَّبِي ﷺ َ - مسرعا حَزينًا حَتَّى أَتَى إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ مَا الَّذِي دعَاك إِلَى هَذَا فَأخْبرهُ بِمَا جرى فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - يَا عمر إِنَّك لن تَسْتَطِيع أَن ترد قَضَاء الله تَعَالَى قَالَ فَوضع النَّبِي ﷺ َ - يَده الْمُبَارَكَة على رَأس عمر فَدَعَا الله تَعَالَى فالتحم الْجرْح بِإِذن الله تَعَالَى وَقَالَ عمر يَا رَسُول الله وددت أَن يرفعهُ الله تَعَالَى فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - أَتُحِبُّ ذَلِك يَا عمر قَالَ نعم قَالَ اللَّهُمَّ افْعَل فَنزل جِبْرِيل ﵊ فِي قِطْعَة من الْغَمَام كشبه الترس فَنزل على رَأس الدَّجَّال وَهُوَ جَالس فِي وسط الْيَهُود فَأخذ بناصيته وجذبه عَن ظهر الأَرْض وَأمه وَأَبوهُ وَقَومه ينظرُونَ إِلَيْهِ ويبكون عَلَيْهِ فرفعه جِبْرَائِيل ﵊ فَأَلْقَاهُ إِلَى جَزِيرَة فِي الْبَحْر إِلَى أَن قدم تَمِيم الدَّارِيّ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَأخْبرهُ بِخَبَرِهِ " وَأخرج مُسلم حَدِيثا طَويلا عَن فَاطِمَة بنت قيس أُخْت الضَّحَّاك بن قيس وَكَانَت من الْمُهَاجِرَات الأول وَفِيه " أَن تَمِيم الدَّارِيّ كَانَ رجلا نَصْرَانِيّا فَبَايع وَأسلم وحَدثني حَدِيثا وَافق الَّذِي كنت أحدثكُم عَن مسيح الدَّجَّال حَدثنِي أَنه ركب فِي سفينة بحريّة مَعَ ثَلَاثِينَ رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا فِي الْبَحْر ثمَّ أرموا إِلَى جَزِيرَة فِي الْبَحْر " الحَدِيث وَفِيه خبر الدَّجَّال ودابة الْجَسَّاسَة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى من ذهب إِلَى أَن ابْن صياد غير الدَّجَّال احْتج بِحَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي قصَّة الْجَسَّاسَة الثَّالِث فِي الأسئلة والأجوبة. السُّؤَال الأول كَيفَ سكت رَسُول الله ﷺ َ - عَمَّن يَدعِي النُّبُوَّة كَاذِبًا وَكَيف تَركه بِالْمَدِينَةِ يساكنه فِي دَاره ويجاوره فِيهَا وَأجِيب بِأَن هَذَا فتْنَة امتحن الله بهَا عباده الْمُؤمنِينَ وَقد امتحن قوم مُوسَى فِي زَمَانه بالعجل فَافْتتنَ بِهِ قوم وهلكوا وَنَجَا من هداه الله تَعَالَى وَعَصَمَهُ مِنْهُم وَقَالَ الْخطابِيّ وَالَّذِي عِنْدِي أَن هَذِه الْقِصَّة إِنَّمَا جرت مَعَه أَيَّام مهادنة رَسُول الله ﷺ َ - الْيَهُود وحلفاءهم وَذَلِكَ أَنه بعد مقدمه الْمَدِينَة كتب بَينه وَبينهمْ كتابا صَالحهمْ فِيهِ على أَن لَا يهاجروا وَأَن يتْركُوا على أَمرهم وَكَانَ ابْن صياد مِنْهُم أَو دخيلا فِي جُمْلَتهمْ وَقيل لِأَنَّهُ كَانَ من أهل الذِّمَّة وَقيل لِأَنَّهُ كَانَ دون الْبلُوغ وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ عِيَاض فَلم تجر عَلَيْهِ الْحُدُود. السُّؤَال الثَّانِي لم اشْتغل بِهِ النَّبِي ﷺ َ - وَلم حاور مَعَه المحاورات الْمَذْكُورَة وَأجِيب بِأَنَّهُ ﷺ َ - كَانَ يبلغهُ مَا يَدعِيهِ من الكهانة ويتعاطاه من الْكَلَام فِي الْغَيْب فامتحنه ليعلم حَقِيقَة حَاله وَيظْهر أمره الْبَاطِل للصحابة وَأَنه كَاهِن سَاحر يَأْتِيهِ الشَّيْطَان فيلقي على لِسَانه مَا تلقيه الشَّيَاطِين للكهنة. السُّؤَال الثَّالِث روى التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " مَا من نَبِي إِلَّا وَقد أنذر أمته الْأَعْوَر الْكذَّاب أَلا أَنه أَعور وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ ك ف ر " قَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح وَفِي رِوَايَة مُسلم " الدَّجَّال مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ ك ف ر " أَي كَافِر وَفِي لفظ لَهُ " يَقْرَؤُهُ كل مُسلم " وَفِي حَدِيث عبد الله بن عمر " مَا من نَبِي إِلَّا قد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه " الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَقد ثَبت فِي أَحَادِيث الدَّجَّال أَنه يخرج بعد خُرُوج الْمهْدي وَأَن عِيسَى ﷺ يقْتله إِلَى غير ذَلِك فَمَا وَجه إنذار الْأَنْبِيَاء أمتهم عَنهُ وَأجِيب بِأَن المُرَاد بِهِ تَحْقِيق خُرُوجه يَعْنِي لَا يَشكونَ فِي خُرُوجه فَإِنَّهُ يخرج لَا محَالة ونبهوا على فتنته فَإِن فتنته عَظِيمَة جدا تدهش الْعُقُول وتحير الْأَلْبَاب مَعَ سرعَة مروره فِي الأَرْض وَقلة مكثه (فَإِن قلت) لم خص نوحًا ﷺ بِالذكر (قلت) لِأَنَّهُ ﷺ مقدم الْمَشَاهِير من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كَمَا قدمه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾

стр. 2361

الرَّابِع من الْأَحْكَام فِيهِ وَفِي غَيره من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب حجَّة لمَذْهَب أهل الْحق فِي صِحَة وجوده وَأَنه شخص بِعَيْنِه ابتلى الله تَعَالَى عباده بِهِ وأقدره على أَشْيَاء من مقدورات الله تَعَالَى من إحْيَاء الْمَيِّت الَّذِي يقْتله ظُهُور زهرَة الدُّنْيَا وَالْخصب مَعَه وَاتِّبَاع كنوز الأَرْض لَهُ وَأمر السَّمَاء أَن تمطر فتمطر وَالْأَرْض أَن تنْبت فتنبت فَيَقَع كل ذَلِك بقدرة الله تَعَالَى ومشيئته ثمَّ يعجزه الله تَعَالَى بعد ذَلِك فَلَا يقدر على شَيْء من ذَلِك ثمَّ يقْتله عِيسَى بن مَرْيَم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وأبطل أمره الْخَوَارِج والجهمية وَبَعض الْمُعْتَزلَة وَزعم الجبائي وَمن وَافقه أَنه صحّح الْوُجُود لَكِن مَا مَعَه مُخَارق وخيالات لَا حَقِيقَة لَهَا ليفرق بَينه وَبَين النَّبِي ﷺ َ - وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ لَا يَدعِي النُّبُوَّة فَيحْتَاج إِلَى فَارق وَإِنَّمَا يَدعِي الألوهية وَهُوَ مكذب فِي ذَلِك لسمات الْحُدُوث فِيهِ وَنقص صورته وعورة وتكفيره الْمَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ ولهذه الدَّلَائِل وَغَيرهَا لَا يغتر بِهِ إِلَّا رعاع النَّاس لشدَّة الْحَاجة والفاقة وسد الرمق أَو خوفًا من أَذَاهُ وتقية الْخَامِس فِيهِ دَلِيل على صِحَة إِسْلَام الصَّبِي وَقد ذَكرْنَاهُ وَهُوَ مَقْصُود البُخَارِيّ من التَّبْوِيب السَّادِس فِيهِ دَلِيل على صلابة عمر وَقُوَّة دينه السَّابِع فِيهِ دلَالَة على التثبت فِي أَمر النَّهْي وَأَن لَا تستباح الدِّمَاء إِلَّا بِيَقِين - ٥٥٣١ - وَقَالَ سالِمٌ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ انْطَلَقَ بَعْدَ ذلِكَ رسولُ الله ﷺ وَأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ إلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابنُ صَيَّادٍ وهْوَ يَخْتِلُ أنْ يَسْمَعَ مِنِ ابنِ صَيَّادٍ شَئا قَبْلَ أنْ يَرَاهُ ابنُ صَيَّادٍ فَرَآهُ النبيُّ ﷺ وهْوَ مُضْطَجِعٌ يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أوْ زَمْرَةٌ فَرَأتْ أُمُّ ابنِ صَيَّادٍ رسولَ الله ﷺ وهْوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فقالَتْ لأِبْنِ صَيَّادٍ يَا صافِ وَهْوَ اسْمُ ابْن صَيَّادٍ هاذَا مُحَمَّدٌ ﷺ فَثَارَ ابنُ صَيَّادٍ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ.. هَذَا من تَتِمَّة حَدِيث عبد الله بن عمر السَّابِق، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْجُمْهُور: سَالم سَمِعت ابْن عَمْرو كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مُسلم. وَقَالَ سَالم بن عبد الله: سَمِعت عبد الله بن عمر يَقُول: انْطلق بعد ذَلِك ... إِلَى آخِره نَحوه، وَحكى القَاضِي أَنه سقط فِي رِوَايَة ابْن ماهان: ابْن عمر، وَقَالَ: الصَّوَاب رِوَايَة الْمَجْهُول بالاتصال. قَوْله: (انْطلق بعد ذَلِك) أَي: بعد انطلاقه ﷺ مَعَ عمر فِي رَهْط قبل ابْن صياد، كَمَا مر فِي أول الحَدِيث. قَوْله: (أبي بن كَعْب) أَي: وَانْطَلق أبي بن كَعْب مَعَه إِلَى النّخل. قَوْله: (وَهُوَ يخْتل) الْوَاو: فِيهِ للْحَال، و: يخْتل، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعد الْخَاء الْمُعْجَمَة: أَي يخدع، وَمَعْنَاهُ: يستغفله ليسمع من كَلَامه شَيْئا ليعلم بِهِ حَاله أهوَ كَاهِن أَو سَاحر. قَوْله: (قبل أَن يرَاهُ ابْن صياد) ، أَي: قبل أَن يرى النَّبِي ﷺ ابْن صياد ليسمع كَلَامه فِي خلوته وَيعلم هُوَ وَأَصْحَابه حَاله. قَوْله: (وَهُوَ مُضْطَجع) : الْوَاو، فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فِي قطيفة) هِيَ: كسَاء لَهُ خمل، وَالْجمع قطائف، هَذَا هُوَ الْقيَاس، وَقَالَ ابْن جني: وَقد كسر على قطوف، وَفِي (الصِّحَاح) : الْجمع قطائف وقطف، مثل: صَحَائِف وصحف. وَقَالَ: كَأَنَّهُمَا جمع قطيف وصحيف. قَوْله: (رمزة) وَاخْتلف فِي ضَبطهَا، فَقَالَ ابْن قرقول: (رمزة أَو زمرة) كَذَا للْبُخَارِيّ. وَعند أبي ذَر: زمرة، بِتَقْدِيم الزَّاي، وَقَالَ البُخَارِيّ لَهُ فِيهَا: رمزة أَو زمرة، على الشَّك فِي تَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي أَو تَأْخِيرهَا، ولبعضهم: رمرمة أَو زمزمة، على الشَّك: هَل هُوَ براءين أَو زاءين؟ مَعَ زِيَادَة: مِيم، فيهمَا. وَمعنى هَذِه الْأَلْفَاظ كلهَا مُتَقَارِبَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الزمزمة، تَحْرِيك الشفتين بالْكلَام. وَقَالَ غَيره: هُوَ كَلَام العلوج، وَهُوَ صَوت من الخياشيم وَالْحلق لَا يَتَحَرَّك فِيهِ اللِّسَان والشفتان، والرمزة صَوت خَفِي بِكَلَام لَا يفهم، والزمرة بِتَقْدِيم الزَّاي صَوت من دَاخل الْفَم، وَقَالَ عِيَاض: جُمْهُور رُوَاة مُسلم بالمعجمتين، وَأَنه فِي بَعْضهَا برَاء: أَولا وزاي آخرا، وَحذف الْمِيم الثَّانِيَة، وَهُوَ صَوت خَفِي لَا يكَاد يفهم أَو لَا يفهم قَوْله: (وَهُوَ يَتَّقِي) : الْوَاو، فِيهِ للْحَال، أَي: يخفي نَفسه بجذوع النّخل حَتَّى لَا ترَاهُ أم ابْن صياد. قَوْله: (فثار ابْن صياد) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَفِي آخِره: رَاء أَي: قَامَ مسرعا، وَهَكَذَا هُوَ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَثَابَ) بباء مُوَحدَة، أَي: رَجَعَ عَن الْحَالة الَّتِي كَانَ فِيهَا. قَوْله: (لَو تركته) أَي: لَو تركت أم ابْن صياد ابْنه ابْن صياد: لبين ابْن صياد لكم باخْتلَاف كَلَامه مَا يهون عَلَيْكُم شَأْنه، وَفِي (التَّوْضِيح) ، لَو وقف عَلَيْهِ من يتفهم كَلَامه لبين من قَوْله ذَلِك الزمزمة، فَيعرف مَا يَدعِي

стр. 2362

من الْكَذِب، وَهُوَ أظهر من دَعْوَاهُ أَنه رَسُول الله، وَفِي مُسلم: وَفِي الحَدِيث عَن يَعْقُوب قَالَ: قَالَ أبي: يَعْنِي فِي قَوْله: لَو تركته بَين. قَالَ: لَو تركته أمه بَين أمره، وَيَعْقُوب هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد، أحد رُوَاة هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه عَن صَالح عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله بن عمر. قَالَ: انْطلق رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ رَهْط من أَصْحَابه وَفِيهِمْ عمر بن الْخطاب حَتَّى وجد ابْن صياد غُلَاما قد قَارب الْحلم يلْعَب مَعَ الغلمان عِنْد أَطَم بني مُعَاوِيَة. . الحَدِيث. وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ فَرَفَضَهُ رَمْرَمَةٌ أوْ زَمْزَمَةٌ شُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، هَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب فِي: بَاب قَول الرجل للرجل: إخسأ. حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر أخبرهُ: (أَن عمر بن الْخطاب انْطلق مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي رَهْط من أَصْحَابه قِبَل ابْن صياد. .) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (وَابْن صياد مُضْطَجع على فرَاشه، فِي قطيفة لَهُ فِيهَا رمرمة أَو زمزمة. .) إِلَى آخِره، هَكَذَا رُوِيَ بِالشَّكِّ. وَقَالَ عُقَيْلٌ رَمْرَمَةٌ عقيل، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف: هُوَ ابْن خَالِد الْأَيْلِي، رِوَايَة عقيل هَذِه وَصلهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب مَا يجوز من الاحتيال والحذر مَعَ من يخْشَى معرته. وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي عقيل، عَن ابْن شهَاب، عَن سَالم بن عبد الله، (عَن عبد الله بن عمر أَنه قَالَ: إنطلق رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ أبي بن كَعْب قِبل ابْن صياد. .) الحَدِيث، وَفِيه: (وَابْن صياد فِي قطيفة لَهُ فِيهَا رمرمة. .) الحَدِيث. وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ إِسْحَاق الْكَلْبِيّ وَعقيل: رمرمة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني وَأبي الْوَقْت: ذكر إِسْحَاق الْكَلْبِيّ. وَقَالَ مَعْمَرٌ رَمْزَةٌ معمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ ابْن رَاشد، وَرِوَايَته وَصلهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الْجِهَاد أَيْضا فِي: بَاب كَيفَ يعرض الْإِسْلَام على الصَّبِي؟ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا هِشَام أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله (عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنه أخبرهُ أَن عمر انْطلق فِي رَهْط من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ مَعَ النَّبِي ﷺ قبل ابْن صياد) ، الحَدِيث. وَفِيه: (ابْن صياد مُضْطَجع على فرَاشه فِي قطيفة لَهُ فِيهَا رمزة. .) الحَدِيث، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْمِيم ثمَّ زَاي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب. ٦٥٣١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ وَهْوَ ابنُ زَيْدِ عنْ ثابتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النبيَّ ﷺ فَمَرِضَ فأتاهُ النبيُّ ﷺ يَعُودُهُ فقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أسْلِمْ فَنَظَرَ إلَى أبِيهِ وهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أطِعْ أبَا القَاسِمِ ﷺ فأسْلَمَ فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ الحَمْدُ لله الَّذِي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ. (الحَدِيث ٦٥٣١ طرفه فِي: ٧٥٦٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَالَ لَهُ أسلم) : حَيْثُ عرض النَّبِي ﷺ الْإِسْلَام على الْغُلَام الْيَهُودِيّ الَّذِي كَانَ يَخْدمه، وَرُوَاته كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن سُلَيْمَان بن حَرْب قَوْله: (كَانَ غُلَام يَهُودِيّ) قيل: كَانَ اسْمه: عبد القدوس، قَوْله: (يعودهُ) جملَة حَالية، أَي: يزوره. قَوْله: (فَقعدَ عِنْد رَأسه) ، ويروى: (فَقعدَ عِنْده) . قَوْله: (فَأسلم) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن سُلَيْمَان بن حَرْب (فَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إلَاّ الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) . قَوْله: (أنقذه من النَّار) أَي: خلصه ونجاه من النَّار، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَأبي خَليفَة: (أنقذه بِي من النَّار) . فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي دُعَائِهِ إِلَيْهِ بِحَضْرَة أَبِيه؟ قلت: لِأَن الله تَعَالَى أَخذ عَلَيْهِ فرض التَّبْلِيغ لِعِبَادِهِ، وَلَا يخَاف فِي الله لومة لائم. وَفِيه: تَعْذِيب من لم يسلم إِذا عقل الْكفْر لقَوْله ﷺ : (الْحَمد لله الَّذِي أنقذه من النَّار) . وَفِيه: جَوَاز عِيَادَة أهل الذِّمَّة، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الذِّمِّيّ جارا لَهُ، لِأَن فِيهِ إِظْهَار محَاسِن الْإِسْلَام وَزِيَادَة التآلف بهم لِيَرْغَبُوا فِي الْإِسْلَام. وَفِيه: جَوَاز

стр. 2363

اسْتِخْدَام الْكَافِر. وَفِيه: حسن الْعَهْد. وَفِيه: اسْتِخْدَام الصَّغِير. وَفِيه: عرض الْإِسْلَام على الصَّبِي، وَلَوْلَا صِحَّته مِنْهُ مَا عرضه عَلَيْهِ. ٧٥٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ الله سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ كُنْتُ أَنا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ أنَا مِنَ الوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ.. تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب، فَإِنَّهُ ذكره هُنَاكَ مُعَلّقا. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله. بتصغير العَبْد هُوَ عبيد الله بن أبي يزِيد اللَّيْثِيّ الْمَكِّيّ. ٨٥٣١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفى وإنْ كانَ لغَيَّةٍ منْ أجْلِ أنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإسْلَامِ يَدَّعِي أبَوَاهُ الاسْلَامَ أوْ أبُوهُ خاصَّةٍ وَإنْ كانَتْ امُّهُ عَلَى غَيْرِ الإسْلَامِ إذَا اسْتَهَلَّ صارِخا صُلِّيَ عَليه وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أجْلِ أنَّهُ سِقْطٌ فإنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كانَ يحَدِّثُ قَالَ النبيُّ ﷺ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَاّ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فأبَوَاهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الآيَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَوْلُود بَين الْأَبَوَيْنِ الْمُسلمين أَو أَحدهمَا مُسلم إِذا مَاتَ، وَقد اسْتهلّ صَارِخًا يصلى عَلَيْهِ، فَالصَّلَاة عَلَيْهِ تدل على أَنه مَحل عرض الْإِسْلَام عِنْد تعقله. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ أَنه مُشْتَمل على شَيْئَيْنِ: الأول: هُوَ قَول الزُّهْرِيّ، وَهُوَ قَوْله: قَالَ ابْن شهَاب: يُصلى على كل مَوْلُود ... إِلَى آخِره، وَهُوَ قَول جَمَاهِير الْفُقَهَاء إلَاّ قَتَادَة فَإِنَّهُ انْفَرد فَقَالَ: لَا يصلى عَلَيْهِ. وَقَالَ أَصْحَابنَا: إِذا اسْتهلّ الْمَوْلُود سمي وَغسل وَصلي عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذا اسْتهلّ ثمَّ مَاتَ لحينه، والاستهلال أَن يكون مِنْهُ مَا يدل على حَيَاته فَإِن لم يستهل لَا يغسل وَلَا يَرث وَلَا يُورث وَلَا يُسمى. وَعند الطَّحَاوِيّ: إِن الْجَنِين الْمَيِّت يغسل، وَلم يحك خلافًا. وَعَن مُحَمَّد، فِي سقط استبان خلقه: يغسل ويكفن ويحنط وَلَا يصلى عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا خرج أَكثر الْوَلَد وَهُوَ يَتَحَرَّك صلي عَلَيْهِ، وَإِن خرج أَقَله لم يصل عَلَيْهِ. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : إِذا اسْتهلّ السقط صلي عَلَيْهِ لحَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (إِذا اسْتهلّ السقط صلي عَلَيْهِ وَورث) . وَهُوَ حَدِيث غَرِيب، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف من رِوَايَة جَابر، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: كَانَ الْمَوْقُوف أصح. وَقَالَ النَّسَائِيّ: الْمَوْقُوف أولى بِالصَّوَابِ، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على وجوب الصَّلَاة على السقط، وَعَن مَالك: لَا يصلى على الطِّفْل إلَاّ أَن يختلج ويتحرك، وَعَن ابْن عمر: أَنه يصلى عَلَيْهِ وَإِن لم يستهل، وَبِه قَالَ ابْن سِيرِين وَابْن الْمسيب وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الْعَبدَرِي: إِن كَانَ لَهُ دون أَرْبَعَة أشهر لم يصل عَلَيْهِ بِلَا خلاف، يَعْنِي: بِالْإِجْمَاع، وَإِن كَانَ لَهُ أَرْبَعَة أشهر وَلم يَتَحَرَّك لم يصل عَلَيْهِ عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، وَقَالَ أَحْمد وَدَاوُد: يصلى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن قدامَة: السقط الْوَلَد تضعه الْمَرْأَة مَيتا أَو لغير تَمام، فَأَما إِن خرج حَيا واستهل فَإِنَّهُ يصلى عَلَيْهِ بعد غسله بِلَا خلاف، وَصلى ابْن عمر على ابْن ابْنه ولد مَيتا، وَقَالَ الْحسن وَإِبْرَاهِيم وَالْحكم وَحَمَّاد وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي: لَا يصلى عَلَيْهِ حَتَّى يستهل، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ، وَحكى عَن سعيد بن جُبَير أَنه: لَا يصلى عَلَيْهِ مَا لم يبلغ. وَقَالَ ابْن حزم: ورويناه أَيْضا عَن سُوَيْد بن غَفلَة، وَعند الْمَالِكِيَّة: لَا يصلى عَلَيْهِ مَا لم يعلم حَيَاته بعد انْفِصَاله بالصراخ وَفِي العطاس وَالْحَرَكَة الْكَثِيرَة وَالرّضَاع الْيَسِير، قَولَانِ. أما الرَّضَاع المتحقق والحياة الْمَعْلُومَة بطول الْمكْث فكالصراخ، وَعَن اللَّيْث وَابْن وهب وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: أَن الْحَرَكَة وَالرّضَاع والعطاس استهلال، وَعَن بعض الْمَالِكِيَّة: أَن الْبَوْل وَالْحَدَث حَيَاة. الثَّانِي: رِوَايَة ابْن شهَاب عَن أبي هُرَيْرَة مُنْقَطِعَة، لِأَن ابْن شهَاب لم يسمع من أبي هُرَيْرَة شَيْئا، وَلَا أدْركهُ. وَالْبُخَارِيّ لم يذكرهُ للاحتجاح، إِنَّمَا ذكر كَلَامه مُسْندًا لعلوه. وَقَالَ أَبُو عمر:

стр. 2364

رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من وُجُوه صِحَاح ثَابِتَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة: الْأَعْرَج وَابْن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَسَعِيد بن أبي سعيد وَأَبُو سَلمَة وَحميد بن عبد الرَّحْمَن وَأَبُو صَالح، وَاخْتلف على ابْن شهَاب فِي رِوَايَة، فمعمر وَالزهْرِيّ قَالَا: عَنهُ عَن سعيد وَعَن أبي هُرَيْرَة، وَيُونُس وَابْن أبي ذِئْب قَالَا: عَنهُ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: عَنهُ عَن حميد، قَالَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي: هَذِه الطّرق كلهَا صِحَاح عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ عَن مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج، وَرَوَاهُ عَن أبي الزِّنَاد أَيْضا عبد الله بن الْفضل الْهَاشِمِي شيخ مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعند ابْن شهَاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا: (سُئِلَ عَن أَوْلَاد الْمُشْركين؟ فَقَالَ: الله أعلم مَا كَانُوا عاملين؟) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يصلى على كل مَوْلُود متوفى) ، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: (متوفى) ، صفة مَوْلُود. قَوْله: (لغية) ، بِكَسْر اللَّام والغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مُشْتَقّ من الغواية: وَهِي الضَّلَالَة كفرا وَغَيره، وَأَيْضًا يُقَال لولد الزِّنَا، ولد الغية، وَلغيره: ولد الرشدة، فَالْمُرَاد مِنْهُ، وَإِن كَانَ الْمَوْلُود لكافرة أَو زَانِيَة، يصلى عَلَيْهِ إِذا مَاتَ إِذا كَانَ أَبَوَاهُ مُسلمين، أَو أَبوهُ فَقَط. وَهُوَ معنى قَوْله: (من أجل أَنه ولد على فطْرَة الْإِسْلَام يَدعِي أَبَوَاهُ الْإِسْلَام أَو أَبوهُ خَاصَّة) ، يَعْنِي دون أمه. قَوْله: (يَدعِي) جملَة حَالية وَالْأَصْل: أَن مَذْهَب الزُّهْرِيّ أَنه يُصَلِّي على ولد الزِّنَا وَلَا يمْنَع ذَلِك من الصَّلَاة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ تبعا لِأَبَوَيْهِ أَو لِأَبِيهِ، خَاصَّة إِذا كَانَت أمه غير مسلمة: قَوْله: (إِذا اسْتهلّ) أَي: إِذا صَاح عِنْد الْولادَة، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الاستهلال وَهُوَ الصياح عِنْد الْولادَة. قَوْله: (صَارِخًا) حَال مُؤَكدَة من الضَّمِير الَّذِي فِي: اسْتهلّ. قَوْله: (سقط) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَضمّهَا وَفتحهَا: وَهُوَ الْجَنِين يسْقط قبل تَمَامه. قَوْله: (فَإِن أَبَا هُرَيْرَة) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل، وَقد قُلْنَا: أَن هَذِه الرِّوَايَة مُنْقَطِعَة. قَوْله: (مَا من مَوْلُود) كلمة: من، زَائِدَة، ومولود، مُبْتَدأ و: يُولد، خَبره وَتَقْدِيره: مَا من مَوْلُود يُوجد على أَمر إلَاّ على الْفطْرَة، وَهِي فِي اللُّغَة: الْخلقَة، وَالْمرَاد بهَا هُنَا، مَا يُرَاد فِي الْآيَة الشَّرِيفَة: وَهِي الدّين لِأَنَّهُ قد اعتورها الْبَيَان من أول الْآيَة، وَهُوَ: ﴿فأقم وَجهك للدّين﴾ (الرّوم: ٠٣) . وَمن آخرهَا وَهُوَ: ﴿ذَلِك الدّين الْقيم﴾ (الرّوم: ٠٣) . وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: كلمة: من، الاستغراقية فِي سِيَاق النَّفْي الَّتِي تفِيد الْعُمُوم، كَقَوْلِك: مَا أحد خير مِنْك، وَالتَّقْدِير: مَا مَوْلُود يُوجد على أَمر من الْأُمُور إلَاّ على هَذَا الْأَمر، والفطرة تدل على نوع مِنْهَا، وَهُوَ الِابْتِدَاء والاختراع: كالجلسة والقعدة، وَالْمعْنَى بهَا هَهُنَا: تمكن النَّاس من الْهدى فِي أصل الجبلة والتهيىء لقبُول الدّين، فَلَو ترك عَلَيْهَا لاستمر على لُزُومهَا وَلم يفارقها إِلَى غَيرهَا، لِأَن هَذَا الدّين حسنه مَوْجُود فِي النُّفُوس، وَإِنَّمَا يعدل عَنهُ لآفة من الْآفَات البشرية، والتقليد، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى﴾ (الْبَقَرَة: ٦١، ٥٧١) . وَالْفَاء فِي: أَبَوَاهُ، إِمَّا للتعقيب وَهُوَ ظَاهر، وَإِمَّا للتسبب، أَي: إِذا تقرر ذَلِك فَمن تغير كَانَ بِسَبَب أويه، وَنَذْكُر مَا قَالُوا فِي معنى الْفطْرَة عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (فَأَبَوَاهُ يهوِّدانه أَو ينصرَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمَا يعلمَانِهِ مَا هُوَ عَلَيْهِ ويصرفانه عَن الْفطْرَة، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد يرغبانه فِي ذَلِك، أَو أَن كَونه تبعا لَهما فِي الدّين بولادته على فراشهما يُوجب أَن يكون حكمه حكمهمَا. وَقيل: معنى: يُهَوِّدَانِهِ، يحكم لَهُ بحكمهما فِي الدُّنْيَا، فَإِن سبقت لَهُ السَّعَادَة أسلم إِذا بلغ وإلَاّ مَاتَ على كفره، وَإِن مَاتَ قبل بُلُوغه فَالصَّحِيح أَنه من أهل الْجنَّة. وَقيل: لَا عِبْرَة بِالْإِيمَان الفطري فِي أَحْكَام الدُّنْيَا، إِنَّمَا يعْتَبر الْإِيمَان الشَّرْعِيّ المكتسب بالإرادة وَالْفِعْل، وطفل الْيَهُودِيين. مَعَ وجود الْإِيمَان الفطري: مَحْكُوم بِكُفْرِهِ فِي الدُّنْيَا تبعا لوَالِديهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الضَّمِير فِي أَبَوَاهُ رَاجع إِلَى كل مَوْلُود، لِأَنَّهُ عَام، فَيَقْضِي تهويد كل المواليد أَو نَحوه، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لبَقَاء الْبَعْض على فطْرَة الْإِسْلَام. قلت: الْغَرَض من التَّرْكِيب أَن الضَّلَالَة لَيست من ذَات الْمَوْلُود، وَمُقْتَضى طبعه، بل أَيْنَمَا حصلت فَإِنَّمَا هِيَ بِسَبَب خَارج عَن ذَاته، قَوْله: (كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء) ، قَالَ الطَّيِّبِيّ قَوْله: (كَمَا) إِمَّا حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: (يُهَوِّدَانِهِ) ، مثلا فَالْمَعْنى: يهودان الْمَوْلُود بعد أَن خلق على الْفطْرَة شَبِيها بالبهيمة الَّتِي جدعت بعد أَن خلقت سليمَة، وَأما صفة مصدر مَحْذُوف أَي: يغيرانه تغيرا مثل تغييرهم الْبَهِيمَة السليمة، فالأفعال الثَّلَاثَة، أَعنِي: (يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه) ، تنازعت فِي، كَمَا على التَّقْدِيرَيْنِ. قَوْله: (تنْتج) ، ويروى على بِنَاء الْمَفْعُول، وَفِي (الْمغرب) : عَن اللَّيْث: وَقد نتج النَّاقة ينتجها نتجا: إِذا تولى نتاجها حَتَّى وضعت فَهُوَ ناتج، وَهُوَ للبهائم كالقابلة للنِّسَاء، وَالْأَصْل: نتجتها، وَلذَا

стр. 2365

يعدى إِلَى مفعولين، وَعَلِيهِ بَيت الحماسة: (وهه نتحوك تَحت الْفِيل سقيا) فَإِذا بني للْمَفْعُول الأول قيل: نتجت ولدا إِذا وَضعته. قَوْله: (جَمْعَاء) هِيَ الْبَهِيمَة الَّتِي لم يذهب من بدنهَا شَيْء سميت بهَا لِاجْتِمَاع سَلامَة أعضائها لَا جدع فِيهَا وَلَا كي. قَوْله: (وَهل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء) فِي مَوضِع الْحَال على التَّقْدِيرَيْنِ، أَي: بَهِيمَة سليمَة مقولاً فِي حَقّهَا هَذَا القَوْل، وَفِيه نوع من التَّأْكِيد، يَعْنِي: كل من نظر إِلَيْهَا قَالَ هَذَا القَوْل لظُهُور سلامتها، والجدعاء الْبَهِيمَة الَّتِي قطعت أذنها من جدع إِذا قطع الْأذن وَالْأنف، وَتَخْصِيص ذكر الْجمع إِيمَاء إِلَى أَن تصميمهم على الْكفْر إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب صممهم عَن الْحق، وَأَنه كَانَ خليقا فيهم. قَوْله: (ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة) ، الظَّاهِر: ثمَّ قَرَأَ فَعدل إِلَى القَوْل، وأتى بالمضارع على حِكَايَة الْحَال الْمَاضِيَة استحضارا لَهُ فِي ذهن السَّامع، كَأَنَّهُ يسمع مِنْهُ ﷺ الْآن قَوْله: (لَا تَبْدِيل) لَا يجوز أَن يكون إِخْبَارًا مَحْضا لحُصُول التبديل، بل يؤول بِأَن يُقَال: من شَأْنه أَن لَا يُبدل أَو يُقَال: إِن الْخَبَر بِمَعْنى النَّهْي. ثمَّ نبين مَا قَالُوا فِي معنى قَوْله ﷺ : (كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة) . فَقَالَت: طَائِفَة: لَيْسَ معنى قَوْله: (كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة) عَاما، وَمَعْنَاهُ أَن كل من ولد على الْفطْرَة وَكَانَ لَهُ أَبَوَانِ على غير الْإِسْلَام هوداه أَو نصراه. قَالُوا: وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَن جَمِيع المولودين من بني آدم أَجْمَعِينَ يولدون على الْفطْرَة بَين الْأَبَوَيْنِ الْكَافرين، وَكَذَلِكَ من لم يُولد على الْفطْرَة وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمنين حكم لَهُ بحكمهما فِي صغره، وَإِن كَانَا يهوديين فَهُوَ يَهُودِيّ ويرثهما ويرثانه، وَكَذَلِكَ إِن كَانَا نَصْرَانِيين أَو مجوسيين، حَتَّى يعبر عَنهُ لِسَانه ويبلغ الْحِنْث، فَيكون لَهُ حكم نَفسه حِينَئِذٍ لَا حكم أَبَوَيْهِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ النَّبِي ﷺ : (الْغُلَام الَّذِي قَتله الْخضر، ﵊، طبعه الله يَوْم طبعه كَافِرًا) ، وَبِمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَليّ بن زيد عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد يرفعهُ: (أَلا إِن بني آدم خلقُوا طَبَقَات، فَمنهمْ من يُولد مُؤمنا وَيحيى مُؤمنا وَيَمُوت مُؤمنا. وَمِنْهُم من يُولد كَافِرًا وَيحيى كَافِرًا وَيَمُوت كَافِرًا، وَمِنْهُم من يُولد كَافِرًا وَيحيى كَافِرًا وَيَمُوت مُؤمنا) . قَالُوا: فَفِي هَذَا وَفِي غُلَام الْخضر مَا يدل على قَوْله: (كل مَوْلُود) لَيْسَ على الْعُمُوم، وَأورد عَلَيْهِم قَوْله ﷺ : (كل بني آدم يُولد على الْفطْرَة) وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ غير صَحِيح وَلَو صَحَّ مَا فِيهِ حجَّة لجَوَاز الْخُصُوص كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ( ﴿تدمر كل شَيْء﴾ (الْأَحْقَاف: ٥٢) . وَلم تدمر السَّمَاء وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء﴾ (الْأَنْعَام: ٤٤) . وَلم تفتح عَلَيْهِم أَبْوَاب الرَّحْمَة. وَقَالَ آخَرُونَ: معنى الحَدِيث على الْعُمُوم لقَوْله ﷺ : (كل بني آدم يُولد على الْفطْرَة) ، وَلِحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) ، وَلِحَدِيث إِبْرَاهِيم، ﵊: (والولدان حوله أَوْلَاد النَّاس. .) فَهَذِهِ كلهَا تدل على أَن الْمَعْنى: الْجَمِيع يولدون على الْفطْرَة، وضعفوا حَدِيث سعيد بن مَنْصُور بِوَجْهَيْنِ: الأول: أَن فِي سَنَده ابْن جدعَان. وَالثَّانِي: أَنه لَا يُعَارض دَعْوَى الْعُمُوم، لِأَن الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة رَاجِعَة إِلَى علم الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قد يُولد الْوَلَد بَين مُؤمنين، وَالْعِيَاذ بِاللَّه، يكون قد سبق فِي علمه تَعَالَى غير ذَلِك، وَكَذَا من ولد بَين كَافِرين، وَإِلَى هَذَا يرجع غُلَام خضر، ﵊. ثمَّ اخْتلفُوا فِي معنى هَذِه الْفطْرَة، فَذكر أَبُو عبيد عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه: قبل أَن يُؤمر النَّاس بِالْجِهَادِ، قيل: فِيهِ نظر، لِأَن فِي حَدِيث الْأسود بن سريع أَنه بعد الْجِهَاد، رَوَاهُ عَنهُ الْحسن الْبَصْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا بَال قوم يبلغون فِي الْقَتْل إِلَى الذُّرِّيَّة، إِنَّه لَيْسَ من مَوْلُود إِلَّا وَهُوَ يُولد على الْفطْرَة فيعبر عَنهُ لِسَانه) ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) بِلَفْظ: (مَا من مَوْلُود يُولد إلَاّ على فطْرَة الْإِسْلَام حَتَّى يعرب) ، وَذكره أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) وَقَالَ: هُوَ حَدِيث مَشْهُور ثَابت، وَفِيه نظر، لِأَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَأَبا عبد الله بن مَنْدَه وَأَبا دَاوُد وَغَيرهم أَنْكَرُوا أَن يكون الْحسن سمع من الْأسود شَيْئا. وَقيل: روى عَن الْأَعْمَش عَن الْأسود وَهُوَ حَدِيث بَصرِي صَحِيح، وَقَالَ قوم: الْفطْرَة هُنَا الْخلقَة الَّتِي يخلق عَلَيْهَا الْمَوْلُود من الْمعرفَة بربه، لِأَن الْفطْرَة الْخلقَة من الفاطر الْخَالِق، وأنكروا أَن يكون الْمَوْلُود يفْطر على كفر أَو إِيمَان أَو معرفَة وإنكار، وَإِنَّمَا يُولد الْمَوْلُود على السَّلامَة فِي الْأَغْلَب خلقَة وطبعا، وبنية لَيْسَ فِيهَا إِيمَان وَلَا كفر وَلَا إِنْكَار، وَلَا معرفَة، ثمَّ يَعْتَقِدُونَ الْإِيمَان أَو غَيره إِذا ميزوا، وَاحْتَجُّوا بقوله فِي الحَدِيث: (كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة. .) الحَدِيث، فالأطفال فِي حِين الْولادَة كَالْبَهَائِمِ السليمة. فَلَمَّا بغوا استهوتهم الشَّيَاطِين فَكفر أَكْثَرهم إلَاّ من عصمه الله تَعَالَى، وَلَو فطروا على الْإِيمَان أَو الْفِكر فِي أول أَمرهم لما انتقلوا عَنهُ أبدا، فقد تجدهم يُؤمنُونَ ثمَّ يكفرون ثمَّ يُؤمنُونَ، ويستحيل أَن يكون الطِّفْل فِي حِين وِلَادَته يعقل شَيْئا، لِأَن الله أخرجهم فِي حَالَة

стр. 2366

لَا يفقهُونَ مَعهَا شَيْئا، فَمن لَا يعلم شَيْئا اسْتَحَالَ مِنْهُ كفر أَو إِيمَان أَو معرفَة أَو إِنْكَار. وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا القَوْل أصح مَا قيل فِي معنى الْفطْرَة هُنَا وَالله أعلم. وَقَالَ قوم: إِنَّمَا قَالَ: (كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة) ، قيل أَن تنزل الْفَرَائِض، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يُولد على الْفطْرَة ثمَّ مَاتَ أَبَوَاهُ قبل أَن يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ لما كَانَ يرثهما ويرثانه، فَلَمَّا نزلت الْفَرَائِض علم أَنه يُولد على دينهما. وَقَالَ قوم: الْفطْرَة هُنَا الْإِسْلَام، لِأَن السّلف أَجمعُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ (الرّوم: ٠٣) . أَنَّهَا دين الْإِسْلَام. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (قَالَ الله ﵎: إِنِّي خلقت عبَادي حنفَاء على استقامة وسلامة) . والحنيف فِي كَلَام الْعَرَب: الْمُسْتَقيم السَّالِم. وَبِقَوْلِهِ ﷺ : (خمس من الْفطْرَة) فَذكر قصّ الشَّارِب والاختتان، وَذَلِكَ من سنَن الْإِسْلَام، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو هُرَيْرَة وَالزهْرِيّ. وَقَالَ أَبُو عمر: ويستحيل أَن تكون الْفطْرَة الْمَذْكُورَة فِيهِ الْإِسْلَام وَالْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ واعتقاد بِالْقَلْبِ وَعمل بالجوارح وَهَذَا مَعْدُوم فِي الطِّفْل وَقَالَ قوم معنى الْفطْرَة فِيهِ: الْبدَاءَة الَّتِي ابتدأهم عَلَيْهَا، أَي على مَا فطر الله تَعَالَى عَلَيْهِ خلقه من أَنه ابتدأهم للحياة وَالْمَوْت والسعادة والشقاوة، وَإِلَى مَا يصيرون إِلَيْهِ عِنْد الْبلُوغ من قبولهم من آبَائِهِم واعتقادهم. وَقَالَ قوم: معنى ذَلِك أَن الله تَعَالَى قد فطرهم على الْإِنْكَار والمعرفة وعَلى الْكفْر وَالْإِيمَان، فَأخذ من ذُرِّيَّة آدم، ﵊، الْمِيثَاق حِين خلقهمْ فَقَالَ: أَلَسْت بربكم؟ فَقَالُوا جَمِيعًا: بلَى، فَأَما أهل السَّعَادَة فَقَالُوا: بلَى على معرفَة لَهُ طَوْعًا من قُلُوبهم، وَأما أهل الشقاوة فَقَالُوا: بلَى كرها لَا طَوْعًا، وتصديق ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله أسلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ (آل عمرَان: ٣٨) . وَقَالَ الْمروزِي: سَمِعت ابْن رَاهَوَيْه يذهب إِلَى هَذَا، وَاحْتج ابْن رَاهَوَيْه أَيْضا بِحَدِيث عَائِشَة: (حِين مَاتَ صبي من الْأَنْصَار بَين أبوين مُسلمين، فَقَالَت عَائِشَة: طُوبَى لَهُ عُصْفُور من عصافير الْجنَّة فَرد عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مَه يَا عَائِشَة؟ وَمَا يدْريك أَن الله تَعَالَى خلق الْجنَّة وَخلق لَهَا أَهلا؟ وَخلق النَّار وَخلق لَهَا أَهلا؟) وَقَالَ أَبُو عمر: قَول إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي هَذَا الْبَاب لَا يرضاه حذاق الْفُقَهَاء من أهل السّنة، وَإِنَّمَا هُوَ قَول الْمُجبرَة. وَقَالَ قوم: معنى الفظرة مَا أَخذه الله من الْمِيثَاق على الذُّرِّيَّة، وهم فِي أصلاب آبَائِهِم. وَقَالَ قوم: الْفطْرَة مَا يقلب الله تَعَالَى قُلُوب الْخلق إِلَيْهِ بِمَا يُرِيد ويشاء، وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا القَوْل، وَإِن كَانَ صَحِيحا فِي الأَصْل، فَإِنَّهُ أَضْعَف الْأَقَاوِيل من جِهَة اللُّغَة فِي معنى الْفطْرَة، وَالله أعلم. . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قد تقدم فِي أَوله، وَالله أعلم. ٠٨ - (بابٌ إذَا قَالَ المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ لَا إلاهَ إلَاّ الله) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ الْمُشرك عِنْد مَوته كلمة: لَا إِلَه إلَاّ الله، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، لمَكَان التَّفْصِيل فِيهِ، وَهُوَ أَنه لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون من أهل الْكتاب أَو لَا يكون، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، فِي حَيَاته قبل مُعَاينَة الْمَوْت، أَو قَالَهَا عِنْد مَوته، وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَنْفَعهُ ذَلِك عِنْد الْمَوْت لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا إيمَانهَا ... ﴾ (الْأَنْعَام: ٨٥١) . الآبة، وينفعه ذَلِك إِذا كَانَ فِي حَيَاته وَلم يكن من أهل الْكتاب حَتَّى يحكم بِإِسْلَامِهِ، بقوله ﷺ : (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلاه إلَاّ الله) الحَدِيث، وَإِن كَانَ من أهل الْكتاب فَلَا يَنْفَعهُ حَتَّى يتَلَفَّظ بكلمتي الشَّهَادَة. وَاشْترط أَيْضا أَن يتبرأ عَن كل دين سوى دين الْإِسْلَام، وَقيل: إِنَّمَا ترك الْجَواب لِأَنَّهُ ﷺ لما قَالَ لِعَمِّهِ أبي طَالب: قل: لَا إلاه إلَاّ الله أشهد لَك بهَا. كَانَ مُحْتملا أَن يكون ذَلِك خَاصّا بِهِ، لِأَن غَيره إِن قَالَ بهَا وَقد أَيقَن بالوفاة لَا يَنْفَعهُ ذَلِك. ٠٦٣١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثني أبي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عنْ أبِيهِ أنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طالِبٍ الوَفَاةُ جاءَهُ رسولُ الله ﷺ فَوَجدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بنِ هِشَامٍ وعَبْدَ الله بنَ أبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ فَقال رسولُ الله ﷺ لأِبِي طالبٍ يَا عَمِّ قُلْ لَا إلاه إلَاّ الله كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله فَقَالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ الله بنُ أبِي أُمَيَّةَ يَا أبَا طَالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 2367

يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ ويَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ مَا كلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبَى أنْ يَقُولَ لَا إلاه إلَاّ الله فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أمَا وَالله لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فأنْزَلَ الله تعَالى فيِهِ مَا كانَ لِلنَّبِيِّ الآيَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَا إِذا قَالَ الْمُشرك عِنْد الْمَوْت: لَا إلاه إلَاّ الله، والْحَدِيث فِيمَا إِذا قيل للمشرك: قل: لَا إلاه إلَاّ الله. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: إِسْحَاق. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ إِمَّا ابْن رَاهَوَيْه، وَإِمَّا ابْن مَنْصُور، وَلَا قدح فِي الْإِسْنَاد بِهَذَا اللّبْس لِأَن كلا مِنْهُمَا بِشَرْط البُخَارِيّ، وَفِيه نظر لَا يخفى. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، مَاتَ فِي فَم الصُّلْح، قَرْيَة على دجلة وَاسِط فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ الْقرشِي، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد وَمَات بهَا سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان أَبُو الْحَارِث، وَيُقَال أَبُو مُحَمَّد الْغِفَارِيّ، مَاتَ بعد الْأَرْبَعين وَمِائَة. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. السَّادِس: سعيد بن الْمسيب. السَّابِع: أَبوهُ الْمسيب، بِضَم الْمِيم وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة الْمَفْتُوحَة على الْمَشْهُور: ابْن حزن ضد السهل الْقرشِي المَخْزُومِي، وهما صحابيان هاجرا إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ الْمسيب مِمَّن بَايع تَحت شَجَرَة الرضْوَان، وَكَانَ رجلا تَاجِرًا، يرْوى لَهُ سَبْعَة أَحَادِيث، للْبُخَارِيّ مِنْهَا: ثَلَاثَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: الْمسيب بن حزن ابْن أبي وهب المَخْزُومِي لَهُ صُحْبَة، ويروي عَنهُ ابْنه، أسلم بعد خَيْبَر، وَقَالَ: حزن بن أبي وهب بن عَمْرو بن عَائِذ بن عمرَان ابْن مَخْزُوم المَخْزُومِي، لَهُ هِجْرَة، وَكَانَ أحد الْأَشْرَاف وَهُوَ من الطُّلَقَاء، وَقتل يَوْم الْيَمَامَة فِي ربيع الأول سنة عشر فِي خلَافَة أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: ثَلَاثَة أَشْيَاء. الأول: أَنه من أَفْرَاد الصَّحِيح، لِأَن الْمسيب لم يرو عَنهُ غير ابْنه سعيد. الثَّانِي: أَنه من مراسل الصَّحَابَة لِأَنَّهُ هُوَ وَأَبوهُ من مسلمة الْفَتْح، وَهُوَ على قَول أبي أَحْمد العسكري: بَايع تَحت الشَّجَرَة. وأيا مَا كَانَ، فَلم يشْهد أَمر أبي طَالب لِأَنَّهُ توفّي هُوَ وَخَدِيجَة فِي أَيَّام ثَلَاثَة، قَالَ صاعد فِي (كتاب النُّصُوص) : فَكَانَ النَّبِي ﷺ يُسَمِّي ذَلِك الْعَام عَام الْحزن، وَكَانَ ذَلِك وَقد أَتَى للنَّبِي ﷺ تسع وَأَرْبَعُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر وَأحد عشر يَوْمًا. وَقيل: مَاتَ فِي نصف شَوَّال من السّنة الْعَاشِرَة من النُّبُوَّة، وَقَالَ ابْن الجزار: قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين، وَقيل: قبل الْهِجْرَة بِخمْس، وَقيل: بِأَرْبَع سِنِين، وَقيل: بعد الْإِسْرَاء. الثَّالِث: يكون مُرْسلا حَقِيقَة لَان ابْن حبَان ذكره فِي ثِقَات التَّابِعين، وَهُوَ قَول فِيهِ غرابة. وَفِيه: أَن شَيْخه إِن كَانَ ابْن رَاهَوَيْه فَهُوَ مروزي سكن نيسابور، وَإِن كَانَ إِسْحَاق بن مَنْصُور فَهُوَ أَيْضا مروزي. وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم: صَالح وَابْن شهَاب وَسَعِيد يروي بَعضهم عَن بعض. وَفِيه: رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب فِي موضِعين. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي سُورَة بَرَاءَة عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره نَحوه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما حضرت أَبَا طَالب الْوَفَاة) ، يَعْنِي، حضرت علاماتها، وَذَلِكَ قبل النزع وإلَاّ لما نَفعه الْإِيمَان، وَيدل عَلَيْهِ محاورته للنَّبِي ﷺ ولكفار قُرَيْش، وَأَبُو طَالب اسْمه: عبد منَاف، قَالَه غير وَاحِد، وَقَالَ الْحَاكِم: تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار أَن اسْمه كنيته، قَالَ: وَوجد بِخَط عَليّ الَّذِي لَا شكّ فِيهِ: وَكتب عَليّ بن أبي طَالب، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم المغربي الْوَزير اسْمه: عمرَان. قَوْله: (أَبَا جهل) ، كنيته أَبُو الحكم، كَذَا كناه رَسُول الله ﷺ واسْمه: عَمْرو بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي، وَيُقَال لَهُ: ابْن الحنظلية، وَاسْمهَا أَسمَاء بنت سَلامَة بن مخرمَة، وَكَانَ أَحول مأبونا، وَكَانَ رَأسه أول رَأس حز فِي الْإِسْلَام، فِيمَا ذكره ابْن دُرَيْد فِي (وشاحه) . قَوْله: (وَعبد الله بن أبي أُميَّة) أمه عَاتِكَة عمَّة رَسُول الله ﷺ ، توفّي شَهِيدا بِالطَّائِف وَكَانَ شَدِيدا على الْمُسلمين معاديا لرَسُول الله ﷺ أسلم قبل الْفَتْح هُوَ وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وَلَهُم عبد الله بن أبي أُميَّة بن وهب حَلِيف بني أَسد وَابْن أخيهم اسْتشْهد بِخَيْبَر، وَلَهُم عبد الله بن أُميَّة إثنان: أَحدهمَا بَدْرِي. قَوْله: (أَي: عَم) أَي: يَا عمي. قَوْله: (كلمة) ،

стр. 2368

نصب إِمَّا على الْبَدَلِيَّة أَو على الِاخْتِصَاص. قَوْله: (أشهد لَك) أَي: لخيرك. وَفِي لفظ: (أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله تَعَالَى) . قَوْله: (أترغب؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، أَي: أتعرض؟ قَوْله: (يعرضهَا) بِكَسْر الرَّاء، قَوْله: (ويعودان بِتِلْكَ الْمقَالة) . قَالَ عِيَاض وَفِي نُسْخَة ويعيدان يَعْنِي: أَبَا جهل وَعبد الله. وَقَالَ عِيَاض أَيْضا فِي جَمِيع الْأُصُول. وَيعود لَهُ بِتِلْكَ الْمقَالة، يَعْنِي: أَبَا طَالب. وَوَقع فِي مُسلم: (لَوْلَا تعيرني قُرَيْش يَقُولُونَ: إِنَّمَا حمله على ذَلِك الْجزع) ، بِالْجِيم وَالزَّاي، وَهُوَ الْخَوْف، وَذهب الْهَرَوِيّ والخطابي فِيمَا رَوَاهُ عَن ثَعْلَب فِي آخَرين أَنه: بخاء مُعْجمَة وزاي مفتوحتين، وَنَبَّهنَا غير وَاحِد أَنه الصَّوَاب، وَمَعْنَاهُ: الضعْف والخور. قَوْله: آخر مَا كَلمه) أَي: فِي آخر تكليمه إيَّاهُم. قَوْله: (هُوَ) إِمَّا عبارَة أبي طَالب، وإراد بِهِ نَفسه، وَإِمَّا عبارَة الرَّاوِي، وَلم يحك كَلَامه بِعَيْنِه لقبحه، وَهُوَ من التَّصَرُّفَات الْحَسَنَة. قَوْله: (أما) ، حرف تَنْبِيه، وَقيل: بِمَعْنى حَقًا، قَوْله: (مَا لم أُنْهَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (عَنْك) ، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (مَا لم أَنه عَنهُ) . أَي: عَن الاسْتِغْفَار الَّذِي دلّ عَلَيْهِ قَوْله: (لأَسْتَغْفِرَن) ، قَوْله: فَأنْزل الله فِيهِ: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي. .﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة أَي: فَأنْزل الله فِي الاسْتِغْفَار قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة، أَي: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ وَلَا لَهُم الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ أهل الْمعَانِي: مَا تَأتي فِي الْقُرْآن على وَجْهَيْن بمعني النَّفْي كَقَوْلِه: ﴿مَا كَانَ لكم أَن تنبتوا شَجَرهَا﴾ (النَّحْل: ٠٦) . ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إلَاّ بِإِذن الله﴾ (آل عمرَان: ٥٤١) . وَالْآخر بِمَعْنى النَّهْي. كَقَوْلِه: ﴿وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) . وَهِي فِي حَدِيث أبي طَالب نهي، وَتَأَول بَعضهم الاسْتِغْفَار هُنَا بِمَعْنى الصَّلَاة. وَقَالَ الواحدي: سَمِعت أَبَا عُثْمَان الْحِيرِي سَمِعت أَبَا الْحسن بن مقسم سَمِعت أَبَا إِسْحَاق الزّجاج يَقُول فِي هَذِه الْآيَة: أجمع الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهَا نزلت فِي أبي طَالب، وَفِي (مَعَاني الزّجاج) : يرْوى أَن النَّبِي، ﷺ ، عرض على أبي طَالب الْإِسْلَام عِنْد وَفَاته، وَذكر لَهُ وجوب حَقه عَلَيْهِ فَأبى أَبُو طَالب فَقَالَ ﷺ : لأَسْتَغْفِرَن لَك حَتَّى أُنهى عَن ذَلِك، ويروى أَنه اسْتغْفر لأمه. وَرُوِيَ أَنه اسْتغْفر لِأَبِيهِ، وَأَن الْمُؤمنِينَ ذكرُوا محَاسِن آبَائِهِم فِي الْجَاهِلِيَّة وسألوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِآبَائِهِمْ لما كَانَ من محَاسِن كَانَت لَهُم، فَأعْلم اا تَعَالَى أَن ذَلِك لَا يجوز، فَقَالَ: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا. .﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة، وَذكر الواحدي من حَدِيث مُوسَى بن عُبَيْدَة، قَالَ: (أخبرنَا مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: بَلغنِي أَنه لما اشْتَكَى أَبُو طَالب شكواه الَّتِي قبض فِيهَا، قَالَت لَهُ قُرَيْش: أرسل إِلَى ابْن أَخِيك يُرْسل إِلَيْك من هَذِه الْجنَّة الَّتِي ذكرهَا يكون لَك شِفَاء، فَأرْسل إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله حرمهَا على الْكَافرين: طعامها وشرابها، ثمَّ أَتَاهُ فَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام، فَقَالَ: لَوْلَا أَن نعير بهَا فَيُقَال: جزع عمك من الْمَوْت لأقررت بهَا عَيْنك) واستغفر لَهُ بَعْدَمَا مَاتَ، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: مَا يمنعنا أَن نَسْتَغْفِر لآبائنا ولذوي قرابتنا، قد اسْتغْفر إِبْرَاهِيم، ﵊، لِأَبِيهِ، وَمُحَمّد ﷺ لِعَمِّهِ، فاستغفروا للْمُشْرِكين حَتَّى نزلت ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة، وَمن حَدِيث ابْن وهب: حَدثنَا ابْن جريج عَن أَيُّوب بن هانىء عَن مَسْرُوق (عَن عبد الله: خرج رَسُول الله، ﷺ ، ينظر فِي الْمَقَابِر وَنحن مَعَه، فتخطى الْقُبُور حَتَّى انْتهى إِلَى قبر مِنْهَا، فناجاه طَويلا، وَفِيه: (فجَاء وَله نحيب، فَسئلَ، فَقَالَ: هَذَا قبر أبي) . وَفِيه: (وَإِنِّي اسْتَأْذَنت بعد رَبِّي فِي زِيَارَة أُمِّي فَأذن، واستأذنته فِي الاسْتِغْفَار لَهَا فَلم يَأْذَن لي) ، وَفِيه: وَنزل على ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة، فأخذني مَا يَأْخُذ الْوَالِد لوَلَده من الرقة، فَذَلِك الَّذِي أبكاني) . وَفِي كتاب (مقامات التَّنْزِيل) لأبي الْعَبَّاس الضَّرِير: لما أقبل رَسُول الله ﷺ من تَبُوك الْوُسْطَى، وَاعْتمر، فَلَمَّا هَبَط من عسفان أَمر أَصْحَابه أَن يستندوا إِلَى الْعقبَة حَتَّى أرجع، فَنزل على قبر أمه ثمَّ بَكَى، فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلَ عَن بكائهم، فَقَالُوا: بكينا لبكائك، قَالَ: نزلت على قبر أُمِّي فدعوت الله ليأذن لي فِي شَفَاعَتهَا يَوْم الْقِيَامَة فَأبى أَن يَأْذَن لي، فرحمتها فَبَكَيْت، ثمَّ جَاءَنِي جِبْرِيل، ﵊ فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ﴾ (التَّوْبَة: ٤١١) . الْآيَة وَفِي تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه: عَن عِكْرِمَة، وَفِي آخِره: كَانَت مدفونة تَحت كَذَا، وَكَانَت عسفان لَهُم وَبهَا ولد النَّبِي ﷺ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الضَّرِير: وَفِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: قد اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ، وَهُوَ مُشْرك لأَسْتَغْفِرَن لأمي. فَأتى قبرها ليَسْتَغْفِر لَهَا فَدفعهُ جِبْرِيل، ﵊، عَن الْقَبْر. وَقَالَ: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة. وَفِي تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، صلى النَّبِي ﷺ رَكْعَتَيْنِ بعسفان، وَقَالَ اسْتَأْذَنت فِي الاسْتِغْفَار لآمنة، فنهيت فَبَكَيْت ثمَّ عدت فَصليت رَكْعَتَيْنِ، واستأذنت فِي الاسْتِغْفَار لَهَا فزجرت، ثمَّ دَعَا نَاقَته فَمَا استطاعته الْقيام لنقل الْوَحْي، فَأنْزل الله ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة،

стр. 2369

وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ من حَدِيث سعيد عَن أَبِيه الْمسيب: قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : أَي عَم، إِنَّك أعظم النَّاس عَليّ حَقًا، وَأَحْسَنهمْ عِنْدِي يدا ولأنت أعظم عِنْدِي حَقًا من وَالِدي، فَقل كلمة تجب لَك بهَا شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: نزلت: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ (التَّوْبَة: ٣١١١) . الْآيَة، وروى الْحَاكِم من حَدِيث أبي الْجَلِيل عَن عَليّ، قَالَ: سَمِعت رجلا يسْتَغْفر لِأَبَوَيْهِ وهما مُشْرِكَانِ، فَقلت: تستغفر لِأَبَوَيْك وهما مُشْرِكَانِ؟ قَالَ: أَو لم يسْتَغْفر إِبْرَاهِيم، ﵊، لِأَبِيهِ، فَذَكرته لرَسُول الله ﷺ فَنزلت ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة، قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَلما ذكر السُّهيْلي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . قَالَ قد اسْتغْفر سيدنَا رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد، فقاال: أللهم إغفر لقومي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ، وَلَا يَصح أَن تكون الْآيَة الَّتِي نزلت فِي عَمه ناسخة لاستغفاره يَوْم أحد، لِأَن عَمه توفّي قبل ذَلِك، وَلَا ينْسَخ الْمُتَقَدّم الْمُتَأَخر، وَيُجَاب بِأَن استغفاره لِقَوْمِهِ مَشْرُوط بتوبتهم من الشّرك، كَأَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاء لَهُم بِالتَّوْبَةِ، وَجَاء فِي بعض الرِّوَايَات: أللهم إهذ قومِي، وَقيل: أَرَادَ مغْفرَة تصرف عَنْهُم عُقُوبَة الدُّنْيَا من المسخ وَشبهه، وَقيل: تكون الْآيَة تَأَخّر نُزُولهَا مُتَقَدما ونزولها مُتَأَخّر، لَا سِيمَا وَبَرَاءَة من آخر مَا نزل، فَتكون على هَذَا ناسخة للاستغفار، وَقَالَ ابْن بطال مَا محصله: أَي مُحَاجَّة يحْتَاج إِلَيْهَا من وافى ربه بِمَا يدْخلهُ الْجنَّة، أُجِيب: بِأَنَّهُ ﷺ ظن أَن عَمه اعْتقد أَن من آمن فِي مثل حَاله لَا يَنْفَعهُ إيمَانه إِذا لم يقارنه عمل سواهُ من صَلَاة أَو صِيَام وَحج وشرائط الْإِسْلَام كلهَا، فَأعلمهُ ﷺ أَن من قَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله، عِنْد مَوته أَنه يدْخل فِي جملَة الْمُؤمنِينَ، وَإِن تعرى من عمل سواهَا. قلت: فِي قَوْله: وَحج، نظر لِأَنَّهُ لم يكن مَفْرُوضًا بِالْإِجْمَاع يَوْمئِذٍ. وَقيل: أَن يكون أَبُو طَالب قد عاين أَمر الْآخِرَة وأيقن بِالْمَوْتِ وَصَارَ فِي حَالَة من لَا ينْتَفع بِالْإِيمَان لَو آمن، فَرحا لَهُ، ﷺ ، أَن قَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله، وأيقن بنبوته أَن يشفع لَهُ بذلك، ويحاج لَهُ عِنْد الله تَعَالَى فِي أَن يتَجَاوَز عَنهُ وَيقبل مِنْهُ إيمَانه فِي تِلْكَ الْحَال، وَيكون ذَلِك خَاصّا بِأبي طَالب وَحده لمكانته من حمايته ومدافعته عَنهُ، ﷺ . وَقيل: كَانَ أَبُو طَالب مِمَّن عاين براهين النَّبِي، ﷺ ، وَصدق بمعجزاته وَلم يشك فِي صِحَة نبوته، فرجا لَهُ المحاجة بِكَلِمَة الْإِخْلَاص حَتَّى يسْقط عَنهُ إِثْم العناد والتكذيب، لما قد تبين حَقِيقَته لَكِن آنسه، بقوله: (أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله) لِئَلَّا يتَرَدَّد فِي الْإِيمَان وَلَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ لتماديه على خلاف مَا تبين حَقِيقَته، وَقيل: (أُحَاج لَك بهَا) ، كَقَوْلِه (أشهد لَك بهَا عِنْد الله) لِأَن الشَّهَادَة للمرء حجَّة لَهُ فِي طلب حَقه، وَلذَلِك ذكر البُخَارِيّ هُنَا الشَّهَادَة لِأَنَّهُ أقرب التَّأْوِيل فِي قصَّة أبي طَالب فِي كتاب الْبَعْث، لاحتمالها التَّأْوِيل. وَوَقع عِنْد إِبْنِ إِسْحَاق: أَن الْعَبَّاس قَالَ للنَّبِي ﷺ : يَا ابْن أخي، إِن الْكَلِمَة الَّتِي عرضتها على عمك سمعته يَقُولهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ : لم أسمع. قَالَ السُّهيْلي: لِأَن الْعَبَّاس قَالَ ذَلِك فِي حَال كَونه على غير الْإِسْلَام، وَلَو أَدَّاهَا بعد الْإِسْلَام لقبلت مِنْهُ، كَمَا قبل من جُبَير بن مطعم حَدِيثه الَّذِي سَمعه فِي حَال كفره وَأَدَّاهُ فِي الْإِسْلَام. ١٨ - (بابُ الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الجريد على قبر الْمَيِّت، والجريد الَّذِي يجرد عَنهُ الخوص. وَأوْصَى بُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ أنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الدَّال الْمُهْملَة: ابْن الْحصيب، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الله الْأَسْلَمِيّ، مَاتَ بمرو سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَقد تقدم فِي: بَاب من ترك الْعَصْر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعد من طَرِيق مُورق الْعجلِيّ قَالَ: أوصى بُرَيْدَة أَن يوضع فِي قَبره جريدان. وَقَوله: (فِي قَبره) رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على قَبره) ، وَالْحكمَة فِي ذَلِك، على رِوَايَة الْأَكْثَرين، التفاؤل ببركة النَّخْلَة. لقَوْله تَعَالَى: ﴿كشجرة طيبَة﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤٢) . وعَلى رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي وَضعه الجريدتين على الْقَبْر، وَسَنذكر الْحِكْمَة فِيهِ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 2370

وَرَأى ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فُسْطَاطا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمانِ فَقَالَ انْزَعْهُ يَا غُلَامُ فَإنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ وَجه إِدْخَال أثر ابْن عمر فِي هَذِه التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ يرى أَن وضع النَّبِي ﷺ الجريدتين على القبرين خَاص بهما، وَأَن بُرَيْدَة حمله على الْعُمُوم، فَلذَلِك عقب أثر بُرَيْدَة بأثر عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بنيه ابْن سعد فِي رِوَايَته لَهُ مَوْصُولا من طَرِيق أَيُّوب بن عبد الله بن يسَار. قَالَ: مر عبد الله بن عمر على قبر عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أخي عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعَلِيهِ فسطاط مَضْرُوب، فَقَالَ: يَا غُلَام إنزعه فَإِنَّمَا يظله عَمه. قَالَ الْغُلَام: تضربني مولاتي. قَالَ: كلا فَنَزَعَهُ. قَوْله: (انزعه) أَي: إقلعه، وَكَانَ الْغُلَام الَّذِي خاطبه عبد الله غُلَام عَائِشَة أُخْت عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (فَإِنَّمَا يظله) أَي: لَا يظله الْفسْطَاط، بل يظله الْعَمَل الصَّالح فَدلَّ هَذَا على أَن نصب الْخيام على الْقَبْر مَكْرُوه، وَلَا ينفع الْمَيِّت ذَلِك، وَلَا يَنْفَعهُ إلَاّ عمله الصَّالح الَّذِي قدمه، وَتَفْسِير الْفسْطَاط قد مر مُسْتَوفى فِي: بَاب مَا يكره من اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور. وقالَ خارِجَةُ بنُ زَيْدٍ ورَأيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَإنْ أشَدَّنا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ قيل: لَا مُنَاسبَة فِي إِدْخَال قَول خَارِجَة فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا مَوْضِعه فِي: بَاب موعظة الْمُحدث عِنْد الْقَبْر وقعود أَصْحَابه حوله، وَكَانَ بعض الروَاة كتبه فِي غير مَوْضِعه، وَقد تكلّف طَرِيق إِلَى كَونه من هَذَا الْبَاب، وَهِي الْإِشَارَة إِلَى أَن ضرب الْفسْطَاط إِن كَانَ لغَرَض صَحِيح كالتستر من الشَّمْس مثلا للإحياء لَا لإظلال الْمَيِّت فَقَط، جَازَ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: إِذا كَانَ على الْقَبْر لغَرَض صَحِيح لَا لقصد المباهاة جَازَ، كَمَا يجوز الْقعُود عَلَيْهِ لغَرَض صَحِيح لَا لمن أحدث عَلَيْهِ، وخارجة بن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، أحد التَّابِعين الثِّقَات وَأحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة من أهل الْمَدِينَة، وصل هَذَا التَّعْلِيق البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الصَّغِير) من طَرِيق ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة الْأنْصَارِيّ، سَمِعت خَارِجَة فَذكره. قَوْله: (رَأَيْتنِي) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَكَون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول ضميرين لشَيْء وَاحِد من خَصَائِص أَفعَال الْقُلُوب، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي، وَالْوَاو فِي: (وَنحن شُبَّان) للْحَال، و: شُبَّان، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: شَاب. قَوْله: (وثبة) مصدر من: وثب يثب وثبا ووثبة، ومظعون، بِظَاء مُعْجمَة سَاكِنة وَعين مُهْملَة. وَقَالَ عُثْمَانُ بنُ حَكِيمٍ أخَذَ بِيَدِي خارِجَةُ فأجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأخْبَرَني عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بنِ ثابِتٍ قَالَ إنَّمَا كُرِهَ ذالِكَ لِمَنْ أحْدَثَ عليهِ الْكَلَام فِي ذكر مُنَاسبَة هَذَا كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قبله، وَعُثْمَان بن حَكِيم بن عباد بن حنيف الْأنْصَارِيّ الأوسي الأحملاني أَبُو سهل الْمدنِي، ثمَّ الْكُوفِي، أَخُو حَكِيم بن حَكِيم. وَعَن أَحْمد: ثِقَة ثَبت وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسَدّد فِي (مُسْنده) الْكَبِير وبيَّن فِيهِ سَبَب إِخْبَار خَارِجَة لحكيم بذلك، وَلَفظه: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس حَدثنَا عُثْمَان بن حَكِيم حَدثنَا عبد الله بن سرجس وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن إنَّهُمَا (سمعا أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: لِأَن أَجْلِس على جَمْرَة فتحرق مَا دون لحمي حَتَّى تُفْضِي إِلَى، أحب من أَن أَجْلِس على قَبره. قَالَ عُثْمَان: فَرَأَيْت خَارِجَة بن زيد فِي الْمَقَابِر، فَذكرت لَهُ ذَلِك فَأخذ بيَدي) الحَدِيث، وَقد أخرج مُسلم حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، فَقَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول لله ﷺ : (لِأَن يجلس أحدكُم على جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى جلده خير لَهُ من أَن يجلس على قبر) . وَقَالَ بَعضهم: وروى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن كَعْب، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: من جلس على قبر ليبول عَلَيْهِ، أَو يتغوط، فَكَأَنَّمَا جلس على جَمْرَة، لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف. قلت: سبخان الله مَا لهَذَا الْقَائِل من التعصبات الْبَارِدَة، فالطحاوي أخرج هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيقين، أَحدهمَا هَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل أخرجه عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى شيخ مُسلم عَن عبد الله بن وهب

стр. 2371

عَن مُحَمَّد بن أبي حميد عَن مُحَمَّد بن كَعْب عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ . وَالْآخر أخرجه عَن ابْن أبي دَاوُد عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن مُحَمَّد بن أبي حميد ... إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه عبد الله بن وهب وَالطَّيَالِسِي فِي مسنديهما، وَلم يذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث إِلَّا تَقْوِيَة لحَدِيث زيد بن ثَابت أخرجه عَن سُلَيْمَان بن شُعَيْب عَن الْحصيب عَن عَمْرو بن عَليّ عَن عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي أُمَامَة أَن زيد بن ثَابت، قَالَ: هَلُمَّ يَا ابْن أخي أخْبرك إِنَّمَا نهى النَّبِي ﷺ عَن الْجُلُوس على الْقُبُور لحَدث غَائِط أَو بَوْل، وَرِجَاله ثِقَات، وَعَمْرو بن عَليّ هُوَ الفلاس شيخ الْجَمَاعَة، فَهَذَا الْقَائِل: هلا مَا أورد هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح، وَأورد الحَدِيث الَّذِي هُوَ مُحَمَّد بن أبي حميد الْمُتَكَلّم فِيهِ، مَعَ أَنه ذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا اسْتِشْهَادًا وتقوية، وَلَكِن إِنَّمَا ذكره هَذَا الْقَائِل حَتَّى يفهم أَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي ينصر مَذْهَب الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يروي فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث الضعيفة، وَمن شدَّة تعصبه ذكر الحَدِيث فنسبه إِلَى أبي هُرَيْرَة، ولِمَ لَم يذكر فِيهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي ﷺ ، فأبرزه فِي صُورَة الْمَوْقُوف، والْحَدِيث مَرْفُوع، وَتَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: بَاب الْجُلُوس على الْقُبُور: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن حسان، قَالَ: حَدثنَا صَدَقَة بن خَالِد عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن بسر بن عبيد الله عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع عَن أبي مرْثَد الغنوي، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (لَا تصلوا إِلَى الْقُبُور وَلَا تجلسوا إِلَيْهَا) . وَأخرج هَذَا الحَدِيث من أَربع طرق، وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَاسم أبي مرْثَد: كناز بن الْحصين، وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن جزم قَالَ: (رأني رَسُول الله ﷺ على قبر فَقَالَ: إنزل عَن الْقَبْر فَلَا تؤذ صَاحب الْقَبْر وَلَا يُؤْذِيك) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث جَابر قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن تجصيص الْقُبُور وَالْكِتَابَة عَلَيْهَا وَالْجُلُوس عَلَيْهَا وَالْبناء عَلَيْهَا) . وَأخرجه الْجَمَاعَة غير البُخَارِيّ. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحْو رِوَايَة مُسلم عَنهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذِه الْآثَار وقلدوها وكرهوا من أجلهَا الْجُلُوس على الْقُبُور، وَأَرَادَ بالقوم: الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير ومكحولاً وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبا سُلَيْمَان، ويروى ذَلِك أَيْضا عَن عبد الله وَأبي بكرَة وَعقبَة بن عَامر وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِلَيْهِ ذهب الظَّاهِرِيَّة وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَلَا يحل لأحد أَن يجلس على قبر، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَجَمَاعَة من السّلف، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: لم ينْه عَن ذَلِك لكَرَاهَة الْجُلُوس على الْقَبْر، وَلكنه أُرِيد بِهِ الْجُلُوس للغائط أَو الْبَوْل، وَذَلِكَ جَائِز فِي اللُّغَة، يُقَال: جلس فلَان للغائط وَجلسَ فلَان للبول، وَأَرَادَ بالآخرين: أَبَا حنيفَة ومالكا وَعبد الله بن وهب وَأَبا يُوسُف ومحمدا، وَقَالُوا: مَا رُوِيَ عَن النَّهْي مَحْمُول على مَا ذكرنَا، ويحكى ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ قَالَ: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا حَدثنَا سُلَيْمَان بن شُعَيْب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهُوَ حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قَالَ: فَبين زيد فِي هَذَا الْجُلُوس الْمنْهِي عَنهُ فِي الأثار الأول مَا هُوَ ثمَّ رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا من طَرِيق ابْن يُونُس، وَطَرِيق ابْن أبي دَاوُد، وَقد ذكرناهما الْآن، ثمَّ قَالَ: فَثَبت بذلك أَن الْجُلُوس الْمنْهِي عَنهُ فِي الْآثَار الأول هُوَ هَذَا الْجُلُوس، يَعْنِي: للغائط وَالْبَوْل، فَأَما الْجُلُوس بِغَيْر ذَلِك فَلم يدْخل فِي ذَلِك النَّهْي، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، رَحِمهم الله تَعَالَى. قلت: فعلى هَذَا مَا ذكره أَصْحَابنَا فِي كتبهمْ من أَن وطأ الْقُبُور حرَام، وَكَذَا النّوم عَلَيْهَا، لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي. فَإِن الطَّحَاوِيّ هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْعلمَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة. وَقَالَ نافعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن صَالح، قَالَ: حَدثنِي بكير عَن عَمْرو عَن بكير، أَن نَافِعًا حَدثهُ: أَن عبد الله بن عمر كَانَ يجلس على الْقُبُور. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ قَالَ: لِأَن أَطَأ على رضف أحب إليَّ من أَن أَطَأ على قبر؟ قلت: ثَبت من فعله أَنه كَانَ يجلس على الْقُبُور، وَيحمل قَوْله: (لِأَن أَطَأ، على معنى: لِأَن أَطَأ لأجل الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم، بعد أَن أورد مَا أخرجه الطَّحَاوِيّ من أثر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَلَا يُعَارض هَذَا مَا أخرجه

стр. 2372

ابْن أبي شيبَة، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا، وَورد فِيهَا من صَحِيح الحَدِيث مَا أخرجه مُسلم عَن أبي مرْثَد الغنوي مَرْفُوعا: (لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا) قلت: لَيْت شعري كَيفَ يكون مَا ذكره من هَذَا جَوَابا لدفع الْمُعَارضَة وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَ مَالك: المُرَاد بالقعود الْحَدث وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف أَو بَاطِل قلت: شدَّة التعصب يحمل صَاحبه على أَكثر من هَذَا، وَكَيف يَقُول النَّوَوِيّ: إِن تَأْوِيل مَالك بَاطِل وَهُوَ أعلم من النَّوَوِيّ؟ وَمثله بموارد الْأَحَادِيث والْآثَار؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا، بعد نَقله عَن النَّوَوِيّ: وَهُوَ يُوهم بانفراد مَالك بذلك، وَكَذَا أَوْهَمهُ كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ، حَيْثُ قَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء على الْكَرَاهَة خلافًا لمَالِك، وَصرح النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أَن مَذْهَب أبي حنيفَة كالجمهور، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه كَقَوْل مَالك لما نَقله عَنْهُم الطَّحَاوِيّ وَاحْتج لَهُ بأثر ابْن عمر الْمَذْكُور. وَأخرج عَن عَليّ نَحوه. قلت: الدَّعْوَى بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة غير مسلمة، لِأَن الْمُخَالف لَهُم: مَالك وَعبد الله بن وهب وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد والطَّحَاوِي، وَمن الصَّحَابَة: عبد الله بن عمر وَعلي بن أبي طَالب، فَكيف يُقَال بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة وَنحن أَيْضا نقُول الْجُمْهُور على عدم الْكَرَاهَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَيُؤَيّد قَول الْجُمْهُور مَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث عمر بن حزم الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا: (لَا تقعدوا على الْقُبُور) ، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: (رَآنِي رَسُول الله ﷺ وَأَنا متكىء على قبر، فَقَالَ: لَا تؤذ صَاحب الْقَبْر) ، إِسْنَاده صَحِيح، وَهُوَ دَال على أَن المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود على حَقِيقَته. قلت: المُرَاد من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقُبُور، هُوَ النَّهْي عَن الْقعُود لأجل الْحَدث، حَتَّى ينْدَفع التَّعَارُض بَينه وَبَين مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَلَا يلْزم من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقَبْر لأجل الْحَدث نفي حَقِيقَة الْقعُود. ١٦٣١ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا أبُو مُعَاوِيةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أمَّا أحدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ وَأمَّا الآخَرُ فكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً فقالُوا يَا رسولَ الله لِمَ صَنَعتَ هاذَا فَقَالَ لَعَلَّهُ أنْ يخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أَخذ جَرِيدَة. .) إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من الْكَبَائِر أَن لَا يسْتَتر من بَوْله، أخرجه هُنَاكَ: عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (مر النَّبِي ﷺ بحائط من حيطان الْمَدِينَة أَو مَكَّة فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما) الحَدِيث، غير أَن هُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لِأَن مُجَاهدًا يروي عَن ابْن عَبَّاس وَعَن طَاوُوس أَيْضا، وَعكس الْكرْمَانِي فَقَالَ هَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس، وَهَذَا سَهْو مِنْهُ، وَشَيْخه هُنَاكَ يحيى، ذكره غير مَنْسُوب، فَقَالَ الغساني: قَالَ ابْن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى، وَقَالَ الكلاباذي: سمع يحيى بن جَعْفَر أَبَا مُعَاوِيَة وَهُوَ مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير، وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) أَنه يحيى بن جَعْفَر، وَجزم أَبُو مَسْعُود فِي (الْأَطْرَاف) : والحافظ الْمزي أَيْضا بِأَنَّهُ يحيى بن يحيى، وَمضى الْكَلَام فِي الحَدِيث هُنَاكَ مَبْسُوطا مُسْتَوفى. ٢٨ - (بابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ وَقُعُودِ أصْحَابِهِ حَوْلَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الْمُحدث عِنْد الْقَبْر، وَالْمَوْعِظَة مصدر ميمي يُقَال: وعظ يُعْط وعظا وموعظة، والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، تَقول: وعظته وعظا وعظة فاتعظ أَي: قبل الموعظة. قَوْله: (وقعود أَصْحَابه) ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله:

стр. 2373

(موعظة الْمُحدث) ، أَي: وَفِي بَيَان قعُود أَصْحَاب الْمُحدث حول الْمُحدث، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الْجُلُوس مَعَ الْجَمَاعَة عِنْد الْقَبْر، إِن كَانَ لمصْلحَة تتَعَلَّق بالحي أَو الْمَيِّت لَا يكره ذَلِك، فَأَما مصلحَة الْحَيّ فَمثل أَن يجْتَمع قوم عِنْد قبر وَفِيهِمْ من يَعِظهُمْ وَيذكرهُمْ الْمَوْت وأحوال الْآخِرَة، وَأما مصلحَة الْمَيِّت فَمثل مَا إِذا اجْتَمعُوا عِنْده لقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر، فَإِن الْمَيِّت ينْتَفع بِهِ وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث معقل بن يسَار قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (اقرأوا ي س على مَوْتَاكُم) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا، فَالْحَدِيث يدل على أَن الْمَيِّت ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن عِنْده، وَهُوَ حجَّة على من قَالَ: إِن الْمَيِّت لَا ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن. يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجدَاثِ الأجْدَاثُ القُبُورُ مُطَابقَة هَذَا وَمَا بعده للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن ذكر خُرُوج بني آدم من الْقُبُور وبعثرة مَا فِي الْقُبُور وإيفاضهم أَي: إسراعهم إِلَى الْمَحْشَر وهم يَنْسلونَ أَي: يخرجُون، كل ذَلِك من الموعظة. والأجداث جمع: جدث، وَهُوَ الْقَبْر. وَقد قَالُوا: جدف، بِالْفَاءِ مَوضِع الثَّاء الْمُثَلَّثَة إلَاّ إِنَّهُم لم يَقُولُوا فِي الْجمع: أجداف، بِالْفَاءِ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن المُرَاد من الأجداث فِي الْآيَة: الْقُبُور، وَقد وَصله ابْن أبي حَاتِم وَغَيره من طَرِيق قَتَادَة وَالسُّديّ وَغَيرهمَا وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ الْفَارِسِي: اشتقاق الجدف بِالْفَاءِ من التجديف، وَهُوَ كفر النعم، وَفِي (الصِّحَاح) : الجدث الْقَبْر وَالْجمع أجدث وأجداث. وَقَالَ ابْن جني: وأجدث، مَوضِع، وَقد نفى سِيبَوَيْهٍ أَن يكون أفعل من أبنيه الْوَاحِد، فَيجب أَن يعد هَذَا مِمَّا فَاتَهُ، إلَاّ أَن يكون جمع الجدث الَّذِي هُوَ الْقَبْر على أجدث، ثمَّ سمى بِهِ الْموضع، وَفِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة: بالثاء لُغَة أهل الْعَالِيَة، وَأهل نجد يَقُولُونَ: جدف، بِالْفَاءِ. بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا الْقُبُور بعثرت﴾ (الانفطار: ٤) . وَأَن مَعْنَاهُ: أثيرت من الإثارة، وَفِي (الصِّحَاح) : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بعثر مَا فِي الْقُبُور أثير وَأخرج. وَقَالَ فِي (الْمجَاز) : بعثرت حَوْضِي أَي: هدمته. وَفِي (الْمعَانِي) للفراء: بعثرت وبحثرت: لُغَتَانِ وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) عَن ابْن عَبَّاس: بعثرت بحثت. وَفِي (الْمُحكم) : بعثر الْمَتَاع وَالتُّرَاب قلبه، وبعثر الشَّيْء فرقه، وَزعم يَعْقُوب أَن عينهَا بدل من عين بعثر أَو غين بدل مِنْهَا، وبعثر الْخَبَر بَحثه. وَفِي (الواعي فِي اللُّغَة) : بعثرته إِذا قلبت ترابه وبددته. الإيفَاضُ الإسْرَاعُ الإيفاض، بِكَسْر الْهمزَة، مصدر من أوفض يوفض إيفاضا، وأصل إيفاض أوفاض، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نضب يوفضون﴾ (المعارج: ٣٤) . وثلاثيه: وفض من الوفض، وَهُوَ: العجلة. وَقَرَأ الأعْمَشُ إلَى نَصْبٍ إلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إلَيْهِ وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. قَوْله: (إِلَى نصب) ، بِفَتْح النُّون كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بِالضَّمِّ، وَالْأول أصح، وَهُوَ قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَحكى الطَّبَرِيّ أَنه لم يقرأه بِالضَّمِّ إِلَّا الْحسن الْبَصْرِيّ وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: قُرِئت (نصب) ، نصب، بِضَم النُّون وَسُكُون الصَّاد، و: نصب، بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَمن قَرَأَ: نصب وَنصب، فَمَعْنَاه كَأَنَّهُمْ يوفضون إِلَى علم مَنْصُوب لَهُم، وَمن قَرَأَ: نصب، فَمَعْنَاه إِلَى أصنام لَهُم، وَكَانَت النصب الْآلهَة الَّتِي كَانَت تعبد من أَحْجَار. وَفِي (الْمُنْتَهى) : النصب وَالنّصب وَالنّصب، بِمَعْنى مثل: الْعُمر والعمر والعمر، وَقيل: النصب حجر ينصب فيعبد وَيصب عَلَيْهِ دِمَاء الذَّبَائِح، وَقيل: هُوَ الْعلم ينصب للْقَوْم، أَي: علم كَانَ. وَفِي (الْمُحكم) : النصب جمع نصيبة، كسفينة وسفن، وَقيل: النصب الْغَايَة، ذكره عبد فِي تَفْسِيره عَن مُجَاهِد وَأبي الْعَالِيَة، وَضَعفه ابْن سَيّده، وَقَالَ ابْن التِّين: قَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَقَالَ الْحسن فِيمَا حَكَاهُ عبد فِي تَفْسِيره: كَانُوا يبتدرون إِذا طلعت الشَّمْس إِلَى نصبهم سرَاعًا أَيهمْ يستلمها أَولا لَا يلوي أَوَّلهمْ على آخِرهم. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: النصب بِالْفَتْح الْعلم الَّذِي ينصب، وَنصب بِالضَّمِّ جمَاعَة مثل: رهن وَرهن. قَوْله: (يوفضون) أَي: يسرعون، وَهُوَ من الإيفاض كَمَا مر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن قُرَّة عَن الْحسن فِي قَوْله: ﴿إِلَى نصب يوفضون﴾ (المعارج: ٣٤) . أَي: يبتدرون أَيهمْ يستلمه أول. قَوْله: (والنضب وَاحِد وَالنّصب مصدر) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لفظ النصب يسْتَعْمل إسما

стр. 2374

وَيسْتَعْمل مصدرا وَيجمع على أنصاب. وَقَالَ بَعضهم: النصب وَاحِد وَالنّصب مصدر، كَذَا وَقع فِيهِ، وَالَّذِي فِي (الْمعَانِي) للفراء: النصب وَالنّصب وَاحِد، وَهُوَ مصدر، وَالْجمع أنصاب، فَكَانَ التَّغْيِير من بعض النقلَة. قلت: لَا تَغْيِير فِيهِ لِأَن البُخَارِيّ فرق بِكَلَامِهِ هَذَا بَين الِاسْم والمصدر، وَلَكِن من قصرت يَده عَن علم الصّرْف لَا يفرق بَين الإسم والمصدر فِي مجيئها على لفظ وَاحِد. يَوْمَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك يَوْم الْخُرُوج﴾ (ق: ٢٤) . أَي من الْقُبُور وَفسّر قَوْله: ﴿يَنْسلونَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . بقوله: ﴿يخرجُون﴾ (ق: ٢٤) . كَذَا ذكره عبد عَن قَتَادَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَنْسلونَ يسرعون، وَالذِّئْب ينسل ويعسل. وَفِي (الْكَامِل) : العسلان غير النسلان، وَفِي كتاب الزّجاج وَابْن جرير الطَّبَرِيّ و (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) ﴿يَنْسلونَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . يخرجُون بِسُرْعَة. وَفِي (الْمُجْمل) : النسلان مشْيَة الذِّئْب إِذا أعنق وأسرع فِي الْمَشْي، وَفِي (الْمُحكم) : نسل ينسل نَسْلًا ونسلانا. وَأَصله للذئب، ثمَّ اسْتعْمل فِي غير ذَلِك. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: نسولاً، وَأَصله عَدو مَعَ مقاربة خطو. ٢٦٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ قَالَ حدَّثني جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَن أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعَ الغَرْقَدِ فَأَتَانَا النبيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ مَا منِ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَاّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإلَاّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُول الله أفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ فَمَنْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا منْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أمَّا أهلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا أهحلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ فأمَّا مَنْ أعْطَى واتَّقَى الآيَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقعدَ وقعدنا حوله) ، وَكَانَ فِي قعوده، ﷺ ، وَكَلَامه بِمَا قَالَه فِيهِ وعظ لَهُم. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، واسْمه إِبْرَاهِيم أَبُو الْحسن الْعَبْسِي. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الرَّابِع: سعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي آخر كتاب الْوضُوء. الْخَامِس: أَبُو عبد الرَّحْمَن، هُوَ عبد الله بن حبيب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، مر فِي: بَاب غسل الْمَذْي فِي كتاب الْغسْل. السَّادِس: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور غير مَنْسُوب، وَكَذَلِكَ اثْنَان فِيمَا بعده. وَفِيه: أحدهم مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلَاّ جَرِيرًا رازي وَأَصله من الْكُوفَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن آدم بن أبي إِيَاس، وَعَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعَن يحيى عَن وَكِيع، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة وَعَن أبي نعيم عَن سُفْيَان وَعَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش عَنهُ بِهِ وَفِي الْقدر عَن عَبْدَانِ وَفِي الْأَدَب عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَزُهَيْر بن حَرْب، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب، وَأبي سعيد الْأَشَج، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وهناد بن السّري وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي كريب وَعَن أبي مُوسَى وَابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقدر عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع بِهِ.

стр. 2375

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بَقِيع) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْقَاف وَهُوَ من الأَرْض مَوضِع فِيهِ أروم شجر من ضروب شَتَّى، وَبِه سمى: بَقِيع الْغَرْقَد، بِالْمَدِينَةِ وَهِي مَقْبرَة أَهلهَا، و: الْغَرْقَد، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَهُوَ شجر لَهُ شوك كَانَ ينْبت هُنَاكَ فَذهب الشّجر وَبَقِي الإسم لَازِما للموضع. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قطعت غرقدات فِي هَذَا الْموضع حِين دفن فِيهِ عُثْمَان بن مَظْعُون، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ ياقوت: وبالمدينة أَيْضا بَقِيع الزبير وبقيع الْخَيل عِنْد دَار زيد بن ثَابت وبقيع الخبجبة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الساكنة وَالْجِيم المفوحة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْأُخْرَى، كَذَا ذكره السُّهيْلي، وَغَيره يَقُول: الجبجبة، بجيمين، وبقيع الْخضمات، قَالَ الْخطابِيّ: وَمن النَّاس من يَقُوله بِالْبَاء، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْغَرْقَد وأحدها غرقدة وَإِذا عظمت العوسجة فَهِيَ غرقدة، والعوسج من شجر الشوك لَهُ ثَمَر أَحْمَر مدور كَأَنَّهُ خرز العقيق. وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري: هُوَ نبت من نَبَات السهل، وَقَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ: الْغَرْقَد ينْبت بِكُل مَكَان مَا خلا حر الرمل، وَذكر ابْن البيطار فِي (جَامعه) أَن الْغَرْقَد اسْم عَرَبِيّ يُسَمِّي بِهِ بعض الْعَرَب النَّوْع الْأَبْيَض الْكَبِير من العوسج. قَالَ أَبُو عمر: إِن مضغه مر. وَفِي الحَدِيث فِي ذكر الدَّجَّال كل شَيْء يواري يَهُودِيّا ينْطق إلَاّ الْغَرْقَد فَإِنَّهُ من شجرهم فَلَا ينْطق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْغَرْقَد من شجر الْحجاز. وَفِي (الْمُحكم) : بَقِيع الْغَرْقَد يُسمى كفنة لِأَنَّهُ يدْفن فِيهِ. قَوْله: (وَمَعَهُ مخصرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَالرَّاء: وَهُوَ شَيْء يَأْخُذهُ الرجل بِيَدِهِ ليتوكأ عَلَيْهِ مثل الْعَصَا وَنَحْوه، وَهُوَ أَيْضا مَا يَأْخُذهُ الْملك يُشِير بِهِ إِذا خطب، وَاخْتصرَ الرجل أمسك المخصرة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: التخصير إمْسَاك الْقَضِيب بِالْيَدِ، وَجزم ابْن بطال أَنه الْعَصَا. وَقَالَ ابْن التِّين: عَصا أَو قضيب. قَوْله: (فَنَكس) ، بتَخْفِيف الْكَاف وتشديدها، لُغَتَانِ، أَي: خفض رَأسه وطأطأ بِهِ إِلَى الأَرْض على هَيْئَة المهموم المفكر، وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُرَاد بنكس: نكس المخصرة. قَوْله: (ينكت) من النكت، وَهُوَ أَن يضْرب فِي الأَرْض بقضيب يُؤثر فِيهَا، وَيُقَال: النكت قرعك الأَرْض بِعُود أَو بأصبع يُؤثر فِيهَا. قَوْله: (منفوسة) أَي: مصنوعة مخلوقة. قَوْله: (إِلَّا كتب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مَكَانهَا) ، بِالرَّفْع مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَأَصله: كتب الله مَكَان تِلْكَ النَّفس المخلوقة، وَكلمَة: من، للْبَيَان. قَوْله: (وَالنَّار) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاو فِي: النَّار، بِمَعْنى: أَو. قلت: لم أدر مَا حمله على هَذَا. قَوْله: (وَإِلَّا) كلمة: إِلَّا، الثَّانِيَة تروى بِالْوَاو وتروى بِدُونِهَا، وَفِيه غرابة من الْكَلَام، وَهِي أَن قَوْله: (مَا من نفس) يحْتَمل أَن يكون بَدَلا من قَوْله: (مَا مِنْكُم) وَأَن يكون إلَاّ ثَانِيًا بَدَلا من إلَاّ أَولا. وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب اللف والنشر، وَأَن يكون تعميما بعد تَخْصِيص، إِذْ الثَّانِي فِي كل مِنْهَا أَعم من الأول. قَوْله: (شقية) قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع أَي: هِيَ شقية. قلت: وَجه ذَلِك هُوَ أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (إلَاّ قد كتب) ، يرجع إِلَى قَوْله: (مَكَانهَا) ، لِأَنَّهُ بدل مِنْهُ فَلَا يَصح أَن يكون ارْتِفَاع: شقية، إلَاّ بِتَقْدِير شَيْء مَحْذُوف حِينَئِذٍ وَهُوَ لفظ: هِيَ، على أَنه مُبْتَدأ وشقية خَبره. قَوْله: (فَقَالَ رجل) قيل: إِنَّه عمر، وَقيل: إِنَّه غَيره. قَوْله: (أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا؟) أَي: الَّذِي قدر الله علينا ونتكل؟ أَي: نعتمد؟ وَأَصله: نوتكل، فأبدلت التَّاء من الْوَاو وأدغمت فِي الْأُخْرَى لِأَن أَصله من وكل يكل. قَوْله: (وَنَدع الْعَمَل) أَي: نتركه. قَوْله: (فسيصير) أَي: فسيجريه الْقَضَاء إِلَيْهِ قهرا، وَيكون مآل حَاله ذَلِك بِدُونِ اخْتِيَاره. قَوْله: (فييسرون) ، ذكره بِلَفْظ الْجمع بِاعْتِبَار معنى الْأَهْل، وَوجه مُطَابقَة جَوَابه ﷺ لسؤالهم هُوَ أَنهم لما قَالُوا: إِنَّا نَتْرُك الْمَشَقَّة الَّتِي فِي الْعَمَل الَّذِي لأَجلهَا سمي بالتكليف، فَقَالَ ﷺ : (لَا مشقة ثمَّة إِذْ كل ميسر لما خلق لَهُ) ، (وَهُوَ يسيرٌ على من يسره الله عَلَيْهِ) . فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْقَضَاء الأزلي يَقْتَضِي ذَلِك، فَلم الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب؟ أُجِيب: بِأَن الْمَدْح والذم بِاعْتِبَار الْمَحَلِّيَّة لَا بِاعْتِبَار الفاعلية، وَهَذَا هُوَ المُرَاد باكسب الْمَشْهُور عَن الأشاعرة، وَذَلِكَ كَمَا يمدح الشَّيْء ويذم بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته. وَأما الثَّوَاب وَالْعِقَاب فكسائر العاديات، فَكَمَا لَا يَصح عندنَا أَن يُقَال: لم خلق الله تَعَالَى الإحتراق عقيب مماسة النَّار وَلم يحصل ابْتِدَاء؟ فَكَذَا هَهُنَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الإسلوب الْحَكِيم مَنعهم ﷺ عَن الاتكال وَترك الْعَمَل، وَأمرهمْ بِالْتِزَام مَا يجب على العَبْد من الْعُبُودِيَّة، وَإِيَّاكُم وَالتَّصَرُّف فِي الْأُمُور الإلهية فَلَا تجْعَلُوا الْعِبَادَة وَتركهَا سَببا مُسْتقِلّا لدُخُول الْجنَّة وَالنَّار، بل إِنَّهَا عَلَامَات فَقَط، وَقَالَ الْخطابِيّ: لما أخبر ﷺ عَن سبق الْكتاب بالسعادة رام الْقَوْم أَن يتخذوه حجَّة فِي ترك الْعَمَل، فأعلمهم أَن هُنَا أَمريْن لَا يبطل أَحدهمَا الآخر: بَاطِن

стр. 2376

هُوَ الْعلَّة الْمُوجبَة فِي حكم الربوبية، وَظَاهر هُوَ التَّتِمَّة اللَّازِمَة فِي حق الْعُبُودِيَّة، وَإِنَّمَا هُوَ أَمارَة مخيلة فِي مطالقة علم العواقب غير مفيدة حَقِيقَة، وبيَّن لَهُم أَن كلا ميسر لما خلق لَهُ، وَأَن عمله فِي العاجل دَلِيل مصيره فِي الآجل، وَلذَلِك مثل بقوله تَعَالَى: ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى﴾ (الَّيْلِ: ٥) . الْآيَة، وَنَظِيره الرزق الْمَقْسُوم مَعَ الْأَمر بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَل الْمَضْرُوب مَعَ التعالج بالطب، فَإنَّك تَجِد الْبَاطِن مِنْهُمَا على مُوجبه، وَالظَّاهِر سَببا مخيلاً، وَقد اصْطَلحُوا على أَن الظَّاهِر مِنْهُمَا لَا يتْرك للباطن. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أصل لأهل السّنة فِي أَن السَّعَادَة والشقاوة بِخلق الله تَعَالَى، بِخِلَاف قَول الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ: إِن الشَّرّ لَيْسَ بِخلق الله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِثْبَات للقدر، وَإِن جمع الْوَاقِعَات بِقَضَاء الله تَعَالَى وَقدره، لَا يُسأل عَمَّا يفعل، وَقيل: إِن سر الْقدر ينْكَشف لِلْخَلَائِقِ إِذا دخلُوا الْجنَّة، وَلَا ينْكَشف لَهُم قبل دُخُولهَا، وَفِيه رد على أهل الْجَبْر، لِأَن الْمُجبر لَا يَأْتِي الشَّيْء إلَاّ وَهُوَ يكرههُ، والتيسير ضد الْجَبْر، أَلا ترى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِن الله تجَاوز عَن أمتِي مَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) . قَالَ: والتيسير هُوَ أَن يَأْتِي الْإِنْسَان الشَّيْء وَهُوَ يُحِبهُ. وَاخْتلف أهل يعلم فِي الدُّنْيَا الشقي من السعيد؟ فَقَالَ قوم: نعم، محتجين بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة، والْحَدِيث لِأَن كل عمل أَمارَة على جَزَائِهِ. وَقَالَ قوم: لَا، وَالْحق فِي ذَلِك أَنه يدْرك ظنا لَا جزما. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية: من اشْتهر لَهُ لِسَان صدق فِي النَّاس من صالحي هَذِه الْأمة هَل يقطع لَهُ بِالْجنَّةِ؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء ﵏. وَفِيه: جَوَاز الْقعُود عِنْد الْقُبُور والتحدث عِنْدهَا بِالْعلمِ والمواعظ. وَفِيه: نكته ﷺ بِالْمِخْصَرَةِ فِي الأَرْض. أصل تَحْرِيك الإصبع فِي التَّشَهُّد. قَالَه الْمُهلب. فَإِن قلت: مَا معنى النكت بِالْمِخْصَرَةِ؟ قلت: هُوَ إِشَارَة إِلَى إِحْضَار الْقلب للمعاني. وَفِيه: نكس الرَّأْس عِنْد الْخُشُوع والتفكر فِي أَمر الْآخِرَة. وَفِيه: إِظْهَار الخضوع والخشوع عِنْد الْجِنَازَة، وَكَانُوا إِذا حَضَرُوا جَنَازَة يلقى أحدهم حَبِيبه وَلَا يقبل عَلَيْهِ إلَاّ بِالسَّلَامِ حَتَّى يرى أَنه وَاجِد عَلَيْهِ، وَكَانُوا لَا يَضْحَكُونَ هُنَاكَ، وَرَأى بَعضهم رجلا يضْحك فآلى أَن لَا يكلمهُ أبدا، وَكَانَ يبْقى أثر ذَلِك عِنْدهم ثَلَاثَة أَيَّام لشدَّة مَا يحصل فِي قُلُوبهم من الْخَوْف والفزع. وَفِيه: أَن النَّفس المخلوقة إِمَّا سعيدة وَإِمَّا شقية، وَلَا يُقَال: إِذا وَجَبت الشقاوة والسعادة بِالْقضَاءِ الأزلي وَالْقدر الإلهي فَلَا فَائِدَة فِي التَّكْلِيف، فَإِن هَذَا أعظم شبه النافين للقدر، وَقد أجابهم الشَّارِع بِمَا لَا يبْقى مَعَه إِشْكَال، وَوجه الِانْفِصَال أَن الرب تَعَالَى أمرنَا بِالْعَمَلِ، فَلَا بُد من امتثاله، وغيب عَنَّا الْمَقَادِير لقِيَام حجَّته وزجره، وَنصب الْأَعْمَال عَلامَة على مَا سبق فِي مَشِيئَته، فسبيله التَّوَقُّف، فَمن عدل عَنهُ ضل لِأَن الْقدر سر من أسراره لَا يطلع عَلَيْهِ إلَاّ هُوَ فَإِذا دخلُوا الْجنَّة كشف لَهُم. ٣٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي قاتِلِ النَّفْسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حق قَاتل النَّفس، قيل: مَقْصُود التَّرْجَمَة حكم قَاتل النَّفس، وَالْمَذْكُور فِي الْبَاب حكم قَاتل نَفسه فَهُوَ أخص من التَّرْجَمَة، وَلكنه أَرَادَ أَن يلْحق بِقَاتِل نَفسه قَاتل غَيره من بَاب الأولى. قلت: قَوْله: قَاتل النَّفس، أَعم من أَن يكون قَاتل نَفسه، وَقَاتل غَيره، فَهَذَا اللَّفْظ يَشْمَل الْقسمَيْنِ فَلَا يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى دَعْوَى الأخصية وَلَا إِلَى إِلْحَاق قَاتل الْغَيْر بِقَاتِل نَفسه، وَلَا يلْزم أَن يكون حَدِيث الْبَاب طبق التَّرْجَمَة من سَائِر الْوُجُوه، بل إِذا صدق الحَدِيث على جُزْء مَا صدقت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، كفى. وَقيل: عَادَة البُخَارِيّ إِذا توقف فِي شَيْء ترْجم عَلَيْهِ تَرْجَمَة مُبْهمَة كَأَنَّهُ يُنَبه على طَرِيق الِاجْتِهَاد، وَقد نقل عَن مَالك أَن قَاتل النَّفس لَا تقبل تَوْبَته، وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يصلى عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُبْهمَة، والإبهام من أَيْن جَاءَ وَهِي ظَاهِرَة فِي تنَاولهَا الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين كَمَا ذكرنَا؟ وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّ البُخَارِيّ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي، ﷺ ، (أُتِي بِرَجُل قتل نَفسه بمشاقص فَلم يصل عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة للنسائي: (أما أَنا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ) لكنه لما لم يكن على شَرطه أَوْمَأ إِلَيْهِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَأورد فِيهَا مَا يُشبههُ من قصَّة قَاتل نَفسه. قلت: تَوْجِيه كَلَام البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة بالتخمين لَا يُفِيد، وَكَلَامه ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.

стр. 2377

٣٦٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ ثابتِ ابنِ الضَّحَّاكِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ كاذِبا مُتَعَمِّدا فَهْوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ.. وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة مَا ذَكرْنَاهُ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدمُوا، وخَالِد هُوَ الْحذاء وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، وَهُوَ صَغِير، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي النذور عَن مُعلى بن أَسد وَفِي الْأَدَب أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي غَسَّان وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي تَوْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن مَحْمُود بن خَالِد وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِملَّة) ، الْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية، وَقيل: هِيَ مُعظم الدّين، وَجُمْلَة مَا يَجِيء بِهِ الرُّسُل. صورته أَن يحلف بدين النَّصَارَى أَو بدين مِلَّة من ملل الْكَفَرَة. قَوْله: (كَاذِبًا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: حلف، أَي: حَال كَونه كَاذِبًا فِي تَعْظِيم تِلْكَ الْملَّة الَّتِي حلف بهَا، فَيكون هَذَا الْحَال من الْأَحْوَال اللَّازِمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْحق مُصدقا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٩، وفاطر: ١٣) . لِأَن من عظم غير مِلَّة الْإِسْلَام كَانَ كَاذِبًا فِي تَعْظِيم ذَلِك دَائِما فِي كل حَال، وَفِي كل وَقت، وَلَا ينْتَقل عَنهُ وَلَا يصلح أَن يُقَال: إِنَّه يَعْنِي بِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي حَقه كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمه الشَّرْع من حَيْثُ إِنَّه حلف بِتِلْكَ الْملَّة الْبَاطِلَة مُعظما لَهَا على نَحْو مَا يعظم بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام الْحق، وَلَا فرق بَين أَن يكون صَادِقا أَو كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ. قَوْله: (مُتَعَمدا) أَيْضا حَال من الْأَحْوَال المتداخلة أَو المترادفة، قيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْحَالِف بذلك غير مُعْتَقد لذَلِك فَهُوَ آثم مرتكب كَبِيرَة إِذْ قد تشبه فِي قَوْله بِمن يعظم تِلْكَ الْملَّة ويعتقدها، فغلظ عَلَيْهِ الْوَعيد بِأَن صير كواحد مِنْهُم مُبَالغَة فِي الردع والزجر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ (الْمَائِدَة: ١٥) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: (مُتَعَمدا) ، يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ النَّبِي ﷺ من كَانَ مُعْتَقدًا لتعظيم تِلْكَ الْملَّة الْمُغَايرَة لملة الْإِسْلَام، وَحِينَئِذٍ يكون كَافِرًا حَقِيقَة، فَيبقى اللَّفْظ على ظَاهره. قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ ابْن بطال: أَي: هُوَ كَاذِب لَا كَافِر، وَلَا يخرج بِهَذِهِ الْقِصَّة من الْإِسْلَام إِلَى الدّين الَّذِي حلف بِهِ لِأَنَّهُ لم يقل مَا يَعْتَقِدهُ، فَوَجَبَ أَن يكون كَاذِبًا، كَمَا قَالَ لَا كَافِرًا. قَالَ: فَإِن ظن أَن فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيلا على إِبَاحَة الْحلف بِملَّة غير الْإِسْلَام صَادِقا لاشتراطه فِي الحَدِيث أَن يحلف بِهِ كَاذِبًا، قيل لَهُ: لَيْسَ كَمَا توهمت لوُرُود نهي النَّبِي ﷺ عَن الْحلف بِغَيْر الله نهيا مُطلقًا، فَاسْتَوَى فِي ذَلِك الْكَاذِب والصادق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أَي: فَهُوَ على مِلَّة غير الْإِسْلَام، لِأَن الْحلف بالشَّيْء تَعْظِيم لَهُ، ثمَّ قَالَ: الظَّاهِر أَنه تَغْلِيظ. قلت: حمله على هَذَا التَّفْسِير صرفه معنى قَوْله: كَاذِبًا إِلَى الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا أَنه لَا يصلح ذَلِك لِاسْتِوَاء كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِنَّمَا يحلف الْحَالِف بِمَا كَانَ عَظِيما عِنْده، وَمن اعْتقد تَعْظِيم مِلَّة من ملل الْكفْر فقد ضاهى الْكفَّار. انْتهى. قلت: فقد كفر حَقِيقَة والمضاهاة دون ذَلِك. قَوْله: (بحديدة) أَرَادَ بِهِ آلَة قاطمة مثل السَّيْف والسكين وَنَحْوهمَا، والحديدة أخص من الْحَدِيد سمي بِهِ لِأَنَّهُ منيع، لِأَن أَصله من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع وَالْجمع حدائد، وَجَاء فِي الشّعْر: الحديدات. قَوْله: (عذب بِهِ) ، ويروى: (بهَا) ، أَي: بالحديدة، وَأما تذكير الضَّمِير فباعتبار الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا يعذب بهَا لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على أَن الْحَالِف بِالْيَمِينِ الْمَذْكُور ينْعَقد يَمِينه وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، لِأَن الله تَعَالَى أوجب على الْمظَاهر الْكَفَّارَة، وَهُوَ مُنكر من القَوْل وزور، وَالْحلف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُنكر وزور، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا ينْعَقد بِهَذِهِ الْأَشْيَاء يَمِين، وَعَلِيهِ أَن يسْتَغْفر الله ويوحده

стр. 2378

وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ سَوَاء فعله أم لَا. وَقَالَ: هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ : (من حلف فَقَالَ بِاللات والعزى فَلْيقل لَا إِلَه إلَاّ الله) ، وَلم يذكر فِي الحَدِيث كَفَّارَة، قُلْنَا: لَا يلْزم من عدم ذكرهَا فِيهِ نفي وجوب الْكَفَّارَة، وَقَالَ ابْن بطال فِي قَوْله: (وَمن قتل نَفسه بحديدة) : أجمع الْفُقَهَاء وَأهل السّنة على أَنه من قتل نَفسه أَنه لَا يخرج بذلك من الْإِسْلَام، وَأَنه يصلى عَلَيْهِ وإثمه عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ مَالك، وَلم يكره الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة لِأَن النَّبِي ﷺ سنّ الصَّلَاة على الْمُسلمين وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا فيصلى على جَمِيعهم. قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَا يصلى على قَاتل نَفسه لِأَنَّهُ ظَالِم لنَفسِهِ فَيلْحق بالباغي وقاطع الطَّرِيق، وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد: يصلى عَلَيْهِ لِأَن دَمه هذر كَمَا لَو مَاتَ حتفه. ٤٦٣١ - وَقَالَ حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حَدثنَا جَريرُ بنُ حازِمٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا جُنْدَبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي هاذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ الله بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ. (الحَدِيث ٤٦٣١ طرفه فِي: ٣٦٤٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله فِي ذكر بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال فَذكره، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه بِلَفْظ: قَالَ، وخرجه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: وَهُوَ يضعف قَول من قَالَ: إِنَّه إِذا قَالَ عَن شَيْخه، وَقَالَ فلَان، يكون أَخذه عَنهُ مذاكرة، وَلَفظه هُنَاكَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع، فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقي الدَّم حَتَّى مَاتَ، وَعند مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَلَفظه: (خرجت بِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكاها فَلم يرق الدَّم حَتَّى مَاتَ) . وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذهلي، قَالَ الجياني: وَنسبه أَبُو عَليّ ابْن السكن عَن الْفربرِي، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا حجاج، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قد أخرج البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن معمر وَهُوَ مَشْهُور بالرواية، ثمَّ رَوَاهُ أَبُو عَليّ عَن حَكِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن قديد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحرز حَدثنَا حجاج فَذكره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة، قَوْله: (فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَاف) ذكر هَذَا للتَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق. قَوْله: (عَن النَّبِي) ، ويروى: (عَن النَّبِي، ﷺ وَهُوَ ظَاهر، لِأَنَّهُ يُقَال: كذب عَلَيْهِ، وَأما رِوَايَة: عَن، فعلى معنى النَّقْل، قَوْله: (بِرَجُل جراح) ، لم يعرف الرجل من هُوَ، و: الْجراح، بِكَسْر الْجِيم، ويروى: (خراج) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء: الورم إِذا اجْتمعت مادته المتفرقة فِي لِيف الْعُضْو الورم إِلَى تجويف وَاحِد، وَقبل ذَلِك يُسمى ورما وَفِي (الْمُحكم) هُوَ اسْم لما يخرج فِي الْبدن، زَاد فِي (الْمُنْتَهى) : من القروح. وَفِي (الْمغرب) : الْخراج، بِالضَّمِّ البثر الْوَاحِدَة، خراجة، وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه يجمع على خراجات وخرجات. وَفِي (الجمهرة) و (الْجَامِع) و (الموعب) : الْخراج مَا خرج على الْجَسَد من دمل وَنَحْوه وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْخراج قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء، وَهِي وَاحِدَة القروح، وَهِي حبات تخرج فِي بدن الْإِنْسَان. وَفِي (التَّلْوِيح) : ينظر فِيهِ من سلفه فِيهِ. قَوْله: (قتل نَفسه) ، أَي: بِسَبَب الْجراح، وَهِي جملَة وَقعت صفة، ويروى: (فَقتل) . قَوْله: (بدرني) ، معنى الْمُبَادرَة: عدم صبره حَتَّى يقبض الله روحه حتف أَنفه، يُقَال: بدرني، أَي: سبقني من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بَدْرًا: إِذا أسرعت: وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ. قَوْله: (حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) مَعْنَاهُ: إِن كَانَ مستحلاً فعقوبته مُؤَبّدَة، أَو مَعْنَاهُ: حرمت قبل دُخُول النَّار، أَو المُرَاد من الْجنَّة: جنَّة خَاصَّة لِأَن الْجنان كَثِيرَة، أَو هُوَ من بَاب التغيظ، أَو هُوَ مُقَدّر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَعيد لهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وانضم إِلَى هَذَا الرجل مشركه، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون كَافِرًا، لقَوْله: (فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجنَّة مُحرمَة على الْكَافِر سَوَاء قتل نَفسه اَوْ استبقاها، وعَلى تَقْدِير أَن يكون كَافِرًا، إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول من يَقُول: إِن الْكفَّار مطالبون

стр. 2379

بالفروع الشَّرْعِيَّة، وعَلى القَوْل الآخر: لَا يحسن ذَلِك، ثمَّ إِن الحَدِيث لَا دلَالَة فِيهِ على كفر وَلَا إِيمَان، بل هُوَ على الْإِيمَان أدل من غَيره، وَالله أعلم، لَا سِيمَا وَقد ورد فِي (المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن سماك (عَن جَابر بن سَمُرَة: أَن رجلا من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، أَصَابَته جِرَاحَة فآلمته، فَأخذ مشقصا فَقتل بِهِ نَفسه، فَلم يصلِّ النَّبِي ﷺ عَلَيْهِ) . ٤٦٣١ - وَقَالَ حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حَدثنَا جَريرُ بنُ حازِمٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا جُنْدَبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي هاذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ الله بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ. (الحَدِيث ٤٦٣١ طرفه فِي: ٣٦٤٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله فِي ذكر بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال فَذكره، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه بِلَفْظ: قَالَ، وخرجه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: وَهُوَ يضعف قَول من قَالَ: إِنَّه إِذا قَالَ عَن شَيْخه، وَقَالَ فلَان، يكون أَخذه عَنهُ مذاكرة، وَلَفظه هُنَاكَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع، فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقي الدَّم حَتَّى مَاتَ، وَعند مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَلَفظه: (خرجت بِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكاها فَلم يرق الدَّم حَتَّى مَاتَ) . وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذهلي، قَالَ الجياني: وَنسبه أَبُو عَليّ ابْن السكن عَن الْفربرِي، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا حجاج، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قد أخرج البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن معمر وَهُوَ مَشْهُور بالرواية، ثمَّ رَوَاهُ أَبُو عَليّ عَن حَكِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن قديد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحرز حَدثنَا حجاج فَذكره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة، قَوْله: (فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَاف) ذكر هَذَا للتَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق. قَوْله: (عَن النَّبِي) ، ويروى: (عَن النَّبِي، ﷺ وَهُوَ ظَاهر، لِأَنَّهُ يُقَال: كذب عَلَيْهِ، وَأما رِوَايَة: عَن، فعلى معنى النَّقْل، قَوْله: (بِرَجُل جراح) ، لم يعرف الرجل من هُوَ، و: الْجراح، بِكَسْر الْجِيم، ويروى: (خراج) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء: الورم إِذا اجْتمعت مادته المتفرقة فِي لِيف الْعُضْو الورم إِلَى تجويف وَاحِد، وَقبل ذَلِك يُسمى ورما وَفِي (الْمُحكم) هُوَ اسْم لما يخرج فِي الْبدن، زَاد فِي (الْمُنْتَهى) : من القروح. وَفِي (الْمغرب) : الْخراج، بِالضَّمِّ البثر الْوَاحِدَة، خراجة، وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه يجمع على خراجات وخرجات. وَفِي (الجمهرة) و (الْجَامِع) و (الموعب) : الْخراج مَا خرج على الْجَسَد من دمل وَنَحْوه وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْخراج قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء، وَهِي وَاحِدَة القروح، وَهِي حبات تخرج فِي بدن الْإِنْسَان. وَفِي (التَّلْوِيح) : ينظر فِيهِ من سلفه فِيهِ. قَوْله: (قتل نَفسه) ، أَي: بِسَبَب الْجراح، وَهِي جملَة وَقعت صفة، ويروى: (فَقتل) . قَوْله: (بدرني) ، معنى الْمُبَادرَة: عدم صبره حَتَّى يقبض الله روحه حتف أَنفه، يُقَال: بدرني، أَي: سبقني من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بَدْرًا: إِذا أسرعت: وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ. قَوْله: (حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) مَعْنَاهُ: إِن كَانَ مستحلاً فعقوبته مُؤَبّدَة، أَو مَعْنَاهُ: حرمت قبل دُخُول النَّار، أَو المُرَاد من الْجنَّة: جنَّة خَاصَّة لِأَن الْجنان كَثِيرَة، أَو هُوَ من بَاب التغيظ، أَو هُوَ مُقَدّر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَعيد لهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وانضم إِلَى هَذَا الرجل مشركه، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون كَافِرًا، لقَوْله: (فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجنَّة مُحرمَة على الْكَافِر سَوَاء قتل نَفسه اَوْ استبقاها، وعَلى تَقْدِير أَن يكون كَافِرًا، إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول من يَقُول: إِن الْكفَّار مطالبون بالفروع الشَّرْعِيَّة، وعَلى القَوْل الآخر: لَا يحسن ذَلِك، ثمَّ إِن الحَدِيث لَا دلَالَة فِيهِ على كفر وَلَا إِيمَان، بل هُوَ على الْإِيمَان أدل من غَيره، وَالله أعلم، لَا سِيمَا وَقد ورد فِي (المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن سماك (عَن جَابر بن سَمُرَة: أَن رجلا من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، أَصَابَته جِرَاحَة فآلمته، فَأخذ مشقصا فَقتل بِهِ نَفسه، فَلم يصلِّ النَّبِي ﷺ عَلَيْهِ) . ٥٦٣١ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ الَّذي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعُنُها يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ. (الحَدِيث ٥٦٣١ طرفه فِي: ٨٧٧٥) . هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه، وَأخرجه فِي الطِّبّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مطولا. وَمن ذَلِك الْوَجْه أخرجه مُسلم، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الخنق، وَفِيه من الزِّيَادَة ذكر السم وَغَيره، وَلَفظه: (فَهُوَ فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا) ، وَقد تمسك بِهِ الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم مِمَّن قَالَ بتخليد أَصْحَاب الْمعاصِي فِي النَّار، وَأجَاب أهل السّنة بأجوبة، مِنْهَا: أَنهم قَالُوا: هَذِه لزِيَادَة وهم، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن أخرجه، رَوَاهُ مُحَمَّد بن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، فَلم يذكر: (خَالِدا مخلدا) ، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، لِأَن الرِّوَايَات قد صحت أَن أهل التَّوْحِيد يُعَذبُونَ ثمَّ يخرجُون مِنْهَا، وَقد ذكرنَا أجوبة أُخْرَى فِي هَذَا الْبَاب، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. قَوْله: (يخنق) ، بِضَم النُّون. قَوْله: (يطعنها) ، بِفَتْح الْعين وَضمّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الخنق والطعن فِي النَّار، لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل. ٤٨ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاةِ عَلى المُنَافِقِينَ وَالاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة الصَّلَاة على الْمُنَافِقين، وَكَرَاهَة الاسْتِغْفَار أَي: طلب الْمَغْفِرَة للْمُشْرِكين لعدم الْفَائِدَة. رَوَاهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ أَي: روى كَرَاهَة الصَّلَاة على الْمُنَافِقين عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا ذكر الضَّمِير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور فِي قَوْله: (مَا يكره) . قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لما جزم البُخَارِيّ بِأَنَّهُ رَوَاهُ فَلم مَا ذكره بِإِسْنَادِهِ. قلت: لِأَنَّهُ لم يكن الرَّاوِي بِشَرْطِهِ، أَو لِأَنَّهُ ذكره فِي مَوضِع آخر انْتهى. قلت: لَا نسلم أَنه جزم بذلك، بل أخبر. وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَيحْتَمل أَن تَركه الْإِسْنَاد اكْتِفَاء بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذكره فِي قصَّة الصَّلَاة على عبد الله بن أبي فِي: بَاب الْقَمِيص الَّذِي يلف. ٦٦٣١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله ابنِ عَبْدِ الله عنْ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ بنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رسولُ الله ﷺ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ فَلَمَّا قامَ رسولُ الله ﷺ وَثَبْتُ إلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أتُصَلِّي عَلَى ابنِ أُبَيٍّ وقَدْ قَالَ يَوْمَ كذَا وكَذَا كَذَا وكَذَا أُعَدِّدُ عَلَيه قولَهُ فَتَبَسَّمَ رسولُ الله ﷺ وَقَالَ أخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ فَلَمَّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ إنِّي خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ فصَلَّى عَلَيْهِ رسولُ الله ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتانِ مِنْ بَرَاءَةَ ولَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنهُم ماتَ أبدا إلَى وَهُمْ فاسِقُونَ قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأتِي عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ وَالله ورسُولُهُ أعْلَمُ. (الحَدِيث ٦٦٣١ طرفه فِي: ١٧٦٤) .

стр. 2380

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تصل على أحد مِنْهُم) لِأَن قَوْله: (لَا تصل) نهي، وَالنَّهْي يَقْتَضِي الْكَرَاهَة. فَإِن قلت: من التَّرْجَمَة قَوْله: وَالِاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مَا يدل على النَّهْي عَن الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين؟ قلت: فِي قَوْله: (حَتَّى نزلت الْآيَات) مَا يدل على ذَلِك، لِأَن من جملَة الْآيَات قَوْله: تَعَالَى: ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٠٨) . الْآيَة، وَقَوله: ﴿فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٠٨) . يدل على منع الاسْتِغْفَار لَهُم. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: يحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. الْخَامِس: عبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِفَتْح الْعين: ابْن عُيَيْنَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّابِع: عمر بن الْخطاب. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده لِأَنَّهُ يحيى بن عبد الله بن بكير، وَهُوَ وَاللَّيْث مصريان، وَعقيل أيلي وَابْن شهَاب وَعبيد الله مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي ﷺ . ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عمار وَمُحَمّد بن رَافع، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن الْمُبَارك. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من طَرِيق ابْن عمر فِي: بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص، عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سعيد بن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَنَذْكُر هُنَا بعض شَيْء. قَوْله: (دعِي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (أعدد عَلَيْهِ قَوْله) أَي: أعد على النَّبِي ﷺ قَول عبد الله ابْن أبي من أَقْوَاله القبيحة فِي حق رَسُول الله ﷺ وَالْمُؤمنِينَ. قَوْله: (فَلَمَّا أكثرت عَلَيْهِ) ، أَي: فَلَمَّا زِدْت الْكَلَام على النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِنِّي خيرت) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ١٨) . قَوْله: قَوْله: (حَتَّى نزلت (فاخترت) أَي الاسْتِغْفَار الْآيَات) ، ويروى: حَتَّى نزلت الْآيَتَانِ الأولى. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصل عَليّ أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره إِنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وماتوا وهم فَاسِقُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٤٨) . وَالْآيَة الثَّانِيَة هِيَ قَوْله: ﴿اسْتغْفر لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٠٨) . الْآيَة، وَأما على رِوَايَة الْآيَات فَمن قَوْله: ﴿اسْتغْفر لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٠٨) . إِلَى قَوْله: ﴿وهم فَاسِقُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٤٨) . . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الدَّاودِيّ: هَذِه الْآيَات فِي قوم بأعيانهم يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب﴾ (التَّوْبَة: ٠٢١) . الْآيَة، فَلم ينْه عَمَّا لم يعلم، وَكَذَلِكَ إخْبَاره لِحُذَيْفَة بسبعة عشر من الْمُنَافِقين، وَقد كَانُوا يناكحون الْمُسلمين ويوارثونهم وَيجْرِي عَلَيْهِم حكم الْإِسْلَام لاستتارهم بكفرهم، وَلم ينْه النَّاس عَن الصَّلَاة عَلَيْهِم، إِنَّمَا نهى النَّبِي ﷺ عَنهُ وَحده، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ينظر إِلَى حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَإِن شهد جَنَازَة مِمَّن يظنّ بِهِ شهد، وإلَاّ لم يشهده، وَلَو كَانَ أمرا ظَاهرا لم يسره الشَّارِع إِلَى حُذَيْفَة، وَذكر عَن الطَّبَرِيّ أَنه يجب ترك الصَّلَاة على معلن الْكفْر ومسره، بِهَذَا قَالَ، فَأَما الْمقَام على قَبره فَغير محرم بل جَائِز لوَلِيِّه الْقيام عَلَيْهِ لإصلاحه وَدَفنه، وَبِذَلِك صَحَّ الْخَبَر، وَعمل بِهِ أهل الْعلم. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهَذَا خلاف مَا قدمنَا. أَن ولد الْكَافِر لَا يدفنه وَلَا يحضر دَفنه، وَفِي (النَّوَادِر) عَن ابْن سِيرِين: مَا حرم الله الصَّلَاة على أحد من أهل الْقبْلَة إِلَّا على ثَمَانِيَة عشر رجلا من الْمُنَافِقين، وَقد قَالَ ﵊ لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إذهب فواره) يَعْنِي أَبَاك، وروى سعيد بن جُبَير، قَالَ: مَاتَ رجل يَهُودِيّ وَله ابْن مُسلم، فَذكر ذَلِك لِابْنِ عَبَّاس، فَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَن يمشي مَعَه ويدفنه وَيَدْعُو لَهُ بِالصَّلَاةِ مَا دَامَ حَيا، فَإِذا مَاتَ وَكله إِلَى أشباهه، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة﴾ (التَّوْبَة: ٤١١) . الْآيَة، وَقَالَ النَّخعِيّ: توفيت أم الْحَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة وَهِي نَصْرَانِيَّة، فاتبعها أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ تكرمة لِلْحَارِثِ وَلم يصلوا عَلَيْهَا، ثمَّ فرض على جَمِيع الآمة أَن لَا يدعوا لِمُشْرِكٍ وَلَا يَسْتَغْفِرُوا لَهُ إِذا مَاتَ على شركه، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا ... ﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة، وَقد بَين الله تَعَالَى عذر إِبْرَاهِيم فِي استغفاره لِأَبِيهِ فَقَالَ: ﴿إلَاّ عَن موعدة وعدها إِيَّاه﴾ (التَّوْبَة: ٤١١) . فَدَعَا لَهُ وَهُوَ يَرْجُو إنابته ورجوعه إِلَى الْإِيمَان: ﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ﴾ (التَّوْبَة: ٤١١) . فَفِي هَذَا من الْفِقْه أَنه جَائِز أَن يدعى لكل من يُرْجَى من الْكفَّار إنابته بالهداية

стр. 2381

مَا دَامَ حَيا لِأَنَّهُ ﷺ إِذا شمت أحد الْمُنَافِقين وَالْيَهُود قَالَ: يهديكم الله وَيصْلح بالكم، وَقد يعْمل الرجل بِعَمَل أهل النَّار وَيخْتم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة، وَفِيه: تَصْحِيح القَوْل بِدَلِيل الْخطاب لاستعمال النَّبِي ﷺ لَهُ، وَذَلِكَ أَن إخْبَاره تَعَالَى أَنه لَا يغْفر لَهُ وَلَو اسْتغْفر لَهُ سبعين مرّة، يحْتَمل أَنه لَو زَاد عَلَيْهَا كَانَ يغْفر لَهُ، لَكِن لما شهد الله تَعَالَى أَنه كَافِر بقوله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله﴾ (التَّوْبَة: ٠٨) . دلّت هَذِه الْآيَة على تَغْلِيب أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَهُوَ أَنه لَا يغْفر لَهُ لكفره، فَلذَلِك أمسك ﷺ من الدُّعَاء لَهُ. وَفِي إقدام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مُرَاجعَة رَسُول الله ﷺ من الْفِقْه أَن الْوَزير الْفَاضِل الناصح لَا حرج عَلَيْهِ فِي إِن يخبر سُلْطَانه بِمَا عِنْده من الرَّأْي، وَإِن كَانَ مُخَالفا لرأيه، وَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ بعض الخفاء إِذا علم فضل الْوَزير وثقته وَحسن مذْهبه، فَإِنَّهُ لَا يلْزمه اللوم على مَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَلَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ سوء الظَّن، وَإِن صَبر السُّلْطَان على ذَلِك من تَمام فَضله، أَلا يرى سُكُوته ﷺ عَن عمر وَتَركه الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَفِي رَسُول الله ﷺ أكبر الأسوة. ٥٨ - (بابُ ثَنَاءِ النَّاسِ علَى المَيِّتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة ثَنَاء النَّاس على الْمَيِّت، وَالثنَاء عَلَيْهِ بِأَن يذكر عَنهُ من أَوْصَاف جميلَة وخصال حميدة. ٧٦٣١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فأثْنُوا عَلَيْهَا خَيْرا فَقَالَ النبيُّ ﷺ وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرى فأثْنُوا عَلَيْهَا شَرّا فَقَالَ وَجَبَتْ فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَا وَجَبَتْ قَالَ هاذا أثْنَيْتُمْ عليهِ خَيْرا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ وَهاذا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأرْضِ. (الحَدِيث ٧٦٣١ طرفه فِي: ٢٤٦٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم هُوَ ابْن إِيَاس. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مروا بِجنَازَة) ، ويروى: (مر بِجنَازَة) ، بِضَم الْمِيم على صِيغَة الْمَجْهُول: (فَأَثْنوا عَلَيْهَا) أَي: على الْجِنَازَة، وأثنوا من الثَّنَاء: بالثاء الْمُثَلَّثَة بعْدهَا النُّون وبالمد، وَهُوَ يسْتَعْمل فِي الْخَيْر وَلَا يسْتَعْمل فِي الشَّرّ، وَقيل: يسْتَعْمل فيهمَا، وَقيل: اسْتِعْمَال الثَّنَاء فِي الشَّرّ لُغَة شَاذَّة. فَإِن قلت: قد عرفت أَن الثَّنَاء الممدودة لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي الْخَيْر، وَكَيف وَقد اسْتعْمل فِي الشَّرّ فِي كَلَام الفصيح؟ قلت: قد قيل هَذَا على اللُّغَة الشاذة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: اسْتعْمل هَذَا لأجل المشاكلة والتجانس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ (الشورى: ٠٤) . وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من حَدِيث ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: مر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ نَبِي الله ﷺ : (وَجَبت وَجَبت وَجَبت، وَمر بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا شرا، فَقَالَ نَبِي الله ﷺ : وَجَبت وَجَبت وَجَبت) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض. .) وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث النَّضر بن أنس: (كنت قَاعِدا عِنْد النَّبِي ﷺ فَمر بِجنَازَة فَقَالَ: مَا هَذِه الْجِنَازَة؟ قَالُوا: جَنَازَة فلَان الْفُلَانِيّ، كَانَ يحب الله وَرَسُوله وَيعْمل بِطَاعَة الله وَيسْعَى فِيهَا، فَقَالَ: وَجَبت وَجَبت وَجَبت. وَمر بِجنَازَة أُخْرَى فَقَالَ: مَا هَذِه الْجِنَازَة؟ قَالُوا: جَنَازَة فلَان الْفُلَانِيّ، كَانَ يبغض الله وَرَسُوله ﷺ وَيعْمل بِمَعْصِيَة الله وَيسْعَى فِيهَا، فَقَالَ: وَجَبت وَجَبت وَجَبت. قَالُوا: يَا رَسُول الله، قَوْلك فِي الْجِنَازَة وَالثنَاء عَلَيْهَا أثني على الأول خير، وعَلى الآخر شَرّ، فَقلت فيهمَا وَجَبت وَجَبت وَجَبت، فَقَالَ: نعم يَا أَبَا بكر، إِن لله مَلَائِكَة ينْطق على لِسَان بني آدم بِمَا فِي الْمَرْء من الْخَيْر وَالشَّر) . وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ، وَفِي هَذَا الحَدِيث تَفْسِير مَا أبهم من الْخَيْر وَالشَّر فِي حَدِيث الْبَاب، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة: (أَتَى النَّبِي ﷺ بِجنَازَة فَقيل: هَذَا بئس الرجل، وأثنوا عَلَيْهِ شرا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : تعلمُونَ ذَلِك؟ قَالُوا نعم. قَالَ: وَجَبت، وَقَالَ فِي الَّتِي أثنوا عَلَيْهَا خيرا كَذَلِك) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (مروا

стр. 2382

على رَسُول الله ﷺ بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ: وَجَبت، ثمَّ مروا بِأُخْرَى فَأَثْنوا عَلَيْهَا شرا، فَقَالَ: وَجَبت، ثمَّ قَالَ: إِن بَعْضكُم على بعض شُهَدَاء) . وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْمَلَائِكَة، ﵈، شُهَدَاء الله فِي السَّمَاء وَأَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، إِن بَعْضكُم على بعض شَهِيد) . قَوْله: (وَجَبت) أَي: وَجَبت الْجنَّة فِي الأول، وَوَجَبَت النَّار فِي الثَّانِي، وَالْمرَاد بِالْوُجُوب الثُّبُوت، أَو هُوَ فِي صِحَة الْوُقُوع كالشيء الْوَاجِب، وَحَاصِل الْمَعْنى أَن ثناءهم عَلَيْهِ بِالْخَيرِ يدل على أَن أَفعاله كَانَت خيرا فَوَجَبت لَهُ الْجنَّة، وثناءهم عَلَيْهِ بِالشَّرِّ يدل على أَن أَفعاله كَانَت شرا فَوَجَبت لَهُ النَّار، وَذَلِكَ لِأَن الْمُؤمنِينَ شُهَدَاء بَعضهم على بعض، لما صرح فِي الحَدِيث، والتكرير فِيهِ فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره لتأكيد الْكَلَام وتحقيقه لِئَلَّا يشكوا فِيهِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث عِنْد الْفُقَهَاء إِذا أثنى عَلَيْهِ أهل الْفضل والصدق، لِأَن الفسقة قد يثنون على الفسقة فَلَا يدْخلُونَ فِي معنى هَذَا الحَدِيث، وَالْمرَاد، وَالله أعلم، إِذا كَانَ الثَّنَاء بِالشَّرِّ مِمَّن لَيْسَ لَهُ بعدوٍّ، لِأَنَّهُ قد يكون للرجل الصَّالح الْعَدو، وَإِذا مَاتَ عدوه فَذكر عَن ذَلِك الرجل الصَّالح شرا فَلَا يدْخل الْمَيِّت فِي معنى هَذَا الحَدِيث، لِأَن شَهَادَته كَانَت لَا تجوز عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِن كَانَ عدلا للعداوة والبشر غير معصومين. فَإِن قيل: كَيفَ يجوز ذكر شَرّ الْمَوْتَى، مَعَ وُرُود الحَدِيث الصَّحِيح عَن زيد بن أَرقم فِي النَّهْي عَن سبّ الْمَوْتَى وَذكرهمْ إلَاّ بِخَير. وَأجِيب: بِأَن النَّهْي عَن سبّ الْأَمْوَات غير الْمُنَافِق وَالْكَافِر والمجاهر بِالْفِسْقِ أَو بالبدعة، فَإِن هَؤُلَاءِ لَا يحرم، وَذكرهمْ بِالشَّرِّ للحذر من طريقهم، وَمن الِاقْتِدَاء بهم، وَقيل: لَا بُد أَن يكون ثناؤهم مطابقا لأفعاله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون النَّهْي عَن سبّ الْمَوْتَى مُتَأَخِّرًا عَن هَذَا الحَدِيث، فَيكون نَاسِخا، وَقيل: حَدِيث أنس الْمَذْكُور يجْرِي مجْرى الْغَيْبَة فِي الْأَحْيَاء، فَإِن كَانَ الرجل أغلب أَحْوَاله الْخَيْر، وَقد يكون مِنْهُ الْغَلَبَة فالإغتياب لَهُ محرم، وَإِن كَانَ فَاسِقًا مُعْلنا فَلَا غيبَة فِيهِ، فَكَذَلِك الْمَيِّت، فَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يُنْهِي عَنهُ من سبّ الْأَمْوَات، وَقَالَ بَعضهم: الثَّنَاء على عُمُومه لكل مُسلم مَاتَ، فَإِذا ألهم الله النَّاس، أَو معظمهم، الثَّنَاء عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك دَلِيلا أَنه من أهل الْجنَّة، سَوَاء كَانَت أَفعاله تَقْتَضِي ذَلِك أم لَا، لِأَنَّهُ، وَإِن لم تكن أَفعاله مقتضية فَلَا تتحتم عَلَيْهِ الْعقُوبَة، بل هُوَ فِي الْمَشِيئَة، فَإِذا ألهم الله النَّاس الثَّنَاء عَلَيْهِ استدللنا بذلك أَن الله تَعَالَى قد شَاءَ الْمَغْفِرَة لَهُ، وَبِهَذَا تظهر فَائِدَة الثَّنَاء فِي قَوْله: (وَجَبت) ، وَقيل: هَذَا خَاص بالمثنين الْمَذْكُورين لغيب أطلع الله نبيه ﷺ عَلَيْهِ، ورد بِأَن كلمة: من، تستدعي الْعُمُوم والتخصيص بِلَا مُخَصص، لَا يجوز. قَوْله: (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض) . الْخطاب للصحابة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلمن كَانَ على صفتهمْ من الْإِيمَان، وَحكى ابْن التِّين أَن ذَلِك مَخْصُوص بالصحابة لأَنهم كَانُوا ينطقون بالحكمة بِخِلَاف من بعدهمْ، ثمَّ قَالَ: وَالصَّوَاب أَن ذَلِك يخْتَص بالثقات والمتقين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِر أَن الَّذِي أثنوا عَلَيْهِ شرا كَانَ من الْمُنَافِقين. قلت: ويستأنس لما قَالَه بِمَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي قَتَادَة بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه ﷺ لم يصلِّ على الَّذِي أثنوا عَلَيْهِ شرا، وَصلى على الآخر. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِيهِ: دلَالَة على جَوَاز ذكر الْمَرْء بِمَا يُعلمهُ إِذا وَقعت الْحَاجة إِلَيْهِ، نَحْو سُؤال القَاضِي الْمُزَكي وَنَحْوه. ٨٦٣١ - حدَّثنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا دَاوُدُ بنُ أبي الفُرَاتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ أبِي الأسْوَدِ قَالَ قَدِمْتُ المَدِينَةَ وقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَمَرَّ بِهِمْ جَنَازَةُ فأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرا فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فأُثْنِيَ عَلَى صاحِبِهَا خَيْرا فَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شرَّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ أبُو الأسْوَدِ فقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قالَ النبيُّ ﷺ أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ فقُلْنَا وثَلَاثَةٌ قَالَ وثَلَاثَةٌ فقُلْنَا واثْنَان قالَ واثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْألْهُ عنِ الوَاحِدِ. (الحَدِيث ٨٦٣١ طرفه فِي: ٣٤٦٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة قَوْله: (حَدثنَا) ، كَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَذكر أَصْحَاب الْأَطْرَاف أَنه أخرجه قَائِلا: قَالَ عَفَّان،

стр. 2383

وَبِذَلِك جزم الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا عَن شَيْخه، فَقَالَ: وَقَالَ عَفَّان، وَقَالَهُ أَيْضا أَبُو الْعَبَّاس الطرقي، وَخلف فِي كتاب (الْأَطْرَاف) : وَالَّذِي فِي نسخه سَمَاعنَا: حَدثنَا عَفَّان، وعَلى تَقْدِير صِحَة الأول فقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ، حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا عَفَّان إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَفَّان، بتَشْديد الْفَاء: ابْن مُسلم، بِكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة: الصفار. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي الْفُرَات، بِلَفْظ النَّهر الْمَشْهُور، وَاسم أبي الْفُرَات: عَمْرو، وَهُوَ كندي وَلَهُم شيخ آخر يُقَال لَهُ: دَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَاسم أَبِيه: بكر، وَاسم جده: أَبُو الْفُرَات، وَهُوَ أشجعي من أهل الْمَدِينَة أقدم من الْكِنْدِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن بُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، مر فِي أَوَاخِر كتاب الْحيض. الرَّابِع: أَبُو الْأسود ظَالِم بن عَمْرو بن سُفْيَان من سَادَات التَّابِعين، ولي الْبَصْرَة وَهُوَ أول من تكلم فِي النَّحْو بعد عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالدؤلي، وَفِيه اختلافات: فَقيل، بِضَم الدَّال وَسُكُون الْوَاو وبالضم والهمزة الْمَفْتُوحَة، قَالَ الْأَخْفَش: هُوَ بِالضَّمِّ وَكسر الْهمزَة، إلَاّ أَنهم فتحُوا الْهمزَة فِي النِّسْبَة استثقالاً للكسرتين، وياء النِّسْبَة، وَرُبمَا قَالُوا: بِضَم الدَّال وَفتح الْوَاو المقلوبة عَن الْهمزَة، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: بِكَسْر الدَّال وقلب الْهمزَة يَاء. الْخَامِس: عمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَفَّان بن مُسلم الصفار مَذْكُور فِي بعض النّسخ بالصفار وَفِي بَعْضهَا بِدُونِهِ. وَفِيه: رِوَايَة عبد الله بن بُرَيْدَة معنعنة عَن أبي الْأسود، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (التتبع) عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَن ابْن بُرَيْدَة إِنَّمَا يروي عَن يحيى بن يعمر عَن أبي الْأسود، وَلم يقل فِي هَذَا الحَدِيث: سَمِعت أَبَا الْأسود، قيل: إِن ابْن بُرَيْدَة ولد فِي عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فقد أدْرك أَبَا الْأسود بِلَا ريب، لَكِن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا يَكْتَفِي بالمعاصرة فَلَعَلَّهُ أخرجه شَاهدا، وَاكْتفى للْأَصْل بِحَدِيث أنس الَّذِي قبله. وَفِيه: قَالَ الْكرْمَانِي: وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم بصريون. قلت: دَاوُد مروزي، وَلكنه تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن مُوسَى وَهَارُون بن عبد الله الْبَزَّار، قَالَا: حَدثنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا دَاوُد بن أبي الْفُرَات حَدثنَا عبد الله بن بُرَيْدَة (عَن أبي الْأسود الديلِي، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَمروا بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ عمر: وَجَبت، فَقلت لعمر: مَا وَجَبت؟ قَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: مَا من مُسلم يشْهد لَهُ ثَلَاثَة إلَاّ وَجَبت لَهُ الْجنَّة. قُلْنَا: وإثنان؟ قَالَ: وإثنان، قَالَ: وَلم نسْأَل رَسُول الله ﷺ عَن الْوَاحِد) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَفِي لَفظه: (أَرْبَعَة) مثل لفظ البُخَارِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدمت الْمَدِينَة) أَي: مَدِينَة النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَقد وَقع مرض) ، جملَة حَالية، وَزَاد البُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات: (وهم يموتون موتا ذريعا) ، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَي: سَرِيعا. قَوْله: (فَجَلَست إِلَى عمر) ، يحْتَمل أَن يكون إِلَى هَهُنَا على بَابه بِمَعْنى الِانْتِهَاء والغاية، وَالْمعْنَى انْتهى جلوسي إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْأَوْجه أَن يكون إِلَى هَهُنَا بِمَعْنى: عِنْد، أَي: جَلَست عِنْد عمر كَمَا قَالَ فِي قَول الشَّاعِر: (أم لَا سَبِيل إِلَى الشَّبَاب وَذكره ... أشهى إِلَيّ من الرَّحِيق السلسل) قَوْله: (فَأثْنى على صَاحبهَا خيرا) بِنصب: خيرا، فِي أَكثر الْأُصُول، وَكَذَا شرا. ويروى: (خير وَشر) ، بِالرَّفْع فيهمَا، وأثني على صِيغَة الْمَجْهُول. فَوجه النصب مَا قَالَه ابْن بطال: إِنَّه أَقَامَ الْجَار وَالْمَجْرُور مقَام الْمَفْعُول الأول، وَخيرا مقَام الْمَفْعُول الثَّانِي. وَقَالَ ابْن مَالك: خيرا، صفة لمصدر مَحْذُوف وأقيمت مقَامه فنصب لِأَن: أثنى، مُسْند إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور، والتفاوت بَين الْإِسْنَاد إِلَى الْمصدر والإسناد إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور قَلِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ مَنْصُوب بِإِسْقَاط الْجَار أَي: فَأثْنى عَلَيْهَا بِخَير، وَوجه الرّفْع ظَاهر، وَهُوَ أَن: أُثنى، مُسْند إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب بِالرَّفْع، وَفِي نَصبه بعد فِي اللِّسَان. قَوْله: (وَجَبت) أَي: الْجنَّة، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (قَالَ أَبُو الْأسود) وَهُوَ الرَّاوِي الْمَذْكُور، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (وَمَا وَجَبت؟) اسْتِفْهَام عَن

стр. 2384

معنى الْوُجُوب فيهمَا مَعَ اخْتِلَاف الثَّنَاء بِالْخَيرِ وَالشَّر. قَوْله: (أَيّمَا مُسلم) إِلَى آخِره، مقول قَول النَّبِي، ﷺ ، قَوْله: (شهد لَهُ أَرْبَعَة) أَي: أَرْبَعَة من الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ثَلَاثَة، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي اخْتِلَاف هَذَا الْعدَد حَيْثُ جَاءَ أَرْبَعَة وَثَلَاثَة وَاثْنَانِ؟ قلت: لاخْتِلَاف الْمعَانِي، لِأَن الثَّنَاء قد يكون بِالسَّمَاعِ الفاشي على الْأَلْسِنَة فاستحب فِي ذَلِك التَّوَاتُر وَالْكَثْرَة، وَالشَّهَادَة لَا تكون إلَاّ بالمعرفة بأحوال الْمَشْهُود لَهُ، فَيَأْتِي فِي ذَلِك أَرْبَعَة شُهَدَاء، لِأَن ذَلِك أَعلَى مَا يكون من الشَّهَادَة، أَلا يرى أَن الله تَعَالَى جعل فِي الزِّنَى أَرْبَعَة شُهَدَاء، فَإِن قصروا يَأْتِي فِيهِ ثَلَاثَة، فَإِن قصروا فِيهِ يَأْتِي فِيهِ شَاهِدَانِ؟ لِأَن ذَلِك أقل مَا يَجْزِي فِي الشَّهَادَة على سَائِر الْحُقُوق رَحْمَة من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ، وتجاوزا عَنْهُم حَيْثُ أجْرى أُمُورهم فِي الْآخِرَة على نمط أُمُورهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لم يسْأَلُوا النَّبِي، ﷺ ، عَن الْوَاحِد، حَيْثُ قَالَ: (ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد) أَي: ثمَّ لم نسْأَل النَّبِي ﷺ عَن ثَنَاء الشَّخْص الْوَاحِد: هَل يَكْتَفِي بِهِ؟ وَذَلِكَ أَن هَذَا الْمقَام مقَام عَظِيم فَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِأَقَلّ من النّصاب. فَإِن قلت: هَل يخْتَص الثَّنَاء الَّذِي ينفع الْمَيِّت بِالرِّجَالِ أم يشْتَرك فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء، فَإِذا قُلْنَا: يشتركون فِيهِ، فَهَل يَكْتَفِي فِي ذَلِك بامرأتين؟ أَو لَا بُد من رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو أَربع نسْوَة؟ قلت: الظَّاهِر الِاكْتِفَاء بِاثْنَيْنِ مُسلمين، وَإنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى قيام امْرَأتَيْنِ مقَام رجل وَاحِد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير من رِوَايَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن قسطاس عَن سعد بن إِسْحَاق بن كَعْب بن عجْرَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا لأَصْحَابه: (مَا تَقولُونَ فِي رجل قتل فِي سَبِيل الله؟ قَالُوا: ألله وَرَسُوله أعلم. قَالَ الْجنَّة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي رجل مَاتَ فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل فَقَالَا: لَا نعلم إلَاّ خيرا؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: الْجنَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي رجل مَاتَ فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل، فَقَالَا: لَا نعلم خيرا، فَقَالُوا: النَّار، قَالَ رَسُول الله ﷺ : مذنب، وَالله غَفُور رَحِيم) . فقد يُقَال: لَا يكْتَفى بِشَهَادَة النِّسَاء، ألَا يُرى أَن النَّبِي ﷺ لم يكتف بِشَهَادَة الْمَرْأَة الَّتِي أثنت على عُثْمَان بن مَظْعُون بقولِهَا: شهادتي عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فَقَالَ لَهَا: وَمَا يدْريك؟ وَقد يُجَاب عَنهُ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أنكر عَلَيْهَا الْقطع بِأَن الله أكْرمه، وَذَلِكَ مغيب عَنْهَا، بِخِلَاف الشَّهَادَة للْمَيت بأفعاله الجميلة الَّتِي كَانَ متلبسا بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ قَضِيَّة عُثْمَان بن مَظْعُون رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث حَارِثَة بن زيد: أَن أم الْعَلَاء امْرَأَة من الْأَنْصَار قد بَايَعت رَسُول الله ﷺ أخْبرته أَنهم اقتسموا للمهاجرين قرعَة، فطار لنا عُثْمَان بن مَظْعُون فأنزلناه فِي أَبْيَاتنَا، فوجع وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا توفّي وَغسل وكفن فِي أثوابه دخل رَسُول الله ﷺ فَقلت: يَا عُثْمَان بن مَظْعُون، رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فشهادتي عَلَيْك، لقد أكرمك الله تَعَالَى، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه؟ فَقلت: بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، فَمن؟ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : أما هُوَ فقد جَاءَهُ الْيَقِين فوَاللَّه إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَاذَا يفعل بِي قَالَت فوَاللَّه مَا أزكي بعده أحدا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. فَإِن قلت: هَل يخْتَص الثَّنَاء الَّذِي ينفع الْمَيِّت بِكَوْنِهِ مِمَّن خالطه وَعرف حَاله أم هُوَ على عُمُومه؟ قلت: الظَّاهِر الأول بِدَلِيل قَوْله، ﷺ ، فِي حَدِيث أنس الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: قَالَ رَسُول الله: (مَا من مُسلم يَمُوت فَيشْهد لَهُ أَرْبَعَة من أهل أَبْيَات من جِيرَانه الأدنين أَنهم لَا يعلمُونَ إلَاّ خيرا، إلَاّ قَالَ الله تَعَالَى: قد قبلت علمكُم وغرت لَهُ مَا لَا تعلمُونَ) . فَإِن قلت: هَل ينفع الثَّنَاء على الْمَيِّت بِالْخَيرِ وَإِن خَالف الْوَاقِع أم لَا بُد أَن يكون الثَّنَاء عَلَيْهِ مطابقا للْوَاقِع؟ قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء أصَحهمَا أَن ذَلِك يَنْفَعهُ، وَأَن لم يُطَابق الْوَاقِع لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَا يَنْفَعهُ إلَاّ بالموافقة لم يكن للثناء فَائِدَة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة فرات بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِن العَبْد سيرزق الثَّنَاء والستر وَالْحب من النَّاس حَتَّى تَقول الْحفظَة: رَبنَا إِنَّك تعلم ونعلم غير مَا يَقُولُونَ، فَيَقُول: أشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُ مَا لَا يعلمُونَ، وَقبلت شَهَادَتهم على مَا يَقُولُونَ) . فَإِن قلت: الحَدِيث

стр. 2385

الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى يدل على أَن المُرَاد الثَّنَاء المطابق بِدَلِيل قَوْله: (قد قبلت علمكُم) ، وَالْعلم لَا يُخَالف الْوَاقِع. قلت: المُرَاد بِالْعلمِ: الشَّهَادَة، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يعلى عَن ابْن عمر، وَكَذَلِكَ فِي (مُسْند أَحْمد) فِي هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: (قد قبلت شَهَادَتهم) ، وَمعنى قَوْله: (غفرت لَهُ مَا لَا يعلمُونَ) ، أَي: من الذُّنُوب الَّتِي لم يطلعوا عَلَيْهَا. فَإِن قلت: عل تشْتَرط فِي هَذِه الشَّهَادَة الْعَدَالَة كَسَائِر الشَّهَادَات؟ أم تَكْفِي فِي ذَلِك شَهَادَة الْمُسلمين وَإِن لم يَكُونُوا بِوَصْف الْعَدَالَة المشترطة فِي الشَّهَادَة؟ قلت: يدل على الأول حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (فَقَامَ رجلَانِ ذَوا عدل) ، وعَلى الثَّانِي يدل ظَاهر حَدِيث الْبَاب، وَمَعَ هَذَا الأَصْل فِي الشَّهَادَة الْعَدَالَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: فَضِيلَة هَذِه الْأمة. وَفِيه: إِعْمَال الحكم بِالظَّاهِرِ. وَفِيه: جَوَاز ذكر الْمَرْء بِمَا فِيهِ من خير أَو شَرّ للْحَاجة، وَلَا يكون ذَلِك من الْغَيْبَة، وَذكر الْغَزالِيّ وَالنَّوَوِيّ إِبَاحَة الْعلمَاء الْغَيْبَة فِي سِتَّة مَوَاضِع، فَهَل تُبَاح فِي حق الْمَيِّت أَيْضا؟ وَإِن مَا جَازَ غيبَة الْحَيّ بِهِ جَازَت غيبَة الْمَيِّت بِهِ، أم يخْتَص جَوَاز الْغَيْبَة فِي هَذِه الْمَوَاضِع المستثناة بِالْإِحْيَاءِ، يَنْبَغِي أَن ينظر فِي السَّبَب الْمُبِيح للغيبة إِن كَانَ قد انْقَطع بِالْمَوْتِ كالمصاهرة والمعاملة، فَهَذَا لَا يذكر فِي حق الْمَيِّت، لِأَنَّهُ قد انْقَطع ذَلِك بِمَوْتِهِ، وَإِن لم يَنْقَطِع ذَلِك بِمَوْتِهِ كجرح الروَاة وَكَونه يُؤْخَذ عَنهُ اعْتِقَاد أَو نَحوه فَلَا بَأْس بِذكرِهِ بِهِ ليحذر ويتجنب. وَفِيه: جَوَاز الشَّهَادَة قبل الاستشهاد. وَفِيه: اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ سَأَلَ عَن الثَّلَاثَة وَلم يسْأَل عَمَّا فَوق الْأَرْبَعَة كالخمسة مثلا. وَفِيه: أم مَفْهُوم الْعدَد لَيْسَ دَلِيلا قَطْعِيا، بل هُوَ فِي مقَام الِاحْتِمَال. ٦٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ وقولهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَراي إذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِم أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . الهُونُ هُوَ الهَوَانُ والهَوْنُ الرِّفْقُ. وقولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ وَقولُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حقية عَذَاب الْقَبْر، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى مُجَرّد وجود عَذَاب الْقَبْر دون التَّعَرُّض أَنه يَقع على الرّوح وَحده أَو عَلَيْهِ وعَلى الْبدن. وَفِي هَذَا الْبَاب خلاف مَشْهُور بَين أهل السّنة والمعتزلة، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة الثَّلَاث تَنْبِيها على ثُبُوت ذكر عَذَاب الْقَبْر فِي الْقُرْآن، وردا على من ادّعى عدم ذكره فِي الْقُرْآن، وَأَن ذكره ورد فِي أَخْبَار الْآحَاد الْآيَة الأولى هُوَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْعَام: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله، و: قَوْله تَعَالَى، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: عَذَاب الْقَبْر. قَوْله: ﴿وَلَو ترى﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . خطاب للنَّبِي، ﷺ ، وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف أَي: لرأيت أمرا عجيبا عَظِيما وَكلمَة إِذْ ظرف مُضَاف إِلَى جملَة إسمية، وَهِي قَوْله: ﴿الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُرِيد الظَّالِمين الَّذين ذكرهم من الْيَهُود والمتنبئة فَتكون اللَّام للْعهد، وَيجوز أَن تكون للْجِنْس فَيدْخل فِيهِ هَؤُلَاءِ لاشْتِمَاله، وَقَالَ غَيره: المُرَاد من الظَّالِمين هَؤُلَاءِ قوم كَانُوا أَسْلمُوا بِمَكَّة أخرجهم الْكفَّار إِلَى قتال بدر، فَلَمَّا أبصروا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ رجعُوا عَن الْإِيمَان، وَقيل: هم الَّذين قَالُوا: ﴿مَا أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ (الْأَنْعَام: ١٩) . قَوْله: ﴿فِي غَمَرَات الْمَوْت﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي: فِي شدائده وَسَكَرَاته وكرباته وَهُوَ جمع غمرة، وأصل الغمرة مَا يغمر من المَاء فاستعيرت للشدة الْغَالِبَة. قَوْله: ﴿باسطوا أَيْديهم﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يبسطون إِلَيْهِم، يَقُول: هاتوا أرواحكم أخرجوها إِلَيْنَا من أجسادكم، وَهَذِه عبارَة عَن العنف فِي السِّيَاق والإلحاح وَالتَّشْدِيد فِي الإزهاق من غير تَنْفِيس، وإمهال. وَقَالَ اضحاك وَأَبُو صَالح: باسطوا أَيْديهم بِالْعَذَابِ، وروى الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . الْآيَة، قَالَ: هَذَا عِنْد الْمَوْت، والبسط: الضَّرْب، يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي عَذَاب الْقَبْر، وَهَذَا قبل الدّفن؟ قلت: هَذَا من جملَة الْعَذَاب
следующие страницы →