← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

تزكّى سَوَاء. وَقَالَ بَعضهم: تزكّى غير السَّائِمَة عَن كل وَاحِدَة مرّة وَاحِدَة فِي الدَّهْر، ثمَّ لَا يُعِيد الزَّكَاة فِيهَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: وَلَيْسَ فِي العوامل والحوامل والمعلوفة صَدَقَة، هَذَا قَول أَكثر أهل الْعلم كعطاء وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَأبي عبيد وَابْن الْمُنْذر، ويروى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ قَتَادَة وَمَكْحُول وَمَالك: تجب الزَّكَاة فِي الْمَعْلُومَة والنواضح بالعمومات، وَهُوَ مَذْهَب معَاذ وَجَابِر بن عبد الله وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَالزهْرِيّ، وَرُوِيَ عَن عَليّ ومعاذ أَنه: لَا زَكَاة فِيهَا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَحجَّة من اشْتَرَطَهُ كتاب الصّديق وَحَدِيث عَمْرو بن حزم مثله، وَشرط فِي الْإِبِل حَدِيث بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده. مَرْفُوعا: (فِي كل سَائِمَة من كل أَرْبَعِينَ من الْإِبِل ابْنة لبون) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَقد ورد تَقْيِيد السّوم وَهُوَ مَفْهُوم الصّفة، وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد إِذا كَانَا فِي حَادِثَة وَاحِدَة، وَالصّفة إِذا قرنت بالإسم الْعلم تنزل منزلَة الْعلَّة لإِيجَاب الحكم. وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ : (لَيْسَ فِي العوامل صَدَقَة) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَححهُ ابْن الْقطَّان، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، وَعَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (قَالَ: لَا يُؤْخَذ من الْبَقر الَّتِي يحرث عَلَيْهَا من الزَّكَاة شَيْء) ، وَرَفعه حجاج عَن ابْن جريج عَن زِيَاد بن سعد عَن أبي الزبير، عَنهُ بِلَفْظ: (لَيْسَ فِي المثيرة صَدَقَة) ، وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة من حَدِيث لَيْث عَن طَاوُوس عَن معَاذ أَنه: كَانَ لَا يَأْخُذ من الْبَقر العوامل صَدَقَة، حَدثنَا هَاشم عَن مُغيرَة ابْن إِبْرَاهِيم وَمُجاهد، قَالَا: لَيْسَ فِي الْبَقَرَة العوامل صَدَقَة، وَمن حَدِيث حجاج عَن الحكم أَن عمر بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: (لَيْسَ فِي العوامل شَيْء) ، وَكَذَا قَالَه سعيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَعَمْرو بن دِينَار وَعَطَاء، وَفِي (الْأَسْرَار) للدبوسي وَعلي وَجَابِر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: وَحجَّة من مَنعه مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (مبسوطه) عَن اللَّيْث، قَالَ: رَأَيْت الْإِبِل الَّتِي تكرى لِلْحَجِّ تزكّى بِالْمَدِينَةِ، وَيحيى بن سعيد وَرَبِيعَة وَغَيرهمَا من أهل الْمَدِينَة حُضُور لَا ينكرونه، ويرون ذَلِك من السّنة إِذا لم تكن مُتَفَرِّقَة وَعَن طَلْحَة بن أبي سعيد أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب، وَهُوَ خَليفَة: أَن تُؤْخَذ الصَّدَقَة من الَّتِي تعْمل فِي الرِّيف. قَالَ طَلْحَة: حضرت ذَلِك وعاينته. وَعند أبي حنيفَة وَأحمد: أَن السَّائِمَة هِيَ الَّتِي تكتفي بالرعي فِي أَكثر الْحول لِأَن اسْم السّوم لَا يَزُول عَنْهَا بالعلف الْيَسِير وَلِأَن الْعلف البسير لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ، وَلِأَن الضَّرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ فِي بعض الأحيان لعدم المرعى فِيهِ، وَاعْتبر الشَّافِعِي السّوم فِي جَمِيع الْحول وَلَو علفت قدرا أتعيش بِدُونِهِ بِلَا ضَرَر بيِّن وَجَبت الزَّكَاة. وَفِي (الْبَدَائِع) : إِن أسيمت الْإِبِل أَو الْبَقر أَو الْغنم للْحَمْل أَو الرّكُوب أَو اللَّحْم فَلَا زَكَاة فِيهَا، وَإِن أسيمت للتِّجَارَة فَفِيهَا زَكَاة التِّجَارَة حَتَّى لَو كَانَت أَرْبعا من الْإِبِل أَو أقل تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم يجب فِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، وَإِن كَانَت خمْسا لَا تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم لَا يجب فِيهَا الزَّكَاة. وَفِي (الذَّخِيرَة) : من اشْترى إبِلا سَائِمَة بنية التِّجَارَة وَحَال عَلَيْهَا الْحول وَهِي سَائِمَة تجب فِيهَا زَكَاة التِّجَارَة دون زَكَاة السَّائِمَة. وَفِيه: أَن الزَّكَاة فِي الْفضة ربع عشرهَا، مثلا إِذا كَانَت مِائَتَا دِرْهَم فزكاتها خَمْسَة دَرَاهِم، وَفِي أَرْبَعمِائَة عشرَة دَرَاهِم وَفِي ألف خَمْسَة وَعِشْرُونَ، وَفِي عشرَة آلَاف مِائَتَان وَخَمْسُونَ درهما، وَفِي عشْرين ألفا خَمْسمِائَة، وَفِي أَرْبَعِينَ ألفا ألف، وَفِي مائَة ألف أَلفَانِ وَخَمْسمِائة. . وهلم جرا. وَفِيه: أَن الْفضة إِن لم تكن إِلَّا تسعين وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء لعدم النّصاب، إلَاّ أَن يتَطَوَّع صَاحبهَا. ٩٣ - (بابٌ لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إلَاّ مَا شاءَ المُصَدِّقُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (لَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة) أَي: فِي الزَّكَاة (هرمة) بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء: أَي: كَبِيرَة سَقَطت أسنانها، وَعَن الْأَصْمَعِي: الْهَرم، الَّذِي قد بلغ إقصى السن، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: امْرَأَة هرمة وَرِجَال هرمون وهرائم، وَنسَاء هرمات، وَرُبمَا قيل: شُيُوخ هرمى، وَقد هرم هرما مِثَال: حذر، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : ومهرما وَنسَاء هرمى. وَفِي (الْكَامِل) لأبي الْعَبَّاس: وَقد أهرمه الدَّهْر وهرمه. قَوْله: (عوار) ، بِفَتْح الْعين وَبِضَمِّهَا: وَهُوَ الْعَيْب أَي: وَلَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة ذَات عيب. وَقيل: بِالْفَتْح الْعَيْب وبالضم: العور. قَوْله: (وَلَا تَيْس) ، وَهُوَ فَحل الْغنم، وَقَيده ابْن التِّين أَنه من الْمعز أَي: وَلَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة تَيْس، مَعْنَاهُ: إِذا كَانَت مَاشِيَة كلهَا أَو بَعْضهَا إِنَاثًا لَا يُؤْخَذ مِنْهُ الذّكر، إِنَّمَا تُؤْخَذ الْأُنْثَى إلَاّ فِي موضِعين وَردت بهما السّنة. أَحدهمَا:

стр. 2522

أَخذ التبيع من ثَلَاثِينَ من الْبَقر، وَالْآخر: أَخذ ابْن اللَّبُون من خمس وَعشْرين من الْإِبِل، بدل بنت الْمَخَاض عِنْد عدمهَا. وَأما إِذا كَانَت مَاشِيَة كلهَا ذُكُورا فَيُؤْخَذ الذّكر، وَقيل: إِنَّمَا لَا يُؤْخَذ التيس لِأَنَّهُ مَرْغُوب عَنهُ لنتنه وَفَسَاد لَحْمه، أَو لِأَنَّهُ رُبمَا يقْصد بِهِ الْمَالِك مِنْهُ الفحولة فيتضرر بِإِخْرَاجِهِ. قَوْله: (إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصدق) روى أَبُو عبيد، بِفَتْح الدَّال، وَجُمْهُور الْمُحدثين بِكَسْرِهَا، فعلى الأولى يُرَاد بِهِ الْمُعْطِي وَيكون الِاسْتِثْنَاء مُخْتَصًّا بقوله: (وَلَا تَيْس) لِأَن رب المَال لَيْسَ لَهُ أَن يخرج فِي صدقته ذَات عوار، والتيس وَإِن كَانَ غير مَرْغُوب فِيهِ لنتنه فَإِنَّهُ رُبمَا زَاد على خِيَار الْغنم فِي الْقيمَة لطلب الفحولة، وعَلى الثَّانِي مَعْنَاهُ إلَاّ مَا شَاءَ الْمُصدق مِنْهَا، وَرَأى ذَلِك أَنْفَع للمستحقين فَإِنَّهُ وكيلهم فَلهُ أَن يَأْخُذ مَا شَاءَ، وَيحْتَمل تَخْصِيص ذَلِك إِذا كَانَت الْمَوَاشِي كلهَا مَعِيبَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هَذَا إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا، وَيحْتَمل أَن يكون مُنْقَطِعًا، وَالْمعْنَى: لَا يخرج الْمُزَكي النَّاقِص والمعيب لَكِن يخرج مَا شَاءَ الْمُصدق من السَّلِيم أَو الْكَامِل. وَفِي (التَّلْوِيح) : قَالَ بَعضهم: الْمُصدق، بتَشْديد الصَّاد وَالدَّال، وَقَالَ أَصله: الْمُتَصَدّق، فأدغمت التَّاء فِي الصَّاد لقرب مخرجهما. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل أبدلت التَّاء صادا ثمَّ أدغمت الصَّاد فِي الصَّاد على مَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد الصرفية. ٥٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني أبِي قَالَ حدَّثني ثُمَامَةُ أنَّ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتَبَ لهُ الَّتِي أمَرَ الله رَسولَهُ ﷺ وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إلَاّ مَا شاءَ المُصَدِّقُ.. قد ذكرنَا أَن البُخَارِيّ قطع هَذَا الحَدِيث قطعا، فترجم لكل قِطْعَة مِنْهَا تَرْجَمَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد ذكر غير مرّة، وَنَفس لفظ الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة فَلَا مُطَابقَة بَينهمَا أقوى وأنسب من ذَلِك، وَقد فسرنا أَلْفَاظه. وَأما الحكم فِيهِ فعامة الْفُقَهَاء على الْعَمَل بِهِ، فالمأخوذ فِي الصَّدقَات الْعدْل، وَهُوَ مَا بَين خِيَار المَال ودونه، فَإِن كَانَ المَال كُله معيبا يُؤْخَذ الْوسط مِنْهُ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي أَيْضا. وَعند مَالك: يُكَلف بسليم من الْعَيْب، وَهُوَ مَشْهُور مذهبع، وَيُؤْخَذ فِي الصَّغِيرَة الَّتِي تبلغ سنّ الْجذع، وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا كَانَت كلهَا صغَارًا أَو مراضا أَخذ مِنْهَا، ونحا إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الحكم والمخزومي والماجشون وَمُحَمّد وَأَبُو يُوسُف، وَقَالَ مطرف: إِن كَانَت عِجَافًا أَو ذَوَات عوار أَو تيوسا أخذنها، وَإِن كَانَت مواحض أَو أكولة أَو سخالاً لم تُؤْخَذ مِنْهَا. وَقَالَ عبد الْملك: يَأْخُذ من ذَلِك كُله إِذا لم تكن فِيهَا جَذَعَة أَو ثنية إلَاّ أَن تكون سخالاً فَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا. وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: إِن السخال والعجاجيل لَا شَيْء فِيهَا. وَتَحْقِيق مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا الْبَاب مَا قَالَه صَاحب (الْهِدَايَة) : وَلَيْسَ فِي الفصلان والعجاجيل والحملان صَدَقَة، وَهَذَا آخر أَقْوَال أبي حنيفَة، وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَالثَّوْري وَالشعْبِيّ وَدَاوُد أَبُو سُلَيْمَان، وَكَانَ يَقُول أَولا: يجب فِيهَا مَا يجب فِي الْكِبَار من الْجذع والتثنية، وَبِه قَالَ زفر وَمَالك وَأَبُو عبيد وَأَبُو بكر من الْحَنَابِلَة، وَفِي (الْمُغنِي) : فِي (الصَّحِيح) : ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: تجب وَاحِدَة مِنْهَا، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالشَّافِعِيّ فِي (الْجَدِيد) وصححوه، ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. وروى عَن الثَّوْريّ: أَن الْمُصدق يَأْخُذ مُسِنَّة وَيرد على صَاحب المَال فضل مَا بَين المسنة وَالصَّغِيرَة الَّتِي هِيَ فِي مَاشِيَته، وَهُوَ وَجه للحنابلة، وَهنا قَول آخر ضَعِيف جدا لم ينْقل عَن غير الْحَنَابِلَة: أَنه يجب فِي خمس وَعشْرين من الفصلان وَاحِدَة مِنْهَا، وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا كسن وَاحِدَة مِنْهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين وَاحِدَة سنّهَا مثل سنّ وَاحِدَة مِنْهَا كسن وَاحِدَة مِنْهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين وَاحِدَة سنّهَا مثل سنّ وَاحِدَة مِنْهَا ثَلَاث مَرَّات، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَة مثل سنّهَا أَربع مَرَّات، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) للنووي: إِذا كَانَت الْمَاشِيَة صغَارًا أَو وَاحِدَة مِنْهَا فِي سنّ الْفَرْض يجب سنّ الْفَرْض الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عِنْد الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد، فَإِن هَلَكت المسنة بعد الْحول لَا يُؤْخَذ مِنْهَا شَيْء فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَيجْعَل تبعا لَهَا فِي الْوُجُوب والهلاك، فَإِذا هَلَكت بِغَيْر صنع أحد تجْعَل كَأَنَّهَا هَلَكت مَعَ الصغار، وَعند أبي يُوسُف: يجب تِسْعَة وَثَلَاثُونَ جزأ من أَرْبَعِينَ جزأ من حمل هُوَ أفضلهَا، وَيسْقط فضل المسنة، كَأَن الْكل كَانَ حملانا وَهلك مِنْهَا حمل، وَعند زفر: يجب مثلهَا من تَثْنِيَة وسط، وَإِن هَلَكت الصغار وَبقيت المسنة يجب فِيهَا جُزْء من شَاة وسط اتِّفَاقًا. ذكره الوبري. ٠٤ - (بابُ أخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز أَخذ العناق فِي الصَّدَقَة: أَي: الزَّكَاة، والعناق، بِفَتْح الْعين وَتَخْفِيف النُّون: ولد الْمعز إِذا أَتَى عَلَيْهِ

стр. 2523

أَرْبَعَة أشهر وَفصل من أمه وَقَوي على الرَّعْي، فَإِن كَانَ ذكرا فَهُوَ جدي، وَإِن كَانَ أُنْثَى فَهُوَ عنَاق، فَإِذا أَتَى عَلَيْهِ حول فالذكر ثني وَالْأُنْثَى عنز، ثمَّ يكون جذعا فِي السّنة الثَّانِيَة. وَنقل ابْن التِّين عَن القَاضِي إبي مُحَمَّد: أَن المُرَاد بالعناق الْجَذعَة من الْمعز، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَاخْتلف فِي الْجذع من الْمعز، فَقيل: ابْن سنة. وَقيل: وَدخل فِي الثَّانِيَة، وَاخْتلف فِي الثني فَقيل: إِذا أسقط سنة وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثناياه كلهَا فَهُوَ ثني، وَقيل: لَا يكون سنيا إلَاّ بِسُقُوط ثِنْتَيْنِ، وَأما الْجذع من الضَّأْن فَفِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال عِنْد الملكية: ابْن سنة، ابْن عشرَة أشهر، ابْن ثَمَانِيَة، ابْن سِتَّة، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة: مَا اسْتكْمل سنة وَدخل فِي الثَّانِيَة. ٦٥٤١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ ح وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقا كانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رسُولِ الله ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَمَا هُوَ إلَاّ أنْ رَأيْتُ أنَّ الله شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بالقِتَالِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو مَنَعُونِي عنَاقًا) إِلَى آخِره، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى جَوَاز أَخذ الصَّغِير من الْغنم فِي الزَّكَاة، وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث قصَّة عمر مَعَ أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قتال مانعي الزَّكَاة، وَقد مر الحَدِيث بِتَمَامِهِ مطولا فِي أول الزَّكَاة، أخرجه هُنَاكَ من طَرِيق وَاحِد عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله آخِره، وَهَهُنَا أخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله، وَالْآخر مُعَلّق حَيْثُ قَالَ: قَالَ اللَّيْث ... إِلَى آخِره، وَوَصله الذهلي فِي الزهريات عَن أبي صَالح عَن اللَّيْث. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلفُوا فِي أَخذ العناق والسخال، والبهم إِذا كَانَت الْغنم كَذَلِك كلهَا، أَو كَانَ فِي الْإِبِل فصلان أَو فِي الْبَقر عجاجيل، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ فِي الْغنم جَذَعَة أَو ثنية، وَعَلِيهِ فِي الْإِبِل وَالْبَقر مَا فِي الْكِبَار مِنْهَا، وَهُوَ قَول زفر وَأبي ثَوْر، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: يُؤْخَذ مِنْهَا إِذا كَانَت صغَارًا من كل صنف وَاحِد مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَمُحَمّد: لَا شَيْء فِي الفصلان وَلَا فِي العجاجيل، وَلَا فِي صغَار الْغنم لَا مِنْهَا وَلَا من غَيرهَا، وَذكر ابْن الْمُنْذر: وَكَانَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يَقُولُونَ: فِي أَرْبَعِينَ حملا مُسِنَّة، وعَلى هَذَا القَوْل هم موافقون لقَوْل مَالك، وَقد مر تَحْقِيق هَذَا فِي الْبَاب السَّابِق، فَإِن قلت: كَيفَ وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث عِنْد من يرى جَوَاز أَخذ الصَّغِير إِذا كَانَت الْمَاشِيَة كلهَا صغَارًا؟ قلت: قَالُوا: قَول أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَو مَنَعُونِي عنَاقًا كَانُوا يؤدونها) يدل على أَنَّهَا مَأْخُوذَة فِي الصَّدَقَة، وَهُوَ مَذْهَب البُخَارِيّ أَيْضا، فَلذَلِك ترْجم بالترجمة الْمَذْكُورَة، وَأجَاب المانعون، بِأَن تَأْوِيله: يؤدون عَنْهَا مَا يجوز أَدَاؤُهُ، وَيشْهد لَهُ قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أعدد عَلَيْهِم السخلة وَلَا تأخذها، وَإِنَّمَا خرج قَول الصّديق على الْمُبَالغَة بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى: لَو مَنَعُونِي عقَالًا، والعقال لَيْسَ فِيهِ زَكَاة، وَالله تَعَالَى أعلم. ١٤ - (بابٌ لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا تُؤْخَذ ... إِلَى آخِره، والكرائم جمع كَرِيمَة، يُقَال: نَاقَة كَرِيمَة، أَي: غزيرة اللَّبن، وَيدخل فِيهِ الحديثة الْعَهْد بالنتاج، والسمينة للْأَكْل وَالْحَامِل. ٨٥٤١ - حدَّثنا أُمَيَّةُ بنُ بِسْطَامٍ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا رَوْحُ بنُ القَاسِمِ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيَّةَ عنْ يَحْيى بنِ عَبْدِ الله بنِ صَيْفِي عنْ أبِي مَعْبَدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذا ﵁ عَلَى اليَمَنِ قَالَ إنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهْلِ كِتَابٍ

стр. 2524

فلْيَكُنْ أوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إليْهِ عِبَادَةُ الله فإذَا عَرَفُوا الله فأخْبَرَهُمْ أنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ ولَيْلَتِهِمْ فإذَا فَعَلُوا فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله فَرَضَ علَيْهِمْ زَكاةً تُؤْخَذُ مِنْ أمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فإذَا أطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمُ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أمْوَالِ النَّاسِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتوق كرائم أَمْوَال النَّاس) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي أول الزَّكَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد عَن زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق عَن يحيى بن عبد الله إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن أُميَّة بن بسطَام، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِفَتْحِهَا، وَالْأول أشهر، وَقَالَ ابْن الصّلاح: أعجمي لَا ينْصَرف، وَمِنْهُم من صرفه العيشي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ يروي عَن يزِيد بن زُرَيْع مصغر الزَّرْع المرادف للحرث، مر فِي: بَاب الْجنب يخرج، وَهُوَ يروي عَن روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن الْقَاسِم، مر فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي غسل الْبَوْل، وَهُوَ يروي عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة الْأمَوِي الْمَكِّيّ، مَاتَ فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، عَن يحيى بن عبد الله عَن أبي معبد، بِفَتْح الْمِيم واسْمه: نَافِذ، بالنُّون. وَالْفَاء والذال الْمُعْجَمَة، والتفاوت بَينهمَا يسير، وَلَيْسَ فِي الَّذِي رَوَاهُ أول الزَّكَاة. قَوْله: (وتوق كرائم أَمْوَال النَّاس) ، فلنذكر فِيهِ بعض شَيْء، وَإِن كَانَ الْكَلَام قد مضى فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، فَقَوله: (على الْيمن) ، وَهُوَ الإقليم الْمَعْرُوف، وَإِنَّمَا قَالَ: على الْيمن، مَعَ أَن الْبَعْث يتَعَدَّى بإلى لِأَنَّهُ ضمن فِيهِ معنى الْولَايَة أَي: بعث واليا عَلَيْهِم. قَوْله: (تقدم) بِفَتْح الدَّال من قدم، بِالْكَسْرِ، إِذا جَاءَ من السّفر. وَأما قدُم بِالضَّمِّ فَمَعْنَاه: تقدم. قَوْله: (أول) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ، واسْمه قَوْله: (عبَادَة الله) . قَوْله: (فَإِذا عرفُوا الله) أَي: بِالتَّوْحِيدِ، وَنفي الألوهية عَن غَيره. وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يُقَال: معرفَة الله بِقَرِينَة، فَإِذا عرفُوا الْحق. فَإِن قلت: المُرَاد من الْعِبَادَة الْمعرفَة، كَمَا قيل بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إلَاّ ليعبدونِ﴾ (الذاريات: ٦٥) . أَي: ليعرفونِ. انْتهى قلت: معنى الْعِبَادَة التَّوْحِيد، وَمعنى قَوْله: ﴿إلَاّ ليعبدونِ﴾ (الذاريات: ٦٥) . إلَاّ ليعرفونِ. قَوْله: (وَترد على فقرائهم) ، مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: تُؤْخَذ من أَمْوَالهم وَترد على فقرائهم، والمحذوف مَوْجُود فِي بعض النّسخ. قَوْله: (توق) ، أَي: إحذر النفائس وَخيَار أَمْوَالهم. قَالَ صَاحب (الْمطَالع) : أَي: جَامِعَة الْكَمَال الْمُمكن فِي حَقّهَا من: غزارة اللَّبن، وجمال الصُّورَة، وَكَثْرَة اللَّحْم، وَالصُّوف. ٢٤ - (بابٌ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود زَكَاة، وَقد مر تَفْسِيره وَشرح حَدِيث الْبَاب أَيْضا فِي: بَاب زَكَاة الْوَرق، وَقد تكلّف بَعضهم، فَقَالَ: هَذِه التَّرْجَمَة تتَعَلَّق بِزَكَاة الْإِبِل، وَإِنَّمَا اقتطعها من ثمَّ لِأَن التَّرْجَمَة الْمُتَقَدّمَة مسوقة للْإِيجَاب، وَهَذِه للنَّفْي، فَلذَلِك فصل بَينهمَا بِزَكَاة الْغنم وتوابعه. انْتهى. قلت: هَذَا تعسف لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة لِأَنَّهُ لَا يُرَاعِي التَّرْتِيب بَين الْأَبْوَاب وَإِنَّمَا أعَاد هَذَا الحَدِيث هُنَا للِاخْتِلَاف فِي سَنَده، وَلِأَنَّهُ ترْجم هُنَاكَ للورق وَهَهُنَا لِلْإِبِلِ. ٩٥٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي صَعْصَعَةَ المَازِنِيِّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُق مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ ولَيْسَ فِيمَا دُون خَمْسِ أوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الْأَخير من الحَدِيث، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة الْمَازِني، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مَالك، وَالْمَعْرُوف أَنه: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي صعصعة نسب إِلَى جده، وجده نسب إِلَى جده. قَوْله: (عَن أَبِيه) ، كَذَا رَوَاهُ مَالك، وروى إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) عَن أبي أُسَامَة عَن الْوَلِيد بن كثير عَن مُحَمَّد هَذَا عَن عَمْرو

стр. 2525

ابْن يحيى وَعباد بن تَمِيم كِلَاهُمَا عَن أبي سعيد، وَنقل الْبَيْهَقِيّ عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي أَن مُحَمَّدًا أسمعهُ من ثَلَاثَة أنفس وَأَن الطَّرِيقَيْنِ محفوظان. ٣٤ - (بابُ زَكَاةِ البَقَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِيجَاب زَكَاة الْبَقر. الْبَقر: جمع بقرة، وَهُوَ الباقر أَيْضا، وَيُقَال لَهَا: باقر إِذا كَانَت جمَاعَة مَعَ الرُّعَاة، وَالْبَقر أَيْضا اسْم للْجمع، كالكليب وَالْعَبِيد، والبيقور مثله. وَفِي (الْمُحكم) : الْبَقَرَة من الأهلي والوحشي تكون للمذكر والمؤنث، وَالْجمع: بقر، وَجمع الْبَقَرَة أبقر، كزمن وأزمن، فَأَما باقر وبقير وباقورة، فأسماء للْجمع. وَفِي (كتاب الوحوش) لهشام الكرنبائي: يُقَال للْأُنْثَى من بقر الْوَحْش، بقرة ونعجة ومهاة، وَقد يُقَال فِي الشّعْر للبقرة: ثورة، وَلم يَجِيء فِي الْكَلَام: والباقرة جماع بقرة والبقير لَا وَاحِد لَهُ، وَفِي (الصِّحَاح) ؛ وَالْجمع الْبَقَرَات، وَفِي (الْمغرب) للمطرزي: والباقور والبيقور والأبقور: الْبَقر، وَكَذَا الباقورة. وَقَالَ أبُو حُمَيْدٍ قَالَ النبيُّ ﷺ لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ الله رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ ويُقَالُ جُؤَارٌ تَجْأرُونَ تَرْفَعُونَ أصْوَاتَكُمْ كَما تجْأرُ البَقَرَةُ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث يتَضَمَّن الْوَعيد فِيمَن لم يؤد زَكَاة الْبَقر، فَيدل على وجوب زَكَاة الْبَقر، وَقد قُلْنَا: إِن التَّقْدِير فِي التَّرْجَمَة: بَاب فِي بَيَان إِيجَاب زَكَاة الْبَقر، وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث ابْن اللتيبة أخرجه مُسْندًا مَوْصُولا من طرق، وَهَذَا الْقدر وَقع عِنْده مَوْصُولا فِي كتاب: ترك الْحِيَل، وَأَبُو حميد، بِضَم الْحَاء: السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، قيل: اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَقيل: الْمُنْذر بن سعد، مر فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة. قَوْله: (لأعرفن) أَي: لأعرفنكم غَدا على هَذِه الْحَالة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لأعرفن، بِحرف النَّفْي، أَي: مَا يَنْبَغِي أَن تَكُونُوا على هَذِه الْحَالة فأعرفكم بهَا. قَالَ القَاضِي: رِوَايَة النَّفْي أشهر، وَرِوَايَة: لأعرفن، أَكثر. رَوَاهُ مُسلم. قَوْله: (مَا جَاءَ الله رجل) كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة، وَلَفْظَة: الله، مَنْصُوبَة بقوله: جَاءَ، وَرجل مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: جَاءَ، وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول قَوْله: لأعرفن، وَتَقْدِير الْكَلَام: لأعرفن مَجِيء رجل إِلَى الله يَوْم الْقِيَامَة ببقرة لَهَا خوار، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبِغير الْهمزَة، وَهُوَ: صَوت الْبَقر. قَوْله: (وَيُقَال جؤار) ، من كَلَام البُخَارِيّ: أَي: يُقَال: جؤار، بِضَم الْجِيم وبالهمزة مَوضِع: خوار، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَشْهُور بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. وَأما: الجؤار، بِالْجِيم والهمزة فَمَعْنَاه: رفع الصَّوْت، والاستغاثة من جأر يجأر جأرا وجؤارا إِذا رفع صَوته مَعَ تضرع واستغاثة. قَالَه فِي (الْمُحكم) : وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ رفع الصَّوْت بِالدُّعَاءِ. وَفِي كتاب (الوحوش) للكرنبائي: الخوار غير مَهْمُوز، والجؤار مَهْمُوز وهما سَوَاء. قَوْله: (تجأرون) أَشَارَ بِهِ إِلَى الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ، مَعْنَاهُ: ترفعون أَصْوَاتكُم، وَقد جرت عَادَة البُخَارِيّ إِذا وقف على لَفْظَة غَرِيبَة تطابق كلمة فِي الْقُرْآن نقل تَفْسِير تِلْكَ الْكَلِمَة الَّتِي من الْقُرْآن تكثيرا للفائدة وتنبيها على مَا وَقع من ذَلِك فِي الْقُرْآن، وَقد روى ابْن أبي حَاتِم هَذَا التَّفْسِير عَن السّديّ، وروى أَيْضا من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: (تجأرون) قَالَ: تَسْتَغِيثُونَ. ٠٦٤١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنُ غِيَاثٍ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنِ المَعْرُوِرِ ابنِ سُوَيْدٍ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ انْتَهَيْتُ إلَى النبيِّ ﷺ . قَالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أوْ وَالَّذِي لَا إلاهَ غَيْرُهُ أوْ كَمَا حَلَفَ مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إبِلٌ أوْ بَقَرٌ أوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إلَاّ أُتِيَ بِهَا يوْمَ القِيَامَةِ أعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأخْفَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا كلَّمَا جازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عليهِ أُولاهَا حَتَّى يُقْضى بَيْنَ النَّاسِ. (الحَدِيث ٠٦٤١ طرفه فِي: ٨٣٦٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة مثل الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق. ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَالْأَعْمَش

стр. 2526

هُوَ سُلَيْمَان، والمعرور، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالراء المكررة، مر فِي: بَاب الْمعاصِي، فِي كتاب الْإِيمَان. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النذور مقطعا. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن أبي كريب وَعَن أبي مُعَاوِيَة، ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش عَنهُ بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ مُخْتَصرا (مَا من صَاحب إبل) الحَدِيث. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي ﷺ ويروى: (انْتَهَيْت إِلَيْهِ) أَي: إِلَى النَّبِي ﷺ ، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، أَيْضا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : انْتَهَيْت إِلَيْهِ يَعْنِي: إِلَى النَّبِي ﷺ . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (انْتَهَيْت إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (جِئْت إِلَى رَسُول الله ﷺ . أما رِوَايَة مُسلم فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد (عَن أبي ذَر، قَالَ: انْتَهَيْت إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ جَالس فِي ظلّ الْكَعْبَة، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: هم الأخسرون وَرب الْكَعْبَة) الحَدِيث، وَفِيه: (مَا من صَاحب إبل وَلَا بقر وَلَا غنم لَا يُؤَدِّي زَكَاتهَا إلَاّ جَاءَت يَوْم الْقِيَامَة أعظم مَا كَانَت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها، كلما نفدت أخراها عَادَتْ عَلَيْهِ أولاها حَتَّى يقْضى بَين النَّاس) . وَأما رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا هناد بن السّري حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد (عَن أبي ذَر، قَالَ: جِئْت إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ جَالس فِي ظلّ الْكَعْبَة، قَالَ: فرآني مُقبلا، فَقَالَ: هم الأخسرون وَرب الْكَعْبَة يَوْم الْقِيَامَة) الحَدِيث، وَفِيه: (ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَمُوت رجل فيدع إبِلا أَو بقر لم يؤد زَكَاتهَا إلَاّ جَاءَت يَوْم الْقِيَامَة أعظم مَا كَانَت وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما نفدت. .) إِلَى آخِره، نَحْو رِوَايَة مُسلم. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: قَالَ: انْتَهَيْت إِلَيْهِ) هُوَ مقول الْمَعْرُور، وَالضَّمِير يعود على أبي ذَر، وَهُوَ الْحَالِف. انْتهى قلت: رِوَايَة مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ تظهر غلط هَذَا الْقَائِل، وَهَذَانِ العمدتان فِي هَذَا الْأَمر يصرحان أَن قَوْله: انْتَهَيْت، مقول أبي ذَر، وَلَيْسَ بمقول الْمَعْرُور، وَأَن الْحَالِف هُوَ النَّبِي ﷺ . قَوْله: (أَو كَمَا حلف) ، يَعْنِي: حَالفا بِلَا خلاف، وَلَكِن أَبَا ذَر تردد بَين هَذِه الْأَلْفَاظ وَلم يضبطها كَمَا وَقع. قَوْله: (مَا من رجل) مقول قَوْله: (قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) وَهَذِه الْجُمْلَة مُعْتَرضَة بَين قَالَ ومقولة. قَوْله: (لَا يُؤَدِّي حَقّهَا) أَي: زَكَاتهَا، وَكَذَا صرح فِي رِوَايَة مُسلم حَيْثُ قَالَ: (لَا يُؤَدِّي مُسلم زَكَاتهَا) . قَوْله: (أُتِي بهَا) بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (أعظم) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (وأسمنه) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى مَا يكون. قَوْله: (وتنطحه) ، بِكَسْر عينه وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ثَعْلَب فِي (الفصيح) وماضيه: نطح، بِفَتْح الْعين. قَالَ الْقَزاز: النطح ضرب الْكَبْش بِرَأْسِهِ، وَحكى المطرزي فِي (شَرحه) يَنْطَح، بِفَتْح الْعين فِي الْمُسْتَقْبل وَفِي الْمَاضِي بِالتَّشْدِيدِ: نطح قلت: لَيْسَ هَذَا من ذَلِك وَلَا يَأْتِي من: فعَّل، بِالتَّشْدِيدِ إلَاّ بِفعل كَذَلِك بِالتَّشْدِيدِ. وَقيل: النطح مَخْصُوص بالكباش، وَكَانَ ابْن خروف يخطؤه فِي ذَلِك، وَقد اسْتعْمل فِي غير الكباش، وَحكى ابْن قُتَيْبَة: نطح الْكَبْش والثور، وَحكى اللغويون: نطح الشجاع قرنه فصرعه. وَفِي كتاب (الفصيح) : نطح الْكَبْش وَغَيره يَنْطَح. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: وتناطحت الأمواج. وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه فِي كِتَابه (شرح الفصيح) : النطح بالقرنين أَو الرأسين، ويخص بذلك الكباش لِأَنَّهَا مولعة بِهِ، حَتَّى إِن الأقران فِي الْحَرْب تشبه بهَا، فَيُقَال: تناطحوا وانتطحوا، ونطح فلَان قرنه فصرعه. قَوْله: (بأخفافها) جمع: خف، فالخف للبعير كَمَا أَن الْقرن للبقر وَالْغنم. قَوْله: (كلما جَازَت) أَي: مرت. قَوْله: (ردَّتْ) على صِيغَة الْمَجْهُول ويروى على صِيغَة الْمَعْلُوم، فالفاعل أما الأولى، وَأما الْأُخْرَى. قَوْله: (عَلَيْهِ) أَي: على رجل لَهُ إبل، وَهُوَ الْمَذْكُور، وَمَعْنَاهُ: يُعَاقب بِهَذِهِ الْعقُوبَة حَتَّى يقْضِي بَين النَّاس أَي: إِلَى أَن يفرغ الْحساب. رَوَاهُ بُكَيْرٌ عنْ أبِي صَالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: روى هَذَا الحَدِيث بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه مُسلم مطولا مَوْصُولا من طَرِيق بكير بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَقَالَ: حَدثنِي هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث أَن بكيرا حَدثهُ عَن ذكْوَان عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا لم يؤد الْمَرْء حق الله أَو الصَّدَقَة فِي إبِله) وسَاق الحَدِيث بِنَحْوِ حَدِيث سُهَيْل عَن أَبِيه. فَإِن قلت: لم يذكر البُخَارِيّ كَيْفيَّة

стр. 2527

زَكَاة الْبَقر، وَإِنَّمَا ذكر مَا يدل على وُجُوبهَا فَقَط؟ قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: الحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ أصح الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي زَكَاة الْبَقر، وَلم يذكر البُخَارِيّ فِي ذَلِك شَيْئا. وَأرَاهُ لم يَصح عِنْده فِي ذَلِك حَدِيث. قلت: روى أَبُو عَليّ الطوسي وَالتِّرْمِذِيّ (عَن معَاذ: بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ إِلَى الْيمن وَأَمرَنِي أَن آخذ من أَرْبَعِينَ بقرة مُسِنَّة، وَمن كل ثَلَاثِينَ بقرة تبيعا) ، وَحسنه التِّرْمِذِيّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم. وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وروى الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث عَمْرو ابْن حزم (عَن كتاب النَّبِي ﷺ : فِي كل أَرْبَعِينَ باقورة بقرة) . وَاخْتلف النَّاس فِي زَكَاة الْبَقر، فَقَالَت الظَّاهِرِيَّة: لَا زَكَاة فِي أقل من خمسين من الْبَقر، فَإِذا ملك خمسين بقرة عَاما قمريا مُتَّصِلا فَفِيهَا بقرة، وَفِي الْمِائَة بقرتان، ثمَّ فِي كل خمسين بقرة بقرة، وَلَا شَيْء فِي الزِّيَادَة حَتَّى تبلغ الْخمسين، وَقَالَت طَائِفَة: لَيْسَ فِيمَا دون ثَلَاثِينَ شَيْء فَإِذا بلغت ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تبيع، ثمَّ لَا شَيْء فِيهَا حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ، فَإِذا بلغتهَا فَفِيهَا بقرة، ثمَّ لَا شَيْء فِيهَا حَتَّى تبلغ خمسين فَإِذا بلغتهَا فَفِيهَا بقرة وَربع بقرة، ثمَّ لَا شَيْء فِيهَا حَتَّى تبلغ سبعين، فَإِذا بلغتهَا فَفِيهَا تبيع ومسنة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن إِبْرَاهِيم، وَهِي رِوَايَة غير مَشْهُورَة عَن أبي حنيفَة، وَالْمَشْهُور عَن أبي حنيفَة: لَيْسَ فِي أقل من ثَلَاثِينَ من الْبَقر صَدَقَة، فَإِذا كَانَت ثَلَاثِينَ سَائِمَة وَحَال عَلَيْهَا الْحول فَفِيهَا تبيع أَو تبيعه وَهِي الَّتِي طعنت فِي الثَّالِثَة، فَإِذا زَادَت على أَرْبَعِينَ فَفِي الزِّيَادَة بِقدر ذَلِك إِلَى سِتِّينَ عِنْد أبي حنيفَة، فَفِي الْوَاحِدَة الزَّائِدَة ربع عشر مُسِنَّة، وَفِي السِّتين نصف عشر مُسِنَّة، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا شَيْء فِي الزِّيَادَة حَتَّى تبلغ سِتِّينَ فَيكون فِيهَا تبيعان أَو تبيعتان، وَهِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة، وَفِي سبعين مُسِنَّة وتبيع، وَفِي ثَمَانِينَ مسنتان، وَفِي تسعين ثَلَاثَة أتبعة، وَفِي الْمِائَة تبيعان ومسنة، وعَلى هَذَا يتَغَيَّر الْفَرْض فِي كل عشرَة من تبيع إِلَى مُسِنَّة، ومذهبنا مَذْهَب عَليّ بن أبي طَالب وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَالشعْبِيّ وطاووس وَشهر بن حُوسِبَ وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. ٤٤ - (بابُ الزَّكَاةِ عَلَى الأقَارِبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الزَّكَاة على الْأَقَارِب، وَلَيْسَ المُرَاد من الزَّكَاة هَهُنَا مَعْنَاهَا الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ إيتَاء جُزْء من النّصاب الشَّرْعِيّ الحولي إِلَى فَقير مُسلم غير هاشمي وَلَا مَوْلَاهُ بِشَرْط قطع الْمَنْفَعَة عَن الْمُزَكي لله تَعَالَى، وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهَا مَا أخرجته من مَالك لتسد بِهِ خلة الْمُحْتَاج وتكتسب بِهِ الْأجر والمثوبة عِنْد الله، وللزكاة معَان فِي اللُّغَة: مِنْهَا مَا ذَكرْنَاهُ، فَبِهَذَا يلتئم مَا فِي الْبَاب من الْأَحَادِيث مَعَ التَّرْجَمَة، وَقد تعسفت جمَاعَة هَهُنَا بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ وَلَا مُنَاسبَة، مِنْهُم الْكرْمَانِي حَيْثُ يَقُول: فَإِن قلت: عقد الْبَاب لِلزَّكَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ ذكرهَا؟ قلت: لَعَلَّه أثبت لِلزَّكَاةِ حكم الصَّدَقَة بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا. وَقَالَ النبيُّ ﷺ لَهُ أجْرَانِ أجْرُ القَرَابةَ وَالصَّدَقَةِ هَذَا التَّعْلِيق أخرجه مُسْندًا فِي: بَاب الزَّكَاة على الزَّوْج والأيتام، بعد ثَلَاثَة أَبْوَاب من هَذَا الْبَاب فِي حَدِيث زَيْنَب امْرَأَة عبد الله ابْن مَسْعُود، وَلَكِن لَفظه فِيهِ: (لَهَا أَجْرَانِ: أجر الْقَرَابَة وَأجر الصَّدَقَة) . ١٦٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصَارِ بالمَدِينَةِ مَالا مِنْ نَخْلٍ وكانَ أحَبَّ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وكانَ رسولُ الله ﷺ يَدْخُلُهَا ويَشْرَبُ منْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هاذِهِ الآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . قامَ أبُو طَلْحَةَ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله إِن الله ﵎ يقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . وَإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ وإنَّهَا صَدَقَةٌ لله أرْجُو بِرَّهَا وذُخْرَهَا عِنْدَ الله فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيثُ أرَاكَ الله قَالَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ بَخْ ذالِكَ مالٌ رَابِحٌ ذالِكَ مالٌ رَابِحٌ

стр. 2528

وقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتُ وَإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقْرَبِينَ فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ أفْعَلُ يَا رسولَ الله فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ فِي أقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم مماذ ذكرنَا الْآن، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَإِسْحَاق هَذَا ابْن أخي أنس بن مَالك، وَأَبُو طَلْحَة اسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي الْوَصَايَا عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْوكَالَة عَن يحيى بن يحيى، وَفِي الْوَصَايَا وَفِي الإشربة عَن القعْنبِي، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى ابْن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن هَارُون بن عبد الله. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَكثر الْأَنْصَار) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ. قَوْله: (مَالا) ، نصب على التَّمْيِيز أَي: من حَيْثُ المَال، وَكلمَة: من، فِي: (من نخل) للْبَيَان. قَوْله: (بيرحاء) ، اخْتلفُوا فِي ضَبطه على أوجه جمعهَا ابْن الْأَثِير فِي (النِّهَايَة) فَقَالَ: يرْوى بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وبكسرها، وبفتح الرَّاء وَضمّهَا، وبالمد وَالْقصر، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة: بريحا، بِفَتْح أَوله وَكسر الرَّاء وتقديمها على الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) بأريحاء، مثله لَكِن بِزِيَادَة ألف. وَقَالَ الْبَاجِيّ: أفصحها بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون الْيَاء وَفتح الرَّاء مَقْصُور، وَكَذَا جزم بِهِ الصغاني. وَقَالَ: إِنَّه فيعلاً من: البراح. قَالَ: وَمن ذكره بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَظن أَنَّهَا: بِئْر، من أبار الْمَدِينَة فقد صحف. وَقَالَ القَاضِي: روينَا بِفَتْح الْبَاء وَالرَّاء وَضمّهَا مَعَ كسر الْبَاء، وَمِنْهُم من قَالَ: من رفع الرَّاء وألزمها حكم الْإِعْرَاب فقد أَخطَأ. وَقَالَ: وبالرفع قرأناه على شُيُوخنَا بالأندلس، وَالرِّوَايَات فِيهِ الْقصر، وروينا أَيْضا بِالْمدِّ، وَهُوَ حَائِط سمي بِهَذَا الإسم وَلَيْسَ اسْم بِئْر، وَقَالَ التَّيْمِيّ: هُوَ بِالرَّفْع اسْم كَانَ (وَأحب) خَبره، وَيجوز بِالْعَكْسِ و: حا، مَقْصُور كَذَا الْمَحْفُوظ، وَيجوز أَن يمد فِي اللُّغَة، يُقَال: هَذِه حاء بِالْقصرِ وَالْمدّ، وَقد جَاءَ: حا، فِي اسْم قَبيلَة، وبير حاء، بُسْتَان. وَكَانَت بساتين الْمَدِينَة تدعى بالآبار الَّتِي فِيهَا أَي الْبُسْتَان الَّتِي فِيهِ بِئْر حا، أضيف الْبِئْر إِلَى: حا، ويروى: بير حا، بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفتح الرَّاء، هُوَ اسْم مَقْصُور وَلَا يَتَيَسَّر فِيهِ إِعْرَاب، أَي: فَهُوَ كلمة وَاحِدَة لَا مُضَاف وَلَا مُضَاف إِلَيْهِ. قَالَ: وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع رفع، وَأَن يكون فِي مَوضِع نصب، ويروى: (وَأَن أحب أَمْوَالِي بير حا) ، فعلى هَذَا مَحَله رفع وَهُوَ اسْم بُسْتَان، وَقَالَ ابْن التِّين: قيل: حا، اسْم امْرَأَة، وَقيل: اسْم مَوضِع وَهُوَ مَمْدُود وَيجوز قصره. وَفِي (مُعْجم أبي عبيد) : حا، على لفظ حرف الهجاء مَوضِع بِالشَّام، و: حا، آخر، مَوضِع بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ الَّذِي ينْسبهُ إِلَيْهِ بِئْر حا، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت، أرِيحَا، خرجه أَبُو دَاوُد وَلَا أعلم أرِيحَا إلَاّ بِالشَّام. وَقيل: سميت بيرحا، بزجر الْإِبِل عَنْهَا، وَذَلِكَ أَن الْإِبِل إِذا زجرت عَن المَاء، وَقد رويت: حاحا، وَقيل: بير حا، من البرح وَالْيَاء زَائِدَة. وَفِي (الْمُنْتَهى) : بيرح اسْم رجل، زَاد فِي (الواعي) : الْيَاء فِيهِ زَائِدَة. قَوْله: (وَكَانَت) أَي: بيرحا (مُسْتَقْبلَة الْمَسْجِد) أَو مُقَابلَته، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا الْموضع يعرف بقصر بني جديلة، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الدَّال الْمُهْملَة، قبلي الْمَسْجِد، وَفِي (التَّلْوِيح) : هُوَ مَوضِع بِقرب الْمَسْجِد يعرف بقصر بني حديلة، وضبطها بِالْكِتَابَةِ: بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الدَّال. قلت: الصَّوَاب بِالْجِيم. قَوْله: (من مَاء فِيهَا) أَي: فِي بيرحا. قَوْله: (طيب) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ صفة للْمَاء. قَوْله: (فَلَمَّا أنزلت هَذِه الْآيَة) وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أبي صَالح: لن تنالوا مَا عِنْد الله من ثَوَابه فِي الْجنَّة حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون من الصَّدَقَة، أَي: بعض مَا تحبون من الْأَمْوَال. وَقَالَ الضَّحَّاك: يَعْنِي لن تدْخلُوا الْجنَّة حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون، يَعْنِي: تخرجُونَ زَكَاة أَمْوَالكُم طيبَة بهَا أَنفسكُم، وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة، نسختها آيَة الزَّكَاة. قَوْله: ﴿وَمَا تنفقوا من شَيْء﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . يَعْنِي: الصَّدَقَة وصلَة الرَّحِم، ﴿فَإِن الله بِهِ عليم﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . أَي: مَا يخفى عَلَيْهِ فيثيبكم عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَن عبد الله ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه اشْترى جَارِيَة جميلَة وَهُوَ يُحِبهَا، فَمَكثت عِنْده أَيَّامًا فَأعْتقهَا فَزَوجهَا من رجل فولد لَهَا ولد، فَكَانَ يَأْخُذ وَلَدهَا ويضمه إِلَى نَفسه، فَيَقُول: إِنِّي أَشمّ مِنْك ريح أمك. فَقيل لَهُ: قد رزقك الله من حَلَال فَأَنت تحبها فَلم تركتهَا؟ فَقَالَ: ألم تسمع هَذِه الْآيَة: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . ذكره أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي (تَفْسِيره) وَذكر أَيْضا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَشْتَرِي أعدالاً من سكر وَيتَصَدَّق بِهِ، فَقيل لَهُ: هلا تَصَدَّقت بِثمنِهِ؟ فَقَالَ: لِأَن السكر أحب إِلَيّ، فَأَرَدْت أَن أنْفق مِمَّا أحب. قَوْله: (قَامَ إِلَى رَسُول الله ﷺ )

стр. 2529

أَي: قَامَ أَبُو طَلْحَة منتهيا إِلَى رَسُول الله ﷺ قَوْله: (برهَا) ، أَي: خَيرهَا، وَالْبر إسم جَامع لأنواع الْخيرَات والطاعات، وَيُقَال أَرْجُو ثَوَاب برهَا. قَوْله: (وَذُخْرهَا) أَي: أقدمها فأدخرها لأجدها هُنَاكَ، وَعَن ابْن مَسْعُود: الْبر فِي الْآيَة: الْجِهَة، وَالتَّقْدِير على هَذَا: أَبْوَاب الْبر. قَوْله: (بخ) ، هَذِه كلمة تقال عِنْد الْمَدْح والرضى بالشَّيْء وتكرر للْمُبَالَغَة، فَإِن وصلت خففت ونونت وَرُبمَا شددت كالاسم، وَيُقَال بِإِسْكَان الْخَاء وتنوينها مَكْسُورَة، وَقَالَ القَاضِي: حُكيَ بِالْكَسْرِ بِلَا تَنْوِين، وَرُوِيَ بِالرَّفْع، فَإِذا كررت فالاختيار تَحْرِيك الأول منونا وَإِسْكَان الثَّانِي، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: مَعْنَاهُ تَعْظِيم الْأَمر وتفخيمه، وسكنت الْخَاء فِيهِ كسكون اللَّام فِي: هَل وبل، وَمن نونه شبهه بالأصوات: كصه ومه، وَفِي (الواعي) : قَالَ الْأَحْمَر: فِي بخ أَربع لُغَات: الْجَزْم والخفض وَالتَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف. وَقَالَ ابْن بطال: هِيَ كلمة إعجاب، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الْمَدْح والمحمدة، وَقَالَ الْقَزاز: هِيَ كلمة يَقُولهَا المفتخر عِنْد ذكر الشَّيْء الْعَظِيم، وَكلهَا مُتَقَارِبَة فِي الْمَعْنى. قَوْله: (مَال رابح) بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَي: يربح فِيهِ صَاحبه فِي الْآخِرَة، وَمَعْنَاهُ: ذُو ربح كلابن وتامر، أَي: ذُو لبن وَذُو تمر، وَقَالَ ابْن قرقول: وَرُوِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة من تَحت من الرواح يَعْنِي: يروح عَلَيْهِ أجره. وَقَالَ ابْن بطال: وَالْمعْنَى أَن مسافته قريبَة وَذَلِكَ أنفس الْأَمْوَال. وَقيل: مَعْنَاهُ يروح بِالْأَجْرِ وَيَغْدُو بِهِ، وَاكْتفى بالرواح عَن الغدو، ولعلم السَّامع، وَيُقَال: مَعْنَاهُ أَنه مَال رائح، يَعْنِي من شَأْنه الرواح أَي: الذّهاب والفوات فَإِذا ذهب فِي الْخَيْر فَهُوَ أولى. وَقَالَ القَاضِي: وَهِي رِوَايَة يحيى بن يحيى وَجَمَاعَة، وَرِوَايَة أبي مُصعب وَغَيره بِالْبَاء الْمُوَحدَة. وَقَالَ ابْن قرقول: بل الَّذِي روينَاهُ ليحيى بِالْبَاء المفردة، وَهُوَ مَا فِي مُسلم، وَفِي (التَّلْوِيح) : يحيى الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن قرقول يحيى اللَّيْثِيّ المغربي، وَيحيى الَّذِي فِي البُخَارِيّ هُوَ النَّيْسَابُورِي، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الواني فِي كِتَابه (أَطْرَاف الْمُوَطَّأ) : فِي رِوَايَة يحيى الأندلسي بِالْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ: وَتَابعه روح بن عبَادَة وَغَيره، وَقَالَ يحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي وَإِسْمَاعِيل وَابْن وهب وَغَيرهم: رائح، بِالْهَمْزَةِ من الرّوح، وَشك القعْنبِي فِيهِ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: من قَالَ رابح، بِالْبَاء، فقد صحف. قَوْله: (وَقد سَمِعت مَا قلت) بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي الْوكَالَة: بَاب إِذا قَالَ الرجل لوَكِيله ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاك الله، وَقَالَ الْوَكِيل: قد سَمِعت، وَقَالَ الْمُهلب: دلّ على قبُوله ﷺ مَا جعل إِلَيْهِ أَبُو طَلْحَة، ثمَّ رد الْوَضع فِيهَا إِلَى أبي طَلْحَة بعد مشورته عَلَيْهِ فِيمَن يَضَعهَا. قَوْله: (أفعل) . قَالَ السفاقسي: هُوَ فعل مُسْتَقْبل مَرْفُوع، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن يَقُول: إفعل أَنْت ذَاك فقد أمضيته على مَا قلت، فَجعله أمرا. قَوْله: (فِي أَقَاربه) الْأَقَارِب جمع: الْأَقْرَب، وَقَالَت الْفُقَهَاء: لَو قَالَ: وقفت على قَرَابَتي، يتَنَاوَل الْوَاحِد، وَيُقَال: هم قَرَابَتي وَهُوَ قَرَابَتي، وَفِي (الفصيح) : ذُو قَرَابَتي للْوَاحِد وَذُو قَرَابَتي للإثنين وَذُو قَرَابَتي للْجمع، والقرابة والقربى فِي الرَّحِم. وَفِي (الصِّحَاح) : والقرابة الْقُرْبَى فِي الرَّحِم، وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر تَقول: بيني وَبَينه قرَابَة وَقرب وقربى ومقربة ومقربة وقربة وقربة، بِضَم الرَّاء، وَهُوَ قربى وَذُو قَرَابَتي وهم أقربائي وأقاربي، والعامة تَقول: هُوَ قَرَابَتي وهم قراباتي. قَوْله: (وَبني عَمه) ، من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، فَافْهَم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الرجل الصَّالح قد يُضَاف إِلَيْهِ حب المَال وَقد يضيفه هُوَ إِلَى نَفسه، وَلَيْسَ فِي ذَلِك نقيصة عَلَيْهِ. وَفِيه: اتِّخَاذ الْبَسَاتِين وَالْعَقار، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَفِيه رد لما يرْوى عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّه قاال: (لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَة فترغبوا فِي الدُّنْيَا) . وَفِيه: إِبَاحَة دُخُول الْعلمَاء الْبَسَاتِين. وَفِيه: دُخُول الشَّارِع حَوَائِط أَصْحَابه وشربه من مَائِهَا. وَفِيه: أَن كسب الْعقار مُبَاح إِذا كَانَ حَلَالا وَلم يكن بِسَبَب ذل وَلَا صغَار، فَإِن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كره كسب أَرض الْخراج وَلم ير شراها، وَقَالَ لَا تجْعَل فِي عُنُقك صغَارًا. وَفِيه: إِبَاحَة شرب من مَاء الصّديق وَكَذَا الْأكل من ثماره وَطَعَامه. قَالَ أَبُو عمر: إِذا علم أَن نفس صَاحبه تطيب بذلك. وَفِيه: دلَالَة للْمَذْهَب الصَّحِيح أَنه يجوز أَن يُقَال: إِن الله ﵎ يَقُول، كَمَا يُقَال: ءن الله تَعَالَى قَالَ، خلافًا لما قَالَه مطرف بن عبد الله بن الشخير، إِذْ قَالَ: لَا يُقَال الله وَتَعَالَى يَقُول، إِنَّمَا يُقَال: قَالَ الله، أَو الله، ، كَأَنَّهُ ينجر إِلَى اسْتِئْنَاف القَوْل. وَقَول الله قديم، وَكَأَنَّهُ ذهل عَن قَوْله ﴿وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل﴾ (الْأَحْزَاب: ٤) . وَفِيه: اسْتِعْمَال ظَاهر الْخطاب وعمومه، أَلا ترى أَن أَبَا طَلْحَة حِين سمع: ﴿لن تنالوا الْبر﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . لم يحْتَج أَن يقف حَتَّى يرد عَلَيْهِ الْبَيَان عَن الشَّيْء الَّذِي يُرِيد الله ، أَن ينْفق عباده مِنْهُ إِمَّا بِآيَة أَو سنة تبين ذَاك.

стр. 2530

وَفِيه: مُشَاورَة أهل الْعلم وَالْفضل فِي كَيْفيَّة وُجُوه الطَّاعَات وَغَيرهَا والإنفاق من المحبوب. وَفِيه: أَن الْوَقْف صَحِيح وَإِن لم يذكر سَبيله، وَهُوَ الَّذِي بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي الْوَصَايَا. وَفِيه: أَن الْوكَالَة لَا تتمّ إِلَّا بِالْقبُولِ. وَفِيه: أَن أَبَا طَلْحَة هُوَ الَّذِي قسمهَا فِي أَقَاربه وَبني عَمه وَقد ذكر إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (الْمَبْسُوط) عَن القعْنبِي بِسَنَدِهِ. وَفِيه: أَن النَّبِي ﷺ قسمهَا فِي أقَارِب أبي طَلْحَة وَبني عَمه لَا خلاف فِي ذَلِك، وَقَالَ أَبُو عمر: هُوَ الْمَحْفُوظ عِنْد الْعلمَاء. قلت: هَذَا خلاف مَا ذكر هُنَا، وَيحْتَمل أَنه إِنَّمَا أضيف إِلَى النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ الْآمِر بِهِ. وَفِيه: فِي قَوْله: (فضعها يَا رَسُول الله حَيْثُ أَرَاك الله) ، جَوَاز أَمر الرجل لغيره أَن يتَصَدَّق عَنهُ، أَو يقف عَنهُ وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الآخر: خُذ هَذَا المَال فاجعله حَيْثُ أَرَاك الله من وُجُوه الْخَيْر. وَقَالَ مَالك: فِي هَذَا لَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَإِن كَانَ فَقِيرا، فَقَالَ غَيره: وَجَاز لَهُ أَن يَأْخُذهُ كُله إِذا كَانَ فَقِيرا. وَفِيه: صِحَة الصَّدَقَة الْمُطلقَة وَالْحَبْس الْمُطلق، وَهُوَ الَّذِي لم يعين مصرفه ثمَّ بعد ذَلِك يعين. وَفِيه: جَوَاز أَن يُعْطي الْوَاحِد من الصَّدَقَة فَوق مِائَتي دِرْهَم لِأَن هَذَا الْحَائِط مَشْهُور أَن ريعه يحصل للْوَاحِد مِنْهُ أَكثر من ذَلِك، قَالَه الْقُرْطُبِيّ، وَلَا فرق بَين فرض الصَّدَقَة ونفلها فِي مِقْدَار مَا يجوز إِعْطَاؤُهُ الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ فِيمَا ذكره الْخطابِيّ. وَفِيه: أَن الصَّدَقَة إِذا كَانَت جزلة مدح صَاحبهَا لقَوْله ﷺ : (بخ ذَلِك مَال رابح) . وَفِيه: أَن الصَّدَقَة على الْأَقَارِب وضعفاء الأهلين أفضل مِنْهَا على سَائِر النَّاس إِذا كَانَت صَدَقَة تطوع، وَيدل على ذَلِك قَوْله، ﷺ : (لَك أَجْرَانِ: أجر الْقَرَابَة وَالصَّدَََقَة) . وَقَالَ لميمونة حِين أعتقت جَارِيَة لَهَا (أما إِنَّك لَو أعطيتهَا أخوالك كَانَ أعظم لأجرك) ذكره البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْهِبَة. تابَعَهُ رَوْحٌ أَي: تَابع عبد الله بن يُوسُف روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة الْبَصْرِيّ عَن مَالك فِي قَوْله: (رابح) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْبيُوع. وَقَالَ يَحْيى بنُ يَحْيى وَإسْمَاعِيلُ عَن مالِكٍ رَايِحٌ أَي: قَالَ يحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي، رَحمَه الله تَعَالَى، وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس فِي روايتهما عَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَايِح بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، أما رِوَايَة يحيى فستأتي مَوْصُولَة فِي الْوكَالَة، وَأما رِوَايَة إِسْمَاعِيل فوصلها البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي التَّفْسِير. ٢٦٤١ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبرنِي زَيْدٌ عنْ عِيَاضِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ خَرَجَ رسولُ الله ﷺ فِي أضْحًى أوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وأمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فإنِّي رأيْتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذالِكَ يَا رَسُولَ الله قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ مَا رَأيْتُ مِنْ ناقِصَاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صارَ إلَى مَنْزِلِهِ جاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأةُ ابنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رسولَ الله هاذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أيُّ الزَّيانِبِ فَقِيلَ امرأةُ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائذِنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قالَتْ يَا نَبِيَّ الله إنَّكَ أمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وكانَ عِنْدي حُلِيٌّ لِي فأرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ وَوَلَدَهُ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النبيُّ ﷺ صَدَقَ ابنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ. .

стр. 2531

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي صدر الْبَاب فَليرْجع إِلَيْهِ. ذكر رِجَاله: وهم: سَبْعَة: الأول: سعيد ابْن أبي مَرْيَم وَهُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: زيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة الْعَدوي. الرَّابِع: عِيَاض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح الْقرشِي العامري الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر فِي كتاب الْحيض، فِي: بَاب ترك الْحَائِض الصَّوْم مَعَ الْمَتْن من قَوْله: (خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى قَوْله: (من إحداكن) ، وَفِيه زِيَادَة وَهِي قَوْله: (قُلْنَ: وَمَا نُقْصَان ديننَا وعقلنا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل، قُلْنَ: بلَى. قَالَ: فَذَاك من نُقْصَان عقلهَا، أَلَيْسَ إِذا حَاضَت لم تصل وَلم تصم؟ قُلْنَ: بلَى. قَالَ: فَذَاك من نُقْصَان دينهَا. .) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَبَقِيَّة الحَدِيث تَأتي عَن قريب فِي: بَاب الزَّكَاة على الزَّوْج والأيتام فِي الْحجر. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَت زَيْنَب امْرَأَة ابْن مَسْعُود) ، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: زَيْنَب هَذِه هِيَ رائطة قَالَ: وَلَا نعلم عبد الله تزوج غَيرهَا فِي زمن رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ الكلاباذي: رائطة هِيَ الْمَعْرُوفَة بِزَيْنَب، وَقَالَ ابْن طَاهِر وَغَيره: امْرَأَة ابْن مَسْعُود زَيْنَب. وَيُقَال اسْمهَا: رائطة. وَأما ابْن سعد وَأَبُو أَحْمد العسكري وَأَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو عمر بن عبد الْبر وَأَبُو نعيم الْحَافِظ وَأَبُو عبد الله بن مَنْدَه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فجعلوهما ثِنْتَيْنِ. وَالله أعلم. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَمِمَّا يرجح القَوْل الأول مَا روينَاهُ عَن القَاضِي يُوسُف فِي كتاب الزَّكَاة: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن غياث حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة أخبرنَا هِشَام عَن عُرْوَة عَن عبد الله بن عبد الله الثَّقَفِيّ عَن أُخْته رائطة ابْنة عبد الله، وَكَانَت امْرَأَة ابْن مَسْعُود، وَكَانَت امْرَأَة صناعًا الحَدِيث. قلت: روى أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة (عَن رائطة إمرأة عبد الله بن مَسْعُود وَكَانَت امْرَأَة صناع الْيَد، قَالَ: فَكَانَت تنْفق عَلَيْهِ وعَلى وَلَده من صنعتها. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : أنفقي عَلَيْهِم فَإِن لَك فِي ذَلِك أجر مَا أنفقت عَلَيْهِم) ، وَإِسْنَاده صَحِيح. قَوْله: (فَقيل: يَا رَسُول الله هَذِه زَيْنَب ﴿) الْقَائِل هُوَ بِلَال كَمَا سَيَأْتِي عَن قريب. قَوْله: (فَقَالَ: أَي الزيانب؟) أَي: أَيَّة زَيْنَب من الزيانب، وتعريف الْمثنى وَالْمَجْمُوع من الْأَعْلَام وَإِنَّمَا هُوَ بِالْألف وَاللَّام. قَوْله: (إيذنوا لَهَا. فَأذن لَهَا، قَالَت: يَا نَبِي الله) إِلَى آخِره، لم يبين أَبُو سعيد مِمَّن سمع ذَلِك، فَإِن كَانَ حَاضرا عِنْد النَّبِي ﷺ حَال الْمُرَاجَعَة الْمَذْكُورَة فَهُوَ من مُسْنده وإلَاّ فَيحْتَمل أَن يكون حمله عَن زَيْنَب صَاحِبَة الْقِصَّة، فَيكون فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصحابية. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وَأَشْهَب من الْمَالِكِيَّة، وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأهل الظَّاهِر، وَقَالُوا: يجوز للْمَرْأَة أَن تُعْطِي زَكَاتهَا إِلَى زَوجهَا الْفَقِير. وَقَالَ الْقَرَافِيّ: كرهه الشَّافِعِي وَأَشْهَب وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ الْجوزجَاني، (عَن عَطاء، قَالَت: أَتَت النَّبِي ﷺ امْرَأَة فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِن عَليّ نذرا أَن أَتصدق بِعشْرين درهما، وَأَن لي زوجا فَقِيرا أفيجزىء عني أَن أعْطِيه؟ قَالَ: نعم كفلان من الْأجر) . وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة وَأَبُو بكر من الْحَنَابِلَة: لَا يجوز للْمَرْأَة أَن تُعْطِي زَوجهَا من زَكَاة مَالهَا، ويروى ذَلِك عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَجَابُوا عَن حَدِيث زَيْنَب بِأَن الصَّدَقَة الْمَذْكُورَة فِيهِ إِنَّمَا هِيَ من غير الزَّكَاة، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد بَين ذَلِك مَا حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف، قَالَ: أخبرنَا اللَّيْث عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبيد الله بن عبد الله، (عَن رائطة بنت عبد الله إمرأة عبد الله بن مَسْعُود، وَكَانَت امْرَأَة صنعا، وَلَيْسَ لعبد الله بن مَسْعُود مَال، وَكَانَت تنْفق عَلَيْهِ وعَلى وَلَده مَعهَا، فَقَالَت: وَالله لقد شغلتني أَنْت وولدك عَن الصَّدَقَة فَمَا أَسْتَطِيع أَن أَتصدق مَعكُمْ بِشَيْء﴾ فَقَالَ: مَا أحب أَنه لم يكن لَك فِي ذَلِك أجر أَن تفعلي، فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ هِيَ، وَهُوَ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِنِّي امْرَأَة ذَات صَنْعَة، أبيع مِنْهَا وَلَيْسَ لوَلَدي وَلَا لزوجي شَيْء، فشغلوني فَلَا أَتصدق، فَهَل لي فيهم أجر؟ فَقَالَ: لَك فِي ذَلِك أجر مَا أنفقتِ عَلَيْهِم، فأنفقي عَلَيْهِم. .) فَفِي هَذَا الحَدِيث أَن تِلْكَ الصَّدَقَة مِمَّا لم يكن فِيهِ زَكَاة، وَالدَّلِيل على أَن الصَّدَقَة كَانَت تَطَوّعا كَمَا ذكرنَا. قَوْلهَا: (كنت امْرَأَة صنعا أصنع بيَدي فأبيع من ذَلِك فانفق على عبد الله؟) . فَإِن قلت: لِمَ لَا يجوز أَن يكون المُرَاد من الصَّدَقَة التَّطَوُّع فِي حق وَلَدهَا؟ وَصدقَة الْفَرْض فِي حق زَوجهَا عبد الله؟ قلت: لَا مساغ لذَلِك لِامْتِنَاع الْحَقِيقَة وَالْمجَاز حِينَئِذٍ،

стр. 2532

وَمِمَّا يدل على مَا قُلْنَا قَوْلهَا: وَكَانَ عِنْدِي حلي فَأَرَدْت أَن أَتصدق، وَلَا تجب الصَّدَقَة فِي الْحلِيّ عِنْد بعض الْعلمَاء، وَمن يُجِيزهُ لَا يكون الْحلِيّ كُله زَكَاة، إِنَّمَا يجب جُزْء مِنْهُ. وَقَالَ النَّبِي ﷺ : (زَوجك وولدك أَحَق من تَصَدَّقت عَلَيْهِم) ، وَالْولد لَا تدفع إِلَيْهِ الزَّكَاة إِجْمَاعًا، وَقَالَ بَعضهم: احْتج الطَّحَاوِيّ لقَوْل أبي حنيفَة. فَأخْرج من طَرِيق رائطة امْرَأَة ابْن مَسْعُود أَنَّهَا كَانَت امْرَأَة صنعاء الْيَدَيْنِ، فَكَانَت تنْفق عَلَيْهِ وعَلى وَلَده، قَالَ: فَهَذَا يدل على أَنَّهَا صَدَقَة تطوع، وَأما الْحلِيّ فَإِنَّمَا يحْتَج بِهِ على من لَا يُوجب فِيهِ الزَّكَاة، وَأما من يُوجِبهُ فَلَا. وَقد روى الثَّوْريّ عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة، قَالَ: قَالَ ابْن مَسْعُود لامْرَأَته فِي حليها إِذا بلغ مِائَتي دِرْهَم فَفِيهِ الزَّكَاة، فَكيف يحْتَج الطَّحَاوِيّ بِمَا لَا يَقُول بِهِ؟ قلت: لَو فهم هَذَا الْقَائِل مَوضِع احتجاج الطَّحَاوِيّ من هَذَا الحَدِيث لَكَانَ سكت عَمَّا قَالَه، وَمَوْضِع احتجاجه هُوَ قَوْلهَا: إِنِّي امْرَأَة ذَات صَنْعَة أبيع مِنْهَا ... إِلَى آخِره، مَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ آنِفا، فَكَانَ قَول رَسُول الله ﷺ جَوَابا لَهَا فِي سؤالها. وَلَيْسَ فِي احتجاجه بِهَذَا مفتقرا إِلَى الِاحْتِجَاج بِأَمْر الْحلِيّ سَوَاء كَانَ فِيهِ الزَّكَاة أَو لم يكن. قَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا. وَالَّذِي يظْهر لي أَنَّهُمَا قضيتان: إِحْدَاهمَا فِي سؤالها عَن تصدقها بحليها على زَوجهَا وَولده، وَالْأُخْرَى: فِي سؤالها عَن النَّفَقَة. قلت: الَّذِي يظْهر من هَذَا الحَدِيث خلاف مَا ظهر لَهُ لِأَن فِي الحَدِيث سؤالها عَن الصَّدَقَة الَّتِي أَمر النَّبِي، ﷺ ، لَهُنَّ بهَا، وأجابها رَسُول الله ﷺ بِأَن زَوجك وولدك أَحَق من تَصَدَّقت بِهِ عَلَيْهِم، فَمن أَيْن السؤالان فِيهِ؟ وَمن أَيْن الجوابان عَنْهُمَا؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن ظَاهر قَوْله فِي حَدِيث ابْن سعيد الْمَذْكُور: (زَوجك وولدك أَحَق من تَصَدَّقت بِهِ عَلَيْهِم) دَال على أَنَّهَا صَدَقَة تطوع لِأَن الْوَلَد لَا يعْطى من الزَّكَاة الْوَاجِبَة بِالْإِجْمَاع، كَمَا نَقله ابْن الْمُنْذر وَغَيره، وَفِي هَذَا الِاحْتِجَاج نظر، لِأَن الَّذِي يمْتَنع إِعْطَاؤُهُ من الصَّدَقَة الْوَاجِبَة من يلْزم الْمُعْطِي نَفَقَته، وَالأُم لَا يلْزمهَا نَفَقَة وَلَدهَا مَعَ وجود أَبِيه. قلت: يلْزم الْأُم نَفَقَة وَلَدهَا إِذا كَانَ أَبوهُ فَقِيرا عَاجِزا عَن التكسب جدا، وَذكر أَصْحَابنَا أَن الْأَب إِذا كَانَ مُعسرا كسوبا وَله ابْن زَمِنٌ وَله أم موسرة هَل تُؤمر بِالْإِنْفَاقِ على الابْن؟ اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ، قيل: تُؤمر، وَقيل: لَا ترجع الْأُم على الْأَب، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي حنيفَة نصا. انْتهى. وَقيل: قَوْله: ولدك، مَحْمُول على أَن الْإِضَافَة للتربية لَا للولادة، فَكَأَنَّهُ وَلَده من غَيرهَا. قلت: هَذَا ارْتِكَاب الْمجَاز بِغَيْر قرينَة وَهُوَ غير صَحِيح وَقد خاطبها رَسُول الله ﷺ بقوله: (وولدك) ، فَدلَّ على أَنه وَلَدهَا حَقِيقَة، وَيدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي حَدِيث آخر: (أيجزىء عني أَن أنْفق على زَوجي وأيتام لي فِي حجري؟) وَفِي (مُعْجم الطَّبَرَانِيّ) : (أيجزىء أَن أجعَل صدقتي فِيك وَفِي بني أخي أَيْتَام؟) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة: (يَا رَسُول الله! هَل لي من أجر أَن أَتصدق على ولد عبد الله من غَيْرِي؟) وإسنادهما جيد، وللبيهقي: (كنت أعول عبد الله ويتامى) ، وَقيل: اعتل من منعهَا من إعطائها زَكَاتهَا لزَوجهَا بِأَنَّهَا تعود إِلَيْهَا فِي النَّفَقَة فَكَأَنَّهَا مَا خرجت عَنْهَا، وَجَوَابه: إِن احْتِمَال رُجُوع الصَّدَقَة إِلَيْهَا وَاقع فِي التَّطَوُّع أَيْضا قلت: لَيست الصَّدَقَة كَالزَّكَاةِ، لِأَن عود الزَّكَاة إِلَيْهَا فِي النَّفَقَة يضر فَتَصِير كَأَنَّهَا مَا خرجت بِخِلَاف الصَّدَقَة، فَإِن احْتِمَال عودهَا إِلَيْهَا لَا يضر، فخروجها وَعَدَمه سَوَاء. وَأما مَسْأَلَة الْحلِيّ فَفِيهَا خلاف بَين الْعلمَاء، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري: تجب فِيهَا الزَّكَاة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر ابْن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَمُحَمّد بن سِيرِين وَجَابِر بن زيد وَمُجاهد وَالزهْرِيّ وطاووس وَمَيْمُون بن مهْرَان وَالضَّحَّاك وعلقمة وَالْأسود وَعمر بن عبد الْعَزِيز وذر الْهَمدَانِي وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن شبْرمَة وَالْحسن بن حَيّ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَابْن حزم: الزَّكَاة وَاجِبَة بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة، وَقَالَ مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِي أظهر قوليه: لَا تجب الزَّكَاة فِيهَا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَجَابِر بن عبد الله وَعَائِشَة وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَالشعْبِيّ، وَكَانَ الشَّافِعِي يُفْتِي بِهَذَا فِي الْعرَاق وَتوقف بِمصْر، وَقَالَ: هَذَا مِمَّا استخير الله فِيهِ. وَقَالَ اللَّيْث: مَا كَانَ من حلي يلبس ويعار فَلَا زَكَاة فِيهِ، وَإِن اتخذ للتحرز عَن الزَّكَاة فَفِيهِ الزَّكَاة، وَقَالَ أنس: يزكّى عَاما وَاحِدًا لَا غير. وَاسْتدلَّ من أسقط الزَّكَاة بِحَدِيث جَابر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة، ذكره فِي (الإِمَام) وَعَن جَابر أَنه كَانَ يرى الزَّكَاة فِي كثير الْحلِيّ دون قليلها، وروى عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: لَا زَكَاة فِي الْحلِيّ، وروى مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن عبد الرَّحْمَن

стр. 2533

ابْن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كَانَت تلِي بَنَات أُخْتهَا يتامى فِي حجرها فَلَا تخرج من حليهن الزَّكَاة، وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن شريك عَن عَليّ بن سُلَيْمَان، قَالَ: سَأَلت أنس بن مَالك عَن الْحلِيّ، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ زَكَاة. وروى الشَّافِعِي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من جِهَة: أخبرنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: سَمِعت ابْن خَالِد يسْأَل جَابر بن عبد الله عَن الْحلِيّ أفيه زَكَاة؟ فَقَالَ جَابر: لَا، وَإِن كَانَ يبلغ ألف دِينَار. وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر عَن أَسمَاء بنت أبي بكر أَنَّهَا كَانَت تحلي بناتها الذَّهَب وَلَا تزكيه نَحوا من خمسين ألف. وَاحْتج من رأى فِيهَا الزَّكَاة بِحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده (أَن امْرَأَة أَتَت رَسُول الله ﷺ وَمَعَهَا بنت لَهَا وَفِي يَد ابْنَتهَا مسكتان غليظتان من ذهب، فَقَالَ لَهَا: أتعطين زَكَاة هَذَا؟ قَالَت: لَا. قَالَ: أَيَسُرُّك أَن يسورك الله بهما يَوْم الْقِيَامَة سِوَارَيْنِ من نَار؟ قَالَت: فخلعتهما فألقيتهما إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَقَالَت: هما لله وَلِرَسُولِهِ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ: وَلَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء. قلت: قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه: إِسْنَاده صَحِيح، وَقَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ: إِسْنَاده لَا مقَال فِيهِ، فَإِن أَبَا دَاوُد رَوَاهُ عَن أبي كَامِل الجحدري وَحميد بن مسْعدَة وهما من الثِّقَات احْتج بهما مُسلم، وخَالِد بن الْحَارِث إِمَام فَقِيه احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَكَذَلِكَ حُسَيْن بن ذكْوَان الْمعلم احتجا بِهِ فِي (الصَّحِيح) وَوَثَّقَهُ ابْن الْمَدِينِيّ وَابْن معِين وَأَبُو حَاتِم، وَعَمْرو بن شُعَيْب مِمَّن قد علم وَهَذَا إِسْنَاد تقوم بِهِ الْحجَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَإِن قلت: أخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن لَهِيعَة (عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن جده، قَالَ: أَتَت امْرَأَتَانِ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَفِي أَيْدِيهِمَا سواران من ذهب، فَقَالَ لَهما: أتؤديان زَكَاة هَذَا؟ قَالَتَا: لَا. فَقَالَ: أتحبان أَن يسوركما الله بسوارين من نَار؟ قَالَتَا: لَا، قَالَ: فأديا زَكَاته) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَرَوَاهُ ابْن الْمثنى بن الصَّباح عَن عمر بن شُعَيْب نَحْو هَذَا، وَابْن لَهِيعَة وَابْن الصَّباح يُضعفَانِ فِي الحَدِيث، وَلَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي ﷺ شَيْء. قلت: قَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّ التِّرْمِذِيّ قصد الطَّرِيقَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا، وإلَاّ فطريق أبي دَاوُد لَا مقَال فِيهِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث (عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد أَنه، قَالَ: دَخَلنَا على عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ فَقَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَرَأى فِي يَدي فتخات من ورق، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَة؟ فَقلت صنعتهن أتزين لَك يَا رَسُول الله! قَالَ: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لَا أَو مَا شَاءَ الله، قَالَ: هُوَ حَسبك من النَّار) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. قلت: الحَدِيث على شَرط مُسلم وَلَا يلْزم، من قَول التِّرْمِذِيّ: لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي ﷺ شَيْء، أَن لَا يَصح عِنْد غَيره فَافْهَم. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد، أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) : (حَدثنَا عَليّ بن عَاصِم عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خَيْثَم عَن شهر بن حَوْشَب عَن أَسمَاء بنت يزِيد، قَالَت: دخلت أَنا وخالتي على النَّبِي ﷺ وعلينا أسورة من ذهب، فَقَالَ لنا: أتعطيان زَكَاتهَا؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: أما تخافان أَن يسوركما الله أسورة من نَار؟ أديا زَكَاتهَا. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَعلي بن عَاصِم رَمَاه يزِيد بن هَارُون بِالْكَذِبِ، وَعبد الله بن خَيْثَم قَالَ ابْن معِين: أَحَادِيثه لَيست بالقوية، وَشهر بن حَوْشَب قَالَ ابْن عدي: لَا يحْتَج بحَديثه. قلت: ذكر فِي (الْكَمَال) : وَسُئِلَ أَحْمد عَن عَليّ بن عَاصِم فَقَالَ: هُوَ وَالله عِنْدِي ثِقَة، وَأَنا أحدث عَنهُ، وَعبد الله بن خَيْثَم قَالَ ابْن معِين، هُوَ ثِقَة حجَّة، وَشهر بن حَوْشَب قَالَ أَحْمد: مَا أحسن حَدِيثه وَوَثَّقَهُ، وَعَن يحيى: هُوَ ثِقَة، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: هُوَ لَا بَأْس بِهِ، فَظهر من هَذَا كُله سُقُوط كَلَام ابْن الجوزري وَصِحَّة الحَدِيث. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) : عَن نصر بن مُزَاحم عَن أبي بكر الْهُذلِيّ أخبرنَا شُعَيْب بن الْحجاب (عَن الشّعبِيّ قَالَ: سَمِعت فَاطِمَة بنت قيس، تَقول: أتيت النَّبِي ﷺ بطوق فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالا من ذهب، فَقلت: يَا رَسُول الله خُذ مِنْهُ الْفَرِيضَة فَأخذ مِنْهُ مِثْقَالا وَثَلَاثَة أَربَاع مِثْقَال) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أَبُو بكر الْهُذلِيّ مَتْرُوك لم يَأْتِ بِهِ غَيره، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث أم سليمَة أخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن عِيسَى حَدثنَا عتاب عَن ثَابت بن عجلَان (عَن عَطاء عَن أم سَلمَة، قَالَت: كنت ألبس أَوْضَاحًا من ذهب، فَقلت: يَا رَسُول الله أكنز هُوَ؟ فَقَالَ: مَا بلغ أَن تُؤدِّي زَكَاته فَزكِّي فَلَيْسَ بكنز) ، وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَلم يخرجَاهُ. وَلَفظه: (إِذا أدّيت زَكَاته فَلَيْسَ بكنز) . فَإِن قلت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ: تفرد بِهِ ثَابت بن عجلَان، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّحْقِيق) : مُحَمَّد بن مهَاجر، قَالَ ابْن حبَان: يضع الحَدِيث

стр. 2534

على الثِّقَات. قلت: قَالَ فِي (تَنْقِيح التَّحْقِيق) : لَا يضر تفرد ثَابت بِهِ فَإِنَّهُ روى لَهُ البُخَارِيّ وَوَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ فِيهِ أَيْضا: الَّذِي قيل فِي مُحَمَّد ابْن مهَاجر وهم، فَإِن مُحَمَّد بن مهَاجر الْكذَّاب لَيْسَ هُوَ هَذَا، فَهَذَا الَّذِي يروي عَن ثَابت بن عجلَان ثِقَة شَامي أخرج لَهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَابْن معِين وَأَبُو زرْعَة ودحيم وَأَبُو دَاوُد وَآخَرُونَ، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَقَالَ: كَانَ متقنا، وَأما مُحَمَّد بن مهَاجر الْكذَّاب فَإِنَّهُ مُتَأَخّر، وعتاب بن بشير وَثَّقَهُ ابْن معِين. وَأما حَدِيث جَابر الَّذِي احتجب بِهِ الْفرْقَة الأولى فقد قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فَهُوَ حَدِيث لَا أصل لَهُ، وَفِيه عَافِيَة بن أَيُّوب، وَهُوَ مَجْهُول، فَمن احْتج بِهِ مَرْفُوعا كَانَ مغرورا بِدِينِهِ دَاخِلا فِيمَا يعيب بِهِ مِمَّن يحْتَج بالكذابين. قلت: هَذَا غَرِيب من الْبَيْهَقِيّ مَعَ تعصبه للشَّافِعِيّ، وَقَالَ سبط بن الْجَوْزِيّ: هُوَ حَدِيث ضَعِيف مَعَ أَنه مَوْقُوف على جَابر. قَوْله: (مسكتان) ، تَثْنِيَة مسكة بالفتحات، وَهُوَ السوار من الدبل، وَهِي قُرُون الأوعال. وَقيل: جُلُود دَابَّة بحريّة، وَالْجمع: مسك، وَقيل: الدبل ظهر السلحفات البحرية. (والفتخات) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالخاء الْمُعْجَمَة جمع: فتخة، بِالتَّحْرِيكِ وَهِي حَلقَة من فضَّة لَا فص لَهَا، فَإِذا كَانَ فِيهَا فص فَهِيَ خَاتم، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق، هِيَ الخواتيم الْعِظَام، وَقيل: خَوَاتِيم عراض الفصوص لَيْسَ بمستقيمة، وَقيل: خلخل لَا جرس لَهُ، والفتخ تلبس فِي الْأَيْدِي. وَقيل: فِي الأرجل. (والأوضاح) جمع: وضح، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، وَهُوَ نوع من الْحلِيّ يعْمل من الْفضة، سميت بِهِ لبياضها، ثمَّ اسْتعْملت فِي الَّتِي يعْمل من الذَّهَب أَيْضا. وَقيل: حلي من الدَّرَاهِم الصَّحِيحَة والوضح الدِّرْهَم الصَّحِيح، وَقيل: حلي من الْحِجَارَة، وَقيل: الأوضاح: الخلاخل. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث الْمَذْكُور: اسْتِئْذَان النِّسَاء على الرِّجَال. وَفِيه: أَنه إِذا لم ينْسب إِلَيْهِ من يسْتَأْذن سَالَ أَن ينْسب. وَفِيه: الْحَث على الصَّدَقَة على الْأَقَارِب. وَفِيه: ترغيب ولي الْأَمر فِي أَفعَال الْخَيْر للرِّجَال وَالنِّسَاء. وَفِيه: التحدث مَعَ النِّسَاء الْأَجَانِب عِنْد أَمن الْفِتْنَة. ٥٤ - (بابٌ لَيْسَ عَلَى المُسْلِمُ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَيْسَ على الْمُسلم فِي فرسه صَدَقَة، واشتقاق الْفرس من الْفرس وَهُوَ الْكسر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْفرس يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَلَا يُقَال للْأُنْثَى فرسه، وَجمعه: الْخَيل، من غير لَفظه، وَالْخَيْل اسْم جمع للعراب والبرازين ذكورها وإناثها كالركب، وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وواحدها: فرس، وَالْخَيْل الفرسان أَيْضا قَالَ تَعَالَى: ﴿واجلب عَلَيْهِم بخيلك﴾ (الْإِسْرَاء: ٤٦) . وَالْخَيْل: يجمع على خُيُول فَيكون جمع اسْم الْجمع: كالقوم والأقوام. ٣٦٤١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ دِيْنَارٍ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بنَ يَسَارٍ عنْ عِرَاكِ بنِ مَالِكٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَيْسَ عَلَى المَسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ. (الحَدِيث ٣٦٤١ طرفه فِي: ٤٦٤١) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي عين متن الحَدِيث، غير أَن فِيهِ لَفْظَة: وَغُلَامه، زَائِدَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا فِيمَا مضى، فسليمان بن يسَار ضد الْيَمين مر فِي: بَاب الْوضُوء، وعراك بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره كَاف، مر فِي: بَاب الْوضُوء. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هُنَا، عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد، وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن وهيب، كِلَاهُمَا عَن خَيْثَم بن عرَاك بن مَالك عَن أَبِيه بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة أَيْضا، عَن يحيى بن يحيى وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَهَارُون بن سعيد وَأحمد بن عِيسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي كريب ومحمود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عبيد الله بن سعيد وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكر اخْتِلَاف أَلْفَاظه وَمن أخرجه غير السِّتَّة: وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (لَيْسَ على الْمُسلم صَدَقَة فِي عَبده وَلَا فرسه) ، وَلَفظ

стр. 2535

مُسلم: (لَيْسَ على الْمُسلم فِي عَبده وَلَا فِي فرسه صَدَقَة) ، وَفِي لفظ: (لَيْسَ فِي العَبْد صَدَقَة إلَاّ صَدَقَة الْفطر) . وَلَفظ أبي دَاوُد: (لَيْسَ فِي الْخَيل وَالرَّقِيق زَكَاة إلَاّ زَكَاة الْفطر فِي الرَّقِيق) . وَفِي لفظ: (لَيْسَ على الْمُسلم فِي عَبده وَلَا فِي فرسه صَدَقَة) . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: (لَيْسَ على الْمُسلم فِي فرسه وَلَا فِي عَبده صَدَقَة) . وَلَفظ النَّسَائِيّ، كَلَفْظِ أبي دَاوُد الثَّانِي، وَفِي لفظ: (لَا زَكَاة على الرجل الْمُسلم فِي عَبده وَلَا فِي فرسه) ، وَفِي لفظ: (لَيْسَ على الْمَرْء فِي فرسه وَلَا مَمْلُوكه صَدَقَة) ، وَفِي لفظ: (لَيْسَ على الْمُسلم صَدَقَة فِي غُلَامه وَلَا فِي فرسه) . وَلَفظ ابْن مَاجَه، كَلَفْظِ مُسلم الأول، وَفِي لفظ فِي (مُسْند عبد الله بن وهب) : (لَا صَدَقَة على الرجل فِي خيله وَلَا فِي رَقِيقه) ، وَفِي لفظ لِابْنِ أبي شيبَة: (وَلَا فِي وليدته) وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن يزِيد بن يزِيد بن جَابر عَن عرَاك عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَوَقفهُ. وَفِي الْبَاب عَن عَليّ ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه الْأَرْبَعَة. فَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَاصِم بن حَمْزَة عَن عَليّ: قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (قد عَفَوْت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل وَالرَّقِيق) ، وَابْن مَاجَه من رِوَايَة الْحَارِث عَن عَليّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (تجوزت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل وَالرَّقِيق) . وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن عَمْرو بن حزم، وَعمر بن الْخطاب، وَحُذَيْفَة وَعبد الله بن عَبَّاس، وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، وَسمرَة بن جُنْدُب. فَحَدِيث عَمْرو بن حزم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة سُلَيْمَان بن دَاوُد: عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده: (أَن النَّبِي ﷺ كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات) ، وَفِيه: (أَنه لَيْسَ فِي عَبده وَلَا فِي فرسه شَيْء) ، وَسليمَان بن دَاوُد الحزيبي وَثَّقَهُ أَحْمد وَضَعفه ابْن معِين. وَحَدِيث عمر بن الْخطاب وَحُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ أَحْمد: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان حَدثنَا أَبُو بكر بن عبد الله عَن رَاشد بن سعد عَن عمر بن الْخطاب وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان (أَن النَّبِي ﷺ لم يَأْخُذ من الْخَيل وَالرَّقِيق صَدَقَة) ، وَأَبُو بكر ضَعِيف. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن دَاوُد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (قد عَفَوْت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل وَالرَّقِيق وَلَيْسَ فِيمَا دون الْمِائَتَيْنِ زَكَاة) . وَحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سُلَيْمَان بن أَرقم عَن الْحسن (عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا صَدَقَة فِي الكسعة والجبهة والنخة) ، وَسليمَان بن أَرقم مَتْرُوك الحَدِيث. الكسعة، بِضَم الْكَاف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا عين مُهْملَة، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ: هِيَ الْحمير، وَقيل: هِيَ الرَّقِيق. والجبهة، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، هِيَ الْخَيل، والنخة، بِضَم النُّون وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة هِيَ: الرَّقِيق، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عَمْرو وَقَالَ الْكسَائي: إِنَّهَا الْبَقر العوامل وَذكر الْفَارِسِي فِي (مجمع الغرائب) عَن الْفراء أَن النخة أَن يَأْخُذ الْمُصدق دِينَارا بعد فَرَاغه من الصَّدَقَة، وَقيل: النخة الْحمير، يُقَال لَهَا: النخة والكسعة. وَقَالَ بَقِيَّة ابْن الْوَلِيد: النخة المربيات فِي الْبيُوت، والكسعة البغال وَالْحمير. وَحَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب رَوَاهُ الْبَزَّار، فَذكر أَحَادِيث ثمَّ قَالَ: وبإسناده (أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يَأْمُرنَا أَن لَا تخرج الصَّدَقَة من الرَّقِيق) وَإِسْنَاده ضَعِيف. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بالأحاديث الْمَذْكُورَة سعيد بن الْمسيب وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَمَكْحُول وَعَطَاء وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَالْحكم وَابْن سِيرِين وَالثَّوْري وَالزهْرِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأهل الظَّاهِر، فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا زَكَاة فِي الْخَيل أصلا، وَمِمَّنْ قَالَ بقَوْلهمْ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد من أَصْحَابنَا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل عَلَيْهِ، أَي: على حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب عِنْد أهل الْعلم أَنه لَيْسَ فِي الْخَيل السَّائِمَة صَدَقَة وَلَا فِي الرَّقِيق إِذا كَانُوا للْخدمَة صَدَقَة إلَاّ أَن يَكُونُوا للتِّجَارَة، فَإِذا كَانُوا للتِّجَارَة فَفِي أثمانهم الزَّكَاة إِذا حَال عَلَيْهَا الْحول، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَأَبُو حنيفَة وَزفر: تجب الزَّكَاة فِي الْخَيل المتناسلة وَذكر شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ، أَنه مَذْهَب زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من الصَّحَابَة وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم مطولا من حَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا من صَاحب كنز لَا يُؤَدِّي زَكَاته إلَاّ حمي عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم) الحَدِيث، وَفِيه: (الْخَيل ثَلَاثَة فَهِيَ: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر) . الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: (وَأما الَّذِي هِيَ لَهُ ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملاً، وَلَا ينسى حق ظُهُورهَا

стр. 2536

وبطونها فِي عسرها ويسرها. .) الحَدِيث، وَهَذَا الْمِقْدَار الَّذِي ذَكرْنَاهُ أخرجه الطَّحَاوِيّ وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا مطولا، وَلَفظه: (وَلَا يحبس حق ظُهُورهَا وبطونها) وَأَبُو حنيفَة وَمن مَعَه تعلقوا بِهِ فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي الْخَيل، وَقَالَ: إِن فِي هَذَا دَلِيلا على أَن لله فِيهَا حَقًا، وَهُوَ كحقه فِي سَائِر الْأَمْوَال الَّتِي تجب فِيهَا الزَّكَاة، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء. قَالَ: حَدثنَا جوَيْرِية عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ أَن السَّائِب بن يزِيد أخبرهُ، قَالَ: رَأَيْت أبي يقوم الْخَيل وَيدْفَع صدقتها إِلَى عمر بن الْخطاب، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا وَإِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي، وَأَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) وَأخرجه ابْن أبي شيبَة: عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الله بن حُسَيْن أَن ابْن شهَاب أخبرهُ أَن السَّائِب ابْن أُخْت نمرة أخبرهُ أَنه كَانَ يَأْتِي عمر بن الْخطاب بصدقات الْخَيل، وَأخرجه بَقِي بن مخلد فِي (مُسْنده) عَنهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: الْخَبَر فِي صَدَقَة الْخَيل عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صَحِيح من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد، وَقَالَ ابْن رشد الْمَالِكِي فِي (الْقَوَاعِد) : قد صَحَّ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَأْخُذ الصَّدَقَة عَن الْخَيل، وروى أَبُو عمر بن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ: أَن عمر بن الْخطاب قَالَ ليعلى بن أُميَّة: تَأْخُذ من كل أَرْبَعِينَ شَاة شَاة، وَلَا تَأْخُذ من الْخَيل شَيْئا؟ خُذ من كل فرس دِينَارا، فَضرب على الْخَيل دِينَارا دِينَارا، وروى أَبُو يُوسُف عَن أبي عبد الله غورك بن الخضرم السَّعْدِيّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (فِي الْخَيل فِي كل فرس دِينَار) ، ذكره فِي (الإِمَام) عَن الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَاهُ أَبُو بكر الرَّازِيّ وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن أبي إِسْحَاق عَن حَارِثَة بن مضرب، قَالَ: جَاءَ نَاس من أهل الشَّام إِلَى عمر فَقَالُوا: إِنَّا قد أصبْنَا أَمْوَالًا خيلاً ورقيقا وإماء، نحب أَن نزكيه، فَقَالَ: مَا فعله صَاحِبي قبلي فأفعله أَنا، ثمَّ اسْتَشَارَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَقَالُوا: حسن، وَسكت عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: هُوَ حسن لَو لم يكن جِزْيَة راتبة يَأْخُذُونَ بهَا بعْدك، فَأخذ من الْفرس عشرَة دَرَاهِم، ثمَّ أعَاد قَرِيبا مِنْهُ بالسند الْمَذْكُور، والقضية. وَقَالَ فِيهِ: فَوضع على كل فرس دِينَارا. وروى مُحَمَّد بن الْحسن فِي كتاب (الْآثَار) : أخبرنَا أَبُو حنيفَة عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: فِي الْخَيل السَّائِمَة الَّتِي تطلب نسلها إِن شِئْت فِي كل فرس دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم، وَإِن شِئْت فَالْقيمَة، فَيكون فِي كل مأتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم فِي كل فرس ذكرا أَو أُنْثَى. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْجَواب عَن قَوْله: (ثمَّ لم ينس حق الله) إِلَى آخِره من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن حَقّهَا إعارتها وَحمل المنقطعين عَلَيْهَا فَيكون ذَلِك على وَجه النّدب. وَالثَّانِي: أَن يكون وَاجِبا، ثمَّ نسخ بِدَلِيل قَوْله: (قد عَفَوْت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل) ، إِذْ الْعَفو لَا يكون إلَاّ عَن شَيْء لَازم. قلت: الَّذِي يكون على وَجه النّدب لَا يُطلق عَلَيْهِ حق، وَأَيْضًا فَالْمُرَاد بِهِ صَدَقَة خيل الْغَازِي، وَفِي (الْأَسْرَار) للدبوسي: لما سمع زيد بن ثَابت حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا قَالَ: صدق رَسُول الله ﷺ ، وَلكنه أَرَادَ فرس الْغَازِي. وَأما مَا طلب نسلها ورسلها فَفِيهَا الزَّكَاة فِي كل فرس دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم، قَالَ أَبُو زيد: وَمثل هَذَا لَا يعرف قِيَاسا، فَثَبت أَنه مَرْفُوع، وَأما النّسخ فَإِنَّهُ لَو كَانَ اشْتهر فِي زمن الصَّحَابَة لما قرر عمر الصَّدَقَة فِي الْخَيل، وَأَن عُثْمَان مَا كَانَ يصدقها. فَإِن قلت: روى مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سُلَيْمَان ابْن يسَار أَن أهل الشَّام قَالُوا لأبي عُبَيْدَة بن الجراج: خُذ من خَيْلنَا ورقيقنا صَدَقَة فَأبى، ثمَّ كتب إِلَى عمر فَأبى عمر، ثمَّ كَلمُوهُ أَيْضا فَكتب إِلَى عمر فَكتب إِلَيْهِ عمر: إِن احبوا فَخذهَا مِنْهُم وارددها عَلَيْهِم وارزق رقيقهم، فَفِي إباء أبي عُبَيْدَة وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، من الْأَخْذ من أهل الشَّام مَا ذكرُوا من رقيقهم وخيلهم دلَالَة وَاضِحَة أَنه لَا زَكَاة فِي الرَّقِيق وَلَا فِي الْخَيل، وَلَو كَانَت الزَّكَاة وَاجِبَة فِي ذَلِك مَا امتنعا من أَخذ مَا أوجب الله عَلَيْهِم أَخذه لأَهله وَوَضعه فيهم. قلت: هَذَا يُعَارضهُ مَا ذَكرْنَاهُ من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ، وَغَيره، وَفِي (شرح مُخْتَصر الْكَرْخِي) و (شرح التَّجْرِيد) : إِن شَاءَ أدّى ربع عشر قيمتهَا، وَإِن شَاءَ أدّى عَن كل فرس دِينَارا. وَفِي (جَامع الْفِقْه) : يجب فِي الْإِنَاث والمختلطة عِنْده لكل فرس دِينَار، وَقيل: ربع عشر قيمتهَا، وَفِي (أَحْكَام الْقُرْآن) للرازي: إِن كَانَت إِنَاثًا أَو ذُكُورا وإناثا يجب، وَفِي (الْبَدَائِع) : الْخَيل إِن كَانَت تعلف للرُّكُوب أَو الْحمل أَو الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَلَا زَكَاة فِيهَا إِجْمَاعًا، وَإِن كَانَت للتِّجَارَة تجب إِجْمَاعًا، وَإِن كَانَت تسام للدر والنسل وَهِي ذُكُور وإناث يجب عِنْده فِيهَا الزَّكَاة حولا وَاحِدًا، وَفِي الذُّكُور المنفردة وَالْإِنَاث المنفردة رِوَايَتَانِ. وَفِي (الْمُحِيط) : الْمَشْهُور عدم الْوُجُوب فيهمَا. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث الْمَذْكُور: جَوَاز قَول: غُلَام فلَان وَجوَار فلَان. وَفِي (الصَّحِيح)

стр. 2537

(نهى رَسُول الله ﷺ أَن يَقُول الرجل: عَبدِي وَأمتِي، وَليقل: فَتَاي وَفَتَاتِي) . ٦٤ - (بابٌ لَيْسَ عَلَى المُسْلِمُ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَيْسَ على الْمُسلم فِي عَبده صَدَقَة، أورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة بترجمتين الأولى: بِلَفْظ: غُلَامه. وَالثَّانيَِة: بِلَفْظ: عَبده، الْغُلَام، فِي اللُّغَة اسْم للصَّبِيّ الَّذِي فطم إِلَى سبع سِنِين، وَفِي اصْطِلَاح النَّاس يُطلق على العَبْد وعَلى الْحر الَّذِي يخْدم النَّاس، وَفِي (الْمغرب) : الْغُلَام الطار الشَّارِب، ويستعار للْعَبد، وَغُلَام الْقصار أجيره، وَالْجمع: غلمة وغلمان، وَالْعَبْد خلاف الْحر، وَيجمع على: عبيد وأعبد وَعباد وعبدان، بِالضَّمِّ، وعبدان، بِالْكَسْرِ، وعبدان مُشَدّدَة الدَّال، وعبدا تمد وتقصر ومعبوداء بِالْمدِّ، وَحكى الْأَخْفَش: عبد، بِضَمَّتَيْنِ مثل سقف وسقف، وَالْمرَاد بالغلام فِي الحَدِيث: العَبْد الَّذِي فِي الرَّقَبَة. ٤٦٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ خُثَيْمِ بنِ عِرَاكٍ قَالَ حدَّثني أبي عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ ح وحدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبُ بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا خُثَيْمُ بنُ عِرَاكِ بنِ مالِكٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٤١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله سَبْعَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وخثيم، بِضَم الْخَاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عرَاك بن مَالك الْغِفَارِيّ، ووهيب مصغر وهب. قَوْله: (فِي عَبده) مُطلق لكنه مُقَيّد بِمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) لَيْسَ فِي العَبْد إلَاّ صَدَقَة الْفطر، هَذَا إِذا لم يكن للتِّجَارَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي الْبَاب السَّابِق، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. ٧٤ - (بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّدَقَة على الْيَتَامَى، وَذكر لفظ: الصَّدَقَة، لكَونهَا أَعم من صَدَقَة التَّطَوُّع، وَمن صَدَقَة الْفَرْض، قيل: عبر بِالصَّدَقَةِ دون الزَّكَاة لتردد الْخَبَر بَين صَدَقَة الْفَرْض والتطوع، لكَون ذكر الْيَتِيم جَاءَ متوسطا بَين الْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل وهما من مصارف الزَّكَاة. قلت: إِنَّمَا ذكر لفظ الصَّدَقَة لعمومها وشمولها الْقسمَيْنِ، وَالصَّدَََقَة مُطلقًا مَرْغُوب فِيهَا، ولفاعلها أجر عَظِيم وثواب جزيل إِذا وَقعت لمستحقها، وَذكر فِي الحَدِيث هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَعنِي: الْمِسْكِين واليتيم وَابْن السَّبِيل، فالمسكين وَابْن السَّبِيل مصرفان لِلزَّكَاةِ ولصدقة التَّطَوُّع، بِخِلَاف الْيَتِيم فَإِنَّهُ إِنَّمَا يكون مصرفا إِذا كَانَ فَقِيرا، والشارع مدح الَّذِي يتَصَدَّق على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ لفظ: وخصهم بِالذكر دون هذَيْن الْإِثْنَيْنِ للاهتمام بهم، وَحُصُول الْأجر فِي الصَّدَقَة عَلَيْهِم أَكثر من غَيرهم، وَقد ورد فِي الحَدِيث: أَن الصَّدَقَة على الْيَتِيم تذْهب قساوة الْقلب. ٥٦٤١ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيى عنْ هِلالِ بنِ أبي مَيْمُونَةَ قَالَ حدَّثنا عَطَاءُ بنُ يَسَارٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُحَدِّثُ أنَّ النبيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وجَلَسْنا حَوْلَهُ فَقَالَ إنِّي مِمَّا أخافُ عَلَيكُمْ من بعدِي مَا يفتح عَلَيْكُم مِن زَهْرةِ الدُّنيَا وَزِينَتِهَا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رسولَ الله أوَ يأتِي الخَيْرُ بالشَّرِّ فسَكتَ النبيُّ ﷺ فَقيلَ لَهُ مَا شَأنُكَ تُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ ولَا يُكَلِّمُكَ فَرأيْنَا أنَّهُ يُنْزَلُ عَليهِ قَالَ فمسَحَ عنهُ الرُّحْضَاءَ فَقَالَ أينَ السَّائِلُ وكأنَّهُ حَمِدَهُ فَقَالَ إنَّهُ لَا يَأتِي الخَيرُ بِالشَّرِّ وَإنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطا أوْ يُلِمُّ إلَاّ آكِلَةَ الخَضْرَاءِ أكَلَتْ حَتَّى إذَا امْتَدَّتْ خاصِرَتَاهَا استَقْبلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فثَلَطتْ وبَالَتْ وَرَتعَتْ وَإنَّ هاذا المَالَ

стр. 2538

خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فنَعِمَ صَاحبُ المُسْلِمِ مَا أعْطَى منهُ المِسْكِينَ واليَتِيمَ وَابنَ السَّبِيلِ أوْ كَما قَالَ النبيُّ ﷺ وَإنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كالَّذِي يَأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ويَكُونُ شَهِيدا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واليتيم) ، وَذكر وَجه تَخْصِيصه بِالذكر. ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: معَاذ، بِضَم الْمِيم ابْن فضَالة بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة، مر فِي بَاب من اتخذ ثِيَاب الْحيض. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال: هِلَال بن أبي هِلَال وَهُوَ هِلَال بن عَليّ، وَيُقَال: ابْن أُسَامَة الفِهري، وَمن قَالَ: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة ينْسبهُ إِلَى جد أَبِيه، وَقد ذكر فِي أول كتاب الْعلم. الْخَامِس: عَطاء بن يسَار ضد الْيَمين، وَقد مر فِي: بَاب كفران العشير، السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه بَصرِي وَهِشَام أهوازي وَيحيى طائي يمامي وهلال مدنِي، وَكَذَا عَطاء. وَفِيه: إثنان مذكوران بِلَا نِسْبَة. وَفِيه: من ينْسب إِلَى جد أَبِيه وَهُوَ: هِلَال. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد: عَن مُحَمَّد بن سِنَان، وَفِي الرقَاق عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن عَليّ بن حجر، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن زِيَاد بن أَيُّوب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ذَات يَوْم) ، مَعْنَاهُ: جلس قِطْعَة من الزَّمَان، فَيكون: ذَات يَوْم، صفة للقطعة الْمقدرَة وَلم تتصرف لِأَن إضافتها من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الإسم، وَلَيْسَ لَهُ تمكن فِي الظَّرْفِيَّة الزمانية لِأَنَّهُ لَيْسَ من أَسمَاء الزَّمَان. قَوْله: (إِن مِمَّا أَخَاف) ، كلمة مَا يجوز أَن تكون مَوْصُولَة وَالتَّقْدِير أَن من الَّذِي أَخَاف وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة فالتقدير أَن من خوفي عَلَيْكُم وَقَوله: (مَا يفتح عَلَيْكُم) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ اسْم: إِن (وَمِمَّا أَخَاف) مقدما خَبره، وَكلمَة: مَا، فِي: مَا يفتح، تحْتَمل الْوَجْهَيْنِ أَيْضا. قَوْله: (من زهرَة الدُّنْيَا) أَي: من حسنها وبهجتها، مَأْخُوذَة من زهرَة الْأَشْجَار، وَهُوَ مَا يصغر من أنوارها، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ الْأَبْيَض مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الزهر والنور سَوَاء، وَفِي (مجمع الغرائب) : هُوَ مَا يزهر مِنْهَا من أَنْوَاع الْمَتَاع وَالْعين وَالثيَاب والزروع وَغَيرهَا تغر الْخلق بحسنها مَعَ قلَّة بَقَائِهَا. وَفِي (الْمُحكم) : زهر الدُّنْيَا وزهرتها يَعْنِي، بتسكين الْهَاء وَفتحهَا. وَفِي (الْجَامِع) : وزهرها. قَوْله: (أَو يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ؟) الْهمزَة للاستفهام، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر بعد الْهمزَة، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الِاسْتِفْهَام فِيهِ استرشاد مِنْهُم، وَمن ثمَّة حمد، ﷺ ، السَّائِل، وَالْبَاء فِي: بِالشَّرِّ، صلَة يَأْتِي بِمَعْنى: هَل يستجلب الْخَيْر الشَّرّ؟ وَجَوَابه ﷺ : لَا يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ، لَكِن قد يكون سَببا لَهُ ومؤديا إِلَيْهِ كَمَا يَأْتِي فِي التَّمْثِيل. وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا سُؤال مستبعد لما سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ ، بركَة، وَسَماهُ الله تَعَالَى خيرا بقوله: ﴿وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد﴾ (العاديات: ٨) . فَأُجِيب بِأَن هَذَا الْخَيْر قد يعرض لَهُ مَا يَجعله شرا إِذا أسرف فِيهِ وَمنع من حَقه، وَلذَلِك قَالَ: (أَو خير هُوَ؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وواو الْعَطف الْوَاقِعَة بعْدهَا الْمَفْتُوحَة على الرِّوَايَة الصَّحِيحَة، مُنْكرا على من توهم أَنه لَا يحصل مِنْهُ شَرّ أصلا، لَا بِالذَّاتِ وَلَا بِالْعرضِ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: أتصير النِّعْمَة عُقُوبَة؟ أَي: إِن زهرَة الدُّنْيَا نعْمَة من الله على الْخلق أتعود هَذِه النِّعْمَة وبالاً عَلَيْهِم؟ قَوْله: (فَسكت، ﷺ ، يَعْنِي انتظارا للوحي، فلام الْقَوْم هذاالسائل، وَقَالُوا لَهُ: مَا شَأْنك تكلم رَسُول الله، ﷺ ، وَلَا يكلمك؟ قَوْله: (فَرَأَيْنَا) من الرُّؤْيَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فأرينا، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء، ويروى: فَرَأَيْنَا، بِضَم الرَّاء، أَي: ظننا، وكل مَا جَاءَ من هَذَا اللَّفْظ بِمَعْنى رُؤْيَة الْعين فَهُوَ مَفْتُوح الأول، وَمَا كَانَ من الظَّن والحسبان فَهُوَ أرِي وأريت، بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (إِنَّه ينزل عَلَيْهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: الْوَحْي. قَوْله: (فَمسح عَنهُ الرحضاء) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: هُوَ عرق يغسل الْجلد لكثرته، وَكَثِيرًا مَا يسْتَعْمل فِي عرق الْحمى والمرضى. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الرحضاء: الْعرق حَتَّى كَأَنَّهُ رحض جسده من الْعرق، أَي: غسل. ووزنه: فعلاء، بِضَم الْفَاء وَفتح الْعين، وَجَاءَت أَمْثِلَة على هَذَا الْوَزْن مِنْهَا: العدواء: الشّغل، والعرواء: الرعدة، وَالْخُيَلَاء من الاختيال والتكبر، والصعداء، من قَوْلهم: هُوَ يتنفس الصعداء، من غم أَي: يصاعد نَفسه. قَوْله: (وَكَأَنَّهُ حَمده) أَي: وَكَأن النَّبِي، ﷺ ، حمد السَّائِل وَكَانَ النَّاس ظنُّوا أَنه، صلى الله

стр. 2539

عَلَيْهِ وَسلم، أنكر مَسْأَلته فَلَمَّا رَأَوْهُ يسْأَل عَنهُ سُؤال راضٍ علمُوا أَنه حَمده، فَقَالَ: إِنَّه لَا يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ، أَي: إِن مَا قضى الله أَن يكون خيرا يكون خيرا، وَمَا قَضَاهُ أَن يكون شرا يكون شرا، وَأَن الَّذِي خفت عَلَيْكُم: تضييعكم نعم الله، وصرفكم إِيَّاهَا فِي غير مَا أَمر الله، وَلَا يتَعَلَّق ذَلِك بِنَفس النِّعْمَة وَلَا ينْسب إِلَيْهَا، ثمَّ ضرب لذَلِك مثلا فَقَالَ: (وَإِن مِمَّا ينْبت الرّبيع. .) إِلَى آخِره، ينْبت، بِضَم الْيَاء من الإنبات. قَوْله: (يقتل أَو يلم) ، قَالَ الْقَزاز: هَذَا حَدِيث جرى فِيهِ البُخَارِيّ على عَادَته فِي الِاخْتِصَار والحذف، لِأَن قَوْله (فَرَأَيْنَا أَنه ينزل عَلَيْهِ) يُرِيد الْوَحْي، وَفِي قَوْله: (وَإِن مِمَّا ينْبت الرّبيع يقتل أَو يلم) حذف: مَا، أَي كلمة: مَا، قبل: يقتل، وَحذف: حَبطًا، والْحَدِيث: (إِن مِمَّا ينْبت الرّبيع مَا يقتل حَبطًا أَو يلم) ، فَحذف: حَبطًا، وَحذف: مَا. قَالَ الْقَزاز: وروينا بهما، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) لفظا: حَبطًا، مَوْجُود، وغالب النّسخ لَيْسَ فِيهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: سقط فِي الْكَلَام من الرِّوَايَة: مَا، وَتَقْدِيره: مَا يقتل. قلت: لَا بُد من تَقْدِير كلمة: مَا، لِأَن قَوْله: (ينْبت الرّبيع) ، فعل وفاعل وَلَا يصلح أَن يكون لفظ: يقتل، مَفْعُولا إلَاّ بِتَقْدِير: مَا، وَقَوله: (حَبطًا) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وانتصابه على التَّمْيِيز، وَهُوَ دَاء يُصِيب الْإِبِل، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ وجع يَأْخُذ الْبَعِير فِي بَطْنه من كلاء يستوبله، وَقد حَبط حَبطًا فَهُوَ حَبط، وإبل حباطي وحبطة، وحبطت الشَّاة حَبطًا: انتفخ بَطنهَا عَن أكل الدرق، وَذَلِكَ الدَّاء الحباط. قَوْله: (أَو يلم) من الْإِلْمَام أَي: أَو يقرب وَيَدْنُو من الْهَلَاك. قَوْله: (إِلَّا آكِلَة الْخضر) ، بِفَتْح الْخَاء وَكسر الضَّاد المعجمتين وَفِي آخِره رَاء، وَوَقع فِي رِوَايَة العذري: (إلَاّ آكِلَة الخضرة) ، بِالتَّاءِ فِي آخِره. وَعند الطَّبَرِيّ: (الخضرة) ، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الضَّاد، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: الخضراء، بِزِيَادَة ألف قبل الِاسْتِثْنَاء مفرغ، وَالْأَصْل: مِمَّا ينْبت الرّبيع مَا يقتل آكله إلَاّ آكِلَة الْخضر، وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء المفرغ لقصد التَّعْمِيم فِيهِ، وَنَظِيره: قَرَأت إلَاّ يَوْم كَذَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وَالْأَظْهَر أَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع لوُقُوعه فِي الْكَلَام الْمُثبت، وَهُوَ غير جَائِز عِنْد صَاحب (الْكَشَّاف) إلَاّ بالتأويل، وَلِأَن مَا يقتل حَبطًا بعض مَا ينْبت الرّبيع لدلَالَة: من، التبعيضية عَلَيْهِ، وَيجوز أَن يكون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا، لَكِن يجب التَّأْوِيل فِي المستثننى، وَالْمعْنَى: من جملَة مَا ينْبت الرّبيع شَيْئا يقتل آكله إلَاّ الْخضر مِنْهُ إِذا اقتصد فِيهِ آكله وتحرى دفع مَا يُؤَدِّيه إِلَى الْهَلَاك. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن آكِلَة الْخضر، قَالَ الْخطابِيّ: الْخضر لَيْسَ من أَحْرَار الْبُقُول الَّتِي تستكثر مِنْهُ الْمَاشِيَة فتهلكه أكلا، وَلكنه من الجنبة الَّتِي ترعى الْمَاشِيَة مِنْهَا بعد هيج العشب ويبسه، وَأكْثر مَا تَقول الْعَرَب لما اخضر من الكلاء الَّذِي لم يصفر، والماشية من الْإِبِل ترتع مِنْهَا شَيْئا فَشَيْئًا، فَلَا تستكثر مِنْهُ فَلَا تحبط بطونها عَلَيْهِ. قَوْله: (حَتَّى إِذا امتدت خاصرتاها) يَعْنِي: إِذا امْتَلَأت شبعا وَعظم جنباها، والخاصرة: الْجنب اسْتقْبلت الشَّمْس لِأَنَّهُ الْحِين الَّذِي تشْتَهي فِيهِ الشَّمْس، وَجَاءَت وَذَهَبت (فثلطت) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي: أَلْقَت السرقين، وَقَالَ ابْن التِّين: ثَلَطَتْ، ضَبطه بَعضهم بِفَتْح اللَّام وَبَعْضهمْ بِكَسْرِهَا، وَفِي (الْمُحكم) : ثلط الثور وَالْبَعِير وَالصَّبِيّ، يثلط ثلطا: سلح سلحا رَقِيقا. وَفِي (مجمع الغرائب) : خرج رجيعها عفوا من غير مشقة لاسترخاء ذَات بَطنهَا فَيبقى نَفعهَا وَيخرج فضولها وَلَا يتَأَذَّى بهَا. وَفِي (الْعباب) و (المغيث) : وَأكْثر مَا يُقَال للبعير والفيل. قَوْله: (ورتعت) أَي: رعت، وارتع إبِله أَي: رعاها فِي الرّبيع، وأرتع الْفرس وتربع: أكل الرّبيع، وَقَالَ الدَّاودِيّ: رتعت افتعل من الرَّعْي قلت: لَيْسَ كَذَلِك، وَلَا يَقُول هَذَا إلَاّ من لم يمس شَيْئا من علم التصريف. قَوْله: (وَإِن هَذَا المَال خضر) ، بِفَتْح الْخَاء وَكسر الضَّاد المعجمتين، وَإِنَّمَا سمي الْخضر خضرًا لحسنه ولإشراق وَجهه، وَالْخضر عبارَة عَن الْحسن، وَهِي من أحسن الألوان، ويروى: خضرَة، بتاء التَّأْنِيث، وَالْوَجْه فِيهِ أَن يُقَال: إِنَّمَا أنث على معنى تَأْنِيث الْمُشبه بِهِ، أَي: هَذَا المَال شَيْء كالخضرة، وَقيل: مَعْنَاهُ كالبقلة الخضرة، أَو يكون على معنى فَائِدَة المَال أَي: الْحَيَاة بِهِ والمعيشة خضرَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُمكن أَن يعبر عَن المَال بالدنيا لِأَنَّهُ أعظم زينتي الْحَيَاة الدُّنْيَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿المَال والبنون زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ (الْكَهْف: ٦٤) . وَقَالَ الْخطابِيّ يُريدَان صُورَة الدُّنْيَا حَسَنَة المنظر موثقة تعجب النَّاظر وَلذَلِك أنث اللَّفْظَيْنِ يَعْنِي خضرَة حلوة وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَله وَجه آخر وَهُوَ أَن تكون التَّاء للْمُبَالَغَة، نَحْو: رجل راوية وعلامة. قَوْله: (وَنعم صَاحب الْمُسلم) ، إِلَى آخِره، يَقُول: إِن من أعطي مَالا وسلط على هَلَكته فِي الْحق فَأعْطى من فَضله الْمِسْكِين وَغَيره، فَهَذَا المَال المرغوب فِيهِ. قَوْله: (أَو كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ شكّ من يحيى. قَوْله: (وَإنَّهُ من يَأْخُذهُ) أَي: وَإِن المَال من يَأْخُذهُ بِغَيْر حَقه، بِأَن جمعه من الْحَرَام

стр. 2540

أَو من غير احْتِيَاج إِلَيْهِ وَلم يخرج مِنْهُ حَقه الْوَاجِب فِيهِ، فَهُوَ كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع، يَعْنِي: أَنه كلما نَالَ مِنْهُ شَيْئا ازدادت رغبته واستقل مَا فِي يَده، وَنظر إِلَى مَا فَوْقه فينافسه. قَوْله: (فَيكون عَلَيْهِ شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة) ، يحْتَمل الْبَقَاء على ظَاهره، وَهُوَ أَنه يجاء بِمَالِه يَوْم الْقِيَامَة فينطق الصَّامِت مِنْهُ مَا فعل بِهِ أَو يمثل لَهُ بمثال حَيَوَان أَو يشْهد عَلَيْهِ الموكلون بكتب الْكسْب والأنفاق وَقيل: معنى قَوْله: (وَيكون عَلَيْهِ شَهِيدا) أَي: حجَّة عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، يشْهد على صرفه وإسرافه وَأَنه أنفقهُ فِيمَا لَا يرضاه الله تَعَالَى، وَلم يؤد حَقه. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: مثلان ضربهما النَّبِي ﷺ : أَحدهمَا: للمفرط فِي جمع الدُّنْيَا ومنعها من حَقّهَا، وَالْآخر: للمقتصد فِي أَخذهَا، فَأَما قَوْله: (وَإِن مِمَّا ينْبت الرّبيع) فَهُوَ مثل المفرط الَّذِي يَأْخُذهَا بِغَيْر حق، وَذَلِكَ أَن الرّبيع ينْبت أَحْرَار العشب فتستكثر مِنْهَا الْمَاشِيَة حَتَّى تنتفخ بطونها، لما قد جَاوَزت حد الِاحْتِمَال، فَتَنْشَق أمعاؤها مِنْهَا فتهلك، كَذَلِك الَّذِي يجمع الدُّنْيَا من غير حلهَا، وَيمْنَع ذَا الْحق حَقه يهْلك فِي الْآخِرَة بِدُخُولِهِ النَّار. وَأما قَوْله: (إلَاّ آكِلَة الْخضر) فَهُوَ مثل المقتصد، وَذَلِكَ أَن الْخضر لَيْسَ من أَحْرَار الْبُقُول الَّتِي ينبتها الرّبيع، وَلكنهَا من الجنبة الَّتِي ترعاها الْمَوَاشِي بعد هيج الْبُقُول، فَضَربهُ ﷺ مثلا لمن يقتصد فِي أَخذ الدُّنْيَا وَجَمعهَا وَلَا يحملهُ الْحِرْص على أَخذهَا بِغَيْر حَقّهَا، فَهُوَ نَاجٍ من وبالها كَمَا نجت آكِلَة الْخضر. وَقيل: الرّبيع قد ينْبت أَحْرَار العشب والكلأ فَهِيَ كلهَا خير فِي نَفسهَا، وَإِنَّمَا يَأْتِي الشَّرّ من قبل آكل مستلذ مفرط منهمك فِيهَا بِحَيْثُ تنتفخ أضلاعه مِنْهُ وتمتلىء خاصرتاه، وَلَا يقْلع عَنهُ فيهلكه سَرِيعا، وَمن أكل كَذَا فيشرفه إِلَى الْهَلَاك، وَمن: أكل مُسْرِفًا حَتَّى تنتفخ خاصرتاه وَلكنه يتوخى إِزَالَة ذَلِك ويتحيل فِي دفع مضرتها حَتَّى يهضم مَا أكل وَمن أكل غير مفرط وَلَا مُسْرِف يَأْكُل مِنْهَا مَا يسد جوعه وَلَا يسرف فِيهِ حَتَّى يحْتَاج إِلَى دَفعه، وَمن أكل مَا يسد بِهِ رمقه وَيقوم بِهِ طَاعَته. الأول: مِثَال الْكَافِر، وَمن ثمَّة أكد الْقَتْل بالحبط أَي: يقتل قتلا حَبطًا، وَالْكَافِر هُوَ الَّذِي يحبط أَعماله. وَالثَّانِي: مِثَال الْمُؤمن الظَّالِم لنَفسِهِ المنهمك فِي الْمعاصِي. وَالثَّالِث: مِثَال المقتصد. وَالرَّابِع: مِثَال السَّابِق الزَّاهِد فِي الدُّنْيَا الرَّاغِب فِي الْآخِرَة، هَذَا الْوَجْه يفهم من الحَدِيث، وَإِن لم يُصَرح بِهِ، وَفِي كَلَام النَّوَوِيّ إِشْعَار بِهَذَا. وَفِيه: جَوَاز ضرب الْأَمْثَال بالأشياء التافهة وَالْكَلَام الوضيع كالبول وَنَحْوه. وَفِيه: جَوَاز عرض التلميذ على الْعَالم الْأَشْيَاء المجملة، وَأَن للْعَالم إِذا سُئِلَ عَن شَيْء أَن يُؤَخر الْجَواب حَتَّى يتَيَقَّن. وَفِيه: أَن السُّؤَال إِذا لم يكن فِي مَوْضِعه يُنكر على سائله. وَفِيه: أَن الْعَالم إِذا سُئِلَ عَن شَيْء وَلم يستحضر جَوَابه أَو أشكل عَلَيْهِ يُؤَخر الْجَواب حَتَّى يكْشف الْمَسْأَلَة مِمَّن فَوْقه من الْعلمَاء، كَمَا فعل ﷺ فِي سُكُوته حَتَّى استطلعها من قبل الْوَحْي. وَفِيه: أَن كسب المَال من غير حلّه غير مبارك فِيهِ، وَالله تَعَالَى يرفع عَنهُ الْبركَة كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يمحق الله الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد: مِثَال المَال مِثَال الْحَيَّة الَّتِي فِيهَا ترياق نَافِع وسم ناقع، فَإِن أَصَابَهَا المعزم الَّذِي يعرف وَجه الِاحْتِرَاز من شَرها وَطَرِيق اسْتِخْرَاج ترياقها النافع كَانَت نعْمَة، وَإِن أَصَابَهَا السوادي الْغَنِيّ فَهِيَ عَلَيْهِ بلَاء مهلك. وَفِيه: أَن للْعَالم أَن يحذر من يجالسه من فتْنَة المَال، وينبههم على مَوَاضِع الْخَوْف، كَمَا قَالَ، ﷺ : ﴿إِنَّمَا أَخَاف عَلَيْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . فوصف لَهُم مَا يخَاف عَلَيْهِم ثمَّ عرفهم بمداواة تِلْكَ الْفِتْنَة، وَهِي إطْعَام الْمِسْكِين وَنَحْوه. وَفِيه: الحض على الاقتصاد فِي المَال والحث على الصَّدَقَة وَترك الْإِمْسَاك. قَالَ الْكرْمَانِي وَفِيه: حجَّة لمن يرجح الْغَنِيّ على الْفقر. قلت: هَذَا الْكَلَام عكس مَا نقل عَن الْمُهلب، فَإِنَّهُ قَالَ: احْتج قوم بِهَذَا الحَدِيث فِي تَفْضِيل الْفقر على الْغنى، وَلَيْسَ كَمَا تأولوه، لِأَن النَّبِي ﷺ لم يخْش عَلَيْهِم مَا يفتح عَلَيْهِم من زهرَة الدُّنْيَا إلَاّ إِذا ضيعوا مَا أَمرهم الله تَعَالَى بِهِ فِي إِنْفَاق حَقه. قلت: جمع المَال غير محرم، وَلَكِن الاستكثار مِنْهُ وَالْخُرُوج عَن حد الاقتصاد فِيهِ ضار، كَمَا أَن الاستكثار من المآكل مسقم من غير تَحْرِيم للآكل، وَلَكِن الاقتصاد فِيهِ هُوَ الْمَحْمُود. وَفِيه: جُلُوس الإِمَام على الْمِنْبَر عِنْد الموعظة وجلوس النَّاس حوله. وَفِيه: خوف المنافسة لقَوْله: (إِنَّمَا أَخَاف عَلَيْكُم من بعدِي مَا يفتح عَلَيْكُم من زهرَة الدُّنْيَا) . وَفِيه: استفهامهم بِضَرْب الْمثل. وَفِيه: مسح الرحضاء للشدة الْحَاصِلَة. وَفِيه: دُعَاء السَّائِل لقَوْله: (أَيْن السَّائِل؟) وَفِيه: ظُهُور الْبُشْرَى لقَوْله: (وَكَأَنَّهُ حَمده) أَي: لما رأى فِيهِ من الْبُشْرَى لِأَنَّهُ كَانَ إِذا سر برقتْ أسارير وَجهه. وَالله أعلم.

стр. 2541

٨٤ - (بابُ الزَّكَاةِ علَى الزَّوْجِ وَالأيْتامِ فِي الحَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صرف الزَّكَاة على الزَّوْج وعَلى الْأَيْتَام الَّذين فِي حجر الْمُنفق، الْحجر، بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا، وَالْمرَاد بِهِ الحضن. وَفِي (الْمطَالع) إِذا أُرِيد بِهِ الْمصدر فالفتح لَا غير، وَإِن أُرِيد الِاسْم فالكسر لَا غير، وَحجر الْكَعْبَة بِالْكَسْرِ لَا غير، وَإِنَّمَا أعَاد الْأَيْتَام هُنَا، مَعَ أَنه ذكر فِي الْبَاب السَّابِق لِأَن الأول فِيهِ الْعُمُوم، وَفِي هَذَا الْخُصُوص. قيل: وَجه الِاسْتِدْلَال بهما على الْعُمُوم لِأَن الْإِعْطَاء أَعم من كَونه وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا. قلت: لَا نسلم عُمُوم جَوَاز الْإِعْطَاء، بل الْوَاجِب لَهُ حكم، وَالْمَنْدُوب لَهُ حكم. أما الْوَاجِب فَلِأَن فِي إِعْطَاء الزَّوْجَة زَكَاتهَا فِيهِ خلاف، كَمَا ذكرنَا. وَكَذَلِكَ الْإِعْطَاء للأيتام إِنَّمَا يجوز بِشَرْط الْفقر، وَأما الْمَنْدُوب فَلَا كَلَام فِيهِ. قالَهُ أبُو سَعيدٍ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: قَالَ الْمَذْكُور من الزَّكَاة على الزَّوْج والأيتام أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق تقدم مُسْندًا عِنْد البُخَارِيّ فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، وَقَالَ بَعضهم: يُشِير إِلَى حَدِيثه السَّابِق مَوْصُولا فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب. قلت: لَيْسَ فِيهِ ذكر الْأَيْتَام أصلا، وَلِهَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب. ٦٦٤١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمشُ قَالَ حدَّثني شَقيقٌ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ عنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ فَذَكَرْتُهُ لإبراهِيمَ فحَدَّثني إبْرَاهِيمُ عنْ أبِي عُبَيْدَةَ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ عنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ الله بِمِثْلِهِ سَوَاءً قالَتْ كُنْتُ فِي المَسْجدِ فرَأيْتُ النبيَّ ﷺ فَقَالَ تَصَدَّقْنَ ولَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وكانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلى عَبْدِ الله وأيْتامٍ فِي حَجْرِهَ قَالَ فقَالَتْ لَعَبْدِ الله سَلْ رسولَ الله ﷺ أيَجْزِي عَنِّي أَن أُنْفِقَ علَيْكَ وعَلَى أيْتَامِي فِي حَجْري مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِي أنْتِ رسولَ الله ﷺ فانْطَلَقْتُ إلَى النبيِّ ﷺ فوَجَدْتُ امْرأةً مِنَ الأنْصَارِ عَلَى البَابِ حاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلاٍ لٌ فقُلْنَا سَلِ النبيَّ ﷺ أيَجْزِي عَنِّي أنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي وقُلْنَا لَا تُخْبِرْ بِنَا فدَخَلَ فسَألَهُ فَقَالَ مَنْ هُمَا قَالَ زَيْنَبُ قَالَ أيُّ الزَّيَانِبِ قَالَ امْرَأةُ عَبْدِ الله قالَ نعَمْ ولَهَا أجْرَانِ أجْرُ القَرَابَةِ وَأجْرُ الصَّدَقَة. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم: ثَمَانِيَة: الأول: عمر بن حَفْص أَبُو حَفْص النَّخعِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: أَبُو حَفْص بن غياث بن طلق. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: شَقِيق أَبُو وَائِل، وَقد مر عَن قريب. الْخَامِس: عَمْرو ابْن الْحَارِث بن أبي ضرار، بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة: الْخُزَاعِيّ ثمَّ المصطلقي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالقاف: أَخُو جوَيْرِية بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ ، لَهُ صُحْبَة. السَّادِس: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. السَّابِع: أَبُو عُبَيْدَة، بِضَم الْعين: واسْمه عَامر بن عبد الله بن مَسْعُود، وَيُقَال: اسْمه كنيته. الثَّامِن: زَيْنَب بنت مُعَاوِيَة، وَيُقَال: بنت عبد الله بن مُعَاوِيَة بن عتاب الثقفية، وَيُقَال لَهَا: رائطة، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون مَا خلا عَمْرو بن الْحَارِث. وَفِيه: رِوَايَة صحابية عَن صحابية وهما عَمْرو وَزَيْنَب. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ فِي الطَّرِيق الأول، وهما: الْأَعْمَش وشقيق. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين وهم:

стр. 2542

الْأَعْمَش وشقيق وَإِبْرَاهِيم وَأَبُو عُبَيْدَة. وَفِيه: أَن الْأَعْمَش روى هَذَا الحَدِيث عَن شيخين، وهما: شَقِيق وَإِبْرَاهِيم، لِأَن الْأَعْمَش قَالَ فِي الطَّرِيق الأول: حَدثنِي شَقِيق، وَقَالَ فِي الطَّرِيق الثَّانِي: فَحَدثني إِبْرَاهِيم، فَفِي هَذِه الطَّرِيق ثَلَاثَة من التَّابِعين مُتَوَالِيَة، وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: لفظ الذّكر وَهُوَ قَوْله: قَالَ: فَذَكرته لإِبْرَاهِيم، الْقَائِل هُوَ الْأَعْمَش، أَي: ذكرت الحَدِيث لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ عَن عَمْرو بن حَفْص بِإِسْنَادِهِ نَحْو إِسْنَاد البُخَارِيّ. وَأخرجه أَيْضا عَن الْحسن بن الرّبيع عَن أبي الْأَحْوَط عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق بِهِ، وَلم يذكر حَدِيث إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش وَعَن مَحْمُود بن غيلَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب عَن عمر بن حَفْص وَعَن بشر بن خَالِد، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزَّكَاة عَن عَليّ بن مُحَمَّد وَالْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح بِبَعْضِه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كنت فِي الْمَسْجِد فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ . .) إِلَى آخِره، زِيَادَة على مَا فِي حَدِيث أبي سعيد الَّذِي مضى عَن قريب. قَوْله: (من حليكن) ، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام مُفردا، وبضم الْحَاء وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء جمعا. قَوْله: (أيجزي؟) بِفَتْح الْيَاء مَعْنَاهُ: هَل يَكْفِي عني، لِأَن الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، وَكَانَ الظَّاهِر يَقْتَضِي أَن يُقَال: عَنَّا، وَكَذَلِكَ يُقَال: ننفق، بالنُّون المصدرة للْجَمَاعَة، وَلَكِن لما كَانَ المُرَاد كل وَاحِدَة منا، ذكرت بِذَاكَ الأسلوب أَو اكتفت زَيْنَب فِي الْحِكَايَة بِحَال نَفسهَا. قَوْله: (فَوجدت امْرَأَة من الْأَنْصَار) وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ: (فَإِذا امْرَأَة من الْأَنْصَار يُقَال لَهَا: زَيْنَب) ، وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش، وَزَاد من وَجه آخر عَن عَلْقَمَة: (عَن عبد الله، قَالَ: انْطَلَقت امْرَأَة عبد الله، يَعْنِي: ابْن مَسْعُود، وَامْرَأَة أبي مَسْعُود يَعْنِي: عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ) . وَقَالَ بَعضهم: لم يذكر ابْن سعد لأبي مَسْعُود امْرَأَة أنصارية سوى: هزيلة بنت ثَابت بن ثَعْلَبَة الخزرجية، فَلَعَلَّ لَهَا اسْمَيْنِ أَو وهم من سَمَّاهَا زَيْنَب انتقالاً من اسْم امْرَأَة عبد الله إِلَى اسْمهَا. قلت: عدم ذكر ابْن سعد لأبي مَسْعُود امْرَأَة غير هزيلة الْمَذْكُورَة لَا يسْتَلْزم أَن لَا يكون لَهُ امْرَأَة أُخْرَى. قَوْله: (وأيتام لي فِي حجري) وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ: (هم بَنو أَخِيهَا وَبَنُو أُخْتهَا) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عَلْقَمَة: (لإحداهما فضل مَال وَفِي حجرها بَنو أَخ لَهَا إيتام، وللأخرى فضل مَال وَزوج خَفِيف الْيَد) . وَهُوَ كِنَايَة عَن الْفقر. قَوْله: (لَا تخبر بِنَا) خطاب لِبلَال أَي: لَا تعين إسمنا، وَلَا تقل إِن السائلة فُلَانَة بل قَالَ: يَسْأَلك امْرَأَتَانِ مُطلقًا، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فلِمَ خَالف بِلَال قَوْلهمَا، وَهُوَ إخلاف للوعد وإفشاء للسر؟ قلت: عَارضه سُؤال رَسُول الله ﷺ ، فَإِن جَوَابه وَاجِب متحتم لَا يجوز تَأْخِيره، فَإِذا تَعَارَضَت المصلحتان بدىء بأهمهما فَإِن. قلت: كَانَ الْجَواب المطابق للفظ هُوَ أَن يُقَال: زَيْنَب وفلانة. قلت: الْأُخْرَى محذوفة، وَهِي أَيْضا اسْمهَا: زَيْنَب الْأَنْصَارِيَّة، وَزوجهَا أَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ، وَوَقع الِاكْتِفَاء باسم من هِيَ أكبر وَأعظم مِنْهُمَا. قَوْله: (لَهَا أَجْرَانِ: أجر الْقَرَابَة) أَي: أجر صلَة الرَّحِم، (وَأجر الصَّدَقَة) أَي أجر مَنْفَعَة الصَّدَقَة. قلت: فِي حَدِيث أبي سعيد الَّذِي فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب: أَنَّهَا شافهته بالسؤال وشافهها لقَوْله فِيهِ: (قَالَت: يَا نَبِي الله) . وَقَوله فِيهِ: (صَدَقَة زَوجك) ، وَهَهُنَا لم تشافهه بالسؤال وَلَا شافهها بِالْجَوَابِ؟ قلت: يحْتَمل إِن تَكُونَا قضيتين، وَقيل: يجمع بَينهمَا بِأَن يجمل هَذِه الْمُرَاجَعَة على الْمجَاز، وَإِنَّمَا كَانَت على لِسَان بِلَال. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، وَبَقِيَّة الأبحاث مَضَت فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب. ٧٦٤١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ يَا رسُولَ الله ألِي أجْرٌ أنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أبِي سَلَمَةَ إنَّمَا هُمْ بَنِيَّ فَقَالَ أنْفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ. (الحَدِيث ٧٦٤١ طرفه فِي: ٩٦٣٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما علم مِنْهُ أَن الصَّدَقَة مجزية على أَيْتَام هم أَوْلَاد الْمُزَكي، فبالقياس عَلَيْهِ تجزىء الزَّكَاة على أَيْتَام

стр. 2543

هم لغيره، أَو أَن الحَدِيث ذكر فِي هَذَا الْبَاب لمناسبة الحَدِيث الأول فِي كَون الْإِنْفَاق على الْيَتِيم فَقَط، وَالْبُخَارِيّ كثيرا يعْمل من ذَلِك، هَكَذَا ذكره الْكرْمَانِي، وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ الْأَوْجه. ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: عُثْمَان بن أبي شيبَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، واسْمه إِبْرَاهِيم أَبُو الْحسن الْعَبْسِي أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، مَاتَ فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عَبدة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: زَيْنَب بنت أم سَلمَة، وَهِي بنت أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي، وَكَانَ اسْمهَا برة فسماها رَسُول الله ﷺ زَيْنَب: سَمِعت النَّبِي ﷺ عِنْد البُخَارِيّ. السَّادِس: أم سَلمَة، وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة، زوج النَّبِي ﷺ . والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي كريب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه كوفيان وَهِشَام وَأَبوهُ مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما هِشَام وَأَبوهُ. وَفِيه: رِوَايَة صحابية عَن صحابية وهما زَيْنَب وَأمّهَا أم سَلمَة. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الاب. وَقد مضى فقهه فِي بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب. قَوْلهَا: (أَلِي أجر) ، الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (على بني أبي سَلمَة) كَانُوا أبناءها من أبي سَلمَة الزَّوْج الَّذِي كَانَ قبل رَسُول الله ﷺ ، وهم: عمر وَمُحَمّد وَزَيْنَب ودرة. قَوْلهَا: (إِنَّمَا هم بني) أَصله بنُون، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء المتكلمة سَقَطت نون الْجمع فَصَارَ بنوى، فاجتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأدغمت الْوَاو فِي الْيَاء فَصَارَ: بني، بِضَم النُّون وَتَشْديد الْيَاء، ثمَّ أبدلت من ضمة النُّون كسرة لأجل الْيَاء، فَصَارَ بني، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. ٩٤ - (بابُ قَولِ الله تعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله﴾ (التَّوْبَة: ٠٦) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان المُرَاد من قَول الله تَعَالَى: ﴿وَفِي الرّقاب﴾ (التَّوْبَة: ٠٦) . وَكَذَا من قَوْله: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾ (التَّوْبَة: ٠٦) . وهما من آيَة الصَّدقَات، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين. .﴾ (التَّوْبَة: ٠٦) . الْآيَة، اقتطعهما مِنْهَا للاحتياج إِلَيْهِمَا فِي جملَة مصارف الزَّكَاة، وَهِي ثَمَانِيَة، من جُمْلَتهَا: الرّقاب، وَهُوَ جمع: رَقَبَة، وَالْمرَاد: المكاتبون يعانون من الزَّكَاة فِي فك رقابهم، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء، مِنْهُم سعيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَاللَّيْث، وَهُوَ رِوَايَة ابْن الْقَاسِم وَابْن نَافِع عَن اللَّيْث، وَفِي (الْمُغنِي) : وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد، وَقَالَ ابْن تَيْمِية: إِن كَانَ مَعَه وَفَاء لكتابته لم يُعْط لأجل فقره لِأَنَّهُ عبد، وَإِن لم يكن مَعَه شَيْء أعطي الْجَمِيع، وَإِن كَانَ مَعَه بعضه تمم، سَوَاء كَانَ قبل حُلُول النَّجْم أَو بعده كَيْلا يحل النَّجْم وَلَيْسَ مَعَه شَيْء فتفسخ الْكِتَابَة، وَيجوز دَفعهَا إِلَى سَيّده. وَعند الشَّافِعِيَّة: إِن لم يحل عَلَيْهِ نجم فَفِي صرفه إِلَيْهِ وَجْهَان، وَإِن دَفعه إِلَيْهِ فَأعْتقهُ الْمولى أَو أَبرَأَهُ من بدل الْكِتَابَة أَو عجر نَفسه وَالْمَال فِي يَد الْمكَاتب رَجَعَ فِيهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ الْمَذْهَب. قَوْله: ﴿فِي سَبِيل الله﴾ (التَّوْبَة: ٠٦) . وَهُوَ مُنْقَطع الْغُزَاة عِنْد أبي يُوسُف، ومنقطع الْحَاج عِنْد مُحَمَّد، وَفِي (الْمَبْسُوط) : وَفِي سَبِيل الله فُقَرَاء الْغُزَاة عِنْد أبي يُوسُف، وَعند مُحَمَّد: فُقَرَاء الْحَاج. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِي (الْأَشْرَاف) قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد: فِي سَبِيل الله هُوَ الْغَازِي غير الْغَنِيّ، وَحكى أَبُو ثَوْر عَن أبي حنيفَة أَنه الْغَازِي دون الْحَاج، وَذكر ابْن بطال أَنه قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَمثله النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) . وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَأما قَول أبي حنيفَة: لَا يُعطى الْغَازِي من الزَّكَاة إلَاّ أَن يكون مُحْتَاجا، فَهُوَ خلاف ظَاهر للْكتاب وَالسّنة، فَأَما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾ (التَّوْبَة: ٠٦) . وَأما السّنة فروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ إلَاّ لخمسة: لعامل عَلَيْهَا، أَو لغاز فِي سَبِيل الله، أَو غَنِي اشْتَرَاهَا بِمَالِه، أَو فَقير تصدق عَلَيْهِ فأهدى لَغَنِيّ إو غَارِم) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُرْسلا فَإِن قلت: مَا أحسن الْأَدَب سِيمَا مَعَ الأكابر، وَأَبُو حنيفَة لم يُخَالف الْكتاب وَلَا السّنة، وَإِنَّمَا عمل بِالسنةِ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله ﷺ : (لَا تحل

стр. 2544

الصَّدَقَة لَغَنِيّ) ، وَقَالَ: المُرَاد من قَوْله: (لغاز فِي سَبِيل الله) ، هُوَ الْغَازِي الْغَنِيّ بِقُوَّة الْبدن، وَالْقُدْرَة على الْكسْب لَا الْغَنِيّ بالنصاب الشَّرْعِيّ، بِدَلِيل حَدِيث معَاذ: وردهَا إِلَى فقرائهم. وَيُذْكَرُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مالِهِ ويُعْطِي فِي الحَجِّ علق هَذَا عَن ابْن عَبَّاس ليشير أَن شِرَاء العَبْد وعتقه من مَال الزَّكَاة جَائِز، وَهُوَ مُطَابق للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو بكر فِي (مُصَنفه) : عَن أبي جَعْفَر عَن الْأَعْمَش عَن حسان عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يعْطى الرجل من زَكَاته فِي الْحَج، وَأَن يعْتق النَّسمَة مِنْهَا. وَفِي (كتاب الْعِلَل) لعبد الله بن أَحْمد عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش حَدثنَا الْأَعْمَش عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ ابْن عَبَّاس: أعتق من زكاتك، وَفِي رِوَايَة أبي عبيد: أعتق من زَكَاة مَالك. وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ: قيل لأبي عبد الله: يشترى الرجل من زَكَاة مَاله الرّقاب فَيعتق وَيجْعَل فِي ابْن السَّبِيل؟ قَالَ: نعم، ابْن عَبَّاس يَقُول ذَلِك، وَلَا أعلم شَيْئا يَدْفَعهُ، وَهُوَ ظَاهر الْكتاب. قَالَ الْخلال فِي (علله) : هَذَا قَوْله الأول، وَالْعَمَل على مَا بَينه الْجَمَاعَة فِي ضعف الحَدِيث. أخبرنَا أَحْمد بن هَاشم الْأَنْطَاكِي، قَالَ: قَالَ أَحْمد: كنت أرى أَن يعْتق من الزَّكَاة، ثمَّ كَفَفْت عَن ذَلِك لِأَنِّي لم أر إِسْنَادًا يَصح. قَالَ حَرْب: فاحتج عَلَيْهِ بِحَدِيث ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: هُوَ مُضْطَرب. انْتهى. وَبقول ابْن عَبَّاس فِي عتق الرَّقَبَة من الزَّكَاة قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَعبد الله بن الْحسن الْعَنْبَري وَمَالك وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَفِي (الْجَوَاهِر) للمالكية: يَشْتَرِي بهَا الإِمَام الرّقاب فيعقتها عَن الْمُسلمين وَالْوَلَاء لجميعهم. وَقَالَ ابْن وهب: هُوَ فِي فكاك المكاتبين، وَوَافَقَ الْجَمَاعَة، وَلَو اشْترى بِزَكَاتِهِ رَقَبَة فَأعْتقهَا ليَكُون ولاؤها لَهُ لَا يجْزِيه عِنْد ابْن الْقَاسِم، خلافًا لأَشْهَب، وَلَا يَجْزِي فك الْأَسير بهَا عِنْد ابْن الْقَاسِم خلافًا لِابْنِ حبيب، وَلَا يدْفع عِنْد مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ إِلَى مكَاتب وَلَا إِلَى عبد مُوسِرًا كَانَ سَيّده أَو مُعسرا، وَلَا من الْكَفَّارَات. وَجه قَول الْجُمْهُور مَا رَوَاهُ الْبَراء بن عَازِب: (أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: دلَّنِي على عمل يقربنِي من الْجنَّة وَيُبَاعِدنِي من النَّار، فَقَالَ: أعتق النَّسمَة، وَفك الرَّقَبَة، قَالَ: يَا رَسُول الله أوليسا وَاحِدًا، قَالَ: لَا، عتق النَّسمَة أَن تنفرد بِعتْقِهَا، وَفك الرَّقَبَة: أَن تعين فِي ثمنهَا) . رَوَاهُ أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَ الحسَنُ إنِ اشْتَرَى أباهُ مِنَ الزَّكَاةِ جازَ وَيُعْطِي فِي المُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ تَلا إنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ الآيةَ فِي أيِّهَا أعْطَيْتَ أجْزَأتْ مطابقته فِي الْجُزْء الْأَخير من التَّرْجَمَة، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، هَذَا التَّعْلِيق روى بعضه أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن أَشْعَث بن سوار، قَالَ: سُئِلَ الْحسن عَن رجل اشْترى أَبَاهُ من الزَّكَاة فَأعْتقهُ. قَالَ: اشْترى خير الرّقاب. قَوْله: (فِي أَيهَا) أَي: فِي مصرف من المصارف الثَّمَانِية أَعْطَيْت (أجزت) كَذَا فِي الأَصْل بِغَيْر همز أَي: قَضَت. قَالَ الْكرْمَانِي: أَعْطَيْت، بِلَفْظ الْمَعْرُوف والمجهول، وَكَذَلِكَ: أَجْزَأت، من الْإِجْزَاء، وَذكر ابْن التِّين بِلَفْظ: أجزت، بِدُونِ الْهمزَة، وَقَالَ: مَعْنَاهُ قَضَت عَنهُ وَقيل: جزأ وأجزأ بِمَعْنى، أَي: قضى. وَمن قَول الْحسن يعلم أَن اللَّام فِي قَوْله: (للْفُقَرَاء) لبَيَان الْمصرف لَا للتَّمْلِيك. فَلَو صرف الزَّكَاة فِي صنف وَاحِد كفى. وَقَالَ النبيُ ﷺ إنَّ خالِدا احْتَبَسَ أدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ الله هَذَا التَّعْلِيق يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب مَوْصُولا، والإدراع جمع: درع، ويروى: أدرعه. وَيُذْكَرُ عنْ أبِي لَاسٍ حَمَلَنَا النبيُّ ﷺ عَلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ أَبُو لاس، بِالسِّين الْمُهْملَة: خزاعي، وَقيل: حارثي يعد فِي الْمَدَنِيين، اخْتلف فِي اسْمه فَقيل: زِيَاد، وَقيل: عبد الله بن عتمة، بِعَين مُهْملَة مَفْتُوحَة بعْدهَا نون مَفْتُوحَة، وَقيل: مُحَمَّد بن الْأسود، وَله حديثان أَحدهمَا هَذَا، وَلَيْسَ لَهُم أَبُو لاس غَيره، وَهُوَ فَرد. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن عبيد بن غَنَّام: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَحدثنَا أَبُو خَليفَة حَدثنَا ابْن الْمَدِينِيّ حَدثنَا

стр. 2545

مُحَمَّد بن عبيد الطنافسي، حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث عَن عمر بن الحكم بن ثَوْبَان عَن أبي لاس، قَالَ: (حملنَا رَسُول الله ﷺ على إبل من إبل الصَّدَقَة ضِعَاف لِلْحَجِّ، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله مَا نرى أَن تحملنا هَذِه! فَقَالَ: مَا من بعير إلَاّ وَفِي ذروته شَيْطَان، فَإِذا ركبتموها فاذكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم كَمَا أَمركُم الله ثمَّ امتهنوها لأنفسكم، فَإِنَّمَا يحمل الله) ، وَأخرجه أَحْمد أَيْضا وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وَغَيرهم وَرِجَاله ثِقَات، إلَاّ أَن فِيهِ عنعنة ابْن إِسْحَاق، وَلِهَذَا توقف ابْن الْمُنْذر فِي ثُبُوته. ٨٦٤١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ أمَرَ رسولُ الله ﷺ بالصَّدَقَةِ فَقِيلَ منَعَ ابنُ جَميلٍ وخالِدُ بنُ الوَلِيدِ وعَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ مَا يَنْقِمُ ابنُ جَمِيلٍ ألَاّ أنَّهُ كانَ فَقِيرا فأغْنَاهُ الله ورسولُهُ وأمَّا خالِدٌ فإنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خالِدا قَدِ احْتَبَسَ أدْرَاعَهُ وَأعْبُدَهُ فِي سَبِيلِ الله وأمَّا العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُول الله ﷺ فَهْيَ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا معَهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأعبده فِي سَبِيل الله) . وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد قد مضوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عَليّ بن عَيَّاش: عَن شُعَيْب مِمَّا حَدثهُ عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج مِمَّا ذكر أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره، صرح بِالْحَدِيثِ فِي الْإِسْنَاد وَزَاد فِيهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْمَحْفُوظ أَنه من مُسْند أبي هُرَيْرَة، وَإِنَّمَا جرى لعمر فِيهِ ذكر فَقَط. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَمر رَسُول الله ﷺ بِالصَّدَقَةِ) أَي: بِالصَّدَقَةِ الْوَاجِبَة، يَعْنِي: الزَّكَاة لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَة بانصراف الْألف وَاللَّام إِلَيْهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْجُمْهُور صَارُوا إِلَى أَن الصَّدَقَة هِيَ الْوَاجِبَة، لَكِن يلْزم على هَذَا استبعاد هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين لَهَا، وَلذَلِك قَالَ بعض الْعلمَاء: كَانَت صَدَقَة التَّطَوُّع، وَقد روى عبد الرَّزَّاق هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: (أَن النَّبِي ﷺ ندب النَّاس إِلَى الصَّدَقَة) الحَدِيث، وَقَالَ ابْن الْقصار: وَهَذَا أليق بالقصة لأَنا لَا نظن بأحدهم منع الْوَاجِب. قَوْله: (فَقيل: منع ابْن جميل) الْقَائِل هُوَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي الزِّنَاد عِنْد أبي عبيد، فَقَالَ بعض من يلمز أَي: يعيب وَابْن جميل بِفَتْح الْجِيم، ذكره الذَّهَبِيّ فِيمَن عرف بِابْنِهِ وَلم يسم، قيل: وَقع فِي تَعْلِيق القَاضِي حُسَيْن الْمروزِي الشَّافِعِي وَتَبعهُ الرَّوْيَانِيّ أَن اسْمه: عبد الله، وَوَقع فِي (التَّوْضِيح) أَن ابْن بزيزة سَمَّاهُ حميدا، وَلَيْسَ بمذكور فِي كِتَابه، وَقيل: وَقع فِي رِوَايَة ابْن جريج: أَبُو جهم ابْن حُذَيْفَة، بدل ابْن جميل وَهُوَ خطأ لإطباق الْجَمِيع على ابْن جميل لِأَنَّهُ أَنْصَارِي، وَأَبُو جهم قرشي. قَوْله: (وخَالِد بن الْوَلِيد) بِالرَّفْع عطف على: منع ابْن جميل، (وعباس بن عبد الْمطلب) عطف عَلَيْهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي عبيد: (منع ابْن جميل وخَالِد وعباس أَن يُعْطوا) ، وَهُوَ مُقَدّر هَهُنَا، لِأَن: منع، يَسْتَدْعِي مَفْعُولا. وَقَوله: (أَن يُعْطوا) فِي مَحل النصب على المفعولية، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير: منع هَؤُلَاءِ الْإِعْطَاء. قَوْله: (فَقَالَ رَسُول الله ﷺ بَيَان لوجه امْتنَاع هَؤُلَاءِ عَن الْإِعْطَاء فَلذَلِك ذكره بِالْفَاءِ. قَوْله: (مَا ينقم) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتحهَا، أَي: مَا يُنكر أَي: لَا يَنْبَغِي أَن يمْنَع الزَّكَاة، وَقد كَانَ فَقِيرا فأغناه الله إِذْ لَيْسَ هَذَا جَزَاء النِّعْمَة قَالَ ابْن الْمُهلب: كَانَ ابْن جميل منافقا فَمنع الزَّكَاة فاستتابه الله تَعَالَى بقوله: ﴿وَمَا نقموا إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله فَإِن يتوبوا يَك خيرا لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٤٧) . فَقَالَ: استتابني رَبِّي، فَتَابَ وصلحت حَاله، انْتهى. وَفِيه تَأْكِيد الْمَدْح بِمَا يشبه الذَّم لِأَنَّهُ إِذا لم يكن لَهُ عذر إلَاّ مَا ذكر من أَن الله أغناه فَلَا عذر لَهُ. قَوْله: (وَأما خَالِد) إِلَى آخِره، قَالَ الْخطابِيّ: قصَّة خَالِد تؤول على وُجُوه: أَحدهَا: أَنه قد اعتذر لخَالِد ودافع عَنهُ بِأَنَّهُ احْتبسَ فِي سَبِيل الله تقربا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ غير وَاجِب عَلَيْهِ، فَكيف يجوز عَلَيْهِ منع الْوَاجِب؟ وَثَانِيها: أَن خَالِدا طُولِبَ بِالزَّكَاةِ عَن أَثمَان الأدرع، على معنى أَنَّهَا كَانَت عِنْده للتِّجَارَة، فَأخْبر النَّبِي ﷺ أَنه لَا زَكَاة عَلَيْهِ فِيهَا إِذْ جعلهَا حبسا فِي سَبِيل الله. وَثَالِثهَا: أَنه قد أجَاز لَهُ أَن يحْتَسب بِمَا حَبسه فِي سَبِيل الله من

стр. 2546

الصَّدَقَة الَّتِي أَمر بقبضها مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَن أحد الْأَصْنَاف: سَبِيل الله، وهم المجاهدون، فصرفها فِي الْحَال كصرفها فِي الْمَآل. قَوْله: (قد احْتبسَ) أَي: حبس (أدراعه) ، جمع: درع. قَوْله: (وأعبده) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: جمع عبد، حَكَاهُ عِيَاض، وَالْمَشْهُور: أعتده، بِضَم التَّاء المثناء من فَوق، جمع: عتد، بِفتْحَتَيْنِ. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: أعتاده، وَهُوَ أَيْضا جمع: عتد. قيل: هُوَ مَا يعده الرجل من الدَّوَابّ وَالسِّلَاح، وَقيل: الْخَيل خَاصَّة، يُقَال: فرس عتيد، أَي: صلب أَو معد للرُّكُوب أَو سريع الْوُثُوب. قَوْله: (وَأما الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب) فَأخْبر عَنهُ ﷺ أَنه عَمه، وَعم الرجل صنو أَبِيه، وَعَن الحكم بن عتيبة: أَن النَّبِي ﷺ بعث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُصدقا، فَشَكَاهُ الْعَبَّاس إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: يَا ابْن الْخطاب! أما علمت أَن عَم الرجل صنو الْأَب؟ وَأَنا استسلفنا زَكَاته عَام الأول؟ وَمعنى: صنو أَبِيه: أَصله وأصل أَبِيه وَاحِد، وأصل ذَلِك أَن طلع النخلات من عرق وَاحِد. قَوْله: (فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة) ، مَعْنَاهُ: هِيَ صَدَقَة ثَابِتَة عَلَيْهِ سيتصدق بهَا وَمثلهَا مَعهَا، أَي: وَيتَصَدَّق مثل هَذِه الصَّدَقَة مَعهَا كرما مِنْهُ، إِ لَا امْتنَاع مِنْهُ وَلَا بخل فِيهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ فأمواله هِيَ كالصدقة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتَدَانَ فِي مفاداة نَفسه، وَعقيل، فَصَارَ من الغارمين الَّذين لَا تلزمهم الزَّكَاة، وَقيل: إِن الْقِصَّة جرت فِي صَدَقَة التَّطَوُّع فَلَا إِشْكَال عَلَيْهِ، لكنه خلاف الْمَشْهُور وَمَا عَلَيْهِ الرِّوَايَات. ثمَّ إعلم أَن لَفْظَة الصَّدَقَة إِنَّمَا وَقعت فِي رِوَايَة شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد كَمَا مرت. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، فِي رِوَايَة شُعَيْب هَذِه: يبعد أَن تكون مَحْفُوظَة لِأَن الْعَبَّاس كَانَ من صلبية بني هَاشم مِمَّن تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة، فَكيف يَجْعَل رَسُول الله ﷺ مَا عَلَيْهِ من صَدَقَة عَاميْنِ صَدَقَة عَلَيْهِ؟ وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّ ذَلِك قبل تَحْرِيم الصَّدَقَة على آل النَّبِي، ﷺ ، فَرَأى إِسْقَاط الزَّكَاة عَنهُ عَاميْنِ لوجه رَآهُ النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه لَفْظَة لم يُتَابع عَلَيْهَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن اثْنَيْنِ تَابعا شعيبا: أَحدهمَا: عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد، كَمَا سَيَأْتِي عَن قريب، وَالْآخر: مُوسَى بن عقبَة، فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عمرَان: حَدثنَا عَليّ ابْن عَيَّاش عَن شُعَيْب. . وَسَاقه بِلَفْظ البُخَارِيّ، قَالَ: وَأَخْبرنِي أَحْمد بن حَفْص حَدثنِي أبي حَدثنِي إِبْرَاهِيم عَن مُوسَى أَخْبرنِي أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أَمر رَسُول الله، ﷺ ، بِصَدقَة) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَمثلهَا مَعهَا) . وَاعْلَم أَيْضا أَنه وَقع اخْتِلَاف فِي هَذَا اللَّفْظ، فَفِي لفظ وَقع: مثلهَا، فِي متن حَدِيث الْبَاب، وَفِي لفظ: (فَهِيَ لَهُ وَمثلهَا مَعهَا) ، وَفِي لفظ: (فَهِيَ عَليّ وَمثلهَا مَعهَا) ، وَفِي لفظ: (فَهِيَ عَلَيْهِ وَمثلهَا مَعهَا) . أما معنى الَّذِي فِي متن حَدِيث الْبَاب أَي: (فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة) وَاجِبَة فأداها قبلمحلها (وَمثلهَا مَعهَا) : أَي: قد أَدَّاهَا لعام آخر، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن الحكم آنِفا. وَأما معنى: (فَهِيَ لَهُ وَمثلهَا مَعهَا) ، وَهِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة، أَي: فَهِيَ عَلَيْهِ، قيل: عَلَيْهِ وَله بِمَعْنى وَاحِد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم اللَّعْنَة﴾ (غَافِر: ٢٥) . وَفِي قَوْله: ﴿وَإِن أسأتم فلهَا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧) . وَيحْتَمل أَن يكون: فَهِيَ لَهُ، أَي فَهِيَ لَهُ عَليّ، وَيحْتَمل أَنَّهَا كَانَت لَهُ عَلَيْهِ إِذا كَانَ قدمهَا. وَأما معنى قَوْله: (فَهِيَ عَليّ وَمثلهَا مَعهَا) ، أَي: فَهَذِهِ الصَّدَقَة عَليّ بِمَعْنى: أؤديها عَنهُ لما لَهُ عَليّ من الْحق، خُصُوصا لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ: عَم الرجل صنو أَبِيه، وَأما معنى: (فَهِيَ عَلَيْهِ وَمثلهَا مَعهَا) ، وَهِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، قَالَ أَبُو عبيد: نرَاهُ، وَالله أعلم، أَنه كَانَ أخر الصَّدَقَة عَنهُ عَاميْنِ من أجل حَاجَة الْعَبَّاس فَإِنَّهُ يجوز للْإِمَام أَن يؤخرها على وَجه النظرة ثمَّ يَأْخُذهَا مِنْهُ بعد، كَمَا فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِصَدقَة عَام الرَّمَادَة، فَلَمَّا أجبى النَّاس فِي الْعَام الْمقبل أَخذ مِنْهُم صَدَقَة عَاميْنِ. وَقيل: إِنَّمَا تعجل مِنْهُ لِأَنَّهُ أوجبهَا عَلَيْهِ وضمنها إِيَّاه وَلم يقبضهَا مِنْهُ، فَكَانَت دينا على الْعَبَّاس. ألَا ترى قَوْله: (فَإِنَّهَا عَلَيْهِ وَمثلهَا مَعَه؟) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: قَالَ لنا ابْن نَاصِر: يجوز أَن يكون قد قَالَ: هُوَ عَلَيْهِ، بتَشْديد الْيَاء، وَزَاد فِيهَا هَاء السكت. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِثْبَات الزَّكَاة فِي أَمْوَال التِّجَارَة. وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز أَخذ الْقيمَة عَن أَعْيَان الْأَمْوَال. وَفِيه: جَوَاز وضع الصَّدَقَة فِي صنف وَاحِد. وَفِيه: جَوَاز تَأْخِير الزَّكَاة إِذا رأى الإِمَام فِيهِ نظرة. وَفِيه: جَوَاز تَعْجِيل الزَّكَاة. وَقَالَ أَبُو عَليّ الطوسي: اخْتلف أهل الْعلم فِي تَعْجِيل الزَّكَاة قبل محلهَا، فَرَأى طَائِفَة من أهل الْعلم أَن لَا يعجلها، وَبِه يَقُول سُفْيَان، وَقَالَ أَكثر أهل الْعلم: إِن عجلها قبل محلهَا أَجْزَأت عَنهُ، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَكره مَالك وَاللَّيْث بن سعد تَعْجِيلهَا قبل وَقتهَا، وَقَالَ الْحسن: من زكى قبل الْوَقْت أعَاد، كَالصَّلَاةِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعند مَالك فِي إخْرَاجهَا قبل الْحول بِيَسِير قَولَانِ، وحدَّ الْقَلِيل بِشَهْر وَنصف شهر وَخَمْسَة أَيَّام وَثَلَاثَة. وَفِيه: تحبيس آلَات الْحَرْب وَالثيَاب وكل مَا ينْتَفع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه وَالْخَيْل وَالْإِبِل كالأعبد، وَفِي تحبيس غير الْعقار

стр. 2547

ثَلَاثَة أَقْوَال للمالكية: الْمَنْع الْمُطلق فِي مُقَابلَة الْخَيل فَقَط. وَقيل: يكره فِي الرَّقِيق خَاصَّة، وَرُوِيَ أَن أَبَا معقل وقف بَعِيرًا لَهُ فَقيل لرَسُول الله ﷺ فَلم يُنكره. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يلْزم الْوَقْف فِي شَيْء إلَاّ أَن يحكم بِهِ حَاكم، أَو يكون الْوَقْف مَسْجِدا أَو سِقَايَة أَو وَصِيَّة من الثُّلُث. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن أصل الْخلاف أَن الْوَقْف لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة أصلا، وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الأَصْل، وَقيل: يجوز عِنْده إلَاّ أَنه لَا يلْزم بِمَنْزِلَة الْعَارِية حَتَّى يرجع فِيهِ أَي وَقت شَاءَ، وَيُورث عَنهُ إِذا مَاتَ وَهُوَ الْأَصَح، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يجوز وَيَزُول ملك الْوَاقِف عَنهُ، غير أَنه عِنْد أبي يُوسُف يَزُول بِمُجَرَّد القَوْل، وَعند مُحَمَّد حَتَّى يَجْعَل للْوَقْف وليا ويسلمه إِلَيْهِ. وَأما وقف الْمَنْقُول فإمَّا أَن يكون فِيهِ تعامل بوقفه أَو لَا يكون، فَالْأول: يجوز وَقفه كالكراع وَالسِّلَاح والفأس وَالْقدر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والمصاحف وَكتب الْفِقْه والْحَدِيث والأدبية وَنَحْوهَا. وَالثَّانِي: لَا يجوز وَقفه كالزرع وَالثَّمَر وَنَحْوهمَا، وَعند أبي يُوسُف: لَا يجوز إلَاّ فِي الكراع وَالسِّلَاح والكراع الْخَيل. وَفِيه: بعث الإِمَام الْعمَّال لجباية الزكوات بِشَرْط أَن يَكُونُوا أُمَنَاء فُقَهَاء عارفين بِأُمُور الجباية. وَفِيه: تَنْبِيه الغافل على مَا أنعم الله بِهِ من نعْمَة الْغنى بعد الْفقر ليقوم بِحَق الله عَلَيْهِ. وَفِيه: الْعَيْب على من منع الْوَاجِب وَجَوَاز ذكره فِي غيبته بذلك. وَفِيه: تحمل الإِمَام عَن بعض رَعيته مَا يجب عَلَيْهِ. وَفِيه: الِاعْتِذَار بِمَا يسوغ الِاعْتِذَار بِهِ. وَفِيه: إِسْقَاط الزَّكَاة عَن الْأَمْوَال المحبسة. وَفِيه: التَّعْرِيض بكفران النِّعْمَة والتقريع بِسوء الصَّنِيع فِي مُقَابلَة الْإِحْسَان. تابَعَهُ ابنُ أبي الزِّنَادِ عنْ أبِيهِ أَي: تَابع الْأَعْرَج عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه أبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان بِوُجُود لفظ الصَّدَقَة، وروى هَذِه الْمُتَابَعَة الدَّارَقُطْنِيّ عَن الْمحَامِلِي: حَدثنَا عَليّ بن شُعَيْب حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج بِهِ، كَذَا هُوَ فِي نُسْخَة، وَفِي أُخْرَى بِسُقُوط: ابْن، وَهِي رِوَايَة مُسلم، وَهِي الصَّحِيحَة. وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ عنْ أبِي الزِّنادِ هيَ عَلَيْهِ ومِثْلُهَا معَهَا قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن ابْن إِسْحَاق هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار ضد الْيَمين الْمدنِي الإِمَام صَاحب الْمَغَازِي، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَة، وَدفن بمقبرة الخيزران بِبَغْدَاد، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن إبي الزِّنَاد بِحَذْف لفظ: الصَّدَقَة، وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا هَذِه الْمُتَابَعَة عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد: حَدثنِي عبد الْكَرِيم بن الْهَيْثَم حَدثنَا ابْن يعِيش حَدثنِي يُونُس بن بكير حَدثنَا ابْن أبي إِسْحَاق عَن أبي الزِّنَاد، فَذكره. وَقَالَ ابنُ جُرَيْجٍ حُدِّثْتُ عَن الأعْرَجِ بِمِثْلِهِ ابْن جريج، هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، بِضَم الْجِيم. قَوْله: (حدثت) بِصِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بِمثلِهِ) ، أَي: بِمثل مَا روى ابْن إِسْحَاق، بِدُونِ لفظ: الصَّدَقَة. ٠٥ - (بابُ الاسْتِعْفَافِ عنِ المَسْألَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الاستعفاف: هُوَ طلب العفاف، وَقيل: الاستعفاف الصَّبْر والنزاهة عَن الشَّيْء، وَقيل: التَّنَزُّه عَن السُّؤَال، وَفِي بعض النّسخ عَن الْمَسْأَلَة. ٩٦٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَطَتاءِ بنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ نَاسا مِنَ الأنْصَارِ سألُوا رسولَ الله ﷺ فأعْطَاهُمْ ثُمَّ سَألُوهُ فأعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِذَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ

стр. 2548

ومَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله ومَنْ يَتَصَبَّرُ يُصَبِّرُهُ الله ومَا أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرا وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ. (الحَدِيث ٩٦٤١ طرفه فِي: ٠٧٤٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. . ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة وَفِي الرقَاق عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن نَاسا من الْأَنْصَار) لم يعرف أَسمَاؤُهُم، وَلَكِن قَالَ بَعضهم: فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مَا يدل على أَن أَبَا سعيد مِنْهُم، فَفِي حَدِيثه: (سرحتني أُمِّي إِلَى النَّبِي ﷺ ، يَعْنِي لاسأله من حَاجَة شَدِيدَة، فَأَتَيْته وَقَعَدت فاستقبلني فَقَالَ: من اسْتغنى أغناه الله) الحَدِيث، وَزَاد فِيهِ: (وَمن سَأَلَ وَله أُوقِيَّة فقد ألحف، فَقلت: نَاقَتي خير من أُوقِيَّة، فَرَجَعت وَلم أسأله) . قلت: لَيْت شعري أَي: دلَالَة هَذِه من أَنْوَاع الدلالات وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء يدل على كَونه مَعَ الْأَنْصَار فِي حَالَة سُؤَالهمْ النَّبِي ﷺ ؟ قَوْله: (سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ فَأَعْطَاهُمْ) ، أَي: شَيْئا. وَهَذِه اللَّفْظَة فِي بعض النّسخ ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (حَتَّى نفد) ، بِكَسْر الْفَاء وبالدال الْمُهْملَة، أَي: فرغ وفني، وَقَالَ ابْن سَيّده: وأنفده هُوَ واستنفده. قَوْله: (مَا يكون) ، كلمة: مَا، فِيهِ مَوْصُولَة متضمنة لِمَعْنى الشَّرْط. وَقَوله: (فَلم أدخره) جَوَاب الشَّرْط، وَمَعْنَاهُ لن أجعله ذخيرة لغيركم معرضًا عَنْكُم، والفصيح فِيهِ إهمال الدَّال وَجَاء بإعجامها مدغما وَغير مدغم، لَكِن تقلب التَّاء دَالا مُهْملَة فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات. وَيُقَال: مَعْنَاهُ لن أحبسه عَنْكُم، ويروى عَن مَالك: (فَلَنْ أدخره) . قَوْله: (وَمن يستعف) أَي: من طلب الْعِفَّة عَن السُّؤَال وَلم يظْهر الِاسْتِغْنَاء عَن الْخلق وَلم يقبل أَن أعْطى فَهُوَ هُوَ إِذْ الصَّبْر جَامع لمكارم الإخلاق ﷺ (وَمن يسْتَغْن) أَي وَمن يظْهر الإستغناء (يغنه الله) (يعفه الله) ، أَي: يرزقه الله الْعِفَّة، أَي: الْكَفّ عَن الْحَرَام، يُقَال: عف يعف عفة فَهُوَ عفيف. قَالَ الطَّيِّبِيّ: مَعْنَاهُ من طلب الْعِفَّة عَن السُّؤَال وَلم يظْهر الِاسْتِغْنَاء (يغنه الله) أَي: يرزقه الْغنى عَن النَّاس، فَلَا يحْتَاج إِلَى أحد. قَوْله: (وَمن يتصبر) ، أَي: من يعالج الصَّبْر، وَهُوَ مَا بَاب: التفعل، فِيهِ معنى التَّكَلُّف (يصبره الله) أَي: يرزقه الله صبرا وَهُوَ من بَاب: التفعيل. قَوْله: (عَطاء) أَي: شَيْئا من الْعَطاء. قَوْله: (خيرا) ، بِالنّصب صفته، ويروى: خير، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ خير. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ: إِعْطَاء السَّائِل مرَّتَيْنِ والاعتذار إِلَى السَّائِل والحض على التعفف. وَفِيه: الْحَث على الصَّبْر على ضيق الْعَيْش وَغَيره من مكاره الدُّنْيَا. وَفِيه: أَن الِاسْتِغْنَاء والعفة وَالصَّبْر بِفعل الله تَعَالَى. وَفِيه: جَوَاز السُّؤَال للْحَاجة وَإِن كَانَ الأولى تَركه وَالصَّبْر حَتَّى يَأْتِيهِ رزقه بِغَيْر مَسْأَلَة. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ، ﷺ ، من الْكَرم والسخاء والسماحة والإيثار على نَفسه. ٠٧٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ . قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأتِيَ رَجُلاً فَيَسْألَهُ أعْطَاهُ أوْ منَعَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من عمل بِهَذَا الحَدِيث يحصل لَهُ الاستعفاف عَن الْمَسْأَلَة. وَرِجَاله قد تكرروا، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن عَليّ بن شُعَيْب عَن معن ابْن عِيسَى عَن مَالك بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لِأَن يَأْخُذ) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَفِي الْمُوَطَّأ: (ليَأْخُذ أحدكُم) . قَوْله: (حبله) أَي: رسنه. قَوْله: (فيحتطب) أَي: فَإِن يحتطب أَي: يجمع الْحَطب. قَوْله: (خير) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ خير لَهُ. قَوْله: (فيسأله) أَي: فَإِن يسْأَله، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَة ابْن وهب: (خير لَهُ من أَن يَأْتِي رجلا قد أعطَاهُ الله من فَضله فيسأله) . قَوْله: (أعطَاهُ أَو مَنعه) لِأَن حَال المسؤول مِنْهُ إِمَّا الْعَطاء فَفِيهِ الْمِنَّة وذل السُّؤَال، وَإِمَّا الْمَنْع فَفِيهِ الذل والخيبة

стр. 2549

والحرمان، وَكَانَ السّلف إِذا سقط من أحدهم سَوْطه. لَا يسْأَل من يناوله إِيَّاه. وَفِيه: التحريض على الْأكل من عمل يَده والاكتساب من الْمُبَاحَات. وَاعْلَم أَن مدَار الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب على كَرَاهِيَة الْمَسْأَلَة، وَهِي على ثَلَاثَة أوجه: حرَام ومكروه ومباح. فالحرام لمن سَأَلَ وَهُوَ غَنِي من زَكَاة أَو أظهر من الْفقر فَوق مَا هُوَ بِهِ. وَالْمَكْرُوه لمن سَأَلَ وَعِنْده مَا يمنعهُ عَن ذَلِك وَلم يظْهر من الْفقر مَا هُوَ بِهِ، والمباح لمن سَأَلَ بِالْمَعْرُوفِ قَرِيبا أَو صديقا. وَأما السُّؤَال عِنْد الضَّرُورَة فَوَاجِب لإحياء النَّفس. وَأدْخلهُ الدَّاودِيّ فِي الْمُبَاح. وَأما الْأَخْذ من غير مَسْأَلَة وَلَا إشراف نفس فَلَا بَأْس بِهِ. وَفِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث: عَن عَطِيَّة السَّعْدِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا أَغْنَاك الله فَلَا تسْأَل النَّاس شَيْئا فَإِن الْيَد الْعليا المعطية وَإِن الْيَد السُّفْلى هِيَ المعطاء) ، رَوَاهُ ابْن عبد الْبر. وَعَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من سَأَلَ وَله مَا يُغْنِيه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة ومسألته فِي وَجهه خموش أَو خدوش أَو كدوح، قيل: يَا رَسُول الله وَمَا يُغْنِيه؟ قَالَ: خَمْسُونَ درهما أَو قيمتهَا من الذَّهَب) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْأَرْبَعَة وَالْحَاكِم، وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي (كتاب القناعة) وَلَفظه: (من سَأَلَ النَّاس عَن ظهر غنى جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَفِي وَجهه كدوح أَو خموش، قيل: يَا رَسُول الله مَا الْغنى؟ قَالَ: خَمْسُونَ درهما أَو قِيمَته من الذَّهَب) . وَعَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. وَعَن حُبَيْش بن جُنَادَة السَّلُولي قَالَ: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَة) الحَدِيث، وَفِيه: (وَمن سَأَلَ النَّاس ليثري بِهِ مَاله كَانَ خموشا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة، ورضفا يَأْكُلهُ من جَهَنَّم، فَمن شَاءَ فليقِلَّ وَمن شَاءَ فليكثِر) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَانْفَرَدَ بِهِ. وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مثل حَدِيث عبد الله بن عَمْرو. وَعَن قبيصَة بن الْمخَارِق الْهِلَالِي، قَالَ: (تحملت حمالَة فَأتيت رَسُول الله ﷺ الحَدِيث، وَفِيه: (يَا قبيصَة: إِن الْمَسْأَلَة لَا تحل إلَاّ لأحد ثَلَاثَة: رجل تحمل حمالَة فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيبهَا ثمَّ يمسك، وَرجل أَصَابَته جَائِحَة اجتاحت مَاله فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش. أَو قَالَ: سدادا من عَيْش، وَرجل أَصَابَته فاقة حَتَّى يَقُول ثَلَاثَة من ذَوي الحجى من قومه: لقد أصَاب فلَانا فاقة، فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش، أَو قَالَ: سدادا من عَيْش، فَمَا سواهن من الْمَسْأَلَة يَا قبيصَة سحت يأكلها صَاحبهَا سحتا) . رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَعَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن رجلا من الْأَنْصَار) الحَدِيث، وَفِيه: (أَن الْمَسْأَلَة لَا تصلح إلَاّ لثَلَاثَة: لذِي فقر مدقع، أَو لذِي غرم مقطع، أَو لذِي دم موجع) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه. وَعَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي) ، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وَعَن عمرَان ابْن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَسْأَلَة الْغَنِيّ شين فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة) ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار. وَعَن ثَوْبَان عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (من سَأَلَ مَسْأَلَة وَهُوَ عَنْهَا غَنِي كَانَت شَيْئا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة) ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ، وَإِسْنَاده صَحِيح. وَعَن مَسْعُود بن عَمْرو أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يزَال العَبْد يسْأَل وَهُوَ غَنِي حَتَّى يخلق وَجهه فَلَا يكون لَهُ عِنْد الله وَجه) ، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير. وَعَن جَابر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من سَأَلَ وَهُوَ غَنِي عَن الْمَسْأَلَة يحْشر يَوْم الْقِيَامَة وَهِي خموش فِي وَجهه) ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَعَن رجلَيْنِ غير مسميين أَتَيَا النَّبِي ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ يقسم الصَّدَقَة، فسألا مِنْهَا، فَرفع فِينَا الْبَصَر وخفضه فرآنا جلدين، فَقَالَ: (إِن شئتما أعطيتكما وَلَا حظَّ فِيهَا لَغَنِيّ وَلَا لقوي مكتسب) ، وَرِجَاله فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من سَأَلَ وَله قيمَة أُوقِيَّة فقد ألحف، فَقلت نَاقَتي الياقوتة خير من أُوقِيَّة) . وَفِي رِوَايَة: (خير من أَرْبَعِينَ درهما، فَرَجَعت فَلم أسأله) . وَكَانَت الْأُوقِيَّة على عهد رَسُول الله ﷺ أَرْبَعِينَ درهما، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه. وَعَن سُهَيْل بن الحنظلية قَالَ: (قدم على رَسُول الله ﷺ عُيَيْنَة بن حُصَيْن والأقرع بن حَابِس فَسَأَلَاهُ فَأمر لَهما بِمَا سألاه. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : من سَأَلَ وَعِنْده مَا يُغْنِيه فَإِنَّمَا يستكثر من النَّار، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! وَمَا يُغْنِيه؟ وَقَالَ النُّفَيْلِي: وَمَا الْغنى الَّذِي لَا يَنْبَغِي مَعَه الْمَسْأَلَة؟ قَالَ: قدر مَا يغديه ويعشيه) . وَقَالَ النُّفَيْلِي، فِي مَوضِع آخر: (أَن يكون لَهُ شبع يَوْم

стр. 2550

وَلَيْلَة أَو لَيْلَة وَيَوْم) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَلَفظه: (قَالُوا: وَمَا يُغْنِيه؟ قَالَ: مَا يغديه أَو يعشيه) . (وَعَن رجل من بني أَسد قَالَ: نزلت أَنا وَأَهلي ببقيع الْغَرْقَد) الحَدِيث، وَفِيه: (من سَأَلَ مِنْكُم وَله أُوقِيَّة أَو عدلها فقد سَأَلَ إلحافا، فَقَالَ الْأَسدي: فَقلت: للقحة لنا خير من أُوقِيَّة) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَعَن الرجل الَّذِي من مزينة، قَالَت لَهُ أمه: أَلا تَنْطَلِق فتسأل رَسُول الله ﷺ كَمَا يسْأَله النَّاس، فَانْطَلَقت أسأله فَوَجَدته قَائِما يخْطب، وَهُوَ يَقُول: من استعف أعفه الله، وَمن اسْتغنى أغناه الله وَمن سَأَلَ النَّاس وَله عدل خمس أَوَاقٍ فقد سَأَلَ إلحافا، فَقلت بيني وَبَين نَفسِي: لناقة لنا خير من خَمْسَة أَوَاقٍ، ولغلامه نَاقَة أُخْرَى خير من خمس أَوَاقٍ، فَرَجَعت وَلم أسأله) ، رَوَاهُ أَحْمد، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (من سَأَلَ مَسْأَلَة عَن ظهر غنى أسْتَكْثر بهَا من رضف جَهَنَّم، قَالُوا: وَمَا ظهر غنى؟ قَالَ: عشَاء لَيْلَة) . رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي زياداته على (الْمسند) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَعَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي قَالَ ﷺ : (من سَأَلَ النَّاس عَن ظهر غنى فصداع فِي الرَّأْس وداء فِي الْبَطن) ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَبَعضه عِنْد أبي دَاوُد. وَعَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَو يعلم صَاحب الْمَسْأَلَة مَا لَهُ فِيهَا لم يسْأَل) ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة قَابُوس، قَالَ أَبُو حَاتِم: لَا أحتج بِهِ، وَقَالَ ابْن حبَان: رَدِيء الْحِفْظ. وَلابْن عَبَّاس حَدِيث آخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار بِلَفْظ: (استغنوا عَن النَّاس وَلَو بشوص السِّوَاك) ، وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَعَن مُعَاوِيَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تلحفوا فِي الْمَسْأَلَة فوَاللَّه لَا يسألني أحد مِنْكُم شَيْئا فَتخرج لَهُ مَسْأَلته مني شَيْئا وَأَنا كَارِه فيبارك لَهُ فِيمَا أَعْطيته) ، رَوَاهُ مُسلم. . وَعَن سَمُرَة ابْن جُنْدُب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الْمَسْأَلَة كد يكد بهَا الرجل وَجهه إلَاّ أَن يسْأَل الرجل سُلْطَانا أَو فِي أَمر لَا بُد مِنْهُ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَعَن أبي ذَر، قَالَ: (قَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يشْتَرط على أَن لَا أسأَل النَّاس شَيْئا، قلت: نعم. قَالَ: وَلَا سَوْطك إِن سقط مِنْك حَتَّى تنزل فتأخذه) ، رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله ثِقَات، وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من يُبَايع؟ فَقَالَ ثَوْبَان: بَايعنَا رَسُول الله. قَالَ: على أَن لَا تسألوا شَيْئا؟ قَالَ ثَوْبَان: فَمَا لَهُ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الْجنَّة. فَبَايعهُ ثَوْبَان) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. وَعَن عدي الجذامي فِي أثْنَاء حَدِيث فِيهِ: (فتعففوا وَلَو بحزم الْحَطب، ألَا هَل بلَّغت؟) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، (وَعَن الفراسي قَالَ لرَسُول الله ﷺ : أسأَل يَا رَسُول الله! فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا، وَإِن كنت لَا بُد سَائِلًا فسل الصَّالِحين) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، والفراسي، بِكَسْر الْفَاء وَفتح الرَّاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة. قَالَ فِي (الْكَمَال) : روى عَن النَّبِي ﷺ حَدِيثا وَاحِدًا، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَله حَدِيث آخر فِي الْبَحْر: (هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ والحل ميتَته) ، كِلَاهُمَا يرويهِ اللَّيْث بن سعد، (وَعَن عَائِذ بن عَمْرو أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ وَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا وضع رجله على أُسْكُفَّة الْبَاب قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَو تعلمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَة مَا مَشى أحد إِلَى أحد يسْأَله شَيْئا) . ١٧٤١ - حدَّثنا مُوسى اقال حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَنْ يأخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيأتِي بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلى ظَهْرِهِ فيَبِيعَهَا فيَكُفَّ الله بِهَا وَجْهَهُ خيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يسْألَ النَّاسَ أعْطَوْهُ أوْ مَنَعُوهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، ووهيب هُوَ ابْن خَالِد. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشّرْب عَن مُعلى بن أَسد عَن وهيب، وَفِي الْبيُوع عَن يحيى بن مُوسَى عَن وَكِيع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزَّكَاة عَن عَليّ ابْن مُحَمَّد وَعَمْرو بن عبد الله الأودي، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع بِهِ. قَوْله: (لِأَن يَأْخُذ) ، اللَّام فِيهِ إِمَّا ابتدائية أَو جَوَاب قسم مَحْذُوف، والحزمة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي: مَا سمي بِالْفَارِسِيَّةِ: دستة. قَوْله: (فيكف الله) أَي: فَيمْنَع الله بِهِ وَجهه من أَن يريق مَاءَهُ بالسؤال من النَّاس. قَوْله: (خير) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ خير لَهُ من أَن يسْأَل أَي: من سُؤال النَّاس، وَالْمعْنَى: إِن لم يجد إلَاّ الاحتطاب من الْحَرْف، فَهُوَ مَعَ مَا فِيهِ من امتهان الْمَرْء نَفسه، وَمن الْمَشَقَّة خير لَهُ من الْمَسْأَلَة. ٢٧٤١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ

стр. 2551

بنِ الزُّبَيْرِ وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَام رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ سَلْتُ رسولَ الله ﷺ فأعْطانِي ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطَاني ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطَاني ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ إنَّ هاذَا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فمَنْ أخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ومَنْ أخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَك لَهُ فِيهِ وَكَانَ كالَّذِي يأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى قَالَ حَكِيمٌ فقُلْتُ يَا رسولَ الله وَالَّذِي بعثَكَ بِالحَقِّ لَا أرْزأُ أحَدا بَعْدَكَ شَيْئا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَدْعُو حَكِيما إلَى العَطَاءِ فَيأبى أنْ يَقْبَلهُ مِنْهُ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فأبَى أنْ يقْبَلَ منْهُ شَيْئا فَقَالَ عُمَرُ إنِّي أُشْهِدَكُمْ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ إنِّي أعْرِضُ عَلَيه حَقَّهُ منْ هاذا الفَيءِ فيَأبَى أنْ يأخُذَهُ فلَمْ يَرْزأ حَكيمٌ أحدا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رسولِ الله ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى) لِأَن المُرَاد من الْيَد الْعليا على قَول: هِيَ المتعففة وَإِن كَانَ الْمَشْهُور هِيَ المنفقة، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى. ذكر رِجَاله: وهم: سَبْعَة: الأول: عَبْدَانِ، هُوَ عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وعبدان لقبه. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد ابْن مُسلم الزُّهْرِيّ الْمدنِي. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْمدنِي. السَّادِس: سعيد بن الْمسيب الْمدنِي. السَّابِع: حَكِيم، بِفَتْح الْحَاء: ابْن حزَام، بِكَسْر الْحَاء وبالزاي المخففة، وَقد مر عَن قريب. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بلقبه. وَفِيه: اثْنَان مذكوران مجردين. وَفِيه: أحدهم مَذْكُور بنسبته إِلَى قبيلته ويروى عَن اثْنَيْنِ. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم: الزُّهْرِيّ وَعُرْوَة وَسَعِيد بن الْمسيب. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا وَفِي الْخمس عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ وَفِي الرقَاق عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَأَعَادَهُ فِي الرقَاق عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خضرَة) ، التَّأْنِيث إِمَّا بِاعْتِبَار الْأَنْوَاع أَو الصُّورَة أَو تَقْدِيره، كالفاكهة الخضرة الحلوة، شبه المَال فِي الرَّغْبَة فِيهِ بهَا فَإِن الْأَخْضَر مَرْغُوب من حَيْثُ النّظر، والحلو من حَيْثُ الذَّوْق، فَإِذا اجْتمعَا زادا فِي الرَّغْبَة، حَاصله أَن التَّشْبِيه فِي الرَّغْبَة فِيهِ والميل إِلَيْهِ وحرص النُّفُوس عَلَيْهِ بالفاكهة الخضراء المستلذة، فَإِن الْأَخْضَر مَرْغُوب فِيهِ على انْفِرَاده، والحلو كَذَلِك على انْفِرَاده، فاجتماعهما أَشد، وَفِيه أَيْضا إِشَارَة إِلَى عدم بَقَائِهِ لِأَن الخضراوات لَا تبقى وَلَا ترَاد للبقاء. قَوْله: (فَمن أَخذه بسخاوة) ، نفس أَي: بِغَيْر شَره وَلَا إلحاح، وَفِي رِوَايَة: (بِطيب نفس) . فَإِن قلت: السخاوة ءنما هِيَ فِي الْإِعْطَاء لَا فِي الْأَخْذ. قلت: السخاوة فِي الأَصْل السهولة، وَالسعَة. قَالَ القَاضِي: فِيهِ احْتِمَالَانِ: أظهرهمَا أَنه عَائِد إِلَى الْآخِذ، أَي من أَخذه بِغَيْر حرص وطمع وإشراف عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: إِلَى الدَّافِع، أَي: من أَخذه مِمَّن يَدْفَعهُ منشرحا بِدَفْعِهِ طيب النَّفس لَهُ. قَوْله: (بإشراف نفس) الإشراف على الشَّيْء: الِاطِّلَاع عَلَيْهِ والتعرض لَهُ، وَقيل: معنى إشراف نفس أَن المسؤول يُعْطِيهِ عَن تكره. وَقيل: يُرِيد بِهِ شدَّة حرص السَّائِل وإشرافه على الْمَسْأَلَة. قَوْله: (لم يُبَارك لَهُ فِيهِ) الضَّمِير فِي: لَهُ، يرجع إِلَى الْآخِذ، وَفِي: فِيهِ، إِلَى المعطَى بِفَتْح الطَّاء، وَمَعْنَاهُ: إِذْ لم يمْنَع نَفسه الْمَسْأَلَة وَلم يصن مَاء وَجهه لم يُبَارك لَهُ فِيمَا أَخذ وَأنْفق. قَوْله: (كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع) أَي: كمن بِهِ الْجُوع الْكَاذِب، وَقد يُسمى بجوع الْكَلْب كلما ازْدَادَ أكلا ازْدَادَ جوعا لِأَنَّهُ يَأْكُل من سقم كلما أكل ازْدَادَ سقما وَلَا يجد شبعا وَيَزْعُم أهل الطِّبّ أَن ذَلِك من غَلَبَة السَّوْدَاء، ويسمونها: الشَّهْوَة الْكَلْبِيَّة، وَهِي صفة لمن يَأْكُل وَلَا يشْبع. قلت:

стр. 2552

الظَّاهِر أَنه من غَلَبَة السَّوْدَاء وشدتها كلما ينزل الطَّعَام فِي معدته يَحْتَرِق وإلَاّ فَلَا يتَصَوَّر أَن يسع فِي الْمعدة أَكثر مَا يسع فِيهِ، وَقد ذكر أهل الْأَخْبَار أَن رجلا من أهل الْبَادِيَة أكل جملا وَامْرَأَته أكلت فصيلاً ثمَّ أَرَادَ أَن يُجَامِعهَا فَقَالَت: بيني وَبَيْنك جمل وفصيل كَيفَ يكون ذَاك؟ قَوْله: (الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى. قَوْله: (لَا أرزأ) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الزَّاي وبالهمزة: مَعْنَاهُ لَا أنقص مَاله بِالطَّلَبِ، وَفِي (النِّهَايَة) : مَا رزأته أَي: مَا نقصته، وَفِي رِوَايَة لإسحاق: (قلت: فوَاللَّه لَا تكون يَدي بعْدك تَحت يَد من أَيدي الْعَرَب. قلت: هَذَا معنى قَوْله: (بعْدك) ، الْخطاب للنَّبِي ﷺ ، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: غَيْرك، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ امْتنع من الْأَخْذ مُطلقًا وَهُوَ مبارك إِذا كَانَ بسعة الصَّدْر مَعَ عدم الإشراف؟ قلت: مُبَالغَة فِي الِاحْتِرَاز إِذْ مُقْتَضى الجبلة الإشراف والحرص وَالنَّفس سراقَة والعرق دساس، وَمن حام حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ. قَوْله: (فَأبى أَن يقبل مِنْهُ) ، أَي: فَامْتنعَ حَكِيم أَن يقبل عَطاء من أبي بكر فِي الأول، وَمن عمر فِي الثَّانِي، وَجه امْتِنَاعه من أَخذ الْعَطاء مَعَ أَنه حَقه لِأَنَّهُ خشِي أَن يقبل من أحد شَيْئا فيعتاد الْأَخْذ فتتجاوز بِهِ نَفسه إِلَى مَا لَا يُريدهُ، ففطمها عَن ذَلِك وَترك مَا يرِيبهُ إِلَى مَا لَا يرِيبهُ، وَلِأَنَّهُ خَافَ أَن يفعل خلاف مَا قَالَ لرَسُول الله ﷺ : (لِأَنَّهُ قَالَ: لَا أرزأ أحدا بعْدك) . حَتَّى روى فِي رِوَايَة: (وَلَا مِنْك يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَلَا مني) . قَوْله: (فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنِّي أشهدكم) إِنَّمَا أشهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على حَكِيم لِأَنَّهُ خشِي سوء التَّأْوِيل، فَأَرَادَ تبرئة ساحته بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَأَن أحدا لَا يسْتَحق شَيْئا من بَيت المَال بعد أَن يُعْطِيهِ الإِمَام إِيَّاه. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَأما قبل ذَلِك فَلَيْسَ بمستحق لَهُ، وَلَو كَانَ مُسْتَحقّا لَهُ لقضى عمر على حَكِيم بِأَخْذِهِ، ذَلِك يدل عَلَيْهِ قَول الله تَعَالَى، حِين ذكر قسم الصَّدقَات، وَفِي أَي الْأَقْسَام يقسم أَيْضا: ﴿كَيْلا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ (الْحَشْر: ٧) . الْآيَة. فَإِنَّمَا هُوَ لمن أوتيه لَا لغيره. وَإِنَّمَا قَالَ الْعلمَاء فِي إِثْبَات الْحُقُوق فِي بَيت المَال مشددا على غير المرضى من السلاطين ليغلقوا بَاب الامتداد إِلَى أَمْوَال الْمُسلمين، وَالسَّبَب إِلَيْهَا بِالْبَاطِلِ، وَيدل على ذَلِك أَن من سرق بَيت المَال أَنه يقطع، وزنى بِجَارِيَة من الفىء أَنه يحد، وَلَو اسْتحق فِي بَيت المَال أَو فِي الْفَيْء شَيْئا على الْحَقِيقَة قبل إِعْطَاء السُّلْطَان لَهُ لكَانَتْ شُبْهَة تدرأ الْحَد عَنهُ. قلت: جُمْهُور الْأمة على أَن للْمُسلمين حَقًا فِي بَيت المَال والفيء، وَلَكِن الإِمَام بقسمه على اجْتِهَاده، فعلى هَذَا لَا يجب الْقطع وَلَا الْحَد للشُّبْهَة وَسَيَجِيءُ تَحْقِيقه فِي: بَاب الِاجْتِهَاد، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (حَتَّى توفّي) ، زَاد إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) من طَرِيق معمر بن عبد الله بن عُرْوَة مُرْسلا: أَنه مَا أَخذ من أبي بكر وَلَا عمر وَلَا عُثْمَان وَلَا مُعَاوِيَة ديوانا وَلَا غَيره حَتَّى مَاتَ لعشر سِنِين من إِمَارَة مُعَاوِيَة، وَزَاد ابْن إِسْحَاق أَيْضا فِي (مُسْنده) من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ: فَمَاتَ حيت مَاتَ وَأَنه لمن أَكثر قُرَيْش مَالا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: مَا قَالَ الْمُهلب: إِن سُؤال السُّلْطَان الْأَكْبَر لَيْسَ بِعَارٍ. وَفِيه: أَن السَّائِل إِذا ألحف لَا بَأْس برده وموعظته وَأمره بالتعفف وَترك الْحِرْص. وَفِيه: أَن الْإِنْسَان لَا يسْأَل إِلَّا عِنْد الْحَاجة والضرورة لِأَنَّهُ إِذا كَانَت يَده السُّفْلى مَعَ إِبَاحَة الْمَسْأَلَة فَهُوَ أَحْرَى أَن يمْتَنع من ذَلِك عِنْد غير الْحَاجة. وَفِيه: أَن من كَانَ لَهُ حق عِنْد أحد فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَخذه إِذا أَتَى، فَإِن كَانَ مِمَّا لَا يسْتَحقّهُ إلَاّ ببسط الْيَد فَلَا يجْبر على أَخذه، وَفِيه: مَا قَالَ ابْن أبي جَمْرَة: قد يَقع الزّهْد مَعَ الْأَخْذ، فَإِن سخاوة النَّفس هُوَ زهدها. تَقول: سخت بِكَذَا أَي: جَادَتْ، وسخت عَن كَذَا أَي: لم تلْتَفت إِلَيْهِ. وَفِيه: أَن الْأَخْذ مَعَ سخاوة النَّفس يحصل أجر الزّهْد وَالْبركَة فِي الرزق، فَظهر أَن الزّهْد يحصل خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَفِيه: ضرب الْمثل بِمَا لَا يعقله السَّامع من الْأَمْثِلَة، لِأَن الْغَالِب من النَّاس لَا يعرف الْبركَة إلَاّ فِي الشَّيْء الْكثير، فَبين بالمثال الْمَذْكُور أَن الْبركَة هِيَ خلق من خلق الله تَعَالَى، وَضرب لَهُم الْمثل بِمَا يعهدون بِالْأَكْلِ إِنَّمَا يُؤْكَل ليشبع فَإِذا أكل وَلم يشْبع كَانَ عناء فِي حَقه بِغَيْر فَائِدَة، وَكَذَلِكَ المَال لَيست الْفَائِدَة فِي عينه وَإِنَّمَا هِيَ لما يتَحَصَّل بِهِ من الْمَنَافِع، فَإِذا كثر المَال عِنْد الْمَرْء بِغَيْر تَحْصِيل مَنْفَعَة كَانَ وجوده كَالْعدمِ. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام أَن لَا يبين للطَّالِب مَا فِي مَسْأَلته من الْمفْسدَة إلَاّ بعد قَضَاء حَاجته لتقع موعظته لَهُ الْموقع لِئَلَّا يتخيل أَن ذَلِك سَبَب لمَنعه حَاجته. وَفِيه: جَوَاز تكَرر السُّؤَال ثَلَاثًا. وَجَوَاز الْمَنْع فِي الرَّابِعَة. وَفِيه: أَن رد السَّائِل بعد ثَلَاث لَيْسَ بمكروه. وَأَن الْإِجْمَال فِي الطّلب مقرون بِالْبركَةِ.

стр. 2553

١٥ - (بابُ مَنْ أعْطَاهُ الله شَيْئا مِنْ غَيْرِ مَسْئلَةٍ وَلَا إشْرَافِ نَفْسٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أعطَاهُ الله. . إِلَى آخِره، وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيره: فليقبل، وَهَذَا هُوَ الحكم، وَإِنَّمَا حذفه اكْتِفَاء بِمَا دلّ عَلَيْهِ فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا حذفه للْعلم بِهِ وَفِيه نظر، لِأَن مُرَاده إِن كَانَ علمه من الْخَارِج فَلَا نسلم أَنه يُعلمهُ مِنْهُ، وَإِن كَانَ من الحَدِيث فَلَا يُقَال إلَاّ بِمَا قُلْنَا لِأَنَّهُ الْأَوْجه والأسد. قَوْله: (من غير مَسْأَلَة) أَي: من غير سُؤال، وَالْمَسْأَلَة مصدر ميمي من سَأَلَ. قَوْله: (وَلَا إشراف) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ التَّعَرُّض للشَّيْء والحرص عَلَيْهِ من قَوْلهم: أشرف على كَذَا إِذا تطاول لَهُ، وَمِنْه قيل للمكان المتطاول: شرف. ﴿وَفِي أمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ (الذاريات: ٩١، المعارج: ٤٢ و ٥٢) . لَيْسَ هَذَا بموجود عِنْد أَكثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي الْآيَة مُقَدّمَة على قَوْله: من أعطَاهُ الله شَيْئا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالهم حق للسَّائِل والمحروم﴾ (الذاريات: ٩١، المعارج: ٤٢ و ٥٢) . وَكَذَا فِي نُسْخَة، وَفِي أُخْرَى: بَاب من أعطَاهُ الله ... إِلَى آخِره، وَكَأَنَّهُ أليق بِالْحَدِيثِ. قَوْله: ﴿وَفِي أَمْوَالهم﴾ (الذاريات: ٩١، المعارج: ٤٢ و ٥٢) . أَي: وَفِي أَمْوَال الْمُتَّقِينَ الْمَذْكُورين قبل هَذِه الْآيَة وَهِي قَوْله: ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات وعيون آخذين مَا آتَاهُم رَبهم إِنَّهُم كَانُوا قبل ذَلِك محسنين كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالهم حق للسَّائِل والمحروم﴾ (الذاريات: ٥١ ٩١) . والسائل هُوَ الَّذِي يسْأَل النَّاس ويستجدي، والمحروم الَّذِي يحْسب غَنِيا فَيحرم الصَّدَقَة لتعففه. وَقيل: المحروم المحارف الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الْإِسْلَام سهم، وَقيل: المحارف الَّذِي لَا يكَاد يكْسب، وَعَن عِكْرِمَة: المحروم الَّذِي لَا ينمى لَهُ مَال، وَعَن زيد بن أسلم: هُوَ الْمُصَاب بثمره وزرعه أَو مَاشِيَته. وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: هُوَ صَاحب الْحَاجة، والمحارف، بِفَتْح الرَّاء: المنقوص الْحَظ الَّذِي لَا يُثمر لَهُ مَال، وَهُوَ خلاف الْمُبَارك، والعوام بِكَسْر الرَّاء، وَاسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة جمَاعَة من التَّابِعين، وَمن الصَّحَابَة أَبُو ذَر على أَن فِي المَال حَقًا غير الزَّكَاة. وَقَالَ الْجُمْهُور: المُرَاد من الْحق هُوَ الزَّكَاة، وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِأَحَادِيث: مِنْهَا: حَدِيث الْأَعرَابِي فِي (الصَّحِيح) (هَل عَليّ غَيرهَا؟ قَالَ: لَا إلَاّ إِن تطوع) فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث أبي سعيد، قَالَ: (بَينا نَحن مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي سفر إِذْ جَاءَ رجل على رَاحِلَته، فَجعل يصرفهَا يَمِينا وَشمَالًا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : من كَانَ لَهُ فضل ظهر فليعد بِهِ على من لَا ظهر لَهُ، وَمن كَانَ عِنْده فضل زَاد فليعد بِهِ على من لَا زَاد لَهُ، حَتَّى ظننا أَنه لَا حق لأحد منا فِي الْفضل) . فَفِيهِ: إِيجَاب إِنْفَاق الْفضل من الْأَمْوَال. قلت: الْأَمر بإنفاق الْفضل أَمر إرشاد وَندب إِلَى الْفضل، وَقيل: كَانَ ذَلِك قبل نزُول فرض الزَّكَاة، وَنسخ بهَا كَمَا نسخ صَوْم عَاشُورَاء بِصَوْم رَمَضَان، وَعَاد ذَلِك فضلا وفضيلة بَعْدَمَا كَانَ فَرِيضَة. ٣٧٤١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ كانَ رسولُ الله ﷺ يُعْطِيني العَطَاءَ فأقُولُ أعْطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إليْهِ مِنِّي فَقَالَ خُذْهُ إذَا جاءَكَ مِنْ هاذا المالِ شَيءٌ وأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سائِلٍ فَخُذْهُ وَما لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خُذْهُ إِذا جَاءَك من هَذَا المَال وَأَنت غير مشرف وَلَا سَائل) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيُونُس وَالزهْرِيّ قد ذكرا فِي سَنَد حَدِيث الْبَاب السَّابِق، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن أبي الْيَمَان الحكم ابْن نَافِع عَن شُعَيْب. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن هَارُون بن مَعْرُوف وحرملة بن يحيى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَأَقُول: أعْطه من هُوَ أفقر مني) ، زَاد فِي رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ الْآتِيَة فِي الْأَحْكَام: (حَتَّى أَعْطَانِي مرّة مَالا فَقلت: أعْطه أفقر إِلَيْهِ مني، فَقَالَ: خُذْهُ فتموله وَتصدق بِهِ) . وَذكر شُعَيْب فِيهِ عَن الزُّهْرِيّ إِسْنَادًا آخر، قَالَ: أَخْبرنِي السَّائِب

стр. 2554

بن يزِيد أَن حويطب بن عبد الْعُزَّى أخبرهُ أَن عبد الله بن السَّعْدِيّ أخبرهُ أَنه قدم على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي خِلَافَته، فَذكر قصَّة فِيهَا هَذَا الحَدِيث، والسائب وَمن فَوْقه صحابة فَفِيهِ أَرْبَعَة من الصَّحَابَة فِي نسق. قَوْله: (إِذا جَاءَك) شَرط وجزاؤه قَوْله: (فَخذه) ، وَأطلق الْأَخْذ أَولا بِالْأَمر، وعلق ثَانِيًا بِالشّرطِ، فَحمل الْمُطلق على الْمُقَيد. قَوْله: (وَأَنت غير مشرف) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَقد مضى تَفْسِير الإشراف. قَوْله: (وَمَا لَا) أَي: وَمَا لَا يكون كَذَلِك بِأَن لَا يَجِيء إِلَيْك وتميل نَفسك إِلَيْهِ (فَلَا تتبعه نَفسك) فِي الطّلب واتركه. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف الْعلمَاء فِي قَوْله: (فَخذه) بعد إِجْمَاعهم على أَنه أَمر ندب وإرشاد. فَقَالَ بَعضهم: هُوَ ندب لكل من أعطي عَطِيَّة أَن يقبلهَا سَوَاء كَانَ الْمُعْطِي سُلْطَانا أَو غَيره، صَالحا كَانَ أَو فَاسِقًا، بعد أَن كَانَ مِمَّن تجوز عطيته. رُوِيَ (عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: مَا أحد يهدي إِلَيّ هَدِيَّة إلَاّ قبلتها، فَأَما أَن أسأَل، فَلَا) وَعَن أبي الدَّرْدَاء مثله، وَقبلت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، من مُعَاوِيَة. وَقَالَ حبيب بن أبي ثَابت: رَأَيْت هَدَايَا الْمُخْتَار تَأتي ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فيقبلانها، وَقَالَ عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جوائز السُّلْطَان لحم ظَبْي زكي، وَبعث سعيد بن الْعَاصِ إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِهَدَايَا فقبلها، وَقَالَ: خُذ مَا أعطوك. وَأَجَازَ مُعَاوِيَة الْحُسَيْن بأربعمائة ألف، وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن هَدَايَا السُّلْطَان، فَقَالَ: إِن علمت أَنه من غصب وسحت فَلَا تقبله، وَإِن لم تعرف ذَلِك فاقبله، ثمَّ ذكر قصَّة بَرِيرَة، وَقَالَ الشَّارِع: هُوَ لنا هَدِيَّة، وَقَالَ: مَا كَانَ من مأثم فَهُوَ عَلَيْهِم، وَمَا كَانَ من مهنأ فَهُوَ لَك، وَقبلهَا عَلْقَمَة وَالْأسود وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَالشعْبِيّ. وَقَالَ آخَرُونَ: بل ذَلِك ندب مِنْهُ أمته إِلَى قبُول عَطِيَّة غير ذِي سُلْطَان، فَأَما السُّلْطَان فَإِن بَعضهم كَانَ يَقُول: حرَام قبُول عطيته، وَبَعْضهمْ كرهها، وَرُوِيَ أَن خَالِد بن أسيد أعْطى مسروقا ثَلَاثِينَ ألفا فَأبى أَن يقبلهَا. فَقيل لَهُ: لَو أَخَذتهَا فوصلت بهَا رَحِمك؟ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَو أَن لصا نقب بَيْتا مَا أُبَالِي أَخَذتهَا أَو أخذت ذَلِك، وَلم يقبل ابْن سِيرِين وَلَا ابْن محيريز من السُّلْطَان، وَقَالَ هِشَام بن عُرْوَة: بعث إِلَيّ عبد الله ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَإِلَى أخي بِخَمْسِمِائَة دِينَار، فَقَالَ أخي: درها فَمَا أكلهَا أحد وَهُوَ غَنِي عَنْهَا إلَاّ أحوجه الله إِلَيْهَا. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: كره جوائز السُّلْطَان مُحَمَّد بن وَاسع وَالثَّوْري وَابْن الْمُبَارك وَأحمد. وَقَالَ آخَرُونَ: بل ذَلِك ندب إِلَى قبُول هَدِيَّة السُّلْطَان دون غَيره، وَرُوِيَ عَن عِكْرِمَة قَالَ: إِنَّا لَا نقبل إلَاّ من الْأُمَرَاء. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَالصَّوَاب عِنْدِي أَنه ندب مِنْهُ إِلَى قبُول عَطِيَّة كل معط جَائِزَة لسلطان كَانَت أَو غَيرهَا لحَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فندبه إِلَى قبُول كل مَا آتَاهُ الله من المَال من جَمِيع وجوهه من غير تَخْصِيص سوى مَا اسْتَثْنَاهُ، وَذَلِكَ مَا جَاءَ بِهِ من وَجه حرَام عَلَيْهِ، وَعلم بِهِ. وَوجه من رد أَنه إِنَّمَا كَانَ على من كَانَ الْأَغْلَب من أمره أَنه لَا يَأْخُذ المَال من وَجهه، فَرَأى أَن الأسلم لدينِهِ وَالْإِبْرَاء لعرضه تَركه، وَلَا يدْخل فِي ذَلِك مَا إِذا علم حرمته. وَوجه من قبل مِمَّن لم يبال من أَيْن أَخذ المَال وَلَا فِيمَا وَضعه أَنه يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام: مَا علم حلّه يَقِينا فَلَا يسْتَحبّ رده، وَعَكسه فَيحرم قبُوله، وَمَا لَا فَلَا يُكَلف الْبَحْث عَنهُ، وَهُوَ فِي الظَّاهِر أولى بِهِ من غَيره مَا لم يسْتَحق. وَأما مبايعة من يخالط مَاله الْحَرَام وَقبُول هداياه فكره ذَلِك قوم وَأَجَازَهُ آخَرُونَ. فَمِمَّنْ كرهه: عبد الله بن يزِيد وَأَبُو وَائِل وَالقَاسِم وَسَالم، وَرُوِيَ أَنه توفيت مولاة لسالم كَانَت تبيع الْخمر بِمصْر فَترك مِيرَاثهَا أَيْضا. وَقَالَ مَالك: قَالَ عبد الله بن يزِيد بن هُرْمُز: إِنِّي لَا أعجب مِمَّن يرْزق الْحَلَال ويرغب فِي الرِّبْح فِيهِ الشَّيْء الْيَسِير من الْحَرَام فَيفْسد المَال كُله، وَكره الثَّوْريّ المَال الَّذِي يخالطه الْحَرَام، وَمِمَّنْ أجَازه ابْن مَسْعُود، رُوِيَ عَنهُ أَن رجلا سَأَلَهُ فَقَالَ فِي جَار: لَا يتورع من أكل الرِّبَا وَلَا من أَخذ مَا لَا يصلح، وَهُوَ يَدْعُونَا إِلَى طَعَامه وَتَكون لنا الْحَاجة فنستقرضه؟ فَقَالَ: أجبه إِلَى طَعَامه واستقرضه، فَلَكَ المهنأ وَعَلِيهِ المأثم، وَسُئِلَ ابْن عمر عَن رجل أكل طَعَام من يَأْكُل الرِّبَا فَأَجَازَهُ، وَسُئِلَ النَّخعِيّ عَن الرجل يَأْتِي المَال من الْحَلَال وَالْحرَام، قَالَ: لَا يحرم عَلَيْهِ إلَاّ الْحَرَام بِعَيْنِه. وَعَن سعيد بن جُبَير أَنه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مر بالعشَّارين وَفِي أَيْديهم شماريخ، فَقَالَ: ناولونيها من سحتكم هَذَا إِنَّه حرَام عَلَيْكُم وعلينا حَلَال. وَأَجَازَ الْبَصْرِيّ طَعَام العشار والضراب وَالْعَامِل وَعَن مَكْحُول وَالزهْرِيّ: إِذا اخْتَلَط الْحَرَام والحلال فَلَا بَأْس بِهِ فَإِنَّمَا يكره من ذَلِك شَيْء يعرف بِعَيْنِه، وَأَجَازَهُ ابْن أبي ذِئْب، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَاحْتج من رخص فِيهِ بِأَن الله تَعَالَى ذكر الْيَهُود، فَقَالَ: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ (الْمَائِدَة: ٢٤) . وقدرهن الشَّارِع درعه عِنْد يَهُودِيّ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي إِبَاحَة الله تَعَالَى أَخذ الْجِزْيَة من أهل الْكتاب مَعَ علمه بِأَن أَكثر

стр. 2555

أَمْوَالهم أَثمَان الْخُمُور والخنازير، وهم يتعاملون بالربا أبين الدّلَالَة على أَن من كَانَ من أهل الْإِسْلَام بِيَدِهِ مَال لَا يدْرِي أَمن حرَام كَسبه أَو من حَلَال؟ فَإِنَّهُ لَا يحرم قبُوله لمن أعطَاهُ، وَإِن كَانَ مِمَّن لَا يُبَالِي اكْتَسبهُ من غير حلّه بعد أَن لَا يعلم أَنه حرَام بِعَيْنِه، وَبِنَحْوِ ذَلِك قَالَت الْأَئِمَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن كرهه فَإِنَّمَا ركب فِي ذَلِك طَرِيق الْوَرع وتجنب الشُّبُهَات والاستبراء لدينِهِ. وَمن فَوَائِد الحَدِيث الْمَذْكُور أَن للْإِمَام أَن يُعْطي الرجل وَغَيره أحْوج إِلَيْهِ مِنْهُ إِذا رأى لذَلِك وَجها، وَأَن مَا جَاءَ من المَال الْحَلَال من غير سُؤال فَإِن أَخذه خير من تَركه، وَإِن رد عَطاء الإِمَام لَيْسَ من الْأَدَب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: اخْتلفُوا فِيمَن جَاءَهُ مَال: هَل يجب قبُوله؟ الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنه يسْتَحبّ فِي غير عَطِيَّة السُّلْطَان، وَأما عطيته فَالصَّحِيح أَنه إِن غلب الْحَرَام فِيمَا فِي يَده فَحَرَام، وإلَاّ فمباح وَقَالَت طَائِفَة: الْأَخْذ وَاجِب من السُّلْطَان لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ (الْحَشْر: ٧) . فَإِذا لم يَأْخُذهُ فَكَأَنَّهُ لم يأتمر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لَيْسَ معنى هَذَا الحَدِيث فِي الصَّدقَات، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَال الَّتِي يقسمها الإِمَام على أَغْنِيَاء النَّاس وفقرائهم، فَكَانَت تِلْكَ الْأَمْوَال يعطاها النَّاس لَا من جِهَة الْفقر، وَلَكِن من حُقُوقهم فِيهَا، فكره رَسُول الله ﷺ لعمر حِين أعطَاهُ قَوْله: (أعْطه من هُوَ أفقر إِلَيْهِ مني) لِأَنَّهُ إِنَّمَا أعطَاهُ لِمَعْنى غير الْفقر، ثمَّ قَالَ لَهُ: خُذْهُ فتموله، كَذَا رَوَاهُ شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، فَدلَّ أَن ذَلِك لَيْسَ من أَمْوَال الصَّدقَات، لِأَن الْفَقِير لَا يَنْبَغِي أَن يَأْخُذهُ من الصَّدقَات مَا يَتَّخِذهُ مَالا كَانَ عَن مَسْأَلَة أَو غير مَسْأَلَة. ٢٥ - (بابُ مَنْ سَألَ النَّاسَ تَكَثُّرا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من سَأَلَ النَّاس لأجل التكثر، وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيره: من سَأَلَ النَّاس لأجل التكثر فَهُوَ مَذْمُوم، وَوجه الْحَذف قد ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة الْبَاب السَّابِق. قيل: حَدِيث الْمُغيرَة فِي النَّهْي عَن كَثْرَة السُّؤَال الَّذِي أوردهُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ أصرح فِي مَقْصُود التَّرْجَمَة من حَدِيث الْبَاب، وَإِنَّمَا آثره عَلَيْهِ لِأَن من عَادَته أَن يترجم بالأخفى. قلت: دلَالَة حَدِيث الْبَاب على السُّؤَال تكثرا غير خُفْيَة، لِأَن قَوْله: (لَا يزَال الرجل يسْأَل النَّاس) يدل على كَثْرَة السُّؤَال، وَكَثْرَة السُّؤَال لَا تكون إلَاّ لأجل التكثر على مَا لَا يخفى، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا، أَو لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد بالسؤال فِي حَدِيث الْمُغيرَة النَّهْي عَن الْمسَائِل المشكلة كالأغلوطات. أَو السُّؤَال عَمَّا لَا يَعْنِي، أَو عَمَّا لم يَقع مِمَّا يكره وُقُوعه؟ قلت: هَذَا الْوَجْه بَيَان اعتذار من جِهَة البُخَارِيّ فِي تَركه حَدِيث الْمُغيرَة فِي هَذَا الْبَاب، وَلَكِن الْوُجُوه الثَّلَاثَة الَّتِي زعم أَن حَدِيث الْمُغيرَة فِي قَوْله (وَكَثْرَة السُّؤَال) تحتملها فِيهِ نظر، لِأَنَّهَا دَاخِلَة تَحت قَوْله: (قيل، وَقَالَ) وَقَوله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) تمحض لسؤال النَّاس لأجل التكثر، وَفِيه زِيَادَة فَائِدَة على مَا لَا يخفى، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَأَشَارَ مَعَ ذَلِك إِلَى حَدِيث لَيْسَ على شَرطه، وَهُوَ مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من طَرِيق حُبَيْش بن جُنَادَة فِي أثْنَاء حَدِيث مَرْفُوع، وَفِيه: (من سَأَلَ النَّاس ليثري مَاله كَانَ خموشا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة، فَمن شَاءَ فليقلَّ وَمن شَاءَ فليكثر) . قلت: لَا نسلم أَولا وَجه هَذِه الْإِشَارَة، وَلَئِن سلمنَا فَلَا فَائِدَة فِيهَا إِذْ الْوَاقِف على هَذِه التَّرْجَمَة إِن كَانَ قد وقف على حَدِيث حُبَيْش قبل ذَلِك فَلَا فَائِدَة فِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ، وإلَاّ فَيحْتَاج فِيهِ إِلَى الْعلم من الْخَارِج فَلَا يكون ذَلِك من إِشَارَته إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعضهم عطيب كَلَام هَذَا الْقَائِل: وَفِي (صَحِيح مُسلم) من طَرِيق أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة مَا هُوَ مُطَابق للفظ التَّرْجَمَة، فاحتمال كَونه أَشَارَ إِلَيْهِ أولى، وَلَفظه: (من سَأَلَ النَّاس تكثرا فَإِنَّمَا يسْأَل جمرا) قلت: هَذَا الَّذِي ذكره أَنما يتَوَجَّه إِذا كَانَ البُخَارِيّ قد وقف عَلَيْهِ، وَلَئِن سلمنَا وُقُوفه عَلَيْهِ فَلَا نسلم الْتِزَامه أَن تكون الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة، والْحَدِيث من كل وَجه على مَا لَا يخفى. ٤٧٤١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبي جَعْفرٍ قَالَ سَمِعْتُ حَمزةَ بنَ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَا يَزالُ الرَّجُلُ يَسألُ حَتى يَأتِي يومُ القِيَامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ. وقَالَ إنَّ الشَّمْسَ

стр. 2556

تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ فبَيْنَا هُمْ كذالِكَ اسْتَغاثُوا بآدَمَ ثُمَّ بِمُوسى ثُمَّ بَمُحَمَّدٍ ﷺ وَزَادَ عَبْدُ الله حدَّثني اللَّيْثُ حدَّثني ابنُ أبي جَعْفَرٍ فيَشْفَعُ لِيُقْضى بَينَ الخَلْقِ فيَمْشِي حَتَّى يأخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ الله مَقَاما مَحْمُودا يَحْمَدُهُ أهْلِ الجَمْعِ كُلُّهُمْ. (الحَدِيث ٥٧٤١ طرفه فِي: ٨١٧٤) . وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث قد علم مِمَّا ذكرنَا آنِفا. ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن أبي جَعْفَر، واسْمه يسَار، مر فِي: بَاب الْجنب يتَوَضَّأ، فِي كتاب الْغسْل. الرَّابِع: حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، مر فِي: بَاب فضل الْعلم. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب. السَّادِس: عبد الله بن صَالح، كَاتب اللَّيْث. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم جده وَاسم أَبِيه عبد الله بن بكير، وَهُوَ وَاللَّيْث وَعبيد الله بن أبي جَعْفَر وَعبد الله بن صَالح مصريون وَحَمْزَة بن عبد الله مدنِي أما عبد الله بن صَالح فَفِيهِ مقَال: قَالَ ابْن عدي: سقيم الحَدِيث، وَلَكِن البُخَارِيّ روى عَنهُ فِي صَحِيحه على الصَّحِيح، وَلكنه يُدَلس، فَيَقُول: حَدثنَا عبد الله وَلَا ينْسبهُ، وَهُوَ هُوَ، نعم قد علق البُخَارِيّ، حَدِيثا فَقَالَ فِيهِ: قَالَ اللَّيْث ابْن سعد: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة، ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: حَدثنِي عبد الله بن صَالح، حَدثنَا اللَّيْث فَذكره وَلَكِن هَذَا عِنْد ابْن حمويه السَّرخسِيّ دون صَاحِبيهِ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه النَّسَائِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم عَن شُعَيْب ابْن اللَّيْث عَن أَبِيه بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مزعة) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة: الْقطعَة. وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم بِفَتْح الْمِيم وَالزَّاي، قَالَ أَبُو الْحسن: وَالَّذِي أحفظه عَن الْمُحدثين الضَّم. وَقَالَ ابْن فَارس بِكَسْر الْمِيم، وَاقْتصر عَلَيْهِ الْقَزاز فِي (جَامعه) وَذكر ابْن سَيّده الضَّم فَقَط، وَكَذَا الْجَوْهَرِي قَالَ، وبالكسر: من الريش والقطن، يُقَال: مزعت اللَّحْم قطعته قِطْعَة قِطْعَة، وَيُقَال: أطْعمهُ مزعة من لحم، أَي: قِطْعَة مِنْهُ. قَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَنه يَأْتِي سَاقِطا لَا قدر لَهُ وَلَا جاه، أَو يعذب فِي وَجهه حَتَّى يسْقط لَحْمه لمشاكلة الْعقُوبَة فِي مَوَاضِع الْجِنَايَة من الْأَعْضَاء، لكَونه أذلّ وَجهه بالسؤال أَو أَنه يبْعَث وَوَجهه عظم كُله فَيكون ذَلِك شعاره الَّذِي يعرف بِهِ. وَقَالَ ابْن أبي جَمْرَة: مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ فِي وَجهه من الْحسن شَيْء لِأَن حسن الْوَجْه هُوَ مِمَّا فِيهِ من اللَّحْم. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: النَّبِي ﷺ (إِن الشَّمْس تَدْنُو) أَي: تقرب من الدنو، وَهُوَ الْقرب، وَوجه اتِّصَال هَذَا بِمَا قبله هُوَ أَن الشَّمْس إِذا دنت يَوْم الْقِيَامَة يكون أذاها لمن لَا لحم لَهُ فِي وَجهه أَكثر وَأَشد من غَيره. قَوْله: (حَتَّى يلغ الْعرق) ، أَي: حَتَّى يتسخن النَّاس من دنو الشَّمْس فيتعرقون فَيبلغ الْعرق نصف الْأذن. قَوْله: (فبيناهم) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أصل: بَينا، بَين فزيدت الْألف بإشباع فَتْحة النُّون، يُقَال: بَينا وبينما، وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة، ويضافان إِلَى جملَة فعلية أَو إسمية ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، وَجَوَابه قَوْله: (اسْتَغَاثُوا) ، والأفصح فِي جَوَابه أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا، كَمَا وَقع هُنَا بِدُونِ وَاحِد مِنْهُمَا، وَقد يُقَال: بَينا زيد جَالس إِذْ دخل عَلَيْهِ عَمْرو، وَإِذا دخل عَلَيْهِ عَمْرو. قَوْله: (ثمَّ بِمُحَمد) أَي: ثمَّ اسْتَغَاثُوا بِمُحَمد ﷺ ، وَفِيه اخْتِصَار، إِذْ يستغاث بِغَيْر آدم ومُوسَى أَيْضا، وَسَيَأْتِي فِي الرقَاق فِي حَدِيث طَوِيل فِي الشَّفَاعَة ذكر من يقصدونه بَين آدم ومُوسَى وَبَين مُوسَى وَمُحَمّد ﷺ . قَوْله: (وَزَاد عبد الله) يحْتَمل التَّعْلِيق حَيْثُ لم يضفه إِلَى نَفسه وَلم يقل: زادني. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ المُرَاد بِمَا حكى الغساني عَن أبي عبد الله الْحَاكِم أَن البُخَارِيّ لم يخرج عَن عبد ابد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث فِي (الصَّحِيح) شَيْئا إِنَّه لم يخرج عَنهُ حَدِيثا تَاما مُسْتقِلّا. قلت: قد ذكرنَا عَن قريب أَنه روى عَنهُ وَلم ينْسبهُ على وَجه التَّدْلِيس. قَوْله: (زَاد عبد الله) ، هَكَذَا وَقع عِنْد أبي ذَر، وَسقط عِنْد الْأَكْثَرين. وَفِي (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ: وَزَاد عبد الله، يَعْنِي: ابْن صَالح كَاتب اللَّيْث بن سعد، قَالَه أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ وَخلف فِي (الْأَطْرَاف) وَوَقع أَيْضا

стр. 2557

فِي بعض الْأُصُول مَنْسُوبا وَفِي الْإِيمَان لِابْنِ مَنْدَه من طَرِيق أبي زرْعَة الرَّاوِي عَن يحيى بن بكير وَعبد الله بن صَالح جَمِيعًا عَن اللَّيْث، وَسَاقه بِلَفْظ عبد الله بن صَالح، وَقد رَوَاهُ مَوْصُولا من طَرِيق عبد الله بن صَالح وَحده الْبَزَّار عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن مطلب بن شُعَيْب وَابْن مَنْدَه فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق يحيى بن عُثْمَان، ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الله بن صَالح فَذكره، وَزَاد بعد قَوْله: (اسْتَغَاثُوا بِآدَم فَيَقُول لست بِصَاحِب ذَلِك) ، وتابع عبد الله بن صَالح على هَذِه الزِّيَادَة عبد الله بن عبد الحكم عَن اللَّيْث أخرجه ابْن مَنْدَه أَيْضا. قَوْله: (بِحَلقَة الْبَاب) أَي: بَاب الْجنَّة، أَو هُوَ مجَاز عَن الْقرب إِلَى الله. قَوْله: (مقَاما مَحْمُودًا) هُوَ مقَام الشَّفَاعَة الْعُظْمَى الَّتِي اخْتصّت بِهِ لَا شريك لَهُ فِي ذَلِك، وَهُوَ إراحة أهل الْموقف من أهواله بِالْقضَاءِ بَينهم والفراغ من حسابهم. قَوْله: (أهل الْجمع) أَي: أهل الْمَحْشَر، وَهُوَ يَوْم مَجْمُوع فِيهِ جَمِيع النَّاس من الْأَوَّلين والآخرين. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا نقل ابْن بطال عَن الْمُهلب، فهم البُخَارِيّ أَن الَّذِي يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة لَا لحم فِي وَجهه من كَثْرَة السُّؤَال، إِنَّه للسَّائِل تكثرا لغير ضَرُورَة إِلَى السُّؤَال، وَمن سَأَلَ تكثرا فَهُوَ غَنِي لَا تحل لَهُ الصَّدَقَة وَإِذا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة لَا لحم على وَجهه فتؤذيه الشَّمْس أَكثر من غَيره، أَلا ترى قَوْله فِي الحَدِيث: (الشَّمْس تَدْنُو حَتَّى يبلغ الْعرق) ، فحذر ﷺ من الإلحاف فِي الْمَسْأَلَة لغير حَاجَة إِلَيْهَا وَأما من سَأَلَ مُضْطَرّا فمباح لَهُ ذَلِك إِذا لم يجد عَنْهَا بدا وَرَضي بِمَا قسم لَهُ ويرجي أَن يُؤجر عَلَيْهَا. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: يبلغ عرق الْكَافِر، فإمَّا أَن يكون سكت عَنهُ للتتابع فِي الموعظة وَلَا يَقُول إِلَّا الْحق، أَو سقط عَن النَّاقِل أَو أخبر فِي وَقت بذلك مُجملا ثمَّ حدث بِهِ مُفَسرًا. وَقَالَ مُعَلَّى حدَّثنا وُهَيْبَ عنِ النُّعْمَانِ بنِ رَاشِدٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُسْلِمٍ أخِي الزُّهْرِيِّ عنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ فِي المَسْئلَةِ هَذَا تَعْلِيق ذكره عَن مُعلى، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: ابْن أَسد، مر فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض، عَن وهيب تَصْغِير وهب بن خَالِد عَن النُّعْمَان بن رَاشد الْجَزرِي الرقي عَن عبد الله بن مُسلم أخي مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة ابْن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الْبَيْهَقِيّ: أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن الْقطَّان حَدثنَا ابْن درسْتوَيْه حَدثنَا يَعْقُوب بن سُفْيَان حَدثنَا مُعلى بن أَسد حَدثنَا وهيب عَن النُّعْمَان بن رَاشد عَن عبد الله بن مُسلم أخي الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ لنا ابْن عمر: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (مَا تزَال الْمَسْأَلَة بِالرجلِ حَتَّى يلقى الله وَمَا فِي وَجهه مزعة لحم) . قَوْله: (فِي الْمَسْأَلَة) أَي: فِي الْجُزْء الأول من الحَدِيث وَلم يرو الزِّيَادَة الَّتِي لعبد الله بن صَالح، وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن هَذَا الْوَعيد يحتص بِمن أَكثر السُّؤَال إلَاّ من ندر ذَلِك مِنْهُ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز سُؤال غير الْمُسلم، لِأَن لفظ النَّاس فِي الحَدِيث يعم، قَالَه ابْن أبي حَمْزَة، ويحكى عَن بعض الصَّالِحين أَنه كَانَ إِذا احْتَاجَ سَأَلَ ذِمِّيا لِئَلَّا يُعَاقب الْمُسلم بِسَبَبِهِ لَو رده. ٣٥ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿لَا يَسْألُونَ النَّاسَ إلْحَافا (الْبَقَرَة: ٣٧٢) .) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . لأجل مدح من لَا يسْأَل النَّاس إلحافا. أَي: سؤالاً إلحافا أَي: إلحاحا وإبراما. قَالَ الطَّبَرِيّ: ألحف السَّائِل فِي مَسْأَلته إِذا ألح فَهُوَ ملحف فِيهَا. وَقَالَ السّديّ: لَا يلحفون فِي الْمَسْأَلَة إلحافا، وَهَذَا من آيَة كَرِيمَة فِي سُورَة الْبَقَرَة أَولهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا وَمَا تنفقوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . يَعْنِي الْمُهَاجِرين قد انْقَطَعُوا إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله وَسَكنُوا الْمَدِينَة، وَلَيْسَ لَهُم سَبَب يردون بِهِ على أنفسهم مَا يغنيهم. ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . يَعْنِي: سفرا للتسبب فِي طلب المعاش، وَالضَّرْب فِي الأَرْض هُوَ السّفر. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض﴾ (المزمل: ٠٢) . وَمعنى عدم استطاعتهم أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ الْمسير لِئَلَّا

стр. 2558

تفوتهم صُحْبَة رَسُول الله، ﷺ ، قَوْله: ﴿يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . فِي لباسهم وحالهم ومقالهم. قَوْله: ﴿تعرفهم بِسِيمَاهُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . إِنَّمَا يظْهر لِذَوي الْأَلْبَاب من صفاتهم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم﴾ (الْفَتْح: ٩٢) . وَقيل: الْخطاب للنَّبِي، ﷺ ، وَقيل: لكل رَاغِب فِي معرفَة حَالهم، يَقُول: تعرف فَقرهمْ بالعلامة فِي وُجُوههم من أثر الْجُوع وَالْحَاجة، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : هم أَصْحَاب الصّفة، وَكَانُوا أَرْبَعمِائَة إِنْسَان لم يكن لَهُم مسَاكِن فِي الْمَدِينَة وَلَا عشائر، فَكَانُوا يخرجُون فِي كل سَرِيَّة بعثها النَّبِي، ﷺ ، ثمَّ يرجعُونَ إِلَى مَسْجِد الرَّسُول، ﷺ ، قَوْله: ﴿وَمَا تنفقوا من خير﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . من أَبْوَاب القربات ﴿فَإِن الله بِهِ عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ وَلَا من غَيره، وسيجزي عَلَيْهِ أوفى الْجَزَاء وأتمه يَوْم الْقِيَامَة أحْوج مَا يكونُونَ إِلَيْهِ. وكَمِ الغِنى؟ أَي: مِقْدَار الْغنى الَّذِي يمْنَع السُّؤَال؟ و: كم، هُنَا استفهامية تَقْتَضِي التَّمْيِيز، وَالتَّقْدِير: كم الْغنى؟ أهوَ الَّذِي يمْنَع السُّؤَال أم غَيره؟ والغنى، بِكَسْر الْغَيْن وبالقصر: ضد الْفقر وَإِن صحت الرِّوَايَة بِالْفَتْح وبالمد فَهُوَ: الْكِفَايَة، وَقد تقدم فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود (يَا رَسُول الله مَا الْغنى؟ قَالَ: خَمْسُونَ درهما) . وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الاستعفاف فِي الْمَسْأَلَة، جملَة أَحَادِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِي هَذَا الْبَاب. وقَوْلِ النبيِّ ﷺ : وَلَا يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله من الْمَجْرُور، وَهَذَا جُزْء من حَدِيث رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة، يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَفِيه: (وَلَكِن الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد غنى يُغْنِيه) ، وَالظَّاهِر أَنه إِنَّمَا ذكر هَذَا كَأَنَّهُ تَفْسِير لقَوْله: (وَكم الْغنى؟) ليَكُون الْمَعْنى: إِن الْغنى هُوَ الَّذِي يجد الرجل مَا يُغْنِيه، وَفسّر هَذَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (من سَأَلَ النَّاس وَله مَا يُغْنِيه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة ومسألته فِي وَجهه خموش. قيل: يَا رَسُول الله ﴿وَمَا يُغْنِيه؟ قَالَ: خَمْسُونَ درهما أَو قيمتهَا من الذَّهَب) . وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِنَّمَا لم يذكرهُ البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ على شَرطه، لِأَن فِيهِ مقَالا. لِقَوْلِهِ تَعَالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سبِيلِ الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ﴾ إلَى قَولِهِ ﴿فإنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . هَذَا تَعْلِيق لقَوْله: (وَلَا يجد غنى يُغْنِيه) ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الحَدِيث: الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد غنى يُغْنِيه وَلَا يفْطن بِهِ، فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ، وَلَا يقوم فَيسْأَل النَّاس. وَوصف الْمِسْكِين بِثَلَاثَة أَوْصَاف: مِنْهَا عدم قِيَامه للسؤال، وَذَلِكَ لَا يكون إلَاّ لتعففه وَحصر نَفسه عَن ذَلِك وَعلل ذَلِك الْمِسْكِين الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الَّذِي ذكر مِنْهَا البُخَارِيّ: عدم وجدان الْغنى، وَاكْتفى بِهِ بقوله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . الْآيَة، وَكَانَ حصرهم لأَنْفُسِهِمْ عَن السُّؤَال للتعفف، وَعدم ضَربهمْ فِي الأَرْض خوفًا من فَوَات صُحْبَة النَّبِي ﷺ كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَأما: اللَّام، الَّتِي فِي قَوْله: ﴿للْفُقَرَاء الَّذِي أحْصرُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . فلبيان مصرف الصَّدَقَة وموضعها لِأَنَّهُ قَالَ قبل هَذَا: ﴿وَمَا تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٢) . ثمَّ بَين مصرف ذَلِك وموضعه بقوله: ﴿للْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . إِلَى آخِره، وَقد تصرف الْكرْمَانِي هُنَا تَصرفا عجيبا لَا يقبله من لَهُ أدنى معرفَة فِي أَحْوَال تراكيب الْكَلَام، فَقَالَ: ﴿للْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . عطف على ﴿لَا يسْأَلُون﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . وحرف الْعَطف مُقَدّر، أَو: هُوَ حَال بِتَقْدِير لفظ: قَائِلا، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فِي بَعْضهَا لقَوْل الله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . قلت: مَعْنَاهُ شَرط فِي السُّؤَال عدم وجدان الْغنى لوصف الله الْفُقَرَاء بِلَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض، إِذْ من اسْتَطَاعَ ضربا فِيهَا فَهُوَ وَاجِد لنَوْع من الْغنى. انْتهى. قلت: كَانَ فِي نُسْخَة: وَقَول النَّبِي ﷺ : وَلَا يجد غنى يُغْنِيه للْفُقَرَاء الَّذين. . فَقَالَ: هَذَا عطف على: لَا يسْأَلُون، فليت شعري أَي وَجه لهَذَا الْعَطف، وَلَا عطف هُنَا أصلا، وَأي ضَرُورَة دعت إِلَى ارتكابه تَقْدِير حرف الْعَطف الَّذِي لَا يجوز حذف حرف الْعَطف إلَاّ فِي مَوضِع الضَّرُورَة على الشذوذ، أَو فِي الشّعْر كَذَلِك، وَلَا ضَرُورَة هُنَا أصلا﴾ ثمَّ لما وقف على نُسْخَة فِيهَا لقَوْل الله : ﴿للْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . سَأَلَ السُّؤَال الْمَذْكُور وَأجَاب بالجوابين الْمَذْكُورين اللَّذين تمجهما الأسماع ويتركهما أهل اليراع، وَقَالَ بَعضهم: اللَّام فِي قَوْله: لقَوْل الله، لَام التَّعْلِيل لِأَنَّهُ أورد الْآيَة تَفْسِيرا لقَوْله فِي التَّرْجَمَة، وَكم

стр. 2559

الْغنى؟ قلت: وَهَذَا أعجب من ذَلِك، لِأَن التَّعْلِيل لَا يُقَال لَهُ: التَّفْسِير، وَيفرق بَينهمَا من لَهُ أدنى مسكة فِي التَّصَرُّف فِي علم من الْعُلُوم، وَبَاقِي الْكَلَام فِي الْآيَة الْكَرِيمَة تقدم آنِفا. ٦٧٤١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّدُ بنُ زِيادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتانِ وَلاكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنىٍ ويَسْتَحْيي ولَا يَسْألُ النَّاسَ إلْحَافا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يسْأَل النَّاس إلحافا) . وَرِجَاله أَرْبَعَة وَهُوَ من الرباعيات. قَوْله: (الْمِسْكِين) ، مُشْتَقّ من السّكُون وَهُوَ عدم الْحَرَكَة فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمَيِّت ووزنه، مفعيل، وَقَالَ ابْن سَيّده: الْمِسْكِين والمسكين الْأَخِيرَة نادة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام: مفعيل، يَعْنِي بِفَتْح الْمِيم. وَفِي (الصِّحَاح) : الْمِسْكِين الْفَقِير، وَقد يكون بِمَعْنى المذلة والضعف، يُقَال: تمسكن الرجل وتمسكن، وَهُوَ شَاذ، وَالْمَرْأَة مسكينة، وَقوم مَسَاكِين ومسكينون، وَالْإِنَاث مسكينات، وَالْفَقِير مُشْتَقّ من قَوْلهم: فقرت لَهُ فقرة من مَالِي، والفقر والفقر ضد الْغنى، وَقدر ذَلِك أَن يكون لَهُ مَا يَكْفِي عِيَاله، وَقد فقر فَهُوَ فَقير، وَالْجمع: فُقَرَاء، وَالْأُنْثَى فقيرة من نسْوَة فقائر، وَقَالَ الْقَزاز: أصل الْفقر فِي اللُّغَة من فقار الظّهْر كَأَن الْفَقِير كسر فقار ظَهره، فَبَقيَ لَهُ من جِسْمه بَقِيَّة. قَالَ الْقَزاز: الْفقر والفقر، وَالْفَتْح أَكثر. قَوْله: (الْأكلَة وَالْأكْلَتَان) ، بِضَم الْهمزَة فيهمَا، وَقَالَ ابْن التِّين: الْأكلَة، ضَبطهَا بَعضهم بِضَم الْهمزَة بِمَعْنى: اللُّقْمَة، فَإِن فتحتها كَانَت الْمرة الْوَاحِدَة. وَفِي (الفصيح) لِأَحْمَد بن يحيى: الْأكلَة: اللُّقْمَة، والأكلة، بِالْفَتْح: الْغذَاء وَالْعشَاء. قَوْله: (لَيْسَ لَهُ غنى) ، زَاد فِي رِوَايَة الْأَعْرَج: (غنى يُغْنِيه) . قَوْله: (ويستحي) بالياءين وبياء وَاحِدَة زَاد فِي رِوَايَة الْأَعْرَج: (وَلَا يفْطن بِهِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لَهُ فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ وَلَا يقوم فَيسْأَل النَّاس) ، وَهُوَ بِنصب: يتَصَدَّق، وَيسْأل. قَوْله: (وَلَا يسْأَل) ويروى: (وَأَن لَا يسْأَل) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: كلمة: لَا، زَائِدَة فِي: (وَأَن لَا يسْأَل) . قَوْله: (إلحافا) أَي: إلحاحا، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. وَقَالَ ابْن بطال: يُرِيد: لَيْسَ الْمِسْكِين الْكَامِل لِأَنَّهُ بمسألته يَأْتِيهِ الكفاف، وَإِنَّمَا الْمِسْكِين الْكَامِل فِي أَسبَاب المسكنة من لَا يجد غنى وَلَا يتَصَدَّق عَلَيْهِ، أَي: لَيْسَ فِيهِ نفي المسكنة بل نفي كمالها، أَي: الَّذِي هُوَ أَحَق بِالصَّدَقَةِ وأحوح إِلَيْهَا. وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: حسن الْإِرْشَاد لموْضِع الصَّدَقَة، وَأَن يتحَرَّى وَضعهَا فِيمَن صفته التعفف دون الإلحاح. وَفِيه: حسن الْمِسْكِين الَّذِي يستحي وَلَا يسْأَل النَّاس. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْحيَاء فِي كل الْأَحْوَال. ٧٧٤١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ الحَذَّاءَ عنِ ابنِ أشْوعَ عنِ الشَّعبِيِّ قَالَ حدَّثني كاتبُ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قَالَ كتبَ مُعاويةُ إلَى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ أنِ اكْتُبْ إلَيَّ بشَىءٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فكتَبَ إلَيْهِ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ إنَّ الله كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا قيلَ وقالَ وإضَاعَةَ المالِ وكَثْرَةَ السُّؤَالِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) . وَرِجَاله ثَمَانِيَة: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي، وَإِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَعليَّة اسْم أمه، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ، وَقد مر غير مرّة، وَابْن أَشوع، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ سعيد بن عَمْرو بن الأشوع الْهَمدَانِي الْكُوفِي قَاضِي الْكُوفَة، نسب لجده. وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَكَاتب الْمُغيرَة هُوَ: وراد، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، والمغيرة بن شُعْبَة مَوْلَاهُ، وَمُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان. وَفِيه: تابعيان وصحابيان، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الذّكر بعد الصَّلَاة، تعدد ذكره وَمن أخرجه غَيره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن قيل وَقَالَ) ، هما إِمَّا فعلان: الأول، يكون بِنَاء الْمَجْهُول من الْمَاضِي، وَالثَّانِي يكون بِنَاء الْفَاعِل، وَإِمَّا مصدران، يُقَال: قلت قولا وقيلاً وَقَالا. وَحِينَئِذٍ يكونَانِ منونين، وَإِمَّا إسمان. قَالَ ابْن السّكيت: هما إسمان لَا مصدران،

стр. 2560

وَقَالَ الْخطابِيّ: إِمَّا أَن يُرَاد بهما حِكَايَة أقاويل النَّاس، كَمَا يُقَال: قَالَ فلَان كَذَا، وَقيل لَهُ: كَذَا، من بَاب مَا لَا يَعْنِي. وَأما مَا كَانَ من أَمر الدّين يَنْقُلهُ بِلَا حجَّة وَبَيَان يُقَلّد مَا يسمعهُ وَلَا يحْتَاط فِيهِ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: المُرَاد بِهِ حِكَايَة شَيْء لَا تعلم صِحَّته فَإِن الحاكي يَقُول: قيل وَقَالَ: وَعَن مَالك: هُوَ الْإِكْثَار من الْكَلَام والإرجاف، نَحْو قَول الْقَائِل: أعطي فلَان كَذَا وَمنع من كَذَا، أَو الْخَوْض فِيمَا لَا يَعْنِي. وَقَالَ ابْن التِّين: لَهُ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِهِ حِكَايَة أَقْوَال النَّاس وأحاديثهم والبحث عَنْهَا لينمي فَيَقُول: قَالَ فلَان كَذَا وَفُلَان كَذَا، مِمَّا لَا يجر خيرا، إِنَّمَا هُوَ ولوع وشغب، وَهُوَ من التَّجَسُّس الْمنْهِي عَنهُ. وَالثَّانِي: أَن يكون فِي أَمر الدّين فَيَقُول: قيل لَهُ فِيهِ كَذَا، وَقَالَ فلَان فيقلد وَلَا يحْتَاط بمواضع الِاحْتِيَاط بالحجج. قَوْله: (وإضاعة المَال) ، هُوَ رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (إِضَاعَة الْأَمْوَال) ، وَهُوَ أَن يتْركهُ من غير حفظ لَهُ فيضيع، أَو يتْركهُ حَتَّى يفْسد، أَو يرميه إِذا كَانَ يَسِيرا كبرا عَن تنَاوله، أَو بِأَن يرضى بِالْغبنِ، أَو يُنْفِقهُ فِي الْبناء واللباس والمطعم بإسراف، أَو يُنْفِقهُ فِي الْمعاصِي، أَو يُسلمهُ لخائن أَو مبذر، أَو يموه الْأَوَانِي بِالذَّهَب أَو يطرز الثِّيَاب بِهِ، أَو يذهِّب سقوف الْبَيْت، فَإِنَّهُ من التضييع الْفَاحِش لِأَنَّهُ لَا يُمكن تخليصه مِنْهُ وإعادته إِلَى أَصله، وَمِنْه قسْمَة مَا لَا ينْتَفع بقسمته كاللؤلؤة، وَمِنْه الصَّدَقَة وإكثارها وَعَلِيهِ دين لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاء دينه، وَمِنْه سوء الْقيام على مَا يملكهُ كالرقيق إِذا لم يتعهده ضَاعَ، وَمِنْه أَن يتخلى الرجل من كل مَاله وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ غير قوي على الصَّبْر والإطاقة، وَقد يحْتَمل أَن يؤول معنى الإضاعة على الْعَكْس مِمَّا تقدم بِأَن يُقَال: إضاعته: حَبسه عَن حَقه وَالْبخل بِهِ على أَهله كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (وَمَا ضَاعَ مَال أورث الْمجد أَهله ... وَلَكِن أَمْوَال الْبَخِيل تضيع) وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِضَاعَة المَال تُؤدِّي إِلَى الْفقر الَّذِي يخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَة، وَكَأن الشَّارِع، ﷺ ، يتَعَوَّذ من الْفقر وفتنته. وَقَالَ الْمُهلب فِي إِضَاعَة المَال: يُرِيد السَّرف فِي إِنْفَاقه وَإِن كَانَ فِيمَا يحل، أَلا ترى أَنه ﷺ رد تَدْبِير المعدم لِأَنَّهُ أسرف على مَاله فِيمَا يحل ويؤجر فِيهِ، لكنه أضاع نَفسه، وأجره فِي نَفسه آكِد من أجره فِي غَيره. قَوْله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) ، أما السُّؤَال إِمَّا أَن يكون من سُؤال النَّاس أَمْوَالهم والاستكثار مِنْهُ، أَو سُؤال الْمَرْء عَمَّا نهي عَنهُ من الْمُتَشَابه الَّذِي تعبدنا بِظَاهِرِهِ، أَو السُّؤَال من رَسُول الله ﷺ عَن أُمُور لم يكن لَهُم بهَا حَاجَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمسَائِل فِي كتاب الله تَعَالَى على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا مَحْمُود كَقَوْلِه: ﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥١٢ و ٩١٢) . وَنَحْوه من الإشياء الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فِي الدّين، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ (النَّحْل: ٣٤، الْأَنْبِيَاء: ٧) . وَالْآخر مَذْمُوم كَقَوْلِه: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الرّوح﴾ (الْإِسْرَاء: ٥٨) . وَنَحْوه مِمَّا لَا ضَرُورَة فِيهِ لَهُم إِلَى علمه، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تَبْدُ لكُم تَسُؤْكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ١٠١) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل إِن يُرَاد بِكَثْرَة السُّؤَال سُؤال الْإِنْسَان عَن حَاله وتفاصيل أمره، لِأَنَّهُ يتَضَمَّن حُصُول الْحَرج فِي حق المسؤول عَنهُ، فَإِنَّهُ لَا يُرِيد إخْبَاره بأحواله، فَإِن أخبرهُ شقّ عَلَيْهِ وَإِن أهمل جَوَابه ارْتكب سوء الْأَدَب. وَيُقَال: فِي كَثْرَة السُّؤَال وَجْهَان ذكرا عَن مَالك: الأول: سُؤال سيدنَا رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ: (ذروني مَا تركتكم) . وَالثَّانِي: سُؤال النَّاس، وَهُوَ الَّذِي فهمه البُخَارِيّ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين فِيهِ وُجُوه: أَحدهَا: التَّعَرُّض لما فِي أَيدي النَّاس من الحطام بالحرص والشره، وَهُوَ تَأْوِيل البُخَارِيّ. ثَانِيهَا: أَن يكون فِي سُؤال الْمَرْء عَمَّا نهى عَنهُ من متشابه الْأُمُور على مَذْهَب أهل الزيغ وَالشَّكّ وابتغاء الْفِتْنَة. ثَالِثهَا: مَا كَانُوا يسْأَلُون الشَّارِع ﷺ عَن الشَّيْء من الْأُمُور من غير حَاجَة بهم إِلَيْهِ فتنزل الْبلوى بهم، كالسائل عَمَّن يجد مَعَ امْرَأَته رجلا أَشد النَّاس جرما فِي الْإِسْلَام من سَأَلَ عَن أَمر لم يكن حَرَامًا فَحرم من أجل مَسْأَلته. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الدّلَالَة على الْحجر، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب الْحجر على الْبَالِغ المضيع لمَاله، فجمهور الْعلمَاء يُوجب الْحجر عَلَيْهِ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَقَالَ النَّخعِيّ وَابْن سِيرِين وبعدهما أَبُو حنيفَة وَزفر: لَا حجر على الْبَالِغ الحَدِيث الَّذِي يخدع فِي الْبيُوع وَلم يمنعهُ ﷺ من التَّصَرُّف. وَفِيه: دَلِيل على فضل الكفاف على الْفقر والغنى، لِأَن ضيَاع المَال يُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَة بالفقر وَكَثْرَة السُّؤَال، وَرُبمَا يخْشَى من الْغنى الْفِتْنَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿كلا إِن الْإِنْسَان
следующие страницы →