Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ فبَيْنَا هُمْ كذالِكَ اسْتَغاثُوا بآدَمَ ثُمَّ بِمُوسى ثُمَّ بَمُحَمَّدٍ ﷺ وَزَادَ عَبْدُ الله حدَّثني اللَّيْثُ حدَّثني ابنُ أبي جَعْفَرٍ فيَشْفَعُ لِيُقْضى بَينَ الخَلْقِ فيَمْشِي حَتَّى يأخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ الله مَقَاما مَحْمُودا يَحْمَدُهُ أهْلِ الجَمْعِ كُلُّهُمْ.
(الحَدِيث ٥٧٤١ طرفه فِي: ٨١٧٤) .
وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث قد علم مِمَّا ذكرنَا آنِفا.
ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن أبي جَعْفَر، واسْمه يسَار، مر فِي: بَاب الْجنب يتَوَضَّأ، فِي كتاب الْغسْل. الرَّابِع: حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، مر فِي: بَاب فضل الْعلم. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب. السَّادِس: عبد الله بن صَالح، كَاتب اللَّيْث.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم جده وَاسم أَبِيه عبد الله بن بكير، وَهُوَ وَاللَّيْث وَعبيد الله بن أبي جَعْفَر وَعبد الله بن صَالح مصريون وَحَمْزَة بن عبد الله مدنِي أما عبد الله بن صَالح فَفِيهِ مقَال: قَالَ ابْن عدي: سقيم الحَدِيث، وَلَكِن البُخَارِيّ روى عَنهُ فِي صَحِيحه على الصَّحِيح، وَلكنه يُدَلس، فَيَقُول: حَدثنَا عبد الله وَلَا ينْسبهُ، وَهُوَ هُوَ، نعم قد علق البُخَارِيّ، حَدِيثا فَقَالَ فِيهِ: قَالَ اللَّيْث ابْن سعد: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة، ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: حَدثنِي عبد الله بن صَالح، حَدثنَا اللَّيْث فَذكره وَلَكِن هَذَا عِنْد ابْن حمويه السَّرخسِيّ دون صَاحِبيهِ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه النَّسَائِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم عَن شُعَيْب ابْن اللَّيْث عَن أَبِيه بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مزعة) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة: الْقطعَة. وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم بِفَتْح الْمِيم وَالزَّاي، قَالَ أَبُو الْحسن: وَالَّذِي أحفظه عَن الْمُحدثين الضَّم. وَقَالَ ابْن فَارس بِكَسْر الْمِيم، وَاقْتصر عَلَيْهِ الْقَزاز فِي (جَامعه) وَذكر ابْن سَيّده الضَّم فَقَط، وَكَذَا الْجَوْهَرِي قَالَ، وبالكسر: من الريش والقطن، يُقَال: مزعت اللَّحْم قطعته قِطْعَة قِطْعَة، وَيُقَال: أطْعمهُ مزعة من لحم، أَي: قِطْعَة مِنْهُ. قَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَنه يَأْتِي سَاقِطا لَا قدر لَهُ وَلَا جاه، أَو يعذب فِي وَجهه حَتَّى يسْقط لَحْمه لمشاكلة الْعقُوبَة فِي مَوَاضِع الْجِنَايَة من الْأَعْضَاء، لكَونه أذلّ وَجهه بالسؤال أَو أَنه يبْعَث وَوَجهه عظم كُله فَيكون ذَلِك شعاره الَّذِي يعرف بِهِ. وَقَالَ ابْن أبي جَمْرَة: مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ فِي وَجهه من الْحسن شَيْء لِأَن حسن الْوَجْه هُوَ مِمَّا فِيهِ من اللَّحْم. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: النَّبِي ﷺ (إِن الشَّمْس تَدْنُو) أَي: تقرب من الدنو، وَهُوَ الْقرب، وَوجه اتِّصَال هَذَا بِمَا قبله هُوَ أَن الشَّمْس إِذا دنت يَوْم الْقِيَامَة يكون أذاها لمن لَا لحم لَهُ فِي وَجهه أَكثر وَأَشد من غَيره. قَوْله: (حَتَّى يلغ الْعرق) ، أَي: حَتَّى يتسخن النَّاس من دنو الشَّمْس فيتعرقون فَيبلغ الْعرق نصف الْأذن. قَوْله: (فبيناهم) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أصل: بَينا، بَين فزيدت الْألف بإشباع فَتْحة النُّون، يُقَال: بَينا وبينما، وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة، ويضافان إِلَى جملَة فعلية أَو إسمية ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، وَجَوَابه قَوْله: (اسْتَغَاثُوا) ، والأفصح فِي جَوَابه أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا، كَمَا وَقع هُنَا بِدُونِ وَاحِد مِنْهُمَا، وَقد يُقَال: بَينا زيد جَالس إِذْ دخل عَلَيْهِ عَمْرو، وَإِذا دخل عَلَيْهِ عَمْرو. قَوْله: (ثمَّ بِمُحَمد) أَي: ثمَّ اسْتَغَاثُوا بِمُحَمد ﷺ ، وَفِيه اخْتِصَار، إِذْ يستغاث بِغَيْر آدم ومُوسَى أَيْضا، وَسَيَأْتِي فِي الرقَاق فِي حَدِيث طَوِيل فِي الشَّفَاعَة ذكر من يقصدونه بَين آدم ومُوسَى وَبَين مُوسَى وَمُحَمّد ﷺ . قَوْله: (وَزَاد عبد الله) يحْتَمل التَّعْلِيق حَيْثُ لم يضفه إِلَى نَفسه وَلم يقل: زادني. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ المُرَاد بِمَا حكى الغساني عَن أبي عبد الله الْحَاكِم أَن البُخَارِيّ لم يخرج عَن عبد ابد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث فِي (الصَّحِيح) شَيْئا إِنَّه لم يخرج عَنهُ حَدِيثا تَاما مُسْتقِلّا. قلت: قد ذكرنَا عَن قريب أَنه روى عَنهُ وَلم ينْسبهُ على وَجه التَّدْلِيس. قَوْله: (زَاد عبد الله) ، هَكَذَا وَقع عِنْد أبي ذَر، وَسقط عِنْد الْأَكْثَرين. وَفِي (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ: وَزَاد عبد الله، يَعْنِي: ابْن صَالح كَاتب اللَّيْث بن سعد، قَالَه أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ وَخلف فِي (الْأَطْرَاف) وَوَقع أَيْضا
стр. 2557
فِي بعض الْأُصُول مَنْسُوبا وَفِي الْإِيمَان لِابْنِ مَنْدَه من طَرِيق أبي زرْعَة الرَّاوِي عَن يحيى بن بكير وَعبد الله بن صَالح جَمِيعًا عَن اللَّيْث، وَسَاقه بِلَفْظ عبد الله بن صَالح، وَقد رَوَاهُ مَوْصُولا من طَرِيق عبد الله بن صَالح وَحده الْبَزَّار عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن مطلب بن شُعَيْب وَابْن مَنْدَه فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق يحيى بن عُثْمَان، ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الله بن صَالح فَذكره، وَزَاد بعد قَوْله: (اسْتَغَاثُوا بِآدَم فَيَقُول لست بِصَاحِب ذَلِك) ، وتابع عبد الله بن صَالح على هَذِه الزِّيَادَة عبد الله بن عبد الحكم عَن اللَّيْث أخرجه ابْن مَنْدَه أَيْضا. قَوْله: (بِحَلقَة الْبَاب) أَي: بَاب الْجنَّة، أَو هُوَ مجَاز عَن الْقرب إِلَى الله. قَوْله: (مقَاما مَحْمُودًا) هُوَ مقَام الشَّفَاعَة الْعُظْمَى الَّتِي اخْتصّت بِهِ لَا شريك لَهُ فِي ذَلِك، وَهُوَ إراحة أهل الْموقف من أهواله بِالْقضَاءِ بَينهم والفراغ من حسابهم. قَوْله: (أهل الْجمع) أَي: أهل الْمَحْشَر، وَهُوَ يَوْم مَجْمُوع فِيهِ جَمِيع النَّاس من الْأَوَّلين والآخرين.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا نقل ابْن بطال عَن الْمُهلب، فهم البُخَارِيّ أَن الَّذِي يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة لَا لحم فِي وَجهه من كَثْرَة السُّؤَال، إِنَّه للسَّائِل تكثرا لغير ضَرُورَة إِلَى السُّؤَال، وَمن سَأَلَ تكثرا فَهُوَ غَنِي لَا تحل لَهُ الصَّدَقَة وَإِذا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة لَا لحم على وَجهه فتؤذيه الشَّمْس أَكثر من غَيره، أَلا ترى قَوْله فِي الحَدِيث: (الشَّمْس تَدْنُو حَتَّى يبلغ الْعرق) ، فحذر ﷺ من الإلحاف فِي الْمَسْأَلَة لغير حَاجَة إِلَيْهَا وَأما من سَأَلَ مُضْطَرّا فمباح لَهُ ذَلِك إِذا لم يجد عَنْهَا بدا وَرَضي بِمَا قسم لَهُ ويرجي أَن يُؤجر عَلَيْهَا. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: يبلغ عرق الْكَافِر، فإمَّا أَن يكون سكت عَنهُ للتتابع فِي الموعظة وَلَا يَقُول إِلَّا الْحق، أَو سقط عَن النَّاقِل أَو أخبر فِي وَقت بذلك مُجملا ثمَّ حدث بِهِ مُفَسرًا.
وَقَالَ مُعَلَّى حدَّثنا وُهَيْبَ عنِ النُّعْمَانِ بنِ رَاشِدٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُسْلِمٍ أخِي الزُّهْرِيِّ عنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ فِي المَسْئلَةِ
هَذَا تَعْلِيق ذكره عَن مُعلى، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: ابْن أَسد، مر فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض، عَن وهيب تَصْغِير وهب بن خَالِد عَن النُّعْمَان بن رَاشد الْجَزرِي الرقي عَن عبد الله بن مُسلم أخي مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة ابْن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الْبَيْهَقِيّ: أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن الْقطَّان حَدثنَا ابْن درسْتوَيْه حَدثنَا يَعْقُوب بن سُفْيَان حَدثنَا مُعلى بن أَسد حَدثنَا وهيب عَن النُّعْمَان بن رَاشد عَن عبد الله بن مُسلم أخي الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ لنا ابْن عمر: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (مَا تزَال الْمَسْأَلَة بِالرجلِ حَتَّى يلقى الله وَمَا فِي وَجهه مزعة لحم) .
قَوْله: (فِي الْمَسْأَلَة) أَي: فِي الْجُزْء الأول من الحَدِيث وَلم يرو الزِّيَادَة الَّتِي لعبد الله بن صَالح، وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن هَذَا الْوَعيد يحتص بِمن أَكثر السُّؤَال إلَاّ من ندر ذَلِك مِنْهُ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز سُؤال غير الْمُسلم، لِأَن لفظ النَّاس فِي الحَدِيث يعم، قَالَه ابْن أبي حَمْزَة، ويحكى عَن بعض الصَّالِحين أَنه كَانَ إِذا احْتَاجَ سَأَلَ ذِمِّيا لِئَلَّا يُعَاقب الْمُسلم بِسَبَبِهِ لَو رده.
٣٥ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿لَا يَسْألُونَ النَّاسَ إلْحَافا (الْبَقَرَة: ٣٧٢) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . لأجل مدح من لَا يسْأَل النَّاس إلحافا. أَي: سؤالاً إلحافا أَي: إلحاحا وإبراما. قَالَ الطَّبَرِيّ: ألحف السَّائِل فِي مَسْأَلته إِذا ألح فَهُوَ ملحف فِيهَا. وَقَالَ السّديّ: لَا يلحفون فِي الْمَسْأَلَة إلحافا، وَهَذَا من آيَة كَرِيمَة فِي سُورَة الْبَقَرَة أَولهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا وَمَا تنفقوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . يَعْنِي الْمُهَاجِرين قد انْقَطَعُوا إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله وَسَكنُوا الْمَدِينَة، وَلَيْسَ لَهُم سَبَب يردون بِهِ على أنفسهم مَا يغنيهم. ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . يَعْنِي: سفرا للتسبب فِي طلب المعاش، وَالضَّرْب فِي الأَرْض هُوَ السّفر. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض﴾ (المزمل: ٠٢) . وَمعنى عدم استطاعتهم أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ الْمسير لِئَلَّا
стр. 2558
تفوتهم صُحْبَة رَسُول الله، ﷺ ، قَوْله: ﴿يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . فِي لباسهم وحالهم ومقالهم. قَوْله: ﴿تعرفهم بِسِيمَاهُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . إِنَّمَا يظْهر لِذَوي الْأَلْبَاب من صفاتهم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم﴾ (الْفَتْح: ٩٢) . وَقيل: الْخطاب للنَّبِي، ﷺ ، وَقيل: لكل رَاغِب فِي معرفَة حَالهم، يَقُول: تعرف فَقرهمْ بالعلامة فِي وُجُوههم من أثر الْجُوع وَالْحَاجة، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : هم أَصْحَاب الصّفة، وَكَانُوا أَرْبَعمِائَة إِنْسَان لم يكن لَهُم مسَاكِن فِي الْمَدِينَة وَلَا عشائر، فَكَانُوا يخرجُون فِي كل سَرِيَّة بعثها النَّبِي، ﷺ ، ثمَّ يرجعُونَ إِلَى مَسْجِد الرَّسُول، ﷺ ، قَوْله: ﴿وَمَا تنفقوا من خير﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . من أَبْوَاب القربات ﴿فَإِن الله بِهِ عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ وَلَا من غَيره، وسيجزي عَلَيْهِ أوفى الْجَزَاء وأتمه يَوْم الْقِيَامَة أحْوج مَا يكونُونَ إِلَيْهِ.
وكَمِ الغِنى؟
أَي: مِقْدَار الْغنى الَّذِي يمْنَع السُّؤَال؟ و: كم، هُنَا استفهامية تَقْتَضِي التَّمْيِيز، وَالتَّقْدِير: كم الْغنى؟ أهوَ الَّذِي يمْنَع السُّؤَال أم غَيره؟ والغنى، بِكَسْر الْغَيْن وبالقصر: ضد الْفقر وَإِن صحت الرِّوَايَة بِالْفَتْح وبالمد فَهُوَ: الْكِفَايَة، وَقد تقدم فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود (يَا رَسُول الله مَا الْغنى؟ قَالَ: خَمْسُونَ درهما) . وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الاستعفاف فِي الْمَسْأَلَة، جملَة أَحَادِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِي هَذَا الْبَاب.
وقَوْلِ النبيِّ ﷺ : وَلَا يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ
بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله من الْمَجْرُور، وَهَذَا جُزْء من حَدِيث رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة، يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَفِيه: (وَلَكِن الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد غنى يُغْنِيه) ، وَالظَّاهِر أَنه إِنَّمَا ذكر هَذَا كَأَنَّهُ تَفْسِير لقَوْله: (وَكم الْغنى؟) ليَكُون الْمَعْنى: إِن الْغنى هُوَ الَّذِي يجد الرجل مَا يُغْنِيه، وَفسّر هَذَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (من سَأَلَ النَّاس وَله مَا يُغْنِيه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة ومسألته فِي وَجهه خموش. قيل: يَا رَسُول الله ﴿وَمَا يُغْنِيه؟ قَالَ: خَمْسُونَ درهما أَو قيمتهَا من الذَّهَب) . وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِنَّمَا لم يذكرهُ البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ على شَرطه، لِأَن فِيهِ مقَالا.
لِقَوْلِهِ تَعَالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سبِيلِ الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ﴾ إلَى قَولِهِ ﴿فإنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) .
هَذَا تَعْلِيق لقَوْله: (وَلَا يجد غنى يُغْنِيه) ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الحَدِيث: الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد غنى يُغْنِيه وَلَا يفْطن بِهِ، فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ، وَلَا يقوم فَيسْأَل النَّاس. وَوصف الْمِسْكِين بِثَلَاثَة أَوْصَاف: مِنْهَا عدم قِيَامه للسؤال، وَذَلِكَ لَا يكون إلَاّ لتعففه وَحصر نَفسه عَن ذَلِك وَعلل ذَلِك الْمِسْكِين الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الَّذِي ذكر مِنْهَا البُخَارِيّ: عدم وجدان الْغنى، وَاكْتفى بِهِ بقوله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . الْآيَة، وَكَانَ حصرهم لأَنْفُسِهِمْ عَن السُّؤَال للتعفف، وَعدم ضَربهمْ فِي الأَرْض خوفًا من فَوَات صُحْبَة النَّبِي ﷺ كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَأما: اللَّام، الَّتِي فِي قَوْله: ﴿للْفُقَرَاء الَّذِي أحْصرُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . فلبيان مصرف الصَّدَقَة وموضعها لِأَنَّهُ قَالَ قبل هَذَا: ﴿وَمَا تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٢) . ثمَّ بَين مصرف ذَلِك وموضعه بقوله: ﴿للْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . إِلَى آخِره، وَقد تصرف الْكرْمَانِي هُنَا تَصرفا عجيبا لَا يقبله من لَهُ أدنى معرفَة فِي أَحْوَال تراكيب الْكَلَام، فَقَالَ: ﴿للْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . عطف على ﴿لَا يسْأَلُون﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . وحرف الْعَطف مُقَدّر، أَو: هُوَ حَال بِتَقْدِير لفظ: قَائِلا، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فِي بَعْضهَا لقَوْل الله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . قلت: مَعْنَاهُ شَرط فِي السُّؤَال عدم وجدان الْغنى لوصف الله الْفُقَرَاء بِلَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض، إِذْ من اسْتَطَاعَ ضربا فِيهَا فَهُوَ وَاجِد لنَوْع من الْغنى. انْتهى. قلت: كَانَ فِي نُسْخَة: وَقَول النَّبِي ﷺ : وَلَا يجد غنى يُغْنِيه للْفُقَرَاء الَّذين. . فَقَالَ: هَذَا عطف على: لَا يسْأَلُون، فليت شعري أَي وَجه لهَذَا الْعَطف، وَلَا عطف هُنَا أصلا، وَأي ضَرُورَة دعت إِلَى ارتكابه تَقْدِير حرف الْعَطف الَّذِي لَا يجوز حذف حرف الْعَطف إلَاّ فِي مَوضِع الضَّرُورَة على الشذوذ، أَو فِي الشّعْر كَذَلِك، وَلَا ضَرُورَة هُنَا أصلا﴾ ثمَّ لما وقف على نُسْخَة فِيهَا لقَوْل الله : ﴿للْفُقَرَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . سَأَلَ السُّؤَال الْمَذْكُور وَأجَاب بالجوابين الْمَذْكُورين اللَّذين تمجهما الأسماع ويتركهما أهل اليراع، وَقَالَ بَعضهم: اللَّام فِي قَوْله: لقَوْل الله، لَام التَّعْلِيل لِأَنَّهُ أورد الْآيَة تَفْسِيرا لقَوْله فِي التَّرْجَمَة، وَكم
стр. 2559
الْغنى؟ قلت: وَهَذَا أعجب من ذَلِك، لِأَن التَّعْلِيل لَا يُقَال لَهُ: التَّفْسِير، وَيفرق بَينهمَا من لَهُ أدنى مسكة فِي التَّصَرُّف فِي علم من الْعُلُوم، وَبَاقِي الْكَلَام فِي الْآيَة الْكَرِيمَة تقدم آنِفا.
٦٧٤١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّدُ بنُ زِيادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتانِ وَلاكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنىٍ ويَسْتَحْيي ولَا يَسْألُ النَّاسَ إلْحَافا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يسْأَل النَّاس إلحافا) . وَرِجَاله أَرْبَعَة وَهُوَ من الرباعيات.
قَوْله: (الْمِسْكِين) ، مُشْتَقّ من السّكُون وَهُوَ عدم الْحَرَكَة فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمَيِّت ووزنه، مفعيل، وَقَالَ ابْن سَيّده: الْمِسْكِين والمسكين الْأَخِيرَة نادة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام: مفعيل، يَعْنِي بِفَتْح الْمِيم. وَفِي (الصِّحَاح) : الْمِسْكِين الْفَقِير، وَقد يكون بِمَعْنى المذلة والضعف، يُقَال: تمسكن الرجل وتمسكن، وَهُوَ شَاذ، وَالْمَرْأَة مسكينة، وَقوم مَسَاكِين ومسكينون، وَالْإِنَاث مسكينات، وَالْفَقِير مُشْتَقّ من قَوْلهم: فقرت لَهُ فقرة من مَالِي، والفقر والفقر ضد الْغنى، وَقدر ذَلِك أَن يكون لَهُ مَا يَكْفِي عِيَاله، وَقد فقر فَهُوَ فَقير، وَالْجمع: فُقَرَاء، وَالْأُنْثَى فقيرة من نسْوَة فقائر، وَقَالَ الْقَزاز: أصل الْفقر فِي اللُّغَة من فقار الظّهْر كَأَن الْفَقِير كسر فقار ظَهره، فَبَقيَ لَهُ من جِسْمه بَقِيَّة. قَالَ الْقَزاز: الْفقر والفقر، وَالْفَتْح أَكثر. قَوْله: (الْأكلَة وَالْأكْلَتَان) ، بِضَم الْهمزَة فيهمَا، وَقَالَ ابْن التِّين: الْأكلَة، ضَبطهَا بَعضهم بِضَم الْهمزَة بِمَعْنى: اللُّقْمَة، فَإِن فتحتها كَانَت الْمرة الْوَاحِدَة. وَفِي (الفصيح) لِأَحْمَد بن يحيى: الْأكلَة: اللُّقْمَة، والأكلة، بِالْفَتْح: الْغذَاء وَالْعشَاء. قَوْله: (لَيْسَ لَهُ غنى) ، زَاد فِي رِوَايَة الْأَعْرَج: (غنى يُغْنِيه) . قَوْله: (ويستحي) بالياءين وبياء وَاحِدَة زَاد فِي رِوَايَة الْأَعْرَج: (وَلَا يفْطن بِهِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لَهُ فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ وَلَا يقوم فَيسْأَل النَّاس) ، وَهُوَ بِنصب: يتَصَدَّق، وَيسْأل. قَوْله: (وَلَا يسْأَل) ويروى: (وَأَن لَا يسْأَل) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: كلمة: لَا، زَائِدَة فِي: (وَأَن لَا يسْأَل) . قَوْله: (إلحافا) أَي: إلحاحا، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. وَقَالَ ابْن بطال: يُرِيد: لَيْسَ الْمِسْكِين الْكَامِل لِأَنَّهُ بمسألته يَأْتِيهِ الكفاف، وَإِنَّمَا الْمِسْكِين الْكَامِل فِي أَسبَاب المسكنة من لَا يجد غنى وَلَا يتَصَدَّق عَلَيْهِ، أَي: لَيْسَ فِيهِ نفي المسكنة بل نفي كمالها، أَي: الَّذِي هُوَ أَحَق بِالصَّدَقَةِ وأحوح إِلَيْهَا.
وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: حسن الْإِرْشَاد لموْضِع الصَّدَقَة، وَأَن يتحَرَّى وَضعهَا فِيمَن صفته التعفف دون الإلحاح. وَفِيه: حسن الْمِسْكِين الَّذِي يستحي وَلَا يسْأَل النَّاس. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْحيَاء فِي كل الْأَحْوَال.
٧٧٤١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ الحَذَّاءَ عنِ ابنِ أشْوعَ عنِ الشَّعبِيِّ قَالَ حدَّثني كاتبُ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قَالَ كتبَ مُعاويةُ إلَى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ أنِ اكْتُبْ إلَيَّ بشَىءٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فكتَبَ إلَيْهِ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ إنَّ الله كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا قيلَ وقالَ وإضَاعَةَ المالِ وكَثْرَةَ السُّؤَالِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) .
وَرِجَاله ثَمَانِيَة: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي، وَإِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَعليَّة اسْم أمه، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ، وَقد مر غير مرّة، وَابْن أَشوع، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ سعيد بن عَمْرو بن الأشوع الْهَمدَانِي الْكُوفِي قَاضِي الْكُوفَة، نسب لجده. وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَكَاتب الْمُغيرَة هُوَ: وراد، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، والمغيرة بن شُعْبَة مَوْلَاهُ، وَمُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان. وَفِيه: تابعيان وصحابيان، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الذّكر بعد الصَّلَاة، تعدد ذكره وَمن أخرجه غَيره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن قيل وَقَالَ) ، هما إِمَّا فعلان: الأول، يكون بِنَاء الْمَجْهُول من الْمَاضِي، وَالثَّانِي يكون بِنَاء الْفَاعِل، وَإِمَّا مصدران، يُقَال: قلت قولا وقيلاً وَقَالا. وَحِينَئِذٍ يكونَانِ منونين، وَإِمَّا إسمان. قَالَ ابْن السّكيت: هما إسمان لَا مصدران،
стр. 2560
وَقَالَ الْخطابِيّ: إِمَّا أَن يُرَاد بهما حِكَايَة أقاويل النَّاس، كَمَا يُقَال: قَالَ فلَان كَذَا، وَقيل لَهُ: كَذَا، من بَاب مَا لَا يَعْنِي. وَأما مَا كَانَ من أَمر الدّين يَنْقُلهُ بِلَا حجَّة وَبَيَان يُقَلّد مَا يسمعهُ وَلَا يحْتَاط فِيهِ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: المُرَاد بِهِ حِكَايَة شَيْء لَا تعلم صِحَّته فَإِن الحاكي يَقُول: قيل وَقَالَ: وَعَن مَالك: هُوَ الْإِكْثَار من الْكَلَام والإرجاف، نَحْو قَول الْقَائِل: أعطي فلَان كَذَا وَمنع من كَذَا، أَو الْخَوْض فِيمَا لَا يَعْنِي. وَقَالَ ابْن التِّين: لَهُ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِهِ حِكَايَة أَقْوَال النَّاس وأحاديثهم والبحث عَنْهَا لينمي فَيَقُول: قَالَ فلَان كَذَا وَفُلَان كَذَا، مِمَّا لَا يجر خيرا، إِنَّمَا هُوَ ولوع وشغب، وَهُوَ من التَّجَسُّس الْمنْهِي عَنهُ. وَالثَّانِي: أَن يكون فِي أَمر الدّين فَيَقُول: قيل لَهُ فِيهِ كَذَا، وَقَالَ فلَان فيقلد وَلَا يحْتَاط بمواضع الِاحْتِيَاط بالحجج. قَوْله: (وإضاعة المَال) ، هُوَ رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (إِضَاعَة الْأَمْوَال) ، وَهُوَ أَن يتْركهُ من غير حفظ لَهُ فيضيع، أَو يتْركهُ حَتَّى يفْسد، أَو يرميه إِذا كَانَ يَسِيرا كبرا عَن تنَاوله، أَو بِأَن يرضى بِالْغبنِ، أَو يُنْفِقهُ فِي الْبناء واللباس والمطعم بإسراف، أَو يُنْفِقهُ فِي الْمعاصِي، أَو يُسلمهُ لخائن أَو مبذر، أَو يموه الْأَوَانِي بِالذَّهَب أَو يطرز الثِّيَاب بِهِ، أَو يذهِّب سقوف الْبَيْت، فَإِنَّهُ من التضييع الْفَاحِش لِأَنَّهُ لَا يُمكن تخليصه مِنْهُ وإعادته إِلَى أَصله، وَمِنْه قسْمَة مَا لَا ينْتَفع بقسمته كاللؤلؤة، وَمِنْه الصَّدَقَة وإكثارها وَعَلِيهِ دين لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاء دينه، وَمِنْه سوء الْقيام على مَا يملكهُ كالرقيق إِذا لم يتعهده ضَاعَ، وَمِنْه أَن يتخلى الرجل من كل مَاله وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ غير قوي على الصَّبْر والإطاقة، وَقد يحْتَمل أَن يؤول معنى الإضاعة على الْعَكْس مِمَّا تقدم بِأَن يُقَال: إضاعته: حَبسه عَن حَقه وَالْبخل بِهِ على أَهله كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(وَمَا ضَاعَ مَال أورث الْمجد أَهله ... وَلَكِن أَمْوَال الْبَخِيل تضيع)
وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِضَاعَة المَال تُؤدِّي إِلَى الْفقر الَّذِي يخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَة، وَكَأن الشَّارِع، ﷺ ، يتَعَوَّذ من الْفقر وفتنته. وَقَالَ الْمُهلب فِي إِضَاعَة المَال: يُرِيد السَّرف فِي إِنْفَاقه وَإِن كَانَ فِيمَا يحل، أَلا ترى أَنه ﷺ رد تَدْبِير المعدم لِأَنَّهُ أسرف على مَاله فِيمَا يحل ويؤجر فِيهِ، لكنه أضاع نَفسه، وأجره فِي نَفسه آكِد من أجره فِي غَيره. قَوْله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) ، أما السُّؤَال إِمَّا أَن يكون من سُؤال النَّاس أَمْوَالهم والاستكثار مِنْهُ، أَو سُؤال الْمَرْء عَمَّا نهي عَنهُ من الْمُتَشَابه الَّذِي تعبدنا بِظَاهِرِهِ، أَو السُّؤَال من رَسُول الله ﷺ عَن أُمُور لم يكن لَهُم بهَا حَاجَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمسَائِل فِي كتاب الله تَعَالَى على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا مَحْمُود كَقَوْلِه: ﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥١٢ و ٩١٢) . وَنَحْوه من الإشياء الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فِي الدّين، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ (النَّحْل: ٣٤، الْأَنْبِيَاء: ٧) . وَالْآخر مَذْمُوم كَقَوْلِه: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الرّوح﴾ (الْإِسْرَاء: ٥٨) . وَنَحْوه مِمَّا لَا ضَرُورَة فِيهِ لَهُم إِلَى علمه، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تَبْدُ لكُم تَسُؤْكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ١٠١) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل إِن يُرَاد بِكَثْرَة السُّؤَال سُؤال الْإِنْسَان عَن حَاله وتفاصيل أمره، لِأَنَّهُ يتَضَمَّن حُصُول الْحَرج فِي حق المسؤول عَنهُ، فَإِنَّهُ لَا يُرِيد إخْبَاره بأحواله، فَإِن أخبرهُ شقّ عَلَيْهِ وَإِن أهمل جَوَابه ارْتكب سوء الْأَدَب. وَيُقَال: فِي كَثْرَة السُّؤَال وَجْهَان ذكرا عَن مَالك: الأول: سُؤال سيدنَا رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ: (ذروني مَا تركتكم) . وَالثَّانِي: سُؤال النَّاس، وَهُوَ الَّذِي فهمه البُخَارِيّ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين فِيهِ وُجُوه: أَحدهَا: التَّعَرُّض لما فِي أَيدي النَّاس من الحطام بالحرص والشره، وَهُوَ تَأْوِيل البُخَارِيّ. ثَانِيهَا: أَن يكون فِي سُؤال الْمَرْء عَمَّا نهى عَنهُ من متشابه الْأُمُور على مَذْهَب أهل الزيغ وَالشَّكّ وابتغاء الْفِتْنَة. ثَالِثهَا: مَا كَانُوا يسْأَلُون الشَّارِع ﷺ عَن الشَّيْء من الْأُمُور من غير حَاجَة بهم إِلَيْهِ فتنزل الْبلوى بهم، كالسائل عَمَّن يجد مَعَ امْرَأَته رجلا أَشد النَّاس جرما فِي الْإِسْلَام من سَأَلَ عَن أَمر لم يكن حَرَامًا فَحرم من أجل مَسْأَلته.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الدّلَالَة على الْحجر، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب الْحجر على الْبَالِغ المضيع لمَاله، فجمهور الْعلمَاء يُوجب الْحجر عَلَيْهِ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَقَالَ النَّخعِيّ وَابْن سِيرِين وبعدهما أَبُو حنيفَة وَزفر: لَا حجر على الْبَالِغ الحَدِيث الَّذِي يخدع فِي الْبيُوع وَلم يمنعهُ ﷺ من التَّصَرُّف. وَفِيه: دَلِيل على فضل الكفاف على الْفقر والغنى، لِأَن ضيَاع المَال يُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَة بالفقر وَكَثْرَة السُّؤَال، وَرُبمَا يخْشَى من الْغنى الْفِتْنَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿كلا إِن الْإِنْسَان
стр. 2561
ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ (العلق: ٦ و ٧) . والفقر والغنى محنتان وبليتان كَانَ الشَّارِع يتورع مِنْهُمَا، وَمن عَاشَ فيهمَا بالاقتصاد فقد فَازَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَفِيه: الْكتاب بالسؤال عَن الْعلم وَالْجَوَاب عَنهُ. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد وَقبُول الْكتاب وَهُوَ حجَّة فِي الْإِجَازَة. وَفِيه: أَخذ بعض الصَّحَابَة عَن بعض. وَفِيه: دَلِيل على أَن قلَّة السُّؤَال لَا تدخل تَحت النَّهْي خُصُوصا إِذا كَانَ مُضْطَرّا يخَاف على نَفسه التّلف بِتَرْكِهِ، بل السُّؤَال فِي هَذِه الْحَالة وَاجِب لِأَنَّهُ لَا يحل لَهُ إِتْلَاف نَفسه وَهُوَ يجد السَّبِيل إِلَى حَيَاتهَا.
٨٧٤١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ غُزَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ عَن أبيهِ عنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عامِرُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ قَالَ أعْطَى رسولُ الله ﷺ رَهطا وَأنا جالِسٌ فِيهِمْ قَالَ فترَكَ رسولُ الله ﷺ مِنهُم رجُلاً لَمْ يُعْطِهِ وَهْوَ أعْجَبُهُمْ إلَيَّ فقُمْتُ إلَى رسولِ الله ﷺ فسَاوَرْتُهُ فقُلْتُ مالَكَ عنْ فُلانٍ وَالله إنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنا قَالَ أوْ مُسْلِما قَالَ فسَكَتُّ قلِيلاً ثُمَّ غَلَبنِي مَا أعْلَمُ فيهِ فقُلْتُ يَا رسولَ الله مَا لَكَ عنْ فُلانٍ وَالله إنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنا قَالَ أوْ مُسْلِما قَالَ فسَكَتُّ قَليلاً ثُمَّ غلبَني مَا أعْلَمُ فيهِ فقُلْتُ يَا رسولَ الله مالَكَ عَن فُلانٍ وَالله لأُراهُ مُؤْمِنا قَالَ أوْ مُسْلِما يَعْنِي فَقَالَ إنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وغَيْرَهُ أحَبُّ إليَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الرجل الَّذِي تَركه رَسُول الله ﷺ وَلم يُعْطه شَيْئا، وَهُوَ أَيْضا ترك السُّؤَال أصلا مَعَ مُرَاجعَة سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى رَسُول الله ﷺ بِسَبَبِهِ ثَلَاث مَرَّات، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن غرير، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الزُّهْرِيّ، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الْهَاء، وَقد تقدم فِي: بَاب مَا ذكر فِي ذهَاب مُوسَى فِي كتاب الْعلم. وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي كتاب الْإِيمَان.
وعَنْ أبيهِ عَن صالِحٍ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أبي يُحَدِّثُ هاذا فَقَالَ فِي حدِيثِهِ فضَرَبَ رسولُ الله بيَدِهِ فجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وكَتِفي ثُمَّ قَالَ أقْبِلْ أيْ سَعْدُ إنِّي لأُعطِي الرَّجُلَ
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (وَعَن أَبِيه) ، عطف على الْمَذْكُور أَولا فِي الْإِسْنَاد أَي: قَالَ يَعْقُوب عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم عَن صَالح بن كيسَان عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن سعد بن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَبوهُ مُحَمَّد فروايته عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلَة إِذْ لَا بُد من توَسط ذكر سعد حَتَّى يصير مُسْندًا مُتَّصِلا؟ قلت: لفظ، هَذَا، هُوَ إِشَارَة إِلَى قَول سعد، فَهُوَ مُتَّصِل وَبِهَذَا السَّنَد رَوَاهُ مُسلم عَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي عَن يَعْقُوب عَن أَبِيه عَن صَالح عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد، قَالَ: سَمِعت مُحَمَّد بن سعد يحدث بِهَذَا ... يَعْنِي حَدِيث الزُّهْرِيّ الْمَذْكُور، فَقَالَ فِي حَدِيثه: فَضرب النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ بَين عنقِي وكتفي ثمَّ قَالَ: أقتالاً أَي سعد إِنِّي لأعطي الرجل؟ وَفِي الْجمع للحميدي فِي أَفْرَاد مُسلم: عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِنَحْوِ حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عَامر بن سعد. قَوْله: (يحدث) ، هَذَا إِشَارَة إِلَى قَول سعد كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (فِي حَدِيثه) أَي: فِي جملَة حَدِيثه. قَوْله: (فَجمع) ، بفاء الْعَطف، وَفعل الْمَاضِي، وَقَالَ ابْن التِّين: رِوَايَة أبي ذَر: فَجمع، وَفِي رِوَايَة غَيره: جمع، بِدُونِ الْفَاء، ويروى: (فَضرب رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ فَجمع بَين عنقِي وكتفي) . قَالَ ابْن قرقول: أَي: حَيْثُ يَجْتَمِعَانِ، وَكَذَلِكَ مجمع الْبَحْرين حَيْثُ يجْتَمع بَحر وبحر، وتوجيه هَذِه الرِّوَايَة إِن يكون لفظ: بَين، إسما لَا ظرفا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لقد تقطع بَيْنكُم﴾ (الْأَنْعَام: ٤٩) . على قراء الرّفْع فَيكون
стр. 2562
لفظ: مجمع، مُضَافا إِلَيْهِ، ويروى: (فَضرب رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ يجمع بَين عنقِي وكتفي) ، بِالْبَاء الجارة وَضم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وَمحله نصب على الْحَال تَقْدِيره: ضرب بِيَدِهِ حَال كَونهَا مَجْمُوعَة، وَيجوز فِي الْكَتف ثَلَاث لُغَات. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: النَّبِي ﷺ : (أقبل) بِفَتْح الْهمزَة، أَمر من الإقبال أَو بِكَسْر الْهمزَة وَفتح الْبَاء من الْقبُول، حسب الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ التَّيْمِيّ: فِي بَعْضهَا أقبل بِقطع الْألف، كَأَنَّهُ لما قَالَ ذَلِك تولى ليذْهب فَقَالَ لَهُ: أقبل لأبين لَك وَجه الْإِعْطَاء وَالْمَنْع، وَفِي بَعْضهَا بوصل الإلف أَي: أقبل مَا أَنا قَائِل لَك وَلَا تعترض عَلَيْهِ. قلت: وَيدل عَلَيْهِ بَاقِي رِوَايَة مُسلم: (أقتالاً أَي سعد) أَي: أتقاتل قتالاً؟ أَي: أتعارضني فِيمَا أَقُول مرّة بعد مرّة كَأَنَّك تقَاتل؟ وَهَذَا يشْعر أَنه ﷺ كره مِنْهُ إلحاحه عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَة. قَوْله: (أَي سعد) يَعْنِي: يَا سعد إِنِّي لأعطي، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَإِنَّمَا أعطي الرجل ليتألفه ليستقر الْإِيمَان فِي قلبه وَعلم أَنه إِن لم يُعْطه قَالَ قولا أَو فعل فعلا دخل بِهِ النَّار، فَأعْطَاهُ شَفَقَة عَلَيْهِ، وَمنع الآخر علما مِنْهُ رسوخ الْإِيمَان فِي صَدره ووثوقا على صبره.
وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: الشَّفَاعَة للرجل من غير أَن يسْأَلهَا ثَلَاثًا. وَفِيه: النَّهْي عَن الْقطع لأحد من النَّاس بِحَقِيقَة الْإِيمَان وَأَن الْحِرْص على هِدَايَة غير الْمُهْتَدي آكِد من الْإِحْسَان إِلَى الْمُهْتَدي. وَفِيه: الْأَمر بالتعفف والاستغناء وَترك السُّؤَال.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله فَكُبْكِبُوا قُلِبُوا مُكِبا أكَبَّ الرَّجُلِ إذَا كانَ فِعلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أحَدٍ فإذَا وقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ كَبَّهُ الله لِوَجْهِهِ وكبَبْتُهُ أنَا
قَالَ أَبُو عبد الله، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَقد جرت عَادَته أَنه إِذا كَانَ فِي الْقُرْآن لفظ يُنَاسب لفظ الحَدِيث يذكرهُ اسْتِطْرَادًا فَقَوله: (فكبكبوا) ، مَذْكُور فِي سُورَة الشُّعَرَاء مَعْنَاهُ: فكبوا بِلَفْظ الْمَجْهُول من الكب، وَهُوَ الْإِلْقَاء على الْوَجْه. وَفِي بَعْضهَا: قلبوا بِالْقَافِ وَاللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (مكبا) ، بِضَم الْمِيم هُوَ الْمَذْكُور فِي سُورَة الْملك، وَهُوَ قَوْله: ﴿أَفَمَن يمشي مكبا على وَجهه﴾ (الْملك: ٢٢) . قَوْله: (أكب الرجل) يَعْنِي: وَقع على وَجهه، وَهُوَ لَازم أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (إِذا كَانَ فعله غير وَاقع على أحد) ، وَذَلِكَ أَنهم يسمون الْفِعْل الَّذِي لَا يتَعَدَّى: لَازِما وَغَيره وَاقع. قَوْله: (فَإِذا وَقع الْفِعْل) ، يَعْنِي: إِذا وَقع على أحد يكون مُتَعَدِّيا: وَيُسمى وَاقعا أَيْضا، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (قلت كَبه الله لوجهه) ، وَهَذَا من نَوَادِر الْكَلِمَة حَيْثُ كَانَ ثلاثيه مُتَعَدِّيا والمزيد فِيهِ لَازِما، عكس الْقَاعِدَة التصريفية. قَوْله: (وكببته أَنا) متعدٍ أَيْضا، أَي: كببت أَنا فلَانا على وَجهه، وأتى بالمثالين أَحدهمَا من الْغَائِب وَالْآخر من الْمُتَكَلّم، وكببته يجوز فِيهِ أَن تبدل الْيَاء من الْبَاء الثَّانِيَة فَنَقُول: كبيته، على مَا علم فِي مَوْضِعه.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله: صالِحُ بنُ كَيْسَانَ أكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَهْوَ قَدْ أدْرَكَ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (صَالح بن كيسَان) هُوَ الْمَذْكُور فِي الإسنادين. قَوْله: (أكبر) أَي: أكبر سنا، كَانَ عمره مائَة وَسِتِّينَ سنة. قَوْله: (من الزُّهْرِيّ) يَعْنِي من مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. قَوْله: (وَهُوَ) أَي: صَالح ابْن كيسَان (قد أدْرك عبد الله بن عمر) ، يَعْنِي: أدْرك السماع مِنْهُ. وَأما الزُّهْرِيّ فمختلف فِي لقِيه لَهُ، وَالصَّحِيح أَنه لم يلقه وَإِنَّمَا يرْوى عَن أَبِيه سَالم عَنهُ، وَالْحَدِيثَانِ اللَّذَان وَقع فِي رِوَايَة معمر عَنهُ أَنه سمعهما من ابْن عمر ثَبت ذكر سَالم بَينهمَا فِي رِوَايَة غَيره.
٩٧٤١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلى الناسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ ولاكِنَّ المِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فيَسْألُ النَّاسَ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٧٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يقوم فَيسْأَل النَّاس) .
وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَقد مر الْكَلَام فِي مَعْنَاهُ
стр. 2563
فِي بَاب الاستعفاف فِي الْمَسْأَلَة. قَوْله: (وَلَا يفْطن بِهِ) أَي: لَا يكون للنَّاس الْعلم بِحَالَة فيتصدقون عَلَيْهِ، ويروى (وَلَا يفْطن لَهُ) بِاللَّامِ، قَوْله: (فَيسْأَل) بِالنّصب، وَكَذَا: (فَيتَصَدَّق) وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول.
٠٨٤١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا أَبُو صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لأَن يأْخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَغْدُو أحْسِبُهُ إلَي الجَبَلِ فيَحْتَطِبَ فيَبِيعَ فيَأْكُلَ ويَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ النَّاسَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خير لَهُ من أَن يسْأَل النَّاس) ، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الاستعفاف فِي الْمَسْأَلَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ... الحَدِيث، وَهنا أخرجه: عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (ثمَّ يَغْدُو) أَي: ثمَّ يذهب والغدو الذّهاب فِي أول النَّهَار قَوْله: (أَحْسبهُ) أَي قَالَ أَبُو هُرَيْرَة أطن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِلَى الْجَبَل مَوضِع الْحَطب. قَوْله: (فيحتطب فيبيع) ، بِالْفَاءِ فيهمَا لِأَن الاحتطاب يكون عقيب الغدو إِلَى الْجَبَل، وَالْبيع يكون عقيب الاحتطاب. قَوْله: (وَيتَصَدَّق) ، بواو الْعَطف ليدل على أَنه يجمع بَين البيع وَالصَّدَََقَة، يَعْنِي: إِذا بَاعَ يتَصَدَّق مِنْهُ.
وَفِيه: اسْتِحْبَاب الاستعفاف عَن الْمَسْأَلَة. واستحباب التكسب بِالْيَدِ. واستحباب الصَّدَقَة من كسب يَده.
٤٥ - (بابُ خَرْص التمْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي مَشْرُوعِيَّة خرص التَّمْر، الْخرص، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا صَاد مُهْملَة: مصدر من خرص الْعدَد ويخرصه من بَاب: نصر ينصر وَضرب يضْرب، خرصا وخرصا بِالْفَتْح وَالْكَسْر إِذا حزره، وَيُقَال بِالْفَتْح مصدر وبالكسر اسْم. وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ حزر على النّخل من الرطب تَمرا. وَقَالَ ابْن السّكيت: الْخرص والخرص لُغَتَانِ فِي الشَّيْء المخروص، وَحكى التِّرْمِذِيّ عَن بعض أهل الْعلم: أَن تَفْسِيره أَن الثِّمَار إِذا أدْركْت من الرطب وَالْعِنَب مِمَّا يجب فِيهِ الزَّكَاة بعث السُّلْطَان خارصا ينظر فَيَقُول: يخرج من هَذَا كَذَا وَكَذَا زبيبا وَكَذَا ثمرا فيصيه، وَينظر مبلغ العُشر فيثبته عَلَيْهِم ويخلي بَينهم وَبَين الثِّمَار فَإِذا جَاءَ وَقت الْجذاذ أَخذ مِنْهُم العُشر.
١٨٤١ - حدَّثنا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى عَن عَبَّاسٍ السَّاعِديِّ عنْ أبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ غزَوْنَا معَ النبيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فلَمَّا جاءَ وَادِي القُرى إذَا امْرَأةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَها فَقَالَ النبيُّ ﷺ لأِصْحَابِهِ اخْرُصُوا وخَرَصَ رسولُ الله ﷺ عَشْرَةَ أوْسُق فَقَالَ لهَا أحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فلَمَّا أتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ أمَا إنَّهَا ستَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلا يَقُومَنَّ أحَدٌ ومَنْ كانَ معَهُ بَعِيرٌ فلْيَعْقِلْهُ فعَقَلْنَاهَا وهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدةٌ فقامَ رجلٌ فألقَتْهُ بِجَبَلِ طيِّىءٍ وأَهْدَى مَلِكُ أيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وكسَاهُ بُرْدا وكتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ فلَمَّا أتَى وَادِي القُرَى قَالَ لِلْمَرأةِ كَمْ جاءَ حَدِيقَتُكِ قالَتْ عَشَرَةَ أوْسُقٍ خَرْصَ رسولِ الله ﷺ فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنِّي مُتَعَجِّلٌ إلَى المَدِينَةِ فَمَنْ أرَادَ مِنْكُمْ أنْ يتَعَجَّلَ مَعِي فلْيَتَعَجَّلْ فلَمَّا قَالَ ابنُ بَكَّارٍ كلِمَةً مَعْنَاها أشْرَفَ عَلى المدِينَةِ. قَالَ هاذِهِ طابَةُ فلَمَّا رَأي أُحُدا قَالَ هاذا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ ألَا أخبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنصَارِ قالُوا بَلى قالَ دُورُ بَنِي النَّجَّار ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ ثُمَّ دُورِ بَنِي ساعِدَةَ أوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بنِ الخزْرَجِ وفِي كُلِّ دُورِ الأنْصَارِ يَعْنِي خَيْرا. وقالَ سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ حدَّثني
стр. 2564
عَمْرٌ وثُمَّ دَارُ بَنِي الحارِثِ ثُمَّ بَنِي ساعِدَةَ وَقَالَ سُلَيْمَانُ عنْ سَعْدِ بنِ سَعِيدٍ عنْ عُمَارَةَ بنِ غَزِيَّةَ عنْ عَبَّاسٍ عنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (اخرصوا وخرص رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم) .
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: سهل بن بكار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْكَاف وبالراء: أَبُو بشر الدَّارمِيّ. الثَّانِي: وهيب بن خَالِد أَبُو بكر. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة. الرَّابِع: عَبَّاس، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سهل بن سعد، مَاتَ زمن الْوَلِيد بِالْمَدِينَةِ. الْخَامِس: أَبُو حميد، بِضَم الحاءر الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم: اسْمه الْمُنْذر أَو عبد الرَّحْمَن بن سعد السَّاعِدِيّ، مر فِي: بَاب فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن عَمْرو بن يحيى، وَلمُسلم من وَجه آخر عَن وهيب حَدثنَا عَمْرو بن يحيى. وَفِيه: عَبَّاس وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: عَن الْعَبَّاس السَّاعِدِيّ، يَعْنِي ابْن سهل بن سعد، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر: عَن وهيب أخبرنَا عَمْرو بن يحيى حَدثنَا عَبَّاس ابْن سهل السَّاعِدِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان وَعَمْرو بن يحيى وعباس بن سهل مدنيان.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج وَفِي الْمَغَازِي بِتَمَامِهِ وَفِي فضل الْأَنْصَار بِبَعْضِه: (خير دور الْأَنْصَار) ، عَن خَالِد ابْن مخلد، وَأخرجه مُسلم فِي فضل النَّبِي ﷺ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِيه وَفِي الْحَج عَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن سهل بن بكار بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (غَزْوَة تَبُوك) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة المخففة وَفِي آخِره كَاف، منصرف بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة أَربع عشرَة مرحلة من طرف الشَّام، وَبَينهَا وَبَين دمشق إِحْدَى عشرَة مرحلة. وَفِي (الْمُحكم) : تَبُوك اسْم أَرض وَقد يكون: تَبُوك، تفعل، وَزعم ابْن قُتَيْبَة أَن رَسُول الله ﷺ جَاءَ فِي غَزْوَة تَبُوك وهم يبوكون حسيها بقدح، فَقَالَ: مَا زلتم تبوكونها بعد؟ فسميت: بتبوك، وَمعنى: تبوكون تدخلون فِيهِ السهْم وتحركونه ليخرج مَاؤُهُ. قلت: هَذَا يدل على أَنه معتل، وَذكرهَا ابْن سَيّده فِي الثلاثي الصَّحِيح. قَوْله: (حسيها) ، أَي: حشي تَبُوك، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَفِي آخِره يَاء آخر الْحُرُوف: مَا تنشفه الأَرْض من الرمل، فَإِذا صَار إِلَى صلابة أمسكته فيحفر عَنهُ الرمل فتستخرجه وَهُوَ الاحتساء، وَيجمع الْحسي على أحساء، وغزوة تَبُوك تسمى الْعسرَة والفاضحة، وَكَانَت فِي رَجَب يَوْم الْخَمِيس سنة تسع، وَقَالَ ابْن التِّين: خرج رَسُول الله ﷺ فِي أول يَوْم من رَجَب إِلَيْهَا وَرجع فِي سلخ شَوَّال. وَقيل: فِي شهر رَمَضَان. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ آخر غَزَوَاته، لم يقدر أحد أَن يتَخَلَّف عَنْهَا، وَكَانَت فِي شدَّة الْحر وإقبال الثِّمَار، وَلم يكن فِيهَا قتال وَلم تكن غَزْوَة إلَاّ ورى النَّبِي ﷺ فِيهَا إلَاّ غَزْوَة تَبُوك، ومكرت طَائِفَة من الْمُنَافِقين فِي هَذِه الْغَزْوَة برَسُول الله، ﷺ ، أَرَادوا أَن يلقوه من الْعقبَة فَنزل فيهم مَا فِي سُورَة بَرَاءَة. قَوْله: (وَادي الْقرى) ، ذكر السَّمْعَانِيّ أَنَّهَا مَدِينَة قديمَة بالحجاز مِمَّا يَلِي الشَّام، وَذكر ابْن قرقول، أَنَّهَا من أَعمال الْمَدِينَة، وَهَذَا قريب. قَوْله: (إِذا امْرَأَة فِي حديقة) ، قَالَ ابْن مَالك فِي (الشواهد) : لَا يمْتَنع الِابْتِدَاء بالنكرة الْمَحْضَة على الْإِطْلَاق، بل إِذا لم تحصل فَائِدَة نَحْو: رجل يتَكَلَّم، إِذْ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا من رجل يتَكَلَّم، فَلَو اقْترن بالنكرة قرينَة تتحصل بهَا الْفَائِدَة جَازَ الِابْتِدَاء بهَا، وَمن تِلْكَ الْقَرَائِن الِاعْتِمَاد على: إِذا، المفاجأة نَحْو: انْطَلَقت فَإِذا سبع فِي الطَّرِيق، والحديقة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ ابْن سَيّده: هِيَ من الرياض كل أَرض استدارت. وَقيل: الحديقة كل أَرض ذَات شَجَرَة بثمر ونخل. وَقيل: الحديقة الْبُسْتَان والحائط وَخص بَعضهم بِهِ الْجنَّة من النّخل وَالْعِنَب، وَقيل: الحديقة حُفْرَة تكون فِي الْوَادي تحبس المَاء فِي الْوَادي، وَإِن لم يكن المَاء فِي بَطْنه فَهُوَ حديقة، والحديقة أعمق من الغدير، والحديقة الْقطعَة من الزَّرْع من كرَاع، وَكله فِي معنى الاستدارة. وَفِي (الغريبين) : يُقَال للقطعة من النّخل: حديقة. قَوْله: (اخرصوا) بِضَم الرَّاء زَاد سُلَيْمَان: (فخرصنا) . قَوْله: (عشرَة أوسق) على وزن أفعل، بِضَم الْعين: جمع وسق بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ سِتُّونَ صَاعا، وَهُوَ ثَلَاثمِائَة وَعِشْرُونَ رطلا عِنْد أهل الْحجاز، وَأَرْبَعمِائَة وَثَمَانُونَ رطلا عِنْد أهل الْعرَاق، على اخْتلَافهمْ فِي
стр. 2565
مِقْدَار الصَّاع وَالْمدّ. قَوْله: (احصى) ، بِفَتْح الْهمزَة من الإحصاء وَهُوَ الْعد، وَمَعْنَاهُ: احفظي عدد كيلها. وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان: (إحصيها حَتَّى نرْجِع إِلَيْك إِن شَاءَ الله تَعَالَى) . وأصل الإحصاء الْعد بالحصى لأَنهم كَانُوا لَا يحسنون الْكِتَابَة، فَكَانُوا يضبطون الْعدَد بالحصى. قَوْله: (أما إِنَّهَا) أما، بِفَتْح الْهمزَة بِالتَّخْفِيفِ، وَهِي حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلَا، وَيكون بِمَعْنى: حَقًا. قَوْله: (ستهب اللَّيْلَة) ، زَاد سُلَيْمَان: (عَلَيْكُم) ، وستهب، بِضَم الْهَاء وَالسِّين فِيهِ عَلامَة الِاسْتِقْبَال، وَأَصله من: هَب يهب، ككب يكب، وَهَذَا الْبَاب إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا يكون عين الْفِعْل فِيهِ مضموما إلَاّ: حبه يُحِبهُ، فَإِنَّهُ مكسور. وأحرف نادرة جَاءَ فِيهَا الْوَجْهَانِ إِذا كَانَ لَازِما مثل: ضل يضل. قَوْله: (فليعقله) أَي: يشده بالعقال، وَهُوَ الْحَبل، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان: (فليشد عقاله) ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) : عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عَن عَبَّاس بن سهل: (وَلَا يخْرجن أحد مِنْكُم اللَّيْلَة إلَاّ وَمَعَهُ صَاحب لَهُ) . قَوْله: (بجبل طي) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (بجبلي طي) ، وَفِي رِوَايَة: (فَحملت الرّيح حَتَّى ألقته بجبلي طَيء) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَفَّان عَن وهيب: (فَلم يقم فِيهَا أحد غير رجلَيْنِ ألقتهما بجبلي طَيء) ، وَفِيه نظر تبينه رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، وَلَفظه: (فَفعل النَّاس مَا أَمرهم إلَاّ رجلَيْنِ من بني سَاعِدَة خرج أَحدهمَا لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ خنق على مذْهبه، وَأما الَّذِي ذهب فِي طلب بعيره فاحتملته الرّيح حَتَّى طرحته بجبلي طَيء، فَأخْبر رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: ألم أنهكم أَن يخرج رجل إلَاّ وَمَعَهُ صَاحب لَهُ؟ ثمَّ دعى الَّذِي أُصِيب على مذْهبه فشفي، وَأما الآخر فَإِنَّهُ وصل إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، حِين قدم من تَبُوك) . وَأما جبلا طَيء فقد ذكر الْكَلْبِيّ فِي كِتَابه (أَسمَاء الْبلدَانِ) أَن سلمى بنت حام بن حمى بن برارة من بني عمليق كَانَت لَهَا حاضنة يُقَال لَهَا العوجاء، وَكَانَت الرَّسُول بَينهَا وَبَين أجأ بن عبد الْحَيّ من العماليق، فعشقها فهرب بهَا وبحاضنتها إِلَى مَوضِع جبل طييء، وبالجبلين قوم من عَاد، وَكَانَ لسلمى أخوة فجاؤوا فِي طلبَهَا فلحقوهم بِموضع الجبلين، فَأخذُوا سلمى فنزعوا عينهَا ووضعوها على الْجَبَل، وكتف أجأ، وَكَانَ أول من كتف وَوضع على الْجَبَل الآخر، فَسُمي بهَا الجبلان، أجأ وسلمى. وَقَالَ الْبكْرِيّ: أجأ، بِفَتْح أَوله وثانيه على وزن فعل يهمز وَلَا يهمز وَيذكر وَيُؤَنث، وَهُوَ مَقْصُور فِي كلا الْوَجْهَيْنِ من همزه وَترك همزه. وَقَالَ بَعضهم: وَيُقَال: إِن الجبلين سميا باسم رجل وَامْرَأَة من العماليق، قلت: الْكَلْبِيّ قد سماهما كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (ملك أَيْلَة) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وباللام: إسم بَلْدَة على سَاحل الْبَحْر آخر الْحجاز وَأول الشَّام. قلت: أَيْلَة على وزن: فعلة، مَدِينَة على شاطىء الْبَحْر فِي منصف مَا بَين مصر وَمَكَّة، شرفها الله تَعَالَى، سميت بأيلة بنت مَدين بن إِبْرَاهِيم ﷺ ، وَقد روى أَن أَيْلَة هِيَ الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَملك أَيْلَة اسْمه يوحنا بن روبة، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان عِنْد مُسلم: (وَجَاء رَسُول ابْن العلما صَاحب أَيْلَة إِلَى رَسُول الله ﷺ بِكِتَاب، وَأهْدى لَهُ بغلة بَيْضَاء) . قلت: يوحنا، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون مَقْصُور. وروبة، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره هَاء، وَالظَّاهِر أَن علما اسْم يوحنا، وإسم البغلة: دُلْدُل. قَوْله: (وَكتب لَهُ ببحرهم) ، أَي: ببلدهم، وَالْمرَاد بِأَهْل بحرهم لأَنهم كَانُوا سكانا بساحل الْبَحْر، ويروى: (ببحرتهم) ، أَي: ببلدتهم، وَقيل: البحرة الأَرْض، كَانَ، ﷺ ، أقطع هَذَا الْملك من بِلَاده قطائع، وفوض إِلَيْهِ حكومتها، وَذكر ابْن إِسْحَاق الْكتاب، وَهُوَ بعد الْبَسْمَلَة: (هَذِه أَمَنَة من الله وَمن مُحَمَّد النَّبِي رَسُول الله ليوحنا بن روبة وَأهل أَيْلَة سفنهم وسيارتهم فِي الْبر وَالْبَحْر لَهُم ذمَّة الله، وَمُحَمّد النَّبِي) ، وسَاق بَقِيَّة الْكتاب. قَوْله: (كم جَاءَ حديقتك) أَي: قدر ثَمَر حديقتك؟ وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَسَأَلَ الْمَرْأَة عَن حديقتها: كم بلغ ثَمَرهَا؟) . قَوْله: (قَالَت عشرَة أوسق) ، بِنَزْع الْخَافِض، أَي جَاءَ بِمِقْدَار عشرَة أوسق، أَو نصب على الْحَال، وَيجوز أَن يعْطى لقَوْله: جَاءَ، حكم الْأَفْعَال النَّاقِصَة، فَيكون عشرَة خَبرا لَهُ، وَالتَّقْدِير: جَاءَت عشرَة أوسق. قَوْله: (خرص رَسُول الله ﷺ ، خرص، مصدر بِالنّصب على أَنه بدل من قَوْله: (عشرَة أوسق) ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ قد خرصها عشرَة أوسق لما جَاءَ وَادي الْقرى، أَو عطف بَيَان لعشرة، وَيجوز الرّفْع فِي عشرَة وَفِي خرص، وَالتَّقْدِير: الْحَاصِل عشرَة أوسق خرص رَسُول الله ﷺ ، وَيجوز الرّفْع فِي: خرص، وَحده على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ خرص رَسُول الله ﷺ أَي: الْعشْرَة خرص رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَلَمَّا قَالَ ابْن بكار) كلمة: فَلَمَّا، مقول ابْن بكار، وَهُوَ سهل
стр. 2566
شيخ البُخَارِيّ، وَلَفظ ابْن بكار مقول البُخَارِيّ. و: كلمة، بِالنّصب مقول ابْن بكار، مَعْنَاهَا: أَي معنى هَذِه الْكَلِمَة أشرف أَي النَّبِي ﷺ على الْمَدِينَة مَعْنَاهُ: قرب مِنْهَا واطلع إِلَيْهَا، وَكَأن البُخَارِيّ شكّ فِي هَذِه اللَّفْظَة، فَقَالَ هَذَا. قَوْله: (قَالَ هَذِه طابة) جَوَاب لما، أَي: قَالَ ﷺ وَأَشَارَ إِلَى الْمَدِينَة بقوله: (هَذِه طابة) ، وَهُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث، وَمَعْنَاهَا الطّيبَة، وسماها رَسُول الله ﷺ بِهَذَا الِاسْم وَكَانَ اسْمهَا يثرب. قَوْله: (فَلَمَّا رأى أحدا) أَي: الْجَبَل الْمُسَمّى بِأحد. قَوْله: (يحبنا ونحبه) ، يَعْنِي: أهل الْجَبَل، وهم الْأَنْصَار لِأَنَّهُ لَهُم، فَيكون مجَازًا كَمَا فِي قَوْله: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (يُوسُف: ٢٨) . وَلَا منع من حَقِيقَته فَلَا حَاجَة إِلَى إِضْمَار فِيهِ، وَقد ثَبت (أَنه ارتج تَحْتَهُ فَقَالَ لَهُ: إثبت، فَلَيْسَ عَلَيْك إلَاّ نَبِي وصديق وشهيدان) . وحن الْجذع الْيَابِس إِلَيْهِ حَتَّى نزل فضمه، وَقَالَ: لَو لم أضمه لحن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَكَلمه الذِّئْب، وَسجد لَهُ الْبَعِير، وَسلم عَلَيْهِ الْحجر، وَكَلمه اللَّحْم المسموم أَنه مَسْمُوم فَلَا يُنكر حب الْجَبَل لَهُ، وَحب النَّبِي ﷺ إِيَّاه لِأَن بِهِ قُبُور الشُّهَدَاء، وَلِأَنَّهُم لجأوا إِلَيْهِ يَوْم أحد وامتنعوا. قَوْله: (أَلا أخْبركُم بِخَير دور الْأَنْصَار؟) كلمة: أَلا، للتّنْبِيه، وَالْخطاب لمن كَانَ مَعَه من الصَّحَابَة، ودور جمع: دَار، نَحْو أَسد وَأسد، وَيُرِيد بِهِ الْقَبَائِل الَّذين يسكنون الدّور، يَعْنِي: الْمحَال. قَوْله: (بني النجار) ، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْجِيم وبالراء: وَهُوَ تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج. قيل: سمي النجار لِأَنَّهُ اختتن بقدوم، وَقيل: بل نجر وَجه رجل بالقدوم فَسُمي النجار. قَوْله: (بني عبد الْأَشْهَل) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن جشم بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج بن عَمْرو، وَهُوَ: النبيت بن مَالك بن الْأَوْس، والأوس أحد جذمي الْأَنْصَار لأَنهم جذمان: الْأَوْس والخزرج، وهما أَخَوان وأمهما: قَبيلَة بنت الأرقم بن عَمْرو بن جَفْنَة. وَقيل: قَبيلَة بنت كَاهِل بن عدي بن سعد بن قضاعة. قَوْله: (بني سَاعِدَة) ، سَاعِدَة بن كَعْب بن الْخَزْرَج. قَوْله: (يَعْنِي خيرا) ، أَي: كَانَ لفظ خيرا محذوفا من كَلَام رَسُول الله ﷺ ، وَلكنه أَرَادَهُ.
قَوْله: (وَقَالَ سُلَيْمَان بن بِلَال) ، أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ مولى عبد الله بن أبي عَتيق، واسْمه: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، وَيُقَال: مولى الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو عَليّ بن خُزَيْمَة فِي (فَوَائده) قَالَ: حَدثنَا أَبُو إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ حَدثنَا أَيُّوب بن سُلَيْمَان، أَي: ابْن بِلَال، حَدثنِي أَبُو بكر بن أبي أويس عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، فَذكره، وأوله: (أَقبلنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى إِذا دنا من الْمَدِينَة أَخذ طَرِيق غراب لِأَنَّهَا أقرب طَرِيق إِلَى الْمَدِينَة، وَترك الْأُخْرَى) فساق الحَدِيث وَلم يذكر أَوله. قَوْله: (حَدثنِي عَمْرو) ، هُوَ عَمْرو بن يحيى الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث. قَوْله: (وَقَالَ سُلَيْمَان) ، هُوَ ابْن بِلَال الْمَذْكُور. قَوْله: (سعيد بن سعيد) ، هُوَ الْأنْصَارِيّ أَخُو يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (عَن عمَارَة) ، بِضَم الْعين ابْن غزيَّة، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الزَّاي وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْمَازِني الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (عَن عَبَّاس) هُوَ عَبَّاس بن سهل وَأَبوهُ سهل ابْن سعد، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْخرص الَّذِي ذكرنَا تَفْسِيره، وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ. فَذهب الزُّهْرِيّ وَعَطَاء وَالْحسن وَعمر بن دِينَار وَعبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق ومروان وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد إِلَى جَوَاز الْخرص فِي النخيل وَالْأَعْنَاب حِين يَبْدُو إصلاحها. وَقَالَ ابْن رشد: جُمْهُور الْعلمَاء على إجَازَة الْخرص فِيهَا، ويخلى بَينهَا وَبَين أَهلهَا يَأْكُلُونَهُ رطبا. وَقَالَ دَاوُد: لَا خرص إلَاّ فِي النخيل فَقَط، وَقَالَ الشَّافِعِي: إذابدا صَلَاح ثمار النّخل وَالْكَرم فقد تعلق وجوب الزَّكَاة بهما وَوَجَب خرصهما للْعلم بِمِقْدَار زكاتهما، فيخرصهما رطبا. وَينظر الخارض كم يصير تَمرا، ثمَّ يخبر رب المَال فِيهَا، فَإِن شَاءَ كَانَت مَضْمُونَة فِي يَده وَله التَّصَرُّف فِيهَا، فَإِذا تصرف فِيهَا ضمنهَا، وَيُسْتَفَاد بالخرص الْعلم بِقدر الزَّكَاة فِيهَا واستباحة رب المَال التَّصَرُّف فِي الثَّمَرَة، بِشَرْط الضَّمَان. قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: وَبِه قَالَ أَبُو بكر، وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: وَهُوَ سنة فِي الرطب وَالْعِنَب، وَلَا خرص فِي الزَّرْع، وَهُوَ قَول أَحْمد. وَذكر ابْن بزيزة، قَالَ الْجُمْهُور: يَقع الْخرص فِي النّخل وَالْكَرم.
وَاخْتلف مَذْهَب مَالك: هَل يخرص الزَّيْتُون أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ: الْجَوَاز قِيَاسا على الْكَرم، وَالْمَنْع لوَجْهَيْنِ: الأول: لِأَن أوراقه تستره. وَالثَّانِي: أَن أَهله لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَن يأكلوه رطبا، فَلَا معنى لخرصه وَقد اخْتلفُوا هَل هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ، فَحكى الضميري عَن الشَّافِعِيَّة وَجها بِوُجُوبِهِ، وَقَالَ الْجُمْهُور: هُوَ مُسْتَحبّ إلَاّ أَن تعلق بِهِ حق لمحجور مثلا، أَو كَانَ شركاؤه غير مؤتمنين، فَيجب لحفظ مَال الْغَيْر. وَاخْتلفُوا أَيْضا: هَل يخْتَص بِالنَّخْلِ أَو يلْحق بِهِ الْعِنَب أَو يعم كل مَا ينْتَفع بِهِ رطبا وجافا؟ وبالأول قَالَ
стр. 2567
شُرَيْح القَاضِي وَبَعض الظَّاهِرِيَّة. وَالثَّانِي: قَول الْجُمْهُور، وَإِلَى الثَّالِث نحى البُخَارِيّ، وَهل يمْضِي قَول الخارص أَو يرجع مَا آل إِلَيْهِ الْحَال بعد الْجَفَاف؟ الأول: قَول مَالك وَطَائِفَة. وَالثَّانِي: قَول الشَّافِعِي وَمن تبعه. وَهل يَكْفِي خارص وَاحِد عَارِف ثِقَة أم لَا بُد من اثْنَيْنِ؟ وهما قَولَانِ للشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور على الأول، وَاخْتلف أَيْضا هَل هُوَ اعْتِبَار أَو تضمين، وهما قَولَانِ للشَّافِعِيّ أظهرهمَا الثَّانِي، وَفَائِدَته جَوَاز التَّصَرُّف فِي جَمِيع الثَّمَرَة، وَلَو أتلف الْمَالِك الثَّمَرَة بعد الْخرص أخذت مِنْهُ الزَّكَاة بِحِسَاب مَا خرص.
وَاخْتلفُوا فِي الْخرص هَل هُوَ شَهَادَة أَو حكم؟ فَإِن كَانَ شَهَادَة لم يكتف بخارص وَاحِد، وَإِن كَانَ حكما اكْتفى بِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي الْقَائِف والطبيب يشْهد فِي الْعُيُوب، وحاكم الْجَزَاء فِي الصَّيْد، وَاخْتلفُوا: هَل يُحَاسب أَصْحَاب الزَّرْع وَالثِّمَار بِمَا أكلُوا قبل التصفية والجذاذ أم لَا؟ وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا: هَل يُؤْخَذ قدر العواري والضيف وَمَا فِي مَعْنَاهُ أم لَا؟ وَاخْتلفُوا أَيْضا إِذا غلط الخارص.
ومحصل الْأَمر فِيهِ أَنه: إِن لم يكن من أهل الْمعرفَة بالخرص فالرجوع إِلَى الْخَارِج لَا إِلَى قَوْله، وَإِن كَانَ من أهل الْمعرفَة ثمَّ تبين أَنه أَخطَأ فَهَل يُؤْخَذ بقوله أَو بِمَا تبين؟ فِيهِ خلاف على اخْتلَافهمْ فِي الْمُجْتَهد يخطيء هَل ينْقض حكمه أم لَا؟ قَالَ ابْن قدامَة: وَيلْزم الخارص أَن يتْرك الثُّلُث أَو الرّبع فِي الْخرص توسعة على أَرْبَاب الْأَمْوَال، وَبِه قَالَ إِسْحَاق وَاللَّيْث لحَدِيث سهل بن أبي خَيْثَمَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا خرصتم فَخُذُوا ودعوا الثُّلُث فَإِن لم تدعوا الثُّلُث فدعوا الرّبع، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَاسْتدلَّ من يرى الْخرص فِي النّخل وَالْكَرم بِمَا رَوَاهُ ابْن الْمسيب عَن عتاب بن أسيد، قَالَ: (أَمر رَسُول الله ﷺ أَن يخرص الْعِنَب كَمَا يخرص النّخل، وَتُؤْخَذ زَكَاته زبيبا كَمَا تُؤْخَذ صَدَقَة النّخل تَمرا) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: الدَّلِيل على جَوَاز الْخرص وُرُود السّنة قولا وفعلاً وامتثالاً: أما القَوْل فَحَدِيث عتاب، وَأما الْفِعْل فَحَدِيث البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَأما الِامْتِثَال فَمَا رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَهُ خراصون، كَأَنَّهُ يَعْنِي مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ النَّبِي ﷺ يبْعَث عبد الله بن رَوَاحَة إِلَى يهود فيخرص حِين يطيب قبل أَن يُؤْكَل. وَعَن ابْن عمر فِي (صَحِيح ابْن حبَان) : أَن رَسُول الله ﷺ غلب أهل خَيْبَر على الأَرْض وَالزَّرْع وَالنَّخْل فَصَالَحُوهُ، وَفِيه: فَكَانَ ابْن رَوَاحَة يَأْتِيهم فيخرصها عَلَيْهِم ثمَّ يضمنهم الشّطْر. وَفِي (المُصَنّف) بِسَنَد صَحِيح عَن جَابر قَالَ: خرصها عَلَيْهِم ابْن رَوَاحَة يَعْنِي: خيبرا أَرْبَعِينَ ألف وسق.
وَاسْتدلَّ من يرى الْخرص مُطلقًا فِي النخيل وَغَيره بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَعْفَر بن برْقَان عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ حِين افْتتح خَيْبَر الحَدِيث، وَفِيه: (فَلَمَّا كَانَ حِين يصرم النّخل بعث إِلَيْهِم ابْن رَوَاحَة فحرز النّخل، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أهل الْمَدِينَة الْخرص) . الحَدِيث. وَبِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الصائت بن زبيد عَن أَبِيه عَن جده: (أَن رَسُول الله ﷺ اسْتَعْملهُ على الْخرص، فَقَالَ: اثْبتْ لنا النّصْف وأبقِ لَهُم النّصْف فَإِنَّهُم يسرفون، وَلَا تصل إِلَيْهِم) الحَدِيث.
وَقَالَ الشّعبِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: الْخرص مَكْرُوه. وَقَالَ الشّعبِيّ: الْخرص بِدعَة. وَقَالَ الثَّوْريّ خرص الثِّمَار لَا يجوز. وَفِي (أَحْكَام ابْن بزيزة) : قَالَ أَبُو حنيفَة وصاحباه: الْخرص بَاطِل. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: احْتج أَبُو حنيفَة بِمَا رَوَاهُ جَابر مَرْفُوعا: (نهى عَن الْخرص) ، وَبِمَا رَوَاهُ جَابر بن سَمُرَة: (أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن بيع كل ثَمَرَة بخرص) ، وَبِأَنَّهُ تخمين، وَقد يخطىء، وَلَو جَوَّزنَا لجوزنا خرص الزَّرْع، وخرص الثِّمَار بعد جذاذها أقرب إِلَى الإبصار من خرص مَا على الأشحار، فَلَمَّا لم يجز فِي الْقَرِيب لم يجز فِي الْبعيد، وَلِأَنَّهُ تضمين رب المَال بِقدر الصَّدَقَة، وَذَلِكَ غير جَائِز لِأَنَّهُ بيع رطب بِتَمْر، وَأَنه بيع حَاضر بغائب، وَأَيْضًا فَهُوَ من الْمُزَابَنَة الْمنْهِي عَنْهَا وَهُوَ بيع التَّمْر فِي رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ كَيْلا، وَهُوَ أَيْضا من: بَاب بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة، فيدخله الْمَنْع بَين التَّفَاضُل وَبَين النَّسِيئَة. وَقَالُوا: الْخرص مَنْسُوخ بنسخ الرِّبَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: أنكر أَصْحَاب الرَّأْي الْخرص، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا كَانَ يفعل تخويفا للمزارعين لِئَلَّا يخونوا، لَا ليلزم بِهِ الحكم، لِأَنَّهُ تخمين وغرور، أَو كَانَ يجوز قبل تَحْرِيم الرِّبَا والقمار ثمَّ تعقبه الْخطابِيّ بِأَن تَحْرِيم الرِّبَا وَالْميسر مُتَقَدم، والخرص عمل بِهِ فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ حَتَّى مَاتَ ثمَّ أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَمن بعدهمْ، وَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم وَلَا من التَّابِعين تَركه إلَاّ الشّعبِيّ، قَالَ: وَأما قَوْلهم إِنَّه تخمين وغرور فَلَيْسَ، كَذَلِك، بل هُوَ اجْتِهَاد فِي معرفَة مِقْدَار التَّمْر وإدراكه بالخرص الَّذِي هُوَ نوع من الْمَقَادِير. قلت: قَوْله: تَحْرِيم الرِّبَا وَالْميسر مُتَقَدم، يحْتَاج إِلَى معرفَة التَّارِيخ، وَعِنْدنَا مَا يدل على صِحَة النّسخ
стр. 2568
وَهُوَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث جَابر: (أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الْخرص، وَقَالَ: أَرَأَيْتُم إِن هلك التَّمْر أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يَأْكُل مَال أَخِيه بِالْبَاطِلِ؟) والحظر بعد الْإِبَاحَة عَلامَة النّسخ. وَقَوله: والخرص عمل بِهِ ... إِلَى قَوْله: إلَاّ الشّعبِيّ، مُسلم لكنه لَيْسَ على الْوَجْه الَّذِي ذَكرُوهُ، وَإِنَّمَا وَجهه أَنهم فعلوا ذَلِك ليعلم مِقْدَار مَا فِي أَيدي النَّاس من الثِّمَار فَيُؤْخَذ مثله بِقَدرِهِ فِي أَيَّام الصرام لَا أَنهم يملكُونَ شَيْئا مَا يجب لله فِيهِ بِبَدَل لَا يَزُول ذَلِك الْبَدَل. وَأما قَوْلهم: إِنَّه تخمين ... إِلَى آخِره، لَيْسَ بِكَلَام موجه لِأَنَّهُ لَا شكّ أَنه تخمين وَلَيْسَ بتحقيق، وعيان، وَكَيف يُقَال لَهُ: هُوَ اجْتِهَاد، والمجتهد فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة قد يخطىء؟ فَفِي مثل هَذَا أَجْدَر بالْخَطَأ، ثمَّ الْجَواب عَن حَدِيث الْبَاب أَنه ﷺ أَرَادَ بذلك معرفَة مِقْدَار مَا فِي نخل تِلْكَ الْمَرْأَة خَاصَّة، ثمَّ يَأْخُذ مِنْهَا الزَّكَاة وَقت الصرام على حسب مَا تجب فِيهَا، وَأَيْضًا فقد خرص حديقتها وأمرها أَن تحصي، وَلَيْسَ فِيهِ أَنه جعل زَكَاته فِي ذمَّتهَا وأمرها أَن تتصرف فِي ثَمَرهَا كَيفَ شَاءَت، وَإِنَّمَا كَانَ يفعل ذَلِك تخويفا لِئَلَّا يخونوا، وَأَن يعرفوا مِقْدَار مَا فِي النّخل ليأخذوا الزَّكَاة وَقت الصرام هَذَا معنى الْخرص، فَأَما أَنه يلْزم بِهِ حكم شَرْعِي، فَلَا.
وَأما حَدِيث عتاب بن أسيد، فَإِن الَّذِي رَوَاهُ سعيد بن الْمسيب، فعتاب توفّي سنة ثَلَاث عشرَة وَسَعِيد ولد فِي سنة خمس عشرَة، وَقيل: سنة عشْرين، وَقَالَ أبي: عَليّ بن السكن لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ من وَجه غير هَذَا، وَهُوَ من رِوَايَة عبد الله بن نَافِع عَن مُحَمَّد بن صَالح عَن ابْن شهَاب عَن سعيد، وَكَذَا رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ، وَخَالَفَهُمَا صَالح بن كيسَان فَرَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد: أَن النَّبِي ﷺ أَمر عتابا، وَلم يقل: عَن عتاب، وَسُئِلَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة الرازيان فِيمَا ذكره أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ عَنهُ، فَقَالَا: هُوَ خطأ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: الصَّحِيح: عَن سعيد أَن النَّبِي ﷺ ... مُرْسلا. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: الصَّحِيح عِنْدِي: عَن الزُّهْرِيّ: أَن النَّبِي ﷺ ... وَلَا أعلم أحدا تَابع عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق فِي هَذِه الرِّوَايَة. فَإِن قلت: زعم الدَّارَقُطْنِيّ أَن الْوَاقِدِيّ رَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْعَزِيز عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد عَن الْمسور بن مخرمَة عَن عتاب، قَالَ: أَمر رَسُول الله ﷺ أَن يخرص أعناب الثقيف كخرص النّخل، ثمَّ يُؤدى زبيبا كَمَا تُؤَدّى زَكَاة النّخل تَمرا، فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ انْقِطَاع؟ قلت: سُبْحَانَ الله، إِذا كَانَ الْوَاقِدِيّ فِيمَا يحتجون بِهِ يسكتون عَنهُ، وَإِذا كَانَ فِيمَا يحْتَج بِهِ عَلَيْهِم يشنعون بأنواع الطعْن، وَمَعَ هَذَا قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: لم يَصح حَدِيث سعيد، وَلَا حَدِيث سهل بن أبي خَيْثَمَة، وَلَا فِي الْخرص حَدِيث صَحِيح إلَاّ حَدِيث البُخَارِيّ. قَالَ: ويليه حَدِيث ابْن رَوَاحَة.
قلت: قد مر الْجَواب عَن حَدِيث البُخَارِيّ، وَأما حَدِيث ابْن رَوَاحَة الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة فَفِي إِسْنَاده رجل مَجْهُول، لِأَن أَبَا دَاوُد قَالَ: حَدثنَا يحيى بن معِين أخبرنَا حجاج عَن ابْن جريج، قَالَ: أخْبرت عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت، وَهِي تذكر شَأْن خَيْبَر: كَانَ النَّبِي ﷺ يبْعَث عبد الله بن رَوَاحَة إِلَى يهود فيخرص النّخل حَتَّى يطيب قبل أَن يُؤْكَل مِنْهُ. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَحَدِيث الصَّلْت بن زبيد الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا، فداخل تَحت قَول ابْن الْعَرَبِيّ: وَلَا فِي الْخرص حَدِيث صَحِيح، وَيُقَال: إِن قصَّة خَيْبَر مَخْصُوصَة لِأَن الأَرْض أرضه وَالْعَبِيد عبيده، فَأَرَادَ ﷺ أَن يعلم مَا بِأَيْدِيهِم من الثِّمَار فَيتْرك لَهُم مِنْهَا قدر نفقاتهم، وَلِأَنَّهُ ﷺ أقرهم مَا أقرهم الله، فَلَو كَانَ على وَجه الْمُسَاقَاة لوَجَبَ ضرب الْأَجَل وَالتَّقْيِيد بِالزَّمَانِ، لِأَن الْإِجَارَة المجهولة مُحرمَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ الَّذين لَا يرَوْنَ بالخرص: أَن لَيْسَ فِي شَيْء من الْآثَار الَّتِي وَردت فِيهِ أَن الثَّمَرَة كَانَت رطبا فِي وَقت مَا خرصت، وَكَيف يجوز أَن يكون رطبا حِينَئِذٍ فَيجْعَل لصَاحِبهَا حق الله فِيهَا بكيله ذَلِك تَمرا يكون عَلَيْهِ نسيئه؟ وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع التَّمْر فِي رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ كَيْلا، وَنهى عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة، وَقد يجوز أَن يُصِيب الثَّمَرَة بعد ذَلِك آفَة فتتلفها، أَو نَار فتحرقها، فَيكون مَا يُؤْخَذ من صَاحبهَا بَدَلا من حق الله مأخوذا مِنْهُ بَدَلا مِمَّا لم يسلم لَهُ، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الْقَائِلين بِهِ لَا يضمنُون أَرْبَاب الْأَمْوَال مَا تلف بعد الْخرص. قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع من يحفظ عَنهُ الْعلم أَن المخروص إِذا أَصَابَته جَائِحَة قبل الْجذاذ فَلَا ضَمَان. قلت: إِذا لم يكن ضَمَان بعد تلف المخروص فَلَا فَائِدَة فِي الْخرص حِينَئِذٍ، وَالْأَظْهَر عِنْد الشَّافِعِي: أَن الْخرص تضمين حَتَّى لَو أتلف الْمَالِك الثَّمَرَة بعد الْخرص أخذت مِنْهُ الزَّكَاة بِحِسَاب مَا خرص، فَإِذا كَانَ نفس الْخرص تضمينا يَنْبَغِي أَن لَا يُفَارق الْأَمر بَين التّلف والإتلاف، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لم يثبت عَنهُ ﷺ خرص النّخل إلَاّ على الْيَهُود، لأَنهم كَانُوا شُرَكَاء وَكَانُوا غير أُمَنَاء، وَأما الْمُسلمُونَ فَلم يخرص عَلَيْهِم.
стр. 2569
وَمن الَّذِي يُسْتَفَاد من حَدِيث الْبَاب: ظُهُور معْجزَة النَّبِي ﷺ فِي إخْبَاره عَن الرّيح الَّتِي تهب، وَمَا ذكر فِي تِلْكَ الْقِصَّة. وَفِيه: تدريب الأتباع وتعليمهم وَأخذ الحذر مِمَّا يتَوَقَّع الْخَوْف مِنْهُ. وَفِيه: فضل الْمَدِينَة. وَفِيه: فضل أحد. وَفِيه: فضل الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَفِيه: قبُول هَدِيَّة الْكفَّار. وَفِيه: جَوَاز الإهداء لملك الْكفَّار وَجَوَاز إقطاع أَرض لَهُم. وَفِيه: أَن الْمُخَالفَة لما قَالَه الرَّسُول تورث شدَّة وبلاء.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهْوَ حدِيقَةٌ وَما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ أَبُو عبيد الله، هُوَ الْقَاسِم بن سَلام الإِمَام الْمَشْهُور صَاحب (الْغَرِيب) وَقد ذكر هَذَا فِيهِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب.
٥٥ - (بابُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وبِالمَاءِ الجَارِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أَخذ العُشر فِي الأَرْض الَّتِي تسقى من مَاء السَّمَاء وَهُوَ الْمَطَر. قَوْله: (وَالْمَاء الْجَارِي) أَي: وَمن الَّذِي يسقى بِالْمَاءِ الْجَارِي، وَإِنَّمَا اخْتَار لفظ: المَاء الْجَارِي، وَالْحَال أَن الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب هُوَ الْعُيُون لعمومه وشموله الْعُيُون والأنهار، وَهَذَا كَمَا وَقع فِي (سنَن أبي دَاوُد) : (فِيمَا سقت السَّمَاء والأنهار والعيون) الحَدِيث.
ولَمْ يَرَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي العَسَلِ شَيْئا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْعَسَل فِيهِ جَرَيَان، وَمن طبعه الانحدار فيناسب المَاء من هَذِه الْجِهَة. وَقيل: الْمُنَاسبَة فِيهِ من جِهَة أَن الحَدِيث يدل على أَن لَا عشر فِيهِ لِأَنَّهُ خص الْعشْر أَو نصفه بِمَا يسقى، فأفهم أَن مَا لَا يسقى لَا يعشر، وَفِيه نظر، لِأَن مَا لَا يعسر مِمَّا لَا يسقى كثير، فَمَا وَجه ذكر الْعَسَل؟ وَقيل: إِدْخَاله الْعَسَل فِيهِ للتّنْبِيه على الْخلاف فِيهِ، وَأَنه لَا يرى فِيهِ زَكَاة، وَإِن كَانَت النَّحْل تغتذي مِمَّا يسقى من السَّمَاء. قلت: هَذَا أبعد من الأول على مَا لَا يخفى على المتأمل.
وَهَذَا الْموضع يحْتَاج إِلَى بَيَان مَا ورد فِيهِ من الْأَخْبَار، وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْأَئِمَّة، فَنَقُول بحول الله وقوته وتوفيقه.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي زَكَاة الْعَسَل، حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي حَدثنَا عَمْرو بن أبي سَلمَة التنيسِي عَن صَدَقَة بن عبد الله عَن مُوسَى ابْن يسَار عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (فِي الْعَسَل فِي كل عشرَة أزق زق) . ثمَّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سيارة المنعي، وَعبد الله بن عَمْرو، قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث ابْن عمر فِي إِسْنَاده مقَال، وَلَا يَصح عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْبَاب كثير شَيْء، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم، وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: لَيْسَ فِي الْعَسَل شَيْء. انْتهى. قلت: انْفَرد التِّرْمِذِيّ بِحَدِيث ابْن عمر هَذَا، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى أهل الْيمن أَن يُؤْخَذ من الْعَسَل الْعشْر) ، وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن الْمُحَرر، بتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة وتكرارها، وَهُوَ مَتْرُوك. قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِثِقَة، وَقَالَ أَحْمد: ترك النَّاس حَدِيثه، وَقَالَ الْجوزجَاني: هَالك، وَقَالَ ابْن حبَان: من خِيَار عباد الله إلَاّ أَنه كَانَ يكذب وَلَا يعلم، ويقلب الْأَخْبَار وَلَا يفهم. وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدِيث أبي سيار المنعي، قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله إِن لي نخلا! قَالَ: إِذن تعشر؟ قلت: إحم لي جبلة، فحماه لي) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ: وَهَذَا أصح مَا رُوِيَ فِي وجوب الْعشْر فِيهِ، وَهُوَ مُنْقَطع. قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا فَقَالَ: حَدِيث مُرْسل، وَإِنَّمَا قَالَ: مُرْسل، لِأَن فِيهِ سُلَيْمَان بن مُوسَى يروي عَن أبي سيارة، وَسليمَان لم يُدْرِكهُ، وَلَا أحدا من الصَّحَابَة، وَأَبُو سيارة المتعي اسْمه: عميرَة بن الأعلم، وَقيل: عُمَيْر بن الأعلم، ذكره أَبُو عمر فِي (كتاب الْأَنْسَاب) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: جَاءَ أحد بني متعان إِلَى رَسُول الله ﷺ بعشور بِحل لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَن يحمي وَاديا يُقَال لَهُ: سلبة، فحمى لَهُ رَسُول الله، ﷺ ، ذَلِك الْوَادي، فَلَمَّا ولي عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتب سُفْيَان بن وهب إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يسْأَله عَن ذَلِك؟ فَكتب عمر، رَضِي الله
стр. 2570
تَعَالَى عَنهُ: إِن أدّى إِلَيْك مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، من عشور نحله فَاحم لَهُ سلبة، وإلَاّ فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَاب غيث يَأْكُلهُ من شَاءَ. وسلبة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَاللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة، كَذَا قَيده الْبكْرِيّ.
وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَوَقع فِي سَمَاعنَا من السّنَن، بِسُكُون اللَّام، وَقَالَ شَيخنَا أَيْضا: حكى التِّرْمِذِيّ عَن أَكثر أهل الْعلم وجوب الزَّكَاة فِي الْعَسَل، وسمى مِنْهُم: أَحْمد وَإِسْحَاق، وَفِيه نظر، فَإِن الَّذين لم يَقُولُوا بِالْوُجُوب: مَالك وَالشَّافِعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح بن حَيّ وَأَبُو بكر بن الْمُنْذر وَدَاوُد، وَبِه قَالَ من الصَّحَابَة: عبد الله بن عمر، وَمن التَّابِعين: الْمُغيرَة بن حَكِيم وَعمر بن عبد الْعَزِيز. وَقَالَ: وَفرق أَبُو حنيفَة بَين أَن يكون النَّحْل فِي أَرض الْعشْر وَبَين أَن يكون فِي أَرض الْخراج، فَإِن كَانَ فِي أَرض الْعشْر فَفِيهِ الزَّكَاة، وَإِن كَانَ فِي أَرض الْخراج فَلَا زَكَاة فِيهِ، قل أَو كثر. وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن أبي حنيفَة أَنه إِذا كَانَ فِي أَرض الْعشْر فَفِي قَلِيل الْعَسَل وَكَثِيره الْعشْر، وَحكى عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد أَنه لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق من الْعَسَل عشر، وَحكى ابْن حزم عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا بلغ الْعَسَل عشرَة أَرْطَال فَفِيهِ رَطْل وَاحِد، وَكَذَا مَا زَاد فَفِيهِ الْعشْر، والرطل هُوَ الفلفلي. قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: إِذا بلغ الْعَسَل خَمْسَة أفراق فَفِيهِ الْعشْر، وإلَاّ فَلَا. قَالَ: وَالْفرق سِتَّة وَثَلَاثُونَ رطلا فلفلية. وَحكى صَاحب (الْهِدَايَة) عَن أبي يُوسُف: أَنه يعْتَبر فِيهِ الْقيمَة كَمَا هُوَ أَصله، وَعنهُ: أَنه لَا شَيْء فِيهِ حَتَّى يبلغ عشر قرب، وَعنهُ: خَمْسَة أُمَنَاء. قلت: تَحْقِيق مَذْهَبنَا فِيهِ أَن عِنْد أبي حنيفَة: يجب فِي قَلِيله وَكَثِيره لِأَنَّهُ لَا يشْتَرط النّصاب فِي الْعشْر، وَعَن أبي يُوسُف: إِذا بلغت قِيمَته خَمْسَة أوساق، وَعنهُ أَنه قدره بِعشْرَة أَرْطَال، قَالَ فِي (الْمَبْسُوط) : وَهِي رِوَايَة الأمالي، وَهِي: خَمْسَة أُمَنَاء. وَعنهُ أَنه اعْتبر فِيهِ عشر قرب، وَعَن مُحَمَّد ثَلَاث رِوَايَات إِحْدَاهَا: خمس قرب، والقربة خَمْسُونَ منا، ذكره فِي (الْيَنَابِيع) وَفِي (الْمُغنِي) : الْقرْبَة مائَة رَطْل. وَالثَّانيَِة: خَمْسَة أُمَنَاء. وَالثَّالِثَة: خَمْسَة أَوَاقٍ. وَقَالَ السَّرخسِيّ: وَهِي تسعون منا.
واحتجت أَصْحَابنَا بِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عبد الله ابْن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ : أَنه أَخذ من الْعَسَل الْعشْر، وبرواية أبي دَاوُد أَيْضا عَن عَمْرو بن شُعَيْب، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَبِمَا رَوَاهُ الْقُرْطُبِيّ أَيْضا عَنهُ عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن حَده: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُؤْخَذ فِي زَمَانه من قرب الْعَسَل من كل عشر قرب قربَة من أوسطها. قَالَ: هُوَ حَدِيث حسن. وَبِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن ابْن عمر، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، ﷺ ، كتب إِلَى أهل الْيمن أَن يُؤْخَذ عَن الْعَسَل الْعشْر، ذكره فِي (الإِمَام) . فَإِن قلت: ذكرُوا عَن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ عَن الْعَسَل فِي الْيمن؟ قَالَ: لم أومر فِيهِ بِشَيْء. قلت: لَا يلْزم من عدم أَمر معَاذ أَن لَا يجب فِيهِ الْعشْر، وَإِثْبَات أبي هُرَيْرَة مقدم على نفي أَمر معَاذ. وَبِمَا رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي ذئاب عَن أَبِيه: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أمره فِي الْعَسَل بالعشر) ، رَوَاهُ الْأَثْرَم، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي (مُسْنده) وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ. قَالَ الشَّافِعِي: أخبرنَا أنس بن عِيَاض عَن الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذئاب عَن أَبِيه (عَن سعد بن أبي ذئاب، قَالَ: قدمت على رَسُول الله ﷺ فَأسْلمت، ثمَّ قلت: يَا رَسُول الله إجعل لقومي مَا أَسْلمُوا عَلَيْهِ من أَمْوَالهم، فَفعل رَسُول الله ﷺ واستعملني عَلَيْهِم، ثمَّ استعملني أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: وَكَانَ سعد من أهل السراة، قَالَ: تَكَلَّمت قومِي فِي الْعَسَل فَقلت زَكَاة فَإِنَّهُ لَا خير فِي ثَمَرَة لَا تزكّى، فَقَالُوا: كم؟ قَالَ: قلت: الْعشْر، فَأخذت مِنْهُم الْعشْر وأتيت عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ، قَالَ: فَقَبضهُ عمر فَبَاعَهُ ثمَّ جعل ثمنه فِي صدقَات الْمُسلمين) . وَبِمَا رَوَاهُ عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِيّ، قَالَ لعمر: إِن عندنَا وَاديا فِيهِ عسل كثير، فَقَالَ: عَلَيْهِم فِي كل عشرَة أفراق فرق، ذكره حميد بن زَنْجوَيْه فِي (كتاب الْأَمْوَال) وَقَالَ الْأَثْرَم: قلت لِأَحْمَد: أَخذ عمر الْعشْر من الْعَسَل كَانَ على أَنهم تطوعوا بِهِ، قَالَ: لَا بل أَخذه مِنْهُم حَقًا. فَإِن قلت: فقد رُوِيَ عَن عبد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: لَيْسَ فِي الْخَيل وَلَا فِي الرَّقِيق وَلَا فِي الْعَسَل صَدَقَة؟ قلت: الْعمريّ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. فَإِن قلت: قَالَ البُخَارِيّ: لَيْسَ فِي زَكَاة الْعَسَل حَدِيث يَصح؟ قلت: هَذَا لَا يقْدَح مَا لم يبين عِلّة الحَدِيث والقادح فِيهِ، وَقد رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو دَاوُد، وَلم يتَكَلَّم عَلَيْهِ، فَأَقل حَاله أَن يكون حسنا وَهُوَ حجَّة، وَلَا يلْزمنَا قَول البُخَارِيّ لِأَن الصَّحِيح لَيْسَ مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَكم من حَدِيث صَحِيح
стр. 2571
لم يُصَحِّحهُ البُخَارِيّ، وَلِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَونه غير صَحِيح أَن لَا يحْتَج بِهِ، فَإِن الْحسن، وَإِن لم يبلغ دَرَجَة الصَّحِيح، فَهُوَ يحْتَج بِهِ، وَلِأَن النَّحْل تتَنَاوَل من الْأَنْوَار وَالثِّمَار وفيهَا الْعشْر.
٣٨٤١ - حدَّثنا سعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبرنِي يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عَن الزُّهْرِيِّ عَن سالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ أوْ كانَ عَثَرِيا العُشْرُ ومَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِيمَا سقت السَّمَاء) ، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ يروي عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والخديث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة أَيْضا عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي عَن ابْن وهب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ عَن سعيد بن أبي مَرْيَم بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِيهِ عَن هَارُون بن سعيد بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِيمَا سقت السَّمَاء) أَي: الْمَطَر لِأَنَّهُ ينزل مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ (الْفرْقَان: ٨٤) . وَهُوَ من قبيل ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. قَوْله: (أَو كَانَ عثريا) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة المخففة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ مَا يشرب بعروقه من غير سقِِي، قَالَه الْخطابِيّ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَهُوَ مَا يسيل إِلَيْهِ مَاء الْمَطَر وتحمله إِلَيْهِ الْأَنْهَار، سمي بذلك لِأَنَّهُ يكسر حوله الأَرْض ويعثر جريه إِلَى أصُول النّخل بِتُرَاب هُنَاكَ يرْتَفع، وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : قيل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يصنع لَهُ شبه الساقية يجْتَمع فِيهِ المَاء من الْمَطَر إِلَى أُصُوله، وَيُسمى ذَلِك: العاثور، وَفِي (المغيث) لأبي مُوسَى: هُوَ الَّذِي يشرب بعروقه من مَاء يجْتَمع فِي حفير، وَسمي بِهِ لِأَن الْمَاشِي يتعثر فِيهِ، وَقَالَ ابْن فَارس: العثري مَا سقِِي من النّخل سيحا، وَكَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي وَصَاحب (الْجَامِع) و (الْمُنْتَهى) وَلَفظ الحَدِيث يرد عَلَيْهِم لِأَنَّهُ عطف العثري على قَوْله: (فِيمَا سقت السَّمَاء والعيون) والمعطوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، وَالصَّوَاب مَا قَالَه الْخطابِيّ. وَقَالَ الهجري: يجوز فِيهِ تَشْدِيد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَحَكَاهُ ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) عَن ابْن الْأَعرَابِي، ورده ثَعْلَب. وَفِي (الْمثنى والمثلث) لِابْنِ عديس: فِيهِ ضم الْعين وَفتحهَا وَإِسْكَان الثَّاء. قلت: هُوَ مَنْسُوب إِلَى العثر، بِسُكُون الثَّاء، لَكِن الْحَرَكَة من تغييرات النّسَب. قَوْله: (الْعشْر) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (فِيمَا سقت السَّمَاء) ، تَقْدِيره: الْعشْر وَاجِب، أَو: يجب فِيمَا سقت السَّمَاء. قَوْله: (أَو كَانَ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى لفظ: مسقي مُقَدّر تَقْدِيره: أَو كَانَ المسقي عثريا، وَدلّ على ذَلِك قَوْله: (فِيمَا سقت) . قَوْله: (وَفِيمَا سقِِي بالنضح) تَقْدِيره: وَفِيمَا سقِِي بالنضح (نصف الْعشْر) أَي: يجب أَو وَاجِب، و: النَّضْح، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: وَهُوَ مَا سقِِي بالسواني، وَقَالَ بَعضهم: النَّضْح مَا سقِِي بالدوالي والرشاء، والنواضح الْإِبِل الَّتِي يستقى عَلَيْهَا، وأحدها: نَاضِح، وَالْأُنْثَى: ناضحة، وَقَالَ بَعضهم: بالنضح أَي: بالسانية، وَهِي رِوَايَة مُسلم. قلت: رِوَايَة مُسلم عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَفظه: (أَنه سمع النَّبِي ﷺ قَالَ: فِيمَا سقت الْأَنْهَار والغيم الْعشْر، وَفِيمَا سقِِي بالسانية نصف الْعشْر) . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفظه: قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (فِيمَا سقت السَّمَاء والأنهار والعيون أَو كَانَ بعلاً الْعشْر، وَفِيمَا سقِِي بالسواني والنضح نصف الْعشْر) . قَوْله: (أَو كَانَ بعلاً) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره لَام: وَهُوَ مَا يشرب من النّخل بعروقه من الأَرْض من غير سقِِي سَمَاء وَلَا غَيرهَا والسواني: جمع سانية، وَهِي النَّاقة الَّتِي يستقى عَلَيْهَا. وَقيل: السانية الدَّلْو الْعَظِيمَة، والأنهار الَّتِي تستقى بهَا، والنضح قد مر تَفْسِيره. فَإِن قلت: قد علمت أَن النَّضْح هُوَ السانية، فَكيف وَجه رِوَايَة أبي دَاوُد بالسواني أَو النَّضْح؟ قلت: الظَّاهِر أَن هَذَا شكّ من الرَّاوِي بَين السواني والنضح، أَرَادَ أَن لفظ الحَدِيث أما فِيمَا سقِِي بالسواني، وَأما فِيمَا سقِِي بالنضح، وَأما الْعشْر، فقد قَالَ ابْن بزيزة فِي (شرح الْأَحْكَام) : وَهُوَ بِضَم الْعين والشين وسكونها، وَمِنْهُم من يَقُول: العشور، بِفَتْح الْعين وَضمّهَا أَيْضا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَأكْثر الروَاة بِفَتْح الْعين، وَهُوَ اسْم للقدر الْمخْرج. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الْعشْر، بِضَم الْعين وَسُكُون الشين، وَيجمع على: عشور، قَالَ: وَالْحكمَة فِي فرض الْعشْر أَنه يكْتب بِعشْرَة أَمْثَاله، فَكَأَن الْمخْرج للعشر تصدق بِكُل مَاله. فَافْهَم.
стр. 2572
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: بِظَاهِر الحَدِيث الْمَذْكُور أَخذ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ ﷺ لم يقدر فِيهِ مِقْدَارًا، فَدلَّ على وجوب الزَّكَاة فِي كل مَا يخرج من الأَرْض قل أَو كثر. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث مُجمل يفسره قَوْله ﷺ : (لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة) . قلت: لَا نسلم أَنه مُجمل، فَإِن الْمُجْمل مَا لَا يعرف المُرَاد بصيغته لَا بِالتَّأَمُّلِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَهَذَا الحَدِيث عَام فَإِن كلمة: مَا، من أَلْفَاظ الْعُمُوم. فَإِن قلت: سلمنَا أَنه عَام، وَلَكِن الحَدِيث الْمَذْكُور خصصه؟ قلت: إِجْرَاء الْعَام على عُمُومه أولى من التَّخْصِيص لِأَن فِيهِ إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله الْعَام أَن يكون مرَادا، وَلَو صلح هَذَا الحَدِيث أَن يكون مُخَصّصا أَو مُفَسرًا لحَدِيث الْبَاب لصلح حَدِيث مَا عز أَن يكون مُخَصّصا أَو مُفَسرًا لحَدِيث أنيس فِي الْإِقْرَار بِالزِّنَا، فَحِينَئِذٍ يحمل قَوْله ﷺ على أَن المُرَاد بِالصَّدَقَةِ هِيَ الزَّكَاة، وَهِي زَكَاة التِّجَارَة بِقَرِينَة عطفها على زَكَاة الْإِبِل وَالْوَرق، إِذْ الْوَاجِب فِي الْعرُوض والنقود وَاحِد، وَهُوَ الزَّكَاة. وَكَانُوا يتبايعون بالأوساق، وَقِيمَة الْخَمْسَة أوساق كَانَت مِائَتي دِرْهَم فِي ذَلِك الْوَقْت غَالِبا، فأدير الحكم على ذَلِك.
وَاعْلَم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب على تِسْعَة أَقْوَال:
الأول: قَول أبي حنيفَة، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَاحْتج بِظَاهِر الحَدِيث كَمَا ذكرنَا، وبعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ (الْأَنْعَام: ١٤١) . وَاسْتثنى أَبُو حنيفَة من ذَلِك: الْحَطب والقصب والحشيش والتبن وَالسَّعَف، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ لأحد، وَذكر فِي (الْمَبْسُوط) : الطرفاء عوض الْحَطب. وَالسَّعَف: ورق جريد النّخل الَّذِي تصنع مِنْهُ المراوح وَنَحْوهَا، وَالْمرَاد بالقصب الْفَارِسِي، وَهُوَ يدْخل بالأبنية وتتخذ مِنْهُ الأقلام: قيل: هَذَا إِذا كَانَ الْقصب نابتا فِي الأَرْض، وَأما إِذا اتخذ الأَرْض مقبة فَإِنَّهُ يجب فِيهِ الْعشْر، ذكره الاسبيجابي والمرغيناني وَغَيرهمَا، وَيجب فِي قصب السكر والذريرة وقوائم الْخلاف، بتَخْفِيف اللَّام، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قَالَه غير نعْمَان. وَقَالَ السرُوجِي: لقد كذب فِي ذَلِك، فَإِنَّهُ لَا يخفى عَنهُ من قَالَه غَيره، وَإِنَّمَا عصبيته تحمله على ارْتِكَاب مثله قلت: قَول أبي حنيفَة مَذْهَب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُجاهد وَحَمَّاد وَزفر وَعمر بن عبد الْعَزِيز، ذكره أَبُو عمر، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول دَاوُد وَأَصْحَابه فِيمَا لَا يوسق، وَحَكَاهُ يحيى بن آدم بِسَنَد جيد عَن عَطاء: مَا أخرجته الأَرْض فِيهِ الْعشْر أَو نصف الْعشْر، وَقَالَهُ أَيْضا حَفْص بن غياث عَن أَشْعَث عَن الحكم، وَعَن أبي بردة: فِي الرّطبَة صَدَقَة، وَقَالَ بَعضهم: فِي دستجة من بقل، وَعَن الزُّهْرِيّ: مَا كَانَ سوى الْقَمْح وَالشعِير وَالنَّخْل وَالْعِنَب والسلت وَالزَّيْتُون فإنى أرى أَن تخرج صدقته من أثمانه، رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ ابْن بطال: وَقَول أبي حنيفَة خلاف السّنة، وَالْعُلَمَاء، قَالَ: وَقد تنَاقض فِيهَا لِأَنَّهُ اسْتعْمل الْمُجْمل والمفسر فِي قَوْله ﷺ : (فِي الرقة ربع الْعشْر) ، مَعَ قَوْله: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ صَدَقَة) ، وَلم يَسْتَعْمِلهُ فِي حَدِيث الْبَاب مَعَ مَا بعده، وَكَانَ يلْزمه القَوْل بِهِ. انْتهى. قلت: قَوْله: خلاف السّنة، بَاطِل لِأَنَّهُ احْتج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بِحَدِيث الْبَاب، كَمَا ذكرنَا، وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ ابْن بطال خلاف الْقُرْآن، لِأَن عُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ (الْأَنْعَام: ١٤١) . يتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكثير، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَقَوله: وَخلاف الْعلمَاء، أَيْضا بَاطِل، لِأَن قَول أبي حنيفَة هُوَ قَول من ذَكَرْنَاهُمْ الْآن، فَكيف يَقُول بترك الْأَدَب خلاف الْعلمَاء؟ وَقَوله: وَقد تنَاقض، غير صَحِيح، لِأَن من نقل ذَلِك من أَصْحَابه لم يقل أحد مِنْهُم إِنَّه اسْتعْمل الْمُجْمل والمفسر، وَأَصْحَابه أدرى بِمَا قَالَه وَبِمَا ذهب إِلَيْهِ، وَلما نقل صَاحب (التَّوْضِيح) مَا قَالَه ابْن بطال أظهر النشاط بذلك، وَقَالَ: وَفِي حَدِيث جَابر: لَا زَكَاة فِي شَيْء من الْحَرْث حَتَّى يبلغ خَمْسَة أوسق، فَإِذا بلغَهَا فَفِيهِ الزَّكَاة، ذكرهَا ابْن التِّين، وَقَالَ: هِيَ زِيَادَة من ثِقَة فَقبلت، وَفِي مُسلم من حَدِيث جَابر: (وَلَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوساق من التَّمْر صَدَقَة) ، وَفِي رِوَايَة من حَدِيث أبي سعيد: (لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوساق من تمر وَلَا حب صَدَقَة) . وَفِي رِوَايَة: (لَيْسَ فِي حب وَلَا تمر صَدَقَة) ، حَتَّى يبلغ خَمْسَة أوساق. انْتهى. قلت: قد ذكرنَا أَن المُرَاد من الصَّدَقَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث زَكَاة التِّجَارَة، وَكَذَلِكَ المُرَاد من قَوْله: (لَا زَكَاة فِي شَيْء) ، أَي: لَا زَكَاة فِي التِّجَارَة، وَنحن نقُول بِهِ حِينَئِذٍ، وَقَالَ ابْن التِّين: روى ابان بن أبي عَيَّاش عَن أنس مَرْفُوعا: (فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر فِي قَلِيله وَكَثِيره) ، قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو مُطِيع الْبَلْخِي وَهُوَ مَجْهُول عِنْد أهل النَّقْل، والمروي عَن أبي حنيفَة عَن أبان عَن رجل عَن النَّبِي، ﷺ ، ضَعِيف عَن رجل مَجْهُول. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا خلاف بَين الْمُسلمين أَنه لَا زَكَاة فِيمَا دون خَمْسَة أوسق إلَاّ مَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَبَعض السّلف: إِنَّه تجب الزَّكَاة فِي قَلِيل الحَبِّ وَكَثِيره، وَهَذَا مَذْهَب بَاطِل، منابذ لصريح
стр. 2573
الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قلت: لَيْت شعري كَيفَ تلفظ بِهَذَا الْكَلَام مَعَ شهرته بالزهد والورع؟ وعجبي كل الْعجب يَقُول هَذَا مَعَ اطِّلَاعه على مستنداته من الْكتاب وَالسّنة، وَلَا ينْفَرد حطه على أبي حنيفَة وَحده، بل على كل من كَانَ مذْهبه مثل مذْهبه.
القَوْل الثَّانِي: يجب فِيمَا لَهُ ثَمَرَة بَاقِيَة إِذا بلغ خَمْسَة أوسق، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَلَا يجب فِي الخضراوات وَلَا فِي الْبِطِّيخ وَالْخيَار والقثاء. وَنَصّ مُحَمَّد على أَنه: لَا عشر فِي السفرجل، وَلَا فِي التِّين والتفاح والكمثري والخوخ والمشمش والإجاص، وَفِي الْيَنَابِيع، وَيجب فِي كل ثَمَرَة تبقى سنة كالجوز واللوز والبندق والفستق. وَفِي (الْمَبْسُوط) : وأوجبا فِي الْجَوْز واللوز وَفِي الفستق على قَول أبي يُوسُف، وعَلى قَول مُحَمَّد: لَا يجب، وَفِي المرغيناني عَن مُحَمَّد: أَنه لَا عشر فِي التِّين والبندق والتوت والموز والخرنوب، وَعنهُ: يجب فِي التِّين. قَالَ الْكَرْخِي: هُوَ الصَّحِيح عَنهُ، وَلَا فِي الإهليلجة وَسَائِر الْأَدْوِيَة والسدر والأشنان، وَيجب فِيمَا يَجِيء مِنْهُ مَا يبْقى سنة: كالعنب وَالرّطب، وَعَن مُحَمَّد: إِن كَانَ الْعِنَب لَا يَجِيء مِنْهُ الزَّبِيب لرقته لَا يجب فِيهِ الْعشْر، وَلَا يجب فِي السعتر والصنوبر والحلبة، وَعَن أبي يُوسُف أَنه أوجب فِي الْحِنَّاء، وَقَالَ مُحَمَّد: لَا يجب فِيهِ كالرياحين، وَعَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ فِي الثوم والبصل، وَلَا عشر فِي التفاح والخوخ الَّذِي يشق وييبس، وَلَا شَيْء فِي بذر الْبِطِّيخ والقثاء وَالْخيَار والرطبة، وكل بذر لَا يصلح إلَاّ للزِّرَاعَة، ذكره الْقَدُورِيّ. وَيجب فِي بذر القنب دون عيدانه، وَيجب فِي الكمون والكراويا والخردل لِأَن ذَلِك من جملَة الْحُبُوب. وَفِي (الْمُحِيط) : وَلَا عشر فِيمَا هُوَ تَابع للْأَرْض: كالنخل وَالْأَشْجَار، وَأَصله أَن كل شَيْء يدْخل فِي بيع الأَرْض تبعا فَهُوَ كالجزء مِنْهَا فَلَا شَيْء فِيهِ، وَمَا لَا يدْخل إلَاّ بِالشّرطِ يجب فِيهِ: كالثمر والحبوب.
القَوْل الثَّالِث: يجب فِيمَا يدّخر ويقتات كالحنطة وَالشعِير والدخن والذرة والأرز والعدس والحمص والباقلاء والجلبان والماش واللوبيا وَنَحْوهَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) أطلق القَوْل فِي وجوب الزَّكَاة فِي كل شَيْء يجْرِي فِيهِ الوساق والصاع، وَلَا شكّ أَنه أَرَادَ مِمَّا يزرع ويستنبت وإلَاّ فَلَا يجْرِي فِيهِ الوسق والصاع، وَلَا زَكَاة فِيهِ. وَإِنَّمَا اخْتلف الْعلمَاء فِي أَشْيَاء مِمَّا يستنبت، فمذهب الشَّافِعِي، كَمَا اتّفق عَلَيْهِ الْأَصْحَاب: أَن يكون قوتا فِي حَال الِاخْتِيَار، وَأَن يكون من جنس مَا ينبته الآدميون، وَشرط الْعِرَاقِيُّونَ أَن يدّخر وييبس. قَالَ الرَّافِعِيّ: لَا حَاجَة إِلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا ملازمان لكل مقتات مستنبت وَهُوَ الْحِنْطَة وَالشعِير والسلت والذرة والدخن والأرز والجاورش، بِالْجِيم وَفتح الْوَاو، وَفَسرهُ بِأَنَّهُ: حب صغَار من جنس الذّرة، وَكَذَلِكَ القطنية، بِكَسْر الْقَاف وَجَمعهَا القطاني، وَهِي العدس والحمص والماش والباقلاء، وَهُوَ الفول واللوبيا والهرطمان وَهُوَ الجلبان، وَيُقَال لَهُ الخلر، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام وَفتحهَا وَآخره رَاء، لِأَنَّهَا تصلح للاقتيات وتدخر للْأَكْل، وَاحْترز الْأَصْحَاب بقَوْلهمْ: فِي حَال الِاخْتِيَار عَن حب الحنظل وَعَن القت، وَبِه مثله الشَّافِعِي، وَفَسرهُ الْمُزنِيّ وَغَيره: بحب الغاسول، وَهُوَ الأشنان وَسَائِر بذور البراري، قَالُوا: وَلَا تجب الزَّكَاة فِي الثفاء، وَهُوَ حب الرشاد، وَلَا فِي الترمس والسمسم والكمون والكراويا والكزبرة وبذر القطونا وبذر الْكتاب وبذر الفجل وَمَا أشبه ذَلِك من البذورات، وَلَا شَيْء فِي هَذِه عندنَا بِلَا خلاف، وَإِن جرى فِيهِ الْكَيْل بالصاع وَنَحْوه، إلَاّ مَا حَكَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَن فِي الترمس قولا قَدِيما فِي وجوب الزَّكَاة فِيهِ، وإلَاّ مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن ابْن كج من حِكَايَة قَول قديم فِي بذر الفجل، وَلَا زَكَاة عِنْد الشَّافِعِي فِي التِّين والتفاح والسفرجل وَالرُّمَّان والخوخ والجوز واللوز والموز وَسَائِر الثِّمَار سوى الرطب وَالْعِنَب، وَلَا فِي الزَّيْتُون فِي الْجَدِيد.
وَفِي الورس فِي الْجَدِيد وواجبها فِي الْقَدِيم من غير شَرط النّصاب فِي قَلِيله وَكَثِيره وَلَا تجب فِي الترمس فِي الْجَدِيد.
القَوْل الرَّابِع: قَول مَالك مثل قَول الشَّافِعِي، وَزَاد عَلَيْهِ: وجوب العُشر فِي الترمس والسمسم وَالزَّيْتُون، وَأوجب الْمَالِكِيَّة فِي غير رِوَايَة ابْن الْقَاسِم فِي بذر الْكتاب وبذر السلجم لعُمُوم نفعهما بِمصْر وَالْعراق، مَعَ أَنه لَا يُؤْكَل بذرهما.
القَوْل الْخَامِس: قَول أَحْمد: يجب فِيمَا لَهُ الْبَقَاء واليبس والكيل من الْحُبُوب وَالثِّمَار، سَوَاء كَانَ قوتا كالحنطة وَالشعِير والسلت وَهُوَ نوع من الشّعير. وَفِي الْمغرب: شعير لَا قشر لَهُ يكون بالغور والحجاز، والأرز والدهن والعلس وَهُوَ نوع من الْحِنْطَة يزْعم أَهله أَنه إِذا أخرج من قشره لَا يبْقى بَقَاء غَيره من الْحِنْطَة، وَيكون مِنْهُ حبتان وَثَلَاث فِي كمام وَاحِد، وَهُوَ طَعَام أهل صنعاء وَفِي الْمغرب هُوَ بِفتْحَتَيْنِ حَيَّة سَوْدَاء إِذا أجدب النَّاس خلطوها وأكلوها. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم الْمَالِكِي: لَيْسَ هُوَ من نوع الْحِنْطَة، وَتجب فِي الْأرز والذرة وَفِي القطنيات كالعدس والباقلاء والحمص والماش، وَفِي الإبازير كالكزبرة والكمون، وَفِي البذور كبذر
стр. 2574
الْكَتَّان والقثاء وَالْخيَار وَنَحْوهَا، وَفِي الْبُقُول كالرشال والفجل، وَفِي القرطم والترمس والسمسم، وَتجب عِنْده فِي التَّمْر وَالزَّبِيب واللوز والبندق والفستق، دون الْجَوْز والتين والمشمش والتفاح والكمثري والخوخ والإجاص، دون القثاء وَالْخيَار والباذنجان والقت والجزر، وَلَا تجب فِي ورق السدر والخطمي والأشنان والآس، وَلَا فِي الأزهار كالزعفران والعصفر، وَلَا فِي الْقطن.
القَوْل السَّادِس: تجب فِي الْحُبُوب والبقول وَالثِّمَار، وَهُوَ قَول حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان شيخ أبي حنيفَة.
القَوْل السَّابِع: لَيْسَ فِي شَيْء من الزَّرْع زَكَاة إلَاّ فِي التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَالشعِير، حَكَاهُ الْعَبدَرِي عَن الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى، وَحَكَاهُ ابْن الْعُزَّى عَن الْأَوْزَاعِيّ وَزَاد: الزَّيْتُون.
القَوْل الثَّامِن: يُؤْخَذ من الخضراوات إِذا بلغت مِائَتي دِرْهَم، وَهُوَ قَول الْحسن وَالزهْرِيّ.
القَوْل التَّاسِع: أَن مَا يوسق يجب فِي خَمْسَة أوسق مِنْهُ، وَمَا لَا يوسق يجب فِي قَلِيله وَكَثِيره، وَهُوَ قَول دَاوُد الظَّاهِرِيّ وَأَصْحَابه.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله هاذا تَفْسِيرُ الأوَّلِ لأِنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأوَّلِ يَعْنِي حَديثَ ابنِ عُمَرَ وفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءِ العُشْرُ وبَيَّنَ فِي هاذا وَوَقَّتَ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي علَى المُبْهَمِ إذَا رَوَاهُ أهْلُ الثَّبَتِ كَمَا رَوَي الفَضْلُ ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ وَقَالَ بِلَالٌ قَدْ صَلَّى فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ.
هَذَا كُله وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر هَهُنَا عقيب حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور، وَفِي نُسْخَة الْفربرِي وَقع فِي الْبَاب الَّذِي بعد هَذَا الْبَاب بعد حَدِيث أبي سعيد، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَجزم أَبُو عَليّ الصَّدَفِي بِأَن ذكره عقيب حَدِيث ابْن عمر من قبل بعض نساخ الْكتاب. قلت: وَكَذَا قَالَ التَّيْمِيّ، وَنسبه إِلَى غلط من الْكَاتِب، وَلَا احْتِيَاج إِلَى هَذِه المشاححة، وَلكُل ذَلِك وَجه لَا يخفى، وَلَكِن رجح بَعضهم كَونه بعد حَدِيث أبي سعيد لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَسّر لحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّرْجِيح أَيْضا لأَنا نمْنَع الْإِجْمَال وَالتَّفْسِير هَهُنَا، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (هَذَا تَفْسِير الأول) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى حَدِيث أبي سعيد الَّذِي يَأْتِي وَأَرَادَ بِالْأولِ حَدِيث ابْن عمر، فَهَذَا يدل على أَن هَذَا الْكَلَام من البُخَارِيّ إِنَّمَا كَانَ بعد حَدِيث أبي سعيد، وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: (لِأَنَّهُ لم يُوَقت فِي الأول) أَي: لم يعين شَيْئا فِي حَدِيث ابْن عمر، وَهُوَ قَوْله: (فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر) . قَوْله: (وَبَين فِي هَذَا) أَي: فِي حَدِيث أبي سعيد، ووقَّت أَي: عيَّن، وَهُوَ قَوْله: (لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة) ، وَقد عيَّن فِيهِ بِأَن النّصاب خَمْسَة أوسق. قَوْله: (وَالزِّيَادَة) يَعْنِي: تعْيين النّصاب (مَقْبُولَة) يَعْنِي: من الثِّقَة. قَوْله: (والمفسر) ، بِفَتْح السِّين يَعْنِي: الْمُبين، وَهُوَ الْخَاص (يقْضِي) أَي: يحكم (على الْمُبْهم) أَي الْعَام، وسمى البُخَارِيّ الْخَاص بِحَسب تصرفه مُفَسرًا لوضوح المُرَاد مِنْهُ، وسمى الْعَام مُبْهما لاحْتِمَال إِرَادَة الْكل وَالْبَعْض مِنْهُ، وغرضه أَن حَدِيث ابْن عمر عَام للنصاب، ودونه وَحَدِيث أبي سعيد، وَهُوَ: (لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة) ، خَاص بِقدر النّصاب، وَالْخَاص وَالْعَام إِذا تَعَارضا يخصص الْخَاص الْعَام، وَهُوَ معنى الْقَضَاء عَلَيْهِ، وَهَذَا حَاصِل مَا قَالَه البُخَارِيّ. قلت: قد ذكرنَا عَن قريب أَن إِجْرَاء الْعَام على عُمُومه أولى من التَّخْصِيص، فَارْجِع إِلَيْهِ.
وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَنه: أذا ورد حديثان أَحدهمَا عَام وَالْآخر خَاص فَإِن علم تَقْدِيم الْعَام على الْخَاص خص الْعَام بالخاص، كمن يَقُول لعَبْدِهِ: لَا تعط لأحد شَيْئا، ثمَّ قَالَ لَهُ: أعْط زيدا درهما، وَإِن علم تَقْدِيم الْخَاص على الْعَام ينْسَخ الْعَام للخاص، كمن يَقُول لعَبْدِهِ: أعْط زيدا درهما، ثمَّ قَالَ لَهُ: لَا تعط أحدا شَيْئا، فَإِن هَذَا نَاسخ للْأولِ، هَذَا مَذْهَب عِيسَى بن أبان، وَهُوَ الْمَأْخُوذ بِهِ، وَإِذا لم يعلم فَإِن الْعَام يَجْعَل آخرا لما فِيهِ من الِاحْتِيَاط، وَهنا لم يعلم التَّارِيخ فَيجْعَل الْعَام آخرا احْتِيَاطًا، وَالنَّبِيّ ﷺ نفى الصَّدَقَة وَلم ينف الْعشْر، وَقد كَانَ فِي المَال صدقَات نسختها آيَة الزَّكَاة، وَالْعشر لَيْسَ بِصَدقَة مُطلقَة إِذْ فِيهِ معنى المؤونة، حَتَّى وَجب فِي أَرض الْوَقْف وَلَا تجب الزَّكَاة فِي الْوَقْف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَذْهَب الْحَنَفِيّ أَن الْخَاص الْمُتَقَدّم مَنْسُوخ بِالْعَام الْمُتَأَخر، وَلَعَلَّه ضبط التَّارِيخ وَعلم تَقْدِيم حَدِيث أبي سعيد، فَلهَذَا لَا يشْتَرط النّصاب فِيهِ. قلت: فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يَقُول بِمثلِهِ فِي الْوَرق، إِذْ مر فِي: بَاب زَكَاة الْغنم، فِي الرقة ربع الْعشْر، انْتهى. قلت: لَا يلْزمه ذَلِك لِأَنَّهُ لم يدع ضبط
стр. 2575
التَّارِيخ، وَلَا تقدم حَدِيث أبي سعيد، وَإِنَّمَا الأَصْل عِنْده التَّوَقُّف إِذا جهل التَّارِيخ وَالرُّجُوع إِلَى غَيرهمَا، أَو يرجح أَحدهمَا بِدَلِيل، وَمن جملَة تَرْجِيح الْعَام هُنَا هُوَ أَنه إِذا خص لزم إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله أَن يكون مرَادا، وَمِنْهَا الِاحْتِيَاط فِي جعله آخرا كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ ابْن بطال: نَاقض أَبُو حنيفَة حَيْثُ اسْتعْمل الْمُجْمل والمفسر فِي مَسْأَلَة الرقة، وَلم يسْتَعْمل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، كَمَا أَنه أوجب الزَّكَاة فِي الْعَسَل وَلَيْسَ فِيهِ خبر وَلَا إِجْمَاع. قلت: كَيفَ يسْتَعْمل الْمُجْمل والمفسر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ غير قَائِل بِهِ هُنَا لعدم الْإِجْمَال فِيهِ، وَمن أَيْن الْإِجْمَال ودلالته ظَاهِرَة، لِأَن دلَالَته على إِفْرَاده كدلالة الْخَاص على فَرد وَاحِد، فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير، وَلَفظ الصَّدَقَة فِي الزَّكَاة أظهر من الْعشْر فَصَرفهُ إِلَيْهَا أولى، وَلَا كَذَلِك صَدَقَة الرقة. وَلم يفهم ابْن بطال الْفرق بَينهمَا، وَكَيف يَقُول ابْن بطال: كَمَا أَنه أوجب الزَّكَاة وَلَيْسَ فِيهِ خبر؟ وَقد ذكرنَا عَن التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي، ﷺ ، (فِي الْعَسَل فِي كل عشرَة أزق زق) ، وَذكرنَا فِيمَا مضى عَن قريب جملَة أَحَادِيث تدل على الْوُجُوب، وَقَوله: وَلَا إِجْمَاع، كَلَام واهٍ، لِأَن الْمُجْتَهد لَا يرى بِالْوُجُوب فِي شَيْء إلَاّ إِذا كَانَ فِيهِ إِجْمَاع، وَهَذَا لم يقل بِهِ أحد. قَوْله: (أهل الثبت) ، بتحريك الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أهل الثَّبَات. قَوْله: (كَمَا روى الْفضل بن عَبَّاس) أَي: عبد الْمطلب، ابْن عَم النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا الَّذِي ذكره صُورَة اجْتِمَاع النَّفْي وَالْإِثْبَات، لِأَن الْفضل يَنْفِي صَلَاة النَّبِي ﷺ فِي جَوف الْكَعْبَة لما حج عَام الْفَتْح، وبلال يثبت ذَلِك، فَأخذ بقول بِلَال لكَونه يثبت أمرا، وَترك قَول الْفضل لِأَنَّهُ يَنْفِيه، وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن النَّفْي مَتى عرف بدليله يُعَارض الْمُثبت وإلَاّ فَلَا، وَهَهُنَا لم يعرف النَّفْي بِدَلِيل، فَقدم عَلَيْهِ الْإِثْبَات، وَذكر بعض أَصْحَابنَا هَذِه الصُّورَة بِخِلَاف مَا قَالَه البُخَارِيّ، وَهِي: أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، روى أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي جَوف الْكَعْبَة، ورجحنا رِوَايَته على رِوَايَة بِلَال أَنه: لم يصل فِي جَوف الْكَعْبَة عَام الْفَتْح فِي تِلْكَ الْأَيَّام.
٦٥ - (بابٌ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة، أَي: زَكَاة.
٤٨٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثنا مالِكٌ قَالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَيْسَ فِيمَا أقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَلَا فِي أقَلَّ منْ خَمْسَةٍ مِنَ الإبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ وَلَا فِي أقَلَّ مِنْ خَمْسِ أوَاقٍ منَ الوَرَقِ صَدَقَةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة الْجُزْء الأول من الحَدِيث، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب زَكَاة الْوَرق، رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَلَكِن فِي الْمَتْن اخْتِلَاف فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره، وَهَهُنَا رَوَاهُ عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن مَالك.
قَوْله: (فِيمَا أقل) ، كلمة: مَا، زَائِدَة و: أقل، فِي مَحل الْجَرّ، وَقَالَ ابْن بطال: الأوسق الْخَمْسَة هِيَ الْمِقْدَار الْمَأْخُوذ مِنْهُ، وَأوجب أَبُو حنيفَة فِي قَلِيل مَا تخرجه الأَرْض وَكَثِيره، فَإِنَّهُ خَالف الْإِجْمَاع. قلت: لَيْت شعري كَيفَ يتَلَفَّظ بِهَذَا الْكَلَام؟ وَمن أَيْن الْإِجْمَاع حَتَّى خَالفه أَبُو حنيفَة؟ وَقد ذكرنَا عَن جمَاعَة ذَهَبُوا إِلَى مَا قَالَه أَبُو حنيفَة، قَالَ: وَكَذَلِكَ أوجبهَا فِي الْبُقُول والرياحين وَمَا لَا يوسق كالرمان، وَالْجُمْهُور على خِلَافه. قلت: أوجب أَبُو حنيفَة فِي الْبُقُول، يَعْنِي: الخضروات بِعُمُوم حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور عَن قريب، وبعموم حَدِيث جَابر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (فِيمَا سقت السَّمَاء والغيم العُشر، وَفِيمَا سقِِي بالسانية نصف العُشر) ، رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأحمد، فَدلَّ عمومها على وجوب العُشر فِي جَمِيع مَا أخرجته الأَرْض من غير قيد وَإِخْرَاج لبَعض الْخَارِج عَن الْوُجُوب وإخلائه عَن حُقُوق الْفُقَرَاء، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي (عارضة الأحوذي) : وَأقوى الْمذَاهب فِي الْمَسْأَلَة
стр. 2576
مَذْهَب أبي حنيفَة دَلِيلا، وأحفظها للْمَسَاكِين، وأولاها قيَاما بشكر النِّعْمَة، وَعَلِيهِ يدل عُمُوم الْآيَة والْحَدِيث، وَقد رام الْجُوَيْنِيّ أَن يخرج عُمُوم الحَدِيث من يَدي أبي حنيفَة بِأَن قَالَ: إِن هَذَا الحَدِيث لم يَأْتِ للْعُمُوم، وَإِنَّمَا جَاءَ لتفصيل الْفرق بَين مَا يقلّ وَيكثر مؤونته وَأبْدى، فِي ذَلِك وَأعَاد، وَلَيْسَ بممتنع أَن يَقْتَضِي الحَدِيث الْوَجْهَيْنِ: الْعُمُوم وَالتَّفْصِيل، وَذَلِكَ أكمل فِي الدَّلِيل وَأَصَح فِي التَّأْوِيل. انْتهى. وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي (الذَّخِيرَة الْمَالِكِيَّة) وَالظَّاهِر أَنه نَقله من كَلَام الْجُوَيْنِيّ: إِن الْكَلَام إِذا سيق لِمَعْنى لَا يحْتَج بِهِ فِي غَيره، وَهَذِه قَاعِدَة أصولية، فَقَوله ﷺ : (إِنَّمَا المَاء من المَاء) ، لَا يسْتَدلّ بِهِ على جَوَاز المَاء الْمُسْتَعْمل، لِأَنَّهُ لم يرد إلَاّ لبَيَان حصر الْوُجُوب للْغسْل، فَكَذَا قَوْله: (فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر) ورد لبَيَان جُزْء الْوَاجِب لَا لبَيَان مَحل الْوُجُوب، فَلَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: النَّص اشْتَمَل على جملتين: شَرْطِيَّة وجزائية، فالجملة الشّرطِيَّة لعُمُوم مَحل الْوَاجِب، فإلغاء عمومها بَاطِل، وَالْجُمْلَة الجزائية لبَيَان مِقْدَار الْوَاجِب، مِثَاله قَوْله ﷺ : (من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه) ، فالجملة الشّرطِيَّة وَهِي الأولى وَردت لبَيَان سَبَب اسْتِحْقَاق الْقَاتِل، وَعُمُوم من فعل ذَلِك. وَالْجُمْلَة الثَّانِيَة: الجزائية، وَردت لبَيَان مَا يسْتَحقّهُ، وَهُوَ سلب الْمَقْتُول، واختصاصه بِهِ، فَلَا يجوز إبِْطَال مَدْلُول الشَّرْط كَمَا لَا يجوز إبِْطَال مَدْلُول الْجَزَاء، وَلَيْسَ هَذَا نَظِير مَا اسْتشْهد بِهِ الْقَرَافِيّ، وَقد يساق الْكَلَام لأمر وَله تعلق بِغَيْرِهِ وإيماء بِهِ وَإِشَارَة إِلَيْهِ، ألَا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢) . سيقت الْآيَة لبَيَان وجوب نَفَقَة المطلقات وكسوتهن إِذا أرضعن أَوْلَادهنَّ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن للْأَب تَأْوِيلا فِي نفس الْوَلَد وَمَاله حَتَّى لَا يسْتَوْجب الْعقُوبَة بوطىء جَارِيَته، وَلَا بِسَبَبِهِ، ذكره السَّرخسِيّ فِي (أُصُوله) ، وَقَاعِدَة الْقَرَافِيّ هَذِه إِن كَانَت صَحِيحَة أبطلت عَلَيْهِ قَاعِدَة مذْهبه ومدركه لِأَن قَوْله ﷺ : (لَا صَدَقَة فِي حب وَلَا ثَمَر حَتَّى يبلغ خَمْسَة أوسق) سيق لبَيَان تَقْدِير النّصاب، وَنفى الْوُجُوب عَمَّا دون الْخَمْسَة الأوسق، فَلَا يدل حِينَئِذٍ على عُمُوم الْحبّ وَالثَّمَر، وَقد قَالَ: هُوَ عَام فِي الْحُبُوب وَالثِّمَار. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ عَن معَاذ أَنه كتب إِلَى رَسُول الله ﷺ يسْأَله عَن الخضروات وَهِي: الْبُقُول، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْء! قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح، وَلَيْسَ يَصح فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي ﷺ شَيْء، وَإِنَّمَا يرْوى هَذَا عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن عَائِشَة قَالَت: جرت السّنة من النَّبِي ﷺ : لَيْسَ فِيمَا أنبتت الأَرْض من الْخضر زَكَاة، وَفِي سَنَده صَالح بن مُوسَى، ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن جَابر، قَالَ: لم يكن المقاثي فِيمَا جَاءَ بِهِ معَاذ، وَلَيْسَ فِي المقاثي شَيْء، وَقد تكون عندنَا المقثاة تخرج عشرَة الْآن، فَلَا يكون فِيهَا شَيْء، قلت: فِي سَنَده عدي بن الْفضل، وَهُوَ مَتْرُوك.
قالَ أبُو عَبْدِ الله هاذا تَفْسِيرُ الأوَّلِ إذَا قالَ لَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يُبَيِّنْ وَيُؤْخَذُ أبَدا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أهْلُ الثَّبَتِ أوْ بَيَّنُوا
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَأَرَادَ بِالْأولِ حَدِيث أبي سعيد، وَقد مر هَذَا عَن قريب. قَوْله: (وَيُؤْخَذ أبدا) إِلَى آخِره، يرد عَلَيْهِ مَا بيَّنه أَبُو حنيفَة من استدلاله بِعُمُوم حَدِيث ابْن عمر، وَهُوَ من أهل الْعلم الْكِبَار الْمُجْتَهدين، وَقد بيّن هَذَا، فَيَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ بِهِ، والمكابرة مطروحة.
٧٥ - (بابُ أخذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فيَمَس تَمْرَ الصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَخذ الصَّدَقَة من التَّمْر عِنْد صرام النّخل، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ: الْجذاذ والقطاف وزنا وَمعنى، وصرام النّخل أَوَان إِدْرَاكه، وأصرم: حَان صرامه، والصرامة: مَا صرم من النّخل، ونخل صريم مصروم، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (المغيث) : قد يكون الصرام النّخل لِأَنَّهُ يصرم أَي: يجتنى ثمره، والصرام التَّمْر بِعَيْنِه أَيْضا لِأَنَّهُ يصرم، فَسمى بِالْمَصْدَرِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَوْله: عِنْد صرام النّخل، يُرِيد بعد أَن يصير تَمرا لِأَنَّهُ يصرم النّخل وَهُوَ رطب فيثمر فِي المربد، وَلَكِن ذَاك لَا يَتَطَاوَل، فَحسن أَن ينْسب إِلَيْهِ. قَوْله: (وَهل يتْرك الصَّبِي؟) تَرْجَمَة أُخْرَى، وللترجمة الأولى تعلق بقوله
стр. 2577
تَعَالَى: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ (الْأَنْعَام: ١٤١) . وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: ﴿حَقه﴾ (الْأَنْعَام: ١٤١) . فَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ الْوَاجِبَة، وَعَن ابْن عمر: هُوَ شَيْء سوي الزَّكَاة، وَبِه قَالَ عَطاء وَغَيره، وللترجمة الثَّانِيَة تعلق بِالتّرْكِ، وَلكنه ذكره بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام لاحْتِمَال أَن يكون النَّهْي خَاصّا بِمن لَا يحل لَهُ تنَاول الصَّدَقَة. فَإِن قلت: الصَّبِي لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ الْخطاب؟ قلت: وليه يُخَاطب بتأديبه وتعليمه. قَوْله: (فيمس) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام.
٥٨٤١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الأسَدِيُّ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يُؤتى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فيَجِيءُ هاذا بِتَمْرِهِ وَهاذا مِنْ تَمرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهْ كَوْما مِنْ تَمْر فجَعَلَ الحَسنُ والحُسَينُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يلْعَبَانِ بِذالِكَ التَّمْرِ فأخذَ أحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجعَلَهُ فِي فِيهِ فنَظَرَ إلَيْهِ رسولُ الله ﷺ فأخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ أمَا عَلِمْتَ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يأْكُلونَ الصَّدَقَةَ.
مطابقته للترجمتين ظَاهِرَة لِأَن مطابقته للأولى فِي قَوْله: (عِنْد صرام النّخل) ، وللثانية فِي قَوْله: (فَجعل الْحسن. .) إِلَى آخِره.
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عمر بن مُحَمَّد بن الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن التل، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد اللَّام: الْأَسدي، بِسُكُون السِّين الْمُهْملَة. وَحكى الغساني: الْأَزْدِيّ، بالزاي بدل السِّين، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبوهُ مُحَمَّد بن الْحسن أَبُو جَعْفَر، مَاتَ سنة مِائَتَيْنِ. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء، مر فِي: بَاب الْقِسْمَة وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وخفة الْيَاء آخر الْحُرُوف، مر فِي: بَاب غسل الأعقاب. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه أول مَا ذكره هُنَا وَأَنه وأباه كوفيان وَإِبْرَاهِيم هروي سكن نيسابور، ثمَّ سكن مَكَّة وَأَن مُحَمَّد بن زِيَاد مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد أخرج البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، هَذَا الحَدِيث من طَرِيق شُعْبَة: عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة عَن قريب يَأْتِي فِي: بَاب مَا يذكر فِي الصَّدَقَة للنَّبِي ﷺ ، وَأخرجه أَيْضا فِي الْجِهَاد: عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم من طَرِيق شُعْبَة هَذَا عَن مُحَمَّد هُوَ: ابْن زِيَاد، سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: (أَخذ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة فَجَعلهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : كخ كخ إرم بهَا، أما علمت أنّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة؟) وَفِي رِوَايَة لَهُ: (أنّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي (السّير) : عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة.
وَفِي الْبَاب عَن أبي رَافع، وَأنس وَأبي هُرَيْرَة وَالْحسن بن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة وَمُعَاوِيَة بن حيدة وَعبد الْمطلب بن ربيعَة وَأبي ليلى وَبُرَيْدَة بن حصيب وسلمان الْفَارِسِي وهرمز أَو كيسَان مولى النَّبِي ﷺ ورشيد بن مَالك وَمَيْمُون أَو مهْرَان وَالْحُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَحَدِيث أبي رَافع أخرجه أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن ابْن رَافع (عَن أبي رَافع: أَن النَّبِي ﷺ بعث رجلا على الصَّدَقَة من بني مَخْزُوم، فَقَالَ لأبي رَافع: إصحبني فَإنَّك تصيب مِنْهَا. فَقَالَ: حَتَّى آتِي النَّبِي ﷺ فَاسْأَلْهُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مولى الْقَوْم من أنفسهم، وَإِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) ، وَاسم أبي رَافع: إِبْرَاهِيم أَو أسلم أَو ثَابت أَو هُرْمُز مولى النَّبِي ﷺ ، وَاسم ابْنه عبيد الله، كَاتب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (ورجلاً) ، هُوَ الأرقم بن أبي الأرقم الْقرشِي المَخْزُومِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن شُعْبَة. وَحَدِيث أنس أخرجه الشَّيْخَانِ، وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم، وَلَفظه: (وَالله إِنِّي لأنقلب إِلَى أَهلِي فأجد التمرة سَاقِطَة على فِرَاشِي. أَو
стр. 2578
فِي بَيْتِي، فأرفعها لآكلها، ثمَّ أخْشَى أَن تكون صَدَقَة فألقيها) . وَحَدِيث الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة أبي الْحَوْرَاء، قَالَ: كُنَّا عِنْد الْحسن بن عَليّ، فَسئلَ: مَا عقلت من النَّبِي ﷺ ؟ أَو: عَن رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: كنت أَمْشِي مَعَه، فَمر على جرين من تمر الصَّدَقَة، فَأخذت تَمْرَة فألقيتها فِي فمي، فَأَخذهَا بلعابها، فَقَالَ بعض الْقَوْم: وَمَا عَلَيْك لَو تركتهَا؟ فَقَالَ: إنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَإِسْنَاده صَحِيح. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ قَالَ: (اسْتعْمل النَّبِي ﷺ الأرقم ابْن أبي الأرقم على السّعَايَة، فاستتبع أَبَا رَافع، فَأتى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا رَافع ﴿إِن الصَّدَقَة حرَام عَليّ وعَلى آل مُحَمَّد، وَإِن مولى الْقَوْم من أنفسهم) . وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَوَاهُ أَحْمد، حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا أُسَامَة بن زيد عَن عمر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده (أَن النَّبِي ﷺ وجد تَمْرَة تَحت جنبه من اللَّيْل فَأكلهَا، فَلم ينم تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقَالَ بعض نِسَائِهِ: يَا رَسُول الله أرقت البارحة﴾ قَالَ: إِنِّي وجدت تَمْرَة فَأَكَلتهَا. وَكَانَ عندنَا تمر من تمر الصَّدَقَة فَخَشِيت أَن تكون مِنْهُ) . وَحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: (قدم وَفد الثقيف على رَسُول الله، ﷺ ، وَمَعَهُمْ هَدِيَّة، فَقَالَ: أهدية أم صَدَقَة ... ؟) الحَدِيث. وَفِيه: (قَالُوا: لَا، بل هَدِيَّة، فقبلها مِنْهُم وَقعد مَعَهم يسائلهم ويسائلونه حَتَّى صلى الظّهْر مَعَ الْعَصْر) . وَحَدِيث مُعَاوِيَة بن حيدة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مكي بن إِبْرَاهِيم ويوسف ابْن سعد الضبعِي، قَالَا: حَدثنَا بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أُتِي بِشَيْء سَأَلَ: أصدقة هِيَ أم هَدِيَّة؟ فَإِن قَالُوا: صَدَقَة، لم يَأْكُل وَإِن قَالُوا: هَدِيَّة، أكل) . وجد بهز بن حَكِيم اسْمه مُعَاوِيَة بن حيدة القريشي وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَحَدِيث عبد الْمطلب بن ربيعَة رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مطولا. وَفِيه: (إِن الصَّدَقَة لَا تنبغي إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس) ، وَفِي رِوَايَة: (إِن هَذِه الصَّدَقَة إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس، وَإِنَّهَا لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد) ، الحَدِيث. وَحَدِيث أبي ليلى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة شريك عَن عبد الله بن عِيسَى عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (عَن أبي ليلى قَالَ: دخل النَّبِي ﷺ بَيت الصَّدَقَة وَمَعَهُ الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخذ تَمْرَة فوضعها فِي فِيهِ، فَأدْخل النَّبِي ﷺ إصبعه فأخرجها من فِيهِ، ثمَّ قَالَ: إنّا أهل بَيت لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَحَدِيث بُرَيْدَة بن حصيب رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل من رِوَايَة الْحسن بن وَاقد (عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَ سلمَان إِلَى رَسُول الله ﷺ حِين قدم الْمَدِينَة بمائدة عَلَيْهَا رطب، فوضعها بَين يَدي النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا هَذَا يَا سلمَان؟ قَالَ: صَدَقَة عَلَيْك وعَلى أَصْحَابك. قَالَ: إرفعها فَإنَّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) . وَحَدِيث سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة أبي ذَر الْكِنْدِيّ عَن سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي، ﷺ ، لما قدم الْمَدِينَة) الحَدِيث، وَفِيه: (فَسَأَلَهُ: أصدقة أم هَدِيَّة؟ فَقَالَ: هَدِيَّة، فَأكل) . اللَّفْظ للْحَاكِم، وروى أَحْمد من رِوَايَة أبي الطُّفَيْل (عَن سلمَان، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يقبل الْهَدِيَّة وَلَا يقبل الصَّدَقَة) . وَحَدِيث هُرْمُز أَو كيسَان رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا أَسد، قَالَ: حَدثنَا وَرْقَاء بن عمر (عَن عَطاء بن السَّائِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: دخلت على أم كُلْثُوم بنت عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَت: إِن مولى لنا يُقَال لَهُ هُرْمُز أَو كيسَان أَخْبرنِي أَنه مر على رَسُول الله ﷺ ، فدعاني فَجئْت، فَقَالَ: يَا فلَان إنّا أهل بَيت قد نهينَا أَن نَأْكُل الصَّدَقَة، وَإِن مولى الْقَوْم من أنفسهم، فَلَا تَأْكُل الصَّدَقَة) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَقَالَ: مهْرَان، وَأخرجه الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) وَقَالَ: هُرْمُز، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة، وَقَالَ: كيسَان، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق وَقَالَ: مَيْمُون أَو مهْرَان. وَحَدِيث رشيد، بِضَم الرَّاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مَالك بن عميرَة السَّعْدِيّ التَّمِيمِي الصَّحَابِيّ، عداده فِي الْكُوفِيّين، ويكنى بِأبي عميرَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْمِيم، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ قَالَ: (كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فَأتي بطبق عَلَيْهِ تمر، فَقَالَ: أصدقة أم هَدِيَّة؟ قَالَ: بل صَدَقَة، فَوَضعه بَين يَدي الْقَوْم وَالْحسن يتعفر بَين يَدَيْهِ، وَأخذ الصَّبِي تَمْرَة فَجَعلهَا فِي فِيهِ، فَأدْخل النَّبِي ﷺ إصبعه فَجعل يترفق بِهِ، فأخرجها فقذفها، ثمَّ قَالَ: إنّا آل مُحَمَّد لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) . وَأخرجه الْكَجِّي فِي (مُسْنده) نَحوه. قَوْله: (يتعفر) ، أَي: يتمرغ بِالتُّرَابِ، لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا يلْعَب. وَحَدِيث مَيْمُون أَو مهْرَان رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق، وَقد
стр. 2579
ذَكرْنَاهُ الْآن. وَحَدِيث الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا وَكِيع، قَالَ: حَدثنَا ثَابت ابْن عمَارَة عَن ربيعَة بن شَيبَان، قَالَ: قلت للحسين بن عَليّ: مَا تعقل عَن رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: صعدت غرفَة فَأخذت تَمْرَة فلكتها فِي فيّ قَالَ: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ألقها، فَإنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة، وَقد تقدم حَدِيث الْحسن بن عَليّ على نَحْو هَذَا، وَكِلَاهُمَا من رِوَايَة أبي الْحَوْرَاء عَنهُ، وَأَبُو الْحَوْرَاء هُوَ ربيعَة بن شَيبَان، قَالَ شَيخنَا زين الدّين: الظَّاهِر أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ لكل وَاحِد وَاحِدَة، فالحسن مر على جرين تمر، وَالْحُسَيْن صعد غرفَة فِيهَا تمر الصَّدَقَة، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي رِوَايَته الْحسن مكبر، وطرق حَدِيثه أَكثر من طرق حَدِيث الْحُسَيْن، وَالله أعلم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عِنْد صرام النّخل) أَي: عِنْد جذاذه، وَهُوَ قطع التمرة مِنْهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كوما) ، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ مَعْرُوف، وَأَصله: الْقطع الْعَظِيمَة من الشَّيْء، وَالْمرَاد بِهِ: مَا اجْتمع من التَّمْر كالصرمة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كوما، بِضَم الْكَاف. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: كومت كومة، بِالضَّمِّ: إِذا جمعت قِطْعَة من تُرَاب وَرفعت رَأسهَا، وَهُوَ فِي الْكَلَام بِمَنْزِلَة قَوْلك: صبرَة من الطَّعَام. قَالَ: وَفِي بعض الرِّوَايَة بِالْفَتْح. وانتصاب كوما على أَنه خبر: يصير، أَي: حَتَّى يصير التَّمْر عِنْده كوما ويروى: كوم، بِالرَّفْع على أَنه اسْم: يصير، وَيكون: يصير، تَامَّة فَلَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (من تمر) كلمة: من، بَيَانِيَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ أَولا بثمرة يَعْنِي بِالْبَاء، وَهنا قَالَ: من تمر، يَعْنِي بِكَلِمَة: من، لِأَن فِي الأول ذكر المجبىء بِهِ، وَفِي الثَّانِي المجىء عَنهُ، وهما متلازمان وَإِن تغايرا مفهوما. قَوْله: (فَأخذ أَحدهمَا) وَهُوَ الْحسن مكبر كَمَا سَيَأْتِي بعد بَابَيْنِ من رِوَايَة شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد بِلَفْظ: فَأخذ الْحسن بن عَليّ. قَوْله: (فَجعله) إِنَّمَا ذكّر الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى: التمرة، بِاعْتِبَار الْمَأْخُوذ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَجَعلهَا، أَي: التمرة على الأَصْل. قَوْله: (فِي فِيهِ) أَي: فِي فَمه، وَفِي الْفَم تسع لُغَات: تثليث الْفَاء مَعَ تَخْفيف الْمِيم وَالنَّقْص وَفتح الْفَاء وَضمّهَا مَعَ تَشْدِيد الْمِيم وَفتحهَا وَضمّهَا وَكسرهَا مَعَ التَّخْفِيف وَالْقصر. قَوْله: وَحكى ابْن الْأَعرَابِي فِي تثنيته: فموان وفميان، وَحكى اللحياني أَنه يُقَال: فَم وأفمام، واللغة التَّاسِعَة: النَّقْص وَاتِّبَاع الْفَاء الْمِيم فِي الحركات الإعرابية، تَقول: هَذَا فَمه، وَرَأَيْت فَمه، وَنظرت إِلَى فَمه. قَوْله: (أما علمت؟) ويروى بِدُونِ همزَة الِاسْتِفْهَام لَكِنَّهَا مقدرَة. قَوْله: (إِن آل مُحَمَّد) آل النَّبِي ﷺ بَنو هَاشم خَاصَّة عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك، وَعند الشَّافِعِي: هم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب، وَبِه قَالَ بعض الْمَالِكِيَّة. قَالَ القَاضِي: وَقَالَ بعض الْعلمَاء: هم قُرَيْش كلهَا. وَقَالَ إصبغ الْمَالِكِي: هم بَنو قصي، وَبَنُو هَاشم هم آل عَليّ، وَآل عَبَّاس وَآل جَعْفَر وَآل عقيل وَآل الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وهَاشِم هُوَ ابْن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة فَافْهَم. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَت الْمَالِكِيَّة: بَنو هَاشم آل، وَمَا فَوق غَالب لَيْسَ بآل، وَفِيمَا بَينهمَا قَولَانِ. وَقَالَ إصبغ: هم عترته الأقربون الَّذين ناداهم حِين أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . وهم آل عبد الْمطلب وهَاشِم وَعبد منَاف وقصي وغالب، وَقد قيل: قُرَيْش كلهَا. وَقَالَ ابْن حبيب: لَا يدْخل فِي آله من كَانَ فَوق بني هَاشم من بني عبد منَاف أَو من قصي أَو غَيرهم، وَكَذَا فسر ابْن الْمَاجشون ومطرف، وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة. وعَلى قَول إصبغ: لَا يَأْخُذهَا الحلفاء الثَّلَاثَة الأول وَلَا عبد الرَّحْمَن وَلَا سعيد بن أبي وَقاص وَلَا طَلْحَة وَلَا الزبير وَلَا سعد وَلَا أَبُو عُبَيْدَة. وَقَالَ: الْأَصَح عندنَا إِلْحَاق مواليهم بهم، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْري، وَعند الْمَالِكِيَّة قَولَانِ لِابْنِ الْقَاسِم وإصبغ. قَالَ إصبغ: احتججت على ابْن الْقَاسِم بِالْحَدِيثِ: مولى الْقَوْم مِنْهُم، فَقَالَ: قد جَاءَ حَدِيث آخر: ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم، فَكَذَلِك حَدِيث الْمولى، وَإِنَّمَا تَفْسِير: مولى الْقَوْم مِنْهُم، فِي الْبر كَمَا فِي حَدِيث: (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) ، أَي فِي: الْبر لَا فِي الْقَضَاء واللزوم، وَنقل ابْن بطال عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْقَاسِم الْحل، وَمَا حَكَاهُ عَن الشَّافِعِي غَرِيب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد، وَفِي (الذَّخِيرَة) للقرافي: إِن الصَّدَقَة مُحرمَة على رَسُول الله ﷺ إِجْمَاعًا. وَفِي (الْمُغنِي) : الظَّاهِر أَن الصَّدَقَة فَرضهَا ونفلها كَانَت مُحرمَة على رَسُول الله، ﷺ . وَقَالَ ابْن شَدَّاد فِي (أَحْكَامه) : اخْتلف النَّاس فِي تَحْرِيم الصَّدَقَة على رَسُول الله ﷺ ، وَذكر ابْن تَيْمِية فِي الصَّدَقَة على رَسُول الله ﷺ وَجْهَيْن، وَللشَّافِعِيّ قَوْلَيْنِ. قَالَ: وَإِنَّمَا تَركهَا تنزها. وَعَن أَحْمد: حل صَدَقَة التَّطَوُّع لَهُ، وَفِي (نِهَايَة الْمطلب) يحرم
стр. 2580
فَرضهَا ونفلها على رَسُول الله، ﷺ ، وَالْأَئِمَّة على تَحْرِيمهَا على قرَابَته، ﷺ . وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ الْمَالِكِي: يحل لَهُم فَرضهَا ونفلها، وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي: إِن منعُوا الْخمس جَازَ صرف الزَّكَاة إِلَيْهِم، وروى ابْن أبي سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف أَن زَكَاة بني هَاشم تحل لبني هَاشم، وَلَا يحل ذَلِك لَهُم من غَيرهم. وَفِي (الْيَنَابِيع) : يجوز للهاشمي أَن يدْفع زَكَاته للهاشمي عِنْد أبي حنيفَة، وَلَا يجوز عِنْد أبي يُوسُف، وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : يكره للهاشمي عِنْد أبي يُوسُف، خلافًا لمُحَمد، وروى أَبُو عصمَة عَن أبي حنيفَة جَوَاز دَفعهَا إِلَى الْهَاشِمِي فِي زَمَانه. قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذِه الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة لَيست بالمشهورة. وَفِي (الْمَبْسُوط) : يجوز دفع صَدَقَة التَّطَوُّع والأوقاف إِلَى بني هَاشم، مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد فِي (النَّوَادِر) وَفِي (شرح مُخْتَصر الْكَرْخِي) و (الْإِسْبِيجَابِيّ) و (الْمُفِيد) إِذا سموا فِي الْوَقْف، وَفِي الْكَرْخِي: إِذا أطلق الْوَقْف لَا يجوز لِأَن حكمهم حكم الْأَغْنِيَاء. وَفِي (شرح الْقَدُورِيّ) : الصَّدَقَة الْوَاجِبَة كَالزَّكَاةِ وَالْعشر وَالنُّذُور وَالْكَفَّارَات لَا تجوز لَهُم، وَأما الصَّدَقَة على وَجه الصِّلَة والتطوع فَلَا بَأْس، وَجوز بعض الْمَالِكِيَّة صَدَقَة التَّطَوُّع لَهُم، وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَعند الشَّافِعِيَّة فِيهَا وَجْهَان، وَفِي النذور خلاف عِنْدهم، ذكر ذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي (النِّهَايَة) . وَفِي (التَّوْضِيح) ، وَفِي الحَدِيث دلَالَة وَاضِحَة على تَحْرِيم الصَّدَقَة على آله ﷺ ، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وللمالكية فِي إعطائهم من الصَّدَقَة أَرْبَعَة أَقْوَال: الْجَوَاز، وَالْمَنْع، ثَالِثهَا: يُعْطون من التَّطَوُّع دون الْوَاجِب، رَابِعهَا: عَكسه، لِأَن الْمِنَّة قد تقع فِيهَا، وَالْمَنْع أولاها، وَقَالَ الطَّبَرِيّ، فِي مقَالَة أبي يُوسُف: لَا الْقيَاس أصَاب وَلَا الْخَبَر اتبع، وَذَلِكَ أَن كل صَدَقَة وَزَكَاة أوساخ النَّاس وغسالة ذنُوب من أخذت مِنْهُ هاشميا أَو مطلبيا، وَلم يفرق الله وَلَا رَسُوله بَين شَيْء مِنْهَا بافتراق حَال الْمَأْخُوذ ذَلِك مِنْهُ، قَالَ: وَصَاحبه أَشد قولا مِنْهُ، لِأَنَّهُ لزم ظَاهر التَّنْزِيل، وَهُوَ ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء﴾ (التَّوْبَة: ٠٦) . الْآيَة، وَأنكر الْأَخْبَار الْوَارِدَة بتحريمها على بني هَاشم، فَلَا ظَاهر التَّنْزِيل لزموا وَلَا بالْخبر قَالُوا. قلت: هَذَا كَلَام صادر من غير روية ناشيء عَن تعصب بَاطِل، وَأَبُو يُوسُف من أعرف النَّاس بموارد التَّنْزِيل وأعلمهم بِتَأْوِيل الْأَخْبَار ومداركها، وَهَذَا الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ من أكبر أَئِمَّة الحَدِيث وأدرى النَّاس بِمذهب أبي حنيفَة وأقوال صَاحبه نقل عَن أبي يُوسُف: أَن التَّطَوُّع يحرم على بني هَاشم، فَإِذا كَانَ التَّطَوُّع حَرَامًا فالفرض أَشد حُرْمَة، ثمَّ إِنْكَار الطَّبَرِيّ على صَاحب أبي يُوسُف: أَن التَّطَوُّع يحرم على بني هَاشم، فَإِذا كَانَ التَّطَوُّع حَرَامًا فالفرض أَشد حُرْمَة، ثمَّ إِنْكَار الطبريي على صَاحب أبي يُوسُف الَّذِي هُوَ الإِمَام أَبُو حنيفَة أَشد شناعة وأقبح إِشَاعَة حَيْثُ يَقُول: إِنَّه أنكر الْأَخْبَار الْوَارِدَة بتحريمها، فَفِي أَي مَوضِع ذكر هَذَا عَنهُ على هَذِه الصِّيغَة؟ وَالْمَنْقُول عَنهُ أَنه قطّ لَا يذهب إِلَى الْقيَاس إلَاّ عِنْد عدم النَّص من الشَّارِع، فعادة هَؤُلَاءِ المتعصبين أَن ينسبوا رِوَايَة سقيمة أَو شَاذَّة إِلَى إِمَام من الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ ينكروا عَلَيْهِ بذلك بِمَا لَا تحل نسبته إِلَى أحد مِنْهُم.
وَفِيه: من الْفَوَائِد: دفع الصَّدقَات إِلَى السُّلْطَان. وَفِيه: أَن السّنة أَخذ صَدَقَة التَّمْر عِنْد جذاذة لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ (الْأَنْعَام: ١٤١) . فَإِن أخرجهَا عِنْد محلهَا فسرقت، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: يَجْزِي عَنهُ، وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَالثَّوْري وَأحمد: هُوَ ضَامِن لَهَا حَتَّى يَضَعهَا موَاضعهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ بَقِي لَهُ من مَاله مَا فِيهِ زَكَاة زَكَّاهُ، وَأما إِذا أخر إخْرَاجهَا حَتَّى هَلَكت؟ فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا أمكن الْأَدَاء بعد حُلُول الْحول وفرط حَتَّى هلك المَال، فَعَلَيهِ الضَّمَان. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد قد ينْتَفع بِهِ فِي أَمر جمَاعَة الْمُسلمين فِي غير الصَّلَاة، أَلا يرى أَنه ﷺ جمع فِيهِ الصَّدقَات وَجعله مخرجا لَهَا، وَكَذَلِكَ أَمر أَن يوضع فِيهِ مَال الْبَحْرين حَتَّى قسمه فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يقْعد فِيهِ للوفود وَالْحكم بَين النَّاس، وَمثل ذَلِك مِمَّا هُوَ أبين مِنْهُ: لعب الْحَبَشَة بالحراب وَتعلم المثاقفة، وكل ذَلِك إِذا كَانَ شَامِلًا لجَماعَة الْمُسلمين، وَأما إِذا كَانَ الْعَمَل لخاصة نَفسه فَيكْرَه مثل: الْخياطَة وَنَحْوهَا، وَقد كره قوم التَّأْدِيب فِيهِ لِأَنَّهُ خَاص، وَرخّص فِيهِ آخَرُونَ لما يُرْجَى من نفع تعلم الْقُرْآن فِيهِ. وَفِيه: جَوَاز دُخُول الْأَطْفَال فِيهِ واللعب فِيهِ بِغَيْر مَا يسْقط حرمته إِذا كَانَ الْأَطْفَال إِذا نهوا انْتَهوا. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي أَن يتَجَنَّب الْأَطْفَال مَا يتَجَنَّب الْكِبَار من الْمُحرمَات. وَفِيه: أَن الْأَطْفَال إِذا نهوا عَن الشَّيْء يجب أَن يعرفوا لأي شَيْء نهوا عَنهُ ليكونوا على علم إِذا جَاءَهُم أَوَان التَّكْلِيف. وَفِيه: أَن لأولياء الصغار المعاتبة عَلَيْهِم والحول بَينهم وَبَين مَا حرم الله على عباده، أَلا يرى أَنه ﷺ استخرج التَّمْر من الصَّدَقَة من فَم الْحسن وَهُوَ طِفْل لَا تلْزمهُ الْفَرَائِض وَلم تجر عَلَيْهِ الأقلام؟ فَبَان بذلك أَن الْوَاجِب على ولي الطِّفْل وَالْمَعْتُوه، إِذا رَآهُ يتَنَاوَل خمرًا يشْربهَا، أَو لحم خِنْزِير يَأْكُلهُ، أَو مَالا لغيره يتلفه، أَن يمنعهُ من فعله ويحول بَينه وَبَين ذَلِك. وَقَالَ صَاحب
стр. 2581
(التَّوْضِيح) : وَفِيه: الدَّلِيل الْوَاضِح على صِحَة قَول الْقَائِل: إِن على ولي الصَّغِيرَة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا أَن يجنبها الطّيب والزينة وَالْمَبِيت عَن الْمسكن الَّذِي تسكنه، وَالنِّكَاح وَجَمِيع مَا يجب على البالغات المعتدات اجتنابه، وعَلى خطأ قَول الْقَائِل: لَيْسَ ذَلِك على الصَّغِيرَة اعتلالاً مِنْهُم بِأَنَّهَا غير متعبدة بِشَيْء من الْفَرَائِض، لِأَن الْحسن كَانَ لَا يلْزمه الْفَرَائِض، فَلم يكن لإِخْرَاج التمرة من فِيهِ معنى إلَاّ من أجل مَا كَانَ على النَّبِي ﷺ من مَنعه مَا على الْمُكَلّفين مِنْهُ من أجل أَنه وليه. قلت: يلْزمهُم على هَذَا أَن يجتنبوا عَن إلباسهم الصغار الْحَرِير، وَمَعَ هَذَا جوزوا ذَلِك، وقياسهم الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة على قَضِيَّة الْحسن غير صَحِيح، لِأَنَّهُ ﷺ مَا منع الْحسن عَن ذَلِك إلَاّ لأجل أَنه من جزئه، وَلَيْسَ ذَلِك لأجل مَا كَانَ عَلَيْهِ من مَنعه مَا على الْمُكَلّفين من ذَلِك، وَالتَّعْلِيل بِأَنَّهَا غير متعبدة بِشَيْء من الْفَرَائِض صَحِيح لَا نزاع فِيهِ لأحد، واعترافهم بِصِحَّة السَّنَد يلْزمهُم باعتراف الحكم بِهِ على مَا لَا يخفى على المتأمل.
٨٥ - (بابُ مَنْ باعَ ثِمَارَهُ أوْ نَخْلَهُ أوْ أرْضَهُ أوُ زَرْعَهُ وقَدْ وجَبَ فِيهِ العُشْرُ أَو الصَّدَقَة فأدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ أوْ بَاعَ ثِمَارَهُ ولَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا فَلَمْ يَحْظُرِ البَيْعَ بَعْدَ الصَّلَاحِ عَلى أحَدٍ ولَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عليهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من بَاعَ ثماره أَو بَاعَ نخله أَو بَاعَ أرضه أَو بَاعَ زرعه، وَالْحَال أَنه قد وَجب فِيهِ الْعشْر أَو الصَّدَقَة، أَي: الزَّكَاة، فَأدى الزَّكَاة من غير مَا بَاعَ من هَذِه الْأَشْيَاء، أَو بَاعَ ثماره وَلم تجب فِيهِ الصَّدَقَة، وَهُوَ تَعْمِيم بعد تَخْصِيص، وَالْمرَاد من النّخل الَّتِي عَلَيْهَا الثِّمَار، وَمن الأَرْض الَّتِي عَلَيْهَا الزَّرْع، لِأَن الصَّدَقَة لَا تجب فِي نفس النّخل وَالْأَرْض، وَهَذَا يحْتَمل ثَلَاثَة أَنْوَاع من البيع. الأول: بيع الثَّمَرَة فَقَط. الثَّانِي: بيع النّخل فَقَط. الثَّالِث: بيع التَّمْر مَعَ النّخل، وَكَذَا بيع الزَّرْع مَعَ الأَرْض أَو بِدُونِهَا أَو بِالْعَكْسِ، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف تَقْدِيره: من بَاعَ ثماره ... إِلَى آخِره جَازَ بَيْعه فِيهَا، فدلت هَذِه التَّرْجَمَة على أَن البُخَارِيّ يرى جَوَاز بيع الثَّمَرَة بعد بَدو صَلَاحهَا، سَوَاء وَجب عَلَيْهِ الزَّكَاة أم لَا. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ الرَّد على الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ بِمَنْع البيع بعد الصّلاح حَتَّى يُؤَدِّي الزَّكَاة مِنْهَا، فَخَالف إِبَاحَة النَّبِي ﷺ لَهُ. قَوْله: (وَقَول النَّبِي ﷺ ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (من بَاعَ) ، لِأَنَّهُ مجرور محلا بِالْإِضَافَة، وَالتَّقْدِير: وَبَاب قَول النَّبِي ﷺ لَا تَبِيعُوا ... الحَدِيث، وَهَذَا مُعَلّق سَنَده من حَدِيث ابْن عمر على مَا يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَة) يَعْنِي بِدُونِ النَّخْلَة، (حَتَّى يَبْدُو) أَي: حَتَّى يظْهر صَلَاحهَا، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَذَا لجَوَاز بيعهَا مَعهَا قبل بَدو الصّلاح إِجْمَاعًا. قَوْله: (فَلم يحظر) من كَلَام البُخَارِيّ، وَهُوَ بالظاء الْمُعْجَمَة، من الْحَظْر، وَهُوَ الْمَنْع وَالتَّحْرِيم، وَهُوَ على بِنَاء الْفَاعِل، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، أَي: لم يحرم النَّبِي ﷺ البيع بعد الصّلاح على أحد، سَوَاء وَجَبت عَلَيْهِ الزَّكَاة أَو لَا. وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَلم يخص) أَي: النَّبِي ﷺ من وَجَبت عَلَيْهِ الزَّكَاة مِمَّن لم تجب عَلَيْهِ، وَبِهَذَا رد البُخَارِيّ على الشَّافِعِي فِي أحد قوليه: إِن البيع فَاسد، لِأَنَّهُ بَاعَ مَا يملك وَمَا لَا يملك، وَهُوَ نصيب الْمَسَاكِين، ففسدت الصَّفْقَة، وَإِنَّمَا ذكر قَوْله: (فَلم يحظر) بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ تَفْسِير لما قبله.
٦٨٤١ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نهَى النبيُّ ﷺ عنْ بَيْعِ الثمَرَةِ حَتى يبْدُو صَلَاحُهَا وكانَ إِذا سُئِلَ عنْ صَلاحِهَا قَالَ حتَّى تَذْهَبَ عاهَتُهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ أسْند ذَلِك الَّذِي علقه فِيمَا قبل، وَهُوَ قَوْله: وَقَول النَّبِي ﷺ : (لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا) .
ذكر رِجَاله: وهم: أَرْبَعَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْحجاج هُوَ ابْن الْمنْهَال.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي
стр. 2582
موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: السماع، وَهُوَ من الرباعيات.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن دِينَار إِلَى آخِره نَحوه، وَفِي لفظ لَهُ: (نهى عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا، نهى البَائِع والمبتاع) . وَفِي لفظ: نهى عَن بيع النّخل حَتَّى يزهو، وَعَن السنبل حَتَّى يبيض ويأمن العاهة، نهى البَائِع وَالْمُشْتَرِي. وَفِي لفظ: لَا تبْتَاع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا وَتذهب عَنْهَا العاهة. وَقَالَ: بَدو صَلَاحه حمرته وصفرته. وَفِي لفظ: (لَا تَبِيعُوا الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر مثل رِوَايَة مُسلم وَفِي لفظ لَهُ مثل رِوَايَة مُسلم الثَّالِثَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن بيع النّخل حَتَّى يزهو) ، وَبِهَذَا الْإِسْنَاد أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع السنبل حَتَّى يبيض ويأمن العاهة، نهى البَائِع وَالْمُشْتَرِي وَأخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: (لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا البَائِع وَالْمُشْتَرِي) وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أنس وَعَائِشَة وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي سعيد وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَحَدِيث أنس عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم. وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمد: حَدثنَا الحكم حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي الرِّجَال عَن أَبِيه عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا تَبِيعُوا ثماركم حَتَّى يَبْدُو صالحها وتنجو من العاهة) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم، وَلَفظه: (لَا تبتاعوا الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا) . وَحَدِيث ابْن عَبَّاس. وَحَدِيث جَابر عِنْد البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي، وَلَفظه عِنْد أبي دَاوُد: (نهى أَن تبَاع الثَّمَرَة حَتَّى تشقح، قيل: وَمَا تشقح؟ قَالَ: تحمار وتصفار) . وَحَدِيث أبي سعيد عِنْد الْبَزَّار، وَلَفظه: (لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا. قيل: وَمَا صَلَاحهَا؟ قَالَ: تذْهب عاهتها وتخلص صَلَاحهَا) . وَحَدِيث زيد بن ثَابت عِنْد أبي دَاوُد، (فَلَا تبتاعوا الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى يَبْدُو) أَي: حَتَّى يظْهر، وَهُوَ بِلَا همز. قَوْله: (وَكَانَ إِذا سُئِلَ) قَالَ الْكرْمَانِي: وفاعله إِمَّا رَسُول الله ﷺ ، وَإِمَّا ابْن عمر، وقائله: إِمَّا ابْن عمر وَإِمَّا عبد الله بن دِينَار. قلت: صرح فِي مُسلم أَن قَائِله ابْن عمر حَيْثُ قَالَ بعد أَن روى حَدِيث عبد الله بن عمر من طَرِيق شُعْبَة: وَزَاد شُعْبَة، فَقيل لِابْنِ عمر: مَا صَلَاحه؟ قَالَ: تذْهب عاهته، أَي: آفته وَهُوَ أَن يصير إِلَى الصّفة الَّتِي يطْلب كَونه على تِلْكَ الصّفة، كظهور النضج ومبادي الْحَلَاوَة وَزَوَال العفوصة المفرطة، وَذَلِكَ بِأَن يتموه ويلين، أَو يَتلون بالإحمرار أَو الاصفرار أَو الإسوداد وَنَحْوه، وَالْمعْنَى الْفَارِق بَينهمَا أَن الثِّمَار بعد البدو تأمن من العاهات لكبرها وَغلظ نَوَاهَا، بِخِلَافِهَا قبله لِضعْفِهَا، فَرُبمَا تلفت فَلم يبْق شَيْء فِي مُقَابلَة الثّمن، فَكَانَ ذَلِك من قبيل أكل المَال بِالْبَاطِلِ، وَظَاهره يمْنَع البيع مُطلقًا، وَخرج عَنهُ البيع الْمَشْرُوط بِالْقطعِ للْإِجْمَاع على جَوَازه فَيعْمل بِهِ فِيمَا عداهُ. قَوْله: (عاهته) أَي: عاهة التَّمْر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عاهتها، وَوجه التَّأْنِيث يكون بِاعْتِبَار أَن التَّمْر جنس، وأصل عاهة: عوهة، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، يُقَال: عاه الْقَوْم وأعوهوا: إِذا أصَاب ثمارهم وماشيتهم العاهة، ومادته: عين وواو وهاء.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَقَالَ مَالك: من بَاعَ حَائِطه أَو أرضه وَفِي ذَلِك زرع أَو تمر قد بدا صَلَاحه وَحل بَيْعه، فزكاة ذَلِك التَّمْر على البَائِع إلَاّ أَن يشترطها على الْمُبْتَاع. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَين إِنْفَاذ البيع ورده، وَالْعشر مَأْخُوذ من التمرة لِأَن سنة السَّاعِي أَن يَأْخُذهَا من كل ثَمَرَة يجدهَا، فَوَجَبَ الرُّجُوع على البَائِع بِقدر ذَلِك، كالعيب الَّذِي يرجع بِقِيمَتِه. وَقَالَ الشَّافِعِي، فِي أحد قوليه: إِن البيع فَاسد لِأَنَّهُ بَاعَ مَا يملك وَمَا لَا يملك وَهُوَ نصيب الْمَسَاكِين، ففسدت الصَّفْقَة. وَاتفقَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: أَنه إِذا بَاعَ أصل الثَّمَرَة وفيهَا ثَمَر لم يبد صَلَاحه إِن البيع جَائِز وَالزَّكَاة على المُشْتَرِي، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ (الْأَنْعَام: ١٤١) . وَأما الَّذِي ورد فِيهِ النَّهْي عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا
стр. 2583
وَهُوَ بيع الثَّمَرَة دون الأَصْل، لِأَنَّهُ يخْشَى عَلَيْهِ العاهة، فَيذْهب مَال المُشْتَرِي من غير عوض، وَإِذا ابْتَاعَ رَقَبَة الثَّمَرَة وَكَانَ فِيهَا ثَمَر لم يبد صَلَاحه فَهُوَ جَائِز، لِأَن البيع وَقع على الرَّقَبَة وَلم يظْهر بعد، فَهَذَا هُوَ الْفرق بَينهمَا. وَفِيه: جَوَاز البيع من الثَّمَرَة الَّتِي وَجَبت زَكَاتهَا قبل أَدَاء الزَّكَاة، وَيتَعَيَّن حِينَئِذٍ أَن يُؤَدِّي الزَّكَاة من غَيرهَا، خلافًا لمن أفسد البيع، وَعَن مَالك: الزَّكَاة على البَائِع إلَاّ أَن يشْتَرط على المُشْتَرِي، وَبِه قَالَ اللَّيْث. وَعَن أَحْمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: على البَائِع مُطلقًا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
٧٨٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني خالِدُ بنُ يَزِيدَ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَيزِيد من الزِّيَادَة، والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا، وَقد ذَكرْنَاهُ.
٨٨٤١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مَالِكٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِىَ قَالَ حَتَّى تَحْمَارَّ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَحميد بِضَم الْحَاء هُوَ الطَّوِيل، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن أبي يُوسُف، وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي الطَّاهِر أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح عَن ابْن وهب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين.
قَوْله: (حَتَّى تزهىَ) أَي: تتلون، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: زهى النّخل إِذا ظَهرت ثَمَرَته، وأزهء إِذا: احمرَّ أَو اصفرَّ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: لَا يُقَال: أزهى، إِنَّمَا يُقَال: زهى، وَقَالَ الْخَلِيل: زهى: إِذا بدا صَلَاحه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: مِنْهُم من أنكر: تزهى، كَمَا أَن مِنْهُم من أنكر: يزهو، أَقُول الحَدِيث الصَّحِيح يبطل قَول مُنكر الإزهاء. قَوْله: (حَتَّى تحمارّ) تَفْسِير لقَوْله: (حَتَّى تُزهيَ) ، وأصل: تحمار، لِأَنَّهُ من حمر فأدغمت الرَّاء فِي الرَّاء.
٩٥ - (بابٌ هَلْ يَشْتَرِي صَدَقَتَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ هَل يَشْتَرِي الرجل الَّذِي تصدق بِشَيْء صدقته؟ وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوف، وَهُوَ: لَا يَشْتَرِي، وَإِنَّمَا حذف الْجَواب لِأَن فِي الْجَواب وَجْهَيْن: أَحدهمَا: لَا يَشْتَرِي أصلا. وَالثَّانِي: أَنه يكره، كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَلَا بَأسَ أنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ لأِنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما نَهَى المُتَصَدِّقَ خاصَّةً عنِ الشِّرَاءِ ولَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ
تَوْضِيحه حَدِيث بُرَيْدَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (هُوَ لَهَا صَدَقَة وَلنَا هَدِيَّة) ، فَإِذا كَانَ هَذَا جَائِزا بِغَيْر عوض فبالعوض أجوز.
٩٨٤١ - حدَّثنا حدَّثنا يَحْيَى بنُ بكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَن عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ يُحَدِّثُ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبيلِ الله فَوَجدَهُ يُبَاعُ فأرَادَ أنْ يشْتَرِيَهُ ثُمَّ أَتَى النبيَّ ﷺ فاسْتَأمَرَهُ فَقَالَ لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ فبِذالِكَ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَا يَتْرُكُ أنْ يَبْتَاعَ شَيْئا تَصَدَّقَ بِهِ إلَاّ جَعَلَهُ صَدَقَةً.
.
стр. 2584
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن تقديرها لَا يَشْتَرِي فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَرِجَاله سِتَّة قد ذكرُوا كلهم، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي وَرَوَاهُ معن بن عِيسَى عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو قلَابَة عَن بشر بن عمر عَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَرَوَاهُ عبد الله بن نمير عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَالْأَشْبَه بِالصَّوَابِ قَول من قَالَ: عَن ابْن عمر أَن عمر، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ (عَن ابْن عمر أَن عمر حمل على فرس فِي سَبِيل الله أَعْطَاهَا رَسُول الله ﷺ ليحمل عَلَيْهَا، فَحمل عَلَيْهَا رجلا) وَفِي رِوَايَة ابْن عبد الْبر: (لَا تشتره وَلَا شَيْئا من نتاجه) . وَفِي (الْعِلَل) لِابْنِ أبي حَاتِم: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (إِذا تَصَدَّقت بِصَدقَة فأمضها، لقد تَصَدَّقت بِتَمْر على مَسَاكِين فَوجدت تَمْرَة، فأدخلت يَدي فِي فيَّ ثمَّ لفظتها خشيَة أَن تكون من الصَّدَقَة) . وَفِي (المُصَنّف) : فَرَآهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَو شَيْئا من نَسْله يُبَاع فِي السُّوق، فَسَأَلت النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: أتركه حَتَّى يوافيك يَوْم الْقِيَامَة. وَعَن الزبير بن الْعَوام أَن رجلا حمل على فرس فِي سَبِيل الله تَعَالَى، فَرَأى فرسه أَو مهره يُبَاع بِنسَب فرسه فَنهى عَنْهَا) . وَعَن أُسَامَة بِسَنَد جيد: (أَنه حمل على مهر لَهُ فِي سَبِيل الله تَعَالَى، فَرَآهُ بعد ذَلِك يُبَاع، فَقلت للنَّبِي ﷺ عَنهُ فنهاني عَنهُ) . وروى الشّعبِيّ عَن زِيَاد بن حَارِثَة عَن النَّبِي ﷺ نَحْو حَدِيث أُسَامَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تصدق بفرس) ، أَي: حمل عَلَيْهِ رجلا، وَمَعْنَاهُ أَنه ملكه لَهُ، فَلذَلِك سَاغَ لَهُ بَيْعه. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَي حمله على فرس حمل تمْلِيك وغزا بِهِ فَلهُ أَن يفعل فِيهِ مَا شَاءَ فِي سَائِر أَمْوَاله، وَقيل: كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد حَبسه، وَفِي هَذَا الْوَجْه إِنَّمَا سَاغَ للرجل بَيْعه لِأَنَّهُ انهزل وَعجز لأَجله عَن اللحاق بِالْخَيْلِ، وانْتهى إِلَى حَالَة عدم الِانْتِفَاع بِهِ. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ اسْم هَذَا الْفرس: الْورْد، وَكَانَ لتميم الدَّارِيّ فأهداه للنَّبِي ﷺ فَأعْطَاهُ لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) ، المُرَاد بِهِ جِهَة الْغُزَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَفْهُوم من السَّبِيل الْوَقْف فَكيف يَصح الابتياع؟ قلت: تَمْلِيكه للغازي، والمتبادر إِلَى الذِّهْن من سَبِيل الله: الْجِهَاد. قلت: لَا نسلم أَن الْمَفْهُوم من السَّبِيل الْوَقْف، بل المُرَاد من سَبِيل الله الْغَازِي أَو الْحَاج، وَفِيه خلاف. قَوْله: (يُبَاع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، جملَة حَالية لِأَن وجده بِمَعْنى أَصَابَهُ. قَوْله: (فاستأمره) أَي: استشاره. قَوْله: (فَلَا تعد) أَي: فَلَا ترجع فِي صدقتك، وَلَو كَانَ حبسا لعلله بِهِ، وَبِهَذَا يرد على من قَالَ: إِنَّه كَانَ محبسا، وَلَئِن كَانَ حبسا يحْتَمل أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ظن أَنه يجوز لَهُ هَذَا، وَيُبَاح لَهُ شِرَاء الْحَبْس، غير أَن مَنعه ﷺ من شِرَائِهِ وتعليله بِالرُّجُوعِ دَلِيل على أَنه لم يكن حبسا. قَوْله: (فبذلك) أَي: فبسبب (ذَلِك كَانَ ابْن عمر) يَعْنِي: عبد الله. قَوْله: (لَا يتْرك) ، كَذَا هُوَ بِحرف النَّفْي فِي رِوَايَة أبي ذَر، ويروى: يتْرك، وَوَجهه ظَاهر. وَإِمَّا وَجه: لَا يتْرك، فَهُوَ أَن التّرْك بِمَعْنى التَّخْلِيَة، وَكلمَة: من، مقدرَة أَي: لَا يخلي الشَّخْص من أَن يبتاعه فِي حَال إلَاّ حَال جعله صَدَقَة أَو لغَرَض إلَاّ لغَرَض الصَّدَقَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: كَرَاهَة شِرَاء الرجل صدقته، وَقَالَ ابْن بطال: كره أَكثر الْعلمَاء شِرَاء الرجل صدقته لحَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَول مَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَسَوَاء كَانَت الصَّدَقَة فرضا أَو تَطَوّعا، فَإِن اشْترى أحد صدقته لم يفْسخ بَيْعه، وَأولى بِهِ التَّنَزُّه عَنْهَا، وَكَذَا قَوْلهم فِيمَا يُخرجهُ الْمُكَفّر فِي كَفَّارَة الْيَمين. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رخص فِي شِرَاء الصَّدَقَة الْحسن وَعِكْرِمَة وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ، قَالَ ابْن الْقصار: قَالَ قوم: لَا يجوز لأحد أَن يَشْتَرِي صدقته وَيفْسخ البيع، وَلم يذكر قَائِل ذَلِك، وَكَأَنَّهُ يُرِيد بِهِ أهل الظَّاهِر. وَأَجْمعُوا أَن من تصدق بِصَدقَة ثمَّ ورثهَا أَنَّهَا حَلَال لَهُ، وَقد جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِنِّي تَصَدَّقت على أُمِّي بِجَارِيَة وَأَنَّهَا مَاتَت، قَالَ: وَجب أجرك وردهَا على الْمِيرَاث، وَقَالَ ابْن التِّين: وشذت فرقة من أهل الظَّاهِر فَكرِهت أَخذهَا بِالْمِيرَاثِ ورأوه من بَاب الرُّجُوع فِي الصَّدَقَة وَهُوَ سَهْو لِأَنَّهَا تدخل قهرا، وَإِنَّمَا كره شراؤها لِئَلَّا يحابيه الْمُصدق بهَا عَلَيْهِ فَيصير عَائِدًا فِي بعض صدقته، لِأَن الْعَادة أَن الصَّدَقَة الَّتِي تصدق بهَا عَلَيْهِ يسامحه إِذا بَاعهَا، وَيُقَال: لَا يكون الْحَبْس إلَاّ أَن ينْفق عَلَيْهِ الْمحبس من مَاله، وَإِذا خرج خَارج إِلَى الْغَزْو وَدفعه إِلَيْهِ مَعَ نَفَقَته على أَن يَغْزُو بِهِ ويصرفه إِلَيْهِ فَيكون مَوْقُوفا على مثل ذَلِك، فَهَذَا لَا يجوز بَيْعه بِإِجْمَاع وَأما إِذا جعله فِي سَبِيل الله وَملكه الَّذِي دَفعه إِلَيْهِ فَهَذَا يجوز بَيْعه، وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء: كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا يكره أَن
стр. 2585
يَشْتَرِي الرجل صدقته إِذا خرجت من يَد صَاحبهَا إِلَى غَيره، رَوَاهُ الْحسن عَنهُ، وَقَالَ بِهِ هُوَ وَابْن سِيرِين.
٠٩٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكُ بنُ أنسٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ حَمَلْتُ عَلَى فرَسٍ فِي سَبِيلِ الله فأضاعَهُ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ فأرَدْتُ أنْ أشْتَرِيَهُ وظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَسَألْتُ النبيَّ ﷺ فَقَالَ لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإنْ أعْطاكَهُ بِدِرْهَمٍ فإنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَزيد بن أسلم مولى عمر بن الْخطاب يروي عَن أَبِيه أسلم يكنى أَبَا خَالِد، كَانَ من سبي عين الْيمن، ابتاعه عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِمَكَّة سنة إِحْدَى عشرَة، مَاتَ وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَمِائَة سنة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة عَن يحيى بن قزعة، وَفِي الْجِهَاد عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْجِهَاد وَالْهِبَة عَن الْحميدِي: وَأخرجه مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن القعْنبِي وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن أُميَّة ابْن خَالِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن الْحَارِث بن مِسْكين وَمُحَمّد بن سَلمَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فأضاعه) أَي: لم يكن يعرف قدره فَكَانَ يَبِيعهُ بالوكس، كَذَا فسره الْكرْمَانِي، وَقيل: أَي يتْرك الْقيام عَلَيْهِ بِالْخدمَةِ والعلف وَنَحْوهمَا، وَهَذَا التَّفْسِير هُوَ الْأَوْجه. قَوْله: (لَا تشتره) أَي: الْفرس الْمَذْكُور، ويروى: (لَا تشتريه) ، بإشباع كسرة الرَّاء يَاء. قَوْله: (وَإِن أعطاكه بدرهم) مُبَالغَة فِي رخصه، وَكَانَ هُوَ الْحَامِل على شراه. قَوْله: (فَإِن الْعَائِد) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (كالعائد فِي قيئه) الْغَرَض من التَّشْبِيه تقبيح صُورَة ذَلِك الْفِعْل أَي: كَمَا يقبح أَن يقيء ثمَّ يَأْكُل كَذَلِك يقبح أَن يتَصَدَّق بِشَيْء ثمَّ يجره إِلَى نَفسه بِوَجْه من الْوُجُوه.
وَفِيه: كَرَاهَة الرُّجُوع فِي الْهِبَة، وَفضل الْحمل فِي سَبِيل الله، والإعانة على الْغَزْو بِكُل شَيْء وَالْخَيْل الضائعة الْمَوْقُوفَة إِذا رجى صَلَاحهَا وَالِانْتِفَاع بهَا فِي الْجِهَاد كالضعيف المرجو رده، منع ابْن الْمَاجشون بَيْعه وَأَجَازَهُ ابْن الْقَاسِم وَيُوضَع ثمنه فِي ذَلِك الْوَجْه. وَقَالَ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد: لَا بَأْس أَن يركب الْفرس الَّذِي جعله فِي سَبِيل الله تَعَالَى.
٠٦ - (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِي ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحكم الَّذِي يذكر فِي الصَّدَقَة لأجل النَّبِي ﷺ يَعْنِي فِي حَقه، وَفِي حق آله، وَقد مر تَفْسِير الْآل، وَفِي بعض النّسخ: من الصَّدَقَة، عوض: فِي الصَّدَقَة، وَإِنَّمَا أبهم الحكم لكَونه مَشْهُورا.
١٩٤١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ أخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ كَخْ كَخْ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قالَ أمَا شَعَرْتَ أنَّا لَا نَأكُلُ الصَّدَقَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) ، والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي: بَاب أَخذ صَدَقَة التَّمْر عِنْد صرام النّخل، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ وَهنا زِيَادَة، وَهِي قَوْله: (كخ كخ) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسرهَا وتسكين الْخَاء الْمُعْجَمَة وَيجوز كسرهَا مَعَ التَّنْوِين، فَتَصِير سِتّ لُغَات، وَإِنَّمَا كرر للتَّأْكِيد، وَهِي كلمة تزجر بهَا الصّبيان عِنْد مناولة مَا لَا يَنْبَغِي الْإِتْيَان بِهِ، قيل: هِيَ عَرَبِيَّة، وَقيل: أَعْجَمِيَّة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ معربة، وَقد أوردهَا البُخَارِيّ فِي: بَاب من تكلم بِالْفَارِسِيَّةِ، وَالْمعْنَى هُنَا: اتركه وارمِ بِهِ. قَوْله: (أما شَعرت؟) هَذِه اللَّفْظَة تقال فِي الشَّيْء الْوَاضِح التَّحْرِيم وَنَحْوه، وَإِن لم يكن الْمُخَاطب عَالما بِهِ أَي: كَيفَ خَفِي عَلَيْك مَعَ ظُهُور تَحْرِيمه، وَهَذَا أبلغ فِي الزّجر عَنهُ بقوله: لَا تَفْعَلهُ فَإِن قلت: روى أَحْمد من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد
стр. 2586
ابْن زِيَاد: (فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ يلوك تَمْرَة، فحرك خَدّه، وَقَالَ: ألقها يَا بني ألقها يَا بني) . فَمَا التَّوْفِيق بَينه وَبَين قَوْله: (كخ كخ؟) قلت: هُوَ أَنه كلمة أَولا بِهَذَا، فَلَمَّا تَمَادى قَالَ: كخ كخ إِشَارَة إِلَى استقذار ذَلِك، وَقد ذكرنَا الْحِكْمَة فِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِم أَنَّهَا مطهرة للملاك ولأموالهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٣٠١) . فَهِيَ كغسالة الأوساخ، وَأَن آل مُحَمَّد منزهون عَن أوساخ النَّاس وغسالاتهم، وَثَبت عَن النَّبِي ﷺ : (الصَّدَقَة أوساخ النَّاس) ، كَمَا رَوَاهُ مُسلم، وَأما إِن أَخذهَا مذلة، وَالْيَد السُّفْلى، وَلَا يَلِيق بهم الذل والافتقار إِلَى غير الله تَعَالَى، وَلَهُم الْيَد الْعليا وَأما أَنَّهَا لَو أخذوها لطال لِسَان الْأَعْدَاء بِأَن مُحَمَّدًا يَدْعُونَا إِلَى مَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ ليَأْخُذ أَمْوَالنَا ويعطيها لأهل بَيته. قَالَ تَعَالَى: ﴿قل، لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا﴾ (الْأَنْعَام: ٠٩، الشورى: ٣٢) . وَلِهَذَا أَمر أَن تصرف إِلَى فقرائهم فِي بلدهم. قَوْله: (إنَّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) وَفِي رِوَايَة معمر: (إِن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) .
١٦ - (بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ أَي: على عتائقهن. قيل: لم يترجم لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ وَلَا موَالِي النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده فِيهِ شَيْء؟ قلت: روى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَغَيره عَن أبي رَافع مَرْفُوعا: (إِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة وَأَن موَالِي الْقَوْم من أنفسهم) . وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأحمد وَابْن الْمَاجشون الْمَالِكِي، وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ غَيرهم: يجوز لَهُم لأَنهم لَيْسُوا مِنْهُم حَقِيقَة، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك مَا كَانَ يَنْبَغِي الإعتذار عَن البُخَارِيّ فِي تَركه التَّرْجَمَة لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ وَلَا لمواليه بقوله لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده فِيهِ شَيْء لِأَن البُخَارِيّ لم يلْتَزم أَن يذكر كل صَحِيح عِنْده أَو عِنْد غَيره، وَقيل: إِنَّمَا أورد البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة ليحقق أَن الْأزْوَاج لَا يدخلن وَلَا تحرم عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَة، وَكَذَا قَالَ ابْن بطال: إِن الْأزْوَاج لَا يدخلن فِي ذَلِك بِاتِّفَاق الْفُقَهَاء، فَإِذا لم يدخلن هن فمواليهن أَحْرَى بِعَدَمِ الدُّخُول. قلت: روى الْخلال من طَرِيق ابْن أبي مليكَة (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) ، ذكره ابْن قدامَة، وَقَالَ: هَذَا يدل على تَحْرِيمهَا، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) حَدثنَا وَكِيع عَن شريك عَن ابْن أبي مليكَة أَن خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ أرسل إِلَى عَائِشَة شَيْئا من الصَّدَقَة، فَردته فَقَالَت: إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة.
٢٩٤١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ وَجَدَ النبيُّ ﷺ شَاة مَيِّتَةً أعْطَيْتها مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ النبيُّ ﷺ هَلَاّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا قَالُوا إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أكْلُهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أُعطيتها مولاة لميمونة من الصَّدَقَة) ، فَإِن مولاة مَيْمُونَة أُعطيت صَدَقَة فَلم يُنكر عَلَيْهَا، فَدلَّ على أَن موَالِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ تحل لَهُم الصَّدَقَة، وَبِهَذَا علم أَن مُرَاد البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة التَّنْبِيه على ذَلِك، لَا مَا قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذِه التَّرْجَمَة مُسْتَغْنى عَنْهَا، فَإِن تَسْمِيَة الْمولى لغير فَائِدَة، وَإِنَّمَا هُوَ لسوق الحَدِيث على وَجهه فَقَط.
ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء، مر فِي بَاب من يرد الله بِهِ خيرا. الثَّانِي: عبد الله ابْن وهب. الثَّالِث: يُونُس ين يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِفَتْح الْعين: ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده لِأَنَّهُ سعيد بن كثير بن عفير وَأَنه وَابْن وهب مصريان، وَأَن يُونُس أيلي وَأَن ابْن شهَاب وَعبيد الله مدنيان، وَقَالَ
стр. 2587
أَبُو عمر: روى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله عَن النَّبِي، ﷺ ، مُرْسلا، وَالصَّحِيح اتِّصَاله، كَذَا رَوَاهُ معمر وَيُونُس والزبيدي وَعقيل، كلهم عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ .
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع، وَفِي الذَّبَائِح عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي الطَّاهِر وحرملة، وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعبد بن حميد وَعَن يحيى بن يحيى وَعَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن أَحْمد، وَعَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الذَّبَائِح عَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن عبد الْملك بن شُعَيْب وروى مُسلم من حَدِيث عَطاء: (عَن ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة أخْبرته: أَن داجنا كَانَت لبَعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَلا أَخَذْتُم إهابها فاستمتعتم بِهِ؟) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (مر النَّبِي ﷺ بِرِجَال من قُرَيْش يجرونَ شَاة، فَقَالَ: لَو أَخَذْتُم إهابها؟ قَالُوا: إِنَّهَا ميتَة. قَالَ: يطهره المَاء والقرظ) . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد (عَن ابْن عَبَّاس: مَاتَت شَاة لسودة بنت زَمعَة، فَقَالَت: يَا رَسُول الله مَاتَت فلَان، يَعْنِي الشَّاة، فَقَالَ: لَوْلَا أَخَذْتُم مسكها؟ فَقَالَت: تَأْخُذ مسك شَاة قد مَاتَت؟ فَقَالَ: إِنَّكُم لَا تطعمونه تنتفعون بِهِ. قَالَ: فَأرْسلت إِلَيْهَا فسلخت مسكها فدبغته واتخذت مِنْهُ قربَة حَتَّى تخرقت عِنْدهَا) . وَعند البُخَارِيّ (عَن سَوْدَة: مَاتَت لنا شَاة فدبغنا مسكها) الحَدِيث مَوْقُوف، وَعند مُسلم عَنهُ مَرْفُوعا (إِذا دبغ الإهاب فقد طهر) ، وَفِي لفظ: (دباغه طهوره) ، وَعند ابْن شاهين سُئِلَ عَن جُلُود الْميتَة فَقَالَ: طهورها دباغها، وَفِي لفظ مَرْفُوع: (اسْتَمْتعُوا بجلود الْميتَة إِذا دبغت تُرَابا كَانَ أَو رَمَادا أَو ملحا أَو مَا كَانَ، بعد أَن يزِيد صَلَاحه) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: فِي إِسْنَاده مَعْرُوف بن حسان مُنكر الحَدِيث، وَفِي كتاب ابْن سعد: قَالَ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث لعَائِشَة: أَلا نجْعَل لَك فروا تلبسيه فَإِنَّهُ أدفأ لَك؟ قَالَت: إِنِّي لأكْره جُلُود الْميتَة. فَقَالَ: أَنا أقوم عَلَيْهِ وَلَا أجعله إلَاّ ذكيا، فَجعله لَهَا فَكَانَت تلبسه، رَوَاهُ معن ومطرف، قَالَا: حَدثنَا مَالك عَن نَافِع عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بِهِ، وروى أَبُو دَاوُد بِسَنَد جيد من حَدِيث قَتَادَة عَن الْحسن عَن الجون بن قَتَادَة (عَن سَلمَة بن المحبق أَن رَسُول الله، ﷺ ، مر بِبَيْت بفنائه قربَة معلقَة، فَاسْتَسْقَى فَقيل: إِنَّهَا ميتَة، فَقَالَ: زَكَاة الْأَدِيم دباغه) . وَفِي رِوَايَة: فِي غَزْوَة تَبُوك. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَعند أَحْمد بِسَنَد جيد (عَن جَابر: كُنَّا نصيب مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي مغانمنا من الْمُشْركين الأسقية والأوعية فنقسمها وَكلهَا ميتَة) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَنَّهَا مَاتَت لَهَا شَاة، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : أَفلا انتفعتم بإهابها؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا ميتَة. فَقَالَ: إِن دباغتها يحل كَمَا يحل الْخمر الْملح. قَالَ: تفرد بِهِ الْفرج بن فضَالة وَهُوَ ضَعِيف، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث يُوسُف بن السّفر، قَالَ: وَهُوَ مَتْرُوك، وَمن حَدِيث أبي قيس الأودي عَن هزيل بن شُرَحْبِيل عَن أم سَلمَة أَو زَيْنَب أَو غَيرهمَا من أَزوَاج النَّبِي، ﷺ : (إِن مَيْمُونَة مَاتَت لَهَا شَاة) الحَدِيث.
فَإِن قلت: جَاءَت أَحَادِيث تخَالف الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. مِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث حبيب بن أبي ثَابت عَن رجل عَن أم سلمَان الأشجعية أَن النَّبِي ﷺ أَتَاهَا وَهِي فِي قبَّة، فَقَالَ: مَا أحسن هَذِه إِن لم يكن فِيهَا ميتَة؟ قَالَت: فَجعلت أتتبعها. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن عبد الله بن عكيم، قَالَ: (كتب إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ قبل مَوته بِشَهْر: أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب) ، ثمَّ قَالَ: ذكر الْبَيَان بِأَن ابْن عكيم شهد قِرَاءَة كتاب النَّبِي ﷺ بِأَرْض جُهَيْنَة، ثمَّ ذكر عَنهُ، قَالَ: قرىء علينا كتاب النَّبِي ﷺ ، وَلما رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده قَالَ: مَا أصلح إِسْنَاده. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين من حَدِيث ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ نهى أَن ينْتَفع من الْميتَة بعصب أَو إهَاب. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر رَوَاهُ ابْن شاهين أَيْضا من حَدِيث أبي الزبير عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا ينْتَفع من الْميتَة بِشَيْء) وَرَوَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ: أَنه ﷺ نهى عَن جُلُود السبَاع أَن تفترش.
قلت: حَدِيث أم سلمَان مَحْمُول على أَنه لم يكن مدبوغا. وَحَدِيث ابْن عكيم مَعْلُول بِأُمُور ثَلَاثَة: الأول: أَنه مُضْطَرب سندا ومتنا وَقد بَيناهُ فِي شرحنا للهداية. وَالثَّانِي: الِاخْتِلَاف فِي صحبته، فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره لَا صُحْبَة لَهُ. وَالثَّالِث: أَنه روى عَنهُ أَنه سمع من النَّاس الداخلين عَلَيْهِ وهم مَجْهُولُونَ، وَلَئِن صَحَّ فَلَا
стр. 2588
يُقَاوم حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَحَدِيث ابْن عمر أَن عَامَّة من فِي إِسْنَاده مَجْهُولُونَ. وَحَدِيث جَابر فِي إِسْنَاده زَمعَة وَهُوَ مِمَّن لَا يعْتَمد على نَقله. وَأما النَّهْي عَن جُلُود السبَاع فقد قيل: إِنَّهَا كَانَت تسْتَعْمل قبل الدّباغ. وَقَالَ ابْن شاهين: هَذِه الْأَحَادِيث لَا يُمكن ادِّعَاء نسخ شَيْء مِنْهَا بِالْآخرِ. فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عكيم قبل الْوَفَاة بِشَهْر؟ قلت: يُمكن أَن يُقَال: يجوز أَن يكون الْأَمر قبل أَن يَمُوت النَّبِي ﷺ بجمعة، وَالْأولَى هُنَا هُوَ الْأَخْذ بِالْحَدِيثين جَمِيعًا وَهُوَ أَن يحمل الْمَنْع على مَا قبل الدّباغ وَالْأَخْبَار بِالطَّهَارَةِ بعده على أَن الإهاب فِي قَوْله ﷺ : (إيما إهَاب دبغ فقد طهر) ، اسْم للجلد الَّذِي لم يدبغ، فَبعد الدّباغ لَا يُسمى إهابا، وَإِنَّمَا يُسمى أديما أَو جلدا أَو جرابا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مولاة) ، أَي: عتيقة وارتفاعها على أَنَّهَا مفعول مَا لم يسم فَاعله للإعطاء، ومَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ ولميمونة صفة لمولاة. قَوْله: (من الصَّدَقَة) ، يتَعَلَّق بأعطيت أَو صفة لشاة. قَوْله: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) اتّفق معمر وَمَالك وَيُونُس على قَوْله: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) ، إِلَّا أَن معمرا قَالَ: لَحمهَا وَلم يذكر وَاحِد مِنْهُم زِيَادَة دباغ أَهلهَا طهورها وَكَانَ ابْن عُيَيْنَة يَقُول: لم أسمع أحدا يَقُول: (إِنَّمَا حرم أكلهَا) إلَاّ الزُّهْرِيّ، وَاتفقَ الزبيدِيّ وَعقيل وَسليمَان بن كثير وَالْأَوْزَاعِيّ على ذكر الدّباغ فِي هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ، وَكَانَ ابْن عُيَيْنَة مرّة يذكرهُ وَمرَّة لَا يذكرهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي: لست أعْتَمد فِي هَذَا الحَدِيث على ابْن عُيَيْنَة لاضطرابه فِيهِ، وَأما ذكر الدّباغ فَلَا يُوجد إلَاّ عَن يحيى بن أَيُّوب عَن عقيل، وَمن رِوَايَة بَقِيَّة عَن الزبيدِيّ، وَيحيى وَبَقِيَّة ليسَا بالقويين، وَلم يذكر مَالك وَلَا يُونُس الدّباغ، وَهُوَ الصَّحِيح فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ، وَبِه كَانَ يُفْتِي، وَأما من غير رِوَايَة الزُّهْرِيّ فَصَحِيح مَحْفُوظ عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ طابق الْجَواب السُّؤَال يَعْنِي فِي قَوْله: (إِنَّمَا هُوَ حرَام أكلهَا) قلت: الْأكل غَالب فِي اللَّحْم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اللَّحْم حرَام لَا الْجلد. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على مَا ذكرنَا الْآن لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى الْجَواب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احتجت بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور جمَاعَة كَثِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على أَن جلد الْميتَة يطهر بالدباغ، فَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك ابْن مَسْعُود وَابْن الْمسيب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَالم وَابْن جُبَير وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَإِسْحَاق. وَفِيه: دَلِيل على بطلَان قَول من قَالَ: إِن الْجلد من الْميتَة لَا ينْتَفع بِهِ بعد الدّباغ، وَبَطل أَيْضا قَول من قَالَ إِن جلد الْميتَة وَإِن لم يدبغ يسْتَمْتع بِهِ وَينْتَفع بِهِ، وَهُوَ قَول مَرْوِيّ عَن ابْن شهَاب وَاللَّيْث بن سعد، وَهُوَ مَشْهُور عَنْهُمَا على أَنه قد روى عَنْهُمَا خِلَافه، قَالَ معمر: وَكَانَ الزُّهْرِيّ يُنكر الدّباغ، وَيَقُول: مستمتع بِهِ على كل حَال، قَالَ أَبُو عبد الله الْمروزِي: مَا علمت أحدا قَالَ ذَلِك قبل الزُّهْرِيّ، وَكَانَ الزُّهْرِيّ يذهب إِلَى ظَاهر الحَدِيث فِي قَوْله: (إِنَّمَا حرَام أكلهَا) ، قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ اللَّيْث: لَا بَأْس بِبيع جُلُود الْميتَة قبل الدّباغ لِأَن النَّبِي ﷺ أذن فِي الِانْتِفَاع بهَا، وَالْبيع من الِانْتِفَاع، قَالَ أَبُو جَعْفَر: لم يُحكَ عَن أحدِ من الْفُقَهَاء جَوَاز بيع جلد الْميتَة قبل الدّباغ إلَاّ عَن اللَّيْث. قَالَ ابْن عمر: يَعْنِي من الْفُقَهَاء أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار بعد التَّابِعين، لِأَن ابْن شهَاب ذَاك عَنهُ صَحِيح، وَقد ذكر ابْن عبد الحكم عَن مَالك مَا يشبه مَذْهَب ابْن شهَاب فِي ذَلِك، قَالَ: من اشْترى جلد ميتَة فدبغه فَقَطعه نعالاً فَلَا يَبِيعهُ حَتَّى ييبس، فَهَذَا يدل على أَن مذْهبه يجوز بيع جلد الْميتَة قبل الدّباغ وَبعده، وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب مَالك وَغَيره. وَفِي (التَّوْضِيح) : ومجموع مَا ذكر فِي دباغ جلد الْميتَة وطهارتها سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يطهر بِهِ جَمِيع جُلُود الْميتَة إلَاّ الْكَلْب وَالْخِنْزِير، وَالْفرع ظَاهرا وَبَاطنا، وَيسْتَعْمل فِي الْيَابِس والمائع، وَسَوَاء مَأْكُول اللَّحْم وَغَيره، وَبِه قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي. ثَانِيهَا: لَا يطهر مِنْهَا شَيْء بِهِ، رُوِيَ عَن جمَاعَة من السّلف، قيل: مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَرِوَايَة عَن مَالك. ثَالِثهَا: يطهر بِهِ جلد مَأْكُول اللَّحْم دون غَيره، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَأبي ثَوْر، رَابِعهَا: يطهر جَمِيعهَا إلَاّ الْخِنْزِير، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة. خَامِسهَا: يطهر الْجَمِيع إلَاّ أَنه يطهر ظَاهره دون بَاطِنه وَيسْتَعْمل فِي اليابسات دون الْمَائِعَات، وَيصلى عَلَيْهِ لَا فِيهِ، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى، فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ أَصْحَابه. سادسها: يطهر الْجَمِيع وَالْكَلب وَالْخِنْزِير ظَاهرا وَبَاطنا، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد وَأهل الظَّاهِر، وَحكي عَن أبي يُوسُف.
стр. 2589
سابعها: أَنه ينْتَفع بجلود الْميتَة وَإِن لم تدبغ، وَيجوز اسْتِعْمَالهَا فِي الْمَائِعَات واليابسات، وَهُوَ وَجه شَاذ لبَعض الشَّافِعِيَّة.
٣٩٤١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا الحَكَمُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها أرادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ وأرَادَ مَوَالِيهَا إنْ يَشْتَرِطُوا وَلاءَهَا فذَكَرَتْ عائِشَةُ لِلنَّيِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهَا النبيُّ ﷺ اشْتَرِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ قالَتْ وأُتِيَ النبيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقُلْتُ هاذا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فقالَ هُوَ صَدَقَةٌ ولَنَا هَدِيَّةٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا مَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة) إِلَى آخِره، والترجمة فِي الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ وبريرة من جملَة مواليات عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَتصدق عَلَيْهَا بِصَدقَة فَأخْبر ﷺ أَنَّهَا كَانَت لَهَا صَدَقَة وَلَهُم هَدِيَّة، لِأَنَّهَا تحولت عَن معنى الصَّدَقَة بِملك الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ بهَا، وانتقلت إِلَى معنى الْهَدِيَّة الْحَلَال لرَسُول الله، ﷺ ، وَقد ذكر الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد رَوَاهُ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن يحيى عَن عمْرَة عَن يحيى عَن عَائِشَة، قَالَت: أتتها بَرِيرَة ... الحَدِيث، غير أَنه لم يذكر فِيهِ قَوْله: قَالَت عَائِشَة، وَأتي النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره، وَهنا رَوَاهُ عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة عَن ابْن الْحجَّاج عَن الحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتبَة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَة الْإِيمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الطَّلَاق عَن عبد الله بن رَجَاء وَفِيه أَيْضا عَن آدم وَفِي الْفَرَائِض عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن يزِيد وَفِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي الْفَرَائِض عَن بِنِدَاء عَن غنْدر، الْكل عَن شُعْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى. قَوْله: (مواليها) أَي: ساداتها، وَكَانَت لعتبة بن أبي لَهب، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَت مولاة لبَعض بني هِلَال فكاتبوها ثمَّ باعوها من عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمولى جَاءَ بِمَعْنى الْمُعْتق والعتيق والناصر وَابْن الْعم وَالْجَار والحليف لَا بِمَعْنى السَّيِّد؟ قلت: جَاءَ أَيْضا بِمَعْنى الْمولى والمتصرف فِي الْأَمر. انْتهى. قلت: لَا وَجه لهَذَا السُّؤَال، لِأَن لفظ الْمولى مُشْتَرك بَين الْمولى الْأَعْلَى وَالْمولى الْأَسْفَل، وبريرة مولاة سفلى ومواليها موَالِي عليا. قَوْله: (اشتريها) أَي: بِمَا يُرِيدُونَ، أَي: من الِاشْتِرَاط بِكَوْن الْوَلَاء لَهُم. قَوْله: (تصدق) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفرق بَين الصَّدَقَة وَالْهِبَة أَن الصَّدَقَة هبة لثواب الْآخِرَة، والهدية هبة تنقل إِلَى الْمُتَّهب إِكْرَاما لَهُ قلت: الصَّدَقَة قد تكون هبة، وَالْهِبَة قد تكون صَدَقَة، وَإِن الصَّدَقَة على الْغَنِيّ هبة، وَالْهِبَة للْفَقِير صَدَقَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على أَن عَائِشَة اشترتها شِرَاء فَاسِدا فأنفذ الشَّارِع عتقهَا، وَمَعْلُوم أَن شَرط الْوَلَاء لغير الْمُعْتق يُوجب فَسَاد العقد، ثمَّ أنفذ الشَّارِع الْعتْق. قلت: الَّذِي كَانَ من أهل بَرِيرَة فِي هَذَا الحَدِيث لم يكن شرطا فِي بيع، لَكِن فِي أَدَاء عَائِشَة إِلَيْهِم عَن بَرِيرَة، وهم توَلّوا عقد تِلْكَ الْكِتَابَة، وَلم يتَقَدَّم ذَلِك الْأَدَاء من عَائِشَة ملك، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: لَا يمنعك ذَلِك مِنْهَا، أَي: لَا تَرْجِعِي بِهَذَا الْمَعْنى عَمَّا كنت نَوَيْت عتاقها من الثَّوَاب، اشتريها فأعتقيها فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق، وَكَانَ ذَلِك الشِّرَاء هُنَا ابْتِدَاء من رَسُول الله، ﷺ ، لَيْسَ مَا كَانَ قبل ذَلِك بَين عَائِشَة وَبَين أهل بَرِيرَة فِي شَيْء، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاسْتدلَّ بِهِ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على أَنَّهَا ملكت بِالْقَبْضِ ملكا تَاما، وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ، ﷺ ، فِي هَذَا الحَدِيث وَغَيره أَمر عَائِشَة بِالشِّرَاءِ وَلم يكن ليأمر بفاسد. قلت: جَوَاب هَذَا يفهم مِمَّا قبله مِمَّا ذكرنَا على أَن بعض أَصْحَابنَا قَالُوا: إِنَّهَا خصت بذلك كَمَا خص غَيرهَا بخصائص قيل: هَذَا بعيد، لِأَن ذَلِك لَو وَقع لنقل. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا من خَصَائِص عَائِشَة وَلَا عُمُوم لَهَا. فَإِن قلت: فِيهِ صُورَة المخادعة؟ قلت: لم يكن هَذَا إلَاّ للزجر والتوبيخ، لِأَنَّهُ كَانَ بيَّن لَهُم حكم الْوَلَاء، وَأَن هَذَا الشَّرْط لَا يحل، فَلَمَّا ألحوا فِي اشْتِرَاطه وَمُخَالفَة الْأَمر، قَالَ لعَائِشَة هَذَا بِمَعْنى: لَا تبالي سَوَاء شرطته أم لَا،
стр. 2590
فَإِنَّهُ شَرط بَاطِل لِأَنَّهُ قد سبق بَيَان ذَلِك لَهُم وَلَيْسَ لفظ: اشترطي، هُنَا للْإِبَاحَة، وَقد تكلمنا فِي هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد، فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة، واستقصينا الْكَلَام فِيهِ.
٢٦ - (بابٌ إِذا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تحولت الصَّدَقَة يَعْنِي: إِذا خرجت من كَونهَا صَدَقَة بِأَن دخلت فِي ملك الْمُتَصَدّق بِهِ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: إِذا حولت الصَّدَقَة، على بِنَاء الْمَجْهُول، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا حولت الصَّدَقَة يجوز للهاشمي تنَاولهَا.
٤٩٤١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالدٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أم عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَ النبيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فقالَ هَل عنْدَكُمْ شَيْءٌ فقَالَتْ لَا ألَاّ شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ إلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنَ الصَّدَقةِ فَقَالَ إنَّها قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن نسيبة أرسل إِلَى عَائِشَة من الشَّاة الَّتِي أرسلها إِلَيْهَا النَّبِي ﷺ من الصَّدَقَة، فَلَمَّا قبلتها نسيبة دخلت فِي ملكهَا وَخرجت من كَونهَا صَدَقَة، فَهَذَا معنى التَّحَوُّل، كَمَا ذكرنَا.
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع، مصغر زرع ضد الجدب، وَقد مر فِي: بَاب الْجنب يخرج. الثالت: خَالِد الْحذاء. الرَّابِع: حَفْصَة بنت سِيرِين أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين سيدة التابعيات. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَاسْمهَا: نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر ذكرهَا غير مرّة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: رِوَايَة الحَدِيث لصحابية مَذْكُورَة بكنيتها.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي شهَاب الحناط، وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن خَالِد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن خَالِد الْحذاء.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل عنْدكُمْ شَيْء) أَي: من الطَّعَام. قَوْله: (فَقَالَت: لَا) أَي: لَا شَيْء. (إلَاّ شَيْء) ، والمستثنى مِنْهُ مَحْذُوف وَهُوَ اسْم: لَا، الَّتِي لنفي الْجِنْس، أَي: لَا شَيْء من الطَّعَام إلَاّ شَيْء كَذَا. قَوْله: (بعثت بِهِ نسيبة) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل صفة لقَوْله: شَيْء، وَكلمَة: من، فِي: من الشَّاة، للْبَيَان مَعَ الدّلَالَة على التَّبْعِيض. قَوْله: (بعثت بهَا) على صِيغَة الْمُخَاطب أَي: الَّتِي بعثت بهَا أَنْت إِلَيْهَا قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن الصَّدَقَة (قد بلغت محلهَا) ، بِكَسْر الْحَاء من حل إِذا وَجب، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي ﴿حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: مَكَانَهُ الَّذِي يجب فِيهِ نَحوه، وَقَالَ التَّيْمِيّ: بلغت محلهَا، أَي: حَيْثُ يحل أكلهَا فَهُوَ مفعل من حل الشَّيْء حَلَالا، وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنه ﷺ بعث إِلَى أم عَطِيَّة شَاة من الصَّدَقَة فَبعثت هِيَ من تِلْكَ الشَّاة إِلَى عَائِشَة هَدِيَّة، وَهَذَا معنى قَول البُخَارِيّ: إِذا تحولت الصَّدَقَة، إِذْ كَانَت عَلَيْهَا صَدَقَة ثمَّ صَارَت هَدِيَّة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دلَالَة كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيّ على جَوَاز اسْتِعْمَال الْهَاشِمِي، وَيَأْخُذ جعله على ذَلِك وَقد كَانَ أَبُو يُوسُف يكره ذَلِك إِذا كَانَت جعالتهم مِنْهَا، قَالَ: لِأَن الصَّدَقَة تخرج من ملك الْمُتَصَدّق إِلَى غير الْأَصْنَاف الَّتِي سَمَّاهَا الله تَعَالَى فَيملك الْمُتَصَدّق بَعْضهَا وَهِي لَا تحل لَهُ، وَاحْتج بِحَدِيث أبي رَافع فِي ذَلِك، وَخَالفهُ فِيهِ آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس أَن يَجْعَل مِنْهَا للهاشمي لِأَنَّهُ يَجْعَل على عمله، وَذَلِكَ قد يحل للأغنياء، فَلَمَّا كَانَ هَذَا لَا يحرم على الْأَغْنِيَاء الَّذين يحرم عَلَيْهِم غناؤهم الصَّدَقَة، كَانَ ذَلِك أَيْضا فِي النّظر لَا يحرم ذَلِك على بني هَاشم الَّذين يحرم عَلَيْهِم نسبهم الصَّدَقَة، فَلَمَّا كَانَ مَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة جَازَ للشارع أكله لِأَنَّهُ إِنَّمَا أكله بالهدية فَجَاز أَيْضا للهاشمي أَن يجتعل من الصَّدَقَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا يملكهَا بِعَمَلِهِ لَا بِالصَّدَقَةِ، هَذَا هُوَ النّظر عندنَا، وَهُوَ أصح مِمَّا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف. قلت: أَرَادَ الطَّحَاوِيّ بقوله: آخَرُونَ، مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة
стр. 2591
وَمُحَمّد بن الْحسن فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا بَأْس أَن يكون الْعَامِل هاشميا وَيَأْخُذ عمالته مِنْهَا، لِأَن ذَلِك على عمله، وَلقَائِل أَن يَقُول: هَذَا الْقيَاس لَيْسَ بِصَحِيح: لِأَن الْغَنِيّ إِذا كَانَ عَاملا يكون متفرغا لذَلِك صارفا نَفسه وحابسها لأجل ذَلِك فَيسْتَحق الْجعَالَة فِي مُقَابلَة هَذَا الْفِعْل، وَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَة يكون لِحَاجَتِهِ إِلَى ذَلِك، فَيصير كَابْن السَّبِيل تُبَاح لَهُ الصَّدَقَة، وَإِن كَانَ غَنِيا، بِخِلَاف الْهَاشِمِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة لكَونهَا أوساخ النَّاس وَلأَجل لُحُوق الذلة والهوان لشرف نسبه، فَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود دَائِما سَوَاء كَانَ الَّذِي يَأْخُذهُ من الصَّدَقَة على وَجه الاعتمال والاجتعال أَو غير ذَلِك. وَفِيه: دَلِيل على تَحْويل الصَّدَقَة إِلَى هَدِيَّة لِأَنَّهُ لما كَانَ يجوز التَّصَرُّف للمتصدق عَلَيْهِ فِيهَا بِالْبيعِ وَالْهِبَة لصِحَّة ملكه لَهَا، حكم لَهَا بِحكم الْهِبَة، وخروجها عَن معنى الصَّدَقَة فَصَارَت حَلَالا لرَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْكُل الْهَدِيَّة دون الصَّدَقَة لما فِي الْهَدِيَّة من التألف وَالدُّعَاء إِلَى الْمحبَّة، وَقَالَ: تهادوا تحَابوا) ، وَجَائِز أَن يثبت عَلَيْهَا وَأفضل مِنْهَا فيرفع الذلة والْمنَّة بِخِلَاف الصَّدَقَة. وَفِيه: بَيَان أَن الْأَشْيَاء الْمُحرمَة لعلل مَعْلُومَة إِذا ارْتَفَعت عَنْهَا تِلْكَ الْعِلَل حلت وَأَن التَّحْرِيم فِي الْأَشْيَاء لَيْسَ لعينها.
٥٩٤١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُوسى اقال حدَّثنا وَكِيعٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَن النبيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلى بَريرَة فَقَالَ هُوَ عَلَيْها صدقَةٌ وَهْوَ لَنا هَدِيَّةٌ.
(الحَدِيث ٥٩٤١ طرفه فِي: ٧٧٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الصَّدَقَة الَّتِي تصدق بهَا على بَرِيرَة صَارَت هَدِيَّة لملكها إِيَّاهَا.
وَرِجَاله قد ذكرُوا وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي يُقَال لَهُ: خت، قد مر فِي آخر كتاب الصَّلَاة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزّهْد عَن يحيى بن مُوسَى عَن وَكِيع، وَفِي الْهِبَة عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كلا من غنْدر وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن مَرْزُوق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعمريّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع.
قَوْله: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة) ، قد لفظ: (عَلَيْهَا) ليُفِيد الْحصْر أَي: عَلَيْهَا صَدَقَة لَا علينا، وَحَاصِله أَنَّهَا إِذا قبضهَا الْمُتَصَدّق زَالَ عَنْهَا وصف الصَّدَقَة وَحكمهَا، فَيجوز للغني شراها للْفَقِير، وللهاشمي أكله مِنْهَا.
وَقَالَ أبُو داوُدَ أنْبَأنا شُعْبَةُ عنُ قَتَادَةَ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ
أَبُو دَاوُد هُوَ سُلَيْمَان الطَّيَالِسِيّ الْحَافِظ، كتب عَنهُ بأصفهان أَرْبَعُونَ ألف حَدِيث، وَلم يكن مَعَه كتاب، مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ. وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله حَدثنَا يُونُس حَدثنَا أَبُو دَاوُد يَعْنِي الطَّيَالِسِيّ قَالَ: أَنبأَنَا شُعْبَة، فَذكره وَفَائِدَته تَصْرِيح قَتَادَة بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس، وَلما كَانَ قَتَادَة مدلسا قوي الْإِسْنَاد الأول بِهَذَا حَيْثُ قَالَ: سمع أنسا، إِذْ فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ. قَوْله: (أَنبأَنَا) أَي: أخبرنَا. قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: دَرَجَة أَنبأَنَا أحط من دَرَجَة أخبرنَا، وَهُوَ قَلِيل فِي الِاسْتِعْمَال، وثلاثيه من النبأ وَهُوَ الْخَبَر.
٣٦ - (بابُ أخْذِ الصَّدَقَةِ مِن الأغْنِيَاءِ وتُرَدُّ فِي الفُقرَاءِ حَيْثُ كَانُوا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَخذ الصَّدَقَة، أَي: الزَّكَاة، من الْأَغْنِيَاء، فَإِذا أخذت مَا يكون حكمهَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَترد فِي الْفُقَرَاء) وَترد، بِنصب الدَّال بِتَقْدِير: أَن، ليَكُون فِي حكم الْمصدر، وَيكون التَّقْدِير: وَأَن ترد، أَي: وَالرَّدّ فِي الْفُقَرَاء حَاصله: بَاب فِي أَخذ الصَّدَقَة، وَفِي ردهَا فِي الْفُقَرَاء حَيْثُ كَانَ الْفُقَرَاء. قَوْله: (حَيْثُ كَانُوا) ، يشْعر بِأَنَّهُ اخْتَار جَوَاز نقل الزَّكَاة من بلد إِلَى بلد، وَفِيه خلاف، فَعَن اللَّيْث بن سعد وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه جَوَازه، وَنَقله ابْن الْمُنْذر عَن الشَّافِعِي وَاخْتَارَهُ، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة والمالكية ترك النَّقْل، فَلَو نقل أَجْزَأَ عِنْد الْمَالِكِيَّة على الْأَصَح، وَلم يجزىء عِنْد الشَّافِعِيَّة على الْأَصَح إلَاّ إِذا فقد المستحقون لَهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن غَرَض البُخَارِيّ بَيَان الِامْتِنَاع، أَي: ترد على فُقَرَاء أُولَئِكَ الْأَغْنِيَاء، أَي: فِي مَوضِع
стр. 2592
وجد لَهُم الْفُقَرَاء، وإلَاّ جَازَ النَّقْل، وَيحْتَمل أَن يكون غَرَضه عَكسه. قلت: لَيْسَ الظَّاهِر مَا قَالَه، فَإِنَّهُ قَالَ: ترد حَيْثُ كَانُوا، أَي: الْفُقَرَاء، وَهُوَ أَعم من أَن يَكُونُوا فِي مَوضِع كَانَ فِيهِ الْأَغْنِيَاء أَو فِي غَيره، فالعجب مِنْهُ الْعَكْس حَيْثُ جعل الِامْتِنَاع ظَاهرا وَهُوَ مُحْتَمل، وَجعل الظَّاهِر عكسا. فَافْهَم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي حَدِيث معَاذ فِي أَوَائِل الزَّكَاة.
٦٩٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا زَكَرِيَّاءُ بنُ إسْحَاقَ عنْ يَحْيَى بنِ عَبْدِ الله ابنِ صَيْفِيٍ ّ عنْ أبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ حِينَ بَعثَهُ إِلَى اليَمَنُ إنَّكَ سَتأتِي قَوْما أهْلَ كِتَابٍ فإذَا جِئْتُهمْ فادْعُهُمْ إلَى أنْ يَشْهَدُوا أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدا رسُولَ الله فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله قَدْ فَرَضَ علَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائهِمْ فَتُرَدُّ عَلىَ فُقَرَائِهِمْ فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوالِهِم وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنَّهُ ليْسَ بَيْنَهُ وبيْنَ الله حِجَابٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد على فقرائهم) ، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أول: بَاب وجوب الزَّكَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد عَن زَكَرِيَّاء بن إِسْحَاق. . إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً، وَهَهُنَا زِيَادَة، وَهِي قَوْله: (فإياك وكرائم أَمْوَالهم وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم) إِلَى آخِره، ولنذكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. فَقَوله: (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن) ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الطّرق إلَاّ مَا أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع، فَقَالَ فِيهِ: عَن ابْن عَبَّاس (عَن معَاذ بن جبل، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن) فعلى هَذَا فَهُوَ من مُسْند معَاذ، وَسَائِر الرِّوَايَات غير هَذِه من مُرْسل ابْن عَبَّاس. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أبي كريب عَن وَكِيع عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله، ﷺ ، بعث معَاذًا، وَكَذَا أخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن وَكِيع نَحوه، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن وَكِيع، وَأخرجه عَنهُ أَبُو دَاوُد، وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَظَالِم عَن يحيى بن مُوسَى عَن وَكِيع كَذَلِك. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي، وجعفر بن مُحَمَّد الثَّعْلَبِيّ والإسماعيلي من طَرِيق أبي خَيْثَمَة، ومُوسَى بن المسندي وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، وَإِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الْبَغَوِيّ، كلهم عَن وَكِيع كَذَلِك، وَلَا يستبعد حُضُور ابْن عَبَّاس لذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَاخِر حَيَاة النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ إِذْ ذَاك مَعَ أَبَوَيْهِ.
قَوْله: (ستأتي قوما) تَوْطِئَة للْوَصِيَّة ليقوي همته عَلَيْهَا لكَون أهل الْكتاب أهل علم فِي الْجُمْلَة فَلذَلِك خصهم بِالذكر تَفْضِيلًا لَهُم على غَيرهم. قَوْله: (أهل كتاب) ، بدل لَا صفة، وَكَانَ فِي الْيمن أهل الذِّمَّة وَغَيرهم. وَحكى ابْن إِسْحَاق فِي أول (السِّيرَة) : إِن أصل دُخُول الْيَهُود فِي الْيمن فِي زمن أسعد أبي كرب، وَهُوَ تبع الْأَصْفَر. قَوْله: (فَإِذا جئتهم) إِنَّمَا ذكر لَفْظَة: إِذا، دون: أَن، تفاؤلاً بِحُصُول الْوُصُول إِلَيْهِم. قَوْله: (فادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) ، كَذَا فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق لم يخْتَلف عَلَيْهِ فِيهَا، وَفِي رِوَايَة روح بن الْقَاسِم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة: (فَأول مَا تدعوهم إِلَيْهِ عبَادَة الله تَعَالَى، فَإِذا عرفُوا الله) . وَفِي رِوَايَة الْفضل بن الْعَلَاء عَنهُ: (إِلَى أَن يوحدوا الله، وَإِذا عرفُوا ذَلِك) . قَوْله: (فَإِن هم أطاعوا لَك بذلك) أَي: شهدُوا وانقادوا، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة: (فَإِن هم أجابوا لذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة الْفضل ابْن الْعَلَاء: (فَإِذا عرفُوا ذَلِك) ، وَإِنَّمَا عدى: أطاعوا، بِاللَّامِ وَإِن كَانَ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ لتَضَمّنه معنى: انقادوا قَوْله (فإياك) كلمة تحذير (وكرائم) مَنْصُوب بِفعل مُضْمر لَا يجوز إِظْهَاره قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَلَا يجوز حذف
стр. 2593
الْوَاو، أما عدم جَوَاز إِظْهَار الْفِعْل فللقرينة الدَّالَّة عَلَيْهِ ولطول الْكَلَام، وَقيل: لِأَن مثل هَذَا يُقَال عِنْد تَشْدِيد الْخَوْف، وَأما عدم جَوَاز حذف الْوَاو لِأَنَّهَا حرف عطف، فيختل الْكَلَام بحذفه، والكرائم جمع: كَرِيمَة وَهِي النفيسة. قَوْله: (وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم) أَي: تجنب الظُّلم لِئَلَّا يَدْعُو عَلَيْك الْمَظْلُوم، وَقيل: هُوَ تذييل لاشْتِمَاله على الظُّلم الْخَاص وَهُوَ أَخذ الكرائم وعَلى غَيره. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الشان، وَهُوَ تَعْلِيل للاتقاء، وتمثيل للدعوة كمن يقْصد إِلَى السُّلْطَان متظلما فيمَ يحجب عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: عظة الإِمَام وتخويفه من الظُّلم قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ (هود: ٨١) . ولعنة الله إبعاده من رَحمته، وَالظُّلم محرم فِي كل شَرِيعَة، وَقد جَاءَ: (إِن دَعْوَة الْمَظْلُوم لَا ترد وَإِن كَانَت من كَافِر) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا: (دَعْوَة الْمَظْلُوم مستجابة وَإِن كَانَ فَاجِرًا، ففجوره على نَفسه) . وَمعنى ذَلِك أَن الرب لَا يرضى ظلم الْكَافِر كَمَا لَا يرضى ظلم الْمُؤمن، وَأخْبر أَنه لَا يظلم النَّاس شَيْئا، فَدخل فِي عُمُوم هَذَا اللَّفْظ جَمِيع النَّاس من مُؤمن وَكَافِر، وحذر معَاذًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من الظُّلم مَعَ علمه وفضله وورعه، وَأَنه من أهل بدر وَقد شهد لَهُ بِالْجنَّةِ، غير أَنه لَا يَأْمَن أحدا، بل يشْعر نَفسه بالخوف، وفوائده كَثِيرَة ذَكرنَاهَا فِي حَدِيث معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أول الزَّكَاة.
٤٦ - (بابُ صَلَاةِ الإمامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ وقَوْلِهِ ﴿خُذْ مِنْ أمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الإِمَام ودعائه لصَاحب الصَّدَقَة، وَالْمرَاد من الصَّلَاة الدُّعَاء لِأَن مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ ذَلِك، وَإِنَّمَا عطف لفظ الدُّعَاء على الصَّلَاة لِئَلَّا يفهم أَن الدُّعَاء بِلَفْظ الصَّلَاة مُتَعَيّن، بل إِذا دعِي بِلَفْظ يُؤَدِّي معنى الثَّنَاء وَالْخَيْر فَإِنَّهُ يَكْفِي، مثل أَن يَقُول: آجرك فِيمَا أَعْطَيْت وَبَارك لَك فِيمَا أبقيت أَو يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وَتقبل مِنْهُ، وَنَحْو ذَلِك، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث وَائِل بن حجر أَنه ﷺ قَالَ فِي رجل بعث بِنَاقَة حَسَنَة فِي الزَّكَاة: اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وَفِي إبِله. قيل: إِنَّمَا ذكر لفظ الإِمَام فِي التَّرْجَمَة ردا لشُبْهَة أهل الرِّدَّة فِي قَوْلهم لأبي بكر الصّديق: إِنَّمَا قَالَ الله لرَسُوله: ﴿وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٣٠١) . وَادعوا خُصُوصِيَّة ذَلِك بالرسول، فَأَرَادَ أَن كل إِمَام دَاخل فِيهِ، وَلِهَذَا ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله من الْمَجْرُور أَعنِي: لفظ الصَّلَاة وَالدُّعَاء، أَمر الله تَعَالَى رَسُوله أَن يَأْخُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا، وَأمره أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم بقوله: ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ (التَّوْبَة: ٣٠١) . أَي: ادْع لَهُم واستغفر لَهُم، كَمَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب: (عَن عبد الله ابْن أبي أوفى قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَى بِصَدقَة قوم صلى عَلَيْهِم، فَأَتَاهُ أبي بِصَدقَة فَقَالَ: اللَّهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى) . وَفِي حَدِيث آخر: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله، صل عَليّ وعَلى زَوجي! فَقَالَ: صلى الله عَلَيْك وعَلى زَوجك) . قَوْله: ﴿إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٣٠١) . قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي سكن لَهُم، وَقَالَ قَتَادَة: وقار وقرىء: ﴿إِن صلواتك﴾ على الْجمع. قَوْله: ﴿وَالله سميع عليم﴾ (التَّوْبَة: ٣٠١) . أَي: سميع لدعائك عليم من يسْتَحق ذَلِك مِنْك، وَمن هُوَ أهل لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ صل عَلَيْهِم إِذا مَاتُوا صَلَاة الْجِنَازَة لِأَنَّهَا فِي الشَّرِيعَة مَحْمُولَة على الصَّلَاة أَي: الْعِبَادَة المفتتحة بِالتَّكْبِيرِ المختتمة بِالتَّسْلِيمِ، أَو أَنه من خَصَائِص النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ لم ينْقل أحد أَنه أَمر السعاة بذلك، وَلَو كَانَ وَاجِبا لأمرهم بِهِ ولعلمهم كيفيته، وبالقياس على اسْتِيفَاء سَائِر الْحُقُوق إِذْ لَا يجب الدُّعَاء فِيهِ. انْتهى. قلت: لم ينْحَصر معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ (التَّوْبَة: ٣٠١) . على مَا ذكره ابْن بطال من الصَّلَاة على الْجِنَازَة، بل جُمْهُور الْمُفَسّرين فسروا قَوْله: ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ (التَّوْبَة: ٣٠١) . مثل مَا ذكرنَا، وَعَن هَذَا قَالَ الْخطابِيّ: أصل الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء إلَاّ أَن الدُّعَاء يخْتَلف بِحَسب الْمَدْعُو لَهُ، فَصلَاته ﵇ لأمته دُعَاء لَهُم بالمغفرة، وَصَلَاة الْأمة لَهُ دُعَاء لَهُ بِزِيَادَة الْقرْبَة والزلفة، وبظاهر الْآيَة أَخذ أهل الظَّاهِر، وَقَالُوا: الدُّعَاء وَاجِب، وَخَالفهُم جَمِيع الْعلمَاء، وَقَالُوا: إِنَّه مُسْتَحبّ لِأَنَّهَا تقع الْموقع وَإِن لم يدع، وَلَو كَانَ وَاجِبا، لأمر السعاة بِهِ، كَمَا ذكرنَا.
٧٩٤١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى قَالَ
стр. 2594
كانَ النبيُّ ﷺ إذَا أتاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فأتاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أوْفَى..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي على من يَأْتِي بِصَدَقَتِهِ أَي: زَكَاته، والترجمة فِي صَلَاة الإِمَام لصَاحب الصَّدَقَة.
ذكر رِجَاله وهم: أَرْبَعَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو حَفْص الحوضي. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن عبد الله بن طَارق الْمرَادِي، وَقد مر فِي تَسْوِيَة الصُّفُوف. الرَّابِع: عبد الله بن أبي أوفى، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْفَاء وبالقصر: واسْمه عَلْقَمَة بن خَالِد بن الْحَارِث الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة وَتسْعُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ خَمْسَة عشر، وَهُوَ آخر من بَقِي من أَصْحَابه بِالْكُوفَةِ، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَهُوَ أحد الصَّحَابَة السَّبْعَة الَّذين أدركهم أَبُو حنيفَة سنة ثَمَانِينَ، وَكَانَ عمره سبع سِنِين، سنّ التَّمْيِيز والإدراك من الْأَشْيَاء. وَقيل: مولده سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقيل سنة سبعين، وَالْأول أصح وَأشهر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن عَمْرو عَن عبد الله وَفِي الْمَغَازِي عَن عَمْرو: وَسمعت ابْن أبي أوفى، وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ كُوفِي وَشعْبَة واسطي وَعَمْرو بن مرّة كُوفِي تَابِعِيّ صَغِير لم يسمع من الصَّحَابَة إلَاّ من ابْن أبي أوفى، وَقَالَ: شُعْبَة كَانَ لَا يُدَلس.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن آدم، وَفِي الدَّعْوَات عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم وَسليمَان بن حَرْب فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، أربعتهم عَن وَكِيع، وَعَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن عبد الله بن إِدْرِيس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَأبي الْوَلِيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز بن أَسد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع كلهم عَن شُعْبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا أُتِي بِصَدقَة) ، أَي: بِزَكَاة. قَوْله: (صلِّ على آل فلَان) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (صل على فلَان) . قَوْله: (صلِّ على آل أبي أوفى) ، يُرِيد بِهِ: أَبَا أوفى، وَأما لفظ آل، فمقحم، وَأما إِن المُرَاد بِهِ ذَات أبي أوفى لِأَن الْآل يذكر وَيُرَاد بِهِ ذَات الشَّيْء، كَمَا قَالَ ﷺ فِي قصَّة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: (لقد أُوتِيَ مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد) . يُرِيد بِهِ دَاوُد ﵇، وَقيل: لَا يُقَال ذَلِك، إلَاّ فِي حق الرجل الْجَلِيل الْقَدِير، كآل أبي بكر وَآل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: آل الرجل: أَهله، وَالْفرق بَين الْآل والأهل: أَن الْآل قد خص بالأشراف، فَلَا يُقَال آل الحائك وَلَا آل الْحجام. فَإِن قلت: كَيفَ قيل: آل فِرْعَوْن؟ قلت: لتصوره بِصُورَة الْأَشْرَاف، وَفِي الصِّحَاح: أصل آل: أول، وَقيل: أهل، وَلِهَذَا يُقَال فِي تصغيره: أهيل.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور من جوز الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالاستقلال وَهُوَ قَول أَحْمد أَيْضا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرُونَ: إِنَّه لَا يُصَلِّي على غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام اسْتِقْلَالا، فَلَا يُقَال: اللَّهُمَّ صل على آل أبي بكر وَلَا على آل عمر أَو غَيرهمَا، وَلَكِن يصلى عَلَيْهِم تبعا. وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن هَذَا حَقه، ﵊، لَهُ أَن يُعْطِيهِ لمن شَاءَ، وَلَيْسَ لغيره ذَلِك. وَفِيه: جَوَاز أَن يُقَال: آل فلَان، يُرِيد بِهِ فلَانا، وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدُّعَاء للمتصدق، كَمَا ذَكرْنَاهُ مشروحا.
٥٦ - (بابُ مَا يُسْتَخْرَجُ منَ البَحْرِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِي بَيَان حكم مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر، وَفِيه حذف تَقْدِيره: هَل تجب فِيهِ الزَّكَاة أم لَا؟ والمحذوف فِي نفس الْأَمر خبر، لِأَن كلمة: (مَا) ، مَوْصُولَة. (ويستخرج) صلتها. وَكلمَة (من) بَيَانِيَّة، وَلَا بُد للموصول من عَائِد، وَهُوَ صفة لشَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره:
стр. 2595
بَاب فِي بَيَان حكم الشَّيْء الَّذِي يسْتَخْرج من الْبَحْر: هَل تجب فِيهِ الزَّكَاة؟ كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكازٍ هُوَ شَيءٌ دَسَرَهْ البَحْرُ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كَون العنبر مِمَّا يسْتَخْرج من الْبَحْر، والعنبر بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ضرب من الطّيب، وَهُوَ غير العبير، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، فَإِنَّهُ أخلاط تجمع بالزعفران. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن العنبر زبد الْبَحْر، وَقيل: هُوَ رَوْث دَابَّة بحريّة. وَقيل: إِنَّه شَيْء ينْبت فِي قَعْر الْبَحْر فيأكله بعض الدَّوَابّ، فَإِذا امْتَلَأت مِنْهُ قَذَفته رجيعا. وَقَالَ ابْن سينا: هُوَ نبع عين فِي الْبَحْر. وَقيل: إِنَّه من كور النّخل يخرج فِي السنبل بِبَعْض الجزاير، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي كتاب السّلم من الْأُم: أَخْبرنِي عدد مِمَّن أَثِق بِخَبَرِهِ: أَنه نَبَات يخلقه الله تَعَالَى فِي جنبات الْبَحْر. وَحكى ابْن رستم عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه ينْبت فِي الْبَحْر بِمَنْزِلَة الْحَشِيش فِي الْبر. وَقيل: إِنَّه شجر ينْبت فِي الْبَحْر فينكسر فيلقيه الموج إِلَى السَّاحِل. وَقَالَ ابْن سينا: وَمَا يحْكى من أَنه رَوْث دَابَّة أَو قيؤها أَو من زبد الْبَحْر بعيد. قَوْله: (بركاز) الرِّكَاز، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف وَفِي آخِره زَاي، وَهُوَ يُقَال للمعدن والكنز جَمِيعًا، والمعدن خَاص لما يكون فِي بَاطِن الأَرْض خلقَة، والكنز خَاص لما يكون مَدْفُونا. والركاز يصلح لَهما، كَمَا قُلْنَا. وَفِي (مجمع الغرائب) : الرِّكَاز الْمَعَادِن وَقيل: هُوَ كنوز الْجَاهِلِيَّة. وَفِي (النِّهَايَة) لِابْنِ الْأَثِير: كنوز الأَرْض الْجَاهِلِيَّة المدفونة فِي الأَرْض، وَهِي المطالب فِي الْعرف عِنْد أهل الْحجاز، وَهُوَ الْمَعَادِن عِنْد أهل الْعرَاق، وَالْقَوْلَان تحتملهما اللُّغَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الرِّكَاز بِمَعْنى المركوز، كالكتاب بِمَعْنى الْمَكْتُوب. قلت: من ركز فِي الأَرْض إِذا اثْبتْ أَصله، والكنز يركز فِي الأَرْض كَمَا يركز الرمْح. قَوْله: (دسره) أَي: دَفعه وَرمى بِهِ إِلَى السَّاحِل. ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يَعْقُوب بن سُفْيَان: حَدثنَا الْحميدِي وَابْن قعنب وَسَعِيد قَالُوا: حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أذينة، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس قَالَ: لَيْسَ العنبر بركاز. وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان بن سعيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أذينة عَن ابْن عَبَّاس: لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر، وأذينة مصغر أذن تَابِعِيّ ثِقَة. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن الثَّوْريّ عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، سُئِلَ فِي العنبر فَقَالَ: إِن كَانَ فِيهِ شَيْء فَفِيهِ الْخمس. قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: علق القَوْل فِيهِ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَقطع بِأَن لَا زَكَاة فِيهِ فِي الرِّوَايَة الأولى، وَالْقطع أولى. وَقَالَ ابْن التِّين: قَول ابْن عَبَّاس قَول أَكثر الْعلمَاء. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أَخذ الْخمس من العنبر؟ قلت: هُوَ مَحْمُول على الْجَيْش، يدْخلُونَ أَرض الْحَرْب فيصيبون العنبر فِي ساحلها وَفِيه الْخمس لِأَنَّهُ غنيمَة.
وَقَالَ الحَسَنُ: فِي العَنْبَرِ وَاللّؤْلُؤِ الخُمُس
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن معَاذ بن معَاذ عَن أَشْعَث عَن الْحسن أَنه كَانَ يَقُول: فِي العنبر الْخمس، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول: فِي اللُّؤْلُؤ، واللؤلؤ مطر الرّبيع يَقع فِي الصدف فعلى هَذَا أَصله مَاء، وَلَا شَيْء فِي المَاء. وَقيل: إِن الصدف حَيَوَان يخلق فِيهِ اللُّؤْلُؤ. وَفِي (كتاب الْأَحْجَار) لأبي الْعَبَّاس التيغاشي: إِن حَيَوَان الْجَوْهَر الَّذِي يتكون فِيهِ مِنْهُ الْكَبِير وَيُسمى الدّرّ، وَمِنْه الصَّغِير وَيُسمى اللُّؤْلُؤ. وَهَذَا الْحَيَوَان يُسمى باليونانين: أرسطورس، يَعْلُو لحم ذَلِك الْحَيَوَان صدفتان ملتصقتان بجسمه، وَالَّذِي يَلِي الصدفتين من لَحْمه أسود، وَله فَم وأذنان وشحم من داخلها إِلَى غَايَة الصدفتين، وَالْبَاقِي رغوة وزبد وَمَاء. وَقيل: إِن الْبَحْر الْمُحِيط يلْحق آخِره أول الْبَحْر المسلوك، وَإِن الرِّيَاح تصفق الَّذِي فِيهِ الدّرّ فِي وَقت ريح الشمَال، فَيصير لموجه رشاش فيلتقمه الصدف عِنْد ذَلِك إِلَى قَعْر الْبَحْر، فيتغرس هُنَاكَ وَيضْرب بعروق فيتشعب مثل الشّجر وَيصير نباتا بعد أَن كَانَ حَيَوَانا ذَا نفس، فَإِذا تركت هَذِه الصدفة حَتَّى يطول مكثها تَغَيَّرت وفسدت. واللؤلؤ: بهمزتين وبواوين، وَيُقَال: الثَّانِي بِالْوَاو، وَالْأول بِالْهَمْز، وَبِالْعَكْسِ قَالَ النَّوَوِيّ: أَربع لُغَات. قلت: لَا يُقَال لتخفيف الْهمزَة لُغَة، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَلَا زَكَاة فِي الْمُسْتَخْرج من الْبَحْر كَاللُّؤْلُؤِ والمرجان والعنبر وَنَحْوه فِي ظَاهر قَول الْخرقِيّ، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء وَمَالك وَالثَّوْري وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد، وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى: أَن فِيهِ الزَّكَاة، لِأَنَّهُ خَارج من مَعْدن التبر، وَبِه قَالَ
следующие страницы →