Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
(فجَاء ابْن عمر) الْقَائِل هُوَ سَالم وَالْوَاو فِي: وَأَنا، للْحَال. قَوْله: (مَعَه) أَي: مَعَ ابْن عمر، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ: (فَركب هُوَ وَسَالم وَأَنا مَعَهُمَا) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن معمر، قَالَ ابْن شهَاب: (وَكنت يَوْمئِذٍ صَائِما فَلَقِيت من الْحر شدَّة) . وَاخْتلف الْحفاظ فِي رِوَايَة معمر هَذِه، فَقَالَ يحيى بن معِين: هِيَ وهم وَابْن شهَاب لم ير ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا سمع مِنْهُ. وَقَالَ الذهلي: لست أدفَع رِوَايَة معمر لِأَن ابْن وهب روى عَن الْعمريّ عَن ابْن شهَاب، رَحمَه الله تَعَالَى، نَحْو رِوَايَة معمر، وروى عَنْبَسَة بن خَالِد عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. . قَالَ: وفدت إِلَى مَرْوَان وَأَنا محتلم، قَالَ الذهلي: ومروان مَاتَ سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت سنة ثَلَاث وَسبعين. انْتهى. وَقَالَ غَيره: إِن رِوَايَة عَنْبَسَة هَذِه أَيْضا وهم، وَإِنَّمَا قَالَ الزُّهْرِيّ: وفدت على عبد الْملك، وَلَو كَانَ الزُّهْرِيّ وَفد على مَرْوَان لأدرك جلة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مِمَّن لَيست لَهُ عَنْهُم رِوَايَة إلَاّ بِوَاسِطَة، وَقد أَدخل مَالك وَعقيل، وإليهما الْمرجع فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ، بَينه وَبَين ابْن عمر فِي هَذِه الْقِصَّة سالما، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد. قَوْله: (عِنْد سرادق الْحجَّاج) ، السرادق، بِضَم السِّين. قَالَ الْكرْمَانِي: وَتَبعهُ غَيره أَنه هُوَ الْخَيْمَة وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا السرادق هُوَ الَّذِي يُحِيط بالخيمة وَله بَاب يدْخل مِنْهُ إِلَى الْخَيْمَة وَلَا يعْمل هَذَا غَالِبا إلَاّ للسلاطين والملوك الْكِبَار، وبالفارسية يُسمى: سرابردة. قَوْله: (ملحفة) ، بِكَسْر الْمِيم: الْإِزَار الْكَبِير. قَوْله: (معصفرة) أَي: مصبوغة بالعصفر. قَوْله: (يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن) هُوَ كنية عبد الله بن عمر. قَوْله: (الرواح) ، بِالنّصب أَي: رح الرواح أَو عجل، قَالَه الْكرْمَانِي، والأصوب أَن يُقَال: إِنَّه مَنْصُوب على الإغراء أَي: ألزم الرواح، والإغراء تَنْبِيه الْمُخَاطب على أَمر مَحْمُود ليفعله. قَوْله: (إِن كنت تُرِيدُ السنَّة) وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: (إِن كنت تُرِيدُ أَن تصيب السنَّة) . وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّقَصِّي) : هَذَا الحَدِيث يدْخل عِنْدهم فِي الْمسند لقَوْله: (إِن كنت تُرِيدُ السنَّة) ، فَالْمُرَاد سنَّة سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، وَكَذَلِكَ إِذا أطلقها غَيره مَا لم تضف إِلَى صَاحبهَا، كَقَوْلِهِم: سنة العمرين، وَمَا أشبه ذَلِك. انْتهى. وَهَذِه مَسْأَلَة خلاف عِنْد أهل الحَدِيث وَالْأُصُول، وَالْجُمْهُور على مَا قَالَ ابْن عبد الْبر، وَهِي طَريقَة البُخَارِيّ وَمُسلم، ويقويه قَول سَالم لِابْنِ شهَاب، إِذْ قَالَ لَهُ: أفعل ذَلِك رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَ: وَهل تتبعون فِي ذَلِك إلَاّ سنته؟ قَوْله: (فأنظرني) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة من الأنظار وَهُوَ الْإِمْهَال مَعْنَاهُ أمهلني وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (وانظرني) بِهَمْزَة الْوَصْل وَضم الظَّاء وَمَعْنَاهُ: انتظرني. قَوْله: (حَتَّى أفيض على رَأْسِي) حَتَّى اغْتسل لِأَن إفَاضَة المَاء على الرَّأْس إِنَّمَا تكون غَالِبا فِي الْغسْل. قَوْله: (ثمَّ أخرج) ، بِالنّصب عطف على قَوْله: (حَتَّى أفيض) ، وَأَصله: حَتَّى أَن أفيض، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه أفضِ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر. قَوْله: (فَنزل) أَي: ابْن عمر، كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى على مَا يَأْتِي بعد بَابَيْنِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ رَاكِبًا. قَوْله: (فَسَار بيني وَبَين أبي) أَي: سَار الْحجَّاج بَين سَالم وَأَبِيهِ عبد الله بن عمر، وَيحْتَمل أَن يَكُونُوا ركبانا، لِأَن السّنة الرّكُوب حِينَئِذٍ لمن لَهُ رَاحِلَة. قَوْله: (وَعجل الْوُقُوف) ، قَالَ أَبُو عمر: رِوَايَة يحيى وَابْن الْقَاسِم وَابْن وهب ومطرف: وَعجل الصَّلَاة، وَقَالَ القعْنبِي وَأَشْهَب: فَأَتمَّ الْخطْبَة وَعجل الْوُقُوف، جعلا مَوضِع الصَّلَاة الْوُقُوف. قَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ عِنْدِي غلط، لِأَن أَكثر الروَاة عَن مَالك على خِلَافه. قيل: رِوَايَة القعْنبِي لَهَا وَجه، لِأَن تَعْجِيل الْوُقُوف يسْتَلْزم تَعْجِيل الصَّلَاة، وَمَعَ هَذَا وَافق القعْنبِي عبد الله بن يُوسُف كَمَا ترى، وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن الِاخْتِلَاف فِيهِ عَن مَالك. قلت: هَذَا لَيْسَ بِظَاهِر، وَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ؟
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن تَعْجِيل الصَّلَاة يَوْم عَرَفَة سنة مجمع عَلَيْهَا فِي أول وَقت الظّهْر، ثمَّ يصلى الْعَصْر بإثر السَّلَام والفراغ. وَفِيه: أَن إِقَامَة الْحَج إِلَى الْخُلَفَاء وَمن جعلُوا ذَلِك إِلَيْهِ، وَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِم يقيموا من كَانَ عَالما بِهِ. وَفِيه: الصَّلَاة خلف الْفَاجِر من الْوُلَاة مَا لم تخرجه بدعته عَن الْإِسْلَام. وَفِيه: أَن الرجل الْفَاضِل لَا يُؤَاخذ عَلَيْهِ فِي مَشْيه إِلَى السُّلْطَان الجائر فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ. وَفِيه: أَن تَعْجِيل الرواح للْإِمَام للْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِعَرَفَة فِي أول وَقت الظّهْر سنة. وَفِيه: الْغسْل للوقوف بِعَرَفَة. وَفِيه: خُرُوج الْحجَّاج وَهُوَ محرم وَعَلِيهِ ملحفة معصفرة وَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ ابْن عمر. وَفِيه: حجَّة لمن أجَاز المعصفر للْمحرمِ. وَفِيه: جَوَاز تأمير الْأَدْنَى على الْأَفْضَل والأعلم. وَفِيه: ابْتِدَاء الْعَالم بالفتيا قبل أَن يسْأَل عَنهُ. وَفِيه: الْفَهم بِالْإِشَارَةِ وَالنَّظَر. وَفِيه: أَن اتِّبَاع الشَّارِع هُوَ السّنة وَإِن كَانَ فِي الْمَسْأَلَة أوجه جَائِز غَيرهَا. وَفِيه: فَتْوَى التلميذ بِحَضْرَة أستاذه عِنْد السُّلْطَان وَغَيره. وَفِيه: جَوَاز الذّهاب من الْعَالم إِلَى السُّلْطَان، سَوَاء كَانَ جائرا أَو غير جَائِر، لأجل إرشاده إِيَّاه إِلَى الْخَيْر
стр. 2802
وإيقافه على مَا لَا يعلم من السّنة. وَفِيه: صياح الْعَالم عِنْدَمَا كَانَ السُّلْطَان فِيهِ ليسرع إِلَيْهِ فِي الْإِجَابَة. وَفِيه: أَن السُّلْطَان أَو نَائِبه يعْمل فِي الدّين بقول أهل الْعلم وَيرجع إِلَى قَوْلهم. وَفِيه: تَعْلِيم الْفَاجِر السّنَن لمَنْفَعَة النَّاس. وَفِيه: احْتِمَال الْمفْسدَة القليلة لتَحْصِيل الْمصلحَة الْكَبِيرَة، يُؤْخَذ ذَلِك من مُضِيّ ابْن عمر إِلَى الْحجَّاج وتعليمه. وَفِيه: الْحِرْص على نشر الْعلم لانتفاع النَّاس بِهِ. وَفِيه: الْخطْبَة فَعِنْدَ أبي حنيفَة، يخْطب خطبتين بعد الزَّوَال وَبعد الْأَذَان قبل الصَّلَاة كخطبة الْجُمُعَة، وَلَو خطب قبل الزَّوَال جَازَ، وَعند أَصْحَابنَا فِي الْحَج ثَلَاث خطب: أَولهَا: فِي الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة، وَهُوَ قبل يَوْم التَّرويَة بِيَوْم، يعلم النَّاس فِيهَا الْخُرُوج إِلَى منى. وَالثَّانيَِة: يَوْم عَرَفَة، وَهُوَ التَّاسِع من الشَّهْر يعلم النَّاس فِيهَا مَا يجب من الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة وَرمي الْجمار والنحر وَطواف الزِّيَارَة. وَالثَّالِثَة: بمنى بعد يَوْم النَّحْر، وَهُوَ الْحَادِي عشر من الشَّهْر، يحمد الله ويشكره على مَا وفْق من قَضَاء مَنَاسِك الْحَج، ويحض النَّاس على الطَّاعَات، ويحذرهم عَن اكْتِسَاب الْخَطَايَا، فيفصل بَين كل خطبتين بِيَوْم. وَقَالَ زفر: يخطبها فِي ثَلَاثَة أَيَّام مُتَوَالِيَات: يَوْم التَّرويَة، وَيَوْم عَرَفَة، وَيَوْم النَّحْر. وَعند الشَّافِعِي: فِي الْحَج أَربع خطب مسنونة: إِحْدَاهَا بِمَكَّة يَوْم السَّابِع، وَالثَّانيَِة: يَوْم عَرَفَة وَالثَّالِثَة: يَوْم النَّحْر بمنى، وَالرَّابِعَة: يَوْم النفرالأول بمنى، وَعند مَالك: ثَلَاث خطب، الأولى: يَوْم السَّابِع بِمَكَّة بعد الظّهْر خطْبَة وَاحِدَة وَلَا يجلس فِيهَا. الثَّانِيَة: بِعَرَفَات بعد الزَّوَال بجلسة فِي وَسطهَا. وَالثَّالِثَة: فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر. وَعند أَحْمد كَذَلِك ثَلَاث خطب، وَلَا خطْبَة فِي الْيَوْم السَّابِع بِمَكَّة، بل يخْطب بِعَرَفَات بعد الزَّوَال، ثمَّ يخْطب بمنى يَوْم النَّحْر فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ، ثمَّ كَذَلِك ثَانِي أَيَّام منى بعد الظّهْر. وَقَالَ ابْن حزم: خطب رَسُول الله ﷺ يَوْم الْأَحَد ثَانِي يَوْم النَّحْر، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَيْضا وَهُوَ يَوْم النَّفر وَفِيه حَدِيث فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَآخر فِي (مُسْند أَحْمد) وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ ابْن حزم: وَقد روى أَيْضا أَنه خطبهم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَهُوَ يَوْم الأكارع، وَأوصى بذوي الْأَرْحَام خيرا. قَالَ ابْن قدامَة: وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يخْطب الْعشْر كُله، وَرُوِيَ عَن ابْن الزبير كَذَلِك، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .
٨٨ - (بابُ الوُقُوفِ عَلَى الدَّابةِ بِعَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوُقُوف رَاكِبًا على الدَّابَّة فِي عَرَفَة.
١٦٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ أبي النَّضْرِ عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ الله ابنِ العبَّاسِ عَن أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ أنَّ نَاسا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النبيِّ ﷺ فَقالَ بَعْضُهُمُ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فأرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ وَاقِف على بعيره) ، وَقد مضى الحَدِيث قبل هَذَا الْبَاب ببابين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم. . إِلَى آخِره، وَهنا: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك عَن أبي النَّضر، بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. وَهُوَ سَالم بن أبي أُميَّة إِلَى آخِره، فَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْمَتْن والسند، وَلَكِن الْحَاصِل وَاحِد.
قَوْله: (عَن عُمَيْر) ، بِضَم الْعين، وَذكر هُنَاكَ أَنه مولى عبد الله بن عَبَّاس، وَفِي ذَاك الْبَاب قَالَ: مولى أم الْفضل، وَوَجهه أَنه إِمَّا كَانَ مولى لَهما جَمِيعًا، أَو كَانَ مولى لأم الْفضل وَنسب إِلَى عبد الله مجَازًا، أَو بِالْعَكْسِ. وَاسم أم الْفضل: لبَابَة، وَقد مر هُنَاكَ. قَوْله: (فَأرْسلت) بِلَفْظ التَّكَلُّم، وبلفظ الْغَيْبَة، كَمَا فِي ذَاك الْبَاب، كَذَلِك فِي قَوْله: (فَبعثت) .
وَاخْتلف أهل الْعلم أَن الرّكُوب أفضل أَو تَركه بِعَرَفَة، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الرّكُوب أفضل لكَونه ﷺ وقف رَاكِبًا، وَلِأَن فِي الرّكُوب عونا على الِاجْتِهَاد فِي الدُّعَاء والتضرع الْمَطْلُوب هُنَاكَ. وَفِيه: قُوَّة، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَعنهُ قَول: إنَّهُمَا سَوَاء. وَفِيه: أَن الْوُقُوف على ظهر الدَّابَّة مُبَاح إِذا كَانَ بِالْمَعْرُوفِ وَلم يجحف بالدابة، وَالنَّهْي الْوَارِد: (لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورهَا مَنَابِر) ، مَحْمُول على الْأَغْلَب الْأَكْثَر بِدَلِيل هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ ابْن التِّين: من سهل عَلَيْهِ بذل المَال وشق عَلَيْهِ الْمَشْي فمشيه أَكثر أجرا لَهُ، وَمن شقّ عَلَيْهِ
стр. 2803
بذله وَسَهل عَلَيْهِ الْمَشْي فركوبه أَكثر أجرا لَهُ، وَهَذَا على اعْتِبَار الْمَشَقَّة فِي الأجور.
٩٨ - (بابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ أَي: الظّهْر وَالْعصر بِعَرَفَة يَوْم عَرَفَة، وَلم يبين الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب، أَو لمَكَان الْخلاف فِيهِ، فَإِن مَالِكًا وَالْأَوْزَاعِيّ قَالَا: يجوز الْجمع بِعَرَفَة والمزدلفة لكل أحد، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيَّة، وَقَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَعند أبي حنيفَة: لَا يجمع بَينهمَا إلَاّ من صلاهَا مَعَ الإِمَام، وَهُوَ مَذْهَب النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَعند الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد، سَبَب هَذَا الْجمع السّفر، حَتَّى لَا يجوز لأهل مَكَّة وَلَا لمن كَانَ مُقيما هُنَاكَ أَن يجمع. وَفِي (الرَّوْضَة) : أما الْحجَّاج من أهل الْآفَاق فَيجْمَعُونَ بَين الظّهْر وَالْعصر بِعَرَفَة فِي وَقت الظّهْر، وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء بِمُزْدَلِفَة فِي وَقت الْعشَاء، وَذَلِكَ الْجمع بِسَبَب السّفر على الْمَذْهَب الصَّحِيح، وَقيل: بِسَبَب النّسك، فَإِن قُلْنَا بِالْأولِ فَفِي جمع الْمَكِّيّ قَولَانِ، لِأَن سَفَره قصير وَلَا يجمع الْعرفِيّ بِعَرَفَة وَلَا المزدلفي بِمُزْدَلِفَة لِأَنَّهُ وَطنه، وَهل يجمع كل وَاحِد مِنْهُمَا بالبقعة الْأُخْرَى؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ كالمكي، وَإِن قُلْنَا بِالثَّانِي جَازَ الْجمع لجميعهم، وَمن الْأَصْحَاب من يَقُول: فِي جمع الْمَكِّيّ قَولَانِ: الْجَدِيد مَنعه، وَالْقَدِيم جَوَازه، وعَلى الْقَدِيم فِي الْعرفِيّ والمزدلفي وَجْهَان، وَالْمذهب جمعهم على الْإِطْلَاق، وَحكم الْجمع فِي البقعتين حكمه فِي سَائِر الْأَسْفَار، وَيتَخَيَّر فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَالِاخْتِيَار التَّقْدِيم بِعَرَفَة وَالتَّأْخِير بِمُزْدَلِفَة.
وَكَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا فاتَتْهُ الصَّلَاةُ معَ الإمَامِ جمَعَ بَيْنَهُمَا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي الْمَنَاسِك لَهُ، قَالَ: حَدثنَا الحوضي عَن همام أَن نَافِعًا حَدثهُ أَن ابْن عمر كَانَ إِذا لم يدْرك الإِمَام يَوْم عَرَفَة جمع بَين الظّهْر وَالْعصر فِي منزله، وَأخرجه الثَّوْريّ فِي (جَامعه) بِرِوَايَة عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي عَنهُ عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد عَن نَافِع مثله، وَأخرجه ابْن الْمُنْذر من هَذَا الْوَجْه.
وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرنِي سَالِمٌ أنَّ الحَجَّاجَ بنَ يُوسُفَ عامَ نَزَلَ بابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا سَألَ عَبْدَ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كَيْفَ تَصْنعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ سالِمٌ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فهَجِّرْ بِالصَّلاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فقالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ صَدَقَ إنَّهُم كانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ فِي السُّنَّةِ فقُلْتُ لِسالِمٍ أفعَلَ ذَلِكَ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ سالِمٌ وهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذالِكَ إلَاّ سُنَّتَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانُوا يجمعُونَ بَين الظّهْر وَالْعصر) ، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر. وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يحيى بن بكير وَأبي صَالح جَمِيعًا عَن اللَّيْث.
قَوْله: (عَام نزل بِابْن الزبير) ، وَهُوَ عبد الله بن الزبير، وَكَانَ نُزُوله فِي سنة ثَلَاث وَسبعين. قَوْله: (سَأَلَ عبد الله) ، أَي سَأَلَ الْحجَّاج عبد الله بن عمر. قَوْله: (فهجِّر) أَمر من التهجير أَي: صلِّ بالهاجرة، وَهِي شدَّة الْحر. قَوْله: (فِي السّنة) ، بِضَم السِّين وَتَشْديد النُّون أَي: سنة النَّبِي ﷺ ، وَمحل هَذِه نصب على الْحَال من فَاعل: يجمعُونَ، أَي: متوغلين فِي السّنة، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك تعريضا بالحجاج. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه مُطَابقَة كَلَام عبد الله لكَلَام وَلَده سَالم؟ ثمَّ أجَاب بقوله، لَعَلَّه أَرَادَ من الصَّلَاة صَلَاة الظّهْر وَالْعصر كليهمَا، فَكَأَنَّهُ أَمر بتهجير الصَّلَاتَيْنِ، فَصدقهُ عبد الله فِي ذَلِك. قَوْله: (فَقلت لسالم) الْقَائِل هُوَ ابْن شهَاب. قَوْله: (أفعل ذَلِك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (وَهل تتبعون؟) بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا عين مُهْملَة: من الِاتِّبَاع، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: تَبْتَغُونَ، بِفَتْح التائين المثناتين من فَوق بَينهمَا بَاء مُوَحدَة وبالغين الْمُعْجَمَة: من الابتغاء، وَهُوَ الطّلب. قَوْله: (فِي ذَلِك) أَي: فِي ذَلِك الْفِعْل، وَفِي رِوَايَة
стр. 2804
الْحَمَوِيّ بِحَذْف كلمة: فِي، وَهِي مقدرَة، ويروى بذلك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي الْجمع أَو التهجير.
٠٩ - (بابُ قَصْرِ الخُطْبَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قصر الْخطْبَة فِي يَوْم عَرَفَة.
٣٦٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَالمِ بنِ عبد الله أنَّ عبدَ المَلِكِ بنَ مَرْوَانَ كتبَ إلَى الحَجَّاجِ أنْ يَأتَمَّ بِعَبْدِ الله بنِ عُمَرَ فِي الحَجِّ فلَمَّا كانَ يَوْمَ عرَفَةَ جاءَ ابنُ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَأَنا معَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ أوْ زَالَتْ فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطاطهِ أيْنَ هاذا فخَرجَ إلَيْهِ فقالَ ابنُ عُمَرَ فَقَالَ الْآن قَالَ نَعَمْ قَالَ أنْظُرْني أُفِيضُ علَيَّ مَاء فنزَلَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا حَتى خرجَ الحَجَّاجُ فسَارَ بَيْني وبيْنَ أبي فقُلْتُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ اليَوْمَ فاقْصُرْ الخُطْبَةَ وعَجِّلْ الوُقوفَ فَقَالَ ابنُ عُمرَ صَدَقَ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٦٦١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاقصر الْخطْبَة) ، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب التهجير بالرواح يَوْم عَرَفَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَهنا عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
قَوْله: (أَن يأتم) أَي: يقْتَدى. قَوْله: (زاغت) أَي: مَالَتْ. قَوْله: (أَو زَالَت) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (عِنْد فسطاطه) وَهُوَ بَيت من شعر، وَفِيه لُغَات تقدّمت. قَوْله: (أفيض) ، هُوَ اسْتِئْنَاف كَلَام، ويروى: أفض، بِالْجَزْمِ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، قَوْله: (إِن كنت تُرِيدُ) الْخطاب للحجاج، ويروي: لَو كنت، فكلمة: لَو، على هَذِه بِمَعْنى: أَن، يَعْنِي لمُجَرّد الشّرطِيَّة بِدُونِ مُلَاحظَة الِامْتِنَاع. فَافْهَم.
(بابُ التَّعْجِيلِ إِلَى المَوْقِفِ)
هَكَذَا وَقع هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة عِنْد الْأَكْثَرين بِغَيْر حَدِيث فِيهِ، وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر أصلا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَنه وَقع فِي بعض النّسخ هُنَا زِيَادَة: وَهُوَ بَاب التَّعْجِيل إِلَى الْموقف، وَقَالَ أَبُو عبد الله: يُرَاد فِي هَذَا الْبَاب: هَمْ هَذَا الحَدِيث حَدِيث مَالك عَن ابْن شهَاب، وَلَكِنِّي لَا أُرِيد أَن أَدخل فِيهِ معادا، أَقُول: هَذَا تَصْرِيح من البُخَارِيّ بِأَنَّهُ لم يعد حَدِيثا فِي هَذَا الْجَامِع وَلم يُكَرر شَيْئا مِنْهُ، وَمَا اشْتهر أَن نصفه تَقْرِيبًا مُكَرر، فَهُوَ قَول إقناعي على سَبِيل الْمُسَامحَة، وَأما عِنْد التَّحْقِيق فَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا من تَقْيِيد أَو إهمال أَو زِيَادَة أَو نُقْصَان أَو تفَاوت فِي الْإِسْنَاد وَنَحْوه، وَكلمَة: هم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْمِيم، قيل: إِنَّهَا فارسية، وَقيل: عَرَبِيَّة، وَمَعْنَاهَا قريب من معنى لفظ أَيْضا. انْتهى. قلت: أَرَادَ بقوله: وَقَالَ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ نَفسه لِأَن كنيته أَبُو عبد الله قَوْله: (هَذَا الحَدِيث) أَرَادَ بِهِ حَدِيث مَالك الَّذِي رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيقين: أَحدهمَا: طَرِيق عبد الله بن يُوسُف. وَالْآخر: طَرِيق عبد الله بن مسلمة كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَقَوله: (معادا) أَي: مكررا، وَحَاصِل هَذَا الْكَلَام أَنه قَالَ: زِيَادَة الحَدِيث الْمَذْكُور وَكَانَت مُنَاسبَة أَن تدهل فِي هَذَا الْبَاب، أَعنِي بَاب التَّعْجِيل إِلَى الْموقف، وَلَكِنِّي مَا أدخلته فِيهِ لِأَنِّي لَا أَدخل فِيهِ مكررا، وَكَأَنَّهُ لم يظفر بطرِيق آخر فِيهِ غير الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين، فَلذَلِك لم يدْخلهُ، وَهَذَا يدل على أَنه لَا يُعِيد حَدِيثا وَلَا يكرره فِي هَذَا الْكتاب إلَاّ لفائدة من جِهَة الْإِسْنَاد، أَو من جِهَة الْمَتْن، قَالَ: وَإِن وَقع شَيْء خَارج من ذَلِك يكون اتفاقيا لَا قصدا، وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ نَادِر قَلِيل الْوُقُوع، وَأما قَول الْكرْمَانِي، وَكلمَة هم ... إِلَى رخره، فَهُوَ تصرف من عِنْده، تصرف فِيهَا حِين وقف على النُّسْخَة الَّتِي قَالَ فِيهَا: وَقع فِي بعض النّسخ، وَنقل عَنْهَا أَنه قَالَ: هم هَذَا الحَدِيث، وَالظَّاهِر أَنه وَقع مِنْهُ هَذِه اللَّفْظَة فِي كَلَامه من غير قصد، فَنقل مِنْهُ على هَذَا الْوَجْه، وَأَن هَذِه اللَّفْظَة فارسية وَلَيْسَت بعربية. وَالله تَعَالَى أعلم.
стр. 2805
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
١٩ - (بابُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْوُقُوف إِنَّمَا يكون بِعَرَفَة دون غَيرهَا من الْمَوَاضِع، وَذَلِكَ أَن قُريْشًا كَانُوا يَقُولُونَ: نَحن أهل الله فَلَا نخرج من الْحرم، وَكَانَ غَيرهم يقفون بِعَرَفَة وعرفة خَارج الْحرم فَبين الله تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . إِن الْإِفَاضَة إِنَّمَا تكون من موقف عَرَفَة الَّذِي كَانَ يقف فِيهِ سَائِر النَّاس دون غَيره من موقف قُرَيْش عِنْد الْمشعر الْحَرَام، وَكَانُوا يَقُولُونَ، عزتنا بِالْحرم وسكنانا فِيهِ، وَنحن جيران الله فَلَا نرى الْخُرُوج عَنهُ إِلَى الْحل عِنْد وقوفنا فِي الْحَج، فَلَا نفارق عزنا وَمَا حرم الله تَعَالَى بِهِ أَمْوَالنَا ودماءنا، وَكَانَت طوائف الْعَرَب يقفون فِي موقف إِبْرَاهِيم ﷺ من عَرَفَة، وَكَانَ وقُوف النَّبِي ﷺ أَيْضا فِي موقف إِبْرَاهِيم ﷺ قبل أَن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي تَوْفِيقًا من الله تَعَالَى لَهُ على ذَلِك.
٤٦٦١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا عَمْرٌ وَقَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرِ ابنِ مُطْعِمٍ عنْ أبيهِ قَالَ كُنْتُ أطْلُبُ بَعِيرا لي (ح) وحدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا سُفيَانُ عَنْ عَمْرٍ ووسَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ جُبَيْرِ بنِ مُطْعَمٍ قَالَ أضْلَلْتُ بَعِيرا لِي فَذَهَبْتُ أطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَرَأيْتُ النبيَّ ﷺ وَاقِفا بِعَرَفَةَ فَقُلْتُ هاذا وَالله مِنَ الخُمْسِ فَما شَأنُهُ هاهُنا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَة) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم. الْخَامِس: حبير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: ابْن مطعم، بِضَم الْمِيم إسم فَاعل من الْإِطْعَام ابْن عدي ابْن نَوْفَل الْقرشِي النَّوْفَلِي الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: مُسَدّد بن مسرهد، وَالْكل قد ذكرُوا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: إسنادان: أَحدهمَا عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَالْآخر عَن مُسَدّد فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي بكر وَعَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أضللت بَعِيرًا لي) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (أضللت بَعِيرًا) ، بِدُونِ كلمة: لي، يُقَال: أضلّهُ إِذا أضاعه، وَقَالَ ابْن السّكيت: أضللت بَعِيري إِذا ذهب مِنْك. قَوْله: (يَوْم عَرَفَة) أَي: فِي يَوْم عَرَفَة. فَإِن قلت: إضلاله بعيره كَانَ فِي يَوْم عَرَفَة أَو طلبه؟ قلت: طلبه كَانَ فِي يَوْم عَرَفَة فَإِن جُبَير بن مطعم إِنَّمَا جَاءَ إِلَى عَرَفَة ليطلب بعيره لَا ليقف بهَا، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ الْحميدِي فِي مُسْنده: (أضللت بَعِيرًا لي يَوْم عَرَفَة فَخرجت أطلبه بِعَرَفَة) .
стр. 2806
وَمن طَرِيقه رَوَاهُ أَبُو نعيم. قَوْله: (فَقلت) ، قَائِله جُبَير، وَأَشَارَ بقوله هَذَا إِلَى النَّبِي ﷺ حِين رَآهُ وَاقِفًا بِعَرَفَة، فَقَالَ: هَذَا وَالله من الحمس، يَعْنِي: هُوَ من الحمس، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره سين مُهْملَة، جمع الأحمس، وَفِي اللُّغَة: الأحمس الشَّديد والمشدد على نَفسه فِي الدّين يُسمى أحمس، والحماسة الشدَّة فِي كل شَيْء، قَالَه ابْن سَيّده. وَيُقَال لَهُ: المتحمس أَيْضا. وَفِي (الصِّحَاح) : حمس بِالْكَسْرِ فَهُوَ حمس وأحمس بيِّن الحمس. وَفِي (الموعب) عَن ابْن دُرَيْد: الحمس، بِالْفَتْح التشدد فِي الْأَمر، وَبِه سميت قُرَيْش وخزاعة وَبَنُو عَامر بن صعصعة وَقوم من كنَانَة، وَقَالَ غَيره: الحمس قُرَيْش وَمن ولدت من غَيرهَا، وَقيل: قُرَيْش وَمن ولدت وأحلافها، وَقيل: قُرَيْش وَمن ولدت من قُرَيْش وكنانة وجديلة قيس، وَكَانُوا إِذا أنكحوا امْرَأَة مِنْهُم غَرِيبا اشترطوا عَلَيْهِ أَن وَلَدهَا على دينهم، وَدخل فِي هَذَا الِاسْم من غير قُرَيْش ثَقِيف وَلَيْث بن بكر وخزاعة وَبَنُو عَامر بن صعصعة. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَت قُرَيْش، لَا أَدْرِي قبل الْفِيل أَو بعده، ابتدعت أَمر الحمس رَأيا رَأَوْهُ فتركوا الْوُقُوف على عَرَفَة، والإفاضة مِنْهَا، وهم يعْرفُونَ ويقرون أَنَّهَا من المشاعر وَالْحج، إلَاّ أَنهم قَالُوا: نَحن أهل الْحرم نَحن الحمس، والحمس أهل الْحرم. قَالُوا: وَلَا يَنْبَغِي للحمس أَن يأتقطوا الأقط وَلَا يسلوا السّمن، وهم حرم، وَلَا يدخلُوا بَيْتا من شعر، وَلَا يستظلوا إِن استظلوا إلَاّ فِي بيُوت الْأدم مَا كَانُوا حرما، ثمَّ قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لأهل الْحل أَن يَأْكُلُوا من طَعَام جاؤا بِهِ مَعَهم من الْحل إِلَى الْحرم إِذا جاؤا حجاجا أَو عمارا، وَلَا يطوفون بِالْبَيْتِ إِذا قدمُوا أول طوافهم إلَاّ فِي ثِيَاب الحمس. وَقَالَ السُّهيْلي: كَانُوا ذَهَبُوا فِي ذَلِك مَذْهَب الترهب والتأله، فَكَانَت نِسَاؤُهُم لَا ينسجن الشّعْر وَلَا الْوَبر. وَعَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) : كَانُوا أَي قُرَيْش إِذا أهلوا بِحَجّ أَو عمْرَة لَا يَأْكُلُون لَحْمًا، وَإِذا قدمُوا مَكَّة وضعُوا ثِيَابهمْ الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم، وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا: سموا الْكَعْبَة بحمساء لِأَنَّهَا حمساء، حجرها أَبيض يضْرب إِلَى السوَاد. قَوْله: (فَمَا شَأْنه؟) هَذَا تعجب من جُبَير بن مطعم وإنكار مِنْهُ لما رأى النَّبِي، ﷺ ، وَاقِفًا بِعَرَفَة، فَقَالَ: هُوَ من الحمس، فَمَا باله يقف بِعَرَفَة والحمس لَا يقفون بهَا؟ لأَنهم لَا يخرجُون من الْحرم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقْفَة رَسُول الله ﷺ بِعَرَفَة كَانَت سنة عشر، وَجبير بن مطعم كَانَ مُسلما، لِأَنَّهُ أسلم يَوْم الْفَتْح، بل عَام خَيْبَر، فَمَا وَجه سُؤَاله إنكارا أَو تَعَجبا؟ ثمَّ أجَاب بقوله: لَعَلَّه لم يبلغ إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . أولم يكن السُّؤَال ناشئا عَن الْإِنْكَار والتعجب، بل أَرَادَ بِهِ السُّؤَال عَن حِكْمَة الْمُخَالفَة عَمَّا كَانَت الحمس عَلَيْهِ، أَو كَانَ لرَسُول الله، ﷺ ، وَقْفَة بهَا قبل الْهِجْرَة. انْتهى. قلت: حج رَسُول الله ﷺ قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا غير مرّة، وَأما بعد الْهِجْرَة فَلم يحجّ إلَاّ مرّة وَاحِدَة، وروى ابْن خُزَيْمَة وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه من طَرِيق ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر عَن عُثْمَان عَن أبي سُلَيْمَان عَن عَمه نَافِع بن جُبَير عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَت قُرَيْش إِنَّمَا تدفع من الْمزْدَلِفَة وَيَقُولُونَ: نَحن الحمس فَلَا نخرج من الْحرم، وَقد تركُوا الْموقف بِعَرَفَة، قَالَ: (فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّة يقف مَعَ النَّاس بِعَرَفَة على جمل لَهُ، ثمَّ يصبح مَعَ قومه بِالْمُزْدَلِفَةِ فيقف مَعَهم وَيدْفَع إِذا دفعُوا) ، وَلَفظ يُونُس بن بكير عَن ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي مُخْتَصرا، وَفِيه (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَائِما مَعَ النَّاس قبل أَن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي تَوْفِيقًا من الله تَعَالَى لَهُ) . وَأخرجه إِسْحَاق أَيْضا عَن الْفضل بن مُوسَى عَن عُثْمَان بن الْأسود عَن عَطاء عَن جُبَير بن مطعم، قَالَ: أضللت حمارا لي فِي الْجَاهِلِيَّة فَوَجَدته بِعَرَفَة، فَرَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، وَاقِفًا بِعَرَفَات مَعَ النَّاس، فَلَمَّا أسلمت عرفت أَن الله وَفقه لذَلِك.
٥٦٦١ - حدَّثنا فَرْوَةُ بنُ أبِي المَغْرَاءِ قَالَ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ كانَ الناسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إلَاّ الحُمْسَ والحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا ولَدَتْ وكانَتِ الحُمْسُ يحتَبِسُونَ علَى النَّاسِ يُعطي الرجلُ الرَّجلَ الثِّيابَ يَطُوفُ فِيهَا وتُعْطِي المرْأةُ المرأةَ الثِّيابَ تَطوفُ فِيهَا فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الحُمْسُ طافَ بالْبَيْتِ عُرْيانا وكانَ يُفِيضُ جَماعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفاتٍ ويُفِيضُ الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ قَالَ وأخبرَنِي أبِي عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ هذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي الحُمْسِ
стр. 2807
ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيثُ أفَاضَ النَّاسُ قَالَ كانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ فدُفِعُوا إلَى عَرَفاتٍ.
(الحَدِيث ٥٦٦١ طرفه فِي: ٠٢٥٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . لِأَن الْأَمر بالإفاضة من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس لَا يكون إلَاّ بعد الْوُقُوف بِعَرَفَة، فصاروا مأمورين بِالْوُقُوفِ فِي عَرَفَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: فَرْوَة، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو: ابْن أبي المغراء، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالراء وبالمد، مر فِي آخر الْجَنَائِز. الثَّانِي: عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء: قَاضِي الْموصل، مر فِي: بَاب مُبَاشرَة الْحَائِض. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة وَقد تكَرر ذكره الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَابْن مسْهر كوفيان، وَأَن هشاما وأباه عُرْوَة مدنيان. وَفِيه: أَن من قَوْله: (قَالَ عُرْوَة) إِلَى قَوْله: (وَأَخْبرنِي. .) مَوْقُوف وَمن قَوْله وَأَخْبرنِي إِلَى آخِره، مُتَّصِل. وَفِيه: قَالَ عُرْوَة، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر: عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عُرَاة) ، جمع عارٍ، كقضاة جمع قاضٍ، وانتصابه على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي يطوفون، وَقد مر تَفْسِير الحمس عَن قريب. قَوْله: (وَمَا ولدت) أَي: وَأَوْلَادهمْ، وَاخْتَارَ كلمة: مَا، على كلمة: من، لعمومه. وَقيل: المُرَاد بِهِ والدهم وَهُوَ كنَانَة، لِأَن الصَّحِيح أَن قُريْشًا هم أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة، وَزَاد معمر هُنَا: وَكَانَ مِمَّن ولدت قُرَيْش خُزَاعَة وَبَنُو كنَانَة وَبَنُو عَامر بن صعصعة. وَعَن مُجَاهِد أَن مِنْهُم أَيْضا عدوان وَغَيرهم. قَوْله: (ويحتسبون) أَي: يُعْطون النَّاس الثِّيَاب حسبَة لله تَعَالَى. قَوْله: (يفِيض) ، أَصله من إفَاضَة المَاء وَهُوَ صبه بِكَثْرَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، أَفَضْتُم دفعتم من كَثْرَة المَاء. قَوْله: (جمَاعَة النَّاس) أَي: غير الحمس. قَوْله: (من عَرَفَات) ، هُوَ علم للموقف، وَهُوَ منصرف إِذْ لَا تَأْنِيث فِيهَا. قَالَه الْكرْمَانِي: وَالتَّحْقِيق فِيهِ مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ. فَإِن قلت: هلا منعت الصّرْف وَفِيه السببان التَّعْرِيف والتأنيث؟ قلت: لَا يَخْلُو التَّأْنِيث، إِمَّا أَن يكون بِالتَّاءِ الَّتِي فِي لَفظهَا، وَإِمَّا بتاء مقدرَة كَمَا فِي سعاد، فالتي فِي لفها لَيست للتأنيث، وَإِنَّمَا هِيَ مَعَ الْألف الَّتِي قبلهَا عَلامَة جمع الْمُؤَنَّث، وَلَا يَصح تَقْدِير التَّاء فِيهَا، لِأَن هَذِه التَّاء لاختصاصها بِجمع الْمُؤَنَّث مَانِعَة من تقديرها كَمَا لَا تقدر تَاء التَّأْنِيث فِي بنت، لِأَن التَّاء الَّتِي هِيَ بدل من الْوَاو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنييث، فَأَبت تقديرها. انْتهى. وَسميت عَرَفَات بِهَذَا الإسم إِمَّا لِأَنَّهَا وصفت لإِبْرَاهِيم، ﵊،، فَلَمَّا بصرها عرفهَا. أَو لِأَن جِبْرِيل، ﵊، حِين كَانَ يَدُور بِهِ فِي المشاعر أرَاهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: قد عرفت. أَو لِأَن آدم، ﵊، هَبَط من الْجنَّة بِأَرْض الْهِنْد، وحواء، ﵍، بجذة، فَالْتَقَيَا ثمَّة فتعارفا أَو لِأَن النَّاس يَتَعَارَفُونَ بهَا. أَو لِأَن إِبْرَاهِيم ﷺ عرف حَقِيقَة رُؤْيَاهُ فِي ذبح وَلَده ثمَّة أَو لِأَن الْخلق يعترفون فِيهَا بِذُنُوبِهِمْ. أَو لِأَن فِيهَا جبالاً، والجيال هِيَ الْأَعْرَاف، وكل عَال فَهُوَ عرف. قَوْله: (من جمع) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم: هِيَ الْمزْدَلِفَة، وَسمي بِهِ لِأَن آدم، ﵊، اجْتمع فِيهَا مَعَ حَوَّاء، ﵍، وازدلف إِلَيْهَا أَي: دنا مِنْهَا أَو لِأَنَّهُ يجمع فِيهَا بَين الصَّلَاتَيْنِ، وَأَهْلهَا يزدلفون أَي: يَتَقَرَّبُون إِلَى الله تَعَالَى بِالْوُقُوفِ فِيهَا. قلت: أَصْلهَا مزتلفة لِأَنَّهَا من زلف، فقلبت التَّاء دَالا لأجل الزَّاي. قَوْله: (قَالَ: وَأَخْبرنِي أبي) أَي: قَالَ هِشَام: وَأَخْبرنِي أبي عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (إِن هَذِه الْآيَة) أَي: قَوْله: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . وَاخْتلف أهل التَّفْسِير فِي هَذِه الْآيَة، فَقَالَ الضَّحَّاك: يُرِيد إِبْرَاهِيم، ﵇، يَعْنِي: يُرِيد من النَّاس إِبْرَاهِيم، ﵊، وَيُؤَيّد مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَمْرو بن عبد الله بن صَفْوَان عَن يزِيد ابْن شَيبَان، قَالَ: أَتَانَا ابْن مربع الْأنْصَارِيّ، وَنحن وقُوف بالموقف، مَكَانا يباعده عَمْرو، فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ يَقُول: كونُوا على مشاعركم فَإِنَّكُم على إِرْث من إِرْث إِبْرَاهِيم، ﵊، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَاسم ابْن مربع: زيد، وَقيل: يزِيد، وَقيل: عبد الله بن مربع، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة. وَيزِيد بن شَيبَان أزدي وَله صُحْبَة. قَوْله: (كونُوا على مشاعركم) أَي: على مَوَاضِع الْمَنَاسِك، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (قفوا على مشاعركم) ، وَفِي رِوَايَة حُسَيْن بن عقيل عَن الضَّحَّاك: (من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس) ، أَي: الإِمَام، وَقيل: آدم، ﵊،
стр. 2808
وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة النَّاس: وَهُوَ آدم، ﵇ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل فنسي﴾ (طه: ٥١١) . وَقيل: ﴿من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . أَي: سَائِر النَّاس غير الحمسن. وَقَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ الصَّحِيح، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِن قلت: فَكيف موقع: ثمَّ، يَعْنِي فِي قَوْله: ﴿ثمَّ أفيضوا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . لِأَن ثمَّ تَقْتَضِي المهلة؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿فاذكروا الله عِنْد الْمشعر الْحَرَام﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . ثمَّ قَالَ: ﴿ثمَّ أفيضوا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . والإفاضة من عَرَفَات قبل الْمَجِيء إِلَى الْمشعر الْحَرَام. وَأجَاب الزَّمَخْشَرِيّ: بِأَن موقع: ثمَّ، نَحْو موقعها فِي قَوْلك: أحسن إِلَى النَّاس ثمَّ لَا تحسن إِلَى غير كريم، تَأتي بثم لتَفَاوت مَا بَين الْإِحْسَان إِلَى الْكَرِيم وَالْإِحْسَان إِلَى غَيره، وَبَعْدَمَا بَينهمَا، فَكَذَلِك حِين أَمرهم بِالذكر عِنْد الْإِفَاضَة من عَرَفَات. قَالَ: ﴿ثمَّ أفيضوا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . لتَفَاوت مَا بَين الإفاضتين وَأَن إِحْدَاهمَا صَوَاب وَالثَّانيَِة خطأ، وَأجَاب غَيره بِأَن: ثمَّ، بِمَعْنى الْوَاو، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ. وَقيل: لقصد التَّأْكِيد لَا لمحض التَّرْتِيب، وَالْمعْنَى: فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات فاذكروا الله عِنْد الْمشعر الْحَرَام، ثمَّ اجعلوا الْإِفَاضَة الَّتِي تفيضونها من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس، لَا من حَيْثُ كُنْتُم تفيضون. وَقَالَ الْخطابِيّ: تضمن قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ٩٩١) . الْأَمر بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة، لِأَن الْإِفَاضَة إِنَّمَا تكون عَن اجْتِمَاع قبله. قَوْله: (فدفعوا إِلَى عَرَفَات) بِلَفْظ الْمَجْهُول أَي: أمروا بالذهاب إِلَى عَرَفَات حَيْثُ قيل لَهُم: ثمَّ أفيضوا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَرفعُوا) بالراء، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي أُسَامَة عَن هِشَام رجعُوا إِلَى عَرَفَات، وَالْمعْنَى: أَنهم أمروا أَن يتوجهوا إِلَى عَرَفَات ليقفوا بهَا ثمَّ يفيضوا مِنْهَا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْوُقُوف بِعَرَفَة وَهُوَ من أعظم أَرْكَان الْحَج، ثَبت ذَلِك بِفعل النَّبِي ﷺ وَقَوله. أما فعله: فروى الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا روح حَدثنَا زَكَرِيَّاء بن إِسْحَاق أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن ميسرَة أَنه سمع يَعْقُوب بن عَاصِم بن عُرْوَة يَقُول: سَمِعت الشريد يَقُول: أشهد لوقفت مَعَ رَسُول الله ﷺ بِعَرَفَات، قَالَ: فَمَا مست قدماه اورض حَتَّى أَتَى جمعا، والشريد بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء: ابْن سُوَيْد الثَّقَفِيّ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا جرير عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الله بن ربيعَة عَن أَبِيه، رجل من قُرَيْش، قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ يقف بِعَرَفَة مَوْضِعه الَّذِي رَأَيْته يقف فِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَأما قَوْله: فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (وقف رَسُول الله ﷺ بِعَرَفَة فَقَالَ: هَذِه عَرَفَة وَهُوَ الْموقف، وعرفة كلهَا موقف) الحَدِيث.
وروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث جُبَير بن مطعم، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (كل عَرَفَات موقف، فارفعوا عَن عُرَنَة، وكل مُزْدَلِفَة موقف فارفعوا عَن محسر، وكل أَيَّام منى منحر وَفِي كل أَيَّام التَّشْرِيق ذبح) . وَفِي هَذِه الْأَحَادِيث تعْيين عَرَفَة للوقوف، وَأَنه لَا يَجْزِي الْوُقُوف بغَيْرهَا، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم. وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن مَالك أَنه يَصح الْوُقُوف بعرنة، بِضَم الْعين وَالنُّون، والْحَدِيث الْمَذْكُور حجَّة عَلَيْهِ، وحد عَرَفَة مَا رَوَاهُ الْأَزْرَقِيّ فِي (تَارِيخ مَكَّة) بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس، قَالَ: حد عَرَفَة من قبل الْمشرق على بطن عُرَنَة إِلَى جبال عُرَنَة إِلَى وصيق إِلَى ملتقى وصيق إِلَى وَادي عُرَنَة. ووصيق، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره قَاف، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأَوْسَط) من مَنَاسِكه: وعرفة مَا جَاوز بطن عُرَنَة وَلَيْسَ الْوَادي وَلَا الْمَسْجِد مِنْهَا إِلَى الْجبَال الْمُقَابلَة مِمَّا يَلِي حَوَائِط ابْن عَامر وَطَرِيق الحضن، وَمَا جَاوز ذَلِك فَلَيْسَ بِعَرَفَة، و: الحضن، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة المفتوحتين. وَابْن عَامر هُوَ عبد الله بن عَامر بن كريز، وَكَانَ لَهُ حَائِط نخل وَكَانَ فِيهَا عين. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَهُوَ الْآن خراب. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا إِذا دفع من عَرَفَة قبل غرُوب الشَّمْس وَلم يقف بهَا لَيْلًا، فَذهب مَالك إِلَى أَن الِاعْتِمَاد فِي الْوُقُوف بِعَرَفَة على اللَّيْل من لَيْلَة النَّحْر، وَالنَّهَار من يَوْم عَرَفَة تبع، فَإِن وقف جزأ من اللَّيْل أَي جزءٍ كَانَ قبل طُلُوع الْفجْر من يَوْم النَّحْر أَجزَأَهُ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ: الِاعْتِمَاد على النَّهَار من يَوْم عَرَفَة من وَقت الزَّوَال وَاللَّيْل كُله تبع، فَإِن وقف جزأً من النَّهَار أَجزَأَهُ، وَإِن وقف جزأً من اللَّيْل أَجزَأَهُ، إلَاّ أَنهم يَقُولُونَ: إِن وقف جزأ من النَّهَار بعد الزَّوَال دون اللَّيْل كَانَ عَلَيْهِ دم، وَإِن وقف جزأ من اللَّيْل دون النَّهَار لم يجب عَلَيْهِ دم، وَذهب أَحْمد بن حَنْبَل إِلَى أَن الْوُقُوف من حِين طُلُوع الْفجْر من يَوْم عَرَفَة إِلَى طُلُوع الْفجْر من لَيْلَة النَّحْر، فسوى بَين أَجزَاء اللَّيْل وأجزاء النَّهَار. وَقَالَ ابْن قدامَة: وعَلى من دفع قبل الْغُرُوب دم فِي قَول أَكثر أهل الْعلم، مِنْهُم عَطاء وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَأَصْحَاب الرَّأْي. وَقَالَ ابْن جريج: عَلَيْهِ بَدَنَة، وَقَالَ الْحسن بن أبي الْحسن: عَلَيْهِ هدي من الْإِبِل، فَإِن دفع قبل الْغُرُوب ثمَّ عَاد نَهَارا فَوقف حَتَّى غربت الشَّمْس فَلَا دم عَلَيْهِ،
стр. 2809
فَإِن قلت: روى نَافِع عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: من لم يقف بِعَرَفَة لَيْلَة الْمزْدَلِفَة قبل أَن يطلع الْفجْر فقد فَاتَهُ الْحَج. وَعَن عُرْوَة بن الزبير مثله، وَرَفعه ابْن عمر مرّة: ... من فَاتَهُ عَرَفَات بلَيْل فقد فَاتَهُ الْحَج) ، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب رَفعه، قَالَ: (من جَاوز وَادي عَرَفَة قبل أَن تغيب الشَّمْس فَلَا حج لَهُ) ، وَعَن معمر عَن رجل عَن سعيد بن جُبَير رَفعه: (إِنَّا لَا ندفع حَتَّى تغرب الشَّمْس) يَعْنِي: من عَرَفَات: قلت: ابْن حزم ضعف هَذِه كلهَا ووهاها. وَعَن عُرْوَة بن مُضرس الطَّائِي مَرْفُوعا: (من أدْرك مَعنا هَذِه الصَّلَاة وأتى عَرَفَات قبل ذَلِك لَيْلًا أَو نَهَارا فقد تمّ حجه وَقضى تفثه) ، رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢٩ - (بابُ السَّيْرِ إذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة السّير إِذا دفع من عَرَفَة يَعْنِي إِذا انْصَرف مِنْهَا، وَتوجه إِلَى الْمزْدَلِفَة، وَفِي بعض النّسخ من عَرَفَات قَالَ الْفراء: عَرَفَات اسْم فِي لفظ الْجمع وَلَا وَاحِد لَهُ، وَقَول النَّاس: نزلنَا عَرَفَة شَبيه بالمولد، وَلَيْسَ بعربي مَحْض.
٦٦٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ أنَّهُ قَالَ سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنا جَالِسٌ كَيْفَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ قَالَ كانَ يَسيرُ الْعَنَقَ فَإذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يسير الْعُنُق) ، فَإِنَّهُ صفة سيره إِذا دفع من عَرَفَة، وَعَن قريب يَأْتِي تَفْسِيره.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أبي مُوسَى، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُسَدّد، كِلَاهُمَا عَن يحيى ابْن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وقتيبة، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن أبي بكر عَن عَبدة بن سُلَيْمَان وَعبد الله بن نمير وَحميد بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي وَعَمْرو بن عبد الله الأودي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سُئِلَ أُسَامَة) ، وَهُوَ أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة، حب رَسُول الله، ﷺ ، ومولاه سمع النَّبِي وَتُوفِّي فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة. قَوْله: (وَأَنا جَالس) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: وَأَنا جَالس مَعَه، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن هِشَام عَن أَبِيه: سُئِلَ أُسَامَة وَأَنا شَاهد، أَو قَالَ: سَأَلت أُسَامَة بن زيد. قَوْله: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، سميت بِهِ لِأَنَّهُ ﷺ ودع النَّاس فِيهَا. وَقَالَ: (لَا ألقاكم بعد عَامي هَذَا) وَغلط من كره تَسْمِيَتهَا بذلك، وَتسَمى الْبَلَاغ أَيْضا، لِأَنَّهُ قَالَ: ﷺ فِيهَا: (هَل بلغت؟) وَحجَّة الْإِسْلَام لِأَنَّهَا الَّتِي حج فِيهَا بِأَهْل الْإِسْلَام لَيْسَ فِيهَا مُشْرك. قَوْله: (حِين دفع) ، أَي: من عَرَفَات، أَي: انْصَرف مِنْهَا إِلَى الْمزْدَلِفَة، وَفِي رِوَايَة يحيى بن يحيى وَغَيره عَن مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : حِين دفع من عَرَفَة. قَوْله: (الْعُنُق) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَفتح النُّون، وَفِي آخِره قَاف، قَالَ فِي (الموعب) لِابْنِ التياني: هُوَ سير مسبطر، وَقَالَ معمر: هُوَ أدنى الْمَشْي، وَهُوَ أَن يرفع الْفرس يَده لَيْسَ يرفع هملجة وَلَا هرولة. وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: الْعُنُق والعنيق ضرب من السّير، وَقد أَعْنَقت الدَّابَّة. وَقَالَ ابْن سَيّده: فَهِيَ معنق ومعناق وعنيق. وَفِي (الْمُخَصّص) عَن الْأَصْمَعِي: من الْمَشْي الْعُنُق وَهُوَ أَوله، وَقَالَ الْقَزاز: وَلم يَقُولُوا عُنُقه. وَفِي (كتاب الاحتفال) لِابْنِ أبي خَالِد فِي صِفَات الْخَيل: وَمن أَنْوَاع سير الْإِبِل وَالدَّوَاب الْعُنُق، وَهُوَ سير سهل مسبطر، تمد فِيهِ الدَّابَّة عُنُقهَا للاستعانة، وَهُوَ دون الْإِسْرَاع. وَفِي (الْمُجْمل) : هُوَ نوع من سير الدَّوَابّ طَوِيل. قَوْله: (فَإِذا وجد فجوة) الفجوة والفجواء مَمْدُود، قَالَ ابْن سَيّده: هُوَ مَا اتَّسع من الأَرْض، وَقيل: مَا اتَّسع مِنْهَا وانخفض. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رَوَاهُ بَعضهم فِي (الْمُوَطَّأ) بِضَم الْفَاء وَفتحهَا، وَرَوَاهُ أَبُو مُصعب وَيحيى بن بكير وَغَيرهمَا عَن مَالك بِلَفْظ: فُرْجَة، بِضَم الْفَاء وَسُكُون الرَّاء. (وَهُوَ) ، بِمَعْنى الفجوة. قَوْله: (نصَّ) فعل ماضٍ، وفاعله النَّبِي ﷺ أَي: أسْرع. وَفِي (كتاب الاحتفال) : النَّص والنصيص فِي السّير أَن تسار الدَّابَّة أَو الْبَعِير سيرا شَدِيدا حَتَّى تستخرج أقْصَى مَا عِنْده، وَنَصّ كل شَيْء منتهاه.
стр. 2810
وَقَالَ أَبُو عبيد: النَّص أَصله مُنْتَهى الْأَشْيَاء وغايتها، ومبلغ أقصاها. وَقَالَ ابْن بطال: تَعْجِيل الدّفع من عَرَفَة، وَالله أعلم، إِنَّمَا هُوَ لضيق الْوَقْت لأَنهم إِنَّمَا يدْفَعُونَ من عَرَفَة إِلَى الْمزْدَلِفَة عِنْد سُقُوط الشَّمْس، وَبَين عَرَفَة والمزدلفة نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال، وَعَلَيْهِم أَن يجمعوا الْمغرب وَالْعشَاء بِالْمُزْدَلِفَةِ وَتلك سنتها فتعجلوا فِي السّير لاستعجال الصَّلَاة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الصَّوَاب فِي صفة السّير فِي الإفاضتين جَمِيعًا مَا صحت بِهِ الْآثَار إلَاّ فِي وَادي محسر، فَإِنَّهُ يوضع لصِحَّة الحَدِيث بذلك، فَلَو أوضع أحد فِي مَوضِع الْعُنُق أَو الْعَكْس لم يلْزمه شَيْء لإِجْمَاع الْجمع على ذَلِك، غير أَنه يكون مخطئا طَرِيق الصَّوَاب قلت: أَشَارَ بقوله: لصِحَّة الحَدِيث، إِلَى مَا رُوِيَ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، حَدثنَا وَكِيع وَبشر بن السّري وَأَبُو نعيم، قَالُوا: حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي الزبير (عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ أوضع فِي وَادي محسر) الحَدِيث وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث حسن صَحِيح. قَوْله: (أوضع) ، أَي: أسْرع السّير من الإيضاع وَهُوَ السّير السَّرِيع، ومفعول: أوضع،، مَحْذُوف أَي: أوضع رَاحِلَته، لِأَن الرباعي مُتَعَدٍّ، والقاصر مِنْهُ ثلاثي. قَالَ الْجَوْهَرِي: وضع الْبَعِير وَغَيره أَي: أسْرع فِي سيره.
وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن السّلف كَانُوا يحرصون على السُّؤَال عَن كَيْفيَّة أَحْوَاله، ﷺ ، فِي جَمِيع حركاته وسكونه ليقتدوا بِهِ فِي ذَلِك.
قَالَ هِشَامٌ والنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ
هُوَ هِشَام بن عُرْوَة الرَّاوِي، وَهَذَا تَفْسِير مِنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن هِشَام بن عُرْوَة، قَالَ هِشَام: وَالنَّص فَوق الْعُنُق، وأدرجه يحيى الْقطَّان فِي الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، حَدثنَا يحيى عَن هِشَام، قَالَ: أَخْبرنِي أبي، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَة بن زيد: كَانَ يحيى يَقُول وَأَنا أسمع، فَسقط عني عَن مسير النَّبِي ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع، قَالَ: فَكَانَ يسير الْعُنُق فَإِذا وجد فجوة نَص، وَالنَّص فَوق الْعُنُق، وَكَذَا أدرجه سُفْيَان فِيمَا أخرجه النَّسَائِيّ وَعبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان ووكيع فِيمَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة كلهم عَن هِشَام، وَقد رَوَاهُ عَن إِسْحَاق فِي (مُسْنده) عَن وَكِيع، ففصله وَجعل التَّفْسِير من كَلَام وَكِيع، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق سُفْيَان ففصله وَجعل التَّفْسِير من كَلَام سُفْيَان، وسُفْيَان ووكيع، إِنَّمَا أخذا التَّفْسِير الْمَذْكُور عَن هِشَام، فَرجع التَّفْسِير إِلَيْهِ. وَقد رَوَاهُ أَكثر رُوَاة (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك، فَلم يذكر التَّفْسِير، وَلذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة، وَمُسلم من طَرِيق حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن هِشَام.
فَجْوَةٌ مُتَّسَعٌ وَالجَمْعُ فَجَوَاتٌ وفِجَاءٌ وكذَلِكَ رَكْوَةٌ ورِكَاءٌ مَنَاصٌ لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ
فسر البُخَارِيّ الفجوة بقوله: متسع، وَأَبُو عبد الله هُوَ كنية البُخَارِيّ، وَذكر أَيْضا أَن جمع فجوة يَأْتِي على مثالين: أَحدهمَا: فجوات، بِفتْحَتَيْنِ، وَالْآخر: فجَاء، بِكَسْر الْفَاء، وَمثل لذَلِك بقوله: (وَكَذَا ركوة وركاء) فَإِن ركوة على وزن فجوة، وركاء الَّذِي هُوَ جمع على وزن فجَاء. قَوْله: (مناص لَيْسَ حِين فرار) لم يثبت فِي كثير من النّسخ، وَأما وَجه الْمَذْكُور من ذَلِك أَنه إِنَّمَا ذكره لدفع وهم من يتَوَهَّم أَن المناص وَالنَّص من بَاب وَاحِد، وَأَن أَحدهمَا مُشْتَقّ من الآخر وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن النَّص مضعف وحروفه صِحَاح، والمناص من بَاب المعتل الْعين الواوي لِأَنَّهُ من النوص. قَالَ الْفراء: النوص التَّأَخُّر وَيُقَال: ناص عَن قرنه ينوص نوصا ومناصا أَي: فر وزاغ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ولات حِين مناص﴾ (ص: ٣) . أَي: لَيْسَ وَقت تَأَخّر وفرار. وَالَّذِي يظْهر أَن أَبَا عبد الله هُوَ الَّذِي وهم فِيهِ فَظن أَن مَادَّة: نَص ومناص وَاحِدَة، فَلذَلِك ذكره، وَالْأولَى أَن يعْتَمد على النُّسْخَة الَّتِي لم يذكر هَذَا فِيهَا، وَيبعد الشَّخْص من نِسْبَة الْوَهم إِلَيْهِ أَو إِلَى غَيره.
٣٩ - (بابُ النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفةَ وجَمْعٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول الْحَاج بَين عَرَفَة وَجمع، وَهُوَ الْمزْدَلِفَة لقَضَاء حَاجته، أَي حَاجَة كَانَت، وَلَيْسَ هَذَا من الْمَنَاسِك.
٧٦٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ
стр. 2811
كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أُسَامةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ حَيْثُ أفاضَ منْ عَرَفَةَ مَال إلَى الشّعْبِ فقَضى حاجَتَهُ فَتَوَضِّأ فقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أتُصَلِّي فَقَالَ الصَّلَاةُ أمامَكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَال إِلَى الشّعب فَقضى حَاجته) ، لِأَن مَعْنَاهُ نزل هُنَاكَ وَهُوَ بَين عَرَفَة وَجمع على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ وَرِوَايَته عَن مُوسَى بن عقبَة من رِوَايَة الأقران لِأَنَّهُمَا تابعيان صغيران، وَقد حمله مُوسَى عَن كريب فَصَارَ فِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة من التَّابِعين.
والْحَدِيث أخرجه فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب إسباغ الْوضُوء عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَى آخِره بأتم مِنْهُ وأطول، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (حَيْثُ أَفَاضَ) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (حِين أَفَاضَ) ، وَهِي أصوب لِأَنَّهُ ظرف زمَان، وَحَيْثُ ظرف مَكَان. قَوْله: (إِلَى الشّعب) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ الطَّرِيق بَين الجبلين. قَوْله: (فَقضى حَاجته) أَي: استنجى. قَوْله: (أَتُصَلِّي؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام، ويروى بِدُونِ الْهمزَة وَلكنهَا مقدرَة. قَوْله: (الصَّلَاة أمامك؟) ، بِفَتْح الْهمزَة، أَي: الصَّلَاة فِي هَذِه اللَّيْلَة مَشْرُوعَة فِيمَا بَين يَديك أَي فِي الْمزْدَلِفَة، وَيجوز فِي لفظ: الصَّلَاة، الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره الصَّلَاة حَاضِرَة أَو حانت أمامك، وَأما النصب فبفعل مُقَدّر.
٨٦٦١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كانَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والْعِشَاءِ بِجَمْعٍ غَيْرَ أنَّهُ يَمُرُّ بالشَّعْبِ الَّذِي أخذَهُ رسولُ الله ﷺ فَيَدْخُلُ فيَنْتَفِضُ ويَتَوَضِّأُ ولَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّي بِجَمعٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (غير أَنه يمر بِالشعبِ فَيدْخل فينتفض) ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي وَجُوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة ابْن أَسمَاء الضبعِي الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (بِجمع) ، هُوَ الْمزْدَلِفَة. قَوْله: (غير أَنه يمر) ، هَذَا فِي معنى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع أَي: بِجمع، لَكِن بِهَذَا التَّفْصِيل من الْمُرُور بِالشعبِ وَمَا بعده لَا مُطلقًا. قَوْله: (الَّذِي أَخذه رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي أَي: قَوْله: (فينتفض) ، بفاء وضاد مُعْجمَة: من الانتفاض وَهُوَ كِنَايَة عَن قَضَاء الْحَاجة، مَعْنَاهُ: يستنجي ثمَّ يتَوَضَّأ وَلَا يُصَلِّي شَيْئا حَتَّى يُصَلِّي بِجمع.
٩٦٦١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبي حَرْمَلَةَ عنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ رَدِفْتُ رسولَ الله ﷺ مِنْ عَرَفاتٍ فلَمَّا بلَغَ رسولُ الله ﷺ الشِّعْبَ الأيْسَرَ الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَهِ أناخَ فَبالَ ثُمَّ جاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوضُوء تَوَضَّأ وُضُوءًا خَفِيفا فقُلْتُ الصَّلاةُ يَا رسولَ الله قَالَ الصَّلاةُ أمامَكَ فَرَكِبَ رسُولُ الله ﷺ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رسولَ الله ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ. قَالَ كُرَيْبٌ فأخْبَرَنِي عَبْدُ الله بنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ الفَضْلِ أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا بلغ رَسُول الله ﷺ الشّعب الْأَيْسَر الَّذِي دون الْمزْدَلِفَة أَنَاخَ فَبَال) ، والإناخة وَالْبَوْل لَا يكونَانِ إلَاّ بالنزول، وَكَانَ ذَلِك بَين عَرَفَة وَجمع.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ مولى زُرَيْق الْمُؤَدب، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْمِيم، وَلَا يعرف اسْمه، وَهُوَ مولى إِلَى حويطب، وَكَانَ خصيف يروي عَنهُ فَيَقُول: حَدثنِي مُحَمَّد بن حويطب، فَذكر ابْن حبَان أَن خصيفا كَانَ ينْسبهُ إِلَى جده وَإِلَيْهِ، وَذكر فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة الْقرشِي
стр. 2812
يكنى أَبَا عبد الله مولى عبد الرَّحْمَن بن أبي سُفْيَان بن حويطب بن عبد الْعزي. قَالَ الْوَاقِدِيّ، مَاتَ فِي أول خلَافَة أبي جَعْفَر. الرَّابِع: كريب، بِضَم الْكَاف. الْخَامِس: أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. السَّابِع: الْفضل بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بغلاني بغلان بَلخ، والبقية من الروَاة كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وهما عبد الله بن عَبَّاس وَالْفضل بن عَبَّاس. وَفِيه: رِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ وهما الْمَذْكُورَان. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ردفت رَسُول الله ﷺ بِكَسْر الدَّال، أَي: ركبت وَرَاءه. قَوْله: (أَنَاخَ) أَي: رَاحِلَته. قَوْله: (الْوضُوء) ، بِفَتْح الْوَاو هُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (تَوَضَّأ) ويروى: (فتوضا) بفاء الْعَطف. قَوْله: (وضُوءًا خَفِيفا) إِمَّا بِأَنَّهُ تَوَضَّأ مرّة مرّة أَو بِأَنَّهُ خفف اسْتِعْمَال المَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالب عَادَته، وَيُؤَيّد هَذَا الرِّوَايَة الْأُخْرَى الْآتِيَة بعد بَاب، فَلم يسبغ الْوضُوء. قَوْله: (فَقلت: الصَّلَاة) الْقَائِل هُوَ أُسَامَة، وَالصَّلَاة مَنْصُوبَة بِفعل مُقَدّر، وَيجوز رَفعهَا على تَقْدِير: الصَّلَاة حضرت. قَوْله: (الصَّلَاة أمامك) ، بِالْوَجْهَيْنِ كَمَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (حَتَّى أَتَى الْمزْدَلِفَة فصلى) ، أَي: لم يبْدَأ بِشَيْء قبل الصَّلَاة. وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن عقبَة: ثمَّ سَار حَتَّى بلغ جمعا فصلى الْمغرب وَالْعشَاء. قَوْله: (غداء جمع) ، أَي: غَدَاة اللَّيْلَة الَّتِي كَانَت بِهِ، أَي: صبح يَوْم النَّحْر. قَوْله: (حَتَّى بلغ الْجَمْرَة) أَي: جَمْرَة الْعقبَة، ويروى: حَتَّى بلغ رمي الْجَمْرَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الرّكُوب حَال الدّفع من عَرَفَة. وَفِيه: جَوَاز الارتداف على الدَّابَّة لَكِن إِذا كَانَت مطيقة. وَفِيه: الِاسْتِعَانَة فِي الْوضُوء وللفقهاء فِيهِ تَفْصِيل لِأَن الِاسْتِعَانَة إِمَّا أَن تكون فِي إِحْضَار المَاء مثلا، أَو فِي صبه على المتوضيء، أَو مُبَاشرَة غسل أَعْضَائِهِ. فَالْأول جَائِز بِلَا خلاف، وَالثَّالِث مَكْرُوه إلَاّ إِن كَانَ لعذر، وَاخْتلف فِي الثَّانِي، وَالأَصَح أَنه: لَا يكره لكنه خلاف الأولى، وَأما الَّذِي وَقع من النَّبِي ﷺ فَكَانَ إِمَّا لبَيَان الْجَوَاز، وَهُوَ حِينَئِذٍ أفضل فِي حَقه، أَو كَانَ للضَّرُورَة. وَفِيه: الْجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء بِمُزْدَلِفَة، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. لِأَنَّهُ عقد لَهُ بَابا. وَفِيه: التَّلْبِيَة إِلَى أَن يَأْتِي إِلَى مَوضِع رمي الْجَمْرَة، وَسَيَأْتِي بَيَانه لِأَنَّهُ عقد بَابا لَهُ.
٤٩ - (بابُ أمْرِ النبيِّ ﷺ بالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإفَاضَةِ وإشارَتِهِ إلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر النَّبِي ﷺ بِالسَّكِينَةِ أَي: الْوَقار عِنْد الْإِفَاضَة من عَرَفَة، وشارة النَّبِي ﷺ إِلَى أَصْحَابه بِالسَّوْطِ بذلك.
١٧٦١ - حدَّثنا سعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سُوَيْدٍ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ أبِي عَمْرٍ ومَولَى المُطَّلِبِ قَالَ أَخْبرنِي سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ مَولى وَالِبَةَ الكُوفِيُّ قَالَ حدَّثني ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ دفَعَ مَعَ النبيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفةَ فسَمِعَ النبيُّ ﷺ ورَاءَهُ زَجْرا شَدِيدا وضَرْبا وصَوْتا لِلإبِلِ فأشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ وَقَالَ أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُم بالسَّكِينَةِ فإنَّ البِرَّ لَيْسَ بالإيضَاعِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وللترجمة جزآن: أَحدهمَا: أمره، ﷺ ، بِالسَّكِينَةِ فيطابقه قَوْله ﷺ : (يَا أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) ، وَالْآخر: إِشَارَته ﷺ إِلَيْهِم بِالسَّوْطِ، فيطابقه قَوْله: (فَأَشَارَ إِلَيْهِم بِسَوْطِهِ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم، وَهُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي مَوْلَاهُم أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر.
стр. 2813
الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو بِالْوَاو فيهمَا، وَاسم أبي عَمْرو: ميسرَة ضد الميمنة قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْحِرْص. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، مولى والبة، بِكَسْر اللَّام وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة: بطن من بني أَسد، قَتله الْحجَّاج فِي سنة خمس وَتِسْعين. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَإِبْرَاهِيم وَعَمْرو مدنيان وَسَعِيد كُوفِي وَتكلم فِي إِبْرَاهِيم فَقَالَ ابْن حبَان: فِي حَدِيثه مَنَاكِير وَلَكِن عِنْد البُخَارِيّ ثِقَة، وَقد تَابعه فِي هَذَا الحَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَعَمْرو مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب بن الْحَارِث بن عبيد بن عمر بن مَخْزُوم.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دفع مَعَ النَّبِي، ﷺ أَي: انْصَرف مَعَه من عَرَفَة يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (زجرا) ، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْجِيم وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الصياح لحث الْإِبِل. قَوْله: (وَضَربا) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (وصوتا) ، أَيْضا بعد: ضربا، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف من: ضربا، فعطف: صَوتا، عَلَيْهِ. قَوْله: (عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) إغراء أَي: لازموا السكينَة فِي السّير، يَعْنِي الرِّفْق وَعدم الْمُزَاحمَة، وَعلل ذَلِك بقوله: (فَإِن الْبر) أَي: الْخَيْر (لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ) أَي: السّير السَّرِيع من أوضع: إِذا سَار سيرا عنيفا وَيُقَال: هُوَ سير مثل الخبب. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا نَهَاهُم عَن الْإِسْرَاع إبْقَاء علهيم لِئَلَّا يجحفوا بِأَنْفسِهِم مَعَ بعد الْمسَافَة.
أوْضَعُوا أسْرَعُوا خِلَالَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ وفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا بَيْنَهُمَا
هُوَ من كَلَام البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الإيضاع فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ مصدر من أوضع يوضع إضاعا إِذا أسْرع فِي السّير، وَلما كَانَت لَفْظَة: أوضعوا، مَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فِي سُورَة بَرَاءَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة﴾ (التَّوْبَة: ٧٤) . الْآيَة، وَالْمعْنَى: مَا زادوكم إلَاّ شَيْئا خبالاً، والخبال: الشَّرّ وَالْفساد، ولأوضعوا خلالكم ولسعوا بَيْنكُم بالتضريب وَهُوَ الإغراء بَين الْقَوْم وإفساد ذَات الْبَيْت، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالْمعْنَى: ولأوضعوا أَي: أَسْرعُوا ركائبهم لِأَن الرَّاكِب أسْرع من الْمَاشِي، وَقَرَأَ ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ولأرقصوا من: رقصت النَّاقة رقصا إِذا أسرعت، وأرقصتها أَنا، وقرىء: ولأوفضوا.
١٧٦١ - حدَّثنا سعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سُوَيْدٍ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ أبِي عَمْرٍ ومَولَى المُطَّلِبِ قَالَ أَخْبرنِي سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ مَولى وَالِبَةَ الكُوفِيُّ قَالَ حدَّثني ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ دفَعَ مَعَ النبيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفةَ فسَمِعَ النبيُّ ﷺ ورَاءَهُ زَجْرا شَدِيدا وضَرْبا وصَوْتا لِلإبِلِ فأشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ وَقَالَ أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُم بالسَّكِينَةِ فإنَّ البِرَّ لَيْسَ بالإيضَاعِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وللترجمة جزآن: أَحدهمَا: أمره، ﷺ ، بِالسَّكِينَةِ فيطابقه قَوْله ﷺ : (يَا أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) ، وَالْآخر: إِشَارَته ﷺ إِلَيْهِم بِالسَّوْطِ، فيطابقه قَوْله: (فَأَشَارَ إِلَيْهِم بِسَوْطِهِ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم، وَهُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي مَوْلَاهُم أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو بِالْوَاو فيهمَا، وَاسم أبي عَمْرو: ميسرَة ضد الميمنة قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْحِرْص. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، مولى والبة، بِكَسْر اللَّام وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة: بطن من بني أَسد، قَتله الْحجَّاج فِي سنة خمس وَتِسْعين. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَإِبْرَاهِيم وَعَمْرو مدنيان وَسَعِيد كُوفِي وَتكلم فِي إِبْرَاهِيم فَقَالَ ابْن حبَان: فِي حَدِيثه مَنَاكِير وَلَكِن عِنْد البُخَارِيّ ثِقَة، وَقد تَابعه فِي هَذَا الحَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَعَمْرو مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب بن الْحَارِث بن عبيد بن عمر بن مَخْزُوم.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دفع مَعَ النَّبِي، ﷺ أَي: انْصَرف مَعَه من عَرَفَة يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (زجرا) ، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْجِيم وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الصياح لحث الْإِبِل. قَوْله: (وَضَربا) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (وصوتا) ، أَيْضا بعد: ضربا، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف من: ضربا، فعطف: صَوتا، عَلَيْهِ. قَوْله: (عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) إغراء أَي: لازموا السكينَة فِي السّير، يَعْنِي الرِّفْق وَعدم الْمُزَاحمَة، وَعلل ذَلِك بقوله: (فَإِن الْبر) أَي: الْخَيْر (لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ) أَي: السّير السَّرِيع من أوضع: إِذا سَار سيرا عنيفا وَيُقَال: هُوَ سير مثل الخبب. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا نَهَاهُم عَن الْإِسْرَاع إبْقَاء علهيم لِئَلَّا يجحفوا بِأَنْفسِهِم مَعَ بعد الْمسَافَة.
أوْضَعُوا أسْرَعُوا خِلَالَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ وفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا بَيْنَهُمَا
هُوَ من كَلَام البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الإيضاع فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ مصدر من أوضع يوضع إضاعا إِذا أسْرع فِي السّير، وَلما كَانَت لَفْظَة: أوضعوا، مَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فِي سُورَة بَرَاءَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة﴾ (التَّوْبَة: ٧٤) . الْآيَة، وَالْمعْنَى: مَا زادوكم إلَاّ شَيْئا خبالاً، والخبال: الشَّرّ وَالْفساد، ولأوضعوا خلالكم ولسعوا بَيْنكُم بالتضريب وَهُوَ الإغراء بَين الْقَوْم وإفساد ذَات الْبَيْت، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالْمعْنَى: ولأوضعوا أَي: أَسْرعُوا ركائبهم لِأَن الرَّاكِب أسْرع من الْمَاشِي، وَقَرَأَ ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ولأرقصوا من: رقصت النَّاقة رقصا إِذا أسرعت، وأرقصتها أَنا، وقرىء: ولأوفضوا.
٥٩ - (بابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بالمُزْدَلِفَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْمزْدَلِفَة.
٢٧٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ كُرَيْبٍ عنْ أُسَامةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ دفَعَ رسُولُ الله ﷺ مِنْ عَرَفَةَ فنزَلَ الشِّعْبَ فبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأ ولَمْ يُسْبِغ الوُضُوءَ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلَاةُ فَقَالَ الصَّلَاةُ أمامَكَ فجَاءَ المُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأ فأسْبَغَ ثُمَّ أقيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلى المَغْرِبَ ثُمَّ أنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فصَلَّى ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فجَاء الْمزْدَلِفَة) إِلَى آخِره، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب إسباغ الْوضُوء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، والتفاوت فِي الْإِسْنَاد فِي شيخيه
стр. 2814
فَقَط، وَفِي المتنين شَيْء يسير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (عَن كريب عَن أُسَامَة) قَالَ ابْن عبد الْبر: رَوَاهُ أَصْحَاب مَالك عَنهُ هَكَذَا إلَاّ أَشهب وَابْن الْمَاجشون فَإِنَّهُمَا أدخلا بَين كريب وَأُسَامَة عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه النَّسَائِيّ. قَوْله: (وَلم يسبغ الْوضُوء) ، قَالَ ابْن عبد الْبر: أَي: استنجى بِهِ وَأطلق عَلَيْهِ اسْم الْوضُوء اللّغَوِيّ لِأَنَّهُ من الْوَضَاءَة وَهِي النَّظَافَة، وَمعنى الإسباغ الْإِكْمَال أَي: لم يكمل وضوءه فيتوضأ للصَّلَاة، قَالَ: وَقد قيل: إِن معنى قَوْله: (لم يسبغ الْوضُوء) أَي: لم يتَوَضَّأ فِي جَمِيع أَعْضَاء الْوضُوء، بل اقْتصر على بَعْضهَا. وَقيل: إِنَّه تَوَضَّأ وضوأ خَفِيفا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف الشُّرَّاح فِي قَوْله: (وَلم يسبغ الْوضُوء) ، هَل المُرَاد بِهِ: اقْتصر على بعض الْأَعْضَاء فَيكون وضوأ لغويا؟ وَاقْتصر على بعض الْعدَد فَيكون وضوأ شَرْعِيًّا؟ قَالَ: وَكِلَاهُمَا مُحْتَمل، لَكِن يعضد من قَالَ بِالثَّانِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (وضُوءًا خَفِيفا) لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي النَّاقِص: خَفِيف فَإِن قلت: قَول أُسَامَة للنَّبِي ﷺ : الصَّلَاة، يدل على أَنه رَآهُ أَنه تَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة. قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاده: أَتُرِيدُ الصَّلَاة؟ فلِمَ لَم تتوضأ وضوء الصَّلَاة؟ وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا ترك إسباغه حِين نزل الشّعب ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي طَرِيقه، وَتجوز فِيهِ، لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ، فَلَمَّا نزل وَأَرَادَهَا أسبغه فَإِن قلت: هَذَا يدل على أَنه تَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة وَلكنه خفف، ثمَّ لما نزل تَوَضَّأ وضُوءًا آخر وأسبغه، وَالْوُضُوء لَا يشرع مرَّتَيْنِ لصَلَاة وَاحِدَة، قَالَه ابْن عبد الْبر، رَحمَه الله تَعَالَى قلت: لَا نسلم عدم مَشْرُوعِيَّة تكْرَار الْوضُوء لصَلَاة وَاحِدَة، وَلَئِن سلمنَا فَيحْتَمل أَنه تَوَضَّأ ثَانِيًا عَن حدث طَار، وَالله أعلم.
٦٩ - (بابُ منْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ولَمْ يَتَطَوَّعْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من جمع بَين الصَّلَاتَيْنِ أَي: الْمغرب وَالْعشَاء، وَلم يتَطَوَّع، أَي: لم يصل تَطَوّعا بَين الصَّلَاتَيْنِ المذكورتين.
٣٧٦١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ جمَعَ النبيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِجَمْعٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإقَامَةٍ ولَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا ولَا عَلَى أثَرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة صَرِيحًا من مَتنه، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَاسم أبي إِيَاس: عبد الرَّحْمَن، أَصله من خُرَاسَان سكن عسقلان، وَابْن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَاسم أبي ذِئْب: هِشَام الْمدنِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الْمدنِي.
قَوْله: (بِجمع) ، بِفَتْح الْجِيم: وَهُوَ الْمزْدَلِفَة، وَقد فسرناه غير مرّة. قَوْله: (وَلم يسبح بَينهمَا) أَي: لم يتَطَوَّع بَين الْمغرب وَالْعشَاء. قَوْله: (وَلَا على إِثْر) ، بِكَسْر الْهمزَة بِمَعْنى: الْأَثر، بِفتْحَتَيْنِ، أَي: عَقِيبه.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْحَج عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن مخلد بن خَالِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ، وَفِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْمزْدَلِفَة، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَكِن الْخلاف فِيهِ: هَل هُوَ للنسك أَو لمُطلق السّفر، أَو للسَّفر الطَّوِيل، فَمن قَالَ: للنسك، قَالَ: يجمع أهل مَكَّة وَمنى وعرفة والمزدلفة، وَمن قَالَ: لمُطلق السّفر، قَالَ: يجمعُونَ سوى أهل الْمزْدَلِفَة، وَمن قَالَ للسَّفر الطَّوِيل، قَالَ: يتم أهل مَكَّة وَمنى وعرفة والمزدلفة وَجَمِيع من كَانَ بَينه وَبَينهَا دون مَسَافَة الْقصر، وَيقصر من طَال سَفَره. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم أَنه لَا يُصَلِّي الْمغرب دون جمع. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: كَأَنَّهُ أَرَادَ الْعَمَل عَلَيْهِ مَشْرُوعِيَّة واستحبابا لَا تحتما وَلَا لُزُوما، فَإِنَّهُم لم يتفقوا على ذَلِك، بل اخْتلفُوا فِيهِ. فَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: لَا يُصَلِّيهمَا حَتَّى يَأْتِي جمعا وَله السعَة فِي ذَلِك إِلَى نصف اللَّيْل، فَإِن صلاهما دون جمع أعَاد، وَكَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة: إِن صلاهما قبل أَن يَأْتِي الْمزْدَلِفَة فَعَلَيهِ الْإِعَادَة، وَسَوَاء صلاهما قبل مغيب الشَّفق أَو بعده، فَعَلَيهِ أَن يعيدهما إِذا أَتَى الْمزْدَلِفَة. وَقَالَ مَالك: لَا يُصليهَا أحد قبل جمع إلَاّ من عذر، فَإِن صلاهما من عذر لم يجمع بَينهمَا حَتَّى يغيب الشَّفق، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَن هَذَا هُوَ الْأَفْضَل، وَأَنه إِن جمع بَينهمَا فِي وَقت الْمغرب أَو فِي وَقت الْعشَاء، بِأَرْض عَرَفَات أَو غَيرهَا أَو صلى كل
стр. 2815
صَلَاة فِي وَقتهَا جَازَ ذَلِك، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو ثَوْر، وَأَبُو يُوسُف وَأَشْهَب، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ عَن أَصْحَاب الحَدِيث، وَبِه قَالَ من التَّابِعين: عَطاء وَعُرْوَة وَسَالم وَالقَاسِم وَسَعِيد بن جُبَير. وَفِيه: أَن الْإِقَامَة لكل وَاحِدَة من الْمغرب وَالْعشَاء.
وَفِيه: للْعُلَمَاء سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يُقيم لكل مِنْهُمَا وَلَا يُؤذن لوَاحِدَة مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول الْقَاسِم وَمُحَمّد وَسَالم وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَن ابْن عمر، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأحمد بن حَنْبَل فِي أحد الْقَوْلَيْنِ عَنهُ. وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأَصْحَابه فِيمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ وَالْبَغوِيّ وَغير وَاحِد، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنه يُصَلِّيهمَا بِأَذَان للأولى وَإِقَامَتَيْنِ لكل وَاحِدَة إِقَامَة. وَقَالَ فِي الْإِيضَاح إِنَّه الْأَصَح. الثَّانِي: أَن يُصَلِّيهمَا بِإِقَامَة وَاحِدَة للأولى وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَن ابْن عمر، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ والخطابي وَابْن عبد الْبر وَغَيرهم. الثَّالِث: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل فِي أصح قوليه، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَعبد الْملك بن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة، والطَّحَاوِي، وَقَالَ الْخطابِيّ هُوَ قَول أهل الرَّأْي، وَذكر ابْن عبد الْبر أَن الْجوزجَاني حَكَاهُ عَن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة. الرَّابِع: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُؤذن للثَّانِيَة وَلَا يُقيم لَهَا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، حَكَاهُ النَّوَوِيّ وَغَيره. قلت: هَذَا هُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا، وَعند زفر: بِأَذَان وَإِقَامَتَيْنِ. الْخَامِس: أَنه يُؤذن لكل مِنْهُمَا وَيُقِيم، وَبِه قَالَ عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَول مَالك وَأَصْحَابه إلَاّ ابْن الْمَاجشون، وَلَيْسَ لَهُم فِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع، قَالَه ابْن عبد الْبر. السَّادِس: أَنه لَا يُؤذن لوَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَا يُقيم، حَكَاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ عَن بعض السّلف، وَهَذَا كُله فِي جمع التَّأْخِير.
أما جمع التَّقْدِيم كالظهر وَالْعصر بنمرة فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُقيم لكل مِنْهُمَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه. وَالثَّانِي: أَنه يُؤذن للأولى وَيُقِيم لَهَا وَلَا يُقيم للثَّانِيَة، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة. وَالثَّالِث: أَنه يُؤذن لكل مِنْهُمَا وَيُقِيم، وَهُوَ وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن ابْن كج عَن أبي الْحُسَيْن الْقطَّان أَنه أخرجه وَجها. فَإِن قلت: مَا الأَصْل فِي هَذِه الْأَقْوَال؟ قلت: الَّذِي قَالَ بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ، قَالَ بِرِوَايَة جَابر، وَالَّذِي قَالَ بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة قَالَ بِحَدِيث أبي أَيُّوب وَابْن عمر، فَإِنَّهُ لَيْسَ فيهمَا أَذَان وَلَا إِقَامَة، وَكَذَا رَوَاهُ طلق بن حبيب وَابْن سِيرِين وَنَافِع عَن ابْن عمر من فعله، وَالَّذِي قَالَ بِإِقَامَة وَاحِدَة قَالَ بِحَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء بِجمع بِإِقَامَة وَاحِدَة) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا عِنْد مُسلم، وَالَّذِي قَالَ بِإِقَامَة للمغرب وَإِقَامَة للعشاء بِحَدِيث أُمَامَة وَكَذَا فعله عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي رويت كلهَا مُسندَة، قَالَه ابْن حزم، وَقَالَ: وَأَشد الِاضْطِرَاب فِي ذَلِك عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ من عمله الْجمع بَينهمَا بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة، وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا إِقَامَة وَاحِدَة، وَرُوِيَ عَنهُ مَوْقُوفا بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة.، وَرُوِيَ عَنهُ مُسْندًا الْجمع بَينهمَا بإقامتين، وروى عَنهُ مُسْندًا بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة. قَالَ: وَهنا قَول سادس وَلم نجده مرويا عَن النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ مَا روينَاهُ عَن ابْن مَسْعُود أَنه: صلى الْمغرب بِالْمُزْدَلِفَةِ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأَذَان وَإِقَامَة. قلت: هَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَفِيه: أَنه ﷺ لم يتَنَفَّل بَين الْمغرب وَالْعشَاء حِين جمع بَينهمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا عقيب كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما لم يكن بَين الْمغرب وَالْعشَاء مهلة لم يتَنَفَّل ﷺ بَينهمَا، بِخِلَاف الْعشَاء فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَنه لم يتَنَفَّل عقيبها، لكنه تنفل بعد ذَلِك فِي أثْنَاء اللَّيْل، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على ترك التَّطَوُّع بَين الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَمن تنفل بَينهمَا لم يَصح أَنه جمع بَينهمَا.
٤٧٦١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سعِيدٍ قَالَ أَخْبرنِي عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ يَزِيدُ الخَطْمِيُّ قَالَ حدَّثني أبُو أيُّوبَ الأنْصَارِيُّ أنَّ رسولَ الله ﷺ جمعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ والْعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفةِ.
(الحَدِيث ٤٧٦١ طرفه فِي: ٤١٤٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: البَجلِيّ أَبُو الْهَيْثَم وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر فِي أول كتاب الْعلم. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: يحيى بن سعيد
стр. 2816
الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: عدي بن ثَابت، هُوَ عدي بن أبان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ إِمَام مَسْجِد الشِّيعَة وقاضيهم. الْخَامِس: عبد الله ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الخطمي، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى خطمة، وهم فَخذ من الْأَوْس، وَقد مر فِي آخر كتاب الْإِيمَان. السَّادِس: أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ واسْمه خَالِد بن زيد.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه كُوفِي، وَيُقَال لَهُ: قطواني، وقطوان محلّة على بَاب الْكُوفَة وَكَانَ يغْضب إِذا قيل لَهُ: قطواني، لِأَن الْبَقَّال يُقَال لَهُ: قطوان. وَفِيه: أَن بَقِيَّة الروَاة مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ وهما يحيى وعدي. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وهما: عبد الله بن يزِيد وَأَبُو أَيُّوب. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده وَهُوَ عدي لِأَن عبد الله بن يزِيد جده لأمه.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن يحيى بن يحيى عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَفِي الْحَج عَن يحيى بن حبيب وَعَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحَج عَن مُحَمَّد ابْن رمح بِهِ. قلت: وَفِي الْبَاب عَن جَابر رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي الحَدِيث الطَّوِيل فِي صفة حجه، ﷺ ، وَفِيه: (حَتَّى أَتَى الْمزْدَلِفَة فصلى بهَا الْمغرب وَالْعشَاء بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ وَلم يسبح بَينهمَا) . وَعَن أبي بن كَعْب وَخُزَيْمَة بن ثَابت، روى حَدِيثهمَا الطَّبَرِيّ فِي (تَهْذِيب الْآثَار) ، وَحَدِيث خُزَيْمَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) وَعَن ابْن عَبَّاس: روى حَدِيثه ابْن حزم فِي حجَّة الْوَدَاع من رِوَايَة الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل عَن سعيد بن جُبَير (عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ صلى الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِإِقَامَة وَاحِدَة) . وَعَن الْبَراء: روى حَدِيثه ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) وَقَالَ: هُوَ عِنْد أهل الْحِفْظ خطأ.
٧٩ - (بابُ منْ أذَّنَ وأقامَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أذن وَأقَام لكل وَاحِدَة من الْمغرب وَالْعشَاء بِالْمُزْدَلِفَةِ.
٥٧٦١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا أبُو إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ يَزِيدَ يَقُولُ حَجَّ عَبدُ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فأتينَا المُزْدلِفةِ حِينَ الأذَانِ بِالعَتْمةِ أوْ قريبَا مِن ذالِك فأمرَ رَجلاً فأذَّنَ وأقامَ ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ وصلَّى بَعْدَها رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فتَعَشَّى ثُمَّ أمرَ أُرَى رَجُلاً فأذَّنَ وأقامَ قَالَ عَمْرٌ ولَا أعْلَمُ الشَّكَّ إلَاّ مِنْ زُهَيْرٍ ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ فلَمَّا طلَعَ الفَجْرُ قَالَ إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ لَا يُصَلِّي هاذِهِ السَّاعَةَ إلَاّ هاذِهِ الصَّلاةَ فِي هاذا المَكَانِ مِنْ هذَا اليَوْمِ قَالَ عَبْدُ الله هُمَا صَلاتانِ تُحَوَّلانِ عَنْ وَقْتِهِمَا صَلاةُ المَغْرِبِ بَعْدَما يَأتي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ والْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ قَالَ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأذن وَأقَام فِي موضِعين) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو بن خَالِد بن فروخ، مر فِي: بَاب إطْعَام الطَّعَام، فِي كتاب الْإِيمَان. الثَّانِي: زُهَيْر بن مُعَاوِيَة بن خديج أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ، مر فِي: بَاب لَا يستنجى بروث. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، بِفَتْح السِّين. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن قيس أَخُو الْأسود النَّخعِيّ. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه حراني سكن مصر وَأَن الْبَقِيَّة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ وهما أَبُو إِسْحَاق
стр. 2817
وَعبد الرَّحْمَن.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد الله بن رَجَاء عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هِلَال بن الْعَلَاء.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حج عبد الله) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن هِلَال بن الْعَلَاء بن هِلَال، قَالَ: حَدثنَا حُسَيْن هُوَ ابْن عَيَّاش، قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن يزِيد، قَالَ: حج عبد الله فَأمرنِي عَلْقَمَة أَن ألزمهُ فَلَزِمته، فأتينا الْمزْدَلِفَة، فَلَمَّا كَانَ حِين طلع الْفجْر، قَالَ: قُم. قَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، إِن هَذِه السَّاعَة مَا رَأَيْتُك صليت فِيهَا قطّ؟ قَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ زُهَيْر: وَلم يكن فِي كتاب الله كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِه السَّاعَة إلَاّ هَذِه الصَّلَاة فِي هَذَا الْمَكَان من هَذَا الْيَوْم. قَالَ عبد الله: هما صلاتان تؤخران عَن وقتهما: صَلَاة الْمغرب بَعْدَمَا تَأتي النَّاس الْمزْدَلِفَة، وَصَلَاة الْغَدَاء حِين يبزغ الْفجْر. قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يفعل ذَلِك. قَوْله: (بالعتمة) أَي: وَقت الْعشَاء الْآخِرَة. قَوْله: (أَو قَرِيبا من ذَلِك) أَي: من مغيب الشَّفق. قَوْله: (فَأمر رجلا) لم يدر اسْمه. قيل: يحْتَمل أَن يكون هُوَ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد. قَوْله: (ثمَّ دَعَا بعشائه) ، بِفَتْح الْعين: هُوَ مَا يتعشى بِهِ من الْمَأْكُول. قَوْله: (أُرى) ، أَي: أَظن أَنه أَمر بِالتَّأْذِينِ وَالْإِقَامَة، وَهَذَا هُوَ المُرَاد من الشَّك. قَوْله: (قَالَ عَمْرو) هُوَ عَمْرو بن خَالِد شيخ البُخَارِيّ، وَهَذَا يبين أَن الشَّك من زُهَيْر الْمَذْكُور فِي السَّنَد، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الْحسن بن مُوسَى عَن زُهَيْر مثل مَا رَوَاهُ عَمْرو عَنهُ، وَلم يقل مَا قَالَ عَمْرو. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو عَن زُهَيْر، وَقَالَ فِيهِ: ثمَّ أَمر، قَالَ زُهَيْر: أرى فَأذن وَأقَام. قَوْله: (فَلَمَّا طلع الْفجْر) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (فَلَمَّا حِين طلع الْفجْر) ، وَفِي رِوَايَة الْحُسَيْن بن عَيَّاش عَن زُهَيْر: (فَلَمَّا كَانَ حِين طلع الْفجْر) ، وَالتَّقْدِير فِي هَذِه الرِّوَايَة: فَلَمَّا كَانَ حِين طُلُوع الْفجْر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وجزاؤه مَحْذُوف، وَهِي: صَلَاة الْفجْر، أَو الْمَذْكُور: جَزَاء على سَبِيل الْكِنَايَة لِأَن هَذَا القَوْل رَدِيف فعل الصَّلَاة. قَوْله: (قَالَ عبد الله) هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (تحولان) أما تَحْويل الْمغرب هُوَ تَأْخِيره إِلَى وَقت الْعشَاء الْآخِرَة، وَأما تَحْويل الصُّبْح فَهُوَ أَنه قدم على الْوَقْت الظَّاهِر طلوعه لكل أحد كَمَا هُوَ الْعَادة فِي أَدَاء الصَّلَاة إِلَى غير الْمُعْتَاد، وَهُوَ حَال عدم ظُهُوره للْكُلّ، فَمن قَائِل: طلع الصُّبْح، وَمن قَائِل: لم يطلع، وَقد تحقق الطُّلُوع لرَسُول الله، ﷺ ، إِمَّا بِالْوَحْي أَو بِغَيْرِهِ، وَالْمرَاد أَنه كَانَ فِي سَائِر الْأَيَّام يُصَلِّي بعد الطُّلُوع، وَفِي ذَلِك الْيَوْم صلى حَال الطُّلُوع. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْغَرَض أَنه بَالغ فِي ذل الْيَوْم فِي التبكير، يَعْنِي: الِاسْتِحْبَاب فِي التبكير فِي ذَلِك الْيَوْم آكِد من غَيره لإِرَادَة الِاشْتِغَال بالمناسك. قلت: حَاصِل الْكَلَام أَنه لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه أوقع صَلَاة الْفجْر قبل طلوعه، وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه صلاهَا قبل الْوَقْت الْمُعْتَاد، فعلهَا فِيهِ فِي الْحَضَر. قَوْله: (عَن وقتهما) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، عَنهُ: عَن وَقتهَا بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (حِين بزغ) ، بزاي وغين مُعْجمَة، وروى (حِين يبزغ) ، بِضَم الزَّاي من بَاب: نصر ينصر.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان وَالْإِقَامَة لكل من الصَّلَاتَيْنِ إِذا جمع بَينهمَا، وَقَالَ ابْن حزم: لم نجده مرويا عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَو ثَبت عَنهُ لَقلت بِهِ، وَقد وجد عَن عمر من فعله. قلت: أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ، وَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس، قَالَ: حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود أَنه صلى مَعَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صَلَاتَيْنِ مرَّتَيْنِ يجمع كل صَلَاة بِأَذَان وَإِقَامَة وَالْعشَاء بَينهمَا، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: مَا كَانَ من فعل عمر وتأذينه للثَّانِيَة لكَون أَن النَّاس تفَرقُوا لعشائهم، فَأذن ليجمعهم، وَكَذَلِكَ نقُول نَحن إِذا تفرق النَّاس عَن الإِمَام لأجل عشَاء أَو لغيره، قَالَ: وَكَذَلِكَ معنى مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يخفى تكلفه، وَلَو تأتى لَهُ ذَلِك فِي حق عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لكَونه كَانَ الإِمَام لم يتأت لَهُ فِي حق ابْن مَسْعُود، قلت دَعْوَى التَّكَلُّف فِي ذَلِك هُوَ عين التَّكْلِيف لِأَن قَوْله قَوْله لم يتأت قَوْله لَهُ فِي حق ابْن مَسْعُود غير مرضِي من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الظَّاهِر أَنه كَانَ إِمَامًا لِأَنَّهُ أَمر رجلا، فَأذن وَأقَام، فَظَاهره يدل على أَنه كَانَ إِمَامًا. وَالثَّانِي: أَنا وَإِن سلمنَا أَنه لم يكن إِمَامًا، فَمَا الْمَانِع أَن يكون فعل مَا فعله اقْتِدَاء بعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ وَقد أَخذ مَالك بِظَاهِر الحَدِيث الْمَذْكُور، وروى ابْن عبد الْبر
стр. 2818
عَن أَحْمد بن خَالِد أَنه كَانَ يتعجب من مَالك حَيْثُ أَخذ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ من رِوَايَة الْكُوفِيّين مَعَ كَونه مَوْقُوفا، وَمَعَ كَونه لم يروه وَيتْرك مَا رُوِيَ عَن أهل الْمَدِينَة وَهُوَ مَرْفُوع، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَأَنا أعجب من الْكُوفِيّين حَيْثُ أخذُوا بِمَا رَوَاهُ أهل المدينا. وَهُوَ: أَن يجمع بَينهمَا بِأَذَان وَإِقَامَة وَاحِدَة. وَتركُوا مَا رَوَوْهُ فِي ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود، مَعَ أَنهم لَا يعدلُونَ بِهِ أحدا؟ قلت: لَا تعجب هَهُنَا أصلا، أما وَجه مَا فعله مَالك فَلِأَنَّهُ اعْتمد على صَنِيع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي ذَلِك وَإِن كَانَ لم يروه فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَأما الْكُوفِيُّونَ فَإِنَّهُم اعتمدوا على حَدِيث جَابر الطَّوِيل الَّذِي أخرجه مُسلم: (أَنه جمع بَينهمَا بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ) ، وَهُوَ أَيْضا قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، وَرِوَايَة عَن أَحْمد، وَقَول ابْن الْمَاجشون، وقووا ذَلِك أَيْضا بِالْقِيَاسِ على الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِعَرَفَة. وَفِيه: حجَّة للحنفية على ترك الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي غير عَرَفَة وَجمع، وَقَالَ بَعضهم: وَأجَاب المجوزون بِأَن من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، وَقد ثَبت الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر وَأنس وَابْن عَبَّاس وَغَيرهم، وَأَيْضًا فالاستدلال بِهِ إِنَّمَا هُوَ من طَرِيق الْمَفْهُوم وهم لَا يَقُولُونَ بِهِ، وَأما من قَالَ بِهِ فشرطه أَن لَا يُعَارضهُ مَنْطُوق، وَأَيْضًا فالحصر فِيهِ لَيْسَ على ظَاهره لإجماعهم على مَشْرُوعِيَّة الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِعَرَفَة. قلت: قد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْجمع فِي السّفر بَين الْمغرب وَالْعشَاء، وَقَوله: وهم لَا يَقُولُونَ بِهِ، أَي: بِالْمَفْهُومِ لَيْسَ على إِطْلَاقه، لِأَن الْمَفْهُوم على قسمَيْنِ مَفْهُوم مُوَافقَة وَمَفْهُوم مُخَالفَة، وهم قَائِلُونَ بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ فحوى الْخطاب كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه. وَفِيه: أَنه صلى بعد الْمغرب رَكْعَتَيْنِ. فَإِن قلت: قد تقدم أَنه لم يسبح بَينهمَا؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: لم يشْتَرط فِي جمع التَّأْخِير الْمُوَالَاة، فالأمران جائزان، وَالْأَحْسَن فِي هَذَا مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ، ﵀، وَهُوَ: أَنه اخْتلف عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَة هَل صلاهما مَعًا أَو عمل بَينهمَا عملا؟ فَفِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا السَّابِق: وَلم يسبح بَينهمَا. وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَذَا وَصلى بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث، رَأَيْت النَّبِي، ﷺ ، يَفْعَله، فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي ذَلِك وَكَانَت الصَّلَاتَان بِعَرَفَة تصلى إِحْدَاهمَا فِي إِثْر صاحبتها وَلَا يعْمل بَينهمَا عمل، فالنظر على ذَلِك أَن تكون الصَّلَاتَان بِمُزْدَلِفَة كَذَلِك، وَلَا يعْمل بَينهمَا عمل قِيَاسا عَلَيْهِمَا، وَالْجَامِع كَون كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فرضا فِي حق محرم بِحَجّ فِي مَكَان مَخْصُوص ليتدارك الْوُقُوف بِعَرَفَة والنهوض إِلَى الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة فَافْهَم.
٨٩ - (بابُ منْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ بِلَيْلٍ فَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ ويَدْعُونَ ويُقَدِّمُ إذَا غابَ القَمَرُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من قدم ضعفة أَهله، و: الضعفة، بِفَتْح الْعين: جمع ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حزم: الضعفة هم الصّبيان وَالنِّسَاء فَقَط. قلت: يدْخل فِيهِ الْمَشَايِخ العاجزون لِأَنَّهُ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قد ضعفة بني هَاشم وصبيانهم بلَيْل، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) : وَقَوله: ضعفه بني هَاشم، أَعم من النِّسَاء وَالصبيان والمشايخ العاجزين وَأَصْحَاب الْأَمْرَاض، لِأَن الْعلَّة خوف الزحام عَلَيْهِم، وَعَن ابْن عَبَّاس: (أَرْسلنِي رَسُول الله ﷺ فِي ضعفة أَهله، فصلينا الصُّبْح بمنى ورمينا الْجَمْرَة، رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: لم يكن ابْن عَبَّاس من الضعفة، وَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ يرد عَلَيْهِ. قَوْله: (بلَيْل) أَي: فِي ليل، وَالْبَاء تتَعَلَّق بقوله: (قدم) وتقديمهم من منزلهم الَّذِي نزلُوا بِهِ بِجمع. قَوْله: (وَيدعونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ) يَعْنِي: يذكرُونَ الله مَا بدا لَهُم، قَوْله: (وَيقدم إِذا غَابَ الْقَمَر) بَيَان لقَوْله: بلَيْل، لِأَن قَوْله: بلَيْل، أَعم من أَن يكون فِي أول اللَّيْل أَو فِي وَسطه أَو فِي آخِره. وَبَينه بقوله: (إِذا غَابَ) ، لِأَن مغيب الْقَمَر تِلْكَ اللَّيْلَة يَقع عِنْد أَوَائِل الثُّلُث الْأَخير، وَمن ثمَّة قَيده الشَّافِعِي وَأَصْحَابه بِالنِّصْفِ الثَّانِي، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَأْمر نِسَاءَهُ وَثقله فِي صَبِيحَة جمع أَن يفيضوا مَعَ أول الْفجْر بسواد، وَأَن لَا يرموا الْجَمْرَة إلَاّ مصبحين، وروى أَبُو دَاوُد (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يقدم ضعفة أَهله بِغَلَس وَيَأْمُرهُمْ، يَعْنِي: لَا يرْمونَ الْجَمْرَة حَتَّى تطلع الشَّمْس) ،، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيقدم بِلَفْظ الْمَفْعُول وَالْفَاعِل قلت: أَرَادَ بِلَفْظ الْبناء للْمَجْهُول، وَالْبناء للمعلوم فَفِي الأول يرجع الضَّمِير إِلَى الضعفة، فَيكون مَفْعُولا وَفِي الثَّانِي يرجع إِلَى لفظ: فَيكون فَاعِلا، فَافْهَم.
стр. 2819
٦٧٦١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ سالِمٌ وكانَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أهْلِهِ فيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ فيَذْكُرُونَ الله مَا بَدَا لَهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أنْ يَقِفَ الإمَامُ وقَبْلَ أنْ يَدْفَعَ فَمِنْهُمْ منْ يَقْدَمُ مِنىً لِصَلاةِ الفَجْرِ ومِنْهُمْ منْ يَقْدَمُ بَعدَ ذلِكَ فإذَا قَدِمُوا رَمَوا الجَمْرَةَ وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ أرْخَصَ فِي أُولائِكَ رسولُ الله ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (يقدم ضعفة أَهله) وَفِي قَوْله: (فيقفون) وَفِي قَوْله: (فَيذكرُونَ الله تَعَالَى) ، لِأَن الْمَعْنى: يدعونَ الله ويذكرونه مَا بدا لَهُم.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَيحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير الْمصْرِيّ، وَاللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ الْمدنِي، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله ابْن عمر، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن يُونُس بن شهَاب أَن سَالم بن عبد الله أخبرهُ.
قَوْله: (عِنْد الْمشعر الْحَرَام) ، بِفَتْح الْمِيم، وَقيل: إِن أَكثر الْعَرَب يكسر الْمِيم، قَالَ القتبي: لم يقْرَأ بِهِ أحد، وَذكر الْهُذلِيّ أَن أَبَا السمال بِاللَّامِ فِي آخِره قَرَأَهُ بِالْكَسْرِ، وَقَالَ ابْن قرقول: تكسر فِي اللُّغَة لَا فِي الرِّوَايَة، وَهُوَ الْمزْدَلِفَة، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عَن قطرب قَالُوا: مشْعر ومشعر ومشعر، ثَلَاث لُغَات، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: يُسمى مشعرا لِأَنَّهُ معلم لِلْعِبَادَةِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي صَاحب (الْمَنَاسِك) : الْأَصَح أَن الْمشعر الْحَرَام فِي الْمزْدَلِفَة لَا غير الْمزْدَلِفَة، وحد الْمزْدَلِفَة مَا بَين مأزمي عَرَفَة وَقرن محسر يَمِينا وَشمَالًا من الشعاب وَالْجِبَال، وَقَالَ الْكرْمَانِي الشَّارِح: وَاخْتلف فِيهِ، وَالْمَعْرُوف عَن أَصْحَابنَا أَنه قزَح، بِضَم الْقَاف وَفتح الزَّاي وبالمهملة: وَهُوَ جبل مَعْرُوف بِالْمُزْدَلِفَةِ، والْحَدِيث يدل عَلَيْهِ، وَقَالَ غَيرهم: إِنَّه نفس الْمزْدَلِفَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : والمزدلفة لَهَا اسمان آخرَانِ: جمع والمشعر الْحَرَام. وَفِي حَدِيث أَن قزَح هُوَ الْمشعر الْحَرَام، وَعَن ابْن عمر: أَن الْمشعر الْحَرَام هُوَ الْمزْدَلِفَة كلهَا. وَقَالَ بَعضهم: لَو كَانَ الْمشعر الْحَرَام هُوَ الْمزْدَلِفَة لقَالَ، : فاذكروا الله فِي الْمشعر الْحَرَام، وَلم يقل: عِنْده، كَمَا إِذا قلت: أَنا عِنْد الْبَيْت، لَا تكون فِي الْبَيْت. وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي (كتاب النَّوَادِر) : وَآخر مُزْدَلِفَة محسر وَأول من بطن محسر محسر بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر السِّين الْمُشَدّدَة الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء وَاد بِجمع وَهِي مزلدلفة، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَهُوَ بَين يَدي موقف الْمزْدَلِفَة مِمَّا يَلِي منى، وَهُوَ مسيل قدر رمية بِحجر بَين الْمزْدَلِفَة وَمنى، وَذكره أَبُو عبيد. وَعند الطَّبَرِيّ: إسم فَاعل من: حسر، بتَشْديد السِّين، سمي بذلك لِأَن فيل أَصْحَاب الْفِيل حسر فِيهِ، أَي: أعيى وكلَّ عَن السّير. قيل: هَذَا غلط، لِأَن الْفِيل لم يعبر الْحرم. وَقيل: سمي بِهِ لِأَنَّهُ يحسر سالكه ويتعبهم، وَيُسمى: وادِ النَّار، وَيُقَال: إِن رجلا اصطاد فِيهِ فَنزلت نَار فَأَحْرَقتهُ، وَحِكْمَة الْإِسْرَاع فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ موقفا لِلنَّصَارَى، فاستحب رَسُول الله ﷺ الْإِسْرَاع فِيهِ. قَوْله: (الْحَرَام) ، صفة الْمشعر، أَي: الْمحرم أَي الَّذِي يحرم عَلَيْهِ الصَّيْد فِيهِ وَغَيره، فَإِنَّهُ من الْحرم، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: ذَا الْحُرْمَة. قَوْله: (مَا بدا لَهُم) ، بِلَا همزَة أَي: مَا ظهر لَهُم وسنح فِي خواطرهم وأرادوه. قَوْله: (ثمَّ يرجعُونَ) أَي: إِلَى منى قبل أَن يقف الإِمَام بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ثمَّ يدْفَعُونَ) . قَوْله: (وَقبل أَن يدْفع) أَي: الإِمَام. قَوْله: (لصَلَاة الْفجْر) ، أَي: عِنْد صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (رموا الْجَمْرَة) أَي: جَمْرَة الْعقبَة، وَهِي مرمى يَوْم النَّحْر، وَيُقَال لَهَا: الْجَمْرَة الْكُبْرَى. قَوْله: (أرخص) من الإرخاص، وَهُوَ فعل مَاض وفاعله قَوْله: (رَسُول الله، ﷺ كَذَا وَقع: أرخص، وَفِي بعض الرِّوَايَات: رخص، بِالتَّشْدِيدِ من الرُّخْصَة الَّتِي هِيَ ضد الْعَزِيمَة، وَهَذَا أظهر وَأَصَح، لِأَن أرخص من الرُّخص الَّذِي هُوَ ضد الغلاء. قَوْله: (فِي أُولَئِكَ) ، هم الضعفة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث، وَاحْتج بِهِ ابْن الْمُنْذر لقَوْل من أوجبت الْمبيت بِمُزْدَلِفَة على غير الضعفة، لِأَن حكم من لم يرخص فِيهِ لَيْسَ كَحكم من رخص فِيهِ. قلت: وَقد اخْتلف السّلف فِي الْمبيت بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَمُحَمّد بن إِدْرِيس فِي أحد قوليه: إِلَى وجوب الْمبيت بهَا، وَأَنه لَيْسَ بِرُكْن، فَمن تَركه فَعَلَيهِ دم، وَهُوَ قَول عَطاء وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَمُجاهد، وَعَن الشَّافِعِي: سنة، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ ابْن بنت الشَّافِعِي
стр. 2820
وَابْن خُزَيْمَة الشافعيان: هُوَ ركن، وَقَالَ عَلْقَمَة وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ: من ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة فَاتَهُ الْحَج. وَفِي (شرح التَّهْذِيب) : وَهُوَ قَول الْحسن، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام. وَقَالَ الشَّافِعِي: يحصل الْمبيت بساعة فِي النّصْف الثَّانِي من اللَّيْل دون الأول. وَعَن مَالك: النُّزُول بِالْمُزْدَلِفَةِ وَاجِب، وَالْمَبِيت بهَا سنة، وَكَذَا الْوُقُوف مَعَ الإِمَام سنة. وَقَالَ أهل الظَّاهِر: من لم يدْرك مَعَ الإِمَام صَلَاة الصُّبْح بِالْمُزْدَلِفَةِ بَطل حجه بِخِلَاف النِّسَاء وَالصبيان والضعفاء. وَعند أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: لَو ترك الْوُقُوف بهَا بعد الصُّبْح من غير عذر فَعَلَيهِ دم، وَإِن كَانَ بِعُذْر الزحام فتعجل السّير إِلَى منى، فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، والمأمور بِهِ فِي الْآيَة الْكَرِيمَة الذّكر دون الْوُقُوف، ووقف الْوُقُوف بالمشعر بعد طُلُوع الْفجْر من يَوْم النَّحْر إِلَى أَن يسفر جدا، وَعَن مَالك: لَا يقف أحد إِلَى الْأَسْفَار، بل يدْفَعُونَ قبل ذَلِك.
٧٧٦١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بَعَثَنَا رسولُ الله ﷺ منْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن ابْن عَبَّاس كَانَ فِي جملَة الضُّعَفَاء الَّذين قدمهم النَّبِي ﷺ بِاللَّيْلِ من جمع، وَقد تكَرر ذكر رِجَاله، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا، قَالَ: وَرُوِيَ عَنهُ من غير وَجه. بَيَان ذَلِك أَنه رَوَاهُ عَنهُ جمَاعَة، وهم: عبيد الله بن أبي يزِيد، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَالْحسن العرني، ومقسم، وكريب. أما رِوَايَة عبيد الله ابْن أبي يزِيد عَنهُ فاتفق عَلَيْهَا الشَّيْخَانِ من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَحَمَّاد بن زيد، فرواها كِلَاهُمَا عَن عبيد الله بن أبي يزِيد، والآن يَأْتِي بَيَانه. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة. وَأما رِوَايَة عَطاء فأخرجها مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن عبد بن حميد عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج عَن عَطاء أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (بَعَثَنِي نَبِي الله ﷺ بِسحر من جمع فِي ثقل نَبِي الله ﷺ الحَدِيث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. وَأما رِوَايَة الْحسن العرني فأخرجها أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة سَلمَة بن كهيل عَن الْحسن العرني (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قدمنَا رَسُول الله ﷺ لَيْلَة الْمزْدَلِفَة أغيلمة بني عبد الْمطلب على جمرات، فَجعل يلطخ أفخاذنا، وَيَقُول: أبني لَا ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطلع الشَّمْس) . وَقَالَ أَبُو دَاوُد: اللطخ الضَّرْب اللين، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) . وَأما رِوَايَة مقسم فأخرجها التِّرْمِذِيّ وَانْفَرَدَ بهَا. قَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا وَكِيع عَن المَسْعُودِيّ عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قدم ضعفة أَهله، وَقَالَ: لَا ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطلع الشَّمْس. وَأما رِوَايَة كريب فأخرجها الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَأْمر نِسَاءَهُ) الحَدِيث. وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
٨٧٦١ - حدَّثنا عَلِيٌّ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ أبي يَزِيدَ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ أنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النبيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةَ فِي ضَعَفَةِ أهْلِهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٧٦١ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور، وَهَذَا وَجه من الْوُجُوه الْخَمْسَة الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، وَذكر البُخَارِيّ هَهُنَا وَجها آخر وَهُوَ: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِيمَا قبله، وَهَذَا الطَّرِيق أخرجه عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبيد الله بن أبي يزِيد من الزِّيَادَة، مولى أهل مَكَّة مر فِي: بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء وَالْفرق بَين الطَّرِيقَيْنِ أَن الطَّرِيق الأول يَقْتَضِي بِحَسب الظَّاهِر أَنه كَانَ مُخْتَصًّا بِالْبَعْثِ من جمع بِاللَّيْلِ، وَالطَّرِيق الثَّانِي يَقْتَضِي عدم الِاخْتِصَاص قطعا.
٢٦٢ - (حَدثنَا مُسَدّد عَن يحي عَن ابْن جريج قَالَ حَدثنِي عبد الله مولى أَسمَاء عَن أَسمَاء أَنَّهَا نزلت لَيْلَة جمع عِنْد الْمزْدَلِفَة فَقَامَتْ تصلي فصلت سَاعَة ثمَّ قَالَت يَا بني هَل غَابَ الْقَمَر قلت لَا فصلت سَاعَة ثمَّ قَالَت هَل غَابَ الْقَمَر قلت نعم قَالَت فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حَتَّى رمت الْجَمْرَة ثمَّ
стр. 2821
رجعت فصلت الصُّبْح فِي منزلهَا فَقلت لَهَا يَا هنتاه مَا أرانا إِلَّا قد غلسنا قَالَت يَا بني إِن رَسُول الله ﷺ َ - أذن للظعن) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا " فارتحلوا فارتحلنا " لِأَن ارتحالهم كَانَ عقيب غيبوبة الْقَمَر وَقد ذكرنَا أَن مغيب الْقَمَر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة كَانَ عِنْد أَوَائِل الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة مُسَدّد بن مسرهد عَن يحيى الْقطَّان عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عبد الله بن كيسَان مولى أَسمَاء أَبُو عمر وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر سَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الْعمرَة وَأَسْمَاء هَذِه هِيَ بنت أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَقد صرح ابْن جريج بتحديث عبد الله لَهُ وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي وَابْن خُزَيْمَة عَن بنْدَار وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده كلهم عَن يحيى وَأخرجه مُسلم من طَرِيق عِيسَى بن يُونُس والإسماعيلي من طَرِيق دَاوُد الْعَطَّار وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة والطَّحَاوِي من طَرِيق سعيد بن سَالم وَأَبُو نعيم من طَرِيق مُحَمَّد بن بكر كلهم عَن ابْن جريج وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن خَلاد عَن يحيى الْقطَّان عَن ابْن جريج عَن عَطاء أَخْبرنِي مخبر عَن أَسمَاء وَأخرجه مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن عَطاء أَن مولى أَسمَاء أخبرهُ وَكَذَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى فَالظَّاهِر أَن ابْن جريج سَمعه من عَطاء ثمَّ لَقِي عبد الله فَأَخذه عَنهُ وَيحْتَمل أَن يكون مولى أَسمَاء شيخ عَطاء غير عبد الله (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يَا بني " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر ابْن قَوْله " فارتحلوا " أَمر بالارتحال وَفِي رِوَايَة مُسلم " قَالَت ارحل بِي " قَوْله " فمضينا " وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة " فمضينا بهَا " قَوْله " ثمَّ رجعت " أَي إِلَى منزلهَا بمنى قَوْله " يَا هنتاه " أَي يَا هَذِه يُقَال للمذكر إِذا كنى عَنهُ هن وللمؤنث هنة وزيدت الْألف لمد الصَّوْت وَالْهَاء لإِظْهَار الْألف وَهُوَ بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون النُّون وَقد تفتح وإسكانها أشهر ثمَّ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَقد تسكن الْهَاء الَّتِي فِي آخرهَا وتضم قَوْله " مَا أرانا " بِضَم الْهمزَة أَي مَا نظن إِلَّا قد غلسنا أَي تقدمنا على الْوَقْت الْمَشْرُوع وَهُوَ من التغليس وَهُوَ السّير بِغَلَس وَهِي ظلمَة آخر اللَّيْل وَفِي رِوَايَة لمُسلم " فَقلت لَهَا لقد غلسنا " بِدُونِ قَوْله " مَا أرانا " وَفِي رِوَايَة مَالك " لقد جِئْنَا منى بِغَلَس " وَفِي رِوَايَة دَاوُد الْعَطَّار " لقد ارتحلنا بلَيْل " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد " فَقلت إِنَّا رمينَا الْجَمْرَة بِغَلَس " قَوْله " أذن للظعن " بِضَم الظَّاء وَالْعين وبسكون الْعين أَيْضا جمع ظَعِينَة وَهِي النِّسَاء وَفِي الْمُحكم هُوَ جمع ظاعن وَسميت النِّسَاء بهَا لِأَنَّهُنَّ يظعن بارتحال أَزوَاجهنَّ ويقمن بإقامتهم تَقول ظعن يظعن ظعنا وظعونا ذهب وأظعنه هُوَ والظعينة الْجمل يظعن عَلَيْهِ والظعينة الهودج تكون فِيهِ الْمَرْأَة وَقيل هُوَ الهودج كَانَت فِيهِ امْرَأَة أَو لم تكن وَعَن ابْن السّكيت كل امْرَأَة ظَعِينَة سَوَاء كَانَت فِي هودج أَو غَيره وَقَالَ ابْن سَيّده الْجمع ظعائن وظعن وأظعان وظعنات الأخيرتان جمع الْجمع وَفِي الْجَامِع وَلَا يُقَال ظعن إِلَّا لِلْإِبِلِ الَّتِي عَلَيْهَا الهوادج وَقيل الظعن الْجَمَاعَة من النِّسَاء وَالرِّجَال (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث قوم على جَوَاز الرَّمْي قبل طُلُوع الشَّمْس بعد طُلُوع الْفجْر للَّذين يتقدمون قبل النَّاس وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ وَطَاوُس بن كيسَان وَمُجاهد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالشَّافِعِيّ وَقَالَ عِيَاض مَذْهَب الشَّافِعِي رمي الْجَمْرَة من نصف اللَّيْل وَتعلق بِأَنَّهُ أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قدمت قبل الْفجْر وَكَانَ ﷺ َ - أمرهَا أَن تفيض وتوافيه الصُّبْح مَكَّة وَظَاهر هَذَا عِنْده تَعْجِيل الرَّمْي قبل الْفجْر وَمذهب مَالك أَن الرَّمْي يحل بطول الْفجْر وَمذهب الثَّوْريّ وَالنَّخَعِيّ أَنَّهَا لَا ترمي إِلَّا بعد طُلُوع الشَّمْس وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد واسحق قَالُوا فَإِن رَمَوْهَا قبل طُلُوع الشَّمْس أجزأتهم وَقد أساؤا وَقَالَ الكاشاني من أَصْحَابنَا أول وقته الْمُسْتَحبّ مَا بعد طُلُوع الشَّمْس وَآخر وقته آخر النَّهَار كَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَمْتَد إِلَى وَقت الزَّوَال فَإِذا زَالَت الشَّمْس يفوت الْوَقْت وَيكون فِيمَا بعده قَضَاء فَإِن لم يرم حَتَّى غربت الشَّمْس يَرْمِي قبل الْفجْر من الْيَوْم الثَّانِي وَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي قَوْله أَصْحَابنَا وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ فِي قَول إِذا غربت الشَّمْس فقد فَاتَ الْوَقْت وَعَلِيهِ الْفِدْيَة وَفِي قَول لَا يفوت إِلَّا فِي آخر أَيَّام
стр. 2822
التَّشْرِيق فَإِن أخر الرَّمْي حَتَّى طلع الْفجْر من الْيَوْم الثَّانِي رمى وَعَلِيهِ دم للتأخير فِي قَول أبي حنيفَة وَفِي قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد لَا شَيْء عَلَيْهِ وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَقَالَ مَالك فِي الْمُوَطَّأ سَمِعت بعض أهل الْعلم يكره رمي الْجَمْرَة حَتَّى يطلع الْفجْر من يَوْم النَّحْر وَمن رمى فقد حل لَهُ النَّحْر وَقَالَ الطَّحَاوِيّ فِي الْجَواب عَن حَدِيث أَسمَاء الْمَذْكُور يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بالتغليس فِي الدّفع من مُزْدَلِفَة وَيجوز أَن يكون أَرَادَ بالتغليس فِي الرَّمْي فَأخْبرت أَن النَّبِي ﷺ َ - أذن لَهُم فِي التغليس لما سَأَلَهَا عَن التغليس بِهِ من ذَلِك. وَفِيه اسْتدلَّ بَعضهم على إِسْقَاط الْوُقُوف بالمشعر الْحَرَام عَن الضعفة قيل لَا دلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ سُئِلَ عَن الْوُقُوف -
٠٨٦١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ هُوَ ابنُ القَاسِمِ عَن الْقَاسِمِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ اسْتَأذَنَتْ سَوْدَةُ النبيَّ ﷺ لَيْلَةَ جَمْعٍ وكانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةً فأذِنَ لَهَا.
(الحَدِيث ٠٨٦١ طرفه فِي: ١٨٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن سَوْدَة كَانَت من الضعفة الَّذين قدمُوا بلَيْل. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يروي عَن عمته عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَسَوْدَة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة: بنت زَمعَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج: حَدثنَا ابْن نمير، قَالَ: حَدثنَا أبي، قَالَ: حَدثنَا عبيد الله بن عمر عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن الْقَاسِم (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: وددت أَنِّي كنت اسْتَأْذَنت رَسُول الله ﷺ كَمَا استأذنته سَوْدَة، فأصلي الصُّبْح بمنى فأرمي الْجَمْرَة قبل أَن يَأْتِي النَّاس. فَقيل لعَائِشَة: فَكَانَت سَوْدَة استأذنته؟ قَالَت: نعم، كَانَت امْرَأَة ثَقيلَة ثبطة، فاستأذنت رَسُول الله ﷺ فَأذن لَهَا) وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة: عَن وَكِيع وَعَن زُهَيْر بن حَرْب قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع، نَحوه (أَن سَوْدَة بنت زَمعَة كَانَت امْرَأَة ثبطة فاستأذنت رَسُول الله ﷺ أَن تدفع من جمع قبل دفع النَّاس فَأذن لَهَا) وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة من طَرِيق ابْن قبيصَة عَن الثَّوْريّ: (قدم رَسُول الله ﷺ سَوْدَة لَيْلَة جمع) . قَوْله: (ثبطة) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وسكونها وبالطاء الْمُهْملَة أَي: بطيئة الْحَرَكَة كَأَنَّهَا تثبط بِالْأَرْضِ أَي: تتشبث، وَقَالَ ابْن قرقول: ضبطناه بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَضَبطه الجياني عَن ابْن سراج بِالْكَسْرِ والإسكان.
١٨٦١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أفْلَحُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ نزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ فاسْتَأذَنَتْ النبيَّ ﷺ سَوْدَةُ أنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وكانَتِ امْرَأةً بَطِيئَةً فأذِنَ لَهَا فدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وأقَمْنَا حَتَّى أصْبَحْنَا نَحْنُ ثُم دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ فَلأنْ أكونَ اسْتَأذَنْتُ رسولَ الله ﷺ كمَا اسْتَأذَنَتْ سَوْدَةُ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٨٦١) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث سَوْدَة يبين فِيهِ مَا استأذنته سَوْدَة لِأَن فِي الطَّرِيق السَّابِق لم يذكر فِيهِ مَا استأذنته سَوْدَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرج هَذَا الطَّرِيق عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن أَفْلح بن حميد بن نَافِع الْأنْصَارِيّ. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن القعْنبِي عَن أَفْلح بن حميد عَن الْقَاسِم (عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: اسْتَأْذَنت سَوْدَة رَسُول الله ﷺ لَيْلَة الْمزْدَلِفَة أَن تدفع قبله وَقبل حطمة النَّاس، وَكَانَت امْرَأَة ضخمة ثبطة يَقُول الْقَاسِم: والثبطة الثَّقِيلَة) الحَدِيث، وَهَذَا فِيهِ تَفْسِير الثبطة عَن الْقَاسِم، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق ابْن أبي فديك عَن أَفْلح، وَلَفظه: (وَكَانَت امْرَأَة ثبطة، قَالَ: الثبطة الثَّقِيلَة) ، فعلى هَذَا قَوْله فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ الَّذِي مضى، وَكَانَت امْرَأَة ثَقيلَة ثبطة، من الإدراج، أدرج الرَّاوِي التَّفْسِير بعد الأَصْل، فَظن الرَّاوِي الآخر أَن اللَّفْظَيْنِ ثابتان فِي أصل الْمَتْن، فَقدم وَأخر.
قَوْله: (أَن تدفع) أَي: تتقدم قبل حطمة النَّاس، والحطمة بِالْفَتْح الزحمة. قَوْله: (ثمَّ دفعنَا بِدَفْعِهِ) ، أَي: بِدفع رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَلِأَن أكون)
стр. 2823
بِفَتْح اللَّام مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: أحب. وَقَوله: (كَمَا اسْتَأْذَنت سَوْدَة) جملَة مُعْتَرضَة بَينهمَا، وَلَفْظَة: مَا، فِي: كَمَا، مَصْدَرِيَّة أَي: كاستئذان سَوْدَة. قَوْله: (من مفروح بِهِ) أَي: من مَا يفرح بِهِ من كل شَيْء.
٩٩ - (بابُ صَلاةِ الفَجْرِ بِالمُزْدَلِفَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَقت صَلَاة الْفجْر بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب من يُصَلِّي الْفجْر، وَالْأول أصح.
٣٨٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ رَجَاءٍ قَالَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبي إسْحَاقَ عَن عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ قَالَ خَرجْنا معَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعا فصَلَّى الصَّلاتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَها بأذَانٍ وإقَامةٍ والْعَشَاءُ بيْنَهُمَا ثُمَّ صلَّى الْفَجْرَ حِينَ طلَعَ الفَجْرُ قائِلٌ يَقُولُ طلَعَ الْفَجْرُ وقائِلٌ يقُولُ لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ ثُمَّ قالَ إنَّ رسولَ الله قَالَ إنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عنْ وَقْتِهِمَا فِي هاذَا
стр. 2824
المَكَانِ المَغْرِبَ والْعِشَاءَ فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعا حَتَّى يُعْتِمُوا وصَلَاةَ الْفَجْرِ هاذِهِ السَّاعَةَ ثُمَّ وقَفَ حَتَّى أسْفَرَ ثُمَّ قَالَ لَوْ أنَّ أميرَ المُؤمِنِينَ أفاضَ الآنَ أصَابَ السُّنَّةَ فَمَا أدْرِي أقوْلُهُ كانِ أسْرَعَ أمْ دَفْعُ عُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٧٦١ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ السَّابِق عَن عبد الله بن رَجَاء، بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم: ابْن الْمثنى الْبَصْرِيّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ الْكُوفِي. قَوْله: (خرجنَا) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (خرجت) ، بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (مَعَ عبد الله) هُوَ ابْن مَسْعُود. قَوْله: (ثمَّ قدمنَا جمعا) أَي: الْمزْدَلِفَة. قَوْله: (فصلى الصَّلَاتَيْنِ) أَي: الْمغرب وَالْعشَاء. قَوْله: (كل صَلَاة) بِنصب: كل، أَي: صلى كل صَلَاة مِنْهُمَا. قَوْله: (وَالْعشَاء بَينهمَا) بِفَتْح الْعين لَا بِكَسْرِهَا، لِأَن المُرَاد بِهِ الطَّعَام الَّذِي يتعشى بِهِ، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (الْمغرب وَالْعشَاء) ، يجوز النصب فيهمَا على أَنه عطف بَيَان لقَوْله: (هَاتين الصَّلَاتَيْنِ) ، وَيجوز الرّفْع فيهمَا على أَن الْمغرب خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ الْمغرب، وَالْأُخْرَى الْعشَاء. قَوْله: (حولنا) أَي: غَيرنَا. قَوْله: (فَلَا يقدم) بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (جمعا) أَي: الْمزْدَلِفَة. قَوْله: (حَتَّى يعتموا) بِضَم الْيَاء من الإعتام، وَهُوَ الدُّخُول فِي وَقت الْعشَاء الْآخِرَة. قَوْله: (هَذِه السَّاعَة) أَي: بعد طُلُوع الصُّبْح قبل ظُهُوره للعامة. قَوْله: (حَتَّى أَسْفر) أَي: حَتَّى أَضَاء الصُّبْح وانتشر. قَوْله: (فَمَا أَدْرِي) ، هُوَ كَلَام عبد الرَّحْمَن بن يزِيد الرَّاوِي عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ قَول عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا غلط وَالظَّاهِر أَنه قد وَقع من النَّاسِخ، وَالله تَعَالَى أعلم. قَوْله: (أصَاب السّنة) ، يَعْنِي فعل رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (أم دفع عُثْمَان) ، يَعْنِي: من مُزْدَلِفَة، وَكَانَ حِينَئِذٍ أميرَ الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْمرَاد أَن السّنة الدّفع من الْمشعر الْحَرَام عِنْد الْإِسْفَار قبل طُلُوع الشَّمْس خلافًا لما كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (فَلم يزل يُلَبِّي) أَي: لم يزل ابْن مَسْعُود يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر.
وَاخْتلف السّلف فِي الْوَقْت الَّذِي يقطع فِيهِ الْحَاج التَّلْبِيَة، فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن التَّلْبِيَة لَا تقطع حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَبِه قَالَ عَطاء وطاووس وَالنَّخَعِيّ وَابْن أبي ليلى وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وروى عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يُلَبِّي فِي الْحَج. فَإِذا زاغت الشَّمْس من يَوْم عَرَفَة قطعهَا. وَقَالَ مَالك: وَذَلِكَ الْأَمر الَّذِي لم يزل عَلَيْهِ أهل الْعلم ببلدنا، وَقَالَ ابْن شهَاب: وَفعل ذَلِك الْأَئِمَّة أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعَائِشَة وَابْن الْمسيب، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن سعد مثله، وَذكر أَيْضا عَن مَكْحُول، وَكَانَ ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَقُول: أفضل الدُّعَاء يَوْم عَرَفَة التَّكْبِير، وروى مَعْنَاهُ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ اخْتلف بعض هَؤُلَاءِ، فَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، يقطع التَّلْبِيَة مَعَ أول حَصَاة يرميها من جَمْرَة الْعقبَة. وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَطَائِفَة من أهل النّظر، والأثر لَا يقطعهَا حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة بأسرها، قَالُوا: وَهُوَ قَول ظَاهر الحَدِيث أَن رَسُول الله، ﷺ ، لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة، وَلم يقل: حَتَّى رمى بَعْضهَا. قلت: روى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شريك عَن عَامر بن شَقِيق عَن أبي وَائِل (عَن عبد الله قَالَ: رمقت النَّبِي ﷺ فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة بِأول حَصَاة) فَإِن قلت: أخرج ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه، (عَن الْفضل بن عَبَّاس، قَالَ: أفضت مَعَ رَسُول الله ﷺ من عَرَفَات، فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة، يكبر مَعَ كل حَصَاة ثمَّ قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة. قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه زِيَادَة غَرِيبَة لَيست فِي الرِّوَايَات عَن الْفضل، وَإِن كَانَ ابْن خُزَيْمَة قد اخْتَارَهَا، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِيهِ نَكَارَة. وَقَوله: (يكبر مَعَ كل حَصَاة) ، يدل على أَنه قطع التَّلْبِيَة مَعَ أول حَصَاة، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى. فَإِن قلت: هَذَا حكم الْحَاج، فَمَا حكم الْمُعْتَمِر؟ قلت: قَالَ قوم: يقطع الْمُعْتَمِر التَّلْبِيَة إِذا دخل الْحرم، وَقَالَ قوم: لَا يقطعهَا حَتَّى يرى بيُوت مَكَّة، وَقَالَ قوم: حَتَّى يدْخل بيُوت مَكَّة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يقطعهَا حَتَّى يسْتَلم الْحجر، فَإِذا استلمه قطعهَا، وَقَالَ اللَّيْث إِذا بلغ الْكَعْبَة قطعهَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يقطعهَا حَتَّى يفْتَتح الطّواف، وَقَالَ مَالك: إِن أحرم من الْمِيقَات قطعهَا إِذا دخل الْحرم، وَإِن أحرم من الْجِعِرَّانَة أَو من التَّنْعِيم قطعهَا إِذا دخل بيُوت مَكَّة، أَو إِذا دخل الْمَسْجِد. وَاسْتدلَّ أَبُو حنيفَة بِمَا
стр. 2825
رَوَاهُ وَكِيع عَن عمر بن ذَر عَن مُجَاهِد، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يقطع الْمُعْتَمِر التَّلْبِيَة حَتَّى يسْتَلم الرُّكْن. وَقَالَ ابْن حزم: وَالَّذِي نقُول بِهِ هُوَ قَول قَول ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه لَا يقطعهَا حَتَّى يتم جَمِيع عمل الْعمرَة.
٠٠١ - (بابٌ متَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْعٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَقت الدّفع من جمع، يَعْنِي: بعد الْوُقُوف بالمشعر الْحَرَام. وَقَوله: بِضَم الْيَاء على بِنَاء الْمَجْهُول، وَيجوز بِفَتْح الْيَاء على بِنَاء الْمَعْلُوم أَي: مَتى يدْفع الْحَاج.
٤٨٦١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ عنْ أبِي إسْحَاقَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ مَيْمُون يَقُولُ شَهِدْتُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ إنَّ المُشْرِكينَ كانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ويَقُولُونَ أشْرِقْ ثَبِيرُ وأنَّ النَّبيَّ ﷺ خالَفَهُمْ ثُمَّ أفَاضَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
(الحَدِيث ٤٨٦١ طرفه فِي: ٨٣٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ثمَّ أَفَاضَ قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، فَبين أَن وَقت الدّفع من جمع قبل طُلُوع الشَّمْس.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وحجاج على وزن: فعال، بِالتَّشْدِيدِ، ومنهال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون: الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. وَعَمْرو بن مَيْمُون بن مهْرَان الْبَصْرِيّ.
وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن البُخَارِيّ رَوَاهُ من رِوَايَة شُعْبَة وَالثَّوْري، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة الثَّوْريّ فَقَط، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة فَقَط، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة حجاج بن أَرْطَأَة ثَلَاثَتهمْ عَن أبي إِسْحَاق بِهِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان حَدثنَا أَبُو دَاوُد أَنبأَنَا شُعْبَة (عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: سَمِعت عَمْرو بن مَيْمُون يَقُول: كُنَّا وقوفا بِجمع، فَقَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن الْمُشْركين كَانُوا لَا يفيضون حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَكَانُوا يَقُولُونَ: أشرق ثبير، وَإِن رَسُول الله، ﷺ ، خالفهم. فَأَفَاضَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبل طُلُوع الشَّمْس) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ أَفَاضَ قبل طُلُوع الشَّمْس) . وَانْفَرَدَ بِهِ، وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَفِيه: (فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا، فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صلى بِجمع) ، أَي: بِالْمُزْدَلِفَةِ. قَوْله: (لَا يفيضون) ، بِضَم الْيَاء من الْإِفَاضَة، وَهُوَ الدّفع وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وكل دفْعَة إفَاضَة، قَالَ: وأفاضوا فِي الحَدِيث أَي انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاض الْبَعِير أَي: دفع جرته من كرشه فأخرجها. قَوْله: (أشرق) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء: أَمر من الْإِشْرَاق، يُقَال: أشرقَ: إِذا دخل فِي الشروق، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فأتبعوهم مشرقين﴾ (الشُّعَرَاء: ٠٦) . أَي: حَال كَونهم داخلين فِي شروق الشَّمْس، كَمَا يُقَال: أجنب، إِذا دخل فِي الْجنُوب، وأشمل إِذا دخل فِي الشمَال، وَحَاصِل معنى: أشرق ثبير؛ لتطلع عَلَيْك الشَّمْس. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: يُرِيد: أَدخل أَيهَا الْجَبَل فِي الشروق. وَقَالَ عِيَاض: أشرق ثبير: أَدخل يَا جبل فِي الْإِشْرَاق. وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه أَكْثَرهم بِفَتْح الْهمزَة، وَبَعْضهمْ بِكَسْر الْهمزَة كَأَنَّهُ ثلاثي: من شَرق، وَلَيْسَ هَذَا ببيِّن، لِأَن شَرق مستقبله: يشرق، بِضَم الرَّاء، وَالْأَمر مِنْهُ: أشرق، بِضَم الْهمزَة لَا بِالْكَسْرِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاعَة بِفَتْح الْهمزَة أَي: لتطلع عَلَيْك الشَّمْس. وَقيل: مَعْنَاهُ اطلع الشَّمْس يَا جبل. قَوْله: (ثبير) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ جبل الْمزْدَلِفَة على يسَار الذَّاهِب إِلَى منى. وَقيل: هُوَ أعظم جبال مَكَّة عرف بِرَجُل من هُذَيْل اسْمه ثبير وَدفن فِيهِ، وَهَذَا هُوَ المُرَاد، وَإِن كَانَ للْعَرَب جبال أخر كل إسم مِنْهَا ثبير، وَهُوَ منصرف، وَلَكِن بِدُونِ التَّنْوِين لِأَنَّهُ منادى مُفْرد معرفَة تَقْدِيره: أشرق يَا ثبير، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: إِن للْعَرَب أَرْبَعَة أجبال أسماؤها: ثبير، وَكلهَا حجازية، وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: أما حَدِيث: أقطع رَسُول الله، ﷺ ، شُرَيْح بن ضَمرَة الْمُزنِيّ ثبيرا فَلَيْسَ بجبل، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم مَا لمزبنة، وَعند ابْن مَاجَه: أشرق ثبير، كَيْمَا نغير
стр. 2826
من الإغارة أَي: كَيْمَا ندفع ونفيض للنحر وَغَيره، وَذَلِكَ من قَوْلهم: أغار الْفرس إغارة الثَّعْلَب، وَذَلِكَ إِذا دفع وأسرع فِي دَفعه. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضَبطه بَعضهم بِسُكُون الرَّاء فِي ثبير ونغير لإِرَادَة السجع. قلت: لِأَنَّهُ من محسنات الْكَلَام. قَوْله: (ثمَّ أَفَاضَ) ، يحْتَمل أَن يكون فَاعله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَجهه أَن يكون: ثمَّ أَفَاضَ عطفا على قَوْله: (إِن الْمُشْركين لَا يفيضون حَتَّى تطلع الشَّمْس) وَفِيه بعد، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب أَن فَاعله هُوَ النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (خالفهم) وَيُؤَيّد هَذَا مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عِنْد التِّرْمِذِيّ: (فَأَفَاضَ) ، بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ: (فخالفهم النَّبِي ﷺ فَأَفَاضَ) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ من طَرِيق زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق بِسَنَدِهِ: (كَانَ الْمُشْركُونَ لَا ينفرون حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَأَن رَسُول الله، ﷺ ، كره ذَلِك فنفر قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَله من رِوَايَة إِسْرَائِيل: فَدفع بِقدر صَلَاة الْقَوْم المسفرين لصَلَاة الْغَدَاة، وَأظْهر من ذَلِك وَأقوى للدلالة على أَنه النَّبِي، ﷺ ، مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَفِيه: (ثمَّ ركب الْقَصْوَاء حَتَّى أَتَى الْمشعر الْحَرَام فَاسْتقْبل الْقبْلَة، فَدَعَا الله وَكبره وَهَلله وَوَحدهُ، فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة، وَقد ذكرنَا أَنه إِذا ترك الْوُقُوف بهَا بعد الصُّبْح من غير عذر فَعَلَيهِ دم، وَإِن كَانَ بِعُذْر الزحام فتعجل السّير إِلَى منى فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَفِيه: الْإِفَاضَة قبل طُلُوع الشَّمْس من يَوْم النَّحْر، وَاخْتلفُوا فِي الْوَقْت الْأَفْضَل للإفاضة، فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه إِنَّمَا يسْتَحبّ بعد كَمَال الْإِسْفَار، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور لحَدِيث جَابر الطَّوِيل. وَفِيه: (فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وَذهب مَالك إِلَى اسْتِحْبَاب الْإِفَاضَة من الْمزْدَلِفَة قبل الْأَسْفَار) ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وروى ابْن خُزَيْمَة والطبري من طَرِيق عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقفون بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى إِذا طلعت الشَّمْس فَكَانَت على رُؤُوس الْجبَال كَأَنَّهَا العمائم على رُؤُوس الرِّجَال دفعُوا فَدفع رَسُول الله، ﷺ ، حِين أَسْفر كل شَيْء قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْمسور بن مخرمَة نَحوه.
١٠١ - (بابُ التَّلْبِيَةِ والتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ وَالارْتِدَافِ فِي السَّيْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة وَالتَّكْبِير غَدَاة يَوْم النَّحْر حى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة) . قَوْله: (والارتداف) ، بِالْجَرِّ عطف على الْمَجْرُور فِيمَا قبله أَي: وَفِي بَيَان الإرتداف، وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب فِي السّير من مُزْدَلِفَة إِلَى منى، وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَجزَاء: التَّلْبِيَة: وَهِي أَن يَقُول: لبيْك اللَّهُمَّ ... إِلَى آخِره، وَالتَّكْبِير: وَهُوَ أَن يكبر الله تَعَالَى، والارتداف: وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر التَّكْبِير، فَكيف دلَالَته عَلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَن المُرَاد بِهِ الذّكر الَّذِي فِي خلال التَّلْبِيَة، وَهُوَ مُخْتَصر من الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ذكر التَّكْبِير، أَو غَرَضه أَن يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ على أَن التَّكْبِير غير مَشْرُوع، إِذْ لفظ: (لم يزل) دَلِيل على إدامة التَّلْبِيَة. انْتهى. قلت: قَوْله: أَو غَرَضه ... إِلَى آخِره، فِيهِ بعد وَهُوَ عبارَة خشنة، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِيهِ: أَنه قد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ذكر تَرْجَمَة ذَات أَجزَاء وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب، ذكر هَذِه الْأَجْزَاء كلهَا، وَلَكِن كَانَ حَدِيث آخر ذكر فِيهِ ذَلِك الْجُزْء الَّذِي لم يذكرهُ أَنه يُشِير إِلَيْهِ بِذكرِهِ فِي التَّرْجَمَة لينتهض الطَّالِب ويبحث عَنهُ، وَقد روى الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حميد الْكُوفِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْحَارِث بن أبي ذئاب عَن مُجَاهِد (عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: لبّى عبد الله وَهُوَ يتَوَجَّه فَقَالَ أنَاس: من هَذَا الْأَعرَابِي؟ فَالْتَفت إِلَيّ عبد الله فَقَالَ: ضلَّ الناسُ أم نسوا؟ وَالله مَا زَالَ رَسُول الله ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة إلَاّ أَن يخلط ذَلِك بتهليل أَو تَكْبِير) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث صَفْوَان بن عِيسَى: حَدثنَا الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: غَدَوْت مَعَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من منى إِلَى عَرَفَة، وَكَانَ رجلا آدم لَهُ ضفيرتان، عَلَيْهِ سحنة أهل الْبَادِيَة، وَكَانَ يُلَبِّي فَاجْتمع عَلَيْهِ الغوغاء، فَقَالُوا: يَا أَعْرَابِي، إِن هَذَا لَيْسَ بِيَوْم تَلْبِيَة إِنَّمَا هُوَ التَّكْبِير
стр. 2827
فَالْتَفت إِلَيّ فَقَالَ: جهل النَّاس أم نسوا؟ وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لقد خرجت مَعَه من منى إِلَى عَرَفَة فَمَا ترك التَّلْبِيَة حَتَّى رمى الْجَمْرَة إلَاّ أَن يخلطها بتكبير أَو تهليل.
٥٨٦١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ الضَّحاكُ بنُ مَخْلِدٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ عَن عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ أرْدَفَ الْفَضلُ فأخْبرَ الفَضلُ أنَّهُ لَمْ يَزلْ يُلَبِّي حَتَّى رمَى الجَمْرَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الجزءين مِنْهَا، وهما: الإرداف والتلبية، وَأما ذكر التَّكْبِير فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي هَذَا الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب النُّزُول بَين عَرَفَة وَجمع. قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن رَسُول الله ﷺ ، لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. قَوْله: (فَأخْبر الْفضل) أَي: أخبر الْفضل ابْن عَبَّاس أَنه أَي: أَن رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج عَن عَطاء: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مَضَت هُنَاكَ مستقصاة.
٧٨٦١ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدثنَا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ رِدْفَ النبيِّ ﷺ مِنْ عَرَفةَ إِلَى المُزْدَلِفةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنْ المُزْدَلِفةِ إِلَى مِنىً قَالَ فكِلاهُما قالَا لَمْ يَزلِ النبيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الإرداف والتلبية إِلَى رمي جَمْرَة الْعقبَة، وَهَذَا طَرِيق ثَان لحَدِيث ابْن عَبَّاس السَّابِق أخرجه عَن زُهَيْر، مصغر الزهر: ابْن حَرْب ضد الصُّلْح النَّسَائِيّ، بالنُّون وبالسين الْمُهْملَة، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، ووهب بن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء: أَبُو الْعَبَّاس، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم بن زيد أَبُو النَّضر الْبَصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِالْفَتْح: ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة.
وَفِي هَذَا السَّنَد رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يروي أحدهم وَهُوَ ابْن عَبَّاس عَن الآخرين وهما أُسَامَة بن زيد وَالْفضل بن عَبَّاس، وَهُوَ معنى قَوْله: (قَالَ فكلاهما قَالَا) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: فكلاهما، أَي: أُسَامَة وَالْفضل، قَالَا: لم يزل النَّبِي ﷺ يُلَبِّي فِي أَوْقَات حجه حَتَّى رمى أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر. فَإِن قلت: ذكر أُسَامَة فِي هَذَا فِيهِ إِشْكَال لِأَن مُسلما روى هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عقبَة قَالَ: (أَخْبرنِي كريب أَنه سَأَلَ أُسَامَة بن زيد: كَيفَ صَنَعْتُم حِين ردفت رَسُول الله ﷺ عَشِيَّة عَرَفَة؟) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (حَتَّى جِئْنَا الْمزْدَلِفَة فَأَقَامَ الْمغرب ثمَّ أَنَاخَ النَّاس فِي مَنَازِلهمْ وَلم يحلوا حَتَّى أَقَامَ الْعشَاء الْآخِرَة فصلى ثمَّ حلوا، قلت: وَكَيف فَعلْتُمْ حِين أَصْبَحْتُم؟ قَالَ: ردفه الْفضل بن الْعَبَّاس وَانْطَلَقت أَنا فِي سباق قُرَيْش على رحلي) . فَمُقْتَضى هَذَا أَن يكون أُسَامَة قد سبق إِلَى رمي الْجَمْرَة، فَيكون إخْبَاره بِمثل مَا أخبر بِهِ الْفضل من التَّلْبِيَة مُرْسلا قلت: لَا مَانع من رُجُوعه إِلَى النَّبِي ﷺ وإتيانه مَعَه إِلَى الْجَمْرَة، أَو أَقَامَ بالجمرة حَتَّى أَتَى النَّبِي ﷺ ، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث أم الْحصين، قَالَت: (فَرَأَيْت أُسَامَة بن زيد وبلالاً فِي حجَّة الْوَدَاع، وَأَحَدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَة النَّبِي ﷺ ، وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الْحر حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) . وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وأصحابهم على اسْتِمْرَار التَّلْبِيَة إِلَى حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة على مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى مفصلا، وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن عَبَّاس، قَالَ: حججْت مَعَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِحْدَى عشرَة حجَّة، فَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِي الْجَمْرَة. وَذكر الطَّحَاوِيّ أَن الْإِجْمَاع وَقع من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على أَن التَّلْبِيَة لَا تقع إلَاّ مَعَ رمي جَمْرَة الْعقبَة، أما مَعَ أول حَصَاة، أَو بعد تَمامهَا على اخْتِلَاف فِيهِ. وَدَلِيل الْإِجْمَاع أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يُلَبِّي غَدَاة الْمزْدَلِفَة بِحُضُور مَلأ من الصَّحَابَة وَغَيرهم، فَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِنْهُم بذلك،
стр. 2828
وَكَذَلِكَ فعل عبد الله بن الزبير، وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِمَّن كَانُوا هُنَاكَ من أهل الْآفَاق من الشَّام وَالْعراق واليمن ومصر وَغَيرهَا، فَصَارَ ذَلِك إِجْمَاعًا لَا يُخَالف فِيهِ.
(بابٌ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامَ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذالِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . إِلَى آخر الْآيَة، هَكَذَا وَقع قَوْله: ﴿فَمن تمتّع﴾ إِلَى ﴿حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَوَقع فِي طَرِيق كَرِيمَة مَا بَين قَوْله: ﴿الْهَدْي﴾ وَقَوله: ﴿حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقَالَ بَعضهم: وغرض البُخَارِيّ بذلك تَفْسِير الْهَدْي، وَذَلِكَ أَنه لما انْتهى فِي صفة الْحَج إِلَى الْوُصُول إِلَى منى أَرَادَ أَن يذكر أَحْكَام الْهَدْي والنحر، لِأَن ذَلِك يكون غَالِبا بمنى انْتهى. قلت: حصره على هَذَا الْغَرَض وَحده لَا وَجه لَهُ، بل إِنَّمَا ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة لاشتمالها على مسَائِل. مِنْهَا: حكم الْهَدْي والمتعة، وَذكر فِي الْبَاب حكمهَا فَقَط اكْتِفَاء بِمَا ذكر غَيرهَا من الْأَحْكَام فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة.
أما الْمسَائِل الَّتِي تشْتَمل هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَيْهَا. فأولها: حكم التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، فقد ذكر فِي: بَاب التَّمَتُّع
стр. 2829
والإقران: وَبَاب التَّمَتُّع على عهد النَّبِي ﷺ . الثَّانِيَة: حكم الْهَدْي، فَذكره فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب. الثَّالِثَة: حكم الصَّوْم، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . الرَّابِعَة: حكم حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) [/ ح.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا ﴿اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فَقَالَت طَائِفَة: شَاة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ عَنْهُمَا مَالك فِي (موطئِهِ) وَأخذ بِهِ، وَقَالَ بِهِ جُمْهُور الْعلمَاء. وَاحْتج بقول الله تَعَالَى: ﴿هذيا بَالغ الْكَعْبَة﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . قَالَ: وَإِنَّمَا يحكم بِهِ فِي الْهَدْي شَاة، وَقد سَمَّاهَا الله تَعَالَى: هَديا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس مَا يَقْتَضِي أَن مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي، فِي حق النَّبِي بَدَنَة، وَفِي حق غَيره بقرة، وَفِي حق الْفَقِير: شَاة، وَعَن ابْن عمر وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه من الْإِبِل وَالْبَقر خَاصَّة، وَكَأَنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى ذَلِك من أجل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْبدن جعلناها لكم من شَعَائِر الله﴾ (الْحَج: ٦٣) . فَذَهَبُوا إِلَى أَن الْهَدْي مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم بدن، وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . إِلَى قَوْله: ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَقد حكم الْمُسلمُونَ فِي الظبي بِشَاة، فَوَقع عَلَيْهَا اسْم هدي. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يحْتَمل أَن يُشِير بِهِ إِلَى أقل أَجنَاس الْهَدْي، وَهُوَ الشَّاة وَإِلَى أقل صِفَات كل جنس، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: الْبَدنَة دون الْبَدنَة وَالْبَقَرَة دون الْبَقَرَة فَهَذَا عِنْده أفضل من الشَّاة، وَلَا خلاف يعلم فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا مَحل الْخلاف أَن الْوَاجِد لِلْإِبِلِ وَالْبَقر هَل يخرج شَاة؟ فَعِنْدَ ابْن عمر: يمْنَع إِمَّا تَحْرِيمًا، وَإِمَّا كَرَاهَة، وَعند غَيره: نعم، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَأنس: يجزيء فِيهَا شرك فِي دم، وَرُوِيَ عَن عَطاء وطاووس وَالْحسن مثله، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَلَا تجزىء عِنْدهم الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة، وَلَا الشَّاة عَن أَكثر من وَاحِد. وَأما مَا رُوِيَ أَنه ﷺ ضحى بِشَاة عَن أمته فَإِنَّمَا كَانَت تَطَوّعا، وَعند الْمَالِكِيَّة: تجوز الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة إِذا كَانَت ملكا لرجل وَاحِد وضحى بهَا عَن نَفسه وَأَهله.
٣٠١ - (بابُ رُكُوبِ الْبُدْنِ لِقَوْلِهِ تعَالى: ﴿والبُدْنَ جَعلْناهَا لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ الله علَيْهَا صَوَافَّ فإذَا وجَبَتْ جُنُوبُهَا فكُلُوا مِنْهَا وأطْعِمُوا القَانِعَ والمُعْتَرَّ كذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولَا دمَاؤُها ولاكِنُ يَنَالُهُ التَّقْوى مِنكُم كَذلِكَ سَخَّرهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا الله علَى مَا هدَاكُم وبَشِّرِ الْمُحْسِنينَ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ركُوب الْبدن، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿وَالْبدن جعلناها لكم ... ﴾ (الْحَج: ٦٣) . إِلَى آخِره، وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مذكورتان بتمامهما فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت الْمَذْكُور مِنْهُمَا من قَوْله: ﴿وَالْبدن جعلناها لكم﴾ (الْحَج: ٦٣) . إِلَى قَوْله: ﴿فَإِذا
стр. 2830
وَجَبت جنوبها﴾ (الْحَج) . ثمَّ الْمَذْكُور بعد ﴿جنوبها﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَبشر الْمُحْسِنِينَ﴾ (الْحَج: ٦٣) . وَمَوْضِع الِاسْتِدْلَال فِي جَوَاز ركُوب الْبدن فِي قَوْله: ﴿لكم فِيهَا خير﴾ (الْحَج: ٦٣) . يَعْنِي: من الرّكُوب والحلب لما روى ابْن أبي حَاتِم وَغَيره بِإِسْنَاد جيد عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: ﴿لكم فِيهَا خير﴾ (الْحَج: ٦٣) . من شَاءَ ركب وَمن شَاءَ حلب، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) فِي قَوْله: ﴿لكم فِيهَا خير﴾ (الْحَج: ٦٣) . من احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا ركب، وَمن احْتَاجَ إِلَى لَبنهَا شرب. وَقيل: فِي الْبدن خير وَهُوَ النَّفْع فِي الدُّنْيَا وَالْأَجْر فِي الْآخِرَة، وَمن شَأْن الْحَاج أَن يحرص على شَيْء فِيهِ خير وَمَنَافع، وَعَن بعض السّلف: أَنه لم يملك إلَاّ تِسْعَة دَنَانِير، فَاشْترى بهَا بَدَنَة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: سَمِعت رَبِّي يَقُول: ﴿لكم فِيهَا خير﴾ (الْحَج: ٦٣) . قَوْله: (وَالْبدن) بِضَم الْبَاء جمع بَدَنَة، سميت بذلك لعظم بدنهَا، وَهِي الْإِبِل الْعِظَام الضخام الْأَجْسَام، وَهِي من الْإِبِل خَاصَّة وقرىء ﴿وَالْبدن﴾ بِضَمَّتَيْنِ كتمر فِي جمع: تَمْرَة، وَعَن ابْن أبي إِسْحَاق، بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْديد النُّون على لفظ الْوَقْف، وقرىء: الْبدن، بِالرَّفْع وَالنّصب كَمَا فِي قَوْله: ﴿وَالْقَمَر قدرناه﴾ (يس: ٩٣) . قَوْله: ﴿من شَعَائِر الله﴾ (الْحَج: ٦٣) . أَي: من أَعْلَام الشَّرِيعَة الَّتِي شرعها وأضافها إِلَى اسْمه تَعْظِيمًا لَهَا. قَوْله: ﴿لكم فِيهَا﴾ أَي: فِي الْبدن. قَوْله: ﴿فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا﴾ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ذكر اسْم الله عَلَيْهَا أَن يَقُول عِنْد النَّحْر: بِسم الله، الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر أللهم مِنْك وَإِلَيْك. قَوْله: (صوافّ) أَي: قائمات قد صففن أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ. وَقيل: أَي قيَاما على ثَلَاثَة قَوَائِم قد صفت رِجْلَيْهَا وإحدي يَديهَا ويدها الْيُسْرَى معقولة، وقرىء: صَوَافِن، من: صفون الْفرس وَهُوَ: أَن تقوم على ثَلَاث وتنصب الرَّابِعَة على طرف سنبكه، لِأَن الْبَدنَة تعقل إِحْدَى يَديهَا فتقوم على ثَلَاث، وقرىء: صوافي، أَي خوالص لوجه الله تَعَالَى. وَعَن عَمْرو بن عبيد: صوافا، بِالتَّنْوِينِ عوضا عَن حرف الْإِطْلَاق عِنْد الْوَقْف. وَعَن بَعضهم: صواف، نَحْو مثل قَول الْعَرَب: أعْط الْقوس باريها، بِسُكُون الْيَاء. قَوْله: ﴿فَإِذا وَجَبت﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وجوب الْجنُوب وُقُوعهَا على الأَرْض، من: وَجب الْحَائِط وجبة إِذا سقط، وَوَجَبَت الشَّمْس وجبة غربت، وَالْمعْنَى: فَإِذا وَجَبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الْأكل مِنْهَا وَالْإِطْعَام، وَسَيَأْتِي تَفْسِير القانع والمعتر. قَوْله: ﴿كَذَلِك سخرناها لكم﴾ هَذَا منّ من الله تَعَالَى على عباده بِأَن سخر لَهُم الْبدن مثل التسخير الَّذِي رَأَوْا وَعَلمُوا أَن يأخذونها منقادة للأخذ، فيعقلونها طائعه ويحبسونها صافة قَوَائِمهَا، ثمَّ يطعنون فِي لباتها، وَلَوْلَا تسخير الله تَعَالَى لم تطق. قَوْله: ﴿لن ينَال الله لحومها﴾ وَذَلِكَ أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا نحرُوا الْبدن لطخوا حيطان الْكَعْبَة بدمائها، فهم الْمُسلمُونَ مثل ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لن ينَال الله لحومها﴾ أَي: لن يصل إِلَى الله تَعَالَى لحومها الْمُتَصَدّق بهَا وَلَا الدِّمَاء المهراقة بالنحر، ﴿وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾ وَالْمعْنَى: لن يُرْضِي المضحون والمقربون ربَّهم إلَاّ بمراعاة النِّيَّة وَالْإِخْلَاص والاحتفاظ بِشُرُوط التَّقْوَى. قَوْله: ﴿كَذَلِك سخرها لكم﴾ أَي: سخر الْبدن، وَكرر تذكير النِّعْمَة بالتسخير، ثمَّ قَالَ: ﴿لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ يَعْنِي: على هدايته إيَّاكُمْ لإعلام دينه ومناسك حجه بِأَن تكبروا وتهللوا، وَضمن التَّكْبِير معنى الشُّكْر، وعدى تعديته. قَوْله: ﴿وَبشر الْمُحْسِنِينَ﴾ الْخطاب للنَّبِي ﷺ ، أمره بِأَن يبشر الْمُحْسِنِينَ الَّذين يعْبدُونَ الله تَعَالَى كَأَنَّهُمْ يرونه، فَإِن لم يروه فَإِنَّهُ يراهم بقبوله، وَقيل: بِالْجنَّةِ.
قَالَ مجاهِدٌ: سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبُدْنِها
بِضَم الْبَاء وَسُكُون الدَّال فِي رِوَايَة بَعضهم، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِفَتْح الْبَاء وَفتح الدَّال، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لبدانتها أَي: لضخامتها. وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سميت الْبدن من قبل السمانة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَدنَة نَاقَة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْبدن التسمين والاكتناز، وبدن إِذا ضخم وبدن بِالتَّشْدِيدِ إِذا أسن، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الْبدن من الْإِبِل خَاصَّة، وَقَالَ الدَّاودِيّ قيل: إِن الْبَدنَة تكون من الْبَقر، وَهَذَا نقل عَن الْخَلِيل.
والْقانِعُ السَّائلُ، والْمُعْتَرُّ يعْتَرُّ بالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَو فَقِيرٍ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، القانع: السَّائِل والمعترض الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل. وَقَالَ مَالك: أحسن مَا سَمِعت فِيهِ أَن القانع الْفَقِير والمعتر الدائر، وَقيل: القانع السَّائِل الَّذِي لَا يقنع بِالْقَلِيلِ. وَفِي (الموعب)
стр. 2831
قَالَ أَبُو زيد: القانع هُوَ المتعرض لما فِي أَيدي النَّاس، وَهُوَ ذمّ لَهُ، وَهُوَ الطمع، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القنوع الذلة للمسألة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: قنع إِلَيْهِ مَال وخضع وَهُوَ السَّائِل والمعتر الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل، وَقَالَ الزّجاج القانع الَّذِي يقنع بِمَا يعطاه، وَقيل: الَّذِي يقنع باليسير. وَقَالَ قطرب: كَانَ الْحسن يَقُول: هُوَ السَّائِل الَّذِي يقنع بِمَا أوتيه وَيصير القانع من معنى القناعة والرضى. وَقَالَ الطوسي: قنع يقنع قنوعا إِذا سَأَلَ وتكفف، وقنع يقنع قناعة إِذا رَضِي. قلت: الأول من بَاب، فتح يفتح، وَالثَّانِي من بَاب: علم يعلم، قَالَ إِسْمَاعِيل: وَقَالُوا: رجل قنعان، بِضَم الْقَاف يرضى باليسير، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القانع خَادِم الْقَوْم وأجيرهم، وَقَرَأَ الْحسن والمعتري، وَمَعْنَاهُ: المعتر، يُقَال: أعتره واعتراه وعره وعراه إِذا تعرض لما عِنْده أَو طَالبه، وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: القانع هُوَ الطامع، وَقَالَ مرّة: هُوَ السَّائِل، وَمن طَرِيق الثَّوْريّ عَن فرات عَن سعيد بن جُبَير: المعتر الَّذِي يعتريك يزورك وَلَا يَسْأَلك، وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن مُجَاهِد: المعتر الَّذِي يعتر بِالْبدنِ من غَنِي أَو فَقير، يَعْنِي: يطِيف بهَا متعرضا لَهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا.
وشعَائِرُ الله اسْتِعْظَامُ البُدْنِ واسْتِحْسَانُهَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من شَعَائِر الله، وَأخرجه عبد بن حميد من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿وَمن يعظم شَعَائِر الله﴾ (الْحَج، ٢٣) . قَالَ: استعظام الْبدن استحسانها وإسمانها، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحوه.
والْعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر قبل الْآيَتَيْنِ المذكورتين من قَوْله تَعَالَى: ﴿وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (الْحَج: ٩٢) . وَفسّر: الْعَتِيق، بقوله: عتقه من الْجَبَابِرَة، وَعَن قَتَادَة: أعتق من الْجَبَابِرَة فكم جَبَّار سَار إِلَيْهِ ليهدمه فَمَنعه الله، وَعَن مُجَاهِد: أعتق من الْغَرق، وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سمي الْعَتِيق لِأَنَّهُ أعتق من الْجَبَابِرَة. وَقيل: سمي الْعَتِيق لقدمه. وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ.
ويُقَالُ وجَبَتْ سَقَطَتْ إلَى الأرْضِ ومِنْهُ وجَبَتِ الشَّمْسُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من قَوْله: ﴿فَإِذا وَجَبت جنوبها﴾ (الْحَج: ٦٣) . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مقسم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: فَإِذا وَجَبت أَي: سَقَطت، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيقين عَن مُجَاهِد. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَقَوْلهمْ: وَجَبت الشَّمْس إِذا سَقَطت للغروب.
٩٨٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا فَقَالَ إنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ ارْكَبُهَا قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ويْلَكَ فِي الثَّالِثَةِ أوْ فِي الثَّانِيَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وَالنُّون واسْمه، عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَلم تخْتَلف الروَاة عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد فِيهِ، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فَقَالَ: عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَو: عَن أبي الزِّنَاد عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَنهُ، وَقد رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد بالإسنادين مفرقا.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي الْأَدَب: عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، خمستهم عَن مَالك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رأى رجلا) لم يدر اسْمه. قَوْله: (يَسُوق بَدَنَة) كَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بدقة مقلدة) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: (هَذَا مَا حَدثنَا
стр. 2832
أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله، ﷺ ،) . فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا، وَقَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بَدَنَة مقلدة قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : وَيلك إركبها، فَقَالَ: بَدَنَة يَا رَسُول الله، قَالَ: وَيلك إركبها، وَيلك إركبها) . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَالثَّوْري، كِلَاهُمَا عَن أبي الزِّنَاد، وَمن طَرِيق عجلَان (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اركبها وَيحك، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: أركبها وَيحك) . وَزَاد أَبُو يعلى من رِوَايَة الْحسن: (فركبها) وللبخاري من طَرِيق عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (فَلَقَد رَأَيْته رَاكِبًا يُسَايِر النَّبِي ﷺ والنعل فِي عُنُقهَا) . قَوْله: (وَيلك) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَهَا لَهُ تأديبا لأجل مُرَاجعَته لَهُ مَعَ عدم خَفَاء الْحَال عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَابْن الْعَرَبِيّ: وَبَالغ حَتَّى قَالَ: الويل لمن رَاجع فِي ذَلِك بعد هَذَا. قَالَ: وَلَوْلَا أَنه ﷺ اشْترط على ربه مَا اشْترط لهلك ذَلِك الرجل لَا محَالة، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون فهم عَنهُ أَنه يتْرك ركُوبهَا على عَادَة الْجَاهِلِيَّة فِي السائبة وَغَيرهَا، فزجره عَن ذَلِك، فعلى الْحَالَتَيْنِ هِيَ إنْشَاء. وَرجحه عِيَاض وَغَيره، وَقَالُوا: وَالْأَمر هَهُنَا وَإِن قُلْنَا إِنَّه للإرشاد. لكنه اسْتحق الذَّم بتوقفه عَن امْتِثَال الْأَمر، وَالَّذِي يظْهر أَنه مَا ترك عنادا، وَيحْتَمل أَن يكون ظن أَنه يلْزمه غرم بركوبها أَو إِثْم، وَأَن الْإِذْن الصَّادِر لَهُ بركوبها إِنَّمَا هُوَ للشفقة عَلَيْهِ، فتوقف، فَلَمَّا أغْلظ لَهُ بَادر إِلَى الِامْتِثَال. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ أشرف على هلكة من الْجهد، وويل: كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة، فَالْمَعْنى: أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هَذَا هِيَ إِخْبَار، وَقيل: هِيَ كلمة تدعم بهَا الْعَرَب كَلَامهَا وَلَا تقصد مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِم: لَا أم لَك، ويقويه مَا تقدم فِي رِوَايَة أَحْمد: وَيحك بدل وَيلك. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويل كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة يَسْتَحِقهَا، وويح لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيلك مخرجة مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ من غير قصد إِذْ أَبى من ركُوبهَا أول مرّة. وَقَالَ لَهُ: إِنَّهَا بَدَنَة، وَكَانَ ﷺ يعلم ذَلِك فخاف أَن لَا يكون علمه، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: الويل لَك فِي مراجعتك إيَّايَ فِيمَا لَا نَعْرِف وَأعرف، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: ويل، كلمة عَذَاب، و: وَيْح، كلمة رَحْمَة. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَيْح زجر لمن أشرف على هلكة. وَفِي الحَدِيث (ويلٌ وَاد فِي جَهَنَّم) . قَوْله: (فِي الثَّالِثَة) أَي: فِي الْمرة الثَّالِثَة. قَوْله: (أَو فِي الثَّانِيَة) أَي: أَو قَالَ ذَلِك فِي الْمرة الثَّانِيَة، وَهَذَا شكّ من الرَّاوِي.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز ركُوب الْبَدنَة المهداة سَوَاء كَانَت وَاجِبَة أَو مُتَطَوعا بهَا، لِأَنَّهُ ﷺ لم يفصل فِي قَوْله وَلَا استفصل صَاحبهَا عَن ذَلِك، فَدلَّ على أَن الحكم لَا يخْتَلف بذلك، ويوضح هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ: هَل يركب الرجل هَدْيه؟ فَقَالَ: لَا بَأْس، قد كَانَ النَّبِي، ﷺ ، يمر بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فيأمرهم بركوب هديهم.
وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا على أَقْوَال:
الأول: الْجَوَاز مُطلقًا، وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَنسبه ابْن الْمُنْذر إِلَى أَحْمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) تبعا لأصله فِي الضَّحَايَا وَنَقله فِي (شرح الْمُهَذّب) عَن الْقفال والماوري.
الثَّانِي: مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَنقل عَنهُ عَن أبي حَامِد والبندنيجي وَغَيرهمَا مُقَيّدَة بِالْحَاجةِ، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: تجويزه بِغَيْر الْحَاجة مُخَالفَة النَّص، وَهُوَ الَّذِي نَقله التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي، حَيْثُ قَالَ: وَقد رخص قوم من أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم ركُوب الْبَدنَة إِذا احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُول عَن جمَاعَة من التَّابِعين: أَنَّهَا لَا تركب إلَاّ عِنْد الِاضْطِرَار إِلَى ذَلِك، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الشّعبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فَلذَلِك قَيده صَاحب (الْهِدَايَة) من أَصْحَابنَا بالاضطرار إِلَى ذَلِك.
الثَّالِث: مَا ذكره ابْن عبد الْبر من كَرَاهَة الرّكُوب من غير حَاجَة، وَنَقله عَن الشَّافِعِي وَمَالك.
الرَّابِع: مَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ: يركب للضَّرُورَة فَإِذا استراح نزل، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ عَن ركُوب الْهَدْي؟ فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: إركبها بِالْمَعْرُوفِ إِذا لجئت إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظهرا، فَإِن مَفْهُومه أَنه إِذا وجد غَيرهَا تَركهَا. وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ: يركبهَا إِذا أعيي قدر مَا يستريح على ظهرهَا.
الْخَامِس: الْمَنْع مُطلقًا، نَقله ابْن الْعَرَبِيّ عَن أبي حنيفَة، وشنع عَلَيْهِ بِغَيْر وَجه. قَالَ بَعضهم: لِأَن مذْهبه هُوَ الَّذِي ذكره الطَّحَاوِيّ وَغَيره: الْجَوَاز بِغَيْر الْحَاجة إلَاّ أَنه قَالَ: إِن وَقع ذَلِك يضمن مَا نقص مِنْهَا بركوبه، وَقيل: ضَمَان النَّقْص وَافق عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّة فِي الْهَدْي الْوَاجِب كالنذر. قلت: الَّذِي نَقله الطَّحَاوِيّ وَغَيره: أَن مَذْهَب أبي حنيفَة مَا ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) وَقد ذَكرْنَاهُ.
السَّادِس: وجوب الرّكُوب، نَقله
стр. 2833
ابْن عبد الْبر عَن بعض أهل الظَّاهِر تمسكا بِظَاهِر الْأَمر. ولمخالفة مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة من الْبحيرَة والسائبة، وَفِي (الاستذكار) : كره مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْفُقَهَاء شرب لبن النَّاقة بعد ري فصيلها. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِن نَقصهَا الرّكُوب وَالشرب فَعَلَيهِ قيمَة ذَلِك. وَقَالَ مَالك: لَا يشرب من لَبنهَا فَإِن شرب لم يغرم، وَكَذَا إِن ركب للْحَاجة لَا يغرم شَيْئا.
وَاخْتلف المجيزون: هَل يحمل عَلَيْهَا مَتَاعه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَنعه مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَجَازَهُ الْجُمْهُور، وَكَذَا إِن حمل عَلَيْهَا غَيره أجَازه الْجُمْهُور على التَّفْصِيل الْمَذْكُور.
وَيجوز فِي الْهَدْي الْأُنْثَى وَالذكر، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه لَا يهدي إلَاّ الْإِنَاث، نَقله عَن الشَّافِعِي. وَفِي (التَّوْضِيح) : يجوز إهداء الذّكر وَالْأُنْثَى من الْإِبِل، وَهُوَ مَذْهَبنَا. وَقَول جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لِأَن الْهَدْي جِهَة من جِهَات الْقرب فَلم يخْتَص بالذكور وَلَا الْإِنَاث كالضحايا.
وَفِيه: من الْعلم تَكْرِير الْعَالم الْفَتْوَى وتوبيخ من لَا يأتم بهَا وزجره.
٠٩٦١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ وشُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ قَالَا حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النبيَّ ﷺ رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنةٍ فَقَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ اركَبْها ثَلاثا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة عَن أنس وَشعْبَة وَهِشَام وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَهَمَّام وَالْحكم بن عبد الْملك وَأَبُو عوَانَة: أما حَدِيث شُعْبَة وَهِشَام فَانْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَأما سعيد بن أبي عرُوبَة فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ النَّسَائِيّ. وَأما حَدِيث همام فَأخْرجهُ البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ فِي الْأَدَب. وَأما حَدِيث الحكم بن عبد الْملك فَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا. وَأما حَدِيث أبي عوَانَة فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن النَّبِي ﷺ رأى رجلا يَسُوق بَدَنَة، فَقَالَ: إركبها. فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّهَا بَدَنَة ﴿فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة: إركبها وَيحك أَو وَيلك) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أنس جمَاعَة مِنْهُم: ثَابت الْبنانِيّ، وَبُكَيْر بن الْأَخْنَس وَعِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل. أما حَدِيث ثَابت فَرَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة حميد عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: مر رَسُول الله ﷺ بِرَجُل يَسُوق بَدَنَة فَقَالَ: إركبها﴾ فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: إركبها، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَأما حَدِيث بكير بن الْأَخْنَس فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من رِوَايَة مسعر عَنهُ عَن أنس، قَالَ: سمعته يَقُول: (مر رجل على النَّبِي ﷺ ببدنة أَو هَدِيَّة، فَقَالَ: إركبها. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة أَو هَدِيَّة. قَالَ: وَإِن) . وَأما حَدِيث عِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل فأخرجهما أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا.
قَوْله: (قَتَادَة عَن أنس) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: سَمِعت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: إركبها) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إركبها ثَلَاثًا مُخْتَصرا) . قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الحَدِيث السَّابِق.
٤٠١ - (بابُ منْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سَاق الْبدن مَعَه من الْحل إِلَى الْحرم. وَقَالَ الْمُهلب: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يعرف أَن السّنة فِي الْهَدْي أَن يساق من الْحل إِلَى الْحرم، فَإِن اشْتَرَاهُ من الْحرم خرج بِهِ إِذا حج إِلَى عَرَفَة وَهُوَ قَول مَالك، فَإِن لم يفعل فَعَلَيهِ الْبَدَل، وَهُوَ قَول اللَّيْث، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَسَعِيد بن جُبَير. وَرُوِيَ عَن ابْن الْقَاسِم أَنه أجَازه وَإِن لم يقف بِهِ بِعَرَفَة، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: وقف الْهَدْي بِعَرَفَة سنة لمن شَاءَ إِذا لم يسقه من الْحل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا سَاق الْهَدْي من الْحل لِأَن مَسْكَنه كَانَ خَارج الْحرم، وَهَذَا كُله فِي الْإِبِل، فَأَما الْبَقَرَة فقد يضعف عَن ذَلِك وَالْغنم أَضْعَف، وَمن ثمَّة قَالَ مَالك، ﵀: إلَاّ من عَرَفَة أَو مَا قَارب مِنْهَا لِأَنَّهَا تضعف عَن الْقطع طول الْمسَافَة.
١٩٦١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمِ
стр. 2834
ابنِ عبْدِ الله أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ تَمَنَّعَ رسولُ الله ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ وأهْدَى فسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ منْ ذِي الحُلَيْفَةِ وبدَأ رسُولُ الله ﷺ فأهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أهَلَّ بِالحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النبيِّ ﷺ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أهْدَي فسَاقَ الْهَدْيَ ومِنْهُمْ منْ لَمْ يُهْدِ فلَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ منْ كانَ مِنْكُمْ أهْدَي فإنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي حَجَّهُ ومنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فلْيَطُف بِالْبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ ولْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ ثُمَّ ليُهِلَّ بالحَجِّ فمَنُ لَمْ يَجِدْ هَدْيا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعةً إذَا رجَعَ إلَى أهْلِهِ فطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ واسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثلَاثَةَ أطْوَافٍ ومَشَي أرْبعا فرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفَ فأتَى الصَّفَا فَطافَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أطْوَافٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى ونَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وأفاضَ فطَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رسولُ الله ﷺ مَنْ أهْدَى وسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. قَوْله: (عَن عقيل) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه: حَدثنِي عقيل. وَفِيه: أَن شَيْخه يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. وَفِيه: أَن اللَّيْث أَيْضا مصري وَعقيل أيلي، وَابْن شهَاب وَسَالم مدنيان.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الْحَج أَيْضا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْمُبَارك المَخْزُومِي عَن حجين بن الْمثنى عَن اللَّيْث بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تمنع رَسُول الله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج) ، قَالَ الْمُهلب: مَعْنَاهُ أَمر بذلك كَمَا تَقول: رجم وَلم يرْجم لِأَنَّهُ كَانَ يُنكر على أنس. قَوْله: (إِنَّه قرن) ، وَيَقُول بل كَانَ مُفردا. وَأما قَوْله: وَبَدَأَ بِالْعُمْرَةِ فَمَعْنَاه: أَمرهم بالتمتع، وَهُوَ أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أَولا، ويقدموها قبل الْحَج. قَالَ: وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل لدفع التَّنَاقُض عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قيل: هَذَا التَّأْوِيل من أبعد التأويلات، والاستشهاد عَلَيْهِ بقوله: رجم، وَإِنَّمَا أَمر بِالرَّجمِ من أوهن الاستشهادات، لِأَن الرَّجْم وَظِيفَة الإِمَام، فَالَّذِي يَتَوَلَّاهُ إِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ نِيَابَة عَنهُ، وَأما أَعمال الْحَج من إِفْرَاد وقران وتمتع فَإِنَّهُ وَظِيفَة كل أحد عَن نَفسه. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: تمتّع، مَحْمُولا على مَدْلُوله اللّغَوِيّ وَهُوَ: الِانْتِفَاع بِإِسْقَاط عمل الْعمرَة وَالْخُرُوج إِلَى ميقاتها. انْتهى. قلت: كل هَذَا الَّذِي ذكر لَا يشفي العليل وَلَا يروي الغليل، بل الْأَوْجه هُنَا مَا قَالَه النَّوَوِيّ وَهُوَ أَن معنى: تمتّع أَنه ﷺ أحرم بِالْحَجِّ مُفردا ثمَّ أحرم بِالْعُمْرَةِ، فَصَارَ قَارنا فِي آخر عمْرَة، والقارن هُوَ متمتع من حَيْثُ اللُّغَة وَمن حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ ترفه باتحاد الْمِيقَات وَالْإِحْرَام وَالْفِعْل جمعا بَين الْأَحَادِيث. وَأما لفظ: (فأهلَّ بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهلَّ بِالْحَجِّ) فَهُوَ مَحْمُول على التَّلْبِيَة فِي أثْنَاء الْإِحْرَام وَلَيْسَ المُرَاد أَنه أحرم أول مرّة بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أحرم بِالْحَجِّ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالفَة الْأَحَادِيث الْأُخَر، وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل لفظ: وتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَمَعْلُوم أَنهم أَحْرمُوا أَولا بِالْحَجِّ مُفردا، وَإِنَّمَا فسخوا إِلَى الْعمرَة آخرا وصاروا متمتعين. وَقَوله: (فتمتع النَّاس) يَعْنِي: فِي آخر أَمرهم قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) من حَدِيث اللَّيْث عَن عقيل إِلَى آخِره نَحوه، ثمَّ قَالَ: وَقد روينَا عَن عَائِشَة وَابْن عمر مَا يُعَارض هَذَا، وَهُوَ الْإِفْرَاد، وَحَيْثُ لم يتَحَلَّل
стр. 2835
من إِحْرَامه إِلَى آخر شَيْء فَفِيهِ دلَالَة على أَنه لم يكن مُتَمَتِّعا. قلت: هَذَا لَا يرد على فُقَهَاء الْكُوفَة لِأَن عِنْدهم الْمُتَمَتّع إِذا أهْدى لَا يتَحَلَّل حَتَّى يفرغ من حجه، وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا يَنْفِي كَونه مُفردا لِأَن الْهَدْي لَا يمْنَع الْمُفْرد من الْإِحْلَال فَهُوَ حجَّة على الْبَيْهَقِيّ. وَفِي (الاستذكار) : لَا يَصح عندنَا أَن يكون مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه ﷺ لم يتَحَلَّل من عمرته، وَأقَام محرما من أجل هَدْيه، وَهَذَا حكم الْقَارِن لَا الْمُتَمَتّع، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لأبي الْحسن الأشبيلي: وَلَا يَصح عِنْدِي أَن يكون، ﷺ ، مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه لم يحل من عمرته حَتَّى أَمر أَصْحَابه أَن يحلوا ويفسخوا حجهم فِي عمْرَة، وَفسخ الْحَج فِي الْعمرَة خص بِهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، فَلَا يجوز الْيَوْم أَن يفعل ذَلِك عِنْد أَكثر الصَّحَابَة وَغَيرهم لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يَعْنِي لمن دخل فِيهِ، وَمَا أعلم من الصَّحَابَة من يُجِيز ذَلِك إلَاّ ابْن عبَّاس، وَتَابعه أَحْمد وَدَاوُد دون سَائِر الْفُقَهَاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، فِي: بَاب التَّمَتُّع وَالْقرَان. قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي من ذِي الحليفة) وَهُوَ الْمِيقَات. قَوْله: (وَبَدَأَ رَسُول الله ﷺ فَأهل بِالْحَجِّ) ، قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يُرِيد أَنه بَدَأَ حِين أَمرهم بالتمتع أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أول، ويقدموها قبل الْحَج، وَأَن ينشؤا الْحَج بعْدهَا إِذا حلوا مِنْهَا. قَوْله: (وبالصفا والمروة) ، ظَاهر فِي وجوب السَّعْي. قَوْله: (فتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي ﷺ أَي: بِحَضْرَتِهِ. قَوْله: (وليقصر) على صُورَة أَمر الْغَائِب، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (وَيقصر) ، على صُورَة الْمُضَارع، وَقَالَ الْكرْمَانِي، بِالرَّفْع والجزم. قلت: وَجه الرّفْع أَن يكون الْمُضَارع على أَصله لتجرده عَن النواسخ، وَالتَّقْدِير: وَبعد الطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة يقصر، من التَّقْصِير، وَهُوَ أَخذ بعض شعر رَأسه. وَوجه الْجَزْم أَن يكون عطفا على المجزوم قبله، وَيكون فِي التَّقْدِير: وليقصر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِمَ خصص التقصيرَ والحلقُ جَائِز بل أفضل؟ وَأجَاب: بِأَنَّهُ أمره بذلك ليبقى لَهُ شعر يحلقه فِي الْحَج، فَإِن الْحلق فِي تحلل الْحَج أفضل مِنْهُ فِي تحلل الْعمرَة. قَوْله: (وليحلل) ، صورته أَمر، وَمَعْنَاهُ الْخَبَر يَعْنِي صَار: حَلَالا، فَلهُ فعل كل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَام. قَوْله: (ثمَّ ليهل بِالْحَجِّ) أَي: بعد تَقْصِيره وتحلله يحرم بِالْحَجِّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظ: ثمَّ، الدَّال على التَّرَاخِي ليدل على أَنه لَا يلْزم أَن يهل بِالْحَجِّ عقيب إحلاله من الْعمرَة. قَوْله: (فَمن لم يجد هَديا) أَي: لم يجده هُنَاكَ، إِمَّا لعدم الْهَدْي، وَإِمَّا لعدم ثمنه، وَإِمَّا لكَونه يُبَاع بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل. قَوْله: (فليصم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج) ، وَهُوَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة، وَالثَّامِن وَالتَّاسِع. قَوْله: (وَسَبْعَة) أَي: وليصم سَبْعَة (أَيَّام إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله) بِظَاهِرِهِ أَخذ الشَّافِعِي، لِأَن المُرَاد حَقِيقَة الرُّجُوع، وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَة إِذا رجعتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . مَعْنَاهُ: إِذا فَرَغْتُمْ من أَفعَال الْحَج، والفراغ سَبَب الرُّجُوع، فَأطلق الْمُسَبّب على السَّبَب، فَلَو صَامَ هَذِه السَّبْعَة بِمَكَّة فَإِنَّهُ يجوز عندنَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز إلَاّ أَن يَنْوِي الْإِقَامَة بهَا، فَإِن لم يصم الثَّلَاثَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم النَّحْر تعين الدَّم، فَلَا يجوز أَن يَصُوم الثَّلَاثَة وَلَا السَّبْعَة بعْدهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يَصُوم الثَّلَاثَة بعد هَذِه الْأَيَّام: يَعْنِي أَيَّام التَّشْرِيق. وَقَالَ مَالك: يصومها فِي هَذِه الْأَيَّام. قُلْنَا: النَّهْي الْمَعْرُوف عَن صَوْم هَذِه الْأَيَّام، وَلَا يُؤدى بعْدهَا أَيْضا لِأَن الْهَدْي أصل وَقد نقل حكمه إِلَى بدل مَوْصُوف بِصفة، وَقد فَاتَت، فَعَاد الحكم إِلَى الأَصْل وَهُوَ الْهَدْي. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَوقت هَذَا الصَّوْم من حِين يحرم بِالْحَجِّ إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق، وَالِاخْتِيَار تَقْدِيمه فِي أول الْإِحْرَام، رَوَاهُ ابْن الْجلاب، وَإِنَّمَا اخْتَار تَقْدِيمه لتعجيل إِبْرَاء الذِّمَّة، وَلِأَنَّهُ وَقت مُتَّفق على جَوَاز الصَّوْم فِيهِ، فَإِن فَاتَهُ ذَلِك قبل يَوْم النَّحْر صَامَهُ أَيَّام منى، فَإِن لم يصم أَيَّام منى صَامَ بعْدهَا. قَالَه عَليّ وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه أجَاز للمتمتع أَن يَصُوم فِي الْعشْر وَهُوَ حَلَال. وَقَالَ مُجَاهِد وطاووس: إِذا صامهن فِي أشهر الْحَج أَجزَأَهُ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذان. وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) : اخْتلف السّلف فِيمَن لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الْأَيَّام الثَّلَاثَة قبل يَوْم النَّحْر، فَقَالَ عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وطاووس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لَا يجْزِيه إلَاّ الْهَدْي، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عمر وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَصُوم أَيَّام منى، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَصُوم بعد أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. انْتهى. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَعَن سَالم عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَالَا: لم
стр. 2836
يرخص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يضمن إلَاّ لمن لم يجد الْهَدْي، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم فِي الْعشْر أَنه يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه؟ قلت: رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه ﷺ قَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَيَّام أَيَّام التَّشْرِيق، مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد حسن عَنهُ، أَنه قَالَ: (خرج مُنَادِي رَسُول الله ﷺ فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام وَأكل وَشرب) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ أَحَادِيث نهي الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق عَن سِتَّة عشر نفسا من الصَّحَابَة ذَكَرْنَاهُمْ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) للطحاوي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما ثَبت بِهَذِهِ الْآثَار عَن رَسُول الله ﷺ النَّهْي عَن صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك بمنى والحاج مقيمون بهَا وَفِيهِمْ المتمتعون والقارنون، وَلم يسْتَثْن مِنْهُم مُتَمَتِّعا، وَلَا قَارنا، دخل فِيهِ المتمتعون والقارنون فِي ذَلِك النَّهْي. وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ سَالم عَن أَبِيه مَرْفُوعا فَهُوَ ضَعِيف، وَفِي سَنَده يحيى بن سَلام نزيل مصر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى فِيهِ مقَال، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن شُعْبَة أَن حَدِيث يحيى بن سَلام حَدِيث مُنكر لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بالرواية لضعف يحيى بن سَلام وَابْن أبي ليلى وَسُوء حفظهما. قَوْله: (فَطَافَ حِين قدم مَكَّة) أَي: فَطَافَ رَسُول الله ﷺ ، وَصرح بِهِ هَكَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) قَوْله: (واستلم الرُّكْن أول شَيْء) أَي: اسْتَلم الْحجر الْأسود أول مَا قدم قبل أَن يبتديء بِشَيْء. قَوْله: (ثمَّ خب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي أسْرع فِي الثَّلَاثَة الأول من الأطواف، وَرمل. قَوْله: (وَمَشى أَرْبعا) أَي: أَربع مَرَّات أَرَادَ أَنه لم يرمل فِي بَقِيَّة الأطواف، وَهِي الْأَرْبَعَة. قَوْله: (فَرَكَعَ حِين قضى طَوَافه بِالْبَيْتِ عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ) أَي: لما فرغ من أطوافه السَّبْعَة صلى عِنْد مقَام إِبْرَاهِيم، ﵊، رَكْعَتَيْنِ وَقضى بِمَعْنى: أدّى، وَرَكْعَتَيْنِ مَنْصُوب بقوله: فَرَكَعَ. قَوْله: (ثمَّ سلم) أَي: عقيب الرَّكْعَتَيْنِ فَانْصَرف وأتى الصَّفَا، فَظَاهر الْكَلَام أَنه حِين فرغ من الرَّكْعَتَيْنِ توجه إِلَى الصَّفَا وَلم يشْتَغل بِشَيْء آخر. وَحَدِيث جَابر الطَّوِيل عِنْد مُسلم: (ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحجر فاستلمه، ثمَّ خرج من بَاب الصَّفَا) . قَوْله: (حِين قضى حجه) أَي: بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة لِأَنَّهُ من أَرْكَان الْحَج وبرمي الجمرات ونحره هَدْيه يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وأفاض) أَي: بعد الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْأَفْعَال أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله ﷺ كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: مثل فعل رَسُول الله ﷺ وفاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) يَعْنِي: مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ وسَاق الْهَدْي، وَكلمَة: من، فِي من النَّاس للتَّبْعِيض لِأَن كل من كَانُوا لم يسوقوا الْهَدْي، وَقَائِل هَذَا الْكَلَام أَعنِي قَوْله: وَفعل ... إِلَى آخِره، هُوَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَأغْرب الْكرْمَانِي فشرحه على أَن فَاعل فعل هُوَ ابْن عمر رَاوِي الْخَبَر. قلت: لم يشْرَح الْكرْمَانِي بِهَذَا الشَّرْح إلَاّ بِنَاء على النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا: بَاب من أهْدى وسَاق الْهَدْي على مَا نذكرهُ الْآن، وَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي: أَن فَاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) .
وَعَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ عنِ النبيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أخبرَني سَالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنْ رسولِ الله ﷺ
هَذَا عطف على قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ مقول ابْن شهَاب، وَهَذِه هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة، وَالنُّسْخَة الَّتِي وَقع فِيهَا لفظ: بَاب بَين قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول لله ﷺ ، وَبَين قَوْله: (من أهل وسَاق الْهَدْي من النَّاس) ، وَصورتهَا: بَاب من أهل وسَاق الْهَدْي وَعَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته إِلَى آخِره، وَهَذَا خطأ فَاحش، ونسبت هَذِه رِوَايَة إِلَى أبي الْوَقْت وَالظَّاهِر أَنه من تخبيط النَّاسِخ.
وَقد أخرجه مُسلم مثل النُّسْخَة الصَّحِيحَة حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث حَدثنِي أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: تمتّع رَسُول الله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَسَاقه إِلَى أَن قَالَ: وأفاض فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثمَّ حل من كل شَيْء حرم فِيهِ، وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله ﷺ من أهْدى فساق الْهَدْي من النَّاس. ثمَّ قَالَ: وحدثنيه عبد الْملك بن شُعَيْب يَعْنِي ابْن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي
стр. 2837
أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ أخْبرته عَن رَسُول الله ﷺ فِي تمتعه بِالْحَجِّ إِلَى الْعمرَة، وتمتع النَّاس مَعَه مثل الَّذِي أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله عَن عبد الله عَن رَسُول الله ﷺ . انْتهى. وَهَذَا كَمَا رَأَيْت بِإِسْنَاد وَاحِد عَن سَالم وَعَن عُرْوَة، وَكَذَلِكَ أَبُو نعيم سَاق الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي (الْمُسْتَخْرج) ثمَّ أَعَادَهُ بِمثلِهِ عَن عَائِشَة بترجمة مُسْتَقلَّة بِمثل الْإِسْنَاد الأول، ثمَّ قَالَ فِي كل مِنْهُمَا: أخرجه البُخَارِيّ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث. قلت: وَكَذَلِكَ أخرج مُسلم كلا مِنْهُمَا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث كَمَا رَأَيْته.
٥٠١ - (بابُ منِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اشْترط الْهَدْي فِي طَرِيقه عِنْد توجهه إِلَى الْكَعْبَة، سَوَاء كَانَ فِي الْحل أَو الْحرم.
٣٩٦١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لأِبِيهِ أقِمْ فإنِّي لَا آمَنُهَا أنْ سَتُصَدُّ عنِ الْبَيتِ قَالَ إِذا أفْعَلَ كَمَا فعَلَ رسُولُ الله ﷺ وقَدْ قالَ الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ الله أُسْوَةٌ حسَنَةٌ فأنَا أشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ عَلَى نَفْسي الْعُمْرَةَ فأهَلَّ بالْعُمْرَةِ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إذَا كانَ بالبَيْدَاءِ أهَلَّ بِالحَجِّ والْعُمْرَةِ وَقَالَ مَا شأنُ الْحَجِّ والعُمْرَةِ إلَاّ وَاحِدٌ ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ ثُمَّ قَدِمَ فَطافَ لَهُمَا طَوَافا وَاحِدا فلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اشْترى الْهَدْي من قديد) ، فَإِن القديد فِي الطَّرِيق فِي الْحل. قَالَ ابْن بطال: أَرَادَ أَن يبين أَن مَذْهَب ابْن عمر فِي الْهَدْي مَا أَدخل من الْحل إِلَى الْحرم، لِأَن قديدا من الْحل، ورد عَلَيْهِ بِأَن التَّرْجَمَة أَعم من فعل ابْن عمر فَكيف يكون بَيَانا لَهُ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب طواف الْقَارِن، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع ... إِلَى آخِره، فَاعْتبر التَّفَاوُت فِي السَّنَد والمتن وَالْمعْنَى وَاحِد، وَهنا أخرجه عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لِأَبِيهِ) هُوَ: عبد الله بن عمر. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (أقِم) ، أَمر من الْإِقَامَة، أَرَادَ أَنه قَالَ لِأَبِيهِ لما أَرَادَ التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة: أقِم عندنَا لَا ترح هَذِه السّنة، فَإِن فِيهَا فتْنَة الْحجَّاج، فَيكون فِيهَا قتال يصدك عَن الْبَيْت. قَوْله: (فَإِنِّي لَا آمنها) أَي: لَا آمن الْفِتْنَة، وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة الممدودة وَفتح الْمِيم المخففة، وَقد مر فِي حَدِيث الْبَاب الْمَذْكُور بِلَفْظ: لَا آمن، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: لَا أيمنها، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: من الْعَرَب من يكسر زَوَائِد كل فعل مضارع فعل ومستقبله يفعل، فَتَقول: أَنا أعلم وَأَنت تعلم وَنحن نعلم، وَهُوَ يعلم. قَوْله: (أَن ستصد) أَي: أَن ستمنع، هَذِه رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (أَن تصد) ، بِنصب الدَّال، ويروى (أَن ستصد) بِالرَّفْع. قَوْله: (إِذا أفعل) بِالنّصب. قَوْله: (كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي: من الإهلال حِين صد بِالْحُدَيْبِية. قَوْله: (فَأهل بِالْعُمْرَةِ) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فَأهل بِالْعُمْرَةِ من الدَّار) ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم من رِوَايَة عَليّ بن عبد الْعَزِيز عَن أبي النُّعْمَان: شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه حجَّة على من لم ير بِجَوَاز الْإِحْرَام من خَارج الْمَوَاقِيت، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على الْجَوَاز، ثمَّ قيل: هُوَ أفضل من الْمِيقَات، وَقيل: من كَانَ لَهُ مِيقَات معِين فَهُوَ فِي حَقه أفضل وإلَاّ فَمن دَاره أفضل، وللشافعية فِي أرجحية الْمِيقَات من الدَّار اخْتِلَاف. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: يُؤْخَذ من تَعْلِيلهم أَي: من أَمن على نَفسه كَانَ أرجح فِي حَقه، وإلَاّ فَمن الْمِيقَات أفضل. قَوْله: (مَا شَأْنهمَا إلَاّ وَاحِد) يَعْنِي: فِي الْعَمَل، لِأَن الْقَارِن لَا يطوف عِنْده إلَاّ طَوافا وَاحِدًا وسعيا وَاحِدًا. وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن من أهلَّ بِعُمْرَة فِي أشهر الْحَج أَن لَهُ أَن يدْخل عَلَيْهَا الْحَج مَا لم يفْتَتح الطّواف بِالْبَيْتِ، لِأَن الصَّحَابَة أهلوا بِعُمْرَة فِي حجَّة الْوَدَاع، ثمَّ قَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ : من كَانَ مَعَه هدي فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة، ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَبِهَذَا احْتج مَالك فِي (موطئِهِ) . وَاخْتلفُوا فِي إِدْخَاله عَلَيْهَا إِذا افْتتح الطّواف، فَقَالَ مَالك: يلْزمه ذَلِك. وَيكون قَارنا، وَذكر أَنه
стр. 2838
قَول عَطاء، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَأما إِدْخَال الْعمرَة مَعَ الْحَج فَمِنْهُ مِنْهُ مَالك، وَهُوَ قَول إِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَقَالُوا: يصير قَارنا، وَذكر أَنه قَول عَطاء، وَلكنه أَسَاءَ فِيمَا فعل. قلت: الْقيَاس عِنْد أبي حنيفَة أَن لَا يمْنَع من إِدْخَال عمْرَة على حج، لِأَن من أَصله أَن على الْقَارِن تعدد الطّواف وَالسَّعْي. قَوْله: (فَلم يحل حَتَّى حل) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: حَتَّى أحل، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله وَفتح الْحَاء، وَهِي لُغَة مَشْهُورَة، يُقَال: حل وَأحل. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْعمرَة وَالْحجّة.
٦٠١ - (بابُ منْ أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أحْرَمَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أشعر هَدْيه. وَفِي بَيَان من قَلّدهُ وَالْكَلَام فِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ على أَنْوَاع.
الأول: فِي تَفْسِير الْإِشْعَار لُغَة، وَهُوَ: من الشُّعُور فِي الأَصْل وَهُوَ الْعلم بالشَّيْء: من شعر يشْعر، من بَاب نصر ينصر، إِذا علم وأشعر من الْإِشْعَار بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ الْإِعْلَام.
النَّوْع الثَّانِي: فِي تَفْسِيره شرعا، وَهُوَ أَن يضْرب صفحة سنامها الْيُمْنَى بحديدة حَتَّى تتلطخ بِالدَّمِ ظَاهرا، وَلَا نظر إِلَى مَا فِيهِ من الإيلام لِأَنَّهُ لَا منع إلَاّ مَا مَنعه الشَّرْع، وَذكر الْقَزاز: أشعرها إشعارا وإشعارها أَن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بِمَا حل فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَن الَّذِي فعل بهَا عَلامَة تعرف بهَا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ أَن يشق جلدهَا أَو يطعنها حَتَّى يظْهر الدَّم، وَزعم ابْن قرقول أَن إشعارها هُوَ تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضا من الْجَانِب الْأَيْمن، هَذَا عِنْد الْحِجَازِيِّينَ وَأما الْعِرَاقِيُّونَ فالإشعار عِنْدهم تقليدها بقلادة، وَقيل الْإِشْعَار أَن يكشط جلد الْبَدنَة حَتَّى يسيل دم ثمَّ يسلته، فَيكون ذَلِك عَلامَة على كَونهَا هَديا.
النَّوْع الثَّالِث: فِي كَيْفيَّة الْإِشْعَار، وَالِاخْتِلَاف الَّذِي فِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: كَيْفيَّة الْإِشْعَار أَن يطعنها فِي أَسْفَل سنامها من الْجَانِب الْأَيْسَر حَتَّى يسيل الدَّم، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي قَول: الْأَيْمن، وَقَالَ السفاقسي: إِذا كَانَت الْبَدنَة ذللاً أشعرها من الْأَيْسَر، وَإِن كَانَت صعبة قرن بدنتين، ثمَّ قَامَ بَينهمَا وأشعر إِحْدَاهمَا من الْأَيْمن وَالْأُخْرَى من الْأَيْسَر. وَقَالَ ابْن قدامَة: وَعَن أَحْمد من الْجَانِب الْأَيْسَر، لِأَن ابْن عمر فعله، وَبِه قَالَ مَالك، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن مُجَاهِد، يَقُول: كَانُوا يستحبون الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْسَر. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَجَائِز الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْمن، وَفِي الْجَانِب الْأَيْسَر، وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رُبمَا فعل هَذَا وَرُبمَا فعل هَذَا، وَأكْثر أهل الْعلم يستحبون فِي الْجَانِب الْأَيْمن، مِنْهُم الشَّافِعِي وَإِسْحَاق لحَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ صلى الظّهْر بِذِي الحليفة ثمَّ دَعَا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الْيُمْنَى، ثمَّ سلت الدَّم عَنْهَا وقلدها بنعلين، أخرجه مُسلم، وَعند أبي دَاوُد: ثمَّ سلت الدَّم بِيَدِهِ، وَفِي لفظ: ثمَّ سلت الدَّم بإصبعه. وَقَالَ ابْن حبيب: يشْعر طولا، وَقَالَ السفاقسي عرضا، وَالْعرض عرض السنام من الْعُنُق إِلَى الذَّنب، وَقَالَ مُجَاهِد: أشعر من حَيْثُ شِئْت، ثمَّ قَالَ: والإشعار طولا فِي شقّ الْبَعِير أخذا من جِهَة مقدم الْبَعِير إِلَى جِهَة عَجزه، فَيكون مجْرى الدَّم عريضا فيتبين الْإِشْعَار، وَلَو كَانَ مَعَ عرض الْبَعِير كَانَ مجْرى الدَّم يَسِيرا خَفِيفا لَا يَقع بِهِ مَقْصُود الإعلان بِالْهَدْي.
النَّوْع الرَّابِع: فِي صفة الْإِشْعَار، ذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَن الْإِشْعَار سنة، وَذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بأسانيد جَيِّدَة عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس: إِن شِئْت فأشعر وَإِن شِئْت فَلَا، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : قَالَ أَبُو حنيفَة: أكره الْإِشْعَار وَهُوَ مثلَة، وَقَالَ: هَذِه طامة من طوام الْعَالم أَن يكون مثلَة شَيْء فعله رَسُول الله ﷺ ، أفٍ لكل عقل يتعقب حكم رَسُول الله ﷺ ، وَيلْزمهُ أَن تكون الْحجامَة وَفتح الْعرق مثله، فَيمْنَع من ذَلِك. وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، وَلَا مُوَافق من فُقَهَاء عصره إلَاّ من ابتلاه الله تَعَالَى بتقليده. قلت: هَذَا سفاهة وَقلة حَيَاء، لِأَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْفُقَهَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة، ذكر أَن أَبَا حنيفَة لم يكره أصل الْإِشْعَار، وَلَا كَونه سنة، وَإِنَّمَا كره مَا يفعل على وَجه يخَاف مِنْهُ هلاكها لسراية الْجرْح، لَا سِيمَا فِي حر الْحجاز مَعَ الطعْن بِالسِّنَانِ، أَو الشَّفْرَة، فَأَرَادَ سد الْبَاب على الْعَامَّة، لأَنهم لَا يراعون الْحَد فِي ذَلِك، وَأما من وقف على الْحَد فَقطع الْجلد دون اللَّحْم فَلَا يكرههُ، وَذكر الْكرْمَانِي صَاحب الْمَنَاسِك عَنهُ استحسانه، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، لَا سِيمَا إِذا كَانَ بمبضع وَنَحْوه، فَيصير كالفصد والحجامة، وَأما قَوْله: وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، فَقَوْل فَاسد، لِأَن ابْن بطال ذكر أَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا لَا يرى بالإشعار، وَلما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ قلد نَعْلَيْنِ، وأشعر الْهَدْي فِي الشق الْأَيْمن بِذِي الحليفة
стр. 2839
وأماط عَنهُ الدَّم، قَالَ: سَمِعت يُوسُف بن عِيسَى، يَقُول: سَمِعت وكيعا يَقُول حِين روى هَذَا الحَدِيث: لَا تنظروا إِلَى قَول أهل الرَّأْي فِي هَذَا، فَإِن الْإِشْعَار سنة، وَقَوْلهمْ بِدعَة. قَالَ: وَسمعت أَبَا السَّائِب يَقُول: كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لرجل مِمَّن ينظر فِي الرَّأْي: أشعر رَسُول الله ﷺ ، وَيَقُول أَبُو حنيفَة: هُوَ مثلَة. قَالَ الرجل: فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: الْإِشْعَار مثلَة. قَالَ: فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا، وَقَالَ: أَقُول لَك: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، وَتقول: قَالَ إِبْرَاهِيم؟ مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا؟ انْتهى. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا يكره الْإِشْعَار إلَاّ أَبَا حنيفَة، قَالَ: وَخَالفهُ صَاحِبَاه، وَقَالا بقول عَامَّة أهل الْعلم. قلت: الْجَواب عَمَّا نَقله التِّرْمِذِيّ عَن وَكِيع، وَعَما قَالَه الْخطابِيّ، وَعَن قَول كل من يتعقب على أبي حنيفَة بِمثل هَذَا يحصل مِمَّا قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَقد رَأَيْت كل مَا ذكره، وَفِيه أريحية العصبية والحط على من لَا يجوز الْحَط عَلَيْهِ، وحاشا من أهل الْإِنْصَاف أَن يصدر مِنْهُم مَا لَا يَلِيق ذكره فِي حق الْأَئِمَّة الأجلاء على أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: لَا أتبع الرَّأْي وَالْقِيَاس إلَاّ إِذا لم أظفر بِشَيْء من الْكتاب أَو السّنة أَو الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قد خير صَاحب الْهَدْي فِي الْإِشْعَار، وَتَركه على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يشْعر مِنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان الْإِشْعَار سنة وَلَا مُسْتَحبا.
النَّوْع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي الْإِشْعَار: مِنْهَا: أَن الْبَدنَة الَّتِي أشعرت إِذا اخْتلطت بغَيْرهَا تميزت، وَإِذا ضلت عرفت، وَمِنْهَا: أَن السَّارِق رُبمَا ارتدع فَتَركهَا. وَمِنْهَا: أَنَّهَا قد تعطب فتنحر، فَإِذا رأى الْمَسَاكِين عَلَيْهَا الْعَلامَة أكلوها، وَأَنَّهُمْ يتبعونها إِلَى المنحر لينالوا مِنْهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهَا تَعْظِيم شعار الشَّرْع، وحث الْغَيْر عَلَيْهِ.
النَّوْع السَّادِس: أَن الْإِشْعَار مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ أم لَا؟ فَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي إِشْعَار الْبَقَرَة فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يشْعر فِي أسنمتها، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا وَقَالَ الشّعبِيّ: تقلد وتشعر، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر، وَقَالَ مَالك: تشعر الَّتِي لَهَا سناء. وتقلد وَلَا تشعر الَّتِي لَا سَنَام لَهَا وَقَالَ سعيد بن جُبَير تقلد وَلَا تشعر وَأما الْغنم فَلَا يسن إشعارها لِضعْفِهَا وَلِأَن صوفها يستر مَوضِع الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمَا علمت أحدا ذكر الْخلاف فِي الْبَقَرَة المسمنة إلَاّ الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وَمَا أرَاهُ مَوْجُودا.
النَّوْع السَّابِع: فِي التَّقْلِيد. وَهُوَ سنة بِالْإِجْمَاع، وَهُوَ تَعْلِيق نعل أَو جلد ليَكُون عَلامَة الْهَدْي. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَو قلد بِعُرْوَة مزادة أَو لحي شَجَرَة أَو شبه ذَلِك جَازَ لحُصُول الْعَلامَة، وَذهب الشَّافِعِي وَالثَّوْري إِلَى أَنَّهَا تقلد بنعلين، وَهُوَ قَول ابْن عمر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَمَالك: يجزىء وَاحِدَة، وَعَن الثَّوْريّ: يجزىء فَم الْقرْبَة، وَنَعْلَان أفضل لمن وجدهما. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة أَن يبين أَن الْمُسْتَحبّ أَن لَا يشْعر الْمحرم وَلَا يُقَلّد إلَاّ فِي مِيقَات بَلَده، وَقيل: الَّذِي يظْهر أَن غَرَضه الْإِشَارَة إِلَى رد قَول مُجَاهِد، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يشْعر حَتَّى يحرم، وَهُوَ عكس مَا فِي التَّرْجَمَة.
وَقَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا أهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ بِذِي الحلَيْفَةِ ويَطْعُن فِي شِثِّ سَنامِهِ الأيْمَن بِالشَّفْرَةِ ووَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عمر كَانَ يُقَلّد ويشعر بِذِي الحليفة، فَإِن بداءته بالتقليد والإشعار يدل على أَنه كَانَ يقدمهما على الْإِحْرَام، وَفِي التَّرْجَمَة كَذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ: ثمَّ أحرم أَي: بعد الْإِشْعَار والتقليد أحرم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) قَالَ: عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَنه إِذا أهْدى هَديا من الْمَدِينَة قَلّدهُ بِذِي الحليفة، يقلده قبل أَن يشعره، وَذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِد، وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الْقبْلَة يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الْأَيْسَر ثمَّ يساق مَعَه حَتَّى يُوقف بِهِ مَعَ النَّاس بِعَرَفَة، ثمَّ يدْفع بِهِ فَإِذا قدم غَدَاة النَّحْر نَحره. فَإِن قلت: الَّذِي علقه البُخَارِيّ يدل على الْأَيْمن، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالك يدل على الْأَيْسَر. قلت: قَالَ ابْن بطال: روى أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يشعرها مرّة فِي الْأَيْمن، وَمرَّة فِي الْأَيْسَر، فَأخذ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة الْأَيْسَر، وَأخذ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة أُخْرَى بِرِوَايَة الْأَيْمن، وَعَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ إِذا طعن فِي سَنَام هَدْيه، وَهُوَ يشعره، قَالَ: بِسم الله وَالله أكبر. قَوْله: (إِذا أهْدى من الْمَدِينَة) أَي: هَدْيه قَلّدهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَلّدهُ، وَأَشْعرهُ يرجع إِلَى الْهَدْي الْمُقدر الَّذِي هُوَ مفعول: أهْدى، وَقد صرح
стр. 2840
بِهِ فِي رِوَايَة مَالك كَمَا وقفت عَلَيْهِ. قَوْله: (ويطعن) ، بِضَم الْعين من الطعْن بِالرُّمْحِ، وَنَحْوه، قَوْله: (فِي شقّ سنامه) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ النَّاحِيَة وَالنّصف. قَوْله: (بالشفرة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَهِي السكين الْعَظِيم. قَوْله: (ووجهها) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، يرجع إِلَى الْبَدنَة الَّتِي هِيَ الْهَدْي، وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ. قَوْله: (باركة) ، نصب على الْحَال.
٥٩٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ قَالَا خَرَجَ النبيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ مائَةً مِنْ أصحَابِهِ حَتَّى إذَا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ ﷺ الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وَأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ.
. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أحرم بعد تَقْلِيده هَدْيه، وإشعاره، والترجمة فِي الْإِشْعَار والتقليد ثمَّ الْإِحْرَام.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله ابْن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء ابْن نَوْفَل بن وهيب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن لؤَي بن غَالب، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، سمع النَّبِي ﷺ وَعمر بن الْخطاب وَعمر بن عَوْف عِنْدهمَا، والمغيرة بن شُعْبَة وَمُحَمّد بن مُسلم. قَالَ ابْن بكير: مَاتَ بِمَكَّة يَوْم جَاءَ نعي يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى ابْن الزبير سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير، وأصابه حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر، فَمَاتَ فِي شهر ربيع الأول وَولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَكَانَ أَصْغَر من ابْن الزبير بأَرْبعَة أشهر. السَّابِع: مَرْوَان بن الحكم ابْن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس أَبُو عبد الْملك الْقرشِي الْأمَوِي، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي ﷺ ، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، قَالَ خَليفَة: مَاتَ مَرْوَان بِدِمَشْق لثلاث خلت من شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان ومعمرا بَصرِي سكن الْيمن والبقية مدنيون، غير أَن مسورا أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا، كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) وَقَالَ: لِأَن سنه كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة أَربع سِنِين، وَأما مَرْوَان فَلم تصح لَهُ صُحْبَة. وَفِيه: أَن مَرْوَان من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَعَن التَّابِعِيّ أَيْضا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع مُخْتَصرا من حَدِيث طَوِيل. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: أخرجه فِي كتاب الشُّرُوط عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله مُخْتَصرا، وَفِيه عَن عبد الله بن مُحَمَّد أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عبد الْأَعْلَى عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن الْمُبَارك بِبَعْضِه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج النَّبِي، ﷺ ، من الْمَدِينَة) ويروى: (خرج النَّبِي ﷺ زمن الْحُدَيْبِيَة من الْمَدِينَة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (من الْمَدِينَة) وَفِي بَعْضهَا بدله: (من الْحُدَيْبِيَة) . قَوْله: (فِي بضع عشرَة) ، الْبضْع بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْفَتْح: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. قَوْله: (قلد النَّبِي ﷺ الْهَدْي) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (أَن النَّبِي ﷺ سَاق يَوْم الْحُدَيْبِيَة سبعين بَدَنَة عَن سَبْعمِائة رجل) . وَفِي رِوَايَة: (كَانُوا فِي الْحُدَيْبِيَة خمس عشرَة مائَة) . وَفِي رِوَايَة: (أَربع عشرَة مائَة) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: تَقْلِيد الْهَدْي وإشعاره قبل الْإِحْرَام. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة التَّقْلِيد ومشروعية الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن
следующие страницы →