← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

يرخص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يضمن إلَاّ لمن لم يجد الْهَدْي، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم فِي الْعشْر أَنه يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه؟ قلت: رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه ﷺ قَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَيَّام أَيَّام التَّشْرِيق، مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد حسن عَنهُ، أَنه قَالَ: (خرج مُنَادِي رَسُول الله ﷺ فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام وَأكل وَشرب) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ أَحَادِيث نهي الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق عَن سِتَّة عشر نفسا من الصَّحَابَة ذَكَرْنَاهُمْ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) للطحاوي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما ثَبت بِهَذِهِ الْآثَار عَن رَسُول الله ﷺ النَّهْي عَن صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك بمنى والحاج مقيمون بهَا وَفِيهِمْ المتمتعون والقارنون، وَلم يسْتَثْن مِنْهُم مُتَمَتِّعا، وَلَا قَارنا، دخل فِيهِ المتمتعون والقارنون فِي ذَلِك النَّهْي. وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ سَالم عَن أَبِيه مَرْفُوعا فَهُوَ ضَعِيف، وَفِي سَنَده يحيى بن سَلام نزيل مصر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى فِيهِ مقَال، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن شُعْبَة أَن حَدِيث يحيى بن سَلام حَدِيث مُنكر لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بالرواية لضعف يحيى بن سَلام وَابْن أبي ليلى وَسُوء حفظهما. قَوْله: (فَطَافَ حِين قدم مَكَّة) أَي: فَطَافَ رَسُول الله ﷺ ، وَصرح بِهِ هَكَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) قَوْله: (واستلم الرُّكْن أول شَيْء) أَي: اسْتَلم الْحجر الْأسود أول مَا قدم قبل أَن يبتديء بِشَيْء. قَوْله: (ثمَّ خب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي أسْرع فِي الثَّلَاثَة الأول من الأطواف، وَرمل. قَوْله: (وَمَشى أَرْبعا) أَي: أَربع مَرَّات أَرَادَ أَنه لم يرمل فِي بَقِيَّة الأطواف، وَهِي الْأَرْبَعَة. قَوْله: (فَرَكَعَ حِين قضى طَوَافه بِالْبَيْتِ عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ) أَي: لما فرغ من أطوافه السَّبْعَة صلى عِنْد مقَام إِبْرَاهِيم، ﵊، رَكْعَتَيْنِ وَقضى بِمَعْنى: أدّى، وَرَكْعَتَيْنِ مَنْصُوب بقوله: فَرَكَعَ. قَوْله: (ثمَّ سلم) أَي: عقيب الرَّكْعَتَيْنِ فَانْصَرف وأتى الصَّفَا، فَظَاهر الْكَلَام أَنه حِين فرغ من الرَّكْعَتَيْنِ توجه إِلَى الصَّفَا وَلم يشْتَغل بِشَيْء آخر. وَحَدِيث جَابر الطَّوِيل عِنْد مُسلم: (ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحجر فاستلمه، ثمَّ خرج من بَاب الصَّفَا) . قَوْله: (حِين قضى حجه) أَي: بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة لِأَنَّهُ من أَرْكَان الْحَج وبرمي الجمرات ونحره هَدْيه يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وأفاض) أَي: بعد الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْأَفْعَال أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله ﷺ كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: مثل فعل رَسُول الله ﷺ وفاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) يَعْنِي: مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ وسَاق الْهَدْي، وَكلمَة: من، فِي من النَّاس للتَّبْعِيض لِأَن كل من كَانُوا لم يسوقوا الْهَدْي، وَقَائِل هَذَا الْكَلَام أَعنِي قَوْله: وَفعل ... إِلَى آخِره، هُوَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَأغْرب الْكرْمَانِي فشرحه على أَن فَاعل فعل هُوَ ابْن عمر رَاوِي الْخَبَر. قلت: لم يشْرَح الْكرْمَانِي بِهَذَا الشَّرْح إلَاّ بِنَاء على النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا: بَاب من أهْدى وسَاق الْهَدْي على مَا نذكرهُ الْآن، وَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي: أَن فَاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) . وَعَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ عنِ النبيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أخبرَني سَالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنْ رسولِ الله ﷺ هَذَا عطف على قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ مقول ابْن شهَاب، وَهَذِه هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة، وَالنُّسْخَة الَّتِي وَقع فِيهَا لفظ: بَاب بَين قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول لله ﷺ ، وَبَين قَوْله: (من أهل وسَاق الْهَدْي من النَّاس) ، وَصورتهَا: بَاب من أهل وسَاق الْهَدْي وَعَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته إِلَى آخِره، وَهَذَا خطأ فَاحش، ونسبت هَذِه رِوَايَة إِلَى أبي الْوَقْت وَالظَّاهِر أَنه من تخبيط النَّاسِخ. وَقد أخرجه مُسلم مثل النُّسْخَة الصَّحِيحَة حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث حَدثنِي أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: تمتّع رَسُول الله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَسَاقه إِلَى أَن قَالَ: وأفاض فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثمَّ حل من كل شَيْء حرم فِيهِ، وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله ﷺ من أهْدى فساق الْهَدْي من النَّاس. ثمَّ قَالَ: وحدثنيه عبد الْملك بن شُعَيْب يَعْنِي ابْن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي

стр. 2837

أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ أخْبرته عَن رَسُول الله ﷺ فِي تمتعه بِالْحَجِّ إِلَى الْعمرَة، وتمتع النَّاس مَعَه مثل الَّذِي أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله عَن عبد الله عَن رَسُول الله ﷺ . انْتهى. وَهَذَا كَمَا رَأَيْت بِإِسْنَاد وَاحِد عَن سَالم وَعَن عُرْوَة، وَكَذَلِكَ أَبُو نعيم سَاق الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي (الْمُسْتَخْرج) ثمَّ أَعَادَهُ بِمثلِهِ عَن عَائِشَة بترجمة مُسْتَقلَّة بِمثل الْإِسْنَاد الأول، ثمَّ قَالَ فِي كل مِنْهُمَا: أخرجه البُخَارِيّ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث. قلت: وَكَذَلِكَ أخرج مُسلم كلا مِنْهُمَا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث كَمَا رَأَيْته. ٥٠١ - (بابُ منِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اشْترط الْهَدْي فِي طَرِيقه عِنْد توجهه إِلَى الْكَعْبَة، سَوَاء كَانَ فِي الْحل أَو الْحرم. ٣٩٦١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لأِبِيهِ أقِمْ فإنِّي لَا آمَنُهَا أنْ سَتُصَدُّ عنِ الْبَيتِ قَالَ إِذا أفْعَلَ كَمَا فعَلَ رسُولُ الله ﷺ وقَدْ قالَ الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ الله أُسْوَةٌ حسَنَةٌ فأنَا أشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ عَلَى نَفْسي الْعُمْرَةَ فأهَلَّ بالْعُمْرَةِ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إذَا كانَ بالبَيْدَاءِ أهَلَّ بِالحَجِّ والْعُمْرَةِ وَقَالَ مَا شأنُ الْحَجِّ والعُمْرَةِ إلَاّ وَاحِدٌ ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ ثُمَّ قَدِمَ فَطافَ لَهُمَا طَوَافا وَاحِدا فلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اشْترى الْهَدْي من قديد) ، فَإِن القديد فِي الطَّرِيق فِي الْحل. قَالَ ابْن بطال: أَرَادَ أَن يبين أَن مَذْهَب ابْن عمر فِي الْهَدْي مَا أَدخل من الْحل إِلَى الْحرم، لِأَن قديدا من الْحل، ورد عَلَيْهِ بِأَن التَّرْجَمَة أَعم من فعل ابْن عمر فَكيف يكون بَيَانا لَهُ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب طواف الْقَارِن، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع ... إِلَى آخِره، فَاعْتبر التَّفَاوُت فِي السَّنَد والمتن وَالْمعْنَى وَاحِد، وَهنا أخرجه عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لِأَبِيهِ) هُوَ: عبد الله بن عمر. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (أقِم) ، أَمر من الْإِقَامَة، أَرَادَ أَنه قَالَ لِأَبِيهِ لما أَرَادَ التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة: أقِم عندنَا لَا ترح هَذِه السّنة، فَإِن فِيهَا فتْنَة الْحجَّاج، فَيكون فِيهَا قتال يصدك عَن الْبَيْت. قَوْله: (فَإِنِّي لَا آمنها) أَي: لَا آمن الْفِتْنَة، وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة الممدودة وَفتح الْمِيم المخففة، وَقد مر فِي حَدِيث الْبَاب الْمَذْكُور بِلَفْظ: لَا آمن، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: لَا أيمنها، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: من الْعَرَب من يكسر زَوَائِد كل فعل مضارع فعل ومستقبله يفعل، فَتَقول: أَنا أعلم وَأَنت تعلم وَنحن نعلم، وَهُوَ يعلم. قَوْله: (أَن ستصد) أَي: أَن ستمنع، هَذِه رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (أَن تصد) ، بِنصب الدَّال، ويروى (أَن ستصد) بِالرَّفْع. قَوْله: (إِذا أفعل) بِالنّصب. قَوْله: (كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي: من الإهلال حِين صد بِالْحُدَيْبِية. قَوْله: (فَأهل بِالْعُمْرَةِ) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فَأهل بِالْعُمْرَةِ من الدَّار) ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم من رِوَايَة عَليّ بن عبد الْعَزِيز عَن أبي النُّعْمَان: شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه حجَّة على من لم ير بِجَوَاز الْإِحْرَام من خَارج الْمَوَاقِيت، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على الْجَوَاز، ثمَّ قيل: هُوَ أفضل من الْمِيقَات، وَقيل: من كَانَ لَهُ مِيقَات معِين فَهُوَ فِي حَقه أفضل وإلَاّ فَمن دَاره أفضل، وللشافعية فِي أرجحية الْمِيقَات من الدَّار اخْتِلَاف. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: يُؤْخَذ من تَعْلِيلهم أَي: من أَمن على نَفسه كَانَ أرجح فِي حَقه، وإلَاّ فَمن الْمِيقَات أفضل. قَوْله: (مَا شَأْنهمَا إلَاّ وَاحِد) يَعْنِي: فِي الْعَمَل، لِأَن الْقَارِن لَا يطوف عِنْده إلَاّ طَوافا وَاحِدًا وسعيا وَاحِدًا. وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن من أهلَّ بِعُمْرَة فِي أشهر الْحَج أَن لَهُ أَن يدْخل عَلَيْهَا الْحَج مَا لم يفْتَتح الطّواف بِالْبَيْتِ، لِأَن الصَّحَابَة أهلوا بِعُمْرَة فِي حجَّة الْوَدَاع، ثمَّ قَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ : من كَانَ مَعَه هدي فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة، ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَبِهَذَا احْتج مَالك فِي (موطئِهِ) . وَاخْتلفُوا فِي إِدْخَاله عَلَيْهَا إِذا افْتتح الطّواف، فَقَالَ مَالك: يلْزمه ذَلِك. وَيكون قَارنا، وَذكر أَنه

стр. 2838

قَول عَطاء، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَأما إِدْخَال الْعمرَة مَعَ الْحَج فَمِنْهُ مِنْهُ مَالك، وَهُوَ قَول إِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَقَالُوا: يصير قَارنا، وَذكر أَنه قَول عَطاء، وَلكنه أَسَاءَ فِيمَا فعل. قلت: الْقيَاس عِنْد أبي حنيفَة أَن لَا يمْنَع من إِدْخَال عمْرَة على حج، لِأَن من أَصله أَن على الْقَارِن تعدد الطّواف وَالسَّعْي. قَوْله: (فَلم يحل حَتَّى حل) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: حَتَّى أحل، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله وَفتح الْحَاء، وَهِي لُغَة مَشْهُورَة، يُقَال: حل وَأحل. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْعمرَة وَالْحجّة. ٦٠١ - (بابُ منْ أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أحْرَمَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أشعر هَدْيه. وَفِي بَيَان من قَلّدهُ وَالْكَلَام فِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ على أَنْوَاع. الأول: فِي تَفْسِير الْإِشْعَار لُغَة، وَهُوَ: من الشُّعُور فِي الأَصْل وَهُوَ الْعلم بالشَّيْء: من شعر يشْعر، من بَاب نصر ينصر، إِذا علم وأشعر من الْإِشْعَار بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ الْإِعْلَام. النَّوْع الثَّانِي: فِي تَفْسِيره شرعا، وَهُوَ أَن يضْرب صفحة سنامها الْيُمْنَى بحديدة حَتَّى تتلطخ بِالدَّمِ ظَاهرا، وَلَا نظر إِلَى مَا فِيهِ من الإيلام لِأَنَّهُ لَا منع إلَاّ مَا مَنعه الشَّرْع، وَذكر الْقَزاز: أشعرها إشعارا وإشعارها أَن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بِمَا حل فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَن الَّذِي فعل بهَا عَلامَة تعرف بهَا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ أَن يشق جلدهَا أَو يطعنها حَتَّى يظْهر الدَّم، وَزعم ابْن قرقول أَن إشعارها هُوَ تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضا من الْجَانِب الْأَيْمن، هَذَا عِنْد الْحِجَازِيِّينَ وَأما الْعِرَاقِيُّونَ فالإشعار عِنْدهم تقليدها بقلادة، وَقيل الْإِشْعَار أَن يكشط جلد الْبَدنَة حَتَّى يسيل دم ثمَّ يسلته، فَيكون ذَلِك عَلامَة على كَونهَا هَديا. النَّوْع الثَّالِث: فِي كَيْفيَّة الْإِشْعَار، وَالِاخْتِلَاف الَّذِي فِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: كَيْفيَّة الْإِشْعَار أَن يطعنها فِي أَسْفَل سنامها من الْجَانِب الْأَيْسَر حَتَّى يسيل الدَّم، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي قَول: الْأَيْمن، وَقَالَ السفاقسي: إِذا كَانَت الْبَدنَة ذللاً أشعرها من الْأَيْسَر، وَإِن كَانَت صعبة قرن بدنتين، ثمَّ قَامَ بَينهمَا وأشعر إِحْدَاهمَا من الْأَيْمن وَالْأُخْرَى من الْأَيْسَر. وَقَالَ ابْن قدامَة: وَعَن أَحْمد من الْجَانِب الْأَيْسَر، لِأَن ابْن عمر فعله، وَبِه قَالَ مَالك، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن مُجَاهِد، يَقُول: كَانُوا يستحبون الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْسَر. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَجَائِز الْإِشْعَار فِي الْجَانِب الْأَيْمن، وَفِي الْجَانِب الْأَيْسَر، وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رُبمَا فعل هَذَا وَرُبمَا فعل هَذَا، وَأكْثر أهل الْعلم يستحبون فِي الْجَانِب الْأَيْمن، مِنْهُم الشَّافِعِي وَإِسْحَاق لحَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ صلى الظّهْر بِذِي الحليفة ثمَّ دَعَا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الْيُمْنَى، ثمَّ سلت الدَّم عَنْهَا وقلدها بنعلين، أخرجه مُسلم، وَعند أبي دَاوُد: ثمَّ سلت الدَّم بِيَدِهِ، وَفِي لفظ: ثمَّ سلت الدَّم بإصبعه. وَقَالَ ابْن حبيب: يشْعر طولا، وَقَالَ السفاقسي عرضا، وَالْعرض عرض السنام من الْعُنُق إِلَى الذَّنب، وَقَالَ مُجَاهِد: أشعر من حَيْثُ شِئْت، ثمَّ قَالَ: والإشعار طولا فِي شقّ الْبَعِير أخذا من جِهَة مقدم الْبَعِير إِلَى جِهَة عَجزه، فَيكون مجْرى الدَّم عريضا فيتبين الْإِشْعَار، وَلَو كَانَ مَعَ عرض الْبَعِير كَانَ مجْرى الدَّم يَسِيرا خَفِيفا لَا يَقع بِهِ مَقْصُود الإعلان بِالْهَدْي. النَّوْع الرَّابِع: فِي صفة الْإِشْعَار، ذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَن الْإِشْعَار سنة، وَذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بأسانيد جَيِّدَة عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس: إِن شِئْت فأشعر وَإِن شِئْت فَلَا، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : قَالَ أَبُو حنيفَة: أكره الْإِشْعَار وَهُوَ مثلَة، وَقَالَ: هَذِه طامة من طوام الْعَالم أَن يكون مثلَة شَيْء فعله رَسُول الله ﷺ ، أفٍ لكل عقل يتعقب حكم رَسُول الله ﷺ ، وَيلْزمهُ أَن تكون الْحجامَة وَفتح الْعرق مثله، فَيمْنَع من ذَلِك. وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، وَلَا مُوَافق من فُقَهَاء عصره إلَاّ من ابتلاه الله تَعَالَى بتقليده. قلت: هَذَا سفاهة وَقلة حَيَاء، لِأَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْفُقَهَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة، ذكر أَن أَبَا حنيفَة لم يكره أصل الْإِشْعَار، وَلَا كَونه سنة، وَإِنَّمَا كره مَا يفعل على وَجه يخَاف مِنْهُ هلاكها لسراية الْجرْح، لَا سِيمَا فِي حر الْحجاز مَعَ الطعْن بِالسِّنَانِ، أَو الشَّفْرَة، فَأَرَادَ سد الْبَاب على الْعَامَّة، لأَنهم لَا يراعون الْحَد فِي ذَلِك، وَأما من وقف على الْحَد فَقطع الْجلد دون اللَّحْم فَلَا يكرههُ، وَذكر الْكرْمَانِي صَاحب الْمَنَاسِك عَنهُ استحسانه، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، لَا سِيمَا إِذا كَانَ بمبضع وَنَحْوه، فَيصير كالفصد والحجامة، وَأما قَوْله: وَهَذِه قولة لَا نعلم لأبي حنيفَة فِيهَا مُتَقَدم من السّلف، فَقَوْل فَاسد، لِأَن ابْن بطال ذكر أَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا لَا يرى بالإشعار، وَلما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ قلد نَعْلَيْنِ، وأشعر الْهَدْي فِي الشق الْأَيْمن بِذِي الحليفة

стр. 2839

وأماط عَنهُ الدَّم، قَالَ: سَمِعت يُوسُف بن عِيسَى، يَقُول: سَمِعت وكيعا يَقُول حِين روى هَذَا الحَدِيث: لَا تنظروا إِلَى قَول أهل الرَّأْي فِي هَذَا، فَإِن الْإِشْعَار سنة، وَقَوْلهمْ بِدعَة. قَالَ: وَسمعت أَبَا السَّائِب يَقُول: كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لرجل مِمَّن ينظر فِي الرَّأْي: أشعر رَسُول الله ﷺ ، وَيَقُول أَبُو حنيفَة: هُوَ مثلَة. قَالَ الرجل: فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: الْإِشْعَار مثلَة. قَالَ: فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا، وَقَالَ: أَقُول لَك: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، وَتقول: قَالَ إِبْرَاهِيم؟ مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا؟ انْتهى. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا يكره الْإِشْعَار إلَاّ أَبَا حنيفَة، قَالَ: وَخَالفهُ صَاحِبَاه، وَقَالا بقول عَامَّة أهل الْعلم. قلت: الْجَواب عَمَّا نَقله التِّرْمِذِيّ عَن وَكِيع، وَعَما قَالَه الْخطابِيّ، وَعَن قَول كل من يتعقب على أبي حنيفَة بِمثل هَذَا يحصل مِمَّا قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَقد رَأَيْت كل مَا ذكره، وَفِيه أريحية العصبية والحط على من لَا يجوز الْحَط عَلَيْهِ، وحاشا من أهل الْإِنْصَاف أَن يصدر مِنْهُم مَا لَا يَلِيق ذكره فِي حق الْأَئِمَّة الأجلاء على أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: لَا أتبع الرَّأْي وَالْقِيَاس إلَاّ إِذا لم أظفر بِشَيْء من الْكتاب أَو السّنة أَو الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قد خير صَاحب الْهَدْي فِي الْإِشْعَار، وَتَركه على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يشْعر مِنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان الْإِشْعَار سنة وَلَا مُسْتَحبا. النَّوْع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي الْإِشْعَار: مِنْهَا: أَن الْبَدنَة الَّتِي أشعرت إِذا اخْتلطت بغَيْرهَا تميزت، وَإِذا ضلت عرفت، وَمِنْهَا: أَن السَّارِق رُبمَا ارتدع فَتَركهَا. وَمِنْهَا: أَنَّهَا قد تعطب فتنحر، فَإِذا رأى الْمَسَاكِين عَلَيْهَا الْعَلامَة أكلوها، وَأَنَّهُمْ يتبعونها إِلَى المنحر لينالوا مِنْهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهَا تَعْظِيم شعار الشَّرْع، وحث الْغَيْر عَلَيْهِ. النَّوْع السَّادِس: أَن الْإِشْعَار مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ أم لَا؟ فَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي إِشْعَار الْبَقَرَة فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يشْعر فِي أسنمتها، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا وَقَالَ الشّعبِيّ: تقلد وتشعر، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر، وَقَالَ مَالك: تشعر الَّتِي لَهَا سناء. وتقلد وَلَا تشعر الَّتِي لَا سَنَام لَهَا وَقَالَ سعيد بن جُبَير تقلد وَلَا تشعر وَأما الْغنم فَلَا يسن إشعارها لِضعْفِهَا وَلِأَن صوفها يستر مَوضِع الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمَا علمت أحدا ذكر الْخلاف فِي الْبَقَرَة المسمنة إلَاّ الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وَمَا أرَاهُ مَوْجُودا. النَّوْع السَّابِع: فِي التَّقْلِيد. وَهُوَ سنة بِالْإِجْمَاع، وَهُوَ تَعْلِيق نعل أَو جلد ليَكُون عَلامَة الْهَدْي. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَو قلد بِعُرْوَة مزادة أَو لحي شَجَرَة أَو شبه ذَلِك جَازَ لحُصُول الْعَلامَة، وَذهب الشَّافِعِي وَالثَّوْري إِلَى أَنَّهَا تقلد بنعلين، وَهُوَ قَول ابْن عمر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَمَالك: يجزىء وَاحِدَة، وَعَن الثَّوْريّ: يجزىء فَم الْقرْبَة، وَنَعْلَان أفضل لمن وجدهما. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة أَن يبين أَن الْمُسْتَحبّ أَن لَا يشْعر الْمحرم وَلَا يُقَلّد إلَاّ فِي مِيقَات بَلَده، وَقيل: الَّذِي يظْهر أَن غَرَضه الْإِشَارَة إِلَى رد قَول مُجَاهِد، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يشْعر حَتَّى يحرم، وَهُوَ عكس مَا فِي التَّرْجَمَة. وَقَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا أهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ بِذِي الحلَيْفَةِ ويَطْعُن فِي شِثِّ سَنامِهِ الأيْمَن بِالشَّفْرَةِ ووَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عمر كَانَ يُقَلّد ويشعر بِذِي الحليفة، فَإِن بداءته بالتقليد والإشعار يدل على أَنه كَانَ يقدمهما على الْإِحْرَام، وَفِي التَّرْجَمَة كَذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ: ثمَّ أحرم أَي: بعد الْإِشْعَار والتقليد أحرم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) قَالَ: عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَنه إِذا أهْدى هَديا من الْمَدِينَة قَلّدهُ بِذِي الحليفة، يقلده قبل أَن يشعره، وَذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِد، وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الْقبْلَة يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الْأَيْسَر ثمَّ يساق مَعَه حَتَّى يُوقف بِهِ مَعَ النَّاس بِعَرَفَة، ثمَّ يدْفع بِهِ فَإِذا قدم غَدَاة النَّحْر نَحره. فَإِن قلت: الَّذِي علقه البُخَارِيّ يدل على الْأَيْمن، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالك يدل على الْأَيْسَر. قلت: قَالَ ابْن بطال: روى أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يشعرها مرّة فِي الْأَيْمن، وَمرَّة فِي الْأَيْسَر، فَأخذ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة الْأَيْسَر، وَأخذ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة أُخْرَى بِرِوَايَة الْأَيْمن، وَعَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ إِذا طعن فِي سَنَام هَدْيه، وَهُوَ يشعره، قَالَ: بِسم الله وَالله أكبر. قَوْله: (إِذا أهْدى من الْمَدِينَة) أَي: هَدْيه قَلّدهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَلّدهُ، وَأَشْعرهُ يرجع إِلَى الْهَدْي الْمُقدر الَّذِي هُوَ مفعول: أهْدى، وَقد صرح

стр. 2840

بِهِ فِي رِوَايَة مَالك كَمَا وقفت عَلَيْهِ. قَوْله: (ويطعن) ، بِضَم الْعين من الطعْن بِالرُّمْحِ، وَنَحْوه، قَوْله: (فِي شقّ سنامه) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ النَّاحِيَة وَالنّصف. قَوْله: (بالشفرة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَهِي السكين الْعَظِيم. قَوْله: (ووجهها) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، يرجع إِلَى الْبَدنَة الَّتِي هِيَ الْهَدْي، وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ. قَوْله: (باركة) ، نصب على الْحَال. ٥٩٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ قَالَا خَرَجَ النبيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ مائَةً مِنْ أصحَابِهِ حَتَّى إذَا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ ﷺ الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وَأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ. . . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أحرم بعد تَقْلِيده هَدْيه، وإشعاره، والترجمة فِي الْإِشْعَار والتقليد ثمَّ الْإِحْرَام. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله ابْن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء ابْن نَوْفَل بن وهيب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن لؤَي بن غَالب، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، سمع النَّبِي ﷺ وَعمر بن الْخطاب وَعمر بن عَوْف عِنْدهمَا، والمغيرة بن شُعْبَة وَمُحَمّد بن مُسلم. قَالَ ابْن بكير: مَاتَ بِمَكَّة يَوْم جَاءَ نعي يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى ابْن الزبير سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير، وأصابه حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر، فَمَاتَ فِي شهر ربيع الأول وَولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَكَانَ أَصْغَر من ابْن الزبير بأَرْبعَة أشهر. السَّابِع: مَرْوَان بن الحكم ابْن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس أَبُو عبد الْملك الْقرشِي الْأمَوِي، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي ﷺ ، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، قَالَ خَليفَة: مَاتَ مَرْوَان بِدِمَشْق لثلاث خلت من شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان ومعمرا بَصرِي سكن الْيمن والبقية مدنيون، غير أَن مسورا أَقَامَ بِمَكَّة إِلَى أَن مَاتَ بهَا، كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) وَقَالَ: لِأَن سنه كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة أَربع سِنِين، وَأما مَرْوَان فَلم تصح لَهُ صُحْبَة. وَفِيه: أَن مَرْوَان من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَعَن التَّابِعِيّ أَيْضا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع مُخْتَصرا من حَدِيث طَوِيل. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: أخرجه فِي كتاب الشُّرُوط عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله مُخْتَصرا، وَفِيه عَن عبد الله بن مُحَمَّد أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عبد الْأَعْلَى عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن الْمُبَارك بِبَعْضِه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج النَّبِي، ﷺ ، من الْمَدِينَة) ويروى: (خرج النَّبِي ﷺ زمن الْحُدَيْبِيَة من الْمَدِينَة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (من الْمَدِينَة) وَفِي بَعْضهَا بدله: (من الْحُدَيْبِيَة) . قَوْله: (فِي بضع عشرَة) ، الْبضْع بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْفَتْح: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. قَوْله: (قلد النَّبِي ﷺ الْهَدْي) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (أَن النَّبِي ﷺ سَاق يَوْم الْحُدَيْبِيَة سبعين بَدَنَة عَن سَبْعمِائة رجل) . وَفِي رِوَايَة: (كَانُوا فِي الْحُدَيْبِيَة خمس عشرَة مائَة) . وَفِي رِوَايَة: (أَربع عشرَة مائَة) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: تَقْلِيد الْهَدْي وإشعاره قبل الْإِحْرَام. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة التَّقْلِيد ومشروعية الْإِشْعَار، وَقَالَ ابْن

стр. 2841

بطال: من أَرَادَ أَن يحرم بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة وسَاق مَعَه هَديا لَا يقلده إلَاّ من مِيقَات، وَكَذَلِكَ يسْتَحبّ لَهُ أَيْضا أَن لَا يحرم إلَاّ من ذَلِك الْمِيقَات، على مَا عمل بِهِ النَّبِي ﷺ ، هَذَا فِي الْحُدَيْبِيَة، وَفِي حجَّته أَيْضا، وَكَذَلِكَ من أَرَادَ أَن يبْعَث بِهَدي إِلَى الْبَيْت وَلم يرد الْحَج وَالْعمْرَة وَأقَام فِي بَلَده فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يقلده وَأَن يشْعر فِي بَلَده، ثمَّ يبْعَث بِهِ كَمَا فعل النَّبِي ﷺ ، إِذْ بعث بهديه مَعَ أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سنة تسع وَلم يُوجب ذَلِك على النَّبِي ﷺ إحراما وَلَا تجردا من ثِيَاب وَلَا غير ذَلِك، وعَلى هَذَا جمَاعَة أَئِمَّة الْفَتْوَى: مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وردوا قَول ابْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ كَانَ يرى أَن من بعث بِهَدي إِلَى الْكَعْبَة لزمَه، إِذا قَلّدهُ، الْإِحْرَام، ويجتنب كل مَا يجْتَنب الْحَاج حَتَّى ينْحَر هَدْيه. وتابع ابْن عَبَّاس، على ذَلِك ابْن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على خلاف عَنهُ، وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد. قَالَ أَبُو عمر: وَقيس بن سعد بن عبَادَة، وَسَعِيد بن الْمسيب على اخْتِلَاف عَنهُ، وَمَيْمُون بن شبيب، ويروى مثل ذَلِك فِي أثر مَرْفُوع عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي، ﷺ ، رَوَاهُ أَسد بن مُوسَى عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الرَّحْمَن بن عَطاء بن أبي لَبِيبَة عَن عبد الْملك بن جَابر عَنهُ، وَابْن أبي لَبِيبَة شيخ لَيْسَ مِمَّن يحْتَج بِهِ فِيمَا ينْفَرد بِهِ، فَكيف فِيمَا خَالفه فِيهِ من هُوَ أثبت مِنْهُ؟ وَلكنه قد عمل بحَديثه بعض الصَّحَابَة. وَقَالَ أَبُو عمر: وَلَا يخْتَلف الْعلمَاء أَن هدي كل من كَانَ مِيقَاته ذَا الحليفة أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يُؤَخر إِحْرَامه إِلَى الْجحْفَة، وَإِنَّمَا يُؤَخر إِحْرَامه إِلَى الْجحْفَة المغربي والشامي. وَفِي (التَّلْوِيح) : وتابع ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَيْضا الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَأَبُو الشعْثَاء وَمُجاهد وَالْحسن بن أبي الْحسن، ذكره فِي (المُصَنّف) وَحَكَاهُ أَيْضا عَن عمر وَعلي وَابْن سِيرِين، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ عَطاء، وَقَالَ مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن ربيعَة بن الهدير: رأى رجلا متجردا بالعراق، فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالُوا: أَمر بهديه أَن يُقَلّد، فَلذَلِك تجرد، فَذكر ذَلِك لِابْنِ الزبير، فَقَالَ: بِدعَة وَرب الْكَعْبَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لَا يجوز عندنَا أَن يكون حلف ابْن الزبير على ذَلِك إلَاّ أَنه قد علم أَن السّنة على خِلَافه. وَالله أعلم. ٦٩٦١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أفلَحُ عنِ القَاسِمِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النبيِّ ﷺ بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا وأشعرها وأهْدَاهَا فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كانَ أُحِلَّ لَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قُم قلدها وأشعرها) ، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وأفلح بن حميد مولى الْأَنْصَار، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يروي عَن عمته عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن الْحَارِث وَعَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (بدن النَّبِي ﷺ ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الدَّال: جمع بَدَنَة. قَوْله: (فَمَا حرم عَلَيْهِ شَيْء) ويروى: (وَمَا حرم) ، بِالْوَاو، يَعْنِي الَّذِي حرم عَلَيْهِ شَيْء كَانَ أحل لَهُ قبل ذَلِك، أَرَادَ بِهِ مَحْظُورَات الْإِحْرَام. وَفِيه: من الْأَحْكَام: تَقْلِيد الْهَدْي وإشعارها. وَمِنْه: مُبَاشرَة التَّقْلِيد والإشعار بِيَدِهِ وَهُوَ أفضل من الِاسْتِنَابَة كذبح الْأُضْحِية، وَاخْتلف مَالك ابْن شهَاب فِي الْمَرْأَة فَقَالَ ابْن شهَاب: تلِي ذَلِك بِنَفسِهَا، وَأنْكرهُ مَالك، وَقَالَ: لَا تفعل ذَلِك إلَاّ أَن لَا تَجِد من يَلِي ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يَفْعَله إلَاّ من ينحره. ٧٠١ - (بابُ فَتْلِ الْقَلَائِدِ لِلْبُدْنِ والْبَقَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فتل القلائد لأجل التَّعْلِيق على الْبدن، وَهُوَ جمع قلادة. قَوْله: (وَالْبَقر) أَي: وللبقر. ٧٩٦١ - حدَّثنا مُسَددٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ حَفْصَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قالَتْ قُلْتُ يَا رسُولَ الله مَا شأنُ النَّاسَ حَلُّوا ولَمْ تَحْلِلْ أنْتَ قَالَ إنِّي لبَّدْتُ رَأسِي وقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أحِلَّ مِنَ الْحَجِّ. .

стр. 2842

مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب التَّمَتُّع والإقران فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن نَافِع، وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قيل: وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث ذكر الْبَقر، فَلَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة. قلت: لفظ الْهَدْي يتَنَاوَل الْإِبِل وَالْبَقر جَمِيعًا، لِأَنَّهُ صَحَّ أَن النَّبِي ﷺ أهداهما جَمِيعًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ دلّ الحَدِيث على التَّرْجَمَة؟ ثمَّ أجَاب بِأَن التَّقْلِيد لابد لَهُ من الفتل، وَتَبعهُ بَعضهم على ذَلِك، فَقَالَ: مناسبته للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن التَّقْلِيد يسْتَلْزم تقدم الفتل عَلَيْهِ. قلت: هَذَا غير مُسلم، لِأَن القلادة أَعم من أَن تكون من شَيْء يفتل وَمن شَيْء لَا يفتل. ٨٩٦١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا الليْثُ قَالَ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ وعنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ كانَ رسولُ الله ﷺ يُهْدِي مِنَ المَدِينَةِ فأفْتِلُ قَلَائِدَ ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَيزِيد بن خَالِد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح كلهم عَن لَيْث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة وَعمرَة، كِلَاهُمَا عَن عَائِشَة بِهِ. قَوْله: (وَعَن عمْرَة) عطف على عُرْوَة، وَابْن شهَاب روى هَذَا الحَدِيث عَن عُرْوَة بن الزبير وَعَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن جَمِيعًا، كِلَاهُمَا عَن عَائِشَة. قَوْله: (ثمَّ لَا يجْتَنب) أَي النَّبِي ﷺ . قَوْله: (مِمَّا يجتنبه الْمحرم) ، ويروى: (مِمَّا يجْتَنب الْمحرم) مَعْنَاهُ أَنه ﷺ كَانَ يبْعَث بِالْهَدْي وَلَا يحرم، فَلهَذَا لَا يجْتَنب عَن مَحْظُورَات الْإِحْرَام. وَقد بوب مُسلم على هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ: بَاب الْبَعْث بِالْهَدْي وتقليده من غير أَن يحرم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه: دَلِيل على اسْتِحْبَاب بعث الْهَدْي إِلَى الْحرم وَأَن من لم يذهب إِلَيْهِ يسْتَحبّ لَهُ بَعثه مَعَ غَيره وَفِيه: أَن من بعث هَدْيه لَا يصير محرما وَلَا يحرم عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا يحرم على الْمحرم، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمذهب الْعلمَاء كَافَّة إلَاّ رِوَايَة حكيت عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَطَاء وَسَعِيد ابْن جُبَير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَحَكَاهُ الْخطابِيّ أَيْضا عَن أهل الرَّأْي أَنه إِذا فعل ذَلِك لزمَه اجْتِنَاب مَا يجتنبه الْمحرم، وَلَا يصير محرما من غير نِيَّة الْإِحْرَام، وَالصَّحِيح مَا قَالَه الْجُمْهُور، ولهذه الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. ٨٠١ - (بابُ إشعارِ الْبُدُنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِشْعَار الْبدن وَحكم الْإِشْعَار قد علم مِمَّا تقدمه من الْأَبْوَاب، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب مَعَ أَن فِيهِ حديثين أَحدهمَا مُعَلّق وَقد ذكرهمَا فِيمَا قبل لأجل اخْتِلَاف سَنَده، ولبعض التَّفَاوُت فِي الْمُتُون، يظْهر لَك عِنْد الْوُقُوف عَلَيْهِ. وَقَالَ عُرْوَةُ عنِ المِسْوَرِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَلَّدَ النبيُّ ﷺ الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وأحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَأَشْعرهُ، وعلقه عَن عُرْوَة بن الزبير عَن الْمسور بن مخرمَة، وَأخرجه مَوْصُولا عَن قريب فِي: بَاب من أشعر وقلده بِذِي الحليفة. ٩٩٦١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا أفْلَحُ بنُ حُمَيْدٍ عنِ الْقَاسِمِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النبيِّ ﷺ ثُمَّ أشْعَرَها وقلَّدَها أوْ قَلَّدْتُها ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ وأقامَ بِالمَدِينَةِ فَمَا حَرُمَ عليْهِ شَيءٌ كانَ لَهُ حِلٌّ.. قد ذكر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن أَفْلح، وَهَهُنَا: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن أَفْلح إِلَى آخِره. قَوْله: (أَو قلدتها) شكّ من الرَّاوِي. وَفِيه جَوَاز الإستنابة فِي التَّقْلِيد. قَوْله: (وَأقَام بِالْمَدِينَةِ)

стр. 2843

يَعْنِي حَلَالا فَمَا حرم عَلَيْهِ شَيْء من مَحْظُورَات الْإِحْرَام. قَوْله: (كَانَ لَهُ حل) أَي: حَلَال، وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لقَوْله شَيْء، وَهُوَ مَرْفُوع بقول: (فَمَا حرم) بِضَم الرَّاء. ٩٠١ - (بابُ منْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قلد القلائد على الْهَدْي بِيَدِهِ بِدُونِ استنابة لغيره بذلك. ٠٠٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَن عبْدِ الله بنِ أبي بَكْرِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّ زِيادَ بنَ أبي سُفْيانَ كتَبَ إِلَى عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهاأنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ مَنْ أهْدَى هَدْيا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ قالَتْ عَمْرَةُ فقالَتْ عائِشةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَيْسَ كَما قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ إِنَّا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رسولِ الله ﷺ بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا رسولُ الله ﷺ بِيَدَيْهِ ثُمَّ بعَثَ بِهَا معَ أبي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رسُولِ الله ﷺ شَيءٌ أحَلَّهُ الله حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ قلدها رَسُول الله ﷺ بيدَيْهِ) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَعبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم قد مر فِي: بَاب الْوضُوء مرَّتَيْنِ، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، سقط عَمْرو، وَعمرَة هِيَ خَالَة عبد الله الرَّاوِي عَنْهَا، وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ، وَزِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف دَال مُهْملَة: ابْن أبي سُفْيَان أَبُو الْمُغيرَة، وَهُوَ الَّذِي ادَّعَاهُ مُعَاوِيَة أَخا لَهُ لِأَبِيهِ فألحقه بنسبه، وَقيل لَهُ: زِيَاد بن أَبِيه. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوكَالَة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك بِالْحَدِيثِ دون الْقِصَّة. قَوْله: (إِن زِيَاد بن أبي سُفْيَان) ، كَذَا وَقع فِي (الْمُوَطَّأ) وَكَانَ شيخ مَالك حدث بِهِ كَذَلِك فِي زمن بني أُميَّة. وَأما بعدهمْ فَمَا كَانَ يُقَال لَهُ إلَاّ زِيَاد بن أَبِيه. وَقيل: استلحاق مُعَاوِيَة لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُقَال لَهُ: زِيَاد بن عبيد، وَكَانَت أمه سميَّة مولاة الْحَارِث بن كلدة الثَّقَفِيّ تَحت عبيد الْمَذْكُور، فَولدت زيادا على فرَاشه، فَكَانَ ينْسب إِلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة شهد جمَاعَة على إِقْرَار أبي سُفْيَان بِأَن زيادا وَلَده، فاستلحقه مُعَاوِيَة لذَلِك وزوى ابْنه ابْنَته، وَأمر زيادا على العراقين: الْبَصْرَة والكوفة، جَمعهمَا لَهُ، وَمَات فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة ثَلَاث وَخمسين، وَوَقع عِنْد مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك: أَن ابْن زِيَاد، بدل قَوْله: إِن زِيَاد بن أبي سُفْيَان، قَالُوا: إِنَّه وهم نبه عَلَيْهِ الغساني وَمن تبعه مِمَّن يتَكَلَّم على صَحِيح مُسلم وَالصَّوَاب مَا وَقع فِي البُخَارِيّ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُود عِنْد جَمِيع رُوَاة الْمُوَطَّأ وَكَذَا وَقع فِي سنَن أبي دَاوُد وغيرهامن الْكتب الْمُعْتَمدَة، وَلِأَن ابْن زِيَاد لم يدْرك عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (من أهْدى) أَي: من بعث الْهَدْي إِلَى مَكَّة. قَوْله: (على الْحَاج) ويروى: (من الْحَاج) . قَوْله: (حَتَّى ينْحَر هَدْيه) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (قَالَت عمْرَة) أَي: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُورَة فِي السَّنَد، وَإِنَّمَا قَالَت بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (ثمَّ بعث بهَا) أَي: ثمَّ بعث رَسُول الله ﷺ بِالْهَدْي، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار الْبَدنَة لِأَن هَدْيه ﷺ الَّذِي بعث بِهِ كَانَ بَدَنَة. قَوْله: (مَعَ أبي) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة المخففة: وَهُوَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ بَعثه ﷺ بهديه مَعَ أبي بكر سنة تسع عَام حج أَبُو بكر بِالنَّاسِ. قَوْله: (حَتَّى نحر الْهَدْي) أَي حَتَّى نحر أَبُو بكر الْهَدْي، ويروي: (حَتَّى نحر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: عدم الْحُرْمَة لَيْسَ مغيا إِلَى النَّحْر إِذْ هُوَ بَاقٍ بعده، فَلَا مُخَالفَة بَين حكم مَا بعد الْغَايَة وَمَا قبلهَا؟ قلت: هُوَ غَايَة النَّحْر لَا لما يحرم أَي: الْحُرْمَة المنتهية أَي: النَّحْر لم يكن، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رد لكَلَام ابْن عَبَّاس، وَهُوَ كَانَ مثبتا للْحُرْمَة إِلَى النَّحْر انْتهى. وَوَقعت زِيَادَة فِي رِوَايَة مُسلم هُنَا عَن يحيى بن يحيى بعد قَوْله: (حَتَّى ينْحَر الْهَدْي) ، وَهِي: وَقد بعث بهديي فأكتبي إِلَيّ بِأَمْرك، وَوَقعت فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ زِيَادَة أُخْرَى، وَهِي بعد قَوْله: (فاكتبي إليَّ بِأَمْرك أَو مري صَاحب الْهَدْي) ، أَي: الَّذِي مَعَه الْهَدْي، يَعْنِي: مري بِمَا يصنع، وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَمَانِيَة

стр. 2844

عشر طَرِيقا كلهَا فِي بَيَان حجَّة من قَالَ: لَا يجب على من بعث بِهَدي أَن يتجرد عَن ثِيَابه وَلَا يتْرك شَيْء مِمَّا يتْركهُ الْمحرم إلَاّ بِدُخُولِهِ فِي الْإِحْرَام، إِمَّا بِحَجّ وَإِمَّا بِعُمْرَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، وَقد ذكرنَا أَنهم ردوا قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من قَوْله: (إِن من بعث بهديه إِلَى مَكَّة وَأقَام هُوَ، فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يجْتَنب مَا يجتنبه الْمحرم حَتَّى ينْحَر هَدْيه) . وَقَالَ ابْن التِّين: خَالف ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هَذَا جَمِيع الْفُقَهَاء، واحتجت عَائِشَة بِفعل رَسُول الله، ﷺ ، وَمَا روته فِي ذَلِك يجب أَن يُصَار إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَجَعَ عَنهُ. انْتهى قلت: ابْن عَبَّاس لم ينْفَرد بذلك، بل ثَبت ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. مِنْهُم: ابْن عمر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن أَيُّوب وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر، كَانَ إِذا بعث بِالْهَدْي يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم إلَاّ أَنه لَا يُلَبِّي. وَمِنْهُم: قيس بن سعد بن عبَادَة، أخرج سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَنهُ نَحْو ذَلِك. وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عمر، وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرجل يُرْسل ببدنته: إِنَّه يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم، وَهَذَا مُنْقَطع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه رد عَائِشَة على ابْن عَبَّاس؟ قلت: حَاصله أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك قِيَاسا للتوكيل فِي أَمر الْهَدْي على الْمُبَاشرَة لَهُ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: لَا اعْتِبَار للْقِيَاس فِي مُقَابلَة السّنة الظَّاهِرَة. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك، قِيَاسا، بل الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا قَالَه لقِيَام دَلِيل من السّنة عِنْده، وَلم يقل ابْن عَبَّاس هَذَا وَحده، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ألَا يرى أَن جمَاعَة من التَّابِعين وهم: الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن جُبَير وافقوا ابْن عَبَّاس فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك؟ وَاحْتج لَهُم الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي ﷺ جَالِسا فقد قَمِيصه حَتَّى أخرجه من رجلَيْهِ، فَنظر الْقَوْم إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أمرت ببدني الَّتِي بعثت بهَا أَن تقلد الْيَوْم وتشعر على مَكَان كَذَا وَكَذَا، فَلبِست قَمِيصِي ونسيت، فَلم أكن لأخرج قَمِيصِي من رَأْسِي، وَكَانَ بعث ببدنة وَأقَام بِالْمَدِينَةِ، وَإِسْنَاده حسن، وَأخرجه أَبُو عمر أَيْضا. وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: تنَاول الْكَبِير الشَّيْء بِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ لَهُ من يَكْفِيهِ إِذا كَانَ مِمَّا يهتم بِهِ، وَلَا سِيمَا مَا كَانَ من إِقَامَة الشَّرَائِع وَأُمُور الدّيانَة. وَفِيه: رد بعض الْعلمَاء على بعض. وَفِيه: رد الِاجْتِهَاد بِالنَّصِّ. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي أَفعَال النَّبِي ﷺ التأسي حَتَّى تثبت الخصوصية. ٠١١ - (بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَقْلِيد الْغنم. ١٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أهْدَي النبيُّ ﷺ مَرَّةً غنَما.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من لَوَازِم الْهَدْي التَّقْلِيد شرعا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْأسود ابْن يزِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد وَعَن ابْن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. وَاحْتج الشَّافِعِي بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْغنم تقلد، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن حبيب، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا تقلد لِأَنَّهَا تضعف عَن التَّقْلِيد. وَقَالَ أَبُو عمر: احْتج من لم يره بِأَن الشَّارِع إِنَّمَا حج حجَّة وَاحِدَة لم يهد فِيهَا غنما، وأنكروا حَدِيث الْأسود الَّذِي فِي البُخَارِيّ فِي تَقْلِيد الْغنم، قَالُوا هُوَ حَدِيث لَا يعرفهُ أهل بَيت عَائِشَة. وَقَالَ بَعضهم: مَا أَدْرِي مَا وَجه الْحجَّة مِنْهُ، لِأَن حَدِيث الْبَاب دلّ على أَنه أرسلها وَأقَام، فَكَانَ ذَلِك قبل حجَّته قطعا، فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن مُجَرّد التّرْك لَا يدل على نسخ الْجَوَاز، ثمَّ من الَّذِي صرح بِهِ من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِأَنَّهُ لم يكن فِي هداياه فِي حجَّته غنم حَتَّى يسوغ الِاحْتِجَاج بذلك؟ انْتهى قلت: الْهَدْي الَّذِي أرسل بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْغنم

стр. 2845

لَيْسَ هدي الْإِحْرَام، وَلِهَذَا أَقَامَ حَلَالا بعد إرْسَاله، وَلم ينْقل أَنه أهْدى غنما فِي إِحْرَامه. وَقَوله: فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك كَلَام واهٍ، لِأَن من ادّعى التَّعَارُض بَينهمَا والتعارض تقَابل الحجتين، وَهَهُنَا الْفِعْل لم يُوجد، فَكيف يتَصَوَّر التَّعَارُض حَتَّى يحْتَاج إِلَى دَفعه. وَقَوله: ثمَّ من الَّذِي صرح من الصَّحَابَة ... إِلَى آخِره، يرد بِأَن يُقَال من الَّذِي صرح مِنْهُم بِأَنَّهُ كَانَ فِي هداياه فِي حجَّته غنم. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالْحَنَفِيَّة فِي الأَصْل يَقُولُونَ لَيست الْغنم من الْهَدْي، فَالْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. قلت: هَذَا افتراء على الْحَنَفِيَّة، فَفِي أَي مَوضِع قَالَت الْحَنَفِيَّة: إِن الْغنم لَيست من الْهَدْي؟ بل كتبهمْ مشحونه بِأَن الْهَدْي اسْم لما يهدى من الْغنم إِلَى الْحرم ليتقرب بِهِ. قَالُوا: وَأَدْنَاهُ شَاة، لقَوْل ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي شَاة، وَعَن هَذَا قَالُوا: الْهَدْي إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حَتَّى قَالُوا هَذَا بِالْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا مَذْهَبهم أَن التَّقْلِيد فِي الْبَدنَة وَالْغنم لَيست من الْبَدنَة فَلَا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، إِذْ لَو كَانَ تقليدها سنة لما تركوها، وَقَالُوا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: تفرد بِهِ الْأسود وَلم يذكرهُ غَيره على مَا ذكرنَا، وَادّعى صَاحب الْمَبْسُوط أَنه أثر شَاذ. فَإِن قلت: كَيفَ يُقَال: تركوها؟ وَقد ذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: لقد رَأَيْت الْغنم يُؤْتى بهَا مقلدة؟ وَعَن أبي جَعْفَر: رَأَيْت الكباش مقلدة، وَعَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر: أَن الشَّاة كَانَت تقلد، وَعَن عَطاء: رَأَيْت أُنَاسًا من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يسوقون الْغنم مقلدة؟ قلت: لَيْسَ فِي ذَلِك كُله أَن التَّقْلِيد كَانَ فِي الْغنم الَّتِي سيقت فِي الْإِحْرَام، وَأَن أَصْحَابهَا كَانُوا محرمين، على أنَّا نقُول: إِنَّهُم مَا منعُوا الْجَوَاز، وَإِنَّمَا قَالُوا بِأَن التَّقْلِيد فِي الْغنم لَيْسَ بِسنة. ٢٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كُنْتُ أفْتِلُ الْقَلائِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويُقِيمُ فِي أهْلِهِ حَلَالاً.. هَذَا طَرِيق آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي النُّعْمَان، بِضَم النُّون، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَإِنَّمَا أرْدف الطَّرِيق السَّابِق بِهَذَا الطَّرِيق لِأَن فِيهِ تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عَن إِبْرَاهِيم. وَفِي هَذَا الطَّرِيق أَيْضا زِيَادَة، وَهُوَ التَّقْلِيد، وَذكر إِقَامَته ﷺ فِي أَهله حَلَالا، وللحنفية أَن يحتجوا بِالزِّيَادَةِ الثَّانِيَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن تَقْلِيد الْغنم إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ فِي الأحرام. ٣٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ قَالَ حدَّثنا منْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ قَالَ (ح) وحدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الْغَنَمُ لِلنَّبيِّ ﷺ فيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالاً.. هَذَانِ طَرِيقَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: عَن أبي النُّعْمَان الْمَذْكُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفتل قلائد هدي النَّبِي ﷺ ، كلهَا غنما، ثمَّ لَا يحرم. وَقَالَ بَعضهم: أرْدف رِوَايَة عبد الْوَاحِد بِرِوَايَة مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم استظهارا لرِوَايَة عبد الْوَاحِد، لما فِي حفظ عبد الْوَاحِد عِنْدهم، وَأَن كَانَ هُوَ عِنْده حجَّة. ٤٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِي ﷺ تَعْنِي الْقَلائِدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ.. هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن عَامر الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَنْهَا. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الضَّحَايَا عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن إِسْمَاعِيل عَن

стр. 2846

الشّعبِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن زَكَرِيَّا بِهِ، وَعَن أبي مُوسَى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن إِسْمَاعِيل بِهِ. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا يدل ظَاهرا على كَون القلائد للغنم، فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة؟ قلت: لفظ الْهَدْي يتَنَاوَل الْغنم أَيْضا لِأَنَّهُ فَرد من أَفْرَاد مَا يهدى إِلَى الْحرم، وَأَيْضًا إرداف هَذَا الحَدِيث بِالْحَدِيثين السَّابِقين يدل على أَنه مثلهمَا فِي حكم تَقْلِيد الْغنم. ١١١ - (بابُ الْقَلائِدِ مِنَ الْعِهْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم القلائد من العهن، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء وَفِي آخِره نون: وَهُوَ الصُّوف الْمَصْبُوغ ألوانا. وَيُقَال: كل صوف عهن، والقطعة مِنْهُ عهنة، وَالْجمع عهون، ذكره فِي (الموعب) وَفِي (الْمُحكم) : الْمَصْبُوغ أَي لون كَانَ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ الْأَحْمَر من الصُّوف. ٥٠٧١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا مُعاذُ بنُ مُعَاذٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنِ الْقَاسِمِ عنْ أمِّ المُؤمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فَتَلْتُ قَلائِدَه مِنْ عِهْنٍ كانَ عِنْدِي.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَمْرو بن عَليّ بن كثير أَبُو حَفْص الصَّيْرَفِي الْبَصْرِيّ، ومعاذ بن معَاذ، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة فِي اللَّفْظَيْنِ: ابْن نصر بن حسان الْعَنْبَري التَّمِيمِي قَاضِي الْبَصْرَة، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون أرطبان مر فِي كتاب الْعلم. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بأتم من البُخَارِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي. قَوْله: (عَن أم الْمُؤمنِينَ) ، هِيَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بَينه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) عَن يحيى بن حَكِيم عَن معَاذ، وَكَذَا فِي كتاب الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عون. قَوْله: (فتلت قلائدها) ، أَي: الْبدن أَو الْهَدَايَا. وَفِي رِوَايَة يحيى الْمَذْكُورَة: (أَنا فتلت تِلْكَ القلائد) ، وَرَوَاهُ مُسلم من وَجه آخر عَن ابْن عون مثله، وَزَاد: فَأصْبح فِينَا حَلَالا يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَال من أَهله. وَفِيه: رد على من كره القلائد من الأوبار وَاخْتَارَ أَن يكون من نَبَات الأَرْض. وَهُوَ مَنْقُول عَن ربيعَة وَمَالك. وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّه أَرَادَ الأولى مَعَ القَوْل بِجَوَاز كَونهَا من الصُّوف. ٢١١ - (بابُ تَقْلِيدِ النَّعْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَقْلِيد الْهَدْي بالنعل، وَهُوَ الْحذاء، مؤنثه وتصغيرها نعيلة، تَقول: نعلت وانتعلت إِذا احتذيت، وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس يتَنَاوَل الْوَاحِدَة وَمَا فَوْقهَا، وَفِي حكمهَا خلاف، فَعِنْدَ الثَّوْريّ: الشَّرْط نَعْلَانِ فِي التَّقْلِيد، وَعند غَيره: تجوز الْوَاحِدَة. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يتَعَيَّن النَّعْل فِي التَّقْلِيد، بل كل مَا قَامَ مقَامهَا يجزىء، حَتَّى أذن الْإِدَاوَة والقطعة من المزادة. وَالْحكمَة فِيهِ أَنه إِشَارَة إِلَى السّفر وَالْجد فِيهِ. وَقيل: الْحِكْمَة فِيهِ أَن الْعَرَب تَعْتَد النَّعْل مركوبة لكَونهَا تَقِيّ عَن صَاحبهَا، وَتحمل عَنهُ وعر الطَّرِيق. فَكَانَ الَّذِي أهْدى وقلده بالنعل خرج عَن مركوبه لله تَعَالَى حَيَوَانا، وَغَيره فبالنظر إِلَى هَذَا يسْتَحبّ النَّعْلَانِ فِي التَّقْلِيد. ٦٠٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنا عَبْدُ الأعْلَى بنُ عَبْدِ الأعْلَى عنْ مَعْمَرٍ عنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثيرٍ عَن عِكْرَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ نبيَّ الله ﷺ رَأى رجُلاً يَسُوقُ بَدَنةً قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إنَّهَا بَدَنَةً قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ فَلَقَدْ رَأيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النبيَّ ﷺ والنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.

стр. 2847

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والنعل فِي عُنُقهَا) . ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد كَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام، وَكَذَا وَقع لِابْنِ السكن، وَقَالَ الجياني: لَعَلَّه مُحَمَّد بن الْمثنى لِأَنَّهُ قَالَ بعد هَذَا فِي: بَاب الذّبْح قبل الْحلق: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا عبد الْأَعْلَى يُؤَيّدهُ مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم فِي (مستخرجيهما) من طَرِيق الْحسن بن سُفْيَان حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا عبد الْأَعْلَى فذكرا حَدِيث النَّعْل. الثَّانِي: عبد الْأَعْلَى ابْن عبد الْأَعْلَى ابْن مُحَمَّد السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة: من بني سامة بن لؤَي. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير، وَاسم أبي كثير: صَالح بن المتَوَكل، وَقيل غير ذَلِك. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَأما عِكْرِمَة بن عمار فَهُوَ تلميذ يحيى بن أبي كثير لَا شَيْخه. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه إِن كَانَ مُحَمَّد بن سَلام فَهُوَ البيكندي البُخَارِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن الْمثنى فَهُوَ الْبَصْرِيّ وَكَذَلِكَ عبد الْأَعْلَى وَمعمر بصريان وَيحيى بن أبي كثير يمامي وَعِكْرِمَة مدنِي. وَفِيه: ثَلَاثَة مذكورون بِغَيْر نِسْبَة. وَفِيه: من هُوَ اسْمه وَاسم أَبِيه وَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. وَقيل: يحيى رأى أنسا يُصَلِّي وَلم يرو عَنهُ شَيْئا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَسُوق بَدَنَة) ، جملَة حَالية. قَوْله: (قَالَ) أَي: أَبُو هُرَيْرَة. قَوْله: (فَلَقَد رَأَيْته) أَي: الرجل الْمَذْكُور. قَوْله: (راكبها) نصب على الْحَال لِأَن إِضَافَته لفظية، فَهُوَ نكرَة وَيجوز أَن يكون بَدَلا من ضمير الْمَفْعُول فِي: رَأَيْته، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ فِي: بَاب ركُوب الْبدن، فَإِنَّهُ أخرج هُنَاكَ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيق مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ ظَاهر الْعبارَة أَن مُحَمَّد بن بشار تَابع مُحَمَّد بن الْمثنى، وَقَالَ بَعضهم: المتابَع بِالْفَتْح هُوَ معمر، والمتابِع بِالْكَسْرِ هُوَ مُحَمَّد بن بشار ظَاهرا، وَلكنه فِي التَّحْقِيق هُوَ عَليّ بن الْمُبَارك، ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا احْتَاجَ معمر عِنْده إِلَى الْمُتَابَعَة لِأَن فِي رِوَايَة الْبَصرِيين عَنهُ مقَالا لكَونه حَدثهمْ بِالْبَصْرَةِ من حفظَة، وَهَذَا من رِوَايَة الْبَصرِيين. انْتهى. قلت: الَّذِي يَقْتَضِيهِ حق التَّرْكِيب يرد مَا قَالَه على مَا لَا يخفى، وَالَّذِي حمله على هَذَا ذكر عَليّ بن الْمُبَارك فِي السَّنَد الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا، وَهَذَا فِي غَايَة الْبعد على مَا لَا يخفى. غَايَة مَا فِي الْبَاب: أَن السَّنَد الَّذِي فِيهِ عَليّ بن الْمُبَارك يظْهر أَنه تَابع معمرا فِي رِوَايَته فِي نفس الْأَمر لَا فِي الظَّاهِر، لِأَن التَّرْكِيب لَا يساعد مَا قَالَه أصلا. فَافْهَم. حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ قَالَ أخبرَنا عَلِيُّ بنُ الْمُبارَكِ عنْ يَحْيى عنْ عِكْرِمةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِي ﷺ أَشَارَ بِهَذَا الطَّرِيق إِلَى أَن مُتَابعَة عَليّ بن الْمُبَارك معمرا لما ذكرنَا. وَفِي بعض النّسخ، قَالَ: حَدثنَا أَي: قَالَ البُخَارِيّ. ويروى: أخبرنَا عُثْمَان عَن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ. قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي الْبَصْرِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق وَكِيع عَن عَليّ بن الْمُبَارك بمتابعة عُثْمَان بن عمر، وَقَالَ: إِن حُسَيْنًا الْمعلم رَوَاهُ عَن يحيى بن أبي كثير أَيْضا. ٣١١ - (بابُ الْجِلَالِ لِلْبُدْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْجلَال الْمعدة للبدن، وَهُوَ بِكَسْر الْجِيم جمع: جلّ، بِضَم الْجِيم. وَهُوَ الَّذِي يطْرَح على ظهر الْحَيَوَان من الْإِبِل وَالْفرس وَالْحمار والبغل، وَهَذَا من حَيْثُ الْعرف، وَلَكِن الْعلمَاء قَالُوا: إِن التجليل مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ من كسَاء وَنَحْوهَا. وكانَ ابنُ عُمعرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَا يَشُقُّ مِنَ الجِلَالِ إلَاّ مَوْضِعَ السَّنامِ وإذَا نَحَرَهَا نزَعَ جِلَالَهَا مَخَافَةَ أنْ يُفْسِدَها الدَّمُ ثُمَّ يتَصَدَّقُ بِهَا

стр. 2848

هَذَا التَّعْلِيق وصل بعضه مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ يُجَلل بدنه الْقبَاطِي والجلل، ثمَّ يبْعَث بهَا إِلَى الْكَعْبَة فيكسوها إِيَّاهَا. وَعَن مَالك أَنه سَأَلَ عبد الله بن دِينَار: مَا كَانَ ابْن عمر يصنع بِجلَال بدنه حِين كُسِيت الْكَعْبَة هَذِه الْكسْوَة؟ قَالَ: كَانَ يتَصَدَّق بهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، بعد أَن أخرجه من طَرِيق يحيى بن بكير عَن مَالك: زَاد فِيهِ غير يحيى عَن مَالك: إلَاّ مَوضِع السنام ... إِلَى آخر الْأَثر الْمَذْكُور. قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ التَّصَدُّق بِجلَال الْبدن فرضا، وَإِنَّمَا صنع ذَلِك ابْن عمر لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يرجع فِي شَيْء أهل بِهِ لله. وَلَا فِي شَيْء أضيف إِلَيْهِ. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: وَيتَصَدَّق بِجلَال الْهَدْي وزمامه لِأَنَّهُ ﷺ أَمر عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بذلك، كَمَا يَجِيء الْآن. وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْأَمر أَمر اسْتِحْبَاب. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ يرَوْنَ تجليل الْبدن. ثمَّ إعلم أَن فَائِدَة شقّ الجل من مَوضِع السنام ليظْهر الْإِشْعَار وَلَا يستر تحتهَا. ٧٠٧١ - حدَّثنا قَبِيصةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عَن ابنِ أبي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي لَيْلَى عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أمَرني رسولُ الله ﷺ أنْ أتَصَدَّقَ بِجِلالِ البُدْنِ الَّتي نَحَرْتُ وبِجُلُودِهَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقبيصَة، بِفَتْح الْقَاف: ابْن عقبَة بن عَامر السوَائِي العامري الْكُوفِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَابْن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم: واسْمه عبد الله بن يسَار الْمَكِّيّ، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَاسم أبي ليلى: يسَار بن بِلَال، لَهُ صُحْبَة. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الْوكَالَة عَن قبيصَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي نعيم، وَعَن مُسَدّد وَعَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن ابْن أبي شيبَة، وَعَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن معَاذ بن هِشَام وَعَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم وَمُحَمّد بن مَرْزُوق وَعبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن عون وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عَمْرو بن يزِيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن آدم، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن معمر. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي: بَاب لَا يعْطى الجزار من الْهَدْي شَيْئا، فَأمرنِي فقسمت لحمومها، ثمَّ أَمرنِي فقسمت جلالها وجلودها، وَلَا أعْطى عَلَيْهَا شَيْئا فِي جزارتها، وَفِي لفظ: وَكَانَت مائَة بَدَنَة، والجزارة، بِكَسْر الْجِيم: اسْم الْفِعْل، وبالضم السواقط الَّتِي يَأْخُذهَا الجازر، قَالَه ابْن التِّين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الجزارة بِالضَّمِّ كالعمالة، مَا يَأْخُذهُ الجزار من الذَّبِيحَة من أجرته، وَأَصلهَا أَطْرَاف الْبَعِير: الرَّأْس وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ سميت بذلك لِأَن الجزار كَانَ يَأْخُذهَا عَن أجرته، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: قَالَ قوم: هِيَ كالخياطة، يُرِيد بهَا عمله فِيهَا. ٤١١ - (بابُ منِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وقَلَّدَهُ) ذكر هَذَا الْبَاب قبل ثَمَانِيَة أَبْوَاب بقوله: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق، وَزَاد فِي هَذِه التَّرْجَمَة قَوْله: وقلده. قَوْله: (هَدْيه) ، بِسُكُون الدَّال وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيجوز بِكَسْر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء، وَفِي بعض النّسخ: وقلدها، بتأنيث الضَّمِير، إِمَّا بِاعْتِبَار أَن الْهَدْي اسْم الْجِنْس، أَو بِاعْتِبَار مَا صدق عَلَيْهِ الْهَدْي وَهُوَ الْبَدنَة، ويروى: ببدنة، بِالتَّاءِ الفارقة بَين اسْم الْجِنْس وواحده. ٨٠٧١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نَافِعٍ قَالَ أرَادَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا الْحَجَّ عامَ حَجَّةِ الحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابنِ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقِيلَ لَهُ إنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ونَخافُ أنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله إسْوَةٌ حسَنَةٌ إِذا أصْنَعَ كَما صنَعَ أُشْهِدُكُمْ أنِّي أوْجَبْتُ عُمْرَةً حَتَّى كانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ مَا شَأنُ الْحَجِّ والْعُمْرَةِ إلَاّ واحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أنِّي جمعْتُ حجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ وأهْدَى هَدْيا مُقَلَّدا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ

стр. 2849

فطَافَ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا ولَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ولَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ فحَلَقَ ونَحَرَ ورَأى أنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ والْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ ثُمَّ قَالَ كذَلِكَ صَنَعَ النبيُّ ﷺ .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأهْدى هَديا مُقَلدًا اشْتَرَاهُ) ، وَكَانَ الشِّرَاء من قديد، كَمَا صرح بِهِ فِي الحَدِيث الْمَاضِي الْمَذْكُور فِي: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الْمَذْكُور: عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع، قَالَ: قَالَ عبد الله بن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أبي إِسْحَاق الْحزَامِي الْمدنِي، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن أبي ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ الْمدنِي عَن مُوسَى بن عقبَة عَن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمدنِي عَن نَافِع، مولى ابْن عمر، وهم كلهم مدنيون، فَاعْتبر التَّفَاوُت بَين متني حَدِيثي الْبَابَيْنِ. قَوْله: (عَام حجَّة الحرورية) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عَام حج الحرورية) ، والحرورية، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى: منسوبة إِلَى قَرْيَة من قرى الْكُوفَة، وَالْمرَاد بهم الْخَوَارِج، وَقد مر تَحْقِيقه فِي: بَاب لَا تقضي الْحَائِض الصَّلَاة. قَوْله: (فِي عهد ابْن الزبير) يَعْنِي: فِي أَيَّام عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف قَوْله فِي: بَاب طواف الْقَارِن، وَمن رِوَايَة اللَّيْث عَن نَافِع عَام نزل الْحجَّاج بِابْن الزبير، لِأَن خجة الحرورية كَانَت فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَذَلِكَ قبل أَن يتسمى ابْن الزبير بالخلافة، ونزول الْحجَّاج بِابْن الزبير كَانَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين، وَذَلِكَ فِي آخر أَيَّام ابْن الزبير. قلت: تَوْجِيهه بِأحد الْأَمريْنِ: أَحدهمَا: أَن الرَّاوِي قد أطلق على الْحجَّاج وَأَتْبَاعه: حرورية، لجامع مَا بَينهم من الْخُرُوج على أَئِمَّة الْحق. وَالْآخر: أَن يحمل على تعدد الْقِصَّة. قَوْله: (فَقيل لَهُ) الظَّاهِر أَن الْقَائِل لِابْنِ عمر بِهَذَا القَوْل هُوَ وَلَده عبد الله، لِأَنَّهُ صرح بذلك فِي رِوَايَة أَيُّوب عَن نَافِع الَّذِي مضى فِي: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق. قَوْله: (إِذا إصنع كَمَا صنع) أَي: حِينَئِذٍ أصنع فِي حجي كَمَا صنع رَسُول الله ﷺ فِي الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (حَتَّى كَانَ بِظَاهِر الْبَيْدَاء) ، ويروى: (حِين كَانَ) ، والبيداء هُوَ الشّرف الَّذِي قُدَّام ذِي الحليفة إِلَى جِهَة مَكَّة، سمي بِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا بِنَاء وَلَا أثر، وكل مفازة بيداء. قَوْله: (اشْتَرَاهُ) أَي: من قديد، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وبالصفاء) ، ويروى: (وبالصفا والمروة) . قَوْله: (وَرَأى أَن قد قضى) ، أَي: أدّى. قَوْله: (الْحَج) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي الْحَج. قَالَ الْكرْمَانِي، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض النّسخ، ويروى: (طواف الْحَج) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي الْحَج. قَالَ الْكرْمَانِي، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض النّسخ. ويروى: (طواف الْحَج) ، بِإِضَافَة الطّواف إِلَى الْحَج. قَوْله: (بطوافه الأول) أَي: طَوَافه الَّذِي وَقع أَولا. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي لم يَجْعَل لِلْقُرْآنِ طوافين، بل اكْتفى بِالْأولِ فَقَط. وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ: يَكْفِي للقارن طواف وَاحِد. انْتهى. قلت: إِنَّمَا فسر الْكرْمَانِي بِهَذَا التَّفْسِير نصْرَة لمَذْهَب إِمَامه، وَلَكِن لَا يتم بِهِ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم قَوْله: بطوافه الأول، أَن يكون طَوافا وَاحِدًا فِي نَفسه، لِأَن الطوافين يُطلق عَلَيْهِمَا: الطّواف الأول بِالنِّسْبَةِ إِلَى طواف الرُّكْن، وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، لِأَنَّهُ لَا بُد من الطّواف بعد الْوُقُوف. فَافْهَم. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: كَذَلِك صنع النَّبِي ﷺ ، ويروى: (هَكَذَا صنع النَّبِي ﷺ . ٥١١ - (بابُ ذَبْحِ الرَّجُلِ الْبَقَرَ عنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أمْرِهِنَّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ذبح الرجل الْبَقر ... إِلَى آخِره، هَذَا التَّقْدِير على أَن يكون فِي معنى التَّرْجَمَة اسْتِفْهَام بِمَعْنى: هَل يجزىء ذبح الرجل الْبَقر عَن نِسَائِهِ من غير أمرهن إِذْ وَجب عَلَيْهِنَّ الدَّم؟ وَجَوَابه يفهم من حَدِيث الْبَاب أَنه يجزىء عَنْهُن، وَعَن هَذَا قَالَ الْمُهلب فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، من الْفِقْه: أَنه من كفر عَن غَيره كَفَّارَة يَمِين أَو كَفَّارَة ظِهَار أَو قتل أَو أهْدى عَنهُ أَو أدّى عَنهُ دينا فَإِن ذَلِك يكون مجزئا عَنهُ، لِأَن نسَاء النَّبِي ﷺ لم يعرفن مَا أدّى عَنْهُن لما وَجب عَلَيْهِنَّ من نسك التَّمَتُّع. ٩٠٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحيى بنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ قالَتْ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ لَا نُرَى إلَاّ الحَجَّ فلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أمَرَ رسولُ الله ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ هَدْيٌ إذَا

стр. 2850

طافَ وسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أنْ يَحِلَّ قالَتْ فَدُخِلَ علَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فقُلْتُ مَا هاذا قَالَ نَحَرَ رسولُ الله ﷺ عنْ أزْوَاجِهِ قَالَ يَحْيَى فذَكَرْتُهُ لِلقَاسِمِ فَقَالَ أتَتْكَ بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.. قيل لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن التَّرْجَمَة بِالذبْحِ والْحَدِيث بِلَفْظ النَّحْر. وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَشَارَ بِلَفْظ الذّبْح إِلَى مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث بِلَفْظ: الذّبْح، وَسَيَأْتِي هَذَا بعد سَبْعَة أَبْوَاب فِي: بَاب مَا يَأْكُل من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق، وللعلماء فِيهِ خلاف سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، قد تكَرر ذكرهم، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة الْأَنْصَارِيَّة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رِجَاله مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ تنيسي وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: عَن عمْرَة، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال: عَن يحيى حَدَّثتنِي عمْرَة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد ابْن أبي الْمثنى وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن عَمْرو ابْن عَليّ وَعَن هناد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لخمس بَقينَ) ، كَذَا قالته عَائِشَة لِأَنَّهَا حدثت بذلك بعد أَن انْقَضى الشَّهْر، فَإِن كَانَ فِي الشَّهْر فَالصَّوَاب أَن تَقول: لخمس إِن بَقينَ، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي الشَّهْر كَامِل أَو نَاقص. قَوْله: (من ذِي الْقعدَة) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا، سمي بذلك لأَنهم كَانُوا يَقْعُدُونَ فِيهِ عَن الْقِتَال. قَوْله: (لَا نرى) ، بِضَم النُّون وَفتح الرَّاء: أَي لَا نظن إلَاّ الْحَج، وَهَذَا يحْتَمل أَن تُرِيدُ حِين خُرُوجهمْ من الْمَدِينَة قبل الإهلال، وَيحْتَمل أَن تُرِيدُ إِن إِحْرَام من أحرم مِنْهُم بِالْعُمْرَةِ لَا يحل حَتَّى يردف الْحَج، فَيكون الْعَمَل لَهما جَمِيعًا، والإهلال مِنْهُمَا، وَلَا يَصح إرادتها، أَن كلهم أحرم بِالْحَجِّ لحديثها الآخر من رِوَايَة عمْرَة عَنْهَا، فمنا من أهل بِالْحَجِّ، وَمنا من أهل بِعُمْرَة، وَمنا من أهل بهما. وَقيل: لَا نرى إِلَّا الْحَج أَي: لم يَقع فِي أنفسهم إلَاّ ذَلِك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَفِيه دَلِيل أَنهم أهلوا منتظرين، وَترد عَلَيْهِ رِوَايَة: (لَا نذْكر إِلَّا الْحَج) . قَوْله: (أَن يحل) ، بِكَسْر الْحَاء أَي: يصير حَلَالا بِأَن يتمتع، وَأما من مَعَه الْهَدْي، فَلَا يتَحَلَّل حَتَّى يبلغ الْهَدْي. قَوْله: (فَدخل علينا) على صِيغَة الْمَجْهُول، بِضَم الدَّال. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة أَي: فِي يَوْم النَّحْر. قَوْله: (نحر رَسُول الله ﷺ عَن أَزوَاجه) مُقْتَضَاهُ نحر الْبَقر. قَوْله: (فَقَالَ أتتك) أَي: قَالَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أتتك عمْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِالْحَدِيثِ الَّذِي حدثته على وَجهه، يَعْنِي: ساقته لَك سياقا تَاما لم تختصر مِنْهُ شَيْئا، وَلَا غيرته بِتَأْوِيل وَلَا غَيره، فَذكرت ابْتِدَاء الْإِحْرَام وانتهاءه حَتَّى وصلوا إِلَى مَكَّة، وَفِيه تَصْدِيق لعمرة، وإخبار عَن حفظهَا وضبطها. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن نحر الْبَقر جَائِز عِنْد الْعلمَاء إلَاّ أَن الذّبْح مُسْتَحبّ عِنْدهم لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦) . وَخَالف الْحسن بن صَالح فاستحب نحرها. وَقَالَ مَالك: إِن ذبح الْجَزُور من غير ضَرُورَة أَو نحر الشَّاة من غير ضَرُورَة لم تُؤْكَل، وَكَانَ مُجَاهِد يسْتَحبّ نحر الْبَقر. قلت: الحَدِيث ورد بِلَفْظ النَّحْر، كَمَا هَهُنَا، وَورد أَيْضا بِلَفْظ: الذّبْح، وَعَلِيهِ ترْجم البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قيل: يجوز أَن يكون الرَّاوِي لما اسْتَوَى الْأَمْرَانِ عِنْده عبر مرّة بالنحر وَمرَّة بِالذبْحِ. وَفِي رِوَايَة ضحى، قَالَ ابْن التِّين: فَإِن يكنَّ هَدَايَا فَهُوَ أصل مَذْهَب مَالك، وَإِن يكنَّ ضحايا فَيحْتَمل أَن تكون وَاجِبَة كوجوب ضحايا غير الْحَاج. وَقَالَ الْقَدُورِيّ: الْمُسْتَحبّ فِي الْإِبِل النَّحْر، فَإِن ذَبحهَا جَازَ وَيكرهُ، وَإِنَّمَا يكره فعله لَا الْمَذْبُوح، وَالذّبْح هُوَ قطع الْعُرُوق الَّتِي فِي أَعلَى الْعُنُق تَحت اللحيين، والنحر يكون فِي اللبة، كَمَا أَن الذّبْح يكون فِي الْحلق. وَفِيه: احتجاج جمَاعَة من الْعلمَاء فِي جَوَاز الِاشْتِرَاك فِي هدي التَّمَتُّع وَالْقرَان، وَمنعه مَالك. قَالَ ابْن بطال: وَلَا حجَّة لمن خَالفه فِي هَذَا الحَدِيث

стр. 2851

لِأَن قَوْله: (نحر عَن أَزوَاجه بقرة وَاحِدَة فَإِن يُونُس انْفَرد بِهِ وَحده وَخَالفهُ مَالك فَأرْسلهُ وَرَوَاهُ الْقَاسِم وَعمرَة عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنه ﷺ نحر عَن أَزوَاجه الْبَقر) ، يحْتَمل أَن يكون نحر عَن كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ بقرة، قَالَ: وَهَذَا غير مَدْفُوع فِي التَّأْوِيل، وردَّ بِأَنَّهُ يَدْفَعهُ رِوَايَة عُرْوَة (عَن عَائِشَة: ذبح رَسُول الله، ﷺ ، عَمَّن اعْتَمر من نِسَائِهِ بقرة) ، ذكره ابْن عبد الْبر من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة. وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث جَابر: (ذبح رَسُول الله ﷺ عَن نِسَائِهِ بقرة يَوْم النَّحْر) ، وَفِي رِوَايَة: بقرة فِي حجَّته) ، وَفِي رِوَايَة: (ذَبحهَا عَن نِسَائِهِ) . وَفِي (صَحِيح الْحَاكِم) على شَرط الشَّيْخَيْنِ من حَدِيث يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (ذبح رَسُول الله ﷺ عَمَّن اعْتَمر من نِسَائِهِ فِي حجَّة الْوَدَاع بقرة بَينهُنَّ) . وَقَالَ ابْن بطال: فَإِن قيل: إِنَّمَا نحر الْبَقَرَة عَنْهُن على حسب مَا أَتَى عَنهُ فِي الْحُدَيْبِيَة أَنه نحر الْبَقَرَة عَن سَبْعَة، والبدنة عَن سَبْعَة. قيل: هَذِه دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا، لِأَن نَحره فِي الْحُدَيْبِيَة كَانَ عندنَا تَطَوّعا، والاشتراك فِي هدي التَّطَوُّع جَائِز على رِوَايَة ابْن عبد الحكم عَن مَالك، وَالْهَدْي فِي حَدِيث عَائِشَة وَاجِب، والاشتراك مُمْتَنع فِي الْهَدْي الْوَاجِب، فالحديثان مستعملان عندنَا على هَذَا التَّأْوِيل، وَقَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل: وَأما رِوَايَة يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنه ﷺ نحر عَن أَزوَاجه بقرة وَاحِدَة، فَإِن يُونُس انْفَرد بِهِ وَحده، وَخَالفهُ مَالك فَأرْسلهُ، وَرَوَاهُ الْقَاسِم وَعمرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَنه ﷺ نحر عَن أَزوَاجه الْبَقر، وَحدثنَا بذلك أَبُو مُصعب عَن مَالك عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَحدثنَا بِهِ القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى عَن عمْرَة عَنْهَا. انْتهى. وَاعْلَم أَن الشَّاة لَا تجزىء إلَاّ عَن وَاحِد، وَأَنَّهَا أقل مَا يجب، وَذكر بعض شرَّاح (الْهِدَايَة) أَنه إِجْمَاع. وَقَالَ السكاكي وَقَالَ مَالك وَأحمد وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ: تجوز الشَّاة عَن أهل بَيت وَاحِد، وَكَذَا بقرة أَو بَدَنَة، والبدنة تجزىء عَن سَبْعَة إِذا كَانُوا يُرِيدُونَ بهَا وَجه الله، وَكَذَا الْبَقَرَة. وَإِن كَانَ أحدهم يُرِيد الْأكل لم يجز عَن الْكل. وَكَذَا لَو كَانَ نصيب أحدهم أقل من السَّبع، وَيَسْتَوِي الْجَواب إِذا كَانَ الْكل من جنس وَاحِد أَو من أَجنَاس مُخْتَلفَة أحدهم يُرِيد جَزَاء الصَّيْد، وَالْآخر هدي الْمُتْعَة، وَالْآخر الْأُضْحِية بعد أَن يكون الْكل لوجه الله تَعَالَى، وَهَذَا اسْتِحْسَان، وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز، وَبِه قَالَ زفر، رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِيه: مَا قَالَه الدَّاودِيّ وَهُوَ: النَّحْر عَمَّن لم يَأْمر، فَإِن الْإِنْسَان يُدْرِكهُ مَا عمل عَنهُ بِغَيْر أمره. وَأَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إلَاّ مَا سعى﴾ (النَّجْم: ٩٣) . أَي: لَا يكون لَهُ مَا سعاه غَيره لنَفسِهِ. وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٣٢) . مَعَ قَوْله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ (النِّسَاء: ٩٢) . فَخرج هَذَا عُمُوما يُرَاد بِهِ الْخُصُوص، ثمَّ بَينه بقوله: ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٣٢) . وَبِقَوْلِهِ: ﴿إلَاّ أَن تَفعلُوا إِلَى أوليائكم مَعْرُوفا﴾ (سُورَة الْأَحْزَاب: ٦) . وَبِقَوْلِهِ: ﴿من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين﴾ (النِّسَاء: ١١) . فَلَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى، أَو سعى لَهُ. ٦١١ - (بابُ النَّحْرِ فِي مَنْحَرِ النبيِّ ﷺ بِمِنًى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّحْر فِي منحر النَّبِي ﷺ . المنحر، بِفَتْح الْمِيم: اسْم الْموضع الَّذِي تنحر فِيهِ الْإِبِل، وَقَالَ ابْن التِّين: منحر النَّبِي ﷺ هُوَ عِنْد الْجَمْرَة الأولى الَّتِي تلِي مَسْجِد منى، وَأخرج الفاكهي عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن طَاوُوس قَالَ: كَانَ منزل النَّبِي ﷺ بمنى عَن يسَار الْمُصَلِّي. وَقَالَ غير طَاوُوس: وَأمر بنسائه أَن ينزلن جنب الدَّار بمنى. وَأمر الْأَنْصَار أَن ينزلُوا الشّعب وَرَاء الدَّار. انْتهى. والشِّعب، هُوَ عِنْد الْجَمْرَة الْمَذْكُورَة، وللنحر فِي منحر النَّبِي ﷺ فَضِيلَة لما روى مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا عمر بن حَفْص بن غياث، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنِي أبي (عَن جَابر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: نحرت هَهُنَا، وَمنى كلهَا منحر، فَانْحَرُوا فِي رحالكُمْ، ووقفت هَهُنَا، وعرفة كلهَا موقف، ووقفت هَهُنَا، وَجمع كلهَا موقف) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي هَذِه الْأَلْفَاظ بَيَان رفق النَّبِي ﷺ بأمته وشفقته عَلَيْهِم فِي تنبيههم عَن مصَالح دينهم ودنياهم فَإِنَّهُ ﷺ ذكر لَهُم الْأَكْمَل والجائز، فالأكمل مَوضِع نَحره ووقوفه، والجائز كل جُزْء من أَجزَاء منى للنحر، وجزء من أَجزَاء عَرَفَات، وجزء من أَجزَاء مُزْدَلِفَة. وَقَالَ فِي (شرح الْمُهَذّب) : قَالَ الشَّافِعِي وأصحابنا: يجوز نحر الْهَدْي وَدِمَاء الجبرانات فِي جَمِيع الْحرم، لَكِن الْأَفْضَل فِي حق الْحَاج النَّحْر بمنى، وَأفضل مَوضِع فِي منى للنحر مَوضِع نحر رَسُول الله، ﷺ ، وَمَا قاربه، وَالْأَفْضَل فِي حق الْمُعْتَمِر أَن ينْحَر فِي الْمَرْوَة، لِأَنَّهَا مَوضِع تَحْلِيله، كَمَا أَن منى مَوضِع تَحْلِيل

стр. 2852

الْحَاج. قَوْله: (فَانْحَرُوا فِي رحالكُمْ) أَي: فِي مَنَازِلكُمْ، قَالَ أهل اللُّغَة: رَحل الرجل منزله سَوَاء كَانَ من حجرٍ أَو مدر أَو شعر أَو وبر، وَمعنى الحَدِيث: منى كلهَا يجوز النَّحْر فِيهَا، فَلَا تتكلفوا فِي النَّحْر فِي مَوضِع نحري، بل يجوز لكم النَّحْر فِي مَنَازِلكُمْ من منى، وَالله أعلم. ٠١٧١ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ سَمِعَ خالِدَ بنَ الحَارِثِ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كانَ يَنْحَرُ فِي المَنْحَرِ قَالَ عُبَيْدُ الله مَنْحَرِ رسولِ الله ﷺ .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (منحر رَسُول الله، ﷺ ، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَعْرُوف بِإسْحَاق بن رَاهَوَيْه، كَذَلِك أخرجه إِسْحَاق فِي (مُسْنده) وَأخرجه من طَرِيقه أَبُو نعيم وخَالِد بن الْحَارِث أَبُو عُثْمَان الهُجَيْمِي الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعبيد الله بن عمر بن الْخطاب. قَوْله: (قَالَ عبيد الله) ، هُوَ ابْن عمر الْمَذْكُور، وَمَعْنَاهُ أَن مُرَاد نَافِع بِإِطْلَاق النَّحْر (هُوَ) منحر رَسُول الله ﷺ ، وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْأَضَاحِي أوضح من هَذَا، فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي، حَدثنَا خَالِد بن الْحَارِث ... فَذكره. قَالَ: قَالَ عبيد الله: يَعْنِي منحر النَّبِي، ﷺ . ١١٧١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنَا أنَسُ بنُ عِياضٍ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ أنَّ ابنَ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ مِنْ جَمْعٍ من آخِرِ اللَّيْلِ حَتَّى يُدْخَلَ بِهِ مَنْحَرُ النبيِّ ﷺ مَعَ حُجَّاجٍ فِيهِمُ الْحُرُّ والمَمْلُوكُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِنَّمَا ذكر حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عقيب الحَدِيث السَّابِق لكَونه مُصَرحًا بِإِضَافَة المنحر إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فِي نفس الحَدِيث، وَأفَاد أَيْضا هَذَا الحَدِيث أَن وَقت بعث الْهَدْي إِلَى المنحر من الْمزْدَلِفَة من آخر اللَّيْل. قَوْله: (من جمع) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم: هُوَ الْمزْدَلِفَة. قَوْله: (حُجاج) بِضَم الْحَاء: جمع حَاج. قَوْله: (فيهم الْحر والمملوك) . أَي فِي الْحجَّاج، يَعْنِي أَن ابْن عمر لم يكن يخص فِي بعث هَدْيه مَعَ الْحجَّاج الحرَّ مِنْهُم، وَلَا الْمَمْلُوك، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه لَا يشْتَرط بعث الْهَدْي مَعَ الْأَحْرَار دون العبيد. ٧١١ - (بابُ منْ نَحَرَ بِيَدِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من نحر هَدْيه بِيَدِهِ، وَلم يفوضه إِلَى غَيره، وَيَأْتِي حَدِيث هَذَا الْبَاب بعد بَاب آخر بأتم مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَهَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي، وَلِهَذَا لَا يُوجد فِي أَكثر النّسخ. ٢٩٤ - (حَدثنَا سهل بن بكار قَالَ حَدثنَا وهيب عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن أنس وَذكر الحَدِيث قَالَ وَنحر النَّبِي ﷺ َ - بِيَدِهِ سبع بدن قيَاما وضحى بِالْمَدِينَةِ كبشين أملحين أقرنين مُخْتَصرا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَنحر النَّبِي ﷺ َ - بِيَدِهِ سبع بدن " (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول سهل بن بكار بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْكَاف أَبُو بشر الدَّارمِيّ مر فِي بَاب خرص التَّمْر. الثَّانِي وهيب بن خَالِد بن عجلَان. الثَّالِث أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع أَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي. الْخَامِس أنس بن مَالك. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رِجَاله كلهم بصريون. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب ومسدد عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَفِي الْجِهَاد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَعَن قُتَيْبَة بن سعيد مقطعا بعضه فِي الْحَج وَبَعضه فِي الْجِهَاد وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن خلف بن هِشَام وقتيبة بن سعيد وَأبي الرّبيع الزهْرَانِي وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَيَعْقُوب بن

стр. 2853

إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل مقطعا بعضه فِي الْحَج وَبَعضه فِي الْأَضَاحِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " قَالَ " أَي أنس قَوْله " سبع بدن " بِضَم الْبَاء جمع بَدَنَة ويروى " سَبْعَة بدن " وَقَالَ التَّيْمِيّ أَرَادَ بِالْبدنِ الأبعرة فَلذَلِك ألحق الْهَاء بالسبعة قَوْله " قيَاما " نصب على الْحَال من الْبدن قَوْله " وضحى بِالْمَدِينَةِ كبشين " قَالَ ابْن التِّين صَوَابه بكبشين قَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَكَذَا هُوَ فِي أصل ابْن بطال قَوْله " أملحين " تَثْنِيَة أَمْلَح وَهُوَ الْأَبْيَض يخالطه أدنى سَواد قَوْله " أقرنين " تَثْنِيَة أقرن وَهُوَ الْكَبِير الْقرن (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ نحر الْهَدْي بِيَدِهِ وَهُوَ أفضل إِذا أحسن النَّحْر. وَفِيه نَحره قَائِمَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري تنحر باركة وقائمة وَاسْتحبَّ عَطاء أَن يَنْحَرهَا باركة معقولة وروى ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء إِن شَاءَ قَائِمَة وَإِن شَاءَ باركة وَعَن الْحسن باركة أَهْون عَلَيْهَا وَعَن عمر رَأَيْت ابْن الزبير ﵁ يَنْحَرهَا وَهِي قَائِمَة معقولة وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر أَنه ﷺ َ - وَأَصْحَابه كَانُوا ينحرون الْبَدنَة معقولة الْيُسْرَى قَائِمَة على مَا بَقِي من قَوَائِمهَا قَالَ أَبُو الزبير ﵁ وَأَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن سابط مُرْسلا أَنه ﷺ َ - وَأَصْحَابه الحَدِيث. وَفِيه الْأُضْحِية وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى - ٨١١ - (بابُ نَحْرِ الإبِلِ مُقَيَّدَةً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نحر الْإِبِل حَال كَونه مُقَيّدَة. ٣١٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عَنْ يُونُسَ عنْ زِيَادِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ رأيْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا قَالَ ابْعَثْهَا قِياما مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ أَخْبرنِي زِيادٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قيَاما مُقَيّدَة) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: القعْنبِي. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع تَصْغِير زرع: أَبُو مُعَاوِيَة العيشي. الثَّالِث: يُونُس بن عبيد بن دِينَار. الرَّابِع: زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي: ابْن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حَيَّة، ضد الْميتَة. الْخَامِس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الرُّؤْيَة. وَفِيه: أَن شَيْخه مدنِي سكن الْبَصْرَة، والبقية بصريون. وَفِيه: أَن زيادا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَحَدِيث آخر أخرجه البُخَارِيّ فِي النّذر بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأخرجه فِي الصَّوْم بِإِسْنَاد آخر إِلَى يُونُس بن عبيد، وَقد اشْترك زِيَاد بن جُبَير مَعَ زيد بن جُبَير فِي روايتهما عَن ابْن عمر، وَلَيْسَ بَينهمَا أخوة، لِأَن زيدا طائي كُوفِي، وَزِيَاد ثقفي بَصرِي، وَقد سبقت رِوَايَة زيد ابْن جُبَير عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَوَائِل الْحَج. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قد أَنَاخَ بدنته) ، أَي: أبركها. قَوْله: (يَنْحَرهَا) ، جملَة حَالية، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن إِسْمَاعِيل بن علية: (لينحرها) . قَوْله: (قَالَ) أَي: ابْن عمر. قَوْله: (ابعثها) أَي: أثِرها. يُقَال: بعثت النَّاقة أَي أثرتها. قَوْله: (قيَاما) مصدر بِمَعْنى قَائِمَة، وانتصابه على الْحَال الْمقدرَة، وَيُقَال: (معنى ابعثها أقمها، فعلى هَذَا انتصاب قيَاما على المصدرية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو عَامله مَحْذُوف نَحْو انحرها. قلت: فعلى هَذَا انتصاب قيَاما على الْحَال بِمَعْنى قَائِمَة يدل عَلَيْهِ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إنحرها قَائِمَة. قَوْله: (مُقَيّدَة) نصب على الْحَال، من الْأَحْوَال المترادفة أَو المتداخلة، وَمَعْنَاهُ: معقولة بِرَجُل وَهِي قَائِمَة على الثَّلَاث. قَوْله: (سنة مُحَمَّد) ، نصب بعامل مَحْذُوف تَقْدِيره: اتبع سنة مُحَمَّد ﷺ ، فِي ذَلِك، وَيجوز الرّفْع على تَقْدِير أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هُوَ سنة مُحَمَّد ﷺ ، وَيدل على ذَلِك رِوَايَة الْحَرْبِيّ فِي الْمَنَاسِك بِلَفْظ: (فَقَالَ: انحرها قَائِمَة فَإِنَّهَا سنة مُحَمَّد

стр. 2854

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَفِيه: من الْفَوَائِد اسْتِحْبَاب نحر الْإِبِل على الصّفة الْمَذْكُورَة. وَفِيه: تَعْلِيم الْجَاهِل وَعدم السُّكُوت على مُخَالفَة السّنة وَإِن كَانَ مُبَاحا. وَفِيه: أَن قَول الصَّحَابِيّ: من السّنة كَذَا، مَرْفُوع عِنْد الشَّيْخَيْنِ لاحتجاجهما بِهَذَا الحَدِيث فِي صَحِيحَيْهِمَا. قَوْله: (وَقَالَ شُعْبَة) إِلَى آخِره تَعْلِيق أخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده، قَالَ: أخبرنَا النَّضر بن شُمَيْل حَدثنَا شُعْبَة عَن يُونُس سَمِعت زِيَاد بن جُبَير، قَالَ: انْتَهَيْت مَعَ ابْن عمر فَإِذا رجل قد اضجع بدنته وَهُوَ يُرِيد أَن يَنْحَرهَا فَقَالَ: قيَاما مُقَيّدَة سنة مُحَمَّد ﷺ . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : التَّعْلِيق على شُعْبَة رَوَاهُ الْعَلامَة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْحَرْبِيّ فِي كتاب الْمَنَاسِك عَن عَمْرو بن مَرْزُوق، حَدثنَا شُعْبَة عَن يُونُس عَن زِيَاد بن جُبَير فَذكره. وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ فِيهِ وَفَاء مَقْصُود البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ أخرج هُنَاكَ طَرِيق شُعْبَة لبَيَان سَماع يُونُس لَهُ من زِيَادَة. انْتهى. قلت: إِنَّمَا قصد صَاحب (التَّلْوِيح) : ذكر مُجَرّد الِاتِّصَال، مَعَ قطع النّظر عَمَّا ذكره. ٩١١ - (بابُ نَحْرِ الْبُدُنِ قَائِمَةً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نحر الْبدن حَال كَونهَا قَائِمَة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (قيَاما) . وَقَالَ ابنُ عُمعرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ ابْن عمر: سنة مُحَمَّد، ﷺ . وَهَذَا التَّعْلِيق قد ذكره مَوْصُولا فِي الْبَاب السَّابِق. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا صَوَافَّ قِياما أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ: صواف، الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا صواف﴾ (الْحَج: ٦٣) . أَي: قيَاما. كَذَا أخرجه سعيد ابْن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة فِي (تَفْسِيره) عَن عبد الله بن أبي يزِيد عَنهُ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا صواف﴾ (الْحَج: ٦٣) . قَالَ: قيَاما، وصواف، بتَشْديد الْفَاء: جمع صافة، بِمَعْنى: مصطفة فِي قِيَامهَا. وَفِي (مُسْتَدْرك) الْحَاكِم من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿صَوَافِن﴾ أَي: قيَاما على ثَلَاثَة قَوَائِم معقولة، وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وصوافن بِكَسْر الْفَاء، وَفِي آخِره نون جمع صافنة، وَهِي الَّتِي رفعت إِحْدَى يَديهَا بِالْعقلِ لِئَلَّا تضطرب، وَعَن إِبْرَاهِيم وَمُجاهد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: الصَّواف على أَرْبَعَة، والصوافن على ثَلَاثَة، وَعَن طَاوُوس وَمُجاهد: الصَّواف تنحر قيَاما. ٤١٧١ - حدَّثنا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ صلَّى النبيُّ ﷺ الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أرْبَعا والْعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَباتَ بِهَا فلَمَّا أصْبَحَ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فجَعَلَ يُهَلِّلُ ويُسَبِّحُ فلَمَّا عَلَا عَلى البَيْدَاءِ لَبَّى بِهِمَا جَمِيعا فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أمَرَهُمْ أنْ يَحِلُّوا ونَحَرَ النبيُّ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِياما وضَحَّى بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَنحر النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ سبع بدن قيَاما) ، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه فِي: بَاب من نحر بِيَدِهِ، قبل هَذَا الْبَاب بِبَاب، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن هَذَا الْبَاب، أَعنِي: بَاب من نحر بِيَدِهِ غير مَوْجُود إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن الْمُسْتَمْلِي، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. قَوْله: (فَبَاتَ بهَا، فَلَمَّا أصبح) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَبَاتَ بهَا حَتَّى أصبح) أَي: فَبَاتَ النَّبِي، ﷺ ، بِذِي الحليفة، إِلَى أَن أصبح. قَوْله: (لبّى بهما) ، أَي: بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة، وَهَذَا يُصَرح بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارنا، وَلَا اعْتِبَار لتأويل من يؤول أَن معنى قَوْله: (فلبى بهما) أَمر من أهل بالقران لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ مُفردا، لِأَنَّهُ خُرُوج عَن معنى يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب إِلَى معنى غير صَحِيح، يظْهر ذَلِك بِأَدْنَى تَأمل. قَوْله:

стр. 2855

(أَمرهم أَن يحلوا) يَعْنِي: لمن لم يكن مَعَهم الْهَدْي. قَوْله: (سبع بدن) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا: (سَبْعَة بدن) ، وَقد ذكرنَا وَجهه فِي: بَاب من نحر بِيَدِهِ. قَوْله: (قيَاما) نصب على الْحَال بِمَعْنى قَائِمَة. ٥١٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ صَلَّى النبيُّ ﷺ الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أرْبَعا والْعَصْرَ بِذي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي صدر حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَذْكُور قبله فَإِنَّهُ أخرجه قبله عَن سُهَيْل بن بكار عَن وهيب ابْن خَالِد عَن أَيُّوب، وَهَذَا أخرجه عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة عبد الله ابْن زيد، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب من نحر بِيَدِهِ، أَن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة مفرقا مُخْتَصرا وَمُطَولًا. وعَنْ أيُّوبَ عنْ رَجُلٍ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أصْبَحَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ رَكِبَ رَحِلَتَهْ حَتَّى إذَا اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءَ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ إِسْنَاد مَجْهُول، لكنه مَذْكُور على سَبِيل الْمُتَابَعَة، وَيحْتَمل فِي المتابعات مَا لَا يحْتَمل فِي الْأُصُول، وَقيل: المُرَاد بِهِ أَبُو قلَابَة. انْتهى. وَنقل صَاحب (التلويج) عَن الدَّاودِيّ أَنه قَالَ فِي آخِره: لَيْسَ بِمُسْنَد، لِأَن بَين أَيُّوب وَأنس رجل مَجْهُول، وَلَو كَانَ عَن أبي قلَابَة مَحْفُوظًا لم يكنِّ عَنهُ لجلالة أبي قلَابَة وثقته، وَإِنَّمَا يُكنَّى عَمَّن فِيهِ نظر. وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون أَيُّوب نَسيَه، وَهُوَ ثِقَة. بل هُوَ أولى أَن يحمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم علم أَن فِيهِ نظرا لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يذكر اسْمه، أَو يسْقط حَدِيثه لَا يرويهِ الْبَتَّةَ. انْتهى. وَقيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى اخْتِلَاف إِسْمَاعِيل بن علية ووهيب بن خَالِد عَن أَيُّوب، فساق وهيب عَنهُ بِإِسْنَاد وَاحِد، وَهُوَ الَّذِي روى عَن وهيب سهل بن بكار شيخ البُخَارِيّ. وَإِسْمَاعِيل روى مرّة عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن أنس وَهُوَ الَّذِي روى عَنهُ مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور آنِفا، وَمرَّة روى إِسْمَاعِيل عَن أَيُّوب عَن رجل عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا البُخَارِيّ، بقوله: وَعَن أَيُّوب عَن رجل عَن أنس، أَي: وروى إِسْمَاعِيل عَن أَيُّوب عَن رجل عَن أنس. فَافْهَم. ٠٢١ - (بابٌ لَا يُعْطَى الْجَزَّارُ مِنَ الهَدْيِ شَيْئا) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يُعطي صَاحب الْهَدْي الجزار من الْهَدْي الَّذِي يذبحه شَيْئا، هَذَا التَّقْدِير على أَن يكون قَوْله: (لَا يُعْطي) على صِيغَة الْمَعْلُوم، والجزار مَنْصُوب بِهِ، وعَلى تَقْدِير أَن يكون: (لَا يُعطى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، يكون الْفَاعِل محذوفا، والجزار مَرْفُوعا لإسناد الْفِعْل أليه. ٦١٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ أبي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي لَيْلى عَن عَلَيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَعَثَنِي النبيُّ ﷺ فَقُمْتُ علَى البُدْنِ فأمَرَنِي فقَسَمْتُ لُحُومَهَا ثُمَّ أمَرَنِي فَقَسَمْتُ جِلَالَهَا وجُلُودَهَا. قَالَ سُفْيَانُ (ح) وحدَّثني عَبْدُ الكَرِيمِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي لَيْلَى عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ أمرَنِي النبيُّ ﷺ أنْ أقُومَ عَلَى الْبُدْنِ ولَا أعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئا فِي جِزَارَتِهَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا أعطي عَلَيْهَا شَيْئا فِي جزارتها) . ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل أَبُو عبد الله الْعَبْدي. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: عبد الله بن يسَار بن أبي نجيح. الرَّابِع: مُجَاهِد بن جُبَير. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى يسَار. السَّادِس: عبد الْكَرِيم بن مَالك، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة. السَّابِع: عَليّ

стр. 2856

بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان كُوفِي وَابْن أبي نجيح وَمُجاهد مكيان، وَعبد الرَّحْمَن كُوفِي وَعبد الْكَرِيم جزري. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي نعيم عَن سيف وَعَن مُسَدّد عَن يحيى. وَفِيه وَفِي الْوكَالَة عَن قبيصَة عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن مُحَمَّد ابْن مَرْزُوق وَعبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن عون، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عمرَان بن يزِيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَعَن مُحَمَّد بن آدم. وَأخرجه ابْن مَاجَه: عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن معمر. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَدثنِي ابْن أبي نجيح) ، ويروى: أَخْبرنِي ابْن أبي نجيح. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ الثَّوْريّ، وَلَيْسَ بمعلق لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: أخبرنَا سُفْيَان، وَقد وَصله النَّسَائِيّ أَيْضا، وَقَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور حَدثنَا عبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان فَذكره. قَوْله: (فَقُمْت على الْبدن) أَي الَّتِي أرصدها للهدي، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: أَن أقوم على الْبدن. أَي: عِنْد نحرها للِاحْتِيَاط بهَا، وَلم يَقع هُنَا بَيَان عدد الْبدن، وَوَقع فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة أَنَّهَا: مائَة بَدَنَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق إِبْنِ إِسْحَاق عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: نحر النَّبِي ﷺ ثَلَاثِينَ بَدَنَة، وَأَمرَنِي فنحرت سائرها. وَالأَصَح من ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل: (ثمَّ انْصَرف النَّبِي ﷺ إِلَى المنحر، فَنحر ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَة، ثمَّ أعْطى عليا، فَنحر مَا غير، وأشركه فِي هَدْيه) الحَدِيث، فَعرف مِنْهُ أَن الْبدن كَانَت مائَة بَدَنَة، وَأَنه ﷺ نحر مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَأَن عليا نحر الْبَاقِي. فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَينه وَبَين رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق؟ قلت: النَّبِي ﷺ نحر ثَلَاثِينَ، ثمَّ أَمر عليا أَن ينْحَر فَنحر سبعا وَثَلَاثِينَ. مثلا: ثمَّ نحر النَّبِي ﷺ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، هَذَا بطرِيق يَتَأَتَّى ذَلِك، وإلَاّ فَالَّذِي رَوَاهُ مُسلم أصح وَالله أعلم. قَوْله: (فِي جزارتها) قَالَ ابْن التِّين: الجزارة، بِالْكَسْرِ اسْم للْفِعْل، وبالضم اسْم للسواقط، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب، الْجلَال للبدن، وعَلى مَا ذكره ابْن التِّين يَنْبَغِي أَن تقْرَأ: الجزارة، بِالْكَسْرِ. قيل: وَبِه صحت الرِّوَايَة، فَإِن صحت بِالضَّمِّ جَازَ أَن يكون المُرَاد لَا يُعْطي من بعض الْجَزُور أُجْرَة الجزار. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز التَّوْكِيل فِي الْقيام على مصَالح الْهَدْي من ذبحه وَقِسْمَة لَحْمه وَغير ذَلِك. وَفِيه: قسْمَة جَلَاله وجلوده يَعْنِي بَين الْفُقَرَاء لقَوْل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أقوم على بدنه وَأَن أَتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وَأَن لَا أعطي أجر الجزار مِنْهَا. وَقَالَ: نَحن نُعْطِيه من عندنَا. وَفِيه: أَنه لَا يعْطى أُجْرَة الجزارة من لحم الْهَدْي. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: النَّهْي عَن إِعْطَاء الجزار: المُرَاد بِهِ أَنه لَا يعْطى مِنْهَا عَن أجرته، وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) : قَالَ: وَأما إِذا أعطي أجرته كَامِلَة ثمَّ تصدق عَلَيْهِ إِذا كَانَ فَقِيرا كَمَا يتَصَدَّق على الْفُقَرَاء فَلَا بَأْس بذلك. وَقيل: إِعْطَاء الجازر على سَبِيل الْأُجْرَة مَمْنُوع لكَونه مُعَاوضَة، وَأما إِعْطَاؤُهُ صَدَقَة أَو هَدِيَّة أَو زِيَادَة على حقة فَالْقِيَاس الْجَوَاز، وَلَكِن إِطْلَاق الشَّارِع ذَلِك قد يفهم مِنْهُ منع الصَّدَقَة لِئَلَّا تقع مُسَامَحَة فِي الْأُجْرَة لأجل مَا يَأْخُذهُ فَيرجع إِلَى الْمُعَاوضَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلم يرخص فِي إِعْطَاء الجزار مِنْهَا فِي أجرته إِلَّا الْحسن الْبَصْرِيّ وَعبد الله بن عبيد بن عُمَيْر. وَفِيه: من اسْتدلَّ بِهِ على منع بيع الْجلد. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَفِيه: دَلِيل على أَن جُلُود الْهَدْي وجلالها لَا تبَاع لعطفها على اللَّحْم وإعطائها حكمه. وَقد اتَّفقُوا على أَن لَحمهَا لَا يُبَاع، فَكَذَلِك الْجُلُود والجلال. وَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَهُوَ وَجه عِنْد الشَّافِعِيَّة، قَالُوا: وَيصرف ثمنه مصرف الْأُضْحِية، وَاسْتدلَّ أَبُو ثَوْر على أَنهم اتَّفقُوا على جَوَاز الِانْتِفَاع بِهِ، فَكل مَا جَازَ الِانْتِفَاع بِهِ جَازَ بَيْعه، وعورض باتفاقهم على جَوَاز الْأكل من لحم هدي التَّطَوُّع، وَلَا يلْزم من جَوَاز أكله جَوَاز بَيْعه. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلفُوا فِي بيع الْجلد، فَروِيَ عَن ابْن عمر: أَنه لَا بَأْس بِأَن يَبِيعهُ وَيتَصَدَّق بِثمنِهِ، قَالَه أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ

стр. 2857

أَبُو هُرَيْرَة: من بَاعَ إهَاب أضحيته فَلَا أضْحِية لَهُ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يتَصَدَّق بِهِ أَو ينْتَفع بِهِ وَلَا يَبِيعهُ. وَعَن الْقَاسِم وَسَالم: لَا يَصح بيع جلدهَا، وَهُوَ قَول مَالك: وَقَالَ النَّخعِيّ وَالْحَاكِم: لَا بَأْس أَن يَشْتَرِي بِهِ الغربال والمنحل والفأس وَالْمِيزَان وَنَحْوهَا، وَقَالَ الْقَدُورِيّ وَيتَصَدَّق بجلدها. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) لِأَنَّهُ جُزْء مِنْهَا أَو يعْمل مِنْهُ آلَة تسْتَعْمل فِي الْبَيْت كانطع والجراب والغربال وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَلَا بَأْس بِأَن يَشْتَرِي بِهِ مَا نتفع بِعَيْنِه مَعَ بَقَاء عينه كالجراب وَنَحْوه اسْتِحْسَانًا وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي شرح الكتفي وَلَا بَأْس بِأَن يَشْتَرِي بجلد أضحيته مَتَاعا للبيت لِأَنَّهُ أطلق لَهُ الِانْتِفَاع دون البيع، فَكل مَا كَانَ فِي معنى الِانْتِفَاع يجوز وَمَا لَا فَلَا. وَقَالَ مُحَمَّد فِي (نَوَادِر هِشَام) : وَلَا يَشْتَرِي بِهِ الْخلّ والبزر، وَله أَن يَشْتَرِي مَا لَا يُؤْكَل مثل: الغربال وَالثَّوْب، وَلَو اشْترى بِاللَّحْمِ خبْزًا جَازَ لِأَنَّهُ ينْتَفع بِهِ كَمَا ينْتَفع بِاللَّحْمِ، إِذْ اللَّحْم لَا يُؤْكَل مُفردا وَإِنَّمَا يُؤْكَل مَعَ الْخبز، وَلَو اشْترى بِاللَّحْمِ مَتَاع الْبَيْت لَا يجوز، وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده: الْجَواب فِي اللَّحْم كالجواب فِي الْجلد: إِن بَاعه بِالدَّرَاهِمِ تصدق بِثمنِهِ، وَإِن بَاعه بِشَيْء آخر ينْتَفع بِهِ كَمَا فِي الْجلد. انْتهى. وَقَالَ عَطاء: إِن كَانَ الْهَدْي وَاجِبا تصدق بإهابه، وَإِن كَانَ تَطَوّعا بَاعه إِن شَاءَ فِي الدّين. وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يكسو جلالها الْكَعْبَة، فَلَمَّا كُسِيت الْكَعْبَة تصدق بهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالُوا: يسْتَحبّ أَن يكون قيمَة الْجلَال ونفاستها بِحَسب حَال الْهَدْي، وَكَانَ بعض السّلف يُجَلل بالوشي، وَبَعْضهمْ بِالْحيرَةِ، وَبَعْضهمْ بِالْقبَاطِيِّ والملاحف والأزر. ١٢١ - (بابٌ يُتَصَدَّقُ بِجُلُودِ الْهَدْيِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَنه يتَصَدَّق صَاحب الْهَدْي بجلود هَدْيه. ٧١٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرَنِي الْحَسَنُ بنُ مُسْلِمٍ وعبْدُ الكَرِيمِ الجَزْرِيُّ أنَّ مُجَاهِدا أخبَرَهُمَا أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي لَيْلَى أخْبَرَهُ أنَّ عَلِيّا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخْبَرهُ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وأنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّها لُحومَها وجُلُودَها وجِلالَهَا ولَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِها شَيْئا.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وأصل هَذَا الحَدِيث مر فِي: بَاب الْجلَال للبدن، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن: قبيصَة عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ... إِلَى آخِره، وَأخرجه أَيْضا فِي الْبَاب السَّابِق: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن عَليّ، وَلِهَذَا الحَدِيث طرق مُخْتَلفَة، وَذَلِكَ لِأَن فِي طَرِيق هَذَا الْبَاب: أَن ابْن جريج يروي عَن الْحسن بن مُسلم وَعبد الْكَرِيم الْجَزرِي عَن مُجَاهِد، وَفِي طَرِيق الْبَاب السَّابِق يروي سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَكَذَلِكَ فِي طَرِيق حَدِيث: بَاب الْجلَال للهدي، ويروي سُفْيَان أَيْضا عَن عبد الْكَرِيم عَن مُجَاهِد، ويروي عَن سُفْيَان فِي أحد الطَّرِيقَيْنِ قبيصَة، وَفِي الآخر مُحَمَّد بن كثير، وسَاق البُخَارِيّ حَدِيث الْبَاب بِلَفْظ الْحسن بن مُسلم، وَأما لفظ عبد الْكَرِيم فقد أخرجه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: أخبرنَا أَبُو خَيْثَمَة عَن عبد الْكَرِيم عَن مُجَاهِد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أقوم على بدنه، وَأَن أَتصدق بلحمها وجلودها، وَأَن لَا أعطي الجزار مِنْهَا، قَالَ: نَحن نُعْطِيه من عندنَا) . وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ قد مرت فِي الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة. ٢٢١ - (بابٌ يُتَصَدَّقُ بِجِلَالِ البُدْنِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: يتَصَدَّق صَاحب الْهَدْي بِجلَال الْبدن. ٨١٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سَيْفُ بنُ أبي سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدا يَقُولُ حدَّثَنِي ابنُ أبِي لَيْلَى عَلِيّا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثَهُ قَالَ أهْدَى النَّبيُّ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ فأمَرَنِي بِلُحُومِهَا

стр. 2858

فقَسَمْتُهَا ثُمَّ أمرَنِي بِجِلَالِهَا ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا.. هَذَا طَرِيق آخر عَن مُجَاهِد أخرجه أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان بن أبي سُلَيْمَان المَخْزُومِي الْمَكِّيّ، وَيُقَال: سيف بن سُلَيْمَان، تقدم فِي أَبْوَاب الْقبْلَة، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن. وَفِيه: من الْفَوَائِد: أَنه عين كمية بدن النَّبِي، ﷺ ، بِأَنَّهَا مائَة بَدَنَة. ٣٢١ - (بابٌ ﴿وَإذُ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكانَ البَيْتِ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئا وطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ والْقَائِمينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ وأأذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالاً وعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ويَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فكُلُوا مِنْهَا وأطْعِمُوا الْبَائِشَ الفَقِيرَ ثُمَّ لِيَقْضُوا تفَثُهُمْ ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ولْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ذَلِكَ ومَنْ يُعَظِّمُ حُرُمَاتِ الله فَهْوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (الْحَج: ٦٢، ٠٣) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ بوَّأنا﴾ الْآيَات إِلَى قَوْله: ﴿خير لَهُ عِنْد ربه﴾ ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد مِنْهَا هَهُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وأطعموا البائس الْفَقِير﴾ وَلذَلِك عطف عَلَيْهَا فِي التَّرْجَمَة، وَمَا يَأْكُل من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق، أَي لبَيَان المُرَاد من الْآيَة. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه إِنَّمَا يمشي أَن لَو لم يكن بَين هَذِه الْآيَات وَبَين قَوْله: (مَا يَأْكُل من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق) بَاب، لِأَن الْمَذْكُور فِي مُعظم النّسخ بعد قَوْله: ﴿فَهُوَ خير لَهُ عِنْد ربه﴾ بَاب مَا يَأْكُل من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق، وَأَيْنَ الْعَطف فِي هَذَا وكل وَاحِد من الْبَابَيْنِ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة؟ وَالظَّاهِر أَنه ذكر هَذِه الْآيَات تَرْجَمَة وَلم يجد فِيهَا حَدِيثا يطابقها، إِمَّا لِأَنَّهُ لم يجده على شَرطه، أَو أدْركهُ الْمَوْت قبل أَن يَضَعهُ. وَوجه آخر وَهُوَ أقرب مِنْهُ: هُوَ أَن هَذِه الْآيَات مُشْتَمِلَة على أَحْكَام: ذكر هَذِه الْآيَات تَنْبِيها على هَذِه الْأَحْكَام، وَهِي تَطْهِير الْبَيْت للطائفين والمصلين من الْأَصْنَام والأوثان والأقذار، وَأمر الله تَعَالَى لرَسُوله أَن يُؤذن للنَّاس بِالْحَجِّ، وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع على مَا نذكرهُ عَن قريب، وشهود الْمَنَافِع الدِّينِيَّة والدنياوية المختصة بِهَذِهِ الْعِبَادَة، وَذكر اسْم الله تَعَالَى فِي أَيَّام مَعْلُومَات، وَهِي عشر ذِي الْحجَّة على قَول، وشكرهم لَهُ على مَا رزقهم من الْأَنْعَام يذبحون، وَالْأَمر بِالْأَكْلِ مِنْهَا وإطعام الْفَقِير. وَقَضَاء التفث مثل حلق الرَّأْس وَنَحْوه، وَالْوَفَاء بِالنذرِ وَالطّواف بِالْبَيْتِ الْعَتِيق وتعظيم حرمات الله تَعَالَى. قَوْله: (وَإِذ بوأنا) أَي: اذكر إِذْ جعلنَا لإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت مباءة ومرجعا يرجع إِلَيْهِ لِلْعِبَادَةِ والعمارة، يُقَال: بوأ الرجل منزلا أعده، وبوأه غَيره منزلا أعطَاهُ، وَأَصله: إِذا رَجَعَ، وَاللَّام فِي: لإِبْرَاهِيم، مقحمة لقَوْله تَعَالَى: ﴿بوأنا بني إِسْرَائِيل﴾ (يُونُس: ٣٩) . وَقَوله: ﴿تُبَوىء الْمُؤمنِينَ﴾ (آل عمرَان: ١٢١) . قَوْله: (مَكَان الْبَيْت) أَي: مَوضِع الْكَعْبَة. قيل: الْمَكَان جَوْهَر يُمكن أَن يثبت عَلَيْهِ غَيره، كَمَا أَن الزَّمَان عرض يُمكن أَن يحدث فِيهِ غَيره. فَإِن قيل: كَيفَ يكون النَّهْي عَن الْإِشْرَاك وَالْأَمر بالتطهير تَفْسِيرا للتبوئة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ كَانَت التبوئة مَقْصُودَة من أجل الْعِبَادَة، فَكَأَنَّهُ قيل: وَإِذا تعبدنا إِبْرَاهِيم قُلْنَا لَهُ: لَا تشرك بِي شَيْئا وطهر بَيْتِي من الْأَصْنَام والأوثان. قَوْله: (والقائمين) ، أَي: الْمُصَلِّين، لِأَن الصَّلَاة قيام وركوع وَسُجُود، والرُّكع جمع: رَاكِع، والسُّجد جمع: ساجد، لم يذكر الْوَاو بَين الركع والسجد، وَذكر بَين القائمين والركع لكَمَال الِاتِّصَال بَين الركع والسجد، إِذْ لَا يَنْفَكّ أَحدهمَا عَن الآخر فِي الصَّلَاة فرضا أَو نفلا، وينفك الْقيام من الرُّكُوع، فَلَا يكون بَينهمَا كَمَال الِاتِّصَال. قَوْله: (وَأذن) أَي: نادِ، عطف على قَوْله: ﴿وطهر﴾ والنداء بِالْحَجِّ أَن يَقُول: حجُّوا. أَمر إِبْرَاهِيم، ﵊، أَن يُؤذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ، وَقَالَ إِبْرَاهِيم، ﵊: يَا رب! وَمَا يبلغ صوتي؟ قَالَ: أذن وَعلي الْبَلَاغ، وَعَن الْحسن أَن قَوْله: ﴿وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ﴾ كَلَام مُسْتَأْنف، وَأَن الْمَأْمُور بِهَذَا التأذين مُحَمَّد ﷺ ، أَمر أَن يفعل ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (رجَالًا) أَي: مشَاة على أَرجُلهم، جمع راجل مثل: قَائِم وَقيام، وصائم وَصِيَام. قَوْله: (وعَلى كل ضامر) أَي: وركبانا، والضامر الْبَعِير المهزول، وانتصاب رجَالًا على أَنه حَال، وعَلى كل ضامر أَيْضا حَال معطوفة على الْحَال الأولى. قَوْله: (يَأْتِين) ، صفة لكل ضامر فِي معنى الْجمع، أَرَادَ: النوق. قَوْله: (من كل فج عميق) أَي: طَرِيق بعيد.

стр. 2859

قَوْله: (ليشهدوا) ، أَي: ليحضروا مَنَافِع لَهُم مُخْتَصَّة بِهَذِهِ الْعِبَادَة من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا، وَقيل: الْمَنَافِع التِّجَارَة، وَقيل: الْعَفو وَالْمَغْفِرَة. قَوْله: (فِي أَيَّام مَعْلُومَات) ، يَعْنِي: عشر ذِي الْحجَّة، وَقيل: تِسْعَة أَيَّام من الْعشْر، وَقيل: يَوْم الْأَضْحَى وَثَلَاثَة أَيَّام بعده، وَقيل: أَيَّام التَّشْرِيق، وَقيل: إِنَّهَا خَمْسَة أَيَّام أَولهَا يَوْم التَّرويَة: وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا يَوْم عَرَفَة، وَالذكر هَهُنَا يدل على التَّسْمِيَة على مَا نحر لقَوْله: ﴿على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ (الْحَج: ٨٢ و ٤٣) . يَعْنِي: الْهَدَايَا والضحايا من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم والبهيمة، مُبْهمَة فِي كل ذَات أَربع فِي الْبر وَالْبَحْر، فبينت بالأنعام، وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر والضأن والمعز. قَوْله: (فَكُلُوا مِنْهَا) الْأَمر بِالْأَكْلِ مِنْهَا أَمر إِبَاحَة لِأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يَأْكُلُون من نِسَائِكُم، وَيجوز أَن يكون ندبا لما فِيهِ من مواساة الْفُقَرَاء ومساواتهم، وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع. قَوْله: (وأطعموا البائش) ، أَي: الَّذِي أَصَابَهُ بؤس، أَي: شدَّة الْفقر، وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه لَيْسَ بِوَاجِب، قَوْله: (ثمَّ ليقضوا تفثهم) ، قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: التفث، حلق الرَّأْس وَأخذ الشَّارِب ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة وقص الْأَظْفَار وَالْأَخْذ من العارضين وَرمي الْجمار وَالْوُقُوف بِعَرَفَة، وَقيل: مَنَاسِك الْحَج، والتفث فِي الأَصْل: الْوَسخ والقذارة من طول الشّعْر والأظفار والشعث، وقضاؤه نقضه، وإذهابه. وَقَالَ الزّجاج: أهل اللُّغَة لَا يعْرفُونَ التفث إلَاّ من التَّفْسِير، وَكَأَنَّهُ الْخُرُوج من الْإِحْرَام إِلَى الْإِحْلَال. قَوْله: (وليوفوا نذورهم) ، أَي: نذور الْحَج وَالْهَدْي، وَمَا ينذر الْإِنْسَان من أَعمال الْبر فِي حجهم. قَوْله: (وليطوفوا) ، أَرَادَ الطّواف الْوَاجِب وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، والزيارة الَّذِي يُطَاف بعد الْوُقُوف، أما يَوْم النَّحْر أَو بعده. قَوْله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيق) أَي: بِالْكَعْبَةِ، سمي الْعَتِيق لقدمه أَو لِأَنَّهُ أعتق من أَيدي الْجَبَابِرَة، فَلم يصلوا إِلَى تخريبه، فَلم يظْهر عَلَيْهِ جَبَّار وَلم يُسَلط عَلَيْهِ إلَاّ من يعظمه ويحترمه، وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ. وَقيل: لِأَن أعتق من الْغَرق يَوْم الطوفان. ٤٢١ - (بابُ مَا يأكُلُ مِنَ الْبُدْنِ ومَا يَتَصَدَّقُ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان مَا يَأْكُل صَاحب الْهَدْي من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا أَرَادَ مَا يجوز لَهُ الْأكل، وَمَا يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا يُؤْكَل، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: بَاب فِي بَيَان مَا يجوز الْأكل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا على هَذِه النُّسْخَة. وقَالَ عُبَيْدُ الله أخبَرَني نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ ويْؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن نمير عَنهُ بِمَعْنَاهُ. قَالَ: (إِذا عطبت الْبَدنَة أَو كسرت أكل مِنْهَا صَاحبهَا وَلم يبدلها إلَاّ أَن تكون نذرا أَو جَزَاء صيد) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الْقطَّان عَن عبيد الله بِلَفْظ التَّعْلِيق الْمَذْكُور. قَوْله: (لَا يُؤْكَل) أَي: لَا يَأْكُل الْمَالِك من الَّذِي جعله جَزَاء لصيد الْحرم، وَلَا من الْمَنْذُور، بل يجب التَّصَدُّق بهما. وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَالك، وَزَاد: (إلَاّ فديَة الْأَذَى) ، وَعَن أَحْمد: لَا يُؤْكَل إلَاّ من هدي التَّطَوُّع والمتعة وَالْقرَان، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، بِنَاء على أَن دم التَّمَتُّع وَالْقرَان دم نسك لَا دم جبران، وَذكر ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك أَنه يَأْكُل من الْهَدْي النّذر، إلَاّ أَن يكون نَذره للْمَسَاكِين، وَكَذَلِكَ مَا أخرجه بِمَعْنى الصَّدَقَة لَا يَأْكُل مِنْهُ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يكره أَن يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد أَو فديَة أَو كَفَّارَة، وَيَأْكُل النذور وهدي التَّمَتُّع والتطوع. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف أهل الْعلم فِي هدي التَّطَوُّع إِذا عطب قبل مَحَله، فَقَالَت طَائِفَة: صَاحبه مَمْنُوع من الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، ورخصت طَائِفَة فِي الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد وَالنّذر، وَيطْعم من الْمُتْعَة أَي من الْهَدْي الَّذِي يُسمى بِدَم التَّمَتُّع الْوَاجِب على الْمُتَمَتّع، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنهُ، وروى سعيد بن مَنْصُور من وَجه آخر عَن عَطاء:

стр. 2860

لَا يُؤْكَل من جَزَاء الصَّيْد وَلَا مِمَّا جعل للْمَسَاكِين من النذور وَغير ذَلِك، وَلَا من الْفِدْيَة، ويؤكل مَا سوى ذَلِك، وروى عبد بن حميد من وَجه آخر عَنهُ: أَن شَاءَ أكل الْهَدْي وَالْأُضْحِيَّة، وَإِن شَاءَ لم يَأْكُل. ٩١٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدثنَا عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُوُل كُنَّا لَا نأكُل من لُحُومِ بُدْنِنا فَوقَ ثَلاث مِنًى فرخَّصَ لنا النبيُّ ﷺ فَقَالَ كُلُوا وتَزَوَّدُوا فأكلْنا وتَزَوَّدْنا قُلْتُ لِعَطَاءِ أقالَ حَتَّى جِئنَا المَدِينَةَ قَالَ لَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كلوا وتزودوا. .) إِلَخ. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان الْبَصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن أبي بكر عَن عَليّ بن مسْهر وَعَن يحيى بن أَيُّوب عَن أَيُّوب عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى وَعَن عمرَان بن يزِيد. قَوْله: (فَوق ثَلَاث منى) بِإِضَافَة: ثَلَاث، إِلَى: منى، أَي: الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي كُنَّا بمنى وَهِي الْأَيَّام المعدودات. قَوْله: (قلت لعطاء) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج. قَوْله: (أقَال) ، الْهمزَة فِيهِ للاستفهام أَي: أقَال جَابر: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، قَالَ جَابر: لَا يَعْنِي لم يقل جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، وَوَقع فِي مُسلم: (قَالَ: نعم) ، بدل قَوْله: (لَا) فروى مُسلم من حَدِيث ابْن جريج: (حَدثنِي عَطاء، قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله، يَقُول: كُنَّا لَا نَأْكُل من لُحُوم بدننا فَوق ثَلَاث، فأرخص لنا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: كلوا وتزودوا) . قلت لعطاء: أقَال جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة؟ قَالَ: نعم) . والتوفيق بَين قَوْله: (لَا) وَقَوله: (نعم) أَن يحمل على أَنه نسي، فَقَالَ: لَا، ثمَّ تذكر فَقَالَ: نعم، وَحَدِيث جَابر هَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ مُسلم (عَن عَليّ بن أبي طَالب: أَن رَسُول الله ﷺ نَهَانَا أَن نَأْكُل من لُحُوم نسكنا بعد ثَلَاث) ، وَفِي لفظ: (أَن رَسُول الله ﷺ قد نهاكم أَن تَأْكُلُوا لُحُوم نسككم فَوق ثَلَاث لَيَال، فَلَا تَأْكُلُوا) وروى أَيْضا عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يَأْكُل أحدكُم من لحم أضحيته فَوق ثَلَاث أَيَّام. وَقَالَ القَاضِي: اخْتلف الْعلمَاء فِي الْأَخْذ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، فَقَالَ قوم: يحرم إمْسَاك لُحُوم الْأَضَاحِي وَالْأكل مِنْهَا بعد ثَلَاث، وَأَن حكم التَّحْرِيم بَاقٍ، كَمَا قَالَه عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء: يُبَاح الْأكل والإمساك بعد الثَّلَاث، وَالنَّهْي مَنْسُوخ بِحَدِيث جَابر هَذَا وَغَيره، وَهَذَا من نسخ السّنة بِالسنةِ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ هُوَ نسخا بل كَانَ التَّحْرِيم لعِلَّة. فَلَمَّا زَالَت زَالَ التَّحْرِيم، وَتلك الْعلَّة هِيَ الدافة، وَكَانُوا منعُوا من ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام من أجل الدافة، فَلَمَّا زَالَت الْعلَّة الْمُوجبَة لذَلِك أَمرهم أَن يَأْكُلُوا ويدخروا. وروى مُسلم من حَدِيث مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عبد الله بن وَاقد قَالَ نهى النَّبِي ﷺ عَن أكل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. قَالَ عبد الله بن أبي بكر: فَذكرت ذَلِك لعمرة، فَقَالَت: صدق، سَمِعت عَائِشَة تَقول: دف أهل أَبْيَات من أهل الْبَادِيَة حَضْرَة الْأَضْحَى زمن رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ادخروا ثَلَاثًا ثمَّ تصدقوا بِمَا بَقِي، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالُوا: يَا رَسُول الله إِن النَّاس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فِيهَا الودك، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : وَمَا ذَاك؟ قَالُوا: نهيت أَن تُؤْكَل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أجل الدافة الَّتِي دفت، فَكُلُوا وَادخرُوا وتصدقوا) . قَالَ أهل اللُّغَة: الدافة، بتَشْديد الْفَاء: قوم يَسِيرُونَ جَمِيعًا سيرا خَفِيفا من: دف يدف، بِكَسْر الدَّال. ودافة الْأَعْرَاب من يرد مِنْهُم الْمصر، وَالْمرَاد هُنَا: من ورد من ضعفاء الْأَعْرَاب للمواساة. وَقيل: كَانَ النَّهْي الأول للكراهة لَا للتَّحْرِيم، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالْكَرَاهَة بَاقِيَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وَلَكِن لَا يحرم. قَالُوا: وَلَو وَقع مثل تِلْكَ الْعلَّة الْيَوْم فدفت دافة واساهم النَّاس وحملوا على هَذَا مَذْهَب عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالصَّحِيح نسخ النَّهْي مُطلقًا، وَأَنه لم يبْق تَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة فَيُبَاح الْيَوْم الادخار فَوق ثَلَاثَة، وَالْأكل إِلَى مَا شَاءَ لصريح حَدِيث جَابر، وَحَدِيث بُرَيْدَة أَيْضا يدل على ذَلِك. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، ونهيتكم عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث، فأمسكوا مَا بدا لكم) الحَدِيث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَاخْتلف فِي مِقْدَار مَا يُؤْكَل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق، فَذكر عَلْقَمَة أَن ابْن

стр. 2861

مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أمره أَن يتَصَدَّق بِثُلثِهِ وَيَأْكُل ثلثه وَيهْدِي ثلثه، وَرُوِيَ عَن عَطاء. وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الثَّوْريّ: يتَصَدَّق بأكثره. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مَا يجب أَن يتَصَدَّق بِأَقَلّ من الثُّلُث. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَيَأْكُل من لحم الْأُضْحِية قَالَ: هَذَا فِي غير الْمَنْذُورَة، أما فِي الْمَنْذُورَة فَلَا يَأْكُل النَّاذِر سَوَاء كَانَ مُعسرا أَو مُوسِرًا، وَبِه قَالَت الثَّلَاثَة أَعنِي: مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَعَن أَحْمد: يجوز الْأكل من الْمَنْذُورَة أَيْضا. ثمَّ الْأكل من الْأُضْحِية مُسْتَحبّ عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَعند الظَّاهِرِيَّة وَاجِب، وَحكي ذَلِك عَن أبي حَفْص الْوَكِيل من أَصْحَاب الشَّافِعِي، قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَيطْعم الْأَغْنِيَاء والفقراء، ويدخر. ثمَّ روى حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الَّذِي أخرجه مُسلم عَن أبي الزبير عَنهُ عَن النَّبِي، ﷺ : (أَنه نهى عَن أكل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث، ثمَّ قَالَ بعد: كلوا وتزودوا وَادخرُوا) . انْتهى. قَالَ: وَمَتى جَازَ أكله وَهُوَ غَنِي جَازَ أَن يؤكله غَنِيا، ثمَّ قَالَ: وَيسْتَحب أَن لَا تنقص الصَّدَقَة من الثُّلُث، لِأَن الْجِهَات ثَلَاثَة: الْأكل والادخار وَالْإِطْعَام، فانقسم عَلَيْهَا أَثلَاثًا. ٠٢٧١ - حدَّثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثني يحْيَى قَالَ حدَّثَتْني عَمْرَةُ قالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ خَرَجْنا مَعَ رَسُول الله ﷺ لِخمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القِعْدَةِ وَلَا نُرَى إلَاّ الْحَجَّ إذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أمَرَ رسولُ الله ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إذَا طافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ قالَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هاذا فَقيلَ ذَبَحَ النبيُّ ﷺ عنْ أزْوَاجِهِ قَالَ يَحْيَى فذَكَرْتُ هذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ فَقالَ أتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلى وَجْهِهِ.. هَذَا الحَدِيث مضى فِي: بَاب ذبح الرجل الْبَقر عَن نِسَائِهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن يحيى ابْن سعيد عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا؛ وَهَهُنَا أخرجه: عَن خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَقد مر فِي الْعلم، عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ... إِلَى آخِره، وَالرِّجَال كلهم مدنيون، وخَالِد وَإِن كَانَ أَصله من الْكُوفَة وَلكنه سكن الْمَدِينَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ. قَوْله: (إِذا طَاف بِالْبَيْتِ) ، جَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، تَقْدِيره: إِذا طَاف بِالْبَيْتِ يتم عمرته، ثمَّ يحل، وَيجوز أَن يكون إِذا للظرفية الْمَحْضَة، لقَوْله: (لم يكن) ، وَجَوَاب: من لم يكن، مَحْذُوف، قَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز أَن يكون: ثمَّ، زَائِدَة. قَالَ الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إلَاّ إِلَيْهِ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) . إِن: تَابَ، جَوَاب إِذا، و: ثمَّ زَائِدَة. قَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: وَفِي بعض الرِّوَايَة لفظ: إِذا، مَفْقُود وَهُوَ ظَاهر قلت: يكون التَّقْدِير: من لم يكن مَعَه هدي طَاف بِالْبَيْتِ، فَيكون: طَاف، جَوَاب: من. وَقَوله: (ثمَّ يحل) عطف، أَي: بعد طَوَافه بِالْبَيْتِ يحل، أَي: يخرج من إِحْرَام الْعمرَة. فَافْهَم. وَرَأَيْت فِي نُسْخَة صَحِيحَة مقروءة: من لم يكن مَعَه هدي إِذا طَاف بِالْبَيْتِ أَن يحل. ٥٢١ - (بابُ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ذبح الْحَاج هَدْيه قبل أَن يحلق رَأسه، وَاكْتفى بِمَا فِي الحَدِيث عَن بَيَان الحكم فِي التَّرْجَمَة. ١٢٧١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ قَالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرنَا مَنْصُورٌ عنْ عَطَاء عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سُئِلَ النبيّ ﷺ عَمَّنُ حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَذْبَحَ ونَحْوِهِ فَقَالَ لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين مَا فِي التَّرْجَمَة من الذّبْح قبل الْحلق يجوز أَو لَا، وَقد بَين الحَدِيث أَنه يجوز، لِأَن قَوْله

стр. 2862

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا حرج) ، يدل على الْجَوَاز، وَإِن كَانَ الأَصْل أَن يكون الذّبْح قبل الْحلق. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة والشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. الثَّانِي: هشيم، بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن بشير السّلمِيّ. الثَّالِث: مَنْصُور بن زَاذَان، بالزاي والذال المعجمتين، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. والإخبار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه طائفي وَأَنه من أَفْرَاده وَأَن هشيما ومنصورا واسطيان وَأَن عَطاء مكي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ من أَرْبَعَة طرق على مَا نذكرها، وَمن سِتَّة أوجه: عَن مَنْصُور عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، عَن ابْن خثيم عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. وَعَن عَطاء عَن جَابر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي عَن هشيم بِهِ، وَلَفظه: (سُئِلَ عَمَّن حلق قبل أَن يذبح، أَو ذبح قبل أَن يَرْمِي) . وَأخرجه أَحْمد بن حَنْبَل نَحْو النَّسَائِيّ، وَعند مُسلم عَن طَاوُوس: (عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قيل لَهُ فِي الذّبْح وَالْحلق وَالرَّمْي والتقديم وَالتَّأْخِير، فَقَالَ: لَا حرج) . وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ سُئِلَ عَمَّن ذبح قبل أَن يحلق، وَعَمن حلق قبل أَن يذبح، وَحلق قبل أَن يَرْمِي أَشْيَاء ذكرهَا. قَالَ: لَا حرج. وَعند أبي دَاوُد: (كَانَ يسْأَل يَوْم منى فَيَقُول: لَا حرج، فَسَأَلَهُ رجل. فَقَالَ: إِنِّي حلقت قبل أَن أذبح. قَالَ: إذبح وَلَا حرج، قَالَ: إِنِّي أمسيت، وَلم أرمِ. قَالَ: إرمِ وَلَا حرج) . وروى مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قَالَ: (وقف رَسُول الله، ﷺ ، فِي حجَّة الْوَدَاع بمنى للنَّاس يسألونه، فجَاء رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله، لم أشعر، فحلقت قبل أَن أذبح. فَقَالَ: إذبح وَلَا حرج، ثمَّ جَاءَهُ رجل آخر فَقَالَ: يَا رَسُول الله، لم أشعر فنحرت قبل أَن أرمي، فَقَالَ: إرمِ وَلَا حرج. قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن شَيْء قدم وَلَا أخر إلَاّ قَالَ: إفعل وَلَا حرج) . وَأخرجه مُسلم من طرق كَثِيرَة. ثمَّ اعْلَم أَن للْعُلَمَاء فِي هَذَا الْبَاب أقوالاً، فَذهب عَطاء وطاووس وَمُجاهد إِلَى أَنه: إِن قدم نسكا قبل نسك أَنه لَا حرج عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: من قدم من حجه شَيْئا أَو أَخّرهُ فَعَلَيهِ دم، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالْحسن وَقَتَادَة. وَاخْتلفُوا إِذا حلق قبل أَن يذبح؟ فَقَالَ مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَابْن جرير: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَهُوَ نَص الحَدِيث، وَنَقله ابْن عبد الْبر عَن الْجُمْهُور، مِنْهُم عَطاء وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَالْحسن وَقَتَادَة، وَقَالَ النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَابْن الْمَاجشون: عَلَيْهِ دم، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ قَارنا فدمان، وَقَالَ زفر: إِن كَانَ قَارنا فَعَلَيهِ ثَلَاثَة دِمَاء: دم للقران وَدَمَانِ لتقدم الحلاق. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا شَيْء عَلَيْهِ، واحتجا بقوله ﷺ : (لَا حرج) ، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول أبي حنيفَة وَزفر مُخَالف للْحَدِيث، فَلَا وَجه لَهُ. قلت: مَا خَالف إلَاّ من جازف، وَأَبُو حنيفَة احْتج بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا سَلام بن الْمُطِيع أَو الْأَحْوَص عَن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: من قدم شَيْئا من حجه أَو أَخّرهُ فليهرق لذَلِك دَمًا. وَأخرج أَيْضا عَن سعيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَجَابِر بن زيد أبي الشعْثَاء نَحْو ذَلِك، وَأخرج الطَّحَاوِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر نَحوه، وَأخرجه أَيْضا عَن ابْن مَرْزُوق عَن الْحصيب عَن وهيب عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس مثله، ثمَّ أجَاب أَبُو حنيفَة عَن حَدِيث الْبَاب وَنَحْوه: أَن المُرَاد بالحرج الْمَنْفِيّ هُوَ الْإِثْم، وَلَا يسْتَلْزم ذَلِك نفي الْفِدْيَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا ابْن عَبَّاس أحد من روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه: مَا سُئِلَ يَوْمئِذٍ عَن شَيْء قدم وَلَا أخر من أَمر الْحَج إلَاّ قَالَ: لَا حرج: فَلم يكن معنى ذَلِك عِنْده على الْإِبَاحَة فِي تَقْدِيم مَا قدمُوا، وَلَا تَأْخِير مَا أخروا، مِمَّا ذكرنَا أَن فِيهِ الدَّم، وَلَكِن معنى ذَلِك عِنْده: على أَن الَّذِي فَعَلُوهُ فِي حجَّة النَّبِي ﷺ كَانَ على الْجَهْل بالحكم فِيهِ، كَيفَ هُوَ فعذرهم لجهلهم وَأمرهمْ فِي المستأنف أَن يتعلموا مَنَاسِكه. ٢٢٧١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنَا أبُو بَكْرٍ عَنْ عبدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ عَنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ رجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ زُرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي قَالَ لَا حَرَجَ قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ قَالَ لَا حَرَجَ قَالَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ قا لَا حَرجَ.

стр. 2863

هَذَا طَرِيق ثَان لحَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه عَن أَحْمد بن يُونُس، هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي عَن أبي بكر بن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: الْأَسدي الْكُوفِي، قَالَ البُخَارِيّ، قَالَ إِسْحَاق: سَمِعت أَبَا بكر يَقُول: إسمي وكنيتي وَاحِد، وَقيل غير ذَلِك، هُوَ من أَفْرَاده، يروي عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء وبالعين الْمُهْملَة: أَبُو عبد الله الْأَسدي الْمَكِّيّ، سكن الْكُوفَة، وَهُوَ يروي عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ عنِ ابْن خُثَيْمٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطاءٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ هَذَا طَرِيق ثَالِث مُعَلّق عَن عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان الأشل الرَّازِيّ عَن ابْن خثيم، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم أَبُو عُثْمَان الْمَكِّيّ عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن راطيا، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن حَمَّاد حَدثنَا عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم أَخْبرنِي عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله طفت بِالْبَيْتِ قبل أَن أرم قَالَ: إرمِ وَلَا حرج. وَقَالَ الْقَاسِمُ بنُ يَحْيى قَالَ حدَّثني ابنُ خُثَيْمٍ عنْ عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ هَذَا تَعْلِيق قَالَه الْقَاسِم بن يحيى عَن عَطاء الْهِلَالِي الوَاسِطِيّ، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. وَقَالَ عَفَّانُ أُرَاهُ عَنْ وُهَيْبٍ قَالَ حَدثنَا ابنُ خُثَيْمٍ عنْ سَعيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَباسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ هَذَا أَيْضا تَعْلِيق قَالَه عَفَّان بن مُسلم الصفار الْبَصْرِيّ. قَوْله: (أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: أَظُنهُ، وَالْقَائِل بِهَذِهِ اللَّفْظَة هُوَ البُخَارِيّ. وَأخرجه أَحْمد عَن عَفَّان بِدُونِ قَوْله: (أرَاهُ) وَلَفظه: (جَاءَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿حلقت وَلم أنحر، قَالَ: لَا حرج فانحر، وجاءه آخر فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ نحرت قبل أَن أرمي. قَالَ: فارم وَلَا حرج) . وَقَالَ حَمَّادٌ عنْ قَيْسِ بنِ سَعْدٍ وعَبَّادِ بنِ مَنْصُورٍ عنْ عَطَاءٍ عنْ جَابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَنِ النبيِّ ﷺ هَذَا أَيْضا تَعْلِيق قَالَه حَمَّاد بن سَلمَة، وَطَرِيق قيس بن سعد الْمُعَلق وَصله النَّسَائِيّ والطَّحَاوِي والإسماعيلي وَابْن حبَان من طَرِيق عَن حَمَّاد بن سَلمَة بِهِ نَحْو سِيَاق عبد الْعَزِيز بن رفيع، وَطَرِيق عباد بن مَنْصُور وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْقَاسِم. حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن إِسْحَاق حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة بِلَفْظ: (سُئِلَ عَن رجل رمى قبل أَن يحلق، وَحلق قبل أَن يَرْمِي، وَذبح قبل أَن يحلق؟ فَقَالَ ﷺ : إفعل وَلَا حرج) . ٣٢٧١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حَدثنَا خالدٌ عنْ عِكُرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سُئِلَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أمْسَيْتُ فَقَالَ لَا حَرَجَ قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أنْحَرَ قَالَ لَا حَرَجَ.. هَذَا طَرِيق رَابِع لحَدِيث ابْن عَبَّاس، وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى، وخَالِد هُوَ الْحذاء، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله عَن يزِيد بن زُرَيْع وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج أَيْضا عَن نصر بن عَليّ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن زُرَيْع، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن بكر بن خلف ثَلَاثَتهمْ عَن يزِيد بن زُرَيْع بِهِ. ٤٢٧١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبَرَني أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ قَيْسِ بنِ مُسْلِمٍ عنْ طَارِقِ بنِ شِهَابٍ

стр. 2864

عَنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ قَدِمْتُ عَلَى رسُولِ الله ﷺ وهْوَ بِالبَطْحَاءِ فَقَالَ أحَجَجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِمَ أهْلَلْتَ قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإهْلالٍ كإهْلَالِ النبيِّ ﷺ قَالَ أحْسنْتَ انْطَلِقْ فَطُفْ بِالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوةِ ثُمَّ أتَيْتُ امْرَأةً مِنْ نِساءِ بَنِي قَيْسٍ فَفَلَتْ رَأسِي ثُمَّ أهْلَلْتُ بِالحَجِّ فكُنْتُ أُفْتِي بِهِ النَّاسَ حَتَّى خِلافَةِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فذَكرْتُهُ لَهُ فَقَالَ إنْ نأخُذْ بِكتَابِ الله فإنَّهُ يأمُرُنَا بِالتَّمَامِ وِإنْ نأخُذْ بِسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ فإنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الهَدْيَ مَحِلَّهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (حَتَّى بلغ الْهَدْي مَحَله) ، لِأَن بُلُوغ الْهَدْي مَحَله عبارَة عَن الذّبْح، وتأخيره على سَبِيل الرُّخْصَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب من أهل فِي زمن النَّبِي، ﷺ ، كإهلال النَّبِي ﷺ ، أخرجه: عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن قيس بن مُسلم إِلَى آخِره، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فَقلت) ، الْفَاء الأولى للتعقيب، وَالثَّانيَِة من نفس الْكَلِمَة لِأَنَّهُ من: فليت رَأسه من الْقمل، إِذا أزحته مِنْهُ، تَقول: فلَّى الرجل، وفلَّت الْمَرْأَة، يفلي فليا، حَاصله: أَنه تحلل من الْعمرَة، ثمَّ بعد ذَلِك أحرم بِالْحَجِّ فَصَارَ مُتَمَتِّعا، لِأَنَّهُ لم يكن مَعَه الْهَدْي. قَوْله: (كنت أُفْتِي بِهِ) أَي: بالتمتع الْمَدْلُول عَلَيْهِ بسياق الْكَلَام. قَوْله: (أَن نَأْخُذ بِكِتَاب الله) ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَوْله: (مَحَله) ، بِكَسْر الْحَاء. ٦٢١ - (بابُ مَنْ لَبَّدَ رَأسَهُ عِنْدَ الإحْرَامِ وحَلَقَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لبد رَأسه عِنْد الْإِحْرَام وَحلق رَأسه بعد ذَلِك عِنْد الْإِحْلَال، قَوْله: (لبد) ، بِالتَّشْدِيدِ من التلبيد وَهُوَ أَن يضفر رَأسه وَيجْعَل فِيهِ شَيْئا من صمغ وَشبهه ليجتمع ويتلبد فَلَا يتخلله الْغُبَار وَلَا يُصِيبهُ الشعث وَلَا يحصل فِيهِ قمل، وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك من طول الْمكْث فِي الْإِحْرَام. قيل: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الْخلاف فِيمَن لبد، هَل يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْحلق أَو لَا؟ فَنقل ابْن بطال عَن الْجُمْهُور تعين ذَلِك حَتَّى عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ أهل الرَّأْي: لَا يتَعَيَّن، بل إِن شَاءَ قصر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد. ٥٢٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ أنَّها قالَتْ يَا رَسُولَ الله مَا شأنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمرَةٍ ولَمْ تَحْلِلْ أنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إنِّي لَبَّدْتُ رَأسِي وقَلدْتُ هَدْبِي فَلَا أحِلَّ حَتَّى أنحَرَ.. وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنِّي لبدت رَأْسِي) . فَإِن قلت: التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على التلبيد، وعَلى الْحلق وَلَيْسَ فِي الحَدِيث تعرض إِلَى الْحلق؟ قلت: قيل: إِنَّه مَعْلُوم من حَال النَّبِي ﷺ أَنه حلق رَأسه فِي حجه، وَقد ورد ذَلِك صَرِيحًا فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الَّذِي يَأْتِي فِي أول الْبَاب الَّذِي بعد هَذَا الْبَاب، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة إِذا وجد فِي جُزْء من الحَدِيث يَكْفِي ويكتفي بِهِ، وَلَا تشْتَرط الْمُطَابقَة بَين أجزائهما جَمِيعًا، أَلا يرى أَن فِي الحَدِيث ذكر تَقْلِيد الْهَدْي وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَة ذَلِك، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد قد مر فِي بَاب التَّمَتُّع والإقران، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه الْجَمَاعَة غير التِّرْمِذِيّ، وَأَنه يدل على أَنه، ﷺ ، كَانَ مُتَمَتِّعا، لِأَن الْهَدْي الْمُقَلّد لَا يمْنَع من الْإِحْلَال إلَاّ فِي الْمُتْعَة خَاصَّة، وَإِن كَانَ قَوْله، ﷺ ، هَذَا بعد أَن يطوف فَلم يطف حَتَّى أحرم صَار قَارنا، فعلى كل حَال إِنَّه يرد قَول من قَالَ: إِنَّه كَانَ مُفردا بِحجَّة لم يتقدمها عمْرَة، وَلم تكن مَعهَا عمْرَة. ٧٢١ - (بابُ الْحَلْقِ والتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإحْلَالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحلق وَالتَّقْصِير عِنْد إحلاله من الْإِحْرَام. قيل: أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَن الْحلق نسك لقَوْله: (عِنْد الْإِحْلَال) ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور إلَاّ فِي رِوَايَة ضَعِيفَة عَن الشَّافِعِي أَنه اسْتِبَاحَة مَحْظُور. قلت: وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَن من

стр. 2865

لبد رَأسه وَجب عَلَيْهِ الحلاق، كَمَا فعل النَّبِي ﷺ ، وَبِذَلِك أَمر النَّاس عمر بن الْخطاب وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَكَذَلِكَ لَو ضفر رَأسه أَو عقصه كَانَ حكمه حكم التلبيد، وَفِي (كَامِل) ابْن عدي من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: (من لبد رَأسه للْإِحْرَام فقد وَجب عَلَيْهِ الْحلق) ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: من لبد رَأسه أَو ضفره فَإِن قصر وَلم يحلق أَجزَأَهُ، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه كَانَ يَقُول: من لبد أَو عقص أَو ضفر فَإِن نوى الْحلق فليحلق، وَإِن لم يُنَوّه فَإِن شَاءَ حلق وَإِن شَاءَ قصر. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين فِي شرح التِّرْمِذِيّ: إِن الْحلق نسك. قَالَه النَّوَوِيّ، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَهُوَ القَوْل الصَّحِيح للشَّافِعِيّ. وَفِيه خَمْسَة أوجه أَصَحهَا: أَنه ركن لَا يَصح الْحَج وَالْعمْرَة إِلَّا بِهِ. وَالثَّانِي: أَنه وَاجِب. وَالثَّالِث: أَنه مُسْتَحبّ. وَالرَّابِع: أَنه اسْتِبَاحَة مَحْظُور. وَالْخَامِس: أَنه ركن فِي الْحَج وَاجِب فِي الْعمرَة وَإِلَيْهِ ذهب الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَغير وَاحِد من الشَّافِعِيَّة. ٦٢٧١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبُ بنُ أبِي حَمْزَةَ قَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ حَلَقَ رسولُ الله ﷺ فِي حَجَّتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حلق رَسُول الله ﷺ ، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، قَالَ بَعضهم: والْحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل أَوله: لما نزل الْحجَّاج بِابْن الزبير، نبه عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ. قلت: روى مُسلم من حَدِيث نَافِع أَن ابْن عمر أَرَادَ الْحَج عَام نزُول الْحجَّاج بِابْن الزبير ... الحَدِيث، وَفِيه: (وَلم يحلل من شَيْء حرم مِنْهُ حَتَّى كَانَ يَوْم النَّحْر، فَنحر وَحلق) . قَوْله: (فِي حجَّته) ، وَهِي حجَّة الْوَدَاع، يدل عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة وَأما قَوْله ﷺ (اللَّهُمَّ ارْحَمْ المخلقين) فَفِيهِ خلاف وَقَالَ بَعضهم كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة حِين أَمرهم بِالْحلقِ، على مَا نذكرهُ عَن قريب، وَيحْتَمل أَنه كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ الْأَشْبَه، لِأَن جمَاعَة من الصَّحَابَة توقفت فِي الْحلق فيهمَا. ثمَّ الْكَلَام فِي حلق النَّبِي ﷺ وَمَا يتَعَلَّق بِهِ على أَنْوَاع. الأول فِي كَيْفيَّة حلقه ﷺ : روى مُسلم من حَدِيث أنس: (أَن رَسُول الله ﷺ أَتَى من منى فَأتى الْجَمْرَة فَرَمَاهَا، ثمَّ أَتَى منزله بمنى وَنحر، وَقَالَ للحلاق: خُذ، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر، ثمَّ جعل يُعْطِيهِ النَّاس) . وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس أَيْضا قَالَ: (لما رمى رَسُول الله ﷺ الْجَمْرَة نحر نُسكه، ثمَّ ناول الحالق شقَّه الْأَيْمن فحلقه، فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَة، ثمَّ نَاوَلَهُ شقَّه الْأَيْسَر فحلقه فَقَالَ: أقسمه بَين النَّاس) . ثمَّ ظَاهر رِوَايَة التِّرْمِذِيّ أَن الشّعْر الَّذِي أَمر أَبَا طَلْحَة بقسمته بَين النَّاس هُوَ شعر الشق الْأَيْسَر، وَهَكَذَا رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة، وَأما رِوَايَة حَفْص بن غياث وَعبد الْأَعْلَى ففيهما أَن الشق الَّذِي قسمه بَين النَّاس، هُوَ الْأَيْمن، وكلا الرِّوَايَتَيْنِ عِنْد مُسلم، وَأما رِوَايَة حَفْص فَقَالَ أَبُو كريب عَنهُ: فَبَدَأَ بالشق الْأَيْمن فوزعه الشعرة والشعرتين بَين النَّاس، ثمَّ قَالَ بالأيسر، فَصنعَ مثل ذَلِك. وَقَالَ أَبُو بكر فِي رِوَايَته عَن حَفْص، قَالَ للحلاق: وَهَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِب الْأَيْمن هَكَذَا، فقسم شعره بَين من يَلِيهِ، قَالَ: ثمَّ أَشَارَ إِلَى الحلاق إِلَى الْجَانِب الْأَيْسَر فحلقه، فَأعْطَاهُ أم سليم، وَقَالَ يحيى بن يحيى فِي رِوَايَته عَن حَفْص، ثمَّ قَالَ للحلاق: خُذ، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبه الْأَيْمن، ثمَّ للأيسر، ثمَّ جعل يُعْطِيهِ النَّاس، فَلم يذكر يحيى بن يحيى فِي رِوَايَته أَبَا طَلْحَة وَلَا أم سليم، وَأما رِوَايَة عبد الْأَعْلَى فَقَالَ فِيهَا: وَقَالَ بِيَدِهِ، فحلق شقَّه الْأَيْمن فَقَسمهُ فِيمَن يَلِيهِ، ثمَّ قَالَ: إحلق الشق الآخر. فَقَالَ: أَيْن أَبُو طَلْحَة؟ فَأعْطَاهُ إِيَّاه. وَقد اخْتلف أهل الحَدِيث فِي الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي هَذَا الحَدِيث، فَذهب بَعضهم إِلَى الْجمع بَينهمَا، وَذهب بَعضهم إِلَى التَّرْجِيح لتعذر الْجمع عِنْده، وَقَالَ صَاحب الْفَهم: إِن قَوْله: (لما حلق رَسُول الله ﷺ شقّ رَأسه الْأَيْمن أعطاء أَبَا طَلْحَة) ، لَيْسَ مناقضا لما فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنه قسم شعر الْجَانِب الْأَيْمن بَين النَّاس، وَشعر الْجَانِب الْأَيْسَر أعطَاهُ أم سليم، وَهِي امْرَأَة أبي طَلْحَة وَهِي أم أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. . قَالَ: وَحصل من مَجْمُوع هَذِه الرِّوَايَات أَن النَّبِي ﷺ ، لما حلق الشق الْأَيْمن نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَة ليقسمه بَين النَّاس، فَفعل أَبُو طَلْحَة، وناول شعر الشق الْأَيْسَر ليَكُون عِنْد أبي طَلْحَة، فَصحت نِسْبَة كل ذَلِك إِلَى من نسب إِلَيْهِ، وَالله أعلم. وَقد جمع الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي مَوضِع إِمْكَان جمعه، وَرجح فِي مَكَان تعذره، فَقَالَ: وَالصَّحِيح أَن الَّذِي وزعه على النَّاس الشق الْأَيْمن، وَأعْطى الْأَيْسَر أَبَا طَلْحَة وَأم سليم، وَلَا تضَاد بَين الرِّوَايَتَيْنِ، لِأَن أم سليم امْرَأَة أبي طَلْحَة، فإعطاه، ﷺ ، لَهما، فنسب الْعَطِيَّة تَارَة إِلَيْهِ وَتارَة إِلَيْهَا. انْتهى. وَفِي رِوَايَة أَحْمد

стр. 2866

فِي (الْمسند) مَا يَقْتَضِي أَنه أرسل شعر الشق الْأَيْمن مَعَ أنس إِلَى أمه أم سليم امْرَأَة أبي طَلْحَة فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: لما حلق رَسُول الله، ﷺ ، رَأسه بمنى أَخذ شقّ رَأسه الْأَيْمن بِيَدِهِ، فَلَمَّا فرغ ناولني فَقَالَ: يَا أنس إنطلق بِهَذَا إِلَى أم سليم، قَالَ: فَلَمَّا رأى النَّاس مَا خصنا بِهِ تنافسوا فِي الشق الآخر، هَذَا يَأْخُذ الشَّيْء، وَهَذَا يَأْخُذ الشَّيْء. قَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَكَأن الْمُحب الطَّبَرِيّ رجح رِوَايَة تَفْرِقَة الشق الْأَيْمن بِكَثْرَة الروَاة، فَإِن حَفْص بن غياث وَعبد الْأَعْلَى اتفقَا على ذَلِك عَن هِشَام، وَخَالَفَهُمَا ابْن عُيَيْنَة وَحده، ثمَّ قَالَ الشَّيْخ: وَقد ترجح تَفْرِقَة الإيسر بِكَوْنِهِ مُتَّفقا عَلَيْهِ، وتفرقة الْأَيْمن من أَفْرَاد مُسلم، فقد وَقع عِنْد البُخَارِيّ من رِوَايَة ابْن عون عَن ابْن سِيرِين (عَن أنس: أَن النَّبِي ﷺ لما حلق كَانَ أَبُو طَلْحَة أول من أَخذ من شعره) ، فَهَذَا يدل على أَن الَّذِي أَخذه أَبُو طَلْحَة الْأَيْمن، وَإِن كَانَ يجوز أَن يُقَال: أَخذه ليفرقه، فَالظَّاهِر أَنه إِنَّمَا أَرَادَ الَّذِي أَخذه أَبُو طَلْحَة لنَفسِهِ، فقد اتّفق ابْن عون عَن هِشَام من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَنهُ، على أَن أَبَا طَلْحَة أَخذ الشق الْأَيْمن، وَاخْتلف فِيهِ على هِشَام، فَكَانَت الرِّوَايَة الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا أولى بِالْقبُولِ، وَالله أعلم. النَّوْع الثَّانِي: أَن فِيهِ مَا يدل على وجوب اسْتِيعَاب حلق الرَّأْس، لِأَنَّهُ ﷺ حلق جَمِيع رَأسه، وَقَالَ: (خُذُوا عني مَنَاسِككُم) ، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة، كالمسح فِي الْوضُوء، وَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ: يجب حلق أَكثر الرَّأْس، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَقَالَ عَطاء: يبلغ بِهِ إِلَى العظمين اللَّذين عِنْد مُنْتَهى الصدغين، لِأَنَّهُمَا مُنْتَهى نَبَات الشّعْر، ليَكُون مستوعبا لجَمِيع رَأسه. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجب حلق ربع الرَّأْس وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يجب حلق نصف الرَّأْس، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه يَكْفِي حلق ثَلَاث شَعرَات، وَلم يكتف بشعرة أَو بعض شَعْرَة، كَمَا اكْتفى بذلك فِي مسح الرَّأْس فِي الْوضُوء. النَّوْع الثَّالِث: أَنه يسْتَدلّ بِهِ على أَفضَلِيَّة الْحلق على التَّقْصِير، وسنبينه فِي الحَدِيث الْآتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. النَّوْع الرَّابِع: أَن فِيهِ طَهَارَة شعر الْآدَمِيّ، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء، وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، وَخَالف فِي ذَلِك أَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ مِنْهُم، فخصص الطَّهَارَة بِشعرِهِ ﷺ وَذهب إِلَى نَجَاسَة شعر غَيره. النَّوْع الْخَامِس: فِيهِ التَّبَرُّك بِشعرِهِ ﷺ ، وَغير ذَلِك من آثاره بِأبي وَأمي وَنَفْسِي هُوَ، وَقد روى أَحْمد فِي (مُسْنده) بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: فَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدَة السَّلمَانِي يُرِيد: هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لِأَن يكون عِنْدِي شَعْرَة مِنْهُ أحب إِلَيّ من كل بَيْضَاء وصفراء على وَجه الأَرْض. وَفِي بَطنهَا، وَقد ذكر غير وَاحِد أَن خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ فِي قلنسوته شَعرَات من شعره ﷺ ، فَلذَلِك كَانَ لَا يقدم على وَجه إلَاّ فتح لَهُ، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ذكره الملا فِي (السِّيرَة) : أَن خَالِدا سَأَلَ أَبَا طَلْحَة حِين فرق شعره ﷺ بَين النَّاس أَن يُعْطِيهِ شعر ناصيته، فَأعْطَاهُ إِيَّاه، فَكَانَ مقدم ناصيته مناسبا لفتح كل مَا أقدم عَلَيْهِ. النَّوْع السَّادِس: أَن فِيهِ أَنه لَا بَأْس باقتناء الشّعْر الْبَائِن من الْحَيّ وَحفظه عِنْده، وَأَنه لَا يجب دَفنه، كَمَا قَالَ بَعضهم: إِنَّه يجب دفن شُعُور بني آدم، أَو يسْتَحبّ، وَذكر الرَّافِعِيّ فِي سنَن الْحلق، فَقَالَ: وَإِذا حلق فالمستحب أَن يبْدَأ بالشق الْأَيْمن ثمَّ بالأيسر، وَأَن يكون مُسْتَقْبل الْقبْلَة، وَإِنَّمَا يكبر بعد الْفَرَاغ، وَأَن يدْفن شعره. وَزَاد الْمُحب الطَّبَرِيّ فَذكر من سنَنه صَلَاة رَكْعَتَيْنِ بعده، فسننه إِذا خَمْسَة. النَّوْع السَّابِع: فِيهِ مواساة الإِمَام وَالْكَبِير بَين أَصْحَابه فِيمَا يقسمهُ بَينهم، وَإِن فَاضل بَينهم لأمر اقْتضى ذَلِك. النَّوْع الثَّامِن: فِيهِ أَنه لَا بَأْس بتفضيل بَعضهم على بعض فِي الْقِسْمَة لأمر يرَاهُ وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَاده، لِأَنَّهُ ﷺ خصص أَبَا طَلْحَة وَأم سليم بِشعر أحد الشقين، كَمَا تقدم. النَّوْع التَّاسِع: أَن الحالق الْمَذْكُور اخْتلف فِي تَعْيِينه، فَقَالَ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) : زَعَمُوا أَنه معمر بن عبد الله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه الصَّحِيح الْمَشْهُور، قَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْكَبِير) : قَالَ عَليّ بن عبد الله: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الرَّحْمَن بن عقبَة، مولى معمر، عَن معمر الْعَدوي قَالَ: (كنت أرجِّل لرَسُول الله ﷺ حِين قضى حجه، وَكَانَ يَوْم النَّحْر، جلس يحلق رَأسه، فَرفع رَأسه فَنظر فِي وَجْهي، فَقَالَ: يَا معمر! أمكنك النَّبِي ﷺ من شحمة أُذُنه، وَفِي يدك الموسى، فَقَالَ: ذَاك من الله تَعَالَى عَليّ وفضله. قَالَ: نعم؟ فحلقته) ، وَقيل: إِن الَّذِي حلق رَأسه

стр. 2867

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام هُوَ خرَاش بن أُميَّة بن ربيعَة، حَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: هَذَا وهمٌ من قَائِله، وَإِنَّمَا حلق رَأسه خرَاش بن أُميَّة يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَقد بَينه ابْن عبد الْبر، فَقَالَ فِي تَرْجَمَة خرَاش، وَهُوَ الَّذِي حلق رَأس رَسُول الله ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة. انْتهى. فَمن ذكر أَنه حلق لَهُ يَوْم النَّحْر فِي حجَّته فقد وهم، وَإِنَّمَا حلق لَهُ يَوْم النَّحْر معمر بن عبد الله الْعَدوي. كَمَا تقدم، وَهُوَ الصَّوَاب. النَّوْع الْعَاشِر: أَن عِنْد أبي حنيفَة يبْدَأ بِيَمِين الحالق ويسار المحلوق، قَالَه الْكرْمَانِي فِي (مَنَاسِكه) وَعند الشَّافِعِي: يبْدَأ بِيَمِين المحلوق، وَالصَّحِيح عِنْد أبي حنيفَة مثله. النَّوْع الْحَادِي عشر: مَا ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) ، فَقَالَ: يدْخل وَقت الْحلق من طُلُوع الْفجْر عِنْد الْمَالِكِيَّة، وَعِنْدنَا ينصف لَيْلَة النَّحْر، وَلَا آخر لوقته، وَالْحلق بمنى يَوْم النَّحْر أفضل. قَالُوا: وَلَو أَخّرهُ حَتَّى بلغ بَلَده حلق. أَو أهْدى، فَلَو وطىء قبل الْحلق فَعَلَيهِ هدي، بِخِلَاف الصَّيْد على الْمَشْهُور عِنْدهم، وَقَالَ ابْن قدامَة: يجوز تَأْخِيره إِلَى آخر أَيَّام النَّحْر، فَإِن أَخّرهُ عَن ذَلِك فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلَا دم عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ عَطاء وَأَبُو يُوسُف وَأَبُو ثَوْر، وَيُشبه مَذْهَب الشَّافِعِي، لِأَن الله تَعَالَى بَين أول وقته بقوله: ﴿وَلَا تحلقوا رؤوسكم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . الْآيَة، وَلم يبين آخِره، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجزَأَهُ، وَعَن أَحْمد: عَلَيْهِ دم بِتَأْخِيرِهِ، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، لِأَنَّهُ نسك أَخّرهُ عَن مَحَله، وَلَا فرق فِي التَّأْخِير بَين الْقَلِيل وَالْكثير، والساهي والعامد، وَقَالَ مَالك وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: من تَركه حَتَّى حل فَعَلَيهِ دم، لِأَنَّهُ نسك فَيَأْتِي بِهِ فِي إِحْرَام الْحَج كَسَائِر مَنَاسِكه. ٧٢٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ أللَّهُمَّ ارْحَمْ المحَلِّقينَ قالُوا والمُقَصِّرينَ يَا رسولَ الله قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقينَ قالُوا والمُقَصِّرِينَ يَا رسولَ الله قَالَ والمُقَصِّرينَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ فِي الْحلق وَالتَّقْصِير. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد أَيْضا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (أللهم ارْحَمْ المحلقين) ، هَذَا الدُّعَاء الَّذِي وَقع من النَّبِي ﷺ بالتكرار للمحلقين وأفراد الدُّعَاء للمقصرين، هَل كَانَ ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع أَو فِي الْحُدَيْبِيَة؟ فَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: كَونه فِي الْحُدَيْبِيَة هُوَ الْمَحْفُوظ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنه كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: لَا يبعد أَن النَّبِي ﷺ قَالَه فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَمَا قَالَه القَاضِي هُوَ الصَّوَاب جمعا بَين الْأَحَادِيث، فَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أم الْحصين أَنه قَالَه فِي حجَّة الْوَدَاع، وَقد رُوِيَ أَن ابْن إِسْحَاق قَالَ فِي (السِّيرَة) : حَدثنِي ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ حلق: رجال يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقصر آخَرُونَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أللهم ارْحَمْ المحلقين، ثَلَاثًا. قيل: يَا رَسُول الله! مَا بَال المحلقين ظَاهَرت لَهُم بالترحم؟ قَالَ: لأَنهم لم يشكوا) . فَهَذَا يُوضح أَنه قَالَه فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: كَانَت عَادَتهم اتِّخَاذ الشّعْر على الرؤوس وتوفيرها وتزيينها، وَكَانَ الْحلق فيهم قَلِيلا، ويرون ذَلِك نوعا من الشُّهْرَة، وَكَانَ يشق عَلَيْهِم الْحلق، فمالوا إِلَى التَّقْصِير. فَمنهمْ من حلق وَمِنْهُم من قصر لما يجد فِي نَفسه مِنْهُ، فَمن أجل ذَلِك سمح لَهُم بِالدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ، وَقصر، بالآخرين إِلَى أَن استعطف عَلَيْهِم، فعممهم بِالدُّعَاءِ بعد ذَلِك. فَإِن قلت: مَا معنى قَوْله: (لم يشكوا) ؟ وَمَا المُرَاد بِالشَّكِّ وَوُجُود الشَّك من الصَّحَابَة مُشكل. قلت: مَعْنَاهُ لم يشكوا أَن الحلاق أفضل قيل: فِيهِ نظر، لِأَن الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، إِذا رَأَوْا النَّبِي ﷺ فعل فعلا رَأَوْهُ أفضل، وَإِنَّمَا كَانُوا يقصدون مُتَابَعَته. قَوْله: (والمقصرين) عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: قل: وَارْحَمْ الْمُقَصِّرِينَ أَيْضا، وَيُسمى مثل هَذَا: بالْعَطْف التلقيني، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ، وَمن ذريتي﴾ (الْبَقَرَة: ٤٢١) . وَفِيه: مَا يدل على أَفضَلِيَّة الْحلق لِأَنَّهُ أبلغ فِي الْعِبَادَة وأدل على صدق النِّيَّة فِي التذلل لله، لِأَن المقصر مبق على نَفسه من زينته الَّتِي قد أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يكون الْحَاج مجانبا لَهَا. وَقيل: مَا ذكر من أَفضَلِيَّة الْحلق على التَّقْصِير إِنَّمَا هِيَ فِي حقِّ الرِّجَال دون النِّسَاء، لوُرُود النَّهْي عَن حلق النِّسَاء، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَيْسَ على النِّسَاء الْحلق، إِنَّمَا على النِّسَاء التَّقْصِير) . وروى التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ أَن تحلق الْمَرْأَة رَأسهَا) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَرُوِيَ هَذَا

стр. 2868

الحَدِيث: عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة (عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ نهى أَن تحلق الْمَرْأَة رَأسهَا) . وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني نافَعٌ رَحِمَ الله المُحَلِّقِينَ مَرِّةً أوْ مَرَّتيْنِ وَقَالَ عُبَيْدُ الله حدَّثني نافعٌ وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ والمقَصِّرينَ هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَلَفظه: (رحم الله المحلقين، مرّة أَو مرَّتَيْنِ. قَالُوا: والمقصرين؟ قَالَ: والمقصرين) الشَّك فِيهِ من اللَّيْث وإلَاّ فَأكْثر الروَاة يوافقون لما رَوَاهُ مَالك، فَإِن مُعظم الرِّوَايَات عَن مَالك إِعَادَة الدُّعَاء للمحلقين مرَّتَيْنِ، وَعطف الْمُقَصِّرِينَ عَلَيْهِ فِي الْمرة الثَّالِثَة، وَانْفَرَدَ يحيى بن بكير دون رَوَاهُ (الْمُوَطَّأ) بِإِعَادَة ذَلِك ثَلَاث مَرَّات نبه عَلَيْهِ ابْن عبد الْبر فِي (التَّقَصِّي) وَلم يُنَبه عَلَيْهِ فِي (التَّمْهِيد) بل قَالَ فِيهِ: إِنَّهُم لم يَخْتَلِفُوا على مَالك فِي ذَلِك. ٨٢٧١ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ قَالَ حدَّثنا عُمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ عَنْ أبِي زرْعَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ أللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قالُوا ولِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لِلْمُحَلِّقِينَ قالُوا ولِلْمُقَصِّرِينَ قالَهَا ثَلَاثًا قَالَ ولِلْمُقَصِّرِينَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: هُوَ الرقام، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن عَبَّاس، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني، وَالْأول أرجح. الثَّانِي: مُحَمَّد بن الفضيل، بِضَم الْفَاء مصغر الْفضل بن غَزوَان أَبُو عبد الرَّحْمَن الضَّبِّيّ. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع، بِفَتْح الْقَاف الأولى وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن شبْرمَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ، قيل: اسْمه هرم، وَقيل: عبد الله، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: جرير. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل مكررا. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَبَقِيَّة الروَاة كوفيون. وَفِيه: أَن رِوَايَة مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن عمَارَة من أَفْرَاده، وَرِوَايَة عمَارَة عَن أبي زرْعَة من أَفْرَاده، وتابع أَبَا زرْعَة عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب. أخرجه مُسلم بعد أَن أخرج حَدِيث أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أللهم إغفر للمحلقين) إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، قَالَ: وحَدثني أُميَّة بن بسطَام حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا روح عَن الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ بِمَعْنى حَدِيث أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَأَبُو الْعَلَاء هُوَ عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب الْمَذْكُور وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إغفر للمحلقين) ، وَقد مر فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (إرحم المحلقين) ، قَالَ الدَّاودِيّ: يحْتَمل أَن يكون بعض الناقلين رَوَاهُ على الْمَعْنى أَو إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وهمٌ، أَو قالهما ﷺ جَمِيعًا. قَوْله: (قَالَهَا ثَلَاثًا) أَي: قَالَ: إغفر للمحلقين، ثَلَاث مَرَّات، وَفِي الرَّابِعَة قَالَ: (للمقصرين، وَفِي حَدِيث ابْن عمر الَّذِي مضى آنِفا قَالَ: للمقصرين، بعد الثَّانِيَة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عمر قَالَ: رحم الله المحلقين مرّة أَو مرَّتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: والمقصرين، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن مَاجَه، (قيل: يَا رَسُول الله! لم ظَاهَرت المحلقين ثَلَاثًا والمقصرين وَاحِدَة؟) وَقد ذَكرْنَاهُ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، وَابْن مَاجَه أخرجه من طَرِيقه، وَفِي حَدِيث أم الْحصين أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ: (دَعَا للمحلقين ثَلَاثًا وللمقصرين مرّة) . وَفِي حَدِيث أبي سعيد أخرجه ابْن أبي شيبَة: (رَأَيْت النَّبِي ﷺ يَقُول بِيَدِهِ: يرحم الله المحلقين، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله، والمقصرين؟ قَالَ فِي الثَّالِثَة: والمقصرين) . وَفِي حَدِيث أبي مَرْيَم، أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (أللهم اغْفِر للمحلقين أللهم إغفر للمحلقين، قَالَ: يَقُول رجل من الْقَوْم: والمقصرين؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة، والمقصرين. قَالَ وَأَنا يَوْمئِذٍ محلوق الرَّأْس، فَمَا يسرني بحلق رَأْسِي حمر النعم) . وَفِي حَدِيث حبشِي بن جُنَادَة، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أللهم اغْفِر للمحلقين

стр. 2869

قَالُوا: يَا رَسُول الله، والمقصرين؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر للمقصرين) . وَفِي حَدِيث جَابر بن عبد الله أخرجه أَبُو قُرَّة يَقُول: حلق رَسُول الله، ﷺ ، يَوْم الْحُدَيْبِيَة، فحلق نَاس كثير من أَصْحَابه حِين رَأَوْهُ حلق، وَقَالَ آخَرُونَ: وَالله مَا طفنا بِالْبَيْتِ فقصروا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (يرحم الله المحلقين، وَقَالَ فِي الرَّابِعَة: والمقصرين) . وَفِي حَدِيث قَارب أخرجه ابْن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن وهب بن عبد الله بن قَارب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (يرحم الله المحلقين) ، وَقَالَ أَبُو عمر: ولاأحفظ هَذَا الحَدِيث من غير رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة وَغير الْحميدِي، والْحميدِي يَقُول: قارت أَو مارب، وَغير الْحميدِي يَقُول: قَارب من غير شكّ، وَهُوَ الصَّوَاب وَهُوَ مَشْهُور مَعْرُوف من وُجُوه ثَقِيف. انْتهى. وقارب هُوَ: ابْن عبد الله بن الْأسود بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، وَيُقَال لَهُ أَيْضا: قَارب بن الْأسود، ينْسب إِلَى جده، وَأم الْحصين الْمَذْكُورَة لَا يعرف اسْمهَا، وَهِي صحابية، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، شهِدت حجَّة الْوَدَاع، وَهِي من أحمس ثمَّ من بجيلة، وَأَبُو مَرْيَم اسْمه مَالك بن ربيعَة السَّلُولي صَحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سكن الْبَصْرَة وَهُوَ وَالِد يزِيد بن أبي مَرْيَم، وَحبشِي بن جُنَادَة سلولي أَيْضا صَحَابِيّ سكن الْكُوفَة. ٩٢٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ أسْمَاءَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَّةُ بنُ أسْماءَ عَنْ نافَعٍ أنَّ عَبْدَ الله قَالَ حلَقَ النبيُّ ﷺ وطَائِفَةٌ مِنْ أصْحَابِهِ وقصَّرَ بَعْضُهُم.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء بن عبيد بن مِخْرَاق الْبَصْرِيّ ابْن أخي جُورِيَةُ بن أَسمَاء، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَسْمَاء من الْأَعْلَام الْمُشْتَركَة بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث، وَجُوَيْرِية مصغر الجالية ابْن أَسمَاء بن عبيد الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَسبعين وَمِائَة، وَقَالَ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) حَدِيث حلق النَّبِي ﷺ وَطَائِفَة من أَصْحَابه وَقصر بَعضهم، أخرجه البُخَارِيّ فِي الْحَج عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ، هَكَذَا ذكره خلف وَذكره أَبُو مَسْعُود عَن مُوسَى وَحده، وَالَّذِي وَجَدْنَاهُ فِي (الصَّحِيح) : عَن عبد الله وَحده فِيهِ إِثْبَات الْحلق وَالتَّقْصِير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. ٠٣٧١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ الْحَسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ مُعاوِيَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَالَ قَصَّرْتُ عنْ رسولِ الله ﷺ بِمِشْقَصٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قصرت عَن رَسُول الله ﷺ وَفِيه: الْإِشَارَة إِلَى جَوَاز التَّقْصِير وَإِن كَانَ الْحلق أفضل، وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل الضحام بن مخلد، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَالْحسن بن مُسلم بن يناق، مَاتَ قبل طَاوُوس وَقبل أَبِيه مُسلم، والرواة كلهم مكيون سوى أبي عَاصِم شَيْخه فَإِنَّهُ بَصرِي، وَمُعَاوِيَة هُوَ ابْن أبي سُفْيَان. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. قَوْله: (عَن ابْن جريج عَن الْحسن) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن جريج، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن مُسلم عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس: أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أخبرهُ قَالَ: قصرت عَن رَسُول الله ﷺ بمشقص، وَهُوَ على الْمَرْوَة، أَو: رَأَيْته يقصر عَنهُ بمشقص، وَهُوَ على الْمَرْوَة، وَفِي لفظ لَهُ: قَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ لي مُعَاوِيَة: أعلمت أَنِّي قد قصرت من رَأس النَّبِي ﷺ عِنْد الْمَرْوَة بمشقص؟ فَقلت لَهُ: لَا أعلم هَذِه إلَاّ حجَّة عَلَيْك. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا الحَدِيث مَحْمُول على أَن مُعَاوِيَة قصر عَن النَّبِي ﷺ فِي عمْرَة الْجِعِرَّانَة، لِأَن النَّبِي ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع كَانَ قَارنا، وَثَبت أَنه حلق بمنى، وَفرق أَبُو طَلْحَة شعره بَين النَّاس، فَلَا يجوز حمل تَقْصِير مُعَاوِيَة على حجَّة الْوَدَاع، وَلَا يَصح حمله أَيْضا على عمْرَة الْقَضَاء الْوَاقِعَة سنة سبع من الْهِجْرَة، لِأَن مُعَاوِيَة لم يكن يَوْمئِذٍ مُسلما، إِنَّمَا أسلم يَوْم الْفَتْح سنة ثَمَان، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور، لَا يَصح قَول من حَملَة على حجَّة الْوَدَاع، وَزعم أَنه ﷺ كَانَ مُتَمَتِّعا لِأَن هَذَا غلط فَاحش، فقد تظاهرت الْأَحَادِيث فِي مُسلم وَغَيره أَن النَّبِي ﷺ قيل لَهُ: مَا شَأْن النَّاس حلوا وَلم تحل أَنْت؟ فَقَالَ: إِنِّي لبَّدت رَأْسِي وقلَّدت هَدْيِي فَلَا أحل حَتَّى أنحر الْهَدْي، وَفِي رِوَايَة: حَتَّى أحل من الْحَج. انْتهى. قيل: لَعَلَّ مُعَاوِيَة قصر عَنهُ فِي عمْرَة الْجِعِرَّانَة فنسي بعد ذَلِك، وَظن أَنه كَانَ فِي حجَّته فَإِن قلت: قد وَقع فِي رِوَايَة أَحْمد من

стр. 2870

طَرِيق قيس بن سعد عَن عَطاء أَن مُعَاوِيَة حدث أَنه أَخذ من أَطْرَاف شعر رَسُول الله ﷺ فِي أَيَّام الْعشْر بمشقص معي وَهُوَ محرم؟ قلت: قَالُوا: إِنَّهَا رِوَايَة شَاذَّة، وَقد قَالَ قيس بن سعد عقيبها: وَالنَّاس يُنكرُونَ ذَلِك، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون فِي قَول مُعَاوِيَة: قصرت عَن رَسُول الله ﷺ بمشقص، حذف تَقْدِيره: قصرت أَنا شعري عَن أَمر رَسُول الله ﷺ . قلت: يرد هَذَا مَا فِي رِوَايَة أَحْمد: قصرت عَن رَأس رَسُول الله ﷺ عِنْد الْمَرْوَة، أخرجه من طَرِيق جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن حزم: يحْتَمل أَن يكون مُعَاوِيَة قصر رَأس رَسُول الله ﷺ بَقِيَّة شعر لم يكن الحلاق اسْتَوْفَاهُ يَوْم النَّحْر، ورد عَلَيْهِ بِأَن الحالق لم يبْق شعرًا يقصر، وَلَا سِيمَا وَقد قسم ﷺ شعره بَين الصَّحَابَة الشعرة والشعرتين، وَأَيْضًا فالنبي ﷺ لم يسعَ بَين الصَّفَا والمروة إلَاّ سعيا وَاحِدًا فِي أول مَا قدم، فَمَاذَا كَانَ يصنع عِنْد الْمَرْوَة؟ قَوْله: (بمشقص) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْقَاف وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة، قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ النصل الطَّوِيل وَلَيْسَ بالعريض، وَقَالَ ابْن فَارس وَغَيره: هُوَ سهم فِيهِ نصل عريض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: المشقص هُوَ كل نصل طَال وَعرض، وَقَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ الطَّوِيل غير العريض. ٨٢١ - (بابُ تَقْصيرِ المُتَمَتِّعِ بَعْدَ العُمْرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَقْصِير الْمُتَمَتّع بعد إحلاله من عمرته. ١٣٧١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ قَالَ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ أَخْبرنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ مَكَّةَ أمَرَ أصْحَابَهُ أنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ يَحِلُّوا ويَحْلِقُوا أوْ يُقَصِّرُوا. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٥١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو يقصروا) ، والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن أبي بكر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم أَبُو عبد الله الثَّقَفِيّ مَوْلَاهُم الْمَعْرُوف بالمقدمي الْبَصْرِيّ، وفضيل تَصْغِير فضل بن سُلَيْمَان الْبَصْرِيّ، ومُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. وَفِيه: التَّخْيِير بَين الْحلق وَالتَّقْصِير، وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن التَّقْصِير مجزىء فِي الْحَج وَالْعمْرَة مَعًا إلَاّ مَا حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه كَانَ يَقُول: يلْزمه الْحلق فِي أول حجَّة وَلَا يجْزِيه التَّقْصِير. قلت: فيهنظر، لِأَن ابْن أبي شيبَة روى فِي (مُصَنفه) عَن عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن فِي الَّذِي لم يحجّ قطّ، إِن شَاءَ حلق وَإِن شَاءَ قصر، وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح إِلَى الْحسن يرد مَا حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَنهُ، نعم حُكيَ ذَلِك عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: إِذا حج الرجل أول حجَّة حلق، وَإِن حج مرّة أُخْرَى إِن شَاءَ حلق وَإِن شَاءَ قصر، وَالْحلق أفضل، وَإِذا اعْتَمر الرجل وَلم يحجّ قطّ فَإِن شَاءَ حلق وَإِن شَاءَ قصر، فَإِن كَانَ مُتَمَتِّعا قصر ثمَّ حلق، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْكَلَام من إِبْرَاهِيم لَيْسَ على سَبِيل الْوُجُوب، بل الْفضل والاستحباب، بِدَلِيل مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: كَانُوا يحبونَ أَن يحلقوا فِي أول حجَّة وَأول عمْرَة، وَرُوِيَ أَيْضا عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: كَانُوا يستحبون للرجل أول مَا يحجّ أَن يحلق وَأول مَا يعْتَمر أَن يحلق. ٩٢١ - (بابُ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان زِيَارَة الْحَج الْبَيْت لأجل الطّواف بِهِ يَوْم النَّحْر، وَالْمرَاد بِهِ طواف الزِّيَارَة الَّذِي هُوَ ركن من أَرْكَان الْحَج، وَسمي طواف الْإِفَاضَة أَيْضا. وَقَالَ أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أخَّرَّ النبيُّ ﷺ الزِّيارَةَ إلَى اللَّيْلِ أَبُو الزبير، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: واسْمه مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس، بِلَفْظ الْمُخَاطب من الْمُضَارع من الدراسة، مر فِي: بَاب من شكى إِمَامه، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار

стр. 2871

حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي الزبير عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ أخر طواف الزِّيَارَة إِلَى اللَّيْل، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن مهْدي. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن بكر بن خلف، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: وَأَبُو الزبير سمع من ابْن عَبَّاس، وَفِي سَمَاعه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا نظر، قَالَه البُخَارِيّ فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض مَا رَوَاهُ ابْن عمر وَجَابِر وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي ﷺ أَنه طَاف يَوْم النَّحْر نَهَارا؟ وَالْحَدِيثَانِ عَن ابْن عمر وَجَابِر عِنْد مُسلم. أما حَدِيث ابْن عمر فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن عبيد الله ابْن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله ﷺ أَفَاضَ يَوْم النَّحْر ثمَّ رَجَعَ فصلى الظّهْر بمنى، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَأما حَدِيث جَابر فَإِنَّهُ أخرجه من رِوَايَة جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن جَابر فِي الحَدِيث الطَّوِيل وَفِيه: (ثمَّ ركب رَسُول الله ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فصلى بِمَكَّة الظّهْر) الحَدِيث. وَأما حَدِيث عَائِشَة فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة قَالَت: أَفَاضَ رَسُول الله ﷺ من آخر يَوْمه حِين صلى الظّهْر ثمَّ رَجَعَ إِلَى منى فَمَكثَ بهَا ليَالِي التَّشْرِيق) . فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تدل على أَنه طَاف طواف الزِّيَارَة يَوْم النَّحْر، وَحَدِيث الْبَاب يدل على أَنه أَخّرهُ إِلَى اللَّيْل. قلت: أُجِيب عَن هَذَا بِوُجُوه. الأول: إِن الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة يحمل على الْيَوْم الأول، وَحَدِيث الْبَاب يحمل على بَقِيَّة الْأَيَّام. الْوَجْه الثَّانِي: أَن حَدِيث الْبَاب يحمل على أَنه أخر ذَلِك إِلَى مَا بعد الزَّوَال، فَكَانَ مَعْنَاهُ: أخر طواف الزِّيَارَة إِلَى الْعشي، وَأما الْحمل على مَا بعد الْغُرُوب فبعيد جدا لما ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة من أَنه ﷺ طَاف يَوْم النَّحْر نَهَارا وَشرب من سِقَايَة زَمْزَم. الْوَجْه الثَّالِث: مَا ذكره ابْن حبَان من أَنه ﷺ رمى جَمْرَة الْعقبَة وَنحر ثمَّ تطيب للزيارة ثمَّ أَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ طواف الزِّيَارَة، ثمَّ رَجَعَ إِلَى منى فصلى الظّهْر بهَا وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء، ورقد رقدة بهَا، ثمَّ ركب إِلَى الْبَيْت ثَانِيًا وَطَاف بِهِ طَوافا آخر بِاللَّيْلِ. فَإِن قلت: روى أَحْمد فِي (مُسْنده) : عَن عَائِشَة وَابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ زار لَيْلًا؟ قلت: الظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ طواف الْوَدَاع أَو طواف زِيَارَة مَحْضَة، وَقد ورد حَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يزور الْبَيْت كل لَيْلَة من ليَالِي منى فَإِن قلت: مَا تَقول فِي الحَدِيث الَّذِي أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، ﷺ ، أذن لأَصْحَابه فزاروا الْبَيْت يَوْم النَّحْر ظَهره، وزار رَسُول الله ﷺ مَعَ نِسَائِهِ لَيْلًا؟ قلت: هَذَا حَدِيث غَرِيب جدا، فَلَا يُعَارض الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة الْمَشْهُورَة. ويُذْكَرْ عَنْ أبِي حَسَّانَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَزُورُ البَيْتَ أيَّامَ مِنىً أَبُو حسان: اسْمه مُسلم بن عبد الله الْعَدوي الْبَصْرِيّ الْمَشْهُور بالأجرد، وَيُقَال لَهُ: الْأَعْرَج أَيْضا، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الْحسن بن عَبْدَانِ: أَنبأَنَا أَحْمد بن عبيد الصفار حَدثنَا المعمري حَدثنَا ابْن عرْعرة قَالَ: دفع إِلَيْنَا معَاذ بن هِشَام كتابا قَالَ: سمعته من أبي وَلم يقرأه، قَالَ: فَكَانَ فِيهِ: عَن قَتَادَة عَن أبي حسان عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يزور الْبَيْت كل لَيْلَة مَا دَامَ بمنى، قَالَ: وَمَا رَأَيْت أحدا واطأه عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ فِي (الْعِلَل) : روى قَتَادَة حَدِيثا غَرِيبا لَا نَحْفَظهُ عَن أحد من أَصْحَاب قَتَادَة إلَاّ من حَدِيث هِشَام، فنسخته من كتاب ابْنه معَاذ بن هِشَام، وَلم أسمعهُ مِنْهُ عَن أَبِيه عَن قَتَادَة: حَدثنِي أَبُو حسان عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يزور الْبَيْت كل لَيْلَة مَا أَقَامَ بمنى، وَقَالَ الْأَثْرَم: قلت لِأَحْمَد: تحفظ عَن قَتَادَة؟ فَذكر هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: كتبوه من كتاب معَاذ، قلت: فَإِن هُنَا إنْسَانا يزْعم أَنه سَمعه من معَاذ، فَأنْكر ذَلِك وَأَشَارَ الْأَثْرَم بذلك إِلَى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عرْعرة، فَإِن من طَرِيقه أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد. قلت: ولرواية أبي حسان هَذِه شَاهد مُرْسل أخرجه ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي عُيَيْنَة: حَدثنَا ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه أَن النَّبِي، ﷺ كَانَ يفِيض كل لَيْلَة، يَعْنِي: ليَالِي منى. ٢٣٧١ - وقالَ لَنا أبُو نُعَيْمِ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ عُبَيْدِ الله عَن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ

стр. 2872

طافَ طَوَافا واحِدا ثُمَّ يَقِيلُ ثُمَّ يأتِي مِنىً يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ ورفَعَهْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ يَأْتِي منى يَوْم النَّحْر) ، وَمُقْتَضَاهُ أَن يكون خرج مِنْهَا إِلَى مَكَّة لأجل الطّواف قبل ذَلِك. وَأَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، ودكين لقب عَمْرو بن حَمَّاد وَالِد الْفضل الْقرشِي التَّيْمِيّ الْكُوفِي الْأَحول، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ. قَوْله: (وَرَفعه قَالَ) أَي: أَبُو نعيم، رفع الحَدِيث الْمَذْكُور عبد الرَّزَّاق إِلَى رَسُول الله ﷺ وَوصل التَّعْلِيق الْمَذْكُور مُسلم: أَنبأَنَا مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي، ﷺ ، أَفَاضَ يَوْم النَّحْر ثمَّ رَجَعَ فصلى الظّهْر بمنى، وَيذكر أَن النَّبِي ﷺ فعله، وَهَذَا صَرِيح أَنه ﷺ صلى الظّهْر يَوْم النَّحْر بمنى. وَفِي (الصَّحِيح) أَيْضا من حَدِيث جَابر: فصلى يَوْم النَّحْر بِمَكَّة الظّهْر، قَالَ ابْن حزم: وَكَذَا قالته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَهَذَا هُوَ الْفَصْل الَّذِي أشكل علينا الْفَصْل فِيهِ لصِحَّة الطّرق فِي كل ذَلِك، وَلَا شكّ فِي أَن أحد الْخَبَرَيْنِ وهم، وَلَا نَدْرِي أَيهمَا هُوَ. انْتهى. قلت: الْأَحَادِيث كلهَا صَحِيحَة وَلَا شَيْء من وهم فِي ذَلِك أصلا، وَذَلِكَ لِأَن رُجُوعه، ﷺ ، إِلَى منى، فِي وَقت الظّهْر مُمكن، لِأَن النَّهَار كَانَ طَويلا. وَإِن كَانَ قد صدر مِنْهُ، ﷺ ، فِي صدر هَذَا النَّهَار، وَأَحَادِيث عَائِشَة لَيست ناصة أَنه، ﷺ ، صلى الظّهْر بِمَكَّة، بل مُحْتَملَة أَن كَانَ الْمَحْفُوظ فِي الرِّوَايَة حَتَّى صلى الظّهْر، وَإِن كَانَت الرِّوَايَة: حِين صلى الظّهْر، وَهُوَ الْأَشْبَه، فَإِن ذَلِك على أَنه، ﷺ ، صلى الظّهْر بمنى، قبل أَن يذهب إِلَى الْبَيْت، وَهُوَ مُحْتَمل، وَالله أعلم. وَقَالَ محب الدّين الطَّبَرِيّ: الْجمع بَين الرِّوَايَات كلهَا مُمكن، إِذْ يحْتَمل أَن يكون صلَّى مُنْفَردا فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ، ثمَّ مَعَ جمَاعَة فِي الآخر، أَو صلى بِأَصْحَابِهِ بمنى، ثمَّ أَفَاضَ فَوجدَ قوما لم يصلوا فصلى بهم، ثمَّ لما رَجَعَ إِلَى منى، وجد قوما آخَرين فصلى بهم لِأَنَّهُ، ﷺ ، لَا يتقدمه أحد فِي الصَّلَاة، أَو كرر الصَّلَاة بِمَكَّة وَمنى ليتبين جَوَاز الْأَمريْنِ فِي هَذَا الْيَوْم توسعة على الْأمة، وَيجوز أَن يكون أذن فِي الصَّلَاة فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ فنسبت إِلَيْهِ. فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين حَدِيث الْبَاب وَبَين الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أم سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِن هَذَا الْيَوْم أرخص الله تَعَالَى لكم إِذا رميتم الْجَمْرَة أَن تحلوا يَعْنِي: من كل شَيْء حرمتم إلَاّ النِّسَاء، فَإِذا أمسيتم قبل أَن تطوفوا صرتم حرما كهيئتكم قبل أَن ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطوفوا بِهِ) فَفِي هَذَا الحَدِيث إِن من أخَّر طواف الْإِفَاضَة حَتَّى أَمْسَى عَاد محرما كَمَا كَانَ قبل رمي الْجَمْرَة، يحرم عَلَيْهِ لبس الْمخيط وَغَيره من مُحرمَات الْإِحْرَام. قلت: حَدِيث أم سَلمَة هَذَا شَاذ، أَجمعُوا على ترك الْعَمَل بِهِ. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَهَذَا حكم لَا أعلم أحدا قَالَ بِهِ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مَنْسُوخ وَالْإِجْمَاع، وَإِن كَانَ لَا ينْسَخ، فَهُوَ يدل على وجود نَاسخ وَإِن لم يظْهر، وَالله أعلم. ٣٣٧١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَر بنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأعْرَجِ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فأفَضْنا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فأرَادَ النبيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِهِ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أنَّهَا حائِضٌ قَالَ حَابَسَتُنا هِي قالُوا يَا رَسولَ الله أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ اخْرُجُوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأفضنا يَوْم النَّحْر) ، لِأَن مَعْنَاهُ: طفنا طواف الْإِفَاضَة يَوْم النَّحْر. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: جَعْفَر بن ربيعَة ابْن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي. الرَّابِع: الْأَعْرَج واسْمه عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ، عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن الثَّلَاثَة الأول من الروَاة مصريون والاثنان مدنيان. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور

стр. 2873

بنسبته إِلَى جده، وَاللَّيْث مَذْكُور مُجَردا وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز مَذْكُور بلقبه. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فأفضنا) ، من الْإِفَاضَة أَي: طفنا طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (صَفِيَّة) هِيَ بنت حييّ بن أَخطب أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ مِنْهَا) أَي: من صَفِيَّة: (مَا يُرِيد الرجل من أَهله) أَي: من زَوجته، وَهَذَا كِنَايَة عَن إِرَادَة الْجِمَاع، وَهَذَا من محَاسِن مُرَاعَاة عَائِشَة طرق كَلَامهَا حَيْثُ لم تصرح باسم من أَسمَاء الْجِمَاع. قَوْله: (حابستنا هِيَ) جملَة إسمية فَقَوله: (هِيَ) مُبْتَدأ، و (حابستنا) خَبره، وَلَا يجوز الْعَكْس إلَاّ أَن يُقَال: الْهمزَة مقدرَة قبل: حابستنا، فَيجوز الْأَمر أَن حِينَئِذٍ لِأَن كلمة: هِيَ، وَإِن كَانَت مضمرة لَكِنَّهَا ظَاهِرَة. قَوْله: (قَالَ: اخْرُجُوا) أَي: قَالَ رَسُول الله ﷺ لما سمع مِنْهُم أَنهم قَالُوا أفاضت صَفِيَّة يَوْم النَّحْر: أخرجُوا، وَكَانَ ظن أَنَّهَا لم تطف طواف الزِّيَارَة فتحبسهم إِلَى أَن تطهر فَتَطُوف طواف الزِّيَارَة، فَلَمَّا قَالُوا: إِنَّهَا أفاضت يَوْم النَّحْر قَالَ لَهُم: أخرجُوا يَعْنِي: إرحلوا، وَرخّص لَهَا فِي ترك طواف الْوَدَاع لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِب على قَول أَكثر الْعلمَاء إلَاّ خلافًا شاذا يرْوى عَن بعض السّلف أَنَّهَا لَا تنفر حَتَّى تودع، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : إِذا ترك طواف الْوَدَاع لزمَه دم، هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِي، وَبِه قَالَ أَكثر الْعلمَاء، فَهُوَ وَاجِب. وَقَالَ مَالك وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر: هُوَ سنة لَا شَيْء فِي تَركه، وَعَن مُجَاهِد رِوَايَتَانِ كالمذهبين. وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث مَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ، قَوْله: (حابستنا هِيَ) دَلِيل أَن الكري يحبس على الَّتِي حَاضَت وَلم تطف طواف الْإِفَاضَة حَتَّى تطهر، وَهُوَ قَول مَالك، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يحبس عَلَيْهَا كري، ولتكر حملهَا أَو يحمل مَكَانهَا غَيرهَا، وَهَذَا كُله فِي الْأَمْن وَوُجُود ذِي الْمحرم، وَأما مَعَ الْخَوْف أَو عدم ذِي الْمحرم فَلَا تحبس بِاتِّفَاق، إِذْ لَا يُمكن أَن يسير بهَا وَحدهَا، وَيفْسخ الْكرَى وَلَا يحبس عَلَيْهَا الرّفْقَة. وَمن فَوَائده: أَن فِي قَوْلهَا: (فَأَرَادَ مِنْهَا مَا يُرِيد الرجل من أَهله) : أَنه لَا بَأْس بالإعلام بذلك، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوه أَن يَغْشَاهَا حَيْثُ يُسمع أَو يُرى. ويُذْكَرُ عَنِ القَاسِمِ وَعُرْوَةَ والأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أفاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ الصِّيغَة إِلَى أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن لم ينْفَرد عَن عَائِشَة فِي رِوَايَته عَنْهَا بذلك، أما طَرِيق الْقَاسِم فقد أخرجه مُسلم: حَدثنَا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قَالَ: حَدثنَا أَفْلح عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: كُنَّا نتخوف أَن تحيض صَفِيَّة قبل أَن تفيض. قَالَت: فجاءنا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: أحابستنا صَفِيَّة؟ فَقُلْنَا: قد أفاضت قَالَ: فَلَا إِذن) . وَأما طَرِيق عُرْوَة فَأخْرجهُ البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن صَفِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حَاضَت بَعْدَمَا أفاضت. . الحَدِيث على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من طَرِيق اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَعُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: حَاضَت صَفِيَّة ... الحَدِيث، وَفِي آخِره، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فلتنفروا. وَأما طَرِيق الْأسود فَأخْرجهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي: بَاب الإدلاج من المحصب، بِلَفْظ: حَاضَت صَفِيَّة ... الحَدِيث، وَفِيه: أطافت يَوْم النَّحْر؟ قيل: نعم قَالَ: فانفري. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من تسع طرق وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الْحيض من حَدِيث عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله، ﷺ : إِن صَفِيَّة بنت حييّ قد حَاضَت. قَالَ رَسُول الله ﷺ لَعَلَّهَا تحبسنا إِن لم تكن طافت معكن؟ قَالُوا: بلَى. قَالَ فاخرجي) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ٠٣١ - (بابٌ إذَا رَمَى بَعْدَ مَا أمْسَى أوْ حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَذْبَحَ ناسِيا أوْ جَاهِلاً) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا رمى الْحَاج جَمْرَة الْعقبَة بَعْدَمَا أَمْسَى، أَي: بعد مَا دخل فِي الْمسَاء يَعْنِي إِذا رَمَاهَا لَيْلًا، وَيُطلق الْمسَاء على مَا بعد الزَّوَال أَيْضا على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَو حلق يَوْم النَّحْر قبل أَن يذبح هَدْيه. قَوْله: (نَاسِيا) ، نصب على الْحَال، وأوجاهلاً) كَذَلِك عطف عَلَيْهِ، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا حرج عَلَيْهِ، وَلم يذكرهُ اكْتِفَاء بِمَا ذكر فِي الحَدِيث أَو سكت عَنهُ إِشَارَة إِلَى أَن فِيهِ خلافًا. وَهَذِه التَّرْجَمَة تشْتَمل على حكمين: أَحدهمَا: رمي جَمْرَة الْعقبَة بِاللَّيْلِ،

стр. 2874

وَالْآخر: الْحلق قبل الذّبْح، وكل مِنْهُمَا إِمَّا نَاسِيا أَو جَاهِلا يحكمه. أما الأول: فقد أجمع الْعلمَاء أَن من رمى جَمْرَة الْعقبَة من طُلُوع الشَّمْس إِلَى الزَّوَال يَوْم النَّحْر فقد أصَاب سنتها ووقتها الْمُخْتَار. وَأَجْمعُوا أَن من رَمَاهَا يَوْم النَّحْر قبل المغيب فقد رَمَاهَا فِي وَقت لَهَا، وَإِن لم يكن ذَلِك مستحسنا لَهُ، وَاخْتلفُوا فِيمَن أخر رميها حَتَّى غربت الشَّمْس من يَوْم النَّحْر، فَذكر ابْن الْقَاسِم أَن مَالِكًا كَانَ مرّة يَقُول: عَلَيْهِ دم، وَمرَّة لَا يرى عَلَيْهِ شَيْئا، وَقَالَ الثَّوْريّ: من أَخّرهَا عَامِدًا إِلَى اللَّيْل فَعَلَيهِ دم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ: يرميها من الْغَد وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَقد أَسَاءَ، سَوَاء تَركهَا عَامِدًا أَو نَاسِيا لَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِن أخر جَمْرَة الْعقبَة إِلَى اللَّيْل لَا يرميها حَتَّى تَزُول الشَّمْس من الْغَد، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَإِسْحَاق. وَقَالَ الشَّافِعِي وَمُحَمّد وَابْن الْمُنْذر وَيَعْقُوب: يَرْمِي لَيْلًا، لقَوْله: وَلَا حرج، وَلأبي حنيفَة: أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: من فَاتَهُ الرَّمْي حَتَّى تغيب الشَّمْس فَلَا يرم حَتَّى تَزُول الشَّمْس من الْغَد، وَإِذا رمى جَمْرَة الْعقبَة قبل طُلُوع الْفجْر يَوْم النَّحْر فَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا يجزىء وَعَلِيهِ الْإِعَادَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَأبي ثَوْر وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق. وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن أبي مليكَة وَعِكْرِمَة بن خَالِد وَجَمَاعَة المكيين: يجْزِيه وَلَا إِعَادَة على من فعله وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه: إِذا كَانَ الرَّمْي بعد نصف اللَّيْل جَازَ، فَإِن رَمَاهَا بعد طُلُوع الْفجْر وَقبل طُلُوع الشَّمْس فَجَائِز عِنْد الْأَكْثَرين، مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر. وَقَالَ مُجَاهِد وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ: لَا يرميها إلَاّ بعد طُلُوع الشَّمْس وَأما الثَّانِي: فَإِن من حلق قبل أَن يذبح فجمهور الْعلمَاء على أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ قَالَه عَطاء وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَالْحسن وَقَتَادَة، وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَمُحَمّد بن جرير. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: من حلق قبل أَن يذبح اهراق دَمًا. وَقَالَ أَبُو الشعْثَاء: عَلَيْهِ الْفِدْيَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: عَلَيْهِ دم وَإِن كَانَ قَارنا فدمان. وَقَالَ زفر: على الْقَارِن إِذا حلق قبل الذّبْح ثَلَاثَة دِمَاء: دم للقران وَدَمَانِ للحلق. قبل النَّحْر. وَاخْتلفُوا فِيمَن حلق قبل أَن يَرْمِي، فَإِن مَالِكًا وَأَصْحَابه اخْتلفُوا فِي إِيجَاب الْفِدْيَة، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه: من قدم شَيْئا أَو أَخّرهُ فَعَلَيهِ دم، وَلَا يَصح ذَاك عَنهُ، وَعَن إِبْرَاهِيم وَجَابِر بن زيد مثل قَول مَالك فِي إِيجَاب الْفِدْيَة على من حلق قبل أَن يَرْمِي، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين، وَقَالَ الشَّافِعِي، وَأَبُو ثَوْر وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد والطبري: لَا شَيْء على من حلق قبل أَن يَرْمِي، وَلَا على من قدم شَيْئا أَو أَخّرهُ سَاهِيا مِمَّا يفعل يَوْم النَّحْر. وَعَن الْحسن وطاووس: لَا شَيْء على من حلق قبل أَن يَرْمِي، مثل قَول الشَّافِعِي وَمن تَابعه، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: من قدم نسكا قبل نسك فَلَا حرج، وَرُوِيَ ذَلِك عَن سعيد بن جُبَير وطاووس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن الشَّافِعِي: من حلق قبل أَن يَرْمِي أَن عَلَيْهِ دَمًا، وَزعم أَن ذَلِك حفظه عَن الشَّافِعِي وَهُوَ خطأ عَن الشَّافِعِي، وَالْمَشْهُور من مذْهبه أَنه: لَا شَيْء على من قدم أَو أخر شَيْئا من أَعمال الْحَج كلهَا إِذا كَانَ سَاهِيا. ٤٣٧١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طَاوُسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ والْحَلْقَ والرَّمْيِ والتَّقْدِيمِ والتَّأخِيرِ فَقَالَ لَا حَرَجَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، والْحَدِيث كَذَلِك فيهمَا. فَإِن قلت: قيد فِي التَّرْجَمَة كَونه نَاسِيا أَو جَاهِلا، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث ذَلِك؟ قلت: جَاءَ فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ذَلِك، وَهُوَ الَّذِي ذكره فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ بقوله: (فَقَالَ رجل: لم أشعر فحلقت قبل أَن أذبح، قَالَ: إذبح، وَلَا حرج، فجَاء آخر فَقَالَ: لم أشعر فنحرت قبل أَن أرمي. قَالَ: إرم وَلَا حرج) الحَدِيث، فَإِن قَوْله: لم أشعر، يَقْتَضِي عدم الشُّعُور، وَهُوَ أَعم من أَن يكون بِجَهْل أَو بنسيان، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِك لِأَن أصل الحَدِيث وَاحِد. وَإِن كَانَ الْمخْرج مُتَعَددًا. وَرِجَال الحَدِيث الْمَذْكُور قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله بن طَاوُوس. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن بهز ابْن أَسد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن الْمُعَلَّى بن أَسد كِلَاهُمَا عَن وهيب بِهِ. قَوْله: (والتقديم) أَي: تَقْدِيم بعض هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة على بعض وتأخيرها عَنهُ. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (لَا حرج) أَي: لَا إِثْم

стр. 2875

فِيهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ مَا ملخصه: إِن هَذَا القَوْل لَهُ احْتِمَالَانِ أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون ﷺ أَبَاحَ ذَلِك لَهُ توسعة وترفيها فِي حَقه، فَيكون للْحَاج أَن يقدم مَا شَاءَ وَيُؤَخر مَا شَاءَ. وَالْآخر: أَنه يحْتَمل أَن يكون قَوْله ﷺ (لَا حرج) مَعْنَاهُ: لَا إِثْم عَلَيْكُم فِيمَا فعلتموه من هَذَا لأنكم فعلتموه على الْجَهْل مِنْكُم لَا على الْقَصْد مِنْكُم خلاف السّنة، وَكَانَت السّنة خلاف هَذَا، وَالْحكم على الِاحْتِمَال الثَّانِي وَهُوَ أَنه ﷺ أسقط عَنْهُم الْحَرج وأعذرهم لأجل النسْيَان وَعدم الْعلم، لَا أَنه أَبَاحَ لَهُم ذَاك حَتَّى إِن لَهُم أَن يَفْعَلُوا ذَلِك فِي الْعمد، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: (سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ بَين الْجَمْرَتَيْن عَن رجل حلق قبل أَن يَرْمِي. قَالَ: لَا حرج، وَعَن رجل ذبح قبل أَن يَرْمِي، قَالَ: لَا حرج، ثمَّ قَالَ: عباد الله وضع الله الضّيق والحرج، وتعلموا مَنَاسِككُم فَإِنَّهَا من دينكُمْ) فذل ذَلِك على أَن الْحَرج الَّذِي رَفعه الله عَنْهُم إِنَّمَا كَانَ لجهلهم بِأَمْر الْمَنَاسِك لَا لغير ذَلِك، وَذَلِكَ لِأَن السَّائِلين كَانُوا أُنَاسًا أعرابا لَا علم لَهُم بالمناسك، فأجابهم رَسُول الله، ﷺ ، بقوله: لَا حرج، يَعْنِي فِيمَا فَعلْتُمْ بِالْجَهْلِ. لَا أَنه أَبَاحَ لَهُم ذَلِك فِيمَا بعد. وَنفي الْحَرج لَا يسْتَلْزم نفي وجوب الْقَضَاء أَو الْفِدْيَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن فعل ذَلِك فَعَلَيهِ دم. وَالله أعلم. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن وجوب الْفِدْيَة يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَلَو كَانَ وَاجِبا لبينه ﷺ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ وَقت الْحَاجة فَلَا يجوز تَأْخِيره. قلت: إِلَّا ثمَّ دَلِيل أقوى من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحلقوا رؤسكم حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَبِه احْتج النَّخعِيّ؟ فَقَالَ: فَمن حلق قبل الذّبْح اهراق دَمًا، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَنهُ بِسَنَد صَحِيح، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: أُجِيب بِأَن المُرَاد ببلوغ مَحَله وُصُوله إِلَى الْموضع الَّذِي يحل ذبحه فِيهِ فقد حصل، وَإِنَّمَا يتم المُرَاد أَن لَو قَالَ: وَلَا تحلقوا حَتَّى تنحروا. انْتهى. قلت: لَيْسَ المُرَاد الْكُلِّي مُجَرّد الْبلُوغ إِلَى الْمحل الَّذِي يذبح فِيهِ، بل الْمَقْصد الْكُلِّي الذّبْح، وَلِهَذَا لَو بلغ وَلم يذبح يجب عَلَيْهِ الْفِدْيَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَاحْتج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بقول ابْن عَبَّاس من قدم شَيْئا من نُسكه أَو أَخّرهُ فليهرق لذَلِك دَمًا. قَالَ: وَهُوَ أحد من روى أَن لَا حرج، فَدلَّ على أَن المُرَاد بِنَفْي الْحَرج نفي الْإِثْم فَقَط. أُجِيب: بِأَن الطَّرِيق بذلك إِلَى ابْن عَبَّاس فِيهَا ضعف، فَإِن ابْن أبي شيبَة أخرجهَا وفيهَا إِبْرَاهِيم بن مهَاجر، وَفِيه مقَال. انْتهى. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَإِن إِبْرَاهِيم ابْن مهَاجر روى لَهُ مُسلم، وَفِي (الْكَمَال) روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ البُخَارِيّ، وَرُوِيَ عَنهُ مثل الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَالْأَعْمَش وَآخَرُونَ، فَلَا اعْتِبَار لذكر ابْن الْجَوْزِيّ إِيَّاه فِي الضُّعَفَاء، وَلَئِن سلمنَا مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْقَائِل فِي هَذَا الطَّرِيق فقد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق آخر لَيْسَ فِيهِ كَلَام، فَقَالَ: حَدثنَا نصر بن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا الخصيب، قَالَ: حَدثنَا وهيب عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس مثله، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس نَحوه. ٥٣٧١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يُسْئَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنىً فيَقُولْ لَا حَرَجَ فسَألَهُ رَجُلٌ فَقَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحْ ولَا حَرَجَ وَقَالَ رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أمْسَيْتُ فَقَالَ لَا حَرَجَ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن يزِيد بن زُرَيْع أبي مُعَاوِيَة الْبَصْرِيّ عَن خَالِد بن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث؟ قلت: فِي قَوْله: (بعد مَا أمسيت) أَي: بعد مَا دخلت فِي الْمسَاء، وَالْمرَاد بِهِ مَا بعد الزَّوَال، لِأَنَّهُ لُغَة الْعَرَب، يسمون مَا بعده مسَاء وعشاء ورواحا، وروى مَالك عَن ربيعَة عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَنه قَالَ: مَا أدْركْت النَّاس إلَاّ وهم يصلونَ الظّهْر بعشي، وَإِنَّمَا يُرِيد تَأْخِيرهَا عَن الْوَقْت الَّذِي فِي شدَّة الْحر إِلَى وَقت الْإِبْرَاد الَّذِي أَمر بِهِ الشَّارِع، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
следующие страницы →