Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
حِين دخل مَكَّة قَالَ: لَا يقتل أحد إلَاّ من قَاتل إلَاّ نَفرا سماهم، فَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِن وَجَدْتُمُوهُمْ تَحت أَسْتَار الْكَعْبَة، مِنْهُم: عبد الله بن خطل وَعبد الله بن سعد) . وَإِنَّمَا أَمر بقتل ابْن خطل لِأَنَّهُ كَانَ مُسلما، فَبَعثه رَسُول الله ﷺ مُصدقا وَبعث مَعَه رجلا من الْأَنْصَار وَكَانَ مَعَه مولى يَخْدمه وَكَانَ مُسلما، فَنزل منزلا فَأمر الْمولى أَن يذبح تَيْسًا ويصنع لَهُ طَعَاما ونام، واستيقظ وَلم يصنع لَهُ شَيْئا، فَعدا عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ ارْتَدَّ مُشْركًا، وَكَانَت لَهُ قينتان تُغنيَانِ بِهِجَاء رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ أَبُو عمر: لِأَنَّهُ كَانَ أسلم وَبَعثه رَسُول الله ﷺ مُصدقا وَبعث مَعَه رجلا من الْأَنْصَار وَأمر عَلَيْهِم الْأنْصَارِيّ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق وثب على الْأنْصَارِيّ فَقتله وَذهب بِمَالِه. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وروينا فِي مجَالِس الْجَوْهَرِي أَنه كَانَ يكْتب الْوَحْي للنَّبِي ﷺ ، وَكَانَ إِذا نزل: غَفُور رَحِيم، يكْتب: رَحِيم غَفُور، وَإِذا أنزل: سميع عليم، وَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى الضَّحَّاك عَن النزال بن سُبْرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَكَانَ يُقَال لِابْنِ خطل: ذَا القلبين، وَفِيه نزل قَوْله: ﴿مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه﴾ (الْأَحْزَاب: ٤) . فِي رِوَايَة يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق: لما قتل يَعْنِي ابْن خطل قَالَ سيدنَا رَسُول الله ﷺ : لَا يقتل قرشي صبرا بعد هَذَا الْيَوْم، وَقيل: قَالَ هَذَا فِي غَيره. وَهُوَ الْأَكْثَر، وَالله أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: من ذَلِك أَن الحَدِيث فِيهِ دلَالَة على جَوَاز دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام. فَإِن قلت: يحْتَمل أَن يكون ﷺ كَانَ محرما، وَلكنه غطى رَأسه لعذر. قلت: قد مر فِي حَدِيث مُسلم عَن جَابر أَنه لم يكن محرما. فَإِن قلت: يشكل هَذَا من وَجه آخر، وَهُوَ أَنه. ﷺ ، كَانَ متأهبا لِلْقِتَالِ، وَمن كَانَ هَذَا شَأْنه جَازَ لَهُ الدُّخُول بِغَيْر إِحْرَام قلت: حَدِيث جَابر أَعم من هَذَا، فَمن لم يرد نسكا جَازَ دُخُوله لِحَاجَتِهِ، تكَرر: كالحطاب والحشاش والسقَّاء والصياد وَغَيرهم، أم لم يتَكَرَّر: كالتاجر والزائر وَغَيرهمَا، وَسَوَاء كَانَ آمنا أَو خَائفًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا أصح الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ، وَبِه يُفْتِي أَصْحَابه. وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا يجوز دُخُولهَا بِغَيْر إِحْرَام إِن كَانَت حَاجته لَا تكَرر إلَاّ أَن يكون مُقَاتِلًا أَو خَائفًا من قتال أَو من ظَالِم لَو ظهر، وَنقل القَاضِي نَحْو هَذَا عَن أَكثر الْعلمَاء. انْتهى. وَاحْتج أَيْضا من أجَاز دُخُولهَا بِغَيْر إِحْرَام أَن فرض الْحَج مرّة فِي الدَّهْر، وَكَذَا الْعمرَة، فَمن أوجب على الدَّاخِل إحراما فقد أوجب عَلَيْهِ غير مَا أوجب الله. وَمِنْه: اسْتِدْلَال بَعضهم بِحَدِيث الْبَاب على أَن النَّبِي ﷺ فتح مَكَّة عنْوَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة والأكثرين. وَقَالَ الشَّافِعِي وَغَيره: فتحت صلحا، وتأولوا هَذَا الحَدِيث على أَن الْقِتَال كَانَ جَائِزا لَهُ ﷺ فِي مَكَّة، وَلَو احْتَاجَ إِلَيْهِ لفعله، وَلَكِن مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَانَ ﷺ صَالحهمْ، وَلَكِن لما لم يَأْمَن غدرهم دخل متأهبا. قلت: لَا يعرف فِي شَيْء من الْأَخْبَار صَرِيحًا أَنه صَالحهمْ. وَمِنْه: اسْتِدْلَال بَعضهم على جَوَاز إِقَامَة الْحُدُود وَالْقصاص فِي حرم مَكَّة، قُلْنَا: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ (آل عمرَان: ٦٩) . وَمَتى تعرض إِلَى من التجأ بِهِ يكون سلب الْأَمْن عَنهُ، وَهَذَا لَا يجوز، وَكَانَ قتل ابْن خطل فِي السَّاعَة الَّتِي أحلّت للنَّبِي ﷺ . وَمِنْه: اسْتِدْلَال جمَاعَة من الْمَالِكِيَّة على جَوَاز قتل من سبّ النَّبِي ﷺ ، وَأَنه يقتل وَلَا يُسْتَتَاب. وَقَالَ أَبُو عمر: فِيهِ نظر، لِأَن ابْن خطل كَانَ حَرْبِيّا وَلم يدْخلهُ رَسُول الله، ﷺ ، فِي أَمَانه لأهل مَكَّة، بل اسْتَثْنَاهُ مَعَ من اسْتثْنى. وَمِنْه: مَشْرُوعِيَّة لبس المغفر وَغَيره من آلَات السِّلَاح حَال الْخَوْف من الْعَدو، وَأَنه لَا يُنَافِي التَّوَكُّل. وَمِنْه: جَوَاز رفع أَخْبَار أهل الْفساد إِلَى وُلَاة الْأَمر، وَلَا يكون ذَلِك من الْغَيْبَة الْمُحرمَة وَلَا النميمة.
٩١ - (بَاب إذَا أحْرَمَ جاهِلاً وعلَيْهِ قَمِيصٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أحرم شخص حَال كَونه جَاهِلا بِأُمُور الْإِحْرَام، وَالْحَال أَن عَلَيْهِ قَمِيصًا وَلم يدر هَل عَلَيْهِ فديَة فِي ذَلِك أم لَا؟ وَإِنَّمَا لم يذكر الْجَواب لِأَن حَدِيث الْبَاب لَا يُصَرح بِعَدَمِ وجوب الْفِدْيَة. ألَا ترى أَنه ذكر أَولا أثر عَطاء بن أبي رَبَاح الَّذِي هُوَ رَاوِي حَدِيث الْبَاب، وَلَو كَانَ فهم مِنْهُ وجوب الْفِدْيَة لما خَفِي عَلَيْهِ، فَلذَلِك قَالَ: لَا فديَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ إذَا تَطَيَّبَ أوْ لَبِسَ جاهِلاً أوْ نَاسِيا فَلَا كَفَّارةَ عَلَيْهِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. قَوْله: (إِذا تطيب) ، أَي: الْمحرم: وجاهلاً وناسيا، حالان، وَيَقُول عَطاء: قَالَ
стр. 3012
الشَّافِعِي، وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه تجب الْفِدْيَة بالتطيب نَاسِيا، وباللبس نَاسِيا قِيَاسا على الْأكل فِي الصَّلَاة.
٧٤٨١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا عَطَاءٌ قَالَ حدَّثني صَفْوَانُ بنُ يَعْلَى عنْ أبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ فأتاهُ رَجلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ فِيهِ أثَرُ صُفْرَةٍ أوْ نَحْوُهُ كانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي تُحِبُّ إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ أنْ تَرَاهُ فنَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ. وعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ يَعْنِي فانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فأبْطَلَهُ النبيُّ ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الرجل كَانَ قد أحرم بِالْعُمْرَةِ وَعَلِيهِ جُبَّة وَكَانَ جَاهِلا بِأَمْر الْإِحْرَام. فَإِن قلت: الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة لفظ الْقَمِيص، وَالْمَذْكُور فِي الحَدِيث لفظ الْجُبَّة، فَمن أَيْن الْمُطَابقَة؟ قلت: لَا شكّ أَن حكمهمَا وَاحِد فِي التّرْك، وَكَيف لَا والجبة قَمِيص مَعَ شَيْء آخر، لِأَن الْجُبَّة ذَات طاقين.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. الثَّانِي: همام بن يحيى بن دِينَار العوذي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: عَطاء بن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ. الرَّابِع: صَفْوَان بن يعلى التَّمِيمِي أَو التَّيْمِيّ الْمَكِّيّ. الْخَامِس: أَبوهُ يعلى بن أُميَّة، وَيُقَال لَهُ: ابْن منية، وَهِي أمه أُخْت عتبَة بنت غَزوَان، كَانَ عَامل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على نَجْرَان، عداده فِي أهل مَكَّة، سمع النَّبِي ﷺ عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم، وروى عَن عمر عِنْد مُسلم فِي الصَّلَاة، روى عَنهُ ابْنه صَفْوَان عِنْدهمَا، وَعبد الله بن بابية عِنْد مُسلم، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : يعلى بن أُميَّة، وَهُوَ أَبُو خلف، وَيُقَال: أَبُو خَالِد، وَيُقَال: أَبُو صَفْوَان يعلى بن أُميَّة بن أبي عُبَيْدَة، واسْمه: عبيد، وَيُقَال: زيد بن همام بن الْحَارِث بن بكر بن زيد بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، وَيعرف بِابْن منية وَهِي أمه، وَيُقَال: جدته، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَاهُ قَتَادَة وَالْحجاج بن أَرْطَأَة وَغير وَاحِد عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ . قلت: أخرج الطَّرِيق الأول التِّرْمِذِيّ: عَن قُتَيْبَة عَن عبد الله بن إِدْرِيس عَن عبد الْملك بن سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة هشيم: عَن عبد الْملك، وَأخرجه أَيْضا من رِوَايَة هشيم عَن مَنْصُور عَن عَطاء، وَأخرج أبي دَاوُود من رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي بشر بن عَطاء، وَأخرج الطَّرِيق الثَّانِي التِّرْمِذِيّ أَيْضا: عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا أخرجه الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة، وَاتفقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ من طَرِيق ابْن جريج وَهَمَّام عَن عَطاء، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من رِوَايَة همام، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة ابْن جريج، وَرَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة قيس بن سعد عَن عَطاء، وَانْفَرَدَ بِهِ مُسلم من رِوَايَة رَبَاح بن أبي مَعْرُوف عَن عَطاء، وَقَالَ بَعضهم: فِي الْإِسْنَاد صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة، قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي ﷺ ... هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَهُوَ تَصْحِيف، وَالصَّوَاب مَا ثَبت فِي رِوَايَة غَيره: صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه، فتصحف عَن فَصَارَت ابْن، و: أَبِيه، فَصَارَت: أُميَّة، وَلَيْسَت لِصَفْوَان صُحْبَة وَلَا رُؤْيَة. قلت: لم نجد فِي النّسخ الْكثير الْمُعْتَبرَة إلَاّ: صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه، فَلَا يحْتَاج أَن ينْسب هَذَا التَّصْحِيف إِلَى أبي ذَر، وَلَا إِلَى غَيره.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أبي نعيم، وَفِي الْمَغَازِي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن أَيْضا عَن مُسَدّد، وَفِي الْحَج أَيْضا. قَالَ أَبُو عَاصِم: وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن شَيبَان بن فروخ عَن همام بِهِ، وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن عبد بن حميد وَعَن عَليّ بن خشرم عَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عقبَة بن مكرم وَمُحَمّد بن رَافع كِلَاهُمَا عَن وهب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد ﵀، فِيهِ عَن عقبَة بن مكرم بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن كثير وَعَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَعَن يزِيد بن خَالِد عَن اللَّيْث عَن عَطاء عَن يعلى بن منية عَن أَبِيه، كَذَا قَالَ، وَلم يقل: عَن أبي يعلى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن أبي عمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن نوح بن حبيب وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء، فرقهما وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن لَيْث عَن عَطاء عَن ابْن منية عَن أَبِيه بِهِ. فَافْهَم.
стр. 3013
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَأَتَاهُ رجل) وَفِي رِوَايَة مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: (أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ بحنين) ، الحَدِيث فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: فَبَيْنَمَا النَّبِي ﷺ بالجعرانة وَمَعَهُ نفر من أَصْحَابه جَاءَ رجل) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن يعلى بن أُميَّة، قَالَ: (رأى رَسُول الله ﷺ بالجعرانة أَعْرَابِيًا قد أحرم وَعَلِيهِ حَبَّة فَأمره أَن يَنْزِعهَا. قَوْله: (عَلَيْهِ جُبَّة) ، جملَة إسمية فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لرجل. قَوْله: (فِيهِ أثر صفرَة) أَي: فِي الرجل، ويروى: (بِهِ) ، أَي بِالرجلِ، ويروى (وَعَلَيْهَا أثر صفرَة) ، أَي: وعَلى الْجُبَّة وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وَعَلِيهِ جُبَّة بهَا أثر من خلوق) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (كَيفَ ترى فِي رجل عَلَيْهِ جُبَّة صوف متضمخ بِطيب؟) وَفِي رِوَايَة: (عَلَيْهِ جُبَّة وَعَلَيْهَا خلوق) ، وَفِي رِوَايَة: (وَهُوَ متضمخ بالخلوق) ، وَفِي رِوَايَة لغيره: (وَعَلِيهِ جُبَّة عَلَيْهَا أثر الزَّعْفَرَان) ، وَفِي رِوَايَة: (وَعَلِيهِ أثر الخلوق) ، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة نوع من الطّيب يَجْعَل فِيهِ الزَّعْفَرَان. قَوْله: (أَن ترَاهُ) أَن: كلمة مَصْدَرِيَّة، وَهُوَ فِي مَحل النصب على أَنه مفعول لقَوْله: (تحب) . قَوْله: (ثمَّ سري عَنهُ) ، بِضَم السِّين أَي كشف. قَوْله: (إصنع فِي عمرتك مَا تصنع فِي حجك) ، يَعْنِي من الطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَالْحلق والاحتراز عَن مَحْظُورَات الْإِحْرَام فِي الْحَج.
قَوْله: (وعض رجل يَد رجل) ، وَحَدِيث آخر وَمَسْأَلَة مُسْتَقلَّة بذاتها، وَجه تعلقه بِالْبَابِ كَونه من تَتِمَّة الحَدِيث، وَهُوَ مَذْكُور بالتبعية. قَوْله: (تثنيته) ، قَالَ الْجَوْهَرِي: الثَّنية وَاحِدَة الثنايا من السن. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فِي الْفَم الْأَسْنَان الثنايا والرباعيات والأنياب والضواحك والطواحين والأرحاء والنواجذ، وَهِي سِتَّة وَثَلَاثُونَ، من فَوق وأسفل أَربع ثنايا: ثنيتان من أَسْفَل وثنيتان من فَوق، ثمَّ يَلِي الثنايا أَربع رباعيات، رباعيتان من فَوق ورباعيتان من أَسْفَل ثمَّ يَلِي الرباعيات الأنياب، وَهِي أَرْبَعَة: نابان من فَوق ونابان من أَسْفَل، ثمَّ يَلِي الأنياب الضواحك، وَهِي أَرْبَعَة أضراس إِلَى كل نَاب من أَسْفَل الْفَم وَأَعلاهُ: ضَاحِك ثمَّ يَلِي الضواحك الطواحين والأرحاء، وَهِي سِتَّة عشر فِي كل شقّ ثَمَانِيَة: أَرْبَعَة من فَوق وَأَرْبَعَة من أَسْفَل، ثمَّ يَلِي الأرحاء النواجذ أَرْبَعَة أضراس وَهِي آخر الأضراس نباتا، الْوَاحِد ناجذ. قَوْله: (فأبطله النَّبِي ﷺ أَي: جعله هدرا لِأَنَّهُ نَزعهَا دفعا للصائل.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَنه احْتج بِهِ عَطاء وَالزهْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمَالك وَمُحَمّد بن الْحسن على كَرَاهَة اسْتِعْمَال الطّيب عِنْد الْإِحْرَام، وَذهب مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَعُرْوَة بن الزبير وَالْأسود بن يزِيد وخارجة ابْن زيد وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَزفر وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق إِلَى أَنه لَا بَأْس بالتطيب عِنْد الْإِحْرَام، وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة أَيْضا وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث بِأَن الطّيب الَّذِي كَانَ على ذَلِك الرجل إِنَّمَا كَانَ صفرَة وَهُوَ خلوق، فَذَلِك مَكْرُوه لَا للرجل للْإِحْرَام، وَلكنه لِأَنَّهُ مَكْرُوه فِي نَفسه فِي حَال الْإِحْلَال، وَفِي حَال الْإِحْرَام، وَإِنَّمَا أُبِيح من الطّيب عِنْد الْإِحْرَام مَا هُوَ حَلَال فِي حَال الْإِحْلَال، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن حَدِيث يعلى الَّذِي رُوِيَ بطرق مُخْتَلفَة، قد بيَّن ذَلِك وأوضح أَن ذَلِك الطّيب الَّذِي أمره ﷺ بِغسْلِهِ كَانَ خلوفا. وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ فِي كل الْأَحْوَال. وَمِنْه: صِحَة إِحْرَام المتلبس بمحظورات الْإِحْرَام من اللبَاس وَالطّيب. وَمِنْه: عدم جَوَاز لبس الْمخيط كالجبة للْمحرمِ. وَمِنْه: أَنه لَا يجب قطع الْجُبَّة والقميص للْمحرمِ إِذا أَرَادَ نَزعهَا بل لَهُ أَن ينْزع ذَلِك من رَأسه وَإِن أدّى إِلَى الْإِحَاطَة بِرَأْسِهِ خلافًا لمن قَالَ يشقه، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ، ويروى ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَيْسَ نزع الْقَمِيص بِمَنْزِلَة اللبَاس، لِأَن الْمحرم لَو حمل على رَأسه ثيابًا أَو غَيرهَا لم يكن بذلك بَأْس، وَلم يدْخل ذَلِك فِيمَا نهى عَنهُ من تَغْطِيَة الرَّأْس بالقلانس وَشبههَا، لِأَنَّهُ غير لابس، فَكَانَ النَّهْي إِنَّمَا وَقع فِي ذَلِك على مَا يَلِيهِ الرَّأْس لَا على مَا يُغطي بِهِ. وَفِيه: مَسْأَلَة العاض، وَسَيذكر البُخَارِيّ فِي كتاب الدِّيات فِي: بَاب إِذا عض رجلا فَوَقَعت ثناياه عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه وَعَن زُرَارَة بن أوفى (عَن عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رجلا عض يَد رجل فَنزع يَده من فَمه فَوَقَعت ثنيتاه فاختصموا إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ يعَض أحدكُم أَخَاهُ كَمَا يعَض الْفَحْل لَا دِيَة لَك) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فأبطلها) أَي: الدِّيَة، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (فأهدر ثنيته) ، وَبِهَذَا أَخذ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فِي أَن المعضوض إِذا نزع يَده فَسَقَطت أَسْنَان العاض وَفك لحيته لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَقَالَ مَالك: يضمن.
стр. 3014
٠٢ - (بابُ المُحْرَمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ ولَمْ يَأمُرِ النبيُّ ﷺ أنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الحَجِّ)
أَي: هَذَا بَاب فَيجوز إِضَافَته وَيجوز قطعه عَنْهَا فتقدير الْكَلَام فِي الأول: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال الْمحرم يَمُوت بِعَرَفَة، وَفِي الثَّانِي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمحرم يَمُوت. . إِلَى آخِره. قَوْله: (يَمُوت بِعَرَفَة) حَال من الْمحرم، وَلم يَأْمر النَّبِي، ﷺ . عطف عَلَيْهِ، وَلَو قَالَ: مَاتَ بِعَرَفَة بِصِيغَة الْمَاضِي لَكَانَ أوجه، وَالْمرَاد بِبَقِيَّة الْحَج رمي الجمرات وَالْحلق وَطواف الْإِفَاضَة وَغير ذَلِك، وَإِنَّمَا لم يَأْمر النَّبِي، ﷺ ، أَن يُؤدى عَن هَذَا الْمحرم الَّذِي مَاتَ بِعَرَفَة أَن يُؤدى عَنهُ بَقِيَّة الْحَج لِأَن أثر إِحْرَامه باقٍ أَلا ترى أَنه قَالَ فِي حَقه: (فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا؟) وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا دَال على أَنه لَا يحجّ أحد عَن أحد لِأَنَّهُ عمل بدني كَالصَّلَاةِ لَا تدْخلهَا النِّيَابَة، وَلَو صحت فِيهَا النِّيَابَة لأمر النَّبِي، ﷺ ، بإتمام الْحَج عَن هَذَا.
٩٤٨١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بَيْنا رَجُلٌ واقِفٌ معَ النبيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ إذْ وقعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أوْ قَالَ فأقْعَصَتْهُ فَقَالَ النبيُ ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ أوْ قَالَ ثَوْبَيْهِ ولَا تُحَنِّطُوهُ ولَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ فإنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّي..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لم يَأْمر فِيهِ بِأَن يُؤدى عَن هَذَا الْمحرم الَّذِي وقصته دَابَّته بَقِيَّة الْحَج، وَإِنَّمَا أَمر بِغسْلِهِ وتكفينه، وَنهى عَن تحنيطه وتخمير رَأسه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَاتَ على إِحْرَامه، وَلِهَذَا أخبر ﷺ بِأَنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ يُلَبِّي، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْكَفَن فِي ثَوْبَيْنِ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَأخرجه فِي: بَاب الحنوط للْمَيت عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه فِي بَاب كَيفَ يُكفن الْمحرم عَن أبي نعْمَان عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه أَيْضا فِيهِ عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه هُنَا من ثَلَاث طرق أُخْرَى أَحدهَا عَن سُلَيْمَان ابْن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير، والآخران يأتيان عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْجَنَائِز مستقصىً. قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي، وَكَذَا قَوْله: (أَو قَالَ ثوبيه) .
٠٥٨١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بَيْنا رَجُلٌ واقِفٌ مَعَ النبيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ إذْ وقعَ عنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أوْ قَالَ فأوْقَصَتْهُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ اغْسِلُوهُ بِماءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ ولَا تَمَسُّوهُ طِيبا ولَا تُخَمِّرُوا رأسَهُ ولَا تُحَنِّطُوهُ فإنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيا..
هَذَا الطَّرِيق الثَّانِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب أَيْضا. قَوْله: (فوقصته أَو قَالَ فأوقصته) ، هَذَا شكّ من الرَّاوِي فِي أَن هَذِه الْمَادَّة من الثلاثي الْمُجَرّد أَو من الْمَزِيد فِيهِ، وَقد مر أَن الْمَعْنى: كسرت رَاحِلَته عُنُقه. قَوْله: (وَلَا تمسوه) ، بِفَتْح التَّاء من الْمس، ويروى بِضَم التَّاء من الإمساس. قَوْله: (ملبيا) ، نصب على الْحَال.
١٢ - (بابُ سُنَّةِ الْمُحْرِمِ إذَا ماتَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنة الْمحرم فِي كَيْفيَّة الْغسْل والتكفين، وَغير ذَلِك إِذا مَاتَ فِي إِحْرَامه.
١٥٨١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرنَا أبُو بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ
стр. 3015
جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رجُلاً كانَ معَ النبيِّ ﷺ فوَقَصَتْهُ ناقَتُهُ وهُوَ محْرِمٌ فَماتَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ اغْسِلُوهُ بِماءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ولَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ ولَا تُخَمِّرُوا رأسَهُ فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيا..
هَذَا الطَّرِيق الثَّالِث عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن هشيم، بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: السّلمِيّ الوَاسِطِيّ عَن أبي بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، واسْمه جَعْفَر بن إِيَاس الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ.
٢٢ - (بابُ الحَجِّ والنُّذُورِ عنِ المَيِّتِ والرَّجُلِ يَحُجُّ عنِ المَرْأةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَج عَن الْمَيِّت، فِي بَيَان حكم النّذر عَن الْمَيِّت. قَوْله: (وَالنُّذُور) كَذَا هُوَ بِلَفْظ الْجمع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَالْمُنْذر بِلَفْظ الْإِفْرَاد. قَوْله: (وَالرجل) ، بِالْجَرِّ عطف على الْمَجْرُور فِيمَا قبله، أَي: فِي بَيَان حكم الرجل يحجّ عَن الْمَرْأَة، والترجمة مُشْتَمِلَة على حكمين.
٢٥٨١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ امْرَأَة مِنْ جُهَيْنَةَ جاءتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقالَتْ إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فلَمْ تَحُجَّ حَتَّى ماتَتْ أفأحجُّ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلَى أُمِّكِ ديْنٌ أكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا الله فَالله أحَقُ بِالوَفَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (إِن أُمِّي نذرت) إِلَى آخِره، وَفِيه حج عَن نذر الْمَيِّت، وَهُوَ مُطَابق للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله: (وَالرجل يحجّ عَن الْمَرْأَة) نظر، لِأَن لفظ الحَدِيث أَن امْرَأَة سَأَلت عَن نذر كَانَ على أَبِيهَا، فَكَانَ حق التَّرْجَمَة أَن يَقُول: وَالْمَرْأَة تحج عَن الرجل، ثمَّ قَالَ: وَأجَاب ابْن بطال بِأَن النَّبِي ﷺ خَاطب الْمَرْأَة بخطاب دخل فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَهُوَ قَوْله: (اقضوا الله) ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَالَّذِي يظْهر لي أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بالترجمة إِلَى رِوَايَة شُعْبَة عَن أبي بشر فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: (أَتَى رجل النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِن أُخْتِي نذرت أَن تحج. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فأقضي الله فَهُوَ أَحَق بِالْقضَاءِ) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّرْجَمَة فِي حج الرجل عَن الْمَرْأَة، وَهَذَا: هُوَ حج الْمَرْأَة عَن الْمَرْأَة؟ قلت: يلْزم مِنْهُ التَّرْجَمَة بِالطَّرِيقِ الأولى، وَفِي بعض التراجم الْمَرْأَة تحج عَن الْمَرْأَة. قلت: فِي كل هَذَا نظر، أما جَوَاب ابْن بطال فكاد أَن يكون بَاطِلا، لِأَن خطاب النَّبِي ﷺ هُنَا لَيْسَ للمراد خَاصَّة، وَإِنَّمَا هُوَ خطاب لمن كَانَ حَاضرا هُنَاكَ، وَدخُول الْمَرْأَة فِي الْخطاب لَا يَقْتَضِي الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، وَأما جَوَاب هَذَا الْقَائِل فأبعد من الأول، لِأَن التَّرْجَمَة فِي بَاب لَا يُقَال بَينهَا وَبَين حَدِيث مَذْكُور فِي بَاب آخر: إِنَّه مُطَابق لهَذِهِ التَّرْجَمَة، فَالْأَصْل أَن تكون الْمُطَابقَة بَين تَرْجَمَة وَحَدِيث مذكورين فِي بَاب وَاحِد، وَأما جَوَاب الْكرْمَانِي فَفِيهِ دَعْوَى الْأَوْلَوِيَّة بطرِيق الْمُلَازمَة، فَيحْتَاج إِلَى بَيَان بِدَلِيل صَحِيح مُطَابق، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، فَإِن قَالُوا: يلْزم من ذَلِك تَعْطِيل الْجُزْء الأول من التَّرْجَمَة عَن ذكر الحَدِيث؟ قلت: فعلى مَا ذكرُوا يلْزم تَعْطِيل الْجُزْء الثَّانِي.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين: الوضاح الْيَشْكُرِي وَأَبُو بشر جَعْفَر بن إِيَاس، وَقد مر عَن قريب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن مُسَدّد، وَفِي النذور عَن آدم عَن شُعْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن بنْدَار عَن غنْدر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن امْرَأَة من جُهَيْنَة) ، بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون: اسْم قَبيلَة فِي قضاعة، وجهينة بن زيد بن لَيْث بن أسود بن أسلم، بِضَم اللَّام: ابْن ألحاف بن قضاعة بن مَالك بن حمير فِي الْيمن، وَلم يدر
стр. 3016
اسْم الْمَرْأَة، وَلَكِن روى ابْن وهب عَن عُثْمَان بن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن أَبِيه أَن غاثية أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت: إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا نذر أَن تمشي إِلَى الْكَعْبَة، فَقَالَ: إقضي عَنْهَا. أخرجه ابْن مَنْدَه فِي حرف الْغَيْن الْمُعْجَمَة من الصحابيات، وَجزم ابْن طَاهِر فِي المبهمات بِأَنَّهُ اسْم لجهينة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي حرف الْغَيْن الْمُعْجَمَة: غايثة، وَقيل: غاثية سَأَلت عَن نذر أمهَا، أرْسلهُ عَطاء الْخُرَاسَانِي، وَلَا يثبت. وغاثية بالثاء الْمُثَلَّثَة بعد الْألف وَبعدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقيل: بِتَقْدِيم الْيَاء آخر الْحُرُوف على الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وروى النَّسَائِيّ: أخبرنَا عمرَان بن مُوسَى بَصرِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَارِث وَهُوَ ابْن سعيد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو التياح واسْمه: يزِيد بن حميد بَصرِي، قَالَ: حَدثنِي مُوسَى بن سَلمَة الهزلي أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: أمرت امْرَأَة سِنَان ابْن سَلمَة الْجُهَنِيّ أَن يسْأَل رَسُول الله، ﷺ ، أَن أمهَا مَاتَت وَلم تحج أفيجزىء عَن أمهَا أَن تحج عَنْهَا؟ قَالَ: نعم لَو كَانَ على أمهَا دين فقضته عَنْهَا لم يكن يجزىء عَنْهَا؟ فلتحج عَن أمهَا) .
أَخْبرنِي عُثْمَان بن عبد الله بن خورزاد أنطاكي، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن حَكِيم الأزدري، قَالَ: حَدثنَا حميد بن عبد الرَّحْمَن الرواسِي قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن سُلَيْمَان بن يسَار، (عَن ابْن عَبَّاس: أَن امْرَأَة سَأَلت رَسُول الله، ﷺ ، عَن أَبِيهَا مَاتَ وَلم يحجّ فَقَالَ: حجي عَن أَبِيك) . أخبرنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان وَهُوَ ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن سُلَيْمَان بن يسَار (عَن ابْن عَبَّاس: أَن امْرَأَة من خثعم سَأَلت النَّبِي، ﷺ ، غَدَاة جمع، فَقَالَت: يَا رَسُول الله! فَرِيضَة الله فِي الْحَج على عباده أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يسْتَمْسك على الرحل، أحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم) . فَإِن قلت: هَل يصلح أَن يُفَسر بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من هَذِه الْأَحَادِيث الْمُبْهم الَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب؟ قلت: لَا يصلح، لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب أَن الْمَرْأَة سَأَلت بِنَفسِهَا، وَفِي حَدِيث النَّسَائِيّ من طَرِيق عمرَان بن مُوسَى أَن غَيرهَا سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ ، من جِهَتهَا، وَأما السُّؤَال فِي الْحَدِيثين الآخرين فَعَن مُطلق الْحَج وَلَيْسَ فيهمَا التَّصْرِيح بِأَن الْحجَّة المسؤول عَنْهَا كَانَت نذرا، فَإِن قلت: روى ابْن مَاجَه من طَرِيق مُحَمَّد بن كريب عَن أَبِيه (عَن ابْن عَبَّاس، عَن سِنَان بن عبد الله الْجُهَنِيّ أَن عمته حدثته أَنَّهَا أَتَت النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَت: إِن أُمِّي توفيت وَعَلَيْهَا مشي إِلَى الْكَعْبَة نذرا) الحَدِيث. قلت: إِن صَحَّ هَذَا فَيحمل على وَاقِعَتَيْنِ بِأَن تكون امْرَأَته سَأَلت على لِسَانه عَن حجَّة أمهَا الْمَفْرُوضَة، وَبِأَن تكون عمته سَأَلت بِنَفسِهَا عَن حجَّة أمهَا الْمَنْذُورَة، وتفسر من فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهَا عمَّة سِنَان وَاسْمهَا: غاثية، كَمَا ذكرنَا.
قَوْله: (إِن أُمِّي نذرت أَن تحج) هَكَذَا وَقع فِي هَذَا الْبَاب بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُور، وَوَقع فِي النذور من طَرِيق شُعْبَة عَن أبي بشر بِلَفْظ: (أَتَى رجل النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: إِن أُخْتِي نذرت أَن تحج وَأَنَّهَا مَاتَت) الحَدِيث، فَيحمل على أَن يكون كل من الْأَخ سَأَلَ عَن أُخْته، وَالْبِنْت سؤلت عَن أمهَا. قيل: إِن هَذَا اضْطِرَاب يُعلل بِهِ الحَدِيث، ورد بِأَنَّهُ مَحْمُول على أَن الْمَرْأَة سَأَلت عَن كل من الصَّوْم وَالْحج. قَوْله: (أفأحج عَنْهَا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (قَالَ: نعم) ، أَي: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : نعم حجي عَنْهَا، أَي: عَن الْأُم. قَوْله: (أرأيتِ) بِكَسْر التَّاء، أَي: أَخْبِرِينِي. قَوْله: (قاضية) ، على وزن فاعلة، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، ويروى: (قاضيته) ، بالضمير فِي آخِره أَي: قاضية الدّين، وَهُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين. قَوْله: (اقضوا الله) أَي: اقضوا حق الله، فَالله أَحَق بوفاء حَقه من غَيره.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز حج الْمَرْأَة عَن أمهَا لأجل الْحجَّة الَّتِي عَلَيْهَا بطرِيق النّذر، وَكَذَا يجوز حج الرجل عَن الْمَرْأَة وَالْعَكْس أَيْضا. وَلَا خلاف فِيهِ إلَاّ لِلْحسنِ بن صَالح، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجوز، وَعبارَة ابْن التِّين الْكَرَاهَة فَقَط، وَهُوَ غَفلَة، وَخُرُوج عَن ظَاهر السّنة، كَمَا قَالَ ابْن الْمُنْذر، لِأَنَّهُ ﷺ أمرهَا أَن تحج عَن أمهَا وَهُوَ عُمْدَة من أجَاز الْحَج عَن غَيره. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يحجّ أحد عَن أحد، رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عمر وَالقَاسِم وَالنَّخَعِيّ، وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث: لَا يحجّ أحد عَن أحد إلَاّ عَن ميت لم يحجّ حجَّة الْإِسْلَام وَلَا يَنُوب عَن فَرْضه، فَإِن أوصى الْمَيِّت بذلك فَعِنْدَ مَالك وَأبي حنيفَة يخرج من ثلثه، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ، وَعند الشَّافِعِي: من رَأس مَاله، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَفِيه أَن الْحجَّة لواجبة من رَأس المَال، كَالدّين، وَإِن لم يوص. وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَعَطَاء وطاووس وَابْن سِيرِين وَمَكْحُول وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر. قلت: مَذْهَب
стр. 3017
أبي حنيفَة لَيْسَ كَذَلِك، بل مذْهبه أَن من مَاتَ وَعَلِيهِ حجَّة الْإِسْلَام لم يلْزم الْوَرَثَة سَوَاء أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ أَو لَا، خلافًا للشَّافِعِيّ فَإِن أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ مُطلقًا يحجّ عَنهُ من ثلث مَاله، فَإِن بلغ من بَلَده يجب ذَلِك، وَإِن لم يبلغ أَن يحجّ من بَلَده فَالْقِيَاس أَن تبطل الْوَصِيَّة. وَفِي الِاسْتِحْسَان: يحجّ عَنهُ من حَيْثُ بلغ، وَإِن لم يُمكن أَن يحجّ عَنهُ بِثلث مَاله من مَكَان بطلت الْوَصِيَّة وَيُورث عَنهُ. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الْقيَاس، وَضرب الْمثل ليَكُون أوضح وأوقع فِي نفس السَّامع، وَأقرب إِلَى سرعَة فهمه. وَفِيه: تَشْبِيه مَا اخْتلف فِيهِ وأشكل بِمَا اتّفق عَلَيْهِ. وَفِيه: أَنه يسْتَحبّ للمفتي التَّنْبِيه على وَجه الدَّلِيل إِذا ترَتّب على ذَلِك مصلحَة، وَهُوَ أطيب لنَفس المستفتي وأدعى لإذعانه. وَفِيه: أَن وَفَاء الدّين المالي عَن الْمَيِّت كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم مقررا، وَلِهَذَا حسن الْإِلْحَاق بِهِ. وَفِيه: مَا احْتج بِهِ الشَّافِعِيَّة على أَن من مَاتَ وَعَلِيهِ حج وَجب على وليه أَن يُجهز من يحجّ عَنهُ من رَأس مَاله، كَمَا أَن عَلَيْهِ قَضَاء دُيُونه، وَقَالُوا: أَلا ترى أَنه ﷺ شبه الْحَج بِالدّينِ وَهُوَ مقضي وَإِن لم يوص؟ وَلم يشْتَرط فِي إِجَازَته ذَلِك شَيْئا، وَكَذَلِكَ تشبيهه لَهُ بِالدّينِ يدل على أَن ذَلِك عَلَيْهِ من جَمِيع مَاله دون ثلث مَاله، كَسَائِر الدُّيُون، قُلْنَا: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن الْمَيِّت لَيْسَ لَهُ حق إلَاّ فِي ثلث مَاله، وَدين الْعباد أقوى لأجل أَن لَهُ مطالبا بِخِلَاف دين الله تَعَالَى، فَلَا يعْتَبر إلَاّ من الثُّلُث لعدم المنازع فِيهِ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فِي الحَدِيث إِشْعَار بِأَن المسؤول عَنهُ خلف مَالا فَأخْبرهُ النَّبِي ﷺ أَن حق الله مقدم على حق الْعباد، وَاجِب عَلَيْهِ الْحَج عَنهُ. وَالْجَامِع عِلّة الْمَالِيَّة، وَاعْترض بِأَنا لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم قَوْله: (أَكنت قاضية؟) أَن يكون ذَلِك مِمَّا خَلفه، وَيجوز أَن يكون تَبَرعا، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٣٢ - (بابُ الحَجِّ عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الثُّبُوتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَج عَن الشَّخْص الَّذِي لَا يَسْتَطِيع أَن يثبت على الرَّاحِلَة، وَهِي المركوب من الْإِبِل، وَقَالَ بَعضهم: أَي من الْإِحْيَاء، قلت: هَذَا تَفْسِير عَبث لِأَن الأذهان قطّ لَا تتبادر إِلَى الْأَمْوَات.
٣٥٨١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ الْفَضْلِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أنَّ امْرَأَة (ح) . حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي سَلَمَةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ شِهَابٍ عَن سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ جاءَتِ امْرَأة مِنْ خَثْعَمٍ عامَ الوَدَاعِ قالَتْ يَا رسولَ الله إنَّ فَرِيضَةَ الله عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهلْ يَقْضِي عَنْهُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز وَابْن شهَاب بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
قَوْله: (عَن ابْن شهَاب عَن سُلَيْمَان) وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق روح عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي ابْن شهَاب حَدثنِي سُلَيْمَان بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب الَّتِي تَأتي فِي الاسْتِئْذَان: عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي سُلَيْمَان أَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس. قَوْله: (عَن الْفضل بن عَبَّاس) ، كَذَا قَالَه ابْن جريج وَتَابعه معمر وَخَالَفَهُمَا مَالك وَأكْثر الروَاة عَن الزُّهْرِيّ فَلم يَقُولُوا فِيهِ: عَن الْفضل، وَرُوِيَ عَن التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: البُخَارِيّ عَن هَذَا فَقَالَ: أصح شَيْء فِيهِ مَا روى ابْن عَبَّاس عَن الْفضل، قَالَ: فَيحْتَمل أَن يكون ابْن عَبَّاس سَمعه من الْفضل وَمن غَيره، ثمَّ رَوَاهُ بِغَيْر وَاسِطَة. قَوْله: (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل) فِيهِ انْتِقَال من طَرِيق إِلَى طَرِيق آخر، وَإِنَّمَا رجح الرِّوَايَة عَن الْفضل لِأَنَّهُ كَانَ رَدِيف النَّبِي ﷺ حِينَئِذٍ، وَكَانَ ابْن عَبَّاس قد تقدم من مُزْدَلِفَة إِلَى منى مَعَ الضعفة، كَمَا سَيَأْتِي عَن قريب، وَقد ذكر فِيمَا مضى فِي بَاب التَّلْبِيَة وَالتَّكْبِير من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ أرْدف الْفضل فَأخْبر الْفضل أَنه لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى الْجَمْرَة، فَكَأَن الْفضل حدث أَخَاهُ بِمَا شَاهده فِي تِلْكَ الْحَالة، وَقد يحْتَمل أَن يكون سُؤال
стр. 3018
الخثعمية وَقع بعد رمي جَمْرَة الْعقبَة، فحضره ابْن عَبَّاس فنقله تَارَة عَن أَخِيه لكَونه صَاحب الْقِصَّة، وَتارَة عَمَّا شَاهده، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا وَقع عِنْد التِّرْمِذِيّ وَأحمد وَابْنه عبد الله والطبري من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِمَّا يدل على أَن السُّؤَال الْمَذْكُور وَقع عِنْد النَّحْر بعد الْفَرَاغ من الرَّمْي، وَأَن الْعَبَّاس كَانَ شَاهدا، وَلَفظ أَحْمد من طَرِيق عبيد الله بن أبي رَافع، (عَن عَليّ، قَالَ: وقف رَسُول الله ﷺ بِعَرَفَة، فَقَالَ: هَذِه عَرَفَة وَهُوَ الْموقف) فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (ثمَّ أَتَى الْجَمْرَة فَرَمَاهَا، ثمَّ أَتَى المنحر، فَقَالَ: هَذَا المنحر وكل منى منحر، واستفتته) . وَفِي رِوَايَة عبد الله: (ثمَّ جَاءَتْهُ جَارِيَة شَابة من خثعم فَقَالَت: إِن أبي شيخ كَبِير قد أَدْرَكته فَرِيضَة الله فِي الْحَج، أفيجزىء أَن أحج عَنهُ؟ قَالَ: حجي عَن أَبِيك. قَالَ: ولوى عنق الْفضل، فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله ﴿لويت عنق ابْن عمك﴾ قَالَ: رَأَيْت شَابًّا وشابة. فَلم آمن عَلَيْهِمَا الشَّيْطَان) . وَظَاهر هَذَا أَن الْعَبَّاس كَانَ حَاضرا لذَلِك، فَلَا مَانع أَن يكون ابْنه عبد الله أَيْضا كَانَ مَعَه. قَوْله: (حجَّة الْوَدَاع) وَفِي رِوَايَة شُعَيْب الَّتِي تَأتي فِي الاسْتِئْذَان: يَوْم النَّحْر، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب: (غَدَاة جمع) . قَوْله: (شَيخا كَبِيرا) نصب على الِاخْتِصَاص، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: شَيخا حَال، وَفِيه نظر. قَوْله: (لَا يَسْتَطِيع) ، يجوز أَن يكون صفة لَهُ، وَيجوز أَن يكون حَالا. قَوْله: (يقْضِي) أَي: يجزىء أَو يَكْفِي أَو ينفذ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز النِّيَابَة عَن الْعَاجِز، قَالَ أَصْحَابنَا: من قدر على الْحَج بِبدنِهِ لم يجز لَهُ أَن يحجّ عَنهُ غَيره، وَلَو عجز عَنهُ عَجزا لَا يَزُول مثل: الزمانة والعمى جَازَ أَن يحجّ عَنهُ غَيره، وَإِن كَانَ يَزُول: كالمرض وَالْحَبْس، فَإِن اسْتمرّ إِلَى الْمَوْت يجْزِيه وَيلْزمهُ حجَّة الْإِسْلَام. وَفِيه: بر الْوَالِدين بِالْقيامِ بمصالحهما من قَضَاء دين وَحج وخدمة وَغير ذَلِك. وَفِيه: جَوَاز حج الْمَرْأَة عَن الرجل. وَفِيه: جَوَاز استفتاء الْمَرْأَة من أهل الْعلم عِنْد الْحَاجة. وَفِيه: التَّرْغِيب إِلَى الرحلة لطلب الْعلم. فَافْهَم. وَالله أعلم.
٤٢ - (بابُ حَجِّ المَرْأةِ عنِ الرَّجُلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز حج الْمَرْأَة عَن الرجل، وَفِيه خلاف ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
٥٥٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ الْفَضْلُ رَديفَ النبيِّ ﷺ فَجَاءَتْ امْرأةٌ مِنْ خَثْعَمَ فجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وتَنْظُرُ إلَيْهِ فجَعَلَ النبيُّ ﷺ يَصْرِفُ وجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخرِ فقالَتْ إنَّ فَرِيضَةَ الله أدْرَكَتْ أبِي شَيْخا كَبِيرا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أفأحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وذالِكَ فِي حَجِّةِ الوَدَاعِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم) وَهُوَ يخبر بِجَوَاز حج الْمَرْأَة عَن الرجل.
قَوْله: (كَانَ الْفضل) وَهُوَ ابْن عَبَّاس، وَهُوَ أَخُو عبد الله، وَكَانَ أكبر ولد الْعَبَّاس، وَبِه كَانَ يكنى، وَكَانَ شَقِيق عبد الله، وأمهما أم الْفضل لبَابَة الْكُبْرَى بنت الْحَارِث بن حزن الْهِلَالِيَّة، مَاتَ فِي طاعون عمواس بِنَاحِيَة الْأُرْدُن سنة ثَمَانِي عشرَة من الْهِجْرَة فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (رَدِيف النَّبِي ﷺ وَزَاد شُعَيْب فِي رِوَايَة: (على عجز رَاحِلَته) . قَوْله: (من خثعم) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: قَبيلَة مَشْهُورَة. قَوْله: (فَجعل الْفضل ينظر إِلَيْهَا) ، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: (وَكَانَ الْفضل رجلا وضيئا) . أَي: جميلاً. (وَأَقْبَلت امْرَأَة من خثعم وضيئة، فَطَفِقَ الْفضل ينظر إِلَيْهَا وَأَعْجَبهُ حسنها. قَوْله: (يصرف وَجه الْفضل) ، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: (فَالْتَفت النَّبِي، ﷺ ، وَالْفضل ينظر إِلَيْهَا فأخلف بِيَدِهِ، فَأخذ بذقن الْفضل فَعدل وَجهه عَن النّظر إِلَيْهَا) . وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ، فِي حَدِيث عَليّ: (وَكَانَ الْفضل غُلَاما جميلاً، فَإِذا جَاءَت الْجَارِيَة من هَذَا الشرق صرف رَسُول الله ﷺ وَجه الْفضل إِلَى الشق الآخر، فَإِذا جَاءَت إِلَى
стр. 3019
الشق الآخر صرف وَجهه عَنهُ) . وَقَالَ فِي آخِره: (رَأَيْت غُلَاما حَدثا وَجَارِيَة حدثة، فَخَشِيت أَن يدْخل بَينهمَا الشَّيْطَان) . قَوْله: (إِن فَرِيضَة الله أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا) ، وَفِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز وَشُعَيْب: (إِن فَرِيضَة الله على عباده فِي الْحَج) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق يحيى بن أبي إِسْحَاق عَن سُلَيْمَان بن يشار: (إِن أبي أدْركهُ الْحَج) واتفقت الرِّوَايَات كلهَا عَن ابْن شهَاب على أَن السائلة كَانَت امْرَأَة، وَأَنَّهَا سَأَلت عَن أَبِيهَا وَخَالفهُ يحيى بن أبي إِسْحَاق عَن سُلَيْمَان، فاتفق الروَاة عِنْد عَليّ أَن السَّائِل رجل.
وَاعْلَم أَنهم اخْتلفُوا على سُلَيْمَان بن يسَار فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث وَمَتنه، أما إِسْنَاده فَقَالَ هشيم عَن ابْن شهَاب عَن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن عَبَّاس، وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين عَن ابْن شهَاب عَن سُلَيْمَان عَن الْفضل، أخرجهُمَا النَّسَائِيّ وَقَالَ ابْن علية: عَنهُ عَن سُلَيْمَان حَدثنِي أحد ابْني الْعَبَّاس إِمَّا الْفضل وَإِمَّا عبد الله، أخرجه أَحْمد. وَأما الْمَتْن فَقَالَ هشيم: إِن رجلا سَأَلَ فَقَالَ: إِن أبي مَاتَ وَقَالَ ابْن سِيرِين: فجَاء رجل فَقَالَ: إِن أُمِّي عَجُوز كَبِيرَة، وَقَالَ ابْن علية: فجَاء رجل فَقَالَ: إِن أبي وَأمي، وَخَالف الْجَمِيع معمر عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق، فَقَالَ فِي رِوَايَته إِن الْمَرْأَة سَأَلت عَن أمهَا. قَوْله: (لَا يثبت على الرَّاحِلَة) وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز وَشُعَيْب: (لَا يسْتَمْسك على الرحل) ، وَفِي رِوَايَة يحيى بن أبي إِسْحَاق زِيَادَة وَهِي: (إِن شددته خشيت أَن يَمُوت) ، وَكَذَا فِي مُرْسل الْحسن. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه ابْن خُزَيْمَة بِلَفْظ: (وَإِن شددته بالحبل على الرَّاحِلَة خشيت أَن أَقتلهُ) . قَوْله: (أفأحج عَنهُ؟) أَي: أَيجوزُ أَن أنوب عَنهُ؟ وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن مَا بعد الْفَاء الدَّاخِلَة عَلَيْهَا الْهمزَة معطوفة على مُقَدّر، وَفِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز وَشُعَيْب: (فَهَل يقْضى عَنهُ؟) وَفِي حَدِيث عَليّ: (هَل يجزىء عَنهُ؟) قَوْله: (قَالَ: نعم) ، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (فَقَالَ: أحجج عَن أَبِيك) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الْحَج عَن الْغَيْر وَقد ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: جَوَاز الارتداف. وَفِيه: جَوَاز كَلَام الْمَرْأَة وَسَمَاع صَوتهَا للأجانب عِنْد الضَّرُورَة كالاستفتاء عَن الْعلم والترافع فِي الحكم والمعاملة. وَفِيه: منع النّظر إِلَى الأجنبيات وغض الْبَصَر. وَفِيه: بَيَان مَا ركب فِي الْآدَمِيّ من الشَّهْوَة وَمَا جبلت طباعه عَلَيْهِ من النّظر إِلَى الصُّورَة الْحَسَنَة. وَفِيه: تواضع النَّبِي ﷺ . وَفِيه: ظُهُور منزلَة الْفضل بن عَبَّاس عِنْد النَّبِي ﷺ . وَفِيه: إِزَالَة الْمُنكر بِالْيَدِ.
٥٢ - (بابُ حَجَّةِ الصِّبْيَانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر حجَّة الصّبيان فِي الْأَحَادِيث الَّتِي يذكرهَا فِي هَذَا الْبَاب، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: بَاب حجَّة الصّبيان، أَي مشروعيته. قلت: كَيفَ يَقُول هَكَذَا على الْإِطْلَاق، وَلَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب شَيْء يدل صَرِيحًا على مَشْرُوعِيَّة حجتهم وَلَا عدم مشروعيته؟ فَلذَلِك أطلق البُخَارِيّ كَلَامه فِي التَّرْجَمَة وَمَا حكم بِشَيْء. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس: (أَن النَّبِي ﷺ لَقِي ركبا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: من الْقَوْم قَالُوا الْمُسلمُونَ فَقَالُوا من أَنْت قَالَ رَسُول الله فَرفعت إِلَيْهِ امْرَأَة صَبيا فَقَالَت لهَذَا حج قَالَ نعم، وَلَك أجر) . قلت: الظَّاهِر أَنه لَيْسَ على شَرط. فَلذَلِك لم يُخرجهُ أَو مَا وقف عَلَيْهِ، وَقد احْتج بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث دَاوُد وَأَصْحَابه من الظَّاهِرِيَّة وَطَائِفَة من أهل الحَدِيث على أَن الصَّبِي إِذا حج قبل بُلُوغه كفى ذَلِك عَن حجَّة الْإِسْلَام، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يحجّ حجَّة أُخْرَى عَن حجَّة الْإِسْلَام، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَمُجاهد وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَآخَرُونَ من عُلَمَاء الْأَمْصَار: لَا يجزىء الصَّبِي مَا حجه عَن حجَّة الْإِسْلَام، وَعَلِيهِ بعد بُلُوغه حجَّة أُخْرَى.
وَفِي (أَحْكَام ابْن بزيزة) : أما الصَّبِي فقد اخْتلف الْعلمَاء هَل ينْعَقد حجه أم لَا؟ والقائلون بِأَنَّهُ منعقدا اخْتلفُوا هَل يُجزئهُ عَن حجَّة الْفَرِيضَة إِذا بلغ وعقل أم لَا؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد إِلَى أَن حجه ينْعَقد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ينْعَقد، وَاخْتلف هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بانعقاده، فَقَالَ دَاوُد وَغَيره: يُجزئهُ عَن حجَّة الْفَرِيضَة بعد الْبلُوغ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يجْزِيه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَكَانَ من الْحجَّة على هَؤُلَاءِ أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث إلَاّ أَن رَسُول الله ﷺ أخبر أَن للصَّبِيّ حجا، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنه إِذا حج يجزىء عَن حجَّة الْإِسْلَام. فَإِن قلت: مَا الدَّلِيل على ذَلِك؟ قلت: قَوْله ﷺ : (رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة: عَن الصَّغِير حَتَّى يكبر) . فَإِذا ثَبت أَن الْقَلَم مَرْفُوع عَنهُ ثَبت أَن الْحَج لَيْسَ بمكتوب عَلَيْهِ، كَمَا أَنه إِذا صلى فرضا ثمَّ بلغ بعد ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يُعِيدهَا، ثمَّ إِن عِنْد أبي حنيفَة
стр. 3020
إِذا أفسد الصَّبِي حجه لَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا فديَة عَلَيْهِ إِذا اصطاد صيدا. وَقَالَ مَالك: يحجّ بِالصَّبِيِّ وَيَرْمِي عَنهُ ويجنب مَا يجتنبه الْكَبِير من الطّيب وَغَيره، فَإِن قوي على الطّواف وَالسَّعْي وَرمي الْجمار وإلَاّ طيف بِهِ مَحْمُولا، وَمَا أَصَابَهُ من صيد أَو لِبَاس أَو طيب فدى عَنهُ. وَقَالَ: الصَّغِير الَّذِي لَا يتَكَلَّم إِذا جرد يَنْوِي بتجريده الْإِحْرَام، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يُغْنِيه تجريده عَن التَّلْبِيَة عَنهُ، فَإِن كَانَ يتَكَلَّم لبّى عَن نَفسه.
٦٥٨١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ بعَثَنِي أوْ قَدَّمَنِي النبيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٧٦١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عَبَّاس كَانَ مَعَ النَّبِي ﷺ فِي خجه وَهُوَ مَا دون الْبلُوغ، فَدخل تَحت قَوْله: (بَاب حجَّة الصّبيان) ، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب من قدم ضعفة أَهله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ عَن سُفْيَان عَن عبيد الله بن أبي يزِيد الحَدِيث. وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة، (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ من جمع بلَيْل) ، وَكَانَ ابْن عَبَّاس هُنَاكَ دون الْبلُوغ، وَلِهَذَا أردفه بحَديثه الآخر الْمُصَرّح فِيهِ بِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ قد قَارب الِاحْتِلَام، وَهَذَا يدل على أَن حجَّة الْإِسْلَام سَقَطت عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: (أَو قدمني) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فِي الثّقل) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف الْمَفْتُوحَة وَهُوَ الْأَمْتِعَة، وَالْمرَاد هُنَا آلَات السّفر ومتاع الْمُسَافِرين. قَوْله: (من جمع) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وَهُوَ: الْمزْدَلِفَة.
٨٥٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ يُوسُفَ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ حُجَّ بِي معَ رسولِ الله ﷺ وَأَنا ابنُ سَبْعِ سِنِينَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الرَّحْمَن بن يُونُس بن هَاشم أَبُو مُسلم الْمُسْتَمْلِي الرقي، مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: حَاتِم بن إِسْمَاعِيل أَبُو إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، سكن الْمَدِينَة. الثالت: مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله بن يزِيد ابْن أُخْت نمر، وَأمه ابْنة السَّائِب بن يزِيد. الرَّابِع: السَّائِب بن يزِيد بن سعد الْكِنْدِيّ، وَيُقَال الْأَسدي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ، وَيُقَال: الْهُذلِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن سِتّ وَتِسْعين.
стр. 3021
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده لأمه. لِأَن مُحَمَّد بن يُوسُف حفيد السَّائِب، وَقيل: سبطه، وَقيل: ابْن أَخِيه عبد الله بن يزِيد.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة عَن حَاتِم بِهِ، وَزَاد فِي حجَّة الْوَدَاع، وَقَالَ: حسن صَحِيح. قَوْله: (حج بِي) ، بِضَم الْحَاء على الْبناء للْمَجْهُول، وَقَالَ ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ عَن حَاتِم: (حجت بِي أُمِّي) ، وروى الفاكهي من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن السَّائِب (حج بِي أبي) قيل: وَيجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبَوَيْهِ. قلت: رِوَايَة البُخَارِيّ تحْتَمل الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ الْفَاعِل صَرِيحًا، وَقيل: فِيهِ صِحَة حج الصَّبِي وَإِن لم يكن مُمَيّزا، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ، وَاسْتدلَّ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة على أَن أم الصَّبِي تجزىء فِي الْإِحْرَام عَنهُ. قلت: هَذَا لم يفهم من حَدِيث الْبَاب، وَإِنَّمَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بذلك من حَدِيث جَابر، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن طريف الْكُوفِي حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن مُحَمَّد بن سوقة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر (عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: رفعت امْرَأَة صَبيا لَهَا إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله! أَلِهَذَا حج؟ قَالَ: نعم، وَلَك أجر) . وروى ابْن مَاجَه أَيْضا نَحوه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث جَابر حَدِيث غَرِيب، وَقد ذكرنَا حَدِيث ابْن عَبَّاس لمُسلم نَحوه فِي أول الْبَاب، قَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه يحرم عَنهُ الْوَلِيّ الَّذِي يَلِيهِ مَاله وَهُوَ أَبوهُ أَو جده أَو الْوَصِيّ أَو الْقيم من جِهَة القَاضِي أَو القَاضِي، قَالُوا: وَأما الْأُم فَلَا يَصح إحرامها عَنهُ إلَاّ أَن تكون وَصِيَّة أَو قيمَة من جِهَة القَاضِي، وَأَجَابُوا عَن قَوْله: (وَلَك أجر) أَن المُرَاد أَن ذَلِك بِسَبَب حملهَا لَهُ وتجنيبها إِيَّاه مَا يَفْعَله الْمحرم، وَأَيْضًا فَلَعَلَّ الْمَرْأَة كَانَت وَصِيَّة عَلَيْهِ أَو قيمَة عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَنَّهَا أمه، وَيجوز أَن يكون فِي حجرها بِنَوْع ولَايَة وَاسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن الصَّبِي يُثَاب على طَاعَته وَيكْتب لَهُ حَسَنَاته، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب فِيمَا حَكَاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْجُمْهُور، وَفِي حَدِيث السَّائِب الْمَذْكُور صِحَة سَماع الصَّبِي الْمُمَيز، وَهُوَ كَذَلِك، وَخَالف فِي ذَلِك فرقة يسيرَة، وَأنكر أَحْمد على الْقَائِل بذلك، وَقَالَ: قبح الله من يَقُول ذَلِك، وَالْمَسْأَلَة مقررة فِي عُلُوم الحَدِيث.
فَإِن قلت: فِي حَدِيث السَّائِب ذكر سنّ التَّمْيِيز، فَمَا دَلِيل من يصحح حج الصَّبِي إِذا لم يبلغ سنّ التَّمْيِيز؟ قلت: حَدِيث جَابر الْمَذْكُور فَإِن فِيهِ: (فَرفعت امْرَأَة صَبيا) ، وَهَذَا أَعم من أَن يكون فِي سنّ التَّمْيِيز أَو أقل أَو أَكثر إِلَى حد الْبلُوغ، وَعَن الْمَالِكِيَّة قَولَانِ فِي الْحَج بالرضيع، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَرُوِيَ أَن الصّديق حج بِابْن الزبير فِي خرقَة، وَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أحجوا هَذِه الذُّرِّيَّة، وَكَانَ ابْن عمر يجرد صبيانه عِنْد الْإِحْرَام وَيقف بهم المواقف، وَكَانَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تفعل ذَلِك، وَفعله عُرْوَة بن الزبير، وَقَالَ عَطاء: يجرد الصَّغِير ويلبي عَنهُ ويجنب مَا يجْتَنب الْكَبِير وَيَقْضِي عَنهُ كل شَيْء إلَاّ الصَّلَاة، فَإِن عقل الصَّلَاة صلاهَا، فَإِذا بلغ وَجب عَلَيْهِ الْحَج.
وَاخْتلفُوا فِي الصَّبِي العَبْد يُحرِمان بِالْحَجِّ ثمَّ يَحْتَلِم الصَّبِي وَيعتق العَبْد قبل الْوُقُوف بِعَرَفَة، فَقَالَ مَالك: لَا سَبِيل إِلَى رفض الْإِحْرَام، ويتماديان عَلَيْهِ وَلَا يجزيهما عَن حجه الْإِسْلَام، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا نويا بإحرامهما الْمُتَقَدّم حجَّة الْإِسْلَام أجزأهما. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَيّمَا غُلَام حج بِهِ أَهله فَمَاتَ فقد قضى حجَّة الْإِسْلَام، فَإِن أدْرك فَعَلَيهِ الْحَج، وَأَيّمَا عبد حج بِهِ أَهله فَمَاتَ فقد قضى حجَّة الْإِسْلَام، فَإِن عتق فَعَلَيهِ الْحَج.
٩٥٨١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ زُرَارَةَ قَالَ أخبرنَا القَاسِمُ بنُ مالِكٍ عنِ الجُعَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولْ لِلْسَّائِبِ بنِ يَزِيدَ وكانَ قدْ حُجَّ بِهِ فِي ثقَلِ النبيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ قد حج بِهِ) ، فَإِن السَّائِب كَانَ صَبيا حِين حج بِهِ، والترجمة فِي حج الصّبيان، و: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى: ابْن وَاقد الْكلابِي النَّيْسَابُورِي، يكنى أَبَا مُحَمَّد. قَالَ السراج: مَاتَ لعشر خلون من شَوَّال سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَالقَاسِم بن مَالك الْمُزنِيّ الْكُوفِي، والجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا أَو مكبرا: ابْن عبد الرَّحْمَن بن أَوْس الْكِنْدِيّ، وَيُقَال: التَّمِيمِي الْمدنِي، وَالَّذِي ذكر هُنَا أَن الجعيد، قَالَ: سَمِعت عمر بن عبد الْعَزِيز يَقُول
стр. 3022
للسائب، وَلم يذكر مقول عمر وَلَا جَوَاب السَّائِب، وَذَلِكَ لِأَن مَقْصُوده الْإِعْلَام بِأَن السَّائِب حج بِهِ، وَهُوَ صَغِير، وَكَانَ أصل سُؤَاله عَن قدر الْمَدّ على مَا يَأْتِي فِي الْكَفَّارَات، عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن الْقَاسِم بن مَالك الجعيد بن عبد الرَّحْمَن عَن السَّائِب ابْن يزِيد قَالَ: كَانَ الصَّاع على عهد النَّبِي، ﷺ ، مدا وَثلثا بمدكم الْيَوْم، فزيد فِيهِ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه، وَزَاد فِيهِ: (قَالَ السَّائِب: وَقد حج فِي ثقل النَّبِي، ﷺ ، وَأَنا غُلَام) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللَّام فِي قَوْله: للسائب، بِمَعْنى لأجل، يَعْنِي: يَقُول لأَجله وَفِي حَقه، وَالْمقول: وَكَانَ السَّائِب ... إِلَى آخِره، واستبعده بَعضهم. قلت: لَيْسَ مَا قَالَه بِبَعِيد فَإِن ظَاهر الْكَلَام يَقْتَضِي مَا ذكره لَا سِيمَا إِذا كَانَ الأَصْل مَا ذكره من غير إحالته على شَيْء آخر. فَافْهَم.
٦٢ - (بابُ حَجِّ النِّسَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي باين صفة حج النِّسَاء، هَل هِيَ مثل حج الرِّجَال أم تغايره فِي شَيْء؟
وَقَالَ لي أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنْ أبيهِ عنْ جَدِّهِ قَالَ أذِنَ عمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لأِزْوَاجِ النبيِّ ﷺ فِي آخِر حَجَّةٍ حَجَّهَا فبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ وعَبْدَ الرَّحْمانِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ حج النِّسَاء، وَلَكِن فِيهِ زِيَادَة على حج الرِّجَال وَهُوَ الِاحْتِيَاج إِلَى إِذن من يتَوَلَّى أمرهن فِي خروجهن، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حَدِيث أبي سعيد، وَهُوَ قَوْله: (أَربع سَمِعتهنَّ من رَسُول الله، ﷺ الحَدِيث، وَفِيه: (لَا تُسَافِر امْرَأَة مسيرَة يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعهَا زَوجهَا أَو محرم) . وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور: (مَا خرجت أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، إِلَى الْحَج إلَاّ بعد إِذن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب لَهُنَّ، وَأرْسل مَعَهُنَّ من يكون فِي خدمتهن، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، متوقفا فِي ذَلِك أَولا، ثمَّ طهر لَهُ الْجَوَاز، فَأذن لَهُنَّ، وَتَبعهُ على ذَلِك جمَاعَة من غير نَكِير) وروى ابْن سعد من مُرْسل أبي جَعْفَر الباقر، قَالَ: منع عمر أَزوَاج النَّبِي ﷺ الْحَج وَالْعمْرَة، وروى أَيْضا من طَرِيق أم درة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: منعنَا عمر الْحَج وَالْعمْرَة حَتَّى إِذا كَانَ آخر عَام فَأذن لنا، وَهَذَا مُوَافق لحَدِيث الْبَاب، وَيدل على أَن عمر كَانَ يمْنَع أَولا ثمَّ أذن.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْوَلِيد أَبُو مُحَمَّد الْأَزْرَقِيّ، وَيُقَال: الزرقي الْمَكِّيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمدنِي. الثَّالِث: أَبوهُ سعد بن إِبْرَاهِيم. الرَّابِع: جده إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَالضَّمِير فِي جده يرجع إِلَى إِبْرَاهِيم لَا إِلَى الْأَب قَالَه الْكرْمَانِي: وَقَالَ الْحميدِي فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : قَالَ البرقاني: إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: وَفِي هَذَا نظر. قَالَ (صَاحب التَّلْوِيح) : الَّذِي قَالَه الْحميدِي لَهُ وَجه، وَلقَوْل البرقاني: وَجه أما قَول البرقاني فَيحمل على جد إِبْرَاهِيم الأول وإنكار الْحميدِي صَحِيح، كَأَنَّهُ قَالَ: كَيفَ يكون إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الرَّحْمَن نَفسه يروي عَنهُ شيخ البُخَارِيّ؟ وَقَالَ بَعضهم: ظَاهره أَنه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمن ذكر مَعَه وإدراكه كَذَلِك مُمكن، لِأَن عمره إِذْ ذالك كَانَ أَكثر من عشر سِنِين، وَقد أثبت سَمَاعه من عمر يَعْقُوب بن شيبَة. قلت: يُقَال: إِنَّه ولد فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ وَشهد الدَّار مَعَ عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَدخل على عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ صَغِير وَسمع مِنْهُ، وروى ابْن سعد هَذَا الحَدِيث عَن الْوَاقِدِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن جده (عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: أَرْسلنِي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) . وَقيل: الْوَاقِدِيّ لَا يُحتج بِهِ. قلت: مَا لِلْوَاقِدِي وَهُوَ إِمَام فِي هَذَا الْفَنّ، وَهُوَ أحد مَشَايِخ الشَّافِعِي؟
قَوْله: (وَقَالَ لي أَحْمد) أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي أَحْمد. وَهَذَا أسْندهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الحكم: أَنبأَنَا الْحسن بن حَلِيم الْمروزِي حَدثنَا أَبُو الموجه أَنبأَنَا عَبْدَانِ أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم يَعْنِي: ابْن سعد عَن أَبِيه عَن جده أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أذن لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ فِي الْحَج، فَبعث مَعَهُنَّ عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَنَادَى النَّاس عُثْمَان: ألَا لَا يدنو مِنْهُنَّ
стр. 3023
أحد وَلَا ينظر إلَيْهِنَّ إلَاّ مد الْبَصَر، وَهن فِي الهوادج على الْإِبِل، وأنزلهن صدر الشّعب وَنزل عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف بِذَنبِهِ، فَلم يقْعد إلَيْهِنَّ أحد، قَالَ: رَوَاهُ، يَعْنِي البُخَارِيّ فِي (الصَّحِيح) عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن إِبْرَاهِيم بن سعد مُخْتَصرا: (أذن فِي خروجهن لِلْحَجِّ) ، أَي: فِي سفرهن لأجل الْحَج. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن لم يَكُونَا محرمين لَهُنَّ فَكيف أجَاز لَهُنَّ؟ وَفِي الحَدِيث: (لَا تُسَافِر الْمَرْأَة لَيْسَ مَعهَا زَوجهَا أَو ذُو محرم) ؟ قلت: النسْوَة الثِّقَات يقمن مقَام الْمحرم، أَو الرِّجَال كلهم محارم لَهُنَّ لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَكَيف لَا وحد الْمحرم صَادِق عَلَيْهَا؟
وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمحرم من حرم نِكَاحهَا على التأييد بِسَبَب مُبَاح لحرمتها، وَاحْترز بِقَيْد التأييد عَن أُخْت الْمَرْأَة، وبسبب مُبَاح عَن أم الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَة، وَبِقَوْلِهِ: لحرمتها عَن الْمُلَاعنَة لِأَن تَحْرِيمهَا لَيْسَ لحرمتها بل عُقُوبَة وتغليظا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يشْتَرط الْمحرم بل يشْتَرط الْأَمْن على نَفسهَا حَتَّى إِذا كَانَت آمِنَة مطمئنة فلهَا أَن تسير وَحدهَا فِي جملَة الْقَافِلَة، وَلَعَلَّه نظر إِلَى الْعلَّة فعمم الحكم. انْتهى كَلَام الْكرْمَانِي قلت: قَوْله: النسْوَة الثِّقَات يقمن مقَام الْمحرم، مصادمة للْحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سعيد: (لَا تُسَافِر امْرَأَة مسيرَة يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعهَا زَوجهَا أَو ذُو محرم) ، على مَا يَأْتِي عَن قريب، وَلِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي أخرجه مُسلم مَرْفُوعا: (لَا يحل لأمرأة أَن تُسَافِر ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم مِنْهَا) . قَوْله: أَو الرِّجَال كلهم محارم لَهُنَّ، لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. هَذَا جَوَاب أبي حنيفَة لحكام الرَّازِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: سَأَلت أَبَا حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَل تُسَافِر الْمَرْأَة بِغَيْر محرم؟ فَقَالَ: لَا، نهى رَسُول الله ﷺ أَن تُسَافِر امْرَأَة مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فَصَاعِدا إلَاّ وَمَعَهَا زَوجهَا أَو ذُو محرم مِنْهَا. قَالَ حكام: فَسَأَلت الْعَرْزَمِي؟ فَقَالَ: لَا بَأْس بذلك. حَدثنِي عَطاء أَن عَائِشَة كَانَت تُسَافِر بِلَا محرم، فَأتيت أَبَا حنيفَة فَأَخْبَرته بذلك، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لم يدر الْعَرْزَمِي مَا روى، كَانَ النَّاس لعَائِشَة محرما، فَمَعَ أَيهمْ سَافَرت فقد سَافَرت بِمحرم، وَلَيْسَ النَّاس لغَيْرهَا من النِّسَاء كَذَلِك، وَلَقَد أحسن أَبُو حنيفَة فِي جَوَابه هَذَا لِأَن أَزوَاج النَّبِي ﷺ كُلهنَّ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وهم محارم لَهُنَّ، لِأَن الْمحرم من لَا يجوز لَهُ نِكَاحهَا على التأييد، فَكَذَلِك أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ حرَام على غير النَّبِي ﷺ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. والعرزمي هُوَ مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي سُلَيْمَان الرَّاوِي الْكُوفِي، فِيهِ مقَال، فَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة، وَعَن أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء لَا يكْتب حَدِيثه، نزل جبانة عَرْزَم بِالْكُوفَةِ فنسب إِلَيْهَا، وعرزم بِتَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي.
قَوْله: وَقَالَ الشَّافِعِي ... إِلَى آخِره، كَذَلِك مصادمة للأحاديث الصَّحِيحَة، لِأَن كَلَام النَّبِي ﷺ يدل قطعا على اشْتِرَاط الْمحرم، وَالَّذِي يَقُول لَا يشْتَرط خلاف مَا يَقُول النَّبِي ﷺ ، وَقَوله: بل يشْتَرط الْأَمْن على نَفسهَا، دَعْوَى بِلَا دَلِيل، فَأَي دَلِيل دلّ على هَذَا فِي هَذَا الْبَاب، وَاشْتِرَاط الْأَمْن على النَّفس لَيْسَ بمخصوص فِي حق الْمَرْأَة خَاصَّة، بل فِي حق الرِّجَال وَالنِّسَاء كلهم. قَوْله: وَلَعَلَّه نظر ... إِلَى آخِره، من كَلَام الْكرْمَانِي، حمله على هَذَا أريحية العصبية، فَإِنَّهُ لَو أنصف لرجع إِلَى الصَّوَاب.
١٦٨١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا حَبِيبُ بنُ أبِي عَمْرَةَ قَالَ حدَّثَتْنا عائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قُلْتُ يَا رسولَ الله ألَا نَغْزُو أوْ نُجَاهِدُ مَعَكُمْ فَقَالَ لَكُنَّ أحْسَنُ الجِهَادِ وأجْمَلُهُ الحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ فقالَتْ عَائِشَةُ فَلَا أدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد تقدم عَن عَائِشَة مثله فِي أَوَائِل الْحَج فِي: بَاب فضل الْحَج المبرور أخرجه: عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْمُبَارك عَن خَالِد عَن حبيب بن أبي عمْرَة عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَهنا أخرجه: عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْعَبْدي الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (أَلا نغزو؟) أَلا، كلمة تسْتَعْمل فِي مثل هَذَا الْموضع للعرض والتحضيض، وَيجوز أَن تكون لِلتَّمَنِّي، لِأَنَّهُ من جملَة موَاضعهَا الَّتِي تسْتَعْمل فِيهَا. قَوْله: (أَو نجاهد؟) شكّ من الرَّاوِي، قيل: هُوَ مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، وَقد رَوَاهُ أَبُو كَامِل عَن أبي عوَانَة شيخ مُسَدّد بِلَفْظ: (أَلا نغزو مَعكُمْ؟) أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَقَالَهُ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: الْغَزْو وَالْجهَاد هما لفظان بِمَعْنى وَاحِد، فَمَا الْفَائِدَة فِيهِ؟ قلت: ليسَا بِمَعْنى وَاحِد،
стр. 3024
فَإِن الْغَزْو الْقَصْد إِلَى الْقِتَال؟ وَالْجهَاد هُوَ بذل الْمَقْدُور فِي الْقِتَال، وَذكر الثَّانِي تَأْكِيدًا للْأولِ. وَقَالَ بَعضهم: وَأغْرب الْكرْمَانِي ثمَّ نقل كَلَامه، ثمَّ قَالَ: وَكَأَنَّهُ ظن أَن الْألف تتَعَلَّق بنغزو بِالْوَاو، أَو جعل: أَو، بِمَعْنى: الْوَاو. انْتهى. قلت: لم يظنّ الْكرْمَانِي ذَلِك، وَإِنَّمَا اعْتمد فِي كَلَامه على نسخه لَيْسَ فِيهَا كلمة الشَّك، وَفرق بَين الْغَزْو وَالْجهَاد، وَهُوَ فرق حسن. وَأخرج النَّسَائِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق جرير عَن حبيب بِلَفْظ: (أَلا نخرج فنجاهد مَعَك؟) وَأخرج ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق زَائِدَة عَن حبيب مثله، وَزَاد: (فَإنَّا نجد الْجِهَاد أفضل الْعَمَل) . وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي بكر بن عَيَّاش عَن حبيب بِلَفْظ: (لَو جاهدنا مَعَك؟) قَالَ: لَا، جهادكن حج مبرور) ، وَلَفظ البُخَارِيّ من طَرِيق خَالِد الطَّحَّان عَن حبيب: (نرى الْجِهَاد أفضل الْعَمَل) . قَوْله: (لكنَّ) بتَشْديد النُّون جمَاعَة الْمُؤَنَّث، وَهُوَ خبر لأحسن، وَالْحج بدل مِنْهُ، وَحج بدل الْبَدَل، وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع: حج، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ حج مبرور، وَقَالَ التَّيْمِيّ: لَكِن، بتَخْفِيف النُّون وسكونها، و: أحسن، مُبْتَدأ، وَالْحج خَبره، وَفِي رِوَايَة جرير: (حج الْبَيْت حج مبرور) ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَاد من وَجه آخر: عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة بِلَفْظ: (استأذنته نساؤه فِي الْجِهَاد، فَقَالَ: يكفيكن الْحَج) . وروى ابْن مَاجَه من طَرِيق مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن حبيب، (قلت: يَا رَسُول الله! على النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ: نعم، جِهَاد، لَا قتال فِيهِ: الْحَج وَالْعمْرَة) . وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَنهم اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِالْحَجِّ المبرور، فَقيل: هُوَ الَّذِي لَا يخالطه شَيْء من مأثم، وَقيل: هُوَ المتقبل، وَقيل: هُوَ الَّذِي لَا رِيَاء فِيهِ وَلَا سمعة وَلَا رفث وَلَا فسوق، وَقيل: الَّذِي لم تتعقبه مَعْصِيّة. قَوْله: (فَلَا أدع) أَي: فَلَا أترك.
٢٦٨١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍ وعنْ أبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَا تُسَافِرِ المَرْأةُ إلَاّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ولَا يَدْخلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إلَاّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رجُلٌ يَا رسولَ الله إنِّي أُرِيدُ أنْ أخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وكَذَا وامْرَأتِي تُريدُ الحَجَّ فَقَالَ اخْرُجْ مَعَهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اخْرُج مَعهَا) لِأَنَّهُ يدل على جَوَاز حج النِّسَاء وخروجهن إِلَى الْحَج مَعَ زوج أَو محرم.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: أَبُو معبد، بِفَتْح الْمِيم، واسْمه نَافِذ. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان، وَإِن عمرا مكي ونافذا حجازي.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أبي معبد بِهِ، وَفِي النِّكَاح عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان بِهِ، وَلم يذكر: (لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إلَاّ مَعَ ذِي محرم) . وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن ابْن أبي عمر.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْمَرْأَة لَا تُسَافِر إلَاّ مَعَ ذِي محرم، وَعُمُوم اللَّفْظ يتَنَاوَل عُمُوم السّفر، فَيَقْتَضِي أَن يحرم سفرها بِدُونِ ذِي محرم مَعهَا، سَوَاء كَانَ سفرها قَلِيلا أَو كثيرا لِلْحَجِّ أَو لغيره، وَإِلَى هَذَا ذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وطاووس والظاهرية، وَاحْتج هَؤُلَاءِ أَيْضا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله قَالَ: (لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إلَاّ وَمَعَهَا ذُو محرم) . أخرجه الطَّحَاوِيّ، وَأخرج الْبَزَّار عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر سفرا، لَا أَدْرِي كم؟ قَالَ: إلَاّ وَمَعَهَا ذُو محرم) . وَسَيَجِيءُ الْخلاف فِيهِ مَعَ الْجَواب عَن هَذَا، وَفِيه أَن عُمُوم لفظ: (ذِي محرم) يتَنَاوَل ذَوي الْمَحَارِم جَمِيعهَا إلَاّ أَن مَالِكًا كره سفرها مَعَ ابْن زَوجهَا وَإِن كَانَ ذَا محرم مِنْهَا لفساد النَّاس، وَأَن الْمَحْرَمِيَّة فِي هَذَا لَيست فِي المراعاة كمحرمية النّسَب. وَفِيه: حُرْمَة اختلاء الْمَرْأَة مَعَ الأحنبي، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ. وَفِيه: دلَالَة على أَن حج الرجل مَعَ امْرَأَته إِذا أَرَادَت حجَّة الْإِسْلَام أولى من سَفَره إِلَى الْغَزْوَة
стр. 3025
لقَوْله ﷺ (أخرج مَعهَا) ، يَعْنِي إِلَى الْحَج، مَعَ كَونه قد كتب فِي الْغَزْو. وَفِيه: دلَالَة على اشْتِرَاط الْمحرم فِي وجوب الْحَج على الْمَرْأَة، ثمَّ اخْتلفُوا: هَل هُوَ شَرط الْوُجُوب أَو شَرط الْأَدَاء؟ وَسَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن النِّسَاء كُلهنَّ سَوَاء فِي منع الْمَرْأَة عَن السّفر، إلَاّ مَعَ ذِي محرم، إِلَّا مَا نقل عَن أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ أَنه: خصّه بِغَيْر الْعَجُوز الَّتِي لَا تشْتَهى. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الَّذِي قَالَه الْبَاجِيّ تَخْصِيص للْعُمُوم بِالنّظرِ إِلَى الْمَعْنى، يَعْنِي مُرَاعَاة الْأَمر الْأَغْلَب، وَتعقب بِأَن لكل سَاقِطَة لاقطة. فَإِن قلت: يُمكن أَن يحْتَج للباجي فِيمَا قَالَه بِحَدِيث عدي بن حَاتِم مَرْفُوعا: (يُوشك أَن تخرج الظعينة من الْحيرَة تؤم الْبَيْت لَا جوارٍ مَعهَا) الحَدِيث فِي البُخَارِيّ قلت: هَذَا يدل على جوده لَا على جَوَازه، وَأجَاب بَعضهم عَن هَذَا بِأَنَّهُ خبر فِي سِيَاق الْمَدْح وَرفع منار الْإِسْلَام، فَيحمل على الْجَوَاز قلت: هَذَا إِخْبَار من الشَّارِع بِقُوَّة الْإِسْلَام وَكَثْرَة أَهله وَوُقُوع الْأَمْن فَلَا يسْتَلْزم ذَلِك الْجَوَاز. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: هَذِه الْمَسْأَلَة تتَعَلَّق بالعامين إِذا تَعَارضا، فَإِن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ (آل عمرَان: ٧٩) . عَام فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء، فمقتضاه أَن الِاسْتِطَاعَة على السّفر إِذا وجدت وَجب الْحَج على الْجَمِيع. وَقَوله ﷺ : (لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إلَاّ مَعَ ذِي محرم) عَام فِي كل سفر، فَيدْخل فِيهِ الْحَج، فَمن أخرجه عَنهُ خص الحَدِيث بِعُمُوم الْآيَة، وَمن أدخلهُ فِيهِ خص الْآيَة بِعُمُوم الحَدِيث، فَيحْتَاج إِلَى التَّرْجِيح من خَارج، وَقد رجح الْمَذْهَب الثَّانِي بِعُمُوم قَوْله ﷺ : (لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله) ، وَفِيه نظر لكَون النَّهْي عَاما فِي الْمَسَاجِد، فَيخرج عَنهُ الْمَسْجِد الَّذِي يحْتَاج إِلَى السّفر بِحَدِيث النَّهْي. وَفِيه: مَا قَالَه ابْن الْمُنِير يُؤْخَذ من قَوْله: إِنِّي أُرِيد أَن أخرج فِي جَيش كَذَا وَكَذَا، إِن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الْحَج على التَّرَاخِي، إِذْ لَو كَانَ على الْفَوْر لما تَأَخّر الرجل مَعَ رفقته الَّذين عينوا فِي تِلْكَ الْغَزْوَة، ورد بِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِم لاحْتِمَال أَن يَكُونُوا قد حجُّوا قبل ذَلِك مَعَ من حج فِي سنة تسع مَعَ أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: مَا أَخذه بَعضهم بِظَاهِر قَوْله: (أخرج مَعهَا) وجوب السّفر على الزَّوْج مَعَ امْرَأَته إِذا لم يكن لَهَا غَيره، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيَّة، وَالْمَشْهُور أَنه لَا يلْزمه كالولي فِي الْحَج عَن الْمَرِيض، فَلَو امْتنع إلَاّ بِأُجْرَة لَزِمَهَا، لِأَنَّهُ من سَبِيلهَا فَصَارَ فِي حَقّهَا كالمؤونة. وَفِيه: تَقْدِيم الأهم من الْأُمُور المتعارضة، فَإِن الرجل لما عرض لَهُ الْغَزْو وَالْحج رجح الْحَج، لِأَن امْرَأَته لَا يقوم غَيره مقَامه فِي السّفر مَعهَا، بِخِلَاف الْغَزْو. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَنه لَيْسَ للزَّوْج منع امْرَأَته من الْحَج الْفَرْض، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيَّة، وَالأَصَح عِنْدهم أَن لَهُ منعهَا لكَون الْحَج على التَّرَاخِي. فَإِن قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق إِبْرَاهِيم الصَّائِغ عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، فِي امْرَأَة لَهَا زوج وَلها مَال وَلَا يَأْذَن لَهَا فِي الْحَج: لَيْسَ لَهَا أَن تَنْطَلِق إلَاّ بِإِذن زَوجهَا قلت: هُوَ مَحْمُول على حج التَّطَوُّع، عملا بِالْحَدِيثين، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على أَن للرجل منع زَوجته من الْخُرُوج إِلَى الْأَسْفَار كلهَا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِيمَا كَانَ وَاجِبا.
٣٦٨١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ أخبرنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا رجعَ النبيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قالَ لأِمِّ سِنانٍ الأنْصَارِيَّةِ مَا منَعَكِ مِنَ الحَجِّ قالَتْ أبُو فُلانٍ تَعْنِي زَوْجَهَا كانَ لَهُ ناضِحَانِ حَجَّ عَلَى أحَدِهِمَا والآخَرُ يَسْقِي أرْضا لَنَا قَالَ فإنَّ عُمْرَةً فِي رمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي.
(انْظُر الحَدِيث ٢٨٧١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مَا مَنعك من الْحَج؟) فَإِنَّهُ يدل على أَن للنِّسَاء أَن يحججن، والترجمة فِي حج النِّسَاء، والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَائِل بَاب الْعمرَة فِي: بَاب عمْرَة فِي رَمَضَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن عَبْدَانِ، وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد الْمروزِي عَن يزِيد بن زُرَيْع مصغر الزَّرْع أبي الْحَارِث عَن حبيب ضد الْعَدو الْمعلم، بِلَفْظ الْفَاعِل من التَّعْلِيم، وَهُوَ ابْن أبي قريبَة، بِضَم الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه زيد، وَقيل: زَائِدَة، وَهُوَ غير حبيب بن أبي عمْرَة الْمَذْكُور فِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب.
стр. 3026
قَوْله: (على أَحدهمَا) أَي: أحد الناضحين. قَوْله: (وَالْآخر) أَي: الناضح الآخر. قَوْله: (تقضي حجَّة) يَعْنِي: ثَوَاب الْعمرَة مثل ثَوَاب الْحَج، وَإِن كَانَ ظَاهره يشْعر بِأَن الْعمرَة تقع عَن قَضَاء الْحجَّة فرضا أَو نفلا.
رَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور عبد الْملك بن جريج عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَأَرَادَ بِهَذَا تَقْوِيَة طَرِيق حبيب الْمعلم بمتابعة ابْن جريج لَهُ عَن عَطاء، وَفِيه زِيَادَة فَائِدَة وَهِي: تَصْرِيح عَطاء بِسَمَاعِهِ من ابْن عَبَّاس حَيْثُ قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس، وَقد تقدم طَرِيق ابْن جريج مَوْصُولا فِي: بَاب عمْرَة فِي رَمَضَان.
وَقَالَ عُبَيْدُ الله عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ عنْ جابِرٍ عنِ النبيِّ ﷺ
عبيد الله بتصغير عبد هُوَ ابْن عَمْرو الرقي عَن عبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي عَن عَطاء بن رَبَاح عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد، قَالَ: حَدثنَا عبيد الله بن عَمْرو عَن عبد الْكَرِيم عَن عَطاء (عَن جَابر: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة) . وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ على عَطاء، فَإِن الرَّاوِي عَن عَطاء فِي الْمَوْصُول هُوَ حبيب، وَفِي الْمُعَلق عبد الْكَرِيم، وَفِي الْمُتَابَعَة ابْن جريج، وَلَكِن ترتيبه يدل على تَرْجِيح رِوَايَة ابْن جريج على مَا لَا يخفى.
٤٦٨١ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنُ عَبْدِ المَلِك بنِ عُمَيْرٍ عنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيادٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ وقَدْ غَزَا معَ النبيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ أرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رسُولِ الله ﷺ أوْ قَالَ يُحَدِّثُهُنَّ عنِ النبيِّ ﷺ فأعْجَبْنَنِي وآنَقْنَنِي أنْ لَا تُسَافُرُ امْرَأةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيسَ مَعَهَا زوْجُهَا أوْ ذُو مَحْرَمٍ ولَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ والأضْحَى ولَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ولَا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَاّ إلَى ثلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ ومَسْجِدي ومَسْجِدِ الأقْصَى..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لَا تُسَافِر امْرَأَة مسيرَة يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعهَا زَوجهَا أَو محرم) ، وَجه ذَلِك أَنه إِذا منعت من السّفر هَذِه الْمدَّة بِهَذَا الشَّرْط فالسفر أَعم من أَن يكون لِلْحَجِّ أَو غَيره، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَأخْرجهُ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن عبد الْملك إِلَى آخِره، وَفِيه بعض نُقْصَان، فالناظر يعتبره. وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
قَوْله: (يحدثهن) ، وَوَقع عِنْد الْكشميهني بِلَفْظ: (أَو قَالَ: أخذتهن) ، بِالْخَاءِ والذال المعجمتين من الْأَخْذ، وَمَعْنَاهُ: حملتهن عَنهُ. قَوْله: (وآنقنني) بِفَتْح النونين وَسُكُون الْقَاف، بِلَفْظ جمع مؤنث ماضٍ من بَاب الإفعال أَي: أعجبنني الْكَلِمَات الْأَرْبَع. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كرر الْمَعْنى باخْتلَاف اللَّفْظ، وَالْعرب تفعل ذَلِك كثيرا للْبَيَان والتوكيد كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥١) . قَوْله: (أَو ذُو محرم) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَعَن أبي ذَر فِي بعض النّسخ: (أَو ذُو محرم محرم) ، الأول: بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء الْمَفْتُوحَة، وَالثَّانِي: بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة أَي: محرم عَلَيْهَا.
وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَرْبَعَة أَحْكَام. الأول: سفر الْمَرْأَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ. الثَّانِي: منع صَوْم الْفطر والأضحى، وَسَيَأْتِي بحث ذَلِك فِي كتاب الصّيام. الثَّالِث: منع الصَّلَاة بعد الصُّبْح وَالْعصر، وَقد تقدم بَحثه فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة. الرَّابِع: منع شدّ الرحل إِلَى غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس.
قَوْله: (أَن لَا تُسَافِر) بِالرَّفْع لَا غير، لِأَن كلمة: أَن، مسفرة لَا ناصبة. قَوْله: (لَيْسَ مَعهَا زَوجهَا) ، وَفِي حَدِيث أبي معبد: (لَا تُسَافِر
стр. 3027
الْمَرْأَة إلَاّ مَعَ ذِي محرم) فمفهومه أَنَّهَا لَا تُسَافِر مَعَ الزَّوْج وَلَا يعْتَبر هَذَا الْمَفْهُوم، لِأَنَّهُ مَفْهُوم الْمُخَالفَة، وَهُوَ سَاقِط إِذا كَانَ للْكَلَام مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَهَهُنَا السّفر مَعَ الزَّوْج بطرِيق الأولى. قَوْله: (وَلَا صَوْم يَوْمَيْنِ) صَوْم اسْم لَا ويومين خَبره أَي: لَا صَوْم فِي هذَيْن الْيَوْمَيْنِ، وَيجوز أَن يكون صَوْم مُضَافا إِلَى يَوْمَيْنِ، وَالتَّقْدِير: لَا صَوْم يَوْمَيْنِ ثَابت أَو مَشْرُوع.
ذكر اخْتِلَاف مُدَّة السّفر الممنوعة: فَفِي، رِوَايَة أبي سعيد فِي حَدِيث الْبَاب: (مسيرَة يَوْمَيْنِ) ، وروى عَنهُ: (لَا تُسَافِر ثَلَاثًا) وروى عَنهُ أَيْضا: (لَا تُسَافِر فَوق ثَلَاث) ، وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة: (لَا تُسَافِر ثَلَاثًا) ، وَرُوِيَ عَنهُ: (لَا تُسَافِر يَوْمًا وَلَيْلَة) ، وَرُوِيَ عَنهُ: (لَا تُسَافِر يَوْمًا) ، وَرُوِيَ: (لَا تُسَافِر بريدا) ، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر: (لَا تُسَافِر ثَلَاثًا) وَرُوِيَ عَنهُ: (لَا تُسَافِر فَوق ثَلَاث) ، وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: (لَا تُسَافِر ثَلَاثًا) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ والعدني فِي (مُسْنده) وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: هَذَا كُله لَيْسَ بتنافر وَلَا يخْتَلف، وَقد يكون هَذَا فِي مَوَاطِن مُخْتَلفَة ونوازل مُتَفَرِّقَة، فَحدث كل من سَمعهَا بِمَا بلغه مِنْهَا وَشَاهده، وَإِن حدث بهَا وَاحِد فَحدث مَرَّات بهَا على اخْتِلَاف مَا سَمعهَا، وَقد يُمكن أَن يلفق بَينهَا بِأَن الْيَوْم الْمَذْكُور مُفْرد أَو اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة مُفْردَة، بِمَعْنى الْيَوْم وَاللَّيْلَة المجموعين لِأَن الْيَوْم من اللَّيْل وَاللَّيْل من الْيَوْم، وَيكون ذكره يَوْمَيْنِ مُدَّة مغيبها فِي هَذَا السّفر فِي السّير وَالرُّجُوع، فَأَشَارَ مرّة بمسافة السّفر وَمرَّة بِمدَّة المغيب، وَهَكَذَا ذكر الثَّلَاث، فقد يكون الْيَوْم الْوسط بَين السّير وَالرُّجُوع الَّذِي يقْضِي حَاجَتهَا بِحَيْثُ سَافَرت لَهُ، فتتفق على هَذَا الْأَحَادِيث، وَقد يكون هَذَا كُله تمثيلاً لأَقل الْأَعْدَاد للْوَاحِد إِذْ، الْوَاحِد أول الْعدَد وَأقله، والإثنان أول التكثير وَأقله، وَالثَّلَاث أول الْجمع، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن مثل هَذَا فِي قلَّة الزَّمن لَا يحل لَهَا السّفر فِيهِ مَعَ غير ذِي محرم، فَكيف بِمَا زَاد؟ وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيث الآخر: (ثَلَاثَة أَيَّام فَصَاعِدا) . وبحسب اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات اخْتلف الْفُقَهَاء فِي تَقْصِير الْمسَافَة وَأَقل السّفر. انْتهى.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدِيث الثَّلَاث وَاجِب اسْتِعْمَاله على كل حَال، وَمَا خَالفه فقد يجب اسْتِعْمَاله إِن كَانَ هُوَ الْمُتَأَخر، وَلَا يجب إِن كَانَ هُوَ الْمُتَقَدّم، فَالَّذِي وَجب علينا اسْتِعْمَاله وَالْأَخْذ بِهِ فِي كلا الْوَجْهَيْنِ أولى مِمَّا يجب اسْتِعْمَاله فِي حَال وَتَركه فِي حَال. فَإِن قلت: فِي هَذَا الْبَاب رِوَايَة ابْن عَبَّاس غير مضطربة، وَرِوَايَة غَيره مِمَّن ذَكَرْنَاهُمْ الْآن مضطربة، فَكَانَ الْأَخْذ بِرِوَايَة من روى عَنهُ سالما من الِاضْطِرَاب أولى من رِوَايَة من اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَة عَنهُ، فَحِينَئِذٍ الْأَخْذ بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس أولى لما ذهب إِلَيْهِ النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ، وَقد ذكرنَا أَن مَذْهَب هذَيْن وَمذهب طَاوُوس واالظاهرية عدم جَوَاز سفر الْمَرْأَة مُطلقًا، سَوَاء كَانَ السّفر قَرِيبا أَو بَعيدا، إلَاّ وَمَعَهَا ذُو محرم لَهَا. قلت: رِوَايَة غير ابْن عَبَّاس زَادَت على رِوَايَة ابْن عَبَّاس، فالأخذ بِالزَّائِدِ أولى، وَلَكِن الزَّائِد فِي نَفسه مُخْتَلف، فرجح خبر الثَّلَاث لما ذكره الطَّحَاوِيّ الَّذِي مضى الْآن.
٧٢ - (بابُ مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إلَى الْكَعْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من نذر أَن يمشي إِلَى الْكَعْبَة: هَل يجب عَلَيْهِ الْوَفَاء بذلك أَو لَا؟ وَإِذا وَجب وَترك مَا نَذره قَادِرًا على الْوَفَاء أَو عَاجِزا عَن ذَلِك، فَمَاذَا يلْزمه؟ وَكَذَلِكَ إِذا نذر بذلك إِلَى كل مَكَان مُعظم؟ وَإِنَّمَا أطلق وَلم يبين الْجَواب لِأَن فِي كل حكم من ذَلِك خلافًا وتفصيلاً، ولنذكر بعض شَيْء فِي هَذَا الْبَاب، وَسَيَجِيءُ بَيَانه مفصلا فِي كتاب النّذر، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٥٦٨١ - حدَّثنا ابنُ سَلامٍ قَالَ أخبرنَا الْفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ حدَّثني ثابِتٌ عنْ أنسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ رأى شَيْخا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ مَا بالُ هَذا قالُوا نَذَر أنْ يَمْشِي قَالَ إنَّ الله عَنْ تَعْذِيبِ هَذا نَفْسَهُ لَغَنِى أمْرَهُ أنْ يَرْكَبَ.
(الحَدِيث ٥٦٨١ طرفه فِي: ١٠٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه جَوَاب لَهَا وَبَيَان لإبهامها.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، والفزاري، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء: هُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة، وَقد مر فِي فضل صَلَاة الْعَصْر، وَقَالَ ابْن حزم: الْفَزارِيّ هَذَا هُوَ أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ، أَو مَرْوَان، كِلَاهُمَا ثِقَة إِمَام، وَأما خلف وَأَبُو نعيم والطرقي وَغَيرهم من أَصْحَاب (الْأَطْرَاف) و (المستخرجات) فَذكرُوا أَنه مَرْوَان، وَرَوَاهُ مُسلم
стр. 3028
فِي النذور عَن ابْن أبي عمر، حَدثنَا مَرْوَان حَدثنَا حميد فَذكره.
وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن يزِيد بن زُرَيْع وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن مُسَدّد عَن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن الْمثنى عَن خَالِد بن الْحَارِث، قَالَ حميد: عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: مر رَسُول الله، ﷺ ، بشيخ كَبِير يهادى بَين إبنيه، فَقَالَ: مَا بَال هَذَا؟ قَالُوا: نذر يَا رَسُول الله أَن يمشي. قَالَ: إِن الله لَغَنِيّ عَن تَعْذِيب هَذَا نَفسه، فَأمره أَن يركب) . وَقَالَ: حَدثنَا عبد القدوس بن مُحَمَّد الْعَطَّار الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن عَاصِم عَن عمرَان الْقطَّان عَن حميد (عَن أنس، قَالَ: نذرت امْرَأَة أَن تمشي إِلَى بَيت الله تَعَالَى، فَسئلَ نَبِي الله ﷺ عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِن الله لَغَنِيّ عَن مشيها، مروها فلتركب) . وَقَالَ: حَدِيث حسن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن ابْن الْمثنى عَن خَالِد، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن حَمَّاد بن مسْعدَة عَن حميد بِهِ.
قَوْله: (حَدثنِي ثَابت) ، هَكَذَا قَالَ أَكثر الروَاة عَن حميد، وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا صرح بِهِ حميد فِيهِ بالواسطة بَينه وَبَين أنس، وَقد حَدثهُ فِي وَقت أخر فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابْن أبي عدي، كِلَاهُمَا جَمِيعًا عَن حميد بِلَا وَاسِطَة، وَيُقَال: إِن غَالب رِوَايَة حميد عَن أنس بِوَاسِطَة، لَكِن قد أخرج البُخَارِيّ من حَدِيث حميد عَن أنس أَشْيَاء كَثِيرَة بِغَيْر وَاسِطَة، مَعَ الاعتناء بِبَيَان سَمَاعه لَهَا عَن أنس، وَقد وَافق عمرَان الْقطَّان عَن حميد الْجَمَاعَة على إِدْخَال ثَابت بَينه وَبَين أنس لَكِن خالفهم فِي الْمَتْن، أخرجه التِّرْمِذِيّ من طَرِيقه بِلَفْظ: نذرت امْرَأَة، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (يهادى) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف على صِيغَة الْمَجْهُول، من المهاداة وَهِي: أَن يمشي بَين اثْنَيْنِ مُعْتَمدًا عَلَيْهِمَا، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق خَالِد بن الْحَارِث عَن حميد: يتهادى، بِفَتْح الْيَاء ثمَّ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق من بَاب التفاعل، وَالْأول من بَاب المفاعلة. وَفِي (التَّلْوِيح) : الرجل الَّذِي يهادي، قَالَ الْخَطِيب: هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اسْمه قيس، وَقيل: قَيْصر، انْتهى. قَالَ: وَلم أر مُسَمّى بِهِ فِي الصَّحَابَة. قَوْله: (مَا بَال هَذَا؟) أَي: مَا شَأْنه؟ وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (قَالُوا نذر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَ إبناه: يَا رَسُول الله، كَانَ عَلَيْهِ نذر) . قَوْله: (أَن يمشي) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: نذر الْمَشْي. قَوْله: (أمره أَن يركب) ، ويروى: (وَأمره أَن يركب) . أَي: بالركوب، لِأَن: أَن، مَصْدَرِيَّة.
وَاحْتج أهل الظَّاهِر بِهَذَا الحَدِيث وَبِحَدِيث عقبَة الْآتِي فِيهِ، فَقَالُوا: من عجز عَن الْمَشْي فَلَا هدي عَلَيْهِ وَلَا يثبت فِي ذمَّته إلَاّ بِيَقِين، وَلَيْسَ الْمَشْي مِمَّا يُوجب نذرا، وَلِأَن فِيهِ تَعب الْأَبدَان، وَلَيْسَ الْمَاشِي فِي حَال مَشْيه فِي حُرْمَة إِحْرَامه فَلم يجب عَلَيْهِ الْمَشْي، وَلَا بدل مِنْهُ.
وَسَائِر الْفُقَهَاء لَهُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَقْوَال غير هَذَا القَوْل: الأول: رُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: (من نذر الْمَشْي إِلَى بَيت الله تَعَالَى فعجز عَنهُ أَنه يمشي مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذا عجز ركب وَأهْدى شَاة) . وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحسن، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: وَكَذَا إِن ركب وَهُوَ غير عَاجز، وَيكفر عَن يَمِينه لحنثه، حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: الْهَدْي فِي هَذِه احْتِيَاط من قبل أَنه: من لم يطق شَيْئا سقط عَنهُ، وحجتهم قَوْله: (فلتركب ولتهد) . وَالْقَوْل الثَّانِي: يعود ثمَّ يحجّ مرّة أُخْرَى، ثمَّ يمشي مَا ركب، وَلَا هدي عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول ابْن عمر، ذكره مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير. وَالْقَوْل الثَّالِث: يعود فَيَمْشِي مَا ركب وَعَلِيهِ الْهَدْي، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَرُوِيَ عَن النَّخعِيّ وَابْن الْمسيب، وَهُوَ قَول مَالك: جمع عَلَيْهِ الْأَمريْنِ الْمَشْي وَالْهَدْي احْتِيَاطًا.
٦٦٨١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخبرَهُمْ قَالَ أخبرَنِي سَعِيدُ بنُ أبي أيُّوبَ أنَّ يَزيدَ بنَ أبِي حَبيبٍ أخبرَهُ أنَّ أبَا الخَيْرِ حدَّثَهُ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِر قَالَ نَذَرَتْ أُخْتِي أنْ نَمْشِيَ إلَى بَيْتِ الله وأمَرَتْنِي أنْ أسْتَفْتِيَ لَهَا النبيَّ ﷺ فاسْتَفْتَيْتُهُ فقالَ ﵇ لِتَمْشِ ولْتَرْكَبْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى ابْن يزِيد التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن، من الْأَبْنَاء. الثَّالِث: عبد الْملك بن جريج.
стр. 3029
الرَّابِع: سعيد بن أبي أَيُّوب الْخُزَاعِيّ، وَاسم أبي أَيُّوب مِقْلَاص. الْخَامِس: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب أَبُو رَجَاء وَاسم أبي حبيب: سُوَيْد. السَّادِس: أَبُو الْخَيْر واسْمه: مرْثَد بن عبد الله. السَّابِع: عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: عَن عقبَة بن عَامر، وَوَقع عِنْد مُسلم وَأحمد وَغَيرهمَا: عَن عقبَة بن عَامر هُوَ الْجُهَنِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه رازي وَأَن هشاما يماني قَاضِي الْيمن وَأَن ابْن جريج مكي وَأَن سعيد بن أبي أَيُّوب وَيزِيد بن أبي حبيب وَأَبا الْخَيْر مصريون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النذور: عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج، وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى الْمصْرِيّ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن مُحَمَّد بن أَحْمد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مخلد بن خَالِد السعيدي عَن عبد الرَّزَّاق.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نذرت أُخْتِي) ، قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَابْن الْقُسْطَلَانِيّ وَالشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي وَآخَرُونَ: هِيَ أم حبَان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة بنت عَامر الْأَنْصَارِيَّة، قَالَ بَعضهم: نسبوا ذَلِك لِابْنِ مَاكُولَا، فوهموا، وَقَالَ: وَقد كنت تبِعت من ذكرت. يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ. ثمَّ رجعت. قلت: لَيْسَ ذَاك بوهم، فَإِن الذَّهَبِيّ قَالَ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : أم حبَان بنت عَامر الْأَنْصَارِيَّة أُخْت عقبَة، حَدِيثهَا فِي النّذر، وَقَوله: حَدِيثهَا فِي النّذر، يدل على أَنَّهَا أُخْت عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ، وَأما قَوْله: الْأَنْصَارِيَّة، وَهِي لَيست بأنصارية فِي زعم هَذَا الْقَائِل فَيحْتَمل أَن تكون هِيَ من جِهَة الْأُم الْأَنْصَارِيَّة، وَمن جِهَة الْأَب جهنية، وَإِطْلَاق نسبتها إِلَى الْأَنْصَار يكون من هَذِه الْجِهَة، وَلَا مَانع من ذَلِك. قَوْله: (أَن تمشي إِلَى بَيت الله) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (أَن تمشي إِلَى بَيت الله حافية) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن، من طَرِيق عبد الله بن مَالك (عَن عقبَة ابْن عَامر الْجُهَنِيّ: أَن أُخْته نذرت أَن تمشي حافسة غير مختمرة) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (نذرت أَن تمشي إِلَى الْكَعْبَة حافية حَاسِرَة) . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (حافية متحسرة) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ من طَرِيق إِسْحَاق بن سَالم (عَن عقبَة بن عَامر: وَهِي امْرَأَة ثَقيلَة وَالْمَشْي يشق عَلَيْهَا) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق قَتَادَة عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن عقبَة بن عَامر سَأَلَ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إِن أُخْتِي نذرت أَن تمشي إِلَى الْبَيْت، وشكا إِلَيْهِ ضعفها) . قَوْله: (لتمش ولتركب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن مَالك: (مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثَلَاثَة أَيَّام) . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (مروها فلتختمر ولتركب ولتحج) . وَفِي رِوَايَة عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس الْمَذْكُورَة: (فلتركب ولتهد بَدَنَة) .
قَالَ: وكانَ أبُو الخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ
أَي: قَالَ يزِيد بن أبي حبيب: وَكَانَ أَبُو الْخَيْر، وَهُوَ مرْثَد بن عبد الله، وَأَرَادَ بذلك أَن سَماع أبي الْخَيْر لَهُ من عقبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ يَحْيَء بنِ أيُّوبَ عنْ يَزِيدَ عنْ أبِي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ فذَكَرَ الحَدِيثَ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد، وَابْن جريج عبد الْملك، وَيحيى بن أَيُّوب أَبُو الْعَبَّاس الغافقي الْمصْرِيّ، مر فِي آخر الْوضُوء، وَيزِيد هُوَ ابْن حبيب الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق، كَذَا رَوَاهُ أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج عَن يحيى ابْن أَيُّوب، وَوَافَقَهُ روح بن عبَادَة فِي رِوَايَة مُسلم، قَالَ: وحدثنيه مُحَمَّد بن حَاتِم وَابْن أبي خلف، قَالَا: حَدثنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا ابْن جريج أخبرنَا يحيى بن أَيُّوب أَن يزِيد بن أبي حبيب أخبرهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَكِلَاهُمَا جعلا شيخ ابْن جريج فِي هَذَا الحَدِيث يحيى بن أَيُّوب، وَخَالَفَهُمَا هِشَام بن يُوسُف حَيْثُ جعل شيخ ابْن جريج فِيهِ سعيد بن أبي أَيُّوب
стр. 3030
والإسماعيلي رجح الأول لِاتِّفَاق أبي عَاصِم وروح على خلاف مَا قَالَ هِشَام، قيل: يُعَكر عَلَيْهِ أَن عبد الرَّزَّاق وَافق هشاما، وَهُوَ عِنْد مُسلم، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن رَافع، حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا ابْن جريج أخبرنَا سعيد بن أبي أَيُّوب أَن يزِيد بن أبي حبيب أخبرهُ أَن أَبَا الْخَيْر حَدثهُ الحَدِيث، وَكَذَلِكَ أخرجه أَحْمد، وَوَافَقَهُمَا مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج وحجاج بن مُحَمَّد عِنْد النَّسَائِيّ، فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَة حفاظ، رَوَوْهُ عَن ابْن جريج عَن سعيد بن أبي أَيُّوب، فَإِن كَانَ التَّرْجِيح بالأكثرية فروايتهم أولى، وَقد عرفت بذلك أَن البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى أَن لِابْنِ جريج فِيهِ شيخين وهما: يحيى بن أَيُّوب وَسَعِيد بن أبي أَيُّوب.
بِسْمِ الله الرحْمانِ الرَّحِيمِ
٩٢ - (كتاب فَضَائِل الْمَدِينَة)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فَضَائِل مَدِينَة النَّبِي ﷺ لِأَن الْمَدِينَة إِذا أطلقت يتَبَادَر إِلَى الْفَهم أَنَّهَا الْمَدِينَة الَّتِي هَاجر إِلَيْهَا النَّبِي ﷺ وَدفن بهَا، وَإِذا أُرِيد غَيرهَا فَلَا بُد من قيد للتمييز، وَذَلِكَ كالبيت إِذا أطلق يُرَاد بِهِ الْكَعْبَة، والنجم إِذا أطلق يُرَاد بِهِ الثريا، واشتقاقها من مَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ، وَهِي فِي مستوٍ من الأَرْض لَهَا نخيل كثير وَالْغَالِب على أرْضهَا السباخ، وَعَلَيْهَا سور من لبن وَكَانَ اسْمهَا قبل ذَلِك: يثرب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَت طَائِفَة مِنْهُم يَا أهل يثرب﴾ (الْأَحْزَاب: ٣١) . ويثرب اسْم لموْضِع مِنْهَا سميت كلهَا بِهِ، وَقيل: سميت بِيَثْرِب بن قانية من ولد إرم بن سَام بن نوح، لِأَنَّهُ أول من نزلها، حَكَاهُ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ، وَقَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ: لما أهلك الله قوم عَاد تَفَرَّقت الْقَبَائِل، فَنزل قوم بِمَكَّة وَقوم بِالطَّائِف وَسَار يثرب بن هُذَيْل بن إرم وَقَومه فنزلوا مَوضِع الْمَدِينَة، فَاسْتَخْرَجُوا الْعُيُون وغرسوا النخيل وَأَقَامُوا زَمَانا فأفسدوا فأهلكهم الله تَعَالَى، ويبست النخيل وَغَارَتْ الْعُيُون حَتَّى مر بهَا تبع فبناها، وَاخْتلفُوا فِيهَا، فَمنهمْ من يَقُول: إِنَّهَا من بِلَاد الْيمن، وَمِنْهُم من يَقُول: إِنَّهَا من بِلَاد الشَّام، وَقيل: إِنَّهَا عراقية، وَبَينهَا وَبَين الْعرَاق أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَالأَصَح أَنَّهَا من بِلَاد الْيمن، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا بناها تبع الْأَكْبَر حِين بشر بمبعث النَّبِي ﷺ ، وَأخْبر أَنه إِنَّمَا يكون فِي مَدِينَة يثرب، وَكَانَت يثرب يَوْمئِذٍ صحراء فبناها لأجل النَّبِي ﷺ ، وَكتب بذلك عهدا. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لما نزل تبع الْمَدِينَة نزل بوادي قناة وحفر فِيهِ بِئْرا فَهِيَ إِلَى الْيَوْم تدعى ببئر الْملك، وَذكر أَيْضا أَن الدَّار الَّتِي نزلها رَسُول الله ﷺ هِيَ الدَّار الَّتِي بناها تبع لرَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ: وَمن يَوْم مَاتَ تبع إِلَى مولد نَبينَا ﷺ ألف سنة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى سهل بن سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: لَا تسبوا تبعا فَإِنَّهُ كَانَ قد أسلم، وَيُقَال: كَانَ سكان الْمَدِينَة العماليق، ثمَّ نزلها طَائِفَة من بني إِسْرَائِيل قيل: أرسلهم مُوسَى، ﵇، كَمَا ذكره الزبير بن بكار، ثمَّ نزلها الْأَوْس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بِسَبَب سيل العرم، والأوس والخزرج أَخَوان، وأمهما: قيلة بنت الأرقم بن عَمْرو بن جَفْنَة، وهما الْأَنْصَار، مِنْهُم الأوسيون وَمِنْهُم الخزرجيون، وَقد ذكرنَا أَن اسْم الْمَدِينَة كَانَ يثرب، فسماها النَّبِي ﷺ : طيبَة وطابة، وَمن أسمائها: الْعَذْرَاء، وجابرة، ومجبورة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، قصمت الْجَبَابِرَة. وَلم تزل عزيزة فِي الْجَاهِلِيَّة، وأعمها الله بمهاجرة رَسُول الله، ﷺ ، فمنعت على الْمُلُوك من التبابعة وَغَيرهم.
١ - (بابُ حَرَمِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل حرم الْمَدِينَة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا جَاءَ فِي حرم الْمَدِينَة، وَهُوَ رِوَايَة أبي عَليّ الشبوي، وَلم يذكر فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ بَاب حرم الْمَدِينَة لَيْسَ إلَاّ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب فَضَائِل الْمَدِينَة، ثمَّ: بَاب حرم الْمَدِينَة، وَالْحرم وَالْحرَام وَاحِد، كزمن وزمان، وَالْحرَام: الْمَمْنُوع مِنْهُ إِمَّا بتسخير إلاهي، إو بِمَنْع شَرْعِي. أَو بِمَنْع من جِهَة الْعقل، أَو من جِهَة من يرتسم أمره، وَسمي الْحرم حرما لتَحْرِيم كثير فِيهِ مِمَّا لَيْسَ بِمحرم فِي غَيره من الْمَوَاضِع، وَمِنْه الشَّهْر الْحَرَام وَهُوَ مَأْخُوذ من الْحُرْمَة، وَهُوَ مَا لَا يحل انتهاكه.
٧٦٨١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا ثابِتُ بنُ يَزِيدَ قَالَ حَدثنَا عاصمٌ أبُو عَبدِ الرَّحْمانِ الأحْوَلُ
стр. 3031
عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا ولَا يُحْدَثُ فِيها حَدَثٌ مَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدثا فعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْمَدِينَة حرم من كَذَا إِلَى كَذَا) .
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: ثَابت، بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي أَوله: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة مر فِي: بَاب ميمنة الْمَسْجِد. الثَّالِث: عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول، أَبُو عبد الله، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَقد مر فِي: بَاب الْأَذَان. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: أَن ثَابتا يُقَال لَهُ الْأَحول، وَكَذَلِكَ عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول. وَفِيه: عَن أنس وَفِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد عَن عَاصِم: قلت لأنس، وَفِي الِاعْتِصَام: سَأَلت أنسا، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسلم. وَفِيه: أَنه من الرباعيات.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن عَامر بن عمر وَعَن زُهَيْر بن حَرْب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْمَدِينَة حرم) ، أَي: مُحرمَة لَا تنتهك حرمتهَا. قَوْله: (من كَذَا إِلَى كَذَا) ، هَكَذَا جَاءَ من غير بَيَان، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب عَن عَليّ: مَا بَين عائر إِلَى كَذَا، وَذكره فِي الْجِزْيَة وَغَيرهَا بِلَفْظ: عير وَهُوَ جبل بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: قَوْله: من غير إِلَى كَذَا، سكت عَن النِّهَايَة، وَقد جَاءَ فِي طَرِيق آخر: (مَا بَين عير إِلَى ثَوْر) . وَقَالَ: وَالظَّاهِر أَن البُخَارِيّ أسقطها عمدا لِأَن أهل الْمَدِينَة يُنكرُونَ أَن يكون بهَا جبل يُسمى ثورا، وَإِنَّمَا ثَوْر بِمَكَّة، فَلَمَّا تحقق عِنْد البُخَارِيّ أَنه وهم أسْقطه، وَذكر بَقِيَّة الحَدِيث، وَهُوَ مُقَيّد يَعْنِي بقوله: (من عير إِلَى كَذَا) ، إِذْ الْبدَاءَة يتَعَلَّق بهَا حكم فَلَا يتْرك لإشكال سنح فِي حكم النِّهَايَة. انْتهى. وَقد أنكر مُصعب الزُّهْرِيّ وَغَيره هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ أَعنِي: عيرًا وثورا، وَقَالُوا: لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ عير وَلَا ثَوْر، وَقَالَ مُصعب: عير بِمَكَّة، وَمِنْهُم من ترك مَكَانَهُ بَيَاضًا إِذا اعتقدوا الْخَطَأ فِي ذكره، وَقَالَ أَبُو عبيد: كَانَ الحَدِيث: من غير إِلَى أحد. قلت: اتّفقت رِوَايَات البُخَارِيّ كلهَا على إِبْهَام الثَّانِي، وَوَقع عِنْد مُسلم: إِلَى ثَوْر، وَقَالَ أَبُو عبيد. قَوْله: (مَا بَين عير إِلَى ثَوْر) ، هَذِه رِوَايَة أهل الْعرَاق، وَأما أهل الْمَدِينَة فَلَا يعْرفُونَ جبلا عِنْدهم يُقَال لَهُ ثَوْر، وَإِنَّمَا ثَوْر بِمَكَّة، ونرى أَن أصل الحَدِيث: مَا بَين عير إِلَى أحد، وَقد وَقع ذَلِك فِي حَدِيث عبد الله بن سَلام عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ، وَقَالَ عِيَاض: لَا معنى لإنكار عير بِالْمَدِينَةِ، فَإِنَّهُ مَعْرُوف. وَفِي (الْمُحكم) و (المثلث) : عير إسم جبل بِقرب الْمَدِينَة مَعْرُوف، وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي (الْأَحْكَام) . بعد حِكَايَة كَلَام أبي عبيد وَمن تبعه: قد أَخْبرنِي الثِّقَة الْعَالم أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام الْبَصْرِيّ أَن حذاء أحد عَن يسَاره جانحا إِلَى وَرَائه جبل صَغِير يُقَال لَهُ ثَوْر، وَأخْبر أَنه تكَرر سُؤَاله عَنهُ لطوائف من الْعَرَب العارفين بِتِلْكَ الأَرْض وَمَا فِيهَا من الْجبَال، فَكل أخبر أَن ذَلِك الْجَبَل اسْمه ثَوْر، وتواردوا على ذَلِك، قَالَ: فَعلمنَا أَن ذكر ثَوْر فِي الحَدِيث صَحِيح، وَأَن عدم علم أكَابِر الْعلمَاء بِهِ لعدم شهرته وَعدم بحثهم عَنهُ، وَذكر الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي، ﵀، فِي (شَرحه) : حكى لنا شَيخنَا الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مزروع الْبَصْرِيّ، أَنه خرج رَسُولا إِلَى الْعرَاق، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة كَانَ مَعَه دَلِيل فَكَانَ يذكر لَهُ الْأَمَاكِن وَالْجِبَال، قَالَ: فَلَمَّا وصلنا إِلَى أحد إِذا بِقُرْبِهِ جبيل صَغِير، فَسَأَلته عَنهُ، فَقَالَ: هَذَا يُسمى ثورا. قَالَ: فَعلمت صِحَة الرِّوَايَة، وَقَالَ ابْن قدامَة: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد النَّبِي ﷺ مِقْدَار مَا بَين عير وثور، لَا أَنَّهُمَا بعينهما فِي الْمَدِينَة، أَو سمى النَّبِي ﷺ الجبلين اللَّذين نظر فِي الْمَدِينَة عيرًا وثورا تحوزا وارتجالاً. قلت: العير، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. وثور، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْوَاو، ويروى مَا بَين: عائر إِلَى كَذَا، بِأَلف بعد الْعين. قَوْله: (لَا يقطع شَجَرهَا) ، وَفِي رِوَايَة يزِيد بن هَارُون: (لَا يخْتَلى خَلاهَا) ، وَفِي حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم: (لَا يقطع عضاهها وَلَا يصاد صيدها) . قَوْله: (وَلَا يحدث) بِلَفْظ الْمَعْلُوم والمجهول: أَي: لَا يعْمل فِيهَا عمل مُخَالف للْكتاب وَالسّنة، وَزَاد شُعْبَة فِيهِ عَن عَاصِم عِنْد أبي عوَانَة: (أَو آوى مُحدثا) . وَهَذِه الزِّيَادَة صَحِيحَة إلَاّ أَن عَاصِمًا لم يسْمعهَا من أنس. قَوْله: (حَدثا) هُوَ الْأَمر الْحَادِث الْمُنكر الَّذِي لَيْسَ بمعتاد وَلَا مَعْرُوف فِي السّنة، والمحدث يرْوى بِكَسْر الدَّال وَفتحهَا على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، فَمَعْنَى الْكسر من:
стр. 3032
نصر جانيا وآوه وَأَجَارَهُ من خَصمه وَحَال بَينه وَبَين أَن يقْتَصّ مِنْهُ، وَالْفَتْح هُوَ الْأَمر المبتدع نَفسه. قَوْله: (فَعَلَيهِ لعنة الله. .) إِلَى آخِره، هَذَا وَعِيد شَدِيد لمن ارْتكب هَذَا، قَالُوا: المُرَاد باللعن هُنَا الْعَذَاب الَّذِي يسْتَحقّهُ على ذَنبه والطرد عَن الْجنَّة، لِأَن اللَّعْن فِي اللُّغَة هُوَ الطّرق والإبعاد، وَلَيْسَ هِيَ كلعنة الْكفَّار الَّذين يبعدون من رَحْمَة الله تَعَالَى كل الإبعاد.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن أبي ذِئْب وَالزهْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالُوا: الْمَدِينَة لَهَا حرم فَلَا يجوز قطع شَجَرهَا وَلَا أَخذ صيدها، وَلكنه لَا يجب الْجَزَاء فِيهِ عِنْدهم، خلافًا لِابْنِ أبي ذِئْب، فَإِنَّهُ قَالَ: يجب الْجَزَاء، وَكَذَلِكَ لَا يحل سلب من يفعل ذَلِك عِنْدهم إلَاّ الشَّافِعِي، وَقَالَ فِي الْقَدِيم: من اصطاد فِي الْمَدِينَة صيدا أَخذ سلب، ويروي فِيهِ أثرا عَن سعيد، وَقَالَ فِي الْجَدِيد بِخِلَافِهِ، وَقَالَ ابْن نَافِع: سُئِلَ مَالك عَن قطع سدر الْمَدِينَة وَمَا جَاءَ فِيهِ من النَّهْي؟ فَقَالَ: إِنَّمَا نهى عَن قطع سدر الْمَدِينَة لِئَلَّا توحش وليبقى فِيهَا شَجَرهَا ويستأنس بذلك ويستظل بِهِ من هَاجر إِلَيْهَا. وَقَالَ ابْن حزم: من احتطب فِي حرم الْمَدِينَة فحلال سلبه كل مَا مَعَه فِي حَاله تِلْكَ، وتجريده إلَاّ مَا يستر عَوْرَته فَقَط، لما روى مُسلم: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد جَمِيعًا عَن الْعَقدي قَالَ عبد: أخبرنَا عبد الْملك بن عمر، وَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن جَعْفَر عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد عَن عَامر بن سعد أَن سَعْدا ركب إِلَى قصره بالعقيق، فَوجدَ عبدا يقطع شَجرا ويخبطه، فسلبه، فَلَمَّا رَجَعَ سعد جَاءَهُ أهل العَبْد فكلموه أَن يرد على غلامهم أَو عَلَيْهِم مَا أَخذ من غلامهم، فَقَالَ: معَاذ الله أَن أرد شَيْئا نفلنيه رَسُول الله ﷺ ، وأبى أَن يردهُ عَلَيْهِم، وَقَالَ الثَّوْريّ وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَيْسَ للمدينة حرم كَمَا كَانَ لمَكَّة، فَلَا يمْنَع أحد من أَخذ صيدها وَقطع شَجَرهَا، وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث الْمَذْكُور بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لَا لِأَنَّهُ لما ذَكرُوهُ من تَحْرِيم صيد الْمَدِينَة وشجرها، بل إِنَّمَا أَرَادَ بذلك بَقَاء زِينَة الْمَدِينَة ليستطيبوها ويألفوها، كَمَا ذكرنَا عَن قريب عَن ابْن نَافِع: سُئِلَ مَالك عَن قطع سدر الْمَدِينَة إِلَى آخِره، وَذَلِكَ كمنعه ﷺ من هدم آطام الْمَدِينَة. وَقَالَ: إِنَّهَا زِينَة الْمَدِينَة على مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، عَن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن معِين، قَالَ: حَدثنَا وهب بن جرير عَن الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن آطام الْمَدِينَة أَن تهدم) . وَفِي رِوَايَة: (لَا تهدموا الْآطَام فَإِنَّهَا زِينَة الْمَدِينَة) . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) والآطام جمع أَطَم، بِضَم الْهمزَة والطاء، وَهُوَ بِنَاء مُرْتَفع، وَأَرَادَ بآطام الْمَدِينَة أبنيتها المرتفعة كالحصون، ثمَّ ذكر الطَّحَاوِيّ دَلِيلا على ذَلِك من حَدِيث حميد الطَّوِيل عَن أنس، قَالَ: (كَانَ لآل أبي طَلْحَة ابْن من أم سليم يُقَال لَهُ: أَبُو عُمَيْر، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يضاحكه إِذا دخل، وَكَانَ لَهُ نغير، فَدخل رَسُول الله ﷺ فَرَأى أَبَا عُمَيْر حَزينًا فَقَالَ: مَا شَأْن أبي عُمَيْر؟ فَقيل: يَا رَسُول الله ﴿مَاتَ نغيره. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا أَبَا عُمَيْر﴾ مَا فعل النغير؟) . وَأخرجه من أَربع طرق. وَأخرجه مُسلم أَيْضا: حَدثنَا شَيبَان بن فروخ، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَارِث عَن أبي التياح (عَن أنس بن مَالك قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ أحسن النَّاس خلقا، وَكَانَ لي أَخ يُقَال لَهُ أَبُو عُمَيْر، قَالَ: وَأَحْسبهُ قَالَ: فطيما، قَالَ: فَكَانَ إِذا جَاءَ رَسُول الله ﷺ فَرَآهُ قَالَ: أَبَا عُمَيْر مَا فعل النغير؟ قَالَ: فَكَانَ يلْعَب بِهِ) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة، وَالْبَزَّار فِي (مُسْنده) . وَاسم أبي طَلْحَة زيد بن أبي سهل الْأنْصَارِيّ وَأم سليم بنت ملْحَان أم أنس بن مَالك، وَاسْمهَا سهلة أَو رميلة أَو مليكَة. ونغير، بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: مصغر نغر، وَهُوَ طَائِر يشبه العصفور أَحْمَر المنقار، وَيجمع على: نغران، قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا قد كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَلَو كَانَ حكم صيدها كَحكم صيد مَكَّة إِذا لما أطلق لَهُ رَسُول الله ﷺ حبس النغير وَلَا اللّعب بِهِ كَمَا لَا يُطلق ذَلِك بِمَكَّة، وَقَالَ بَعضهم: احْتج الطَّحَاوِيّ بِحَدِيث أنس فِي قصَّة أبي عُمَيْر. وَنقل عَنهُ مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ: وَأجِيب: بِاحْتِمَال أَن يكون من صيد الْحل، انْتهى.
قلت: لَا تقوم الْحجَّة بِالِاحْتِمَالِ الَّذِي لَا ينشأ عَن دَلِيل، واعترضوا أَيْضا بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون من صيد الْحل ثمَّ أدخلهُ الْمَدِينَة، وردَّ بِأَن صيد الْحل إِذا أَدخل الْحرم يجب عَلَيْهِ إرْسَاله فَلَا يرد علينا، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ قَائِل: فقد يجوز أَن يكون هَذَا الحَدِيث بقناة، وَذَلِكَ الْموضع غير مَوضِع الْحرم فَلَا حجَّة لكم فِي هَذَا الحَدِيث، فَنَظَرْنَا هَل نجد مِمَّا سوى هَذَا الحَدِيث مَا يدل على شَيْء من حكم صيد الْمَدِينَة؟ فَإِذا عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الدِّمَشْقِي وفهد قد حدثانا، قَالَا: حَدثنَا أَبُو نعيم، قَالَ: حَدثنَا يُونُس بن أبي إِسْحَاق (عَن مُجَاهِد، قَالَ: قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ لآل رَسُول الله ﷺ وَحش فَإِذا خرج لعب وَاشْتَدَّ وَأَقْبل وَأدبر، فَإِذا أحس
стр. 3033
برَسُول الله ﷺ قد دخل ربض فَلم يترمرم كَرَاهَة أَن يُؤْذِيه) . فَهَذَا بِالْمَدِينَةِ فِي مَوضِع قد دخل فِيمَا حرم مِنْهَا، وَقد كَانُوا يؤوون فِيهِ الوحوش ويتخذونها ويغلقون دونهَا الْأَبْوَاب، وَقد دلّ هَذَا أَيْضا على أَن حكم الْمَدِينَة فِي ذَلِك بِخِلَاف حكم صلَة قلت: وَإِسْنَاده صَحِيح وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي مُسْند والوحش أحد الوحوش وَهِي حَيَوَان الْبر. قَوْله (ربض) من الربوض وربوض الْغنم وَالْبَقر وَالْفرس وَالْكَلب كبروك الْجمل وحشوم الطير. قَوْله: (لم يترمرم) ، من ترمرم إِذا حرك فَاه للْكَلَام، وَهِي بالراءين الْمُهْمَلَتَيْنِ.
وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن (عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع أَنه كَانَ يصيد وَيَأْتِي النَّبِي، ﷺ ، من صَيْده فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ ثمَّ جَاءَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا الَّذِي حَبسك؟ فَقَالَ: يَا رَسُول الله انْتَفَى عَنَّا الصَّيْد فصرنا نصيد مَا بَين تيت إِلَى قناة، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : أما أَنَّك لَو كنت تصيد بالعقيق لشيَّعتُك، إِذا ذهبت. وتلقَيْتُك إِذا جِئْت، فَإِنِّي أحب العقيق) . وَأخرجه من ثَلَاث طرق وَأخرجه من ثَلَاث طرق وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَفِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على إِبَاحَة صيد الْمَدِينَة، أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ قد دلّ سَلمَة وهوبها على مَوضِع الصَّيْد وَذَلِكَ لَا يحل بِمَكَّة، فَثَبت أَن حكم صيد الْمَدِينَة خلاف حكم صيد مَكَّة. قَوْله: (تيت) ، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره تَاء مثناة أُخْرَى، وَيُقَال: تيَّت، على وزن سيد، وَقَالَ الصَّاغَانِي: هُوَ جبل قرب الْمَدِينَة على بريد مِنْهَا.
وَأما الْجَواب عَن حَدِيث سعد بن أبي وَقاص فِي أَمر السَّلب فَهُوَ أَنه كَانَ فِي وَقت مَا كَانَت الْعُقُوبَات الَّتِي تجب بِالْمَعَاصِي فِي الْأَمْوَال، فَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَن النَّبِي، ﷺ ، فِي الزَّكَاة أَنه قَالَ: من أَدَّاهَا طَائِعا لَهُ أجرهَا وَمن لَا، أخذناها مِنْهُ وَشطر مَاله، ثمَّ نسخ ذَلِك فِي وَقت نسخ الرِّبا، وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث سعد بن أبي وَقاص فِي السَّلب لم يَصح عِنْد مَالك، وَلَا رأى الْعَمَل عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ.
وَمن فَوَائِد الحَدِيث مَا قَالَه القَاضِي عِيَاض فَإِنَّهُم استدلوا بقوله ﷺ : (لعنة الله) ، على أَن ذَلِك من الْكَبَائِر، لِأَن اللَّعْنَة لَا تكون إلَاّ فِي كَبِيرَة. وَفِيه: أَن الْمُحدث والمروي لَهُ فِي الْإِثْم سَوَاء.
٨٦٨١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ أبي التَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ المَدِينَةَ وأمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ يَا بِنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي فقالُوا لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ ألَاّ إِلَى الله فأمرَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكينَ فَنُبِشَتْ ثُمَّ بالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وبالنَّخْلِ فقُطِعَ فصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ..
قيل: لَا مُنَاسبَة فِي إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب. قلت: لَهُ مُنَاسبَة جَيِّدَة ومطابقته وَاضِحَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة، بَيَانه أَن فِي الحَدِيث السَّابِق: لَا يقطع شَجَرهَا. وَفِي هَذَا الحَدِيث وبالنخل، فَقطع، فَدلَّ على أَن شجر الْمَدِينَة لم يكن مثل شجر مَكَّة، إِذْ لَو كَانَ مثلهَا لمنع من قطعهَا، فَدلَّ على أَن الْمَدِينَة لَيْسَ لَهَا حرم كَمَا لمَكَّة. فَإِن قلت: شجر الْمَدِينَة كَانَت ملكا لأربابها وَلِهَذَا طلبَهَا ﷺ بِالشِّرَاءِ بِثمنِهَا، فَلَا دلَالَة فِيهِ على عدم كَون الْحرم للمدينة. قلت: يحْتَمل أَن لَا يعرف غارسها لقدمها وَبَنُو النجار كَانُوا قد وضعُوا أَيْديهم عَلَيْهَا لعدم الْعلم بأربابها، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فقطعها يدل على الْمُدَّعِي وَهُوَ نفي كَون الْحرم للمدينة. فَإِن قلت: وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَنَقُول: إِن الْقطع كَانَ فِي الْمَدِينَة للْبِنَاء وَفِيه مصلحَة للْمُسلمين. قلت: يلزمك أَن تَقول بِهِ فِي مَكَّة أَيْضا وَلَا قَائِل بِهِ، وَهَذَا الحَدِيث قد تقدم بأتم مِنْهُ فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: إسمه عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد، وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ، وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: واسْمه يزِيد بن حميد الضبعِي.
قَوْله: (ثامنوني) ، أَي: بايعوني بِالثّمن. قَوْله: (بالخرب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء: جمع الخربة، وَفِي بعض الرِّوَايَة بِكَسْر الْخَاء وَفتح الرَّاء.
٩٦٨١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمانَ عَنْ عُبَيْدِ الله عنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِي عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَي المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي
стр. 3034
قَالَ وأتَي النبيُّ ﷺ بَنِي حارِثَةَ فَقَالَ أرَاكُمْ يَا بَنِي حارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ بَلْ أنْتُمْ فِيهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حُرِّم بَين لابتي الْمَدِينَة) ، وَفِيه بَيَان لإبهام التَّرْجَمَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن أبي أويس. الثَّانِي: أَخُوهُ عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أويس. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب. الرَّابِع: عبيد الله بن عمر الْعمريّ. الْخَامِس: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري وَاسم أبي سعيد كيسَان. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن أَخِيه. وَفِيه: عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ، رَوَاهُ جمَاعَة عَن عبيد الله هَكَذَا، وَقَالَ عَبدة بن سُلَيْمَان عَن عبيد الله عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَزَاد فِيهِ: عَن أَبِيه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حُرِّمَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّحْرِيم، وَهُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (حرَم) . بِفتْحَتَيْنِ فارتفاعه على أَنه خبر عَن مُبْتَدأ مُؤخر، وَهُوَ قَوْله: (مَا بَين لابتي الْمَدِينَة) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر: (إِن الله تَعَالَى حرم على لساني مَا بَين لابتي الْمَدِينَة) ، وللبخاري عَن أبي هُرَيْرَة: (مَا بَين لابتيها حرَام) ، وَسَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي الْبَاب عَن جمَاعَة عَن الصَّحَابَة. فَعَن جَابر رَوَاهُ مُسلم قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة مَا بَين لابتيها لَا يقطع عضاهها وَلَا يصاد صيدها) . وعنرافع بن خديج أخرجه مُسلم قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة وَأَنا أحرم مَا بَين لابتيها) . يُرِيد الْمَدِينَة. وَعَن سعد بن أبي وَقاص أخرجه مُسلم أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِنِّي أحرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها وَيقتل صيدها) الحَدِيث. وَعَن أنس بن مَالك أخرجه مُسلم أَيْضا فِي حَدِيث طَوِيل وَفِيه أَنِّي أحوم مِائَتَيْنِ لَا بَيتهَا وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه الطَّحَاوِيّ قَالَ: (إِن رَسُول الله، ﷺ ، حرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة) وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده عَن كَعْب بن مَالك، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن خَارِجَة بن عبد الله بن كَعْب عَن أَبِيه عَن جده (أَن رَسُول الله، ﷺ ، حرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يصاد وحشها) . وَعَن عبَادَة أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَنهُ قَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ حرم مَا بَين لابتيها كَمَا حرم إِبْرَاهِيم، ﵊. وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أخرجه الطَّحَاوِيّ عَن صَالح بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه، وَفِيه قَالَ، يَعْنِي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: (حرم رَسُول الله ﷺ صيد مَا بَين لابتيها) ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. وَعَن زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث شُرَحْبِيل بن سعد، قَالَ: (أَتَانَا زيد بن ثَابت وَنحن ننصب فخا خَالنَا بِالْمَدِينَةِ، فَرمى بهَا، وَقَالَ: ألم تعلمُوا أَن رَسُول الله ﷺ حرم صيدها؟ وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير) . وَعَن سهل بن حنيف أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ، قَالَ: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، وأهوى بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَة، يَقُول: إِنَّه حرَام آمن) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا. وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث مَالك عَنهُ أَنه وجد غلمانا ألجأوا ثعلبا إِلَى زَاوِيَة، فطردهم. قَالَ مَالك: لَا أعلم إلَاّ أَنه قَالَ: أَفِي حرم رَسُول الله ﷺ يصنع هَذَا؟) وَأخرجه مَالك ﵀ فِي (موطئِهِ) . وَعَن عَليّ بن أبي طَالب وَسَيَجِيءُ عَن قريب. وَعَن عدي بن زيد أخرجه أَبُو دَاوُد عَنهُ. قَالَ: (حمى رَسُول الله ﷺ كل نَاحيَة من الْمَدِينَة بريدا بريدا لَا يخبط شَجَره وَلَا يعضد إلَاّ مَا يساق بِهِ الْحمل) . وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم وَجعل اثْنَي عشر ميلًا حول الْمَدِينَة حمى. وَعَن عبد الله بن زيد بن عَاصِم الْمَازِني الْأنْصَارِيّ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم: أَن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لَهَا، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة، وَسَيَجِيءُ فِي الْبيُوع إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (لابتي الْمَدِينَة) اللبتان تَثْنِيَة: لابة، واللابة، الْحرَّة، ذكره الْأَزْهَرِي عَن الْأَصْمَعِي وَجَمعهَا: لاب ولوب، وَفِي (الْجَامِع) : اللابة الْحرَّة السَّوْدَاء، وَالْجمع لابات. وَفِي (الْمُحكم) : اللابة واللوبة: الْحرَّة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: اللابة أَرض ألبستها حِجَارَة سود، وَالْمَدينَة بَين حرتين يكتنفانها إِحْدَاهمَا شرقية وَالْأُخْرَى غربية، وَقيل: المُرَاد بِهِ أَنه حرم الْمَدِينَة ولابتيها جَمِيعًا. قَوْله: (وأتى النَّبِي ﷺ بني حَارِثَة) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ
стр. 3035
(ثمَّ جَاءَ بني حَارِثَة وهم فِي سَنَد الْحرَّة) . أَي: فِي الْجَانِب الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَبَنُو حَارِثَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة بطن مَشْهُور من الْأَوْس وَهُوَ حَارِثَة بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج بن عَمْرو بن مَالك بن الْأَوْس، وَكَانَ بَنو حَارِثَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَبَنُو عبد الْأَشْهَل فِي دَار وَاحِدَة، ثمَّ وَقعت بَينهم الْحَرْب فانهزمت بَنو حَارِثَة إِلَى خَيْبَر فسكنوها، ثمَّ اصْطَلحُوا فَرجع بَنو حَارِثَة فَلم ينزلُوا فِي دَار بني عبد الْأَشْهَل وَسَكنُوا فِي دَارهم هَذِه، وَهِي غربية مشْهد حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ ﷺ ظن أَنهم خارجون من الْحرم، فَلَمَّا تَأمل مواضعهم رَآهُمْ داخلين فِيهِ، وَهَذَا معنى قَوْله: (ثمَّ الْتفت فَقَالَ بل أَنْتُم فِيهِ) أَي: فِي الْحرم، وَزَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ: (بل أَنْتُم فِيهِ) أَعَادَهَا تَأْكِيدًا.
وَفِيه من الْفَائِدَة: جَوَاز الْجَزْم بِمَا يغلب على الظَّن وَإِذا تبين أَن الْيَقِين على خِلَافه رَجَعَ عَنهُ.
٠٧٨١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أبِيهِ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ مَا عِنْدَنَا شَيء إلَاّ كِتابُ الله وهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عنِ النبيِّ ﷺ المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عائِرٍ إلَى كَذا منْ أحْدَثَ فِيها حدَثا أوْ آوَى مُحْدِثا فعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ وَقَالَ ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِما فَعَلَيْهِ لَعْنَة الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ ومَنْ تَوَلَّى قَوْما بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فعلَيْهِ لَعْنَةُ الله والملَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صرْفٌ ولَا عَدْلٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْمَدِينَة حرم مَا بَين عائر إِلَى كَذَا) .
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان الْعَنْبَري. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الْخَامِس: إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ. السَّادِس: أَبوهُ يزِيد. السَّابِع: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي ويلقب ببندار، وَكَذَلِكَ شيخ شَيْخه بَصرِي، والبقية كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد، وهم: الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم وَأَبوهُ يزِيد، وَهَذِه رِوَايَة أَكثر أَصْحَاب الْأَعْمَش عَنهُ، وَخَالفهُم شُعْبَة فَرَوَاهُ عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث بن سُوَيْد عَن عَليّ.
أخرجه النَّسَائِيّ قَالَ: أخبرنَا بشر بن خَالِد العسكري، قَالَ: أخبرنَا غنْدر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ (عَن الْحَارِث بن سُوَيْد، قَالَ: قيل لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِن رَسُول الله ﷺ خصكم بِشَيْء دون النَّاس عَامَّة، قَالَ: مَا خصنا رَسُول الله ﷺ بِشَيْء لم يخص النَّاس لَيْسَ شَيْئا فِي قرَاب سَيفي هَذَا، فَأخذ صحيفَة فِيهَا شَيْء من أَسْنَان الْإِبِل وفيهَا، أَن الْمَدِينَة حرم مَا بَين ثَوْر إِلَى عير، فَمن أحدث فِيهَا حَدثا وَأَوَى مُحدثا فَإِن عَلَيْهِ لعنة الله، وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صرف وَلَا عدل وَذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة فَمن أَخْفَر مُسلما فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل، انْتهى. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) : وَالصَّوَاب رِوَايَة الثَّوْريّ وَمن تبعه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا عندنَا شَيْء) ، أَي: شَيْء مَكْتُوب من أَحْكَام الشَّرِيعَة، وإلَاّ فَكَانَ عِنْدهم أَشْيَاء من السّنة سوى الْكتاب، لِأَن السّنَن لم تكن مَكْتُوبَة فِي الْكتب فِي ذَلِك الْوَقْت، وَلَا مدونة فِي الدَّوَاوِين. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم فِي بَاب فِي كتاب الْعلم أَنه كَانَ فِي الصَّحِيفَة الْعقل وفكاك الْأَسير، وَهَهُنَا قَالَ: الْمَدِينَة حرم ... إِلَى آخِره؟ قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا لجَوَاز كَون الْكل فِيهَا. فَإِن قلت: مَا سَبَب قولعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. هَذَا؟ قلت: يظْهر ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق قَتَادَة (عَن أبي حسان الْأَعْرَج أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يَأْمر بِالْأَمر فَيُقَال لَهُ: قد فعلنَا، فَيَقُول: صدق الله وَرَسُوله. فَقَالَ لَهُ الأشتر: هَذَا الَّذِي تَقول شَيْء عَهده إِلَيْك رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: مَا عهد إليَّ شَيْئا خَاصّا دون النَّاس إلَاّ شَيْئا سمعته مِنْهُ، فَهُوَ فِي صحيفَة فِي قرَاب
стр. 3036
سَيفي فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى أخرج الصَّحِيفَة فَإِذا فِيهَا) فَذكر الحَدِيث وَزَاد فِيهِ: (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وهم يَد على من سواهُم، ألَاّ لَا يقتل مُؤمن بكافرٍ، وَلَا ذُو عهد فِي عَهده، وَقَالَ فِيهِ: إِن إِبْرَاهِيم حرَّم، وَإِنِّي أحرم مَا بَين حرتيها، وحماها كُله لَا يخْتَلى خَلاهَا، وَلَا ينفر صيدها وَلَا تلْتَقط لقطتهَا، وَلَا تقطع مِنْهَا شَجَرَة إلَاّ أَن يعلف رجل بعيره، وَلَا يحمل فِيهَا السِّلَاح لقِتَال) . وَالْبَاقِي نَحوه. وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن قَتَادَة عَن أبي حسان عَن الأشتر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن (عَن قيس بن عباد، قَالَ: انْطَلَقت أَنا وَالْأَشْتَر إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقُلْنَا: هَل عهد إِلَيْك رَسُول الله ﷺ شَيْئا لم يعهده إِلَى النَّاس عَامَّة؟ قَالَ: لَا، إلَاّ مَا فِي كتابي هَذَا. قَالَ: وَكتاب فِي قرَاب سَيْفه، فَإِذا فِيهِ: الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ) ، فَذكر مثل مَا تقدم إِلَى قَوْله: (فِي عَهده: من أحدث حَدثا) إِلَى قَوْله: (أَجْمَعِينَ) ، وَلم يذكر بَقِيَّة الحَدِيث، وروى مُسلم من طَرِيق أبي الطُّفَيْل: (كنت عِنْد عَليّ فَأَتَاهُ رجل، فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِي ﷺ يسر إِلَيْك؟ فَغَضب، ثمَّ قَالَ: مَا كَانَ يسر إليَّ شَيْئا يَكْتُمهُ عَن النَّاس، غير أَنه حَدثنِي بِكَلِمَات أَربع) وَفِي رِوَايَة لَهُ: (مَا خصنا رَسُول الله ﷺ ، بِشَيْء لم يعم بِهِ النَّاس كَافَّة، إلَاّ مَا كَانَ فِي قرَاب سَيفي هَذَا، فَأخْرج صحيفَة مَكْتُوب فِيهَا: لعن الله من ذبح لغير الله، وَلعن الله من سرق منار الأَرْض، وَلعن الله من لعن وَالِده، وَلعن الله من آوى مُحدثا) . وَقد تقدم فِي كتاب الْعلم من طَرِيق أبي جُحَيْفَة. (قلت لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَل عنْدكُمْ كتاب؟ قَالَ: لَا، إلَاّ كتاب الله. .) الحَدِيث. فَإِن قلت: كَيفَ وَجه الْجمع بَين هَذِه الْأَخْبَار؟ قلت: وَجه ذَلِك أَن الصَّحِيفَة الْمَذْكُورَة كَانَت مُشْتَمِلَة على مَجْمُوع مَا ذكر، فَنقل كل من الروَاة بَعْضهَا، وأتمها سياقا طَرِيق أبي حسان كَمَا ترى. وَالله أعلم. قَوْله: (الْمَدِينَة حرم) ، بِفتْحَتَيْنِ أَي: مُحرمَة لَا تنتهك حرمتهَا. قَوْله: (مَا بَين عائر إِلَى كَذَا) ، وعائر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْألف والهمزة وَالرَّاء، وَهُوَ جبل بِالْمَدِينَةِ، ويروى: (مَا بَين عير) ، بِدُونِ الْألف. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض أَكثر رُوَاة البُخَارِيّ ذكرُوا (عيرًا) ، وَأما ثَوْر فَمنهمْ من كنى عَنهُ بِلَفْظ كَذَا، وَمِنْهُم من ترك مَكَانَهُ بَيَاضًا. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي أول: بَاب حرم الْمَدِينَة. قَوْله: (من أحدث فِيهَا) ، أَي: فِي الْمَدِينَة، وَرِوَايَة قيس بن عباد الَّتِي تقدّمت تفِيد بِهَذَا لِأَن ذَلِك مُخْتَصّ بِالْمَدِينَةِ لفضلها وشرفها. قَوْله: (أَو آوى) بِالْقصرِ وَالْمدّ فِي الْفِعْل اللَّازِم والمتعدي جَمِيعًا، لَكِن الْقصر فِي اللَّازِم وَالْمدّ فِي الْمُتَعَدِّي أشهر. قَوْله: (مُحدثا) قد ذكرنَا أَن فِيهِ فتح الدَّال وَكسرهَا، فَالْمَعْنى بِالْفَتْح أَي: الْمُحدث فِي أَمر الدّين وَالسّنة، وَمعنى الْكسر صَاحبه الَّذِي أحدثه أَو جَاءَ ببدعة فِي الدّين أَو بدل سنة. وَقَالَ التَّيْمِيّ: يَعْنِي من ظلم فِيهَا أَو أعَان ظَالِما. قَوْله: (صرف) أَي: فَرِيضَة. (وَعدل) أَي: نَافِلَة. وَقَالَ الْحسن: الصّرْف النَّافِلَة، وَالْعدْل الْفَرِيضَة، عكس قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الصّرْف التَّوْبَة وَالْعدْل الْفِدْيَة. قَالُوا: مَعْنَاهُ لَا تقبل قبُول رضى، وَإِن قبلت قبُول جَزَاء، وَعَن أبي عُبَيْدَة الصّرْف الِاكْتِسَاب وَالْعدْل الْحِيلَة، وَقيل: الصّرْف الدِّيَة وَالْعدْل الزِّيَادَة عَلَيْهَا، وَقيل بِالْعَكْسِ، وَفِي (الْمُحكم) : الصّرْف الْوَزْن وَالْعدْل الْكَيْل، وَقيل: الصّرْف الْقيمَة وَالْعدْل الاسْتقَامَة، وَقيل: الصّرْف الشَّفَاعَة وَالْعدْل الْفِدْيَة، وَبِه جزم الْبَيْضَاوِيّ، وَقيل: الْقبُول بِمَعْنى تَكْفِير الذَّنب بهما، وَقَالَ عِيَاض: وَقد يكون معنى الْفِدْيَة هُنَا لِأَنَّهُ لَا يجد فِي الْقِيَامَة فدَاء يفتدى بِهِ، بِخِلَاف غَيره من المذنبين الَّذين يتفضل الله على من يَشَاء مِنْهُم بِأَنَّهُ يفْدِيه من النَّار بِيَهُودِيٍّ أَو نَصْرَانِيّ كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيح) . قَوْله: (ذمَّة الْمُسلمين) أَي: عَهدهم وأمانهم صَحِيح، فَإِذا آمن الْكَافِر وَاحِد من الْمُسلمين حرم على غَيره التَّعَرُّض لَهُ، وَنقض ذمَّته، وللأمان شُرُوط مَذْكُورَة فِي كتب الْفِقْه. قَوْله: (فَمن أَخْفَر مُسلما) أَي: نقض عَهده، يُقَال: خفرت الرجل بِغَيْر ألف إِذا آمنته، وأخفرته إِذا نقضت عَهده، فالهمزة للإزالة، وَقد علم فِي علم الصّرْف أَن الْهمزَة فِي: أفعل تَأتي لمعان: مِنْهَا: أَنَّهَا تَأتي للسلب، يَعْنِي لسلب الْفَاعِل من الْمَفْعُول أصل الْفِعْل نَحْو أشكيته؟ أَي: أزالت شكايته، والهمزة فِي: أَخْفَر، من هَذَا الْقَبِيل. قَوْله: (وَمن تولى قوما) أَي: من اتخذهم أَوْلِيَاء. قَوْله: (بِغَيْر إِذن موَالِيه) ، لَيْسَ بِشَرْط، لتقييد الحكم بِعَدَمِ الْإِذْن وقصره عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِيرَاد الْكَلَام على مَا هُوَ الْغَالِب، وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يَجْعَل إِذن الموَالِي شرطا فِي ادِّعَاء نسب أَو وَلَاء، لَيْسَ هُوَ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذكر الْإِذْن فِي هَذَا تَأْكِيدًا للتَّحْرِيم لِأَنَّهُ إِذا استأذنهم فِي ذَلِك منعُوهُ وحالوا بَينه وَبَين مَا يفعل من ذَلِك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وَذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة يسْعَى بهَا أَدْنَاهُم، وَمن ادّعى إِلَى غير أَبِيه أَو انْتَمَى إِلَى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله) .
стр. 3037
الحَدِيث. قَوْله: (يسْعَى بهَا) يَعْنِي: أَن ذمَّة الْمُسلمين سَوَاء صدرت من وَاحِد أَو أَكثر شرِيف أَو وضيع، فَإِذا آمن أحد من الْمُسلمين كَافِرًا وَأَعْطَاهُ ذمَّته لم يكن لأحد نقضه، فيستوي فِي ذَلِك الرجل وَالْمَرْأَة، وَالْحر وَالْعَبْد، لِأَن الْمُسلمين كَنَفس وَاحِدَة. وَالله أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: رد على الشِّيعَة فِيمَا يَدعُونَهُ من أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْده وَصِيَّة من سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، لَهُ بِأُمُور كَثِيرَة من أسرار الْعلم وقواعد الدّين. وَفِيه: جَوَاز كِتَابَة الْعلم. وَفِيه: الْمُحدث والمروي لَهُ فِي الْإِثْم سَوَاء. وَفِيه: حجَّة لمن أجَاز أَمَان الْمَرْأَة وَالْعَبْد، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَعند أبي حنيفَة: لَا يجوز إلَاّ إِذا أذن الْمولى لعَبْدِهِ بِالْقِتَالِ. وَفِيه: أَن نقض الْعَهْد حرَام. وَفِيه: ذمّ انتماء الْإِنْسَان إِلَى غير أَبِيه، أَو انتماء الْعَتِيق إِلَى غير مُعْتقه لما فِيهِ من كفر النِّعْمَة وتضييع الْحُقُوق وَالْوَلَاء وَالْعقل، وَغير ذَلِك، مَعَ مَا فِيهِ من قطيعة الرَّحِم والعقوق.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله عَدْلٌ فِدَاءٌ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن تَفْسِير الْعدْل عِنْده بِمَعْنى الْفِدَاء، وَهَذَا مُوَافق لتفسير الْأَصْمَعِي، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا: أَعنِي قَوْله: قَالَ عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.
٢ - (بابُ فَضْلِ المَدِينَةِ وأنَّها تَنْفِي النَّاسَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْمَدِينَة، وَفِي بَيَان أَنَّهَا تَنْفِي النَّاس، قَالُوا: يَعْنِي شرارهم؟ قلت: جعلُوا لفظ تَنْفِي من النَّفْي، فَلذَلِك قدرُوا هَذَا التَّقْدِير، وَالْأَحْسَن عِنْدِي أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة من التنقية بِالْقَافِ، وَالْمعْنَى: أَن الْمَدِينَة تنقي النَّاس فتبقي خيارهم وتطرد شرارهم، ويناسب هَذَا الْمَعْنى قَوْله، ﷺ : (إِن الْمَدِينَة كالكير تنقي خبثها وتنصع طببها) ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يُنَاسب هَذَا الْمَعْنى قَوْله ﷺ من حَيْثُ إِن حَاصِل الْمَعْنى يؤول إِلَى مَا ذكرنَا، وَإِن كَانَ لفظ الحَدِيث من النَّفْي بِالْفَاءِ.
١٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا الحُبابِ سَعِيدَ ابنَ يَسارٍ يقُولُ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تأكُلُ الْقُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وهْيَ المَدِينَةُ تَنُفي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تقدمُوا، وَأَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى، ويسار ضد الْيَمين وَقَالَ بَعضهم: رجال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن عبد الله بن يُوسُف تنيسي وَأَصله من دمشق، وَقَالَ أَبُو عمر: اتّفق الروَاة عَن مَالك على إِسْنَاده إلَاّ إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع، فَقَالَ: عَن مَالك عَن يحيى عَن سعيد بن الْمسيب، بدل: سعيد بن يسَار، وَهُوَ خطأ قلت: لم ينْفَرد الطباع بِهَذَا، لِأَن الدَّارَقُطْنِيّ ذكر فِي كتاب (غرائب مَالك) كَمَا رَوَاهُ الطباع من حَدِيث أَحْمد بن بكر بن خَالِد السّلمِيّ عَن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَابْن أبي عَمْرو عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أمرت بقرية) ، أَي: أمرت بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا وَالنُّزُول بهَا، فَإِن كَانَ قَالَ ذَلِك بِمَكَّة فَهُوَ بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا، وَإِن كَانَ قَالَه بِالْمَدِينَةِ فبسكناها. قَوْله: (تَأْكُل الْقرى) ، أَي: يغلب أَهلهَا سَائِر الْبِلَاد، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْغَلَبَة لِأَن الْآكِل غَالب على الْمَأْكُول، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الْأكل أَنَّهَا مَرْكَز جيوش الْإِسْلَام فِي أول الْأَمر فَمِنْهَا فتحت الْبِلَاد فَغنِمت أموالها. أَو أَن أكلهَا يكون من الْقرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها، وَوَقع فِي (موطأ ابْن وهب) : قلت لمَالِك: مَا تَأْكُل الْقرى؟ قَالَ: تفتح الْقرى. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بأكلها الْقرى غَلَبَة فَضلهَا على فضل غَيرهَا، فَمَعْنَاه: أَن الْفَضَائِل تضمحل فِي جنب عَظِيم فَضلهَا حَتَّى يكَاد تكون عدما، وَقد سميت مَكَّة أم الْقرى، قيل: الْمَذْكُور للمدينة أبلغ مِنْهُ. انْتهى. قلت: الَّذِي يظْهر من كَلَامه أَنه مِمَّن يرجح الْمَدِينَة
стр. 3038
على مَكَّة. قَوْله: (يَقُولُونَ: يثرب) أَرَادَ أَن بعض الْمُنَافِقين يَقُولُونَ للمدينة: يثرب، يَعْنِي يسمونها بِهَذَا الإسم، وَاسْمهَا الَّذِي يَلِيق بهَا: الْمَدِينَة، وَقد كره بَعضهم من هَذَا تَسْمِيَة الْمَدِينَة يثرب، وَقَالُوا: مَا وَقع فِي الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَن قَول غير الْمُؤمنِينَ، وروى أَحْمد من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه: (من سمَّى الْمَدِينَة يثرب فليستغفر الله تَعَالَى: هِيَ طابة) . وروى عمر بن شبة من حَدِيث أبي أَيُّوب (أَن رَسُول الله ﷺ نهى أَن يُقَال للمدينة: يثرب) ، وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى بن دِينَار، من الْمَالِكِيَّة: من سمى الْمَدِينَة يثرب كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة، قَالُوا: وَسبب هَذِه الْكَرَاهَة لِأَن يثرب من التثريب الَّذِي هُوَ التوبيخ والملامة، أَو من الثرب وَهُوَ الْفساد، وَكِلَاهُمَا مستقبح، وَكَانَ ﷺ ، يحب الإسم الْحسن وَيكرهُ الإسم الْقَبِيح، قَوْله: (تَنْفِي النَّاس) ، قَالَ أَبُو عمر: أَي: تَنْفِي شرار النَّاس، أَلا يرى أَنه مثل ذَلِك وَشبهه بِمَا يصنع الْكِير فِي الْحَدِيد، والكير إِنَّمَا يَنْفِي ردىء الْحَدِيد وخبثه، وَلَا يَنْفِي جيده؟ قَالَ وَهَذَا عِنْدِي، وَالله أعلم، إِنَّمَا كَانَ فِي حَيَاته ﷺ ، فَحِينَئِذٍ لم يكن يخرج من الْمَدِينَة رَغْبَة عَن جواره فِيهَا إلَاّ من لَا خير فِيهِ. وَأما بعد وَفَاته فقد خرج مِنْهَا الْخِيَار والفضلاء والأبرار، وَقَالَ عِيَاض: وَكَانَ هَذَا يخْتَص بزمنه لِأَنَّهُ لم يكن يصبر على الْهِجْرَة وَالْمقَام مَعَه بهَا إلَاّ من ثَبت إيمَانه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلَيْسَ هَذَا بِظَاهِر، لِأَن عِنْد مُسلم: (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تَنْفِي الْمَدِينَة شِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد) ، وَهَذَا، وَالله أعلم، زمن الدَّجَّال. قَوْله: (كَمَا يَنْفِي الْكِير) ، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي (التَّلْوِيح) : الْكِير هُوَ دَار الْحَدِيد والصائغ وَلَيْسَ الْجلد الَّذِي تسميه الْعَامَّة كيرا، كَذَا قَالَ أهل اللُّغَة، وَمِنْه حَدِيث أبي أُمَامَة وَأبي رَيْحَانَة عَن النَّبِي ﷺ : (الْحمى كير من جَهَنَّم، وَهُوَ نصيب الْمُؤمن من النَّار) . وَقيل: فِي الْكِير لُغَة أُخْرَى: كور، بِضَم الْكَاف، وَالْمَشْهُور بَين النَّاس أَنه: الزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ، لَكِن أَكثر أهل اللُّغَة على أَن المُرَاد بالكير: حَانُوت الْحداد والصائغ وَقَالَ ابْن التِّين: وَقيل: الْكِير هُوَ الزق، والحانوت هُوَ الكور. وَفِي (الْمُحكم) : الْكِير الزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ الْحداد، وَيُؤَيّد الأول مَا رَوَاهُ عمر بن شبة فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي مَرْدُود، قَالَ: رأى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كير حداد فِي السُّوق، فَضَربهُ بِرجلِهِ حَتَّى هَدمه، وَفِي (الْمُحكم) وَالْجمع أكيار وكيرة، وَعَن ثَعْلَب: كيران، وَلَيْسَ ذَلِك بِمَعْرُوف فِي كتب اللُّغَة، إِنَّمَا الكيران جمع كور، وَهُوَ الْمرجل. وَفِي (الصِّحَاح) : المنجل، وَعَن أبي عَمْرو: الْكِير الْحداد وَهُوَ زق أَو جلد غليظ ذُو حافات. قَوْله: (خبث الْحَدِيد) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، وَهُوَ وسخ الْحَدِيد الَّذِي تخرجه النَّار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الْبَاء، وَفِيه نظر، وَالْمرَاد أَنَّهَا لَا ينزل فِيهَا من فِي قلبه دغل، بل يميزه عَن الْقُلُوب الصادقة ويخرجه، كَمَا يُمَيّز الْحداد رَدِيء الْحَدِيد من جيده، وَنسب التَّمْيِيز للكير لكَونه السَّبَب الْأَكْبَر فِي إشعال النَّار الَّتِي يَقع بهَا التَّمْيِيز.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْمُهلب بن أبي صفرَة: هَذَا الحَدِيث حجَّة لمن فضل الْمَدِينَة على مَكَّة، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي أدخلت مَكَّة وَسَائِر الْقرى فِي الْإِسْلَام، فَصَارَت الْقرى وَمَكَّة فِي صَحَائِف أهل الْمَدِينَة، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَأهل الْمَدِينَة، وروى عَن أَحْمد خلافًا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن حزم: روى الْقطع بتفضيل مَكَّة على الْمَدِينَة عَن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، جَابر وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن الزبير وَعبيد الله بن عدي، مِنْهُم ثَلَاثَة مدنيون بأسانيد فِي غَايَة الصِّحَّة، قَالَ: وَهُوَ قَول جَمِيع الصَّحَابَة وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتج مقلد وَمَالك بأخبرا ثَابِتَة مِنْهَا، قَوْله، ﷺ : (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لَهَا، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم، ﵊ . قَالَ: وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ، إِنَّمَا فِيهِ أَنه حرمهَا كَمَا حرمهَا إِبْرَاهِيم، وَبِقَوْلِهِ: (أللهم بَارك لنا فِي تمرنا ومدنا) ، وَبِقَوْلِهِ: (أللهم إجعل بِالْمَدِينَةِ ضعْفي مَا جعلت بِمَكَّة من الْبركَة) ، قَالَ: وَلَا حجَّة لَهُم فيهمَا، إِنَّمَا فيهمَا الدُّعَاء للمدينة وَلَيْسَ من بَاب الْفضل فِي شَيْء، وَبِقَوْلِهِ: الْمَدِينَة كالكير) ، وَلَا حجَّة لَهُم، لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي وَقت دون وَقت، وَفِي قوم دون قوم، وَفِي خَاص دون عَام، انْتهى. وَاحْتج بَعضهم على تَفْضِيل الْمَدِينَة على مَكَّة بقوله: (كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد) ، وَلَا حجَّة فِي ذَلِك، لِأَن هَذَا فِي خَاص من النَّاس وَمن الزَّمَان بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق﴾ (التَّوْبَة: ١٠١) . وَالْمُنَافِق خَبِيث بِلَا شكّ، وَقد خرج من الْمَدِينَة بعد النَّبِي ﷺ معَاذ وَأَبُو عُبَيْدَة وَابْن مَسْعُود وَطَائِفَة، ثمَّ عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وعمار وَآخَرُونَ، وهم من أطيب الْخلق، فَدلَّ على أَن المُرَاد بِالْحَدِيثِ تَخْصِيص نَاس دون نَاس، وَوقت دون وَقت.
стр. 3039
٣ - (بابٌ المَدِينةُ طابَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَدِينَة: طابة، أَي: من أسمائها: طابة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنَّهَا لَا تسمى بِغَيْر ذَلِك، وأصل طابة طيبَة لِأَنَّهَا من الطّيب، فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها، وانفتاح مَا قبلهَا، فوزنها: فالة، لَا: فاعة.
٢٧٨١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّاسِ بنِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عنْ أبِي حُمَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أقْبَلْنَا مَعَ النبيِّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ هاذِهِ طابَةُ..
التَّرْجَمَة متن الحَدِيث، وخَالِد بن مخلد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب التَّيْمِيّ الْقرشِي، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَأَبُو حميد، بِضَم الْحَاء: عبد الرَّحْمَن السَّاعِدِيّ. وَهَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل وَقد مضى فِي أَوَاخِر الزَّكَاة فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
قَوْله: (طابة) ، وَفِي بعض طرقه: (طيبَة) ، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة مَرْفُوعا: (إِن الله سمى الْمَدِينَة طابة) . وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن سماك بِلَفْظ: (كَانُوا يسمون الْمَدِينَة يثرب، فسماها النَّبِي ﷺ : طابة) . وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة، وَسميت طابة لطيبها لساكنها. وَقيل: من طيب الْعَيْش بهَا، وَقيل: من أَقَامَ بهَا يجد من تربَتهَا وحيطانها رَائِحَة طيبَة لَا تكَاد تُوجد فِي غَيرهَا. قلت: وَأي طيب يجده الْمُقِيم بهَا أطيب من مُشَاهدَة قَبره ﷺ ؟ فَهَل طيب أطيب من تربته؟ وَكَيف لَا وَبَين قَبره ومنبره رَوْضَة من رياض الْجنَّة؟ فَاعْتبر بِهَذَا طيب التربة الَّتِي ضمت جسده الْكَرِيم، وللمدينة أسامي كَثِيرَة، وَقد ذكرنَا بَعْضهَا عَن قريب. وروى الزبير فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) من طَرِيق عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، قَالَ: بَلغنِي أَن لَهَا أَرْبَعِينَ إسما، وَرُوِيَ من طَرِيق أبي سُهَيْل بن مَالك عَن كَعْب الْأَحْبَار، قَالَ: نجد فِي كتاب الله تَعَالَى، الَّذِي أنزل على مُوسَى ﷺ : أَن الله قَالَ للمدينة: يَا طيبَة، يَا طابة، يَا مسكينة، لَا تقبلي الْكُنُوز أرفع أجاجيرك على الْقرى.
٤ - (بابُ لَابَتَيْ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر لابتي الْمَدِينَة فِي الحَدِيث، وَقد مر تَفْسِير الْآيَة.
٣٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ لَوْ رَأيْتُ الظِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا زَعَرْتُهَا قَالَ رسولُ الله ﷺ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٩٦٨١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى ابْن يحيى، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (الظباء) جمع ظَبْي. قَوْله: (ترتع) ، أَي: ترعى، وَقيل: تنبسط. قَوْله: (مَا ذعرتها) أَي: مَا أخفتها وَمَا نفَّرتها، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة، يُقَال: ذعرته أذعره ذعرا: أفزعته، وَالِاسْم: الذعر، بِالضَّمِّ وَقد ذعر فَهُوَ مذعور، وكني بذلك عَن عدم صيدها لِأَنَّهُ مِمَّن يَقُول بِأَن للمدينة حرما وَمِمَّنْ يروي فِي ذَلِك بقوله: ﴿قَالَ رَسُول الله، ﷺ : مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، وَهِي: بَين لابتين شرقية وغربية، وَلها لابتان أَيْضا من الْجَانِبَيْنِ الآخرين إلَاّ أَنَّهُمَا يرجعان إِلَى الْأَوليين لاتصالهما بهما، وَالْحَاصِل أَن جَمِيع دورها كلهَا دَاخل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (أللهم إِنِّي أحرم مَا بَين جبليها) ، وَوَقع عِنْد أَحْمد: (مَا بَين حرتيها) ، وَفِي رِوَايَة: مَا بَين مأزميها) ، وَعَن هَذَا قَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب، والمأزمان تَثْنِيَة مأزم، بِهَمْزَة بعد مِيم وبكسر الزَّاي، هُوَ الْجَبَل، وَقيل: الْمضيق بَين الجبلين وَنَحْوه، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب هُنَا، وَمَعْنَاهُ: مَا بَين جبليها.
стр. 3040
٥ - (بابُ مَنْ رَغِبَ عنِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من رغب أَي أعرض عَن الْمَدِينَة، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ مَذْمُوم، وَنَحْوه.
٤٧٨١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله يَقولُ تَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خيْرِ مَا كانَتْ لَا يَغْشَاهَا إلَاّ العَوَاف يُريدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ والطَّيْرِ وآخِرُ منْ يْحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةِ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِما فيَجِدَانِهَا وحْشا حَتَّى إذَا بَلَغا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجِوهِهِمَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تتركون الْمَدِينَة) ، فَإِن تَركهم رَغْبَة عَنْهَا.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم من طَرِيق يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ للمدينة: (ليتركنها أَهلهَا على خير مَا كَانَت مذللة للعواف) ، يَعْنِي: السبَاع، وَالطير، وَمن رِوَايَة عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب أَنه قَالَ: أَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (تتركون الْمَدِينَة) إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، غير أَنَّهَا فِي رِوَايَته: (ثمَّ يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمها) . قَوْله: (تتركون) بتاء الْمُخَاطب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَالْمرَاد بذلك غير المخاطبين، لكِنهمْ من أهل الْبَلَد وَمن نسل المخاطبين، وَقيل: نوع المخاطبين من أهل الْمَدِينَة، ويروى: يتركون، بياء الْغَيْبَة وَرجحه الْقُرْطُبِيّ. قَوْله: (على خير مَا كَانَت) ، أَي: على أحسن حَالَة كَانَت عَلَيْهِ من قبل، يَعْنِي: أعمرها وأكثرها ثمارا. قَوْله: (لَا يَغْشَاهَا) ، أَي: لَا يقربهَا وَلَا يَأْتِيهَا إلَاّ العواف، جمع عَافِيَة، وَهِي طلاب الرزق من الدَّوَابّ وَالطير. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْعَافِيَة والعفاة والعفاء: الأضياف وطلاب الْمَعْرُوف، وَقيل: هم الَّذين يعفونك أَي يأتونك يطْلبُونَ مَا عنْدك، والعافي أَيْضا: الرائد والوارد، لِأَن ذَلِك كُله طلب. قَوْله: (يُرِيد عوافي الطير وَالسِّبَاع) ، تَفْسِير لقَوْله: العواف، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: اجْتمع فِي العوافي شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا طالبة لأقواتها من قَوْلك: عَفَوْت فلَانا أعفوه فَأَنا عافٍ، وَالْجمع: عفاة أَي: أتيت أطلب مَعْرُوفَة. وَالثَّانِي: من العفاء، وَهُوَ الْموضع الْخَالِي الَّذِي لَا أنيس بِهِ، فَإِن الطير والوحش تقصده لأمنها على نَفسهَا فِيهِ. وَقَالَ عِيَاض: وَقد وجد ذَلِك حَيْثُ صَارَت، أَي: الْمَدِينَة مَعْدن الْخلَافَة ومقصد النَّاس وملجأهم، وحملت إِلَيْهَا خيرات الأَرْض وَصَارَت من أعمر الْبِلَاد، فَلَمَّا انْتَقَلت الْخلَافَة مِنْهَا إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى الْعرَاق وتغلبت عَلَيْهَا الْأَعْرَاب وتعاورتها الْفِتَن، وخلت من أَهلهَا فقصدتها عوافي الطير وَالسِّبَاع، وَذكر الإخباريون أَنَّهَا خلت من أَهلهَا فِي بعض الْفِتَن الَّتِي جرت بِالْمَدِينَةِ، وَبقيت ثمارها للعوافي، كَمَا قَالَ ﷺ : وخلت مُدَّة ثمَّ تراجع النَّاس إِلَيْهَا، وَفِي حَال خلوها عَدَت الْكلاب على سواري الْمَسْجِد، وَعَن مَالك: حَتَّى يدْخل الْكَلْب أَو الذِّئْب فيعوي على بعض سواري الْمَسْجِد، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا مِمَّا جرى فِي الْعَصْر الأول وانقضى، وَهَذَا من معجزاته ﷺ ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمُخْتَار أَن هَذَا التّرْك يكون فِي آخر الزَّمَان عِنْد قيام السَّاعَة، ويوضحه قضة الراعبين، فقد وَقع عِنْد مُسلم بِلَفْظ: (ثمَّ يحْشر راعيان) ، وَفِي البُخَارِيّ: أَنَّهُمَا آخر من يحْشر، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا من حَدِيث محجن بن الأدرع الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: (بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ لحَاجَة، ثمَّ لَقِيَنِي وَأَنا خَارج من بعض طرق الْمَدِينَة، فَأخذ بيَدي حَتَّى أَتَيْنَا أحدا، ثمَّ أقبل على الْمَدِينَة، فَقَالَ: ويل أمهَا قَرْيَة يَوْم يَدعهَا أَهلا كأينع مَا يكون؟ قلت: يَا رَسُول الله ﴿من يَأْكُل ثَمَرهَا؟ قَالَ: عَافِيَة الطير وَالسِّبَاع) . وروى عمر بن شبة بِإِسْنَاد صَحِيح، (عَن عَوْف بن مَالك، قَالَ: دخل رَسُول الله ﷺ الْمَسْجِد ثمَّ نظر إِلَيْنَا، فَقَالَ: أما وَالله لتدعنها مذللة أَرْبَعِينَ عَاما للعوافي﴾ أَتَدْرُونَ مَا العوافي؟ الطير وَالسِّبَاع) . انْتهى. وَهَذَا لم يَقع قطعا. قَالَ الْمُهلب: فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْمَدِينَة تسكن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَإِن خلت فِي بعض الْأَوْقَات يقْصد الراعيان بغنمهما إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (وَآخر من يحْشر راعيان) أَي: يساق ويجلى من الوطن. قَوْله: (من مزينة) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي: قَبيلَة من مُضر. وَفِي (التَّلْوِيح) : فَإِن قيل: فَمَا معنى قَوْله: (آخر من يحْشر راعيان؟) وَلم يذكر حشرهما، وَإِنَّمَا قَالَ: (يخران
стр. 3041
على وُجُوههمَا أَمْوَاتًا؟) فَالْجَوَاب: أَنه لَا يحْشر أحد إلَاّ بعد الْمَوْت، فهما آخر من يَمُوت بِالْمَدِينَةِ، وَآخر من يحْشر بعد ذَلِك فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) لأبي زيد بن عمر بن شبة: عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (آخر من يحْشر رجلَانِ، رجل من مزينة وَآخر من جُهَيْنَة، فَيَقُولَانِ: أَيْن النَّاس؟ فيأتيان الْمَدِينَة، فَلَا يريان إلَاّ الثعالب، فَينزل إِلَيْهِمَا ملكان فيسحبانهما على وُجُوههمَا حَتَّى يلحقاهما بِالنَّاسِ) . قَوْله: (ينعقان بغنمهما) ، من النعق وَهُوَ دُعَاء الرَّاعِي الشَّاء، قَالَه الْأَزْهَرِي عَن الْفراء وَغَيره، يُقَال: أنعق بضأنِكَ، أَي: ادعها. وَقد نعق الرَّاعِي بهَا نعيقا. وَفِي (الموعب) : نعيقا ونعاقا: إِذا صَاح بهَا الرَّاعِي زجرا، ونعقا ونعقانا وَقد نعق ينعق، من بَاب: علم يعلم، وَأغْرب الدَّاودِيّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ يطْلب الْكلأ، فَكَأَنَّهُ فسره بِالْمَقْصُودِ من الزّجر. لِأَنَّهُ يزجرها عَن المرعى الوبيل إِلَى المرعى الوسيم. قَوْله: (فيجدانها وحوشا) أَي: يجدان أَهلهَا وحوشا جمع وَحش، أَو يجدان الْمَدِينَة ذَات وحوش، ويروى: وحوشا، بِفَتْح الْوَاو أَي: يجدانها خَالِيَة.، لَيْسَ بهَا أحد، وَقَالَ الجربي: الْوَحْش من الأَرْض هُوَ الْخَلَاء، وأصل الْوَحْش كل شَيْء توحش من الْحَيَوَان، وَقد يعبر بِوَاحِد عَن جمعه، وَعَن ابْن المرابط: مَعْنَاهُ أَن غنمها تصير وحوشا، إِمَّا أَن تنْقَلب ذَاتهَا فَتَصِير وحوشا، وَإِمَّا أَنَّهَا تنفر وتتوحش من أصواتهما، وَأنكر عِيَاض هَذَا، وَاخْتَارَ أَن يعود الضَّمِير إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم: فيجدانها وحشا، أَي: خَالِيَة لَيْسَ بهَا أحد. قَوْله: (ثنية الْوَدَاع) ، هِيَ عقبَة عِنْد حرم الْمَدِينَة، سميت بذلك لِأَن الْخَارِج من الْمَدِينَة يمشي مَعَه المودعون إِلَيْهَا. قَوْله: (خرّا) بتَشْديد الرَّاء. أَي: سقطا ميتين، أَو سقطا بِمن أسقطهما، وَهُوَ الْملك.
٥٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ عنْ سفْيانَ بنِ أبِي زُهَيْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِيهِمْ ومَنْ أطَاعَهُمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وتفْتَحُ الشَّأمُ فيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ويُفْتَحُ العِرَاقُ فَيأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِيهمْ ومنْ أطَاعَهُمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْمَذْكُورين تفَرقُوا فِي الْبِلَاد بعد الفتوحات وَرَغبُوا عَن الْإِقَامَة فِي الْمَدِينَة، وَلَو صَبَرُوا على الْإِقَامَة فِيهَا لَكَانَ خيرا لَهُم، والترجمة فِيمَن رغب عَن الْمَدِينَة، وَهَؤُلَاء رَغِبُوا عَنْهَا، واختاروا غَيرهَا.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، وَمَالك بن أنس، وَهِشَام بن عُرْوَة، وَأَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَعبد الله بن الزبير أَخُو عُرْوَة بن الزبير، وسُفْيَان بن أبي زُهَيْر، بِضَم الزَّاي: مصغر الزهر النمري، بالنُّون: الْأَزْدِيّ ويلقب بِابْن أبي القرد، بِفَتْح الْقَاف وَبعدهَا دَال مُهْملَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقيل: القرد هُوَ اسْم أبي زُهَيْر، وَقيل: اسْمه نمير، وَكَانَ نازلاً بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ الشنوئي من أَزْد شنُوءَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم النُّون وَبعد الْوَاو همزَة مَفْتُوحَة، وَفِي النّسَب كَذَلِك، وَقيل: بِفَتْح النُّون بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة بِلَا وَاو، وشنوءة هُوَ: عبد الله بن كَعْب بن مَالك بن نضر بن الأزد، وَسمي شنُوءَة لشنئان كَانَ بَينه وَبَين قومه.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع وَالْقَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ لِأَن هشاما لَقِي بعض الصَّحَابَة. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: عَن سُفْيَان بن أبي زُهَيْر، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة: عَن هِشَام عَن أَبِيه، كَذَلِك وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ عُرْوَة: ثمَّ لقِيت سُفْيَان بن أبي زُهَيْر عِنْد مَوته فَأَخْبرنِي بِهَذَا الحَدِيث. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ، وَالله أعلم.
стр. 3042
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم، وَعَن هَارُون بن عبد الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفتح الْيمن) ، قَالَ ابْن عبد الْبر وَغَيره: افتتحت الْيمن فِي أَيَّام النَّبِي ﷺ وَفِي أَيَّام أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وافتتحت الشَّام بعْدهَا، وَالْعراق بعْدهَا. انْتهى. قلت: يمن اسْم يعرب بن قحطان بن عَابِر، وَهُوَ هود، فَلذَلِك يُقَال أَرض يمن، ذكره فِي كتاب (التيجان) وَذكر الْبكْرِيّ: إِنَّمَا سمي الْيمن يمنا لِأَنَّهُ عَن يَمِين الْكَعْبَة، كَمَا سمي الشَّام شاما لِأَنَّهُ عَن شمال الْكَعْبَة. وَقيل: إِنَّمَا سمي بذلك قبل أَن تعرف الْكَعْبَة لِأَنَّهُ عَن يَمِين الشَّمْس، وَقيل: سميت الْيمن يمنا بيمن بن قحطان، وَحكى الْهَمدَانِي، قَالَ: لما طغت الْعَرَب العاربة أَقبلت بَنو يقطن بن عَابِر فتيامنوا، فَقَالَت الْعَرَب: تيامنت بَنو يقطن، فسموا الْيمن. وتشأم الْآخرُونَ فسموا شاما. قَوْله: (يبسون) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة من: بس يبس بسا، والبس: سوق الْإِبِل. تَقول: بس يبس عِنْد السُّوق وَإِرَادَة السرعة، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي رِوَايَة يحيى بن يحيى: يبسون، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: إِن ابْن الْقَاسِم رَوَاهُ بضَمهَا قلت: حَاصله أَنه من بَاب: نصر ينصر، وَمن بَاب: ضرب يضْرب، وَفِي (التَّلْوِيح) أَشَارَ إِلَى أَنه رُوِيَ بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، فعلى هَذَا يكون من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ من أبس يبس على وزن أفعل. قَالَ الْحَرْبِيّ: وَمَعْنَاهُ يتحملون بأهليهم، وَقيل: مَعْنَاهُ يدعونَ النَّاس إِلَى بِلَاد الخصب، وَقَالَ الدَّاودِيّ مَعْنَاهُ: يزجرون دوابهم فيفتتون مَا يطؤنه من الأَرْض من شدَّة السّير فَيصير غبارا من قَوْله تَعَالَى: ﴿وبست الْجبَال بسا﴾ (الْوَاقِعَة: ٥) . أَي: سَالَتْ سيلاً. وَقيل: مَعْنَاهُ سَارَتْ سيرا. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: البس الْمُبَالغَة فِي الفت، وَمِنْه قيل للدقيق الْمَصْنُوع بالدهن: بسيس، وَأنكر ذَلِك النَّوَوِيّ، وَقَالَ: إِنَّه ضَعِيف أَو بَاطِل. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَقيل: معنى يبسون يسْأَلُون عَن الْبِلَاد، وتستقر لأهلهم الْبِلَاد الَّتِي تفتح ويدعونهم إِلَى سكناهَا فيتحملون بِسَبَب ذَلِك من الْمَدِينَة راحلين إِلَيْهَا، وَيشْهد لهَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم: (يَأْتِي على النَّاس زمَان يَدْعُو الرجل ابْن عَمه وقريبه إِلَى الْمَجِيء إِلَيْهَا لذَلِك، فيتحمل الْمَدْعُو بأَهْله وَأَتْبَاعه) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب أَن مَعْنَاهُ: الْإِخْبَار عَمَّن خرج من الْمَدِينَة متحملاً بأَهْله، بَأْسا فِي سيره، مسرعا إِلَى الرخَاء والأمصار المفتتحة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة فِي هَذَا الحَدِيث: (تفتح الشَّام فَيخرج النَّاس من الْمَدِينَة يبسون، وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث جَابر، سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (ليأتينَّ على أهل الْمَدِينَة زمَان ينْطَلق النَّاس فِيهَا إِلَى الأرياف يَلْتَمِسُونَ الرخَاء فيجدون رخاء، ثمَّ يأْتونَ فيتحملون بأهليهم إِلَى الرخَاء وَالْمَدينَة خير لَو كَانُوا يعلمُونَ) . وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن لَهِيعَة وَفِيه مقَال، وَلَكِن أَحْمد قبله وَرَضي بِهِ، وَلَا بَأْس بِهِ فِي المتابعات. قَوْله: (لَو كَانُوا يعلمُونَ) أَي: بفضلها من الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وثواب الْإِقَامَة فِيهَا لِأَنَّهَا حرم الرَّسُول ومهبط الْوَحْي ومنزل البركات. فَإِن قلت: أَيْن جَوَاب: لَو؟ قلت: مَحْذُوف، دلّ عَلَيْهِ مَا قبله أَي: لَو كَانُوا من أهل الْعلم لعرفوا ذَلِك، وَلما فارقوا الْمَدِينَة. وَإِن كَانَت: لَو، بِمَعْنى: لَيْت، فَلَا جَوَاب لَهَا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيهِ تجهيل لمن فَارقهَا لتفويته على نَفسه خيرا عَظِيما، وَفِيه معجزات للنَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ أخبر بِفَتْح هَذِه الأقاليم، وَأَن النَّاس يتحملون بِأَهَالِيِهِمْ ويفارقون الْمَدِينَة، وَأَن هَذِه الأقاليم تفتح على هَذَا التَّرْتِيب الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَوجد جَمِيع ذَلِك. قَوْله: (وَمن أطاعهم) أَي: ويتحملون بِمن أطَاع أَهْليهمْ من النَّاس. قَوْله: (وَالْمَدينَة خير لَهُم) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: نكر قوما لتحقيرهم وتوهين أَمرهم، ثمَّ وَصفهم بقوله: (يبسون) إشعارا بركاكة عُقُولهمْ، وَأَنَّهُمْ مِمَّن ركنوا إِلَى الحظوظ البهيمية، وحطام الدُّنْيَا الفانية العاجلة وأعرضوا عَن الْإِقَامَة فِي جوَار الرَّسُول ﷺ ومهبط الْوَحْي، وَلذَلِك كرر قوما وَوَصفه فِي كل قرينَة بقوله: (يبسون) ، استحضارا لتِلْك الْهَيْئَة البهيمية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ أَيْضا الَّذِي يَقْتَضِي هَذَا الْمقَام أَن ينزل يعلمُونَ منزلَة اللَّازِم لينتفي عَنْهُم الْعلم والمعرفة بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَو ذهب مَعَ ذَلِك إِلَى معنى التَّمَنِّي لَكَانَ أبلغ، لِأَن التَّمَنِّي طلب مَا لَا يُمكن حُصُوله أَي: ليتهم كَانُوا من أهل الْعلم تَغْلِيظًا وتشديدا. انْتهى. وَقَالُوا: المُرَاد بِهِ الخارجون من الْمَدِينَة رَغْبَة عَنْهَا كارهين لَهَا، وَأما من خرج لحَاجَة أَو تِجَارَة أَو جِهَاد أَو نَحْو ذَلِك فَلَيْسَ بداخل فِي معنى الحَدِيث.
стр. 3043
٦ - (بابٌ الإيمانُ يأرِزُ إلَى المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْإِيمَان يأرز إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يأرز) ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالهمزة الساكنة بعد الْألف ثمَّ بالراء الْمَكْسُورَة. ثمَّ بالزاي أَي: يَنْضَم ويجتمع بعضه إِلَى بعض فِيهَا، وَحكى صَاحب (الْمطَالع) عَن أبي الْحسن بن السراج ضم الرَّاء، وَعَن الْقَابِسِيّ فتح الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب الْكسر. قلت: فعلى مَا ذكرُوا تَأتي هَذِه الْمَادَّة من ثَلَاثَة أَبْوَاب: من بَاب ضرب يضْرب، وَمن بَاب نصر ينصر، وَمن بَاب علم يعلم. فَافْهَم.
٦٧٨١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله عنْ خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إنَّ الإيمَانَ لَيَأرِزُ إلىَ المَدِينَةِ كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا.
التَّرْجَمَة عين الحَدِيث غير أَنه ترك لَام التَّأْكِيد فِي الأول.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الخزامي وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْمُنْذر بن الْمُغيرَة. الثَّانِي: أنس بن عِيَاض أَبُو ضَمرَة. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر الْعمريّ. الرَّابِع: خبيب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عبد الرَّحْمَن خَال عبيد الله، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر. الْخَامِس: حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله وَقد روى عبيد الله عَن خَاله خبيب بِهَذَا الْإِسْنَاد عدَّة أَحَادِيث، وَهَذَا الْإِسْنَاد هَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب عبيد الله، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سليم عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْبَزَّار، وَقَالَ الْبَزَّار: يحيى بن سليم أَخطَأ فِيهِ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
قَوْله: (إِن الْإِيمَان) أَي: أهل الْإِيمَان، وَاللَّام فِي: ليأرز، للتَّأْكِيد. وَقَالَ الْمُهلب فِيهِ: إِن الْمَدِينَة لَا يَأْتِيهَا إلَاّ مُؤمن، وَإِنَّمَا يَسُوقهُ إِلَيْهَا إيمَانه ومحبته فِي النَّبِي ﷺ ، فَكَانَ الْإِيمَان يرجع إِلَيْهَا كَمَا خرج مِنْهَا أَولا. وَمِنْهَا ينتشر كانتشار الْحَيَّة من جحرها، ثمَّ إِذا راعها شَيْء رجعت إِلَى جحرها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: كَانَ هَذَا فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ والقرن الَّذِي كَانَ مِنْهُم وَالَّذين يَلُونَهُمْ خَاصَّة، لِأَنَّهُ كَانَ الْأَمر مُسْتَقِيمًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَفِيه تَنْبِيه على صِحَة مَذْهَبهم وسلامتهم من الْبدع، وَأَن عَمَلهم حجَّة، كَمَا رَوَاهُ مَالك، ﵀. قلت: هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي زمن النَّبِي، ﷺ ، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِلَى انْقِضَاء الْقُرُون الثَّلَاثَة، وَهِي تسعون سنة، وَأما بعد ذَلِك فقد تَغَيَّرت الْأَحْوَال وَكَثُرت الْبدع خُصُوصا فِي زَمَاننَا هَذَا على مَا لَا يخفى.
٧ - (بابُ إثْمِ منْ كادَ أهْلَ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إصم من كَاد أهل الْمَدِينَة أَي: أَرَادَ بهم سوءا، وَكَاد فعل ماضٍ من الكيد، وَهُوَ الْمَكْر. تَقول: كاده يكيده كيدا ومكيدة. وَكَذَلِكَ المكايدة.
٧٧٨١ - حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ قَالَ أخبرنَا الْفَضْلُ عنْ جُعَيْدٍ عنْ عائِشَةَ قالَتْ سَمِعْتُ سَعْدا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ لَا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أحَدٌ إلَاّ انْمَاعَ كَمَا يَنْماعُ الْمِلْحُ فِي المَاءِ.
стр. 3044
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، بَيَانه أَن الَّذِي يكيد أهل الْمَدِينَة يذيبه الله تَعَالَى فِي النَّار ذوب الرصاصد وَلَا يسْتَحق هَذَا ذَاك الْعَذَاب إلَاّ عَن ارتكابه إِثْمًا عَظِيما، وَهَذَا مَأْخُوذ من حَدِيث مُسلم من طَرِيق عَامر بن سعد عَن أَبِيه فِي أثْنَاء حَدِيث: (وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بِسوء إلَاّ أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص، أَو ذوب الْملح فِي المَاء) . وحسين بن حُرَيْث بن الْحسن ابْن ثَابت بن قُطْبَة أَبُو عمار الْمروزِي مولى عمرَان بن الْحصين الْخُزَاعِيّ، قَالَ السراج: مَاتَ بقصر اللُّصُوص مُنْصَرفه عَن الْحَج سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَالْفضل هُوَ ابْن مُوسَى اليناني، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنونين، وَقد مر فِي: بَاب من تَوَضَّأ من الْجَنَابَة، وجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا ومكبرا. ابْن عبد الرَّحْمَن، وَقد مر فِي الْوضُوء، وَعَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص، مَاتَت بِالْمَدِينَةِ سنة سبع عشرَة وَمِائَة.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا الطَّرِيق، وَأخرجه مُسلم من طرق. مِنْهَا: من حَدِيث أبي عبد الله الْقَرَّاظ أَنه قَالَ: أشهد على أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم، ﷺ : زمن أَرَادَ أهل هَذِه الْبَلدة بِسوء يَعْنِي الْمَدِينَة أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة أَنه سمع الْقَرَّاظ، وَكَانَ من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة، يزْعم أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من أَرَادَ أَهلهَا بالسوء) ، يُرِيد: الْمَدِينَة، (أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه قَالَ: أَخْبرنِي دِينَار الْقَرَّاظ، قَالَ: سَمِعت سعد بن أبي وَقاص، يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من أَرَادَ أهل الْمَدِينَة بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه الكعبي عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، أَنه سمع سعد بن مَالك يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، بِمثلِهِ، غير أَنه قَالَ: بدهم أَو بِسوء. وَمِنْهَا: من حَدِيث أُسَامَة بن زيد عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، قَالَ: سمعته يَقُول: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة وسعدا يَقُولَانِ: (قَالَ رَسُول الله ﷺ : أللهم بَارك لأهل الْمَدِينَة فِي مدهم. .) وسَاق الحَدِيث، وَفِيه: (من أَرَادَ أَهلهَا بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء. .) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث السَّائِب بن خلان رَفعه: (من أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظَالِما لَهُم، أخافه الله وَكَانَت عَلَيْهِ لعنة الله) الحَدِيث، وروى ابْن حبَان نَحوه من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (سَمِعت سَعْدا) يَعْنِي: أَبَاهَا سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (إلَاّ انماع) : أَي: ذاب، وعَلى وزن انفعل من الميعان، يُقَال: ماع الشَّيْء يميع وانماع ينماع إِذا ذاب، وَيجوز بادغام النُّون فِي الْمِيم، قَالَ الْكرْمَانِي: ذاب وَجرى على وَجه الأَرْض مثلا شَيْئا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يَعْنِي أَرَادَ الله الْمَكْر بهم لَا يمهله الله وَلم يُمكن لَهُ كَمَا انْقَضى شَأْن من حاربها أَيَّام بني أُميَّة مثل مُسلم بن عقبَة، فَإِنَّهُ هلك فِي مُنْصَرفه عَنْهَا، ثمَّ هلك مرسله إِلَيْهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة على إِثْر ذَلِك، وَغَيرهمَا مِمَّن صنع صنيعهما، وَقيل: المُرَاد من كادها اغتيالاً، وعَلى غَفلَة من أَهلهَا لَا يتم لَهُ أَمر، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من أرادها فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ بِسوء اضمحل أمره كَمَا يضمحل الرصاص فِي النَّار. قَوْله: (كَمَا ينماع الْملح فِي المَاء) ، وَجه هَذَا التَّشْبِيه أَنه شبه أهل الْمَدِينَة مَعَ وفور علمهمْ وصفاء قرائحهم بِالْمَاءِ، وَشبه من يُرِيد الكيد بهم بالملح لِأَن نكاية كيدهم لما كَانَت رَاجِعَة إِلَيْهِ شبهوا بالملح الَّذِي يُرِيد إِفْسَاد المَاء فيذوب هُوَ بِنَفسِهِ. فَإِن قلت: يلْزم على هَذَا كدورة أهل الْمَدِينَة بِسَبَب فنائهم؟ قلت: المُرَاد مُجَرّد الإفناء، وَلَا يلْزم فِي وَجه التَّشْبِيه أَن يكون شَامِلًا جَمِيع أَوْصَاف الْمُشبه بِهِ نَحْو قَوْلهم: النَّحْو فِي الْكَلَام كالملح للطعام.
٨ - (بابُ آطامِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا وَقع من كَلَام النَّبِي ﷺ من جِهَة إشرافه على أطام الْمَدِينَة والأطام بِالْمدِّ جمع أَطَم بِضَمَّتَيْنِ، وَهِي الْحُصُون الَّتِي تبنى بِالْحِجَارَةِ، وَقيل: هُوَ كل بَيت مربع مسطح والآطام جمع قلَّة لِأَنَّهُ على وزن أَفعَال وَجمع الْكَثْرَة أطوم والواحدة: أطمة، كأكمة.
٨٧٨١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثناابنُ شِهَابٍ قَالَ أخبرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أشْرَفَ النبيُّ علَى أُطُمٍ مِنْ آطامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أرَى
стр. 3045
إنِّي لأرَى مَوَاقِعَ الفِتَن خِلالَ بُيُوتكُمْ كمَوَاقِعِ الْقَطْرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن شهَاب، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِي الْفِتَن عَن أبي نعيم، وَفِي الْفِتَن عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن أبي بكر وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق وَابْن أبي عمر، أربعتهم عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ.
قَوْله: (أشرف) أَي: نظر من مَكَان مُرْتَفع. قَوْله: (مواقع الْفِتَن) أَي: مَوَاضِع سُقُوط الْفِتَن بِكَسْر الْفَاء جمع فتْنَة، قَوْله: (خلال بُيُوتكُمْ) أَي: بَينهَا ونواحيها، وَهُوَ جمع خلل، وَهُوَ الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ. قَوْله: (كمواقع الْقطر) ، أَي: الْمَطَر شبه سُقُوط الْفِتَن وَكَثْرَتهَا بِالْمَدِينَةِ بِسُقُوط كَثْرَة الْقطر وعمومه، قَالَ الْمُهلب: الرُّؤْيَة هُنَا الْعلم، وَهَذَا من عَلَامَات النُّبُوَّة لإخباره بِمَا سَيكون، وَقد ظهر مصداق ذَلِك من قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وهلم جرَّا، وَلَا سِيمَا يَوْم الْحرَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَنَّهَا مثلت لَهُ حَتَّى نظر إِلَيْهَا كَمَا مثلت لَهُ الْجنَّة وَالنَّار فِي الْقبْلَة حَتَّى رآهما وَهُوَ يُصَلِّي. .
تابَعَهُ مَعْمَرٌ وسُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: تَابع سُفْيَان معمر بن رَاشد وَسليمَان بن كثير الْعَبْدي الوَاسِطِيّ، أما مُتَابعَة معمر فوصلها البُخَارِيّ فِي الْفِتَن: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأما مُتَابعَة سُلَيْمَان فرواها مُسلم: عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن سُلَيْمَان عَنهُ.
٩ - (بابٌ لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يدْخل الدَّجَّال الْمَدِينَة.
٩٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبيهِ عَن جَدِّهِ عنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بابٍ ملَكَانِ.
مطابقته من حَيْثُ إِن رعب الدَّجَّال إِذا لم يدْخل الْمَدِينَة فَعدم دُخُوله بِنَفسِهِ بِالطَّرِيقِ الأولى.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الْقرشِي قَاضِي بَغْدَاد. الثَّالِث: سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ الْقرشِي. الرَّابِع: جده إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو مُحَمَّد. الْخَامِس: أَبُو بكرَة، واسْمه: نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: ابْن الْحَارِث بن كلدة الثَّقَفِيّ، وَقد تقدم فِي كتاب الْإِيمَان.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رعب الْمَسِيح الدَّجَّال) ، الرعب: بِالضَّمِّ الْخَوْف وَسمي الْمَسِيح مسيحا لِأَنَّهُ يمسح الأَرْض، أَو لِأَنَّهُ مَمْسُوح اعين لِأَنَّهُ أَعور، أَو لسياحته، وَهُوَ فعيل بمعني فَاعل، وَيُقَال فِيهِ: مسيخ. بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، لِأَنَّهُ مُشَوه مثل الممسوخ، وَيُقَال فِيهِ: مسيح، بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة، للْفرق بَينه وَبَين الْمَسِيح ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَأما معنى الدَّجَّال فكثير، واشتقاقه من الدجل وَهُوَ الْكَذِب والخلط، وَهُوَ كَذَّاب خلاط وَيجمع الدَّجَّال على دجالين ودجاجلة فِي التكسير، وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من الدجل وَهُوَ: طلي الْبَعِير بالقطران، سمي بذلك لِأَنَّهُ يُغطي الْحق بسحره وَكذبه كَمَا يُغطي
стр. 3046
الرجل جرب بعيره بالدجالة، وَهُوَ القطران. وَقيل: سمي بِهِ لضربه نواحي الأَرْض وقطعه لَهَا، يُقَال: دجل الرجل إِذا فعل ذَلِك. وَقيل: هُوَ من الدجل بِمَعْنى التغطية. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل شَيْء غطيته فقد دجلته، وَمِنْه سميت دجلة لانتشارها على الأَرْض وتغطيتها مَا فاضت عَلَيْهِ. وَقيل: مَعْنَاهُ المموه، قَالَه ثَعْلَب. وَأما معنى الْمَسِيح بن مَرْيَم فعلى ثَلَاثَة وَعشْرين وَجها ذَكرنَاهَا فِي كتَابنَا. قَوْله: (على كل بَاب) ، فِي رِوَايَة الْكشميهني: (لكل بَاب) . فَإِن قلت: حَدِيث أنس: (ترجف الْمَدِينَة بِأَهْلِهَا ثَلَاث رجفات) ، والرجف رعب، فَهَذَا يُعَارض حَدِيث الْبَاب؟ قلت: لَا يُعَارضهُ، لِأَن الرجفة تكون من أهل الْمَدِينَة على من فِيهَا من الْمُنَافِقين والكافرين، فيخرجونهم من الْمَدِينَة بإخافتهم إيَّاهُم تَغْلِيظًا عَلَيْهِم وعَلى الدَّجَّال، فَيخرج المُنَافِقُونَ إِلَى الدَّجَّال فِرَارًا من أهل الْمَدِينَة.
٠٨٨١ - حدَّثنا إسماعيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ الله الْمُجْمِرِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ عَلَى أنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُها الطَّاعُونُ ولَا الدَّجَّالُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس واسْمه: عبد الله الْمدنِي إِبْنِ أُخْت مَالك بن أنس، ونعيم، بِضَم النُّون، والمجمر بِلَفْظ الْفَاعِل من الإجمار، مر فِي أول الْوضُوء.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن القعْنبِي، وَفِي الطِّبّ عَن عبد الله بن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم، وَفِيه وَفِي الْحَج عَن قُتَيْبَة، الْكل عَن نعيم المجمر بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على أنقاب الْمَدِينَة) ، الأنقاب جمع نقب، بِفَتْح النُّون، وَهُوَ جمع قلَّة وَجمع الْكَثْرَة: نقاب، وَقَالَ ابْن وهب: الأنقاب مدَاخِل الْمَدِينَة، وَقيل: هِيَ أَبْوَابهَا وفوهات طرقها الَّتِي يدْخل إِلَيْهَا مِنْهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الطّرق الَّتِي يسلكها النَّاس، وَمِنْه قَوْله : ﴿فَنقبُوا فِي الْبِلَاد﴾ (ق: ٦٣) . وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي: النقب الطَّرِيق فِي الْجَبَل، وَكَذَلِكَ النقب والمنقب والمنقبة عَن يَعْقُوب، وَقَالَ ابْن سَيّده: النقب والنقب فِي أَي شَيْء كَانَ نقبه ينقبه نقبا، وَعَن الْقَزاز، وَيُقَال أَيْضا: نقب بِكَسْر النُّون، وَضبط ابْن فَارس بِالسُّكُونِ يَقْتَضِي أَن لَا يكون جمعه أنقابا كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَإِنَّمَا يجمع على نقاب، كَمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، وَفِيه برهَان عَظِيم ظَهرت صِحَّته ببركة دُعَائِهِ للمدينة. قَوْله: (الطَّاعُون) ، الْمَوْت من الوباء. وَقَوله: (لَا يدخلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال) جملَة مستأنفة، بَيَان لموجب اسْتِقْرَار الْمَلَائِكَة على الأنقاب.
٤٥٣ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا أَبُو عَمْرو قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لَيْسَ من بلد إِلَّا سيطؤه الدَّجَّال إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة لَيْسَ لَهَا من نقابها نقب إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة صافين يحرسونها ثمَّ ترجف الْمَدِينَة بِأَهْلِهَا ثَلَاث رجفات فَيخرج الله كل كَافِر ومنافق) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَالْمَدينَة " يَعْنِي لَا يدخلهَا الدَّجَّال والوليد هُوَ مُسلم الدِّمَشْقِي وَأَبُو عَمْرو هُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَق هُوَ ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن حجر عَن الْوَلِيد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَن عمر بن عبد الْوَاحِد قَوْله " إِلَّا سيطؤه " مُسْتَثْنى من الْمُسْتَثْنى وَهُوَ قَوْله " لَيْسَ من بلد " وَهُوَ على ظَاهره وعمومه عِنْد الْجُمْهُور وشذ ابْن حزم فَقَالَ المُرَاد لَا يدْخلهُ بَعثه وَجُنُوده وَكَأَنَّهُ استبعد إِمْكَان دُخُول الدَّجَّال جَمِيع الْبِلَاد لقصر مدَّته وغفل عَمَّا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَن بعض أَيَّامه يكون قدر السّنة قَالَه بَعضهم (قلت) يحْتَمل أَن يكون إِطْلَاق قدر السّنة على بعض أَيَّامه لَيْسَ على حَقِيقَته بل لكَون الشدَّة الْعَظِيمَة الْخَارِجَة عَن الْحَد أطلق
стр. 3047
عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قدر السّنة قَوْله " إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة " يَعْنِي لَا يطؤهما الدَّجَّال وَذكر الطَّبَرِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو " إِلَّا الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس " وَزَاد أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ " وَمَسْجِد الطّور " وَرَوَاهُ من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - وَفِي بعض الرِّوَايَات فَلَا يبْقى لَهُ مَوضِع إِلَّا وَيَأْخُذهُ غير مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس وجبل الطّور فَإِن الْمَلَائِكَة تطرده عَن هَذِه الْمَوَاضِع قَوْله " من نقابها " أَي نقاب الْمَدِينَة والنقاب بِكَسْر النُّون جمع نقب وَهُوَ جمع الْكَثْرَة وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي الحَدِيث السَّابِق قَوْله " صافين " حَال من الْمَلَائِكَة وَهُوَ جمع صَاف من صف قَوْله " يحرسونها " من الْأَحْوَال المتداخلة قَوْله " ثمَّ ترجف الْمَدِينَة " أَي يحصل بهَا زَلْزَلَة بعد أُخْرَى ثمَّ فِي الرجفة الثَّالِثَة يخرج الله مِنْهَا من لَيْسَ مخلصا فِي إيمَانه وَيبقى بهَا الْمُؤمن المخلص فَلَا يُسَلط عَلَيْهِ الدَّجَّال وَفِيه أَيْضا معْجزَة ظَاهِرَة للنَّبِي ﷺ َ - حَيْثُ أخبر عَن أَمر سَيكون قطعا وَفِيه بَيَان فضل الْمَدِينَة وَفضل أَهلهَا الْمُؤمنِينَ الخالصين
٢٨٨١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ أبَا سَعِيدٍ الخدْرِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ حدَّثنا رسولُ الله ﷺ حَدِيثا طَويلا عنِ الدَّجالِ فكانَ فِيما حدَّثنَا بهِ أنْ قالَ يأتِي الدَّجَّالُ وهْوَ مُحَرَّمٌ عليْهِ أنْ يَدْخُلَ نِقابَ المدِينَةِ بَعْضَ السِّباخِ الَّتِي بالمَدِينَةِ فيَخْرُجُ إليْهِ يَوْمَئِذٍ رجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فيَقُولُ أشْهَدُ أنَّكَ الدَّجالُ الَّذِي حَدثنَا عنْكَ رسولُ الله ﷺ حَديثَهُ فيَقُولُ الدَّجَّالُ أرأيْتَ إنْ قتَلْتُ هذَا ثُمَّ أحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأمرِ فيَقُولُونَ لَا فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْييهِ فيَقُولُ حِينَ يُحْييهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أشَدَّ بَصِيرَةً منِّي الْيَوْمَ فيَقُولُ الدَّجَّالُ أقْتُلُهُ فَلا اسلَّطُ عَلَيْهِ.
(الحَدِيث ٢٨٨١ طرفه فِي: ٢٣٧١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على أَن الدَّجَّال ينزل على سبخَة من سباخ الْمَدِينَة، وَلَا يقدر على الدُّخُول إِلَى الْمَدِينَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن السَّمرقَنْدِي عَن أبي الْيَمَان بِهِ، وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَحسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد، ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن أبي دَاوُد وَسليمَان بن سيف عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَدثنَا) ، فعل ومفعول، وَرَسُول الله ﷺ فَاعله، قَوْله: (عَن الدَّجَّال) أَي: عَن حَاله وَفعله. قَوْله: (أَن قَالَ) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: قَوْله يَأْتِي الدَّجَّال. قَوْله: (وَهُوَ محرم عَلَيْهِ) ، جملَة حَالية. (ومحرم) على صِيغَة الْمَفْعُول من التَّحْرِيم، قَوْله: (أَن يدْخل) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: دُخُوله وَهِي فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فِي تَقْدِير الْفَاعِل. قَوْله: (ينزل) جملَة مستأنفة كَانَ الْقَائِل يَقُول: إِذا كَانَ الدُّخُول عَلَيْهِ حَرَامًا فَكيف يفعل؟ قَالَ ينزل بعض السباخ، بِكَسْر السِّين: حمع سبخَة، وَهِي الأَرْض الَّتِي تعلوها الملوحة، مَعْنَاهُ: ينزل خَارج الْمَدِينَة على أَرض سبخَة من سباخ الْمَدِينَة. قَوْله: (فَيخرج إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الدَّجَّال. قَوْله: (رجل هُوَ خير النَّاس) قَالَ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، يُقَال: إِن هَذَا الرجل هُوَ الْخضر، ﵊. قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه وَكَذَا قَالَ معمر فِي جَامِعَة بَلغنِي أَن ذَلِك الرجل هُوَ الْخضر عَلَيْهِ الْخضر ﵊ قَوْله: (أَو من خير النَّاس) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) ، أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (فَيَقُولُونَ) ، الْقَائِلُونَ بِهِ إِمَّا الْيَهُود ومصدقوه من أهل الشقاوة، وَإِمَّا أَعم مِنْهُم، وقالوه خوفًا مِنْهُ لَا تَصْدِيقًا، أَو قصدُوا بِهِ عدم الشَّك فِي كفره، وَكَونه دجالًا. قَوْله: (أَشد بَصِيرَة مني الْيَوْم) لِأَن رَسُول الله ﷺ أَخْبرنِي بِأَن عَلامَة الدَّجَّال أَنه يحيى الْمَقْتُول، فزادت بصيرته بِحُصُول تِلْكَ الْعَلامَة، ويروى: (أَشد مني بَصِيرَة الْيَوْم) ، فالمفضل والمفضل عَلَيْهِ كِلَاهُمَا هُوَ نفس الْمُتَكَلّم لكنه مفضل بِاعْتِبَار غَيره. قَوْله: (أَقتلهُ فَلَا أسلط عَلَيْهِ) أَي: أَقتلهُ فَلَا أسلط على قَتله، وأسلط على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلَا بُد من تَقْدِير الْهمزَة الإنكارية. ويروى بِظُهُور الْهمزَة لفظا وَأما حَدِيث، وَكَأَنَّهُ يُنكر
стр. 3048
على إِرَادَته الْقَتْل وَعدم تسلطه عَلَيْهِ. ويروى (فَلَا يُسَلط عَلَيْهِ) أَي: لَا يقدر على قَتله بِأَن يَجْعَل الله بدنه كالنحاس لَا يجْرِي عَلَيْهِ السَّيْف، أَو بِأَمْر آخر نَحوه، وروى مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يخرج الدَّجَّال فَيتَوَجَّه قبله رجل من الْمُؤمنِينَ فَتَلقاهُ المسايح مسايح الدَّجَّال فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْن تعمد؟ فَيَقُول: أعمد إِلَى هَذَا الَّذِي خرج، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَو مَا تؤمن بربنا؟ فَيَقُول: مَا بربنا خَفَاء، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ! فَيَقُول بَعضهم لبَعض: أَلَيْسَ قد نهاكم ربكُم أَن تقتلُوا أحدا دونه؟ قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّال، فَإِذا رَآهُ الْمُؤمن قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس هَذَا الدَّجَّال الَّذِي ذكر رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: فيأمر الدَّجَّال بِهِ فيشج، فَيَقُول: خذوه فيوسع ظَهره وبطنه ضربا، قَالَ: فَيَقُول أَو مَا تؤمن بِي؟ قَالَ: فَيَقُول: أَنْت الْمَسِيح الْكذَّاب، قَالَ: فينشر بِالْمِنْشَارِ من مفرقه حَتَّى يفرق بَين رجلَيْهِ، قَالَ ثمَّ يمشي الدَّجَّال بَين القطعتين، ثمَّ يَقُول لَهُ: قُم، فيستوي قَائِما، ثمَّ يَقُول لَهُ أتؤمن بِي؟ فَيَقُول: مَا ازددت فِيك إلَاّ بَصِيرَة. قَالَ: ثمَّ يَقُول: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا يفعل بعدِي بِأحد من النَّاس، قَالَ: فَيَأْخذهُ الدَّجَّال حَتَّى يذبحه، فَيجْعَل مَا بَين رقبته إِلَى ترقوته نُحَاسا فَلَا يَسْتَطِيع إِلَيْهِ سَبِيلا، قَالَ: فَيَأْخُذ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فيقذف بِهِ، فيحسب النَّاس أَنما قذفه إِلَى النَّار، وَإِنَّمَا ألقِي فِي الْجنَّة.، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَذَا أعظم النَّاس شَهَادَة عِنْد رب الْعَالمين) .
٠١ - (بابٌ المَدِينَةُ تَنْفي الخَبَثَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث أَي: تطرده وتخرجه.
٣٨٨١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ أعْرَابِيٌ لِلنَّبيِّ ﷺ فبَايَعَهُ عَلَى الإسلامِ فَجاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُوما فَقَالَ أقِلْنِي فَأبى ثَلاثَ مِرَارٍ فَقَالَ المَدِينَةُ كالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا ويَنْصَعُ طِيبُها..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كالكير تَنْفِي خبثها) ، وَعَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر فِي فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْمهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن أبي نعيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.
قَوْله: (عَن جَابر) ، وَقع فِي الْأَحْكَام من وَجه آخر عَن ابْن الْمُنْكَدر، قَالَ: سَمِعت جَابِرا. قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) : إِنَّه قيس بن أبي حَازِم، قيل: هُوَ مُشكل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ كَبِير مَشْهُور، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجر فَوجدَ النَّبِي ﷺ قد مَاتَ، وَفِي (الذيل) لأبي مُوسَى: فِي الصَّحَابَة قيس بن أبي حَازِم الْمنْقري، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ هَذَا، قَوْله: (فَبَايعهُ على الْإِسْلَام) ، من الْمُبَايعَة، وَهِي عبارَة عَن المعاقدة على الْإِسْلَام والمعاهدة، كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده مَا صَاحبه وَأَعْطَاهُ خُلَاصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره. قَوْله: (محموما) ، نصب على الْحَال من: حم الرجل من الْحمى، وأحمه الله فَهُوَ مَحْمُوم، وَهُوَ من الشواذ. قَوْله: (أَقلنِي) من الْإِقَالَة أَي: أَقلنِي من الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: امْتنع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ . قَوْله: (ثَلَاث مرار) يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد من قَوْله: (فَقَالَ) ، وَقَوله: (فَأبى) وَهُوَ من تنَازع العاملين فِيهِ. قَوْله: (فَقَالَ: الْمَدِينَة) أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره. قَوْله: (ينصع) ، بِفَتْح يَاء المضارعة وَسُكُون النُّون وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي آخِره عين مُهْملَة من النصوع، وَهُوَ الخلوص، والناصع الْخَالِص. قَوْله: (طيبها) ، بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل. لقَوْله: (ينصع) ، لِأَن النصوع لَازم، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: ينصع، بِضَم الْيَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الصَّاد من التنصيع، وَقَوله: (طيبها) ، بتَشْديد الْيَاء مَفْعُوله بِالنّصب، هَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: من التنصيع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من الإنصاع من: بَاب الافعال، وَسَوَاء كَانَ من التنصيع أَو الإنصاع فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَلذَلِك نصب: طيبها. فَافْهَم. وَقَالَ الْقَزاز: قَوْله: (ينصع) لم أجد لَهُ فِي الطّيب وَجها، وَإِنَّمَا الْكَلَام: يتضوع طيبها أَي: يفوح، وَقَالَ: ويروى: (ينضخ) بضاد وخاء معجمتين، قَالَ: ويروى بحاء مُهْملَة، وَهُوَ أقل من النضخ، يَعْنِي بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : يبضع، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: من أبضعة بضَاعَة إِذا دَفعهَا إِلَيْهِ، مَعْنَاهُ: أَن الْمَدِينَة تُعْطِي طيبها لمن سكنها. ورد عَلَيْهِ الصَّاغَانِي بِأَن
стр. 3049
قَالَ: وَقد خَالف الزَّمَخْشَرِيّ بِهَذَا القَوْل جَمِيع الروَاة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَشْهُور بالنُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة. فَإِن قلت: لما قَالَ الْأَعرَابِي أَقلنِي لِمَ لَمْ يُقِلْهُ؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا يجوز لمن أسلم أَن يتْرك الْإِسْلَام، وَلَا لمن هَاجر إِلَى النَّبِي، ﷺ ، أَن يتْرك الْهِجْرَة وَيذْهب إِلَى وَطنه، وَهَذَا الْأَعرَابِي كَانَ مِمَّن هَاجر وَبَايع النَّبِي، ﷺ ، على الْمقَام عِنْده، قَالَ عِيَاض: وَيحْتَمل أَن بيعَته كَانَت بعد الْفَتْح وَسُقُوط الْهِجْرَة إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَايع على الْإِسْلَام وَطلب الْإِقَالَة فَلم يقلهُ، وَقَالَ ابْن بطال: وَالدَّلِيل على أَنه لم يرد الإرتداد عَن الْإِسْلَام أَنه لم يرد حل مَا عقده إلَاّ بموافقة النَّبِي ﷺ على ذَلِك، وَلَو كَانَ خُرُوجه عَن الْمَدِينَة خُرُوجًا عَن الْإِسْلَام لقَتله حِين ذَاك، وَلكنه خرج عَاصِيا. وَرَأى أَنه مَعْذُور لما نزل بِهِ من الْحمى، وَلَعَلَّه لم يعلم أَن الْهِجْرَة فرض عَلَيْهِ، وَكَانَ من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: ﴿وأجدر ألَاّ يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله﴾ (التَّوْبَة: ٧٩) . فَإِن قلت: إِن الْمُنَافِقين قد سكنوا الْمَدِينَة وماتوا فِيهَا وَلم تنفهم؟ قلت: كَانَت الْمَدِينَة دَارهم أصلا وَلم يسكنوها بِالْإِسْلَامِ وَلَا حباله، وَإِنَّمَا سكنوها لما فِيهَا من أصل معاشهم، وَلم يرد ﷺ بِضَرْب الْمثل إلَاّ من عقد الْإِسْلَام رَاغِبًا فِيهِ ثمَّ خبث قلبه.
٤٥٦ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت عَن عبد الله بن يزِيد قَالَ سَمِعت زيد بن ثَابت ﵁ يَقُول لما خرج النَّبِي ﷺ َ - إِلَى أحد رَجَعَ نَاس من أَصْحَابه فَقَالَت فرقة نقتلهم وَقَالَت فرقة لَا نقتلهم فَنزلت ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَال كَمَا تَنْفِي النَّار خبث الْحَدِيد) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " كَمَا تَنْفِي النَّار خبث الْحَدِيد " وَهُوَ ظَاهر. وَرِجَاله قد تقدمُوا وَعبد الله بن يزِيد الخطمي الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ فِي نسق وَاحِد وَكِلَاهُمَا أنصاريان والْحَدِيث أخرجه فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار وَأخرجه فِي الْمَنَاسِك وَقد ذكر الْمُنَافِقين عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَفِي ذكر الْمُنَافِقين عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي بكر بن نَافِع عَن غنْدر الْكل عَن شُعْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر بِهِ قَوْله " إِلَى أحد " كَانَت غَزْوَة أحد يَوْم السبت فِي منتصف شَوَّال عَام ثَلَاث من الْهِجْرَة وَقَالَ البلاذري لتسْع خلون مِنْهُ وَالْأول أشهر وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة ومُوسَى بن عقبَة قَوْله " رَجَعَ نَاس من أَصْحَابه " أَي من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة خرج رَسُول الله ﷺ َ - والمسلمون فسلكوا على الْبَدَائِع وهم ألف رجل وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَة آلَاف فَمضى رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى نزل بِأحد وَرجع عَنهُ عبد الله ابْن أبي بن سلول فِي ثَلَاثمِائَة فَبَقيَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي سَبْعمِائة قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد أهل الْمَغَازِي أَنهم بقوا فِي سَبْعمِائة قَالَ وَالْمَشْهُور عَن الزُّهْرِيّ أَنهم بقوا فِي أَرْبَعمِائَة مقَاتل وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة وَكَانَ على خيل الْمُشْركين خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ مَعَهم مائَة فرس وَكَانَ لواؤهم مَعَ عُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة قَالَ وَلم يكن مَعَ الْمُسلمين فرس وَاحِد وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وعدة أَصْحَاب رَسُول الله سَبْعمِائة ذِرَاع وَلم يكن مَعَهم من الْخَيل سوى فرسين فرس لرَسُول الله ﷺ َ - وَفرس لأبي بردة قَوْله " قَالَت فرقة نقتلهم " أَي نقْتل الراجعين وَقَالَت فرقة لَا نقتلهم فَلَمَّا اخْتلفُوا أنزل الله تَعَالَى ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين وَالله أركسهم بِمَا كسبوا أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا﴾ وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي النِّسَاء وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نُزُولهَا فَقيل فِي هَؤُلَاءِ الَّذين رجعُوا من غَزْوَة أحد بعد أَن خَرجُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - وَقيل فِي قوم استئذنوا رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْخُرُوج إِلَى البدو معتلين باجتواء الْمَدِينَة فَلَمَّا خَرجُوا لم يزَالُوا راحلين مرحلة حَتَّى لَحِقُوا بالمشركين فَاخْتلف الْمُسلمُونَ فيهم فَقَالَ بَعضهم هم كفار وَقَالَ بَعضهم هم مُسلمُونَ وَقيل كَانُوا قوما هَاجرُوا من مَكَّة ثمَّ بدا لَهُم فَرَجَعُوا وَكَتَبُوا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - إِنَّا على دينك وَمَا أخرجنَا إِلَّا اجتواء الْمَدِينَة والاشتياق إِلَى بلدنا وَقيل هم العرنيون الَّذين أَغَارُوا على السَّرْح وَقتلُوا يسارا وَقيل هم قوم أظهرُوا الْإِسْلَام وقعدوا عَن الْهِجْرَة
стр. 3050
وَقَالَ زيد بن أسلم عَن ابْن سعد بن معَاذ أَنَّهَا نزلت فِي تقاول الْأَوْس والخزرج فِي شَأْن عبد الله بن أبي حِين استعذر مِنْهُ رَسُول الله ﷺ َ - على الْمِنْبَر فِي قَضِيَّة الْإِفْك وَهَذَا غَرِيب قَوْله ﴿فَمَا لكم﴾ يَعْنِي مَا لكم اختلفتم فِي شَأْن قوم نافقوا نفَاقًا ظَاهرا وتفرقتم فِيهِ فرْقَتَيْن وَمَا لكم لم تثبتوا القَوْل فِي كفرهم وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فئتين نصب على الْحَال كَقَوْلِك مَا لَك قَائِما قَوْله ﴿وَالله أركسهم﴾ أَي ردهم فِي حكم الْمُشْركين كَمَا كَانُوا قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَي أوقفهم وأوقعهم فِي الْخَطَأ وَقَالَ قَتَادَة أهلكهم وَقَالَ السّديّ أضلهم قَوْله ﴿بِمَا كسبوا﴾ أَي بِسَبَب عصيانهم ومخالفتهم الرَّسُول واتباعهم الْبَاطِل ﴿أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله﴾ أَي من جعله من جملَة الضلال وقرىء ركسهم قَوْله (فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا) أَي لَا طَرِيق لَهُ إِلَى الْهدى وَلَا مخلص لَهُ إِلَيْهِ قَوْله " إِنَّهَا " أَي أَن الْمَدِينَة تَنْفِي الرِّجَال جمع رجل وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد عَن شرارهم وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الدَّجَّال بِالدَّال وَالْجِيم الْمُشَدّدَة قيل هُوَ تَصْحِيف وَالْمَقْصُود من النَّفْي الْإِظْهَار والتمييز بِقَرِينَة الْمُشبه بِهِ وَفِيه من الْفِقْه أَن من عقد على نَفسه أَو على غَيره عهدا لله تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حلّه لِأَن فِي حلّه خُرُوجًا عَمَّا عقد وَفِيه أَن الارتداد عَن الْهِجْرَة من أكبر الْكَبَائِر وَلذَلِك دَعَا لَهُم ﷺ َ - فَقَالَ " اللَّهُمَّ امْضِ لِأَصْحَابِي هجرتهم وَلَا تردهم على أَعْقَابهم " وَفِيه جَوَاز ضرب الْمثل وَفِيه أَن النَّفْي كَالْقَتْلِ -
٠١ - (بابٌ المَدِينَةُ تَنْفي الخَبَثَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث أَي: تطرده وتخرجه.
٣٨٨١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ أعْرَابِيٌ لِلنَّبيِّ ﷺ فبَايَعَهُ عَلَى الإسلامِ فَجاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُوما فَقَالَ أقِلْنِي فَأبى ثَلاثَ مِرَارٍ فَقَالَ المَدِينَةُ كالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا ويَنْصَعُ طِيبُها..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كالكير تَنْفِي خبثها) ، وَعَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر فِي فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْمهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن أبي نعيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.
قَوْله: (عَن جَابر) ، وَقع فِي الْأَحْكَام من وَجه آخر عَن ابْن الْمُنْكَدر، قَالَ: سَمِعت جَابِرا. قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) : إِنَّه قيس بن أبي حَازِم، قيل: هُوَ مُشكل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ كَبِير مَشْهُور، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجر فَوجدَ النَّبِي ﷺ قد مَاتَ، وَفِي (الذيل) لأبي مُوسَى: فِي الصَّحَابَة قيس بن أبي حَازِم الْمنْقري، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ هَذَا، قَوْله: (فَبَايعهُ على الْإِسْلَام) ، من الْمُبَايعَة، وَهِي عبارَة عَن المعاقدة على الْإِسْلَام والمعاهدة، كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده مَا صَاحبه وَأَعْطَاهُ خُلَاصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره. قَوْله: (محموما) ، نصب على الْحَال من: حم الرجل من الْحمى، وأحمه الله فَهُوَ مَحْمُوم، وَهُوَ من الشواذ. قَوْله: (أَقلنِي) من الْإِقَالَة أَي: أَقلنِي من الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: امْتنع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ . قَوْله: (ثَلَاث مرار) يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد من قَوْله: (فَقَالَ) ، وَقَوله: (فَأبى) وَهُوَ من تنَازع العاملين فِيهِ. قَوْله: (فَقَالَ: الْمَدِينَة) أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره. قَوْله: (ينصع) ، بِفَتْح يَاء المضارعة وَسُكُون النُّون وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي آخِره عين مُهْملَة من النصوع، وَهُوَ الخلوص، والناصع الْخَالِص. قَوْله: (طيبها) ، بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل. لقَوْله: (ينصع) ، لِأَن النصوع لَازم، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: ينصع، بِضَم الْيَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الصَّاد من التنصيع، وَقَوله: (طيبها) ، بتَشْديد الْيَاء مَفْعُوله بِالنّصب، هَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: من التنصيع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من الإنصاع من: بَاب الافعال، وَسَوَاء كَانَ من التنصيع أَو الإنصاع فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَلذَلِك نصب: طيبها. فَافْهَم. وَقَالَ الْقَزاز: قَوْله: (ينصع) لم أجد لَهُ فِي الطّيب وَجها، وَإِنَّمَا الْكَلَام: يتضوع طيبها أَي: يفوح، وَقَالَ: ويروى: (ينضخ) بضاد وخاء معجمتين، قَالَ: ويروى بحاء مُهْملَة، وَهُوَ أقل من النضخ، يَعْنِي بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : يبضع، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: من أبضعة بضَاعَة إِذا دَفعهَا إِلَيْهِ، مَعْنَاهُ: أَن الْمَدِينَة تُعْطِي طيبها لمن سكنها. ورد عَلَيْهِ الصَّاغَانِي بِأَن قَالَ: وَقد خَالف الزَّمَخْشَرِيّ بِهَذَا القَوْل جَمِيع الروَاة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَشْهُور بالنُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة. فَإِن قلت: لما قَالَ الْأَعرَابِي أَقلنِي لِمَ لَمْ يُقِلْهُ؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا يجوز لمن أسلم أَن يتْرك الْإِسْلَام، وَلَا لمن هَاجر إِلَى النَّبِي، ﷺ ، أَن يتْرك الْهِجْرَة وَيذْهب إِلَى وَطنه، وَهَذَا الْأَعرَابِي كَانَ مِمَّن هَاجر وَبَايع النَّبِي، ﷺ ، على الْمقَام عِنْده، قَالَ عِيَاض: وَيحْتَمل أَن بيعَته كَانَت بعد الْفَتْح وَسُقُوط الْهِجْرَة إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَايع على الْإِسْلَام وَطلب الْإِقَالَة فَلم يقلهُ، وَقَالَ ابْن بطال: وَالدَّلِيل على أَنه لم يرد الإرتداد عَن الْإِسْلَام أَنه لم يرد حل مَا عقده إلَاّ بموافقة النَّبِي ﷺ على ذَلِك، وَلَو كَانَ خُرُوجه عَن الْمَدِينَة خُرُوجًا عَن الْإِسْلَام لقَتله حِين ذَاك، وَلكنه خرج عَاصِيا. وَرَأى أَنه مَعْذُور لما نزل بِهِ من الْحمى، وَلَعَلَّه لم يعلم أَن الْهِجْرَة فرض عَلَيْهِ، وَكَانَ من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: ﴿وأجدر ألَاّ يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله﴾ (التَّوْبَة: ٧٩) . فَإِن قلت: إِن الْمُنَافِقين قد سكنوا الْمَدِينَة وماتوا فِيهَا وَلم تنفهم؟ قلت: كَانَت الْمَدِينَة دَارهم أصلا وَلم يسكنوها بِالْإِسْلَامِ وَلَا حباله، وَإِنَّمَا سكنوها لما فِيهَا من أصل معاشهم، وَلم يرد ﷺ بِضَرْب الْمثل إلَاّ من عقد الْإِسْلَام رَاغِبًا فِيهِ ثمَّ خبث قلبه.
١٠ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب قد ذكرنَا أَن هَذَا بِمَعْنى فصل، وَقد ذكرنَا أَن الْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، والأبواب تجمع الْفُصُول، وَهَكَذَا بَاب بِلَا تَرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر. فَإِن قلت: إِذا ذكر بَاب، هَكَذَا مُجَردا بِمَعْنى الْفَصْل فَيَنْبَغِي أَن يكون للمذكور بعده نوع تعلق بِمَا قبله. قلت: الْمَذْكُور فِيهِ حديثان عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَتعلق الحَدِيث الأول من حَيْثُ أَن الدُّعَاء بِتَضْعِيف الْبركَة وتكثيرها يَقْتَضِي تقليل مَا يضادها، فَنَاسَبَ ذَلِك نفي الْخبث، وَتعلق الحَدِيث الثَّانِي من حَيْثُ أَن حب الرَّسُول ﷺ للمدينة يُنَاسب طيب ذَاتهَا وَأَهْلهَا.
٥٨٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ سَمِعْتُ يُونُسَ عَن ابنِ شِهَابٍ عنْ أنسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ.
وَجه الْمُطَابقَة قد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَأَبُو وهب هُوَ جرير بن حَازِم، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَن وهب.
قَوْله: (ضعْفي مَا جعلت) ، تَثْنِيَة ضعف بِالْكَسْرِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: ضعف الشَّيْء مثله، وضعفاه مثلاه، وَقَالَ الْفُقَهَاء: ضعفه مثلاه، وضعفاه ثَلَاثَة أَمْثَاله. قَوْله: (من الْبركَة) ، أَي: كَثْرَة الْخَيْر، وَالْمرَاد بركَة الدُّنْيَا بِدَلِيل قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا) . فَإِن قلت: اللَّفْظ أَعم من ذَلِك، فَيَقْتَضِي أَن تكون الصَّلَاة بِالْمَدِينَةِ ضعْفي ثَوَاب الصَّلَاة بِمَكَّة؟ قلت: وَلَئِن سلمنَا عُمُوم اللَّفْظ لكنه مُجمل فبينه بقوله: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا) . أَن المُرَاد الْبركَة الدُّنْيَوِيَّة، وَخص الصَّلَاة وَنَحْوهَا بِالدَّلِيلِ الْخَارِجِي. فَإِن قلت: الِاسْتِدْلَال بِهِ على تَفْضِيل الْمَدِينَة على مَكَّة ظَاهر؟ قلت: نعم ظَاهر من هَذِه الْجِهَة، وَلَكِن لَا يلْزم من حُصُول أَفضَلِيَّة الْمَفْضُول فِي شَيْء من الْأَشْيَاء ثُبُوت الْأَفْضَلِيَّة على الْإِطْلَاق، فَإِن قلت: فعلى هَذَا يلْزم أَن يكون الشَّام واليمن أفضل من مَكَّة لقَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (أللهم بَارك لنا فِي شامنا، وأعادها ثَلَاثًا) ؟ قلت: التَّأْكِيد لَا يسْتَلْزم التكثير الْمُصَرّح بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ ابْن حزم: لَا حجَّة فِي حَدِيث الْبَاب لَهُم، لِأَن تَكْثِير الْبركَة بهَا لَا يسْتَلْزم الْفضل فِي أُمُور الْآخِرَة، ورده القَاضِي عِيَاض بِأَن الْبركَة أَعم من أَن تكون فِي أَمر الدّين أَو الدُّنْيَا لِأَنَّهَا بِمَعْنى النَّمَاء. وَالزِّيَادَة، فَأَما فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة فَلَمَّا يتَعَلَّق بهَا من حق الله تَعَالَى من الزكوات وَالْكَفَّارَات، وَلَا سِيمَا فِي وُقُوع
следующие страницы →