← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتادَةَ عَلَى الحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْها أَتَانَا فنَزَلُوا فأكلُوا مِنْ لَحْمِهَا وقالُوا أنأكُلُ لَحمَ صَيْدٍ ونَحْنُ محْرِمُونَ فحَمَلْنا مَا بَقِي مِنْ لَحمِ الأتانِ فلَمَّا أتَوْا رسولَ الله ﷺ قالُوا يَا رسولَ الله إنَّا كُنَّا أحْرَمْنَا وقَدْ كانَ أبُو قَتَادةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فحَمَلَ عَلَيْهَا أبُو قَتادَةَ فعَقَرَ مِنْهَا أَتَانَا فنَزَلْنَا فأكلْنا منْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أنأكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ فحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قَالَ أمِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها أوْ أشَارَ إلَيْهَا قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو أَشَارَ إِلَيْهَا) ، وَالْمَفْهُوم مِنْهُ أَن إِشَارَة الْمحرم للْحَلَال إِلَى الصَّيْد ليصطاده لَا تجوز، فَلَو أَشَارَ لَهُ وَقتل صيدا لَا يجوز للْمحرمِ أَن يَأْكُل مِنْهُ، وَقد ذكرنَا مَا فِيهِ من الْخلاف. ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل هُوَ الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة بِالْفَتْح هُوَ الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَعُثْمَان هُوَ ابْن عبد الله بن وهب، بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء: الْأَعْرَج الطلحي، وَقد مر فِي أول الزَّكَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة بدل عُثْمَان: غَسَّان، وَهُوَ خطأ قطعا. قلت: هُوَ من الْكَاتِب، فَإِنَّهُ طمس الْمِيم فَصَارَ عُثْمَان غسانا، وَعُثْمَان هَذَا تَابِعِيّ ثِقَة، روى عَنَّا عَن تَابِعِيّ. قَوْله: (خرج حَاجا) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا غلط، فَإِن الْقِصَّة كَانَت فِي عمْرَة، وَأما الْخُرُوج إِلَى الْحَج فَكَانَ فِي خلق كثير، وَكَانُوا كلهم على الجادة لَا على سَاحل الْبَحْر، وَلَعَلَّ الرَّاوِي أَرَادَ: خرج محرما فَعبر عَن الْإِحْرَام بِالْحَجِّ غَلطا. وَقَالَ بَعضهم: لَا غلط فِي ذَلِك، بل هُوَ من الْمجَاز السائغ، وَأَيْضًا فالحج فِي الأَصْل قصد الْبَيْت، فَكَأَنَّهُ قَالَ: خرج قَاصِدا للبيت، وَلِهَذَا يُقَال للْعُمْرَة الْحَج الْأَصْغَر. قلت: لَا نسلم أَنه من الْمجَاز، فَإِن الْمجَاز لَا بُد لَهُ من علاقَة، وَمَا العلاقة هَهُنَا؟ وَكَون معنى الْحَج فِي الأَصْل قصدا لَا يكون علاقَة لجَوَاز ذكر الْحَج، وَإِرَادَة الْعمرَة، فَإِن كل فعل مُطلقًا لَا بُد فِيهِ من معنى الْقَصْد، ثمَّ أيد هَذَا الْقَائِل كَلَامه بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن أبي عوَانَة بِلَفْظ: (خرج حَاجا أَو مُعْتَمِرًا) . انْتهى. وَأَبُو عوَانَة شكّ، وبالشك لَا يثبت مَا ادَّعَاهُ من الْمجَاز، على أَن يحيى بن أبي كثير الَّذِي هُوَ أحد رُوَاة حَدِيث أبي قَتَادَة قد جزم بِأَن ذَلِك كَانَ فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (فيهم أَبُو قَتَادَة) ، من بَاب التَّجْرِيد، وَكَذَا قَوْله: (إلَاّ أَبُو قَتَادَة) ، لِأَن مُقْتَضى الْكَلَام أَن يُقَال: وَأَنا فيهم، وإلَاّ أَنا، وَلَا يَنْبَغِي إِن يَجْعَل هَذَا من قَول ابْن أبي قَتَادَة، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم أَن يكون الحَدِيث مُرْسلا. قَوْله: (إلَاّ أَبُو قَتَادَة) ، هَكَذَا هُوَ بِالرَّفْع عِنْد الْأَكْثَرين، وَعند الْكشميهني (إلَاّ أَبُو قَتَادَة) بِالنّصب، وَكَذَا وَقع عِنْد مُسلم بِالنّصب، وَقَالَ ابْن مَالك: حق الْمُسْتَثْنى بإلَاّ من كَلَام تَامّ مُوجب أَن ينصب مُفردا، كَانَ، أَو مكملاً مَعْنَاهُ بِمَا بعده، فالمفرد نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إلَاّ الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: ٧٦) . والمكمل نَحْو: ﴿إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إلَاّ امرأَتَه قَدرنَا أَنَّهَا لمن الغابرين﴾ (الْحجر: ٩٥، ٠٦) . وَلَا يعرف أَكثر المتأخيرن من الْبَصرِيين فِي هَذَا النَّوْع إلَاّ النصب، وَقد اغفلوا وُرُوده مَرْفُوعا مَعَ ثُبُوت الْخَبَر وَمَعَ حذفه، فَمن أَمْثِلَة الثَّابِت الْخَبَر قَول ابْن أبي قَتَادَة: (أَحْرمُوا كلهم إلَاّ أَبُو قَتَادَة لم يحرم) ، فإلَاّ بِمَعْنى: لَكِن، وَأَبُو قَتَادَة مُبْتَدأ، و: لم يحرم، خَبره، وَنَظِيره من كتاب الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إلَاّ امْرَأَتك أَنه مصيبها مَا أَصَابَهُم﴾ (هود: ١٨) . فَإِنَّهُ لَا يَصح أَن يَجْعَل: امْرَأَتك، بَدَلا من: أحد، لِأَنَّهَا لم تسر مَعَهم فيتضمنها ضمير المخاطبين، وتكلف بَعضهم بِأَنَّهُ، وَإِن لم يسر بهَا، لَكِنَّهَا شَعرت بِالْعَذَابِ فتبعتهم ثمَّ التفتت فَهَلَكت. قَالَ: وَهَذَا على تَقْدِير صِحَّته لَا يُوجب دُخُولهَا فِي المخاطبين، وَمن أَمْثِلَة الْمَحْذُوف الْخَبَر قَوْله ﷺ : (كل أمتِي معافىً إلَاّ المجاهرون) . أَي: لَكِن المجاهرون بِالْمَعَاصِي لَا يعافون، وَمِنْه من كتاب الله تَعَالَى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ (الْبَقَرَة: ٩٤٢) . أَي: لَكِن قَلِيل مِنْهُم لم يشْربُوا، قَالَ: وللكوفيين فِي هَذَا الثَّانِي مَذْهَب آخر، وَهُوَ أَن يجْعَلُوا الأحرف عطف وَمَا بعْدهَا مَعْطُوفًا على مَا قبلهَا. انْتهى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو هُوَ، أَي: الرّفْع على مَذْهَب من جوز أَن يُقَال: عَليّ بن أَبُو طَالب. قَوْله: (حمر وَحش) ، الْحمر بِضَمَّتَيْنِ جمع: حمَار. قَوْله: (أَتَانَا) هَذَا بَين أَن المُرَاد بالحمار فِي سَائِر الرِّوَايَات الْأُنْثَى مِنْهُ. قَوْله: (فحملنا مَا بَقِي من لحم الأتان) ، وَفِي رِوَايَة أبي حَازِم فِي: بَاب الْهِبَة، سَيَأْتِي: (فرحنا وخبأت الْعَضُد معي) ، وَفِيه: (مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء؟ فناولته الْعَضُد فَأكلهَا حَتَّى تعرقها) . وللبخاري أَيْضا فِي الْجِهَاد سَيَأْتِي: (مَعنا رجله، فَأخذ فَأكلهَا) . وَفِي رِوَايَة الْمطلب: (قد رفعنَا لَك الذِّرَاع، فَأكل مِنْهَا) . قَوْله: (مِنْكُم أحد أمره؟) أَي: أمنكم أحد أمره؟ أَي: أَمر

стр. 2977

أَبَا قَتَادَة، ويروى: (أمنكم؟) بِإِظْهَار همزَة الِاسْتِفْهَام، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (هَل مِنْكُم أحد أمره أَو أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْء؟) وَلمُسلم فِي رِوَايَته من طَرِيق شُعْبَة عَن عُثْمَان: (هَل أشرتم أَو أعنتم أَو اضطررتم؟) وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من هَذَا الْوَجْه: (هَل أشرتم أَو اصطدتم أَو قتلتم؟) . قَوْله: (فَكُلُوا) ، قد ذكرنَا أَن الْأَمر للْإِبَاحَة لَا للْوُجُوب، وَلم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة أَنه، ﷺ ، أكل من لَحمهَا، وَذكره فِي روايتي أبي حَازِم عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة كَمَا ترَاهُ، وَلم يذكر ذَلِك من الروَاة عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة غَيره، وَوَافَقَهُ صَالح بن حسان عِنْد أَحْمد وَأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأبي عوَانَة، وَلَفظه: (فَقَالَ: كلوا وأطعموا) . فَإِن قلت: روى إِسْحَاق وَابْن خُزَيْمَة وَالدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة معمر عَن يحيى بن أبي كثير هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ فِي آخِره: (فَذكرت شَأْنه لرَسُول الله ﷺ وَقلت: إِنَّمَا اصطدته لَك! فَأمر أَصْحَابه، فأكلوه وَلم يَأْكُل مِنْهُ حِين أخْبرته أَنِّي اصطدت لَهُ) . فَهَذِهِ الرِّوَايَة تضَاد روايتي أبي حَازِم. قلت: قَالَ ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو بكر النَّيْسَابُورِي وَالدَّارَقُطْنِيّ والجوزقي، تفرد بِهَذِهِ الزِّيَادَة معمر، فَإِن كَانَت هَذِه الزِّيَادَة مَحْفُوظَة تحمل على أَنه ﷺ أكل من لحم ذَلِك الْحمار قبل أَن يُعلمهُ أَبُو قَتَادَة أَنه اصطاده لأَجله، فَلَمَّا أعلمهُ بذلك امْتنع. فَإِن قلت: الرِّوَايَات متظاهرة بِأَن الَّذِي تَأَخّر من الْحمار هُوَ الْعَضُد، وَأَنه ﷺ أكلهَا حَتَّى تغرقها، أَي: لم يبْق مِنْهَا إلَاّ الْعظم، وَوَقع للْبُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة، ستأتي: (حَتَّى نفدها) ، أَي فرغها) فَأَي شَيْء بَقِي مِنْهَا حِينَئِذٍ حَتَّى يَأْمر أَصْحَابه بِالْأَكْلِ؟ قلت: فِي رِوَايَة أبي مُحَمَّد فِي الصَّيْد ستأتي: (أُبْقِي مَعكُمْ شَيْء؟ قلت: نعم، فَقَالَ: كلوا فَهُوَ طعمة أطعمكموها الله) ، وَهَذَا يشْعر بِأَنَّهُ بَقِي مِنْهَا شَيْء غير الْعَضُد. وَفِيه من الْفَوَائِد: تَفْرِيق الإِمَام أَصْحَابه للملحة، وَاسْتِعْمَال الطليعة فِي الْغَزْو. وَفِيه: جَوَاز صيد الْحمار الوحشي. وَجَوَاز أحكل الْمحرم من لحم الصَّيْد الَّذِي اصطاده الْحَلَال إِذا لم يدل عَلَيْهِ وَلم يشر إِلَيْهِ وَلم يَعْنِي صائده وَفِيه: أَن عقر الصَّيْد ذَكَاته. وَفِيه: جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ اجْتِهَاد بِالْقربِ من النَّبِي ﷺ لَا فِي حَضرته، وَفِيه الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد، وَلَو تضَاد المجتهدان، وَلَا يعاب وَاحِد مِنْهُمَا على ذَلِك. ٦ - (بابٌ إذَا أهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارا وَحْشِيا حَيّا لَمْ يَقْبَلْ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أهْدى الْحَلَال للْمحرمِ حمارا وحشيا. قَوْله: (حَيا) ، صفة لحِمَار بعد صفة، وَلَيْسَت هَذِه الصّفة بموجودة فِي أَكثر النّسخ، وَقَالَ بَعضهم: كَذَا قَيده فِي التَّرْجَمَة بِكَوْنِهِ حَيا، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه كَانَ مذبوحا موهومة. انْتهى. قلت: لم يذكر هَذَا الْقَيْد فِي حَدِيث الْبَاب صَرِيحًا، وَلَكِن قَوْله: (أهدي لرَسُول الله ﷺ حمارا وحشيا) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْحمار حَيا، وَيحْتَمل أَن يكون مذبوحا، وَلَكِن مُسلما صرح فِي إِحْدَى رواياته عَن الزُّهْرِيّ: من لحم حمَار وَحش، وَفِي رِوَايَة مَنْصُور عَن الحكم: (أهْدى رجل حمَار وَحش) . وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن الحكم: (عجز حمَار وَحش يقطر دَمًا) ، وَفِي رِوَايَة زيد بن أَرقم: أهدي لَهُ عُضْو من لحم صيد، وَهَذِه الرِّوَايَات كلهَا تدل على أَن الْحمار غير حَيّ، فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه كَانَ مذبوحا موهومة. قَوْله: (لم يقبلْ) ، بِمَعْنى: لَا يقبل. ٤٠٠ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن عبد الله بن عَبَّاس عَن الصعب بن جثامة اللَّيْثِيّ أَنه أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - حمارا وحشيا وَهُوَ بالأبواء أَو بودان فَرده عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجهه قَالَ إِنَّا لم نرده عَلَيْك إِلَّا أَنا حرم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - " إِلَى قَوْله " فَرده عَلَيْهِ ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبد الله بن يُوسُف التنيسِي وَمَالك بن أنس وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابْن وتكبير الْأَب وَعبد الله بن عَبَّاس وَكلهمْ قد ذكرُوا غير مرّة. السَّادِس الصعب ضد السهل ابْن جثامة بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة

стр. 2978

ابْن قيس اللَّيْثِيّ الْحِجَازِي أَخُو محلم بن جثامة مَاتَ فِي خلَافَة أبي بكر الصّديق ﵁ وَكَانَ ينزل أَرض ودان بِأَرْض الْحجاز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَفِيه الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَهُوَ من مُسْند الصعب إِلَّا أَنه وَقع فِي موطأ ابْن وهب عَن ابْن عَبَّاس أَن الصعب بن جثامة أهْدى فَجعله من مُسْند ابْن عَبَّاس وَكَذَا أخرجه مُسلم من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أهْدى لَهُ الصعب وَكَذَا رَوَاهُ مُجَاهِد عَن ابْن أبي شيبَة وَعند مُسلم أَيْضا من حَدِيث طَاوس قَالَ قدم زيد بن أَرقم فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس يستذكره كَيفَ أَخْبَرتنِي عَن لحم صيد أهدي إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ حرَام قَالَ أهدي لَهُ عضد من لحم صيد فَرده قَالَ إِنَّا لَا نأكله إِنَّا حرم " فَجعله من مُسْند طَاوس عَن زيد وَالْمَحْفُوظ هُوَ الأول وَسَيَأْتِي فِي كتاب الْهِبَة للْبُخَارِيّ من بُخَارى من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله أَن ابْن عَبَّاس أخبرهُ أَنه سمع الصعب وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - يخبر أَنه أهْدى لَهُ وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَن ابْن شهَاب كَمَا رَوَاهُ مَالك وَمعمر وَابْن جريج وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث وَصَالح بن كيسَان وَابْن أخي ابْن شهَاب وَاللَّيْث وَيُونُس وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة كلهم قَالَ فِيهِ " أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - حمَار وَحش " كَمَا قَالَ مَالك وَخَالفهُم ابْن عُيَيْنَة وَابْن اسحق فَقَالَا " أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - لحم حمَار وَحش " قَالَ ابْن جريج فِي حَدِيثه قلت لِابْنِ شهَاب الْحمار عقير قَالَ لَا أَدْرِي فقد بَين ابْن جريج أَن ابْن شهَاب شكّ فَلم يدر أَكَانَ عقيرا أم لَا إِلَّا أَن فِي مساق حَدِيثه " أهديت لرَسُول الله ﷺ َ - حمَار وَحش فَرده عَليّ " وروى القَاضِي إِسْمَاعِيل عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن صَالح بن كيسَان عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس " عَن الصعب أَن رَسُول الله ﷺ َ - أقبل حَتَّى إِذا كَانَ بِقديد أهدي إِلَيْهِ بعض حمَار فَرده وَقَالَ إِنَّا حرم لَا نَأْكُل الصَّيْد " هَكَذَا قَالَ عَن صَالح عَن عبيد الله وَلم يذكر ابْن شهَاب وَقَالَ بعض حمَار وَحش وَعند حَمَّاد بن زيد فِي هَذَا أَيْضا عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس " عَن الصعب أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ َ - بِحِمَار وَحش " وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح عَن ابْن شهَاب كَمَا قدمنَا وَهُوَ أولى بِالصَّوَابِ عِنْد أهل الْعلم وَقَالَ الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث مُضْطَرب قد رَوَاهُ قوم على مَا ذكرنَا وَالَّذِي ذكره هُوَ قَوْله حَدثنَا يُونُس قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عَبَّاس " عَن الصعب بن جثامة قَالَ مر بِي رَسُول الله ﷺ َ - وَأَنا بالأبواء أَو بودان فأهديت لحم حمَار وَحش فَرده عَليّ فَلَمَّا رأى الْكَرَاهَة فِي وَجْهي قَالَ لَيْسَ بِنَا رد عَلَيْك وَلَكنَّا حرم " قَالَ وَرَوَاهُ آخَرُونَ فَقَالُوا " إِنَّمَا أهْدى إِلَيْهِ حمارا وحشيا " ثمَّ رَوَاهُ بِسَنَدِهِ " أَن الْحمار كَانَ مذبوحا " وروى أَيْضا أَنه " كَانَ عجز حمَار وَحش أَو فَخذ حمَار " وروى أَيْضا " عجز حمَار وَحش وَهُوَ بِقديد يقطر دَمًا فَرده " ثمَّ قَالَ فقد اتّفقت الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث الصعب عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي رده الْهَدِيَّة عَلَيْهِ أَنَّهَا كَانَت فِي لحم صيد غير حَيّ فَذَلِك حجَّة لمن كره للْمحرمِ أكل لحم الصَّيْد وَإِن كَانَ الَّذِي تولى صَيْده وذبحه حَلَال وَقَالَ ابْن بطال اخْتِلَاف رِوَايَات حَدِيث الصعب تدل على أَنَّهَا لم تكن قَضِيَّة وَاحِدَة وَإِنَّمَا كَانَت قضايا فَمرَّة أهْدى إِلَيْهِ الْحمار كُله وَمرَّة عَجزه وَمرَّة رجله لِأَن مثل هَذَا لَا يذهب على الروَاة ضَبطه حَتَّى يَقع فِيهِ التضاد فِي النَّقْل والقصة وَاحِدَة وَقَالَ الطَّبَرِيّ بوب البُخَارِيّ على هَذَا الحَدِيث وَفهم مِنْهُ الْحَيَاة وَالرِّوَايَات الْأُخَر تدل على أَنه كَانَ مَيتا وَأَنه أَتَاهُ بعضو مِنْهُ وَطَرِيق الْجمع أَنه جَاءَ بالحمار مَيتا فَوَضعه بِقرب النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ قطع مِنْهُ ذَلِك الْعُضْو فَأَتَاهُ بِهِ فَصدق اللفظان أَو يكون أطلق اسْم الْحمار وَهُوَ يُرِيد بعضه وَهَذَا من بَاب التَّوَسُّع وَالْمجَاز أَو نقُول أَن الْحمار كَانَ حَيا فَيكون قد أَتَاهُ بِهِ فَلَمَّا رده وَأقرهُ بِيَدِهِ ذكاه ثمَّ أَتَاهُ بالعضو الْمَذْكُور وَلَعَلَّ الصعب ظن أَنه إِنَّمَا رده لِمَعْنى يخص الْحمار بجملته فَلَمَّا جَاءَ بجزئه أعلمهُ بامتناعه أَن حكم الْجُزْء من الصَّيْد لَا يحل للْمحرمِ وقبوله وَلَا تملكه (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَعَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَعَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَعَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح ثَلَاثَتهمْ عَن

стр. 2979

اللَّيْث وَعَن عمر بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن هِشَام بن عمار وَابْن أبي شيبَة. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - " الأَصْل فِي أهْدى التَّعَدِّي بإلى وَقد تعدى بِاللَّامِ وَيكون بِمَعْنَاهُ قيل أَن يحْتَمل أَن تكون اللَّام بِمَعْنى أجل وَهُوَ ضَعِيف قَوْله " وَهُوَ بالأبواء " جملَة وَقعت حَالا والأبواء بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد جبل من عمل الْفَرْع بِضَم الْفَاء بَينهمَا وَبَين الْجحْفَة مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ميلًا وَفِي الْمطَالع سميت بذلك لما فِيهَا من الوباء وَلَو كَانَ كَمَا قيل لقيل الْأَبْوَاء أَو يكون مقلوبا مِنْهُ وَبِه توفيت أم رَسُول الله ﷺ َ - وَالصَّحِيح أَنَّهَا سميت بذلك لتبوء السُّيُول بهَا قَالَه ثَابت قَوْله " أَو بودان " شكّ من الرَّاوِي وبالشك جزم أَكثر الروَاة وَجزم ابْن اسحق وَصَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ " بودان " وَجزم معمر وَعبد الرَّحْمَن بن اسحق وَمُحَمّد بن عَمْرو بالأبواء وَالظَّاهِر أَن الشَّك فِيهِ من ابْن عَبَّاس لِأَن الطَّبَرَانِيّ أخرج الحَدِيث من طَرِيق عَطاء عَنهُ على الشَّك أَيْضا وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون مَوضِع بِقرب الْجحْفَة وَيُقَال هُوَ قَرْيَة جَامِعَة من نَاحيَة الْفَرْع بَينه وَبَين الْأَبْوَاء ثَمَانِيَة أَمْيَال ينْسب إِلَيْهِ الصعب بن جثامة اللَّيْثِيّ الوداني وَفِي الْمطَالع هُوَ من عمل الْفَرْع بَينه وَبَين هرشي نَحْو سِتَّة أَمْيَال قَوْله " فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجهه " وَفِي رِوَايَة شُعَيْب " فَلَمَّا عرف فِي وَجْهي رده هديتي " وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ عِنْد التِّرْمِذِيّ " فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجهه من الْكَرَاهَة " وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق ابْن جريج قَوْله " لم نردده عَلَيْك " هَذَا بفك الْإِدْغَام رِوَايَة الْكشميهني وَقَالَ عِيَاض ضَبطنَا فِي الرِّوَايَات لم نرده بِفَتْح الدَّال ورده محققوا شُيُوخنَا من أهل الْعَرَبيَّة وَقَالُوا لم نرده بِضَم الدَّال وَكَذَا وجدته بِخَط بعض الْأَشْيَاخ أَيْضا وَهُوَ الصَّوَاب عِنْدهم على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِي مثل هَذَا فِي المضاعف إِذا دخله الْهَاء أَن يضم مَا قبلهَا فِي الْأَمر وَنَحْوه من المجزوم مُرَاعَاة للواو الَّتِي توجبها ضمة الْهَاء بعْدهَا لخفاء الْهَاء فَكَأَن مَا قبلهَا ولى الْوَاو وَلَا يكون مَا قبل الْوَاو إِلَّا مضموما هَذَا فِي الْمُذكر وَأما فِي الْمُؤَنَّث مثل لم تردها فمفتوح الدَّال مُرَاعَاة للألف (قلت) فِي مثل هَذِه الصِّيغَة قبل دُخُول الْهَاء عَلَيْهَا أَرْبَعَة أوجه الْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات وَالضَّم اتبَاعا لضمة عين الْفِعْل وَالْكَسْر لِأَنَّهُ الأَصْل فِي تَحْرِيك السَّاكِن والفك وَأما بعد دُخُول الْهَاء فَيجوز فِيهِ غير الْكسر قَوْله " إِلَّا أَنا حرم " بِفَتْح الْهمزَة فِي أَنا على أَنه تعدى إِلَيْهِ الْفِعْل بِحرف التَّعْلِيل فَكَأَنَّهُ قَالَ لأَنا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي أَنا مكسور الْهمزَة لِأَنَّهَا ابتدائية وَقَالَ الْكرْمَانِي لَام التَّعْلِيل محذوفة والمستثنى مِنْهُ مُقَدّر أَي لَا نرده لعِلَّة من الْعِلَل إِلَّا لأننا حرم وَالْحرم بِضَمَّتَيْنِ جمع حرَام أَي محرمون وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة صَالح بن كيسَان " إِلَّا أَنا حرم لَا نَأْكُل الصَّيْد " وَفِي رِوَايَة سعيد عَن ابْن عَبَّاس " لَوْلَا أَنا محرمون لقبلناه مِنْك ". (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) مِنْهُ أَنه احْتج بِهِ الشّعبِيّ وَطَاوُس وَمُجاهد وَجَابِر بن زيد وَاللَّيْث بن سعد وَالثَّوْري وَمَالك فِي رِوَايَة واسحق فِي رِوَايَة على أَن الْمحرم لَا يحل لَهُ أكل صيد ذبحه حَلَال قيل لِأَنَّهُ اقْتصر فِي التَّعْلِيل على كَونه محرما فَدلَّ على أَنه سَبَب الِامْتِنَاع خَاصَّة وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَقَالَ عَطاء فِي رِوَايَة وَسَعِيد ابْن جُبَير وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة الصَّيْد الَّذِي اصطاده الْحَلَال لَا يحرم على الْمحرم وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر " عَن معَاذ بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان التَّيْمِيّ عَن أَبِيه قَالَ كُنَّا مَعَ طَلْحَة بن عبيد الله وَنحن حرم فأهدى لَهُ طير وَطَلْحَة رَاقِد فمنا من أكل وَمنا من تورع فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَة وفْق من أكله قَالَ وأكلنا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - وفْق من أكله " أَي دَعَا لَهُ بالتوفيق أَي قَالَ لَهُ وفقت أَي أصبت الْحق وَبِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلمَة وَابْن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث عَن عِيسَى بن طَلْحَة " عَن عُمَيْر بن سَلمَة عَن الْبَهْزِي أَن رَسُول الله ﷺ َ - خرج يُرِيد مَكَّة وَهُوَ محرم حَتَّى إِذا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذا حمَار وَحش عقير فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ دَعوه فَإِنَّهُ يُوشك أَن يَأْتِي صَاحبه فجَاء الْبَهْزِي وَهُوَ صَاحبه فَقَالَ يَا رَسُول الله

стр. 2980

شَأْنكُمْ بِهَذَا الْحمار فَأمر رَسُول الله ﷺ َ - أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَسمهُ بَين الرفاق ثمَّ مضى حَتَّى إِذا كَانَ بالأثاية بَين الرُّوَيْثَة وَالْعَرج إِذا ظَبْي حَاقِف فِي ظلّ وَفِيه سهم فَزعم أَن رَسُول الله ﷺ َ - أَمر رجلا يقف عِنْده لَا يرِيبهُ أحد من النَّاس حَتَّى يُجَاوِزُوهُ " ثمَّ قَالَ تَابعه يزِيد بن هَارُون عَن يحيى بِهِ وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا وَغَيره وصححوه وَأخرجه الطوسي أَيْضا محسنا وَفِيه " فَلم يلبث أَن جَاءَ رجل من طَيء فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذِه رميتي فشأنك بهَا " وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا وَلَفظه " فَإِذا هُوَ بِحِمَار وَحش عقير فِيهِ سهم وَهُوَ حَيّ قد مَاتَ " وَلَفظه أَيْضا " إِذا هُوَ بِظَبْيٍ مستظل فِي حقف جبل فِيهِ سهم وَهُوَ حَيّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لرجل قف هَهُنَا لَا يرِيبهُ أحد حَتَّى يمْضِي الرفاق " قلت عُمَيْر بن سَلمَة لَهُ صُحْبَة والبهزي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا الزَّاي نِسْبَة إِلَى بهز هُوَ تيم بن امريء الْقَيْس بن بهتة بن سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان وَقَالَ أَبُو عمر اسْمه زيد بن كَعْب السّلمِيّ ثمَّ الْبَهْزِي. قَوْله بِالرَّوْحَاءِ هُوَ مَوضِع بَينه وَبَين الْمَدِينَة ميل وَفِي حَدِيث جَابر " إِذا أذن الْمُؤَذّن هرب الشَّيْطَان بِالرَّوْحَاءِ " وَهِي من الْمَدِينَة يكون ميلًا رَوَاهُ أَحْمد وَقَالَ أَبُو عَليّ القالي فِي كتاب الْمَمْدُود والمقصور الروحاء مَوضِع على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة وَفِي الْمطَالع الروحاء من عمل الْفَرْع على نَحْو من أَرْبَعِينَ ميلًا وَفِي مُسلم على سِتَّة وَثَلَاثِينَ وَفِي كتاب ابْن أبي شيبَة على ثَلَاثِينَ. قَوْله " بالأثاية " بِفَتْح الْهمزَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة مَوضِع بطرِيق الْجحْفَة بَينه وَبَين الْمَدِينَة سَبْعَة وَسَبْعُونَ ميلًا وَرَوَاهُ بَعضهم بِكَسْر الْهمزَة وَبَعْضهمْ يَقُول الأثاثة بثاءين وَبَعْضهمْ الأثانة بالنُّون بعد الْألف وَالصَّوَاب بِالْفَتْح وَالْكَسْر والرويثة بِضَم الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره هَاء وَهُوَ منزل بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَالْعَرج بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء وبالجيم قَرْيَة جَامِعَة من عمل الْفَرْع على نَحْو من ثَمَانِيَة وَسبعين ميلًا من الْمَدِينَة وَهُوَ أول تهَامَة. قَوْله " حَاقِف " أَي نَائِم قد انحنى فِي نَومه والحقف بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف مَا اعوج من الرمل واستطال وَيجمع على أحقاف قَوْله " لَا يرِيبهُ أحد " أَي لَا يتَعَرَّض لَهُ أحد ويزعجه وَأَصله من رَابَنِي الشَّيْء وأرابني إِذا شككني وَأَجَابُوا عَن حَدِيث الْبَاب بِمَا ذَكرْنَاهُ عَن الطَّحَاوِيّ عَن قريب وَقَالَ عَطاء فِي رِوَايَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد واسحق وَأَبُو ثَوْر الصَّيْد الَّذِي لأجل الْمحرم حرَام على الْمحرم لم يجز أكله وَمَا لم يصد من أَجله جَازَ لَهُ أكله وروى هَذَا القَوْل عَن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب يَعْنِي الإسْكَنْدراني الْقَارِي عَن عَمْرو عَن الْمطلب " عَن جَابر بن عبد الله قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول صيد الْبر حَلَال لكم مَا لم تصيدوه أَو يصد لكم " وَأخرجه التِّرْمِذِيّ حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب إِلَى آخِره وَلَكِن فِي رِوَايَته " حَلَال لكم وَأَنْتُم حرم " وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْمطلب لَا نَعْرِف لَهُ سَمَاعا من جَابر وَعنهُ أَنه لم يسمع من جَابر وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب الْقرشِي المَخْزُومِي الْمدنِي وَقَالَ ابْن سعد كَانَ كثير الحَدِيث وَلَيْسَ يحْتَج بحَديثه وَقَالَ النَّسَائِيّ عَمْرو بن أبي عَمْرو لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث وَإِن كَانَ قد روى عَنهُ مَالك وَقَالَ مَالك مَا ذبحه الْمحرم فَهُوَ ميتَة لَا يحل لمحرم وَلَا لحلال وَقد اخْتلف قَوْله فِيمَا صيد لمحرم بِعَيْنِه كالأمير وَشبهه هَل لغير ذَلِك الَّذِي صيد لأَجله أَن يَأْكُلهُ وَالْمَشْهُور من مذْهبه عِنْد أَصْحَابه أَن الْمحرم لَا يَأْكُل مَا صيد لمحرم معِين أَو غير معِين. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من حَدِيث الْبَاب جَوَاز كل مَا صَاده الْحَلَال للْمحرمِ وَمِنْه جَوَاز الحكم بعلامة لقَوْله " فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجْهي " وَمِنْه جَوَاز رد الْهَدِيَّة لعِلَّة. وَمِنْه الِاعْتِذَار عَن رد الْهَدِيَّة تطييبا لقلب الْمهْدي. وَمِنْه أَن الْهَدِيَّة لَا تدخل فِي الْملك إِلَّا بِالْقبُولِ. وَمِنْه أَن على الْمحرم أَن يُرْسل مَا فِي يَده من الصَّيْد الْمُمْتَنع عَلَيْهِ اصطياده - ٧ - (بابُ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشَّيْء الَّذِي يقتل الْمحرم، يَعْنِي: مَاله قَتله من الدَّوَابّ، وَهُوَ جمع دَابَّة، وَهِي مَا يدب على وَجه الأَرْض. وَقَالَ صَاحب (الْمُنْتَهى) : كل ماشٍ على الأَرْض دَابَّة ودبيب، وَالْهَاء للْمُبَالَغَة، وَالدَّابَّة فِي الَّتِي تركب أشهر. وَفِي (الْمُحكم) : الدَّابَّة تقع على

стр. 2981

الْمُذكر والمؤنث، وَحَقِيقَته الصّفة. قلت: الدَّابَّة فِي الأَصْل كَا مَا يدب على وَجه الأَرْض، ثمَّ نَقله الْعرف الْعَام إِلَى ذَات القوائم الْأَرْبَع من الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير، وَيُسمى هَذَا مَنْقُولًا عرفيا. فَإِن قلت: فِي أَحَادِيث الْبَاب الْغُرَاب والحداءة وليسا من الدَّوَابّ، وَلَو قَالَ من الْحَيَوَان لَكَانَ أصوب قلت: أَكثر مَا ذكر فِي أَحَادِيث الْبَاب الدَّوَابّ فَنظر إِلَى هَذَا الْجَانِب. ٦٢٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُناحٌ. (الحَدِيث ٦٢٨١ طرفه فِي: ٥١٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مَا للْمحرمِ قَتله من الدَّوَابّ، وَلَكِن أوردهُ مُخْتَصرا، وأحال بِهِ على طَرِيق سَالم على مَا يَأْتِي عَن قريب، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (خمس من الدَّوَابّ لَيْسَ على الْمحرم فِي قتلهن جنَاح: الْغُرَاب والحدءة وَالْعَقْرَب والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور) . وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ أذن فِي قتل خمس من الدَّوَابّ للْمحرمِ: الْغُرَاب والحدأة والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور وَالْعَقْرَب. قَوْله: (خمس) ، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وتخصص بِالصّفةِ. وَهِي قَوْله: (من الدَّوَابّ) . قَوْله: (لَيْسَ على الْمحرم فِي قتلهن جنَاح) خَبره، والجناح: الْإِثْم والحرج، وارتفاع: جنَاح، على أَنه اسْم: لَيْسَ، تَأَخّر عَن خَبره. وعَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ وَعَن عبد الله عطف على نَافِع، أَي: قَالَ مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر، وَأخرجه مُسلم بِتَمَامِهِ: حَدثنَا يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَابْن حجر، قَالَ يحيى: أخبرنَا، وَقَالَ الْآخرُونَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عبد الله بن دِينَار أَنه سمع عبد الله بن عمر يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (خمس من قتلهن وَهُوَ حرَام فَلَا جنَاح عَلَيْهِ فِيهِنَّ: الْفَأْرَة وَالْعَقْرَب وَالْكَلب الْعَقُور والغراب والحديا) . وَاللَّفْظ ليحيى. قَوْله: (قَالَ) ، مقوله مَحْذُوف، تَقْدِيره: خمس من الدَّوَابّ ... إِلَى آخِره. ٧٢٨١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو عُوَانَةَ عنْ زَيْدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ حدَّثَتْنِي إحْدَى نِسْوَةِ النبيِّ ﷺ عنِ النبيِّ ﷺ يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ. (الحَدِيث ٧٢٨١ طرفه فِي: ٨٢٨١) . هَذَا طَرِيق آخر سَاق مِنْهُ هَذَا الْقدر، وأحال بِهِ على الطَّرِيق الَّذِي بعده. وَأخرجه عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة الوضاح ابْن عبد الله الْيَشْكُرِي عَن زيد بن جُبَير، بِضَم الحيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: ابْن حرمل الْجُشَمِي الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح رِوَايَة عَن غير ابْن عمر، وَلَا لَهُ فِيهِ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَحَدِيث آخر تقدم فِي الْمَوَاقِيت، وَقد خَالف نَافِعًا وَعبد الله بن دِينَار فِي إِدْخَال الْوَاسِطَة بَين ابْن عمر وَبَين النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث، وَوَافَقَ سالما، إِلَّا أَن زيدا أبهم الْوَاسِطَة، وسالما سَمَّاهَا. وَأخرجه مُسلم: حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس، قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: (حَدثنَا زيد بن جُبَير إِن رجلا سَأَلَ ابْن عمر: مَا يقتل الْمحرم من الدَّوَابّ؟ فَقَالَ: أَخْبَرتنِي إِحْدَى نسْوَة رَسُول الله ﷺ أَنه أَمر أَو أَمر: أَن تقتل الْفَأْرَة وَالْعَقْرَب والحدأة وَالْكَلب العقوب والغراب) . هُوَ من الرِّوَايَة عَن المجاهيل، لِأَنَّهُ بَينه فِي الطَّرِيق الآخر بقوله: حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالْأولَى أَن يُقَال: الْجَهْل فِي الصَّحَابَة لَا يضر، لِأَن كلهم عدُول. ٨٢٨١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ أخبرنِي عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ حَفْصَةُ قَالَ رسولُ الله ﷺ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ الْغُرَابُ والحِدأةُ والفأرةُ والعَقْربُ والْكَلْبُ الْعَقُورُ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٨١) .

стр. 2982

هَذَا طَرِيق آخر فِيهِ تَمام مَا فِي الطّرق الْمُتَقَدّمَة، فَلذَلِك عطفه عَلَيْهَا بِالْوَاو. وَأخرجه عَن إصبغ بن الْفرج عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عبد الله عَن أُخْته حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ . وَمن لطائف إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وَرِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصحابية، وَرِوَايَة الْأَخ عَن أُخْته. قَوْله: (قَالَت حَفْصَة) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: عَن حَفْصَة، وَهَذَا وَالَّذِي قبله قد يُوهم أَن عبد الله بن عمر مَا سمع هَذَا الحَدِيث من النَّبِي، ﷺ ، لَكِن وَقع فِي بعض طرق نَافِع عَنهُ: سَمِعت النَّبِي، ﷺ . أخرجه مُسلم من طَرِيق ابْن جريج وَتَابعه مُحَمَّد بن إِسْحَاق، ثمَّ سَاقه من طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن نَافِع كَذَلِك حَيْثُ قَالَ: وحدثنيه فُضَيْل بن سهل، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن نَافِع وَعبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عمر، قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: (خمس لَا جنَاح فِي قتل مَا قتل مِنْهُنَّ فِي الْحرم) الحَدِيث. وَظهر من هَذَا أَن ابْن عمر سمع هَذَا الحَدِيث من أُخْته حَفْصَة عَن النَّبِي ﷺ وسَمعه من النَّبِي ﷺ أَيْضا يحدث بِهِ حِين سُئِلَ. وَأخرجه مُسلم أَيْضا: حَدثنِي حَرْمَلَة بن يحيى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، أخبرنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: قَالَت حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ : قَالَ رَسُول الله ﷺ : (خمس من الدَّوَابّ كلهَا فَاسق لَا حرج على من قتلهن: الْعَقْرَب والغراب والحدأة والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن وهب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْغُرَاب) أَي: إِحْدَى الْخمس من الدَّوَابّ الْغُرَاب، قَالَ أَبُو الْمعَانِي: هُوَ وَاحِد الْغرْبَان وَجمع الْقلَّة: أغربة، وَقيل: سمي غرابا لِأَنَّهُ نأى واغترب لما تفقده نوح، ﵇، يستخبر أَمر الطوفان، وَيجمع على: غرب، أَيْضا وعَلى أغرب. وَفِي (الْحَيَوَان) للجاحظ: الْغُرَاب الأبقع غَرِيب، وَهُوَ غراب الْبَين، وكل غراب فقد يُقَال لَهُ: غراب الْبَين إِذا أَرَادوا بِهِ الشؤم إلَاّ غراب الْبَين نَفسه غراب صَغِير، وَإِنَّمَا قيل لكل غراب: غراب الْبَين، لسقوطه فِي مَوَاضِع مَنَازِلهمْ إِذا باتوا. وناس يَزْعمُونَ أَن تسافدها على غير تسافد الطير، وَإِنَّهَا تزلق بالمناقير وتلقح من هُنَالك. وَقيل: إِنَّهُم يتسافدون كبني آدم، أخبر بذلك جمَاعَة شاهدوه. وَفِي (الموعب) : الْغُرَاب الأبقع هُوَ الَّذِي فِي صَدره بَيَاض. وَفِي (الْمُحكم) : غراب أبقع يخالط سوَاده بَيَاض، وَهُوَ أخبثهما، وَبِه يضْرب الْمثل لكل خَبِيث، وَقَالَ أَبُو عمر: هُوَ الَّذِي فِي بَطْنه وظهره بَيَاض. قَوْله: (والحدأة) بِكَسْر الْحَاء وَبعد الدَّال ألف ممدودة بعْدهَا همزَة مَفْتُوحَة، وَجَمعهَا: جدء، مثل عِنَب، وحدآن، كَذَا فِي (الدستور) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَلَا يُقَال: حداة، وَفِي (الْمطَالع) : الحدأة لَا يُقَال فِيهَا إلَاّ بِكَسْر الْحَاء، وَقد جَاءَ الحداء يَعْنِي بِالْفَتْح، وَهُوَ جمع حدأة، وَجَاء الحديا على وزن الثريا. قَوْله: (والفأرة) وَاحِدَة الفيران وفيرة، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) : أَكثر الْعَرَب على همزها. قَوْله: (وَالْعَقْرَب) قَالَ ابْن سَيّده: الْعَقْرَب يكون للذّكر وَالْأُنْثَى، وَقد يُقَال للْأُنْثَى عقربة، والعقربان الذّكر مِنْهَا. وَفِي (الْمُنْتَهى) : الْأُنْثَى عقرباء، مَمْدُود غير مَصْرُوف، وَقيل: العقربان دويبة كَثِيرَة القوائم غير الْعَقْرَب، وعقربة شَاذَّة، وَمَكَان معقرب بِكَسْر الرَّاء ذُو عقارب، وَأَرْض معقربة، وَبَعْضهمْ يَقُول: معقرة، كَأَنَّهُ رد الْعَقْرَب إِلَى ثَلَاثَة أحرف ثمَّ بنى عَلَيْهِ، وَفِي (الْجَامِع) : ذكر العقارب عقربان، وَالدَّابَّة الْكَثِيرَة القوائم عقربان، بتَشْديد الْبَاء. قَوْله: (وَالْكَلب الْعَقُور) ، قَالَ أَبُو الْمعَانِي: جمع الْكَلْب أكلب وكلاب وكليب، وَهُوَ جمع عَزِيز لَا يكَاد يُوجد إلَاّ الْقَلِيل، نَحْو: عبد وَعبيد، وَجمع الْأَكْلُب أكالب، وَفِي (الْمُحكم) : وَقد قَالُوا فِي جمع الْكلاب كلابات، والكالب كالجامل جمَاعَة الْكلاب، والكلبة أُنْثَى الْكلاب، وَجَمعهَا كلبات وَلَا يكسر، وَسَنذكر معنى الْعَقُور وَمَا المُرَاد مِنْهُ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: أَنه يُسْتَفَاد من الحَدِيث جَوَاز قتل هَذِه الْخَمْسَة من الدَّوَابّ للْمحرمِ، فَإِذا أُبِيح للْمحرمِ فللحلال بِالطَّرِيقِ الأولى، ثمَّ التَّقْيِيد بالخمس، وَإِن كَانَ مَفْهُومه اخْتِصَاص الْمَذْكُورَات بذلك، وَلكنه مَفْهُوم عدد، وَلَيْسَ بِحجَّة عِنْد الْأَكْثَرين، وعَلى تَقْدِير اعْتِبَاره فَيحْتَمل أَن يكون قَالَه، ﷺ ، أَولا ثمَّ بَين بعد ذَلِك أَن غير الْخمس يشْتَرك مَعهَا فِي الحكم فقد ورد فِي حَدِيث أخرجه مُسلم عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَقول: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (أَربع كُلهنَّ فَاسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم: الحدأة، والغراب والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور) . انْتهى. وَأسْقط الْعَقْرَب، وَورد عَنْهَا أَيْضا: سِتّ، أخرجه

стр. 2983

أَبُو عوَانَة فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق المحارمي عَن هِشَام عَن أَبِيه عَنْهَا، فَذكر الْخَمْسَة وَزَاد: الْحَيَّة. وَقَالَ عِيَاض: جَاءَ فِي غير كتاب مُسلم ذكر الأفعى فَصَارَت سبعا، وَفِيه نظر، لِأَن الأفعى تدخل فِي مُسَمّى الْحَيَّة، وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن الْمُنْذر زِيَادَة على الْخمس، وَهِي: الذِّئْب والنمر، فَتَصِير بِهَذَا الإعتبار تسعر، وَلَكِن قَالَ ابْن خُزَيْمَة عَن الذهلي: أَن ذكر الذِّئْب والنمر من تَفْسِير الرَّاوِي للكلب الْعَقُور، وَقد جَاءَ حَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: يقتل الْمحرم الْحَيَّة وَالْعَقْرَب والسبع العادي وَالْكَلب الْعَقُور والفأرة الفويسقة. فَقيل لَهُ: لم قَالَ لَهَا: الفويسقة؟ قَالَ: لِأَن رَسُول الله ﷺ اسْتَيْقَظَ لَهَا، وَقد أخذت الفتيلة لتحرق بهَا الْبَيْت، وَهَذَا لم يذكر فِيهَا الْغُرَاب والحدأة، وَذكر عوضهما الْحَيَّة والسبع العادي، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَمَّا يقتل الْمحرم؟ قَالَ: الْحَيَّة وَالْعَقْرَب والفويسقة، وَيَرْمِي الْغُرَاب وَلَا يقْتله، وَالْكَلب الْعَقُور والحدأة، والسبع العادي. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا مَا أَبَاحَ النَّبِي ﷺ للْمحرمِ قَتله فِي إِحْرَامه، وأباح للْحَلَال قَتله فِي الْحرم، وعد ذَلِك خمْسا، فَذَلِك يَنْفِي أَن يكون إِشْكَال شَيْء من ذَلِك كَحكم هَذِه الْخمس إلَاّ مَا اتّفق عَلَيْهِ من ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ عناه. قلت: الْحَاصِل مِمَّا قَالَه أَن التَّنْصِيص على الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة بِالْعدَدِ يُنَافِي أَن يكون أَمْثَاله وأنظاره كهذه الْخمس فِي الحكم، ألَاّ ترى أَنه ذكر الحدأة، والغراب وهما من ذَوي المخلب من الطُّيُور وعينهما؟ فَلَا يلْحق بهَا سَائِر ذَوي المخالب من الطُّيُور كالصقر والبازي والشاهين وَالْعِقَاب وَنَحْوهمَا، وَهَذَا بِلَا خلاف، إلَاّ أَن من علل بالأذى يَقُول: أَنْوَاع الْأَذَى كَثِيرَة مُخْتَلفَة، فَكَأَنَّهُ نبه بالعقرب على مَا يشاركها فِي الْأَذَى من السَّبع وَنَحْوه من ذَوَات السمُوم: كالحية والزنبور، وبالفأرة على مَا يشاركها فِي الْأَذَى بالنقب وَالْقَرْض: كَابْن عرس، وبالغراب والحدإة، على مَا يشاركهما فِي الْأَذَى بالاختطاف كالصقر، وبالكلب الْعَقُور على مَا يُشَارِكهُ فِي الْأَذَى بالعدوان والعقر: كالأسد والفهد، وَمن علل بِتَحْرِيم الْأكل قَالَ: إِنَّمَا اقْتصر على الْخمس لِكَثْرَة ملابستها للنَّاس بِحَيْثُ يعم أذاها. فَإِن قلت: فعلى مَا ذكرت عَن الطَّحَاوِيّ يَنْبَغِي أَن لَا يجوز قتل الْحَيَّة للْمحرمِ؟ قلت: قَوْله: إلَاّ مَا اتّفق عَلَيْهِ من ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ عناه، أَشَارَ إِلَى جَوَاز قتل الْحَيَّة لِأَنَّهَا من جملَة مَا عناه من ذَلِك، وَكَيف وَقد جَاءَ عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ أَمرهم بقتل الْحَيَّة فِي منى، وَجَاء أَن إِحْدَى الْخمس هُوَ الْحَيَّة، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَقد ذَكرْنَاهُ؟ الْوَجْه الثَّانِي فِي حكم الْغُرَاب: فَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : المُرَاد بالغراب آكل الْجِيَف، وَهُوَ الأبقع، رُوِيَ ذَلِك عَن أبي يُوسُف، وَاحْتج فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (خمس فواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم: الْحَيَّة والغراب الأبقع) ، وَقد مر عَن قريب تَفْسِير الإبقع. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا تَقْيِيد لمُطلق الرِّوَايَات الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الأبقع، وَبِذَلِك قَالَت طَائِفَة، فَلَا يجيزون إلَاّ قتل الأبقع خَاصَّة، وَطَائِفَة رَأَوْا جَوَاز قتل الأبقع وَغَيره من الْغرْبَان، وَرَأَوا أَن ذكر الأبقع إِنَّمَا جرى لِأَنَّهُ الْأَغْلَب. قلت: الرِّوَايَات الْمُطلقَة مَحْمُولَة على هَذِه الرِّوَايَة الْمقيدَة الَّتِي رَوَاهَا مُسلم، وَذَلِكَ لِأَن الْغُرَاب إِنَّمَا أُبِيح قَتله لكَونه يبتدىء بالأذى، وَلَا يبتدىء بالأذى إلَاّ الْغُرَاب الأبقع، وَأما الْغُرَاب غير الأبقع فَلَا يبتدىء بالأذى، فَلَا يُبَاح قَتله: كالعقعقق وغراب الزَّرْع. وَيُقَال لَهُ: الزاغ، وافتوا بِجَوَاز أكله، فَبَقيَ مَا عداهُ من الْغرْبَان ملتحقا بالأبقع. وَمِنْهَا: الغداف، على الصَّحِيح فِي مَذْهَب الشَّافِعِي، ذكره فِي (الرَّوْضَة) بِخِلَاف مَا ذكره الرَّافِعِيّ، وسمى ابْن قدامَة الغداف: غراب الْبَين، الْمَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة أَنه الأبقع قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: المُرَاد بالغراب فِي الحَدِيث الغداف والأبقع لِأَنَّهُمَا يأكلان الْجِيَف، وَأما غراب الزَّرْع فَلَا، وَعَلِيهِ يحمل مَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي سعيد الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَفِيه: (وَيَرْمِي الْغُرَاب وَلَا يقْتله) ، وروى ابْن الْمُنْذر وَغَيره نَحوه عَن عَليّ وَمُجاهد، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَبَاحَ كل من يحفظ عَنهُ الْعلم قتل الْغُرَاب فِي الْإِحْرَام إلَاّ مَا جَاءَ عَن عَطاء، قَالَ فِي محرم كسر قرن غراب، قَالَ: إِن أدماه فَعَلَيهِ الْجَزَاء! وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يُتَابع أحد عَطاء على هَذَا. انْتهى. وَعند الْمَالِكِيَّة اخْتِلَاف آخر فِي الْغُرَاب والحدأة: هَل يتَقَيَّد جوازهما بِأَن يبتدئا بالأذى؟ وَهل يخْتَص ذَلِك بكبارهما؟ وَالْمَشْهُور عَنْهُم مَا قَالَه ابْن شاش: لَا فرق وفَاقا لِلْجُمْهُورِ. وَمن أَنْوَاع الْغرْبَان: العقعق، وَهُوَ قدر الْحَمَامَة على شكل الْغُرَاب، وَقيل: سمي بذلك لِأَنَّهُ يعق فِرَاخه فيتركها بِلَا طعم، وَبِهَذَا يظْهر أَنه نوع من الْغرْبَان، وَالْعرب

стр. 2984

تتشاءم بِهِ أَيْضا، وَذكر فِي (فَتَاوَى قاضيخان) : من خرج لسفر فَسمع صَوت العقعق فَرجع كفر، وَقيل: حكمه حكم الأبقع. وَقيل: حكم غراب الزَّرْع، وَقَالَ أَحْمد: إِن أكل الْجِيَف وإلَاّ فَلَا بَأْس بِهِ. فَإِن قلت: قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أَعنِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب لَا يعرف إلَاّ من حَدِيث سعيد، وَلم يروه عَنهُ غير قَتَادَة، وَهُوَ مُدَلّس، وثقات أَصْحَاب سعيد من أهل الْمَدِينَة لَا يُوجد عِنْدهم هَذَا الْقَيْد مَعَ مُعَارضَة حَدِيث ابْن عمر وَحَفْصَة، فَلَا حجَّة فِيهِ حِينَئِذٍ. وَقَالَ أَبُو عمر: لَا تثبت هَذِه الزِّيَادَة أَعنِي: قَوْله: (والغراب الأبقع) ، وَقَالَ ابْن قدامَة: الرِّوَايَات الْمُطلقَة أصح. قلت: دَعْوَى التَّدْلِيس مَرْدُودَة لِأَن شُعْبَة لَا يروي عَن شُيُوخه المدلسين إلَاّ مَا هُوَ مسموع لَهُم، وَفِي الحَدِيث عَن شُعْبَة، قَالَ: سَمِعت قَتَادَة يحدث عَن سعيد بن الْمسيب، بل صرح النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته من طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل عَن شُعْبَة بِسَمَاع قَتَادَة، وَنفي ثُبُوت الزِّيَادَة مَرْدُود أَيْضا بِإِخْرَاج مُسلم، وَالزِّيَادَة مَقْبُولَة من الثِّقَة الْحَافِظ، وَهُوَ كَذَلِك هُنَا. الْوَجْه الثَّالِث: فِي الحدأة: فَإِنَّهُ يجوز قَتلهَا سَوَاء كَانَ للْمحرمِ أَو للْحَلَال، لِأَنَّهَا تبتدىء بالأذى وتختطف اللَّحْم من أَيدي النَّاس، وَرُوِيَ عَن مَالك فِي الحدأة والغراب أَنه لَا يقتلهما إلَاّ أَن يبتدئا بالأذى، وَالْمَشْهُور من مذْهبه خِلَافه، وَعَن أبي مُصعب فِيمَا ذكره ابْن الْعَرَبِيّ قتل الْغُرَاب والحدأة، وَإِن لم يبتدئا بالأذى، ويؤكل لحمهما عِنْد مَالك. وَرُوِيَ عَنهُ الْمَنْع فِي الْحرم سدا لذريعة الِاصْطِيَاد. قَالَ أَبُو بكر: وأصل الْمَذْهَب أَن لَا يقتل من الطير إلَاّ مَا آذَى بِخِلَاف غَيره، فَإِنَّهُ يقتل ابْتِدَاء. الْوَجْه الرَّابِع: فِي الْفَأْرَة: فَإِنَّهُ يجوز قَتلهَا مُطلقًا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر، لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي جَوَاز قتل الْمحرم الْفَأْرَة إلَاّ النَّخعِيّ، فَإِنَّهُ منع الْمحرم من قَتلهَا، وَهُوَ قَول شَاذ، وَقَالَ القَاضِي، وَحكى السَّاجِي عَن النَّخعِيّ أَنه لَا يقتل الْمحرم الْفَأْرَة، فَإِن قَتلهَا فداها، وَهَذَا خلاف النَّص وَخلاف جَمِيع أهل الْعلم، وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن حَمَّاد بن زيد، قَالَ: لما ذكرُوا لَهُ هَذَا القَوْل، قَالَ: مَا كَانَ بِالْكُوفَةِ أفحش ردا للآثار من إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لقلَّة مَا سمع مِنْهَا، وَلَا أحسن اتبَاعا لَهَا من الشّعبِيّ لِكَثْرَة مَا سمع، وَنقل ابْن شاش عَن الْمَالِكِيَّة خلافًا فِي جَوَاز قتل الصَّغِير مِنْهَا الَّذِي لَا يتَمَكَّن من الْأَذَى، والفأرة أَنْوَاع مِنْهَا: الجرذ، بِضَم الْجِيم على وزن: عمر، والخلد، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة. وَسُكُون اللَّام، وفأرة الْإِبِل، وفأرة الْمسك، وفأرة الغيط، وَحكمهَا فِي تَحْرِيم الْأكل وَجَوَاز قَتلهَا سَوَاء. الْوَجْه الْخَامِس: فِي الْعَقْرَب: فَإِنَّهُ يجوز قَتله مُطلقًا حَتَّى فِي الصَّلَاة، لِأَنَّهُ يقْصد اللدغ وَيتبع الْحس، وَذكر أَبُو عمر عَن حَمَّاد ابْن أبي سُلَيْمَان وَالْحكم أَن الْمحرم لَا يقتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب، رَوَاهُ عَنْهُمَا شُعْبَة، قَالَ: وحجتهما أَنَّهُمَا من هوَام الأَرْض، وَقَالَ القَاضِي: لم يخْتَلف فِي قتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَلَا فِي قتل الْحَلَال الوزغ فِي الْحرم، وَقَالَ أَبُو عمر: لَا خلاف عَن مَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء فِي قتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب فِي الْحل وَالْحرم، وَكَذَلِكَ الأفعى. الْوَجْه السَّادِس: فِي الْكَلْب الْعَقُور: أذكر أَبُو عمر أَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: الْكَلْب الْعَقُور: كل سبع يعقر، وَلم يخص بِهِ الْكَلْب، قَالَ سُفْيَان، وَفَسرهُ لنا زيد بن أسلم، وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد، وَعَن أبي هُرَيْرَة: الْكَلْب الْعَقُور الْأسد، وَعَن مَالك: هُوَ كل مَا عقر النَّاس وَعدا عَلَيْهِم مثل: الْأسد والنمر والفهد، فَأَما مَا كَانَ من السبَاع لَا يعدو مثل: الضبع والثعلب وشبههما، فَلَا يقْتله الْمحرم، وَإِن قَتله فدَاه. وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْعلمَاء اتَّفقُوا على جَوَاز قتل الْكَلْب الْعَقُور للْمحرمِ والحلال فِي الْحل وَالْحرم، وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد بِهِ، فَقيل: هُوَ الْكَلْب الْمَعْرُوف، حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض عَن أبي حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن حَيّ، وألحقوا بِهِ الذِّئْب، وَحمل زفر الْكَلْب على الذِّئْب وَحده، وَذهب الشَّافِعِي وَالثَّوْري وَأحمد وَجُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَن المُرَاد كل مفترس غَالِبا. وَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : كل مَا عقر النَّاس وَعدا عَلَيْهِم وأخافهم مثل الْأسد والنمر والفهد وَالذِّئْب هُوَ الْعَقُور، وَكَذَا نقل أَبُو عبيد عَن سُفْيَان، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: المُرَاد بالكلب هُنَا الْكَلْب خَاصَّة، وَلَا يلْتَحق بِهِ فِي هَذَا الحكم سوى الذِّئْب، وَاحْتج أَبُو عبيد بقوله ﷺ : (أللهم سلط عَلَيْهِ كَلْبا من كلابك، فَقتله الْأسد) . وَهُوَ حَدِيث حسن أخرجه الْحَاكِم من طَرِيق أبي نَوْفَل بن أبي عقرب عَن أَبِيه، وَاحْتج بقول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا علَّمتم من الْجَوَارِح مكلبين﴾ (الْمَائِدَة: ٤) . فاشتقاقها من اسْم الْكَلْب، فَلهَذَا قيل لكل جارح: عقور. قلت: فِي (مَرَاسِيل) ذكر الْكَلْب من غير وَصفه بالعقور، فَعلم أَن المُرَاد بِهِ الْحَيَوَان الْخَاص لَا كل عَاقِر، وَقَالَ السرسقطي فِي (غَرِيبه) : الْكَلْب

стр. 2985

الْعَقُور اسْم لكل عَاقِر حَتَّى اللص الْقَاتِل، وعَلى هَذَا فيستقيم قِيَاس الشَّافِعِيَّة على الْخمس مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، وَلَكِن يُعَكر على هَذَا عدم إِفْرَاده بِالذكر، فَإِن قَالُوا: إِنَّه من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَهُوَ تَأْكِيد للخاص كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ (الرَّحْمَن: ٨٦) . قُلْنَا: قد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات مُؤخر الذّكر ومتوسطا، هَكَذَا فِي الصَّحِيح وَغَيره، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي غير الْعَقُور مِمَّا لم يُؤمر باقتنائه، فَصرحَ بِتَحْرِيمِهِ القاضيان حُسَيْن وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيرهمَا، وَوَقع للشَّافِعِيّ فِي (الْأُم) الْجَوَاز، وَاخْتلف كَلَام النَّوَوِيّ، فَقَالَ فِي البيع من (شرح الْمُهَذّب) : لَا خلاف بَين أَصْحَابنَا فِي أَنه مُحْتَرم لَا يجوز قَتله، وَقَالَ فِي التَّيَمُّم وَالْغَصْب: إِنَّه غير مُحْتَرم، وَقَالَ فِي الْحَج: يكره قَتله كَرَاهَة تَنْزِيه، وَهَذَا اخْتِلَاف شَدِيد، وعَلى كارهة قَتله اقْتصر الرَّافِعِيّ، وَتَبعهُ فِي (الرَّوْضَة) وَزَاد: إِنَّهَا كَرَاهَة تَنْزِيه، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى إِلْحَاق غير الْخمس بهَا فِي هَذَا الحكم إلَاّ أَنهم اخْتلفُوا فِي الْمَعْنى، فَقيل: لكَونهَا مؤذية فَيجوز قتل كل مؤذ، وَقيل: كَونهَا مِمَّا لَا يُؤْكَل، فعلى هَذَا كل مَا يجوز قَتله لَا فديَة على الْحرم فِي قَتله، وَهَذَا قَضِيَّة مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقد قسم هُوَ وَأَصْحَابه الْحَيَوَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمحرم ثَلَاثَة أَقسَام: قسم يسْتَحبّ: كالخمس وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يُؤْذِي. وَقسم: يجوز: كَسَائِر مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه. وَهُوَ قِسْمَانِ: مَا يحصل مِنْهُ نفع وضر فَيُبَاح لما فِيهِ من مَنْفَعَة الِاصْطِيَاد، وَلَا يكره لما فِيهِ من الْعدوان. وَقسم لَيْسَ فِيهِ نفع وَلَا ضرّ، فَيكْرَه قَتله وَلَا يحرم. وَالْقسم الثَّالِث: مَا أُبِيح أكله أَو نهى عَن قَتله، فَلَا يجوز وَفِيه الْجَزَاء إِذا قَتله الْمحرم. قلت: أَصْحَابنَا اقتصروا على الْخمس إلَاّ أَنهم ألْحقُوا بهَا: الْحَيَّة لثُبُوت الْخَبَر، وَالذِّئْب لمشاركته للكلب فِي الْكَلْبِيَّة، وألحقوا بذلك مَا ابْتَدَأَ بالعدوان والأذى من غَيرهَا، وَقَالَ بَعضهم، وَتعقب بِظُهُور الْمَعْنى فِي الْخمس وَهُوَ: الْأَذَى الطبيعي والعدوان الْمركب، وَالْمعْنَى إِذا ظهر فِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ تعدى الحكم إِلَى كل مَا وجد فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى. انْتهى. قلت: نَص النَّبِي ﷺ على قتل خمس من الدَّوَابّ فِي الْحرم وَالْإِحْرَام، وَبَين الْخمس مَا هن، فَدلَّ هَذَا أَن حكم غير هَذَا الْخمس غير حكم الْخمس، وَإِلَّا لم يكن للتنصيص على الْخمس فَائِدَة. وَقَالَ عِيَاض: ظَاهر قَول الْجُمْهُور أَن المُرَاد أَعْيَان مَا سمى فِي هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ ظَاهر قَول مَالك وَأبي حنيفَة، وَلِهَذَا قَالَ مَالك: لَا يقتل الْمحرم الوزغ، وَإِن قَتله فدَاه، وَلَا يقتل خنزيرا وَلَا قردا مِمَّا لَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْكَلْب فِي اللُّغَة إِذْ فِيهِ جعل الْكَلْب صفة لَا إسما، وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ : (خمس) فَلَيْسَ لأحد أَن يجعلهن سِتا وَلَا سبعا، وَأما قتل الذِّئْب فَلَا يحْتَاج فِيهِ أَن نقُول: إِنَّه يقتل لمشاركته للكلب فِي الْكَلْبِيَّة، بل نقُول: يجوز قَتله بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن نَافِع، قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: أَمر رَسُول الله ﷺ بقتل الذِّئْب والفأرة. قَالَ يزِيد بن هَارُون، يَعْنِي: الْمحرم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد روينَا ذكر الذِّئْب من حَدِيث ابْن الْمسيب مُرْسلا جيدا، كَأَنَّهُ يُرِيد قَول ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن عمر عَن حَرْمَلَة عَن سعيد حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن ابْن حَرْمَلَة عَن سعيد بِهِ، قَالَ: وَحدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن سَالم عَن سعيد عَن وبرة عَن ابْن عمر: يقتل الْمحرم الذِّئْب، وَعَن قبيصَة: يقتل الذِّئْب فِي الْحرم، وَقَالَ الْحسن وَعَطَاء: يقتل الْمحرم الذِّئْب والحية، وَأما إِذا عدا على الْمحرم حَيَوَان، أَي حَيَوَان كَانَ، وصال عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقْتله، لِأَن حكمه حِينَئِذٍ يصير كَحكم الْكَلْب الْعَقُور. ٩٢٨١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابْن وهْبٍ قَالَ أَخْبرنِي يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الحَرَمِ. الْغُرَابُ والحِدَأةُ والْعَقْرَبُ والْفَأرَةُ والْكَلْبُ الْعَقُورُ. [/ نه (الحَدِيث ٩٢٨١ طرفه فِي: ٤١٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن سُلَيْمَان بن بن يحيى بن سعيد الْجعْفِيّ الْمقري، قدم مصر وَحدث بهَا، وَتُوفِّي بهَا سنة ثَمَان أَو سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن وهب. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه كُوفِي وَأَن ابْن وهب مصري وَأَن يُونُس أيلي وَأَن ابْن شهَاب

стр. 2986

وَعُرْوَة مدنيان. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ يروي عَن يحيى بن سُلَيْمَان بقوله: حَدثنَا، ويروي، وحَدثني، يحيى، بالْعَطْف وَصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: يروي ابْن وهب عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة، وَفِي الحَدِيث السَّابِق: يروي ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن عبد الله ابْن عمر عَن حَفْصَة، فَظهر من ذَلِك أَن لِابْنِ وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ إسنادين: سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة، وَعُرْوَة عَن عَائِشَة. وَقد كَانَ ابْن عُيَيْنَة يُنكر طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة. قَالَ الْحميدِي عَن سُفْيَان: حَدثنَا وَالله الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، فَقيل لَهُ: فَإِن معمرا يرويهِ: عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، فَقَالَ: حَدثنَا وَالله الزُّهْرِيّ، وَلم يذكر عُرْوَة. انْتهى. وَطَرِيق معمر الَّذِي ذكره رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع عَنهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَنهُ، وَرَوَاهُ أَيْضا سعيد بن أبي حَمْزَة عِنْد أَحْمد وَأَبَان بن صَالح عِنْد النَّسَائِيّ، وَمن حفظ حجَّة على من لم يحفظ، وَقد تَابع الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن هِشَام بن عُرْوَة. وَأخرجه مُسلم عَن الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : خمس فواسق يقتلن فِي الْحرم: الْعَقْرَب والفأرة والحديا والغراب وَالْكَلب الْعَقُور. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، كلهم عَن ابْن وهب عَن يُونُس بِهِ، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) بِسَنَد صَالح عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (خمس كُلهنَّ فاسقة يقتلهن الْمحرم ويقتلن فِي الْحرم: الْحَيَّة والفأرة. .) الحَدِيث. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (يقتل الْمحرم السَّبع العادي وَالْكَلب الْعَقُور والفأرة وَالْعَقْرَب والحدأة والغراب) . وروى الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة إِبْرَاهِيم عَن الْأسود (عَن ابْن مَسْعُود: أَن رَسُول الله، ﷺ ، أَمر محرما بقتل حَيَّة بمنى) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَاسق) ، مَرْفُوع على أَنه خبر لمبتدأ، وَهُوَ قَوْله: (كُلهنَّ) ، وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر لقَوْله: (خمس) ، وَهُوَ قد تخصص بِالصّفةِ. قَوْله: (يقتلن) ، الضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى قَوْله: (خمس) ، وَلَيْسَ يرجع إِلَى معنى: كل، كَمَا قَالَه بَعضهم. وَفِي رِوَايَة مُسلم من هَذَا الْوَجْه: (كلهَا فواسق) ، وَفِي رِوَايَته الَّتِي تَأتي فِي بَدْء الْخلق: (خمس فواسق) . قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ بِإِضَافَة: خمس، لَا بتنوينه، وَجوز ابْن دَقِيق الْعِيد الْوَجْهَيْنِ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيح الثَّانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: رِوَايَة الْإِضَافَة تشعر بالتخصيص فيخالفها غَيرهَا فِي الخكم من طَرِيق الْمَفْهُوم، وَرِوَايَة التَّنْوِين تَقْتَضِي وصف الْخمس بِالْفِسْقِ من جِهَة الْمَعْنى، فيشعر بِأَن الحكم الْمُرَتّب على ذَلِك وَهُوَ الْقَتْل مُعَلل بِمَا جعل وَصفا وَهُوَ الْفسق فَيدْخل فِيهِ كل فَاسق من الدَّوَابّ. قلت: هَذَا مَبْنِيّ على معرفَة معنى الْفسق، فَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي وصف الدَّوَابّ الْمَذْكُورَة بِالْفِسْقِ خُرُوجهَا عَن حكم غَيرهَا من الْحَيَوَان فِي تَحْرِيم قَتله يكون معنى الْكَلْبِيَّة فِيهِ ظَاهرا. وَإِن كَانَ الْمَعْنى خُرُوجهَا عَن حكم غَيرهَا بالإيذاء والإفساد لَا يكون معنى الْكَلْبِيَّة فِيهِ ظَاهرا. فَافْهَم. وَالْفِسْق فِي أصل كَلَام الْعَرَب: الْخُرُوج، وَمِنْه فسقت الرّطبَة إِذا خرجت عَن قشرها، وَقَوله تَعَالَى: ﴿ففسق عَن أَمر ربه﴾ (الْكَهْف: ٠٥) . أَي: خرج، وَسمي الرجل فَاسِقًا لِخُرُوجِهِ عَن طَاعَة ربه، وَهُوَ خُرُوج مَخْصُوص، وَسميت هَذِه الْخمس فواسق لخروجها عَن الْحُرْمَة الَّتِي لغيرهن وَأَن قتلهن للْمحرمِ وَفِي الْحرم مُبَاح، فالغراب ينقر ظهر الْبَعِير وَينْزع عينه إِذا كَانَ مسيرًا، ويختلس أَطْعِمَة النَّاس، والحدأة كَذَلِك تختلس اللَّحْم والفراريج، وَالْعَقْرَب تلدغ وتؤلم، والفأرة تسرق الْأَطْعِمَة وتفسدها وتقرض الثِّيَاب وَتَأْخُذ الفتيلة من السراج وتضرم بهَا الْبَيْت، وَالْكَلب الْعَقُور يجرح النَّاس. قَوْله: (يقتلن فِي الْحرم) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقد تقدم فِي رِوَايَة نَافِع فِي أول الْبَاب: (لَيْسَ على الْمحرم فِي قتلهن جنَاح) ، وَفِي رِوَايَة زيد بن جُبَير: (يقتل الْمحرم) ، وَفِي رِوَايَة حَفْصَة: (لَا حرج على من قتلهن) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بِلَفْظ: (يقتلن فِي الْحل وَالْحرم) ، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد أبي دَاوُد: (خمس قتلهن حَلَال) ، وَعند مُسلم فِي حَدِيث زيد بن جُبَير أَنه أَي النَّبِي، ﷺ (أَمر أَو أَمر أَن تقتل الْفَأْرَة) الحَدِيث. وَفِي رِوَايَة لَهُ: (كَانَ يَأْمر بقتل الْكَلْب الْعَقُور) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (خمس من قتلهن وَهُوَ حرَام فَلَا جنَاح عَلَيْهِ فِيهِنَّ: الْفَأْرَة) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَن نَافِع بِلَفْظ: (إِذن) ، وَحَاصِل الْكل يرجع إِلَى أَن قتل هَذِه الْخَمْسَة فَلَيْسَ فِيهِ إِثْم على الْمحرم وَفِي الْحرم، وعَلى الْحَلَال بِالطَّرِيقِ الأولى، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت عَن قريب.

стр. 2987

٠٣٨١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غَيَاثٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ عنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ بَيْنَما نَحْنُ معَ النبيِّ ﷺ فِي غارٍ بِمِنىً إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿والمُرْسَلَاتِ﴾ (المرسلات: ١) . وإنَّهُ لَيَتْلُوهَا وإنِّي لأتلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النبيُّ ﷺ اقْتُلُوها فابْتَدَرْنَاها فذَهَبَتْ فَقَالَ النبيُّ ﷺ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اقتلوها) فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِيمَا يقتل الْمحرم وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنه أَمر بقتل الْحَيَّة فِي حَالَة الْإِحْرَام؟ قلت: كَانَ ذَلِك فِي لَيْلَة عَرَفَة، وَبِذَلِك صرح الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته من طَرِيق ابْن نمير عَن حَفْص بن غياث. وَقَوله: (فِي غَار بمنى) ، يدل على أَنه كَانَ فِي الْحرم، وَعند ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة أبي كريب (عَن حَفْص بن غياث: أَن النَّبِي ﷺ أَمر محرما بقتل حَيَّة فِي الْحرم بمنى) . وَرِجَال الحَدِيث قد مروا غير مرّة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَعَن عمر بن حَفْص أَيْضا. وَقَالَ فِي التَّفْسِير وَغَيره، وَقَالَ حَفْص وَأَبُو مُعَاوِيَة وَسليمَان بن قرم أربعتهم عَن الْأَعْمَش عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن عمر بن حَفْص بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وَعُثْمَان بن أبي شيبَة، كِلَاهُمَا عَن جرير بِهِ، وَعَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أربعتهم عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَفِي الْحَج عَن أبي كريب عَن حَفْص بن غياث بِبَعْضِه أَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتل حَيَّة بمنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج، وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان الرهاوي عَن يحيى بن آدم عَن حَفْص بن غياث بِهِ. قَوْله: (بَيْنَمَا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن: بَيْنَمَا، وَبينا، ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة، ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل ومبتدأ وَخبر، ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، وَجَوَابه هُنَا هُوَ قَوْله: (إِذْ نزل عَلَيْهِ) ، والأفصح أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا، وَقد جَاءَ أَحدهمَا فِي الْجَواب كثيرا. قَوْله: (إِذْ نزل عَلَيْهِ) أَي: على النَّبِي ﷺ . وَقَوله: ﴿والمرسلات﴾ (المرسلات: ١) . أَي سُورَة ﴿والمرسلات﴾ (المرسلات: ١) . وَهُوَ فَاعل لقَوْله: (نزل) ، وَالْفِعْل إِذا أسْند إِلَى مؤنث غير حَقِيقِيّ يجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث. قَوْله: (وَإِنِّي لأتلقاها) أَي: لأتلقنها. قَوْله: (من فِيهِ) أَي: من فَمه قَوْله: (وَإِن فَاه) أَي: وَإِن فَمه. قَوْله: (لرطب بهَا) أَي: لم يجِف رِيقه بهَا. وَقَالَ التَّيْمِيّ: الرطب عبارَة عَن الغض الطري، كَأَن مَعْنَاهَا: قبل أَن يجِف رِيقه بهَا. قَوْله: (إِذْ وَثَبت) كلمة إِذْ، للمفاجأة. قَوْله: (فابتدرناها) أَي: أَسْرَعنَا إِلَى أَخذهَا، وَهُوَ من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بدورا: أسرعت، وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ، وَيُقَال: ابتدروا السِّلَاح، أَي: تسارعوا إِلَى أَخذه. قَوْله: (وقيت) ، أَي: حفظت ومنعت. قَوْله: (شركم) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول ثَان للْفِعْل الْمَجْهُول، أَي: إِن الله سلمهَا مِنْكُم كَمَا سلمكم مِنْهَا، وَلم يلْحقهَا ضرركم كَمَا لم يلحقكم ضررها. قَوْله: (كَمَا وقيتم) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا، (وشرها) بِالنّصب مفعول ثَان لَهُ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْأَمر بقتل الْحَيَّة سَوَاء كَانَ محرما أَو حَلَالا أَو فِي الْحرم، وَالْأَمر مُقْتَضَاهُ الْوُجُوب. وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على جَوَاز قتل الْحَيَّة فِي الْحل وَالْحرم، قَالَ: وَأَجَازَ مَالك قتل الأفعى وَهِي دَاخِلَة عِنْده فِي معنى الْكَلْب الْعَقُور، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلمهُمْ اخْتلفُوا فِي جَوَاز قتل الْعَقْرَب، وَقَالَ نَافِع: لما قيل: فالحية لَا يخْتَلف فِيهَا، وَفِي رِوَايَة: وَمن يشك فِيهَا؟ ورد عَلَيْهِ ابْن عبد الْبر بِمَا أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق شُعْبَة: أَنه سَأَلَ الحكم وحمادا فَقَالَا: لَا يقتل الْمحرم الْحَيَّة وَلَا الْعَقْرَب. قَالَ: وَمن حجتهما أَنَّهُمَا من هوَام الأَرْض، فَيلْزم من أَبَاحَ قَتلهمَا مثل ذَلِك فِي سَائِر الْهَوَام. قلت: نعم، يُبَاح قتل سَائِر الْهَوَام القتَّالة: كالرتيلاء وَأم الْأَرْبَعَة وَالْأَرْبَعِينَ، والسام الأبرص، والوزغة، والنمل المؤذية وَنَحْوهَا. وَأما نَهْيه، ﷺ ، عَن قتل حيات الْبيُوت فقد اخْتلف السّلف قبلنَا فِي ذَلِك، فَقَالَ بَعضهم: بِظَاهِر الْأَمر، يقتل الْحَيَّات كلهَا من غير اسْتثِْنَاء شَيْء مِنْهَا، كَمَا روى أَبُو إِسْحَاق عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (اقْتُلُوا الْحَيَّات كُلهنَّ فَمن خَافَ ثأرهن فَلَيْسَ مني) ، وروى أَيْضا هَذَا عَن عَمْرو ابْن مَسْعُود، وَقَالَ أَبُو عمر: روى شُعْبَة عَن مُخَارق بن عبد الله عَن طَارق بن شهَاب، قَالَ: اعْتَمَرت فمررت بالرمال، فَرَأَيْت حيات فَجعلت أقتلهن، وَسَأَلت عمر فَقَالَ: هن عدونا فاقتلوهن) . قَالَ ابْن عُيَيْنَة: سَمِعت الزُّهْرِيّ يحدث عَن سَالم عَن أَبِيه أَن عمر سُئِلَ عَن الْحَيَّة يَقْتُلهَا الْمحرم؟ فَقَالَ:

стр. 2988

هِيَ عَدو فاقتلوها حَيْثُ وجدتموها. وَقَالَ زيد بن أسلم: أَي كلب أعقر من الْحَيَّة؟ وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَنْبَغِي أَن تقتل عوامر الْبيُوت وسكانها إلَاّ بعد مناشدة الْعَهْد الَّذِي أَخذ عَلَيْهِنَّ، فَإِن ثَبت بعد إنشاده قتل، وَذَلِكَ حذار الْإِصَابَة فيلحقه مَا لحق الْفَتى المعرس بأَهْله، حَيْثُ وجد حَيَّة على فرَاشه فَقَتلهَا قبل مناشدته إِيَّاهَا، وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: (أَن بِالْمَدِينَةِ جنا قد أَسْلمُوا، فَإِن رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئا فآذنوه ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن بدا لكم بعد ذَلِك فَاقْتُلُوهُ) . وَلَا تخَالف بَينهمَا، وَرُبمَا تمثل بعض الْجِنّ بِبَعْض صور الْحَيَّات فَيظْهر لأعين بني آدم، كَمَا روى ابْن أبي مليكَة (عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة أَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَأَتْ فِي مغتسلها حَيَّة فقتلتها، فَأتيت فِي منامها، فَقيل لَهَا: إِنَّك قتلت مُسلما، فَقَالَت: لَو كَانَ مُسلما مَا دخل على أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ؟ فَقيل: مَا دخل عَلَيْك إلَاّ وَعَلَيْك ثِيَابك، فَأَصْبَحت فزعة، ففرقت فِي الْمَسَاكِين إثني عشر ألفا) . قَالَ ابْن نَافِع: لَا تنذر عوامر الْبيُوت إلَاّ بِالْمَدِينَةِ خَاصَّة على ظَاهر الحَدِيث، وَقَالَ مَالك: تنذر بِالْمَدِينَةِ وَغَيرهَا، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ أوجب، وَلَا تنذر فِي الصحارى، وَقَالَ غَيره: بِالسَّوِيَّةِ بَين الْمَدِينَة وَغَيرهَا، لِأَن الْعلَّة إِسْلَام الْجِنّ، وَلَا يحل قتل مُسلم جني وَلَا أنسي. وَمِمَّا يُؤَكد قتل الْحَيَّة مَا ذكره البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب عَن ابْن مَسْعُود، وَعند الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ذَر (عَن عبد الله: من قتل حَيَّة أَو عقربا فقد قتل كَافِرًا) . وَقَالَ: الْمَوْقُوف أشبه بِالصَّوَابِ. ١٣٨١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النبيِّ ﷺ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ فُوَيْسِقٌ ولَمْ أسْمَعْهُ أمَرَ بِقَتْلِهِ. (الحَدِيث ١٣٨١ طرفه فِي: ٦٠٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فويسق) ، لِأَن تَسْمِيَته ﷺ إِيَّاه فويسقا يَقْتَضِي أَن يكون قَتله مُبَاحا. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس عبد الله أَبُو عَامر الْأَشْجَعِيّ الْمدنِي، ابْن أُخْت مَالك بن أنس. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن وهب بن بَيَان عَن ابْن وهب عَن مَالك بِهِ مُخْتَصرا: (الوزغ فويسق) . قَوْله: (قَالَ للوزغ) اللَّام فِيهِ بِمَعْنى: (عَن، نَحْو: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ (مَرْيَم: ٣٧، وَالْعَنْكَبُوت: ٢١، يس: ٧٤، والأحقاف: ١١) . أَي: عَن الَّذين آمنُوا، وَالْمعْنَى هُنَا، قَالَ عَن الوزغ: فويسق. قلت: وَيجوز أَن يكون للتَّعْلِيل، وَالْمعْنَى: قَالَ لأجل الوزغ: فويسق، والوزغ، بِفَتْح الْوَاو وَالزَّاي وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: جمع وزغة، وَيجمع أَيْضا على: وزغان وأزغان على الْبَدَل. وَقَالَ ابْن سَيّده: عِنْدِي أَن الوزغان إِنَّمَا هُوَ جمع وزغ الَّذِي هُوَ جمع وزغة، كورل وورلان. وَفِي (الصِّحَاح) : وَالْجمع أوزاغ وَفِي (المغيث) : وَالْجمع أوزاغ. قَوْله: (فويسق) ، تَصْغِير: فَاسق، تَصْغِير تحقير. وهوانٍ، وَمُقْتَضَاهُ الذَّم لَهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الوزغ دَابَّة لَهَا قَوَائِم تعدو فِي أصُول الْحَشِيش، قيل: إِنَّهَا تَأْخُذ ضرع النَّاقة وتشرب من لَبنهَا، وَقيل: كَانَت تنفخ فِي نَار إِبْرَاهِيم، ﵊، لتلتهب. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الوزغة دويبة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَهِي الَّتِي يُقَال: سَام أبرص. قلت: هَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَهِي الَّتِي تكون فِي الجدران والسقوف وَلها صَوت تصيح بِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَمِنْه حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (لما أحرق بَيت الْمُقَدّس كَانَت الأوزاغ تنفخه) . قَوْله: (وَلم أسمعهُ أَمر بقتْله) ، هُوَ كَلَام عَائِشَة أَي: لم أسمع النَّبِي، ﷺ ، أَمر بقتل الوزغ، وَإِنَّمَا ذكرت الضَّمِير فِي: بقتْله، نظرا إِلَى ظَاهر اللَّفْظ وَإِن كَانَ جمعا فِي الْمَعْنى، وَقَول عَائِشَة هَذَا لَا يدل على منع قَتله، لِأَنَّهُ قد سَمعه غَيرهَا. وَفِي مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا (أَمر بقتل الأوزاغ) . وَفِي حَدِيث عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتْله) . وَقَالَ أَبُو الْحسن الباغندي فِي (علله) : أَنه وهم، وَالصَّوَاب أَنه مُرْسل، وروى مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعد بن أبي وَقاص أَنه ﷺ أَمر بقتْله، وَفِيه انْقِطَاع بَين الزُّهْرِيّ وَسعد، وَقَالَ ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك، قَالَ: سَمِعت أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بقتل الوزغ، وَعَن أم شريك أَنه ﷺ أَمر بقتلها، على مَا سَيَأْتِي، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (من قتل وزغا فَلهُ صَدَقَة) . وَقَالَ ابْن عمر: (اقْتُلُوا الوزغ فَإِنَّهُ شَيْطَان) ، وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تقتل الوزغ فِي بَيت الله تَعَالَى، وَسَأَلَ إِبْرَاهِيم بن نَافِع عَطاء عَن قَتله فِي الْحرم؟ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ، وَنقل ابْن عبد الْبر الِاتِّفَاق على جَوَاز قَتله فِي الْحل وَالْحرم، لَكِن نقل ابْن عبد الحكم

стр. 2989

وَغَيره عَن مَالك: لَا يقتل الْمحرم الوزغ، زَاد ابْن الْقَاسِم: وَإِن قَتله يتَصَدَّق لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْخمس الْمَأْمُور بقتلها، وَذكر ابْن بزيزة فِي (أَحْكَامه) : قَالَ الطَّحَاوِيّ: لَا يقتل الْمحرم الْحَيَّة وَلَا الوزغ شَيْئا غير الحدأة والغراب وَالْكَلب الْعَقُور والفأرة وَالْعَقْرَب. قلت: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَنه قَالَ: للْمحرمِ قتل الْحَيَّة، وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من قتل وزغة فِي أول ضَرْبَة فَلهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَة، وَمن قَتلهَا فِي الثَّانِيَة فَلهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَة، دون الأولى، وَمن قَتلهَا فِي الضَّرْبَة الثَّالِثَة فَلهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَة دون الثَّانِيَة) . وَفِي لفظ: (من قتل وزغا فِي أول ضَرْبَة كتب لَهُ مائَة حَسَنَة، وَفِي الثَّانِيَة دون ذَلِك، وَفِي الثَّالِثَة دون ذَلِك) . وَفِي لفظ: (فِي أول ضَرْبَة سبعين حَسَنَة) ، وَقَالَ أَبُو عمر: الوزغ مجمع على تَحْرِيم أكله، وَقَالَ ابْن التِّين: أَبَاحَ مَالك قَتله فِي الْحرم، وَكره للْمحرمِ. وَقَالَ ابْن حزم، من طَرِيق سُوَيْد بن غَفلَة، قَالَ: أمرنَا عمر بن الْخطاب بقتل الزنبور وَنحن محرمون، وَعَن حبيب الْمعلم عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، قَالَ: (لَيْسَ فِي الزنبور جَزَاء) . وَقَالَ ابْن حزم: وَأما النَّمْل فَلَا يحل قَتله وَلَا قتل الهدهد وَلَا الصرد وَلَا النَّحْل وَلَا الضفدع لما روينَا من طَرِيق عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ عَن قتل أَربع من الدَّوَابّ: النملة والنحلة والهدهد والصرد) ، وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث سعيد بن خَالِد عَن سعيد بن الْمسيب عَن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان: (أَن طَبِيبا سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ ، عَن ضفدع يَجْعَلهَا فِي دَوَاء فَنَهَاهُ، ﵊،، عَن قَتلهَا) . وَفِي (التَّوْضِيح) : اخْتلف المدنيون فِي الزنبور فشبهه بَعضهم بالحية وَالْعَقْرَب، فَإِن عرض لأنسان فَدفعهُ عَن نَفسه لم يكن فِيهِ شَيْء، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَأْمر بقتْله. وَقَالَ أَحْمد وَعَطَاء: لَا جَزَاء فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: يطعم شَيْئا، قَالَ إِسْمَاعِيل: وَإِنَّمَا لم يدْخل أَوْلَاد الْكَلْب الْعَقُور فِي حكمه لِأَنَّهُنَّ لَا يعقرن فِي صغرهن وَلَا فعل لَهُنَّ. ٨ - (بابٌ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الحَرَمِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يعضد شجر الْحرم، أَي: لَا يقطع، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من: عضدت الشّجر عضدا، من: بَاب ضرب يضْرب إِذا قطعته، والعضد، بِفتْحَتَيْنِ: مَا يكسر من الشّجر أَو يقطع. وَفِي (الْمُحكم) : وَالشَّجر معضود وعضيد واستعضده قطعه. وَفِي (المتهى) : أَي قطعه بالمعضد، يَعْنِي: بِالسَّيْفِ الممتهن فِي قطع الشّجر، وَالشَّجر معضود وعضد بِالتَّحْرِيكِ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ : لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا عَن أبي شُرَيْح فِي هَذَا الْبَاب، وَذكره كَذَلِك عَن ابْن عَبَّاس فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب، وَسَنذكر مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٤٠٧ - (حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي شُرَيْح الْعَدوي أَنه قَالَ لعَمْرو بن سعيد وَهُوَ يبْعَث الْبعُوث إِلَى مَكَّة ائْذَنْ لي أَيهَا الْأَمِير أحَدثك قولا قَامَ بِهِ رَسُول الله ﷺ َ - للغد من يَوْم الْفَتْح فَسَمعته أذناي ووعاه قلبِي وأبصرته عَيْنَايَ حِين تكلم بِهِ إِنَّه حمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِن مَكَّة حرمهَا الله وَلم يحرمها النَّاس فَلَا يحل لامرىء يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يسفك بهَا دَمًا وَلَا يعضد بهَا شَجَرَة فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله ﷺ َ - فَقولُوا لَهُ إِن الله أذن لرَسُوله ﷺ َ - وَلم يَأْذَن لكم وَإِنَّمَا أذن لي سَاعَة من نَهَار وَقد عَادَتْ حرمتهَا الْيَوْم كحرمتها بالْأَمْس وليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب فَقيل لأبي شُرَيْح مَا قَالَ لَك عَمْرو قَالَ أَنا أعلم بذلك مِنْك يَا أَبَا شُرَيْح إِن الْحرم لَا يعيذ عَاصِيا وَلَا فَارًّا بِدَم وَلَا فَارًّا بجزية: خربة بلية)

стр. 2990

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَلَا يعضد بهَا شَجَرَة " وَهَذَا الحَدِيث قد مر بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْعلم فِي بَاب ليبلغ الْعلم الشَّاهِد الْغَائِب وَقد ذكر هُنَاكَ أَكثر مَا يتَعَلَّق بِهِ ونستوفي هَهُنَا جَمِيع مَعَانِيه وَإِن وَقع فِيهِ تكْرَار فَإِن التّكْرَار يُفِيد النَّاظر فِيهِ خُصُوصا إِذا لم يقدر على مَا ذكر هُنَاكَ إِمَّا لبعد الْمسَافَة أَو لوجه آخر وَهَذَا الحَدِيث قد أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن سعيد وَهنا عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن سعيد قَوْله " عَن أبي شُرَيْح الْعَدوي " زَاد هُنَا الْعَدوي قيل نظر فِيهِ لِأَنَّهُ خزاعي من بني كَعْب بن ربيعَة بن لحي بطن من خُزَاعَة وَلِهَذَا يُقَال لَهُ الكعبي أَيْضا لَا عدوي وَلَيْسَ هُوَ من بني عدي لَا عدي قُرَيْش وَلَا عدي مُضر (قلت) يحْتَمل أَنه كَانَ حليفا لبني عدي بن كَعْب من قُرَيْش قَوْله " عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي شُرَيْح " وَفِي رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب " عَن سعيد سَمِعت أَبَا شُرَيْح " أخرجه أَحْمد وَاخْتلف فِي اسْمه فَالْمَشْهُور أَنه خويلد بن عَمْرو أسلم قبل الْفَتْح وَسكن الْمَدِينَة وَمَات بهَا سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وحديثين آخَرين قَوْله " لعَمْرو بن سعيد " هُوَ عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْمَعْرُوف بالأشدق لطيم الشَّيْطَان لَيست لَهُ صُحْبَة وَعرف بالأشدق لِأَنَّهُ صعد الْمِنْبَر فَبَالغ فِي شتم عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأَصَابَهُ لقُوَّة ولاه يزِيد بن مُعَاوِيَة الْمَدِينَة وَكَانَ أحب النَّاس إِلَى أهل الشَّام وَكَانُوا يسمعُونَ لَهُ ويطيعونه وَكتب إِلَيْهِ يزِيد أَن يُوَجه إِلَى عبد الله بن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ جَيْشًا فوجهه وَاسْتعْمل عَلَيْهِم عَمْرو بن الزبير بن الْعَوام وَقَالَ الطَّبَرِيّ كَانَ قدوم عَمْرو بن سعيد واليا على الْمَدِينَة من قبل يزِيد بن مُعَاوِيَة فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتِّينَ وَقيل قدمهَا فِي رَمَضَان مِنْهَا وَهِي السّنة الَّتِي ولي فِيهَا يزِيد الْخلَافَة فَامْتنعَ ابْن الزبير من بيعَته وَأقَام بِمَكَّة فَجهز إِلَيْهِ عَمْرو بن سعيد جَيْشًا وَأمر عَلَيْهِم عَمْرو بن الزبير وَكَانَ معاديا لِأَخِيهِ عبد الله وَكَانَ عَمْرو بن سعيد قد ولاه شرطة ثمَّ أرْسلهُ إِلَى قتال أَخِيه فجَاء مَرْوَان إِلَى عَمْرو بن سعيد فَنَهَاهُ فَامْتنعَ وجاءه أَبُو شُرَيْح فَذكر الْقِصَّة فَلَمَّا نزل الْجَيْش ذَا طوى خرج إِلَيْهِم جمَاعَة من أهل مَكَّة فهزموهم وَأسر عَمْرو بن الزبير فسجنه أَخُوهُ بسجن عَارِم وَكَانَ عَمْرو بن الزبير قد ضرب جمَاعَة من أهل الْمَدِينَة مِمَّن اتهمهم بالميل إِلَى أَخِيه فأقادهم عبد الله مِنْهُ حَتَّى مَاتَ عَمْرو من ذَلِك الضَّرْب قَوْله " وَهُوَ يبْعَث الْبعُوث " جملَة حَالية والبعوث جمع الْبَعْث وَهُوَ الْجَيْش بِمَعْنى مَبْعُوث وَهُوَ من تَسْمِيَة الْمَفْعُول بِالْمَصْدَرِ وَالْمرَاد بِهِ الْجَيْش المجهز لِلْقِتَالِ قَوْله " إيذن " أَصله اأذن بهمزتين فقلبت الثَّانِيَة يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا قَوْله " أَيهَا الْأَمِير " أَصله يَا أَيهَا الْأَمِير فَحذف حرف النداء مِنْهُ قَوْله " قَامَ بِهِ رَسُول الله ﷺ َ - " جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله " قولا " وانتصاب قولا على المفعولية قَوْله " الْغَد " بِالنّصب أَي الثَّانِي من يَوْم الْفَتْح قَوْله " سمعته أذناي " أَي حَملته عَنهُ بِغَيْر وَاسِطَة وَذكر الْأُذُنَيْنِ للتَّأْكِيد قَوْله " ووعاه قلبِي " أَي حفظه وَهُوَ تَحْقِيق لفهمه وتثبته قَوْله " وأبصرته عَيْنَايَ " زِيَادَة تَأْكِيد فِي تحقق ذَلِك قَوْله " حِين تكلم بِهِ " أَي بِذَاكَ القَوْل الْمَذْكُور وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن سَمَاعه مِنْهُ لم يكن مُقْتَصرا على مُجَرّد الصَّوْت بل كَانَ مَعَ الْمُشَاهدَة والتحقق بِمَا قَالَه قَوْله " إِنَّه حمد الله " بَيَان لقَوْله " تكلم " قَوْله " حرمهَا الله " أَي حكم بتحريمها وقضاه بِهِ وَفِيه حجَّة لمن يرى الملتجىء إِلَى مَكَّة مِمَّن عَلَيْهِ دم لَا يقتل فِيهَا لِأَن معنى تَحْرِيم الله إِيَّاهَا أَن لَا يُقَاتل أَهلهَا ويؤمن من استجار بهَا وَلَا يتَعَرَّض لَهُ وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ (فَإِن قلت) جَاءَ فِي حَدِيث أنس أَن إِبْرَاهِيم ﵊ حرم مَكَّة وَسَيَجِيءُ فِي الْجِهَاد (قلت) قيل إِن إِبْرَاهِيم ﵊ حرم مَكَّة بِأَمْر الله تَعَالَى لَا بِاجْتِهَادِهِ وَقيل إِن الله تَعَالَى قضى يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن إِبْرَاهِيم ﵊ سيحرم مَكَّة وَقيل أَن إِبْرَاهِيم أول من أظهر تَحْرِيمهَا بَين النَّاس وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ مَعْنَاهُ أَن الله حرم مَكَّة ابْتِدَاء من غير سَبَب ينْسب لأحد وَلَا لأحد فِيهِ مدْخل قَالَ وَلأَجل هَذَا أكد الْمَعْنى بقوله " وَلم يحرمها النَّاس " وَالْمرَاد بقوله " وَلم يحرمها النَّاس " أَن تَحْرِيمهَا ثَابت بِالشَّرْعِ لَا مدْخل لِلْعَقْلِ فِيهِ وَقيل المُرَاد أَنَّهَا من مُحرمَات الله فَيجب امْتِثَال ذَلِك وَلَيْسَ من مُحرمَات النَّاس يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّة كَمَا حرمُوا أَشْيَاء من عِنْد أنفسهم وَقيل مَعْنَاهُ أَن حرمتهَا مستمرة من أول الْخلق وَلَيْسَت مِمَّا اخْتصّت بِهِ شَرِيعَة النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " وَلَا يعضد " بِصِيغَة الْمَعْلُوم وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى امرىء أَي وَلَا يقطع قَوْله " بهَا " أَي بِمَكَّة وَوَقع فِي رِوَايَة معمر بن شبة بِلَفْظ " لَا يخضد " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بدل الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ يرجع إِلَى معنى يعضد لِأَن أصل الخضد الْكسر وَيسْتَعْمل فِي الْقطع وَكلمَة لَا فِي " وَلَا يعضد " زَائِدَة لتأكيد النَّفْي قَوْله " فَإِن أحد

стр. 2991

ترخص " ارْتِفَاع أحد بِفعل مُضْمر يفسره مَا بعده وَتَقْدِيره فَإِن ترخص أحد وَقَوله " ترخص " على وزن تفعل من الرُّخْصَة وَفِي رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عِنْد أَحْمد " فَإِن ترخص مترخص " وَهُوَ الْمُتَكَلف للرخصة قَوْله " لقِتَال رَسُول الله ﷺ َ - " يتَعَلَّق بقوله " ترخص " أَي لأجل قتال رَسُول الله ﷺ َ - فِيهَا يَعْنِي لَا يَقُول أَن رَسُول الله ﷺ َ - قتل وَأَنا أَيْضا أقتل فَإِذا قَالَ كَذَلِك فَقولُوا لَهُ أَن الله أذن لرَسُوله وَلم يَأْذَن لَك قَوْله " وَإِنَّمَا أذن لي " بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الذَّال على بِنَاء الْفَاعِل وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الله ويروى بِضَم الْهمزَة على الْبناء للْمَجْهُول قَوْله " سَاعَة من نَهَار " قد مضى فِي كتاب الْعلم أَن مِقْدَار هَذِه السَّاعَة مَا بَين طُلُوع الشَّمْس وَصَلَاة الْعَصْر وَكَانَ قتل من قتل بِإِذن النَّبِي ﷺ َ - كَابْن خطل وَقع فِي هَذَا الْوَقْت الَّذِي أُبِيح فِيهِ الْقِتَال للنَّبِي ﷺ َ - وَلَا يحمل الحَدِيث على ظَاهره حَتَّى يحْتَاج إِلَى الْجَواب عَن قصَّة ابْن خطل قَوْله " الْيَوْم " المُرَاد بِهِ الزَّمن الْحَاضِر يَعْنِي عَادَتْ حرمتهَا كَمَا كَانَت بالْأَمْس حَرَامًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلم يبين غَايَة الْحُرْمَة هُنَا وَبَينهَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي يَأْتِي بعد بَاب بقوله " فَهُوَ حرَام بِحرْمَة الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " قَوْله " فَقيل لأبي شُرَيْح " لم يدر هَذَا الْقَائِل لأبي شُرَيْح الْمَذْكُور من هُوَ وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَق أَنه بعض قومه من خُزَاعَة قَوْله " مَا قَالَ لَك عَمْرو " وَهُوَ عَمْرو بن سعيد الْمَذْكُور فِي السَّنَد قَوْله " قَالَ أَنا أعلم " أَي قَالَ عَمْرو بن سعيد أَنا أعلم بذلك أَي بالمذكور من قَول أبي شُرَيْح أَن مَكَّة حرمهَا الله تَعَالَى إِلَى قَوْله فَقيل لأبي شُرَيْح وَالْعجب من عَمْرو بن سعيد حَيْثُ سَاق الحكم مساق الدَّلِيل وخصص الْعُمُوم بِلَا دَلِيل قَوْله " لَا يعيذ " بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي لَا يجير عَاصِيا وَلَا يعصمه قَوْله " وَلَا فَارًّا " بِالْفَاءِ من الْفِرَار وَهُوَ الهروب وَالْمرَاد من وَجب عَلَيْهِ الْحَد لقَتله ثمَّ هرب إِلَى مَكَّة مستجيرا بِالْحرم قَوْله " بخربة " بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي الْمُحكم الخربة يَعْنِي بِالْفَتْح والخربة يَعْنِي بِالضَّمِّ والخرب والخرب الْفساد فِي الدّين والخربة الذلة يُقَال مَا لفُلَان خربة قَالَ أَبُو الْمعَانِي الخارب اللص والخرابة اللصوصية وَقَالَ الْأَصْمَعِي الخارب سَارِق الْبَعِير خَاصَّة وَالْجمع خراب وَخرب فلَان بِإِبِل فلَان يخرب خرابة مثل كتب يكْتب كِتَابَة والخربة الفعلة مِنْهُ وَقَالَ اللحياني خرب فلَان بِإِبِل فلَان يخرب بهَا خربا وخروبا وخرابا وخرابا أَي سَرَقهَا كَذَا حَكَاهُ مُتَعَدِّيا بِالْبَاء وَقَالَ مرّة خرب فلَان أَي صَار لصا وَأَشَارَ ابْن الْعَرَبِيّ إِلَى ضَبطه بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي بدل الرَّاء وبالياء آخر الْحُرُوف بدل الْبَاء الْمُوَحدَة قيل الْمَعْنى صَحِيح وَلَكِن لَا تساعده على ذَلِك الرِّوَايَة (قلت) لم يظْهر لي صِحَة الْمَعْنى مَعَ عدم الرِّوَايَة وَحكى الْكرْمَانِي جِزْيَة بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وَهُوَ أَيْضا بعيد قَوْله " قَالَ أَبُو عبد الله " هُوَ البُخَارِيّ نَفسه فسر الخربة بقوله " بلية " قَالَ بَعضهم هُوَ تَفْسِير من الرَّاوِي ثمَّ قَالَ وَالظَّاهِر أَنه المُصَنّف " قلت " صرح بقوله " قَالَ أَبُو عبد الله " وَلم يبْق وَجه أَن يُقَال تَفْسِير من الرَّاوِي على الْإِبْهَام وَمن الْفَوَائِد هُنَا أَن تعلم أَن من عد كَلَام عَمْرو بن سعيد الْمَذْكُور حَدِيثا وَاحْتج بِمَا تضمنه كَلَامه فقد وهم وهما فَاحِشا وَعَن هَذَا قَالَ ابْن حزم لَا كَرَامَة للطيم الشَّيْطَان أَن يكون أعلم من صَاحب رَسُول الله ﷺ َ - (قلت) أَرَادَ من لطيم الشَّيْطَان هُوَ عَمْرو بن سعيد فَإِنَّهُ كَانَ يلقب بِهِ وَأَرَادَ بِصَاحِب رَسُول الله ﷺ َ - هُوَ أَبُو شُرَيْح الْعَدوي الْمَذْكُور فِيهِ (فَإِن قلت) قَالَ ابْن بطال سكُوت أبي شُرَيْح عَن جَوَاب عَمْرو بن سعيد يدل على أَنه رَجَعَ إِلَيْهِ فِي التَّفْصِيل الْمَذْكُور (قلت) يرد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده أَنه قَالَ فِي آخِره " قَالَ أَبُو شُرَيْح فَقلت لعَمْرو قد كنت شَاهدا وَكنت غَائِبا وَقد أمرنَا أَن يبلغ شاهدنا غائبنا وَقد بلغتك " فَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَنه لم يُوَافقهُ وَإِنَّمَا ترك المشافهة مَعَه لعَجزه عَنهُ لأجل شوكته وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا لَيْسَ قَول عَمْرو جَوَابا لأبي شُرَيْح لِأَنَّهُ لم يخْتَلف مَعَه أَن من أصَاب حدا فِي غير الْحرم ثمَّ لَجأ إِلَيْهِ أَنه يجوز إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ فِي الْحرم فَإِن أَبَا شُرَيْح أنكر بعث عمر والجيش إِلَى مَكَّة وَنصب الْحَرْب عَلَيْهَا فَأحْسن فِي استدلاله بِالْحَدِيثِ وحاد عَمْرو عَن جَوَابه وأجابه عَن غير سُؤَاله وَاعْترض الطَّيِّبِيّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يحد فِي جَوَابه وَإِنَّمَا أجَاب بِمَا يَقْتَضِيهِ القَوْل بِالْمُوجبِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ صَحَّ سماعك وحفظك لَكِن الْمَعْنى المُرَاد بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذكرته خلاف مَا فهمته مِنْهُ قَالَ فَإِن ذَلِك التَّرَخُّص كَانَ بِسَبَب الْفَتْح وَلَيْسَ بِسَبَب قتل من اسْتحق الْقَتْل خَارج الْحرم

стр. 2992

ثمَّ استجار بِالْحرم وَالَّذِي أَنا فِيهِ من الْقَبِيل الثَّانِي. وَمن فَوَائده أَن لَا يجوز قطع أَغْصَان شجر مَكَّة الَّتِي أَنْشَأَهَا الله فِيهَا مِمَّا لَا صنع فِيهِ لبني آدم وَإِذا لم يجز قطع أَغْصَانهَا فَقطع شَجَرهَا أولى بِالنَّهْي وَقَامَ الْإِجْمَاع كَمَا قَالَ ابْن الْمُنْذر على تَحْرِيم قطع شجر الْحرم. وَاخْتلفُوا فِيمَا يجب على قاطعها فَقَالَ مَالك لَا شَيْء عَلَيْهِ غير الاسْتِغْفَار وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَذكر الطَّبَرِيّ عَن عمر مثل مَعْنَاهُ وَقَالَ الشَّافِعِي عَلَيْهِ الْجَزَاء فِي الْجَمِيع الْمحرم فِي ذَلِك والحلال سَوَاء فِي الشَّجَرَة الْكَبِيرَة بقرة وَفِي الصَّغِيرَة شَاة وَفِي الْخشب وَمَا أشبهه فِيهِ قِيمَته بَالِغَة مَا بلغت وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ خص الْفُقَهَاء الشّجر الْمنْهِي عَن قطعه بِمَا ينبته الله تَعَالَى من غير صنع آدَمِيّ فَأَما مَا ينْبت بمعالجة آدَمِيّ فَاخْتلف فِيهِ وَالْجُمْهُور على الْجَوَاز وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَمِيع الْجَزَاء وَرجحه ابْن قدامَة وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ اتَّفقُوا على تَحْرِيم قطع شجر الْحرم إِلَّا أَن الشَّافِعِي أجَاز قطع السِّوَاك من فروع الشَّجَرَة كَذَا نَقله أَبُو ثَوْر عَنهُ وَأَجَازَ أَيْضا أَخذ الْوَرق وَالثَّمَر إِذا كَانَ لَا يَضرهَا وَلَا يهلكها وَبِهَذَا قَالَ عَطاء وَمُجاهد وَغَيرهمَا وأجازوا قطع الشوك بِكَوْنِهِ يُؤْذِي بطبعه فَأشبه الفواسق وَمنعه الْجُمْهُور وَقَالَ ابْن قدامَة وَلَا بَأْس بِالِانْتِفَاعِ بِمَا انْكَسَرَ من الأغصان وَانْقطع من الشّجر بِغَيْر صنع آدَمِيّ وَلَا بِمَا يسْقط من الْوَرق نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا انْتهى وَأجْمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم على إِبَاحَة أَخذ كل مَا ينبته النَّاس فِي الْحرم من الْبُقُول والزروع والرياحين وَغَيرهَا وَفِي التَّلْوِيح وَاخْتلفُوا فِي أَخذ السِّوَاك من شجر الْحرم فروينا عَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعمر بن عُمَيْر أَنهم رخصوا فِي ذَلِك. وَمن فَوَائده جَوَاز إِخْبَار الرجل عَن نَفسه بِمَا يَقْتَضِي بِهِ ثقته وَضَبطه لما سَمعه. وَمِنْهَا إِنْكَار الْعَالم على الْحَاكِم مَا يُغَيِّرهُ من أَمر الدّين وَالْمَوْعِظَة بلطف وتدريج. وَمِنْهَا الِاقْتِصَار فِي الْإِنْكَار على اللِّسَان إِذا لم يسْتَطع بِالْيَدِ. وَمِنْهَا وُقُوع التَّأْكِيد فِي الْكَلَام البليغ. وَمِنْهَا جَوَاز المجادلة فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة. وَمِنْهَا الْخُرُوج عَن عُهْدَة التَّبْلِيغ وَالصَّبْر على المكاره إِذا لم يسْتَطع بدا من ذَلِك. وَمِنْهَا جَوَاز قبُول خبر الْوَاحِد لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَن كل من شهد الْخطْبَة قد لزمَه الإبلاغ وَأَنه لم يَأْمُرهُم بإبلاغ الْغَائِب عَنْهُم أَلا وَهُوَ لَازم لَهُ فرض الْعَمَل بِمَا أبلغه كَالَّذي لزم السَّامع سَوَاء وَإِلَّا لم يكن بِالْأَمر بالتبليغ فَائِدَة. وَمِنْهَا أَن الْحرم لَا يعيذ عَاصِيا. وَفِيه القَوْل للْعُلَمَاء وحجج قد ذَكرنَاهَا فِي كتاب الْعلم وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآل ٩ - (بابٌ لَا يُنَفَّرُ صَيْدُ الحَرَمِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا ينفر صيد الْحرم، وينفر على صِيغَة الْمَجْهُول من التنفير، قيل: هُوَ كِنَايَة عَن الِاصْطِيَاد، وَقيل: على ظَاهره، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحرم التنفير وَهُوَ الإزعاج عَن مَوْضِعه، فَإِن نفره عصي، سَوَاء تلف أَو لَا، فَإِن تلف فِي نفاره قبل سكونه ضمن، وإلَاّ فَلَا، وَيُسْتَفَاد من النَّهْي عَن التنفير تَحْرِيم الْإِتْلَاف بِالطَّرِيقِ الأولى. ٣٣٨١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ إنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لأِحَدٍ قَبْلِي ولَا تَحِلُّ لأِحَدٍ بَعْدِي وَإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ولَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ولَا يُنَفَّرْ صَيْدُهَا ولَا تُلْتَقَطُ لُقَطتُهَا إلَاّ لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ الله إلَاّ الإذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وقُبُورِنا فَقَالَ إلَاّ الأذْخِرَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا ينفر صيدها) ، وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْإِذْخر والحشيش فِي الْقَبْر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب عَن عبد الْوَهَّاب وَهُوَ الثَّقَفِيّ عَن خَالِد هُوَ الْحذاء، وَهَهُنَا أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب إِلَى آخِره، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (فَلم تحل لأحد بعدِي) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَلَا تحل) وَفِي الْبَاب الَّذِي بعده: (وَأَنه لم يحل الْقِتَال فِيهِ لأحد بعدِي) . وَعند البُخَارِيّ فِي أَوَائِل البيع من طَرِيق خَالِد الطَّحَّان عَن خَالِد الْحذاء بِلَفْظ: (فَلم تحل لأحد قبلي وَلَا تحل لأحد بعدِي) ، وَمثله عِنْد أَحْمد من طَرِيق وهب عَن خَالِد، وَقَالَ ابْن بطال:

стр. 2993

المُرَاد بقوله: (وَلَا تحل لأحد بعدِي) الْإِخْبَار عَن الحكم فِي ذَلِك لَا الْإِخْبَار بِمَا سيقع، لوُقُوع خلاف ذَلِك فِي الشَّاهِد كَمَا وَقع من الْحجَّاج وَغَيره. قَوْله: (لَا يختلي) أَي: لَا يجز وَلَا يُؤْخَذ. قَوْله: (خَلاهَا) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة مَقْصُور: الرطب من الْكلأ. قَوْله: (وَلَا تلْتَقط) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وضعن لَا تلْتَقط معنى: لَا يحل الِالْتِقَاط، وَيجوز أَن يكون: لَا تلْتَقط، على صِيغَة الْمَعْلُوم فَتكون اللَّام حِينَئِذٍ فِي الْمُعَرّف زَائِدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حكم جَمِيع الْبِلَاد هَذَا، وَهُوَ أَن لَا تلْتَقط إلَاّ للتعريف. قلت: هَذَا للتعريف الْمُجَرّد أَي: لَا يتملكها بعد التَّعْرِيف، بل يعرفهَا أبدا. قَوْله: (لصاغتنا) جمع صائغ. قَوْله: (إلَاّ الْإِذْخر) ، بِكَسْر الْهمزَة، نبت مَعْرُوف والمستثنى مِنْهُ هُوَ قَوْله: (لَا يخْتَلى خَلاهَا) ، وَمثله يُسمى بِالِاسْتِثْنَاءِ التلقيني. وعنْ خَالِدٍ عَنْ عكْرِمَةَ قَالَ هَلْ تَدْري مَا لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ يَنزِلُ مَكَانَهُ وَعَن خَالِد، عطف على قَوْله: حَدثنَا خَالِد عَن عِكْرِمَة دَاخل فِي الْإِسْنَاد الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ: هَل تَدْرِي) هَذَا خطاب من عِكْرِمَة لخَالِد، يُرِيد أَن يُنَبه عِكْرِمَة بذلك على الْمَنْع من الْإِتْلَاف وَسَائِر أَنْوَاع الْأَذَى، وَهَذَا تَنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقل لَهما أفٍ﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٢) . فَإِذا كَانَ الشَّخْص مَمْنُوعًا عَن القَوْل بأفٍّ لوَالِديهِ فَمَنعه عَن سبهما بطرِيق الأولى. وَقد خَالف فِي ذَلِك عَطاء وَمُجاهد عِكْرِمَة فَإِنَّهُمَا قَالَا: لَا بَأْس بطرده مَا لم يفض إِلَى قَتله، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، وروى أَيْضا من طَرِيق الحكم عَن شيخ من أهل مَكَّة أَن حَماما كَانَ على الْبَيْت، فذرق على يَد عمر، فَأَشَارَ عمر بِيَدِهِ فطار فَوَقع على بعض بيُوت مَكَّة، فَجَاءَت حَيَّة فأكلته، فَحكم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على نَفسه بِشَاة. وروى من طَرِيق آخر عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. نَحوه. قَوْله: (مَا لَا ينفر؟) ، أَي: مَا الشَّيْء الَّذِي ينفر صيد مَكَّة، وَكلمَة: مَا، استفهامية فيستفهم بهَا عَن مَضْمُون الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا أَي: مَا الْغَرَض من لفظ: مَا لَا ينفر صيدها؟ قَوْله: (هُوَ) أَي: التنفير، دلّ عَلَيْهِ قَوْله: (ينفر) من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿اعدلوا هُوَ﴾ (الْمَائِدَة: ٨) . أَي: الْعدْل ﴿أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) . قَوْله: (أَن ينحيه) من التنحية، وَهُوَ الإبعاد من نحى ينحي بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ على صِيغَة الْغَائِب وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى المنفر الَّذِي يدل عَلَيْهِ لفظ ينفر، ويروى: تنحية بِالْخِطَابِ. وَقَوله: (ينزل) بِالْوَجْهَيْنِ أَيْضا، وَمعنى: ينزل، مَكَانَهُ، أَي: مَكَان الصَّيْد، وَهَذِه جملَة وَقعت حَالا. ٠١ - (بابُ لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا يحل الْقِتَال بِمَكَّة أَي فِي مَكَّة. قَوْله: (الْقِتَال) ، هَكَذَا وَقع فِي لفظ الحَدِيث، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم، وَوَقع فِي رِوَايَة أُخْرَى بِلَفْظ: (الْقَتْل) ، وَالْفرق بَين الْقَتْل والقتال ظَاهر، أما الْقَتْل فَنقل بَعضهم الِاتِّفَاق على جَوَاز إِقَامَة حد الْقَتْل فِيهَا على من أوقعه فِيهَا، وَخص الْخلاف بِمن قتل فِي الْحل، ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم. وَمِمَّنْ نقل الْإِجْمَاع على ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ، وَأما الْقِتَال فَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: من خَصَائِص مَكَّة أَن لَا يحارب أَهلهَا، فَلَو بغوا على أهل الْعدْل فَإِن أمكن ردهم بِغَيْر قتال لم يجز، وَإِن لم يُمكن إلَاّ بِالْقِتَالِ. فَقَالَ الْجُمْهُور: يُقَاتلُون لِأَن قتال الْبُغَاة من حُقُوق الله تَعَالَى فَلَا يجوز إضاعتها، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يجوز قِتَالهمْ بل يضيق عَلَيْهِم إِلَى أَن يرجِعوا إِلَى الطَّاعَة. وَقَالَ أبُو شُرَيْحٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ لَا يُسْفَكُ بِهَا دَما أَبُو شُرَيْح: هُوَ الصَّحَابِيّ الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق، وَقد مضى فِيهِ هَذَا التَّعْلِيق مَوْصُولا. ٤٣٨١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طَاوُوس عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ ولَكنْ جِهَادً ونِيَّةٌ وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفُرُوا فإنَّ هذَا بَلَدٌ حَرَّمَ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأِحَدٍ قَبْلِي ولَمْ يَحِلَّ لِي إلَاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمةِ الله إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ولَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ

стр. 2994

إلَاّ مَنْ عَرَّفَهَا ولَا يُخْتَلَى خَلاهَا. قَالَ الْعَبَّاسُ يَا رسولَ الله إلَاّ الإذْخِرُ فإنَّهُ لِقَيُنِهِم ولِبُيُوتِهِمْ قَالَ إلَاّ الإذْخِرَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَهُوَ حرَام بِحرْمَة الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) وَعُثْمَان بن أبي شيبَة هُوَ عُثْمَان بن مُحَمَّد ابْن أبي شيبَة، واسْمه إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان أَبُو الْحسن الْعَبْسِي الْكُوفِي وَهُوَ أَخُو أبي بكر عبد الله بن أبي شيبَة، مَاتَ فِي الْمحرم سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ أكبر من أبي بكر بِثَلَاث سِنِين، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر يروي عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس، كَذَا يرويهِ مَوْصُولا، وَخَالفهُ الْأَعْمَش فَرَوَاهُ عَن مُجَاهِد عَن النَّبِي، ﷺ ، مُرْسلا، أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَن أبي معمر عَنهُ، وَمَنْصُور ثِقَة حَافظ فَالْحكم لوصله. . والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج وَفِي الْجِزْيَة: عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الْجِهَاد: عَن آدم عَن شَيبَان وَعَن عَليّ بن عبد الله وَعَمْرو بن عَليّ، كِلَاهُمَا عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى وَفِيه وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَفِيهِمَا أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع وَفِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج وَالْجهَاد عَن عُثْمَان بِهِ مُنْقَطِعًا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن أَحْمد بن عَبدة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْبيعَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. قَوْله: (يَوْم افْتتح مَكَّة) مَنْصُوب لِأَنَّهُ ظرف: لقَالَ. قَوْله: (لَا هِجْرَة) ، أَي: بعد الْفَتْح، وَكَذَا جَاءَ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ فِي رِوَايَته عَن جرير فِي كتاب الْجِهَاد وَالْهجْرَة من دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام: بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَلم تبقَ هِجْرَة من مَكَّة بعد أَن صَارَت دَار الْإِسْلَام، وَهَذَا يتَضَمَّن معْجزَة لرَسُول الله، ﷺ ، بِأَنَّهَا تبقى دَار الْإِسْلَام لَا يتَصَوَّر مِنْهَا الْهِجْرَة. قَوْله: (وَلَكِن جِهَاد) ، أَي: لَكِن لكم طَرِيق إِلَى تحصل الْفَضَائِل الَّتِي فِي معنى الْهِجْرَة، وَذَلِكَ بِالْجِهَادِ وَنِيَّة الْخَيْر فِي كل شَيْء من لِقَاء رَسُول الله، ﷺ ، وَنَحْوه. وارتفاع: جِهَاد، على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف مقدما، تَقْدِيره: لكم جِهَاد. قَوْله: (وَإِذا استنفرتم) أَي: إِذا دعَاكُمْ الإِمَام إِلَى الْخُرُوج إِلَى الْغَزْو فاخرجوا إِلَيْهِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: (وَلَكِن جِهَاد) ، عطف على مَحل مَدْخُول: (وَلَا هِجْرَة) أَي: الْهِجْرَة من الأوطان إِمَّا هِجْرَة الْفِرَار من الْكفَّار، وَإِمَّا إِلَى الْجِهَاد، وَإِمَّا إِلَى غير ذَلِك كَطَلَب الْعلم، وانقطعت الأولى وَبقيت الأخريان فاغتنموهما وَلَا تقاعدوا عَنْهُمَا، وَإِذا استنفرتم فانفروا. قَوْله: (فَإِن هَذَا بلد) الْفَاء فِيهِ جَوَاب شَرط مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا علمْتُم ذَلِك فاعلموا أَن هَذَا بلد حرَام. قَوْله: (حرم الله) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حرمه الله) بِالْهَاءِ، قَوْله: (بِحرْمَة الله) ، أَي: بِتَحْرِيمِهِ، وَهَذَا تَأْكِيد للتَّحْرِيم. قَوْله: (وَإنَّهُ) أَي: إِن الشَّأْن (لم يحل الْقِتَال فِيهِ) هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني بِلَفْظ: (لم يحل) ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا يحل) ، بِلَفْظ: لَا، وَالْأول أشبه. لقَوْله: (قبلي) . قَوْله: (وَلَا يلتقط) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم وفاعله هُوَ قَوْله: (من عرفهَا) . قَوْله: (خَلاهَا) بِالْقصرِ كَمَا ذكرنَا، وَذكر ابْن التِّين أَنه وَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالْمدِّ، وَهُوَ: الرطب من النَّبَات، واختلاؤه وقطعه واحتشاشه، وَتَخْصِيص التَّحْرِيم بالرطب إِشَارَة إِلَى جَوَاز رعي الْيَابِس واختلائه، وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ للشَّافِعِيَّة، لِأَن النبت الْيَابِس كالصيد الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن قدامَة: لَكِن فِي اسْتثِْنَاء الْإِذْخر إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم الْيَابِس من الْحَشِيش، وَيدل عَلَيْهِ أَن فِي بعض طرق حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (وَلَا يحتش حشيشها) . قَوْله: (قَالَ الْعَبَّاس) ، هُوَ ابْن عبد الْمطلب، كَمَا وَقع كَذَلِك فِي المغاوي من وَجه آخر. قَوْله: (إلَاّ الْإِذْخر) ، قد ذكرنَا أَنه اسْتثِْنَاء تلقيني وَالِاسْتِثْنَاء التلقيني هُوَ أَن الْعَبَّاس لم يرد بِهِ أَن يَسْتَثْنِي هُوَ بِنَفسِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَن يلقن النَّبِي، ﷺ ، بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَاسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على جَوَاز الْفَصْل بَين الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ، وَمذهب الْجُمْهُور اشْتِرَاط الِاتِّصَال إِمَّا لفظا وَإِمَّا حكما كجواز الْفَصْل بالتنفس مثلا، وَقد اشْتهر عَن ابْن عَبَّاس الْجَوَاز مُطلقًا، وَاحْتج لَهُ بِظَاهِر هَذِه القة. وَأجَاب الْجُمْهُور عَنهُ بِأَن هَذَا الِاسْتِثْنَاء فِي حكم الْمُتَّصِل لاحْتِمَال أَن يكون النَّبِي، ﷺ ، أَرَادَ أَن يَقُول: إلَاّ الْإِذْخر، فَشَغلهُ الْعَبَّاس بِكَلَامِهِ، فوصل كَلَامه بِكَلَام نَفسه، فَقَالَ: إلَاّ الْإِذْخر، وَقد قَالَ مَالك: يجوز الْفَصْل مَعَ إِضْمَار الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا بالمستثنى مِنْهُ. فَإِن قلت: هَل كَانَ قَوْله ﷺ (إلَاّ الْإِذْخر؟) بِاجْتِهَاد أَو وَحي؟ قلت: اخْتلفُوا فِيهِ

стр. 2995

فَقيل: أوحى الله قبل ذَلِك أَنه إِن طلب أحد اسْتثِْنَاء شَيْء من ذَلِك فأجب سُؤَاله، وَقيل: كَانَ الله تَعَالَى فوض لَهُ الحكم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مُطلقًا. وَحكى ابْن بطال عَن الْمُهلب: أَن الِاسْتِثْنَاء هُنَا للضَّرُورَة كتحليل أكل الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة، وَقد بَين الْعَبَّاس ذَلِك بِأَن الْإِذْخر لَا غنى لأهل مَكَّة عَنهُ، ورد عَلَيْهِ بِأَن الَّذِي يُبَاح للضَّرُورَة يشْتَرط حُصُولهَا فِيهِ، فَلَو كَانَ الْإِذْخر مثل الْميتَة لامتنع اسْتِعْمَاله إلَاّ فِيمَن تحققت ضَرُورَته فِيهِ، وَالْإِجْمَاع على أَنه مُبَاح مُطلقًا بِغَيْر قيد الضَّرُورَة، وَقيل: الْحق أَن سُؤال الْعَبَّاس كَانَ على معنى الضراعة وترخيص النَّبِي ﷺ كَانَ تبليغا عَن الله تَعَالَى، إِمَّا بطرِيق الإلهام أَو بطرِيق الْوَحْي، وَمن ادّعى أَن نزُول الْوَحْي يحْتَاج إِلَى أمد متسع فقد وهم، وَيجوز فِي الْإِذْخر الرّفْع على أَنه بدل مِمَّا قبله، وَيجوز النصب لكَونه اسْتثِْنَاء وَقع بعد النَّهْي، وَقَالَ ابْن مَالك: وَالْمُخْتَار النصب لكَون الِاسْتِثْنَاء وَقع متراخيا عَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، فبعدت المشاكلة بالبدلية، لكَون الِاسْتِثْنَاء أَيْضا عرض فِي آخر الْكَلَام، وَلم يكن مَقْصُودا. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الْإِذْخر. قَوْله: (لِقَيْنِهِم) ، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء فِي آخر الْحُرُوف بعْدهَا نون، وَهُوَ الْحداد. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الْقَيْن عِنْد الْعَرَب كل ذِي صناعَة يعالجها بِنَفسِهِ. قَوْله: (ولبيوتهم) يَعْنِي: لسقوف بُيُوتهم حَيْثُ يجعلونه فَوق الْخشب، وَقَالَ التَّيْمِيّ: مَعْنَاهُ يوقدونه فِي بُيُوتهم، وَفِي رِوَايَة الْمَغَازِي: (فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهُ للقين والبيوت) ، وَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة: (فَإِنَّهُ لصاغتنا وَقُبُورنَا) . وَوَقع فِي مُرْسل مُجَاهِد عِنْد عمر بن شبة الْجمع بَين الثَّلَاثَة، وَوَقع عِنْده أَيْضا، (فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله! إِن أهل مَكَّة لَا صَبر لَهُم عَن الْإِذْخر لِقَيْنِهِم وَبُيُوتهمْ) . وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: جَوَاز مُرَاجعَة الْعَالم فِي الْمصَالح الشَّرْعِيَّة والمبادرة إِلَى ذَلِك فِي المجامع والمشاهد. وَمِنْهَا: عظم منزلَة الْعَبَّاس عِنْد النَّبِي ﷺ . وَمِنْهَا عنايته بِأَمْر مَكَّة لكَونه كَانَ مِنْهَا أَصله ومنشؤه. وَمِنْهَا: رفع وجوب الْهِجْرَة عَن مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وإبقاء حكمهَا من بِلَاد الْكفْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَمِنْهَا: أَنه يشْتَرط الْإِخْلَاص للْجِهَاد وَلكُل نِيَّة فِيهَا خير، وَالله أعلم. ١١ - (بابُ الحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحجامَة للْمحرمِ، هَل يمْنَع مِنْهَا أَو يُبَاح لَهُ مُطلقًا أَو للضَّرُورَة؟ وَالْمرَاد فِي ذَلِك كُله المحجوم لَا الحاجم. وكَوَى ابنُ عُمَرَ ابْنَهُ وهْوَ مُحْرُمٌ يسْتَأْنس مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن كلاًّ من الْحجامَة والكي يسْتَعْمل للتداوي عِنْد الضَّرُورَة، وَابْن عمر هُوَ عبد الله، وَاسم ابْنه وَاقد بِالْقَافِ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق مُجَاهِد، قَالَ: أصَاب وَاقد بن عبد الله بن عمر برسام فِي الطَّرِيق وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى مَكَّة، فكواه ابْن عمر. ويَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ أَي: ويتداوى الْمحرم بدواء مَا لم يكن فِيهِ طيب، وَفِي بعض النّسخ: بِمَا لم يكن فِيهِ طيب، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا من تَتِمَّة التَّرْجَمَة وَلَيْسَ فِي أثر ابْن عمر كَمَا ترى، وَأما قَول الْكرْمَانِي: يتداوى، فَاعله إِمَّا الْمحرم وَإِمَّا ابْن عمر، فَكَلَام من لم يقف على أثر ابْن عمر. انْتهى. قلت: أما قَول هَذَا الْقَائِل: هَذَا من تَتِمَّة التَّرْجَمَة، فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن أثر ابْن عمر فَأصل يمْنَع أَن يكون هَذَا من التَّرْجَمَة، وَأما قَول الْكرْمَانِي: وَأما ابْن عمر فَكَذَلِك، لَيْسَ بِشَيْء لوُقُوع هَذَا أَيْضا بعد أثر ابْن عمر فِي غير مَحَله، وَمَعَ هَذَا أَشَارَ بِهِ إِلَى جَوَاز التَّدَاوِي للْمحرمِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ طيب، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي أَوَائِل الْحَج فِي: بَاب الطّيب عِنْد الْإِحْرَام، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يشم الْمحرم الريحان، وَينظر فِي الْمرْآة ويتداوى وَيَأْكُل الزَّيْت وَالسمن، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق الْحسن، قَالَ: إِن أصَاب الْمحرم شجة فَلَا بَأْس بِأَن يَأْخُذ مَا حولهَا من الشّعْر ثمَّ يداويها بِمَا لَيْسَ فِيهِ طيب. ٥٣٨١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌ وأولُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ احْتَجَمَ رسولُ الله ﷺ وهُوَ مُحْرِمٌ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ حدَّثني طاوُوسٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة.

стр. 2996

الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس: طَاوُوس الْيَمَانِيّ. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن مُسَدّد، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الصَّوْم عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن مَنْصُور وَفِي الْبَاب عَن أنس وَعبد الله بن بُحَيْنَة وَجَابِر وَابْن عمر. أما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة معمر (عَن قَتَادَة عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ احْتجم على ظهر الْقدَم من وجع كَانَ بِهِ) رَوَاهُ ابْن عدي من رِوَايَة عبد الله بن عمر الْعمريّ عَن حميد (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي، ﷺ ، احْتجم وَهُوَ محرم من وجع كَانَ فِي رَأسه) . وَأما حَدِيث عبد الله بن بُحَيْنَة فمتفق عَلَيْهِ على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ابي الزبير (عَن جَابر أَن النَّبِي، ﷺ ، احْتجم وَهُوَ محرم من وثي كَانَ بِهِ) . وَقَالَ ابْن مَاجَه من رهصة أَخَذته. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة مُسلم بن سَالم الْبَلْخِي عَن عبيد الله الْعمريّ (عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: احْتجم رَسُول الله ﷺ وَهُوَ محرم صَائِم وَأعْطى الْحجام أجره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ عَمْرو) أَي: عَمْرو بن دِينَار. قَوْله: (أول شَيْء) أَي: أول مرّة بِقَرِينَة، ثمَّ سمعته يَقُول: أَي روى عَطاء أَولا عَن ابْن عَبَّاس بِدُونِ الْوَاسِطَة وَثَانِيا بِوَاسِطَة طَاوُوس، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي ورد عَلَيْهِ بَعضهم، فَقَالَ: هَذَا كَلَام من لم يقف على طرق الحَدِيث، وَلَا يعلم مَعَ ذَلِك لعطاء عَن طَاوُوس رِوَايَة أصلا. قلت: الردّ لَهُ وَجه، لِأَن إِثْبَات الْوَاسِطَة ونفيها فِي رِوَايَة عَطاء لَا دخل لَهُ هُنَا، وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي أَن عَمْرو بن دِينَار تَارَة يَقُول: سَمِعت عَطاء يَقُول: سَمِعت ابْن عَبَّاس، وَتارَة يَقُول: سَمِعت طاووسا عَن ابْن عَبَّاس، فَهَذَا يدل على أَن عمرا سمع من عَطاء وطاووس، وَهُوَ كَذَلِك على مَا نذكرهُ عَن مُسلم وَغَيره. قَوْله: (وَهُوَ محرم) ، جملَة حَالية. قَوْله: (ثمَّ سمعته يَقُول) ، مقول سُفْيَان وَالضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى عَمْرو، وَكَذَا قَوْله: (فَقلت لَعَلَّه سَمعه) ، أَي: لَعَلَّ عمرا سمع الحَدِيث مِنْهُمَا، أَي: من عَطاء وطاووس، وَقد بَين ذَلِك الْحميدِي عَن سُفْيَان فَقَالَ: حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث عَمْرو مرَّتَيْنِ فَذكره، لَكِن قَالَ: فَلَا أَدْرِي أسمعهُ مِنْهُمَا أَو كَانَت إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وهما؟ وَزَاد أَبُو عوَانَة: قَالَ سُفْيَان: ذكر لي أَنه سَمعه مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَفِي رِوَايَة مُسلم: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن طَاوُوس وَعَطَاء عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن سُفْيَان يَعْنِي ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: قَالَ لنا عَمْرو، يَعْنِي: ابْن دِينَار: سَمِعت عَطاء قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَقُول: (احْتجم النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ محرم) . ثمَّ قَالَ بعد: أَخْبرنِي طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس: (احْتجم النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ محرم) وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة عَن عبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء عَن ابْن عُيَيْنَة نَحْو رِوَايَة عَليّ بن عبد الله، وَقَالَ فِي آخِره، فَظَنَنْت أَنه رَوَاهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: دلّ الحَدِيث على جَوَاز الْحجامَة للْمحرمِ مُطلقًا، وَبِه قَالَ عَطاء ومسروق وَإِبْرَاهِيم وطاووس وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَأخذُوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، وَقَالُوا: مَا لم يقطع الشّعْر. وَقَالَ قوم: لَا يحتجم الْمحرم إلَاّ من ضَرُورَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر، وَبِه قَالَ مَالك، وَحجَّة هَذَا القَوْل أَن بعض الروَاة يَقُول: (إِن النَّبِي، ﷺ ، احْتجم لضَرَر كَانَ بِهِ) . رَوَاهُ هِشَام بن حسان عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا احْتجم وَهُوَ محرم فِي رَأسه لأَذى كَانَ بِهِ) . وَرَوَاهُ حميد الطَّوِيل (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: احْتجم رَسُول الله ﷺ من وجع كَانَ بِهِ) . وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه لَا يجوز لَهُ حلق شَيْء من شعر رَأسه حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر إلَاّ من ضَرُورَة، وَأَنه إِن حلقه من ضَرُورَة فَعَلَيهِ الْفِدْيَة الَّتِي قضى بهَا رَسُول الله ﷺ على كَعْب بن عجْرَة، فَإِن لم يحلق المحتجم شعرًا فَهُوَ كالعرق يقطعهُ، أَو الدمل يبطه، أَو القرحة ينكؤها، وَلَا يضرّهُ ذَلِك وَلَا شَيْء عَلَيْهِ عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء. وَعند الْحسن الْبَصْرِيّ: عَلَيْهِ الْفِدْيَة. وَقَالَ ابْن التِّين: الْحجامَة ضَرْبَان: مَوضِع يحْتَاج إِلَى

стр. 2997

حلق الشّعْر فيفتدى من فعله، وَالْأَصْل جَوَازه لهَذَا الْخَبَر، وَفِي الْفِدْيَة قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١ و ٦٩١) . الْآيَة، وَمَوْضِع يحْتَاج إِلَى حلق فِي غير الرَّأْس فيفتدى، قَالَ عبد الْملك فِي (الْمَبْسُوط) : شعر الرَّأْس والجسد سَوَاء، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أهل الظَّاهِر: لَا فديَة عَلَيْهِ إلَاّ أَن يحلق رَأسه، وَإِن كَانَت الْحجامَة فِي مَوضِع لَا يحْتَاج إِلَى حلق فَإِن كَانَت لضَرُورَة جَازَت وَلَا فديَة، وَإِن كَانَت لغير ضَرُورَة فَمَنعه مَالك وَأَجَازَهُ سَحْنُون، وَرُوِيَ نَحوه عَن عَطاء. ٦٣٨١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلالٍ عنْ علْقَمَةَ بنِ أبِي عَلقَمَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ الأعْرَجِ عنِ ابنِ بُحَيْنَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ احْتَجَمَ النبيُّ ﷺ وهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وسطِ رأسِهِ. (الحَدِيث ٦٣٨١ طرفه فِي: ٨٩٦٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم: البَجلِيّ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو محكد الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة واسْمه بِلَال مولى عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، مَاتَ فِي أول خلَافَة أبي جَعْفَر. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج. الْخَامِس: عبد الله بن بُحَيْنَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون: وَهُوَ عبد الله بن مَالك بن القشب، وبحينة أمه وَهِي بنت الْأَرَت. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه كُوفِي والبقية مدنيون. وَفِيه: أَن عَلْقَمَة لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، لِأَن عَلْقَمَة تَابِعِيّ صَغِير سمع أنسا. وَفِيه: سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عَلْقَمَة وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق مُحَمَّد ابْن خَالِد عَن سُلَيْمَان أَخْبرنِي عَلْقَمَة. وَفِيه: عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن ابْن بُحَيْنَة، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الطِّبّ: عَن إِسْمَاعِيل وَهُوَ ابْن أبي أويس عَن سُلَيْمَان عَن عَلْقَمَة أَنه سمع عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج أَنه سمع عبد الله بن بُحَيْنَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن أسماعيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هِلَال بن بشر. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ محرم) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (بِلحي جمل) ، بِفَتْح اللامويروى بِكَسْرِهَا وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف، وَفتح الْجِيم بعْدهَا مِيم وَلَام، وَهُوَ اسْم مَوضِع بَين الْمَدِينَة وَمَكَّة، وَهُوَ إِلَى الْمَدِينَة أقرب، وَقد وَقع مُبينًا فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل (بِلحي جمل من طَرِيق مَكَّة) . وَذكر الْبكْرِيّ فِي (مُعْجَمه) فِي رسم العقيق قَالَ: هِيَ بِئْر جمل الَّتِي ورد ذكرهَا فِي حَدِيث أبي جهم، وَهُوَ الَّذِي مضى فِي التَّيَمُّم، وَقَالَ غَيره: هِيَ عقبَة الْجحْفَة على سَبْعَة أَمْيَال من السقيا، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: (بلحيي جمل) ، بِصِيغَة التَّثْنِيَة، وَوَقع لغيره بِالْإِفْرَادِ، وَمن زعم أَنه فكَّا الْجمل الْحَيَوَان الْمَعْرُوف، وَأَنه كَانَ آلَة الحجم فقد أَخطَأ، وَجزم الْحَازِمِي وَغَيره بِأَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (فِي وسط رَأسه) ، بِفَتْح السِّين. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَشْهُور أَن الْوسط بِفَتْح السِّين هُوَ كمركز الدائرة، وبسكونها أَعم من ذَلِك، وَالْأول اسْم وَالثَّانِي ظرف. وَفِي حَدِيث (الْمُوَطَّأ) : (احْتجم فَوق رَأسه بِلحي جمل) ، وَرُوِيَ أَنه قَالَ: إِنَّهَا شِفَاء من النعاس والصداع والأضراس، وَقَالَ اللَّيْث: لَيست فِي وسط الرَّأْس إِنَّمَا هِيَ فِي فأس الرَّأْس، وَأما الَّتِي فِي وسط الرَّأْس فَرُبمَا أعمت، وَفِي (الطَّبَقَات) لِابْنِ سعد: حجمه أَبُو ظَبْيَة ليماني عشرَة من شهر رَمَضَان نَهَارا من حَدِيث جَابر، وَمن حَدِيث ابْن عَبَّاس: احْتجم بالقاحة وَهُوَ صَائِم محرم، وَفِي لفظ: (محرم من أَكلَة أكلهَا من شَاة سمتها امْرَأَة من أهل خَيْبَر) ، وَفِي حَدِيث بكير بن الْأَشَج: احْتجم فِي القمحدودة، وَفِي حَدِيث عبد الله بن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ يسميها منقدا، وَفِي حَدِيث أنس: المغيثة، وَفِي (الْمُسْتَدْرك) على شَرطهمَا: (عَن أنس أَن النَّبِي، ﷺ ، احْتجم وَهُوَ محرم على ظهر الْقدَم من وجع كَانَ بِهِ) . وَقد مر عَن قريب، وَفِي تَعْلِيق البُخَارِيّ: (من شَقِيقَة كَانَت بِهِ) . وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على جَوَاز الفصد وبط الْجرْح والدمل وَقطع الْعرق وَقلع الضرس وَغير ذَلِك من وُجُوه التَّدَاوِي إِذا لم يكن فِي ذَلِك ارْتِكَاب مَا نهى الْمحرم عَنهُ من تنَاول الطّيب وَقطع الشّعْر، وَلَا فديَة عَلَيْهِ فِي شَيْء من ذَلِك.

стр. 2998

٢١ - (بابُ تَزْوِيجِ المحْرِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَزْوِيج الْمحرم، وَلم يبين هَل هُوَ جَائِز أَو غير جَائِز اكْتِفَاء بِمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب فَإِنَّهُ يدل على أَنه يجوز، وَإِشَارَة إِلَى أَنه لم يثبت عِنْده النَّهْي عَن ذَلِك، وَلَا ثَبت أَنه من الخصائص. ٧٣٨١ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ عَبْدُ القُدُّوسِ بنُ الحَجَّاجِ قَالَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني عطَاءُ بنُ أبِي رَباحٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهْوَ مُحْرِمٌ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ تَزْوِيج الْمحرم، وَفِيه بَيَان أَيْضا لما أبهمه فِي التَّرْجَمَة، وَهُوَ أَنه جَائِز. وَأَبُو الْمُغيرَة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا: عبد القدوس بن الْحجَّاج الْحِمصِي، مَاتَ سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَالْأَوْزَاعِيّ: عبد الرَّحْمَن بن عمر. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن صَفْوَان بن عَمْرو الْحِمصِي، وَفِيه وَفِي الصَّوْم عَن شُعَيْب بن شُعَيْب وَفِي الصَّوْم أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن أَيُّوب مُرْسلا، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث هِشَام بن حسان عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله، ﷺ ، تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم) ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ من رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس نَحوه، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: سَمِعت أَبَا الشعْثَاء يحدث (عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي، ﷺ ، تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأَبُو الشعْثَاء اسْمه جَابر بن زيد، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه كلهم من رِوَايَة سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار نَحوه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قلت: أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ تزوج وَهُوَ محرم) ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا. وَلَفظه: (تزوج رَسُول الله، ﷺ ، بعض نِسَائِهِ وَهُوَ محرم) ، وَأَبُو عوَانَة الوضاح، وَأَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من رِوَايَة كَامِل أبي الْعَلَاء عَن أبي صَالح (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: تزوج رَسُول الله، ﷺ ، مَيْمُونَة وَهُوَ محرم) . وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحكم بن عتيبة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَعِكْرِمَة ومسروق وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، قَالُوا: لَا بَأْس للْمحرمِ أَن ينْكح، وَلكنه لَا يدْخل بهَا حَتَّى يحل، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَسَالم وَالقَاسِم وَسليمَان بن يسَار وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: لَا يجوز للْمحرمِ أَن يَنكَحَ وَلَا يُنكِحَ غَيره، فَإِن فعل ذَلِك فَالنِّكَاح بَاطِل، وَهُوَ قَول عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع عَن نبيه بن وهب: أَن عمر بن عبد الله أَرَادَ أَن يُزَوّج طَلْحَة بن عمر بنت شيبَة بن جُبَير، فَأرْسل إِلَى أبان بن عُثْمَان يحضر ذَلِك وَهُوَ أَمِير الْحَاج، فَقَالَ أبان: سَمِعت عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح وَلَا يخْطب) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن القعْنبِي عَن مَالك إِلَى آخِره. قَوْله: (وَلَا ينْكح) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْكَاف من الْإِنْكَاح، وَمَعْنَاهُ: لَا ينْكح غَيره، أَي: لَا يعْقد على غَيره، وَوَجهه أَنه لما كَانَ مَمْنُوعًا من نِكَاح نَفسه مُدَّة الْإِحْرَام، كَانَ معزولاً تِلْكَ الْمدَّة أَن يعْقد لغيره، وشابه الْمَرْأَة الَّتِي لَا تعقد على نَفسهَا وعَلى غَيرهَا. قَوْله: (وَلَا يخْطب) ، لما فِي الْخطْبَة من التَّعَرُّض إِلَى النِّكَاح، ثمَّ قَالُوا لأهل الْمقَالة الأولى: من يتابعكم أَن رَسُول الله، ﷺ ، تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم، وَهَذَا أَبُو رَافع ومَيْمُونَة يذكران أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ وَهُوَ حَلَال؟ فَذكرُوا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن مطر الْوراق عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُلَيْمَان بن يسَار (عَن أبي رَافع، قَالَ: (تزوج رَسُول الله ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال، وَكنت أَنا الرَّسُول فِيمَا بَينهمَا) . وَحَدِيث مَيْمُونَة رَوَاهُ مُسلم: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن آدم، قَالَ: حَدثنَا جرير بن حَازِم، قَالَ: حَدثنَا أَبُو فَزَارَة (عَن يزِيد ابْن الْأَصَم، قَالَ: حَدَّثتنِي مَيْمُونَة أَن رَسُول الله ﷺ تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال، قَالَ: وَكَانَت خَالَتِي وَخَالَة ابْن عَبَّاس) . وَأخرجه

стр. 2999

التِّرْمِذِيّ وَفِي آخِره: (وَبنى بهَا حَلَالا، وَمَاتَتْ بسرف ودفنها فِي الظلة الَّتِي بنى فِيهَا) . وَأجَاب أهل الْمقَالة الأولى عَن هَذَا بِأَن فِي حَدِيث أبي رَافع مَطَرا الْوراق، وَهُوَ عِنْدهم لَيْسَ مِمَّن يحْتَج بحَديثه، وَقد رَوَاهُ مَالك وَهُوَ أضبط مِنْهُ وأحفظ، فَقَطعه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا حَدِيث حسن وَلَا نعلم أحدا أسْندهُ غير حَمَّاد بن زيد عَن مطر الْوراق عَن ربيعَة، وَرَوَاهُ مَالك ابْن أنس (عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن النَّبِي ﷺ تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال) ، رَوَاهُ مَالك مُرْسلا، قَالَ: رَوَاهُ أَيْضا سُلَيْمَان ابْن بِلَال عَن ربيعَة مُرْسلا، وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيث مَالك عَن ربيعَة فِي هَذَا الْبَاب غير مُتَّصِل، وَقد رَوَاهُ مطر الْوراق فوصله، رَوَاهُ حَمَّاد بن زيد عَن مطر الْوراق عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن أبي رَافع، وَهَذَا عِنْدِي غلط فِي مطر، لِأَن سُلَيْمَان بن يسَار ولد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ، وَقيل: سنة تسع وَعشْرين. وَمَات أَبُو رَافع بِالْمَدِينَةِ بعد قتل عُثْمَان بِيَسِير، وَكَانَ قتل عُثْمَان فِي ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ، وَغير جَائِز وَلَا مُمكن أَن يسمع سُلَيْمَان من أبي رَافع، فَلَا معنى لرِوَايَة مطر، وَمَا رَوَاهُ مَالك أولى، وَالْعجب من الْبَيْهَقِيّ يعرف هَذَا الْمِقْدَار فِي هَذَا الحَدِيث ثمَّ يسكت عَنهُ، وَيَقُول: مطر بن طهْمَان الْوراق قد احْتج بِهِ مُسلم بن الْحجَّاج. قُلْنَا: وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَهُوَ لَيْسَ كرواة حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَلَا قَرِيبا مِنْهُم. وَقد قَالَ النَّسَائِيّ: مطر لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَعَن أَحْمد: كَانَ فِي حفظه سوء، وَأَجَابُوا عَن حَدِيث مَيْمُونَة بِأَن عَمْرو بن دِينَار قد ضعف يزِيد ابْن الْأَصَم فِي خطابه لِلزهْرِيِّ، وَترك الزُّهْرِيّ الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَأخرجه من أهل الْعلم وَجعله أَعْرَابِيًا بوالاً على عَقِبَيْهِ، وهم يضعفون الرجل بِأَقَلّ من هَذَا الْكَلَام، وبكلام من هُوَ أقل من عَمْرو بن دِينَار، وَالزهْرِيّ، وَمَعَ هَذَا فَالَّذِينَ رووا أَنه ﷺ تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم نَحْو سعيد بن جُبَير وَعَطَاء وطاووس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَجَابِر بن زيد أَعلَى وَأثبت من الَّذين رووا أَنه تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال، وَمَيْمُون بن مهْرَان وحبِيب بن الشهير وَنَحْوهمَا لَا يلحقون هَؤُلَاءِ الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج (عَن عَطاء، قَالَ: تزوج النَّبِي ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ محرم) . وَفِي (الطَّبَقَات) لِابْنِ سعد أَنبأَنَا أَبُو نعيم حَدثنَا جَعْفَر بن برْقَان عَن مَيْمُون بن مهْرَان. قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد عَطاء فَسَأَلَهُ رجل: هَل يتَزَوَّج الْمحرم؟ فَقَالَ عَطاء: مَا حرم الله النِّكَاح مُنْذُ أحله، قَالَ مَيْمُون: فَذكرت لَهُ حَدِيث يزِيد بن الْأَصَم تزوج النَّبِي ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال. قَالَ: فَقَالَ عَطاء: مَا كُنَّا نَأْخُذ هَذَا إِلَّا عَن مَيْمُونَة، وَكَذَا نسْمع أَن رَسُول الله ﷺ تزَوجهَا وَهُوَ محرم) . وأنبأنا ابْن نمير وَالْفضل بن دُكَيْن عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة (عَن الشّعبِيّ أَن النَّبِي، ﷺ ، تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم) ، وأنبأنا جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد وأنبأنا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا قُرَّة بن خَالِد حَدثنَا أَبُو يزِيد الْمَدِينِيّ، قَالَا: (إِن النَّبِي ﷺ تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم) . وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر. قَالَ: سَأَلت أنس بن مَالك عَن نِكَاح الْمحرم؟ فَقَالَ: مَا بِهِ بَأْس هَل هُوَ إلَاّ كَالْبيع؟ وَذكره أَيْضا ابْن حزم عَن معَاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: يَقُول من أجَاز نِكَاح الْمحرم لَا يعدل يزِيد بن الْأَصَم أعز أبي بِابْن عَبَّاس، قَالُوا: وَقد يخفى على مَيْمُونَة كَون سيدنَا رَسُول الله ﷺ محرما، فالمخبر بِكَوْنِهِ كَانَ محرما مَعَه زِيَادَة علم، قَالُوا: وَخبر ابْن عَبَّاس وَارِد بِزِيَادَة حكم فَهُوَ أولى. وَقَالُوا فِي خبر عُثْمَان: مَعْنَاهُ لَا يوطىء غَيره وَلَا يطَأ. قَالَ أَبُو مُحَمَّد هُوَ ابْن حزم وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء أما تأويلهم فِي خبر عُثْمَان فقد بَينه قَوْله ﷺ : (وَلَا يخْطب) ، فصح أَنه أَرَادَ النِّكَاح الَّذِي هُوَ العقد. وَأما ترجيحهم ابْن عَبَّاس على يزِيد فَنعم، وَالله لَا يقرن يزِيد بِعَبْد الله وَلَا كَرَامَة، وَهَذَا تمويه مِنْهُم لِأَن يزِيد إِنَّمَا رَوَاهُ عَن مَيْمُونَة وروى أَصْحَاب ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس، وَنحن لَا نقرن ابْن عَبَّاس صَغِير من الصَّحَابَة إِلَى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ، لَكِن نعدل يزِيد إِلَى أَصْحَاب ابْن عَبَّاس، وَلَا نقطع بفضلهم عَلَيْهِ، وَأما قَوْلهم: قد يخفى على مَيْمُونَة إِحْرَامه إِذا تزَوجهَا، فيعارضون بِأَن يُقَال لَهُم: قد يخفى على ابْن عَبَّاس إحلال رَسُول الله ﷺ من إِحْرَامه، فالمخبرة بِكَوْنِهِ قد أحل زَائِدَة عَاما، وَأما قَوْلهم: خبر ابْن عَبَّاس وَارِد بِحكم زَائِد، فَلَيْسَ كَذَلِك بل خبر عُثْمَان هُوَ الزَّائِد الحكم، فَبَقيَ أَن يرجح خبر عُثْمَان وَخبر مَيْمُونَة على خبر ابْن عَبَّاس. فَنَقُول: خبر يزِيد عَنْهَا هُوَ الْحق، وَقَول ابْن عَبَّاس وهم لَا شكّ فِيهِ لوجوه: أَولهَا: أَنَّهَا على علم بِنَفسِهَا مِنْهُ، ثَانِيهَا: أَنَّهَا كَانَت إِذْ ذَاك امْرَأَة كَامِلَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَوْمئِذٍ ابْن عشرَة أَعْوَام وَأشهر، فَبين الضبطين فرق لَا يخفى. ثَالِثهَا: أَنه، ﷺ ، إِنَّمَا تزَوجهَا فِي عمْرَة الْقَضَاء هَذَا مِمَّا لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان وَمَكَّة يَوْمئِذٍ دَار حَرْب،

стр. 3000

وَإِنَّمَا هادنهم النَّبِي، ﷺ ، على أَن يدخلهَا مُعْتَمِرًا وَيبقى فِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام فَقَط، ثمَّ يخرج فَأتى من الْمَدِينَة محرما بِعُمْرَة، وَلم يقدم شَيْئا إِذْ دخل على الطّواف وَالسَّعْي، وَتمّ إِحْرَامه فِي الْوَقْت وَلم يشك أحد فِي أَنه إِنَّمَا تزَوجهَا بِمَكَّة حَاضرا بهَا لَا بِالْمَدِينَةِ، فصح أَنَّهَا بِلَا شكّ إِنَّمَا تزَوجهَا بعد تَمام إِحْرَامه لَا فِي حَال طَوَافه وسعيه، فارتفع الْإِشْكَال جملَة وَبَقِي خبر عُثْمَان ومَيْمُونَة لَا معَارض لَهما، ثمَّ لَو صَحَّ خبر ابْن عَبَّاس بِيَقِين وَلم يَصح خبر مَيْمُونَة لَكَانَ خبر عُثْمَان هَذَا الزَّائِد الْوَارِد بِحكم لَا يحل خِلَافه، لِأَن النِّكَاح قد أَبَاحَهُ الله تَعَالَى فِي كل حَال، ثمَّ لما أَمر ﷺ أَن لَا ينْكح الْمحرم كَانَ بِلَا شكّ نَاسِخا للْحَال الْمُتَقَدّمَة من الْإِبَاحَة لَا يُمكن غير هَذَا أصلا، وَكَانَ يكون خبر ابْن عَبَّاس مَنْسُوخا بِلَا شكّ لموافقته للْحَال المنسوخة بِيَقِين انْتهى. قلت: الْجَواب عَن كل فصل. أما عَن قَوْله: يزِيد إِنَّمَا رَوَاهُ عَن مَيْمُونَة وَهِي امْرَأَة عافلة، وَابْن عَبَّاس صَغِير فلقائل أَن يَقُول: إِن كَانَ يزِيد رَوَاهُ عَن خَالَته فَابْن عَبَّاس من الْجَائِز غير الْمُنكر أَن يرويهِ عَنهُ، ﷺ ، أَو يرويهِ عَن أَبِيه الَّذِي ولي عقد النِّكَاح بمشهد عَنهُ ومرأى، أَو يرويهِ عَن خَالَته الْمَرْأَة الْعَاقِلَة وإيّا مَا كَانَ فَلَيْسَ صَغِيرا، فروايته مُقَدّمَة على رِوَايَة يزِيد بن الْأَصَم، وَلِأَن لعبد الله متابعين وَلَيْسَ ليزِيد عَن خَالَته متابع مِنْهُم عَطاء بقوله بِسَنَد صَحِيح: مَا كُنَّا نَأْخُذ هَذَا إلَاّ من مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ومسروق بِسَنَد صَحِيح، وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول: لَعَلَّ عَطاء ومسروقا أخذاه عَن ابْن عَبَّاس لتصريح عَطاء بِأَخْذِهِ إِيَّاه من مَيْمُونَة. وَأما مَسْرُوق فَلَا نعلم لَهُ رِوَايَة عَن عبد الله، فَدلَّ أَنه أَخذه عَن غَيره. وَأما عَن قَوْله: نعدل يزِيد إِلَى أَصْحَاب عبد الله وَلَا نقطع بفضلهم عَلَيْهِ، فَكيف يكون شخص وَاحِد حَدِيثه عِنْد مُسلم وَحده يعدل بعطاء وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَأبي الشعْثَاء وَعِكْرِمَة فِي آخَرين من أَصْحَاب عبد الله الَّذين رووا عَنهُ هَذَا الحَدِيث؟ وَأما عَن قَوْله: هِيَ أعلم بِنَفسِهَا من عبد الله، فَنَقُول بِمُوجبِه: نعم، هِيَ أعلم بِنَفسِهَا إِذْ حدثت عَطاء وَابْن أُخْتهَا بِمَا هِيَ أعلم بِهِ من غَيرهَا. وَأما عَن قَوْله: إِنَّمَا تزَوجهَا بِمَكَّة حَاضرا بهَا فَيردهُ، مَا رَوَاهُ مَالك عَن ربيعَة عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن رَسُول الله ﷺ بعث أَبَا رَافع ورجلاً من الْأَنْصَار بزوجاته: مَيْمُونَة وَرَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ قبل أَن يخرج. انْتهى. فَيُشبه أَنَّهُمَا زوجاه إِيَّاهَا وَهُوَ ملتبس بِالْإِحْرَامِ فِي طَرِيقه إِلَى مَكَّة، وَلما حل بنى بهَا، وَذكر مُوسَى بن عقبَة (عَن ابْن شهَاب: خرج رَسُول الله ﷺ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقعدَة، فَلَمَّا بلغ موضعا ذكره بعث جَعْفَر بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بَين يَدَيْهِ إِلَى مَيْمُونَة يخطبها عَلَيْهِ، فَجعلت أمرهَا إِلَى الْعَبَّاس فَزَوجهَا مِنْهُ) . وَقد أوضح ذَلِك أَبُو عُبَيْدَة فِي كِتَابه (الزَّوْجَات) : توجه ﷺ إِلَى مَكَّة مُعْتَمِرًا سنة سبع، وَقدم جَعْفَر يخْطب عَلَيْهِ مَيْمُونَة، فَجعلت أمرهَا إِلَى الْعَبَّاس، فَأَنْكحهَا النَّبِي ﷺ وَهُوَ محرم، وَبنى بهَا بسرف وَهُوَ حَلَال. وَأما عَن قَوْله وَبَقِي خبر عُثْمَان ومَيْمُونَة لَا معَارض لَهما، فَنَقُول: الْمُعَارضَة لَا تكون إِلَّا مَعَ التَّسَاوِي، والتساوي هُنَا غير مُمكن لِأَن حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ عَنهُ من ذَكَرْنَاهُمْ من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام، وَحَدِيث عُثْمَان رَوَاهُ نبيه بن وهب وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم، وَلَيْسَ لَهُ من الْحِفْظ وَالْعلم مَا يُسَاوِي أحدا مِنْهُم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف تصح دَعْوَى النّسخ فِيهِ؟ فَإِن قلت: قَالَ قوم مِمَّن رد حَدِيث ابْن عَبَّاس على تَسْلِيم صِحَّته: إِن معنى تزَوجهَا محرما أَي: فِي الْحرم، وَهُوَ حَلَال لِأَنَّهُ يُقَال لمن هُوَ فِي الْحرم محرم وَإِن كَانَ حَلَالا، وَهِي لُغَة شائعة مَعْرُوفَة، وَمِنْه الْبَيْت الْمَشْهُور: (قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما) قلت: أَجمعُوا على أَن كسْرَى قتل بِالْمَدَائِنِ من بِلَاد فَارس، وَقد قَالَ الشَّاعِر: (قتلوا كسْرَى بلَيْل محرما) أفتراه كَانَ يسكن الْحرم أَو أحرم بِالْحَجِّ؟ فَإِن قلت: قَالُوا: قد تعَارض معنى فعله، ﷺ ، وَقَوله: وَالرَّاجِح القَوْل لِأَنَّهُ يتَعَدَّى إِلَى الْغَيْر، وَالْفِعْل قد يكون مَقْصُورا عَلَيْهِ. قلت: قد فهم الْجَواب من قَوْلنَا الْآن أَن التَّعَارُض قد يكون عِنْد التَّسَاوِي. فَإِن قلت: قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: إِن هَذَا من خَصَائِصه وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ عِنْدهم: قلت: دَعْوَى التَّخْصِيص تحْتَاج إِلَى دَلِيل. فَإِن قلت: يحْتَمل أَنه زَوجهَا حَلَالا وَظهر أَمر تزَوجهَا وَهُوَ محرم. قلت: هَذَا لَا يُسَاوِي شَيْئا لِأَنَّهُ ﷺ قدم مَكَّة محرما لَا حَلَالا، فَكيف يتَصَوَّر ذَلِك؟ ٣١ - (بابُ مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ والمُحْرِمَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى عَنهُ من اسْتِعْمَال الطّيب للْمحرمِ والمحرمة، يَعْنِي أَنَّهُمَا فِي ذَلِك سَوَاء، وَلم تخْتَلف

стр. 3001

الْأَئِمَّة فِي ذَلِك وَالْحكمَة فِي مَنعه من الطّيب أَنه من دواعي الْجِمَاع ومقدماته الَّتِي تفْسد الْإِحْرَام، وَفِي حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْبَزَّار (الْحَاج الشعث التفل) ، والتفل بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة وَكسر الْفَاء: الَّذِي ترك اسْتِعْمَال الطّيب من التفل وَهِي الرّيح الكريهة. وقالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَا تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ ثَوْبا بِوَرْسٍ أوْ زَعْفَرَانٍ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالورس والزعفران تفوح لَهُ رَائِحَة مثل مَا تفوح رَائِحَة الطّيب من أَنْوَاع مَا يتطيب بِهِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو عمر بن مطر حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد عَن عبيد الله بن معَاذ حَدثنَا أبي حَدثنَا حبيب عَن يزِيد الرشك، (عَن معَاذَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: الْمُحرمَة تلبس من الثِّيَاب مَا شَاءَت إلَاّ ثوبا مَسّه ورس أَو زعفران) . والورس، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة، نبت أصفر تصبغ بِهِ الثِّيَاب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب مَا لَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب. ٨٣٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قامَ رجلٌ فقالَ يَا رسولَ الله ماذَا تأمُرُنَا أنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإحْرَامِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ ولَا السَّرَاوِيلاتِ ولَا العَمَائِمَ ولَا البَرَانِسَ إلَاّ أنْ يَكُونَ أحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ ولْيَقْطَعْ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ ولَا تَلْبَسُوا شَيئا مَسَّهُ زَعْفرَانٌ ولَا الوَرْسُ وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأةُ المُحْرِمَة ولَا تَلْبَسُ الْقُفَازَيْنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تلبسوا شَيْئا مَسّه زعفران وَلَا الورس) ، وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة المقريء، مولى آل عمر، مَاتَ سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث فِي آخر كتاب الْعلم فِي: بَاب من أجَاب السَّائِل بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ: عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع وَذكره أَيْضا فِي أَوَائِل الْحَج فِي: بَاب مَا لَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع وَزَاد فِيهِ هَهُنَا: (وَلَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة وَلَا تلبس القفازين) . قَوْله: (القفازين) ، تَثْنِيَة قفاز، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْفَاء وَبعد الْألف زَاي، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ ضرب من الْحلِيّ، وتقفزت الْمَرْأَة نقشت يَديهَا ورجليها بِالْحِنَّاءِ، وَقَالَ الْقَزاز: القفاز تلبس فِي الْكَفّ، وَقَالَ ابْن فَارس وَابْن دُرَيْد: هُوَ ضرب من الْحلِيّ تتخذه الْمَرْأَة فِي يَديهَا ورجليها، وَفِي (الصِّحَاح) : بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد شَيْء يعْمل لِلْيَدَيْنِ يحشى بِقطن. وَيكون لَهُ أزرار تزر على الساعدين من الْبرد تلبسه الْمَرْأَة فِي يَديهَا. وَفِي (الغريبين) : تلبسه نسَاء الْأَعْرَاب فِي أَيْدِيهنَّ لتغطية الْأَصَابِع والكف. وَفِي (الْمغرب) : هُوَ شَيْء يَتَّخِذهُ الصَّائِد فِي يَدَيْهِ من جلد أَو لبد. وَهَذَا الحَدِيث يشْتَمل على أَحْكَام قد ذَكرنَاهَا فِي آخر كتاب الْعلم. فَقَوله: (الْقَمِيص) ويروى: القمص، بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُون الْمِيم أَيْضا: جمع قَمِيص. (والبرانس) جمع: برنس وَهُوَ ثوب رَأسه ملتزق. قَوْله: (وليقطع أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ) ، وَعَن أَحْمد: لَا يلْزمه قطعهمَا، فِي الْمَشْهُور عَنهُ. قَالَ ابْن قدامَة: وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ عَطاء وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن سَالم القداح، احْتج أَحْمد بِحَدِيث ابْن عَبَّاس من عِنْد البُخَارِيّ: (من لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ) ، وَحَدِيث جَابر مثله رَوَاهُ مُسلم عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ت: (من لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ، وَمن لم يجد إزارا فليلبس من سَرَاوِيل) . وَعند أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرين: لَا يجوز لبسهما إلَاّ بعد قطعهمَا، كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر مُطلق يحمل على الْمُقَيد، لِأَن الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة. وَقَالَ ابْن التِّين: ابْن عَبَّاس حفظ لبس الْخُفَّيْنِ وَلم ينْقل صفة اللّبْس، بِخِلَاف ابْن عمر فَهُوَ أولى، وَقد قيل: فليقطعهما من كَلَام نَافِع، كَذَا فِي أمالى أبي الْقَاسِم بن بَشرَان بِسَنَد صَحِيح: أَن نَافِعًا قَالَ، بعد رِوَايَته الحَدِيث: وليقطع الْخُفَّيْنِ أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ، وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ وَابْن التِّين أَن جَعْفَر بن برْقَان فِي رِوَايَته: قَالَ نَافِع، وَيقطع الْخفاف أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، وَقَالَ ابْن قدامَة: وروى ابْن أبي مُوسَى عَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ رخص للْمحرمِ أَن يلبس الْخُفَّيْنِ وَلَا يقطعهما، وَكَانَ ابْن عمر يُفْتِي بقطعهما، قَالَت صَفِيَّة: فَلَمَّا أخْبرته بذلك رَجَعَ، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَيحْتَمل أَن يكون

стр. 3002

الْأَمر بقطعهما قد نسخ فَإِن عَمْرو بن دِينَار قد روى الْحَدِيثين جَمِيعًا. وَقَالَ: انْظُرُوا أَيهمَا كَانَ قبل. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي: حَدِيث ابْن عمر قبل لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي بعض رواياته: (نَادَى رجل رَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد) يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ فَكَأَنَّهُ كَانَ قبل الْإِحْرَام، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس يَقُول: سمعته يخْطب بِعَرَفَات ... الحَدِيث، فَيدل على تَأَخره عَن حَدِيث ابْن عمر، فَيكون نَاسِخا لَهُ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْقطع وَاجِبا لبينه للنَّاس، إِذْ لَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: روى حَدِيث ابْن عمر مَالك وَعبيد الله وَأَيوب فِي آخَرين فوقفوه على ابْن عمر، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس سَالم من الْوَقْف مَعَ مَعَ عضده من حَدِيث جَابر، وَيحمل قَوْله: وليقطعهما، على الْجَوَاز من غير كَرَاهَة لأجل الْإِحْرَام، وَينْهى عَن ذَلِك فِي غير الْإِحْرَام لما فِيهِ من الْفساد، فَأَما إِذا لبس الْخُف الْمَقْطُوع من أَسْفَل الكعب مَعَ وجود النَّعْل فعندنا أَنه لَا يجوز وَيجب عَلَيْهِ الْفِدَاء، خلافًا لأبي حنيفَة وَأحد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَالْأولَى قطعهمَا عملا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح، وخروجا من الْخلاف وأخذا بِالِاحْتِيَاطِ. تابَعَهُ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ وإسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ وجُوَيْرِيَةُ وابنُ إسْحَاقَ فِي النِّقَابِ والْقُفَازَيْنِ أَي: تَابع اللَّيْث هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة فِي الرِّوَايَة عَن نَافِع. أما مُتَابعَة مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمدنِي فقد وَصلهَا النَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الله بن الْمُبَارك عَن مُوسَى عَن نَافِع، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: روى هَذَا الحَدِيث حَاتِم بن إِسْمَاعِيل وَيحيى بن أَيُّوب عَن مُوسَى مَرْفُوعا. وَأما مُتَابعَة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، وَهُوَ ابْن أخي مُوسَى الْمَذْكُور، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، فوصلها عَليّ بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ فِي فَوَائده من رِوَايَة الْحَافِظ السلَفِي عَن الثَّقَفِيّ: عَن ابْن بَشرَان عَنهُ عَن يُوسُف بن يزِيد عَن يَعْقُوب بن أبي عباد عَن إِسْمَاعِيل عَن نَافِع بِهِ. وَأما مُتَابعَة جوَيْرِية بن أَسمَاء فوصلها أَبُو يعلى الْموصِلِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء عَنهُ عَن نَافِع. وَأما مُتَابعَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق فوصلها أَحْمد وَالْحَاكِم من حَدِيث يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن ابْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي نَافِع بِهِ مَرْفُوعا. قَوْله: (فِي النقاب والقفازين) أَي: فِي ذكرهمَا، والنقاب الْخمار الَّذِي يشد على الْأنف أَو تَحت المحاجر، وَظَاهره اخْتِصَاص ذَلِك بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِن الرجل فِي القفاز مثلهَا لكَونه فِي معنى الْخُف فَإِن كلاًّ مِنْهُمَا مُحِيط بِجُزْء من الْبدن، وَأما النقاب فَلَا يحرم على الرحل من جِهَة الْإِحْرَام لِأَنَّهُ لَا يحرم عَلَيْهِ تَغْطِيَة وَجهه. وَقَالَ عُبَيْدُ الله ولَا ورْسٌ وكانَ يَقُولُ لَا تَتَنَقَّبُ المُحْرِمَةُ ولَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ عبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ: قَوْله: (وَلَا ورس) ، يَعْنِي قَالَ عبيد الله فِي الحَدِيث الْمَذْكُور إِلَى قَوْله: (وَلَا ورس) ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن عبيد الله هَذَا وَافق الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورين فِي رِوَايَة الحَدِيث الْمَذْكُور عَن نَافِع حَيْثُ جعل الحَدِيث إِلَى قَوْله: (وَلَا ورس) مَرْفُوعا ثمَّ فصل بَقِيَّة الحَدِيث فَجعله من قَول ابْن عمر، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَكَانَ يَقُول) أَي: وَكَانَ ابْن عمر يَقُول: (لَا تنتقب الْمُحرمَة وَلَا تلبس القفازين) وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: كَانَ يَقُول: فَإِن قلت: لم قَالَ أَولا بِلَفْظ: قَالَ؟ وَثَانِيا قَالَ: كَانَ يَقُول؟ قلت: لَعَلَّه قَالَ ذَلِك مرّة، وَهَذَا كَأَن يَقُول دَائِما مكررا، وَالْفرق بَين الْمَرَّتَيْنِ إِمَّا من جِهَة حذف لفظ الْمَرْأَة وَإِمَّا من جِهَة أَن الأول بِلَفْظ لَا تنتقب من التفعل، وَالثَّانِي من الافتعال، وَإِمَّا من جِهَة أَن الثَّانِي، بِضَم الْبَاء على سَبِيل النَّفْي لَا غير، وَالثَّانِي بِالضَّمِّ وَالْكَسْر نفيا ونهيا. انْتهى قلت: قَوْله: كَانَ يَقُول، دَائِما مكررا كَأَنَّهُ أَخذه من قَول من قَالَ: إِن: كَانَ، يدل على الدَّوَام والاستمرار. قَوْله من التفعل، يَعْنِي: من بَاب التفعل، يُقَال من هَذَا: تنقبت المرأت تنتقب تنقبا. قَوْله: من الافتعال، أَي: من بَاب الافتعال، يُقَال من هَذَا: انتقبت الْمَرْأَة تنتقب انتقابا. قَوْله: (وَقَالَ عبيد الله) إِلَى آخِره مُعَلّق وَصله إِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) عَن مُحَمَّد بن بشر وَحَمَّاد بن مسْعدَة وَابْن خُزَيْمَة من طَرِيق بشر بن الْمفضل، ثَلَاثَتهمْ عَن عبيد الله ابْن عمر عَن نَافِع، فساق الحَدِيث إِلَى قَوْله: (وَلَا ورس) ، قَالَ: وَكَانَ عبد الله يَعْنِي: ابْن عمر: (يَقُول: وَلَا تنتقب الْمُحرمَة وَلَا تلبس القفازين) وَمعنى: لَا تنتقب لَا تستر وَجههَا، وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك فَمَنعه الْجُمْهُور وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّة، وَهُوَ

стр. 3003

رِوَايَة عَن الشَّافِعِيَّة والمالكية. وَقَالَ مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ هَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) كَمَا قَالَ مَالك، وَهُوَ اقتصره على الْمَوْقُوف فَقَط، وَقد اخْتلف فِي قَوْله: لَا تنتقب الْمَرْأَة فِي رَفعه وَوَقفه، فَنقل الْحَاكِم عَن شَيْخه على النَّيْسَابُورِي أَنه من قَول ابْن عمر، أدرج فِي الحَدِيث. وَقَالَ الْخطابِيّ فِي (المعالم) : وعللوه بِأَن ذكر القفازين، إِنَّمَا هُوَ قَول ابْن عمر لَيْسَ عَن النَّبِي ﷺ ، وعلق الشَّافِعِي القَوْل فِي ذَلِك، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : أَنه رَوَاهُ اللَّيْث مدرجا وَقد اسْتشْكل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي (الإِمَام) الحكم بالإدراح فِي هَذَا الحَدِيث من وَجْهَيْن. الأول: لوُرُود النَّهْي عَن النقاب والقفازين مُفردا مَرْفُوعا، فروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد الْمدنِي عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الْمُحرمَة لَا تنتقب وَلَا تلبس القفازين) . وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه جَاءَ النَّهْي عَن القفازين مُبْتَدأ بِهِ فِي صدر الحَدِيث مُسْندًا إِلَى النَّبِي ﷺ سَابِقًا على النَّهْي عَن غَيره. قَالَ: وَهَذَا يمْنَع من الإدراج وَيُخَالف الطَّرِيق الْمَشْهُورَة، فروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث ابْن إِسْحَاق، قَالَ: فَإِن نَافِعًا مولى عبد الله بن عمر، حَدثنِي (عَن عبد الله بن عمر أَنه سمع رَسُول الله ﷺ نهى النِّسَاء فِي إحرامهن عَن القفازين والنقاب وَمَا مس الورس والزعفران من الثِّيَاب، ولتلبس بعد ذَلِك مَا أحبت من ألوان الثِّيَاب معصفرا أَو خَزًّا أَو حليا وَسَرَاويل أَو قمصا) . وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: فِي الْوَجْه الأول قرينَة تدل على عدم الإدراج، فَإِن الحَدِيث ضَعِيف لِأَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْمدنِي مَجْهُول، وَقد ذكره ابْن عدي مُقْتَصرا على ذكر النقاب، وَقَالَ: لَا يُتَابع إِبْرَاهِيم بن سعيد هَذَا على رَفعه، قَالَ: وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن نَافِع من قَول ابْن عمر، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (الْمِيزَان) : أَن إِبْرَاهِيم بن سعيد هَذَا مُنكر الحَدِيث غير مَعْرُوف، ثمَّ قَالَ: لَهُ حَدِيث وَاحِد فِي الْإِحْرَام أخرجه أَبُو دَاوُد، وَسكت عَنهُ، فَهُوَ مقارب الْحَال. وَفِي الْوَجْه الثَّانِي: إِبْنِ إِسْحَاق وَهُوَ لَا شكّ دون عبيد الله بن عمر فِي الْحِفْظ والإتقان، وَقد فصل الْمَوْقُوف من الْمَرْفُوع. وَقَول الشَّيْخ: إِن هَذَا يمْنَع من الإدراج مُخَالف لقَوْله فِي الاقتراح: إِنَّه يضعف لَا يمنعهُ، فَلَعَلَّ بعض من ظَنّه مَرْفُوعا قدمه، والتقديم وَالتَّأْخِير فِي الحَدِيث سَائِغ بِنَاء على جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى. وتابَعَهُ لَيْثُ بنُ أبِي سُلَيْمٍ أَي: وتابع مَالِكًا فِي وَقفه لَيْث بن أبي سليم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام بن زنيم الْقرشِي الْكُوفِي، وَاسم أبي سليم أنس مولى عَنْبَسَة ابْن أبي سُفْيَان، مَاتَ فِي شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَكَانَ من الْعباد، وَاخْتَلَطَ فِي آخر عمره حَتَّى لَا يكَاد يدْرِي مَا يحدث بِهِ. ٩٣٨١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنِ الحَكَمِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا قَالَ وقَصَتْ بِرَجُلٍ محْرِمٍ ناقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ فأُتِيَ بِهِ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ اغْسِلُوهُ وكَفِّنُوهُ ولَا تغَطُّوا رَأسَهُ ولَا تُقَرِّبُوهُ طِيبا فإنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تقربوه طيبا فَإِنَّهُ مَاتَ محرما) وَالْمحرم مَمْنُوع عَن الطّيب، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالْحكم هُوَ ابْن عتيبة. وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب كَيفَ يُكفن الْمحرم من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس. وَالْآخر: عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو وَأَيوب عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْكَفَن فِي ثَوْبَيْنِ: عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الحنوط للْمَيت عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الْمحرم يَمُوت بِعَرَفَة من وَجْهَيْن: الأول: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير. وَالثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب أَيْضا عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب سنة الْمحرم إِذا مَاتَ: عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن هشيم عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى مستقصىً. قَوْله: (وقصت)

стр. 3004

فعل مَاض وفاعله قَوْله: (نَاقَته) أَي: كسرت رقبته. قَوْله: (وَلَا تقربوه) ، بتَشْديد الرَّاء. قَوْله: (يهل) ، بِضَم الْيَاء أَي: يرفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ، وَهِي جملَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: يبْعَث احتجت الشَّافِعِيَّة بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث على بَقَاء إِحْرَام الْمَيِّت فِي إِحْرَامه وَلَا يجوز أَن يلبس الْمخيط وَلَا يخمر رَأسه، وَلَا يمس طيبا، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق. وَقَالَت الْحَنَفِيَّة والمالكية: يَنْقَطِع الْإِحْرَام بِمَوْتِهِ، وَيفْعل بِهِ مَا يفعل بالحي، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا، وجوابهم عَنهُ أَنه وَاقعَة عين لَا عُمُوم فِيهَا لِأَنَّهُ علل ذَلِك بقوله: (لِأَنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا) ، وَهَذَا الْأَمر لَا يتَحَقَّق وجوده فِي غَيره، فَيكون خَاصّا بذلك الرجل، وَلَو اسْتمرّ بَقَاؤُهُ على إِحْرَامه لأمر بِقَضَاء بَقِيَّة مَنَاسِكه، وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْقصار: لَو أُرِيد تَعْمِيم هَذَا الحكم فِي كل محرم لقَالَ: فَإِن الْمحرم، كَمَا جَاءَ: (إِن الشَّهِيد يبْعَث وجرحه يقطر دَمًا) . ٤١ - (بابُ الاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاغْتِسَال إِمَّا لأجل التَّطْهِير من الْجَنَابَة، وَإِمَّا لأجل التَّنْظِيف. قَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمعُوا على أَن للْمحرمِ أَن يغْتَسل من الْجَنَابَة. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الحَمَّامَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَنهُ، قَالَ: يدْخل الْمحرم الْحمام وَينْزع ضرسه، وَإِذا انْكَسَرَ ظفره طَرحه، وَيَقُول: أميطوا عَنْكُم الْأَذَى إِن الله لَا يصنع بأذاكم شَيْئا. وروى الْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس (أَنه دخل حَماما بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ محرم، وَقَالَ: إِن الله لَا يعبأ بأوساخكم شَيْئا) . وَحكى ابْن أبي شيبَة كَرَاهَة ذَلِك عَن الْحسن وَعَطَاء، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق للْمحرمِ دُخُول الْحمام. وَقَالَ مَالك: إِن دخله فتدلك وانقى الْوَسخ فَعَلَيهِ الْفِدْيَة، وَحكى عَن سعيد بن عبَادَة مثل قَول مَالك، وَكَانَ أَشهب وَابْن وهب يتغامسان فِي المَاء وهما محرمان، مُخَالفَة لِابْنِ الْقَاسِم، وَكَانَ ابْن الْقَاسِم يَقُول: إِن غمس رَأسه فِي المَاء أطْعم شَيْئا من طَعَام، خوفًا من قتل الدَّوَابّ، وَلَا تجب الْفِدْيَة إلَاّ بِيَقِين. وَعَن مَالك اسْتِحْبَابه، وَلَا بَأْس عِنْد جَمِيع أَصْحَاب مَالك أَن يصب الْمحرم على رَأسه المَاء لحر يجده، وَقَالَ أَشهب: لَا أكره غمس الْمحرم رَأسه فِي المَاء، وَنقل ابْن التِّين أَن انغماس الْمحرم فِيهِ مَحْظُور. وروى عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس إِجَازَته. وَأما إِن غسل رَأسه بالخطمي والسدر فَإِن الْفُقَهَاء يكرهونه، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَأوجب مَالك وَالشَّافِعِيّ عَلَيْهِ الْفِدْيَة. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَقد رخص عَطاء وطاووس وَمُجاهد لمن لبد رَأسه فشق عَلَيْهِ الْحلق أَن يغسل بالخطمى حِين يُلَبِّي، وَكَانَ ابْن عمر يفعل ذَلِك، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَذَلِكَ جَائِز. ولَمْ يَرَ ابنُ عُمَرَ وعائِشَةُ بِالحَكِّ بَأْسا مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي الحك من إِزَالَة الْأَذَى كَمَا فِي الْغسْل، وَأثر ابْن عمر وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي مجلز. قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يحك رَأسه وَهُوَ محرم، ففطنت لَهُ، فَإِذا هُوَ يحك بأطراف أنامله، وَأثر عَائِشَة وَصله مَالك عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة عَن أمه، وَاسْمهَا مرْجَانَة، سَمِعت عَائِشَة تسْأَل عَن الْمحرم: أيحك جسده؟ قَالَت: نعم، وليشدد. وَقَالَت عَائِشَة: لَو ربطت يداي وَلم أجد إلَاّ أَن أحك برجلي لحككت. ٠٤٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الله بنِ حُنَيْنٍ عنْ أبِيهِ أنَّ عَبْدَ الله بنَ العَبَّاسِ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ عَبَّاسٍ يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ وَقَالَ المِسْوَرُ لَا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رأسَهُ فأرْسلَنِي عَبْدُ الله ابنُ العَبَّاسِ إلَى أَي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ وهْوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هاذا فَقُلْتُ أَنا عَبْدُ الله بنُ حُنَيْنٍ إرْسَلَنِي إلَيْكَ عَبْدُ الله بنُ الْعَبَّاسِ أسْألُكَ كَيْفَ

стр. 3005

كانَ رسولُ الله ﷺ يَغْسِلُ رَأسَهُ وهْوَ مُحْرِمٌ فوَضَعَ أبُو أيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فطَأطَأهُ حتَّى بَدَا لِي رَأسُهُ ثُمَّ قَالَ لإنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأسِهِ ثُمَّ رأسَهُ بِيَدَيْهِ فأقْبَلَ بِهِمَا وأدْبَرَ وَقَالَ هكذَا رَأيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِبْرَاهِيم بن عبد الله بن حنين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: أَبُو إِسْحَاق، مولى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب الْمدنِي، والمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وبالراء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا: ابْن نَوْفَل الْقرشِي أَبُو عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ لَهُ ولأبيه صُحْبَة. قَوْله: (عَن زيد بن أسلم عَن إِبْرَاهِيم) كَذَا فِي جَمِيع الموطآت، وَأغْرب يحيى بن يحيى الأندلسي فَأدْخل بَين زيد وَإِبْرَاهِيم نَافِعًا. قَالَ ابْن عبد الْبر: وَذَلِكَ مَعْدُود من خطئه. قَوْله: (عَن إِبْرَاهِيم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: عَن زيد أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم. أخرجه أَحْمد وَإِسْحَاق والْحميدِي فِي (مسانيدهم) عَنهُ، وَفِي رِوَايَة ابْن جريج عِنْد أَحْمد: عَن زيد بن أسلم أَن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن حنين مولى ابْن عَبَّاس أخبرهُ، كَذَا قَالَ: مولى ابْن عَبَّاس، وَالْمَشْهُور أَنه: مولى للْعَبَّاس، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أَن عبد الله بن عَبَّاس) وَفِي رِوَايَة ابْن جريج عِنْد أبي عوَانَة: كنت مَعَ ابْن عَبَّاس والمسور بن مخرمَة، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ وَعَن قُتَيْبَة وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب، أربعتهم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عَليّ بن خشرم، كِلَاهُمَا عَن قيس بن يُونُس عَن ابْن جريج. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي مُصعب أَحْمد ابْن أبي بكرالزهري، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك بِهِ. قَوْله: (بالأبواء) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: مَوضِع قريب من مَكَّة وَقد ذكر غير مرّة، وَالْبَاء فِيهِ بِمَعْنى: فِي. أَي: اخْتلفَا وهما نازلان فِي الْأَبْوَاء. قَوْله: (إِلَى أبي أَيُّوب) واسْمه خَالِد بن زيد بن كُلَيْب الْأنْصَارِيّ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة بالعرج، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره جِيم، وَهِي قَرْيَة جَامِعَة قريبَة من الْأَبْوَاء. قَوْله: (بَين القرنين) ، أَي: بَين قَرْني الْبِئْر، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة، والقرنان هما جانبا الْبناء الَّذِي على رَأس الْبِئْر يوضع خشب البكرة عَلَيْهِمَا. قَوْله: (فَقلت: أَنا عبد الله) وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: (فَقَالَ: قل لَهُ: يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام ابْن أَخِيك عبد الله بن عَبَّاس يَسْأَلك) . قَوْله: (فطأطأه) أَي خفضه وأزاله عَن رَأسه، وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: (حَتَّى رَأَيْت رَأسه وَوَجهه) . وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (جمع ثِيَابه إِلَى صَدره حَتَّى نظرت إِلَيْهِ) . قَوْله: (وَقَالَ) أَي: أَبُو أَيُّوب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (هَكَذَا رَأَيْته) أَي: هَكَذَا رَأَيْت النَّبِي، ﷺ ، يفعل، وَزَاد ابْن عُيَيْنَة: (فَرَجَعت إِلَيْهِمَا فأخبرتهما، فَقَالَ الْمسور لِابْنِ عَبَّاس: لَا أماريك أبدا) أَي: لَا أجادلك. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: مناظرة الصَّحَابَة فِي الْأَحْكَام ورجوعهم إِلَى النُّصُوص. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد وَلَو كَانَ تابعيا، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَو كَانَ معنى الِاقْتِدَاء فِي قَوْله، ﷺ : (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ أقتديتم اهْتَدَيْتُمْ) ، يُرَاد بِهِ الْفَتْوَى لما احْتَاجَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ، بل كَانَ يَقُول للمسور: أَنا نجم وَأَنت نجم، فبأينا اقْتدى من بَعدنَا كَفاهُ، وَلَكِن مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْمُزنِيّ وَغَيره من أهل النّظر: أَنه فِي النَّقْل لِأَن جَمِيعهم عدُول. وَفِيه: اعْتِرَاف للفاضل بفضله وإنصاف الصَّحَابَة بَعضهم بَعْضًا. وَفِيه: أَن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا فِي قَضِيَّة لم تكن الْحجَّة فِي قَول أحد مِنْهُم إلَاّ بِدَلِيل يجب التَّسْلِيم لَهُ من كتاب أَو سنة، كَمَا أَتَى أَبُو أَيُّوب بِالسنةِ. وَفِيه: ستر المغتسل بِثَوْب وَنَحْوه عِنْد الْغسْل. وَفِيه: الِاسْتِعَانَة فِي الطَّهَارَة. وَفِيه: جَوَاز الْكَلَام وَالسَّلَام حَالَة الطَّهَارَة، وَلَكِن لَا بُد من غض الْبَصَر عَنهُ. وَفِيه: التناظر فِي الْمسَائِل والتحاكم فِيهَا إِلَى الشُّيُوخ الْعَالمين بهَا. وَفِيه: جَوَاز غسل الْمحرم وتشريبه شعره بِالْمَاءِ ودلكه بِيَدِهِ إِذا أَمن تناثره، وَاسْتدلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ على وجوب الدَّلْك فِي الْغسْل، قَالَ: لِأَن الْغسْل لَو كَانَ يتم بِدُونِهِ لَكَانَ الْمحرم أَحَق بِأَن يجوز لَهُ تَركه، وَفِيه: نظر لَا يخفى، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي غسل الْمحرم رَأسه، فَذهب أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: إِلَى أَنه لَا بَأْس بذلك، وَردت الرُّخْصَة بذلك عَن عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس وَجَابِر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور،

стр. 3006

وحجتهم حَدِيث الْبَاب. وَكَانَ مَالك يكره ذَلِك للْمحرمِ، وَذكر أَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ لَا يغسل رَأسه إلَاّ من الِاحْتِلَام. ٥١ - (بابُ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم لبس الْخُفَّيْنِ للْمحرمِ إِذا لم يجد النَّعْلَيْنِ هَل يقطع الْخُفَّيْنِ أم لَا؟ ١٤٨١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفاتٍ منْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ ومنْ لَمْ يَجِدْ إزَارا فَلْيَلْبَسُ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليلبس الْخُفَّيْنِ) ، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ وَجَابِر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ اليحمدي الجوفي، بِالْجِيم نِسْبَة إِلَى نَاحيَة من عمان، الْبَصْرِيّ من ثِقَات التَّابِعين، وَقد مضى صدر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الْخطْبَة أَيَّام منى. قَوْله: (فليلبس الْخُفَّيْنِ) أَي: مَقْطُوع الْأَسْفَل إِذْ الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد. قَوْله: (الْمحرم) ، مَرْفُوع على أَنه فَاعل: فليلبس، و: سَرَاوِيل، مَفْعُوله. ويروى: (للْمحرمِ) بِاللَّامِ الجارة الَّتِي للْبَيَان أَي: هَذَا الحكم للْمحرمِ، كاللام فِي: هيت لَك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَخذ بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث أَحْمد فَأجَاز لبس الْخُف والسراويل للْمحرمِ الَّذِي لَا يجد النَّعْلَيْنِ، والإزار على حَالهمَا، وَاشْترط الْجُمْهُور قطع الْخُف وفتق السَّرَاوِيل، وَلَو لبس شَيْئا مِنْهُمَا على حَاله لَزِمته الْفِدْيَة لحَدِيث ابْن عمر: (وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ) ، وَقد قُلْنَا: إِن الْمُطلق هَهُنَا مَحْمُول على الْمُقَيد لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الحكم، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة جَوَاز لبس السَّرَاوِيل بِغَيْر فتق. كَقَوْل أَحْمد، وَاشْترط الفتق مُحَمَّد بن الْحسن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَطَائِفَة، وَعَن أبي حنيفَة: منع السَّرَاوِيل للْمحرمِ مُطلقًا، وَمثله عَن مَالك، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ من أَصْحَابنَا: يجوز لبسه وَعَلِيهِ الْفِدْيَة. ٢٤٨١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سُئِلَ رسولُ الله ﷺ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ فَقَالَ لَا يَلْبَس الْقَمِيصَ ولَا الْعَمَائِمَ ولَا السَّرَاوِيلاتِ ولَا البُرْنُسَ ولَا ثَوْبا مسَّهُ زَعْفَرَانٌ ولَا وَرْسٌ وإنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ ولْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن لم يجد نَعْلَيْنِ، وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ) وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمدنِي، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا ينْهَى من الطّيب للْمحرمِ، وَلكنه مُخْتَلف الْإِسْنَاد والمتن. ٦١ - (بابٌ إذَا لَمْ يَجِدِ الإزَارَ فَلْيَلْبِسِ السَّرَاوِيلَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يجد الَّذِي يُرِيد الْإِحْرَام الْإِزَار يشد بِهِ وَسطه فليلبس السَّرَاوِيل حِينَئِذٍ. ٣٤٨١ - حدَّثني آدم قَالَ حدَّثنا شُعْبَةْ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ جابِرِ بنِ زَيْدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خَطَبَنَا النبيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ منْ لَمْ يَجِدِ الإزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ ومَنْ لَمْ يَجدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من لم يجد الْإِزَار فليلبس السَّرَاوِيل) ، والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب السَّابِق، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن أبي

стр. 3007

الْوَلِيد عَن شُعْبَة، وَهَهُنَا: عَن آدم عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره. ٧١ - (بابُ لُبْسِ السِّلاحِ لِلْمُحْرِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز لبس السِّلَاح للْمحرمِ إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ إذَا خَشِيَ الْعَدُوَّ لَبِسَ السِّلاحَ وافْتَدَى ولمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الفِدْيَةِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (عِكْرِمَة) هُوَ مولى ابْن عَبَّاس. قَوْله: (إِذا خشِي) أَي: الْمحرم، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَيْهِ بِدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ. قَوْله: (وافتدى) أَي: أعْطى الْفِدْيَة، وَقَالَ ابْن بطال: أجَاز مَالك وَالشَّافِعِيّ حمل السِّلَاح للْمحرمِ فِي الْحَج وَالْعمْرَة، وَكَرِهَهُ الْحسن. قَوْله: (وَلم يُتَابع عَلَيْهِ فِي الْفِدْيَة) ، من كَلَام البُخَارِيّ، وَلم يُتَابع على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لم يُتَابع عِكْرِمَة على قَوْله: (وافتدى) ، وَحَاصِل الْكَلَام لم يقل أحد غَيره بِوُجُوب الْفِدْيَة عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيّ: لَعَلَّه أَرَادَ أذا كَانَ محرما، فَلَا يكون مُخَالفا للْجَمَاعَة وَيَقْتَضِي كَلَام البُخَارِيّ أَنه توبع عَلَيْهِ فِي جَوَاز لبس السِّلَاح عِنْد الخشية، وخولف فِي وجوب الْفِدْيَة. ٨١ - (بابُ دُخُولِ الحَرَمِ ومَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز دُخُول الْحرم بِغَيْر إِحْرَام إِذا لم يرد الْحَج وَالْعمْرَة. قَوْله: (وَمَكَّة) ، أَي: وَدخُول مَكَّة، وَهُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن المُرَاد من مَكَّة هُنَا الْبَلَد، فَيكون الْحرم أعلم. ودَخَلَ ابنُ عُمَرَ حَلالاً أَي: دخل عبد الله بن عمر مَكَّة حَال كَونه حَلَالا بِغَيْر إِحْرَام، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن نَافِع قَالَ: أقبل عبد الله بن عمر من مَكَّة حَتَّى إِذا كَانَ بِقديد بِضَم الْقَاف جَاءَهُ خبر عَن الْفِتْنَة فَرجع فَدخل مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام، وروى ابْن أبي

стр. 3008

شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن عَليّ بن مسْهر عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن عبد الله، وبلغه بِقديد أَن جَيْشًا من جيوش الْفِتْنَة دخلُوا الْمَدِينَة، فكره أَن يدْخل عَلَيْهِم فَرجع إِلَى مَكَّة فَدَخلَهَا بِغَيْر إِحْرَام. وإنَّما أمَرَ النبيُّ ﷺ بالإهْلالِ لِمَنْ أرَادَ الحَجَّ والْعُمْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْهُ لِلْحَطَّابِينَ وغَيْرِهمْ هَذَا كُله من كَلَام البُخَارِيّ. قَوْله: (وَلم يذكرهُ) أَي: وَلم يذكر الإهلال أَي: الْإِحْرَام للحطابين أَي: للَّذين يجلبون الْحَطب إِلَى مَكَّة للْبيع، ويروى: وَلم يذكر الحطابين بِغَيْر الضَّمِير أَي: لم يذكرهم فِي منع الدُّخُول بِغَيْر إِحْرَام، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن مذْهبه أَن من دخل مَكَّة من غير أَن يُرِيد الْحَج أَو الْعمرَة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَفْهُوم حَدِيث ابْن عَبَّاس مِمَّن أَرَادَ الْحَج وَالْعمْرَة، وَمَفْهُوم هَذَا أَن المتردد إِلَى مَكَّة عَن غير قصد الْحَج أَو الْعمرَة لَا يلْزمه الْإِحْرَام. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَقَالَ ابْن الْقصار: وَاخْتلف قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي جَوَاز دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام لمن لم يرد الْحَج وَالْعمْرَة، فَقَالَا مرّة: لَا يجوز دُخُولهَا إِلَّا بِالْإِحْرَامِ لاختصاصها ومباينتها جَمِيع الْبلدَانِ إلَاّ الحطابين، وَمن قرب مِنْهَا مثل جدة والطائف وَعُسْفَان لِكَثْرَة ترددهم إِلَيْهَا، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَاللَّيْث، وعَلى هَذَا فَلَا دم عَلَيْهِ، نَص عَلَيْهِ فِي (الْمُدَوَّنَة) . وَقَالا مرّة أُخْرَى: دُخُولهَا بِهِ مُسْتَحبّ لَا وَاجِب. قلت: مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَمَالك فِي رِوَايَة، وَابْن وهب وَدَاوُد بن عَليّ وَأَصْحَابه الظَّاهِرِيَّة: أَنه لَا بَأْس بِدُخُول الْحرم بِغَيْر إِحْرَام، وَمذهب عَطاء بن أبي رَبَاح وَاللَّيْث بن سعد وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك فِي رِوَايَة، وَهِي قَوْله الصَّحِيح، وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَأحمد وَأبي ثَوْر وَالْحسن بن حَيّ: لَا يصلح لأحد كَانَ منزله من وَرَاء الْمِيقَات إِلَى الْأَمْصَار أَن يدْخل مَكَّة إِلَّا بِالْإِحْرَامِ، فَإِن لم يفعل أساءو لَا شَيْء عَلَيْهِ عِنْد الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَعند أبي حنيفَة: عَلَيْهِ حجَّة أَو عمْرَة. وَقَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم خلافًا بَين فُقَهَاء الْأَمْصَار فِي الحطابين وَمن يدمن الِاخْتِلَاف إِلَى مَكَّة ويكثره فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَنهم لَا يأمرون بذلك لما عَلَيْهِم من الْمَشَقَّة، وَقَالَ ابْن وهب عَن مَالك: لست آخذ بقول ابْن شهَاب فِي دُخُول الْإِنْسَان مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام، وَقَالَ: إِنَّمَا يكون ذَلِك على مثل مَا عمل بِهِ عبد الله بن عمر من الْقرب إلَاّ رجلا يَأْتِي بالفاكهة من الطَّائِف، أَو ينْقل الْخطب يَبِيعهُ، فَلَا أرى بذلك بَأْسا. قيل لَهُ: فرجوع ابْن عمر من قديد إِلَى مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام؟ فَقَالَ: ذَلِك أَنه جَاءَهُ خبر من جيوش الْمَدِينَة. ٥٤٨١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ وقَّتَ لأِهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ ولأِهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلَ ولأِهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ ولِكُلِّ آتٍ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مَنْ أرَادَ الحَجَّ والْعُمْرَةَ فَمَنْ كانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أنْشَأَ حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من أَرَادَ الْحَج وَالْعمْرَة) ، حَيْثُ خصص لمريدهما الْمَوَاقِيت وَلم يعين لغير مريدهما ميقاتا. والْحَدِيث مضى بِعَيْنِه فِي أَوَائِل كتاب الْحَج فِي: بَاب مهل مَكَّة، غير أَنه أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب، وَهَهُنَا أخرجه: عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم القصاب عَن وهيب بن خَالِد عَن عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ٦٤٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رَسُول الله ﷺ دخَلَ عامَ الفَتْحِ وعَلى رَأسِهِ المغْفرُ فَلَمَّا نزَعَهُ جاءَ رَجُلً فَقال إنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بأسْتَارِ الكَعْبَةَ فَقَالَ اقْتُلُوهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ دخل مَكَّة وعَلى رَأسه المغفر، فَلَو كَانَ محرما لَكَانَ يدْخل وَهُوَ مَكْشُوف الرَّأْس، والترجمة فِي دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ،

стр. 3009

وَفِي الْجِهَاد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن قزعة، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن القعْنبِي وَيحيى بن يحيى وقتيبة كلهم عَن مَالك، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَفِي الشَّمَائِل عَن عِيسَى بن أَحْمد عَن ابْن وهب عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عبيد الله بن فضَالة عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَنهُ بِهِ مُخْتَصرا. وَفِي السّير عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَنهُ بِتَمَامِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن هِشَام بن عمار وسُويد بن سعيد كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ. ذكر مَا قيل فِي هَذَا الحَدِيث: وَهَذَا الحَدِيث عد من أَفْرَاد مَالك، تفرد بقوله: (وعَلى رَأسه المغفر) كَمَا تفرد بِحَدِيث: (الرَّاكِب شَيْطَان) ، وَبِحَدِيث: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قد أوردت أَحَادِيث من رَوَاهُ عَن مَالك فِي جُزْء مُفْرد وهم نَحْو من مائَة وَعشْرين رجلا أَو أَكثر مِنْهُم: السُّفْيانَانِ وَابْن جريج وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ مَالك وَلَا يحفظ عَن غَيره وَلم يروه عَن ابْن شهَاب سَوَاء من طَرِيق صَحِيح، وَقد رُوِيَ عَن ابْن أخي ابْن شهَاب عَن عَمه عَن أنس، وَلَا يكَاد يَصح، وَرُوِيَ من غير هَذَا الْوَجْه، وَلَا يثبت أهل الْعلم فِيهِ إِسْنَادًا غير حَدِيث مَالك، وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو أويس وَالْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وروى مُحَمَّد بن سليم بن الْوَلِيد الْعَسْقَلَانِي عَن مُحَمَّد بن السّري عَن عبد الرَّزَّاق عَن مَالك وَعَن ابْن شهَاب (عَن أنس: دخل النَّبِي ﷺ يَوْم الْفَتْح وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء) ، وَمُحَمّد بن سليم لم يكن مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ، وَتَابعه على ذَلِك بِهَذَا الْإِسْنَاد الْوَلِيد بن مُسلم وَيحيى الوحاظي، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يحفظه عَن مَالك فِي هَذَا، إلَاّ المغفر. قَالَ أَبُو عمر، وَرُوِيَ من طَرِيق أَحْمد بن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن أبي الزبير (عَن جَابر: أَنه ﷺ دخل مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء) ، وَلم يقل: عَام الْفَتْح، وَهُوَ مَحْفُوظ من حَدِيث جَابر زَاد مُسلم فِي (صَحِيحه) : (بِغَيْر إِحْرَام) . قَالَ وروى جمَاعَة مِنْهُم بشر بن عمرَان الزهْرَانِي وَمَنْصُور بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ حَدِيث المغفر فَقَالَا: مغفر من حَدِيد، وَمَنْصُور وَبشر ثقتان، وتابعهما على ذَلِك جمَاعَة لَيْسُوا هُنَاكَ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة بن سَلام عَن ابْن بكير عَن مَالك، وَرَوَاهُ روح بن عبَادَة بِإِسْنَادِهِ هَذَا وَفِيه زِيَادَة: (وَطَاف وَعَلِيهِ المغفر) ، وَلم يقلهُ غَيره، وَرَوَاهُ عبد الله بن جَعْفَر الْمَدِينِيّ عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ (عَن أنس قَالَ: دخل النَّبِي ﷺ يَوْم الْفَتْح مَكَّة وعَلى رَأسه مغفر، واستلم الْحجر بمحجن) ، وَهَذَا لم يقلهُ عَن مَالك غير عبد الله هَذَا، وروى دَاوُد بن الزبْرِقَان عَن معمر وَمَالك جَمِيعًا عَن ابْن شهَاب (عَن أنس: أَنه، ﷺ ، دخل عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان وَلَيْسَ بصائم) . وَهَذَا اللَّفْظ لَيْسَ بِمَحْفُوظ بِهَذَا الْإِسْنَاد لمَالِك من هَذَا الْوَجْه، وَقد روى سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك عَن ابْن شهَاب (عَن أنس: أَنه ﷺ دخل مَكَّة عَام الْفَتْح غير محرم) ، وَتَابعه على ذَلِك عَن مَالك إِبْرَاهِيم بن عَليّ المقرىء، وَهَذَا لَا يعرف هَكَذَا، إلَاّ بهما وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ عِنْد جمَاعَة الروَاة من قَول ابْن شهَاب لم يرفعهُ إِلَى أنس. وَقَالَ الْحَاكِم فِي الإكليل: اخْتلفت الرِّوَايَات فِي لبسه ﷺ الْعِمَامَة والمغفر يَوْم الْفَتْح، وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه دَخلهَا وَهُوَ حَلَال. قَالَ: وَقَالَ بعض النَّاس: الْعِمَامَة كالمغفر على الرَّأْس وَيُؤَيّد ذَلِك حَدِيث جَابر الْمَذْكُور آنِفا. قَالَ: وَهُوَ، وَإِن صَححهُ مُسلم، وَحده، فَالْأول يَعْنِي: حَدِيث أنس مجمع على صِحَّته، وَالدَّلِيل على أَن المغفر غير الْعِمَامَة قَوْله: من حَدِيد، فَبَان بِهَذَا أَن حَدِيث المغفر من حَدِيد أثبت من الْعِمَامَة السَّوْدَاء، لِأَن راويها أَبُو الزبير. وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار: أَبُو الزبير يحْتَاج إِلَى دعامة، وَقد روى عَمْرو بن حُرَيْث ومزيدة وعنبسة صَاحب (الألواح) عَن عبيد الله ابْن أبي بكر (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله ﷺ لبس الْعِمَامَة السَّوْدَاء) ، وَلَا يَصح مِنْهَا، وَإِنَّمَا لبس الْبيَاض وَأمر بِهِ. قلت: روى مُسلم من طرق من حَدِيث أبي الزبير (عَن جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي ﷺ دخل مَكَّة يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء) ، وَمن طَرِيق جَعْفَر بن عَمْرو بن حُرَيْث عَن أَبِيه قَالَ: (كَأَنِّي أنظر إِلَى رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء قد أرْخى طرفيها بَين كَتفيهِ) ، وَقَالَ ابْن السّديّ: إِن ابْن الْعَرَبِيّ قَالَ حِين قيل لَهُ: لم يروه إلَاّ مَالك قد رويته من ثَلَاثَة عشر طَرِيقا غير طَرِيق مَالك، واتهموه فِي ذَلِك ونسبوه إِلَى المجازفة، وَقد أخطأوا فِي ذَلِك لقلَّة أطلاعهم فِي هَذَا الْبَاب وَعدم وقوفهم على مَا وقف عَلَيْهِ ابْن الْعَرَبِيّ، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀، حِين قيل لَهُ: تفرد بِهِ الزُّهْرِيّ عَن مَالك: إِنَّه قد ورد من طَرِيق ابْن أخري الزُّهْرِيّ وَأبي أويس وَمعمر وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ: إِن رِوَايَة ابْن أخي الزُّهْرِيّ عِنْد الْبَزَّار، وَرِوَايَة أبي أويس عِنْد ابْن سعد وَابْن عدي، وَرِوَايَة معمر ذكرهَا ابْن عدي، وَرِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ ذكرهَا لمزي، وَقيل: يُقَال: إِنَّه يحمل قَول من قَالَ: تفرد بِهِ مَالك،

стр. 3010

يَعْنِي بِشَرْط الصِّحَّة وَلَيْسَ طَرِيق غير طَرِيق مَالك فِي شَرط الصِّحَّة. فَافْهَم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن أنس) فِي رِوَايَة أبي أويس عِنْد ابْن سعد: أَن أنس بن مَالك حَدثهُ. قَوْله: (وعَلى رَأسه المغفر) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء، قَالَ ابْن سَيّده، المغفر وَالْمَغْفِرَة والغفارة: زرد ينسج من الدروع على قدر الرَّأْس، وَقيل: هُوَ رَفْرَف الْبَيْضَة، وَقيل: هُوَ حلق يتقنع بِهِ المتسلح، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ مَا غطى الرَّأْس من السِّلَاح: كالبيضة وَشبههَا من حَدِيد كَانَ ذَلِك أَو غَيره، وَفِي (الْمَشَارِق) : هُوَ مَا يَجْعَل من فضل درع الْحَدِيد على الرَّأْس مثل القلنسوة. فَإِن قلت: روى زيد بن الْحباب عَن مَالك يَوْم الْفَتْح: وَعَلِيهِ مغفر من حَدِيد، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) وَالْحَاكِم فِي (الإكليل) وَقد مر عَن مُسلم: (دخل يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء) . وَبَين الرِّوَايَتَيْنِ تعَارض؟ قلت: قَالَ أَبُو عمر: لَيْسَ عِنْدِي تعَارض، فَإِنَّهُ يُمكن أَن يكون على رَأسه عِمَامَة سَوْدَاء وَعَلَيْهَا المغفر، فَلَا يتعارض الحديثان، وَذكر أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن طَاهِر الداني فِي كِتَابه (أَطْرَاف الْمُوَطَّأ) : لَعَلَّ المغفر كَانَ تَحت الْعِمَامَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ، يكون نزع المغفر عِنْد انقياد أهل مَكَّة وَلبس الْعِمَامَة بعده، وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا خطبَته وَعَلِيهِ الْعِمَامَة، لِأَن الْخطْبَة إِنَّمَا كَانَت عِنْد بَاب الْكَعْبَة بعد تَمام الْفَتْح، وَقيل فِي الْجَواب عَن ذَلِك: إِن الْعِمَامَة السَّوْدَاء كَانَت ملفوفة فَوق المغفر، وَكَانَت تَحت وقاية لراسه من صدى الْحَدِيد فَأَرَادَ أنس بِذكر المغفر كَونه دخل متأهبا للحرب، وَأَرَادَ جَابر بِذكر الْعِمَامَة كَونه دخل غير محرم. قَوْله: (فَلَمَّا نَزعه) أَي: فَلَمَّا قلعه، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى المغفر. قَوْله: (جَاءَهُ رجل) ، وَهُوَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الزَّاي، واسْمه نَضْلَة بن عبيد وَجزم بِهِ الْكرْمَانِي والفاكهي فِي (شرح الْعُمْدَة) : قَوْله: (ابْن خطل) مُبْتَدأ أَو خَبره وَهُوَ قَوْله: (مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة) ، وَالْجُمْلَة مقول لقَوْله: (قَالَ) ، أَي: قَالَ ذَلِك الرجل، وَاسم ابْن خطل: عبد الله، وَقيل: هِلَال وَلَيْسَ بِصَحِيح، وهلال اسْم أَخِيه، صرح بذلك الْكَلْبِيّ فِي (النّسَب) وَالأَصَح أَن اسْمه كَانَ عبد الْعُزَّى فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا أسلم سمي عبد الله. وَقيل: هُوَ عبد الله بن هِلَال بن خطل، وَقيل: غَالب بن عبد الله بن خطل، وَاسم خطل عبد منَاف من بني تَمِيم ابْن فهر بن غَالب، وخطل لقب عَلَيْهِ. قَوْله: (فَقَالَ: اقْتُلُوهُ) أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : اقْتُلُوهُ أَي: ابْن خطل فَقتل. وَاخْتلف فِي اسْم قَاتله، فَقيل: قَتله أَبُو بَرزَة، وَقيل: سعيد بن حُرَيْث المَخْزُومِي، وَقيل: زبير بن الْعَوام، وَجزم ابْن هِشَام فِي (السِّيرَة) بِأَنَّهُ سعيد بن حُرَيْث وَأَبا بَرزَة الْأَسْلَمِيّ اشْتَركَا فِي قَتله. وَفِي حَدِيث سعيد بن يَرْبُوع عِنْد الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (أَرْبَعَة لَا أؤمنهم فِي حل وَلَا حرم: الْحُوَيْرِث بن نقيد) بِضَم النُّون وَفتح الْقَاف مصغر (وهلال ابْن خطل، وَمقيس بن صبَابَة، وَعبد الله بن أبي سرح. قَالَ: فَأَما هِلَال بن خطل فَقتله الزبير) . وروى الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) نَحوه من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص، لَكِن قَالَ: أَرْبَعَة نفر، وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِن وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلقين بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة. لَكِن قَالَ: عبد الله بن خطل، بدل: هِلَال، وَقَالَ عِكْرِمَة: بدل، الْحُوَيْرِث، وَلم يسم الْمَرْأَتَيْنِ. وَقَالَ: فَأَما عبد الله بن خطل فَأدْرك وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة، فَاسْتَبق إِلَيْهِ سعيد بن حُرَيْث وعمار بن يَاسر فَسبق سعيد عمارا. وَكَانَ أثبت الرجلَيْن فَقتله، وروى ابْن أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) من طَرِيق الحكم بن عبد الْملك عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَمن رَسُول الله، ﷺ ، النَّاس يَوْم فتح مَكَّة إلَاّ أَرْبَعَة من النَّاس: عبد الْعُزَّى بن خطل، وَمقيس بن صبَابَة الْكِنَانِي، وَعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وَأم سارة. فَأَما عبد الْعُزَّى بن خطل فَقتل وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة) . وَقَالَ أَبُو عمر: فَقتل بَين الْمقَام وزمزم، وروى الْحَاكِم من طَرِيق أبي معشر عَن يُوسُف بن يَعْقُوب عَن السَّائِب بن زيد، قَالَ: فَأخذ عبد الله بن خطل من تَحت أَسْتَار الْكَعْبَة فَقتل بَين الْمقَام وزمزم، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ أَن أَبَا بَرزَة الْأَسْلَمِيّ قتل ابْن خطل وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة، وَرَوَاهُ أَحْمد من وَجه آخر وَهُوَ أصح مَا ورد فِي تعْيين قَاتله. وَبِه جزم البلاذري وَغَيره. وَأهل الْعلم بالأخبار. وَتحمل بَقِيَّة الرِّوَايَات على أَنهم ابتدروا قَتله، فَكَانَ الْمُبَاشر لقَتله أَبُو بَرزَة. وَقد جمع الْوَاقِدِيّ عَن شُيُوخه أَسمَاء من لم يُؤمن يَوْم الْفَتْح، وَأمر بقتْله عشرَة أنفس: سِتَّة رجال وَأَرْبع نسْوَة، وَالسَّبَب فِي قتل ابْن خطل وَعدم دُخُوله فِي قَوْله (من دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن) مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي: (حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر وَغَيره أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 3011

حِين دخل مَكَّة قَالَ: لَا يقتل أحد إلَاّ من قَاتل إلَاّ نَفرا سماهم، فَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِن وَجَدْتُمُوهُمْ تَحت أَسْتَار الْكَعْبَة، مِنْهُم: عبد الله بن خطل وَعبد الله بن سعد) . وَإِنَّمَا أَمر بقتل ابْن خطل لِأَنَّهُ كَانَ مُسلما، فَبَعثه رَسُول الله ﷺ مُصدقا وَبعث مَعَه رجلا من الْأَنْصَار وَكَانَ مَعَه مولى يَخْدمه وَكَانَ مُسلما، فَنزل منزلا فَأمر الْمولى أَن يذبح تَيْسًا ويصنع لَهُ طَعَاما ونام، واستيقظ وَلم يصنع لَهُ شَيْئا، فَعدا عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ ارْتَدَّ مُشْركًا، وَكَانَت لَهُ قينتان تُغنيَانِ بِهِجَاء رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ أَبُو عمر: لِأَنَّهُ كَانَ أسلم وَبَعثه رَسُول الله ﷺ مُصدقا وَبعث مَعَه رجلا من الْأَنْصَار وَأمر عَلَيْهِم الْأنْصَارِيّ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق وثب على الْأنْصَارِيّ فَقتله وَذهب بِمَالِه. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وروينا فِي مجَالِس الْجَوْهَرِي أَنه كَانَ يكْتب الْوَحْي للنَّبِي ﷺ ، وَكَانَ إِذا نزل: غَفُور رَحِيم، يكْتب: رَحِيم غَفُور، وَإِذا أنزل: سميع عليم، وَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى الضَّحَّاك عَن النزال بن سُبْرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَكَانَ يُقَال لِابْنِ خطل: ذَا القلبين، وَفِيه نزل قَوْله: ﴿مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه﴾ (الْأَحْزَاب: ٤) . فِي رِوَايَة يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق: لما قتل يَعْنِي ابْن خطل قَالَ سيدنَا رَسُول الله ﷺ : لَا يقتل قرشي صبرا بعد هَذَا الْيَوْم، وَقيل: قَالَ هَذَا فِي غَيره. وَهُوَ الْأَكْثَر، وَالله أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: من ذَلِك أَن الحَدِيث فِيهِ دلَالَة على جَوَاز دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام. فَإِن قلت: يحْتَمل أَن يكون ﷺ كَانَ محرما، وَلكنه غطى رَأسه لعذر. قلت: قد مر فِي حَدِيث مُسلم عَن جَابر أَنه لم يكن محرما. فَإِن قلت: يشكل هَذَا من وَجه آخر، وَهُوَ أَنه. ﷺ ، كَانَ متأهبا لِلْقِتَالِ، وَمن كَانَ هَذَا شَأْنه جَازَ لَهُ الدُّخُول بِغَيْر إِحْرَام قلت: حَدِيث جَابر أَعم من هَذَا، فَمن لم يرد نسكا جَازَ دُخُوله لِحَاجَتِهِ، تكَرر: كالحطاب والحشاش والسقَّاء والصياد وَغَيرهم، أم لم يتَكَرَّر: كالتاجر والزائر وَغَيرهمَا، وَسَوَاء كَانَ آمنا أَو خَائفًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا أصح الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ، وَبِه يُفْتِي أَصْحَابه. وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا يجوز دُخُولهَا بِغَيْر إِحْرَام إِن كَانَت حَاجته لَا تكَرر إلَاّ أَن يكون مُقَاتِلًا أَو خَائفًا من قتال أَو من ظَالِم لَو ظهر، وَنقل القَاضِي نَحْو هَذَا عَن أَكثر الْعلمَاء. انْتهى. وَاحْتج أَيْضا من أجَاز دُخُولهَا بِغَيْر إِحْرَام أَن فرض الْحَج مرّة فِي الدَّهْر، وَكَذَا الْعمرَة، فَمن أوجب على الدَّاخِل إحراما فقد أوجب عَلَيْهِ غير مَا أوجب الله. وَمِنْه: اسْتِدْلَال بَعضهم بِحَدِيث الْبَاب على أَن النَّبِي ﷺ فتح مَكَّة عنْوَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة والأكثرين. وَقَالَ الشَّافِعِي وَغَيره: فتحت صلحا، وتأولوا هَذَا الحَدِيث على أَن الْقِتَال كَانَ جَائِزا لَهُ ﷺ فِي مَكَّة، وَلَو احْتَاجَ إِلَيْهِ لفعله، وَلَكِن مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَانَ ﷺ صَالحهمْ، وَلَكِن لما لم يَأْمَن غدرهم دخل متأهبا. قلت: لَا يعرف فِي شَيْء من الْأَخْبَار صَرِيحًا أَنه صَالحهمْ. وَمِنْه: اسْتِدْلَال بَعضهم على جَوَاز إِقَامَة الْحُدُود وَالْقصاص فِي حرم مَكَّة، قُلْنَا: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ (آل عمرَان: ٦٩) . وَمَتى تعرض إِلَى من التجأ بِهِ يكون سلب الْأَمْن عَنهُ، وَهَذَا لَا يجوز، وَكَانَ قتل ابْن خطل فِي السَّاعَة الَّتِي أحلّت للنَّبِي ﷺ . وَمِنْه: اسْتِدْلَال جمَاعَة من الْمَالِكِيَّة على جَوَاز قتل من سبّ النَّبِي ﷺ ، وَأَنه يقتل وَلَا يُسْتَتَاب. وَقَالَ أَبُو عمر: فِيهِ نظر، لِأَن ابْن خطل كَانَ حَرْبِيّا وَلم يدْخلهُ رَسُول الله، ﷺ ، فِي أَمَانه لأهل مَكَّة، بل اسْتَثْنَاهُ مَعَ من اسْتثْنى. وَمِنْه: مَشْرُوعِيَّة لبس المغفر وَغَيره من آلَات السِّلَاح حَال الْخَوْف من الْعَدو، وَأَنه لَا يُنَافِي التَّوَكُّل. وَمِنْه: جَوَاز رفع أَخْبَار أهل الْفساد إِلَى وُلَاة الْأَمر، وَلَا يكون ذَلِك من الْغَيْبَة الْمُحرمَة وَلَا النميمة. ٩١ - (بَاب إذَا أحْرَمَ جاهِلاً وعلَيْهِ قَمِيصٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أحرم شخص حَال كَونه جَاهِلا بِأُمُور الْإِحْرَام، وَالْحَال أَن عَلَيْهِ قَمِيصًا وَلم يدر هَل عَلَيْهِ فديَة فِي ذَلِك أم لَا؟ وَإِنَّمَا لم يذكر الْجَواب لِأَن حَدِيث الْبَاب لَا يُصَرح بِعَدَمِ وجوب الْفِدْيَة. ألَا ترى أَنه ذكر أَولا أثر عَطاء بن أبي رَبَاح الَّذِي هُوَ رَاوِي حَدِيث الْبَاب، وَلَو كَانَ فهم مِنْهُ وجوب الْفِدْيَة لما خَفِي عَلَيْهِ، فَلذَلِك قَالَ: لَا فديَة عَلَيْهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ إذَا تَطَيَّبَ أوْ لَبِسَ جاهِلاً أوْ نَاسِيا فَلَا كَفَّارةَ عَلَيْهِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. قَوْله: (إِذا تطيب) ، أَي: الْمحرم: وجاهلاً وناسيا، حالان، وَيَقُول عَطاء: قَالَ

стр. 3012

الشَّافِعِي، وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه تجب الْفِدْيَة بالتطيب نَاسِيا، وباللبس نَاسِيا قِيَاسا على الْأكل فِي الصَّلَاة. ٧٤٨١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا عَطَاءٌ قَالَ حدَّثني صَفْوَانُ بنُ يَعْلَى عنْ أبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ فأتاهُ رَجلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ فِيهِ أثَرُ صُفْرَةٍ أوْ نَحْوُهُ كانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي تُحِبُّ إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ أنْ تَرَاهُ فنَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ. وعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ يَعْنِي فانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فأبْطَلَهُ النبيُّ ﷺ .. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الرجل كَانَ قد أحرم بِالْعُمْرَةِ وَعَلِيهِ جُبَّة وَكَانَ جَاهِلا بِأَمْر الْإِحْرَام. فَإِن قلت: الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة لفظ الْقَمِيص، وَالْمَذْكُور فِي الحَدِيث لفظ الْجُبَّة، فَمن أَيْن الْمُطَابقَة؟ قلت: لَا شكّ أَن حكمهمَا وَاحِد فِي التّرْك، وَكَيف لَا والجبة قَمِيص مَعَ شَيْء آخر، لِأَن الْجُبَّة ذَات طاقين. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. الثَّانِي: همام بن يحيى بن دِينَار العوذي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: عَطاء بن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ. الرَّابِع: صَفْوَان بن يعلى التَّمِيمِي أَو التَّيْمِيّ الْمَكِّيّ. الْخَامِس: أَبوهُ يعلى بن أُميَّة، وَيُقَال لَهُ: ابْن منية، وَهِي أمه أُخْت عتبَة بنت غَزوَان، كَانَ عَامل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على نَجْرَان، عداده فِي أهل مَكَّة، سمع النَّبِي ﷺ عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم، وروى عَن عمر عِنْد مُسلم فِي الصَّلَاة، روى عَنهُ ابْنه صَفْوَان عِنْدهمَا، وَعبد الله بن بابية عِنْد مُسلم، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : يعلى بن أُميَّة، وَهُوَ أَبُو خلف، وَيُقَال: أَبُو خَالِد، وَيُقَال: أَبُو صَفْوَان يعلى بن أُميَّة بن أبي عُبَيْدَة، واسْمه: عبيد، وَيُقَال: زيد بن همام بن الْحَارِث بن بكر بن زيد بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، وَيعرف بِابْن منية وَهِي أمه، وَيُقَال: جدته، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَاهُ قَتَادَة وَالْحجاج بن أَرْطَأَة وَغير وَاحِد عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ . قلت: أخرج الطَّرِيق الأول التِّرْمِذِيّ: عَن قُتَيْبَة عَن عبد الله بن إِدْرِيس عَن عبد الْملك بن سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة هشيم: عَن عبد الْملك، وَأخرجه أَيْضا من رِوَايَة هشيم عَن مَنْصُور عَن عَطاء، وَأخرج أبي دَاوُود من رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي بشر بن عَطاء، وَأخرج الطَّرِيق الثَّانِي التِّرْمِذِيّ أَيْضا: عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا أخرجه الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة، وَاتفقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ من طَرِيق ابْن جريج وَهَمَّام عَن عَطاء، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من رِوَايَة همام، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة ابْن جريج، وَرَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة قيس بن سعد عَن عَطاء، وَانْفَرَدَ بِهِ مُسلم من رِوَايَة رَبَاح بن أبي مَعْرُوف عَن عَطاء، وَقَالَ بَعضهم: فِي الْإِسْنَاد صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة، قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي ﷺ ... هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَهُوَ تَصْحِيف، وَالصَّوَاب مَا ثَبت فِي رِوَايَة غَيره: صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه، فتصحف عَن فَصَارَت ابْن، و: أَبِيه، فَصَارَت: أُميَّة، وَلَيْسَت لِصَفْوَان صُحْبَة وَلَا رُؤْيَة. قلت: لم نجد فِي النّسخ الْكثير الْمُعْتَبرَة إلَاّ: صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه، فَلَا يحْتَاج أَن ينْسب هَذَا التَّصْحِيف إِلَى أبي ذَر، وَلَا إِلَى غَيره. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أبي نعيم، وَفِي الْمَغَازِي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن أَيْضا عَن مُسَدّد، وَفِي الْحَج أَيْضا. قَالَ أَبُو عَاصِم: وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن شَيبَان بن فروخ عَن همام بِهِ، وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن عبد بن حميد وَعَن عَليّ بن خشرم عَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عقبَة بن مكرم وَمُحَمّد بن رَافع كِلَاهُمَا عَن وهب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد ﵀، فِيهِ عَن عقبَة بن مكرم بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن كثير وَعَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَعَن يزِيد بن خَالِد عَن اللَّيْث عَن عَطاء عَن يعلى بن منية عَن أَبِيه، كَذَا قَالَ، وَلم يقل: عَن أبي يعلى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن أبي عمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن نوح بن حبيب وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء، فرقهما وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن لَيْث عَن عَطاء عَن ابْن منية عَن أَبِيه بِهِ. فَافْهَم.

стр. 3013

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَأَتَاهُ رجل) وَفِي رِوَايَة مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: (أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ بحنين) ، الحَدِيث فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: فَبَيْنَمَا النَّبِي ﷺ بالجعرانة وَمَعَهُ نفر من أَصْحَابه جَاءَ رجل) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن يعلى بن أُميَّة، قَالَ: (رأى رَسُول الله ﷺ بالجعرانة أَعْرَابِيًا قد أحرم وَعَلِيهِ حَبَّة فَأمره أَن يَنْزِعهَا. قَوْله: (عَلَيْهِ جُبَّة) ، جملَة إسمية فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة لرجل. قَوْله: (فِيهِ أثر صفرَة) أَي: فِي الرجل، ويروى: (بِهِ) ، أَي بِالرجلِ، ويروى (وَعَلَيْهَا أثر صفرَة) ، أَي: وعَلى الْجُبَّة وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وَعَلِيهِ جُبَّة بهَا أثر من خلوق) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (كَيفَ ترى فِي رجل عَلَيْهِ جُبَّة صوف متضمخ بِطيب؟) وَفِي رِوَايَة: (عَلَيْهِ جُبَّة وَعَلَيْهَا خلوق) ، وَفِي رِوَايَة: (وَهُوَ متضمخ بالخلوق) ، وَفِي رِوَايَة لغيره: (وَعَلِيهِ جُبَّة عَلَيْهَا أثر الزَّعْفَرَان) ، وَفِي رِوَايَة: (وَعَلِيهِ أثر الخلوق) ، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة نوع من الطّيب يَجْعَل فِيهِ الزَّعْفَرَان. قَوْله: (أَن ترَاهُ) أَن: كلمة مَصْدَرِيَّة، وَهُوَ فِي مَحل النصب على أَنه مفعول لقَوْله: (تحب) . قَوْله: (ثمَّ سري عَنهُ) ، بِضَم السِّين أَي كشف. قَوْله: (إصنع فِي عمرتك مَا تصنع فِي حجك) ، يَعْنِي من الطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَالْحلق والاحتراز عَن مَحْظُورَات الْإِحْرَام فِي الْحَج. قَوْله: (وعض رجل يَد رجل) ، وَحَدِيث آخر وَمَسْأَلَة مُسْتَقلَّة بذاتها، وَجه تعلقه بِالْبَابِ كَونه من تَتِمَّة الحَدِيث، وَهُوَ مَذْكُور بالتبعية. قَوْله: (تثنيته) ، قَالَ الْجَوْهَرِي: الثَّنية وَاحِدَة الثنايا من السن. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فِي الْفَم الْأَسْنَان الثنايا والرباعيات والأنياب والضواحك والطواحين والأرحاء والنواجذ، وَهِي سِتَّة وَثَلَاثُونَ، من فَوق وأسفل أَربع ثنايا: ثنيتان من أَسْفَل وثنيتان من فَوق، ثمَّ يَلِي الثنايا أَربع رباعيات، رباعيتان من فَوق ورباعيتان من أَسْفَل ثمَّ يَلِي الرباعيات الأنياب، وَهِي أَرْبَعَة: نابان من فَوق ونابان من أَسْفَل، ثمَّ يَلِي الأنياب الضواحك، وَهِي أَرْبَعَة أضراس إِلَى كل نَاب من أَسْفَل الْفَم وَأَعلاهُ: ضَاحِك ثمَّ يَلِي الضواحك الطواحين والأرحاء، وَهِي سِتَّة عشر فِي كل شقّ ثَمَانِيَة: أَرْبَعَة من فَوق وَأَرْبَعَة من أَسْفَل، ثمَّ يَلِي الأرحاء النواجذ أَرْبَعَة أضراس وَهِي آخر الأضراس نباتا، الْوَاحِد ناجذ. قَوْله: (فأبطله النَّبِي ﷺ أَي: جعله هدرا لِأَنَّهُ نَزعهَا دفعا للصائل. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَنه احْتج بِهِ عَطاء وَالزهْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمَالك وَمُحَمّد بن الْحسن على كَرَاهَة اسْتِعْمَال الطّيب عِنْد الْإِحْرَام، وَذهب مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَعُرْوَة بن الزبير وَالْأسود بن يزِيد وخارجة ابْن زيد وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَزفر وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق إِلَى أَنه لَا بَأْس بالتطيب عِنْد الْإِحْرَام، وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة أَيْضا وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث بِأَن الطّيب الَّذِي كَانَ على ذَلِك الرجل إِنَّمَا كَانَ صفرَة وَهُوَ خلوق، فَذَلِك مَكْرُوه لَا للرجل للْإِحْرَام، وَلكنه لِأَنَّهُ مَكْرُوه فِي نَفسه فِي حَال الْإِحْلَال، وَفِي حَال الْإِحْرَام، وَإِنَّمَا أُبِيح من الطّيب عِنْد الْإِحْرَام مَا هُوَ حَلَال فِي حَال الْإِحْلَال، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن حَدِيث يعلى الَّذِي رُوِيَ بطرق مُخْتَلفَة، قد بيَّن ذَلِك وأوضح أَن ذَلِك الطّيب الَّذِي أمره ﷺ بِغسْلِهِ كَانَ خلوفا. وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ فِي كل الْأَحْوَال. وَمِنْه: صِحَة إِحْرَام المتلبس بمحظورات الْإِحْرَام من اللبَاس وَالطّيب. وَمِنْه: عدم جَوَاز لبس الْمخيط كالجبة للْمحرمِ. وَمِنْه: أَنه لَا يجب قطع الْجُبَّة والقميص للْمحرمِ إِذا أَرَادَ نَزعهَا بل لَهُ أَن ينْزع ذَلِك من رَأسه وَإِن أدّى إِلَى الْإِحَاطَة بِرَأْسِهِ خلافًا لمن قَالَ يشقه، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ، ويروى ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَيْسَ نزع الْقَمِيص بِمَنْزِلَة اللبَاس، لِأَن الْمحرم لَو حمل على رَأسه ثيابًا أَو غَيرهَا لم يكن بذلك بَأْس، وَلم يدْخل ذَلِك فِيمَا نهى عَنهُ من تَغْطِيَة الرَّأْس بالقلانس وَشبههَا، لِأَنَّهُ غير لابس، فَكَانَ النَّهْي إِنَّمَا وَقع فِي ذَلِك على مَا يَلِيهِ الرَّأْس لَا على مَا يُغطي بِهِ. وَفِيه: مَسْأَلَة العاض، وَسَيذكر البُخَارِيّ فِي كتاب الدِّيات فِي: بَاب إِذا عض رجلا فَوَقَعت ثناياه عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه وَعَن زُرَارَة بن أوفى (عَن عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رجلا عض يَد رجل فَنزع يَده من فَمه فَوَقَعت ثنيتاه فاختصموا إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ يعَض أحدكُم أَخَاهُ كَمَا يعَض الْفَحْل لَا دِيَة لَك) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فأبطلها) أَي: الدِّيَة، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (فأهدر ثنيته) ، وَبِهَذَا أَخذ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فِي أَن المعضوض إِذا نزع يَده فَسَقَطت أَسْنَان العاض وَفك لحيته لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَقَالَ مَالك: يضمن.

стр. 3014

٠٢ - (بابُ المُحْرَمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ ولَمْ يَأمُرِ النبيُّ ﷺ أنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الحَجِّ) أَي: هَذَا بَاب فَيجوز إِضَافَته وَيجوز قطعه عَنْهَا فتقدير الْكَلَام فِي الأول: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال الْمحرم يَمُوت بِعَرَفَة، وَفِي الثَّانِي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمحرم يَمُوت. . إِلَى آخِره. قَوْله: (يَمُوت بِعَرَفَة) حَال من الْمحرم، وَلم يَأْمر النَّبِي، ﷺ . عطف عَلَيْهِ، وَلَو قَالَ: مَاتَ بِعَرَفَة بِصِيغَة الْمَاضِي لَكَانَ أوجه، وَالْمرَاد بِبَقِيَّة الْحَج رمي الجمرات وَالْحلق وَطواف الْإِفَاضَة وَغير ذَلِك، وَإِنَّمَا لم يَأْمر النَّبِي، ﷺ ، أَن يُؤدى عَن هَذَا الْمحرم الَّذِي مَاتَ بِعَرَفَة أَن يُؤدى عَنهُ بَقِيَّة الْحَج لِأَن أثر إِحْرَامه باقٍ أَلا ترى أَنه قَالَ فِي حَقه: (فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا؟) وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا دَال على أَنه لَا يحجّ أحد عَن أحد لِأَنَّهُ عمل بدني كَالصَّلَاةِ لَا تدْخلهَا النِّيَابَة، وَلَو صحت فِيهَا النِّيَابَة لأمر النَّبِي، ﷺ ، بإتمام الْحَج عَن هَذَا. ٩٤٨١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بَيْنا رَجُلٌ واقِفٌ معَ النبيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ إذْ وقعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أوْ قَالَ فأقْعَصَتْهُ فَقَالَ النبيُ ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ أوْ قَالَ ثَوْبَيْهِ ولَا تُحَنِّطُوهُ ولَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ فإنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّي.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لم يَأْمر فِيهِ بِأَن يُؤدى عَن هَذَا الْمحرم الَّذِي وقصته دَابَّته بَقِيَّة الْحَج، وَإِنَّمَا أَمر بِغسْلِهِ وتكفينه، وَنهى عَن تحنيطه وتخمير رَأسه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَاتَ على إِحْرَامه، وَلِهَذَا أخبر ﷺ بِأَنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ يُلَبِّي، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْكَفَن فِي ثَوْبَيْنِ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَأخرجه فِي: بَاب الحنوط للْمَيت عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه فِي بَاب كَيفَ يُكفن الْمحرم عَن أبي نعْمَان عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه أَيْضا فِيهِ عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير، وَأخرجه هُنَا من ثَلَاث طرق أُخْرَى أَحدهَا عَن سُلَيْمَان ابْن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير، والآخران يأتيان عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْجَنَائِز مستقصىً. قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي، وَكَذَا قَوْله: (أَو قَالَ ثوبيه) . ٠٥٨١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بَيْنا رَجُلٌ واقِفٌ مَعَ النبيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ إذْ وقعَ عنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أوْ قَالَ فأوْقَصَتْهُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ اغْسِلُوهُ بِماءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ ولَا تَمَسُّوهُ طِيبا ولَا تُخَمِّرُوا رأسَهُ ولَا تُحَنِّطُوهُ فإنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيا.. هَذَا الطَّرِيق الثَّانِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب أَيْضا. قَوْله: (فوقصته أَو قَالَ فأوقصته) ، هَذَا شكّ من الرَّاوِي فِي أَن هَذِه الْمَادَّة من الثلاثي الْمُجَرّد أَو من الْمَزِيد فِيهِ، وَقد مر أَن الْمَعْنى: كسرت رَاحِلَته عُنُقه. قَوْله: (وَلَا تمسوه) ، بِفَتْح التَّاء من الْمس، ويروى بِضَم التَّاء من الإمساس. قَوْله: (ملبيا) ، نصب على الْحَال. ١٢ - (بابُ سُنَّةِ الْمُحْرِمِ إذَا ماتَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنة الْمحرم فِي كَيْفيَّة الْغسْل والتكفين، وَغير ذَلِك إِذا مَاتَ فِي إِحْرَامه. ١٥٨١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرنَا أبُو بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ

стр. 3015

جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رجُلاً كانَ معَ النبيِّ ﷺ فوَقَصَتْهُ ناقَتُهُ وهُوَ محْرِمٌ فَماتَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ اغْسِلُوهُ بِماءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ولَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ ولَا تُخَمِّرُوا رأسَهُ فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيا.. هَذَا الطَّرِيق الثَّالِث عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن هشيم، بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: السّلمِيّ الوَاسِطِيّ عَن أبي بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، واسْمه جَعْفَر بن إِيَاس الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ. ٢٢ - (بابُ الحَجِّ والنُّذُورِ عنِ المَيِّتِ والرَّجُلِ يَحُجُّ عنِ المَرْأةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَج عَن الْمَيِّت، فِي بَيَان حكم النّذر عَن الْمَيِّت. قَوْله: (وَالنُّذُور) كَذَا هُوَ بِلَفْظ الْجمع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَالْمُنْذر بِلَفْظ الْإِفْرَاد. قَوْله: (وَالرجل) ، بِالْجَرِّ عطف على الْمَجْرُور فِيمَا قبله، أَي: فِي بَيَان حكم الرجل يحجّ عَن الْمَرْأَة، والترجمة مُشْتَمِلَة على حكمين. ٢٥٨١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ امْرَأَة مِنْ جُهَيْنَةَ جاءتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقالَتْ إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فلَمْ تَحُجَّ حَتَّى ماتَتْ أفأحجُّ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلَى أُمِّكِ ديْنٌ أكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا الله فَالله أحَقُ بِالوَفَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (إِن أُمِّي نذرت) إِلَى آخِره، وَفِيه حج عَن نذر الْمَيِّت، وَهُوَ مُطَابق للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله: (وَالرجل يحجّ عَن الْمَرْأَة) نظر، لِأَن لفظ الحَدِيث أَن امْرَأَة سَأَلت عَن نذر كَانَ على أَبِيهَا، فَكَانَ حق التَّرْجَمَة أَن يَقُول: وَالْمَرْأَة تحج عَن الرجل، ثمَّ قَالَ: وَأجَاب ابْن بطال بِأَن النَّبِي ﷺ خَاطب الْمَرْأَة بخطاب دخل فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَهُوَ قَوْله: (اقضوا الله) ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَالَّذِي يظْهر لي أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بالترجمة إِلَى رِوَايَة شُعْبَة عَن أبي بشر فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: (أَتَى رجل النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِن أُخْتِي نذرت أَن تحج. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فأقضي الله فَهُوَ أَحَق بِالْقضَاءِ) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّرْجَمَة فِي حج الرجل عَن الْمَرْأَة، وَهَذَا: هُوَ حج الْمَرْأَة عَن الْمَرْأَة؟ قلت: يلْزم مِنْهُ التَّرْجَمَة بِالطَّرِيقِ الأولى، وَفِي بعض التراجم الْمَرْأَة تحج عَن الْمَرْأَة. قلت: فِي كل هَذَا نظر، أما جَوَاب ابْن بطال فكاد أَن يكون بَاطِلا، لِأَن خطاب النَّبِي ﷺ هُنَا لَيْسَ للمراد خَاصَّة، وَإِنَّمَا هُوَ خطاب لمن كَانَ حَاضرا هُنَاكَ، وَدخُول الْمَرْأَة فِي الْخطاب لَا يَقْتَضِي الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، وَأما جَوَاب هَذَا الْقَائِل فأبعد من الأول، لِأَن التَّرْجَمَة فِي بَاب لَا يُقَال بَينهَا وَبَين حَدِيث مَذْكُور فِي بَاب آخر: إِنَّه مُطَابق لهَذِهِ التَّرْجَمَة، فَالْأَصْل أَن تكون الْمُطَابقَة بَين تَرْجَمَة وَحَدِيث مذكورين فِي بَاب وَاحِد، وَأما جَوَاب الْكرْمَانِي فَفِيهِ دَعْوَى الْأَوْلَوِيَّة بطرِيق الْمُلَازمَة، فَيحْتَاج إِلَى بَيَان بِدَلِيل صَحِيح مُطَابق، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، فَإِن قَالُوا: يلْزم من ذَلِك تَعْطِيل الْجُزْء الأول من التَّرْجَمَة عَن ذكر الحَدِيث؟ قلت: فعلى مَا ذكرُوا يلْزم تَعْطِيل الْجُزْء الثَّانِي. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين: الوضاح الْيَشْكُرِي وَأَبُو بشر جَعْفَر بن إِيَاس، وَقد مر عَن قريب. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن مُسَدّد، وَفِي النذور عَن آدم عَن شُعْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن بنْدَار عَن غنْدر. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن امْرَأَة من جُهَيْنَة) ، بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون: اسْم قَبيلَة فِي قضاعة، وجهينة بن زيد بن لَيْث بن أسود بن أسلم، بِضَم اللَّام: ابْن ألحاف بن قضاعة بن مَالك بن حمير فِي الْيمن، وَلم يدر
следующие страницы →