← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

٥٠٩١ - حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبِي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ بيْنا أنَا أمْشِي مَعَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ مَنِ اسْتَطاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ فإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ) . ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَبْدَانِ هُوَ عبد الله بن عُثْمَان. الثَّانِي: أَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، وَقد مر فِي: بَاب نفض الْيَدَيْنِ فِي الْغسْل. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس: عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان، والبقية الثَّلَاثَة كوفيون. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله، لِأَن عَلْقَمَة خَال إِبْرَاهِيم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه عَن رجل. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر وَأبي كريب، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن عُثْمَان عَن جرير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان عَن جرير، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن حَرْب عَن أبي مُعَاوِيَة وَفِي الصَّوْم عَن بشر بن خَالِد وَعَن هِلَال بن الْعَلَاء عَن أَبِيه وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن عبد الله بن عَامر. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَينا أَنا أَمْشِي) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أصل: بَينا، بَين، فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا، يُقَال: بَينا وبينما، وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة، ويضافان إِلَى جملَة، والأفصح فِي جوابهما أَن لَا يكون بإذ وَإِذا، وَقد جَاءَ بهما كثيرا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: جَوَاب بَين كَيفَ صَحَّ بِالْفَاءِ وَهُوَ إِمَّا بإذا أَو بِالْفِعْلِ الْمُجَرّد؟ قلت: إِمَّا أَن تجْعَل الْفَاء مقَام إِذْ للأخوة بَينهمَا، وَإِمَّا أَن يُقَال: لفظ قَالَ مُقَدّر، وَالْمَذْكُور مُفَسّر لَهُ. انْتهى. قلت: هَذَا كُله تعسف لأَنا لَا نسلم أَن جَوَاب: بَين، بإذ، لأَنا قُلْنَا الْآن إِن الْأَفْصَح أَن يكون بِالْفَاءِ، وَلَا نسلم قَوْله بِالْفِعْلِ الْمُجَرّد، وَأَيْضًا لَا نسلم الْأُخوة بَين إِذا وَالْفَاء، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: جَوَاب بَين هُوَ قَوْله: فَقَالَ، وَالْفَاء لَا تضر وَلَا يفْسد بِهِ الْمَعْنى وَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير شَيْء. وَقَوله: (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ ، جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله: (بَينا) ، وَبَين جَوَابه. فَافْهَم. قَوْله: (من اسْتَطَاعَ) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الِاسْتِطَاعَة هُنَا عبارَة عَن وجود مَا بِهِ يتَزَوَّج وَلم يرد الْقُدْرَة على الْوَطْء، وَقَالَ الْكرْمَانِي، ﵀، وَتَقْدِيره من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْجِمَاع لقدرته على مُؤَن النِّكَاح فليتزوج، وَمن لم يسْتَطع الْجِمَاع لعَجزه عَن مؤنه فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ. قَوْله: (الْبَاءَة) ، فِيهَا أَربع لُغَات: الفصيحة الْمَشْهُورَة بِالْمدِّ وَالْهَاء. الثَّانِيَة بِلَا مد. الثَّالِثَة: بِالْمدِّ بِلَا هَاء. الرَّابِعَة: الباهة بهاءين بِلَا مد. وَفِي (الموعب) : الْبَاء الْحَظ من النِّكَاح، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: الْبَاء والباه والباهة: النِّكَاح. وَفِي (الصِّحَاح) : الباهة مثل الباعة لُغَة فِي الْبَاءَة، وَمِنْه سمي النِّكَاح، بَاء أَو باهة، لِأَن الرجل يتبوء من أَهله إِي يستمكن مِنْهَا كَمَا يتبوء من دَاره، وبوأه منزلا أنزلهُ فِيهِ، وَالِاسْم البيئة بِالْفَتْح وَالْكَسْر، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الباه الغشيان. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن التَّزَوُّج، يدل عَليّ قَوْله: (فليتزوج) . قَوْله: (أَغضّ) ، بالغين وَالضَّاد المعجمتين أَي: أدعى إِلَى غض الْبَصَر. قَوْله: (وَأحْصن) ، أَي أدعى إِلَى إِحْصَان الْفرج. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : يحْتَمل أَن يكون أَغضّ وَأحْصن للْمُبَالَغَة، وَيحْتَمل أَن يَكُونَا على بابهما قلت: هَذَا تصرف من لَيْسَ لَهُ يَد فِي الْعَرَبيَّة، لِأَن كلا مِنْهُمَا أفعل التَّفْضِيل، فَكيف يكونَانِ على بابهما. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الصَّوْم لَهُ أَي للصَّائِم. قَوْله: (وَجَاء) بِكَسْر الْوَاو وبالمد، وَهُوَ رض الخصيتين، وَقيل: هُوَ رض الْعُرُوق، والخصيتان بحالهما، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَقد قَالَه بَعضهم بِفَتْح الْوَاو وَالْقصر. وَلَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ ابْن سَيّده: وجأ التيس وجأ ووجاء فَهُوَ موجوء، ووجيء، وَقيل: الوجيء مصدر والوجاء إسم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَرُوِيَ: وجا بِوَزْن عَصا يُرِيد التَّعَب والحفي، وَذَلِكَ بعيد إلَاّ أَن يُرَاد فِيهِ معنى الفتور، لِأَن من وجىء فتر عَن الْمَشْي، فَشبه الصَّوْم فِي بَاب النِّكَاح بالتعب فِي بَاب الْمَشْي. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز المعاناة لقطع الْبَاءَة بالأدوية لقَوْله: (فليصم) ، وَقَالَ

стр. 3082

الْقُرْطُبِيّ. وَفِيه: وجوب الْخِيَار فِي الْعنَّة. وَفِيه: أَن الصَّوْم قَاطع لشَهْوَة النِّكَاح. وَاعْترض بِأَن الصَّوْم يزِيد فِي تهييج الْحَرَارَة وَذَلِكَ مِمَّا يثير الشَّهْوَة. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك إِنَّمَا يَقع فِي مبدأ الْأَمر، فَإِذا تَمَادى عَلَيْهِ واعتاده سكن ذَلِك، وشهوة النِّكَاح تَابِعَة لشَهْوَة الْأكل، فَإِنَّهُ يقوى بقوتها ويضعف بضعفها. وَفِيه: الْأَمر بِالنِّكَاحِ لمن اسْتَطَاعَ وتاقت نَفسه، وَهُوَ إِجْمَاع، لكنه عِنْد الْجُمْهُور أَمر ندب لَا إِيجَاب، وَإِن خَافَ الْعَنَت كَذَا قَالُوا. قلت: النِّكَاح على ثَلَاثَة أَنْوَاع: الأول: سنة وَهُوَ فِي حَال الِاعْتِدَال لقَوْله ﷺ : (تناكحوا تَوَالَدُوا تكثروا، فَإِنِّي أباهي بكم الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة) . الثَّانِي: وَاجِب وَهُوَ عِنْد التوقان وَهُوَ غَلَبَة الشَّهْوَة. الثَّالِث: مَكْرُوه وَهُوَ إِذا خَافَ الْجور، لِأَنَّهُ إِنَّمَا شرع لمصَالح كَثِيرَة فَإِذا خَافَ الْجور لم تظهر تِلْكَ الْمصَالح ثمَّ فِي هَذِه الْحَالة تشتغل بِالصَّوْمِ، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أحل النِّكَاح وَندب نبيه ﷺ إِلَيْهِ ليكونوا على كَمَال من دينهم وصيانة لأَنْفُسِهِمْ من غض أَبْصَارهم وَحفظ فروجهم لما يخْشَى على من جبله الله على حب أعظم الشَّهَوَات، ثمَّ أعلم أَن النَّاس كلهم لَا يَجدونَ طولا إِلَى النِّسَاء، وَرُبمَا خَافُوا الْعَنَت بِعقد النِّكَاح، فعوضهم مِنْهُ مَا يدافعون بِهِ سُورَة شهواتهم وَهُوَ الصّيام، فَإِنَّهُ وَجَاء، وَهُوَ مقطع للانتشار وحركة الْعُرُوق الَّتِي تتحرك عِنْد شَهْوَة الْجِمَاع. ١١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ إذَا رَأيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا وإذَا رأيْتُمُوهُ فأفْطِرُوا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي، ﷺ . . إِلَى آخِره. وَهَذِه التَّرْجَمَة هِيَ بِعَينهَا لفظ حَدِيث مُسلم حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا رَأَيْتُمْ الْهلَال فصوموا، وَإِذا رَأَيْتُمُوهُ فأفطروا، فَإِن غم عَلَيْكُم فصوموا ثَلَاثِينَ يَوْمًا) ، وَلَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب مثل عين التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا الْمَذْكُور مَا يُقَارب التَّرْجَمَة من حَيْثُ اللَّفْظ، وَمَا هُوَ عينهَا من حَيْثُ الْمَعْنى على مَا نبينه عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ صِلَةْ عنْ عَمَّارٍ منْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أبَا الْقَاسِمِ ﷺ مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مُقْتَضى مَعْنَاهَا أَن لَا يصام يَوْم الشَّك، لِأَنَّهُ ﷺ علق الصَّوْم بِرُؤْيَة الْهلَال وَهُوَ هِلَال رَمَضَان، فَلَا يصام الْيَوْم الَّذِي هُوَ آخر شعْبَان إِذا شكّ فِيهِ، هَل هُوَ من شعْبَان أَو رَمَضَان؟ وصلَة، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح اللَّام المخففة على وزن: عدَّة، وَقَالَ بَعضهم: على وزن عمر وَلَيْسَ بِصَحِيح، وَهُوَ ابْن زفر، بِضَم الزَّاي وَفتح الْفَاء المخففة وَفِي آخِره رَاء: الْعَبْسِي الْكُوفِي، يكنى أَبَا بكر، وَيُقَال: أَبَا الْعَلَاء، قَالَ الْوَاقِدِيّ: توفّي فِي زمن مُصعب بن الزبير وَهُوَ من كبار التَّابِعين وفضلائهم، وَزعم ابْن حزم أَنه: صلَة بن أَشْيَم، وَهُوَ وهم مِنْهُ، وَقد صرح بِأَنَّهُ صلَة بن زفر جَمِيع من روى هَذَا. وعمار هُوَ ابْن يَاسر الْعَبْسِي أَبُو الْيَقظَان، قتل بصفين. وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، فَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عبد الله ابْن سعيد الْأَشَج حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن عَمْرو بن قيس الْملَائي (عَن أبي إِسْحَاق عَن صلَة بن زفر، قَالَ: كُنَّا عِنْد عمار ابْن يَاسر فَأتي بِشَاة مصلية، فَقَالَ: كلوا، فَتنحّى بعض الْقَوْم، فَقَالَ: إِنِّي صَائِم، فَقَالَ عمار: من صَامَ الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن الْأَشَج، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر، وَأخرجه أَيْضا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ. وَيَوْم الشَّك هُوَ الْيَوْم الَّذِي يتحدث النَّاس فِيهِ بِرُؤْيَة الْهلَال وَلم تثبت رُؤْيَته، أَو شهد وَاحِد فَردَّتْ شَهَادَته، أَو شَاهِدَانِ فاسقان فَردَّتْ شَهَادَتهمَا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر فِي (الْأَشْرَاف) : قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا بَأْس بِصَوْم يَوْم الشَّك تَطَوّعا، وَهَذَا قَول أهل الْعلم، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَأحمد وَإِسْحَاق، وَمثله عَن مَالك على الْمَشْهُور، وَكَانَت أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، تصومه. وَذكر القَاضِي أَبُو يعلى: أَن صَوْم يَوْم الشَّك مَذْهَب عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَأنس بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس. وَقَالَ أَصْحَابنَا: صَوْم يَوْم الشَّك على وُجُوه: الأول: أَن يَنْوِي فِيهِ صَوْم رَمَضَان وَهُوَ مَكْرُوه، وَفِيه خلاف أبي هُرَيْرَة وَعمر وَمُعَاوِيَة وَعَائِشَة وَأَسْمَاء، ثمَّ إِنَّه من رَمَضَان يجْزِيه وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ

стр. 3083

وَالثَّوْري وَوجه للشَّافِعِيَّة، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يجْزِيه إلَاّ إِذا أخبرهُ بِهِ من يَثِق بِهِ من عبد أَو امْرَأَة. وَالثَّانِي: أَنه إِن نوى عَن وَاجِب آخر كقضاء رَمَضَان وَالنّذر أَو الْكَفَّارَة وَهُوَ مَكْرُوه أَيْضا إلَاّ أَنه دون الأول فِي الْكَرَاهَة وَإِن ظهر أَنه من شعْبَان قيل: يكون نفلا. وَقيل: يجْزِيه عَن الَّذِي نَوَاه من الْوَاجِب وَهُوَ الْأَصَح، وَفِي (الْمُحِيط) : وَهُوَ الصَّحِيح. وَالثَّالِث: أَن يَنْوِي التَّطَوُّع وَهُوَ غير مَكْرُوه عندنَا، وَبِه قَالَ مَالك. وَفِي (الْأَشْرَاف) : حُكيَ عَن مَالك جَوَاز النَّفْل فِيهِ عَن أهل الْعلم، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَابْن مسلمة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : لَا يكره صَوْم يَوْم الشَّك بنية التَّطَوُّع، وَالْأَفْضَل فِي حق الْخَواص صَوْمه بنية التَّطَوُّع بِنَفسِهِ وخاصته، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف، وَفِي حق الْعَوام التَّلَوُّم إِلَى أَن يقرب الزَّوَال، وَفِي (الْمُحِيط) : إِلَى وَقت الزَّوَال، فَإِن ظهر أَنه من رَمَضَان نوى الصَّوْم وإلَاّ أفطر. وَالرَّابِع: أَن يضجع فِي أصل النِّيَّة بِأَن يَنْوِي أَن يَصُوم غَدا إِن كَانَ من رَمَضَان، وَلَا يَصُومهُ إِن كَانَ من شعْبَان، وَفِي هَذَا الْوَجْه لَا يصير صَائِما. وَالْخَامِس: أَن يضجع فِي وصف النِّيَّة بِأَن يَنْوِي إِن كَانَ غَدا من رَمَضَان يَصُوم عَنهُ، وَإِن كَانَ من شعْبَان فَعَن وَاجِب آخر فَهُوَ مَكْرُوه. وَالسَّادِس: أَن يَنْوِي عَن رَمَضَان إِن كَانَ غَدا مِنْهُ، وَعَن التَّطَوُّع إِن كَانَ من شعْبَان يكره. قَوْله: (من صَامَ يَوْم الشَّك) ، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة وَغَيره: (من صَامَ الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ) ، قَالَ الطَّيِّبِيّ: إِنَّمَا أَتَى بالموصول وَلم يقل: يَوْم الشَّك، مُبَالغَة فِي أَن صَوْم يَوْم فِيهِ أدنى شكّ سَبَب الْعِصْيَان، فَكيف من صَامَ يَوْمًا الشكُّ فِيهِ قَائِم؟ قَوْله: (فقد عصى أَبَا الْقَاسِم) ، اسْتدلَّ بِهِ على تَحْرِيم صَوْم يَوْم الشَّك، لِأَن الصَّحَابِيّ لَا يَقُول ذَلِك من قبل رَأْيه، فَيكون من قبيل الْمَرْفُوع، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ مُسْند عِنْدهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك، وَخَالفهُ الْجَوْهَرِي الْمَالِكِي، فَقَالَ: هُوَ مَوْقُوف، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ موقف لفظا مَرْفُوع حكما، وَإِنَّمَا قَالَ: أَبَا الْقَاسِم، بتخصيص هَذِه الكنية للْإِشَارَة إِلَى أَنه ﷺ هُوَ الَّذِي يقسم بَين عباد الله حكم الله بِحَسب قدرهم واقتدارهم. ٦٠٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ ذكَرَ رمَضَانَ فَقَالَ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ ولَا تُفْطرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فاقْدُرُوا لَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن معنى لفظ التَّرْجَمَة يؤول إِلَى معني هَذَا الحَدِيث، وحاصلهما سَوَاء، وَقد مضى فِي: بَاب هَل يُقَال رَمَضَان أَو شهر رَمَضَان؟ مَا رَوَاهُ من حَدِيث سَالم عَن ابْن عمر، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (إِذا رَأَيْتُمُوهُ فصوموا وَإِذا رَأَيْتُمُوهُ فأفطروا، فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ) . وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَفِي الْحَدِيثين كليهمَا. (فاقدروا لَهُ) ، وَجَاء من وَجه آخر عَن نَافِع: (فاقدروا ثَلَاثِينَ) ، وَهَكَذَا أخرجه مُسلم من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع، وَكَذَا أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن نَافِع، قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَأخْبرنَا عبد الْعَزِيز بن أبي رواد عَن نَافِع بِهِ، فَقَالَ: (فعدوا ثَلَاثِينَ) . ٨٠٩١ - حدَّثنا أبُو الوَليدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ جَبَلَةَ بنِ سُحَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ النَّبِي ﷺ الشَّهْرُ هكذَا وهَكَذَا وخَنَسَ الإبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن معنى التَّرْجَمَة يدل على أَن الصَّوْم إِنَّمَا يجب بِرُؤْيَة الْهلَال، والهلال تَارَة يكون تسعا وَعشْرين يَوْمًا، فَهَذَا الحَدِيث يبين ذَلِك، وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. وجبلة، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَاللَّام المفتوحات: ابْن سحيم تَصْغِير السحم بالمهملتين الْكُوفِي، يكنى بِأبي سويرة مصغر سارة مَاتَ زمن الْوَلِيد بن يزِيد. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن آدم، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث، الْكل عَن شعبه بِهِ. قَوْله: (الشَّهْر) ، أَي: الَّذِي نَحن فِيهِ أَو جنس الشَّهْر. قَوْله: (هَكَذَا وَهَكَذَا) ، أَشَارَ بيدَيْهِ الكريمتين ناشرا أَصَابِعه مرَّتَيْنِ، فَهَذِهِ عشرُون. قَوْله: (وخنس الْإِبْهَام فِي الثَّالِثَة)

стр. 3084

أَي: أَشَارَ فِي الْمرة الثَّالِثَة بيدَيْهِ ناشرا أَصَابِعه، وخنس الْإِبْهَام فِيهَا فَهَذِهِ تِسْعَة، فالجملة تِسْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَلَفظ: خنس، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالنُّون، وَفِي آخِره سين مُهْملَة، مَعْنَاهُ: قبض، وَالْمَشْهُور أَنه لَازم، يُقَال: خنس خنوسا، ويروى حبس بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة بِمَعْنى: خنس، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَحَاصِله أَن الِاعْتِبَار بالهلال فقد يكون تَاما ثَلَاثِينَ، وَقد يكون نَاقِصا تسعا وَعشْرين، وَقد لَا يرى الْهلَال فَيجب إِكْمَال الْعدَد ثَلَاثِينَ، قَالُوا: وَقد يَقع النَّص متواليا فِي شَهْرَيْن وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة، وَلَا يَقع أَكثر من أَرْبَعَة. وَفِيه: جَوَاز اعْتِمَاد الْإِشَارَة المفهمة فِي مثل هَذَا. ١٨ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول قَالَ النَّبِي ﷺ َ - أَو قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ َ - صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته فَإِن غبي عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس وَمُحَمّد بن زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وخفة الْيَاء آخر الْحُرُوف مر فِي غسل الأعقاب والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُؤَمل بن هِشَام وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد عَن أَبِيه الْكل عَن شُعْبَة بِهِ وَقد اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ بقوله روى الشَّيْخ هَذَا الحَدِيث عَن آدم عَن شُعْبَة وَقَالَ فِيهِ " فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " وَقد روينَاهُ عَن غنْدر وَابْن مهْدي وَابْن علية وَعِيسَى بن يُونُس وشبابة وَعَاصِم بن عَليّ وَالنضْر بن شُمَيْل وَيزِيد بن هَارُون وَأبي دَاوُد كلهم عَن شُعْبَة لم يذكر أحد مِنْهُم " فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا " هَذَا يجوز أَن يكون آدم رَوَاهُ على التَّفْسِير من عِنْده للْخَبَر وَإِلَّا فَلَيْسَ لانفراد أبي عبد الله عَنهُ بِهَذَا من بَين من رَوَاهُ عَنهُ وَمن بَين سَائِر من ذكرنَا مِمَّن روى عَن شُعْبَة وَجه وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا وَرَوَاهُ المَقْبُري عَن وَرْقَاء عَن شُعْبَة على مَا ذَكرْنَاهُ أَيْضا انْتهى (قلت) حَاصله أَنه وَقع للْبُخَارِيّ إدراج التَّفْسِير فِي نفس الْخَبَر (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَو قَالَ أَبُو الْقَاسِم " شكّ من الرَّاوِي قَوْله " لرُؤْيَته " اللَّام فِيهِ للتوقيت كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ أَي وَقت دلوكها وَالْمرَاد من قَوْله " صُومُوا لرُؤْيَته " رُؤْيَة بعض الْمُسلمين وَلَا يشْتَرط كل النَّاس قَالَ النَّوَوِيّ بل يَكْفِي من جَمِيع النَّاس رُؤْيَة عَدْلَيْنِ وَكَذَا عدل على الْأَصَح هَذَا فِي الصَّوْم وَأما فِي الْفطر فَلَا يجوز بِشَهَادَة عدل وَاحِد على هِلَال شَوَّال عِنْد جَمِيع الْعلمَاء إِلَّا أَبَا ثَوْر جوزه بِعدْل وَاحِد (قلت) قَالَ أَصْحَابنَا وَإِذا كَانَ بالسماء عِلّة قبل الإِمَام شَهَادَة الْوَاحِد الْعدْل فِي رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان رجلا كَانَ أَو امْرَأَة حرا كَانَ أَو عبدا لِأَنَّهُ أَمر ديني وَقَول الْعدْل فِي الديانَات مَقْبُول وَفِي التُّحْفَة والطَّحَاوِي يكْتَفى بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَة وَفِي الذَّخِيرَة وَإِن كَانَ فَاسِقًا (قلت) هَذَا بعيد جدا وَفِي الذَّخِيرَة عَن أبي جَعْفَر الْفَقِيه قبُول قَول الْوَاحِد فِي صَوْم رَمَضَان سَوَاء كَانَ بالسماء عِلّة أم لَا وَعَن الْحسن أَنه قَالَ يحْتَاج إِلَى شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ سَوَاء كَانَ بالسماء عِلّة أم لَا وَفِي الْبَدَائِع يقبل قَول الْوَاحِد فِي رَمَضَان إِذا كَانَ بالسماء عِلّة بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا وَفِي الرَّوْضَة ذكر فِي الهاروني أَنه تقبل شَهَادَة الْوَاحِد بِالصَّوْمِ وَالسَّمَاء مصحية عَن أبي حنيفَة خلافًا لَهما وَفِي الْمُحِيط وَيَنْبَغِي أَن يُفَسر جِهَة الرُّؤْيَة فَإِن احْتمل رُؤْيَته يقبل وَإِلَّا فَلَا وَالْمذهب عِنْد الشَّافِعِيَّة ثُبُوته بِعدْل وَاحِد وَلَا فرق بَين الْغَيْم وَعَدَمه عِنْدهم وَلَا يقبل قَول العَبْد وَالْمَرْأَة فِي الْأَصَح وَيقبل قَول المستور فِي الْأَصَح وَقَالَ عَطاء وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَإِسْحَاق وَدَاوُد يشْتَرط الْمثنى وَقَالَ الثَّوْريّ رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ وَقَالَ أَحْمد يَصُوم بِوَاحِد عِنْد عدم الْغَيْم وَيقبل خبر حُرَّيْنِ أَو حر وحرتين للفطر إِذا كَانَت بالسماء عِلّة وَإِلَّا فَجمع عَظِيم يَقع الْعلم بخبرهم وَقيل أهل الْمحلة وَقيل خَمْسُونَ رجلا كالقسامة وَعَن خلف بن أَيُّوب خَمْسمِائَة ببلخ وهلال الْأَضْحَى كالفطر وَقيل مائَة ذكرهَا فِي خزانَة الْأَكْمَل وَإِذا حَال دون المطلع غيم أَو قترة لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من شعْبَان لِأَحْمَد فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا يجب صَوْمه على أَنه من رَمَضَان. وَالثَّانِي لَا يجوز فرضا وَلَا نفلا مُطلقًا بل قَضَاء وَكَفَّارَة

стр. 3085

ونذرا ونفلا يُوَافق عَادَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة لَا يجوز عَن فرض رَمَضَان وَيجوز عَمَّا سوى ذَلِك. وَالثَّالِث الْمرجع إِلَى رَأْي الإِمَام فِي الصَّوْم وَالْفطر " فَإِن غبى " أَي الْهلَال من الغباوة وَهُوَ عدم الفطنة يُقَال غبى عَليّ بِالْكَسْرِ إِذا لم تعرفه وَهِي اسْتِعَارَة لخفاء الْهلَال وَهُوَ من بَاب علم يعلم وَقَالَ ابْن الْأَثِير وروى غبى بِضَم الْغَيْن وَتَشْديد الْيَاء الْمَكْسُورَة لما لم يسم فَاعله قَالَ غبى بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف وغبى بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد من الغباء شبه الغبرة فِي السَّمَاء وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي " فَإِن غم " بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم قيل مَعْنَاهُ حَال بَيْنكُم وَبَينه غيم يُقَال غممت الشَّيْء إِذا غطيته وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي غم ضمير الْهلَال وَيجوز أَن يكون غم مُسْندًا إِلَى الظّرْف أَي فَإِن كُنْتُم مغموما عَلَيْكُم فأكملوا وَترك ذكر الْهلَال للاستغناء عَنهُ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " أغمى " على صِيغَة الْمَجْهُول من الْإِغْمَاء بالغين الْمُعْجَمَة يُقَال أغمى عَلَيْهِ الْخَبَر إِذا استعجم وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ " غمى " بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم من التغمية وَهُوَ السّتْر والتغطية وَنقل ابْن الْعَرَبِيّ أَنه روى " عمى " بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة من الْعَمى قَالَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ ذهَاب الْبَصَر عَن المشاهدات أَو ذهَاب البصيرة عَن المعقولات قَوْله " فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " وَفِي حَدِيث عبد الله بن عمر الَّذِي مضى قبل هَذَا الحَدِيث " فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ " وَلم يذكر فِيهِ شعْبَان وَلَا غَيره وَلم يخص شهرا دون شهر بالإكمال إِذا غم فَلَا فرق بَين شعْبَان وَغَيره فِي ذَلِك إِذْ لَو كَانَ شعْبَان غير مُرَاد بِهَذَا الْإِكْمَال لبينه فَلَا يكون رِوَايَة من روى " فأكملوا عدَّة شعْبَان " مُخَالفا لمن قَالَ فأكملوا الْعدة بل مبينَة لَهَا وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن وَأحمد وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو يعلى من حَدِيث ابْن عَبَّاس " فَإِن حَال بَيْنكُم وَبَينه سَحَاب فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ وَلَا تستقبلوا الشَّهْر اسْتِقْبَالًا " وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيّ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ " وَلَا تستقبلوا رَمَضَان بِصَوْم يَوْم من شعْبَان " - ٠١٩١ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عَن ابنِ جرَيْجٍ عنْ يَحْيَى بنِ عَبدِ الله بنِ صَيْفِيٍّ عنْ عِكْرِمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ آلَى مِنْ نِسائِهِ شَهْرا فلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْما غَدَا أوْ رَاحَ فَقيلَ لَهُ إنَّكَ حَلَفْتَ أنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرا فَقال إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْما. (الحَدِيث ٠١٩١ طرفه فِي: ٢٠٢٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة مثل الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: يحيى بن عبد الله بن صَيْفِي، مَنْسُوب إِلَى ضد الشتَاء، مر فِي أول الزَّكَاة. الرَّابِع: عِكْرِمَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث المَخْزُومِي. مَاتَ زمَان يزِيد بن عبد الْملك. الْخَامِس: أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بكنيته وَأَنه بَصرِي وَأَن ابْن جريج وَيحيى مكيان وَعِكْرِمَة مدنِي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي عَاصِم، وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن هَارُون بن عبد الله وَعَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن يُوسُف بن سعيد، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّلَاق عَن عَن أَحْمد بن يُوسُف عَن أبي عَاصِم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (آلى) ، أَي: حلف لَا يدْخل على نِسَائِهِ، وَيُقَال ألى يولي إِيلَاء وتألى يتألى تأليا. قَوْله: (من نِسَائِهِ) ، إِنَّمَا عداهُ: بِمن، حملا على الْمَعْنى، وَهُوَ الِامْتِنَاع من الدُّخُول، وَهُوَ يتَعَدَّى: بِمن، قَوْله: (غَدا) بالغين الْمُعْجَمَة، يُقَال: غَدا يَغْدُو غدوا، وَهُوَ الذّهاب أول النَّهَار. قَوْله: (أَو رَاح) ، شكّ من الرَّاوِي من الرواح وَهُوَ الذّهاب آخر النَّهَار، وَهُوَ الأَصْل، وَقد يُرَاد بِهِ مُطلق الذّهاب أَي وَقت كَانَ، وَمِنْه قَوْله ﷺ : (من رَاح إِلَى الْجُمُعَة فِي السَّاعَة الأولى) أَي: من مَشى إِلَيْهَا وَذهب إِلَى الصَّلَاة، وَلم يرد رواح آخر النَّهَار، وروى مُسلم: حَدثنَا عبد بن حميد، قَالَ: أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ: (أَن النَّبِي، ﷺ ، أقسم أَن لَا يدْخل على أَزوَاجه شهرا) ، قَالَ الزُّهْرِيّ، فَأَخْبرنِي عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما مَضَت

стр. 3086

تسع وَعِشْرُونَ لَيْلَة، أعدهن، دخل عَليّ رَسُول الله، ﷺ ، قَالَت: بَدَأَ بِي، فَقلت يَا رَسُول الله! إِنَّك أَقْسَمت أَن لَا تدخل علينا شهرا وَإنَّك دخلت من تسع وَعشْرين أعدهن؟ قَالَ: إِن الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ) . مَعْنَاهُ: قد يكون تِسْعَة وَعشْرين، كَمَا صرح بِهِ فِي بعض الرِّوَايَات. ثمَّ اعْلَم أَن قَول أم سَلمَة: إِن النَّبِي ﷺ آلى من نِسَائِهِ شهرا، المُرَاد مِنْهُ الْحلف لَا الْإِيلَاء الشَّرْعِيّ، لِأَن الْإِيلَاء الشَّرْعِيّ هُوَ الْحلف على ترك قرْبَان امْرَأَته أَرْبَعَة أشهر أَو أَكثر، لقَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ (الْبَقَرَة: ٦٢٢) . فَتكون مُدَّة الْإِيلَاء أَرْبَعَة أشهر من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا عَليّ بن مسْهر عَن سعيد ابْن عَامر الْأَحول عَن عَطاء (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا آلى من امْرَأَته شهرا أَو شَهْرَيْن أَو ثَلَاثَة مَا لم يبلغ الْحَد فَلَيْسَ بإيلاء) . وَأخرج نَحوه عَن عَطاء وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: إِذا حلف لَا يقربهَا أَرْبَعَة أشهر لَا يكون موليا حَتَّى يزِيد مُدَّة الْمُطَالبَة، وَاشْترط مَالك زِيَادَة يَوْم، وَالْآيَة الْمَذْكُورَة حجَّة عَلَيْهِم، وَحكم الْإِيلَاء أَنه إِذا وَطئهَا فِي الْمدَّة كفَّر، لِأَنَّهُ حنث فِي يَمِينه، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، وَسقط الْإِيلَاء، وَإِن لم يَطَأهَا فِي الْمدَّة حَتَّى مَضَت بَانَتْ مِنْهُ بتطليقة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعُثْمَان وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول جُمْهُور التَّابِعين، وَفِيه فروع كَثِيرَة محلهَا كتب الْفِقْه. ١١٩١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزهيزِ بنُ عَبدِ الله قَالَ حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ آلَى رَسُولُ الله ﷺ مِنْ نِسائِهِ وكانَتِ انْفَكتْ رِجْلُهُ فأقامَ فِي مَشرَبَةٍ تِسعا وعِشْرِينَ لَيْلَةٍ ثُمَّ نَزَلَ فقالُوا يَا رسولَ الله آلَيْتَ شَهْرا فَقَالَ إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعا وعِشْرِينَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا وَجههَا فِي الْحَدِيثين السَّابِقين، وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى بن عمر، وَأَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَحميد بِضَم الْحَاء الطَّوِيل أَبُو عُبَيْدَة الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النّذر عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور، وَفِي النِّكَاح عَن خَالِد بن مخلد، وَفِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل عَن أَخِيه عبد الحميد. قَوْله: (وَكَانَت انفكت رجله) ، من الانفكاك وَهُوَ ضرب من الوهن وَالْخلْع وَهُوَ أَن يَنْفَكّ بعض أَجْزَائِهَا عَن بعض. قَوْله: (فِي مشربه) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الرَّاء وَفتحهَا وبالباء الْمُوَحدَة الغرفة. قَوْله: (تسعا وَعشْرين) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (تِسْعَة وَعشْرين) . ٢١ - (بابٌ شَهْرا عِيدٍ لَا يَنْقُصانِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ شهرا عيد لَا ينقصان، والشهران هما: رَمَضَان وَذُو الْحجَّة، كَمَا فِي متن حَدِيث الْبَاب، وسنقول: وَجه إِطْلَاق شهر عيد على رَمَضَان مَعَ أَن الْعِيد من شَوَّال، وَهَذِه التَّرْجَمَة عين متن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (شهرا عيد لَا ينقصان: رَمَضَان وَذُو الْحجَّة) . وَلم يذكر فِي التَّرْجَمَة: رَمَضَان وَذُو الْحجَّة. قَالَ أبُو عَبْدِ الله قَالَ إسحَاقُ وإنْ كانَ ناقِصا

стр. 3087

فَهْوَ تَمَامٌ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَلَيْسَ هَذَا بموجود فِي كثير من النّسخ. قَوْله: (قَالَ إِسْحَاق) قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : إِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن سُوَيْد بن هُبَيْرَة الْعَدوي عدي بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة بن إلْيَاس بن مُضر، وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) على هَذَا، وَقَالَ بَعضهم: أدّى مغلطاي، وَهُوَ صَاحب (التَّلْوِيح) أَن المُرَاد بِإسْحَاق هُوَ ابْن سُوَيْد الْعَدوي رَاوِي الحَدِيث، وَلم يَأْتِ على ذَلِك بِحجَّة. وَقَالَ: إِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. قلت: قَول صَاحب (التَّوْضِيح) أقرب إِلَى الصَّوَاب، بل الظَّاهِر أَن إِسْحَاق هُوَ ابْن سُوَيْد، لِأَنَّهُ مِمَّن روى هَذَا الحَدِيث فَالْأَقْرَب أَن يكون هُوَ إِيَّاه، فَهَذَا الْقَائِل يرد على صَاحب (التَّلْوِيح) فِيمَا قَالَه بِأَنَّهُ: لم يَأْتِ بِحجَّة فَهَذَا أدعى أَنه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَأَيْنَ حجَّته على ذَلِك؟ فَإِن قيل: حجَّته أَن التِّرْمِذِيّ نقل هَذَا، أَعنِي قَوْله: (وَإِن كَانَ نَاقِصا فَهُوَ تَمام) عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه؟ يُقَال لَهُ: حجَّة صَاحب (التَّلْوِيح) أقوى فِيمَا قَالَه، لِأَنَّهُ ينْسبهُ إِلَى رَاوِي الحَدِيث الَّذِي فِيهِ، وَمَا نسبه التِّرْمِذِيّ إِلَى إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يكون من بَاب توارد الخواطر. قَوْله: (وَإِن كَانَ نَاقِصا فَهُوَ تَمام) يَعْنِي: وَإِن كَانَ كل وَاحِد من شَهْري الْعِيد نَاقِصا، أَي: وَإِن كَانَ عددهما نَاقِصا فِي الْحساب. فَهُوَ تَمام فِي الثَّوَاب وَالْأَجْر، وَقد روى أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) عَن إِسْحَاق الْعَدوي من رِوَايَة مُسَدّد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور بِلَفْظ: (لَا ينقص رَمَضَان وَلَا ينقص ذُو الْحجَّة) ، وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن مُحَمَّد بن يحيى عَن مُسَدّد بِلَفْظ: (شهرا عيد لَا ينقصان) ، كَمَا هُوَ لفظ التَّرْجَمَة. وَقَالَ محَمَّدٌ لَا يجْتَمِعانِ كِلاهُما ناقِصٌ قيل: المُرَاد من قَوْله: قَالَ مُحَمَّد، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه لِأَن اسْمه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، وَهَذَا نَادِر، لِأَن دأبه إِذا أَرَادَ أَن يذكر شَيْئا وَأَرَادَ أَن ينْسبهُ إِلَى نَفسه يَقُول: قَالَ أَبُو عبد الله، بكنيته، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق عَن ابْن سِيرِين مَذْكُور، وَلم يذكر مَذْكُور فِي أَي مَوضِع، وَعَن هَذَا يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من قَوْله: (وَقَالَ مُحَمَّد) هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَالْأَقْرَب وَالله أعلم أَنه هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: (لَا يَجْتَمِعَانِ) أَي: شهرا عيد، وَقَوله: (كِلَاهُمَا نَاقص) ، جملَة حَالية بِغَيْر وَاو، وَيجوز ذَلِك كَمَا فِي قَوْله: كَلمته فوه إِلَى فِي، وَالْمعْنَى: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي سنة وَاحِدَة فِي حَالَة نقص فيهمَا، بل إِن نقص أَحدهمَا تمّ الآخر. ٢١٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ إسْحَاقَ يَعْنِي ابنَ سُوَيْدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي بَكْرَةَ عَنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ ﷺ ح وحدَّثني مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ قَالَ أخبرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي بَكْرَةَ عَنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ شَهْرا عِيدٍ رَمَضانُ وذُو الحَجَّةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان الْبَصْرِيّ عَن إِسْحَاق ابْن سُوَيْد الْعَدوي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه أبي بكرَة، واسْمه: نفيع، تَصْغِير النَّفْع بالنُّون وَالْفَاء وَالْعين الْمُهْملَة: الثَّقَفِيّ، وَقد مر كِلَاهُمَا، وَعبد الرَّحْمَن أول مَوْلُود ولد بِالْبَصْرَةِ بعد بنائها، وَقد مر فِي الْعلم. وَالْآخر: عَن مُسَدّد عَن مُعْتَمر عَن خَالِد الْحذاء عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة ... إِلَى آخِره. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكرَة عَن مُعْتَمر بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن خَالِد الْحذاء. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يحيى ابْن خلف عَن بشر بن الْفضل عَن خَالِد الْحذاء بِهِ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع بِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَار البُخَارِيّ سِيَاق الْمَتْن على لفظ خَالِد دون إِسْحَاق بن سُوَيْد لكَونه لم يخْتَلف فِي سِيَاقه عَلَيْهِ، كَذَا قَالَه بَعضهم. قلت: كلا الطَّرِيقَيْنِ صَحِيح عِنْد البُخَارِيّ، وَلكنه انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ من حَدِيث إِسْحَاق بن سُوَيْد، وَبَقِيَّة الْجَمَاعَة غير النَّسَائِيّ أَخْرجُوهُ من حَدِيث خَالِد الْحذاء، فَيمكن أَن يكون اخْتِيَاره سوق الْمَتْن على لفظ خَالِد، لهَذَا الْمَعْنى، وَمَعَ هَذَا شكّ بعض الروَاة فِي رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَلِهَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، وَلِهَذَا حسنه التِّرْمِذِيّ وَلم يُصَحِّحهُ لما وَقع فِيهِ من الِاخْتِلَاف فِي وَصله وإرساله، وَرَفعه وَوَقفه، وَالِاخْتِلَاف فِي لَفظه، وَقَالَ شَيخنَا: وَلَا أعلم من رَوَاهُ عَن أبي بكرَة غير ابْنه عبد الرَّحْمَن، وَرَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن جمَاعَة مِنْهُم: خَالِد الْحذاء وَإِسْحَاق بن سُوَيْد وَعلي بن يزِيد بن جدعَان وَسَالم أَبُو حَاتِم وَعبد الْملك بن عُمَيْر وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق، كلهم أسْندهُ عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ ، وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث خَالِد الْحذاء، وَانْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيّ من حَدِيث إِسْحَاق بن سُوَيْد، وَرَوَاهُ أحد فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عَليّ بن زيد وَسَالم بن أبي حَاتِم، ويكنى أَيْضا أَبَا عبد الله، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عبد الْملك بن عُمَيْر، وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق، وَقَالَ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) وَهَذَا الْكَلَام لَا نعلم رَوَاهُ أَحْمد عَن النَّبِي ﷺ بِهَذَا اللَّفْظ إلَاّ أَبُو بكرَة نَحْو كَلَامه بِغَيْر لَفظه. انْتهى. وَقد روى أَبُو شيبَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (كل شهر

стр. 3088

حرَام تَامّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَثَلَاثِينَ لَيْلَة) . رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ، وَنقل تَضْعِيفه عَن أَحْمد وَيحيى وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَذكر أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: لَا يحْتَج بِهَذَا فَإِنَّهُ يَدُور على عبد الرَّحْمَن ابْن إِسْحَاق وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ شَيخنَا: لَيْسَ مَدَاره عَلَيْهِ كَمَا ذكر، وَأَيْضًا فقد اخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ، فَروِيَ عَنهُ بِهَذَا اللَّفْظ كَمَا تقدم، وَرُوِيَ عَنهُ بِاللَّفْظِ الْمَشْهُور، رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) كَذَلِك، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن مَالك حَدثنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (شهرا عيد لَا ينقصان: رَمَضَان وَذُو الْحجَّة) ، وَأما مُتَابَعَته على اللَّفْظ الآخر: (كل شهر حرَام) فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن يحيى الْحلْوانِي، حَدثنَا سعيد بن سُلَيْمَان عَن هشيم عَن خَالِد الْحذاء عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (كل شهر حرَام لَا ينقص ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَثَلَاثِينَ لَيْلَة) ، وَرِجَال إِسْنَاده كلهم ثِقَات، وَأحمد بن يحيى وَثَّقَهُ أَحْمد بن عبد الله الْفَرَائِضِي، وباقيهم رجال الصَّحِيح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شَهْرَان) مُبْتَدأ، وَلَا ينقصان خَبره. قَوْله: (شهرا عيد) ، كَلَام إضافي خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، يَعْنِي: هما شهرا عيد، وَيجوز أَن يكون ارتفاعه على الْبَدَلِيَّة. قَوْله: (رَمَضَان) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أَحدهمَا رَمَضَان، وَمنع الصّرْف للتعريف وَالْألف وَالنُّون، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (وَذُو الْحجَّة) ، كَذَلِك خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: وَالْآخر ذُو الْحجَّة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فَإِن قيل: كَيفَ سمي شهر رَمَضَان شهر عيد، وَإِنَّمَا الْعِيد فِي شَوَّال؟ فقد أجَاب عَنهُ الْأَثْرَم بجوابين: أَحدهمَا: أَنه قد يرى هِلَال شَوَّال بعد الزَّوَال من آخر يَوْم رَمَضَان. وَالثَّانِي: لما قرب الْعِيد من الصَّوْم أضافته الْعَرَب إِلَيْهِ بِمَا قرب مِنْهُ. قلت: فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث التَّصْرِيح بِأَن الْعِيد فِي رَمَضَان، رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: سَمِعت خَالِدا الْحذاء يحدث عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (شَهْرَان لَا ينقصان فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا عيد: رَمَضَان وَذُو الْحجَّة) ، وَهَذَا إِسْنَاده صَحِيح. وَقد اخْتلف النَّاس فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث على أَقْوَال، فَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: أَنَّهُمَا لَا يكونَانِ ناقصين فِي الحكم وَإِن وجدا ناقصين فِي عدد الْحساب، وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: أَنَّهُمَا لَا يكادان يوجدان فِي سنة وَاحِدَة مُجْتَمعين فِي النُّقْصَان، إِن كَانَ أَحدهمَا تسعا وَعشْرين كَانَ الآخر ثَلَاثِينَ، على الْكَمَال. وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا تَفْضِيل الْعَمَل فِي الْعشْر من ذِي الْحجَّة، فَإِنَّهُ لَا ينقص فِي الْأجر وَالثَّوَاب عَن شهر رَمَضَان، وَقَالَ ابْن حبَان: لهَذَا الْخَبَر مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَن شَهْري عيد لَا ينقصان فِي الْحَقِيقَة، وَإِن نقصا عندنَا فِي رَأْي الْعين عِنْد الْحَائِل بَيْننَا وَبَين رُؤْيَة الْهلَال بقترة، أَو ضباب، وَالْمعْنَى الثَّانِي: أَن شَهْري عيد لَا ينقصان فِي الْفَضَائِل، يُرِيد أَن عشر ذِي الْحجَّة على الْفضل كشهر رَمَضَان، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: مَعْنَاهُ: لَا ينقصان، وَإِن كَانَا تسعا وَعشْرين يَوْمًا، فهما كاملان، لِأَن فِي أَحدهمَا الصّيام، وَفِي الآخر الْحَج، وَأَحْكَام ذَلِك كُله كَامِلَة غير نَاقِصَة. وَعَن الْمَازرِيّ: مَعْنَاهُ لَا ينقصان فِي عَام وَاحِد بِعَيْنِه، وَعَن الْخطابِيّ قيل: لَا ينقص أجر ذِي الْحجَّة عَن أجر رَمَضَان لفضل الْعَمَل فِي الْعشْر، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: روى عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (كل شهر حرَام ثَلَاثُونَ) ، فَقَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْء، لِأَن ابْن إِسْحَاق لَا يُقَاوم خَالِد الْحذاء وَلِأَن العيان يمنعهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: ذُو الْحجَّة إِنَّمَا يَقع الْحَج فِي الْعشْر الأول مِنْهُ، فَلَا دخل لنُقْصَان الشَّهْر وَتَمَامه فِيهِ، بِخِلَاف رَمَضَان فَإِنَّهُ يصام كُله مرّة فَيكون تَاما، وَمرَّة يكون نَاقِصا. قلت: قد تكون أَيَّام الْحَج من الْإِغْمَاء وَالنُّقْصَان مثل مَا يكون فِي آخر رَمَضَان بِأَن يغمى هِلَال ذِي الْقعدَة وَيَقَع فِيهِ الْغَلَط بِزِيَادَة يَوْم أَو نقصانه، فَيَقَع عَرَفَة فِي الْيَوْم الثَّامِن أَو الْعَاشِر مِنْهُ، فَمَعْنَاه أَن أجر الواقفين بِعَرَفَة فِي مثله لَا ينقص عَمَّا لَا غلط فِيهِ، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَت طَائِفَة: من وقف بِعَرَفَة بخطأ شَامِل لجَمِيع أهل الْموقف فِي يَوْم قبل يَوْم عَرَفَة أَو بعده أَنه يجزىء عَنهُ، لِأَنَّهُمَا لَا ينقصان عِنْد الله من أجر المتعبدين بِالِاجْتِهَادِ، كَمَا لَا ينقص أجر رَمَضَان النَّاقِص، وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحسن وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، احْتج أَصْحَابه على جَوَاز ذَلِك بصيام من التبست عَلَيْهِ الشُّهُور أَنه جَائِز أَن يَقع صِيَامه قبل رَمَضَان أَو بعده، وَعَن ابْن الْقَاسِم: أَنهم إِن أخطأوا ووقفوا بعد يَوْم عَرَفَة يَوْم النَّحْر يجزيهم، وَإِن قدمُوا الْوُقُوف يَوْم التَّرويَة أعادوا الْوُقُوف من الْغَد، وَلم يجزهم، وَهَذَا تخرج على أصل تِلْكَ فِيمَن التبست عَلَيْهِ الشُّهُور فصَام رَمَضَان، ثمَّ تَيَقّن لَهُ أَنه أوقعه بعد رَمَضَان أَنه يجْزِيه، وَلَا يجْزِيه إِذا

стр. 3089

أوقعه قبل رَمَضَان، كمن اجْتهد وَصلى قبل الْوَقْت أَنه لَا يجْزِيه، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّه لَا يَقع وقُوف النَّاس الْيَوْم الثَّامِن أصلا لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون الْوُقُوف بِرُؤْيَة أَو بإغماء، فَإِن كَانَ بِرُؤْيَة وقفُوا الْيَوْم التَّاسِع، وَأَن كَانَ بإغماء وقفُوا الْيَوْم الْعَاشِر. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الشَّهْرَيْنِ بِالذكر؟ قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّمَا خصهما بِالذكر لتَعلق حكم الصَّوْم وَالْحج بهما، وَبِه قطع النَّوَوِيّ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: ظَاهر سِيَاق الحَدِيث بَيَان اخْتِصَاص الشَّهْرَيْنِ بمزية لَيست فِي غَيرهمَا من الشُّهُور، وَلَيْسَ المُرَاد أَن ثَوَاب الطَّاعَة فِي غَيرهمَا ينقص، وَإِنَّمَا المُرَاد رفع الْحَرج عَمَّا عَسى أَن يَقع فِيهِ خطأ فِي الحكم لاختصاصهما بالعيدين، وَجَوَاز احْتِمَال وُقُوع الْخَطَأ فِيهَا، وَمن ثمَّة قَالَ: (شهرا عيد) بعد قَوْله: (شَهْرَان لَا ينقصان) ، وَلم يقْتَصر على قَوْله: (رَمَضَان وَذُو الْحجَّة) . وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: إِن الثَّوَاب لَيْسَ مُرَتبا على وجود الْمَشَقَّة دَائِما، بل لله أَن يتفضل بإلحاق النَّاقِص بالتام فِي الثَّوَاب، وَمِنْه اسْتدلَّ بَعضهم لمَالِك فِي اكتفائه لرمضان بنية وَاحِدَة، قَالَ: لِأَنَّهُ جعل الشَّهْر بجملته عبَادَة وَاحِدَة، فَاكْتفى لَهُ بِالنِّيَّةِ. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَنه يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فِي الثَّوَاب بَين الشَّهْر الْكَامِل وَبَين الشَّهْر النَّاقِص، فَافْهَم. ٣١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ : لَا نكتب، بنُون الْمُتَكَلّم، وَكَذَلِكَ: لَا نحسب. ٣١٩١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا الأسْودُ بنُ قَيْسٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عَمُرٍ وأنَّهُ سَمِعَ ابنَ عمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةُ لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا أوْ هَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وعِشْرِينَ ومَرَّةً ثَلاثِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٠٩١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا بعض الحَدِيث، وَالْأسود بن قيس أَبُو قيس البَجلِيّ الْكُوفِي التَّابِعِيّ، مر فِي الْعِيد فِي: بَاب كَلَام الإِمَام، وَسَعِيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي مر فِي الْوضُوء، وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن الْمثنى وَابْن بشار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن ابْن مهْدي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص قَالَ: (ضرب رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ على الْأُخْرَى، وَقَالَ: الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا، ثمَّ نقص فِي الثَّالِثَة إصبعا) . وَأخرجه عَن جَابر بن عبد الله أَيْضا قَالَ: (اعتزل النَّبِي ﷺ الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الشَّهْر يكون تسعا وَعشْرين) . وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (مَا صمت مَعَ رَسُول الله ﷺ تسعا وَعشْرين أَكثر مِمَّا صمنا ثَلَاثِينَ) ، وَعَن عَائِشَة مثله عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن مَاجَه مثله من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (إِنَّا) ، أَي: الْعَرَب، قَالَ الطَّيِّبِيّ: إِنَّا كِنَايَة عَن جيل الْعَرَب، وَقيل: أَرَادَ نَفسه، ﵇. قَوْله: (أمة) أَي: جمَاعَة قُرَيْش مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أمة من النَّاس يسقون﴾ (الْقَصَص: ٣٢) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْأمة الْجَمَاعَة، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ فِي اللَّفْظ وَاحِد وَفِي الْمَعْنى جمع، وكل جنس من الْحَيَوَان أمة، وَالْأمة الطَّرِيقَة وَالدّين، يُقَال: فلَان لَا أمة لَهُ، أَي: لَا دين لَهُ، وَلَا نحلة لَهُ، وَكسر الْهمزَة فِيهِ لُغَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْأمة الرجل الْمُفْرد بدين لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله﴾ (النَّحْل: ٠٢١) . قَوْله: (أُميَّة) ، نِسْبَة إِلَى الْأُم، لِأَن الْمَرْأَة هَذِه صفتهَا غالبة، وَقيل: أَرَادَ أمة الْعَرَب لِأَنَّهَا لَا تكْتب، وَقيل: مَعْنَاهُ باقون على مَا ولدت عَلَيْهَا الْأُمَّهَات، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أمة أُميَّة لما تَأْخُذ عَن كتب الْأُمَم قبلهَا، إِنَّمَا أخذت عَمَّا جَاءَهُ الْوَحْي من الله، ، وَقيل: منسوبون إِلَى أم الْقرى، وَقَالَ بَعضهم: مَنْسُوب إِلَى الْأُمَّهَات قلت: من لَهُ أدنى شمة من التصريف لَا يتَصَرَّف هَكَذَا. قَوْله: (لَا نكتب وَلَا نحسب) بَيَان لكَوْنهم كَذَلِك، وَقيل: الْعَرَب أُمِّيُّونَ لِأَن الْكتاب فيهم كَانَت عزيزة نادرة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم﴾ (الْجُمُعَة: ٢) . فَإِن قلت: كَانَ فيهم من يكْتب ويحسب؟ قلت: وَإِن كَانَ ذَلِك كَانَ نَادرا، وَالْمرَاد بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَاب النُّجُوم وتسييرها، وَلم يَكُونُوا يعْرفُونَ من ذَلِك شَيْئا إلَاّ النّذر الْيَسِير، وعلق الشَّارِع الصَّوْم وَغَيره بِالرُّؤْيَةِ لرفع الْحَرج عَن أمته فِي معاناة حِسَاب التسيير، وَاسْتمرّ ذَلِك بَينهم، وَلَو حدث بعدهمْ من يعرف ذَلِك، بل ظَاهر قَوْله ﷺ : (فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ) .

стр. 3090

يَنْفِي تَعْلِيق الحكم بِالْحِسَابِ أصلا، إِذْ لَو كَانَ الحكم يعلم من ذَلِك لقَالَ: فاسألوا أهل الْحساب، وَقد رَجَعَ قوم إِلَى أهل التسيير فِي ذَلِك، وهم الروافض، وَنقل عَن بعض الْفُقَهَاء موافقتهم، قَالَ القَاضِي: وَإِجْمَاع السّلف الصَّالح حجَّة عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن بزيزة، هُوَ مَذْهَب بَاطِل، فقد نهت الشَّرِيعَة عَن الْخَوْض فِي علم النُّجُوم لِأَنَّهَا حدس وتخمين لَيْسَ فِيهَا قطع وَلَا ظن غَالب، مَعَ أَنه لَو ارْتبط الْأَمر بهَا لضاق الْأَمر، إِذْ لَا يعرفهَا إِلَّا الْقَلِيل. قَوْله: (وَلَا نحسب) بِضَم السِّين، قَالَ ثَعْلَب: حسبت الْحساب أَحْسبهُ حسبا وحسبانا. وَفِي (شرح مكي) : أَحْسبهُ أَيْضا، بِمَعْنى. وَفِي (الْمُحكم) : حسابة وحسبة وحسبانا. وَقَالَ ابْن بطال وَغَيره: أُمَم لم تكلّف فِي تَعْرِيف مَوَاقِيت صومنا وَلَا عبادتنا مَا نحتاج فِيهِ إِلَى معرفَة حِسَاب وَلَا كِتَابَة إِنَّمَا ربطت عبادتنا بأعلام وَاضِحَة وَأُمُور ظَاهِرَة يَسْتَوِي فِي معرفَة ذَلِك الْحساب وَغَيرهم، ثمَّ تمم هَذَا الْمَعْنى بإشارته بِيَدِهِ وَلم يتَلَفَّظ بعبارته عَنهُ نزولاً مَا يفهمهُ الخرس والعجم، وَحصل من إِشَارَته بيدَيْهِ أَن الشَّهْر يكون ثَلَاثِينَ، وَمن خنس إبهامه فِي الثَّالِثَة أَنه يكون تسعا وَعشْرين، وعَلى هَذَا إِن من نذر أَن يَصُوم شهرا غير معِين فَلهُ أَن يَصُوم تسعا وَعشْرين، لِأَن ذَلِك يُقَال لَهُ شهر، كَمَا أَن من نذر صَلَاة أَجزَأَهُ من ذَلِك رَكْعَتَانِ، لِأَنَّهُ أقل مَا يصدق عَلَيْهِ الِاسْم، وَكَذَا من نذر صوما فصَام يَوْمًا أَجزَأَهُ، وَهُوَ خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجْزِيه إِذا صَامَهُ بِالْأَيَّامِ إلَاّ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، فَإِن صَامَهُ بالهلال فعلى الرُّؤْيَة. وَفِيه: أَن يَوْم الشَّك من شعْبَان، قَالَ ابْن بطال: وَهَذَا الحَدِيث نَاسخ لمراعاة النُّجُوم بقوانين التَّعْدِيل، وَإِنَّمَا الْمعول على رُؤْيَة الْأَهِلّة، وَإِنَّمَا لنا أَن نَنْظُر فِي علم الْحساب مَا يكون عيَانًا أَو كالعيان، وَأما مَا غمض حَتَّى لَا يدْرك إلَاّ بالظنون ويكشف الهيآت الغائبة عَن الْأَبْصَار فقد نهينَا عَنهُ، وَعَن تكلفه لِأَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، إِنَّمَا بعث إِلَى الْأُمِّيين، وَفِي الحَدِيث مُسْتَند لمن رأى الحكم بِالْإِشَارَةِ والإيماء، كمن قَالَ امْرَأَته طَالِق وَأَشَارَ بأصابعه الثَّلَاث، فَإِنَّهُ يلْزمه ثَلَاث تَطْلِيقَات، وَالله أعلم. ٤١ - (بابٌ لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ ولَا يَوْمَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يتقدمن ... إِلَى آخِره، وَهُوَ بالنُّون الْخَفِيفَة والثقيلة، وَفِي كثير من النّسخ: لَا يتَقَدَّم، بِدُونِ النُّون، وَيجوز فِيهِ بِنَاء الْمَعْلُوم والمجهول، وَالتَّقْدِير فِي بِنَاء الْمَعْلُوم لَا يتَقَدَّم الْمُكَلف. ٤١٩١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ إلَاّ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا مَأْخُوذَة مِنْهُ. وَرِجَاله مروا غير مرّة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا من حَدِيث عَليّ بن الْمُبَارك عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ،

стр. 3091

قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تقدمُوا رَمَضَان بِصَوْم يَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصمه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ قَالَ: أخبرنَا هِشَام عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يتقدمن أحدكُم صَوْم رَمَضَان بِيَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ أَن يكون رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصم ذَلِك الْيَوْم) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بب عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تقدمُوا الشَّهْر بِيَوْم وَلَا بيومين إلَاّ أَن يُوَافق ذَلِك صوما وَكَانَ يَصُومهُ أحدكُم، صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته) . الحَدِيث، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أخبرنَا الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (أَلا لَا تقدمُوا قبل الشَّهْر بصيام إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صياما أَتَى ذَلِك الْيَوْم على صيامة) . وَأخرجه ابْن مَاجَه: حَدثنَا هِشَام بن عمار، وَقَالَ: حَدثنَا عبد الحميد بن حبيب والوليد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا تقدمُوا صِيَام رَمَضَان بِيَوْم وَلَا بيومين إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صوما فيصومه) ، وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قلت: حَدِيث بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة مَنْصُور عَن ربعي عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لَا تقدمُوا الشَّهْر حَتَّى تروا الْهلَال) الحَدِيث. وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن حُذَيْفَة عِنْد أبي دَاوُد، وَعَن ابْن عَبَّاس عِنْد أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَعَن عَائِشَة عِنْد أبي دَاوُد أَيْضا عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الْبَيْهَقِيّ، وَعَن جَابر بن خديج عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَعَن ابْن مَسْعُود عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَعَن ابْن عمر عِنْد مُسلم، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ، وَعَن طلق بن عَليّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، وَعَن الْبَراء بن عَازِب عِنْده أَيْضا. قَوْله: (عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة خَالِد بن الْحَارِث: حَدثنِي أَبُو سَلمَة حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق مُعَاوِيَة بن سَلام عَن يحيى. قَوْله: (لَا يتقدمن أحدكُم رَمَضَان) ، فِي رِوَايَة خَالِد بن الْحَارِث الْمَذْكُور: (لَا تقدمُوا بَين يَدي رَمَضَان بِصَوْم) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن روح عَن هِشَام: (لَا تقدمُوا قبل رَمَضَان بِصَوْم) ، قَوْله: (إلَاّ أَن يكون رجل) ، يكون، هُنَا تَامَّة مَعْنَاهُ: إلَاّ أَن يُوجد رجل يَصُوم صوما. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (صَوْمه) أَي: صَوْمه الْمُعْتَاد كَصَوْم الْورْد أَو النّذر أَو الْكَفَّارَة. وَقَالَ الْعلمَاء: معنى الحَدِيث: لَا تستقبلوا رَمَضَان بصيام على نِيَّة الِاخْتِلَاط لرمضان، تحذيرا مِمَّا صنعت النَّصَارَى فِي الزِّيَادَة على مَا افْترض عَلَيْهِم برأيهم الْفَاسِد، فَكَانَ ﷺ يَأْمر بمخالفة أهل الْكتاب وَكَانَ أَولا يحب مُوَافقَة أهل الْكتاب فِيمَا لم يُؤمر فِيهِ بِشَيْء، ثمَّ أَمر بعد ذَلِك بمخالفتهم. فَإِن قلت: هَذَا النَّهْي للتَّحْرِيم أَو للتنزيه؟ قلت: حكى التِّرْمِذِيّ عَن أهل الْعلم الْكَرَاهَة، وَكَثِيرًا مَا يُطلق المتقدمون الْكَرَاهَة على التَّحْرِيم، وَلَا شكّ أَن فِيهِ تَفْصِيلًا واختلافا للْعُلَمَاء، فَذهب دَاوُد إِلَى أَنه لَا يَصح صَوْمه أصلا، وَلَو وَافق عَادَة لَهُ، وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يجوز أَن يصام آخر يَوْم من شعْبَان تَطَوّعا إلَاّ أَن يُوَافق صوما كَانَ يَصُومهُ، وَأخذُوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَعلي وعمار وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَكَانَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة يأمران بفصل يَوْم أَو يَوْمَيْنِ كَمَا استحبوا أَن يفصلوا بَين صَلَاة الْفَرِيضَة والنافلة بِكَلَام أَو قيام أَو تقدم أَو تَأَخّر، وَقَالَ عِكْرِمَة: من صَامَ يَوْم الشَّك فقد عصى الله وَرَسُوله، وأجازت طَائِفَة صَوْمه تَطَوّعا، رُوِيَ عَن عَائِشَة وَأَسْمَاء أُخْتهَا أَنَّهُمَا كَانَتَا تصومان يَوْم الشَّك، وَقَالَت عَائِشَة: لِأَن أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إِلَيّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن عَطاء وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن أَنه: إِذا نوى صَوْمه من اللَّيْل على أَنه من رَمَضَان ثمَّ علم بالهلال أَو النَّهَار أَو آخِره أَنه يجْزِيه، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه. وَقيل الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي التَّقْوَى بِالْفطرِ لرمضان ليدْخل فِيهِ بِقُوَّة ونشاط، وَقيل: لِأَن الحكم علق بِالرُّؤْيَةِ فَمن تقدمه بِيَوْم أَو بيومين فقد حاول الطعْن فِي ذَلِك الحكم، وَإِنَّمَا اقْتصر على يَوْم أَو يَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِب مِمَّن يقْصد ذَلِك، وَقَالُوا: غَايَة الْمَنْع من أول السَّادِس عشر من شعْبَان لما رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ من الشَّافِعِيَّة: يحرم التَّقَدُّم بيومين لحَدِيث الْبَاب، وَيكرهُ التَّقَدُّم من نصف شعْبَان للْحَدِيث الآخر، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: يجوز الصَّوْم تَطَوّعا بعد النّصْف من شعْبَان، وَقَالَ بَعضهم: وَضعف الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، وَقد قَالَ أَحْمد وَابْن معِين: إِنَّه مُنكر، وَقد اسْتدلَّ الْبَيْهَقِيّ بِحَدِيث الْبَاب على ضعفه، فَقَالَ: الرُّخْصَة فِي ذَلِك بِمَا هُوَ أصح من حَدِيث الْعَلَاء، قلت: هَذَا الحَدِيث صَححهُ ابْن حبَان وَابْن حزم وَابْن عبد الْبر، وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَلَفظه: (إِذا بَقِي نصف من شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَلَفظ النَّسَائِيّ: (فكفوا عَن الصَّوْم) ، وَلَفظ ابْن مَاجَه: (وَإِذا كَانَ النّصْف من شعْبَان فَلَا صَوْم حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَلَفظ ابْن حبَان: (فأفطروا حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (لَا صَوْم بعد النّصْف من شعْبَان حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَلَفظ ابْن عدي: (إِذا انتصف شعْبَان فأفطروا) ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ:

стр. 3092

(إِذا مضى النّصْف من شعْبَان فأمسكوا عَن الصّيام حَتَّى يدْخل رَمَضَان) ، والْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن احْتج بِهِ مُسلم وَابْن حبَان وَغَيرهمَا مِمَّن الْتزم الصِّحَّة، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ، وروى عَنهُ مَالك وَالْأَئِمَّة، وَرَوَاهُ عَن الْعَلَاء جمَاعَة: عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي وَأَبُو العميس وروح بن عبَادَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَزُهَيْر بن مُحَمَّد ومُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي وَعبد الرَّحْمَن ابْن إِبْرَاهِيم الْقَارِي الْمَدِينِيّ، وَقد جمع بَين الْحَدِيثين بِأَن حَدِيث الْعَلَاء مَحْمُول على من يُضعفهُ الصَّوْم، وَحَدِيث الْبَاب مَخْصُوص بِمن يحْتَاط بِزَعْمِهِ لرمضان، وَقيل: كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَصُوم فِي النّصْف الثَّانِي من شعْبَان، فَقَالَ: من يَقُول الْعبْرَة بِمَا رأى أَن فعله هُوَ الْمُعْتَبر، وَقيل: فعله يدل على أَن مَا رَوَاهُ مَنْسُوخ. وَقد روى الطَّحَاوِيّ مَا يُقَوي قَول من ذهب إِلَى أَن الصَّوْم فِيمَا بعد انتصاف شعْبَان جَائِز غير مَكْرُوه بِمَا رَوَاهُ من حَدِيث ثَابت عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أفضل الصّيام بعد رَمَضَان شعْبَان) ، وَبِمَا رَوَاهُ من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لرجل: هَل صمت من سرر شعْبَان؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِذا أفطرت من رَمَضَان فَصم يَوْمَيْنِ) . قلت: أما حَدِيث ثَابت عَن أنس فضعيف لِأَن فِي سَنَده صَدَقَة ابْن مُوسَى، وَفِيه مقَال. فَقَالَ يحيى: لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء، وَضَعفه النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد. وَأما حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فَأخْرجهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد، قَوْله: (سرر شعْبَان) ، السرر بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالرَّاء: لَيْلَة يستسر الْهلَال، يُقَال: سرار الشَّهْر وسراره بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح، وسرره. وَاخْتلفُوا فِيهِ فَقيل: أَوله، وَقيل: وَسطه، وَقيل: آخِره، وَهُوَ المُرَاد هُنَا، كَذَا قَالَه الْهَرَوِيّ والخطابي عَن الْأَوْزَاعِيّ. ٥١ - (بابُ قَوْلِ الله جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمٍ الله أنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وعَفَا عَنْكُمْ فاَلآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَحْكَام، وَهَذِه الْآيَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كتب الله لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى آخر الْآيَة ﴿لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَجعل البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة تَرْجَمَة لبَيَان مَا كَانَ الْحَال عَلَيْهِ قبل نزُول هَذِه الْآيَة، وَسبب نُزُولهَا فِي عمر بن الْخطاب وصرمة بن قيس، قَالَ الطَّبَرِيّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن كَعْب بن مَالك يحدث عَن أَبِيه قَالَ: (كَانَ النَّاس فِي رَمَضَان إِذا صَامَ الرجل فأمسى فَنَامَ حرمه عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّسَاء حَتَّى يفْطر من الْغَد، فَرجع عمر بن الْخطاب من عِنْد النَّبِي ﷺ ذَات لَيْلَة وَقد سمر عِنْده، فَوجدَ امْرَأَته قد نَامَتْ، فأرادها، فَقَالَت: إِنِّي قد نمت، فَقَالَ: مَا نمت؟ ثمَّ وَقع بهَا، وصنع كَعْب بن مَالك مثله، فغدا عمر بن الْخطاب إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَأخْبرهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿علم الله أَنكُمْ تختانون أَنفسكُم فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفا عَنْكُم فَالْآن باشروهن﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . الْآيَة، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَالسُّديّ وَقَتَادَة وَغَيرهم فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة فِي عمر بن الْخطاب، وَمن صنع كَمَا صنع، وَفِي صرمة بن قيس، فأباح الْجِمَاع وَالطَّعَام وَالشرَاب فِي جَمِيع اللَّيْل رَحْمَة ورخصة ورفقا. وَحَدِيث الْبَاب يقْتَصر على قَضِيَّة صرمة بن قيس. قَوْله: (الرَّفَث) هُوَ الْجِمَاع، هُنَا قَالَه ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وطاووس وَسَالم بن عبد الله وَعَمْرو بن دِينَار وَالْحسن وَقَتَادَة وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالسُّديّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَمُقَاتِل ابْن حَيَّان، وَقَالَ الزّجاج: الرَّفَث، كُله جَامع لكل مَا يُريدهُ الرجل من النِّسَاء قَوْله: ﴿هن لِبَاس لكم وَأَنْتُم لِبَاس لَهُنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان: يَعْنِي هن سكن لكم وَأَنْتُم سكن لَهُنَّ، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: هن لِحَاف لكم وَأَنْتُم لِحَاف لَهُنَّ، وَحَاصِله أَن الرجل وَالْمَرْأَة كل مِنْهُمَا يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فَنَاسَبَ أَن يرخص لَهُم فِي المجامعة فِي ليل رَمَضَان لِئَلَّا يشق ذَلِك عَلَيْهِم ويحرجوا، وَقيل: كل قرن مِنْكُم يسكن إِلَى قرنه ويلابسه، وَالْعرب تسمي الْمَرْأَة لباسا وإزارا قَالَ الشَّاعِر: (إِذا مَا الضجيع ثنى جيدها ... تداعت، فَكَانَت عَلَيْهِ لباسا)

стр. 3093

وَقَالَ آخر: (ألَا بلِّغ أَبَا حَفص رَسُولا ... فِدًى لَك من أخي ثِقَة إزَارِي) قَالَ أهل اللُّغَة: مَعْنَاهُ فدى لَك امْرَأَتي، وَذكر ابْن قُتَيْبَة وَغَيره أَن المُرَاد بقوله: إزَارِي، فدى لَك امْرَأَتي، وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ نَفسه أَي: فدى لَك نَفسِي. وَفِي (كتاب الْحَيَوَان) للجاحظ: لَيْسَ شَيْء من الْحَيَوَان يتبطن طروقته أَي: يَأْتِيهَا من جِهَة بَطنهَا غير الْإِنْسَان والتمساح، وَفِي (تَفْسِير الواحدي) : والدب. وَقيل الْغُرَاب. قَوْله: ﴿تختانون أَنفسكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . يَعْنِي: تجامعون النِّسَاء وتأكلون وتشربون فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَيْكُم، ذكره الطَّبَرِيّ. وَفِي (تَفْسِير) ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد: ﴿تختانون أَنفسكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . قَالَ: تظْلمُونَ أَنفسكُم. قَوْله: ﴿فَالْآن باشروهن﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي: جامعوهن، كنى الله عَنهُ، قَالَه ابْن عَبَّاس: وَرُوِيَ نَحوه عَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس وَزيد بن أسلم. قَوْله: ﴿وابتغوا مَا كتب الله لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . قَالَ مُجَاهِد: فِيمَا ذكره عبد بن حميد فِي تَفْسِيره: الْولدَان لم تَلد هَذِه، فَهَذِهِ، وَذكره أَيْضا الطَّبَرِيّ عَن الْحسن وَالْحَاكِم وَعِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس، وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره عَن أنس بن مَالك، وَشُرَيْح وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَسَعِيد بن جُبَير وَقَتَادَة. قَالَ الطَّبَرِيّ، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وابتغوا مَا كتب الله لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . قَالَ: لَيْلَة الْقدر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَقَالَ آخَرُونَ: بل مَعْنَاهُ مَا أحله الله لكم ورخصه، قَالَ ذَلِك قَتَادَة، وَعَن زيد بن أسلم: هُوَ الْجِمَاع. ٥١٩١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبي إسْحَاقَ عَن البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذَا كانَ الرَّجُلُ صَائِما فحَضَرَ الإفْطَارُ فنامَ قَبْلَ أنْ يُفْطَر لَمْ يَأكُلْ لَيْلَتَهُ ولَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِي وَإنَّ قَيْسَ بنَ صِرْمَةَ الأنْصَارِيَّ كانَ صائِما فَلَمَّا حضَرَ الإفْطَارُ أتَى امْرَأتَهُ فَقَالَ لَهَا أعِنْدَكِ طَعَامٌ قالَتْ لَا ولَكِنْ أنْطَلِقُ فأطْلُبُ لَكَ وكانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَجَاءَتْهُ امْرَأتُهُ فلَمَّا رَأَتْهُ قالَتْ خَيْبةً لَكَ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غشِيَ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾ ففَرِحُوا بِهَا فَرَحا شَدِيدا ونَزَلَتْ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ . (الْبَقَرَة: ٧٨١) . (الحَدِيث ٥١٩١ طرفه فِي: ٨٠٥٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين سَبَب نُزُولهَا وَعبيد الله بن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي وَهُوَ يروي عَن جده أبي إِسْحَاق، واسْمه عَمْرو بن عبد الله. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم أَيْضا عَن نصر بن عَليّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد. قَوْله: (كَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أَي: فِي أول مَا افْترض الصّيام، وبيَّن ذَلِك ابْن جرير فِي رِوَايَته من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى مُرْسلا. قَوْله: (فَنَامَ قبل أَن يفْطر) إِلَى آخِره. وَفِي رِوَايَة زُهَيْر: (كَانَ إِذا نَام قبل أَن يتعشى لم يحل لَهُ أَن يَأْكُل شَيْئا وَلَا يشرب ليله وَلَا يَوْمه حَتَّى تغرب الشَّمْس) . وَفِي رِوَايَة أبي الشَّيْخ من طَرِيق زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة عَن أبي إِسْحَاق: (كَانَ الْمُسلمُونَ إِذا أفطروا يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويأتون النِّسَاء مَا لم يَنَامُوا، فَإِذا نَامُوا لم يَفْعَلُوا شَيْئا من ذَلِك إِلَى مثلهَا) . فَإِن قلت: الرِّوَايَات كلهَا فِي حَدِيث الْبَراء على أَن الْمَنْع من ذَلِك كَانَ مُقَيّدا بِالنَّوْمِ، وَكَذَا هُوَ فِي حَدِيث غَيره، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: (كَانَ النَّاس على عهد النَّبِي ﷺ إِذا صلوا الْعَتَمَة حرم عَلَيْهِم الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّسَاء، وصاموا إِلَى الْقَابِلَة) الحَدِيث. وَالْمَنْع فِي هَذَا مُقَيّد بِصَلَاة الْعشَاء. قلت: يحْتَمل أَن يكون ذكر صَلَاة الْعشَاء لكَون مَا بعْدهَا مَظَنَّة النّوم غَالِبا، وَالتَّقْيِيد فِي الْحَقِيقَة بِالنَّوْمِ كَمَا فِي سَائِر الْأَحَادِيث. وبيَّن السّديّ وَغَيره أَن ذَلِك الحكم كَانَ على وفْق مَا كتب على أهل الْكتاب، كَمَا أخرجه ابْن حزم من طَرِيق السّديّ، وَلَفظه: (كتب على النَّصَارَى الصّيام، وَكتب عَلَيْهِم أَن لَا يَأْكُلُوا وَلَا يشْربُوا وَلَا ينكحوا بعد النّوم، وَكتب على الْمُسلمين أَولا مثل ذَلِك حَتَّى أقبل رجل من الْأَنْصَار) فَذكر الْقِصَّة. وَمن طَرِيق إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: كَانَ الْمُسلمُونَ فِي أول الْإِسْلَام يَفْعَلُونَ كَمَا يفعل أهل الْكتاب إِذا نَام أحدهم لم يطعم حَتَّى الْقَابِلَة. قَوْله: (وَإِن قيس بن

стр. 3094

صرمة) قيس بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: وصرمة، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْمِيم، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وَتَابعه على ذَلِك التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن حبَان فِي (معرفَة الصَّحَابَة) وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) والدارمي فِي (مُسْنده) وَأَبُو دَاوُد فِي (كتاب النَّاسِخ والمنسوخ) والإسماعيلي وَأَبُو نعيم فِي (مستخرجيهما) وَقَالَ أَبُو نعيم فِي (كتاب الصَّحَابَة) تأليفه: صرمة بن أبي أنس، وَقيل: ابْن قيس الخطمي الْأنْصَارِيّ، يكنى أَبَا قيس، كَانَ شَاعِرًا نزلت فِيهِ ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . الْآيَة، ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن أبي صَالح (عَن ابْن عَبَّاس أَن صرمة بن أبي أنس أَتَى النَّبِي، ﷺ ، عَشِيَّة من العشيات، وَقد جهده الصَّوْم، فَقَالَ لَهُ: مَالك يَا أَبَا قيس: أمسيت طليخا ... ؟) الحَدِيث، قَالَ: وَرَوَاهُ جبارَة بن مُوسَى عَن أَبِيه عَن أَشْعَث بن سوار عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان أَن صرمة بن قيس ... فَذكر نَحوه. انْتهى. وَكَذَا ذكره أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : صرمة بن قيس، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: صرمة بن أبي أنس قيس بن مَالك بن عدي النجاري، يكنى أَبَا قيس، وَقَالَ بَعضهم: صرمة بن مَالك، نسبه إِلَى جده، وَهُوَ الَّذِي نزل فِيهِ وَفِي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَفِي (أَسبَاب النُّزُول) لِلْوَاحِدِيِّ: (عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جَاءَ إِلَى امْرَأَته فَقَالَت: قد نمت، فَوَقع عَلَيْهَا، وَأمسى صرمة بن قيس صَائِما فَنَامَ قبل أَن يفْطر. .) الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَحْمد بن نصر الدَّاودِيّ وَابْن التِّين: يخْشَى أَن يكون رِوَايَة البُخَارِيّ غير مَحْفُوظَة، إِنَّمَا هُوَ صرمة. وَأما النَّسَائِيّ فَلَمَّا ذكره فِي (كتاب السّنَن) قَالَ: إِن أَبَا قيس بن عمر فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ السُّهيْلي: حَدِيث صرمة بن أبي أنس قيس بن صرمة الَّذِي أنزل الله تَعَالَى فِيهِ وَفِي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . إِلَى قَوْله: ﴿وَعَفا عَنْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَهَذِهِ فِي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ثمَّ قَالَ: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . إِلَى آخر اللَّيْلَة، فَهَذِهِ فِي صرمة بن أبي أنس، بَدَأَ الله بِقصَّة عمر لفضله. فَقَالَ: ﴿فَالْآن باشروهن﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ثمَّ بِقصَّة صرمة، فَقَالَ: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَعند ابْن الْأَثِير، من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش: أخبرنَا أَبُو عرُوبَة عَن قيس بن سعد عَن عَطاء (عَن أبي هُرَيْرَة: نَام ضَمرَة بن أنس الْأنْصَارِيّ وَلم يشْبع من الطَّعَام وَالشرَاب، فَنزلت: ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . الْآيَة، قيل: إِنَّه تَصْحِيف، وَلم يتَنَبَّه لَهُ ابْن الْأَثِير، وَالصَّوَاب صرمة بن أبي أنس، وَهُوَ مَشْهُور فِي الصَّحَابَة، يكنى أَبَا قيس. وَالصَّوَاب فِي ذَلِك من بَين هَذِه الرِّوَايَات مَا ذكره ابْن عبد الْبر، فَمن قَالَ: قيس بن صرمة، قلبه كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الدَّاودِيّ، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَكَذَا قَالَ السُّهيْلي وَغَيره: إِنَّه وَقع مقلوبا فِي رِوَايَة حَدِيث الْبَاب، وَمن قَالَ: صرمة بن مَالك، نسبه إِلَى جده، وَمن قَالَ: صرمة بن أنس حذف أَدَاة الكنية من أَبِيه، وَمن قَالَ: أَبُو قيس ابْن عَمْرو أصَاب فِي كنيته وَأَخْطَأ فِي إسم أَبِيه، وَكَذَا من قَالَ: أَبُو قيس بن صرمة، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يَقُول: أَبُو قيس صرمة فزيد فِيهِ: أَيْن. فَافْهَم. فَبِهَذَا يجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة، وَالله أعلم. قَوْله: (أعندكِ؟) بِكَسْر الْكَاف والهمزة للاستفهام. قَوْله: (قَالَت: لَا) ، أَي: لَيْسَ عِنْد طَعَام، وَلَكِن أَنطلق فأطلب لَك، ظَاهر هَذَا الْكَلَام أَنه لم يَجِيء مَعَه بِشَيْء، لَكِن ذكر فِي مُرْسل السّديّ أَنه أَتَاهَا بِتَمْر، فَقَالَ: استبدلي بِهِ طحينا واجعليه سخينا، فَإِن التَّمْر أحرق جوفي. وَفِي مُرْسل ابْن أبي ليلى: (فَقَالَ لأَهله: أَطْعمُونِي، فَقَالَت: حَتَّى أجعَل لَك شَيْئا سخينا) ، وَوَصله أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن أبي ليلى: قَالَ حَدثنَا أَصْحَاب مُحَمَّد فَذكره مُخْتَصرا. قَوْله: (وَكَانَ يَوْمه) ، بِالنّصب أَي: وَكَانَ قيس بن صرمة فِي يَوْمه يعْمل أَي: فِي أرضه، وَصرح بهَا أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته، وَفِي مُرْسل السّديّ: (كَانَ يعْمل فِي حيطان الْمَدِينَة بِالْأُجْرَةِ) ، فعلى هَذَا فَقَوله: فِي أرضه إِضَافَة اخْتِصَاص. قَوْله: (فغلبته عَيناهُ) أَي: نَام، لِأَن غَلَبَة الْعَينَيْنِ عبارَة عَن النّوم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عينه) بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (خيبة لَك) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول مُطلق يجب حذف عَامله، وَقيل: إِذا كَانَ بِدُونِ اللَّام يجب نَصبه، وَإِذا كَانَ مَعَ اللَّام جَازَ نَصبه، والخيبة: الحرمان، يُقَال: خَابَ الرجل إِذا لم ينل مَا طلبه. قَوْله: (فَلَمَّا انتصف النَّهَار غشي عَلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (فَأصْبح صَائِما، فَلَمَّا انتصف النَّهَار) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَلم ينتصف النَّهَار حَتَّى غشي عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة زُهَيْر عَن أبي إِسْحَاق: (فَلم يطعم شَيْئا وَبَات حَتَّى أصبح صَائِما حَتَّى انتصف النَّهَار فَغشيَ عَلَيْهِ) . وَفِي مُرْسل السّديّ: (فأيقظته

стр. 3095

فكره أَن يعْصى الله تَعَالَى، وَأبي أَن يَأْكُل) . وَفِي مُرْسل مُحَمَّد بن يحيى، فَقَالَ: (إِنِّي قد نمت، فَقَالَت لَهُ: لم تنم فَأبى فَأصْبح جائعا مجهودا) . قَوْله: (فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ ، وَزَاد فِي رِوَايَة زَكَرِيَّاء عِنْد أبي الشَّيْخ: (وأتى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، امْرَأَته وَقد نَامَتْ، فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَنزلت هَذِه الْآيَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينهمَا وَبَين حِكَايَة قيس؟ قلت: لما صَار الرَّفَث حَلَالا فالأكل وَالشرب بِالطَّرِيقِ الأولى، وَحَيْثُ كَانَ حلهما بِالْمَفْهُومِ نزلت بعده: ﴿كلوا وَاشْرَبُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ليعلم بالمنطوق تَصْرِيحًا بتسهيل الْأَمر عَلَيْهِم، ودفعا لجنس الضَّرَر الَّذِي وَقع لقيس وَنَحْوه، أَو المُرَاد بِالْآيَةِ: هِيَ بِتَمَامِهَا إِلَى آخِره، حَتَّى يتَنَاوَل: كلوا وَاشْرَبُوا، فالغرض من ذكر نزلت ثَانِيًا هُوَ بَيَان نزُول لفظ ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بعد ذَلِك. انْتهى. قلت: اعْتمد السُّهيْلي على الْجَواب الثَّانِي، وَقَالَ: إِن الْآيَة نزلت بِتَمَامِهَا فِي الْأَمريْنِ مَعًا، وَقدم مَا يتَعَلَّق بعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لفضله. قَوْله: (فَفَرِحُوا بهَا) ، أَي: بِالْآيَةِ وَهِي قَوْله: ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَنزلت ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام﴾ إِلَى قَوْله: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَهَذَا يبين أَن مَحل قَوْله: (فَفَرِحُوا بهَا) بعد قَوْله: ﴿الْخَيط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَوَقع ذَلِك صَرِيحًا فِي رِوَايَة زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة، وَلَفظ: (فَنزلت ﴿أحل لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . إِلَى قَوْله: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ففرح الْمُسلمُونَ بذلك. ٦١ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله مُخَاطبا للْمُسلمين بقوله: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بعد أَن كَانُوا ممنوعين مِنْهُمَا بعد النّوم، وَبَين فِيهِ غَايَة وَقت الْأكل بقوله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَالْمرَاد بالخيط الْأَبْيَض أول مَا يَبْدُو من الْفجْر الْمُعْتَرض فِي الْأُفق كالخيط الْمَمْدُود، وَالْخَيْط الْأسود مَا يَمْتَد مَعَه من غبش اللَّيْل شبها بخيطين أَبيض وأسود. وَقَوله: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بَيَان للخيط الإبيض وَاكْتفى بِهِ عَن بَيَان الْخَيط الْأسود، لِأَن بَيَان أَحدهمَا بَيَان للثَّانِي، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن تكون من للتَّبْعِيض لِأَنَّهُ بعض الْفجْر، وَقَالَ: وَقَوله: ﴿من الْفجْر﴾ أخرجه من بَاب الِاسْتِعَارَة، كَمَا أَن قَوْلك رَأَيْت أسدا مجَاز، فَإِذا زِدْت من فلَان، رَجَعَ تَشْبِيها. انْتهى. وَلما نزل قَوْله: ﴿كلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَولا وَلم ينزل: ﴿من الْفجْر﴾ كَانَ رجال إِذا أَرَادوا الصَّوْم ربط أحدهم فِي رجلَيْهِ الْخَيط الْأَبْيَض وَالْخَيْط الْأسود، فَلَا يزَال يَأْكُل وَيشْرب وَيَأْتِي أَهله حَتَّى يظْهر لَهُ الْخيطَان، ثمَّ لما نزل قَوْله: ﴿من الْفجْر﴾ علمُوا أَن المُرَاد من الْخَيْطَيْنِ اللَّيْل وَالنَّهَار، فالأسود سَواد اللَّيْل والأبيض بَيَاض الْفجْر، كَمَا يَأْتِي الْآن بَيَانه فِي حَدِيث الْبَاب. قَوْله: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي: من بعد انْشِقَاق الْفجْر الصَّادِق كفوا عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع إِلَى أَن يَأْتِي اللَّيْل، وَهُوَ غرُوب الشَّمْس، قَالُوا: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز النبية بِالنَّهَارِ فِي صَوْم رَمَضَان، وعَلى جَوَاز تَأْخِير الْغسْل إِلَى الْفجْر، وعَلى نفي صَوْم الْوِصَال. فيهِ الْبَرَاءُ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ الْبَراء بن عَازِب الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ الْبَراء عَن النَّبِي ﷺ ، لَكِن لما لم يكن على شَرط البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِيهِ. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل أَشَارَ بِهِ إِلَى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مَوْصُولا عَن الْبَراء الَّذِي سبق ذكره فِي الْبَاب الَّذِي قبله. ٦١٩١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ قَالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرَنِي حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن الشَّعْبِيِّ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يتبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ عَمَدْتُ إلَى عِقَالٍ أسْوَدَ وإلَى عِقالٍ أبْيَضَ فجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فجَعَلْتُ أنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فغَدَوْتُ عَلى رسولِ الله ﷺ فذكَرْتُ لَهُ ذالِكَ فَقَالَ إنَّمَا ذَلِكَ سَوادُ اللَّيْلِ وبيَاضُ النَّهار.

стр. 3096

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حجاج، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ، ابْن منهال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون: السّلمِيّ مَوْلَاهُم الْأنمَاطِي. الثَّانِي: هشيم، بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: السّلمِيّ مَوْلَاهُم أَبُو مُعَاوِيَة. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، يكنى أَبَا الْهُذيْل. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: عدي بن حَاتِم الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَن هشيما واسطي وَأَصله من بَلخ وَأَن حصينا وَالشعْبِيّ كوفيان وَأَن فِيهِ: أَخْبرنِي حُصَيْن، ويروى: أخبرنَا، وَزَاد الطَّحَاوِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن هشيم: أخبرنَا حُصَيْن ومجالد عَن الشّعبِيّ، فالطحاوي أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج بن منهال إِلَى آخِره، نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ. وَالْآخر: عَن أَحْمد بن دَاوُد عَن إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن هشيم عَن حُصَيْن ومجالد عَن الشّعبِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن إِدْرِيس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن حُصَيْن بن نمير، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم، وَقَالَ: حسن صَحِيح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عدي بن حَاتِم) ، فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: أَخْبرنِي عدي بن حَاتِم) ، وَكَذَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة عَن أَحْمد بن منيع، وَكَذَا أوردهُ أَبُو عوَانَة من طَرِيق أبي عبيد عَن هشيم عَن حُصَيْن. قَوْله: (عَمَدت) ، أَي: قصدت من عمد يعمد عمدا إِذا قصد، وَهُوَ من بَاب: ضرب يضْرب، وَأما عَمَدت الشَّيْء فانعمد فَمَعْنَاه: أقمته، فَالْأول بِاللَّامِ وَإِلَى؛ وَالثَّانِي بدونهما. قَوْله: (إِلَى عقال) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف، وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير، وَالْجمع: عُقل، وَفِي رِوَايَة مجَالد: (فَأخذت خيطين من شعر) . قَوْله: (فَلَا يستبين لي) ، أَي: فَلَا يظْهر لي، وَفِي رِوَايَة مجَالد: (فَلَا أستبين الْأَبْيَض من الْأسود) . قَوْله: (وِسَادَتِي) ، الوساد والوسادة المخدة، وَالْجمع: وسائد ووسد. قَوْله: (إِنَّمَا ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من قَوْله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَرِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير، قَالَ: (أَخذ عدي عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود حَتَّى إِذا كَانَ بعض اللَّيْل نظر فَلم يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أصبح قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿جعلت تَحت وِسَادَتِي. . قَالَ: إِن وِسَادَتك إِذا لَعَرِيض) . وَفِي رِوَايَة: (قلت: يَا رَسُول الله﴾ مَا الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود؟ أَهما الْخيطَان؟ قَالَ: إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا، إِن أَبْصرت الْخَيْطَيْنِ، ثمَّ قَالَ: لَا بل هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَ: يَا رَسُول الله! إِنَّنِي جعلت تَحت وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود أعرف اللَّيْل من النَّهَار، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن وِسَادك لَعَرِيض، إِنَّمَا هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد (قَالَ: أخذت عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود فوضعتهما تَحت وِسَادَتِي، فَنَظَرت فَلم أتبين، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَضَحِك، وَقَالَ: إِن وِسَادك إِذا لَعَرِيض طَوِيل، إِنَّمَا هُوَ اللَّيْل وَالنَّهَار) . وَفِي لفظ: (إِنَّمَا هما سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) ، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مطرف: (فَضَحِك، وَقَالَ: لَا يَا عريض الْقَفَا) . انْتهى. قَوْله: (إِن وِسَادك لَعَرِيض) ، كنى بالوساد عَن النّوم، لِأَن النَّائِم يتوسد، أَي: إِن نومك لطويل كثير، وَقيل: كنى بالوساد عَن مَوضِع الوساد من رَأسه وعنقه، وَتشهد لَهُ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) ، فَإِن عرض الْقَفَا كِنَايَة عَن السّمن، وَقيل: أَرَادَ من أكل مَعَ الصُّبْح فِي صَوْمه أصبح عريض الْقَفَا، لِأَن الصَّوْم لَا يُؤثر فِيهِ، وَيُقَال: يكنى عَن الأبله بعريض الْقَفَا، فَإِن عرض الْقَفَا وَعظم الرَّأْس إِذا أفرطا قيل: إِنَّه دَلِيل الغباوة والحماقة، كَمَا أَن استواءه دَلِيل على علو الهمة وَحسن الْفَهم، وَهَذَا من قبيل الْكِنَايَة الْخفية، وَالْفرق بَين الْكِنَايَة وَالْمجَاز أَن الِانْتِقَال فِي الْكِنَايَة من اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم، وَفِي الْمجَاز من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم، وَهَكَذَا فرق السكاكي وَغَيره، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّمَا عرض النَّبِي ﷺ قفا عدي لِأَنَّهُ غفل عَن الْبَيَان، وتعريض الْقَفَا مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على قلَّة الفطنة، قيل: أنكر ذَلِك غير وَاحِد، مِنْهُم: الْقُرْطُبِيّ، فَقَالَ: حمله بعض النَّاس على الذَّم لَهُ على ذَلِك الْفَهم، وَكَأَنَّهُم فَهموا أَنه نسبه إِلَى الْجَهْل والجفا وَعدم الْفِقْه، وعضدوا ذَلِك بقوله: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا)

стр. 3097

وَلَيْسَ الْأَمر على مَا قَالُوهُ، لِأَن من حمل اللَّفْظ على حَقِيقَته اللسانية الَّتِي هِيَ الأَصْل إِذا لم يتَبَيَّن لَهُ دَلِيل التَّجَوُّز لم يسْتَحق ذما وَلَا ينْسب إِلَى جهل، وَإِنَّمَا عَنى وَالله أعلم إِن وِسَادك إِن كَانَ يُغطي الْخَيْطَيْنِ اللَّذين أَرَادَ الله فَهُوَ إِذا عريض وَاسع، ولهذه قَالَ فِي إِثْر ذَلِك: إِنَّمَا هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَكيف يدخلَانِ تَحت وِسَادَتك؟ وَقَوله: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) ، أَي: إِن الوساد الَّذِي يُغطي اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يرقد عَلَيْهِ إلَاّ قفا عريض للمناسبة. ذكر الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . إِلَى آخِره، يَقْتَضِي ظَاهره أَن عدي بن حَاتِم كَانَ حَاضرا لما نزلت هَذِه الْآيَة، وَهُوَ يَقْتَضِي تقدم إِسْلَامه، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن نزُول فرض الصَّوْم كَانَ مُتَقَدما فِي أَوَائِل الْهِجْرَة، وَإِسْلَام عدي كَانَ فِي التَّاسِعَة أَو الْعَاشِرَة، كَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره من أهل الْمَغَازِي قلت: أجابوا بأَرْبعَة أجوبة: الأول: إِن الْآيَة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب تَأَخّر نُزُولهَا عَن نزُول فرض الصَّوْم، وَهَذَا بعيد جدا. الثَّانِي: أَن يؤول قَول عدي هَذَا على أَن المُرَاد بقوله: (لما نزلت) ، أَي: لما تليت عَليّ عِنْد إسلامي. الثَّالِث: أَن الْمَعْنى: لما بَلغنِي نزُول الْآيَة عَمَدت إِلَى عِقَالَيْنِ. الرَّابِع: يقدر فِيهِ حذف تَقْدِيره، لما نزلت الْآيَة، ثمَّ قدمت وَأسْلمت وتعلمت الشَّرَائِع، عَمَدت، وَهَذَا أحسن الْوُجُوه، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق مجَالد بِلَفْظ: (عَلمنِي رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة وَالصِّيَام، فَقَالَ: صل كَذَا وصم كَذَا، فَإِذا غَابَتْ الشَّمْس فَكل حَتَّى يتَبَيَّن لَك الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود، قَالَ: فَأخذت خيطين) الحَدِيث. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . نزل بعد قَوْله: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَكَانَ هَذَا بَيَانا لَهُم إِن المُرَاد بِهِ أَن يتَمَيَّز بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل، فَكيف يجوز تَأْخِير الْبَيَان مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِ مَعَ بَقَاء التَّكْلِيف؟ أُجِيب: بِأَن الْبَيَان كَانَ مَوْجُودا فِيهِ، لَكِن على وَجه لَا يُدْرِكهُ جَمِيع النَّاس، وَإِنَّمَا كَانَ على وَجه يخْتَص بِهِ أَكْثَرهم أَو بَعضهم، وَلَيْسَ يلْزم أَن يكون الْبَيَان مكشوفا فِي دَرَجَة يطلع عَلَيْهَا كل أحد، أَلا ترى أَنه لم يَقع فِيهِ إلَاّ عدي وَحده، وَيُقَال: كَانَ اسْتِعْمَال الْخَيْطَيْنِ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار شَائِعا غير مُحْتَاج إِلَى الْبَيَان، وَكَانَ ذَلِك إسما لسواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلَام، قَالَ أَبُو دَاوُد الْإِيَادِي: (وَلما أَضَاءَت لنا ظلمَة ... ولاح لنا الصُّبْح خيطا أنارا) فَاشْتَبَهَ على بَعضهم فَحَمَلُوهُ على العقالين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فعل ذَلِك من لم يكن ملازما لرَسُول الله ﷺ ، بل هُوَ من الْأَعْرَاب، وَمن لَا فقه عِنْده أَو لم يكن من لغته اسْتِعْمَالهَا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . من بَاب الِاسْتِعَارَة أم من بَاب التَّشْبِيه؟ أُجِيب: بِأَن قَوْله: ﴿من الْفجْر﴾ أخرجه من بَاب الِاسْتِعَارَة، وَقد نقلنا هَذَا عَن الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَوَائِل الْبَاب. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الِاسْتِعَارَة أبلغ فَلِمَ عَدل إِلَى التَّشْبِيه؟ أُجِيب: بِأَن التَّشْبِيه الْكَامِل أولى من الِاسْتِعَارَة النَّاقِصَة، وَهِي نَاقِصَة لفَوَات شَرط حسنها، وَهُوَ أَن يكون التَّشْبِيه بَين الْمُسْتَعَار لَهُ والمستعار مِنْهُ جليا بِنَفسِهِ مَعْرُوفا بَين سَائِر الأقوام، وَهَذَا قد كَانَ مشتبها على بَعضهم. ٧١٩١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ح قَالَ حدَّثني سعَيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ أُنْزِلَتْ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يتبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ فَكانَ رِجالٌ إذَا أرَادُوا الصَّوْمَ ربَطَ أحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ ولَمْ يَزَلْ يأكُلُ حَتَّى يتَبَيَّنَ لَهُ رُؤيَتُهُمَا فأنْزَلَ الله بَعْدُ مِنَ الْفَجْرِ فَعَلِمُوا أنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهَارَ. (الحَدِيث ٧١٩١ طرفه فِي: ١١٥٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد الحكم بن

стр. 3098

أبي مَرْيَم الجُمَحِي. الثَّانِي: ابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز. الثَّالِث: أَبوهُ أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه سَلمَة بن دِينَار. الرَّابِع: أَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون: واسْمه مُحَمَّد بن طريف. الْخَامِس: سهل ابْن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي والبقية مدنيون. وَفِيه: أَن فِي الطَّرِيق الأول روى عَن شَيْخه بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْجمع، وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي عَنهُ أَيْضا بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن شَيْخه يروي عَن شيخين أَحدهمَا ابْن أبي حَازِم، وَالْآخر أَبُو غَسَّان، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي غَسَّان وَحده، وَاللَّفْظ لأبي غَسَّان، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو عوَانَة والطَّحَاوِي فِي آخَرين من طَرِيق سعيد شيخ البُخَارِيّ عَن أبي غَسَّان وَحده. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن سعيد بن أبي مَرْيَم: وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن سهل بن عَسْكَر، كِلَاهُمَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي بكر بن إِسْحَاق بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ربط أحدهم فِي رجلَيْهِ) ، قلت: فِي مُسلم: (جعل الرجل يَأْخُذ خيطا أَبيض وخيطا أسود فيضعهما تَحت وسادته وَينظر مَتى يَسْتَبِينَا) . قلت: لَا مُنَافَاة لاحْتِمَال أَن يكون بَعضهم فعل هَذَا وَبَعْضهمْ فعل هَذَا، وَقَالَ بَعضهم: أَو يَكُونُوا يجعلونهما تَحت الوسادة إِلَى السحر فيربطونهما حِينَئِذٍ فِي أَرجُلهم ليشاهدوهما. انْتهى. قلت: هَذَا بعيد، لِأَنَّهُ لَا حَاجَة حِينَئِذٍ إِلَى الرَّبْط فِي أَرجُلهم، لأَنهم فِي يقظة حِينَئِذٍ لِأَن الْمُشَاهدَة لَا تكون إلَاّ عَن يقظان، فَلَا يحْتَاج إِلَى الرَّبْط فِي الرجل، فَفِي أَي: مَوضِع كَانَ تحصل الْمُشَاهدَة؟ قَوْله: (حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ) ، كَذَا هُوَ بِالتَّشْدِيدِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يستبين) ، من الإستبانة، وَذَلِكَ من التبين من: بَاب التفعل، وَذَاكَ من بَاب الاستفعال. قَوْله: (رُؤْيَتهمَا) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ من: رأى بِالْعينِ، يُقَال: رأى رَأيا ورؤية وراءة، مثل راعة فيتعدى إِلَى مفعول وَاحِد، وَإِذا كَانَ بِمَعْنى الْعلم يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، يُقَال: رأى زيدا عَالما، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ مَرْفُوع، لِأَنَّهُ فَاعل لقَوْله ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: رأيهما، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَضم الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَمَعْنَاهُ: منظرهما، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: ﴿أحسن أثاثا ورءيا﴾ (مَرْيَم: ٤٧) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: زيهما، بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْيَاء بِلَا همز وَمَعْنَاهُ: لونهما، ويروى: (رئيهما) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا وَكسر الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ عِيَاض: هَذَا غلط لِأَن الرئي التَّابِع من الْجِنّ، فَلَا معنى لَهُ هَهُنَا، فَإِن صحت بِهِ الرِّوَايَة فَيكون مَعْنَاهُ: مرئيهما. قَوْله: (فَأنْزل الله بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد نزُول: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع على هَذَا بَين حَدِيث عدي وَحَدِيث سهل هَذَا؟ قلت: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَصح الْجمع بِأَن يكون حَدِيث عدي مُتَأَخِّرًا عَن حَدِيث سهل، وَأَن عديا لم يسمع مَا جرى فِي حَدِيث سهل، وَإِنَّمَا سمع الْآيَة مُجَرّدَة، وعَلى هَذَا فَيكون: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . مُتَعَلقا بقوله: ﴿يتَبَيَّن﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وعَلى مُقْتَضى حَدِيث سهل يكون فِي مَوضِع الْحَال مُتَعَلقا بِمَحْذُوف: قَالَ، وَيحْتَمل أَن يكون الحديثان قَضِيَّة وَاحِدَة. وَذكر بعض الروَاة ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . مُتَّصِلا بِمَا قبله، كَمَا ثَبت فِي الْقُرْآن الْعَزِيز، وَإِن كَانَ قد نزل مُنْفَردا، كَمَا بَينه فِي حَدِيث سهل، وَحَدِيث سهل يَقْتَضِي أَن يكون مُنْفَردا، وَذَاكَ أَن فرض الصّيام كَانَ فِي السّنة الثَّانِيَة بِلَا خلاف. وَقَالَ سهل فِي حَدِيثه: كَانَ رجال. . إِلَى قَوْله: ﴿وَالْخَيْط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ثمَّ أنزل: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَدلَّ هَذَا على أَن الصَّحَابَة كَانُوا يَفْعَلُونَ هَذَا إِلَى أَن أسلم عدي فِي السّنة التَّاسِعَة، وَقيل الْعَاشِرَة، حَتَّى أخبرهُ النَّبِي ﷺ بِأَن ذَلِك سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار. قَوْله: (فَأنْزل الله بعد ذَلِك ﴿من الْفجْر﴾ ) روى أَنه كَانَ بَينهمَا عَام، قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا كَانَ حكم هَذِه الْآيَة قد أشكل على أَصْحَاب النَّبِي ﷺ حَتَّى بيّن الله لَهُم من ذَلِك مَا بَين، وَحَتَّى أنزل: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بَعْدَمَا كَانَ قد أنزل الله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَكَانَ الحكم أَن يَأْكُلُوا ويشربوا حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم، حَتَّى نسخ الله بقوله: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . على مَا ذكرنَا، وَقد بَينه سهل فِي حَدِيثه، انْتهى. وَقَالَ عِيَاض: وَلَيْسَ المُرَاد أَن هَذَا كَانَ حكم الشَّرْع أَولا ثمَّ نسخ بقوله: ﴿من الْفجْر﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ

стр. 3099

الطَّحَاوِيّ والداودي، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن ذَلِك فعله وتأوله من لم يكن مخالطا للنَّبِي ﷺ ، إِنَّمَا هُوَ من الْأَعْرَاب وَمن لَا فقه عِنْده، أَو لم يكن من لغته اسْتِعْمَال الْخَيط فِي اللَّيْل وَالنَّهَار. انْتهى. قلت: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن ذَلِك كَانَ اسْما لسواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلَام، وَعَن هَذَا قَالَ الدَّاودِيّ: أَحسب أَن الْمَحْفُوظ حَدِيث عدي، لِأَن الله لَا يُؤَخر الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ، وَإِن يكن حَدِيث سهل مَحْفُوظًا فَإِنَّمَا هُوَ الَّذِي فرض عَلَيْهِم ثمَّ نسخ بِالْفَجْرِ. ٧١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ آذَانُ بِلَالٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا يمنعنَّكم) ، بنُون التَّأْكِيد فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لَا يمنعْكم) بِسُكُون الْعين من غير نون التَّأْكِيد، والسحور، بِفَتْح السِّين: اسْم مَا يتسحر بِهِ من الطَّعَام وَالشرَاب، وبالضم الْمصدر، وَالْفِعْل نَفسه، وَأكْثر مَا يرْوى بِالْفَتْح، وَقيل: إِن الصَّوَاب بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ بِالْفَتْح الطَّعَام وَالْبركَة وَالْأَجْر وَالثَّوَاب فِي الْفِعْل لَا فِي الطَّعَام. ٨١٩١ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ عنْ أبي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ والْقَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشَةَ ﵂ أنَّ بِلَالاً كانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَقال رسولُ الله ﷺ كُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فإنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ.. قَالَ الْقاسِمُ ولَمْ يَكنْ بَيْنَ أذَانِهِمَا إلَاّ أنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَعْنَاهُ وَمعنى التَّرْجَمَة وَاحِد، وَإِن اخْتلف اللَّفْظ. وَقَالَ ابْن بطال: وَلم يَصح عِنْد البُخَارِيّ عَن النَّبِي ﷺ لفظ التَّرْجَمَة، فاستخرج مَعْنَاهُ من حَدِيث عَائِشَة، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فِيهِ نظر من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ صَحَّ عِنْده لفظ التَّرْجَمَة، وَذَلِكَ أَنه ذكر فِي: بَاب الآذان قبل الْفجْر حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا يمنعن أحدكُم أَو وَاحِدًا مِنْكُم آذان بِلَال من سحوره) ، فَلَو خرجه أَبُو عبد الله فِي هَذَا الْبَاب لَكَانَ أمس، وَقَالَ ابْن بطال: وَلَفظ التَّرْجَمَة رَوَاهُ وَكِيع عَن أبي هِلَال عَن سوَادَة بن حَنْظَلَة عَن سَمُرَة، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يمنعكم من سحوركم آذان بِلَال وَلَا الْفجْر المستطيل، وَلَكِن الْفجْر المستطير فِي الْأُفق) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ حَدِيث حسن، وَقد مضى فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الآذان قبل الْفجْر؛ عَن يُوسُف بن عِيسَى عَن الْفضل بن مُوسَى عَن عبيد الله بن عمر عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل: اسْمه فِي الأَصْل عبد الله، يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، مر فِي الْحيض عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق. قَوْله: (وَالقَاسِم) ، بِالْجَرِّ عطف على نَافِع لَا على ابْن عمر، لِأَن عبيد الله بن عمر رَوَاهُ عَن نَافِع عَن ابْن عَمْرو عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، وَالْحَاصِل أَن لِعبيد الله هُنَا شَيْخَانِ يروي عَنْهُمَا، وهما نَافِع وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وَقَالَ ابْن التِّين: وَأَخْطَأ من ضَبطه بِالرَّفْع. قَوْله: (حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم) ، هُوَ عَمْرو بن الْقَيْس العامري، وَقيل: غير ذَلِك، وَقد مر فِيمَا مضى، وَأم مَكْتُوم اسْمهَا عَاتِكَة بنت عبد الله. قَوْله: (إلَاّ أَن يرقى) ، بِفَتْح الْقَاف، أَي: يصعد. يُقَال: رقى يرقى رقياً من بَاب: علم يعلم. قَوْله: (وَينزل) ؛ بِالنّصب أَي: وَأَن ينزل، وَكلمَة، أَن، مَصْدَرِيَّة، وَكلمَة: ذَا، فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية. وَقَالَ الْمُهلب: وَالَّذِي يفهم من اخْتِلَاف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث أَن بِلَالًا كَانَت رتبته أَن يُؤذن بلَيْل على أمره بِهِ الشَّارِع من الْوَقْت ليرْجع الْقَائِم وينبه النَّائِم وليدرك السّحُور مِنْهُم من لم يتسحر، وَقد روى هَذَا كُله ابْن مَسْعُود عَن رَسُول الله، ﷺ ، فَكَانُوا يتسحرون بعد آذانه وَفِيه قريب أَذَان ابْن أم مَكْتُوم من آذان بِلَال. وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: (لم يكن بَين أذانيهما) إِلَى آخِره، وَقد قيل لَهُ: أَصبَحت أَصبَحت، دَلِيل على أَن ابْن أم مَكْتُوم كَانَ يُرَاعِي قرب طُلُوع الْفجْر أَو طلوعه، لِأَنَّهُ لم يكن يَكْتَفِي بآذان بِلَال فِي علم الْوَقْت، لِأَن بِلَالًا فِيمَا يدل عَلَيْهِ

стр. 3100

الحَدِيث كَانَ تخْتَلف أوقاته، وَإِنَّمَا حكى من قَالَ: ينزل ذَا ويرقى ذَا، مَا شَاهد فِي بعض الْأَوْقَات، وَلَو كَانَ فعله لَا يخْتَلف لَا كتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ وَلم يقل: (فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم) ، ولقال إِذا فرغ بِلَال فكفوا وَلكنه جعل أول أَذَان ابْن أم مَكْتُوم عَلامَة للكف، وَيحْتَمل أَن لِابْنِ أم مَكْتُوم من يُرَاعِي الْوَقْت، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ رُبمَا خَفِي عَنهُ الْوَقْت، وَيبين ذَلِك مَا روى ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب (عَن سَالم، قَالَ: كَانَ ابْن أم مَكْتُوم ضَرِير الْبَصَر، وَلم يكن يُؤذن حَتَّى يَقُول لَهُ النَّاس حِين ينظرُونَ إِلَى بزوغ الْفجْر: إذِّن) . وقدروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أنيسَة، وَكَانَت حجت مَعَ رَسُول الله ﷺ . أَنَّهَا قَالَت: كَانَ إِذا نزل وَأَرَادَ أَن يصعد ابْن أم مَكْتُوم تعلقوا بِهِ، قَالُوا: كَمَا أَنْت حَتَّى نتسحر، وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا الحَدِيث فِيهِ صعوبة، وَكَيف لَا يكون بَين آذانيهما، إلَاّ ذَلِك، وَهَذَا يُؤذن بلَيْل وَهَذَا بعد الْفجْر، فَإِن صَحَّ أَن بِلَالًا كَانَ يُصَلِّي وَيذكر الله فِي الْموضع الَّذِي هُوَ بِهِ حِين يسمع مَجِيء ابْن أم مَكْتُوم، وَهَذَا لَيْسَ يبين لِأَنَّهُ قَالَ: (لم يكن بَين آذانيهما إِلَّا أَن يرقى ذَا وَينزل ذَا) ، فَإِذا أَبْطَأَ بعد الآذان لصَلَاة وَذكر لم يقل ذَلِك، وَإِنَّمَا يُقَال: لما نزل هَذَا طلع هَذَا، وَقَالَ الدَّاودِيّ: فعلى هَذَا كَانَ فِي وَقت تَأَخّر بِلَال، بآذانه فشهده الْقَاسِم، فَظن أَن ذَلِك عَادَتهمَا، قَالَ: وَلَيْسَ بمنكر أَن يَأْكُلُوا حَتَّى يَأْخُذ الآخر فِي آذانه، وَجَاء أَنه كَانَ لَا يُنَادي حَتَّى يُقَال لَهُ: أَصبَحت أَصبَحت، أَي: دخلت فِي الصَّباح، أَو قاربته. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَوْله: فشهده الْقَاسِم، غلط فَتَأَمّله. قلت: لِأَن قاسماً لم يدْرك هَذَا. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الْبَاب أَن الصَّائِم لَهُ أَن يَأْكُل وَيشْرب إل طُلُوع الْفجْر الصَّادِق، فَإِذا طلع الْفجْر الصَّادِق كف، وَهَذَا قَول الْجُمْهُور من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَذهب معمر وَسليمَان الْأَعْمَش وَأَبُو مجلز وَالْحكم بن عتيبة: إِلَى جَوَاز التسحر مَا لم تطلع الشَّمْس، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث حُذَيْفَة، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من رِوَايَة زر بن حُبَيْش، قَالَ: (تسحرت ثمَّ انْطَلَقت إِلَى الْمَسْجِد فمررت بمنزل حُذَيْفَة فَدخلت عَلَيْهِ فَأمر بلقحة فحلبت، وبقدر فسخنت، ثمَّ قَالَ: كل، فَقلت: إِنِّي أُرِيد الصَّوْم، فَقَالَ: وَأَنا أُرِيد الصَّوْم. قَالَ: فأكلنا وشربنا ثمَّ أَتَيْنَا الْمَسْجِد فأقيمت الصَّلَاة. قَالَ: هَكَذَا فعل بِي رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، أَو: صنعت مَعَ رَسُول الله ﷺ . قلت: بعد الصُّبْح؟ قَالَ: بعد الصُّبْح، غير أَن الشَّمْس لم تطلع) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَأحمد فِي (مُسْنده) وَقَالَ ابْن حزم عَن الْحسن: كل مَا امتريت، وَعَن ابْن جريج: قلت: لعطاء: أيكره أَن أشْرب وَأَنا فِي الْبَيْت لَا أَدْرِي لعَلي أَصبَحت؟ قَالَ: لَا بَأْس بذلك، هُوَ شكّ، وَقَالَ ابْن شيبَة: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم، قَالَ: لم يَكُونُوا يعدون الْفجْر فجركم إِنَّمَا كَانُوا يعدون الْفجْر الَّذِي يمْلَأ الْبيُوت والطرق. وَعَن معمر: أَنه كَانَ يُؤَخر السّحُور جدا حَتَّى يَقُول الْجَاهِل: لَا صَوْم لَهُ. وروى سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر، من طرق: عَن أبي بكر أَنه أَمر بغلق الْبَاب حَتَّى لَا يرى الْفجْر، وروى ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عَليّ، ﵁، أَنه صلى الصُّبْح، ثمَّ قَالَ: الْآن حِين يتَبَيَّن الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ذهب بَعضهم إِلَى أَن المُرَاد بتبين بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل أَن ينتشر الْبيَاض من الطّرق والسكك والبيوت، وروى بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سَالم بن عبيد الْأَشْجَعِيّ وَله صُحْبَة، أَن أَبَا بكر، ﵁، قَالَ لَهُ: أخرج فَانْظُر هَل طلع الْفجْر؟ قَالَ: فَنَظَرت ثمَّ أَتَيْته فَقلت: قد ابيَّض وسطع، ثمَّ قَالَ: أخرج فَانْظُر هَل طلع؟ فَنَظَرت فَقلت: قد اعْترض. فَقَالَ: الْآن أبلغني شرابي. وروى من طَرِيق وَكِيع عَن الْأَعْمَش أَنه قَالَ: لَوْلَا الشُّهْرَة لصليت الْغَدَاة ثمَّ تسحرت، وروى التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا هناد حَدثنَا ملازم بن عمر وحَدثني عبيد الله بن النُّعْمَان عَن قيس بن طلق بن عَليّ حَدثنِي أبي طلق بن عَليّ: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا يهيدنكم الساطع المصعد، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يعْتَرض لكم الْأَحْمَر) . قَوْله: (لَا يهيدنكم) أَي: يمنعنكم الْأكل من هاد، يهيد، وأصل: الهيد، الزّجر. قَوْله: (الساطع المصعد) ، قَالَ الْخطابِيّ: سطوعه ارتفاعه مصعداً قبل أَن يعْتَرض. قَالَ: وَمعنى الْأَحْمَر هَهُنَا أَن يستبطن الْبيَاض الْمُعْتَرض أَوَائِل حمرَة، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

стр. 3101

٨١ - (بابُ تأخِيرِ السُّحُورِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَأْخِير السّحُور إِلَى قرب طُلُوع الْفجْر الصَّادِق، وَفِي كثير من النّسخ: بَاب تَعْجِيل السّحُور، أَي: الْإِسْرَاع خوفًا من طُلُوع الْفجْر فِي أول الشُّرُوع، وَقَالَ ابْن بطال: وَلَو ترْجم لَهُ: بَاب تَأْخِير السّحُور لَكَانَ حسنا. وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح: وَكَأَنَّهُ لم يَرَ مَا فِي نُسْخَة أُخْرَى صَحِيحَة من كتاب (الصَّحِيح) : بَاب تَأْخِير السّحُور، وَقَالَ بَعضهم: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ. قلت: لَيْت شعري هَل أحَاط هُوَ بِجَمِيعِ نسخ البُخَارِيّ فِي أَيدي النَّاس وَفِي الْبِلَاد؟ وَعدم رُؤْيَته ذَلِك لَا يسْتَلْزم الْعَدَم. ٠٢٩١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله قَالَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي حَازِمٍ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ كُنْتُ أتَسَحَّرُ فِي أهْلِي ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رسولِ الله ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٧٧٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ تَأْخِير السّحُور بِحَيْثُ أَن سهلاً كَانَ يسْرع بعد تسحره إِلَى الصَّلَاة مَعَ النَّبِي ﷺ مَخَافَة الْفَوات، وَأما الْمُطَابقَة فِي نُسْخَة: بَاب تَعْجِيل السّحُور، فأظهر من ذَلِك. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَقد أخرجه فِي: بَاب وَقت الْفجْر: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَخِيه عَن سُلَيْمَان عَن أبي حَازِم أَنه سمع سهل بن سعد إِلَى آخِره وَهَهُنَا أخرجه عَن مُحَمَّد بن عبيد الله أبي ثَابت الْمدنِي من كبار مَشَايِخ البُخَارِيّ عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم، وَأَبُو حَازِم اسْمه سَلمَة بن دِينَار، قَوْله: (ثمَّ تكون سرعتي) أَي: اتسرع لِأَن أدْرك السّحُور، أَي: الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال: (ثمَّ تكون سرعَة بِي) ؛ وَتَكون تَامَّة، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (أَن أدْرك السّحُور) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني والنسفي وَفِي رِوَايَة الْجُمْهُور: (أَن أدْرك السُّجُود) ، وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي الرِّوَايَة الَّتِي مَضَت فِي الْمَوَاقِيت: (أَن أدْرك صَلَاة الْفجْر) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (صَلَاة الصُّبْح) ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (صَلَاة الْغَدَاة) ، وَقَالَ الْمزي: أخرج البُخَارِيّ حَدِيث، (كنت أتسحر فِي الصَّوْم) عَن مُحَمَّد بن عبيد الله وقتيبة، كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ، وَحَدِيث قُتَيْبَة ذكره خلف وَلم يجده فِي (الصَّحِيح) وَلَا ذكره أَبُو مَسْعُود. وَقَالَ بَعضهم: رَأَيْت هُنَا بِخَط القطب ومغلطاي مُحَمَّد بن عبيد بِغَيْر إِضَافَة، وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب: عبيد الله. قلت: لَيْسَ فِي الْأَدَب أَن يُقَال إِنَّه غلط، لِأَن الظَّاهِر أَن مغلطاي تبع القطب، وَيحْتَمل أَن تكون لَفْظَة: الله، سَاقِطَة من نُسْخَة القطب لسهو الْكَاتِب. ٩١ - (بابُ قَدْرِكَمْ بَيْنَ السُّحُور وصَلَاةِ الفَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِقْدَار الزَّمَان الَّذِي بَين السّحُور وَصَلَاة الصُّبْح. ١٢٩١ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ حدّثنا هِشَامٌ قَالَ حَدثنَا قَتَادَةُ عنْ أنَسٍ عنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ تَسَحَّرْنا مَعَ النبيِّ ﷺ ثُمَّ قامَ إلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ كَمْ كانَ بَيْنَ الآذَنِ والسُّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. (انْظُر الحَدِيث ٥٧٥) [/ ح. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ تَأْخِير السّحُور إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت بَين الآذان وَأكل السّحُور مِقْدَار قِرَاءَة خمسين آيَة، وَأما الْمُطَابقَة فِي نُسْخَة: بَاب تَعْجِيل السّحُور، فَمن حيثءِ يدل على أَنهم كَانُوا يستعجلون بِهِ حَتَّى يبْقى بَينهم وَبَين الْفجْر الْمِقْدَار الْمَذْكُور، وَلَا يقدمونه أَكثر من الْمِقْدَار الْمَذْكُور. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب وَقت الْفجْر فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَمْرو بن عَاصِم عَن همام عَن قَتَادَة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن زيد بن ثَابت

стр. 3102

حَدثهُ ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام الدستوَائي إِلَى آخِره. وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. قَوْله: (قلت) ، الْقَائِل هُوَ أنس الَّذِي سَالَ والمسؤول عَنهُ هُوَ زيد بن ثَابت، وَقَالَ بَعضهم: قلت: مقول أنس. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ قَوْله، وَالْمقول هُوَ قَوْله: (كم كَانَ بَين الْأَذَان والسحور) . قَوْله: (قَالَ) ، أَي: زيد بن ثَابت. قَوْله: (قدر خمسين آيَة) أَي: مِقْدَار قِرَاءَة خمسين آيَة، وَقَالَ بَعضهم: (قدر خمسين آيَة) ، أَي متوسطة لَا طَوِيلَة وَلَا قَصِيرَة وَلَا سريعة وَلَا بطيئة. قلت: هَذَا بطرِيق الحدس والتخمين، وَهُوَ أَعم من تَقْيِيده بِهَذِهِ الْقُيُود، وَأَيْضًا السرعة والبطء من صِفَات القارىء لَا من صِفَات الْآيَة، وَيجوز فِي قَوْله: (قدر) الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هُوَ قدر خمسين آيَة، يَعْنِي: الزَّمَان الَّذِي بَين الْأَذَان والسحور، وَأما النصب فعلى أَنه خبر: كَانَ الْمُقدر، تَقْدِيره: كَانَ الزَّمَان بَينهمَا قدر خمسين آيَة. وَقَالَ الْمُهلب: فِيهِ تَقْدِير الْأَوْقَات بأعمال الْبدن، وَكَانَت الْعَرَب تقدر الْأَوْقَات بِالْأَعْمَالِ، كَقَوْلِهِم: قدر حلب شَاة، وَقدر نحر جزور، فَعدل زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك إِلَى التَّقْدِير بِالْقِرَاءَةِ إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك الْوَقْت كَانَ وَقت الْعِبَادَة بالتلاوة. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَن أوقاتهم كَانَت مستغرقة بِالْعبَادَة. وَفِيه: تَأْخِير السّحُور لكَونه أبلغ فِي الْمَقْصُود، وَالنَّبِيّ ﷺ كَانَ ينظر إِلَى مَا هُوَ أرْفق بأمته. وَفِيه: الِاجْتِمَاع على السّحُور. وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: جَوَاز الْمَشْي بِاللَّيْلِ للْحَاجة، لِأَن زيد بن ثَابت مَا كَانَ يبيت مَعَ النَّبِي ﷺ . قلت: لَا نسلم نفي بيتوته مَعَ النَّبِي ﷺ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي تسحر فِيهَا مَعَ النَّبِي ﷺ . وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يبيت مَعَه كل لَيْلَة، وَقَالَ أَيْضا هَذَا الْقَائِل. وَفِيه: حسن الْأَدَب فِي الْعبارَة لقَوْله: (تسحرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَلم يقل: نَحن وَرَسُول الله ﷺ ، لما يشْعر لفظ الْمَعِيَّة بالتبعية. قلت: كلمة: مَعَ، مَوْضُوعَة للمصاحبة، وإشعارها بالتبعية لَيْسَ من مَوْضُوع الْكَلِمَة، وَمعنى قَوْله: (تسحرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، أَي: فِي صحبته، وَقَوله: (تسحرنا) بدل على أَنه لم يكن وَحده مَعَ النَّبِي ﷺ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة. فَإِن قلت: الحَدِيث يدل على أَن الْفَرَاغ من السّحُور كَانَ قبل الْفجْر بِمِقْدَار قِرَاءَة خمسين آيَة، وَقد مر فِي حَدِيث حُذَيْفَة: أَن تسحرهم كَانَ بعدالصبح، غير أَن الشَّمْس لم تطلع؟ . قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن لَا مُعَارضَة، بل يحمل على اخْتِلَاف الْحَال، فَلَيْسَ فِي رِوَايَة وَاحِد مِنْهُمَا مَا يشْعر بالمواظبة انْتهى. قلت: هَذَا الْجَواب لَا يشفي العليل لَا يروي الغليل، بل الْجَواب الْقَاطِع مَا ذكره الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ بقوله، بعد أَن روى حَدِيث حُذَيْفَة: وَقد جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ خلاف مَا رُوِيَ عَن حُذَيْفَة، فَذكر الْأَحَادِيث الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا. مِنْهَا: قَوْله ﷺ : (لَا يمنعن أحدكُم أَذَان بِلَال. .) الحَدِيث، وَقَالَ أَيْضا: وَقد يحْتَمل أَن يكون حَدِيث حُذَيْفَة وَالله أعلم قيل نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) الْآيَة. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ مَا ملخصه: لَا يثبت ذَلِك من حُذَيْفَة، وَمَعَ ذَلِك من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يجوز الِاعْتِرَاض على الْقُرْآن، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) فَأوجب الصّيام بِظُهُور الْخَيط الْأَبْيَض الَّذِي هُوَ بَيَاض الْفجْر، فَكيف يجوز التسحر الَّذِي هُوَ الْأكل بعد هَذَا مَعَ تَحْرِيم الله إِيَّاه بِالْقُرْآنِ؟ . ٠٢ - (بابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إيْجَابٍ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصْحابَهُ واصَلُوا ولَمْ يُذْكَرِ السُّحُورِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بركَة السّحُور، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله، ﷺ : (تسحرُوا فَإِن فِي السّحُور بركَة) أخرجه الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (من غير إِيجَاب) جملَة فِي مجل النصب على الْحَال، لِأَن الْجُمْلَة إِذا وَقعت بعد النكرَة تكون صفة، وَإِذا وَقعت بعد الْحَال تكون حَالا، وَالْمعْنَى من غير أَن يكون وَاجِبا، ثمَّ علل لعدم الْوُجُوب بقوله: لِأَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه واصلوا فِي صومهم وَلم يذكر فِيهِ السّحُور، وَلَو كَانَ السّحُور وَاجِبا لذكر فِيهِ، وَقَوله: لم يذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (السّحُور) ، بِالْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والنسفي وَلم يذكر: (سحور) بِدُونِ اللَّام. فَإِن قلت: قَوْله: (تسحرُوا) أَمر وَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوب؟ قلت:

стр. 3103

أُجِيب بِأَنَّهُ أَمر ندب بِالْإِجْمَاع، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: أجمع الْفُقَهَاء على أَن السّحُور مَنْدُوب إِلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِب، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن الْأَمر الَّذِي مُقْتَضَاهُ الْوُجُوب هُوَ الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن، وَهَهُنَا قرينَة تدفع الْوُجُوب، وَهُوَ أَن السّحُور إِنَّمَا هُوَ أكل للشهوة وَحفظ الْقُوَّة، وَهُوَ مَنْفَعَة لنا، فَلَو قُلْنَا بِالْوُجُوب يَنْقَلِب علينا، وَهُوَ مَرْدُود، وَقَالَ ابْن بطال: فِي هَذِه التَّرْجَمَة غَفلَة من البُخَارِيّ لِأَن قد خرج بعد هَذَا حَدِيث أبي سعيد: (أَيّكُم أَرَادَ أَن يواصل فليواصل إِلَى السحر) ، فَجعل غَايَة الْوِصَال السحر، وَهُوَ وَقت السّحُور قَالَ: والمفسر يقْضِي على الْمُجْمل. انْتهى. وَأجِيب: بِأَن البُخَارِيّ لم يترجم على عدم مَشْرُوعِيَّة السّحُور، وَإِنَّمَا ترْجم على عدم إِيجَابه، وَأخذ من الْوِصَال عدم وجوب السّحُور. ٢٢٩١ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حَدثنَا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله ﵁ أنَّ النَّبِي ﷺ وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَنَاهُمْ قالُوا إنَّكَ توَاصِلُ قَالَ لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أظَلُّ أُطْعَمُ واسْقَى. مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (لِأَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه واصلوا) . وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَجُوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة وَهُوَ جوَيْرِية بن أَسمَاء بن عبيد الضبعِي الْبَصْرِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر. وَأخرجه مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الْوِصَال، قَالُوا: إِنَّك تواصل! قَالَ: إِنِّي لست كهيئتكم، إِنِّي أطْعم وأسقى) . قَوْله: (وَاصل) ، أَي: بَين الصومين فِي غير إفطار بِاللَّيْلِ، وواصل النَّاس، أَيْضا تبعا لَهُ، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. قَوْله: (فشق عَلَيْهِم) أَي: فشق الْوِصَال على النَّاس لمَشَقَّة الْجُوع والعطش. قَوْله: (فنهاهم) أَي: عَن الْوِصَال لما رأى مشقتهم. قَوْله: (إِنَّك مواصل) ، ويروى: (فَإنَّك تواصل) . قَوْله: (لست كهيئتكم) أَي: لسي حَالي مثل حالكم، وَيُقَال: لفظ الْهَيْئَة زَائِد، أَي: لست كأحدكم. قَوْله: (أظل) ، بِفَتْح الْهمزَة والظاء الْمُعْجَمَة من ظلّ يظل، يُقَال: ظللت أعمل كَذَا بِالْكَسْرِ ظلولاً إِذا عملته بِالنَّهَارِ دون اللَّيْل. فَإِن قلت: إِذا كَانَ لفظ ظلّ لَا يكون إلَاّ بِالنَّهَارِ، فَكيف يكون الْمَعْنى هُنَا؟ قلت: قد جَاءَ ظلّ أَيْضا بِمَعْنى صَار، قَالَ تَعَالَى: ﴿﴾ (النَّحْل: ٨٥) وَيجوز أَيْضا إِرَادَة الْوَقْت الْمُطلق لَا الْمُقَيد بِالنَّهَارِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لفظ: (أَبيت أطْعم وأسقى) ، وَيجوز أَن يكون: ظلّ، على بَابه، وَيكون الْمَعْنى: (أظل أطْعم وأسقى) لَا على صُورَة طَعَامكُمْ وسقيكم، لِأَن الله تَعَالَى يفِيض عَلَيْهِ مَا يسد مسد طَعَامه وَشَرَابه من حَيْثُ إِنَّه يشْغلهُ عَن إحساس الْجُوع والعطش، ويقويه على الطَّاعَة، ويحرسه عَن تَحْلِيل يُفْضِي إِلَى ضعف الْقوي وكلال الْحَواس. فَإِن قلت: هَل يجوز أَن يكون الْمَعْنى على ظَاهره بِأَن يرزقه طَعَاما وَشَرَابًا من الْجنَّة؟ قلت: قد قيل ذَلِك، وَلَا مَانع مِنْهُ لِأَنَّهُ أكْرم على الله من ذَلِك. فَإِن قلت: لَو كَانَ الْمَعْنى على حَقِيقَته لم يكن مواصلاً. قلت: طَعَام الْجنَّة وشرابها لَيْسَ كطعام الدُّنْيَا وشرابها، فَلَا يقطع الْوِصَال. وَقيل: هُوَ من خَصَائِصه لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد من الْأمة فَإِن قلت: مَا حِكْمَة النَّهْي فِيهِ؟ قلت: إيراث الضعْف وَالْعجز عَن الْمُوَاظبَة على كثير من وظائف الطَّاعَات وَالْقِيَام بحقوقها، وللعلماء فِيهِ اخْتِلَاف فِي أَنه نهى تَحْرِيم أَو تَنْزِيه، وَالظَّاهِر الأول. فَإِن قلت: هَل هُوَ نهي عَن عبَادَة فِي حق من أطاقها وحرص عَلَيْهَا؟ قلت: لَا، لِأَنَّهُ كَانَ خوفًا أَن يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى الْمُنَازعَة، لِأَنَّهُ كَانَ من خَصَائِصه، كَمَا قَالَ بَعضهم: فَإِن قلت: جَاءَ الْوِصَال عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَغَيرهم، فَفِي كتاب (الْأَوَائِل) للعسكري: كَانَ ابْن الزبير يواصل خَمْسَة عشر يَوْمًا حَتَّى تيبس أمعاؤه، فَإِذا كَانَ يَوْم فطره أَتَى بِسمن وصبر فيحساه حَتَّى لَا تنفتق الأمعاء، وَعَن عَامر بن عبد الله بن الزبير أَنه كَانَ يواصل لَيْلَة سِتّ عشرَة، وَلَيْلَة سبع عشرَة من رَمَضَان لَا يفرق بَينهمَا، وَيفْطر على السّمن، فَقيل لَهُ، فَقَالَ: السّمن يبل عروقي، وَالْمَاء يخرج من جَسَدِي. قلت: قَالَ ابْن عبد الْبر: أجمع الْعلمَاء على أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الْوِصَال، وَاخْتلفُوا فِي تَأْوِيله، فَقيل: نهى عَنهُ رفقا بهم، فَمن قدر على الْوِصَال فَلَا حرج عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لله، ، يدع طَعَامه وَشَرَابه، وَكَانَ عبد الله بن الزبير وَجَمَاعَة يواصلون الْأَيَّام، وَكَانَ أَحْمد وَإِسْحَاق لَا يكرهان الْوِصَال من سحر إِلَى سحرلا غير، وَكره

стр. 3104

أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَجَمَاعَة من أهل الْفِقْه والأثر الْوِصَال على كل حَال لمن قوي عَلَيْهِ وَلغيره، وَلم يجيزوا الْوِصَال لأحد لحَدِيث الْبَاب. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْوِصَال من خَصَائِص النَّبِي ﷺ ومحظور على أمته، وَذهب أهل الظَّاهِر إِلَى تَحْرِيمه. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : مَكْرُوه كَرَاهَة تَحْرِيم، وَقيل: كَرَاهَة تَنْزِيه، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَرُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة وَغَيرهم من تَرْكِهم الْأكل الْأَيَّام ذَوَات الْعدَد، وَكَانَ ذَلِك مِنْهُم على أنحاء شَتَّى، فَمنهمْ من كَانَ ذَلِك مِنْهُ لقدرته عَلَيْهِ فَيصْرف فطره إِلَى أهل الْفقر وَالْحَاجة، وَمِنْهُم من كَانَ يَفْعَله اسْتغْنَاء عَنهُ أَو كَانَت نَفسه قد اعتادته، كَمَا روى الْأَعْمَش عَن التَّيْمِيّ أَنه قَالَ: ربم ألبث ثَلَاثِينَ يَوْمًا مَا أطْعم من غير صَوْم، وَمَا يَمْنعنِي ذَلِك من حوائجي، وَقَالَ الْأَعْمَش: كَانَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يمْكث شَهْرَيْن لَا يَأْكُل، وَلكنه يشرب شربة من نَبِيذ، وَمِنْهُم من كَانَ يَفْعَله منعا لنَفسِهِ شهوتها مَا لم تَدعه إِلَيْهِ الضَّرُورَة، وَلَا يخَاف الْعَجز عَن أَدَاء وَاجِب عَلَيْهِ إِرَادَة قهرها وَحملهَا على الْأَفْضَل. ٣٢٩١ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ ﵁ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ تَسَحَّرُوا فإنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ورجاهل قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَابْن ماجة عَن أَحْمد بن عُبَيْدَة. وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَابْن عَبَّاس وَعَمْرو بن الْعَاصِ والعرباض بن سَارِيَة وَعتبَة بن عبد وَأبي الدَّرْدَاء. قلت: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَأبي أُمَامَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ والمقدام بن معدي كرب وَعَائِشَة وميسرة الْفجْر وَرجل آخر غير مُسَمّى. أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ مَرْفُوعا وموقوفاً بِلَفْظ حَدِيث أنس، وروى أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) عَنهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا بِالْبركَةِ فِي السّحُور والثريد) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ، قَالَ: (السّحُور بركَة والثريد بركَة وَالْجَمَاعَة بركَة) . وَأما حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ أَيْضا مَرْفُوعا وموقوفاً، وَقَالَ: الْمَوْقُوف أولى بِالصَّوَابِ، قَالَ شَيخنَا: هَكَذَا حَكَاهُ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَلم أره فِي (السّنَن الصُّغْرَى) وَلَا (الْكُبْرَى) . وَأما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَنهُ بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم وَفِيه مقَال. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه عَن عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (اسْتَعِينُوا بِطَعَام السحر على صِيَام النَّهَار، والقيلولة على قيام اللَّيْل) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . وَأما حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من طرق وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُوسَى بن عَليّ بِسَنَد. وَأما حَدِيث الْعِرْبَاض بن سَارِيَة فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ: (دَعَاني رَسُول الله ﷺ إِلَى السّحُور فِي رَمَضَان. فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاء الْمُبَارك) وَعند النَّسَائِيّ: (هلموا) ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَضَعفه ابْن الْقطَّان. وَأما حَدِيث: عتبَة بن عبد وَأبي الدَّرْدَاء فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) : عَنْهُمَا قَالَا: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (تسحرُوا من آخر اللَّيْل، وَكَانَ يَقُول: هُوَ الْغَدَاء الْمُبَارك) وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ ابْن عدي عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (تسحرُوا وَلَو بِشَربَة من مَاء، وأفطروا وَلَو على شربة من مَاء) ، وَفِي سَنَده حسن بن عبد الله بن حَمْزَة وَهُوَ مَتْرُوك. وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَأخْرجهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (تسحرُوا وَلَو بجرعة من مَاء) . وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر بن الْخطاب فَأخْرجهُ ابْن حبَان أَيْضا عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على المتسحرين) . وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُسْند الشاميين) عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي سحورها، تسحرُوا وَلَو بِشَربَة من مَاء، وَلَو بتمرة، وَلَو بحبات زبيب، فَإِن الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْكُم) وَفِيه مقَال. وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (السّحُور بركَة وَلَو أَن يجرع أحدكُم جرعة من مَاء فَإِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على المتسحرين) ، وَرَوَاهُ ابْن عدي أَيْضا عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (اللَّهُمَّ صل على المتسحرين، تسحرُوا وَلَو أَن يَأْكُل أحدكُم لقْمَة أَو يجرع جرعة مَاء) ، وَفِيه مقَال وَأما حَدِيث الْمُقدم بن معدي كرب فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (عَلَيْكُم بالسحور فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاء الْمُبَارك) ، وَرُوِيَ مُرْسلا

стр. 3105

أَيْضا وَأما حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَأخْرجهُ أَبُو يعلى فِي مُسْنده عَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " قرب إِلَيْنَا الْغذَاء الْمُبَارك يَعْنِي السّحُور وأولو آكله وَلَو حسوة فَإِنَّهَا اكلة بركَة وَهُوَ فصل بَين صومكم وَصَوْم النَّصَارَى " وَفِيه مقَال وَقَالَ الذَّهَبِيّ ميسرَة الْفجْر لَهُ صُحْبَة من أَعْرَاض الْبَصْرَة " قَالَ يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا " وَإِمَّا حَدِيث الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يسم فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث يحدث عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " دخلت على النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ يتسحر فَقَالَ إِنَّهَا بركَة أَعْطَاكُم الله إِيَّاهَا فَلَا تَدعُوهُ " وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات قَوْله " تسحرُوا " قد ذكرنَا أَنه أَمر ندب بِالْإِجْمَاع قَوْله " فِي السّحُور " قَالَ شَيخنَا ﵀ روينَا بِفَتْح السِّين وَضمّهَا وَهُوَ بِالضَّمِّ الْفِعْل وبالفتح اسْم مَا يتسحر بِهِ كَالْوضُوءِ والسعوط والحنوط وَنَحْوهَا قَوْله " بركَة " قد ذكرُوا فِيهَا معَان الأول إِنَّه يُبَارك باليسير مِنْهُ بِحَيْثُ يحصل بِهِ الْإِعَانَة على الصَّوْم وَيدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ َ - " وَلَو بجرعة مَاء وَلَو بتمرة " وَنَحْو ذَلِك وَيكون ذَلِك بالخاصية كَمَا بورك فِي الثَّرِيد وَالطَّعَام إِذا هدى فِي الْحَرَارَة واجتماع الْجَمَاعَة على الطَّعَام لقَوْله ﷺ َ - " اجْتَمعُوا على طَعَامكُمْ يُبَارك لكم فِيهِ " الثَّانِي يُرَاد بِالْبركَةِ نفي التبعة فِيهِ وَقد ذكر صَاحب الفردوس من حَدِيث أبي هُرَيْرَة " ثَلَاثَة لَا يُحَاسب عَلَيْهَا العَبْد اكلة السّحُور وَمَا أفطر عَلَيْهِ وَمَا أكل مَعَ الإخوان " الثَّالِث يُرَاد بِالْبركَةِ الْقُوَّة عَن الصّيام وَغَيره من أَعمال النَّهَار الرَّابِع يُرَاد بِالْبركَةِ الرُّخْصَة وَالصَّدَََقَة وَهُوَ الزِّيَادَة فِي الْأكل على الْأكل عِنْد الْإِفْطَار كَمَا كَانَ أَولا ثمَّ نسخ وَاصل الْبركَة فِي اللُّغَة الزِّيَادَة والنماء وَقَالَ عِيَاض قد تكون هَذِه الْبركَة مَا يتَّفق للمتسحر من ذكر أَو صَلَاة أَو اسْتِغْفَار وَغَيره من زيادات الْأَعْمَال الَّتِي لَوْلَا الْقيام للسحور لَكَانَ الْإِنْسَان نَائِما عَنْهَا وتاركاً لَهَا وتجديد النِّيَّة للصَّوْم ليخرج من الِاخْتِلَاف وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد هَذِه الْبركَة يجوز أَن تعودوا إِلَى الْأُمُور الأخروية فَإِن اتامة السّنة توجب الْأجر وزيادته وَيحْتَمل أَن تعود إِلَى الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة كقوة الْبدن على الصَّوْم وتيسيره من غير أضرار بالصائم قَالَ وَمِمَّا يُعلل بِهِ اسْتِحْبَاب السّحُور الْمُخَالفَة لأهل الْكتاب لِأَنَّهُ مُمْتَنع عِنْدهم وَهَذَا أحد الْوُجُوه الْمُقْتَضِيَة بِالزِّيَادَةِ فِي الأجور الأخروية بَاب إِذا نوى بِالنَّهَارِ صوما أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا نوى الْإِنْسَان بِالنَّهَارِ صوما وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره هَل يَصح أَولا وَإِنَّمَا لم يذكرُوا الْجَواب لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وَقَالَت أم الدَّرْدَاء كَانَ ابو الدَّرْدَاء يَقُول عنْدكُمْ طَعَام فَإِن قُلْنَا لَا قَالَ فَإِنِّي صَائِم يومي هَذَا) أم الدَّرْدَاء اسْمهَا خيرة بِسُكُون الْيَاء آخِره الْحُرُوف وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر الْأنْصَارِيّ تقدما فِي فضل الْفجْر فِي جمَاعَة وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة من طَرِيق ابي قلَابَة " أم الدَّرْدَاء قَالَت كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يَغْدُو أَحْيَانًا ضحى فَيسْأَل الْغَدَاء فَرُبمَا لم يُوَافقهُ عندنَا فَيَقُول إِذا أَنا صَائِم " وَفعله أَبُو طَلْحَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن الْعَبَّاس وَحُذَيْفَة ﵃ أَي فعل أَبُو طَلْحَة مِثْلَمَا فعل أَبُو الدَّرْدَاء وَاسم أبي طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ وَوصل أَثَره عبد الرَّزَّاق ن طَرِيق قَتَادَة وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق حميد كلهما عَن أنس وَلَفظ قَتَادَة " إِن أَبَا طَلْحَة كَانَ يَأْتِي أَهله فَيَقُول هَل من غذَاء فَإِن قَالُوا لَا صَامَ يَوْمه ذَلِك قَالَ قَتَادَة وَكَانَت معَاذ يَفْعَله " قَوْله " أَبُو هُرَيْرَة " عطف على قَوْله " أَبُو طَلْحَة " أَي وَفعله أَيْضا أَبُو هُرَيْرَة وَوصل أَثَره الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن أبي ذِئْب عَن عُثْمَان بن بن نجيح " عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَة يطوف بِالسوقِ ثمَّ يَأْتِي أَهله فَيَقُول عنْدكُمْ شَيْئا فَإِن قَالُوا لَا قَالَ فانا صَائِم " قَوْله " وَابْن عَبَّاس " أَي فعله ابْن عَبَّاس فوصل اثره الطَّحَاوِيّ

стр. 3106

من طَرِيق عَمْرو بن أبي عمر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه كَانَ يصبح حَتَّى يظْهر ثمَّ يَقُول: وَالله لقد أَصبَحت وَمَا أُرِيد الصَّوْم، وَمَا أكلت من طَعَام وَلَا شراب مُنْذُ الْيَوْم، ولأصومن يومي هَذَا. قَوْله: (وَحُذَيْفَة) أَي: وَفعله حُذَيْفَة فوصل أَثَره عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق سعيد بن عُبَيْدَة عَن أبي عبد الرحمان السّلمِيّ، قَالَ: (قَالَ حُذَيْفَة: من بدا لَهُ الصّيام بعد مَا تَزُول الشَّمْس فليصم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: (أَن حُذَيْفَة بدا لَهُ فِي الصَّوْم بعد مَا زلات الشَّمْس، فصَام) . وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن نوى الصَّوْم بعد طُلُوع الْفجْر الصَّادِق، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق: لَا يجوز صَوْم رَمَضَان إلَاّ بنية من اللَّيْل، وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة، وَقَالَ النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر: تجوز النِّيَّة فِي صَوْم رَمَضَان، وَالنّذر الْمعِين، وَصَوْم النَّفْل إِلَى مَا قبل الزَّوَال. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِيمَن أصبح يُرِيد الْإِفْطَار ثمَّ بدا لَهُ أَن يَصُوم تَطَوّعا، فَقَالَت طَائِفَة: لَهُ أَن يَصُوم مَتى مَا بدا لَهُ، فَذكر أَبَا الدَّرْدَاء وَأَبا طَلْحَة وَأَبا هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَأَبا أَيُّوب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ قَالَ: وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي نَقله ابْن الْمُنْذر عَن الشَّافِعِي من الْجَوَاز مُطلقًا، سَوَاء كَانَ قبل الزَّوَال أَو بعده هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ، وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ فِي مُعظم كتبه التَّفْرِقَة. وَقَالَ مَالك فِي النَّافِلَة: لَا يَصُوم إلَاّ أَن يبيت إلَاّ أَن كَانَ يسْرد الصَّوْم فَلَا يحْتَاج إِلَى التبييت؛ وَلَكِن الْمَعْرُوف عَن مَالك وَاللَّيْث وَابْن أبي ذِئْب أَنه لَا يَصح صِيَام التَّطَوُّع إلَاّ بنية من اللَّيْل. وَقَالَ مُجَاهِد: الصَّائِم بِالْخِيَارِ مَا بَينه وَبَين نصف النَّهَار فَإِذا جَاوز ذَلِك فَإِنَّمَا بَقِي لَهُ بِقدر مَا بَقِي من النَّهَار، وَقَالَ الشّعبِيّ: من أَرَادَ الصَّوْم فَهُوَ مُخَيّر مَا بَينه وَبَين نصف النَّهَار، وَعَن الْحسن: إِذا تسحر الرجل فقد وَجب عَلَيْهِ الصَّوْم، فَإِن أفطر فَعَلَيهِ الْقَضَاء، وَإِن هم بِالصَّوْمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر. وروى ابْن أبي شيبَة عَن الْمُعْتَمِر عَن حميد عَن أنس: (من حدث نَفسه بالصيام فَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا لم يتكمل حَتَّى يَمْتَد النَّهَار) . وَقَالَ سُفْيَان بن سعيد وَأحمد بن حَنْبَل: من أصبح وَهُوَ يَنْوِي الْفطر إلَاّ أَنه لم يَأْكُل وَلم يشرب وَلَا وطىء فَلهُ أَن يَنْوِي الصَّوْم مَا لم تغب الشَّمْس، وَيصِح الصَّوْم. ٤٢٩١ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَة بنِ الأكْوَع ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً يُنادهي فِي النَّاسَ يَوْمَ عاشورَاءَ أنَّ مَنْ أكَلَ فَلْيُتِمَّ أوْ فَلْيَصُمْ ومَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي جَوَاز نِيَّة الصَّوْم بِالنَّهَارِ لِأَن قَوْله: (فليتم) . وَقَوله: (فَلَا يَأْكُل) يدلان على جَوَاز النِّيَّة بِالصَّوْمِ فِي النَّهَار، وَلم يشْتَرط التَّبْيِين، وَهَذَا الحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ وَهُوَ خَامِس الثلاثيات لَهُ، وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد بتصغير العَبْد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، وَاسم الْأَكْوَع سِنَان بن عبيد الله. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مكي بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه فِي خبر الْوَاحِد عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع) وَفِي رِوَايَة يحيى الْقطَّان (عَن يزِيد بن أبي عبيد حَدثنَا سَلمَة بن الْأَكْوَع) كَمَا سَيَأْتِي فِي خبر الْوَاحِد. قَوْله: (بعث رجلا يُنَادي فِي النَّاس) وَفِي رِوَايَة يحيى: (قَالَ لرجل من أسلم: أذن فِي قَوْمك) . وَاسم هَذَا الرجل: هِنْد بن أَسمَاء بن حَارِثَة الْأَسْلَمِيّ، وَأخرج حَدِيثه أَحْمد وَابْن أبي حيثمة من طَرِيق ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر (عَن خبيب بن هِنْد بن أَسمَاء الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ إِلَى قومِي من أسلم فَقَالَ: مُرقومك أَن يَصُومُوا هَذَا الْيَوْم، يَوْم عَاشُورَاء، فَمن وجدته مِنْهُم قد أكل فِي أول يَوْمه فليصم آخِره) . وَقد احْتج أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث، وَبِحَدِيث الْبَاب على صِحَة الصّيام لمن لم ينوِ من اللَّيْل، سَوَاء كَانَ رَمَضَان أَو غَيره لِأَنَّهُ ﷺ أَمر بِالصَّوْمِ فِي أثْنَاء النَّهَار، فَدلَّ على أَن النِّيَّة لَا تشْتَرط من اللَّيْل، وَقَالَ بَعضهم: وَأجِيب بِأَن ذَلِك يتَوَقَّف على أَن صِيَام يَوْم عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبا، وَالَّذِي يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء أَنه لم يكن فرضا. انْتهى. قلت: روى الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: كَانَ يَوْم عَاشُورَاء يَوْمًا

стр. 3107

تصومه قُرَيْش من الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ، ﵊، يَصُومهُ، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة صَامَهُ وَأمر بصيامه، فَلَمَّا فرض رَمَضَان. قَالَ: من شَاءَ صَامَهُ وَمن شَاءَ تَركه) . فَهَذَا الحَدِيث يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء كَانَ فرضا، وَعَن عَائِشَة وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَجَابِر بن سَمُرَة: أَن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء كَانَ فرضا قبل أَن يفْرض رَمَضَان، فَلَمَّا فرض رَمَضَان فَمن شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ ترك، ذكره ابْن شَدَّاد فِي أَحْكَامه. (وَعَن النَّبِي ﷺ أَنه أرسل إِلَى قرى الْأَنْصَار الَّتِي حول الْمَدِينَة: من كَانَ أصبح صَائِما فليتم صَوْمه، وَمن كَانَ أصبح مُفطرا فليصم بَقِيَّة يَوْمه، وَمن لم يكن أكل فليصم) . مُتَّفق عَلَيْهِ، وَكَانَ صوما وَاجِبا متعنياً. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، ﵀: فَفِي هَذِه الأثار وجوب صَوْم عَاشُورَاء، وَفِي أمره، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، بصومه بَعْدَمَا أَصْبحُوا، وَأمره بالإمساك بعد مَا أكلُوا دَلِيل على وُجُوبه، إِذا لَا يَأْمر، ﷺ ، فِي النَّفْل بالإمساك إِلَى آخر النَّهَار بعد الْأكل، وَلَا بصومه لمن لم يصمه. وَفِيه دَلِيل أَيْضا على أَن من كَانَ عَلَيْهِ صَوْم يَوْم بِعَيْنِه وَلم يكن نوى صَوْمه من اللَّيْل تجزيه النِّيَّة بعد مَا أصبح، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه كَانَ فرضا وَنسخ بِصَوْم رَمَضَان. فَإِن قلت: يُعَارض مَا ذكرْتُمْ حَدِيث مُعَاوِيَة (أَنه قَالَ على الْمِنْبَر: يَا أهل الْمَدِينَة: أَيْن عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول هَذَا يَوْم عَاشُورَاء، لم يكْتب الله عَلَيْكُم صايمه فَمن شَاءَ فليصم وَمن شَاءَ فليفطر، وَأَنا صَائِم) . قلت: بعد النّسخ لم يبْق مَكْتُوبًا علينا، وَلِأَن الْمُثبت أولى من النَّافِي، وَقَالَ الْقَائِل الْمَذْكُور: وَالَّذِي يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء أَنه، أَي: إِن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء لم يكن فرضا، وعَلى تَقْدِير أَنه كَانَ فرضا فقد نسخ بِلَا ريب، فقد نسخ حكمه وشرائطه. انْتهى. قلت: هَذَا مُكَابَرَة فَلَا يتَرَجَّح من أَقْوَال الْعلمَاء إلَاّ إِن كَانَ فرضا، لما ذكرنَا من الدَّلَائِل، وَقَوله: فنسخ حكمه وشرائطه غير صَحِيح، أَلا ترى أَن التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس قد نسخ وَلم تنسخ سَائِر أَحْكَام الصَّلَاة وشرائطها؟ وَقَوله: وَأمره بالإمساك لَا يسْتَلْزم الْأَجْزَاء، لِأَن الْأَمر بالإمساك يحْتَمل أَن يكون لحُرْمَة الْوَقْت. قلت: الِاحْتِمَال إِذا كَانَ ناشئاً عَن غير دَلِيل لَا يعْتَبر بِهِ فبالاحتمال الْمُطلق لَا يثبت الحكم وَلَا يَنْفِي، ثمَّ اسْتدلَّ هَذَا الْقَائِل فِي قَوْله: الْأَمر بالإمساك لَا يسْتَلْزم الْأَجْزَاء بقوله: كَمَا يُؤمر من قدم من سفر فِي رَمَضَان نَهَارا، وكما يُؤمر من أفطر يَوْم الشَّك، ثمَّ رُؤِيَ الْهلَال، وكل ذَلِك لَا يُنَافِي أَمرهم بِالْقضَاءِ بل قد ورد ذَلِك صَرِيحًا فِي حَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق قَتَادَة عَن عبد الرَّحْمَن بن سَلمَة عَن عَمه: (إِن أم أسلم أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَ: صمتم يومكم هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأتمُّوا بَقِيَّة يومكم واقضوه) . قلت: هَذَا الْقيَاس بَاطِل، لِأَن الرمضانية متعينة فِي الصُّورَة الأولى، ونفيت فِي الثَّانِيَة، فَكيف لَا يُؤمر بِالْقضَاءِ بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ. والْحَدِيث الَّذِي قوَّى كَلَامه بِهِ غير صَحِيح من وُجُوه. الأول: إِن النَّسَائِيّ أخرجه وَلم يذكر واقضوه، وَقَالَ عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام الْكُبْرَى) وَلَا يَصح هَذَا الحَدِيث فِي الْقَضَاء، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : لَفْظَة: واقضوا، مَوْضُوعه بِلَا شكّ. الثَّانِي: إِن الْبَيْهَقِيّ قَالَ عبد الرَّحْمَن: هَذَا مَجْهُول ومختلف فِي اسْم أَبِيه، وَلَا يدْرِي من عَمه، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: قيل عبد الرحمان بن مسلمة، كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد. وَقيل: ابْن سَلمَة، وَقيل: ابْن الْمنْهَال بن سَلمَة، وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عبد الرحمان بن الْمنْهَال بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ عَن عَمه: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأسلم: صُومُوا الْيَوْم، قَالُوا: إِنَّا قد أكلنَا، قَالَ: صُومُوا بَقِيَّة يومكم، يَعْنِي عَاشُورَاء) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أخرجهَا ابْن حزم أَيْضا عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة (عَن عبد الرحمان بن مسلمة الْخُزَاعِيّ عَن عَمه، قَالَ: غدونا على رَسُول الله ﷺ صَبِيحَة عَاشُورَاء، فَقَالَ لنا: أَصْبَحْتُم صياما؟ قُلْنَا: قد تغدينا يَا رَسُول الله! فَقَالَ: فصوموا بَقِيَّة يومكم، وَلم يَأْمُرهُم بِالْقضَاءِ) . الثَّالِث: أَن شُعْبَة قَالَ: كنت أنظر إِلَى فَم قَتَادَة، فَإِذا قَالَ: حدثن كتبت، وَإِذا قَالَ: عَن فلَان) أَو قَالَ: فلَان لم أكبه، وَهُوَ مُدَلّس دلّس عَن مجهولين، وَقَالَ الْكَرَابِيسِي وَغَيره: فَإِذا قَالَ المدلس: حَدثنَا، يكون حجَّة، وَإِذا قَالَ: فلَان قَالَ، أَو: عَن فلَان، لَا يكون حجَّة، فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ، فَإِذا كَانَت الرِّوَايَة، يَعْنِي عَن الثِّقَة الْمَعْرُوف بِالْحِفْظِ والضبط، لَا تكون حجَّة فَكيف تكون حجَّة؟ وَقد رَوَاهُ عَن مَجْهُول؟ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: رِوَايَة: واقضوا، قَاطِعَة لحجة الْمُخَالف، وَنَصّ مَا يَقُوله الْجُمْهُور وجوب اعْتِبَار النِّيَّة من اللَّيْل، وَأَن نِيَّته من النَّهَار غير مُعْتَبرَة ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَيفَ يحْتَج بِمَا لَيْسَ بِحجَّة على خَصمه مَعَ علمه، ويعتقد أَنه يخفي، وَذكر مَا ذكرنَا من الْوُجُوه، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَاحْتج الْجُمْهُور

стр. 3108

لاشْتِرَاط النِّيَّة فِي الصَّوْم من اللَّيْل بِمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث عبد الله بن عمر عَن أُخْته حَفْصَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من لم يبيت الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ) ، لفظ النَّسَائِيّ، وَلأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: (من لم يجمع الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ) ، وَاخْتلف فِي رَفعه وَوَقفه، وَرجح التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ الْمَوْقُوف بعد أَن أطنب فِي تَخْرِيج طرقه، وَحكى التِّرْمِذِيّ فِي الْعِلَل عَن البُخَارِيّ تَرْجِيح وَقفه، وَعمل بِظَاهِر الْإِسْنَاد جمَاعَة من الْأَئِمَّة فصححوا الحَدِيث الْمَذْكُور مِنْهُم ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحكم وَابْن حزم، وروى لَهُ الدَّارَقُطْنِيّ طَرِيقا أُخْرَى، وَقَالَ: رجالها ثِقَات، وَأبْعد من خصّه من الْحَنَفِيَّة بصيام الْقَضَاء وَالنّذر، وَأبْعد من ذَلِك تَفْرِقَة الطَّحَاوِيّ بَين صَوْم الْفَرْض إِذا كَانَ فِي يَوْم بِعَيْنِه كعاشوراء، فتجزي النِّيَّة فِي النَّهَار أَولا فِي يَوْم بِعَيْنِه كرمضان، فَلَا يَجْزِي، إلَاّ بنية من اللَّيْل، وَبَين صَوْم التَّطَوُّع فيجزي فِي اللَّيْل، وَفِي النَّهَار، وَقد تعقبه إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ كَلَام غث لَا أصل لَهُ. انْتهى. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَفْصَة حَدِيث لَا نعرفه مَرْفُوعا إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، يَعْنِي من الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن حَفْصَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من لم يجمع الصيم قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ) ، وَفِي بعض النّسخ: تفرد بِهِ يحيى بن أَيُّوب، قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَوْله وَهُوَ أصح، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن الْأَزْهَر عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن ابْن شهَاب، وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَرِوَايَة حَمْزَة الصَّوَاب عندنَا مَوْقُوف وَلم يَصح رَفعه، لِأَن يحيى بن أَيُّوب لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَحَدِيث ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ غير مَحْفُوظ. وَالله أعلم. وَقَالَ شَيخنَا: وَأما الْمَوْقُوف الَّذِي ذكر التِّرْمِذِيّ أَنه أصح فقد رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) كَذَلِك عَن نَافِع عَن ان عمر قَوْله: وَمن طَرِيقه رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَوْله: وَقد جَاءَ من طرق مَوْقُوفا على حَفْصَة، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة، وَمن رِوَايَة يُونُس وَمعمر وَابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن أَبِيه عَن حَفْصَة. وَمن رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة عَن حَفْصَة لم يذكر ابْن عمر، وَمن طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عَائِشَة وَحَفْصَة، رَضِي الله تعال عَنْهُمَا، قَوْلهمَا مُرْسلا. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عِنْد حَدِيث رَوَاهُ إِسْحَاق بن حَازِم عَن عبد الله ابْن أبي بكر عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة مَرْفُوعا: (لَا صِيَام لمن لم ينومن اللَّيْل) ، وَرَوَاهُ يحيى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن حَفْصَة مَرْفُوعا، قلت لَهُ: أَيهمَا أصح؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، لِأَن عبد الله بن أبي بكر أدْرك سالما وروى عَنهُ، وَلَا أَدْرِي سمع هَذَا الحَدِيث مِنْهُ أَو سَمعه من الزُّهْرِيّ عَن سَالم؟ وَقد رُوِيَ هَذَا عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن حَفْصَة قَوْلهَا، وَهُوَ عِنْدِي أشبه. وَقَالَ أَبُو عمر: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اضْطِرَاب. وَفِيه يحيى بن أَيُّوب الغافقي، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَالصَّوَاب فِي: مَوْقُوف، وَلذَلِك لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ، وَذكره أَبُو الْفرج فِي الضُّعَفَاء والمتروكين. وَقَالَ أَحْمد هُوَ سيء الْحِفْظ وهم يردون الحَدِيث بِأَقَلّ من هَذَا، وَالْجرْح مقدم على التَّعْدِيل، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول الدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ من الثِّقَات الرفعاء. وَأما قَول هَذَا الْقَائِل: وَأبْعد من خصّه من الْحَنَفِيَّة بصيام الْقَضَاء وَالنّذر، فَكَلَام سَاقِط لَا طائل تَحْتَهُ، لِأَن من لم يخص هَذَا الحَدِيث بصيام الْقَضَاء وَالنّذر الْمُطلق، وَصَوْم الْكَفَّارَات يلْزم مِنْهُ النّسخ لمُطلق الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد، فَلَا يجوز ذَلِك، بَيَانه أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿﴾ إِلَى قَوْله: ﴿﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) مُبِيح للْأَكْل وَالشرب وَالْجِمَاع فِي ليَالِي رَمَضَان إِلَى طُلُوع الْفجْر، ثمَّ الْأَمر بالصيام عَنْهَا بعد طُلُوع الْفجْر مُتَأَخّر عَنهُ، لِأَن كلمة: ثمَّ، للتعقيب مَعَ التَّرَاخِي، فَكَانَ هَذَا أمرا بالصيام متراخياً عَن أول النَّهَار، وَالْأَمر بِالصَّوْمِ أَمر بِالنِّيَّةِ إِذْ لَا صَوْم شرعا بِدُونِ النِّيَّة، فَكَانَ أمرا بِالصَّوْمِ بنية مُتَأَخِّرَة عَن أول النَّهَار، وَقد أَتَى بِهِ، فَيخرج عَن الْعهْدَة. وَفِيه: دلَالَة أَن الْإِمْسَاك فِي أول النَّهَار يَقع صوما، وُجدت فِيهِ النِّيَّة أَو لم تُوجد، لِأَن إتْمَام الشَّيْء يقتضى سَابِقَة وجود بعض شَيْء مِنْهُ، فَإِذا شرطنا النِّيَّة فِي أول اللَّيْل بِخَبَر الْوَاحِد يكون نسخا لمُطلق الْكتاب، فَلَا يجوز ذَلِك، فحينئذٍ يحمل ذَلِك على الصّيام

стр. 3109

الْخَاص الْمعِين، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، لِأَن مَشْرُوع الْوَقْت فِي هَذَا متنوع، فَيحْتَاج إِلَى التَّعْيِين بِالنِّيَّةِ، بِخِلَاف شهر رَمَضَان لِأَن الصَّوْم فِيهِ غير متنوع، فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّعْيِين، وَكَذَلِكَ النّذر الْمعِين فَهَذَا هُوَ السِّرّ الْخَفي فِي هَذَا التَّخْصِيص الَّذِي استبدعه من لَا وقُوف لَهُ على دقائق الْكَلَام، ومدارك اسْتِخْرَاج الْمعَانِي من النُّصُوص، وَلم يكتف الْمُدَّعِي بعد هَذَا الْكَلَام لبعد إِدْرَاكه حَتَّى ادّعى الأبعدية فِي تَفْرِقَة الطَّحَاوِيّ بَين صَوْم الْفَرْض وَصَوْم التَّطَوُّع، فَهَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَة لِأَن حَامِل الطَّحَاوِيّ على هَذِه التَّفْرِقَة مَا رَوَاهُ مُسلم، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، (قَالَت: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم: يَا عَائِشَة ﴿هَل عنْدكُمْ شَيْء؟ قَالَت: فَقلت: لَا يَا رَسُول الله مَا عندنَا شَيْء﴾ قَالَ: فَإِنِّي صَائِم) ، وبنحوه روى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأبي طَلْحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل نقل عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ كلَاما لَا يُوجد أسمج مِنْهُ، لِأَن من يتعقب كَلَام أحد إِن لم يذكر وَجهه بِمَا يقبله الْعلمَاء، يكون كَلَامه هُوَ غثاء لَا أصل لَهُ، وَأجَاب بعض أَصْحَابنَا عَن الحَدِيث الْمَذْكُور، أَعنِي: حَدِيث حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بعد التَّسْلِيم بِصِحَّتِهِ وسلامته عَن الِاضْطِرَاب بِأَنَّهُ مَحْمُول على نفي الْفَضِيلَة والكمال، كَمَا فِي قَوْله ﷺ : (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إلَاّ فِي الْمَسْجِد) .

стр. 3110

٢٢ - (بابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم حَال كَونه يصبح جنبا، هَل يَصح صَوْمه أم لَا؟ وَأطلق التَّرْجَمَة للْخلاف الْمَوْجُود فِيهِ. ٦٢٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عَن سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامِ بنِ الْمُغِيرَةِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ كُنتُ أنَا وَأبي حينَ دَخَلْنَا عَلَى عائِشَةَ وأمِّ سَلَمَةَ (ح) حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبَرَنِي أبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنَّ أباهُ عَبْدَ الرَّحْمانِ أخْبَرَ مَرْوَانَ أنَّ عائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ أخْبَرَتاهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهْوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ويَصُومُ وقالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ أُقْسِمُ بِاللَّه لَتُقَرِّعَنَّ بِها أبَا هُرَيْرَةَ ومَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ فَكَرِهَ ذلِكَ عَبْدُ الرَّحْمانِ ثُمَّ قدِّرَ لَنا أنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الحُلَيفَةِ وكَانَتْ لأِبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أرْضٌ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ لأِبِي هُرَيْرَةَ إنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أمْرا ولَوْلَا مَرْوَانُ أقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أذْكُرْهُ لَكَ فذَكَرَ قَوْلَ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ كذلِكَ حدَّثني الْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ وهوَ أعْلَمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر وَهُوَ جنب) . ذكر رِجَاله وهم عشرَة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس، الثَّالِث: سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي الْأَذَان. الرَّابِع: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي، رَاهِب قُرَيْش، مر فِي الصَّلَاة. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي، ابْن عَم عِكْرِمَة بن أبي جهل بن هِشَام، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين. السَّادِس: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. السَّابِع: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّامِن: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. التَّاسِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. الْعَاشِر: أم الْمُؤمنِينَ أم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة

стр. 3111

الْإِفْرَاد فِي موضِعين، وبصيغة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَبُو الْيَمَان وَشُعَيْب حمصيان والبقية كلهم مدنيون. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين وهم: أَبُو بكر وَأَبوهُ عبد الرَّحْمَن وَالزهْرِيّ ومروان. ذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ: فِيهِ اخْتِلَاف كثير جدا على أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره، وَقد اخْتلف فِيهِ على الزُّهْرِيّ أَيْضا. فَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَحَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَنْهَا بِمَعْنَاهُ، وَقد اخْتلف فِيهِ على الشّعبِيّ أَيْضا، وَحَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة فِيهِ قصَّة لم يذكرهَا التِّرْمِذِيّ، وَذكرهَا مُسلم من طَرِيق ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن أبي بكر، قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يقص، يَقُول فِي قصصه: من أدْركهُ الْفجْر حنبا فَلَا يصم. قَالَ: فَذكر ذَلِك أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث لِأَبِيهِ، فَأنْكر ذَلِك، فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن وَانْطَلَقت مَعَه حَتَّى دَخَلنَا على عَائِشَة وَأم سَلمَة، فَسَأَلَهُمَا عبد الرَّحْمَن عَن ذَلِك فكلتاهما قَالَت: كَانَ النَّبِي ﷺ يصبح جنبا من غير حلم ثمَّ يَصُوم. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلنَا على مَرْوَان، فَذكر ذَلِك لَهُ عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ مَرْوَان: عزمت عَلَيْهِ إلَاّ مَا ذهبت إِلَى أبي هُرَيْرَة فَرددت عَلَيْهِ مَا يَقُول، فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَة، وَأَبُو بكر حَاضر ذَلِك كُله، قَالَا: فَذكر ذَلِك لَهُ عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة لَهما: قالتاه لَك؟ قَالَ: نعم قَالَ: هما أعلم، ثمَّ رد أَبُو هُرَيْرَة مَا كَانَ يَقُول فِي ذَلِك إِلَى الْفضل بن عَبَّاس، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: سَمِعت ذَلِك من الْفضل، وَلم أسمعهُ من النَّبِي ﷺ ، قَالَ: فَرجع أَبُو هُرَيْرَة عَمَّا كَانَ يَقُول من ذَلِك) الحَدِيث، هَكَذَا ذكره مُسلم لم يرفع قَول أبي هُرَيْرَة، وَقد رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أدْركهُ الصُّبْح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ) . وَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ، وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ أخصر مِنْهُ من رِوَايَة ابْن شهَاب إِلَى قَوْله: (كَذَلِك حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس، وَهُوَ أعلم) ، وَفِي رِوَايَة للنسائي من رِوَايَة أبي عِيَاض عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث بن هِشَام، فَأَتَاهُ فَأخْبرهُ، قَالَ: هن أعلم يُرِيد أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَلم يذكر أَبُو هُرَيْرَة فِي هَذِه الرِّوَايَة من حَدثهُ، وَهَكَذَا النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عَن عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده أَن عَائِشَة أخْبرته: لَيْسَ فِيهِ ذكر أم سَلمَة، وَفِيه: فَذهب عبد الرَّحْمَن فَأخْبرهُ، بذلك قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَهِيَ أعلم برَسُول الله ﷺ منا، إِنَّمَا كَانَ أُسَامَة بن زيد حَدثنِي ذَلِك، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَن الْمخبر لأبي هُرَيْرَة أُسَامَة، وَقد تقدم أَنه الْفضل، وَفِي رِوَايَة للنسائي أخبرنيه مخبر، وَفِي رِوَايَة لَهُ: فَقَالَ: هَكَذَا كنت أَحسب، وَلم يحكه عَن أحد، وَفِي رِوَايَة للنسائي من رِوَايَة الحكم عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ: عَائِشَة إِذا أعلم برَسُول الله ﷺ ، وَلابْن حبَان من رِوَايَة عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه فَقَالَ هما أعلم يُرِيد عَائِشَة وَأم سَلمَة وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: هَكَذَا حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس وَهن أعلم. وَفِيه: أَيْضا من الِاخْتِلَاف مَا يَقْتَضِي أَن عبد الرَّحْمَن لم يشافه عَائِشَة، وَأم سَلمَة بالسؤال عَن ذَلِك، فَفِي النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي عِيَاض، (عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، قَالَ: أَرْسلنِي مَرْوَان إِلَى عَائِشَة فأتيتها، فَلَقِيت غلامها ذكْوَان فأرسلته إِلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك. وَفِيه: (فأرسلني إِلَى أم سَلمَة فَلَقِيت غلامها نَافِعًا فأرسلته إِلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك) الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا أَن عبد الرَّحْمَن شافهها بالسؤال أَكثر وَأَصَح، وَمَعَ هَذَا فَيجوز أَن يكون أرسل الْمولى أَولا ثمَّ أَتَى هُوَ فشافهته، أَو أَن الْمولى كَانَ وَاسِطَة فِي الدُّخُول عَلَيْهَا مَعَ عبد الرَّحْمَن. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَحدثنَا أَبُو الْيَمَان) ، عطف على قَوْله: (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة) ، فَأخْرجهُ من طَرِيقين. وَأخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة السِّتَّة خلا ابْن مَاجَه من طرق عديدة. قَوْله: (كنت أَنا وَأبي حَتَّى دَخَلنَا على عَائِشَة وَأم سَلمَة) ، هَكَذَا أوردهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الطَّرِيق من رِوَايَة مَالك مُخْتَصرا، ثمَّ ذكر الطَّرِيق الثَّانِي: عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الله، وَرُبمَا يظنّ ظان أَن سياقهما وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ يذكر لفظ مَالك بَعْدَمَا بَين، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر مَرْوَان وَلَا قصَّة أبي هُرَيْرَة، نعم قد رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن سمي مطولا، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن عبد ربه بن سعيد عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن

стр. 3112

مُخْتَصرا، وَأخرجه مُسلم من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن عبد ربه بن سعيد عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام (عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة زَوْجَتي النَّبِي ﷺ أَنَّهُمَا قَالَتَا: إِن كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، ليُصبح جنبا من جماع غير احْتِلَام فِي رَمَضَان ثمَّ يَصُوم) . قَوْله: (إِن أَبَاهُ عبد الرَّحْمَن أخبر مَرْوَان) هُوَ مَرْوَان بن عبد الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي، أَبُو عبد الْملك، ولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وَقيل: بِأَرْبَع، وَلم يَصح لَهُ سَماع من النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ مَالك: ولد يَوْم أحد، وَقيل: يَوْم الخَنْدَق، وَقيل: ولد بِمَكَّة، وَقيل: بِالطَّائِف وَلم ير النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل لما نفى النَّبِي ﷺ أَبَاهُ الحكم، وَكَانَ مَعَ أَبِيه حَتَّى اسْتخْلف عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فردهما واستكتب عُثْمَان مَرْوَان وضمه إِلَيْهِ، وَاسْتَعْملهُ مُعَاوِيَة على الْمَدِينَة وَمَكَّة والطائف، ثمَّ عَزله عَن الْمَدِينَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين، وَلما مَاتَ مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَلم يعْهَد إِلَى أحد بَايع النَّاس بِالشَّام مَرْوَان بالخلافة، ثمَّ مَاتَ، وَكَانَت خِلَافَته تِسْعَة أشهر، مَاتَ فِي رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى مُسلم. قَوْله: (كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر وَهُوَ جنب) أَي: وَالْحَال أَنه جنب من أَهله، ثمَّ يغْتَسل ويصوم، وَفِي رِوَايَة يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن عَائِشَة: كَانَ يُدْرِكهُ الْفجْر فِي رَمَضَان من غير حلم) ، وَسَيَأْتِي بعد بَابَيْنِ. وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن أَبِيه عَنْهَا: كَانَ يصبح جنبا من غير احْتِلَام ثمَّ يَصُوم ذَلِك الْيَوْم) . وَفِي لفظ لَهُ: (كَانَ يصبح جنبا مني فيصوم ويأمرني بالصيام) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا فَائِدَتَانِ: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يُجَامع فِي رَمَضَان وَيُؤَخر الْغسْل إِلَى بعد طُلُوع الْفجْر بَيَانا للْجُوَاز. وَالثَّانيَِة: أَن ذَلِك كَانَ من جماع لَا من احْتِلَام، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَحْتَلِم، إِذْ الِاحْتِلَام من الشَّيْطَان وَهُوَ مَعْصُوم مِنْهُ قيل فِي قَول عَائِشَة من غير احْتِلَام إِشَارَة إِلَى جَوَاز الِاحْتِلَام عَلَيْهِ وَإِلَّا لما كَانَ لاستثنائه معنى ورد بِأَن الِاحْتِلَام من الشَّيْطَان وَهُوَ مَعْصُوم عَنهُ، وَلَكِن الِاحْتِلَام يُطلق على الْإِنْزَال، وَقد يَقع الْإِنْزَال من غير رُؤْيَة شَيْء فِي الْمَنَام. قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث: أقسم بِاللَّه لتقرعن بهَا أَبَا هُرَيْرَة) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عِكْرِمَة بن خَالِد (عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن: إلقَ أَبَا هُرَيْرَة فحدثه بِهَذَا، فَقَالَ: إِنَّه لجاري وَإِنِّي لأكْره أَن استقبله بِمَا يكره، فَقَالَ: أعزم عَلَيْك لتلقينه) ، وَمن طَرِيق عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن لمروان: غفر الله لَك، إِنَّه لي صديق وَلَا أحب أَن أرد عَلَيْهِ) قَوْله: (وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يُفْتى أَن من أصبح جنبا أفطر ذَلِك الْيَوْم) ، على مَا رَوَاهُ مَالك عَن سمي (عَن أبي بكر أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول: من أصبح جنبا أفطر ذَلِك الْيَوْم) ، وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق المَقْبُري: (كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُفْتِي النَّاس: أَن من أصبح جنبا فَلَا يَصُوم ذَلِك الْيَوْم) ، وَإِلَيْهِ كَانَ يذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعُرْوَة بن الزبير وطاووس، وَلَكِن أَبَا هُرَيْرَة لم يثبت على قَوْله هَذَا حَيْثُ رد الْعلم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة إِلَى عَائِشَة، فَقَالَ: عَائِشَة أعلم مني، أَو قَالَ: أعلم بِأَمْر رَسُول الله ﷺ منِّي. وَقَالَ أَبُو عمر: روى عَن أبي هُرَيْرَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان الرُّجُوع عَن ذَلِك، وَحَكَاهُ الْحَازِمِي عَن سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْخطابِيّ وَابْن الْمُنْذر: أحسن مَا سَمِعت من خبر أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه مَنْسُوخ، لِأَن الْجِمَاع كَانَ محرما على الصَّائِم بعد النّوم، فَلَمَّا أَبَاحَ الله تَعَالَى الْجِمَاع إِلَى طُلُوع الْفجْر جَازَ للْجنب إِذا أصبح قبل أَن يغْتَسل أَن يَصُوم لارْتِفَاع الْحَظْر، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُفْتِي بِمَا سَمعه من الْفضل على الْأَمر الأول وَلم يعلم بالنسخ، فَلَمَّا سمع خبر عَائِشَة وَأم سَلمَة رَجَعَ إِلَيْهِ. قَوْله: (لتفزعن) ، بِالْفَاءِ وَالزَّاي من الْفَزع وَهُوَ الْخَوْف، أَي: لتخيفنه بِهَذِهِ الْقِصَّة الَّتِي تخَالف فتواه، وَقد أكد هَذَا بِاللَّامِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة، وَهَذَا كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (تقرعن) ، من القرع بِالْقَافِ وَالرَّاء أَي لتقرعن أَبَا هُرَيْرَة بِهَذِهِ الْقِصَّة، يُقَال: قرعت بِكَذَا، سمْعَ فلَان: إِذا أعلمته إعلاما صَرِيحًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى (لتعرفن) ، من التَّعْرِيف. قَوْله: (ومروان يَوْمئِذٍ على الْمَدِينَة) ، أَي: حَاكما عَلَيْهَا من جِهَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (فكره ذَلِك عبد الرَّحْمَن) ، أَي: فكره عبد الرَّحْمَن فعل مَا قَالَه مَرْوَان من قرع أبي هُرَيْرَة وإفزاعه فِيمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ. قَوْله: (ثمَّ قدر لنا) أَي: قَالَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن: ثمَّ بعد ذَلِك قدر الله لنا الِاجْتِمَاع بِذِي الحليفة، وَهُوَ الْموضع الْمَعْرُوف، وَهُوَ مِيقَات أهل الْمَدِينَة وَكَانَ لأبي هُرَيْرَة هُنَالك أَي: فِي ذِي الحليفة أَرض، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة هُنَاكَ فِي ذَلِك الْوَقْت. فَإِن قلت: فَفِي رِوَايَة مَالك:

стр. 3113

(فَقَالَ مَرْوَان لعبد الرَّحْمَن: أَقْسَمت عَلَيْك لتركبن دَابَّتي فَإِنَّهَا بِالْبَابِ، ولتذهبن إِلَى أبي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه، فَركب عبد الرَّحْمَن وَركبت مَعَه) ، أَي: قَالَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن: وَركبت مَعَ عبد الرَّحْمَن، فَهَذِهِ تخَالف رِوَايَة الْكتاب، فَإِن العقيق غير ذِي الحليفة، لِأَن العقيق وَاد بِظَاهِر الْمَدِينَة مسيل للْمَاء، وَهُوَ الَّذِي ورد ذكره فِي الحَدِيث أَنه وادٍ مبارك، وكل مسيل شقَّه مَاء السَّيْل فَهُوَ عقيق، وَالْجمع أعقة. قلت: لَا تخَالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ من حَيْثُ إِن أَبَا هُرَيْرَة كَانَت لَهُ أَرض أَيْضا بالعقيق، فَالظَّاهِر أَن أَبَا بكر وأباه عبد الرَّحْمَن قصدا أَبَا هُرَيْرَة للاجتماع لَهُ امتثالاً لأمر مَرْوَان، فَأتيَا إِلَى العقيق بِنَاء على أَنه هُنَاكَ فَلم يجداه، فذهبا إِلَى ذِي الحليفة فوجداه هُنَاكَ. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر: فَقَالَ مَرْوَان: عزمت عَلَيْكُمَا لما ذهبتما إِلَى أبي هُرَيْرَة، قَالَ: فلقينا أَبَا هُرَيْرَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد قلت: الْجَواب الْحسن هُنَا أَن يُقَال: المُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَسْجِد ذِي الحليفة، لأَنهم ذكرُوا أَن بِذِي الحليفة عدَّة آبار ومسجدان للنَّبِي، ﷺ . وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا مَسْجِد أبي هُرَيْرَة بالعقيق لَا الْمَسْجِد النَّبَوِيّ. قلت: سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا من مَنْهَج الصَّوَاب، لِأَنَّهُ قَالَ أَولا فِي التَّوْفِيق بَين قَوْله: بِذِي الحليفة، وَقَوله: بالعقيق: يحْتَمل أَن يَكُونَا يَعْنِي: أَبَا بكر وأباه عبد الرَّحْمَن قصدا إِلَى العقيق بِنَاء على أَن أَبَا هُرَيْرَة فِيهَا فَلم يجداه، قَالَ: ثمَّ وجداه بِذِي الحليفة، وَكَانَ لَهُ بهَا أَيْضا أَرض، وَمعنى كَلَامه: أَنَّهُمَا لما لم يجداه بالعقيق ذَهَبا إِلَى ذِي الحليفة فوجداه هُنَاكَ عِنْد بَاب الْمَسْجِد، فَيلْزم من مُقْتَضى كَلَامه أَنهم عَادوا من ذِي الحليفة إِلَى العقيق ولاقياه فِيهَا عِنْد بَاب الْمَسْجِد، وَهَذَا كَلَام خَارج أَجْنَبِي عَن مُقْتَضى معنى التَّرْكِيب، لأَنهم لَو كَانُوا عَادوا من ذِي الحليفة إِلَى العقيق، كَيفَ كَانَ أَبُو بكر وَعبد الرَّحْمَن يَقُولَانِ: لَقينَا أَبَا هُرَيْرَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد؟ وَالْحَال أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ مَعَهُمَا على مُقْتَضى كَلَامه؟ ثمَّ ذكر هَذَا الْقَائِل وَجها آخر أبعد من الأول، حَيْثُ قَالَ: أَو يجمع بِأَنَّهُمَا التقيا بالعقيق، فَذكر لَهُ عبد الرَّحْمَن الْقِصَّة مجملة، أَو لم يذكرهَا، بل شرع فِيهَا ثمَّ لم يتهيأ لَهُ ذكر تفصيلها وَسَمَاع جَوَاب أبي هُرَيْرَة إلَاّ بعد أَن رجعا إِلَى الْمَدِينَة، وأرادا دُخُول الْمَسْجِد النَّبَوِيّ. قلت: الَّذِي حمله على هَذَا التَّفْسِير تَفْسِيره الْمَسْجِد: بِمَسْجِد العقيق، وَلَو فسره بِمَسْجِد ذِي الحليفة لاستراح وأراح، على أَنا نقُول: من قَالَ: إِنَّه كَانَ لأبي هُرَيْرَة مَسْجِد بالعقيق، وَأما الْمَسْجِد الَّذِي بِذِي الحليفة فقد نَص عَلَيْهِ أهل السّير والإخباريون، وَلَا دلَالَة أصلا فِي الحَدِيث على هَذَا التَّوْجِيه الَّذِي ذكره، وَلَا قَالَ بِهِ أحد قبله. قَوْله: (إِنِّي ذَاكر أمرا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إِنِّي أذكر لَك) ، بِصِيغَة الْمُضَارع. قَوْله: (لم أذكرهُ لَك) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لم أذكر ذَلِك) . قَوْله: (كَذَلِك حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس) ، وَقد أحَال أَبُو هُرَيْرَة فِيهِ مرّة على الْفضل، وَمرَّة على أُسَامَة بن زيد فِيمَا رَوَاهُ عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده، وَمرَّة قَالَ: أخبرنيه مخبر، وَمرَّة قَالَ: حَدثنِي فلَان وَفُلَان، فِيمَا رَوَاهُ ابْن حبَان عَن عبد الْملك بن أبي بكر عَن أَبِيه عَنهُ على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: لَا وَرب هَذَا الْبَيْت، مَا أَنا قلت: من أدْرك الصُّبْح جنبا فَلَا يصم مُحَمَّد، ﷺ ، وَرب الْكَعْبَة قَالَه. ثمَّ حَدَّثَنِيهِ الْفضل) . قَوْله: (وَهُوَ أعلم) أَي: الْفضل أعلم مني بِمَا روى، والعهدة عَلَيْهِ فِي ذَلِك لَا عَليّ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان الحكم الَّذِي بوب الْبَاب لأَجله. وَفِيه: دُخُول الْفُقَهَاء على السُّلْطَان ومذاكرتهم لَهُ بِالْعلمِ. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ مَرْوَان من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ ومسائل الدّين، مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الدُّنْيَا، ومروان عِنْدهم أحد الْعلمَاء وَكَذَلِكَ ابْنه عبد الْملك. وَفِيه: مَا يدل على أَن الشَّيْء إِذا تنوزع فِيهِ رد إِلَى من يظنّ أَنه يُوجد عِنْده علم مِنْهُ، وَذَلِكَ أَن أَزوَاج النَّبِي ﷺ أعلم النَّاس بِهَذَا الْمَعْنى بعده. وَفِيه: أَن من كَانَ عِنْده علم فِي شَيْء وَسمع بِخِلَافِهِ كَانَ عَلَيْهِ إِنْكَاره، من ثِقَة سمع ذَلِك أَو غَيره، حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ صِحَة خلاف مَا عِنْده. وَفِيه: أَن الْحجَّة القاطعة عِنْد الِاخْتِلَاف فِيمَا لَا نَص فِيهِ من الْكتاب وَسنة رَسُول الله ﷺ . وَفِيه: إِثْبَات الْحجَّة فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل وَأَن الْمَرْأَة فِي ذَلِك كَالرّجلِ سَوَاء، وَأَن طَرِيق الْإِخْبَار فِي هَذَا غير طَرِيق الشَّهَادَات. وَفِيه: طلب الْحجَّة وَطلب الدَّلِيل والبحث على الْعلم حَتَّى يَصح فِيهِ وَجه، أَلا ترى أَن مرواه لما أخبرهُ عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة بِمَا أخبرهُ بِهِ من هَذَا الحَدِيث، بعث إِلَى أبي هُرَيْرَة طَالبا

стр. 3114

للحجة وباحثا عَن موقعها ليعرف من أَيْن قَالَ أَبُو هُرَيْرَة مَا قَالَه من ذَلِك؟ وَفِيه: اعْتِرَاف الْعَالم بِالْحَقِّ وإنصافه إِذا سمع الْحجَّة، وَهَكَذَا أهل الْعلم وَالدّين أولو إنصاف واعتراف. وَفِيه: دَلِيل على تَرْجِيح رِوَايَة صَاحب الْخَبَر إِذا عَارضه حَدِيث آخر، وترجيح مَا رَوَاهُ النِّسَاء مِمَّا يخْتَص بِهن إِذا خالفهن فِيهِ الرِّجَال، وَكَذَلِكَ الْأَمر فِيمَا يخْتَص بِالرِّجَالِ على مَا أحكمه الأصوليون فِي: بَاب التَّرْجِيح للآثار. وَفِيه: حسن الْأَدَب مَعَ الأكابر وَتَقْدِير الِاعْتِذَار قبل تَبْلِيغ مَا يظنّ الْمبلغ أَن الْمبلغ يكرههُ. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن أصبح جنبا وَهُوَ يُرِيد الصَّوْم: هَل يَصح صَوْمه أم لَا؟ على سَبْعَة أَقْوَال: الأول: أَن الصَّوْم صَحِيح مُطلقًا فرضا كَانَ أَو تَطَوّعا أخر الْغسْل عَن طُلُوع الْفجْر عمدا أَو لنوم أَو نِسْيَان، لعُمُوم الحَدِيث، وَبِه قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو ذَر وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ أَبُو عمر: إِنَّه الَّذِي عَلَيْهِ جمَاعَة فُقَهَاء الْأَمْصَار بالعراق والحجاز أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار، مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وأصحابهم وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية وَأَبُو عُبَيْدَة وَدَاوُد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث. الثَّانِي: أَنه لَا يَصح صَوْم من أصبح جنبا مُطلقًا، وَبِه قَالَ الْفضل بن عَبَّاس وَأُسَامَة بن زيد وَأَبُو هُرَيْرَة، ثمَّ رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: التَّفْرِقَة بَين أَن يُؤَخر الْغسْل عَالما بجنابته أم لَا، فَإِن علم وأخره عمدا لم يَصح وإلَاّ صَحَّ، رُوِيَ ذَلِك عَن طَاوُوس وَعُرْوَة بن الزبير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ صَاحب (الْإِكْمَال) : وَمثله عَن أبي هُرَيْرَة. الرَّابِع: التَّفْرِقَة بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فَلَا يجْزِيه فِي الْفَرْض ويجزيه فِي النَّفْل، رُوِيَ ذَلِك عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَيْضا، حَكَاهُ صَاحب (الْإِكْمَال) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَحكى أَبُو عمر عَن الْحسن بن حَيّ أَنه: كَانَ يسْتَحبّ لمن أصبح جنبا فِي رَمَضَان أَن يَقْضِيه، وَكَانَ يَقُول: يَصُوم الرجل تَطَوّعا وَإِن أصبح جنبا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ. الْخَامِس: أَن يتم صَوْمه ذَلِك الْيَوْم ويقضيه. رُوِيَ ذَلِك عَن سَالم بن عبد الله وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَيْضا وَعَطَاء بن أبي رَبَاح. السَّادِس: أَنه يسْتَحبّ الْقَضَاء فِي الْفَرْض دون النَّفْل، حَكَاهُ فِي (الاستذكار) عَن الْحسن بن صَالح بن حَيّ. السَّابِع: أَنه لَا يبطل صَوْمه إلَاّ أَن تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس قبل أَن يغْتَسل وَيُصلي، فَيبْطل صَوْمه، قَالَه ابْن حزم بِنَاء على مذْهبه فِي أَن الْمعْصِيَة عمدا تبطل الصَّوْم. فَإِن قلت: حَدِيث الْفضل فِيهِ: أَن من أصبح جنبا فَلَا يَصُوم، وَحَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة فِيهِ حِكَايَة فعله ﷺ أَنه كَانَ يصبح جنبا ثمَّ يَصُوم، فَهَلا جمعتم بَين الْحَدِيثين بِحمْل حَدِيثهمَا على أَنه من الخصائص، وَحَدِيث الْفضل لغيره من الْأمة؟ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي حديثيهما أَنه أخر الْغسْل عَن طُلُوع الْفجْر عمدا، فَلَعَلَّهُ نَام عَن ذَلِك. قلت: الأَصْل عدم التَّخْصِيص، وَمَعَ ذَلِك فَفِي الحَدِيث التَّصْرِيح بِعَدَمِ الْخُصُوص، فروى مَالك عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن معمر عَن أبي يُونُس، مولى عَائِشَة، (عَن عَائِشَة: أَن رجلا قَالَ لرَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ وَاقِف على الْبَاب وَأَنا أسمع: يَا رَسُول الله ﴿إِنِّي أصبح جنبا، وَأَنا أُرِيد الصّيام﴾ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَأَنا أصبح جنبا وَأَنا أُرِيد الصّيام، فأغتسل وَأَصُوم، فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا رَسُول الله إِنَّك لست مثلنَا، قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر، فَغَضب رَسُول الله ﷺ وَقَالَ: إِنِّي أَرْجُو أَن أكون أخشاكم لله، وَأعْلمكُمْ بِمَا اتقِي) . وَمن طَرِيق مَالك أخرجه أَبُو دَاوُد، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بِنَحْوِهِ. وَقَالَ هَمَّامٌ وابْنُ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ كانَ النَّبِي ﷺ يأمُرُ بالْفِطْرِ والأوَّلُ أسْندُ همام هُوَ ابْن مُنَبّه الصَّنْعَانِيّ، وَقد مر فِي: بَاب حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَابْن حبَان من طَرِيق معمر عَنهُ بِلَفْظ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا نُودي للصَّلَاة صَلَاة الصُّبْح أحدكُم جنب فَلَا يصم يَوْمئِذٍ) . قَوْله: (وَابْن عبد الله) ، بِالرَّفْع عطف على همام، وَكَانَ لعبد الله بنُون سِتَّة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِابْن عبد الله هُنَا هُوَ سَالم لِأَنَّهُ يروي عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: الْجَزْم بِأَنَّهُ سَالم بن عبد الله غير صَحِيح، لِأَن فِيهِ اخْتِلَافا، فَقيل: هُوَ عبد الله بن عمر، وَقيل: هُوَ عبيد الله بن عبد الله بِالتَّكْبِيرِ والتصغير. فِي اسْم الابْن، وَلأَجل هَذَا الِاخْتِلَاف لم يسمه البُخَارِيّ صَرِيحًا، وَأما تَعْلِيق

стр. 3115

ابْن عبد الله بن عمر فوصله عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ابْن شهَاب عَن ابْن عبد الله بن عمر عَن أبي هُرَيْرَة بِهِ، فَقيل: قد اخْتلف على الزُّهْرِيّ فِي اسْمه، فَقَالَ شُعَيْب عَنهُ: أَخْبرنِي عبد الله بن عبد الله بن عمر، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: (كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يَأْمُرنَا بِالْفطرِ إِذا أصبح الرجل جنبا) ، أخرجه النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين، وَقَالَ عقيل، عَنهُ: عَن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بِهِ، فَاخْتلف على الزُّهْرِيّ، هَل هُوَ عبد الله بِالتَّكْبِيرِ أَو عبيد الله بِالتَّصْغِيرِ. قَوْله: (وَالْأول أسْند) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي حَدِيث أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ أسْند، أَي: أصح إِسْنَادًا. قلت: لَيْسَ المُرَاد بقوله: أسْند، أَي: أصح لِأَن الْإِسْنَاد إِلَى أبي هُرَيْرَة هُوَ الْإِسْنَاد إِلَى أُمِّي الْمُؤمنِينَ فِي أَكثر الطّرق. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: وَالْأول أسْند، يُرِيد وَالله أعلم أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة مُخْتَلف فِي إِسْنَاده، فَلَيْسَ فِي أحد من الصَّحِيحَيْنِ إِسْنَاده إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا قَالَ: كَذَلِك حَدثنِي الْفضل بن عَبَّاس، وَقد ذكرنَا أَن أَبَا هُرَيْرَة أحَال فِيهِ عَلَيْهِ وعَلى غَيره، تَارَة بتصريح وَتارَة بإبهام. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، مَعْنَاهُ أظهر إِسْنَادًا وَأبين فِي الِاتِّصَال. وَقَالَ ابْن التِّين: أَي الطَّرِيق الأول أوضح رفعا. وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ أقوى إِسْنَادًا، لِأَن حَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة فِي ذَلِك جَاءَ عَنْهُمَا من طرق كَثِيرَة جدا بِمَعْنى وَاحِد، حَتَّى قَالَ ابْن عبد الْبر: إِنَّه صَحَّ وتواتر، وَأما أَبُو هُرَيْرَة فَأكْثر الرِّوَايَات عَنهُ أَنه كَانَ يُفْتِي بِهِ. قلت: قد ذكرنَا الْآن أَن الْإِسْنَاد إِلَى أبي هُرَيْرَة هُوَ الْإِسْنَاد إِلَى أُمِّي الْمُؤمنِينَ فِي أَكثر الطّرق، فَإِن قلت: كَيفَ هَذَا وَقد روى أَبُو عمر من رِوَايَة عَطاء بن مينا، (عَن أبي هُرَيْرَة، أَنه قَالَ: كنت حدثتكم: من أصبح جنبا فقد أفطر، وَإِن ذَلِك من كيس أبي هُرَيْرَة) ؟ قلت: لَا يَصح ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة لِأَنَّهُ من رِوَايَة عمر بن قيس، وَهُوَ مَتْرُوك، وَذكر ابْن خُزَيْمَة أَن بعض الْعلمَاء توهم أَن أَبَا هُرَيْرَة غلط فِي هَذَا الحَدِيث، ثمَّ رد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يغلط، بل أحَال على رِوَايَة صَادِق، إلَاّ أَن الْخَبَر مَنْسُوخ. انْتهى. وَقد ذكرنَا وَجه النّسخ بِأَن حَدِيث عَائِشَة هُوَ النَّاسِخ لحَدِيث الْفضل، وَلم يبلغ الْفضل وَلَا أَبَا هُرَيْرَة النَّاسِخ، فاستمر أَبُو هُرَيْرَة على الْفتيا بِهِ، ثمَّ رَجَعَ عَنهُ بعد ذَلِك لما بلغه، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن فِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي يُونُس مولى عَائِشَة عَنْهَا، وَقد ذكرنَا عَن قريب مَا يشْعر بِأَن ذَلِك كَانَ بعد الْحُدَيْبِيَة لقَوْله فِيهَا: (غفر الله لَك مَا تقدم وَمَا تَأَخّر) ، وَأَشَارَ إِلَى آيَة الْفَتْح، وَهِي إِنَّمَا نزلت عَام الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ، وَابْتِدَاء فرض الصّيام كَانَ فِي السّنة الثَّانِيَة، وَالله أعلم وَمِنْهُم من جمع بَين الْحَدِيثين بِأَن الْأَمر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَمر إرشاد إِلَى الْأَفْضَل، بِأَن الْأَفْضَل أَن يغْتَسل قبل الْفجْر، فَلَو خَالف جَازَ، وَيحمل حَدِيث عَائِشَة على بَيَان الْجَوَاز، وَيُعَكر على حمله على الْإِرْشَاد التَّصْرِيح فِي كثير من طرق حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِالْأَمر بِالْفطرِ وبالنهي عَن الصّيام، فَكيف يَصح الْحمل الْمَذْكُور إِذا وَقع ذَلِك فِي رَمَضَان وَقيل: هُوَ مَحْمُول على من أدْركهُ الْفجْر مجامعا، فاستدام بعد طلوعه عَالما بذلك، وَيُعَكر عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي حَازِم عَن عبد الْملك ابْن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول: من احْتَلَمَ وَعلم باحتلامه وَلم يغْتَسل حَتَّى أصبح فَلَا يَصُوم، وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم أَنه سقط كلمة: لَا، من حَدِيث الْفضل، وَكَانَ فِي الأَصْل: مَن أصبح جنبا فِي رَمَضَان فَلَا يفْطر، فَلَمَّا سَقَطت: لَا، صَار: فليفطر، وَهَذَا كَلَام واهٍ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم عدم الوثوق بِكَثِير من الْأَحَادِيث بطرقها مثل هَذَا الِاحْتِمَال، فَكَانَ قَائِله مَا وقف على شَيْء من طرق هَذَا الحَدِيث إلَاّ على اللَّفْظ الْمَذْكُور، وَالله أعلم. ٣٢ - (بابُ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُبَاشرَة للصَّائِم، الْمُبَاشرَة، مفاعلة، وَهِي الْمُلَامسَة، وَأَصله من لمس بشرة الرجل بشرة الْمَرْأَة، وَقد ترد بِمَعْنى: الْوَطْء فِي الْفرج وخارجا مِنْهُ، وَلَيْسَ المُرَاد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة: الْجِمَاع. وقالَتْ عائِشَةُ ﵂ يَحْرُمُ عَليْهِ فَرْجُهَا أَي: يحرم على الصَّائِم فرج امْرَأَته، وَهَذَا التَّعْلِيق، وَصله الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا شُعَيْب، قَالَ: حَدثا اللَّيْث عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن أبي مرّة مولى عقيل، (عَن حَكِيم بن عقال أَنه قَالَ: سَأَلت عَائِشَة: مَا يحرم عَليّ من امْرَأَتي وَأَنا صَائِم؟ قَالَت: فرجهَا) . وبنحوه أخرج ابْن حزم فِي (الْمحلي) من طَرِيق معمر عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي

стр. 3116

قلَابَة (عَن مَسْرُوق، قَالَ: سَأَلت عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ: مَا يحل للرجل من امْرَأَته صَائِما؟ فَقَالَ: (كل شَيْء إلَاّ الْجِمَاع) ، وَأَبُو مرّة اسْمه: يزِيد مولى عقيل بن أبي طَالب، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَحَكِيم بن عقال الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان. ٤٢ - (بابُ القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقبْلَة للصَّائِم. وَقَالَ جابِرُ بنُ زَيْدٍ إنْ نَظَرَ فأمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ جَابر بن زيد هُوَ أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ، وَقد تقدم، وَهَذَا الْأَثر وَقع هُنَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر فِي آخر الْبَاب السَّابِق، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن هرم، سُئِلَ جَابر بن زيد فَذكره. ٨٢٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ أخبرنِي أبِي عنْ عائِشةَ عنِ النبيِّ ﷺ ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ هِشَامٍ عَن أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنْ كانَ رسولُ الله ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أزْوَاجِهِ وهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِكَتْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٩١) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ليقبل بعض أَزوَاجه وَهُوَ صَائِم) ، وَهَذَا الْفِعْل هُوَ الْمُبَاشرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بن سعيد. قَوْله:

стр. 3117

(إِن كَانَ) ، كلمة: إِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة فَتدخل على الجملتين، فَإِن دخلت على الإسمية جَازَ إعمالها خلافًا للكوفيين، وَإِن دخلت على الفعلية وَجب إعمالها، وَالْأَكْثَر كَون الْفِعْل مَاضِيا نَاسِخا، وَهنا كَذَلِك. قَوْله: (ليقبل) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) جملَة حَالية. قَوْله: (ثمَّ ضحِكت) قيل: كَانَ ضحكها تَنْبِيها على أَنَّهَا صَاحِبَة الْقَضِيَّة ليَكُون أبلغ فِي الثِّقَة بحديثها. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: يحْتَمل ضحكها التَّعَجُّب مِمَّا خَالفه فِيهِ أَو من نَفسهَا حَيْثُ جَاءَت بِمثل هَذَا الحَدِيث الَّذِي يستحي من ذكره، لَا سِيمَا حَدِيث الْمَرْأَة عَن نَفسهَا للرِّجَال: لَكِنَّهَا اضطرت إِلَى ذكره لتبليغ الحَدِيث، فتعجبت من ضَرُورَة الْحَال المضطرة لَهَا إِلَى ذَلِك، وَقيل: ضحِكت سُرُورًا بتذكر مَكَانهَا من رَسُول الله ﷺ وحالها مَعَه. ذكر بَيَان الْخلاف فِي هَذَا الْبَاب: ذهب شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَأَبُو قلَابَة وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة ومسروق ابْن الأجدع وَعبد الله بن شبْرمَة إِلَى أَنه لَيْسَ للصَّائِم أَن يُبَاشر الْقبْلَة فَإِن قبل فقد أفطر وَعَلِيهِ أَن يقْضِي يَوْمًا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا الْفضل بن دُكَيْن عَن إِسْرَائِيل عَن زيد بن جُبَير عَن أبي يزِيد الضني (عَن مَيْمُونَة، مولاة النَّبِي ﷺ قَالَت: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن رجل قبل امْرَأَته وهما صائمان؟ قَالَ: قد أفطرا) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَلَفظه: (عَن مَيْمُونَة بنت سعد قَالَت: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الْقبْلَة للصَّائِم؟ فَقَالَ: أفطرا جَمِيعًا) . وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو يزِيد الضني، بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالنُّون الْمُشَدّدَة: نِسْبَة إِلَى ضنة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَقَالَ ابْن حزم: مَجْهُول، ومَيْمُونَة بنت سعد، وَقيل: سعيد، خَادِم النَّبِي ﷺ . وَأخرجه ابْن حزم وَلَفظه: عَن مَيْمُونَة بنت عقبَة مولاة النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يثبت هَذَا الحَدِيث، وَكَذَا قَالَ السُّهيْلي وَالْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ يَعْنِي البُخَارِيّ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أحدث بِهِ، وَأَبُو يزِيد لَا أعرف اسْمه وَهُوَ رجل مَجْهُول. قَوْله: (قد أفطرا) ، أَي: المقبِّل والمقبَّل كِلَاهُمَا أفطرا، يَعْنِي: انْتقض صومهما، وَقَالَ أَبُو عمر: وَمِمَّنْ كره الْقبْلَة للصَّائِم عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَعُرْوَة بن الزبير، وَقد رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِن عروق الخصيتين معلقَة بالأنف، فَإِذا وجد الرّيح تحرّك، وَإِذا تحرّك دعِي إِلَى مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك، وَالشَّيْخ أملك لأربه، وَكره مَالك الْقبْلَة للصَّائِم فِي رَمَضَان للشَّيْخ والشاب، وَعَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه أرخص فِيهَا للشَّيْخ، وكرهها للشاب. وَقَالَ عِيَاض: مِنْهُم من أَبَاحَهَا على الْإِطْلَاق، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد من الْفُقَهَاء، وَمِنْهُم من كرهها على الْإِطْلَاق وَهُوَ مَشْهُور قَول مَالك، وَمِنْهُم من كرهها للشاب وأباحها للشَّيْخ وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَمذهب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَحَكَاهُ الْخطابِيّ عَن مَالك، وَمِنْهُم من أَبَاحَهَا فِي النَّفْل ومنعها فِي الْفَرْض، وَهِي رِوَايَة ابْن وهب عَن مَالك، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن حركت الْقبْلَة الشَّهْوَة فَهِيَ حرَام على الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا، وَقيل: مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة فِي فروعهم: لَا بَأْس بالقبلة والمعانقة إِذا أَمن على نَفسه أَو كَانَ شَيخا كَبِيرا، وَيكرهُ لَهُ مس فرجهَا، وَعَن أبي حنيفَة: تكره المعانقة والمصافحة والمباشرة الْفَاحِشَة بِلَا ثوب والتقبيل الْفَاحِش مَكْرُوه وَهُوَ أَن يمضغ شفتيها، قَالَه مُحَمَّد. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من طَرِيق مصدع أبي يحيى (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقبلهَا ويمص لسانها) . قلت: كلمة: ويمص، لسانها غير مَحْفُوظَة، وَإِسْنَاده ضَعِيف، والآفة من مُحَمَّد بن دِينَار عَن سعد بن أَوْس عَن مصدع، وَتفرد بِهِ أَبُو دَاوُد، وَحكى ابْن الْأَعرَابِي عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح، وَعَن يحيى بن مُحَمَّد بن دِينَار: وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ تغير قبل أَن يَمُوت، وَسعد بن أَوْس ضعفه يحيى أَيْضا. قيل: على تَقْدِير صِحَة الحَدِيث يجوز أَن يكون التَّقْبِيل وَهُوَ صَائِم فِي وَقت، والمص فِي وَقت آخر، وَيجوز أَن يمصه وَلَا يبتلعه، وَلِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق انْفِصَال مَا على لسانها من البلل، وَفِيه نظر لَا يخفى. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِن قبَّل فأمنى أفطر بِلَا خلاف، فَإِن أمذى أفطر عندنَا وَعند مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يفْطر، وَرُوِيَ ذَلِك عَن الْحسن وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ، واللمس بِشَهْوَة كالقبلة، فَإِن كَانَ بِغَيْر شَهْوَة فَلَيْسَ مَكْرُوها بِحَال. وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَائِشَة من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون: (أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يقبل فِي شهر الصَّوْم) ، قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب وَحَفْصَة وَأبي سعيد وَأم سَلمَة

стр. 3118

وَابْن عَبَّاس وَأنس وَأبي هُرَيْرَة. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَأم حَبِيبَة ومَيْمُونَة زَوجي النَّبِي، ﷺ ، ومَيْمُونَة بنت سعد مولاة النَّبِي، ﷺ ، وَرجل من الْأَنْصَار عَن امْرَأَته. أما حَدِيث عَائِشَة فَروِيَ من طرق عديدة حَتَّى إِن الطَّحَاوِيّ أخرجه من عشْرين طَرِيقا. وَأما حَدِيث عمر بن الْخطاب فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: (قَالَ عمر ابْن الْخطاب: هششت فَقبلت وَأَنا صَائِم، فَقلت: يَا رَسُول الله صنعت الْيَوْم أمرا عَظِيما ﴿قبلت وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَو مضمضت من المَاء وَأَنت صَائِم؟ قلت: لَا بَأْس﴾ قَالَ: فَمه) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ) صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث حَفْصَة فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح عَن شُتَيْر بن شكل عَن حَفْصَة، قَالَت: (كَانَ النَّبِي ﷺ يقبل وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ: (رخص رَسُول الله ﷺ فِي الْقبْلَة للصَّائِم والحجامة) . وَأما حَدِيث أم سَلمَة فَأخْرجهُ مُسلم من رِوَايَة عبد ربه بن سعيد عَن عبد الله بن كَعْب الْحِمْيَرِي (عَن عمر بن أبي سَلمَة، أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ : أيقبل الصَّائِم؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : سل هَذِه لأم سَلمَة فَأَخْبَرته أَن رَسُول الله، ﷺ ، يصنع ذَلِك، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : أما وَالله إِنِّي لأتقاكم لله وأخشاكم لَهُ) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) وروى البُخَارِيّ عَنْهَا أَيْضا على مَا سَيَأْتِي. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ القَاضِي يُوسُف بن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن حَرْب، حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، قَالَ: حَدثنِي رجل من بني سدوس، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصِيب من الرؤوس وَهُوَ صَائِم، يَعْنِي الْقبل) . وروينا هَذَا الحَدِيث عَن شَيخنَا زين الدّين، ﵀، قَالَ: أَخْبرنِي بِهِ أَبُو المظفر مُحَمَّد بن يحيى الْقرشِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ: أخبرنَا عبد الرَّحِيم بن يُوسُف ابْن الْمعلم أخبرنَا عمر بن مُحَمَّد الْمُؤَدب أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْأنْصَارِيّ أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن كيسَان أخبرنَا يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ. وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه قَالَ: (سُئِلَ رَسُول الله ﷺ : أيقبل الصَّائِم؟ قَالَ: وَمَا بَأْس ذَلِك؟ رَيْحَانَة يشمها) . وَرِجَاله ثِقَات. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي العنبس عَن الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ مثل حَدِيث قبله، وَأَبُو العنبس اسْمه محَارب بن عبيد بن كَعْب. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (كتاب الْعِلَل) فَقَالَ: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ قيس بن حَفْص بن قيس بن الْقَعْقَاع الدَّارمِيّ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد حَدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن شيتر بن شكل (عَن عَليّ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم) ثمَّ قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن شُتَيْر بن شكل عَن حَفْصَة عَن النَّبِي ﷺ . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) فِي تَرْجَمَة غَالب بن عبد الله الْجَزرِي (عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم وَلَا يُعِيد الْوضُوء) ، وغالب الْجَزرِي ضَعِيف. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) عَنهُ قَالَ: (كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فجَاء شَاب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أقبل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فجَاء شيخ فَقَالَ: أقبل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: نعم. قَالَ فَنظر بَعْضنَا إِلَى بعض، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : قد علمت لم نظر بَعْضكُم إِلَى بعض، إِن الشَّيْخ يملك نَفسه) . وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ. وَأما حَدِيث أم حَبِيبَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنْهَا: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم) قَالَ النَّسَائِيّ: الصَّوَاب عَن حَفْصَة. وَأما حَدِيث مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ فَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يقبِّل وَهُوَ صَائِم) . قَالَ أَبُو زرْعَة: رَوَاهُ هَكَذَا عَمْرو بن أبي قيس وَهُوَ خطأ، وَرَوَاهُ الثَّوْريّ وَآخَرُونَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأما حَدِيث مَيْمُونَة مولاة النَّبِي ﷺ فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه وَقد ذَكرْنَاهُ. وَأما حَدِيث الرجل الْأنْصَارِيّ عَن امْرَأَته، فَأخْرجهُ أَحْمد مطولا، وَفِيه: (أَن رَسُول الله ﷺ يفعل ذَلِك) . فَإِن قلت: قَوْله: (يقبل وَهُوَ صَائِم) ، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون فِي رَمَضَان قلت: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: كَانَ يقبل فِي شهر

стр. 3119

الصَّوْم، وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون فِي رَمَضَان، لِأَنَّهُ شهر الصَّوْم، وَقد جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ يقبل فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم) . فَإِن قلت: لَا يلْزم من قَوْله: (فِي رَمَضَان) ، أَن يكون بِالنَّهَارِ؟ قلت: فِي رِوَايَة عَن عَائِشَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) (كَانَ يقبل ويباشر وَهُوَ صَائِم) ، فَبين أَن ذَلِك فِي حَالَة الصّيام. ٩٢٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامِ بنِ أبِي عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عنْ أُمِّهَا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ بَيْنَمَا أنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ فِي الخَمِيلَةِ إذْ حِضْتُ فانْسَلَلْتُ فأخَذْتُ ثَيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ مَا لَكِ أنَفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ وكانَتْ هِيَ ورسولُ الله ﷺ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ واحِدٍ وكانَ يُقَبِّلُها وهُوَ صَائِمٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ يقبلهَا وَهُوَ صَائِم) ، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب من سمى النّفاس حيضا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام ... إِلَى آخِره، وَزَاد هُنَا، قَوْله: (وَكَانَت هِيَ) إِلَى آخِره، وَهُنَاكَ: (بَينا أَنا مَعَ رَسُول الله ﷺ مُضْطَجِعَة فِي خميصة) ، وَهنا: (فَدخلت مَعَه فِي الخميلة) ، وَهُنَاكَ: (فاضطجعت مَعَه فِي الخميلة) ، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، والخميلة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: ثوب من صوف لَهُ علم. قَوْله: (حيضتي) بِكَسْر الْحَاء، قَوْله: (أنفست؟) الصَّحِيح فِيهِ أَنه بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء: مَعْنَاهُ أحضتِ؟ وَبَقِيَّة المباحث مرت هُنَاكَ. ٥٢ - (بابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاغْتِسَال للصَّائِم وَهُوَ جَوَازه، قيل: إِنَّمَا أطلق الِاغْتِسَال ليشْمل جَمِيع أَنْوَاعه من الْفَرْض وَالسّنة وَغَيرهمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ضعف مَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من النَّهْي عَن دُخُول الصَّائِم الْحمام، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَاعْتَمدهُ الْحَنَفِيَّة فكرهوا الِاغْتِسَال للصَّائِم. انْتهى. قلت: قَوْله: كَأَنَّهُ يُشِير، كَلَام كَاد أَن يكون عَبَثا، لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يُرَاد بِالْإِشَارَةِ مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَلَا مَعْنَاهَا الاصطلاحي، وَقَوله: وَاعْتَمدهُ الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح على إِطْلَاقه، لِأَن قَوْله: كَرهُوا الِاغْتِسَال للصَّائِم، رِوَايَة عَن أبي حنيفَة غير مُعْتَمد عَلَيْهَا، وَالْمذهب الْمُخْتَار أَنه لَا يكره، ذكره الْحسن عَن أبي حنيفَة، نبه عَلَيْهِ صَاحب (الْوَاقِعَات) وَذكر فِي (الرَّوْضَة) و (جَوَامِع الْفِقْه) : لَا يكره الِاغْتِسَال وبل الثَّوْب وصب المَاء على الرَّأْس للْحرّ، وروى أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: لقد رَأَيْت النَّبِي، ﷺ ، بالعرج يصب على رَأسه المَاء وَهُوَ صَائِم من الْحر، أَو من الْعَطش) . وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا أَزْهَر عَن ابْن عون: كَانَ ابْن سِيرِين لَا يرى بَأْسا أَن يبل الثَّوْب، ثمَّ يلقيه على وَجهه، وَحدثنَا يحيى ابْن سعيد عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ أَنه كَانَ يصب عَلَيْهِ المَاء وَيروح عَنهُ وَهُوَ صَائِم. وبَلَّ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثَوْبا فألْقَاهُ عَلَيْهِ وهُوَ صَائِمٌ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الثَّوْب المبلول إِذا ألقِي على الْبدن بل الْبدن، فَيُشبه الْبدن الَّذِي سكب عَلَيْهِ المَاء. قَوْله: (فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ) ، رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (فألقي عَلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، فَكَأَنَّهُ أَمر غَيره وألقاه عَلَيْهِ. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) جملَة وَقعت حَالا. هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الله بن أبي عُثْمَان، (قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يبل الثَّوْب ثمَّ يلقيه عَلَيْهِ) ، وَقَالَ بَعضهم: وَأَرَادَ البُخَارِيّ بأثر ابْن عمر هَذَا مُعَارضَة مَا جَاءَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بأقوى مِنْهُ، فَإِن وكيعا روى عَن الْحسن بن صَالح عَن مغيره عَنهُ أَنه كَانَ يكره للصَّائِم بل الثِّيَاب. قلت: هَذَا كَلَام صادر من غير تَأمل فَأَنَّهُ اعْترف أَن الَّذِي رَوَاهُ إِبْرَاهِيم أقوى من الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا، فَكيف تصح الْمُعَارضَة حِينَئِذٍ؟ بل الَّذِي يُقَال: إِنَّه أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَة إِلَى مَا روى عَن ابْن عمر من فعله ذَلِك، فَافْهَم. ودَخَلَ الشَّعْبِيُّ الحَمَّامَ وهُوَ صَائِمٌ

стр. 3120

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق، قَالَ: رَأَيْت الشّعبِيّ يدْخل الْحمام وَهُوَ صَائِم. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأسَ أنْ يتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أوِ الشَّيءَ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التطعم من الشَّيْء الَّذِي هُوَ إِدْخَال الطَّعَام فِي الْفَم من غير بلغ لَا يضر الصَّوْم، فإيصال المَاء إِلَى الْبشرَة بِالطَّرِيقِ الأولى أَن لَا يضر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عِكْرِمَهْ عَنهُ بِلَفْظ: (لَا بَأْس أَن يتطاعم الْقدر) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْعمريّ أَنبأَنَا عبد الله الشريحي أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدثنَا عَليّ بن الجدع أَنبأَنَا شريك عَن سُلَيْمَان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَلَفظه: (لَا بَأْس أَن يتطاعم الصَّائِم بالشَّيْء) ، يَعْنِي المرقة وَنَحْوهَا. قَوْله: (أَن يتطعم الْقدر) ، بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ الظّرْف الَّذِي يطْبخ فِيهِ الطَّعَام، وَالتَّقْدِير: من طَعَام الْقدر، وَأَرَادَ بقوله: أَو الشَّيْء أَي شَيْء كَانَ من المطعومات، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن إِسْرَائِيل عَن جَابر عَن عَطاء عَنهُ قَالَ: لَا بَأْس أَن يَذُوق الْخلّ أَو الشَّيْء مَا لم يدْخل حلقه وَهُوَ صَائِم، وَعَن الْحسن: لَا بَأْس أَن يتطاعم الصَّائِم الْعَسَل وَالسمن وَنَحْوه ويمجه، وَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء: لَا بَأْس أَن يتطعم الطَّعَام من الْقدر، وَعَن الحكم نَحوه، وَفعله عُرْوَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يحْتَرز عَن ذوق الطَّعَام خوف الْوُصُول إِلَى حلقه. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذا لم يدْخل حلقه لَا يفْطر وصومه تَامّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ مَالك: أكرهه وَلَا يفطره إِن لم يدْخل حلقه، وَهُوَ مثل قَوْلنَا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا بَأْس أَن تمضغ الصائمة لصبيها الطَّعَام، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَكَرِهَهُ مَالك وَالثَّوْري والكوفيون إلَاّ لمن لم يجد بدا من ذَلِك، وَبِه صرح أَصْحَابنَا. وَفِي (الْمُحِيط) : وَيكرهُ الذَّوْق للصَّائِم وَلَا يفطره، وَفِيه: لَا بَأْس أَن يَذُوق الصَّائِم الْعَسَل أَو الطَّعَام ليشتريه ليعرف جيده ورديئه كَيْلا يغبن فِيهِ مَتى لم يذقه، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَلَا بَأْس للْمَرْأَة أَن تمضغ الطَّعَام لصبيها إِذا لم تَجِد مِنْهُ بدا. وَقَالَ الحَسَنُ لَا بأسَ بالمَضْمَضَةِ والتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الْمَضْمَضَة جُزْء للْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق بِمَعْنَاهُ قلت: لم يبين ذَلِك، بل روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة خلاف ذَلِك، فَقَالَ: حَدثنِي عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن أَنه كَانَ يكره أَن يمضمض الرجل إِذا أفطر وَإِذا أَرَادَ أَن يشرب. قَوْله: (والتبرد) أَعم من أَن يكون فِي سَائِر جسده أَو فِي بعضه، مثل مَا إِذا تبرد بِالْمَاءِ على وَجهه أَو على رجلَيْهِ. وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ إذَا كانَ صَوْمُ أحَدِكُمْ فَلْيْصْبحْ دَهِينا مُتَرَجِّلاً ذكر فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وُجُوه: الأول: أَن الإدهان من اللَّيْل يَقْتَضِي اسْتِصْحَاب أَثَره فِي النَّهَار، وَهُوَ مِمَّا يرطب الدِّمَاغ وَيُقَوِّي النَّفس، فَهُوَ أبلغ من الِاسْتِعَانَة بِبرد الِاغْتِسَال لَحْظَة من النَّهَار، ثمَّ يذهب أَثَره. قلت: هَذَا بعيد جدا، لِأَن الادهان فِي نَفسهَا مُتَفَاوِتَة، وَمَا كل دهن يرطب الدِّمَاغ، بل فِيهَا مَا يضرّهُ، يعرفهُ من ينظر فِي علم الطِّبّ. وَقَوله: أبلغ من الِاسْتِعَانَة ... إِلَى آخِره، غير مُسلم لِأَن الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ لتَحْصِيل الْبُرُودَة والدهن يُقَوي الْحَرَارَة، وَهُوَ ضد ذَاك، فَكيف يَقُول: هُوَ أبلغ ... ؟ إِلَى آخِره. الْوَجْه الثَّانِي: قَالَه بَعضهم: إِن الْمَانِع من الِاغْتِسَال لَعَلَّه سلك بِهِ مَسْلَك اسْتِحْبَاب التقشف فِي الصّيام، كَمَا ورد مثله فِي الْحَج، والادهان والترجل فِي مُخَالفَة التقشف كالاغتسال قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَن التَّرْجَمَة فِي جَوَاز الِاغْتِسَال لَا فِي مَنعه، وَكَذَلِكَ أثر ابْن مَسْعُود فِي الْجَوَاز لَا فِي الْمَنْع، فَكيف يَجْعَل الْجَوَاز مناسبا للْمَنْع؟ الْوَجْه الثَّالِث مَا قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ الرَّد على من كره الِاغْتِسَال للصَّائِم، لِأَنَّهُ إِن كرهه خشيَة وُصُول المَاء إِلَى حلقه فالعلة بَاطِلَة بالمضمضة وبالسواك وبذوق الْقدر، وَنَحْو ذَلِك، وَإِن كرهه للرفاهية فقد اسْتحبَّ السّلف للصَّائِم الترفه والتجمل والادهان والكحل وَنَحْو ذَلِك؟ قلت: هَذَا أقرب إِلَى الْقبُول، وَلَكِن تَحْقِيقه أَن يُقَال: إِن بالاغتسال يحصل التطهر والتنظف للصَّائِم، وَهُوَ فِي ضِيَافَة الله تَعَالَى ينْتَظر الْمَائِدَة، وَمن حَاله هَذِه يحسن لَهُ التطهر والتنظف
следующие страницы →