Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
قلَابَة (عَن مَسْرُوق، قَالَ: سَأَلت عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ: مَا يحل للرجل من امْرَأَته صَائِما؟ فَقَالَ: (كل شَيْء إلَاّ الْجِمَاع) ، وَأَبُو مرّة اسْمه: يزِيد مولى عقيل بن أبي طَالب، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَحَكِيم بن عقال الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان.
٤٢ - (بابُ القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقبْلَة للصَّائِم.
وَقَالَ جابِرُ بنُ زَيْدٍ إنْ نَظَرَ فأمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ
جَابر بن زيد هُوَ أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ، وَقد تقدم، وَهَذَا الْأَثر وَقع هُنَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر فِي آخر الْبَاب السَّابِق، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن هرم، سُئِلَ جَابر بن زيد فَذكره.
٨٢٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ أخبرنِي أبِي عنْ عائِشةَ عنِ النبيِّ ﷺ ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ هِشَامٍ عَن أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنْ كانَ رسولُ الله ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أزْوَاجِهِ وهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِكَتْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ليقبل بعض أَزوَاجه وَهُوَ صَائِم) ، وَهَذَا الْفِعْل هُوَ الْمُبَاشرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بن سعيد.
قَوْله:
стр. 3117
(إِن كَانَ) ، كلمة: إِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة فَتدخل على الجملتين، فَإِن دخلت على الإسمية جَازَ إعمالها خلافًا للكوفيين، وَإِن دخلت على الفعلية وَجب إعمالها، وَالْأَكْثَر كَون الْفِعْل مَاضِيا نَاسِخا، وَهنا كَذَلِك. قَوْله: (ليقبل) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) جملَة حَالية. قَوْله: (ثمَّ ضحِكت) قيل: كَانَ ضحكها تَنْبِيها على أَنَّهَا صَاحِبَة الْقَضِيَّة ليَكُون أبلغ فِي الثِّقَة بحديثها. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: يحْتَمل ضحكها التَّعَجُّب مِمَّا خَالفه فِيهِ أَو من نَفسهَا حَيْثُ جَاءَت بِمثل هَذَا الحَدِيث الَّذِي يستحي من ذكره، لَا سِيمَا حَدِيث الْمَرْأَة عَن نَفسهَا للرِّجَال: لَكِنَّهَا اضطرت إِلَى ذكره لتبليغ الحَدِيث، فتعجبت من ضَرُورَة الْحَال المضطرة لَهَا إِلَى ذَلِك، وَقيل: ضحِكت سُرُورًا بتذكر مَكَانهَا من رَسُول الله ﷺ وحالها مَعَه.
ذكر بَيَان الْخلاف فِي هَذَا الْبَاب: ذهب شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَأَبُو قلَابَة وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة ومسروق ابْن الأجدع وَعبد الله بن شبْرمَة إِلَى أَنه لَيْسَ للصَّائِم أَن يُبَاشر الْقبْلَة فَإِن قبل فقد أفطر وَعَلِيهِ أَن يقْضِي يَوْمًا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا الْفضل بن دُكَيْن عَن إِسْرَائِيل عَن زيد بن جُبَير عَن أبي يزِيد الضني (عَن مَيْمُونَة، مولاة النَّبِي ﷺ قَالَت: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن رجل قبل امْرَأَته وهما صائمان؟ قَالَ: قد أفطرا) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَلَفظه: (عَن مَيْمُونَة بنت سعد قَالَت: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الْقبْلَة للصَّائِم؟ فَقَالَ: أفطرا جَمِيعًا) . وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو يزِيد الضني، بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالنُّون الْمُشَدّدَة: نِسْبَة إِلَى ضنة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَقَالَ ابْن حزم: مَجْهُول، ومَيْمُونَة بنت سعد، وَقيل: سعيد، خَادِم النَّبِي ﷺ . وَأخرجه ابْن حزم وَلَفظه: عَن مَيْمُونَة بنت عقبَة مولاة النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يثبت هَذَا الحَدِيث، وَكَذَا قَالَ السُّهيْلي وَالْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ يَعْنِي البُخَارِيّ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أحدث بِهِ، وَأَبُو يزِيد لَا أعرف اسْمه وَهُوَ رجل مَجْهُول. قَوْله: (قد أفطرا) ، أَي: المقبِّل والمقبَّل كِلَاهُمَا أفطرا، يَعْنِي: انْتقض صومهما، وَقَالَ أَبُو عمر: وَمِمَّنْ كره الْقبْلَة للصَّائِم عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَعُرْوَة بن الزبير، وَقد رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِن عروق الخصيتين معلقَة بالأنف، فَإِذا وجد الرّيح تحرّك، وَإِذا تحرّك دعِي إِلَى مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك، وَالشَّيْخ أملك لأربه، وَكره مَالك الْقبْلَة للصَّائِم فِي رَمَضَان للشَّيْخ والشاب، وَعَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه أرخص فِيهَا للشَّيْخ، وكرهها للشاب. وَقَالَ عِيَاض: مِنْهُم من أَبَاحَهَا على الْإِطْلَاق، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد من الْفُقَهَاء، وَمِنْهُم من كرهها على الْإِطْلَاق وَهُوَ مَشْهُور قَول مَالك، وَمِنْهُم من كرهها للشاب وأباحها للشَّيْخ وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَمذهب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَحَكَاهُ الْخطابِيّ عَن مَالك، وَمِنْهُم من أَبَاحَهَا فِي النَّفْل ومنعها فِي الْفَرْض، وَهِي رِوَايَة ابْن وهب عَن مَالك، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن حركت الْقبْلَة الشَّهْوَة فَهِيَ حرَام على الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا، وَقيل: مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة فِي فروعهم: لَا بَأْس بالقبلة والمعانقة إِذا أَمن على نَفسه أَو كَانَ شَيخا كَبِيرا، وَيكرهُ لَهُ مس فرجهَا، وَعَن أبي حنيفَة: تكره المعانقة والمصافحة والمباشرة الْفَاحِشَة بِلَا ثوب والتقبيل الْفَاحِش مَكْرُوه وَهُوَ أَن يمضغ شفتيها، قَالَه مُحَمَّد. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من طَرِيق مصدع أبي يحيى (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقبلهَا ويمص لسانها) . قلت: كلمة: ويمص، لسانها غير مَحْفُوظَة، وَإِسْنَاده ضَعِيف، والآفة من مُحَمَّد بن دِينَار عَن سعد بن أَوْس عَن مصدع، وَتفرد بِهِ أَبُو دَاوُد، وَحكى ابْن الْأَعرَابِي عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح، وَعَن يحيى بن مُحَمَّد بن دِينَار: وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ تغير قبل أَن يَمُوت، وَسعد بن أَوْس ضعفه يحيى أَيْضا. قيل: على تَقْدِير صِحَة الحَدِيث يجوز أَن يكون التَّقْبِيل وَهُوَ صَائِم فِي وَقت، والمص فِي وَقت آخر، وَيجوز أَن يمصه وَلَا يبتلعه، وَلِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق انْفِصَال مَا على لسانها من البلل، وَفِيه نظر لَا يخفى. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِن قبَّل فأمنى أفطر بِلَا خلاف، فَإِن أمذى أفطر عندنَا وَعند مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يفْطر، وَرُوِيَ ذَلِك عَن الْحسن وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ، واللمس بِشَهْوَة كالقبلة، فَإِن كَانَ بِغَيْر شَهْوَة فَلَيْسَ مَكْرُوها بِحَال.
وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَائِشَة من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون: (أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يقبل فِي شهر الصَّوْم) ، قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب وَحَفْصَة وَأبي سعيد وَأم سَلمَة
стр. 3118
وَابْن عَبَّاس وَأنس وَأبي هُرَيْرَة. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَأم حَبِيبَة ومَيْمُونَة زَوجي النَّبِي، ﷺ ، ومَيْمُونَة بنت سعد مولاة النَّبِي، ﷺ ، وَرجل من الْأَنْصَار عَن امْرَأَته.
أما حَدِيث عَائِشَة فَروِيَ من طرق عديدة حَتَّى إِن الطَّحَاوِيّ أخرجه من عشْرين طَرِيقا. وَأما حَدِيث عمر بن الْخطاب فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: (قَالَ عمر ابْن الْخطاب: هششت فَقبلت وَأَنا صَائِم، فَقلت: يَا رَسُول الله صنعت الْيَوْم أمرا عَظِيما ﴿قبلت وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَو مضمضت من المَاء وَأَنت صَائِم؟ قلت: لَا بَأْس﴾ قَالَ: فَمه) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ) صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث حَفْصَة فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح عَن شُتَيْر بن شكل عَن حَفْصَة، قَالَت: (كَانَ النَّبِي ﷺ يقبل وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ: (رخص رَسُول الله ﷺ فِي الْقبْلَة للصَّائِم والحجامة) . وَأما حَدِيث أم سَلمَة فَأخْرجهُ مُسلم من رِوَايَة عبد ربه بن سعيد عَن عبد الله بن كَعْب الْحِمْيَرِي (عَن عمر بن أبي سَلمَة، أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ : أيقبل الصَّائِم؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : سل هَذِه لأم سَلمَة فَأَخْبَرته أَن رَسُول الله، ﷺ ، يصنع ذَلِك، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : أما وَالله إِنِّي لأتقاكم لله وأخشاكم لَهُ) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) وروى البُخَارِيّ عَنْهَا أَيْضا على مَا سَيَأْتِي. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ القَاضِي يُوسُف بن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن حَرْب، حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، قَالَ: حَدثنِي رجل من بني سدوس، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصِيب من الرؤوس وَهُوَ صَائِم، يَعْنِي الْقبل) . وروينا هَذَا الحَدِيث عَن شَيخنَا زين الدّين، ﵀، قَالَ: أَخْبرنِي بِهِ أَبُو المظفر مُحَمَّد بن يحيى الْقرشِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ: أخبرنَا عبد الرَّحِيم بن يُوسُف ابْن الْمعلم أخبرنَا عمر بن مُحَمَّد الْمُؤَدب أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْأنْصَارِيّ أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن كيسَان أخبرنَا يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ. وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه قَالَ: (سُئِلَ رَسُول الله ﷺ : أيقبل الصَّائِم؟ قَالَ: وَمَا بَأْس ذَلِك؟ رَيْحَانَة يشمها) . وَرِجَاله ثِقَات. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي العنبس عَن الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ مثل حَدِيث قبله، وَأَبُو العنبس اسْمه محَارب بن عبيد بن كَعْب.
وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (كتاب الْعِلَل) فَقَالَ: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ قيس بن حَفْص بن قيس بن الْقَعْقَاع الدَّارمِيّ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد حَدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن شيتر بن شكل (عَن عَليّ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم) ثمَّ قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن شُتَيْر بن شكل عَن حَفْصَة عَن النَّبِي ﷺ . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) فِي تَرْجَمَة غَالب بن عبد الله الْجَزرِي (عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم وَلَا يُعِيد الْوضُوء) ، وغالب الْجَزرِي ضَعِيف. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) عَنهُ قَالَ: (كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فجَاء شَاب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أقبل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فجَاء شيخ فَقَالَ: أقبل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: نعم. قَالَ فَنظر بَعْضنَا إِلَى بعض، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : قد علمت لم نظر بَعْضكُم إِلَى بعض، إِن الشَّيْخ يملك نَفسه) . وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ. وَأما حَدِيث أم حَبِيبَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنْهَا: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم) قَالَ النَّسَائِيّ: الصَّوَاب عَن حَفْصَة. وَأما حَدِيث مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ فَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يقبِّل وَهُوَ صَائِم) . قَالَ أَبُو زرْعَة: رَوَاهُ هَكَذَا عَمْرو بن أبي قيس وَهُوَ خطأ، وَرَوَاهُ الثَّوْريّ وَآخَرُونَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأما حَدِيث مَيْمُونَة مولاة النَّبِي ﷺ فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه وَقد ذَكرْنَاهُ. وَأما حَدِيث الرجل الْأنْصَارِيّ عَن امْرَأَته، فَأخْرجهُ أَحْمد مطولا، وَفِيه: (أَن رَسُول الله ﷺ يفعل ذَلِك) .
فَإِن قلت: قَوْله: (يقبل وَهُوَ صَائِم) ، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون فِي رَمَضَان قلت: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: كَانَ يقبل فِي شهر
стр. 3119
الصَّوْم، وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون فِي رَمَضَان، لِأَنَّهُ شهر الصَّوْم، وَقد جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ يقبل فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم) . فَإِن قلت: لَا يلْزم من قَوْله: (فِي رَمَضَان) ، أَن يكون بِالنَّهَارِ؟ قلت: فِي رِوَايَة عَن عَائِشَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) (كَانَ يقبل ويباشر وَهُوَ صَائِم) ، فَبين أَن ذَلِك فِي حَالَة الصّيام.
٩٢٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامِ بنِ أبِي عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عنْ أُمِّهَا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ بَيْنَمَا أنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ فِي الخَمِيلَةِ إذْ حِضْتُ فانْسَلَلْتُ فأخَذْتُ ثَيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ مَا لَكِ أنَفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ وكانَتْ هِيَ ورسولُ الله ﷺ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ واحِدٍ وكانَ يُقَبِّلُها وهُوَ صَائِمٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ يقبلهَا وَهُوَ صَائِم) ، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب من سمى النّفاس حيضا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام ... إِلَى آخِره، وَزَاد هُنَا، قَوْله: (وَكَانَت هِيَ) إِلَى آخِره، وَهُنَاكَ: (بَينا أَنا مَعَ رَسُول الله ﷺ مُضْطَجِعَة فِي خميصة) ، وَهنا: (فَدخلت مَعَه فِي الخميلة) ، وَهُنَاكَ: (فاضطجعت مَعَه فِي الخميلة) ، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، والخميلة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: ثوب من صوف لَهُ علم. قَوْله: (حيضتي) بِكَسْر الْحَاء، قَوْله: (أنفست؟) الصَّحِيح فِيهِ أَنه بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء: مَعْنَاهُ أحضتِ؟ وَبَقِيَّة المباحث مرت هُنَاكَ.
٥٢ - (بابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاغْتِسَال للصَّائِم وَهُوَ جَوَازه، قيل: إِنَّمَا أطلق الِاغْتِسَال ليشْمل جَمِيع أَنْوَاعه من الْفَرْض وَالسّنة وَغَيرهمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ضعف مَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من النَّهْي عَن دُخُول الصَّائِم الْحمام، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَاعْتَمدهُ الْحَنَفِيَّة فكرهوا الِاغْتِسَال للصَّائِم. انْتهى. قلت: قَوْله: كَأَنَّهُ يُشِير، كَلَام كَاد أَن يكون عَبَثا، لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يُرَاد بِالْإِشَارَةِ مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَلَا مَعْنَاهَا الاصطلاحي، وَقَوله: وَاعْتَمدهُ الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح على إِطْلَاقه، لِأَن قَوْله: كَرهُوا الِاغْتِسَال للصَّائِم، رِوَايَة عَن أبي حنيفَة غير مُعْتَمد عَلَيْهَا، وَالْمذهب الْمُخْتَار أَنه لَا يكره، ذكره الْحسن عَن أبي حنيفَة، نبه عَلَيْهِ صَاحب (الْوَاقِعَات) وَذكر فِي (الرَّوْضَة) و (جَوَامِع الْفِقْه) : لَا يكره الِاغْتِسَال وبل الثَّوْب وصب المَاء على الرَّأْس للْحرّ، وروى أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: لقد رَأَيْت النَّبِي، ﷺ ، بالعرج يصب على رَأسه المَاء وَهُوَ صَائِم من الْحر، أَو من الْعَطش) . وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا أَزْهَر عَن ابْن عون: كَانَ ابْن سِيرِين لَا يرى بَأْسا أَن يبل الثَّوْب، ثمَّ يلقيه على وَجهه، وَحدثنَا يحيى ابْن سعيد عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ أَنه كَانَ يصب عَلَيْهِ المَاء وَيروح عَنهُ وَهُوَ صَائِم.
وبَلَّ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثَوْبا فألْقَاهُ عَلَيْهِ وهُوَ صَائِمٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الثَّوْب المبلول إِذا ألقِي على الْبدن بل الْبدن، فَيُشبه الْبدن الَّذِي سكب عَلَيْهِ المَاء. قَوْله: (فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ) ، رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (فألقي عَلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، فَكَأَنَّهُ أَمر غَيره وألقاه عَلَيْهِ. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) جملَة وَقعت حَالا. هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الله بن أبي عُثْمَان، (قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يبل الثَّوْب ثمَّ يلقيه عَلَيْهِ) ، وَقَالَ بَعضهم: وَأَرَادَ البُخَارِيّ بأثر ابْن عمر هَذَا مُعَارضَة مَا جَاءَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بأقوى مِنْهُ، فَإِن وكيعا روى عَن الْحسن بن صَالح عَن مغيره عَنهُ أَنه كَانَ يكره للصَّائِم بل الثِّيَاب. قلت: هَذَا كَلَام صادر من غير تَأمل فَأَنَّهُ اعْترف أَن الَّذِي رَوَاهُ إِبْرَاهِيم أقوى من الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا، فَكيف تصح الْمُعَارضَة حِينَئِذٍ؟ بل الَّذِي يُقَال: إِنَّه أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَة إِلَى مَا روى عَن ابْن عمر من فعله ذَلِك، فَافْهَم.
ودَخَلَ الشَّعْبِيُّ الحَمَّامَ وهُوَ صَائِمٌ
стр. 3120
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق، قَالَ: رَأَيْت الشّعبِيّ يدْخل الْحمام وَهُوَ صَائِم.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأسَ أنْ يتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أوِ الشَّيءَ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التطعم من الشَّيْء الَّذِي هُوَ إِدْخَال الطَّعَام فِي الْفَم من غير بلغ لَا يضر الصَّوْم، فإيصال المَاء إِلَى الْبشرَة بِالطَّرِيقِ الأولى أَن لَا يضر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عِكْرِمَهْ عَنهُ بِلَفْظ: (لَا بَأْس أَن يتطاعم الْقدر) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْعمريّ أَنبأَنَا عبد الله الشريحي أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدثنَا عَليّ بن الجدع أَنبأَنَا شريك عَن سُلَيْمَان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَلَفظه: (لَا بَأْس أَن يتطاعم الصَّائِم بالشَّيْء) ، يَعْنِي المرقة وَنَحْوهَا.
قَوْله: (أَن يتطعم الْقدر) ، بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ الظّرْف الَّذِي يطْبخ فِيهِ الطَّعَام، وَالتَّقْدِير: من طَعَام الْقدر، وَأَرَادَ بقوله: أَو الشَّيْء أَي شَيْء كَانَ من المطعومات، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن إِسْرَائِيل عَن جَابر عَن عَطاء عَنهُ قَالَ: لَا بَأْس أَن يَذُوق الْخلّ أَو الشَّيْء مَا لم يدْخل حلقه وَهُوَ صَائِم، وَعَن الْحسن: لَا بَأْس أَن يتطاعم الصَّائِم الْعَسَل وَالسمن وَنَحْوه ويمجه، وَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء: لَا بَأْس أَن يتطعم الطَّعَام من الْقدر، وَعَن الحكم نَحوه، وَفعله عُرْوَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يحْتَرز عَن ذوق الطَّعَام خوف الْوُصُول إِلَى حلقه. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذا لم يدْخل حلقه لَا يفْطر وصومه تَامّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ مَالك: أكرهه وَلَا يفطره إِن لم يدْخل حلقه، وَهُوَ مثل قَوْلنَا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا بَأْس أَن تمضغ الصائمة لصبيها الطَّعَام، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَكَرِهَهُ مَالك وَالثَّوْري والكوفيون إلَاّ لمن لم يجد بدا من ذَلِك، وَبِه صرح أَصْحَابنَا. وَفِي (الْمُحِيط) : وَيكرهُ الذَّوْق للصَّائِم وَلَا يفطره، وَفِيه: لَا بَأْس أَن يَذُوق الصَّائِم الْعَسَل أَو الطَّعَام ليشتريه ليعرف جيده ورديئه كَيْلا يغبن فِيهِ مَتى لم يذقه، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَلَا بَأْس للْمَرْأَة أَن تمضغ الطَّعَام لصبيها إِذا لم تَجِد مِنْهُ بدا.
وَقَالَ الحَسَنُ لَا بأسَ بالمَضْمَضَةِ والتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الْمَضْمَضَة جُزْء للْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق بِمَعْنَاهُ قلت: لم يبين ذَلِك، بل روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة خلاف ذَلِك، فَقَالَ: حَدثنِي عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن أَنه كَانَ يكره أَن يمضمض الرجل إِذا أفطر وَإِذا أَرَادَ أَن يشرب. قَوْله: (والتبرد) أَعم من أَن يكون فِي سَائِر جسده أَو فِي بعضه، مثل مَا إِذا تبرد بِالْمَاءِ على وَجهه أَو على رجلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ إذَا كانَ صَوْمُ أحَدِكُمْ فَلْيْصْبحْ دَهِينا مُتَرَجِّلاً
ذكر فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وُجُوه: الأول: أَن الإدهان من اللَّيْل يَقْتَضِي اسْتِصْحَاب أَثَره فِي النَّهَار، وَهُوَ مِمَّا يرطب الدِّمَاغ وَيُقَوِّي النَّفس، فَهُوَ أبلغ من الِاسْتِعَانَة بِبرد الِاغْتِسَال لَحْظَة من النَّهَار، ثمَّ يذهب أَثَره. قلت: هَذَا بعيد جدا، لِأَن الادهان فِي نَفسهَا مُتَفَاوِتَة، وَمَا كل دهن يرطب الدِّمَاغ، بل فِيهَا مَا يضرّهُ، يعرفهُ من ينظر فِي علم الطِّبّ. وَقَوله: أبلغ من الِاسْتِعَانَة ... إِلَى آخِره، غير مُسلم لِأَن الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ لتَحْصِيل الْبُرُودَة والدهن يُقَوي الْحَرَارَة، وَهُوَ ضد ذَاك، فَكيف يَقُول: هُوَ أبلغ ... ؟ إِلَى آخِره. الْوَجْه الثَّانِي: قَالَه بَعضهم: إِن الْمَانِع من الِاغْتِسَال لَعَلَّه سلك بِهِ مَسْلَك اسْتِحْبَاب التقشف فِي الصّيام، كَمَا ورد مثله فِي الْحَج، والادهان والترجل فِي مُخَالفَة التقشف كالاغتسال قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَن التَّرْجَمَة فِي جَوَاز الِاغْتِسَال لَا فِي مَنعه، وَكَذَلِكَ أثر ابْن مَسْعُود فِي الْجَوَاز لَا فِي الْمَنْع، فَكيف يَجْعَل الْجَوَاز مناسبا للْمَنْع؟ الْوَجْه الثَّالِث مَا قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ الرَّد على من كره الِاغْتِسَال للصَّائِم، لِأَنَّهُ إِن كرهه خشيَة وُصُول المَاء إِلَى حلقه فالعلة بَاطِلَة بالمضمضة وبالسواك وبذوق الْقدر، وَنَحْو ذَلِك، وَإِن كرهه للرفاهية فقد اسْتحبَّ السّلف للصَّائِم الترفه والتجمل والادهان والكحل وَنَحْو ذَلِك؟ قلت: هَذَا أقرب إِلَى الْقبُول، وَلَكِن تَحْقِيقه أَن يُقَال: إِن بالاغتسال يحصل التطهر والتنظف للصَّائِم، وَهُوَ فِي ضِيَافَة الله تَعَالَى ينْتَظر الْمَائِدَة، وَمن حَاله هَذِه يحسن لَهُ التطهر والتنظف
стр. 3121
والتطيب، وَهَذِه تحصل بالاغتسال والادهان والترجل.
قَوْله: (دهينا) ، على وزن: فعيل، بِمَعْنى مفعول أَي: مدهونا. قَوْله: (مترجلاً) ، من التَّرَجُّل، وَهُوَ تَسْرِيح الشّعْر وتنظيفه، وَكَذَلِكَ الترجيل وَمِنْه أَخذ الْمرجل وَهُوَ الْمشْط، وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: يسْتَحبّ للصَّائِم أَن يدهن حَتَّى يذهب عَنهُ غبرة الصَّوْم، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ: لَا بَأْس أَن يدهن الصَّائِم شَاربه، وَمِمَّنْ أجَاز الدّهن للصَّائِم: مطرف وَابْن عبد الحكم وإصبغ، ذكره ابْن حبيب، وَكَرِهَهُ ابْن أبي ليلى.
وَقَالَ أنَسٌ إنَّ لِي أبْزَنا أتَقَحَّمُ فِيه وأنَا صَائِمً
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الدُّخُول فِي الإبزَنِ فَوق الِاغْتِسَال، والإبزن، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الزَّاي وَفِي آخِره نون: وَهُوَ الْحَوْض. وَقَالَ ابْن قرقول: مثل الْحَوْض الصَّغِير من فخار، وَنَحْوه، وَقيل: هُوَ حجر منقور كالحوض، وَقَالَ أَبُو ذَر: كالقدر يسخن فِيهِ المَاء، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَلذَلِك لَا يصرف. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ شَيْء يتَّخذ من الضفر للْمَاء، لَهُ جَوف. وَفِي كتاب (لُغَة المنصوري) لِابْنِ الحشا، وَمن خطه: أبزن، ضَبطه، بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَهُوَ مستنقع يكون أَكثر ذَلِك فِي الْحمام، وَقد يكون فِي غَيره، ويتخذ من صفر وَمن خشب. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الَّذِي قرأته على جمَاعَة من فضلاء الْأَطِبَّاء، وعد جمَاعَة: أبزن، بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (اتقحم فِيهِ) ، أَي: أَدخل، ومادته: قَاف وحاء مُهْملَة وَمِيم. قَوْله: (وَأَنا صَائِم) جملَة حَالية، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله قَاسم بن ثَابت فِي (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ، من طَرِيق عِيسَى بن طهْمَان: سَمِعت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: إِن لي إبزن إِذا وجدت الْحر تقحمت فِيهِ وَأَنا صَائِم.
ويُذْكَرُ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ اسْتَاكَ وهُوَ صَائِمٌ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يحصل بِهِ تَطْهِير الْفَم، كَمَا ورد فِي الحَدِيث: (السِّوَاك مطهرة للفم) كَمَا يحصل الطهير للبدن بالاغتسال، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تحصل الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين الحَدِيث الَّذِي ذكره بِصِيغَة التمريض. فَإِن قلت: فِي استنان الصَّائِم إِزَالَة الخلوف الَّذِي هُوَ أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك؟ قلت: إِنَّمَا مدح النَّبِي ﷺ الخلوف نهيا للنَّاس عَن تعزز مكالمة الصائمين بِسَبَب الخلوف، لَا نهيا للصوام عَن السِّوَاك، وَالله غَنِي عَن وُصُول الرَّائِحَة الطّيبَة إِلَيْهِ، فَعلمنَا يَقِينا أَنه لم يرد بِالنَّهْي اسْتِبْقَاء الرَّائِحَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ نهي النَّاس عَن كراهتها، وروى التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان عَن عَاصِم بن عبيد الله (عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ مَا لَا أحصي يتَسَوَّك وَهُوَ صَائِم) ، ثمَّ قَالَ: حَدِيث عَامر بن ربيعَة حَدِيث حسن، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن شريك وَعَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان، كِلَاهُمَا عَن عَاصِم، وَلَفظه: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يستاك وَهُوَ صَائِم) ، زَاد فِي رِوَايَة: (مَا لَا أعد وَلَا أحصي) . قَالَ صَاحب (الإِمَام) : ومداره على عَاصِم بن عبيد الله، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) بعد أَن حكى عَن التِّرْمِذِيّ أَنه حسنه: لَكِن مَدَاره على عَاصِم بن عبيد الله وَقد ضعفه الْجُمْهُور، فَلَعَلَّهُ اعتضد. انْتهى. وَقَالَ الْمزي: وَأحسن مَا قيل فِيهِ قَول الْعجلِيّ: لَا بَأْس بِهِ، وَقَول ابْن عدي: هُوَ مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، بعد تَخْرِيجه: عَاصِم بن عبيد الله لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَامر بن ربيعَة قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَائِشَة ﵂ قلت: حَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي إِسْمَاعِيل الْمُؤَدب، واسْمه إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان: عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من خير خِصَال الصَّائِم السِّوَاك) ، ومجالد بن سعيد ضعفه الْجُمْهُور، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ، وروى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِغَيْرِهِ.
قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أنس وحبان بن الْمُنْذر وخباب بن الْأَرَت وَأبي هُرَيْرَة. فَحَدِيث أنس رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْخَوَارِزْمِيّ، قَاضِي خوارزم، قَالَ: سَأَلت عَاصِمًا الْأَحول، فَقلت: أيستاك الصَّائِم؟ فَقَالَ: نعم، فَقلت: برطب السِّوَاك ويابسة؟ قَالَ: نعم قلت: أول النَّهَار وَآخره؟ قَالَ: نعم. قلت: عَمَّن؟ قَالَ: عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أَبُو إِسْحَاق الْخَوَارِزْمِيّ ضَعِيف يبلغ عَن عَاصِم الْأَحول بِالْمَنَاكِيرِ، لَا يحْتَج بِهِ. انْتهى.
стр. 3122
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي كتاب (الْأَسْمَاء والكنى) فِي تَرْجَمَة أبي إِسْحَاق، وَقَالَ: اسْمه إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن، مُنكر الحَدِيث. وَحَدِيث حبَان بن الْمُنْذر رَوَاهُ أَبُو بكر الْخَطِيب نَحْو حَدِيث خباب بن الْأَرَت. وَحَدِيث خباب بن الْأَرَت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه من رِوَايَة كيسَان أبي عمر القصاب عَن عمر بن عبد الرَّحْمَن عَن خباب عَن النَّبِي، ﷺ : (إِذا صمتم فاستاكوا بِالْغَدَاةِ، وَلَا تستاكوا بالْعَشي، فَإِنَّهُ لَيْسَ من صَائِم تيبس شفتاه بالْعَشي إلَاّ كَانَتَا نورا بَين عَيْنَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كيسَان أَبُو عمر لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد ضعفه يحيى بن معِين والساجي. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عمر بن قيس عَن عَطاء (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: لَك السِّوَاك إِلَى الْعَصْر، فَإِذا صليت الْعَصْر فألقه فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: خلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) . وَعمر بن قيس هُوَ الملقب بِسَنَد مكي مَتْرُوك، قَالَه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا، وَلَكِن الحَدِيث الْمَرْفُوع مِنْهُ صَحِيح، أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة.
وَأما اسْتِدْلَال أبي هُرَيْرَة بِهِ على السِّوَاك فَلَيْسَ فِي الصَّحِيح، وَأما حكم السِّوَاك للصَّائِم فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على سِتَّة أَقْوَال: الأول: أَنه لَا بَأْس بِهِ للصَّائِم مُطلقًا قبل الزَّوَال وَبعده، ويروى عَن عَليّ وَابْن عمر أَنه: لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب للصَّائِم، وَرَوَاهُ ذَلِك أَيْضا عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن علية، وَرويت الرُّخْصَة فِي السِّوَاك للصَّائِم عَن عمر وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن علية: السِّوَاك سنة للصَّائِم والمفطر وَالرّطب واليابس سَوَاء. الثَّانِي: كراهيته للصَّائِم بعد الزَّوَال واستحبابه قبله برطب أَو يَابِس، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي أصح قوليه، وَأبي ثَوْر، وَقد رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَرَاهَة السِّوَاك بعد الزَّوَال رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. الثَّالِث: كَرَاهَته للصَّائِم بعد الْعَصْر فَقَط، ويروى عَن أبي هُرَيْرَة. الرَّابِع: التَّفْرِقَة بَين صَوْم الْفَرْض وَصَوْم النَّفْل، فَيكْرَه فِي الْفَرْض بعد الزَّوَال وَلَا يكره فِي النَّفْل، لِأَنَّهُ أبعد عَن الرِّيَاء، حَكَاهُ المَسْعُودِيّ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَحَكَاهُ صَاحب الْمُعْتَمد من الشَّافِعِيَّة عَن القَاضِي حُسَيْن. الْخَامِس: أَنه يكره السِّوَاك للصَّائِم بِالسِّوَاكِ الرطب دون غَيره، سَوَاء أول النَّهَار وَآخره، وَهُوَ قَول مَالك وَأَصْحَابه، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ كَرَاهَة السِّوَاك الرطب للصَّائِم الشّعبِيّ وَزِيَاد بن حدير وَأَبُو ميسرَة وَالْحكم ابْن عتيبة وَقَتَادَة. السَّادِس: كَرَاهَته للصَّائِم بعد الزَّوَال مُطلقًا، وَكَرَاهَة الرطب للصَّائِم مُطلقًا، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ يَسْتَاكُ أوَّلَ النَّهَارِ وآخِرَهُ ولَا يَبْلَعُ رِيقَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَهَذَا التَّعْلِيق روى مَعْنَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن عبيد الله بن نَافِع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر، بِلَفْظ: (كَانَ يستاك إِذا أَرَادَ أَن يروح إِلَى الظّهْر وَهُوَ صَائِم) .
وَقَالَ عَطَاءٌ إِن ازْدَرَدَ رِيقَهُ لَا أقُولُ يُفْطِرُ
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح فِي أثر ابْن عمر الْمَذْكُور: إِن ازدرد، أَي: إِن ابتلع رِيقه بعد التسوك لَا يفْطر، وأصل: ازدرد: ازترد لِأَنَّهُ من: زرد، إِذا بلع فَنقل إِلَى بَاب الافتعال: فَصَارَ: ازترد، ثمَّ قلبت: التَّاء دَالا، فَصَارَ: ازدرد.
وَقَالَ ابنُ سِيرينَ لَا بَأسَ بالسِّوَاكِ الرَّطْبِ قِيلَ لَهُ طَعْمٌ قَالَ والمَاءُ لَهُ طَعْمٌ وأنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ
ابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عبيد بن سهل الفداني عَن عقبَة بن أبي حَمْزَة الْمَازِني، قَالَ: أَتَى مُحَمَّد بن سِيرِين رجل فَقَالَ: مَا ترى فِي السِّوَاك للصَّائِم؟ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ. قَالَ: إِنَّه جَرِيدَة وَله طعم، قَالَ: المَاء لَهُ طعم وَأَنت تمضمض بِهِ. فَإِن قلت: لَا طعم للْمَاء لِأَنَّهُ تفه. قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ منى﴾ (الْبَقَرَة: ٩٤٢) . وَقَالَ صَاحب (الْمُجْمل) : الطَّعَام يَقع على كل مَا يُطعم حَتَّى المَاء.
وَلم يَرع أنَسٌ والحَسَنُ وإبْرَاهِيمُ بالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأسا
стр. 3123
أنس هُوَ ابْن مَالك الصَّحَابِيّ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَمَسْأَلَة الْكحل للصَّائِم وَقعت هُنَا اسْتِطْرَادًا لَا قصدا، فَلذَلِك لَا تطلب فِيهَا الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة.
أما التَّعْلِيق عَن أنس فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (السّنَن) من طَرِيق عبيد الله أبي بكر بن أنس (عَن أنس: أَنه كَانَ يكتحل وَهُوَ صَائِم) ، وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي عَاتِكَة (عَن أنس: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: اشتكت عَيْني أفأكتحل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: نعم) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ، وَلَا يَصح عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْبَاب شَيْء، وَأَبُو عَاتِكَة اسْمه: طريف بن سُلَيْمَان، وَقيل: سُلَيْمَان. وَقيل: اسْمه سلمَان بن طريف. قَالَ البُخَارِيّ: هُوَ مُنكر الحَدِيث وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: ذَاهِب الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة، وروى ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح لَا بَأْس بِهِ (عَن عَائِشَة، قَالَت: اكتحل رَسُول الله ﷺ وَهُوَ صَائِم) ، وَفِي (كتاب الصّيام) لِابْنِ أبي عَاصِم بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ من حَدِيث نَافِع (عَن ابْن عمر: خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَعَيناهُ مملوءتان من الإثمد فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم) . فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عبد الرَّحْمَن بن النُّعْمَان بن معبد بن هودة عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَمر بالإثمد المروح عِنْد النّوم، وَقَالَ: ليتَّقِهِ الصَّائِم قلت: قَالَ أَبُو أَبُو دَاوُد: قَالَ لي يحيى بن معِين: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَقَالَ الْأَثْرَم عَن أَحْمد) هَذَا حَدِيث مُنكر فَلَا مُعَارضَة حِينَئِذٍ، وروى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه، وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة حبَان بن عَليّ عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي رَافع عَن أَبِيه عَن جده: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يكتحل بالإثمد وَهُوَ صَائِم، وَمُحَمّد هَذَا قَالَ فِيهِ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء، وروى الْحَارِث بن أبي أُسَامَة عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن إِسْحَاق: حَدثنَا سعيد بن زيد عَن عَمْرو بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ بن أبي طَالب، وَعَن حبيب بن ثَابت عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: انتظرنا النَّبِي ﷺ أَن يخرج فِي رَمَضَان إِلَيْنَا، فَخرج من بَيت أم سَلمَة وَقد كحلته وملأت عَيْنَيْهِ كحلاً) . وَلَيْسَ هَذَانِ الحديثان صريحين فِي الْكحل للصَّائِم إِنَّمَا ذكر فيهمَا رَمَضَان فَقَط، وَلَعَلَّه كَانَ فِي رَمَضَان فِي اللَّيْل، وَالله أعلم. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اكتحل بالإثمد يَوْم عَاشُورَاء لم يرمد أبدا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده ضَعِيف. وَفِيه: روى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، وَالضَّحَّاك لم يلق ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وروى ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب (فَضَائِل الشُّهُور) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي حَدِيث طَوِيل فِيهِ: صِيَام عَاشُورَاء والاكتحال فِيهِ، قَالَ ابْن نَاصِر: هَذَا حَدِيث حسن عَزِيز، رِجَاله ثِقَات وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح، وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) ، وَقَالَ شَيخنَا: وَالْحق مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ، وَأَنه حَدِيث مَوْضُوع. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث بَرِيرَة (قَالَت: رَأَيْت النَّبِي ﷺ يكتحل بالإثمد وَهُوَ صَائِم) .
وَأما أثر الْحسن فوصله عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ قَالَ: (لَا بَأْس بالكحل للصَّائِم) .
وَأما أثر إِبْرَاهِيم فَاخْتلف عَنهُ، فروى سعيد بن مَنْصُور عَن جرير (عَن الْقَعْقَاع بن يزِيد: سَأَلت إِبْرَاهِيم: أيكتحل الصَّائِم؟ قَالَ: نعم، قلت: أجد طعم الصَّبْر فِي حلقي؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَيْء) ، وروى عَن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: لَا بَأْس بالكحل للصَّائِم مَا لم يجد طعمه.
وَأما حكم الْمَسْأَلَة فقد اخْتلفُوا فِي الْكحل للصَّائِم فَلم يَرَ الشَّافِعِي بِهِ بَأْسا سَوَاء وجد طعم الْكحل فِي الْحلق أم لَا، وَاخْتلف قَول مَالك فِيهِ فِي الْجَوَاز وَالْكَرَاهَة، قَالَ فِي (الْمُدَوَّنَة) : يفْطر مَا وصل إِلَى الْحلق من الْعين، وَقَالَ أَبُو مُصعب: لَا يفْطر، وَذهب الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق إِلَى كَرَاهَة الْكحل للصَّائِم، وَحكى عَن أَحْمد أَنه إِذا وجد طعمه فِي الْحلق أفطر، وَعَن عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأبي ثَوْر: يجوز بِلَا كَرَاهَة، وَأَنه لَا يفْطر بِهِ سَوَاء وجد طعمه أم لَا. وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى أَنهم قَالُوا: يبطل صَوْمه. وَقَالَ ابْن قَتَادَة: يجوز بالإثمد، وَيكرهُ بِالصبرِ، وَفِي (سنَن) أبي دَاوُد عَن الْأَعْمَش قَالَ: مَا رَأَيْت أحدا من أَصْحَابنَا يكره الْكحل للصَّائِم.
٣٨ - (حَدثنَا أَحْمد بن صَالح قَالَ حَدثنَا ابْن وهب قَالَ حَدثنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَأبي بكر قَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يُدْرِكهُ الْفجْر //
стр. 3124
جنبا فِي رَمَضَان من غير حلم فيغتسل ويصوم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَقد مضى هَذَا الحَدِيث قبل هَذَا الْبَاب ببابين فِي بَاب الصَّائِم يصبح جنبا وَتَقَدَّمت المباحث فِيهِ هُنَاكَ وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث قَوْله " من غير حلم " بِضَم الْحَاء تَقْدِيره من جَنَابَة من غير حلم فَاكْتفى بِالصّفةِ عَن الْمَوْصُوف لظُهُوره
٣٩ - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي مَالك عَن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام بن الْمُغيرَة أَنه سمع أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن قَالَ كنت أَنا وَأبي فَذَهَبت مَعَه حَتَّى دَخَلنَا على عَائِشَة ﵂ قَالَت أشهد على رَسُول الله ﷺ َ - إِن كَانَ ليُصبح جنبا من جماع غير احْتِلَام ثمَّ يَصُومهُ ثمَّ دَخَلنَا على أم سَلمَة فَقَالَت مثل ذَلِك) هَذَا الحَدِيث أَيْضا مضى فِي بَاب الصَّائِم يصبح جنبا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك إِلَى آخِره مطولا وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ -
٦٢ - (بابُ الصَّائِمِ إذَا أكَلَ أوْ شَرِبَ نَاسِيا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم إِذا أكل أَو شرب حَال كَونه نَاسِيا وَإِنَّمَا لم يذكر جَوَاب إِذا لمَكَان الْخلاف فِيهِ، تَقْدِيره: هَل يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء أم لَا.
وَقَالَ عَطَاءٌ إنِ اسْتَنثَرَ فَدَخَلَ المَاءُ فِي حَلْقِهِ لَا بأسَ بِهِ إنْ لَمْ يَمْلِكْ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حكم دُخُول المَاء فِي حلق الصَّائِم بعد الاستنثار وَلم يملك دَفعه كَحكم شرب المَاء نَاسِيا فِي عدم وجوب الْقَضَاء، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن جريج أَن إنْسَانا قَالَ لعطاء: استنثرت فَدخل المَاء فِي حلقي، قَالَ: لَا بَأْس لم تملك، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : لَا بَأْس إِن لم تملك كَذَا، فِي نُسْخَة السماع، وَفِي غَيرهَا سُقُوط: إِن، وَفِي نُسْخَة: إِذْ لم تملك. قلت: وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي: لَا بَأْس لم يملك، بِإِسْقَاط: إِن، وَمعنى قَوْله: (إِن لم يملك) يَعْنِي: دفع المَاء بِأَن غَلبه، فَإِن ملك دفع المَاء فَلم يدْفع حَتَّى دخل حلقه أفطر، ويروى: إِن لم يملك دَفعه، وَقَوله: لم يملك، بِدُونِ إِن، اسْتِئْنَاف كَلَام، تعليلاً لما تقدم عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَا بَأْس هُوَ جَزَاء الشَّرْط فَلَا بُد من الْفَاء. قلت: هُوَ مُفَسّر للجزاء الْمَحْذُوف، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة جَزَاء لقَوْله: إِن استنثر، وعَلى نُسْخَة سُقُوط: إِن، الْفَاء محذوفة كَقَوْلِه:
من يفعل الْحَسَنَات الله يشكرها
وَقَوله: إِن استنثر، من الاستنثار وَهُوَ إِخْرَاج مَا فِي الْأنف بعد الِاسْتِنْشَاق، وَقيل: هُوَ نفس الِاسْتِنْشَاق.
وَقَالَ الحسَنُ إنْ دَخلَ حَلْقَهُ الذُّبَابُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حكم دُخُول الذُّبَاب فِي حلق الصَّائِم كَحكم الْأكل نَاسِيا فِي عدم وجوب الْقَضَاء، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق وَكِيع عَن الرّبيع عَنهُ، قَالَ: (لَا يفْطر الرجل بِدُخُول حلقه الذُّبَاب) ، وَعَن ابْن عَبَّاس وَالشعْبِيّ: (إِذا دخل الذُّبَاب لَا يفْطر) ، وَبِه قَالَت الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلم يحفظ عَن غَيرهم خِلَافه، وَفِي (الْمُحِيط) : وَلَو دخل حلقه الذُّبَاب أَو الدُّخان أَو الْغُبَار لم يفطره، وَكَذَا لَو بَقِي بَلل فِي فَمه بعد الْمَضْمَضَة وابتلعه مَعَ رِيقه لعدم إِمْكَان الِاحْتِرَاز عَنهُ، بِخِلَاف مَا لَو دخل الْمَطَر أَو الثَّلج حلقه حَيْثُ يفطره، وَفِي (الْكتاب) فِي الْأَصَح، وَفِي (الْمَبْسُوط) : فِي الصَّحِيح، وَفِي (الذَّخِيرَة) قيل: يفْسد صَوْمه فِي الْمَطَر وَلَا يفْسد فِي الثَّلج، وَفِي بعض الْمَوَاضِع على الْعَكْس، وَفِي (الْجَامِع الْأَصْغَر) : يفْسد فيهمَا، وَهُوَ الْمُخْتَار.
стр. 3125
وَلَو خَاضَ المَاء فَدخل أُذُنه لَا يفطره، بِخِلَاف الدّهن، وَإِن كَانَ بِغَيْر صنعه لوُجُود إصْلَاح بدنه، وَلَو صب المَاء فِي أذن نَفسه فَالصَّحِيح أَنه لَا يفطره لعدم إصْلَاح الْبدن بِهِ، لِأَن المَاء يضر بالدماغ، وَفِي (الخزانة) : لَو دخل حلقه من دُمُوعه أَو عرق جَبينه قطرتان وَنَحْوهمَا لَا يضرّهُ، وَالْكثير الَّذِي يجد ملوحته فِي حلقه يفْسد صَوْمه لَا صلَاته، وَلَو نزل المخاط من أَنفه فِي حلقه عَليّ تعمد مِنْهُ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَو ابتلع بزاق غَيره أفسد صَوْمه وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ. كَذَا فِي (الْمُحِيط) . وَفِي (الْبَدَائِع) : لَو ابتلع ريق حَبِيبه أَو صديقه، قَالَ الْحلْوانِي: عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ لَا يعافه بل يلتذ بِهِ، وَقيل: لَا كَفَّارَة فِيهِ، وَلَو جمع رِيقه فِي فِيهِ ثمَّ ابتلعه لم يفطره، وَيكرهُ ذكره المرغيناني.
وَقَالَ الحَسَنُ ومُجَاهِدٌ إنْ جامَعَ ناسِيا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حكم الْجِمَاع نَاسِيا كَحكم الْأكل وَالشرب نَاسِيا فِي عدم وجوب شَيْء عَلَيْهِ، وَتَعْلِيق الْحسن وَصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن رجل عَن الْحسن، قَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَة من أكل أَو شرب نَاسِيا. وَتَعْلِيق مُجَاهِد وَصله عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: لَو وطىء رجل امْرَأَته وَهُوَ صَائِم نَاسِيا فِي رَمَضَان لم يكن عَلَيْهِ فِيهِ شَيْء، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ قَول عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عمر وَعَطَاء وطاووس وَمُجاهد وَعبيد الله بن الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَأبي ثَوْر وَابْن أبي ذِئْب وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري، وَكَذَلِكَ فِي الْأكل وَالشرب نَاسِيا. وَقَالَ ابْن علية وَرَبِيعَة وَاللَّيْث وَمَالك: يفْطر وَعَلِيهِ الْقَضَاء، زَاد أَحْمد: وَالْكَفَّارَة فِي الْجِمَاع نَاسِيا، وَهُوَ أحد الْوَجْهَيْنِ للشَّافِعِيَّة.
٤٠ - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا يزِيد بن زُرَيْع قَالَ حَدثنَا هِشَام قَالَ حَدثنَا ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِذا نسي فَأكل وَشرب فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد مروا غير مرّة وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي وَهِشَام هُوَ الدستوَائي يروي على مُحَمَّد بن سِيرِين والْحَدِيث أخرجه مُسلم من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن علية عَن هِشَام عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة وَلَفظه " من نسي وَهُوَ صَائِم فَأكل أَو شرب فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه " وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَقَالَ حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب وحبِيب وَهِشَام عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ " جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي أكلت وشربت نَاسِيا وَأَنا صَائِم قَالَ الله أطعمك وسقاك " وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدثنَا أَبُو سعيد حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن حجاج عَن قَتَادَة عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " من أكل أَو شرب نَاسِيا فَلَا يفْطر فَإِنَّمَا هُوَ رزق رزقه الله " وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة " إِذا أكل الصَّائِم أَو شرب نَاسِيا فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عَوْف عَن خلاس وَمُحَمّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " من أفطر نَاسِيا وَهُوَ صَائِم فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه " وروى ابْن حبَان أَيْضا من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " من أفطر فِي شهر رَمَضَان نَاسِيا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة " وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ابْن علية عَن هِشَام " فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْهِ " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن أخرج حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد وَأم إِسْحَق. فَحَدِيث أبي سعيد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة الْفَزارِيّ عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - " من أفطر فِي شهر رَمَضَان نَاسِيا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ إِن الله أطْعمهُ وسقاه " قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الْفَزارِيّ هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَزْرَمِي (قلت) هُوَ ضَعِيف. وَحَدِيث أم إِسْحَق رَوَاهُ أَحْمد حَدثنَا عبد الصَّمد حَدثنَا بشار بن عبد الْملك قَالَ " حَدَّثتنِي أم حَكِيم بنت دِينَار عَن مولاتها أم إِسْحَق
стр. 3126
أَنَّهَا كَانَت عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - فَأتى بقصعة من ثريد فَأكلت مَعَه وَمَعَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فناولها رَسُول الله ﷺ َ - عرقا فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ يَا أم إِسْحَق أصيبي من هَذَا فَذكرت أَنِّي كنت صَائِمَة فبردت يَدي لَا أقدمها وَلَا أؤخرها فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - مَا لَك قَالَت كنت صَائِمَة فنسيت فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ الْآن بَعْدَمَا شبعت فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - أتمي صومك فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْك " وبشار بن عبد الْملك الْمُزنِيّ ضعفه يحيى بن معِين وَأم حَكِيم اسْمهَا خَوْلَة قَوْله " إِذا نسي " أَي الصَّائِم قَوْله " فَأكل وَشرب " ويروى " أَو شرب " قَوْله " فليتم صَوْمه " وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ " فَلَا يفْطر " قَالَ شَيخنَا يجوز أَن يكون لَا فِي جَوَاب الشَّرْط للنَّهْي وَيفْطر مَجْزُومًا وَيجوز أَن تكون لَا نَافِيَة وَيفْطر مَرْفُوعا وَهُوَ أولى فَإِنَّهُ لم يرد بِهِ النَّهْي عَن الْإِفْطَار وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه لم يحصل إفطار النَّاسِي بِالْأَكْلِ وَيكون تَقْدِيره من أكل أَو شرب نَاسِيا لم يفْطر قَوْله " فَإِنَّمَا " تَعْلِيل لكَون النَّاسِي لَا يفْطر وَوجه ذَلِك أَن الرزق لما كَانَ من الله لَيْسَ فِيهِ للْعَبد تحيل فَلَا ينْسب إِلَيْهِ شبه الْأكل نَاسِيا بِهِ لِأَنَّهُ لَا صنع للْعَبد فِيهِ وَإِلَّا فالأكل مُتَعَمدا حَيْثُ جَازَ لَهُ الْفطر رزق من الله تَعَالَى بِإِجْمَاع الْعلمَاء وَكَذَلِكَ هُوَ رزق وَإِن لم يجز لَهُ الْفطر على مَذْهَب أهل السّنة وَقد يسْتَدلّ بِمَفْهُوم هَذَا الحَدِيث من يَقُول بِأَن الْحَرَام لَا يُسمى رزقا وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَالْمَسْأَلَة مقررة فِي الْأُصُول (فَإِن قلت) كَيفَ وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْأكل وَالشرب نَاسِيا لَا يُوجب شَيْئا وَلَا ينْقض صَوْمه (قلت) قَوْله " فليتم " أَمر بالإتمام وسمى الَّذِي يتمه صوما وَالْحمل على الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة هُوَ الْوَجْه ثمَّ لَا فرق عندنَا وَعند الشَّافِعِي بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِيهِ وَجْهَان كالوجهين فِي بطلَان الصَّلَاة بالْكلَام الْكثير وَحمل بعض الشَّافِعِيَّة الحَدِيث على صَوْم التَّطَوُّع حَكَاهُ ابْن التِّين عَن ابْن شعْبَان وَكَذَا قَالَ ابْن الْقصار لِأَنَّهُ لم يَقع فِي الحَدِيث تعْيين رَمَضَان فَيحمل على التَّطَوُّع وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره لم لم يذكر فِي الحَدِيث إِثْبَات الْقَضَاء فَيحمل على سُقُوط الْكَفَّارَة عَنهُ وَإِثْبَات عذره وَرفع الْإِثْم عَنهُ وَبَقَاء نِيَّته الَّتِي بَيتهَا وَالْجَوَاب عَن ذَلِك كُله بِمَا رَوَاهُ ابْن حبَان من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور آنِفا فَإِن فِيهِ تعْيين رَمَضَان وَنفي الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة (فَإِن قلت) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ تفرد بِهِ مُحَمَّد بن مَرْزُوق عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ (قلت) أخرجه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَاهِلِيّ وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق أبي حَازِم الرَّازِيّ كِلَاهُمَا عَن الْأنْصَارِيّ -
٧٢ - (بابٌ السوَاكُ الرَّطْبُ والْيابِسُ لِلصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِعْمَال السِّوَاك الرطب، وَبَيَان حكم اسْتِعْمَال السِّوَاك الْيَابِس. قَوْله: (الرطب واليابس) ، صفتان للسواك، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع: بَاب سواك الرطب واليابس، من قبيل قَوْلهم: مَسْجِد الْجَامِع، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الصّفة لَا يُضَاف إِلَيْهَا موصوفها، فَإِن وجد ذَلِك يقدر مَوْصُوف كَمَا فِي هَذِه الصُّورَة، وَالتَّقْدِير: مَسْجِد الْمَكَان الْجَامِع، وَكَذَلِكَ قَوْلهم: صَلَاة الأولى أَي: صَلَاة السَّاعَة الأولى، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي: سواك الرطب، سواك الشّجر الرطب. قلت: مَذْهَب الْكُوفِيّين فِي هَذَا أَن الصّفة يذهب بهَا مَذْهَب الْجِنْس، ثمَّ يُضَاف الْمَوْصُوف إِلَيْهَا كَمَا يُضَاف بعض الْجِنْس إِلَيْهِ، نَحْو: خَاتم حَدِيد، فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير مَحْذُوف، وَقَالَ بَعضهم: وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من كره للصَّائِم الاستياك بِالسِّوَاكِ الرطب كالمالكية وَالشعْبِيّ قلت: لم يكن مُرَاده أصلا من وضع هَذِه التَّرْجَمَة مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا لما أورد فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا فِيهِ الَّتِي دلّت بعمومها على جَوَاز الاستياك للصَّائِم مُطلقًا، سَوَاء كَانَ سواكا رطبا أَو سواكا يَابسا ترْجم لذَلِك بقوله: بَاب السِّوَاك الرطب ... إِلَى آخِره.
ويُذْكَرُ عنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَسْتَاكُ وهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي أوْ أعُدُّ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَدِيث دلَالَة عُمُوم قَوْله: (يستاك) على جَوَاز الاستياك مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الاستياك بِالسِّوَاكِ الرطب أَو الْيَابِس، وَسَوَاء كَانَ صَائِما فرضا أَو تَطَوّعا، وَسَوَاء كَانَ فِي أول النَّهَار أَو فِي آخِره. وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي: بَاب اغتسال الصَّائِم، وَيذكر عَن النَّبِي ﷺ أَنه استاك وَهُوَ صَائِم، وَذكر هُنَا: وَيذكر عَن عَامر بن ربيعَة ... إِلَى آخِره، وَذكرنَا
стр. 3127
هُنَاكَ أَن حَدِيث عَامر بن ربيعَة هَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مَوْصُولا، وَإِنَّمَا ذكر فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِصِيغَة التمريض، لِأَن فِي سَنَده: عَاصِم بن عبيد الله، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، فَليرْجع إِلَيْهِ من يُرِيد الْوُقُوف عَلَيْهِ.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله: (بِالسِّوَاكِ) أَعم من السِّوَاك الرطب والسواك الْيَابِس، ومضمون الحَدِيث يَقْتَضِي إِبَاحَته فِي كل وَقت، وَفِي كل حَال، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق النَّسَائِيّ عَن سُوَيْد بن نصر: أخبرنَا عبد الله عَن عبيد الله عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي (الْمُوَطَّأ) : عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: (لَوْلَا أَن يشق على أمته لأمرهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء) ، قَالَ أَبُو عمر: هَذَا يدْخل فِي الْمسند عِنْدهم لاتصاله من غير مَا وَجه، وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ أَكثر الروَاة عَن مَالك، وَرَوَاهُ بشر بن عمر وروح بن عبَادَة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء) ، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من حَدِيث روح، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي ومطرف بن عبد الرَّحْمَن وَابْن عتمة بِمَا يَقْتَضِي أَن لَفظهمْ: (مَعَ كل وضوء) ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) مصححا بِلَفْظ: (لفرضت عَلَيْهِم السِّوَاك مَعَ كل وضوء) ، وَرَوَاهُ الْمثنى عَنهُ: (مَعَ كل طَهَارَة) ، وَرَوَاهُ أَبُو معشر عَنهُ: (لَوْلَا أَن أشق على النَّاس لأمرتهم عِنْد كل صَلَاة بِوضُوء، وَمَعَ الْوضُوء بسواك) . وَالله أعلم.
ويُرْوَى نَحْوُهُ عنْ جابِرٍ وزَيْدِ بنِ خالِدٍ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: يرْوى نَحْو حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن من مشاهير الصَّحَابَة، وَهَذَانِ التعليقان رَوَاهُمَا أَبُو نعيم الْحَافِظ. فَالْأول من حَدِيث إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي عَن عبد الله بن عقيل عَنهُ بِلَفْظ: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) ، وَالثَّانِي من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن أبي سَلمَة عَن زيد، وَلَفظه: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) وَإِنَّمَا ذكره بِصِيغَة التمريض لأجل مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَإِنَّهُ لم يحْتَج بِهِ، وَلَكِن ذكره فِي (المتابعات) . وَأما الأول فضعفه ظَاهر بِابْن عقيل الْفَروِي، فَإِنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ، وروى ابْن عدي حَدِيث جَابر من وَجه آخر بِلَفْظ: (لجعلت السِّوَاك عَلَيْهِم عَزِيمَة) ، وَإِسْنَاده ضَعِيف. فَإِن قلت: هَل فرق بَين قَوْله: (نَحوه) ، وَبَين قَوْله: (مثله؟) قلت: إِذا كَانَ الحديثان على لفظ وَاحِد يُقَال: مثله، وَإِذا كَانَ الثَّانِي على مثل مَعَاني الأول يُقَال: نَحوه.
وَاخْتلف أهل الحَدِيث فِيمَا إِذا روى الرَّاوِي حَدِيثا بِسَنَدِهِ ثمَّ ذكر سندا آخر وَلم يسق لفظ مَتنه، وَإِنَّمَا قَالَ بعده: مثله، أَو: نَحوه، فَهَل يسوغ للراوي عَنهُ أَن يروي لفظ الحَدِيث الْمَذْكُور أَولا لإسناد الثَّانِي أم لَا؟ على ثَلَاثَة مَذَاهِب. أظهرها: أَنه لَا يجوز مُطلقًا. وَهُوَ قَول شُعْبَة وَرجحه ابْن الصّلاح وَابْن دَقِيق الْعِيد. وَالثَّانِي: أَنه إِن عرف الرَّاوِي بالتحفظ والتمييز للألفاظ جَازَ، وإلَاّ فَلَا، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَابْن معِين. وَالثَّالِث: وَهُوَ اخْتِيَار الْحَاكِم: التَّفْرِقَة بَين قَوْله: مثله، وَبَين قَوْله: نَحوه، فَإِن قَالَ: مثله، جَازَ بِالشّرطِ الْمَذْكُور، وَإِن قَالَ: نَحوه، لم يجز، وَهُوَ قَول يحيى بن معِين. وَقَالَ الْخَطِيب: هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن معِين بِنَاء على منع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، فَأَما على جَوَازهَا فَلَا فرق.
ولَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِه
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أَي: لم يخص النَّبِي ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ من الصَّحَابَة أَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَزيد بن خَالِد الْمَذْكُور الْآن الصَّائِم من غير الصَّائِم، وَلَا السِّوَاك الْيَابِس من غَيره، فَيدْخل فِي عُمُوم الْإِبَاحَة كل جنس من السِّوَاك رطبا إو يَابسا، وَلَو افترق الحكم فِيهِ بَين الرطب واليابس فِي ذَلِك لبينه، لِأَن الله فرض عَلَيْهِ الْبَيَان لأمته.
стр. 3128
وقالَتْ عائِشَةُ عنِ النَّبِي ﷺ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ
وَقع هَذَا فِي بعض النّسخ مقدما فَوق حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَلَيْسَ هَذَا وَحده، بل وَقع فِي غير رِوَايَة أبي ذَر فِي سِيَاق الْآثَار، وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَلَيْسَ يَبْنِي عَلَيْهِ عَظِيم أَمر، وَأما التَّعْلِيق عَن عَائِشَة فوصله أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي عَتيق مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق عَن أَبِيه عَنْهَا.
قَوْله: (مطهرة) ، بِفَتْح الْمِيم: إِمَّا مصدر ميمي بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل من التَّطْهِير، وَإِمَّا بِمَعْنى الْآلَة. وَفِي (الصِّحَاح) : المطهرة والمطهرة يَعْنِي: بِفَتْح الْمِيم وكسرهما، الْإِدَاوَة، وَالْفَتْح أَعلَى، وَالْجمع: الْمَطَاهِر، وَيُقَال: السِّوَاك مطهرة للفم. قَوْله: (مرضاة للرب) ، المرضاة بِالْفَتْح مصدر ميمي بِمَعْنى الرضى، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الْمَفْعُول أَي مرضى الرب، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُمكن أَن يُقَال إِنَّهَا مثل (الْوَلَد المبخلة مجينة) : أَي السِّوَاك مَظَنَّة للطَّهَارَة والرضى أَي يحمل السِّوَاك الرجل على الطَّهَارَة ورضى الرب، وَعطف مرضاة يحْتَمل التَّرْتِيب بِأَن تكون الطَّهَارَة بِهِ عِلّة للرضى، وَأَن يَكُونَا مستقلين فِي الْعلية قلت: يُؤْخَذ الْجَواب من هَذَا السُّؤَال من يسْأَل: كَيفَ يكون السِّوَاك سَببا لرضى الله تَعَالَى؟ وَيُمكن أَن يُقَال أَيْضا: من حَيْثُ إِن الْإِتْيَان بالمندوب مُوجب للثَّواب، وَمن جِهَة أَنه مُقَدّمَة للصَّلَاة، وَهِي مُنَاجَاة الرب، وَلَا شكّ أَن طيب الرَّائِحَة يَقْتَضِي رضى صَاحب الْمُنَاجَاة.
وَقَالَ عَطَاءٌ وقَتَادَةُ يَبْتَلعُ رِيقَهُ
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة بن دعامة: يبتلع الصَّائِم رِيقه: يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء إِذا بلع رِيقه، وَقد ذكرنَا عَن قريب عَن أَصْحَابنَا أَن الصَّائِم إِذا جمع رِيقه فِي فَمه ثمَّ ابتلعه لم يفْطر، وَلكنه يكره. قَوْله: (يبتلع) ، من بَاب الافتعال، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: يبلع من البلع، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: يتبلع من بَاب التفعل الَّذِي يدل على التَّكَلُّف، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن المارك (عَن ابْن جريج قلت: لعطاء: الصَّائِم يمضمض ثمَّ يزدرد رِيقه وَهُوَ صَائِم؟ قَالَ: لَا يضرّهُ، وَمَا بَقِي فِي فِيهِ) ؟ وَكَذَلِكَ أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، وَوَقع فِي أصل البُخَارِيّ: وَمَا بَقِي فِيهِ؟ وَقَالَ ابْن بطال: ظَاهِرَة إِبَاحَة الازدراد لما بَقِي فِي الْفَم من مَاء الْمَضْمَضَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ بِلَفْظ: (وماذا بَقِي فِي فِيهِ؟) فَكَأَن: ذَا، سَقَطت من رُوَاة البُخَارِيّ، وَأثر قَتَادَة وَصله عبد بن حميد فِي التَّفْسِير عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ نَحْو مَا روى عَن عَطاء.
٤١ - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا معمر قَالَ حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن حمْرَان قَالَ رَأَيْت عُثْمَان ﵁ تَوَضَّأ فأفرغ على يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثمَّ تمضمض واستنثر ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا ثمَّ غسل يَده الْيُمْنَى إِلَى الْمرْفق ثَلَاثًا ثمَّ غسل يَده الْيُسْرَى إِلَى الْمرْفق ثَلَاثًا ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ غسل رجله الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث نَفسه فيهمَا بِشَيْء إِلَّا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) قد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي بَاب الْوضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب إِلَى آخِره وَأخرجه هُنَا عَن عَبْدَانِ وَهُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن معمر بن رَاشد الْأَزْدِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره ومناسبة ذكره هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب فِي قَوْله " تَوَضَّأ " فَإِن مَعْنَاهُ تَوَضَّأ وضُوءًا كَامِلا جَامعا للسنن وَمن جملَته السِّوَاك وَقَالَ ابْن بطال حَدِيث عُثْمَان حجَّة وَاضِحَة فِي إِبَاحَة كل جنس من السِّوَاك رطبا كَانَ أَو يَابسا وَهُوَ انتزاع ابْن سِيرِين مِنْهُ حِين قَالَ لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب
стр. 3129
فَقيل لَهُ طعم فَقَالَ وَالْمَاء لَهُ طعم وَهَذَا لَا انفكاك مِنْهُ لِأَن المَاء أرق من ريق السِّوَاك وَقد أَبَاحَ الله تَعَالَى الْمَضْمَضَة بِالْمَاءِ فِي الْوضُوء للصَّائِم قَوْله " بِشَيْء " أَي بِمَا لَا يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ قَوْله " إِلَّا غفر لَهُ " ويروى بِدُونِ كلمة الِاسْتِثْنَاء وَوجه الِاسْتِثْنَاء هُوَ الِاسْتِفْهَام الإنكاري الْمُفِيد للنَّفْي وَيحْتَمل أَن يُقَال المُرَاد لَا يحدث نَفسه بِشَيْء من الْأَشْيَاء فِي شَأْن الرَّكْعَتَيْنِ إِلَّا بِأَنَّهُ قد غفر لَهُ وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ -
٨٢ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ إذَا تَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخرِهِ المَاءَ)
أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من قَول النَّبِي ﷺ : إِذا تَوَضَّأ ... إِلَى آخِره، وَهَذِه الْقطعَة من حَدِيث لم يوصلها البُخَارِيّ وأوصلها مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن رَافع، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن همام، قَالَ: حَدثنَا معمر عَن قَتَادَة عَن همام بن مُنَبّه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ ، فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا، وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليستنشق بمنخريه من المَاء ثمَّ ليستنثر) ، وَفِي لفظ لَهُ من رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: (يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ ، قَالَ: إِذا استجمر أحدكُم فليستجمر وترا، وَإِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل فِي أَنفه مَاء ثمَّ ليستنثر) . قَوْله: (إِذا تَوَضَّأ) أَي: أحدكُم، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (بمنخره) ، المنخر ثقب الْأنف، وَقد تكسر الْمِيم اتبَاعا للخاء.
ولَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وغَيْرِهِ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، أَي: لم يُمَيّز النَّبِي، ﷺ ، فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بَين الصَّائِم وَغَيره، بل ذكره على الْعُمُوم، وَلَو كَانَ بَينهمَا فرق لميزه النَّبِي ﷺ ، لَكِن جَاءَ تَمْيِيز الصَّائِم من غَيره فِي الْمُبَالغَة فِي ذَلِك كَمَا ورد فِي حَدِيث عَاصِم بن لَقِيط بن صبره عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: (بَالغ فِي الِاسْتِنْشَاق إلَاّ أَن تكون صَائِما) ، رَوَاهُ أَصْحَاب (السّنَن) وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره.
وَقَالَ الحَسَنُ لَا بأسَ بالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إنْ لَمْ يصِلْ إلَى حَلْقِهِ ويَكْتَحِلُ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هِشَام عَنهُ نَحوه، والسعود بِفَتْح السِّين وَقد يرْوى بضَمهَا، هُوَ الدَّوَاء الَّذِي يصب فِي الْأنف. قَوْله: (إِن لم يصل) أَي: السعوط إِلَى حلقه، وَقيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا وصل إِلَى حلقه يضر صَوْمه وَيَقْضِي يَوْمًا. قَوْله: (ويكتحل) من كَلَام الْحسن، أَي: يكتحل الصَّائِم، يَعْنِي: يجوز للصَّائِم الاكتحال، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب مستقصىً.
وَقَالَ عَطَاءٌ إنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أفْرَغَ مَا فِيهِ مِنَ المَاءِ لَا يَضِيرُهُ إنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ وماذَا بَقِيَ فِي فِيهِ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جريج عَنهُ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب عِنْد قَوْله: وَقَالَ عَطاء قَتَادَة: يبتلع رِيقه. قَوْله: (لَا يضيره) ، من ضاره يضيره ضيرا، بِمَعْنى: ضره، وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: لَا يضرّهُ من ضره بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (إِن لم يزدرد) أَي: لم يبلع رِيقه. قَوْله: (وماذا بَقِي فِي فِيهِ؟) أَي: فِي فَمه، وَهَذِه الْجُمْلَة وَقعت حَالا، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (وَمَا بَقِي فِي فِيهِ) ، فكلمة: مَا، على رِوَايَة البُخَارِيّ مَوْصُولَة، وعَلى رِوَايَة: (مَاذَا بَقِي فِي فِيهِ) استفهامية، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأي شَيْء يبْقى فِي فِيهِ بعد أَن يمج المَاء إلَاّ أثر المَاء؟ فَإِذا بلع رِيقه لَا يضرّهُ، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) : بِخَطِّهِ: لَا يضيره، لِأَنَّهُ لم يزدرد رِيقه أَي: يبلع رِيقه.
ولَا يَمْضَغُ العِلْكَ فانِ ازْدَرَدَ رِيقَ العِلْكِ لَا أقُولُ إنَّهُ يُفْطِرُ ولاكِنْ يُنْهَى عَنْهُ فإنْ اسْتَنْثَرَ فدَخَلَ المَاءَ حَلْقَهُ لَا بأسَ لأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ
لَا يمضغ العلك بِكَلِمَة: لَا، رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ويمضغ العلك، بِدُونِ كلمة لَا وَالْأول أولى، وَكَذَلِكَ أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، قلت لعطاء: يمضغ الصَّائِم العلك؟ قَالَ: لَا. قلت: إِنَّه يمج ريق العلك وَلَا يزدرده وَلَا يمصه؟ قَالَ: نعم. وَقلت لَهُ: أيتسوك الصَّائِم؟ قَالَ: نعم. قلت: أيزدرد رِيقه؟ قَالَ: لَا. قلت: فَفعل أيضره؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن ينْهَى عَن ذَلِك، والعلك بِكَسْر
стр. 3130
الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام، هُوَ الَّذِي يمضغ مثل المصطكى. وَقَالَ الشَّافِعِي: يكره لِأَنَّهُ يجفف الْفَم ويعطش، ون وصل مِنْهُ شَيْء إِلَى الْجوف بَطل الصَّوْم، وَكَرِهَهُ أَيْضا إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ، وَفِي رِوَايَة جَابر عَنهُ: لَا بَأْس بِهِ للصَّائِم مَا لم يبلع رِيقه، وروى ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد عَن ابْن جريج عَن عَطاء إِنَّه سُئِلَ عَن مضغ العلك، فكرهه، وَقَالَ: هُوَ مؤداه، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رخص مضغ العلك أَكثر الْعلمَاء إِن كَانَ لَا يتحلب مِنْهُ شَيْء، فَإِن تحلب فازدرده فالجمهور على أَنه يفْطر. قَوْله: (فان استنثر؟) أَصله من: نثر ينثر بِالْكَسْرِ، إِذا امتخط، واستنثر استفعل مِنْهُ، أَي: استنشق المَاء ثمَّ استخرج مَا فِي أنفقهُ فينثره، وَقيل: الاستنثار تَحْرِيك النثرة وَهِي طرف الْأنف. قَوْله: (لم يملك) أَي: لم يملك منع دُخُول المَاء فِي حلقه.
٩٢ - (بابٌ إذَا جامَعَ فِي رَمَضَانَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا جَامع الصَّائِم فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف كَمَا قدرناه.
ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ منْ أفْطرَ يَوْما مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ولَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيامُ الدهْرِ وإنْ صامَهُ
أَشَارَ بقوله: يذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول الَّتِي هِيَ صِيغَة التمريض إِلَى أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لَيْسَ على شَرطه، ونبينه الْآن. قَوْله: (رَفعه) أَي: رفع أَبُو هُرَيْرَة حَدِيث: من أفطر يَوْمًا، وَمرَاده أَنه لَيْسَ بموقوف عَلَيْهِ، بل هُوَ مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله، ﷺ . فَإِن قلت: كَيفَ يرجع الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي رَفعه إِلَى شَيْء مُتَأَخّر عَنهُ؟ قلت: رَفعه، جملَة حَالية مُتَأَخِّرَة رُتْبَة عَن مفعول مَا لم يسم فَاعله لقَوْله: يذكر، وَهُوَ قَوْله: من أفطر. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة: رَفعه، بِلَفْظ الإسم مَرْفُوعا بِأَنَّهُ مفعول: يذكر، وَحِينَئِذٍ يكون الحَدِيث يَعْنِي قَوْله: (من أفطر يَوْمًا) بَدَلا عَن الضَّمِير، يَعْنِي: الضَّمِير الَّذِي أضيف إِلَيْهِ لفظ الرّفْع كَمَا فِي قَوْله: (مَا متعت بِهِ سَمْعِي وبصري إلَاّ بِدُعَاء رَسُول الله، ﷺ فَإِن السّمع بدل عَن الضَّمِير جوز النُّحَاة مثله. قَوْله: (وَإِن صَامَهُ) أَي: وَإِن صَامَ الدَّهْر، وَهُوَ مَعْطُوف على مُقَدّر تَقْدِيره: إِن لم يصمه وَإِن صَامَهُ.
ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن ابْن مطوس عَن أَبِيه، قَالَ ابْن كثير: عَن أبي المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من أفطر يَوْمًا فِي رَمَضَان فِي غير رخصَة رخصها الله لَهُ لم يقْض عَنهُ صِيَام الدَّهْر) . وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا حبيب عَن عمَارَة عَن ابْن المطوس، قَالَ: فَلَقِيت ابْن المطوس فَحَدثني عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فَذكر مثل حَدِيث ابْن كثير، وَسليمَان، قَالَ أَبُو دَاوُد: اخْتلف على سُفْيَان وَشعْبَة عَنْهُمَا ابْن المطوس، وَأَبُو المطوس، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا بنْدَار حَدثنَا يحيى بن سعيد وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت حَدثنَا أَبُو المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا مرض لم يقْض عَنهُ صَوْم الدَّهْر كُله، وَإِن صَامَهُ) ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عَمْرو بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم. قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن أبي المطوس عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير مرض وَلَا رخصَة لم يقضه صِيَام الدَّهْر كُله، وَإِن صَامَهُ) . وَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا يحيى وَعبد الرَّحْمَن، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان ثمَّ ذكر كلمة مَعْنَاهَا عَن حبيب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا مرض لم يقْض عَنهُ صِيَام الدَّهْر وَإِن صَامَهُ) ، ثمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طرق كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد قَالَا: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن ابْن المطوس عَن أَبِيه المطوس عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة لم يجزه صِيَام الدَّهْر) .
стр. 3131
ذكر بَيَان حَال هَذَا الحَدِيث قَالَ أَبُو دَاوُد: اخْتلف على سُفْيَان وَشعْبَة بن المطوس وَأَبُو المطوس، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ شَيخنَا: يُرِيد الحَدِيث الْمَرْفُوع، وَمَعَ هَذَا فقد رُوِيَ مَرْفُوعا من غير طَرِيق أبي المطوس، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن أَحْمد بن سعيد الرهاوي حَدثنَا الْعَبَّاس بن عبيد الله حَدثنَا عمار بن مطر حَدثنَا قيس عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن عبد الله ابْن مَالك عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير مرض وَلَا رخصَة لم يقْض عَنهُ صِيَام وَإِن صَامَ الدَّهْر كُله) . قلت: عمار بن مطر هَالك، قَالَ أَبُو حَاتِم: كَانَ يكذب، وَقَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه بَوَاطِيلُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة من غير طَرِيق أبي المطوس، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن عَمْرو بن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أَبِيه عَن شريك عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان لم يقضه يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا) ، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن هِلَال ابْن الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن عبيد الله بن عَمْرو عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عَليّ بن حُسَيْن. (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رجلا أفطر فِي رَمَضَان، فَأتى أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ: لَا يقبل مِنْك صَوْم سنة) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: أَبُو المطوس اسْمه: يزِيد بن المطوس، لَا أعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) : تفرد أَبُو المطوس بِهَذَا الحَدِيث وَلَا أَدْرِي سمع أَبوهُ من أبي هُرَيْرَة أم لَا؟ قلت: أَبُو المطوس، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو الْمَفْتُوحَة وَآخره سين مُهْملَة: من أَفْرَاد الكنى، وَكَذَلِكَ أَبوهُ المطوس من أَفْرَاد الْأَسْمَاء. وَقد اخْتلف فِي اسْم أبي المطوس، فَقَالَ البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَابْن حبَان: اسْمه يزِيد. وَقَالَ يحيى بن معِين: اسْمه عبد الله، وَأَبُو دَاوُد قَالَ: لَا يُسمى، وَقد اخْتلف فِيهِ، فَقَالَ ابْن معِين: ثِقَة وَقَالَ ابْن حبَان: يروي عَن أَبِيه مَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بأفراده وَقَالَ صَاحب (الْمِيزَان) : ضَعِيف، قَالَ: وَلَا يعرف هُوَ وَلَا أَبوهُ. قلت: وَمَعَ هَذَا صحّح ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث وَرَوَاهُ من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة، كِلَاهُمَا عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن أبي المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. . الحَدِيث، وَقَالَ مهنا: سَأَلت أَحْمد عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: يَقُولُونَ: عَن ابْن المطوس وَعَن أبي المطوس، وَبَعْضهمْ يَقُول: عَن حبيب عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن أبي المطوس، قَالَ: لَا أعرف المطوس وَلَا ابْن المطوس. قلت: أتعرف الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه؟ قَالَ: لَا، وَكَذَا قَالَه أَبُو عَليّ الطوسي، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: يحمل أَن يكون لَو صَحَّ على التَّغْلِيظ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ.
ذكر مَا رُوِيَ عَن غير أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْبَاب: فَروِيَ عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان مُتَعَمدا فِي غير سَبِيل خرج من الْحَسَنَات كَيَوْم وَلدته أمه) . وَأخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن الْحَارِث، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ هُوَ بِشَيْء، وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِثِقَة، وَعَن الفلاس: إِنَّه مَتْرُوك الحَدِيث، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْبَيْلَمَانِي، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَرُوِيَ عَن مصاد بن عقبَة عَن مقَاتل بن حبَان عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الْوَارِث الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت أنس بن مَالك، يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أفطر يَوْمًا من شهر رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا عذر كَانَ عَلَيْهِ أَن يَصُوم ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَمن أفطر يَوْمَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ أَن يَصُوم سِتِّينَ يَوْمًا، وَمن أفطر ثَلَاثَة أَيَّام كَانَ عَلَيْهِ تسعين يَوْمًا) . أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: لَا يثبت هَذَا الْإِسْنَاد، وَلَا يَصح عَن عَمْرو بن مرّة، وَأعله ابْن الْقطَّان بِعَبْد الْوَارِث. وَعَن ابْن معِين إِنَّه مَجْهُول. وَرُوِيَ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة الْحَارِث بن عُبَيْدَة الكلَاعِي عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي،، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من شهر رَمَضَان فِي الْحَضَر فليهد بَدَنَة، فَإِن لم يجد فليطعم ثَلَاثِينَ صَاعا) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الْحَارِث بن عُبَيْدَة وَمُقَاتِل ضعيفان.
قَوْله: (من غير عذر وَلَا مرض) من ذكر الْخَاص بعد الْعَام، لِأَن الْمَرَض دَاخل فِي الْعذر، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (من غير رخصَة وَلَا مرض) ، وَهُوَ أَيْضا من هَذَا الْقَبِيل، لِأَن الْمَرَض دَاخل فِي الرُّخْصَة، ثمَّ إِنَّه أطلق الْإِفْطَار، فَلَا يَخْلُو إِمَّا
стр. 3132
أَن يكون بجماع أَو غَيره نَاسِيا أَو عَامِدًا، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ الْإِفْطَار فِي الْأكل أَو الشّرْب عَامِدًا، وَإِمَّا نَاسِيا فقد ذكره فِيمَا مضى، وَأما بِالْجِمَاعِ فَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وبِهِ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
أَي: وَبِمَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَقد وَصله الْبَيْهَقِيّ رَاوِيا من طَرِيقين: أَحدهمَا: من رِوَايَة الْمُغيرَة بن عبد الله الْيَشْكُرِي، قَالَ: حدثت أَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير عِلّة لم يجزه صِيَام الدَّهْر حَتَّى يلقى الله ، فَإِن شَاءَ غفر لَهُ، وَإِن شَاءَ عذبه) ، والمغيرة هَذَا من ثِقَات التَّابِعين، أخرج لَهُ مُسلم وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَلكنه مُنْقَطع فَإِنَّهُ قَالَ: حدثت عَنهُ. وَالطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة أبي أُسَامَة عَن عبد الْملك، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة الثَّقَفِيّ عَن عرْفجَة، قَالَ: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان مُتَعَمدا من غير عِلّة، ثمَّ قضى طول الدَّهْر لم يقبل مِنْهُ) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: عبد الْملك هَذَا أَظُنهُ ابْن حُسَيْن النَّخعِيّ، لَيْسَ بِالْقَوِيّ. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: وَبِه قَالَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة رَفعه، وَابْن مَسْعُود وَقفه، فَكيف يكون ابْن مَسْعُود قَائِلا بِمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة؟ قلت: لم يثبت رَفعه عِنْد البُخَارِيّ، فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض، وروى عَن أبي هُرَيْرَة بطرق مَوْقُوفا، وَقيل: فِيهِ ثَلَاث علل الإضطراب لِأَنَّهُ اخْتلف على حبيب بن أبي ثَابت اخْتِلَافا كثير. والجهالة بِحَال أبي المطوس وَالشَّكّ فِي سَماع أَبِيه من أبي هُرَيْرَة، وَهَذِه الثَّالِثَة تخْتَص بطريقة البُخَارِيّ فِي اشْتِرَاط اللِّقَاء.
وَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ والشَّعْبِيُّ وابنُ جُبَيْرٍ وإبْرَاهِيمُ وقَتَادَةُ وحَمَّادٌ يَقْضِي يوْما مَكَانَهُ
أَي: قَالَ هَؤُلَاءِ فِيمَن أفطر فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا أَن عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط بِغَيْر كَفَّارَة، وَقَالَ ابْن بطال: نظرت أَقْوَال التَّابِعين الَّذين ذكرهم البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب فِي المصنفات فَلم أر قَوْلهم بِسُقُوط الْكَفَّارَة إلَاّ فِي الْفطر بِالْأَكْلِ لَا المجامعة، فَيحْتَمل أَن يكون عِنْدهم الْأكل وَالْجِمَاع سَوَاء فِي سُقُوط الْكَفَّارَة، إِذْ كل مَا أفسد الصّيام من أكل أَو شرب أَو جماع فاسم الْفطر يَقع عَلَيْهِ، وفاعله مفطر بذلك من صِيَامه، وَقد قَالَ ﷺ : (يدع طَعَامه وَشَرَابه وشهوته من أَجلي) ، فَدخل أعظم الشَّهَوَات وَهِي شَهْوَة الْجِمَاع فِي ذَلِك. انْتهى. قلت: حُكيَ عَن الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالزهْرِيّ وَابْن سِيرِين أَنه: لَا كَفَّارَة على الواطىء فِي نَهَار رَمَضَان، واعتبروه بِقَضَائِهِ. قَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ خَاص بذلك الرجل، يَعْنِي فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: (جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكت. .) الحَدِيث على مَا يَأْتِي، وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يحضر عَلَيْهِ برهَان. وَقَالَ قوم: هُوَ مَنْسُوخ وَلم يقم دَلِيل نسخه، وَعند الْجُمْهُور: يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة لحَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا نبينه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَالَّذين ذكرهم البُخَارِيّ سِتَّة من التَّابِعين، الأول: سعيد بن الْمسيب، فوصل أَثَره مُسَدّد وَغَيره فِي قصَّة المجامع قَالَ يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ويستغفر الله تَعَالَى. الثَّانِي: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ قَالَا: (يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) . الثَّالِث: سعيد بن جُبَير، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة أَيْضا: حَدثنَا عَبدة عَن سعيد عَن يعلى بن حَكِيم (عَن سعيد بن جُبَير فِي رجل أفطر يَوْمًا مُتَعَمدا، قَالَ: يسْتَغْفر الله من ذَلِك وَيَتُوب وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) . الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة، وَقد مر الْآن مَعَ الشّعبِيّ. الْخَامِس: قَتَادَة فوصل أثر عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن، وَقَتَادَة فِي قصَّة المجامع فِي رَمَضَان. السَّادِس: حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، أحد من أَخذ عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فوصله عبد الرَّزَّاق عَن أبي حنيفَة عَنهُ.
٥٣٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ قَالَ سَمِعَ يَزيدَ بنَ هَرُونَ قَالَ حدَّثنا يحْيَى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الْقَاسِمِ أخبرَهُ عنْ محَمَّدِ بنِ جَعْفَرَ بنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ بنِ خُوَيْلِدٍ عنْ عَبَّادِ ابنِ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيرِ قَالَ أخبرَهُ أنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ إنَّ رَجُلاً أتَى النبيَّ صلى الله
стр. 3133
عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ إنَّهُ احْتَرَقَ قَالَ مالَكَ قَالَ أصبْتُ أهْلِي فِي رَمَضَانَ فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ فَقَالَ أيْنَ الْمُحُتَرِقُ قَالَ أنَا قَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا. (الحَدِيث ٥٣٩١ طرفه فِي: ٢٢٨٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أصبت أَهلِي فِي رَمَضَان) ، أَرَادَ أَنه جَامع فِي نَهَار رَمَضَان.
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون: الزَّاهِد أَبُو عبد الرَّحْمَن. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون أَبُو خَالِد. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: مُحَمَّد بن جَعْفَر. السَّادِس: عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْأَخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَأَنه من أَفْرَاده وَأَن يزِيد بن هَارُون واسطي والبقية مدنيون. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد. وَيحيى وَعبد الرَّحْمَن تابعيان صغيران من طبقَة وَاحِدَة وفوقهما قَلِيلا مُحَمَّد بن جَعْفَر. وَأما ابْن عَمه عباد فَمن أوساط التَّابِعين.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي الطَّاهِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد وَعَن مُحَمَّد بن عَوْف. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحَارِث بن مِسْكين وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن يحيى بن حبيب.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (إِن رجلا) ، زعم ابْن بشكوال أَن هَذَا الرجل هُوَ سَلمَة صَخْر البياضي فِيمَا ذكره ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) ، وَعند ابْن الْجَارُود: سلمَان بن صَخْر، وَفِي (جَامع التِّرْمِذِيّ) : سَلمَة بن صَخْر، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور حَدثنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن الْمُبَارك حَدثنَا يحيى بن أبي كثير (حَدثنَا أَبُو سَلمَة: أَن سَلمَة بن صَخْر البياضي جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كَظهر أمه حَتَّى يمْضِي رَمَضَان، فَلَمَّا مضى نصف رَمَضَان وَقع عَلَيْهَا لَيْلًا، فَأتى رَسُول الله ﷺ فَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أعتق رَقَبَة ﴿قَالَ: لَا أَجدهَا. قَالَ: فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ لَا أَسْتَطِيع. قَالَ: أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا، قَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لفروة بن عَمْرو: أعْطه ذَلِك الْعرق، وَهُوَ مكتل يَأْخُذ خَمْسَة عشر أَو سِتَّة عشر صَاعا) . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) فَهَذَا غير مَا ذكره ابْن بشكوال فَينْظر، وَالله أعلم. قلت: لَا شكّ أَنه غير لِأَن ابْن بشكوال اسْتندَ إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة وَغَيره من طَرِيق سلمَان بن يسَار عَن سَلمَة بن صَخْر أَنه ظَاهر من امْرَأَته فِي رَمَضَان، وَأَنه وَطأهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : حرر رَقَبَة. قلت: لَا أملك رَقَبَة غَيرهَا، وَضرب صفحة رقبته، قَالَ: فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ: وَهل أصبت الَّذِي أصبت إلَاّ من الصّيام؟ قَالَ: فأطعم سِتِّينَ مِسْكينا. قَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا لنا طَعَام﴾ قَالَ: فَانْطَلق إِلَى صَاحب صَدَقَة بني زُرَيْق فليدفعها إِلَيْك. انْتهى. وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ، فَإِن فِي قصَّة المجامع فِي حَدِيث الْبَاب أَنه كَانَ صَائِما. وَفِي قصَّة سَلمَة بن صَخْر أَن ذَلِك كَانَ لَيْلًا، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْمَذْكُورَة آنِفا فَافْتَرقَا، واجتماعهما فِي كَونهمَا من بني بياضة، وَفِي صفة الْكَفَّارَة وَكَونهَا مرتبَة، وَفِي كَون كل مِنْهُمَا كَانَ لَا يقدر على شَيْء من خصالها لَا يسْتَلْزم اتِّحَاد الْقصَّتَيْنِ. وَالله أعلم. قَوْله: (إِنَّه احْتَرَقَ) ، وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَنه عبر بقوله: (هَلَكت) ، وَرِوَايَة الاحتراق تفسر رِوَايَة الْهَلَاك، وَكَأَنَّهُ لما اعْتقد أَن مرتكب الْإِثْم يعذب بالنَّار أطلق على نَفسه أَنه احْتَرَقَ لذَلِك، أَو مُرَاده أَنه يَحْتَرِق بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة، فَجعل المتوقع كالواقع، وَاسْتعْمل بدله لفظ الْمَاضِي أَو شبه مَا وَقع فِيهِ من الْجِمَاع فِي الصَّوْم بالاحتراق، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (جَاءَهُ رجل وَهُوَ ينتف شعره، ويدق صَدره، وَيَقُول: هلك الْأَبْعَد وأهلكت) وَفِي رِوَايَة (وَهُوَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ) ، وَفِي رِوَايَة: (يلطم وَجهه) ، وَفِي رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَأَة: (يَدْعُو ويله) ، وَفِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: (ويحثي على رَأسه التُّرَاب) . قَوْله: (قَالَ: مَالك؟) أَي: قَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا شَأْنك وَمَا جرى عَلَيْك؟ قَوْله: (أصبت أَهلِي فِي رَمَضَان) كِنَايَة عَن وَطئهَا، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (وَقعت على امْرَأَتي فِي رَمَضَان) . قَوْله: (فَأتي النَّبِي ﷺ بِضَم الْهمزَة وَكسر التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بمكتل) ، بِكَسْر الْمِيم: الزنبيل الْكَبِير، قيل: إِنَّه يسع خَمْسَة عشر صَاعا، كَانَ فِيهِ كتلاً من التَّمْر أَي: قطعا مجتمعة، وَيجمع على: مكاتل. وَقَالَ القَاضِي: المكتل
стр. 3134
والقفة والزبيل سَوَاء، وَسمي الزبيل لحمل الزبل فِيهِ، قَالَه ابْن دُرَيْد، والزبيل، بِكَسْر الزَّاي وَيُقَال بِفَتْحِهَا، وَكِلَاهُمَا لُغَتَانِ وَفِي (الْمُحكم) الزبيل: الجراب، وَقيل: الْوِعَاء يحمل فِيهِ، والزبيل القفة، وَالْجمع: زبل وزبلان. وَفِي (الصِّحَاح) : الزبيل مَعْرُوف فَإِذا كَسرته شددته، فَقلت: زبيل، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب: فعليل، بِالْفَتْح وَجَاء فِيهِ لُغَة أُخْرَى وَهِي: زنبيل، بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون النُّون، قَالَ بَعضهم: وَقد تُدْغَم النُّون فتشدد الْيَاء مَعَ بَقَاء وَزنه، وَجمعه على اللُّغَات الثَّلَاث: زنابيل. قلت: لَيْسَ جمعه على اللغتين الْأَوليين إلَاّ مَا نقلنا عَن (الْمُحكم) : وَأما: زنابيل، فَلَيْسَ إلَاّ جمع المشدد فَقَط. قَوْله: (يدعى الْعرق) ، ذكر أَبُو عمر أَنه بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الصَّوَاب عِنْد أهل اللُّغَة، قَالَ: وَأَكْثَرهم يَرْوُونَهُ بِسُكُون الرَّاء، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لِابْنِ حبيب: رَوَاهُ مطرف عَن مَالك بتحريك الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين فِي رِوَايَة أبي الْحسن بِسُكُون الرَّاء، وَرِوَايَة أبي ذَر بِفَتْحِهَا، وَأنكر بعض الْعلمَاء إسكان الرَّاء، وَفِي كتاب (الْعين) : الْعرق مِثَال شجر، والعرقات كل مضفور أَو مصطف، والعرق أَيْضا السَّقِيفَة من الخوص قبل أَن يَجْعَل مِنْهَا زنبيلاً، وَسمي: الزنبيل: عرقا لذَلِك، وَيُقَال: العرقة أَيْضا، وَعَن أبي عمر: والعرق أكبر من المكتل، والمكتل أكبر من القفة، والعرقة زنبيل من قد بلغه كلب ذكره فِي (الموعب) ، وَفِي (الْمُحكم) : الْعرق واحدته: عرقة، قَالَ أَحْمد بن عمرَان: الْعرق المكتل الْعَظِيم. قَوْله: (أَيْن المحترق؟) يدل على أَنه كَانَ عَامِدًا، لِأَنَّهُ ﷺ اثْبتْ لَهُ حكم الْعمد، وَأثبت لَهُ هَذَا الْوَصْف إِشَارَة إِلَى أَنه لَو أصر غير ذَلِك لَاسْتَحَقَّ ذَلِك. قَوْله: (تصدق بِهَذَا) ، مُطلق، وَالْمرَاد تصدق على سِتِّينَ مِسْكينا، هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصرا، وَرَوَاهُ مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن رمح بن المُهَاجر، قَالَ: أخبرنَا اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير عَن عباد بن عبد الله بن الزبير (عَن عَائِشَة، قَالَت: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: احترقت ﴿قَالَ رَسُول الله ﷺ : لِمَ قَالَ: وطِئت امْرَأَتي فِي رَمَضَان نَهَارا. قَالَ: تصدق. قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْء، فَأمره أَن يجلس، فَجَاءَهُ عرقان فيهمَا طَعَام، فَأمره أَن يتَصَدَّق بهما) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (أَتَى رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد فِي رَمَضَان، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ احترقت احترقت؟ فَسَأَلَهُ رَسُول الله ﷺ : مَا شَأْنك؟ فَقَالَ: أصبت أَهلِي ﴿فَقَالَ: تصدق، فَقَالَ: وَالله يَا نَبِي الله مَا لي شَيْء، وَمَا أقدر عَلَيْهِ. قَالَ: إجلس، فَجَلَسَ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك أقبل رجل يَسُوق حمارا عَلَيْهِ طَعَام، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَيْن المحترق آنِفا؟ فَقَامَ الرجل، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : تصدق بِهَذَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أغيرنا؟ فوَاللَّه إِنَّا لجياع مَا لنا شَيْء. قَالَ: كلوه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَمن الْحَدِيثين اللَّذين يأتيان بعده، وَغَيرهَا من الْأَحَادِيث الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ على أَنْوَاع: النَّوْع الأول: أَن قوما استدلوا بقوله: (تصدق بِهَذَا) على أَن الَّذِي يجب على من جَامع فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا الصَّدَقَة لَا غير. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم هَكَذَا، وَلم يبين من هم. قلت: هم عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ، وَمَالك فِي رِوَايَة وَعبد الله بن رهم فَإِنَّهُم قَالُوا فِي هَذَا: تجب عَلَيْهِ الصَّدَقَة وَلَا تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِظَاهِر حَدِيث المحترق، وَأجِيب: بِأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي يَأْتِي فِي الْكتاب زَاد فِيهِ: الْعتْق وَالصِّيَام، وَالْأَخْذ بِهِ أولى، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة حفظ ذَلِك وَلم تحفظه عَائِشَة، وَيُقَال: إِنَّهَا لم تجب عَلَيْهِ فِي الْحَال لعَجزه عَن الْكل. وأخرت إِلَى زمن الميسرة. وَفِي (الْمَبْسُوط) : وَمَا أمره بِهِ ﷺ كَانَ تَطَوّعا لِأَنَّهَا لم تكن وَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْحَال لعَجزه، وَلِهَذَا أجَاز صرفهَا إِلَى نَفسه وَعِيَاله، وَعَن أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ: أَن قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَأبي ثَوْر: إِن الْكَفَّارَة دين عَلَيْهِ لَا تسْقط عَنهُ لعسرته، وَعَلِيهِ أَن يَأْتِي بهَا إِذا أيسر، كَسَائِر الْكَفَّارَات، وَعند الشَّافِعِيَّة: فِيهِ وَجْهَان، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن إِبَاحَة النَّبِي ﷺ لذَلِك الرجل أكل الْكَفَّارَة لعسرته رخصَة لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن شهَاب: وَلَو أَن رجلا فعل ذَلِك الْيَوْم لم يكن لَهُ بُد من التَّكْفِير، وَقيل: هُوَ مَنْسُوخ، وَقيل: هُوَ خَاص بذلك الرجل، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: خص هَذَا الرجل بِأَحْكَام ثَلَاثَة: بِجَوَاز الْإِطْعَام مَعَ الْقُدْرَة على الصّيام وَصَرفه على نَفسه، والاكتفاء بِخَمْسَة عشر صَاعا.
النَّوْع الثَّانِي: لَو أَنهم اخْتلفُوا فِي كمية هَذِه الصَّدَقَة، فَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: إِن الْوَاجِب فِيهَا مد، وَهُوَ ربع صَاع لكل مِسْكين، وَهُوَ خَمْسَة عشر صَاعا، لما روى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة هِشَام بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فَأتي بعرق
стр. 3135
قدر خَمْسَة عشر صَاعا) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فَأتي رَسُول الله ﷺ بمكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا من تمر) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، قَالَ فِيهِ: (بمكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا من تمر) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة روح عَن مُحَمَّد ابْن أبي حَفْصَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد قَالَ وَفِيه: بزبيل وَهُوَ المكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا أَحْسبهُ تَمرا. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ هِقْل بن زِيَاد، والوليد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَظَاهره يدل على أَن قدر خَمْسَة عشر صَاعا يَكْفِي لِلْكَفَّارَةِ عَن شخص وَاحِد لكل مِسْكين مد، قَالَ: وَقد جعله الشَّافِعِي أصلا لمذهبه فِي أَكثر الْمَوَاضِع الَّتِي يجب فِيهَا الْإِطْعَام، وَعِنْدنَا: الْوَاجِب لكل مِسْكين نصف صَاع من بر أَو صَاع من تمر، كَمَا فِي كَفَّارَة الظِّهَار، لما روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عَبَّاس: (يطعم كل يَوْم مِسْكينا نصف صَاع من بر) وَعَن عَائِشَة فِي هَذِه الْقِصَّة: (أُتِي بعرق فِيهِ عشرُون صَاعا) ذكره السفاقسي فِي (شرح البُخَارِيّ) ويروى: (مَا بَين خَمْسَة عشر صَاعا إِلَى عشْرين) ، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : فَأمره أَن يجلس، فجَاء عرقان فيهمَا طَعَام فَأمره أَن يتَصَدَّق بِهِ، فَإِذا كَانَ الْعرق خَمْسَة عشر صَاعا، فالعرقان ثَلَاثُونَ صَاعا على سِتِّينَ مِسْكينا لكل مِسْكين نصف صَاع. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي بعض طرق عَائِشَة عِنْد مُسلم: فَجَاءَهُ عرقان، وَالْمَشْهُور فِي غَيرهَا: عرق، وَرجحه الْبَيْهَقِيّ، وَجمع غَيره بَينهمَا بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة. وَقَالَ: الَّذِي يظْهر أَن التَّمْر كَانَ قدر عرق، لكنه كَانَ فِي عرقين فِي حَال التحميل على الدَّابَّة ليَكُون أسهل فِي الْحمل، فَيحْتَمل أَن الْآتِي بِهِ لما وصل أفرغ أَحدهمَا فِي الآخر، فَمن قَالَ: عرقان، أَرَادَ ابْتِدَاء الْحَال، وَمن قَالَ: عرق، أَرَادَ مَا آل إِلَيْهِ. قلت: كَون الْمَشْهُور فِي غير طرق عَائِشَة عرقا لَا يسْتَلْزم رد مَا رُوِيَ فِي بعض طرق عَائِشَة: أَنه عرقان، وَمن أَيْن تَرْجِيح رِوَايَة غير مُسلم على رِوَايَة مُسلم؟ فَهَذَا مُجَرّد دَعْوَى لتمشية مذْهبه. وَقَول من يَدعِي تعدد الْوَاقِعَة غير صَحِيح، لِأَن مخرج الحَدِيث وَاحِد، وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد. وَقَول هَذَا الْقَائِل: وَالَّذِي يظْهر ... إِلَى آخِره، سَاقِط جدا وَتَأْويل فَاسد، فَمن أَيْن هَذَا الظُّهُور الَّذِي يذكرهُ بِغَيْر أصل وَلَا دَلِيل من نفس الْكَلَام وَلَا قرينَة من الْخَارِج؟ وَإِنَّمَا هُوَ من آثَار أريحية التعصب نصْرَة لما ذهب إِلَيْهِ، وَالْحق أَحَق أَن يتبع، وَالله ولي الْعِصْمَة.
النَّوْع الثَّالِث: احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَدَاوُد وَأهل الظَّاهِر على أَنه: لَا يلْزم فِي الْجِمَاع على الرجل وَالْمَرْأَة إلَاّ كَفَّارَة وَاحِدَة، إِذْ لم يذكر لَهُ النَّبِي ﷺ حكم الْمَرْأَة، وَهُوَ مَوضِع الْبَيَان، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأَبُو ثَوْر: تجب الْكَفَّارَة على الْمَرْأَة أَيْضا إِن طاوعته، وَقَالَ القَاضِي: وَسوى الْأَوْزَاعِيّ بَين المكرهة والطائعة على مذْهبه، وَقَالَ مَالك، فِي الْمَشْهُور من مذْهبه فِي المكرهة: يكفر عَنْهَا بِغَيْر الصَّوْم. وَقَالَ سَحْنُون: لَا شَيْء عَلَيْهَا، وَلَا عَلَيْهِ لَهَا، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَلم يخْتَلف مَذْهَبنَا فِي قَضَاء المركهة والنائمة إلَاّ مَا ذكره ابْن الْقصار عَن القَاضِي إِسْمَاعِيل عَن مَالك أَنه لَا غسل على الْمَوْطُوءَة نَائِمَة وَلَا مُكْرَهَة إلَاّ أَن تلتذ قَالَ ابْن قصار: فَتبين من هَذَا أَنَّهَا غير مفطرة، وَقَالَ القَاضِي: وظاهرة أَنه لَا قَضَاء على المكرهة إِلَّا أَن تلتذ، وَلَا على النائمة لِأَنَّهَا كالمحتلمة، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر فِي النائمة والمكرهة.
وَاخْتلف فِي وجوب الْكَفَّارَة على الْمُكْره على الوطىء لغيره. على هَذَا، وَحكى ابْن الْقصار عَن أبي حنيفَة: لَا يلْزم الْمُكْره عَن نَفسه وَلَا على من أكرهه، وَقَالَ صَاحب (الْبَدَائِع) : وَأما على الْمَرْأَة فَتجب عَلَيْهَا أَيْضا الْكَفَّارَة إِذا كَانَت مطاوعة، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: فِي قَول: لَا يجب عَلَيْهَا أصلا، وَفِي قَول: يجب عَلَيْهَا ويتحملها الزَّوْج. وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم: إِن النَّبِي ﷺ لم يذكر حكم الْمَرْأَة وَهُوَ مَوضِع الْبَيَان، أَن الْمَرْأَة لَعَلَّهَا كَانَت مُكْرَهَة أَو ناسية لصومها، أَو من يُبَاح لَهَا الْفطر ذَلِك الْيَوْم لعذر الْمَرَض أَو السّفر أَو الصغر أَو الْجُنُون أَو الْكفْر أَو الْحيض أَو طَهَارَتهَا من حَيْضهَا فِي أثْنَاء النَّهَار.
النَّوْع الرَّابِع: فِي أَن الْوَاجِب إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا خلافًا لما رُوِيَ عَن الْحسن أَنه رأى أَن يطعم أَرْبَعِينَ مِسْكينا عشْرين صَاعا، حَكَاهُ ابْن التِّين عَنهُ، وحكوا عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: يجْزِيه أَن يدْفع طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا إِلَى مِسْكين وَاحِد. قَالُوا: والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ. قلت: الَّذِي حكى مَذْهَب أبي حنيفَة لم يعرف مذْهبه فِيهِ، وَحكي من غير معرفَة، ومذهبه أَنه إِذا دفع إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي شَهْرَيْن يجوز، فَلَا يكون الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، لِأَن الْمَقْصُود سد خلة الْمُحْتَاج، وَالْحَاجة تتجدد بتجدد الْأَيَّام فَكَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي كمسكين آخر حَتَّى لَو أعْطى مِسْكينا وَاحِدًا كُله فِي يَوْم وَاحِد لَا يَصح إلَاّ عَن يَوْمه، ذَلِك، لِأَن الْوَاجِب
стр. 3136
عَلَيْهِ التَّفْرِيق وَلم يُوجد، ثمَّ الشَّرْط فِي الْإِطْعَام غداآن إِن وعشاآن، أَو غداء وعشاء فِي يَوْم وَاحِد.
النَّوْع الْخَامِس: فِي أَن التَّرْتِيب فِي الْكَفَّارَة وَاجِب، فَتَحْرِير رَقَبَة أَولا فَإِن لم يُوجد فَصِيَام شَهْرَيْن وَإِن لم يسْتَطع الصَّوْم فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا، بِدَلِيل عطف بعض الْجمل على الْبَعْض بِالْفَاءِ الْمرتبَة المعقبة كَمَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَابْن حبيب من الْمَالِكِيَّة، وَذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى التَّخْيِير لقَوْله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (صم شَهْرَيْن أَو أطْعم) ، فخيره: بِأَو، الَّتِي موضوعها التَّخْيِير، وَعَن ابْن الْقَاسِم: لَا يعرف مَالك غير الْإِطْعَام، وَذكر مقلدوه حجَجًا لذَلِك كَثِيرَة لَا تقاوم مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث من وجوب التَّرْتِيب واستحبابه، وَزعم بَعضهم أَن الْكَفَّارَة تخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات قَالَ ابْن التِّين: وَإِلَيْهِ ذهب الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَابنَا، فوقت المجاعة الْإِطْعَام أولى، وَإِن كَانَ خصبا فالعتق أولى، وَأمر بعض الْمُفْتِينَ أهل الْغنى الْوَاسِع بِالصَّوْمِ لمشقته عَلَيْهِ، وَعَن أبي ليلى هُوَ مُخَيّر فِي الْعتْق وَالصِّيَام، فَإِن لم يقدر عَلَيْهِمَا أطْعم، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن جرير، قَالَا: وَلَا سَبِيل إِلَى الْإِطْعَام إلَاّ عِنْد الْعَجز عَن الْعتْق أَو الصّيام. وَقَالَ ابْن قدامَة: الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك أَحْمد أَن كَفَّارَة الْوَطْء فِي رَمَضَان ككفارة الظِّهَار فِي التَّرْتِيب: الْعتْق إِن أمكن، فَإِن عجز انْتقل إِلَى الصّيام، فَإِن عجز انْتقل إِلَى الْإِطْعَام، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى: أَنَّهَا على التَّخْيِير بَين الْعتْق وَالصِّيَام وَالْإِطْعَام، وبأيها كفر أَجزَأَهُ، وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك، فَإِن عجز عَن هَذِه الْأَشْيَاء سَقَطت الْكَفَّارَة عَنهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، لما رأى عجز الْأَعرَابِي عَنْهَا قَالَ: (أطْعمهُ أهلك) وَلم يَأْمُرهُ بكفارة أُخْرَى، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَعَن الزُّهْرِيّ: لَا بُد من التَّكْفِير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْأَنْوَاع.
النَّوْع السَّادِس فِي أَن إِطْلَاق الرَّقَبَة فِي الحَدِيث يدل على جَوَاز الْمسلمَة والكافرة، وَالذكر وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِير وَالْكَبِير، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَجعلُوا هَذَا كالظهار مستدلين بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن مُجَاهِد (عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ أَمر الَّذِي أفطر فِي رَمَضَان يَوْمًا بكفارة الظِّهَار) ، وَإِطْلَاق الحَدِيث أَيْضا يَقْتَضِي جَوَاز الرَّقَبَة المعيبة، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد وَمَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ شرطُوا الْإِيمَان فِي إِجْزَاء الرَّقَبَة، بِدَلِيل تقييدها فِي كَفَّارَة الْقَتْل، وَهِي مَسْأَلَة حمل الْمُطلق على الْمُقَيد، وَقَالَ عَطاء: إِن لم يجد رقبه أهْدى بَدَنَة، فَإِن لم يجد فبقرة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَنَحْوه عَن الْحسن.
النَّوْع السَّابِع: فِي أَن التَّتَابُع فِي صَوْم الشَّهْرَيْنِ شَرط بِالنَّصِّ بِشَرْط أَن لَا يكون فيهمَا رَمَضَان، وَأَيَّام منهية، وَهِي: يَوْم الْفطر وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء إلَاّ ابْن أبي ليلى، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجب التَّتَابُع فِي الصّيام، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ.
النَّوْع الثَّامِن: اخْتلف الْفُقَهَاء فِي قَضَاء ذَلِك الْيَوْم مَعَ الْكَفَّارَة، فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَأَبُو ثَوْر وَأحمد وَإِسْحَاق: عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِن كفر بِالْعِتْقِ وَالْإِطْعَام صَامَ يَوْمًا مَكَان ذَلِك الْيَوْم الَّذِي أفطر، وَإِن صَامَ شَهْرَيْن مُتَتَابعين دخل فيهمَا قَضَاء ذَلِك الْيَوْم، وَقَالَ قوم: لَيْسَ فِي الْكَفَّارَة صِيَام ذَلِك الْيَوْم، قَالَ أَبُو عمر: لِأَنَّهُ لم يرد فِي حَدِيث عَائِشَة وَلَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي نقل الْحفاظ للْأَخْبَار الَّتِي لَا عِلّة فِيهَا ذكر الْقَضَاء، وَإِنَّمَا فِيهَا الْكَفَّارَة. قلت: جَاءَ فِي خبر أبي هُرَيْرَة وَغَيره: الْقَضَاء، وروى ابْن مَاجَه عَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن عبد الله بن وهب عَن عبد الْجَبَّار بن عمر عَن يحيى بن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ بذلك، أَي: بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: هَلَكت، وَقد تقدم قبله، ثمَّ قَالَ: (ويصوم يَوْمًا مَا مَكَانَهُ) .
النَّوْع التَّاسِع: أَجمعُوا على أَن من وطىء فِي رَمَضَان فِي يَوْم آخر أَن عَلَيْهِ كَفَّارَة أُخْرَى، وَأَجْمعُوا أَنه لَيْسَ على من وطىء مرَارًا فِي يَوْم وَاحِد إلَاّ كَفَّارَة وَاحِدَة، فَإِن وطىء فِي يَوْم من رَمَضَان وَلم يكفر حَتَّى وطىء فِي يَوْم آخر، فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: أَن عَلَيْهِ لكل يَوْم كَفَّارَة، كفر أم لَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: عَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة إِذا وطىء قبل أَن يكفر وَقَالَ الثَّوْريّ: أحب إِلَيّ أَن يكفر عَن كل يَوْم، وَأَرْجُو أَن يجْزِيه كَفَّارَة وَاحِدَة مَا لم يكفر.
النَّوْع الْعَاشِر: فِي حَدِيث الْبَاب دلَالَة على التَّمْلِيك الضمني من قَوْله: (تصدق بِهَذَا) ، قَالَ صَاحب الْمُفْهم: يلْزم مِنْهُ أَن يكون قد ملكه إِيَّاه ليتصدق بِهِ عَن كَفَّارَته، قَالَ: وَيكون هَذَا كَقَوْل الْقَائِل: أعتقت عَبدِي عَن فلَان، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن سبقية الْملك عِنْد قوم، قَالَ: وأباه أَصْحَابنَا مَعَ الِاتِّفَاق على أَن الْوَلَاء للْمُعْتق فِيهِ، وَأَن الْكَفَّارَة تسْقط بذلك.
стр. 3137
٠٣ - (بابٌ إِذا جامَعَ فِي رَمَضَانَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَيءٌ فتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فلْيُكَفِّرْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا جَامع الصَّائِم فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا، وَالْحَال أَنه لم يكن لَهُ شَيْء يعْتق بِهِ، وَلَا شَيْء يطعم بِهِ، وَلَا لَهُ قدرَة يَسْتَطِيع الصّيام بهَا، ثمَّ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِقدر مَا يجْزِيه، فليكفر بِهِ لِأَنَّهُ صَار واجدا بِهِ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْإِعْسَار لَا يسْقط الْكَفَّارَة عَن ذمَّته.
٦٣٩١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبً عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرنِي حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبيِّ ﷺ إذْ جاءَهُ رجُلٌ فَقَالَ يَا رسولَ الله هَلَكْتُ قَالَ مالَكَ قَالَ وقَعْتُ علَى امْرَأتِي وَأَنا صَائِمٌ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ هَلْ تَجِدُ رَقبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقال فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينا قَالَ لَا قَالَ فمَكَثَ النبيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرً والْعَرَقُ المِكْتَلُ قَالَ أيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ الله فَوالله مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الحرَّتَيْنِ أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِنْ أهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النبيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أطْعِمْهُ أهْلَكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله: (وَقعت على امْرَأَتي وَأَنا صَائِم) عبارَة عَن الْجِمَاع.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَحميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْمدنِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن الرَّاوِي عَن الزُّهْرِيّ هُوَ شُعَيْب، وَالزهْرِيّ هُوَ الرَّاوِي عَن حميد، وروى مَا ينيف على أَرْبَعِينَ نفسا عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة وهم: ابْن عُيَيْنَة وَاللَّيْث وَمعمر وَمَنْصُور عِنْد الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيّ وَشُعَيْب وَإِبْرَاهِيم بن سعد عِنْد البُخَارِيّ، وَمَالك، وَابْن جريج عِنْد مُسلم، وَيحيى بن سعيد وعراك بن مَالك عِنْد النَّسَائِيّ، وَعبد الْجَبَّار بن عمر عِنْد أبي عوَانَة، والجوزقي وَعبد الرَّحْمَن بن مُسَافر عِنْد الطَّحَاوِيّ، وَعقيل عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَابْن أبي حَفْصَة عِنْد أَحْمد وَيُونُس وحجاج بن أَرْطَأَة وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق عِنْد الْبَزَّار، والنعمان بن رَاشد عِنْد الطَّحَاوِيّ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب وَعبد الرَّحْمَن بن نمر وَأَبُو وأويس وَعبد الْجَبَّار بن عمر الْأَيْلِي وَعبيد الله بن عمر، وَإِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَمُحَمّد بن أبي عَتيق ومُوسَى بن عقبَة وَعبد الله بن عِيسَى وَإِسْحَاق بن يحيى العوصي وَهَبَّار بن عقيل وثابت بن ثَوْبَان وقرة بن عبد الرَّحْمَن وَزَمعَة بن صَالح وفخر السقاء والوليد بن مُحَمَّد وَشُعَيْب بن خَالِد ونوح بن أبي مَرْيَم وَعبد الله بن أبي بكر وفليح بن سُلَيْمَان وَعَمْرو بن عُثْمَان المَخْزُومِي وَيزِيد بن عِيَاض وشبل بن عباد. وَقد رَوَاهُ هِشَام بن سعد عَن الزُّهْرِيّ فَخَالف الْجَمَاعَة فِي إِسْنَاده، فَرَوَاهُ: عَنهُ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَزَاد فِيهِ: (وصم يَوْمًا مَكَانَهُ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عوَانَة الاسفرائني: غلط فِيهِ هِشَام بن سعد، وَقد رَوَاهُ أَيْضا عبد الْجَبَّار ابْن عمر الْأَيْلِي بِإِسْنَاد آخر رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عبد الْجَبَّار بن عمر عَن يحيى بن سعيد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ: عبد الْجَبَّار، لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد ورد من حَدِيث مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة مُخْتَصرا، وَمن حَدِيث مُحَمَّد بن كَعْب عَن أبي هُرَيْرَة
стр. 3138
رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ وَضعفهمَا. وَفِيه: أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: وَفِي رِوَايَة ابْن جريج عِنْد مُسلم، وَعقيل عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَأبي أويس عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ بَين حميد وَأبي هُرَيْرَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الإدب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَعَن القعْنبِي وَفِي النَّفَقَات عَن أَحْمد بن يُونُس وَفِي النذور عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الصَّوْم أَيْضا عَن عُثْمَان وَفِي الْمُحَاربين عَن قُتَيْبَة وَفِي الْهِبَة وَالنُّذُور أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر ابْن حَرْب وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَعَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد بن حميد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَمُحَمّد وَعِيسَى وَعَن القعْنبِي بِهِ وَعَن الْحسن بن عَليّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن نصر بن عَليّ وَأبي عمار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد ابْن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن نصر وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن أبي الْأسود وَإِسْحَاق بن مُضر وَفِي الشُّرُوط عَن هَارُون بن عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) ، قد مر غيرَة أَن أصل: بَيْنَمَا، بَين فأشبعت فَتْحة النُّون وَصَارَ: بَينا، ثمَّ زيدت فِيهِ: الْمِيم، فَصَارَ: بَيْنَمَا، ويضاف إِلَى جملَة إسمية وفعلية، وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، والأفصح فِي جوابها أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا، وَلَكِن يَجِيء بِهَذَا كثيرا هُنَا كَذَلِك، وَهُوَ قَوْله: (إِذْ جَاءَهُ رجل) وَقَالَ بَعضهم: وَمن خَاصَّة: بَيْنَمَا، أَنَّهَا تتلقى بإذ، وبإذا حَيْثُ تَجِيء للمفاجأة، بِخِلَاف: بَينا، فَلَا تتلقى بِوَاحِدَة مِنْهُمَا، وَقد ورد فِي هَذَا الحَدِيث كَذَلِك. قلت: هَذَا تصرف فِي الْعَرَبيَّة من عِنْده، وَلَيْسَ مَا قَالَه بِصَحِيح، وَقد ذكرُوا أَن كلا مِنْهُمَا يتلَقَّى بِوَاحِدَة مِنْهُمَا، غير أَن الْأَفْصَح كَمَا ذكرنَا أَن لَا يتلقيا بهما، وَقد ورد فِي الحَدِيث: بإذ، فِي الأول وَفِي الثَّانِي بِدُونِ إِذْ، وَإِذا على الأَصْل الَّذِي هُوَ الْأَفْصَح، فَأَي شَيْء دَعْوَى الخصوصية فِي بَيْنَمَا بإذ وَإِذا ونفيها فِي بَينا؟ وَلم يقل بِهَذَا أحد؟ قَوْله: (عِنْد النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حسن الْأَدَب فِي التَّعْبِير، كَمَا تشعر العندية بالتعظيم بِخِلَاف مَا لَو قَالَ: مَعَ. قلت: لَفْظَة: عِنْد، موضوعها الحضرة وَمن أَيْن الْإِشْعَار فِيهِ بالتعظيم؟ قَوْله: (إِذا جَاءَ رجل) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي حَدِيث عَائِشَة.، قَوْله: (هَلَكت) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: (احترقت) كَمَا مر، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (مَا أُراني إلَاّ قد هَلَكت) ، وَقد رُوِيَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث: (هَلَكت وأهلكت) ، قَالَ الْخطابِيّ: وَهَذِه اللَّفْظَة غير مَوْجُودَة فِي شَيْء من رِوَايَة هَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَأَصْحَاب سُفْيَان لم يرووها عَنهُ إِنَّمَا ذكرُوا قَوْله: (هَلَكت) ، حسب، قَالَ: غير أَن بعض أَصْحَابنَا حَدثنِي أَن الْمُعَلَّى بن مَنْصُور روى هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان، فَذكر هَذَا الْحَرْف فِيهِ وَهُوَ غير مَحْفُوظ، والمعلى لَيْسَ بذلك فِي الْحِفْظ والإتقان. انْتهى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِن هَذِه اللَّفْظَة لَا يرضاها أَصْحَاب الحَدِيث، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِن هَذِه اللَّفْظَة لَيست مَحْفُوظَة عِنْد الْحفاظ الْأَثْبَات.
وَقَالَ شَيخنَا زيد الدّين، ﵀: وَردت هَذِه اللَّفْظَة مُسندَة من طرق ثَلَاثَة: أَحدهَا: الَّذِي ذكره الْخطابِيّ، وَقد رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة أبي ثَوْر، قَالَ: حَدثنَا مُعلى بن مَنْصُور حَدثنَا سُفْيَان بن عينة، فَذكره الدَّارَقُطْنِيّ، تفرد بِهِ أَبُو ثَوْر عَن مُعلى بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة، بقوله: (وأهلكت) ، قَالَ: وهم ثِقَات. الطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَقد رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ، ثمَّ نقل عَن الْحَاكِم أَنه ضعف هَذِه اللَّفْظَة، وَحملهَا على أَنَّهَا أدخلت على مُحَمَّد بن الْمسيب الأرغياني، ثمَّ اسْتدلَّ على ذَلِك. وَالطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة عقيل عَن الزُّهْرِيّ، رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي غير السّنَن، وَقَالَ: حَدثنَا النَّيْسَابُورِي حَدثنَا مُحَمَّد بن عَزِيز حَدثنِي سَلامَة بن روح عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ، فَذكره، وَقد تكلم فِي سَماع مُحَمَّد بن عَزِيز من سَلامَة، وَفِي سَماع سَلامَة من عقيل، وَتكلم فيهمَا: أما مُحَمَّد بن عَزِيز فضعفه النَّسَائِيّ مرّة، وَقَالَ مرّة: لَا بَأْس بِهِ، وَأما سَلامَة فَقَالَ أَبُو زرْعَة: ضَعِيف مُنكر، وأجود طرق هَذِه اللَّفْظَة طَرِيق الْمُعَلَّى بن مَنْصُور، على أَن الْمُعَلَّى وَإِن اتّفق الشَّيْخَانِ على إِخْرَاج حَدِيثه فقد تَركه أَحْمد، وَقَالَ: لم أكتب عَنهُ، كَانَ يحدث بِمَا وَافق الرَّأْي، وَكَانَ كل يَوْم يخطىء فِي حديثين أَو ثَلَاثَة. قلت: هُوَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة
стр. 3139
وَوَثَّقَهُ يحيى بن معِين، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة: ثِقَة، فِيمَا تفرد بِهِ وشورك فِيهِ، متقن صَدُوق فَقِيه مَأْمُون. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة صَاحب سنة وَكَانَ نبيلاً، طلبوه للْقَضَاء غير مرّة فَأبى. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ صَدُوقًا صَاحب حَدِيث ورأي وَفقه، مَاتَ سنة أحد عشرَة وَمِائَتَيْنِ.
قَوْله: (قَالَ: مَالك؟) بِفَتْح اللَّام وَهُوَ اسْتِفْهَام عَن حَاله، وَفِي رِوَايَة عقيل: (وَيحك ﴿مَا شَأْنك؟) وَلابْن أبي حَفْصَة: (وَمَا الَّذِي أهْلكك وَمَا ذَاك؟) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (وَيحك﴾ مَا صنعت؟) أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (وَمَا الَّذِي أهْلكك؟) وَكَذَا فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ. قَوْله: (وَقعت على امْرَأَتي) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (أصبت أَهلِي) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: (وطِئت امْرَأَتي) . قَوْله: (وَأَنا صَائِم) جملَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي وَقعت. فَإِن قلت: من أَيْن يعلم أَنه كَانَ صَائِما فِي رَمَضَان حَتَّى يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وجوب الْكَفَّارَة؟ قلت: وَقع فِي أول هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة مَالك وَابْن جريج (أَن رجلا أفطر فِي رَمَضَان) الحَدِيث، وَوَقع أَيْضا فِي رِوَايَة عبد الْجَبَّار بن عمر: (وَقعت على أَهلِي الْيَوْم، وَذَلِكَ فِي رَمَضَان) . وَفِي رِوَايَة سَاق مُسلم إسنادها وسَاق أَبُو عوَانَة فِي (مستخرجه) متنها أَنه قَالَ: (أفطرت فِي رَمَضَان) ، وَبِهَذَا يرد على الْقُرْطُبِيّ فِي دَعْوَاهُ تعدد الْقِصَّة، لِأَن مخرج الحَدِيث وَاحِد، والقصة وَاحِدَة، وَوَقع فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عَن سعيد بن مَنْصُور: (أصبت امْرَأَتي ظهرا فِي رَمَضَان) ، وبتعيين رَمَضَان، يفهم الْفرق فِي وجوب كَفَّارَة الْجِمَاع فِي الصَّوْم بَين رَمَضَان وَغَيره من الْوَاجِبَات كالنذر، وَبَعض الْمَالِكِيَّة أوجبوا الْكَفَّارَة على من أفسد صَوْمه مُطلقًا، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، ورد عَلَيْهِم بِالَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (هَل تَجِد رَقَبَة تعتقها؟) وَفِي رِوَايَة مَنْصُور: (أتجد مَا تحرر رَقَبَة) . وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (أتستطيع أَن تعْتق رَقَبَة؟) وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ: (فَقَالَ: أعتق رَقَبَة) . وَزَاد فِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة: (فَقَالَ: بئس مَا صنعت ﴿أعتق رَقَبَة) . وَفِي حَدِيث عبد الله بن عمر، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) : (جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أفطرت يَوْمًا من رَمَضَان، فَقَالَ: من غير عذر وَلَا سقم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: بئس مَا صنعت. قَالَ: أجل، مَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ: أعتق رَقَبَة) . قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ الرجل: لَا أجد رَقَبَة، وَفِي رِوَايَة ابْن مُسَافر: (فَقَالَ: لَا وَالله يَا رَسُول الله) . وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (لَيْسَ عِنْدِي) ، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: (فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا ملكت رَقَبَة قطّ) . قَوْله: (فَهَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن؟) قَالَ الْقُرْطُبِيّ أَي: تقوى وتقدر؟ وَفِي حَدِيث سعد: (قَالَ: لَا أقدر) وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: (وَهل لقِيت مَا لقِيت إلَاّ من الصّيام؟) وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق هَذِه تَقْتَضِي أَن عدم استطاعته شدَّة شبقه وَعدم صبره عَن الوقاع، فَهَل يكون ذَلِك عذرا فِي الِانْتِقَال عَن الصَّوْم إِلَى الْإِطْعَام حَتَّى يعد صَاحبه غير مستطيع للصَّوْم أم لَا؟ وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة اعْتِبَار ذَلِك، فيسوغ لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الْإِطْعَام، ويلتحق بِهِ من يجد رَقَبَة، وَهُوَ غير مستغنٍ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يسوغ لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الصَّوْم مَعَ وجودهَا لكَونه فِي حكم غير الْوَاجِد. انْتهى. قلت: فِي هَذَا كُله نظر لِأَن الشَّارِع رتب هَذِه الْخِصَال بِالْفَاءِ الَّتِي هِيَ للتَّرْتِيب والتعقيب، فَكيف ينْقض هَذَا؟ قَوْله: (مُتَتَابعين) فِيهِ اشْتِرَاط التَّتَابُع، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فَهَل تَجِد إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا) . وَزَاد فِي رِوَايَة ابْن مُسَافر: (يَا رَسُول الله. .) وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان: (هَل تَسْتَطِيع إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا؟) وَوَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وعراق بن مَالك: (فأطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا أجد) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (أفتستطيع أَن تطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا) . وَذكر الْحَاجة، وَفِي حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: (وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أشْبع أَهلِي﴾ ) وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: أضَاف الْإِطْعَام الَّذِي هُوَ مصدر أطْعم إِلَى سِتِّينَ، فَلَا يكون ذَلِك مَوْجُودا فِي حق من أطْعم سِتَّة مَسَاكِين عشرَة أَيَّام مثلا، وَمن أجَاز ذَلِك فَكَأَنَّهُ استنبط من النَّص معنى يعود عَلَيْهِ بالإبطال، وَالْمَشْهُور عَن الْحَنَفِيَّة الْإِجْزَاء حَتَّى لَو أطْعم الْجَمِيع مِسْكينا وَاحِدًا فِي سِتِّينَ يَوْمًا كفى. قلت: هَؤُلَاءِ الَّذين يشتغلون بالحنفية يحفظون شَيْئا وتغيب عَنْهُم أَشْيَاء، أَفلا يعلمُونَ أَن المُرَاد هَهُنَا سد خلة الْفَقِير؟ فَإِذا وجد ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة معنى السِّتين، فَلَا طعن فِيهِ، ثمَّ المُرَاد من الْإِطْعَام الْإِعْطَاء لَهُم بِحَيْثُ يتمكنون من الْأكل، وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَة الْإِطْعَام من وضع المطعوم فِي فَم الْآكِل. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي هَذِه الْخِصَال الثَّلَاثَة وَمَا الْمُنَاسبَة بَينهمَا؟ قلت: الَّذِي انتهك حُرْمَة الصَّوْم بِالْجِمَاعِ عمدا فِي نَهَار رَمَضَان، فقد أهلك نَفسه بالمعصية، فَنَاسَبَ أَن يعْتق رَقَبَة فيفدي نَفسه، بهَا، وَثَبت فِي (الصَّحِيح) (أَن من أعتق رَقَبَة أعتق الله بِكُل عُضْو
стр. 3140
مِنْهَا عضوا من النَّار) . وَأما الصّيام فمناسبته ظَاهِرَة لِأَنَّهُ كالمقاصة بِجِنْس الْجِنَايَة، وَأما كَونه شَهْرَيْن فَلِأَنَّهُ لما أَمر بمصابرة النَّفس فِي حفظ كل يَوْم من شهر رَمَضَان على الْوَلَاء، فَلَمَّا أفسد مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كمن أفسد الشَّهْر كُله من حَيْثُ إِنَّه عبَادَة وَاحِدَة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سَبِيل الْمُقَابلَة لنقيض قَصده. وَأما الْإِطْعَام فمناسبته ظَاهِرَة، لِأَن مُقَابلَة كل يَوْم بإطعام مِسْكين، ثمَّ إِن هَذِه الْخِصَال جَامِعَة لاشتمالها على حق الله تَعَالَى وَهُوَ الصَّوْم، وَحقّ الْأَحْرَار بِالْإِطْعَامِ وَحقّ الأرقاء بِالْإِعْتَاقِ وَحقّ الْجَانِي بِثَوَاب الِامْتِثَال. قَوْله: (فَمَكثَ) بِالْمِيم وَفتح الْكَاف وَضمّهَا وبالثاء الْمُثَلَّثَة. وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من وَجْهَيْن عَن أبي الْيَمَان: أَحدهمَا: (مكث) مثل مَا هُوَ هُنَا. وَالْآخر: (فَسكت) ، من السُّكُوت وَفِي رِوَايَة أبي عُيَيْنَة (فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : إجلس فَجَلَسَ) . قَوْله: (فَبينا نَحن على ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس كَذَلِك) ، قيل: يحْتَمل أَن يكون سَبَب أمره بِالْجُلُوسِ لانتظار مَا يُوحى إِلَيْهِ فِي حَقه، وَيحْتَمل أَنه كَانَ عرف أَنه سيؤتى بِشَيْء يُعينهُ بِهِ. قَوْله: (أُتِي النَّبِي ﷺ ، كَذَا هُوَ على بِنَاء الْمَجْهُول عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (إِذْ أُتِي) وَهُوَ جَوَاب قَوْله: بَينا، وَقد مر فِي قَوْله: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس) أَن بَعضهم قَالَ: إِن بَينا لَا يتلَقَّى بإذ وَلَا بإذا، وَهَهُنَا فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة جَاءَ بإذ، وَهُوَ يرد مَا قَالَه، فَكَأَنَّهُ ذهل عَن هَذَا، والآتي من هُوَ لم يدر، وَقَالَ بَعضهم: والآتي الْمَذْكُور لم يسم. قلت: فِي أَيْن ذكر الْآتِي حَتَّى قَالَ: لم يسم؟ لَكِن وَقع فِي الْكَفَّارَات على مَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَة معمر: (فجَاء رجل من الْأَنْصَار) ، وَهُوَ أَيْضا غير مَعْلُوم. فَإِن قلت: عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن سعيد بن الْمسيب مُرْسلا، (فَأتى رجل من ثَقِيف) . قلت: رِوَايَة الصَّحِيح أصح، وَيُمكن أَن يحمل على أَنه كَانَ حليفا للْأَنْصَار، فَأطلق عَلَيْهِ الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: أَو إِطْلَاق الْأنْصَارِيّ، بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ. قلت: لَا وَجه لذَلِك لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يُطلق على كل من كَانَ من أَي قَبيلَة كَانَ أَنْصَارِيًّا بِهَذَا الْمَعْنى، وَلم يقل بِهِ أحد. قَوْله: (بعرق) ، قد مر تَفْسِيره عَن قريب مُسْتَوفى. قَوْله: (والمكتل) تَفْسِير الْعرق وَقد مر تَفْسِير المكتل أَيْضا وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن خُزَيْمَة (المكتل الضخم) فَإِن قلت تَفْسِير الْعرق بالمكتل مِمَّن؟ قلت: الظَّاهِر أَنه من الصَّحَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون من الروَاة، قيل: فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة مَا يشْعر بِأَنَّهُ الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا: وَهُوَ بَاب المجامع فِي رَمَضَان فَأتي بعرق فِيهِ تمر، وَهُوَ الزبيل، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (فَأتي بزبيل) ، وَقد مر تَفْسِير الزبيل أَيْضا مُسْتَوفى. قَوْله: (أَيْن السَّائِل؟) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم يكن لذَلِك الرجل سُؤال، بل كَانَ لَهُ مُجَرّد إِخْبَار بِأَنَّهُ هلك، فَمَا وَجه إِطْلَاق لفظ السَّائِل عَلَيْهِ؟ قلت: كَلَامه مُتَضَمّن للسؤال أَي: هَلَكت، فَمَا مُقْتَضَاهُ وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ؟ فَإِن قلت: لم يبين فِي هَذَا الحَدِيث مِقْدَار مَا فِي المكتل من التَّمْر؟ قلت: وَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا) ، وَفِي رِوَايَة مُؤَمل عَن سُفْيَان: (فِيهِ خَمْسَة عشر أَو نَحْو ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة مهْرَان بن أبي عمر عَن الثَّوْريّ عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (فِيهِ خَمْسَة عشر أَو عشرُون) وَكَذَا هُوَ عِنْد مَالك، وَفِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ الْجَزْم بِعشْرين صَاعا، وَوَقع فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (فَأتي بعرق فِيهِ عشرُون صَاعا) ، وَقَالَ بَعضهم: من قَالَ: عشرُون، أَرَادَ أصل مَا كَانَ فِيهِ، وَمن قَالَ: خَمْسَة عشر، أَرَادَ قدر مَا تقع بِهِ الْكَفَّارَة، وَيبين ذَلِك حَدِيث عَليّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: (يطعم سِتِّينَ مِسْكينا لكل مِسْكين مد) وَفِيه: (فَأتي بِخَمْسَة عشر صَاعا، فَقَالَ: أطْعمهُ سِتِّينَ مِسْكينا) . وَكَذَا فِي رِوَايَة حجاج عَن الزُّهْرِيّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَفِيه رد على الْكُوفِيّين فِي قَوْلهم: إِن واجبه من الْقَمْح ثَلَاثُونَ صَاعا، وَمن غَيره سِتُّونَ صَاعا، وعَلى أَشهب فِي قَوْله: لَو غدَّاهم أَو عشَّاهم كفى لصدق الْإِطْعَام، وَلقَوْل الْحسن: يطعم أَرْبَعِينَ مِسْكينا عشْرين صَاعا، وَلقَوْل عَطاء: إِن أفطر بِالْأَكْلِ أطْعم عشْرين صَاعا، أَو بِالْجِمَاعِ أطْعم خَمْسَة عشر، وَفِيه رد على الْجَوْهَرِي حَيْثُ قَالَ فِي (الصِّحَاح) : المكتل تشبه الزبيل، يسع خَمْسَة عشر صَاعا لِأَنَّهُ لَا حصر فِي ذَلِك. انْتهى. قلت: لَيْت شعري كَيفَ فِيهِ رد على الْكُوفِيّين وهم قد احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم: (فَجَاءَهُ عرقان فيهمَا طَعَام) ، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن مَا فِي العرقين يكون ثَلَاثِينَ صَاعا، فَيعْطى لكل مِسْكين نصف صَاع، بل الرَّد على أئمتهم حَيْثُ احْتَجُّوا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بالروايات المضطربة، وَفِي بَعْضهَا الشَّك، فالعجب
стр. 3141
مِنْهُ أَن يرد على الْكُوفِيّين مَعَ علمه أَن احتجاجهم قوي صَحِيح، وأعجب مِنْهُ أَنه قَالَ فِي رِوَايَة مُسلم هَذِه: وَوَجهه أَن كَانَ مَحْفُوظًا، وَقد ردينا عَلَيْهِ مَا قَالَه فِيمَا مضى عَن قريب، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَفِيه رد على الْجَوْهَرِي، غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يحصر مَا قَالَه فِي ذَلِك: غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه نقل أحد الْمعَانِي الَّتِي قَالُوا فِي المكتل وَسكت عَلَيْهِ. قَوْله: (فَتصدق بِهِ) وَزَاد ابْن إِسْحَاق: (فَتصدق عَن نَفسك) ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظ: (أطْعم هَذَا عَنْك) . قَوْله: (أعَلَى أفقر منى؟) أَي: أَتصدق بِهِ على شخص أفقر منى؟ وَفِي حَدِيث ابْن عمر، أخرجه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) (إِلَى من أدفعه؟ قَالَ: إِلَى أفقر من تعلم) وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد: (أَعلَى أفقر من أَهلِي؟) وَلابْن مُسَافر: (أَعلَى أهل بَيت أفقر منى؟) وَالْأَوْزَاعِيّ: (أَعلَى غير أَهلِي؟) ولمنصور: (أَعلَى أحْوج منا؟) وَلابْن إِسْحَاق (وَهل الصَّدَقَة إلَاّ لي وَعلي؟) . قَوْله: (فوَاللَّه مَا بَين لابتيها) اللابتان، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة ثمَّ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق: عبارَة عَن حرتين تكتنفان الْمَدِينَة، وَهِي تَثْنِيَة: لابة، والحرة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: الأَرْض ذَات حِجَارَة سود. قَوْله: (يُرِيد الحرتين) ، من كَلَام بعض رُوَاته، وَوَقع فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور: (مَا بَين حرتيها) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ الْآتِي فِي الْأَدَب: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا بَين طنبي الْمَدِينَة) وَهُوَ تَثْنِيَة: طُنب، بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَالنُّون: أحد أطناب الْخَيْمَة، واستعاره للطرف. قَوْله: (أهل بَيت أفقر من أهل بيتى) لفظ: أهل، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: مَا، النافية. و: أفقر، مَنْصُوب لِأَنَّهُ خَبَرهَا، وَيجوز رَفعه على لُغَة تَمِيم، وَفِي رِوَايَة يُونُس: (أفقر مني وَمن أهل بَيْتِي؟) وَفِي رِوَايَة عقيل: (مَا أحد أَحَق بِهِ من أَهلِي، مَا أحد أحْوج إِلَيْهِ مني) وَفِي مُرْسل سعيد من رِوَايَة دَاوُد عَنهُ: (وَالله مَا لِعِيَالِي من طَعَام) . وَفِي حَدِيث عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (مَا لنا عشَاء لَيْلَة) . قَوْله: (فَضَحِك النَّبِي ﷺ حَتَّى بَدَت أنيابه) ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: (حَتَّى بَدَت نواجده) ، وَلأبي قُرَّة فِي (السّنَن) عَن ابْن جريج: (حَتَّى بَدَت ثناياه) ، قيل: لَعَلَّهَا تَصْحِيف من أنيابه، فَإِن الثنايا تتبين بالتبسم غَالِبا، وَظَاهر السِّيَاق إِرَادَة الزِّيَادَة على التبسم، وَيحمل مَا ورد فِي صفته ﷺ أَن ضحكه كَانَ تبسما غَالب أَحْوَاله، وَقيل: كَانَ لَا يضْحك إلَاّ فِي أَمر يتَعَلَّق بِالآخِرَة، فَإِن كَانَ فِي أَمر الدُّنْيَا لم يزدْ على التبسم. وَقيل: إِن سَبَب ضحكه ﷺ كَانَ من تبَاين حَال الرجل، حَيْثُ جَاءَ خَائفًا على نَفسه رَاغِبًا فِي فداها مهما أمكنه، فَلَمَّا وجد الرُّخْصَة طمع أَن يَأْكُل مَا أعْطِيه فِي الْكَفَّارَة. وَقيل: ضحك من حَال الرجل فِي مقاطع كَلَامه وَحسن تَأتيه وتلطفه فِي الْخطاب وَحسن توسله فِي توصله إِلَى مَقْصُوده. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: أطْعمهُ أهلك) وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَة فِي الْكَفَّارَات: (أطْعمهُ عِيَالك) . وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد: (فَأنْتم إِذا) ، وَقدم ذَلِك على ذكر الضحك، وَفِي رِوَايَة أبي قُرَّة عَن ابْن جريج: (ثمَّ قَالَ: كُله) ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (خُذْهَا وَكلهَا وأنفقها على عِيَالك) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قد ذكرنَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله مَا يتَعَلَّق بِهِ وَبِغَيْرِهِ من الْأَحْكَام، فلنذكر هُنَا مَا لم نذمر هُنَاكَ. فَفِيهِ: أَن من جَاءَ مستفتيا فِيمَا فِيهِ الِاجْتِهَاد دون الْحُدُود المحدودة أَنه لَا يلْزمه تَعْزِير وَلَا عُقُوبَة كَمَا لم يُعَاقب النَّبِي، ﷺ ، الْأَعرَابِي على هتك حُرْمَة الشَّهْر، قَالَه عِيَاض: قَالَ: لِأَن فِي مَجِيئه واستفتائه ظُهُور تَوْبَته وإقلاعه، قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَو عُوقِبَ كل من جَاءَ بجيئه لم يستفت أحد غَالِبا عَن نازلة مَخَافَة الْعقُوبَة، بِخِلَاف مَا فِيهِ حد مَحْدُود، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي كتاب الْمُحَاربين: بَاب من أصَاب ذَنبا دون الْحَد، فَأخْبر الإِمَام فَلَا عُقُوبَة عَلَيْهِ، بعد أَن جَاءَ مستفتيا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مستعتبا، ثمَّ قَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ ابْن جريج: وَلم يُعَاقب الَّذِي جَامع فِي رَمَضَان. فَإِن قلت: وَقع فِي (شرح السّنة) لِلْبَغوِيِّ: أَن من جَامع مُتَعَمدا فِي رَمَضَان فسد صَوْمه. وَعَلِيهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة، وَيُعَزر على سوء صَنِيعه. قلت: هُوَ مَحْمُول على من لم يَقع مِنْهُ مَا وَقع من صَاحب هَذِه الْقِصَّة من النَّدَم وَالتَّوْبَة.
وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة مرتبَة ككفارة الظِّهَار، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء إلَاّ أَن مَالك بن أنس زعم أَنه مُخَيّر بَين عتق الرَّقَبَة وَصَوْم شَهْرَيْن وَالْإِطْعَام، وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ: الْإِطْعَام أحب إِلَيّ من الْعتْق، وَوَقع فِي (الْمُدَوَّنَة) : وَلَا يعرف مَالك غير الْإِطْعَام وَلَا يَأْخُذ بِعِتْق وَلَا صِيَام. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَهِي معضلة لَا يَهْتَدِي إِلَى توجيهها مَعَ مصادمة الحَدِيث الثَّابِت، غير أَن بعض الْمُحَقِّقين من أَصْحَابه حل هَذَا اللَّفْظ وتأوله على الِاسْتِحْبَاب فِي تَقْدِيم الطَّعَام على غَيره من الْخِصَال، وَذكر أَصْحَابه فِي هَذَا
стр. 3142
وُجُوهًا كَثِيرَة كلهَا لَا تقاوم مَا ورد فِي الحَدِيث من تَقْدِيم الْعتْق على الصّيام، ثمَّ الْإِطْعَام.
وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة بالخصال الثَّلَاث على التَّرْتِيب الْمَذْكُور، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لِأَنَّهُ، ﷺ ، نَقله من أَمر بعد عَدمه إِلَى أَمر آخر، وَلَيْسَ هَذَا شَأْن التَّخْيِير. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ترَتّب الثَّانِي بِالْفَاءِ على فقد الأول، ثمَّ الثَّالِث بِالْفَاءِ على فقد الثَّانِي، يدل على عدم التَّخْيِير، مَعَ كَونهَا فِي معرض الْبَيَان وَجَوَاب السُّؤَال، فَينزل منزلَة الشَّرْط الْمُحكم. وَقيل: سلك الْجُمْهُور فِي ذَلِك مَسْلَك التَّرْجِيح بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ أَكثر مِمَّن روى التَّخْيِير، وَاعْترض ابْن التِّين بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب ابْن عُيَيْنَة وَمعمر وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالَّذين رووا التَّخْيِير مَالك وَابْن جريج وفليح بن سُلَيْمَان وَعمر بن عُثْمَان المَخْزُومِي، وَأجِيب: بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ ثَلَاثُونَ نفسا أَو أَكثر، وَرجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَن رَاوِيه حكى لفظ الْقِصَّة على وَجههَا فمعه زِيَادَة علم من صُورَة الْوَاقِعَة، وراوي التَّخْيِير حكى لفظ رَاوِي الحَدِيث، فَدلَّ على أَنه من تصرف بعض الروَاة إِمَّا لقصد الِاخْتِصَار أَو لغير ذَلِك، ويترجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَنَّهُ أحوط. وَحمل الْمُهلب والقرطبي الْأَمر على التَّعَدُّد، وَهُوَ بعيد، لِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد، وَحمل بَعضهم التَّرْتِيب على الْأَوْلَوِيَّة والتخيير على الْجَوَاز.
وَفِيه: إِعَانَة الْمُعسر فِي الْكَفَّارَة، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لَا يحْتَاج فيهمَا إِلَى الْقبُول بِاللَّفْظِ بل الْقَبْض كَاف، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة لَا تجب إلَاّ بعد نَفَقَة من تجب عَلَيْهِ، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات. وَفِيه: جَوَاز الْمُبَالغَة فِي الضحك عِنْد التَّعَجُّب لقَوْله: (حَتَّى بَدَت أنيابه) . وَفِيه: جَوَاز قَول الرجل فِي الْجَواب: وَيحك، أَو: وَيلك. وَفِيه: جَوَاز الْحلف بِاللَّه وَصِفَاته، وَإِن لم يسْتَحْلف كَمَا فِي البُخَارِيّ. وَغَيره، (وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (وَالله مَا بَين لابتيها) إِلَى آخِره. وَفِيه: أَن القَوْل قَول الْفَقِير أَو الْمِسْكِين وَجَوَاز عطائه مِمَّا يسْتَحقّهُ الْفُقَرَاء لِأَنَّهُ ﷺ ، لم يكلفه الْبَيِّنَة حِين ادّعى أَنه مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أهل بَيت أحْوج مِنْهُم؟ وَفِيه: جَوَاز الْحلف على غَلَبَة الظَّن، وَإِن لم يعلم ذَلِك بالدلائل القطعية، لحلف الْمَذْكُور أَنه لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم مَعَ جَوَاز أَن يكون بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم لِكَثْرَة الْفُقَرَاء فِيهَا، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ . وَفِيه: اسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِيمَا يستقبح طهوره بِصَرِيح لَفظه، لقَوْله: (وَقعت أَو أصبت) فَإِن قلت: ورد فِي بعض طرقه: (وطِئت؟) قلت: هَذَا من تصرف الروَاة. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم والتلطف فِي التَّعْلِيم والتأليف على الدّين، والندم على الْمعْصِيَة واستشعار الْخَوْف. وَفِيه: الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد لغير الصَّلَاة من الْمصَالح الدِّينِيَّة: كنشر الْعلم. وَفِيه: التعاون على الْعِبَادَة. وَفِيه: السَّعْي على خلاص الْمُسلم. وَفِيه: إِعْطَاء الْوَاحِد فَوق حَاجته الراهنة. وَفِيه: إِعْطَاء الْكَفَّارَة لأهل بَيت وَاحِد.
١٣ - (بابُ المُجامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إذَا كانُوا مَحَاوِيجَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم المجامع فِي رَمَضَان: هَل يطعم أَهله الْكَفَّارَة إِذا كَانُوا محاويج أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام اكْتِفَاء بِمَا ذكر من متن الحَدِيث، والمحاويج قَالَ المطرزي فِي (الْمغرب) : هم المحتاجون، عَامي قلت: يحْتَمل أَن يكون جمع: محواج، وَهُوَ كثير الْحَاجة، صِيغ على وزن اسْم الْآلَة للْمُبَالَغَة.
٧٣٩١ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَريرٌ عَن منْصُورٍ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى النبيِّ فَقَالَ إنَّ الآخِرَ وقعَ عَلَى امْرَأتِهِ فِي رمَضَانَ فَقَالَ أتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رقَبةً قَالَ لَا قَالَ أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ أفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينا قَالَ لَا قَالَ فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ
стр. 3143
فِيهِ تَمْرٌ وهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ أطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ عَلَى أحْوَجِ مِنَّا مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ مِنَّا قَالَ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأطعمه أهلك) ، وَجَرِير هُوَ: بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَقد ذكرُوا غير مرّة. قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من أَصْحَاب مَنْصُور عَنهُ، وَخَالفهُ مهْرَان بن أبي عمر فَرَوَاهُ عَن الثَّوْريّ بِالْإِسْنَادِ عَن سعيد بن الْمسيب بدل حميد بن عبد الرَّحْمَن، أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَهُوَ شَاذ، وَالْمَحْفُوظ هُوَ الأول. قَوْله: (إِن الآخر) فِيهِ قصر الْهمزَة ومدها بعْدهَا خاء مُعْجمَة مَكْسُورَة، وَهُوَ من يكون آخر الْقَوْم، وَقيل: هُوَ الْمُدبر المتخلف، وَقيل: الأرذل، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن الْأَبْعَد، على الذَّم. قَوْله: (رَقَبَة) بِالنّصب، قيل: إِنَّه بدل من لَفْظَة مَا تحرر قلت: بل هُوَ مَنْصُوب على أَنه مفعول: تحرر، فَافْهَم، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ قد مرت فِيمَا مضى مستوفاة. وَالله أعلم.
٢٣ - (بابُ الحِجَامَةِ والْقَيءِ لِلْصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْحجامَة والقيء هَل يرخصان للصَّائِم أَو لَا؟ وَإِنَّمَا أطلق وَلم يذكر الحكم لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وَلَكِن الْآثَار الَّتِي أوردهَا فِي هَذَا الْبَاب تشعر بِأَنَّهُ عدم الْإِفْطَار بهما. وَقَالَ بَعضهم: بَاب الْحجامَة والقيء للصَّائِم، أَي: هَل يفسدان هما أَو أَحدهمَا الصَّوْم؟ قلت: اللَّام فِي قَوْله: (للصَّائِم) ، تمنع هَذَا التَّقْدِير الَّذِي قدره، وَلَا يخفى ذَلِك على من لَهُ أدنى ذوق من أَحْوَال التَّرْكِيب، قيل: جمع بَين الْقَيْء والحجامة مَعَ تغايرهما، وعادته تَفْرِيق التراجم إِذا نظمهما خبر وَاحِد فضلا عَن خبرين، وَإِنَّمَا صنع ذَلِك لِاتِّحَاد مأخذهما، لِأَنَّهُمَا إِخْرَاج، والإخراج لَا يَقْتَضِي الْإِفْطَار.
وَقَالَ لِي يَحْيَى بنُ صَالِحٍ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلَاّم قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُمَرَ بنِ الحَكَمَ بن ثَوْبانَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ إذَا قاءَ فَلَا يُفْطِرُ إنَّمَا يُخْرجُ ولَا يُولِجُ عَادَة البُخَارِيّ إِذا أسْند شَيْئا من الْمَوْقُوفَات يَأْتِي بِهَذِهِ الصِّيغَة، وَيحيى بن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي الْحِمصِي وَمُعَاوِيَة ابْن سَلام، بتَشْديد اللَّام، مر فِي كتاب الْكُسُوف، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَعمر بن الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: ابْن ثَوْبَان، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الْحِجَازِي أَبُو حَفْص الْمدنِي.
قَوْله: (إِذا قاء) أَي الصَّائِم: قَوْله: (وَإِنَّمَا يخرج) ، من الْخُرُوج. قَوْله: (وَلَا يولج) ، من الْإِيلَاج، أَي: لَا يدْخل، الْمَعْنى: أَن الصَّوْم لَا ينْقض إِلَّا بِشَيْء يدْخل، وَلَا ينْقض بِشَيْء يخرج. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أَنه يخرج وَلَا يولج، أَي: أَن الْقَيْء يخرج وَلَا يدْخل، وَهَذَا الْحصْر منقوض بالمني، فَإِنَّهُ مِمَّا يخرج وَهُوَ مُوجب للْقَضَاء وَالْكَفَّارَة.
وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَرْبَعَة مَرْفُوعا من حَدِيث هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من ذرعه الْقَيْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء، وَمن استقاء عمدا فليقض) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، ﷺ : إلَاّ من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس، قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غَيره وَجهه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَا يَصح إِسْنَاده. وَقَالَ البُخَارِيّ: لم يَصح، وَإِنَّمَا يرْوى عَن عبد الله بن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَعبد الله ضَعِيف، وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ من طَرِيق عِيسَى ابْن يُونُس، وَنقل عَن عِيسَى أَنه قَالَ: زعم أهل الْبَصْرَة أَن هشاما وهم فِيهِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعت أَحْمد يَقُول: لَيْسَ من ذَا شَيْء. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَنه غير مَحْفُوظ، وَقَالَ ابْن بطال: تفرد بِهِ عِيسَى وَهُوَ ثِقَة إلَاّ أَن أهل الحَدِيث أنكروه عَلَيْهِ، وَوهم عِنْدهم فِيهِ. وَقَالَ أَبُو عَليّ الطوسي: هُوَ حَدِيث غَرِيب، وَالصَّحِيح رِوَايَة أبي الدَّرْدَاء وثوبان وفضالة بن عبيد: (أَن النَّبِي ﷺ قاء فَأفْطر) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أصح شَيْء فِي الْقَيْء والرعاف.
قلت: حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَوَاهُ الْأَرْبَعَة وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن حُسَيْن
стр. 3144
الْمعلم عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يعِيش بن الْوَلِيد عَن أَبِيه عَن معدان بن طَلْحَة (عَن أبي الدَّرْدَاء أَن النَّبِي ﷺ قاء فَأفْطر، قَالَ: فَلَقِيت ثَوْبَان فِي مَسْجِد دمشق، قلت: إِن أَبَا الدَّرْدَاء أَخْبرنِي أَن رَسُول الله ﷺ قاء فَأفْطر، فَقَالَ: صدق، أَنا صببت لَهُ وضوءه) . ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى أَن الصَّائِم إِذا قاء أفطر، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم: عَطاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا ثَوْر. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: إِن استقاء أفطر، وَإِن ذرعه الْقَيْء أَي: سبقه وَغلب عَلَيْهِ وَلم يفْطر، وَأَرَادَ بالآخرين: الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وعلقمة وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَأَصْحَابه ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، ويروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَن من ذرعه الْقَيْء لَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على أَن الاستقاء مفطر، وَنقل الْعَبدَرِي عَن أَحْمد أَنه قَالَ: من تقيأ فَاحِشا أفطر، وَقَالَ اللَّيْث وَالثَّوْري وَالْأَرْبَعَة بِالْقضَاءِ، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَعَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: أَنه لَا يفْطر، وَلَكِن فِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس: أَنه إِذا تقيأ أفطر، وَنقل ابْن التِّين عَن طَاوُوس عدم الْقَضَاء، قَالَ: وَبِه قَالَ ابْن بكير، وَقَالَ ابْن حبيب: لَا قَضَاء عَلَيْهِ فِي التَّطَوُّع دون الْفَرْض، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر: عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة مثل كَفَّارَة الْأكل عَامِدًا فِي رَمَضَان، وَهُوَ قَول عَطاء، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي الدَّرْدَاء الْمَذْكُور الَّذِي أخرجه ابْن حبَان وَالْحَاكِم أَيْضا فِي (صَحِيحَيْهِمَا) وَأجَاب أَبُو عمر: أَنه لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قد يجوز أَن يكون قَوْله: (فَأفْطر) أَي: ضعف فَأفْطر، وَيجوز هَذَا فِي اللُّغَة يَعْنِي: يجوز هَذَا التَّقْدِير فِي اللُّغَة، لتضمن مثل ذَلِك لعلم السَّامع بِهِ كَمَا فِي حَدِيث فضَالة، وَلَكِنِّي قئت فضعفت عَن الصّيام فأفطرت، وَلَيْسَ فِيهِ أَن الْقَيْء كَانَ مُفطرا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث أَن انبي ﷺ أصبح صَائِما مُتَطَوعا فقاء فضعف فَأفْطر لذَلِك، هَكَذَا رُوِيَ فِي بعض الحَدِيث مُفَسرًا، وَأجَاب الْبَيْهَقِيّ بِأَن هَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِي إِسْنَاده فَإِن صَحَّ فَمَحْمُول على الْعَامِد، وَكَأَنَّهُ كَانَ، ﷺ ، مُتَطَوعا بصومه.
وَحَدِيث فضَالة رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا أَسد قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن أبي حبيب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مَرْزُوق عَن حَنش عَن فضَالة بن عبيد، قَالَ: دعى رَسُول الله ﷺ بشراب فَقَالَ لَهُ: ألم تصبح صَائِما يَا رَسُول الله؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن قئت) . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَأَبُو مَرْزُوق اسْمه: حبيب بن الشَّهِيد، وَقيل: زَمعَة بن سليم، قَالَ الْعجلِيّ: مصري تَابِعِيّ ثِقَة، وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وحنش هُوَ ابْن عبد الله الصَّنْعَانِيّ، صنعاء دمشق، روى لَهُ الْجَمَاعَة غير البُخَارِيّ فَإِن قلت: ابْن لَهِيعَة فِيهِ مقَال؟ قلت: الطَّحَاوِيّ أخرجه من أَربع طرق: الأول: مَا ذَكرْنَاهُ الَّذِي فِيهِ ابْن لَهِيعَة والبقية عَن أبي بكرَة عَن روح وَعَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة عَن حجاج وَعَن حُسَيْن بن نصر عَن يحيى بن حسان، قَالُوا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي مَرْزُوق عَن حَنش عَن فضَالة. . إِلَى آخِره، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل عِنْد أهل الْعلم على حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَن الصَّائِم إِذا ذرعه الْقَيْء فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَإِذا استقاء عمدا فليقض، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ قَول كل من يحفظ عَنهُ الْعلم، قَالَ: وَبِه أَقْوَال. قَالَ أَصْحَابنَا: وَيَسْتَوِي فِيهِ ملْء الْفَم وَمَا دونه لإِطْلَاق حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع، فَإِن عَاد وَكَانَ ملْء الْفَم لَا يفْسد صَوْمه عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، قَالَ فِي (الْمُحِيط) : وَهُوَ الصَّحِيح، وَذكر فَتى (قاضيخان) عَن مُحَمَّد وجده، وَعند أبي يُوسُف يفْسد وَإِن أَعَادَهُ، وَكَانَ أقل من ملْء الْفَم يفْسد عِنْد مُحَمَّد وَزفر، وَهَذَا إِذا تقيأ مرّة أَو طَعَاما أَو مَاء، فَإِن تقيأ ملْء فِيهِ بلغما لَا يفْسد عِنْدهمَا، خلافًا لأبي يُوسُف.
ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ يُفْطِرُ
يذكر على صِيغَة الْمَجْهُول عَلامَة التمريض، يَعْنِي: إِذا قاء الصَّائِم يفْطر، يَعْنِي: ينْتَقض صَوْمه، ذكره الْحَازِمِي عَنهُ رِوَايَة عَن بَعضهم، وَيُمكن الْجمع بَين قوليه بِأَن قَوْله: لَا يفْطر، يحمل على مَا فصل فِي حَدِيثه الْمَرْفُوع، وَيحمل قَوْله: أَنه يفْطر، على مَا إِذا تعمد الْقَيْء.
والأوَّلُ أصَحُّ
стр. 3145
أَي: عدم الْإِفْطَار أصح. قَالَ: الْكرْمَانِي أَو الإيناد الأول؟ قلت: هُوَ قَوْله: وَقَالَ لي يحيى بن صَالح: حَدثنَا مُعَاوِيَة بن سَلام ... إِلَى آخِره.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وعِكْرِمَةُ الْفِطْرُ مِمَّا دخَلَ ولَيْسَ مِمَّا خَرَجَ
هَذَانِ التعليقان رَوَاهُمَا ابْن أبي شيبَة. فَالْأول: قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس فِي الْحجامَة للصَّائِم، فَقَالَ: الْفطر مِمَّا يدْخل وَلَيْسَ مِمَّا يخرج. وَالثَّانِي: رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة مثله.
وكانَ ابنُ عُمَرَ ﵄ يَحْتَجِمُ وهْوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ فَكانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه احْتجم وَهُوَ صَائِم، ثمَّ ترك ذَلِك فَكَانَ إِذا صَامَ لم يحتجم حَتَّى يفْطر، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا ابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ ... فَذكره، وَحدثنَا وَكِيع عَن هِشَام بن الْغَاز، وَحدثنَا ابْن إِدْرِيس عَن يزِيد عَن عبد الله عَن نَافِع بِزِيَادَة، فَلَا أَدْرِي لأي شَيْء تَركه كرهه أَو للضعف؟ وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: وَكَانَ ابْن عمر كثير الِاحْتِيَاط، فَكَأَنَّهُ ترك الْحجامَة نَهَارا لذَلِك.
واحْتَجَمَ أبُو مُوسَى لَيْلاً
أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، اسْمه: عبد الله بن قيس، هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن أبي عدي عَن حميد عَن بكير بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن أبي الْعَالِيَة، قَالَ: دخلت على أبي مُوسَى وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة ممسيا فَوَجَدته يَأْكُل تَمرا وكامخا وَقد احْتجم، فَقلت لَهُ: أَلا تحتجم بنهار؟ قَالَ: أتأمرني أَن أهريق دمي وَأَنا صَائِم؟
ويُذْكَرُ عنْ سَعْدٍ وزَيْدِ بنِ أرْقَمَ وأُمِّ سَلَمَةَ احْتَجَمُوا صِياما
سعد هُوَ ابْن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة، وَزيد بن أَرقم بن زيد الْأنْصَارِيّ الخزرجي، وَأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة. قَوْله: (صياما) أَي: صَائِمين، نصب على الْحَال، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا بِصِيغَة التمريض لسَبَب يظْهر بالتخريح. أما أثر سعد فوصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن ابْن شهَاب: أَن سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن عمر كَانَا يحتجمان وهما صائمان، وَهَذَا مُنْقَطع عَن سعد، لَكِن ذكره أَبُو عمر من وَجه آخر عَن عَامر بن سعد عَن أَبِيه. وَأما أثر زيد بن أَرقم فوصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن يُونُس بن عبد الله الْجرْمِي عَن دِينَار، حجمت زيد بن أَرقم، ودينار هُوَ الْحجام مولى جرم، بِفَتْح الْجِيم: لَا يعرف إلَاّ فِي هَذَا الْأَثر. وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ: لَا يَصح حَدِيثه. وَأما أثر أم سَلمَة فوصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ أَيْضا عَن فرات عَن مولى أم سَلمَة: أَنه رأى أم سَلمَة تحتجم وَهِي صَائِمَة، وفرات هُوَ ابْن أبي عبد الرَّحْمَن ثِقَة، وَلَكِن مولى أم سَلمَة مَجْهُول الْحَال.
وَقَالَ بُكيرٌ عنْ أُمَّ عَلقَمَةَ كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عائِشَةَ فَلا تَنْهَى
بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الأشح، وَاسم أم عَلْقَمَة مرْجَانَة سَمَّاهَا البُخَارِيّ، وَذكرهَا ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي تَارِيخه من طَرِيق مخرمَة بن بكير عَن أم عَلْقَمَة قَالَ: كُنَّا نحتجم عِنْد عَائِشَة وَنحن صِيَام، وَبَنُو أخي عَائِشَة فَلَا تنهاهم. قَوْله: (فَلَا تنْهى) ، بِفَتْح التَّاء المثناء من فَوق، وَسُكُون النُّون أَي: فَلَا تنْهى عَائِشَة عَن الاحتجام. ويروى: (فَلَا تُنْهَى) ، بِضَم النُّون الأولى الَّتِي للمتكلم مَعَ الْغَيْر، وَسُكُون الثَّانِيَة على صِيغَة الْمَجْهُول.
ويُرْوَى عنِ الحَسَنِ عنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعا فَقَالَ أفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ
أَي: ويروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَقَالَ) بِالْفَاءِ، ويروى: قَالَ، بِدُونِ الْفَاء، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه روى عَن الْحسن عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وهم أَبُو هُرَيْرَة وثوبان وَمَعْقِل بن يسَار وَعلي بن أبي طَالب وَأُسَامَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ
стр. 3146
النَّسَائِيّ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَهَّاب عَن يُونُس عَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ،. ثمَّ قَالَ: النَّسَائِيّ، ذكر اخْتِلَاف الناقلين لخَبر أبي هُرَيْرَة فِيهِ، ثمَّ روى من حَدِيث أبي عَمْرو عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) ، ثمَّ قَالَ: وَقفه إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، ثمَّ روى من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر من حَدِيث شَقِيق بن ثَوْر عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: يُقَال: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، أما أَنا فَلَو احتجمت مَا باليت، أَبُو هُرَيْرَة يَقُول هَذَا) . ثمَّ روى من حَدِيث عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَفِي لفظ عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم يسمعهُ مِنْهُ، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَفِي لفظ عَن عَطاء عَن رجل عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .
وَأما حَدِيث: ثَوْبَان فَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: روى حَدِيث (أفطر الحاجم والمحجوم) ، قَتَادَة عَن الْحسن عَن ثَوْبَان، وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي قلَابَة أَن أَبَا أَسمَاء الرحي حَدثهُ: أَن ثَوْبَان مولى رَسُول الله ﷺ أخبرهُ أَنه سمع النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
وَأما حَدِيث معقل بن يسَار فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة سُلَيْمَان بن معَاذ، (عَن عَطاء بن السَّائِب، قَالَ: شهد عِنْدِي نفر من أهل الْبَصْرَة مِنْهُم الْحسن عَن معقل بن يسَار، أَن رَسُول الله، ﷺ ، رأى رجلا يحتجم وَهُوَ صَائِم، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .
وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة سعد بن أبي عرُوبَة عَن مطر عَن الْحسن عَن عَليّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .
وَأما حَدِيث أُسَامَة بن زيد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة أَشْعَث بن عبد الْملك عَن الْحسن عَن أُسَامَة بن زيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) ، قَالَ النَّسَائِيّ: وَلم يُتَابع أشعثَ أحدٌ علمناه على رِوَايَته. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: قد تَابعه عَلَيْهِ يُونُس بن عبيد، إلَاّ أَنه من رِوَايَة عبيد الله بن تَمام عَن يُونُس، رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (زيادات الْمسند) وَقَالَ: وَعبيد الله هَذَا فَغير حَافظ. انْتهى.
وَقد اخْتلف فِيهِ على الْحسن، فَقيل عَنهُ هَكَذَا، وَقيل: عَنهُ عَن ثَوْبَان، وَقيل: عَنهُ عَن عَليّ، وَقيل: عَنهُ عَن معقل بن يسَار، وَقيل: عَن معقل بن سِنَان، وَقيل: عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة، وَقيل: عَنهُ عَن سَمُرَة. قَالَ شَيخنَا: وَيُمكن أَن يكون لَيْسَ باخْتلَاف، فقد رُوِيَ عَن الْحسن عَن رجال ذَوي عدد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ إلَاّ أَن بعض من سمي من الصَّحَابَة لم يسمع مِنْهُ الْحسن، مِنْهُم: عَليّ وثوبان وَأَبُو هُرَيْرَة على مَا قيل، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: حَدِيث أُسَامَة وَمَعْقِل بن سِنَان وَأبي هُرَيْرَة معلولة كلهَا، لَا يثبت مِنْهَا شَيْء من جِهَة النَّقْل.
وَاعْلَم أَنه قد رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن رَافع بن خديج عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَتفرد بِهِ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وروى عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ: لَا أعلم فِي الحاجم والمحجوم حَدِيثا أصح من هَذَا. وَأخرجه الْبَزَّار فِي (زيادات الْمسند) من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر، وَقَالَ: لَا نعلم يرْوى عَن رَافع عَن النَّبِي ﷺ إلَاّ من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَالَ أَحْمد: تفرد بِهِ معمر، وَرُوِيَ أَيْضا عَن شَدَّاد بن أَوْس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي قلَابَة عَن أبي الْأَشْعَث (عَن شَدَّاد بن أَوْس، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، أَتَى عليَّ رجل بِالبَقِيعِ وَهُوَ آخذ بيَدي لثماني عشر خلت من رَمَضَان، فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة لَيْث عَن عَطاء عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَلَيْث هُوَ ابْن سليم مُخْتَلف فِيهِ، وَعَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة قبيصَة بن عقبَة، حَدثنَا مطر عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا، قَالَ: وَرَوَاهُ غير وَاحِد عَن مطر عَن عَطاء مُرْسلا، وَعَن أبي مُوسَى رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي رَافع، قَالَ: دخلت على أبي مُوسَى. . الحَدِيث، وَفِيه: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة شهر عَن بِلَال عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن ابْن عمر رَوَاهُ ابْن عدي من رِوَايَة نَافِع عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن ابْن مَسْعُود رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (الضُّعَفَاء) من رِوَايَة الْأسود عَنهُ، قَالَ: (مر بِي النَّبِي ﷺ على رجلَيْنِ يحجم أَحدهمَا الآخر،
стр. 3147
فاغتاب أَحدهمَا وَلم يُنكر عَلَيْهِ الآخر، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن جَابر رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عَطاء عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن سَمُرَة أَيْضا من رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث أبي قلَابَة عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن أبي الدَّرْدَاء ذكره النَّسَائِيّ عِنْد ذكر طرق حَدِيث عَائِشَة فِي الِاخْتِلَاف على لَيْث، وَلما روى الطَّحَاوِيّ حَدِيث أبي رَافع وَعَائِشَة وثوبان وَشَدَّاد بن أَوْس وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَن الْحجامَة تفطر الصَّائِم حاجما كَانَ أَو محجوما، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْآثَار أَي: أَحَادِيث هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: عَطاء بن أبي رَبَاح وَالْأَوْزَاعِيّ ومسروقا وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق، فَإِنَّهُم قَالُوا: الْحجامَة لَا تفطر مُطلقًا. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا تفطر الْحجامَة حاجما أَو محجوما. قلت: أَرَادَ بهم: عَطاء بن يسَار وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعِكْرِمَة وَزيد بن أسلم وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبا الْعَالِيَة وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه إلَاّ ابْن الْمُنْذر فَإِنَّهُم قَالُوا: الْحجامَة لَا تفطر، ثمَّ قَالَ: وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ ذَلِك من الصَّحَابَة سعد بن أبي وَقاص وَالْحُسَيْن بن عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَابْن زيد وَابْن عَبَّاس وَزيد بن أَرقم وَعبد الله بن عمر وَأنس بن مَالك وَعَائِشَة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ثمَّ أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِأَنَّهُ: لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على أَن الْفطر الْمَذْكُور فِيهَا كَانَ لأجل الْحجامَة، بل إِنَّمَا ذَلِك كَانَ لِمَعْنى آخر، وَهُوَ: أَن الحاجم والمحجوم كَانَا يغتابان رجلا، فَلذَلِك قَالَ ﷺ مَا قَالَ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِي، ﵀، فَحمل: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، بالغيبة على سُقُوط أجر الصَّوْم، وَجعل نَظِير ذَلِك أَن بعض الصَّحَابَة قَالَ للمتكلم يَوْم الْجُمُعَة: لَا جُمُعَة لَك، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : صدق، وَلم يَأْمُرهُ بِالْإِعَادَةِ، فَدلَّ على أَن ذَلِك مَحْمُول على إِسْقَاط الْأجر. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَيْسَ إفطارهما ذَلِك كالإفطار بِالْأَكْلِ وَالشرب وَالْجِمَاع، وَلَكِن حَبط أجرهما باغتيابهما، فصارا بذلك كالمفطرين، لَا أَنه إفطار يُوجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء، وَهَذَا كَمَا قيل: الْكَذِب يفْطر الصَّائِم، لَيْسَ يُرَاد بِهِ الْفطر الَّذِي يُوجب الْقَضَاء، إِنَّمَا هُوَ على حبوط الْأجر. قَالَ: وَهَذَا كَمَا يَقُول: فسق الْقَائِم، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه فسق لأجل قِيَامه، وَلكنه فسق لِمَعْنى آخر غير الْقيام، ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: إِنَّا كرهنا الْحجامَة للصَّائِم من أحل الضعْف، وروى أَيْضا عَن حميد قَالَ سَأَلَ ثَابتا الْبنانِيّ أنس بن مَالك هَل كُنْتُم تَكْرَهُونَ الْحجامَة للصَّائِم؟ قَالَ: لَا إِلَّا من أجل الضعْف وَرُوِيَ أَيْضا عَن جَابر بن أبي جَعْفَر وَسَالم عَن سعيد ومغيرة عَن إِبْرَاهِيم وَلَيْث عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِنَّمَا كرهت الْحجامَة للصَّائِم مَخَافَة الضعْف. انْتهى.
وَقد ذكرت وُجُوه أُخْرَى. مِنْهَا مَا قيل: إِن فِيهَا التَّعَرُّض للإفطار، أما المحجوم فللضعف وَأما الحاجم فَلِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يصل إِلَى جَوْفه من طعم الدَّم، وَهَذَا كَمَا يُقَال للرجل يتَعَرَّض للهلاك: قد هلك فلَان، وَإِن كَانَ سالما، وَكَقَوْلِه: من جعل قَاضِيا فقد ذبح بِغَيْر سكين، يُرِيد أَنه قد تعرض للذبح لَا أَنه ذبح حَقِيقَة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه ﷺ مر بهما مسَاء، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، فَكَأَنَّهُ عُذْرهمَا بِهَذَا، أَو كَانَا أمسيا ودخلا فِي وَقت الْإِفْطَار، قَالَه الْخطابِيّ. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن هَذَا على التَّغْلِيظ لَهما، كَقَوْلِه: (من صَامَ الدَّهْر لَا صَامَ وَلَا أفطر) . وَمِنْهَا مَا قيل: إِن مَعْنَاهُ: جَازَ لَهما أَن يفطرا كَقَوْلِه: أحصد الزَّرْع، إِذا حَان أَن يحصد. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن أَحَادِيث الحاجم والمحجوم مَنْسُوخَة بِحَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَالَ لِي عَيَّاش قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ قِيلَ لَهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ الله أعلم
عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: ابْن الْوَلِيد الرقام الْقطَّان، أَبُو الْوَلِيد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْأَعْلَى ابْن عبد الْأَعْلَى الشَّامي الْقرشِي الْبَصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ بن عبيد بن دِينَار الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، يروي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ والإسناد كُله بصريون.
قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل مَا ذكر من (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه، قَالَ: حَدثنِي عَيَّاش ... فَذكره. قَوْله: (قيل لَهُ) أَي: الْحسن (عَن النَّبِي ﷺ الَّذِي تحدث بِهِ من أفطر
стр. 3148
الحاجم والمحجوم؟ ، قَالَ: نعم من النَّبِي ﷺ ، وَأَشَارَ بقوله: (الله أعلم) إِلَى أَنه ترددا فِي ذَلِك وَلم يجْزم بِالرَّفْع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: (وَالله أعلم) ، يسْتَعْمل فِي مقَام التَّرَدُّد، وَلَفظ: نعم، حَيْثُ قَالَ أَولا يدل على الْجَزْم. ثمَّ قَالَ: قلت: جزم حَيْثُ سَمعه مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَحَيْثُ كَانَ خبر الْوَاحِد غير مُفِيد لليقين أظهر التَّرَدُّد فِيهِ، أَو حصل لَهُ بعد الْجَزْم تردد، أَو لَا يلْزم أَن يكون اسْتِعْمَاله للتردد. وَالله أعلم. وَقَالَ بَعضهم: وَحمل الْكرْمَانِي مَا جزمه على وثوقه بِخَبَر من أخبر بِهِ، وتردده لكَونه خبر وَاحِد فَلَا يُفِيد الْيَقِين، وَهُوَ حمل فِي غَايَة الْبعد. انْتهى. قلت: استبعاده فِي غَايَة الْبعد، لِأَن من سمع خَبرا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي، ﷺ ، من رُوَاة ثِقَات يجْزم بِصِحَّتِهِ، ثمَّ إِنَّه إِذا نظر إِلَى كَونه أَنه خبر وَاحِد وَأَنه لَا يُفِيد الْيَقِين يحصل لَهُ التَّرَدُّد بِلَا شكّ، وَقد أجَاب الْكرْمَانِي بِثَلَاثَة أجوبة، فجَاء هَذَا الْقَائِل واستبعد أحد الْأَجْوِبَة من غير بَيَان وَجه الْبعد، وَسكت عَن الآخرين.
٨٣٩١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهْوَ مُحرِمٌ واحْتَجَمَ وهْوَ صَائِمٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا، فمعلى، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة، مر فِي الْحيض، ووهيب تَصْغِير وهب مر غير مرّة، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ كَذَلِك.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الْوَارِث وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد مُتَّصِلا، ومرسلاً من غير ذكر ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ مُرْسلا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ابْن علية وَمعمر عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة، وَمن رِوَايَة جَعْفَر بن ربيعَة عَن عِكْرِمَة مُرْسلا، وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مقسم (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، ﷺ ، احْتجم فِيمَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَهُوَ محرم صَائِم) . وَرَوَاهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حبيب بن الشَّهِيد عَن مَيْمُون بن مهْرَان (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، ﷺ ، احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَقَالَ: هدا حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد التِّرْمِذِيّ وَزَاد: وَهُوَ محرم، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أعلم أحدا رَوَاهُ عَن حبيب غير الْأنْصَارِيّ، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَن النَّبِي، ﷺ ، تزوج مَيْمُونَة.
وَقَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد وَجَابِر وَأنس قلت: وَعَن ابْن عمر أَيْضا وَعَائِشَة ومعاذ وَأبي مُوسَى. أما حَدِيث أبي سعيد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي المتَوَكل (عَن أبي سعيد، قَالَ: رخص رَسُول الله، ﷺ ، فِي الْقبْلَة للصَّائِم والحجامة) . وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي الزبير عَنهُ: (أَن النَّبِي، ﷺ ، احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أنس فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة ثَابت عَنهُ وَفِيه: (ثمَّ رخص النَّبِي، ﷺ ، بعد فِي الْحجامَة للصَّائِم) . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة نَافِع عَنهُ قَالَ: (احْتجم رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ صَائِم محرم، وَأعْطى الْحجام أجره) . وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَنْهَا: (أَن النَّبِي ﷺ احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ضَعِيف. وَأما حَدِيث معَاذ فَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (الضُّعَفَاء) من حَدِيث جُبَير بن نفير عَنهُ (أَن النَّبِي ﷺ احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول وَهُوَ مُحَمَّد بن سَلمَة فِي الحَدِيث الَّذِي يرويهِ عَن زِيَاد بن أبي مَرْيَم أَنه دخل على أبي مُوسَى وَهُوَ يحتجم وَهُوَ صَائِم، وَقد مر حَدِيث أبي مُوسَى فِي هَذَا الْبَاب، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة. وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن أَحَادِيث: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، مَنْسُوخَة.
قَالَ الْمُنْذِرِيّ: حَدِيث ابْن عَبَّاس نَاسخ، لِأَن فِي حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان لرجل كَانَ يحتجم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَالْفَتْح كَانَ فِي سنة ثَمَان. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع فِي سنة عشر فَهُوَ مُتَأَخّر ينْسَخ الْمُتَقَدّم، فَإِن ابْن عَبَّاس لم يصحب النَّبِي ﷺ وَهُوَ محرم إلَاّ فِي حجَّة الْإِسْلَام، وَفِي حجَّة الْفَتْح لم يكن النَّبِي ﷺ محرما، وَقد أَشَارَ الإِمَام الشَّافِعِي إِلَى هَذَا. وَمِمَّا يُصَرح فِيهِ بالنسخ حَدِيث أنس بن مَالك، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ: حَدثنَا عمر بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم النَّيْسَابُورِي، حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد بن زيد الرَّاسِبِي حَدثنَا
стр. 3149
مَسْعُود بن جويرة: حَدثنَا الْمعَافي بن عمرَان عَن ياسين الزيات عَن يزِيد الرقاشِي (عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ احْتجم وَهُوَ صَائِم بَعْدَمَا قَالَ: أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَهَذَا صَرِيح بانتساخ حَدِيث: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَاعْترض ابْن خُزَيْمَة بِأَن فِي هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث الْبَاب أَنه كَانَ صَائِما محرما. قَالَ: وَلم يكن قطّ محرما مُقيما بِبَلَدِهِ، إِنَّمَا كَانَ محرما وَهُوَ مُسَافر، وللمسافر إِن كَانَ نَاوِيا للصَّوْم فَمضى عَلَيْهِ بعض النَّهَار وَهُوَ صَائِم، الْأكل وَالشرب على الصَّحِيح، فَإِذا جَازَ لَهُ ذَلِك جَازَ لَهُ أَن يحتجم وَهُوَ مُسَافر. قَالَ: وَلَيْسَ فِي خبر ابْن عَبَّاس مَا يدل على إفطار المحجوم، فضلا عَن الحاجم. وَأجِيب: بِأَن الحَدِيث مَا ورد هَكَذَا إلَاّ لفائدة، فَالظَّاهِر أَنه وجدت مِنْهُ الْحجامَة وَهُوَ صَائِم لم يتَحَلَّل من صَوْمه، وَاسْتمرّ. وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ حَدِيث (أفطر الحاجم والمحجوم) ، بِلَا ريب فِيهِ، لَكِن وجدنَا من حَدِيث أبي سعيد (أرخص النَّبِي ﷺ محرما فِي الْحجامَة للصَّائِم) ، وَإِسْنَاده صَحِيح، فَوَجَبَ الْأَخْذ بِهِ لِأَن الرُّخْصَة إِنَّمَا تكون بعد الْعَزِيمَة، فَدلَّ على نسخ الْفطر بالحجامة سَوَاء كَانَ حاجما أَو محجوما، وَقد مر حَدِيث أبي سعيد عَن قريب.
٩٣٩١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتَجَمَ النبيُّ ﷺ وهْوَ صَائِمٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: اسْمه عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد التَّمِيمِي الْعَنْبَري مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَهَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من عشر طرق، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث ... إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا الْحسن حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة، فَلم يذكر ابْن عَبَّاس. وَاخْتلف على حَمَّاد بن زيد فِي وَصله وإرساله، وَقد بَين ذَلِك النَّسَائِيّ، وَقَالَ مهنا: سَأَلت أَحْمد عَن هَذَا الحَدِيث؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ صَائِم، إِنَّمَا هُوَ: وَهُوَ محرم، ثمَّ سَاق من طرق ابْن عَبَّاس، لَكِن لَيْسَ فِيهَا طَرِيق أَيُّوب هَذِه، والْحَدِيث صَحِيح لَا شكّ فِيهِ، وروى ابْن سعد فِي كِتَابه: عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن شُعْبَة عَن الْحَاكِم (عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، احْتجم بالقاحة وَهُوَ صَائِم) . قلت: القاحة، بِالْقَافِ والحاء الْمُهْملَة: على ثَلَاثَة مراحل من الْمَدِينَة قبل السقيا بِنَحْوِ ميل.
٠٤٩١ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ ثَابتا الْبُنَانيَّ يَسْألُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ قَالَ لَا إلَاّ مِنْ أجْلِ الضَّعْفِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة.
قَوْله: (الْبنانِيّ) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين الأولى مَفْتُوحَة وَالثَّانيَِة مَكْسُورَة، نِسْبَة إِلَى بنانة وهم ولد سعد بن لؤَي. قَوْله: (يسْأَل) على صُورَة الْمُضَارع الْمَبْنِيّ للْفَاعِل، وَهُوَ رِوَايَة أبي الْوَقْت وَهَذَا غلط، لِأَن شُعْبَة مَا حضر سُؤال ثَابت عَن أنس، وَقد سقط مِنْهُ: رجل، بَين شُعْبَة وثابت، فَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق جَعْفَر بن مُحَمَّد القلانسي وَأبي قرصافة مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وَإِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن بن يزِيد، كلهم عَن آدم ابْن أبي إِيَاس شيخ البُخَارِيّ فِيهِ مقَال عَن شُعْبَة عَن حميد، قَالَ: سَمِعت ثَابتا وَهُوَ يسْأَل أنس بن مَالك، فَذكر الحَدِيث، وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي وَقعت للْبُخَارِيّ خطأ، وَأَنه سقط مِنْهُ: حميد قلت: الْخَطَأ من غير البُخَارِيّ لِأَنَّهُ كَانَ يعلم أَن شُعْبَة لم يحضر سُؤال ثَابت عَن أنس وَلَا أدْرك أنسا، وَأكْثر أصُول البُخَارِيّ سَمِعت ثَابتا الْبنانِيّ قَالَ: سَأَلَ أنس بن مَالك.
وزَادَ شَبابَةُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ
شَبابَة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبالباءين الموحدتين أولاهما خَفِيفَة: وَهُوَ ابْن سوار الْفَزارِيّ مَوْلَاهُم أَبُو عَمْرو الْمَدَائِنِي، أَصله من خُرَاسَان. وَيُقَال: اسْمه مَرْوَان، وَإِنَّمَا غلب عَلَيْهِ شَبابَة، وَهَذِه الزِّيَادَة أخرجهَا ابْن مَنْدَه فِي (غرائب شُعْبَة) فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد
стр. 3150
بن أَحْمد بن حَاتِم حَدثنَا عبد الله بن روح حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد، وَبِه: عَن شَبابَة عَن شُعْبَة عَن حميد عَن أنس نَحوه، وَهَذَا يُؤَكد صِحَة اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمن تبعه، ويشعر بِأَن الْخلَل لَيْسَ من البُخَارِيّ، إِذْ لَو كَانَ إِسْنَاد شَبابَة عِنْده مُخَالفا لإسناد آدم لِبَنِيهِ، وَالله أعلم.
٣٣ - (بابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ والإفْطَارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّوْم فِي السّفر وَحكم الْإِفْطَار فِيهِ، هَل هما مباحان فِيهِ أَو الْمُكَلف مُخَيّر فِيهِ سَوَاء فِي رَمَضَان أَو غَيره؟
١٤٩١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ أبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ أبِي أوْفى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رسولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ انْزَلْ فاجْدَحْ لِي قَالَ يَا رسولَ الله الشَّمْسَ قَالَ انْزِلْ فاجْدَح لي قَالَ يَا رسولَ الله الشَّمسُ قَالَ انْزلْ فاجْدَحْ لِي فنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَهُنَا ثُمَّ قَالَ إذَا رأيْتُمُ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، كَانَ صَائِما فِي سَفَره هَذَا، وَهُوَ مُطَابق للجزء الأول من التَّرْجَمَة.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ واسْمه: سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، واسْمه: فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ نِسْبَة إِلَى شَيبَان بن وَهل بن ثَعْلَبَة وشيبان فِي قبائل. الرَّابِع: عبد الله بن أبي أوفى، واسْمه: عَلْقَمَة الْأَسْلَمِيّ، وَهَذَا هُوَ أحد من رَوَاهُ أَبُو حنيفَة الإِمَام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان مكي وَأَبُو إِسْحَاق كُوفِي. والْحَدِيث من الرباعيات.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُسَدّد وَعَن أَحْمد بن يُونُس، وَفِي الطَّلَاق عَن عَليّ بن عبد الله عَن جرير. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى عَن هشيم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كَامِل الجحدري وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فِي شهر رَمَضَان) ، قيل: يشبه أَن يكون سفر غَزْوَة الْفَتْح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة هشيم عَن الشَّيْبَانِيّ عِنْد مُسلم بِلَفْظ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فِي شهر رَمَضَان) وسفره ﷺ فِي رَمَضَان منحصر فِي غَزْوَة بدر، وَفِي غَزْوَة الْفَتْح، فَإِن ثَبت فَلم يشْهد ابْن الزبير ابْن أبي أوفى بَدْرًا فتعينت غَزْوَة الْفَتْح، قَوْله: (فَقَالَ الرجل) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس قَالَ: يَا فلَان ﴿إنزل فاجدح) . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَلَمَّا غربت) ، على مَا يَأْتِي، وَلَفظ: غربت، يُفِيد معنى زَائِدا على معنى: غَابَتْ، وَالرجل فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وَفُلَان فِي رِوَايَة مُسلم هُوَ: بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَجَاء فِي بعض طرق الحَدِيث أَنه بِلَال. قلت: هَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث عَن مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه: (فَقَالَ: يَا بِلَال﴾ انْزِلْ) إِلَى آخِره، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة شُعْبَة عَن الشَّيْبَانِيّ: (فَدَعَا صَاحب شرابه بشراب، فَقَالَ: لَو أمسيت) . قَوْله: (فاجدح لي) ، إجدح بِكَسْر الْهمزَة أَمر من: جدحت السويق واجتدحته، أَي: لتته، والمصدر: جدح، ومادته: جِيم ودال وحاء مُهْملَة، والجدح أَن يُحَرك السويق بِالْمَاءِ فيخوض حَتَّى يَسْتَوِي، وَكَذَلِكَ اللَّبن وَنَحْوه، والمجدح، بِكَسْر الْمِيم: عود مجدح الرَّأْس تساط بِهِ الْأَشْرِبَة، وَرُبمَا يكون لَهُ ثَلَاث شعب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إجدح يَعْنِي: احلب، ورد ذَلِك عِيَاض وَغَيره، وَفِي (الْمُحكم) : المجدح خَشَبَة فِي رَأسهَا خشبتان معترضتان، وَكلما خلط فقد جدح، وَعَن الْقَزاز: هُوَ كالملعقة. وَفِي (الْمُنْتَهى) : شراب مجدوح
стр. 3151
ومجدح أَي مخوض، والمجدح عود ذُو جَوَانِب، وَقيل: هُوَ عود يعرض رَأسه، وَالْجمع مجاديح. قَوْله: (الشَّمْس!) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذِه الشَّمْس يَعْنِي مَا غربت الْآن، وَيجوز فِيهِ النصب على معنى: انْظُر الشَّمْس، وَهَذَا ظن مِنْهُ أَن الْفطر لَا يحل إلَاّ بعد ذَلِك، لما رأى من ضوء الشَّمْس ساطعا، وَإِن كَانَ جرمها غَائِبا، يُؤَيّدهُ قَوْله: (إِن عَلَيْك نَهَارا) ، وَهُوَ معنى: (لَو أمسيت) فِي رِوَايَة أَحْمد، أَي: تَأَخَّرت حَتَّى يدْخل الْمسَاء، وتكريره الْمُرَاجَعَة لغَلَبَة اعْتِقَاده أَن ذَلِك نَهَار يحرم فِيهِ الْأكل مَعَ تجويزه أَن النَّبِي، ﷺ ، لم ينظر إِلَى ذَلِك الضَّوْء نظرا تَاما، فقصد زِيَادَة الْإِعْلَام، فَأَعْرض، ﷺ ، عَن الضَّوْء وَاعْتبر غيبوبة الشَّمْس، ثمَّ بيَّن مَا يعتبره من لم يتَمَكَّن من رُؤْيَة جرم الشَّمْس، وَهُوَ إقبال الظلمَة من الْمشرق، فَإِنَّهَا لَا تقبل مِنْهُ إلَاّ وَقد سقط القرص، فَإِن قلت: الْمُرَاجَعَة معاندة، وَلَا يَلِيق ذَلِك للصحابي؟ قلت: قد ذكرنَا أَنه ظن، فَلَو تحقق أَن الشَّمْس غربت مَا توقف، وَإِنَّمَا توقف احْتِيَاطًا واستكشافا عَن حكم الْمَسْأَلَة. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن الشَّيْبَانِيّ فِي ذَلِك، فَأكْثر مَا وَقع فِيهَا أَن الْمُرَاجَعَة وَقعت ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي بَعْضهَا مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ مَحْمُول على أَن بعض الروَاة اختصر الْقِصَّة. قَوْله: (ثمَّ رمى بِيَدِهِ هَهُنَا) ، مَعْنَاهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمشرق، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم، (ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ: إِذا غَابَتْ الشَّمْس من هَهُنَا، وَجَاء اللَّيْل من هَهُنَا فقد أفطر الصَّائِم) . وَفِي لفظ لَهُ: (ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل قد أقبل من هَهُنَا أَشَارَ بِيَدِهِ نَحْو الْمشرق فقد أفطر الصَّائِم. قَوْله: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل أقبل من هَهُنَا) أَي: من جِهَة الْمشرق. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله: (إِذا أقبل اللَّيْل من هَهُنَا؟) . وَفِي لفظ مُسلم: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل قد أقبل من هَهُنَا؟ وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ، عَن عمر بن الْخطاب: (إِذا أقبل اللَّيْل وَأدبر النَّهَار وغربت الشَّمْس فقد أفطر) ، والإقبال والإدبار والغروب متلازمة لِأَنَّهُ لَا يقبل اللَّيْل إلَاّ إِذا أدبر النَّهَار، وَلَا يدبر النَّهَار إلَاّ إِذا غربت الشَّمْس. قلت: أجَاب القَاضِي عِيَاض: بِأَنَّهُ قد لَا يتَّفق مُشَاهدَة عين الْغُرُوب، ويشاهد هجوم الظلمَة حَتَّى يتَيَقَّن الْغُرُوب بذلك فَيحل الْإِفْطَار. وَقَالَ شَيخنَا الظَّاهِر إِن أُرِيد أحد هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ يعرف انْقِضَاء النَّهَار بِرُؤْيَة بَعْضهَا، وَيُؤَيِّدهُ اقْتِصَاره فِي حَدِيث ابْن أبي أوفى على إقبال اللَّيْل فَقَط، وَقد يكون الْغَيْم فِي الْمشرق دون الْمغرب أَو عَكسه، وَقد يُشَاهد مغيب الشَّمْس فَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى أَمر آخر. قَوْله: (فقد أفطر الصَّائِم) أَي: دخل وَقت الْإِفْطَار، لَا أَنه يصير مُفطرا بغيبوبة الشَّمْس، وَإِن لم يتَنَاوَل مُفطرا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: الحَدِيث يدل على أَن الصَّوْم فِي السّفر فِي رَمَضَان أفضل من الْإِفْطَار، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ صَائِما وَهُوَ فِي السّفر فِي شهر رَمَضَان. وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب. فَمنهمْ من روى عَنهُ التَّخْيِير مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَأنس وَأَبُو سعيد وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَسَعِيد بن جبر وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَمُجاهد وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث. وَذهب قوم إِلَى أَن الْإِفْطَار أفضل، مِنْهُم: عمر بن عبد الْعَزِيز وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن عَليّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَالَت الشَّافِعِيَّة: الْفطر أفضل فِي السّفر، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مُخَيّر وَلم يفصل، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن علية، وَقَالَ القَاضِي: مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الصَّوْم أفضل. وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَصُوم فِي السّفر حُذَيْفَة. وَذهب قوم إِلَى أَن الصَّوْم أفضل، وَبِه قَالَ الْأسود بن يزِيد وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَصْحَابه وَأَبُو ثَوْر، وَكَذَا روى عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَأنس بن مَالك، وَرُوِيَ عَن عمر وَابْنه وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس: إِن صَامَ فِي السّفر لم يجزه وَعَلِيهِ الْقَضَاء فِي الْحَضَر، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر، وَبِه قَالَ أهل الظَّاهِر. وَمِمَّنْ كَانَ يَصُوم فِي السّفر وَلَا يفْطر عَائِشَة وَقيس بن عباد وَأَبُو الْأسود وَابْن سِيرِين وَابْن عمر وَابْنه سَالم وَعَمْرو بن مَيْمُون وَأَبُو وَائِل، وَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا رَوَاهُ حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن عُبَيْدَة عَنهُ: من أدْرك رَمَضَان وَهُوَ مُقيم ثمَّ سَافر فقد لزمَه الصَّوْم، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . وَقَالَ أَبُو مجلز: لَا يُسَافر أحد فِي رَمَضَان، فَإِن سَافر فليصم، وَقَالَ أَحْمد: يُبَاح لَهُ الْفطر، فَإِن صَامَ كره وأجزأه، وَعنهُ: الْأَفْضَل الْفطر، وَقَالَ أَحْمد: كَانَ عمر وَأَبُو هُرَيْرَة يأمران بِالْإِعَادَةِ، يَعْنِي إِذا صَامَ. وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيّ فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) : الْأَفْضَل أَن يَصُوم فِي السّفر إِذا لم يُضعفهُ الصَّوْم، فَإِن أضعفه ولحقه مشقة بِالصَّوْمِ بِالْفطرِ أفضل، فَإِن أفطر من غير مشقة لَا يَأْثَم، وَبِمَا قُلْنَاهُ قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الْمَذْهَب.
стр. 3152
وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: أفضل الْأَمريْنِ أيسرهما عَلَيْهِ، وَقيل: الصَّوْم وَالْفطر سَوَاء وَهُوَ قَول للشَّافِعِيّ.
وَفِيه: اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفطر.
وَفِيه: بَيَان انْتِهَاء وَقت الصَّوْم، وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : أجمع الْعلمَاء على أَنه إِذا حلت صَلَاة الْمغرب فقد حل الْفطر للصَّائِم فرضا وتطوعا. وَأَجْمعُوا على أَن صَلَاة الْمغرب من صَلَاة اللَّيْل، وَالله، ، قَالَ: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَاخْتلفُوا فِي أَنه: هَل يجب تَيَقّن الْغُرُوب أم يجوز الْفطر بِالِاجْتِهَادِ؟ وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْأَحْوَط أَن لَا يَأْكُل إلَاّ بِيَقِين غرُوب الشَّمْس، لِأَن الأَصْل بَقَاء النَّهَار فيستصحب إِلَى أَن يستيقن خِلَافه. وَلَو اجْتهد وَغلب على ظَنّه دُخُول اللَّيْل بورد وَغَيره فَفِي جَوَاز الْأَجَل وَجْهَان: أَحدهمَا، وَبِه قَالَ الاستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائني: أَنه لَا يجوز. وأصحهما: الْجَوَاز وَإِذا كَانَت الْبَلدة فِيهَا أَمَاكِن مُرْتَفعَة وأماكن منخفضة فَهَل يتَوَقَّف فطر سكان الْأَمَاكِن المنخفضة على تحقق غيبَة الشَّمْس عِنْد سكان الْأَمَاكِن المرتفعة؟ الظَّاهِر اشْتِرَاط ذَلِك، وَفِيه جَوَاز الاستفسار عَن الظَّوَاهِر لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد إمرارها على ظواهرها.
وَفِيه: أَنه لَا يجب إمْسَاك جُزْء من اللَّيْل مُطلقًا بل مَتى تحقق غرُوب الشَّمْس حل الْفطر.
وَفِيه: تذكير الْعَالم بِمَا يخْشَى أَن يكون نَسيَه.
وَفِيه: أَن الْأَمر الشَّرْعِيّ أبلغ من الْحسي، وَأَن الْعقل لَا يقْضِي على الشَّرْع.
وَفِيه: أَن الْفطر على التَّمْر لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحبّ، لَو تَركه جَازَ.
وَفِيه: إسراع النَّاس إِلَى إِنْكَار مَا يجهلون لما جهل من الدَّلِيل الَّذِي عَلَيْهِ الشَّارِع، وَأَن الْجَاهِل بالشَّيْء يَنْبَغِي أَن يسمح لَهُ فِيهِ الْمرة بعد الْمرة وَالثَّالِثَة تكون فاصلة بَينه وَبَين معلمه، كَمَا فعل الْخضر بمُوسَى ﵉، وَقَالَ: ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾ (الْكَهْف: ٨٧) .
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وأبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ عنِ الشِّيْبَانِيِّ عنِ ابنِ أبِي أوْفَى قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ
يَعْنِي تَابع سُفْيَان جرير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَتَابعه أَيْضا أَبُو بكر بن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن سَالم الْأَسدي الْكُوفِي الحناط، بالنُّون: المقرىء، وَقد اخْتلف فِي اسْمه على أَقْوَال، فَقيل: مُحَمَّد، وَقيل: عبد الله، وَقيل: سَالم، وَقيل غير ذَلِك إِلَى أَسمَاء مُخْتَلفَة، وَالأَصَح أَن اسْمه كنيته، ومتابعة جرير وَصلهَا فِي البُخَارِيّ فِي الطَّلَاق، ومتابعة أبي بكر تَأتي مَوْصُولَة فِي: بَاب تَعْجِيل الْإِفْطَار، وَالْمرَاد من الْمُتَابَعَة: الْمُتَابَعَة فِي أصل الحَدِيث.
٢٤٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ أنَّ حَمْزَةَ بن عَمْرٍ والأسْلَمِيَّ قَالَ يَا رسولَ الله إنِّي أسْرُدُ الصَّوْمَ. (الحَدِيث ٢٤٩١ طرفه فِي: ٣٤٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن سرد الصَّوْم يتَنَاوَل الصَّوْم فِي السّفر أَيْضا كَمَا هُوَ الأَصْل فِي الْحَضَر، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن هِشَام وَهُوَ مُخْتَصر. وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي عَن قريب.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. السَّادِس: حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ أَبُو صَالح، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: أَن الحَدِيث من مُسْند عَائِشَة، وَهَذَا ظَاهر لِأَن الْحفاظ رَوَوْهُ هَكَذَا: وَقَالَ عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان عِنْد النَّسَائِيّ، والدراوردي عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَيحيى بن عبد الله بن سَالم عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن حَمْزَة بن عَمْرو، جَعَلُوهُ من مُسْند حَمْزَة، وَالْمَحْفُوظ أَنه من مُسْند عَائِشَة. وحاء الحَدِيث من رِوَايَة حَمْزَة أَيْضا، فأخرجها مُسلم من رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير عَن أبي مراوح، (عَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ، أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله أجد بِي قُوَّة على الصّيام فِي السّفر، فَهَل عَليّ جنَاح؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هُوَ رخصَة من الله، فَمن أَخذ بهَا فَحسن، وَمن أحب أَن يَصُوم فَلَا جنَاح عَلَيْهِ) . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم
стр. 3153
التَّيْمِيّ عَن عُرْوَة، لكنه أسقط أَبَا مراوح، وَالصَّوَاب إثْبَاته، وَهُوَ مَحْمُول على أَن لعروة فِيهِ طَرِيقين: سَمعه من عَائِشَة، وسَمعه من أبي مراوح عَن حَمْزَة.
ذكر مَعْنَاهُ: وَقَوله: (إِنِّي أسرد الصَّوْم) أَي: أتابعه يَعْنِي: آتِي بِهِ متواليا، وَهُوَ من سرد يسْرد من: بَاب نصر ينصر. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي بعض الْأُمَّهَات بِضَم الْهمزَة، وَلَا وَجه لَهُ فِي اللُّغَة إلَاّ أَن يُرِيد بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الرَّاء على التكثير. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّطْوِيل لِأَنَّهُ حِين قيل بِضَم الْهمزَة علم أَنه من: بَاب التفعيل، تَقول: سرد يسْرد تسريدا، وَصِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده لَا تَجِيء إلَاّ بِضَم الْهمزَة، قَالُوا: وَفِيه رد على من يرى أَن صَوْم الدَّهْر مَكْرُوه لِأَنَّهُ أخبر بسرده، وَلم يُنكر عَلَيْهِ، بل أقره وَأذن لَهُ فِي السّفر، فَفِي الْحَضَر أولى. وَأجِيب: بِأَن التَّتَابُع يصدق بِدُونِ صَوْم الدَّهْر فَلَا دلَالَة فِيهِ على الْكَرَاهَة. فَإِن قلت: يُعَارضهُ نَهْيه ﷺ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قلت: يحمل نَهْيه على ضعف عبد الله عَن ذَلِك، وَحَمْزَة ذكر قُوَّة لم يذكرهَا غَيره.
٣٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوجَ النبيِّ ﷺ أنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍ والأسْلَمِيَّ قَالَ لِلنبيِّ ﷺ أأصُومُ فِي السَّفَرِ وكانَ كَثِيرَ الصِّيامِ فَقَالَ إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإنْ شِئْتَ فأفْطِرْ. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٩١) .
هَذَا طَرِيق ثَان. قَوْله: (أأصوم؟) بهمزتين الأولى هِيَ همزَة الِاسْتِفْهَام وَالْأُخْرَى همزَة الْمُتَكَلّم، وكلتاهما مفتوحتان. قيل: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ صَوْم رَمَضَان، فَلَا يكون فِيهِ حجَّة على منع صِيَام رَمَضَان فِي السّفر. وَأجِيب: بِأَن فِي رِوَايَة أبي مراوح فِي رِوَايَة مُسلم الَّتِي ذَكرنَاهَا إشعارا بِأَنَّهُ سَأَلَ عَن صِيَام الْفَرِيضَة، لِأَن الرُّخْصَة إِنَّمَا تطلق فِي مُقَابل مَا هُوَ وَاجِب، وأصرح من ذَلِك وَأكْثر وضوحا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ: (يَا رَسُول الله! إِنِّي صَاحب ظهر أعَالجهُ، أسافر عَلَيْهِ وأكريه، وَأَنه رُبمَا صادفني هَذَا الشَّهْر يَعْنِي: شهر رَمَضَان وَأَنا أجد الْقُوَّة وأجدني أَن أَصوم أَهْون عَليّ من أَن أؤخره، فَيكون دينا عَليّ؟ فَقَالَ: أَي ذَلِك شِئْت يَا حَمْزَة) .
٤٣ - (بابٌ إذَا صامَ أيَّاما مِنْ رمَضَانَ ثُمَّ سافَرَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صَامَ شخص أيامر من رَمَضَان ثمَّ سَافر هَل يُبَاح لَهُ الْفطر أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب إِذا اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب، تَقْدِيره: يُبَاح لَهُ الْفطر. وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيف مَا روى عَن عَليّ بِإِسْنَاد ضَعِيف أَن: من اسْتهلّ عَلَيْهِ رَمَضَان فِي الْحَضَر ثمَّ سَافر بعد ذَلِك فَلَيْسَ لَهُ أَن يفْطر لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . انْتهى. قلت: قد مر مثل هَذَا الْكَلَام من هَذَا الْقَائِل غير مرّة، وأجبنا عَن هَذَا بِأَن الْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر، فَمن أَيْن علم أَنه اطلع على هَذَا الحَدِيث حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ؟ وَلَئِن سلمنَا اطِّلَاعه على هَذَا، فَكيف وَجه الْإِشَارَة إِلَيْهِ؟
٤٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي رمَضَانَ فصامَ حَتَّى بلَغَ الكَدِيدَ أفْطَرَ فَأفْطر النَّاسُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ خرج إِلَى مَكَّة فصَام أَيَّامًا ثمَّ أفطر.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبيد الله بن عبد الله بِالتَّصْغِيرِ فِي الابْن وَالتَّكْبِير فِي الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى وَابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو النَّاقِد، أربعتهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق، وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ.
стр. 3154
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج إِلَى مَكَّة) ، كَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة الْفَتْح، خرج يَوْم الْأَرْبَعَاء بعد الْعَصْر لعشر مضين من رَمَضَان، فَلَمَّا كَانَ بالصلصل، جبل عِنْد ذِي الحليفة، نَادَى مناديه: من أحب أَن يفْطر فليفطر، وَمن أحب أَن يَصُوم فليصم. فَلَمَّا بلغ الكديد أفطر بعد صَلَاة الْعَصْر على رَاحِلَته ليراه النَّاس. قَوْله: (لعشر مضين من رَمَضَان) رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن الزُّهْرِيّ، وَوَقع فِي مُسلم من حَدِيث أبي سعيد اخْتِلَاف من الروَاة فِي ضبط ذَلِك، وَالَّذِي اتّفق عَلَيْهِ أهل السّير أَنه خرج فِي عَاشر رَمَضَان وَدخل مَكَّة لتسْع عشرَة خلت مِنْهُ. قَوْله: (حَتَّى بلغ الكديد) وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، ستأتي قَرِيبا، من وَجه آخر: (حَتَّى بلغ عسفان) ، بدل الكديد، وَوَقع عِنْد مُسلم: (فَلَمَّا بلغ كرَاع الغميم) ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة الحكم عَن مقسم، (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ خرج فِي رَمَضَان فصَام حَتَّى أَتَى قديدا، ثمَّ أَتَى بقدح من لبن فشربه فَأفْطر هُوَ وَأَصْحَابه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلفت الرِّوَايَات فِي الْموضع الَّذِي أفطر ﷺ فِيهِ، وَالْكل فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، وَكلهَا مُتَقَارِبَة، والجميع من عمل عسفان. انْتهى. قلت: الكديد، بِفَتْح الْكَاف وبدالين مهملتين أولاهما مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة: وَهُوَ مَوضِع بَينه وَبَين الْمَدِينَة سبع مراحل أَو نَحْوهَا، وَبَينه وَبَين مَكَّة نَحْو مرحلَتَيْنِ، وَهُوَ أقرب إِلَى الْمَدِينَة من عسفان. وَقَالَ أَبُو عبيد: بَينه وَبَين عسفان سِتَّة أَمْيَال، وَعُسْفَان على أَرْبَعَة برد من مَكَّة، وبالكاديد عين جَارِيَة بهَا نخل كثير، وَذكر ابْن قرقول: أَن بَين الكديد وَمَكَّة اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ميلًا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَعُسْفَان قَرْيَة جَامِعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وكراع الغميم أَيْضا مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، والكراع جَانب مستطيل من الْحرَّة مشتبها بِالْكُرَاعِ، والغميم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: وادٍ بالحجاز. أما عسفان فبثمانية أَمْيَال يُضَاف إِلَيْهَا هَذَا الكراع، قيل: جبل أسود مُتَّصِل بِهِ، والكراع: كل أنف سَالَ من جبل أَو حرَّة، وقديد، بِضَم الْقَاف: مَوضِع قريب من مَكَّة فَكَأَنَّهُ فِي الأَصْل تَصْغِير: قد.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان صَرِيح أَنه، ﷺ ، صَامَ فِي السّفر. وَفِيه: رد على من لم يجوز الصَّوْم فِي السّفر. وَفِيه: بَيَان إِبَاحَة الْإِفْطَار فِي السّفر. وَفِيه: دَلِيل على أَن للصَّائِم فِي السّفر الْفطر بعد مُضِيّ بعض النَّهَار. وَفِيه: رد لقَوْل من زعم أَن فطره بالكديد كَانَ فِي الْيَوْم الَّذِي خرج فِيهِ من الْمَدِينَة، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه لَا يجوز الْفطر فِي ذَلِك الْيَوْم، وَإِنَّمَا يجوز لمن طلع عَلَيْهِ الْفجْر فِي السّفر، قَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي الَّذِي يخرج فِي سَفَره. وَقد بَيت الصَّوْم، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة فِيهِ، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد والطبري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَللشَّافِعِيّ قَول آخر: أَنه يكفر إِن جَامع.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله والْكَدِيدُ ماءٌ بيْنَ عُسْفَانَ وقُدِيدٍ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَنسبَة هَذَا التَّفْسِير للْبُخَارِيّ وَقعت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولا من وَجه آخر فِي نفس الحَدِيث.
٥٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ بنِ جابِرٍ أنَّ إسْمَاعِيلَ بنَ عُبَيْدِ الله حَدَّثَهُ عنْ أمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ ﷺ فِي بعْضَ أسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلى رَأسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلَاّ مَا كَانَ مِنَ النبيِّ ﷺ وابنِ رَوَاحَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن الصَّوْم والإفطار فِي السّفر لَو لم يَكُونَا مباحين لما صَامَ النَّبِي، ﷺ ، وَابْن رَوَاحَة، وَأفْطر الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد وَقع على رَأس هَذَا الحَدِيث لفظ: بَاب كَذَا، مُجَردا عَن تَرْجَمَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَسقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: يحيى بن حَمْزَة الدِّمَشْقِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر الشَّامي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة.
стр. 3155
الرَّابِع: إِسْمَاعِيل بن عبيد الله مُصَغرًا، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى، وَاسْمهَا: هجيمة، وَهِي تابعية، وَأم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى اسْمهَا: خيرة، وَهِي صحابية، وكلتاهما زوجتا أبي الدَّرْدَاء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: قد جعل ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم كلتيهما وَاحِدَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ أَبُو مسْهر أَيْضا: هما وَاحِدَة، وَهُوَ وهمٌ مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ. السَّادِس: أَبُو الدَّرْدَاء، واسْمه عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم شَامِيُّونَ سوى شيخ البُخَارِيّ، وَقد دخل الشَّام. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصَّحَابِيّ وَالزَّوْجَة عَن زَوجهَا، وَفِيه: عَن أم الدَّرْدَاء، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد الله: حَدَّثتنِي أم الدَّرْدَاء.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن دَاوُد بن رشيد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُؤَمل بن الْفضل الْحَرَّانِي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق سعيد بن عبد الْعَزِيز: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي شهر رَمَضَان فِي حر شَدِيد. .) الحَدِيث، وَفِي هَذِه الزِّيَادَة فَائِدَتَانِ: أولاهما: أَن المُرَاد يتم بِهِ من الِاسْتِدْلَال، وَالْأُخْرَى: يرد بهَا على ابْن حزم فِي قَوْله: لَا حجَّة فِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء لاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك الصَّوْم تَطَوّعا، لَا يظنّ أَن هَذِه السفرة سفرة الْفَتْح، لِأَن فِي هَذِه السفرة كَانَ عبد الله بن رَوَاحَة مَعَه، وَقد اسْتشْهد هُوَ بمؤتة قبل غَزْوَة الْفَتْح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَيحْتَمل أَن تكون هَذِه السفرة سفرة بدر لِأَن التِّرْمِذِيّ روى عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، غزونا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي رَمَضَان يَوْم بدر، وَالْفَتْح، قَالَ: وأفطرنا فيهمَا، وَالتِّرْمِذِيّ بوب بَابَيْنِ: أَحدهمَا: فِي كَرَاهِيَة الصَّوْم فِي السّفر، وَالْآخر: مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَة فِي الصَّوْم فِي السّفر. وَأخرج فِي الْبَاب الأول حَدِيث جَابر بن عبد الله: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فصَام حَتَّى بلغ كرَاع الغميم، وَصَامَ النَّاس مَعَه، فَقيل لَهُ: إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصّيام، وَإِن النَّاس ينظرُونَ فِيمَا فعلت، فَدَعَا بقدح من مَاء بعد الْعَصْر، فَشرب وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ فَأفْطر بَعضهم وَصَامَ بَعضهم، فَبَلغهُ أَن نَاسا صَامُوا، فَقَالَ أُولَئِكَ العصاة) . وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَأخرج فِي الْبَاب الثَّانِي حَدِيث عَائِشَة عَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ، وَقد مر فِيمَا مضى عَن قريب، وَقَالَ فِي الْبَاب الأول: وَقَوله: (حِين بلغ، بلغه أَن نَاسا صَامُوا: أُولَئِكَ العصاة) . فَوجه هَذَا إِذا لم يحْتَمل قلبه قبُول رخصَة الله تَعَالَى، فَأَما من رأى الْفطر مُبَاحا وَصَامَ وَقَوي على ذَلِك فَهُوَ أعجب إِلَيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ مَحْمُول على أَن من تضرر بِالصَّوْمِ، أَو أَنهم أمروا بِالْفطرِ أمرا جَازِمًا لمصْلحَة بَيَان جَوَازه، فخالفوا الْوَاجِب. قَالَ: وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يكون الصَّائِم الْيَوْم فِي السّفر عَاصِيا إِذا لم يتَضَرَّر بِهِ. فَإِن قلت: كَيفَ صَامَ بعض الصَّحَابَة؟ بل أفضلهم وَهُوَ أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، على مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَنهُ، قَالَ: (أَتَى النَّبِي، ﷺ ، بِطَعَام بمر الظهْرَان، فَقَالَ لأبي بكر وَعمر: أدنيا فكلا، فَقَالَا: إِنَّا صائمان. قَالَ: أرحِلُوا لصاحبيكم، إعملوا لصاحبيكم) . انْتهى. بعد أمره ﷺ لَهُم بالإفطار. قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث جَابر أَنه أَمرهم بالإفطار، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْد من خرج من الْأَئِمَّة السِّتَّة وَأَنَّهُمْ صَامُوا بعد إفطار النَّبِي ﷺ وَأما صَوْم أبي بكر وَعمر بمر الظهْرَان فَهُوَ بعد عسفان وكراع الغميم، فَلَيْسَ فِيهِ أَن هَذَا كَانَ فِي غَزْوَة الْفَتْح، هَذِه، وَإِن كَانَ الظَّاهِر أَنه فِيهَا، فَإِنَّهُمَا فهما أَن فطره ﷺ كَانَ ترخصا ورفقا بهم، وظنا أَن بهما قُوَّة على الصّيام، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ ، وَالله أعلم، حسم ذَلِك لِئَلَّا يَقْتَدِي بهما أحد، فَأَمرهمَا بالإفطار.
٦٣ - (بابُ قَولِ النبيِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ واشْتَدَّ الحَرُّ لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ للرجل الَّذِي ظللوا عَلَيْهِ بِشَيْء مِمَّا لَهُ ظلّ لشدَّة الْحر. قَوْله: (وَاشْتَدَّ الْحر) ، جملَة
следующие страницы →