← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

٦٥٨٢ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ أنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بنَ آدَمَ قَالَ حدَّثنا أَبُو الأحْوَصِ عنْ أبي إسْحَاقَ عنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونَ عنْ مُعاذٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنْتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ على حِمَارٍ يُقالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي مَا حَقَّ الله على عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ علَى الله قلْتُ الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ فإنَّ حَقَّ الله علَى العِبَادِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وحَقَّ العِبَادِ علَى الله أنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً فقُلْتُ يَا رسولَ الله! أفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (على حمَار يُقَال لَهُ: عفير) فَإِن اسْم الْحمار اسْم جنس سمي بِهِ عفير ليتميز بِهِ عَن غَيره، وَإِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ الَّذِي يعرف بِابْن رَاهَوَيْه الْمروزِي، وَيحيى ابْن آدم بن سُلَيْمَان الْقرشِي المَخْزُومِي الْكُوفِي، وَأَبُو الْأَحْوَص اسْمه سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، قبل أَبُو الْأَحْوَص هَذَا عمار بن زُرَيْق الضَّبِّيّ الْكُوفِي. قلت: لَا يَصح هَذَا لِأَن عماراً هَذَا مِمَّا انْفَرد بِهِ مُسلم وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي، وَعَمْرو بن مَيْمُون الأودي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو: من كبار التَّابِعين أدْرك الْجَاهِلِيَّة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن هناد بن السّري بِقصَّة الْحمار حسب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان وَلم يذكر قصَّة الْحمار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي وَلم يذكر قصَّة الْحمار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ردف النَّبِي ﷺ ، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: الردف المرتدف، وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب، وأردفته أَنا إِذا أركبته مَعَك، وَذَلِكَ الْموضع الَّذِي يركبه رداف، وكل شَيْء تبع شَيْئا فَهُوَ ردفه، والردف يجمع على أرداف. قَوْله: (عفير) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء تَصْغِير أعفر، أَخْرجُوهُ عَن بِنَاء أَصله كَمَا قَالُوا: سُوَيْد فِي تَصْغِير: أسود، مَأْخُوذ من العفرة وَهِي حمرَة يخالطها بَيَاض، وَزعم عِيَاض أَنه بغين مُعْجمَة ورد ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن عَبدُوس، فِي (أَسمَاء خيله ودوابه ﷺ : كَانَ أَخْضَر من العفر وَهُوَ التُّرَاب. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَزعم شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد التوني أَنه شبه فِي عَدْوِهِ باليعفور وَهُوَ الظبي، أهداه لسيدنا رَسُول الله، ﷺ الْمُقَوْقس، وَأهْدى لَهُ فَرْوَة بن عَمْرو حمارا يُقَال لَهُ: يعقور، وَقَالَ ابْن عَبدُوس: هما وَاحِد، ورد عَلَيْهِ الدمياطي فَقَالَ: عفير أهداه الْمُقَوْقس، ويعفور أهداه فَرْوَة بن عَمْرو، وَقيل بِالْعَكْسِ، ويعفور، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْفَاء: وَهُوَ ولد الظبي، كَأَنَّهُ سمي بذلك لسرعته. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: نعق يَعْفُور منصرف رَسُول الله، ﷺ من حجَّة الْوَدَاع، وَقيل: طرح نَفسه فِي بِئْر يَوْم مَاتَ ﷺ ، ذكره السُّهيْلي. قَوْله: (أَن يعبدوه) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن يعبدوا، بِحَذْف الْمَفْعُول. قَوْله: (فيتكلوا) ، بتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب من خص بِالْعلمِ قوما دون قوم. وَفِيه: جَوَاز تَسْمِيَة الدَّوَابّ بأسماء تخصها غير أَسمَاء أجناسها. وَفِيه: إرداف النَّبِي ﷺ أفاضل الصَّحَابَة، ومعاذ أحد الْأَرْبَعَة الَّذين حفظوا الْقُرْآن على عهد رَسُول الله، ﷺ ، وَزيد بن ثَابت وَأبي بن كَعْب وَأَبُو زيد الْأنْصَارِيّ. وَفِيه: جَوَاز الإرداف على الدَّابَّة وَالْحمل عَلَيْهَا مَا أقلت وَلم يَضرهَا. ٧٥٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ ابنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ فَزَعٌ بالمَدِينَةِ فاسْتَعَارَ النبيُّ ﷺ فرَسَاً لَنَا يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَقَالَ مَا رَأيْنَا مِنْ فَزَعٍ وإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرَاً.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فرسا لنا يُقَال لَهُ: مَنْدُوب) فَإِنَّهُ خص باسم تميز بِهِ عَن غَيره، وَمُحَمّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: مُحَمَّد بن جَعْفَر. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب من اسْتعَار من النَّاس الْفرس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن آدم عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَفِيه فاستعار فرسا من أبي طَلْحَة، وَهُوَ زوج أم أنس، فَلذَلِك

стр. 4167

قَالَ هُنَا: فرسا لنا، لِأَن أنسا كَانَ فِي حجر أبي طَلْحَة، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة قَالَ أنس: لنا. وَالله أعلم. ٧٤ - (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر فِي الْأَحَادِيث من شُؤْم الْفرس، هَل هُوَ عَام فِي جَمِيع الْخَيل أَو مَخْصُوص بِبَعْضِهَا؟ وَهل هُوَ على ظَاهره أَو مؤول؟ وذِكر فِي الْبَاب حَدِيث عمر وَحَدِيث سهل بن سعد يدل على أَنه لَيْسَ على ظَاهره كَمَا سنبينه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ثمَّ ذكره الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب يدل على خُصُوص الشؤم بِبَعْض الْخَيل دون كلهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه أَن شَاءَ الله تَعَالَى والشؤم ضد الْيمن، يُقَال: تشَاء مت بالشَّيْء وتيمنت بِهِ، وَالْوَاو فِي: الشؤم، همزَة وَلكنهَا خففت فَصَارَت واواً، وَغلب عَلَيْهَا التَّخْفِيف حَتَّى لم ينْطق بهَا مَهْمُوزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: رجل مشوم ومشؤم، وَيُقَال مَا أشأم فلَانا، والعامة تَقول مَا أيشمه. قلت: الْعَامَّة أَيْضا تَقول: ميشوم، وَهُوَ من تصحيفاتهم. ٨٥٨٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ أخبرَني سالِمُ بنُ عبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ إنَّمَا الشؤمُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الفَرَسِ والمَرْأةِ والدَّارِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي الْفرس) وَهَذَا السَّنَد بهؤلاء الرِّجَال قد مر غير مرّة. وَأَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف: الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حمرَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي الْيَمَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عِشرة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي عَن بشر بن شُعَيْب عَن أبي حَمْزَة عَن أَبِيه بِهِ. قَوْله: (أَخْبرنِي سَالم) ، كَذَا صرح شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ بِإِخْبَار سَالم لَهُ، لَا وشذ ابْن أبي ذِئْب فَأدْخل بَين الزُّهْرِيّ وَسَالم مُحَمَّد بن زيد بن قنفذ، وَاقْتصر شُعَيْب على سَالم، وَتَابعه ابْن جريج عَن ابْن شهَاب عِنْد أبي عوَانَة، وَكَذَا روى البُخَارِيّ فِي كتاب الطِّبّ عَن عبد الله بن مُحَمَّد، أخبرنَا عُثْمَان بن عمر أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر ... الحَدِيث. وَنقل التِّرْمِذِيّ عَن ابْن الْمَدِينِيّ والْحميدِي أَن سُفْيَان كَانَ يَقُول: لم يرو الزُّهْرِيّ هَذَا الحَدِيث إلَاّ عَن سَالم. قلت: هَذَا مَمْنُوع، وَقد روى الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس وَمَالك عَن ابْن شهَاب عَن حَمْزَة وَسَالم ابْني عبد الله بن عمر عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (إِنَّمَا الشوم فِي ثَلَاثَة: فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر وحرملة عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن حَمْزَة وَسَالم ابْني عبد الله بن عمر عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ ، (قَالَ: لَا عدوى وَلَا طيرة، وَإِنَّمَا الشؤم فِي ثَلَاثَة: الْمَرْأَة وَالْفرس وَالدَّار) . وَقَالَ مُسلم أَيْضا: حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْحَاق، قَالَ: أخبرنَا ابْن أبي مَرْيَم، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن بِلَال، قَالَ: حَدثنَا عتبَة ابْن مُسلم عَن حَمْزَة بن عبد الله عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء فَفِي الْفرس والمسكن وَالْمَرْأَة) . قَوْله: (إِنَّمَا الشؤم فِي ثَلَاثَة) ، أَي: كَانَ فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَجَاء فِي رِوَايَة مَالك وسُفْيَان، وَسَائِر الروَاة بِحَذْف أَدَاة الْحصْر، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الْحصْر فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَادة لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخلقَة، وَقيل: إِنَّمَا خصت هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة بِالذكر لطول ملازمتها، لِأَن غَالب أَحْوَال الْإِنْسَان لَا يَسْتَغْنِي عَن دَار يسكنهَا، وَزَوْجَة يعاشرها، وَفرس مرتبطة. واتفقت الطّرق كلهَا على الِاقْتِصَار على الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة، وَوَقع عِنْد إِسْحَاق فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق، قَالَ معمر، قَالَت أم سَلمَة: وَالسيف. قَالَ أَبُو عمر: رَوَاهُ جوَيْرِية عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن بعض أهل أم سَلمَة عَن أم سَلمَة، والمبهم الْمَذْكُور هُوَ أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن زَمعَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه مَوْصُولا عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن زَمعَة عَن زَيْنَب بنت أم سَلمَة عَن أم سَلمَة: أَنَّهَا حدثت بِهَذَا الحَدِيث، وزادت: فِيهِنَّ السَّيْف. وَأَبُو عبيد الْمَذْكُور هُوَ ابْن بنت أم سَلمَة، وَأمه زَيْنَب بنت سَلمَة. قلت: التَّحْقِيق فِي هَذَا الْموضع أَن هَذَا الْحصْر لَيْسَ على ظَاهره، وَكَانَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء فَهُوَ فِيمَا بَين اللحيين مَعَ اللِّسَان، وَمَا شَيْء أحْوج إِلَى سجن

стр. 4168

طَوِيل من لِسَان، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه مَتْرُوك الظَّاهِر لأجل قَوْله ﷺ : (لَا طيرة) ، وَهِي نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، فتعم الْأَشْيَاء الَّتِي يتطير بهَا، وَلَو خلينا الْكَلَام على ظَاهره لكَانَتْ هَذِه الْأَحَادِيث يَنْفِي بَعْضهَا بَعْضًا. وَهَذَا محَال أَن يظنّ بِالنَّبِيِّ ﷺ مثل هَذَا الِاخْتِلَاف من النَّفْي وَالْإِثْبَات، فِي شَيْء وَاحِد، وَوقت وَاحِد. وَالْمعْنَى الصَّحِيح فِي هَذَا الْبَاب نفي الطَّيرَة بأسرها بقوله: (لَا طيرة) ، فَيكون قَوْله، ﵊: (إِنَّمَا الشؤم فِي ثَلَاثَة) بطرِيق الْحِكَايَة عَن أهل الْجَاهِلِيَّة لأَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ الشؤم فِي هَذِه الثَّلَاثَة، لَا أَن مَعْنَاهُ: أَن الشؤم حَاصِل فِي هَذِه الثَّلَاثَة فِي اعْتِقَاد الْمُسلمين، وَكَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَنْفِي الطَّيرَة وَلَا تعتقد مِنْهَا شَيْئا حَتَّى قَالَت لنسوة كن يُكْرهن الابتناء بأزواجهن فِي شَوَّال: (مَا تزَوجنِي رَسُول الله، ﷺ ، إلَاّ فِي شَوَّال، وَلَا بنى بِي إلَاّ فِي شَوَّال، فَمن كَانَ أحظى مني عِنْده؟ وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يدْخل على نِسَائِهِ فِي شَوَّال) . وروى الطَّحَاوِيّ عَن عَليّ بن معبد، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ: أخبرنَا همام ابْن يحيى عَن قَتَادَة عَن أبي حسان، قَالَ: دخل رجلَانِ من بني عَامر على عَائِشَة، فأخبراها أَن أَبَا هُرَيْرَة يحدث عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (الطَّيرَة فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس) ، فَغضِبت وطارت شقة مِنْهَا فِي السَّمَاء وشقة فِي الأَرْض، فَقَالَت: وَالَّذِي نزل الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ مَا قَالَه رَسُول الله، ﷺ قطّ، إِنَّمَا قَالَ: (إِن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ من ذَلِك) ، فَأخْبرت عَائِشَة أَن ذَلِك القَوْل كَانَ من النَّبِي ﷺ حِكَايَة عَن أهل الْجَاهِلِيَّة، لَا أَنه عِنْده كَذَلِك. وَأخرجه أَيْضا ابْن عبد الْبر عَن أبي حسان الْمَذْكُور وَفِي رِوَايَته: كَذَّاب، وَالَّذِي أنزل الْقُرْآن ... وَفِي آخِره، ثمَّ قَرَأت عَائِشَة: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إلَاّ فِي كتاب﴾ (الْحَدِيد: ٢٢) . الْآيَة. قلت: أَبُو حسان الْأَعْرَج، وَيُقَال الأجرد واسْمه: مُسلم بن عبد الله الْبَصْرِيّ، وَثَّقَهُ يحيى وَابْن حبَان وروى لَهُ الْجَمَاعَة وَالْبُخَارِيّ مستشهداً. قَوْله: طارت شقة، أَي: قِطْعَة، وَرَوَاهُ بعض الْمُتَأَخِّرين: بِالسِّين الْمُهْملَة، وَأَرَادَ بِهِ الْمُبَالغَة فِي الْغَضَب والغيظ. وَقَالَ أَبُو عمر: قَول عَائِشَة فِي أبي هُرَيْرَة كذب، فَإِن الْعَرَب تَقول: كذبت إِذا أَرَادوا بِهِ التَّغْلِيظ، وَمَعْنَاهُ: أوهم وَظن حَقًا وَنَحْو هَذَا. وَهنا جَوَاب آخر: وَهُوَ أَنه يحْتَمل أَن يكون قَوْله ﷺ : (الشوم فِي ثَلَاثَة) ، كَانَ فِي أول الْإِسْلَام خَبرا عَمَّا كَانَ تعتقده الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا على مَا قَالَت عَائِشَة، ثمَّ نسخ ذَلِك وأبطله الْقُرْآن وَالسّنَن، وأخبار الْآحَاد لَا تقطع على عينهَا، وَإِنَّمَا توجب الْعَمَل فَقَط. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لن يصيبنا إلَاّ مَا كتب الله لنا هُوَ مولينا﴾ (التَّوْبَة: ٩) . وَقَالَ ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض ... ﴾ (الْحَدِيد: ٩) . الْآيَة، وَمَا خطّ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ لم يكن مِنْهُ بُد، وَلَيْسَت الْبِقَاع وَلَا الْأَنْفس بصارفة من ذَلِك شَيْئا. وَقد يُقَال: إِن شُؤْم الْمَرْأَة أَن تكون سَيِّئَة الْخلق، أَو تكون غير قانعة، أَو تكون سليطة، أَو تكون غير ولود. وشؤم الْفرس أَن يكون شموساً. وَقيل: (أَن لَا يكون يغزى عَلَيْهَا) . وشؤم الدَّار أَن تكون ضيقَة، وَقيل: (أَن يكون جارها سوء) وروى الدمياطي بِإِسْنَاد ضَعِيف فِي الْخَيل: إِذا كَانَ ضروباً فَهُوَ مشئوم، وَإِذا حنت الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا الأول فَهِيَ مشؤومة، وَإِذا كَانَت الدَّار بعيدَة من الْمَسْجِد لَا يسمع مِنْهَا الْأَذَان فَهِيَ مشؤمة. فَإِن قلت: روى مَالك فِي (موطئة) عَن يحيى ابْن سعيد أَنه قَالَ: جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله! دَار سكناهَا، فالعدد كثير وَالْمَال وافر، فَقل الْعدَد وَذهب المَال فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (دَعُوهَا ذميمة) . قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك كَذَلِك لما رأى مِنْهُم أَنه رسخ فِي قُلُوبهم مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جاهليتهم، ثمَّ بَين لَهُم ولغيرهم ولسائر أمته الصَّحِيح. بقوله: (لَا طيرة وَلَا عدوى) ، وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون أَمرهم بِتَرْكِهَا والتحول عَنْهَا إبطالاً لما وَقع فِي قُلُوبهم مِنْهَا من أَن يكون الْمَكْرُوه إِنَّمَا أَصَابَهُم بِسَبَب الدَّار سكناهَا فَإِذا تحولوا مِنْهَا انْقَطَعت مَادَّة ذَلِك الْوَهم، وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حَكِيم بن مُعَاوِيَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (لَا شُؤْم، وَقد يكون الْيمن فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس) . قلت: فِي إِسْنَاده ضعف، وروى أَبُو نعيم فِي كتاب (الْحِلْية) من حَدِيث خبيب بن عبيد عَن عَائِشَة، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الشؤم سوء الْخلق) ، فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الدَّار وَبَين مَوضِع الوباء الَّذِي منع من الْخُرُوج مِنْهُ؟ قلت: مَا لم يَقع التأذي بِهِ وَلَا اطردت عَادَته بِهِ خَاصَّة وَلَا عَامَّة، وَلَا نادرة وَلَا متكررة لَا يصغي إِلَيْهِ، وَقد أنكر الشَّارِع الِالْتِفَات إِلَيْهِ. كلقي غراب فِي بعض الْأَسْفَار، أَو صُرَاخ بومة فِي دَار، فَفِي مثل هَذَا قَالَ، ﷺ : (لَا طيرة وَلَا تطير) ، وَأَيْضًا إِنَّه لَا يفر مِنْهُ لِإِمْكَان أَن يكون قد وصل الضَّرَر إِلَى الفار، فَيكون سَفَره زِيَادَة فِي محنته وتعجيلاً لهلكته.

стр. 4169

٩٥٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ أبِي حازِمِ بنِ دِينارٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله، ﷺ قَالَ إنْ كانَ فِي شَيْءٍ فَفِي المَرْأةِ والفَرَسِ والمَسْكَنِ. (الحَدِيث ٩٥٨٢ طرفه فِي: ٥٩٠٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو حَازِم اسْمه: سَلمَة، وَقد مر عَن قريب. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الطِّبّ عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن القعْنبِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن عبد السَّلَام ابْن عَاصِم الرَّازِيّ. قَوْله: (إِن كَانَ فِي شَيْء) ، إِلَى آخر هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النّسخ، وَكَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) لَكِن زَاد فِي آخِره: يَعْنِي الشؤم، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم: وَهنا اسْم: كَانَ، مُقَدّر تَقْدِيره: (إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء حَاصِلا فَيكون فِي الْمَرْأَة وَالْفرس والمسكن. فَقَوله: (إِن كَانَ فِي شَيْء) . . إِلَى آخِره إِخْبَار أَنه لَيْسَ فِيهِنَّ، فَإِذا لم يكن فِي هَذِه الثَّلَاثَة فَلَا يكون فِي شَيْء، والشؤم والطيرة وَاحِد، والطيرة شرك لما رُوِيَ أَبُو دَاوُد من حَدِيث زر بن حُبَيْش عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (الطَّيرَة شرك الطَّيرَة شرك، ثَلَاثًا، وَمَا منا إلَاّ وَفِيه، وَلَكِن الله، ، يذهبه بالتوكل) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَوله: الطَّيرَة شرك خَارج مخرج الْمُبَالغَة والتغليظ قَوْله (وَمَا منا إلَاّ وَفِيه) فِيهِ حذف تَقْدِيره: إلَاّ وَفِيه الطَّيرَة. أَو: إلَاّ قد يَعْتَرِيه التطير، ويسبق إِلَى قلبه الْكَرَاهِيَة، فِيهِ، فَحذف اختصاراً واعتماداً على فهم السَّامع، وَالدَّلِيل على أَن الطَّيرَة والشؤم وَاحِد، قَوْله، ﷺ : (لَا عدوى وَلَا طيرة وَإِن كَانَ فِي شَيْء فَفِي الْمَرْأَة وَالْفرس وَالدَّار) . رَوَاهُ أَبُو سعيد. وَأخرجه عِنْد الطَّحَاوِيّ. ٨٤ - (بابٌ الخَيْلِ لِثَلاثَةٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْخَيل لثَلَاثَة، أَي: الْخَيل تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام عِنْد اقتنائها لثَلَاثَة أنفس على مَا يَجِيء فِي الحَدِيث، وَهَذِه التَّرْجَمَة صدر حَدِيث الْبَاب، وَذكر هَذَا الْمِقْدَار اكْتِفَاء بِمَا ذكر فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْخَيْل جمع لَا وَاحِد لَهُ وَجمعه: خُيُول، كَذَا فِي (الْمُخَصّص) وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَقُول: وَاحِدهَا: خائل، لاختيالها، فَهُوَ على هَذَا اسْم للْجمع عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وَجمع عِنْد أبي الْحسن. وَفِي (الْمُحكم) لَيْسَ هَذَا بِمَعْرُوف، يَعْنِي: قَول أبي عُبَيْدَة. قَالَ: وَقَول ابْن أبي ذُؤَيْب. (فتنازلا واتفقت خيلاهما ... وَكِلَاهُمَا بَطل اللِّقَاء مخدع) ثناه على قَوْلهم: لقاحان أسودان وحمالان، وَالْجمع أخيال عَن ابْن الْأَعرَابِي، وَالْأول أشهر، وَفِي الاحتفال لأبي عبد الله بن رضوَان، وَقد جَاءَ فِيهِ الْجمع أَيْضا على أخيل، وَإِذا صغرت الْخَيل أدخلت الْهَاء، فَقلت: خييلة، وَلَو طرحت الْهَاء لَكَانَ وَجها، والخولة بِالْفَتْح جمَاعَة الْخَيل. وقَوْلهُ تَعالى ﴿والخَيْلَ والبِغَالَ والحمِيرَ لتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْل: ٨) . وَقَوله: (مَرْفُوع) ، عطفا على قَوْله: الْخَيل، وَفِي بعض النّسخ، وَقَول الله تَعَالَى قَوْله: (وَالْخَيْل) ، عطف على قَوْله: ﴿والأنعام خلقهَا لكم﴾ (النَّحْل: ٨) . أَي: وَخلق الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير، أَي: وَخلق هَؤُلَاءِ للرُّكُوب والزينة، وَاللَّام فِي: لتركبوها، للتَّعْلِيل. قَوْله: (وزينة) ، مفعول لَهُ عطف على مَحل: لتركبوها، وَلم يرد الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ على سنَن وَاحِد، لِأَن الرّكُوب فعل المخاطبين، وَأما الزِّينَة فَفعل الزائن، وَهُوَ الْخَالِق وقرىء ﴿زِينَة﴾ (النَّحْل: ٨) . بِلَا: وَاو، أَي: وخلقها زِينَة لتركبوها، وَاحْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك على حُرْمَة أكل الْخَيل لِأَنَّهُ علل خلقهَا بالركوب، والزينة وَلم يذكر الْأكل كَمَا ذكره فِي الْأَنْعَام. ٠٦٨٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبي صالِحٍ السَّمَّانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أجْر ولِرَجُلٍ سِتْرٌ وعَلى رَجُلٍ وزْرٌ فأمَّا الَّذي لَهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ ربَطَهَا فِي سَبِيلِ الله فأطالَ فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ فَمَا أصابَتْ فِي طِيَلِها ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أَو الرَّوْضَةِ كانَتْ لَهُ حَسَناتٍ ولَوْ أنَّها قَطَعَتْ طِيَلَها فاسْتَنَّت شَرَفَاً

стр. 4170

أوْ شَرَفَيْنِ كانَتْ أرْوَاثُهَا وآثَارُهَا حَسَناتٍ لَهُ ولَوْ أنَّها مَرَّتْ بِنَهْرٍ فشَرَبَتْ مِنْهُ ولمْ يُردْ أنْ يَسْقِيَهَا كانَ ذَلَكَ حَسناتٍ لَهُ ورَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرَاً ورِياءً ونِواءً لأهْلِ الإسْلامِ فَهْيَ وِزْرٌ على ذَلِكَ وسُئِلَ رسولُ الله ﷺ عنِ الحُمُرِ فَقَالَ مَا أُنْزِلَ علَيَّ فِيها إلَاّ هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ خَيْرَاً يَرَهُ ومَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧ ٨) .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْخَيل لثَلَاثَة) ، وَقد ذكرنَا أَنَّهَا صدر حَدِيث الْبَاب. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب شرب النَّاس وَالدَّوَاب من الْأَنْهَار، غير أَنه لم يذكر فِيهِ هُنَا الْقسم الثَّالِث اختصاراً. وَهُوَ قَوْله: (وَرجل ربطها تغَنِّيا) إِلَى آخر مَا ذكره هُنَاكَ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، ولنذكر بعض شَيْء لزِيَادَة الْفَائِدَة. قَوْله: (الْخَيل لثَلَاثَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (الْخَيل ثَلَاثَة) ، قَوْله: (فِي مرج أَو رَوْضَة) ، شكّ من الرَّاوِي، والمرج مَوضِع الْكلأ، وَأكْثر مَا يُطلق على الْموضع المطمئن وَالرَّوْضَة أَكثر مَا يُطلق على الْموضع الْمُرْتَفع. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المرج: الأَرْض الواسعة ذَات نَبَات كثير تمرج فِيهَا الدَّوَابّ أَي: تخلى تسرح مختلطة كَيفَ شَاءَت، وَالرَّوْضَة: الْموضع الَّذِي يستنقع فِيهِ المَاء. قَوْله: (طيلها) ، بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا لَام: وَهُوَ الْحَبل الَّذِي ترتبط بِهِ، وَيطول لَهَا الترعي، وَيُقَال لَهُ: طول أَيْضا. قَوْله: (فاستنت) ، من الاستنان، وَهُوَ الْعَدو، والشرف: الشوط. قَوْله: (ونواء) ، بِكَسْر النُّون المناوأة وَهِي المعاداة، وَحكى عِيَاض عَن الدَّاودِيّ أَنه وَقع عِنْده. وَنوى، بِفَتْح النُّون وَالْقصر، قَالَ: وَلَا يَصح ذَلِك، وَقيل: حَكَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي أويس فَإِن ثَبت فَمَعْنَاه: وبعداً لأهل الْإِسْلَام، وَقيل: الظَّاهِر أَن الْوَاو فِي قَوْله: (ورياء ونواء) ، بِمَعْنى: أَو، لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء قد تفترق فِي الْأَشْخَاص، وكل وَاحِد مِنْهَا مَذْمُوم على حِدة. قَوْله: (الفاذة) ، بِالْفَاءِ وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة: أَي المنفردة فِي مَعْنَاهَا، يَعْنِي: مُنْفَرِدَة فِي عُمُوم الْخَيْر وَالشَّر. ٩٤ - (بابُ مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الغزْوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من ضرب دَابَّة غَيره الَّتِي وقفت من العي إِعَانَة لَهُ ورفقاً بِهِ. ١٦٨٢ - حدَّثنا مُسلِمٌ قَالَ حدَّثنا أبُو عُقَيْلٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو المُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ أتَيْتُ جابِرَ ابنَ عَبْدِ الله الأنْصَارِيَّ فقُلْتُ لَهُ حدِّثْنِي بِما سَمِعْتُ مِنْ رَسولِ الله ﷺ قَالَ سافَرْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ قَالَ أَبُو عَقِيلٍ لَا أدْرِي غَزْوَةً أوْ عُمْرَةً فلَمَّا أنْ أقْبَلْنا قَالَ النبيُّ ﷺ منْ أحَبَّ أنْ يتَعَجَّلَ إِلَى أهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ قَالَ جابِرٌ فأقْبَلْنَا وَأَنا عَلَى جَمَلٍ لي أرْمَكَ لَيْسَ فِيهِ شِيَّةٌ والنَّاسُ خَلْفِي فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِكَ إذْ قامَ عَلَيَّ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ يَا جابِرُ اسْتَمْسِكْ فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً فَوَثَبَ البَعِيرُ مَكانَهُ فَقَالَ أتَبِيعُ الجَمَلَ قُلْتُ نَعَمْ فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ودَخَلَ النبيُّ ﷺ المَسْجِدَ فِي طَوَائِفِ أصْحَابِهِ فَدَخَلْتُ إلَيْهِ وعَقَلْتُ الجَمَلَ فِي ناحِيَةِ البَلَاطِ فَقُلْتُ أَهَذَا جَمَلُكَ فَخَرَجَ فجَعَلَ يُطِيفُ بالجَمَلِ ويَقولُ الجَمَلُ جَمَلُنَا فبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقالَ أعْطُوهاجابرَاً ثُمَّ قَالَ اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ الثَّمَنُ والجَمَلُ لَكَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَضَربهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَة) فالضارب رَسُول الله، ﷺ والمضروب: دَابَّة غَيره، وَهُوَ جمل جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم القصاب الْبَصْرِيّ، وَأَبُو عقيل، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: اسْمه بشير ضد النذير بن عقبَة الدَّوْرَقِي الْأَزْدِيّ النَّاجِي، وَيُقَال السَّامِي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو المتَوَكل عَليّ بن دَاوُد النَّاجِي، بالنُّون وَالْجِيم مَنْسُوبا إِلَى بني نَاجِية بن سامة بن لؤَي،

стр. 4171

قَبيلَة كَبِيرَة مِنْهُم، والْحَدِيث مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد مُخْتَصرا فِي الْمَظَالِم، وَمَضَت مباحثه مستوفاة فِي الشُّرُوط. قَوْله: (أَو عمْرَة) ، كَذَا فِي رِوَايَة الكشميهنيي وَفِي رِوَايَة غَيره: أم عمْرَة. قَوْله: (فَلَمَّا أَن أَقبلنَا) ، كلمة: أَن، زَائِدَة، قَوْله: (فليعجل) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَليَتَعَجَّل) ، فَالْأول من بَاب التفعيل، وَالثَّانِي من بَاب التفعل. قَوْله: (أرمك) برَاء وكاف، على وزن: أَحْمَر. قَالَ الْأَصْمَعِي: الأرمك لون يخالط حمرته سوَاده، وَيُقَال: بعير أرمك وناقة رمكاء، وَعَن ابْن دُرَيْد: الرمك كل شَيْء خالطت غيرته سواداً كدراً. وَقيل: الرمكة الرماد. وَقَالَ ابْن قرقول: وَيُقَال: أربك، بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَيْضا، وَالْمِيم أشهر. قَوْله: (لَيْسَ فِيهِ شية) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف الْخَفِيفَة أَي: لَيْسَ فِيهِ لمْعَة من غير لَونه، وَعَن قَتَادَة فِي قَوْله: (لَا شية) ، أَي: لَا عيب، وَيُقَال: الشية: كل لون يُخَالف مُعظم لون الْحَيَوَان. قَوْله: (وَالنَّاس خَلْفي) ، جملَة حَالية من قَوْله: (وَأَنا على جمل لي) ، أَرَادَ أَن جمله كَانَ يسْبق جمال النَّاس. قَوْله: (فَبينا أَنا كَذَلِك) ، أَي: فِي حَالَة كَانَ النَّاس خَلْفي. قَوْله: (إِذا قَامَ عَليّ) ، جَوَاب بَينا أَنا كَذَلِك، أَي: إِذْ وقف الْجمل، يُقَال: قَامَت الدَّابَّة إِذا وقفت من الكلال. قَوْله: (البلاط) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي الْحِجَارَة المفروشة، وَقيل: هُوَ مَوضِع. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِي الْمُكْتَرِي يضْرب الدَّابَّة فتموت، فَقَالَ مَالك: إِذا ضربهَا ضربا لَا يضْرب مثله، أَو حَيْثُ لَا يضْرب ضمن، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَيُقَال: إِذا ضربهَا ضربا يضْربهَا صَاحبهَا مثله وَلم يَتَعَدَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء، وَاسْتحْسن هَذَا القَوْل أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد. وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة: ضَامِن إلَاّ أَن يكون أمره بضربها. ٠٥ - (بابُ الرُّكُوبِ علَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ والفَحُولَةِ مِنَ الخَيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الرّكُوب على الدَّابَّة الصعبة إِذا كَانَ من أهل ذَلِك، والصعبة، بِسُكُون الْعين: الشَّدِيدَة والفحولة، بِفَتْح الْفَاء والحاء الْمُهْملَة: جمع فَحل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ التَّاء فِيهِ لتأكيد الْجمع كَمَا فِي: الْمَلَائِكَة. وَقَالَ رَاشِدُ بنُ سَعْدٍ كانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ الفَحُولَةَ لأِنَّهَا أجْرَأ وأجْسَرُ رَاشد بن سعد المقرئي، بِضَم الْمِيم وَفتحهَا وَسُكُون الْقَاف وَفتح الرَّاء بعْدهَا همزَة، نِسْبَة إِلَى: مقرأ، قَرْيَة من قرى دمشق، وَهُوَ تَابِعِيّ وَرُوِيَ عَن ثَوْبَان مولى سيدنَا رَسُول الله، ﷺ وَأبي أُمَامَة وَمُعَاوِيَة وَغَيرهم، مَاتَ سنة ثَلَاثَة عشر وَمِائَة، وَالصَّحِيح أَنه مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْأَثر الْوَاحِد. قَوْله: (السّلف) ، أَي: من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ. قَوْله: (لِأَنَّهَا أجرأ) ، أفعل من الجراءة، وَيكون أَيْضا من الجري لَكِن الأول بِالْهَمْز وَالثَّانِي بِدُونِهِ. قَوْله: (وأجسر) أفعل من الجسارة، بِالْجِيم وَالسِّين الْمُهْملَة، والمفضل عَلَيْهِ مَحْذُوف لدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ، تَقْدِيره: أجرأ وأجسر من الْإِنَاث، أَو من المخصية. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن ركُوب الفحولة أفضل للرُّكُوب من الْإِنَاث لشدتها وجرأتها، وَمَعْلُوم أَن الْمَدِينَة لم تخل من إناث الْخَيل وَلم ينْقل عَن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ وَلَا جملَة أَصْحَابه أَنهم ركبُوا غير الفحول، وَلم يكن ذَلِك إلَاّ لفضلها إِلَّا مَا ذكر عَن سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ لَهُ فرس أُنْثَى بلقاء، وَذكر سيف فِي (الْفتُوح) : أَنَّهَا الَّتِي ركبهَا أَبُو محجن حِين كَانَ عِنْد سعد مُقَيّدا بالعراق، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن الْمِقْدَاد، قَالَ: غزوت مَعَ النَّبِي ﷺ يَوْم بدر على فرس لي أُنْثَى، وروى الْوَلِيد بن مُسلم فِي الْجِهَاد لَهُ من طَرِيق عبَادَة بن نسي، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة، اَوْ ابْن محيريز: أَنهم كَانُوا يستحبون إناث الْخَيل فِي الغارات والبيات، وَلما خَفِي من أُمُور الْحَرْب، ويستحبون الفحولة فِي الصُّفُوف والحصون، وَلما ظهر من أُمُور الْحَرْب، وَرُوِيَ عَن خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ لَا يُقَاتل إلَاّ على أُنْثَى، لِأَنَّهَا تدفع الْبَوْل، وَهِي أقل صهيلاً، والفحل يحْبسهُ فِي جريه حَتَّى ينفتق ويؤذي بصهيله، وروى أَبُو عبد الرَّحْمَن عَن معَاذ بن الْعَلَاء عَن يحيى بن أبي كثير يرفعهُ: عَلَيْكُم بإناث الْخَيل، فَإِن ظُهُورهَا عز وبطونها كنز، وَفِي لفظ: ظُهُورهَا حرز. ٢٦٨٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخْبرَنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ ﷺ َ -

стр. 4172

(أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ بالمَدِينَةِ فَزَعٌ فاسْتَعَارَ النبيُّ ﷺ فَرَساً لأبي طَلْحَةَ يُقالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَرَكِبَهُ وَقَالَ مَا رَأيْنَا مِنْ فَزَعٍ وإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرَاً.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والفحولة من الْخَيل) وَأحمد بن مُحَمَّد، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن ثَابت بن عصمان الْخُزَاعِيّ أَبُو الْحُسَيْن بن شبويه، وَذكر فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعبد الله: هُوَ ابْن الْمُبَارك. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب اسْم الْفرس وَالْحمار، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١٥ - (بابُ سِهَامِ الفَرَسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كمية سِهَام فرس الْغَازِي من الْغَنِيمَة، وَإِضَافَة السِّهَام إِلَى الْفرس بِاعْتِبَار أَن صَاحبه يسْتَحق من الْغَنِيمَة بِسَبَبِهِ ثَلَاثَة أسْهم: سَهْمَان للْفرس وَسَهْم للفارس. ٣٦٨٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ عنْ أبِي أُسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ جعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ولِصاحِبِهِ سَهْمَاً. (الحَدِيث ٣٦٨٢ طرفه فِي: ٨٢٢٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه بَين فِيهِ سِهَام الْفرس بقوله: (جعل للْفرس سَهْمَيْنِ) وَفِي الْحَقِيقَة أَيْضا: السهْمَان لصَاحب الْفرس، وَلَكِن لما كَانَا لَهُ بِسَبَب الْفرس وَمن جِهَته أضيفا إِلَيْهِ، وَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل. وَعبيد مصغر عبد، ضد الْحر ابْن إِسْمَاعِيل واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله، يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله ابْن عمر الْعمريّ. قَوْله: (ولصاحبه سَهْما) ، أَي: جعل لصَاحب الْفرس سَهْما غير سهمي الْفرس، فَيصير للفارس ثَلَاثَة أسْهم وَقد فسره نَافِع كَذَلِك، وَلَفظه: إِذا كَانَ مَعَ الرجل فرس فَلهُ ثَلَاثَة أسْهم، فَإِن لم يكن مَعَه فرس فَلهُ سهم، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي غَزْوَة خَيْبَر، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي الْبَاب أَحَادِيث نَحْو حَدِيث الْبَاب. فروى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ أسْهم لرجل ولفرسه ثَلَاثَة أسْهم: سَهْما لَهُ وسهمين لفرسه، وَقَالَ أَبُو دَاوُد أَيْضا: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، قَالَ: حَدثنِي المَسْعُودِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عمْرَة عَن أَبِيه، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُول الله، ﷺ أَرْبَعَة نفر ومعنا فرس، فَأعْطى كل إِنْسَان منا سَهْما، وَأعْطى الْفرس سَهْمَيْنِ. وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَن جده، قَالَ: ضرب رَسُول الله، ﷺ عَام خَيْبَر للزبير أَرْبَعَة أسْهم: سهم للزبير وَسَهْم لذِي الْقُرْبَى لصفية بنت عبد الْمطلب أم الزبير وسهمين للْفرس. وروى أَحْمد: من حَدِيث مَالك ابْن أَوْس عَن عمر، وَطَلْحَة بن عبيد الله، وَالزُّبَيْر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالُوا: كَانَ رَسُول الله، ﷺ يُسهم للفرسين سَهْمَيْنِ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ: من حَدِيث أبي رهم، قَالَ: غزونا مَعَ النَّبِي ﷺ أَنا وَأخي ومعنا فرسَان، فأعطانا سِتَّة أسْهم: أَرْبَعَة لفرسينا وسهمين لنا. وروى أَيْضا من حَدِيث أبي كَبْشَة الْأَنمَارِي، قَالَ: لما فتح رَسُول الله، ﷺ قَالَ: إِنِّي جعلت للْفرس سَهْمَيْنِ وللفارس سَهْما، فَمن أنقصهما أنقصه الله . وروى أَيْضا من حَدِيث ضباعة بنت الزبير عَن الْمِقْدَاد، قَالَ: أسْهم لي رَسُول الله، ﷺ يَوْم بدر سَهْما ولفرسي سَهْمَيْنِ. وروى أَيْضا من حَدِيث عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله، ﷺ قسم لكل فرس بِخَيْبَر سَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ. وروى أَيْضا من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أبي صَالح عَن جَابر، قَالَ: شهِدت مَعَ رَسُول الله، ﷺ غزَاة فَأعْطى الْفَارِس منا ثَلَاثَة أسْهم وَأعْطى الراجل سَهْما. وروى أَيْضا من حَدِيث الْوَاقِدِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى بن سهل بن أبي حثْمَة عَن أَبِيه عَن جده: أَنه شهد حنيناً مَعَ النَّبِي ﷺ فَأَسْهم لفرسه سَهْمَيْنِ وَله سَهْما. وَقَالَ مُحَمَّد بن عَمْرو: حَدثنَا أَبُو بكر بن يحيى بن النَّضر عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة، يَقُول: أسْهم رَسُول الله، ﷺ للْفرس سَهْمَيْنِ ولصاحبه سَهْما. وَاحْتج بِهَذِهِ الْأَحَادِيث جُمْهُور الْعلمَاء: إِن سِهَام الْفَارِس ثَلَاثَة: سَهْمَان لفرسه وَسَهْم لَهُ، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُسهم للفارس إلَاّ سهم وَاحِد ولفرسه سهم. وَاحْتج فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) : حَدثنَا حجاج بن عمرَان السدُوسِي حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الشَّاذكُونِي حَدثنَا

стр. 4173

مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ حَدثنَا مُوسَى بن يَعْقُوب الربعِي عَن عمته قريبَة بنت عبد الله بن وهب عَن أمهَا كَرِيمَة بنت الْمِقْدَاد ابْن ضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب عَن الْمِقْدَاد بن عَمْرو أَنه: كَانَ يَوْم بدر على فرس يُقَال لَهُ سبْحَة، فَأَسْهم لَهُ النَّبِي ﷺ سَهْمَيْنِ لفرسه سهم وَاحِد وَله سهم، وَبِمَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي: حَدثنِي الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن الْحزَامِي عَن جَعْفَر بن خَارِجَة، قَالَ: قَالَ الزبير بن الْعَوام: شهِدت بني قُرَيْظَة فَارِسًا فَضرب لي بِسَهْم ولفرسي بِسَهْم. وَبِمَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) فِي سُورَة الْأَنْفَال من حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: أساب رَسُول الله، ﷺ ، سَبَايَا بني المصطلق، فَأخْرج الْخمس مِنْهَا ثمَّ قسم بَين الْمُسلمين، فَأعْطى الْفَارِس سَهْمَيْنِ والراجل سَهْما. وَبِمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا أَبُو أُسَامَة وَابْن نمير، قَالَا: حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ ، جعل للفارس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما. وَبِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي أول كِتَابه (المؤتلف والمختلف) من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَمِين عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ ، كَانَ يقسم للفارس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما. وَفِي (التَّوْضِيح) : خَالف أَبُو حنيفَة عَامَّة الْعلمَاء قَدِيما وحديثاً، وَقَالَ: لَا يُسهم للفارس إلَاّ سهم وَاحِد، وَقَالَ: أكره أَن أفضل بَهِيمَة على مُسلم، وَخَالفهُ أَصْحَابه فَبَقيَ وَحده، وَقَالَ ابْن سَحْنُون: انْفَرد أَبُو حنيفَة بذلك دون فُقَهَاء الْأَمْصَار. قلت: لم ينْفَرد أَبُو حنيفَة بذلك، بل جَاءَ مثل ذَلِك عَن عمر وَعلي وَأبي مُوسَى، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَإِن قلت: الْوَاقِدِيّ فِيهِ مقَال. قلت: مَا لِلْوَاقِدِي؟ فقد قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: سَمِعت مصعباً الزبيرِي، وَسُئِلَ عَن الْوَاقِدِيّ، فَقَالَ: ثِقَة مَأْمُون، وَكَذَلِكَ قَالَ الْمسَيبِي حِين سُئِلَ عَنهُ، وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام الْوَاقِدِيّ ثِقَة، وَعَن الدَّاودِيّ، قَالَ: الْوَاقِدِيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث، وَلَئِن سلمنَا أَن فِيهِ مقَالا فَفِي أَكثر أَحَادِيث هَؤُلَاءِ أَيْضا مقَال. فَحَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي رَوَاهُ عَن أَحْمد فِيهِ المَسْعُودِيّ فِيهِ مقَال، واسْمه عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عتبَة بن عبد الله بن مَسْعُود. وَحَدِيث أبي رهم فِيهِ قيس بن الرّبيع، قَالَ فِي (التَّنْقِيح) : ضعفه بعض الْأَئِمَّة، وَأَبُو رهم مُخْتَلف فِي صحبته. وَحَدِيث أبي كَبْشَة الْأَنمَارِي فِيهِ مُحَمَّد بن عمرَان الْعَبْسِي، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِيه عبد الله بن بشر، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة، وَقَالَ يحيى الْقطَّان: لَا شَيْء، وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَحَدِيث مقداد فِيهِ مُوسَى بن يَعْقُوب عَن عمته قريبَة فِيهِ لين، وَتفرد بِهِ عَنْهَا. فَإِن قلت: حَدِيث الْبَاب وَمَا رُوِيَ من (الصِّحَاح) مثله حجَّة عَلَيْهِ. قلت: لَا، لِأَن ظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غنتم من شَيْء﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . يَقْتَضِي الْمُسَاوَاة بَين الْفَارِس والراجل، وَهُوَ خطاب لجَمِيع الْغَانِمين، وَقد شملهم هَذَا الِاسْم، وَحَدِيث الْبَاب وَنَحْوه مَحْمُول على وَجه التَّنْفِيل. وَقَالَ مالِكٌ يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ والبَرَاذِينِ مِنْهَا وَفِي بعض النّسخ قَوْله: قَالَ مَالك إِلَى الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ ذكر مقدما على الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (والبراذين) ، جمع: برذون، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون، وَفِي الْمغرب: البرذون التركي من الْخَيل وخلافها العراب، وَالْأُنْثَى برذونة، وَيُقَال: البرذون يجلب من بِلَاد الرّوم، وَله جَلَد على السّير فِي الشعاب وَالْجِبَال والوعر بِخِلَاف الْخَيل الْعَرَبيَّة، وَهَذَا التَّعْلِيق رُوِيَ عَن مَالك بِزِيَادَة: والهجين، وَهُوَ مَا يكون أحد أَبَوَيْهِ عَرَبيا وَالْآخر غير عَرَبِيّ، وَقيل: الهجين الَّذِي أَبوهُ فَقَط عَرَبِيّ، وَأما الَّذِي أمه فَقَط عَرَبِيَّة فيسمى: المقرف، وَعَن أَحْمد: الهجين البرذون، وَيُقَال: الهجين والبراذين خيل الرّوم وَالْفرس، وَقَالَ ابْن فَارس: اشتقاق البرذون من برذن الرجل برذنة إِذا ثقل. لِقَوْلِهِ تَعَالى ﴿والخَيْلَ والبِغَالَ والحَمِيْرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (النَّحْل: ٨) . قَالَ ابْن بطال، ﵀: وَجه الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ أَن الله تَعَالَى أمتن بركوب الْخَيل، وَقد أسْهم لَهَا رَسُول الله ﷺ ، وَاسم الْخَيل يَقع على البرذون والهجين. قلت: وَبقول مَالك قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ اللَّيْث: للهجين والبرذون سهم دون سهم الْفرس، وَلَا يلحقان بالعراب، وَقَالَ ابْن المناصف: أول من أسْهم البرذون رجل من هَمدَان يُقَال لَهُ الْمُنْذر الوداعي، فَكتب بذلك إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فأعجبه فجرت سنة للخيل والبراذين، وَفِي ذَلِك يَقُول شَاعِرهمْ:

стр. 4174

(وَمنا الَّذِي قد سنَّ فِي الْخَيل سنَّة ... وَكَانَت سَوَاء قبل ذَاك سهامها) وَعَن محكول فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (الْمَرَاسِيل) : (أَن رَسُول الله، ﷺ ، هجّن الهجين يَوْم خَيْبَر وعرَّب الْعَرَبِيّ، للعربي سَهْمَان وللهجين سهم) . وَقَالَ الإشبيلي: وَرُوِيَ مَوْصُولا عَن مَكْحُول عَن زِيَاد بن حَارِثَة عَن حبيب بن سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ ، والمرسل أصح، وَقَالَ ابْن المناصف، وَرُوِيَ أَيْضا عَن الْحسن وَبِه قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَكْحُول: وَلَا شَيْء للبراذين، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ ابْن حزم: للراجل وراكب الْبَغْل وَالْحمار والجمل سهم وَاحِد فَقَط، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي سُلَيْمَان، وَقَالَ أَحْمد: للفارس ثَلَاثَة أسْهم ولراكب الْبَعِير سَهْمَان. ولَا يُسْهَمُ لأِكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ هُوَ من بَقِيَّة كَلَام مَالك، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمُحَمّد بن الْحسن وَأهل الظَّاهِر. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَأحمد وَأَبُو يُوسُف وَإِسْحَاق: يُسهم لفرسين، وَهُوَ قَول ابْن وهب وَابْن الجهم من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ ابْن أبي عَاصِم: وَهُوَ قَول الْحسن وَمَكْحُول وَسَعِيد بن عُثْمَان، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يقل أحد أَنه يُسهم لأكْثر من فرسين إلَاّ شَيْئا رُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى الْأَشْدَق، قَالَ: يُسهم لمن عِنْده أَفْرَاس: لكل فرس سَهْمَان وَهُوَ شَاذ. وَعَن مَالك، فِيمَا ذكره ابْن المناصف: إِذا كَانَ الْمُسلمُونَ فِي سفن فَلَقوا الْعَدو فغنموا أَنه يضْرب للخيل الَّتِي مَعَهم فِي السفن بسهمهم، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي ثَوْر، وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء: الْقيَاس أَن لَا يُسهم لَهَا. وَاخْتلف فِي فرس يَمُوت قبل حُضُور الْقِتَال، فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق: يُسهم، وَأَبُو ثَوْر: لَا يُسهم لَهُ إلَاّ إِذا حضر الْقِتَال. وَقَالَ مَالك وَابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب وَعبد الْملك بن الْمَاجشون: بالإدراب يسْتَحق الْفرس الإسهام، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن حبيب، قَالَ: وَمن حطم فرسه أَو كسر بعد الإيجاف أسْهم لَهُ. وَقَالَ مَالك: ويسهم للرهيص من الْخَيل وَإِن لم يزل رهيصاً من حِين دخل إِلَى حِين خرج بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان الْمَرِيض. قَالَه ابْن الْمَاجشون وَأَشْهَب وَأصبغ، وَقَالَ اللَّخْمِيّ، وَرُوِيَ عَن مَالك أَنه: لَا يُسهم للْمَرِيض من الْخَيل. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي رجل دخل دَار الْحَرْب بفرسه ثمَّ بَاعه من رجل دخل دَار الْحَرْب رَاجِلا، وَقد غنم الْمُسلمُونَ غَنَائِم قبل شِرَائِهِ وَبعده: أَنه يُسهم للْفرس، فَمَا غنموا قبل الشِّرَاء للْبَائِع، وَمَا غنموا بعد الشِّرَاء فسهمه للْمُشْتَرِي، فَمَا اشْتبهَ من ذَلِك قسم بَينهمَا، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وعَلى هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي إلَاّ فِيمَا اشْتبهَ، فمذهبه أَنه يُوقف الَّذِي أشكل من ذَلِك بَينهمَا حَتَّى يصطلحا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا دخل أَرض الْعَدو غازياً رَاجِلا، ثمَّ ابْتَاعَ فرسا يُقَاتل عَلَيْهِ وأحرزت الْغَنِيمَة وَهُوَ فَارس أَنه لَا يضْرب لَهُ إلَاّ بِسَهْم راجل. ٢٥ - (بابُ منْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الحَرْبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قاد ... إِلَى آخِره. ٤٦٨٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا سَهْلُ بنُ يُوسُفَ عنْ شُعْبَةَ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ رَجلٌ لِلْبَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أفرَرْتُمْ عنْ رسولِ الله ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لاكِنَّ رسولَ الله لَمْ يَفِرَّ إنَّ هَوَازِنَ كانُوا قَوْمَاً رُماةً وإنَّا لَمَّا لَقِيناهُمْ حَمَلْنَا علَيْهِمْ فانْهَزَمُوا فأقْبَلَ المُسْلِمُونَ علَى الغَنَائِمِ واسْتَقْبَلُونَا بالسِّهَامِ فأمَّا رسولُ الله ﷺ فلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأيْتُهُ وإنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ وإنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا والنبيُّ ﷺ يَقُولُ: (أَنا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أنَا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَبُو سُفْيَان آخذ بِلِجَامِهَا) . وَسَهل بن يُوسُف الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله

стр. 4175

السبيعِي. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. قَوْله: (رجل للبراء) وَفِي رِوَايَة قَالَ للبراء رجل من قيس. قَوْله: (أَفَرَرْتُم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على وَجه الاستخبار. قَوْله: (يَوْم حنين) ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: حنين وادٍ بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاث لَيَال قرب الطَّائِف، وَقَالَ الْبكْرِيّ: بضعَة عشر ميلًا، والأغلب فِيهِ التَّذْكِير لِأَنَّهُ اسْم مَاء، وَرُبمَا أنثت الْعَرَب جعلته إسماً للبقعة، وَهُوَ وَرَاء عَرَفَات سمي بحنين بن قانية بن مهلايل. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ إِلَى جنب ذِي الْمجَاز، وَكَانَت سنة ثَمَان، وسببها أَنه لما أجمع، ﷺ ، على الْخُرُوج إِلَى مَكَّة لنصرة خُزَاعَة، أَتَى الْخَبَر إِلَى هوَازن أَنه يريدهم، فَاسْتَعدوا للحرب حَتَّى أَتَوا سوق ذِي الْمجَاز، فَسَار ﷺ حَتَّى أشرف على وَادي حنين مسَاء لَيْلَة الْأَحَد، ثمَّ صَالحهمْ يَوْم الْأَحَد نصف شَوَّال. قَوْله: (لَكِن رَسُول الله، ﷺ لم يفر) ، هَذَا هُوَ الْمَعْلُوم من حَاله وَحَال الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، لإقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله، ، ورغبتهم فِي الشَّهَادَة، وَفِي لِقَاء الله، ، وَلم يثبت عَن وَاحِد مِنْهُم وَالْعِيَاذ بِاللَّه أَنه فر، وَمن قَالَ ذَلِك قتل وَلم يستتب لِأَنَّهُ صَار بِمَنْزِلَة من قَالَ: إِنَّه ﷺ كَانَ أسوداً وأعجمياً، لإنكاره مَا علم من وَصفه قطعا، وَذَلِكَ كفر. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَحكي عَن بعض أَصْحَابنَا الْإِجْمَاع على قتل من أضَاف إِلَيْهِ ﷺ نقصا أَو عَيْبا، وَقيل: يُسْتَتَاب، فَإِن تَابَ وإلَاّ قتل. قَالَ ابْن بطال: لِأَنَّهُ كَافِر إِن لم يتَأَوَّل ويعذر بتأويله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالَّذين فروا يَوْمئِذٍ إِنَّمَا فَتحه عَلَيْهِ من كَانَ فِي قلبه مرض من مسلمة الْفَتْح الْمُؤَلّفَة ومشركيها الَّذين لم يَكُونُوا أَسْلمُوا، وَالَّذين خَرجُوا الْأَجَل الْغَنِيمَة، وَإِنَّمَا كَانَت هزيمتهم فجاءة. قَوْله: (إِن هوَازن) ، هم قَبيلَة من قيس، فَإِن قلت: هَذَا الِاسْتِدْرَاك مماذا؟ قلت: تَقْدِيره: نَحن فَرَرْنَا، وَلَكِن رَسُول الله، ﷺ لم يفر، وَحذف لقصدهم عدم التَّصْرِيح بفرارهم، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي قَوْله: فَأَما رَسُول الله، ﷺ ، فَلم يفر، تَقْدِيره: أما نَحن فقد فَرَرْنَا، وَأما رَسُول الله، ﷺ ، فَلم يفر. قَوْله: (رُمَاة) ، جمع رام. قَوْله: (واستقبلونا) ويروى: فاستقبلونا، بِالْفَاءِ. قَوْله: (على بغلته الْبَيْضَاء) ، وَاخْتلف فِي هَذِه البغلة، فَفِي مُسلم: كَانَت بَيْضَاء أهداها لَهُ فَرْوَة ابْن نفاثة. وَفِي لفظ: كَانَت شهباء، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد: كَانَ رَاكِبًا دُلْدُل الَّتِي أهداها لَهُ الْمُقَوْقس، فَيحْتَمل أَن يكون ركبهما يَوْمئِذٍ، نزل عَن وَاحِدَة وَركب الْأُخْرَى، وركوبه يَوْمئِذٍ البغلة هُوَ النِّهَايَة فِي الشجَاعَة والثبات، لَا سِيمَا فِي نُزُوله عَنْهَا، وَمِمَّا يدل على شجاعته تقدمه يرْكض على البغلة إِلَى جمع الْمُشْركين حِين فر النَّاس، وَلَيْسَ مَعَه غير اثْنَي عشر نَفرا، وَكَانَ الْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان آخذين بلجام البغلة يكفانها عَن الْإِسْرَاع بِهِ إِلَى الْعَدو، وَأَبُو سُفْيَان هُوَ ابْن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ابْن عَم رَسُول الله، ﷺ وَأَخُوهُ من الرضَاعَة، قيل: اسْمه كنيته، وَقيل: اسْمه الْمُغيرَة، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة عشْرين. قَوْله: (وَالنَّبِيّ يَقُول) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَقَوله: (أَنا النَّبِي لَا كذب) ، زعم ابْن التِّين أَن بعض أهل الْعلم كَانَ يرويهِ: لَا كذب، بِنصب الْبَاء ليخرجه عَن أَن يكون مَوْزُونا، وَفِيه إِثْبَات لنبوته ﷺ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنا لَيْسَ بكاذب فِيمَا أَقُول، فَيجوز على الانهزام، وانتسابه إِلَى جده لرؤيا كَانَ عبد الْمطلب رَآهَا دَالَّة على نبوته مَشْهُورَة عِنْد الْعَرَب وعبررها لَهُ سيف ابْن ذِي يزن، فِيمَا ذكره ابْن ظفر. قلت: قصَّته أَن عبد الْمطلب لما وَفد على سيف بن ذِي يزن فِي جمَاعَة من قُرَيْش أخبر سيف أَن يكون فِي وَلَده نَبِي، وَكَانَ ذَلِك مِمَّا يناقله أهل الْيمن كَابِرًا عَن كَابر إِلَى أَن بلغ سَيْفا. وَقيل: لِأَن شهرة جده كَانَت أَكثر من شهرة أَبِيه، لِأَنَّهُ توفّي شَابًّا فِي حَيَاة أَبِيه. وَفِيه: جَوَاز الانتماء فِي الْحَرْب، وَإِنَّمَا كره من ذَلِك مَا كَانَ على وَجه الافتخار فِي غير الْحَرْب، لِأَنَّهُ رخص فِي الْخُيَلَاء فِي الْحَرْب مَعَ نَهْيه عَنْهَا فِي غَيرهَا. فَإِن قلت: الْفِرَار من الزَّحْف كَبِيرَة، فَكيف بِمن انهزم هُنَا؟ قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: الْفِرَار المتوعد عَلَيْهِ هُوَ أَن يَنْوِي أَن لَا يعود إِذا وجد قُوَّة وَأما من تحيز إِلَى فِئَة أَو كَانَ فراره لِكَثْرَة عدد الْعَدو، وَنوى الْعود إِذا أمكنه، لَيْسَ دَاخِلا فِي الْوَعيد، وَلِهَذَا قَالَ، ، فِي حق هَؤُلَاءِ ﴿ثمَّ أنزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٦٦) . وَفِيه: جَوَاز الْأَخْذ بالشدة والتعرض للهلكة فِي سَبِيل الله، لِأَن النَّاس فروا عَن رَسُول الله، ﷺ . وَلم يبْق إلَاّ اثْنَي عشر رجلا، وهم: عتبَة ومعتب ابْني أبي لَهب وجعفر بن أبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وَأَبُو بكر وَعمر وَعلي وَالْفضل بن عَبَّاس وَأُسَامَة وَقثم بن الْعَبَّاس وأيمن بن أم أَيمن وَقتل يَوْمئِذٍ، وَرَبِيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب وَأم سليم أم أنس بن مَالك من النِّسَاء. وَفِيه: ركُوب البغال فِي الْحَرْب للْإِمَام ليَكُون أثبت لَهُ، وَلِئَلَّا يظنّ بِهِ الاستعداد للفرار والتولي، وَهُوَ من بَاب السياسة لنفوس الِاتِّبَاع لِأَنَّهُ إِذا ثَبت أَتْبَاعه، وَإِذا ريىء مِنْهُ الْعَزْم على الثَّبَات عزم عَلَيْهِ.

стр. 4176

وَفِيه: خدمَة السُّلْطَان فِي الْحَرْب وسياسة دوابه لأشراف النَّاس من قرَابَته وَغَيرهم. ٣٥ - (بابُ الرِّكَابِ والغَرْزِ للدَّابَّةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الركاب والغرز الكائنين للدابة، فالركاب، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف، قَالَ الْجَوْهَرِي: ركاب السرج مَعْرُوف، والركاب أَيْضا الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا الْوَاحِدَة رَاحِلَة وَلَا وَاحِدَة لَهَا من لَفظهَا. قَوْله: (والغرز) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره زَاي: وَهُوَ الركاب الَّذِي يركب بِهِ الْإِبِل إِذا كَانَ من جلد، وَالْفرق بَينهمَا أَن الرِّكاب يكون من الْحَدِيد أَو الْخشب، والغرز لَا يكون إلَاّ من الْجلد، وَقيل: هما مُتَرَادِفَانِ، والغرز للجمل والركاب للْفرس. ٥٦٨٢ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ عنْ أبِي أُسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ إذَا أدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ واسْتَوَتْ بِهِ ناقَتُهُ قائِمَةً أهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا أَدخل ررجه فِي الغرز) فَإِن قلت: لفظ الركاب لَيْسَ فِي الحَدِيث قلت ألحقهُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، أَو أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّهُمَا وَاحِد من الْأَسْمَاء المترادفة. وَعبيد بن إِسْمَاعِيل قد مر عَن قريب، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ. وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر فِي أول: بَاب سِهَام الْفرس. قَوْله: (قَائِمَة) ، نصب على الْحَال، ومباحثه مرت فِي أَوَائِل كتاب الْحَج. ٤٥ - (بابُ رُكُوبِ الفَرَسِ العُرْيِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر ركُوب الْفرس العري، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء، وَهُوَ: أَن لَا يكون عَلَيْهِ سرج وَلَا أَدَاة، وَلَا يُقَال فِي الْآدَمِيّين إلَاّ عُرْيَان، قَالَه ابْن فَارس، وَهُوَ من النَّوَادِر، وَحكى ابْن التِّين أَنه ضبط فِي الحَدِيث بِكَسْر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء. ٥٥ - (بابُ الفَرَسِ القَطُوفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْفرس القطوف، بِفَتْح الْقَاف وَضم الطَّاء الْمُهْملَة. وَهُوَ من الدَّوَابّ: المقارب الخطو، وَقيل: الضّيق الْمَشْي، وَيُقَال: قطفت الدَّابَّة تقطف قطافاً وقطوفاً بِالضَّمِّ، إِذا بطأت السّير مَعَ تقَارب الخطو، وَقَالَ الثعالبي: إِن مَشى وثباً فَهُوَ قطوف، وَإِن كَانَ يرفع يَدَيْهِ وَيقوم على رجلَيْهِ فَهُوَ سبوت، وَإِن التوى براكبه فَهُوَ قموص، وَإِن منع ظَهره فَهُوَ شموس. ٧٦٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الْأَعْلَى بنُ حَمَّادٍ قَالَ حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً فرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فرَسَاً

стр. 4177

لأِبي طَلْحَةَ كانَ يَقْطِفُ أوْ كانَ فِيهِ قِطافٌ فلَمَّا رَجَع قَالَ وجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرَاً فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يقطف أَو كَانَ فِيهِ قطاف) وَعبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد بن نصر أَصله بَصرِي سكن بَغْدَاد، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة. قَوْله: (يقطف) ، بِكَسْر الطَّاء وَبِضَمِّهَا. قَوْله: (أَو كَانَ فِيهِ قطاف) ، شكّ من الرَّاوِي، والقطاف بِالْكَسْرِ مصدر، وَقد مر الْآن. قَوْله: (لَا يجارى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: لَا يُطيق فرس الجري مَعَه. وَفِيه: معْجزَة للنَّبِي ﷺ لكَونه ركب بطيئاً فَصَارَ بعد ذَلِك لَا يجارى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب اسْم الْفرس وَالْحمار. ٦٥ - (بابُ السَّبْقِ بَيْنَ الخَيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة السَّبق بَين الْخَيل، والسبق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: مصدر من سبق يسْبق من بَاب ضرب يضْرب، وبالتحريك: الرَّهْن الَّذِي يوضع لذَلِك. ٨٦٨٢ - حدَّثنا قَبِيصَةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنْ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أجْرَى النَّبيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْياءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ وأجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَني زُرَيْقٍ قَالَ ابنُ عُمَرَ وكُنْتُ فِيمَنْ أجْرَى.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أجْرى) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، لِأَن الإجراء فِيهِ معنى السَّبق، وَقبيصَة، بِفَتْح الْقَاف: ابْن عقبَة، قد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب هَل يُقَال مَسْجِد بني فلَان؟ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَالَ عَبْدُ الله حَدثنَا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله قَالَ سُفْيَانُ بَيْنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أمْيَالٍ أوْ سِتَّةٌ وبَيْنَ ثَنيَّةٍ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ عبد الله هُوَ ابْن الْوَلِيد الْعَدنِي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمَا وَقع فِي بَعْضهَا بدل عبد الله: أَبُو عبد الله، فَهُوَ سَهْو، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا بَيَان تَصْرِيح الثَّوْريّ عَن شَيْخه بِالتَّحْدِيثِ، بِخِلَاف الرِّوَايَة الأولى، فَإِنَّهَا بالعنعنة. . قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ٧٥ - (بابُ إضْمَارِ الخَيْلِ لِلسَّبْقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِضْمَار الْخَيل لأجل السَّبق، هَل هُوَ شَرط أم لَا؟ الْإِضْمَار والتضمير أَن يظاهر على الْخَيل بالعلف حَتَّى يسمن، ثمَّ لَا تعلف إلَاّ قوتاً لتخف. وَقيل: يشد عَلَيْهَا سُرُوجهَا وتجلل بالإجلة حَتَّى تعرق تحتهَا فَيذْهب رهلها، ويشتد لَحمهَا، وَيُقَال: تضمير الْخَيل أَن تدخل فِي بَيت وَينْقص من علفه ويجلل حَتَّى يكثر عرقه فينقص لَحْمه فَيكون أقوى لجريه، وَقيل: ينقص علفه ويجلل بجل مبلول. ٩٦٨٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ عنْ عبدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ سابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ التِي لَمْ تُضَمَّرْ وكانَ أمْدُهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وأنَّ عبْدَ الله بنَ عُمَرَ كانَ سابَقَ بِهَا.. هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي عَن اللَّيْث بن سعد، ومطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ ترْجم بإضمار الْخَيل، وَذكر الْخَيل الَّتِي لم تضمر، وَلَكِن قيل: الْمُسَابقَة بالمضمرة لم تنكر عَادَة، وَأما غير المضمرة فقد تنكر، ويعتقد

стр. 4178

أَنه لَا يجوز لما فِيهِ من مشقة سوقها، والخطر فِيهِ، فَبين بِالْحَدِيثِ جَوَازه وَإِن الْإِضْمَار لَيْسَ بِشَرْط فِي الْمُسَابقَة، وَوجه آخر وَهُوَ أَنه: أَرَادَ حَدِيث ابْن عمر بِطُولِهِ، وَفِيه السَّبق بالنوعين، فَذكر طرفا مِنْهُ للْعلم بباقيه، وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا ترْجم لطريق اللَّيْث بالإضمار وَأوردهُ بِلَفْظ: سَابق بَين الْخَيل الَّتِي لم تضمر، ليشير بذلك إِلَى تَمام الحَدِيث. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي المغاز عَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْخَيل عَن قُتَيْبَة بِهِ. قَوْله: (أمدها) الأمد: الْغَايَة الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا من مَوضِع أَو وَقت. قَالَ أَبُو عبدِ الله أمَدَاً غايَةً فَطالَ علَيْهِمُ الأمَدُ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَوَقع هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَالَّذِي ذكره هُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي (الْمجَاز) . ٨٥ - (بابُ غايَةِ السَّبْقِ لِلْخَيْلِ المُضَمَّرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَايَة السَّبق، وَفِي بعض النّسخ: غَايَة السباق. ٠٧٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعاوِيَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو إسْحَاقَ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ سابَقَ رسولُ الله ﷺ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي قَدْ أضْمَرَتْ فأرْسَلَهَا مِنَ الحَفْيَاءِ وكانَ أمَدُها ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ فَقُلْتُ لِمُوسَى فَكَمْ كانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ سِتَّةُ أمْيَالٍ أوْ سَبْعَةٌ وسابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ التِي لَم تُضَمَّرْ فأرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ وكانَ أمَدُهَا مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ قُلْتُ فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِيلٌ أوْ نَحْوُهُ وكانَ ابنُ عُمَرَ مِمَّنْ سابَقَ فِيها.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عمر عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو الْأَزْدِيّ عَن أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْفَزارِيّ عَن مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج. قَوْله: (فَقلت لمُوسَى) ، الْقَائِل هُوَ أَبُو إِسْحَاق. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الْمُسَابقَة وَأَنه لَيْسَ من الْعَبَث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إِلَى تَحْصِيل الْمَقَاصِد فِي الْغَزْو وَالِانْتِفَاع بهَا عِنْد الْحَاجة، وَهِي دَائِرَة بَين الِاسْتِحْبَاب وَالْإِبَاحَة بِحَسب الْبَاعِث على ذَلِك، وَجعلهَا بَعضهم سنة، وَبَعْضهمْ إِبَاحَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا خلاف فِي جَوَاز الْمُسَابقَة على الْخَيل وَغَيرهَا من الدَّوَابّ وعَلى الْأَقْدَام، وَكَذَا الترامي بِالسِّهَامِ وَاسْتِعْمَال الأسلحة، لما فِي ذَلِك من التدريب على الْحَرْب. انْتهى. وَقد خرج هَذَا من بَاب الْقمَار بالسنَّة، وَكَذَلِكَ هُوَ خَارج من تَعْذِيب الْبَهَائِم، لِأَن الْحَاجة إِلَيْهَا تَدْعُو إِلَى تأديبها وتدريبها. وَفِيه: تجويع الْبَهَائِم على وَجه الصّلاح عِنْد الْحَاجة إِلَى ذَلِك. وَفِيه: رياضة الْخَيل الْمعدة للْجِهَاد. وَفِيه: أَن الْمُسَابقَة بَين الْخَيل يجب أَن يكون أمدها مَعْلُوما وَأَن تكون الْخَيل مُتَسَاوِيَة الْأَحْوَال أَو مُتَقَارِبَة، وَأَن لَا يسابق الْمُضمر مَعَ غَيره، وَهَذَا إِجْمَاع من الْعلمَاء، لِأَن صَبر الْفرس الْمُضمر المجوع فِي الجري أَكثر من صَبر المعلوف، فَلذَلِك جعلت غَايَة المضمرة سِتَّة أَمْيَال أَو سَبْعَة، وَجعلت غَايَة المعلوفة ميلًا وَاحِدًا. وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: نِسْبَة الْفِعْل إِلَى الْآمِر بِهِ، لِأَن قَوْله: (سَابق) أَي: أَمر وأباح. قلت: لَيْت شعري مَا وَجه هَذِه النِّسْبَة، وَقد صرح ابْن عمر بِأَنَّهُ ﷺ سَابق وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة إِسْنَاد السباق إِلَى نَفسه، وَلَا معنى للعدول عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز من غير دَاع ضَرُورِيّ، وَقد صرح أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة عبد الله بن عمر المكبر عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ ، سَابق بَين الْخَيل، وراهن. انْتهى. وَلم يتَعَرَّض هُنَا للمراهنة، وَقد قَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب الْمُرَاهنَة على الْخَيل، وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَحْمد. وَقد أجمع الْعلمَاء على جَوَاز الْمُسَابقَة بِلَا عوض، لَكِن قصرهَا مَالك وَالشَّافِعِيّ على الْخُف والحافر والنصل، وَخَصه بعض الْعلمَاء بِالْخَيْلِ، وَأَجَازَهُ عَطاء فِي كل شَيْء.

стр. 4179

وَأما الْمُسَابقَة بعوض فَإِن كَانَ المَال شرطا من جَانب وَاحِد بِأَن يَقُول أَحدهمَا لصَاحبه: إِن سبقتني فلك كَذَا وَإِن سبقتك فَلَا شَيْء لي، فَهُوَ جَائِز. وَحكي عَن مَالك أَنه: لَا يجوز، لِأَنَّهُ قمار، وَلَو شَرط المَال من الْجَانِبَيْنِ حرم بِالْإِجْمَاع إلَاّ إِذا أدخلا ثَالِثا بَينهمَا. وَقَالا للثَّالِث: إِن سبقتنا فالمالان لَك، وَإِن سبقناك فَلَا شَيْء لَك، وَهُوَ فِيمَا بَينهمَا أَيهمَا سبق أخذا لجعل عَن صَاحبه، وَسَأَلَ أَشهب مَالِكًا عَن الْمُحَلّل، قَالَ: لَا أحبه، وَلنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه، ﷺ ، قَالَ: (من أَدخل فرسه بَين فرسين وَهُوَ لَا يَأْمَن إِن سبق فَلَيْسَ قماراً، وَإِن أَمن إِن يسْبق فَهُوَ قمار) . فَلهَذَا يشْتَرط أَن يكون فرس الْمُحَلّل أَو بعيره مكافياً بفرسيهما، أَو بعيريهما، وَإِن لم يكن مكافئاً كَانَ أَحدهمَا بطيئاً فَهُوَ قمار، وَقَالَ مُحَمَّد: إِدْخَال الثَّالِث إِنَّمَا يكون حِيلَة إِذا توهم سبقه، كَذَا فِي (التَّتِمَّة) : وَيشْتَرط فِي الْمُسَابقَة فِي الْحَيَوَان تَحْدِيد الْمسَافَة، وَكَذَا فِي المناضلة بِالرَّمْي. والمسابقة بالأقدام تجوز إِذا كَانَ المَال مَشْرُوطًا من جَانب وَاحِد، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي قَول، وَقَالَ فِي الْمَنْصُوص: لَا يجوز، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد. وَلَا تجوز الْمُسَابقَة فِي البغال وَالْحمير، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي قَول، وَمَالك وَأحمد: إِذا كَانَ بِجعْل، وَعَن الشَّافِعِي، فِي قَول: تجوز. ٩٥ - (بابُ ناقَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر نَاقَة النَّبِي، ﷺ ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب نَاقَة النَّبِي ﷺ ، الْقَصْوَاء والعضباء. قَالَ ابنُ عُمَرَ أرْدَفَ النبِيُّ ﷺ اسامَةَ علَى القَصْوَاءِ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي كتاب (الأرداف) من طَرِيق عَاصِم بن عبيد الله عَن سَالم عَن أَبِيه، فَذكره من غير ذكر الْقَصْوَاء وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطت القصوى، بِضَم الْقَاف وَالْقصر، وَهِي عِنْد أهل اللُّغَة بِالْفَتْح وَالْمدّ، وَقَالَ ابْن قرقول: هِيَ المقطوعة ربع الْأذن، وَالْقصر خطأ، وَهِي الَّتِي هَاجر النَّبِي ﷺ ، عَلَيْهَا. وَيُقَال لَهَا: العضباء، ابتاعها أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من نعم بني الْحَرِيش والجدعاء، وَكَانَت شهباء، وَكَانَ لَا يحملهُ إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي غَيرهَا، وَتسَمى أَيْضا: الْحِنَّاء والسمراء والعريس والسعدية والبغوم واليسيرة والرياء وبردة والمروة والجعدة ومهرة والشقراء. وَفِي (الْمُحكم) : القصاء، حذف فِي طرف أذن النَّاقة وَالشَّاة، وَهُوَ أَن يقطع مِنْهَا شَيْء قَلِيل، وَقد قصاها قصواً، وقصاها، وناقة قصواء ومقصوة، وجمل مقصو وأقصى، وَأنكر بَعضهم: أقْصَى. وَقَالَ اللحياني: بعير أقْصَى ومقصى ومقصو، وناقة قصواء ومقصاة ومقصوة: مَقْطُوعَة طرف الْأذن، والقصية من الْإِبِل: الْكَرِيمَة الَّتِي لَا تجهد فِي حل وَلَا حمل، وَقيل: القصية من الْإِبِل رذالتها. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: كَانَت نَاقَة النَّبِي ﷺ ، لم تكن مَقْطُوعَة الْأذن، وَجزم ابْن بطال: بِأَن الْقَصْوَاء من النوق الَّتِي فِي أذنها حذف، يُقَال مِنْهُ: نَاقَة قصواء وبعير مقصي، قَالَ أَبُو عبيد: العضباء مشقوقة الْأذن. وَقَالَ ابْن فَارس: العضباء لقب لَهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأما نَاقَة رَسُول الله، ﷺ ، الَّتِي كَانَت تسمى العضباء، إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لقباً لَهَا وَلم تكن أذنها مشقوقة. وَقَالَ صَاحب (الْعين) نَاقَة عضباء مشقوقة الْأذن، وشَاة عضباء مَكْسُورَة الْقرن، والعضب: الْقطع، وَقد عضبه يعضبه: إِذا قطع. وَقَالَ المِسْوَرُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا خَلأتِ القَصْوَاءُ الْمسور، بِكَسْر الْمِيم: ابْن مخرمَة بن نَوْفَل، لَهُ ولأبيه صُحْبَة، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره البُخَارِيّ مُسْندًا فِي كتاب الشُّرُوط فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد مطولا. قَوْله: (مَا خلأت) أَي: مَا وقفت وبركت. ١٧٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعاوِيَةُ قَالَ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَساً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ كانَتْ ناقَةُ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَها العَضْباءُ.

стр. 4180

الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ذكر النَّاقة يَشْمَل العضباء وَغَيرهَا، وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمُعَاوِيَة هُوَ ابْن عَمْرو الْأَزْدِيّ وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ، وَقد مضى رجال إِسْنَاده كلهم عَن قريب. ٢٧٨٢ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ناقَةٌ تُسَمَّى العَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ قَالَ حُمَيْدٌ أوْ لَا تَكاد تُسْبَقُ فَجاءَ أعْرَابي عَلى قَعُودٍ فسَبَقَها فَشَقَّ ذَلِكَ علَى الْمُسْلِمِيمنَ حتَّى عرَفَهُ فَقالَ حَق علَى الله أَن لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إلَاّ ووَضَعَهُ طَوَّلَهُ مُوسَى عنْ حَمَّادٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ عنُ النَّبِيِّ ﷺ .. مطابقته للتَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث الأول، وَمَالك بن إِسْمَاعِيل بن زيدا النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن مُوسَى بن دَاوُد عَن زُهَيْر بِهِ. قَوْله: (أَو لَا تكَاد) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (على قعُود) ، بِفَتْح الْقَاف. وَهُوَ مَا اسْتحق الرّكُوب من الْإِبِل، وَيُقَال: الْقعُود من الْإِبِل، مَا يعده الْإِنْسَان للرُّكُوب وَالْحمل، وَقَالَ الْأَزْهَرِي عَن اللَّيْث: الْقعُود والقعودة من الْإِبِل خَاصَّة، وَلم أسمع قعوده بِالْهَاءِ لغير اللَّيْث، وَلَا يكون إلَاّ للذّكر، وَلَا يُقَال للْأُنْثَى: قعودة، قَالَ: وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ أَنه قَرَأَ بِخَط أبي الْهَيْثَم: ذكر الْكسَائي أَنه سمع من يَقُول: قعودة، للقلوص وللذكر قعُود، وَجمع الْقعُود قعدان، والقعادين جمع الْجمع. وَفِي (الْمُحكم) : الْقعدَة والقعودة وَالْقعُود من الْإِبِل مَا اتَّخذهُ الرَّاعِي للرُّكُوب. وَالْجمع: أقعدة وَقعد وقعائد. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ الْبكر حَتَّى يركب، وَأَقل ذَلِك إِن يكون ابْن سنتَيْن إِلَى أَن يدْخل فِي السَّادِسَة فيسمى جملا. قَوْله: (حَتَّى عرفه) ، أَي: حَتَّى عرفه رَسُول الله، ﷺ كَونه شاقاً عَلَيْهِم، وَيُقَال: عرف أثر الْمَشَقَّة، وَسَيَجِيءُ فِي الرقَاق، فَلَمَّا رأى مَا فِي وُجُوههم، وَقَالُوا: سبقت العضباء ... الحَدِيث. قَوْله: (أَن لَا يرْتَفع شَيْء من الدُّنْيَا) ، وَفِي رِوَايَة مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل: أَن لَا يرفع شَيْئا، وَكَذَلِكَ فِي الرقَاق، على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن النُّفَيْلِي عَن زُهَيْر، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة عَن حميد: أَن لَا يرفع شَيْء نَفسه فِي الدُّنْيَا. قَوْله: (طوله مُوسَى) ، أَي: رَوَاهُ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي مطولا عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده هُنَا. وَفِيه: إتخاذ الْإِبِل للرُّكُوب والمسابقة عَلَيْهَا. وَفِيه: التزهيد فِي الدُّنْيَا للْإِشَارَة إِلَى أَن كل شَيْء مِنْهَا لَا يرْتَفع إلَاّ يتضع. وَفِيه: الْحَث على التَّوَاضُع. وَفِيه: حسن خلق النَّبِي ﷺ وتواضعه وعظمته فِي صُدُور أَصْحَابه. ٠٦ - (بَاب الْغَزْوِ عَلى الْحمِيرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْغَزْو على الْحمير، وَهُوَ جمع حمَار، وَيجمع على أَحْمَر أَيْضا، وَيجمع الْحمر على حمرات جمع صِحَة، وَجَاء على أحمرة أَيْضا، والأتان: حمارة. وَهَذَا الْبَاب وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده بِلَا حَدِيث، فَكَأَنَّهُ وضع التَّرْجَمَة وأخلى بَيَاضًا للْحَدِيث، فاستمر على ذَلِك، وَضم النَّسَفِيّ هَذِه التَّرْجَمَة للتَّرْجَمَة الَّتِي تَلِيهَا، فَقَالَ: بَاب الْغَزْو على الْحمير وَبغلة النَّبِي ﷺ الْبَيْضَاء، وَلم يتَعَرَّض إِلَى وَجهه أحد من الشُّرَّاح، وَلَيْسَ لَهُ وَجه أصلا على مَا لَا يخفى. ١٦ - (بابُ بَغْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ البَيْضَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر بغلة النَّبِي ﷺ الْبَيْضَاء. قالَهُ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَي: قَالَ ذَلِك أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسَيَأْتِي هَذَا مَوْصُولا فِي غَزْوَة حنين، أخرجه مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا معَاذ حَدثنَا ابْن عون عَن هِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك، قَالَ: لما كَانَ يَوْم حنين أَقبلت هوَازن ... الحَدِيث، وَفِيه قَالُوا: لبيْك يَا رَسُول الله نَحن مَعَك، وَهُوَ على بغلة بَيْضَاء ... الحَدِيث.

стр. 4181

وقَالَ أبُو حُمَيْدٍ أهْدَى مَلِكُ أيْلَةَ لِلْنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ أَبُو حميد، بِضَم الْحَاء: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن سعد بن الْمُنْذر السَّاعِدِيّ الصَّحَابِيّ، مَاتَ فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة. وأيلة، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام وَفِي آخِره هَاء، إخر الْحجاز وَأول الشَّام، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة خمس عشرَة مرحلة. وَقَالَ أَبُو عبيد: الأيلة، على وزن: فعلة، مَدِينَة على شاطيء الْبَحْر فِي منصف مَا بَين مصر وَمَكَّة، وَاسم ملكهَا الَّذِي أهْدى البغلة للنَّبِي ﷺ (يوحنا بن روبة) ، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان عِنْد مُسلم: وَجَاء اسْم رَسُول بن الْعلمَاء صَاحب إيلة إِلَى رَسُول الله، ﷺ بِكِتَاب، وَأهْدى لَهُ بغلة بَيْضَاء. قلت: الظَّاهِر أَن عُلَمَاء اسْم أم يوحنا، وَاسم البغلة: دُلْدُل، وَالصَّحِيح أَن دُلْدُل أهداها لَهُ الْمُقَوْقس، وَقَالَ مُسلم: كَانَت البغلة الَّتِي أهداها صَاحب أَيْلَة بَيْضَاء، وَيُقَال لَهَا: إيلية، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ٣٧٨٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثني أَبُو إسحاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ الحَارِثِ قَالَ مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إلَاّ بَغْلَتَهُ البَيْضاءَ وسلاحَهُ وأرْضَاً تَرَكَها صَدَقَةً.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر بن كثير أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَعَمْرو بن الْحَارِث بن أبي ضرار المصطلقي الْخُزَاعِيّ أَخُو جوَيْرِية بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ . والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَمْرو بن الْعَبَّاس وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الْوَصَايَا عَن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث وَفِي الْخمس عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الأحباس عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْوَصَايَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي قَوْله: (وأرضاً) : نصف أَرض فدك، وَثلث أَرض وَادي الْقرى، وسهمه من خَيْبَر، وَحقه من بني النَّضِير، وَالضَّمِير فِي: تَركهَا، رَاجع إِلَى كل الثُّلُث لَا إِلَى الأَرْض فَقَط. قَالَ: نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة. ٤٧٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ سِفْيانَ قَالَ حدَّثني أَبُو إِسْحَاق عنِ الْبَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أبَا عُمارَةَ ولَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَا وَالله مَا وَلَّى النَّبيُّ ﷺ ولَكِنْ ولَّى سَرَعَانُ النَّاسِ فلَقِيَهُمْ هَوَازِنْ بالنَّبْلِ والنَّبِيُّ ﷺ علَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ وأبُو سُفْيانَ بنُ الحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (أنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... إِنَّا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والنَّبي، ﷺ ، على بغلته الْبَيْضَاء) والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب من قاد دَابَّة فِي الْحَرْب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (يَا أَبَا عمَارَة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: كنية الْبَراء. قَوْله: (وليتم) ، أَي: أدبرتم. قَوْله: (سرعَان النَّاس) ، قَالَ ابْن التِّين: ضبط بِكَسْر السِّين وَضمّهَا، وَيجوز فِيهِ فتح السِّين مَعَ فتح الرَّاء وسكونها، وهم أَوَائِل النَّاس، وَفِي (التَّوْضِيح) : وهم الَّذين واجهوا الْعَدو فَلَمَّا ولَّى أُولَئِكَ ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض والسبل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: سرعَان، جمع: سريع. قَوْله: (بِالنَّبلِ) ذكر فِي (مُخْتَصر كتاب الْعين) : أَن النبل لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَإِنَّمَا وَاحِدهَا: سهم، وَقيل: النبل: السِّهَام الْعَرَبيَّة. ٢٦ - (بابُ جِهَادِ النِّساءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جِهَاد النِّسَاء.

стр. 4182

٥٧٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ إسْحَاقَ عنْ عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عنْ عائِشَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ اسْتَأذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الجِهَادِ فَقَالَ جِهادُكُنَّ الحَجُّ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، بَين أَن جِهَاد النِّسَاء الْحَج، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَمُعَاوِيَة ابْن إِسْحَاق بن طَلْحَة بن عبيد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ، سمع عمته عَائِشَة بنت طَلْحَة، وَقد تقدم فِي أول الْجِهَاد عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُول الله، نرى الْجِهَاد أفضل الْعَمَل أَفلا نجاهد؟ قَالَ: (لَكِن أفضل الْجِهَاد حج مبرور) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ الوَلِيدِ: قَالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُعاوِيَةَ بِهَذَا عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمُعَاوِيَة هُوَ ابْن إِسْحَاق بن طَلْحَة الْمَذْكُور آنِفا، وَهَذَا التَّعْلِيق مَوْصُول فِي (جَامع) سُفْيَان. ٦٧٨٢ - حدَّثنا قَبِيصَةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا. هَذَا إِسْنَاد آخر عَن سُفْيَان عَن مُعَاوِيَة بِهَذَا الحَدِيث وعنْ حَبِيبِ ابنِ أبِي عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عنْ عائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِنينَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ سألَهُ نِساؤُهُ عنِ الجِهَادِ فَقَالَ نِعْمَ الجِهَادُ الحَجُّ. . رِوَايَة حبيب بن أبي عمْرَة هَذِه مَوْصُولَة من رِوَايَة قبيصَة الْمَذْكُورَة، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا دَال على أَن النِّسَاء لَا جِهَاد عَلَيْهِنَّ، وأنهن غير داخلات فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ (التَّوْبَة: ١٤) . وَهُوَ إِجْمَاع، وَلَيْسَ فِي قَوْله: (جهادكن الْحَج) أَنه لَيْسَ لَهُنَّ أَن يتطوعن بِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنه الْأَفْضَل لَهُنَّ، وَسَببه أَنَّهُنَّ لسن من أهل الْقِتَال لِلْعَدو، وَلَا قدرَة لَهُنَّ عَلَيْهِ وَلَا قيام بِهِ، وَلَيْسَ للْمَرْأَة أفضل من الاستتار وَترك مُبَاشرَة الرِّجَال بِغَيْر قتال، فَكيف فِي حَال الْقِتَال الَّتِي هِيَ أصعب؟ وَالْحج يمكنهن فِيهِ بمجانبة الرِّجَال، والاستتار عَنْهُن، فَلذَلِك كَانَ أفضل لَهُنَّ من الْجِهَاد. ٣٦ - (بابُ غَزْوِ المَرْأةِ فِي البَحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْو الْمَرْأَة فِي الْبَحْر. ٨٧٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعاوِيَةُ بنُ عُمَرٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ الأنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أنَساً رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ دَخَلَ رسولُ الله ﷺ علَى ابْنَةِ مِلْحَانَ فاتَّكأ عِنْدَهَا ثُمَّ ضَحِكَ فَقالَتْ لِمَ تَضْحَكُ يَا رسولَ الله ﷺ فَقَالَ ناسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ البَحْرَ الأخْضَرَ فِي سَبِيلِ الله مَثَلُهُمْ مَثَلُ الْمُلُوكِ علَى الأسِرَّةِ فقالَتْ يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ ثُمَّ عادَ فَضَحِكَ فقَالَتْ لَهُ مِثْلَ أوْ مِمَّ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فقالَتِ ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ أنْتِ مِنَ الأوَّلِينَ ولَسْتِ مِنَ الآخَرِينَ قَالَ قَالَ أنَسٌ فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ فَرَكِبَتِ البَحْرَ مَعَ بِنْتِ قَرَظَةَ فَلَمَّا قَفَلَتْ رَكِبَتْ دَابَّتَهَا فَوَقَصَتْ بِهَا فَسَقَطَتْ عَنْهَا فَماتَتْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو الْأَزْدِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد

стр. 4183

ابْن الْحَارِث الْفَزارِيّ، وَقد تقدم الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب من يصرع فِي سَبِيل الله. وَفِي (التَّوْضِيح) : سقط فِي البُخَارِيّ هُنَا بَين أبي إِسْحَاق وَعبد الله الْأنْصَارِيّ الرَّاوِي عَن أنس زَائِدَة بن قدامَة الثَّقَفِيّ، نبه عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي. وَأجِيب: بِأَن هَذَا تحكم بِلَا دَلِيل، كَيفَ وَقد ثَبت سَماع أبي إِسْحَاق من عبد الله بن عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (ابْنة ملْحَان) هِيَ أم حرَام خَالَة أنس بن مَالك. قَوْله: (قَالَ: قَالَ أنس) أَي: قَالَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن: قَالَ أنس بن مَالك. قَوْله: (فَتزوّجت) ، أَي: ابْنة ملْحَان تزوجت عبَادَة بن الصَّامِت، ظَاهره أَنَّهَا تزوجته بعد هَذِه الْمقَالة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق عَن أنس فِي أول الْجِهَاد لفظ: وَكَانَت أم حرَام تَحت عبَادَة بن الصَّامِت، فَدخل عَلَيْهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَظَاهره هَذَا أَنَّهَا كَانَت حِينَئِذٍ زَوجته، ووفق ابْن التِّين بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يحمل على أَنَّهَا كَانَت، زَوجته ثمَّ طَلقهَا ثمَّ رَاجعهَا بعد ذَلِك، وَقيل: يحمل قَوْله فِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق: وَكَانَت تَحت عبَادَة، جملَة مُعْتَرضَة أَرَادَ الرَّاوِي وصفهَا بِهِ غير مُقَيّد بِحَال من الْأَحْوَال وَفِيه تَأمل. قَوْله: (فركبت الْبَحْر مَعَ بنت قرظة) ، بِالْقَافِ وَالرَّاء والظاء الْمُعْجَمَة المفتوحات، وَاسْمهَا: فَاخِتَة، بِالْفَاءِ وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: كنُود، امْرَأَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، كَانَ مُعَاوِيَة أَخذهَا مَعَه لما غزا قبرس فِي الْبَحْر سنة ثَمَان وَعشْرين، وَكَانَ مُعَاوِيَة أول من ركب الْبَحْر للغزاة فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وقرظة بن عبد عَمْرو بن نَوْفَل بن عبد منَاف، صرح بذلك خَليفَة بن خياط فِي (تَارِيخه) وَغَيره، وَقد وهم من قَالَ: إِنَّهَا بنت قرظة بن كَعْب الْأنْصَارِيّ، وَذكر البلاذري فِي (تَارِيخه) : أَن قرظة بن عبد عَمْرو مَاتَ كَافِرًا ولبنتها رُؤْيَة، وَكَذَا لأَخِيهَا مُسلم بن قرظة الَّذِي قتل يَوْم الْجمل مَعَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ٤٦ - (بابُ حَمْلِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ فِي الغَزْوِ دُونَ بَعْضِ نِسائِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر حمل الرجل ... إِلَى آخِره، أَرَادَ أَنه لما غزا أَخذ مَعَه من نِسَائِهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ، وَلَكِن بعد الْقرعَة بَينهُنَّ، كَمَا صرح بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب. ٩٧٨٢ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنِ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ قَالَ حدَّثنا يُونُسُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهُرِيَّ قَالَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ وسَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ وعَلْقَمَةَ بنَ وَقَّاصٍ وعُبَيْدُ الله بنَ عَبْدِ الله عنْ حَدِيثِ عائِشَةَ كُلٌّ حَدَّثَنِي طائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ قالَتْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ أقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فأيَّتُهُنَّ يَخْرُجُ سَهْمُها خَرَجَ بِها النَّبِيُّ ﷺ فأقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَما أُنْزِلَ الحِجَابُ.. قيل: لَا مُطَابقَة بَين هَذِه التَّرْجَمَة والْحَدِيث، لِأَن هَذِه التَّرْجَمَة لَا تصح، إِلَّا بِذكر الْقرعَة فِيهَا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لوُجُود الْمُطَابقَة لِأَن الحَدِيث يَشْمَل التَّرْجَمَة غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه مَا ذكر الْقرعَة اكْتِفَاء بِمَا فِيهِ من ذكرهَا، وَلَا يلْزم أَن يذكر فِي التَّرْجَمَة جَمِيع مَا فِي الحَدِيث، وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث الْإِفْك، وَقد مر بِتَمَامِهِ فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب تَعْدِيل النِّسَاء بَعضهنَّ بَعْضًا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ٥٦ - (بابُ غَزْوِ النِّساءِ وقِتَالِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْو النِّسَاء، يَعْنِي: خروجهن إِلَى الْغُزَاة مَعَ الرِّجَال. ٠٨٨٢ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا عبدُ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ولَقَدْ رَأيْتُ عائِشَةَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ وأُمَّ سُلَيْمٍ وإنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أرَى خَدَمَ سُوقِهما تَنْقُزَانِ القِرَبَ وَقَالَ غَيْرُهُ تَنْقُلانِ

стр. 4184

القِرَبَ علَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أفْوَاهِ القَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِها ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتفْرِغَانِهَا فِي أفْوَاهِ القَوْمِ.. قيل: بوب البُخَارِيّ على غزوهن وقتالهن، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَنَّهُنَّ قاتلن، فَأَما أَن يُرِيد إِن إعانتهن للغزاة غَزْو، وَإِمَّا أَن يُرِيد أَنَّهُنَّ مَا ثبتن للمداواة ولسقي الْجَرْحى إلَاّ وَهن يدافعن عَن أَنْفسهنَّ. وَهُوَ الْغَالِب، فأضاف إلَيْهِنَّ الْقِتَال لذَلِك. قلت: كلا الْوَجْهَيْنِ جيد. وَيُؤَيّد الْوَجْه الأول مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من حَدِيث حشرج بن زِيَاد عَن جدته أم أَبِيه: أَنَّهَا خرجت مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي غَزْوَة خَيْبَر ... الحَدِيث، وَفِيه: فخرجن نعزل الشّعْر ونعين فِي سَبِيل الله، ومعنا دَوَاء الْجرْح وَتَنَاول السِّهَام ونسقي السويق، فَقَالَ لَهُنَّ خيرا حَتَّى إِذا فتح الله خَيْبَر أسْهم لنا كَمَا أسْهم للرِّجَال ... الحَدِيث، فَهَذَا فِيهِ: نناول السِّهَام، يَعْنِي للغزاة، والمناول للغازي أجره مثل أجر الْغَازِي، كَمَا للمناول السهْم للرامي فِي غير الْغُزَاة، وَأجر المناول فِي الْغُزَاة بطرِيق الأولى. وَيُؤَيّد الْوَجْه الثَّانِي مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أنس: أَن أم سليم اتَّخذت خنجراً يَوْم حنين، فَقَالَت: اتخذته إِن دنى مني أحد من الْمُشْركين بقرت بَطْنه، فَهَذِهِ أم سليم اتَّخذت عدَّة لقتل الْمُشْركين وعزمت على ذَلِك، فَصَارَ حكمهَا حكم الرِّجَال المقاتلين، وَذكر بَعضهم حَدِيث أبي دَاوُد الْمَذْكُور وَغَيره مثله، ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من ذَلِك التَّصْرِيح بأنهن قاتلن. انْتهى. قلت: التَّلْوِيح يُغني عَن التَّصْرِيح فَيحصل بِهِ الْمُطَابقَة على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: يحْتَمل أَن يكون غَرَض البُخَارِيّ بالترجمة أَن يبين أَنَّهُنَّ لَا يقاتلن وَإِن خرجن فِي الْغَزْو فالتقدير بقوله: وقتالهن مَعَ الرِّجَال، أَي: هَل هُوَ سَائِغ أَو إِذا خرجن مَعَ الرِّجَال فِي الْغَزْو ويقتصرن على مَا ذكر من مداواة الْجَرْحى وَنَحْو ذَلِك. انْتهى. قلت: لم يكن غَرَض البُخَارِيّ هَذَا الِاحْتِمَال الْبعيد أصلا وَلَا هَذَا التَّقْدِير الَّذِي قدره، لِأَنَّهُ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب، فَكيف يَقُول: هَل هُوَ سَائِغ؟ بل هُوَ وَاجِب عَلَيْهَا الدّفع إِذا دنى مِنْهَا الْعَدو، وكما فِي حَدِيث أم سليم فَافْهَم. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: اسْمه عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب أَبُو حَمْزَة. الرَّابِع: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل أبي طَلْحَة وَفِي الْمَغَازِي. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن أبي معمر بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَأم سليم) ، هِيَ أم أنس بن مَالك. قَوْله: (المشمرتان) ، من التشمير، يُقَال: شمر إزَاره إِذا رَفعه، وشمر عَن سَاقه وشمر فِي أمره أَي: خفف، وشمر لِلْأَمْرِ، أَي: تهَيَّأ لَهُ. قَوْله: (خدم سوقهما) ، الخدم بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة: الخلاخيل، الْوَاحِد: خدمَة، وَقَالَ ابْن قرقول: وَقد سمي موضعهَا من السَّاقَيْن خدمَة، وَجمعه: خدام، بِالْكَسْرِ وَيُقَال: سمي الخلخال خدمَة لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ من سيور مركب فِيهِ الذَّهَب وَالْفِضَّة، والخدمة فِي الأَصْل: السّير، والمخدم مَوضِع الخلخال من السَّاق، وَيُقَال: أَصله أَن الْخدمَة سير عَلَيْهَا مثل الْحلقَة تشد فِي رسغ الْبَعِير ثمَّ تشد إِلَيْهَا شرايح نَعله، فَسُمي الخلخال: خدمَة لذَلِك، وَقيل: الْخدمَة مخرج الرِجل من السَّرَاوِيل، والسوق، بِالضَّمِّ جمع: سَاق. قَوْله: (تنقزان) ، من النقز، بالنُّون وَالْقَاف وَالزَّاي، وَهُوَ الوثب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ: بسرعان الْمَشْي كالهرولة. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ الْوُثُوب، وَنَحْوه فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه: كَانَ يُصَلِّي الظّهْر وَالْخَلَائِق تنقز من الرمضاء، أَي: تثب، يُقَال: نقز ينقز من بَاب نصر ينصر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: نقز الظبي فِي عدوه ينقز نقزاً ونقزاناً أَي: وثب، والتنقيز التثويب، وَقَالَ الْخطابِيّ: أَحسب الرِّوَايَة: تزفران، بدل: تنقزان، والزفر حمل الْقرب الثقال. قلت: مادته زَاي وَفَاء وَرَاء، قَالَ الْجَوْهَرِي: الزفر، مصدر قَوْلك: زفر الْحمل يزفره زفراً أَي: حمله، وأزفره أَيْضا، والزفر بِالْكَسْرِ الْجمل، وَالْجمع أزفار، والزفر أَيْضا الْقرْبَة، وَمِنْه قيل للإماء اللواتي يحملن الْقرب: زوافر، وَقيل: الزفر الْبَحْر الْفَيَّاض، فعلى هَذَا كَانَت تملأ الْقرب حَتَّى تفيض. قَوْله: (الْقرب) ، بِكَسْر الْقَاف: جمع قربَة، وَفِي (التَّلْوِيح) ضبط الشُّيُوخ الْقرب، بِنصب الْبَاء

стр. 4185

وَهُوَ مُشكل، لِأَن تنقزان لَازم وَوَجهه أَن يكون النصب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: تنقزان بِالْقربِ، وَأما على رِوَايَة: تزفران وتنقلان، فَلَا إِشْكَال على مَا لَا يخفى. قيل: كَانَ بعض الشُّيُوخ يرفع الْقرب على الِابْتِدَاء، وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: الْقرب على متونها، فَتكون الْجُمْلَة الإسمية فِي مَوضِع الْحَال بِلَا وَاو، وَقيل: وجد فِي بعض الْأُصُول: تنقزان، بِضَم التَّاء، فعلى هَذَا يَسْتَقِيم نصب الْقرب، أَي: تحركان الْقرب بِشدَّة عدوهما، فَكَانَت الْقرب ترْتَفع وتنخفض مثل الوثب على ظهورهما. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ غير أبي معمر عَن عبد الْوَارِث: تنقلان الْقرب من النَّقْل، بِاللَّامِ دون الزَّاي، وَهِي رِوَايَة جَعْفَر بن مهْرَان عَن عبد الْوَارِث أخرجهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (ثمَّ تفرغانه) ، من الإفراغ، بالغين الْمُعْجَمَة، يُقَال: فرغ المَاء بِالْكَسْرِ يفرغ فراغاً مثل سمع سَمَاعا، أَي: صب، وأفرغته أَنا أَي: صببته. فَإِن قلت: مَا وَجه قَوْله: أرى خدم سوقهما. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: الرُّؤْيَة للخدم لم يكن فِيهَا نهي، لِأَن يَوْم أحد كَانَ قبل أَمر النِّسَاء بالحجاب، أَو لِأَنَّهُ لم يقْصد النّظر إِلَى بعض السَّاق، فَهُوَ مَحْمُول على أَن تِلْكَ النظرة وَقعت فَجْأَة بِغَيْر قصد إِلَيْهَا، قيل: قد تمسك بِظَاهِرِهِ من يرى أَن تِلْكَ الْمَوَاضِع لَيست بِعَوْرَة من الْمَرْأَة وَلَيْسَ بِصَحِيح. وفوائد: اخْتلف فِي الْمَرْأَة: هَل يُسهم لَهَا؟ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يُسهم للنِّسَاء، لِأَنَّهُ ﷺ أسْهم لَهُنَّ بِخَيْبَر، وَأخذ الْمُسلمُونَ بذلك وَبِه، قَالَ ابْن حبيب، وَقَالَ الثَّوْريّ والكوفيون وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ: لَا يُسهم لَهُنَّ وَلَكِن يرْضخ لَهُنَّ محتجين بقول ابْن عَبَّاس فِي (صَحِيح مُسلم) لنجدة: كن النِّسَاء يجدين من الْغَنِيمَة وَلم يضْرب لَهُم بِسَهْم. وَذكر التِّرْمِذِيّ: أَن بعض أهل الْعلم، قَالَ: يُسهم للذِّمِّيّ، إِذا شهد الْقِتَال مَعَ الْمُسلمين، وروى عَن الزُّهْرِيّ أَن رَسُول الله، ﷺ أسْهم لقوم من الْيَهُود قَاتلُوا مَعَه، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق. وَالْمَجْنُون المطبق لَا يُسهم لَهُ كَالصَّبِيِّ، وَقيل: يُسهم لَهُ، وَالظَّاهِر أَنه لَا يُسهم لَهُ كالمفلوج الْيَابِس. وَاخْتلفُوا فِي الْأَعْمَى والمقعد، وأقطع الْيَدَيْنِ لاختلافهم، هَل يتَمَكَّن لَهُم نوع من أَنْوَاع الْقِتَال كإدارة الرَّأْي إِن كَانُوا من أَهله، وكقتال المقعد رَاكِبًا، وَالْأَعْمَى يناول النبل، وَنَحْو ذَلِك، ويكثرون السوَاد فَمن رأى لمثل ذَلِك أثرا فِي اسْتِحْقَاق الْغَنِيمَة أسْهم لَهُم. وَأما الَّذِي يخرج وَبِه مرض فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّة فِيهِ خلاف: هَل يُسهم لَهُ أم لَا؟ فَإِن مرض بعد الإدراب فَفِيهِ خلاف، الْأَكْثَرُونَ يسهمون لَهُ، وَلم يَخْتَلِفُوا أَن من مرض بعد الْقِتَال يُسهم لَهُ، وَإِن كَانَ مَرضه بعد حوز الْغَنِيمَة. وَاخْتلف فِي التَّاجِر والأجير على ثَلَاثَة أَقْوَال، قيل: يُسهم لَهما إِذا شَهدا الْقِتَال مَعَ النَّاس، قَاتلا أَو لم يقاتلا، وَقيل: لَا يُسهم لَهما مُطلقًا، وَقيل: إِن قَاتلا يُسهم لَهما وإلَاّ فَلَا، وَعَن مَالك: لَا يُسهم للْأَجِير والتاجر إلَاّ أَن يقاتلا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَعَن مَالك: يُسهم لكل حر قَاتل، وَهُوَ قَول أَحْمد، وَقَالَ الْحسن بن حَيّ: يُسهم للْأَجِير، وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن ابْن سِيرِين وَالْحسن فِي التَّاجِر والأجير: يُسهم لَهما إِذا حضرا الْقِتَال قَاتلا أَولا، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق: لَا يُسهم للْعَبد وَلَا للْأَجِير الْمُسْتَأْجر على خدمَة الْقَوْم. ٦٦ - (بابُ حَمْلِ النِّسَاءِ القِرَبَ إلَى النَّاسِ فِي الغَزْوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة حمل النِّسَاء ... إِلَى آخِره. ١٨٨٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُوُنُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ ثَعْلَبَةُ بنُ أبِي مالِكٍ إنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّبِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَسَمُ مُرُوطاً بَيْنَ نِساءٍ مِنْ نِساءِ المَدِينَةِ فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أعْطِ هَذَا ابْنَةَ رسولِ الله ﷺ الَّتي عِنْدَكَ يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ فَقَالَ عُمَرُ أُمُّ سَلِيطٍ نِساءِ الأنْصَارِ مِمَّنْ بايَعَ رَسولَ الله ﷺ قَالَ عُمَرُ فإنَّهَا كانَتْ تَزْفِرُ لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. (الحَدِيث ١٨٨٢ طرفه فِي: ١٧٠٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِنَّهَا كَانَت تزفر لنا الْقرب) أَي: تحمل إِلَيْهِم يَوْم أحد، وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وثعلبة بن أبي مَالك قَالَ الذَّهَبِيّ: ثَعْلَبَة بن أبي مَالك أَبُو يحيى الْقرظِيّ إِمَام بني قُرَيْظَة، ولد فِي عهد النَّبِي ﷺ وَله رُؤْيَة، وَطَالَ عمره، روى عَنهُ

стр. 4186

ابْنه أَبُو مَالك وَصَفوَان بن سليم، لَهُ حديثان مرسلان، وَقَالَ ابْن سعد: قدم أَبُو مَالك من الْيمن وَهُوَ على دين الْيَهُودِيَّة، فَتزَوج امْرَأَة من بني قُرَيْظَة فنسب إِلَيْهِم وَهُوَ من كِنْدَة فَأسلم. وثعلبة روى عَن النَّبِي ﷺ وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وروى عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم الزُّهْرِيّ، وَقَالَ أَبُو عمر: اسْم أبي مَالك عبد الله، والأثر الْمَذْكُور من أَفْرَاده. وَأخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. قَوْله: (مروطاً) جمع مرط، وَهُوَ كسَاء من صوف أَو خَز يؤتزر بِهِ. قَوْله: (يُرِيدُونَ أم كُلْثُوم) ، بِضَم الْكَاف والثاء الْمُثَلَّثَة: هِيَ بنت فَاطِمَة بنت رَسُول الله، ﷺ ، ولدت فِي حَيَاة رَسُول الله، ﷺ ، خطبهَا عمر إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقَالَ: أَنا أبعثها إِلَيْك فَإِن رضيتها فقد زوجتكها، فبعثها إِلَيْهِ بِبرد وَقَالَ لَهَا: قولي لَهُ هَذَا الْبرد الَّذِي قلت لَك، فَقَالَت: ذَلِك لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ لَهَا: قولي لَهُ قد رضيت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْك. وَوضع يَده على سَاقهَا، فَقَالَت: أتفعل هَذَا؟ لَوْلَا أَنَّك أَمِير الْمُؤمنِينَ لكسرت أَنْفك، ثمَّ جَاءَت أَبَاهَا، فَقَالَت: بعثتني إِلَى شيخ سوء، وأخبرته، فَقَالَ لَهَا: يَا بنية إِنَّه زَوجك. قَوْله: (أم سليط) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام، قَالَ أَبُو عمر فِي (الِاسْتِيعَاب) : أم سليط امْرَأَة من المبايعات حضرت مَعَ رَسُول الله، ﷺ يَوْم أحد، وَقَالَ غَيره: وَلَا يعرف اسْمهَا، وَلَيْسَ فِي الصحابيات من يشاركها فِي هَذِه الكنية. قلت: ذكرهَا ابْن سعد فِي (طَبَقَات النِّسَاء) ، وَقَالَ: هِيَ أم قيس بنت عبيد بن زِيَاد بن ثَعْلَبَة من بني مَازِن تزَوجهَا أَبُو سليط بن أبي حَارِثَة عَمْرو بن قيس من بني عدي بن النجار، فَولدت لَهُ سليطاً، وَفَاطِمَة فَلذَلِك كَانَ يُقَال لَهَا: أم سليط، وَذكر أَنَّهَا شهِدت خَيْبَر وحنيناً وغفل عَن ذكر شهودها خَيْبَر. قَوْله: (تزفر لنا الْقرب) ، بِفَتْح أَوله وَسُكُون الزَّاي وَكسر الْفَاء: أَي: تحمل لنا الْقرب، جمع: قربَة المَاء، وَقد مر عَن قريب مَا جَاءَ من هَذِه الْمَادَّة. وَفِيه: أَن الأولى برَسُول الله، ﷺ من أَتْبَاعه السَّابِقَة إِلَيْهِ والنصرة لَهُ والمعونة بِالْمَالِ وَالنَّفس، ألَا ترى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جعل أم سليط أَحَق بِالْقِسْمَةِ لَهَا من المروط من حفيدة رَسُول الله، ﷺ لتقدم أم سليط بِالْإِسْلَامِ والنصرة والتأييد، وَكَذَلِكَ يجب أَن لَا يسْتَحق الْخلَافَة بعده ببنوة وَلَا قرَابَة، وَإِنَّمَا يسْتَحق بِمَا ذكر الله بالسابقة والإنفاق والمقاتلة. وَفِيه: الْإِشَارَة بِالرَّأْيِ على الإِمَام، وَإِنَّمَا ذَلِك للوزير وَالْكَاتِب وَأهل النَّصِيحَة والبطانة لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِك لغَيرهم إلَاّ أَن يكون من أهل الْعلم والبروز فِي الْإِمَامَة، فَلهُ الْإِشَارَة على الإِمَام وَغَيره. قَالَ أَبُو عبْدِ الله تَزْفِرُ تَخِيطُ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، يَعْنِي: قَالَ: إِن معنى تزفر الْقرب أَي تخيطها، وَورد عَلَيْهِ بِأَن ذَلِك لَا يعرف فِي اللُّغَة، وَهَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده. قلت: وَقَالَ أَبُو صَالح، كَاتب اللَّيْث: تزفر تخرز، وَيُمكن أَن يكون هَذَا مُسْتَند البُخَارِيّ فِي تَفْسِيره. ٧٦ - (بابُ مُدَاوَاةِ النَّساءِ الْجَرْحَى فِي الغَزْوِ) أَي: هَذَا بيا فِي بَيَان مَا جَاءَ من مداواة النِّسَاء الْجَرْحى من الرِّجَال وَغَيرهم، والجرحى جمع جريح. ٢٨٨٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المَفَضَّلِ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ ذَكْوَانَ عنِ الرُّبَيْعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قالَتْ كُنَّا معَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي ونُدَاوي الجَرْحَى ونَرُدُّ القَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مروا فِيمَا مضى، فعلي بن عبد الله المسندي، مر مرَارًا، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْمفضل مر فِي الْعلم، وخَالِد بن ذكْوَان مر فِي الصَّوْم، وَالربيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة: بنت معوذ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْوَاو الْمُشَدّدَة ثمَّ الذَّال الْمُعْجَمَة: الْأَنْصَارِيَّة من المبايعات، وأبوها معوذ بن عفراء لَهُ صُحْبَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن مُسَدّد وَفِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عَمْرو ابْن عَليّ. قَوْله: (نسقي) ، أَي: أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (ونداوي الجرخى) ، فِيهِ مُبَاشرَة الْمَرْأَة غير ذِي محرم مِنْهَا فِي المداواة وَمَا شاكلها من ألطاف المرضى، وَنقل الْمَوْتَى. فَإِن قلت: كَيفَ سَاغَ ذَلِك؟ قلت: جَازَ ذَلِك للمتجالات مِنْهُنَّ، لِأَن مَوضِع الْجرْح

стр. 4187

لَا يلتذ بمسه، بل تقشعر مِنْهُ الْجُلُود وتهابه الْأَنْفس ولمسه عَذَاب لِلَاّمس والملموس، وَأما غَيْرهنَّ فيعالجن بِغَيْر مُبَاشرَة مِنْهُنَّ لَهُم، فيضعن الدَّوَاء ويضعه غَيْرهنَّ على الْجرْح، وَقد يُمكن أَن يضعنه من غير مس شَيْء من جسده. وَيدل على ذَلِك اتِّفَاقهم أَن الْمَرْأَة إِذا مَاتَت وَلم تُوجد امْرَأَة تغسلها، أَن الرجل لَا يُبَاشر غسلهَا بالمس. بل يغسلهَا وَرَاء حَائِل، فِي قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَإِسْحَاق، وَعند سعيد بن الْمسيب وَمَالك والكوفيين وَأحمد: تيَمّم بالصعيد، وَهُوَ أصح الْأَوْجه عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: تدفن كَمَا هِيَ وَلَا تيَمّم، وَقيل: الْفرق بَين حَال المداواة وتغسيل الْمَيِّت، أَن الْغسْل عبَادَة والدواء ضَرُورَة، والضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، وَالله أعلم. ٨٦ - (بابُ رَدِّ النِّسَاءِ الجَرْحَى والقَتْلَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من رد النِّسَاء الْجَرْحى والقتلى، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِلَى الْمَدِينَة، بعد قَوْله: الْقَتْلَى، وَقَالَ ابْن التِّين: كَانُوا يَوْم أحد يجمعُونَ الرجلَيْن وَالثَّلَاثَة من الشُّهَدَاء على دَابَّة وتردهن النِّسَاء إِلَى مَوضِع قُبُورهم. ٣٨٨٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ عنْ خالِدِ بنِ ذَكْوَانَ عنِ الرَّبِيعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قالَتْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فنَسْقِي القَوْمَ ونَخْدُمُهُمْ ونَرُدُّ الجَرْحَى والقَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث الرّبيع، وَهُوَ طَرِيق أوفى بِالْمَقْصُودِ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق آخر عَن خَالِد بن ذكْوَان زِيَادَة وَهِي قَوْله: وَلَا نُقَاتِل. ٩٦ - (بابُ نَزْعِ السَّهْمِ مِنَ البدَنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة نزع السهْم من بدن الْمُصَاب، قيل: إِنَّمَا ترْجم بِهَذَا لِئَلَّا يتخيل أَن الشَّهِيد لَا ينْزع عَنهُ السهْم بل يبْقى فِيهِ كَمَا أَمر بدفنه بدمائه حَتَّى يبْعَث كَذَلِك، فَبين بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَن هَذَا مَشْرُوع. انْتهى. وَفِيه نظر، لِأَن حَدِيث الْبَاب يتَعَلَّق بِمن أَصَابَهُ ذَلِك وَهُوَ فِي الْحَيَاة بعد، وَأحسن من ذَلِك مَا قَالَه الْمُهلب: إِن فِيهِ جَوَاز نزع السهْم من الْبدن، وَإِن كَانَ فِي غبه الْمَوْت، وَلَيْسَ ذَلِك من الْإِلْقَاء إِلَى التَّهْلُكَة إِذا كَانَ يَرْجُو الِانْتِفَاع بذلك، قَالَ: وَمثله البط والكي. وَغير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي يتداوى بهَا. ٤٨٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثَنا أبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ رُمِيَ أبُو عامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ فانْتَهَيْتُ إلَيْهِ قَالَ انْزِعْ هذَا السَّهْمَ فنَزَعْتُهُ فنَزَا مِنْهُ الماءُ فدَخَلْتُ علَى النَّبِيِّ ﷺ فأخْبَرْتُهُ فَقَالَ أللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أبي عامِر. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو أُسَامَة بن حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وبريد هَذَا يروي عَن جده أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الْجِهَاد وَفِي الْمَغَازِي وَفِي الدَّعْوَات عَن أبي كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الله بن براد وَأبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقي. . قَوْله: (رمى أَبُو عَامر) ، واسْمه عبيد، بِضَم الْعين: ابْن وهب، وَقيل: ابْن سليم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة الْأَشْعَرِيّ، عَم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، كَانَ من كبار الصَّحَابَة، قتل يَوْم أَوْطَاس، فَلَمَّا أخبر رَسُول الله، ﷺ رفع يَدَيْهِ يَدْعُو لَهُ، قَوْله: (فنزا) ، بالزاي، أَي: ظهر وارتفع وَجرى وَلم يَنْقَطِع، وَقَالَ ابْن التِّين: النز و: الوثبان، مَعْنَاهُ: خرج المَاء. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : نزا ينزو نَزْوًا ونزواناً، وتنزى: إِذا وثب، قَوْله: (أللهم اغْفِر لِعبيد) ، إِنَّمَا دَعَا لَهُ ﷺ لِأَنَّهُ علم أَنه ميت من ذَلِك.

стр. 4188

٠٧ - (بابُ الحِرَاسَةِ فِي الغَزْوِ فِي سَبيلِ الله) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الحراسة فِي سَبِيل الله، والحراسة بِكَسْر الْحَاء الْحِفْظ. ٥٨٨٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيل قَالَ أخبرنَا علِيُّ بنُ مُسْهَرٍ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ أخبرَنا عبدُ الله بنُ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقولُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَهِرَ فلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ لَيْتَ رَجُلاً مِنْ أصْحَابِي صالِحَاً يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ إذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ فَقالَ مَنْ هذَا فَقَالَ أَنا سَعْدُ بنُ أبِي وَقَّاصٍ جِئْتُ لأِحْرُسَكَ ونامَ النَّبِيُّ ﷺ . (الحَدِيث ٠٨٨٢ طرفه فِي: ١٣٢٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (يَحْرُسنِي اللَّيْلَة) إِلَى آخِره، الحَدِيث، وَإِسْمَاعِيل بن خَلِيل أَبُو عبد الله الخزاز الْكُوفِي وَعلي بن مسْهر، بِضَم الْمِيم: على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الإسهار، قد مر فِي مُبَاشرَة الْحَائِض، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة بن جُحر بن سلامان الْقرشِي الْعَنزي، ولد فِي عهد النَّبِي ﷺ ، قَالَ أَبُو عمر: قتل سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَحفظ عَنهُ وَهُوَ صَغِير وَتُوفِّي رَسُول الله، ﷺ وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أَو خمس سِنِين وَأَبوهُ عَامر بن ربيعَة من كبار الصَّحَابَة، وَتُوفِّي عبد الله بن عَامر سنة خمس وَثَمَانِينَ، وَقَالَ أَبُو عمر: عبد الله بن عَامر بن ربيعَة هُوَ الْأَصْغَر وَعبد الله ابْن عَامر بن ربيعَة الْعَدوي هُوَ الْأَكْبَر صحب هُوَ وَأَبوهُ النَّبِي ﷺ ، وَآخر فِي الصَّحَابَة: عبد الله بن عَامر بن كريز العبشمي الْقرشِي، ابْن خَال عُثْمَان بن عَفَّان، وَفِي التَّابِعين: عبد الله بن عَامر بن يزِيد بن تَمِيم بن ربيعَة الدِّمَشْقِي أَبُو عمرَان الْيحصبِي، ولي قَضَاء دمشق بعد أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّمَنِّي عَن خَالِد بن مخلد. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل سعد بن أبي وَقاص عَن القعْنبِي وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يحيى وَفِي السّير عَن قُتَيْبَة بِهِ. قَوْله: (كَانَ النَّبِي، ﷺ سهر) لم يبين فِيهِ أَن سهره فِي أَي زمَان كَانَ، وَظَاهر الْكَلَام يَقْتَضِي أَن يكون سهره قبل قدومه الْمَدِينَة على مَا لَا يخفى، وَلَكِن لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، بل إِنَّمَا كَانَ سهره بعد مقدمه الْمَدِينَة، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا لَيْث وَحدثنَا مُحَمَّد بن رمح أخبرنَا اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة: أَن عَائِشَة قَالَت: سهر رَسُول الله، ﷺ مقدمه الْمَدِينَة لَيْلَة، فَقَالَ: لَيْت رجلا صَالحا من أَصْحَابِي يَحْرُسنِي اللَّيْلَة؟ قَالَت: فَبينا نَحن كَذَلِك إِذْ سمعنَا خشخشة سلَاح، فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالَ سعد بن أبي وَقاص، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ : (مَا جَاءَ بك؟) فَقَالَ: وَقع فِي نَفسِي خوف على رَسُول الله، ﷺ فَجئْت أحرسه، فَدَعَا لَهُ رَسُول الله، ﷺ ثمَّ نَام، وَله فِي رِوَايَة أرِق رَسُول الله، ﷺ ذَات لَيْلَة، فَقَالَ: لَيْت رجلا صَالحا ... الحَدِيث، وَلم يذكر فِيهِ: مقدمه الْمَدِينَة، فَفِي حَدِيث مُسلم التَّصْرِيح بِأَن سهره وَقَوله: لَيْت رجلا ... إِلَى آخِره، كَانَا بعد مقدمه الْمَدِينَة، وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى، وَمتْن حَدِيث البُخَارِيّ ينزل على هَذَا، لِأَن الحَدِيث وَاحِد والمخرج مُتحد، وَوَقع فِي متن حَدِيث البُخَارِيّ تَقْدِيم وَتَأْخِير، فَالْأَصْل: سَمِعت عَائِشَة تَقول: لما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة سهر لَيْلَة، وَقَالَ: لَيْت رجلا ... إِلَى آخِره، وتؤكده رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن يحيى بن سعيد بِلَفْظ كَانَ ﷺ ، أول مَا قدم الْمَدِينَة سهر من اللَّيْل ... وَاعْلَم أَنه لَيْسَ المُرَاد بقدومه الْمَدِينَة أول قدومه إِلَيْهَا من الْهِجْرَة، لِأَن عَائِشَة إِذْ ذَاك لم تكن عِنْده، وَلَا كَانَ سعد أَيْضا مِمَّن سبق. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة: الحراسة فِي الْغَزْو فِي سَبِيل الله، فعلى مَا ذكر لم تقع الحراسة فِي الْغَزْو فِي سَبِيل الله؟ قلت: لم يزل النَّبِي ﷺ ، فِي سَبِيل الله سَوَاء كَانَ فِي السّفر أَو الْحَضَر، وَلم يزل حَاله فِي الْغَزْو كَذَلِك. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ (الْمَائِدَة: ٧٦) . فَمَا الْحَاجة إِلَى الحراسة؟ قلت: كَانَ ذَلِك قبل نزُول الْآيَة، أَو المُرَاد الْعِصْمَة من فتْنَة النَّاس وَاخْتِلَافهمْ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يُنَافِي الحراسة، كَمَا أَن إِعْلَام الله بنصر دينه وإظهاره مَا يمْنَع الْأَمر بِالْقِتَالِ وإعداد الْعدَد. وَفِي الحَدِيث: الْأَخْذ بالحذر والاحتراس من الْعَدو. وَفِيه: أَن على النَّاس أَن يحرسوا سلطانهم خشيَة الْقَتْل.

стр. 4189

وَفِيه: الثَّنَاء على من تبرع بِالْخَيرِ وتسميته صَالحا. وَفِيه: أَن التَّوَكُّل لَا يُنَافِي تعَاطِي الْأَسْبَاب، لِأَن التَّوَكُّل عمل الْقلب، وَهِي عمل الْبدن، وَالله تَعَالَى أعلم. ٦٨٨٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا أَبُو بَكْرٍ عنْ أبِي حَصِينٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي ﷺ قَالَ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ والدِّرْهَمِ والقَطِيفَةِ والخَمِيصَةِ إنْ أعْطَى رضى وإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ لَمْ يَرْفَعْهُ إسْرَائِيلُ عنْ أبِي حَصِينٍ. ٧٨٨٢ - وَزَادنَا عَمْرٌ وَقَالَ أخْبَرَنَا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ تَعِسَ عبْدُ الدِّينَارِ وعبْدُ الدِّرْهَمِ وعبْدُ الخَمِيصَةِ إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وانْتَكَسَ وإذَا شِيِكَ فَلَا انْتَقَشَ طُوبى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ الله أشْعَثَ رأسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَماهُ إنْ كانَ فِي الحِرَاسَةِ كانَ فِي الحِرَاسَةِ وإنْ كانَ فِي السَّاقَةِ كانَ فِي السَّاقَةِ إنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وإنْ شَفَعَ لَمْ يُشْفَّعْ. (انْظُر الحَدِيث ٦٨٨٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن كَانَ فِي الحراسة كَانَ فِي الحراسة) . ذكر رِجَاله وهم عشرَة أنفس: الأول: يحيى بن يُوسُف بن أبي كَرِيمَة، أَبُو يُوسُف. الثَّانِي: أَبُو بكر بن عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن سَالم الحناط بالنُّون المَقْبُري، وَقد اخْتلف فِي اسْمه اخْتِلَافا كثيرا، وَالصَّحِيح أَن اسْمه كنيته. الثَّالِث: أَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، واسْمه: عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي. الرَّابِع: أَبُو صَالح ذكْوَان السمان الزيات. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي. السَّابِع: مُحَمَّد بن جحادة، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة: الأودي، وَيُقَال: الأيامي. الثَّامِن: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن مَرْزُوق الْبَاهِلِيّ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. التَّاسِع: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار مولى عبد الله بن عمر. الْعَاشِر: أَبوهُ عبد الله بن دِينَار. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه يحيى بن يُوسُف الزمي، نِسْبَة إِلَى زم، بِفَتْح الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم، وَهِي بُليدة بخراسان على نهر بَلخ، وَسكن بَغْدَاد، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو بكر بن عَيَّاش وَأَبُو حُصَيْن وَإِسْرَائِيل وَمُحَمّد بن جحادة كوفيون، وَأَبُو صَالح وَعبد الرَّحْمَن مدنيان، وَعَمْرو بن مَرْزُوق بَصرِي وَهُوَ من أَفْرَاده. وَفِيه: تابعيان: عبد الله بن دِينَار وَأَبُو صَالح. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه وَهُوَ عبد الرَّحْمَن يروي عَن أَبِيه عبد الله. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن يحيى بن يُوسُف أَيْضا. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن يَعْقُوب بن حميد بن كاسب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تعس) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا سين مُهْملَة، قَالَ ابْن التِّين: التعس الكب، أَي: عثر فَسقط لوجهه، وَذكره بعض أهل اللُّغَة بِفَتْح الْعين، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: التعس الشَّرّ، قَالَ الله : ﴿فتعساً لَهُم﴾ (مُحَمَّد: ٨) . وَذكر ابْن التياني عَن قطرب: تعس وتعس شقي، وَعَن عَليّ بن حَمْزَة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح هلك، وَفِي (البارع) : تعسه الله وأتعسه بِمَعْنى نكسه، وَفِي (التَّهْذِيب) : قَالَ شمر: لَا أعرف تعسه الله وَلَكِن يُقَال: تعس بِنَفسِهِ وأتعسه الله، وَقيل: تعس إِذا أَخطَأ حجَّته إِن خَاصم وبُغيته إِن طلب، وَقيل: التعس أَن يخر على وَجهه والنكس أَن يخر على رَأسه، وَقَالَ اللَّيْث: التعس أَن لَا ينتعش من عثرته، وَأَن ينكس فِي سفال، وَذكر الزّجاج: أَن التعس فِي اللُّغَة الإنحطاط، وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ السُّقُوط على أَي وَجه كَانَ، وَقيل: هُوَ الْبعد. قَوْله: (عبد الدِّينَار) ، مجَاز عَن حرصه عَلَيْهِ، وَتحمل الذلة لأَجله، أَي: طلب ذَلِك قد استعبده وَصَارَ عمله كُله فِي طلبهما، كالعبادة لَهما. قَوْله: (والقطيفة) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الطَّاء: دثار مخمل، وَالْجمع قطائف وقُطف. قَوْله: (والخميصة) ،

стр. 4190

بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم: كسَاء إسود مربع لَهُ علمَان. قَوْله: (إِن أعطي) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَالَ ابْن بطال: أَي إِن أعْطى مَاله عمل وَرَضي عَن خالقه، وَإِن لم يُعْط لم يرض ويتسخط بِمَا قدر لَهُ، فصح بِهَذَا أَنه عبد فِي طلب هذَيْن فَوَجَبَ الدُّعَاء عَلَيْهِ بالتعس لِأَنَّهُ أوقف عمله على مَتَاع الدُّنْيَا الفاني وَترك النَّعيم الْبَاقِي. قَوْله: (لم يرفعهُ إِسْرَائِيل) ، أَي: لم يرفع الحَدِيث إِسْرَائِيل ابْن يُونُس عَن أبي حُصَيْن، بل وَقفه عَلَيْهِ، وَكَذَا مُحَمَّد بن جحادة. قَوْله: (وزادنا عَمْرو) ، وَهُوَ عَمْرو بن مَرْزُوق أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، ويروى: وَزَاد لنا، وَالَّذِي زَاد لَهُ هُوَ قَوْله: وانتكس ... إِلَى آخِره، وروى أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ حَدِيث عَمْرو هَذَا عَن حبيب بن الْحسن عَن يُوسُف القَاضِي، حَدثنَا عَمْرو بن مَرْزُوق أَنبأَنَا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله ... فَذكره. قَوْله: (وانتكس) بِالسِّين الْمُهْملَة، أَي: عاوده الْمَرَض كَمَا بَدَأَ بِهِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: أَي انْقَلب على رَأسه، وَهُوَ دُعَاء عَلَيْهِ بالخيبة، لِأَن من انتكس فقد خَابَ وخسر. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : ذكره بالشين الْمُعْجَمَة وَفَسرهُ بِالرُّجُوعِ وَجعله دُعَاء لَهُ لَا عَلَيْهِ، وَالْأول أوجه. قَوْله: (وَإِذا شيك) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا كَاف، أَي إِذا أَصَابَته شَوْكَة لَا قدر على إخْرَاجهَا بالمنقاش، وَهُوَ معنى قَوْله: (انتقش) بِالْقَافِ والشين الْمُعْجَمَة، يُقَال: نقشت الشَّوْكَة إِذا أخرجتها بالمنقاش، وَيُقَال: انتقش الرجل إِذا سل الشَّوْكَة من قدمه، وَذكر ابْن قُتَيْبَة أَن بَعضهم رَوَاهُ بِالْعينِ الْمُهْملَة بدل الْقَاف، وَمَعْنَاهُ صَحِيح، لَكِن مَعَ ذكر الشَّوْكَة تقوى رِوَايَة الْقَاف، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ عَن أبي زيد الْمروزِي: وَإِذا شِئْت، بتاء مثناة من فَوق بدل الْكَاف، وَهُوَ خطأ فَاحش، وَإِنَّمَا خص إنقاش الشوك بِالذكر، لِأَن الإنقاش أسهل مَا يتَصَوَّر فِي المعاونة لمن أَصَابَهُ مَكْرُوه، فَإِذا نفى ذَلِك الأهون فَيكون مَا فَوق ذَلِك منفياً بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (طُوبَى لعبد) ، طُوبَى على وزن: فعلى، من الطّيب، فَلَمَّا ضمت الطَّاء انقلبت الْيَاء واواً، وطوبى: اسْم الْجنَّة، وَقيل: هِيَ شَجَرَة فِيهَا، وَيُقَال: طُوبَى لَك، وطوباك، بِالْإِضَافَة. قَوْله: (آخذ) اسْم فَاعل من الْأَخْذ مجرور، لِأَنَّهُ صفة عبد، و: الْعَنَان، بِكَسْر الْعين لجام الْفرس. قَوْله: (أَشْعَث) صفة لعبد بِفَتْح الثَّاء، لِأَن جَرّه بالفتحة لِأَنَّهُ غير منصرف. وَقَوله: (رَأسه) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل وَيجوز فِي أَشْعَث الرّفْع، قَالَه الْكرْمَانِي وَلم يبين وَجهه، وَقَالَ بَعضهم: وَيجوز فِي أَشْعَث الرّفْع على أَنه صفة الرَّأْس، أَي: رَأسه أَشْعَث. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَا يَصح عِنْد المعربين، وَالرَّأْس فَاعل أَشْعَث، وَكَيف يكون وَصفته والموصوف لَا يتَقَدَّم على الصّفة وَالتَّقْدِير الَّذِي قدره يُؤَدِّي إِلَى إِلْغَاء قَوْله رَأسه بعد قَوْله: أَشْعَث، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: أَشْعَث رَأسه مغبرة قدماه حالان من قَوْله: لعبد، لِأَنَّهُ مَوْصُوف. قَوْله: (إِن كَانَ فِي الحراسة) أَي: فِي حراسة الْعَدو، خوفًا من أَن يهجم الْعَدو عَلَيْهِم وَذَلِكَ يكون فِي مُقَدّمَة الْجَيْش والساقة مؤخرة الْجَيْش، وَالْمعْنَى إيتماره لما أَمر وإقامته حَيْثُ أقيم لَا يفقد من مَكَانَهُ بِحَال، وَإِنَّمَا ذكر الحراسة والساقة لِأَنَّهُمَا أَشد مشقة وَأكْثر آفَة، الأول عِنْد دُخُولهمْ دَار الْحَرْب، وَالْآخر عِنْد خُرُوجهمْ مِنْهَا. فَإِن قلت: مَا وَجه اتِّحَاد الشَّرْط وَالْجَزَاء؟ قلت: وَجه ذَلِك أَنه يدل على فخامة الْجَزَاء وكماله نَحْو من كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله، أَي: من كَانَ فِي السَّاقَة فَهُوَ فِي أَمر عَظِيم، أَو المُرَاد مِنْهُ لَازمه، نَحْو: فَعَلَيهِ أَن يَأْتِي بلوازمه وَيكون مشتغلاً بخويصة عمله، أَو قلَّة ثَوَابه. قَوْله: (إِذا اسْتَأْذن لم يُؤذن لَهُ) ، إِشَارَة إِلَى عدم التفاته إِلَى الدُّنْيَا وأربابها بِحَيْثُ يفنى بكليته فِي نَفسه لَا يَبْتَغِي مَالا وَلَا جاهاً عِنْد النَّاس، بل يكون عِنْد الله وجيهاً، وَلم يقبل النَّاس شَفَاعَته، وَعند الله يكون شَفِيعًا مشفعاً. قَوْله: (يشفع) ، بِفَتْح الْفَاء الْمُشَدّدَة، أَي: لم تقبل شَفَاعَته. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله لَمْ يَرْفَعْهُ إسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بنُ جُحَادَةَ عنْ أبِي حَصِينٍ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَي: لم يرفع الحَدِيث الْمَذْكُور إِسْرَائِيل بن يُونُس وَمُحَمّد بن جحادة عَن أبي حُصَيْن عُثْمَان بن عَاصِم بل، وَقَفاهُ عَلَيْهِ، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ تَعْساً كأنَّهُ يَقُولُ فأتْعَسَهُمُ الله هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَجَرت عَادَة البُخَارِيّ فِي شرح اللَّفْظ الَّتِي توَافق مَا فِي الْقُرْآن بتفسيرها، وَهَكَذَا فسر أهل التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فتعساً لَهُم﴾ (مُحَمَّد: ٨) . كَأَنَّهُ يَقُول: فأتعسهم الله، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

стр. 4191

طُوبَى فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ وهْيَ ياءٌ إِلَى الوَاوِ وهْيَ مِنْ يَطِيبُ هَذَا أَيْضا من كَلَام البُخَارِيّ، فسر: طُوبَى، بِهَذَا وَقد ذكرنَا الْكَلَام فِيهِ. ١٧ - (بابُ فَضْلِ الخِدْمَةِ فِي الغَزْوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْخدمَة للغازي فِي الْغُزَاة، سَوَاء كَانَت من صَغِير لكبير، أَو من كَبِير لصغير، أَو لمن يُسَاوِيه، وَفِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث كلهَا عَن أنس: فَفِي الأول: خدمَة الْكَبِير للصَّغِير، وَفِي الثَّانِي: خدمَة الصَّغِير للكبير، وَفِي الثَّالِث: تُوجد الْخدمَة لمن يُسَاوِيه، على مَا نذكرهُ. ٨٨٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ عنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ صَحِبْتُ جَرِيرَ بنَ عَبْدِ الله فَكانَ يَخْدُمُنِي وهْوَ أكْبَرُ مِنْ أنَسٍ قَالَ جَرِيرٌ إنِّي رأيْتُ الأنْصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئاً لَا أجِدُ أحَدَاً مِنْهُمْ إلَاّ أكْرَمْتُهُ. قيل: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي مَحَله، وَإِنَّمَا مَحَله المناقب، وَحَاصِله نفي الْمُطَابقَة. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن عرْعرة: حَدثنَا شُعْبَة عَن يُونُس بن عبيد عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك، قَالَ: خرجت مَعَ جرير بن عبد الله فِي سفر وَكَانَ يخدمني، فَقلت لَهُ: لَا تفعل، إِنِّي رَأَيْت الْأَنْصَار تصنع برَسُول الله ﷺ شَيْئا آلَيْت أَن لَا أصحب أحدا مِنْهُم إلَاّ خدمته، وَفِي آخِره: وَكَانَ جرير أكبر من أنس. وَقَالَ ابْن بشار: أسن من أنس، انْتهى. فَهَذَا يدل على أَن معنى قَوْله: (صَحِبت جرير بن عبد الله) ، يَعْنِي: فِي السّفر. وَهُوَ أَعم من أَن يكون سفر الْغَزْو أَو غَيره، فَبِهَذَا يَقع الحَدِيث فِي بَابه، فتوجد الْمُطَابقَة. قَوْله: (وَهُوَ أكبر من أنس) فِيهِ الْتِفَات أَو تَجْرِيد، وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول: وَهُوَ أكبر مني قَوْله: (يصنعون شَيْئا) ، أَي: من خدمَة رَسُول الله، ﷺ كَمَا يَنْبَغِي وَمن تعظيمهم إِيَّاه غَايَة مَا يكون. قَوْله: (مِنْهُم) ، أَي: من الْأَنْصَار. وَقَوله فِي رِوَايَة مُسلم: آلَيْت، أَي: حَلَفت. وَفِيه: فضل الْأَنْصَار وَفضل جرير وتواضعه ومحبته للرسول ﷺ . ٩٨٨٢ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ عَمْرِو بنِ أبِي عَمْرٍ ومَوْلى المطَّلِبِ بنِ حَنْطَبٍ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ خَرَجْتُ مَعَ رَسولِ الله ﷺ إِلَى خَيْبَرَ أخْدُمُهُ فلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ رَاجِعَاً وبدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ هاذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ ثُمَّ أشارَ بِيَدِهِ إلَى المَدِينَةِ قَالَ ألَّلهُمَّ إنِّي احَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَتَحْرِيمِ إبْرَاهِيمَ مَكَّةَ أللَّهُمَّ بارِكْ لَنَا فِي صاعِنا ومُدِّنَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خرجت مَعَ رَسُول الله، ﷺ إِلَى خَيْبَر أخدمه) . وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله ابْن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْأنْصَارِيّ الْمَدِينِيّ وَعَمْرو بن أبي عَمْرو مولى الْمطلب بن حنْطَب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة، وَقد مر فِي: بَاب الْحِرْص على كِتَابَة الحَدِيث. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن القعْنبِي، وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الِاعْتِصَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي إويس. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب وَعلي بن حجر وَعَن قُتَيْبَة بن سعيد وَسَعِيد بن مَنْصُور كِلَاهُمَا عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن الْأنْصَارِيّ وَهُوَ إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن بن عِيسَى وَعَن قُتَيْبَة، كِلَاهُمَا عَن مَالك بِبَعْضِه طلع لَهُ أحد. قَوْله: (إِلَى خَيْبَر) ، أَي: إِلَى غَزْوَة خَيْبَر وَكَانَت سنة سِتّ، وَقيل: سنة سبع. قَوْله: (أخدمه) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (رَاجعا) ، حَال من النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وبدا لَهُ) ، أَي ظهر لَهُ جبل أحد. قَوْله: (يحبنا) ، يُمكن حمله على الْحَقِيقَة بِأَن يخلق الله فِيهِ الْمحبَّة، وَالله

стр. 4192

على كل شَيْء قدير. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْحبّ والبغض لَا يجوزان على الْجَبَل نَفسه، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَة عَن أهل الْجَبَل وهم سكان الْمَدِينَة، يُرِيد بِهِ الثَّنَاء على الْأَنْصَار، والإخبار عَن حبهم لرَسُول الله، ﷺ وحبه إيَّاهُم وَهُوَ نَحْو: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (يُوسُف: ٢٨) . قَوْله: (لابتيها) ، أَي: لابتي الْمَدِينَة وَهِي تَثْنِيَة لابة بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة، وَهِي الْحرَّة وَالْمَدينَة بَين الحرتين، والحرة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهِي الأَرْض ذَات الْحِجَارَة السود، وَيجمع على حر وحرار وحرات وحرين واحرين وَهُوَ من الجموع النادرة، واللَاّبة تجمع على لوب ولابات مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر فَإِذا كثرت جمعت على اللَاّب واللوب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب لابتي الْمَدِينَة. قَوْله: (كتحريم إِبْرَاهِيم، ﵊ التَّشْبِيه فِي نفس الْحُرْمَة وَفِي وجوب الْجَزَاء وَنَحْوه. قَوْله: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا) أَي: بَارك لنا فِي الطَّعَام الَّذِي يُكَال بالصيعان والأمداد ودعا لَهُم رَسُول الله، ﷺ بِالْبركَةِ فِي أقواتهم، وَمر الْكَلَام فِيهِ أَيْضا فِي بَاب مُجَرّد عَن التَّرْجَمَة فِي آخر كتاب الْحَج. وَفِيه: جَوَاز خدمَة الصَّغِير للكبير لشرف فِي نَفسه أَو فِي قومه أَو لعلمه أَو لصلاحه، وَنَحْو ذَلِك. ٠٩٨٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ عنْ إسْمَاعِيلَ بنَ زَكَرِيَّاءَ قَالَ حَدثنَا عاصِمٌ عنْ مُورِّقٍ العِجْلِيِّ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أكْثَرُنَا ظِلاًّ الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ وأمَّا الَّذِينَ صامُوا فلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئَاً وأمَّا الَّذِينَ أفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وامْتَهَنُوهَا وعالَجُوا فَقَالَ النبِيُّ ﷺ ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْم بالأجْرِ. قيل: هَذَا الحَدِيث من الْأَحَادِيث الَّتِي أوردهَا فِي غير مظانها لكَونه لم يذكرهُ فِي الصّيام، وَاقْتصر على إِيرَاده هُنَا. قلت: يُمكن أَن يُقَال: إِن لَهُ بعض مَظَنَّة هُنَا، وَهُوَ أَن قَوْله: (فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا) عبارَة عَن الْخدمَة لِأَن معنى قَوْله: (بعثوا الركاب) أَي: إِلَى المَاء للسقي، والركاب، بِالْكَسْرِ الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا، وَمعنى قَوْله: (وامتهنوا) أَي: خدموا، لِأَن الامتهان: الْخدمَة والابتذال، وَمعنى قَوْله: (وعالجوا) أَي: تناولوا الطَّبْخ والسقي، وكل هَذَا عبارَة عَن الْخدمَة وَهِي أَعم من أَن يخدموا أنفسهم أَو يخدموا غَيرهم، أَو يخدموا أنفسهم وَغَيرهم، بل هم خدموا الصائمين لأَنهم سقطوا على مَا يَجِيء من رِوَايَة مُسلم، وَكَانَ ذَلِك فِي السّفر، لِأَن فِي رِوَايَة مُسلم عَن مُورق عَن أنس، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ . فِي السّفر ... الحَدِيث، فَحِينَئِذٍ يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة من هَذَا الْوَجْه، وَسليمَان بن دَاوُد أَبُو الرّبيع الْعَتكِي الزهْرَانِي الْبَصْرِيّ وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء أَبُو زِيَاد الخلقاني الْكُوفِي وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، ومورق بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالقاف: الْعجلِيّ وهما تابعيان فِي نسق، وَقَالَ بَعضهم: والإسناد كُله بصريون. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، وَإِسْمَاعِيل ومورق كوفيان. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن أبي كريب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (أكثرنا ظلاً من يستظل بكسائه) يُرِيد: لم يكن لَهُم أخبية، وَذَلِكَ لما كَانُوا عَلَيْهِ من الْقلَّة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فنزلنا منزلا فِي يَوْم حَار أكثرنا ظلاً صَاحب الكساء، فمنا من يَتَّقِي الشَّمْس بِيَدِهِ، وَأما الَّذين صَامُوا فَلم يعملوا شَيْئا، يَعْنِي: لعجزهم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَسقط الصوامون. قَوْله: (وَأما الَّذين أفطروا) إِلَى قَوْله: (وعالجوا) قد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَقَامَ المفطرون فَضربُوا الْأَبْنِيَة وَسقوا الركاب. قَوْله: (ذهب المفطرون) بِالْأَجْرِ، أَي: بِالْأَجْرِ الْأَكْمَل الوافر، لِأَن نفع صَوْم الصائمين قَاصِر على أنفسهم وَلَيْسَ المُرَاد نقص أجرهم، بل المُرَاد أَن المفطرين حصل لَهُم أجر عَمَلهم وَمثل أجر الصوام لتعاطيهم اشغالهم واشغال الصوام. قيل: فِيهِ: أَن أجر الْخدمَة فِي الْغَزْو أعظم من أجر الصّيام. وَفِيه: أَن التعاون فِي الْجِهَاد وَفِي خدمَة الْمُجَاهدين فِي حل وارتحال وَاجِب على جَمِيع الْمُجَاهدين. وَفِيه: جَوَاز خدمَة الرجل لمن يُسَاوِيه، لِأَن الْخدمَة أَعم كَمَا ذكرنَا. ٢٧ - (بابُ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتاع صاحِبِهِ فِي السَّفَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل ... إِلَى آخِره، وَالْمَتَاع فِي اللُّغَة كل مَا انْتفع بِهِ.

стр. 4193

١٩٨٢ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كُلُّ سُلامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يحامِلُهُ علَيْهَا أوْ يَرْفَعُ علَيْهَا مَتاعَهُ صَدَقَةٌ والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ ودلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ. (انْظُر الحَدِيث ٧٠٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يعين الرجل فِي دَابَّته) إِلَى قَوْله: (والكلمة الطّيبَة) . فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ ذكر السّفر. قلت: إِطْلَاق هَذَا الْكَلَام يتَنَاوَل حَالَة السّفر بِالطَّرِيقِ الأولى. وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نضر السَّعْدِيّ النجاري، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد، فَالْبُخَارِي تَارَة يَقُول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَتارَة يَقُول: إِسْحَاق بن نصر، فينسبه إِلَى جده، وَعبد الرَّزَّاق بن همام بن نَافِع الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ، وَمعمر بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد، وَهَمَّام هُوَ ابْن مُنَبّه الْأَنْبَارِي الصَّنْعَانِيّ، وَقد مر فِي الصُّلْح فِي: بَاب فضل الْإِصْلَاح بَين النَّاس، بِهَذَا الْإِسْنَاد بعض هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : كل سلامى من النَّاس عَلَيْهِ صَدَقَة، وَفِيه زِيَادَة على حَدِيث الْبَاب. وَهِي قَوْله: كل يَوْم تطلع فِيهِ الشَّمْس يعدل بَين اثْنَيْنِ صَدَقَة. قَوْله: (كل سلامى) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام وَفتح الْمِيم وبالألف: عِظَام الْأَصَابِع، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الْمَذْكُور. قَوْله: (كل يَوْم) نصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (ويعين) مُبْتَدأ على تَقْدِير الْمصدر نَحْو: تسمع بالمعيدي. يَعْنِي: وَأَن تعين، و: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وإعانتك الرجل. وَقَوله: (صَدَقَة) خَبره. قَوْله: (يحامله عَلَيْهَا) أَي: يساعده فِي الرّكُوب وَفِي الْحمل على الدَّابَّة. قَوْله: (وكل خطْوَة) الخطوة، بِفَتْح الْخَاء: الْمرة الْوَاحِدَة، وبالضم: مَا بَين الْقَدَمَيْنِ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي البُخَارِيّ بِالضَّمِّ. قَوْله: (وَدلّ الطَّرِيق) بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد اللَّام: بِمَعْنى الدّلَالَة لمن يحْتَاج إِلَيْهِ. ٣٧ - (بابُ فَضْلِ رِبَاطَ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل رِبَاط يَوْم، الرِّبَاط بِكَسْر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة: مُلَازمَة الْمَكَان الَّذِي بَين الْمُسلمين وَالْكفَّار لحراسة الْمُسلمين مِنْهُم. قلت: الرِّبَاط هِيَ المرابطة، وَهِي مُلَازمَة ثغر الْعَدو، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: أصل الرِّبَاط والمرابطة: أَن يرْبط هَؤُلَاءِ خيولهم وَهَؤُلَاء خيولهم فِي الثغر كل يعد لصَاحبه، وَقَالَ ابْن التِّين: بِشَرْط أَن يكون غير الوطن، قَالَه ابْن حبيب عَن مَالك وَفِيه نظر لِأَنَّهُ قد يكون وَطنه يَنْوِي بِالْإِقَامَةِ فِيهِ دفع الْعَدو، وَيُقَال: الرِّبَاط المرابطة فِي نَحْو الْعَدو وَحفظ ثغور الْإِسْلَام وصيانتها عَن دُخُول الْأَعْدَاء إِلَى حوزة بِلَاد الْمُسلمين. وقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . إِلَى آخِرِ الْآيَة وَقَوله، مجرور عطفا على قَوْله: فضل رِبَاط، وَتَمام الْآيَة: ﴿وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . قَالَ زيد بن أسلم: اصْبِرُوا على الْجِهَاد وَصَابِرُوا الْعَدو وَرَابطُوا الْخَيل على الْعَدو، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: اصْبِرُوا على طَاعَة الله وَصَابِرُوا أَعدَاء الله وَرَابطُوا فِي سَبِيل الله، وَعَن الْحسن أَيْضا: اصْبِرُوا على المصائب وَصَابِرُوا على الصَّلَوَات الْخمس، وَقَالَ مُحَمَّد ابْن كَعْب: إصبروا على دينكُمْ وَصَابِرُوا لوعدي الَّذِي وعدتكم عَلَيْهِ وَرَابطُوا عدوي وَعَدُوكُمْ حَتَّى يتْرك دينه لدينكم واتقوني فِيمَا بيني وَبَيْنكُم لَعَلَّكُمْ تفلحون غَدا إِذا لقيتموني. وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) : قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أمروا أَن يصبروا على دينهم الَّذِي ارْتَضَاهُ الله لَهُم، وَهُوَ الْإِسْلَام، وَلَا يَدعُوهُ لسراء وَلَا لضراء وَلَا لشدَّة وَلَا لرخاء حَتَّى يموتوا مُسلمين، وَأَن يصابروا الْأَعْدَاء الَّذين يملون دينهم. وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه: حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد أخبرنَا مُوسَى بن إِسْحَاق أخبرنَا أَبُو جُحَيْفَة عَليّ بن يزِيد الْكُوفِي أخبرنَا ابْن أبي كَرِيمَة عَن مُحَمَّد بن يزِيد عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أقبل أَبُو هُرَيْرَة يَوْمًا فَقَالَ: يَا ابْن أخي! أَتَدْرِي فِيمَا أنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . الْآيَة؟ قلت: لَا. قَالَ:

стр. 4194

أما أَنه لم يكن فِي زمَان النَّبِي ﷺ غَزْو يرابطون فِيهِ، وَلكنهَا نزلت فِي قوم يعمرون الْمَسَاجِد وَيصلونَ الصَّلَاة فِي مواقيتها ثمَّ يذكرُونَ الله فِيهَا فَعَلَيْهِم أنزلت: ﴿اصْبِرُوا﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . أَي على الصَّلَوَات الْخمس ﴿وَصَابِرُوا﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . أَنفسكُم وهواكم ﴿وَرَابطُوا﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . فِي مَسَاجِدكُمْ ﴿وَاتَّقوا الله﴾ فِيمَا علمكُم ﴿لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . وَهَكَذَا روى الْحَاكِم أَيْضا فِي (مُسْتَدْركه) . ٢٩٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُنير قَالَ سَمِعَ أبَا النَّضْرِ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ رِباطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ومَوْضِعُ سَوْطٍ أحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا والرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ الله أَو الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة واسْمه هَاشم بن الْقَاسِم التَّمِيمِي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي، خراساني سكن بَغْدَاد وَمَات بهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء غرَّة ذِي الْقعدَة سنة سبع وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو حَازِم الْأَعْرَج سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي النَّضر. قَوْله: (سمع أَبَا النَّضر) ، التَّقْدِير أَنه سمع أَبَا النَّضر. قَوْله: (رِبَاط يَوْم) ، قد مر تَفْسِير الرِّبَاط عَن قريب. قَوْله: (وَمَا عَلَيْهَا) ، أَي: على الدُّنْيَا وَفَائِدَة الْعُدُول عَن قَوْله: وَمَا فِيهَا، هُوَ أَن معنى الاستعلاء أَعم من الظَّرْفِيَّة وَأقوى فقصده زِيَادَة الْمُبَالغَة. قَوْله: (وَمَوْضِع سَوط أحدكُم) . إِلَى قَوْله: (عَلَيْهَا) ، لِأَن الدُّنْيَا فانية وكل شَيْء فِي الْجنَّة باقٍ، وَإِن صغر فِي التَّمْثِيل لنا، وَلَيْسَ فِيهِ صَغِير، فَهُوَ أدوم وَأبقى من الدُّنْيَا الفانية المنقطعة فَكَانَ الدَّائِم الْبَاقِي خيرا من الْمُنْقَطع. قَوْله: (والروحة) إِلَى آخِره، وَتَفْسِير الغدوة والروحة مر فِي أَوَائِل كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الغدوة والروحة، لِأَنَّهُ أخرج هُنَاكَ عَن سهل بن سعد عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الروحة والغدوة فِي سَبِيل الله أفضل من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) . فَإِن قلت: روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من ألف يَوْم فِيمَا سواهُ من الْمنَازل) . قلت: لَا تعَارض، لِأَنَّهُ باخْتلَاف العاملين أَو باخْتلَاف الْعَمَل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَثْرَة والقلة. ١٠٦ - (حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب عَن عَمْرو عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لأبي طَلْحَة التمس لي غُلَاما من غِلْمَانكُمْ يخدمني حَتَّى أخرج إِلَى خَيْبَر فَخرج بِي أَبُو طَلْحَة مردفي وَأَنا غُلَام راهقت الْحلم فَكنت أخدم رَسُول الله ﷺ َ - إِذا نزل فَكنت أسمعهُ كثيرا يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم والحزن وَالْعجز والكسل وَالْبخل والجبن وضلع الدّين وَغَلَبَة الرِّجَال ثمَّ قدمنَا خَيْبَر فَلَمَّا فتح الله عَلَيْهِ الْحصن ذكر لَهُ جمال صَفِيَّة بنت حييّ بن أَخطب وَقد قتل زَوجهَا وَكَانَت عروسا فاصطفاها رَسُول الله ﷺ َ - لنَفسِهِ فَخرج بهَا حَتَّى بلغنَا سد الصَّهْبَاء حلت فَبنى بهَا ثمَّ صنع حَيْسًا فِي نطع صَغِير ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - آذن من حولك فَكَانَت تِلْكَ وَلِيمَة رَسُول الله ﷺ َ - على صَفِيَّة ثمَّ خرجنَا إِلَى الْمَدِينَة قَالَ فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يحوي لَهَا وَرَاءه

стр. 4195

بعباءة ثمَّ يجلس عِنْد بعيره فَيَضَع ركبته فتضع صَفِيَّة رجلهَا على رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تركب فسرنا حَتَّى إِذا أَشْرَفنَا على الْمَدِينَة نظر إِلَى أحد فَقَالَ هَذَا جبل يحبنا ونحبه ثمَّ نظر إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أحرم مَا بَين لابتيها بِمثل مَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة اللَّهُمَّ بَارك لَهُم فِي مدهم وصاعهم) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله التمس لي غُلَاما إِلَى قَوْله فَكنت أخدم رَسُول الله ﷺ َ - وَيَعْقُوب هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَارِي بِالتَّشْدِيدِ من القارة حَلِيف بني زهرَة أَصله مدنِي سكن الْإسْكَنْدَريَّة وَعَمْرو بن أبي عَمْرو مولى الْمطلب والْحَدِيث يشْتَمل على عدَّة أَحَادِيث الأول حَدِيث التمس لي غُلَاما الثَّانِي حَدِيث الِاسْتِعَاذَة أخرجه فِي الدَّعْوَات أَيْضا عَن قُتَيْبَة الثَّالِث حَدِيث صَفِيَّة أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الْغفار بن دَاوُد وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن أَحْمد وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن سعيد بن مَنْصُور عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بِبَعْضِه الرَّابِع حَدِيث أحد وَحَدِيث لابتي الْمَدِينَة أخرجه أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن القعْنبِي وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الِاعْتِصَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب وَعلي بن حجر وَعَن قُتَيْبَة وَسَعِيد بن مَنْصُور كِلَاهُمَا عَن يَعْقُوب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن الْأنْصَارِيّ وَهُوَ إِسْحَق بن مُوسَى (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لأبي طَلْحَة " زوج أم أنس واسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ وَقد مر غير مرّة قَوْله " يخدمني " بِالْجَزْمِ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَيجوز الرّفْع على تَقْدِير هُوَ يخدمني قَوْله " مردفي " من الإرداف وَالْوَاو فِي قَوْله وَأَنا غُلَام للْحَال قَوْله " راهقت الْحلم " أَي قاربت الْبلُوغ قَوْله " من الْهم والحزن " قَالَ الْخطابِيّ أَكثر النَّاس لَا يفرقون بَين الْهم والحزن وهما على اخْتِلَافهمَا فِي الِاسْم يتقاربان فِي الْمَعْنى إِلَّا أَن الْحزن إِنَّمَا يكون على أَمر قد وَقع والهم إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يتَوَقَّع وَلم يكن بعد وَقَالَ الْقَزاز الْهم هُوَ الْغم والحزن تَقول أهمني هَذَا الْأَمر وأحزنني وَيحْتَمل أَن يكون من همه الْمَرَض إِذا أذابه وأنحله مَأْخُوذ من هم الشَّحْم إِذا أذابه وَالشَّيْء مهموم أَي مذاب قَوْله " وضلع الدّين " بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَاللَّام أَي ثقل الدّين وَأمر مضلع أَي مثقل قَوْله " وَغَلَبَة الرِّجَال " قَالَ الْكرْمَانِي عبارَة عَن الْهَرج والمرج وَيُقَال غَلَبَة الرِّجَال عبارَة عَن توَحد الرجل فِي أمره وتغلب الرِّجَال عَلَيْهِ قَوْله " صَفِيَّة بنت حييّ " بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف المخففة وَتَشْديد الْيَاء الْأَخِيرَة وأخطب بِسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وشذ بالمهملتين وَحَدِيث صَفِيَّة قد مر فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب هَل يُسَافر الرجل بالجارية قبل أَن يَسْتَبْرِئهَا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْغفار بن دَاوُد عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن أنس بن مَالك قَالَ قدم النَّبِي ﷺ َ - خَيْبَر الحَدِيث إِلَى قَوْله حَتَّى تركب وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفِي قَوْله " عروسا " نعت يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث مادام فِي تعريسهما أَيَّامًا وَالْأَحْسَن أَن يُقَال للرجل معرس لِأَنَّهُ قد أعرس أَي اتخذ عرسا قَوْله " سد الصهبا " اسْم مَوضِع قَوْله " حَيْسًا " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة وَهُوَ طَعَام يتَّخذ من التَّمْر والأقط وَالسمن وَقد يَجْعَل عوض الأقط الدَّقِيق أَو الفتيت قَوْله " فِي نطع " بِفَتْح النُّون وَكسرهَا وَسُكُون الطَّاء وَفتحهَا أَربع لُغَات قَوْله " يحوي " أَي يَجْعَل العباءة لَهَا حوية يَجْعَلهَا حول سَنَام الْبَعِير وَفِي الْعين الحوية مركب يهيأ للْمَرْأَة وَيُقَال الحوية كسَاء محشو قَوْله " هَذَا جبل يحبنا " قد مر عَن قريب فِي بَاب فضل الْخدمَة فِي الْغَزْو وَكَذَلِكَ حَدِيث لابتي الْمَدِينَة قيل فِي صدر هَذَا الحَدِيث إِشْكَال قَالَه الدَّاودِيّ وَغَيره وَهُوَ أَن الظَّاهِر أَن ابْتِدَاء خدمَة أنس للنَّبِي ﷺ َ - من كَانَ أول مَا قدم الْمَدِينَة وَأَنه صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ خدمت النَّبِي ﷺ َ - تسع سِنِين وَفِي رِوَايَة عشر سِنِين وخيبر كَانَت سنة سبع فَيلْزم أَن يكون إِنَّمَا خدم أَربع سِنِين وَأجِيب بِأَن معنى قَوْله لأبي طَلْحَة التمس لي غُلَاما من غلمانك تعْيين من خرج مَعَه فِي تِلْكَ السفرة فعين لَهُ أَبُو طَلْحَة أنسا فينحط الالتماس على الاسْتِئْذَان فِي المسافرة بِهِ لَا فِي أصل الْخدمَة فَإِنَّهَا

стр. 4196

كَانَت مُتَقَدّمَة فيزول الْإِشْكَال بِهَذَا الْوَجْه فَافْهَم وَفِي الحَدِيث جَوَاز اسْتِخْدَام الْيَتِيم بِغَيْر أُجْرَة لِأَن أنسا كَانَ يَخْدمه من غير اشْتِرَاط أُجْرَة وَلَا نَفَقَة فَجَائِز على الْيَتِيم أَن تسلمه أمه أَو وَصِيّه وشبههما فِي الصِّنَاعَة والمهنة وَهُوَ لَازم لَهُ ومنعقد عَلَيْهِ وَفِي التَّوْضِيح وَفِيه جَوَاز اسْتِخْدَام الْيَتَامَى بشبعهم وكسوتهم وَجَوَاز الِاسْتِخْدَام لَهُم بِغَيْر نَفَقَة وَلَا كسْوَة إِذا كَانَ فِي خدمَة عَالم أَو إِمَام فِي الدّين لِأَنَّهُ لم يذكر فِي حَدِيث أنس أَن لَهُ أجر الْخدمَة وَإِن كَانَ قد يجوز أَن تكون نَفَقَته من عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - وَفِيه جَوَاز حمل الصّبيان فِي الْغَزْو كَمَا بوب لَهُ وَالله أعلم - ٤٧ - (بابُ مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة خُرُوج من غزا بصبي لأجل الْخدمَة بطرِيق التّبعِيَّة، وَإِن كَانَ لَا يُخَاطب بِالْجِهَادِ. ٥٧ - (بابُ ركوبِ البَحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ركُوب الْبَحْر، وَلكنه أطلق وَذكره فِي أَبْوَاب الْجِهَاد، يُشِير إِلَى تَخْصِيصه بالغزو للرِّجَال وَالنِّسَاء، فَإِذا جَازَ ركُوبه للْجِهَاد فللحج أجوز، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْأَظْهر، وَكره مَالك للْمَرْأَة الْحَج فِي الْبَحْر لِأَنَّهَا لَا تكَاد تستتر من الرِّجَال، وَمِنْهُم من منع ركُوب الْبَحْر مُطلقًا، لِأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يمْنَع النَّاس من ركُوب الْبَحْر فَلم يركبه أحد طول حَيَاته، وَلَا حجَّة فِي ذَلِك، لِأَن السّنة أباحته للرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْجِهَاد، وَهُوَ حَدِيث الْبَاب، وَغَيره. وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة فِي (غَرِيب الحَدِيث) من حَدِيث عمرَان الْجونِي: عَن زُهَيْر بن عبد الله يرفعهُ: من ركب الْبَحْر إِذا ارتج فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة، وَفِي رِوَايَة: يَلُومن إلَاّ نَفسه، وَزُهَيْر مُخْتَلف فِي صحبته. وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيثه فِي (تَارِيخه) فَقَالَ فِي رِوَايَته: عَن زُهَيْر عَن رجل من الصَّحَابَة، وَإِسْنَاده حسن، وَفِيه تَقْيِيد الْمَنْع بالارتجاج، وَمَفْهُومه الْجَوَاز عِنْد عَدمه وَهُوَ الْمَشْهُور من أَقْوَال الْعلمَاء، فَإِذا غلبت السَّلامَة فالبر وَالْبَحْر سَوَاء، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ (يُونُس: ٢٢) . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وأكبر ظَنِّي أَنه قَالَ: التج، باللَاّمِ، فَدلَّ على أَن ركُوبه مُبَاح فِي غير هَذَا الْوَقْت فِي كل شَيْء، فِي التِّجَارَة وَغَيرهَا. ٥٩٨٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيَى عنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بن حبَّانَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ حدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَاً فِي بَيتِهَا فاسْتَيْقَظَ وهْوَ يَضْحَكُ قالَتْ يَا رسولَ الله مَا يُضْحِكُكَ قَالَ عَجِبّتُ مِنْ قَوْمٍ مِنّ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ البَحْرَ كالمُلُوكِ علَى الأسِرِّةِ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنُ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ أنتِ مَعَهُمْ ثُمَّ نامَ فاسْتَيْقَظَ وهْو يَضْحَكُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثاً قُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَيقولُ أنْتِ مِنَ الأوَّلِينَ فتزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ فخَرَجَ بِهَا إِلَى الغَزْوِ فلَمَّا رَجَعَتْ قُرِّبَتْ دَابَّةٌ لَتَرْكَبَهَا فوَقَعَتْ فانْدَقَّتْ عُنُقُها. (انْظُر الْحَدِيثين ٨٨٧٢ و ٩٨٧٢ وطرافهما) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ الْقطَّان، وَمُحَمّد بن يحيى بن حبَان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن منقذ الْأنْصَارِيّ الْمدنِي. والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب غَزْو الْمَرْأَة فِي الْبَحْر، وَمضى أَيْضا فِي: بَاب من يصرع فِي سَبِيل الله، وَفِي: بَاب الدُّعَاء فِي الْجِهَاد. قَوْله: (قَالَ يَوْمًا) من القيلولة، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذِه الْأَبْوَاب مستقصىً. ٦٧ - (بابُ مَنِ اسْتَعَانَ بالضُّعَفَاءِ والصَّالِحِينَ فِي الحَرْبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اسْتَعَانَ ... إِلَى آخِره، يَعْنِي: ببركتهم ودعائهم. وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ أخبرَنِي أبُو سُفْيَانَ قَالَ قَالَ لِي قَيْصَرُ سألْتُكَ أشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ

стр. 4197

فَزَعَمْتَ أنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبِعُوهُ وهُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ وَجه ذكره عقيب التَّرْجَمَة هُوَ قَوْله: (فَزَعَمت أَن ضعفاءهم اتَّبعُوهُ وهم أَتبَاع الرُّسُل) وَهُوَ طرف من الحَدِيث الطَّوِيل الَّذِي فِي بَدْء الْوَحْي فِي أول الْكتاب، وَاسم أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب ضد الصُّلْح ابْن عبد شمس ابْن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الأومي الْمَكِّيّ، أسلم لَيْلَة الْفَتْح، نزل الْمَدِينَة وَمَات بهَا سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان بن عَفَّان، وَهُوَ وَالِد مُعَاوِيَة. وَقَيْصَر لقب هِرقل مَلَكَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة، فَفِي ملكه مَاتَ النَّبِي ﷺ . ٦٩٨٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ عنْ طَلْحَةَ عنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ قَالَ رأى سَعْدٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ لَهُ فَضْلاً علَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلَاّ بِضُعَفَائِكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أخبر بِأَنَّهُم لَا ينْصرُونَ إلَاّ بالضعفاء وَالصَّالِحِينَ فِي كل شَيْء، عملا بِإِطْلَاق الْكَلَام، وَلَكِن أهم ذَلِك وأقواه أَن يكون فِي الْحَرْب يستعينون بدعائهم ويتبركون بهم. وَمُحَمّد بن طَلْحَة بن مصرف ابْن عَمْرو اليامي. يروي عَن أَبِيه طَلْحَة بن مصرف، وَهُوَ يروي عَن مُصعب بن سعد بن أبي وَقاص. قَوْله: (رأى سعد) هُوَ ابْن أبي وَقاص، وَهُوَ وَالِد مُصعب الرَّاوِي عَنهُ، وَصُورَة هَذَا مُرْسل لِأَن مصعباً لم يدْرك زمَان هَذَا القَوْل. لكنه مَحْمُول على أَنه سمع ذَلِك عَن أَبِيه، وَقد وَقع التَّصْرِيح بذلك فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مسعر: عَن طَلْحَة بن مصرف عَن مُصعب عَن أَبِيه قَوْله: رأى، أَي: ظن، وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ. قَوْله: (أَن لَهُ فضلا على من دونه) أَي: من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، أَي: بِسَبَب شجاعته وَنَحْو ذَلِك من جِهَة الْغنى وَكَثْرَة المَال. قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَل تنْصرُونَ ... ؟) إِلَى آخِره. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا أَرَادَ ﷺ بِهَذَا القَوْل لسعدٍ الحض على التَّوَاضُع، وَنفي الْكبر والزهو على قُلُوب الْمُؤمنِينَ، وَأخْبر، ﷺ ، أَن بدعائهم ينْصرُونَ وَيُرْزَقُونَ، لِأَن عِبَادَتهم ودعاءهم أَشد إخلاصاً وَأكْثر خشوعاً لخلو قُلُوبهم من التَّعَلُّق بزخرف الدُّنْيَا وَزينتهَا، وصفاء ضمائرهم عَمَّا يقطعهم عَن الله تَعَالَى: جعلُوا هَمهمْ وَاحِدًا. فزكت أَعْمَالهم، وَأجِيب دعاؤهم. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِنَّمَا ينصر الله هَذِه الْأمة بضعفائهم بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم، وروى عبد الرَّزَّاق عَن مَكْحُول: أَن سَعْدا قَالَ: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت رجلا يكون حامية الْقَوْم وَيدْفَع عَن أَصْحَابه، أَن يكون نصِيبه كنصيب من غَيره؟ فَقَالَ ﷺ : (ثكلتك أمك يَا ابْن سعد، وَهل ترزقون وتنصرون إلَاّ بضعفائكم. ٧٩٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ وأنَّهُ سَمِعَ جابِراً عنْ أبِي سَعيدٍ الْخُدْرِي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يأتِي زَمانٌ يَغْزُو فَئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُقالُ نَعَمْ فَيُفْتحُ عَلَيْهِ ثُمَّ يأتِي زَمانٌ فيُقالُ فِيكُمْ منْ صَحِبَ أصْحَابَ النبِيِّ ﷺ فَيقالُ نَعَمْ فيُفْتَحُ ثُمَّ يَأتِي زَمانٌ فيُقالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صاحِبَ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَيقال نَعَمْ فيُفْتَحُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من صحب النَّبِي ﷺ وَمن صحب أَصْحَاب النَّبِي، وَمن صحب صَاحب أَصْحَاب النَّبِي ﷺ هم ثَلَاثَة: الصَّحَابَة والتابعون وَأَتْبَاع التَّابِعين، حصلت بهم النُّصْرَة لكَوْنهم ضعفاء فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر الدُّنْيَا، أقوياء فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر الْآخِرَة. وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن دِينَار، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ والصحابي، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه: سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن قُتَيْبَة، وَفِي فَضَائِل الصَّحَابَة عَن عَليّ ابْن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأحمد بن عَبدة، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن سعيد بن يحيى الْأمَوِي عَن أَبِيه. قَوْله: (فِئَام) ، بِكَسْر الْفَاء وَفتح الْهمزَة، وَيُقَال: فيام، بياء آخر الْحُرُوف مُخَفّفَة، وَفِيه لُغَة أُخْرَى وَهِي: فتح الْفَاء، ذكره

стр. 4198

ابْن عديس. وَفِي (التَّهْذِيب) : الْعَامَّة تَقول: فيام، وَهِي الْجَمَاعَة من النَّاس، قَالَ صَاحب (الْعين) : وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، قَوْله: (فِيكُم من صحب رَسُول الله، ﷺ وَفِي لفظ: هَل فِيكُم من رأى رَسُول الله ﷺ ، بدل: من صحب، وَهُوَ رد لقَوْل جمَاعَة من المتصوفة الْقَائِلين: إِن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ لم يره أحد فِي صورته، ذكره السَّمْعَانِيّ، وَقَالَ ابْن بطال: يشْهد لهَذَا الحَدِيث قَوْله ﷺ : (خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) . وَفِيه: معْجزَة لسيدنا رَسُول الله، ﷺ وفضيلة لأَصْحَابه وتابعيهم. ٧٧ - (بابٌ لَا يَقُولُ فلَانٌ شَهيدٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يُقَال فلَان شَهِيد، يَعْنِي: على سَبِيل الْقطع، إلَاّ فِيمَا ورد بِهِ الْوَحْي. وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ : الله أعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث مضى فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي: بَاب أفضل النَّاس مُؤمن مُجَاهِد بِنَفسِهِ وَمَاله، من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (بِمن يكلم) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: بِمن يجرح. ٨٩٨٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي حازمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ الْتَقَى هُوَ والمشْرِكُونَ فاقْتَتَلُوا فلَمَّا مَال رسولُ الله، ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَال الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أصْحَابِ رَسُول الله، ﷺ رجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شاذَّةً ولَا فاذَّةً إلَاّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالَ مَا أجْزَأ مِنَّا اليَوْمَ أحَدٌ كَما أجْزَ فُلانٌ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أمَا إنَّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ أَنا صاحِبُهُ فخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وقَفَ وقفَ مَعَهُ وإذَا أسْرَعَ أسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحَاً شَدِيداً فاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأرْضِ وذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ علَى سَيْفِهِ فقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرِّجُلُ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ أشْهَدُ أنَّكَ رسولُ الله قَالَ وَمَا ذاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفَاً أنَّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ فأعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فقُلْتُ أَنا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُم جُرِحَ جُرْحَاً شَدِيداً فاسْتَعْجلَ المَوْت فوَضعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأرْضِ وذبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فقَتَلَ نفْسَهُ فَقَالَ رسولُ الله، ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ فِيما يَبْدُو لِلنَّاسِ وهْوَ مِنْ أهْلِ النَّارِ وإنَّ الرَّجلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ النَّارِ فِيما يَبْدُو لِلنَّاسِ وهْوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الصَّحَابَة لما شهدُوا برجحان هَذَا الرجل فِي أَمر الْجِهَاد كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه شَهِيد لَو قتل، ثمَّ لما ظهر مِنْهُ أَنه لم يُقَاتل لله وَأَنه قتل نَفسه، علم أَنه لَا يُطلق على كل مقتول فِي الْجِهَاد أَنه شَهِيد قطعا، لاحْتِمَال أَن يكون مثل هَذَا، وَإِن كَانَ يُعْطي لَهُ حكم الشُّهَدَاء فِي الْأَحْكَام الظَّاهِرَة. وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد، وَقد مضى عَن قريب، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَفِي الْقدر جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (التقى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) ، وَكَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة خَيْبَر، وَقد أعَاد هَذَا الحَدِيث بِعَين هَؤُلَاءِ

стр. 4199

الرِّجَال وَعين هَذَا الْمَتْن فِي: بَاب غَزْوَة خَيْبَر، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ فِي يَوْم أحد قَوْله: (وَفِي أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ رجل) ، واسْمه قزمان وَهُوَ مَعْدُود فِي الْمُنَافِقين، وَكَانَ تخلف يَوْم أحد فَعَيَّرَهُ النِّسَاء وقلن لَهُ: مَا أَنْت إِلَّا امْرَأَة، فَخرج فَكَانَ أول من رمى بِسَهْم ثمَّ كسر جفن سَيْفه. ونادى: يَا آل الْأَوْس قَاتلُوا على الأحساب، فَلَمَّا خرج مر بِهِ قَتَادَة بن النُّعْمَان فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا لَك الشَّهَادَة، فَقَالَ: إِنِّي وَالله مَا قَاتَلت على دين، مَا قَاتَلت إلَاّ على الْحفاظ، ثمَّ قتل نَفسه، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر. قَوْله: (لَا يدع لَهُم شَاذَّة) ، بشين وذال معجمتين، والفاذة، بِالْفَاءِ وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة، قَالَ الْخطابِيّ: الشاذة هِيَ الَّتِي كَانَت فِي الْقَوْم ثمَّ شذت مِنْهُم، والفاذة من لم يخْتَلط مَعَهم أصلا، فوصفه بِأَنَّهُ لَا يبقي شَيْئا إِلَّا أَتَى عَلَيْهِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الشاذة والفاذة مَا صغر وَكبر ويركب كل صَعب وَذَلُول، وَيُقَال: أنث الْكَلِمَتَيْنِ على وَجه الْمُبَالغَة، كَمَا قَالُوا: عَلامَة ونسابة، وَقيل: أنث الشاذة لِأَنَّهَا بِمَعْنى النَّسمَة. قَوْله: (مَا أجرأ) ، بجيم وزاي وهمزة، يَعْنِي: مَا أغْنى وَلَا كفى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَذَا صحت فِيهِ رِوَايَتَانِ رباعياً. وَفِي (الصِّحَاح) أجزأني الشَّيْء: كفاني، وجزا عني هَذَا الْأَمر، أَي: قضى. قَوْله: (وذبابه) ذُبَاب السَّيْف طرفه الَّذِي يضْرب بِهِ، وَقَالَ ابْن فَارس: ذُبَاب السَّيْف حَده. قَوْله: (بَين ثدييه) ، قَالَ ابْن فَارس: الثدي للْمَرْأَة وَالْجمع الثدي يذكر وَيُؤَنث، وتندوة الرجل كثدي الْمَرْأَة، وَهُوَ مَهْمُوز إِذا ضم أَوله، فَإِذا فتح لم يهمز، وَيُقَال: هُوَ طرف الثدي. قَوْله: (ثمَّ تحامل) ، أَي: مَال، يُقَال: تحاملت على الشَّيْء إِذا تكلفت الشَّيْء على مشقته. قَوْله: (فِيمَا يَبْدُو) أَي: فِيمَا يظْهر. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْقَتْل هُوَ مَعْصِيّة وَالْعَبْد لَا يكفر بالمعصية فَهُوَ من أهل الْجنَّة لِأَنَّهُ مُؤمن؟ قلت: لَعَلَّ رَسُول الله، ﷺ ، علم بِالْوَحْي أَنه لَيْسَ مُؤمنا، أَو أَنه سيرتد حَيْثُ يسْتَحل قتل نَفسه، أَو المُرَاد من كَونه من أهل النَّار: أَنه من العصاة الَّذين يدْخلُونَ النَّار ثمَّ يخرجُون مِنْهَا. انْتهى. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على أَنه كَانَ معدوداً فِي الْمُنَافِقين، أَو على قَوْله: قَاتَلت على دين، لما تكلّف بِهَذِهِ الترديدات. وَفِيه: صدق الْخَبَر عَمَّا يكون وَخُرُوجه على مَا أخبر بِهِ الشَّارِع، وَهُوَ من عَلَامَات النُّبُوَّة. وَفِيه: زِيَادَة تطمين فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ، أَلَا ترى أَن الرجل حِين رأى أَنه قتل نَفسه، قَالَ: حِين أخبر بِهِ الرَّسُول، ﷺ : أشهد أَنَّك لرَسُول الله. وَفِيه: أَن الإعتبار بالخواتيم وبالنيات. وَفِيه: أَن الله يُؤَيّد دينه بِالرجلِ الْفَاجِر. ٨٧ - (بابُ التَحْرِيضِ علَى الرَّمْيِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التحريض أَي: الْحَث على الرَّمْي بِالسِّهَامِ. وقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وأعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وعَدُوَّكُمْ﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . (وَقَول الله) ، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: التحريض الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذِه الْآيَة فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب من احْتبسَ فرسا فِي سَبِيل الله، وَالْمرَاد بِالْقُوَّةِ الرَّمْي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا فسر الْقُوَّة بِالرَّمْي وَإِن كَانَت الْقُوَّة تظهر بإعداد غَيره من آلَات الْحَرْب، لكَون الرَّمْي أَشد نكاية فِي الْعَدو وأسهل مُؤنَة، لِأَنَّهُ قد يَرْمِي رَأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خَلفه. ٩٩٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ سلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مرَّ النَّبِيُّ ﷺ علَى نفَرٍ مِنْ أسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فإنَّ أبَاكُمْ كانَ رَامِياً ارْمُوا وَأَنا مَعَ بَنِي فُلانٍ قَالَ فأمْسَكَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ بأيْدِيهِمْ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ مالَكُمْ لَا تَرْمُونَ قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وأنْتَ مَعَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ارْمُوا فأنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ.

стр. 4200

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ارموا بني إِسْمَاعِيل) وَفِي قَوْله: (ارموا) فِي موضِعين أَيْضا. وَفِيه تحريض على الرَّمْي أَيْضا. وحاتم بن إِسْمَاعِيل أَبُو إِسْمَاعِيل الْكُوفِي؛ سكن الْمَدِينَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد مصغر عبد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، والأكوع اسْمه: سِنَان بن عبد الله الْأَسْلَمِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن قُتَيْبَة وَفِي مَنَاقِب قُرَيْش عَن مُسَدّد. قَوْله: (من أسلم) أَي: من بني أسلم، الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة، وَهِي بِلَفْظ: أفعل التَّفْضِيل من السَّلامَة. قَوْله: (ينتضلون) بالضاد الْمُعْجَمَة أَي يترامون، يُقَال: انتصل الْقَوْم إِذا رموا للسبق والنضال. قَوْله: (ارموا بني إِسْمَاعِيل) أَي: يَا بني إِسْمَاعِيل، وحرف النداء مَحْذُوف، وَفِي كتاب ابْن مطير من حَدِيث أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَن النَّبِي ﷺ مر بِنَفر يرْمونَ، فَقَالَ: (رمياً بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ رامياً) . وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) : عَن أبي هُرَيْرَة: خرج النَّبِي ﷺ وَأسلم يرْمونَ، فَقَالَ: إرموا بني إِسْمَاعِيل فَأن أَبَاكُم كَانَ رامياً، إرموا وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع، فَأمْسك الْقَوْم قسيهم، قَالُوا: من كنت مَعَه غلب، قَالَ: إرموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ. انْتهى. وَاسم ابْن الأدرع: محجن، قَالَه ابْن عبد الْبر، وَحكى ابْن مَنْدَه: أَن اسْمه سَلمَة، قَالَ: والأدرع لقب، واسْمه ذكْوَان، وَالله أعلم. قَوْله: (فَإِن أَبَاكُم كَانَ رامياً) ، وَذكر ابْن سعد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم: أَخْبرنِي بكر بن سوَادَة سمع عَليّ بن رَبَاح، يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : كل الْعَرَب من ولد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي كتاب الزبير: حَدثنِي إِبْرَاهِيم الْحزَامِي حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عمرَان عَن مُعَاوِيَة بن صَالح الْحِمْيَرِي عَن ثَوْر عَن مَكْحُول قَالَ ﷺ : الْعَرَب كلهَا بَنو إِسْمَاعِيل إِلَّا أَربع قبائل: السّلف والأوزاع وحضرموت وَثَقِيف، وَرَوَاهُ صاعد فِي كتاب (الفصوص) تأليفه، من حَدِيث عبد الْعَزِيز ابْن عمرَان عَن مُعَاوِيَة: أَخْبرنِي مَكْحُول عَن مَالك بن يخَامر وَله صُحْبَة، فَذكره. قَوْله: (وَأَنا مَعَ بني فلَان) قد مر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: وَأَنا مَعَ محجن بن الأدرع. قَوْله: (قَالُوا: كَيفَ نرمي وَأَنت مَعَهم؟) من الْقَائِلين هَذَا نَضْلَة الْأَسْلَمِيّ، ذكره ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن سُفْيَان بن فَرْوَة الْأَسْلَمِيّ عَن أَشْيَاخ من قومه من الصَّحَابَة، قَالَ: بَينا محجن بن الأدرع يناضل رجلا من أسلم يُقَال لَهُ: نَضْلَة ... فَذكر الحَدِيث. وَفِيه، فَقَالَ نَضْلَة، وَألقى قوسه من يَده: وَالله لَا أرمي مَعَه وَأَنت مَعَه. قَوْله: (وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ) بِكَسْر اللَّام، وَسُئِلَ: كَيفَ كَانَ رَسُول الله، ﷺ مَعَ الْفَرِيقَيْنِ وَأَحَدهمَا غَالب وَالْآخر مغلوب؟ وَأجِيب بِأَن المُرَاد مِنْهُ معية الْقَصْد إِلَى الْخَيْر وَإِصْلَاح النِّيَّة والتدرب فِيهِ لِلْقِتَالِ. وَفِي الحَدِيث دلَالَة على رُجْحَان قَول من قَالَ من أهل النّسَب: إِن الْيمن من ولد إِسْمَاعِيل وَأسلم من قحطان. وَفِيه: إِطْلَاق الْأَب على الْجد وَإِن علا. وَفِيه: أَن السُّلْطَان يَأْمر رِجَاله بتَعَلُّم الفروسية ويحض عَلَيْهَا خُصُوصا الرَّمْي بِالسِّهَامِ. وَقد وَردت فِيهِ أَحَادِيث تدل على فَضله والتحريض عَلَيْهِ. فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن أبي نجيح، يَعْنِي عَمْرو بن عَنْبَسَة يرفعهُ: من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله فَهُوَ لَهُ عدل مُحَرر، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن كَعْب بن مرّة: من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله فَبلغ الْعَدو، أَو لم يبلغ، كَانَ لَهُ كعتق رَقَبَة. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن حبَان عَن كَعْب بن مرّة: هَذَا، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: من بلغ الْعَدو بِسَهْم رفع الله لَهُ دَرَجَة، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن النحام، وَمَا الدرجَة يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أما إِنَّهَا لَيست بِعتبَة أمك، مَا بَين الدرجتين مائَة عَام. وَمِنْهَا: مَا ذكره فِي (الخلعيات) من حَدِيث الرّبيع بن صبيح عَن الْحسن عَن أنس: يدْخل الله بِالسَّهْمِ الْجنَّة ثَلَاثَة: الرَّامِي بِهِ وصانعه والمحتسب بِهِ. وَفِي لفظ: من اتخذ قوساً عَرَبِيَّة وجفيره يَعْنِي: كِنَانَته نفى الله عَنهُ الْفقر، وَفِي لفظ: أَرْبَعِينَ سنة. قلت: ذكر الْخَطِيب أَن الخسن هَذَا هُوَ ابْن أبي الْحَسْنَاء. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي رَاشد الحبراني عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رأى رَسُول الله، ﷺ رجلا يَرْمِي بقوس فارسية، فَقَالَ: إرم بهَا، ثمَّ نظر إِلَى قَوس عَرَبِيَّة، فَقَالَ: عَلَيْكُم بِهَذِهِ وأمثالها فَإِن بِهَذِهِ يُمكن الله لكم فِي الْبِلَاد ويزيدكم فِي النَّصْر، وَذكر الْبَيْهَقِيّ عَن أبي عبد الرَّحْمَن بن عَائِشَة، أَنَّهَا قَالَت: قَالَ قَالَ أهل الْعلم، إِنَّمَا نهى عَن الْقوس الفارسية لِأَنَّهَا إِذا انْقَطع وترها لم ينْتَفع بهَا صَاحبهَا، والعربية إِذا انْقَطع وترها كَانَت لَهُ عَصا ينْتَفع بهَا.

стр. 4201

٠٠٩٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ الغَسِيلِ عنْ حَمْزَةَ بنِ أبِي أُسَيْدٍ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْر حِينَ صَفَفْنا لِقُرَيْشٍ وصَفُّوا لَنا إذَا أكْتَبُوكُمْ فعَلَيْكُمْ بالنَّبْلِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَعَلَيْكُم بِالنَّبلِ) ، فَإِنَّهُ تحريض على الرَّمْي بِالسِّهَامِ، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وَعبد الرَّحْمَن ابْن الغسيل هُوَ عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر الراهب، وحَنْظَلَة هُوَ غسيل الْمَلَائِكَة، مر فِي الْجُمُعَة فِي: بَاب من قَالَ أما بعد، وَحَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: ابْن أبي أسيد، بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين وَإِسْكَان الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَأَبُو أسيد اسْمه مَالك السَّاعِدِيّ الخزرجي مر فِي: بَاب من شكا إِمَامه. قَوْله: (حِين صففنا لقريش) قَالَ الْخطابِيّ: وَفِي بعض النّسخ: حِين أففنا، مَكَان: صففنا، فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه الْقرب مِنْهُم والتدلي عَلَيْهِم. كَأَن مكانهم الَّذِي كَانُوا فِيهِ أهبط من مصَاف هَؤُلَاءِ، وَمِنْه قَوْلهم: أَسف الطَّائِر فِي طيرانه إِذا انحط إِلَى أَن يُقَارب وَجه الأَرْض، ثمَّ يطير صاعداً. قَوْله: (إِذا اكثبو) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، يُقَال: أكثبك الصَّيْد إِذا أمكنك أَو قرب مِنْك، وَالْمعْنَى هُنَا: إِذا دنوا مِنْكُم وقاربوكم، وَفِي (الغريبين) : إِذا كثبوكم من الكثب بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْقرب، وَقد اسْتشْكل بِأَن الَّذِي يَلِيق بالدنو المطاعنة بِالرُّمْحِ وَالْمُضَاربَة بِالسَّيْفِ، وَأما الَّذِي يَلِيق برمي النبل فالبعد، وَالْجَوَاب أَنه لَا إِشْكَال فِيهِ، وَالْمعْنَى هُوَ الَّذِي مر ذكره، لأَنهم إِذا لم يقربُوا ورموهم على بعد قد لَا تصل إِلَيْهِم وَتذهب نبالهم ضيَاعًا، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث حَمْزَة بن أبي أسيد عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، حِين اصطففنا يَوْم بدر: إِذا غشوكم فارموهم بِالنَّبلِ واستبقوا نبلكم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: إِذا أكثبوكم فارموهم وَلَا تسلوا السيوف حَتَّى يغشوكم. وَقَالَ الدَّاودِيّ: معنى أكثبوكم: كاثروكم، ورد عَلَيْهِ هَذَا التَّفْسِير بِأَنَّهُ لَا يعرف. قَوْله: (فَعَلَيْكُم بِالنَّبلِ) ، أَي: لازموها، والنبل جمع نبلة وَيجمع على نبال أَيْضا، وَهِي: السِّهَام الْعَرَبيَّة اللطاف. ٩٧ - (بابُ اللَّهْوِ بالحِرَابِ ونَحْوِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة اللَّهْو بالحراب، بِكَسْر الْحَاء: جمع الحربة. قَوْله: وَنَحْوهَا، أَي: نَحْو الحراب من آلَات الْحَرْب كالسيف والقوس والنبل. ١٠٩٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ بَيْنَا قَالَ بَيْنا الحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ فأهْوَى إِلَى الحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِها فَقَالَ دَعْهُمْ يَا عُمَرُ. وزَادَ عَلَيَّ قَالَ حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ فِي المَسْجِدِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر الحراب؟ قلت: ورد ذكره فِي بعض طرقه فِي حَدِيث عَائِشَة، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب أَصْحَاب الحراب فِي الْمَسْجِد. وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَهِشَام بن يُوسُف، وَمعمر بن رَاشد، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَابْن الْمسيب سعيد. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْعِيد عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد. قَوْله: (فَأَهوى) ، أَي: قصد، والحصى: جمع حَصَاة. قَوْله: (فحصبهم بهَا) أَي: رماهم بالحصى. قَوْله: (دعهم أَي: اتركهم. قَوْله: (وَزَاد عَليّ) ، أَي: ابْن الْمَدِينِيّ، وَالزِّيَادَة هِيَ لَفْظَة: فِي الْمَسْجِد، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وزادنا عَليّ، وَفِي (التَّوْضِيح) : واللعب بالحراب سنة ليَكُون ذَلِك عدَّة للقاء الْعَدو، وليتدرب النَّاس فِيهِ. وَلم يعلم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، معنى ذَلِك حِين حصبهم حَتَّى قَالَ لَهُ ﷺ : دعهم. وَفِيه: أَن من تَأَول فأخطٌ لَا لوم عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ﷺ لم يوبخ عمر إِذْ كَانَ متأولاً، وَقَالَ ابْن التِّين: حصبُ عمر الْحَبَشَة يحْتَمل أَن يكون ظن أَنه لم ير رَسُول الله، ﷺ وَلم يعلم أَنه رَآهُمْ أَو يكون

стр. 4202

ظن أَنه استحيى مِنْهُم، وَهَذَا أولى لقَوْله: يَلْعَبُونَ عِنْد رَسُول الله، ﷺ . وَفِيه: جَوَاز مثل هَذَا اللّعب فِي الْمَسْجِد إِذا كَانَ فِيمَا يَشْمَل النَّاس لعبه. ٠٨ - (بابُ المِجَنِّ ومنْ يتَتَرَّسُ بِتَرْسِ صاحِبِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْمِجَن، وَهُوَ بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْجِيم وَتَشْديد النُّون، وَهُوَ الدرقة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ الترس لِأَنَّهُ يواري حامله أَي يستره، وَالْمِيم زَائِدَة. قَوْله: (وَمن يتترس) أَي: وَفِي ذكر من يتترس أَي: يسْتَتر بترس صَاحبه ٢٠٩٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عبدُ الله قَالَ أخبرنَا الأوْزَاعِيُّ عنْ إسْحَاقَ ابنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ أبُو طَلْحَةَ يتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِترْسٍ واحِدٍ وكانَ أبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ فَكانَ إذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعَ نَبْلِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الْمِجَن والتستر بترس صَاحبه. وَأحمد بن مُحَمَّد أَبُو حسن الْخُزَاعِيّ الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَالْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن وَإِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، وَسَيَأْتِي بأتم من هَذَا فِي غَزْوَة أحد. قَوْله: (يتترس مَعَ النَّبِي ﷺ بترس وَاحِد) لِأَن الرَّامِي لَا يمسك الترس لِأَنَّهُ يَرْمِي بيدَيْهِ جَمِيعًا فيستره رَسُول الله، ﷺ لِئَلَّا يَرْمِي، وَكَانَ حسن الرَّمْي، وانكسر فِي يَده قوسان أَو ثَلَاثَة، وَفِي رِوَايَة أَنه كَانَ يَقُول لرَسُول الله، ﷺ : لَا تَنْصَرِف فيصيبك الْعَدو وَنَحْرِي دون نحرك. وَفِي حَدِيث سهل: لما أُصِيب سيدنَا رَسُول الله، ﷺ يَوْم أحد بِمَا ذكر من كسر الْبَيْضَة والرباعية، وَهِي السن الَّتِي بَين الثَّنية والناب وأدمى وَجهه عتبَة بن أبي وَقاص أَخُو سد، ورماه بَان قميئة، وَقَالَ: خذنا وَأَنا ابْن قميئة، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ : (أقماك الله فِي النَّار) . فَدخل بعد ذَلِك فِي صبرَة غنم فَنَطَحَهُ تَيْس مِنْهَا وَرَاءه فَلم يُوجد لَهُ مَكَان، وَأَرَادَ أبيُّ بن خلف أَن يرميه فَأَرَادَ أَبُو طَلْحَة أَن يحول بَينه وَبَينه فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : كَمَا أَنْت، وَرمى رَسُول الله، ﷺ ، فَأَصَابَهُ تَحت سابغة الدرْع فِي نَحره فَمَاتَ من يَوْمه. قَوْله: (تشرف) ، يُقَال تشرف الرجل إِذا تطلع على شَيْء من فَوق، ويروى (يشرف) ، بِضَم الْيَاء من الإشراف. ٣٠٩٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلٍ قَالَ لما كُسِرَتْ بَيْضةُ النَّبِيِّ ﷺ علَى رأسِهِ وأُدْمِيَ وجْهُهُ وكْسِرَتْ رَباعِيَتُهُ وكانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالمَاءِ فِي المِجَنِّ وكَانَتْ فاطِمَةُ تغْسِلُهُ فلَمَّا رأتِ الدَّمَ يَزِيدُ علَى المَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فأحْرَقَتْها وألْصَقَتْهَا على جُرْحِهِ فرَقَأَ الدَّم.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي الْمِجَن) . وَيَعْقُوب وَأَبُو حَازِم سَلمَة، وَسَهل بن سعد قد مضوا عَن قريب. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة، وَقد مضى الْكَلَام الْآن فِي قَوْله: (لما كسرت بَيْضَة النَّبِي ﷺ إِلَى قَوْله: (وَكَانَ عَليّ) والبيضة، بِفَتْح الْبَاء: الخودة. قَوْله: (وَكَانَ عَليّ) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (يخْتَلف بِالْمَاءِ) مرّة بعد أُخْرَى. قَوْله: (كَثْرَة) ، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (عَمَدت) ، أَي: قصدت. قَوْله: (فرقأ الدَّم) ، بِفَتْح الرَّاء وبالهمز، أَي: فسكن عَن الجري. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : يُقَال: رقأ الدَّم والدمع إِذا سكن بعد جريه. وَفِيه: امتحان الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وإبلاؤهم ليعظم بذلك أجرهم وَيكون أُسْوَة بِمن ناله جرح وألم من أَصْحَابه فَلَا يَجدونَ فِي أنفسهم مِمَّا نالهم غَضَاضَة، وَلَا يجد الشَّيْطَان السَّبِيل إِلَيْهِم بِأَن يَقُول لَهُم: تقتلون أَنفسكُم وتحملون الآلام فِي صون هَذَا، وَإِذا أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُم فقدت هَذِه المكيدة من اللعين وتأسى النَّاس بِهِ وجدوا فِي مساواتهم لَهُ فِي جَمِيع أَحْوَالهم. وَفِيه: خدمَة

стр. 4203

الإِمَام وبذل السِّلَاح. وَفِيه: دَلِيل على أَن ترسهم كَانَ مقعراً وَلم يكن منبسطاً، فَلذَلِك كَانَ يُمكن حمل المَاء فِيهِ. وَفِيه: أَن النِّسَاء ألطف بمعالجة الرِّجَال والجرحى. ٤٠٩٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحَدَثَانِ عنْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ الله عَلَى رسُوله ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونِ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكاب فَكانَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ خَاصَّة وكانَ يُنْفِقُ علَى أهْلِهِ نفَقَةَ سنَتِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلاحِ والكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ الله.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ يَجْعَل مَا بَقِي) إِلَى آخِره، لِأَن الْمِجَن من جملَة آلَات السِّلَاح، وَعلي بن عبد الله هُوَ المسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَمَالك بن أَوْس بن الْحدثَان، بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالثاء الْمُثَلَّثَة كلهَا بِالْفَتْح، مر فِي الزَّكَاة. قيل: إِن لَهُ صُحْبَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن عباد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجراح عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأحمد بن عَبدة الضَّبِّيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب، وَفِيه، وَفِيه فِي قسم الْفَيْء عَن عبيد الله بن سعيد وَفِي التَّفْسِير عَن عبيد الله بن سعيد أَيْضا وَيحيى بن مُوسَى وَهَارُون ابْن عبد الله. قَوْله: (بني النَّضِير) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: بَنو النَّضِير وَبَنُو قُرَيْظَة بطْنَان من الْيَهُود من بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (مِمَّا أَفَاء الله) من الْفَيْء، وَهُوَ مَا حصل للْمُسلمين من أَمْوَال الْكفَّار من غير حَرْب وَلَا جِهَاد. قَوْله: (مِمَّا لم يوجف) من الإيجاف، وَهُوَ الْإِسْرَاع فِي السّير، وَيُقَال: وجف الْبَعِير يجِف وجفاً ووجيفاً، وَهُوَ ضرب من سيره، وأوجفه صَاحبه إِذا سَار بِهِ ذَلِك السّير، وَقَالَ ابْن فَارس: أوجف أعنق فِي السّير، وَالْمعْنَى: لم يعملوا فِيهِ سعياً لَا بِالْخَيْلِ وَلَا بالركاب وَهِي الْإِبِل، وَكَانَت غَزْوَة بني النَّضِير فِي سنة أَربع، وقا الزُّهْرِيّ فِي سنة ثَلَاث. قَوْله: (فَكَانَت لرَسُول الله، ﷺ خَاصَّة) ، أَي: فَكَانَت أَمْوَال بني النَّضِير لرَسُول الله، ﷺ على الْخُصُوص لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد، وَعَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان، قَالَ: أرسل إِلَيّ عمر بن الْخطاب فَدخلت عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّه قد حضر أهل أبيان من قَوْمك، وَإِنَّا قد أمرنَا لَهُم يرضح فاقسمه بَينهم. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مر بذلك غَيْرِي، قَالَ إقبضه أَيهَا الْمَرْء، فَبينا أَنا كَذَلِك، إِذْ جَاءَ برقاء مَوْلَاهُ فَقَالَ: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان وَسعد يستأذنون، فَقَالَ: إيذن لَهُم، ثمَّ مكث سَاعَة ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: هَذَا عَليّ وَالْعَبَّاس يستأذنان، فَقَالَ: إيذن لَهما، فَلَمَّا دخل الْعَبَّاس، قَالَ: إقضِ بيني وَبَين هَذَا الغادر الْفَاجِر الخائن، وهما حِينَئِذٍ يختصمان فِيمَا أَفَاء الله على رَسُوله من أَمْوَال بني النَّضِير، فَقَالَ الْقَوْم: إقسم بَينهمَا يَا أَمِير المؤمين، فأرح كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه فقد طَالَتْ خصومتهما، فَقَالَ: أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي بِإِذْنِهِ تقوم السَّمَوَات وَالْأَرْض، أتعلمون أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة؟ قَالُوا: قد قَالَ ذَلِك، ثمَّ قَالَ لَهما: أتعلمان أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة؟ قَالَا: نعم، قَالَ: فسأخبركم بِهَذَا الْفَيْء: أَن الله تَعَالَى خص نبيه بِشَيْء لم يُعْطه غَيره فَقَالَ: و ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب﴾ (الْحَشْر: ٦) . وَكَانَت هَذِه لرَسُول الله، ﷺ خَاصَّة، فوَاللَّه مَا اخْتَارَهَا دونكم وَلَا استأثرها دونكم وَلَقَد قسمهَا عَلَيْكُم حَتَّى بَقِي مِنْهَا هَذَا المَال، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ينْفق على أَهله مِنْهُ نَفَقَة سنتهمْ ثمَّ يَجْعَل مَا بَقِي فِي مَال الله، قَوْله: (والكراع) ، وَهُوَ اسْم للخيل. قَوْله: (عدَّة) ، وَهِي الاستعداد، وَمَا أعددته لحوادث الدَّهْر من السِّلَاح وَنَحْوه. ٥٠٩٢ - حدَّثنا قَبِيصَةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمُ قَالَ حدَّثني عبْدُ الله بنُ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ مَا رَأيْتُ النبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي. .

стр. 4204

قيل: دُخُول هَذَا الحَدِيث هُنَا لَا وَجه لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُطَابق وَاحِدًا من جزئي التَّرْجَمَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ أثبت أَن شبويه قبل هَذَا الحَدِيث لفظ: بَاب بِغَيْر تَرْجَمَة فَعلى هَذَا يكون لَهُ وَجه من حَيْثُ أَن الرَّامِي لَا يَسْتَغْنِي عَن شَيْء بَقِي بِهِ نَفسه من سِهَام من يَقْصِدهُ. قلت: هَذَا لَا يَخْلُو عَن تعسف، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: وَجه الْمُنَاسبَة أَن فِيهِ ذكر الرَّمْي، وَكَذَلِكَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب فِيهِ ذكر الرَّمْي، فَهَذَا الْقدر كَاف فِي ذَلِك. وَقبيصَة بِفَتْح الْقَاف هُوَ ابْن عقبَة، قد تكَرر ذكره، وَزعم أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) أَن لفظ قبيصَة هُنَا تَصْحِيف من الْكَاتِب، وَأَن الصَّوَاب: حَدثنَا قُتَيْبَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قلت: كَأَنَّهُ علل بِأَن المُرَاد من سُفْيَان هُنَا هُوَ الثَّوْريّ، وَأَن قُتَيْبَة لم يسمع من الثَّوْريّ، وَلَكِن لَا مَانع أَن يكون لكل وَاحِد من السفيانين هَذَا الحَدِيث. وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب هَذَا الحَدِيث من طَرِيق يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَأخرجه فِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن أبي نعيم وَعَن بسرة ابْن صَفْوَان، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن بنْدَار عَن يحيى عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن بنْدَار عَن غنْدر بِهِ. قَوْله: (يفدى) ، مضارع فدَاه، إِذا قَالَ لَهُ: جعلت فدَاك، وَكَذَا فدَاه بِنَفسِهِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْفِدَاء إِذا كسر أَوله يمد وَيقصر وَإِذا فتح فَهُوَ مَقْصُور يُقَال: قُم فدى لَك أبي. قَوْله: (بعد سعد) أَي: سعد بن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة المبشرة، وَقَالَ الْخطابِيّ: التفدية من رَسُول الله، ﷺ دُعَاء، وأدعيته خليق أَن تكون مستجابة، وَادّعى الْمُهلب أَن هَذَا مِمَّا خص بِهِ سعد، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، أَنه فدى الزبير بذلك، وَلَعَلَّ عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لم يسمعهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد جَمعهمَا لغَيْرِهِمَا، أَيْضا، والتفدية بذلك جَائِزَة عِنْد الْجُمْهُور، وَكَرِهَهُ عمر بن الْخطاب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَكَرِهَهُ بَعضهم فِي التفدية بِالْمُسلمِ من أَبَوَيْهِ، وَالصَّحِيح الْجَوَاز مُطلقًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقِيقَة فدَاء، وَإِنَّمَا هُوَ بر ولطف وإعلام بمحبته لَهُ، وَقد وَردت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بالتفدية مُطلقًا. فَإِن قلت: روى أَبُو سَلمَة عَن ابْن الْمُبَارك عَن الْحسن: دخل الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على رَسُول الله، ﷺ وَهُوَ شَاك، فَقَالَ: كَيفَ تجدك جعلني الله فدَاك؟ فَقَالَ ﷺ : مَا تركت أعرابيتك بعد، وَقَالَ الْحسن: لَا يَنْبَغِي أَن يفْدي أحد أحدا، وَرَوَاهُ الْمُنْكَدر عَن أَبِيه مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، قَالَ: دخل الزبير ... فَذكره. قلت: هَذَا غير صَحِيح لِأَن الأول مُرْسل وَالثَّانِي ضَعِيف، وَقَالَ الطَّبَرِيّ، هَذِه أَخْبَار واهية، لِأَن مَرَاسِيل الْحسن أَكْثَرهَا صحف غير سَماع، وَإِذا وصل الْأَخْبَار فَأكْثر رِوَايَته عَن مَجَاهِيل لَا يعْرفُونَ، والمنكدر بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عِنْد أهل النَّقْل لَا يعْتَمد على نَقله، وعَلى تَقْدِير الصِّحَّة لَيْسَ فِيهِ النَّهْي عَن ذَلِك، وَالْمَعْرُوف من قَول الْقَائِل إِذا قَالَ: فلَان لم يتْرك أعرابيته، أَنه نسبه إِلَى الْجفَاء لَا إِلَى فعل مَا لَا يجوز، وأعلمه أَن غَيره من القَوْل والتحية ألطف وأرق مِنْهُ دُعَاء. قَوْله: (فدَاك أبي وَأمي) أَي: مفدى لَك أبي وَأمي: فَقَوله: أبي، مُبْتَدأ، وَأمي عطف عَلَيْهِ، و: فدَاك، خَبره مقدما، وَقد يُوهم هَذَا القَوْل أَن فِيهِ إزراء بِحَق الْوَالِدين، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَنَّهُمَا مَاتَا كَافِرين، وَسعد مُسلم ينصر الدّين وَيُقَاتل الْكفَّار، فتفديته بِكُل كَافِر غير مَحْذُور، قَالَه الْخطابِيّ. قلت: القَوْل بِأَنَّهُمَا مَاتَا كَافِرين غير جيد، لما قيل: إِن الله أحياهما لأَجله، ﷺ ، بل الْوَجْه فِي هَذَا أَن هَذَا القَوْل بالتفدية لأجل إِظْهَار الْبر والمحبة، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وللأبوة حُرْمَة كَيفَ كَانَت، وَعَن مَالك: من آذَى مُسلما فِي أَبَوَيْهِ الْكَافرين عُوقِبَ وأدب لحرمتهما عَلَيْهِ. ١٨ - (بابُ الدَّرَقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة اتِّخَاذ الدرق، وَهُوَ جمع: درقه، وَهِي الحجفة، وَيُقَال: هُوَ الترس الَّذِي يتَّخذ من الْجُلُود. ٦٠٩٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ عَمْرٌ وحدَّثني أبُو الأسْوَدِ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا دَخَلَ علَيَّ رسولُ الله، ﷺ وعِنْدِي جارِيَتَانِ تُغنِّيانِ بِغِنَاءِ بُعاثَ

стр. 4205

فاضْطَجَعَ عَلى الفِرَاشِ وحَوَّلَ جْهَهُ فدَخَلَ أبُو بَكْرٍ فانْتَهَرَنِي وَقَالَ مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رسولِ الله، ﷺ فأقْبَلَ عَلَيْهِ رسولُ الله، ﷺ فَقال دَعْهُمَا فلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجْنَا. قالَتْ وكانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بالدَّرَقِ والحِرَابِ فإمَّا سَألْتُ رَسولَ الله ﷺ وإمَّا قالَ تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ فقالَتْ نَعَمْ فأقَامَنِي ورَاءَهُ علَى خَدِّهِ ويَقُولُ دُونَكُمْ بَني أرْفِدَةَ حَتَّى مَلِمْتُ قَالَ حَسْبُكِ قُلْتُ نعَمْ قَالَ فاذْهَبِي.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بالدرق) . وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وَأَبُو الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن نَوْفَل الْمدنِي، يَتِيم عُرْوَة، وَكَانَ أَبوهُ أوصى بِهِ إِلَى عُرْوَة بن الزبير، فَقيل لَهُ: يَتِيم عُرْوَة، لذَلِك. وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مضى فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب الحراب والدرق يَوْم الْعِيد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، و: الْغناء، بِالْكَسْرِ وَالْمدّ، و: بُعَاث، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة غير منصرف: يَوْم حَرْب كَانَ بَين الْأَوْس والخزرج بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ ينشد الشّعْر وَيذكر مفاخر نَفسه، و: المزمار، بِالْهَاءِ وَالْمَشْهُور بِدُونِهِ. قَوْله: (فَلَمَّا عمل) أَي: اشْتغل بِعَمَل قَوْله: تنظرين، ويروى: تنظري، وَذَلِكَ جَائِز. قَوْله: (دونكم) كلمة الإغراء. قَوْله: (بني أرفدة) أَي: يَا بني أرفدة، وأرفدة، بِفَتْح الْفَاء وَكسرهَا لقب جنس من الْحَبَش يرقصون، وَقيل: أرفدة اسْم أَبِيهِم الأقدم، وَقَالَ ابْن بطال: نِسْبَة إِلَى جدهم وَكَانَ يُسمى أرفدة. قَالَ أبُو عَبْدِ الله قَالَ أحْمَدُ عنِ ابنِ وهْبٍ فلَمَّا غفَلَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأحمد هُوَ ابْن أبي صَالح الْمصْرِيّ، يَعْنِي روى بِلَفْظ غفل من الْغَفْلَة. ٢٨ - (بابُ الْحَمائِلِ وتَعْلِيقِ السَّيْفِ بالْعُنُقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حمائل السَّيْف، وَهِي جمع حمالَة بِالْكَسْرِ، وَهِي علاقَة مثل السَّيْف الْمحمل، هَذَا قَول الْخَلِيل، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حمائل من السَّيْف لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَإِنَّمَا وَاحِدهَا: محمل، وَقَالَ بَعضهم: الحمائل جمع حميلة، قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، والحميلة مَا حمله السَّيْل من الغثاء. وَقَوله: (تَعْلِيق السَّيْف) ، أَي: وَفِي جَوَاز تَعْلِيق السَّيْف بالعنق. ٨٠٩٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ وأشْجَعَ النَّاسِ ولَقَدْ فَزِعَ أهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ فاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وقَدِ اسْتَبْرَأ الخَيْرَ وهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأِبِي طَلْحَةَ عُرُيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وهْوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا ثُمَّ قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرَاً أوْ قَالَ إنَّهُ لَبَحْرٌ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَفِي عُنُقه السَّيْف) فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ ذكر الحمائل. قلت: الحمائل من جملَة السَّيْف، وَذكر السَّيْف يدل عَلَيْهِ. والْحَدِيث مر عَن قريب فِي: بَاب ركُوب الْفرس العري، وَفِي: بَاب الشجَاعَة فِي الْحَرْب، وَفِي غَيرهمَا وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وَقد اسْتَبْرَأَ) أَي: حقق الْخَبَر قَوْله: لم تراعوا، وَقع فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني مرَّتَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: لَا تخافوا وَالْعرب تَتَكَلَّم بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَاضِعَة كلمة: لم، مَوضِع كلمة: لَا. قَوْله: (وحدناه بحراً) أَي: وجدنَا هَذَا الْفرس وَاسع الجري كَمَاء الْبَحْر كَأَنَّهُ يسبح فِي جريه كَمَا يسبح مَاء الْبَحْر إِذا ركب بعض أمواجه بَعْضًا. قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي أَي: لَو قَالَ النَّبِي ﷺ : إِنَّه لبحجر، وَهَذَا أبلغ من الأول فِي وَصفه بالجري الْقوي.
следующие страницы →