← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

٥١٨٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدَّثَنا سُفْيَانُ عنْ عَبْدِ الله عنْ عَمْرَو سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقولُ اصْطَبَحَ ناسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ فقِيلَ لِسُفْيَانَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ لَيْسَ هَذَا فيهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (شُهَدَاء) ، وَالْخمر الَّتِي شَرِبُوهَا ذَلِك الْيَوْم لم تَضُرهُمْ لِأَنَّهَا كَانَت مُبَاحَة فِي وَقت شربهم، وَلِهَذَا أثنى الله عَلَيْهِم بعد مَوْتهمْ، وَرفع عَنْهُم الْخَوْف والحزن. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار الْمَكِّيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن صَدَقَة بن الْفضل وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد. قَوْله: (اصطبح) ، أَي: شربوا الْخمر صَبُوحًا، والصبوح الشّرْب بِالْغَدَاةِ، وَهُوَ خلاف الغبوق، واصطبح الرجل: شرب صَبُوحًا. قَوْله: (فَقيل لِسُفْيَان: من آخر ذَلِك الْيَوْم) ، يَعْنِي: فِي الحَدِيث هَذَا اللَّفْظ مَوْجُود، وَهُوَ قَوْله: من آخر ذَلِك الْيَوْم. قَالَ سُفْيَان: لَيْسَ هَذَا فِيهِ، أَي: لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ مرويا فِي الحَدِيث: فَإِن قلت: أخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق القواريري عَن سُفْيَان بِهَذِهِ الزِّيَادَة، وَلَكِن بِلَفْظ: اصطبح قوم الْخمر أول النَّهَار وَقتلُوا آخر النَّهَار شُهَدَاء. قلت: لَعَلَّ سُفْيَان كَانَ نَسيَه ثمَّ تذكر، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان، بِدُونِ الزِّيَادَة. وَأخرجه فِي تَفْسِير الْمَائِدَة عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن سُفْيَان بإثباتها. ٠٢ - (بابُ ظِلِّ المَلَائِكَةِ عَلى الشَّهِيدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ظلّ الْمَلَائِكَة على الشَّهِيد. ٦١٨٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قَالَ أخْبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ الْمُنْكَدِرِ أنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ جِيءَ بِأبِي إِلَى النبيِّ ﷺ وقدْ مُثِّلَ بِهِ ووُضِعَ بيْنَ يَدَيْهِ فذَهَبْتُ أكْشِفُ عنْ وَجْهِهِ فَنَهَانِي قَوْمِي فَسَمِعَ صَوْتَ صائِحَةٍ فَقيلَ ابْنَةُ عَمْرٍ وأو أخْتُ عَمْرٍ وفقال لِمَ تَبْكِي أوْ لَا تَبْكِي مَا زَالَتِ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِهَا قُلْتُ لِصَدَقَةَ أفِيهِ حَتَّى رُفِعَ قَالَ رُبَّمَا قالَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله) ، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قلت لصدقة) ، الْقَائِل هُوَ البُخَارِيّ، وَصدقَة بن الْفضل شَيْخه فِيهِ. قَوْله: (أفيه؟) الْهمزَة للاستفهام على وَجه الاستخبار، أَي أَفِي الحَدِيث لفظ حَتَّى رفع؟ قَوْله: (قَالَ: رُبمَا قَالَه) أَي: قَالَ سُفْيَان: رُبمَا قَالَه جَابر وَلم يجْزم بِهِ، وَجزم بِهِ فِي الْجَنَائِز حَيْثُ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: حَتَّى رفع، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحميدِي وَجَمَاعَة عَن سُفْيَان. ١٢ - (بابُ تَمَنِّي الْمُجَاهِدِ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تمني الْمُجَاهِد أَن يرجع، كلمة: إِن، مَصْدَرِيَّة أَي: تمنى الْمُجَاهِد الَّذِي جَاهد فِي سَبِيل الله ثمَّ قتل رُجُوعه إِلَى الدُّنْيَا لما يرى من الكرامات للشهداء. ٧١٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا أحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا ولَهُ مَا عَلى الأرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلَاّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٩٧٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر وَقد تكَرر ذكره. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي

стр. 4132

الْجِهَاد عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ. قَوْله: (مَا أحد) فِي رِوَايَة أبي خَالِد: مَا من نفس. قَوْله: (يدْخل الْجنَّة) ، فِي رِوَايَة أبي خَالِد لَهَا: عِنْد الله خير. قَوْله: (وَله مَا على الأَرْض من شَيْء) ، وَفِي رِوَايَة أبي خَالِد، وَأَن لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَوْله: (لما يرى من الْكَرَامَة) ، أَي: لأجل مَا يرَاهُ من الْكَرَامَة للشهداء، وَفِي رِوَايَة أبي خَالِد، لما يرى من فضل الشَّهَادَة، وَلم يقل: عشر مَرَّات. وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أجل مَا جَاءَ فِي فضل الشَّهَادَة، وَالله أعلم. ٢٢ - (بابٌ الجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: الْجنَّة تَحت بارقة السيوف، وَهَذَا من بَاب إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، يُقَال: برق السَّيْف بروقاً إِذا تلألأ. وَقد تطلق البارقة، وَيُرَاد بهَا نفس السيوف، وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة، نَحْو: شجر الْأَرَاك، وَقيل: كَأَن البُخَارِيّ أَرَادَ بالترجمة أَن السيوف لما كَانَت لَهَا بارقة شُعَاع كَانَ لَهَا أَيْضا ظلّ تحتهَا، وَترْجم: ببارقة، يُرِيد لمع السيوف من قَوْلهم: نَاقَة بروق إِذا لمعت بذنبها من غير لقاح، وَهُوَ مثل: الْجنَّة تَحت ظلال السيوف، وَقَالَ ابْن بطال: هُوَ من البريق، وَهُوَ مَعْرُوف. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: أبرق الرجل بِسَيْفِهِ إِذا لمع بِهِ، وَسمي السَّيْف: إبريقاً، وَهُوَ إفعيل من البريق. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمار بن يَاسر بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه قَالَ يَوْم صفّين: الْجنَّة تَحت الأبارقة. وَقَالَ بَعضهم: الصَّوَاب البارقة، وَهِي: السيوف اللامعة. قلت: قَالَ الْخطابِيّ: الأبارقة جمع إبريق، وَسمي السَّيْف إبريقاً كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَكَذَلِكَ فسر ابْن الْأَثِير كَلَام عمار: الْجنَّة تَحت الأبارقة، أَي: تَحت السيوف، فَلَا وَجه حِينَئِذٍ لدعوى الصَّوَاب. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ قَالَ أخبرنَا نَبِيُّنَا ﷺ عنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا قَالَ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صارَ إِلَى الجَنَّةِ وَجه دُخُوله تَحت التَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن كَون الْمَقْتُول مِنْهُم إِلَى الْجنَّة دَاخل بارقة السيوف، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله فِي الْجِزْيَة بِتَمَامِهِ. قَوْله: (عَن رِسَالَة رَبنَا) ، ثَبت فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده. وَقَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ألَيْسَ قَتْلانَا فِي الجَنَّةِ وقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ قَالَ بَلَى وَجه هَذَا مثل وَجه الْمُعَلق السَّابِق، وَوَصله البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من حَدِيث سهل بن حنيف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٨١٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وحدَّثنا أبُو إسْحَاقَ عنْ مُوساى ابنِ عُقْبَةَ عنْ سالِمٍ أبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله وكانَ كاتِبَهُ قَالَ كَتبَ إلَيْهِ عبدُ الله بنُ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السيوف لما كَانَت لَهَا بارقة شُعَاع كَانَ لَهَا أَيْضا ظلّ تحتهَا، وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، وَأَصله كُوفِي، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْجُمُعَة بِلَا وَاسِطَة. وَأَبُو إِسْحَاق، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ السبيعِي، وَهَذَا سَهْو، وَلَيْسَ إلَاّ أَبَا إِسْحَاق الْفَزارِيّ، واسْمه: إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، سكن المصيصة من الشَّام، مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ عَن عبد الله بن مُحَمَّد فِي الْجِهَاد فِي موضِعين. وَأخرجه فِي الْجِهَاد أَيْضا عَن يُوسُف بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أبي صَالح مَحْبُوب ابْن مُوسَى. قَوْله: (وَكَانَ كَاتبه) أَي: كَانَ سَالم كَاتب عبد الله بن أبي أوفى، وَقد سَهَا الْكرْمَانِي سَهوا فَاحِشا حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ سَالم كَاتب عمر بن عبيد الله، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كتب إِلَيْهِ) أَي: إِلَى عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَكَانَ أَمِيرا على حَرْب الْخَوَارِج. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ من الْكِتَابَة فِي شَيْء لِأَنَّهُ لم يكْتب لسالم، إِنَّمَا

стр. 4133

كَانَت الْكِتَابَة لعمر بن عبيد الله، فَأخْبر بالواقع فَصَارَ وجادة فِيهَا شوب من الِاتِّصَال. قَوْله: (إِن الْجنَّة تَحت ظلال السيوف) أَي: إِن ثَوَاب الله وَالسَّبَب الْموصل إِلَى الْجنَّة عِنْد الضَّرْب بِالسُّيُوفِ فِي سَبِيل الله، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: المُرَاد أَن دُخُول الْجنَّة يكون بِالْجِهَادِ، والظلال جمع: ظلّ، فَإِذا دنى الشَّخْص من الشَّخْص صَار تَحت ظلّ سَيْفه، وَإِذا تدانى الخصمان صَار كل وَاحِد مِنْهُمَا تَحت ظلّ سيف الآخر، فالجنة تُنال بِهَذَا. تَابَعَهُ الأُوَيْسِيُّ عنِ ابنِ أبِي الزِّنَادِ عنْ مُوساى بنِ عُقْبَةَ يَعْنِي: الأويسي عبد الْعَزِيز بن عبد الله العامري تَابع مُعَاوِيَة بن عَمْرو الَّذِي رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَاق عَن مُوسَى بن عقبَة، وَهَذِه الْمُتَابَعَة رَوَاهَا البُخَارِيّ فِي خَارج (الصَّحِيح) عَن الأويسي، وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الْجِهَاد. قلت: نسبته إِلَى أويس، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر السِّين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى أويس بن سعد، أحد أجداد عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور. ٣٢ - (بابُ مَنْ طَلَبَ الوَلَدَ لِلْجِهَادِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من نوى عِنْد المجامعة مَعَ أَهله حُصُول الْوَلَد ليجاهد فِي سَبِيل الله فَيحصل لَهُ بذلك أجر لأجل نِيَّته وَإِن لم يحصل لَهُ ولد. ٩١٨٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسُولِ الله ﷺ قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ داوُدَ ﵉ لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ علَى مِائَةِ امْرَأةٍ أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ يأتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله فَقَالَ لَهُ صاحِبُهُ قُلْ إنْ شَاءَ الله فَلَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ الله فلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلَاّ امْرَأةٌ واحِدَةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إنْ شاءَ الله لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله فرْسَاناً أجْمَعُونَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، كَذَا أخرجه البُخَارِيّ مُعَلّقا. وَأخرجه فِي سِتَّة مَوَاضِع مُسندَة: مِنْهَا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج من طَرِيق اللَّيْث رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم من حَدِيثه. قَوْله: (لأطوفن اللَّيْلَة) وَوَقع فِي رِوَايَة: لأطيفن. وَقَالَ الْمبرد: كِلَاهُمَا صَحِيح، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الدوران حول الشَّيْء، وَهُوَ هَهُنَا كِنَايَة عَن الْجِمَاع، وَاللَّام فِيهِ للقسم، لِأَن هَذِه اللَّام هِيَ الَّتِي تدخل على جَوَاب الْقسم، وَكَثِيرًا مَا تحذف مَعهَا الْعَرَب الْمقسم بِهِ اكْتِفَاء بدلالتها على الْمقسم بِهِ، لَكِنَّهَا لَا تدل على مقسم بِهِ معِين. قَوْله: (أَو تسع وَتِسْعين) ، شكّ من الرَّاوِي وَفِي لفظ: سِتِّينَ امْرَأَة، وَفِي رِوَايَة (سبعين) ، وَفِي رِوَايَة: (مائَة) ، من غير شكّ وَفِي أُخْرَى: (تِسْعَة وَتِسْعين) ، من غير شكّ وَلَا مُنَافَاة بَين هَذِه الرِّوَايَات لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِك الْقَلِيل نفي الْكثير، وَهُوَ من مَفْهُوم الْعدَد، وَلَا يعْمل بِهِ جُمْهُور أهل الْأُصُول. قَوْله: (بِفَارِس) ، وَفِي رِوَايَة: بِغُلَام. قَوْله: (يُجَاهد) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة فَارس. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ صَاحبه) ، قيل: يُرِيد بِهِ وزيره من الْإِنْس وَالْجِنّ. وَقيل: الْملك، كَمَا ذكره فِي النِّكَاح، وَفِي مُسلم فَقَالَ لَهُ صَاحبه أَو الْملك، وَهُوَ شكّ من أحد رُوَاته، وَفِي رِوَايَة لَهُ: فَقَالَ لَهُ صَاحبه، بِالْجَزْمِ من غير تردد، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فَإِن كَانَ صَاحبه فيعني بِهِ وزيره من الْإِنْس أَو من الْجِنّ، وَإِن كَانَ الْملك فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ بِالْوَحْي، قَالَ: وَقد أبعد من قَالَ هُوَ خاطره، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قيل: المُرَاد بِصَاحِبِهِ هُوَ الْملك، وَهُوَ الظَّاهِر من لَفظه وَقيل: القرين. وَقيل: صَاحب لَهُ آدَمِيّ. قلت: الصَّوَاب أَنه هُوَ الْملك كَمَا ذكره فِي النِّكَاح كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَلم يقل: إِن شَاءَ الله) ، فَلم يقل سُلَيْمَان ﷺ : إِن شَاءَ الله بِلِسَانِهِ، لَا أَنه غفل عَن التَّفْوِيض إِلَى الله تَعَالَى بِقَلْبِه، فَإِنَّهُ لَا يَلِيق بِمنْصب النُّبُوَّة، وَإِنَّمَا هَذَا كَمَا اتّفق لنبينا ﷺ لما سُئِلَ عَن الرّوح وَالْخضر وَذي القرنين، فَوَعَدَهُمْ أَن يَأْتِي بِالْجَوَابِ غَدا جَازِمًا بِمَا عِنْده من معرفَة الله تَعَالَى وَصدق وعده فِي تَصْدِيقه وَإِظْهَار كَلمته، لكنه ذهل عَن النُّطْق بهَا، لَا عَن التَّفْوِيض بِقَلْبِه

стр. 4134

فاتفق أَن يتَأَخَّر الْوَحْي عَنهُ، وَرمي بِمَا رمي بِهِ لأجل ذَلِك، ثمَّ علمه الله بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا، إلَاّ أَن يَشَاء الله﴾ (الْكَهْف: ٣٢) . فَكَانَ بعد ذَلِك يسْتَعْمل هَذِه الْكَلِمَة حَتَّى فِي الْوَاجِب. قَوْله: (فَلم تحمل مِنْهُم) ، أَي: من مائَة امْرَأَة. قَوْله: (إلَاّ امْرَأَة وَاحِدَة جَاءَت بشق رجل) وَفِي رِوَايَة: بشق غُلَام، فِي أُخْرَى: نصف إِنْسَان، وَفِي أُخْرَى: فَلم تحمل شَيْئا إلَاّ وَاحِدًا سقط أحدى شقيه. قَوْله: (فُرْسَانًا) حَال، وَهُوَ جمع فَارس. قَوْله: (أَجْمَعُونَ) ، بِالرَّفْع لتأكيد ضمير الْجمع الَّذِي فِي قَوْله: لَجَاهَدُوا، وَيجوز أَجْمَعِينَ بِالنّصب تَأْكِيدًا لقَوْله: فُرْسَانًا، إِن صحت الرِّوَايَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الحض على طلب الْوَلَد لنِيَّة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَقد يكون الْوَلَد بِخِلَاف مَا أمله فِيهِ، وَلَكِن لَهُ الْأجر فِي نِيَّته وَعَمله. وَفِيه: أَن من قَالَ: إِن شَاءَ الله، وتبرأ من مَشِيئَته وَلم يُعْط الْحَظ لنَفسِهِ فِي أَعماله، فَهُوَ حري أَن يبلغ أمله، وَيُعْطى أمْنِيته، وَلَيْسَ كل من قَالَ قولا وَلم يسْتَثْن فِيهِ الْمَشِيئَة بِوَاجِب أَن لَا يبلغ أمله، بل مِنْهُم من شَاءَ الله بإتمام أمله، وَمِنْهُم من يَشَاء أَن لَا يتمه، بِمَا سبق فِي علمه، لَكِن هَذِه الَّتِي أخبر عَنْهَا سيدنَا رَسُول الله، ﷺ أَنَّهَا مِمَّا لَو اسْتثْنى لتم أمله، فَدلَّ هَذَا على أَن الأقدار فِي علم الله، ، على ضروب، فقد يقدر للْإنْسَان الرزق وَالْولد والمنزلة إِن فعل كَذَا، أَو قَالَ أَو دَعَا، فَإِن لم يفعل وَلَا قَالَ لم يقدر ذَلِك الشَّيْء. وأصل هَذَا فِي قصَّة يُونُس، ﵊، فلولا أَنه كَانَ من المسبحين للبث فِي بَطْنه، فَبَان بِهَذَا أَن تسبيحه كَانَ سَبَب خُرُوجه من بطن الْحُوت، وَلَو لم يسبح مَا خرج مِنْهُ. وَفِيه: أَن الِاسْتِثْنَاء ليمضي فِيهِ الْقدر السَّابِق كَمَا سبق وَفِيه أَن الِاسْتِثْنَاء يكون بأثر القَوْل، وَإِن كَانَ فِيهِ سكُوت يسير لم يَنْقَطِع بِهِ دونه فصَال الحائلة بَينه وَبَين الِاسْتِثْنَاء وَالْيَمِين. وَفِيه: مَا كَانَ الله تَعَالَى خص بِهِ الْأَنْبِيَاء من صِحَة البنية وَكَمَال الرجولية مَعَ مَا كَانُوا فِيهِ من المجاهدات فِي الْعِبَادَة، وَالْعَادَة فِي مثل هَذَا لغَيرهم الضعْف عَن الْجِمَاع، لَكِن خرق الله تَعَالَى لَهُم الْعَادة فِي أبدانهم، كَمَا خرقها لَهُم فِي معجزاتهم وأحوالهم، فَحصل لِسُلَيْمَان،

стр. 4135

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الإطاقة أَن يطَأ فِي لَيْلَة مائَة امْرَأَة ينزل فِي كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ مَاء، وَلَيْسَ فِي الْأَخْبَار مَا يحفظ فِيهِ صَرِيحًا غير هَذَا، إلَاّ مَا ثَبت عَن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، أَنه أعطي قُوَّة ثَلَاثِينَ رجلا فِي الْجِمَاع. وَفِي (الطَّبَقَات) : أَرْبَعِينَ. وَقَالَ مُجَاهِد: أعطي قُوَّة أَرْبَعِينَ رجلا، كل رجل من أهل الْجنَّة. وَهِي قُوَّة أَكثر من قُوَّة سُلَيْمَان، ﵇، وَكَانَ إِذا صلى الْغَدَاة دخل على نِسَائِهِ فَطَافَ عَلَيْهِنَّ بِغسْل وَاحِد، ثمَّ يبيت عِنْد الَّتِي هِيَ لَيْلَتهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا على تَوْفِيَة حُقُوق الْأزْوَاج، وَلَيْسَ يقدر على ذَلِك غَيره مَعَ قلَّة الْأكل. فَإِن قلت: قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: يدْخل على كل نِسَائِهِ فيدنو من كل امْرَأَة مِنْهُنَّ يقبل ويلتمس من غير مَسِيس وَلَا مُبَاشرَة، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام عَن أَبِيه. قلت: هَذَا ضَعِيف، وَسمعت بعض الْمَشَايِخ الْكِبَار الثِّقَات: أَن كل نَبِي، ﵊، من الْأَنْبِيَاء، ﵈، أعطي قُوَّة أَرْبَعِينَ رجلا، وَنَبِينَا، ﷺ ، أعطي قُوَّة أَرْبَعِينَ نَبيا فَيكون لَهُ قُوَّة ألف وسِتمِائَة رجل، فَاعْتبر من هَذَا صبره وزهده كَيفَ قنع بتسع نسْوَة. وَفِيه: أَنه لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله، لم يَحْنَث. وَفِيه: دلَالَة على أَنه أقسم على شَيْئَيْنِ: الْوَطْء والولادة، وَفعل الْوَطْء حَقِيقَة وَالِاسْتِيلَاد لم يتم، إِذْ لَو تمّ لم يقل ذَلِك فِيهِ. وَفِيه: أَن هَذَا مَحْمُول على أَن نَبينَا ﷺ أُوحِي إِلَيْهِ بذلك، وَهَذَا من خَصَائِص نَبينَا ﷺ فِي اطِّلَاعه على أَخْبَار الْأَنْبِيَاء السالفة والأمم. وَفِيه: دلَالَة على جَوَاز قَوْله: لَو وَلَوْلَا، بعد وُقُوع الْمَقْدُور، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن كثير من ذَلِك، وَفِي كَلَام الصَّحَابَة وَالسَّلَف، وَسَيَأْتِي تَرْجَمَة البُخَارِيّ: هَذَا بَاب مَا يجوز من اللو، وَأما النَّهْي عَن ذَلِك، وَأَنَّهَا تفتح عمل الشَّيْطَان فَمَحْمُول على من يَقُول ذَلِك مُعْتَمدًا على الْأَسْبَاب معرضًا عَن الْمَقْدُور أَو متضجراً مِنْهُ. وَفِيه: أَنه، ﵊، نبه هُنَا على آفَة التَّمَنِّي والإعراض عَن التقويض وَالتَّسْلِيم، وَمن آفته نِسْيَان سُلَيْمَان، ﵊، الِاسْتِثْنَاء لَا يكون إلَاّ بِاللَّفْظِ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ النِّيَّة، وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْعُلَمَاء كَافَّة، وَادّعى بَعضهم أَن قِيَاس قَول مَالك: إِن الْيَمين تَنْعَقِد بِالنِّيَّةِ وَيصِح الِاسْتِثْنَاء بهَا من غير لفظ وَمنع ذَلِك. وَفِيه: جَوَاز الْإِخْبَار عَن الشَّيْء ووقوعه فِي الْمُسْتَقْبل بِنَاء على الظَّن، فَإِن هَذَا الْإِخْبَار رَاجع إِلَى ذَلِك. وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: أجَاز أَصْحَابنَا الْحلف على الظَّن الْمَاضِي، وَقَالُوا: يجوز أَن يحلف على خطّ مُوَرِثه إِذا وثق بِخَطِّهِ وأمانته، وجوزوا الْعَمَل بِهِ واعتماده. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّعْبِير بِاللَّفْظِ الْحسن عَن غَيره، فَإِنَّهُ عبر عَن الْجِمَاع بِالطّوافِ، نعم، لَو دعت ضَرُورَة شَرْعِيَّة إِلَى التَّصْرِيح بِهِ لم يعدل عَنهُ. فَإِن قلت: من أَيْن لِسُلَيْمَان، ﵊، أَن الله تَعَالَى يخلق من مائَة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مائَة غُلَام؟ لَا جَائِز أَن يكون بِوَحْي، لِأَنَّهُ مَا وَقع وَلَا أَن يكون الْأَمر فِي ذَلِك إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يكون إلَاّ مَا يُرِيد. قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّه من جنس التَّمَنِّي على الله وَالسُّؤَال لَهُ، ، أَن يفعل، وَالْقسم عَلَيْهِ كَقَوْل أنس بن النَّضر: وَالله لَا تكسر ثنية الرّبيع، قيل: قَول أنس لَيْسَ بتمنٍ، ألَا تَرَى أَن الشَّارِع سَمَّاهُ قسما، فَقَالَ: (إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لَأَبَره) ، فَسَماهُ قسما وَلم يسمه تمنياً. ٤٢ - (بابُ الشَّجَاعَةِ فِي الحَرْبِ والجبْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مدح الشجَاعَة فِي الْحَرْب، وَفِي بَيَان ذمّ الْجُبْن فِيهِ، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي آخِره نون: الْخَوْف، وَأما الْجُبْن الَّذِي يُؤْكَل فَهُوَ بتَشْديد النُّون. ٠٢٨٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ واقِدٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النبِيُّ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ وأشْجَعَ النَّاسِ وأجْوَدَ النَّاسِ ولَقَدْ فَزِعَ أهْلُ المَدِينَةِ فكانَ النبِيُّ ﷺ سَبَقَهُمْ عَلى فَرَسٍ وَقَالَ وجَدْنَاهُ بَحْرَاً.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَشْجَع النَّاس) أَي: فِي الْحَرْب، وَفسّر ذَلِك بقوله: وَلَقَد فزع أهل الْمَدِينَة ... إِلَى آخِره. وَأحمد بن عبد الْملك بن وَاقد، بِالْقَافِ وبالدال الْمُهْملَة: الْحَرَّانِي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وبالنون. مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الخدم لِلْمَسْجِدِ، إلَاّ أَنه نسبه ثمَّة إِلَى جده. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وقتيبة فرقهما فِي الْجِهَاد، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عَمْرو بن مَيْمُون. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن يحيى بن يحيى وَسَعِيد وَابْن مَنْصُور وَأبي الرّبيع وَأبي كَامِل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن قُتَيْبَة وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي صَالح مُحَمَّد بن زنبور الْمَكِّيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ. قَوْله: (فزع) ، بِكَسْر الزَّاي، يُقَال: فزع يفزع فَزعًا. أَي: خَافَ أهل الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة لَيْلًا. قَوْله: (سبقهمْ على فرس) يُقَال لَهُ مَنْدُوب، كَانَ لأبي طَلْحَة على مَا يَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَجَدْنَاهُ بحراً) ، أَي: كالبحر وَاسع الجري. وَفِيه: اسْتِعْمَال الْمجَاز حَيْثُ شبه الْفرس بالبحر، لِأَن الجري مِنْهُ لَا يَنْقَطِع كَمَا لَا يَنْقَطِع مَاء الْبَحْر، وَأول من تكلم بِهَذَا رَسُول الله ﷺ . وَفِيه: اسْتِعَارَة الدَّوَابّ للحرب وَغَيره، وركوب الدَّابَّة عُريَانا لاستعجال الْحَرَكَة، ثمَّ إِنَّه ذكر فِي الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاء من صِفَات النَّبِي، ﷺ ، وَهِي: الأحسنية والأشجعية والأجودية. قَالَ حكماء الْإِسْلَام: للْإنْسَان قوًى ثَلَاث: الْعَقْلِيَّة والغضبية والشهوية، وَكَمَال الْقُوَّة الغضبية الشجَاعَة، وَكَمَال الْقُوَّة الشهوية الْجُود، وَكَمَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة الْحِكْمَة. وَالْأَحْسَن إِشَارَة إِلَيْهِ لِأَن حسن الصُّورَة تَابع لاعتدال المزاج، واعتدال المزاج تَابع لصفاة النَّفس الَّذِي بِهِ جودة القريحة، وَهَذِه الثَّلَاث هِيَ أُمَّهَات الْأَخْلَاق. ١٢٨٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرِ ابنِ مُطْعِمٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ جُبَيْرِ قَالَ أَخْبرنِي جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ أنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رسولِ الله ﷺ ومَعَهُ النَّاسُ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْألُونَهِ حتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ اعْطُونِي رِدَائي لَوْ كانَ لِي عَدَدُ هاذِهِ العِضَاهِ نَعَماً لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً ولَا كَذُوباً وَلَا جَبَاناً. (الحَدِيث ١٢٨٢ طرفه فِي: ٨٤١٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ لَا تجدوني) إِلَى آخِره، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعمر بن مُحَمَّد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن مطعم، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِطْعَام النَّوْفَلِي الْقرشِي، قَالَ الْكرْمَانِي: وَكَثِيرًا يروي

стр. 4136

الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بِدُونِ وَاسِطَة عمر. قلت: لم يروِ عَن عمر بن مُحَمَّد بن جُبَير غير الزُّهْرِيّ، وَقد وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ، وَفِيه رد على من زعم أَن شَرط البُخَارِيّ أَن لَا يروي الحَدِيث الَّذِي يُخرجهُ أقل من اثْنَيْنِ، عَن أقل من اثنني، فَإِن هَذَا الحَدِيث مَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن جُبَير غير وَلَده، ثمَّ مَا رَوَاهُ عَن عمر غير الزُّهْرِيّ، هَذَا مَعَ تفرد الزُّهْرِيّ بالرواية عَن عمر مُطلقًا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (وَمَعَهُ النَّاس) ، أَي: وَمَعَ النَّبِي ﷺ . قَوْله: (مقفله) أَي: زمَان قفوله، أَي: رُجُوعه، وَهُوَ: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْفَاء. قَوْله: (من حنين) ، هُوَ وَاد بَين مَكَّة والطائف، وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان. قَوْله: (فعلقه النَّاس) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام الْمَكْسُورَة بعْدهَا قَاف، أَي: فتعلقوا بِهِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فطفقت، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (يسألونه) ، حَال. قَوْله: (حَتَّى اضطروه) ، أَي: ألجؤه إِلَى سَمُرَة، وَهِي وَاحِدَة السمر، وَهِي شجر طوال متفرق الرؤوس قَلِيل الظل صغَار اورق قصار الشوك جيد الْخشب وَله نوار أصفر وصمغ أَبيض قَلِيل الْمَنْفَعَة، وَيخرج من السمرَة شَيْء يشبه الدَّم، يُقَال: حَاضَت السمرَة، إِذا خرج مِنْهَا ذَلِك. قَوْله: (العضاه) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره هَاء: يقرؤ فِي الْوَصْل وَالْوَقْف بِالْهَاءِ، وَهُوَ كل شجر عَظِيم لَهُ شوك، وَوَاحِد العضاه: عضاهة وعضهة وعضة، حذفوا مِنْهَا الْأَصْلِيَّة كَمَا حذفت فِي: شفة، ثمَّ ردَّتْ فِي عضاه كَمَا ردَّتْ فِي شفَاه وتصغر على عضيهة وينسب إِلَيْهَا، فَيُقَال: بعير عضهي للَّذي يرعاها، وبعير عضاهي وإبل عضاهية، وَقَالَ ابْن التِّين: ويقرؤ بِالْهَاءِ وَقفا ووصلاً، وَهُوَ شجر الشوك: كالطلح والعوسج والسدر. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ على ضَرْبَيْنِ: خَالص: كالعرف والطلح وَالسّلم والسيال والسمر والقتاد والغرب، وَغير خَالص: كالشوحط والنبع والشريان والسراء والقشم. قَوْله: (نعما) ، بِفَتْح النُّون وَالْعين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: نعم، بِالرَّفْع، وَجه الرّفْع أَنه اسْم: كَانَ. وَقَوله: (فِي عدد) خَبره، وَوجه النصب أَنه تَمْيِيز، و: كَانَ، تكون تَامَّة، وَالنعَم الْإِبِل خَاصَّة. كَذَا قَالَه أَكثر أهل التَّفْسِير. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: قيل: النعم الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَإِن انْفَرَدت الْإِبِل يُقَال لَهَا: نعم، وَإِن انْفَرَدت الْبَقر وَالْغنم لَا يُقَال لَهَا نعم، وَاخْتلف فِي الْأَنْعَام فَقيل: هِيَ جمع: نعم، فَيكون لِلْإِبِلِ خَاصَّة وَقيل: إِذا قلت: أنعام، دخل تَحْتَهُ الْبَقر وَالْغنم. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: النعم وَاحِد الْأَنْعَام، وَهِي المَال الراعية، قَالَ الْفراء: هُوَ ذكر لَا يؤنث، يَقُولُونَ: هَذَا نعم، وَأَرَادَ، وَيجمع على: نعْمَان، مثل: حمل وحملان، والأنعام تذكر وتؤنث، قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع: مِمَّا فِي بطونه، وَفِي مَوضِع: مِمَّا فِي بطونها، وَجمع الْجمع أناعيم. قَوْله: (ثمَّ لَا تجدوني) ، ويروى: لَا تجدونني، على الأَصْل فِيهِ أَنه لَا بَأْس للرجل الْفَاضِل أَن يخبر عَن نَفسه بِمَا فِيهِ من الْخلال الشَّرِيفَة عِنْدَمَا يخَاف سوء ظن أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (بَخِيلًا) ، قَالَ الْفراء: الْبَخِيل الشحيح، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الْبَخِيل أَن لَا يُعْطي شَيْئا. والشحيح أَخذه مَال أَخِيه بِغَيْر حق. وَقَالَ طَاوُوس: الْبَخِيل أَن يبخل مِمَّا فِي يَده، والشحيح أَن يشح بِمَا فِي أَيدي النَّاس، يحب أَن يكون لَهُ مَا فِي أَيدي النَّاس بالحلال وَالْحرَام. وَقيل: الْبُخْل فِي اللُّغَة دون الشُّح، وَالشح أَشد مِنْهُ، يُقَال: بخل يبخل بخلا وبخلاً، وَقيل: الْبُخْل أَن يضن الْإِنْسَان بِمَالِه أَن يبذله فِي المكارم أَو اللوازم. قَوْله: (وَلَا كذوباً) من كذب كذبا وكذباً، وَهُوَ خلاف الصدْق، فَهُوَ كَاذِب وَكَذَّاب وكذوب وكيذبان ومكذبان ومكذبانة وكذبة، مِثَال: همزَة وكذبذب مخففاً، وَقد يشدد. قَوْله: (وجباناً) صفة مشبهة من الْجُبْن، وَهُوَ ضد الشجَاعَة، لَا يُقَال: لَا يلْزم من نفي الكذوبية نفي الْكَذِب، وَلَا من نفي البخيلية نفي الْبُخْل، وَلَا من نفي الجبان نفي نفس الْجُبْن لأَنا نقُول: قد تَجِيء هَذِه الأوزان بِمَعْنى: ذِي كَذَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ (فصلت: ٦٤) . وَالتَّقْدِير: وَمَا رَبك بِذِي ظلم، لِأَن نفي الظلامية لَا يَنْفِي نفس الظُّلم وَكَذَلِكَ هَهُنَا فيؤل الْمَعْنى إِلَى نفي هَذِه الْأَشْيَاء بِالْكُلِّيَّةِ، ثمَّ اقتران الْكَذِب مَعَ الجبان، مَعَ أَن مُقْتَضى الْمقَام نفي الْبُخْل فَقَط هُوَ إِشَارَة إِلَى أَنه يَقُول: لَا أكذب فِي نفي الْبُخْل عني، لِأَن نفي الْبُخْل عني لَيْسَ من خوفي مِنْكُم، وَهَذَا من جَوَامِع الْكَلم إِذْ أصُول الْأَخْلَاق: الْحِكْمَة وَالْكَرم والشجاعة، وَأَشَارَ بِعَدَمِ الْكَذِب إِلَى كَمَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة، أَي: الْحِكْمَة وبعدم الْجُبْن إِلَى كَمَال الْقُوَّة الغضبية أَي: الشجَاعَة وبعدم الْبُخْل إِلَى كَمَال الْقُوَّة الشهوية أَي: الْجُود، وَهَذِه الثَّلَاث هِيَ أُمَّهَات فواضل الْأَخْلَاق، وَالْأول هُوَ مرتبَة الصديقين، وَالثَّانِي هُوَ مرتبَة الشُّهَدَاء، وَالثَّالِث هُوَ مرتبَة الصَّالِحين أللهم اجْعَلْنَا مِنْهُم.

стр. 4137

٥٢ - (بابُ مَا يُتَعَوَّذُ مِنَ الجُبْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّعَوُّذ من الْجُبْن، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة. ٢٢٨٢ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أَبُو عَوانَةَ قَالَ حدَّثنا عبدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ مَيْمُونٍ الأوْدِيَّ قَالَ كانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَما يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الْكِتَابَةَ ويَقُولُ إنَّ رَسُول الله، ﷺ كانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذِ بِكَ مِنَ الجُبْنِ وأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إِلَى أرْذَلِ العُمُرِ وأعُوذِ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وأعُوذِ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَحَدَّثْتُ بِهِ مُصْعَبَاً فَصَدَّقَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أعوذ بك من الْجُبْن) ، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين: الوضاح الْيَشْكُرِي، وَعَمْرو بن مَيْمُون مر فِي الْوضُوء وَهُوَ الَّذِي رأى قردة زنت فرجمتها القردة، والأودي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى أود بن معن، هَذَا فِي باهلة، وأود أَيْضا فِي مذْحج، وَهُوَ أود بن صَعب وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاسْتِعَاذَة وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن يحيى ابْن مُحَمَّد وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّاء وَتَفْسِير الْجُبْن قد مر، وَإِنَّمَا تعوذ مِنْهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى عَذَاب الْآخِرَة، لِأَنَّهُ يفر فِي الزَّحْف فَيدْخل تَحت وَعِيد الله فَمن ولَّى فقد بَاء بغضب من الله، وَرُبمَا يفتتن فِي دينه فيرتد لجبن أدْركهُ وَخَوف على مهجته من الْأسر والعبودية. قَوْله: (أَن أرد) أَي: عَن الرَّد، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة (وأرذل الْعُمر) ، هُوَ الخرف، يَعْنِي: يعود كَهَيْئَته الأولى فِي أَوَان الطفولية، ضَعِيف البنية سخيف الْعقل قَلِيل الْفَهم، وَيُقَال: أرذل الْعُمر: أردؤه، وَهُوَ حَالَة الْهَرم والضعف عَن أَدَاء الْفَرَائِض، وَعَن خدمَة نَفسه فِيمَا يتنظف فِيهِ فَيكون كلَاّ على أَهله ثقيلاً بَينهم، يتمنون مَوته فَإِن لم يكن لَهُ أهل فالمصيبة أعظم. قَوْله: (وفتنة الدُّنْيَا) ، هُوَ أَن يَبِيع الْآخِرَة بِمَا يتعجله فِي الدُّنْيَا من حَال وَمَال. قَوْله: (فَحدثت بِهِ مصعباً) قَائِل هَذَا هُوَ عبد الْملك بن عُمَيْر، وَمصْعَب هُوَ ابْن سعد بن أبي وَقاص. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَفِي رِوَايَة عَمْرو ابْن مَيْمُون هَذِه عَن سعد، لم يذكر البُخَارِيّ مصعباً، وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ، لِأَن هَذَا ثَابت عِنْد البُخَارِيّ فِي جَمِيع الرِّوَايَات فَافْهَم. ٣٢٨٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أبي قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ أللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والْكَسَلِ والجُبْنِ والْهَرَمِ وأعُوِذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا والْمَمَاتِ وأعُوذِ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والجبن) ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو سُلَيْمَان بن طرحان الْبَصْرِيّ مولى لبني مرّة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن مُسَدّد عَن مُعْتَمر. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن يحيى بن أَيُّوب وَعَن كَامِل وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن أبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاسْتِعَاذَة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى بِهِ. قَوْله: (من الْعَجز) هُوَ ضد الْقُدْرَة، وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف فِي معنى الْعَجز، فَأهل الْكَلَام يجعلونه مَالا استطاعة لأحد على مَا يعجز عَنهُ، لِأَنَّهَا عِنْدهم مَعَ الْفِعْل، وَأما الْفُقَهَاء فَيَقُولُونَ: إِنَّه هُوَ مَا يَسْتَطِيع أَن يعمله إِذا أَرَادَ، لأَنهم يَقُولُونَ: إِن الْحَج لَيْسَ على الْفَوْر، وَلَو كَانَ على المهلة عِنْد أهل الْكَلَام لم يَصح مَعْنَاهُ، لِأَن الِاسْتِطَاعَة لَا تكون إلَاّ مَعَ الْفِعْل، وَالَّذين يَقُولُونَ بِالْمُهْمَلَةِ يجْعَلُونَ الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل. قَوْله: (والكسل) هُوَ ضعف الهمة وإيثار الرَّاحَة للبدن على التَّعَب، وَإِنَّمَا استعيذ مِنْهُ لِأَنَّهُ يبعد عَن الْأَفْعَال الصَّالِحَة. قَوْله: (والهرم) ، قَالَ الْكرْمَانِي ضد الشَّبَاب، وَفِي (الْمغرب) : الْهَرم كبر السن الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى تماوت الْأَعْضَاء وتساقط القوى، وَإِنَّمَا استعاذ مِنْهُ لكَونه من الأدواء الَّتِي لَا دَوَاء لَهَا. قَوْله: (من فتْنَة المحيى) المحيي وَالْمَمَات مصدران ميميان بِمَعْنى الْحَيَاة وَالْمَوْت، وفتنة المحيى أَن يفتتن بالدنيا ويشتغل بهَا عَن

стр. 4138

الْآخِرَة، وفتنة الْمَمَات أَن يخَاف عَلَيْهِ من سوء الخاتمة عِنْد الْمَوْت، وَعَذَاب الْقَبْر مِمَّا يعرض لَهُ عِنْد مساءلة الْملكَيْنِ ومشاهدة أَعماله السَّيئَة فِي أقبح الصُّور، أعاذنا الله مِنْهُ بمنه وَكَرمه. ٦٢ - (بابُ منْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ فِي الحَرْبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من حدث بمشاهده، وَهُوَ جمع: مشْهد، مَوضِع الشُّهُود، أَي: الْحُضُور فِي الْحَرْب، أَرَادَ بِهَذَا أَن للرجل أَن يحدث بِمَا تقدم لَهُ من العناء فِي إِظْهَار الْإِسْلَام وإعلاء كَلمته ليتأسى بذلك المتأسي، ويقتدي بِهِ، وليرغب النَّاس فِي ذَلِك. وَأما الَّذِي يحدث لإِظْهَار شجاعته والافتخار بِمَا صنع فَذَلِك لَا يجوز. قالَهُ أبُو عُثْمَانَ عَنْ سَعْدٍ أَي: قَالَ ذَلِك أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون عَن سعد بن أبي وَقاص، وَهَذَا تَعْلِيق ذكره مَوْصُولا فِي الْمَغَازِي. ٤٢٨٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدثنَا حاتِمٌ عنْ مُحَمَّدِ بنِ يُوسُفَ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ صَحِبْتُ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ الله وسَعْدَاً والمقْدَادَ بنَ الأسْوَدِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم فَمَا سَمِعْتُ أحَدَاً مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عنْ رسولِ الله ﷺ إِلَّا أنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عنْ يَوْمِ أُحُدٍ. (الحَدِيث ٤٢٨٢ طرفه فِي: ٢٦٠٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سَمِعت طَلْحَة يحدث عَن يَوْم أحد) . وحاتم هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، سكن الْمَدِينَة وَمر فِي الْوضُوء، وَمُحَمّد بن يُوسُف بن عبد الله ابْن أُخْت نمر، وَأمه ابْنة السَّائِب بن يزِيد، سمع جده السَّائِب بن يزِيد، والسائب هَذَا صَحَابِيّ صَغِير ابْن صحابيين حج بِهِ أَبوهُ وَأمه مَعَ النَّبِي، ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع، وَهُوَ ابْن سبع سِنِين، وَيُقَال: ابْن عشر سِنِين، مر فِي جَزَاء الصَّيْد وَفِيه سِتَّة من الصَّحَابَة. قَوْله: (وسعداً) أَي: وصحبت سَعْدا، وَهُوَ سعد بن أبي وَقاص. قَوْله: (فَمَا سَمِعت أحدا مِنْهُم) ، أَي: هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة الْمَذْكُورين (يحدث عَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ ابْن بطال وَغَيره: كَانَ كثير من كبار الصَّحَابَة لَا يحدثُونَ عَن رَسُول الله، ﷺ خشيَة الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان لِئَلَّا يدخلُوا فِي قَوْله ﷺ : من نقل عني مَا لم أقل فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، فاحتاطوا على أنفسهم أخذا بقول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أقلوا الحَدِيث عَن رَسُول الله، ﷺ وَأَنا شريككم. قَوْله: (إِلَّا أَنِّي سَمِعت طَلْحَة يحدث عَن يَوْم أحد) يَعْنِي: مَا سَمِعت طَلْحَة يحدث عَن رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا كَانَ يحدث عَن مشاهده يَوْم أحد، لِأَنَّهُ كَانَ من أهل النجدة وثبات الْقدَم فِي الْحَرْب، وَعَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ: أَنه لم يبْق مَعَ رَسُول الله، ﷺ تِلْكَ الْأَيَّام غير طَلْحَة وَسعد، وَلِهَذَا حدث طَلْحَة عَن مشاهده يَوْم أحد ليقتدي بِهِ، ويرغب النَّاس فِي مثل فعله. ٧٢ - (بابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنَ الجِهَادِ والنِّيَّةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب النفير، بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء، أَي: الْخُرُوج إِلَى قتال الْكفَّار، وأصل النفير مُفَارقَة مَكَان إِلَى مَكَان لأمر حرك ذَلِك. قَوْله: (وَمَا يجب من الْجِهَاد) ، أَي: وَفِي بَيَان الْقدر الْوَاجِب من الْجِهَاد. قَوْله: (وَالنِّيَّة) ، أَي: وَفِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة النِّيَّة فِي ذَلِك. وقَوْلِهِ ﴿انْفِرُوا خِفافاً وثِقالاً وجاهِدُوا بأمْوالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله ذالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لوْ كانَ عَرَضَاً قَرِيباً وسَفَراً قاصِدَاً لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ علَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّه﴾ (التَّوْبَة: ١٤) الْآيَة. وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: (وجوب النفير) ، أَي: وَقَول الله تَعَالَى، وَفِي بعض النّسخ: وَقَول الله، . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أَبِيه عَن أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح: هَذِه الْآيَة: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ (التَّوْبَة: ١٤) . أول مَا نزل من سُورَة بَرَاءَة، وَقَالَ

стр. 4139

أَبُو مَالك الْغِفَارِيّ وَابْن الضَّحَّاك: هَذِه أول آيَة نزلت من بَرَاءَة، ثمَّ نزل أَولهَا وَآخِرهَا، وَفِي التَّفْسِير، قَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لما نزلت آيَة الْجِهَاد منا الثقيل وَذُو الْحَاجة والضيعة والشغل، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿انفروا خفافاً ثقالاً﴾ (التَّوْبَة: ١٤) . وَيُقَال: كَانَ الْمِقْدَاد عَظِيما سميناً، جَاءَ إِلَى النَّبِي، ﷺ وشكى إِلَيْهِ، وَسَأَلَ أَن يَأْذَن لَهُ، فَنزلت انفروا ... الْآيَة، أَمر الله بالنفير الْعَام مَعَ الرَّسُول ﷺ عَام غَزْوَة تَبُوك لقِتَال أَعدَاء الله من الرّوم الْكَفَرَة من أهل الْكتاب، وحتَّم على الْمُؤمنِينَ فِي الْخُرُوج مَعَه على كل حَال فِي المنشط وَالْمكْره والعسر واليسر، فَقَالَ: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ (التَّوْبَة: ١٤) . وَعَن أبي طَلْحَة: كهولاً وشباناً، مَا سمع الله عذر أحد، ثمَّ خرج إِلَى الشَّام فقاتل حَتَّى قتل، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَمُقَاتِل ابْن حَيَّان وَزيد بن أسلم. وَقَالَ مُجَاهِد: شباناً وشيوخاً وأغنياء ومساكين. وَقَالَ الحكم بن عتيبة: مشاغيل وَغير مشاغيل. وَعَن ابْن عَبَّاس: انفروا نشاطاً وَغير نشاط. وَكَذَا قَالَ قَتَادَة، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: فِي الْعسر واليسر، وَقيل: الْخفاف أهل اليسرة، والثقال أهل الْعسرَة. وَقيل: أصحاء ومرضى، وَقيل: مقلين من السِّلَاح ومكثرين. وَقيل: رجَالًا وركباناً، وَقيل: عزباناً ومتأهلين. وَقَالَ السّديّ: لما نزلت هَذِه الْآيَة اشْتَدَّ على النَّاس شَأْنهَا، فنسخها الله تَعَالَى فَقَالَ: ﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج إِذا نصحوا الله وَرَسُوله﴾ (التَّوْبَة: ١٩) . وخفافاً، جمع خَفِيف، و: ثقالاً، جمع ثقيل وانتصابهما على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: انفروا. قَوْله: ﴿جاهدوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ﴾ (التَّوْبَة: ١٤) . إِيجَاب للْجِهَاد بهما إِن إمكن، أَو بِأَحَدِهِمَا على حسب الْحَال. قَوْله: ﴿ذَلِكُم خير لكم﴾ (التَّوْبَة: ١٤) . يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، لأنكم تغرمون فِي النَّفَقَة قَلِيلا فيغنمكم أَمْوَال عَدوكُمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يدّخر لكم من الْكَرَامَة فِي الْآخِرَة إِن كُنْتُم تَعْمَلُونَ أَن الله يُرِيد الْخَيْر. قَوْله: ﴿لَو كَانَ عرضا قَرِيبا ... ﴾ (التَّوْبَة: ١٤) . الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين فِي غَزْوَة تَبُوك، وَالْمعْنَى: لَو كَانَ مَا دعوا إِلَيْهِ غنيمَة قريبَة وسفراً قَاصِدا، أَي: سهلاً قَرِيبا لاتبعوك طَمَعا فِي المَال، وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة أَي: السّفر الْبعيد. وَقَرَأَ ابْن عُمَيْر عبيد، بِكَسْر الشين، وَهِي لُغَة قيس قَوْله: وسيحلفون بِاللَّه، أَي: يحلفُونَ بِاللَّه لكم إِذا رجعتم إِلَيْهِم: لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ أَي: لَو قَدرنَا، وَكَانَ لنا سَعَة من المَال لخرجنا مَعكُمْ، وَذَلِكَ كذب مِنْهُم ونفاق لأَنهم كَانُوا مياسير ذَوي أَمْوَال. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم أَنهم لَكَاذِبُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٢٤) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يهْلكُونَ أنفسهم إِمَّا أَن يكون بَدَلا من سيحلفون، أَو حَالا بِمَعْنى مهلكين، وَالْمعْنَى: أَنهم يوقعونها فِي الْهَلَاك بحلفهم الْكَاذِب، وَبِمَا يحلفُونَ عَلَيْهِ من التَّخَلُّف. وقَوْلِهِ ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مالَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفُرُوا فِي سَبِيلِ لله أثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بالحياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله الأول. هَذَا شُرُوع فِي عتاب من تخلف عَن رَسُول الله، ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك حِين طابت الثِّمَار والظلال فِي شدَّة الْحر وحمارة القيظ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ... ﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) . الْآيَة، قَوْله: إثَّاقلتم، أَصله تثاقلتم، ادغمت التَّاء فِي الثَّاء فسكنت الأولى، فَأتى بِأَلف الْوَصْل ليتوصل بهَا إِلَى النُّطْق بالساكن، مَعْنَاهُ: تكاسلتم وملتم إِلَى الْمقَام فِي الدعة والخفض وَطيب الثِّمَار. قَوْله: ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) . أَي: بدل الْآخِرَة، ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) . هَذَا تزهيد من الله فِي الدُّنْيَا وترغيب فِي الْآخِرَة بِأَن مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجنَّة، لانْقِطَاع ذَلِك ودوام هَذَا، ثمَّ توعد على ترك الْخُرُوج فَقَالَ: أَلا تنفرُوا: أَي: أَلا تخْرجُوا مَعَ نَبِيكُم إِلَى الْجِهَاد يعذبكم عذَابا أَلِيمًا ويستبدل قوما غَيْركُمْ لنصرة نبيه وَإِقَامَة دينه. قَوْله: ﴿وَلَا تضروه شَيْئا﴾ أَي: وَلَا تضروا الله تَعَالَى بتوليتكم عَن الْجِهَاد ونكولكم وتثاقلكم عَنهُ، وَالله على كل شَيْء قدير أَي: قَادر على الِانْتِصَار من الْأَعْدَاء بدونكم. ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ انْفِرُوا ثُبَاتٍ سَرَايا مُتَفَرِّقِينَ يُقالُ أحَدُ الثُّبَاتِ ثُبَةٌ هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَذكره إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي فِي تَفْسِيره عَنهُ، وَمَعْنَاهُ: أخرجُوا ثبات، يَعْنِي سَرِيَّة بعد سَرِيَّة، أَو انفروا مُجْتَمعين. قَوْله: (ثبات) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ جمع: ثبة، وَهِي الْجَمَاعَة، وَجَاء جمعهَا أَيْضا: ثبون وثبون وأثابي، وأصل: ثبة، ثبي، على وزن: فعل، بِضَم الْفَاء وَفتح الْعين. وَفِي (التَّوْضِيح) :

стр. 4140

وَعند أهل اللُّغَة الثَّبَات الْجَمَاعَات فِي تَفْرِقَة، أَي: حَلقَة حَلقَة كل جمَاعَة ثبة، والثبة مُشْتَقَّة من قَوْلهم: ثبيت الرجل إِذا أثنيت عَلَيْهِ فِي حَيَاته، لِأَنَّك كَأَنَّك قد جمعت محاسنه. وَقَالَ أَبُو عمر: والتثبية: الثَّنَاء على الرجل فِي حَيَاته. قَوْله: (ثبات سَرَايَا مُتَفَرّقين) أَحْوَال، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْحسن الْقَابِسِيّ: ثباتاً، بِالنّصب، وَهُوَ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ جمع الْمُؤَنَّث السَّالِم مثل: الهندات، وَالنّصب والجر فِيهِ سَوَاء، والسرايا جمع: سَرِيَّة، وَهِي من يدْخل دَار الْحَرْب مستخفياً. قَوْله: (وَيُقَال وَاحِد الثَّبَات: ثبة) لَا طائل تَحْتَهُ، لِأَن هَذَا مَعْلُوم قطعا أَن ثبات جمع ثبة، وَأما الثبة الَّتِي بِمَعْنى وسط الْحَوْض فَلَيْسَ من بَاب ثبة الَّذِي بِمَعْنى الْجَمَاعَة، لِأَن أصل هَذِه: ثوب، وَهُوَ أجوف واوي، فَلَمَّا حذفت الْوَاو عوض عَنْهَا الْهَاء وَسمي: وسط الْحَوْض بذلك، لِأَن المَاء يثوب إِلَيْهِ أَي: يرجع. ٥٢٨٢ - حدَّثنا عَمرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثني مَنْصُورٌ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طَاوُسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولاكِنْ جِهادٌ ونِيَّة وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفُرُوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) ، وَعَمْرو بن عَليّ بَحر بن يحيى بن كثير أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب فضل الْجِهَاد بِهَذَا الْإِسْنَاد، غير أَن شَيْخه هُنَاكَ: عَليّ بن عبد الله، وَهنا: عَمْرو بن عَليّ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٨٢ - (بابُ الكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ ويُقْتَلُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْكَافِر الَّذِي يقتل الْمُسلم ثمَّ يسلم، بِضَم الْيَاء أَي: الْقَاتِل. قَوْله: (فيسدد) بِالسِّين الْمُهْملَة أَي: يسدد دينه يَعْنِي: يَسْتَقِيم. قَوْله: (بعدُ) بِضَم الدَّال أَي: بعد قَتله الْمُسلم. قَوْله: (ويُقتل) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: أَو يقتل، وَعَلَيْهَا اقْتصر ابْن بطال والإسماعيلي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو ثمَّ يصير مقتولاً، وَالْجَوَاب فِيهِ يفهم من الحَدِيث، وَلم يذكرهُ اكْتِفَاء بِهِ. ٦٢٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ يَضْحِكُ الله إلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أحدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ يُقَاتِلُ هذَا فِي سَبيلِ الله فيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ الله عَلى القَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة كالشرح لِمَعْنى الحَدِيث، وَذَلِكَ أَن الْمَذْكُور فِيهَا: فيسدد، وَفِي الحَدِيث (فيستشهد) وَالشَّهَادَة إِنَّمَا تعْتَبر على وَجه التسديد، وَهُوَ الاسْتقَامَة فِيهَا. وَقَالَ بَعضهم: يظْهر لي أَن البُخَارِيّ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى مَا أخرجه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق أُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّار مُسلم قتل كَافِرًا ثمَّ سدد الْمُسلم وقارب ... الحَدِيث. انْتهى. قلت: التَّرْجَمَة لَا تكون إلَاّ بِمَا يدل على شَيْء من الحَدِيث الَّذِي وضعت التَّرْجَمَة لَهُ، فَكيف تكون التَّرْجَمَة هُنَا والْحَدِيث فِي كتاب آخر أخرجه غَيره؟ والإسناد الْمَذْكُور بِعَين هَؤُلَاءِ الرِّجَال قد ذكر غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي النعوت عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يضْحك الله) ، الضحك وَأَمْثَاله إِذا أطلقت على الله يُرَاد بهَا لوازمها مجَازًا، ولازم الضحك الرِّضَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: الضحك الَّذِي يعتري الْبشر عِنْدَمَا يستخفهم الْفَرح أَو يستفزهم الطَّرب غير جَائِز على الله، وَإِنَّمَا هُوَ مثل ضربه لهَذَا الصنع الَّذِي هُوَ مَكَان التَّعَجُّب عِنْد الْبشر، وَفِي صفة الله تَعَالَى الْإِخْبَار عَن الرِّضَا بِفعل أحد هذَيْن وَالْقَبُول للْآخر، ومجازاتهما على صنيعهما الْجنَّة مَعَ اخْتِلَاف أحوالهما، وتباين مقاصدهما، وَمَعْلُوم أَن الضحك يدل على

стр. 4141

الرِّضَا وَقبُول الْوَسِيلَة وإنجاح الطّلبَة، فَمَعْنَاه: أَن الله يجزل الْعَطاء لَهما لِأَنَّهُ هُوَ مُقْتَضى الضحك وموجبه، أَو يكون مَعْنَاهُ: تضحك مَلَائِكَة الله من صنيعهما، لِأَن الإيثار على النَّفس أَمر نَادِر فِي الْعَادة مستغرب فِي الطباع، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : يُرِيد: أضْحك الله مَلَائكَته من وجود مَا قضى. وَقَالَ ابْن فورك: أَي: يُبْدِي الله من فَضله تَوْفِيقًا لهذين الرجلَيْن، كَمَا تَقول الْعَرَب: ضحِكت الأَرْض من النَّبَات إِذا ظهر فِيهَا، وَكَذَلِكَ قَالُوا للطلع إِذا انفتق عَنهُ: كفري الضحك، لأجل أَن ذَلِك يَبْدُو مِنْهُ الْبيَاض الظَّاهِر كبياض الثغر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَرَادَ قبُول أعمالهما ورحمتهما وَالرِّضَا عَنْهُمَا. قَوْله: (إِلَى رجلَيْنِ) ، عدى: بإلى، لتَضَمّنه معنى الإقبال، يُقَال: ضحِكت إِلَى فلَان إِذا تَوَجَّهت إِلَيْهِ بِوَجْه طلق، وَأَنت عَنهُ راضٍ. قلت: هَذَا يدل على أَن المُرَاد بالضحك هُنَا الإقبال بِالْوَجْهِ. قَوْله: (يدخلَانِ الْجنَّة) فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة للرجلين، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق همام عَن أبي هُرَيْرَة، قَالُوا: كَيفَ يَا رَسُول الله؟ . قَوْله: (يُقَاتل هَذَا) ، جملَة مستأنفة، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم هَذِه، لِأَن الْمَعْنى: قَالُوا: يَا رَسُول الله! كَيفَ يدخلَانِ الْجنَّة؟ فَقَالَ: (يُقَاتل هَذَا فِي سَبِيل الله فَيقْتل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَزَاد فِي رِوَايَة همام: (فيلج الْجنَّة، ثمَّ يَتُوب الله على الْقَاتِل) ، أَي: فَيسلم. وَفِي رِوَايَة همام: (فيهديه الله إِلَى الْإِسْلَام، ثمَّ يُجَاهد فِي سَبِيل الله فيستشهد) . وَقَالَ أَبُو عمر: يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَن كل من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ فِي الْجنَّة. وَقَالَ أَيْضا: معنى هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم: أَن الْقَاتِل الأول كَانَ كَافِرًا. قيل: هُوَ الَّذِي استنبطه البُخَارِيّ فِي تَرْجَمته، وَلَكِن لَا مَانع أَن يكون مُسلما، لعُمُوم قَوْله: (ثمَّ يَتُوب الله على الْقَاتِل) كَمَا لَو قتل مُسلم مُسلما عمدا بِلَا شُبْهَة ثمَّ تَابَ الْقَاتِل وَاسْتشْهدَ فِي سَبِيل الله . ٧٢٨٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ قَالَ أخْبرني عَنْبَسَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أتَيْتُ رسولَ الله ﷺ وهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَما افْتَتَحُوهَا فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أسْهِمْ لِي فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بنِ العاصِ لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رسولَ الله فَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ هَذَا قاتِلُ ابنِ قَوْقَلٍ فَقَالَ ابنُ سَعَيدِ بنِ العَاصِ واعَجَبَاً لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قُدُومِ ضأنٍ يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أكْرَمَهُ الله عَلَى يَدَيَّ ولَمْ يُهَنِّيءْ عَلَى يَدَيْهِ قَالَ فِلا أدْرِي أسْهَمَ لَهُ أمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ قَالَ سُفْيَانُ وحَدَّثَنِيهِ السَعِيديُّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أبُو عَبْدِ الله السَّعِيديُّ عَمْرُو ابنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدِ بنِ عَمْرِو بنِ سَعِيدِ بنِ الْعَاصِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَول ابْن سعيد بن الْعَاصِ، وَهُوَ أبان بن سعيد: أكْرمه الله بيَدي) ، وَأَرَادَ بذلك أَن ابْن قوقل وَهُوَ النُّعْمَان اسْتشْهد بيد أبان فَأكْرمه الله بِالشَّهَادَةِ، وَلم يقتل أبان على كفره فَيدْخل النَّار، بل عَاشَ حَتَّى تَابَ وَأسلم وَكَانَ إِسْلَامه قبل خَيْبَر وَبعد الْحُدَيْبِيَة، وَهَذَا هُوَ عين التَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: هُوَ عبد الله بن الزبير أَبُو بكر، مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده: حميد بن زُهَيْر وَهُوَ بطن من قُرَيْش. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عَنْبَسَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة: ابْن سعيد الْأمَوِي. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. وَفِيه: أَرْبَعَة أنفس أَيْضا. الأول: هُوَ قَوْله: بعض بني سعيد بن الْعَاصِ، هُوَ أبان بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف الْقرشِي الْأمَوِي، قَالَ الزبير: تَأَخّر إِسْلَامه بعد إِسْلَام أَخَوَيْهِ: خَالِد وَعَمْرو، ثمَّ أسلم أبان وَحسن إِسْلَامه. قَالَ أَبُو عمر: وَكَانَ إِسْلَام أبان بن سعيد بَين الْحُدَيْبِيَة وخيبر، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: قتل أبان وَعَمْرو ابْنا سعيد بن الْعَاصِ يَوْم اليرموك، وَلم يُتَابع عَلَيْهِ ابْن إِسْحَاق، وَكَانَت اليرموك يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس مضين من رَجَب سنة خمس عشرَة فِي خلَافَة عمر، وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: قتل أبان يَوْم أجنادين، وَكَانَت وقْعَة أجنادين فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث عشرَة فِي خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقيل: إِنَّه قتل أَيَّام مرج الصفر، وَكَانَ فِي صدر خلَافَة عمر سنة أَربع عشرَة، وَكَانَ الْأَمِير يَوْم مرج الصفر خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الثَّانِي: ابْن قوقل: هُوَ النُّعْمَان بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن أَصْرَم، بالصَّاد

стр. 4142

الْمُهْملَة: ابْن فهم بن ثَعْلَبَة بن غنم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا مِيم: ابْن عَمْرو بن عَوْف الْأنْصَارِيّ الأوسي، وقوقل لقب ثَعْلَبَة. وَقيل: لقب أَصْرَم، وَقد ينْسب النُّعْمَان إِلَى جده، فَيُقَال لَهُ: النُّعْمَان بن قوقل، وقوقل بقافين على وزن: جَعْفَر، شهد بَدْرًا وَقتل يَوْم أحد شَهِيدا، وروى الْبَغَوِيّ فِي (الصَّحَابَة) : أَن النُّعْمَان بن قوقل قَالَ يَوْم أحد: أَقْسَمت عَلَيْك يَا رب أَن لَا تغيب الشَّمْس حَتَّى أَطَأ بعرجتي فِي الْجنَّة، فاستشهد ذَلِك الْيَوْم، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : (لقد رَأَيْته فِي الْجنَّة) الثَّالِث: السعيدي، وَهُوَ الَّذِي أوضحه البُخَارِيّ بقوله: هُوَ عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ، يكنى أَبَا أُميَّة الْمَكِّيّ. قَالَ يحيى بن معِين: صَالح، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات. الرَّابِع: سعيد بن عَمْرو بن سعيد الْقرشِي أَبُو عُثْمَان الْأمَوِي، روى عَن النَّبِي، ﷺ ، مُرْسلا، وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، روى عَنهُ ابْن ابْنه عَمْرو بن يحيى الْمَذْكُور، وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم صَدُوق. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ بِخَيْبَر) جملَة حَالية، وَكَانَ افتتاحها فِي سنة ... ... قَوْله: (أسْهم لي) ، السَّائِل بِهَذَا هُوَ أَبُو هُرَيْرَة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أَن رَسُول الله، ﷺ ، بعث أبان بن سعيد ابْن الْعَاصِ على سَرِيَّة من الْمَدِينَة، قِبَل نَجْد، فَقدم أبان وَأَصْحَابه على رَسُول الله، ﷺ ، بِخَيْبَر بعد أَن فتحهَا، فَقَالَ أبان: إقسم لنا يَا رَسُول الله، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَقلت: لَا تقسم لَهُ يَا رَسُول الله! فَقَالَ أبان: أَنْت هُنَا يَا وبر تحدر علينا من رَأس ضال؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إجلس يَا أبان، وَلم يقسم لَهُم، وَفِي لفظ: فَقَالَ سعيد بن الْعَاصِ: يَا عجبا لوبر؟ قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب: كَذَا عِنْد أبي دَاوُد، فَقَالَ سعيد: وَإِنَّمَا هُوَ ابْن سعيد، واسْمه أبان، قَالَ: وَالصَّحِيح أَن أَبَا هُرَيْرَة هُوَ السَّائِل، كَمَا هُوَ فِي البُخَارِيّ. انْتهى. قلت: على تَقْدِير صِحَة حَدِيث أبي دَاوُد ومقاومته لحَدِيث البُخَارِيّ يحْتَمل أَنَّهُمَا سَأَلَا جَمِيعًا، وَأَن أَحدهمَا جازى الآخر لما أسلفه من قَوْله: لَا تقسم لَهُ. قَوْله: (بعض بني سعيد بن الْعَاصِ) ، هُوَ أبان بن سعيد كَمَا قُلْنَا. قَوْله: (قَاتل ابْن قوقل) ، هُوَ النُّعْمَان بن مَالك، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (وَاعجَبا) بِالتَّنْوِينِ، ويروى بِدُونِهِ، وَكلمَة: واهنا اسْم لأعجب، وانتصاب عجبا بِهِ. قَوْله: (لوبر) ، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء، قَالَ ابْن قرقول: كَذَا لأكْثر الروَاة بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي دويبة غبراء، وَيُقَال: بَيْضَاء على قدر السنور حَسَنَة الْعَينَيْنِ من دَوَاب الْجبَال، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِك احتقاراً، وضبطها بَعضهم بِفَتْح الْبَاء، وتأوله: جمع وبرة وَهُوَ شعر الْإِبِل أَي: إِن شَأْنه كشأن الْوَبرَة، لِأَنَّهُ لم يكن لأبي هُرَيْرَة عشيرة. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَحسب أَنَّهَا تُؤْكَل، لِأَنِّي وجدت بعض السّلف يُوجب فِيهَا الْفِدْيَة. وَقَالَ الْقَزاز: هِيَ سَاكِنة الْبَاء: دويبة أَصْغَر من السنور، طحلاء اللَّوْن، يَعْنِي: تشبه الطحال لَا ذَنْب لَهَا، وَهِي من دَوَاب الْغَوْر، وَالْجمع: وبار، وَفِي (الْمُحكم (: على قدر السنور، وَالْأُنْثَى وبرة، وَالْجمع؛ وبر ووبور ووبار ووبار وابارة. وَفِي (الصِّحَاح) ؛ ترحن فِي الْبيُوت: أَي: تقيم بهَا وتألفها. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب (المغيث) : يجب على الْمحرم فِي قَتلهَا شَاة لِأَنَّهَا تجتز كالشاة، وَقيل؛ لِأَن لَهَا كرشاً كالشاة، وَفِي (مجمع الغرائب) عَن مُجَاهِد: فِي الْوَبر شَاة، فَذكر مثله. وَفِي (البارع) : لأبي عَليّ بن أبي حَاتِم: الطائيون يَقُولُونَ لما يكون فِي الْجبَال من الحشرات: الْوَبر، وَجَمعهَا: الوبارة، ولغة أُخْرَى الإبارة بِالْكَسْرِ والهمز، وَقَالَ ابْن بطال: وَإِنَّمَا سكت أَبُو هُرَيْرَة عَن أبان فِي قَوْله هَذَا لِأَنَّهُ لم يرمه بِشَيْء ينقص دينه، إِنَّمَا ينقصهُ بقلة الْعَشِيرَة وَالْعدَد أَو لضعف الْمِنَّة. قَوْله: (تدلى علينا) ، أَي: انحدر، وَلَا يخبر بِهَذَا إلَاّ عَمَّن جَاءَ من مَكَان عَال. قَالَ الطَّبَرِيّ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْعَرَب. قَوْله: (من قدوم ضان) ، قَالَ ابْن قرقول: هُوَ بِفَتْح الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال: اسْم مَوضِع، وَضم الْمروزِي الْقَاف وَالْأول أَكثر، وتأوله بَعضهم قدوم ضان، أَي: الْمُتَقَدّم مِنْهَا، وَهِي رؤوسها، وَهُوَ وهم بيِّن. وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون جمع: قادم مثل: رُكُوع وَرَاكِع، وَسُجُود وَسَاجِد، وَيكون الْمَعْنى: تدلى علينا من جملَة القادمين، أَقَامَ الصّفة مقَام الْمَوْصُوف، وَيكون: من، فِي قَوْله: من قدوم، تبيينا للْجِنْس، كَمَا لَو قَالَ: تدلى علينا من سَاكِني ضان، وَلَا تكون من مرتبطة بتدلي، كَمَا هِيَ مرتبطة بِالْفِعْلِ فِي قَوْلك تدليت من الْجَبَل لِاسْتِحَالَة تدليه من قوم، لِأَنَّهُ لَا يُقَال: تدليت من بني فلَان، قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون قدوم مصدرا وصف بِهِ

стр. 4143

الفاعلون، وَيكون فِي الْكَلَام حذف وَتَقْدِيره: تدلى علينا من ذَوي قدوم، فَحذف الْمَوْصُوف وَأقَام الْمصدر مقَامه، كَمَا لَو قَالُوا: رجل صَوْم، أَي: ذُو صَوْم، و: من، على هَذَا التَّقْدِير أَيْضا تَبْيِين للْجِنْس، كَمَا كَانَت فِي الْوَجْه الأول. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: تدلى علينا من مَكَان قدوم ضَأْن، ثمَّ حذف الْمَكَان وَأقَام الْقدوم مَكَانَهُ، كَمَا قَالَت الْعَرَب: ذهب بِهِ مَذْهَب، وسلك بِهِ مَسْلَك، يُرِيد الْمَكَان الَّذِي يسْلك فِيهِ وَيذْهب، وَيشْهد لهَذَا رِوَايَة: (من رَأس ضان) ، وَيحْتَمل أَن يكون إسماً لمَكَان قدوم بِفَتْح الْقَاف دون الضَّم لقلَّة الضَّم فِي هَذَا الْبناء فِي الْأَسْمَاء وَكَثْرَة الْفَتْح، وَيحْتَمل أَن يكون قدوم ضَأْن بتَشْديد الدَّال وَفتح الْقَاف: لَو ساعدته رِوَايَة، لِأَنَّهُ من بِنَاء أَسمَاء الْمَوَاضِع، وطرف الْقدوم مَوضِع بِالشَّام، وَعَن ابْن دُرَيْد: قدوم ثنية بسراة أَرض دوس، وَقَالَ أَبُو عبيد: رَوَاهُ النَّاس عَن البُخَارِيّ، ضَأْن، بالنُّون إلَاّ الْهَمدَانِي فَإِنَّهُ رَوَاهُ: (من قدوم ضال) ، بِاللَّامِ وَهُوَ الصَّوَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. والضال السدر الْبري، وَأما إِضَافَة هَذِه الثَّنية إِلَى الضَّأْن فَلَا أعلم لَهَا معنى. وَقد مر عَن أبي دَاوُد أَنه بِاللَّامِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَزعم أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ أَن: ضان، بالنُّون جبل بِأَرْض دوس بلد أبي هُرَيْرَة، وَقيل: ثنية. قَوْله: (ينعي عَليّ) من نعيت على الرجل فعله إِذا عبته عَلَيْهِ. قَوْله: (قتل رجل) ، بِالنّصب مفعول، ينعى: أَي ينعي عَليّ بِأَنِّي قتلت رجلا أكْرمه الله على يَدي، حَيْثُ صَار شَهِيدا بواسطتي، وَلم يكن بِالْعَكْسِ، إِذْ لَو صرت مقتولاً بِيَدِهِ لصرت مهاناً من أهل النَّار، إِذا لم أكن حِينَئِذٍ مُسلما. قَوْله: (قَالَ: فَلَا أَدْرِي أسْهم لَهُ) ، وَهُوَ من قَول ابْن عُيَيْنَة أَو من دونه، إِلَى شيخ البُخَارِيّ، قَالَه ابْن التِّين. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، أَي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي فِي (مُسْنده) : عَن سُفْيَان: وحدثنيه السعيدي أَيْضا، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عمر: عَن سُفْيَان سَمِعت السعيدي. قَوْله: (وحدثنيه السعيدي) ، مَعْطُوف على قَوْله: حَدثنَا الزُّهْرِيّ، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا وَقع هَكَذَا ولغير أبي ذَر. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الرجل قد يوبخ بِمَا قد سلف إلَاّ أَن يَتُوب فَلَا توبيخ عَلَيْهِ، وَلَا تَثْرِيب ألَا يُرى أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يوبخ ابْن سعيد بن الْعَاصِ على قتل ابْن قوقل، كَيفَ رد عَلَيْهِ أقبح الرَّد، وَصَارَت لَهُ عَلَيْهِ الْحجَّة، كَمَا صَارَت لآدَم على مُوسَى، ﵉، من أجل أَنه وبخه بعد التَّوْبَة من الذَّنب. وَفِيه: أَن التَّوْبَة تمحو مَا سلف قبلهَا من الذُّنُوب: الْقَتْل وَغَيره، لقَوْله: أكْرمه الله على يَدي وَلم يهنيء على يَدَيْهِ، لِأَن ابْن قوقل وَجَبت لَهُ الْجنَّة بقتل ابْن سعيد لَهُ، وَلم يجب لِابْنِ سعيد النَّار لِأَنَّهُ أسلم وَمَات. ويصحح، هَذَا سُكُوته ﷺ على قَوْله: وَلَو كَانَ غير صَحِيح لما لزمَه السُّكُوت، لِأَنَّهُ بعث للْبَيَان. وَفِيه: قيل: حجَّة على الْكُوفِيّين فِي قَوْلهم فِي المدد: يلْحق بالجيش فِي أَرض الْحَرْب بعد الْغَنِيمَة أَنهم شركاؤهم فِي الْغَنِيمَة وَسَائِر الْعلمَاء إِنَّمَا تجب الْغَنِيمَة عِنْدهم لمن شهد الْوَقْعَة، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَأَن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ لم يُسهم لَهُم، وَأَبُو حنيفَة إِنَّمَا يُسهم لمن غَابَ عَن الْوَقْعَة لشغل شغله بِهِ الإِمَام من أُمُور الْمُسلمين، كَمَا فعل بعثمان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين قسم لَهُ من غَنَائِم بدر بِسَهْم وَلم يحضرها، لِأَنَّهُ كَانَ غَائِبا فِي حَاجَة الله وَرَسُوله، فَكَانَ كمن حضرها أَو مثل أَن يَبْعَثهُ الإِمَام لقِتَال قوم آخَرين فَيُصِيب الإِمَام غنيمَة بعد مُفَارقَة الرجل إِيَّاه، أَو يبْعَث رجلا، مِمَّن مَعَه فِي دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام ليمده بسلاح وَرِجَال فَلَا يعود ذَلِك الرجل إِلَى الإِمَام حَتَّى يقسم غنيمه، فَهُوَ شريك فِيهَا وَهُوَ كمن حضرها، وَكَذَلِكَ كل من أَرَادَ الْغَزْو فَرده الإِمَام وشغله بِشَيْء من أُمُور الْمُسلمين فَهُوَ كمن حضرها. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، ﵀: وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَإِنَّمَا ذَلِك وَالله أعلم لِأَنَّهُ وَجه أبان لنجد قبل أَن يتهيأ خُرُوجه إِلَى خَيْبَر، فَتوجه أبان ثمَّ حدث خُرُوجه، ﷺ ، إِلَى خَيْبَر فَكَانَ مَا غَابَ فِيهِ أبان لَيْسَ هُوَ شغل شغل بِهِ عَن حُضُورهَا بعد إِرَادَته إِيَّاهَا، فَيكون كمن حضرها. ٩٢ - (بابُ منِ اخْتَارَ الغَزْوَ عَلى الصَّوْمِ) أَي: هَذَا بَاب من اخْتَار الْغَزْو على الصَّوْم لِئَلَّا يضعف بدنه بِالصَّوْمِ عَن الْقيام بِأُمُور الْغَزْو، وَأَيْضًا فالمجاهد يكْتب لَهُ أجر الصَّائِم الْقَائِم، وَقد مثله ﷺ بالصائم لَا يفْطر والقائم لَا يفتر. ٨٢٨٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا ثابتٌ البُنانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ أبُو طَلْحَةَ لَا يَصُوم علَى عهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أجْلِ الغَزْوِ فلَمَّا قُبِضَ

стр. 4144

النبِيُّ ﷺ لَمْ أرَهُ مُفْطِرَاً إلَاّ يَوْمَ فِطْر أوْ أضْحًى. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وثابت، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أسلم أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ الْبنانِيّ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى وَكسر الثَّانِيَة: نِسْبَة إِلَى بنانة، وهم ولد سعد بن لؤَي، وبنانة زَوْجَة سعد، وَقيل: كَانَت أمة لَهُ. والْحَدِيث من أَفْرَاده وَأَبُو طَلْحَة زوج أم أنس، واسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَة اعْتمد على قَوْله ﷺ : تقووا لعدوكم بالإفطار وَكَانَ فَارس الْحَرْب وَمن لَهُ الِاجْتِهَاد فِيهَا، فَلذَلِك كَانَ يفْطر ليتقوى على الْعَدو، وَهَذَا يدل على فضل الْجِهَاد على سَائِر أَعمال التَّطَوُّع، فَلَمَّا مَاتَ، ﵊، وَقَوي الْإِسْلَام واشتدت وطأته على الْعَدو، وَرَأى أَنه فِي سَعَة عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ من الْجِهَاد، رأى أَن يَأْخُذ بحظه من الصَّوْم ليجمع لَهُ هَاتَانِ الطاعتان العظيمتان، وليدخل يَوْم الْقِيَامَة من بَاب الريان. قَوْله: (لم أره مُفطرا) هَذَا من كَلَام أنس، أَي: لم أر أَبَا طَلْحَة يفْطر (إِلَّا يَوْم فطر أَو أضحى) أَي: أَو يَوْم أضحى، وَكَانَ لَا يصومهما للنَّهْي الْوَارِد فِيهِ، وَيدخل فِيهِ صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق. قَالُوا: هَذَا خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء. فَإِن قلت: روى الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس: أَن أَبَا طَلْحَة أَقَامَ بعد رَسُول الله، ﷺ أَرْبَعِينَ سنة لَا يفْطر إلَاّ يَوْم فطر أَو أضحى. قلت: هُنَا مأخذان على الْحَاكِم. أَحدهمَا: أَن أصل الحَدِيث فِي البُخَارِيّ، فَلَا يَصح الِاسْتِدْرَاك. وَالْآخر: أَن هَذَا الْمِقْدَار الَّذِي ذكره فِي حَيَاته بعد النَّبِي، ﷺ فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لم يَعش بعد النَّبِي ﷺ إلَاّ ثَلَاثًا أَو أَرْبعا وَعشْرين سنة، وَصرح بَعضهم بِأَن الزِّيَادَة فِي مِقْدَار حَيَاته بعد النَّبِي ﷺ غلط. قلت: التَّصْرِيح بالغلط غلط، لِأَن أَبَا عمر، قَالَ: قَالَ أَبُو زرْعَة: عَاشَ أَبُو طَلْحَة بِالشَّام بعد موت النَّبِي ﷺ أَرْبَعِينَ سنة يسْرد الصَّوْم، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: سَمِعت أَبَا نعيم يذكر ذَلِك عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس، أَنه يَعْنِي: أَن أَبَا طَلْحَة سرد الصَّوْم بعد النَّبِي ﷺ أَرْبَعِينَ سنة. ٠٣ - (بابٌ الشَّهادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الشَّهَادَة سبع أَي: سَبْعَة أَنْوَاع، وَكَونهَا سبعا بِاعْتِبَار الشُّهَدَاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث جَابر بن عتِيك عَن رَسُول الله، ﷺ : الشُّهَدَاء سَبْعَة أَنْوَاع سوى الْقَتْل فِي سَبِيل الله تَعَالَى: المطعون شَهِيد، والغريق شَهِيد، وَصَاحب ذَات الْجنب، شَهِيد، والمبطون شَهِيد، والحريق شَهِيد، وَالَّذِي يَمُوت تَحت الْهدم شَهِيد، وَالْمَرْأَة تَمُوت بِجمع شَهِيد ... الحَدِيث ... فِي (الْمُوَطَّأ) . قَوْله: (بِجمع) ، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره عين مهلمة: بِمَعْنى الْمَجْمُوع، كالذخر بِمَعْنى المذخور، وَهُوَ أَن تَمُوت الْمَرْأَة وَفِي بَطنهَا ولد، وَقيل: الَّتِي تَمُوت بكرا، وَكسر الْكسَائي الْجِيم. وَفِي حَدِيث الْبَاب: الشُّهَدَاء خَمْسَة على مَا يَأْتِي. وروى الْحَارِث بن أبي أُسَامَة من حَدِيث أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الشُّهَدَاء ثَلَاثَة: رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله صَابِرًا محتسباً لَا يُرِيد أَن يقتل وَلَا يقتل، فَإِن مَاتَ أَو قتل غفرت لَهُ ذنُوبه كلهَا، ويجار من عَذَاب الْقَبْر، ويؤمن من الْفَزع الْأَكْبَر، ويزوج من الْحور الْعين، ويخلع عَلَيْهِ حلَّة الْكَرَامَة، وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْخلد. وَالثَّانِي: رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله محتسباً يُرِيد أَن يقتل وَلَا يقتل، فَإِن مَاتَ أَو قتل كَانَت ركبته وركبة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، ﵊، بَين يَدي الله، ، فِي مقْعد صدق. وَالثَّالِث: رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله محتسباً يُرِيد أَن يقتل أَو يقتل، فَإِن مَاتَ أَو قتل فَإِنَّهُ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة شاهراً سَيْفه وَاضعه على عَاتِقه وَالنَّاس جاثون على الركب، يَقُول: أفسحوا لنا فَإنَّا قد بذلنا دماءنا لله، ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو قَالَ ذَلِك لإِبْرَاهِيم، ﵊، أَو لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، لتنحى لَهُم عَن الطَّرِيق لما يرى من حَقهم، وَلَا يسْأَل الله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ، وَلَا يشفع فِي أحد إلَاّ شفع فِيهِ وَيُعْطى فِي الْجنَّة مَا أحب ... الحَدِيث بِطُولِهِ. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث فضَالة بن عبيد، يَقُول: سَمِعت عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: الشُّهَدَاء أَرْبَعَة: رجل مُؤمن جيد الْإِيمَان لَقِي الْعَدو فَصدق الله حَتَّى قتل، فَذَاك الَّذِي يرفع النَّاس إِلَيْهِ أَعينهم يَوْم الْقِيَامَة، هَكَذَا، وَرفع رَأسه حَتَّى وَقعت قلنسوته، فَمَا أَدْرِي أقلنسوة عمر أَرَادَ أم قلنسوة النَّبِي ﷺ ، قَالَ: وَرجل مُؤمن جيد الْإِيمَان لَقِي الْعَدو فَكَأَنَّمَا ضرب جلده بشوك طلح من الْجُبْن أَتَاهُ سهم غرب فَقتله، فَهُوَ فِي الدرجَة الثَّانِيَة. وَرجل مُؤمن خلط عملا صَالحا فَصدق الله حَتَّى قتل فَذَاك، فِي الدرجَة الثَّالِثَة،

стр. 4145

وَرجل مُؤمن أسرف على نَفسه، لَقِي الْعَدو فَصدق الله حَتَّى قتل فَذَاك فِي الدرجَة الرَّابِعَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت فِي تَرْجَمَة الْبَاب الشَّهَادَة سبع. وَفِي حَدِيث جَابر بن عتِيك: سَبْعَة، مُوَافق للتَّرْجَمَة، وَفِي حَدِيث الْبَاب: خَمْسَة، وَفِي حَدِيث أنس بن مَالك: ثَلَاثَة، وَفِي حَدِيث عمر بن الْخطاب: أَرْبَعَة. وَجَاءَت أَحَادِيث أُخْرَى فِي هَذَا الْبَاب. مِنْهَا: فِي (الصَّحِيح) : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد، وَمن قتل دون أَهله فَهُوَ شَهِيد، وَمن قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد، وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد، وَمن وقصه فرسه أَو لدغته هَامة أَو مَاتَ على فرَاشه على أَي حتف شَاءَ الله فَهُوَ شَهِيد، وَمن حَبسه السُّلْطَان ظَالِما لَهُ أَو ضربه فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد، وكل موتَة يَمُوت بهَا الْمُسلم فَهُوَ شَهِيد. وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: المرابط يَمُوت فِي فرَاشه فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد، والشرق شَهِيد، وَالَّذِي يفترسه السَّبع شَهِيد. وَعند ابْن أبي عمر، من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَمن تردى من الْجبَال شَهِيد، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَصَاحب النظرة وَهُوَ الْمعِين والغريب شهيدان، قَالَ: وحديثهما حسن، وَلما ذكر الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث ابْن عمر: الْغَرِيب شَهِيد، صَححهُ، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة من مَاتَ مَرِيضا مَاتَ شَهِيدا وَوُقِيَ فتْنَة الْقَبْر، الحَدِيث، وَسَنَده جيد على رأى الْحَاكِم. وروى الْبَزَّار بِسَنَد صَحِيح عَن عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: من عشق وعف وكتم وَمَات مَاتَ شَهِيدا. وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث سُوَيْد بن مقرن: من قتل دون مظْلمَة فَهُوَ شَهِيد، وَعند التِّرْمِذِيّ، من حَدِيث معقل بن يسَار: من قَالَ حِين يصبح ثَلَاث مَرَّات: أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَقَرَأَ ثَلَاث آيَات من آخر سُورَة الْحَشْر، فَإِن مَاتَ من يَوْمه مَاتَ شَهِيدا، وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب. وَعند الثَّعْلَبِيّ من حَدِيث يزِيد الرقاشِي عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (من قَرَأَ آخر سُورَة الْحَشْر فَمَاتَ من ليلته مَاتَ شَهِيدا) ، وَعند الأجري: (يَا أنس ﴿إِن اسْتَطَعْت أَن تكون أبدا على وضوء فافعل، فَإِن ملك الْمَوْت إِذا قبض روح العَبْد وَهُوَ على وضوء كتب لَهُ شَهَادَة) . وَعند أبي نعيم عَن ابْن عمر: (من صلى الضُّحَى وَصَامَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وَلم يتْرك الْوتر كتب لَهُ أجر شَهِيد) . وَعَن جَابر: (من مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة أجِير من عَذَاب الْقَبْر، وَجَاء يَوْم الْقِيَامَة وَعَلِيهِ طَابع الشُّهَدَاء) ، قَالَ أَبُو نعيم: غَرِيب من حَدِيث جَابر. وَعند أبي مُوسَى، من حَدِيث عبد الْملك بن هَارُون بن عنبرة عَن أَبِيه عَن جده، يرفعهُ، فَذكر حَدِيثا فِيهِ: (والسل شَهِيد، والغريب شَهِيد) . وَفِي كتاب (الْأَفْرَاد والغرائب) : للدارقطني، من حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: (المحموم شَهِيد) . وَفِي (كتاب الْعلم) لأبي عمر: عَن أبي ذَر وَأبي هُرَيْرَة: (إِذا جَاءَ الْمَوْت طَالب الْعلم وَهُوَ على حَاله مَاتَ شَهِيدا) . وَفِي (الْجِهَاد) لِابْنِ أبي عَاصِم، من حَدِيث أبي سَلام عَن ابْن معانق الْأَشْعَرِيّ، عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ: مَرْفُوعا: (من خرج بِهِ خراج فِي سَبِيل الله كَانَ عَلَيْهِ طَابع الشُّهَدَاء) وَفِي (التَّمْهِيد) : عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ : (إِن فنَاء أمتِي بالطعن والطاعون) قَالَت: يَا رَسُول الله﴾ أما الطعْن فقد عَرفْنَاهُ، فَمَا الطَّاعُون؟ قَالَ: (غُدَّة كَغُدَّة الْبَعِير تخرج فِي المراق والآباط، من مَاتَ مِنْهَا مَاتَ شَهِيدا) . وَفِي بِبَعْض الْآثَار: (المجنوب شَهِيد) ، يُرِيد صَاحب ذَات الْجنب. وَفِي الحَدِيث: (إِنَّهَا نخسة من الشَّيْطَان) . وَهَذَا كَمَا رَأَيْت ترتقي الشُّهَدَاء إِلَى قريب من أَرْبَعِينَ. فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْعدَد الْمُخْتَلف صَرِيحًا، وَالْأَحَادِيث الْأُخَر أَيْضا. قلت: أما ذكر الْعدَد الْمُخْتَلف فَلَيْسَ على معنى التَّحْدِيد، بل كل وَاحِد من ذَلِك بِحَسب الْحَال وبحسب السُّؤَال وبحسب مَا تجدّد الْعلم فِي ذَلِك من النَّبِي ﷺ ، على أَن التَّنْصِيص على الْعدَد الْمعِين لَا يُنَافِي الزِّيَادَة، وَمَعَ هَذَا: الشَّهِيد الْحَقِيقِيّ هُوَ قَتِيل المعركة وَبِه أثر. أَو قَتله أهل الْحَرْب أَو أهل الْبَغي أَو قطاع الطَّرِيق، سَوَاء كَانَ الْقَتْل مُبَاشرَة أَو تسبباً أَو قَتله الْمُسلمُونَ ظلما وَلم يجب بقتْله دِيَة، فَالْحكم فِيهِ أَن يُكفن وَيصلى عَلَيْهِ وَلَا يغسل ويدفن بدمه وَثيَاب إلَاّ مَا لَيْسَ من جنس الْكَفَن: كالفرو والحشو وَالسِّلَاح الْمُعَلق عَلَيْهِ، وَيُزَاد وَينْقص، هَذَا كُله عِنْد أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة. وَعند الشَّافِعِي: من مَاتَ فِي قتال أهل الْحَرْب فَهُوَ شَهِيد، سَوَاء كَانَ بِهِ أثر أَو لَا، وَمن قتل ظلما فِي غير قتال الْكفَّار أَو خرج فِي قِتَالهمْ وَمَات بعد انْفِصَال الْقِتَال، وَكَانَ بِحَيْثُ يقطع بِمَوْتِهِ فَفِيهِ قَولَانِ: فِي قَول: لم يكن شَهِيدا، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَفِي (المغنى) : إِذا مَاتَ فِي المعترك فَإِنَّهُ لَا يغسل،

стр. 4146

رِوَايَة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا إِلَّا عَن الْحسن وَابْن الْمسيب فَإِنَّهُمَا قَالَا: يغسل الشَّهِيد وَلَا يعْمل بِهِ، وَأما مَا عدا مَا ذَكَرْنَاهُمْ الْآن فهم شُهَدَاء حكما لَا حَقِيقَة، وَهَذَا فضل من الله تَعَالَى لهَذِهِ الْأمة بِأَن جعل مَا جرى عَلَيْهِم تمحيصاً لذنوبهم وَزِيَادَة فِي أجرهم بَلغهُمْ بهَا دَرَجَات الشُّهَدَاء الْحَقِيقِيَّة ومراتبهم، فَلهَذَا يغسلون وَيعْمل بهم مَا يعْمل بِسَائِر أموات الْمُسلمين. وَفِي (التَّوْضِيح) : الشُّهَدَاء ثَلَاثَة أَقسَام: شَهِيد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهُوَ الْمَقْتُول فِي حَرْب الْكفَّار بِسَبَب من الْأَسْبَاب، وشهيد فِي الْآخِرَة دون أَحْكَام الدُّنْيَا، وهم من ذكرُوا آنِفا. وشهيد فِي الدُّنْيَا دون الْآخِرَة، وَهُوَ من غل فِي الْغَنِيمَة وَمن قتل مُدبرا أَو مَا فِي مَعْنَاهُ. ٩٢٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبي صالِحٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ المَطعُونُ والْمَبْطُونُ والغَرِقُ وصاحِبُ الْهَدْمِ والشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله.. قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن التَّرْجَمَة سبع، وَفِي الحَدِيث: خَمْسَة، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا يدل على أَن البُخَارِيّ مَاتَ وَلم يهذب كتاب. وَأجِيب: بِأَن البُخَارِيّ أَرَادَ التَّنْبِيه على أَن الشَّهَادَة لَا تَنْحَصِر فِي الْقَتْل بل لَهَا أَسبَاب أخر، وَتلك الْأَسْبَاب اخْتلف الْأَحَادِيث فِيهَا، فَفِي بَعْضهَا: خَمْسَة، وَهُوَ الَّذِي صَحَّ عِنْد البُخَارِيّ، وَوَافَقَ شَرطه، وَفِي بَعْضهَا سبع، لَكِن لم يُوَافق شَرطه فنبه عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة إِيذَانًا بِأَن الْوَارِد فِي عَددهَا من الْخَمْسَة أَو السَّبْعَة لَيْسَ على معنى التَّحْدِيد الَّذِي لَا يزِيد وَلَا ينقص، بل هُوَ إِخْبَار عَن خُصُوص فِيمَا ذكر، وَالله أعلم بحصرها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْجَواب أَن بعض الروَاة نسي الْبَاقِي وَتمّ كَلَامه. قلت: وَفِيه نظر لَا يخفى. وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث آخر أخرجه مَالك من رِوَايَة جَابر بن عتِيك. قلت: قد ذكرنَا حَدِيثه عَن قريب، وَهَذَا لَيْسَ بِجَوَاب يجدي، لِأَن الْمَطْلُوب وجود الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين حَدِيث الْبَاب، لَا بَينهَا وَبَين حَدِيث آخر خَارج عَن الْكتاب، وَالْأَوْجه الْأَقْرَب مَا ذكرنَا بقولنَا. وَأجِيب: بِأَن البُخَارِيّ ... إِلَى آخِره. وَسمي، بِضَم السِّين وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: أَبُو عبد الله، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة الْقرشِي الْمدنِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي المرضى عَن أبي عَاصِم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (المطعون) ، هُوَ: الَّذِي مَاتَ فِي الطَّاعُون، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ الْمَوْت من الوباء. قَوْله: (والمبطون) ، أَي: العليل بالبطن. قَوْله: (وَالْغَرق) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء، وَهُوَ الَّذِي يَمُوت بِالْغَرَقِ، وَقيل: هُوَ الَّذِي غَلبه المَاء وَلم يغرق، فَإِذا غرق فَهُوَ غريق. قَوْله: (وَصَاحب الْهدم) ، قَالَ ابْن الْأَثِير: الْهدم، بِالتَّحْرِيكِ: الْبناء المهدوم فعل بِمَعْنى مفعول وبالسكون الْفِعْل نَفسه. قَوْله: (والشهيد فِي سَبِيل الله) ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يلْزم مِنْهُ حمل الشَّيْء على نَفسه، التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي لِأَن قَوْله: (خَمْسَة) خبر للمبتدأ، أَو الْمَعْدُود بعده بَيَان لَهُ، وَأجَاب بِأَنَّهُ من بَاب قَول الشَّاعِر: (أَنا أَبُو النَّجْم وشعري شعري) فَافْهَم ... ٠٣٨٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخْبرنا عبْدُ الله قَالَ أخْبرنا عاصِمٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سيرِينَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. (الحَدِيث ٠٣٨٢ طرفه فِي: ٢٣٧٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أحد السَّبْعَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة، وَاحِد الْخَمْسَة الَّتِي فِي الحَدِيث السَّابِق. وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَحَفْصَة بنت سِيرِين هِيَ أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن حَامِد بن عمر. قَوْله: (الطَّاعُون) ، هُوَ الْمَرَض الْعَام والوباء الَّذِي يفْسد لَهُ الْهَوَاء فتفسد بِهِ الأمزجة والأبدان، وَقيل: الطَّاعُون هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ الطعْن، وَهُوَ الوجع الْغَالِب الَّذِي ينطفي بِهِ الرّوح، كالذبحة وَنَحْوهَا، وروى أُسَامَة عَن رَسُول الله،

стр. 4147

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (والطاعون رجز أرسل على من كَانَ قبلكُمْ) ، وَإِنَّمَا سمي طاعوناً لعُمُوم مصابه وَسُرْعَة قَتله، فَيدْخل فِيهِ مثله مِمَّا يصلح اللَّفْظ لَهُ. ١٣ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أولي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضْل الله الْمُجَاهِدِينَ بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ علَى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلاًّ وعَدَ الله الحُسْنَى وفَضَّلَ الله المُجَاهِدِينَ عَلَى القاعِدِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورَاً رَحِيماً﴾ (النِّسَاء: ٥٩) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سَبَب نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . الْآيَة، والقاعدون جمع قَاعد، وَأَرَادَ بهم القاعدين عَن الْجِهَاد، وَكلمَة: من، للْبَيَان والتبعيض، وَأُرِيد بِالْجِهَادِ غَزْوَة بدر، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ مقَاتل: غَزْوَة تَبُوك، وَالضَّرَر مثل الْعَمى وَالْعَرج وَالْمَرَض. قَوْله: (وَالْمُجَاهِدُونَ) ، عطف على قَوْله: الْقَاعِدُونَ. قَوْله: (وَفضل الله الْمُجَاهدين) ، هَذِه الْجُمْلَة مُوضحَة للجملة الأولى الَّتِي فِيهَا عدم اسْتِوَاء القاعدين والمجاهدين، كَأَنَّهُ قيل: مَا بالهم لَا يستوون؟ فَأُجِيب بقوله: فضل الله الْمُجَاهدين، قَوْله: (دَرَجَة) ، نضب بِنَزْع الْخَافِض، وَقيل: مصدر فِي معنى: تَفْضِيلًا، وَقيل: حَال، أَي ذَوي دَرَجَة. قَوْله: (وكلا) ، أَي: وكل فريق من القاعدين والمجاهدين. قَوْله: (وعد الله الْحسنى) ، أَي: المثوبة الْحسنى، وَهِي الْجنَّة. قَوْله: (إِلَى قَوْله ﴿غَفُورًا رحِيما﴾ (النِّسَاء: ٥٩)) . أَرَادَ بِهِ تَمام الْآيَة وَهُوَ قَوْله: ﴿على القاعدين أجرا عَظِيما دَرَجَات مِنْهُ ومغفرة وَرَحْمَة وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أجرا انتصب بِفضل لِأَنَّهُ فِي معنى آجرهم أجرا. قَوْله ﴿دَرَجَات﴾ أَي: فِي الْجنَّة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن ينْتَصب دَرَجَات، نصب دَرَجَة، كَمَا نقُول: ضربه أسواطاً بِمَعْنى: ضربات، كَأَنَّهُ قيل: وفضلهم تَفْضِيلًا. قَوْله: ﴿ومغفرة وَرَحْمَة﴾ بدل من أجرا ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . لِلْفَرِيقَيْنِ. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي أَن الله تَعَالَى ذكر فِي أول الْكَلَام دَرَجَة، وَفِي آخِره دَرَجَات؟ قلت: الأولى: لتفضيل الْمُجَاهدين على أولى الضَّرَر. وَالثَّانيَِة: للتفضيل على غَيرهم. وَقيل: الأولى دَرَجَة الْمَدْح والتعظيم، وَالثَّانيَِة منَازِل الْجنَّة. ١٣٨٢ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . دَعَا رسولُ الله ﷺ زَيْداً فَجاءَ بِكَتِفٍ فكَتَبَهَا وشَكَا ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أولِي الضَّرَرِ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين سَبَب نزُول قَوْله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ... ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . إِلَى آخِره، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْهَمدَانِي الْكُوفِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. قَوْله: ((زيدا) ، هُوَ زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ النجاري. قَوْله: (بكتف) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسر التَّاء: وَهُوَ عظم عريض يكون فِي أصل كتف الْحَيَوَان من النَّاس وَالدَّوَاب، كَانُوا يَكْتُبُونَ فِيهِ لقلَّة الْقَرَاطِيس عِنْدهم. قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) ، هُوَ عَمْرو بن قيس العامري، وَاسم أمه عَاتِكَة المخزومية. قَوْله: (ضرارته) ، أَي: ذهَاب بَصَره. وَفِيه: اتِّخَاذ الْكَاتِب، وَتَقْيِيد الْعلم. ٢٣٨٢ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حدَّثني صالِحُ بنُ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أنَّهُ قَالَ رأيْتُ مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ جالِساً فِي الْمَسْجِدِ فأقْبَلْتُ حتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ فأخْبَرَنا أنَّ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ أخْبَرَهُ أنَّ رَسولَ الله ﷺ أمْلى علَيْهِ ﴿لَا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿والمُجَاهِدُونَ ي سَبِيلِ الله﴾ قَالَ فَجاءَهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وهْوَ يُمِلُّهَا عَليَّ فَقَالَ يَا رسولَ الله لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وكانَ رَجُلاً أعْمَى

стр. 4148

فأنْزَلَ الله ﵎ على رسولِهِ ﷺ وفَخِذُهُ علَى فَخِذِي فثَقُلَتْ علَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنْ تُرَضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فأنْزَلَ الله ﴿غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . (الحَدِيث طرفه فِي: ٢٩٥٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ومروان هُوَ ابْن الحكم، كَانَ أَمِير الْمَدِينَة زمن مُعَاوِيَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَمن لطائف إِسْنَاده أَن سهل بن سعد الصَّحَابِيّ يروي عَن مَرْوَان وَهُوَ تَابِعِيّ. قَوْله: (يملها) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد اللَاّم أَي: يُمْلِيهَا، وَالظَّاهِر أَن ياءه منقلبة عَن إِحْدَى اللامين، قَوْله: لَو استطيع الْجِهَاد، أَصله: لَو اسْتَطَعْت، عدل إِلَى الْمُضَارع إِمَّا لقصد الِاسْتِمْرَار، أَو لغَرَض الِاسْتِمْرَار. قَوْله: (وَكَانَ رجلا أعمى) ، أَي: كَانَ ابْن أم مَكْتُوم. قَوْله: (وَفَخذه) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (أَن ترضَّ) من الرضِّ، بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الدق الجرش. قَوْله: (ثمَّ سري عَنهُ) ، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد أَي: كشف وأزيل، قيل: إِن جِبْرِيل، ﵊، صعد وَهَبَطَ فِي مِقْدَار ألف سنة، قبل أَن يجِف الْقَلَم، أَي: بِسَبَب أولى الضَّرَر، حَكَاهُ ابْن التِّين، قَالَ: وَهَذَا يحْتَاج أَن يكون جِبْرِيل، ﵊، يتَنَاوَل ذَلِك من السَّمَاء، وَالْأَمر كَذَلِك، لِأَن الْقُرْآن نزل جملَة وَاحِدَة لَيْلَة الْقدر إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ نزل بعد ذَلِك مُتَفَرقًا بِحَسب الْحَال. وَفِيه: أَن من حَبسه الْعذر وَغَيره عَن الْجِهَاد وَغَيره من أَعمال الْبر مَعَ نِيَّة فِيهِ فَلهُ أجر الْمُجَاهِد وَالْعَامِل، لِأَن نَص الْآيَة على المفاضلة بَين الْمُجَاهِد والقاعد، ثمَّ اسْتثْنى من المفضولين أولي الضَّرَر، وَإِذا استثناهم مِنْهَا فقد ألحقهم بالفاضلين، وَقد بَين الشَّارِع هَذَا الْمَعْنى، فَقَالَ: إِن بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سلكنا وَاديا أَو شعبًا إلَاّ وهم مَعنا، حَبسهم الْعذر، وَكَذَا جَاءَ فِيمَن كَانَ يعْمل، وَهُوَ صَحِيح، وَكَذَا من نَام عَن حزبه نوماً غَالِبا كتب لَهُ أجر حزبه، وَكَانَ نَومه صَدَقَة عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُسَافِر يكْتب لَهُ مَا كَانَ يعْمل فِي الْإِقَامَة، وَهَذَا معنى قَوْله : ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فَلهم أجر غير ممنون﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . أَي: غير مَقْطُوع بزمانة، أَو كبرٍ أَو ضعفٍ إِذْ الْإِنْسَان يبلغ بنيته أجر الْعَامِل إِذا كَانَ لَا يَسْتَطِيع الْعَمَل الَّذِي ينويه. ٢٣ - (بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ القِتَالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الصَّبْر عِنْد الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. ٣٣٨٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ عنْ مُوساى بنِ عُقْبَةَ عنْ سالِمِ أبِي النَّضْرِ أنَّ عبدَ الله بنَ أبِي أوْفَى كتَبَ فَقَرَأْتُهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا لَقِيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاصْبِرُوا) يَعْنِي عِنْد ملاقاة الْكفَّار، وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ الْفَزارِيّ واسْمه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، والْحَدِيث مضى بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِي: بَاب الْجنَّة تَحت بارقة السيوف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فَاصْبِرُوا) ، يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الصَّبْر عِنْد إِرَادَة الْقِتَال. والشروع فِيهِ، أَو الصَّبْر حَال الْمُقَاتلَة والثبات عَلَيْهِ. (بابُ التَّحْرِيضِ علَى القِتَالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التحريض، أَي: الْحَث على الْقِتَال. وقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ علَى القِتَالِ﴾ (الْأَنْفَال: ٥٦) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: التحريض، وَفِي بعض النّسخ: وَقَول الله تَعَالَى، وأوله قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا من الَّذين كفرُوا بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ﴾ (الْأَنْفَال: ٥٦) . قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى أخبرنَا سُفْيَان عَن ابْن شَوْذَب عَن الشّعبِيّ عَن قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النبيِّ حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال﴾ (الْأَنْفَال: ٥٦) . أَي: حثهم عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ رَسُول الله، ﷺ يحرض على الْقِتَال عِنْد صفهم

стр. 4149

ومواجهة الْعَدو، كَمَا قَالَ لأَصْحَابه يَوْم بدر حِين أقبل الْمُشْركُونَ فِي عَددهمْ وعددهم: قومُوا إِلَى جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض. الحَدِيث، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنِي ابْن أبي نجيح عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة أَعنِي قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النبيِّ حرض الْمُؤمنِينَ﴾ (الْأَنْفَال: ٥٦) . الْآيَة، ثقلت على الْمُسلمين وأعظموا أَن يُقَاتل عشرُون مِائَتَيْنِ، وَمِائَة ألفا، فَخفف الله عَنْهُم، فنسخها بِالْآيَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ: ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا ... ﴾ (الْأَنْفَال: ٦٦) . الْآيَة فَكَانُوا إِذا كَانُوا على الشّطْر من عدوهم لم يَنْبَغِي لَهُم أَن يَفروا من عدوهم، وَإِذا كَانُوا دون ذَلِك لم يجب عَلَيْهِم، وَجَائِز لَهُم أَن يتحوزوا. وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس، نَحْو ذَلِك، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَالْحسن وَزيد بن أسلم وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَالضَّحَّاك نَحْو ذَلِك. ٤٣٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعاوِيةُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا أبُو إسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَساً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ خَرَجَ رسولُ الله، ﷺ إِلَى الخَنْدَقِ فإذَا المهاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بارِدَةٍ فلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فلَمَّا رَأى مَا بِهِمْ مِنَ النَّبَبِ والجوُعِ قَالَ: (أللهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةَ ... فاغْفِرْ لِلأنْصَارِ والمهاجِرَة) فقالُوا مُجِيبينَ لَهُ: (نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدَاً ... علَى الجِهَادِ مَا بَقِينا أبَدَاً) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي قَوْله ﷺ : (اللَّهُمَّ إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة) تحريضهم على مَا هم فِيهِ لكَونه من الْجِهَاد، وَرِجَاله قد ذكرُوا فِي إِسْنَاد الحَدِيث السَّابِق فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (خرج رَسُول الله، ﷺ إِلَى الخَنْدَق) ، وَكَانَ فِي شَوَّال سنة خمس من الْهِجْرَة، نَص على ذَلِك ابْن إِسْحَاق وَعُرْوَة بن الزبير وَقَتَادَة. وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة عَن الزُّهْرِيّ: أَنه قَالَ: كَانَت الْأَحْزَاب فِي شَوَّال سنة أَربع، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك بن أنس، وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه، ﷺ ، لما بلغه اجْتِمَاع الْأَحْزَاب وَهِي الْقَبَائِل واتفاقهم على محاربته ﷺ ، ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة. قَالَ ابْن هِشَام: يُقَال إِن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ والسهيلي: أول من حفر الْخَنَادِق منوجهر بن أيرج، وَكَانَ فِي زمن مُوسَى، ﵊. قَوْله (فَإِذا) كلمة إِذْ المفاجأة قَوْله: (مَا بهم) ، أَي: الْأَمر الملتبس بهم. قَوْله: (من النصب) ، أَي: التَّعَب. قَوْله: (والجوع) . قَوْله: (قَالَ) أَي: النَّبِي، ﷺ : (اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة. .) إِلَى آخِره، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا قَالَ ابْن رَوَاحَة: لَا هم، بِلَا ألف، وَلَا لَام، فَأتى بِهِ بعض الروَاة على الْمَعْنى، وَهَذَا مَوْزُون. وَقَالَ ابْن التِّين: بِالْألف وَاللَّام ... إِلَى آخِره، فَلَيْسَ بموزون، وَلَا هُوَ رجز. وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ هُوَ من قَول رَسُول الله، ﷺ ، بل هُوَ من قَول ابْن رَوَاحَة، وَلَو كَانَ من لَفظه لم يكن بذلك شَاعِرًا، وَلَا مِمَّن يَنْبَغِي لَهُ الشّعْر، وَإِنَّمَا يُسَمِّي بِهِ من قصد صناعته وَعلم السَّبَب والوتد والشطر وَجَمِيع مَعَانِيه من الزحاف والخرم وَالْقَبْض وَنَحْو ذَلِك. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن شعراء الْعَرَب لم يَكُونُوا يعلمُونَ مَا ذكره من ذَلِك. قَوْله: (إِن الْعَيْش) ، أَي: الْعَيْش الْمُعْتَبر، أَو الْعَيْش الْبَاقِي. قَوْله: (فَاغْفِر للْأَنْصَار) ويروى (للْأَنْصَار) ، وَيخرج بِهِ عَن الْوَزْن. قَوْله: (بَايعُوا) ، ويروى: (بَايعنَا) . وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن للحفر فِي سَبِيل الله وتحصين الديار وسد الثغور مِنْهَا أجر، كَأَجر الْقِتَال، وَالنَّفقَة فِيهِ محسوبة فِي نفقات الْمُجَاهدين إِلَى سَبْعمِائة ضعف. وَفِيه: اسْتِعْمَال الرجز وَالشعر إِذا كَانَت فِيهِ إِقَامَة النُّفُوس وإثارة الأنفة والمعرة.

стр. 4150

٤٣ - (بابُ حَفْرِ الخَنْدَقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر حفر الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، الخَنْدَق حول الْمَدِينَة. ٥٣٨٢ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا عبدُ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ ويَنْقُلُونَ التُّرَابَ علَى مُتُونِهِمْ ويَقولونَ: (نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدَاً ... علَى الإسْلَامِ مَا بَقينَا أبَدَاً) والنبيُّ ﷺ يُجِيبُهُمْ وَيَقُولُ: (أللَّهُمَّ إنَّهُ لَا خَيْرَ إلَاّ خَيْرُ الآخِرَة ... فَبارِكْ فِي الأنْصَارِ والمُهَاجِرَه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب الْبَصْرِيّ، وَهَؤُلَاء كلهم بصريون. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أبي معمر أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب بِتَمَامِهِ وَفِي الرقايق مُخْتَصرا عَن عمرَان بن مُوسَى. قَوْله: (على متونهم) ، الْمُتُون جمع متن، ومتنا الظّهْر مكتنفا الصلب عَن يَمِين وشمال من عصب وَلحم يذكر وَيُؤَنث، والمتن من الأَرْض مَا صلب وارتفع. قَوْله: (على الْإِسْلَام) ، ويروى: على الْجِهَاد، وَهُوَ الْمَوْزُون، وَالْأول غير مَوْزُون. قَوْله: (وَالنَّبِيّ ﷺ يُجِيبهُمْ) وَفِي الحَدِيث الْمَاضِي فِي الْبَيْت السَّابِق هم يجيبون لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ تَارَة كَذَا وَتارَة كَذَا. ٥٢ - (حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق قَالَ سَمِعت الْبَراء ﵁ يَقُول كَانَ النَّبِي ﷺ َ - ينْقل وَيَقُول لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا) هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مضى عَن قريب فِي أول بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن حَفْص بن عمر وَفِي الْمَغَازِي عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَفِي التَّمَنِّي عَن عَبْدَانِ عَن أَبِيه وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار عَن غنْدر وَعَن أبي مُوسَى عَن ابْن مهْدي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عَليّ بن الْحُسَيْن الدرهمي قَوْله " لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا " كَذَا روى وَهُوَ بِاللَّه لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا ٥٣ - (حَدثنَا حَفْص بن عمر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء ﵁ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم الْأَحْزَاب ينْقل التُّرَاب وَقد وارى التُّرَاب بَيَاض بَطْنه وَهُوَ يَقُول (لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا ... وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا) (فَأنْزل السكينَة علينا ... وَثَبت الْأَقْدَام إِن لاقينا) (إِن الألى قد بغوا علينا ... إِذا أَرَادوا فتْنَة أَبينَا) هَذَا طَرِيق آخر عَن الْبَراء بأتم من الطَّرِيق السَّابِق قَوْله " يَوْم الْأَحْزَاب " سمي بِهِ لِاجْتِمَاع الْقَبَائِل واتفاقهم على محاربة النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ يَوْم الخَنْدَق والأحزاب جمع حزب بِالْكَسْرِ وهم الطوائف من النَّاس قَوْله " فأنزلن " بالنُّون المخففة قَوْله " سكينَة " أَي وقارا ويروى فَنزل السكينَة قَوْله " إِن لاقينا " يَعْنِي مَعَ الْكَافِر قَوْله " إِن الأولى " هُوَ من أَلْفَاظ الموصولات لَا من أَسمَاء الإشارات وَهُوَ جمع للمذكر قَوْله " قد بغوا " أَي ظلمُوا من الْبَغي قَوْله " أَبينَا " من الإباء

стр. 4151

وَهُوَ الِامْتِنَاع وَقَوله إِن الأولى إِلَى آخِره لَيْسَ يتزن وَرُوِيَ هَكَذَا أَن الأولى هم قد بغوا علينا وَهُوَ يتزن لِأَن وَزنه مستفعلن مستفعلن فعولن وَقَالَ الدَّاودِيّ وَفِي رِوَايَة أَن الأعادي بغوا علينا وَهُوَ أَيْضا لَا يتزن إِلَّا بِزِيَادَة هم أَو قد - ٥٣ - (بابُ منْ حَبَسَهُ العُذْرُ عنِ الغَزْوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من حَبسه الْعذر، وَهُوَ الْوَصْف الطاريء على الْمُكَلف الْمُنَاسب للتسهيل عَلَيْهِ، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَلهُ أجر الْغَازِي. ٨٣٨٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا حُمَيْدٌ أنَّ أنَساً حدَّثَهُمْ قَالَ رَجِعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النبيِّ ﷺ ح. ٩٣٨٢ - وحدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ فِي غَزاةٍ فَقَالَ إنِّ أقْوَامَاً بالمَدِينَةِ خَلْفَنا مَا سَلَكْنَا شِعْبَاً ولَا وادِياً إلَاّ وهُمْ مَعَنَا فِيهِ حبَسَهُمْ العُذْرُ. (انْظُر الحَدِيث ٨٣٨٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وحبسهم الْعذر) . وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن أَحْمد بن يُونُس، هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة أبي خَيْثَمَة الْجعْفِيّ عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن حَرْب إِلَى آخِره. وَهَذَا كَمَا رَأَيْت قرن رِوَايَة زُهَيْر بِرِوَايَة حَمَّاد بن زيد، فَفِي رِوَايَة زُهَيْر، فَائِدَتَانِ: أولاهما: التَّصْرِيح بغزوة تَبُوك. وَالْأُخْرَى: بتصريح أنس بِالتَّحْدِيثِ. قَوْله: (خلفنا) ، بِسُكُون اللَّام، أَي: وَرَاءَنَا، ويروى بتَشْديد اللَّام وَسُكُون الْفَاء: من التخليف. قَوْله: (شعبًا) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة: الطَّرِيق فِي الْجَبَل، وَيُسمى الْحَيّ الْعَظِيم أَيْضا شعبًا: بِالْكَسْرِ، والشعب، بِالْفَتْح مَا تفرق من قبائل الْعَرَب والعجم، والشعب أَيْضا الْقَبِيلَة الْعَظِيمَة. قَوْله: (إلَاّ وهم مَعنا فِيهِ) أَي: فِي ثَوَابه، أَي: هم شُرَكَاء فِي الثَّوَاب، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن حَمَّاد بن زيد: إلَاّ وهم مَعكُمْ فِيهِ بِالنِّيَّةِ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان وَأبي عوَانَة، من حَدِيث جَابر: إلَاّ شَركُوكُمْ فِي الْأجر، بدل قَوْله إلَاّ كَانُوا مَعكُمْ. قَوْله: (الْعذر) ، لمَرض، وَعدم الْقُدْرَة على السّفر. وروى مُسلم من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: حَبسهم الْمَرَض، وَهَذَا مَحْمُول على الْأَغْلَب. وَفِيه: من حَبسه الْعذر من أَعمال الْبر مَعَ نِيَّة فِيهَا يكْتب لَهُ أجر الْعَامِل بهَا، كَمَا قَالَ ﷺ فِيمَن غَلبه النّوم عَن صَلَاة اللَّيْل: إِنَّه يكْتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه صَدَقَة عَلَيْهِ. وقالَ مُوساى حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ مُوساى بنِ أنَسٍ عنْ أبِيهِ قَالَ النبيُّ ﷺ أَي: قَالَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، هُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَحَمَّاد هُوَ ابْن سَلمَة يروي عَن حميد عَن مُوسَى بن أنس عَن أَبِيه أنس، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ: أخبرنَا أَبُو يعلى حَدثنَا أَبُو خَيْثَمَة حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة أخبرنَا حميد عَن مُوسَى بن أنس عَن أَبِيه أنس ... فَذكره. قَالَ أبُو عَبْدِ الله الأوَّلُ أصَحُّ أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (الأول) ، السَّنَد الأول الَّذِي فِيهِ حميد عَن أنس بِدُونِ ذكر مُوسَى بن أنس عِنْدِي أصح من الَّذِي فِيهِ مُوسَى بن أنس، ورد عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذَا. وَقَالَ: حَمَّاد عَالم بِحَدِيث حميد مقدم فِيهِ على غَيره، وَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا تَصْرِيح حميد بِحَدِيث أنس لَهُ، وَلَكِن يُمكن أَن يكون حميد سمع هَذَا من مُوسَى عَن أَبِيه ثمَّ لَقِي أنسا فحدثه بِهِ، أَو سمع من أنس فثبته فِيهِ ابْنه مُوسَى، وَالله أعلم. ٦٣ - (بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ الله) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الصَّوْم فِي سَبِيل الله، أَي: الْجِهَاد، وَقَالَ القررطبي: سَبِيل الله: طَاعَة الله، وَالْمرَاد بِهِ: الصَّوْم مبتغياً وَجه الله.

стр. 4152

٠٤٨٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرَنِي يَحْيى بنُ سَعِيدٍ وسُهَيْلُ بنُ أبي صَالِحٍ أنَّهُما سَمِعَا النُّعْمَانَ بنَ أبِي عَيَّاشٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ صَامَ يَوْمَاً فِي سَبيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عنِ النَّارِ سَبْعينَ خَرِيفاً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ النجاري، وَكَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من كِتَابه، مرّة يَقُول: إِسْحَاق بن نصر، فينسبه إِلَى جده، وَمرَّة يَقُول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، فينسبه إِلَى أَبِيه، وَعبد الرَّزَّاق بن همام، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَسُهيْل بن أبي صَالح لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا إلَاّ هَذَا، وَلم يحْتَج بِهِ، وَلِهَذَا قرنه بِيَحْيَى بن سعيد، وَقد اخْتلف فِي إِسْنَاده على سُهَيْل، فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ عَنهُ هَكَذَا، وَخَالفهُم شُعْبَة فَرَوَاهُ: عَنهُ عَن صَفْوَان بن يزِيد عَن أبي سعيد. أخرجه النَّسَائِيّ والنعمان بن أبي عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: واسْمه زيد بن الصَّلْت، وَقيل: زيد بن النُّعْمَان الزرقي الْأنْصَارِيّ، وَعَن يحيى: ثِقَة. وَقَالَ ابْن حبَان، كَذَلِك، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الرَّحْمَن بن بشير وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن رمح. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن مُؤَمل بن شهَاب وَعَن الْحسن بن قزعة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن عبد الله بن مُنِير وَعَن أَحْمد بن حَرْب وَعبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح. قَوْله: (بعد الله وَجهه) ، وَأول النَّوَوِيّ وَغَيره المباعدة من النَّار على المعافاة مِنْهَا، دون أَن يكون المُرَاد الْبعد بِهَذِهِ الْمسَافَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث. قلت: لَا مَانع من الْحَقِيقَة على مَا لَا يخفى، ثمَّ هَذَا يَقْتَضِي إبعاد النَّار عَن وَجه الصَّائِم، وَفِي أَكثر الطّرق إبعاد الصَّائِم نَفسه، فَإِذا كَانَ المُرَاد من الْوَجْه الذَّات، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كل شَيْء هَالك إلَاّ وَجهه﴾ (الْقَصَص: ٨٨) . يكون مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا، وَإِن كَانَ المُرَاد حَقِيقَة الْوَجْه يكون الإبعاد من الْوَجْه فَقَط، وَلَيْسَ فِيهِ أَن يبْقى الْجَسَد أَن يَنَالهُ النَّار، إلأ أَن الْوَجْه كَانَ أبعد من النَّار من سَائِر جسده، وَذَلِكَ لِأَن الصّيام يحصل مِنْهُ الظمإ وَمحله الْفَم، لِأَن الرّيّ يحصل بالشرب فِي الْفَم. قَوْله: (سبعين خَرِيفًا) أَي: سنة، لِأَن السّنة تَسْتَلْزِم الخريف فَهُوَ من بَاب الْكِنَايَة. وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي مِقْدَار المباعدة من النَّار، فَفِي حَدِيث عقبَة بن عَامر عَن النَّبِي، ﷺ أخرجه النَّسَائِيّ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم مائَة عَام) . وَفِي حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة عَن النَّبِي ﷺ ، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) كَذَلِك مائَة عَام، وَكَذَا فِي حَدِيث عبد الله بن سُفْيَان أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. وَفِي حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ ، أخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) : (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله تَبَاعَدت عَنهُ جَهَنَّم مسيرَة خَمْسمِائَة عَام) . وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَتفرد بِهِ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار خَنْدَقًا كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض) ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) عَن أبي الدَّرْدَاء، وَكَذَا رَوَاهُ عَن جَابر، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: أبعده الله من النَّار مسيرَة مائَة سنة حضر الْجواد. وَفِي حَدِيث عتبَة بن النّذر أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله فَرِيضَة باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم كَمَا بَين السَّمَوَات وَالْأَرضين السَّبع، وَمن صَامَ يَوْمًا تَطَوّعا باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض) وَفِي حَدِيث سَلامَة بن قَيْصر، أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير) قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (من صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاء وَجه الله بعده الله من جَهَنَّم بعد غراب طَار، وَهُوَ فرخ حَتَّى مَاتَ هرماً. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله زحزحه الله عَن النَّار سبعين خَرِيفًا، وَالْآخر يَقُول: أَرْبَعِينَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. وَفِي حَدِيث سهل بن معَاذ عَن أَبِيه، أخرجه أَبُو يعلى الْموصِلِي: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله مُتَطَوعا فِي غير رَمَضَان بعد من النَّار مائَة عَام سير الْمُضمر الْمجِيد. وَفِي حَدِيث ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عمر:

стр. 4153

(من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله مُتَطَوعا فَهُوَ بسبعمائة يَوْم) . فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: الأَصْل أَن يرجح مَا طَرِيقَته صَحِيحَة، وأصحها رِوَايَة: سبعين خَرِيفًا، فَإِنَّهَا مُتَّفق عَلَيْهَا من حَدِيث أبي سعيد. وَجَوَاب آخر: أَن الله أعلم نبيه ﷺ أَولا بِأَقَلّ المسافاة فِي الأبعاد، ثمَّ أعلمهُ بعد ذَلِك بِالزِّيَادَةِ على التدريج فِي مَرَاتِب الزِّيَادَة، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك بِحَسب اخْتِلَاف أَحْوَال الصائمين فِي كَمَال الصَّوْم ونقصانه، وَالله أعلم. ٧٣ - (بابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيل الله) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله، المُرَاد من سَبِيل الله: الْجِهَاد، وَلَكِن اللَّفْظ أَعم من هَذَا يتَنَاوَل الْجِهَاد وَغَيره. ١٤٨٢ - حدَّثني سَعْدُ بنُ حَفُصٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْياى عنْ أبِي سلَمَةَ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ الله دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ كلُّ خَزَنَةِ بابٍ أيْ فُلْ هَلُمَّ قَالَ أبُو بَكْرٍ يَا رسولَ الله ذااك الَّذي لَا تَوَى عَلَيْهِ فَقالَ النَّبيُّ ﷺ إنِّي لأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، يُقَال لَهُ: الضخم وَهُوَ من أَفْرَاده، وشيبان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن كثير، وَأَبُو سَلمَة هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن آدم. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد ابْن رَافع وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم. قَوْله: (من أنْفق زَوْجَيْنِ) ، أَي: شَيْئَيْنِ من أَي نوع كَانَ، مِمَّا ينْفق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالزَّوْج خلاف الْفَرد، وكل وَاحِد مِنْهُمَا يُسمى أَيْضا زوجا. قلت: يَنْبَغِي أَن يُطلق هُنَا على الْوَاحِد قطعا. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد بالزوجين أَن يشفع إِلَى كل شَيْء مَا يشفعه من شَيْء مثله، إِن كَانَ دَرَاهِم فبدرهمين، وَإِن كَانَ دَنَانِير فبدينارين، وَإِن كَانَ سِلَاحا وَغَيره كَذَلِك. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَقع الزَّوْج على الْوَاحِد والإثنين، وَهنا على الْوَاحِد. وَاحْتج بقوله: خلق الزَّوْجَيْنِ، وَاعْتَرضهُ ابْن التِّين، فَقَالَ: لَيْسَ قَوْله ببيِّن. قلت: هَذَا بيّن فَلَا وَجه لاعتراضه. قَوْله: (خَزَنَة الْجنَّة) ، الخزنة جمع: خَازِن، وَهُوَ الَّذِي يخزن تَحت يَده الْأَشْيَاء. قَوْله: (كل خَزَنَة بَاب) ، قَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ من المقلوب. قلت: لَا حَاجَة إِلَى قَوْله: كَأَنَّهُ، بل هُوَ من المقلوب، إِذْ أَصله: خَزَنَة كل بَاب. قَوْله: (أَي فل) كلمة: أَي، حرف نِدَاء. وَقَوله: (فل) ، رُوِيَ بِضَم اللَّام وَفتحهَا، وَأَصله: فلَان، فَحذف مِنْهُ الْألف وَالنُّون بِغَيْر ترخيم، وَلَفظ: فلَان، كِنَايَة عَن اسْم سمي بِهِ الْمُحدث عَنهُ. وَيُقَال فِي النداء: يَا فل، وَإِنَّمَا قُلْنَا: بِغَيْر ترخيم، إِذْ لَو كَانَ ترخيماً لقيل: يَا فَلَا. قَوْله: (هَلُمَّ) ، مَعْنَاهُ: تعال، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع فِي اللُّغَة الحجازية، وَأهل نجد يَقُولُونَ: هَل هلما هلموا. قَوْله: (لَا توى عَلَيْهِ) أَي: لَا ضيَاع عَلَيْهِ. وَقيل: لَا هَلَاك، من قَوْلك: توى المَال يتوي تِوًى. وَقَالَ ابْن فَارس: التوى يمد وَيقصر، وَأَكْثَرهم على أَنه مَقْصُور. وَقَالَ الْمُهلب فِي هَذَا الحَدِيث: إِن الْجِهَاد أفضل الْأَعْمَال، لِأَن الْمُجَاهِد يُعْطَى أجر الْمُصَلِّي والصائم والمتصدق، وَإِن لم يفعل ذَلِك، وَلِأَن بَاب الريان للصائمين، وَقد ذكر فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْمُجَاهِد يدعى من تِلْكَ الْأَبْوَاب كلهَا بإنفاق قَلِيل من المَال فِي سَبِيل الله. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره إِنَّمَا يتمشى على القَوْل بِأَن المُرَاد بقوله: فِي سَبِيل الله: الْجِهَاد، وَالْأَكْثَرُونَ على أَن المُرَاد بِهِ مَا هُوَ أَعم من الْجِهَاد وَغَيره من الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من زِيَادَة أخرجهَا أَحْمد، وَهِي قَوْله، فِيهِ: لكل أهل عمل بَاب يدعونَ بذلك الْعَمَل، وَالله أعلم. ٢٤٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحٌ قَالَ حدَّثنا هِلَالٌ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قامَ عَلى المِنْبَرِ فَقال إنَّمَا أخْشاى علَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكاتِ الأرْضِ ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فبَدَأ بإحْدَاهُمَا وثَنَّى بالأُخْراى فَقام

стр. 4154

رَجُلٌ فَقالَ يَا رسولَ الله أوَ يَأتِي الخَيْرُ بالشَّرِّ فسَكَتَ عَنْهُ النبيُّ ﷺ قُلْنا يُوحاى إلَيْهِ وسَكَتَ النَّاسُ كأنَّ علَى رُؤوسِهِمِ الطَّيْرَ ثُمَّ إنَّهَ مَسَحَ عنْ وَجْهِهِ الرُحَضَاءَ فَقال أيْنَ السَّائِلُ آنِفَاً أوَ خَيْرٌ هُوَ ثَلاثَاً إِن الْخَيْر لَا يَأْتِي إلَاّ بالْخَيْرِ وإنَّهُ كلَّمَا يُنْبِتُ الرَّبِيعَ مَا يَقْتُلُ حَبَطاً أوْ يُلِمُّ إلَاّ آكِلَةَ الخُضَرِ كلَّمَا أكلَتْ حتَّى إذاا امْتَلأتْ خاصِرَتاها اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسُ فثَلَطَتْ وبالَتْ ثُمَّ رَتعَتْ وإنَّ هذَا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ونِعْمَ صاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أخَذَهُ بِحَقِّهِ يَجعَلَهُ فِي سَبِيلِ الله واليَتَامى والمَساكِينِ وابنِ السَّبِيلِ ومَنْ لَمْ يأخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهْوَ كالآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ ويَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيداً يَوْمَ القيَامَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَجعله فِي سَبِيل الله) ، وَمُحَمّد بن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون: أَبُو بكر الْعَوْفِيّ الْبَاهِلِيّ الْأَعْمَى، وَهُوَ من أَفْرَاده. وفليح بن سُلَيْمَان، وهلال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال: هِلَال بن أبي هِلَال، وَهُوَ هِلَال بن عَليّ الفِهري الْمَدِينِيّ والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي بَاب الصَّدَقَة على الْيَتَامَى وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ فلنذكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة. قَوْله: (فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا) أَي: بالبركات. قَوْله: (وثنى بِالْأُخْرَى) أَي: بزهرة الدُّنْيَا. قَوْله: (أوَ يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ؟) أَي: تصير النِّعْمَة عُقُوبَة. قَوْله: (كَأَن على رؤوسهم الطير) قَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي: أَن كل وَاحِد صَار كمن على رَأسه طَائِر يُرِيد صَيْده فَلَا يَتَحَرَّك كَيْلا يطير. قَوْله: (الرحضاء) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد: الْعرَاق الَّذِي أدره عِنْد نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ، يُقَال: رحض الرجل إِذا أضابه ذَلِك فَهُوَ مرحوض ورحيض. قَوْله: (أوَ خيرٌ هُوَ؟) أَي: المَال هُوَ خير؟ على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (إِن الْخَيْر لَا يَأْتِي إلَاّ بِالْخَيرِ) أَي: الْخَيْر الْحَقِيقِيّ لَا يَأْتِي إلَاّ بِالْخَيرِ، لَكِن هَذَا لَيْسَ خيرا حَقِيقِيًّا لما فِيهِ من الْفِتْنَة والإشغال عَن كَمَال الإقبال إِلَى آخِره. قَوْله: ينْبت، بِضَم الْيَاء، من: الإنبات. قَوْله: (حَبطًا) وَقعت هَذِه اللَّفْظَة فِي الْأُصُول، وَذكر ابْن التِّين أَنه مَحْذُوف، وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة والطاء الْمُهْملَة، وَهُوَ انتفاخ الْبَطن من دَاء يُصِيب الْآكِل من أكله، وانتصابه على التَّمْيِيز. وَقَالَ ابْن قرقول: حبطت الدَّابَّة إِذا أكلت المرعى حَتَّى ينتفخ جوفها فتموت. قَوْله: (أويلم) ، بِضَم الْيَاء، من: الْإِلْمَام أَي: يقرب أَن يقتل: قَوْله: (إِلَّا آكِلَة الْخضر) ، أَي: إلَاّ الدَّابَّة الَّتِي تَأْكُل الْخضر فَقَط. قَوْله: (فثلطت) ، أَي: النَّاقة إِذا أَلْقَت بعرها رَقِيقا. قَوْله: (خضرَة) تأنيثه إِمَّا بِاعْتِبَار أَنْوَاعه، أَو التَّاء للْمُبَالَغَة: كالعلامة، أَو مَعْنَاهُ: أَن كَانَ المَال كالبقلة الخضرة. قَوْله: (وَنعم صَاحب الْمُسلم) الْمَخْصُوص بالمدح المَال. قَوْله: (وَيكون عَلَيْهِ شَهِيدا) ، وَذَلِكَ بِأَن يَأْتِيهِ فِي صُورَة من يشْهد عَلَيْهِ بالخيانة، كَمَا يَأْتِي على صُورَة شُجَاع أَقرع. ٨٣ - (بابُ فَضْلِ منْ جَهَّزَ غازِياً أوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من جهز غازياً بِأَن هيأ لَهُ أَسبَاب سَفَره. قَوْله: (أَو خَلفه) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام، يُقَال: خلف فلَان فلَانا إِذا كَانَ خَلِيفَته. وَيُقَال: خَلفه فِي قومه خلَافَة. ٣٤٨٢ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا الحُسَيْنُ قَالَ حدَّثني يَحْيَى قَالَ حدَّثني أَبُو سلَمَةَ قَالَ حدَّثني بُسْرُ بنُ سعيدٍ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ منْ جَهَّزَ غازِياً فِي سَبيلِ الله فَقَدْ غَزَا ومَنْ خَلَفَ غَازِياً فِي سَبِيلِ الله بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فَقَوله: (من جهز غازياً) ، يُطَابق الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة. وَقَوله: (وَمن خلف غازياً) ، يُطَابق الْجُزْء الثَّانِي لَهَا، وَأَبُو معمر عبد الله بن عَمْرو المقعد، وَقد مر عَن قريب، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَقد مر مَعَه، وَالْحُسَيْن هُوَ ابْن ذكْوَان الْمعلم، وَهَؤُلَاء كلهم بصريون، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير اليمامي الطَّائِي، وَأَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَبسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن سعيد مولى الخضرمي من أهل الْمَدِينَة، مَاتَ سنة مائَة، وَزيد بن خَالِد أَبُو عبد الرَّحْمَن الْجُهَنِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على الْوَلَاء، وهم: يحيى وَأَبُو سَلمَة وبسرة وَأَبُو سَلمَة روى هُنَا عَن زيد بن خَالِد بِوَاسِطَة، وروى

стр. 4155

عَنهُ بِلَا وَاسِطَة أَيْضا عِنْد أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَعَن سعيد ابْن مَنْصُور وَأبي الطَّاهِر بن السَّرْح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي معمر بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي زَكَرِيَّاء بن درست. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَرُوِيَ فِي الْبَاب عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة الْوَلِيد عَن عُثْمَان بن عبد الله بن سراقَة عَن عمر بن الْخطاب، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (من جهز غازياً حَتَّى يسْتَقلّ كَانَ لَهُ مثل أجره حَتَّى يَمُوت أَو يرجع) . وَعَن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة رجل لم يسم عَن معَاذ بن جبل، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من جهز غازياً أَو خَلفه فِي أَهله بِخَير فَإِنَّهُ مَعنا) . وَعَن أبي هُرَيْرَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة دَاوُد بن الْجراح عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من جهز غازياً فِي سَبِيل الله فَلهُ مثل أجره، وَمن خَلفه فِي أَهله بِخَير فقد غزا) . وَدَاوُد مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ. وَعَن زيد بن ثَابت، أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث بسر بن سعيد عَن زيد بن ثَابت عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (من جهز غازياً فِي سَبِيل الله فَلهُ مثل أجره، وَمن خلف غازياً فِي أَهله بِخَير أَو أنْفق على أَهله فَلهُ مثل أجره. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِيهِ من حَدِيث سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي سعيد قَالَ، عَام بني لحيان: (ليخرج من كل إثنين مِنْكُم رجل، وليخلف الْغَازِي فِي أَهله وَمَاله وَله مثل نصف أجره) . وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَتفرد بِهِ. وَعَن سهل بن حنيف: أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن عبد الله بن سهل بن حنيف عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (من أعَان مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله، أَو غازياً فِي عسرته، أَو مكَاتبا فِي رقبته، أظلهُ الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إلَاّ ظله) . وَعَن جبلة بن حَارِثَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن جبلة بن حَارِثَة، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ ، (إِذا لم يغز أعْطى سلاحه عليا أَو أُسَامَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا؟ وَعَن أبي أُمَامَة أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من رِوَايَة الْحَارِث عَن الْقَاسِم أبي عبد الرَّحْمَن عَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من لم يغز أَو يُجهز غازياً فِي أَهله بِخَير أَصَابَهُ الله بقارعة) ، زَاد فِي رِوَايَة: (قبل يَوْم الْقِيَامَة) . وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مَكْحُول عَن وَاثِلَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (مَا من أهل بَيت لَا يَغْزُو مِنْهُم غازياً أَو يُجهز غازياً بسلك أَو بإبرة أَو مَا يعدلها من الْوَرق أَو يخلفه فِي أَهله بِخَير إلَاّ أَصَابَهُم الله بقارعة قبل يَوْم الْقِيَامَة، وَإِسْنَاده ضَعِيف. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من جهز) ، بتَشْديد الْهَاء: من التَّجْهِيز، وَقد ذكرنَا أَن مَعْنَاهُ: من هيأ أَسبَاب سَفَره من شَيْء قَلِيل أَو كثير، أَلا يُرى فِي حَدِيث وَاثِلَة الْمَذْكُور آنِفا قَالَ: بسلك أَو بإبرة؟ فَإِن قلت: ذكر فِي حَدِيث ابْن مَاجَه الْمَذْكُور: (حَتَّى يسْتَقلّ) ، والاستقلال لَا يكون إلَاّ بِتمَام التَّجْهِيز. قلت: حَدِيث وَاثِلَة ضَعِيف، كَمَا ذكرنَا، وَلَئِن سلمنَا صِحَّته فَإِنَّهُ وَعِيد فِي ترك التَّجْهِيز أصلا، وَلَا يُعَارض غَيره. قَوْله: (فقد غزا) ، قَالَ ابْن حبَان: مَعْنَاهُ أَنه مثله فِي الْأجر، وَإِن لم يغز حَقِيقَة. ثمَّ أخرجه من وَجه آخر عَن بسر بن سعيد بِلَفْظ: (كتب لَهُ مثل أجره غير أَنه لَا ينقص من أجره شَيْء) . وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِيهِ: إِن من أعَان مُؤمنا على عمل بر فللمعين عَلَيْهِ مثل أجر الْعَامِل، وَمثله المعونة على معاصي الله، ، للمعين عَلَيْهَا من الْوزر وَالْإِثْم مثل مَا على عاملها،، وَلذَلِك نهى عَن بيع السيوف فِي الْفِتْنَة، وَلعن عاصر الْخمر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ذهب بعض الْأَئِمَّة إِلَى أَن الْمثل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث وَشبهه إِنَّمَا هُوَ بِغَيْر تَضْعِيف، قَالَ: لِأَنَّهُ يجْتَمع فِي تِلْكَ الْأَشْيَاء أَفعَال أخر وأعمال من الْبر كَثِيرَة لَا يَفْعَلهَا الدَّال الَّذِي لَيْسَ عِنْده إلَاّ مُجَرّد النِّيَّة الْحَسَنَة. وَقد قَالَ ﷺ : (أَيّكُم خلف الْخَارِج فِي أَهله وَمَاله بِخَير فَلهُ مثل نصف أجر الْخَارِج) . وَقَالَ: (لينبعث من كل رجلَيْنِ أَحدهمَا وَالْأَجْر بَينهمَا) . قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا حجَّة فِي هَذَا الحَدِيث لوَجْهَيْنِ. أَحدهمَا: أَنا نقُول بِمُوجبِه، وَذَلِكَ أَنه لم يتَنَاوَل مَحل النزاع، فَإِن الْمَطْلُوب إِنَّمَا هُوَ أَن الناوي للخير المعوق عَنهُ، هَل لَهُ مثل أجر الْفَاعِل من غير تَضْعِيف؟ وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا اقْتضى مُشَاركَة ومشاطرة فِي المضاعف فانفصلا. وَثَانِيهمَا: أَن الْقَائِم على مَال الْغَازِي

стр. 4156

وعَلى أَهله نَائِب عَن الْغَازِي فِي عمل لَا يَتَأَتَّى للغازي غَزْوَة، إلَاّ بِأَن يَكْفِي ذَلِك الْعَمَل، فَصَارَ كَأَنَّهُ مبَاشر مَعَه الْغَزْو، فَلَيْسَ مُقْتَصرا على النِّيَّة فَقَط، بل هُوَ عَامل فِي الْغَزْو، وَلما كَانَ كَذَلِك كَانَ لَهُ مثل أجر الْغَازِي كَامِلا وافراً مضاعفاً، بِحَيْثُ إِذا أضيف وَنسب إِلَى أجر الْغَازِي كَانَ نصفا لَهُ، وَبِهَذَا يجْتَمع معنى قَوْله: (من خلف غازياً فِي أَهله بِخَير فقد غزا) ، وَبَين معنى قَوْله فِي اللَّفْظ الأول: (فَلهُ مثل نصف أجر الْغَازِي) ، وَيبقى للغازي النّصْف، فَإِن الْغَازِي لم يطْرَأ عَلَيْهِ مَا يُوجب تنقيصاً لثوابه وَإِنَّمَا هَذَا كَمَا قَالَ: (من فطر صَائِما كَانَ لَهُ مثل أجر الصَّائِم لَا ينقصهُ من أجره شَيْء) ، وَالله أعلم. وعَلى هَذَا، فقد صَارَت كلمة: نصف، مقحمة هُنَا بَين: مثل، و: أجر، وَكَأَنَّهَا زِيَادَة مِمَّن يسامح فِي إِيرَاد اللَّفْظ بِدَلِيل. قَوْله: (وَالْأَجْر بَينهمَا) . وَيشْهد لَهُ مَا ذَكرْنَاهُ، وَأما من تحقق عَجزه وصدقت نِيَّته فَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف أَن أجره يُضَاعف، كَأَجر الْعَامِل الْمُبَاشر. ٤٤٨٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامُ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتَاً بالمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ امِّ سُلَيْمٍ إلَاّ علَى أزْوَاجِهِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ إنِّي أرْحَمُها قُتلَ أخُوها مَعِي. قيل: لَا مُطَابقَة لجزء التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (أَو خَلفه بِخَير) ، لِأَن ذَلِك أَعم من أَن يكون فِي حَيَاته أَو بعد مَوته، فَفِيهِ أَنه ﷺ خَلفه فِي أَهله بِخَير بعد وَفَاة أخي أم سليم، وَذَلِكَ من حسن عَهده ﷺ . قلت: لَا يَخْلُو عَن بعض التَّكَلُّف، وَلَكِن لَهُ وَجه أقرب من هَذَا. وَهُوَ: أَن تجهيز الْغَازِي وَنَظره فِي أَهله من غَايَة الْإِكْرَام للغازي، وَقد حث النَّبِي ﷺ على ذَلِك حَتَّى إِنَّه أكْرمه بعد مَوته حَيْثُ كَانَ يدْخل بَيت أم سليم لأجل قتل أَخِيهَا وَهُوَ غازٍ، فَكَأَنَّهُ يُنَبه بِهَذَا على أَن إكرام أهل الْغَازِي الْمَيِّت مَرْغُوب فِيهِ مَعَ الْأجر، فَإِذا كَانَ فِي إكرام أهل الْغَازِي الْمَيِّت هَكَذَا، فَفِي إكرام الْغَازِي الْحَيّ بطرِيق الأولى. ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَهَمَّام، بِالتَّشْدِيدِ: ابْن يحيى الشَّيْبَانِيّ، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن حسن الْحلْوانِي عَن عَمْرو بن عَاصِم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن إِسْحَاق بن عبد الله) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن همام أخبرنَا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة. وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق حسان بن هِلَال: عَن همام حَدثنَا إِسْحَاق. قَوْله: (لم يكن يدْخل بَيْتا بِالْمَدِينَةِ غير بَيت أم سليم) قَالَ الْحميدِي: لَعَلَّه أَرَادَ على الدَّوَام، وإلَاّ فقد تقدم أَنه كَانَ يدْخل على أم حرَام. وَقَالَ ابْن التِّين: يُرِيد أَنه كَانَ يكثر الدُّخُول على أم سليم، وإلَاّ فقد دخل على أُخْتهَا أم حرَام، وَلَعَلَّ أم سليم كَانَت شَقِيقَة الْمَقْتُول، أَو وجدت عَلَيْهِ أَكثر من أم حرَام، وَأم سليم هِيَ أم أنس، وَقد ذكرنَا أَن فِي اسْمهَا اخْتِلَافا، فَقيل: سهلة، وَقيل: رميلة، وَقيل: رميثة، وَقيل: مليكَة، وَيُقَال: الغميصاء، والرميصاء، وَأما أم حرَام، فقد قَالَ أَبُو عمر: لَا أَقف لَهَا على اسْم، صَحِيح. قَوْله: (إِنِّي أرحمها) إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ صَار قتل الْأَخ سَببا للدخول على الأجنية. قلت: لم تكن أَجْنَبِيَّة، كَانَت خَالَة لرَسُول الله، ﷺ من الرَّضَاع، وَقيل: من النّسَب، فالمحرمية كَانَت سَببا لجَوَاز الدُّخُول. وَقَالَ بَعضهم: الْعلَّة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث أولى من غَيره، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت: لم يبين فِي وَجه الْأَوْلَوِيَّة مَا هُوَ. قَوْله: (قتل أَخُوهَا معي) ، أَخُوهَا هُوَ حرَام بن ملْحَان، قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة، وَالْمرَاد بقوله معي، أَي: مَعَ عسكري، أَو معي نصْرَة للدّين، لِأَن رَسُول الله، ﷺ لم يكن فِي غَزْوَة بِئْر مَعُونَة، وَسَتَأْتِي قصَّتهَا فِي كتاب الْمَغَازِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٩٣ - (بابُ التَّحَنُّطِ عِنْدَ القِتَالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعْمَال الحنوط عِنْد الْقِتَال، وَقد مر تَفْسِير الحنوط فِي بَاب الْجَنَائِز، وَهُوَ عطر مركب من أَنْوَاع الطّيب، يطيب بِهِ الْمَيِّت. ٥٤٨٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنْ مُوسَى بنِ أنَسٍ قَالَ وذَكَرَ يَوْمَ اليَمَامَةِ قَالَ أتَى أنَسٌ ثابتَ بنَ قَيْسٍ وَقد حَسَرَ عنْ فَخِذَيْهِ

стр. 4157

وهْوَ يَتَحَنَّطُ فَقَالَ يَا عَمِّ مَا يَحْبِسُكَ أنْ لَا تَجِيءَ قَالَ الآنَ يَا ابنَ أخِي وجَعَلَ يتَحَنَّطَ يَعْنِي مِنَ الحُنُوطِ ثُمَّ جاءَ فَجَلَسَ فذَكَرَ فِي الحَدِيثِ انْكِشَافاً مِنَ النَّاسِ فَقَالَ هَكَذَا عنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نضَارِبَ القَوْمَ مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أقْرَانَكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ يتحنط) ، و (جعل يتحنط يَعْنِي: من الحنوط) . ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: خَالِد بن الْحَارِث الهُجَيْمِي، بِضَم الْهَاء وَفتح الْجِيم، مر فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة. الثَّالِث: ابْن عون، بِفَتْح الْعين: وَهُوَ عبد الله بن عون، مر فِي الْعلم. الرَّابِع: مُوسَى بن أنس بن مَالك. الْخَامِس: أنس بن مَالك. السَّادِس: ثَابت بن قيس بن شماس، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم وَفِي آخِره سين مُهْملَة: الخزرجي خطيب الْأَنْصَار، قتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا فِي خلَافَة أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون مَا خلا ثَابتا. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وهما ابْن عون ومُوسَى، وَابْن عون رأى أنس بن مَالك وَلم يثبت لَهُ سَماع مِنْهُ. وَفِيه: إثنان من الصَّحَابَة وهما: أنس وثابت. وَفِيه: أَتَى أنس ثَابت بن قيس، وَفِي رِوَايَة البرقاني من وَجه آخر، فَقَالَ: عَن مُوسَى بن أنس عَن أَبِيه، قَالَ: أتيت ثَابت بن قيس، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) : حَدثنَا الْأنْصَارِيّ حدثناابن عون أخبرنَا مُوسَى بن أنس عَن أنس بن مَالك، قَالَ: لما كَانَ يَوْم الْيَمَامَة جِئْت إِلَى ثَابت بن قيس بن شماس ... فَذكره، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَذكر يَوْم الْيَمَامَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ بِلَا وَاو، و: الْيَمَامَة، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم: وَهِي مَدِينَة من الْيَمين على مرحلَتَيْنِ من الطَّائِف، سميت باسم جَارِيَة زرقاء كَانَت تبصر الرَّاكِب من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْيَمَامَة بِلَاد، وَكَانَ اسْمهَا: الجو، فسميت باسم هَذِه الْمَرْأَة لِكَثْرَة مَا أضيف إِلَيْهَا. أَو ذكر الجاحظ أَن الْيَمَامَة كَانَت من بَنَات لُقْمَان بن عَاد، وَأَن اسْمهَا عنز، وَكَانَت زرقاء، وَقَالَ المَسْعُودِيّ: هِيَ يمامة بنت رَبَاح بن مرّة، وَيَوْم الْيَمَامَة هُوَ الْيَوْم الَّذِي كَانَت فِيهِ الْوَقْعَة بَين الْمُسلمين وَبَين بني حنيفَة أَصْحَاب مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَكَانَت فِي ربيع الأول من سنة اثْنَتَيْ عشرَة من الْهِجْرَة فِي خلَافَة أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقيل: كَانَت فِي أَوَاخِر سنة إِحْدَى عشرَة، وَالْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ: أَن ابتداءها كَانَ فِي السّنة الْحَادِيَة عشرَة وانتهاءها فِي السّنة الثَّانِيَة عشرَة، وَقتل فِيهَا جمَاعَة من الْمُسلمين وهم أَرْبَعمِائَة وَخَمْسُونَ من حَملَة الْقُرْآن وَمن الصَّحَابَة، مِنْهُم: ثَابت بن قيس ابْن شماس، وَكَانَت راية الْأَنْصَار مَعَ ثَابت هَذَا، وَكَانَ رَأس الْعَسْكَر خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ بَنو حنيفَة نَحوا من أَرْبَعِينَ ألفا والمسلمون نَحوا من ... ... وَقتل من بني حنيفَة نَحْو من إِحْدَى وَعشْرين ألفا، وَفِيهِمْ مُسَيْلمَة الْكذَّاب، قَتله وَحشِي بن حَرْب قَاتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَمَاه بِحَرْبَة فأصابته وَخرجت من الْجَانِب الآخر، وسارع إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَة سماك بن حرثة فَضَربهُ بِالسَّيْفِ فَسقط. قَوْله: (أَتَى أنس ثَابت بن قيس) ، وارتفاع: أنس، بالفاعلية وانتصاب: ثَابت، بالمفعولية. قَوْله: (وَقد حسر) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: (وَهُوَ يتحنط) وحسر، بمهملتين مفتوحتين مَعْنَاهُ: كشف. قَوْله: (يَا عَم) ، إِنَّمَا دَعَاهُ بذلك لِأَنَّهُ كَانَ أسن مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ من قَبيلَة الْخَزْرَج. قَوْله: (مَا يحبسك؟) أَي: مَا يؤخرك. قَوْله: (أَن لَا تَجِيء؟) ، بِالنّصب. قَالَ الْكرْمَانِي: لَا، زَائِدَة، وبالرفع وَتَخْفِيف اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْأنْصَارِيّ: (فَقلت: يَا عَم! أَلا ترى مَا يلقى النَّاس؟) وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَلا تَجِيء؟ وَكَذَا فِي رِوَايَة خَليفَة فِي (تَارِيخه) . وَقَالَ فِي جَوَابه: بلَى يَا ابْن أخي الْآن. قَوْله: (وَجعل يتحنط) ، أَي: جعل يسْتَعْمل الحنوط. قَوْله: (يَعْنِي من الحنوط) ، إِنَّمَا فسر بِهَذَا حَتَّى لَا يتصحف بِمَا يشتق من الْخياطَة، أَو من شَيْء آخر. وَقَالَ بَعضهم: وَكَأن قَائِلهَا أَرَادَ دفع من يتَوَهَّم أَنَّهَا من

стр. 4158

الْحِنْطَة. قلت: هَذَا الْوَهم بعيد وَلَا معنى يُفِيد أَن يتحنط من الْحِنْطَة، وَهَذِه اللَّفْظَة لم تقع فِي رِوَايَة الْأنْصَارِيّ، وَلكنهَا مَوْجُودَة فِي الأَصْل. وروى الطَّبَرَانِيّ عَن عَليّ بن عبد الْعَزِيز وَأبي مُسلم الكبشي، قَالَا: حَدثنَا حجاج بن منهال (ح) وَحدثنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الْمُؤَدب حَدثنَا عَفَّان أخبرنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس أَن ثَابت بن قيس بن شماس جَاءَ يَوْم الْيَمَامَة وَقد تحنظ وَنشر أَكْفَانه، وَقَالَ: أللهم إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ، وأعتذر مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ، فَقيل: وَكَانَت لَهُ درع فسرقت، فَرَآهُ رجل فِيمَا يرى النَّائِم، فَقَالَ: إِن دِرْعِي فِي قدر تَحت كانون فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا، وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرْع فوجدوها وانفذوا الْوَصَايَا. وَعند التِّرْمِذِيّ: قَالَ أنس: لما انْكَشَفَ النَّاس يَوْم الْيَمَامَة، قلت لِثَابِت ... فَذكر الحَدِيث. وَفِيه: وَكَانَ عَلَيْهِ درع نفيسة، فَمر بِهِ رجل من الْمُسلمين فَأَخَذُوهَا. وَفِيه: لما رأى فِي الْمَنَام وَدلّ على الدرْع، قَالَ: لَا تقل هَذَا مَنَام، فَإِذا جِئْت أَبَا بكر فَأعلمهُ أَن على من الدّين كَذَا وَكَذَا، وَفُلَان من رقيقي عَتيق، وَفُلَان ... فأنفذ أَبُو بكر وَصيته، وَلَا يعلم أحد أجيزت وَصيته بعد مَوته سواهُ. وَفِي كتاب (الرِّدَّة) لِلْوَاقِدِي بِإِسْنَادِهِ عَن بِلَال أَنه رأى سَالم مولى أبي حُذَيْفَة، وَهُوَ قافل إِلَى الْمَدِينَة من غَزْوَة الْيَمَامَة: أَن دِرْعِي مَعَ الرّفْقَة الَّذين مَعَهم الْفرس الأبلق تَحت قدرهم، فَإِذا أَصبَحت فَخذهَا وأدِّها إِلَى أَهلِي، وَإِن عَليّ شَيْئا من الدّين فمرهم أَن يقضوه عني، فَأخْبرت أَبَا بكر بذلك، فَقَالَ: نصدق قَوْلك ونقضي عَنهُ دينه الَّذِي ذكرته. وَفِيه: أَن عَبدِي سَعْدا وسالما حران. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ أنس: لما انْكَشَفَ النَّاس يَوْمئِذٍ: أَلا ترى يَا عَم؟ فَقَالَ: مَا هَكَذَا نُقَاتِل مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بئْسَمَا عودتم أَقْرَانكُم. ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل، وَكَانَ عَلَيْهِ درع نفيسة، فَمر بِهِ رجل من الْمُسلمين فَأَخذهَا، فَرَآهُ بعض الصَّحَابَة فِي الْمَنَام، فَقَالَ: إِنِّي أوصيك بِوَصِيَّة فَلَا تضيعها، إِنِّي لما قتلت أَخذ رجل دِرْعِي، ومنزله فِي أقْصَى النَّاس، وَعند خبائه فرس، وَقد كفا على الدرْع برمة وَفَوق البرمة رَحل، فأتِ خَالِدا، وَكَانَ أَمِير الْعَسْكَر وَقل لَهُ يَأْخُذ دِرْعِي مِنْهُ، فَإِذا قدمت الْمَدِينَة فَقل لخليفة رَسُول الله، ﷺ ، يَعْنِي: أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن عَليّ من الدّين كَذَا وَكَذَا، وَفُلَان من رَقِيق عَتيق. فَأتى الرجل خَالِدا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْبرهُ، فَبعث إِلَى الدرْع فَأتى بهَا، وَحدث أَبَا بكر فَأجَاز وَصيته، وَلَا نعلم أحدا أجيزت وَصيته بعد مَوته غير ثَابت، وَهُوَ من الغرائب. قَوْله: (فَذكر فِي الحَدِيث انكشافاً) أَي: فَذكر أنس فِي حَدِيثه نوعا من الانهزام، أَي: أَشَارَ إِلَى الْفرج بَين وُجُوه الْمُسلمين والكافرين بِحَيْثُ لَا يبْقى بَيْننَا وَبينهمْ أحد، وقدرنا على أَن نضاربهم بِلَا حَائِل بَيْننَا وبينم، فَقَالَ ثَابت: مَا كُنَّا نَفْعل كَذَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، بل كَانَ الصَّفّ الأول لَا ينحرف عَن مَوْضِعه، وَكَانَ الصَّفّ الثَّانِي مساعداً لَهُم، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي زَائِدَة: فجَاء حَتَّى جلس فِي الصَّفّ وَالنَّاس منكشفون، أَي: منهزمون. قَوْله: (بئس مَا عودتم أَقْرَانكُم) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: عودكم أَقْرَانكُم. قلت: فعلى الأول: أَقْرَانكُم، بِالنّصب، لِأَنَّهُ مفعول: عودتم، وعَلى الثَّانِي: بِالرَّفْع، لِأَنَّهُ فَاعل: عودكم. والأقران: النظراء، وَهُوَ جمع قرن، بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ الَّذِي يعادل الآخر فِي الشدَّة، والقرن، بِفَتْح الْقَاف: من يعادل فِي السن، وَأَرَادَ ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِهَذَا الْكَلَام توبيخ المنهزمين، أَي: عودتم نظراءكم فِي الْقُوَّة من عَدوكُمْ الْفِرَار مِنْهُم حَتَّى طمعوا فِيكُم؟ وَفِي رِوَايَة الْأنْصَارِيّ وَابْن أبي زَائِدَة، ومعاذ بن معَاذ: فَتقدم فقاتل حَتَّى قتل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة على الْأَخْذ بالشدة فِي اسْتِهْلَاك النَّفس وَغَيرهَا فِي ذَات الله، ، وَترك الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ لمن قدر عَلَيْهَا. وَفِيه: أَن التَّطَيُّب للْمَوْت سنة من أجل مُبَاشرَة الْمَلَائِكَة للْمَيت. وَفِيه: التداعي لِلْقِتَالِ، لِأَن أنسا قَالَ لِعَمِّهِ: مَا يحبسك أَن لَا تَجِيء؟ وَفِيه: قُوَّة ثَابت بن قيس وَصِحَّة يقينه وَنِيَّته. وَفِيه: التوبيخ لمن نفر من الْحَرْب. وَفِيه: الْإِشَارَة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ الصَّحَابَة فِي عهد النَّبِي ﷺ من الشجَاعَة والثبات فِي الْحَرْب. رَوَاهُ حَمَّادٌ عنْ ثَابِتَ عنْ أنَسٍ أَي: روى الحَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البرقاني عَن أبي الْعَبَّاس ابْن حمدَان بِالْإِسْنَادِ عَن قبيصَة بن عقبَة عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس بِلَفْظ: انكشفنا يَوْم الْيَمَامَة فجَاء ثَابت بن

стр. 4159

قيس بن شماس، فَقَالَ: بئس مَا عودتم أَقْرَانكُم مُنْذُ الْيَوْم، وَإِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْم، وَأَعُوذ بك مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ، وخلوا بَيْننَا وَبَين أقراننا سَاعَة، وَقد كَانَ تكفن وتحنيط، فقاتل حَتَّى قتل. قَالَ: وَقتل يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ من الْأَنْصَار فَكَانَ أنس يَقُول: يَا رب سبعين من الْأَنْصَار يَوْم أحد، سبعين يَوْم مُؤْتَة، سبعين يَوْم بِئْر مَعُونَة، سبعين يَوْم الْيَمَامَة ... وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان. ٠٤ - (بابُ فَضْلِ الطَّلِيعَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الطليعة، بِفَتْح الطَّاء وَكسر اللَّام، وطليعة الْجَيْش من بعث ليعلم الْعَدو ويطلع على أَحْوَالهم، وَيجمع على طلائع، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الطَّلَائِع هُوَ الْقَوْم الَّذين يبعثون ليطلعوا، طلع الْعَدو كالجواسيس،. والطليعة تطلق على الْوَاحِد وعَلى الْجَمَاعَة، قلت: طلع الْعَدو، بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون اللَّام: اسْم من اطلع على الشَّيْء إِذا علمه. ٦٤٨٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ يَوْمَ الأحْزَابِ قَالَ الزُّبَيْرُ أَنا ثُمَّ قَالَ مَنْ يأتِينِي بِخَبَرِ القَوْمُ قَالَ الزُّبَيْرُ أنَا فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّاً وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله، ﷺ : (من يأتيني بِخَبَر الْقَوْم؟) انتداب لأحد يَأْتِيهِ بِخَبَر الْعَدو، فَانْتدبَ لَهُ الزبير، فَاسْتحقَّ الْفضل بذلك. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي السّير عَن قَاسم بن زَكَرِيَّا. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ ابْن مُحَمَّد عَن وَكِيع. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من يأتيني بِخَبَر الْقَوْم؟) . أَرَادَ بهم بني قُرَيْظَة من الْيَهُود، وَعند النَّسَائِيّ قَالَ وهب بن كيسَان: أشهد لسمعت جَابِرا يَقُول: لما اشْتَدَّ الْأَمر يَوْم بني قُرَيْظَة من الْيَهُود، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من يأتينا بخبرهم؟) فَلم يذهب أحد، فَذهب الزبير فجَاء بخبرهم، ثمَّ اشْتَدَّ الْأَمر أَيْضا فَقَالَ النَّبِي ﷺ من يأتينا بخبرهم؟ فَلم يذهب أحد فَذهب الزبير، فجَاء بخبرهم، ثمَّ اشْتَدَّ الْأَمر أَيْضا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (إِن لكل نَبِي حوارِي. وَإِن الزبير حوارِي) . وَعند ابْن أبي عَاصِم، من حَدِيث وهب بن كيسَان عَن جَابر: لما كَانَ يَوْم الخَنْدَق وَاشْتَدَّ الْأَمر، قَالَ النَّبِي ﷺ : (أَلا رجل يَأْتِي بني قُرَيْظَة فَيَأْتِينَا بخبرهم؟) فَانْطَلق الزبير فجَاء بخبرهم، ثمَّ اشْتَدَّ الْأَمر فَقَالَ (ألَا رجل ينْطَلق إِلَى بني قُرَيْظَة؟) الحَدِيث، وَفِي لفظ: ثَلَاث مَرَّات، فَلَمَّا رَجَعَ جمع لَهُ أَبَوَيْهِ. قَوْله: (يَوْم الْأَحْزَاب) ، هُوَ يَوْم الخَنْدَق، والأحزاب كَانُوا من قُرَيْش وَغَيرهم، وَكَانَ بَنو قُرَيْظَة نقضوا الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين الْمُسلمين ووافقوا قُريْشًا على حَرْب الْمُسلمين. قَوْله: (حوارياً) أَي: أَي خَاصَّة من الصَّحَابَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ والحواري وَمِنْه الحواريون من أَصْحَاب الْمَسِيح ﵇ أَي خلصاؤه وأنصاره، وَأَصله من التحوير وَهُوَ التبييض. وَقيل: (إِنَّهُم كَانُوا قصارين يحورون الثِّيَاب، أَي: يبيضونها) . وَمِنْه الْخبز الْحوَاري الَّذِي نخل مرّة بعد مرّة. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الحواريون خلصاء الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن معمر عَن قَتَادَة: الْحوَاري الْوَزير إِذا أضيف الْحوَاري إِلَى: يَا، من الْمُتَكَلّم: بِحَذْف الْيَاء وَحِينَئِذٍ ضَبطه جمَاعَة بِفَتْح الْيَاء وَأَكْثَرهم بِكَسْرِهَا. قَالُوا: وَالْقِيَاس الْكسر، لكِنهمْ حِين استثقلوا الكسرة وَثَلَاث ياآت حذفوا يَاء الْمُتَكَلّم وأبدلوا من الكسرة فَتْحة، وَقد قرىء فِي الشواذ: إِن ولي الله، بِالْفَتْح وَفِي (التَّوْضِيح) : اعْلَم أَنه وَقع هُنَا مَا ذَكرْنَاهُ، أَرَادَ بِهِ: من أَن الَّذِي توجه إِلَى كشف بني قريضة الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْمَشْهُور كَمَا قَالَه شَيخنَا فتح الدّين الْيَعْمرِي: أَن الَّذِي توجه ليَأْتِي بِخَبَر الْقَوْم حُذَيْفَة بن الْيَمَان، كَمَا روينَا عَنهُ من طَرِيق ابْن إِسْحَاق وَغَيره، قَالَ: يَعْنِي: رَسُول الله، ﷺ : (من رجل يقوم فَينْظر لنا مَا فعل الْقَوْم: ثمَّ يرجع) فَشرط لَهُ رَسُول الله، ﷺ الرّجْعَة، أسأَل الله أَن يَجعله رفيقي فِي الْجنَّة؟ فَمَا قَامَ رجل من شدَّة الْخَوْف والجزع وَالْبرد، فَلَمَّا لم يقم أحد دَعَاني، فَقَالَ: يَا حُذَيْفَة إذهب وادخل فِي الْقَوْم ... وَذكر الحَدِيث، وَذكر ابْن عُيَيْنَة وَغَيره خُرُوج حُذَيْفَة إِلَى الْمُشْركين ومشقة ذَلِك عَلَيْهِ إِلَى أَن

стр. 4160

قَالَ، ﵊: (قُم يحفظك الله من أمامك وَمن خَلفك وَعَن يَمِينك وَعَن شمالك حَتَّى ترجع إِلَيْنَا) ، فَقَامَ حُذَيْفَة مُسْتَبْشِرًا بِدُعَاء رَسُول الله، ﷺ ، كَأَنَّهُ احْتمل احْتِمَالا، فَمَا شقّ عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا كَانَ فِيهِ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. ١٤ - (بابٌ هَلْ يَبْعَثُ الطَّلِيعَةَ وَحْدَهُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يبْعَث الطليعة إِلَى كشف الْعَدو مُنْفَردا وَحده؟ وَجَوَاب: هَل، الاستفهامية مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: يبْعَث أَو يجوز بَعثه وَحده؟ ٧٤٨٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ قَالَ أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدثنَا ابنُ الْمُنْكَدِرِ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ ندَبَ النبِيُّ ﷺ النَاس قَالَ صَدَقَةُ أظُنُّهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَ فانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِياً وإنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ.. هَذَا هُوَ الحَدِيث الَّذِي مضى فِي الْبَاب السَّابِق، غير أَنه رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَهنا رَوَاهُ: عَن صَدَقَة ابْن الْفضل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَأَيْضًا هُنَا ترْجم عَلَيْهِ فِي جَوَاز إرْسَال الطليعة وَحده. قَوْله: (ندب النَّاس) ، يُقَال: نَدبه لأمر فَانْتدبَ لَهُ أَي: دَعَاهُ لَهُ فَأَجَابَهُ. قَوْله: (أَظُنهُ) ، أَي: قَالَ صَدَقَة، شيخ البُخَارِيّ: أَظن أَن النّدب يَوْم الخَنْدَق، وَرَوَاهُ الْحميدِي عَن ابْن عُيَيْنَة فَقَالَ فِيهِ يَوْم الخَنْدَق من غير شكّ. وَفِيه: شجاعة الزبير، وتقدمته وفضله. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَلَا أعلم رجلا جمع لَهُ النَّبِي ﷺ ، أَبَوَيْهِ إلَاّ الزبير بن الْعَوام وَسعد بن أبي وَقاص، كَانَ يَقُول لَهُ: (إرم فدَاك أبي وَأمي) . وَإِنَّمَا كَانَ يَقُول لغَيْرِهِمَا: (إرم فدَاك أبي، أَو فدتك أُمِّي) ، وَهِي كلمة تقال للتبجيل لَيْسَ على الدُّعَاء وَلَا على الْخَبَر، وَقَالَ ابْن بطال: زعم بعض الْمُعْتَزلَة أَن بعث النَّبِي ﷺ الزبير وَحده معَارض لقَوْله، ﷺ : (الرَّاكِب شَيْطَان) ، وَنهى أَيْضا عَن أَن يُسَافر الرجل وَحده، قَالَ الْمُهلب: وَلَيْسَ بَينهمَا تعَارض لاخْتِلَاف الْمَعْنى فِي الْحَدِيثين، وَهُوَ أَن الَّذِي يُسَافر وَحده لَا يأنس بِأحد وَلَا يقطع طَرِيقه بمحدث يهون عَلَيْهِ مؤونة السّفر، كالشيطان الَّذِي لَا يأنس بِأحد وَيطْلب الْوحدَة ليغويه. وَأما سفر الزبير فَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ كَانَ كالجاسوس يتجسس على قُرَيْش مَا يُرِيدُونَ من حَرْب النَّبِي ﷺ ، وَلَا يُنَاسِبه إلَاّ الْوحدَة، على أَنه خرج فِي مثل هَذَا الْأَمر الخطير لحماية الدّين وَإِظْهَار طَاعَة النَّبِي ﷺ ، وَلم يزل، كَانَ عَلَيْهِ حفظ من الله تَعَالَى ببركة دُعَاء النَّبِي ﷺ فَأَيْنَ هَذَا من ذَلِك؟ أَلا يرى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما بلغه أَن سَعْدا بنى قصراً أرسل شخصا وَحده ليهدمه؟ وَذكر ابْن أبي عَاصِم أَن النَّبِي ﷺ أرسل عبد الله بن أنس سَرِيَّة وَحده؟ وَبعث عَمْرو بن أُميَّة وَحده عينا؟ وَذكر ابْن سعد: أَنه ﷺ أرسل سَالم بن عُمَيْر سَرِيَّة وَحده، وَحمل الطَّبَرِيّ الحَدِيث على جَوَاز السّفر للرجل الْوَاحِد إِذا كَانَ لَا يهوله هول، وإلَاّ فَمَمْنُوع من السّفر وَحده خشيَة على عقله أَو يَمُوت فَلَا يدْرِي خَبره أحد وَلَا يشهده، كَمَا قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَرَأَيْتُم إِذا سَافر وَحده فَمَاتَ، من أسأَل عَنهُ؟ قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي عَن السّفر وَحده نهي تَأْدِيب وإرشاد إِلَى مَا هُوَ الأولى. وَقَالَ ابْن التِّين: وَحمله الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد على السّفر الَّذِي يقصر فِيهِ الصَّلَاة. ٢٤ - (بابُ سَفرِ الإثْنيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز سفر الرجلَيْن مَعًا وَلَيْسَ المُرَاد سفر يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَزعم ابْن التِّين أَن الدَّاودِيّ فهم مِنْهُ سفر يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَاعْترض على البُخَارِيّ بقوله: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر سفر يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لم يرد بِهِ إلَاّ سفر الرجلَيْن، لِأَنَّهُ تقدم ذكر سفر الرجل وَحده ثمَّ أتبعه بِبَيَان سفر الرجلَيْن، وَلَو نظر متن الحَدِيث لوضح لَهُ

стр. 4161

بِخِلَاف قَوْله، وسفر يَوْم الْإِثْنَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ مَذْكُور فِي حَدِيث الثَّلَاثَة الَّذين تخلفوا عَن تَبُوك، قَالَ كَعْب: كَانَ رَسُول الله، ﷺ يحب أَن يُسَافر يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس. ٨٤٨٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا أَبُو شهَابٍ عَن خالِدٍ الحَذَّاءِ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ مالِكِ ابنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَنَا أَنا وصاحِبٌ لِي أذِّنَا وأقِيما ولْيَؤُمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَأَبُو شهَاب مُوسَى بن نَافِع الْأَسدي الحناط الْكُوفِي، وَهُوَ أَبُو شهَاب الْأَكْبَر، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة: عبد الله بن زيد الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الْأَذَان للْمُسَافِر. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أَنا) ، تَأْكِيد أَو بدل أَو بَيَان أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. قَوْله: (صَاحب) ، بِالْجَرِّ وَالرَّفْع، عطف عَلَيْهِ. ٣٤ - (بابٌ الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْخَيل ... إِلَى آخِره، وَهَذِه التَّرْجَمَة هِيَ عين حَدِيث الْبَاب. ٩٤٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ الخَيْلُ فِي نَوَاصِيها الخَيْرُ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ. (الحَدِيث ٩٤٨٢ طرفه فِي: ٤٤٦٣) . التَّرْجَمَة والْحَدِيث وَاحِد. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ. قَوْله: (الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا) ، وَفِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لَيْسَ فِيهِ: مَعْقُود، وَوَقع بإثباتها عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة عبد الله بن نَافِع عَن نَافِع، وَسَيَجِيءُ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة من طَرِيق عبد الله بن عمر عَن نَافِع بإثباتها، وَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني وَحده، وَعند ابْن أبي عَاصِم: (الْخَيل فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر) ، وَلَيْسَ فِيهِ لفظ مَعْقُود، وَرُوِيَ أَبُو دَاوُد عَن شيخ من بني سليم عَن عتبَة بن عبد السّلمِيّ، سمع النَّبِي ﷺ (يَقُول: لَا تقصوا نواصي الْخَيل وَلَا معارفها وَلَا أذنابها، فَإِن أذنابها مذابها، ومعارفها دفاؤها، ونواصيها مَعْقُود فِيهَا الْخَيْر) وسمى أَبُو يعلى الْموصِلِي الشَّيْخ: نصر بن عَلْقَمَة، وروى الْبَزَّار عَن سَلمَة بن نفَيْل: (الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر، وَأَهْلهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا) ، وروى مُسلم من حَدِيث جرير: رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ يلوي نَاصِيَة فرسه بإصبعه وَهُوَ يَقُول: (الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة الْأجر وَالْغنيمَة) . وروى عبد الله بن وهب: حَدثنَا عَمْرو بن الْحَارِث عَن الْحَارِث بن يَعْقُوب عَن أبي الْأسود الْغِفَارِيّ عَن أبي ذَر، قَالُوا: قَالَ رَسُول الله، ﷺ (الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْخَيل) ، مُبْتَدأ وَقَوله: (مَعْقُود) ، مَرْفُوع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ الْمُؤخر، وَهُوَ قَوْله: الْخَيْر، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَمعنى قَوْله: مَعْقُود: ملازم لَهَا كَأَنَّهُ مَعْقُود فِيهَا، وَهُوَ من بَاب الِاسْتِعَارَة المكنية، لِأَن الْخَيْر لَيْسَ بمحسوس حَتَّى تعقد عَلَيْهِ الناصية، وَلَكنهُمْ يدْخلُونَ الْمَعْقُول فِي جنس المحسوس ويحكمون عَلَيْهِ بِمَا يحكم على المحسوس مُبَالغَة فِي اللُّزُوم، وَذكر الناصية تَجْرِيد للاستعارة، والنواصي جمع: نَاصِيَة، وَهِي قصاص الشّعْر، وَهُوَ الشّعْر المسترسل على الْجَبْهَة. وَخص النواصي بِالذكر لِأَن الْعَرَب تَقول غَالِبا: فلَان مبارك الناصية، فيكنى بهَا عَن الْإِنْسَان. وَقَوله: الْخَيل ... إِلَى آخِره لَفظه عَام، وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص لِأَنَّهُ لم يرد إلَاّ بعض الْخَيل بِدَلِيل قَوْله: الْخَيل لثَلَاثَة، فَبين أَنه أَرَادَ الْخَيل الغازية فِي سَبِيل الله، لَا أَنَّهَا على كل وجوهها، ذكره ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ غَيره: الْخَيْر، هُنَا المَال، قَالَ: : ﴿إِن ترك خيرا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨١) . وَقَالَ أهل التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر﴾ (ص: ٢٣) . إِنَّه أَرَادَ بِهِ الْخَيل. وَفِيه: الْحَث على ارتباط الْخَيل فِي سَبِيل الله تَعَالَى، يُرِيد أَن من ارتبطها كَانَ لَهُ ثَوَاب ذَلِك، فَهُوَ خير آجل، وَهُوَ مَا يُصِيبهُ على ظهرهَا من الْغَنَائِم، وَفِي بطونها من النِّتَاج خير عَاجل.

стр. 4162

٠٥٨٢ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُصَيْنٍ وابنِ أبي السَّفَرِ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ عنِ النَّبِي ﷺ قَالَ الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: حُصَيْن بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. الرَّابِع: عبد الله بن أبي السّفر، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء، واسْمه سعيد. الْخَامِس: عَامر الشّعبِيّ. السَّادِس: عُرْوَة بن الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَيُقَال: ابْن أبي الْجَعْد الْبَارِقي الْأَزْدِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه بَصرِي، وَأَن شُعْبَة واسطي والبقية كوفيون. وَفِيه: عَن الشّعبِيّ عَن عُرْوَة، وَفِي رِوَايَة زَكَرِيَّاء عَن الشّعبِيّ: حَدثنَا عُرْوَة، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَلما رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم عَن غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن ابْن أبي السّفر عَن الشّعبِيّ، قَالَ: عَن عُرْوَة الْبَارِقي، قَالَ الْحميدِي، زَاد البرقاني فِي حَدِيث الشّعبِيّ من رِوَايَة عبد الله بن إِدْرِيس: عَن حُصَيْن يرفعهُ: الْإِبِل عز لأَهْلهَا، وَالْغنم بركَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي (الْجِهَاد) ، عَن أبي نعيم، (وَفِي الْخمس) عَن مُسَدّد، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عمر وَعَن يحيى بن يحيى وَخلف بن هِشَام وَأبي بكر وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن عبيد الله بن معَاذ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ (فِي الْجِهَاد) عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْخَيل عَن أبي كريب وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَفِي التِّجَارَات عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن ابْن إِدْرِيس بِهِ، وَزَاد فِي أَوله: الْإِبِل عز لأَهْلهَا وَالْغنم بركَة. وَقَالَ سُلَيْمَانُ عنْ شُعْبةَ عنْ عُرْوَةَ بنِ أبي الجَعْدِ أَي: قَالَ سُلَيْمَان بن حَرْب ... إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن سُلَيْمَان خَالف حَفْص بن عمر فِي اسْم وَالِد عُرْوَة، فَقَالَ حَفْص: عُرْوَة بن الْجَعْد، وَقَالَ سُلَيْمَان: عُرْوَة بن أبي الْجَعْد، بِزِيَادَة لفظ: الْأَب، وَاعْلَم أَن قَوْله: عَن شُعْبَة عَن عُرْوَة، لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أَن شُعْبَة يروي عَن عُرْوَة، لِأَن شُعْبَة لم يدْرك عُرْوَة، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَن شُعْبَة قَالَ فِي رِوَايَته: هُوَ عُرْوَة بن أبي الْجَعْد، فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل، وَتَعْلِيق سُلَيْمَان رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن فاروق: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الله بن أبي السّفر، وحصين عَن الشّعبِيّ عَن عُرْوَة بن أبي الْجَعْد، فَذكره. تابَعَهُ مُسَدَّدٌ عنْ هُشَيْمٍ عنْ حُصَيْنٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ أبِي الجعْد أَي: تَابع سُلَيْمَان بن حَرْب فِي زِيَادَة لفظ الْأَب فِي الْجَعْد مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ عَن هشيم بن بشير عَن حُصَيْن ... إِلَى آخِره. ١٥٨٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْياى بنُ سَعِيدٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ أبِي التَّيَّاحِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الخَيْلِ. (الحَدِيث ١٥٨٢ طرفه فِي: ٥٤٦٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (الْبركَة) ، لِأَنَّهَا عين الْخَيْر. وَيحيى: هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء المثاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: واسْمه يزِيد بن حميد الضبعِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن قيس بن حَفْص. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي مُوسَى وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْخَيل عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن مُحَمَّد بن بشار. قَوْله: (فِي نواصي الْخَيل) ، يتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره:

стр. 4163

الْبركَة حَاصِلَة أَو نازلة فِي نواصي الْخَيل. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَاصِم بن عَليّ عَن شُعْبَة بِلَفْظ (الْبركَة تنزل فِي نواصي الْخَيل) ، وَقَالَ عِيَاض: إِذا كَانَ فِي نَوَاصِيهَا الْبركَة فيبعد أَن يكون فِيهَا شوم. فَإِن قلت: جَاءَ: إِن كَانَ الشوم فَفِي ثَلَاث: فِي الْفرس الحَدِيث. قلت: الشؤم فِي الْفرس الَّذِي يرتبط لغير الْجِهَاد ويقتنى للفخر وَالْخُيَلَاء، وَالْخَيْل الَّتِي أعدت للْجِهَاد هِيَ الْمَخْصُوصَة بِالْخَيرِ وَالْبركَة. ٤٤ - (بابٌ الجهادُ ماضِ علَى البَرِّ والفَاجِرِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْجِهَاد ... إِلَى آخِره، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي رِوَايَة أبي الْحسن الْقَابِسِيّ: الْجِهَاد ماضٍ على الْبر والفاجر. قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنه يجب على كل أحد. وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه بِنَحْوِهِ أَبُو دَاوُد وَأَبُو يعلى. مَرْفُوعا وموقوفاً عَن أبي هُرَيْرَة. قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا أَحْمد بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: حَدثنِي مُعَاوِيَة بن صَالح عَن الْعَلَاء ابْن الْحَارِث عَن مَكْحُول عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الْجِهَاد وَاجِب عَلَيْكُم مَعَ كل أَمِير، برا كَانَ أَو فَاجِرًا، وَإِن عمل الْكَبَائِر) الحَدِيث، وَيُقَال: إِنَّه لم يسمع من أبي هُرَيْرَة. لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيها الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه ﷺ لما أبقى الْخَيْر فِي نواصي الْخَيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، علم أَن الْجِهَاد مَاض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقد علم أَن فِي أمته أَئِمَّة جور لَا يعدلُونَ ويستأثرون بالمغانم، وَمَعَ هَذَا فقد أوجب الْجِهَاد مَعَهم، وَيُقَوِّي هَذَا الْمَعْنى أمره بِالصَّلَاةِ وَرَاء كل بر وَفَاجِر. وَقَوله: (على الْبر والفاجر) ، أَعم من أَن يكون: كل مِنْهُمَا أَمِيرا أَو مَأْمُورا. ٢٥٨٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عنْ عامِرٍ قَالَ حدَّثنا عُرْوَةُ البارِقِيُّ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيها الخَيْرُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ الأجْرُ والمَغْنَمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر) إِلَى آخِره. وَأَبُو نعيم: الْفضل بن دُكَيْن، وزكرياء هُوَ ابْن زَائِدَة، وعامر هُوَ الشّعبِيّ. قَوْله: (الْبَارِقي) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء بعْدهَا قَاف: نِسْبَة إِلَى بارق، جبل بِالْيمن، وَقيل: مَاء بالسراة. وَقَالَ الرشاطي: الْبَارِقي نِسْبَة إِلَى ذِي بارق، قَبيلَة من ذِي رعين. قَوْله: (الْأجر) ، هُوَ نفس الْخَيْر، أَي: الثَّوَاب فِي الْآخِرَة. والمغنم: أَي: الْغَنِيمَة فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يجوز أَن يكون الْخَيْر الْمُفَسّر بِالْأَجْرِ، وَالْغنيمَة اسْتِعَارَة مكنية، شبهه لظُهُوره وملازمته بِشَيْء محسوس مَعْقُود بِحَبل على مَكَان رفيع ليَكُون منظوراً للنَّاس ملازماً لنظره، فنسب الْخَيل إِلَى لَازم الْمُشبه بِهِ، وَذكر الناصية تجريداً للاستعارة. وَفِيه: التَّرْغِيب فِي اتِّخَاذ الْخَيل للْجِهَاد. وَفِيه: أَن الْجِهَاد لَا يَنْقَطِع أبدا. ٥٤ - (بابُ منِ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ الله) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من احْتبسَ فرسا، يُقَال: حَبسته وَاحْتَبَسَتْهُ، وَاحْتبسَ أَيْضا بِنَفسِهِ يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى، وَالْمعْنَى يحْبسهُ على نَفسه لسد مَا عَسى أَن يحدث فِي ثغر من الثغور من ثلمة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) ، وَفِي بعض النّسخ أَيْضا: (من احْتبسَ فرسا فِي سَبِيل الله) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ومِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . وأوله: ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ ... ﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . الْآيَة، أَمر الله تَعَالَى بإعداد آلَات الْحَرْب لمقاتلة الْكفَّار حسب الطَّاقَة والإمكان والاستطاعة، فَقَالَ: ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . أَي: مهما أمكنكم من قُوَّة أَي: رمي. روى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث عقبَة بن عَامر، يَقُول: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر: ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . ألَاّ أَن الْقُوَّة الرَّمْي، أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي) . وَرَوَاهُ مُسلم عَن هَارُون بن مَعْرُوف، وَأَبُو دَاوُد عَن سعيد بن مَنْصُور، وَابْن مَاجَه عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَقيل: الْقُوَّة كل مَا يتقوى بِهِ على الْحَرْب: كالسيف وَالرمْح

стр. 4164

والقوس. وَقيل: ذُكُور الْخَيل، وَقيل: اتِّفَاق الْكَلِمَة، وَقيل: الثِّقَة بِاللَّه وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ. قَوْله: ﴿وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . يَعْنِي: ربطها واقتناءها للغزو، وَهُوَ عَام للذكور وَالْإِنَاث فِي قَول الْجُمْهُور. وَعَن عِكْرِمَة: الْإِنَاث. قَوْله: ﴿ترهبون بِهِ﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . أَي: تخوِّفون بِهِ، وقرىء مشدداً ومخففاً. ٣٥٨٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ الْمُبَارَكِ قَالَ أخبرَنا طَلْحَةُ بنُ أبي سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيداً المَقْبُرِيَّ يُحَدِّثُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ مَنِ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ الله إِيمَانًا بِاللَّه وتَصْدِيقاً بِوَعْدِهِ فإنَّ شِبَعَهُ ورِيَّهُ ورَوْثَهُ وبَوْلَهُ فِي مِيزَانهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن حَفْص الْمروزِي نزل عسقلان، قَالَ البُخَارِيّ: لَقيته بعسقلان سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَلم يروِ عَنهُ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي مَنَاقِب الزبير مَوْقُوفا، وَآخر فِي كتاب الْقدر مَقْرُونا ببشير بن مُحَمَّد، وَابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَطَلْحَة بن أبي سعيد الْمصْرِيّ نزيل الْإسْكَنْدَريَّة، وَكَانَ أَصله من الْمَدِينَة. وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْخَيل عَن الْحَارِث بن مِسْكين. قَوْله: (من احْتبسَ) ، قد مضى مَعْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (إِيمَانًا) ، نصب على أَنه مفعول لَهُ أَي: ربطه خَالِصا لله تَعَالَى امتثالاً لأَمره. قَوْله: (وَتَصْدِيقًا بوعده) عبارَة عَن الثَّوَاب الْمُتَرَتب على الاحتباس، وَيُقَال: بوعده، أَي: للثَّواب فِي الْقِيَامَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: تلخيصه أَنه احْتبسَ امتثالاً واحتساباً، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى وعد الثَّوَاب على الاحتباس، فَمن احْتبسَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: صدقت فِيمَا وَعَدتنِي. قَوْله: (شبعه) ، بِكَسْر الشين أَي: مَا يشبه بِهِ. قَوْله: (وريه) ، بِكَسْر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: من رويت من المَاء، بِالْكَسْرِ أروي رياً ورياً وروياً أَيْضا، مثل: رَضِي، وَوَقع فِي حَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد أخرجه أَحْمد: وَمن ربطها رِيَاء وَسُمْعَة ... الحَدِيث. وَفِيه: فَإِن شبعها وجوعها ... إِلَى آخِره، خسران فِي مَوَازِينه. قَوْله: (وروثه) أَرَادَ بِهِ ثَوَاب ذَلِك، لَا أَن الأرواث توزن بِعَينهَا، وروى ابْن بنت منيع من حَدِيث عَليّ مَرْفُوعا: من ارْتبط فرسا فِي سَبِيل الله فعلفه وأثره فِي مَوَازِينه يَوْم الْقِيَامَة. وروء ابْن أبي عَاصِم من حَدِيث الْمطعم بن الْمِقْدَام عَن الْحسن عَن سهل بن الحنظلية يرفعهُ: من ارْتبط فرسا فِي سَبِيل الله كَانَت النَّفَقَة عَلَيْهِ كالماد يَده بِصَدقَة لَا يقبضهَا، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث مُحَمَّد بن عقبَة القَاضِي عَن أَبِيه عَن جده عَن تَمِيم الدَّارِيّ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (من ارْتبط فرسا فِي سَبِيل الله، فعالج علفه، كَانَ لَهُ بِكُل حَبَّة حَسَنَة. وَفِيه: أَن النِّيَّة يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الْأجر. وَفِيه: أَن الْأَمْثَال تضرب لصِحَّة الْمعَانِي. وَقيل: يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَن هَذِه الْحَسَنَات تقبل من صَاحبهَا لتنصيص الشَّارِع على أَنَّهَا فِي مِيزَانه، بِخِلَاف غَيرهَا، فقد لَا تقبل فَلَا تدخل الْمِيزَان. ٦٤ - (بابُ اسْمِ الفَرَسِ والحِمارِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَسْمِيَة الْفرس الَّذِي هُوَ اسْم جنس باسم يَخُصُّهُ ليتميز بِهِ عَن غَيره، وَكَذَا فِي بَيَان تَسْمِيَة الْحمار الَّذِي هُوَ اسْم جنش، كَذَلِك. وَاقْتصر فِي التَّرْجَمَة على الْفرس وَالْحمار وَغَيرهمَا من الدَّوَابّ، كَذَلِك بَيَان ذَلِك: أَنه كَانَ للنَّبِي ﷺ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ فرسا، كل وَاحِد مِنْهَا كَانَ مُسَمّى باسم مَخْصُوص معِين، مثل: السكب والمرتجز واللحيف، وَكَانَ لَهُ حمَار يُسمى: يَعْفُور، وَغَيره، وَكَانَ لَهُ بغلة تسمى: دُلْدُل، وَكَانَت لَهُ لقاح تسمى: الْحِنَّاء والسمراء وَغَيره ذَلِك ... وَكَانَت لَهُ نَاقَة تسمى: القصوى، وَالْأُخْرَى: العضباء، وَغَيرهمَا. . وَكَانَت لَهُ غنم مِنْهَا سَبْعَة أعنز كل وَاحِدَة مِنْهَا مُسَمَّاة باسم، وشَاة تدعى: عيثة. ٤٥٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ قَالَ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فتَخَلَّفَ أبُو قَتَادَةَ مَعَ أصْحَابِهِ وهُمْ مُحْرِمُونَ وهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأوْا حِمَارَاً وَحْشِيَّاً قَبْلَ أنْ يَرَاهُ فَلَمَّا رَأوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ

стр. 4165

أبُو قَتَادَةَ فَرَكِبَ فَرَساً لَهُ يُقَالُ لَهُ الجَرَادَةُ فَسَألَهُمْ أنْ يُنَالُوُهُ سَوْطَهُ فأبَوْا فتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ فَعَقَرَهُ ثُمَّ أكَلَ فأكَلُوا فَقَدِمُوا فلَمَّا أدْرَكُوهُ قَالَ هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيءٌ قَالَ معَنَا رِجْلُهُ فأخَذَهَا النبيُّ فأكَلَهَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَركب فرسا لَهُ يُقَال لَهُ: الجرادة) ، بِفَتْح الْجِيم وَتَخْفِيف الرَّاء، وَوَقع فِي (السِّيرَة) لِابْنِ هِشَام: أَن اسْم فرس أبي قَتَادَة الحزوة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي بعْدهَا وَاو، وَقَالَ بَعضهم: إِمَّا أَن يكون لَهَا إسمان، وَإِمَّا أَن أَحدهمَا تَصْحِيف، وَالَّذِي فِي (الصَّحِيح) هُوَ الْمُعْتَمد. قلت: دَعْوَى التَّصْحِيف غير صَحِيحَة، وَلَا مَانع أَن يكون لَهَا إسمان: وَمُحَمّد بن أبي بكر شيخ البُخَارِيّ هُوَ الْمقدمِي، وَهُوَ الصَّوَاب، قَالَ الجياني: وَفِي نُسْخَة أبي زيد الْمروزِي مُحَمَّد بن بكر، وَهُوَ خطأ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي شُيُوخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن بكر، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار، وَأَبُو قَتَادَة اسْمه الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث قد مر بمباحثه فِي كتاب الْحَج فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة، أَولهَا بَاب إِذا صَاد الْحَلَال فأهدى للْمحرمِ. قَوْله: (خرج مَعَ النَّبِي ﷺ ، ويروى: مَعَ رَسُول الله ﷺ قَوْله (حمارا وحشياً) ويروي حمَار وَحش. قَوْله: (يُقَال لَهُ: الجرادة) ، ويُروى: لَهَا. ٥٥٨٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا مَعْنُ بنُ عِيسَى قَالَ حدَّثنَا أُبَيُّ بنُ عَبَّاسِ بنِ سَهْلٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ قَالَ كانَ لِلنِّبِيِّ ﷺ فِي حائِطِنَا فَرَسٌ يُقالُ لَهُ اللُّحَيْفُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله: فرس، (يُقَال لَهُ: اللحيف) ، يُطَابق قَوْله فِي اسْم الْفرس، وَعلي بن عبد الله بن جَعْفَر هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: ابْن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، ومعن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالنون: ابْن عِيسَى الْقَزاز، بِالْقَافِ وَتَشْديد الزَّاي الأولى: الْمدنِي، وَأبي، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عَبَّاس، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. قَالُوا: لَيْسَ لأبي فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (فِي حائطنا) ، الْحَائِط هُوَ الْبُسْتَان من النَّحْل إِذا كَانَ عَلَيْهِ جِدَار وَيجمع علء حَوَائِط والحائط الْجِدَار أَيْضا قَوْله اللحيف بِضَم اللَّام وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره فَاء، وَقَالَ ابْن قرقول: هَكَذَا ضبط عَن عَامَّة الْمَشَايِخ، سمي بذلك لطول ذَنبه، كَأَنَّهُ يلحف الأَرْض بجريه، يُقَال: لحفت الرجل باللحاف إِذا طرحته عَلَيْهِ، وَعَن ابْن سراج، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْحَاء على وزن: رغيف، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، بنُون وحاء مُهْملَة، وَفِي (المغيث) : بلام مَفْتُوحَة وجيم مَكْسُورَة. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: الْمَحْفُوظ بِالْحَاء، فَإِن رُوِيَ بِالْجِيم فيراد بِهِ السرعة، لِأَن اللجيف: سهم نصله عريض، قَالَه صَاحب (التَّتِمَّة) . قَالَ أَبُو عَبْدِ الله وَقَالَ بَعْضُهُم اللُّخَيْفُ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، يَعْنِي: قَالَ بَعضهم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَصَحَّ عَن البُخَارِيّ أَنه بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَلم يتحققه، وَالْمَشْهُور هُوَ الأول يَعْنِي: بِالْحَاء الْمُهْملَة مُصَغرًا، وَبِه جزم الْهَرَوِيّ والدمياطي، وَقيل: الَّذِي قَالَه البُخَارِيّ رِوَايَة عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس بن سهل أَخُو أبي بن عَبَّاس، وَلَفظه عِنْد ابْن أبي مَنْدَه: كَانَ لرَسُول الله، ﷺ عِنْد سعد بن سعد وَالِد سهل ثَلَاثَة أَفْرَاس، فَسمِعت النَّبِي ﷺ يسميهن: لزازا، يَعْنِي بِكَسْر اللَّام وبزايين الأولى خَفِيفَة، و: الظرب، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. و: اللخيف، وَحكى سبط ابْن الْجَوْزِيّ: أَن البُخَارِيّ ضَبطه بِالتَّصْغِيرِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، قَالَ: وَكَذَا حَكَاهُ ابْن سعيد عَن الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ: أهداه لَهُ ربيعَة بن أبي الْبَراء مَالك بن عَامر العامري، وَأَبوهُ الَّذِي يعرف بملاعب الأسنة، فأثابه عَلَيْهِ فَرَائض من نعم بني كلاب، وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: أهداه لَهُ فَرْوَة بن عَمْرو الجذامي من أَرض البلقاء.

стр. 4166

٦٥٨٢ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ أنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بنَ آدَمَ قَالَ حدَّثنا أَبُو الأحْوَصِ عنْ أبي إسْحَاقَ عنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونَ عنْ مُعاذٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنْتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ على حِمَارٍ يُقالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي مَا حَقَّ الله على عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ علَى الله قلْتُ الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ فإنَّ حَقَّ الله علَى العِبَادِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وحَقَّ العِبَادِ علَى الله أنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً فقُلْتُ يَا رسولَ الله! أفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (على حمَار يُقَال لَهُ: عفير) فَإِن اسْم الْحمار اسْم جنس سمي بِهِ عفير ليتميز بِهِ عَن غَيره، وَإِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ الَّذِي يعرف بِابْن رَاهَوَيْه الْمروزِي، وَيحيى ابْن آدم بن سُلَيْمَان الْقرشِي المَخْزُومِي الْكُوفِي، وَأَبُو الْأَحْوَص اسْمه سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، قبل أَبُو الْأَحْوَص هَذَا عمار بن زُرَيْق الضَّبِّيّ الْكُوفِي. قلت: لَا يَصح هَذَا لِأَن عماراً هَذَا مِمَّا انْفَرد بِهِ مُسلم وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي، وَعَمْرو بن مَيْمُون الأودي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو: من كبار التَّابِعين أدْرك الْجَاهِلِيَّة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن هناد بن السّري بِقصَّة الْحمار حسب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان وَلم يذكر قصَّة الْحمار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي وَلم يذكر قصَّة الْحمار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ردف النَّبِي ﷺ ، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: الردف المرتدف، وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب، وأردفته أَنا إِذا أركبته مَعَك، وَذَلِكَ الْموضع الَّذِي يركبه رداف، وكل شَيْء تبع شَيْئا فَهُوَ ردفه، والردف يجمع على أرداف. قَوْله: (عفير) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء تَصْغِير أعفر، أَخْرجُوهُ عَن بِنَاء أَصله كَمَا قَالُوا: سُوَيْد فِي تَصْغِير: أسود، مَأْخُوذ من العفرة وَهِي حمرَة يخالطها بَيَاض، وَزعم عِيَاض أَنه بغين مُعْجمَة ورد ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن عَبدُوس، فِي (أَسمَاء خيله ودوابه ﷺ : كَانَ أَخْضَر من العفر وَهُوَ التُّرَاب. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَزعم شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد التوني أَنه شبه فِي عَدْوِهِ باليعفور وَهُوَ الظبي، أهداه لسيدنا رَسُول الله، ﷺ الْمُقَوْقس، وَأهْدى لَهُ فَرْوَة بن عَمْرو حمارا يُقَال لَهُ: يعقور، وَقَالَ ابْن عَبدُوس: هما وَاحِد، ورد عَلَيْهِ الدمياطي فَقَالَ: عفير أهداه الْمُقَوْقس، ويعفور أهداه فَرْوَة بن عَمْرو، وَقيل بِالْعَكْسِ، ويعفور، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْفَاء: وَهُوَ ولد الظبي، كَأَنَّهُ سمي بذلك لسرعته. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: نعق يَعْفُور منصرف رَسُول الله، ﷺ من حجَّة الْوَدَاع، وَقيل: طرح نَفسه فِي بِئْر يَوْم مَاتَ ﷺ ، ذكره السُّهيْلي. قَوْله: (أَن يعبدوه) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن يعبدوا، بِحَذْف الْمَفْعُول. قَوْله: (فيتكلوا) ، بتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب من خص بِالْعلمِ قوما دون قوم. وَفِيه: جَوَاز تَسْمِيَة الدَّوَابّ بأسماء تخصها غير أَسمَاء أجناسها. وَفِيه: إرداف النَّبِي ﷺ أفاضل الصَّحَابَة، ومعاذ أحد الْأَرْبَعَة الَّذين حفظوا الْقُرْآن على عهد رَسُول الله، ﷺ ، وَزيد بن ثَابت وَأبي بن كَعْب وَأَبُو زيد الْأنْصَارِيّ. وَفِيه: جَوَاز الإرداف على الدَّابَّة وَالْحمل عَلَيْهَا مَا أقلت وَلم يَضرهَا. ٧٥٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ ابنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ فَزَعٌ بالمَدِينَةِ فاسْتَعَارَ النبيُّ ﷺ فرَسَاً لَنَا يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَقَالَ مَا رَأيْنَا مِنْ فَزَعٍ وإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرَاً.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فرسا لنا يُقَال لَهُ: مَنْدُوب) فَإِنَّهُ خص باسم تميز بِهِ عَن غَيره، وَمُحَمّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: مُحَمَّد بن جَعْفَر. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب من اسْتعَار من النَّاس الْفرس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن آدم عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَفِيه فاستعار فرسا من أبي طَلْحَة، وَهُوَ زوج أم أنس، فَلذَلِك

стр. 4167

قَالَ هُنَا: فرسا لنا، لِأَن أنسا كَانَ فِي حجر أبي طَلْحَة، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة قَالَ أنس: لنا. وَالله أعلم. ٧٤ - (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر فِي الْأَحَادِيث من شُؤْم الْفرس، هَل هُوَ عَام فِي جَمِيع الْخَيل أَو مَخْصُوص بِبَعْضِهَا؟ وَهل هُوَ على ظَاهره أَو مؤول؟ وذِكر فِي الْبَاب حَدِيث عمر وَحَدِيث سهل بن سعد يدل على أَنه لَيْسَ على ظَاهره كَمَا سنبينه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ثمَّ ذكره الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب يدل على خُصُوص الشؤم بِبَعْض الْخَيل دون كلهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه أَن شَاءَ الله تَعَالَى والشؤم ضد الْيمن، يُقَال: تشَاء مت بالشَّيْء وتيمنت بِهِ، وَالْوَاو فِي: الشؤم، همزَة وَلكنهَا خففت فَصَارَت واواً، وَغلب عَلَيْهَا التَّخْفِيف حَتَّى لم ينْطق بهَا مَهْمُوزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: رجل مشوم ومشؤم، وَيُقَال مَا أشأم فلَانا، والعامة تَقول مَا أيشمه. قلت: الْعَامَّة أَيْضا تَقول: ميشوم، وَهُوَ من تصحيفاتهم. ٨٥٨٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ أخبرَني سالِمُ بنُ عبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ إنَّمَا الشؤمُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الفَرَسِ والمَرْأةِ والدَّارِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي الْفرس) وَهَذَا السَّنَد بهؤلاء الرِّجَال قد مر غير مرّة. وَأَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف: الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حمرَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي الْيَمَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عِشرة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي عَن بشر بن شُعَيْب عَن أبي حَمْزَة عَن أَبِيه بِهِ. قَوْله: (أَخْبرنِي سَالم) ، كَذَا صرح شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ بِإِخْبَار سَالم لَهُ، لَا وشذ ابْن أبي ذِئْب فَأدْخل بَين الزُّهْرِيّ وَسَالم مُحَمَّد بن زيد بن قنفذ، وَاقْتصر شُعَيْب على سَالم، وَتَابعه ابْن جريج عَن ابْن شهَاب عِنْد أبي عوَانَة، وَكَذَا روى البُخَارِيّ فِي كتاب الطِّبّ عَن عبد الله بن مُحَمَّد، أخبرنَا عُثْمَان بن عمر أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر ... الحَدِيث. وَنقل التِّرْمِذِيّ عَن ابْن الْمَدِينِيّ والْحميدِي أَن سُفْيَان كَانَ يَقُول: لم يرو الزُّهْرِيّ هَذَا الحَدِيث إلَاّ عَن سَالم. قلت: هَذَا مَمْنُوع، وَقد روى الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس وَمَالك عَن ابْن شهَاب عَن حَمْزَة وَسَالم ابْني عبد الله بن عمر عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (إِنَّمَا الشوم فِي ثَلَاثَة: فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر وحرملة عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن حَمْزَة وَسَالم ابْني عبد الله بن عمر عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ ، (قَالَ: لَا عدوى وَلَا طيرة، وَإِنَّمَا الشؤم فِي ثَلَاثَة: الْمَرْأَة وَالْفرس وَالدَّار) . وَقَالَ مُسلم أَيْضا: حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْحَاق، قَالَ: أخبرنَا ابْن أبي مَرْيَم، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن بِلَال، قَالَ: حَدثنَا عتبَة ابْن مُسلم عَن حَمْزَة بن عبد الله عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء فَفِي الْفرس والمسكن وَالْمَرْأَة) . قَوْله: (إِنَّمَا الشؤم فِي ثَلَاثَة) ، أَي: كَانَ فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَجَاء فِي رِوَايَة مَالك وسُفْيَان، وَسَائِر الروَاة بِحَذْف أَدَاة الْحصْر، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الْحصْر فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَادة لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخلقَة، وَقيل: إِنَّمَا خصت هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة بِالذكر لطول ملازمتها، لِأَن غَالب أَحْوَال الْإِنْسَان لَا يَسْتَغْنِي عَن دَار يسكنهَا، وَزَوْجَة يعاشرها، وَفرس مرتبطة. واتفقت الطّرق كلهَا على الِاقْتِصَار على الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة، وَوَقع عِنْد إِسْحَاق فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق، قَالَ معمر، قَالَت أم سَلمَة: وَالسيف. قَالَ أَبُو عمر: رَوَاهُ جوَيْرِية عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن بعض أهل أم سَلمَة عَن أم سَلمَة، والمبهم الْمَذْكُور هُوَ أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن زَمعَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه مَوْصُولا عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن زَمعَة عَن زَيْنَب بنت أم سَلمَة عَن أم سَلمَة: أَنَّهَا حدثت بِهَذَا الحَدِيث، وزادت: فِيهِنَّ السَّيْف. وَأَبُو عبيد الْمَذْكُور هُوَ ابْن بنت أم سَلمَة، وَأمه زَيْنَب بنت سَلمَة. قلت: التَّحْقِيق فِي هَذَا الْموضع أَن هَذَا الْحصْر لَيْسَ على ظَاهره، وَكَانَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء فَهُوَ فِيمَا بَين اللحيين مَعَ اللِّسَان، وَمَا شَيْء أحْوج إِلَى سجن

стр. 4168

طَوِيل من لِسَان، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه مَتْرُوك الظَّاهِر لأجل قَوْله ﷺ : (لَا طيرة) ، وَهِي نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، فتعم الْأَشْيَاء الَّتِي يتطير بهَا، وَلَو خلينا الْكَلَام على ظَاهره لكَانَتْ هَذِه الْأَحَادِيث يَنْفِي بَعْضهَا بَعْضًا. وَهَذَا محَال أَن يظنّ بِالنَّبِيِّ ﷺ مثل هَذَا الِاخْتِلَاف من النَّفْي وَالْإِثْبَات، فِي شَيْء وَاحِد، وَوقت وَاحِد. وَالْمعْنَى الصَّحِيح فِي هَذَا الْبَاب نفي الطَّيرَة بأسرها بقوله: (لَا طيرة) ، فَيكون قَوْله، ﵊: (إِنَّمَا الشؤم فِي ثَلَاثَة) بطرِيق الْحِكَايَة عَن أهل الْجَاهِلِيَّة لأَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ الشؤم فِي هَذِه الثَّلَاثَة، لَا أَن مَعْنَاهُ: أَن الشؤم حَاصِل فِي هَذِه الثَّلَاثَة فِي اعْتِقَاد الْمُسلمين، وَكَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَنْفِي الطَّيرَة وَلَا تعتقد مِنْهَا شَيْئا حَتَّى قَالَت لنسوة كن يُكْرهن الابتناء بأزواجهن فِي شَوَّال: (مَا تزَوجنِي رَسُول الله، ﷺ ، إلَاّ فِي شَوَّال، وَلَا بنى بِي إلَاّ فِي شَوَّال، فَمن كَانَ أحظى مني عِنْده؟ وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يدْخل على نِسَائِهِ فِي شَوَّال) . وروى الطَّحَاوِيّ عَن عَليّ بن معبد، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ: أخبرنَا همام ابْن يحيى عَن قَتَادَة عَن أبي حسان، قَالَ: دخل رجلَانِ من بني عَامر على عَائِشَة، فأخبراها أَن أَبَا هُرَيْرَة يحدث عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (الطَّيرَة فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس) ، فَغضِبت وطارت شقة مِنْهَا فِي السَّمَاء وشقة فِي الأَرْض، فَقَالَت: وَالَّذِي نزل الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ مَا قَالَه رَسُول الله، ﷺ قطّ، إِنَّمَا قَالَ: (إِن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ من ذَلِك) ، فَأخْبرت عَائِشَة أَن ذَلِك القَوْل كَانَ من النَّبِي ﷺ حِكَايَة عَن أهل الْجَاهِلِيَّة، لَا أَنه عِنْده كَذَلِك. وَأخرجه أَيْضا ابْن عبد الْبر عَن أبي حسان الْمَذْكُور وَفِي رِوَايَته: كَذَّاب، وَالَّذِي أنزل الْقُرْآن ... وَفِي آخِره، ثمَّ قَرَأت عَائِشَة: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إلَاّ فِي كتاب﴾ (الْحَدِيد: ٢٢) . الْآيَة. قلت: أَبُو حسان الْأَعْرَج، وَيُقَال الأجرد واسْمه: مُسلم بن عبد الله الْبَصْرِيّ، وَثَّقَهُ يحيى وَابْن حبَان وروى لَهُ الْجَمَاعَة وَالْبُخَارِيّ مستشهداً. قَوْله: طارت شقة، أَي: قِطْعَة، وَرَوَاهُ بعض الْمُتَأَخِّرين: بِالسِّين الْمُهْملَة، وَأَرَادَ بِهِ الْمُبَالغَة فِي الْغَضَب والغيظ. وَقَالَ أَبُو عمر: قَول عَائِشَة فِي أبي هُرَيْرَة كذب، فَإِن الْعَرَب تَقول: كذبت إِذا أَرَادوا بِهِ التَّغْلِيظ، وَمَعْنَاهُ: أوهم وَظن حَقًا وَنَحْو هَذَا. وَهنا جَوَاب آخر: وَهُوَ أَنه يحْتَمل أَن يكون قَوْله ﷺ : (الشوم فِي ثَلَاثَة) ، كَانَ فِي أول الْإِسْلَام خَبرا عَمَّا كَانَ تعتقده الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا على مَا قَالَت عَائِشَة، ثمَّ نسخ ذَلِك وأبطله الْقُرْآن وَالسّنَن، وأخبار الْآحَاد لَا تقطع على عينهَا، وَإِنَّمَا توجب الْعَمَل فَقَط. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لن يصيبنا إلَاّ مَا كتب الله لنا هُوَ مولينا﴾ (التَّوْبَة: ٩) . وَقَالَ ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض ... ﴾ (الْحَدِيد: ٩) . الْآيَة، وَمَا خطّ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ لم يكن مِنْهُ بُد، وَلَيْسَت الْبِقَاع وَلَا الْأَنْفس بصارفة من ذَلِك شَيْئا. وَقد يُقَال: إِن شُؤْم الْمَرْأَة أَن تكون سَيِّئَة الْخلق، أَو تكون غير قانعة، أَو تكون سليطة، أَو تكون غير ولود. وشؤم الْفرس أَن يكون شموساً. وَقيل: (أَن لَا يكون يغزى عَلَيْهَا) . وشؤم الدَّار أَن تكون ضيقَة، وَقيل: (أَن يكون جارها سوء) وروى الدمياطي بِإِسْنَاد ضَعِيف فِي الْخَيل: إِذا كَانَ ضروباً فَهُوَ مشئوم، وَإِذا حنت الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا الأول فَهِيَ مشؤومة، وَإِذا كَانَت الدَّار بعيدَة من الْمَسْجِد لَا يسمع مِنْهَا الْأَذَان فَهِيَ مشؤمة. فَإِن قلت: روى مَالك فِي (موطئة) عَن يحيى ابْن سعيد أَنه قَالَ: جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله! دَار سكناهَا، فالعدد كثير وَالْمَال وافر، فَقل الْعدَد وَذهب المَال فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (دَعُوهَا ذميمة) . قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك كَذَلِك لما رأى مِنْهُم أَنه رسخ فِي قُلُوبهم مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جاهليتهم، ثمَّ بَين لَهُم ولغيرهم ولسائر أمته الصَّحِيح. بقوله: (لَا طيرة وَلَا عدوى) ، وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون أَمرهم بِتَرْكِهَا والتحول عَنْهَا إبطالاً لما وَقع فِي قُلُوبهم مِنْهَا من أَن يكون الْمَكْرُوه إِنَّمَا أَصَابَهُم بِسَبَب الدَّار سكناهَا فَإِذا تحولوا مِنْهَا انْقَطَعت مَادَّة ذَلِك الْوَهم، وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حَكِيم بن مُعَاوِيَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (لَا شُؤْم، وَقد يكون الْيمن فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس) . قلت: فِي إِسْنَاده ضعف، وروى أَبُو نعيم فِي كتاب (الْحِلْية) من حَدِيث خبيب بن عبيد عَن عَائِشَة، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الشؤم سوء الْخلق) ، فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الدَّار وَبَين مَوضِع الوباء الَّذِي منع من الْخُرُوج مِنْهُ؟ قلت: مَا لم يَقع التأذي بِهِ وَلَا اطردت عَادَته بِهِ خَاصَّة وَلَا عَامَّة، وَلَا نادرة وَلَا متكررة لَا يصغي إِلَيْهِ، وَقد أنكر الشَّارِع الِالْتِفَات إِلَيْهِ. كلقي غراب فِي بعض الْأَسْفَار، أَو صُرَاخ بومة فِي دَار، فَفِي مثل هَذَا قَالَ، ﷺ : (لَا طيرة وَلَا تطير) ، وَأَيْضًا إِنَّه لَا يفر مِنْهُ لِإِمْكَان أَن يكون قد وصل الضَّرَر إِلَى الفار، فَيكون سَفَره زِيَادَة فِي محنته وتعجيلاً لهلكته.

стр. 4169

٩٥٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ أبِي حازِمِ بنِ دِينارٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله، ﷺ قَالَ إنْ كانَ فِي شَيْءٍ فَفِي المَرْأةِ والفَرَسِ والمَسْكَنِ. (الحَدِيث ٩٥٨٢ طرفه فِي: ٥٩٠٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو حَازِم اسْمه: سَلمَة، وَقد مر عَن قريب. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الطِّبّ عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن القعْنبِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن عبد السَّلَام ابْن عَاصِم الرَّازِيّ. قَوْله: (إِن كَانَ فِي شَيْء) ، إِلَى آخر هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النّسخ، وَكَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) لَكِن زَاد فِي آخِره: يَعْنِي الشؤم، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم: وَهنا اسْم: كَانَ، مُقَدّر تَقْدِيره: (إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء حَاصِلا فَيكون فِي الْمَرْأَة وَالْفرس والمسكن. فَقَوله: (إِن كَانَ فِي شَيْء) . . إِلَى آخِره إِخْبَار أَنه لَيْسَ فِيهِنَّ، فَإِذا لم يكن فِي هَذِه الثَّلَاثَة فَلَا يكون فِي شَيْء، والشؤم والطيرة وَاحِد، والطيرة شرك لما رُوِيَ أَبُو دَاوُد من حَدِيث زر بن حُبَيْش عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (الطَّيرَة شرك الطَّيرَة شرك، ثَلَاثًا، وَمَا منا إلَاّ وَفِيه، وَلَكِن الله، ، يذهبه بالتوكل) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَوله: الطَّيرَة شرك خَارج مخرج الْمُبَالغَة والتغليظ قَوْله (وَمَا منا إلَاّ وَفِيه) فِيهِ حذف تَقْدِيره: إلَاّ وَفِيه الطَّيرَة. أَو: إلَاّ قد يَعْتَرِيه التطير، ويسبق إِلَى قلبه الْكَرَاهِيَة، فِيهِ، فَحذف اختصاراً واعتماداً على فهم السَّامع، وَالدَّلِيل على أَن الطَّيرَة والشؤم وَاحِد، قَوْله، ﷺ : (لَا عدوى وَلَا طيرة وَإِن كَانَ فِي شَيْء فَفِي الْمَرْأَة وَالْفرس وَالدَّار) . رَوَاهُ أَبُو سعيد. وَأخرجه عِنْد الطَّحَاوِيّ. ٨٤ - (بابٌ الخَيْلِ لِثَلاثَةٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْخَيل لثَلَاثَة، أَي: الْخَيل تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام عِنْد اقتنائها لثَلَاثَة أنفس على مَا يَجِيء فِي الحَدِيث، وَهَذِه التَّرْجَمَة صدر حَدِيث الْبَاب، وَذكر هَذَا الْمِقْدَار اكْتِفَاء بِمَا ذكر فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْخَيْل جمع لَا وَاحِد لَهُ وَجمعه: خُيُول، كَذَا فِي (الْمُخَصّص) وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَقُول: وَاحِدهَا: خائل، لاختيالها، فَهُوَ على هَذَا اسْم للْجمع عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وَجمع عِنْد أبي الْحسن. وَفِي (الْمُحكم) لَيْسَ هَذَا بِمَعْرُوف، يَعْنِي: قَول أبي عُبَيْدَة. قَالَ: وَقَول ابْن أبي ذُؤَيْب. (فتنازلا واتفقت خيلاهما ... وَكِلَاهُمَا بَطل اللِّقَاء مخدع) ثناه على قَوْلهم: لقاحان أسودان وحمالان، وَالْجمع أخيال عَن ابْن الْأَعرَابِي، وَالْأول أشهر، وَفِي الاحتفال لأبي عبد الله بن رضوَان، وَقد جَاءَ فِيهِ الْجمع أَيْضا على أخيل، وَإِذا صغرت الْخَيل أدخلت الْهَاء، فَقلت: خييلة، وَلَو طرحت الْهَاء لَكَانَ وَجها، والخولة بِالْفَتْح جمَاعَة الْخَيل. وقَوْلهُ تَعالى ﴿والخَيْلَ والبِغَالَ والحمِيرَ لتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْل: ٨) . وَقَوله: (مَرْفُوع) ، عطفا على قَوْله: الْخَيل، وَفِي بعض النّسخ، وَقَول الله تَعَالَى قَوْله: (وَالْخَيْل) ، عطف على قَوْله: ﴿والأنعام خلقهَا لكم﴾ (النَّحْل: ٨) . أَي: وَخلق الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير، أَي: وَخلق هَؤُلَاءِ للرُّكُوب والزينة، وَاللَّام فِي: لتركبوها، للتَّعْلِيل. قَوْله: (وزينة) ، مفعول لَهُ عطف على مَحل: لتركبوها، وَلم يرد الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ على سنَن وَاحِد، لِأَن الرّكُوب فعل المخاطبين، وَأما الزِّينَة فَفعل الزائن، وَهُوَ الْخَالِق وقرىء ﴿زِينَة﴾ (النَّحْل: ٨) . بِلَا: وَاو، أَي: وخلقها زِينَة لتركبوها، وَاحْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك على حُرْمَة أكل الْخَيل لِأَنَّهُ علل خلقهَا بالركوب، والزينة وَلم يذكر الْأكل كَمَا ذكره فِي الْأَنْعَام. ٠٦٨٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبي صالِحٍ السَّمَّانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أجْر ولِرَجُلٍ سِتْرٌ وعَلى رَجُلٍ وزْرٌ فأمَّا الَّذي لَهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ ربَطَهَا فِي سَبِيلِ الله فأطالَ فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ فَمَا أصابَتْ فِي طِيَلِها ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أَو الرَّوْضَةِ كانَتْ لَهُ حَسَناتٍ ولَوْ أنَّها قَطَعَتْ طِيَلَها فاسْتَنَّت شَرَفَاً

стр. 4170

أوْ شَرَفَيْنِ كانَتْ أرْوَاثُهَا وآثَارُهَا حَسَناتٍ لَهُ ولَوْ أنَّها مَرَّتْ بِنَهْرٍ فشَرَبَتْ مِنْهُ ولمْ يُردْ أنْ يَسْقِيَهَا كانَ ذَلَكَ حَسناتٍ لَهُ ورَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرَاً ورِياءً ونِواءً لأهْلِ الإسْلامِ فَهْيَ وِزْرٌ على ذَلِكَ وسُئِلَ رسولُ الله ﷺ عنِ الحُمُرِ فَقَالَ مَا أُنْزِلَ علَيَّ فِيها إلَاّ هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ خَيْرَاً يَرَهُ ومَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧ ٨) .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْخَيل لثَلَاثَة) ، وَقد ذكرنَا أَنَّهَا صدر حَدِيث الْبَاب. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب شرب النَّاس وَالدَّوَاب من الْأَنْهَار، غير أَنه لم يذكر فِيهِ هُنَا الْقسم الثَّالِث اختصاراً. وَهُوَ قَوْله: (وَرجل ربطها تغَنِّيا) إِلَى آخر مَا ذكره هُنَاكَ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، ولنذكر بعض شَيْء لزِيَادَة الْفَائِدَة. قَوْله: (الْخَيل لثَلَاثَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (الْخَيل ثَلَاثَة) ، قَوْله: (فِي مرج أَو رَوْضَة) ، شكّ من الرَّاوِي، والمرج مَوضِع الْكلأ، وَأكْثر مَا يُطلق على الْموضع المطمئن وَالرَّوْضَة أَكثر مَا يُطلق على الْموضع الْمُرْتَفع. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المرج: الأَرْض الواسعة ذَات نَبَات كثير تمرج فِيهَا الدَّوَابّ أَي: تخلى تسرح مختلطة كَيفَ شَاءَت، وَالرَّوْضَة: الْموضع الَّذِي يستنقع فِيهِ المَاء. قَوْله: (طيلها) ، بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا لَام: وَهُوَ الْحَبل الَّذِي ترتبط بِهِ، وَيطول لَهَا الترعي، وَيُقَال لَهُ: طول أَيْضا. قَوْله: (فاستنت) ، من الاستنان، وَهُوَ الْعَدو، والشرف: الشوط. قَوْله: (ونواء) ، بِكَسْر النُّون المناوأة وَهِي المعاداة، وَحكى عِيَاض عَن الدَّاودِيّ أَنه وَقع عِنْده. وَنوى، بِفَتْح النُّون وَالْقصر، قَالَ: وَلَا يَصح ذَلِك، وَقيل: حَكَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي أويس فَإِن ثَبت فَمَعْنَاه: وبعداً لأهل الْإِسْلَام، وَقيل: الظَّاهِر أَن الْوَاو فِي قَوْله: (ورياء ونواء) ، بِمَعْنى: أَو، لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء قد تفترق فِي الْأَشْخَاص، وكل وَاحِد مِنْهَا مَذْمُوم على حِدة. قَوْله: (الفاذة) ، بِالْفَاءِ وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة: أَي المنفردة فِي مَعْنَاهَا، يَعْنِي: مُنْفَرِدَة فِي عُمُوم الْخَيْر وَالشَّر. ٩٤ - (بابُ مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الغزْوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من ضرب دَابَّة غَيره الَّتِي وقفت من العي إِعَانَة لَهُ ورفقاً بِهِ. ١٦٨٢ - حدَّثنا مُسلِمٌ قَالَ حدَّثنا أبُو عُقَيْلٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو المُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ أتَيْتُ جابِرَ ابنَ عَبْدِ الله الأنْصَارِيَّ فقُلْتُ لَهُ حدِّثْنِي بِما سَمِعْتُ مِنْ رَسولِ الله ﷺ قَالَ سافَرْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ قَالَ أَبُو عَقِيلٍ لَا أدْرِي غَزْوَةً أوْ عُمْرَةً فلَمَّا أنْ أقْبَلْنا قَالَ النبيُّ ﷺ منْ أحَبَّ أنْ يتَعَجَّلَ إِلَى أهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ قَالَ جابِرٌ فأقْبَلْنَا وَأَنا عَلَى جَمَلٍ لي أرْمَكَ لَيْسَ فِيهِ شِيَّةٌ والنَّاسُ خَلْفِي فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِكَ إذْ قامَ عَلَيَّ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ يَا جابِرُ اسْتَمْسِكْ فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً فَوَثَبَ البَعِيرُ مَكانَهُ فَقَالَ أتَبِيعُ الجَمَلَ قُلْتُ نَعَمْ فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ودَخَلَ النبيُّ ﷺ المَسْجِدَ فِي طَوَائِفِ أصْحَابِهِ فَدَخَلْتُ إلَيْهِ وعَقَلْتُ الجَمَلَ فِي ناحِيَةِ البَلَاطِ فَقُلْتُ أَهَذَا جَمَلُكَ فَخَرَجَ فجَعَلَ يُطِيفُ بالجَمَلِ ويَقولُ الجَمَلُ جَمَلُنَا فبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقالَ أعْطُوهاجابرَاً ثُمَّ قَالَ اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ الثَّمَنُ والجَمَلُ لَكَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَضَربهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَة) فالضارب رَسُول الله، ﷺ والمضروب: دَابَّة غَيره، وَهُوَ جمل جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم القصاب الْبَصْرِيّ، وَأَبُو عقيل، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: اسْمه بشير ضد النذير بن عقبَة الدَّوْرَقِي الْأَزْدِيّ النَّاجِي، وَيُقَال السَّامِي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو المتَوَكل عَليّ بن دَاوُد النَّاجِي، بالنُّون وَالْجِيم مَنْسُوبا إِلَى بني نَاجِية بن سامة بن لؤَي،
следующие страницы →