← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

١٥٩٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثناحَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ أبِي قِلابةَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى بالمَدِينَةِ الظِّهْرَ أرْبَعَاً والعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وسَمِعْتُهُمْ يَصْرَخُونَ بِهِما جَميعاً.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الْجرْمِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب رفع الصَّوْت بالإهلال، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يصرخون) ، بِفَتْح الرَّاء وَضمّهَا أَي: يلبّون بِرَفْع الصَّوْت. قَوْله: (بهما) أَي: بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة. ٥٠١ - (بابُ الخُرُوجِ آخِرِ الشَّهْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْخُرُوج إِلَى السّفر فِي آخر الشَّهْر، وَأَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الرَّد على من كره ذَلِك. وَقَالَ ابْن بطال: إِن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يتحرون أَوَائِل الشُّهُور للأعمال ويكرهون التَّصَرُّف فِي محاق الْقَمَر. قلت: المحاق من الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام من آخِره. وقالَ كُرَيْبٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا انْطَلَقِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ منْ ذِي القِعْدَةِ وقَدِمَ مَكَّةَ لأِرْبَع لَيالٍ خَلَوْنَ منْ ذِي الحِجَّةِ هَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث وَصلهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب . فَإِن قلت: روى أَصْحَاب السّنَن وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن صَخْر الغامدي بالغين الْمُعْجَمَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (بورك لأمتي فِي بكورها) . قلت: هَذَا لَا يمْنَع جَوَاز التَّصَرُّف فِي غير وَقت البكور، وَإِنَّمَا خص البكور بِالْبركَةِ لكَونه وَقت النشاط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قصد البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث الرَّد على من كره ذَلِك عملا بقول المنجم، وَقد اسْتشْكل هَذَا الحَدِيث، وَحَدِيث عَائِشَة أَيْضا الَّذِي يَأْتِي الْآن، فَقيل: إِن كَانَ سَفَره ذَلِك يَوْم السبت تبقى أَربع من ذِي الْقعدَة، لِأَن الْخَمِيس كَانَ أول ذِي الْحجَّة، كَانَ أول ذِي الْحجَّة، وَإِن كَانَ يَوْم الْخَمِيس فالباقي سِتّ وَلم يكن خُرُوجه يَوْم الْجُمُعَة لقَوْل أنس: صلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا، وَالْجَوَاب أَن الْخُرُوج يَوْم الْجُمُعَة. وَقَوله: (لخمس بَقينَ) ، أَي: فِي أذهانهم حَالَة الْخُرُوج بِتَقْدِير تَمَامه، فاتفق إِن كَانَ الشَّهْر نَاقِصا فَأخْبر بِمَا كَانَ فِي الأذهان يَوْم الْخُرُوج، لِأَن الأَصْل التَّمام. ٢٥٩٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهَا سَمِعَتْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا تَقولُ خَرَجْنا مَعَ رسولِ الله ﷺ لِخَمْسِ لَيالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ وَلَا نُرَي إِلَّا الحَجَّ فلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أمَرَ رسوُلُ الله ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إذَا طافَ بالبَيْتِ وسَعى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أنْ يَحِلَّ قالَتْ عائِشَةُ فَدُخِلَ علَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فقلتُ مَا هَذَا فقالَ نَحَرَ رسولُ الله ﷺ عنْ أزْوَاجِهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة) فَإِنَّهَا آخر الشَّهْر، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب ذبح الرجل الْبَقر عَن نِسَائِهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد إِلَى آخِره نَحوه. قَوْله: (وَلَا نرى) أَي: وَلَا نظن. قَوْله: (فَدخل علينا) ، بِضَم الدَّال على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَقَالَ نحر رَسُول الله، ﷺ ، ويروى: قَالُوا: وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قالَ يَحْيى فَذَكَرْتُ هذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ فقالَ أتَتْكَ وَالله بالحَدِيثِ على وجْهِهِ

стр. 4237

يحيى هم ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أتتك) أَي: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن، وَالله أعلم. ٦٠١ - (بابُ الخُرُوجِ فِي رَمَضانَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْخُرُوج فِي السّفر فِي شهر رَمَضَان، وَفِيه رد على من يتوهك كَرَاهَة ذَلِك. ٣٥٩٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قالَ حدَّثني الزُّهْرِيُّ عنْ عُبَيْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَصامَ حَتَّى بلَغَ الكَدِيدَ أفْطَرَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن عبد الله الَّذِي يُقَال لَهُ: ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب من صَامَ أَيَّامًا من رَمَضَان ثمَّ سَافر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله ابْن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره نَحوه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. و: (الكديد) بِفَتْح الْكَاف وَكسر الدَّال الْمُهْملَة الأولى مَوضِع قريب من مَكَّة على نَحْو مرحلَتَيْنِ مِنْهَا. قالَ سُفْيانُ قالَ الزُّهْرِيُّ أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وساقَ الحَدِيثَ أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي عبيد الله، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن سُفْيَان قَالَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله فروى عَن الزُّهْرِيّ بِالتَّحْدِيثِ وروى الزُّهْرِيّ بالعنعنة عَن عبيد الله، وَهنا قَالَ سُفْيَان: قَالَ الزُّهْرِيّ، بِلَا تحديث وَلَا عنعنة، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي عبيد الله ... فروى عَنهُ بِصِيغَة الْإِخْبَار. قالَ أبُو عَبْدِ الله هَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وإنَّمَا يُؤْخَذُ بالآخِرِ مِنْ فِعْلِ رَسولِ الله ﷺ هَذَا هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن مَذْهَب الزُّهْرِيّ لَعَلَّه أَن طرُو السّفر فِي رَمَضَان لَا يُبِيح الْإِفْطَار لِأَنَّهُ شهد الشَّهْر فِي أَوله كطروه فِي أثْنَاء الْيَوْم، فَقَالَ البُخَارِيّ: يُؤْخَذ بِالْآخرِ من فعل رَسُول الله، ﷺ لِأَنَّهُ نَاسخ للْأولِ، وَقد أفطر عِنْد الكديد. ٧٠١ - (بابُ التَّوْدِيعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة التوديع عِنْد السّفر، وَلَفظه بتناول توديع الْمُسَافِر للمقيم ويتناول أَيْضا عَكسه، وَحَدِيث الْبَاب يشْهد للْأولِ وَيُؤْخَذ الثَّانِي مِنْهُ بطرِيق الأولى، بل هُوَ الْغَالِب فِي الْوُقُوع. ٤٥٩٢ - وقالَ ابنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي عَمْرٌ وعنْ بُكَيْرٍ عنْ سُلَيُمَانَ بنِ يَسارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ قالَ بَعَثَنَا رسولُ الله ﷺ فِي بَعْثٍ وَقَالَ لَنا إنْ لَقِيتُمْ فُلاناً وفُلاناً لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُما فَحَرِّقُوهُما بالنَّارِ قَالَ ثُمَّ أتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أرَدْنَا الخُرُوجَ فَقَالَ إنِّي كُنْتُ أمَرْتُكُمْ أَن تُحَرِّقُوا فُلاناً وفُلاناً بالنَّارِ وإنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِها إِلَّا الله فإنْ أخَذْتُمُوهُما فاقْتُلُوهُما. (الحَدِيث ٤٥٩٢ طرفه فِي: ٦١٠٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أتيناه نودعه) وَهُوَ توديع الْمُسَافِر للمقيم فِي ظَاهر الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ الْآن، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وَبُكَيْر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: تَصْغِير بكر بن عبد الله بن الْأَشَج، وَسليمَان بن يسَار ضد الْيَمين. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه هُنَا مُعَلّقا، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْجِهَاد بعد عدَّة أَبْوَاب مُسْندًا، وَترْجم بقوله: بَاب لَا يعذب بِعَذَاب الله، ثمَّ قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا اللَّيْث عَن بكير عَن سُلَيْمَان عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَزَاد أَبُو دَاوُد وَيزِيد بن خَالِد عَن اللَّيْث. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن الْحَارِث بن مِسْكين وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث

стр. 4238

وَزَاد النَّسَائِيّ وَذكر آخر، كِلَاهُمَا عَن بكير. قَوْله: (عَن بكير عَن سُلَيْمَان) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث هَاشم بن الْقَاسِم عَن اللَّيْث حَدثنِي بكير بن عبد الله بن الْأَشَج، وأوضح بنسبته وبالتحديث. قَوْله: (عَن أبي هُرَيْرَة) كَذَا وَقع فِي جَمِيع الطّرق عَن اللَّيْث لَيْسَ لين سُلَيْمَان بن يسَار وَأبي هُرَيْرَة أحد، وَكَذَا وَقع عِنْد النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي السِّيرَة وَأدْخل بَين سُلَيْمَان وَأبي هُرَيْرَة رجلا وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق الدوسي، وَأخرجه الدَّارمِيّ وَابْن السكن وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من طَرِيق ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد ذكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بَين سُلَيْمَان بن يسَار وَبَين أبي هُرَيْرَة رجلا فِي هَذَا الحَدِيث، وروى غير وَاحِد مثل رِوَايَة اللَّيْث وَحَدِيث اللَّيْث بن سعد أشبه وَأَصَح. انْتهى. وَسليمَان بن يسَار صَحَّ سَمَاعه من أبي هُرَيْرَة، وَهَذَا الرجل ذكره أَبُو أَحْمد الْحَاكِم فِي (الكنى) فِيمَن تكنى بِأبي إِسْحَاق وَلم يقف لَهُ على إسم، وَلم يذكر لَهُ رَاوِيا غير سُلَيْمَان بن يسَار، وَقَالَ: حَدِيثه فِي أهل الْحجاز، وَذكره صَاحب (الْمِيزَان) فِي الكنى، وَقَالَ: أَبُو إِسْحَاق الدوسي عَن أبي هُرَيْرَة مَجْهُول، وَسَماهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) إِبْرَاهِيم فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث: عَن عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان عَن أبي إِسْحَاق بن يزِيد بن حبيب عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج، فَذكره. قَوْله: (فِي بعث) ، أَي: فِي جَيش، وَكَانَ أَمِير هَذَا الْبَعْث حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه أَن رَسُول الله، ﷺ ، أمره على سَرِيَّة، قَالَ: فَخرجت فِيهَا، وَقَالَ: إِن وجدْتُم فلَانا فاحرقوه بالنَّار، فوليت فناداني فَرَجَعت إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِن وجدْتُم فلَانا فَاقْتُلُوهُ وَلَا تحرقُوهُ، فَإِنَّهُ لَا يعذب بالنَّار إلَاّ رب النَّار. وَهَذَا كَمَا رَأَيْت ذكر فلَانا بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَغَيره: فلَانا وَفُلَانًا وهما: هَبَّار بن الْأسود وَالرجل الَّذِي سبق مِنْهُ إِلَى زَيْنَب بنت رَسُول الله، ﷺ ، مَا سبق وَكَانَ زَوجهَا أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع لما أسره الصَّحَابَة ثمَّ أطلقهُ النَّبِي ﷺ ، من الْمَدِينَة شَرط عَلَيْهِ أَن يُجهز إِلَيْهِ ابْنَته زَيْنَب فجهزها، فتبعها هَبَّار بن الْأسود ورفيقه فنخسا بَعِيرهَا فَأسْقطت ومرضت من ذَلِك، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح: أَن هَبَّار بن الْأسود أصَاب زَيْنَب بنت رَسُول الله، ﷺ بِشَيْء وَهِي فِي خدرها، فَأسْقطت، فَبعث رَسُول الله، ﷺ سَرِيَّة فَقَالَ: إِن وجدتموه فَاجْعَلُوهُ بَين حزمتي حطب ثمَّ أشعلوا فِيهِ النَّار. ثمَّ قَالَ: إِنِّي لأستحيى من الله، لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يعذب بِعَذَاب الله، فَكَانَ إِفْرَاد هَبَّار هُنَا بِالذكر لكَونه كَانَ الأَصْل فِي ذَلِك، وَالْآخر كَانَ تبعا لَهُ، وَسَماهُ ابْن السكن فِي رِوَايَته من طَرِيق إِبْنِ إِسْحَاق: نَافِع بن عبد قيس، وَكَذَا نَص عَلَيْهِ ابْن هِشَام فِي سيرته، وَحكى السُّهيْلي عَن (مُسْند الْبَزَّار) أَنه: خَالِد بن عبد قيس، قيل: لَعَلَّه تصحف عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَافِع، كَذَلِك هُوَ فِي النّسخ الْمُعْتَمدَة من مُسْند الْبَزَّار، وَكَذَلِكَ أوردهُ ابْن بشكوال من (مُسْند الْبَزَّار) وَأخرجه مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة فِي تَارِيخه من طَرِيق ابْن لَهِيعَة كَذَلِك، وَأما هَبَّار، فَهُوَ بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي، قَالَ أَبُو عمر: ثمَّ أسلم هَبَّار بعد الْفَتْح وَحسن إِسْلَامه وَصَحب النَّبِي ﷺ ، ذكر الزبير أَنه لما أسلم وَقدم مُهَاجرا جعلُوا يَسُبُّونَهُ، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله، ﷺ فَقَالَ: سبّ من سبك فَانْتَهوا عَنهُ. قَوْله: (وَإِن النَّار لَا يعذِّب بهَا إلَاّ الله) هُوَ خبر بِمَعْنى النَّهْي، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن لَهِيعَة: وَإنَّهُ لَا يَنْبَغِي، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: ثمَّ رَأَيْت أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يعذب بالنَّار إلَاّ الله، وَقَالَ الْمُهلب: لَيْسَ نَهْيه عَن التحريق بالنَّار على معنى التَّحْرِيم، وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل التَّوَاضُع لله تَعَالَى، وَالدَّلِيل على أَنه لَيْسَ بِحرَام سمل أعين الرُّعَاة بالنَّار فِي مصلى الْمَدِينَة بِحَضْرَة الصَّحَابَة، وتحريق الْخَوَارِج بالنَّار، وَأكْثر عُلَمَاء الْمَدِينَة يجيزون تحريق الْحُصُون على أَهلهَا بالنَّار، وَقَول أَكْثَرهم بتحريق المراكب، وروى ابْن شاهين من حَدِيث صَالح بن حبَان عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ بعث رجلا إِلَى رجل كذب عَلَيْهِ ... . وَفِي امْرَأَة وَاقعهَا فَقَالَ: إِن وجدته حَيا فاقتله، وَإِن وجدته مَيتا فحرقه بالنَّار، فَوَجَدَهُ لدغ فَمَاتَ فحرقه. وَفِي الحَدِيث أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء، صلوَات الله عَلَيْهِم، قرصته نملة، فَأمر بقرية النَّمْل فأحرقت، فَقَالَ الله لَهُ: هلَاّ نملة وَاحِدَة؟ قَالَ الْحَكِيم فِي (نَوَادِر الْأُصُول) : وَهُوَ إِذن فِي إحراقها، لِأَنَّهُ إِذا جَازَ إحراق وَاحِدَة جَازَ فِي غَيرهَا، وَقَالُوا: لَا حجَّة فِيمَا ذكر للْجُوَاز، لِأَن قصَّة العرنيين كَانَت قصاصا أَو مَنْسُوخَة، وتجويز الصَّحَابِيّ معَارض بِمَنْع صَحَابِيّ آخر، وقصة الْحُصُون والمراكب مُقَيّدَة بِالضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِك إِذا تعين طَرِيقا للظفر بالعدو،

стр. 4239

وَمِنْهُم من قَيده بِأَن لَا يكون مَعَهم نسَاء وَلَا صبيان، وَقيل: حَدِيث الْبَاب يرد هَذَا كُله، لِأَن ظَاهر النَّهْي فِيهِ التَّحْرِيم، وَهُوَ نسخ لأَمره الْمُتَقَدّم، سَوَاء كَانَ ذَلِك بِوَحْي أَو بِاجْتِهَاد مِنْهُ، ﷺ . وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي هَذَا نسخ الحكم قبل الْعَمَل بِهِ. وَمنع مِنْهُ المبتدعة والقدرية، وَقَالَ الْحَازِمِي: ذهبت طَائِفَة إِلَى منع الإحراق فِي الْحُدُود، قَالُوا: يقتل بِالسَّيْفِ، وَإِلَيْهِ ذهب أهل الْكُوفَة النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَمن الْحِجَازِيِّينَ: عَطاء، وَذَهَبت طَائِفَة فِي حق الْمُرْتَد إِلَى مَذْهَب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَت طَائِفَة: من حرق يحرق، وَبِه قَالَ مَالك وَأهل الْمَدِينَة وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَأحمد وَإِسْحَاق. وَفِي الحَدِيث: جَوَاز الحكم احتهاداً، ثمَّ الرُّجُوع عَنهُ، واستحباب ذكر الدَّلِيل عِنْد الحكم لرفع الإلباس. وَفِيه: نسخ السّنة بِالسنةِ وَهُوَ بالِاتِّفَاقِ. وَفِيه: جَوَاز نسخ الحكم قبل الْعلم بِهِ، أَو قبل التَّمَكُّن من الْعَمَل بِهِ، وَفِي الْأَخير خلاف علم فِي مَوْضِعه. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة توديع الْمُسَافِر لأكابر أهل بَلَده وتوديع أَصْحَابه لَهُ أَيْضا. ٨٠١ - (بابُ السَّمْعِ والطَّاعَةِ للإمَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب السّمع وَالطَّاعَة للْإِمَام، زَاد الْكشميهني فِي رِوَايَته: مَا لم يَأْمر بِمَعْصِيَة، وَهَذَا الْقَيْد مُرَاد وَإِن لم يذكر، وَنَصّ الحَدِيث يدل عَلَيْهِ. ٥٥٩٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حَدَّثَنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ صبَّاحٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ السَّمْعُ والطَّاَعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بالْمَعْصِيَةِ فإذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طاعَةَ. (الحَدِيث ٥٥٩٢ طرفه فِي: ٤٤١٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن لخطاب عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر ابْن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُسَدّد بِهِ. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن صباح، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: عَن إِسْمَاعِيل ابْن زَكَرِيَّاء الخلقاني عَن عبيد الله ... إِلَى آخِره. قَوْله: (السّمع) ، أَي: إِجَابَة قَول الْأَمِير، إِذْ طَاعَة أوامرهم وَاجِبَة مَا لم يَأْمر بِمَعْصِيَة وإلَاّ فَلَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق، وَيَأْتِي من حَدِيث عَليّ بِلَفْظ: لَا طَاعَة فِي مَعْصِيّة، إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف. وَفِي الْبَاب عَن عمرَان بن حُصَيْن أخرجه النَّسَائِيّ، وَالْحكم بن عمر وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم، وَذكر عِيَاض: أجمع الْعلمَاء على وجوب طَاعَة الإِمَام فِي غير مَعْصِيّة وتحريمها فِي الْمعْصِيَة، وَقَالَ ابْن بطال: احْتج بِهَذَا الْخَوَارِج فَرَأَوْا الْخُرُوج على أَئِمَّة الْجور وَالْقِيَام عَلَيْهِم عِنْد ظُهُور جَوْرهمْ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: أَنه لَا يجب الْقيام عَلَيْهِم عِنْد ظُهُور جَوْرهمْ وَلَا خلعهم إلَاّ بكفرهم بعد إِيمَانهم، أَو تَركهم إِقَامَة الصَّلَوَات، وَأما دون ذَلِك من الْجور فَلَا يجوز الْخُرُوج عَلَيْهِم إِذا استوطن أَمرهم وَأمر النَّاس مَعَهم، لِأَن فِي ترك الْخُرُوج عَلَيْهِم تحصين الْفروج وَالْأَمْوَال وحقن الدِّمَاء، وَفِي الْقيام عَلَيْهِم تفرق الْكَلِمَة، وَلذَلِك لَا يجوز الْقِتَال مَعَهم لمن خرج عَلَيْهِم عَن ظلم ظهر مِنْهُم، وَقَالَ ابْن التِّين: فَأَما مَا يَأْمر بِهِ السُّلْطَان من الْعُقُوبَات فَهَل يسع الْمَأْمُور بِهِ أَن يفعل ذَلِك من غير ثَبت أَو علم يكون عِنْده بِوُجُوبِهَا؟ قَالَ مَالك: إِذا كَانَ الإِمَام عدلا كعمر بن الْخطاب أَو عمر بن الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لم تسمع مُخَالفَته وَإِن لم يكن كَذَلِك وَثَبت عِنْده الْفِعْل جَازَ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وصاحباه: مَا أَمر بِهِ الْوُلَاة من ذَلِك غَيرهم يسعهم أَن يفعلوه فِيمَا كَانَ ولايتهم إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد: لَا يسع الْمَأْمُور أَن يَفْعَله حَتَّى يكون الْآمِر عدلا، وَحَتَّى يشْهد بذلك عِنْده عدل سَوَاء إلَاّ فِي الزِّنَا فَلَا بُد من ثَلَاثَة سَوَاء، وَرُوِيَ نَحْو الأول عَن الشّعبِيّ، ﵀.

стр. 4240

٩٠١ - (بابٌ يُقاتِلُ مِنْ وَراءِ الإمامِ ويْتَّقَى بِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الإِمَام جنَّة يُقَاتل من وَرَائه، وَيُقَاتل على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمرَاد بِهِ الْمُقَاتلَة للدَّفْع عَن الإِمَام سَوَاء كَانَ ذَلِك من خَلفه أَو قدامه، وَلَفظ: وَرَاء، يُطلق على الْمَعْنيين. قَوْله: (وَيَتَّقِي بِهِ) ، أَيْضا على صِيغَة الْمَجْهُول عطف على: يُقَاتل، أَي: يَتَّقِي بِالْإِمَامِ شَرّ الْعَدو وَأهل الْفساد وَالظُّلم، وَكَيف لَا وَإنَّهُ يمْنَع الْمُسلمين من أَيدي الْأَعْدَاء ويحمي بَيْضَة الْإِسْلَام وَيَتَّقِي مِنْهُ النَّاس وَيَخَافُونَ سطوته. ٦٥٩٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قالَ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أَبُو الزِّنادِ أنَّ الأعرَجَ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقولُ نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُون. وبهذَا الإسْنَادِ منْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطَاعَ الله ومَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصى الله ومنْ يُطِعِ الأميرَ فَقَدْ أطَاعَنِي ومنْ يَعْصِ الأميرَ فقدْ عَصَانِي وإنَّمَا الإمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ ويُتَّقَى بِهِ فإنْ أمَرَ بِتَقْوَى الله وعَدَلَ فإنَّ لَهُ بِذَلِكَ أجْرَاً وإنْ قالَ بِغَيْرِهِ فإنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ. (الحَدِيث ٧٥٩٢ طرفه فِي: ٧٣١٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِنَّمَا الإِمَام جنَّة يُقَاتل من وَرَائه ويُتقى بِهِ) وَسَنَد هَذَا الحَدِيث بهؤلاء الرِّجَال قد مر غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. وَأخرج النَّسَائِيّ بعض الحَدِيث الإِمَام جنَّة فِي الْبيعَة وَفِي السّير. قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ) أَي: فِي الدُّنْيَا (السَّابِقُونَ) فِي الْآخِرَة، وَهَذِه الْقطعَة مرت فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب الْبَوْل فِي المَاء الدَّائِم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان، قَالَ: أخبرنَا شُعَيْب، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الزِّنَاد أَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج حَدثهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة أَنه سمع رَسُول الله، ﷺ يَقُول: نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ، ثمَّ قَالَ: وبإسناده قَالَ: لَا يبولَنَّ ... الحَدِيث. قَوْله: (بِهَذَا الْإِسْنَاد) أَي: الْإِسْنَاد الْمَذْكُور، قَالَ ﷺ : من أَطَاعَنِي ... إِلَى آخِره، قَالَ الْخطابِيّ: كَانَت قُرَيْش وَمن يليهم من الْعَرَب لَا يعْرفُونَ الْإِمَارَة وَلَا يطيعون غير رُؤَسَاء قبائلهم، فَلَمَّا ولي فِي الْإِسْلَام الْأُمَرَاء أنكرته نُفُوسهم وَامْتنع بَعضهم من الطَّاعَة، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُم ﷺ هَذَا القَوْل ليعلمهم أَن طَاعَة الْأُمَرَاء الَّذين كَانَ يوليهم وَجَبت عَلَيْهِم لطاعة رَسُول الله، ﷺ وَلَيْسَ هَذَا الْأَمر خَاصّا بِمن بَاشرهُ الشَّارِع بتولية الإِمَام بِهِ كَمَا نبه عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ، بل هُوَ عَام فِي كل أَمِير عدل للْمُسلمين وَيلْزم مِنْهُ نقيض ذَلِك فِي الْمُخَالفَة وَالْمَعْصِيَة. قَوْله: (وَإِنَّمَا الإِمَام جنَّة) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد النُّون: أَي: ستْرَة، لِأَنَّهُ يمْنَع الْعَدو من أَذَى الْمُسلمين وَيمْنَع النَّاس بَعضهم من بعض، وَالْجنَّة: الدرْع، وَسمي الْمِجَن مجناً، لِأَنَّهُ يستر بِهِ عِنْد الْقِتَال، وَالْإِمَام كالساتر، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: معنى الإِمَام جنَّة أَن يَفِي الإِمَام الزلل والسهو كَمَا يقي الترس صَاحبه من وَقع السِّلَاح، وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بِهِ جنَّة فِي الْقِتَال، وَفِيمَا يكون مِنْهُ فِي أمره دون غَيره. قَوْله: (يُقَاتل من وَرَائه) على صِيغَة الْمَجْهُول كَمَا ذَكرْنَاهُ آنفاف، أَي: يُقَاتل مَعَه الْكفَّار والبغاة وَسَائِر أهل الْفساد، فَإِن لم يُقَاتل من وَرَائه وأتى عَلَيْهِ مرج أَمر النَّاس وَأكل الْقوي الضعيفَ وضعيت الْحُدُود والفرائض، وتطاول أهل الْحَرْب إِلَى الْمُسلمين. قَوْله: (وَيَتَّقِي بِهِ) ، مَجْهُول أَيْضا، وَأَصله: يوتقى بِهِ، التَّاء مبدلة من الْوَاو، وَبعد الْإِبْدَال تُدْغَم التَّاء فِي التَّاء، لِأَن أَصله من الْوِقَايَة. وَقَالَ الْمُهلب: معنى يَتَّقِي بِهِ يرجع إِلَيْهِ فِي الرَّأْي وَالْعقل، وَغير ذَلِك. قَوْله: (وَإِن قَالَ بِغَيْرِهِ) أَي: وَأَن أَمر بِغَيْر تقوى الله وعدله، وَالتَّعْبِير عَن الْأَمر بالْقَوْل شَائِع، وَقيل: مَعْنَاهُ، وَإِن فعل بِغَيْرِهِ، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَيْسَ بِظَاهِر، فَإِنَّهُ قسيم قَوْله: فَإِن أَمر، فَيحمل على أَن المُرَاد: وَإِن أَمر. قلت: الْعَرَب تجْعَل القَوْل عبارَة عَن جَمِيع الْأَفْعَال وتطلقه على غير الْكَلَام وَاللِّسَان، فَتَقول: قَالَ بِيَدِهِ، أَي: أَخذ، وَقَالَ بِرجلِهِ، أَي: مَشى، وَقَالَ بِالْمَاءِ على يَده، أَي: قلب، وَقَالَ يثوبه أَي: رَفعه، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يُنكر اسْتِعْمَال: قَالَ، هُنَا بِمَعْنى: فعل، وَقَالَ الْخطابِيّ: قَالَ هُنَا بِمَعْنى: حكم، يُقَال: قَالَ الرجل واقتال إِذا حكم، ثمَّ قيل: إِنَّه هُنَا مُشْتَقّ من القيل، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْملك الَّذِي ينفذ حكمه، وَهَذَا فِي لُغَة حمير. قَوْله: (فَإِن عَلَيْهِ مِنْهُ) أَي: فَإِن الوبال الْحَاصِل عَلَيْهِ لَا على الْمَأْمُور، قَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون بعضه عَلَيْهِ. قلت: هَذَا على تَقْدِير أَن تكون من للتَّبْعِيض، وَالظَّاهِر أَن الْمَأْمُور أَيْضا لَا يَخْلُو عَن

стр. 4241

التبعة، على مَا حُكيَ أَن الْحسن الْبَصْرِيّ وعامر الشّعبِيّ حضرا مجْلِس عمر بن هُبَيْرَة، فَقَالَ لَهما: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يكْتب إِلَيّ فِي أُمُور، فَمَا تريان؟ فَقَالَ الشّعبِيّ: أصلح الله الْأَمِير، أَنْت مَأْمُور والتبعة على آمُرك، فَقَالَ الْحسن: إِذا خرجت من سَعَة قصرك إِلَى ضيق قبرك فَإِن الله تَعَالَى ينجيك من الْأَمِير، وَلَا ينجيك الْأَمِير من الله تَعَالَى، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. ٠١١ - (بابُ البَيْعَةِ فِي الحَرْبِ أنْ لَا يَفِرُّوا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْبيعَة فِي الْحَرْب على أَن لَا يَفروا، أَو فِي بعض النّسخ لَفْظَة: على مَوْجُودَة وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: بِأَن لَا يَفروا، أَي: بِعَدَمِ الْفِرَار. وَقَالَ بَعْضُهُم على المَوْتِ أَي: الْبيعَة فِي الْحَرْب على الْمَوْت، وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن لَا تنَافِي بَين الرِّوَايَتَيْنِ لاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك فِي مقامين. قلت: عدم التَّنَافِي بَينهمَا لَيْسَ من هَذَا الْوَجْه، بل المُرَاد بالمبايعة على الْمَوْت أَن لَا يَفروا وَلَو مَاتُوا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن يَقع الْمَوْت وَلَا بُد. لِقَوْلِ الله تعَالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله علَى الْمؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الْفَتْح: ٨١) . هَذَا تَعْلِيل لقَوْله، وَقَالَ بَعضهم: على الْمَوْت، وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن لفظ: يُبَايعُونَك، مُطلق يتَنَاوَل الْبيعَة على أَن لَا يَفروا وعَلى الْمَوْت، وَلَكِن المُرَاد الْبيعَة على الْمَوْت بِدَلِيل أَن سَلمَة بن الْأَكْوَع، وَهُوَ مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة، أخبر أَنه بَايع على الْمَوْت وَأَرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ: هم الَّذين ذكرهم الله فِي قَوْله: ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله. .﴾ (الْفَتْح: ٠١) . الْآيَة، وَقيل: هَذَا عَام فِي كل من بَايع رَسُول الله، ﷺ ، والشجرة كَانَت سَمُرَة، وَقيل: سِدْرَة، وَرُوِيَ أَنَّهَا عميت عَلَيْهِم من قَابل فَلم يدروا أَيْن ذهبت، وَكَانَ هَذَا فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ فِي ذِي الْقعدَة بِلَا خلاف، وَسميت هَذِه الْبيعَة بيعَة الرضْوَان. ٨٥٩٢ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ قَالَ قَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما رجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَما اجْتَم مِنَّا اثْنَانِ علَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بايَعْنَا تَحْتَها كانَتْ رَحْمةً مِنَ الله فسَألْتُ نافِعاً علَى أيِّ شَيْءٍ بايَعَهُمْ علَى المَوْتِ قَالَ لَا بَلْ بايَعَهُمْ على الصَّبْرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بل بايعهم على الصَّبْر) فَإِن الْمُبَايعَة على الصَّبْر هُوَ عدم الْفِرَار فِي الْحَرْب، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَجُوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة ابْن أَسمَاء الضبعِي الْبَصْرِيّ. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (من الْعَام الْمقبل) أَي: الَّذِي بعد صلح الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (فَمَا اجْتمع منا إثنان على الشَّجَرَة الَّتِي بَايعنَا تحتهَا) أَي: مَا وَافق منا رجلَانِ على هَذِه الشَّجَرَة أَنَّهَا هِيَ الَّتِي بَايعنَا تحتهَا، بل خَفِي مَكَانهَا، وَقيل: أشبهت عَلَيْهِم. قَوْله: (كَانَت رَحْمَة) ، أَي: كَانَت هَذِه الشَّجَرَة مَوضِع رَحْمَة الله وَمحل رضوانه، قَالَ تَعَالَى: ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ . (الْفَتْح: ٨١) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: سَبَب خفائها أَن لَا يفتتن النَّاس بهَا لما جرى تحتهَا من الْخَيْر، ونزول الرضْوَان والسكينة وَغير ذَلِك، فَلَو بقيت ظَاهِرَة مَعْلُومَة لخيف تَعْظِيم الْأَعْرَاب والجهال إِيَّاهَا وعبادتهم إِيَّاهَا، وَكَانَ خفاؤها رَحْمَة من الله تَعَالَى. قَوْله: (فَسَأَلت نَافِع اً) السَّائِل هُوَ جوَيْرِية الرَّاوِي. قَوْله: (على الْمَوْت) ، أَي: أَعلَى الْمَوْت؟ وهمزة الِاسْتِفْهَام مقدرَة فِيهِ. قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ نَافِع: لم يكن مُبَايَعَتهمْ على الْمَوْت، بل كَانَت على الصَّبْر، وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَن هَذَا من قَول نَافِع وَلَيْسَ بِمُسْنَد، وَقَالَ بَعضهم: وَأجِيب: بِأَن الظَّاهِر أَن نَافِعًا إِنَّمَا جزم بِمَا أجَاب بِهِ لما فهمه من مَوْلَاهُ ابْن عمر، فَيكون مُسْندًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَة، وَفِيه نظر لَا يخفى. ٩٥٩٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَبْدِ الله بن زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ لَمَّا كانَ زَمنُ الحَرَّةِ أتاهُ آتٍ فَقالَ لَهُ إنَّ ابنَ حَنْظَلَةَ يُبايِعُ النَّاسَ علَى المَوْتِ فقالَ لَا أُبَايِعُ على هَذَا أحَدَاً بَعْدَ رسولِ الله ﷺ . (الحَدِيث ٩٥٩٢ طرفه فِي: ٧٦١٤) .

стр. 4242

مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تكون لقَوْله: (وَقَالَ بَعضهم: على الْمَوْت لِأَنَّهُ من التَّرْجَمَة، وَالْمَفْهُوم من كَلَام عبد الله بن زيد أَنه بَايع على الْمَوْت، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْمَازِني الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَعباد بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن تَمِيم بن زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ، يروي عَن عبد الله بن زيد بن عَاصِم بن كَعْب الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إساعيل عَن أَخِيه أبي بكر. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (وَلما كَانَ زمن الْحرَّة) ، وَهِي الْوَاقِعَة الَّتِي كَانَت بِالْمَدِينَةِ فِي زمن يزِيد بن مُعَاوِيَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، ووقعة الْحرَّة حرَّة زهرَة، قَالَه السُّهيْلي. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَأَبُو عبيد وَآخَرُونَ: هِيَ حرَّة وأقم، أَطَم شَرْقي الْمَدِينَة، و: الْحرَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَهِي فِي الأَصْل كل أَرض كَانَت ذَات حِجَارَة سود محرقة والحرار فِي بِلَاد الْعَرَب كَثِيرَة وأشهرها ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حرَّة، قَالَه ياقوت. وَسبب وقْعَة الْحرَّة أَن عبد الله بن حَنْظَلَة وَغَيره من أهل الْمَدِينَة وفدوا إِلَى يزِيد فَرَأَوْا مِنْهُ مَا لَا يصلح، فَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة فخلعوه وَبَايَعُوا عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَأرْسل إِلَيْهِم يزيدُ مسلمَ بن عقبَة الَّذِي قيل فِيهِ: مُسْرِف بن عقبَة، فأوقع بِأَهْل الْمَدِينَة وقْعَة عَظِيمَة، قتل من وُجُوه النَّاس ألفا وَسَبْعمائة، وَمن أخلاط النَّاس عشرَة آلَاف سوى النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (إِن ابْن حَنْظَلَة) وَهُوَ عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر الَّذِي يعرف أَبوهُ بغسيل الْمَلَائِكَة، وَذَلِكَ أَن حَنْظَلَة قتل شَهِيدا يَوْم أحد، قَتله أَبُو سُفْيَان بن حَرْب، وَقَالَ: حَنْظَلَة بحنظلة، يَعْنِي بِأَبِيهِ حَنْظَلَة الْمَقْتُول ببدر، وَأخْبر رَسُول الله، ﷺ بِأَن الْمَلَائِكَة غسلته، وَكَانَ النَّبِي ﷺ قَالَ لامْرَأَة حَنْظَلَة: مَا كَانَ شَأْنه؟ قَالَت: كَانَ جنبا وغسلت إِحْدَى شقي رَأسه، فَلَمَّا سمع لَهِيعَة خرج. فَقتل. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : رَأَيْت الْمَلَائِكَة تغسله، وعلقت امْرَأَته تِلْكَ اللَّيْلَة بابنة عبد الله بن حَنْظَلَة، وَمَات النَّبِي ﷺ وَله سبع سِنِين، وَقد حفظ عَنهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ابْن حَنْظَلَة هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْخُذ ليزِيد واسْمه عبد الله، أَو المُرَاد بِهِ نفس يزِيد، لِأَن جده أَبَا سُفْيَان كَانَ يكنى أَيْضا بِأبي حَنْظَلَة، لَكِن على هَذَا التَّقْدِير يكون لفظ الْأَب محذوفاً بَين الْأَب وحَنْظَلَة تَخْفِيفًا، كَمَا أَنه مَحْذُوف معنى، لِأَنَّهُ نِسْبَة إِلَى الْجد أَو جعله مَنْسُوبا إِلَى الْعم اسْتِخْفَافًا واستهجاناً واستبشاعاً لهَذِهِ الْكَلِمَة الْمرة. انْتهى. قلت: الْكرْمَانِي خبط هَهُنَا خبط عشواء وتعسف فِي هَذَا الْكَلَام من غير أصل، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (لَا أبايع على هَذَا أحدا بعد رَسُول الله، ﷺ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه بَايع رَسُول الله، ﷺ على الْمَوْت، وَلكنه لَيْسَ بِصَرِيح، فَلذَلِك ذكر البُخَارِيّ عَقِيبه حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع لتصريحه فِيهِ بِأَنَّهُ بَايعه على الْمَوْت. ٠٦٩٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجرةِ فلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ يَا ابنَ الأكْوَعِ ألَا تُبَايِعُ قَالَ قُلْتُ قدْ بايَعْتُ يَا رسُولَ الله قَالَ وأيْضَاً فبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أبَا مُسْلِمٍ على أيِّ شَيءٍ كُنْتُم تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ قَالَ على المَوْتِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَقَالَ بَعضهم: على الْمَوْت، الْمَكِّيّ، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف هُوَ اسْمه وَلَيْسَ بِنِسْبَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، والأكوَع اسْمه سِنَان بن عبد الله. وَهَذَا الحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ الْحَادِي عشر. وَأخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الْأَحْكَام عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن إِسْحَاق إِبْنِ إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي السّير جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (قَالَ يَا ابْن الْأَكْوَع) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ يَا ابْن الْأَكْوَع! ألَا تبَايع؟ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك مَعَ أَنه بَايع مَعَ النَّاس، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَأْكِيد بيعَته لشجاعته وشهرته بالثبات، فَلذَلِك أمره بتكرير الْمُبَايعَة. وَقَالَ أَيْضا: أَي بَايع أَيْضا، فَبَايعهُ مرّة أُخْرَى، وَهُوَ معنى قَوْله: فَبَايَعته الثَّانِيَة، أَي: الْمرة الثَّانِيَة. قَوْله: (فَقلت لَهُ: يَا با مُسلم) ، الْقَائِل هُوَ يزِيد بن أبي عبد الرَّاوِي عَنهُ، وَأَبُو مُسلم كنية سَلمَة بن الْأَكْوَع. قَوْله: (على الْمَوْت) ، قد ذكرنَا أَن المُرَاد بالمبايعة على الْمَوْت أَن لَا يَفروا وَلَو مَاتُوا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن يَقع الْمَوْت أَلْبَتَّة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن جَابر بن

стр. 4243

عبد الله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ (الْفَتْح: ٨١) . قَالَ جَابر: (بَايعنَا رَسُول الله، ﷺ ، على أَن لَا نفر وَلم نُبَايِعهُ على الْمَوْت) ، وَسَيَأْتِي عَن عبَادَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بَايعنَا رَسُول الله، ﷺ على السّمع وَالطَّاعَة، وَرُوِيَ من حَدِيث معقل بن يسَار، قَالَ: لقد رَأَيْتنِي يَوْم الشَّجَرَة وَالنَّبِيّ ﷺ (يُبَايع النَّاس وَأَنا رَافع غصناً من أَغْصَانهَا عَن رَأسه وَنحن أَربع عشرَة وَمِائَة) . وَقَالَ: لم نُبَايِعهُ على الْمَوْت. ٣٦٩٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ فُضَيْلٍ عنْ عاصِمٍ عنْ أبِي عُثْمانَ عنْ مُجَاشِعٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنَا وأخِي فَقُلْتُ بايعْنَا على الهِجْرَةِ فَقالَ مَضَتِ الهِجْرَةُ لأِهْلِهَا فَقُلْتُ عَلامَ تبَايِعُنا قَالَ علَى الإسْلامِ والجِهَادِ. . . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَالْجهَاد) لِأَن مُبَايَعَتهمْ على الْجِهَاد لم تكن إلَاّ على أَن لَا يَفروا، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَمُحَمّد بن فُضَيْل، بِضَم الْفَاء مصغر فضل ابْن غَزوَان أَبُو عبد الرَّحْمَن الضَّبِّيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بالنُّون الْبَصْرِيّ، وَقد مر غير مرّة ومجاشع، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الْجِيم وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: ابْن مَسْعُود السّلمِيّ، بِضَم السِّين، وَفِي بعض النّسخ أَبوهُ مَسْعُود مَذْكُور، ومجاشع هَذَا قتل يَوْم الْجمل، وَكَانَ لَهُ فرس يسابق عَلَيْهَا، وَقد أَخذ فِي غَايَة وَاحِدَة خمسين ألف دِينَار. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَمْرو بن خَالِد وَعَن مُحَمَّد بن أبي بكر وَفِي الْجِهَاد أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَعَن سُوَيْد بن سعيد وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (وَأخي) ، أَخُوهُ اسْمه: مجَالد بِضَم، الْمِيم وَتَخْفِيف الْجِيم: ابْن مَسْعُود السّلمِيّ، قَالَ أَبُو عمر: لَهُ صُحْبَة وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة، كَانَ إِسْلَامه بعد إِسْلَام أَخِيه، بعد الْفَتْح، ذكر ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: أَن مجَالد بن مَسْعُود قتل يَوْم الْجمل، وَأَنه رُوِيَ عَنهُ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ وَقَالَ أَبُو عمر لم يقل فِي مجاشع أَنه قتل يَوْم الْحمل قَوْلهم وَلَا شكّ أَنه قتل يَوْم الْجمل وَلَا تبعد رِوَايَة أبي عُثْمَان عَنْهُمَا، كَذَا قَالَ فِي (الِاسْتِيعَاب) قَوْله: (بَايعنَا) ، بِكَسْر الْيَاء: أَمر من بَايع، يُخَاطب بِهِ مجاشع النَّبِي ﷺ ، فَأَجَابَهُ النَّبِي ﷺ بقوله: (مَضَت الْهِجْرَة لأَهْلهَا) ، وهم الَّذين هَاجرُوا قبل الْفَتْح، وَحَدِيث مجاشع كَانَ بعد الْفَتْح، وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد قَالَ: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح إِنَّمَا هُوَ جِهَاد وَنِيَّة) ، فَكَانَ من بَايع قبل الْفَتْح لزمَه الْجِهَاد أبدا مَا عَاشَ إلَاّ لعذر يجوز لَهُ التَّخَلُّف، وَأما من أسلم بعد الْفَتْح فَلهُ أَن يُجَاهد وَله أَن يتَخَلَّف بنية صَالِحَة. كَمَا قَالَ: (جِهَاد وَنِيَّة) ، إلَاّ أَن ينزل عَدو أَو ضَرُورَة، فَيلْزم الْجِهَاد كل أحد. قَوْله: (فَقلت علامَ تبايعنا؟) أَي: على أَي شَيْء تبايعنا؟ وَأَصله: على مَا، لِأَن: مَا، الاستفهامية جرت فَيجب حذف الْألف عَنْهَا وإبقاء الفتحة دَلِيلا عَلَيْهَا، نَحْو: فيمَ، وإلامَ، وعلامَ، وَعلة حذف الْألف الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى ﴿عَمَّا يتساءلون﴾ (النبأ: ١) . فنادر. وَقَالَ ابْن التِّين: كَانَ من هَاجر إِلَى رَسُول الله ﷺ قبل الْفَتْح من غير أهل مَكَّة وَبَايَعَهُ على الْمقَام بِالْمَدِينَةِ كَانَ عَلَيْهِ الْمقَام بهَا حَيَاته، ﷺ ، وَمن لم يشْتَرط الْمقَام من غير أهل مَكَّة بَايع وَرجع إِلَى مَوْضِعه، كَفعل عمر بن

стр. 4244

حريب ووفد عبد الْقَيْس وَغَيرهم، وَكَانَت الْهِجْرَة فرضا على أهل مَكَّة إِلَى الْفَتْح، ثمَّ زَالَت الْهِجْرَة الَّتِي توجب الْمقَام مَعَ رَسُول الله، ﷺ إِلَى وَفَاته ثمَّ يرجع المُهَاجر كَمَا فعل صَفْوَان. قَوْله: (قَالَ: على الْإِسْلَام) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : أُبَايِعكُم على الْإِسْلَام وَالْجهَاد إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَالله أعلم. ١١١ - (بابُ عَزْمِ الإمامِ عَلَى النَّاسِ فِيما يُطِيقُون) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن عزم الإِمَام على النَّاس إِنَّمَا يكون فِيمَا يطيقُونَهُ، يَعْنِي: وجوب طَاعَة الإِمَام إِنَّمَا يكون عِنْد الطَّاقَة والعزم هُوَ الْأَمر الْجَازِم الَّذِي لَا تردد فِيهِ. ٤٦٩٢ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَقدْ أتَانِي اليَوْمَ رَجُلٌ فَسَألَنِي عنْ أمْرٍ مَا دَرَيْتُ مَا أرُدُّ علَيْهِ فَقالَ أرَأيْتَ رَجُلاً مُؤدِياً نَشِيطاً يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي المَغَازِي فَيَعْزِمُ علَيْنَا فِي أشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا فَقُلْتُ لَهُ وَالله مَا أدْرِي مَا أقُولُ لَكَ إلَاّ أنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَسَى أنْ لَا يَعْزِمَ علَيْنَا فِي أمْرٍ إلَاّ مَرَّةً حتَّى نَفْعَلَهُ وإنَّ أحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى الله وإذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ سألَ رَجلاٍ فَشنَاهُ مِنْهُ وأوْشَكَ أنْ لَا تَجِدُوهُ والَّذِي لَا إلَهَ إلَاّ هُوَ مَا أذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إلَاّ كالثَّغْبِ شُرِبَ صَفْوُهُ وبَقِيَ كَدَرُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فِي أَشْيَاء لَا نحصيها) أَي: لَا نطيقها من قَوْله تَعَالَى: ﴿علم أَن لن تحصوه﴾ (المزمل: ٠٢) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَيحْتَمل أَن يُرِيد: لَا نَدْرِي هَل هُوَ طَاعَة أم مَعْصِيّة؟ قلت: الْمَعْنى الأول هُوَ الْأَوْجه، لِأَن الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة لَا تحصل إلَاّ بِهِ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم كوفيون. قَوْله: (رجل فَاعل: أَتَانِي، وَلم يدر اسْمه. قَوْله: (مَا أرد عَلَيْهِ)) ، جملَة فِي مَحل نصب على أَنَّهَا مفعول قَوْله: مَا دَريت. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (مُؤديا) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْهمزَة وَكسر الدَّال، يَعْنِي: ذَا أَدَاة للحرب كَامِلَة، وَلَا يجوز حذف الْهمزَة مِنْهُ حَتَّى لَا يتَوَهَّم أَنه من: أودى، إِذا هلك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَعْنَاهُ: قَوِيا مُتَمَكنًا، وَكَذَا فسره الدَّاودِيّ، وَالْأول أظهر. قَوْله: (نشيطاً) بِفَتْح النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة من: النشاط، وَهُوَ الْأَمر الَّذِي تنشط لَهُ وتخف إِلَيْهِ وتؤثر فعله. قَوْله: (لَا نحصيها) ، قد مر تَفْسِيره. قَوْله: (يخرج) ، قَالَ بَعضهم: كَذَا فِي الرِّوَايَة بالنُّون. قلت: مُجَرّد الدَّعْوَى أَن الرِّوَايَة بالنُّون لَا يسمع، بل يحْتَاج ذَلِك إِلَى الْبُرْهَان، بل الظَّاهِر أَنه بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يعود إِلَى قَوْله: رجل، وَأَيْضًا فَإِن فِي رِوَايَة النُّون قلقاً فِي التَّرْكِيب على مَا لَا يخفى. فَإِن قلت: إِذا كَانَ يخرج الْيَاء، كَانَ مُقْتَضى الْكَلَام أَن يَقُول: مَعَ أمرائه، بِلَفْظ الْغَائِب ليُوَافق: رجلا. قلت: هَذَا من بَاب الِالْتِفَات، وَهُوَ نوع من أَنْوَاع البديع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: معنى رجلا أَن أَحَدنَا يخرج مَعَ أمرائنا، وَالَّذِي قلت: هُوَ الْأَوْجه، فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف. قَوْله: (فيعزم علينا) ، أَي: الْأَمِير يشدد علينا فِي أَشْيَاء لَا نطيقها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فيعزم إِن كَانَ بِلَفْظ الْمَجْهُول فَهُوَ ظَاهر، يَعْنِي: لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير الْفَاعِل ظَاهرا هَذَا إِن كَانَ جَاءَت بِهِ رِوَايَة. قَوْله: (حَتَّى نفعله) ، غَايَة لقَوْله: لَا يعزم، أَو للعزم الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الْمُسْتَثْنى، وَهُوَ مرّة، وَحَاصِل السُّؤَال أَن قَوْله: أَرَأَيْت، بِمَعْنى: أَخْبرنِي، كَمَا ذكرنَا، وَفِيه نَوْعَانِ من التَّصَرُّف: إِطْلَاق الرُّؤْيَة وَإِرَادَة الْإِخْبَار، وَإِطْلَاق الِاسْتِفْهَام وَإِرَادَة الْأَمر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَخْبرنِي عَن حكم هَذَا الرجل: يجب عَلَيْهِ مطاوعة الْأَمِير أم لَا؟ فَجَوَابه: وجوب المطاوعة، وَيعلم ذَلِك من الِاسْتِثْنَاء، إِذْ لَوْلَا صِحَّته لما أوجبه الرَّسُول عَلَيْهِم، وَيحْتَمل عزمه ﷺ تِلْكَ الْمرة على ضَرُورَة كَانَت باعثة لَهُ عَلَيْهِ. قَوْله: (وَإِذا شكّ فِي نَفسه شَيْء) هُوَ من بَاب الْقلب، وَأَصله: شكّ نَفسه فِي شَيْء، أَو شكّ بِمَعْنى لصق. وَقَوله: شَيْء، أَي: مِمَّا تردد فِيهِ أَنه جَائِز أَو غير جَائِز. قَوْله: (فشفاه مِنْهُ) ، أَي: أَزَال مرض التَّرَدُّد فِيهِ، وَأجَاب لَهُ بِالْحَقِّ. قَوْله: (وأوشك) ، أَي: كَاد أَن لَا يَجدوا فِي الدُّنْيَا أحدا، يُفْتِي بِالْحَقِّ ويشفي الْقُلُوب عَن الشّبَه

стр. 4245

والشكوك. قَوْله: (مَا غبر) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: مَا بَقِي، والغبور من الأضداد: الْبَقَاء والمضي، وَقَالَ قوم: الْمَاضِي غابر وَالْبَاقِي غبر، وَهُوَ هُنَا يحْتَمل الْأَمريْنِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هُوَ بالماضي هُنَا أشبه لقَوْله: مَا أذكر. قَوْله: (إلَاّ كالثغب) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَيجوز فتحهَا، وَهُوَ المَاء المستنقع فِي الْموضع المطمئن، وَالْجمع ثغاب شبه بَقَاء الدُّنْيَا بباقي غَدِير ذهب صَفوه، وَبَقِي كدره، وَإِذا كَانَ هَذَا فِي زمن ابْن مَسْعُود، وَقد مَاتَ هُوَ قبل مقتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوُجُود تِلْكَ الْفِتَن الْعَظِيمَة فَمَاذَا يكون اعْتِقَاده فِيمَا جَاءَ بعد ذَلِك، ثمَّ بعد ذَلِك وهلم جراً؟ قَالَ الْقَزاز: ثغب وثغب وَالْفَتْح أَكثر من الإسكان، وَفِي (الْمُنْتَهى) : بِالتَّحْرِيكِ أفْصح، وَهُوَ مَوضِع المَاء. وَقيل: الغدير الَّذِي يكون فِي غلظ من الأَرْض أَو فِي ظلّ جبل لَا يُصِيبهُ حر الشَّمْس فيبرد مَاؤُهُ يُرِيد عبد الله مَا ذهب من خير الدُّنْيَا وَبَقِي من شَرّ أَهلهَا، وَالْجمع ثغبان وثغبان مثل حمل وحملان، وَمن سكن قَالَ: ثغاب. وَفِي (الْمُحكم) : الثغب بَقِيَّة المَاء العذب فِي الأَرْض، وَقيل: هُوَ أخدُود يحتفره المائل من عل فَإِذا انحطت حفرت أَمْثَال الْقُبُور، والديار فيمضي السَّيْل عَنْهَا ويغادر المَاء فِيهَا فتصفقه الرّيح، فَلَيْسَ شَيْء أصغى مِنْهُ وَلَا أبرد، فَسُمي المَاء بذلك الْمَكَان، وَقيل: كل غَدِير ثغب، وَالْجمع أثغاب، وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا الحَدِيث يدل على شدَّة لُزُوم النَّاس طَاعَة الإِمَام وَمن يَسْتَعْمِلهُ. ٢١١ - (بابٌ كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا لَمْ يُقَاتِلْ أوَّلَّ النَّهَارِ أخَّرَ القِتَال حتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: كَانَ النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره، وَالْحكمَة فِيهِ أَن الشَّمْس إِذا زَالَت تهب ريَاح النَّصْر ويتمكن من الْقِتَال بِوَقْت الْإِبْرَاد وهبوب الرِّيَاح، لِأَن الْحَرْب كلما استحرت وحمي الْمُقَاتِلُونَ بحركتهم فِيهَا وَمَا حملوه من سِلَاحهمْ هبت أَرْوَاح الْعشي فبردت من حرهم ونشطتهم، وخففت أجسامهم بِخِلَاف اشتداد الْحر. وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث النُّعْمَان بن مقرن قَالَ: غزوت مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ إِذا طلع الْفجْر إمسك حَتَّى تطلع الشَّمْس، فَإِذا طلعت قَاتل، فَإِذا انتصف النَّهَار أمسك حَتَّى تَزُول الشَّمْس، فَإِذا زَالَت الشَّمْس قَاتل حَتَّى الْعَصْر، ثمَّ يمسك حَتَّى يُصَلِّي الْعَصْر، ثمَّ يُقَاتل. وَكَانَ يُقَال: عِنْد ذَلِك تهيج ريَاح النَّصْر وَيَدْعُو الْمُؤْمِنُونَ لجيوشهم فِي صلَاتهم، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يحب أَن ينْهض إِلَى عدوه عِنْد زَوَال الشَّمْس. وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عتبَة بن غَزوَان السّلمِيّ، قَالَ: كُنَّا نشْهد مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، الْقِتَال فَإِذا زَالَت الشَّمْس قَالَ لنا: إحملوا فحملنا. وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله، ﷺ كَانَ إِذا لم يلق الْعَدو أول النَّهَار أخر حَتَّى تهب الرِّيَاح، وَيكون عِنْد مَوَاقِيت الصَّلَاة. ٥٦٩٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ أبِي النضْرِ مَوْلى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله وكانَ كاتِبَاً لَهُ قالَ كَتَبَ إلَيْهِ عبْدُ الله بنُ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فقَرَأتُهُ أنَّ رَسُول الله، ﷺ فِي بَعْضِ أيَّامِه الَّتي لَقِيَ فِيها انْتَظَر حتَّى مالَتِ الشَّمْسِ. ثُمَّ قالَ فِي النَّاسِ قَالَ أيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ الَعدُوِّ وسَلُوا الله العَافِيَةَ فإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا واْعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ أللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ ومُجْرِيَ السَّحابِ وهازِمَ الأحْزَابِ اِهْزِمْهُمْ وانْصُرْنَا علَيْهِمْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (انْتظر حَتَّى مَالَتْ الشَّمْس) أَي: حَتَّى زَالَت. وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ ومُوسَى بن عقبَة إِلَى آخِره. وَهَذَا السَّنَد بِعَين هَؤُلَاءِ الرِّجَال قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الصَّبْر عِنْد الْقِتَال، مَعَ بعض الحَدِيث، وَمضى أَيْضا كَذَلِك فِي: بَاب الْجنَّة تَحت بارقة السيوف، وَاقْتصر فِيهِ على قَوْله: وَاعْلَمُوا أَن الْجنَّة تَحت ظلال السيوف، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (منزل الْكتاب) أَي: يَا منزل الْقُرْآن، وَقد وَقع السجع اتِّفَاقًا من غير قصد.

стр. 4246

٣١١ - (بابُ اسْتِئْذَانِ الرَّجَلِ الإمَامَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم استيذان الرجل من الرّعية، أَي: طلبه الْإِذْن من الإِمَام فِي الرُّجُوع أَو التَّخَلُّف عَن الْخُرُوج أَو نَحْو ذَلِك. لِقَوْلِهِ : ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه ورسُولِهِ وإذَا كانُوا معَهُ علَى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتأذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتأذِنُونَكَ﴾ (النُّور: ٢٦) . إِلَى آخر الْآيَة هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة النُّور، وتمامها: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ فاذن لمن شِئْت مِنْهُم واستغفر لَهُم الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ٢٦) . والاحتجاج بهَا فِي قَوْله: ﴿فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم﴾ (النُّور: ٢٦) . وَوجه ذَلِك أَن الله تَعَالَى جعل ترك ذهابهم عَن مجْلِس رَسُول الله، ﷺ حَتَّى يستأذنوه ثَالِث الْإِيمَان بِاللَّه، وَالْإِيمَان بِرَسُولِهِ وجعلهما كالتسبب لَهُ والبساط لذكره، وَذَلِكَ مَعَ تصدير الْجُمْلَة بإنما، وإيقاع الْمُؤمنِينَ مُبْتَدأ مخبرا عَنهُ بموصول أحاطت صلته بِذكر الإيمانين، ثمَّ عقبه بِمَا يزِيدهُ توكيداً وتشديداً حَيْثُ أَعَادَهُ على أسلوب آخر وَهُوَ قَوْله: ﴿إِن الَّذين يَسْتَأْذِنُونَك أُولَئِكَ الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله﴾ (النُّور: ٢٦) . وَالْمرَاد بِالْأَمر الْجَامِع: الطَّاعَة يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ نَحْو: الْجُمُعَة والنحر وَالْفطر وَالْجهَاد وَأَشْبَاه ذَلِك. قَوْله: ﴿لم يذهبوا حَتَّى يستأذنواه﴾ (النُّور: ٢٦) . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صعد الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة وَأَرَادَ الرجل أَن يخرج من الْمَسْجِد لحَاجَة أَو عذر لم يخرج حَتَّى يسْتَأْذن، أَي: يقوم فيراه ﷺ فَيعرف أَن لَهُ حَاجَة، فَيَأْذَن لَهُ، قَالَ مُجَاهِد: وَإِذن الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة أَن يُشِير بِيَدِهِ، وَلم يَأْمُرهُ الله تَعَالَى بِالْإِذْنِ لكلهم، بل قَالَ: ﴿فاذن لمن شِئْت﴾ (النُّور: ٢٦) . قَالَ مقَاتل: نزلت فِي عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اسْتَأْذن فِي الرُّجُوع إِلَى أَهله فِي غَزْوَة تَبُوك، فَأذن لَهُ. وَقَالَ: انْطلق مَا أَنْت بمنافق، يُرِيد بذلك تسميع الْمُنَافِقين. وَقَالَ الْمُهلب: هَذِه الْآيَة أصل أَن لَا يبرح أحد من السُّلْطَان إِذا جمع النَّاس لأمر من أُمُور الْمُسلمين يحْتَاج فِيهِ إِلَى اجْتِمَاعهم إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن رأى أَن يَأْذَن لَهُ أذن وإلَاّ لم يَأْذَن لَهُ. ٧٦٩٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا جَرِيرٌ عنِ المُغِيرَةِ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ جابِرِ ابنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ غَزَوْتُ معَ رسولِ الله ﷺ قَالَ فتَلاحَقَ بِيَ النبيُّ ﷺ وَأَنا علَى ناضِحٍ لَنا قَدْ أعْيَا فَلَا يَكادُ يَسِيرُ فَقَالَ لي مَا لِبَعِيرِكَ قَالَ قُلْتُ عَيِيَ قَالَ فتَخَلَّفَ رسولُ الله فَزَجَرَهُ ودعا لَهُ فَما زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الإبِلِ قدَّامُها يَسِيرُ فَقَالَ لي كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ قَالَ قُلْتُ بِخَيْرٍ قَدْ أصَابَتْهُ برَكَتُكَ قَالَ أفَتَبِيعُنِيهِ قَالَ فاسْتَحْيَيْتُ ولَمْ يَكُنْ لَنا ناضِحٌ غَيْرَهُ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَبِعْنِيهِ فبِعْتُهُ إيَّاهُ علَى أنَّ لِي فِقارَ ظَهْرِهِ حتَّى أبْلُغَ المَدِينَةِ قالَ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أنِّي عَرُوسَّ فاسْتأذَنْتُهُ فأذِنَ لِي فتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إلَى المَدِينَةِ حَتَّى أتَيْتُ المَدِينَةَ فلَقِيَنِي خَالِي فسَألَنِي عنِ البَعِيرِ فأخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ فَلَامَنِي قَالَ وقَدْ كانَ رسولُ الله ﷺ قَالَ لي حِينَ اسْتأذَنْتُهُ هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْراً أمْ ثَيِّبَاً فقُلْتُ تَزَوَّجْتُ ثَيِّباً فَقال هَلَاّ تَزَوَّجْتَ بِكْرَاً تُلاعِبُهَا وتُلاعِبُكَ قُلْتُ يَا رسولَ الله تُوُفِّيَ والِدِي أوِ اسْتُشْهِدَ ولِي أخَوَاتٌ صِغَارٌ فَكَرِهْتُ أنْ أتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ فلَا تُؤَدِّبُهُنَّ ولَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ فتَزَوَّجْتُ ثَيِّباً لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وتُؤَدِّبُهُنَّ قَالَ فَلَمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المَدِينَةَ غَدَوْتُ علَيْهِ بالبَعِيرِ فأعْطَانِي ثَمَنَهُ ورَدَّهُ علَيَّ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنِّي عروس فاستأذنته فَأذن لي) ، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَجَرِير

стр. 4247

هُوَ بن عبد الحميد، والمغيرة هُوَ مقسم الضَّبِّيّ أحد فُقَهَاء الْكُوفَة، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر. والْحَدِيث قد مر مطولا ومختصراً فِي الاستقراض وَفِي الشُّرُوط، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَوْله: (نَاضِح) أَي: بعير يستقى عَلَيْهِ المَاء. قَوْله: (أعيى) ، أَي: تَعب وَعجز، وَكَذَلِكَ: عيى، كِلَاهُمَا بِمَعْنى. قَوْله: (فقار ظَهره) ، بِكَسْر الْفَاء، وَهِي خَرَزَات عِظَام الظّهْر، أَي: على أَن لي الرّكُوب عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (عروس) ، يَسْتَوِي فِيهِ الرجل وَالْمَرْأَة. قَوْله: (لامني) أَي: على بيع الناضح، إِذْ لم يكن لَهُ غَيره. قَوْله: (ورده) أَي: الْجمل، فَحصل لَهُ الثّمن والمثمن كِلَاهُمَا. قَالَ المُغِيرَةُ هذَا فِي قَضائِنا حَسَنٌ لَا نَرَى بِهِ بَأْسا الْمُغيرَة هُوَ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث، وَظَاهره تَعْلِيق. قَالَ بَعضهم: هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى الْمُغيرَة، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: هَذَا، أَي: البيع بِمثل هَذَا الشَّرْط حسن فِي حكمنَا بِهِ لَا بَأْس بِمثلِهِ، لِأَنَّهُ أَمر مَعْلُوم لَا خداع فِيهِ وَلَا مُوجب للنزاع. وَقَالَ الدَّاودِيّ: مُرَاده جَوَاز زِيَادَة الْغَرِيم على حَقه تأسياً برَسُول الله، ﷺ ، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين: بِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ أَنه ﷺ قَضَاهُ وزاده. ٤١١ - (بابُ مَنْ غَزَا وهْوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من غزا، وَالْحَال أَنه حَدِيث عهد بعرسه، بِكَسْر الْعين أَي: بِزَوْجَتِهِ، وَيجوز ضم الْعين أَي: بِزَمَان عرسه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بعرس، بِلَا ضمير. فِيهِ جابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث جَابر، وَأَرَادَ بِهِ الحَدِيث الْمَذْكُور فِيمَا قبله، وَاكْتفى بِذكر هَذَا الْمِقْدَار لتكرر هَذَا الحَدِيث. ٥١١ - (بابُ مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ بَعْدَ الْبِنَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من اخْتَار الْغَزْو بعد بنائِهِ بِزَوْجَتِهِ، أَي: بعد دُخُوله عَلَيْهَا، كَيفَ يكون حكمه؟ هَل يمْنَع؟ كَمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، أَو لَا يمْنَع؟ والْحَدِيث يدل على الْأَوْلَوِيَّة، وَيَأْتِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآن، وَاعْترض الدَّاودِيّ على هَذِه التَّرْجَمَة فَقَالَ: لَو قَالَ: بَاب من اخْتَار الْبناء قبل الْغَزْو، وَكَانَ أبين فَإِنَّمَا الحَدِيث فِيهِ، أَي: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه اخْتَار الْبناء قبل الْغَزْو، ورد عَلَيْهِ أَن التَّرْجَمَة متضمنة معنى الِاسْتِفْهَام كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِيه يظْهر الرَّد عَلَيْهِ أَنه اخْتَار الْبناء قبل الْغَزْو، وَسَنذكر فِي النِّكَاح: بَاب من أحب الْبناء بعد الْغَزْو. فِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: فِي هَذَا الْبَاب المترجم حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ الَّذِي أوردهُ فِي الْخمس من طَرِيق همام عَنهُ، قَالَ: غزا نَبِي من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: لَا يَتبعني رجل ملك بضع امْرَأَة، وَهُوَ يُرِيد أَن يَبْنِي بهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِنَّمَا لم يذكر الحَدِيث وَاكْتفى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَعَلَّه لم يكن بِشَرْطِهِ، فَأَرَادَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يستحضر أَنه أوردهُ مَوْصُولا فِي مَكَان آخر، على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَرِيبا. ٦١١ - (بابُ مُبَادَرَةِ الإمَامِ عِنْدَ الفَزَعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من مبادرة الإِمَام، أَي: مسارعته بالركوب عِنْد وُقُوع الْفَزع، والفزع فِي الأَصْل الْخَوْف، فَوضع مَوضِع الإغاثة والنصر، لِأَن من شَأْنه الإغاثة وَالدَّفْع عَن الْحَرِيم مراقب حذر، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَمِنْه حَدِيث: لقد فزع أهل الْمَدِينَة لَيْلًا فَركب فرسا لأبي طَلْحَة، إِن اسْتَغَاثُوا يُقَال: فزعت إِلَيْهِ فأفزعني، أَي: استغثت إِلَيْهِ فأغاثني، وأفزعته إِذا أغثته، وَإِذا خوفته.

стр. 4248

٨٦٩٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَء عنْ شُعْبَةَ قَالَ حدَّثني قَتادَةُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ بالمَدِينَةِ فزَعٌ فرَكِبَ رسولُ الله ﷺ فرَساً لأِبِي طَلْحَةَ فَقَالَ مَا رأيْنَا مِنْ شَيءٍ وإنْ وَجَدْناخُ لَبَحْرَاً.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث مرَارًا فِي الْهِبَة وَفِي الْجِهَاد فِيمَا مضى فِي موضِعين، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد عَن يحيى أَيْضا. قَوْله: (فرسا لأبي طَلْحَة) ، اسْم الْفرس، مَنْدُوب، وَاسم أبي طَلْحَة: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، زوج أم أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (من شَيْء) ، أَي: مِمَّا يُوجب الْفَزع. قَوْله: (وَإِن وَجَدْنَاهُ) ، أَي: الْفرس وَكلمَة: إِن، مُخَفّفَة من المثقلة، وَاللَّام فِي: لبحراً، للتَّأْكِيد. ٧١١ - (بابُ السُّرْعَةِ والرَّكْضِ فِي الفَزَعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من سرعَة الإِمَام والمبادرة إِلَى الرّكُوب عِنْد وُقُوع الْفَزع. ٩٦٩٢ - حدَّثنا الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ قَالَ حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ فَزِعَ النَّاسُ فرَكِبَ رسولُ الله ﷺ فرَساً لأِبِي طَلْحَةَ بَطِيئاً ثُمَّ خَرَجَ يَرْكُضُ وحْدَهُ فرَكِبَ النَّاسُ يَرْكُضُونَ خَلْفَهُ فَقَالَ لَمْ تُرَاعُوا إنَّهُ لَبَحْرٌ فَما سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ.. هَذَا وَجه آخر فِي حَدِيث أنس الْمَذْكُور، أخرجه عَن الْفضل بن سهل الْأَعْرَج الْبَغْدَادِيّ عَن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن بهْرَام التَّمِيمِي الْمعلم عَن جرير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن زيد بن النَّضر الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (ثمَّ خرج) ، أَي: من الْمَدِينَة. قَوْله: (يرْكض) ، حَال. قَوْله: (وَحده) ، أَي: بِدُونِ رَفِيق. قَوْله: (لم تراعوا) ، أَي: لَا تراعوا، و: لم، بِمَعْنى: لَا. قَوْله: (إِنَّه) ، أَي: إِن الْفرس الْمَذْكُور: لبحر، شبهه بالبحر فِي سرعَة الجري. قَوْله: قَالَ: أَي: قَالَ أنس، فَمَا سبق هَذَا الْفرس، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. ٨١١ - (بابُ الخُرُوجِ فِي الفَزَعِ وحْدَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من خُرُوج الإِمَام فِي وُقُوع الْفَزع وَحده مُنْفَردا، ثبتَتْ هَذِه التَّرْجَمَة بِغَيْر حَدِيث، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذِه التَّرْجَمَة حَيْثُ لم يَأْتِ فِيهَا حَدِيث وَلَا أثر؟ قلت: الْإِشْعَار بِأَنَّهُ لم يثبت فِيهِ بِشَرْطِهِ شَيْء أَو ترْجم ليلحق بِهِ حَدِيثا فَلم يتَّفق لَهُ، أَو اكْتفى بِالْحَدِيثِ الَّذِي قبله، وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون اكْتفى بِالْإِشَارَةِ إِلَى الحَدِيث الَّذِي قبله، وَفِيه بعد. قلت: سُبْحَانَ الله! الْكرْمَانِي ذكر ثَلَاثَة أوجه كَمَا ذَكرنَاهَا الْآن، فَلِمَ عين الْوَجْه الثَّالِث بقوله: وَفِيه بعد، لأجل الطعْن فِيهِ، وهلا ذكر الْوَجْه الثَّانِي، مَعَ أَنه ذكره بتغيير عِبَارَته؟ وَقَالَ ابْن بطال: جملَة مَا فِي هَذِه التراجم أَن الإِمَام يَنْبَغِي لَهُ أَن يشح بِنَفسِهِ لما فِي ذَلِك من النّظر للْمُسلمين، إلَاّ أَن يكون من أهل الْغنى الشَّديد والثبات الْبَالِغ، فَيحْتَمل أَن يسوغ لَهُ ذَلِك، وَكَانَ فِي النَّبِي ﷺ ، من ذَلِك مَا لَيْسَ فِي غَيره مَعَ مَا علم أَن الله تَعَالَى يعصمه وينصره. ٩١١ - (بابُ الجَعَائِلِ والحِمْلَانِ فِي السَّبِيلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الجعائل وَهُوَ جمع: جعيلة أَو جعَالَة، بِالْفَتْح والجعل بِالضَّمِّ الِاسْم وبالفتح الْمصدر، يُقَال: جعلت لَك جعلا وَجعلا، وَهُوَ الْأُجْرَة على الشَّيْء فعلا أَو قولا. قَوْله: (والحملان) ، بِضَم الْحَاء: الْحمل، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الحملان مصدر كالحمل، يُقَال: حمل يحمل حملاناً. قَوْله: (فِي السَّبِيل) أَي: فِي سَبِيل الله، وَهُوَ الْجِهَاد.

стр. 4249

وَقَالَ مُجَاهِدٌ قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ الغَزْوَ قَالَ إنِّي أُحِبُّ أنْ أُعِيِنَكَ بِطائِفَةٍ مِنْ مَالي قُلْتُ أوْسَعَ الله عَلَيَّ قَالَ إنَّ غِناكَ لَكَ وإنِّي أُحِبُّ أنْ يَكونَ مِنْ مَالي فِي هَذَا الوَجْهِ هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة الْفَتْح بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (الْغَزْو) ، بِالنّصب تَقْدِيره: قَالَ مُجَاهِد لعبد الله بن عمر: أُرِيد الْغَزْو، حَاصله أَرَادَ الْمُجَاهِد أَن يكون مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ بِالنّصب على الإغراء، وَالتَّقْدِير: عَلَيْك الْغَزْو، قلت: هَذَا لَا يَسْتَقِيم وَلَا يَصح مَعْنَاهُ لِأَن مُجَاهدًا يخبر عَن نَفسه أَنه يُرِيد أَن يَغْزُو، بِدَلِيل قَول ابْن عمر لَهُ: إِنِّي أحب أَن أعينك بطَائفَة من مَالِي، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يَقُول لِابْنِ عمر: عَلَيْك الْغَزْو، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أنغزو؟ بالنُّون على الِاسْتِفْهَام. قَوْله: (قلت) أَي: قَالَ الْمُجَاهِد: وسع الله عَليّ، وَأَرَادَ بِهِ أَن عِنْده مَا يَكْفِيهِ للْجِهَاد وَلَيْسَ لَهُ حَاجَة إِلَى ذَلِك، وَقَول ابْن عمر: إِن غناك لَك ... إِلَى آخِره، يدل على أَن الرجل إِذا أخرج من مَاله شَيْئا يتَطَوَّع بِهِ فِي سَبِيل الله فَلَا بَأْس بِهِ، وَكَذَلِكَ إِذا أعَان الْغَازِي بفرس يَغْزُو عَلَيْهِ، وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ. وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِيمَا إِذا آجر نَفسه أَو فرسه فِي الْغَزْو، فَقَالَ مَالك: يكره ذَلِك. وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: يكره فِي ذَلِك الجعائل إلَاّ إِذا كَانَ بِالْمُسْلِمين ضعف، وَلَيْسَ فِي بَيت المَال شَيْء، فَعِنْدَ ذَلِك إِن أعَان بَعضهم بَعْضًا لَا يكره. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز أَن يَغْزُو بِجعْل يَأْخُذهُ، وأرده إِن غزا بِهِ، وَإِنَّمَا أجيزه من السُّلْطَان دون غَيره لِأَنَّهُ يَغْزُو بِشَيْء من حَقه، وَاحْتج فِيهِ: بِأَن الْجِهَاد فرض على الْكِفَايَة، فَمن فعله وَقع عَن فَرْضه فَلَا يجوز أَن يسْتَحق على غَيره عوضا. وَقَالَ عُمَرُ إنَّ نَاسا يأخُذُونَ مِنْ هاذَا المالِ لِيُجَاهِدوا ثُمَّ لَا يُجَاهِدُونَ فَمَنْ فعَلهُ فَنَحْنُ أحَقُّ بِمالِهِ حتَّى نأخُذَ مِنْهُ مَا أخَذَ هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ عَن عَمْرو بن أبي قُرَّة، قَالَ: جَاءَنَا كتاب عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن نَاسا ... فَذكر مثله. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي (تَارِيخه) . وَقَول عمر يدل على أَن كل من أَخذ مَالا من بَيت المَال على عمل فَإِذا أهمل الْعَمَل يُؤْخَذ مِنْهُ مَا أَخذه قبل، وَكَذَلِكَ الْأَخْذ مِنْهُ على عمل لَا يتأهل لَهُ وَلَا يلْتَفت إِلَى تخيل أَن الأَصْل من مَال بَيت المَال الْإِبَاحَة للْمُسلمين قلت: يُؤْخَذ من ذَلِك أَن كل من يتَوَلَّى وَظِيفَة دينية، وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْل لذَلِك، يُؤْخَذ مِنْهُ مَا يَأْخُذهُ من مَال تِلْكَ الْوَظِيفَة الَّتِي عين لإقامتها. وقالَ طاوُسٌ ومُجَاهِدٌ إذَا دُفِعَ إلَيْكَ شَيءٌ تَخْرُجُ بِهِ فِي سَبِيلِ الله فاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ وضَعْهُ عِنْدَ أهْلِكَ هَذَا يدل على أَن طاووساً ومجاهداً لَا يكرهان أَخذ شَيْء فِي الْغَزْو. قَوْله: (دفع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (مَا شِئْت) ، أَي: مِمَّا يتَعَلَّق بسبيل الله، حَتَّى الْوَضع عِنْد الْأَهْل فَإِنَّهُ أَيْضا من متعلقاته، وَكَانَ سعيد بن الْمسيب يَقُول: إِذا أعْطى الْإِنْسَان شيئاف فِي الْغَزْو إِذا بلغت رَأس مغزاك فَهُوَ لَك. ٠٧٩٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ مالِكَ بنَ أنَسٍ سَأَلَ زَيْدَ ابنَ أسْلَمَ فَقَالَ زَيْدٌ سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله فرَأيْتُهُ يُباعُ فسألْتُ النَّبيَّ ﷺ آشْتَرِيهِ فقالَ لَا تَشْتَرِهِ ولَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ. .

стр. 4250

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْفرس الَّذِي حمله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي سَبِيل الله أَنه كَانَ حملاناً وَلم يكن حَبِيسًا، إِذْ لَو كَانَ حَبِيسًا لم يكن يجوز بَيْعه. وَقَوله أَيْضا: (لَا تعد فِي صدقتك) يدل على أَنه لم يكن حَبِيسًا، وَإِنَّمَا كَانَ حملاناً، والْحميدِي، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبيد الله، ونسبته إِلَى حميد أحد أجداده، وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَزيد بن أسلم يروي عَن أَبِيه أسلم مولى عمر بن الْخطاب الْعَدوي. والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة وَفِي الْهِبَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ١٧٩٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أَن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ حَمَلَ علَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله فوَجَدَهُ يُبَاعُ فأرَادَ أنْ يَبْتَاعَهُ فَسألَ رسولَ الله ﷺ فَقَالَ لَا تَبْتَعْهُ ولَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ.. هَذَا مثل الحَدِيث الَّذِي قبله، غير أَن الروَاة مُخْتَلفَة وَالْكَلَام فِيهِ مضى. قَوْله: (يُبَاع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول فِي مَحل النصب على أَنه الْمَفْعُول الثَّانِي. قَوْله: (أَن يبتاعه) أَي: أَرَادَ أَن يَشْتَرِيهِ. قَوْله: (لَا تبتعه) ، أَي: لَا تشتره. ٢٧٩٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنصَارِيِّ قَالَ حدَّثنا أبُو صالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تَخَلَّفْتُ عنْ سَرِيَّةٍ ولاكِنْ لَا أجِدُ حُمُولَةً وَلَا أجِدُ مَا أحْمِلُهُمْ عليْهِ ويَشُقُّ علَيَّ أنْ يَتَخَلُّفوْا عَنِي ولَوَدِدْتُ أنِّي قاتَلْتُ فِي سَبِيلِ الله فقُتِلْتُ ثُمَّ أُحْيِيتُ ثُمَّ قُتِلْتُ ثُمَّ أُحْييتُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَلَا أجد مَا أحملهم عَلَيْهِ) وَيحيى بن سعيد الأول هُوَ الْقطَّان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، والْحَدِيث تقدم فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي: بَاب تمني الشَّهَادَة، والحمولة الَّتِي يحمل عَلَيْهَا. قَوْله: (فقُتِلْتُ) إِلَى آخِره كُله على صِيغ الْمَجْهُول. ١٢١ - (بابُ مَا قِيلَ فِي لِوَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي لِوَاء النَّبِي ﷺ اللِّوَاء، بِكَسْر اللَّام وبالمد، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: اللِّوَاء، مَا يعْقد فِي طرف الرمْح ويلوى مَعَه، وَبِذَلِك سمي لِوَاء، والراية ثوب يَجْعَل فِي طرف الرمْح ويخلى بهيئته تصفقه الرّيح، وَيُقَال: اللِّوَاء علم الْجَيْش، قيل: هُوَ دون الرَّايَة، وَقيل: اللِّوَاء عَلامَة كبكبة الْأَمِير يَدُور مَعَه حَيْثُ دَار، والراية هِيَ الَّتِي يتولاها صَاحب الْحَرْب. وَقيل: اللِّوَاء الْعلم الضخم، وَالْعلم عَلامَة لمحل الْأَمِير، كَمَا مر. وَفرق التِّرْمِذِيّ بَين اللِّوَاء والراية حَيْثُ ترْجم أَولا، وَقَالَ: بَاب الألوية، ثمَّ روى من حَدِيث جَابر: أَن النَّبِي ﷺ دخل مَكَّة وَلِوَاؤُهُ أَبيض، ثمَّ ترْجم ثَانِيًا وَقَالَ: بَاب فِي الرَّايَات، ثمَّ روى من حَدِيث الْبَراء، فَقَالَ حِين سُئِلَ عَن راية رَسُول الله، ﷺ : كَانَت سَوْدَاء مربعة من نمرة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وروى أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَت راية رَسُول الله، ﷺ سَوْدَاء وَلِوَاؤُهُ أَبيض، وروى الشَّيْخ بن حَيَّان من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: كَانَ لِوَاء رَسُول الله، ﷺ أَبيض، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة سماك بن حَرْب عَن رجل من قومه عَن آخر مِنْهُم، قَالَ: رَأَيْت راية رَسُول الله، ﷺ ، صفراء، وروى ابْن عدي من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَت راية رَسُول الله، ﷺ سَوْدَاء وَلِوَاؤُهُ أَبيض مَكْتُوب بِهِ: لَا إلاه إلَاّ الله مُحَمَّد رَسُول الله، ﷺ ، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث جَابر: أَن راية رَسُول الله، ﷺ كَانَت سَوْدَاء. وروى ابْن أبي عَاصِم فِي (كتاب الْجِهَاد) من حَدِيث كرز بن أُسَامَة عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه عقد راية بني سليم حَمْرَاء، وروى أَيْضا من حَدِيث مزيدة، يَقُول: كنت جَالِسا عِنْد رَسُول الله، ﷺ ، فعقد راية الْأَنْصَار وَجعلهَا صفراء. قلت: مزيدة بِفَتْح الْمِيم وَكسر الزَّاي: الْعَبْدي من

стр. 4251

عبد الْقَيْس، هُوَ جد هودة العصري الْعَبْدي. فَإِن قلت: مَا وَجه التَّوْفِيق فِي اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: وَجه الِاخْتِلَاف باخْتلَاف الْأَوْقَات. ٤٧٩٢ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ أخبرَني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي ثَعْلَبَةُ بنُ أبِي مالِكٍ القُرَظِيُّ أنَّ قَيسَ ابْنَ سَعْدٍ الأنْصَارِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وكانَ صاحِبَ لِواءِ رَسولِ الله ﷺ أرَادَ الحَجَّ فرَجَّلَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وثعلبة بن أبي مَالك اسْمه عبد الله لَهُ رُؤْيَة من النَّبِي ﷺ الْقرظِيّ، وَيُقَال: الْكِنْدِيّ، وَقيس ابْن سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ الخزرجي أَبُو عبد الله الْمَدِينِيّ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة. وَهَذَا الحَدِيث مَوْقُوف، فَلذَلِك اقْتصر على هَذَا الْمِقْدَار، لِأَن غَرَضه هُوَ قَوْله: (وَكَانَ صَاحب لِوَاء رَسُول الله، ﷺ ، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ بِتَمَامِهِ من طَرِيق اللَّيْث، فَقَالَ بعد قَوْله: فَرجل أحد شقي رَأسه، فَقَامَ غُلَام لَهُ فقلد هَدْيه، فَنظر قيس هَدْيه وَقد قلد فَأهل بِالْحَجِّ وَلم يرجل شقّ رَأسه الآخر. قَوْله: (أَرَادَ الْحَج) ، خبر قَوْله: أَن قيس بن سعد الْأنْصَارِيّ. وَقَوله: (وَكَانَ صَاحب لِوَاء رَسُول الله، ﷺ جملَة مُعْتَرضَة بَين إسم إِن وخبرها. قَوْله: (فرجَّل) ، بِالْجِيم من الترجيل، وَهُوَ: تَسْرِيح الشّعْر وتنظيفه وتحسينه بالمشط، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة بِالْحَاء، قيل: إِنَّه خطأ، ومفعول: رجل، مَحْذُوف، أَي: رجَّل رَأسه، وَفِي بعض النّسخ غير مَحْذُوف. ٥٧٩٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تخَلَّفَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ وكانَ بهِ رمَدٌ فَقالَ أَنا أتَخَلَّفُ عنْ رَسوُلِ الله ﷺ فخَرَجَ عَلِيٌّ فلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فلَمَّا كانَ مساءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فتَحَهَا فِي صَباحِهَا فَقال رسولُ الله ﷺ لأعْطِيَنَّ الرَّايةَ أوْ قالَ ليَأخُذَنَّ غَداً رَجُلٌ يُحِبُّهُ الله ورسُولُهُ أوْ قالَ يحِبُّ الله ورسُولُهُ يَفْتَحُ الله عليهِ فَإِذا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ فَقالوا هذَا عَليٌّ فأعْطَاهُ رَسُول الله ﷺ ففتَحَ الله علَيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَأُعْطيَن الرَّايَة) وحاتم بن إِسْمَاعِيل أَبُو إِسْمَاعِيل الْكُوفِي سكن الْمَدِينَة، وَيزِيد بن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، وَقد مر عَن قريب، وَقد مضى نَحوه عَن سهل بن سعد فِي الْجِهَاد فِي: بَاب دُعَاء النَّبِي ﷺ إِلَى الْإِسْلَام. وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث الْبَاب فِي فضل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن قُتَيْبَة أَيْضا، وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن قُتَيْبَة عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل. قَوْله: (تخلف عَن النَّبِي ﷺ يَعْنِي: لأجل رمد عَيْنَيْهِ، وَذَلِكَ فِي غَزْوَة خَيْبَر. قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فَإِذا نَحن بعلي) كلمة: إِذا، للمفاجأة أَي: فَإِذا نَحن بعلي قد حضر. قَوْله: (وَمَا نرجوه) ، أَي: مَا كُنَّا نرجو قدومه فِي ذَلِك الْوَقْت للرمد الَّذِي بِهِ. وَفِيه: فَضِيلَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على غَايَة مَا يكون، ومعجزة للنَّبِي ﷺ فِي إخْبَاره بِالْغَيْبِ، وَقد وَقع كَمَا أخبر. ٦٧٩٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ نافِعِ ابنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ العَبَّاسَ يَقولُ لِلزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا هاهُنَا أمَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ. (الحَدِيث ٦٧٩٢ طرفه فِي: ٠٨٢٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة إِنَّمَا تتأتى على قَول من قَالَ: اللِّوَاء والراية وَاحِدَة، وَالصَّحِيح الْفرق بَينهمَا، كَمَا ذكرنَا، فعلى هَذَا وَجه الْمُطَابقَة من حَيْثُ إِلْحَاق الرَّايَة باللواء فِي كَونهمَا للنَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الرشاطي: الرَّايَات إِنَّمَا كَانَت بِخَيْبَر، وَإِنَّمَا كَانَت

стр. 4252

الألوية قيل، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَلَا يمسك اللِّوَاء إلَاّ صَاحب الْجَيْش، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم، مر فِي الْوضُوء وَالْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، وَالزُّبَيْر بن الْعَوام. قَوْله: هَهُنَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْحجُون، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الْجِيم الْخَفِيفَة: وَهُوَ الْجَبَل المشرف مِمَّا يَلِي شعب الجزارين بِمَكَّة، والْحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث أوردهُ البُخَارِيّ فِي غَزْوَة الْفَتْح. قَالَ الْمُهلب: فِيهِ: أَن الرَّايَة لَا يركزها إلَاّ بِإِذن الإِمَام لِأَنَّهَا ولَايَة عَن الإِمَام ومكانه، فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَصَرَّف فِيهَا إلَاّ بأَمْره، وَمِمَّا يدل على أَنَّهَا ولَايَة. قَوْله، ﷺ : أَخذ الرَّايَة، زيد فأصيب، ثمَّ أَخذهَا خَالِد بن الْوَلِيد من غير أَمر، فَفتح لَهُ فَهَذَا نَص فِي ولايتها. ٠٢١ - (بابُ الأجِيرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَجِير فِي الْغَزْو هَل يُسهم لَهُ أم لَا؟ وَوَقع هَذَا الْبَاب فِي رِوَايَة بَعضهم قبل: بَاب مَا قيل فِي لِوَاء النَّبِي، ﷺ . وقالَ الحَسَنُ وابنُ سِيرينَ يُقْسَمُ لِلأجِيرِ مِنَ المَغْنَمِ أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَنْهُمَا بِلَفْظ: (يُسهم للْأَجِير) ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَنْهُمَا بِلَفْظ: العَبْد والأجير إِذا شَهدا الْقِتَال أعطيا من الْغَنِيمَة. وَقَالَ الثَّوْريّ: لَا يُسهم للْأَجِير إلَاّ إِذا قَاتل، وَإِذا اُسْتُؤْجِرَ لِيُقَاتل لَا يُسهم لَهُ عِنْد الْحَنَفِيَّة والمالكية، وَقَالَ غَيرهم: يُسهم لَهُ، وَقَالَ أَحْمد: لَو اسْتَأْجر الإِمَام قوما على الْغَزْو لم يُسهم لَهُم غير الْأُجْرَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: هَذَا فِيمَن لم يجب عَلَيْهِ الْجِهَاد، وَأما الْحر الْبَالِغ الْمُسلم إِذا حضر الصَّفّ فَإِنَّهُ يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْجِهَاد فيسهم لَهُ، وَلَا تجب الْأُجْرَة. وأخذَ عَطِيَّةُ بنُ قَيْسٍ فرَساً علَى النِّصْفِ فبَلَغَ سَهْمُ الفرَسِ أرْبَعْمائَةِ دِينارٍ فأخذَ مائَتَيْنِ وأعْطَى صاحِبَهُ مِائَتَيْنِ عَطِيَّة بن قيس الكلَاعِي أَبُو يحيى الْحِمصِي، وَيُقَال: الدِّمَشْقِي، وَقَالَ أَبُو مسْهر: كَانَ مولد عَطِيَّة بن قيس فِي حَيَاة رَسُول الله، ﷺ فِي سنة سبع، وغزا فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَتُوفِّي سنة عشر وَمِائَة. وَقيل: كَانَ من التَّابِعين، وَكَانَ لِأَبِيهِ صُحْبَة، وَهَذَا الَّذِي فعله عَطِيَّة لَا يجوز عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، لِأَنَّهَا إِجَارَة مَجْهُولَة، فَإِذا وَقع مثل هَذَا كَانَ لصَاحب الدَّابَّة كِرَاء مثلهَا، وَمَا أصَاب الرَّاكِب فِي الْمغنم فَلهُ، وَأَجَازَ الْأَوْزَاعِيّ، وَأحمد أَن يعْطى فرسه على النّصْف فِي الْجِهَاد. ٣٧٩٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطاءٍ عنْ صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ غزَوْتُ مَعَ رَسولِ الله ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَحَمَلْتُ علَى بَكْرٍ فَهْوَ أوْثَقُ أعْمَالِي فِي نَفْسِي فاسْتَأجَرْتُ أجِيراً فقاتَلَ رَجُلاً فَعَضَّ أحَدُهُمَا الآخرَ فانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ ونَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فأهْدَرَهَا فقَالَ أيَدْفَعُ يدَهُ إلَيْكَ فتَقْضَمُهَا كَما يَقْضَمُ الْفَحْلُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاستأجرت أَجِيرا) . وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَصَفوَان بن يعلى بن أُميَّة التَّمِيمِي أَو التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف على وزن يرضى: ابْن أُميَّة، وَيُقَال: ابْن منية، وَهِي أمه، وَكَانَ عَامل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على نَجْرَان، عداده فِي أهل مَكَّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِجَارَة فِي: بَاب الْأَجِير فِي الْغَزْو. قَوْله: (فأهدرها) أَي: أسقطها، وَيُقَال: هدر السُّلْطَان دم فلَان أَي: أَبَاحَهُ، وأهدره أَيْضا. قَوْله: (يقضمها) أَي: يمضغها كَمَا يمضغ الْفَحْل مَا يَأْكُلهُ، يُقَال: قضمت الدَّابَّة بِالْكَسْرِ شعيرها تقضمه إِذا أَكلته، وَقَالَ الدَّاودِيّ: تقضمها تقطعها، قَالَ: والفحل هُنَا الْجمل.

стр. 4253

٢٢١ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من قَول النَّبِي ﷺ : (نصرت بِالرُّعْبِ) ، أَي: بالخوف. قَوْله: (مسيرَة شهر) ، أَي: مَسَافَة شهر. وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة: شهرا أَو شَهْرَيْن، وَمن رِوَايَته أَيْضا من حَدِيث السَّائِب بن يزِيد: (شهرا أَمَامِي وشهراً خَلْفي) ، وَخص بالشهرين لِأَن الله تَعَالَى خص نَبينَا ﷺ بخصائص لم يشركها غَيره، فَكَانَ الرعب فِي هَذِه الْمدَّة، وَإِن حصل لِسُلَيْمَان، ﵇، فِي الرّيح ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ (سبأ: ٢١) . وَنصر الله تَعَالَى إِيَّاه بِالرُّعْبِ مِمَّا خصّه الله بِهِ، وفضله وَلم يؤته أحدا غَيره. فَإِن قلت: لم اقْتصر هَهُنَا على الشَّهْر؟ قلت: لِأَنَّهُ لم يكن بَينه وَبَين الممالك الْكِبَار أَكثر من ذَلِك: كالشام وَالْعراق ومصر واليمن، فَإِن بَين الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَبَين وَاحِدَة من هَذِه الممالك شهرا ودونه. وقوْلِهِ جَلَّ وعَزَّ ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أشْرَكُوا بِاللَّه﴾ (آل عمرَان) : ١٥١) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: قَول النَّبِي ﷺ ، وَمن معجزاته وخصائصه ﷺ الرعب الَّذِي أَلْقَاهُ الله تَعَالَى فِي قُلُوب الْكفَّار بِسَبَب مَا أشركوا بِاللَّه، وَلِهَذَا جعل الله لَهُ الْفَيْء بضعه حَيْثُ يَشَاء، لِأَنَّهُ وصل إِلَيْهِ من قبل الرعب الَّذِي فِي قُلُوبهم مِنْهُ، والفيء: كل مَال لم يوجف عَلَيْهِ بخيل وَلَا ركاب، وَهُوَ مَا خلا عَنهُ أَهله وتركوه من أجل الرعب، وَكَذَا مَا صَالحُوا عَلَيْهِ من جِزْيَة أَو خراج من وُجُوه الْأَمْوَال. قَالَ جابِرٌ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: قَالَ جَابر بن عبد الله حَدِيث: (نصرت بِالرُّعْبِ) ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أخرجه مَوْصُولا فِي أول كتاب التَّيَمُّم من حَدِيث يزِيد الْفَقِير، قَالَ: أخبرنَا جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَعْطَيْت خمْسا لم يعطهنَّ أحد قبلي: نصرت بِالرُّعْبِ، مسيرَة شهر) الحَدِيث. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كثير من النَّاس يخَافُونَ من الْمُلُوك من مَسَافَة شهر! قلت: هَذَا لَيْسَ بِمُجَرَّد الْخَوْف بل بالنصرة وَالظفر بالعدو. ٧٧٩٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ بُعِثْتُ بِجَوَامِع الكَلِمِ ونُصِرْت بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرْضِ فوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ وقدْ ذَهَبَ بالرُّعْب فبَيْنَا أنَا نَائِمٌ أُتيتُ رسولَ الله ﷺ وأنْتُمْ تَنْتَثِلُونَها.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نصرت بِالرُّعْبِ) . وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن سعيد ابْن عفير. قَوْله: (بجوامع الْكَلم) ، قَالَ ابْن التِّين: جَوَامِع الْكَلم الْقُرْآن لِأَنَّهُ يَقع فِيهِ الْمعَانِي الْكَثِيرَة بالألفاظ القليلة، وَكَذَلِكَ يَقع فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة الْكثير من ذَلِك. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ إيجاز الْكَلَام فِي إشباع الْمعَانِي. قلت: الْإِضَافَة فِي: جَوَامِع الْكَلم، من إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، هِيَ: الْكَلِمَة الموجزة لفظا المتسعة معنى، يَعْنِي: يكون اللَّفْظ قَلِيلا وَالْمعْنَى كثيرا. وَقَالُوا: فِيهِ الْحَث على اسْتِخْرَاج تِلْكَ الْمعَانِي وتبيين تِلْكَ الدقائق المودعة فِيهَا. وَقَالَ ابْن شهَاب، فِيمَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ: بَلغنِي أَن جَوَامِع الْكَلم: أَن الله تَعَالَى يجمع لَهُ الْأُمُور الْكَثِيرَة الَّتِي كَانَت تكْتب فِي الْكتب قبله فِي الْأَمر الْوَاحِد أَو الْأَمريْنِ أَو نَحْو ذَلِك، قَوْله: (فَبينا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون بِالْألف، وَهِي تُضَاف إِلَى الْجُمْلَة: (وأتيت) جَوَاب على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بمفاتيح خَزَائِن الأَرْض) ، قَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يُرِيد بِهَذَا مَا فتح الله لأمته بعده فغنموه واستباحوا خَزَائِن الْمُلُوك المدخرة، وَهُوَ مَا جزم بِهِ ابْن بطال، وَقَالَ: يحْتَمل أَن يُرِيد الأَرْض الَّتِي فِيهَا الْمَعَادِن، وَلَا شكّ أَن الْعَرَب كَانَت أقل النَّاس وَأَقل الْأُمَم أَمْوَالًا، فبشرهم بِأَن أَمْوَال كسْرَى وَقَيْصَر تصير إِلَيْهِم وهم الَّذين يملكُونَ الخزائن، وَهَكَذَا وَقعت. قَوْله: (تنتثلونها) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْأُخْرَى كَذَلِك وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة، على وزن تفتعلونها من بَاب الافتعال وَمَعْنَاهُ: تستخرجونها من موَاضعهَا، وثلاثيه من: تثلث الْبِئْر وانتلثها إِذا استخرجت ترابها، وَكَذَلِكَ

стр. 4254

نثلث كِنَانَتِي إِذا استخرجت مَا فِيهَا من النبل، وَقيل: النثل ترك شَيْء بِمرَّة وَاحِدَة، وَفِي (التَّوْضِيح) وَفِي رِوَايَة: وَأَنْتُم ترغثونها أَي: تستخرجون درها وترضعونها، وَمعنى الحَدِيث أَنه ﷺ ذهب وَلم ينل مِنْهَا شَيْئا، بل قسم مَا أدْرك مِنْهَا بَيْنكُم وآثركم بهَا، ثمَّ أَنْتُم تنتثلونها على حسب مَا وَعدكُم. ٨٧٩٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أخْبَرَهُ أنَّ أبَا سُفْيَانَ أخْبَرَهُ أنَّ هِرَقْلَ أرْسَلَ إلَيْهِ وهُمْ بإيلياءَ الله ﷺ فلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ كثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ فارْتَفَعَتْ ثُمَّ دَعَا بِكِتابِ رَسُول الأصْوَاتُ وأُخْرِجْنَا فقُلْتُ لأِصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أمَرَ أمْرُ ابنِ أبِي كَبْشَةَ إنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّه يخافه ملك بني الْأَصْفَر) ، وَقيل: مُنَاسبَة دُخُول حَدِيث أبي سُفْيَان فِي هَذَا الْبَاب هَذِه اللَّفْظَة، لِأَن بَين الْحجاز وَالشَّام مسيرَة شهر أَو أَكثر، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث بِطُولِهِ فِي بَدْء الْوَحْي فِي أول الْكتاب. ٣٢١ - (بابُ حَمْلِ الزَّادِ فِي الغَزْوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز حمل الزَّاد فِي الْغَزْو، وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّل. وَقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) . وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: (حمل الزَّاد) ، روى النَّسَائِيّ عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ نَاس يحجون بِغَيْر زادٍ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) . وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، قَالَ: كَانَ نَاس من أهل الْيمن يحجون وَلَا يتزودون وَيَقُولُونَ: نَحن المتوكلون، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) . وَلما أَمرهم بالزاد للسَّفر فِي الدُّنْيَا أرشدهم إِلَى زَاد الْآخِرَة واستصحاب التَّقْوَى إِلَيْهَا. ٩٧٩٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ قَالَ أخبَرَنِي أبِي وحدَّثَتْنِي أَيْضا فاطِمَةُ عنْ أسْمَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ صَنَعْتُ سُفْرَةَ رسولِ الله ﷺ فِي بَيْتِ أبِي بَكْرٍ حينَ أرَادَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى المَدِينَةِ قالَتْ فَلَمْ تَجِدْ لِسُفْرَتِهِ ولَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبُطُهُمَا بِهِ فَقُلْتُ لأِبِي بَكْر وَالله ماأجِدُ بِهِ إلَاّ نِطَاقِي قَالَ فَشُقِّيهِ باثْنَيْنِ فارْبُطِيهِ بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وبالآخَرِ السُّفْرَةَ فَفَعَلْتُ فلِذَلِكَ سُمِّيتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلم نجد لسفرته وَلَا لسقائه مَا نربطهما بِهِ) فَإِنَّهُ يدل على حمل الزَّاد لأجل السّفر. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ سفر الْغَزْو، فَأَيْنَ الْمُطَابقَة؟ قلت: قَاس سفر الْغَزْو عَلَيْهِ. وَعبيد، بِضَم الْعين مصغر عبد: ابْن إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل، عبد الله، يكنى: أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَفَاطِمَة هِيَ بنت الْمُنْذر زَوْجَة هِشَام، وَأَسْمَاء هِيَ بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هِجْرَة النَّبِي ﷺ عَن عبد الله بن أبي شيبَة، وَإِنَّمَا قَالَ هِشَام فِي رِوَايَته عَن أَبِيه: أَخْبرنِي، وَفِي رِوَايَته عَن زَوجته فَاطِمَة: حَدَّثتنِي، لِأَنَّهُ سمع من فَاطِمَة وَقَرَأَ على الْوَالِد، أَو للتفنن والاحتراز عَن التّكْرَار.

стр. 4255

قَوْله: (سفرة) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة، قَالَ ابْن الْأَثِير: السفرة طَعَام يَتَّخِذهُ الْمُسَافِر، وَأكْثر مَا يحمل فِي جلد مستدير، فَنقل اسْم الطَّعَام إِلَى الْجلد وَسمي بِهِ، كَمَا سميت المزادة راوية، وَغير ذَلِك من الْأَسْمَاء المنقولة. قَوْله: (وَلَا لسقائه) ، بِكَسْر السِّين، وَهُوَ ظرف المَاء من الْجلد، وَيجمع على: أسقية، والسقاية إِنَاء يشرب فِيهِ. قَوْله: (إلَاّ نطاقي) ، بِكَسْر النُّون، وَهُوَ: شقة تلبسها الْمَرْأَة. قَالَ ابْن الْأَثِير: النطاق هُوَ أَن تلبس الْمَرْأَة ثوبها ثمَّ تشد وَسطهَا بِشَيْء وترفع وسط ثوبها وترسله على الْأَسْفَل عِنْد معاناة الأشغال، لِئَلَّا تعثر فِي ذيلها، وَبِه سميت أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ذَات النطاقين، وَقيل: لِأَنَّهَا كَانَت تطارق نطاقاً فَوق نطاق، وَقيل: كَانَ لَهَا نطاقان تلبس أَحدهمَا وَتحمل فِي الآخر الزَّاد إِلَى النَّبِي ﷺ وَأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وهما فِي الْغَار، وَقيل: شقَّتْ نطاقها نِصْفَيْنِ فاستعملت أَحدهمَا وَجعلت الآخر شداداً لزادهما. قَوْله: (فَلذَلِك سميت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، ويروى على صِيغَة الْمُتَكَلّم على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. ٠٨٩٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ أَخْبرنِي عَطَاءٌ قَالَ سَمِعَ جابِرَ بنَ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأضَاحِي علَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كُنَّا نتزود) إِلَى آخِره، وَقد ذكرنَا فِي مُطَابقَة الحَدِيث الْمَاضِي أَنه قَاس سفر الْغَزْو عَلَيْهِ، وَهَهُنَا كَذَلِك. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله أَيْضا فِي الْأَضَاحِي وَفِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَضَاحِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَشْيَاء: الأول: فِيهِ دَلِيل على مَشْرُوعِيَّة التزود فِي السّفر مُطلقًا. وَفِيه: رد على مَا يَدعِيهِ أهل البطالة من الصُّوفِيَّة والمخرفة على النَّاس باسم التَّوَكُّل وَترك التزود. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز التزود من لُحُوم الْأَضَاحِي، وروى مُسلم من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ أَنه: نهى عَن أكل لُحُوم الْأَضَاحِي بعد ثَلَاث، ثمَّ قَالَ بعد: كلوا وتزودوا وَادخرُوا. الثَّالِث فِيهِ: جَوَاز الْأكل من لُحُوم الْأَضَاحِي وَلَو كَانَ المضحي غَنِيا، لِأَن التزود يسْتَلْزم الْأكل عَادَة. ١٨٩٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ أخبرَنِي بُشَيْرُ ابنُ يَسارٍ أنَّ سُوَيْدَ بنَ النُّعْمَانِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخْبَرَهُ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عامَ خَيْبَرَ حتَّى إذَا كانُوا بالصَّهْبَاءِ وهْيَ مِنْ خَيْبَرَ وهْيَ أدْنَى خَيْبَرَ فَصَلُّوا العَصْرَ فدَعَا النبيُّ ﷺ بالأطْعِمَةِ فَلَمْ يُؤْتَ النبيُّ ﷺ إلَاّ بِسَوِيقٍ فَلُكْنا فأكَلْنَا وشَرِبنَا ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ ﷺ فَمَضْمَضَ ومَضْمَضْنَا وصَلَّيْنَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من موضِعين: الأول: من قَوْله: (فَدَعَا النَّبِي ﷺ بالأطعمة) فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ مَعَهم الزَّاد. وَالثَّانِي: من قَوْله: (إِلَّا بسويق) وَهَذَا زَاد كَانَ مَعَهم، وهم فِي الْغَزْو، وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن يسَار ضد الْيَمين والْحَدِيث مر فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من مضمض من السويق، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فلكنا) بِضَم اللَّام وَسُكُون الْكَاف، يُقَال: لكت اللُّقْمَة ألوكها فِي فمي لوكاً، والسويق: دَقِيق الْقَمْح المقلو أَو الشّعير أَو الذّرة أَو الدخن. ٢٨٩٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مَرْحُومٍ قَالَ حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ خَفَّتْ أزْوَادُ النَّاسِ وأمْلَقُوا فأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ

стр. 4256

إبِلِهِمْ فأذِنَ لَهُمْ فلَقِيَهُمْ عُمَرُ فأخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا بَقَاؤكُمْ بَعْدَ إبِلِكُمْ فدَخَلَ عُمَرُ علَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله مَا بَقاؤهُمْ بَعْدَ إبِلِهِمْ قَالَ رسولُ الله ﷺ نادِ فِي النَّاسِ يأتُونَ بِفَضْلِ أزْوَادِهمْ فدَعا وبَرَّكَ علَيْهِ ثُمَّ دَعاهُمْ بأوْعِيَتِهِمْ فاحْتَثَى النَّاسُ حتَّى فرَغُوا ثُمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ أشْهَدُ أنْ لَا إلاه إلَاّ الله وأنِّي رَسُولُ الله. (انْظُر الحَدِيث ٤٨٤٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خفَّت أزواد النَّاس) وَكَذَا فِي قَوْله: (بِفضل أَزْوَادهم) وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مَرْحُوم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَقد مر فِي البيع وَهُوَ من أَفْرَاده، و: خَاتم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، وَيزِيد من الزِّيَادَة مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، يروي عَن مَوْلَاهُ، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب الشّركَة فِي الطَّعَام، بِعَين هَذَا الإساد والمتن، وَفِيه بعض زِيَادَة. قَوْله: (وأملقوا) أَي: افتقروا، وَالْمعْنَى هُنَا: فني زادهم. قَوْله: (فِي نحر إبلهم) أَي: بِسَبَب نحر إبلهم، وَفِيه حذف تَقْدِيره: فاستأذنوه فِي نحر إبلهم. قَوْله: (مَا بقاؤهم بعد إبلهم) أَي: بعد نحر إبلهم، يُشِير بذلك إِلَى غَلَبَة الهلكة على الراجل. قَوْله: (يأْتونَ) قَالَ بَعضهم: أَي فهم يأْتونَ، فَلذَلِك رَفعه. قلت: كَونه حَالا أوجه على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وبرك) ، بِالتَّشْدِيدِ أَي: دَعَا بِالْبركَةِ. قَوْله: (عَلَيْهِ) ، أَي: على الطَّعَام، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: عَلَيْهِم. قَوْله: (فاحتثى النَّاس) ، من الاحتثاء من الحثي، بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ الحفن بِالْيَدِ. قَوْله: (قَالَ رَسُول الله، ﷺ إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن ظُهُور المعجزة مِمَّا يُؤَيّد الرسَالَة، لِأَن المعجزات مُوجبَات للشهادات على صدق الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَفِيه: حسن خلق رَسُول الله ﷺ وإجابته إِلَى مَا يلْتَمس مِنْهُ أَصْحَابه وإجراؤهم على الْعَادة البشرية فِي الِاحْتِيَاج إِلَى الزَّاد فِي السّفر. وَفِيه: منقبة ظَاهِرَة لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دَالَّة على يقينه بإجابة دُعَاء رَسُول الله، ﷺ ، وعَلى حسن نظره للْمُسلمين، وَقَالَ ابْن بطال: استنبط مِنْهُ بعض الْفُقَهَاء أَنه يجوز للْإِمَام فِي الغلاء إِلْزَام مَا عِنْده من فَاضل قوته أَن يُخرجهُ للْبيع لما فِي ذَلِك من صَلَاح النَّاس. ٤٢١ - (بابُ حَمْلِ الزَّادِ علَى الرِّقَابِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من حمل الزَّاد على الرّقاب عِنْد تعذر حمله على الدَّوَابّ. ٣٨٩٢ - حدَّثني صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قَالَ أخْبَرَنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ وهْبِ بنِ كَيْسانَ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ خَرَجْنَا ونَحْنُ ثَلَثُمِائَةٍ نَحْمِلُ زَادَنَا علَى رِقَابِنَا فَفَنِدَ زَادُنا حتَّى كَانَ الرُّجُلُ مِنَّا يأكُلُ فِي كلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً قَالَ رَجُلٌ يَا أبَا عَبْدِ الله وأيْنَ كاَنَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرُّجُلِ قَالَ لَقَدْ وَجَدْنا فَقْدَها حِينَ فَقَدْنَاهَا حتَّى أتَيْنا البَحْرَ فإذَا حُوتٌ قَدْ قَذَفَهُ البَحْرُ فأكَلْنَا مِنْهَا ثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمَاً مَا أحْبَبْنا.. وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة فِي قَوْله: (وَنحن ثَلَاثمِائَة نحمل زادنا على رقابنا) . وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان، قد مر فِي الصَّلَاة وَهِشَام بن عُرْوَة، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَفِي بعض النّسخ: أَبوهُ مَذْكُور مَعَه. والْحَدِيث مر فِي أول: بَاب الشّركَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن وهب بن كيسَان ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لقد وجدنَا فقدها) أَي: حزَّنا على فقدها يُقَال: وجد عَلَيْهِ يجد وجدا وموجدة: إِذا حزن، وَوجد الشَّيْء يجده وجداناً: إِذا لقِيه. قَوْله: (مَا أحببنا) ، أَي: مَا اشتهينا.

стр. 4257

٥٢١ - (بابُ إرْدَافِ المَرْأةِ خَلْفَ أخِيها) أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من جَوَاز إرداف الْمَرْأَة خلف أَخِيهَا، يُقَال: أردفته إردافاً: إِذا أركبته مَعَك، والردف، بِكَسْر الرَّاء، المرتدف: وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب. ٤٨٩٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قَالَ حدَّثنا أبُو عاصِمٍ قَالَ حدَّثنا عُثْمانُ ابنُ الأسْوَدِ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّهَا قالَتْ يَا رسولَ الله يَرْجِعُ أصْحَابُكَ بأجْرِ حَجٍّ وعُمْرَةٍ ولَمْ أزِدْ علَى الحَجِّ فقالَ لَهَا اذْهَبِي ولْيُرْدِفْكِ عبدُ الرَّحْمانِ فأمَرَ عبْدَ الرَّحْمانِ أنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ فانْتَظَرَهَا رسولُ الله ﷺ بِأعْلَى مَكَّةَ حَتَّى جاءَتْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إذهبي وليردفك عبد الرَّحْمَن) ، وَهُوَ أَخُوهَا ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل، واسْمه الضَّحَّاك وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ يروي عَنهُ كثيرا بِدُونِ الْوَاسِطَة، وَعُثْمَان بن الْأسود الحَجبي، مر فِي الشّركَة، وَابْن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: هُوَ عبد الله ابْن عبيد الله بن أبي مليكَة، وَاسم أبي مليكَة زُهَيْر، وَقد تكَرر ذكره، وَقد مضى الْبَحْث فِيهِ فِي: بَاب الْعمرَة لَيْلَة الحصبة، وَفِي: بَاب عمْرَة التَّنْعِيم، وَفِي كتاب الْحيض أَيْضا. قَوْله: (وليردفك) ، بِضَم الْيَاء: من الإرداف، وَقد مر مَعْنَاهُ. قَوْله: (أَن يعمرها) أَي: بِأَن يعمرها بِضَم الْيَاء من الإعمار. قَوْله: (من التَّنْعِيم) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون النُّون: مَوضِع من جِهَة الشَّام على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة شرفها الله، . ٥٨٩٢ - حدَّثني عَبْدُ الله قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ عنْ عَمْرِو بنِ أوْسٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ أمَرَنِي النبِيُّ ﷺ أنْ أُرْدِفَ عائِشَةَ وأُعْرَهَا مِنَ التَّنْعِيم. (انْظُر الحَدِيث ٤٧٧١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن أَوْس، مضى فِي التَّهَجُّد. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج، وَقد مضى شَرحه هُنَاكَ. ٦٢١ - (بابُ الإرْتِدَافِ فِي الغَزْوِ والحَجِّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الارتداف فِي الْغَزْو، أَي: فِي سفرة الْغُزَاة وسفرة الْحَج. ٦٨٩٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنْتُ رَدِيفَ أبي طَلْحَةَ وإنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعاً الحَجِّ والعُمْرَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيُقَاس الْغَزْو على الْحَج، وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي. وَحَدِيث أنس هَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي الْحَج مقطعاً فِي مَوَاضِع. قَوْله: (ليصرخون) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، ويصرخون أَي: يرفعون أَصْوَاتهم بهما، أَي: يرفعون أَصْوَاتهم بهما، أَي: بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة جَمِيعًا. قَوْله: (الْحَج وَالْعمْرَة) بِالْجَرِّ بدل من الضَّمِير، وَيجوز بِالنّصب على الِاخْتِصَاص، وبالرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَحدهمَا الْحَج وَالْآخر الْعمرَة. ٧٢١ - (بابُ الرِّدْفِ عَلَى الحِمارِ) أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من الردف على الْحمار، والردف بِكَسْر الرَّاء المرتدف، وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب. ٧٨٩٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو صَفْوَانَ عنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ

стр. 4258

عَن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسوُلَ الله ﷺ رَكِبَ علَى حِمَارٍ علَى إكَافٍ علَيْهِ قَطِيفَةٌ وأرْدَفَ أُسَامَةَ ورَاءَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ ركُوب النَّبِي ﷺ ، الْحمار وإردافه أُسَامَة وَأَبُو صَفْوَان عبد الله بن سعيد الْأمَوِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن قُتَيْبَة عَن أبي صَفْوَان، وَفِي التَّفْسِير وَفِي الْأَدَب عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَفِي الطِّبّ عَن يحيى بن بكير عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَفِي الاسْتِئْذَان عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن رَافع وَعبد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن هِشَام بن عمار. قَوْله: (على إكاف) بِكَسْر الْهمزَة، وَيُقَال فِيهِ: وكاف، بِدَلِيل: أوكفت الدَّابَّة، وَيجمع على: أكف. قَوْله: (قطيفة) ، وَهِي دثار مخمل. وَفِيه: تواضع النَّبِي ﷺ ، من وُجُوه ركُوبه الْحمار وركوبه على قطيفة وإردافه الْغُلَام. وَفِيه: الْبَيَان أَنه النَّبِي ﷺ ، مَعَ مَحَله من الله، ، منزلَة لم يكن يرفع نَفسه على الردف على الدَّابَّة، وَكَانَ يردف لنتأسى بِهِ فِي ذَلِك أمته، فَلَا يأنفوا مِمَّا لم يكن يأنف مِنْهُ رَسُول الله، ﷺ ، وَلَا يستنكف مِنْهُ مِمَّا لم يستنكف. وَفِيه: فضل أُسَامَة. ٨٨٩٢ - حدَّثني يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثَنا اللَّيْثُ قَالَ يُونُسُ أخْبَرَنِي نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسوُلَ الله ﷺ أقْبَلَ يَوْمَ الفَتْحِ مِنْ أعْلَى مَكَّةَ علَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفاً أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ ومَعَهُ بِلالٌ ومَعَهُ عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ مِنَ الحَجَبَةِ حتَّى أنَاخَ فِي المَسْجِدِ فأمَرَهُ أنْ يأتِي بِمِفْتَاحِ البَيْتِ ففَتَحَ ودَخَلَ رسولُ الله ﷺ ومَعَهُ أُسَامَةُ وبِلالٌ وعُثْمَانُ فمَكَثَ فِيهَا نَهَاراً طَوِيلاً ثُمَّ خَرَجَ فاسْتَبَقَ النَّاسُ وكانَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أوَّلَ منْ دَخَلَ فوَجَدَ بِلالاً ورَاءَ البَابِ قائِماً فسَألَهُ أيْنَ صَلَّى رسوُلُ الله ﷺ فأشَارَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي صلَّى فيهِ. قَالَ عَبْدُ الله فنَسِيتُ أنْ أسْألَهُ كَمْ صلَّى مِنْ سَجْدَةٍ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مردفاً أُسَامَة بن زيد) فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي الردف على الْحمار، وَهنا الردف على الرَّاحِلَة؟ قلت: كِلَاهُمَا فِي نفس الارتداف سَوَاء، وَالْفرق فِي الدَّابَّة وتواضعه ﷺ فِي إردافه على الْحمار أقوى وَأعظم من إردافه على الرَّاحِلَة، فَيلْحق هَذَا بِذَاكَ. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي. وَقَالَ اللَّيْث: قَوْله: (من الحجبة؟) ، جمع الْحَاجِب، أَي: حجبة الْكَعْبَة وسدنتها وبيدهم مفتاحها. قَوْله: (فَفتح) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَأتى بالمفتاح فَفتح بِهِ الْكَعْبَة. قَوْله: (فَاسْتَبق النَّاس) أَي: فتسابقوا. قَوْله: (أَيْن صلى؟) قد سبق الْكَلَام فِي الصَّلَاة بَين من أثبت ثلاته ﷺ وَبَين من نفاها. ٨٢١ - (بابُ مَنْ أخذَ بالرِّكَابِ ونَحْوِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أَخذ بالركاب أَي: بركاب الرَّاكِب. قَوْله: (وَنَحْوه) ، مثل الْإِعَانَة على الرّكُوب وتعديل قماشه وَنَحْو ذَلِك، فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء من الْفَضَائِل، وَقد أَخذ ابْن عَبَّاس بركاب زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقَالَ لَهُ: لَا تفعل يَا ابْن عَم رَسُول الله، ﷺ فَقَالَ: هَكَذَا أمرنَا أَن نَفْعل بعلمائنا، فَأخذ زيد بن عَبَّاس فقبلها، فَقَالَ لَهُ: لَا تفعل، فَقَالَ: هَكَذَا أمرنَا أَن نَفْعل بآل رَسُول الله، ﷺ .

стр. 4259

٩٨٩٢ - حدَّثني إسْحَاقُ قَالَ أخبرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخْبرنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ علَيْهِ صَدَقَةٌ ويُعِينُ الرَّجُلَ عَلى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ علَيْهَا أوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا متَاعَهُ صَدَقَةٌ والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وكُلُّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ ويُمِيطُ الأذَى عنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ. (انْظُر الحَدِيث ٧٠٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويعين الرجل على دَابَّته فَيحمل عَلَيْهَا) ، فَإِن إِعَانَة الرجل تتَنَاوَل أَخذه بالركاب وَغَيره. وَإِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، أَو إِسْحَاق بن نصر، وَهُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر النجاري، لِأَن هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر فِي الْمَوْضِعَيْنِ. أَحدهمَا: فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب فضل الْإِصْلَاح بَين النَّاس حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق أخبرنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (كل سلامي من النَّاس) الحَدِيث. وَالْآخر: فِي الْجِهَاد فِي: بَاب فضل من حمل مَتَاع صَاحبه فِي السّفر، حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن نصر حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (كل سلامي عَلَيْهِ صَدَقَة) الحَدِيث. وَعين هُنَا نِسْبَة إِسْحَاق حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنى إِسْحَاق بن نصر، وَهُنَاكَ قَالَ فِي أَكثر النّسخ: حَدثنَا إِسْحَاق مُجَردا من غير نِسْبَة، وَفِي بعض النّسخ، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَالَّذِي يظْهر من مُغَايرَة الْمُتُون أَن المُرَاد بِإسْحَاق هُنَا هُوَ إِسْحَاق بن مَنْصُور، وكل من إسحاقين هذَيْن يروي عَن عبد الرَّزَّاق، وَقد مضى الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورين، ونعيد الْكَلَام هُنَا تكثيراً للفائدة. فَقَوله: (كل سلامي) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ. وَقَوله: (عَلَيْهِ صَدَقَة) ، جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خبر للمبتدأ الأول. قَوْله: (عَلَيْهِ) ، كَانَ الْقيَاس فِيهِ أَن يُقَال: عَلَيْهَا، لِأَن السلَامِي مُؤَنّثَة، وَلَكِن هُنَا جَاءَ على وفْق لفظ: كل، أَو ضمن لفظ: سلامي، معنى الْعظم أَو الْمفصل، فَأَعَادَ الضَّمِير عَلَيْهِ لذَلِك، والسلامي، بِضَم السِّين وَتَخْفِيف اللَّام مَقْصُور: وَهُوَ عظم الْأَصَابِع. قَوْله: (كل يَوْم) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (يعدل) ، أَي: يصلح بِالْعَدْلِ، وَهُوَ مُبْتَدأ تَقْدِيره: أَن يعدل مثل قَوْله: وَتسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ. قَوْله: (أَو يرفع عَلَيْهَا) ، شكّ من الرَّاوِي أَو للتنويع. قَوْله: (وكل خطْوَة يخطوها إِلَى الصَّلَاة صَدَقَة) ، أَي: يرفع لَهُ بهَا دَرَجَة ويحط عَنهُ خَطِيئَة، وَلِهَذَا حث الشَّارِع على كَثْرَة الخطى إِلَى الْمَسَاجِد وَترك الْإِسْرَاع فِي السّير إِلَيْهِ. قَوْله: (وتميط الْأَذَى) ، أَي: تزيل، يُقَال: مَاطَ الرجل الشَّيْء يميطه ميطاً وإماطة إِذا أزاله، وَيُقَال: أماط الله عَنْك الْأَذَى إِذا دَعَوْت بزواله، قَالَه الْقَزاز، وَهُوَ قَول الْكسَائي، وَأنْكرهُ الْأَصْمَعِي، وَقَالَ: مطيته أَنا وأمطيت غَيْرِي، فَافْهَم. ٩٢١ - (بابُ كَرَاهِيَةِ السَّفَرِ بالْمَصَاحِفِ إِلَى أرْضِ العَدُوِّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة السّفر ... إِلَى آخِره، وَلَفظ كَرَاهِيَة غير مَوْجُودَة إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. وَقَالَ بَعضهم: الْمُسْتَمْلِي أثبت فِي رِوَايَته لفظ: كَرَاهِيَة، وبثبوتها ينْدَفع الْإِشْكَال الْآتِي. قلت: أَرَادَ بالإشكال مَا قَالَه ابْن بطال: إِن تَرْتِيب هَذَا الْكتاب وَقع فِيهِ غلط من النَّاسِخ، وَأَن الصَّوَاب أَن يقدم حَدِيث مَالك قبل قَوْله: وَكَذَلِكَ يروي عَن مُحَمَّد بن بشر إِلَى آخِره انْتهى. قلت: إِنَّمَا قَالَ ابْن بطال مَا قَالَه بِنَاء على أَن التَّرْجَمَة: بَاب السّفر بالمصاحف إِلَى أَرض الْعَدو، وَكَذَلِكَ هِيَ عِنْد أَكثر الروَاة. بَيَان وَجه استشكاله أَن قَوْله: كَذَلِك يرْوى عَن مُحَمَّد بن بشر، يَقْتَضِي تقدم شَيْء حَتَّى يشار إِلَيْهِ بقوله: كَذَلِك، وَلم يتَقَدَّم شَيْء وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: وَمَا ادَّعَاهُ ابْن بطال من الْغَلَط مَرْدُود، لِأَنَّهُ أَشَارَ بقوله إِلَى لفظ التَّرْجَمَة كَمَا بَينته من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قلت: لم يكن مَا قَالَه على مَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَلِأَن التَّقْدِير على رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب السّفر بالمصاحف إِلَى أَرض الْعَدو وَهل يكره أم لَا؟ فَلَا يَسْتَقِيم قَوْله: وَكَذَلِكَ، يرْوى عَن مُحَمَّد بن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، على مَا لَا يخفى على المتأمل. وكذَلِكَ يُرْوَى عنْ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 4260

وَكَذَلِكَ أَي: كالمذكور فِي التَّرْجَمَة من كَرَاهِيَة السّفر بالمصاحف إِلَى أَرض الْعَدو يرْوى عَن مُحَمَّد بن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الفرافصة أَبُو عبد الله الْعَبْدي من عبد الْقَيْس الْكُوفِي، وَعبيد الله بن عبد الله ابْن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَرِوَايَة مُحَمَّد بن بشر هَذِه وَصلهَا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده عَنهُ، وَلَفظه: كره رَسُول الله، ﷺ أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو، وَأَرَادَ بِالْقُرْآنِ الْمُصحف، لِأَن الْقُرْآن الْمنزل على الرَّسُول الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف الْمَنْقُول عَنهُ نقلا متواتراً بِلَا شُبْهَة، وَهَذَا لَا يُمكن السّفر بِهِ، فَدلَّ على أَن المُرَاد بِهِ الْمُصحف الْمَكْتُوب فِيهِ الْقُرْآن. وتابَعَهُ ابنُ إسْحَاقَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: تَابع مُحَمَّد بن بشر مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، ومتابعته إِيَّاه فِي كَرَاهِيَة السّفر بالمصحف إِلَى أَرض الْعَدو، وَإِنَّمَا ذكر الْمُتَابَعَة لأجل زِيَادَة من زَاد فِي الحَدِيث: مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو زاعماً أَنَّهَا مَرْفُوعَة لِأَنَّهَا لم تصح عِنْده وَلَا عِنْد مَالك مَرْفُوعَة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: رَوَاهُ بَعضهم من حَدِيث ابْن مهْدي والقعنبي عَن مَالك، فأدرج هَذِه الزِّيَادَة فِي الحَدِيث، وَقد اخْتلف عَن القعْنبِي فِي هَذِه الزِّيَادَة فَمرَّة بيَّن أَنَّهَا قَول مَالك، وَمرَّة يدرجها فِي الحَدِيث، وَرَوَاهُ يحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي عَن مَالك يذكر هَذِه الزِّيَادَة الْبَتَّةَ، وَقد رفع هَذِه الْكَلِمَات أَيُّوب وَاللَّيْث وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان الْحزَامِي عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن مَالِكًا شكّ: هَل هِيَ من قَول سيدنَا رَسُول الله، ﷺ أم لَا؟ فَجعل بتحريه هَذِه الزِّيَادَة من كَلَامه على التَّفْسِير، وإلَاّ فَهِيَ صَحِيحَة من قَول سيدنَا رَسُول الله، ﷺ من رِوَايَة غَيره. وقَدْ سافَرَ النبِيُّ ﷺ وأصْحَابُهُ فِي أرْضِ العَدُوِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ القُرْآنَ أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الْكَلَام أَن المُرَاد بِالنَّهْي عَن السّفر بِالْقُرْآنِ السّفر بالمصحف خشيَة أَن يَنَالهُ الْعَدو لَا السّفر بِالْقُرْآنِ نَفسه، وَقد ذكرنَا آنِفا أَن السّفر بِنَفس الْقُرْآن لَا يُمكن، وَإِنَّمَا المُرَاد بالقران الْمُصحف، وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَا حجَّة فِيمَا ذكره البُخَارِيّ، وَقد روى مُفَسرًا نهي أَن يُسَافر بالمصحف، رَوَاهُ ابْن مهْدي عَن مَالك وَعبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: مَا كَانَ أغْنى البُخَارِيّ عَن هَذَا الأستدلال، لم يقل أحد أَن من يحسن الْقُرْآن لَا يَغْزُو الْعَدو فِي دَاره، وَقيل: الِاسْتِدْلَال بِهَذَا على التَّرْجَمَة ضَعِيف، لِأَنَّهَا وَاقعَة عين، ولعلهم تعلمُونَ تلقيناً وَهُوَ الْغَالِب حِينَئِذٍ، فعلى هَذَا يقْرَأ: يعلمُونَ، بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي. قَوْله: (يعلمُونَ) ، من الْعلم، وَفِي بعض الرِّوَايَة من التَّعْلِيم، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لَكِن رَأَيْته فِي أصل الدمياطي بِفَتْح الْيَاء، وَأجَاب الْمُهلب: بِأَن فَائِدَة ذَلِك أَنه أَرَادَ أَن يبين أَن نَهْيه عَن السّفر بِهِ إِلَيْهِم لَيْسَ على الْعُمُوم وَلَا على كل الْأَحْوَال، وَإِنَّمَا هُوَ فِي العساكر والسرايا الَّتِي لَيست مَأْمُونَة، وَأما إِذا كَانَ فِي الْعَسْكَر الْعَظِيم فَيجوز حمله إِلَى أَرضهم، وَلِأَن الصَّحَابَة كَانَ بَعضهم يعلم بَعْضًا لأَنهم لم يَكُونُوا مستظهرين لَهُ، وَقد يُمكن أَن يكون عِنْد بَعضهم صحف فِيهَا قُرْآن يعلمُونَ مِنْهَا، فاستدل البُخَارِيّ أَنهم فِي تعلمهمْ كَانَ فيهم من يتَعَلَّم بِكِتَاب، فَلَمَّا جَازَ تعلمه فِي أَرض الْعَدو بِكِتَاب وَبِغير كتاب كَانَ فِيهِ إِبَاحَة لحمله إِلَى أَرض الْعَدو إِذا كَانَ عسكراً مَأْمُونا، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة، وَلم يفرق مَالك بَين الْعَسْكَر الْكَبِير وَالصَّغِير فِي ذَلِك، وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن أبي حنيفَة الْجَوَاز مُطلقًا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، الْأَصَح هُوَ الأول: وَقَالَ ابْن سَحْنُون. قلت لأبي: أجَاز بعض الْعِرَاقِيّين الْغَزْو بالمصاحف فِي الْجَيْش الْكَبِير بِخِلَاف السّريَّة، قَالَ سَحْنُون: لَا يجوز ذَلِك لعُمُوم النَّهْي، وَقد يَنَالهُ الْعَدو فِي غَفلَة. ٠٩٩٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله، ﷺ نَهَى أنْ يُسَافَرَ بالقُرْآنِ إِلَى أرْضِ العَدُوِّ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن المُرَاد بِالْقُرْآنِ الْمُصحف كَمَا ذَكرْنَاهُ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ:

стр. 4261

قَرَأت على مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ، إِلَى أَرض الْعَدو. وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر عَن رَسُول الله، ﷺ : أَنه كَانَ ينْهَى أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو، وَيخَاف أَن يَنَالهُ الْعَدو، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : لَا تسافروا بِالْقُرْآنِ، فَإِنِّي لَا أَمن أَن يَنَالهُ الْعَدو. وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَترْجم أَولا بقوله: بَاب فِي الْمُصحف يُسَافر بِهِ إِلَى أَرض الْعَدو، ثمَّ قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك عَن نَافِع: أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو. وَقَالَ مَالك: أرَاهُ مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو. وَأخرجه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَحْمد بن سِنَان وَأَبُو عمر: قَالَا: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك بن أنس عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ ، نهى أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو. قَالَ أَبُو عمر: قَالَ يحيى بن يحيى الأندلسي، وَيحيى بن بكير وَأكْثر الروَاة عَن مَالك، قَالَ مَالك: أرَاهُ مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو، وَجعلُوا التَّعْلِيل من كَلَامه وَلم يرفعوه، وَأَشَارَ إِلَى أَن ابْن وهب تفرد بِرَفْع هَذِه الزِّيَادَة. انْتهى. قلت: رفع هَذِه الزِّيَادَة مُسلم وَابْن مَاجَه، كَمَا ذَكرْنَاهُ، فصح أَن هَذِه الزِّيَادَة مَرْفُوعَة وَلَيْسَت بمدرجة، وَأما نِسْبَة هَذِه الزِّيَادَة إِلَى مَالك فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فَإِنَّهَا لَا تعادل رِوَايَة مُسلم من طَرِيق اللَّيْث وَأَيوب بنسبتها إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَلَئِن سلمنَا التَّسَاوِي فَيحْتَمل أَن مَالِكًا كَانَ يجْزم بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَولا، ثمَّ لما شكّ فِي رَفعهَا جعلهَا تَفْسِيرا من عِنْده، وَالله أعلم. ٠٣١ - (بابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الحَرْبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة التَّكْبِير عِنْد الْحَرْب. ١٩٩٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ صَبَّحَ النَّبِيُّ خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَسَاحِي علَى أعْنَاقِهِمْ فلَمَّا رَأوْا قالُوا هَذَا مُحَمَّدٌ والخَميسُ مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ فلَجَأوُا إِلَى الحِصْنِ فرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ الله أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذِرِينَ وأَصَبْنَا حُمُرَاً فطَبَخْنَاهَا فَنَادى مُنَادِي النَّبيِّ ﷺ إنَّ الله ورسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عنْ لُحُومِ الحُمُرِ فأُكْفِئَتْ القُدُورُ بِمَا فِيها.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ألله أكبر خربَتْ خَيْبَر) وَعبد الله شَيْخه هُوَ المسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَقد مر صدر هَذَا الحَدِيث قبل هَذَا بعدة أَبْوَاب فِي: بَاب دُعَاء النَّبِي ﷺ إِلَى الْإِسْلَام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من حَدِيث حميد عَن أنس. وَأما حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين فَإِنَّهُ أخرجه أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الْمَغَازِي عَن صَدَقَة بن الْفضل، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الذَّبَائِح عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق. قَوْله: (وأصبنا حمراً) بِضَم الْحَاء وَالْمِيم: جمع حمَار. قَوْله: (فَنَادَى مُنَادِي النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره. الَّذِي كَانَ نَادَى بِالنَّهْي عَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة هُوَ أَبُو طَلْحَة، كَمَا هُوَ الْمَذْكُور عِنْد مُسلم، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمنْهَال الضَّرِير، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك، قَالَ: لما كَانَ يَوْم خَيْبَر جَاءَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أكلت الْحمر ثمَّ جَاءَ آخر فَقَالَ يَا رَسُول الله افنيت الْحمر فَأمر رَسُول الله ﷺ أَبَا طَلْحَة فَنَادَى: (إِن الله وَرَسُوله ينهيانكم عَن لُحُوم الْحمر، فَإِنَّهَا رِجْس أَو نجس) . قَالَ: فأكفئت الْقُدُور بِمَا فِيهَا. قَوْله: (وَالْخَمِيس) ، أَي: الْجَيْش، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (مُحَمَّد وَالْخَمِيس) ، بالتكرار وَهُوَ صَحِيح. قَوْله: (فلجأوا إِلَى الْحصن) ، أَي: تحَصَّنُوا بحصن خَيْبَر، وَقد روى سُفْيَان عَن أَيُّوب فِي هَذَا الحَدِيث: (حالوا إِلَى الْحصن) ، أَي: تحولوا لَهُ، يُقَال: حلت عَن الْمَكَان إِذا تحولت عَنهُ، وَمثله أحلّت عَنهُ. قَوْله: (ينهيانكم) ، . قَوْله: (فأكفئت الْقُدُور بِمَا فِيهَا) ،

стр. 4262

أَي: قلبت ونكست، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: كفأت الْإِنَاء وأكفأته، إِذا كببته وَإِذا أملته لتفرغ مَا فِيهَا. وَيُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: حُرْمَة أكل لحم الْحمر الْأَهْلِيَّة. وَاخْتلفت الْأَحَادِيث فِي سَبَب النَّهْي على خَمْسَة أوجه. الأول: مَا ذكره مُسلم فِي حَدِيث أنس: (فَإِنَّهَا رِجْس أَو نجس) . وَالثَّانِي: كَونهَا حمولة للنَّاس على مَا ذكر فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود: (نهى عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَت حمولة) ، وَهُوَ وَإِن كَانَ ضَعِيفا فَهُوَ مَذْكُور فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمُتَّفق عَلَيْهِ، لَا أَدْرِي أنهى عَنهُ من أجل أَنَّهَا كَانَت حمولة للنَّاس، فكره أَن تذْهب حمولتهم أَو حرمه، وَفِي بعض طرقه فِي (المعجم الْكَبِير) للطبراني: (حرمتهَا مَخَافَة قلَّة الظّهْر) ، وَفِي حَدِيث ابْن عمر عِنْد مُسلم: (وَكَانَ النَّاس احتاجوا إِلَيْهَا) . وَالثَّالِث: كَونهَا لم تخمس، فَفِي حَدِيث ابْن أبي أوفى الْمُتَّفق عَلَيْهِ، فَقَالَ فِيهِ: (وَلَا تَأْكُلُوا من لُحُوم الْحمر شَيْئا) . قَالَ: فَقَالَ نَاس: إِنَّمَا نهى عَنْهَا رَسُول الله، ﷺ لِأَنَّهَا لم تخمس، وَقَالَ آخَرُونَ: (نهى عَنْهَا أَلْبَتَّة) . الرَّابِع: كَونهَا جلالة فروى ابْن مَاجَه فِي حَدِيث ابْن أبي أوفى: (إِنَّمَا حرمهَا رَسُول الله، ﷺ أَلْبَتَّة من أجل أَنَّهَا كَانَت جلالة تَأْكُل الْعذرَة) . وروى أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث غَالب بن أبحر: (فَإِنَّمَا حرمتهَا من جوال الْقرْيَة) . وَالْخَامِس: كَونهَا انتهبت. وَلم تقسم، فروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث ثَعْلَبَة بن الحكم، قَالَ: فَسَمعته ينْهَى عَن النهبة، فَأمر بالقدود فاكقئت من لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة وَالتَّعْلِيل بِالنَّجَاسَةِ قَاض على هَذِه الْعِلَل كلهَا فهيء مُؤثرَة بِنَفسِهَا وَذهب قوم، مِنْهُم عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَعبيد بن الْحسن وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى إِلَى إِبَاحَة أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة. وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِحَدِيث أبحر أَو ابْن أبحر، أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله! إِنَّه لم يبْق من مَالِي شَيْء أَسْتَطِيع أَن أطْعمهُ أَهلِي إلَاّ حمر لي، قَالَ: (فأطعم أهلك من سمين مَالك، فَإِنَّمَا كرهت لكم جوال الْقرْيَة) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم: يحرم أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب، وَمَا جَاءَ بِهِ نَحوه، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، وَحَدِيث أبحر مُخْتَلف فِي إِسْنَاده اخْتِلَافا شَدِيدا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هُوَ مَعْلُول، وَقَالَ ابْن حزم: هُوَ بِطرقِهِ بَاطِل لِأَنَّهَا كلهَا من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن بشر، وَهُوَ مَجْهُول، وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن لؤيم، وَهُوَ مَجْهُول وَمن طَرِيق شريك، وَهُوَ ضَعِيف. تابَعَهُ علِيٌّ عنْ سُفْيَانَ رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ يَعْنِي تَابع عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ شيخ البُخَارِيّ، وَقد أسْندهُ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَنهُ عَن سُفْيَان، وَالله أعلم. ١٣١ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي التَّكْبِيرِ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان مَا يكره وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. ٢٩٩٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عاصِمٍ عنْ أبِي عُثْمَانَ عنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رسولِ الله ﷺ فَكُنَّا إذَا أشْرَفْنَا علَى وادٍ هَلَّلْنَا وكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أصْوَاتُنَا فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا علَى أنْفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ ولَا غائِبَاً إنَّه مَعَكُمْ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبارَكَ اسْمُهُ وتَعَالَى جدُّهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث لِأَن حَاصِل الْمَعْنى فِيهِ أَنه ﷺ كره رفع الصَّوْت بِالذكر وَالدُّعَاء. وَمُحَمّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَالأَصَح أَنه مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، كَمَا نَص عَلَيْهِ أَبُو نعيم الْحَافِظ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَاصِم هُوَ الْأَحول، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَأَبُو مُوسَى عبد الله ابْن قيس الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الدَّعْوَات وَفِي التَّفْسِير عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الدَّعْوَات أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن ابْن نمير وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم

стр. 4263

وَأبي سعيد الْأَشَج وَعَن أبي بكر وَعَن أبي كَامِل وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن خلف بن هِشَام وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُسَدّد وَعَن أبي صَالح مَحْبُوب بن مُوسَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن أَحْمد بن حَرْب وَعَن مُحَمَّد ابْن بشار وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَفِي السّير وَفِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ وَبشر بن هِلَال وَعَن عَبدة بن عبد الله وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن حميد بن مسْعدَة وَعَن مُحَمَّد بن بشار وهلال بن بشر وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب التَّسْبِيح عَن مُحَمَّد بن الصَّباح. قَوْله: (إِذا أَشْرَفنَا) من قَوْلهم: أشرفت عَلَيْهِ إِذا طلعت عَلَيْهِ. قَوْله: (ارْتَفَعت أصواتنا) جملَة فعلية وَقعت حَالا بِتَقْدِير: قد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ﴾ (النِّسَاء: ٠٩) . أَي: قد حصرت. قَوْله: (إربعوا) بِكَسْر الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أرفقوا، وَقَالَ الْأَزْهَرِي عَن يَعْقُوب: ربع الرجل يربع إِذا وَقع وانحبس، وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال: أَربع على نَفسك وَأَرْبع عَلَيْك أَي: انْتظر. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد: أَمْسكُوا عَن الْجَهْر، وقفُوا عَنهُ، وَقَالَ ابْن قرقول: اعطفوا عَلَيْهَا بالرفق بهَا والكف عَن الشدَّة، وَيُقَال: أصل الْكَلِمَة من قَوْلك: ربع الرجل بِالْمَكَانِ إِذا وقف عَن السّير وَأقَام بِهِ. قَوْله: (إِنَّه سميع) فِي مُقَابلَة الْأَصَم، قريب فِي مُقَابلَة الْغَائِب. وَفِي الحَدِيث: كَرَاهَة رفع الصَّوْت بِالدُّعَاءِ، وَرُوِيَ من حَدِيث هِشَام عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن قيس بن عباد: كَانَ الصَّحَابَة يكْرهُونَ رفع الصَّوْت عِنْد الذّكر، وَعند الْقِتَال، وَعند الْجَنَائِز، وَفِي لفظ: وَرفع الْأَيْدِي عِنْد الدُّعَاء والقتال: وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: ثَلَاث مِمَّا أحدث النَّاس: رفع الصَّوْت عِنْد الدُّعَاء، وَرفع الْأَيْدِي، واختصار السُّجُود، وَرَأى مُجَاهِد رجلا يرفع صَوته بِالدُّعَاءِ فَحَصَبه. ٢٣١ - (بابُ التَّسْبِيحِ إذَا هَبَطَ وادِياً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر من التَّسْبِيح إِذا هَبَط الْمُسَافِر فِي الْغَزْو أَو الْحَج أَو غَيرهمَا، وأضمر الْفَاعِل فِيهِ، والقرينة تدل عَلَيْهِ. قَوْله: (إِذا هَبَط) أَي: نزل (وَاديا) أَي: فِي وَاد. ٣٩٩٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ حُصَيْنِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ سالِمِ بنِ أبِي الجعْدِ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا إذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإذَا نَزَلْنا سبَّحْنَا. (الحَدِيث ٣٩٩٢ طرفه فِي: ٤٩٩٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِذا نزلنَا سبحنا) وَالنُّزُول هُوَ الهبوط، وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي كريب وَعَن أَحْمد بن حَرْب. قَوْله: (كُنَّا إِذا صعدنا) يَعْنِي: إِذا طلعنا موضعا عَالِيا مثل جبل وتل. قَوْله: (وَإِذا نزلنَا) ، يَعْنِي: إِلَى مَوضِع منخفض نَحْو الْوَادي، ثمَّ التَّكْبِير عِنْد الإشراف على الْمَوَاضِع الْعَالِيَة استشعاراً لكبرياء الله، ، عِنْدَمَا يَقع عَلَيْهِ الْعين أَنه أكبر من كل شَيْء، وَأما التَّسْبِيح فِي الْمَوَاضِع المنخفضة فَهُوَ مستنبط من قَضِيَّة يُونُس، ﵊، وتسبيحه فِي بطن الْحُوت، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين للبث فِي بَطْنه إِلَى يَوْم يبعثون﴾ (الصافات: ٤٤١) . فَنَجَّاهُ الله تَعَالَى بذلك من الظُّلُمَات، فامتثل الشَّارِع هَذَا التَّسْبِيح فِي بطُون الأودية لينجيه الله مِنْهَا وَمن أَن يُدْرِكهُ الْعَدو. ٣٣١ - (بابُ التَّكْبِير إذَا علَا شَرَفاً ( أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر من التَّكْبِير إِذا علا الْمُسَافِر فِي الْغَزْو أَو الْحَج أَو غَيرهمَا. قَوْله: (شرفاً) ، أَي: مَكَانا مشرفاً مرتفعاً. ٣٣١ - (بابُ التَّكْبِير إذَا علَا شَرَفاً ( أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر من التَّكْبِير إِذا علا الْمُسَافِر فِي الْغَزْو أَو الْحَج أَو غَيرهمَا. قَوْله: (شرفاً) ، أَي: مَكَانا مشرفاً مرتفعاً. ٤٩٩٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ حُصَيْنِ عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا إذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وإذَا تصَوَّبْنَا سبَّحْنَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: إِذا صعدنا كبرنا، لِأَن مَعْنَاهُ: إِذا علونا مَكَانا عَالِيا مرتفعاً كبرنا، وَابْن أبي عدي هُوَ: مُحَمَّد بن أبي عدي

стр. 4264

وَأَبُو عدي اسْمه: إِبْرَاهِيم السّلمِيّ، وحصين قد مر فِي الحَدِيث الْمَاضِي، وَكَذَلِكَ سَالم هُوَ ابْن أبي الْجَعْد. قَوْله: (وَإِذا تصوبنا) ، أَي: إِذا انحدرنا، والتصويب النُّزُول. ٥٩٩٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله قَالَ حدَّثني عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي سلَمَةَ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسَانَ عنْ سالِمِ بنَ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذا قفَلَ مِنَ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ وَلَا أعْلَمُهُ إلَاّ قَالَ الغَزْوَ يَقُولُ كُلَّمَا أوْفَى علَى ثَنِيَّةٍ أوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلاثَاً ثُمَّ قالَ لَا إلاه إلَاّ الله وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهْوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُونَ ساجِدُونَ لِرَبِّنَا حامِدُونَ صَدَق الله وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وهَزَمَ الأحْزَابَ وحْدَهُ قالَ صالِحٌ فَقْلْتُ لَهُ ألَمْ يَقُلْ عبدُ الله إنْ شاءَ الله قالَ لَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كلما أوفى على ثنيةٍ أَو فدفدٍ كبر ثَلَاثًا) وَعبد الله زعم أَبُو مَسْعُود أَنه عبد الله بن صَالح، وَقَالَ الجياني: وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن عبد الله بن يُوسُف: وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : قَالَ أَبُو مَسْعُود: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ النَّاس عَن عبد الله بن صَالح، وَقد روى أَيْضا عبد الله بن رَجَاء الْبَصْرِيّ وَالله أعلم أَيهمَا هُوَ. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. قَوْله: (إِذا قفل) أَي: إِذا رَجَعَ. قَوْله: (وَلَا أعلمهُ إِلَّا قَالَ الْغَزْو) وَهَذِه الْجُمْلَة كالإضراب عَن الْحَج وَالْعمْرَة. كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا قفل من الْغَزْو. قَوْله: (يَقُول كلما أوفى) ، فَاعل: يَقُول: هُوَ عبد الله بن عمر، وَالضَّمِير فِي: أوفى، يرجع إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، وَمعنى: أوفى، أَي: أشرف أَو علا. قَوْله: (على ثنية) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي أَعلَى الْجَبَل، وَهُوَ مَا يرى مِنْهُ على الْبعد. وَقَالَ ابْن فَارس: الثَّنية من الأَرْض كالمرتفع، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الطَّرِيق الَّتِي فِي الْجبَال نَظِير الطَّرِيق بَين الجبلين. قَوْله: (أوفدفد) ، بفاءين بَينهمَا دَال مُهْملَة، وَهُوَ: الأَرْض الغليظة ذَات الْحَصَى لَا تزَال الشَّمْس تدف فِيهَا، قَالَه الْقَزاز، وَقَالَ ابْن فَارس: الأَرْض المستوية. وَقَالَ أَبُو عبيد: الفدفد الْمَكَان الْمُرْتَفع فِيهِ صلابة. قَوْله: (آيبون) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: نَحن آيبون، أَي: رَاجِعُون إِلَى الله، من آب يؤب أوباً إِذا رَجَعَ، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: تائبون وعابدون وساجدون. قَوْله: (لربنا) يحْتَمل تعلقه بحامدون أَو بساجدون أَو بهما أَو بِالصِّفَاتِ الْأَرْبَعَة الْمُتَقَدّمَة أَو بالخمسة على سَبِيل التَّنَازُع. قَوْله: (الْأَحْزَاب) ، اللَّام فِيهِ للْعهد، على طوائف الْعَرَب الَّتِي اجْتَمعُوا على محاربة رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (قَالَ صَالح) هُوَ ابْن كيسَان الرَّاوِي. قَوْله: (فَقلت لَهُ) أَي: لسالم بن عبد الله بن عمر. قَوْله: (ألم يقل عبد الله؟) هُوَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ٤٣١ - (بابٌ يُكْتَبُ لِلْمُسَافِرِ مِثْلُ مَا كانَ يَعْمَلُ فِي الإقَامَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ يكْتب للْمُسَافِر مثل مَا كَانَ يعْمل فِي الْإِقَامَة إِذا كَانَ سَفَره فِي غير مَعْصِيّة. ٦٩٩٢ - حدَّثنا مَطَرُ بنُ الْفَضْلِ قالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ هاارُونَ قَالَ حدَّثنا العَوَّامُ قالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ أبُو إسْمَاعِيلُ السَّكْسَكِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أبَا بُرْدَةَ واصْطَحَبَ هُوَ ويزِيدُ بنُ أبِي كَبْشَةَ فِي سَفَرٍ فَكانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقال لَهُ أبُو بُرْدَةَ سَمِعْتُ أَبَا موساى مِرَاراً يقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ إذَا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا مرض العَبْد أَو سَافر) إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: مطر بن الْفضل الْمروزِي. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون بن زادان الوَاسِطِيّ. الثَّالِث: الْعَوام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو، ابْن حَوْشَب، بِالْحَاء الْمُهْملَة والشين الْمُعْجَمَة على وزن جَعْفَر. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن أَبُو إِسْمَاعِيل السكْسكِي، بالسينين

стр. 4265

الْمُهْمَلَتَيْنِ المفتوحتين بَينهمَا كَاف سَاكِنة، فِي كِنْدَة ينْسب إِلَى السكاسك بن أَشْرَس بن كِنْدَة. الْخَامِس: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وَقيل: اسْمه كنيته ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. السَّادِس: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي كَبْشَة، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: شَامي، وَكَانَ عريف السكاسك، ولي خراج الْهِنْد لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك، وَمَات فِي خِلَافَته. وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَأَبوهُ أَبُو كَبْشَة روى عَن أبي الدَّرْدَاء، ذكر فِيمَن لَا يعرف اسْمه، وَقيل: اسْمه حَيْوِيل، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْوَاو بعْدهَا يَاء أُخْرَى سَاكِنة وَفِي آخِره لَام. السَّابِع: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن عِيسَى ومسدد. قَوْله: (واصطحب هُوَ) أَي: أَبُو بردة، وَيزِيد فِي سفر. قَوْله: (وَكَانَ يزِيد يَصُوم فِي سفر) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَكَانَ يَصُوم الدَّهْر. قَوْله: (مثل مَا كَانَ يعْمل مُقيما صَحِيحا) فِيهِ اللف والنشر المقلوب، فَإِن قَوْله: مُقيما يُقَابل قَوْله أَو سَافر، وَقَوله: صَحِيحا، يُقَابل قَوْله: إِذا مرض، هَذَا فِيمَن كَانَ يعْمل طَاعَة فَمنع مِنْهَا، وَكَانَت نِيَّته لَوْلَا الْمَانِع أَن يَدُوم عَلَيْهَا، وَقد ورد ذَلِك صَرِيحًا عِنْد أبي دَاوُد من طَرِيق الْعَوام بن حَوْشَب عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن السكْسكِي عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ، يَقُول: إِذا كَانَ العَبْد يعْمل عملا صَالحا فَشَغلهُ عَن ذَلِك مرض أَو سفر كتب لَهُ كصالح مَا كَانَ يعْمل، وَهُوَ صَحِيح مُقيم. وَورد أَيْضا فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَرْفُوعا: أَن العَبْد إِذا كَانَ على طَريقَة حَسَنَة من الْعِبَادَة ثمَّ مرض قيل للْملك الْمُوكل بِهِ: أكتب لَهُ مثل عمله إِذا كَانَ طلقاً حَتَّى أطلقهُ أَو ألفته إِلَيّ، أخرجه عبد الرَّزَّاق وَأحمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ. وَلأَحْمَد من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه: إِذا ابتلى الله العبدَ الْمُسلم ببلاء فِي جسده، قَالَ الله: أكتب لَهُ عمله الَّذِي كَانَ يعْمل، فَإِن شفَاه طهره وَإِن قَبضه غفر لَهُ. وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَا من امرىء يكون لَهُ صَلَاة من اللَّيْل يغلبه عَلَيْهَا نوم أَو وجع إلَاّ كتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه عَلَيْهِ صَدَقَة. ٥٣١ - (بابُ سَيْرِ الرَّجُلِ وحْدَهُ بِاللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم سير الرجل بِاللَّيْلِ وَحده أَي: حَال كَونه وَحده من غير رَفِيق مَعَه، هَل يكره ذَلِك أم لَا؟ وَالْجَوَاب، يعلم من حَدِيثي الْبَاب، فَالْحَدِيث الأول: يدل على عدم الْكَرَاهَة، وَالثَّانِي: يدل على الْكَرَاهَة، فَلذَلِك أبهم البُخَارِيّ التَّرْجَمَة، وَفِي نفس الْأَمر يرجع مَا فيهمَا إِلَى معنى وَاحِد، وَهُوَ مَا قَالَ الْمُهلب: نَهْيه ﷺ عَن الْوحدَة فِي سير اللَّيْل إِنَّمَا هُوَ إشفاق على الْوَاحِد من الشَّيَاطِين، لِأَنَّهُ وَقت انتشارهم، وَإِذا هم بالتمثل لَهُم وَمَا يفزعهم وَيدخل فِي قُلُوبهم الوساوس، وَلذَلِك أَمر النَّاس أَن يحبسوا صبيانهم عِنْد فَحْمَة اللَّيْل، وَمَعَ هَذَا إِن الْوحدَة لَيست بمحرمة، وَإِنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَة، فَمن أَخذ بالأفضل من الصُّحْبَة فَهُوَ أولى، وَمن أَخذ بالوحدة فَلم يَأْتِ حَرَامًا. ٧٩٩٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِرِ قالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقولُ ندَبَ النَّبيُّ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ الخَنْدَقِ فانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَهُمْ فانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ ندَبَهُمْ فانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّاً وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ انتداب الزبير وتوجهه وَحده، وَسَيَأْتِي فِي مناقبه من طَرِيق عبد الله بن الزبير مَا يدل على ذَلِك، وَيرد بِهَذَا اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ بقوله: لَا أعلم هَذَا الحَدِيث كَيفَ يدْخل فِي هَذَا الْبَاب، وَقد رَأَيْت كَيْفيَّة دُخُوله فِيهِ، وَيرد أَيْضا مَا قَالَه بَعضهم بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الزبير انتدب أَن لَا يكون سَار مَعَه غَيره مُتَابعًا. قلت: وَلَا يلْزم أَيْضا كَونه تَابع مَعَه وترجح جَانب النَّفْي بِمَا ذكرنَا. والْحميدِي: هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجِهَاد قبل هَذَا بعدة أَبْوَاب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ فِي بَابَيْنِ: أَحدهمَا: فِي بَاب فضل الطليعة عَن

стр. 4266

أبي نعيم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر، وَالْآخر فِي: بَاب هَل يبْعَث الطليعة وَحده، عَن صَدَقَة عَن ابْن عُيَيْنَة إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قالَ سُفْيَانُ الحَوَارِيُّ النَّاصِرُ سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة أحد رَوَاهُ الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَوْصُول عَن الْحميدِي عَنهُ، وَفِيه نظر لَا يخفى. ٨٩٩٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قالَ حدَّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثني أبِي عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ وَحدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أعْلَمُ مَا سارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِطْلَاقهَا لِأَنَّهَا مُبْهمَة كَمَا ذكرنَا آنِفا، وَأخرجه من طَرِيقين. الأول: عَن أبي الْوَلِيد هِشَام ابْن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ عَن عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، يروي عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد وَمُحَمّد يروي عَن جده عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ . وَالثَّانِي: عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن عَاصِم ... إِلَى آخِره، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد عَن عَاصِم بن مُحَمَّد بِهِ، وَقَالَ بعده: وَأَبُو نعيم عَن عَاصِم، وَلم يقل: حَدثنَا أَبُو نعيم، وَلَا فِي كتاب حَمَّاد بن شَاكر: حَدثنَا أَبُو نعيم. وَأجِيب: عَن ذَلِك بِأَن الَّذِي وَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَن الْفربرِي عَن البُخَارِيّ حَدثنَا أَبُو نعيم، وَكَذَلِكَ وَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد، فساق الْإِسْنَاد ثمَّ قَالَ: وَحدثنَا أَبُو الْوَلِيد وَأَبُو نعيم، قَالَا: حَدثنَا عَاصِم فَذكره وَبِذَلِك جزم أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي (الْمُسْتَخْرج) فَقَالَ، بعد أَن أخرجه من طَرِيق عَمْرو بن مَرْزُوق عَن عَاصِم بن مُحَمَّد: أخرجه البُخَارِيّ عَن أبي نعيم وَأبي الْوَلِيد. فَإِن قلت: ذكر التِّرْمِذِيّ أَن عَاصِم بن مُحَمَّد تفرد بِرِوَايَة هَذَا الحَدِيث؟ قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَخَاهُ عَمْرو بن مُحَمَّد قد رَوَاهُ مَعَه عَن أَبِيه أخرجه النَّسَائِيّ. قَوْله: (مَا فِي الْوحدَة) ، قَالَ ابْن التِّين: الْوحدَة، ضبطت بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا، وَأنكر بعض أهل اللُّغَة الْكسر، وَقَالَ ابْن قرقول: وَحدك، مَنْصُوب بِكُل حَال عِنْد أهل الْكُوفَة على الظّرْف، وَعند الْبَصرِيين على الْمصدر، أَي: توَحد وَحده. قَالَ: وكسرته الْعَرَب فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: عيير وَحده، وجحيش، وَحده ونسيج وَحده، وَعَن أبي عَليّ: رجيل وَحده، ووحد، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، ووحد ووحيد ومتوحد، وللأنثى وحدة ووحدة وحد بِكَسْر الْحَاء وَضمّهَا وحادة ووحدة ووحداً وتوحد كُله بَقِي وَحده، وَعَن كرَاع: الوحد الَّذِي ينزل وَحده. قَوْله: (مَا أعلم) أَي: الَّذِي أعلم، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول: لَو يعلم. قَوْله: (رَاكب) هَذَا من قبيل الْغَالِب وإلَاّ فالراجل أَيْضا كَذَلِك؟ فَإِن قلت: ذكر فِي الْبَاب حديثين: أَحدهمَا: فِي الْجَوَاز. وَالثَّانِي: فِي الْمَنْع. قلت: تُؤْخَذ الْجَواب عَنهُ مِمَّا ذكرنَا فِي أول الْبَاب، وَأَيْضًا أَن للسير فِي اللَّيْل حالتين: إِحْدَاهمَا: الْحَاجة إِلَيْهِ مَعَ غَلَبَة السَّلامَة، كَمَا فِي حَدِيث الزبير. وَالْأُخْرَى: حَالَة الْخَوْف، فحذر عَنْهَا الشَّارِع، وَأَيْضًا إِذا اقْتَضَت الْمصلحَة الِانْفِرَاد كإرسال الجاسوس والطليعة، فَلَا كَرَاهَة وإلَاّ فالكراهة، وَالله أعلم. ٦٣١ - (بابُ السُّرْعَةِ فِي السَّيْرِ عِنْدَ الرُّجُوُعِ إِلَى الوَطَنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز السرعة فِي السّير عِنْد الرُّجُوع إِلَى الوطن. قالَ أبُو حُمَيْدٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ فَمنْ أرَادَ أنْ يتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ أَبُو حميد، بِضَم الْحَاء هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَقيل غير ذَلِك: السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث سبق فِي الزَّكَاة مطولا فِي: بَاب خرص التَّمْر. قَوْله: (فَليَتَعَجَّل) ، ويروي: (فليعجل) ، فَالْأول من بَاب: التفعل، وَالثَّانِي من بَاب: التفعيل.

стр. 4267

٩٩٩٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي قالَ سُئِلَ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ يَحْيَى يَقولُ وَأَنا أسْمَعُ فسَقَطَ عَنِّي عنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ قَالَ فَكانَ يَسِيرُ العَنَقَ فإذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ والنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَص) لِأَن النَّص هُوَ السّير الشَّديد. وَيحيى هم ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب السّير إِذا دفع من عَرَفَة. قَوْله: (كَانَ يحيى) ، أَي: يحيى الْقطَّان، يَقُول: وَأَنا أسمع، فَسقط عني، وَهَذِه جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله: سُئِلَ أُسَامَة بن زيد، وَبَين قَوْله: عَن مسير النَّبِي ﷺ لِأَن عَن مسير النَّبِي مُتَعَلق بقوله: سُئِلَ، وَالتَّقْدِير قَالَ البُخَارِيّ، قَالَ ابْن الْمثنى، وَكَانَ يحيى يَقُول تَعْلِيقا عَن عُرْوَة أَو مُسْندًا إِلَيْهِ، قَالَ: سُئِلَ أُسامة وَأَنا أسمع السُّؤَال، فَقَالَ يحيى سقط عني هَذَا اللَّفْظ وَأَنا أسمع عِنْد رِوَايَة الحَدِيث كَأَنَّهُ لم يذكرهَا أَولا واستدركه آخرا وَقَالَ فِي كتاب الْحَج: سُئِلَ أُسَامَة وَأَنا جَالس. وَفِي (صَحِيح مُسلم) قَالَ هِشَام، عَن أَبِيه: سُئِلَ أُسَامَة وَأَنا شَاهد: كَيفَ كَانَ مسير النَّبِي ﷺ حِين أَفَاضَ من عَرَفَة؟ قَوْله: (الْعُنُق) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون: وَهُوَ السّير السهل. قَوْله: (فجوة) ، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْجِيم، وَهِي الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وهم فِي فجوة مِنْهُ﴾ (الْكَهْف: ٧١) . قَوْله: (نَص) بِالتَّشْدِيدِ، فعل ماضٍ من نَص ينص نصا، وَهُوَ السّير الشَّديد حَتَّى يسْتَخْرج أقْصَى مَا عِنْده. ٠٠٠٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أخبرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابنُ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما بِطَرِيقِ مَكَّةَ فبَلَغَهُ عنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أبي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وجَعٍ فأسْرَعَ السَّيْرَ حتَّى إذَا كانَ بعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ ثُمَّ نَزَلَ فصَلَّى المَغْرِبَ والعَتَمَةَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ إنِّي رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أخَّرَ المَغْرِبَ وجَمَعَ بَيْنَهُما.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا جدَّ بِهِ السّير) والْحَدِيث مضى فِي أَبْوَاب الْعمرَة فِي: بَاب الْمُسَافِر إِذا جد بِهِ السّير تعجل إِلَى أَهله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَصفِيَّة بنت أبي عبيد الثقفية أُخْت الْمُخْتَار، أدْركْت النَّبِي ﷺ وَسمعت مِنْهُ، وَكَانَت زَوْجَة ابْن عمر. ١٠٠٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ يَمْنَعُ أحَدُكُمْ نَوْمَهُ وطَعَامَهُ وشَرَابَهُ فإذَا قَضَى أحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أهْلِهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليعجل إِلَى أَهله) وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات. قَوْله: (نَومه) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَو مفعول ثَان للْمَنْع، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي مفعولين كالإعطاء، وَالْمرَاد بِمَنْعه: كمالها ولذتها، لما فِيهِ من الْمَشَقَّة والتعب ومقاساة الْحر وَالْبرد وَالْخَوْف والسرى ومفارقة الْأَهْل والأوطان. قَوْله: (نهمته) بِفَتْح النُّون: الْحَاجة وَالْمَقْصُود. ٧٣١ - (بابٌ إذَا حَمَلَ علَى فَرَسٍ فرَآهَا تُباعُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا حمل رجل على فرس أَي: أركب غَيره عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله حسبَة لله، ، ثمَّ رَآهَا تبَاع، هَل لَهُ أَن يَشْتَرِيهَا أم لَا؟ وَالْجَوَاب: يعلم من الحَدِيث. ٢٠٠٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى

стр. 4268

عنهُما أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ حَمَلَ علَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله فوَجَدَهُ يُباعُ فأرادَ أنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ رسُولَ الله ﷺ فَقال لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ.. ٣٠٠٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ حَمَلْتُ علَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله فابْتَاعَهُ أوْ فأضَاعَهُ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ فأرَدْتُ أنْ أشْتَرِيَهُ وظَنَنْتُ أنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسألْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ وإنْ بِدِرْهَمٍ فإنَّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يَعودُ فِي قَيْئِهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه بَيَان مَا أبهمه فِي التَّرْجَمَة والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة فِي: بَاب هَل يَشْتَرِي صدقته؟ عَن سَالم عَن أَبِيه أَن عمر تصدق بفرس ذكره فِي هَذَا الْبَاب عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن سَالم، وَذكره هَهُنَا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر حمل على فرس ... الحَدِيث، وَمضى فِي الْهِبَة أَيْضا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (ابتاعه أَو أضاعه) شكّ من الرَّاوِي، وَلَا معنى لقَوْله: ابتاعه إلَاّ إِذا كَانَ بِمَعْنى: بَاعه، وَلَعَلَّ الابتياع جَاءَ بِمَعْنى البيع، كَمَا جَاءَ: اشْترى، بِمَعْنى: بَاعَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله: ﴿بئْسَمَا مَا اشْتَروا بِهِ أنفسهم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠١) . ان اشْتَروا بمعني: باوا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: اتخذ البيع لنَفسِهِ كَمَا يُقَال فِي اكْتسب وَنَحْوه. وَقيل: لَعَلَّ الرَّاوِي صحفه وَهُوَ: أباعه؟ أَي: عرضه للْبيع. قَوْله: (وَإِن بدرهم) أَي: وَإِن كَانَ بدرهم، فَحذف فعل الشَّرْط، والحذف عِنْد الْقَرِينَة، جَائِز. ٨٣١ - (بابُ الجِهَادِ بإذْنِ الأبَوَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْجِهَاد بِإِذن الْأَبَوَيْنِ، كَذَا أطلق، وَلَكِن فِيهِ خلاف وتفصيل، فَلذَلِك أبهم فَقَالَ أَكثر أهل الْعلم، مِنْهُم الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: إِنَّه لَا يخرج إِلَى الْغَزْو إلَاّ بِإِذن وَالِديهِ مَا لم تقع ضَرُورَة وَقُوَّة الْعَدو، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تعين الْفَرْض على الْجَمِيع وَزَالَ الِاخْتِيَار وَوَجَب الْجِهَاد على الْكل، فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِذْن من وَالِد وَسيد. وَقَالَ ابْن حزم فِي (مَرَاتِب الْإِجْمَاع) : إِن كَانَ أَبَوَاهُ يضيعان بِخُرُوجِهِ ففرضه سَاقِط عَنهُ إِجْمَاعًا وإلَاّ فالجمهور يوقفه على الاستيذان، والأجداد كالآباء والجدات كالأمهات، وَعند الْمُنْذِرِيّ: هَذَا فِي التَّطَوُّع، أما إِذا وَجب عَلَيْهِ فَلَا حَاجَة إِلَى إذنهما، وَإِن منعاه عصاهما، هَذَا إِذا كَانَا مُسلمين، فَإِن كَانَا كَافِرين فَلَا سَبِيل لَهما إِلَى مَنعه وَلَو نفلا، وطاعتهما حِينَئِذٍ مَعْصِيّة. وَعَن الثَّوْريّ: هما كالمسلمين، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون هَذَا كُله بعد الْفَتْح وَسُقُوط فرض الْهِجْرَة وَالْجهَاد وَظُهُور الدّين، وَأَن يكون ذَلِك من الْأَعْرَاب وَغير من تجب عَلَيْهِ الْهِجْرَة، فرجح بر الْوَالِدين على الْجِهَاد. فَإِن قلت: هَل ينْدَرج فِي هَذَا الْمديَان؟ قلت: قَالَ الشَّافِعِي، فِيمَا ذكره ابْن المناصف: لَيْسَ لَهُ أَن يَغْزُو إلَاّ بِإِذْنِهِ سَوَاء كَانَ مُسلما أَو غَيره، وَفرق مَالك بَين أَن يجد قَضَاء وَبَين أَن لَا يجد، فَإِن كَانَ عديماً فَلَا يرى بجهاده بَأْسا، وَإِن لم يسْتَأْذن غَرِيمه، فَإِن كَانَ مَلِيًّا وَأوصى بِدِينِهِ إِذا حل أعْطى دينه وَلَا يَسْتَأْذِنهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: لَا يتَوَقَّف على الْإِذْن مُطلقًا، وَالله أعلم. ٤٠٠٣ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا حَبِيبُ بنُ أبِي ثابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرِ وكانَ لَا يُتَّهَمْ فِي حَدِيثِهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عنهُما يَقُولُ جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فاسْتأذَنَهُ فِي الجِهادِ فَقَالَ أحُرٌّ والِدَاكَ قالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجاهِدْ. (الحَدِيث ٤٠٠٣ طرفه فِي: ٢٧٩٥) . قيل: لَا مُطَابقَة للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِئْذَان وَلَا غَيره. قلت: تُؤْخَذ الْمُطَابقَة من قَوْله: (ففيهما فَجَاهد) ، بطرِيق الاستنباط لِأَن أمره بالمجاهدة فيهمَا يَقْتَضِي رضاهما عَلَيْهِ، وَمن رضاهما الْإِذْن لَهُ عِنْد الاسْتِئْذَان فِي الْجِهَاد. وحبِيب بن أبي ثَابت، واسْمه قيس بن دِينَار أَبُو يحيى الْأَسدي الْكُوفِي وَقد مر فِي الصَّوْم. وَأَبُو الْعَبَّاس، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة:

стр. 4269

واسْمه السَّائِب بن فروخ الشَّاعِر الْمَكِّيّ الْأَعْمَى، وَقد مر فِي التَّهَجُّد، وَإِنَّمَا قَالَ: وَكَانَ لَا يُتَّهم فِي حَدِيثه لِئَلَّا يُتَوهم بِسَبَب أَنه شَاعِر أَنه مُتَّهم فِي الحَدِيث. وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان وَعَن مُسَدّد عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر ابْن حَرْب وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّاء وَعَن أبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن كثير بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. قَوْله: (جَاءَ رجل) قيل: يحْتَمل أَن يكون هُوَ جاهمة بن الْعَبَّاس بن مرداس، قَالَ أَبُو عمر: جاهمة السّلمِيّ حجازي، ثمَّ قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَارِث بن سُفْيَان حَدثنَا قَاسم بن أصبغ حَدثنَا أَحْمد بن زُهَيْر حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك حَدثنَا سُفْيَان بن حبيب حَدثنَا ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن طَاعَة عَن مُعَاوِيَة بن جاهمة عَن أَبِيه، قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ أَسْتَشِيرهُ فِي الْجِهَاد؟ فَقَالَ: (أَلَك وَالِدَة؟) قلت: نعم. قَالَ: إذهب فأكرمها فَإِن الْجنَّة تَحت رِجْلَيْهَا) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأحمد أَيْضا من طَرِيق مُعَاوِيَة بن جاهمة، وروى ابْن أبي عَاصِم بِسَنَد صَحِيح: بَينا نَحن عِنْد النَّبِي ﷺ فِي ظلّ شَجَرَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة إِذا جَاءَ أَعْرَابِي من أخلق الرِّجَال وأشدهم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِنِّي أحب أَن أكون مَعَك وَأَجد بِي قُوَّة، وَأحب أَن أقَاتل الْعَدو مَعَك وأقتل بَين يَديك. فَقَالَ: (هَل لَك من وَالدّين؟ قَالَ: نعم. قَالَ: إنطلق فَالْحق بهما وبرهما، واشكر لله وَلَهُمَا، قَالَ: إِنِّي أجد قُوَّة ونشاطاً لقِتَال الْعَدو، قَالَ: انْطلق فَالْحق بهما) . فَأَدْبَرَ، فَجعلنَا نتعجب من خلقه وجسمه. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رجلا هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ من الْيمن، فَقَالَ: هَل لَك أحد بِالْيمن؟ قَالَ: أبواي، فَقَالَ: أذِنا لَك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: إرجع إِلَيْهِمَا فاستأذنهما، فَإِن أذنا لَك فَجَاهد، وإلَاّ فبرهما) . وَصَححهُ ابْن حبَان. فَإِن قلت: روى ابْن حبَان من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو من طَرِيق غير طَرِيق حَدِيث الْبَاب: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله، ﷺ فَسَأَلَهُ عَن أفضل الْأَعْمَال، فَقَالَ: (الصَّلَاة، قَالَ: ثمَّ مَه؟ قَالَ: الْجِهَاد. قَالَ: فَإِن لي وَالدّين﴾ فَقَالَ: برك بِوَالِدَيْك خير، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك نَبيا لأجاهدن ولأتركنهما. قَالَ: فَأَنت أعلم) . قلت: هَذَا يحمل على جِهَاد فرض الْعين تَوْفِيقًا بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب. قَوْله: (ففيهما) أَي: فَفِي الْوَالِدين فَجَاهد، الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بمقدر، وَهُوَ: جَاهد، وَلَفظ: جَاهد الْمَذْكُور مُفَسّر لَهُ، لِأَن مَا بعد الْفَاء الجزائية لَا يعْمل فِيمَا قبلهَا، وَمَعْنَاهُ: خصصهما بِالْجِهَادِ، وَهَذَا كَلَام لَيْسَ ظَاهره مرَادا، لِأَن ظَاهر الْجِهَاد إِيصَال الضَّرَر للْغَيْر، وَإِنَّمَا المُرَاد إِيصَال الْقدر الْمُشْتَرك من كلفة الْجِهَاد، وَهُوَ بذل المَال وتعب الْبدن فيؤول الْمَعْنى إِلَى: إبذل مَالك وأتعب بدنك فِي رضَا والديك. وَفِيه: بالتأكيد ببر الْوَالِدين وتعظيم حَقّهمَا وَكَثْرَة الثَّوَاب على برهما، وَالله أعلم. ٩٣١ - (بابُ مَا قِيلَ فِي الجَرَسِ ونَحْوِهِ فِي أعْنَاقِ الإبِلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي كَرَاهَة الجرس، وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وَالرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَهُوَ مَعْرُوف. وَحكى عِيَاض إسكان الرَّاء والأصوب أَن الَّذِي بِالْفَتْح، مَا علق فِي عنق الدَّابَّة وَغَيره فيصوت، والجرس بالإسكان: الصَّوْت، يُقَال: أجرس إِذا صَوت، وَيجمع على أَجْرَاس، قَوْله: (وَنَحْوه) مثل القلائد من الأوتار كَانُوا يعلقونها على أَعْنَاق الْإِبِل لدفع الْعين على مَا نذكرهُ قَوْله: (فِي أَعْنَاق الْإِبِل) إِنَّمَا خص الْإِبِل بِالذكر لوُرُود الْخَبَر فِيهَا بخصوصها للْغَالِب. ٥٠٠٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرَنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ أنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأنْصَارِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أخْبَرَهُ أنَّهُ كانَ مَعَ رَسولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ قَالَ عَبْدُ الله حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ والنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ فأرْسَلَ رسُولُ الله ﷺ رسُولاً أنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أوْ قِلَادَةٌ إلَاّ قُطِعَتْ. قيل: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على التَّبْوِيب، لِأَنَّهُ لَا ذكر فِيهِ للجرس، وتمحل لَهُ بقول الْخطابِيّ: أَمر بِقطع القلائد لأَنهم كَانُوا يعلقون فِيهَا الْأَجْرَاس. قيل: لَعَلَّ البُخَارِيّ استنبطه من هَذَا. وَأجِيب: بِأَن هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن الحَدِيث نَفسه فِيهِ ذكر الجرس.

стр. 4270

وَالْبُخَارِيّ على عَادَته يحِيل على أَطْرَاف الحَدِيث فِي التَّبْوِيب. بَيَانه مَا فِي (الموطآت) للدارقطني من رِوَايَة عُثْمَان بن عمر عَن مَالك عَن عبد الله عَن عباد عَن أبي بشير السَّاعِدِيّ، وَفِيه: وَلَا جرس فِي عنق بعير إلَاّ قطع. قلت: رد الْوَجْه الأول لَيْسَ لَهُ وَجه، لِأَن الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ من رِوَايَة عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك لَيْسَ فِيهِ ذكر الجرس، وَإِنَّمَا ذكره فِي الطَّرِيق الَّذِي رَوَاهُ عُثْمَان بن عمر عَن مَالك، وَمَا قيل فِي وَجه الْمُطَابقَة بقول الْخطابِيّ أوجه، لِأَن الجرس لَا يعلق فِي أَعْنَاق الْإِبِل إلَاّ بعلاقة، وَهِي الْوتر وَنَحْوه، فَذكر البُخَارِيّ الجرس الَّذِي يعلق بالقلادة، فَإِذا ورد النَّهْي عَن تَعْلِيق القلائد فِي أَعْنَاق الْإِبِل يدْخل فِيهِ النَّهْي عَن الجرس بِالضَّرُورَةِ، وَالْأَصْل هُوَ النَّهْي عَن الجرس، أَلا ترى أَنه ورد: أَن الْمَلَائِكَة لَا تصْحَب رفْقَة فِيهَا جرس؟ وَلِأَنَّهُ يشبه الناقوس. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف أَبُو مُحَمَّد التنيسِي، أَصله من دمشق. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: عبد الله ابْن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عمر بن حزم. الرَّابِع: عباد، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن تَمِيم الْأنْصَارِيّ، مر فِي الْوضُوء. الْخَامِس: أَبُو بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: الْأنْصَارِيّ، وَذكره الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِيمَن لَا يعرف اسْمه، وَقيل: اسْمه قيس بن عبد الْحَرِير تَصْغِير حَرِير بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالراءين الْمُهْمَلَتَيْنِ، مَاتَ بعد الْحرَّة، وَهُوَ من المعمرين. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو بشير الْأنْصَارِيّ الْمَازِني، وَقيل: السَّاعِدِيّ، شهد بيعَة الرضْوَان، وَقَالَ أَبُو عمر: أَبُو بشير الْأنْصَارِيّ قيل: الْمَازِني الْأنْصَارِيّ، وَقيل: السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، وَقيل: الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ، لَا يُوقف لَهُ على اسْم صَحِيح وَلَا سَمَّاهُ من يوثق بِهِ ويعتمد عَلَيْهِ، وَقد قيل: اسْمه قيس بن عبيد من بني النجار، وَلَا يَصح. وَالله أعلم. وَقيل: مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ، وَالأَصَح أَنه مَاتَ بعد الْحرَّة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: ثَلَاثَة مدنيون: مَالك وَشَيْخه وَشَيخ شَيْخه، وَثَلَاثَة أنصاريون وهم: عبد الله وَعباد وَأَبُو بشر. وَفِيه: تابعيان. وهما: عبد الله وَعباد. وَفِيه: أَنه لَيْسَ لأبي بشير فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن قُتَيْبَة عَن مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عباد بن تَمِيم عَن رجل من الْأَنْصَار بِهِ، وَلم يقل عَن أبي بشير. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بعض أَسْفَاره) ، لم يُعينهُ أحد من الشُّرَّاح. قَوْله: (قَالَ عبد الله) ، هُوَ عبد الله بن أبي بكر، الرَّاوِي، وَكَأَنَّهُ شكّ فِي قَوْله: (أَنه) قَالَ: فلأجل هَذَا قَالَ: حسبت. قَوْله: (فَأرْسل رَسُول الله، ﷺ قَالَ ابْن عبد الْبر، فِي رِوَايَة روح بن عبَادَة عَن مَالك: أرسل مَوْلَاهُ زيدا. قَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ زيد بن حَارِثَة. قَوْله: (قلادة من وتر أَو قلادة) ، كَذَا وَقع هُنَا بِكَلِمَة: أَو، للشَّكّ أَو للتنويع، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن القعْنبِي بِلَفْظ: (وَلَا قلادة) ، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، قَوْله: (وتر) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: رُبمَا صحف من لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: وبر، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَحكى ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ أَنه جزم بذلك، وَقَالَ: وَهُوَ مَا ينْزع من الْجمال يشبه الصُّوف. قَالَ ابْن التِّين: فصحف. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَفِي المُرَاد بالأوتار ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم كَانُوا يقلدون الْإِبِل أوتار القسي لِئَلَّا تصيبها الْعين بزعمهم، فَأمروا بقطعها إعلاماً بِأَن الأوتار لَا ترد من أَمر الله تَعَالَى شَيْئا. الثَّانِي: لِئَلَّا تختنق الدَّابَّة بهَا عِنْد الركض، ويحكى ذَلِك عَن مُحَمَّد بن الْحسن من أَصْحَابنَا، وَعَن أبي عبيد مَا يرجحه فَإِنَّهُ قَالَ: نهى عَن ذَلِك لِأَن الدَّوَابّ تتأذى بذلك ويضيق عَلَيْهَا نَفسهَا ورعيها، وَرُبمَا تعلّقت بشجرة فاختنقت أَو تعوقت عَن السّير. الثَّالِث: أَنهم كَانُوا يعلقون فِيهَا الْأَجْرَاس، وَيدل عَلَيْهِ تبويب البُخَارِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقد حمل النَّضر بن شُمَيْل الأوتار فِي هَذَا الحَدِيث على معنى: التار، فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَا تَطْلُبُوا بهَا دُخُول الْجَاهِلِيَّة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا تَأْوِيل بعيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ضَعِيف وَمَال وَكِيع إِلَى قَول النَّضر، فَقَالَ: الْمَعْنى لَا تركبوا الْخَيل فِي الْفِتَن فَإِن من ركبهَا لم يسلم أَن يتَعَلَّق بِهِ وتر يطْلب بِهِ. فَإِن قلت: الْكَرَاهَة فِي الجرس لماذا؟ قلت: لما رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه

стр. 4271

عَن أبي هُرَيْرَة، رَفعه: الجرس مزمار الشَّيْطَان، وَهَذَا يدل على أَن الْكَرَاهَة فِيهِ لصورته لِأَن فِيهِ شبها بِصَوْت الناقوس وشكله. فَإِن قلت: الْكَرَاهَة فِيهِ للتَّحْرِيم أَو للتنزيه؟ قلت: قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيره: الْجُمْهُور على النَّهْي كَرَاهَة تَنْزِيه، وَقيل: كَرَاهَة تَحْرِيم، وَقيل: يمْنَع مِنْهُ قبل الْحَاجة، وَيجوز إِذا وَقعت الْحَاجة. وَعَن مَالك: تخْتَص الْكَرَاهَة من القلائد بالوتر وَيجوز بغَيْرهَا إِذا لم يقْصد دفع الْعين، هَذَا كُله فِي تَعْلِيق التمائم وَغَيرهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآن وَنَحْوه، فَأَما مَا فِيهِ ذكر الله فَلَا نهي عَنهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَجْعَل للتبرك لَهُ والتعوذ بأسمائه وَذكره، وَكَذَلِكَ لَا نهي عَمَّا يعلق لأجل الزِّينَة مَا لم يبلغ الْخُيَلَاء أَو السَّرف. وَاخْتلفُوا فِي تَعْلِيق الجرس أَيْضا، فَقيل: لَا يجوز أصلا، وَقيل: يجوز عِنْد الْحَاجة والضرورة، وَقيل: يجوز فِي الصَّغِير دون الْكَبِير. فَإِن قلت: تَقْلِيد الأوتار هَل هُوَ مَخْصُوص بِالْإِبِلِ، على مَا فِي الحَدِيث، أم لَا؟ قلت: قد ذكرنَا أَن تَخْصِيص الْإِبِل بِالذكر فِيهِ للْغَالِب، وَقد روى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي وهب الجياني رَفعه: إربطوا الْخَيل وقلدوها وَلَا تقلدوها الأوتار، فَدلَّ على أَن لَا اخْتِصَاص لِلْإِبِلِ. (بَاب من اكتتب فِي جَيش فَخرجت امْرَأَته حَاجَة وَكَانَ لَهُ عذر هَل يُؤذن لَهُ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من خبر من اكتتب فِي جَيش واكتتب بِلَفْظ الْمَعْلُوم والمجهول يُقَال اكتتب فلَان إِذا كتب نَفسه فِي ديوَان السُّلْطَان قَوْله " حَاجَة " نصب على الْحَال قَوْله " أَو كَانَ لَهُ عذر " أَي أَو كَانَ لَهُ عذر غير ذَلِك هَل يُؤذن لَهُ بِالْحَجِّ مَعهَا وَجَوَاب من يعلم من الحَدِيث ٢١٠ - (حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو عَن أبي معبد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سمع النَّبِي ﷺ َ - يَقُول لَا يخلون رجل بِامْرَأَة وَلَا تسافرن امْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا محرم فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله اكتتبت فِي غَزْوَة كَذَا وَكَذَا وَخرجت امْرَأَتي حَاجَة قَالَ اذْهَبْ فحج مَعَ امْرَأَتك) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله اذْهَبْ فحج مَعَ امْرَأَتك لِأَنَّهُ اكتتب فِي جَيش وأرادت امْرَأَته أَن تحج الْفَرْض فَأذن لَهُ ﷺ َ - أَن يحجّ مَعَ امْرَأَته لِأَنَّهُ اجْتمع لَهُ مَعَ حج التَّطَوُّع فِي حَقه تَحْصِيل حج الْفَرْض لامْرَأَته فَكَانَ اجْتِمَاع ذَلِك لَهُ أفضل من مُجَرّد الْجِهَاد الَّذِي يحصل الْمَقْصُود مِنْهُ بِغَيْرِهِ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار وَأَبُو معبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة اسْمه نَافِذ بالنُّون وَالْفَاء والذال الْمُعْجَمَة مولى عبد الله بن عَبَّاس والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْمحصر فِي بَاب حج النِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن أبي معبد إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَا قَوْله " فحج " ويروى فاحجج بفك الْإِدْغَام (بَاب الجاسوس) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الجاسوس إِذا كَانَ من جِهَة الْكفَّار ومشروعيته إِذا كَانَ من جِهَة الْمُسلمين والجاسوس على وزن فاعول من التَّجَسُّس وَهُوَ التفتيش عَن بواطن الْأُمُور (التَّجَسُّس التبحث) هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة والتبحث من بَاب التفعل من الْبَحْث وَهُوَ التفتيش وَمِنْه بحث الْفَقِيه لِأَنَّهُ يفتش عَن أصل الْمسَائِل (وَقَول الله تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ ) وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على لفظ الجاسوس قَالَ الْمُفَسِّرُونَ نزلت فِي حَاطِب بن أبي بلتعة وقصته تَأتي عَن قريب ومناسبة ذكر هَذِه الْآيَة هُنَا هِيَ أَنه ينتزع مِنْهَا حكم جاسوس الْكفَّار يعلم ذَلِك من قصَّة حَاطِب قَوْله " عدوي " أَي عَدو ديني وَعَدُوكُمْ

стр. 4272

عطف عَلَيْهِ وأولياء مفعول ثَان لقَوْله لَا تَتَّخِذُوا والعدو فعول من عدا كعفو من عَفا ولكونه على زنة الْمصدر أوقع على الْجمع إِيقَاعه على الْوَاحِد ٢١١ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار سمعته مِنْهُ مرَّتَيْنِ قَالَ أَخْبرنِي حسن بن مُحَمَّد قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله بن أبي رَافع قَالَ سَمِعت عليا ﵁ يَقُول بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ َ - أَنا وَالزُّبَيْر والمقداد بن الْأسود قَالَ انْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة وَمَعَهَا كتاب فَخُذُوهُ مِنْهَا فَانْطَلَقْنَا تعادي بِنَا خَيْلنَا حَتَّى انتهينا إِلَى الرَّوْضَة فَإِذا نَحن بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكتاب فَقَالَت مَا معي من كتاب فَقُلْنَا لتخْرجن الْكتاب أَو لنلقين الثِّيَاب فَأَخْرَجته من عقاصها فأتينا بِهِ رَسُول الله ﷺ َ - فَإِذا فِيهِ من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أنَاس من الْمُشْركين من أهل مَكَّة يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يَا حَاطِب مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُول الله لَا تعجل عَليّ إِنِّي كنت امْرَءًا مُلْصقًا فِي قُرَيْش وَلم أكن من أَنْفسهَا وَكَانَ من مَعَك من الْمُهَاجِرين لَهُم قَرَابَات بِمَكَّة يحْمُونَ بهَا أَهْليهمْ وَأَمْوَالهمْ فَأَحْبَبْت إِذْ فَاتَنِي ذَلِك من النّسَب فيهم أَن أَتَّخِذ عِنْدهم يدا يحْمُونَ بهَا قَرَابَتي وَمَا فعلت كفرا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رضَا بالْكفْر بعد الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لقد صدقكُم قَالَ عمر يَا رَسُول الله دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق قَالَ إِنَّه قد شهد بَدْرًا وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله أَن يكون قد اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم قَالَ سُفْيَان وَأي إِسْنَاد هَذَا) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن تِلْكَ الظعينة الَّتِي مَعهَا كتاب كَانَ حكمهَا حكم الجاسوس وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز قتل جاسوس الْكفَّار. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الاول عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ. الرَّابِع حسن بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَبُو مُحَمَّد الْهَاشِمِي الْمدنِي مَاتَ فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. الْخَامِس عبيد الله بِضَم الْعين ابْن أبي رَافع واسْمه أسلم مولى رَسُول الله ﷺ َ -. السَّادِس عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي التَّفْسِير عَن الْحميدِي وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عمر وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعبيد الله بن سعد السَّرخسِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " رَوْضَة خَاخ " بخاءين معجمتين بَينهمَا ألف وَقَالَ السُّهيْلي كَانَ هشيم يصحفها فَيَقُول خاج بخاء وجيم وَذكر البُخَارِيّ أَن أَبَا عوَانَة كَانَ يَقُولهَا كَمَا يَقُول هشيم وَذكر ياقوت مائَة وَثَلَاثِينَ رَوْضَة فِي بِلَاد الْعَرَب مِنْهَا رَوْضَة خَاخ وَهُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة قَوْله " ظَعِينَة " بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَهِي الْمَرْأَة فِي الهودج وَلَا يُقَال ظَعِينَة إِلَّا وَهِي كَذَلِك لِأَنَّهَا تظعن بارتحال الزَّوْج وَقيل أَصْلهَا الهودج وَسميت بِهِ الْمَرْأَة لِأَنَّهَا تكون فِيهِ وَقَالَ ابْن فَارس الظعينة الْمَرْأَة وَهُوَ من بَاب الِاسْتِعَارَة وَأما الظعائن فالهوادج كَانَت فِيهَا نسَاء أَو لم تكن وَكَانَ اسْمهَا سارة وَقيل أم سارة وَقيل كنُود مولاة لقريش وَقيل

стр. 4273

لعمران بن صَيْفِي وَقيل كَانَت من مزينة من أهل العرج وَفِي الإكليل للْحَاكِم وَكَانَت مغنية نواحة تغني بِهِجَاء رَسُول الله ﷺ َ - فَأمر بهَا يَوْم الْفَتْح فقتلت وَذكرهَا أَبُو نعيم وَابْن مَنْدَه فِي جملَة الصحابيات وَوَقع فِي كتاب الْأَحْكَام للْقَاضِي إِسْمَاعِيل فِي قصَّة حَاطِب قَالَ للَّذين أرسلهم أَن بهَا امْرَأَة من الْمُسلمين مَعهَا كتاب إِلَى الْمُشْركين وَأَنَّهُمْ لما أَرَادوا أَن يخلعوا ثِيَابهَا قَالَت أولستم مُسلمين انْتهى وَهَذَا مُشكل لِأَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - لما دخل مَكَّة ذكرهَا فِي المستثنين بِالْقَتْلِ وَبِمَا قَالَ الْحَاكِم أَيْضا وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكر أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فَإِن بهَا امْرَأَة من الْمُشْركين وَقَالَ الواحدي قَالَ جمَاعَة الْمُفَسّرين أَن هَذِه الْآيَة يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ نزلت فِي حَاطِب بن أبي بلتعة وَذَلِكَ أَن سارة مولاة أبي عَمْرو بن صَيْفِي بن هَاشم بن عبد منَاف أَتَت رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى الْمَدِينَة من مَكَّة وَهُوَ يتجهز لفتح مَكَّة فَقَالَ مَا جَاءَ بك قَالَت الْحَاجة قَالَ فَأَيْنَ أَنْت عَن شباب أهل مَكَّة وَكَانَت مغنية قَالَت مَا طلب مني شَيْء بعد وقْعَة بدر فكساها وَحملهَا وأتاها حَاطِب بن أبي بلتعة كتب مَعهَا كتابا إِلَى أهل مَكَّة وَأَعْطَاهَا عشرَة دَنَانِير وَكتب فِي الْكتاب إِلَى أهل مَكَّة أَن رَسُول الله ﷺ َ - يُرِيدكُمْ فَخُذُوا حذركُمْ فَنزل جِبْرِيل ﵊ بخبرها فَبعث عليا وَعمَّارًا وَعمر وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة والمقداد بن الْأسود وَأَبا مرْثَد وَكَانُوا كلهم فُرْسَانًا وَقَالَ انْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة مَعهَا كتاب إِلَى الْمُشْركين فَخُذُوهُ وخلوا سَبِيلهَا فَإِن لم تَدْفَعهُ إِلَيْكُم فاضربوا عُنُقهَا وَفِي تَفْسِير النَّسَفِيّ أَتَت سارة رَسُول الله ﷺ َ - من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة بعد بدر بِسنتَيْنِ وَرَسُول الله ﷺ َ - يتجهز لفتح مَكَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " أَمُسْلِمَة جِئْت قَالَت لَا قَالَ أمهاجرة جِئْت قَالَت لَا قَالَ فَمَا حَاجَتك قَالَت ذهب الموَالِي يَعْنِي قتلوا يَوْم بدر فَاحْتَجت حَاجَة شَدِيدَة فَقدمت عَلَيْكُم لتعطوني وتكسوني وتحملوني فَحَث عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ َ - بني عبد الْمطلب وَبني الْمطلب فَكَسَوْهَا وَحملُوهَا وأعطوها نَفَقَة فَأَتَاهَا حَاطِب فَكتب مَعهَا إِلَى أهل مَكَّة وَأَعْطَاهَا عشرَة دَنَانِير وَكَسَاهَا بردا واستحملها كتابا إِلَى أهل مَكَّة نسخته من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أهل مَكَّة اعلموا أَن رَسُول الله ﷺ َ - يُرِيدكُمْ فَخُذُوا حذركُمْ وَقَالَ السُّهيْلي الْكتاب أما بعد فَإِن رَسُول الله ﷺ َ - قد توجه إِلَيْكُم فِي جَيش كالليل يسير كالسيل وَأقسم بِاللَّه لَو لم يسر إِلَيْكُم إِلَّا وَحده لأظفره الله بكم وأنجز لَهُ بوعده فِيكُم فَإِن الله وليه وناصره " وَفِي تَفْسِير ابْن سَلام " أَن فِيهِ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ َ - قد نفر إِمَّا إِلَيْكُم وَإِمَّا إِلَى غَيْركُمْ فَعَلَيْكُم الحذر " وَقيل كَانَ فِيهِ أَنه ﷺ َ - آذن فِي النَّاس بالغزو وَلَا أرَاهُ يُرِيد غَيْركُمْ فقد أَحْبَبْت أَن يكون لي عنْدكُمْ يَد بكتابي إِلَيْكُم قَوْله " تعادى بِنَا خَيْلنَا " بِلَفْظ الْمَاضِي أَي تبَاعد وتجارى وبالمضارع بِحَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ قَوْله " أَو لتلْقين الثِّيَاب " قَالَ ابْن التِّين صَوَابه فِي الْعَرَبيَّة بِحَذْف الْيَاء (قلت) الْقيَاس مَا قَالَه لَكِن صحت الرِّوَايَة بِالْيَاءِ فَتَنَاول الكسرة بِأَنَّهَا لمشاكلة لتخْرجن وَبَاب المشاكلة وَاسع فَيجوز كسر الْيَاء وَفتحهَا فالفتحة بِالْحملِ على الْمُؤَنَّث الْغَائِب على طَرِيق الِالْتِفَات من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة قَالَ الْكرْمَانِي ويروى بِفَتْح الْقَاف وَرفع الثِّيَاب قَوْله " فَأَخْرَجته " أَي الْكتاب من عقاصها بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف وبالصاد الْمُهْملَة وَهُوَ الشّعْر المضفور وَيُقَال هِيَ الَّتِي تتَّخذ من شعرهَا مثل الْوِقَايَة وكل خصْلَة مِنْهُ عقيصة والعقص لي خصلات الشّعْر بعضه على بعض وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ هُوَ لي الشّعْر بعضه على بعض على الرَّأْس وَيدخل أَطْرَافه فِي أُصُوله قَالَ وَيُقَال هِيَ الَّتِي تتَّخذ من شعرهَا مثل الرمانة قَالَ وَقيل العقاص هُوَ الْخَيط الَّذِي يجمع فِيهِ أَطْرَاف الذوائب وعقص الشّعْر ضفره وَيُقَال العقاص السّير الَّذِي يجمع بِهِ شعرهَا على رَأسهَا والعقص الضفر والضفر الفتل وَقَالَ ابْن بطال وَفِي رِوَايَة أخرجته من حجزَتهَا قَوْله " فأتينا بِهِ " أَي بِالْكتاب ويروى بهَا أَي بالصحيفة قَالَ الْكرْمَانِي أَو بِالْمَرْأَةِ قلت فِيهِ نظر لأَنا قد ذكرنَا عَن الواحدي أَن فِي رِوَايَته مَعهَا كتاب إِلَى الْمُشْركين فَخُذُوهُ فَخلوا سَبِيلهَا قَوْله " إِلَى أنَاس من الْمُشْركين " قَالَ الْكرْمَانِي هُوَ كَلَام الرَّاوِي وضع مَوضِع إِلَى فلَان وَفُلَان الْمَذْكُورين فِي الْكتاب قلت لم يطلع الْكرْمَانِي على أَسمَاء الْمَكْتُوب إِلَيْهِم فَلذَلِك قَالَ هَكَذَا وَالَّذين كتب إِلَيْهِم هم صَفْوَان بن أُميَّة وَسُهيْل بن عَمْرو وَعِكْرِمَة بن أبي جهل قَوْله " مُلْصقًا فِي قُرَيْش " أَي مُضَافا إِلَيْهِم وَلست مِنْهُم وأصل ذَلِك من إلصاق الشَّيْء بِغَيْرِهِ لَيْسَ مِنْهُ وَلذَلِك قيل للدعي فِي الْقَوْم ملصق وَقيل مَعْنَاهُ حليفا وَلم يكن من نفس قُرَيْش وأقربائهم قَوْله " وَكَانَ مَعَك " كَذَا فِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة

стр. 4274

وَعند مُسلم مِمَّن مَعَك بِزِيَادَة من وَالصَّوَاب إِسْقَاطهَا لِأَن من لَا تزاد فِي الْمُوجب عِنْد الْبَصرِيين وَأَجَازَهُ بعض الْكُوفِيّين قَوْله " إِذْ فَاتَنِي ذَلِك " كلمة إِذْ بِمَعْنى حِين وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى قَوْله لَهُم قَرَابَات يحْمُونَ بهَا أَهْليهمْ وأمولهم قَوْله " أَن أَتَّخِذ " كلمة أَن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول أَحْبَبْت قَوْله " يدا " أَي نعْمَة ومنة عَلَيْهِم قَوْله " كفرا " نصب على التَّمْيِيز وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ قَوْله " هَذَا الْمُنَافِق " إِنَّمَا أطلق عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْم النِّفَاق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ والى كفار قُرَيْش وَبَاطِنهمْ وَإِنَّمَا فعل حَاطِب ذَلِك متأولا فِي غير ضَرَر لرَسُول الله ﷺ َ - وَعلم الله صدق نِيَّته فَنَجَّاهُ من ذَلِك وَقَالَ الْحَافِظ قَالَ عمر دَعْنِي أضْرب عُنُقه يَعْنِي كفر وَقَالَ الباقلاني فِي قَضِيَّة هَذَا الْكتاب هَذِه اللَّفْظَة لَيست بمعروفة قيل يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بهَا كفر النِّعْمَة وَقَالَ ابْن التِّين يحْتَمل أَن يكون قَول عمر هَذَا قبل قَوْله ﷺ َ - لقد صدقكُم وَقد أثبت الله لَهُ الْإِيمَان فِي قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ﴾ الْآيَة وَكَانَت أمه بِمَكَّة فَأَرَادَ أَن يحفظوها فِيهَا وَعَن الطَّبَرِيّ كَانَ هَذَا من حَاطِب هفوة وَقد قَالَ ﷺ َ - فِيمَا روته عمْرَة عَن عَائِشَة أقيلوا ذَوي الهيئات عثراتهم قَالَ فَإِن ظن ظان أَن صفحه عَنهُ كَانَ لما أعلم الله من صدقه فَلَا يجوز لمن بعد الرَّسُول أَن يعلم ذَلِك فَإِن ظن فقد ظن خطأ لِأَن أَحْكَام الله فِي عباده إِنَّمَا تجْرِي على مَا ظهر مِنْهُم لَا بِمَا يظنّ قَوْله " لَعَلَّ الله " كلمة لَعَلَّ اسْتعْملت اسْتِعْمَال عَسى قَالَ النَّوَوِيّ معنى الترجي فِيهَا رَاجع إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لِأَن وُقُوع هَذَا الْأَمر مُحَقّق عِنْده ﷺ َ - وَمَا يدْريك على التَّحْقِيق بعثا لَهُ على التفكر والتأمل وَمَعْنَاهُ أَن الغفران لَهُم فِي الْآخِرَة وَإِلَّا فَلَو توجه على أحد مِنْهُم حد استوفي مِنْهُ قَوْله " اعْمَلُوا مَا شِئْتُم " ظَاهره الِاسْتِقْبَال وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لَيْسَ هُوَ على الِاسْتِقْبَال وَإِنَّمَا هُوَ للماضي تَقْدِيره اعْمَلُوا مَا شِئْتُم أَي عمل كَانَ لكم فقد غفر وَيدل على هَذَا شَيْئا أَحدهمَا أَنه لَو كَانَ للمستقبل كَانَ جَوَابه فسأغفر وَالثَّانِي أَنه يكون إطلاقا فِي الذُّنُوب وَلَا وَجه لذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا التَّأْوِيل وَإِن كَانَ حسنا لَكِن فِيهِ بعد لِأَن اعْمَلُوا صِيغَة أَمر وَهِي مَوْضُوعَة للاستقبال وَلم تضع الْعَرَب قطّ صِيغَة الْأَمر مَوضِع الْمَاضِي لَا بِقَرِينَة وَلَا بِغَيْر قرينَة كَذَا نَص عَلَيْهِ النحويون وَصِيغَة الْأَمر إِذا وَردت بِمَعْنى الْإِبَاحَة إِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى الْإِنْشَاء والابتداء لَا بِمَعْنى الْمَاضِي فَكَانَ كَقَوْل الْقَائِل أَنْت وَكيلِي وَقد جعلت لَك التَّصَرُّف كَيفَ شِئْت فَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِطْلَاق التَّصَرُّف من وَقت التَّوْكِيل لَا قبل ذَلِك قَالَ وَقد ظهر لي وَجه وَهُوَ أَن هَذَا الْخطاب خطاب إكرام وتشريف يتَضَمَّن أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم حصلت لَهُم حَالَة غفرت بهَا ذنوبهم السالفة وتأهلوا أَن يغْفر لَهُم ذنُوب مستأنفة إِن وَقعت مِنْهُم لَا أَنهم نجزت لَهُم فِي ذَلِك الْوَقْت مغْفرَة الذُّنُوب اللاحقة بل لَهُم صَلَاحِية أَن يغْفر لَهُم مَا عساه أَن يَقع وَلَا يلْزم من وجود الصلاحية لشَيْء مَا وجود ذَلِك الشَّيْء إِذْ لَا يلْزم من وجود أَهْلِيَّة الْخلَافَة وجودهَا لكل من وجدت مِنْهُ أهليتها وَكَذَلِكَ الْقَضَاء وَغَيره وعَلى هَذَا فَلَا يَأْمَن من حصلت لَهُ أَهْلِيَّة الْمَغْفِرَة من الْمُؤَاخَذَة على مَا عساه أَن يَقع من الذُّنُوب ثمَّ أَن الله أظهر صدق رَسُوله فِي كل من أخبر عَنهُ بِشَيْء من ذَلِك فَإِنَّهُم لم يزَالُوا على أَعمال أهل الْجنَّة إِلَى أَن توفوا وَمن وَقع مِنْهُم فِي أَمر مَا أَو مُخَالفَة لَجأ إِلَى تَوْبَة ولازمها حَتَّى لَقِي الله عَلَيْهَا يعلم ذَلِك قطعا من حَالهم من طالع سيرهم وأخبارهم قَوْله " قَالَ سُفْيَان " وَأي إِسْنَاد هَذَا أَرَادَ بِهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة تَعْظِيم هَذَا الْإِسْنَاد وَصِحَّته وقوته لِأَن رِجَاله هم الأكابر الْعُدُول الثِّقَات الْحفاظ (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ هتك سر الجاسوس رجلا كَانَ أَو امْرَأَة إِذا كَانَت فِي ذَلِك مصلحَة أَو كَانَ فِي السّتْر مفْسدَة وَقَالَ الدَّاودِيّ الجاسوس يقتل وَإِنَّمَا نفى الْقَتْل عَن حَاطِب لما علم النَّبِي ﷺ َ - مِنْهُ وَلَكِن مَذْهَب الشَّافِعِي وَطَائِفَة أَن الجاسوس الْمُسلم يُعَزّر وَلَا يجوز قَتله وَإِن كَانَ ذَا هَيْئَة عُفيَ عَنهُ لهَذَا الحَدِيث وَعَن أبي حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ يوجع عُقُوبَة ويطال حَبسه وَقَالَ ابْن وهب من الْمَالِكِيَّة يقتل إِلَّا أَن يَتُوب وَعَن بَعضهم أَنه يقتل إِذا كَانَت عَادَته ذَلِك وَبِه قَالَ ابْن الْمَاجشون وَقَالَ ابْن الْقَاسِم يضْرب عُنُقه لِأَنَّهُ لَا تعرف تَوْبَته وَبِه قَالَ سَحْنُون وَمن قَالَ بقتْله فقد خَالف الحَدِيث وأقوال الْمُتَقَدِّمين وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فَإِن كَانَ كَافِرًا يكون ناقضا للْعهد وَقَالَ أصبغ الجاسوس الْحَرْبِيّ يقتل وَالْمُسلم وَالذِّمِّيّ

стр. 4275

يعاقبان إِلَّا أَن يظاهرا على الْإِسْلَام فيقتلان وَفِيه كَمَا قَالَ الطَّبَرِيّ إِذا ظهر للْإِمَام رجل من أهل السّتْر أَنه قد كَاتب عدوا من الْمُشْركين ينذره مِمَّا أسره الْمُسلمُونَ فيهم من عزم وَلم يكن مَعْرُوفا بالغش لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَكَانَ ذَلِك من فعله هفوة وزلة من غير أَن يكون لَهَا أَخَوَات يجوز الْعَفو عَنهُ كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ َ - بحاطب من عَفوه عَن جرمه بَعْدَمَا اطلع عَلَيْهِ من فعله وَفِيه الْبَيَان عَن بعض أَعْلَام النُّبُوَّة وَذَلِكَ إِعْلَام الله تَعَالَى نبيه ﷺ َ - بِخَبَر الْمَرْأَة الحاملة كتاب حَاطِب إِلَى قُرَيْش ومكانها الَّذِي هِيَ بِهِ وَذَلِكَ كُله بِالْوَحْي وَفِيه هتك ستر الْمُرِيب وكشف الْمَرْأَة العاصية وَفِيه أَن الجاسوس لَا يُخرجهُ تجسسه من الْإِيمَان وَفِيه الْحجَّة لترك إِنْفَاذ الْوَعيد من الله لمن شَاءَ ذَلِك لقَوْله ﷺ َ - لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَفِيه جَوَاز غفران مَا تَأَخّر من الذُّنُوب قبل وُقُوعه وَفِيه جَوَاز تَجْرِيد الْعَوْرَة عَن الستْرَة عِنْد الْحَاجة قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ وَفِيه دلَالَة على أَن حكم المتأول فِي اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور خلاف حكم الْمُتَعَمد لاستحلاله من غير تَأْوِيل قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ وَفِيه أَن من أَتَى مَحْظُورًا وَادّعى فِي ذَلِك مَا يحْتَمل التَّأْوِيل كَانَ القَوْل قَوْله فِي ذَلِك وَإِن كَانَ غَالب الظَّن خِلَافه (بَاب الْكسْوَة للأسارى) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْكسْوَة للأسارى قَالَ ابْن التِّين الْكسْوَة بِكَسْر الْكَاف وَضمّهَا وَفِي الْمغرب الْكسْوَة اللبَاس وَالضَّم لُغَة وَجمعه كسى بِالضَّمِّ يُقَال كسوته إِذا ألبسته ثوبا والكاسي خلاف العاري وَجمعه كساة كعراة جمع عَار وَالْأسَارَى جَمِيع أَسِير ٢١٢ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو سمع جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ لما كَانَ يَوْم بدر أُتِي بِأسَارَى وَأتي بِالْعَبَّاسِ وَلم يكن عَلَيْهِ ثوب فَنظر النَّبِي ﷺ َ - لَهُ قَمِيصًا فوجدوا قَمِيص عبد الله بن أبي يقدر عَلَيْهِ فَكَسَاهُ النَّبِي ﷺ َ - إِيَّاه فَلذَلِك نزع النَّبِي ﷺ َ - قَمِيصه الَّذِي ألبسهُ. قَالَ ابْن عُيَيْنَة كَانَت لَهُ عِنْد النَّبِي ﷺ َ - يَد فَأحب أَن يُكَافِئهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة تَأْخُذ من قَوْله فَكَسَاهُ النَّبِي ﷺ َ - إِيَّاه وَذَلِكَ لِأَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ َ - كَانَ فِي جملَة الْأُسَارَى يَوْم بدر وَكَانَ عُريَانا فَكَسَاهُ النَّبِي ﷺ َ - وَحَدِيث جَابر هَذَا قد مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب هَل يخرج الْمَيِّت من الْقَبْر بأتم من هَذَا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله " فَنظر النَّبِي ﷺ َ - لَهُ " أَي للْعَبَّاس قَمِيصًا أَي نظر يطْلب قَمِيصًا لأَجله فوجدوا قَمِيص عبد الله بن أبي بن سلول وَكَانَ الْعَبَّاس طوَالًا كَأَنَّهُ الْفسْطَاط وَكَانَ أَبوهُ عبد الْمطلب أطول مِنْهُ وَكَانَ ابْنه عبد الله إِذا مَشى مَعَ النَّاس كَأَنَّهُ رَاكب وَالنَّاس مشَاة وَكَانَ الْعَبَّاس أطول مِنْهُ فَلم يَجدوا قَمِيصًا قدره إِلَّا قَمِيص عبد الله بن أبي بن سلول وَهُوَ معنى قَوْله يقدر عَلَيْهِ بِضَم الدَّال من قدرت الثَّوْب عَلَيْهِ قدرا فانقدر أَي جَاءَ على الْمِقْدَار قَوْله " إِيَّاه " أَي قَمِيص عبد الله قَوْله " فَلذَلِك " أَي فلأجل ذَلِك نزع النَّبِي ﷺ َ - قَمِيصه من بدنه فألبسه عبد الله بعد وَفَاته مُكَافَأَة على صَنِيعه وَهُوَ معنى قَوْله قَالَ ابْن عُيَيْنَة أَي سُفْيَان بن عُيَيْنَة كَانَت لَهُ أَي لعبد الله عِنْد النَّبِي ﷺ َ - يَد أَي نعْمَة فَأحب النَّبِي ﷺ َ - أَن يُكَافِئهُ وَفِيه أَن الْمُكَافَأَة تكون فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَمَات وَفِيه كسْوَة الْأُسَارَى وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وَلَا يتركون عُرَاة فتبدو عَوْرَاتهمْ وَلَا يجوز النّظر إِلَى عورات الْمُشْركين - ٣٤١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ أسْلَمَ على يَدَيْهِ رَجُلٌ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أسلم على يَدَيْهِ رجل.
следующие страницы →