Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
عَن أبي هُرَيْرَة، رَفعه: الجرس مزمار الشَّيْطَان، وَهَذَا يدل على أَن الْكَرَاهَة فِيهِ لصورته لِأَن فِيهِ شبها بِصَوْت الناقوس وشكله. فَإِن قلت: الْكَرَاهَة فِيهِ للتَّحْرِيم أَو للتنزيه؟ قلت: قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيره: الْجُمْهُور على النَّهْي كَرَاهَة تَنْزِيه، وَقيل: كَرَاهَة تَحْرِيم، وَقيل: يمْنَع مِنْهُ قبل الْحَاجة، وَيجوز إِذا وَقعت الْحَاجة. وَعَن مَالك: تخْتَص الْكَرَاهَة من القلائد بالوتر وَيجوز بغَيْرهَا إِذا لم يقْصد دفع الْعين، هَذَا كُله فِي تَعْلِيق التمائم وَغَيرهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآن وَنَحْوه، فَأَما مَا فِيهِ ذكر الله فَلَا نهي عَنهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَجْعَل للتبرك لَهُ والتعوذ بأسمائه وَذكره، وَكَذَلِكَ لَا نهي عَمَّا يعلق لأجل الزِّينَة مَا لم يبلغ الْخُيَلَاء أَو السَّرف.
وَاخْتلفُوا فِي تَعْلِيق الجرس أَيْضا، فَقيل: لَا يجوز أصلا، وَقيل: يجوز عِنْد الْحَاجة والضرورة، وَقيل: يجوز فِي الصَّغِير دون الْكَبِير. فَإِن قلت: تَقْلِيد الأوتار هَل هُوَ مَخْصُوص بِالْإِبِلِ، على مَا فِي الحَدِيث، أم لَا؟ قلت: قد ذكرنَا أَن تَخْصِيص الْإِبِل بِالذكر فِيهِ للْغَالِب، وَقد روى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي وهب الجياني رَفعه: إربطوا الْخَيل وقلدوها وَلَا تقلدوها الأوتار، فَدلَّ على أَن لَا اخْتِصَاص لِلْإِبِلِ.
(بَاب من اكتتب فِي جَيش فَخرجت امْرَأَته حَاجَة وَكَانَ لَهُ عذر هَل يُؤذن لَهُ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من خبر من اكتتب فِي جَيش واكتتب بِلَفْظ الْمَعْلُوم والمجهول يُقَال اكتتب فلَان إِذا كتب نَفسه فِي ديوَان السُّلْطَان قَوْله " حَاجَة " نصب على الْحَال قَوْله " أَو كَانَ لَهُ عذر " أَي أَو كَانَ لَهُ عذر غير ذَلِك هَل يُؤذن لَهُ بِالْحَجِّ مَعهَا وَجَوَاب من يعلم من الحَدِيث
٢١٠ - (حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو عَن أبي معبد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سمع النَّبِي ﷺ َ - يَقُول لَا يخلون رجل بِامْرَأَة وَلَا تسافرن امْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا محرم فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله اكتتبت فِي غَزْوَة كَذَا وَكَذَا وَخرجت امْرَأَتي حَاجَة قَالَ اذْهَبْ فحج مَعَ امْرَأَتك) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله اذْهَبْ فحج مَعَ امْرَأَتك لِأَنَّهُ اكتتب فِي جَيش وأرادت امْرَأَته أَن تحج الْفَرْض فَأذن لَهُ ﷺ َ - أَن يحجّ مَعَ امْرَأَته لِأَنَّهُ اجْتمع لَهُ مَعَ حج التَّطَوُّع فِي حَقه تَحْصِيل حج الْفَرْض لامْرَأَته فَكَانَ اجْتِمَاع ذَلِك لَهُ أفضل من مُجَرّد الْجِهَاد الَّذِي يحصل الْمَقْصُود مِنْهُ بِغَيْرِهِ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار وَأَبُو معبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة اسْمه نَافِذ بالنُّون وَالْفَاء والذال الْمُعْجَمَة مولى عبد الله بن عَبَّاس والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْمحصر فِي بَاب حج النِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن أبي معبد إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَا قَوْله " فحج " ويروى فاحجج بفك الْإِدْغَام
(بَاب الجاسوس)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الجاسوس إِذا كَانَ من جِهَة الْكفَّار ومشروعيته إِذا كَانَ من جِهَة الْمُسلمين والجاسوس على وزن فاعول من التَّجَسُّس وَهُوَ التفتيش عَن بواطن الْأُمُور (التَّجَسُّس التبحث) هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة والتبحث من بَاب التفعل من الْبَحْث وَهُوَ التفتيش وَمِنْه بحث الْفَقِيه لِأَنَّهُ يفتش عَن أصل الْمسَائِل (وَقَول الله تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ ) وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على لفظ الجاسوس قَالَ الْمُفَسِّرُونَ نزلت فِي حَاطِب بن أبي بلتعة وقصته تَأتي عَن قريب ومناسبة ذكر هَذِه الْآيَة هُنَا هِيَ أَنه ينتزع مِنْهَا حكم جاسوس الْكفَّار يعلم ذَلِك من قصَّة حَاطِب قَوْله " عدوي " أَي عَدو ديني وَعَدُوكُمْ
стр. 4272
عطف عَلَيْهِ وأولياء مفعول ثَان لقَوْله لَا تَتَّخِذُوا والعدو فعول من عدا كعفو من عَفا ولكونه على زنة الْمصدر أوقع على الْجمع إِيقَاعه على الْوَاحِد
٢١١ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار سمعته مِنْهُ مرَّتَيْنِ قَالَ أَخْبرنِي حسن بن مُحَمَّد قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله بن أبي رَافع قَالَ سَمِعت عليا ﵁ يَقُول بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ َ - أَنا وَالزُّبَيْر والمقداد بن الْأسود قَالَ انْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة وَمَعَهَا كتاب فَخُذُوهُ مِنْهَا فَانْطَلَقْنَا تعادي بِنَا خَيْلنَا حَتَّى انتهينا إِلَى الرَّوْضَة فَإِذا نَحن بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكتاب فَقَالَت مَا معي من كتاب فَقُلْنَا لتخْرجن الْكتاب أَو لنلقين الثِّيَاب فَأَخْرَجته من عقاصها فأتينا بِهِ رَسُول الله ﷺ َ - فَإِذا فِيهِ من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أنَاس من الْمُشْركين من أهل مَكَّة يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يَا حَاطِب مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُول الله لَا تعجل عَليّ إِنِّي كنت امْرَءًا مُلْصقًا فِي قُرَيْش وَلم أكن من أَنْفسهَا وَكَانَ من مَعَك من الْمُهَاجِرين لَهُم قَرَابَات بِمَكَّة يحْمُونَ بهَا أَهْليهمْ وَأَمْوَالهمْ فَأَحْبَبْت إِذْ فَاتَنِي ذَلِك من النّسَب فيهم أَن أَتَّخِذ عِنْدهم يدا يحْمُونَ بهَا قَرَابَتي وَمَا فعلت كفرا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رضَا بالْكفْر بعد الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لقد صدقكُم قَالَ عمر يَا رَسُول الله دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق قَالَ إِنَّه قد شهد بَدْرًا وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله أَن يكون قد اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم قَالَ سُفْيَان وَأي إِسْنَاد هَذَا) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن تِلْكَ الظعينة الَّتِي مَعهَا كتاب كَانَ حكمهَا حكم الجاسوس وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز قتل جاسوس الْكفَّار. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الاول عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ. الرَّابِع حسن بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَبُو مُحَمَّد الْهَاشِمِي الْمدنِي مَاتَ فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. الْخَامِس عبيد الله بِضَم الْعين ابْن أبي رَافع واسْمه أسلم مولى رَسُول الله ﷺ َ -. السَّادِس عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي التَّفْسِير عَن الْحميدِي وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عمر وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعبيد الله بن سعد السَّرخسِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " رَوْضَة خَاخ " بخاءين معجمتين بَينهمَا ألف وَقَالَ السُّهيْلي كَانَ هشيم يصحفها فَيَقُول خاج بخاء وجيم وَذكر البُخَارِيّ أَن أَبَا عوَانَة كَانَ يَقُولهَا كَمَا يَقُول هشيم وَذكر ياقوت مائَة وَثَلَاثِينَ رَوْضَة فِي بِلَاد الْعَرَب مِنْهَا رَوْضَة خَاخ وَهُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة قَوْله " ظَعِينَة " بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَهِي الْمَرْأَة فِي الهودج وَلَا يُقَال ظَعِينَة إِلَّا وَهِي كَذَلِك لِأَنَّهَا تظعن بارتحال الزَّوْج وَقيل أَصْلهَا الهودج وَسميت بِهِ الْمَرْأَة لِأَنَّهَا تكون فِيهِ وَقَالَ ابْن فَارس الظعينة الْمَرْأَة وَهُوَ من بَاب الِاسْتِعَارَة وَأما الظعائن فالهوادج كَانَت فِيهَا نسَاء أَو لم تكن وَكَانَ اسْمهَا سارة وَقيل أم سارة وَقيل كنُود مولاة لقريش وَقيل
стр. 4273
لعمران بن صَيْفِي وَقيل كَانَت من مزينة من أهل العرج وَفِي الإكليل للْحَاكِم وَكَانَت مغنية نواحة تغني بِهِجَاء رَسُول الله ﷺ َ - فَأمر بهَا يَوْم الْفَتْح فقتلت وَذكرهَا أَبُو نعيم وَابْن مَنْدَه فِي جملَة الصحابيات وَوَقع فِي كتاب الْأَحْكَام للْقَاضِي إِسْمَاعِيل فِي قصَّة حَاطِب قَالَ للَّذين أرسلهم أَن بهَا امْرَأَة من الْمُسلمين مَعهَا كتاب إِلَى الْمُشْركين وَأَنَّهُمْ لما أَرَادوا أَن يخلعوا ثِيَابهَا قَالَت أولستم مُسلمين انْتهى وَهَذَا مُشكل لِأَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - لما دخل مَكَّة ذكرهَا فِي المستثنين بِالْقَتْلِ وَبِمَا قَالَ الْحَاكِم أَيْضا وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكر أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فَإِن بهَا امْرَأَة من الْمُشْركين وَقَالَ الواحدي قَالَ جمَاعَة الْمُفَسّرين أَن هَذِه الْآيَة يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ نزلت فِي حَاطِب بن أبي بلتعة وَذَلِكَ أَن سارة مولاة أبي عَمْرو بن صَيْفِي بن هَاشم بن عبد منَاف أَتَت رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى الْمَدِينَة من مَكَّة وَهُوَ يتجهز لفتح مَكَّة فَقَالَ مَا جَاءَ بك قَالَت الْحَاجة قَالَ فَأَيْنَ أَنْت عَن شباب أهل مَكَّة وَكَانَت مغنية قَالَت مَا طلب مني شَيْء بعد وقْعَة بدر فكساها وَحملهَا وأتاها حَاطِب بن أبي بلتعة كتب مَعهَا كتابا إِلَى أهل مَكَّة وَأَعْطَاهَا عشرَة دَنَانِير وَكتب فِي الْكتاب إِلَى أهل مَكَّة أَن رَسُول الله ﷺ َ - يُرِيدكُمْ فَخُذُوا حذركُمْ فَنزل جِبْرِيل ﵊ بخبرها فَبعث عليا وَعمَّارًا وَعمر وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة والمقداد بن الْأسود وَأَبا مرْثَد وَكَانُوا كلهم فُرْسَانًا وَقَالَ انْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة مَعهَا كتاب إِلَى الْمُشْركين فَخُذُوهُ وخلوا سَبِيلهَا فَإِن لم تَدْفَعهُ إِلَيْكُم فاضربوا عُنُقهَا وَفِي تَفْسِير النَّسَفِيّ أَتَت سارة رَسُول الله ﷺ َ - من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة بعد بدر بِسنتَيْنِ وَرَسُول الله ﷺ َ - يتجهز لفتح مَكَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " أَمُسْلِمَة جِئْت قَالَت لَا قَالَ أمهاجرة جِئْت قَالَت لَا قَالَ فَمَا حَاجَتك قَالَت ذهب الموَالِي يَعْنِي قتلوا يَوْم بدر فَاحْتَجت حَاجَة شَدِيدَة فَقدمت عَلَيْكُم لتعطوني وتكسوني وتحملوني فَحَث عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ َ - بني عبد الْمطلب وَبني الْمطلب فَكَسَوْهَا وَحملُوهَا وأعطوها نَفَقَة فَأَتَاهَا حَاطِب فَكتب مَعهَا إِلَى أهل مَكَّة وَأَعْطَاهَا عشرَة دَنَانِير وَكَسَاهَا بردا واستحملها كتابا إِلَى أهل مَكَّة نسخته من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أهل مَكَّة اعلموا أَن رَسُول الله ﷺ َ - يُرِيدكُمْ فَخُذُوا حذركُمْ وَقَالَ السُّهيْلي الْكتاب أما بعد فَإِن رَسُول الله ﷺ َ - قد توجه إِلَيْكُم فِي جَيش كالليل يسير كالسيل وَأقسم بِاللَّه لَو لم يسر إِلَيْكُم إِلَّا وَحده لأظفره الله بكم وأنجز لَهُ بوعده فِيكُم فَإِن الله وليه وناصره " وَفِي تَفْسِير ابْن سَلام " أَن فِيهِ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ َ - قد نفر إِمَّا إِلَيْكُم وَإِمَّا إِلَى غَيْركُمْ فَعَلَيْكُم الحذر " وَقيل كَانَ فِيهِ أَنه ﷺ َ - آذن فِي النَّاس بالغزو وَلَا أرَاهُ يُرِيد غَيْركُمْ فقد أَحْبَبْت أَن يكون لي عنْدكُمْ يَد بكتابي إِلَيْكُم قَوْله " تعادى بِنَا خَيْلنَا " بِلَفْظ الْمَاضِي أَي تبَاعد وتجارى وبالمضارع بِحَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ قَوْله " أَو لتلْقين الثِّيَاب " قَالَ ابْن التِّين صَوَابه فِي الْعَرَبيَّة بِحَذْف الْيَاء (قلت) الْقيَاس مَا قَالَه لَكِن صحت الرِّوَايَة بِالْيَاءِ فَتَنَاول الكسرة بِأَنَّهَا لمشاكلة لتخْرجن وَبَاب المشاكلة وَاسع فَيجوز كسر الْيَاء وَفتحهَا فالفتحة بِالْحملِ على الْمُؤَنَّث الْغَائِب على طَرِيق الِالْتِفَات من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة قَالَ الْكرْمَانِي ويروى بِفَتْح الْقَاف وَرفع الثِّيَاب قَوْله " فَأَخْرَجته " أَي الْكتاب من عقاصها بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف وبالصاد الْمُهْملَة وَهُوَ الشّعْر المضفور وَيُقَال هِيَ الَّتِي تتَّخذ من شعرهَا مثل الْوِقَايَة وكل خصْلَة مِنْهُ عقيصة والعقص لي خصلات الشّعْر بعضه على بعض وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ هُوَ لي الشّعْر بعضه على بعض على الرَّأْس وَيدخل أَطْرَافه فِي أُصُوله قَالَ وَيُقَال هِيَ الَّتِي تتَّخذ من شعرهَا مثل الرمانة قَالَ وَقيل العقاص هُوَ الْخَيط الَّذِي يجمع فِيهِ أَطْرَاف الذوائب وعقص الشّعْر ضفره وَيُقَال العقاص السّير الَّذِي يجمع بِهِ شعرهَا على رَأسهَا والعقص الضفر والضفر الفتل وَقَالَ ابْن بطال وَفِي رِوَايَة أخرجته من حجزَتهَا قَوْله " فأتينا بِهِ " أَي بِالْكتاب ويروى بهَا أَي بالصحيفة قَالَ الْكرْمَانِي أَو بِالْمَرْأَةِ قلت فِيهِ نظر لأَنا قد ذكرنَا عَن الواحدي أَن فِي رِوَايَته مَعهَا كتاب إِلَى الْمُشْركين فَخُذُوهُ فَخلوا سَبِيلهَا قَوْله " إِلَى أنَاس من الْمُشْركين " قَالَ الْكرْمَانِي هُوَ كَلَام الرَّاوِي وضع مَوضِع إِلَى فلَان وَفُلَان الْمَذْكُورين فِي الْكتاب قلت لم يطلع الْكرْمَانِي على أَسمَاء الْمَكْتُوب إِلَيْهِم فَلذَلِك قَالَ هَكَذَا وَالَّذين كتب إِلَيْهِم هم صَفْوَان بن أُميَّة وَسُهيْل بن عَمْرو وَعِكْرِمَة بن أبي جهل قَوْله " مُلْصقًا فِي قُرَيْش " أَي مُضَافا إِلَيْهِم وَلست مِنْهُم وأصل ذَلِك من إلصاق الشَّيْء بِغَيْرِهِ لَيْسَ مِنْهُ وَلذَلِك قيل للدعي فِي الْقَوْم ملصق وَقيل مَعْنَاهُ حليفا وَلم يكن من نفس قُرَيْش وأقربائهم قَوْله " وَكَانَ مَعَك " كَذَا فِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة
стр. 4274
وَعند مُسلم مِمَّن مَعَك بِزِيَادَة من وَالصَّوَاب إِسْقَاطهَا لِأَن من لَا تزاد فِي الْمُوجب عِنْد الْبَصرِيين وَأَجَازَهُ بعض الْكُوفِيّين قَوْله " إِذْ فَاتَنِي ذَلِك " كلمة إِذْ بِمَعْنى حِين وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى قَوْله لَهُم قَرَابَات يحْمُونَ بهَا أَهْليهمْ وأمولهم قَوْله " أَن أَتَّخِذ " كلمة أَن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول أَحْبَبْت قَوْله " يدا " أَي نعْمَة ومنة عَلَيْهِم قَوْله " كفرا " نصب على التَّمْيِيز وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ قَوْله " هَذَا الْمُنَافِق " إِنَّمَا أطلق عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْم النِّفَاق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ والى كفار قُرَيْش وَبَاطِنهمْ وَإِنَّمَا فعل حَاطِب ذَلِك متأولا فِي غير ضَرَر لرَسُول الله ﷺ َ - وَعلم الله صدق نِيَّته فَنَجَّاهُ من ذَلِك وَقَالَ الْحَافِظ قَالَ عمر دَعْنِي أضْرب عُنُقه يَعْنِي كفر وَقَالَ الباقلاني فِي قَضِيَّة هَذَا الْكتاب هَذِه اللَّفْظَة لَيست بمعروفة قيل يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بهَا كفر النِّعْمَة وَقَالَ ابْن التِّين يحْتَمل أَن يكون قَول عمر هَذَا قبل قَوْله ﷺ َ - لقد صدقكُم وَقد أثبت الله لَهُ الْإِيمَان فِي قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ﴾ الْآيَة وَكَانَت أمه بِمَكَّة فَأَرَادَ أَن يحفظوها فِيهَا وَعَن الطَّبَرِيّ كَانَ هَذَا من حَاطِب هفوة وَقد قَالَ ﷺ َ - فِيمَا روته عمْرَة عَن عَائِشَة أقيلوا ذَوي الهيئات عثراتهم قَالَ فَإِن ظن ظان أَن صفحه عَنهُ كَانَ لما أعلم الله من صدقه فَلَا يجوز لمن بعد الرَّسُول أَن يعلم ذَلِك فَإِن ظن فقد ظن خطأ لِأَن أَحْكَام الله فِي عباده إِنَّمَا تجْرِي على مَا ظهر مِنْهُم لَا بِمَا يظنّ قَوْله " لَعَلَّ الله " كلمة لَعَلَّ اسْتعْملت اسْتِعْمَال عَسى قَالَ النَّوَوِيّ معنى الترجي فِيهَا رَاجع إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لِأَن وُقُوع هَذَا الْأَمر مُحَقّق عِنْده ﷺ َ - وَمَا يدْريك على التَّحْقِيق بعثا لَهُ على التفكر والتأمل وَمَعْنَاهُ أَن الغفران لَهُم فِي الْآخِرَة وَإِلَّا فَلَو توجه على أحد مِنْهُم حد استوفي مِنْهُ قَوْله " اعْمَلُوا مَا شِئْتُم " ظَاهره الِاسْتِقْبَال وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لَيْسَ هُوَ على الِاسْتِقْبَال وَإِنَّمَا هُوَ للماضي تَقْدِيره اعْمَلُوا مَا شِئْتُم أَي عمل كَانَ لكم فقد غفر وَيدل على هَذَا شَيْئا أَحدهمَا أَنه لَو كَانَ للمستقبل كَانَ جَوَابه فسأغفر وَالثَّانِي أَنه يكون إطلاقا فِي الذُّنُوب وَلَا وَجه لذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا التَّأْوِيل وَإِن كَانَ حسنا لَكِن فِيهِ بعد لِأَن اعْمَلُوا صِيغَة أَمر وَهِي مَوْضُوعَة للاستقبال وَلم تضع الْعَرَب قطّ صِيغَة الْأَمر مَوضِع الْمَاضِي لَا بِقَرِينَة وَلَا بِغَيْر قرينَة كَذَا نَص عَلَيْهِ النحويون وَصِيغَة الْأَمر إِذا وَردت بِمَعْنى الْإِبَاحَة إِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى الْإِنْشَاء والابتداء لَا بِمَعْنى الْمَاضِي فَكَانَ كَقَوْل الْقَائِل أَنْت وَكيلِي وَقد جعلت لَك التَّصَرُّف كَيفَ شِئْت فَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِطْلَاق التَّصَرُّف من وَقت التَّوْكِيل لَا قبل ذَلِك قَالَ وَقد ظهر لي وَجه وَهُوَ أَن هَذَا الْخطاب خطاب إكرام وتشريف يتَضَمَّن أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم حصلت لَهُم حَالَة غفرت بهَا ذنوبهم السالفة وتأهلوا أَن يغْفر لَهُم ذنُوب مستأنفة إِن وَقعت مِنْهُم لَا أَنهم نجزت لَهُم فِي ذَلِك الْوَقْت مغْفرَة الذُّنُوب اللاحقة بل لَهُم صَلَاحِية أَن يغْفر لَهُم مَا عساه أَن يَقع وَلَا يلْزم من وجود الصلاحية لشَيْء مَا وجود ذَلِك الشَّيْء إِذْ لَا يلْزم من وجود أَهْلِيَّة الْخلَافَة وجودهَا لكل من وجدت مِنْهُ أهليتها وَكَذَلِكَ الْقَضَاء وَغَيره وعَلى هَذَا فَلَا يَأْمَن من حصلت لَهُ أَهْلِيَّة الْمَغْفِرَة من الْمُؤَاخَذَة على مَا عساه أَن يَقع من الذُّنُوب ثمَّ أَن الله أظهر صدق رَسُوله فِي كل من أخبر عَنهُ بِشَيْء من ذَلِك فَإِنَّهُم لم يزَالُوا على أَعمال أهل الْجنَّة إِلَى أَن توفوا وَمن وَقع مِنْهُم فِي أَمر مَا أَو مُخَالفَة لَجأ إِلَى تَوْبَة ولازمها حَتَّى لَقِي الله عَلَيْهَا يعلم ذَلِك قطعا من حَالهم من طالع سيرهم وأخبارهم قَوْله " قَالَ سُفْيَان " وَأي إِسْنَاد هَذَا أَرَادَ بِهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة تَعْظِيم هَذَا الْإِسْنَاد وَصِحَّته وقوته لِأَن رِجَاله هم الأكابر الْعُدُول الثِّقَات الْحفاظ (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ هتك سر الجاسوس رجلا كَانَ أَو امْرَأَة إِذا كَانَت فِي ذَلِك مصلحَة أَو كَانَ فِي السّتْر مفْسدَة وَقَالَ الدَّاودِيّ الجاسوس يقتل وَإِنَّمَا نفى الْقَتْل عَن حَاطِب لما علم النَّبِي ﷺ َ - مِنْهُ وَلَكِن مَذْهَب الشَّافِعِي وَطَائِفَة أَن الجاسوس الْمُسلم يُعَزّر وَلَا يجوز قَتله وَإِن كَانَ ذَا هَيْئَة عُفيَ عَنهُ لهَذَا الحَدِيث وَعَن أبي حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ يوجع عُقُوبَة ويطال حَبسه وَقَالَ ابْن وهب من الْمَالِكِيَّة يقتل إِلَّا أَن يَتُوب وَعَن بَعضهم أَنه يقتل إِذا كَانَت عَادَته ذَلِك وَبِه قَالَ ابْن الْمَاجشون وَقَالَ ابْن الْقَاسِم يضْرب عُنُقه لِأَنَّهُ لَا تعرف تَوْبَته وَبِه قَالَ سَحْنُون وَمن قَالَ بقتْله فقد خَالف الحَدِيث وأقوال الْمُتَقَدِّمين وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ فَإِن كَانَ كَافِرًا يكون ناقضا للْعهد وَقَالَ أصبغ الجاسوس الْحَرْبِيّ يقتل وَالْمُسلم وَالذِّمِّيّ
стр. 4275
يعاقبان إِلَّا أَن يظاهرا على الْإِسْلَام فيقتلان وَفِيه كَمَا قَالَ الطَّبَرِيّ إِذا ظهر للْإِمَام رجل من أهل السّتْر أَنه قد كَاتب عدوا من الْمُشْركين ينذره مِمَّا أسره الْمُسلمُونَ فيهم من عزم وَلم يكن مَعْرُوفا بالغش لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَكَانَ ذَلِك من فعله هفوة وزلة من غير أَن يكون لَهَا أَخَوَات يجوز الْعَفو عَنهُ كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ َ - بحاطب من عَفوه عَن جرمه بَعْدَمَا اطلع عَلَيْهِ من فعله وَفِيه الْبَيَان عَن بعض أَعْلَام النُّبُوَّة وَذَلِكَ إِعْلَام الله تَعَالَى نبيه ﷺ َ - بِخَبَر الْمَرْأَة الحاملة كتاب حَاطِب إِلَى قُرَيْش ومكانها الَّذِي هِيَ بِهِ وَذَلِكَ كُله بِالْوَحْي وَفِيه هتك ستر الْمُرِيب وكشف الْمَرْأَة العاصية وَفِيه أَن الجاسوس لَا يُخرجهُ تجسسه من الْإِيمَان وَفِيه الْحجَّة لترك إِنْفَاذ الْوَعيد من الله لمن شَاءَ ذَلِك لقَوْله ﷺ َ - لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَفِيه جَوَاز غفران مَا تَأَخّر من الذُّنُوب قبل وُقُوعه وَفِيه جَوَاز تَجْرِيد الْعَوْرَة عَن الستْرَة عِنْد الْحَاجة قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ وَفِيه دلَالَة على أَن حكم المتأول فِي اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور خلاف حكم الْمُتَعَمد لاستحلاله من غير تَأْوِيل قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ وَفِيه أَن من أَتَى مَحْظُورًا وَادّعى فِي ذَلِك مَا يحْتَمل التَّأْوِيل كَانَ القَوْل قَوْله فِي ذَلِك وَإِن كَانَ غَالب الظَّن خِلَافه
(بَاب الْكسْوَة للأسارى)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْكسْوَة للأسارى قَالَ ابْن التِّين الْكسْوَة بِكَسْر الْكَاف وَضمّهَا وَفِي الْمغرب الْكسْوَة اللبَاس وَالضَّم لُغَة وَجمعه كسى بِالضَّمِّ يُقَال كسوته إِذا ألبسته ثوبا والكاسي خلاف العاري وَجمعه كساة كعراة جمع عَار وَالْأسَارَى جَمِيع أَسِير
٢١٢ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو سمع جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ لما كَانَ يَوْم بدر أُتِي بِأسَارَى وَأتي بِالْعَبَّاسِ وَلم يكن عَلَيْهِ ثوب فَنظر النَّبِي ﷺ َ - لَهُ قَمِيصًا فوجدوا قَمِيص عبد الله بن أبي يقدر عَلَيْهِ فَكَسَاهُ النَّبِي ﷺ َ - إِيَّاه فَلذَلِك نزع النَّبِي ﷺ َ - قَمِيصه الَّذِي ألبسهُ. قَالَ ابْن عُيَيْنَة كَانَت لَهُ عِنْد النَّبِي ﷺ َ - يَد فَأحب أَن يُكَافِئهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة تَأْخُذ من قَوْله فَكَسَاهُ النَّبِي ﷺ َ - إِيَّاه وَذَلِكَ لِأَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ َ - كَانَ فِي جملَة الْأُسَارَى يَوْم بدر وَكَانَ عُريَانا فَكَسَاهُ النَّبِي ﷺ َ - وَحَدِيث جَابر هَذَا قد مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب هَل يخرج الْمَيِّت من الْقَبْر بأتم من هَذَا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله " فَنظر النَّبِي ﷺ َ - لَهُ " أَي للْعَبَّاس قَمِيصًا أَي نظر يطْلب قَمِيصًا لأَجله فوجدوا قَمِيص عبد الله بن أبي بن سلول وَكَانَ الْعَبَّاس طوَالًا كَأَنَّهُ الْفسْطَاط وَكَانَ أَبوهُ عبد الْمطلب أطول مِنْهُ وَكَانَ ابْنه عبد الله إِذا مَشى مَعَ النَّاس كَأَنَّهُ رَاكب وَالنَّاس مشَاة وَكَانَ الْعَبَّاس أطول مِنْهُ فَلم يَجدوا قَمِيصًا قدره إِلَّا قَمِيص عبد الله بن أبي بن سلول وَهُوَ معنى قَوْله يقدر عَلَيْهِ بِضَم الدَّال من قدرت الثَّوْب عَلَيْهِ قدرا فانقدر أَي جَاءَ على الْمِقْدَار قَوْله " إِيَّاه " أَي قَمِيص عبد الله قَوْله " فَلذَلِك " أَي فلأجل ذَلِك نزع النَّبِي ﷺ َ - قَمِيصه من بدنه فألبسه عبد الله بعد وَفَاته مُكَافَأَة على صَنِيعه وَهُوَ معنى قَوْله قَالَ ابْن عُيَيْنَة أَي سُفْيَان بن عُيَيْنَة كَانَت لَهُ أَي لعبد الله عِنْد النَّبِي ﷺ َ - يَد أَي نعْمَة فَأحب النَّبِي ﷺ َ - أَن يُكَافِئهُ وَفِيه أَن الْمُكَافَأَة تكون فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَمَات وَفِيه كسْوَة الْأُسَارَى وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وَلَا يتركون عُرَاة فتبدو عَوْرَاتهمْ وَلَا يجوز النّظر إِلَى عورات الْمُشْركين -
٣٤١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ أسْلَمَ على يَدَيْهِ رَجُلٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أسلم على يَدَيْهِ رجل.
стр. 4276
٩٠٠٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرحْمانِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الله ابنِ عَبْدٍ القَارِيُّ عنْ أبِي حازِمٍ قَالَ أخْبَرَنِي سَهْلٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَعْنِي ابنَ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدا رَجُلاً يُفْتَحُ على يَدَيْهِ يُحِبُّ الله ورَسُولَهُ ويُحِبُّهُ الله ورسُولُهُ فَباتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلَّهُمْ يَرْجُوهُ فَقال أيْنَ عَلِيٌّ فَقيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ ودَعَا لَهُ فبَرَأ كأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وجَعٌ فأعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقال أُقَاتِلُهُمْ حتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقالَ انْفُدْ عَلَى رِسْلِكَ حتَّى تَنْزِلَ بِساحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسْلامِ وأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَالله لأِنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لِأَن يهدي الله بك) إِلَى آخِره، وَيَعْقُوب الْقَارِي، بِالْقَافِ وَالرَّاء مَنْسُوب إِلَى: القارة، هم: بَنو الْهون بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد، وَأخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة فِي الْكل، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب مَا قيل فِي لِوَاء النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع.
قَوْله: (أَيهمْ يعْطى) ، بِضَم الْيَاء فِي: يعْطى، وَفتح الطَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، فعلى هَذَا: أَيهمْ، بِضَم الْيَاء ويروى: يُعْطي، على صِيغَة الْمَعْلُوم وعَلى هَذَا: أَيهمْ، بِالنّصب. قَوْله: (يرجوه) ويروى: (يرجونه) . قَوْله: (على رسلك) بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون السِّين أَي: على هينتك. قَوْله: (لِأَن يهدي الله) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَخَبره قَوْله: (خير لَك) قَوْله: (من حمر النعم) ، بِضَم الْحَاء، أَي: كرامها وأعلاها منزلَة، قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي، وَعَن الْأَصْمَعِي: بعير أَحْمَر إِذا لم يخالط حمرته بِشَيْء، فَإِن خالطت حمرته فَهُوَ كميت، وَالْمرَاد: بحمر النعم، الْإِبِل خَاصَّة، وَهِي أَنْفسهَا وخيارها. قَالَ الْهَرَوِيّ: يذكر وَيُؤَنث، وَأما الْأَنْعَام: فالإبل وَالْبَقر وَالْغنم.
٤٤١ - (بابُ الأُسَارَي فِي السَّلاسِل)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَون الْأُسَارَى فِي السلَاسِل، وَهُوَ جمع سلسلة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: بَاب الْأَسير يوثق، وَذكر فِيهِ حَدِيث ثُمَامَة بن أَثَال، وَحَدِيث الْحَارِث بن برصاء، وأنهما أوثقا وَجِيء بهما إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، والإيثاق أَعم من أَن يكون بالسلسلة أَو بالحبال.
٠١٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عجَبَ الله مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلاسِلِ.
(الحَدِيث ٠١٠٣ طرفه فِي: ٧٥٥٤) .
قيل: إِن كَانَ المُرَاد حَقِيقَة وضع السلَاسِل فِي الْأَعْنَاق فالترجمة مُطَابقَة، وَإِن كَانَ المُرَاد الْمجَاز عَن الْإِكْرَاه فَلَيْسَتْ بمطابقة. وَقَالَ الْمُهلب: يَعْنِي أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة فِي الْإِسْلَام مكرهين، وسمى الْإِسْلَام باسم الْجنَّة لِأَنَّهُ سَببهَا، وَمن دخله دخل الْجنَّة. قلت: فعلى هَذَا يكون ذكر الْمُسَبّب وَإِرَادَة السَّبَب. قلت: هَذَا مجَاز، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد الْمُسلمين المأسورين فِي السلَاسِل عِنْد أهل الْكفْر يموتون على ذَلِك أَو يقتلُون فيحشرون كَذَلِك، وَعبر عَن الْحَشْر بِدُخُول الْجنَّة لثُبُوت دُخُولهمْ فِيهَا. قلت: هَذَا أَيْضا مجَاز، وَلَكِن لَا مَانع أَن يكون المُرَاد من التَّرْجَمَة الْحَقِيقَة على تَقْدِير أَن يُقَال: يدْخلُونَ الْجنَّة، وَكَانُوا فِي الدُّنْيَا فِي السلَاسِل. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالسلسلة الجذب الَّذِي يجذبه الْحق من خلص عباده من الضَّلَالَة إِلَى الْهدى، وَمن الهبوط فِي مهاوي الطبيعة إِلَى العروج للدرجات العلى. قلت: هَذَا أَيْضا مجَاز.
وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (عجب الله من قوم) ، قد مر غير مرّة أَن المُرَاد من إِطْلَاق مَا يَسْتَحِيل على الله لَازمه وغايته نَحْو الرِّضَا والإثابة فِيهِ. قَوْله: (يدْخلُونَ الْجنَّة فِي السلَاسِل) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد بِلَفْظ: يقادون إِلَى الْجنَّة بالسلاسل.
стр. 4277
٥٤١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ أسْلَمَ مِنْ أهْلِ الكِتَابَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أسلم من أهل الكتابينِ وهما: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وأهلهما: الْيَهُود والنصاري.
١١٠٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حدَّثنا صالِحُ بنُ حَيٍّ أبُو حَسَنٍ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ حدَّثني أبُو بُرْدَةَ أنَّهُ سَمِعَ أبَاهُ عنِ النبِيِّ ﷺ قَالَ ثلاثَةٌ يُؤْتُونَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الرجُلُ تكُونُ لَهُ الأمَةُ فيُعَلِّمُهَا فيُحْسِنُ تَعْلِيمَها ويُؤدِّيهَا فيُحْسِنُ أدَبَها ثُمَّ يُعْتِقُها فيَتَزَوَّجُها فلَهُ أجْرَانِ ومُؤمِنُ أهْلِ الكِتَابِ الَّذِي كانَ مُؤْمِناً ثُمَّ آمَنُ بالنَّبِيِّ ﷺ فلَهُ أجْرَانِ والعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ الله ويَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ فلَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمُؤمن من أهل الْكتاب) إِلَى قَوْله: (فَلهُ أَجْرَانِ) فَإِذا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ فَلهُ الْفضل، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، وَأَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: اسْمه الْحَارِث، وَيُقَال: عَامر، وَيُقَال: اسْمه كنيته، وَقد مر غير مرّة، وَأَبوهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله ابْن قيس. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن عَامر الشّعبِيّ عَن أبي بردة عَن أَبِيه، وَحي لقب حَيَّان، فَلذَلِك ذكر هُنَا بِصَالح بن حَيَّان وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
ثُمَّ قالَ الشَّعْبِيُّ وأعْطَيْتكَها بِغَيْرِ شَيْءٍ وقَدح كانَ الرَّجُلُ يرْحَلُ فِي أهْوَنَ مِنْهَا إِلَى المَدِينَةِ
أَي: قَالَ عَامر الشّعبِيّ يُخَاطب صَالحا: أَعطيتك هَذِه الْمَسْأَلَة أَو الْمقَالة، ويروي: أعطيكها، بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل. قَوْله: (بِغَيْر شَيْء) ، أَي: بِغَيْر أَخذ مَال مِنْك على جِهَة الْأُجْرَة عَلَيْهِ. قَوْله: (وَقد كَانَ الرجل يرحل) ، أَي: يُسَافر فِي أَهْون مِنْهَا، أَي: من هَذِه الْمَسْأَلَة (إِلَى الْمَدِينَة) أَي: مَدِينَة النَّبِي ﷺ ، وَاللَّام فِيهَا للْعهد، وَفِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته، قد كَانَ يركب فِيمَا دونهَا، وَمُرَاد الشّعبِيّ من هَذَا الْكَلَام الْحَث على طلب الْعلم، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الْمعلم حَاضرا، فَافْهَم.
٦٤١ - (بابُ أهْلِ الدَّارِ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ الوِلْدَانُ والذَّرَارِيُّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي حكم أهل الدَّار، أَي: أهل دَار الْحَرْب. قَوْله: (يبيتُونَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التبييت، يُقَال: بَيت الْعَدو أَي: أوقع بهم لَيْلًا. قَوْله: (فيصاب الْولدَان) ، أَي: بِسَبَب التبييت، والولدان جمع: الْوَلِيد، وَهِي الصَّبِي. قَوْله: (والذراري) ، بِالرَّفْع وَالتَّشْدِيد عطفا على: الْولدَان، وَيجوز بِالسُّكُونِ وَالتَّخْفِيف، وَهُوَ جمع: ذُرِّيَّة، وَجَوَاب الْمَسْأَلَة مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يجوز ذَلِك أم لَا ... ؟ وحكمهما يعلم من الحَدِيث.
بَيانَاً لَيْلاً
لَيْسَ من التَّرْجَمَة، بل هُوَ من الْقُرْآن، وَقد جرت عَادَته أَنه إِذا وَقع فِي الْخَبَر لَفْظَة توَافق مَا وَقع فِي الْقُرْآن أورد تَفْسِيرا للفظ الْوَاقِع فِي الْقُرْآن، وَهَذِه اللَّفْظَة فِي آيَة فِي سُورَة الْأَعْرَاف وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم من قَرْيَة أهلكناها فجاءنا بأسنا بياتاً أَو هم قَائِلُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٤) . أهلكناها أَي: أهلكنا أَهلهَا بمخالفتهم رسلنَا وتكذيبهم. قَوْله: ﴿بأسنا﴾ أَي: نقمتنا. قَوْله: ﴿بياتاً﴾ أَي: لَيْلًا ﴿أَو هم قَائِلُونَ﴾ من القيلولة وَهِي الاسْتِرَاحَة وسط النَّهَار. وَقَالَ بعض الشُّرَّاح، مَوضِع بياتاً، نياماً، بنُون وَمِيم، من النّوم، وَجعل هَذِه اللَّفْظَة من التَّرْجَمَة، فَقَالَ: وَالْعجب لزيادته فِي التَّرْجَمَة نياماً، وَمَا هُوَ فِي الحَدِيث إلَاّ ضمنا، لِأَن الْغَالِب أَنهم إِذا أوقع بهم فِي اللَّيْل لم يخلوا من نَائِم، وَمَا الْحَاجة إِلَى كَونهم نياماً أَو أيقاظاً وهما سَوَاء؟ إلَاّ أَن قَتلهمْ نياماً أَدخل فِي الغيلة، فنبه على جَوَازهَا مثل هَذَا. انْتهى. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا من قَول البُخَارِيّ مَا لم يقلهُ، وَالَّذِي رَأَيْت فِي عَامَّة مَا رَأَيْت من نسخ (كتاب الصَّحِيح) : بياتاً بباء مُوَحدَة وَبعد الْألف تَاء مثناة من فَوق، وَكَأن هَذَا الْقَائِل وَقعت لَهُ نُسْخَة مصحفة أَو تصحف عَلَيْهِ: بياتاً،
стр. 4278
بنياماً. انْتهى. قلت: هَذَا الْقَائِل لَا يسْتَحق هَذَا الْمِقْدَار من الْحَط عَلَيْهِ، وَله أَن يَقُول: رَأَيْت عَامَّة مَا رَأَيْت من نسخ كتاب (الصَّحِيح) : نياماً بالنُّون وَالْمِيم، وَهَذَا مَحل نظر وَتَأمل، مَعَ أَنا وَافَقنَا صَاحب (التَّلْوِيح) فِيمَا قَالَه حَيْثُ قُلْنَا آنِفا، إِن لفظ بياتاً لَيْسَ من التَّرْجَمَة بل هُوَ من الْقُرْآن.
لَيُبَيِّتَنَّهُ لَيْلاً يُبَيِّتُ لَيْلاً
أكد صَاحب (التَّلْوِيح) كَلَامه الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن بِهَاتَيْنِ اللفظتين حَيْثُ قَالَ: يُوضحهُ، أَي: يُوضح مَا ذكره فِي بعض النّسخ من قَول البُخَارِيّ: لبيتنه لَيْلًا يبيت لَيْلًا، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الزِّيَادَة وَقعت عِنْد غير أبي ذَر. قلت: هَذَا كُله لَيْسَ بِوَجْه قوي فِي الرَّد على ذَلِك الْقَائِل، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذكر هَاتين اللفظتين فِي بعض النّسخ أَن يكون لفظ: بياتاً، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَيجوز أَن يكون بالنُّون وَالْمِيم، وَيكون من التَّرْجَمَة، ثمَّ ذكر هَاتين اللفظتين لِكَوْنِهِمَا من الْقُرْآن أما الأولى فَفِي سُورَة النَّمْل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تقاسموا بِاللَّه لنبيتنه وَأَهله ... ﴾ (النَّمْل: ٩٤) . الْآيَة يَعْنِي: قَالُوا متقاسمين بِاللَّه لنبيتنه، قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِضَم التَّاء على الْخطاب، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بالنُّون، وَهُوَ من البيات وَهُوَ مباغتة الْعَدو لَيْلًا. وَأما الثَّانِيَة فَفِي سُورَة النِّسَاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بيَّت طَائِفَة مِنْهُم غير الَّذِي تَقول﴾ (النِّسَاء: ١٨) . وَهِي فِي السَّبْعَة، وَهُوَ من التبييت فِي اللَّيْل لِأَنَّهُ وَقت البيتوتة، فَإِن ذَلِك الْوَقْت أخلى للفكر. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل شَيْء قدر بلَيْل تبييت.
٢١٠٣ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عُبَيْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم قَالَ مَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ بالأبْوَاءِ أوْ بِوَدَّانَ وسُئِلَ عنْ أهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وذَرَارِيِّهِمْ قالَ هُمْ مِنْهُمْ وسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَا حِمَى إلَاّ لله ولِرَسُولِهِ ﷺ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا الصَّعْبُ فِي الذَّرَارِيِّ كانَ عَمْرٌ ويُحَدِّثُنَا عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرنِي عُبَيْدُ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ الصَّعْبِ قالَ هُمْ مِنْهُمْ وَلَمْ يقُلْ كَمًّ قَالَ عَمْرٌ وهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٧٣٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَسُئِلَ عَن أهل الدَّار) إِلَى قَوْله: (وسمعته) . وَرِجَاله كلهم قد ذكرُوا، وَعبيد الله هُوَ ابْن عبد الله ابْن عتبَة بن مَسْعُود، والصعب ضد السهل ابْن جثامة، بِفَتْح وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن قيس بن ربيعَة اللَّيْثِيّ، مر فِي جَزَاء الصَّيْد.
والْحَدِيث أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة، فَمُسلم أخرجه فِي الْمَغَازِي، وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد، وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي السّير.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بالأبواء) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد: من عمل الْفَرْع من الْمَدِينَة، بَينهَا وَبَين الْجحْفَة مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة ثَلَاثَة وَعشْرين ميلًا، سميت بذلك لتبوء السُّيُول بهَا، وَبِه توفيت أم رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (أَو بودان) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهِي: بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَبعد الْألف نون، وَهِي قَرْيَة جَامِعَة بَينهَا وَبَين الْأَبْوَاء ثَمَانِيَة أَمْيَال قريب من الْجحْفَة، وَهِي أَيْضا من عمل الْفَرْع. قَوْله: (وَسُئِلَ) على صِيغَة الْمَجْهُول وَالْوَاو فِيهِ للْحَال، ويروى: فَسئلَ، بِالْفَاءِ. قَوْله: (عَن أهل الدَّار) ، أَي: عَن أهل دَار الْحَرْب، وَفِي رِوَايَة مُسلم: سُئِلَ عَن الذَّرَارِي من الْمُشْركين يبيتُونَ من نِسَائِهِم وذراريهم، فَقَالَ: هم مِنْهُم، رَوَاهُ عَن يحيى بن يحيى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن الصعب بن جثامة، وَفِي لفظ لَهُ عَن الصعب، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! إِنَّا نصيب فِي البيات من ذَرَارِي الْمُشْركين. قَالَ: هم مِنْهُم، وَفِي لفظ لَهُ: أَن النَّبِي ﷺ قيل لَهُ: لَو أَن خيلاً غارت من اللَّيْل فأصابت من أَبنَاء الْمُشْركين؟ قَالَ: هم من آبَائِهِم، وَترْجم مُسلم على هَذَا: بَاب مَا أُصِيب من ذَرَارِي الْعَدو فِي البيات، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَكَذَا هُوَ فِي أَكثر نسخ بِلَادنَا: سُئِلَ
стр. 4279
عَن الذَّرَارِي، وَفِي بَعْضهَا: سُئِلَ عَن ذَرَارِي الْمُشْركين، وَنقل القَاضِي هَذِه عَن رِوَايَة جُمْهُور رُوَاة (صَحِيح مُسلم) قَالَ: وَهِي الصَّوَاب، فَأَما الرِّوَايَة الأولى فَقَالَ: لَيست بِشَيْء، بل هِيَ تَصْحِيف. قَالَ: وَمَا بعده يبين غلطه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلَيْسَت بَاطِلَة كَمَا ادّعى القَاضِي، بل لَهَا وَجه، وَتَقْدِيره: سُئِلَ عَن حكم صبيان الْمُشْركين الَّذين يبيتُونَ فيصاب من نِسَائِهِم وصبيانهم بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: هم من آبَائِهِم، أَي: لَا بَأْس بذلك، لِأَن أحكاما الْبَلَد جَارِيَة عَلَيْهِم فِي الْمِيرَاث وَفِي النِّكَاح وَفِي الْقصاص والديات وَغير ذَلِك، وَالْمرَاد إِذا لم يتَعَمَّد من غير ضَرُورَة. قَوْله: (يبيتُونَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقعت حَالا عَن أهل الدَّار من التبييت، وَهُوَ أَن يغار عَلَيْهِم بِاللَّيْلِ بِحَيْثُ لَا يعرف رجل من امْرَأَة. قَوْله: (من الْمُشْركين) ، بَيَان الدَّار. قَوْله: (فيصاب من نِسَائِهِم وذراريهم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: إِنَّا نصيب فِي البيات من ذَرَارِي الْمُشْركين، كَمَا مر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمرَاد بِالذَّرَارِيِّ هُنَا النِّسَاء وَالصبيان. قلت: كَيفَ يُرَاد من الذَّرَارِي النِّسَاء، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عطف الذَّرَارِي على النِّسَاء؟ قَوْله: (هم مِنْهُم) أَي: النِّسَاء والذراري من أهل الدَّار من الْمُشْركين.
فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف مَا ذكره البُخَارِيّ فِيمَا بعد عَن ابْن عمر: نهى عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان، وَمَا رَوَاهُ مُسلم عَن بُرَيْدَة: اغزوا فَلَا تقتلُوا وليداً، وسيروا وَلَا تمثلوا. وَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن سَمُرَة: اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْركين واستبقوا شرخهم. وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، وَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله، ﷺ لم يقتلهُمْ فَلَا يقتلهُمْ بقوله لنجدة الحروري، وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ريَاح بِكَسْر الرَّاء وبالياء آخر الْحُرُوف: ابْن الرّبيع، وَفِيه: فَقَالَ الخالد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا تقتلن امْرَأَة وَلَا عسيفاً. وَمَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث الْأسود بن سريع، وَفِيه ألَا لَا تقتلُوا ذُرِّيَّة أَلا لَا تقتلُوا ذُرِّيَّة، وَمَا رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَفِيه: وَلَا تقتلُوا الْولدَان وَلَا أَصْحَاب الصوامع، وَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان، وَقَالَ: هما لمن غلب. وَمَا رَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ عَن قتل النِّسَاء والولدان. وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أنس وَفِيه: لَا تقتلُوا شَيخا فانياً وَلَا طفْلا وَلَا صَغِيرا وَلَا امْرَأَة، وَمَا رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي من حَدِيث جرير بن عبد الله، وَفِيه: وَلَا تقتلُوا الْولدَان. وَمَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من حَدِيث ابْن عمر، وَفِيه: لَا تقتلُوا وليداً. وَمَا رَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث عَوْف ابْن مَالك، وَفِيه: لَا تقتلُوا النِّسَاء. وَمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث ثَوْبَان مولى رَسُول الله، ﷺ أَنه سمع رَسُول الله، ﷺ يَقُول: من قتل صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو أحرق نخلا أَو قطع شَجَرَة مثمرة أَو ذبح شَاة لأَهْلهَا لم يرجع كفافاً. وَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث كَعْب: أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن قتل النِّسَاء والولدان.
قلت: قَالَ الْخطابِيّ: قَوْله: (هم مِنْهُم) يُرِيد فِي حكم الدّين، فَإِن ولد الْكَافِر مَحْكُوم لَهُ بالْكفْر، وَلم يرد بِهَذَا القَوْل إِبَاحَة دِمَائِهِمْ تعمداً لَهَا، وقصداً إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ إِذا لم يُمكن الْوُصُول إِلَى الْآبَاء إلَاّ بهم، فَإِذا أصيبوا لاختلاطهم بِالْآبَاءِ لم يكن عَلَيْهِم فِي قَتلهمْ شَيْء، وَقد نهى النَّبِي ﷺ عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان، فَكَانَ ذَلِك على الْقَصْد لَا قتال فِيهِنَّ، فَإِذا قاتلهن فقد ارْتَفع الْحَظْر وَأحل دِمَاء الْكفَّار إلَاّ بِشَرْط الحقن. وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عمر الَّذِي فِيهِ: نهى عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان، على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم، كَرهُوا قتل النِّسَاء والولدان، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ. وَرخّص بعض أهل الْعلم فِي البيات، وَقتل النِّسَاء فيهم والولدان، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ شَيخنَا: وَمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ من كَرَاهَة قتل النِّسَاء وَالصبيان ظَاهر فِي ترك الْقَتْل مُطلقًا فِي البيات وَغَيره، وَلَيْسَ كَذَلِك. أما قَتلهمْ فِي غير البيات فَأَجْمعُوا على تَحْرِيمه إِذا لم يقاتلوا، كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) ، فَإِن قَاتلُوا فَقَالَ فِي (شرح مُسلم) حِكَايَة عَن جَمَاهِير الْعلمَاء: يقتلُون، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: بَاب مَا نهى عَن قَتله من النِّسَاء والولدان فِي دَار الْحَرْب، ثمَّ أخرج عَن تِسْعَة أنفس من الصَّحَابَة فِي النَّهْي عَن قتل الْولدَان والنسوان، وَقد مرت أَحَادِيث أَكْثَرهم عَن قريب، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَنه لَا يجوز قتل النِّسَاء والولدان فِي دَار الْحَرْب على كل حَال، وَأَنه لَا يحل أَن يقْصد إِلَى قتل غَيرهم إِذا كَانَ لَا يُؤمن فِي ذَلِك تلفهم، من ذَلِك أَن أهل الْحَرْب إِذا تترسوا بصبيانهم وَكَانَ الْمُسلمُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ رميهم إلَاّ بِإِصَابَة صبيانهم فَحَرَام عَلَيْهِم رميهم فِي قَول هَؤُلَاءِ، وَكَذَلِكَ إِن تحَصَّنُوا بحصن وَجعلُوا فِيهِ الْولدَان، فَحَرَام عَلَيْهِم رمي ذَلِك الْحصن عَلَيْهِم إِذا كُنَّا نَخَاف فِي ذَلِك تلف نِسَائِهِم
стр. 4280
وولدانهم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي رويناها. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: الْأَوْزَاعِيّ ومالكاً وَالشَّافِعِيّ، فِي قَول وَأحمد فِي رِوَايَة.
وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي رمي الْحُصُون بالمنجنيق إِذا كَانَ فِيهَا أَطْفَال الْمُشْركين أَو أُسَارَى الْمُسلمين، فَقَالَ مَالك: لَا يرْمى الْحصن وَلَا تحرق سفينة الْكفَّار إِذا كَانَ فِيهَا أُسَارَى الْمُسلمين: قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا تترس الْكفَّار بأطفال الْمُسلمين لم يرموا وَلَا تحرق الْمركب الَّذِي فِيهِ أُسَارَى الْمُسلمين. وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ فِي (الصَّحِيح) وَأحمد وَإِسْحَاق: إِذا كَانَ لَا يُوصل إِلَى قَتلهمْ إلَاّ بِتَلف الصّبيان وَالنِّسَاء فَلَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري: لَا بَأْس برمي حصون الْمُشْركين وَإِن كَانَ فِيهَا أُسَارَى من الْمُسلمين وأطفالهم، أَو أَطْفَال الْمُشْركين، وَلَا بَأْس أَن تحرق السفن ويقصد بِهِ الْمُشْركُونَ، فَإِن أَصَابُوا وَاحِدًا من الْمُسلمين بذلك فَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة. وَقَالَ الثَّوْريّ: إِن أَصَابُوهُ فَفِيهِ الْكَفَّارَة وَلَا دِيَة. قَوْله: (وسمعته يَقُول) ، أَي: قَالَ الصعب بن جثامة: سَمِعت النَّبِي ﷺ ، يَقُول. . ويروى: فَيَقُول، وَهِي رِوَايَة أبي ذَر، وبالواو أظهر. قَوْله: (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) ، هَذَا حَدِيث مُسْتَقل مضى فِي كتاب الْمُسَاقَاة فِي: بَاب لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ، أخرجه عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة ابْن مَسْعُود عَن ابْن عَبَّاس: أَن الصعب بن جثامة، قَالَ: إِن رَسُول الله، ﷺ (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَذَا الحَدِيث فِي أثْنَاء حَدِيث الْبَاب؟ قلت: كَانُوا يحدثُونَ بالأحاديث على نَحْو مَا كَانُوا يسمعونها، وَقيل: هَذَا يشبه أَن يكون شَبِيها بِمَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ) ، ثمَّ وَصله بِحَدِيث آخر لَيْسَ فِيهِ شَيْء من مَعْنَاهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) ، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول: حَدثنَا الصعب فِي الذَّرَارِي ... أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (حَدثنَا الصعب فِي الذَّرَارِي) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس: حَدثنَا الصعب فِي الذَّرَارِي أَي: سُئِلَ ﷺ ، عَن الذَّرَارِي، وَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ لمُسلم: سُئِلَ عَن الذَّرَارِي، وَقد ذكرنَا عَن قريب عَن النَّوَوِيّ أَنه قَالَ: المُرَاد بِالذَّرَارِيِّ هُنَا النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (كَانَ عَمْرو) ، يحدثنا أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: كَانَ عَمْرو بن دِينَار يحدثنا عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ ، مُرْسلا، وَقَالَ بَعضهم فِي سِيَاق هَذَا الْبَاب عَن الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ : يُوهم أَن رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار عَن الزُّهْرِيّ هَكَذَا بطرِيق الْإِرْسَال، وَبِذَلِك جزم بعض الشُّرَّاح، وَلَيْسَ كَذَلِك، فقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الْعَبَّاس بن يزِيد حَدثنَا سُفْيَان، قَالَ: كَانَ عَمْرو يحدثنا قبل أَن يقدم الزُّهْرِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن الصعب بن جثامة، قَالَ: فَقدم علينا الزُّهْرِيّ فَسَمعته يُعِيدهُ ويبديه، فَذكر الحَدِيث. انْتهى. قلت: أَرَادَ بِبَعْض الشُّرَّاح الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّه مُرْسل، وَالصَّوَاب مَعَه، فَإِن صُورَة مَا وَقع هُنَا صُورَة الْإِرْسَال، وَلَا نزاع فِي ذَلِك بِحَسب الظَّاهِر، وَلَا ينْدَفع صُورَة الْإِرْسَال هُنَا بِإِخْرَاج الْإِسْمَاعِيلِيّ كَمَا ذكره. قَوْله: (وَلم يقل كَمَا قَالَ عَمْرو: هم من آبَائِهِم) ، بَيَان هَذَا الْموضع هُوَ: أَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: كَانَ عَمْرو بن دِينَار يحدثنا بِهَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ مُرْسلا عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: هم من آبَائِهِم، فسمعناه بعد ذَلِك من الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: أَخْبرنِي عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس، عَن الصعب عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: هم مِنْهُم، وَلم يقل كَمَا قَالَ عَمْرو: من آبَائِهِم. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله ابْن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أَخْبرنِي الصعب بن جثامة، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! إِن خَيْلنَا وطِئت من نسَاء الْمُشْركين وَأَوْلَادهمْ؟ قَالَ: (هم من آبَائِهِم) ، هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد أخرج ابْن حبَان فِي حَدِيث الصعب زِيَادَة فِي آخِره، ثمَّ نهى عَنهُ يَوْم حنين، وَأَشَارَ الزُّهْرِيّ إِلَى نسخ حَدِيث الصعب، وَحكي الْحَازِمِي قولا بِجَوَاز قتل النِّسَاء وَالصبيان على ظَاهر حَدِيث الصعب، وَزعم أَنه نَاسخ لأحاديث النَّهْي وَهُوَ غَرِيب. قلت: حَدِيث ريَاح بن الرّبيع، الَّذِي مر عَن قريب، يدل على أَن النَّهْي كَانَ مُتَأَخِّرًا عَن حَدِيث الصعب، لِأَن خَالِدا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّمَا كَانَ مَعَ النَّبِي ﷺ ، مُقَاتِلًا سنة ثَمَان. وَالله تَعَالَى أعلم.
стр. 4281
٧٤١ - (بابُ قَتْلِ الصِّبْيَانِ فِي الحَرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن قتل الصّبيان فِي الْحَرْب لقصورهم عَن فعل الْكفْر، وَلِأَن فِي استبقائهم انتفاعاً بالرقبية أَو بِالْفِدَاءِ عِنْد من يجوز أَن يفادى بهم.
٤١٠٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ أخْبَرَنا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخبرَهُ أنَّ امْرَأةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً فأنْكَرَ رَسولُ الله ﷺ قَتْلَ النِّساءِ والصِّبْيَانِ.
(الحَدِيث ٤١٠٣ طرفه فِي: ٥١٠٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالصبيان) أَي: وَقتل الصّبيان فِي الْحَرْب، وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن يزِيد بن خَالِد ابْن وهب وقتيبة.
٨٤١ - (بابُ قَتْلِ النِّساءِ فِي الحَرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن قتل النِّسَاء فِي الْحَرْب.
٥١٠٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ قُلْتُ ل أِبِي أُسَامَةَ حدَّثَكُمْ عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ وُجِدَتِ امْرَأةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رسولِ الله ﷺ فنَهَى رسولُ الله ﷺ عنْ قَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيَانِ.
(انْظُر الحَدِيث ٤١٠٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَن قتل النِّسَاء) وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَأَبُو أُسَامَة هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر.
قَوْله: (حَدثكُمْ عبيد الله) ، هُوَ سُؤال إِسْحَاق عَن أبي أُسَامَة عَن تحديث هَذَا الحَدِيث. وَفِيه أَنه إِذا قَالَ لشيخه: حَدثكُمْ أَو أخْبركُم فلَان؟ فَقَالَ: نعم، أَو سكت فِي جَوَابه مَعَ قريبنة الْإِجَابَة جَازَت الرِّوَايَة عَنهُ، وَهنا سكت. وَإِسْحَاق روى هَذَا الحَدِيث فِي (مُسْنده) بِهَذَا السِّيَاق، وَزَاد فِي آخِره، فَأقر بِهِ أَبُو أُسَامَة، وَقَالَ: نعم، وَقَالَ بَعضهم: وعَلى هَذَا فَلَا حجَّة فِيهِ لمن قَالَ فِيهِ: إِن من قَالَ لشيخه: حَدثكُمْ فلَان؟ فَسكت، جَازَ ذَلِك مَعَ الْقَرِينَة، لِأَنَّهُ تبين من هَذِه الطَّرِيقَة الْأُخْرَى أَنه لم يسكت. انْتهى. قلت: قَول أبي أُسَامَة فِي هَذَا الطَّرِيق، نعم، لَا يسْتَلْزم عدم سُكُوته فِي الطَّرِيقَة الآخر، فَإِذا فَاتَت الْقَرِينَة الدَّالَّة على الْإِجَابَة عِنْد سكُوت الشَّيْخ، يكون حكمه حكم التَّصْرِيح بقوله: نعم، وغرض هَذَا الْقَائِل بِمَا ذكره الرَّد على الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ جعل السُّكُوت مَعَ الْقَرِينَة، كالتصريح على مَا ذَكرْنَاهُ.
٩٤١ - (بابٌ لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يعذب بِعَذَاب الله، وَلَا يعذب: على صِيغَة الْمَجْهُول.
٦١٠٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ بُكَيْرٍ عنْ سُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ قَالَ بَعَثَنَا رسولُ الله، ﷺ فِي بَعْثٍ فَقال إنْ وَجَدْتُم فُلانَاً وفُلاناً فأحْرِقُوهُما بالنَّارِ ثُمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ حِينَ أرَدْنَا الخُرُوجَ إنِّي أمَرْتُكُمْ أنْ تُحَرِّقُوا فُلاناً وفُلاناً وإنَّ النَّارَ لَا يُعَذَّبُ بِهَا إلَاّ الله فإنْ وَجَدْتُمُوهَا فاقْتُلُوهُما.
(الحَدِيث ٤٥٩٢ طرفه فِي: ٥١٠٣) .
стр. 4282
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن النَّار لَا يعذب بهَا إِلَّا الله) ، وَبُكَيْر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الْأَشَج. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْجِهَاد مُعَلّقا فِي: بَاب التوديع، وَقَالَ ابْن وهب: أَخْبرنِي عَمْرو عَن بكير عَن سُلَيْمَان ابْن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة ... الحَدِيث، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (حَدثنَا اللَّيْث عَن بكير) وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن هِشَام عَن الْقَاسِم: عَن اللَّيْث حَدثنِي بكير بن عبد الله الْأَشَج، فَأفَاد شَيْئَيْنِ: ﴿أَحدهمَا: التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ، وَالْآخر: نِسْبَة بكير. قَوْله: (عَن أبي هُرَيْرَة) كَذَا فِي جَمِيع الطّرق عَن اللَّيْث لَيْسَ بَين سُلَيْمَان بن يسَار وَأبي هُرَيْرَة فِيهِ أحد، وَكَذَلِكَ أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق عَمْرو ابْن الْحَارِث وَغَيره عَن بكير، وَخَالفهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَرَوَاهُ فِي (السِّيرَة) : عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن بكير، فَأدْخل بَين سُلَيْمَان ابْن يسَار وَأبي هُرَيْرَة: أخبرنَا إِسْحَاق الدوسي، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن ابْن أبي شيبَة سَمَّاهُ: إِبْرَاهِيم.
٧١٠٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ أنَّ علِيَّاً رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَرَّقَ قَوْماً فبَلَغَ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَوْ كُنْتُ أَنا لَمْ أُحَرَّقْهُمْ لأِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا تُعَذَّبُوا بِعَذَابِ الله ولَقَتَلْتُهُمْ كَما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ منْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا تعذبوا بِعَذَاب الله) . وعَلى بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعِكْرِمَة هُوَ مولى ابْن عَبَّاس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُدُود عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي وَعَن عمرَان بن مُوسَى وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحُدُود عَن مُحَمَّد ابْن الصَّباح.
قَوْله: (إِن عليا حرق قوما) وَفِي رِوَايَة الْحميدِي أَن عليا أحرق الْمُرْتَدين، يَعْنِي: الزَّنَادِقَة. وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عمر وَعمر ابْن عباد جَمِيعًا عَن سُفْيَان. قَالَ: رَأَيْت عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب وعمار الدهني اجْتَمعُوا فتذاكروا الَّذين أحرقهم عَليّ، فَقَالَ أَيُّوب: فَذكر الحَدِيث، قَالَ: فَقَالَ عمار: لم يحرقهم وَلَكِن حفر لَهُم حفائر وَحرق بَعْضهَا إِلَى بعض ثمَّ دخن عَلَيْهِم، وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار: أَرَادَ بذلك الرَّد على عمار الدهني فِي إِنْكَاره أصل التحريق، وَقَالَ الْمُهلب: لَيْسَ نَهْيه عَن التحريق على التَّحْرِيم، وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل التَّوَاضُع، وَالدَّلِيل على أَنه لَيْسَ بِحرَام سمل الشَّارِع أعين الرُّعَاة بالنَّار، وتحريق الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْفُجَاءَة بالنَّار فِي مصلى الْمَدِينَة بِحَضْرَة الصَّحَابَة، وتحريق عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْخَوَارِج بالنَّار، وَأكْثر عُلَمَاء الْمَدِينَة يجيزون تحريق الْحُصُون على أَهلهَا بالنَّار، وَقَول أَكْثَرهم بتحريق المراكب، وَهَذَا كُله يدل على أَن معنى الحَدِيث على النّدب، وَمِمَّنْ كره رمي أهل الشّرك بالنَّار: عَمْرو بن عَبَّاس وَابْن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ قَول مَالك، وَأَجَازَهُ عَليّ، وَحرق خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَاسا من أهل الرِّدَّة، فَقَالَ عمر للصديق: إنزع هَذَا الَّذِي يعذب بِعَذَاب الله، فَقَالَ الصّديق: لَا أنزع سَيْفا سَله الله على الْمُشْركين، وَأَجَازَ الثَّوْريّ رمي الْحُصُون بالنَّار. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: لَا بَأْس أَن يدخن عَلَيْهِم فِي المطمورة إِذا لم يكن فِيهَا إلَاّ الْمُقَاتلَة ويحرقوا ويقتلوا كل قتال، وَلَو لَقِينَاهُمْ فِي الْبَحْر رميناهم بالنفط والقطران، وَأَجَازَ ابْن الْقَاسِم رمي الْحصن بالنَّار والمراكب إِذا لم يكن فِيهَا إلَاّ الْمُقَاتلَة فَقَط. قَوْله: (لَو كنت أَنا) ، خَبره مَحْذُوف أَي: لَو كنت أَنا بدله، وَكَانَ ذَلِك من عَليّ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد. قَوْله: (لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا تعذبوا بِعَذَاب الله) هَذَا أصرح فِي النَّهْي من الَّذِي قبله. وَأخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَفِي آخِره: فَبلغ ذَلِك عليا فَقَالَ: وَيْح ابْن عَبَّاس: وَرَأَيْت فِي نُسْخَة صَحِيحَة: وَيْح أم ابْن عَبَّاس. قَوْله: (من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ) ، هَذَا يدل على أَن كل من بدل دينه يقتل وَلَا يحرق بالنارد، وَبِه احْتج ابْن الْمَاجشون أَن الْمُرْتَد يقتل وَلَا يُسْتَتَاب، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء على استتابته، فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته، وَاحْتج بِهِ الشَّافِعِي أَيْضا فِي قَوْله: من انْتقل من كفر إِلَى كفر أَنه يقتل إِن لم يسلم، وَهَذَا مثل اليهدوي إِذا تنصر أَو النَّصْرَانِي إِذا تهود، وَعند أبي حنيفَة: لَا يقتل لِأَن الْكفْر كُله مِلَّة وَاحِدَة، وَاحْتج بِهِ الشَّافِعِي أَيْضا فِي قتل الْمُرْتَدَّة، وَعند أبي حنيفَة: لَا تقتل بل تحبس.
стр. 4283
٠٥١ - (بابٌ ﴿فإمَّا مَناً بَعْدُ وإمَّا فِداءً﴾ (مُحَمَّد: ٠٤) .)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ التَّخْيِير بَين الْمَنّ وَالْفِدَاء فِي الأسرى. لقَوْله تَعَالَى: ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ وَأول هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا فَضرب الرّقاب حَتَّى إِذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء حَتَّى تضع الْحَرْب أَوزَارهَا﴾ (مُحَمَّد: ٠٤) . قَوْله: ﴿فَإِذا لَقِيتُم﴾ من اللِّقَاء وَهُوَ الْحَرْب. قَوْله: ﴿فَضرب الرّقاب﴾ (مُحَمَّد: ٠٤) . أَصله: فاضربوا الرّقاب ضربا، فَحذف الْفِعْل وَقدم الْمصدر فأنيب مناب الْفِعْل مُضَافا إِلَى الْمَفْعُول، وَفِيه اخْتِصَار مَعَ إِعْطَاء معنى التوكيد، وَضرب: عبارَة عَن الْقَتْل، لِأَن الْوَاجِب أَن تضرب الرّقاب خَاصَّة دون غَيرهَا من الْأَعْضَاء مَعَ أَن فِي هَذِه الْعبارَة من الغلظة والشدة مَا لَيْسَ فِي لفظ الْقَتْل، وَلَقَد زَاد فِي هَذِه الغلظة فِي قَوْله: فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق. قَوْله: ﴿حَتَّى إِذا أثخنتموهم﴾ (مُحَمَّد: ٠٤) . أَي: أَكثرْتُم قَتلهمْ وأغلظتموه، من الشَّيْء الثخين وَهُوَ الغليظ وَقيل: أثقلتموهم بِالْقَتْلِ والجراح حَتَّى أَذهَبْتُم عَنْهُم النهوض، وَقيل: قهرتموهم وغلبتموهم. قَوْله: ﴿فشدوا الوثاق﴾ (مُحَمَّد: ٠٤) . وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو: اسْم مَا يوثق بِهِ. قَوْله: ﴿فإمَّا منا﴾ مَنْصُوب بِتَقْدِير: فإمَّا تمنون منا، وَكَذَلِكَ: وَإِمَّا تفدون فدَاء، وَالْمعْنَى: التَّخْيِير بعد الْأسر بَين أَن يمنوا عَلَيْهِم فيطلقوهم وَبَين أَن يفادوهم، وَقَالَ الضَّحَّاك: قَوْله تَعَالَى: ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ (مُحَمَّد: ٠٤) . ناسخة لقَوْله تَعَالَى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٥) . ويروى مثله عَن ابْن عمر، قَالَ: أَلَيْسَ الله بِهَذَا أمرنَا، قَالَ: ﴿حَتَّى إِذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ (مُحَمَّد: ٠٤) . وَهُوَ قَول عَطاء وَالشعْبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ، كَرهُوا قتل الْأَسير، وَقَالُوا: يمن عَلَيْهِ أويفادوه، وبمثل هَذَا اسْتدلَّ الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ: ظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي الْمَنّ أَو الْفِدَاء وَيمْنَع الْقَتْل.
فِيهِ حدِيثُ ثَمامَةَ
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أَثَال، بِضَم الْهمزَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة المخففة، وَقد مر حَدِيثه فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب دُخُول الْمُشرك الْمَسْجِد، وَمر أَيْضا فِي: بَاب الْمُلَازمَة والإشخاص فِي موضِعين. أَحدهمَا فِي: بَاب التَّوَثُّق مِمَّن يخْشَى معرته، وَالْآخر فِي: بَاب الرَّبْط وَالْحَبْس فِي الْحرم، وَسَيَأْتِي أَيْضا مطولا فِي أَوَاخِر كتاب الْمَغَازِي فِي: بَاب وَفد بني حنيفَة، وَحَدِيث ثُمَامَة ابْن أَثَال، وَحَاصِله أَنه ﷺ : بعث خيلاً قِبَلَ نَجدٍ فَجَاءَت بِرَجُل من بني حنيفَة يُقَال لَهُ ثُمَامَة بن أَثَال، فربطوه بِسَارِيَة من سواري الْمَسْجِد، ثمَّ أطلقهُ، وَالله أعلم.
وقَوْلُهُ ﴿مَا كانَ لِنَبِيِّ أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرَى﴾ (الْأَنْفَال: ٧٦) .
وَتَمام الْآيَة: ﴿حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ (الْأَنْفَال: ٧٦) . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث عبيد الله بن مُوسَى: حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ لم أسر الْأُسَارَى يَوْم بدر: أسر الْعَبَّاس فِيمَن أسر، أسره رجل من الْأَنْصَار، قَالَ: وَقد أوعدته الْأَنْصَار إِن يقتلوه، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وسلموفيه: إِنِّي لم أنم اللَّيْلَة من أجل عمي الْعَبَّاس، وَقد زعمت الْأَنْصَار أَنهم قَاتلُوهُ، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فآتهم. قَالَ: نعم، فَأتى عمر الْأَنْصَار، فَقَالَ لَهُم: أرْسلُوا الْعَبَّاس، فَقَالُوا: لَا وَالله لَا نرسله، فَقَالَ لَهُم عمر: فَإِن كَانَ لرَسُول الله، ﷺ رضَا؟ قَالُوا: فَإِن كَانَ لرَسُول الله، ﷺ رضَا فَخذه، فَأَخذه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا صَار فِي يَده قَالَ لَهُ: يَا عَبَّاس! أسلم فوَاللَّه لَئِن تسلم أحب إِلَيّ من أَن يسلم الْخطاب، وَمَا ذَاك إلَاّ لما رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ يُعجبهُ إسلامك. قَالَ: فَاسْتَشَارَ رَسُول الله، ﷺ أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ أَبُو بكر: عشيرتك فأرسلهم، فَاسْتَشَارَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: ففاداهم رَسُول الله، ﷺ ، فَأنْزل الله : ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض﴾ (الْأَنْفَال: ٧٦) . الْآيَة. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب. مِنْهُم من قَالَ: لَا يحل قتل أَسِير صبرا، وَإِنَّمَا يمن عَلَيْهِ أَو يفدى، وَقَالُوا: إِن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ (التَّوْبَة: ٥) . مَنْسُوخ بقوله: ﴿فإمَّا منَّاً وَإِمَّا فدَاء﴾ (مُحَمَّد: ٤) . وَهُوَ قَول جمَاعَة من التَّابِعين، وَقد ذَكَرْنَاهُمْ عَن قريب. وَمِنْهُم من قَالَ: لَا يجوز فِي الأسرى من الْمُشْركين إِلَّا الْقَتْل، وَجعلُوا قَوْله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٥) . نَاسِخا لقَوْله: ﴿فإمَّا منّاً بعد
стр. 4284
وإمَّا فدَاء﴾ (مُحَمَّد: ٤) . وَهُوَ قَول مُجَاهِد. وَقَالَ غَيرهم: إِن الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا محكمتان، وَهُوَ قَول ابْن زيد، وَهُوَ قَول صَحِيح بَين، لِأَن إِحْدَاهَا لَا تَنْفِي الْأُخْرَى، ينظر الإِمَام فِي ذَلِك مِمَّا يرَاهُ مصلحَة، أما الْقَتْل وَإِمَّا الْفِدَاء أَو الْمَنّ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد بن سَلام، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد وَأبي ثَوْر، قَالَ: وَقد فعل هَذَا كُله سيدنَا رَسُول الله، ﷺ فِي حروبه.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ اخْتلف قَول أبي حنيفَة فِي هَذَا، فَروِيَ عَنهُ: أَن الأسرى لَا تفادى وَلَا يردون حَربًا، لِأَن فِي ذَلِك قُوَّة لأهل الْحَرْب، وَإِنَّمَا يفادون بِالْمَالِ وَمَا سواهُ مِمَّا لَا قُوَّة لَهُم فِيهِ، وَرُوِيَ عَنهُ: أَنه لَا بَأْس أَن يفادى بالمشركين أُسَارَى الْمُسلمين، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَرَأى أَبُو حنيفَة أَن الْمَنّ مَنْسُوخ، وَقيل: كَانَ خَاصّا بسيدنا رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ أَبُو عبيد: وَالْقَوْل فِي ذَلِك عندنَا أَن الْآيَات جَمِيعًا محكمات لَا مَنْسُوخ فِيهِنَّ، وَذَلِكَ أَنه عمل بِالْآيَاتِ كلهَا من الْقَتْل والأسر وَالْفِدَاء حَتَّى توفاه الله تَعَالَى على ذَلِك، فَكَانَ أول أَحْكَامه فيهم يَوْم بدر، فَعمل بهَا كلهَا يَوْمئِذٍ، بَدَأَ بِالْقَتْلِ فَقتل عقبَة بن أبي معيط وَالنضْر بن الْحَارِث فِي قفوله، ثمَّ قدم الْمَدِينَة فَحكم فِي سَائِرهمْ بِالْفِدَاءِ، ثمَّ حكَّم يَوْم بني قُرَيْظَة سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقتل الْمُقَاتلَة وسبى الذُّرِّيَّة، فنفذه رَسُول الله، ﷺ وأمضاه، ثمَّ كَانَت غزَاة بني المصطلق، رَهْط جوَيْرِية بنت الْحَارِث، فاستحياهم جَمِيعًا وأعتقهم، ثمَّ كَانَ فتح مَكَّة فَأمر بقتل ابْن خطل والقينتين وَأطلق البَاقِينَ، ثمَّ كَانَت حنين فسبى هوَازن وَمن عَلَيْهِم وَقتل أباغرة الجُمَحِي يَوْم أحد وَقد كَانَ منَّ عَلَيْهِ يَوْم بدر، وَأطلق ثُمَامَة بن أَثَال، فَهَذِهِ كَانَت أَحْكَامه، ﵊، بالمن وَالْفِدَاء وَالْقَتْل، فَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا مَنْسُوخا، وَالْأَمر فيهم إِلَى الإِمَام وَهُوَ مُخَيّر بن الْقَتْل والمن وَالْفِدَاء، يفعل الْأَفْضَل فِي ذَلِك لِلْإِسْلَامِ وَأَهله، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يجوز مفاداة أسرى الْمُشْركين، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حِين وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٥) . الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يدٍ وهم صاغرون﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) . وَمَا ورد فِي أسرى بدر كُله مَنْسُوخ، وَلم يخْتَلف أهل التَّفْسِير ونقلة الْآثَار أَن سُورَة بَرَاءَة بعد سُورَة مُحَمَّد، ﷺ ، فَوَجَبَ أَن يكون الحكم الْمَذْكُور فِيهَا نَاسِخا للْفِدَاء الْمَذْكُور فِي غَيرهَا.
١٥١ - (بابٌ: لِلأَسِيرِ أنْ يَقْتلَ أَو يَخْدَعَ الَّذِينَ أسَرُوهُ حتَّى يَنْجُو مِنَ الكَفَرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ هَل للأسير فِي أَيدي الْكفَّار أَن يقتل ... إِلَخ، وَإِنَّمَا لم يذكر الْجَواب لمَكَان الِاخْتِلَاف فِي، فَقَالَ الْجُمْهُور: إِن ائتمنوه يَفِي لَهُم بالعهد، حَتَّى قَالَ مَالك: لَا يجوز أَن يهرب مِنْهُم، وَخَالفهُ أَشهب فَقَالَ: لَو خرج بِهِ الْكَافِر ليفادى بِهِ فَلهُ أَن يقْتله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِعْطَاؤُهُ الْعَهْد على ذَلِك بَاطِل، وَيجوز لَهُ أَن لَا يَفِي لَهُم بِهِ، وَبِه قَالَ الطَّبَرِيّ. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: يجوز أَن يهرب من أَيْديهم وَلَا يجوز أَن يَأْخُذ من أَمْوَالهم، قَالُوا: وَإِن لم يكن بَينهم عهد جَازَ لَهُ أَن يتَخَلَّص مِنْهُم بِكُل طَرِيق، وَلَو بِالْقَتْلِ وَأخذ المَال وتحريق الدَّار وَغير ذَلِك، وَقَالَ ابْن الْمَوَّاز: إِذا ألجؤه أَن يحلف أَن لَا يهرب بِطَلَاق أَو عتاق أَنه لَا يلْزمه ذَلِك لِأَنَّهُ مَكْرُوه، وَرَوَاهُ أَبُو زيد عَن ابْن الْقَاسِم. وَقَالَ غَيره: لَا معنى لمن فرق بَين يَمِينه ووعده، لِأَن حَاله حَال الْمُكْره حلف لَهُم أَو وعدهم أَو عاهدهم سَوَاء أمنوه أَو أخافوه، لِأَن الله تَعَالَى فرض على الْمُؤمن أَن لَا يبْقى تَحت أَحْكَام الْكفَّار، وَأوجب عَلَيْهِ الْهِجْرَة من دَارهم، فخروجه على كل وَجه جَائِز، وَالْحجّة فِي ذَلِك خُرُوج من أبي بَصِير، وتصويب النَّبِي ﷺ ، فعله وَرضَاهُ.
فِيهِ المِسْوَرُ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: فِي حكم هَذَا الْبَاب حَدِيث الْمسور بن مخرمَة، وَفِيه قصَّة أبي بَصِير، وَقد مر حَدِيثه فِي كتاب الشُّرُوط فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد، مطولا جدا، وَمن أمره يُؤْخَذ وَجه الْمُطَابقَة لما ترْجم لَهُ.
٢٥١ - (بابٌ إذَا حَرَّقَ المُشْرِكُ المُسْلِمَ هَلْ يُحَرِّقُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أحرق الْمُشرك الرجل الْمُسلم، هَل يحرق هَذَا الْمُشرك جَزَاء بِفِعْلِهِ؟ وأحرق يحرق من بَاب الْأَفْعَال، وَفِي بعض النّسخ: إِذا حرق، بتَشْديد الرَّاء، من التحريق، وَكَذَلِكَ: يحرق، بِالتَّشْدِيدِ قيل: كَانَ اللَّائِق أَن يذكر هَذِه
стр. 4285
التَّرْجَمَة قبل بَابَ يْنِ، فَلَعَلَّ تَأْخِيرهَا من تصرف النقلَة. قلت: ذكر هَذِه التَّرْجَمَة فِي ذَلِك الْموضع لَيْسَ بِأَمْر مُهِمّ فَلَا يحْتَاج نسبه ذَلِك إِلَى تصرف النقلَة، ثمَّ قَالَ قَائِل هَذَا القَوْل: وَيُؤَيّد ذَلِك أَنَّهُمَا أَي: أَن الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين قبل هَذَا الْبَاب سقطا جَمِيعًا للنسفي، وَثبتت عِنْده تَرْجَمَة: إِذا أحرق الْمُشرك، تلو تَرْجَمَة: لَا يعذب بِعَذَاب الله. قلت: لَا يلْزم من سُقُوط هذَيْن الْبَابَيْنِ عِنْده تأييد مَا ذكره، لِأَن السَّاقِط مَعْدُوم والمعدوم لَا يُؤَيّد وَلَا يُؤَكد.
٨١٠٣ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ أنَس بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رهْطاً مِنْ عُكْلٍ ثَمانِيَةً قَدِمُوا علَى النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ فَقَالُوا يَا رسولَ الله ابْغِنا رِسْلاً قَالَ مَا أجِدُ لَكُمْ إلَاّ أنْ تَلْحَقُوا بالذَّوْدِ فانْطَلَقُوا فشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وألْبَانِها حتَّى صَحُّوا وسَمِنُوا وقتَلُوا الرَّاعِيَ واسْتَاقُوا الذَّوْدَ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ فأتَى الصَّرِيخُ النَّبيَّ ﷺ فبَعَثَ الطَّلَبَ فَما تَرَجَّلَ النَّهَارُ حتَّى أُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أيْدِيَهُمْ وأرْجُلَهُمْ ثُمَّ أمَرَ بِمَسامِيرَ فأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِها وطَرَحَهُمْ بالحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَما يُسْقَوْنَ حتَّى ماتُوا. قَالَ أَبُو قِلابَة قَتَلُوا وسَرَقُو وحارَبُوا الله ورَسُولَهُ ﷺ وسَعَوْا فِي الأرْضِ فَسادَاً..
قيل: لَيْسَ فِيهِ مُطَابقَة للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَن هَذَا الرَّهْط من عكل فعلوا ذَلِك براعي النَّبِي ﷺ ، وَأجَاب الْكرْمَانِي: بِأَنَّهُ، ﷺ ، فعل بهم مثل مَا فعلوا بالراعي من سمل الْعين وَنَحْوه، ويؤول: لَا تعذبوا بِعَذَاب الله، بِمَا إِذا لم يكن فِي مُقَابلَة فعل الْجَانِي، فالحديثان لموْضِع النَّهْي وَالْجَزَاء. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد يخرج معنى التَّرْجَمَة من هَذَا الحَدِيث بِالدَّلِيلِ، وَلَو لم يَصح سمل العرنيين للرعاء، وَذَلِكَ أَنه، ﷺ ، لما سمل أَعينهم، والسمل التحريق بالنَّار، وَاسْتدلَّ مِنْهُ البُخَارِيّ أَنه لما جَازَ تحريق أَعينهم بالنَّار، وَلَو كَانُوا لم يحرقوا أعين الرعاء، أَنه أولى بِالْجَوَازِ فِي تحريق الْمُشرك إِذا أحرق الْمُسلم. قلت: الْأَوْجه مَا قَالَه الْكرْمَانِي: بِأَنَّهُ، ﷺ ، فعل بهم مثل مَا فعلوا بالراعي من سمل الْعين، وَقد ثَبت ذَلِك فِيمَا رَوَاهُ مُسلم من وَجه آخر عَن أنس، قَالَ: إِنَّمَا سمل النَّبِي ﷺ ، أعين العرنيين لأَنهم سملوا أعين الرعاء، وَلَو اطلع صَاحب (التَّوْضِيح) : على هَذَا لما قَالَ: لم يَصح سمل العرنيين للرعاء.
قَوْله: (مُعلى) ، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: ابْن أَسد، كَذَا ثَبت مَنْسُوبا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَغَيره، ووهيب بِضَم الْوَاو وَفتح الْهَاء: هُوَ ابْن خَالِد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الْجرْمِي.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب أَبْوَال الْإِبِل وَالدَّوَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (عكل) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف: قَبيلَة مَعْرُوفَة. قَوْله: (ثَمَانِيَة) ، بِالنّصب، بدل من رهطاً، أَو بَيَان لَهُ. قَوْله: (فاجتووا) من الاجتواء، وَهُوَ كَرَاهَة الْإِقَامَة. قَوْله: (ابغنا) أَي: أعنا، مُشْتَقّ من الإبغاء يُقَال: أبغيتك الشَّيْء إِذا أعنتك على طلبه. قَوْله: (رسلًا) ، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: وَهُوَ الدّرّ من اللَّبن. قَوْله: (بالذود) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهُوَ من الْإِبِل مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة، قَوْله: (الصَّرِيخ) هُوَ صَوت المستغيث أَو الصَّارِخ. قَوْله: (فَبعث الطّلب) بِفَتْح اللَّام جمع طَالب. . قَوْله: (فَمَا ترجل النَّهَار) ، أَي: مَا ارْتَفع النَّهَار. (حَتَّى أُتِي بهم) ، أَي: بالثمانية الْمَذْكُورين. قَوْله: (فأحميت) ، كَذَا وَقع من الإحماء مزِيد الثلاثي وَهُوَ الصَّوَاب فِي اللُّغَة، فَلَا يُقَال: فحميت من الثلاثي. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء مَوضِع بِالْمَدِينَةِ، وَقد مر غير مرّة. قَوْله: (قَالَ أَبُو قلَابَة) ، هُوَ الرَّاوِي الْمَذْكُور. قَوْله: (سرقوا) ، لم يكن هَذَا سَرقَة إِنَّمَا كَانَ حرابة، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى.
٣٥١ - (بَاب)
كَذَا وَقع بِغَيْر تَرْجَمَة، وَهُوَ كالفصل من الْبَاب الَّذِي قبله، وَقد مر نَحْو هَذَا كثيرا، وَهُوَ غير مُعرب لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بالتركيب.
стр. 4286
٩١٠٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ وَأبي سلَمَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ قرَصَتْ نَمْلَةٌ نِبِيَّاً مِنَ الأنْبِيَاءِ فأمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فأحْرِقَتْ فأوْحَى الله إلَيْهِ أنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أحْرَقَتْ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ الله.
(الحَدِيث ٩١٠٣ طرفه فِي: ٩١٣٣) .
وَجه مناسبته بِمَا قبله من حَيْثُ إِنَّه لَا يجوز الْمُجَاوزَة بالتحريق إِلَى من لَا يسْتَحق ذَلِك، فَإِنَّهُ ﷺ أخبر فِيهِ أَن الله، ، عَاتب هَذَا النَّبِي ﷺ بإحراقه تِلْكَ الْأمة من النَّمْل، وَلم يكتف بإحراق النملة الَّتِي قرصته، فَلَو أحرقها وَحدهَا لما عوتب عَلَيْهِ.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن وهب بن بَيَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر وَأحمد بن عِيسَى وَعَن مُحَمَّد بن يحيى.
قَوْله: (قرصت) بِالْقَافِ أَي: لدغت. قَوْله: (نَبيا) قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: ذَلِك النَّبِي كَانَ مُوسَى، ﵊. قَوْله: (بقرية النَّمْل) ، الْقرْيَة: الْمُجْتَمع. قَوْله: (أَن قرصتك؟) بِفَتْح الْهمزَة وبهمزة الِاسْتِفْهَام ملفوظة أَو مقدرَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ جَازَ إحراق النَّمْل قصاصا وَهُوَ لَيْسَ بمكلف، ثمَّ إِن جَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا، ثمَّ إِن القارص نملة وَاحِدَة، وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى. قلت: لَعَلَّه كَانَ فِي شَرعه جَائِزا، وَيُقَال: المؤذي طبعا يقتل شرعا قِيَاسا على الأفعى. فَإِن قلت: لَو كَانَ جَائِزا لما ذمّ عَلَيْهِ. قلت: يحْتَمل أَن يذل على ترك الأولى وحسنات الْأَبْرَار سيئات المقربين. انْتهى. قلت: قَوْله: لَعَلَّه كَانَ فِي شَرعه جَائِزا، فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ حكم بالتخمين، وَالْأولَى أَن يُقَال: لَعَلَّه لم يكن يعلم حِينَئِذٍ أَنه لَا يجوز، وَقَوله: المؤذي طبعا، لَيْسَ النَّمْل بمؤذ طبعا، لِأَن قرصها يحْتَمل أَنه كَانَ على سَبِيل الِاتِّفَاق. وَقَوله: يحْتَمل أَن يذم على ترك الأولي، لَا يُقَال فِي حق نَبِي أَن الله ذمه على فعل بل يُقَال: عاتبه.
وَفِي الحَدِيث: تَسْبِيح النَّمْل فَيدل ذَلِك على أَن جَمِيع الْحَيَوَانَات تسبح الله تَعَالَى. كَمَا قَالَ فِي كِتَابه الْكَرِيم: ﴿وَإِن من شَيْء إلَاّ يسبح بِحَمْدِهِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٤٤) . الْآيَة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ دَلِيل لمن قَالَ: لَا يحرق النَّمْل، وَأَجَازَهُ ابْن حبيب، وَأما إِن أدَّت ضَرُورَة إِلَى ذَلِك فَجَائِز أَن تحرق أَو تغرق.
٤٥١ - (بابُ حَرْقِ الدُّورِ والنَّخِيل)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز إحراق دور الْمُشْركين ونخيلهم، قَالَ بَعضهم: كَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ: حرق الدّور، وضبطوه بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان الرَّاء وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي الْمصدر حرق، وَإِنَّمَا يُقَال: تحريق وإحراق، لِأَنَّهُ رباعي، فَلَعَلَّهُ كَانَ بتَشْديد الرَّاء بِلَفْظ الْفِعْل الْمَاضِي، وَهُوَ المطابق للفظ الحَدِيث، وَالْفَاعِل مَحْذُوف تَقْدِيره: النَّبِي بِفِعْلِهِ أَو بِإِذْنِهِ، وعَلى هَذَا فَقَوله: الدّور، مَنْصُوب بالمفعولية، والنخيل كَذَلِك نسقاً عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: دَعْوَاهُ النّظر فِي الضَّبْط الْمَذْكُور فِي جَمِيع النّسخ فِيهَا نظر، لِأَنَّهُ لم يبين أَن الَّذين ضبطوه هَكَذَا هم النساخ أَو الْمَشَايِخ أَصْحَاب هَذَا الْفَنّ، فَإِن كَانُوا هم النساخ فَلَا اعْتِبَار لضبطهم، وَإِن كَانُوا الْمَشَايِخ فَهُوَ صَحِيح لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون لفظ حرق بِهَذَا الضَّبْط إسماً للإحراق، فَلَا يكون مصدرا حَتَّى لَا يرد مَا ذكره، لِأَن الحرق بالضبط الْمَذْكُور مصدر حرقت الشَّيْء حرقاً إِذا بردته، وحككت بعضه بِبَعْض، وَأما الَّذِي يسْتَعْمل فِي النَّار فَلَا يُقَال إلَاّ أحرقته من الإحراق أَو حرقته بِالتَّشْدِيدِ من التحريق. وَقَوله: لِأَنَّهُ رباعي غير مصطلح عِنْد الصرفيين لِأَنَّهُ لَا يُقَال: رباعي، عِنْدهم إلَاّ لما كَانَ حُرُوفه الْأَصْلِيَّة على أَرْبَعَة أحرف، وَإِنَّمَا يُقَال لمثل هَذَا: ثلاثي مزِيد فِيهِ. وَقَوله: فَلَعَلَّهُ كَانَ ... إِلَى آخِره، فِيهِ تعسف وتكلف جدا، لِأَن فِيهِ إضماراً قبل الذّكر، ثمَّ تَقْدِير الْفَاعِل، وَالْفَاعِل لَا يحذف.
٠٢٠٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قَيْسُ بنُ أبِي حازِمٍ قَالَ قَالَ لِي جَرِيرٌ قَالَ لي رسولُ الله، ﷺ أَلا تُرِيحُنِي منْ ذِي الخَلَصَةِ وكانَ بَيْتً فِي خَثْعَمَ
стр. 4287
يُسَمَّى كعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ قالَ فانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ ومائَةِ فارِسٍ منْ أحْمَسَ وكانُوا أصْحَبَ خَيْلٍ قالَ وكُنْتُ لَا أثْبُتُ علَى الخَيْلِ فضَرَبَ فِي صَدْرِي حتَّى رأيْتُ أثَرَ أصابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ واجْعَلْهُ هادِياً مَهْدِياً فانْطَلَقَ إلَيْهَا فكَسَرَهَا وحَرَّقَها ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رسولِ الله ﷺ يُخْبِرُهُ فَقالَ رسولُ جَرِيرٍ والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا جِئْتُكَ حتَّى تَرَكْتُها كأنَّهَا جَمَلٌ أجْوَفُ أوْ أجْرَبُ قَالَ فَبارَكَ فِي خَيْلِ أحْمَسَ ورِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وحرقها) وَهُوَ ظَاهر، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد أَيْضا، وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي مُوسَى وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن يُوسُف بن مُوسَى، وَفِي الدَّعْوَات عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الحميد بن بَيَان وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن مُحَمَّد بن عباد الْمَكِّيّ وَعَن ابْن أبي عَمْرو وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن الرّبيع بن نَافِع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد ابْن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن يُوسُف بن عِيسَى، وَفِي المناقب عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَلا تريحني) ، كلمة: أَلا، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام، مَعْنَاهَا هُنَا: الْعرض والتحضيض، وتختص بِالْجُمْلَةِ الفعلية. و: تريحني، من الإراحة، بالراء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة. قَوْله: (من ذِي الخلصة) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام وبالصاد الْمُهْملَة المفتوحات، وَقيل: بِسُكُون اللَّام، وَقيل: بِضَم الْخَاء وَسُكُون اللَّام وَهُوَ اسْم لذَلِك الْبَيْت، وَقَيده أَبُو الْوَلِيد الوقشي بِفَتْح الْخَاء وَإِسْكَان اللَّام، وَضَبطه الدمياطي بِخَطِّهِ بفتحهما، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ذُو الخلصة طاغية كَانَت لدوس يعبدونها، وَقيل: هُوَ بَيت كَانَ لخثعم يُسمى الْكَعْبَة اليمانية، وَهُوَ الَّذِي أخربه جرير بن عبد الله البَجلِيّ، بَعثه إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ . وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تضطرب أليات نسَاء دوس حول ذِي الخلصة) . وَكَانَت صنماً تعبدها دوس، وَقَالَ ابْن دحْيَة: قيل: هُوَ بَيت أصنام كَانَ لدوس وخثعم وبجيلة وَمن كَانَ ببلادهم، وَقيل: هُوَ صنم كَانَ لعَمْرو بن لحي نَصبه بِأَسْفَل مَكَّة حِين نصبت الْأَصْنَام، وَكَانُوا يلبسونه القلائد ويعلقون عَلَيْهِ بيض النعام ويذبحون عِنْده. قَوْله: (يُسمى كعبة اليمانية) ، من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة، جوزه الْكُوفِيُّونَ وَقدر فِيهِ البصريون حذفا أَي: كعبة الْجِهَة اليمانية وَالْمَشْهُور فِيهِ تَخْفيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، لِأَن الْألف بدل من إِحْدَى يائي النّسَب، وَقد جَاءَ بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي رِوَايَة: الْكَعْبَة اليمانية والكعبة الشامية، وَفِي بعض النّسخ بِغَيْر وَاو بَين اليمانية والكعبة الشامية لخثعم والشامية للكعبة الْحَرَام المشرفة. قَوْله: (فَانْطَلَقت) وَكَانَ انطلاقه قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ ، بشهرين. قَوْله: (من أحمس) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَفِي آخِره سين مُهْملَة: وأحمس هَذَا هُوَ ابْن الْغَوْث بن أَنْمَار بن أراش بن عَمْرو بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابْن يعرب بن قحطان. وخثعم، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ ابْن أفتل، بفاء وتاء مثناة من فَوق، وَقيل: أقبل، بقاف وباء مُوَحدَة: ابْن أَنْمَار بن أراش بن عَمْرو ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَضرب فِي صَدْرِي) إِنَّمَا ضربه فِي صَدره لِأَن فِيهِ الْقلب. قَوْله: (هادياً) إِشَارَة إِلَى قُوَّة التَّكْمِيل ومهدياً إِلَى قُوَّة الْكَمَال أَي: اجْعَلْهُ كَامِلا مكملاً: قَالَ ابْن بطال: هُوَ من بَاب التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَنَّهُ لَا يكون هادياً لغيره إلَاّ بعد أَن يَهْتَدِي هُوَ فَيكون مهدياً، وببركة دُعَاء النَّبِي ﷺ بقوله: أللهم ثبته، مَا سقط بعد ذَلِك من فرس. قَوْله: (وحرقها) بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (ثمَّ بعث) ، أَي: جرير. قَوْله: (يُخبرهُ) ، من الْأَحْوَال المققدرة. قَوْله: (فَقَالَ رَسُول جرير) ، جَاءَ مُبينًا فِي بعض الرِّوَايَات أَنه أَبُو أَرْطَأَة حُصَيْن بن ربيعَة، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ عِيَاض: وروى حصن وَالصَّوَاب هُوَ الأول، وَقَالَ أَبُو عمر حُصَيْن: وَيُقَال حصن وَالْأَكْثَر حُصَيْن بن ربيعَة الأحمسي أَبُو أَرْطَأَة، يُقَال: حُصَيْن بن ربيعَة بن عَامر بن الْأَزْوَر، وَالْأَزْوَر مَالك الشَّاعِر، وَرُوِيَ:
стр. 4288
فِي خيل أحمس، وَقد قيل فِي اسْم أبي أَرْطَأَة، هَذَا ربيعَة بن حُصَيْن، وَالصَّوَاب: حُصَيْن بن ربيعَة، وَكَانَ مَعَ جرير فِي هَذَا الْجَيْش. قَوْله: (أجوف) ، أَي: مجوف، وَهُوَ ضد الصمت أَي: خَال عَن كل مَا يكون فِي الْبَطن، وَوجه الشّبَه بَينهمَا عدم الِانْتِفَاع بِهِ، وَكَونه فِي معرض الفناء بِالْكُلِّيَّةِ لَا بَقَاء وَلَا ثبات لَهُ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: معنى أجوف أَنَّهَا أحرقت فَسقط السّقف وَبَعض الْبناء وَمَا كَانَ فِيهَا من كسْوَة، وَبقيت خاوية على عروشها. قَوْله: (أَو أجرب) شكّ من الرَّاوِي، قَالَ الْخطابِيّ: مَطْلِي بالقطران لما بِهِ من الجرب فَصَارَ أسود لذَلِك يَعْنِي: صَار من الإحراق. وَقَالَ الدَّاودِيّ: شبهها حِين ذهب سقفها وكسوتها فَصَارَت سَوْدَاء بالجمل الَّذِي زَالَ شعره وَنقص جلده من الجرب، وَصَارَ إِلَى الهزال. قَوْله: (فَبَارك) أَي: دَعَا بِالْبركَةِ، خمس مَرَّات.
وَفِي الحَدِيث: تَوْجِيه من يرِيح من النَّوَازِل وَجَوَاز هتك مَا افْتتن بِهِ النَّاس من بِنَاء أَو إِنْسَان أَو حَيَوَان أَو غَيره. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد. وَفِيه: الدُّعَاء للجيش. وَفِيه: اسْتِحْبَاب إرْسَال البشير بالفتوح. وَفِيه: النكاية بِإِزَالَة الْبَاطِل وآثاره وَالْمُبَالغَة فِي إِزَالَته.
١٢٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيَانُ عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ حَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب قطع الشّجر والنخيل، وَقد اخْتَصَرَهُ هُنَاكَ، وهنأ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بأتم مِنْهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز التحريق والتخريب فِي بِلَاد الْعَدو، وَكَرِهَهُ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا بِوَصِيَّة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لجيوشه أَن لَا يَفْعَلُوا شَيْئا من ذَلِك. وَأجِيب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ كَانَ يعلم أَن تِلْكَ الْبِلَاد ستفتح، فَأَرَادَ إبقاءها على الْمُسلمين، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: النَّهْي مَحْمُول على الْقَصْد لذَلِك بِخِلَاف مَا إِذا أَصَابُوا ذَلِك فِي خلال الْقِتَال، كَمَا وَقع فِي نصب المنجنيق على الطَّائِف. وَقَالَ غَيره: أثر الصّديق مُرْسل، والراوي سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ سعيد بن الْمسيب لم يُولد فِي أَيَّام الصّديق، وَيُقَال: حَدِيث ابْن عمر دَال على أَن للْمُسلمين أَن يكيدوا عدوهم من الْمُشْركين بِكُل مَا فِيهِ تَضْعِيف شوكتهم وتوهين كيدهم وتسهيل الْوُصُول إِلَى الظفر بهم من قطع ثمارها وتغوير مِيَاههمْ والتضييق عَلَيْهِم بالحصار. وَمِمَّنْ أجَاز ذَلِك الْكُوفِيُّونَ، وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَالثَّوْري وَابْن الْقَاسِم. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: يحرق شجرهم وتخرب بِلَادهمْ وتذبح الْأَنْعَام وتعرقب إِذا لم يُمكن إخْرَاجهَا، وَقَالَ مَالك: يحرق النّخل وَلَا تعرقب الْمَوَاشِي، وَقَالَ الشَّافِعِي: يحرق الشّجر المثمر والبيوت وأكره حريق الزَّرْع والكلأ، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يحل قتل الْمَوَاشِي وَلَا عقرهَا، وَلَكِن تخلى.
٥٥١ - (بابُ قَتْلِ النَّائِمِ الْمُشْرِكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من قتل النَّائِم الْمُشرك، وَفِي بعض النّسخ: قتل الْمُشرك النَّائِم.
٢٢٠٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ زَكَرِيَّاءَ بنِ أبِي زَائِدَةَ قَالَ حدَّثني أبي عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بعَثَ رسولُ الله ﷺ رهْطاً مِنَ الأنْصَارِ إِلَى أبي رَافِعٍ لَيَقْتُلُوهُ فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فدَخَلَ حِصْنَهُمْ قَالَ فدَخَلْتُ فِي مَرْبِطِ دَوابَّ لَهُمْ قَالَ وأغْلَقُوا بابَ الحِصْنِ ثُمَّ إنَّهُمْ فقَدُوا حِمَاراً لَهُمْ فخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ أرِيهِمْ أنَّنِي أطْلُبُهُ معَهُمْ فوَجَدُوا الحِمَارَ فدَخَلُوا ودَخَلْتُ وأغْلَقُوا بابَ الحِصْنِ لَيْلاً فوَضَعُوا المَفَاتِيحَ فِي كَوَّةٍ حَيْثُ أرَاهَا فلَمَّا نامُوا أخَذْتُ المفَاتِيحَ فَفَتَحْتُ بابَ الحِصْنِ ثُمَّ دَخَلْتُ علَيْهِ فقُلْتُ
стр. 4289
يَا أبَا رَافِعٍ فأجَابَنِي فتَعَمَّدْتُ الصَّوْتَ فضَرَبْتُهُ فَصاحَ فَخَرَجْتُ ثُمَّ جِئْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ كأنِّي مُغِيثٌ فقُلْتُ يَا أبَا رَافِعٍ وغَيَّرْتُ صَوْتِي فَقالَ مالَكَ لأمِّكَ الوَيْلُ قُلْتُ مَا شأنُكَ قَالَ لَا أدْرِي مَنْ دَخَلَ عَلَيَّ فضَرَبَنِي قَالَ فوَضَعْتُ سَيْفِي فِي بَطْنِهِ ثُمَّ تَحَامَلْتُ علَيْهِ حتَّى قرَعَ العَظْمَ ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَنا دَهِشٌ فأتَيْتُ سُلَّماً لَهُمْ لأنْزِلَ مِنْهُ فوَقَعْتُ فوُثِئَتْ رِجْلِي فَخَرَجْتُ إلَى أصْحَابِي فَقُلْتُ مَا أنَا بِبَارِحٍ حتَّى أسْمَعَ النَّاعِيَةَ فَمَا بَرِحْتُ حتَّى سَمِعْتُ نَعايا أبِي رَافِعٍ تاجِرِ أهْلِ الحِجَازِ قالَ فَقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ حتَّى أتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فأخْبَرْنَاهُ..
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة إِلَّا إِذا أُرِيد بالنائم المضطجع، وَقيل: هَذَا قتل يقظان نبه من نَومه، وَقيل: هَذَا حكمه حكم النَّائِم، لِأَنَّهُ لما أجَاب الرجل كَانَ فِي خيال النّوم، وَلِهَذَا لم يَتَحَرَّك من مَوْضِعه وَلَا قَامَ من مضجعه، فَكَانَ حكمه حكم النَّائِم، وَهَذَا الْوَجْه أقرب مَعَ أَنه جَاءَ فِيهِ، فَدخل عَلَيْهِ عبد الله بن عتِيك بَيته فَقتله وَهُوَ نَائِم.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن مُسلم، بِكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة: ابْن سعيد أَبُو الْحسن الطوسي، سكن بَغْدَاد وَهُوَ من أَفْرَاده. الثَّانِي: يحيى بن زَكَرِيَّاء ابْن أبي زَائِدَة، واسْمه مَيْمُون الْهَمدَانِي الْكُوفِي القَاضِي. الثَّالِث: أَبُو زَكَرِيَّاء الْهَمدَانِي الْكُوفِي الْأَعْمَى. الرَّابِع: أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله الْهَمدَانِي السبيعِي الْكُوفِي. الْخَامِس: الْبَراء بن عَازِب الْأنْصَارِيّ الخزرجي الأوسي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مُخْتَصرا هُنَا عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن إِسْحَاق بن نصر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رهطاً من الْأَنْصَار) الرَّهْط الْجَمَاعَة من الرِّجَال مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة وَلَا يكون فيهم امْرَأَة، وهم: عبد الله بن عتِيك وَعبد الله بن عتبَة وَعبد الله بن أنيس وَأَبُو قَتَادَة وَالْأسود بن خزاعي ومسعود بن سِنَان وَعبد الله ابْن عقبَة، وَكَانَ مَعَهم أَيْضا أسعد بن حرَام حَلِيف بني سوَادَة. قَالَ السُّهيْلي: وَلَا نَعْرِف أحدا ذكره غَيره. قلت: ذكره الْحَاكِم أَيْضا فِي (الإكليل) عَن الزُّهْرِيّ وَعند الْكَلْبِيّ عبد الله بن أنيس هُوَ ابْن سعد بن حرَام. قلت: مَا كَانَ الْمُوجب لبعثه ﷺ هَؤُلَاءِ الرَّهْط إِلَى أبي رَافع وَمَتى كَانَ هَذَا الْبَعْث؟ قلت: أما الْمُوجب لذَلِك فَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق، فَقَالَ لما انْقَضى أَمر الخَنْدَق وَأمر بني قُرَيْظَة، وَكَانَ أَبُو رَافع مِمَّن حزب من الْأَحْزَاب على رَسُول الله، ﷺ اسْتَأْذَنت الْخَزْرَج رَسُول الله، ﷺ فِي قَتله، فَأذن لَهُم فَخَرجُوا. وَفِي (طَبَقَات ابْن سعد) كَانَ أَبُو رَافع قد أجلب فِي غطفان وَمن حوله من مُشْركي الْعَرَب وَجعل لَهُم من الْجعل الْعَظِيم لِحَرْب رَسُول الله، ﷺ ، فَبعث رَسُول الله، ﷺ هَؤُلَاءِ الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ. وَأما وَقت هَذَا الْبَعْث فَقَالَ ابْن سعد: كَانَ فِي شهر رَمَضَان سنة سِتّ من الْهِجْرَة، وَقيل: فِي ذِي الْحجَّة سنة خمس، وَفِي (الإكليل) : كَانَ بعد بدر، وَقيل: بعد غَزْوَة السويق، وَقَالَ النَّيْسَابُورِي: قبل دومة الجندل، وَقَالَ ابْن حبَان: بعد بدر الموعب آخر سنة أَربع، وَقَالَ أَبُو معشر: بعد غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَقبل سَرِيَّة عبد الله بن رَوَاحَة، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ بعد كَعْب بن الْأَشْرَف. قَوْله: (إِلَى أبي رَافع) ، واسْمه عبد الله، وَيُقَال: سَلام بن أبي الْحقيق، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْيَهُودِيّ. قَوْله: (فَانْطَلق رجل مِنْهُم) ، هُوَ عبد الله بن عتِيك، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الْأنْصَارِيّ من بني عَمْرو بن عَوْف، اسْتشْهد يَوْم الْيَمَامَة. قَالَ أَبُو عمر: وَأَظنهُ وأخاه جَابر بن عتِيك شهد بَدْرًا، وَلم يخْتَلف أَن عبد الله شهد أحدا، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَأَبوهُ: إِنَّه شهد صفّين مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن كَانَ هَذَا فَلم يقتل يَوْم الْيَمَامَة. قَوْله: (فَدخل حصنهمْ) ، يُقَال إِنَّه حصن بِأَرْض الْحجاز، وَالظَّاهِر أَنه خَيْبَر. قَوْله: (أريهم) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء: من الإراءة. قَوْله: (فِي كوَّة) ، بِضَم الْكَاف وَفتحهَا وَهِي: الثقب فِي جِدَار الْبَيْت. قَوْله: (ففتحت بَاب الْحصن ثمَّ دخلت) ، فَإِن قيل: كَانَ هُوَ دَاخل الْحصن فَمَا مَعْنَاهُ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ للحصن مغاليق وطبقات. قَوْله: (فتعمدت الصَّوْت) . أَي: اعتمدت جِهَة الصَّوْت إِذْ كَانَ الْموضع مظلماً. قَوْله: (مَالك؟) كلمة: مَا، للاستفهام مُبْتَدأ و: لَك، خَبره. قَوْله: (لأمك الويل) الْقيَاس أَن يُقَال: على أمك الويل وَإِنَّمَا ذكر اللَّام لإِرَادَة الِاخْتِصَاص بهم. قَوْله: (تحاملت عَلَيْهِ) ، أَي: تكلفته على مشقة. قَوْله: (حَتَّى قرع الْعظم) ، أَي: أَصَابَهُ، وَمِنْه: قرعته الداهية أَي: أَصَابَته، وأصل القرع: الضَّرْب. قَوْله: (وَأَنا دهش) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا
стр. 4290
ودهش، بِفَتْح الدَّال وَكسر الْهَاء صفة مشبهة، أَي: متحير مدهوش. قَوْله: (فوثئت) ، بِضَم الْوَاو وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة من الوثأ، وَهُوَ: أَن يُصِيب الْعظم وصم لَا يبلغ الْكسر، وَذكر ثَعْلَب هَذِه الْمَادَّة فِي بَاب المهموز من الْفِعْل، يُقَال: وثئت يَده فَهِيَ موثوءة ووثأتها أَنا. وَأما ابْن فَارس فَقَالَ: وَقد يهمز، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَالْوَاو مَضْمُومَة على بِنَاء الْفِعْل لما لم يسم فَاعله. قَوْله: (مَا أَنا ببارح) أَي: بذاهب. قَوْله: (الناعية) ، بالنُّون وَكسر الْعين الْمُهْملَة على وزن فاعلة: من النعي، وَهُوَ الْإِخْبَار، بِالْمَوْتِ، ويروى: (الواعية) ، أَي: الصارخة الَّتِي تندب الْقَتِيل، والوعي الصَّوْت. قَالَ صَاحب (الْعين) : الوعي جلبة وأصوات الْكلاب فِي الصَّيْد، وَقَالَ: الداعية الَّتِي تَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور وَهِي النائحة. قَوْله: (سَمِعت نعايا أَبَا رَافع) كَذَا الرِّوَايَة، وَصَوَابه: نعاي، بِغَيْر ألف، كَذَا تَقوله النُّحَاة، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَكَذَا يرْوى: (نعايا أبي رَافع) وَحقه أَن يُقَال: نعاي أبي رَافع أَي: انعوا أَبَا رَافع، كَقَوْلِهِم: دراكِ بِمَعْنى: أدركوا، وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَنه يطرد هَذَا الْبَاب فِي الْأَفْعَال الثلاثية كلهَا أَن يُقَال فِيهَا: فعالِ، بِمَعْنى: إفعل، نَحْو، حذار ومناع ونزال، كم تَقول: أنزل وَاحْذَرْ وامنع، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَت الْعَرَب إِذا مَاتَ فيهم ميت ركب رَاكب فرسا وَجعل يسير فِي النَّاس، وَيَقُول: نعاء فلَانا، أَي: أنعه وَأظْهر خبر وَفَاته، قَالَ أَبُو نصر: وَهِي مَبْنِيَّة على الْكسر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: نعايا جمع ناعية، وَالْأَظْهَر أَنه جمعي، مثل: صفايا جمع صفي، وَفِي (الْمطَالع) : نعايا أبي رَافع هُوَ جمع نعي أَي: أصوات المنادين بنعيه من الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَقد يحْتَمل أَن تكون هَذِه الْكَلِمَة كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر الآخر فِي حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس: نعايا الْعَرَب، كَذَا فِي الحَدِيث، قَالَ الْأَصْمَعِي: إِنَّمَا هُوَ: يَا نعاء الْعَرَب، أَي: يَا هَؤُلَاءِ انعوا الْعَرَب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن نعاء من أَسمَاء الْأَفْعَال، وَقد جمع على نَحْو خَطَايَا شاذاً. وَيحْتَمل أَن يكون جمع نعي أَو ناعية. قلت: هُوَ من أَسمَاء الْأَفْعَال بِلَا احْتِمَال، لِأَنَّهُ بِمَعْنى: انعوا، كَمَا ذكرنَا، وَقَوله: أَو ناعية، نَقله من كَلَام الدَّاودِيّ، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَمَا بِي قلبة) بِالْقَافِ وَاللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحات أَي: مَا بِي عِلّة، قَالَ الْفراء: أَصله من القلاب، وَهُوَ دَاء يُصِيب الْإِبِل، وَزَاد الْأَصْمَعِي: تَمُوت من يَوْمهَا بِهِ، فَقيل ذَلِك لكل سَالم لَيْسَ بِهِ عِلّة. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ لَيست بِهِ عِلّة يقلب لَهَا فَينْظر إِلَيْهِ، وأصل ذَلِك فِي الدَّوَابّ، وَعَن الْأَصْمَعِي مَعْنَاهُ: مَا بِهِ دَاء، وَهُوَ من القلاب دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فِي رؤوسها فيقلبها إِلَى فَوق، وَقَالَ الْفراء: مَا بِهِ عِلّة يخْشَى عَلَيْهِ فِيهَا، وَهُوَ من قَوْلهم: قلب الرجل إِذا أَصَابَهُ وجع فِي قلبه، وَلَيْسَ يكَاد يفلت مِنْهُ، وَقَالَ غَيره: مَا بِهِ شَيْء يقلقه فيقلب مِنْهُ على فرَاشه، وَقَالَ النّحاس: حكى عبد الله بن مُسلم أَن بَعضهم يَقُول فِي هَذَا أَي: مَا بِهِ حول، ثمَّ استعير من هَذَا الأَصْل لكل سَالم لَيست بِهِ آفَة. قَوْله: (فَأَخْبَرنَاهُ) أَي: أخبرنَا النَّبِي ﷺ ، بِمَوْت أبي رَافع.
ثمَّ إِن الَّذِي يظْهر من هَذَا الحَدِيث أَن الَّذِي قَتله هُوَ عبد الله بن عتِيك، وَقَالَ ابْن سعد وَغَيره: لما ذهب الْجَمَاعَة المذكورون إِلَى خَيْبَر كمنوا، فَلَمَّا هدأت الرجل جاؤوا إِلَى منزله فَصَعِدُوا دَرَجَة لَهُ وَقدمُوا عبد الله بن عتِيك لِأَنَّهُ كَانَ يرطن باليهودية، واستفتح، وَقَالَ: جِئْت أَبَا رَافع بهدية ففتحت لَهُ امْرَأَته، فَلَمَّا رَأَتْ السِّلَاح أَرَادَت أَن تصيح فأشاروا إِلَيْهَا بِالسَّيْفِ فَسَكَتَتْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَمَا عرفوه إلَاّ ببياضه كَأَنَّهُ قبطية فعَلَوه بِأَسْيَافِهِمْ. قَالَ ابْن أنس: وَكنت رجلا أعشى لَا أبْصر فأتكيء بسيفي على بَطْنه حَتَّى سَمِعت حسه فِي الْفراش وَعرفت أَنه قضى، وَجعل الْقَوْم يضربونه جَمِيعًا، ثمَّ نزلُوا وصاحت امْرَأَته فتصايح أهل الدَّار واختبأ الْقَوْم فِي بعض مياه خَيْبَر، وَخرج الْحَارِث أَبُو زَيْنَب فِي ثَلَاثَة آلَاف فِي آثَارهم يطلبونهم بالنيران فَلم يجدوهم فَرَجَعُوا، وَمكث الْقَوْم فِي مكانهم يَوْمَيْنِ حَتَّى سكن الطّلب، ثمَّ خَرجُوا إِلَى الْمَدِينَة وَكلهمْ يَدعِي قَتله، فَأخذ رَسُول الله، ﷺ أسيافهم فَنظر إِلَيْهَا فَإِذا أثر الطَّعَام فِي ذُبَابَة سيف ابْن أنيس، فَقَالَ: هَذَا قَتله.
وَفِي كتاب (دَلَائِل النُّبُوَّة) : قَتله ابْن عتِيك ودفف عَلَيْهِ ابْن أنيس.
وَفِي (الإكليل) عَن ابْن أنيس، قَالَ: ظَهرت أَنا وَابْن عتِيك وَقعد أَصْحَابنَا فِي الْحَائِط، فَاسْتَأْذن ابْن عتِيك فَقَالَت امْرَأَة ابْن أبي الْحقيق: إِن هَذَا لصوت ابْن عتِيك، فَقَالَ ابْن أبي الْحقيق: ثكلتك أمك ... ، ابْن عتِيك بِيَثْرِب، أنَّى هُوَ هَذِه السَّاعَة؟ افتحي، فَإِن الْكَرِيم لَا يرد على بَابه هَذِه السَّاعَة أحدا، ففتحت فَدخلت أَنا وَابْن عتِيك، فَقَالَ لِابْنِ عتِيك: دُونك، فشهرت عَلَيْهَا السَّيْف فَأخذ ابْن أبي الْحقيق وسَادَة فاتقاني بهَا، فَجعلت أُرِيد أَن أضربه فَلَا أَسْتَطِيع، فوخزته بِالسَّيْفِ وخزاً ثمَّ خرجت إِلَى ابْن أنيس، فَقَالَ: اقتله؟ قلت: نعم.
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت أم ابْن عتِيك الَّتِي أَرْضَعَتْه يَهُودِيَّة
стр. 4291
بِخَيْبَر، فَأرْسل إِلَيْهَا يعملها بمكانه فَخرجت إِلَيْنَا بجراب مَمْلُوء تَمرا لينًا وخبزاً، ثمَّ قَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهُ! أما لَو أمسينا لبتنا عنْدك فأدخلينا خَيْبَر، فَقَالَت: وَكَيف تطِيق خَيْبَر وفيهَا أَرْبَعَة آلَاف مقَاتل؟ وَمن تُرِيدُ فِيهَا؟ قَالَ: أَبَا رَافع. قَالَت: لَا تقدر عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَت: إدخلوا عَليّ لَيْلًا لما نَام أهل خَيْبَر فِي حمر النَّاس، وأعلمتهم أَن أهل خَيْبَر لَا يغلقوا عَلَيْهِم أَبْوَابهم فرقا أنم يتطرقهم ضيف، فَلَمَّا هدأت الرِّجل، قَالَت: انْطَلقُوا حَتَّى تستفتحوا على أبي رَافع، فَقولُوا: إِنَّا جِئْنَا لَهُ بهدية، فانهم سيفتحون لكم، فَلَمَّا انْتَهوا إِلَيْهِ استهموا عَلَيْهِ، فَخرج سهم ابْن أنيس.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الاغتيال على من أعَان على رَسُول الله، ﷺ بيد أَو مَال أَو رَأْي، وَكَانَ أَبُو رَافع يعادي رَسُول الله، ﷺ ويؤلب النَّاس عَلَيْهِ. وَفِيه: جوز التَّجَسُّس على الْمُشْركين وَطلب غرتهم. وَفِيه: الاغتيال بِالْحَرْبِ وَالْإِيهَام بالْقَوْل. وَفِيه: الْأَخْذ بالشدة فِي الْحَرْب والتعرض لعدد كثير من الْمُشْركين. وَفِيه: الْإِلْقَاء إِلَى التَّهْلُكَة بِالْيَدِ فِي سَبِيل الله، وَأما الَّذِي نهى عَنهُ من ذَلِك فَهُوَ فِي الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله لِئَلَّا تخلى يَده من المَال فَيَمُوت جوعا وضياعاً. وَفِيه: الحكم بِالدَّلِيلِ الْمَعْرُوف والعلامة الْمَعْرُوفَة على الشَّيْء، كَحكم هَذَا الرجل بالناعية.
٣٢٠٣ - حدَّثني عبدُ الله بن مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبِي زائِدَةَ عنْ أبِيهِ عنْ إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ بعَثَ رسُولُ الله ﷺ رهْطاً مِنَ الأنْصَارِ إِلَى أبي رَافِعٍ فدَخَلَ علَيْهِ عَبْدُ الله بنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلاً فقَتَلَهُ وهْوَ نَائِمٌ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان الْقرشِي المَخْزُومِي الْكُوفِي صَاحب الثَّوْريّ عَن يحيى بن أبي زَائِدَة. وَفِيه التصرحي بِأَن ابْن عتِيك هُوَ الَّذِي قتل أَبَا رَافع، وَأَنه قَتله وَهُوَ نَائِم، وَلَا تطلب الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة أَكثر من هَذَا. قَوْله: (بَيته) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، يَعْنِي: منزله، ويروى: بَيته، بتَشْديد الْيَاء من التبييت، وَهُوَ فِي مَحل النصب على الْحَال بِتَقْدِير: قد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أوجاؤكم حصرت صُدُورهمْ﴾ (النِّسَاء: ٠٩) .
٦٥١ - (بابٌ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو اللِّقَاء الملاقاة.
٤٢٠٣ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسى قَالَ حدَّثنا عاصِمُ بنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ قَالَ حدَّثنا أبُو إسحَاقَ الفَزَارِيُّ عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ قَالَ حدَّثني سالِمٌ أَبُو النَّضْرِ قَالَ كُنْتُ كاتِباً لِعُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله فأتاهُ كِتابُ عَبْدِ الله بنِ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا تَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَأن التَّرْجَمَة هِيَ متن الحَدِيث، ويوسف بن مُوسَى بن عِيسَى أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ، بِفَتْح الْفَاء. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا لم يُقَاتل أول النَّهَار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن مُوسَى بن عقبَة ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٦٢٠٣ - وقَالَ أبُو عامِرٍ حدَّثنا مُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ فإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا.
أَبُو عَامر هُوَ عبد الْملك بن عَمْرو بن قيس الْبَصْرِيّ الْعَقدي، بِفتْحَتَيْنِ: بِنِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس وهم صنف من الأزد، وَقد ظن الْكرْمَانِي أَن أَبَا عَامر هَذَا هُوَ عبد الله بن براد، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رِوَايَة عَن مُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج
стр. 4292
عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَعبد بن حميد قَالَا: حَدثنَا أَبُو عَامر الْعَقدي عَن الْمُغيرَة وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحزَامِي عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو فَإِذا لقيتموهم فَاصْبِرُوا) .
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا.
وَفِي الحَدِيث: نهى عَن تمني لِقَاء الْعَدو لما فِيهِ من الْإِعْجَاب والاتكال على الْقُوَّة، وَلِأَن النَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي الصَّبْر على الْبلَاء ألَا يُرى الَّذِي أحرقته الْجراح فِي بعض الْمَغَازِي مَعَ رَسُول الله، ﷺ فَقتل نَفسه، وَقَالَ الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لِأَن أعافَى فأشكر أحب إِلَيّ من أَن أبتلى فأصبر. وَرُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ لأبنه: يَا بني! لَا تدعوَنَّ أحدا إِلَى المبارزة، وَمن دعَاك إِلَيْهَا فَاخْرُج إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ بَاغ وَالله تَعَالَى قد ضمن نصر من بغى عَلَيْهِ وَأما أَقْوَال الْعلمَاء فِيهِ فقد ذكر ابْن الْمُنْذر أَنه: أجمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم من الْعلمَاء على أَن للمرء أَن يبارز وَيَدْعُو إِلَى البرَاز بِإِذن الإِمَام غير الْحسن الْبَصْرِيّ، فَإِنَّهُ كرهها، هَذَا قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وأباحته طَائِفَة وَلم يذكرُوا إِذن الإِمَام وَلَا غَيره، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ، فَإِن طلبَهَا كَافِر يسْتَحبّ الْخُرُوج إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يحسن مِمَّن جرب نَفسه وَيَأْذَن الإِمَام، وَسُئِلَ مَالك عَن الرجل يَقُول بَين الصفين: من يبارز؟ قَالَ: ذَلِك إِلَى نِيَّته، إِن كَانَ يُرِيد بذلك وَجه الله تَعَالَى فأرجو أَن لَا يكون بِهِ بَأْس، قد كَانَ فعل ذَلِك من مضى، وَقَالَ أنس بن مَالك: قد بارز الْبَراء ابْن مَالك مرزبان فَقتله، وَقَالَ أَبُو قَتَادَة: بارزت رجلا يَوْم حنين فَقتلته، فَأَعْطَانِي رَسُول الله، ﷺ ، سلبه وَلَيْسَ فِي خَبره أَنه اسْتَأْذن فِيهِ.
٧٥١ - (بابٌ الحَرْبُ خَدْعَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْحَرْب خدعة، بِضَم الْخَاء وَفتحهَا، على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٢٠٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ وقَيْصَرُ لَيَهْلكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ ولَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهُما فِي سَبِيلِ الله. وسَمَّى الْحَرْبَ خُدْعَةً.
(الحَدِيث ٨٢٠٣ طرفه فِي: ٩٢٠٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، قد ذكرُوا غير مرّة، والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن مُحَمَّد بن رَافع.
قَوْله: (كسْرَى) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسرهَا، لقب ملك الْفرس، وَذكره ثَعْلَب بِكَسْر الْكَاف، وَقَالَ الْفراء: الْكسر أَكثر من الْفَتْح، وَأنكر أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ الْفَتْح، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْكسر أفْصح وَكَانَ أَبُو حَاتِم يخْتَار الْكسر، وَقَالَ الْقَزاز: الْجمع كسور وأكاسرة وكياسرة وَالْقِيَاس أَن يجمع كسرون، كَمَا يجمع مُوسَى موسون، وَعَن أبي إِسْحَاق الزّجاج أَنه أنكر على أبي الْعَبَّاس قَوْله: كسْرَى، بِكَسْر الْكَاف، قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ كسْرَى بِالْفَتْح وَقَالَ: أَلا تراهم يَقُولُونَ: كسروي، وَقَالَ ابْن فَارس: لَا اعْتِبَار بِالنِّسْبَةِ، فقد يفتح فِي النِّسْبَة مَا هُوَ مكسور فِي الأَصْل أَو مضموم فَيُقَال فِي: ثعلبي بِالْفَتْح، ثعلبي بِالْكَسْرِ، وَفِي أموي بِالضَّمِّ، أموي بِالْفَتْح، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ مُعرب خسر، وَمَعْنَاهُ وَاسع الْملك. فَكيف عربه المعرب، إِذا لم يخرج عَن بِنَاء كَلَام الْعَرَب، فَهُوَ جَائِز، وَفِي (الْمُجْمل) قَالَ أَبُو عَمْرو: ينْسب إِلَى كسْرَى، بِكَسْر الْكَاف: كسْرَى وكسروي، وَذكر اللحياني أَن مَعْنَاهُ: شاهان شاه، وَهُوَ اسْم لكل من ملك الْفرس. قَوْله: (وَقَيْصَر) ، مُبْتَدأ، وَقَوله: (ليهلكن) خَبره، وَهُوَ غير منصرف للعلمية والعجمة، ويروى: قَيْصر، بعد النَّفْي بِالتَّنْوِينِ لزوَال العلمية بالتنكير، وَكَذَا الْكَلَام فِي كسْرَى، وَإِنَّمَا قَالَ فِي كسْرَى، هلك بِلَفْظ الْمَاضِي وَفِي قَيْصر بِلَفْظ الْمُضَارع لِأَن كسْرَى الَّذِي كَانَ فِي عَهده ﷺ كَانَ هَالكا حِينَئِذٍ، وَأما قَيْصر فَكَانَ حَيا إِذْ ذَاك. فَإِن قلت: قد كَانَ بعدهمَا غَيرهمَا. قلت: مَا قَامَ لَهُم الناموس على الْوَجْه الَّذِي قبل ذَلِك. قلت: روى مُسلم من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : قد مَاتَ كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده، وَإِذا هلك قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتتنفقن كنوزهما فِي سَبِيل الله. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ أَيْضا عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِذا هلك كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده، وَإِذا هلك قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده. . الحَدِيث، وَبَين اللَّفْظَيْنِ
стр. 4293
بَون عَظِيم فَلفظ مُسلم يَقْتَضِي أَن موت كسْرَى قد وَقع فَأخْبر عَنهُ النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ يُؤَيّد رِوَايَة البُخَارِيّ: هلك كسْرَى، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ يدل على أَن هَلَاكه سيقع لِأَن إِذا للمستقبل، وَلَفظ مُسلم: قد مَاتَ كسْرَى، بِلَفْظ الْمَاضِي الْمُؤَكّد بِكَلِمَة: قد، وَلَا يَصح أَن يُقَال فِي: قد مَاتَ، إِذا مَاتَ. قلت: الْجَواب من وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَن يُقَال أَن أَبَا هُرَيْرَة سمع الحَدِيث مرَّتَيْنِ، فَسمع أَولا: إِذا هلك كسْرَى، ثمَّ سمع بعده: قد مَاتَ، فِي رِوَايَة مُسلم، وَهلك فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، ومعناهما وَاحِد، وَكَانَ ﷺ أخبر أَولا قبل موت كسْرَى بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ علم أَنه يَمُوت ثمَّ لما مَاتَ، قَالَ: قد مَاتَ كسْرَى، وَالْآخر: أَن يفرق بَين الْمَوْت والهلاك، فموته قد وَقع فِي حَيَاته ﷺ فَأخْبر بذلك، وَأما هَلَاك ملكه فَلم يَقع إلَاّ بعد مَوته، ﷺ ، وَمَوْت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا هلك ملكه فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَتَمَامه وتلاشيه فِي أَيَّام عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (ولتقسمن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَكَذَا جرى، اقتسم الْمُسلمُونَ كنوزهما فِي سَبِيل الله، وَهَذِه معْجزَة ظَاهِرَة، والكنوز جمع: كنز، وَهُوَ المَال المدفون وَالَّذِي يجمع ويدخر. وَاعْلَم أَن الْهَلَاك فِي كسْرَى عَام وَفِي قَيْصر خَاص، لِأَن معنى الحَدِيث: لَا قَيْصر بعده فِي أَرض الشَّام، وَقد دَعَا النَّبِي ﷺ لقيصر لما قَرَأَ كِتَابه أَن يثبت الله ملكه، فَلم يذهب ملك الرّوم أصلا إلَاّ من الْجِهَة الَّتِي خلا مِنْهَا. وَأما كسْرَى فَإِنَّهُ مزق كِتَابه ﷺ فَدَعَا عَلَيْهِ أَن يمزق ملكه كل ممزق فَانْقَطع إِلَى الْيَوْم وَإِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وسمى) أَي: رَسُول الله، ﷺ (الْحَرْب خدعة) وَضبط الْأصيلِيّ: خدعة، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الدَّال، وَعَن يُونُس: ضم الْخَاء وَفتح الدَّال، وَعَن عِيَاض: فتحهما، وَقَالَ الْقَزاز: فتح الْخَاء وَسُكُون الدَّال لُغَة النَّبِي ﷺ ولغته أفْصح اللُّغَات، وَقَالُوا: الخدعة الْمرة الْوَاحِدَة من الخداع، فَمَعْنَاه: أَن من خدع فِيهَا مرّة وَاحِدَة عطب وَهلك وَلَا عودة لَهُ.
وَقَالَ ابْن سَيّده فِي (العويص) : من قَالَ خدعة أَرَادَ تخدع أَهلهَا وَفِي (الواعي) : أَي: تمنيهم بالظفر وَالْغَلَبَة، ثمَّ لَا تفي لَهُم، وَقَالَ: وَمن قَالَ: خدعة، أَرَادَ هِيَ أَن تخدع، كَمَا يُقَال: رجل لعنة يلعن كثيرا، وَإِذ خدع أحد الْفَرِيقَيْنِ صَاحبه فِي الْحَرْب فَكَأَنَّهَا خدعت هِيَ، وَقَالَ قَاسم بن ثَابت فِي (كِتَابه الدَّلَائِل) : كثر استعمالهم لهَذِهِ الْكَلِمَة حَتَّى سموا الْحَرْب خدعة، وَحكى مكي وَمُحَمّد بن عبد الْوَاحِد: خدعة، بِالْكَسْرِ، وَقَالَ المطرزي: الْأَفْصَح بِالْفَتْح لِأَنَّهُ لُغَة قُرَيْش، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: لَيست بلغَة قوم دون قوم، وَإِنَّمَا هِيَ كَلَام الْجَمِيع لِأَنَّهَا الْمرة الْوَاحِدَة من الخداع، فَلذَلِك فتحت. وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو بكر بن طَلْحَة: أَرَادَ ثَعْلَب أَن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ كَانَ يخْتَار هَذِه البنية ويستعملها كثيرا لِأَنَّهَا بلفظها الْوَجِيز تُعْطِي معنى البنيتين الْأُخْرَيَيْنِ وَيُعْطِي أَيْضا مَعْنَاهَا: اسْتعْمل الْحِيلَة فِي الْحَرْب مَا أمكنك، فَإِذا أعيتك الْحِيَل فقاتل، فَكَانَت هَذِه اللُّغَة على مَا ذكرنَا مختصرة اللَّفْظ كَثِيرَة الْمَعْنى، فَلذَلِك كَانَ سيدنَا يختارها قَالَ اللحياني: خدعت الرجل أخدعه خدعاً وخدعاً وخديعة وخدعة. إِذْ أظهرت لَهُ خلاف مَا تخفي، وَأَصله: كل شَيْء كتمته فقد خدعته، وَرجل خداع وخدوع وخدع وخديعة وخدعة: إِذا أظهرت لَهُ خلاف مَا تخفي، وَأَصله: كل شَيْء كتمته فقد خدعته، وَرجل خداع وخدوع خدع وخدعة: إِذا كَانَ خباً. وَفِي (الْمُحكم) : الخدع والخديعة الْمصدر، والخدع وَالْخداع الإسم، وَرجل خيدع: كثير الخداع، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الخديعة فِي الْحَرْب تكون بالتورية وَتَكون بالكمين وَتَكون بخلف الْوَعْد، وَذَلِكَ من الْمُسْتَثْنى الْجَائِز الْمَخْصُوص من الْمحرم.
وَالْكذب حرَام بِالْإِجْمَاع جَائِز فِي مَوَاطِن بِالْإِجْمَاع أَصْلهَا الْحَرْب، أذن الله فِيهِ وَفِي أَمْثَاله رفقا بالعباد لضعفهم، وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِي تَحْرِيمه وَلَا فِي تَحْلِيله أثر، إِنَّمَا هُوَ إِلَى الشَّرْع، وَلَو كَانَ تَحْرِيم الْكَذِب كَمَا يَقُول المبتدعون عقلا، وَيكون التَّحْرِيم صفة نفسية كَمَا يَزْعمُونَ، مَا انْقَلب حَلَالا أبدا، وَالْمَسْأَلَة لَيست معقولة فتستحق جَوَابا، وخفي هَذَا على عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا يجوز فِي المعاريض دون حَقِيقَة الْكَذِب، فَإِنَّهُ لَا يحل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِر إِبَاحَة حَقِيقَة الْكَذِب لَكِن الِاقْتِصَار على التَّعْرِيض أفضل، وَقَالَ بعض أهل السّير: قَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك يَوْم الْأَحْزَاب لنعيم بن مَسْعُود، وَعَن الْمُهلب: الخداع فِي الْحَرْب جَائِز كَيفَ مَا يُمكن إلَاّ بالأيمان والعهود وَالتَّصْرِيح بالأيمان فَلَا يحل شَيْء من ذَلِك.
٩٢٠٣ - حدَّثنا أبُو بَكْرِ بنُ أصْرَمَ قَالَ أخبرَنا عبْدُ الله قالَ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الحَرْبَ خُدْعَةً.
.
стр. 4294
هَذَا طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه عَن أبي بكر بن أَصْرَم، واسْمه: بور، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء، وكنيته أَبُو بكر الْمروزِي، قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا هَذَا الحَدِيث، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.
٠٣٠٣ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قالَ أخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرو سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ الحَرْبُ خُدْعَة.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَصدقَة بن الْفضل الْمروزِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن حجر وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن سعيد بن مَنْصُور. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع وَنصر بن عَليّ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور الْمَكِّيّ والْحَارث بن مِسْكين، وَفِي الْبَاب عَن عَليّ، أخرجه النَّسَائِيّ كَذَلِك، وَعَن زيد بن ثَابت أخرجه الطَّبَرَانِيّ كَذَلِك، وَعَن ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن مَاجَه كَذَلِك. وَعَن كَعْب بن مَالك أخرجه أَبُو دَاوُد كَذَلِك. وَعَن أنس أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) كَذَلِك وَعَن عَائِشَة أخرجه ابْن مَاجَه، قَالَ ذَلِك: وَعَن ابْن عمر أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) قَالَ ذَلِك. وَعَن الْحسن بن عَليّ أخرجه أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي مُسْنده فَقَالَ ذَلِك، وَعَن الْحُسَيْن بن عَليّ أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) قَالَ ذَلِك. وَعَن عبد الله ابْن سَلام أخرجه أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ ذَلِك، وَعَن النواس ابْن سمْعَان أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ ذَلِك. وَعَن عَوْف بن مَالك أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ ذَلِك. وَعَن نعيم بن مَسْعُود أخرجه الطَّبَرَانِيّ قَالَ ذَلِك. وَعَن نبيط ابْن شريط أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) قَالَ ذَلِك.
٨٥١ - (بابُ الكَذِبِ فِي الحَرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْكَذِب فِي الْحَرْب هَل يجوز أم لَا؟ وَإِذا جَازَ يجوز بالتصريح أَو بالتلويح؟ وَيَجِيء بَيَانه الْآن.
١٣٠٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ دِينَار عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأشْرَفِ فإنَّهُ قَدْ آذَى الله ورسُولَه قَالَ مُحَمَّدُ بنُ مسْلَمَةَ أتُحِبُّ أنْ أقْتُلَهُ يَا رسولَ الله قَالَ نَعَمْ قالَ فأتَاهُ فَقال إنَّ هَذا يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانا وسألَنا الصَّدَقَةَ قَالَ وَأَيْضًا وَالله لَتَمَلَّنَّهُ قَالَ فأنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أنْ نَدَعَهُ حتَّى تَنْظُرَ إلَى مَا يَصيرُ أمْرُهُ قالَ فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فقَتَلَهُ..
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الَّذِي وَقع من مُحَمَّد بن مسلمة فِي قتل كَعْب بن الْأَشْرَف يُمكن أَن يكون تعريضاً. وَأجِيب: بِوُجُود الْمُطَابقَة، فَإِن مُحَمَّد بن مسلمة، قَالَ: فَأذن لي، فَأَقُول؟ قَالَ: قد فعلت فَإِنَّهُ يدْخل فِيهِ الْإِذْن فِي الْكَذِب تَصْرِيحًا وتلويحاً. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب هَذَا. قلت: هَذِه الزِّيَادَة ثَابِتَة فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، والْحَدِيث وَاحِد فِي الأَصْل عَن جَابر على أَنه قد جَاءَ من ذَلِك صَرِيحًا فِيمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد مَرْفُوعا: لَا يحل الْكَذِب إلَاّ فِي ثَلَاث: يحدث الرجل امْرَأَته ليرضيها، وَالْكذب فِي الْحَرْب، وَفِي الْإِصْلَاح بَين النَّاس. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِر إِبَاحَة حَقِيقَة الْكَذِب فِي الْأُمُور الثَّلَاثَة، لَكِن التَّعْرِيض أولى.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الشّركَة فِي: بَاب رهن السِّلَاح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو عَن جَابر.
قَوْله: (من لكعب بن الْأَشْرَف؟) أَي: من لقَتله؟ و: من، مُبْتَدأ، و: لكعب، خَبره، وَكَعب بن الْأَشْرَف ضد الأخس الْيَهُودِيّ الْقرظِيّ، وَكَانَ يهجو رَسُول الله، ﷺ ويؤذيه قَوْله (قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة) بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ قَوْله (قد آذَى الله) فِيهِ حذف أَي آذن رَسُول الله. وأذاه لرَسُول الله، ﷺ هُوَ أَذَى لله، لِأَنَّهُ لَا يرضى بِهِ. قَوْله: (أَتُحِبُّ؟) الْهمزَة فِي للاستفهام، وَكلمَة: أَن، فِي: (أَن أَقتلهُ) مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير:
стр. 4295
أَتُحِبُّ قَتله؟ قَوْله: (قد عنانا) ، بِفَتْح النُّون الْمُشَدّدَة أَي: أتعبنا، وَهَذَا من التَّعْرِيض الْجَائِز بل من المستحسن، لِأَن مَعْنَاهُ فِي الْبَاطِن أدبنا بآداب الشَّرِيعَة الَّتِي فِيهَا تَعب، لكنه تَعب فِي مرضاة الله تَعَالَى، وَالَّذِي فهم الْمُخَاطب هُوَ العناء الَّذِي لَيْسَ بمحبوب، قَوْله: (وَسَأَلنَا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَفتح اللَّام وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ وَالصَّدَََقَة مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان. قَوْله: (وَأَيْضًا وَالله لتملنه) أَي وَالله بعد ذَلِك تزيد ملالتكم عَنهُ وتتضجرون عَنهُ أَكثر وأزيد من ذَلِك. فَإِن قلت: هَذَا غدر فَكيف جَازَ؟ قلت: حاشا، لِأَنَّهُ نقض الْعَهْد بإيذائه رَسُول الله، ﷺ . وَقَالَ الْمَازرِيّ: نقض عهد رَسُول الله، ﷺ وهجاه وأعان الْمُشْركين على حربه. فَإِن قلت: أَمنه مُحَمَّد بن مسلمة؟ قلت: لم يُصَرح لَهُ بِأَمَان فِي كَلَامه، وَإِنَّمَا كَلمه فِي أَمر البيع وَالشِّرَاء والشكاية إِلَيْهِ والاستيناس بِهِ حَتَّى تمكن من قَتله، وَقيل: فِي قتل مُحَمَّد بن مسلمة كَعْب بن الْأَشْرَف دلَالَة أَن الدعْوَة سَاقِطَة مِمَّن قرب من دَار الْإِسْلَام، وَكَانَت قَضِيَّة مُحَمَّد بن مسلمة فِي رَمَضَان، وَقيل: فِي ربيع الأول الأول أشهر فِي السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة. وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: أَتَى كَعْب الْمَدِينَة فنزلها، وَلما جرى ببدر مَا جرى، قَالَ: وَيحكم أَحَق هَذَا؟ وَأَن مُحَمَّدًا قتل أَشْرَاف الْعَرَب وملوكها؟ وَالله إِن كَانَ هَذَا حَقًا لبطن الأَرْض خير من ظهرهَا، ثمَّ خرج حَتَّى قدم مَكَّة فَنزل على الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي، فَأكْرمه الْمطلب فَجعل ينوح ويبكي على قَتْلَى بدر ويحرض النَّاس على رَسُول الله، ﷺ ، وَأنْشد الْأَشْعَار فِي ذَلِك، وَبلغ ذَلِك رَسُول الله، ﷺ فَقَالَ: من لكعب بن الْأَشْرَف؟ فَقَالَ مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ، أَخُو بني عبد الْأَشْهَل: أَنا لَهُ يَا رَسُول الله، وسرد فِي ذَلِك كلَاما كثيرا، ثمَّ قَالَ إِنَّه اجْتمع بِهِ وَسَأَلَهُ أَن يسلفه سلفا وَجرى بَينهمَا مَا يتَعَلَّق بِالرَّهْنِ إِلَى أَن قَالَ: نرهنك اللاّمة؟ يَعْنِي: السِّلَاح. قَالَ: نعم، فواعده أَن يَأْتِيهِ بِالْحَارِثِ بن أَوْس وَأبي عبس جَابر بن عتِيك وَعباد بن بشر، قَالَ: فجاؤه فَدَعوهُ لَيْلًا فَنزل إِلَيْهِم، فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: إِنِّي لأسْمع صَوتا كَأَنَّهُ صَوت دم، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن مسلمة ورضيعي أَبُو نائلة، وَإِن الْكَرِيم لَو دعِي إِلَى طعنة لأجاب. وَقَالَ مُحَمَّد: إِنِّي إِذا جَاءَ سأمد يَدي، فَإِذا اسْتَمْكَنت مِنْهُ فدونكم. قَالَ: فَنزل وَهُوَ متوشح فَقَالَ لَهُ: نجد مِنْك ريح الطّيب، قَالَ: نعم، تحتي فُلَانَة أعطر نسَاء الْعَرَب، فَقَالَ مُحَمَّد: أتأذن لي أَن أَشمّ مِنْهُ؟ قَالَ: نعم، فشم. فَتَنَاول فشم، ثمَّ عَاد فشم، فَلَمَّا استمكن مِنْهُ، قَالَ: دونكم! فَقَتَلُوهُ ثمَّ أَتَوا رَسُول الله، ﷺ فأخبروه. وَحكى الطَّبَرِيّ عَن الْوَاقِدِيّ قَالَ: جاؤوا بِرَأْس كَعْب بن الْأَشْرَف إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي كتاب (شرف الْمُصْطَفى) : أَن الَّذين قتلوا كَعْبًا حملُوا رَأسه فِي المخلاة، فَقيل: إِنَّه أول رَأس حمل فِي الْإِسْلَام. وَقيل: بل رَأس أبي غرَّة الجُمَحِي الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : (لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ) فَقتله وَاحْتمل رَأسه إِلَى الْمَدِينَة فِي رمح، وَأما أول مُسلم حمل رَأسه فِي الْإِسْلَام فعمرو بن الْحمق، وَله صُحْبَة.
٩٥١ - (بابُ الْفَتْكِ بأهْلِ الحَرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الفتك بِأَهْل الْحَرْب، والفتك، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا كَاف: وَهُوَ أَن يَأْتِي الرجل صَاحبه وَهُوَ غَار غافل فيشتد عَلَيْهِ فيقتله.
٢٣٠٣ - حدَّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرو عنْ جابِرٍ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأشْرَفِ فَقال مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ أتُحِبُّ أنْ أقْتُلَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فأذَنْ لِي فأقُولَ قَالَ قدْ فعلْتُ..
وَجه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة يُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، لِأَن مُحَمَّد بن مسلمة غر كَعْبًا فاستغفله، فَشد عَلَيْهِ فَقتله. وَهُوَ الفتك بِعَيْنِه، وَهَذَا طرف من حَدِيث جَابر الَّذِي مضى قبله. قَوْله: (فَأَقُول؟) أَي: عني وعنك مَا رَأَيْته مصلحَة من التَّعْرِيض وَغَيره مَا لم يحِق بَاطِلا وَلم يبطل حَقًا؟ قَوْله: (قَالَ: قد فعلت) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : قد أَذِنت، وَلَفظ الْفِعْل أَعم الْأَفْعَال يعبر بِهِ عَن أَلْفَاظ كَثِيرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة.
стр. 4296
٠٦١ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الاحْتِيَالِ والحَذَرِ مَعَ مَنْ يَخْشَى مَعَرَّتَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز إِلَى آخِره. قَوْله: (مَعَ من يخْشَى) ، على بِنَاء الْمَعْلُوم، وَيجوز أَن يكون على صِيغَة الْمَجْهُول، فعلى الأول: مَعْرفَته، مَنْصُوب وَعلي الثَّانِي، مَرْفُوع. والمعرة، بِفَتْح الْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: الشدَّة وَمَا يكره من فَسَاد.
٣٣٠٣ - قالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثَنِي عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ قالَ انْطَلَقَ رسولُ الله ﷺ ومَعَهُ أبَيُّ بنُ كَعْبٍ قِبَلَ ابنِ صَيَّادٍ فَحُدِّثَ بِهِ فِي نَخْلٍ فلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ رسولُ الله ﷺ النَّخْلَ طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وابنُ صَيَّادٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيها رَمْرَمَةٌ فرَأتْ أُمُّ ابنِ صَيَّادٍ رسولَ الله ﷺ فَقالَتْ يَا صَافُ هَذا مُحَمَّدٌ فوَثَبَ ابنُ صَيَّادٍ فَقالَ رسولُ الله ﷺ لوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (طفق يَتَّقِي بجذوع النّخل) لِأَن مَعْنَاهُ: شرع يخفي نَفسه بجذوع النّخل حَتَّى لَا ترَاهُ أم ابْن صياد، وَهَذَا احتيال وحذر، لِأَن أم ابْن صياد مِمَّن يخْشَى معرته، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح ذكر هُنَا الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث، وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء.
وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يحيى بن بكير وَأبي صَالح، كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث، وَقد مضى قصَّة ابْن صياد مُطَوَّلَة فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ هَل يصلى عَلَيْهِ؟ .
قَوْله: (قِبَل ابْن صياد) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: ناحيته وجهته، قَوْله: (فَحدث بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالضَّمِير فِي: بِهِ، يرجع إِلَى ابْن صياد. قَوْله: (فِي نخل) ، حَال من الضَّمِير الْمَجْرُور، وَالْمعْنَى: أخبر النَّبِي ﷺ بِابْن صياد، وَالْحَال أَنه فِي نخل. قَوْله: (طفق يَتَّقِي) ، قد مر تَفْسِيره الْآن. قَوْله: (فِي قطيفة) ، وَهِي: الكساء المخمل. قَوْله: (لَهُ فِيهَا) ، أَي: لِابْنِ صياد فِي القطيفة (رمرمة) براءين، وَهُوَ الصَّوْت، ويروى بالزايين. قَوْله: (يَا صَاف) ، صَاف اسْم ابْن صياد، بِضَم الْفَاء وَكسرهَا. قَوْله: (لَو تركته بَين) ، أَي: لَو تركته أمه بِحَيْثُ لَا تعرف قدوم رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يندهش مِنْهُ، بيّن لكم باخْتلَاف كَلَامه مَا يهون عَلَيْكُم أمره، وَقد سبقت مباحثه مستقصاة فِي كتاب الْجَنَائِز فِي الْبَاب الْمَذْكُور.
١٦١ - (بابُ الرَّجَزِ فِي الحَرْبِ ورَفْعِ الصَّوْتِ فِي حَفْرِ الخَنْدَقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من إنْشَاء الرجز فِي الْحَرْب، وَالرجز، بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم وَفِي آخِره زَاي: وَهُوَ بَحر من بحور الشّعْر، وَهُوَ مَعْرُوف، وَنَوع من أَنْوَاع الشّعْر يكون كل مصراع مِنْهُ مُفردا، وَتسَمى قصائده أراجيز، واحدتها أرجوزة، فَهُوَ كَهَيئَةِ السجع إلَاّ أَنه فِي وزن الشّعْر، وَيُسمى قَائِله: راجزاً، كَمَا يُسمى قَائِل بحور الشّعْر: شَاعِرًا، وَلم يعده الْخَلِيل شعرًا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَالرجز لَيْسَ بِشعر عِنْد أَكْثَرهم. قَوْله: (وَرفع) ، مجرور عطفا على لفظ: الرجز، أَي: وَفِي بَيَان مَا جَاءَ من رفع الصَّوْت فِي حفر الخَنْدَق، وَهُوَ الَّذِي حفره الصَّحَابَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار يَوْم الْأَحْزَاب، وَكَانُوا ينقلون التُّرَاب على ظُهُورهمْ وينشدون الأراجيز، على مَا مر فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق، وَكَانَت عَادَة الْعَرَب بِاسْتِعْمَال الأراجيز فِي الحروب لِأَنَّهَا تزيد النشاط وتهيج الهمم.
فيهِ سَهْلٌ وأنَسٌ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: مِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب، روى سهل بن سعد الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ وَوصل البُخَارِيّ حَدِيثه فِي غَزْوَة الخَنْدَق وَفِيه:
(اللَّهُمَّ لَا عَيْش إلَاّ عَيْش الْآخِرَة)
قَوْله: (وَأنس) ، بِالرَّفْع عطف على سهل، وَحَدِيثه مضى فِي: بَاب حفر الخَنْدَق، وَوَصله عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن عبد الْعَزِيز عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَفِيه:
стр. 4297
(أللهم لَا خير إلَاّ خير الْآخِرَة)
وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وفِيهِ يَزيدُ عنْ سَلَمَةَ
أَي: وَفِي الْبَاب أَيْضا روى يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد، مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع عَن مَوْلَاهُ سَلمَة بن الْأَكْوَع، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَة خَيْبَر، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٤٣٠٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ قَالَ حدَّثَنَا أبُو إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقَ وهْوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حتَّى وارَى التُّرَابَ شَعَرَ صَدْرِهِ وكانَ رَجُلاً كَثِيرَ الشَّعَرِ وهْوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ الله بنِ رَوَاحَةَ.
(أللَّهُمَّ لَوْلَا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... ولَا تَصَدَّقْنَا ولَا صَلَّيْنَا)
(فأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا)
(إنَّ الأعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا علَيْنَا ... إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنا)
يرفَعُ بِهَا صَوْتَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ يرتجز برجز عبد الله) ، وَفِي قَوْله: (يرفع بهَا صَوته) وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب حفر الخَنْدَق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن حَفْص ابْن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق ... إِلَى آخِره. وَفِيه: وَقد وارى التُّرَاب بَيَاض بَطْنه، وَهنا زِيَادَة، وَهِي قَوْله: وَكَانَ رجلا كثير الشّعْر. وَفِيه أَيْضا هُنَا: وَهُوَ يرتجز برجز عبد الله، وَهُوَ عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ البدري، النَّقِيب الشَّاعِر وَهنا: إِن الْأَعْدَاء، وَهُنَاكَ: إِن الأولى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَهُوَ ينْقل) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَا الْوَاو فِي قَوْله: (وَهُوَ يرتجز) قَوْله: (بغوا) ، من الْبَغي، وَهُوَ الاستطالة وَالظُّلم. قَوْله: (أَبينَا) ، من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع. قَوْله: (يرفع بهَا صَوته) جملَة وَقعت حَالا من قَوْله: (وَهُوَ يرتجز) .
٢٦١ - (بابُ مَنْ لَا يَثْبُتُ علَى الخَيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ من الدُّعَاء فِي حق من لَا يثبت على الْخَيل، وَقَالَ بَعضهم: بَاب من لَا يصبت على الْخَيل، أَي: يَنْبَغِي لأهل الْخَيْر أَن يَدْعُو لَهُ بالثبات. قلت: مَا أبعد هَذَا التَّفْسِير من معنى التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى على المتأمل، بل يَنْبَغِي أَن يُفَسر مثل مَا فسرنا، ثمَّ يُقَال: وَيَنْبَغِي لأهل الْخَيْر أَن يَدْعُو لَهُ بالثبات تأسياً بِالنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ دَعَا لجرير حِين شكا إِلَيْهِ من عدم ثباته على الْخَيل.
٥٣٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ نُمَيْرٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ إدْرِيسَ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولَا رآنِي إلَاّ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي. ولَقَدْ شَكَوْتُ إلَيْهِ أنِّي لَا أثْبُتُ علَى الخَيْلِ فَضَرَب بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ أللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ واجْعَلْهُ هادِياً مَهْدِيَّاً..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا أثبت على الْخَيل) وَابْن إِدْرِيس هُوَ عبد الله بن إِدْرِيس بن يزِيد، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي، وَقيس بن أبي حَازِم.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن نمير أَيْضا، وَفِي فضل جرير عَن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الحميد بن بَيَان وَيحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن ابْن نمير، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة.
стр. 4298
وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن ابْن نمير بِهِ.
قَوْله: (مَا حجبني النَّبِي ﷺ مُنْذُ أسلمت) ، أَي: مَا مَنَعَنِي مِمَّا التمست مِنْهُ أَو من دُخُول الدَّار، وَلَا يلْزم مِنْهُ النّظر إِلَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (فِي وَجْهي) ، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ والكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: فِي وَجهه، وَفِي الْتِفَات من التَّكَلُّم إِلَى الْغَيْبَة. قَوْله: (وَلَقَد شَكَوْت) إِلَى آخِره، مضى فِي: بَاب حرق الدّور والنخيل عَن قريب.
وَفِيه: أَن الرجل الْوَجِيه فِي قومه لَهُ حُرْمَة ومكانة على من هُوَ دونه، لِأَن جَرِيرًا كَانَ سيد قومه. وَفِيه: أَن لِقَاء النَّاس بالتبسم وطلاقة الْوَجْه من أَخْلَاق النُّبُوَّة، وَهُوَ منَاف للتكبر وجالب للمودة. وَفِيه: فضل الفروسية وَأَحْكَام ركُوب الْخَيل، فَإِن ذَلِك مِمَّا يَنْبَغِي أَن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس. وَفِيه: أَنه لَا بَأْس للْإِمَام أَو للْعَالم إِذا أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَان فِي مُخَاطبَة أَو غَيرهَا أَن يضع عَلَيْهِ يَده وَيضْرب بعض جسده، وَذَلِكَ من التَّوَاضُع واستماله النُّفُوس. وَفِيه: بركَة دَعوته، ﷺ ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه مَا سقط بعد ذَلِك من الْخَيل.
٣٦١ - (بابُ دَوَاءِ الجَرْحِ بإحْرَاقِ الْحَصِيرِ وغَسْلِ المَرْأةِ عنْ أبِيها الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ وحَمْلِ المَاءِ فِي التُّرْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من دَوَاء الْجرْح إِلَى آخِره. قَوْله: (وَحمل المَاء) ، مَعْطُوف على قَوْله: (دَوَاء الْجرْح) أَي وَفِي بَيَان مَا جَاءَ من حمل الرجل المَاء فِي الترس لأجل غسل الدَّم، وَهَذِه التَّرْجَمَة مَأْخُوذَة من معنى حَدِيث الْبَاب، لِأَن المُرَاد من الْمَرْأَة هِيَ فَاطِمَة بنت رَسُول الله، ﷺ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي داوت جرح النَّبِي ﷺ ، بالحصير المحرق بالنَّار بعد غسلهَا الدَّم عَن وَجه النَّبِي ﷺ ، وَذَلِكَ لإزدياد الدَّم بِالْغسْلِ بِالْمَاءِ وَعدم انْقِطَاعه. وَأما حمل المَاء فَكَانَ من عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٣٠٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا أبُو حَازِمٍ قَالَ سألُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بِأيِّ شَيءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي كانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بالْمَاءِ فِي تُرْسِهِ وكانَتْ يَعْنِي فَاطِمَةَ تَغْسِلُ الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ وأُخِذَ حَصِيرٌ فأُحْرِقَ ثُمَّ حُشِيَ بِهِ جُرْحُ رسولِ الله ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ: ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج. والْحَدِيث بِعَيْنِه مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: غسل الْمَرْأَة أَبَاهَا الدَّم عَن وَجهه، غير أَنه هُنَاكَ أخرجه عَن مُحَمَّد عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (جرح النَّبِي ﷺ أَي: الَّذِي وَقع يَوْم أحد من شج رَأسه الْمُبَارك. قَوْله: (مَا بَقِي) ، لِأَنَّهُ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ.
٤٦١ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّنَازُعِ والاخْتِلافُ فِي الحَرْبِ وعقُوبَةِ منْ عَصَي إمَامَهُ)
أَي: هَذ بَاب فِي بَيَان مَا يكره إِلَى آخِره. قَوْله: (فِي الْحَرْب) ، أَي: من الْمُقَاتلَة فِي أَحْوَال الْحَرْب. قَوْله: (وعقوبة) ، أَي: وَفِي بَيَان عُقُوبَة من عصى إِمَامه، يَعْنِي: بالهزيمة وحرمان الْغَنِيمَة، وَفِي (التَّوْضِيح) : التَّنَازُع هُوَ الِاخْتِلَاف. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ يلْزم عطف الشَّيْء على نَفسه فِي التَّرْجَمَة، وَلَا يُقَال: إِنَّه عطف بَيَان لِأَن التَّنَازُع مَعْلُوم فَلَا يحْتَاج إِلَى الْبَيَان، والتنازع هُوَ التخاصم والتجادل، وَالِاخْتِلَاف أَن يذهب كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى رَأْي، وَالِاخْتِلَاف سَبَب الْهَلَاك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، لِأَن الله قد عبر فِي كِتَابه بِالْخِلَافِ الَّذِي قضى بِهِ على عباده عَن الْهَلَاك فِي قَوْله: ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اخْتلفُوا﴾ (الْأَنْفَال: ٦٤) . ثمَّ قَالَ: وَلذَلِك خلقهمْ، يَعْنِي: ليكونوا فريقين: فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير، من أجل اخْتلَافهمْ.
وَقَالَ الله تَعَالى ﴿ولَا تَنَازَعُوا فتَفْشَلُوا وتَذْهَبُ رِيحُكُمْ﴾ (الْأَنْفَال: ٦٤) .
أول الْآيَة: ﴿وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا﴾ (الْأَنْفَال: ٦٤) . وَقبلهَا، خَاطب الْمُؤمنِينَ بقوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا
стр. 4299
واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ (الْأَنْفَال: ٥٤) . فَأمروا بالثبات عِنْد ملاقاتهم الْأَعْدَاء، وَالصَّبْر على مبارزتهم، ثمَّ أَمرهم بِذكرِهِ فِي تِلْكَ الْحَال وَلَا ينسونه بل يستعينون بِهِ ويوكلون عَلَيْهِ ويسألونه النَّصْر عَلَيْهِم، ثمَّ أَمرهم بإطاعة الله وَرَسُوله فِي حَالهم ذَلِك، فَمَا أَمرهم بِهِ ايتمروا وَمَا نَهَاهُم عَنهُ انزجروا، وَلَا يتنازعون فِيمَا بَينهم فيفشلون، من الفشل: وَهُوَ الْفَزع والجبن والضعف. قَوْله: ﴿وَتذهب ريحكم﴾ (الْأَنْفَال: ٦٤) . أَي: قوتكم وحدتكم وَمَا كُنْتُم فِيهِ من الإقبال ﴿واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين﴾ (الْأَنْفَال: ٦٤) . قَوْله: (يَعْنِي الْحَرْب) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده.
وقَالَ قَتَادَةُ الرِّيحُ الحَرْبُ
هَذَا هُوَ الَّذِي وَقع فِي هَذَا الْموضع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، قَالَ قَتَادَة: الرّيح الْحَرْب، وَهَذَا وَصله عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَن معمر عَن قَتَادَة بِهِ، وَقَالَ مُجَاهِد: الرّيح النَّصْر، وَقيل: الدولة، شبهت فِي نُفُوذ أمرهَا وتمشيه بِالرِّيحِ وهبوبها، فَقيل: هبت ريَاح فلَان: إِذا دالت لَهُ.
٨٣٠٣ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا وَكِيعُ عنْ شُعْبَةَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذَاً وَأَبا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ قَالَ يَسِّرَا ولَا تُعَسِّرَا وبَشِّرَا ولَا تُنَفِّرَا وتَطاوَعَا ولَا تَخْتَلِفَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تختلفا) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى، قيل: هُوَ يحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّاء البُخَارِيّ البيكندي، وَقيل: يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّاء السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وكل مِنْهُمَا سمع وكيعاً. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي يحيى بن جَعْفَر الْبَلْخِي: وَلَيْسَ إلَاّ البُخَارِيّ، وَقَالَ فِي يحيى بن مُوسَى الختي بِالنِّسْبَةِ إِلَى خت، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن خت لقبه وَمَا هُوَ بمنسوب إِلَيْهِ. الثَّانِي: وَكِيع، وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: شُعْبَة، كَذَلِك. الرَّابِع: سعيد بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عَامر. الْخَامِس: أَبُو عَامر. السَّادِس: جده أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس، وَالضَّمِير فِي: جده، رَاجع إِلَى سعيد لَا إِلَى الْأَب، يَعْنِي: روى سعيد عَن عَامر عَن عبد الله.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن إِسْحَاق، وَفِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَعَن إِسْحَاق بن شاهين أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن قُتَيْبَة وَإِسْحَاق وَعَن مُحَمَّد بن عباد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن أَحْمد وَعَن زيد بن أبي أنيسَة وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عباد وَعَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي خلف. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُدُود فِي قصَّة الْيَهُودِيّ الَّذِي أسلم. ثمَّ ارْتَدَّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَشْرِبَة وَفِي الْوَلِيمَة عَن أَحْمد بن عبد الله وَعبد الله بن الْهَيْثَم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَشْرِبَة عَن مُحَمَّد بن بشار.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يسرا) ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة مَعْنَاهُ: خذا بِمَا فِيهِ التَّيْسِير. قَوْله: (وَلَا تعسرا) ، من التعسير وَهُوَ التَّشْدِيد والتعصيب. قَوْله: (وبشرا) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة: من التبشير، وَهُوَ إِدْخَال السرُور من بشرت الرجل أُبَشِّرهُ بشرا وبشوراً من الْبُشْرَى. قَوْله: (وَلَا تنفرا) ، من التنفير، يَعْنِي: لَا تذكرا شَيْئا يهربون مِنْهُ، وَلَا تقصدا إِلَى مَا فِيهِ الشدَّة. قَوْله: (وتطاوعا) أَي: تحابا. قَوْله: (وَلَا تختلفا) ، فَإِن الِاخْتِلَاف يُورث الاختلال.
٩٣٠٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حَدَّثنا أَبُو إسْحاق قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُحَدَّثُ قَالَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ علَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً عَبْدَ الله بنَ جُبَيْرٍ فَقالَ إنْ رَأيْتُمُونَا تخْطَفُنا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا مَكانَكُمْ هَذا حتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ وإنْ رَأيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وأوْطَاْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حتَّى أُرْسلَ إلَيْكُمْ فَهَزَمُوهُمْ قالَ فأنَا وَال لَهُ
стр. 4300
رأيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قدْ بدَتْ خَلاخِلُهُنَّ وأسُوُقُهُنَّ رافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ فَقالَ أصْحَابُ عَبْدِ الله ابنِ جُبَيْرٍ الغَنِيمَةَ أيْ قَوْمُ الغَنِيمَةَ ظَهَرَ أصْحَابُكُمْ فَما تَنْتَظِرُونَ فَقال عبْدُ الله بنُ جُبَيْرٍ أنَسِيتُمْ مَا قالَ لَكُمْ رسولُ الله ﷺ قالُوا وَالله لَنَأتِيَنَّ النَّاسَ فلَنَّصيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ فلَمَّا أتَوْهُمْ صُرفَتْ وُجُوهُهُمْ فأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فذَاكَ إذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ فلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاٍ فأصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُه أصابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أرْبَعِينَ ومائَةً سَبْعِينَ أسِيراً وسَبْعِينَ قَتِيلاً فَقال أبُو سُفْيانَ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلاثَ مَرَّاتِ فنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُجِيبُوهُ ثُمَّ قالَ أَفِي القَوْمِ ابنُ أبِي قُحَافَةَ ثَلاثَ مَرَّاتَ ثُمَّ قالَ أَفِي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ رجَعَ إِلَى أصْحَابِهِ فَقَالَ أمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا فَما مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ كَذَبْتَ وَالله يَا عَدُوَّ الله إنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لأحْياءٌ كُلُّهُمْ وقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ قَالَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجَالٌ إنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا ولَمْ تَسُؤْنِي ثُمَّ أخَذَ يَرْتَجِزُ أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ألَا تُجِيبُوا لَهُ قَالُوا يَا رسولَ الله مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا ألله أعْلَى وأجَلُّ قَالَ إنَّ لَنا العُزَّى ولَا عُزَّي لَكُمْ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ألَا تُجِيبُوا قَالَ قَالُوا يَا رسولَ الله مَا نَقولُ قَالَ قُولُوا ألله مَوْلانَا ولَا مَوْلَى لَكُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَصْحَاب عبد الله بن جُبَير) فَإِن الْهَزِيمَة وَقعت بِسَبَب مخالفتهم.
وَعَمْرو بن خَالِد بن فروخ الْحَرَّانِي الْجَزرِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي وَفِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن خَالِد أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن زِيَاد بن يحيى وَعَمْرو بن يزِيد وَفِي التَّفْسِير عَن هِلَال بن الْعَلَاء.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يحدث) ، جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال من الْبَراء، لِأَن الصَّحِيح أَن: سَمِعت، لَا يتَعَدَّى إلَاّ إِلَى مفعول وَاحِد. قَوْله: (على الرجالة) ، بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم: جمع راجل، على خلاف الْقيَاس. قَوْله: (يَوْم أحد) ، نصب على الظّرْف، وَكَانَ يَوْم أحد يَوْم السبت فِي منتصف شَوَّال من سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة، وَكَانَ السَّبَب فِي غَزْوَة أحد مَا قَالَه ابْن إِسْحَاق: لما أُصِيب يَوْم بدر من كفار قُرَيْش أَصْحَاب القليب وَرجع فَلهم إِلَى مَكَّة، مَشى عبد الله بن أبي ربيعَة وَعِكْرِمَة بن أبي جهل وَصَفوَان بن أُميَّة فِي رجال من قُرَيْش مِمَّن أُصِيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يَوْم بدر وكلموا أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أَن يخرج بهم لَعَلَّهُم يدركوا آثَارهم، فاجتمعت قُرَيْش لِحَرْب رَسُول الله، ﷺ بأحابيشها وَمن أطاعها من قبائل كنَانَة وَأهل تهَامَة، فَخَرجُوا وَأَبُو سُفْيَان قائدهم وَمَعَهُ زَوجته هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة، وَمِنْهُم ظعائن التمَاس الحفيظة، وهم ثَلَاثَة آلَاف وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَارس قد جنبوها، فعلى الميمنة خَالِد بن الْوَلِيد، وعَلى الميسرة عِكْرِمَة بن أبي جهل بن هِشَام، وعَلى الْخَيل صَفْوَان بن أُميَّة، وَقيل: عَمْرو بن الْعَاصِ، وعَلى الرماء عبد الله بن ربيعَة، وَكَانُوا مائَة وَفِيهِمْ سَبْعمِائة دارع، والظعن خَمْسَة عشر، وَخرج رَسُول الله، ﷺ ، فِي ألف من أَصْحَابه وَنزل على أحد وَرجع عَنهُ عبد الله بن أبي بن سلول فِي ثَلَاثمِائَة، فَبَقيَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي سَبْعمِائة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَكَانَ فِي أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، مائَة دارع، وَلم يكن مَعَهم من الْخَيل سوى فرسين: فرس لرَسُول الله، ﷺ ، وَفرس لأبي بردة، وأمَّر رَسُول الله، ﷺ ، على الرُّمَاة يَوْمئِذٍ عبد الله بن جُبَير، وَهُوَ قَول الْبَراء: جعل النَّبِي ﷺ ، على الرجالة يَوْم أحد، وَكَانُوا خمسين رجلا عبد الله بن جُبَير، وَهُوَ مَنْصُوب بقوله: جعل،
стр. 4301
وَعبد الله بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن النُّعْمَان بن أُميَّة بن أمرىء الْقَيْس، واسْمه: البرك بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو ابْن عَوْف الْأنْصَارِيّ، شهد الْعقبَة ثمَّ شهد بَدْرًا، وَقتل يَوْم أحد شَهِيدا، وَقَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم لَهُ رِوَايَة عَن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (تخطفنا الطير) من خطف يخْطب من بَاب نصر ينصر، وَيُقَال من بَاب ضرب يضْرب، وَهُوَ قَلِيل، ومصدره خطف وَهُوَ: استلاب الشَّيْء وَأَخذه سرعَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا مثل يُرِيد بِهِ الْهَزِيمَة يَقُول ﷺ : (إِن رَأَيْتُمُونَا قد زلنا عَن مَكَاننَا وولينا منهزمين فَلَا تَبْرَحُوا أَنْتُم وَهَذَا كَقَوْلِهِم: فلَان سَاكن الطير، إِذا كَانَ هادياً وقوراً وَلَيْسَ هُنَاكَ طير، وَأَيْضًا فالطير لَا يَقع إِلَّا على الشَّيْء السَّاكِن، وَيُقَال للرجل إِذا أسْرع وخف: قد طَار طيره، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ إِن قتلنَا وأكلت الطير لحومنا فَلَا تَبْرَحُوا مكناكم. قَوْله: (وأوطأناهم) قَالَ ابْن التِّين: يُرِيد مشينا عَلَيْهِم وهم قَتْلَى على الأَرْض، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْهمزَة فِي (أوطأناهم) للتعريض أَي: جعلناهم فِي معرض الدوس بالقدم. قَوْله: (قَالَ: فَإنَّا وَالله) أَي: قَالَ الْبَراء. قَوْله: (يشتددن) أَي: على الْكفَّار، يُقَال: شدّ عَلَيْهِ فِي الْحَرْب أَي: حمل عَلَيْهِ، وَيُقَال: مَعْنَاهُ يعدون، والاشتداد الْعَدو، ويروى: يسندن، قَالَ ابْن التِّين: هِيَ رِوَايَة أبي الْحسن، وَمَعْنَاهُ: يَمْشين فِي سَنَد الْجَبَل يردن أَن يرقين الْجَبَل. قَوْله: (قد بَدَت) ، جملَة حَالية أَي: قد ظَهرت. قَوْله: (وأسوقهن) ، جمع سَاق. قَوْله: (رافعات) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: يشتددن. وَقَوله: (ثيابهن) ، مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (الْغَنِيمَة) ، نصب على الإغراء. قَوْله: (أَي قوم) ، يَعْنِي: يَا قوم، وَهُوَ منادى. قَوْله: (ظهر) ، أَي: غلب. قَوْله: (أنسيتم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (صرفت وُجُوههم) ، يَعْنِي: قلبت وحولت إِلَى مَوضِع جاؤوا مِنْهُ، وَذَلِكَ عُقُوبَة لعصيانهم قَول رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (منهزمين) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: أَقبلُوا. قَوْله: (فَذَاك إِذْ يَدعُوهُم) أَي: حِين يَقُول لَهُم رَسُول الله، ﷺ : (إِلَى يَا عباد الله إِلَيّ يَا عباد الله أَنا رَسُول الله من يكر فَلهُ الْجنَّة) . قَوْله: (فِي أخراهم) أَي: فِي جَمَاعَتهمْ الْمُتَأَخِّرَة. قَوْله: (فَلم يبْق مَعَ النَّبِي ﷺ غير اثْنَي عشر) ، وَكَذَا قَالَ مقَاتل، وَقَالَ ابْن سعد: وَثَبت رَسُول الله، ﷺ وَمَا زَالَ يَرْمِي عَن قوسه حَتَّى صَارَت شظايا، وَثَبت مَعَه عِصَابَة من أَصْحَابه أَرْبَعَة عشر رجلا: سَبْعَة من الْمُهَاجِرين فيهم أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسَبْعَة من الْأَنْصَار، حَتَّى تحاجزوا. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَابْن إِسْحَاق ومُوسَى بن عقبَة وَغَيرهم: لما انهزم الْمُسلمُونَ بَقِي رَسُول الله، ﷺ ، فِي نفر يسير. وَقَالَ هِشَام: كَانُوا تِسْعَة: سَبْعَة من الْأَنْصَار وَرجلَيْنِ من الْمُهَاجِرين. وَقَالَ البلاذري: ثَبت مَعَه من الْمُهَاجِرين: أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَطَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمن الْأَنْصَار: الْحباب بن الْمُنْذر وَأَبُو دُجَانَة وَعَاصِم بن ثَابت بن أبي الْأَفْلَح والْحَارث بن الصمَّة وَأسيد ابْن حضير وَسعد بن معَاذ. وَقيل: وَسَهل بن حنيف. قَوْله: (فَأَصَابُوا منا سبعين) ، وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَنهم خَمْسَة وسون، واستدرك علية ابْن هِشَام خَمْسَة أُخْرَى فصاروا على قَوْله: سبعين، وَهُوَ رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم أحد مَعَ رَسُول الله، ﷺ من الْمُهَاجِرين أَرْبَعَة نفر وهم: حَمْزَة بن عبد الْمطلب، قَتله وَحشِي غُلَام جُبَير بن مطعم. وَعبد الله بن جحش. وَمصْعَب بن عُمَيْر، قَتله ابْن قمئة. وشماس بن عُثْمَان وَمن الْأَنْصَار: عَمْرو بن معَاذ. والْحَارث بن أنس. وَعمارَة بن زِيَاد. وَسَلَمَة بن ثَابت بن وقش. وَعمر بن ثَابت بن وقش. وثابت أَبوهُمَا. وَرِفَاعَة بن وقش. وحسيل بن جَابر أَبُو حُذَيْفَة. وَصَيْفِي بن قيظي. وخباب بن قيظي. وَعباد بن سهل. والْحَارث بن أَوْس بن معَاذ. وَإيَاس بن أَوْس. وَعبيد ابْن التيهَان. وحبِيب بن زيد، وَيزِيد بن حَاطِب. وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث. وحَنْظَلَة بن أبي عَامر. وأنيس بن قَتَادَة. وَأَبُو حَيَّة ابْن عَمْرو بن ثَابت. وَعبد الله بن جُبَير، أَمِير الرُّمَاة. وخيثمة أَبُو سعد. وَعبد الله بن مسلمة. وسبيع بن حَاطِب. وَعَمْرو بن قيس. وَأَبوهُ قيس بن عَمْرو. وثابت بن عَمْرو. وعامر بن مخلد. وَأَبُو هُبَيْرَة بن الْحَارِث. وَعَمْرو بن مطرف. وَأَوْس بن ثَابت أَخُو حسان بن ثَابت. وَأنس بن النَّضر. وَقيس بن مخلد. وكيسان، عبد بني مَازِن. وسليم بن الْحَارِث. ونعمان بن عبد عَمْرو. وخارجة بن زيد. وَسعد بن الرّبيع. وَأَوْس بن الأرقم. وَمَالك بن سِنَان، أَبُو أبي سعيد الْخُدْرِيّ. وَسَعِيد بن سُوَيْد. وَعتبَة ابْن ربيع. وثعلبة بن سعد. وثقف بن فَرْوَة. وَعبد الله بن عَمْرو بن وهب. وضمرة، حَلِيف بني طريف. وَنَوْفَل بن عبد الله
стр. 4302
وعباس بن عبَادَة. ونعمان بن مَالك. والمجدر بن زِيَاد. وَعبادَة بن الحسحاس. وَرِفَاعَة بن عَمْرو. وَعبد الله بن عَمْرو بن حرَام وَعَمْرو بن الجموح بن زيد بن حرَام. وخلاد بن عَمْرو بن الجموح. وَأَبُو أَيمن، مولى عَمْرو بن الجموح. وسليم بن عَمْرو. ومولاه عنترة. وَسَهل بن قيس. وذكوان بن عبد قيس. وَعبيد بن الْمُعَلَّى. فَهَؤُلَاءِ الَّذين ذكرهم ابْن إِسْحَاق.
وَأما الَّذين استدرك عَلَيْهِم ابْن هِشَام فهم: مَالك بن نميلَة. والْحَارث بن عدي وَمَالك بن إِيَاس. وَإيَاس بن عدي. وَعَمْرو بن إِيَاس.
قَوْله: (أَفِي الْقَوْم مُحَمَّد؟) الْهمزَة للاستفهام على سَبِيل الإستخبار. قَوْله: (فنهاهم النَّبِي ﷺ أَن يُجِيبُوهُ) أَي: بِأَن يجيبوا أَبَا سُفْيَان، وَنَهْيه ﷺ عَن إِجَابَة أبي سُفْيَان تصاوناً عَن الْخَوْض فِيمَا لَا فَائِدَة فِيهِ. قَوْله: (ابْن أبي قُحَافَة) هُوَ: أَبُو بكر الصّديق، وَأَبُو قُحَافَة اسْمه: عُثْمَان. قَوْله: (فَمَا ملك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَفسه فَقَالَ: كذبت يَا عَدو الله) وَكَانَت إجَابَته بعد النَّهْي حماية للظن برَسُول الله، ﷺ أَنه قتل، وَأَن بِأَصْحَابِهِ الوهن. وَقَالَ ابْن بطال: وَلَيْسَ فِيهِ عصيان لسيدنا رَسُول الله، ﷺ فِي الْحَقِيقَة، وَإِن كَانَ عصياناً فِي الظَّاهِر، فَهُوَ مِمَّا يُؤجر بِهِ. قَوْله: (وَقد بَقِي لَك مَا يسوءك) يَعْنِي: يَوْم الْفَتْح. قَوْله: (قَالَ: يَوْم بِيَوْم بدر) أَي: قَالَ أَبُو سُفْيَان: هَذَا يَوْم فِي مُقَابلَة يَوْم بدر، لِأَن الْمُسلمين قتلوا يَوْم بدر سبعين رجلا وَالْأسَارَى كَذَلِك، قَالَه ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب. قَوْله: (وَالْحَرب سِجَال) ، أَي: دوَل مرّة لهَؤُلَاء وَمرَّة لهَؤُلَاء، وَأَصله أَن المستقين بالسجل وَهُوَ الداو يكون لكل وَاحِد مِنْهُم بسجال. قَوْله: (مثلَة) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: اسْم من مثل بِهِ، وَمثله أَي: خدعه. قَوْله: (لم آمُر بهَا) أَي: بالمثلة، قَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ أَنه لَا يَأْمر بالأفعال الخبيثة الَّتِي ترد على فاعلها نقصا. قَوْله: (وَلم تسؤني) ، يُرِيد لأنكم عدوي، وَقد كَانُوا قتلوا ابْنه يَوْم بدر وَخَرجُوا لينالوا العيرة الَّتِي كَانُوا بهَا، فوقعوا فِي كفار قُرَيْش وسلمت العير. قَوْله: (أعلُ هُبل) ، وَفِي رِوَايَة: إرق، مَكَان: أعلُ. و: هُبل، بِضَم الْهَاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: اسْم صنم كَانَ فِي الْكَعْبَة، وَمعنى: إرق مَكَان أعل، يَعْنِي: ارق فِي الْجَبَل على حزبك، أَي: عَلَوْت حَتَّى صرت كالجبل العالي، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يحْتَمل أَن يُرِيد بذلك تعيير الْمُسلمين حِين انحازوا إِلَى الْجَبَل. قَوْله: (قَالَ: لَا تجيبوا لَهُ؟) أَي: قَالَ ﷺ : أَلا تجيبوا لأبي سُفْيَان؟ وَقَوله: أَلا تجيبوا، بِحَذْف النُّون بِغَيْر الناصب والجازم، وَهِي لُغَة فصيحة، ويروى: أَلا تجيبونه؟ قَوْله: (الْعُزَّى) ، تَأْنِيث الْأَعَز، إسم صنم كَانَ لقريش، قَالَه الضَّحَّاك وَأَبُو عبيد. وَفِي (التَّلْوِيح) : الْعُزَّى شَجَرَة لغطفان كَانُوا يعبدونها، وروى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: بعث رَسُول الله، ﷺ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى الْعُزَّى ليقطعها. قَوْله: (الله مَوْلَانَا وَلَا مولى لكم) ، يَعْنِي: الله ناصرنا، وَالْمولى يَأْتِي لمعان كَثِيرَة، وَالْمولى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ (الْأَنْعَام: ٢٦) . يَعْنِي: الْمَالِك. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْمولى هُنَا بِمَعْنى الْوَلِيّ، وَالله، ، يتَوَلَّى الْمُؤمنِينَ بالنصر والإعانة ويخذل الْكَافرين.
٥٦١ - (بابٌ إذَا فَزِعُوا باللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا فزع الْعَسْكَر بِاللَّيْلِ أَو أهل بَلْدَة، والفزع هُوَ الْخَوْف فِي الأَصْل، لكنه وضع مَوضِع الإغاثة والنصر، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: يَنْبَغِي لإمامهم أَن يكْشف الْخَبَر بِنَفسِهِ أَو بِمن يندبه لذَلِك.
٠٤٠٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيد قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ وأجْوَدَ النَّاسِ وأشْجَعَ النَّاسِ قَالَ وقَدْ فَزِعَ أهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةً سَمِعُوا صَوْتَاً قَالَ فتَلَقَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ علَى فرَسٍ لأبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ وهْوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ فَقَالَ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا ثُمَّ قالَ رسولُ الله ﷺ وجَدْتُهُ بَحْرَاً يَعْنِي الفَرَسَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجِهَاد مرَارًا، وَفِي آخر كتاب الْهِبَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (عري) ، بِضَم الْعين وَسُكُون الرَّاء، أَي: مُجَرّد من السرج، وَاسم الْفرس: مَنْدُوب، وَمعنى: (لم تراعوا) : لَا تراعوا أَي: لَا تخافوا.
٦٦١ - (بابٌ مَنْ رَأى العَدُوَّ فَنَادَى بِأعْلَى صَوْتِهِ يَا صَباحَاهْ حتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ)
стр. 4303
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من رأى الْعَدو قد أقبل فنادي بِأَعْلَى صَوته: يَا صَبَاحَاه، يَعْنِي: أغير عَلَيْكُم فِي الصَّباح، أَو قد أَصْبَحْتُم فَخُذُوا حذركُمْ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ الْإِعْلَام بِهَذَا الْأَمر المهم الَّذِي دهمهم فِي الصَّباح، قيل: لأَنهم كَانُوا يغيرون وَقت الصَّباح، وَكَأَنَّهُ قيل: جَاءَت وَقت الصَّباح فتأهبوا للقاء، فَإِن الْأَعْدَاء يتراجعون عَن الْقِتَال فِي اللَّيْل، فَإِذا جَاءَ النَّهَار عاودوه، وَالْهَاء فِيهِ للندبة تسْقط فِي الْوَصْل، وَالرِّوَايَة إِثْبَاتهَا، فتقف على الْهَاء، وَهُوَ منادى مستغاث، وَالْألف فِيهِ للاستغاثة، وَقيل: الْهَاء فِيهِ للسكت، كَأَنَّهُ نَادَى النَّاس استغاثة بهم فِي وَقت الصَّباح، أَي: وَقت الْغَارة، وَالْحَاصِل أَنَّهَا كلمة يَقُولهَا المستغيث. قَوْله: حَتَّى يسمع، أَي: حَتَّى إِن يسمع، بِضَم الْيَاء من الإسماع و: النَّاس، بِالنّصب مَفْعُوله.
١٤٠٣ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخْبَرنا يَزِيدُ بنُ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ أنَّهُ أخْبَرَهُ قَالَ خَرَجْتُ مِنَ المَدِينَةِ ذَاهِبَاً نَحْوَ الغَابَةِ حتَّى إذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الغابَةِ لَقِيَنِي غُلامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ قُلْتُ ويْحَكَ مَا بِكَ قَالَ أُخِذَتْ لِقاحُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ مَنْ أخَذَهَا قَالَ غَطَفَانُ وفَزَارَةُ فصَرَخْتُ ثَلاثَ صَرَخَاتٍ أسْمعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يَا صبَاحاهُ يَا صَباحاه ثُمَّ انْدَفَعْتُ حتَّى ألْقَاهُمْ وقَدْ أخَذُوها فجَعَلْتُ أرْمِيهِمْ وأقُولُ أَنا ابنُ الأكْوَعِ. واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فاسْتَنْقَذْتُها مِنْهُمْ قَبْلَ أنْ يَشْرَبُوا فأقْبَلْتُ بِهَا أسُوقُها فلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ القَوْمَ عِطاش وإنِّي أعْجَلْتُهُمْ أنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ فابْعَثْ فِي إثْرِهِمْ فَقَالَ يَا ابْنَ الأكْوَعِ ملَكْتَ فأسْجِعْ إنَّ القَوْمَ يُقُرَوْنَ فِي قَوْمِهِم.
(الحَدِيث ١٤٠٣ طرفه فِي: ٤٩١٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والمكي، بتَشْديد الْكَاف وَالْيَاء: ابْن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد البرجمي التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي، وَيزِيد بن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع.
وَهَذَا الحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ الثَّانِي عشر. وَأخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَهَذَا الحَدِيث بأتم من هَذَا يَأْتِي فِي غَزْوَة ذِي قرد، بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء وبالدال الْمُهْملَة، وَيُقَال: بِضَمَّتَيْنِ. وَقَالَ السُّهيْلي: كَذَا لَقيته مُقَيّدا عَن أبي عَليّ، والقرد فِي اللُّغَة الصُّوف الرَّدِيء، وَهُوَ على نَحْو يَوْم من الْمَدِينَة.
قَوْله: (ذَاهِبًا) حَال. قَوْله: (نَحْو الغابة) ، بالغين الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة، وَهِي على بريد من الْمَدِينَة فِي طَرِيق الشَّام، وَهِي فِي الأَصْل: الأجمة والثنية فِي الْجَبَل كالعقبة فِيهِ. قَوْله: (أخذت لقاح النَّبِي ﷺ ، اللقَاح: بِكَسْر اللَّام: الْإِبِل والواحدة: لقوح، وَهِي: الحلوب. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَت لقاح سيدنَا رَسُول الله، ﷺ عشْرين لقحة ترعى بِالْغَابَةِ، وَكَانَ أَبُو ذَر فِيهَا. قَوْله: (غطفان وفزارة) ، بِفَتْح الْفَاء: وهما قبيلتان من الْعَرَب وَكَانَ رَأس الْقَوْم الَّذين أَغَارُوا عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ، وَكَانَ فِي خيل من غطفان. قَوْله: (مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، واللابة: الْحرَّة، وَقد مر غير مرّة. قَوْله: (ثمَّ اندفعت) ، أَي: أسرعت فِي السّير. قَوْله: (أَنا ابْن الْأَكْوَع) : الْأَكْوَع لقب، واسْمه: سِنَان بن عبد الله. قَوْله: (يَوْم الرضع) ، بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا عين مُهْملَة، قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ الَّذِي رضع اللؤم من ثدي أمه، أَي: غذى بِهِ، وَقيل: هُوَ الَّذِي يرضع مَا بَين أَسْنَانه مستكثراً من الجشع بذلك، والجشع أَشد الْحِرْص. وَقَالَت امْرَأَة من الْعَرَب تذم رجلا: إِنَّه لأكلة يكله يَأْكُل من جشعه خلله. أَي: مَا يَتَخَلَّل بَين أَسْنَانه. وَقَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ الَّذِي يرضع الشَّاة أَو النَّاقة قبل أَن يحلبها من شدَّة الشره، وَقَالَ قوم: الراضع الرَّاعِي لَا يمسك مَعَه محلباً، فَإِذا جَاءَهُ إِنْسَان فَسَأَلَهُ أَن يسْقِيه احْتج أَنه لَا محلب مَعَه، وَإِذا أَرَادَ هُوَ أَن يشرب رضع النَّاقة أَو الشَّاة. وَقيل: هُوَ رجل كَانَ يرضع الْغنم وَلَا يحلبها لِئَلَّا يسمع صَوت الْحَلب فيطلب مِنْهُ. وَفِي (الموعب) : رضع الرجل رضاعة مِثَال كرم وَهُوَ رَضِيع وراضع: لئيم، وَجمعه: راضعون. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: أصل الحَدِيث أَن رجلا من العمالقة طرقه ضيف لَيْلًا فمص ضرع شَاة لِئَلَّا يسمع الضَّيْف صَوت الشخب، فَكثر حَتَّى صَار كل لئيم راضعاً، فعل ذَلِك أَو لم يفعل. وَقيل: هُوَ الَّذِي يرضع طرف الْخلال الَّتِي يخلل بهَا أَسْنَانه ويمص مَا يتَعَلَّق بِهِ، وَقَالَ السُّهيْلي: الْيَوْم يَوْم الرضع، برفعهما، وبنصب الأول وَرفع الثَّانِي: قلت: وَجه رفعهما على كَونهمَا مُبْتَدأ وَخبر، أَو وَجه
стр. 4304
النصب على الظَّرْفِيَّة، وَيكون: يَوْم الرضع، مُبْتَدأ وَخَبره الظّرْف فِيمَا يتَعَلَّق قبله، تَقْدِيره: وَفِي هَذَا الْيَوْم يَوْم الرضع، يَعْنِي: يَوْم هَلَاك اللئام. قَوْله: (فاستنقذتها) أَي: استخلصتها مِنْهُم. قَوْله: (قبل أَن يشْربُوا) أَي: المَاء، بِدَلِيل قَوْله: إِن الْقَوْم عطاش. قَوْله: (فَأَقْبَلت بهَا) أَي: باللقاح. قَوْله: (أسوقها) أَي: حَال كوني أسوق اللقَاح الَّتِي أَخذهَا غطفان وفزارة. قَوْله: (فلقيني النَّبِي ﷺ وَكَانَ ذَلِك عشَاء. وَمَعَ النَّبِي ﷺ نَاس، وتوضيح ذَلِك: أَن عُيَيْنَة بن حصن الْفَزارِيّ لما أغار على لقاح النَّبِي ﷺ فِي خيل من غطفان أَرْبَعِينَ فَارِسًا، وَكَانَ ذَلِك لَيْلَة أربعاء، جَاءَ الصَّرِيخ فَنُوديَ: يَا خيل الله ارْكَبِي، وَكَانَ أول مَا نُودي بهَا، فَركب رَسُول الله، ﷺ وَخرج غَدَاة الْأَرْبَعَاء فِي الْحَدِيد مقنعا، فَوقف فَكَانَ أول من أقبل إِلَيْهِ الْمِقْدَاد بن عَمْرو، وَعَلِيهِ الدرْع والمغفر شاهراً سَيْفه، فعقد لَهُ رَسُول الله، ﷺ ، لِوَاء فِي رمحه، وَقَالَ: إمضِ حَتَّى تلحقك الْخُيُول وَأَنا على إثرك، واستخلف على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم، وَخلف سعد بن عبَادَة فِي ثَلَاثمِائَة من قومه يَحْرُسُونَ الْمَدِينَة، قَالَ الْمِقْدَاد: فأدركت أخريات الْعَدو وَقد قتل أَبُو قَتَادَة مسْعدَة، وَقتل عكاشة أبان بن عَمْرو، وَقتل الْمِقْدَاد حبيب بن عُيَيْنَة وفرقد بن مَالك بن حُذَيْفَة ابْن بدر، وَأدْركَ سَلمَة بن الْأَكْوَع الْقَوْم وَهُوَ على رجلَيْهِ، فَجعل يراميهم بِالنَّبلِ، وَيَقُول: خُذْهَا وَأَنا بن أكوع الْيَوْم يَوْم الرضع، حَتَّى انْتهى بهم إِلَى ذِي قرد، قَالَ سَلمَة: فلحقنا رَسُول الله، ﷺ ، وَالنَّاس عشَاء وَهَذَا معنى قَوْله: (فلقيني النَّبِي ﷺ ، فَقلت: يَا رَسُول الله إِن الْقَوْم عطاش) وَهُوَ جمع عطشان. قَوْله: (وَإِنِّي أعجلتهم قبل أَن يشْربُوا سقيهم) ، بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْقَاف، وَهُوَ: الْحَظ من الشّرْب، و: أَن يشْربُوا، مفعول لَهُ أَي: كَرَاهَة شربهم. قَوْله: (فَابْعَثْ فِي إثرهم) أَي: قَالَ سَلمَة: يَا رَسُول الله ﴿إبعث فِي إثرهم، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد قَالَ سَلمَة: فَلَو بعثتني فِي مائَة رجل استنقذت مَا بِأَيْدِيهِم من السَّرْح وَأخذت بأعناق الْقَوْم. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (يَا ابْن الْأَكْوَع ملكت) من المملكة وَهِي أَن يغلب عَلَيْهِم ويستعبدهم، وهم فِي الأَصْل أَحْرَار. قَوْله: (فاسجح) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْجِيم وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: من الإسجاح، وَهُوَ حسن الْعَفو، أَي: إرفق وَلَا تَأْخُذ بالشدة، وَهَذَا مثل من أَمْثَال الْعَرَب. قَوْله: (إِن الْقَوْم يقرونَ) أَي: يضافون، يَعْنِي: أَنهم وصلوا إِلَى غطفان وهم يضيفونهم ويساعدونهم فَلَا فَائِدَة فِي الْحَال فِي الْبَعْث لأَنهم لَحِقُوا بأصحابهم، ويقرون هُنَا من القري وَهُوَ الضِّيَافَة، فراعى النَّبِي ﷺ ذَلِك لَهُم رَجَاء تَوْبَتهمْ وإنابتهم. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يقرونَ، بِضَم الْيَاء وَالرَّاء، وَفَسرهُ بِأَنَّهُم: يجمعُونَ بَين المَاء وَاللَّبن، وَقيل: يغزون، بغين مُعْجمَة وزاي، وَهُوَ تَصْحِيف وَفِي كتاب (الدَّلَائِل) للبيهقي: إِنَّهُم ليغبقون الْآن فِي غطفان، فجَاء رجل من غطفان فَقَالَ: مرُّوا على فلَان الْغَطَفَانِي فَنحر لَهُم جزوراً، فَلَمَّا أخذُوا يكشطون جلدهَا رَأَوْا غيرَة فتركوها وَخَرجُوا هراباً. انْتهى.
وَتَمام الْقِصَّة: أَن النَّبِي ﷺ لما لَقِي سَلمَة لم تزل الْخَيل تَأتي وَالرِّجَال على أَقْدَامهم حَتَّى انْتَهوا إِلَى رَسُول الله، ﷺ بِذِي قرد، فاستنقذوا عشر لقائح، وأفلت الْقَوْم بِمَا بَقِي وَهِي عشر، وَصلى رَسُول الله، ﷺ بِذِي قرد صَلَاة الْخَوْف، وَأقَام بهَا يَوْمًا وَلَيْلَة. وَفِي (الإكليل) للْحَاكِم: بَاب غَزْوَة ذِي قرد، قَالَ أَبُو عبد الله: هَذِه الْغَزْوَة هِيَ الثَّالِثَة لذِي قرد، فَإِن الأولى: سَرِيَّة زيد بن حَارِثَة فِي جمادي الْآخِرَة على رَأس ثَمَانِيَة وَعشْرين شهرا من الْهِجْرَة. وَالثَّانيَِة: خرج فِيهَا سيدنَا رَسُول الله، ﷺ بِنَفسِهِ إِلَى فَزَارَة، وَهِي على رَأس تِسْعَة وَأَرْبَعين شهرا من الْهِجْرَة. وَهَذِه الثَّالِثَة: الَّتِي أغار فِيهَا عبد الرَّحْمَن بن عُيَيْنَة على إبل رَسُول الله، ﷺ فَخرج أَبُو قَتَادَة وَابْن الْأَكْوَع فِي طلبَهَا، وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق فِي غَزْوَة ذِي قرد: إِنَّه كَانَ أول مَا بدر بهم سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع الْأَسْلَمِيّ غَدا يُرِيد الغابة متوشحاً قوسه ونبله وَمَعَهُ غُلَام لطلْحَة بن عبيد الله مَعَه فرس لَهُ، وَكَانَ يَقُودهُ، حَتَّى إِذا علا ثنية الْوَدَاع نظر إِلَى بعض خيولهم فَأَشْرَف فِي نَاحيَة سلع ثمَّ صرخَ: واصباحاه، ثمَّ خرج يشد فِي آثَار الْقَوْم، وَكَانَ مثل السَّبع حَتَّى لحق بالقوم، فَجعل يرميهم بِالنَّبلِ، وَيَقُول إِذا رَمَاهَا: خُذْهَا وَأَنا ابْن الْأَكْوَع الْيَوْم يَوْم الرضع. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَبلغ رَسُول الله، ﷺ صياح ابْن الْأَكْوَع، فَصَرَخَ بِالْمَدِينَةِ: الْفَزع الْفَزع، فترامت الْخُيُول إِلَى رَسُول الله، ﷺ فَكَانَ أول من انْتهى إِلَيْهِ من الفرسان الْمِقْدَاد بن الْأسود وَجَمَاعَة آخَرُونَ، ذكرهم ابْن إِسْحَاق قَالَ: وَسَار رَسُول الله، ﷺ حَتَّى نزل بِالْجَبَلِ من ذِي قرد، وتلاحق بِهِ النَّاس فَأَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَة. وَقَالَ لَهُ سَلمَة بن الْأَكْوَع: يَا رَسُول الله﴾ لَو سرحتني فِي مائَة رجل
стр. 4305
لاستنقذت بَقِيَّة السَّرْح وَأخذت بأعناق الْقَوْم، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : الْآن ليغبقون فِي غطفان، وَقسم رَسُول الله، ﷺ فِي كل مائَة رجل جزوراً، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قَافِلًا حَتَّى قدم الْمَدِينَة. انْتهى. وَقيل: كَانَت غيبَة رَسُول الله، ﷺ خمس لَيَال انْتهى.
وَفِي الحَدِيث: جَوَاز الْأَخْذ بالشدة، ولقاء الْوَاحِد أَكثر من المثلين، لِأَن سَلمَة كَانَ وَحده وَألقى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِنَفسِهِ إِلَى التَّهْلُكَة. وَفِيه: تَعْرِيف الْإِنْسَان بِنَفسِهِ فِي الْحَرْب بشجاعته وتقدمه. وَفِيه: فضل الرَّمْي، على مَا لَا يخفى.
٧٦١ - (بابُ مَنْ قالَ: خُذْهَا وَأَنا ابنُ فُلانٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر من قَالَ عِنْد ملاقاته الْعَدو وَهُوَ يَرْمِي: خُذْهَا، أَي: الرَّمية، وتنوه باسمه، بقوله: وَأَنا ابْن فلَان، وَقَالَ ابْن التِّين: وَهِي كلمة يَقُولهَا الرَّامِي عِنْدَمَا يُصِيب فَرحا، وَكَانَ ابْن عمر إِذا رمى فَأصَاب يَقُول: خُذْهَا وَأَنا أَبُو عبد الرَّحْمَن. وَرمى بَين الهدفين. وَقَالَ: أَنا بهَا، وَكَانَ رامياً يَرْمِي الطير على سَنَام الْبَعِير فَلَا يخْشَى أَن يُصِيب السنام، وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: أَنا ابْن العواتك.
وقالَ سلَمَةُ خُذْها وَأَنا ابنُ الأكْوَعِ
هَذَا مُطَابق للتَّرْجَمَة، وَبَيَان لَهَا وَقطعَة من الحَدِيث الْمَذْكُور قبله من حَيْثُ الْمَعْنى، وَقيل: موقع هَذَا من الْأَحْكَام أَنه خَارج عَن الافتخار الْمنْهِي عَنهُ، لِأَن الْحَال يَقْتَضِي ذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: معنى خُذْهَا وَأَنا ابْن الْأَكْوَع، أَنا ابْن الْأَكْوَع الْمَشْهُور فِي الرَّمْي بالإصابة عَن الْقوس، وَهَذَا على سَبِيل الْفَخر، لِأَن الْعَرَب تَقول: أَنا ابْن نجدتها، أَي: الْقَائِم بِالْأَمر، وَأَنا ابْن جلا، يُرِيد: المنكشف الْأَمر الْوَاضِح الْجَلِيّ، وَلَا يَقُول مثل هَذَا إلَاّ الشجاع البطل، وَالْعَادَة عِنْد الْعَرَب أَن يعلم الشجاع نَفسه بعلامة فِي الْحَرْب يتَمَيَّز بهَا من غَيره ليقصده من يَدعِي الشجَاعَة.
٢٤٠٣ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سألَ رَجُلٌ البرَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فقالَ يَا أَبَا عُمَارَةَ أوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ البَرَاءُ وأنَا أسْمَعُ أمَّا رسولُ الله ﷺ لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ كانَ أبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ آخِذاً بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ فلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ فجَعَلَ يَقُولُ:
(أَنا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ)
قالَ فَما رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أشَدُّ مِنْهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَنا النَّبِي لَا كذب) لِأَن فِيهِ تنويهاً بشجاعته وثباته فِي الْحَرْب، وَهَذَا أقوى من قَول الْقَائِل: خُذْهَا وَأَنا ابْن فلَان.
وَعبيد الله هُوَ ابْن مُوسَى بن باذام أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ عَمْرو بن عبد الله السبيعِي جد إِسْرَائِيل الْمَذْكُور.
والْحَدِيث مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب من قاد دَابَّة غَيره فِي الْحَرْب، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (يابا عمَارَة) ، هُوَ كنية الْبَراء. قَوْله: (وَأَنا أسمع) من كَلَام أبي إِسْحَاق وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (لم يول) ، ويروى: فَلم يول، على الأَصْل بِالْفَاءِ، وَقَالَ ابْن مَالك: حذف الْفَاء جَائِز نظماً ونثراً، يَعْنِي: لَا يخْتَص بِالضَّرُورَةِ. قَوْله: (فَلَمَّا غشيه الْمُشْركُونَ) ، أَي: أحاطوا بِهِ (نزل) عَن بغلته. قَوْله: (فَمَا رئي) ، بِضَم الرَّاء وَكسر الْهمزَة وَفتح الْيَاء. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الرَّسُول.
وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إختلف السّلف: هَل يعلم الرجل الشجاع نَفسه عِنْد لِقَاء الْعَدو؟ فَقَالَ بَعضهم: ذَلِك جَائِز على مَا دلّ عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث، وَقد أعلم حَمْزَة بن عبد الْمطلب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَفسه يَوْم بدر بريشة نعَامَة فِي صَدره، وَأعلم نَفسه أَبُو دُجَانَة بعصابة بِمحضر رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَ الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم بدر معمماً بعمامة صفراء، فَنزلت الْمَلَائِكَة معتمين بعمائم صفر. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ . انهم أَتَوا مُحَمَّدًا، ﷺ ، مسومين بالصوف، فسوم مُحَمَّد وَأَصْحَابه أنفسهم وخيلهم على سِيمَاهُمْ بالصوف.
وَكره آخَرُونَ التسويم والأعلام فِي الْحَرْب، وَقَالُوا: فعلُ ذَلِك من الشُّهْرَة، وَلَا يَنْبَغِي
стр. 4306
للْمُسلمِ أَن يشهر نَفسه فِي الْخَيْر وَلَا فِي الشَّرّ، قَالُوا: وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ إِذا فعل شَيْئا لله تَعَالَى أَن يخفيه عَن النَّاس: ﴿إِن الله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء﴾ (آل عمرَان: ٥) . رُوِيَ هَذَا عَن بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ.
وَالصَّوَاب مَعَ الْفَرِيق الأول: أَنه لَا بَأْس بالتسويم والأعلام فِي الْحَرْب إِذا فعله من هُوَ من أهل الْبَأْس والشدة والنجدة، وَهُوَ قَاصد بذلك حث النَّاس على الثَّبَات وَالصَّبْر لِلْعَدو فِي الملاقاة، وَفِيه ترهيب الْعَدو إِذا عرفُوا مَكَانَهُ، وَأما إِذا لم يقْصد ذَلِك بل قصد بِهِ الافتخار فَهُوَ مَكْرُوه، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّن يُقَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا، وَإِنَّمَا يُقَاتل للذّكر.
٨٦١ - (بابٌ إذَا نَزَلَ العَدُوُّ علَى حُكْمِ رَجُلٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا نزل الْعَدو من الْمُشْركين على حكم رجل من الْمُسلمين، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، تَقْدِيره: ينفذ إِذا أجَازه الإِمَام.
٣٤٠٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِي أمَامَةَ هوَ ابنُ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ بَنو قُرَيْظَةَ علَى حُكْمِ سَعْدٍ هوَ ابنُ معاذٍ بَعَثَ رَسُول الله، ﷺ وكانَ قَرِيباً مِنْهُ فَجاءَ علَى حِمارٍ فلَمَّا دَنا قَالَ رسولُ الله ﷺ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَجاءَ فَجَلَسَ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ لَهُ إنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا علَى حُكْمِكَ قَالَ فإنِّي أحْكُمُ أنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وأنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ قَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَسعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمدنِي، وَأَبُو أُمَامَة، بِضَم الْهمزَة وبالميمين: اسْمه أسعد بن سهل بن حنيف، يروي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه: سعد بن مَالك بن سِنَان الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل سعد عَن مُحَمَّد بن عرْعرة وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَفِي الْمَغَازِي عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن بنْدَار بِهِ وَعَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن عَمْرو بن عَليّ عَن غنْدر بِهِ وَفِي السّير وَفِي الْفَضَائِل عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَنو قُرَيْظَة) ، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالظاء الْمُعْجَمَة، وهم قَبيلَة من الْيَهُود كَانُوا فِي قلعة فنزلوا على حكم سعد بن معَاذ. قَوْله: (بعث) ، جَوَاب: لما، أَي: بعث رَسُول الله، ﷺ يَطْلُبهُ. قَوْله: (أَن تقتل الْمُقَاتلَة) ، أَي: الطَّائِفَة الْمُقَاتلَة مِنْهُم، أَي: البالغون (والذرية) : النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (بِحكم الْملك) ، بِكَسْر اللَّام وَهُوَ: الله تَعَالَى، وَفِي بعض الرِّوَايَات: بِحكم الله تَعَالَى، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض، ضبط بَعضهم فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) كسرهَا وَفتحهَا، فَإِن صَحَّ الْفَتْح فَالْمُرَاد بِهِ جِبْرِيل، ﵊، وَتَقْدِيره: بالحكم الَّذِي جَاءَ بِهِ الْملك عَن الله تَعَالَى، ورد هَذَا عَن ابْن الْجَوْزِيّ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: مَا نقل أَن ملكا نزل من السَّمَاء فِي شَأْنهمْ بِشَيْء، وَلَو نزل بِشَيْء أتبع وَترك اجْتِهَاد سعد. وَالثَّانِي: فِي بعض أَلْفَاظ الصَّحِيح، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه: قضيت بِحكم الله، وَقَالَ ابْن التِّين: الْمَعْنى كُله وَاحِد على الْكسر وَالْفَتْح، وَقيل: فِي الْوَجْه الأول نظر، لِأَن فِي غير رِوَايَة البُخَارِيّ: قَالَ فِي حكم سعد بذلك: طرقني الْملك سحرًا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: لُزُوم حكم الْمُحكم برضى الْخَصْمَيْنِ، سَوَاء كَانَ فِي أُمُور الْحَرْب أَو غَيرهَا، وَهُوَ رد على الْخَوَارِج الَّذين أَنْكَرُوا التَّحْكِيم على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن النُّزُول على حكم الإِمَام أَو غَيره جَائِز، وَلَهُم الرُّجُوع عَنهُ مَا لم يحكم، فَإِذا حكم فَلَا رُجُوع، وَلَهُم أَن ينقلوا من حكم رجل إِلَى غَيره. وَفِيه: أَن التحاكم إِلَى رجل مَعْلُوم الصّلاح وَالْخَيْر لَازم للمتحاكمين، فَكيف بَيْننَا وَبَين عدونا فِي الدّين وَالْمَال أخف مؤونة من النَّفس والأهل؟ وَفِيه: أَمر السُّلْطَان وَالْحَاكِم
стр. 4307
بإكرام السَّيِّد من الْمُسلمين وإكرام أهل الْفضل فِي مجْلِس السُّلْطَان الْأَكْبَر وَالْقِيَام فِيهِ لغيره من أَصْحَابه وسَادَة أَتْبَاعه، وإلزام النَّاس كَافَّة بِالْقيامِ إِلَى سيدهم، وَلَا يُعَارض هَذَا حَدِيث مُعَاوِيَة: من سره أَن يتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، لِأَن هَذَا الْوَعيد إِنَّمَا توجه للمتكبرين وَإِلَى من يغْضب أَو يسْخط أَن لَا يُقَام لَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا الْمَكْرُوه الْقيام للمرء وَهُوَ جَالس، قَالَ: وَتَأَول بعض أَصْحَابنَا. قَوْله: (قومُوا إِلَى سيدكم) على أَن ذَلِك مَخْصُوص بِسَعْد، وَقَالَ بَعضهم: أَمرهم بِالْقيامِ لينزلوه عَن الْحمار لمرضه، وَفِيه بعد، وَقَالَ السُّهيْلي: وَقَامَ رَسُول الله، ﷺ ، لِصَفْوَان بن أُميَّة ولعدي بن حَاتِم حِين قدما عَلَيْهِ وَقَامَ لمَوْلَاهُ زيد بن حَارِثَة وَلغيره أَيْضا، وَكَانَ يقوم لابنته فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، إِذا دخلت عَلَيْهِ، وَتقوم لَهُ إِذا قدم عَلَيْهَا، وَقَامَ لجَعْفَر ابْن عَمه. وَفِيه: جَوَاز قَول الرجل للْآخر: يَا سَيِّدي، إِذا علم مِنْهُ خيرا أَو فضلا، وَإِنَّمَا جَاءَت الْكَرَاهَة فِي تسويد الرجل الْفَاجِر. وَفِيه: أَن للْإِمَام إِذا ظهر من قوم من أهل الْحَرْب الَّذِي بَينه وَبينهمْ هدنة على خِيَانَة وغدر أَن ينبد إِلَيْهِم على سَوَاء، وَأَن يحاربهم، وَذَلِكَ أَن بني قُرَيْظَة كَانُوا أهل موادعة من رَسُول الله، ﷺ ، قبل الخَنْدَق، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحْزَاب ظاهروا قُريْشًا وَأَبا سُفْيَان على رَسُول الله، ﷺ ، وراسلوهم: إِنَّا مَعكُمْ فاثبتوا مَكَانكُمْ، فأحل الله بذلك من فعلهم قِتَالهمْ ومنابذتهم على سَوَاء، وَفِيهِمْ أنزلت: ﴿وَإِمَّا نخافنَّ من قوم خِيَانَة فانبذ إِلَيْهِم على سَوَاء. .﴾ (الْأَنْفَال: ٨٥) . الْآيَة، فَحَاصَرَهُمْ والمسلمون مَعَه حَتَّى نزلُوا على حكم سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٩٦١ - (بابُ قَتْلِ الأسِيرِ صَبْرَاً وقَتْلِ الصَّبْر)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قتل الْأَسير صبرا، أَي: من حَيْثُ الصَّبْر، وَالصَّبْر فِي اللُّغَة: الْحَبْس، وَيُقَال للرجل، إِذا شدت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَرجل يمسِكهُ حَتَّى يضْرب عُنُقه: قتل صبرا، وَفِي الحَدِيث أَنه نهى عَن قتل شَيْء من الدَّوَابّ صبرا، هُوَ أَن يمسك من ذَوَات الرّوح شَيْء حَيا ثمَّ يَرْمِي بِشَيْء حَتَّى يَمُوت، وَهُوَ معنى قَوْله: وَقتل الصَّبْر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب قتل الأصير صبرا، وَلَيْسَ فِي رِوَايَته: وَقتل الصَّبْر، وَهَذَا اللَّفْظ زَائِد لَا طائل تَحْتَهُ.
٤٤٠٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ عامَ الفَتْحِ وعَلى رَأسِهِ المِغْفَرُ فلَمَّا نَزَعَهُ جاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ فَقَالَ اقْتُلُوهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أَمر بقتل عبد الله بن خطل صبرا، وٌّ هـ حاد الله وَرَسُوله وارتد عَن الْإِسْلَام وَقتل مُسلما كَانَ يَخْدمه، وَكَانَ يهجو رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَت لَهُ قينتان تُغنيَانِ بِهِجَاء الْمُسلمين. والْحَدِيث قد مر بِعَيْنِه فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج فِي: بَاب دُخُول الْحرم وَمَكَّة بِغَيْر إِحْرَام، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، والمغفر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء وَفِي آخِره رَاء: زرد ينسج من الدروع على قدر الرَّأْس يلبس تَحت القلنسوة.
٠٧١ - (بابٌ هَلْ يَسْتَأسِر الرَّجُلُ ومَنْ لَمْ يَسْتأثِرْ ومنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ القَتْلِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يستأسر الرجل؟ أَي: هَل يطْلب أَن يَجْعَل نَفسه أَسِيرًا؟ يَعْنِي: هَل يسلم نَفسه للأسر أم لَا؟ وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: هُوَ قَوْله: (هَل يستأسر الرجل؟) . وَالثَّانِي: هُوَ قَوْله: (وَمن لم يستأسر) ، أَي: وَفِي بَيَان من لم يسلم نَفسه للأسر. وَالثَّالِث: هُوَ قَوْله: (من ركع رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل) أَي: وَفِي بَيَان من صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل.
٥٤٠٣ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني عَمْرُو بنُ أبي سُفْيَانَ بنِ أسِيدِ بنِ جارِيَةَ الثَّقَفِي وهْوَ حَلِيفُ لِبَنِي زُهْرَةَ وكانَ مِنْ أصْحَابِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قالَ بَعَثَ رسولُ الله ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنَاً وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عاصِمَ بنَ
стр. 4308
ثابِتٍ الأنْصَارِيَّ جَدَّ عاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فانْطَلَقُوا حتَّى إذَا كانُوا بالْهدْأةِ وهْوَ بَيْنَ عُسْفَانَ ومَكَّةَ ذُكِرُوا الِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ فنَفَّرُوا لَهُمْ قَرِيباً مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رامٍ فاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حتَّى وجَدُوا مأكَلَهُمْ تَمْراً تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ فقالُوا هَذا تَمْرُ يَثْرِبَ فاقْتَصُّوا آثارَهُمْ فلَمَّا رآهُمْ عاصِمٌ وأصْحَابُهُ لَجؤا إِلَى فَدْفَدٍ وأحاطَ بِهمُ القَوْمُ فَقَالُوا لَهُمُ انْزِلُوا وأعْطُونا بأيْدِيكُمْ ولَكُمْ العَهْدُ والمِيثَاقُ ولَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أحَداً قَالَ عاصِمُ بنُ ثابِتٍ أمِيرُ السَّرِيَّةِ أمَّا أَنا فوَالله لَا أنْزِلُ اليَوْمَ فِي ذِمَّةِ كافِرٍ أللَّهُمَّ أخْبِرْ عنَّا نَبِيَّكَ فرَمَوْهُمْ بالنَّبْلِ فقَتَلُوا عاصِماً فِي سَبْعَةٍ فنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بالعَهْدِ والمِيثاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأنْصَارِيُّ وابنُ دَثِنَةَ ورَجُلٌ آخَرُ فلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أطْلَقُوا أوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فأوْثَقُوهُمْ فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ هذَا أوَّلُ الغَدْرِ وَالله لَا أصْحَبُكُمْ إنَّ لِي فِي هَؤلَاءِ لأُسْوَةً يُرِيدُ القَتْلَى فَجَرُّوهُ وعالَجُوهُ علَى أنْ يَصْحَبَهُمْ فَأبى فَقَتَلُوهُ فانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وابنِ دَثِنَة حتَّى باعُوهُمَا بِمَكَّةَ بعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ فابْتَاعَ خُبَيْبَاً بَنُو الحَارِثِ بنِ عامِرِ ابنِ نَوْفَلِ بنِ عَبْدِ منافٍ وكانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتْلَ الحَارِثِ بنَ عامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أسِيراً فأخْبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عِياضٍ أنَّ بِنْتَ الحَارِثِ أخْبَرَتْهُ أنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتعارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فأعارَتْهُ فأخَذَ ابْناً لِي وأنَا غَافِلَةٌ حِينَ أتاهُ قالَتْ فوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ علَى فَخْذِهِ والمُوسَى بِيَدِهِ ففَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَها خُبَيْبٌ فِي وجْهِي فَقَالَ تَخْشَيْنَ أنْ أقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذالِكَ وَالله مَا رَأيْتُ أسِيراً قَطُّ خَيْراً مِنْ خُبَيْبً وَالله لَقَدْ وجَدْتُهُ يَوْماً يَأكُلُ مِنْ قِطَفِ عِنَبٍ فِي يدِهِ وإنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الحَدِيدِ ومَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ وكانَتْ تَقُولُ إنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ الله رَزَقَهُ خُبَيْبَاً فلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ ذَرُوني أرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فتَرَكُوهُ فرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قالَ لَوْلَا أنْ تَظُنُّوا أنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُها أللَّهُمَّ أحْصِهِمْ عَدَدَاً
(مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ... علَى أيِّ شِقٍّ كانَ لله مَصْرَعِي)
(وذالِكَ فِي ذَاتِ الإلاهِ وإنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ)
فَقَتَلَهُ ابنُ الحَارِثِ فَكانَ خُبَيْبٌ هوَ سنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْراً فاسْتَجَابَ الله لِعَاصِمِ بنِ ثابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ فأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا وبَعثَ ناسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ وكانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فبُعِثَ عَلَى عاصِمً مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا علَى أنْ يَقْطَعُوا مِنْ لَحْمِهِ شَيْئاً..
الْمُطَابقَة من الحَدِيث للجزى الأول وَهُوَ قَوْله: هَل يستأسر الرجل فِي قَوْله: (فَنزل إِلَيْهِم ثَلَاثَة رَهْط بالعهد والميثاق) وللجزء الثَّانِي، وَهُوَ قَوْله: وَمن لم يستأسر، فِي قَوْله: (قَالَ عَاصِم بن ثَابت أَمِير السِّيرَة: أما أَنا فوَاللَّه لَا أنزل الْيَوْم
стр. 4309
فِي ذمَّة كَافِر) ، وللجزء الثَّالِث، وَهُوَ قَوْله: وَمن صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. فِي قَوْله: (قَالَ لَهُم خبيب: ذروني أركع رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عَمْرو، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ بعض أَصْحَاب الزُّهْرِيّ: عمر، بِضَم الْعين، وَقَالَ يُونُس من رِوَايَة أبي صَالح عَن اللَّيْث عَن يُونُس وَابْن أخي الزُّهْرِيّ وَإِبْرَاهِيم بن سعد، عمر، بِضَم الْعين، غير أَن إِبْرَاهِيم نسبه إِلَى جده، فَقَالَ: عمر بن أسيد. قَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : الصَّحِيح: عَمْرو بن أبي سُفْيَان بن أسيد، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة: ابْن جَارِيَة بِالْجِيم الثَّقَفِيّ حَلِيف لبني زهرَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الْهَاء. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَفِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن عَوْف عَن أبي الْيَمَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عمرَان بن بكار، وَفِيه الشّعْر دون الدُّعَاء.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عشرَة رَهْط) ، الرَّهْط من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى أَرْبَعِينَ، وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: حَدثنَا عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة. قَالَ: (قدم على رَسُول الله، ﷺ ، رَهْط من عضل والقارة، وَقَالُوا: يَا رَسُول الله! إِن فِينَا إسلاماً فَابْعَثْ مَعنا نَفرا من أَصْحَابك يفقهوننا فِي الدّين ويقرئوننا الْقُرْآن ويعلموننا شرائع الْإِسْلَام، فَبعث مَعَهم رَسُول الله، ﷺ ، نَفرا سِتَّة من أَصْحَابه، وهم: مرْثَد بن أبي مرْثَد الغنوي حَلِيف حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَهُوَ أَمِير الْقَوْم، وخَالِد بن بكير اللَّيْثِيّ حَلِيف بني عدي أَخُو بني حججبي، وثابت بن أبي الْأَفْلَح، وخبيب بن عدي، وَزيد بن الدثنة، وَعبد الله بن طَارق، وَالأَصَح مَا قَالَه البُخَارِيّ: عشرَة رَهْط وأميرهم عَاصِم بن ثَابت، على مَا مر. قَوْله: (سَرِيَّة) ، نصب على الْبَيَان، والسرية: طَائِفَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَرْبَعمِائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو، وَجَمعهَا السَّرَايَا: سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم من الشَّيْء السّري النفيس، وَقيل: سموا بذلك لأَنهم ينفذون سرا وخفية وَلَيْسَ بِوَجْه، لِأَن لَام السِّرّ: رَاء، وَهَذِه: يَاء، وَهَذِه السّريَّة تسمى: سَرِيَّة الرجيع، وَهِي غَزْوَة الرجيع. قَالَ ابْن سعد: كَانَت فِي صفر على رَأس سِتَّة وَثَلَاثِينَ شهرا، وَذكرهَا ابْن إِسْحَاق: فِي صفر سنة أَربع من الْهِجْرَة، والرجيع على ثَمَانِيَة أَمْيَال من عسفان. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: سَبْعَة أَمْيَال. وَقَالَ الْبكْرِيّ: الرجيع، بِفَتْح أَوله وبالعين الْمُهْملَة فِي آخِره: مَاء لهذيل لبني لحيان مِنْهُم بَين مَكَّة وَعُسْفَان بِنَاحِيَة الْحجاز، وَعُسْفَان قَرْيَة جَامِعَة مِنْهَا إِلَى كرَاع الغميم ثَمَانِيَة أَمْيَال، والغميم، بالغين الْمُعْجَمَة: وادٍ، والكراع: جبل أسود عَن يسَار الطَّرِيق شَبيه بِالْكُرَاعِ، وَمن كرَاع الغميم إِلَى بطن مر خَمْسَة عشر ميلًا، وَمن مر إِلَى سرف سَبْعَة أَمْيَال، وَمن سرف إِلَى مَكَّة سِتَّة أَمْيَال. قَوْله: (عينا) ، أَي: جاسوساً، وانتصابه على أَنه بدل من: سَرِيَّة. قَوْله: (وأمَّر) ، بتَشْديد الْمِيم من التأمير، أَي: جعل عَاصِم بن ثَابت أَمِيرا على الرَّهْط الْمَذْكُور، وَعَاصِم بن ثَابت بن أبي الْأَفْلَح، واسْمه قيس بن عصمَة بن النُّعْمَان بن مَالك بن أُميَّة بن ضبيعة بن زيد بن مَالك، بن عَوْف ابْن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ، يكنى أَبَا سُلَيْمَان شهد بَدْرًا، وَهُوَ جد عَاصِم بن عمر بن الْخطاب لأمه، لِأَن أم عَاصِم جميلَة بنت ثَابت بن أبي الْأَفْلَح، أُخْت عَاصِم بن ثَابت، وَكَانَ اسْمهَا: عاصية، فسماها رَسُول الله، ﷺ جميلَة، وَقيل: هُوَ خَاله لَا جده. قَوْله: (بالهداة) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْهمزَة، وَهُوَ: مَوضِع بَين عسفان وَمَكَّة. قَوْله: (ذكرُوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (من هُذَيْل) ، هُوَ ابْن مدركة بن الياس بن مُضر، قَالَ ابْن دُرَيْد: من الهذل، وَهُوَ الِاضْطِرَاب. قَوْله: (بَنو لحيان) ، بِكَسْر اللَّام، وَحكى صَاحب (الْمطَالع) فتحهَا، ولحيان من هُذَيْل، وَقَالَ الرشاطي: إِنَّهُم من بقايا جرهم دخلُوا فِي هُذَيْل، وَعَن ابْن دُرَيْد: اشتقاقه من اللحى، واللحي من قَوْلهم: لحيت الْعود ولحوته: إِذا قشرته. قَوْله: (فنفروا لَهُم) ، بتَشْديد الْفَاء أَي: استنجدوا لأجلهم قَرِيبا من مِائَتي رجل. وَفِي رِوَايَة: (فنفر إِلَيْهِم قريب من مائَة رجل) ، بتَخْفِيف الْفَاء أَي: خرج إِلَيْهِم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: نفَّروا مِائَتي رجل، وَلَكِن مَا تَبِعَهُمْ إلَاّ مائَة. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (فنفذوا) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
стр. 4310
قَوْله: (فَاقْتَصُّوا آثَارهم) ، أَي: اتبعوها، وَقَالَ ابْن التِّين: وَيجوز بِالسِّين. قَوْله: (مَأْكَلهمْ) اسْم مَكَان مَنْصُوب بِتَقْدِير الْجَار، وَذَلِكَ جَائِز، نَحْو: رميت مرمَى زيد. قَوْله: (تزودوه) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لتمر. قَوْله: (فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِم) كَذَا هُوَ فِي (الصَّحِيح) و (شرح ابْن بطال) وَذكره بعض الشُّرَّاح بِلَفْظ: فَلَمَّا أحس بهم، ثمَّ قَالَ: أَي: علم. قَالَ تَعَالَى: ﴿هَل تحس مِنْهُم من أحد﴾ (مَرْيَم: ٨٩) . وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : حس بِغَيْر ألف. قَوْله: (لجأوا) أَي: استندوا (إِلَى فدفد) بفاءين مفتوحتين بَينهمَا دَال مُهْملَة سَاكِنة، وَهُوَ الْموضع الْمُرْتَفع الَّذِي فِيهِ غلظ وارتفاع، وَقَالَ ابْن فَارس: إِنَّه الأَرْض المستوية، وَظَاهر الحَدِيث أَنه مَكَان مشرف تحَصَّنُوا فِيهِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد) : (إِلَى قردد) ، بقاف مَفْتُوحَة وَرَاء سَاكِنة ثمَّ بدالين مهملتين وهما سَوَاء. قَوْله: (الْعَهْد) ، أَي: الذِّمَّة. قَوْله: (بِالنَّبلِ) ، أَي: السِّهَام الْعَرَبيَّة. قَوْله: (فِي سَبْعَة) ، أَي: فِي جملَة سَبْعَة، وَالْحَاصِل أَن السَّبْعَة من الْعشْرَة قتلوا، وَعَن إِبْنِ إِسْحَاق: الَّذين قتلوا ثَلَاثَة، لأَنا قد ذكرنَا عَنهُ عَن قريب أَن الَّذين أرسلهم النَّبِي ﷺ كَانُوا سِتَّة، وَقد ذَكَرْنَاهُمْ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: غدروا بهم على الرجيع فاستصرخوا عَلَيْهِم هذيلا فل يرع الْقَوْم وهم فِي رحالهم إلَاّ الرِّجَال بِأَيْدِيهِم السيوف قد غشوهم، فَأخذُوا أسيافهم وَقَاتلهمْ أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ فَقتل مِنْهُم ثَلَاثَة وَأسر مِنْهُم ثَلَاثَة، وهم: زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وَعبد الله بن طَارق، وَعند البُخَارِيّ: الْقَتْلَى سَبْعَة، وَالَّذين أَسرُّوا ثَلَاثَة، وَهُوَ قَوْله: (فَنزل إِلَيْهِم ثَلَاثَة رَهْط بالعهد) أَي: بِالذِّمةِ. قَوْله: (وَمِنْهُم) أَي: من هَؤُلَاءِ (خبيب) بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا بَاء مُوَحدَة أُخْرَى: ابْن عدي الْأنْصَارِيّ الأوسي من بني حججبي بن كلفة بن عَمْرو بن عَوْف من الْبَدْرِيِّينَ. قَوْله: (وَابْن الدثنة) ، وَهُوَ زيد بن الدثنة بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وسكونها وَالنُّون: ابْن مُعَاوِيَة بن عبيد بن عَامر بن بياضة الْأنْصَارِيّ البياضي، شهد بَدْرًا وأحداً. قَوْله: (وَرجل آخر) ، هُوَ عبد الله بن طَارق بَينه ابْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته وَهُوَ عبد الله بن طَارق بن عَمْرو بن مَالك البلوي حَلِيف لبني ظفر من الْأَنْصَار، شهد بَدْرًا وأحداً. قَوْله: (فَقَالَ الرجل الثَّالِث) : هُوَ عبد الله بن طَارق. قَوْله: (هَذَا أول الْغدر) ، ويروى: هَذَا أَوَان الْغدر. قَوْله: (فجروه) ، ويروى: فجروه، بِالْفَاءِ، ويروى بِالْوَاو. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: فَامْتنعَ من الرواح مَعَهم فَقَتَلُوهُ، وقبره بِمَ الظهْرَان. قَالَ أَبُو عمر: لما أَسرُّوا الثَّلَاثَة خَرجُوا بهم إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا كَانُوا بالظهران انتزع عبد الله بن طَارق يَده من الوثاق وَأخذ سَيْفه واستأخر عَنهُ الْقَوْم فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ فَقَتَلُوهُ. قَوْله: (فَابْتَاعَ) ، أَي: اشْترى خبيباً بَنو الْحَارِث بن عَامر. قَوْله: (وَكَانَ خبيب هُوَ قتل الْحَارِث بن عَامر يَوْم بدر) ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: ابْتَاعَ خبيباً حُجَيْر بن أبي إهَاب التَّمِيمِي حليفاً لَهُم، وَكَانَ جحير أَخا الْحَارِث بن عَامر لأمه فابتاعه لعقبة بن الْحَارِث ليَقْتُلهُ بِأَبِيهِ، وَقيل: اشْترك فِي ابتياعه أَبُو إهَاب بن عَزِيز، وَعِكْرِمَة بن أبي جهل، والأخنس بن أبي شريق، وَعبيدَة بن حَكِيم بن الأوقص، وَأُميَّة بن أبي عتبَة، وَبَنُو الْحَضْرَمِيّ، وَصَفوَان بن أُميَّة، وهم أَبنَاء من قتل من الْمُشْركين ببدر، ودفعوه إِلَى عقبَة فسجنه حَتَّى انْقَضتْ الْأَشْهر الْحرم فصلبوه بِالتَّنْعِيمِ، فَأَخْبرنِي عبيد الله بن عِيَاض: الْقَائِل بِهَذَا هُوَ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَعبيد الله، بِضَم الْعين مصغر ابْن عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره ضاض مُعْجمَة: ابْن عَمْرو الْقَارِي، من القارة، حجازي، وَسمع عبيد الله هَذَا عَن عَائِشَة وَغَيرهَا، قَالَه الْمُنْذِرِيّ وَلم يذكرهُ أحد فِي رجال البُخَارِيّ، كَمَا ادَّعَاهُ الدمياطي، نعم ذكره الْمزي، وَهُوَ وَالِد مُحَمَّد. قَوْله: (إِن بنت الْحَارِث أخْبرته) قَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: اسْمهَا مَارِيَة، وَقيل: ماوية، وَهِي مولاة حُجَيْر بن أبي إهَاب، وَكَانَت زوج عقبَة بن الْحَارِث وسماها ابْن بطال: جويرة، وَفِي (مُعْجم الْبَغَوِيّ) : مَارِيَة بنت حُجَيْر بن أبي إهَاب. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: هِيَ مولاة بني عبد منَاف. وَقَالَ الْحميدِي فِي (جمعه) رِوَايَة عبيد الله عَنْهَا هُنَا إِلَى قَوْله: فَلَمَّا خَرجُوا من الْحرم. قَوْله: (اسْتعَار مِنْهَا مُوسَى) ، وَجَاز صرفه لِأَنَّهُ مفعل، وَعدم صرفه لِأَنَّهُ على خلاف بَين الصرفيين. قَوْله: (يستحد بهَا) ، من الاستحداد، وَهُوَ حلق شعر الْعَانَة، وَهُوَ استفعال من الْحَدِيد، اسْتعْمل على طَرِيق الْكِنَايَة والتورية، وَذَلِكَ لِئَلَّا يظْهر شعر عانته عِنْد قَتله. قَوْله: (فَأخذ إبناً لي) أَي: فَأخذ خبيب ابْنا لي، وَالْحَال أَنا غافلة حِين أَتَاهُ، ويروى: حَتَّى أَتَاهُ، وَاسم الابْن: أَبُو الْحُسَيْن ابْن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل، وَهُوَ جد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي حُسَيْن الْمَكِّيّ شيخ مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَوَجَدته) ، أَي: وجدت خبيباً (مَجْلِسه) أَي: مجْلِس ابْني، بِضَم الْمِيم وَسُكُون
следующие страницы →