Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر إِذا اتسق﴾ (الانشقاق: ٨١) . فسره بقوله: اسْتَوَى، وَصله عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق مَنْصُور عَنهُ، وأصل اتسق أَو تسق قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء أَي: تجمع ضوؤه، وَذَلِكَ فِي اللَّيَالِي الْبيض.
بُرُوجَاً مَنَازِلَ الشَّمْسِ والقَمَرِ
أَشَارَ بِهِ إلَى قولِهِ تعَالَى: ﴿تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجاً﴾ (الْفرْقَان: ١٦) . وَفسّر البروج بالمنازل أَي: منَازِل الشَّمْس وَالْقَمَر. وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُجَاهِد، قَالَ: البروج الْكَوَاكِب، وَمن طَرِيق أبي صَالح قَالَ: هِيَ النُّجُوم الْكِبَار، وَقيل: هِيَ قُصُور فِي السَّمَاء، رَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق يحيى بن رَافع، وَمن طَرِيق قَتَادَة قَالَ: هِيَ قُصُور على أَبْوَاب السَّمَاء فِيهَا الحرس، وَعند أهل الْهَيْئَة: البروج غير الْمنَازل، فالبروج اثْنَا عشر، والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ، فَكل برج عبارَة عَن منزلتين، وَثلث مِنْهَا، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَمَّا قيل: كَيفَ يُفَسر البروج بالمنازل والبروج اثْنَا عشر والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ؟ أَو المُرَاد بالمنازل مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ لَا الَّتِي عَلَيْهِ أهل التنجيم.
الحَرُورُ بالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا الظل وَلَا الحرور﴾ (فاطر: ١٢) . وَفسّر الحرور بِأَنَّهُ يكون بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس، كَذَا رُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْفراء: الحرور الْحر الدَّائِم لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا، والسموم بِالنَّهَارِ خَاصَّة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ورؤبة: الحَرُورُ باللَّيْلِ والسَّمُومُ بالنَّهَارِ
رؤبة بِضَم الرَّاء ابْن العجاج، اسْمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صَخْر بن كنيف بن عميرَة بن حييّ بن ربيعَة بن سعد ابْن مَالك بن سعد التَّمِيمِي السَّعْدِيّ من سعد تَمِيم الْبَصْرِيّ هُوَ وَأَبوهُ راجزان مشهوران عالمان باللغة، وهما من الطَّبَقَة التَّاسِعَة من رجال الْإِسْلَام، وَتَفْسِير رؤبة هَذَا ذكره أَبُو عبيد عَنهُ فِي (الْمجَاز) وَقَالَ السّديّ: المُرَاد بالظل والحرور فِي الْآيَة الْجنَّة وَالنَّار أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَنهُ.
يُقَالُ يُولِجُ يْكَوِّرُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يولج اللَّيْل فِي النَّهَار﴾ (الْحَج: ١٦٢، لُقْمَان: ٩٢، فاطر: ٣١٢، الْحَدِيد: ٦) . وَفَسرهُ بقوله: يكور، وَقَالَ بَعضهم: يكور كَذَا، يَعْنِي بالراء فِي رِوَايَة أبي ذَر وَرَأَيْت فِي رِوَايَة ابْن شبويه: يكون، بنُون وَهُوَ الْأَشْبَه. قلت: الْأَشْبَه بالراء لِأَن معنى يكور يلف النَّهَار فِي اللَّيْل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يولج أَي ينقص من اللَّيْل فيزيد فِي النَّهَار، وَكَذَلِكَ النَّهَار، وروى عبد بن حميد من طَرِيق مُجَاهِد قَالَ: مَا نقص من أَحدهمَا دخل فِي الآخر يتقاصان ذَلِك فِي السَّاعَات.
ولِيجَةً كلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى لفظ: وليجة، الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . وَقد فسر وليجة بقوله: (كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء) . قَوْله: ﴿أَن تتركوا﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . أَي: أم حسبتم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ أَن نترككم مهملين وَلَا نختبركم بِأُمُور يظْهر فِيهَا أهل الْعَزْم والصدق من الْكَاذِب؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلما يعلم الله﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . إِلَى قَوْله: ﴿وليجة﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . أَي: بطانة ودخيلة، بل هم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن على النصح لله وَلِرَسُولِهِ، فَاكْتفى بِأحد الْقسمَيْنِ عَن الآخر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الوليجة الْخِيَانَة، وَقيل: الخديعة، وَقيل: البطانة من غير الْمُسلمين وَهُوَ أَن يتَّخذ الرجل من الْمُسلمين دخيلاً من الْمُشْركين يفشون إِلَيْهِم أسرارهم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء لَيْسَ مِنْهُ فَإِنَّهُ وليجة.
٩٩١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأِبِيَّ ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ أتَدْرِي
стр. 4447
أيْنَ تَذْهَبُ قُلْتُ الله ورسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ فإنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأذِنَ فَيُؤذَنُ لَهَا ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وتَسْتَأذِنَ فَلَا يُؤذَنُ لَهَا يُقالُ لَها ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمُسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ (ي س: ٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ من جملَة صِفَات الشَّمْس الَّتِي تعرض عَلَيْهَا، وَزعم بَعضهم أَن وَجه الْمُطَابقَة هُوَ سير الشَّمْس فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، وَلَيْسَ ذَلِك بِوَجْه، وَالدَّلِيل على وَجه مَا قُلْنَا أَن فِي بعض النّسخ ذكر هَذَا: بَاب صفة الشَّمْس، ثمَّ ذكر الحَدِيث الْمَذْكُور، والألفاظ الَّتِي ذكرهَا من قَوْله: قَالَ مُجَاهِد: كحسبان الرَّحَى، إِلَى هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بموجودة فِي بعض النّسخ.
وَرِجَال هَذَا الحَدِيث كلهم مضوا عَن قريب، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد من الزِّيَادَة ابْن شريك ابْن طَارق التَّيْمِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ يروي عَن أبي ذَر واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة، وَقد اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَافا كثيرا أشهرها مَا ذَكرْنَاهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن الْحميدِي وَعَن أبي نعيم وَفِي التَّوْحِيد عَن عَيَّاش عَن يحيى بن جَعْفَر. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأبي سعيد الْأَشَج عَن إِسْحَاق وَيحيى بن أَيُّوب وَعَن عبد الحميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُرُوف عَن عُثْمَان والقواريري. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن وَفِي التَّفْسِير عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَتَدْرِي؟) الْغَرَض من هَذَا الِاسْتِفْهَام إِعْلَامه بذلك. قَوْله: (حَتَّى تسْجد تَحت الْعَرْش) ، فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالسُّجُود إِذْ لَا جبهة لَهَا، والانقياد حَاصِل دَائِما؟ قلت: الْغَرَض تشبيهها بالساجد عِنْد الْغُرُوب. فَإِن قلت: يرى أَنَّهَا تغيب فِي الأَرْض، وَقد أخبر الله تَعَالَى أَنَّهَا تغرب فِي عين حمئة، فَأَيْنَ هِيَ من الْعَرْش؟ قلت: الأرضون السَّبع فِي ضرب الْمِثَال كقطب الرَّحَى، وَالْعرش لعظم ذَاته كالرحى، فأينما سجدت الشَّمْس سجدت تَحت الْعَرْش، وَذَلِكَ مستقرها. فَإِن قلت: أَصْحَاب الْهَيْئَة قَالُوا: الشَّمْس مرصعة فِي الْفلك فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن الَّذِي يسير هُوَ الْفلك، وَظَاهر الحَدِيث أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تسير وتجري؟ قلت: أما أَولا فَلَا اعْتِبَار لقَوْل أهل الْهَيْئَة عِنْد مصادمة كَلَام الرَّسُول، ﷺ ، وَكَلَام الرَّسُول، ﷺ ، هُوَ الْحق لَا مرية فِيهِ، وَكَلَامهم حدس وتخمين، وَلَا مَانع فِي قدرَة الله تَعَالَى أَن تخرج الشَّمْس من مجْراهَا وَتذهب إِلَى تَحت الْعَرْش فتسجد ثمَّ ترجع. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وكل فِي فلك يسبحون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٣، ي س: ٠٤) . أَي: يدورون. قلت: دوران الشَّمْس فِي فلكها لَا يسْتَلْزم منع سجودها فِي أَي مَوضِع أَرَادَهُ الله تَعَالَى، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالسُّجُود من هُوَ مُوكل بهَا من الْمَلَائِكَة. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال غير ناشىء عَن دَلِيل فَلَا يعْتَبر بِهِ، وَهُوَ أَيْضا مُخَالف لظَاهِر الحَدِيث، وعدول عَن حَقِيقَته، وَقيل: المُرَاد من قَوْله: تَحت الْعَرْش، أَي: تَحت الْقَهْر وَالسُّلْطَان. قلت: لماذا الهروب من ظَاهر الْكَلَام وَحَقِيقَته؟ على أَنا نقُول: السَّمَوَات والأرضون وَغَيرهمَا من جَمِيع الْعَالم تَحت الْعَرْش، فَإِذا سجدت الشَّمْس فِي أَي مَوضِع قدره الله تَعَالَى يَصح أَن يُقَال: سجدت تَحت الْعَرْش، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَقد أنكر قوم سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. قلت: هَؤُلَاءِ قوم من الْمَلَاحِدَة لأَنهم أَنْكَرُوا مَا أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ وَثَبت عَنهُ بِوَجْه صَحِيح: وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَن يسْجد لَهُ. قَوْله: (فَتَسْتَأْذِن) ، يدل على أَنَّهَا تعقل، وَكَذَلِكَ قَوْله: (تسْجد) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فيمَ تستأذن؟ قلت: الظَّاهِر أَنه فِي الطُّلُوع من الْمشرق، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. انْتهى. قلت: لَا حَاجَة إِلَى الْقَيْد بقوله: الظَّاهِر، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن استئذانها هَذَا لأجل الطُّلُوع من الْمشرق على عَادَتهَا، فَيُؤذن لَهَا، ثمَّ إِذا قرب يَوْم الْقِيَامَة تستأذن فِي ذَلِك فَلَا يُؤذن لَهَا كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (ويوشك أَن تسْجد) لفظ: يُوشك، من أَفعَال المقاربة، وَهِي على أَنْوَاع: مِنْهَا مَا وضع للدلالة على قرب الْخَبَر، وَهُوَ ثَلَاثَة: كَاد وكرب وأوشك، كَمَا عرف
стр. 4448
فِي مَوْضِعه، فعلى هَذَا معنى: ويوشك أَن تسْجد، وَيقرب أَن تسْجد، وَقد علم أَن أَفعَال المقاربة مُلَازمَة لصيغة الْمَاضِي إلَاّ أَرْبَعَة أَلْفَاظ، فَاسْتعْمل لَهَا مضارع مِنْهَا: أوشك. قَوْله: (فَلَا يقبل مِنْهَا) يَعْنِي: لَا يُؤذن لَهَا حَتَّى تسْجد. قَوْله: (وتستأذن فَلَا يُؤذن لَهَا) ، يَعْنِي: تستأذن بالسير إِلَى مطْلعهَا فَلَا يُؤذن لَهَا. فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ (ي س: ٣٤) . أَشَارَ بقوله، فَذَلِك إِلَى مَا تضمن قَوْله: فَإِنَّهَا تذْهب إِلَى آخِره. قَوْله: (لمستقر لَهَا) يَعْنِي: إِلَى مُسْتَقر لَهَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يبلغ مستقرها حَتَّى ترجع إِلَى منازلها. قَالَ قَتَادَة: إِلَى وَقت وَأجل لَهَا لَا تعدوه، وَقيل: إِلَى انْتِهَاء أمرهَا عِنْد انْقِضَاء الدُّنْيَا، وَقيل: إِلَى أبعد منازلها فِي الْغُرُوب، وَقيل: لحد لَهَا من مسيرها كل يَوْم فِي مرأى عيوننا وَهُوَ الْمغرب، وَقيل: مستقرها أجلهَا الَّذِي أقرّ الله عَلَيْهِ أمرهَا فِي جريها فاستقرت عَلَيْهِ، وَهُوَ آخر السّنة. وَعَن ابْن عَبَّاس: إِنَّه قَرَأَ ﴿لَا مُسْتَقر لَهَا﴾ وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود، أَي: لَا قَرَار لَهَا فَهِيَ جَارِيَة أبدا ﴿ذَلِك﴾ (يس: ٣٤) . الجري على ذَلِك التَّقْدِير والحساب الدَّقِيق الَّذِي يكلُّ الفطن عَن استخراجه وتتحير الأفهام فِي استنباط مَا هُوَ إلَاّ ﴿تَقْدِير الْعَزِيز﴾ (ي س: ٣٤) . الْغَالِب بقدرته على كل مَقْدُور ﴿الْعَلِيم﴾ (ي س: ٣٤) . الْمُحِيط علما بِكُل مَعْلُوم، فَإِن قلت: روى مُسلم عَن أبي ذَر قَالَ: سَأَلت رَسُول الله، ﷺ عَن قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ (ي س: ٣٤) . قَالَ: مستقرها تَحت الْعَرْش. قلت: لَا يُنكر أَن يكون لَهَا اسْتِقْرَار تَحت الْعَرْش من حَيْثُ لَا ندركه وَلَا نشاهده، وَإِنَّمَا أخبر عَن غيب فَلَا نكذبه وَلَا نكيفه إِن علمنَا لَا يُحِيط بِهِ.
٠٠٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ الْمُخْتَارِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله الدَّانَاجُ قَالَ حدَّثني أَبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الشَّمْسُ والقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن تكور الشَّمْس وَالْقَمَر من صفاتهما. وَعبد الله هُوَ ابْن فَيْرُوز الداناج، بِالدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَفِي آخِره جِيم، وَيُقَال: بِدُونِ الْجِيم أَيْضا، وَهُوَ مُعرب، وَمَعْنَاهُ: الْعَالم وَهُوَ بَصرِي.
قَوْله: (مكوران) أَي: مطويان ذَاهِبًا الضَّوْء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي: يلفان ويجمعان، وَفِي رِوَايَة كَعْب الْأَحْبَار: يجاء بالشمس وَالْقَمَر ثورين يكوران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة، أَي: يلفان ويلقيان فِي النَّار، وَالرِّوَايَة: ثورين، بالثاء الْمُثَلَّثَة كَأَنَّهُمَا يمسخان، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد رُوِيَ بالنُّون وَهُوَ تَصْحِيف، وَقَالَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: تَكْذِيب كَعْب فِي قَوْله: هَذِه يَهُودِيَّة يُرِيد إدخالها فِي الْإِسْلَام، الله أكْرم وَأجل من أَن يعذب على طَاعَته، ألم تَرَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وسخر لكم الشَّمْس وَالْقَمَر دائبين﴾ (إِبْرَاهِيم: ٣٣) . يَعْنِي: دوامهما فِي طَاعَته، فَكيف يعذب عَبْدَيْنِ اثنى الله عَلَيْهِمَا؟ انْتهى.
قلت: قد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس أَيْضا مثل مَا رُوِيَ عَن كَعْب. أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فقد قَالَ الْخطابِيّ: وَرُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة لم يذكرهَا أَبُو عبد الله وَهِي مَا حَدثنَا ابْن الْأَعرَابِي حَدثنَا عَبَّاس الدوري حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الْعَزِيز الْمُخْتَار عَن عبد الله الداناج: شهِدت أَبَا سَلمَة، حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، ﷺ ، أَنه قَالَ: (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران يكوران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة) . قَالَ الْحسن: وَمَا ذنبهما؟ قَالَ أَبُو سَلمَة: أَنا أحَدثك عَن رَسُول الله، ﷺ وَأَنت تَقول مَا ذنبهما؟ فَسكت الْحسن. وَأما مَا رُوِيَ عَن أنس فقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) : عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس مَرْفُوعا: (أَن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران عقيران فِي النَّار) . وَذكره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي بعض نسخ (أَطْرَافه) موهماً أَن ذَلِك فِي الصَّحِيح، وَذكر ابْن وهب فِي (كتاب الْأَمْوَال) : عَن عَطاء بن يسَار أَنه تَلا هَذِه الْآيَة: وَجمع ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ (إِبْرَاهِيم: ٣٣) . قَالَ: يجمعان يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يقذفان فِي النَّار فيكونان فِي نَار الله الْكُبْرَى، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَيْسَ المُرَاد بكونهما فِي النَّار، تعذيبهما بذلك، وَلكنه تبكيت لمن لَكَانَ يعبدهما فِي الدُّنْيَا ليعلموا أَن عِبَادَتهم لَهما كَانَت بَاطِلَة. وَقيل: إنَّهُمَا خلقا من النَّار فأعيدا فِيهَا، وَيرد هَذَا القَوْل مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (تكلم رَبنَا بكلمتين صير إِحْدَاهمَا شمساً وَالْأُخْرَى قمراً وَكِلَاهُمَا من النُّور ويعادان يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْجنَّة) . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا يلْزم من جَعلهمَا فِي النَّار تعذيبهما، فَإِن الله فِي النَّار مَلَائِكَة وَغَيرهَا لتَكون لأهل النَّار عذَابا وَآلَة من آلَات الْعَذَاب.
стр. 4449
١٠٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرَني عَمْرٌ وأنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ القاسِمِ قَالَ حدَّثَهُ عنْ أبِيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْكُسُوف الَّذِي يعرض للشمس والخسوف الَّذِي يعرض للقمر من صفاتهما.
وَيحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر وَمَات بهَا سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أصبغ عَن ابْن وهب إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فصلوا) أَي: صَلَاة الْكُسُوف.
٢٠٢٣ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَسارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عِبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رأيْتُمْ ذَلِكَ فاذْكُرُوا الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. والْحَدِيث مضى بأتم وأطول مِنْهُ فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك ... إِلَى آخِره.
٣٠٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ قامَ فَكَبَّرَ وقرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ ركُوعَاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ رأسَهُ فَقَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ وقامَ كَمَا هُوَ فقَرَأ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وهِيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأولى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وهْوَ أدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأولى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودَاً طَوِيلاً ثُمَّ فعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سلَّمَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب هَل يَقُول: كسفت الشَّمْس أَو خسفت؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره نَحوه. قَوْله: (فافزعوا) أَي: التجئوا إِلَى الصَّلَاة وَذكر الله.
٤٠٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قَيْسٌ عنْ أبِي مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الشَّمْسُ والقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُما فَصَلُّوا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي، وَقيس بن أبي حَازِم واسْمه: عَوْف الأحمسي البَجلِيّ، وَأَبُو مَسْعُود اسْمه: عقبَة بن عَمْرو البدري. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا ابْن مَسْعُود، أَي: عبد الله، وَهَذَا وَإِن كَانَ صَحِيحا من جِهَة أَن قيس بن أبي حَازِم بالزاي يروي عَنهُ أَيْضا، لَكِن الرِّوَايَات
стр. 4450
متعاضدة، على أَن الحَدِيث فِي مسانيد عقبَة لَا عبد الله. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب لَا ينكسف الشَّمْس لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَالله أعلم.
٥ - (بابُ مَا جاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وهْوَ الَّذي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٥) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ ... إِلَى آخِره.
قاصِفاً تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ: قاصفاً، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيُرْسل عَلَيْكُم قاصفاً من الرّيح﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٦) . وَفَسرهُ بقوله: تقصف كل شَيْء، يَعْنِي تَأتي عَلَيْهِ. . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ الَّتِي تقصف كل شَيْء أَي: تحطم، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن جريج، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: القاصف الَّتِي تفرق، هَكَذَا رَوَاهُ مُنْقَطِعًا، لِأَن ابْن جريج لم يدْرك ابْن عَبَّاس.
لَوَاقِحَ مَلَاقِحَ مُلْقِحَة
أَشَارَ بِهِ إِلَى لفظ: لَوَاقِح، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾ (الْحَج: ٢٢) . وَفسّر اللواقح بالملاقح جمع ملقحة، وَهُوَ من النَّوَادِر، يُقَال: إلقح الْفَحْل النَّاقة وَالرِّيح السَّحَاب ورياح لَوَاقِح، وَقَالَ ابْن السّكيت: اللواقح الْحَوَامِل. وَعَن أبي عُبَيْدَة: الملاقح جمع ملقحة وملقح، مثل مَا قَالَ البُخَارِيّ، وَأنْكرهُ غَيره، فَقَالَ: جمع لاقحة ولاقح على النّسَب، أَي: ذَات اللقَاح، وَالْعرب تَقول للجنوب: لاقح وحامل، وللشمال حَائِل وعقيم. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَوَاقِح تحمل الرّيح المَاء فتلقح السَّحَاب وتمر بِهِ فيدر كَمَا تدر اللقحة ثمَّ يمطر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: تلقح الرِّيَاح وَالشَّجر والسحاب وتمر بِهِ، وَقَالَ عبد الله بن عمر: الرِّيَاح ثَمَانِيَة: أَربع عَذَاب وَأَرْبع رَحْمَة، فالرحمة: الناشرات والذاريات والمرسلات والمبشرات، وَأما الْعَذَاب: فالعاصف والقاصف، وهما فِي الْبَحْر والصرصر والعقيم، وهما فِي الْبر.
إعْصَارٌ ريحٌ عاصفٌ تَهُبُّ مِنَ الأرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كعَمُودٍ فيهِ نَارٌ
أشارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير لفظ: إعصار، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأصابها إعصار فِيهِ نَار﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . وَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ الرّيح الشَّدِيدَة، وَقيل: ريح عاصف فِيهَا سموم، وَقيل: هِيَ الَّتِي يسميها النَّاس الزوبعة، وَعَن الضَّحَّاك: الإعصار ريح فِيهَا برد شَدِيد، وَالَّذِي قَالَه البُخَارِيّ أظهر لقَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ نَار﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة.
صِرٌّ بَرْدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ: صر، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ريح فِيهَا صر﴾ (آل عمرَان: ٧١١) . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الصر شدَّة الْبرد.
نُشُراً مُتَفَرِّقَةً
فسر: نشراً، الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح نشراً بَين يَدي رَحمته﴾ (آل عمرَان: ١١) . الَّذِي وَصفه برحمة بقوله: مُتَفَرِّقَة، وَهُوَ جمع نشور، وَعَن عَاصِم، كَأَنَّهُ جمع نشر، وَعَن مُحَمَّد الْيَمَانِيّ: هُوَ الْمَطَر.
٥٠٢٣ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ نُصِرْتُ بالصَّبَا وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يتَضَمَّن ريح الرَّحْمَة. والحَكَم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة، والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء فِي: بَاب قَول النبيَّ ﷺ : نصرت بالصبا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسلم عَن شُعْبَة إِلَى آخِره.
стр. 4451
٦٠٢٣ - حدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثَنا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عطَاءٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا رأى مَخِيلَةً فِي السَّماءِ أقْبَلَ وأدْبرَ ودَخَلَ وخَرَجَ وتَغَيَّرَ وجهُهُ فإذَا أمْطَرَتِ السَّماءُ سُرِّيَ عنْهُ فَعرَّفَتْهُ عائِشَةُ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أدْرِي لَعَلَّهُ كَما قَالَ قَوْمٌ ﴿فلَمَّا رَأوْهُ عارِضَاً مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ (الْأَحْقَاف: ٤٢) . الْآيَة. (الحَدِيث ٦٠٢٣ طرفه فِي: ٩٢٨٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُشْتَمل على ذكر الرّيح والمطر الَّذِي يَأْتِي بِهِ الرّيح. ومكي بن إِبْرَاهِيم بن بشر بن فرقد الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي، وَلَفظ: مكي، على صُورَة النِّسْبَة، اسْمه وَلَيْسَ هُوَ مَنْسُوبا إِلَى مَكَّة، وَقد وهم الْكرْمَانِي، فَقَالَ: مكي، نِسْبَة إِلَى مَكَّة وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: كالمنسوب إِلَى مَكَّة: وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود الْبَصْرِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أَيُّوب الْمروزِي.
قَوْله: (مخيلة) بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي: السحابة الَّتِي بخال فِيهَا الْمَطَر. قَوْله: (وَتغَير وَجهه) خوفًا أَن تصيب أمته عُقُوبَة ذَنْب الْعَامَّة كَمَا أصَاب الَّذين ﴿قَالُوا: هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ (الْأَنْفَال: ٣٣) . الْآيَة. فَإِن قلت: كَيفَ يلتئم هَذَا مَعَ قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ (الْأَنْفَال: ٣٣) . قلت: الْآيَة نزلت بعد هَذِه الْقِصَّة، وَهَذِه كَرَامَة لرَسُول الله، ﷺ وَرفع لدرجته حَيْثُ لَا يعذب أمته وَهُوَ فيهم، وَلَا يعذبهم أَيْضا وهم يَسْتَغْفِرُونَ بعد ذَهَابه ﷺ ، واستنبطت الصُّوفِيَّة من ذَلِك: أَن الْإِيمَان الَّذِي فِي الْقُلُوب أَيْضا يمْنَع من تَعْذِيب أبدانهم كَمَا كَانَ وجوده فيهم مَانِعا مِنْهُ. قَوْله: (فَإِذا أمْطرت السَّمَاء) قد مر الْكَلَام فِي أمطر ومطر فِي: بَاب الاسْتِسْقَاء، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِدُونِ الْألف. قَوْله: (سري عَنهُ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: كشف عَنهُ مَا خالطه من الوجل، يُقَال: سررت الثَّوْب وسريته إِذا أخلقته، وسريت الجل عَن الْفرس إِذا نَزَعته عَنهُ، وَالتَّشْدِيد للْمُبَالَغَة. قَوْله: (فعرفته عَائِشَة) من التَّعْرِيف أَي: عرفت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلمما كَانَ عرض لَهُ. قَوْله: (عارضاً) وَهُوَ السَّحَاب الَّذِي يعْتَرض فِي أفق السَّمَاء.
٦ - (بابُ ذِكْرِ المَلَائِكَةِ صَلَواتُ الله علَيْهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْمَلَائِكَة، وَهُوَ جمع ملك، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ مخفف عَن ملأك كالشمائل جمع شمأل وإلحاق التَّاء لتأنيث الْجمع وَتركت الْهمزَة فِي الْمُفْرد للاستثقال. وَقَالَ الْقَزاز: هُوَ مَأْخُوذ من الألوكة وَهِي الرسَالَة، وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من الْملك بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون اللَّام: وَهُوَ الْأَخْذ بِقُوَّة، وَقيل: من الْملك، بِالْكَسْرِ لِأَن الله تَعَالَى قد جعل لكل ملك ملكا فَملك ملك الْمَوْت قبض الْأَرْوَاح، وَملك إسْرَافيل الصُّور، وَكَذَا سَائِرهمْ، وَيفْسد هَذَا قَوْلهم: مَلَائِكَة بِالْهَمْزَةِ وَلَا أصل لَهُ على هَذَا القَوْل فِي الْهمزَة، وَقد جَاءَ الْملك جمعا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْملك على أرجائها﴾ (الحاقة: ٧١) . وَالْمَلَائِكَة أجسام لَطِيفَة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مُخْتَلفَة مَسْكَنهَا السَّمَوَات وَيُقَال جَوْهَر بسيط ذُو نطق وعقل مقدس عَن ظلمَة الشَّهْوَة وكدورة الْغَضَب ﴿وَلَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾ (التَّحْرِيم: ٦) . طعامهم التَّسْبِيح وشرابهم التَّقْدِيس وانسهم بِذكر الله تَعَالَى خلقُوا على صور مُخْتَلفَة واقدار مُتَفَاوِتَة لإِصْلَاح مصنوعاته وَإِسْكَان سمواته.
وقالَ أنسٌ: قَالَ عبدُ الله بنُ سَلَامٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِن جِبْرِيلَ ﵇ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ
هَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْهِجْرَة عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن حميد عَن أنس، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وقالَ ابنُ عبَّاسٍ إنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ المَلَائِكَةُ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا عَن عَائِشَة بِلَفْظ: مَا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا مَوضِع قدم إلَاّ عَلَيْهِ ملك ساجد أَو قَائِم، فَذَلِك قَوْله:
стр. 4452
﴿وَإِنَّا لنَحْنُ الصافون﴾ (الصافات: ٥٦١) . وروى أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سعد حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنِي عمي، قَالَ: حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس بِزِيَادَة: الْمَلَائِكَة صافون تسبح لله، .
٧٠٢٣ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتادَةَ ح وَقَالَ لي خلِيفَةُ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ ابنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا سَعيدٌ وهِشامٌ قَالَا حدَّثنا قتَادَةُ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ عنْ مالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَا أنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ واليَقْظَانِ وذَكَرَ يَعْنِي رَجُلاً بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِىءَ حِكْمَةً وإيماناً فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِىءَ حِكْمَةً وإيمانَاً وأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أبْيضَ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ البُرَاقُ فانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حتَّى أتَيْنَا السَّماءَ الدُّنْيَا قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ ومَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً ولَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ فأتَيْتُ على آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبَاً بِكَ مِنْ ابنٍ ونَبِيٍّ فأتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ قِيلَ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَباً بِهِ ولَنِعْمَ المَجِيءِ جاءَ فأتَيْتُ عَلَى عِيسَى ويَحْيَى فقالَا مَرْحَبَاً بِكَ مِنْ أخٍ ونَبِيٍّ فأتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ قِيلَ مَنْ هذَا قِيلَ جِبريلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ ولَنعْمَ المَجِيءِ جاءَ فأتَيْتُ يُوسُفَ فسَلَّمْتُ علَيْهِ قَالَ مَرْحَباً بِكَ مِنْ أخٍ ونَبِيٍّ فأتَيْنَا السَّماءَ الرَّابِعَةَ قِيلَ مَنْ هاذَا قِيلَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ ﷺ قِيلَ وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ ولَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ فأتَيْتُ علَى إدْرِيسَ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَباً بِكَ مِنْ أخٍ ونَبِيٍّ فأتَيْنَا السَّماءَ الخَامِسَةَ قِيلَ مَنْ هاذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيل ومنْ معَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَباً بِهِ ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فأتَيْنَا علَى هَرُونَ فَسلَّمْتُ علَيْهِ فَقَالَ مَرْحَباً بِكَ مِنْ أخٍ ونَبِيٍّ فأتَيْنَا علَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ قِيلَ مَنْ هاذَا قِيلَ جِبرِيلُ قِيلَ مَنْ معَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ ﷺ قيلَ وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ مَرْحَباً بِهِ ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فأتَيْتُ علَى مُوسى فسَلَّمْتُ علَيْهِ فَقَالَ مَرْحَباً بِكَ مِنْ أخٍ ونَبِيٍّ فلَمَّا جاوَزْتُ بَكَى فَقيلَ مَا أبْكاكَ قَالَ يَا رَبِّ هاذَا الغُلامُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي فأتَيْنَا السَّماءَ السَّابِعَةَ قِيلَ مَنْ هذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ مَرْحَباً بِهِ ونِعْمَ الْمَجِيءِ جاءَ فأتَيْتُ علَى إبرَاهِيمَ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فَقَالَ مَرْحَباً بِكَ مِنِ ابنٍ ونَبِيٍّ فرُفِعَ لِيَ البَيْتُ المَعْمُورُ فسألْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ هَذا الْبَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ إذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ ورُفِعَتْ لِيَ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فإذَا نَبِقُها كأنَّهُ قِلَالُ هَجَرٍ ووَرَقُها كأنَّهُ آذَانُ الفُيُولِ فِي أصْلِهَا أرْبَعةُ أنْهَارٍ نَهْرَانِ باطِنَانِ ونَهْرَانِ ظاهِرَانِ فسألْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ أمَّا الباطِنَانِ فَفي الجَنَّةِ وأمَّا الظَّاهِرَانِ
стр. 4453
النِّيلُ والْفُرَاتُ ثُمَّ فُرِضَتْ علَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً فأقْبَلْتُ حتَّى جِئْتُ مُوسَى فَقَالَ مَا صَنَعْتَ قُلْتُ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً قَالَ أَنا أعْلَمُ بالنَّاسِ مِنْكَ عالَجْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ أشَدَّ المُعَالَجَةِ وإنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فسَلْهُ فَرَجَعْتُ فَسَألْتُهُ فَجعَلَهَا أرْبَعِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ ثُمَّ ثَلاثِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فجَعَلَ عِشْرِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرَاً فأتَيْتُ مُوسَى فقالَ مِثْلَهُ فَجَعَلَهَا خَمْساً فأتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مَا صَنَعْتَ قُلْتُ جَعَلَها خَمْسَاً فَقالَ مِثْلَهُ قُلْتُ سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ فَنُودِيَ إنِّي قَدْ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وأجْزِي الحَسَنَةَ عَشْرَاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ ذكر جِبْرِيل صَرِيحًا وَهُوَ من الكروبيين وهم سادة الْمَلَائِكَة.
ذكر رِجَاله وهم تِسْعَة: الأول: هدبة، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد بن أبي الْأسود الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ، وَيُقَال: هداب. الثَّانِي: همام بن يحيى بن دِينَار العوذي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالذال الْمُعْجَمَة. الثَّالِث: قَتَادَة بن دعامة. الرَّابِع: خَليفَة ابْن خياط أَبُو عَمْرو الْعُصْفُرِي. الْخَامِس: يزِيد بن زُرَيْع أَبُو مُعَاوِيَة العيشي الْبَصْرِيّ. السَّادِس: سعيد بن أبي عرُوبَة واسْمه مهْرَان الْيَشْكُرِي. السَّابِع: هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي. الثَّامِن: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. التَّاسِع: مَالك بن صعصعة الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع بَعْضهَا فِي بَدْء الْخلق عَن هدبة وَخَلِيفَة، وَبَعضهَا فِي الْأَنْبِيَاء عَن هدبة أَيْضا وَفِي بعض النّسخ عَن عباد بن أبي يعلى. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي مُوسَى عَن ابْن أبي عدي وَعَن أبي مُوسَى عَن معَاذ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار وَابْن أبي عدي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَعَن إِسْمَاعِيل ابْن مَسْعُود وَغَيرهم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن قَتَادَة (ح) وَقَالَ لي خَليفَة) كلمة (ح) إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى آخر قبل ذكر الحَدِيث، وَقيل إِلَى الْحَائِل بَين السندين، وَإِنَّمَا قَالَ: قَالَ لي خَليفَة، وَلم يقل: حَدثنِي، إشعاراً بِأَنَّهُ سمع مِنْهُ عِنْد المذاكرة لَا على طَرِيق التحميل والتبليغ. قَوْله: (عِنْد الْبَيْت) ، أَي: الْكَعْبَة. وَقد مر فِي أول كتاب الصَّلَاة فِي رِوَايَة أبي ذَر أَنه قَالَ: فرج عَن سقف بَيْتِي، والتوفيق بَينهمَا هُوَ أَن الْأَصَح كَانَ لَهُ ﷺ معراجان، أَو دخل بَيته ثمَّ عرج بَين النَّائِم وَالْيَقظَان، وَظَاهر حَدِيث أبي ذَر الَّذِي مضى فِي أول كتاب الصَّلَاة: أَنه كَانَ فِي الْيَقَظَة إِذْ هُوَ مُطلق الْإِطْلَاق، وَهُوَ المطابق لما فِي (مُسْند أَحْمد) عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ فِي الْيَقَظَة رَآهُ بِعَيْنِه، والتوفيق بَينهمَا بِأَن يُقَال: إِن كَانَ الْإِسْرَاء مرَّتَيْنِ أَو أَكثر فَلَا إِشْكَال فِيهِ، وَإِن كَانَ وَاحِدًا فَالْحق أَنه كَانَ فِي الْيَقَظَة بجسده، لِأَنَّهُ قد أنكرته قُرَيْش، وَإِنَّمَا يُنكر إِن كَانَ فِي الْيَقَظَة، إِذْ الرُّؤْيَا لَا تنكر وَلَو بأبعد مِنْهُ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلفُوا فِي الْإِسْرَاء إِلَى السَّمَوَات، فَقيل: إِنَّه فِي الْمَنَام، وَالْحق الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه أسرِي بجسده. قلت: اخْتلفُوا فِيهِ على ثَلَاث مقالات: فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه كَانَ فِي الْمَنَام مَعَ اتِّفَاقهم أَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَحي وَحقّ وَإِلَى هَذَا ذهب مُعَاوِيَة. وَحكي عَن الْحسن، وَالْمَشْهُور عَنهُ خِلَافه، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَا فقد جَسَد رَسُول الله، ﷺ ، وَبِقَوْلِهِ: بَينا أَنا نَائِم، وَبقول أنس: وَهُوَ نَائِم فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَذكر الْقِصَّة، وَقَالَ فِي آخرهَا: فَاسْتَيْقَظت وَأَنا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام. وَذهب مُعظم السّلف إِلَى أَنه كَانَ بجسده وَفِي الْيَقَظَة، وَهَذَا هُوَ الْحق، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس فِيمَا صَححهُ الْحَاكِم وَعدد فِي (الشِّفَاء) عشْرين نفسا قَالَ بذلك من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم، وَهُوَ قَول أَكثر الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء والمحدثين والمفسرين والمتكلمين. وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن الْإِسْرَاء بالجسد يقظة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِلَى السَّمَاء بِالروحِ، وَالصَّحِيح أَنه أسرِي بالجسد وَالروح فِي الْقِصَّة كلهَا، وَعَلِيهِ يدل قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ (الْإِسْرَاء: ١) . إِذْ لَو كَانَ مناماً لقَالَ: بِروح عَبده وَلم يقل بِعَبْدِهِ، وَلَا يعدل عَن الظَّاهِر والحقيقة إِلَى التَّأْوِيل إلَاّ عِنْد الاستحالة، وَلَيْسَ فِي الْإِسْرَاء
стр. 4454
بجسده وَحَال يقظته اسْتِحَالَة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ رُؤْيا عين رَآهَا لَا رُؤْيا مَنَام. وَأما قَول عَائِشَة: مَا فقد جسده، فَلم يحدث عَن مُشَاهدَة لِأَنَّهَا لم تكن حِينَئِذٍ زَوْجَة وَلَا فِي سنّ من يضْبط، ولعلها لم تكن ولدت، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تكون قد حدثت بذلك عَن غَيرهَا، فَلَا يرجح خَبَرهَا على خبر غَيرهَا، وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْحق فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : وَمَا روى شريك عَن أنس أَنه كَانَ نَائِما، فَهُوَ زِيَادَة مَجْهُولَة، وَقد روى الْحفاظ المتقنون وَالْأَئِمَّة المشهورون كَابْن شهَاب وثابت الْبنانِيّ وَقَتَادَة عَن أنس، وَلم يَأْتِ أحد مِنْهُم بهَا، وَشريك لَيْسَ بِالْحَافِظِ عِنْد أهل الحَدِيث. قَوْله: (وَذكر) أَي: رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فأتايت) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (بطست) الطست مُؤَنّثَة وَجَمعهَا طسوس وَجَاء بِكَسْر الطَّاء، وَيُقَال: طس بتَشْديد السِّين. قَوْله: (ملىء) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي والتذكير بِاعْتِبَار الْإِنَاء، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ملآى، وَفِي رِوَايَة غَيره: ملآن، فَالْحَاصِل أَن فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات. قَوْله: (حِكْمَة وإيماناً) قَالَ الْكرْمَانِي: هما مَعْنيانِ، والإفراغ صفة الْأَجْسَام. قلت: كَانَ فِي الطست شَيْء يحصل بِهِ كَمَال الْإِيمَان وَالْحكمَة وزيادتهما، فَسُمي إِيمَانًا وَحِكْمَة، لكَونه سَببا لَهما. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لعبه من بَاب التَّمْثِيل أَو تمثل لَهُ الْمعَانِي كَمَا تمثل لَهُ أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء الدارجة بالصور الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا. قَوْله: (فشق من النَّحْر إِلَى مراق الْبَطن) النَّحْر الصَّدْر ومراق، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء وَتَشْديد الْقَاف: وَهُوَ مَا سفل من الْبَطن ورق من جلده، وَأَصله مراقق، وَسميت بذلك لِأَنَّهَا مَوضِع رقة الْجلد، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: مَا ذكر من شقّ الصَّدْر واستخراج الْقلب وَمَا يجْرِي مجْرَاه، فَإِن السَّبِيل فِي ذَلِك التَّسْلِيم دون التَّعَرُّض بصرفه إِلَى وَجه يتقوله متكلف ادِّعَاء للتوفيق بَين الْمَنْقُول والمعقول تبروءاً مِمَّا يتَوَهَّم أَنه محَال، وَنحن بِحَمْد الله لَا نرى الْعُدُول عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز فِي خبر الصَّادِق عَن الْأَمر الْمحَال بِهِ على الْقُدْرَة. وَاعْلَم أَن هَذَا الشق غير الشق الَّذِي كَانَ فِي زمن صغره، فَعلم أَن الشق كَانَ مرَّتَيْنِ. قَوْله: (وأتيت بِدَابَّة أَبيض) إنماقال: أَبيض، وَلم يقل: بَيْضَاء، لِأَنَّهُ أَعَادَهُ على الْمَعْنى أَي: بمركوب أَو براق. قَوْله: (الْبراق) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ براق، وَيجوز بِالْجَرِّ على أَنه بدل من دَابَّة، والبراق اسْم للدابة الَّتِي ركبهَا ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: اشتقاقه من الْبَرْق، إِن شَاءَ الله، لسرعته. وَقيل: سمي بِهِ لشدَّة صفائه وتلألؤ لَونه، وَيُقَال: شَاة برقاء إِذا كَانَ خلال صوفها طاقات سود، فَيحْتَمل التَّسْمِيَة بِهِ لكَونه ذَا لونين، وَذكر ابْن أبي خَالِد فِي كتاب (الاحتفال فِي أَسمَاء الْخَيل وصفاتها) : أَن الْبراق لَيْسَ بِذكر وَلَا أُنْثَى، وَوَجهه كوجه الْإِنْسَان وَجَسَده كجسد الْفرس، وقوائمه كقوائم الثور، وذنبه كذنب الغزال، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: الْبراق دَابَّة أَبيض وَفِي فَخذيهِ جَنَاحَانِ يحفز بهما رجلَيْهِ، يضع حَافره فِي مُنْتَهى طرفه، وَقَالَ الزبيدِيّ فِي (مُخْتَصر الْعين) وَصَاحب (التَّحْرِير) : هِيَ دَابَّة كَانَت الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، يركبونها. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَاه يحْتَاج إِلَى نقل صَحِيح، ثمَّ قَالَ: لَعَلَّهُم حسبوا ذَلِك فِي قَوْله فِي حَدِيث آخر: فربطته بالحلقة الَّتِي ترْبط بهَا الْأَنْبِيَاء الْبراق، وَأظْهر مِنْهُ حَدِيث أنس فِي حَدِيث آخر: قَول جِبْرِيل، ﵊، للبراق: فَمَا ركبك أحد أكْرم على الله مِنْهُ. وَعَن قَتَادَة: أَن رَسُول الله، ﷺ لما أَرَادَ الرّكُوب على الْبراق شمس فَوضع جِبْرِيل، ﵊، يَده على مفرقته ثمَّ قَالَ: ألَا تَسْتَحي يَا براق مِمَّا تصنع؟ فوَاللَّه مَا ركبك عبد لله قبل مُحَمَّد أكْرم على الله مِنْهُ. قَالَ: فاستحيى حَتَّى ارفضَّ عرقاً، ثمَّ قر حَتَّى رَكبه. وَقَالَ ابْن بطال فِي سَبَب نفرة الْبراق بعد عَهده بالأنبياء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَطول الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ غَيره: قَالَ جِبْرِيل، ﵊ لمُحَمد ﷺ حِين شمس بِهِ الْبراق: لَعَلَّك يَا مُحَمَّد مسست الصَّفْرَاء الْيَوْم يَعْنِي: الذَّهَب فَأخْبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلمأنه مَا مَسهَا إلَاّ أَنه مر بهَا، فَقَالَ: تَبًّا لمن يعبدك من دون الله، وَمَا شمس إلَاّ لذَلِك، ذكره السُّهيْلي. وَسمع العَبْد الضَّعِيف من بعض مشايخه الثِّقَات أَنه إِنَّمَا شمس ليعد لَهُ الرَّسُول ﷺ بالركوب عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، فَلَمَّا وعد لَهُ ذَلِك قر. وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) : أَن جِبْرَائِيل، ﵊، حمله ﷺ على الْبراق رديفاً لَهُ ثمَّ رجعا وَلم يصل فِيهِ أَي: فِي بَيت الْمُقَدّس، وَلَو صلى لكَانَتْ سنة، وَهُوَ من أظرف مَا يسْتَدلّ بِهِ على الإرداف. وَفِي حَدِيث أنس وَغَيره أَنه صلى، وَأنكر ذَلِك حُذَيْفَة، وَقَالَ: وَالله مَا زَالا عَن ظهر الْبراق حَتَّى رجعا. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ حَدِيث الْإِسْرَاء من حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس وَفِيه: أَنه صلى تِلْكَ اللَّيْلَة بِبَيْت لحم. قَوْله: (حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاء الدُّنْيَا) لم يذكر فِيهِ مَجِيئه إِلَى الْقُدس، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ (لإسراء: ١) . الْآيَة، ذكر أهل السّير، والمفسرون
стр. 4455
أَنه لما ركب الْبراق أَتَى إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَمَعَهُ جِبْرِيل، ﵊، وَلما فرغ أمره فِيهِ نصب لَهُ الْمِعْرَاج، وَهُوَ السّلم، فَصَعدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاء وَلم يكن الصعُود على الْبراق كَمَا يتوهمه بعض النَّاس، بل كَانَ الْبراق مربوطاً على بَاب مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس حَتَّى يرجع عَلَيْهِ إِلَى مَكَّة. قَوْله: (قيل من هَذَا؟) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر الَّتِي مَضَت فِي أول الْكتاب: فَلَمَّا جِئْت إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيل لخازن السَّمَاء: إفتح، فَهَذَا يدل على أَن لِلسَّمَوَاتِ أبواباً وحفظة موكلين بهَا. وَفِيه: إِثْبَات الإستيذان وَأَنه يَنْبَغِي أَن يَقُول: أَنا زيد، مثلا. قَوْله: (قَالَ: جِبْرِيل) يَعْنِي: قَالَ: أَنا جِبْرِيل. قَوْله: (قَالَ: مُحَمَّد) أَي: قَالَ جِبْرِيل: معي مُحَمَّد، وَالظَّاهِر أَن الْقَائِل فِي قَوْله: قيل، فِي هَذِه الْمَوَاضِع نفران أَبْوَاب السَّمَاء قَوْله: (وَقد أرسل إِلَيْهِ) الْوَاو للْعَطْف وحرف الإستفهام مقدره أَي: أطلب وَأرْسل إِلَيْهِ؟ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: وَقد بعث إِلَيْهِ للإسراء وصعود السَّمَوَات؟ قَالَ الطَّيِّبِيّ: وَلَيْسَ مُرَاده الِاسْتِفْهَام عَن أصل الْبعْثَة والرسالة، فَإِن ذَلِك لَا يخفى عَلَيْهِ إِلَى هَذِه الْمدَّة، هَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَقيل: مَعْنَاهُ أوحى إِلَيْهِ وَبعث نَبيا وَالْأول أظهر، لِأَن أَمر نبوته كَانَ مَشْهُورا فِي الملكوت لَا يكَاد يخفى على خزان السَّمَوَات وحراسها، وأوقف للاستفتاح والإستيذان، وَقيل: كَانَ سُؤَالهمْ للاستعجاب بِمَا أنعم الله عَلَيْهِ، أَو للاستبشار بعروجه، إِذْ كَانَ من البيِّن عِنْدهم عِنْدهم أَن أحدا من الْبشر لَا يترقى إِلَى أَسبَاب السَّمَوَات من غير أَن يَأْذَن الله لَهُ، وَيَأْمُر مَلَائكَته بإصعاده وَأَن جِبْرِيل، ﵊، لَا يصعد بِمن لَا يُرْسل إِلَيْهِ وَلَا يفتح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء. قَوْله: (مرْحَبًا بِهِ) أَي: بِمُحَمد، وَمَعْنَاهُ لَقِي رحباً وسعة. وَقيل: مَعْنَاهُ رحب الله بِهِ مرْحَبًا فَجعل، مرْحَبًا مَوضِع الترحيب، فعلى الأول انتصابه على المفعولية، وعَلى الثَّانِي: على المصدرية. قَوْله: (ولنعم الْمَجِيء جَاءَ) الْمَخْصُوص بالمدح مَحْذُوف، وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير، تَقْدِيره: جَاءَ فلنعم الْمَجِيء مَجِيئه. قَالَ الْمَالِكِي: فِيهِ: شَاهد على الِاسْتِغْنَاء بالصلة عَن الْمَوْصُول وَالصّفة عَن الْمَوْصُوف فِي بَاب: نعم، لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى فَاعل هُوَ الْمَجِيء وَإِلَى مَخْصُوص بمعناها، وَهُوَ مُبْتَدأ مخبر عَنهُ بنعم وفاعلها، وَهُوَ فِي هَذَا الْكَلَام وَشبهه مَوْصُول أَو مَوْصُوف بجاء، وَالتَّقْدِير: نعم الْمَجِيء الَّذِي جَاءَ، أَو: نعم الْمَجِيء جَاءَ، وَكَونه مَوْصُولا أَجود لِأَنَّهُ مخبر عَنهُ، وَكَون الْمخبر عَنهُ معرفَة أولى من كَونه نكرَة. قَوْله: (فَأتيت على آدم فَسلمت عَلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة: وَأمر بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِم أَي: على الْأَنْبِيَاء الَّذين لَقِيَهُمْ فِي السَّمَوَات وعَلى خزان السَّمَوَات وحراسها، لِأَنَّهُ كَانَ عابراً عَلَيْهِم، وَكَانَ فِي حكم الْقيام وَكَانُوا فِي حكم الْقعُود، والقائم يسلم على الْقَاعِد، وَإِن كَانَ أفضل مِنْهُ. قَوْله: من ابْن وَنَبِي كل وَاحِد من الْبُنُوَّة والنبوة ظَاهر، وَهُوَ من قَوْله: (هَذَا) إِلَى قَوْله: فَرفع لي كُله ظَاهر إلَاّ بعض الْأَلْفَاظ نفسرها، فَقَوله: (فَأتيت على إِدْرِيس) وَكَانَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة. قيل: هَذَا معنى قَوْله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ (مَرْيَم: ٧٥) . قَالَه أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: رفعناه فِي الْمنزلَة والرتبة، وَقيل: المُرَاد من قَوْله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ (مَرْيَم: ٧٥) . الْجنَّة. فَإِن قلت: إِذا كَانَ فِي الْجنَّة فَكيف لقِيه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة؟ قلت: قيل: إِنَّه لما أخبر بعروجه، ﷺ ، إِلَى السَّمَوَات وَمَا فَوْقهَا اسْتَأْذن ربه فِي ملاقاته، فَاسْتَقْبلهُ فَكَانَ اجتماعه بِهِ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة اتِّفَاقًا لَا قصدا. قَوْله: (مرْحَبًا من أَخ وَنَبِي) . فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ إِدْرِيس، ﵊: من أَخ، وَهُوَ جد لنوح، ﵊، فَكَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول: من ابْن. قلت: لَعَلَّه قَالَه تلطفاً وتأدباً والأنبياء أخوة. قَوْله: (فَلَمَّا جَاوَزت بَكَى) ، قَالُوا: كَانَ بكاؤه ﷺ لأجل الرقة لِقَوْمِهِ والشفقة عَلَيْهِم حَيْثُ لم ينتفعوا بمتابعته انْتِفَاع هَذِه الْأمة بمتابعة نَبِيّهم، وَلم يبلغ سوادهم مبلغ سوادهم، وَلَا يَنْبَغِي إلَاّ أَن يحمل على هَذَا الْوَجْه أَو مَا يضاهي ذَلِك، فَإِن الْحَسَد فِي ذَلِك الْعَالم منزوع عَن عوام الْمُؤمنِينَ، فضلا عَمَّن اخْتَارَهُ الله لرسالته واصطفاه لمكالمته. قَوْله: (يَا رب هَذَا الْغُلَام) ، لم يرد مُوسَى، ﵊، بذلك استقصار شَأْنه، فَإِن الْغُلَام قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْقوي الطري الشَّاب، وَالْمرَاد مِنْهُ استقصار مدَّته مَعَ استكثار فضائله وَأمته أتم سواداً من أمته. وَقَالَ الْخطابِيّ. قَوْله: (الْغُلَام) ، لَيْسَ على معنى الإزراء والاستصغار لشأنه إِنَّمَا هُوَ على تَعْظِيم منَّة الله تَعَالَى عَلَيْهِ مِمَّا أناله من النِّعْمَة وأتحفه من الكرائم من غير طول عمر أفناه مُجْتَهدا فِي طَاعَته وَقد تسمي الْعَرَب الرجل المستجمع السن غُلَاما مَا دَامَ فِيهِ بَقِيَّة من الْقُوَّة، وَذَلِكَ فِي لغتهم مَشْهُورَة. قَوْله: (فَأتيت على إِبْرَاهِيم ﵊ ، هَذَا فِي السَّمَاء السَّابِعَة، وَذكر فِي حَدِيث أبي ذَر فِي أول كتاب الصَّلَاة أَنه فِي السَّادِسَة، قيل: فِي التَّوْفِيق بَينهمَا: بِأَن يُقَال: لَعَلَّه وجد فِي السَّادِسَة ثمَّ ارْتقى هُوَ أَيْضا إِلَى السَّابِعَة، وَكَذَلِكَ اخْتلف فِي مُوسَى ﷺ : هَل هُوَ فِي
стр. 4456
السَّادِسَة أَو السَّابِعَة؟ وَالْكَلَام فِيهِ مثل مَا مر الْآن. قَوْله: (فَرفع لي الْبَيْت الْمَعْمُور) أَي: كشف لي وَقرب مني، وَالرَّفْع التَّقْرِيب وَالْعرض، وَقَالَ التوربشتي: الرّفْع تقريبك الشَّيْء. وَقد قيل فِي قَوْله: ﴿وفرش مَرْفُوعَة﴾ (الْوَاقِعَة: ٤٣) . أَي: مقربة لَهُم، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن الْبَيْت الْمَعْمُور ظهر لَهُ كل الظُّهُور، وَكَذَلِكَ سِدْرَة الْمُنْتَهى استبينت لَهُ كل الإستبانة حَتَّى اطلع عَلَيْهَا كل الِاطِّلَاع، بِمَثَابَة الشَّيْء المقرب إِلَيْهِ، وَفِي مَعْنَاهُ: رفع لي بَيت الْمُقَدّس، وَالْبَيْت الْمَعْمُور بَيت فِي السَّمَاء حِيَال الْكَعْبَة، اسْمه: الضراح، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، وعمرانه كَثْرَة غاشيته من الْمَلَائِكَة. قَوْله: (لم يعودوا) ، ويروى: لم يعتدوا. قَوْله: (آخر مَا عَلَيْهِم) ، بِالرَّفْع وَالنّصب، فالنصب على الظّرْف، وَالرَّفْع على تَقْدِير: ذَلِك آخر مَا عَلَيْهِم من دُخُوله. قَالَ صَاحب (الْمطَالع) : الرّفْع أَجود. قَوْله: (وَرفعت لي سِدْرَة الْمُنْتَهى) قد ذكرنَا الْآن معنى الرّفْع، ويروى: السِّدْرَة الْمُنْتَهى بِالْألف وَاللَّام، والسدرة شَجَرَة النبق، وَسميت بهَا لِأَن علم الْمَلَائِكَة ينتهى إِلَيْهَا وَلم يجاوزها أحد إلَاّ رَسُول الله، ﷺ ، وَحكي عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنَّمَا سميت بذلك لكَونهَا يَنْتَهِي إِلَيْهَا مَا يهْبط من فَوْقهَا وَمَا يصعد من تحتهَا من أَمر الله تَعَالَى. قَوْله: (فَإِذا نبقها) كلمة: إِذا، للمفاجأة، و: النبق، بِفَتْح النُّون وَكسر الْبَاء: حمل السدر، ويخفف أَيْضا، الْوَاحِدَة نبقة ونبقة. قَوْله: (قلال هجر) ، القلال جمع قلَّة، وَقَالَ ابْن التِّين: الْقلَّة مِائَتَا رَطْل وَخَمْسُونَ رطلا بالرطل الْبَغْدَادِيّ، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة خَمْسمِائَة رَطْل، وَقَالَ الْخطابِيّ: القلال الجرار، وَهِي مَعْرُوفَة عِنْد المخاطبين مَعْلُومَة الْقدر، وَقَالَ ابْن فَارس: الْقلَّة مَا أَقَله الْإِنْسَان من جرة أوجب، قَالَ: وَلَيْسَ فِي ذَلِك عِنْد أهل اللُّغَة حد مَحْدُود إلَاّ أَن يَأْتِي فِي الحَدِيث تَفْسِير فَيجب أَن يسلم، وَعبارَة الْهَرَوِيّ: الْقلَّة: مَا يَأْخُذ مزادة من المَاء، سميت بذلك لِأَنَّهَا تقل أَي: ترفع، و: هجر، بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم وَفِي آخِره رَاء: بَلْدَة لَا تَنْصَرِف للتعريف والتأنيث، وَفِي (الْمطَالع) : هجر مَدِينَة بِالْيمن هِيَ قَاعِدَة الْبَحْرين بَينهَا وَبَين الْبَحْرين عشر مراحل، وَيُقَال: الهجر، أَيْضا بِالْألف وَاللَّام. قَوْله: (كأذان الفيول) وَهُوَ جمع: فيل، وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف. قَوْله: (أَنهَار) ، جمع نهر بِسُكُون الْهَاء وَفتحهَا. قَوْله: (نهران باطنان) قَالَ مقَاتل: هما السلسبيل والكوثر. قَوْله: (ونهران ظاهران) وَقد بَينهمَا فِي الحَدِيث بقوله: النّيل والفرات يخرجَانِ من أَصْلهَا ثمَّ يسيران حَيْثُ أَرَادَ الله تَعَالَى، ثمَّ يخرجَانِ من الأَرْض ويجريان فِيهَا.
وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: إِن جَمِيع الْمِيَاه من تَحت صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَمن هُنَاكَ يتفرق فِي الدُّنْيَا. أما النّيل: فمبدؤه من جبال الْقَمَر، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْمِيم، وَقيل: بِفَتْح الْمِيم، تَشْبِيها بالقمر فِي بياضه، وَقيل: يَنْبع من اثْنَي عشر عينا هُنَاكَ، وَيجْرِي فِي ثَلَاثَة أشهر فِي القفار وَثَلَاثَة أشهر فِي الْعمرَان إِلَى أَن يَجِيء إِلَى مصر فيفترق فرْقَتَيْن عِنْد قَرْيَة يُقَال لَهَا: شطنوف، فيمر الغربي مِنْهُ على رشيد وَينصب فِي الْبَحْر الْملح، وَأما الشَّرْقِي فيفترق أَيْضا فرْقَتَيْن عِنْد جوجر فيفترق فرْقَتَيْن أَيْضا فتمر الغربية مِنْهُمَا على دمياط من غربيها، وَينصب فِي الْبَحْر الْملح، والشرقية مِنْهُمَا تمر على أشمون طناح فينصب هُنَاكَ فِي بحيرة شَرْقي دمياط يُقَال لَهَا بحيرة تنيس وبحيرة دمياط. وَأما الْفُرَات: فأصله من أَطْرَاف أرمينية قريب من قاليقلا، ثمَّ يمر على بِلَاد الرّوم ثمَّ يمر بِأَرْض ملطية ثمَّ على شمشاط وقلعة الرّوم والبيرة وجسر منيح وبالس وجعبر والرقة والرحبة وقرقيسا وعانات والحديثة وهيت والأنبار ثمَّ يمر بالطفوف ثمَّ بالحلة ثمَّ بِالْكُوفَةِ وَيَنْتَهِي إِلَى البطائح وَينصب فِي الْبَحْر الشَّرْقِي. قَالُوا: وَمِقْدَار جريانها على وَجه الأَرْض أَرْبَعمِائَة فَرسَخ.
قَوْله: (عَالَجت بني إِسْرَائِيل) أَي: مارستهم وَلَقِيت مِنْهُم الشدَّة فِيمَا أردْت مِنْهُم من الطَّاعَة، والمعالجة مثل المزاولة والمجادلة. قَوْله: (فسله) ، أَصله فَاسْأَلْهُ، لِأَنَّهُ أَمر من السُّؤَال، فنقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السِّين فحذفت تَخْفِيفًا وَاسْتغْنى عَن همزَة الْوَصْل فحذفت فَصَارَ: فسله، على وزن: فَلهُ، قَوْله: (فَارْجِع إِلَى رَبك) ، أَي: إِلَى الْموضع الَّذِي نَاجَيْت رَبك فِيهِ. قَوْله: (فَرَجَعت) أَي: إِلَى مَوضِع مناجاتي. قَوْله: (فَسَأَلته) أَي: فَسَأَلت الله التَّخْفِيف. قَوْله: (فَجَعلهَا) أَي: فَجعل الْفَرِيضَة الَّتِي قدرهَا أَرْبَعِينَ صَلَاة. قَوْله: (ثمَّ مثله) ، أَي: ثمَّ قَالَ مُوسَى ﷺ مثله، قَوْله: (ثمَّ ثَلَاثِينَ) ، أَي: ثمَّ جعلهَا ثَلَاثِينَ صَلَاة. قَوْله: (ثمَّ مثله) ، أَي: ثمَّ قَالَ مُوسَى ﷺ مثله. قَوْله: (فَجعله عشْرين) ، أَي: عشْرين صَلَاة. قَوْله: (ثمَّ مثله) ، أَي: ثمَّ قَالَ مُوسَى ﷺ مثله. قَوْله:
стр. 4457
(فَجعل عشرا) ، أَي: عشر صلوَات. قَوْله: (فَأتيت مُوسَى ﷺ أَي: فِي الْموضع الَّذِي لَقيته فِيهِ، فَقَالَ مُوسَى أَيْضا مثله، قَوْله: (فَجَعلهَا خمْسا) أَي: خمس صلوَات. قَوْله: (فَقَالَ: مَا صنعت؟) أَي: فَقَالَ مُوسَى ﷺ : مَاذَا صنعت فِيمَا رجعت؟ وَهَذِه هِيَ الْمُرَاجَعَة الْأَخِيرَة. قَوْله: (قلت: جعلهَا خمْسا) أَي: خمس صلوَات. قَوْله: (فَقَالَ: سلمت بِخَير) أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ لمُوسَى ﷺ : سلمت، بتَشْديد اللَّام من التَّسْلِيم يَعْنِي: سلمت لَهُ مَا جعله من خمس صلوَات، فَلم يبْق لي مُرَاجعَة لِأَنِّي استحييت من رَبِّي، كَمَا مضى فِي حَدِيث أبي ذَر فِي أول كتاب الصَّلَاة من قَوْله: (إرجع إِلَى رَبك. قلت: استحييت من رَبِّي) يَعْنِي: من تعدد الْمُرَاجَعَة. قَوْله: (فَنُوديَ) ، أَي: فجَاء النداء من قبل الله تَعَالَى: (إِنِّي قد أمضيت فريضتي) أَي: أنفذت فريضتي بِخمْس صلوَات وخففت عَن عبَادي من خمسين إِلَى خمس، وأجزي الْحَسَنَة عشرا فَيحصل ثَوَاب خمسين صَلَاة لكل صَلَاة ثَوَاب عشر صلوَات. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَت هَذِه الْمُرَاجَعَة فِي بَاب الصَّلَاة من رَسُولنَا مُحَمَّد ومُوسَى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ قلت: لِأَنَّهُمَا عرفا أَن الْأَمر الأول غير وَاجِب قطعا وَلَو كَانَ وَاجِبا قطعا وَلَو كَانَ وَاجِبا قطعا لَا يقبل التَّخْفِيف.
وَفِيه: جَوَاز النّسخ قبل وُقُوعه.
وَقَالَ هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنِ الحَسَنِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي البَيْتِ المَعْمُورِ
أَي: قَالَ همام بن يحيى الَّذِي مضى فِي رُوَاة الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي روى عَنهُ هدبة فِي السَّنَد الأول، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن هماماً فصل فِي سِيَاقَة قصَّة الْبَيْت الْمَعْمُور عَن قصَّة الْإِسْرَاء، وروى أصل الحَدِيث عَن قَتَادَة عَن أنس، وقصة الْبَيْت الْمَعْمُور عَن قَتَادَة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَأما سعيد بن أبي عرُوبَة وَهِشَام الدستوَائي اللَّذَان مضيا فِي الطَّرِيق الثَّانِي للْحَدِيث الْمَذْكُور فَإِنَّهُمَا قد أدرجا قصَّة الْبَيْت الْمَعْمُور فِي حَدِيث أنس، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة همام مَوْصُولَة هُنَا عَن هدبة عَنهُ، وَوهم من زعم أَنَّهَا معلقَة، فقد روى الْحسن عَن سُفْيَان فِي (مُسْنده) الحَدِيث بِطُولِهِ عَن هدبة، فاقتصر الحَدِيث إِلَى قَوْله: فَرفع لي الْبَيْت الْمَعْمُور، قَالَ قَتَادَة: حَدثنَا الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة: أَنه رأى الْبَيْت الْمَعْمُور يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك وَلَا يعودون فِيهِ، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحسن بن سُفْيَان وَأبي يعلى وَالْبَغوِيّ وَغير وَاحِد كلهم عَن هدبة مفصلا. انْتهى. قلت: ظَاهره التَّعْلِيق وَإِخْرَاج غَيره إِيَّاه مَوْصُولا لَا يسْتَلْزم أَن يكون مَا أخرجه البُخَارِيّ بِصُورَة التَّعْلِيق أَن يكون مَوْصُولا، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى. قَوْله: (عَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة) ، قَالَ يحيى بن معِين: لم يَصح لِلْحسنِ سَماع من أبي هُرَيْرَة، فَقيل ليحيى: قد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث: قَالَ: حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة. قَالَ: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْحسن هَهُنَا روى عَنهُ بِلَفْظ: عَن، فَيحْتَمل أَن يكون بالواسطة.
٨٠٢٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ قَالَ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ عنِ الأعْمَشِ عنْ زَيْدِ بنِ وهْبٍ قَالَ عَبْدُ الله حدَّثنا رسولُ الله ﷺ وهْوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمَاً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكَاً فَيُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِمَاتٍ ويُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ ورِزْقَهُ وأجَلَهُ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فإنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنَّةِ إلَاّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتابُهُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ ويَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّارِ إلَاّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ. . [/ نه
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ يبْعَث الله ملكا) لِأَن فِي الحَدِيث ذكر الْملك، وَفِي التَّرْجَمَة ذكر الْمَلَائِكَة، وَالْمَلَائِكَة أَنْوَاع لَا يحصي عَددهمْ إلَاّ الله تَعَالَى، وساداتهم الأكابر أَرْبَعَة: جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وعزرائيل وإسرافيل. وَمِنْهُم: الرّوح، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْم يقوم الرّوح﴾ (النبإ: ٨٣) . وَمِنْهُم الْحفظَة. وَمِنْهُم الْمَلَائِكَة الموكلون بالقطر والنبات والرياح والسحاب.
стр. 4458
وَمِنْهُم مَلَائِكَة الْقُبُور. وَمِنْهُم سياحون فِي الأَرْض يَبْتَغُونَ مجَالِس الذّكر. وَمِنْهُم كروبيون وروحانيون وحافون ومقربون. وَمِنْهُم مَلَائِكَة تقذف الشَّيَاطِين بالشهاب. وَمِنْهُم حَملَة الْعَرْش. وَمِنْهُم موكلون بصخرة بَيت الْمُقَدّس. وَمِنْهُم موكلون بِالْمَدِينَةِ. وَمِنْهُم موكلون بتصوير النطف. وَمِنْهُم مَلَائِكَة يبلغون السَّلَام إِلَى النَّبِي ﷺ من أمته. وَمِنْهُم من يشْهد الحروب مَعَ الْمُجَاهدين. وَمِنْهُم خزان أَبْوَاب السَّمَاء. وَمِنْهُم الموكلون بالنَّار. وَمِنْهُم مَلَائِكَة يسمون الزَّبَانِيَة. وَمِنْهُم من يغرسون أَشجَار الْجنَّة. وَمِنْهُم من يصوغون حلى أهل الْجنَّة. وَمِنْهُم خدم أهل الْجنَّة. وَمِنْهُم من نصفه ثلج وَنصفه نَار، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي أَحَادِيث الْبَاب مِنْهُم جمَاعَة كَمَا تَرْجمهُ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: الْحسن بن الرّبيع ضد الخريف ابْن سُلَيْمَان البَجلِيّ الْكُوفِي، يعرف بالبوراني، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْوَاو وبالراء. قَالَ أَبُو حَاتِم: كنت أَحسب الْحسن مكسور الْعُنُق لانحنائه حَتَّى قيل: إِنَّه لَا ينظر إِلَى السَّمَاء حَيَاء من الله تَعَالَى. الثَّانِي: أَبُو الْأَحْوَص سَلام بِالتَّشْدِيدِ ابْن سليم الْحَنَفِيّ، مولى بني حنيفَة الْكُوفِي. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: زيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْكُوفِي، خرج إِلَى النَّبِي ﷺ فَقبض النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي الطَّرِيق. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون.
وَقيل هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة، مِنْهُم: سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الْأَعْمَش إِلَى قَوْله: شقي أَو سعيد، كَلَام رَسُول الله، ﷺ وَمَا بعده كَلَام ابْن مَسْعُود، وَقد رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن حميد الرواسِي عَن الْأَعْمَش فاقتصر من الْمَتْن على الْمَرْفُوع فَحسب، وَرَوَاهُ بِطُولِهِ سَلمَة بن كهيل عَن زيد بن وهب ففصل كَلَام ابْن مَسْعُود من كَلَام رَسُول الله، ﷺ ، ثمَّ قَالَ بعد ذكر الشقاوة والسعادة: قَالَ عبد الله: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة ... الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَن عبد الله قَالَ: حَدثنَا رَسُول الله، ﷺ ... إِلَى آخِره نَحوه، غير أَن بعد قَوْله: وشقي أَو سعيد: فوالذي لَا إل هـ غَيره إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إلَاّ ذِرَاع، فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب، فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها، وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إلَاّ ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها. انْتهى. والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْقدر عَن أبي الْوَلِيد وَفِي التَّوْحِيد عَن آدم. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن ابْن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي سعيد الْأَشَج وَعَن عبد الله بن معَاذ وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن حَفْص بن عَمْرو وَمُحَمّد بن كثير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقدر عَن هناد وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع وَمُحَمّد بن فُضَيْل وَأبي مُعَاوِيَة وَعَن عَليّ بن مَيْمُون، وَأنكر عَمْرو بن عبيد هَذَا الحَدِيث وَكَانَ من زهاد الْقَدَرِيَّة وَلَا اعْتِبَار لإنكاره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ الصَّادِق المصدوق) أَي: الصَّادِق فِي قَوْله وَفِيمَا يَأْتِيهِ من الْوَحْي، والمصدوق أَن الله تَعَالَى صدقه فِي وعده. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المصدوق أَي: من جِهَة جِبْرِيل، ﵊، أَو الْمُصدق يَعْنِي بتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الأولى أَن تجْعَل هَذِه الْجُمْلَة اعتراضية لَا حَالية فتعم الْأَحْوَال كلهَا، وَأَن يكون من عاداته ودأبه ذَلِك فَمَا أحسن موقعه هُنَا. قَوْله: (يجمع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، قَالُوا: بِمَعْنى الْجمع أَن النُّطْفَة إِذا وَقعت فِي الرَّحِم وَأَرَادَ الله أَن يخلق مِنْهَا بشرا طارت فِي أَطْرَاف الْمَرْأَة تَحت كل شَعْرَة وظفر فتمكث أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ تنزل دَمًا فِي الرَّحِم، فَذَلِك جمعهَا. قَوْله: (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) هَذِه الْأَرْبَعُونَ الأولى النُّطْفَة فِيهَا تجْرِي فِي أَطْرَاف الْمَرْأَة ثمَّ تصير دَمًا. قَوْله: (ثمَّ تكون علقَة) وَهُوَ الدَّم الغليظ الجامد وَهَذَا فِي الْأَرْبَعين الثَّانِي، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (مثل ذَلِك) أَي: مثل الأول أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَوْله: (ثمَّ تكون مُضْغَة) ، وَهِي قِطْعَة من اللَّحْم قدر مَا يمضغ، وَهَذَا فِي الْأَرْبَعين الثَّالِث، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (مثل ذَلِك) يَعْنِي مثل الثَّانِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَإِن قلت: إِن الله قَادر على أَن يخلقه فِي لمحة، فَمَا الْحِكْمَة فِي هَذَا الْمِقْدَار؟ قلت: فِيهِ حكم وفوائد. مِنْهَا: أَنه لَو خلقه دفْعَة وَاحِدَة لشق على الْأُم لِأَنَّهَا لم تكن مُعْتَادَة بذلك، وَرُبمَا تهْلك فَجعل أَولا نُطْفَة لتعتاد بهَا مُدَّة ثمَّ تكون علقَة وهلم جرا ... إِلَى الْولادَة. وَمِنْهَا: إِظْهَار قدرَة الله تَعَالَى وَنعمته ليعبدوه ويشكروا لَهُ حَيْثُ قلبهم فِي تِلْكَ الأطوار إِلَى كَونهم إنْسَانا حسن الصُّورَة متحلياً بِالْعقلِ والشهامة
стр. 4459
مزيناً بالفهم والفطانة. وَمِنْهَا: إرشاد النَّاس وتنبيههم على كَمَال قدرته على الْحَشْر والنشر، لِأَن من قدر على خلق الْإِنْسَان من مَاء مهين ثمَّ من علقَة ومضغة مهيأة لنفخ الرّوح فِيهِ، يقدر على صَيْرُورَته تُرَابا وَنفخ الرّوح فِيهِ وحشره فِي الْمَحْشَر لِلْحسابِ وَالْجَزَاء. قَوْله: (ثمَّ يبْعَث الله ملكا) أَي: بعد انْتِهَاء الْأَرْبَعين الثَّالِثَة يبْعَث الله ملكا (فَيُؤْمَر بِأَرْبَع كَلِمَات) يَكْتُبهَا وَهِي: قَوْله: (وَيُقَال لَهُ) ، أَي: للْملك الْمُرْسل: (أكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أَو سعيد) وكل ذَلِك بِمَا اقْتَضَت حكمته وسبقت كَلمته. قَوْله: (وشقي أَو سعيد) ، كَانَ من حق الظَّاهِر أَن يُقَال: يكْتب سعادته وشقاوته، فَعدل حِكَايَة لصورة مَا يَكْتُبهُ، لِأَنَّهُ يكْتب شقي أَو سعيد. قَوْله: (ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح) ، أَي: بعد كِتَابَة الْملك هَذِه الْأَرْبَعَة ينْفخ فِيهِ الرّوح.
وَفِي (صَحِيح مُسلم) : أَن أحدكُم يجمع خلقه فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون فِي ذَلِك علقَة مثل ذَلِك، ثمَّ يكون فِي ذَلِك مُضْغَة مثل ذَلِك، ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَيُؤمر بِأَرْبَع كَلِمَات ... الحَدِيث، فَهَذَا يدل على أَن كتب هَذِه الْأَرْبَعَة بعد نفخ الرّوح، وَلَفظ البُخَارِيّ يدل على أَن ذَلِك قبل نفخ الرّوح، لِأَن فِي لَفْظَة: (ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح) وَكلمَة: ثمَّ، تَقْتَضِي تَأَخّر كتب الْملك هَذِه الْأُمُور إِلَى مَا بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْأَحَادِيث الْبَاقِيَة تَقْتَضِي الْكتب عقيب الْأَرْبَعين الأولى، ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بقوله: إِن قَوْله: ثمَّ يبْعَث إِلَيْهِ الْملك، فَيُؤذن لَهُ فَيكْتب مَعْطُوف على قَوْله: (يجمع فِي بطن أمه) ومتعلقاته لَا بِمَا قبله، وَهُوَ قَوْله: ثمَّ يكون مُضْغَة مثله، وَيكون قَوْله: ثمَّ يكون علقَة مثله، ثمَّ يكون مُضْغَة مثله، مُعْتَرضًا بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ، وَذَلِكَ جَائِز مَوْجُود فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح وَفِي كَلَام الْعَرَب. وَقَالَ القَاضِي وَغَيره: وَالْمرَاد بإرسال الْملك فِي هَذِه الْأَشْيَاء أمره بهَا وَالتَّصَرُّف فِيهَا بِهَذِهِ الْأَفْعَال، وإلَاّ فقد صرح فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ مُوكل بالرحم، وَأَنه يَقُول: يَا رب هَذِه نُطْفَة يَا رب هَذِه علقَة. وَقَالَ القَاضِي: وَقَوله فِي الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَن أنس: وَإِذا أَرَادَ أَن يخلق خلقا قَالَ: يَا رب أذكر أم أُنْثَى؟ شقي أم سعيد؟ لَا يُخَالف مَا قدمْنَاهُ، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يَقُول ذَلِك بعد المضغة، بل هُوَ ابْتِدَاء كَلَام وإخبار عَن حَالَة أُخْرَى، فَأخْبر أَولا بِحَال الْملك مَعَ النُّطْفَة، ثمَّ أخبر أَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ أَن يخلق النُّطْفَة علقَة كَانَ كَذَا وَكَذَا. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة يُرْسل الْملك بعد مائَة وَعشْرين يَوْمًا، وَفِي رِوَايَة: ثمَّ يدْخل الْملك على النُّطْفَة بَعْدَمَا تَسْتَقِر فِي الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ أَو خَمْسَة وَأَرْبَعين لَيْلَة، فَيَقُول: يَا رب أشقي أم سعيد؟ وَفِي رِوَايَة: إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها، وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة بن أسيد: أَن النُّطْفَة تقع فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ لَيْلَة، ثمَّ يتسور عَلَيْهَا الْملك، وَفِي رِوَايَة: أَن ملكا موكلاً بالرحم إِذا أَرَادَ الله أَن يخلق شَيْئا يَأْذَن لَهُ لبضع وَأَرْبَعين لَيْلَة، وَذكر الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن الله قد وكل بالرحم ملكا فَيَقُول: أَي رب نُطْفَة، أَي رب علقَة، أَي رب مُضْغَة، فَمَا الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: للْملك مُرَاعَاة لحَال النُّطْفَة، وَأَنه يَقُول: يَا رب هَذِه نُطْفَة، هَذِه علقَة، هَذِه مُضْغَة فِي أَوْقَاتهَا، وكل وَقت يَقُول فِيهِ مَا صَارَت إِلَيْهِ، ولتصرفه وَكَلَامه أَوْقَات: أَحدهَا حِين يخلقها الله نُطْفَة ثمَّ ينقلها علقَة وَهُوَ أول علم الْملك بِأَنَّهُ ولد، لِأَنَّهُ لَيْسَ كل نُطْفَة تصير ولدا، وَذَلِكَ عقيب الْأَرْبَعين الأولى، فَحِينَئِذٍ يكْتب رزقه وأجله وَعَمله وشقاوته وسعادته، ثمَّ للْملك تصرف آخر فِي وَقت آخر، وَهُوَ تَصْوِيره وَخلق سَمعه وبصره وَجلده ولحمه وعظمه وَكَونه ذكرا أَو أُنْثَى، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون فِي الْأَرْبَعين الثَّالِثَة، وَهِي مُدَّة المضغة، وَقبل انْقِضَاء مُدَّة هَذِه الْأَرْبَعين، وَقبل نفخ الرّوح فِيهِ، لِأَن نفخ الرّوح لَا يكون إلَاّ بعد تَمام صورته. فَإِن قلت: رُوِيَ: إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها قَالَ: يَا رب أذكر أم أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبك مَا شَاءَ، وَيكْتب الْملك، ثمَّ يَقُول: يَا رب أَجله؟ فَيَقُول رَبك مَا شَاءَ وَيكْتب الْملك، وَذكر رزقه؟ قلت: لَيْسَ هَذَا على ظَاهره وَلَا يَصح حمله على ظَاهره، بل المُرَاد بتصورها وَخلق سَمعهَا إِلَى آخِره أَنه يكْتب ذَلِك ثمَّ يَفْعَله فِي وَقت آخر، لِأَن التَّصْوِير عقيب الْأَرْبَعين الأولى غير مَوْجُود فِي الْعَادة، وَإِنَّمَا يَقع فِي الْأَرْبَعين الثَّالِثَة وَهِي مُدَّة المضغة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٨) . إِلَى قَوْله: ﴿لَحْمًا﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٨) . ثمَّ يكون للْملك فِيهِ تصرف آخر وَهُوَ وَقت نفخ الرّوح عقيب الْأَرْبَعين الثَّالِثَة حَتَّى يكمل لَهُ أَرْبَعَة أشهر.
قَوْله: (حَتَّى مَا يكون) ، حَتَّى، هِيَ الناصبة و: مَا نَافِيَة وَلَفْظَة: يكون، مَنْصُوب بحتى وَمَا غير كَافَّة لَهَا من الْعَمَل. قَوْله: (إلَاّ ذِرَاع) ، المُرَاد بالذراع التَّمْثِيل والقرب إِلَى الدُّخُول، أَي: مَا يبْقى بَينه
стр. 4460
وَبَين أَن يصلها إلَاّ كمن بَقِي بَينه وَبَين مَوضِع من الأَرْض ذِرَاع. قَوْله: (فَيَسْبق عَلَيْهِ) ، الْفَاء للتعقيب تدل على حُصُول السَّبق بِلَا مهلة، ضمن يسْبق معنى: يغلب، أَي: يغلب عَلَيْهِ الْكتاب، وَمَا قدر عَلَيْهِ سبقاً بِلَا مهلة فَعِنْدَ ذَلِك يعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة أَو أهل النَّار. قَوْله: (فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار) ، وَفِيه حذف تَقْدِيره. فيدخلها، وَكَذَلِكَ بعد قَوْله: (بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها) . وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: أَن ظَاهر الْأَعْمَال من الْحَسَنَات والسيئات أَمَارَات وَلَيْسَت بموجبات، وَأَن مصير الْأُمُور فِي الْعَاقِبَة إِلَى مَا سبق بِهِ الْقَضَاء وَجرى الْقدر، وروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: فرغ الله إِلَى كل عبد من خمس: من رزقه وأجله وَعَمله وأثره ومضجعه، يَعْنِي قَبره، فَإِنَّهُ مضجعه على الدَّوَام ﴿وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت﴾ (لُقْمَان: ٤٣) .
٩٠٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَاّمٍ قَالَ أخبرَنا مَخْلَدٌ قَالَ أخْبَرَنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخْبَرَنِي مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ وتابَعَهُ أبُو عَاصِمٍ عنُ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ أخْبَرَنِي مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إذَا أحَبَّ الله العَبْدَ نادَى جِبْرِيلَ إنَّ الله يُحِبُّ فُلاناً فأحْبِبْهُ فيُحِبُّهُ جِبْرِيل فَيُنادِي جِبْرِيلُ فِي أهْلِ السَّماءِ إنَّ الله يُحِبُّ فُلَاناً فأحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ ويُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأرْضِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَادَى جِبْرِيل) ﵊. وَمُحَمّد بن سَلام، بِاللَّامِ الْمُشَدّدَة: ومخلد، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة مر فِي الْجُمُعَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل.
وَأورد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: مَوْصُول وَهُوَ إِلَى قَوْله: وَتَابعه. وَالثَّانِي: مُعَلّق وَهُوَ من قَوْله: وَتَابعه أَبُو عَاصِم ... إِلَى آخِره، وَقد وَصله فِي الْأَدَب عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي عَاصِم وَسَاقه على لَفظه هُنَاكَ، قيل: هُوَ أحد الْمَوَاضِع الَّتِي يسْتَدلّ بهَا على أَنه قد يعلق عَن بعض مشايخه مَا هُوَ عِنْده بِوَاسِطَة، لِأَن أَبَا عَاصِم من شُيُوخه يروي عَنهُ كثيرا فِي الْكتاب. وَقَالَ الطوفي: ذكر البُخَارِيّ الْحبّ فِي كِتَابه وَلم يذكر البغض، وَهُوَ فِي رِوَايَة غَيره، وَإِذا أبْغض عبدا نَادَى جِبْرِيل، ﵊: إِنِّي أبْغض فلَانا فَأَبْغضهُ، قَالَ: فَيبْغضهُ جِبْرِيل، ثمَّ يُنَادي فِي أهل السَّمَاء: أَن الله يبغض فلَانا فَأَبْغضُوهُ، فَيبْغضُونَهُ، ثمَّ يوضع لَهُ البغض فِي الأَرْض. قلت: هَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق روح بن عبَادَة عَن ابْن جريج.
قَوْله: (وَيُوضَع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض) ، يَعْنِي: عِنْد أَكثر من يعرفهُ من الْمُؤمنِينَ، وَيبقى لَهُ ذكر صَالح، وَيُقَال مَعْنَاهُ: يلقِي فِي قُلُوب أَهلهَا محبته مادحين مثنين عَلَيْهِ.
وَفِيه: أَن كل من هُوَ مَحْبُوب الْقُلُوب فَهُوَ مَحْبُوب الله، بِحكم عكس الْقَضِيَّة.
٠١٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخْبرَنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي جَعْفَرَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهَا قالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ إنَّ المَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ وهْوَ السَّحابُ فَتذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ فِي السَّماءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينَ السَّمْعَ فتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: الْمَلَائِكَة، وَمُحَمّد هُوَ الَّذِي ذكر مُجَردا هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، قَالَه الغساني، وَقَالَ أَبُو ذَر بعد أَن سَاقه: مُحَمَّد هَذَا هُوَ البُخَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا هُوَ الْأَرْجَح عِنْدِي، فَإِن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبا نعيم لم يجدا الحَدِيث من غير رِوَايَة البُخَارِيّ فأخرجاه عَنهُ، وَلَو كَانَ عِنْد غير البُخَارِيّ لما ضَاقَ مخرجه عَلَيْهِمَا. انْتهى. قلت: عدم وجدان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم
стр. 4461
الحَدِيث لَا يسْتَلْزم أَن يكون مُحَمَّد هُنَا البُخَارِيّ، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى على أحد وَلم يجرِ للْبُخَارِيّ الْعَادة بِأَن يذكر اسْمه قبل ذكر شَيْخه بقوله: حَدثنَا مُحَمَّد، وَذكر فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي فِي فصل: أَفْرَاد البُخَارِيّ، فِيمَن اسْمه مُحَمَّد، وَقَالَ: روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا وَلم يقل: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا، وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَيَقُول: مُحَمَّد بن عبد الله، ينْسبهُ إِلَى جده، وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد، ينْسبهُ إِلَى جد أَبِيه، وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن البُخَارِيّ لما دخل نيسابور شغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ، وَكَانَ قد سمع مِنْهُ فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه. وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم، وَابْن أبي مَرْيَم بن أبي جَعْفَر هُوَ عبيد الله بن أبي جَعْفَر، واسْمه يسَار الْقرشِي، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْأسود.
وَالنّصف الأول من هَذَا الْإِسْنَاد بصريون، وَالنّصف الثَّانِي مدنيون، وأوله هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: (الْعَنَان) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى: السَّحَاب. قَوْله: (فَتذكر) أَي: الْمَلَائِكَة الْأَمر الَّذِي قضي فِي السَّمَاء وجوده وَعَدَمه. قَوْله: (فتسترق) ، تفتعل من السّرقَة، أَي: تستمع سَرقَة، يُقَال: اسْترق السّمع أَي: اسْترق مستخفياً. قَوْله: (إِلَى الْكُهَّان) ، بِضَم الْكَاف وَتَشْديد الْهَاء، جمع: كَاهِن وَهُوَ الَّذِي يتعاطى الْإِخْبَار عَن الكائنات فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان، ويدعى معرفَة الْأَسْرَار، وَفِي (الْمغرب) : لما بعث النَّبِي ﷺ وحرست السَّمَاء بطلت الكهانة.
١١٢٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ شِهَابٍ عنْ أبي سلَمَةَ والأغَرِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُ ﷺ إذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ كانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أبْوابِ المَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فَالأوَّلَ فإذَا جَلَسَ الإمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وجاؤُا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ. (انْظُر الحَدِيث ٩٢٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَلَائِكَة) . وَأحمد بن يُونُس هُوَ ابْن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف، والأغر، بِفَتْح الْهمزَة والغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء: اسْمه سلمَان أَبُو عبد الله الْجُهَنِيّ مَوْلَاهُم الْمدنِي، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: الْأَغَر، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: الْأَعْرَج، بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالجيم فِي آخِره، وَالْأول أشهر. وَأخرج النَّسَائِيّ من وَجه آخر عَن الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج وَحده.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الِاسْتِمَاع إِلَى الْخطْبَة بأتم مِنْهُ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي عبد الله الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة، الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢١٢٣ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قالَ حدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثَنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ مرَّ عُمَرُ فِي المَسْجِدِ وحَسَّانُ يُنْشِدُ فَقَالَ كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وفِيهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ أنْشُدُكَ بِاللَّه أسَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ أجِبْ عَنِّي أللَّهُمَّ أيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ قَالَ نَعَمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بِروح الْقُدس) فَإِنَّهُ جِبْرِيل، ﵊، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) أَي: النَّبَوِيّ: وَالْوَاو فِي (وَحسان) ، للْحَال، وَكَذَا الْوَاو فِي: (وَفِيه من هُوَ خير مِنْك) . وَقد مضى فِي: بَاب الشّعْر فِي الْمَسْجِد، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: أَنه سمع حسان بن ثَابت يستشهد أَبَا هُرَيْرَة: أنْشدك الله ﴿هَل سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: يَا حسان أجب عَن رَسُول الله﴾ أللهم أيده بِروح الْقُدس؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: نعم. قَوْله: (أسمعت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (أجب عني) ، أَي: قل جَوَاب هجو الْكفَّار عَن جهتي.
٣١٢٣ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ عنِ الْبَرَاءِ
стр. 4462
رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ اهْجُهُم أوْ هاجِهِمْ وجِبْرِيلُ مَعَكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَجِبْرِيل مَعَك) والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الْمَغَازِي عَن حجاج بن منهال. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن زُهَيْر وَعَن أبي بكر بن نَافِع وَعَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء عَن حميد بن مسْعدَة وَفِي المناقب عَن أَحْمد بن حَفْص.
قَوْله: (اهجهم) ، أَمر من: هجا يهجو هجواً، وَهُوَ نقيض الْمَدْح. قَوْله: (أَو هاجهم) ، شكّ من الرَّاوِي من المهاجاة، وَمَعْنَاهُ: جازهم بهجوهم. قَوْله: (وَجِبْرِيل مَعَك) ، يَعْنِي: يؤيدك ويعينك عَلَيْهِ.
٤١٢٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ (ح) وحدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخْبرنا وهْب بنُ جَرِير قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ سَمِعْتُ حُمَيْدَ بنَ هِلَالٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كأنِّي أنْظُرُ إِلَى غُبَارٍ ساطِعٍ فِي سِكَّةِ بَنِي غَنْمٍ زَادَ مُوسى مَوْكِبَ جِبْرِيلَ. (الحَدِيث ٤١٢٣ طرفه فِي: ٨١١٤) . [/ نه
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (موكب جِبْرِيل) ﵊، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَجَرِير هُوَ ابْن حَازِم أَبُو النَّصْر الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، ووهب بن جرير يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم الْمَذْكُور، وروى هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين. الأول: عَن مُوسَى عَن جرير عَن حميد عَن أنس. وَالثَّانِي: عَن إِسْحَاق عَن وهب بن جرير عَن أَبِيه عَن حميد بن هِلَال بن هُبَيْرَة الْعَدوي أَبُو نصر الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَيْضا.
قَوْله: (فِي سكَّة بني غنم) ، السِّكَّة، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْكَاف: الزقاق، و: بني غنم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: بطن من الْخَزْرَج، وهم من ولد غنم بن مَالك بن النجار، مِنْهُم أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَآخَرُونَ. وَقَالَ بَعضهم: وَوهم من زعم أَن المُرَاد هُنَا ببني غنم حَيّ من بني تغلب، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة، فَإِن أُولَئِكَ لم يَكُونُوا يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ. انْتهى. قلت: أَرَادَ بِهَذَا الْحَط على الْكرْمَانِي، فَإِن الْقَائِل بِهِ هُوَ الْكرْمَانِي. قَوْله: (زَاد مُوسَى) ، هُوَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور. وَأَرَادَ بِهَذَا أَن مُوسَى زَاد فِي الْمَتْن هَذِه الزِّيَادَة، وَقد أوصلها البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَنهُ. قَوْله: (موكب جِبْرِيل) ، ﵊. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض. قلت: الأولى أَن يُقَال: مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: أنظر موكب جِبْرِيل، وَنَحْو ذَلِك، وَيجوز أَن يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا موكب جِبْرِيل، وَقَالَ ابْن التِّين: الْأَحْسَن أَن يكون مجروراً على أَنه بدل من لفظ: غُبَار، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: وموكب جِبْرِيل، بِالْوَاو والموكب نوع من السّير، وَيُقَال للْقَوْم الرّكُوب على الْإِبِل للزِّينَة: موكب، وَكَذَلِكَ جمَاعَة الفرسان. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الموكب جمَاعَة من ركاب يَسِيرُونَ بِرِفْق، وهم أَيْضا: الْقَوْم الرّكُوب للزِّينَة والتنزه، وَذكره فِي: بَاب وكب، فَدلَّ على أَن الْمِيم زَائِدَة، وَكَذَلِكَ ذكره الْجَوْهَرِي فِي: بَاب وكب.
٥١٢٣ - حدَّثنا فَرْوَةُ قَالَ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ قَالَ سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ كَيْفَ يأتِيكَ الوَحْيُ قَالَ كُلُّ ذَاكَ يأتِي المَلَكُ أحْيانَاً فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصُمُ عَنِّي وقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وهْوَ أشَدُّهُ علَيَّ ويَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ أحْيَانَاً رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فأعِي مَا يَقُولُ. (انْظُر الحَدِيث ٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْملك) فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وفروة، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء: ابْن أبي المغراء أَبُو الْقَاسِم الْكِنْدِيّ الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده. والْحَدِيث مر فِي أول الْكتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَيفْصم) ، بِالْفَاءِ أَي: يقطع.
٦١٢٣ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ قَالَ حدَّثنا يَحيى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ
стр. 4463
رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ الله دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ أيْ فُلُ هَلُمَّ فَقالَ أبُو بَكْرٍ ذَاكَ الَّذِي لَا تَواى علَيْهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أرْجُو أَن تَكُونَ مِنْهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خَزَنَة الْجنَّة) فَإِنَّهُم الْمَلَائِكَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب فضل النَّفَقَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سعد بن حَفْص عَن شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (زَوْجَيْنِ) ، أَي: دِرْهَمَيْنِ أَو دينارين. قَوْله: (أَي فل) أَي: يَا فلَان. قَوْله: (لَا توى) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: الاهلاك.
٨١٢٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا عُمَرُ بنُ ذَرٍّ ح وحدَّثني يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ عُمَرَ بنِ ذَرٍّ عنْ أبِيهِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَباسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ لِجِبْرِيلَ ألَا تَزُورُنَا أكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا قَالَ فنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتنَزَّلُ إلَاّ بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ (مَرْيَم: ٤٦) . الْآيَة.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله لجبريل، ﵊. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وَعَمْرو بن ذَر، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء، وَتقدم فِي التَّيَمُّم، وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعمر بن ذَر
стр. 4464
يرْوى عَن أَبِيه ذَر بن عبد الله الْهَمدَانِي الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي نعيم أَيْضا وَفِي التَّوْحِيد عَن خَلاد بن يحيى وَفِي بَدْء الْخلق أَيْضا عَن يحيى عَن وَكِيع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن الْحُسَيْن ابْن حُرَيْث وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن.
قَوْله: (حَدثنَا عمر) ، بِصِيغَة الْجمع وَكلمَة: (ح) ، بعده للتحويل. قَوْله: (وحَدثني) ، بِصِيغَة الْإِفْرَاد وسَاق الحَدِيث على لفظ وَكِيع. قَوْله: (أَلا تَزُورنَا؟) كلمة: أَلَا، هُنَا للعرض والتحضيض، وَيجوز أَن تكون لِلتَّمَنِّي. قَوْله: (فَنزلت) أَي: نزلت الْآيَة الَّتِي أَولهَا ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إلَاّ بِأَمْر رَبك﴾ (مَرْيَم: ٤٦) . إِلَى آخِره.
٩١٢٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني سُلَيْمَانُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله ابنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ أقْرأني جِبْرِيلُ علَى حَرْفٍ فَلَمْ أزَلْ أسْتَزِيدُهُ حَتى انْتَهاى إِلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ. (الحَدِيث ٩١٢٣ طرفه فِي: ١٩٩٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جِبْرِيل) ﵊. وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَسليمَان بن بِلَال، وَيُونُس ابْن يزِيد، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن سعيد بن عفير. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن حَرْمَلَة عَن عبد بن حميد.
قَوْله: (على حرف) أَي: على لُغَة، وَقيل: الْحَرْف الْإِعْرَاب، وَقيل: الكيفيات. قَوْله: (فَلم أزل أستزيده) ، أَي: اطلب مِنْهُ الزِّيَادَة على حرف وَاحِد، وَفِي رِوَايَة: وَكَانَ مِيكَائِيل عَن شِمَاله، فَنظر ﷺ إِلَى مِيكَائِيل كالمستشير، فَلم يزل يُشِير إِلَيْهِ: استزده، حَتَّى قَالَ: (سَبْعَة أحرف) كلهَا شافٍ كافٍ، فَلهَذَا قيل: إِن المراء فِي الْقُرْآن كفر، وَأَنه لَا يَنْبَغِي أَن يَقُول أحد لبَعض الْقُرْآن لَيْسَ هُوَ هَكَذَا، وَلَا يُقَال: إِن بعض الْقُرْآن خير من بعض. قَوْله: (إِلَى سَبْعَة أحرف) أَي: سَبْعَة لُغَات من لُغَة الْعَرَب، يَعْنِي: أَنَّهَا مفرقة فِي الْقُرْآن، فبعضه بلغَة قُرَيْش، وَبَعضه بلغَة هُذَيْل، وَبَعضه بلغَة هوَازن، وَبَعضه بلغَة الْيمن، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يكون فِي الْحَرْف الْوَاحِد سَبْعَة أوجه، على أَنه قد جَاءَ فِي الْقُرْآن مَا قد قرىء بسبعة وَعشرَة، كَقَوْلِه: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ ﴿وَعبد الطاغوت﴾ (الْمَائِدَة: ٠٦) . وَمِمَّا يبين ذَلِك قَول ابْن مَسْعُود: إِنِّي قد سَمِعت الْقُرَّاء فوجدتهم متقاربين، فاقرأوا كَمَا علمْتُم إِنَّمَا هُوَ كَقَوْل أحدكُم: هَلُمَّ وتعال وَأَقْبل. وَفِيه أَقْوَال غير ذَلِك هَذَا أحْسنهَا.
٠٢٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخْبَرَنَا عبْدُ الله قالَ أخْبرَنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ رَسُولُ الله ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ وكانَ أجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فلَرَسُولُ الله ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٦ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جِبْرِيل) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. والْحَدِيث قد مر فِي أول الْكتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله عَن يُونُس إِلَى آخِره.
وعنْ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ بِهاذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ
عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك هُوَ مَوْصُول عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَكَانَ ابْن الْمُبَارك قصد فِيهِ الرِّوَايَة عَن شيخيه أَحدهمَا: يُونُس، وَالْآخر: معمر.
ورَوَى أبُو هُرَيْرَةَ وفَاطِمَةُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُهُ الْقُرآنَ
стр. 4465
أما رِوَايَة أبي هُرَيْرَة فوصلها البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأما رِوَايَة فَاطِمَة فوصلها فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٢٢٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا لَ يْثٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ أنَّ عُمَرَ بنَ عبْدِ العَزِيزِ أخَّر العَصْرَ شَيْئاً فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ أمَا إنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصلَّى أمَامَ رَسُولِ الله ﷺ فَقال عُمَرُ أعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ قَالَ سَمِعْتُ بَشيرَ بنَ أبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ نَزلَ جِبْرِيلُ فأمَّني فصَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ معَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ معَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ معَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ معَهُ يَحْسُبُ بِأصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. (انْظُر الحَدِيث ١٢٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نزل جِبْرِيل) . وَبشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: يروي عَن أَبِيه أبي مَسْعُود واسْمه: عقبَة بن عَمْرو البدري. وَهَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي: بَاب مَوَاقِيت الصَّلَاة، وَلَكِن بِعِبَارَة مُخْتَلفَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (فصلى أَمَام رَسُول الله، ﷺ ، أَي: قدَّامه، وَحكى ابْن مَالك أَنه روى بِالْكَسْرِ بِمَعْنى: الإِمَام الَّذِي يؤم النَّاس، وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتشْكل بِأَن الْأَمَام معرفَة والموضع مَوضِع الْحَال، فَوَجَبَ جعله نكرَة بالتأويل. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التعسف، لِأَن لفظ: أَمَام، الَّذِي بِمَعْنى: قُدَّام، ظرف وَهُوَ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة.
٢٢٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ حَبِيبِ بنِ أبِي ثابِتٍ عنْ زَيْدِ بنِ وهْبٍ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لي جِبرِيلُ مَنْ ماتَ منْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دخَلَ الجَنَّةَ أوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ قَالَ وإنْ زَناى وإنْ سَرَقَ قَالَ وَإِن. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جِبْرِيل) ﵊. وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد بن أبي عدي الْقَسْمَلِي، وَقد مر غير مرّة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الاسْتِئْذَان فِي: بَاب أَدَاء الدُّيُون مَضْمُونا إِلَى شَيْء آخر، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (دخل الْجنَّة) ، قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ إِثْبَات دُخُول، وَنفي دُخُول، وكل وَاحِد مِنْهُمَا متميز عَن الآخر بِوَصْف أَو وَقت، وَالْمعْنَى: إِن مَاتَ على التَّوْحِيد فَإِن مصيره إِلَى الْجنَّة، وَإِن ناله قبل ذَلِك من الْعقُوبَة مَا ناله، وَأما لفظ: لم يدْخل النَّار، فَمَعْنَاه: لم يدْخل دُخُولا تخليدياً، وَيجب التَّأْوِيل بِمثلِهِ جمعا بَين الْآيَات وَالْأَحَادِيث. قَوْله: (وَإِن) أَي: وَإِن زنى وَإِن سرق، فِيهِ دَلِيل على جَوَاز حذف فعل الشَّرْط والاكتفاء بحرفه.
٣٢٢٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ المَلَائِكَةُ يتَعَاقَبُونَ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بالنَّهارِ ويَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ والعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ اليْهِ الَّذِينَ باتُوا فِيكُمْ فيَسْأَلُهُمْ وهْوَ أعْلَمُ فيَقُولُ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ وأتَيْنَاهُمْ يُصَلُّونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْمَلَائِكَة) وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
قَوْله: (الْمَلَائِكَة) مُبْتَدأ و (يتعاقبون) خَبره أَي: يَأْتِي بَعضهم عقيب بعض بِحَيْثُ إِذا نزلت طَائِفَة صدرت الْأُخْرَى. قَوْله: (مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ) ، يُوضح معنى التَّعَاقُب. قَوْله: (يصلونَ) ، ويروى: وهم يصلونَ، وَالْجُمْلَة حَالية فِي الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا الْكَلَام فِي: يصلونَ، الثَّانِي وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب فضل صَلَاة الْعَصْر، لِأَنَّهُ أخرج الحَدِيث هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج ... إِلَى آخِره.
стр. 4466
٧ - (بابٌ إذَا قَالَ أحدُكُمْ آمِينَ والمَلائِكَةُ فِي السَّماءِ فَوافَقَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ الإِمَام ... إِلَى آخِره، قَالُوا: لَيْسَ لذكر هَذَا الْبَاب هُنَا وَجه، لِأَن جَمِيع أَحَادِيث هَذَا الْبَاب فِي ذكر الْمَلَائِكَة، وَهُوَ مُتَّصِل بِالْبَابِ السَّابِق، وَلِهَذَا لَا يُوجد هَذَا فِي كثير من النّسخ، وَكَذَا لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر ذكر هَذَا الْبَاب.
قَوْله: (آمين) مَقْصُور وممدود، وَمَعْنَاهُ: استجب. قَوْله: (فَوَافَقت إِحْدَاهمَا) أَي: إِحْدَى كلمتي: آمين، وَأخذ هَذِه التَّرْجَمَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ فَقولُوا: آمين، فَإِنَّهُ مَا وَافق قَوْله قَول الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أبي صَالح عَنهُ، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (إِذا أمَّن الإِمَام فأمِّنُوا، فَإِن الْمَلَائِكَة تؤمن، فَمن وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) .
٤٢٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخْبرنا مَخْلَدٌ قَالَ أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ اسْماعِيلَ بن أُمَيَّةَ أنَّ نَافِعًا حدَّثَهُ أنَّ القَاسِمَ بنَ مُحَمَّدٍ حدَّثَهُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ حَشَوْتُ لِلنَّبيِّ ﷺ وِسادَةً فِيها تَماثِيلُ كأنَّها نُمْرِقَةٌ فَجاءَ فَقامَ بَيْنَ الْبابَيْنِ وجعَلَ يَتَغَيَّرُ وجْهُهُ فَقُلْتُ مَا لَنَا يَا رسُولَ الله قَالَ مَا بالُ هاذِهِ الوِسَادَةِ قالَتْ وِسادَةٌ جعَلْتُهَا لَكَ لِتَضْطَجِعَ عَلَيْهَا قَالَ أمَا عَلِمْتِ أنَّ المَلائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتَاً فِيهِ صُورَةٌ وأنَّ مَنْ صنَعَ الصُّورَةَ يُعَذَّبُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ أحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة أَعنِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة فِي قَوْله: (أَن الْمَلَائِكَة) وَكَذَا الْمُطَابقَة بَين أَحَادِيث هَذَا الْبَاب كلهَا، وَبَين هَذِه التَّرْجَمَة فِي ذكر الْمَلَائِكَة.
وَمُحَمّد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن سَلام، ومخلد هُوَ ابْن يزِيد، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز ابْن جريج وَعَن قريب مضى هَكَذَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة على نسق وَاحِد، وَإِسْمَاعِيل بن أُميَّة، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي الْقرشِي الْمَكِّيّ، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب التِّجَارَة فِيمَا يكره لبسه للرِّجَال وَالنِّسَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله ابْن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة. . إِلَى آخِره.
قَوْله: (وسَادَة) بِكَسْر الْوَاو، وَهِي المخدة وَجَمعهَا: وسائد، و: التماثيل جمع التمثال، وَهُوَ وَإِن كَانَ فِي الأَصْل للصورة الْمُطلقَة فَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا صُورَة الْحَيَوَان. قَوْله: (كَأَنَّهَا نمرقة) ، لفظ الرواوي عَن عَائِشَة والنمرقة بِضَم النُّون وَالرَّاء وبكسرها وَبِغير هَاء وَقَالَ الْجَوْهَرِي النمرق والنمرقة وسَادَة صَغِيرَة وَرُبمَا سموا الطنفسة الَّتِي فَوق الرحل نمرقة، عَن أبي عبيد، وَيجمع على: نمارق. قَوْله: (فَقَامَ بَين الْبَابَيْنِ) ويروى: بَين النَّاس. قَوْله: (وَجعل) من أَفعَال المقاربة، وَهِي على ثَلَاثَة أَقسَام مِنْهَا مَا وضع للدلالة على الشُّرُوع، وَهِي: طفق وَجعل وعلق وَأخذ، وَيعْمل عمل كَانَ إلَاّ أَنه يجب أَن يكون خَبره جملَة، وَهَهُنَا كَذَلِك. قَوْله: (فَقلت: مالنا) ويروى: فَقَالَت: مالنا؟ يَعْنِي: مَا فعلنَا حَتَّى تغير وَجهك؟ قَوْله: (مَا بَال هَذِه النمرقة) أَي: مَا شَأْنهَا فِيهَا تماثيل؟ قَوْله: (قَالَ: أما علمت) أَي: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، قَوْله: (يَقُول) أَي: يَقُول الله، ويروى: فَيُقَال. قَوْله: (أحيوا) بِفَتْح الْهمزَة، وَبَاقِي الْكَلَام مر هُنَاكَ.
٥٢٢٣ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرَنَا عبْدُ الله قَالَ أخْبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله ابنِ عَبْد الله أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يقُولُ سَمِعْتُ أبَا طَلْحَةَ يقُولُ سَمِعْتُ
стр. 4467
رسُولَ الله ﷺ يقُولُ لَا تَدْخُل المَلَائِكَةُ بَيْتاً فيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَماثِيلَ. .
وَجه مُطَابقَة هَذَا إِلَى آخر الْبَاب قد ذَكرْنَاهُ، وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي المجاور بِمَكَّة، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وَأَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَافق معمر هُنَا عَن الزُّهْرِيّ جمَاعَة وَخَالفهُم الْأَوْزَاعِيّ فَرَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن أبي طَلْحَة، وَلم يذكر ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ سَالم أَبُو النَّضر عَن عبيد الله نَحْو رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي النَّسَائِيّ عَن معقل عَن الْأَوْزَاعِيّ كَرِوَايَة الْجَمَاعَة، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَحَدِيث الْوَلِيد خطأ، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله، قَالَ: حَدثنِي أَبُو طَلْحَة ... فَذكره، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ: حَدثنَا معن حَدثنَا مَالك عَن أبي النَّضر عَن عبيد الله بن عبد الله ابْن عتبَة: أَنه دخل على أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ يعودهُ، فَوجدَ عِنْده سهل بن حنيف، قَالَ: فَدَعَا أَبُو طَلْحَة إنْسَانا ينْزع نمطاً تَحْتَهُ، فَقَالَ لَهُ سهل: لم تنزعه؟ قَالَ: لِأَن فِيهِ تصاوير. وَقَالَ فِيهَا النَّبِي ﷺ مَا قد علمت، قَالَ سهل: أَو لم يُقَال: إلَاّ مَا كَانَ رقماً فِي ثوب؟ فَقَالَ: بلَى، وَلكنه أطيب لنَفْسي. هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: فِي رِوَايَة مَالك هَذِه مَا يَقْتَضِي الِاتِّصَال بَين عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة وَبَين أبي طَلْحَة، فَإِنَّهُ دخل على أبي طَلْحَة وسَمعه مِنْهُ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن سَالم أبي النَّضر عَنهُ عِنْد النَّسَائِيّ، وَفِي رِوَايَة السِّتَّة، مَا خلا أَبَا دَاوُد، وَمن رِوَايَة الزُّهْرِيّ أَيْضا إِدْخَال ابْن عَبَّاس بَين عبيد الله ابْن عبد الله وَبَين أبي طَلْحَة، فَهَل الحكم للرواية الزَّائِدَة أَو للرواية النَّاقِصَة؟ فَاخْتَارَ ابْن الصّلاح الحكم للناقصة لِأَنَّهُ يُصَرح فِيهَا بالاتصال، وَاخْتَارَ النَّسَائِيّ الزَّائِدَة لِأَنَّهُ روى كلتيهما وَرجح الزَّائِدَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، وَعَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَفِي اللبَاس عَن آدم. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَعَن إِسْحَاق إِبْنِ إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن سَلمَة بن شيبَة وَالْحسن بن عَليّ وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن قُتَيْبَة وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، وَفِي الزِّينَة عَن وهب بن بَيَان وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْملك وَعَن يزِيد بن مُحَمَّد، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي اللبَاس عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِيهِ كلب) قَالَ ابْن التِّين: يُرِيد كلب دَار، قَالَ: وَأَرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ غير الْحفظَة، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: إِن هَؤُلَاءِ هم الَّذين يطوفون بِالرَّحْمَةِ والتبريك وَالِاسْتِغْفَار، بِخِلَاف الْحفظَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا لم يدْخل فِي بَيت إِذا كَانَ فِيهِ شَيْء من هَذِه مِمَّا يحرم اقتناؤه من الْكلاب والصور، وَأما مَا لَيْسَ بِحرَام من كلب الصَّيْد أَو الزَّرْع أَو الْمَاشِيَة وَالصُّورَة الَّتِي تمتهن فِي الْبسط والوسائد وَغَيرهمَا فَلَا يمْتَنع دُخُول الْمَلَائِكَة بِسَبَبِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَظْهر أَنه عَام فِي كل كلب وكل صُورَة. ثمَّ قيل: سَبَب الْمَنْع من دُخُول الْمَلَائِكَة كَونهَا مَعْصِيّة فَاحِشَة، وَكَونهَا مضاهاة لخلق الله، وفيهَا مَا يعبد من دون الله، وامتناعهم من الدُّخُول فِي بَيت فِيهِ كلب لِكَثْرَة أكله النَّجَاسَات، وَلِأَن بَعْضهَا يُسمى شَيْطَانا، وَالْمَلَائِكَة ضد لَهُم، ولقبح رَائِحَة الْكَلْب، وَالْمَلَائِكَة يكْرهُونَ الرَّائِحَة الكريهة، وَلِأَنَّهَا ينْهَى عَن اتخاذها مِمَّا لم يُؤذن فِيهِ، فَعُوقِبَ متخذها بحرمانه دُخُول الْمَلَائِكَة بَيته وصلاتها فِيهِ، واستغفارها لَهُ وتبريكها عَلَيْهِ، وَدفعهَا أَذَى الشَّيْطَان. قلت: كل هَذِه فِي الْكَلْب لَا يشفي العليل وَلَا يرْوى الغليل، وَهَذَا الْخِنْزِير أَسْوَأ حَالا من الْكَلْب، مَعَ أَنه مَا ورد فِيهِ شَيْء وَفِي النَّجَاسَة هُوَ أنجس مِنْهُ، لِأَنَّهُ نجس الْعين بِالنَّصِّ بِخِلَاف الْكَلْب فَإِن فِي نَجَاسَة عينه خلافًا. قَوْله: (وَلَا صُورَة تماثيل) من إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص.
٦٢٢٣ - حدَّثنا أحْمَدُ قَالَ حدَّثنا ابنُ وهْبٍ قَالَ أخْبرَنا عَمْرٌ وأنَّ بُكَيْرَ بنَ الأشَجِّ حدَّثَهُ أنَّ بُسْرَ بنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ أنَّ زَيْدَ بنَ خالِدٍ الجُهَنِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ ومَعَ بُسْرِ بنِ
стр. 4468
سَعِيدٍ عُبَيْدُ الله الخَوْلَانِيُّ الَّذِي كانَ فِي حَجْرٍ مَيْمُونَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ حدَّثَهُما زَيْدُ بنُ خَالِدٍ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ حدَّثَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ قَالَ بُسْرٌ فَمَرِضَ زَيْدُ بنُ خَالِدٍ فَعُدْنَاهُ فإذَا نَحْنُ فِي بيْتِهِ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصاوِيرُ فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ الله الخَوْلانِيِّ ألَمْ يُحَدِّثْنا فِي التَّصَاوِيرِ فَقَالَ إنَّهُ قَالَ إلَاّ رَقْمٌ فِي ثَوْبٍ ألَا سَمِعْتَهُ قُلْتُ لَا قَالَ بَلى قَدْ ذَكَرَهُ. .
أَحْمد هُوَ أَبُو صَالح الْمصْرِيّ، وَجزم بِهِ أَبُو نعيم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَحْمد بن صَالح، أَو ابْن عِيسَى التسترِي، وَذكره فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : أَحْمد، غير مَنْسُوب، يحدث عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ حدث عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من (الْجَامِع) وَاخْتلفُوا فِي أَحْمد هَذَا، فَقَالَ قوم: إِنَّه أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي ابْن وهب، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّه أَحْمد بن صَالح أَو أَحْمد بن عِيسَى وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي: أَحْمد عَن ابْن وهب هُوَ ابْن أخي ابْن وهب، وَقَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه: كلما قَالَ البُخَارِيّ فِي (الْجَامِع) : حَدثنَا أَحْمد عَن ابْن وهب فَهُوَ ابْن صَالح الْمصْرِيّ، وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن فِي (الصَّحِيح) شَيْئا وَإِذا حدث عَن أَحْمد بن عِيسَى نسبه، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو بِفَتْح الْعين هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وَبُكَيْر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: مصغر بكر بن الْأَشَج، بالشين الْمُعْجَمَة وبتشديد الْجِيم، وَقد مر فِي الْوضُوء، وَبسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن سعيد مولى الْحَضْرَمِيّ من أهل الْمَدِينَة، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ من مشاهير الصَّحَابَة، وَعبيد الله الْخَولَانِيّ هُوَ عبيد الله بن الْأسود، وَيُقَال: ابْن الْأسد الْخَولَانِيّ ربيب مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ .
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن وهب بن بَقِيَّة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد.
قَوْله: (الأرقم) أصل الرقم الْكِتَابَة وَالصُّورَة غير الرقم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرقم النقش والوشم. قَوْله: (ألَا سَمعته؟) كلمة: ألَا، بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام المخففة، وَمَعْنَاهَا هَهُنَا الِاسْتِفْهَام عَن النَّفْي. قَوْله: (قلت: لَا) أَي: لم أسمعهُ قَالَ: بلَى، سمعته قد ذكره أَي: الحَدِيث.
٧٢٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ حدَّثني عَمْرٌ وعنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ وعَدَ النبيُّ ﷺ جِبْرِيلُ فَقال إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كلْبٌ. (الحَدِيث ٧٢٢٣ طرفه فِي: ٠٦٩٥) .
يحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين وبالواو كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَظن بَعضهم أَنه عَمْرو بن الْحَارِث، وَهُوَ خطأ لِأَنَّهُ لم يدْرك سالما، وَالصَّوَاب: عمر، بِضَم الْعين وَبِغير وَاو، وَهُوَ: عمر ابْن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَذَا ثَبت فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَكَذَا وَقع فِي اللبَاس عَن يحيى بن سُلَيْمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَوْله: (وعد النَّبِي) بِالنّصب، وَجِبْرِيل بِالرَّفْع فَاعله يَعْنِي وعد النَّبِي ﷺ ، أَن ينزل فَلم ينزل، فَسَأَلَهُ رَسُول الله، ﷺ ، عَن السَّبَب فَقَالَ: إِنَّا لَا ندخل بَيْتا فِيهِ صُورَة وَلَا كلب.
٨٢٢٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ إِذا قَالَ الإمامُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ فإنَّهُ مَنْ وافَقَ قَوْله قَولَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٩٧) .
إِسْمَاعِيل بن أبي أُويس، وَسمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث
стр. 4469
بن هِشَام بن الْمُغيرَة، وَأَبُو صَالح عبد الله بن ذكْوَان، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب فضل أللهم رَبنَا وَلَك الْحَمد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٣٢٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرَنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عُرْوَةُ أنَّ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ حدَّثَتْهُ أنَّها قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ هَلْ أتَى علَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِنَ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ منْ قَوْمِكَ مَا لَقِيتُ وكانَ أشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعُقَبَةِ إذْ عَرَضتُ نَفْسي علَى ابنِ عَبْدِ يالِيلَ بنِ عَبْدِ كُلَالٍ فلَمْ يُجِبْني إِلَى مَا أرَدْتُ فانْطَلَقْتُ وأنَا مَهْمُومٌ علَى وَجْهِي فلَمْ أسْتَفِقِ إلَاّ وَأَنا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فرَفعْتُ رأسِي فإذَا أَنا بِسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْني فنظَرْتُ فَإِذا فِيها جِبرِيلُ فَنادَانِي فَقال إنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا علَيْكَ وقَدْ بَعثَ إلَيْكَ ملَكَ الجِبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي ملَكُ الجِبَالِ فسَلَّمَ علَيَّ ثُمَّ قالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذالِكَ فِيما شِئْتَ إنْ شِئْتَ أنْ أُطِيقَ علَيْهِمْ الأخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ الله من أصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً. (الحَدِيث ١٣٢٣ طرفه فِي: ٩٨٣٧) .
الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن عبد الله بن يُوسُف أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي الطَّاهِر ابْن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَعَمْرو بن سَواد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن أبي الطَّاهِر بِهِ.
قَوْله: (يَوْم أحد)
стр. 4470
هُوَ يَوْم غَزْوَة أحد، كَانَت فِي سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة. قَوْله: (يَوْم الْعقبَة) هِيَ الَّتِي تنْسب إِلَيْهَا جَمْرَة الْعقبَة وَهِي بمنى. قَوْله: (إِذْ عرضت نَفسِي) أَي: حِين عرضت نَفسِي، كَانَ ذَلِك فِي شَوَّال فِي سنة عشر من المبعث، وَأَنه كَانَ بعد موت أبي طَالب وَخَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَذكر مُوسَى بن عقبَة فِي (الْمَغَازِي) : عَن ابْن شهَاب: أَن النَّبِي ﷺ لما مَاتَ أَبُو طَالب توجه إِلَى الطَّائِف رَجَاء أَن يؤوه فَعمد إِلَى ثَلَاثَة نفر من ثَقِيف وهم ساداتهم، وهم أخوة: عبد ياليل وحبِيب ومسعود بَنو عَمْرو، فَعرض عَلَيْهِم نَفسه وشكا إِلَيْهِم مَا انتهك مِنْهُ قومه، فَردُّوا عَلَيْهِ أقبح رد. قَوْله: (على ابْن عبد ياليل) ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام: ابْن عبد كلال، بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وَفِي آخِره لَام، وَاسم عبد ياليل: كنَانَة، وَيُقَال: مَسْعُود. وَفِي (الجمهرة) للكلبي: عبد ياليل بن عَمْرو بن عُمَيْر بن عَوْف بن عقدَة بن عفرَة بن عَوْف بن ثَقِيف، وَالْمَذْكُور هُنَا: أَنه ﷺ عرض نَفسه على ابْن عبد ياليل وَالَّذِي فِي (الْمَغَازِي) : أَن الَّذِي كَلمه هُوَ عبد ياليل نَفسه، وَعند أهل النّسَب أَن عبد كلال أَخُوهُ لَا أَبوهُ، وَكَانَ ابْن عبد ياليل من أكَابِر أهل الطَّائِف من ثَقِيف، وَقد روى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿على رجل من القريتين عَظِيم﴾ (الزخرف: ١٣) . قَالَ: نزلت فِي عتبَة بن ربيعَة وَابْن عبد ياليل الثَّقَفِيّ، وَعَن ابْن سعد: كَانَت إِقَامَة النَّبِي ﷺ فِي الطَّائِف عشرَة أَيَّام، وَذكر ابْن إِسْحَاق وَابْن عقبَة: أَن كنَانَة بن عبد يَا ليل وَفد مَعَ وَفد الطَّائِف سنة عشر فأسلموا، وَذكر أَبُو عمر فِي (الصَّحَابَة) كَذَلِك، وَذكر المدايني: أَن الْوَفْد أَسْلمُوا إلَاّ كنَانَة، فَخرج إِلَى الرّوم وَمَات بهَا بعد ذَلِك، وَالله أعلم. قَوْله: (على وَجْهي) ، مُتَعَلق بقوله: انْطَلَقت، أَي على الْجِهَة المواجهة لي. قَوْله: (بقرن الثعالب) جمع الثَّعْلَب الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَهُوَ مَوضِع بِقرب مَكَّة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ مِيقَات أهل نجد، وَيُقَال لَهُ: قرن الْمنَازل، بِفَتْح الْمِيم، وَيُقَال: هُوَ على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة، وأصل الْقرن كل جبل صَغِير مُنْقَطع من جبل كَبِير، وَقَالَ عِيَاض: يُقَال فِيهِ: قرن، غير مُضَاف على يَوْم وَلَيْلَة من مَكَّة، قَالَ: وَرَوَاهُ بَعضهم بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ غلط، وَقَالَ الْقَابِسِيّ: من سكن الرَّاء أَرَادَ الْجَبَل المشرف على الْموضع، وَمن فتحهَا أَرَادَ الطَّرِيق الَّذِي يتفرق مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ طرق مُتَفَرِّقَة. قَوْله: (ملك الْجبَال) ، أَي: بعث الله إِلَيْك ملك الْجبَال، وَهُوَ الْملك الَّذِي سخر الله لَهُ الْجبَال وَجعل أمرهَا بِيَدِهِ. قَوْله: (ذَلِك) ، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: ذَلِك كَمَا قَالَ جِبْرِيل، أَو كَمَا سَمِعت مِنْهُ، أَو الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف، أَي: الْأَمر ذَلِك. قَوْله: (فِيمَا شِئْت؟) كلمة مَا، فِيهِ استفهامية وَجَزَاء قَوْله: (إِن شِئْت) مُقَدّر أَي: إِن شِئْت لفَعَلت. قَوْله: (ذَلِك فِيمَا شِئْت إِن شِئْت) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن شَيْخه، وروى عَن الْكشميهني مثله إلَاّ أَنه قَالَ: فَمَا شِئْت، وروى الطَّبَرَانِيّ عَن مِقْدَام بن دَاوُد عَن عبد الله بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن الله بَعَثَنِي إِلَيْك وَأَنا ملك الْجبَال لتأمرني بِأَمْرك، فَمَا شِئْت إِن شِئْت. قَوْله: (أَن أطبق) أَي: بِأَن أطبق، و: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: لفَعَلت بإطباق الأخشبين عَلَيْهِم، والأخشبان بِالْخَاءِ والشين المعجمتين هما جبلا مَكَّة: أَبُو قبيس وَالَّذِي يُقَابله قيقعان، وَقَالَ الصغاني: بل هُوَ الْجَبَل الْأَحْمَر الَّذِي يشرف عَليّ قيقعان، وَوهم من قَالَ: ثَوْر. قلت: الَّذِي قَالَ: الأخشبان: أَبُو قبيس وثور، هُوَ الْكرْمَانِي، وسميا بذلك لصلابتهما وَغلظ حجارتهما، يُقَال: رجل أخشب إِذا كَانَ صلب الْعِظَام عاري اللَّحْم، وَالْمرَاد من قَوْله: أَن أطبق عَلَيْهِم: أَن يلتقيا على من بِمَكَّة فيصيران كطبق وَاحِد عَلَيْهِم. قَوْله: (بل أَرْجُو) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَنا أَرْجُو. قَوْله: (أَن يخرج الله) ، بِضَم الْيَاء من الْإِخْرَاج. قَوْله: (من يعبد الله) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول: يخرج. قَوْله: (يعبد الله) أَي: يوحده. قَوْله: (لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا) تَفْسِيره.
٢٣٢٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ حدَّثنا أبُو إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سألْتُ زرَّ ابنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿فَكانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى فأوْحاى إِلَى عَبْدِهِ مَا أوْحاى﴾ (النَّجْم: ٩، ٠١) . قَالَ حدَّثنا ابنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ.
أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ اسْمه سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، واسْمه فَيْرُوز الْكُوفِي، وزر، بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الرَّاء: ابْن حُبَيْش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي
стр. 4471
آخِره شين مُعْجمَة: الْأَسدي الْكُوفِي مَاتَ سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ. قَوْله: ﴿ (قاب قوسين﴾ (والنجم: ٩) . أَي: قدر قوسين. قَوْله: (حَدثنَا ابْن مَسْعُود) أَي: عبد الله بن مَسْعُود، ويروى: قَالَ لي ابْن مَسْعُود. قَوْله: (أَنه) أَي: أَن النَّبِي ﷺ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي سُورَة: والنجم، مَبْسُوطا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٤٣٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ عنِ ابنِ عَوْنٍ أنْبَأنَا الْقَاسِمُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ مَنْ زَعَمَ أنَّ مُحَمَّداً رَأى رَبَّهُ فَقدْ أعْظَمَ ولَكِنْ قدْ رأى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وخَلْقِهِ سَادًّا مَا بَيْنَ الأفُقِ. .
مُحَمَّد بن عبد الله شَيْخه من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان أَبُو عون الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
قَوْله: (فقد أعظم) أَي: دخل فِي أَمر عَظِيم، ومفعوله مَحْذُوف. قَوْله: (فِي صورته) ، أَي: فِي هَيئته وَحَقِيقَته. قَوْله: (وخلقه) أَي: خلقته الَّتِي خلق عَلَيْهَا. قَوْله: (سَادًّا) نصب على الْحَال من جِبْرِيل أَي: مطبقاً بَين أفق السَّمَاء. وَقَالَ أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: رأى رَسُول الله، ﷺ ، جِبْرِيل فِي صورته وَله سِتّمائَة جنَاح، كل جنَاح مِنْهَا قد سد الْأُفق، يسْقط من جنَاحه من التهاويل والدر والياقوت مَا الله بِهِ عليم، والتهاويل: الألوان الْمُخْتَلفَة. وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ ، جِبْرِيل أَن يَأْتِيهِ فِي صورته الَّتِي خلقه الله عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ: لَا تَسْتَطِيع أَن تثبت، فَقَالَ: بلَى، فَظهر لَهُ فِي سِتّمائَة جنَاح سد الْأُفق جنَاح مِنْهَا، فشاهد رَسُول الله، ﷺ ، أمرا عَظِيما فَصعِقَ، وَذَلِكَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٣١) . وَقد ثَبت أَن جِبْرِيل، ﵊، كَانَ يَأْتِي النَّبِي ﷺ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ، وَتارَة كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَة أَعْرَابِي، وَأَتَاهُ مرَّتَيْنِ فِي صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا، مرّة منهبطاً من السَّمَاء، وَمرَّة عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى، وَجِبْرِيل هُوَ أَمِين الْوَحْي وخازن الْقُدس، وَيُقَال لَهُ: الرّوح الْأمين، وروح الْقُدس، والناموس الْأَكْبَر، وطاووس الْمَلَائِكَة. وَمعنى: جبر: عبد، وأيل: اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: عبد الله، وَفِيه أَرْبَعَة عشر لُغَة ذكرتها فِي (التَّارِيخ الْكَبِير) فِي: فضل خلق الْمَلَائِكَة.
ثمَّ اعْلَم أَن إِنْكَار عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، الرُّؤْيَة لم تذكرها رِوَايَة، إِذْ لَو كَانَ مَعهَا رِوَايَة فِيهِ لذكرته، وَإِنَّمَا اعتمدت على الاستنباط من الْآيَات، وَهُوَ مَشْهُور قَول ابْن مَسْعُود، وَعَن أبي هُرَيْرَة مثلهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنه رَآهُ بِعَيْنِه، رُوِيَ ذَلِك عَنهُ بطرق، وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) عَن الضَّحَّاك وَعِكْرِمَة عَنهُ فِي حَدِيث طَوِيل، وَفِيه: فَلَمَّا أكرمني رَبِّي بِرُؤْيَتِهِ بِأَن أثبت بَصرِي فِي قلبِي أجد بَصرِي لنوره نور الْعَرْش، وروى اللالكائي من حَدِيث حَمَّاد ابْن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: رَأَيْت رَبِّي، ، وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: رَأَيْت رَبِّي، ... الحَدِيث. وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَن ابْن عمر أرسل إِلَى ابْن عَبَّاس يسْأَله: هَل رأى رَسُول الله، ﷺ ربه؟ فَقَالَ: نعم، وَالْأَشْهر عَنهُ أَنه رَآهُ بِعَيْنيهِ، وَرُوِيَ عَنهُ: أَن الله تَعَالَى اخْتصَّ مُوسَى، ﵊، بالْكلَام، وَإِبْرَاهِيم، ﵊، بالخلة ومحمدا بِالرُّؤْيَةِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ قيل إِن الله قسم كَلَامه ورؤيته بَين مُحَمَّد ومُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فَرَآهُ مُحَمَّد مرَّتَيْنِ، وَكلمَة مُوسَى مرَّتَيْنِ، وَحكى أَبُو الْفَتْح الرَّازِيّ وَأَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي هَذِه الْحِكَايَة عَن كَعْب
стр. 4472
وَحكى عبد الرَّزَّاق عَن الْحسن أَنه كَانَ يحلف بِاللَّه لقد رأى مُحَمَّد ربه، وَحكى النقاش عَن أَحْمد: أَنا أَقُول بِحَدِيث ابْن عَبَّاس: بِعَيْنِه رَآهُ حَتَّى انْقَطع نفس أَحْمد. وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ وَجَمَاعَة من أَصْحَابه: أَنه رره ببصره وعيني رَأسه. وَقَالَ: كل آيَة أوتيها نَبِي من الْأَنْبِيَاء فقد أُوتِيَ مثلهَا نَبينَا ﷺ ، وَخص من بَينهم بتفضيل الرُّؤْيَة.
فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ (الْأَنْعَام: ٣٠١) . وَقَالَ: ﴿لن تراني﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٤١) . قلت: المُرَاد بالإدراك الْإِحَاطَة وَنفي الْإِحَاطَة لَا يسْتَلْزم نفي نفس الرُّؤْيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا يُحِيط بِهِ، وَنحن نقُول بِهِ، وَقيل: لَا تُدْرِكهُ أبصار الْكفَّار، وَقيل: لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار، وَإِنَّمَا يُدْرِكهُ المبصرون، وَلَيْسَ فِي الشَّرْع دَلِيل قَاطع على اسْتِحَالَة الرُّؤْيَة وَلَا امتناعها، إِذْ كل مَوْجُود فرؤيته جَائِزَة غير مستحيلة. وَأما قَوْله: ﴿لن تراني﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٤١) . فَمَعْنَاه: فِي الدُّنْيَا، وَذكر القَاضِي أَبُو بكر أَن مُوسَى، ﵊، رأى ربه، فَلذَلِك صعق، وَأَن الْجَبَل رأى ربه فَلذَلِك صَار دكاً، استنبطه من قَوْله: ﴿وَلَكِن انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٤١) . ثمَّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر مُوسَى صعقاً﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٤١) . فَرَآهُ الْجَبَل فَصَارَ دكا، وَرَآهُ مُوسَى، ﵊، فَصعِقَ.
٥٣٢٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ أبِي زَائِدَةَ عنِ ابنِ الأشْوَعِ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قُلْتُ لِ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا فأيْنَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ دَنا فتَدَلَّى فَكانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى﴾ (النَّجْم: ٨ ٩) . قالَتْ ذااكَ جِبْرِيلُ كانَ يأتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ وإنَّهُ أتاهُ هاذِهِ المَرَّةَ فِي صُورَتهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فسَدَّ الأُفُقَ. .
مُحَمَّد بن يُوسُف هَذَا هُوَ أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وَقد جزم بِهِ أَبُو عَليّ الجياني، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَابْن الأشوع، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره عين مُهْملَة: واسْمه سعيد بن عَمْرو بن أَشوع نسب إِلَى جده، وَالشعْبِيّ عَامر بن شرَاحِيل، ومسروق بن الأجدع.
والْحَدِيث مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن نمير عَن أبي أُسَامَة نَحوه.
قَوْله: (فَأَيْنَ قَوْله) وَمعنى الْفَاء هُنَا: إِذا أنْكرت رُؤْيَته فَمَا معنى قَوْله: ﴿ثمَّ دنا فَتَدَلَّى﴾ (النَّجْم: ٨ ٩) . فَقَالَت: المُرَاد بِهِ قربه من جِبْرِيل، ﵊. فَإِن قلت: ملاقاة جِبْرِيل، ﵊، كَانَت دائمة. قلت: لجبريل صُورَة خَاصَّة خلق عَلَيْهَا لم يره رَسُول الله، ﷺ ، فِي تِلْكَ الصُّورَة الخلقية إلَاّ هَذِه الْمرة، وَمرَّة أُخْرَى، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
٦٣٢٣ - حدَّثنا مُوساى قَالَ حدَّثنا جَريرٌ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجاءٍ عنْ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ رأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيانِي قالَا الَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مالِكٌ خازِنُ النَّارِ وَأنَا جِبْرِيلُ وهاذَا ميكَائيلُ. .
مُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَجَرِير بِفَتْح الْجِيم هُوَ ابْن حَازِم بن زيد أَبُو النَّصْر الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو رَجَاء اسْمه عمرَان بن ملْحَان، وَيُقَال: ابْن تيم، وَيُقَال: ابْن عبد الله العطاردي الْبَصْرِيّ، أدْرك زمن النَّبِي ﷺ وَلم يره، وَأسلم بعد الْفَتْح، وأتى عَلَيْهِ مائَة وَعِشْرُونَ سنة. وَقيل: أَكثر من ذَلِك. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب مُجَرّد بعد: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين، مطولا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد.
٧٣٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوانَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ إذَا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فأبَتْ فَباتَ غَضْبانَ عَلَيْها لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حتَّى تُصْبِحَ.
أَبُو عوَانَة الوضاح مضى عَن قريب، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سلمَان الْأَشْجَعِيّ، والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب
стр. 4473
وَعَن أبي سعيد الْأَشَج وَعَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عَمْرو الرَّازِيّ. وَأخرجه فِي الْمَلَائِكَة عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء.
تابَعَهُ شُعْبَةُ وأبُو حَمْزَةَ وابنُ دَاوُدَ وأبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ
أَي: تَابع أَبُو عوَانَة شعبةُ بن الْحجَّاج فوصل هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ فِي النِّكَاح فِي: بَاب إِذا باتت الْمَرْأَة مهاجرة فرَاش زَوجهَا، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة ... إِلَى آخِره، نَحوه سَوَاء. قَوْله: (وَأَبُو حَمْزَة) أَي: وَتَابعه أَبُو حَمْزَة، وَهُوَ مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي. قَوْله: (وَابْن دَاوُد) ، أَي: وَتَابعه ابْن دَاوُد وَهُوَ عبد الله الْخُرَيْبِي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالراء، وَوصل مُتَابَعَته مُسَدّد فِي (مُسْنده الْكَبِير) : قَوْله: (وَأَبُو مُعَاوِيَة) أَي: وَتَابعه أَبُو مُعَاوِيَة وَهُوَ مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين وَوصل مُتَابَعَته مُسلم فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، وَأَبُو كريب قَالَا: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة وحَدثني أَبُو سعيد الْأَشَج، قَالَ: حَدثنِي وَكِيع وحَدثني زُهَيْر بن حَرْب، وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَ: حَدثنَا جرير، كلهم عَن الْأَعْمَش عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِذا دَعَا الرجل امْرَأَته ... إِلَى آخِره نَحوه، غير أَن فِي قَوْله: فَلم تأته، مَوضِع: فَأَبت، فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، ﵀.
٨٣٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سلَمَةَ قَالَ أخبرَني جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ سَمِعَ النَّبيِّ ﷺ يقُولُ ثمَّ فتَرَ عَنِّي الوَحْيُ فتْرَةً فبَيْنَا أنَا أمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّماءَ فرَفَعْتُ بَصَري قِبلَ السَّماءِ فإذَا الملَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِرَاءِ قاعِدٌ علَى كُرْسِيٍّ بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَجِئْثتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأرْضِ فَجِئْتُ أهْلِي فقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّها المُدَّثِّر﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿والرِّجْزَ فاهْجُرْ﴾ (المدثر: ١ ٥) . قَالَ أبُو سَلَمَةَ والرِّجْزُ الأوْثَانُ. .
رُوَاة هَذَا الحَدِيث قد مروا غير مرّة على نسق وَاحِد ومفترقين أَيْضا. والْحَدِيث قد مر بشرحه فِي أول الْكتاب. قَوْله: (فجثئت مِنْهُ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من ألجأث بِالْجِيم والهمزة وبالثاء الْمُثَلَّثَة، أَي: رعبت، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: جثثت، بثاءين مثلثتين وَمَعْنَاهُ: هويت، أَي: سَقَطت. قَوْله: (وَالرجز: الْأَوْثَان) تَفْسِير مِنْهُ بِأَن المُرَاد من: الرجز، فِي قَوْله: ﴿وَالرجز فاهجر﴾ (المدثر: ٥) . الْأَوْثَان وَهُوَ جمع وثن، وَهُوَ مَا لَهُ جثة من خشب أَو حجر أَو فضَّة أَو جَوَاهِر، وَكَانَت الْعَرَب تنصبها وتعبدها.
٩٣٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتادَةَ وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أبي العَالِيَةِ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَمِّ نَبيِّكُمْ يَعْنِي ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوساى رَجُلاً آدَمُ طُوَالاً جَعْدَاً كأنَّهُ مِنْ رِجالِ شَنُوءَةَ ورَأيْتُ عِيساى رَجُلاً مَرْبُوعاً مَرْبُوعَ الخَلْقِ إِلَى الحُمْرَةِ والْبَياضِ سِبْطَ الرَّأسِ ورَأيْتُ مالِكاً خازنَ النَّارِ والدَّجَّالَ فِي آياتٍ أراهُنَّ الله إيَّاهُ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةِ مِنْ لِقَائِهِ. (الحَدِيث ٩٣٢٣ طرفه فِي: ٦٩٣٣) .
غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر أبي عبد الله الْبَصْرِيّ صَاحب الكرابيس. قَوْله: (وَقَالَ لي خَليفَة) هُوَ ابْن خياط هُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه جمع بَين روايتي شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن قَتَادَة وَسَعِيد ابْن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، أَيْضا، وسَاق الحَدِيث على لفظ سعيد بن أبي عرُوبَة، وَأَبُو الْعَالِيَة، بِالْعينِ الْمُهْملَة، اسْمه: رفيع، بِضَم الرَّاء
стр. 4474
وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة الريَاحي، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ، وَأَبُو الْعَالِيَة الآخر يروي أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس: واسْمه مُخْتَلف فِيهِ، وشهرته بالبراء، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء، وَكَانَ يبري النبل، وَهُوَ أَيْضا بَصرِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن ابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة نَحْو الأول: وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ وَعَن عبد بن حميد عَن يُونُس بن مُحَمَّد عَن شَيبَان عَن قَتَادَة، أتم من الأول.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (آدم) ، من الأدمة وَهِي فِي النَّاس السمرَة الشَّدِيدَة، وَقيل: هُوَ من أدمة الأَرْض، وَهِي: لَوْنهَا، وَبِه سمي آدم، ﵊، والأدمة فِي الْإِبِل الْبيَاض مَعَ سَواد المقلتين، يُقَال: بعير آدم بيَّن الأدمة، وناقة أدماء. قَوْله: (طوال) ، بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَمَعْنَاهُ: طَوِيل قَوْله: (جعد) أَي غير سبط الشّعْر وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْجَعْد فِي صِفَات الرِّجَال يكون مدحا وذما فالملح مَعْنَاهُ شَدِيد الْأسر والخلق، أَو يكون جعد الشّعْر وَهُوَ ضد السبط، لِأَن السبوطة أَكْثَرهَا فِي شُعُور الْعَجم، وَأما الذَّم: فَهُوَ الْقصير المتردد الْخلق. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَا أرى جَعدًا مَحْفُوظًا، لِأَن الطوَال لَا يُوصف بالجعودة، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا كَلَام غير صَحِيح، لِأَن الطول لَا يُنَافِيهِ بل يكون الطَّوِيل جَعدًا وسبطاً. قَوْله: (شنُوءَة) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم النُّون وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْهمزَة، قيل: هُوَ من قحطان، وَقَالَ الْكرْمَانِي: شنُوءَة اسْم قَبيلَة بطن من الأزد طوال القامات، وَقَالَ ابْن هِشَام: شنُوءَة هُوَ عبد الله بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نضر بن الأزد، وَإِنَّمَا قيل: أَزْد شنُوءَة، لشنئان كَانَ بَينهم وَهُوَ: البغض، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ شنوي، وَجه تَشْبِيه مُوسَى، ﵊، بِرِجَال شنُوءَة فِي الطول والسمرة. قَوْله: (مربوعاً) أَي: لَا قَصِيرا وَلَا طَويلا. قَوْله: (مَرْبُوع الْخلق) ، بِفَتْح الْخَاء أَي: معتدل الْخلقَة مائلاً إِلَى الْحمرَة. قَوْله: (سبط الرَّأْس) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وسكونها، وَمَعْنَاهُ: مسترسل الشّعْر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فتحهَا وَكسرهَا لُغَتَانِ مشهورتان، وَيجوز إسكانها مَعَ كسر السِّين وَمَعَ فتحهَا على التَّخْفِيف، كَمَا فِي الْكَتف، وَقَالَ: وَأما الْجَعْد فِي صفة مُوسَى، ﵊، فَالْأولى أَن يحمل على جعودة الْجِسْم، وَهِي اكتنازه واجتماعه لَا جعودة الشّعْر، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: أَنه رجل الشّعْر. قَوْله: (والدجال) ، بِالنّصب أَي: وَرَأَيْت الدَّجَّال. قَوْله: (فِي آيَات) أَي: فِي آيَات أُخْرَى (أراهن الله إِيَّاه) أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَلَا تكن فِي مرية) ، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ: الشَّك. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا استشهاد من بعض الروَاة على أَنه ﷺ لَقِي مُوسَى، ﵊، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَنه كَلَام رَسُول الله، ﷺ ، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الدَّجَّال، وَالْخطاب لكل وَاحِد من الْمُسلمين.
قَالَ أنَسٌ وأبُو بَكْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرُسُ المَلائِكَةُ المَدِينَةَ مِنَ الدَّجَّالِ
تَعْلِيق أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصله البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الْحَج فِي فضل الْمَدِينَة فِي: بَاب لَا يدْخل الدَّجَّال الْمَدِينَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن الْوَلِيد عَن عَمْرو عَن إِسْحَاق عَن أنس ... الحَدِيث، وَتَعْلِيق أبي بكرَة نفيع ابْن الْحَارِث وَصله أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره.
٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي صِفَةِ الجَنَّةِ وأنَّهَا مَخْلُوقَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي صفة الْجنَّة، وَفِي بَيَان أَنَّهَا مخلوقة وموجودة الْآن. وَفِيه رد على الْمُعْتَزلَة حَيْثُ قَالُوا: إِنَّهَا لَا تُوجد إلَاّ يَوْم الْقِيَامَة، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي النَّار: إِنَّهَا تخلق يَوْم الْقِيَامَة، وَالْجنَّة: الْبُسْتَان من الشّجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه، والتركيب دائر على معنى السّتْر، وَكَأَنَّهَا لتكاثفها وتظللها سميت بِالْجنَّةِ الَّتِي هِيَ الْمرة من مصدر جنه إِذا ستره كَأَنَّهَا ستْرَة وَاحِدَة لفرط التفافها، وَسميت دَار الثَّوَاب جنَّة لما فِيهَا من الْجنان.
قالَ أبُو العَالِيَةِ مُطَهَّرةٌ مِنَ الحَيْضِ والْبَوْلِ والْبُزَاقِ
стр. 4475
أَبُو الْعَالِيَة هُوَ رفيع الريَاحي، وَقد ذكر فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَأَشَارَ بذلك إِلَى تَفْسِير لفظ: مطهرة، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢، النِّسَاء: ٧٥) . وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من رِوَايَة مُجَاهِد، وَزَاد: وَمن الْمَنِيّ وَالْولد، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة من: الْأَذَى وَالْإِثْم. قَوْله: (والبزاق) ، وَيُقَال بالصَّاد: بصاق، أَيْضا.
﴿كُلَّمَا رُزِقُوا﴾ أُوتُوا بِشَيْءٍ ثُمَّ أُوتُوا بآخَرَ ﴿قالُوا هاذا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢) . أوُتِينَا مِنْ قَبْلُ
أَشَارَ بقوله: كلما رزقوا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل وأوتوا بِهِ متشابهاً﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢) . قَوْله: (أُوتُوا بآخر) أَي: بثمر آخر، واستفيد التّكْرَار من لفظ: كلما، فَإِذا أُوتُوا بآخر قَالُوا: هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل، وَفَسرهُ بقوله: أوتينا من قبل، قَالَ ابْن التِّين: هُوَ من أُوتِيتهُ إِذا أَعْطيته، وَهَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَتَيْنَا من أَتَيْته، بِالْقصرِ، يَعْنِي: جِئْته. وَقَالَ ابْن التِّين: وَالْأول: هُوَ الصَّوَاب، وَفِي الْقبلية وَجْهَان: أَحدهمَا مَا رَوَاهُ السّديّ فِي (تَفْسِيره) عَن مَالك وَعَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة عَن ابْن مَسْعُود وَعَن نَاس من الصَّحَابَة: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢) . قَالُوا: إِنَّهُم أُوتُوا بالثمرة فِي الْجنَّة، فَلَمَّا نظرُوا إِلَيْهَا قَالُوا: هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل فِي دَار الدُّنْيَا، وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَعبد الرَّحْمَن بن زيد ابْن أسلم. وَالْآخر: مَا قَالَه عِكْرِمَة: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢) . قَالَ: مَعْنَاهُ مثل الَّذِي كَانَ بالْأَمْس، وَهَكَذَا قَالَ الرّبيع ابْن أنس، قَالَ مُجَاهِد: يَقُولُونَ: مَا أشبهه بِهِ، وَقَالَ ابْن جرير: وَقَالَ آخَرُونَ: بل تَأْوِيل ذَلِك: هَذَا الَّذِي رزقنا من ثمار الْجنَّة من قبل هَذِه الشدَّة يشابه بَعْضهَا بَعْضًا لقَوْله تَعَالَى: ﴿واتوا بِهِ متشابهاً﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢) .
وأُوتُوا بِهِ مُتَشَابِهَاً يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضَاً ويَخْتَلِفُ فِي الطُّعُومِ
فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿وأوتوا بِهِ متشابهاً﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢) . بقوله: يشبه بعضه بَعْضًا، وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَن الرّبيع بن أنس عَن أبي الْعَالِيَة، وَلكنه قَالَ: فِي الطّعْم بِالْإِفْرَادِ، وَهُوَ أَيْضا رِوَايَة فِي الْكتاب. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا سعيد بن سُلَيْمَان حَدثنَا عَامر بن يسَاف عَن يحيى بن أبي كثير، قَالَ: عشب الْجنَّة الزَّعْفَرَان، وكثبانها الْمسك، وَيَطوف عَلَيْهِم الْولدَان بالفواكه ويأكلونها ثمَّ يُؤْتونَ بِمِثْلِهَا، فَيَقُول لَهُم أهل الْجنَّة: هَذَا الَّذِي آتيتمونا آنِفا بِهِ، فَيَقُول لَهُم الْولدَان: كلوا، فَإِن اللَّوْن وَاحِد والطعم مُخْتَلف، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿واتوا بِهِ متشابهاً﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢) . وَقَالَ ابْن جرير فِي (تَفْسِيره) بِإِسْنَادِهِ عَن السّديّ عَن أبي مَالك وَعَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: متشابهاً، يَعْنِي: فِي اللَّوْن والمرأى، وَلَيْسَ يشبه فِي الطّعْم وَقَالَ عِكْرِمَة: ﴿واتوا بِهِ متشابهاً﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢) . يشبه ثَمَر الدُّنْيَا غير أَن ثَمَر الْجنَّة أطيب، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس: لَا يشبه شَيْء مِمَّا فِي الْجنَّة مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا فِي الْأَسْمَاء، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجنَّة إلَاّ الْأَسْمَاء، رَوَاهُ ابْن جرير من رِوَايَة الثَّوْريّ، وَابْن أبي حَاتِم من رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش بِهِ.
قُطُوفُها يَقْطِفُونَ كَيْفَ شَاؤُا. دانِيةٌ قَرِيبَةٌ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿قطوفها دانية﴾ (الحاقة: ٣٢) . وَفسّر قطوفها بقوله: يقطفون كَيفَ شاؤا، قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ فسر القطوف بيقطفون؟ قلت: جعل ﴿قطوفها دانية﴾ (الحاقة: ٣٢) . جملَة حَالية، وَأخذ لازمها، وروى عبد بن حميد من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء قَالَ فِي قَوْله: ﴿قطوفها دانية﴾ (الحاقة: ٣٢) . يتَنَاوَل مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء أَيْضا، وَمن طَرِيق قَتَادَة قَالَ: دنت فَلَا يرد أَيْديهم عَنْهَا بُعد وَلَا شوك.
الأرَائِكُ السُّرُرُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى الأرائك فِي قَوْله: ﴿متكئين فِيهَا على الأرائك﴾ (الْكَهْف: ١٣، الْإِنْسَان: ٣١) . وفسرها بقوله: السرر، وَكَذَا فسره عبد بن حميد من طَرِيق حُصَيْن عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الأرائك: السرر فِي الحجال، والأرائك جمع أريكة، قَالَ ابْن فَارس: الحجلة على السرير لَا تكون إلَاّ كَذَا، وَعَن ثَعْلَب: الأريكة لَا تكون إلَاّ سريراً متخذاً فِي قبَّة عَلَيْهِ شوار ومخدة. قلت: الشوار، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة
стр. 4476
وَتَخْفِيف الْوَاو: مَتَاع الْبَيْت، والحجلة بِالتَّحْرِيكِ بَيت لَهُ قبَّة يستر بالثياب وَيكون لَهُ أزرار كبار.
وقالَ الحَسَنُ النَّضْرَةُ فِي الوُجُوهِ. والسُّرُورُ فِي الْقَلْبِ
أَشَارَ بتفسير الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى مَا فِي قَوْله: ﴿ولقَّاهم نَضرة وسروراً﴾ (الْإِنْسَان: ١١) . وأوله: ﴿فوقاهم الله شَرّ ذَلِك الْيَوْم﴾ (الْإِنْسَان: ١١) . أَي: فوقى الله الْأَبْرَار شَرّ ذَلِك الْيَوْم الَّذِي يخافونه من شدائده، ولقّاهم أَي: أَعْطَاهُم بدل عبوس الْفجار وحزنهم نَضرة فِي الْوُجُوه، وَهُوَ أثر النِّعْمَة وَحسن اللَّوْن والبهاء، وسروراً فِي الْقُلُوب وَأثر الْحسن، رَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق مبارك بن فضَالة عَنهُ
وقالَ مُجاهِدٌ سَلْسَبِيلاً حَدِيدَةُ الجِرْيَةِ
أَشَارَ بتعليق مُجَاهِد وَتَفْسِير هَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عينا فِيهَا تسمى سلسبيلاً﴾ (الأنسان: ٨١) . قَوْله: (عينا) ، بدل من قَوْله: زنجبيلاً فِيمَا قبله. قَوْله: (فِيهَا) ، أَي: فِي الْجنَّة. وَقَالَ الزّجاج: أَي: يسقون عينا فِيهَا تسمى سلسبيلاً لِسَلَامَةِ انحدارها فِي الْحلق وسهولة مساغها. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَمُقَاتِل بن حَيَّان: سميت سلسبيلاً لِأَنَّهَا تسيل عَلَيْهِم فِي الطَّرِيق، وَفِي مَنَازِلهمْ تنبع من أصل الْعَرْش من جنَّة عدن إِلَى أهل الْجنان، والسلسبيل فِي اللُّغَة وصف لما كَانَ فِي غَايَة السلاسة، يُقَال: شراب سلسبيل وسلسل وسلسال، وَقد زيدت الْيَاء فِيهِ حَتَّى صَار خماسياً، وَدلّ على غَايَة السلاسة، وَتَعْلِيق مُجَاهِد وَصله سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد بإسنادهما عَنهُ. قَوْله: (حَدِيدَة) ، بِالْحَاء والدالين المهملات أَي: شَدِيدَة الجرية أَي: الجريان، وَقَالَ عِيَاض: رَوَاهَا الْقَابِسِيّ: جَرِيدَة، بِالْجِيم وَالرَّاء بدل: الدَّال الأولى، وفسرها باللينة، ورد عَلَيْهِ بِأَن مَا قَالَه لَا يعرف.
غَوْلٌ وَجَعُ البَطْنِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا فِيهَا غول وَلَا هم عَنْهَا ينزفون﴾ (الصافات: ٧٤) . وَفسّر الغول بوجع الْبَطن، وَهَذَا التَّفْسِير مَرْوِيّ عَن مُجَاهِد وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: صداع.
يُنْزَفُونَ لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ
فسر: ينزفون، بقوله: لَا تذْهب عُقُولهمْ عِنْد شرب خمر الْجنَّة، وَهَذَا التَّفْسِير مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره، وقرىء: ينزفون، بِكَسْر الزَّاي وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا من أنزف الرجل إِذا نفد شرابه، وَالْآخر: يُقَال أنزف، إِذا سكر، وَأما: نزف، إِذا ذهب عقله من الشّرْب فمشهور مسموع.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ دِهَاقاً مُمْتَلِئاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وكأساً دهاقاً﴾ (النبإ: ٤٣) . وَفسّر الدهاق بقوله: ممتلئاً، وَوَصله الطَّبَرِيّ عَن أبي كريب: حَدثنَا مَرْوَان ابْن يحيى عَن مُسلم بن نسطاس قَالَ ابْن عَبَّاس لغلامه: إسقني دهاقاً، قَالَ: فجَاء بهَا الْغُلَام ملأى، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا دهاق، وروى أَيْضا عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿كأساً دهاقاً﴾ (النبإ: ٤٣) . قَالَ: ملأى
كَوَاعِبَ نَوَاهِدَ
أشارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وكواعب أَتْرَابًا﴾ (النبإ: ٣٣) . فسر كواعب بقوله: نواهد، وَهَذَا التَّفْسِير عَن ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن
стр. 4477
أبي طَلْحَة عَنهُ، والنواهد جمع ناهد، وَهِي الَّتِي بدا نهدها، يُقَال: نهد الثدي إِذا ارْتَفع عَن الصَّدْر، وَصَارَ لَهُ حجم، والأتراب جمع ترب، بِالْكَسْرِ وَهُوَ: الْقرن.
الرَّحِيقُ الخَمْرُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رحيق مختوم﴾ (المطففين: ٥٢) . وَفسّر الرَّحِيق بِالْخمرِ، وَهَذَا التَّفْسِير وَصله الطَّبَرِيّ عَن طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رحيق مختوم﴾ (المطففين: ٥٢) . قَالَ: الْخمر ختم بالمسك، وَقيل: الرَّحِيق الْخَالِص من كل شَيْء، وَقَالَ مُجَاهِد يشْربهَا أهل الْجنَّة صرفا، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: ختامه آخر طعمه.
التَّسْنِيمُ يَعْلُو شَرَابَ أهْلِ الجَنَّةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ومزاجه من تسنيم﴾ (المطففين: ٧٢) . وَفَسرهُ بقوله: يَعْلُو شراب أهل الْجنَّة، وَهَذَا وَصله عبد ب حميد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: التسنيم يَعْلُو شراب أهل الْجنَّة، وَهُوَ صرف للمقربين ويمزج لأَصْحَاب الْيَمين وَقَالَ الْجَوْهَرِي: التسنيم اسْم مَاء فِي الْجنَّة، سمي بذلك لِأَنَّهُ جرى فَوق الغرف والقصور.
خِتامُهُ طِينُهُ مِسْك
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رحيق مختوم﴾ (المطففين: ٥٢) . وَفسّر الْمَخْتُوم بقوله: ختامه طينه مسك، وَهَذَا وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُجَاهِد فِي قَوْله: ختامه مسك، قَالَ: طينه مسك، وَفِي طَرِيق أبي الدَّرْدَاء فِي قَوْله: ختامه مسك، قَالَ هُوَ شراب أَبيض مثل الْفضة يختمون بِهِ آخر شرابهم.
نَضَّاخَتَانِ فَيَّاضَتَانِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فيهمَا عينان نضاختان﴾ (الرَّحْمَن: ٦٦) . وَفسّر النضاختان بقوله: فياضتان، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ والنضخ فِي اللُّغَة بِالْمُعْجَمَةِ أَكثر من الْمُهْملَة.
يُقَالُ: مَوْضُونَةٌ مَنْسُوجَةٌ. ومنْهُ: وَضِينُ النَّاقَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿على سرر موضونة﴾ (الْوَاقِعَة: ٥١) . وَفسّر الموضونة بالمنسوجة، أَي: المنسوجة بِالذَّهَب، وَقيل: بالجواهر واليواقيت، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة. وَرُوِيَ أَيْضا من طَرِيق الضَّحَّاك فِي قَوْله: موضونة، قَالَ: الْوَضِين التشبيك والنسيج يَقُول: وَسطهَا مشبك منسوج. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن هَذَا وضين النَّاقة: وَهُوَ البطان إِذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً.
والكُوبُ مَا لَا أُذُنَ لَهُ ولَا عُرْوَةَ، والأبارِيقُ ذَوَاتُ الآذَانِ والْعُرَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بأكواب وأباريق﴾ (الْوَاقِعَة: ٨١) . والأكواب جمع كوب، وَفَسرهُ بقوله: والكوب مَا لَا أذن لَهُ وَلَا عُرْوَة، وَقيل: الكوب المستدير لَا عرىً لَهُ، وَيجمع على أكواب، وَيجمع الأكواب على: أكاويب، وروى عبد ابْن حميد من طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: الكوب دون الإبريق لَيْسَ لَهُ عُرْوَة، والأباريق جمع إبريق على وزن إفعيل أَو فعليل.
عُرْبَاً مُثَقَّلَةً واحِدُهَا مثْلُ صَبُورٍ وصبر يُسَمِّيهَا أهْلُ مَكَّةَ العَرَبَةَ وأهْلُ المدِينَة الغَنِجَةَ وأهْلُ العِرَاقِ الشِّكِلَةَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناهن أَبْكَارًا عربا أَتْرَابًا﴾ الْوَاقِعَة: ٦٣ وَفسّر: عربا، بِقوم مثقلة أَي: مَضْمُومَة الرَّاء، قيل: مُرَادهم بالتثقيل الضَّم وبالتخفيف الإسكان. قلت: لَيْت شعري هَذَا اصْطِلَاح من أهل الأدبية. قَوْله: (واحدتها) أَي: وَاحِدَة الْعَرَب بِضَم الرَّاء: غرُوب، مثل: صبور فِي الْمُفْرد، وصبر بِضَم الْبَاء فِي الْجمع، وَذكر النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناهن أَبْكَارًا﴾ (الْوَاقِعَة: ٦٣) . عذارى عربا عواشق محببات إِلَى أَزوَاجهنَّ جمع عروب، وَقَالَ الْحسن: العروب الملقة، وَقَالَ عِكْرِمَة: غنجة، وَقَالَ ابْن زيد: شكله بلغَة مَكَّة، مغنوجة بلغَة الْمَدِينَة، وَعَن زيد بن حَارِثَة: حسان الْكَلَام، وَقيل: حَسَنَة الْفِعْل، وَجزم الْفراء: بِأَن العروب الغنجة. قَوْله: (العربة) ، بِفَتْح الْعين وَكسر الرَّاء وَفتح الْبَاء، وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق تَمِيم بن حدلم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عربا﴾ (الْوَاقِعَة: ٦٣) . قَالَ: العربة الْحَسَنَة التبعل، كَانَت الْعَرَب تَقول إِذا كَانَت الْمَرْأَة حَسَنَة التبعل: إِنَّهَا لعربة، وَمن طَرِيق عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر الْمَكِّيّ، قَالَ: العربة الَّتِي تشْتَهي زَوجهَا. قَوْله: (الغنجة) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر النُّون وبالجيم: من الغنج، وَهُوَ التكسر
стр. 4478
والتدلل فِي الْمَرْأَة، وَقد غنجت وتغنجت. قَوْله: (الشكلة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْكَاف ذَات الدل.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ رَوْحٌ جَنَّةٌ ورَخَاءٌ والرَّيْحَانُ الرِّزْقُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم﴾ (الْوَاقِعَة: ٩٨) . وَفسّر مُجَاهِد: روحاً بجنة ورخاء، وَفسّر الريحان بالرزق. وَقَالَ الْفرْيَابِيّ: حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (فَروح) قَالَ جنَّة ﴿وَرَيْحَان﴾ (الْوَاقِعَة: ٩٨) . قَالَ: رزق. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الشّعب) من طَرِيق آدم عَن وَرْقَاء بِسَنَدِهِ بِلَفْظ: ﴿فَروح وَرَيْحَان﴾ (الْوَاقِعَة: ٩٨) . قَالَ: الروج جنَّة ورخاء، وَالريحَان الرزق. وروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا شَبابَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: ﴿فَروح وَرَيْحَان﴾ (الْوَاقِعَة: ٩٨) . قَالَ: رزق، وَحدثنَا أَبُو نعيم عَن عبد السَّلَام بن حَرْب عَن لَيْث عَن مُجَاهِد، قَالَ: الرّوح الْفَرح، وَالريحَان الرزق، وَقيل: روح طيب ونسيم، وَقيل: الاسْتِرَاحَة، وَمن قَرَأَ بِضَم الرَّاء أَرَادَ الْحَيَاة الَّتِي لَا موت مَعهَا، وَعَن الْحسن: الريحان ريحاننا هَذَا.
والمَنْضُودُ المَوْزُ والمَخْضُودُ المُوقَرُ حَمْلاً ويُقَالُ أَيْضا لَا شَوْكَ لَهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٢ ١٣) . الْآيَة وَفسّر قَوْله: ﴿وطلح منضود﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٢ ١٣) . بِأَنَّهُ: الموز، وَقَالَ عِيَاض: وَقع هُنَا تَخْلِيط، وَالصَّوَاب: والطلح الموز، والمنضود: الموقر حملا الَّذِي نضد بعضه على بعض من كَثْرَة حَملَة، واستصوب بَعضهم مَا قَالَه البُخَارِيّ، وَفِي ضمنه رد على عِيَاض، وَالصَّوَاب مَا قَالَه عِيَاض لِأَن المنضود لَيْسَ اسْم الموز وَإِنَّمَا هُوَ صفة الطلح. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) : طلح شجر موز، وَعَن السّديّ: شجر يشبه طلح الدُّنْيَا وَلَكِن لَهُ ثَمَر أحلى من الْعَسَل، وَقَالَ النَّسَفِيّ أَيْضا: حُكيَ أَن رجلا قَرَأَ عِنْد عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ﴿وطلح منضود﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٢ ١٣) . فَقَالَ عَليّ: وَمَا شَأْن الطلح؟ إِنَّمَا هُوَ: طلع منضود، ثمَّ قَرَأَ , ﴿طلعها هضيم﴾ (الشُّعَرَاء: ٨٤١) . فَقيل: إِنَّهَا فِي الْمُصحف بِالْحَاء أَفلا نحولها؟ فَقَالَ: إِن الْقُرْآن لَا يهاج الْيَوْم وَلَا يحول، وَعَن الْحسن: لَيْسَ الطلح بالموز وَلكنه شجر لَهُ ظلّ بَادر طيب، وَقَالَ الْفراء وَأَبُو عُبَيْدَة: الطلح عِنْد الْعَرَب شجر عِظَام لَهَا شوك، وَقيل: هُوَ شجر أم غيلَان وَله نوار كثير طيب الرَّائِحَة. قلت: وعَلى كل تَقْدِير فِي معنى الطلح فالمنضود صفة وَلَيْسَ باسم، وَمَعْنَاهُ: متراكم قد نضد بِالْحملِ من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ، وَلَيْسَت لَهُ سَاق بارزة. وَقَالَ مَسْرُوق: أَشجَار الْجنَّة من عروقها إِلَى أفنائها ثَمَر كُله. قَوْله: (والمخضود) ، بالمعجمتين: صفة للسدر كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن.
والعُرُبُ المُحَبَّبَاتُ إِلَى أزْوَاجِهِنَّ
قد ذكر: العُرب، عَن قريب وفسرها بقوله: مثقلة، وَقَالَ: واحدتها عروب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة.
ويُقَالُ: مسْكُوبٌ جَارٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَاء مسكوب﴾ (الْوَاقِعَة: ١٣) . وَفَسرهُ بقوله: جَار، وَأَرَادَ بِهِ أَنه قوي الجري كَأَنَّهُ يسْكب سكباً.
وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وفرش مَرْفُوعَة﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٣ ٤٣) . بعد قَوْله: ﴿وفاكِهَة كَثِيرَة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٣ ٤٣) . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المرفوعة الْعَالِيَة، يُقَال بِنَاء مَرْفُوع أَي: عَال، وروى ابْن حبَان وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي قَوْله: ﴿وفرش مَرْفُوعَة﴾ (الْوَاقِعَة: ٢٣ ٤٣) . قَالَ: ارتفاعها خَمْسمِائَة عَام.
لَغْوَاً باطِلاً تأثِيماً كَذِبَاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا تأثيماً﴾ (الْوَاقِعَة: ٥٢) . وَفسّر اللَّغْو بِالْبَاطِلِ والتأثيم بِالْكَذِبِ، وَكَذَا رَوَاهُ الْفرْيَابِيّ عَن مُجَاهِد.
أفْنان أغْصانٌ
стр. 4479
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ذواتا أفنان﴾ (الرحمان: ٨٤) . وَفسّر الأفنان بالأغصان، وَكَذَا فسره عِكْرِمَة وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : الأفنان جمع فنن وَهُوَ من قَوْلهم: أفنن فلَان فِي حَدِيثه إِذا أَخذ فِي فنون، وَعَن مُجَاهِد: أفنان أَغْصَان وَاحِدهَا فنن، وَعَن عِكْرِمَة: ظلّ الأغصان على الْحِيطَان، وَعَن الْحسن: ذواتا أفنان ذواتا ظلال، وَخص الأفنان بِالذكر لِأَنَّهَا الغصنة الَّتِي تتشعب من فروع الشَّجَرَة لِأَنَّهَا الَّتِي تورق وتثمر، فَمِنْهَا تمتد الظلال وَمِنْهَا تجتنى الثِّمَار.
﴿وجَناى الجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (الرحمان: ٤٥) . مَا يُجْتَناى قريب مِنْها
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿متكئين على فرش بطائنها من استبرق. وجنا الجنتين دَان﴾ (الرحمان: ٤٥) . وَفسّر: جنى، بِمَا يجتنى، ودانٍ بقوله: قريب مِنْهَا. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وجنا الجنتين ثَمَرهَا دانٍ قريب يَنَالهُ الْقَائِم والقاعد والنائم.
مُدْهَامَّتَانِ سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن دونهمَا جنتان فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ: مدهامتان﴾ (الرحمان: ٢٦ ٤٦) . يَعْنِي: وَمن دون الجنتين الْأَوليين الموعودتين: ﴿لمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ (الرحمان: ٢٦ ٤٦) . أخريان: ﴿مدهامتان﴾ (الرحمان: ٢٦ ٤٦) . وفسرها بقوله: سوداوان من الرّيّ، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : مدهامتان ناعمتان سوداوتان من ريهما وَشدَّة خضرتهما، لِأَن الخضرة إِذا اشتدت قربت إِلَى السوَاد والدهمة السوَاد الْغَالِب.
٠٤٢٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ إذَا ماتَ أحَدُكُمْ فإنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بالْغَداةِ والْعَشِيِّ فإنْ كانَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَمِنْ أهْلِ النَّارِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٧٣١ وطرفه) .
شرع البُخَارِيّ يذكر فِي هَذَا الْبَاب خَمْسَة عشر حَدِيثا مطابقات كلهَا للتَّرْجَمَة فِي ذكر الْجنَّة، وَفِي بَعْضهَا وصفهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر الْمُطَابقَة بعد هَذَا فِي أول كل حَدِيث، وَهَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْمَيِّت يعرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٤٢٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا سَلْمُ بنُ زَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجاءٍ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اطْلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِها الفُقَرَاءَ واطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا النِّساء. .
أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَسلم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام: ابْن زرير، بِفَتْح الزَّاي وَكسر الرَّاء الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: العطاردي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو رَجَاء عمرَان بن ملْحَان العطاردي الْبَصْرِيّ، أدْرك زمَان النَّبِي ﷺ ، وَأسلم بعد فتح مَكَّة وَلم ير النَّبِي ﷺ ، وَلم يُهَاجر إِلَيْهِ، بلغ مائَة وَثَلَاثِينَ سنة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي الْوَلِيد أَيْضا عَن سلم بن زرير وَفِي النِّكَاح عَن عُثْمَان بن الْهَيْثَم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة جَهَنَّم عَن ابْن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء وَفِي الرقَاق عَن قُتَيْبَة وَعَن بشر بن هِلَال وَعمْرَان ابْن مُوسَى، وَفِيه الِاخْتِلَاف على أبي رَجَاء فَإِن مُسلما رَوَاهُ من حَدِيث الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس، وَمن حَدِيث أبي الْأَشْهب عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس، وَمن حَدِيث ابْن أبي عرُوبَة عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ التِّرْمِذِيّ: وكلا الإسنادين لَيْسَ فيهمَا مقَال، يحْتَمل أَن يكون أَبُو رَجَاء سمع مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي النِّكَاح من حَدِيث عَوْف عَن أبي رَجَاء، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى غير عَوْف أَيْضا هَذَا الحَدِيث عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان بن حُصَيْن، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث يزِيد بن عبد الله وَمُحَمّد بن عبد الله وَهُوَ متابع لأبي رَجَاء عَن عمرَان. وَلَفظه: (أقل سَاكِني الْجنَّة النِّسَاء) ، وَفِي
стр. 4480
لَفْظَة: (وَعَامة أهل النَّار النِّسَاء) ، وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ مَرْفُوعا: لَا تدخل النِّسَاء إلَاّ كعدد هَذَا الْغُرَاب مَعَ هَذِه الْغرْبَان، وَفِي (الْأَخْبَار) للألكائي من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن شبْل مَرْفُوعا: (إِن الْفُسَّاق هم أهل النَّار) ، ثمَّ فسرهم بِالنسَاء، قَالُوا: يَا رَسُول الله ألسن أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا؟ قَالَ: بلَى، (وَلَكِن إِذا أُعطين لم يشكرن وَإِذا ابتلين لم يصبرن) . وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا تسْتَحقّ النِّسَاء النَّار لكفرهن العشير. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا كَانَ النِّسَاء أقل سَاكِني الْجنَّة لما يغلب عَلَيْهِنَّ الْهوى والميل إِلَى عَاجل زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا، ولنقصان عقولهن، فيضعفن عَن عمل الْآخِرَة وَالتَّأَهُّب لَهَا لميلهن إِلَى الدُّنْيَا والتزين بهَا، وأكثرهن معرضات عَن الْآخِرَة سريعات الانخداع لراغبيهن من المعرضين عَن الدّين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إِلَى الْآخِرَة وأعمالها، وَأما الْفُقَرَاء فَلَمَّا كَانُوا فاقدي المَال الَّذِي يتوسل بِهِ إِلَى الْمعاصِي فازوا بِالسَّبقِ. فَإِن قلت: فقد ظهر فضل الْفقر فَلم استعاذ النَّبِي ﷺ مِنْهُ؟ قلت: إِنَّمَا استعاذ من شَرّ فتنته كَمَا استعاذ من شَرّ فتْنَة الْغنى. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الْجنَّة عزب وَلكُل رجل زوجان، فكي يكون وصفهن بالقلة فِي الْجنَّة وبالكثرة فِي النَّار؟ قلت: ذكر الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَغَيره أَن الْإِكْثَار بِكَوْن النِّسَاء أَكثر أهل النَّار كَانَ قبل الشَّفَاعَة فِيهِنَّ، فعلى كَون زَوْجَيْنِ لكل رجل يكنَّ أَكثر أهل الْجنَّة.
٢٤٢٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ إذْ قالَ بَيْنَا أنَا نائِمٌ رَأيْتُنِي فِي الجَنَّةِ فإذَا امْرَأةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هذَا القَصْرُ فقَالُوا لِعُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرَاً فبَكَى عُمَرُ وقالَ أعَلَيْكَ أغَارُ يَا رسُولَ الله. .
أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي فضل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن سعيد بن أبي مَرْيَم أَيْضا، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ: (رَأَيْت فِي الْجنَّة قصراً من ذهب، فَقلت: لمن هَذَا؟ قَالَ: لعمر بن الْخطاب) . قَالَ: وَمعنى هَذَا الحَدِيث: أَنِّي دخلت البارحة الْجنَّة، يَعْنِي: رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي دخلت الْجنَّة، هَكَذَا رُوِيَ فِي بعض هَذَا الحَدِيث ويروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: (رُؤْيا الْأَنْبِيَاء حق) ، وَقد روى أَحْمد من حَدِيث معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: (إِن عمر من أهل الْجنَّة) ، وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ مَا رأى فِي يقظته ومنامه سَوَاء، وَأَنه قَالَ: (بَينا أَنا فِي الْجنَّة إِذْ رَأَيْت فِيهَا جَارِيَة، فَقلت: لمن هَذِه؟ فَقيل: لعمر بن الْخطاب.
قَوْله: (رَأَيْتنِي) ، أَي: رَأَيْت نَفسِي. قَوْله: (فَإِذا امْرَأَة) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (تتوضأ) ، قَالَ الْكرْمَانِي: تتوضأ من الْوَضَاءَة، وَهِي الْحسن والنظافة، وَيحْتَمل أَن يكون من الْوضُوء، وَقَالَ الْخطابِيّ: فَإِذا امْرَأَة شوهاء، وَإِنَّمَا أسقط الْكَاتِب مِنْهُ بعض الْحُرُوف فَصَارَ: يتَوَضَّأ لالتباس ذَلِك فِي الْخط لِأَنَّهُ لَا عمل فِي الْجنَّة لَا وضوء وَلَا غَيره، والشوهاء بالشين الْمُعْجَمَة. قَالَ أَبُو عبيد: هِيَ الْمَرْأَة الْحَسْنَاء، والشوهاء وَاسِعَة الْفَم وَالصَّغِيرَة الْفَم، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الشوهاء القبيحة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فرس شوهاء صفة محمودة، وَيُقَال: يُرَاد بهَا سَعَة أشداقها، ورد عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ، وَقَالَ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة: (تتوضأ) ، ووضوء هَذِه الْمَرْأَة إِنَّمَا هُوَ لتزداد حسنا ونوراً لَا أَنَّهَا تزيل وسخاً وَلَا قذراً، إِذْ الْجنَّة منزهة عَن القذر، وَقَالَ ابْن التِّين: وَذكر عَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَنه قَالَ: هَذَا فِيهِ أَن الْوضُوء موصل إِلَى هَذَا الْقصر وَالنَّعِيم. قَوْله: (فَذكرت غيرته) ، بِالْفَتْح مصدر قَوْلك: غَار الرجل على أَهله من فلَان، وَهِي الحمية والأنفة، يُقَال: رجل غيور، وَامْرَأَة غيور، وَجَاء امْرَأَة غيراء، وَصِيغَة غيور للْمُبَالَغَة.
стр. 4481
٣٤٢٣ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ سَمِعْتُ أبَا عِمْرَانَ الجَوْنِيَّ يُحَدِّثُ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ الأشْعَرِيِّ عنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَ فِي السَّمَاءِ ثَلاثُونَ مِيلاً فِي كلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا لِلْمُؤْمِنِ أهْل لَا يَرَاهُمُ الآخَرُونَ. قَالَ أبُو عَبْدِالصَّمَدِ والحَارِثُ بنُ عُبَيْدٍ عنْ أبِي عِمْرَان سِتُّونَ مِيلاً. (الحَدِيث ٣٤٢٣ طرفه فِي: ٩٧٨٤) .
همام، بتَشْديد الْمِيم: ابْن يحيى أبي دِينَار الْبَصْرِيّ وَأَبُو عمرَان عبد الْملك بن حبيب الْجونِي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون، وَأَبُو بكر اسْمه عَمْرو بن عبد الله بن قيس بن سليم الْأَشْعَرِيّ مَاتَ فِي ولَايَة خَالِد بن عبد الله وَكَانَ أكبر من أَخِيه ابْن بردة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْجنَّة عَن سعيد بن مَنْصُور وَعَن أبي غَسَّان وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا.
قَوْله: (الْخَيْمَة) ، بَيت مربع من بيُوت الْأَعْرَاب. قَوْله: (درة مجوفة) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَالْمُسْتَمْلِي: (در مجوف طوله) ، ويروى: (من لؤلؤة) ، ومجوفة بِالْفَاءِ، وَفِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي: بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي: المثقوبة الَّتِي قطع داخلها. قَوْله: (ثَلَاثُونَ ميلًا) ، والميل ثلث الفرسخ، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: (الْخَيْمَة درة مجوفة فَرسَخ فِي فَرسَخ لَهَا أَرْبَعَة آلَاف مصراع من ذهب) ، وَعَن أبي الدَّرْدَاء: (الْخَيْمَة لؤلؤة وَاحِدَة لَهَا سَبْعُونَ بَابا) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يعلم من هَذَا الحَدِيث أَن نوع النِّسَاء الْمُشْتَمل على الْحور والآدميات فِي الْجنَّة أَكثر من نوع رجال بني آدم. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الصَّمد) ، واسْمه عبد الْعَزِيز بن عبد الصَّمد الْعمي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. قَوْله: (والْحَارث بن عبيد) ، أَبُو قدامَة، بِضَم الْقَاف: الأيادي، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة، يَعْنِي: روى هَذَانِ الإثنان هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَا: (سِتُّونَ ميلًا) بدل قَول همام: ثَلَاثُونَ، وَتَعْلِيق أبي عبد الصَّمد وَصله البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن عَن مُحَمَّد ابْن الْمثنى عَنهُ، وَتَعْلِيق الْحَارِث وَصله مُسلم وَلَفظه: إِن للْعَبد فِي الْجنَّة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولهَا سِتُّونَ ميلًا.
٥٤ - (حَدثنَا الْحميدِي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ الله أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فاقرؤا إِن شِئْتُم فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين) الْحميدِي تكَرر ذكره وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْجنَّة عَن سعيد بن عَمْرو وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر وَهَذَا الحَدِيث يدل على وجود الْجنَّة لِأَن الإعداد غَالِبا لَا يكون إِلَّا لشَيْء حَاصِل قَوْله " مَا لَا عين رَأَتْ " مَا هُنَا إِمَّا مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة وَعين وَقعت فِي سِيَاق النَّفْي فَأفَاد الِاسْتِغْرَاق وَالْمعْنَى مَا رَأَتْ الْعُيُون كُلهنَّ وَلَا عين وَاحِدَة مِنْهُنَّ والأسلوب من بَاب قَوْله تَعَالَى ﴿مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع﴾ فَيحمل على نفي الرُّؤْيَة وَالْعين مَعًا أَو نفي الرُّؤْيَة فَحسب أَي لَا رُؤْيَة وَلَا عين أَو لَا رُؤْيَة وعَلى الأول الْغَرَض مِنْهُ نفي الْعين وَإِنَّمَا ضمت إِلَيْهِ الرُّؤْيَة ليؤذن بِأَن انْتِفَاء الْمَوْصُوف أَمر مُحَقّق لَا نزاع فِيهِ وَبلغ فِي تحَققه إِلَى أَن صَار كالشاهد على نفي الصّفة وَعَكسه قَوْله " وَلَا خطر على قلب بشر " هُوَ من بَاب قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم لَا ينفع الظَّالِمين معذرتهم﴾ وَقَوله
(لَا حب يهتدى بمنارة ... )
أَي لَا قلب وَلَا خطر أَو لَا خطور فعلى الأول لَيْسَ لَهُم خطر فَجعل انْتِفَاء الصّفة دَلِيلا على انْتِفَاء الذَّات أَي إِذا لم يحصل ثَمَرَة الْقلب وَهُوَ الاخطار فَلَا قلب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع﴾ (فَإِن قلت) لم خص الْبشر هُنَا دون القرينتين السابقتين قلت لأَنهم هم الَّذين يَنْتَفِعُونَ بِمَا أعد لَهُم ويهتمون بِشَأْنِهِ ويخطرونه ببالهم بِخِلَاف الْمَلَائِكَة والْحَدِيث كالتفصيل لِلْآيَةِ فَإِنَّهَا نفت الْعلم والْحَدِيث نفى طرق حُصُوله قَوْله " فاقرؤا إِن شِئْتُم " قَالَ الدَّاودِيّ هُوَ من قَول أبي هُرَيْرَة
стр. 4482
ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين وَقَالَ الظَّاهِر خِلَافه وَأَنه من قَوْله ﷺ َ - قَوْله " قُرَّة أعين " قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم﴾ لَا تعلم النُّفُوس كُلهنَّ وَلَا نفس وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَا ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل أَي نوع عَظِيم من الثَّوَاب ادخره الله تَعَالَى لأولئك وأخفاه عَن جَمِيع خلائقه لَا يُعلمهُ إِلَّا هُوَ مِمَّا تقر بِهِ عيونهم وَلَا مزِيد على هَذِه الْعدة وَلَا مطمح وَرَاءَهَا انْتهى وَيُقَال أقرّ الله عَيْنك وَمَعْنَاهُ أبرد الله تَعَالَى دمعتها لِأَن دمعة الْفَرح بَارِدَة حَكَاهُ الْأَصْمَعِي وَقَالَ غَيره مَعْنَاهُ بلغك الله أمنيتك حَتَّى ترْضى بِهِ نَفسك فَلَا تستشرف إِلَى غَيره -
٥٤٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبَرَنا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ أوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ على صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ ولَا يَتَغَوَّطُونَ آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ أمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ ومَجَامِرُهُمْ الألاوَّةُ ورَشْحُهُمْ المِسْكُ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِما مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ ولَا تَباغُضَ قُلُوبُهُمْ قلْبٌ واحدٌ يُسَبِّحُونَ الله بُكْرَةً وعَشِيَّاً. .
عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة الْجنَّة أَيْضا عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك أَيْضا، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح.
قَوْله: (أول زمرة) أَي: جمَاعَة. قَوْله: (تلج) ، أَي: تدخل من: ولج يلج ولوجاً. قَوْله: (صورتهم على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر) أَي: فِي الإضاءة، وَسَيَأْتِي فِي الرقَاق بِلَفْظ: يدْخل الْجنَّة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا تضيء وُجُوههم إضاءة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، وَيَجِيء هُنَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة، وَالَّذين على آثَارهم كأشد كَوْكَب إضاءة. قَوْله: (لَا يبصقون) ، من البصاق (وَلَا يَمْتَخِطُونَ) من المخاط (وَلَا يَتَغَوَّطُونَ) من الْغَائِط وَهُوَ كِنَايَة عَن الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ جَمِيعًا، وَزَاد فِي صفة آدم: لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتْفلُونَ، وَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: وَلَا يسقمون، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث جَابر: يَأْكُل أهل الْجنَّة وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ طعامهم ذَلِك جشاء كريح الْمسك، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من حَدِيث زيد بن أَرقم، قَالَ: جَاءَ رجل من أهل الْكتاب فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم ﴿تزْعم أَن أهل الْجنَّة يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ﴾ قَالَ: نعم، إِن أحدكُم ليُعْطى قُوَّة مائَة رجل فِي الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع، قَالَ: الَّذِي يَأْكُل وَيشْرب تكون لَهُ الْحَاجة، وَلَيْسَ فِي الْجنَّة أَذَى؟ قَالَ: تكون حَاجَة أحدهم رشحاً يفِيض من جُلُودهمْ كَرَشْحِ الْمسك. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: السَّائِل ثَعْلَبَة بن الْحَارِث. قَوْله: (آنيتهم الذَّهَب) ، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي: وَالْفِضَّة. وَقَالَ فِي الأمشاط عكس ذَلِك، فَكَأَنَّهُ اكْتفى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر. قَوْله: (أمشاطهم) جمع مشط، وَهُوَ مثلث الْمِيم، والأفصح ضمهَا. قَوْله: (ومجامرهم) ، جمع مجمرة وَهِي المبخرة، سميت مجمرة لِأَنَّهَا يوضع فِيهَا الْجَمْر ليفوح بِهِ مَا يوضع فِيهَا من البخور، ومجامرهم مُبْتَدأ و: الألوة، خَبره، وَيفهم مِنْهُ نفس الْعود، وَلَكِن فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: وقود مجامرهم الألوة، فعلى هَذَا يكون الْمُضَاف هُنَا محذوفاً. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي الْجنَّة نفس المجمرة هِيَ الْعود. قلت: فعلى هَذَا يكون الْمَعْنى: وعودهم الألوة، فَإِذا كَانَ الألوة عوداً يكون الْحمل غير صَحِيح، لِأَن الْمَحْمُول يكون غير الْمَوْضُوع، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: المجامر جمع مجمرة بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ الَّذِي يوضع النَّار فِيهِ للبخور، وبالضم هُوَ الَّذِي يتبخر بِهِ وَأعد لَهُ الْجَمْر، ثمَّ قَالَ: وَالْمرَاد فِي الحَدِيث هُوَ الأول، وَفَائِدَة الْإِضَافَة أَن الألوة هِيَ الْوقُود نَفسه بِخِلَاف الْمُتَعَارف، فَإِن وقودهم غير الألوة وَقيل: المجامر جمع، والألوة مُفْرد، فَلَا مُطَابقَة بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَأجِيب: بِأَن الألوة جنس، وَهُوَ بِضَم الْهمزَة وَفتحهَا وَضم اللَّام وَتَشْديد الْوَاو، وَهُوَ: الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ، وَرُوِيَ بِكَسْر اللَّام أَيْضا، وَهُوَ مُعرب، وَحكى ابْن التِّين كسر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْوَاو والهمزة أَصْلِيَّة، وَقيل: زَائِدَة. فَإِن قلت: إِن رَائِحَة الْعود إِنَّمَا تفوح بِوَضْعِهِ فِي النَّار وَالْجنَّة لَا نَار فِيهَا. قلت: يحْتَمل أَن يشتعل بِغَيْر نَار، وَيحْتَمل أَن يكون بِنَار لَا ضَرَر فِيهَا وَلَا إحراق وَلَا دُخان، وَقيل: تفوح بِغَيْر إشعال، ويشابه ذَلِك مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: أَن الرجل فِي الْجنَّة ليشتهي الطير فيخر بَين يَدَيْهِ مشوياً. فَإِن قلت: أَي: حَاجَة لَهُم إِلَى الْمشْط وهم مرد وشعورهم لَا تنسخ؟ وَأي حَاجَة لَهُم إِلَى
стр. 4483
البخور وريحهم أطيب من الْمسك؟ قلت: نعيم أهل الْجنَّة من أكل وَشرب وَكِسْوَة وَطيب لَيْسَ عَن ألم جوع أَو ظمأ، أَو عري أَو نَتن، وَإِنَّمَا هِيَ لذات مترادفة وَنعم مُتَوَالِيَة، وَالْحكمَة فِي ذَلِك أَنهم ينعمون بِنَوْع مَا كَانُوا يتنعمون بِهِ فِي دَار الدُّنْيَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَذْهَب أهل السّنة أَن تنعم أهل الْجنَّة على هَيْئَة تنعم أهل الدُّنْيَا إلَاّ مَا بَينهمَا من التَّفَاضُل فِي اللَّذَّة، وَدلّ الْكتاب وَالسّنة على أَن نعيمهم لَا انْقِطَاع لَهُ. قَوْله: (ورشحهم الْمسك) أَي: عرقهم كالمسك فِي طيب الرَّائِحَة. قَوْله: (زوجتان) ، أَي: من نسَاء الدُّنْيَا، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي صفة أدنى أهل الْجنَّة منزلَة: وَأَن لَهُ من الْحور الْعين ثِنْتَيْنِ وَسبعين زَوْجَة سوى أَزوَاجه من الدُّنْيَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الظَّاهِر أَن التَّثْنِيَة يَعْنِي فِي قَوْله: زوجتان، للتكرير لَا للتحديد كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فأرجع الْبَصَر كرتين﴾ (الْملك:) . لِأَنَّهُ قد جَاءَ أَن للْوَاحِد من أهل الْجنَّة الْعدَد الْكثير من الْحور الْعين. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، وَقيل: يجوز أَن يكون يُرَاد بِهِ نَحْو: لبيْك وَسَعْديك، فَإِن المُرَاد تَلْبِيَة بعد تَلْبِيَة، وَلَيْسَ المُرَاد نفس التَّثْنِيَة، أَو يكون بِاعْتِبَار الصِّنْفَيْنِ نَحْو: زوجه طَوِيلَة وَالْأُخْرَى قَصِيرَة، أَو إِحْدَاهمَا كَبِيرَة وَالْأُخْرَى صَغِيرَة، قيل: اسْتدلَّ أَبُو هُرَيْرَة بِهَذَا الْإِسْنَاد على أَن النِّسَاء فِي الْجنَّة أَكثر من الرِّجَال. فَإِن قلت: يُعَارضهُ قَوْله ﷺ فِي حَدِيث الْكُسُوف: (رأيتكن أَكثر أهل النَّار) قلت: أُجِيب بِأَنَّهُ لَا يلْزم من أكثريتهن فِي النَّار فَفِي أكثريتهن فِي الْجنَّة. فَإِن قلت: يشكل على هَذَا قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الآخر: اطَّلَعت فِي الْجنَّة فَرَأَيْت أقل ساكنيها النِّسَاء؟ قلت: قد ذكرنَا فِيمَا مضى عَن قريب أَن هَذَا كَانَ قبل الشَّفَاعَة، ثمَّ قَوْله: زوجتان، بِالتَّاءِ وَهِي لُغَة كثرت فِي الحَدِيث، وَالْأَشْهر خلَافهَا، وَبِه جَاءَ الْقُرْآن وَهُوَ الْأَفْصَح، مَعَ أَن الْأَصْمَعِي كَانَ يُنكر التَّاء، وَلَكِن رد عَلَيْهِ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي بشواهد ذكرهَا. قَوْله: (يُرى مخ سوقهما من وَرَاء اللَّحْم) ، المخ، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة: مَا فِي دَاخل الْعظم لَا يسْتَتر بالعظم وَاللَّحم وَالْجَلد، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ليرى بَيَاض سَاقهَا من وَرَاء سبعين حلَّة، حَتَّى يرى مخها. وَفِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة أبي سعيد: ينظر وَجهه فِي خدها أصفى من الْمرْآة، وسوق، بِضَم السِّين جمع: سَاق. وَكلمَة: من، فِي: من الْحسن، يجوز أَن تكون للتَّعْلِيل و: أَن، تكون بَيَانِيَّة. قَوْله: (لَا اخْتِلَاف بَينهم) ، أَي: بَين أهل الْجنَّة (وَلَا تباغض) لصفاء قُلُوبهم ونظافتها من الكدورات. قَوْله: (قُلُوبهم) ، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره: قلب وَاحِد، بِالْإِضَافَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وَاحِد، مَرْفُوع على أَنه صفة لقلب، وَأَصله على التَّشْبِيه حذفت أداته أَي: كقلب رجل وَاحِد. قَوْله: ﴿يسبحون الله بكرَة وعشياً﴾ (الْملك: ٤) . هَذَا التَّسْبِيح لَيْسَ عَن تَكْلِيف وإلزام، وَقد فسره جَابر فِي حَدِيثه عِنْد مُسلم بقوله: يُلْهمُون التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير كَمَا يُلْهمُون النَّفس، وَوجه التَّشْبِيه أَن تنفس الْإِنْسَان لَا كلفة عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ، فَجعل تنفسهم تسبيحاً وَسَببه أَن قُلُوبهم تنورت بِمَعْرِِفَة الرب ، وامتلأت بحبه، وَمن أحب شَيْئا أَكثر من ذكره. فَإِن قلت: لَا بكرَة وَلَا عَشِيَّة، إِذْ لَا طُلُوع وَلَا غرُوب. قلت: المُرَاد مِنْهُ مقدارهما أَو دَائِما يتلذذون بِهِ، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: إِذا تلذذوا بِهِ دَائِما يبْقى. قَوْله: (بكرَة وعشياً) بِلَا فَائِدَة، وَالظَّاهِر أَن تسبيحهم يكون فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ. فَإِن قلت: كَيفَ يعْرفُونَ هذَيْن الْوَقْتَيْنِ بِلَا ليل وَلَا نَهَار؟ قلت: قد قيل: إِن تَحت الْعَرْش ستارة معلقَة تطوى وتنشر على يَد ملك، فَإِذا طواها يعلمُونَ أَنهم لَو كَانُوا فِي الدُّنْيَا، كَانَ هَذَا نَهَارا، وَإِذا أسبلها يعلمُونَ أَنهم لَو كَانُوا فِي الدُّنْيَا كَانَ لَيْلًا، وانتصاب: (بكرَة وعشياً) على الظَّرْفِيَّة.
٦٤٢٣ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبرَنا شعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ أوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ علَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ والَّذِينَ علَى إثْرِهِمْ كأشَدِّ كَوْكبٍ إضَاءَةً قُلُوبُهُمْ علَى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ ولَا تَباغُضَ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ كُلُّ وَاحِدَة منْهُمَا يُرَى مُخُّ ساقِها منْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنَ الحُسْنِ يُسَبِّحُونَ الله بُكْرَةً وعَشِيَّاً لَا يَسْقَمُونَ ولَا يَمْتَخِطُونَ ولَا يَبْصُقُونَ آنِيَتُهُمْ الذَّهَبُ والفِضَّةُ وأمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ وَقُودَ مَجَامِرِهِمْ الأُلْوَةُ. قَالَ أبُو اليَمَانِ يَعْنِي العُودَ ورَشْحُهُمْ الِمسْكُ.
стр. 4484
هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث أبي هُرَيْرَة وَرُوَاته على هَذَا النسق قد مروا غير مرّة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
قَوْله: (على إثرهم) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَبِفَتْحِهَا أَيْضا، أَي: الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة عقيب الْأَوَّلين، وَالَّذين يدْخلُونَ بعدهمْ كأشد كَوْكَب إضاءة، وَإِنَّمَا أفرد الْمُضَاف إِلَيْهِ ليُفِيد الِاسْتِغْرَاق فِي هَذَا النَّوْع من الْكَوْكَب، يَعْنِي: إِذا انْقَضتْ كوكباً كوكباً رَأَيْتهمْ كأشد إضاءة. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين هَذَا وَبَين التَّرْكِيب السَّابِق؟ قلت: كِلَاهُمَا مشبهان إِلَّا أَن الْوَجْه فِي الثَّانِي هُوَ الإضاءة فَقَط، وَفِي الأول الْهَيْئَة وَالْحسن والضوء، كَمَا إِذا قلت: إِن زيدا لَيْسَ بِإِنْسَان بل هُوَ فِي صُورَة الْأسد وشجاعته وجراءته. وَهَذَا التَّشْبِيه قريب من الِاسْتِعَارَة المكنية. قَوْله: (آنيتهم الذَّهَب وَالْفِضَّة) ، وَفِي الحَدِيث السَّابِق قَالَ: آنيتهم الذَّهَب، وَهنا زَاد: الْفضة، وَفِي الأمشاط ذكر بعكس ذَلِك فَكَأَنَّهُ اكْتفى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِذكر أَحدهمَا كَمَا ذكرنَا هُنَاكَ، كَمَا فِي قَوْله: ﴿والَّذِين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ (التَّوْبَة: ٤٣) . وخصص الذَّهَب لِأَنَّهُ لَعَلَّه أَكثر من الْفضة كنزاً، أَو لِأَن الذَّهَب أشرف، أَو أَن حَال الزمرة الأولى خَاصَّة، فآنيتهم كلهَا من الذَّهَب لشرفهم وَهَذَا أَعم مِنْهُم، فتفاوت الْأَوَانِي بِحَسب تفَاوت أَصْحَابهَا، وَأما الأمشاط فَلَا تفَاوت بَينهم فِيهَا، فَلم يذكر الْفضة هُنَا، وَلما علم ثمَّة أَن فِي آنِية الزمرة الأولى قد تكون الْفضة فغيرهم بِالطَّرِيقِ الأولى، وَحَقِيقَة هَذِه الْأَحْوَال لَا يعلمهَا إلَاّ الله تَعَالَى.
وقالَ مُجَاهِدٌ الإبْكَارُ أوَّلُ الفَجْرِ والعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلَى أنْ أُرَاهُ تَغْرُبَ
قَوْله: (أُراه) أَي: أَظُنهُ، وَهِي جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله: (إِلَى أَن) وَقَوله: (تغرب) وَكَانَ البُخَارِيّ ظن فِي آخر الْعشي يَعْنِي مبدأ الْعشي مَعْلُوم وَآخره مظنون، و: تغرب، مَنْصُوب بِأَن، وَتَعْلِيق مُجَاهِد وَصله عبد بن حميد والطبري وَغَيرهمَا من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: إِلَى أَن تغيب، وَقَالَ: الإبكار، مصدر تَقول: أبكر فلَان فِي حَاجته يبكر إبكاراً إِذا خرج من بَين طُلُوع الْفجْر إِلَى وَقت الْفجْر، وَأما الْعشي فَمن بعد الزَّوَال، قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَا الظل من برد الضُّحَى يستطيعه ... وَلَا الْفَيْء من برد الْعشي يَذُوق)
قَالَ، والفيء يكون عِنْد زَوَال الشَّمْس. ويتناهى بمغيبها.
٥٧ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي قَالَ حَدثنَا فُضَيْل بن سُلَيْمَان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ ليدخلن من أمتِي سَبْعُونَ ألفا أَو سَبْعمِائة ألف لَا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم وُجُوههم على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر) أَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه سَلمَة قَوْله " ليدخلن " اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد وَهُوَ أَيْضا مُؤَكد بالنُّون الثَّقِيلَة وَسَبْعُونَ ألفا فَاعله قَوْله " أَو سَبْعمِائة ألف " شكّ من الرَّاوِي كَذَا قَالَه ابْن التِّين وَفِي حَدِيث مُسلم عَن عمرَان بن حُصَيْن مَرْفُوعا " يدْخل الْجنَّة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا بِغَيْر حِسَاب " وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا وَعَدَني رَبِّي أَن يدْخل الْجنَّة من أمتِي سبعين ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَلَا عَذَاب مَعَ كل ألف سَبْعُونَ ألفا وَثَلَاث حثيات من حثيات رَبِّي وَقَالَ غَرِيب وَفِي حَدِيث الْبَزَّار من حَدِيث أنس بِلَفْظ " مَعَ كل وَاحِد من السّبْعين ألفا سَبْعُونَ ألفا " وَفِي كتاب الشَّفَاعَة للْقَاضِي إِسْمَاعِيل من حَدِيث أنس مَرْفُوعا " أَن الله وَعَدَني أَن يدْخل الْجنَّة من أمتِي أَرْبَعمِائَة ألف " فَقَالَ أَبُو بكر زِدْنَا فَقَالَ وَهَكَذَا فَقَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَسبك يَا أَبَا بكر فَقَالَ دَعْنِي يَا عمر وَمَا عَلَيْك أَن يدخلنا الله الْجنَّة كلنا قَالَ عمر إِن شَاءَ الله أَدخل خلقه الْجنَّة بحثية وَاحِدَة فَقَالَ ﷺ َ - صدق عمر وروى الكلاباذي من حَدِيث عبد الْعَزِيز الْيَمَانِيّ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت فقدت رَسُول الله ﷺ َ - ذَات يَوْم فاتبعته فَإِذا هُوَ فِي مشربَة يُصَلِّي فَرَأَيْت على رَأسه ثَلَاثَة أنوار فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ من هَذِه قلت عَائِشَة فَقَالَ هَل رَأَيْت الْأَنْوَار قلت نعم قَالَ " إِن آتٍ أَتَانِي من رَبِّي فبشرني أَن الله تَعَالَى يدْخل الْجنَّة من أمتِي سبعين ألفا بِغَيْر حِسَاب وَلَا عَذَاب ثمَّ أَتَانِي فِي الْيَوْم الثَّانِي آتٍ من رَبِّي فبشرني أَن الله تَعَالَى يدْخل من أمتِي مَكَان كل وَاحِد من السّبْعين ألفا سبعين ألفا بِغَيْر حِسَاب وَلَا عَذَاب ثمَّ أَتَانِي فِي الْيَوْم الثَّالِث
стр. 4485
آتٍ من رَبِّي فبشرني أَن الله تَعَالَى يدْخل من أمتِي مَكَان كل وَاحِد من السّبْعين ألفا المضاعفة سبعين ألفا بِغَيْر حِسَاب وَلَا عَذَاب فَقلت يَا رَبِّي لَا تبلغ هَذَا أمتِي قَالَ يكملون من الْأَعْرَاب مِمَّن لَا يَصُوم وَلَا يُصَلِّي. ثمَّ قَالَ الكلاباذي اخْتلف النَّاس فِي الْأمة من هم فَقَالَ قوم أهل الْملَّة وَقَالَ آخَرُونَ كل مَبْعُوث إِلَيْهِ وَلَزِمتهُ الْحجَّة بالدعوة وَهَؤُلَاء يخْتَلف أَحْوَالهم فَمنهمْ من بعث إِلَيْهِ ودعي فَلم يجب كَأَهل الْأَدْيَان من أهل الْكتاب وَسَائِر الْمُشْركين فَهَؤُلَاءِ لَا يدْخلُونَ الْجنَّة أبدا وَمِنْهُم من دعِي فَأجَاب وَلم يتبع من جِهَة اسْتِعْمَال مَا لزمَه بالإجابة فَهُوَ مُؤمن بالإجابة إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ من التَّوْحِيد والرسالة وَإِن لم يسْتَعْمل مَا أَمر بِهِ تشاغلا عَنهُ وخلاعة وتجوزا فَهَؤُلَاءِ من أمة الدعْوَة والإجابة وَلَيْسوا من أمة الِاتِّبَاع وَمِنْهُم من أجَاب إِلَى مَا دعِي وَاسْتعْمل مَا أَمر بِهِ فَهَؤُلَاءِ من أمة الدعْوَة والإجابة والاتباع وَهَؤُلَاء الْأَعْرَاب يجوز أَن يَكُونُوا من أمة مُحَمَّد ﷺ َ - من طَرِيق الْإِجَابَة إِيمَانًا بِاللَّه وبرسوله وَلم يستعملوا مَا لَزِمَهُم بالإجابة فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا من أمته على معنى الِاتِّبَاع وَمعنى يكملون من الْأَعْرَاب يَعْنِي من هَؤُلَاءِ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله وَلم يستعملوا مَا لَزِمَهُم بالإجابة قَوْله " لَا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم " مَعْنَاهُ لَا يدْخل آخِرهم حَتَّى يدْخل أَوَّلهمْ وَإِلَّا لم يدْخل الآخر آخرا فَيلْزم الدّور وَهَذَا الدّور غير مَمْنُوع لِأَنَّهُ دور معية والممنوع دور التَّقَدُّم وَالْغَرَض مِنْهُ أَنهم يدْخلُونَ كلهم مَعًا صفا وَاحِدًا قَوْله " وُجُوههم كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر " جملَة حَالية وَقعت بِلَا وَاو -
٨٤٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ قَالَ حدَّثنا يُونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ وكانَ يَنْهَى عنِ الحَرِيرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمنادِيلُ سَعْدٍ بنِ مُعاذٍ فِي الجَنَّةِ أحْسَنُ مِنْ هَذَا. (انْظُر الحَدِيث ٥١٦٢ وطرفه) .
عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَيُونُس بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْمُؤَدب الْبَغْدَادِيّ مَاتَ فِي سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَكَانَ مؤدباً لبني دَاوُد بن عَليّ أَصله بَصرِي وَسكن الْكُوفَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب قبُول الْهَدِيَّة من الْمُشْركين، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٠٥٢٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثَنَا سُفْيَانُ عنْ أبِي حازِمٍ عَنْ سَهلٍ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها.
عَليّ بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار. قَوْله: (خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) ، قَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي فِي الْحسن والبهجة، وَقَالَ غَيره: يَعْنِي أَنه دَائِم لَا يفنى، فَكَانَ أفضل مِمَّا يفنى. فَإِن قلت: لم خص السَّوْط بِالذكر؟ قلت: لِأَن من شَأْن الرَّاكِب إِذا أَرَادَ النُّزُول فِي منزل أَن يلقِي سَوْطه قبل أَن ينزل معلما بذلك الْمَكَان الَّذِي يُريدهُ لِئَلَّا يسْبقهُ إِلَيْهِ أحد.
١٥٢٣ - حدَّثنا رَوْحُ بنُ عَبْدِ المُؤْمِنِ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثَنَا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عامٍ لَا يَقْطَعُهَا.
روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبد الْمُؤمن أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ الْمقري. وَهُوَ من أَفْرَاده وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَيزِيد من الزِّيَادَة، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة.
والْحَدِيث من أَفْرَاده وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من طَرِيق معمر عَن قَتَادَة، وَزَاد فِي آخِره: وَإِن شِئْتُم فاقرأوا: ﴿وظل مَمْدُود﴾ (الْوَاقِعَة: ٠٣) .
следующие страницы →