Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
يَأْتِي الْآن. الْخَامِس: بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ. السَّادِس: زِيَاد بن جُبَير بن حَيَّة الثَّقَفِيّ، روى عَن أَبِيه جُبَير بن حَيَّة، وروى عَنهُ سعيد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ الْمَذْكُور آنِفا. السَّابِع: جُبَير بن حَيَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن مَسْعُود، ابْن معتب بن مَالك بن عَمْرو بن سعد بن عَوْف بن ثَقِيف الثَّقَفِيّ، ولاه زِيَاد أَصْبَهَان، وَمَات أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان، وَقَالَ ابْن مَاكُولَا: جُبَير بن حَيَّة الثَّقَفِيّ روى عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة، هُوَ وَالِد الجبيرين بِالْبَصْرَةِ، وَابْنه زِيَاد بن جُبَير. قلت: روى جُبَير بن حَيَّة أَيْضا عَن عمر بن الْخطاب، والنعمان بن بشير. الثَّامِن: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَأخرج البُخَارِيّ بعض هَذَا الحَدِيث فِي التَّوْحِيد عَن الْفضل بن يَعْقُوب أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي أفناء الْأَمْصَار) ، قَالَ صَاحب (الْمطَالع) : قَوْله، فِي أفناء النَّاس، أَي: جماعاتهم، وَالْوَاحد فنو، وَقيل: أفناء النَّاس أخلاطهم، يُقَال للرجل إِذا لم يعلم من أَي قَبيلَة: هُوَ من أفناء الْقَبَائِل، وَقيل: الأفناء أنزاع من الْقَبَائِل من هَهُنَا وَمن هَهُنَا، حكى أَبُو حَاتِم أَنه لَا يُقَال فِي الْوَاحِد: هَذَا من أفناء النَّاس، إِنَّمَا يُقَال فِي الْجَمَاعَة هَؤُلَاءِ من أفناء النَّاس، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: هُوَ من أفناء النَّاس، إِذا لم يعلم مِمَّن هُوَ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي الحَدِيث: رجل من أفناء النَّاس أَي: لم يعلم مِمَّن هُوَ، الْوَاحِد فنو، وَقيل: هُوَ من الفناء، وَهُوَ المتسع أَمَام الدَّار، وَيجمع الفناء على أفنية، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: أفناء الْأَمْصَار، يُقَال: هُوَ من أفناء النَّاس إِذا لم يعلم مِمَّن هُوَ، وَفِي بَعْضهَا: الْأَمْصَار، بِالْمِيم، وَقَالَ بَعضهم (فِي أفناء الْأَمْصَار) : إِنَّه فِي مَجْمُوع الْبِلَاد الْكِبَار. قلت: هَذَا التَّفْسِير لَيْسَ على قانون اللُّغَة، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ التَّفْسِير. قَوْله: (فَأسلم الهرمزان) ، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَضم الْمِيم وَتَخْفِيف الزَّاي، وَفِي آخِره نون و: هَذَا الْموضع يَقْتَضِي بعض بسط الْكَلَام حَتَّى ينشرح صدر النَّاظر فِيهِ، لِأَن الرَّاوِي هُنَا أخل شَيْئا كثيرا، فَنَقُول: وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: أما الهرمزان فَكَانَ ملكا كَبِيرا من مُلُوك الْعَجم، وَكَانَت تَحت يَده كورة الأهواز، وكورة جندي سَابُور، وكورة السوس، وكورة السرق، وكورة نهر بَين، وكورة نهر تيري، ومناذر، بِفَتْح الْمِيم وَالنُّون وَبعد الْألف ذال مُعْجمَة وَفِي آخِره رَاء، وَكَانَ الهرمزان فِي الْجَيْش الَّذين أرسلهم يزدجر إِلَى قتال الْمُسلمين وهم على الْقَادِسِيَّة، وَهِي قَرْيَة على طَرِيق الْحَاج على مرحلة من الْكُوفَة، وأمير الْمُسلمين يَوْمئِذٍ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ رَأس جَيش الْعَجم رستم فِي مائَة ألف وَعشْرين ألفا يتبعهَا ثَمَانُون ألفا، وَمَعَهُمْ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ فيلاً، وَكَانَ الهرمزان رَأس الميمنة، وَزعم ابْن إِسْحَاق أَن الْمُسلمين كَانُوا مَا بَين السَّبْعَة آلَاف إِلَى الثَّمَانِية آلَاف، وَوَقع بَينهم قتال عَظِيم لم يعْهَد مثله، وأبلى فِي ذَلِك الْيَوْم جمَاعَة من الشجعان مثل طليحة الْأَسدي وَعَمْرو بن معدي كرب والقعقاع بن عَمْرو وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ وَضِرَار بن الْخطاب وخَالِد بن عرفطة وأمثالهم، وَكَانَت الْوَقْعَة بَينهم يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل الْمحرم عَام أَربع عشرَة، وَأرْسل الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْيَوْم ريحًا شَدِيدَة أرمت خيام الْفرس من أماكنها، وَأَلْقَتْ سَرِير رستم مقدم الْجَيْش، فَركب بغلة وهرب، وأدركه الْمُسلمُونَ وقتلوه، وانهزمت الْفرس وَقتل الْمُسلمُونَ مِنْهُم خلقا كثيرا، وَكَانَ فيهم المسلسلون ثَلَاثِينَ ألف فَقتلُوا بكمالهم، وَقتل فِي المعركة عشرَة آلَاف، وَقيل: قريب من ذَلِك، وَلم يزل الْمُسلمُونَ وَرَاءَهُمْ إِلَى أَن دخلُوا مَدِينَة الْملك، وَهِي الْمَدَائِن الَّتِي فِيهَا إيوَان كسْرَى، وَكَانَ الهرمزان من جملَة الهاربين، ثمَّ وَقعت بَينه وَبَين الْمُسلمين وقْعَة، ثمَّ وَقع الصُّلْح بَينه وَبَين الْمُسلمين، ثمَّ نقض الصُّلْح ثمَّ: جمع أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْجَيْش وحاصروا هرمزان فِي مَدِينَة تستر، وَلما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمر بعث إِلَى أبي مُوسَى فَسَأَلَ الْأمان إِلَى أَن يحملهُ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَوجه مَعَه الْخمس من غَنَائِم الْمُسلمين، فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ وَوَقع نظره عَلَيْهِ سجد لله تَعَالَى، وَجرى بَينه وَبَين عمر محاورات، ثمَّ بعد ذَلِك أسلم طَائِعا غير مكره، وَأسلم من كَانَ مَعَه من أَهله وَولده وخدمه، ثمَّ قربه عمر وَفَرح بِإِسْلَامِهِ، فَهَذِهِ قصَّة إِسْلَام هرمزان الَّذِي قَالَ فِي حَدِيث الْبَاب: فَأسلم الهرمزان، وَكَانَ لَا يُفَارق عمر حَتَّى قتل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فاتهمه بعض النَّاس بممالأة أبي لؤلؤه فَقتله عبيد الله بن عمر. قَوْله: (فَقَالَ: إِنِّي مستشيرك) ، أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للهرمزان. قَوْله: (فِي مغازي) ، بتَشْديد الْبَاء، وَقد بيَّن ابْن أبي شيبَة مَا قَصده من ذَلِك، فروى من طَرِيق معقل بن يسَار أَن عمر شاور الهرمزان فِي فَارس وأصبهان وأذربيجن أَن بأيها يبْدَأ، وَإِنَّمَا شاوره عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ أعلم بأحوال تِلْكَ الْبِلَاد. قَوْله: (قَالَ: نعم)
стр. 4412
أَي: قَالَ الهرمزان: نعم، وَهُوَ حرف إِيجَاب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن صحت الرِّوَايَة بِلَفْظ فعل الْمَدْح فتقديره: نعم الْمثل مثلهَا، وَالضَّمِير فِي مثلهَا يرجع إِلَى الأَرْض الَّتِي يدل عَلَيْهَا السِّيَاق، وارتفاع: مثلهَا، على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: مثل طَائِر. قَوْله: (والجناج قَيْصر) ، هُوَ ملك الرّوم، قيل: فِيهِ نظر لِأَن كسْرَى لم يكن رَأْسا للروم، ونوزع فِي هَذَا بِأَن كسْرَى رَأس الْكل لِأَنَّهُ لم يكن فِي زَمَانه ملك أكبر مِنْهُ، لِأَن سَائِر مُلُوك الْبِلَاد كَانُوا يهابونه ويهادونه. قَوْله: (فلينفروا إِلَى كسْرَى) ، إِنَّمَا أَشَارَ بالنفير أَولا إِلَى كسْرَى لكَونه رَأْسا، فَإِذا فَاتَ الرَّأْس فَاتَ الْكل. وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى بقوله: (وَإِن شدخ الرَّأْس) أَي: وَإِن كسر، من الشدخ بالشين الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْملَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، قَالَ ابْن الْأَثِير: الشدخ كسر الشَّيْء الأجوف، تَقول: شدخت رَأسه فانشدخ، فَإِن قلت: قَالَ: فالرأس كسْرَى والجناح قَيْصر والجناح الآخر فَارس، وَمَا الرّجلَانِ؟ قلت: لقيصر الفربخ مثلا، ولكسرى الْهِنْد مثلا، وَلَا شكّ أَن الفربخ كَانَت فِي طرف من قَيْصر متصلين بِهِ، والهند كَانَت فِي طرف من كسْرَى متصلين بِهِ، وَإِنَّمَا لم يقل: وَإِن كسر الرّجلَانِ فَكَذَا، اكْتِفَاء للْعلم بِحَالهِ قِيَاسا على الْجنَاح، لَا سِيمَا وَأَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظَّاهِر أسهل حَالا من الْجنَاح. فَإِن قلت: إِذا انْكَسَرَ الجناحان وَالرجلَانِ جَمِيعًا لَا ينْهض أَيْضا؟ قلت: الْغَرَض أَن الْعُضْو الشريف هُوَ الأَصْل فَإِذا صلح صلح الْجَسَد كُله، وَإِذا فسد فسد، بِخِلَاف الْعَكْس. قَوْله: (وَقَالَ بكر) ، هُوَ بكر بن عبد الله الْمَذْكُور. (وَزِيَاد) ، هُوَ زِيَاد بن جُبَير الْمَذْكُور. قَوْله: (فندبنا) ، بِفَتْح الدَّال وَالْبَاء على صِيغَة الْمَاضِي، أَي: طلبنا ودعانا وعزم علينا أَن نَجْتَمِع للْجِهَاد. قَوْله: (وَاسْتعْمل علينا النُّعْمَان بن مقرن) أَي: جعله أَمِيرا علينا، وَكَانَ النُّعْمَان قدم على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِفَتْح الْقَادِسِيَّة الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن قريب، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: فَدخل عمر الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بالنعمان يُصَلِّي، فَقعدَ فَلَمَّا فرغ قَالَ: إِنِّي مستعملك! قَالَ: أما جابياً فَلَا، وَلَكِن غازياً. قَالَ: فَإنَّك غازٍ، فَخرج وَمَعَهُ الزبير وَحُذَيْفَة وَابْن عمر والأشعث وَعَمْرو بن معدي كرب، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: فَأَرَادَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يسير بِنَفسِهِ ثمَّ بعث النُّعْمَان وَمَعَهُ ابْن عمر وَجَمَاعَة، وَكتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَن يسير بِأَهْل الْبَصْرَة، وَإِلَى حُذَيْفَة أَن يسير بِأَهْل الْكُوفَة حَتَّى يجتمعوا بنهاوند، وَإِذا التقيتم فأميركم النُّعْمَان بن مقرن، بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالنون: ابْن عَائِذ بن منجي بن هجير بن نصر بن حبشية بن كَعْب بن عبد بن تور بن هدمة بن الأطم بن عُثْمَان. وَهُوَ مزينة بن عَمْرو بن أد بن طابخة الْمُزنِيّ، قَالَ أَبُو عمر: وَيُقَال: النُّعْمَان بن عَمْرو بن مقرن، يكنى أَبَا عَمْرو، وَيُقَال: أَبَا حَكِيم. قَالَ مُصعب: هَاجر النُّعْمَان بن مقرن وَمَعَهُ سَبْعَة أخوة، وروى عَنهُ أَنه قَالَ: قدمنَا على رَسُول الله، ﷺ فِي أَربع مائَة من مزينة، ثمَّ سكن الْبَصْرَة وتحول عَنْهَا إِلَى الْكُوفَة. قَوْله: (حَتَّى إِذا كُنَّا بِأَرْض الْعَدو) وَهِي نهاوند، بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْهَاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون النُّون، وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَضبط بَعضهم: بِفَتْح النُّون وَلَيْسَ كَذَلِك، بل بِالضَّمِّ لِأَن الَّذِي بناها نوح، ﵊، وَكَانَت تسمى: نوح أوند، يَعْنِي: عمرها نوح، ﵊، فأبدلوا الْحَاء هَاء، وَهِي مَدِينَة جنوبي هَمدَان وَلها أَنهَار وبساتين، وَهِي كَثِيرَة الْفَوَاكِه وَتحمل فواكهها إِلَى الْعرَاق لجودتها، مِنْهَا إِلَى هَمدَان أَرْبَعَة عشر فرسخاً، وَهِي من بِلَاد عراق الْعَجم فِي حد بِلَاد الجيل. قَوْله: (وَخرج علينا عَامل كسْرَى فِي أَرْبَعِينَ ألفا) ، كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعُونَ ألفا من أهل فَارس وكرمان، وَكَانَ من أهل نهاوند عشرُون ألفا وَمن أهل أَصْبَهَان عشرُون، وَمن أهل قُم وقاشان عشرُون وَمن أهل أذربيجان ثَلَاثُونَ ألفا وَمن بِلَاد أُخْرَى عشرُون ألفا فالجملة مائَة ألف وَخَمْسُونَ ألفا فُرْسَانًا، وَكَانَ عَامل كسْرَى الَّذِي على هَؤُلَاءِ الْجَيْش الغيرزان، وَيُقَال: بنْدَار، وَيُقَال: ذُو الحاجبين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (كتاب الأذواء) : ذُو الحاجبين هُوَ خرزاد بن هُرْمُز من الْفرس أحد الْأُمَرَاء الْأَرْبَعَة الَّذين أَمرتهم الْأَعَاجِم على كورة نهاوند، وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة الَّتِي وَقعت على نهاوند وقْعَة عَظِيمَة، وَكَانَ الْمُسلمُونَ يسمونها فتح الْفتُوح، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق والواقدي: كَانَت وقْعَة نهاوند فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين، وَقَالَ سيف: كَانَت فِي سنة سبع عشرَة، وَقيل: فِي سنة تسع عشرَة، وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة أَربع وقعات، وَفِي الْوَقْعَة الثَّانِيَة قتل النُّعْمَان ابْن مقرن أَمِير الْجَيْش وَقَامَ مقَامه حُذَيْفَة بن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (فَقَامَ ترجمان) ، بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا وَضم الْجِيم وَالْوَجْه الثَّالِث فتحهما نَحْو: الزَّعْفَرَان. قَوْله: (فَقَالَ الْمُغيرَة) ، وَهُوَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَكَانَ هُوَ الترجمان، وَكَذَلِكَ كَانَ هُوَ الترجمان بَين الهرمزان وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْمَدِينَة لما قدم الهرمزان إِلَيْهِ كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قَالَ: مَا أَنْتُم؟)
стр. 4413
هَكَذَا خَاطب عَامل كسْرَى الَّذِي هُوَ عينه على جَيْشه بِصِيغَة من لَا يعقل احتقاراً لَهُ. قَوْله: (قَالَ: نَاس من الْعَرَب) أَي: قَالَ الْمُغيرَة: نَحن نَاس من الْعَرَب ... إِلَى آخر مَا ذكره، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة، فَقَالَ: إِنَّكُم معشر الْعَرَب، أَصَابَكُم جوع وَجهد فجئتم، فَإِن شِئْتُم مرناكم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء أَي: أعطيناكم الْميرَة، أَي الزَّاد وَرَجَعْتُمْ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ: إِنَّكُم معشر الْعَرَب أطول النَّاس جوعا وَأبْعد النَّاس من كل خير، وَمَا مَنَعَنِي أَن أَمر هَؤُلَاءِ الأساورة أَن ينتظموكم بالنشاب إلَاّ تقذراً لجيفكم. قَالَ الْمُغيرَة: فحمدت لله وأثنيت عَلَيْهِ، ثمَّ قلت: مَا أَخْطَأت شَيْئا من صفتنا، كَذَلِك كُنَّا حَتَّى بعث الله إِلَيْنَا رَسُوله. قَوْله: (نَعْرِف أَبَاهُ وَأمه) ، وَزَاد فِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: فِي شرف منا أوسطنا حسباً وأصدقنا حَدِيثا. قَوْله: (فَقَالَ النُّعْمَان) يَعْنِي للْمُغِيرَة: رُبمَا أشهدك الله أَي أحضرك الله مثلهَا، أَي: مثل هَذِه الشدَّة مَعَ رَسُول الله، ﷺ قَوْله: (فَلم يندمك) بِضَم الْيَاء من الإندام، يُقَال: أندمه الله فندم، وَالْمعْنَى: لم يندمك فِيمَا لقِيت مَعَه من الشدَّة. قَوْله: (وَلم يخزك) من الإخزاء، يُقَال: خزي، بِالْكَسْرِ: إِذا ذل وَهَان، ويروى: فَلم يحزنك، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَالْأولَى رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَهِي أوجه لوفاق مَا قبله، كَمَا فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس: غير خزايا وَلَا ندامى، وَهَذِه المحاورة الَّتِي وَقعت بَين النُّعْمَان بن مقرن والمغيرة بن شُعْبَة بِسَبَب تَأْخِير النُّعْمَان الْقِتَال، فَاعْتَذر النُّعْمَان بقوله: (وَلَكِنِّي شهِدت الْقِتَال مَعَ رَسُول الله، ﷺ إِلَى آخِره، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا معنى الِاسْتِدْرَاك؟ وَأَيْنَ توسطه بَين كلامين متغايرين؟ قلت: كَانَ الْمُغيرَة قصد الِاشْتِغَال بِالْقِتَالِ أول النَّهَار بعد الْفَرَاغ من المكالمة مَعَ الترجمان فَقَالَ النُّعْمَان: إِنَّك شهِدت الْقِتَال مَعَ رَسُول الله، ﷺ لكنك مَا ضبطت انْتِظَاره للهبوب، وَقَالَ ابْن بطال: قَوْله: (وَلَكِنِّي شهِدت) إِلَى آخِره كَلَام مُسْتَأْنف وَابْتِدَاء قصَّة أُخْرَى. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاق الْكَلَام، وسياقه على مَا لَا يخفى على المتأمل، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ: قد كَانَ الله أشهدك أَمْثَالهَا، وَالله مَا مَنَعَنِي أَن أناجزهم إلَاّ شَيْء شهدته من رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ قَوْله: كَانَ إِذا لم يُقَاتل أول النَّهَار إِلَى آخِره. قَوْله: (حَتَّى تهب الْأَرْوَاح) جمع ريح، وَأَصله: روح، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، والتصغير والتكسير يردان الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا. وَقد حكى ابْن جني جمع ريح على: أرياح. قَوْله: (وتحضر الصَّلَوَات) يَعْنِي: بعد زَوَال الشَّمْس، تدل عَلَيْهِ رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: وتزول الشَّمْس، وَزَاد فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ: ويطيب الْقِتَال، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: وَينزل النَّصْر.
وَفِي الحَدِيث من الْفَوَائِد منقبة النُّعْمَان وَمَعْرِفَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالْحَرْبِ وَقُوَّة نَفسه وشهامته وفصاحته وبلاغته واشتمال كَلَامه على بَيَان أَحْوَالهم الدِّينِيَّة والدنياوية، وعَلى بَيَان معجزات الرَّسُول ﷺ وأخباره عَن المغيبات ووقوعها كَمَا أخبر. وَفِيه: فضل المشورة وَأَن الْكَبِير لَا نقص عَلَيْهِ فِي مُشَاورَة من هُوَ دونه، وَأَن الْمَفْضُول قد يكون أَمِيرا على الْأَفْضَل، لِأَن الزبير ابْن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ فِي جَيش عَلَيْهِ النُّعْمَان بن مقرن، وَالزُّبَيْر أفضل مِنْهُ اتِّفَاقًا وَفِيه: ضرب الْمثل. وَفِيه: جودة تصور الهرمزان، وَكَذَلِكَ استشارة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: الْإِرْسَال إِلَى الإِمَام بالبشارة. وَفِيه: فضل الْقِتَال بعد زَوَال الشَّمْس على مَا قبله.
٢ - (بابٌ إذَا وادَعَ الإمَامُ مَلِكَ القَرْيَةِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ ؟)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وادع الإِمَام، من الْمُوَادَعَة، وَهِي: الْمُصَالحَة والمسالمة على ترك الْحَرْب والأذى، وَحَقِيقَة الْمُوَادَعَة المتاركة أَي: يدع كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا هُوَ فِيهِ. قَوْله: (هَل يكون ذَلِك؟) جَوَاب: إِذا، أَي: هَل يكون مَا ذكر من الْمُوَادَعَة الَّتِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: وادعُ. قَوْله: (لبقيتهم) أَي: لبَقيَّة أهل الْقرْيَة، وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوف تَقْدِيره: يكون.
١٦١٣ - حدَّثنا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى عنْ عَبَّاس السَّاعِدِيِّ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ غَزوْنَا معَ النَّبِيِّ ﷺ تَبُوكَ وأهْدَى مَلِكُ أيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وكَساهُ بُرْداً وكَت لَهُ بِبَحْرِهِمْ. .
стр. 4414
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قبُول هديته مُؤذن بموادعته وكتابته ببحرهم مُؤذن بدخولهم فِي الْمُوَادَعَة، لِأَن موادعة الْملك موادعة لرعيته، لِأَن قوتهم بِهِ ومصالحهم إِلَيْهِ، فَلَا معنى لانفراده دونهم وانفرادهم دونه عِنْد الْإِطْلَاق. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الْقدر لَا يَكْفِي فِي مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، لِأَن الْعَادة بذلك مَعْرُوفَة من غير الحَدِيث، وَإِنَّمَا جرى البُخَارِيّ على عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ، وَقد ذكر ذَلِك ابْن إِسْحَاق فِي (السِّيرَة) فَقَالَ: لما انْتهى النَّبِي ﷺ ، إِلَى تَبُوك أَتَاهُ بحنة بن روبة صَاحب أَيْلَة فَصَالحه وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَة، وَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله، ﷺ ، كتابا فَهُوَ عِنْدهم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم! هَذِه أَمَنَة من الله وَمُحَمّد النَّبِي رَسُول الله لبحنة بن روبة وَأهل أَيْلَة) فَذكره. قلت: هَذَا الْقَائِل ذكر الِاكْتِفَاء فِي مَوَاضِع عديدة فِي الْمُطَابقَة بِوَجْه أدنى من الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَمَا لَهُ يدعى هُنَا عدم الْكِفَايَة؟ وَإِثْبَات الْمُطَابقَة بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ أقوى وأوجه من الَّذِي ذكره، لِأَن الَّذِي ذَكرْنَاهُ من الدَّاخِل، وَالَّذِي ذكره من الْخَارِج؟ وَهل علم أَنه قصد ذَلِك أم لَا؟
وَسَهل بن بكار أَبُو بشر الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ، ووهيب مصغر وهب بن خَالِد بن عجلَان أَبُو بكر الْبَصْرِيّ صَاحب الكرابيس، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْمَازِني، وعباس ابْن سهل السَّاعِدِيّ، وَأَبُو حميد السَّاعِدِيّ اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَقيل: الْمُنْذر، وَيُقَال: إِنَّه عَم عَبَّاس السَّاعِدِيّ.
وَهَذَا طرف حَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة مطولا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أَيْلَة) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام وَفِي آخِره هَاء، وَقَالَ ابْن قرقول: هِيَ مَدِينَة بِالشَّام على النّصْف مَا بَين طَرِيق مصر وَمَكَّة على شاطىء الْبَحْر من بِلَاد الشَّام. قَوْله: (وكساه) كَذَا هُوَ بِالْوَاو: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْفَاءِ، قَوْله: (ببحرهم) أَي: بقريتهم.
٣ - (بابُ الوَصاةِ بأهْلِ ذِمَّةِ رسولِ الله ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوَصِيَّة بِأَهْل الذِّمَّة وَإِنَّمَا أضَاف الذِّمَّة إِلَى رَسُول الله، ﷺ لِأَن الذِّمَّة الَّتِي هِيَ الْعَهْد عهد بَينهم وَبَين رَسُول الله، ﷺ ، والوصاة اسْم بِمَعْنى الْوِصَايَة، بِفَتْح الْوَاو وَتَخْفِيف الصَّاد بِمَعْنى: الْوَصِيَّة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أوصيت لَهُ بِشَيْء وأوصيت إِلَيْهِ: إِذا جعلته وصيّك، وَالِاسْم: الْوِصَايَة، بِكَسْر الْوَاو وَفتحهَا، وأوصيته ووصيته توصية، وَالِاسْم: الوصاة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْوَصَايَا.
والذِّمَّةُ العَهْدُ والإلُّ القَرَابَةُ
فسر البُخَارِيّ الذِّمَّة بالعهد، والذمة تَجِيء بِمَعْنى الْعَهْد والأمان وَالضَّمان وَالْحُرْمَة وَالْحق، وسمى أهل الذِّمَّة لدخولهم فِي عهد الْمُسلمين وأمانهم. قَوْله: (والألّ) بِكَسْر الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام، وَقد فسره بِالْقَرَابَةِ، والإلّ أَيْضا الله تَعَالَى، قَالَه مُجَاهِد، وأنكروا عَلَيْهِ، وَقيل: الإل الأَصْل الْجيد، والأل بِالْفَتْح: الشدَّة، وَالله تَعَالَى أعلم.
٤ - (بابُ مَا أقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ البَحْرَيْنِ وَمَا وعَدَ مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ والجِزْيَةِ ولِمَنْ يُقْسَمُ الفَيْءُ والجِزْيَةُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا أقطع النَّبِي ﷺ وأقطع من الإقطاع، بِكَسْر الْهمزَة: وَهُوَ تسويغ الإِمَام شَيْئا من مَال الله لمن يرَاهُ أَهلا لذَلِك، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي إقطاع الأَرْض، وَهُوَ أَن يخرج مِنْهَا شَيْئا لَهُ يحوزه إِمَّا أَن يملكهُ إِيَّاه فيعمره، أَو يَجْعَل لَهُ عَلَيْهِ مُدَّة. والإقطاع قد يكون تَمْلِيكًا وَغير تمْلِيك، والأجناد يسمون مقطعين، بِفَتْح الطَّاء، وَيُقَال: مقتطعين أَيْضا (من الْبَحْرين) أَرَادَ بِهِ: من، مَال الْبَحْرين، لِأَنَّهَا كَانَت صلحا، فَلم يكن فِي أرْضهَا شَيْء. قَوْله: (وَمَا وعد) على: مَا أقطع. قَوْله: (والجزية) من عطف الْخَاص على الْعَام. قَوْله: (وَلمن يقسم الْفَيْء) وَقد مر أَن الْفَيْء مَا حصل للْمُسلمين من أَمْوَال الْكفَّار من غير حَرْب وَلَا جِهَاد.
стр. 4415
٣٦١٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَساً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ دَعا النَّبِيُّ ﷺ الأنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بالْبَحْرَيْنِ فقالُوا لَا وَالله حتَّى تَكْتُبَ لإخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا فَقَالَ ذَاكَ لَهُمْ مَا شاءَ الله علَى ذَلِكَ يَقُولُونَ لَهُ قَالَ فإنَّكُمْ ستَرَوْنَ بَعْدَي أُثْرَةً فاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَونِي.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة، لِأَن لَهَا ثَلَاثَة أَجزَاء: فَفِي الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث فَلِكُل جُزْء حَدِيث يطابقه على التَّرْتِيب، فَحَدِيث أنس هَذَا يدل على أَنه ﷺ قد أَشَارَ بذلك على الْأَنْصَار فَلم يقبلُوا فَتَركه ﷺ فَنزل البُخَارِيّ مَا بِالْقُوَّةِ منزلَة مَا بِالْفِعْلِ، وَهُوَ فِي حَقه ﷺ وَاضح، لِأَنَّهُ لَا يَأْمر إلَاّ بِمَا يجوز فعله.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس ابْن عبد الله بن قيس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة بن خديج أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب كِتَابَة القطائع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مُعَلّقا، فَقَالَ: قَالَ اللَّيْث: عَن يحيى بن سعيد ... إِلَى آخِره، وَهُنَاكَ لَفْظَة: ليقطع لَهُم بِالْبَحْرَيْنِ، وَهنا ليكتب لَهُم بِالْبَحْرَيْنِ أَي: ليعين لكل مِنْهُم مِنْهَا حِصَّة على سَبِيل الإقطاع، وَالْمرَاد بِالْحِصَّةِ الْحصَّة من الْجِزْيَة وَالْخَرَاج لِأَن رقبَتهَا لَا تملك لِأَن أَرض الصُّلْح لَا تقسم.
قَوْله: (وَذَاكَ لَهُم) أَي: ذَاك المَال للمهاجرين مَا شَاءَ الله على ذَلِك. قَوْله: (يَقُولُونَ لَهُ) أَي: الْأَنْصَار يَقُولُونَ لرَسُول الله، ﷺ فِي شَأْنهمْ مصرين على ذَلِك حَتَّى قَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِنَّكُم سَتَرَوْنَ أَثَرَة وَهِي بِفَتْح الْهمزَة والثاء الْمُثَلَّثَة، الإسم من آثر إيثاراً إِذا أعْطى. قَالَه ابْن الْأَثِير: وَفِي (الْمطَالع) بِضَم الْهمزَة وَإِسْكَان الثَّاء، ويروى: أَثَرَة، بفتحهما، وبالوجهين قَيده الجياني، وَيُقَال أَيْضا: إثرة بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء، قَالَ الْأَزْهَرِي، وَهُوَ الاستيثار أَي: يستأثر عَلَيْكُم بِأُمُور الدُّنْيَا ويفضل غَيْركُمْ عَلَيْكُم، وَلَا يَجْعَل لكم فِي الْأَمر نَصِيبا وَعَن أبي عَليّ القالي: إِن الإثرة الشدَّة، وَبِه كَانَ يتَأَوَّل الحَدِيث، وَالتَّفْسِير الأول أظهر وَعَلِيهِ الْأَكْثَر وَسَببه يشْهد لَهُ وَهُوَ إِيثَار الْأَنْصَار الْمُهَاجِرين على أنفسهم، فأجابهم، ﷺ ، بِهَذَا. قَوْله: (حَتَّى تَلْقَوْنِي) ، ويروى: (على الْحَوْض) .
٤٦١٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرَنِي رَوْحُ بنُ القَاسِمِ عنْ مُحَمَّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ قَالَ لي لَوْ قَدْ جاءَنا مالُ البَحْرَيْنِ قدْ أعْطَيْتُكَ هَكَذَا وهاكَذَا وهاكَذَا فلَمَّا قُبِضَ رَسُول الله، ﷺ وجاءَ مالُ البَحْرَيْنِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ كانَتْ لَهُ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ عِدَّةٌ فَلْيَأْتِني فأتَيْتُهُ فقُلْتُ إنَّ رَسُول الله، ﷺ قَدْ كانَ قَالَ لِي لَوُ قَدْ جاءَنا مالُ البَحْرَيْنِ لأعْطَيْتُكَ هاكَذَا وهاكذَا وهاكَذَا فَقَالَ لي إحْثِهِ فَحَثَوْتُ حَثْيَةً فَقَالَ لِي عُدَّها فَعَدَدْتُهَا فإذَا هِي خَمْسُمِائَةٍ فأعْطَانِي ألْفاً وخَمْسَمِائَةٍ. .
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، وَقد بَيناهُ عَن قريب، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن معمر الْهُذلِيّ الْهَرَوِيّ، سكن بَغْدَاد. وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن قَاسم الْعَنْبَري التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مر فِي الْخمس فِي: بَاب وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين. قَوْله: (عدَّة) أَي: وعد. قَوْله: (أحثه) بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا، من: حثا يحثو حثوا، وحثى يحثي حثياً، وَقيل: الْهَاء فِيهِ للسكت.
٥٦١٣ - وقالَ إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عنْ أنَسٍ قَالَ أتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ
стр. 4416
وَسلم بِمالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ فَقَالَ انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ فكانَ أكْثَرَ مالٍ أُتِيَ بِهِ رسولُ الله ﷺ إِذْ جاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله أعْطِنِي إنِّي فادَيْتُ نَفْسِي وفادَيْتُ عَقِيلاً قَالَ خُذْ فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِله فلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ أمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إلَيَّ قَالَ لَا قَالَ فارْفَعْهُ أنْتَ علَيَّ قَالَ لَا فنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ ذهب يقلهُ فَلم يرفعهُ فَقَالَ أَمر بَعضهم يرفعهُ عَليّ قَالَ لَا قَالَ فارفعه أَنْت عَليّ قَالَ لَا فنثر ثمَّ احتملَهُ علَى كاهِلِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا عَجَبَاً مِنْ حِرْصِه فَما قامَ رسولُ الله ﷺ وثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. (انْظُر الحَدِيث ١٢٤ وطرفه) .
وَقد مضى هَذَا التَّعْلِيق بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِسْمَة وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. قَوْله: (عقيلاً) ، بِفَتْح الْعين: ابْن أبي طَالب وَقد فَادى الْعَبَّاس لنَفسِهِ وَله يَوْم بدر حِين صَارا أسيرين للْمُسلمين. قَوْله: (يقلهُ) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْقَاف وَتَشْديد اللَّام، أَي: يحملهُ. قَوْله: (على كَاهِله) ، وَهُوَ مَا بَين الْكَتِفَيْنِ.
٥ - (بابُ إثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعاهَدَاً بِغَيْرِ جُرْمٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من قتل معاهداً أَي ذِمِّيا بِغَيْر جرم، أَي: بِغَيْر ذَنْب أَرَادَ: إِذا قَتله بِغَيْر حق، وَهَذَا الْقَيْد لَيْسَ فِي الحَدِيث، وَلكنه مُسْتَفَاد من قَوَاعِد الشَّرْع، وَوَقع مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا بِلَفْظ: بِغَيْر حق، وروى النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي بكر بِلَفْظ: من قتل نفسا معاهدة بِغَيْر حلهَا، حر الله علهي الْجنَّة.
٦٦١٣ - حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفصٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا مُجاهِد عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ منْ قتَلَ مُعاهِداً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عَاما. (الحَدِيث ٦٦١٣ طرفه فِي: ٤١٩٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من قتل معاهداً) وَقَوله: (لم يرح) إِلَى آخِره، يُوضح مَا أبهمه فِي التَّرْجَمَة. وَقيس بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد وَالْحسن بن عَمْرو الْفُقيْمِي التَّمِيمِي الْكُوفِي، والفقيمي، بِضَم الْفَاء وَفتح الْقَاف نِسْبَة: إِلَى فقيم بن دارم بن مَالك، وَالْحسن بن عمر، وَهَذَا لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي الْأَدَب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن قيس بن حَفْص أَيْضا وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن أبي كريب، قَالُوا: هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع فِيمَا بَين عبد الله بن عَمْرو وَمُجاهد، بيَّن ذَلِك البرديحي فِي كِتَابه (الْمُتَّصِل والمرسل) بقوله: مُجَاهِد عَن ابْن عَمْرو، وَلم يسمع مِنْهُ، وَقد رَوَاهُ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ عَن حَدثنَا الْحسن بن عَمْرو عَن مُجَاهِد عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ الصَّوَاب. وَأجِيب: بِأَن سَماع مُجَاهِد عَن ابْن عمر وثابت وَلَيْسَ هُوَ بمدلس، فَيحْتَمل أَن يكون مُجَاهِد سَمعه أَولا من جُنَادَة ثمَّ لَقِي عبد الله ابْن عَمْرو، أَو سمعاه مَعًا من ابْن عَمْرو، فَحدث بِهِ مُجَاهِد تَارَة عَن ابْن عَمْرو وَتارَة عَن جُنَادَة، وَقَالُوا أَيْضا: هَذَا الحَدِيث من مُسْند عبد الله بن عَمْرو إلَاّ أَن الْأصيلِيّ رَوَاهُ عَن الْجِرْجَانِيّ عَن الْفربرِي، فَقَالَ عبد الله بن عمر، بِضَم الْعين بِغَيْر وَاو، ورد بِأَنَّهُ تَصْحِيف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (معاهداً) ، بِكَسْر الْهَاء وَفتحهَا وَأَرَادَ بِهِ الذِّمِّيّ لِأَنَّهُ من أهل الْعَهْد، أَي: الْأمان، والعهد حَيْثُ وَقع هُوَ الْمِيثَاق. قَوْله: (لم يرح) ، بِفَتْح الْيَاء وَالرَّاء وَأَصله: يراح، قَالَ الْجَوْهَرِي: رَاح فلَان الشَّيْء يراحه ويريحه إِذا وجد رِيحه، وَأما فِي هَذَا الحَدِيث فقد جعله أَبُو عبيد من: راحه يراحه، وَكَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول: إِنَّه من راحه يريحه، وَالْكسَائِيّ يَقُول: من راحه يريحه، وَمعنى الثَّلَاث وَاحِد. قَوْله: (أَرْبَعِينَ عَاما) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْجَمِيع. (أَرْبَعِينَ عَاما) إلَاّ عبد الْغفار، فَقَالَ:
стр. 4417
(سبعين عَاما) ، وَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا، وَلَفظه: (أَلا من قتل نفسا معاهدة لَهَا ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله فقد أَخْفَر بِذِمَّة الله فَلَا يراح رَائِحَة الْجنَّة، وَأَن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة سبعين خَرِيفًا) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي بكرَة بِإِسْنَاد صَحِيح نَحوه، وَفِي (الْمُوَطَّأ) خَمْسمِائَة، قَالَ ابْن بطال: أما الْأَرْبَعُونَ فَهِيَ أقْصَى أَشد الْعُمر فِي قَول الْأَكْثَرين، فَإِذا بلغَهَا ابْن آدم زَاد عمله ويقينه واستحكمت بصيرته فِي الْخُشُوع لله تَعَالَى على الطَّاعَة والندم على مَا سلف، فَهَذَا يجد ريح الْجنَّة على مسيرَة أَرْبَعِينَ عَاما، وَأما السبعون فَهِيَ حد المعترك، ويعرض للمرء عِنْدهَا من الخشية والندم لاقتراب أَجله فيجد ريح الْجنَّة من مسيرَة سبعين عَاما، وَأما وَجه الْخَمْسمِائَةِ فَهِيَ فَتْرَة مَا بَين نَبِي وَنَبِي، فَيكون من جَاءَ فِي آخر الفترة واهتدى بِاتِّبَاع النَّبِي ﷺ الَّذِي كَانَ قبل الفترة وَلم يضرّهُ طولهَا، فيجد ريح الْجنَّة على خَمْسمِائَة عَام. فَإِن قلت: الْمُؤمن لَا يخلد فِي النَّار؟ قلت: المُرَاد لم يجد أول مَا يجدهَا سَائِر الْمُسلمين الَّذين لم يقترفوا الْكَبَائِر، وَقَالَ أَحْمد: أَرْبَعَة أَحَادِيث تَدور على أَلْسِنَة النَّاس وَلَا أصل لَهَا عَن رَسُول الله، ﷺ : من آذَى ذِمِّيا فَأَنا خَصمه يَوْم الْقِيَامَة. وَمن بشر بِخُرُوج آذار بشر بِالْجنَّةِ. وَيَوْم نحركم يَوْم فطركم. وللسائل حق وَإِن جَاءَ على فرس.
٦ - (بابُ إخْرَاجِ الَيهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِخْرَاج الْيَهُود من جَزِيرَة الْعَرَب، وَقد مضى تَفْسِير جَزِيرَة الْعَرَب فِي: بَاب هَل يستشفع إِلَى أهل الذِّمَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَزِيرَة الْعَرَب هِيَ مَا بَين عدن إِلَى ريف الْعرَاق طولا، وَمن جدة إِلَى الشَّام عرضا، وَقيل: هَذَا عَام أُرِيد بِهِ الْخَاص، وَهُوَ الْحجاز.
وَقَالَ عُمَرُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أُقِرُّكُمْ مَا أقَرَّكُمْ الله بِهِ
هَذَا قِطْعَة من قصَّة أهل خَيْبَر، وَقد ذكرهَا البُخَارِيّ مَوْصُولَة فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا قَالَ رب الأَرْض: أقرك مَا أقرك الله، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٧٦١٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني سَعِيدُ المَقْبُرِيُّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ بَيْنَما نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خرَجَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فخَرَجْنَا حتَّى جِئْنا بَيْتَ المِدْرَاسِ فَقَالَ أسْلِمُوا تَسْلَمُوا واعْلَمُوا أنَّ الأرْضَ لله ورسُولِهِ وإنِّي أُرِيدُ أَن أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذا الأرْضِ فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمالِهِ شَيْئاً فَلْيَبِعْهُ وإلَاّ فاعْلَمُوا أنَّ الأرْضَ لله ورَسُولِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن النَّبِي ﷺ أَرَادَ أَن يخرج الْيَهُود لِأَنَّهُ كَانَ يكره أَن يكون بِأَرْض الْعَرَب غير الْمُسلمين لِأَنَّهُ امتحن فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة حَتَّى نزل: ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٤٤١) . الْآيَة: وامتحن مَعَ بني النَّضِير حِين أَرَادوا الْغدر بِهِ، وَأَن يلْقوا عَلَيْهِ حجرا، فَأمره الله بإجلائهم وإخراجهم، وَترك سَائِر الْيَهُود، وَكَانَ يَرْجُو أَن يُحَقّق الله رغبته فِي إبعاد الْيَهُود عَن جواره فَلم يوحِ إِلَيْهِ فِي ذَلِك شَيْء إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة، فَأُوحي إِلَيْهِ فِيهِ، فَقَالَ: لَا يبْقين دينان بِأَرْض الْعَرَب، وَأوصى بذلك عِنْد مَوته، فَلَمَّا كَانَ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: من كَانَ عِنْده عهد من رَسُول الله، ﷺ ، فليأت بِهِ، وإلَاّ فَإِنِّي مجليكم فأجلاهم.
وَرِجَال الحَدِيث قد تكَرر ذكرهم، وَسَعِيد المَقْبُري يروي هُنَا عَن أَبِيه أبي سعيد واسْمه: كيسَان الْمدنِي مولى بني لَيْث.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِكْرَاه عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الِاعْتِصَام عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي، وَأَبُو دَاوُد فِي الْخراج وَالنَّسَائِيّ فِي السّير جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج) ، جَوَاب: بَيْنَمَا، وَقد ذكرنَا أَن الْأَفْصَح فِي جَوَابه أَن يكون بِلَا إِذْ وَإِذا. قَوْله: (بَيت الْمِدْرَاس) ، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ الْبَيْت الَّذِي يدرسون فِيهِ. وَقيل: الْمِدْرَاس: الْعَالم التَّالِي للْكتاب، وَقَالَ بَعضهم: الأول أرجح لِأَن
стр. 4418
فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: حَتَّى أَتَى الْمِدْرَاس. قلت: مَا ثمَّ ترجيحٍ لِأَن معنى أَتَى الْمِدْرَاس، أَي: جَاءَ مَكَان دراستهم للتوراة وَنَحْوهَا. قَوْله: (أَسْلمُوا) ، بِفَتْح الْهمزَة، من الْإِسْلَام. قَوْله: (تسلموا) مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، وَهُوَ من السَّلامَة، وَفِيه الجناس الْحسن، لسُهُولَة لَفظه وَعدم كلفته، وَنَظِيره فِي كتاب هِرقل: أسلم تسلم. قَوْله: (وَاعْلَمُوا) جملَة ابتدائية كَأَنَّهُمْ قَالُوا فِي جَوَاب قَوْله: أَسْلمُوا تسلموا: لِمَ قلت هَذَا وكررته؟ فَقَالَ: إعلموا أَنِّي أُرِيد أَن أجليكم فَإِن أسلمتم سلمتم. قَوْله: (بِمَالِه) ، أَي: بدل مَاله، وَالْبَاء للبدلية. قَوْله: (فليبعه) ، جَوَاب: من وَالْمعْنَى إِن من كَانَ لَهُ شَيْء مِمَّا لَا يُمكن تحويله فَلهُ أَن يَبِيعهُ. قَوْله: (وإلَاّ) ، أَي: وَإِن لم تسمعوا مَا قلت لكم من ذَلِك فاعلموا أَن الأَرْض لله، أَي: تعلّقت مَشِيئَة الله بِأَن يُورث أَرْضكُم هَذِه للْمُسلمين ففارقوها، وَهَذَا كَانَ بعد قتل بني قُرَيْظَة وإجلاء بني النَّضِير، لِأَن هَذَا كَانَ قبل إِسْلَام أبي هُرَيْرَة، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة إِنَّمَا جَاءَ بعد فتح خَيْبَر. قَوْله: (وَرَسُوله) ، ويروى: (وَلِرَسُولِهِ) .
٨٦١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ سُلَيْمانَ بنِ أبِي مُسْلِمٍ الأحْوَلِ قَالَ سَمِعَ سَعِيدَ ابنَ جُبَيْرٍ قَالَ سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقُولُ يَوْمَ الخَمِيسُ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الحَصَى قُلْتُ يَا ابنَ عَبَّاسٍ مَا يَوْمُ الخَمِيسِ قَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ الله ﷺ وجَعُهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِكَتِفٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَدَاً فَتَنازَعُوا ولَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيّ تَنازُعٌ فَقَالُوا مالَهُ أهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَقَالَ ذَرُونِي فالَّذِي أنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إلَيْهِ فأمَرَهُمْ بِثَلاثٍ قَالَ أخرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ وأجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ والثَّالِثَةُ خَيْرٌ إمَّا أنْ سَكَتَ عَنْهَا وإمَّا أنْ قالَهَا فَنَسِيتُهَا: قالَ سُفْيَانُ هاذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أخرجُوا الْمُشْركين) ، فَإِن قلت: التَّرْجَمَة إِخْرَاج الْيَهُود والمشرك أَعم من الْيَهُود. قلت: إِنَّمَا ذكر الْيَهُود فِي التَّرْجَمَة لِأَن أَكْثَرهم يوحدون الله تَعَالَى، فَإِذا كَانَ هَؤُلَاءِ مستحقين الْإِخْرَاج فغيرهم من الْكفَّار أولى، وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ، قَالَ الجياني: لم ينْسبهُ أحد من الروَاة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مُحَمَّد بن سَلام، وَقد ذكر فِي الْوضُوء: حَدثنَا ابْن سَلام حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة. قلت: لَا يلْزم من قَوْله فِي الْوضُوء: حَدثنَا ابْن سَلام عَن ابْن عُيَيْنَة أَن يكون هُنَا أَيْضا ابْن سَلام عَن ابْن عُيَيْنَة، لِأَنَّهُ قَالَ فِي عدَّة مَوَاضِع: عَن مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي عَن ابْن عُيَيْنَة وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث عَن الْحسن بن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن خَلاد الْبَاهِلِيّ عَن ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب هَل يستشفع إِلَى أهل الذِّمَّة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة عَن ابْن عُيَيْنَة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) أَي: ابْن عُيَيْنَة، هَذَا من قَول سُلَيْمَان أَي: الْأَحول الْمَذْكُور فِيهِ. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا أَمر بإخراجهم خوف التَّدْلِيس مِنْهُم. وَأَنَّهُمْ مَتى رَأَوْا عدوا قَوِيا صَارُوا مَعَه، كَمَا فعلوا برَسُول الله، ﷺ ، يَوْم الْأَحْزَاب.
وَقَالَ الطَّبَرِيّ: فِيهِ: من الْفِقْه: أَن الشَّارِع بيَّن لأمته الْمُؤمنِينَ إِخْرَاج كل من دَان بِغَيْر دين الْإِسْلَام من كل بَلْدَة للْمُسلمين، سَوَاء كَانَت تِلْكَ الْبَلدة من الْبِلَاد الَّتِي أسلم أَهلهَا عَلَيْهَا أَو من بِلَاد العنوة إِذا لم يكن للْمُسلمين بهم ضَرُورَة إِلَيْهِم، مثل كَونهم عماراً لأراضيهم وَنَحْو ذَلِك. فَإِن قلت: كَانَ هَذَا خَاصّا بِمَدِينَة رَسُول الله، ﷺ ، وَسَائِر جَزِيرَة الْعَرَب دون سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام، إِذْ لَو كَانَ الْكل فِي الحكم سَوَاء لَكَانَ، ﷺ بيَّن ذَلِك. قلت: قد ذكرنَا أَنه إِذا كَانَ للْمُسلمين ضَرُورَة إِلَيْهِم لَا يتَعَرَّض لَهُم، أَلا يرى أَنه ﷺ أقرّ يهود خَيْبَر بعد قهر الْمُسلمين إيَّاهُم لإعمار أرْضهَا للضَّرُورَة، وَكَذَلِكَ فعل الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي يهود خَيْبَر ونصارى نَجْرَان، وَكَذَلِكَ فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بنصارى الشَّام، فَإِنَّهُ أقرهم للضَّرُورَة إِلَيْهِم فِي عمَارَة الْأَرْضين، إِذا كَانَ الْمُسلمُونَ مشغولين بِالْجِهَادِ.
стр. 4419
٧ - (بابٌ إذَا غدَرَ المُشْرِكُونَ بالمُسْلِمينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا غدر الْمُشْركُونَ بِالْمُسْلِمين، والغدر ضد الْوَفَاء، والغدر: الْخِيَانَة، والغدر نقض الْعَهْد، وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام لأجل الِاخْتِلَاف فِي معاقبة الْمَرْأَة الَّتِي أَهْدَت الشَّاة المسمومة.
٩٦١٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني سَعِيدٌ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شاةُ فِيها سُمٌ
فَقال النَّبِيُّ ﷺ اجْمَعُوا إلَيَّ مَنْ كانَ هاهُنا مِنْ يَهُودَ فَجُمِعُوا لَهُ فَقال لَهُمْ إنِّي سائِلُكُمْ عنْ شَيْءٍ فهَلْ أنْتُمْ صادِقَيَّ عَنْهُ فَقالوا نَعَمْ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أبُوكُمْ قَالُوا فُلانٌ فَقال كذَبْتُمْ بَلْ أبُوكُمْ فُلانٌ قَالُوا صَدَقْتَ قَالَ فَهَلْ أنْتُمْ صادِقيَّ عنْ شَيءٍ إنْ سألْتُ عَنْهُ فَقالُوا نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ وإنْ كَذَبْنا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أبِينَا فَقَالَ لَهُمْ منْ أهْلُ النَّارِ قالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسيراً ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اخْسَئُوا فِيها وَالله لَا نَخْلُفُكُمْ فِيها أبَدَاً ثُمَّ قالَ هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سألْتُكُمْ عنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ قَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمَّاً قَالُوا نَعَمْ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ علىَ ذالِكَ قَالُوا أرَدْنَا إنْ كُنْتَ كاذِباً نَسْتَرِيحُ وإنْ كُنْتَ نَبِيَّاً لَمْ يَضُرَّكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُشْركين من أهل خَيْبَر غدروا بِالنَّبِيِّ ﷺ وأهدوا لَهُ على يَد امْرَأَة شَاة مَسْمُومَة فَعَفَا عَنْهَا أَو قَتلهَا، فِيهِ خلاف على مَا نذكرهُ الْآن.
وَسَعِيد هُوَ المَقْبُري.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن يُوسُف أَيْضا، وَفِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه مُسلم عَن أنس: أَن امْرَأَة يَهُودِيَّة أَتَت رَسُول الله، ﷺ بِشَاة مَسْمُومَة فَأكل مِنْهَا، فجيء بهَا إِلَى رَسُول الله، ﷺ فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك، فَقَالَت: أردْت لأقتلك! فَقَالَ: مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطك على ذَلِك، قَالَ، أَو قَالَ: عَليّ. قَالَ: قَالُوا: أَلا نقتلها؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا زلت أعرفهَا فِي لَهَوَات رَسُول الله، ﷺ .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أهديت للنَّبِي ﷺ شَاة) ، وَكَانَ الَّذِي أَتَى بهَا امْرَأَة يَهُودِيَّة، صرح بذلك فِي (صَحِيح مُسلم) وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : وَهَذِه الْمَرْأَة الْيَهُودِيَّة الفاعلة للسم اسْمهَا زَيْنَب بنت الْحَارِث أُخْت مرحب الْيَهُودِيّ. قلت كَذَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَأَنه ﷺ قَالَ لَهَا: مَا حملك على هَذَا؟ قَالَت: قتلت أبي وَعمي وَزَوْجي وَأخي، قَالَ مُحَمَّد: فَسَأَلت إِبْرَاهِيم بن جَعْفَر عَن هَذَا فَقَالَ: أَبوهَا الْحَارِث، وعمها بشار وَكَانَ أجبن النَّاس وَهُوَ الَّذِي أنزل من الرف، وأخوها زبير، وَزوجهَا سَلام بن مشْكم. قَوْله: (سم) ، بِفَتْح السِّين وَضمّهَا وَكسرهَا، ثَلَاث لُغَات وَالْفَتْح أفْصح، وَجمعه: سمام وسموم. قَوْله: (صادقي) بتَشْديد الْيَاء لِأَن أَصله: صَادِقُونَ، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَسَقَطت النُّون وقلبت الْوَاو يَاء أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. قَوْله: (ثمَّ تخلفونا فِيهَا) ، أَي: فِي النَّار، وأصل تخلفونا: تخلفوننا، فإسقاط النُّون من غير جازم وَلَا ناصب لُغَة، وَهُوَ من خلف يخلف إِذا قَامَ مقَام غَيره، وَالْخلف بتحريك اللَاّم وسكونها كل من يَجِيء بعده من مضى، إلَاّ أَنه بِالتَّحْرِيكِ فِي الْخَيْر، وبالسكون فِي الشَّرّ، يُقَال: خلف صدق، وَخلف سوء. قَوْله: (اخْسَئُوا) ، زجر لَهُم بالطرد والإبعاد أَو دعاءٌ عَلَيْهِم بذلك، وَيُقَال لطرد الْكَلْب: إخسأ.
قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَاخْتلفت الْآثَار وَالْعُلَمَاء: هَل قَتلهَا النَّبِي ﷺ أم لَا؟ فَوَقع فِي (مُسلم) : أَنهم قَالُوا: ألَا نقتلها؟ قَالَ: لَا، وَمثله عَن أبي هُرَيْرَة وَجَابِر، وَعَن جَابر من رِوَايَة أبي سَلمَة: أَنه ﷺ قَتلهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس: أَنه ﷺ دَفعهَا إِلَى أَوْلِيَاء بشر بن الْبَراء بن معْرور، وَكَانَ أكل مِنْهَا فَمَاتَ بهَا فَقَتَلُوهَا، وَقَالَ ابْن سَحْنُون: أجمع أهل الحَدِيث أَن رَسُول الله، ﷺ قَتلهَا، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد. فَأمر بهَا فقتلت، وَفِي لفظ: قَتلهَا وصلتها وَفِي (جَامع معمر) عَن الزُّهْرِيّ: لما أسلمت تَركهَا. قَالَ معمر: كَذَا
стр. 4420
قَالَ الزُّهْرِيّ: أسلمت، وَالنَّاس يَقُولُونَ: قَتلهَا، وَأَنَّهَا لم تسلم. وَقَالَ السُّهيْلي: قيل: إِنَّه صفح عَنْهَا. قَالَ القَاضِي: وَجه الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات والأقاويل أَنه لم يَقْتُلهَا إلَاّ حِين اطلع على سحرها، وَقيل لَهُ: اقتلها، فَقَالَ: لَا، فَلَمَّا مَاتَ بشر بن الْبَراء من ذَلِك سلمهَا لأوليائه فَقَتَلُوهَا قصاصا، فصح قَوْلهم: لم يَقْتُلهَا أَي: فِي الْحَال، وَيصِح قَوْلهم: قَتلهَا أَي: بعد ذَلِك وَالله أعلم.
وَفِيه: أَن الإِمَام مَالِكًا احْتج بِهِ على أَن الْقَتْل بالسم كَالْقَتْلِ بِالسِّلَاحِ الَّذِي يُوجب الْقصاص، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا قصاص فِيهِ. وَفِيه: الدِّيَة على الْعَاقِلَة، قَالُوا: وَلَو دسه فِي طَعَام أَو شراب لم يكن عَلَيْهِ شَيْء وَلَا على عَاقِلَته، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا فعل ذَلِك وَهُوَ مكره فَفِيهِ قَولَانِ فِي وجوب الْقود أصَحهمَا: لَا. وَفِيه: معْجزَة ظَاهِرَة لَهُ، ﵇، حَيْثُ لم يُؤثر فِيهِ السم، وَالَّذِي أكل مَعَه مَاتَ. وَفِيه: أَن السم لَا يُؤثر بِذَاتِهِ بل بِإِذن الرب، ﷻ ، ومشيئته، ألَا تَرَى أَن السم أثر فِي بشر وَلم يُؤثر فِي النَّبِي ﷺ ؟ فَلَو كَانَ يُؤثر بِذَاتِهِ لأثر فيهمَا فِي الْحَال، وَالله أعلم.
٨ - (بَاب الدُّعاءِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدَاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الدُّعَاء على من نكث، أَي: نقض عهد، أَي: ميثاقاً.
٠٧١٣ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانُ قالَ حدَّثنا ثابتُ بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا عاصمٌ قَالَ سألْتُ أنَساً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ الْقُنُوتِ قَالَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَقلْتُ إنَّ فُلانَاً يَزْعُمُ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ ثُمَّ حدَّثَنَا عنِ النَّبِيِّ ﷺ ﷺ أنَّهُ قَنَتَ شَهْرَاً بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو علَى أحْياءِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ بَعَثَ أرَبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ يَشُكُّ فيهِ مِنَ القُرَّاءِ إِلَى أناسٍ منَ المُشْرِكِينَ فعرَضَ لَهُمْ هاؤُلاءِ فَقتَلُوهُمْ وكانَ بَيْنَهُم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عهْدٌ فَما رَأيْتُهُ وجَدَ علَى أحَدٍ مَا وَجَدَ علَيْهِمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وثابت بن يزِيد بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَوهم من قَالَ فِيهِ: زيد، بِغَيْر الْيَاء، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَهَؤُلَاء، وَهَؤُلَاء كلهم بصريون.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْوتر فِي: بَاب الْقُنُوت قبل الرُّكُوع وَبعده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد عَن عَاصِم عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (من الْقُرَّاء) مُتَعَلق بقوله: بعث. قَوْله: (وجد) ، يُقَال: وجد مَطْلُوبه يجده من بَاب ضرب يضْرب وجودا، ويجده بِالضَّمِّ لُغَة عامرية لَا نَظِير لَهَا فِي بَاب الْمِثَال، وَوجد ضالته وجدانًا، وَوجد عَلَيْهِ فِي الْغَضَب موجدة ووجداناً أَيْضا، حَكَاهَا بَعضهم: وَوجد فِي الْحزن وجدا بِالْفَتْح، وَوجد فِي المَال وجدا ووجداً ووجدا وَجدّة، أَي: اسْتغنى، وَكَانَ، ﷺ ، لَا يَدْعُو بِالشَّرِّ على أحد من الْكفَّار مَا دَامَ يَرْجُو لَهُم الرُّجُوع والإقلاع عَمَّا هم عَلَيْهِ، ألَا ترى أَنه، ﷺ ، سُئِلَ أَن يَدْعُو على دوس فَدَعَا لَهَا بِالْهدى، وَإِنَّمَا دَعَا على بني سليم حِين نكثوا الْعَهْد وغدروا لِأَنَّهُ أيس من رجوعهم عَن ضلالتهم، فَأجَاب الله بذلك دَعوته وَأظْهر صدقه وبرهانه، وَهَذِه الْقِصَّة أصل فِي جَوَاز الدُّعَاء فِي الصَّلَاة وَالْخطْبَة على عَدو الْمُسلمين وَمن خالفهم، وَمن نكث عهدا وَشبهه، وَالله أعلم.
٩ - (بابُ أمانِ النِّسَاءِ وجِوارِهنَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أَمَان النِّسَاء وجوارهن، بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا أَي: إجارتهن، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْجَار الَّذِي يجاورك، تَقول: جاورته مجاورة وجواراً، بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا، وَالْجَار الَّذِي أجرته من أَن يَظْلمه ظَالِم، وأجرته بِدُونِ الْمَدّ من الْإِجَارَة، وَيُقَال: أجرت فلَانا على فلَان إِذا أعنته مِنْهُ ومنعته.
١٧١٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنا مالِكٌ عنْ أبِي النَّضْرِ مَوْلى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله أنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أمِّ هانِيءٍ ابْنَةِ أبي طالبٍ أخبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هانِىءٍ ابْنَةَ أبي طالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ
стр. 4421
إِلَى رسُولِ الله ﷺ عامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فَقالَ مَنْ هاذِهِ فَقلْتُ أَنا أُمُّ هَانىءٍ بنْتُ أبِي طالِبٍ فَقال مَرْحَباً بِأُمِّ هانِىءٍ فلَمَّا فرغَ مِنْ غُسْلِهِ قامَ فَصَلَّى ثَمانَ رَكْعَاتٍ مُلْتَحِفاً فِي ثَوْبٍ واحدٍ فَقلْتُ يَا رسُولَ الله زعَمَ ابنُ أُمِّي عليٌّ أنَّهُ قاتَلَ رجُلاً قَدْ أجَرْتُهُ فَلانُ ابنُ هُبَيْرَةَ فَقال رسولُ الله ﷺ قدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أُمَّ هانىءٍ وذلِكَ ضُحَىً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قد أجرنا من أجرت) وَأَبُو النَّضر، بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، واسْمه سَالم بن أبي أُميَّة مولى عمر ابْن عبيد الله بن معمر الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، وَأَبُو مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: واسْمه يزِيد بن مرّة مولى عقيل بن أبي طَالب، وَيُقَال: مولى أم هانىء، وَقَالَ الدَّاودِيّ: كَانَ عبدا لَهما فأعتقاه فينسب مرّة لهَذَا وَمرَّة لهَذَا.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد ملتحفاً بِهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَفِيه من الْفِقْه: جَوَاز أَمَان الْمَرْأَة وَأَن من أمنته حرم قَتله، وَقد أجارت زَيْنَب بنت رَسُول الله، ﷺ أَبَا الْعَاصِ ابْن الرّبيع، وعَلى هَذَا جمَاعَة الْفُقَهَاء بالحجاز وَالْعراق مِنْهُم مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ، وَشد عبد الْملك بن الْمَاجشون وَسَحْنُون عَن الْجَمَاعَة، فَقَالَا: أَمَان الْمَرْأَة مَوْقُوف على إجَازَة الإِمَام، فَإِن أجَازه جَازَ، وَإِن رده رد.
٠١ - (بابٌ ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وجِوارُهُمْ واحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أدْناهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ ذمَّة الْمُسلمين وجوارهم وَاحِدَة، فَقَوله: ذمَّة الْمُسلمين، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وجوارهم، عطف عَلَيْهِ وَخَبره قَوْله: وَاحِدَة، وَمَعْنَاهُ: أَن من انْعَقَدت عَلَيْهِ ذمَّة من طَائِفَة من الْمُسلمين فَإِنَّهَا وَاحِدَة فِي الحكم لَا تخْتَلف باخْتلَاف الْعَاقِدين، وَحَاصِل الْمَعْنى: أَن كل من عقد ذمَّة يَعْنِي أَمَانًا لأحد من أهل الْحَرْب جَازَ أَمَانه على جَمِيع الْمُسلمين دنيّاً كَانَ أَو شريفاً، عبدا كَانَ أَو حرا، رجلا كَانَ أَو امْرَأَة، وَلَيْسَ لَهُم بعد ذَلِك أَن يخفروه، وَاتفقَ مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر على جَوَاز أَمَان العَبْد قَاتل أَو لم يُقَاتل، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: لَا يجوز أَمَانه إلَاّ أَن يُقَاتل، وَأَجَازَ مَالك أَمَان الصَّبِي إِذا عقل الْإِسْلَام، وَمنع ذَلِك أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَجُمْهُور الْفُقَهَاء، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الْعلم أَن أَمَان الصَّبِي غير جَائِز، وَالْمَجْنُون كَذَلِك لَا يَصح أَمَانه بِلَا خلاف كالكافر، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِن غزا الذِّمِّيّ مَعَ الْمُسلمين فأمن أحدا فَإِن شَاءَ الإِمَام أَمْضَاهُ وإلَاّ فَيردهُ إِلَى مأمنه. قَوْله: (وجوارهم) أَي: وَجوَار الْمُسلمين، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: جوارهم. قَوْله: (يسْعَى بهَا) ، أَي: بِذِمَّة الْمُسلمين، أَي: بأمانهم (أَدْنَاهُم) أَي: أقلهم عددا فَيدْخل فِيهِ الْوَاحِد وَتدْخل فِيهِ الْمَرْأَة أَيْضا، وَلَا يدْخل فِيهِ العَبْد عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الْجِهَاد، فَإِذا قَاتل يكون مِنْهُم، وَلَفظ: ذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة يسْعَى بهَا أَدْنَاهُم، رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ مثل رِوَايَة أَحْمد، ثمَّ قَالَ: معنى هَذَا عِنْد أهل الْعلم أَن من أعْطى الْأمان من الْمُسلمين فَهُوَ جَائِز على كلهم. وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ : الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وهم يدٌ على من سواهُم، يسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم ... الحَدِيث.
٢٧١٣ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنَا وَكِيعٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أبِيهِ قَالَ خَطَبَنَا عَليّ فَقَالَ مَا عنْدَنا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إلَاّ كِتابُ الله وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَقال فِيهَا الجِرَاحَاتُ وأسْنَانُ الإبِلِ والمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْر إِلَى كذَا فَمنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثا أوْ آوى فِيهَا مُحْدِثاً فعلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَة والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ ومَنْ تَوَلَّى غيْرَ مَوَالِيهِ فعَلَيْهِ مِثْلُ ذلِكَ وذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً فعلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ. .
стр. 4422
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة) وَأما قَوْله: يسْعَى بهَا أَدْنَاهُم، فَفِي رِوَايَة أَحْمد، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ هُوَ مُحَمَّد بن سَلام، كَذَا نسبه ابْن السكن، وَقَالَ الكلاباذي: روى مُحَمَّد بن مقَاتل وَمُحَمّد بن سَلام وَمُحَمّد بن نمير فِي (الْجَامِع) عَن وَكِيع بن الْجراح، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ تيم الربَاب، مَاتَ إِبْرَاهِيم فِي حبس الْحجَّاج سنة أَربع وَتِسْعين.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب حرم الْمَدِينَة فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن بشار عَن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن أَبِيه ... إِلَى آخِره، وَفِيه: وَهَذِه الصَّحِيفَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَيْسَ فِيهِ: فَقَالَ فِيهَا: الْجِرَاحَات وأسنان الْإِبِل ... وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مَا بَين عير) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ اسْم جبل بِالْمَدِينَةِ قَوْله: (إِلَى كَذَا) لَعَلَّه: أحد
قَوْله: (حَدثا) ، بِفَتْح الدَّال، وَهُوَ الْأَمر الْمُنكر الَّذِي لَيْسَ بمعتاد وَلَا مَعْرُوف فِي السّنة، والمحدث، بِكَسْر الدَّال، وَهُوَ الَّذِي ينصر جانياً أَو أَواه وَأَجَارَهُ من خَصمه وَحَال بَينه وَبَين من يقْتَصّ مِنْهُ، ويروى بِفَتْح الدَّال، وَهُوَ الْأَمر المبتدع نَفسه. قَوْله: (صرف) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة: وَهُوَ التَّوْبَة، وَقيل: النَّافِلَة، وَالْعدْل: الْفِدْيَة، وَقيل: النَّافِلَة، وَالْعدْل: الْفِدْيَة، وَقيل: الْفَرِيضَة. قَوْله: (فَمن أَخْفَر) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: فَمن نقض عهد مُسلم فَعَلَيهِ مثل مَا كَانَ على من أحدث فِيهَا.
١١ - (بابٌ إذَا قَالُوا صَبَأْنَا ولَمْ يُحْسِنُوا أسْلَمْنَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمُشْركين حِين يُقَاتلُون إِذا قَالُوا: صبأنا، وَأَرَادُوا بِهِ الْإِخْبَار بِأَنَّهُم أَسْلمُوا وَلم يحسنوا أَن يَقُولُوا: أسلمنَا، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يكون ذَلِك كَافِيا فِي رفع الْقِتَال عَنْهُم أم لَا؟ قيل: إِن الْمَقْصُود من التَّرْجَمَة أَن الْمَقَاصِد تعْتَبر بأدلتها كَيفَ مَا كَانَت الْأَدِلَّة، لفظية أَو غير لفظية، تَأتي بِأَيّ لُغَة كَانَت، وصبانا من صَبأ فلَان إِذا خرج من دينه إِلَى دين غَيره، من قَوْلهم صبا نَاب الْبَعِير إِذا طلع، وصبأت النُّجُوم إِذا خرجت من مطالعها، وَكَانَت الْعَرَب تسمي النَّبِي ﷺ : الصابيء، لِأَنَّهُ خرج من دين قُرَيْش إِلَى دين الْإِسْلَام.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ فَقَالَ النبِيُّ ﷺ أبْرَأُ إلَيْكَ مَمَّا صنَعَ خالِدٌ
أَي: قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. . وَهَذَا طرف من حَدِيث طَوِيل أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْمَغَازِي فِي غَزْوَة الْفَتْح. وأصل الْقِصَّة أَن خَالِد بن الْوَلِيد بَعثه النَّبِي ﷺ إِلَى بني جذيمة فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام فَلم يحسنوا أَن يَقُولُوا: أسلمنَا، فَجعلُوا يَقُولُونَ: صبأنا، صبأنا، فَجعل خَالِد يقتل مِنْهُم بِنَاء على ظَاهر اللَّفْظ، فَبلغ النَّبِي ﷺ ذَلِك فَأنكرهُ، فَدلَّ على أَنه يَكْتَفِي من كل قوم بِمَا يعرف من لغتهم، وَقد عذر النَّبِي ﷺ خَالِدا فِي اجْتِهَاده، وَلذَلِك لم يقدْ مِنْهُ. وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف أَن القَاضِي إِذا قضى بجور أَو بِخِلَاف قَول أهل الْعلم فَهُوَ مَرْدُود، فَإِن كَانَ على وَجه الِاجْتِهَاد والتأويل كَمَا صنع خَالِد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن الْإِثْم سَاقِط وَالضَّمان لَازم عِنْد عَامَّة أهل الْعلم، إلَاّ أَنهم اخْتلفُوا فِي ضَمَان ذَلِك، فَإِن كَانَ فِي قتل أَو جراح فَفِي بَيت المَال، وَهَذَا قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَت طَائِفَة: على عَاقِلَة الإِمَام أَو الْحَاكِم، وَهَذَا قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: لَيْسَ على الْحَاكِم شَيْء من الدِّيَة فِي مَاله وَلَا على عَاقِلَته وَلَا فِي بَيت المَال. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ وَلَا فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي لفظ: صبأنا، فَأَيْنَ الْمُطَابقَة؟ قلت: جرت عَادَته أَنه يترجم بِبَعْض مَا ورد فِي الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ فِيهِ.
وَقَالَ عُمَرُ إذَا قَالَ مَتْرَسْ فقدْ آمَنَهُ إنَّ الله يعْلَمُ الألْسِنَةَ كُلَّها وَقَالَ تَكَلَّمْ لَا بأسَ
أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق من طَرِيق أبي وَائِل، قَالَ: جَاءَنَا كتاب عمر وَنحن نحاصر قصر فَارس، فَقَالَ: إِذا حاصرتم قصراً فَلَا تَقولُوا: إنزلوا على حكم الله، فَإِنَّهُم لَا يَدْرُونَ مَا حكم الله، وَلَكِن أنزلوهم على حكمكم ثمَّ اقضوا فيهم، وَإِذا لَقِي الرجلُ الرجلَ فَقَالَ: لَا تخف، فقد أَمنه، وَإِذا قَالَ: مترس، فقد أَمنه، أَن الله يعلم الْأَلْسِنَة كلهَا وَلَفْظَة: مترس، كلمة فارسية وَمَعْنَاهَا: لَا تخف، لِأَن لفظ: م، كلمة النَّفْي عِنْدهم. وَلَفظ: ترس، بِمَعْنى الْخَوْف عِنْدهم، فَإِذا أَرَادوا أَن يَقُولُوا لوَاحِد: لَا تخف، يَقُولُونَ بلسانهم: مترس، وَاخْتلفُوا فِي ضَبطهَا، فضبطه الْأصيلِيّ: بِفَتْح الْمِيم وَالتَّاء وَسُكُون الرَّاء، وَضَبطه أَبُو ذَر:
стр. 4423
بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون التَّاء، وَضَبطه بَعضهم: بِإِسْكَان التَّاء وَفتح الرَّاء، وَأهل خُرَاسَان كَانُوا يَقُولُونَ ليحيى بن يحيى فِي (الْمُوَطَّأ) : مطرس، قلت: الْأَصَح ضبط الْأصيلِيّ لَا غير. قَوْله: (قَالَ: تكلم لَا بَأْس) أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب للهرمزان حِين أَتَوا بِهِ إِلَيْهِ، وَقد تقدم فِي الْجِزْيَة وَالْمُوَادَعَة، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن حميد عَن أنس، قَالَ: حاصرنا تستر فَنزل الهرمزان على حكم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ استعجم، فَقَالَ لَهُ عمر: تكلم لَا بَأْس عَلَيْك، فَكَانَ ذَلِك عهدا وتأميناً من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٢١ - (بابُ المُوَادَعَةِ والْمُصَالَحَةِ مَعَ المُشْرِكِينَ بالمالِ وغَيْرِهِ وإثْمِ مَن لَمْ يَفِ بالْعَهْدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْمُوَادَعَة، وَهِي المسالمة على ترك الْحَرْب والأذى، وَحَقِيقَة الْمُوَادَعَة المتارعة، أَي: أَن يدع كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ مَا هُوَ فِيهِ. قَوْله: (وَغَيره) ، أَي: وَغير المَال نَحْو الأسرى. قَوْله: (من لم يفِ) ويروى: من لم يوفِ.
وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسِّلْمِ فاجْنَجْ لَهَا﴾ (الْأَنْفَال: ١٦) . الآيةَ
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: الْمُوَادَعَة، أَي: وَفِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جنحوا﴾ (الْأَنْفَال: ١٦) . الْآيَة فِي مَشْرُوعِيَّة الصُّلْح، وَمعنى: جنحوا، أَي: مالوا، وَيُقَال: أَي طلبُوا، و: السّلم، بِكَسْر السِّين الصُّلْح. قَوْله: فاجنح، أَمر من جنح يجنح أَي: مِلْ لَها أَي: إِلَيْهَا، أَي: إِلَى المسالمة. وَاقْبَلْ مِنْهُم ذَلِك، قَالَ مُجَاهِد: نزلت فِي بني قُرَيْظَة، وَفِيه نظر، لِأَن السِّيَاق كُله فِي وقْعَة بدر، وَذكرهَا مكشف لهَذَا كُله، وَقَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَزيد بن أسلم وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَعِكْرِمَة وَالْحسن وَقَتَادَة: إِن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف فِي بَرَاءَة: ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) . وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : فِيهِ نظر أَيْضا، لِأَن آيَة بَرَاءَة الْأَمر بقتالهم إِذا أمكن ذَلِك، فَأَما إِذا كَانَ الْعَدو كثيفاً فَإِنَّهُ تجوز مهادنتهم، كَمَا دلّت عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وكما فعل النَّبِي ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة، فَلَا مُنَافَاة وَلَا نسخ وَلَا تَخْصِيص.
٣٧١٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرٌ هُوَ ابنُ المُفَضَّلِ قَالَ حدَّثَنا يَحْيَى عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ عنْ سَهْلِ بنِ أبِي حَثْمَةَ قَالَ انْطَلَقَ عَبْدُ الله بنُ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةُ بنُ مَسْعُودِ بنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبرَ وهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فأتَى محَيْصَةُ إِلَى عَبْدِ الله وهْوَ يتَشَحَّطُ
فِي دَمٍ قَتِيلاً فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فانْطَلَقَ عبدُ الرَّحْمانِ بنُ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةُ وحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُود إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فذَهَبَ عبْدُ الرَّحْمانِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ وهْوَ أحْدَثُ القَوْمِ فسَكَتَ فتَكَلَّمَا فَقَالَ أتَحْلِفُونَ وتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أوْ صَاحِبَكُمْ قالُوا وكَيْفَ نَحْلِف ولَمْ نَشْهَدْ ولَمْ نَرَ قَالَ فَتُبْرِيكُمُ يَهُودُ بِخَمْسِينَ فَقَالُوا كَيْفَ نأخُذُ أيْمَانَ قَوْم كُفَّارٍ فعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) وَتَمام الْمُطَابقَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فعقله النَّبِي، ﷺ من عِنْده) ، لِأَنَّهُ مصالحة مَعَ الْمُشْركين بِالْمَالِ.
ذكر رِجَاله وهم تِسْعَة: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْمفضل، على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من التَّفْضِيل بالضاد الْمُعْجَمَة: ابْن لَاحق أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: بشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر بشر ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمدنِي، مولى الْأَنْصَار. الْخَامِس: سهل ابْن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: واسْمه عبد الله أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَة رُوَاة. السَّادِس: عبد الله بن سهل بن زيد بن كَعْب الْحَارِثِيّ قَتِيل الْيَهُود بِخَيْبَر، وَهُوَ أَخُو عبد الرَّحْمَن بن سهل، وَابْن أخي حويصة ومحيصة. السَّابِع: محيصة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن مَسْعُود بن كَعْب بن عَامر الْأنْصَارِيّ الخزرجي أَبُو سعيد الْمدنِي، لَهُ صُحْبَة، وَهُوَ أَخُو حويصة بن مَسْعُود، وَيُقَال فيهمَا جَمِيعًا بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها، أسلم قبل أَخِيه حويصة، وَكَانَ حويصة
стр. 4424
أسن مِنْهُ. الثَّامِن: عبد الرَّحْمَن بن سهل بن زيد الْأنْصَارِيّ، أَخُو عبد الله بن سهل الْمَذْكُور. التَّاسِع: حويصة بن مَسْعُود الْأنْصَارِيّ أَبُو سعد أَخُو محيصة لِأَبِيهِ وَأمه.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي (الصُّلْح عَن مُسَدّد وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الله بن يُوسُف وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبيد الله ابْن عمر عَن حَمَّاد وَعَن عبيد الله أَيْضا عَن بشر بن الْمفضل وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن قُتَيْبَة وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن القواريري وَمُحَمّد بن عبيد وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدِّيات أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن الْحسن بن عَليّ الْخلال. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي الْقسَامَة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح بِهِ وَعَن أَحْمد بن عَبدة وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان فيهمَا وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فِي الْقَضَاء وَحده وَفِيهِمَا عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن يحيى بن حَكِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (انْطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بِهِ مَسْعُود إِلَى خَيْبَر) وَكَانَا خرجا فِي أنَاس من أَصْحَاب لَهما يمتارون تَمرا، فوُجدَ عبد الله بن سهل فِي عين قد كسرت عُنُقه ثمَّ طرح فِيهَا فدفنوه، وَقدمُوا على رَسُول الله، ﷺ فَذكرُوا لَهُ شَأْنه، فَحكم فِيهِ بالقسامة، وبسببه كَانَت الْقسَامَة. قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) ، أَي: وَالْحَال أَن خَيْبَر يَوْم وُقُوع هَذِه الْقَضِيَّة صلح يَعْنِي كَانُوا فِي مصالحة مَعَ النَّبِي ﷺ قَوْله (وَهُوَ يَتَشَحَّط فِي دم) أَي عبد الله يضطرب فِي الدَّم قَالَه الْخطابِيّ وَقَالَ الدَّاودِيّ: المتشحط المختضب، ومادته: شين مُعْجمَة وحاء مُهْملَة وطاء مُهْملَة، قَالَ ابْن الْأَثِير: مَعْنَاهُ يتخبط فِي دَمه ويضطرب ويتمرغ. قَوْله: (قَتِيلا) نصب على الْحَال قَوْله: (كبر كبر) أَي: قدم الأسن يتَكَلَّم، وَهُوَ أَمر من التَّكْبِير كَرَّرَه للْمُبَالَغَة. قَوْله: (أتحلفون؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (أَو صَاحبكُم) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (تبرئكم) ، من الْإِبْرَاء، أَي: تَبرأ إِلَيْكُم من دعواكم بِخَمْسِينَ يَمِينا. قَوْله: (خمسين) هَكَذَا وَقع بِغَيْر مميزه، وَتَقْدِيره: بِخَمْسِينَ يَمِينا. قَوْله: (فعقله النَّبِي ﷺ أَي: أدّى دِيَته. قَوْله: (من عِنْده) ، يحْتَمل وَجْهَيْن: هُوَ أَن يكون من مَال نَفسه، وَالْآخر: أَن يكون من مَال بَيت المَال الْمعد لمصَالح الْمُسلمين، وَإِنَّمَا عقله رَسُول الله، ﷺ ، قطعا للنزاع وإصلاحاً وجبراً لخواطرهم، وَإِلَّا فاستحقاقهم لم يثبت.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أدب وإرشاد إِلَى أَن الْأَكْبَر أولى بالتقدمة فِي الْكَلَام. وَاعْلَم أَن حَقِيقَة الدَّعْوَى إِنَّمَا هِيَ لِأَخِيهِ عبد الرَّحْمَن لَا حق فِيهَا لِابْني عَمه، وَأَنه ﷺ ، أَمر أَن يتَكَلَّم الْأَكْبَر لِأَنَّهُ لم يكن المُرَاد بِكَلَامِهِ حَقِيقَة الدَّعْوَى، بل سَماع صُورَة الْقِصَّة وكيفيتها، فَإِذا أَرَادَ حَقِيقَتهَا تكلم صَاحبهَا، وَيحْتَمل أَن عبد الرَّحْمَن وكل الْأَكْبَر أَو أمره بتوكيله فِيهَا. وَفِيه: أَن الْقَوْم إِذا كَانَ فيهم صَغِير يَنْبَغِي أَن يتأدب الصَّغِير وَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهِم بالْكلَام وَنَحْوه، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَهُوَ أحدث الْقَوْم، أَي: عبد الرَّحْمَن أَصْغَر الْقَوْم. وَفِيه: صِحَة الْوكَالَة، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: فتكلما، أَي: فَتكلم محيصة وحويصة وَذَلِكَ لِأَن الْحق لم يكن لَهما، وَإِنَّمَا تكلما بطرِيق الْوكَالَة. وَفِيه: أَن حكم الْقسَامَة مُخَالفَة لسَائِر الدَّعَاوَى من جِهَة أَن الْيَمين على الْمُدَّعِي. وَفِيه: أَن الْقسَامَة خَمْسُونَ يَمِينا. فَإِن قلت: كَيفَ عرضت الْيَمين على الثَّلَاثَة وَإِنَّمَا هِيَ للْوَارِث خَاصَّة وَهُوَ أَخُوهُ؟ قلت: كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم أَن الْيَمين تخْتَص بالوارث، فَأطلق الْخطاب لَهُم، وَالْمرَاد من يخْتَص بِهِ. وَفِيه: إِثْبَات حكم الْقسَامَة خلافًا لجَماعَة رُوي عَنْهُم إبِْطَال الْقسَامَة، وَأَنه لَا حكم فِيهَا وَلَا عمل بهَا، قَالَ الْكرْمَانِي: مِنْهُم البُخَارِيّ وَفِيه: من اسْتدلَّ على أَن الْقسَامَة توجب الْقصاص بقوله: (تستحقون دم قاتلكم) مِنْهُم: مَالك، وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ ثَبت حقكم على من حلفتم عَلَيْهِ، وَذَلِكَ الْحق أَعم من أَن يكون قصاصا أَو دِيَة. وَفِيه: كَمَا ذكرنَا: أَن النَّبِي ﷺ وداه من عِنْده قطعا للنزاع واستئلافاً للْيَهُود وَطَمَعًا مِنْهُ فِي دُخُولهمْ الْإِسْلَام، وليكف بذلك شرهم عَن نَفسه وَعَن الْمُسلمين مَعَ إِشْكَال الْقَضِيَّة بإباء أَوْلِيَاء الْقَتِيل من الْيَمين،
стр. 4425
وإبائهم أَيْضا من قبُول أَيْمَان الْيَهُود، فكاد الحكم أَن يكون مطولا، وَلَكِن أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يوادع الْيَهُود بالغرم عَنْهُم لِأَن الدَّلِيل كَانَ مُتَوَجها إِلَى الْيَهُود فِي الْقَتْل لعبد الله، وَأَرَادَ أَن يذهب مَا بنفوس أوليائه من الْعَدَاوَة للْيَهُود بِأَن غرم لَهُم الدِّيَة، إِذْ كَانَ الْعرف جَارِيا أَن من أَخذ دِيَة قتيله فقد انتصف. وَقَالَ الْوَلِيد بن مُسلم: سَأَلت الْأَوْزَاعِيّ عَن موادعة إِمَام الْمُسلمين أهل الْحَرْب على فديَة أَو هَدِيَّة يُؤَدِّيهَا الْمُسلمُونَ إِلَيْهِم، فَقَالَ: لَا يَصح ذَلِك إلَاّ بضرورة وشغل من الْمُسلمين عَن حربهم من قتال عدوهم أَو فتْنَة شملت الْمُسلمين، فَإِذا كَانَ ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ. قَالَ الْوَلِيد: وَذكرت ذَلِك لسَعِيد بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ: قد صَالحهمْ مُعَاوِيَة أَيَّام صفّين، وصالحهم عبد الْملك بن مرواه لشغله بِقِتَال ابْن الزبير، يُؤَدِّي عبد الْملك إِلَى طاغية ملك الرّوم فِي كل يَوْم ألف دِينَار، وَإِلَى تراجمة الرّوم وأنباط الشَّام فِي كل جُمُعَة ألف دِينَار. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يعطيهم الْمُسلمُونَ شَيْئا بِحَال إلَاّ أَن يخَافُوا أَن يصطلحوا لِكَثْرَة الْعدَد، لِأَنَّهُ من مَعَاني الضرورات، أَو يُرْسل مُسلم فَلَا يخلى إلَاّ بفدية فَلَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ ﷺ فدى رجلا برجلَيْن، وَقَالَ ابْن بطال: وَلم أجد لمَالِك وَأَصْحَابه وَلَا الْكُوفِيّين نصا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. قلت: مَذْهَب أَصْحَابنَا أَن للْإِمَام أَن يصالحهم بِمَال يَأْخُذهُ مِنْهُم أَو يَدْفَعهُ إِلَيْهِم إِذا كَانَ الصُّلْح خيرا فِي حق الْمُسلمين، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا﴾ (الْأَنْفَال: ١٦) . وَالْمَال الَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُم بِالصُّلْحِ يصرف مصارف الْجِزْيَة.
٣١ - (بابُ فَضْلِ الوَفاءِ بالْعَهْدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْوَفَاء بالعهد أَي: الْمِيثَاق.
٤٧١٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنُ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنُ عُبَيْدِ الله بنَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أخْبَرَهُ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّ أبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ أخبَرَهُ أنَّ هِرَقْلَ أرْسَلَ إلَيْهِ فِي ركْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ كانُوا تِجاراً بالشَّامِ فِي المُدَّةِ الَّتِي مادَّ فِيها رسولُ الله ﷺ أَبَا سُفْيَانَ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْغدر عِنْد كل أمة قَبِيح مَذْمُوم، وَلَيْسَ هُوَ من صِفَات الرُّسُل، وَأَن هِرقل أَرَادَ أَن يمْتَحن بذلك، أَعنِي بإرساله إِلَى أبي سُفْيَان صدق رَسُول الله، ﷺ لِأَن من غدر وَلم يفِ بعهده لَا يجوز أَن يكون نَبيا، وَالرسل أخْبرت عَن الله تَعَالَى فضل من وفى بعهده.
والْحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث أبي سُفْيَان قد مر فِي أَوَائِل الْكتاب. قَوْله: (ماد) أَي: الْمدَّة الَّتِي هادن رَسُول الله، ﷺ ، وعينها للصلح بَينهمَا، وَيُقَال: ماد الغريمان: إِذا اتفقَا على أجل الدّين.
٤١ - (بابٌ هَلْ يُعْفَى عنِ الذِّمِّيِّ إذَا سَحَرَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يُعْفَى ... إِلَى آخِره، وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام يُوضحهُ حَدِيث الْبَاب.
وَقَالَ ابنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ سُئِلَ أعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ قَالَ بلَغَنا أنَّ رسوُلَ الله ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ وكانَ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: التَّرْجَمَة بِلَفْظ الذِّمِّيّ، وَالسُّؤَال بِأَهْل الْعَهْد، وَالْجَوَاب بِأَهْل الْكتاب؟ قلت: المُرَاد بِأَهْل الْكتاب: الَّذِي لَهُم عهد، وإلَاّ فَهُوَ حَرْبِيّ وَاجِب الْقَتْل، والعهد والذمة بِمَعْنى. انْتهى. قلت: هَذَا تَطْوِيل بِلَا فَائِدَة، وَكَانَ قَوْله: والعهد والذمة بِمَعْنى، فِيهِ كِفَايَة، وَفِيه إِيضَاح لجواب التَّرْجَمَة. وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي. وَهَذَا التَّعْلِيق مَوْصُول فِي جَامع ابْن وهب.
قَوْله: (سُئِلَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَعلَى؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (ذَلِك) ، أَي: السحر، وَحكم هَذَا الْبَاب أَنه لَا يقتل سَاحر أهل الْكتاب عِنْد مَالك كَقَوْل ابْن شهَاب، وَلَكِن يُعَاقب إِلَى أَن يقر بسحره فَيقْتل أَو يحدث حَدثا فَيُؤْخَذ مِنْهُ بِقدر ذَلِك، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ
стр. 4426
وروى ابْن وهب وَابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَيْضا: أَنه لَا يقتل بسحره ضَرَرا على مُسلم إِن لم يعاهدوا عَلَيْهِ، فَإِذا فعلوا ذَلِك فقد نقضوا الْعَهْد فَحل بذلك قَتلهمْ، وعَلى هَذَا القَوْل، لَا حجَّة لِابْنِ شهَاب فِي أَنه ﷺ لم يقتل الْيَهُودِيّ الَّذِي سحره لوجوه الأول: أَنه قد ثَبت عَنهُ أَنه لَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَلَو عاقبه لَكَانَ حَاكما لنَفسِهِ. الثَّانِي: أَن ذَلِك السحر لم يضرّهُ لِأَنَّهُ لم يتَغَيَّر عَلَيْهِ شَيْء من الْوَحْي وَلَا دخلت عَلَيْهِ دَاخِلَة فِي الشَّرِيعَة، وَإِنَّمَا اعتراه شَيْء من التخيل وَالوهم، ثمَّ لم يتْركهُ الله على ذَلِك، بل تَدَارُكه بعصمته وأعلمه مَوضِع السحر وأعلمه استخراجه وحله عَنهُ، كَمَا دفع الله عَنهُ السم بِكَلَام الذِّرَاع. الثَّالِث: أَن هَذَا السحر إِنَّمَا تسلط على ظَاهره لَا على قلبه وعقله واعتقاده، وَالسحر مرض من الْأَمْرَاض وعارض من الْعِلَل يجوز عَلَيْهِ كأنواع الْأَمْرَاض، فَلَا يقْدَح فِي نبوته وَيجوز طروه عَلَيْهِ فِي أَمر دُنْيَاهُ، وَهُوَ فِيهَا عرضة للآفات كَسَائِر الْبشر.
٥٧١٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا هِشامٌ قَالَ حدَّثني أبي عَن عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ صنَعَ شَيْئاً ولَمْ يَصْنَعْهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ سحره يَهُودِيّ وَعَفا عَنهُ، كَمَا ذكرنَا عَن قريب. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي التَّرْجَمَة مَا ذكرته؟ قلت: تَتِمَّة الْقِصَّة تدل عَلَيْهِ. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير يروي عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
قَوْله: (سحر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَاسم الْيَهُودِيّ الَّذِي سحره لبيد بن أعصم، ذكر فِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، كَانَ غُلَام من الْيَهُود يخْدم رَسُول الله، ﷺ فدنت إِلَيْهِ الْيَهُود فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخذ مشاطة رَأس النَّبِي ﷺ وعدة أَسْنَان من مشطه فَأَعْطَاهَا الْيَهُود فسحروه فِيهَا، وَكَانَ الَّذِي تولى ذَلِك رجل مِنْهُم، يُقَال لَهُ: لبيد بن أعصم، ثمَّ دسها فِي بِئْر لبني زُرَيْق يُقَال لَهَا: ذروان، وَيُقَال: أروان، فَمَرض رَسُول الله، ﷺ وانتشر شعر رَأسه ولبث سِتَّة أشهر يرى أَنه يَأْتِي النِّسَاء وَلَا يأتيهن، وَجعل يذوب وَلَا يدْرِي مَا عراه ويخيل إِلَيْهِ أَنه يفعل الشَّيْء وَلَا يَفْعَله، فَبينا هُوَ نَائِم إِذْ أَتَاهُ ملكان فَقعدَ أَحدهمَا عِنْد رَأسه وَالْآخر عِنْد رجلَيْهِ، فَقَالَ الَّذِي عِنْد رجلَيْهِ للَّذي عِنْد رَأسه: مَا بَال الرجل؟ قَالَ: طب، قَالَ: وَمَا طب؟ قَالَ: سحر. قَالَ: وَمن سحره؟ قَالَ: لبيد بن الأعصم الْيَهُودِيّ، قَالَ: وَبِمَ طبه؟ قَالَ: بِمشْط وبمشاطة، قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي جف طلعة تَحت راعوفة فِي بِئْر ذروان. والجف: قشر الطّلع، والراعوفة: صَخْرَة تتْرك فِي أَسْفَل الْبِئْر إِذا حفرت، فَإِذا أَرَادوا تنقية الْبِئْر جلس المنقي عَلَيْهَا، فانتبه رَسُول الله، ﷺ مذعوراً، فَقَالَ: يَا عَائِشَة ﴿أما شعرتِ أَن الله تَعَالَى أَخْبرنِي بدائي؟ ثمَّ بعث رَسُول الله، ﷺ عليا وَالزُّبَيْر وعمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فنزحوا مَاء تِلْكَ الْبِئْر، وَكَأَنَّهُ نقاعة الْحِنَّاء، ثمَّ رفعوا الصَّخْرَة وأخرجوا الجف، فَإِذا فِيهِ مشاطة رَأسه وأسنان من مشطه، وَإِذا وتر معقد فِيهِ إِحْدَى عشرَة عقدَة مغرزة بالإبر، فَأنْزل الله تَعَالَى المعوذتين، فَجعل كلما قَرَأَ آيَة انْحَلَّت عقدَة، وَوجد رَسُول الله، ﷺ خفَّة حِين انْحَلَّت الْعقْدَة الْأَخِيرَة، فَقَامَ رَسُول الله، ﷺ كَأَنَّمَا نشط من عقال، وَجعل جِبْرِيل، ﵊، يَقُول: بِسم الله أرقيك، من كل شَيْء يُؤْذِيك من عين وحاسد وَالله يشفيك. فَقَالُوا: يَا رَسُول الله﴾ أَفلا نَأْخُذ الْخَبيث فنقتله؟ فَقَالَ ﷺ : أما أَنا فقد شفاني الله وأكره أَن أثير على النَّاس شرا، قَالَت عَائِشَة: مَا غضب رَسُول الله، ﷺ غَضبا ينْتَقم من أحد لنَفسِهِ قطّ إلَاّ أَن يكون شَيْئا هُوَ لله، فيغضب لله وينتقم، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي كتاب الطِّبّ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (يخيل إِلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول.
وَقد اعْترض بعض الْمُلْحِدِينَ على حَدِيث عَائِشَة، وَقَالُوا: كَيفَ يجوز السحر على رَسُول الله، ﷺ ، وَالسحر كفر وَعمل من أَعمال الشَّيَاطِين، فَكيف يصل ضَرَره إِلَى النَّبِي ﷺ مَعَ حياطة الله لَهُ وتسديده إِيَّاه بملائكته، وصون الْوَحْي عَن الشَّيَاطِين؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا اعْتِرَاض فَاسد وعناد لِلْقُرْآنِ، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ لرَسُوله: ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ (الفلق: ١) . إِلَى قَوْله: فِي العقد، والنفاثات: السواحر فِي العقد، كَمَا ينفث الراقي فِي الرّقية حِين سحر، وَلَيْسَ فِي جَوَاز ذَلِك عَلَيْهِ مَا يدل على أَن ذَلِك يلْزمه أبدا أَو يدْخل عَلَيْهِ دَاخِلَة فِي شَيْء من ذَاته أَو شَرِيعَته، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ من ضَرَر السحر مَا ينَال الْمَرِيض من ضَرَر الْحمى والبرسام من ضعف الْكَلَام وَسُوء التخيل، ثمَّ زَالَ ذَلِك عَنهُ وأبطل الله كيد السحر، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على عصمته فِي الرسَالَة، وَالله الْمُوفق.
стр. 4427
٥١ - (بابُ مَا يُحْذَرُ مِنَ الغَدْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يحذر من سوء الْغدر، وَهُوَ ضد الْوَفَاء، وَنقض الْعَهْد يحذر، على صِيغَة الْمَجْهُول من: حذر ويحذر حذرا، ويروى: يحذر، بِالتَّشْدِيدِ من: التحذير.
وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فإنَّ حَسْبَكَ الله﴾ (الْأَنْفَال: ٢٦) . الآيةَ
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على مَا يحذر، لِأَنَّهُ مجرور بِالْإِضَافَة، تَقْدِيره: وَفِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا﴾ (الْأَنْفَال: ٢٦) . أَي: وَإِن يرد الْكفَّار بِالصُّلْحِ خديعة ليتقووا ويستعدوا ﴿فَإِن حَسبك الله﴾ (الْأَنْفَال: ٢٦) . أَي: كافيك وَحده، وَهَذِه الْآيَة بعد قَوْله: ﴿وَإِن جنحوا للسلم﴾ (الْأَنْفَال: ١٦) . وَبعدهَا ذكر نعْمَة الله عَلَيْهِ بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم﴾ (الْأَنْفَال: ٣٦) . أَي: جمعهَا على الْإِيمَان بك وعَلى طَاعَتك ومناصرتك. فَإنَّك: ﴿مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم إِنَّه عَزِيز حَكِيم﴾ (الْأَنْفَال: ٣٦) . .
٦٧١٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ الْعَلاءِ بنِ زِبْرٍ قَالَ سَمِعْتُ بُسْرَ بنَ عُبَيْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ أَبَا إدْرِيسَ قَالَ سَمِعْتُ عَوْفَ بنَ مَالِكٍ قَالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وهْوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أدَمٍ فقالَ اعْدُدْ سِتَّاً بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأُخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مائَةَ دِينارٍ فيَظَلُّ ساخِطَاً ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إلَاّ دَخَلْتُهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونِ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ بَني الأصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمانِينَ غايَةً تَحْتَ كلِّ غَايَةٍ إثْنَا عَشَرَ ألْفَاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فيغدرون) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الْحميدِي، وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى ونسبته إِلَى أحد أجداده. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي أَبُو الْعَبَّاس. الثَّالِث: عبد الله بن الْعَلَاء بن زبر، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء: الربعِي، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة. الرَّابِع: بسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن عبيد الله الْحَضْرَمِيّ. الْخَامِس: أَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بِالْعينِ الْمُهْملَة والهمزة، بعد الْألف وبالذال الْمُعْجَمَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بِكَسْر الْيَاء آخر الْحُرُوف بعد الْألف: الْخَولَانِيّ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون. السَّادِس: عَوْف ابْن مَالك الْأَشْجَعِيّ، مَاتَ بِالشَّام سنة ثَلَاث وَسبعين.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن هَؤُلَاءِ كلهم شَامِيُّونَ إلَاّ شيخ البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ مكي. وَفِيه: عبد الله بن الْعَلَاء، سَمِعت بسر بن عبيد الله، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق دُحَيْم عَن الْوَلِيد عَن عبد الله بن الْعَلَاء عَن زيد بن وَاقد: عَن بسر بن عبيد الله: وَلَا يضر هَذَا رِوَايَة البُخَارِيّ، فَإِن عبد الله بن الْعَلَاء صرح بِالسَّمَاعِ عَن بسر، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا مثل رِوَايَة البُخَارِيّ لَيْسَ فِيهَا زيد بن وَاقد.
وَأَبُو دَاوُد أخرجه فِي الْأَدَب عَن مُؤَمل بن الْفضل وَعَن صَفْوَان بن صَالح. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن دُحَيْم عَن الْوَلِيد بن مُسلم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي غَزْوَة تَبُوك) ، كَانَت فِي سنة ...
. . قَوْله: (وَهُوَ فِي قبَّة من أَدَم) ، الْقبَّة: بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: الخرقاهة، وكل بِنَاء مدور فَهُوَ قبَّة، وَالْجمع قباب وقبية، والأدم، بِفتْحَتَيْنِ اسْم لجمع أَدِيم، وَهُوَ الْجلد المدبوغ المصلح بالدباغ. قَوْله: (سِتا) أَي: سِتّ عَلَامَات لقِيَام الْقِيَامَة. قَوْله: (ثمَّ موتان) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْوَاو، قَالَ الْقَزاز: هُوَ الْمَوْت، وَقَالَ غَيره: الْمَوْت الْكثير الْوُقُوع، وَيُقَال بِالضَّمِّ لُغَة تَمِيم وَغَيرهم يفتحونها، وَيُقَال: للبليد موتان الْقلب، بِفَتْح الْمِيم والسكون، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: يغلط بعض الْمُحدثين فَيَقُول:
стр. 4428
بِضَم الْمِيم وَالْوَاو، وَإِنَّمَا ذَاك اسْم الأَرْض الَّتِي لم تحز بالزرع والإصلاح، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: ثمَّ موتتان، بِلَفْظ التَّثْنِيَة وَلَا وَجه لَهُ هُنَا. قَوْله: (كقعاص الْغنم) ، بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَبعد الْألف صَاد مُهْملَة، وَهُوَ دَاء يَأْخُذ الْغنم فيسيل من أنوفها شَيْء فتموت فجاءة، وَكَذَلِكَ غَيرهَا من الدَّوَابّ. وَقَالَ ابْن فَارس: القعاص دَاء يَأْخُذ فِي الصَّدْر كَأَنَّهُ يكسر الْعُنُق، وَقيل: هُوَ الْهَلَاك الْمُعَجل، وَبَعْضهمْ ضَبطه بِتَقْدِيم الْعين على الْقَاف، وَلم أر ذَلِك فِي شرح من شُرُوح البُخَارِيّ، وَمَا ذكره ابْن الْأَثِير وَابْن قرقول وَغَيرهمَا إلَاّ بِتَقْدِيم الْقَاف على الْعين. قَوْله: (ثمَّ استفاضة المَال) ، والاستفاضة من: فاض المَاء والدمع وَغَيرهمَا: إِذا كثر. قَوْله: (فيظل ساخطاً) أَي: يبْقى ساخطاً اسْتِقْلَالا للمبلغ وتحقيراً لَهُ. قَوْله: (ثمَّ هدنة) ، الْهُدْنَة بِضَم الْهَاء: الصُّلْح، وأصل الْهُدْنَة السّكُون، يُقَال: هدن يهدن فَسُمي الصُّلْح على ترك الْقِتَال هدنة ومهادنة، لِأَنَّهُ سُكُون عَن الْقِتَال بعد التحرك فِيهِ. قَوْله: (بني الْأَصْفَر) هم الرّوم. قَوْله: (غَايَة) ، بالغين الْمُعْجَمَة وبالياء آخر الْحُرُوف: الرَّايَة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: رَوَاهُ بَعضهم بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي الأجمة، وَشبه كَثْرَة الرماح للعسكر بهَا، فاستعيرت لَهُ، يَعْنِي: يأْتونَ قَرِيبا من ألف ألف رجل، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ غَيره: الْجُمْلَة فِي الْحساب تِسْعمائَة ألف وَسِتُّونَ ألفا، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْغَايَة الغيضة، فاستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الْجَيْش. وَقَالَ الجواليقي: غَايَة وَرَايَة وَاحِد لِأَنَّهَا غَايَة المتبع، إِذا وقفت وقف وَإِذا مشت تبعها، وَهَذِه السِّت الْمَذْكُورَة ظَهرت مِنْهَا الْخمس: موت النَّبِي ﷺ ، وَفتح بَيت الْمُقَدّس، والموتان كَانَ فِي طاعون عمواس زمن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَاتَ فِيهِ سَبْعُونَ ألفا فِي ثَلَاثَة أَيَّام، واستفاضة المَال كَانَت فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد تِلْكَ الْفتُوح الْعَظِيمَة والفتنة استمرت بعده، وَالسَّادِسَة لم تَجِيء بعد، وروى ابْن دحْيَة من حَدِيث حُذَيْفَة مَرْفُوعا: أَن الله تَعَالَى يُرْسل ملك الرّوم، وَهُوَ الْخَامِس من أَوْلَاد هِرقل، يُقَال لَهُ: صمارة، فيرغب إِلَى الْمهْدي فِي الصُّلْح، وَذَلِكَ لظُهُور الْمُسلمين على الْمُشْركين، فيصالحه إِلَى سَبْعَة أَعْوَام، فَيَضَع ﴿عَلَيْهِم الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) . وَلَا يبْقى لرومي حُرْمَة، وَيكسر لَهُم الصَّلِيب، ثمَّ يرجع الْمُسلمُونَ إِلَى دمشق فَإِذا هم كَذَلِك إِذا رجل من الرّوم قد الْتفت فَرَأى أَبنَاء الرّوم وبناتهم فِي الْقُيُود، فَرفع الصَّلِيب وَرفع صَوته، وَقَالَ: ألَا من كَانَ يعبد الصَّلِيب فلينصره، فَيقوم إِلَيْهِ رجل من الْمُسلمين فيكسر الصَّلِيب، وَيَقُول: الله أغلب وأعز، فَحِينَئِذٍ يغدرون وهم أولى بالغدر، فيجتمع عِنْد ذَلِك مُلُوك الرّوم خُفْيَة فَيَأْتُونَ إِلَى بِلَاد الْمُسلمين، وهم على غَفلَة مقيمين على الصُّلْح، فَيَأْتُونَ إِلَى أنطاكية فِي اثْنَي عشر ألف راية، تَحت كل راية اثْنَي عشر ألفا، فَعِنْدَ ذَلِك يبْعَث الْمهْدي إِلَى أهل الشَّام والحجاز والكوفة وَالْبَصْرَة وَالْعراق يستنصر بهم، فيبعث إِلَيْهِ أهل الشرق: أَنه قد جَاءَنَا عَدو من أهل خُرَاسَان شغلنا عَنْك، فَيَأْتِي إِلَيْهِ بعض أهل الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، فَيخرج بهم إِلَى دمشق وَقد مكث الرّوم فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا يفسدون وَيقْتلُونَ، فَينزل الله صبره على الْمُسلمين، فَيخْرجُونَ إِلَيْهِم فيشتد الْحَرْب بَينهم وَيسْتَشْهد من الْمُسلمين خلق كثير، فيا لَهَا من وقْعَة ومقتلة مَا أعظمها وَأعظم هولها، ويرتد من الْعَرَب يَوْمئِذٍ أَربع قبائل: سليم وفهد وغسان وطي، فيلحقون بالروم، ثمَّ إِن الله ينزل الصَّبْر والنصر وَالظفر على الْمُؤمنِينَ، ويغضب على الْكَافرين، فعصابة الْمُسلمين يَوْمئِذٍ خير خلق الله تَعَالَى والمخلصين من عباده، وَلَيْسَ فيهم مارد وَلَا مارق وَلَا شارد وَلَا مرتاب وَلَا مُنَافِق، ثمَّ إِن الْمُسلمين يدْخلُونَ إِلَى بِلَاد الرّوم وَيُكَبِّرُونَ على الْمَدَائِن والحصون،. فَتَقَع أسوارها بقدرة الله تَعَالَى، فَيدْخلُونَ الْمَدَائِن والحصون ويغنمون الْأَمْوَال ويسبون النِّسَاء والأطفال، وَتَكون أَيَّام الْمهْدي أَرْبَعِينَ سنة: عشر مِنْهَا بالمغرب، واثني عشر سنة بِالْمَدِينَةِ، واثني عشر سنة بِالْكُوفَةِ، وَسِتَّة بِمَكَّة، وَتَكون منيته فجاءة.
٦١ - (بابٌ كَيْفَ يُنْبَذُ إِلَى أهْلِ العَهْدِ)
أَي: هَذَا بَاب يبين فِيهِ كَيفَ ينْبذ، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من النبد بالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة، وَهُوَ: الطرح، وَالْمرَاد هُنَا نقض الْعَهْد.
وقَوْلُهُ تعَالى ﴿وإمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ علَى سَوَاءِ﴾ (الْأَنْفَال: ٨٥) . الْآيَة
وَقَوله، بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: وَقَوله تَعَالَى هُوَ: ﴿وَأما تخافن﴾ (الْأَنْفَال: ٨٥) . الْآيَة، وَالْجُمْلَة معطوفة على الْجُمْلَة الَّتِي
стр. 4429
قبلهَا. قَوْله: (وَأما تخافن) خطاب للنَّبِي ﷺ ، أَي: من قوم من الْمُشْركين. قَالَ الْأَزْهَرِي: مَعْنَاهُ إِذا هادنت قوما فَعلمت مِنْهُم النَّقْض فَلَا تسرع إِلَى النَّقْض حَتَّى تلقي إِلَيْهِم أَنَّك نقضت الْعَهْد فيكونون فِي علم النَّقْض مستوين، ثمَّ أوقع بهم. وَقَالَ الْكسَائي: السوَاء الْعدْل، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْمثل، وَقيل: أعلمهم أَنَّك قد جازيتهم حَتَّى يصيروا مثلك فِي الْعلم.
٧٧١٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَنا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِيمَنْ يُؤذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى لَا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولَا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ وإنَّمَا قِيلَ الأكْبَرُ مِنْ أجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الحَجُّ الأصْغَرُ فنَبَذَ أبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَام فَلَمْ يَحُجَّ عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فنبذ أَبُو بكر إِلَى النَّاس) وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَهَذَا الْإِسْنَاد قد تكَرر ذكره.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب لَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَلَا مُشْرك فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن: أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ أَن أَبَا بكر الصّديق بَعثه فِي الْحجَّة الَّتِي أمره عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ ، قبل حجَّة الْوَدَاع فِي رَهْط يُؤذن فِي النَّاس: أَلا لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان.
قَوْله: (بَعَثَنِي أَبُو بكر) ، كَانَ بَعثه إِيَّاه فِي الْحجَّة الَّتِي أمره النَّبِي ﷺ قبل حجَّة الْوَدَاع، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. قَوْله: (وَيَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر) ، هَذَا قَول مَالك وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء، وَقيل: عَرَفَة، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْأَكْبَر، لأجل قَول النَّاس: الْحَج الْأَصْغَر. قَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي الْعمرَة، وَقيل: إِنَّمَا قيل لَهُ: الْأَكْبَر، لِأَن النَّاس كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يقفون بِعَرَفَة وتقف قُرَيْش بِالْمُزْدَلِفَةِ، لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نخرج من الْحرم، فَإِذا كَانَ صَلَاة الْفجْر يَوْم النَّحْر وَلَيْلَة النَّحْر اجْتَمعُوا كلهم بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقيل لَهُ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، لِأَنَّهُ يَوْم الِاجْتِمَاع الْأَكْبَر فِيهِ.
٧١ - (بابُ إثْمِ منْ عاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من عَاهَدَ ثمَّ غدر، أَي: نقض الْعَهْد.
وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كلِّ مَرَّة وهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (الْأَنْفَال: ٦٥) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: إِثْم، أَي: وَفِي بَيَان مَا جَاءَ فِي تَحْرِيم نقض الْعَهْد من قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين عَاهَدت﴾ (الْأَنْفَال: ٦٥) . الْآيَة، والغدر حرَام بِاتِّفَاق، سَوَاء كَانَ فِي حق الْمُسلم أَو الذِّمِّيّ.
...
٨٧١٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ أرْبَعُ خِلالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنَافِقاً خالِصاً مَنْ إذَا حَدَّثَ كذَبَ وإذَا وعَدَ أخْلَفَ وإذَا عاهَدَ غَدَرَ وإذَا خاصَمَ فَجَرَ ومَنْ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النَّفَاقِ حتَّى يَدَعَهَا. (انْظُر الحَدِيث ٤٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِذا عَاهَدَ غدر) ، وَرِجَاله كلهم قد مروا غير مرّة. والْحَدِيث أَيْضا مر فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب عَلامَة الْمُنَافِق، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أَربع خلال) ، أَي: أَربع خِصَال، وَهُوَ جمع: خلة، وَهِي: الْخصْلَة.
٩٧١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنُ أبِيهِ
стр. 4430
عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَا كَتَبْنَا عنِ النَّبِيِّ ﷺ إلَاّ القُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عائِرٍ إِلَى كَذَا فَمَنْ أحْدَثَ حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدِثَاً فعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ ولَا صَرْفٌ وذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً فعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ ومَنْ والَى قَوْمَاً بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (فَمن أحدث فِيهَا حَدثا) إِلَى آخِره، لِأَن فِي إِحْدَاث الْحَدث وإيواء الْمُحدث والموالاة بِغَيْر إِذن موَالِيه معنى الْغدر، فَلهَذَا اسْتحق هَؤُلَاءِ اللَّعْنَة الْمَذْكُورَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ. والْحَدِيث قد مر غير مرّة عَن قريب فِي: بَاب ذمَّة الْمُسلمين وجوارهم وَفِي الْحَج أَيْضا.
٠٨١٣ - قَالَ أبُو مُوسَى حدَّثنا هاشِمُ بنُ القَاسِمِ قَالَ حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَيْفَ أنْتُمْ إذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِيناراً ولَا دِرْهَمَاً فَقِيلَ لَهُ وكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كائِناً يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ إيْ والَّذِي نَفسُ أبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ عنْ قَوْلِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ قالُوا عَمَّ ذَاكَ قَالَ تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رسُولِهِ ﷺ فيَشُدُّ الله قُلُوبَ أهْلِ الذِّمَّةِ فيَمْنَعُونَ مَا فِي أيْدِيهِمْ.
أَبُو مُوسَى هُوَ مُحَمَّد بن الْمثنى شيخ البُخَارِيّ هَاشم بن الْقَاسِم أَبُو النَّضر التَّمِيمِي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي، خراساني سكن بَغْدَاد، وَإِسْحَاق بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ أَخُو خَالِد بن سعيد الْأمَوِي الْقرشِي، يروي عَن أَبِيه سعيد بن عَمْرو.
وَهَذَا التَّعْلِيق كَذَا وَقع فِي أَكثر نسخ الصَّحِيح، وَقَالَهُ أَيْضا أَصْحَاب (الْأَطْرَاف) والإسماعيلي والْحميدِي فِي جمعه وَأَبُو نعيم، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا أَبُو مُوسَى، وَالْأول هُوَ الصَّحِيح، ثمَّ هَذِه الصِّيغَة تحمل على السماع؟ فِيهِ خلاف، وَقَالَ الْخَطِيب: لَا تحمل على السماع إلَاّ مِمَّن جرت عَادَته أَن يستعملها فِيهِ، وَوصل أَبُو نعيم هَذَا فِي (مستخرجه) من طَرِيق مُوسَى بن عَبَّاس عَن أبي مُوسَى مثله.
قَوْله: (إِذا لم تجتبوا) ، من الجباية، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف، يَعْنِي: إِذا لم تَأْخُذُوا من الْجِزْيَة وَالْخَرَاج قَوْله: (عَن قَول الصَّادِق المصدوق) ، معنى الصَّادِق ظَاهر، والمصدوق هُوَ الَّذِي لم يقل لَهُ إلَاّ الصدْق، يَعْنِي: أَن جِبْرِيل، ﵊، مثلا لم يُخبرهُ إلَاّ بِالصّدقِ. قَالَ الْكرْمَانِي: أَو الْمُصدق، بِلَفْظ الْمَفْعُول. قَوْله: (تنتهك) ، بِضَم أَوله من الانتهاك، وانتهاك الْحُرْمَة تنَاولهَا بِمَا لَا يحل من الْجور وَالظُّلم. قَوْله: (فيمنعون مَا فِي أَيْديهم) ، أَي: من الْجِزْيَة، وَقَالَ الْحميدِي: أخرج مُسلم معنى هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَفعه: منعت الْعرَاق درهمها وقفيزها ... الحَدِيث، وسَاق الحَدِيث بِلَفْظ الْمَاضِي وَالْمرَاد مَا يسْتَقْبل مُبَالغَة فِي الْإِشَارَة إِلَى تحقق وُقُوعه، وروى مُسلم أَيْضا عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: يُوشك أهل الْعرَاق أَن لَا يجبى إِلَيْهِم قفيز وَلَا دِرْهَم قَالُوا: مِم ذَاك؟ قَالَ: من قبل الْعَجم، يمْنَعُونَ ذَلِك. وَفِيه: علم من عَلَامَات النُّبُوَّة.
٨١ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب وَقد وَقع كَذَا بِلَا تَرْجَمَة، وَهُوَ كالفصل من الْبَاب الَّذِي قبله، وَقد مر مثل هَذَا غير مرّة.
١٨١٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبَرَنَا أبُو حَمْزَةَ قالَ سَمِعْتُ الأعْمَشَ قَالَ سألْتُ أَبَا وَائِلٍ شَهِدْتَ صِفِّينَ قَالَ نَعَمْ فسَمِعْتُ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ يَقولُ اتَّهِمُوا رَأيَكُمْ رَأيْتُنِي يَوْمَ أبي جَنْدَلٍ
стр. 4431
ولَوْ أسْتَطِيعُ أنْ أرُدَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَرَدَدْتُهُ وَمَا وضَعْنَا أسْيَافَنَا علَى عَوَاتِقِنَا لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إلَاّ أسْهَلْنَ بِنا إِلَى أمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ أمْرِنَا هَذَا. .
تعلق هَذَا الحَدِيث بِالْبَابِ المترجم من حَيْثُ مَا آل أَمر قُرَيْش فِي نقضهم الْعَهْد من الْغَلَبَة عَلَيْهِم والقهر بِفَتْح مَكَّة فَإِنَّهُ يُوضح أَن مَال الْغدر مَذْمُوم، وَمُقَابل ذَلِك ممدوح.
وعبدان قد مر غير مرّة، وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: وَهُوَ مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَسَهل ابْن حنيف بن واهب الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عَبْدَانِ أَيْضا وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْخمس عَن الْحسن بن إِسْحَاق وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن إِسْحَاق وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن جمَاعَة وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.
قَوْله: (صفّين) ، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء، وَهُوَ اسْم مَوضِع على الْفُرَات وَقع فِيهِ الْحَرْب بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة وَهِي وقْعَة مَشْهُورَة. قَوْله: (اتهموا رَأْيكُمْ) ، قَالَ ذَلِك يَوْم صفّين، وَكَانَ مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَعْنِي: اتهموا رَأْيكُمْ فِي هَذَا الْقِتَال، يعظ الْفَرِيقَيْنِ، لِأَن كل فريق مِنْهُمَا يُقَاتل على رَأْي يرَاهُ واجتهاد يجتهده، فَقَالَ لَهُم سهل: اتهموا رَأْيكُمْ فَإِنَّمَا تقاتلون فِي الْإِسْلَام إخْوَانكُمْ بِرَأْي رَأَيْتُمُوهُ، وَكَانُوا يتهمون سهلاً بالتقصير فِي الْقِتَال، فَقَالَ: اتهموا رَأْيكُمْ، فَإِنِّي لَا أقصر، وَمَا كنت مقصراً فِي الْجَمَاعَة كَمَا فِي يَوْم الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (رَأَيْتنِي) ، أَي: رَأَيْت نَفسِي يَوْم أبي جندل، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون، واسْمه: الْعَاصِ بن سهل وَإِنَّمَا نسب الْيَوْم إِلَيْهِ وَلم يقل: يَوْم الْحُدَيْبِيَة، لِأَن رده إِلَى الْمُشْركين كَانَ شاقاً على الْمُسلمين، وَكَانَ ذَلِك أعظم عَلَيْهِم من سَائِر مَا جرى عَلَيْهِم من سَائِر الْأُمُور، وَكَانَ أَبُو جندل جَاءَ إِلَى النَّبي ﷺ ، من مَكَّة مُسلما وَهُوَ يجر قيوده، وَكَانَ قد عذب على الْإِسْلَام، فَقَالَ سهل وَالِده: يَا مُحَمَّد ﴿هَذَا أول مَا أقاضيك عَلَيْهِ. فَرد عَلَيْهِ أَبَا جندل وَهُوَ يُنَادي: أتردونني﴾ إِلَى الْمُشْركين وَأَنا مُسلم، وترون مَا لقِيت من الْعَذَاب فِي الله؟ فَقَامَ سهل إِلَى ابْنه بِحجر فَكسر قَيده، فغارت نفوس الْمُسلمين يَوْمئِذٍ حَتَّى قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَلسنا على الْحق؟ فعلى مَا نعطي الدنية؟ على وزن فعيلة، أَي: النقيصة والخطة الخسيسة، أَي: لِمَ نردُّ أَبَا جندل إِلَيْهِم ونقاتل مَعَهم وَلَا نرضى بِهَذَا الصُّلْح؟ قَوْله: (فَلَو أَسْتَطِيع أَن أرد أَمر النَّبِي ﷺ أَشَارَ بِهَذَا الْكَلَام إِلَى جَوَاب الَّذِي اتَّهَمُوهُ بالتقصير فِي الْقِتَال يَوْم صفّين، فَقَالَ: كَيفَ تنسبونني إِلَى التَّقْصِير؟ فَلَو كَانَ لي استطاعة على رد أَمر النَّبِي ﷺ ، يَوْم الْحُدَيْبِيَة لرددته، وَلم يكن امتناعي عَن الْقِتَال يَوْمئِذٍ للتقصير، وَإِنَّمَا كَانَ لأجل أَمر النَّبِي ﷺ ، بِالصُّلْحِ. قَوْله: (وَمَا وَضعنَا أسيافنا) إِلَى آخِره. يَعْنِي: مَا جردنا سُيُوفنَا فِي الله لأمر يفظعنا من أفظع بِالْفَاءِ والظاء الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة. قَالَ ابْن فَارس: فظع وأفظع لُغَتَانِ، يُقَال: أَمر فظيع أَي: شَدِيد علينا، إلَاّ أسهلت بِنَا إِلَى أَمر نعرفه غير أمرنَا هَذَا، يَعْنِي: أَمر الْفِتْنَة الَّتِي وَقعت بَين الْمُسلمين، فَإِنَّهَا مشكلة حَيْثُ حلت الْمُصِيبَة بقتل الْمُسلمين، فَنزع السَّيْف أول من سَله فِي الْفِتْنَة.
٢٨١٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ قَالَ حدَّثنا يَزيدُ بنُ عبْدِ العَزِيزِ عنْ أبِيهِ قَالَ حدَّثنا حَبِيبُ بنُ أبِي ثابِتٍ قَالَ حدَّثني أَبُو وائِلٍ قَالَ كُنَّا بِصِفِّينَ فقامَ سَهْلُ ابنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ أيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أنْفُسَكُمْ فإنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ ولَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا فَجاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَ يَا رسُولُ الله ألَسْنَا علَى الحَقِّ وهُمْ علَى البَاطِلِ فَقَالَ بَلَى فقالَ ألَيْسَ قَتْلَانا فِي الجَنَّةِ وقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ قَالَ بَلَى قَالَ فَعَلَى مَا نُعْطِي الدَّنِيَّةِ فِي دِينِنَا أنَرْجِعُ وَلما يَحْكُمِ الله بَيْنَنَا وبيْنَهُمْ فَقَالَ ابنَ الخَطَّابِ إنِّي رسُولُ الله ولَنْ يُضَيِّعَني الله أبَدَاً فانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ
стр. 4432
إنَّهُ رسُولُ الله ولَنْ يُضَيِّعَهُ الله أبَداً فنَزَلَتْ سورَةُ الفَتْحِ فقَرَأهَا رَسُولُ الله ﷺ علَى عُمَرَ إِلَى آخرِها فَقَالَ عُمَرُ يَا رسُولَ الله أوَ فَتْحٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ. .
تعلق هَذَا الحَدِيث أَيْضا بِالْبَابِ المترجم مثل تعلق الحَدِيث السَّابِق، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْمَعْرُوف بالمسندي، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الْعَزِيز الْكُوفِي، يروي عَن أَبِيه سياه، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالهاء وصلا ووقفاً، منصرف وَغير منصرف، وَالأَصَح الِانْصِرَاف، وحبِيب بن أبي ثَابت واسْمه دِينَار الْكُوفِي، وَأَبُو وَائِل شَقِيق ابْن سَلمَة.
قَوْله: (فجَاء عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) ، قد مر هَذَا فِي كتاب الشُّرُوط فِي بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد قَوْله (فَنزلت سُورَة الْفَتْح) سُورَة ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ (الْفَتْح: ١) . وَالْمرَاد بِالْفَتْح صلح الْحُدَيْبِيَة، وَقيل: فتح مَكَّة، وَقيل: فتح الرّوم، وَقيل: فتح الْإِسْلَام بِالسَّيْفِ والسنان، وَقيل: الْفَتْح الحكم، وَالْمُخْتَار من هَذِه الْأَقَاوِيل: فتح مَكَّة، وَقيل: فتح الْحُدَيْبِيَة، وَهُوَ الصُّلْح الَّذِي وَقع فِيهَا بَين النَّبِي ﷺ وَبَين مُشْركي مَكَّة، فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ فتحا وَقد أحْصرُوا فنحروا وحلقوا بِالْحُدَيْبِية؟ قلت: كَانَ ذَلِك قبل الْهُدْنَة، فَلَمَّا تمت الْهُدْنَة كَانَ فتحا مُبينًا.
٣٨١٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا حاتِمٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أسْماءَ ابْنَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عاهَدُوا رسولَ الله ﷺ ومُدَّتِهِمْ مَعَ أبِيهَا فاسْتَفْتَتْ رَسُولَ الله ﷺ فقالَتْ يَا رسُولَ الله إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهْيَ رَاغِبَةٌ أفَأصِلُهَا قَالَ نَعَمْ صِلِيهَا. .
تعلق هَذَا الحَدِيث بِمَا قبله من حَدِيث إِن عدم الْغدر اقْتضى جَوَاز صلَة الْقَرِيب وَلَو كَانَ على غير دينه، وحاتم هُوَ أَبُو إِسْمَاعِيل ابْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب الْهُدْنَة للْمُشْرِكين، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (قدمَتْ عليَّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (أُمِّي) ، وَاسْمهَا: قَبيلَة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَاسم أَبِيهَا: عبد الْعُزَّى، وَأَسْمَاء وَعَائِشَة أختَان من جِهَة الْأَب فَقَط. قَوْله: (ومدتهم) أَي: الْمدَّة الَّتِي كَانَت مُعينَة للصلح بَينهم وَبَين رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (راغبة) أَي: فِي أَن تَأْخُذ مني بعض المَال.
٩١ - (بابُ الْمُصَالَحَةِ علَى ثَلاثَةِ أيَّامٍ أوْ وَقْتٍ مَعْلُومٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمُصَالحَة مَعَ الْمُشْركين على مُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام. قَوْله: أَو وَقت مَعْلُوم، أَي: أَو الْمُصَالحَة على وَقت مَعْلُوم سَوَاء كَانَ ثَلَاثَة أَيَّام أَو ثَلَاثَة أشهر أَو نَحْو ذَلِك.
٤٨١٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ بنِ حَكِيمٍ قَالَ حدَّثنا شُرَيْحُ بن مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ ابنُ يُوسُفَ بنِ أبِي إسْحاقَ قَالَ حدَّثنِي أبي عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ حدَّثني البَرَاءُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِي ﷺ لما أرادَ أنْ يَعْتَمِرَ أرْسَلَ إليَّ أهْلِ مَكَّةَ يَسْتَأذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ فاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أنْ لَا يُقِيمَ بِها إلَاّ ثَلاثَ لَيَالٍ ولَا يَدْخُلَهَا إلَاّ بِجُلُبَّانِ السِّلاحِ وَلَا يَدْعُو مِنْهُمْ أحدَاً قَالَ فأخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنَهُمْ علِيُّ ابنُ أبِي طالِبً فكتَبَ هَذَا مَا قاضَى علَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله فَقَالُوا لَوْ عَلِمْنَا أنَّكَ رَسُولُ الله لَمْ نَمْنَعْكَ ولَبَايَعْنَاكَ ولَكِنْ اكْتُبْ هذَا مَا قاضَى عَلَيه مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله فقَال أَنا وَالله مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله وَأَنا وَالله رَسُولُ الله قالَ وكانَ لَا يَكْتُبُ قالَ فَقالَ لِعَلِيٍّ
стр. 4433
امْحُ رَسُولَ الله فقالَ عَلِيُّ وَالله لَا أمْحَاهُ أبَداً قَالَ فأرِنيهِ قالَ فأراهُ إيَّاهُ فَمَحَاهُ النبيُّ ﷺ بِيَدِهِ فلَمَّا دَخَلَ ومَضى الأيَّامُ أتَوْا علِيّاً فقالُوا مُرْ صَاحِبَكَ فلْيَرْتَحِلْ فذَكَرَ ذلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقالَ نَعَمْ ثُمَّ ارْتَحَلَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَن لَا يُقيم إلَاّ ثَلَاث لَيَال) وَأحمد بن عُثْمَان بن حَكِيم بن دِينَار أَبُو عبد الله الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، وَشُرَيْح بن مسلمة بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم بن يُوسُف الْكُوفِي وَأَبوهُ يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق الْكُوفِي، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي السبيعِي. وَمر الحَدِيث فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب كَيفَ يكْتب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (جلبان) ، بِضَم الْجِيم وَسُكُون اللَّام: شبه الجراب من الْأدم يوضع فِيهِ السَّيْف مغموداً. قَوْله: (لَا أمحاه) ويروى: لَا أمحوه، وَيُقَال: محاه يمحوه ويمحاه ويمحيه، ثَلَاث لُغَات.
٠٢ - (بالُ المُوَادَعَةِ منْ غَيْرِ وَقْتٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمُوَادَعَة أَي: الْمُصَالحَة والمتاركة من غير تعْيين وَقت.
وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أقِرُّكُمْ مَا أقَرَّكُمْ الله بِهِ
هَذَا طرف من حَدِيث عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقد مر فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا قَالَ رب الأَرْض أقرك مَا أقرك الله، وَلَيْسَ فِي أَمر المهادنة حد عِنْد أهل الْعلم لَا يجوز غَيره، وَإِنَّمَا ذَلِك على حسب الْحَاجة وَالِاجْتِهَاد فِي ذَلِك إِلَى الإِمَام وَأهل الرَّأْي.
١٢ - (بابُ طَرْحِ جِيَفِ المُشْرِكِينَ فِي البِئْره وَلَا يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَنٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز طرح جيف الْمُشْركين فِي الْبِئْر، والجيف، بِكَسْر الْجِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف جمع جيفة. قَوْله: (وَلَا يُؤْخَذ لَهُم ثمن) ، أَي: لَا يجوز أَخذ الْفِدَاء فِيهَا من الْمُشْركين إِذْ كَانَ أَصْحَاب قليب بدر رُؤَسَاء مُشْركي مَكَّة، وَلَو مكن أهلهم من إخراجهم من الْبِئْر ودفنهم لبذلوا فِي ذَلِك كثير المَال، وَإِنَّمَا لَا يجوز أَخذ الثّمن فِيهَا لِأَنَّهَا ميتَة لَا يجوز تَملكهَا وَلَا أَخذ عوض عَنْهَا، وَقد حرم الشَّارِع ثمنهَا وَثمن الْأَصْنَام فِي حَدِيث جَابر، وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن أبي ليلى عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْمُشْركين أَرَادوا أَن يشتروا جَسَد رجل من الْمُشْركين فَأبى، ﷺ ، أَن يبيعهم إِيَّاه، وَقَالَ أَحْمد: لَا يحْتَج بِحَدِيث ابْن أبي ليلى، وَقَالَ البُخَارِيّ: هُوَ صَدُوق وَلَكِن لَا يعرف صَحِيح حَدِيثه من سقيمه، وَذكر ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي: أَن الْمُشْركين سَأَلُوا النَّبِي ﷺ أَن يبيعهم جَسَد نَوْفَل بن عبد الله بن الْمُغيرَة، وَكَانَ اقتحم الخَنْدَق فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا حَاجَة لنا بِثمنِهِ وَلَا جسده، وَقَالَ ابْن هِشَام: بَلغنِي عَن الزُّهْرِيّ أَنهم بذلوا فِيهِ عشرَة آلَاف.
٥٨١٣ - حدَّثنا عبْدَانُ بنُ عُثْمَانَ قَالَ أخبرَني أبِي عنْ شُعْبَةَ عنْ أبي إسحَاقَ عنْ عَمْرِو بن ميْمُونٍ عنْ عَبْدِالله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَيْنَا رسُولُ الله ﷺ ساجِدٌ وحَوْلَهُ ناسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ جاءَ عُقْبَةُ بنُ أبِي مُعَيْطٍ بِسَلى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ علَى ظَهْرِ النَّبيِّ ﷺ فلَمْ يَرْفَعْ رأسَهُ حتَّى جاءَتْ فاطِمَةُ ﵍ فأخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ ودَعَتْ على مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ فقالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ علَيْكَ المَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ اللَّهُمَّ علَيْكَ أبَا جَهْلِ بنَ هِشامٍ وعُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وشَيْبَةَ بنَ رَبِيَعَةَ وعُقْبَةَ بنَ أبِي مُعَيْطٍ وأمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ أوْ أبَيَّ بنَ خَلفٍ فَلَقَدْ رَأيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فأُلْقُوا فِي بِئرٍ غَيْرَ أمَيَّةَ أُوْ أبيٍّ فإنَّهُ كانَ رَجُلاٍ ضَخْماً فلَمَّا جَرُّوهُ تقَطَّعَتْ أوْصَالُهُ قبْلَ أنْ يُلْقَى فِي البِئْرِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وعبدان اسْمه عبد الله بن عُثْمَان، يروي عَن أَبِيه عُثْمَان بن جبلة وَأَبُو إِسْحَاق مر
стр. 4434
عَن قريب. والْحَدِيث مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب إِذا ألقِي على ظهر الْمصلى قدر إِلَى آخِره. قَوْله: (سلا) بِالسِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللاّم مَقْصُورا هُوَ اللفافة الَّتِي يكون فِيهَا الْوَلَد فِي بطن النَّاقة وَالْجَزُور المنحور من الْإِبِل، قَوْله: (عَلَيْك الملا) أَي: أَخذ الْجَمَاعَة وأهلكهم.
٢٢ - (بابُ إثْمِ الغَادِرِ لِلْبَرِّ والفَاجِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الغادر للرجل الْبر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء: الْخَيْر، وَسَوَاء كَانَ الْغدر من بر لبر أَو لِفَاجِر، أَو من فَاجر لِفَاجِر أَو لبر، والغادر هُوَ الَّذِي يواعد عل أَمر وَلَا يَفِي بِهِ، يُقَال: غدر يغدر، بِكَسْر الدَّال فِي الْمُضَارع.
٦٨١٣
- ٧٨١٣ حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ الأعْمَشِ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله وعنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ أحدُهُما يُنْصَبُ. وَقَالَ الآخَرُ يُرَى يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والوليد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. قَوْله: (وَعَن ثَابت) قَائِل ذَلِك هُوَ شُعْبَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَعَن ثَابت، عطف على سُلَيْمَان.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي مُوسَى وَأبي قدامَة.
قَوْله: (لِوَاء) ، أَي: علم. قَوْله: (قَالَ أَحدهمَا) ، أَي: أحد الراويين عَن عبد الله ينصب أَي: اللِّوَاء. وَقَالَ الآخر: يرى يَوْم الْقِيَامَة، أَي: يعرف بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ بِلَفْظ: أَحدهمَا لالتباسه عَلَيْهِ، وَلَا قدح بِهَذَا اللَّفْظ لِأَن كلتا الرِّوَايَتَيْنِ بِشَرْط البُخَارِيّ، واللواء لَا يمسِكهُ إلَاّ صَاحب جَيش الْحَرْب، وَيكون النَّاس تبعا لَهُ، وَمعنى: لكل غادر لِوَاء، أَي: عَلامَة يشْتَهر بهَا فِي النَّاس، لِأَن مَوضِع اللِّوَاء شهرة مَكَان الرئيس.
٨٨١٣ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن سُلَيْمَان بن حَرْب أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي الرّبيع.
قَوْله: (بغدرته) ، أَي: بِسَبَب غدرته فِي الدُّنْيَا، أَو بِقدر غدرته، وَفِي غلظ تَحْرِيم الْغدر لَا سِيمَا من صَاحب الْولَايَة الْعَامَّة، لِأَن غدرته يتَعَدَّى ضَرَره إِلَى خلق كثير، وَلِأَنَّهُ غير مُضْطَر إِلَى الْغدر لقدرته على الْوَفَاء. وَقَالَ عِيَاض: الْمَشْهُور أَن هَذَا الحَدِيث ورد فِي ذمّ الإِمَام إِذا غدر فِي عَهده لرعيته أَو لمقاتلته أَو للْإِمَامَة الَّتِي تقلدها وَالْتزم الْقيام بهَا، فَمَتَى خَان فِيهَا أَو ترك الرِّفْق فقد غدر بعهده، وَقيل: المُرَاد نهي الرّعية عَن الْغدر للْإِمَام فَلَا تخرج عَلَيْهِ وَلَا تتعرض لمعصيته لما يَتَرَتَّب على ذَلِك من الْفِتْنَة، قَالَ، وَالصَّحِيح الأول. قلت: لَا مَانع من أَن يحمل الْخَبَر على أَعم من ذَلِك.
٩٨١٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُسٍ عنِ ابْن عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفُرُوا وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إنَّ هَذا البَلَدَ حرَّمَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأحَدٍ قَبْلِي ولَمْ يَحِلَّ لي إلَاّ ساعَةٍ مِنْ نَهَارٍ فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَاّ مَنْ عَرَفَها ولَا يُخْتَلَى خَلَاهُ فَقَالَ العَبَّاسُ يَا رسولَ الله إلَاّ الإذْخرِ
стр. 4435
فإنَّهُ لِقَيْنِهِمْ ولِبُيُوتِهِمْ قَالَ إلَاّ الإذْخِرَ. .
وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَخذه من قَوْله: (فانفروا) إِذْ مَعْنَاهُ: لَا تغدروهم وَلَا تخالفوهم، إِذْ إِيجَاب الْوَفَاء بِالْخرُوجِ مُسْتَلْزم لتَحْرِيم الْغدر، وَوجه آخر: هُوَ أَن النَّبِي ﷺ لم يغدر فِي استحلال الْقِتَال بِمَكَّة لِأَنَّهُ كَانَ بإحلال الله تَعَالَى لَهُ سَاعَة، وَلَوْلَا ذَلِك لما جَازَ لَهُ.
وَرِجَال الحَدِيث كلهم قد مضوا غير مرّة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب لَا يحل الْقِتَال بِمَكَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب لَا ينفر صيد الْحرم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَالله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٥ - (كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان بَدْء الْخلق، البدء على وزن: فعل، بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون الدَّال وَفِي آخِره همزَة، من بدأت الشَّيْء بَدَأَ ابتدأت بِهِ. وَفِي (الْعباب) : بدأت بالشَّيْء بَدَأَ ابتدأت بِهِ وبدأت الشَّيْء فعلته ابْتِدَاء، وَبَدَأَ الله الْخلق وأبداهم، بِمَعْنى، والخلق بِمَعْنى الْمَخْلُوق، وَهَكَذَا وَقع: كتاب بَدْء الْخلق، بعد ذكر الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر ذكر الْبَسْمَلَة، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ ذكر بَدْء الْخلق بدل: كتاب بَدْء الْخلق.
١ - (بابُ مَا جاءَ فِي قَوْلِ الله تعَالى: ﴿وهْوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الرّوم: ٧٢) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَمَا جَاءَ فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ (الرّوم: ٧٢) . وَتَمام الْآيَة: ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ (الرّوم: ٧٢) . قَوْله: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ أَي: وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق أَي: ينشىء الْمَخْلُوق ثمَّ يُعِيدهُ، أَي: ثَانِيًا للبعث. قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ (الرّوم: ٧٢) . أَي: الْإِعَادَة أَهْون عَلَيْهِ أَي: أسهل، وَقيل: أيسر، وَقيل: أسْرع عَلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو الْعَالِيَة: الْإِعَادَة أَهْون عَلَيْهِ من الْبِدَايَة، وكل هَين عَلَيْهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: لِمَ ذكر الضَّمِير فِي قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ (الرّوم: ٧٢) . وَالْمرَاد بِهِ الْإِعَادَة؟ قلت: مَعْنَاهُ: وَأَن يُعِيدهُ أَهْون عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى﴾ (الرّوم: ٧٢) . أَي: الصّفة الْعليا: ﴿فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز﴾ فِي ملكه ﴿الْحَكِيم﴾ فِي خلقه.
وقالَ الرَّبِيعُ بنُ خَثيمٍ والحَسَنُ كلٌّ علَيْهِ هَيِّنٌ هَيْنٌ وهَيِّنُ مِثْلُ لَيْنٍ ولَيِّنٍ ومَيْتٍ ومَيِّتٍ وضَيْقٍ وضَيِّقٍ. أفَعَيِينَا أفأعْيا علَيْنَا حِينَ أنْشَأكُمْ وأنْشأ خَلْقَكُمْ. لُغُوبٌ النَّصَبُ أطْوَارَاً طَوْرَاً كذَا وطَوْرَاً كذَا عدَا طَوْرَهُ أيْ قَدْرَهُ
الرّبيع، بِفَتْح الرَّاء ضد الخريف ابْن خثيم، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عَائِذ بن عبد الله الثَّوْريّ الْكُوفِي من التَّابِعين الْكِبَار الورعين القانتين، مَاتَ سنة بضع وَسِتِّينَ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وهما فسرا قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ (الرّوم: ٧٢) . بِمَعْنى: كل عَلَيْهِ هَين، فحملا لفظ: أَهْون، الَّذِي هُوَ أفعل التَّفْضِيل بِمَعْنى: هَين. وَتَعْلِيق الرّبيع وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُنْذر الثَّوْريّ عَنهُ نَحوه، وَتَعْلِيق الْحسن وَصله الطَّبَرِيّ أَيْضا من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ، وَلَفظه: وإعادته أَهْون عَلَيْهِ من بدئه، وكل على الله تَعَالَى هَين. قَوْله: ﴿هيِّن﴾ بتَشْديد الْيَاء ﴿وهَيْن﴾ بتخفيفها، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ، كَمَا جَاءَ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف فِي الْأَلْفَاظ الَّتِي ذكرهَا، قَالَ الْكرْمَانِي: وغرضه من هَذَا أَن أَهْون بِمَعْنى: هَين، أَي: لَا تفَاوت عِنْد الله بَين الإبداء والإعادة كِلَاهُمَا على السوَاء فِي السهولة. قَوْله: (أفعيينا) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾ (ق: ٥١) . وَفَسرهُ بقوله: أفأعيى علينا، يَعْنِي مَا أعجزنا الْخلق الأول حني أنشأناكم وأنشأنا خَلقكُم، وَعدل عَن التَّكَلُّم إِلَى الْغَيْبَة التفاتاً، وَالظَّاهِر أَن لفظ: (حِين أنشأكم وأنشأنا خَلقكُم) إِشَارَة إِلَى آيَة أُخْرَى، وَإِلَى تَفْسِيره وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ أنشأكم من الأَرْض وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم﴾ (النَّجْم: ٢٣) . وَنقل البُخَارِيّ بِالْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ: حِين أنشأكم، بدل: إِذْ أنشأكم، أَو هُوَ مَحْذُوف فِي اللَّفْظ وَاكْتفى بالمفسر عَن الْمُفَسّر،
стр. 4436
وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾ (ق: ٥١) . بقوله: أفأعيى علينا حِين أنشأناكم خلقا جَدِيدا، فشكوا فِي الْبَعْث، وَقَالَ أهل اللُّغَة: عييت بِالْأَمر إِذا لم تعرف جِهَته، وَمِنْه: العي فِي الْكَلَام. قَوْله: لغوب، النصب أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب﴾ (ق: ٠٥) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: اللغوب الإعياء، وَالنّصب التَّعَب وزنا وَمعنى، وَهَذَا تَفْسِير مُجَاهِد، أخرجه عَنهُ ابْن أبي حَاتِم. وَأخرج من طَرِيق قَتَادَة: أكذب الله الْيَهُود فِي زعمهم أَنه استراح فِي الْيَوْم السَّابِع، قَالَ: وَمَا مسنا من لغوب أَي: من إعياء، وغفل الدَّاودِيّ فَظن أَن النصب فِي كَلَام المُصَنّف بِسُكُون الصَّاد، وَأَنه أَرَادَ ضبط اللغوب، ثمَّ اعْترض عَلَيْهِ بقوله: لم أر أحدا نصب اللَاّم، أَي: من الْفِعْل، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنّصب الأحمق. قَوْله: (أطواراً) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله: وَقد خَلقكُم أطواراً ثمَّ فسره بقوله: طوراً كَذَا وطوراً كَذَا، يَعْنِي طوراً نُطْفَة وطوراً علقَة وطوراً مُضْغَة وَنَحْوهَا، والأطوار: الْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة. وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس: أَن المُرَاد اخْتِلَاف أَحْوَال النَّاس من صِحَة وسقم، وَقيل: مَعْنَاهُ أصنافاً فِي الألوان واللغات، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الأطوار التارات وَالْحُدُود، وَاحِدهَا طور، أَي: مرّة ملك وَمرَّة هلك وَمرَّة بؤس وَمرَّة نعم. قَوْله: (عدا طوره) ، فسره بقوله: قدره، يُقَال: فلَان عدا طوره إِذا جَاوز قدره.
٠٩١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبَرَنَا سُفْيَانُ عنْ جامِعِ بنِ شَدَّادٍ عنْ صَفْوَانَ بنِ مُحْرِزٍ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ جاءَ نَفَرٌ مِنْ بَني تَمِيمٍ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقالَ يَا بَني تَمِيمٍ أبْشِرُوا قَالُوا بَشَّرْتَنَا فأعْطِنا فتَغيرَ وجْهُهُ فَجاءَهُ أهْلُ الْيَمَنِ فَقَالَ يَا أهْلَ الْيَمَنِ اقْبَلُوا البُشرَى إذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَميمٍ قَالُوا قَبِلْنَا فأخَذَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ بَدْءَ الخَلْقِ والْعَرْشِ فَجاءَ رَجُلٌ فَقال يَا عِمْرَانُ راحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ لَيْتَنِي لَمْ أقُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يحدث بَدْء الْخلق) وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وجامع بن شَدَّاد بِالتَّشْدِيدِ أَبُو صَخْرَة الْمحَاربي الْكُوفِي وَصَفوَان بن مُحرز، بِضَم الْمِيم على وزن الْفَاعِل من الْإِحْرَاز: الْمَازِني الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن أبي نعيم وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي بَدْء الْخلق أَيْضا عَن عَمْرو بن حَفْص وَفِي التَّوْحِيد عَن عَبْدَانِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
قَوْله: (جَاءَ نفر) أَي: عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَكَانَ قدومهم فِي سنة تسع. قَوْله: (أَبْشِرُوا) ، أَمر بِهَمْزَة قطع من الْبشَارَة، وَأَرَادَ بهَا مَا يجازى بِهِ الْمُسلمُونَ وَمَا يصير إِلَيْهِ عاقبتهم، وَيُقَال: بشرهم بِمَا يَقْتَضِي دُخُول الْجنَّة حَيْثُ عرفهم أصُول العقائد الَّتِي هِيَ المبدأ والمعاد وَمَا بَينهمَا. قَوْله: (قَالُوا بشرتنا) ، فَمن الْقَائِلين بِهَذَا الْأَقْرَع بن حَابِس، كَانَ فِيهِ بعض أَخْلَاق الْبَادِيَة. قَوْله: (فَأَعْطِنَا) ، أَي: من المَال. قَوْله: (فَتغير وَجهه) ، أَي: وَجه النَّبِي ﷺ ، إِمَّا للأسف عَلَيْهِم كف آثروا الدُّنْيَا، وَإِمَّا لكَونه لم يحضرهُ مَا يعطيهم فيتألفهم بِهِ. قَوْله: (فجَاء أهل الْيمن) ، هم الأشعريون قوم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقَالَ ابْن كثير: قدوم الْأَشْعَرِيين صُحْبَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي صُحْبَة جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه من الْمُهَاجِرين الَّذين كَانُوا بِالْحَبَشَةِ حِين فتح رَسُول الله، ﷺ خَيْبَر، قَوْله: (اقْبَلُوا الْبُشْرَى) ، حكى عِيَاض: أَن فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: الْيُسْرَى، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، قَالَ: وَالصَّوَاب الأول. قَوْله: (إِذْ لم يقبلهَا) ، كلمة إِذْ، ظرف وَهُوَ اسْم للزمن الْمَاضِي، وَلها استعمالات أَحدهَا أَن تكون ظرفا بِمَعْنى الْحِين، وَهُوَ الْغَالِب، وَهنا كَذَلِك. قَوْله: (فَأخذ النَّبِي ﷺ ، أَي: شرع يحدث. قَوْله: (راحلتك) ، الرَّاحِلَة النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل والمركب أَيْضا من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَيجوز فِيهَا الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء، وَأما النصب فعلى تَقْدِير: أدْرك راحلتك. قَوْله: (تفلتت) أَي: تشردت وتشمرت. قَوْله: (لَيْتَني لم أقِم) ، أَي: قَالَ عمرَان: لَيْتَني لم أقِم من مجْلِس رَسُول الله، ﷺ حَتَّى لم يفت مني سَماع كَلَامه.
стр. 4437
١٩١٣ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا جامِعُ ابنُ شَدَّادٍ عنْ صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ أنَّهُ حَدَّثَهُ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ دخَلَ علَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وعَقَلْتُ ناقَتِي بالبَابِ فأتاهُ ناسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقال أقْبلَوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ قَالُوا قَدْ بَشَّرْتَنا فأعْطِنَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بنُو تَميمٍ قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا يَا رسُولَ الله قَالُوا جِئْنَاكَ نَسْألُكَ عنْ هذَا الأمْرِ قالَ كانَ الله ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ على الماءِ وكتَبَ فِي الذِّكْرِ كلَّ شَيْءٍ وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ فَنادى مُنادٍ ذَهَبَتْ ناقَتُكَ يَا ابنَ الحُصَيْنِ فانْطَلَقْتُ فإذَا هِي يَقْطَعُ دُونَها السَّرابُ فَوالله لوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. .
هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عمرَان بن الْحصين مَعَ زِيَادَة فِيهِ. قَوْله: (جئْنَاك) ، بكاف الْخطاب، هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: جِئْنَا، بِلَا كَاف. قَوْله: (نَسْأَلك عَن هَذَا الْأَمر) أَي: الْحَاضِر الْمَوْجُود، وَلَفظ: الْأَمر، يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْمَأْمُور وَيُرَاد بِهِ الشَّأْن، وَالْحَال، وَكَأَنَّهُم سَأَلُوا عَن أَحْوَال هَذَا الْعَالم. قَوْله: (كَانَ الله وَلم يكن شَيْء غَيره) وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد: وَلم يكن شَيْء قبله، وَفِي رِوَايَة غير البُخَارِيّ، وَلم يكن شَيْء مَعَه، وَوَقع هَذَا الحَدِيث فِي بعض الْمَوَاضِع: كَانَ الله وَلَا شَيْء مَعَه وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ، وَهِي زِيَادَة لَيست فِي شَيْء من كتب الحَدِيث نبه عَلَيْهِ الإِمَام تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية. قَوْله: (وَكَانَ عَرْشه على المَاء) ، أَي: لم يكن تَحْتَهُ إلَاّ المَاء، وَفِيه دَلِيل على أَن الْعَرْش وَالْمَاء كَانَا مخلوقين قبل السَّمَوَات وَالْأَرْض. فَإِن قلت: بَين هَذِه الْجُمْلَة وَمَا قبلهَا مُنَافَاة ظَاهِرَة لِأَن هَذِه الْجُمْلَة تدل على وجود الْعَرْش، وَالْجُمْلَة الَّتِي قبلهَا تدل على أَنه لم يكن شَيْء. قلت: هُوَ من بَاب الْإِخْبَار عَن حُصُول الجملتين مُطلقًا، وَالْوَاو بِمَعْنى: ثمَّ فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين كَانَ فِي: كَانَ الله، وَبَين كَانَ فِي: وَكَانَ عَرْشه؟ قلت: كَانَ الأول: بِمَعْنى الْكَوْن الأزلي، وَكَانَ الثَّانِي: بِمَعْنى الْحَدث. وَفِي قَوْله: وَكَانَ عَرْشه على المَاء، دلَالَة على أَن المَاء وَالْعرش كَانَا مبدأ هَذَا الْعَالم لكَوْنهم خلقا قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلم يكن تَحت الْعَرْش إِذْ ذَاك إلَاّ المَاء. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْعَرْش وَالْمَاء مخلوقين أَولا فَأَيّهمَا سَابق فِي الْخلق؟ قلت: المَاء لما روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ مصححاً من حَدِيث أبي رزين الْعقيلِيّ مَرْفُوعا: إِن المَاء خلق قبل الْعَرْش، وروى السّديّ فِي تَفْسِيره بأسانيد مُتعَدِّدَة: أَن الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا مِمَّا خلق قبل المَاء. فَإِن قلت: روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ مصححاً من حَدِيث أبي رزين الْعقيلِيّ مَرْفُوعا أَن المَاء خلق قبل الْعَرْش وروى السّديّ فِي تَفْسِيره بأسانيد مُتعَدِّدَة أَن الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا مِمَّا خلق قبل المَاء (فَإِن قلت) روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ مصححا من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت مَرْفُوعا: أول مَا خلق الله الْقَلَم، ثمَّ قَالَ: أكتب، فَجرى بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَاخْتَارَهُ الْحسن وَعَطَاء وَمُجاهد، وَإِلَيْهِ ذهب إِبْنِ جرير وَابْن الْجَوْزِيّ، وَحكى ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَنه قَالَ: أول مَا خلق الله تَعَالَى النُّور والظلمة، ثمَّ ميز بَينهمَا فَجعل الظلمَة لَيْلًا أسود مظلماً، وَجعل النُّور نَهَارا أَبيض مبصراً، وَقيل: أَو مَا خلق الله تَعَالَى نور مُحَمَّد ﷺ . قلت: التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات بِأَن الأولية نسبي، وكل شَيْء قيل فِيهِ إِنَّه أول فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعْدهَا. قَوْله: (وَكتب فِي الذّكر) أَي: قدر كل الكائنات وأثبتها فِي الذّكر أَي: اللَّوْح الْمَحْفُوظ. قَوْله: (تقطع) ، تفعل من التقطع وَهُوَ بِلَفْظ الْمَاضِي وبلفظ الْمُضَارع من الْقطع. قَوْله: (السراب) بِالرَّفْع فَاعله، والسراب هُوَ الَّذِي ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء، وَالْمعْنَى: فَإِذا هِيَ، انْتهى السراب عِنْدهَا. قَوْله: (لَوَدِدْت) ، أَي: لأحببت أَنِّي لَو تركتهَا لِئَلَّا يفوت مِنْهُ سَماع كَلَام رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ الْمُهلب: السُّؤَال عَن مبادىء الإشياء والبحث عَنْهَا جَائِز شرعا، وللعالم أَن يُجيب عَنْهَا بِمَا يعلم، فَإِن خشِي من السَّائِل إِيهَام شكّ أَو تَقْصِير فَلَا، يجِيبه وينهاه عَن ذَلِك.
٢٩١٣ - وروَاهُ عِيسَى عنْ رَقَبةَ عنْ قَيْسِ بنُ مُسْلِمٍ عنْ طارِقِ بنِ شِهابٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ
стр. 4438
قامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقاماً فأخبرَنَا عنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حتَّى دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ منازِلَهُمْ وأهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ ونَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ.
عِيسَى هُوَ ابْن مُوسَى البُخَارِيّ أَبُو أَحْمد التَّيْمِيّ مَوْلَاهُم يلقب: غُنْجَار، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وبالجيم وَبعد الْألف رَاء، لقب بِهِ لاحمرار خديه، كَانَ من أعبد النَّاس، مَاتَ سنة سبع أَو سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، ورقبة، بِفَتْح الرَّاء وَالْقَاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مصقلة، بالصَّاد الْمُهْملَة وبالقاف: الْعَبْدي الْكُوفِي. وَاعْلَم أَن رِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا. عِيسَى عَن رَقَبَة، وَقَالَ الجياني: سقط بَينه وَبَين رَقَبَة أَبُو حَمْزَة السكرِي وَهُوَ مُحَمَّد بن مَيْمُون، وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: إِنَّمَا رَوَاهُ عِيسَى، يَعْنِي: ابْن مُوسَى عَن أبي حَمْزَة السكرِي عَن رَقَبَة.
وَقد وصل الطَّبَرَانِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عِيسَى الْمَذْكُور عَن أبي حَمْزَة عَن رَقَبَة وَلم ينْفَرد بِهِ عِيسَى، فقد أخرجه أَبُو نعيم من طَرِيق عَليّ بن الْحُسَيْن بن شَقِيق عَن أبي حَمْزَة وَلَكِن فِي إِسْنَاده ضعف.
قَوْله: (قَامَ فِينَا النَّبِي ﷺ ، مقَاما) يَعْنِي: قَامَ على الْمِنْبَر، بيَّن ذَلِك مَا رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم من حَدِيث أبي زيد الْأنْصَارِيّ، قَالَ: صلى بِنَا رَسُول الله، ﷺ ، صَلَاة الصُّبْح وَصعد الْمِنْبَر فَخَطَبنَا حَتَّى حضرت الصَّلَاة، ثمَّ نزل فصلى بِنَا الظّهْر ثمَّ صعد الْمِنْبَر فَخَطَبنَا ثمَّ الْعَصْر كَذَلِك حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس فحدثنا بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِن، فأعلمنا أحفظنا لفظ أَحْمد وَأفَاد هَذَا بَيَان الْمقَام الْمَذْكُور زَمَانا ومكاناً، وَأَنه كَانَ على الْمِنْبَر من أول النَّهَار إِلَى أَن غَابَتْ الشَّمْس. قَوْله: (حَتَّى دخل) كلمة: حَتَّى، غَايَة للمبدأ وللإخبار، أَي: حَتَّى أخبر عَن دُخُول أهل الْجنَّة، وَالْغَرَض أَنه أخبر عَن المبدأ والمعاش والمعاد جَمِيعًا، وَإِنَّمَا قَالَ: دخل، بِلَفْظ الْمَاضِي مَوضِع الْمُسْتَقْبل مُبَالغَة للتحقق الْمُسْتَفَاد من خبر الصَّادِق.
وَفِيه: دلَالَة على أَنه أخبر فِي الْمجْلس الْوَاحِد بِجَمِيعِ أَحْوَال الْمَخْلُوقَات من ابتدائها إِلَى انتهائها، وَفِي إِيرَاد ذَلِك كُله فِي مجْلِس وَاحِد أَمر عَظِيم من خوارق الْعَادة، وَكَيف وَقد أعطي جَوَامِع الْكَلم مَعَ ذَلِك؟
٣٩١٣ - حدَّثني عبْدُ لله بنُ أبِي شَيْبَةَ عنْ أبِي أحْمَدَ عنْ سُفْيَانَ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أُرَاهُ يَقُولُ الله شَتَمَنِي ابنُ آدَمَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتِمَنِي وتَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إنَّ لِي ولَدَاً وأمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأنِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَيْسَ يُعِيدنِي كَمَا بَدَأَنِي) وَهُوَ قَول منكري الْبَعْث من عباد الْأَوْثَان.
وَأَبُو أَحْمد اسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن دِرْهَم الْأَزْدِيّ، وَقيل: الْأَسدي الزبيرِي، نِسْبَة إِلَى جده، مَاتَ بالأهواز فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ يَصُوم الدَّهْر، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
قَوْله: (يَشْتمنِي) ، بِالْفِعْلِ الْمُضَارع، ويروى: شَتَمَنِي، بالماضي من الشتم، وَهُوَ توصيف الشَّيْء بِمَا هُوَ إزراء وَنقص لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالغيرة وَإِثْبَات الْوَلَد كَذَلِك، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الْإِمْكَان المتداعي للحدوث، قَالُوا: إِن هَذَا الحَدِيث كَلَام قدسي، أَي: نَص إل هِيَ فِي الدرجَة الثَّانِيَة، لِأَن الله تَعَالَى أخبر نبيه، ﷺ ، مَعْنَاهُ بإلهام وَأخْبر النَّبِي ﷺ ، عَنهُ أمته بِعِبَارَة نَفسه. قَوْله: (وتكذبني) ، من بَاب التفعل، ويروى: ويكذبني بِضَم الْيَاء من التَّكْذِيب.
٤٩١٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا مُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ القُرَشِيُّ عنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ لَمَّا قَضَى الله الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابهِ فَهْوَ عِنْدَهُ فَوقَ العَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي غلَبَتْ غَضَبِي. .
стр. 4439
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لما قضى الله الْخلق) . ومغيرة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة، وَالنَّسَائِيّ فِي النعوت كلهم عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (لما قضى الله الْخلق) ، قَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد لما خلق الله الْخلق كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ (فصلت: ٢١) . أَي: خَلقهنَّ، وَقَالَ ابْن عَرَفَة: قَضَاء الشي إحكامه وإمضاؤه والفراغ مِنْهُ، وَبِه سمي القَاضِي لِأَنَّهُ إِذا حكم فقد فرغ مِمَّا بَين الْخَصْمَيْنِ. قَوْله: (كتب فِي كِتَابه) ، أَي: أَمر الْقَلَم أَن يكْتب فِي كِتَابه وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، والمكتوب هُوَ: أَن رَحْمَتي غلبت غَضَبي. قَوْله: (فَهُوَ عِنْده) ، أَي: الْكتاب عِنْده، والعندية لَيست مكانية بل هُوَ إِشَارَة إِلَى كَمَال كَونه مكنوناً عَن الْخلق مَرْفُوعا عَن حيّز إدراكهم. قَوْله: (فَوق الْعَرْش) ، قَالَ الْخطابِيّ: قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ دون الْعَرْش استعظاماً أَن يكون شَيْء من الْخلق فَوق الْعَرْش كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بعوضة فَمَا فَوْقهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٢) . أَي: فَمَا دونهَا أَي: أَصْغَر مِنْهَا، وَقَالَ بَعضهم: إِن لفظ الفوق زَائِد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ﴾ (النِّسَاء: ١١) . إِذْ الثنتان يرثان الثُّلثَيْنِ. قلت: فِي كل مِنْهُمَا نظر، أما الأول فَفِيهِ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَوْضِعه، وَأما الثَّانِي فَفِيهِ فَسَاد الْمَعْنى، لِأَن مَعْنَاهُ: يكون حِينَئِذٍ: فَهُوَ عِنْده الْعَرْش، وَهَذَا لَا يَصح، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال معنى قَوْله: فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش أَي: علم ذَلِك عِنْد الله فَوق الْعَرْش لَا ينْسَخ وَلَا يُبدل، أَو ذكر ذَلِك عِنْد الله فَوق الْعَرْش، وَلَا مَحْذُور من إِضْمَار لفظ الْعلم أَو الذّكر، على أَن الْعَرْش مَخْلُوق وَلَا يَسْتَحِيل أَن يمسهُ كتاب مَخْلُوق، فَإِن الْمَلَائِكَة حَملَة الْعَرْش حاملونه على كواهلهم، وَفِيه المماسة فَلَا مَحْذُور أَن يكون كِتَابه فَوق الْعَرْش. فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص هَذَا بِالذكر على مَا قلت، مَعَ أَن الْقَلَم كتب كل شَيْء؟ قلت: لما فِيهِ من الرَّجَاء الْكَامِل وَإِظْهَار أَن رَحمته وسعت كل شَيْء، بِخِلَاف غَيره. قَوْله: (أَن رَحْمَتي) ، بِفَتْح أَن على أَنَّهَا بدل من: كتب، وبكسرها ابْتِدَاء كَلَام يحمي مَضْمُون الْكتاب. قَوْله: (غلبت) ، فِي رِوَايَة شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد فِي التَّوْحِيد: سبقت، بدل: غلبت، وَالْمرَاد من الْغَضَب مَعْنَاهُ الغائي وَهُوَ لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة الإنتقام مِمَّن يَقع عَلَيْهِ الْغَضَب والسبق وَالْغَلَبَة بِاعْتِبَار التَّعَلُّق أَي: تعلق الرَّحْمَة سَابق غَالب على تَعْلِيق الْغَضَب، لِأَن الرَّحْمَة مُقْتَضى ذَاته المقدسة، وَأما الْغَضَب فَإِنَّهُ مُتَوَقف على سَابِقَة عمل من العَبْد حَادث، وَبِهَذَا ينْدَفع إِشْكَال من أورد وُقُوع الْعَذَاب قبل الرَّحْمَة فِي بعض الْمَوَاضِع كمن يدْخل النَّار من الْمُوَحِّدين ثمَّ يخرج بالشفاعة أَو غَيرهَا، وَقيل: الرَّحْمَة وَالْغَضَب من صِفَات الْفِعْل لَا من صِفَات الذَّات فَلَا مَانع من تقدم بعض الْأَفْعَال على بعض، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي سبق الرَّحْمَة إِشَارَة إِلَى أَن قسط الْخلق مِنْهَا أَكثر من قسطهم من الْغَضَب، وَأَنَّهَا تنالهم من غير اسْتِحْقَاق، وَأَن الْغَضَب لَا ينالهم إلَاّ بِاسْتِحْقَاق، فالرحمة تَشْمَل الشَّخْص جَنِينا ورضيعاً وفطيماً وناشئاً قبل أَن يصدر مِنْهُ شَيْء من الطَّاعَة وَلَا يلْحقهُ الْغَضَب إلَاّ بعد أَن يصدر عَنهُ من الذُّنُوب مَا يسْتَحق مَعَه ذَلِك، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي سَبْعِ أرَضينَ)
هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي وضع سبع أَرضين.
وقَوْلِ الله تعَالى ﴿ألله الَّذِي خلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مَثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ الله علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ الله قَدْ أحاطَ بِكُلَّ شَيْءٍ عِلْمَاً (الطَّلَاق: ٢١) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: فِي سبع أَرضين. قَوْله: (الله) مُبْتَدأ. و: الَّذِي خلق، خَبره. قَوْله: (سبع سموات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ) فِي الْعدَد، قيل: مَا فِي الْقُرْآن آيَة تدل على أَن الْأَرْضين سبع: إلَاّ هَذِه الْآيَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن الْأَرْضين بَعْضهَا فَوق بعض مثل السَّمَوَات لَيْسَ بَينهَا فُرْجَة، وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم: أَن الأَرْض وَاحِدَة، قَالَ: وَهُوَ مَرْدُود بِالْقُرْآنِ وَالسّنة. وروى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الضُّحَى عَن مُسلم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: ﴿الله الَّذِي خلق سبع سموات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٢١) . قَالَ: سبع أَرضين فِي كل أَرض نَبِي كنبيكم وآدَم كآدمكم ونوح كنوحكم وَإِبْرَاهِيم كإبراهيمكم وَعِيسَى كعيسى، ثمَّ قَالَ: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس صَحِيح، وَهُوَ شَاذ بِمرَّة لَا أعلم لأبي الضُّحَى عَلَيْهِ مُتَابعًا. وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُحَمَّد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَو حدثتكم بتفسير هَذِه الْآيَة لكَفَرْتُمْ، وكفركم تكذيبكم بهَا، وَقد روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، أَن بَين كل سَمَاء وسماء خَمْسمِائَة عَام، وَأَن سمك كل سَمَاء كَذَلِك، وَأَن بَين كل أَرض
стр. 4440
وَأَرْض خَمْسمِائَة عَام. وَأخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي ذَر نَحوه. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: بَين كل سَمَاء وسماء إِحْدَى أَو اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سنة. قلت: يجمع بَينهمَا بِأَن اخْتِلَاف الْمسَافَة بَينهمَا بِاعْتِبَار بطء السّير وسرعته، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقيل: إِن المُرَاد بقوله: سبع أَرضين الأقاليم السَّبْعَة، والدعوة شَامِلَة جَمِيعهَا، وَقيل: إِنَّهَا سبع أَرضين مُتَّصِلَة بَعْضهَا بِبَعْض والحائل بَين كل أَرض وَأَرْض بحار لَا يُمكن قطعهَا وَلَا الْوُصُول إِلَى الأَرْض الْأُخْرَى وَلَا تصل الدعْوَة إِلَيْهِم قَوْله: (لِتَعْلَمُوا) اللَاّم تتَعَلَّق بِخلق، وَقيل: بيتنزل، وَالْأول أقرب، وَأَن الله تَعَالَى قد أحَاط بِكُل شَيْء علما لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء، وعلماً مصدر من غير لفظ الْفِعْل أَي: قد علم كل شَيْء علما.
والسَّقْفِ المَرْفُوعِ السَّماءُ
هَذِه حِكَايَة عَمَّا فِي سُورَة الطّور وَهُوَ: ﴿وَالطور وَكتاب مسطور فِي رق منشور وَالْبَيْت الْمَعْمُور والسقف الْمَرْفُوع﴾ (الطّور: ١) . فَقَوله: والسقف الْمَرْفُوع، بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَقَوله: ﴿السَّمَاء﴾ (الطّور: ١) . خَبره وَهُوَ تَفْسِيره، كَذَا فسره مُجَاهِد، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَغَيره من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَيجوز بِالْجَرِّ على طَرِيق الْحِكَايَة عَمَّا فِي سُورَة الطّور سمى السَّمَاء سقفاً لِأَنَّهَا للْأَرْض كالسقف للبيت، وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّد على من قَالَ: إِن السَّمَاء كرية، لِأَن السّقف فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة لَا يكون كرياً، وَفِيه نظر.
سَمْكَهَا بِنَاءَها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رفع سمكها فسواها﴾ (النازعات: ٨٢) . فِي: والنازعات، وَهنا: سمكها، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: بناؤها، وَيجوز بِالنّصب على الْحِكَايَة. وَقَوله: ﴿رفع سمكها﴾ (النازعات: ٨٢) . أَي: بناءها يَعْنِي: رفع بنيانها، والسمك، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم، وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي طَلْحَة عَنهُ.
الْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وحُسْنُها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاء ذَات الحبك﴾ (الذاريات: ٧) . وَيجوز فِي الحبك الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره: استواؤها، وَيجوز الْجَرّ على الْحِكَايَة، وَالتَّفْسِير الَّذِي فسره رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَطاء بن السَّائِب عَن يزِيد عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ، والحبك بِضَمَّتَيْنِ جمع حبيكة، كطرق جمع طَريقَة، وزنا وَمعنى. وَقيل: وَاحِدهَا حباك كمثال، وَقيل: الحبك الطرائق الَّتِي ترى فِي السَّمَاء من آثَار الْغَيْم، وروى الطَّبَرِيّ عَن الضَّحَّاك نَحوه، وَقيل: هِيَ النُّجُوم أخرجه الطَّبَرِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن الْحسن، وروى الطَّبَرِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو: أَن المُرَاد بالسماء هُنَا السَّمَاء السَّابِعَة.
وأذِنَتْ سَمِعَتْ وأطَاعَتْ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت وأذنت لِرَبِّهَا وحقت﴾ (الانشقاق: ١، ٢) . وَرَوَاهُ هَكَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: ﴿وأذنت لِرَبِّهَا﴾ أَي: أطاعت، وَمن طَرِيق الضَّحَّاك: أَي: سَمِعت، قَالَ النَّسَفِيّ: وَحَقِيقَته من أذن الشَّيْء إِذا أصغى إِلَيْهِ أُذُنه للاستماع، وَالسَّمَاع يسْتَعْمل للإسعاف والإجابة، كَذَلِك الْإِذْن أَي: أجابت لِرَبِّهَا إِلَى الانشقاق وَمَا أَرَادَهُ مِنْهَا.
وألْقَتْ أخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ المَوْتَى وتَخَلَّتْ عَنْهُمْ
أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى بعد قَوْله: ﴿وأذنت لِرَبِّهَا وحقت وَإِذا الأَرْض مدت وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت﴾ (الانشقاق: ٢، ٣) . وحقت أَي: حق لَهَا أَن تطيع، وَأَلْقَتْ أَي: طرحت مَا فِيهَا، ومدت من مد الشَّيْء فامتد وَهُوَ: أَن تَزُول جبالها وآكامها، وكل أمة فِيهَا حَتَّى تمتد وتنبسط وَيَسْتَوِي ظهرهَا، وتخلت أَي: خلت غَايَة الْخُلُو حَتَّى لَا يبْقى فِي بَطنهَا شَيْء كَأَنَّهَا تكلفت أقْصَى جهدها فِي الْخُلُو.
стр. 4441
طَحَاهَا دَحاها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْض وَمَا طحاها، وَنَفس وَمَا سواهَا﴾ (الشَّمْس: ٦، ٧) . وَأَرَادَ بقوله: (دحاها) ، تَفْسِير قَوْله: ﴿طحاها﴾ وَهَكَذَا فسره مُجَاهِد، أخرجه عَنهُ عبد بن حميد وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ وَغَيرهمَا: ﴿دحاها﴾ أَي: بسطها، من الدحو وَهُوَ الْبسط، يُقَال: دحا يدحو ويدحي، أَي: بسط ووسع.
بالسَّاهِرَةِ وَجْهُ الأرْضِ كانَ فِيهَا الحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وسَهَرُهُمْ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا هم بالساهرة﴾ (النازعات: ٤١) . أَي: وَجه الأَرْض، وَلَعَلَّه سمى بهَا لِأَن نوم الْخَلَائق وسهرهم فِيهَا، هَكَذَا فسره عِكْرِمَة، أخرجه ابْن أبي حَاتِم، وَأخرج أَيْضا من طَرِيق مُصعب بن ثَابت عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا هم بالساهرة﴾ (النازعات: ٤١) . قَالَ: أَرض بَيْضَاء عفراء كالخبزة، وَعَن ابْن أبي حَاتِم: المُرَاد بهَا أَرض الْقِيَامَة، وَقَالَ النَّسَفِيّ: قيل: هَذِه الساهرة جبل عِنْد بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: ﴿فَإِذا هم بالساهرة﴾ (النازعات: ٤١) . بالصقع الَّذِي بَين جبل حسبان وجبل أرِيحَا.
٥٩١٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ أخْبَرَنَا ابنُ عَليَّةَ عنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى ابنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الحَارِثِ عنْ أبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ وكانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أرْض فَدَخَلَ علَى عائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فقالَتْ يَا أبَا سلَمَةَ اجْتَنِبِ الأرْضَ فإنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعٍ أرَضِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من سبع أَرضين) . وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَابْن علية اسْمه إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَعليَّة اسْم أمه وَقد مر غير مرّة.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم شَيْئا من الأَرْض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن حُسَيْن عَن يحيى بن أبي كثير إِلَى آخِره.
قَوْله: (قيد شبر) ، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْمِقْدَار. قَوْله: (طوقه) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمعنى التطويق أَن يخسف الله بِهِ الأَرْض فَتَصِير الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة مِنْهَا فِي عُنُقه يَوْم الْقِيَامَة كالطوق، وَقيل: هُوَ أَن يطوق حملهَا يَوْم الْقِيَامَة، أَي: يُكَلف، لَا من طوق التَّقْلِيد، بل من طوق التَّكْلِيف.
٦٩١٣ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرَنا عَبْدُ الله عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ مَنْ أخَذَ شَيْئاً مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَى سَبْعِ أرْضِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَسَالم يروي عَن أَبِيه عبد الله بن الْمُبَارك. والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله بن الْمُبَارك.
٧٩١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنَا أيُّوبُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنِ ابنِ أبِي بَكْرَةَ عَن أبي بكرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَاً مِنْهَا أرْبَعةٌ حُرُمٌ ثَلاث مُتَوَالِياتٌ ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والْمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادي وشَعْبَانَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تتأتى بالتعسف لِأَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهَا التَّصْرِيح بِسبع أَرضين، وَهَذَا الْمَذْكُور لفظ: الأَرْض فَقَط، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ سبع أَرضين أَيْضا. وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَابْن أبي بكرَة عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو بكرَة نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ، وَقد مضى فِي كتاب الْعلم عَن أبي بكرَة، وَفِي الْحَج أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَلَكِن يَأْتِي نَحوه بأتم مِنْهُ فِي آخر
стр. 4442
الْمَغَازِي.
قَوْله: (الزَّمَان) اسْم لقَلِيل الْوَقْت وَكَثِيره، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا السّنة، وَذَلِكَ أَن قَوْله: (السّنة إثني عشر شهرا) إِلَى آخِره، جمل مستأنفة مبينَة للجملة الأولى. فَالْمَعْنى أَن الزَّمَان فِي انقسامه إِلَى الأعوام، والأعوام إِلَى الْأَشْهر عَاد إِلَى أصل الْحساب والوضع الَّذِي اخْتَارَهُ الله وَوَضعه يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (اسْتَدَارَ) ، يُقَال: دَار يَدُور، واستدار يستدير بِمَعْنى: إِذا طَاف حول الشَّيْء وَإِذا عَاد إِلَى الْموضع الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَمعنى الحَدِيث: أَن الْعَرَب كَانُوا يؤخرون الْمحرم إِلَى صفر وَهُوَ النسيء الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ (التَّوْبَة: ٧٣) . وَذَلِكَ لِيُقَاتِلُوا فِيهِ، ويفعلون ذَلِك كل سنة بعد سنة فَينْتَقل الْمحرم من شهر إِلَى شهر حَتَّى جَعَلُوهُ فِي جَمِيع شهور السّنة، فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ السّنة قد عَاد إِلَى زَمَنه الْمَخْصُوص بِهِ، قيل: دارت السّنة كهيئتها الأولى، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا أخر النَّبِي ﷺ الْحَج مَعَ الْإِمْكَان ليُوَافق أصل الْحساب فيحج فِيهِ حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (كَهَيْئَته) ، الْكَاف صفة مصدر مَحْذُوف أَي: اسْتَدَارَ استدارة مثل حَالَته يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (ثَلَاث مُتَوَالِيَات) إِنَّمَا حذف التَّاء من الْعدَد بِاعْتِبَار أَن الشَّهْر وَاحِد الْأَشْهر بِمَعْنى اللَّيَالِي، فَاعْتبر لذَلِك تأنيثه، وَيُقَال: ذَلِك بِاعْتِبَار الْغرَّة أَو اللَّيْلَة، مَعَ أَن الْعدَد الَّذِي لم يذكر مَعَه الْمُمَيز جَازَ فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، ويروى: (ثَلَاثَة) ، على الأَصْل. قَوْله: (ذُو الْقعدَة) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ ذُو الْقعدَة، أَو: أَولهَا ذُو الْقعدَة، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَرَجَب مُضْمر) عطف على قَوْله: (ثَلَاث) ، وَلَيْسَ بعطف على قَوْله: وَالْمحرم، وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى مُضر لِأَنَّهَا كَانَت تحافظ على تَحْرِيمه أَشد من مُحَافظَة سَائِر الْعَرَب، وَلم يكن يستحله أحد من الْعَرَب. قَوْله: (بَين جُمَادَى وَشَعْبَان) ، ذكره تَأْكِيدًا وإزاحة للريب الْحَادِث فِيهِ من النسىء. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: النسيء تَأْخِير حُرْمَة شهر إِلَى شهر آخر، كَانُوا يحلونَ الشَّهْر الْحَرَام ويحرمون مَكَانَهُ شهرا آخر حَتَّى رفضوا تَخْصِيص الْأَشْهر الْحرم، فَكَانُوا يحرمُونَ من شهور الْعَام أَرْبَعَة أشهر مُطلقًا، وَرُبمَا زادوا فِي الْأَشْهر فيجعلونها ثَلَاثَة عشر، أَو أَرْبَعَة عشر، قَالَ: وَالْمعْنَى: رجعت الْأَشْهر إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ وَعَاد الْحَج إِلَى ذِي الْحجَّة وَبَطل النسيء الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقد وَافَقت حجَّة الْوَدَاع ذَا الْحجَّة، فَكَانَت حجَّة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبلهَا فِي ذِي الْقعدَة.
٨٩١٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثناأبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَعِيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ أنَّهُ خَاصَمَتْهُ أرْوَى فِي حَقٍّ زَعَمَ أنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوانَ فقالَ سَعِيدٌ أنَا أنْتَقِصُ مِنْ حقِّهَا شَيْئاً أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسولَ الله ﷺ يقُولُ منْ أخَذَ شِبْرَاً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً فإنَّهُ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرْضِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٥٤٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين: واسْمه فِي الأَصْل عبد الله الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير يروي عَن أَبِيه عُرْوَة، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: الْعَدوي أحد الْعشْرَة المبشرة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث من قَوْله: (لسمعت رَسُول الله، ﷺ إِلَى آخِره، قد مر فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من ظلم شَيْئا من الأَرْض.
قَوْله (أروى) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو وبالقصر بنت أبي أويس بِالسِّين الْمُهْملَة قَالَ ابْن الْأَثِير لم أتحقق أَنَّهَا صحابية أَو تابعية قَوْله: (زعمت) ، أَي: أدعت أَنه أَي: أَن سعيد بن زيد انتقصه، أَي: انتقصها من حَقّهَا فِي أَرض. قَوْله: (إِلَى مَرْوَان) ، يتَعَلَّق بقوله: خاصمته، أَي: ترافعا إِلَى مَرْوَان، وَهُوَ كَانَ يَوْمئِذٍ مُتَوَلِّي الْمَدِينَة، وَقد ترك سعيد الْحق لَهَا ودعا عَلَيْهَا، فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى دعاءه وَمَرَّتْ الْقِصَّة فِي الْمَظَالِم.
قَالَ ابنُ الزِّنادِ عنْ هشامٍ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ لِي سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ دَخَلْتُ على النَّبيِّ ﷺ
ابْن أبي الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله مفتي بَغْدَاد، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان لِقَاء عُرْوَة
стр. 4443
سعيداً وتصريح سَمَاعه مِنْهُ الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ بَعضهم: وَقد لَقِي عُرْوَة من هُوَ أقدم من سعيد كوالده الزبير وَعلي وَغَيرهمَا، قلت: لَا يلْزم من ذَلِك ملاقاته سعيداً من هَذَا الْوَجْه.
٣ - (بابٌ فِي النُّجُومِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي النُّجُوم.
وقَالَ قَتَادَةُ ﴿ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (الْملك: ٥) . خلَقَ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلاثٍ جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ ورُحُومَاً لِلْشَّياطِينَ وعَلاماتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمنْ تأوَّلَ فِيها بِغَيْرِ ذلِكَ أخْطأ وأضاع نَصِيبَهُ وتكَلَّفَ مَا لَا علْمَ لَهُ بِهِ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن يُونُس عَن سُفْيَان عَنهُ وَزَاد فِي آخِره: وَأَن نَاسا جهلة بِأَمْر الله قد أَحْدَثُوا فِي هَذِه النُّجُوم كهَانَة من غرس بِنَجْم كَذَا كَانَ كَذَا، وَمن سَافر بِنَجْم كَذَا كَانَ كَذَا، ولعمري مَا من النُّجُوم نجم إلَاّ ويولد بِهِ الطَّوِيل والقصير والأحمر والأبيض وَالْحسن والدميم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَول قَتَادَة فِي النُّجُوم حسن إلَاّ قَوْله: أَخطَأ وأضاع نصِيبه، فَإِنَّهُ قصر فِي ذَلِك بل قَائِل ذَلِك كَافِر. انْتهى. ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن الْكفْر فِي ذَلِك إلَاّ فِي حق من نسب الاختراع إِلَى النُّجُوم، وَفِي (ذمّ النُّجُوم) للخطيب الْبَغْدَادِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن البحتري بن عبيد الله عَن أَبِيه عَن أبي ذَر عَن عمر مَرْفُوعا: لَا تسألوا عَن النُّجُوم. وَمن حَدِيث عبد الله بن مُوسَى عَن الرّبيع بن حبيب عَن نَوْفَل بن عبد الْملك عَن أَبِيه عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نهاني رَسُول الله، ﷺ ، عَن النّظر فِي النُّجُوم. وَعَن أبي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس نَحوه. وَعَن الْحسن: أَن قَيْصر سَأَلَ قس بن سَاعِدَة الأيادي: هَل نظرت فِي النُّجُوم؟ قَالَ: نعم نظرت فِيمَا يُرَاد بِهِ الْهِدَايَة وَلم أنظر فِيمَا يُرَاد بِهِ الكهانة. وَفِي (كتاب الأنواء) لأبي حنيفَة: الْمُنكر فِي الذَّم من النُّجُوم نِسْبَة الْأَمر إِلَى الْكَوَاكِب وَأَنَّهَا هِيَ المؤثرة، وَأما من نسب التَّأْثِير إِلَى خَالِقهَا وَزعم أَنه نصبها أعلاماً وصيرها آثاراً لما يحدثه فَلَا جنَاح عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ هَشِيماً مُتَغَيِّراً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأصْبح هشيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاح﴾ (الْكَهْف: ٥٤) . وَفسّر ابْن عَبَّاس ورأبة: هشيماً، بقوله: متغيراً، ذكره إِسْمَاعِيل ابْن أبي زِيَاد فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس، وَقد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ذكر آيَة أَو حَدِيثا فِي التَّرْجَمَة وَنَحْوهَا يذكر أَيْضا بالتبعية على سَبِيل الاستطراد مَاله أدنى مُلَابسَة بهَا تكثيراً للفائدة.
والأبُّ مَا يأكُلُ الأنْعَامُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَدَائِق غلبا وَفَاكِهَة وأبَّاً﴾ (عبس: ٠٣، ١٣) . وَهَذَا أَيْضا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَنهُ قَالَ الْأَب مَا أَنْبَتَهُ الأَرْض مِمَّا تَأْكُله الدَّوَابّ وَلَا يَأْكُلهُ النَّاس وَمن طَرِيق عَطاء وَالضَّحَّاك الْأَب كل شَيْء ينْبت على وَجه الأَرْض وَزَاد الضَّحَّاك إلَاّ الْفَاكِهَة.
والأنامُ الخَلْقُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْض وَضعهَا للأنام﴾ فسر الْأَنَام بقوله الْخلق وَهَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَيْضا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَالْمرَاد بالخلق: الْمَخْلُوق، وروى من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة قَالَ: الْأَنَام النَّاس، وَمن طَرِيق الْحسن قَالَ: الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقَالَ الشّعبِيّ: هُوَ كل ذِي روح.
برْزَخٌ حاجِبٌ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بَينهمَا برزخ لَا يبغيان﴾ (الرحمان: ٠٢) . فسره بقوله: حَاجِب يَعْنِي: حَاجِب بَين الْبَحْرين لَا يختلطان، وَهَذَا أَيْضا
стр. 4444
تَفْسِير ابْن عَبَّاس، وحاجب: بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي قَول الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني حاجز، بالزاي مَوضِع الْبَاء، من حجز بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حَال بَينهمَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ألْفافاً مُلْتَفَّةً. والغُلْبُ المُلْتَفَّةُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وجنات ألفافاً﴾ (النبإ: ٦١) . أَي: ملتفة، وَصله عَنهُ عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح، وَمعنى ملتفة أَي: ملتفة بَعْضهَا على بعض، وألفاف جمع لف، وَقيل: جمع لفيف، وَحكى الْكسَائي أَنه جمع الْجمع، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل اللُّغَة فِي وَاحِد الألفاف، فَقَالَ بعض نحاة الْبَصْرَة: لف، وَقَالَ بعض نحاة الْكُوفَة: لف ولفيف، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِن كَانَ الألفاف جمعا فواحده جمع أَيْضا، تَقول: جنَّة لف وجنات لف. قَوْله: (والغلب الملتفة) إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَدَائِق غلبا﴾ (عبس: ٠٣) . وَفسّر الغلب بقوله: الملتفة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس: الحدائق مَا الْتفت، والغلب مَا غلظ، وروى من طَرِيق عِكْرِمَة عَنهُ: الغلب شجر بِالْجَبَلِ لَا يحمل يستظل بِهِ.
﴿فِرَاشاً﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢) . مِهَاداً كقَوْلِهِ ﴿ولَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣) .
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢) . وَفَسرهُ بقوله: مهاداً، وَبِه فسر قَتَادَة وَالربيع بن أنس وَصله الطَّبَرِيّ عَنْهُمَا. قَوْله: (كَقَوْلِه: ﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣) . أَي: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣) . أَي: مَوضِع قَرَار، وَهُوَ بِمَعْنى المهاد.
نَكِداً قلِيلاً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خبث لَا يخرج إلَاّ نكداً﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٥) . وَفسّر النكد بقوله: قَلِيلا، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ، قَالَ: ﴿لَا يخرج إلَاّ نكداً﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٥) . قَالَ: النكد: الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي لَا ينفع. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم أَيْضا من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: هَذَا مثل ضرب للْكَافِرِ، كالبلد السبخة المالحة الَّتِي لَا تخرج مِنْهَا الْبركَة.
٤ - (بابُ صِفَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبَانٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير صفة الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان.
قالَ مُجَاهِدٌ كَحُسْبَانِ الرَّحَى
يَعْنِي الشَّمْس وَالْقَمَر يجريان بحسبان، يَعْنِي: بِحِسَاب مَعْلُوم كجري الرَّحَى، يَعْنِي على حِسَاب الْحَرَكَة الرحوية الدورية وعَلى وَضعهَا، والحسبان قد يكون مصدرا، تَقول: حسبت حسابا وحسباناً، مثل: الغفران والكفران والرجحان وَالنُّقْصَان والبرهان، وَقد يكون جمع الْحساب مثل: الشهبان والركبان والقضبان والرهبان، وَقَول مُجَاهِد وَصله الْفرْيَابِيّ فِي (تَفْسِيره) من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ بِحِسَابٍ ومَنَازِلَ لَا يَعْدُوَانِهَا
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي تَفْسِير الْآيَة الْمَذْكُورَة: إِن مَعْنَاهَا يجريان بحسبان، أَي: بِقدر مَعْلُوم، ويجريان فِي منَازِل لَا يعدوانها أَي: لَا يتجاوزان الْمنَازل، روى ذَلِك الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد صَحِيح، وروى عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق أبي مَالك الْغِفَارِيّ مثله.
حُسْبانٌ جَمَاعَةُ حِسابٍ مِثْلُ شِهابٍ وشُهْبَانٍ
قد ذكرنَا الْآن أَن لفظ حسبان قد يكون جمعا، وَقد يكون مصدرا.
ضُحَاهَا ضَوْؤُها
стр. 4445
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ (الشَّمْس: ١) . وَفسّر الضُّحَى بالضوء، وَصله عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ (الشَّمْس: ١) . قَالَ: ضوؤها، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: يُرِيد أَن الضُّحَى تقع فِي صدر النَّهَار، وَعِنْده تشتد إضاءة الشَّمْس، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَتَادَة وَالضَّحَّاك، وَقَالَ: ضحاها النَّهَار، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) . . ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ (الشَّمْس: ١) . إِذا أشرقت وَقَامَ سلطانها، وَلذَلِك قيل: وَقت الضُّحَى، وَكَانَ وَجهه شمس الضُّحَى، وَقيل: الضحوة ارْتِفَاع النَّهَار، وَالضُّحَى فَوق ذَلِك.
أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ ولَا يَنْبَغِي لَهُما ذَلِكَ سَابِقُ النَّهَارِ يتَطَالَبَانِ حَثِيثَانِ نَسْلَخُ نُخْرِجُ أحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ ونُجْرِي كلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار﴾ (يَس: ٠٤) . قَالَ الضَّحَّاك: إِي: لَا يَزُول اللَّيْل من قبل مَجِيء النَّهَار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي: لَا يَأْتِي اللَّيْل فِي غير وقته. قَوْله: (وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار) أَي: يتطالبان حثيثان، أَي: سريعان، وَقَالَ تَعَالَى: يَطْلُبهُ حثيثاً أَي: سَرِيعا. قَوْله: (نسلخ مِنْهُ النَّهَار) أَي: نسلخ من اللَّيْل النَّهَار، والسلخ الْإِخْرَاج. وَيُقَال: سلخت الشَّاة من الإهاب، وَالشَّاة مسلوخة، وَالْمعْنَى: أخرجنَا النَّهَار من اللَّيْل إخراجاً لم يبقَ معَهُ شَيْء، فاستعير السلخ لإِزَالَة الضَّوْء وكشفه عَن مَكَان اللَّيْل وملقى ظله. قَوْله: (وتجري) بالنُّون من الإجراء. قَوْله: (كل وَاحِد مِنْهُمَا) ، أَي: من اللَّيْل وَالنَّهَار، وَلما كَانَ السلخ إِخْرَاج النَّهَار من اللَّيْل وَبِالْعَكْسِ أَيْضا كَذَلِك، عمم البُخَارِيّ فَقَالَ بِلَفْظ أَحدهمَا.
واهِيَةٌ وهْيُهَا تَشَقُّقُهَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وانشقت السَّمَاء فَهِيَ يَوْمئِذٍ واهية﴾ (الحاقة: ٦١) . وَفسّر الوهي بالتشقيق، وَهَذَا قَول الْفراء، وروى الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس: واهية متمزقة ضَعِيفَة.
أرْجَائِها مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْها فَهْيَ علَى حافَتَيْهِ كَقَوْلِكَ علَى أرْجَاءِ البِئْرِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْملك على أرجائها﴾ (الحاقة: ٧١) . وَهُوَ جمع الرَّجَاء مَقْصُورا، وَهُوَ نَاحيَة الْبِئْر، والرجوان حافتا الْبِئْر، وَوَقع فِي رِوَايَة غير الْكشميهني: فَهُوَ على حافتيها، وَكَأَنَّهُ أفرد الضَّمِير بِاعْتِبَار لفظ الْملك، وَجمع بِاعْتِبَار الْجِنْس، وروى عَن قَتَادَة فِي قَوْله: ﴿وَالْملك على أرجائها﴾ (الحاقة: ٧١) . أَي: على حافات السَّمَاء، وروى الطَّبَرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب مثله، وَعَن سعيد بن جُبَير: على حافاة الدُّنْيَا، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: وَالْملك على حافات السَّمَاء حِين تشقق.
أغْطَشَ وجَنَّ أظْلَمَ
أَشَارَ بقوله: أغطش إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أغطش لَيْلهَا﴾ (النازعات: ٩٢) . وَبِقَوْلِهِ: وجن، إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فلمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ (الْأَنْعَام: ٦٧) . وفسرهما بقوله: أظلم، فَالْأول: تَفْسِير قَتَادَة أخرجه عبد بن حميد من طَرِيقه، وَالثَّانِي: تَفْسِير أبي عُبَيْدَة.
وَقَالَ الحَسَنُ كُوِّرَتْ تُكَوَّرُ حتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ (التكوير: ١) . قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: معنى: كورت، تكور حَتَّى يذهب ضوؤها، وَمعنى تكور تلف، تَقول: كورت الْعِمَامَة تكويراً إِذا لففتها، والتكوير أَيْضا الْجمع، تَقول: كورته إِذا جمعته، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ (التكوير:) . يَقُول: أظلمت، وَمن طَرِيق الرّبيع بن خثيم، قَالَ: كورت، أَي: رمى بهَا، وَمن طَرِيق أبي يحيى عَن مُجَاهِد: كورت، قَالَ: اضمحلت.
واللَّيْلُ وَمَا وسَقَ جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ
وَصله عبد بن حميد من طَرِيق مبارك بن فضَالة عَن الْحسن نَحوه.
اتَّسَقَ اسْتَوَى
стр. 4446
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر إِذا اتسق﴾ (الانشقاق: ٨١) . فسره بقوله: اسْتَوَى، وَصله عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق مَنْصُور عَنهُ، وأصل اتسق أَو تسق قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء أَي: تجمع ضوؤه، وَذَلِكَ فِي اللَّيَالِي الْبيض.
بُرُوجَاً مَنَازِلَ الشَّمْسِ والقَمَرِ
أَشَارَ بِهِ إلَى قولِهِ تعَالَى: ﴿تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجاً﴾ (الْفرْقَان: ١٦) . وَفسّر البروج بالمنازل أَي: منَازِل الشَّمْس وَالْقَمَر. وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُجَاهِد، قَالَ: البروج الْكَوَاكِب، وَمن طَرِيق أبي صَالح قَالَ: هِيَ النُّجُوم الْكِبَار، وَقيل: هِيَ قُصُور فِي السَّمَاء، رَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق يحيى بن رَافع، وَمن طَرِيق قَتَادَة قَالَ: هِيَ قُصُور على أَبْوَاب السَّمَاء فِيهَا الحرس، وَعند أهل الْهَيْئَة: البروج غير الْمنَازل، فالبروج اثْنَا عشر، والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ، فَكل برج عبارَة عَن منزلتين، وَثلث مِنْهَا، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَمَّا قيل: كَيفَ يُفَسر البروج بالمنازل والبروج اثْنَا عشر والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ؟ أَو المُرَاد بالمنازل مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ لَا الَّتِي عَلَيْهِ أهل التنجيم.
الحَرُورُ بالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا الظل وَلَا الحرور﴾ (فاطر: ١٢) . وَفسّر الحرور بِأَنَّهُ يكون بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس، كَذَا رُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْفراء: الحرور الْحر الدَّائِم لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا، والسموم بِالنَّهَارِ خَاصَّة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ورؤبة: الحَرُورُ باللَّيْلِ والسَّمُومُ بالنَّهَارِ
رؤبة بِضَم الرَّاء ابْن العجاج، اسْمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صَخْر بن كنيف بن عميرَة بن حييّ بن ربيعَة بن سعد ابْن مَالك بن سعد التَّمِيمِي السَّعْدِيّ من سعد تَمِيم الْبَصْرِيّ هُوَ وَأَبوهُ راجزان مشهوران عالمان باللغة، وهما من الطَّبَقَة التَّاسِعَة من رجال الْإِسْلَام، وَتَفْسِير رؤبة هَذَا ذكره أَبُو عبيد عَنهُ فِي (الْمجَاز) وَقَالَ السّديّ: المُرَاد بالظل والحرور فِي الْآيَة الْجنَّة وَالنَّار أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَنهُ.
يُقَالُ يُولِجُ يْكَوِّرُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يولج اللَّيْل فِي النَّهَار﴾ (الْحَج: ١٦٢، لُقْمَان: ٩٢، فاطر: ٣١٢، الْحَدِيد: ٦) . وَفَسرهُ بقوله: يكور، وَقَالَ بَعضهم: يكور كَذَا، يَعْنِي بالراء فِي رِوَايَة أبي ذَر وَرَأَيْت فِي رِوَايَة ابْن شبويه: يكون، بنُون وَهُوَ الْأَشْبَه. قلت: الْأَشْبَه بالراء لِأَن معنى يكور يلف النَّهَار فِي اللَّيْل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يولج أَي ينقص من اللَّيْل فيزيد فِي النَّهَار، وَكَذَلِكَ النَّهَار، وروى عبد بن حميد من طَرِيق مُجَاهِد قَالَ: مَا نقص من أَحدهمَا دخل فِي الآخر يتقاصان ذَلِك فِي السَّاعَات.
ولِيجَةً كلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى لفظ: وليجة، الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . وَقد فسر وليجة بقوله: (كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء) . قَوْله: ﴿أَن تتركوا﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . أَي: أم حسبتم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ أَن نترككم مهملين وَلَا نختبركم بِأُمُور يظْهر فِيهَا أهل الْعَزْم والصدق من الْكَاذِب؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلما يعلم الله﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . إِلَى قَوْله: ﴿وليجة﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . أَي: بطانة ودخيلة، بل هم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن على النصح لله وَلِرَسُولِهِ، فَاكْتفى بِأحد الْقسمَيْنِ عَن الآخر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الوليجة الْخِيَانَة، وَقيل: الخديعة، وَقيل: البطانة من غير الْمُسلمين وَهُوَ أَن يتَّخذ الرجل من الْمُسلمين دخيلاً من الْمُشْركين يفشون إِلَيْهِم أسرارهم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء لَيْسَ مِنْهُ فَإِنَّهُ وليجة.
٩٩١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأِبِيَّ ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ أتَدْرِي
стр. 4447
أيْنَ تَذْهَبُ قُلْتُ الله ورسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ فإنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأذِنَ فَيُؤذَنُ لَهَا ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وتَسْتَأذِنَ فَلَا يُؤذَنُ لَهَا يُقالُ لَها ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمُسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ (ي س: ٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ من جملَة صِفَات الشَّمْس الَّتِي تعرض عَلَيْهَا، وَزعم بَعضهم أَن وَجه الْمُطَابقَة هُوَ سير الشَّمْس فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، وَلَيْسَ ذَلِك بِوَجْه، وَالدَّلِيل على وَجه مَا قُلْنَا أَن فِي بعض النّسخ ذكر هَذَا: بَاب صفة الشَّمْس، ثمَّ ذكر الحَدِيث الْمَذْكُور، والألفاظ الَّتِي ذكرهَا من قَوْله: قَالَ مُجَاهِد: كحسبان الرَّحَى، إِلَى هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بموجودة فِي بعض النّسخ.
وَرِجَال هَذَا الحَدِيث كلهم مضوا عَن قريب، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد من الزِّيَادَة ابْن شريك ابْن طَارق التَّيْمِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ يروي عَن أبي ذَر واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة، وَقد اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَافا كثيرا أشهرها مَا ذَكرْنَاهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن الْحميدِي وَعَن أبي نعيم وَفِي التَّوْحِيد عَن عَيَّاش عَن يحيى بن جَعْفَر. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأبي سعيد الْأَشَج عَن إِسْحَاق وَيحيى بن أَيُّوب وَعَن عبد الحميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُرُوف عَن عُثْمَان والقواريري. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن وَفِي التَّفْسِير عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَتَدْرِي؟) الْغَرَض من هَذَا الِاسْتِفْهَام إِعْلَامه بذلك. قَوْله: (حَتَّى تسْجد تَحت الْعَرْش) ، فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالسُّجُود إِذْ لَا جبهة لَهَا، والانقياد حَاصِل دَائِما؟ قلت: الْغَرَض تشبيهها بالساجد عِنْد الْغُرُوب. فَإِن قلت: يرى أَنَّهَا تغيب فِي الأَرْض، وَقد أخبر الله تَعَالَى أَنَّهَا تغرب فِي عين حمئة، فَأَيْنَ هِيَ من الْعَرْش؟ قلت: الأرضون السَّبع فِي ضرب الْمِثَال كقطب الرَّحَى، وَالْعرش لعظم ذَاته كالرحى، فأينما سجدت الشَّمْس سجدت تَحت الْعَرْش، وَذَلِكَ مستقرها. فَإِن قلت: أَصْحَاب الْهَيْئَة قَالُوا: الشَّمْس مرصعة فِي الْفلك فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن الَّذِي يسير هُوَ الْفلك، وَظَاهر الحَدِيث أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تسير وتجري؟ قلت: أما أَولا فَلَا اعْتِبَار لقَوْل أهل الْهَيْئَة عِنْد مصادمة كَلَام الرَّسُول، ﷺ ، وَكَلَام الرَّسُول، ﷺ ، هُوَ الْحق لَا مرية فِيهِ، وَكَلَامهم حدس وتخمين، وَلَا مَانع فِي قدرَة الله تَعَالَى أَن تخرج الشَّمْس من مجْراهَا وَتذهب إِلَى تَحت الْعَرْش فتسجد ثمَّ ترجع. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وكل فِي فلك يسبحون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٣، ي س: ٠٤) . أَي: يدورون. قلت: دوران الشَّمْس فِي فلكها لَا يسْتَلْزم منع سجودها فِي أَي مَوضِع أَرَادَهُ الله تَعَالَى، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالسُّجُود من هُوَ مُوكل بهَا من الْمَلَائِكَة. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال غير ناشىء عَن دَلِيل فَلَا يعْتَبر بِهِ، وَهُوَ أَيْضا مُخَالف لظَاهِر الحَدِيث، وعدول عَن حَقِيقَته، وَقيل: المُرَاد من قَوْله: تَحت الْعَرْش، أَي: تَحت الْقَهْر وَالسُّلْطَان. قلت: لماذا الهروب من ظَاهر الْكَلَام وَحَقِيقَته؟ على أَنا نقُول: السَّمَوَات والأرضون وَغَيرهمَا من جَمِيع الْعَالم تَحت الْعَرْش، فَإِذا سجدت الشَّمْس فِي أَي مَوضِع قدره الله تَعَالَى يَصح أَن يُقَال: سجدت تَحت الْعَرْش، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَقد أنكر قوم سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. قلت: هَؤُلَاءِ قوم من الْمَلَاحِدَة لأَنهم أَنْكَرُوا مَا أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ وَثَبت عَنهُ بِوَجْه صَحِيح: وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَن يسْجد لَهُ. قَوْله: (فَتَسْتَأْذِن) ، يدل على أَنَّهَا تعقل، وَكَذَلِكَ قَوْله: (تسْجد) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فيمَ تستأذن؟ قلت: الظَّاهِر أَنه فِي الطُّلُوع من الْمشرق، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. انْتهى. قلت: لَا حَاجَة إِلَى الْقَيْد بقوله: الظَّاهِر، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن استئذانها هَذَا لأجل الطُّلُوع من الْمشرق على عَادَتهَا، فَيُؤذن لَهَا، ثمَّ إِذا قرب يَوْم الْقِيَامَة تستأذن فِي ذَلِك فَلَا يُؤذن لَهَا كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (ويوشك أَن تسْجد) لفظ: يُوشك، من أَفعَال المقاربة، وَهِي على أَنْوَاع: مِنْهَا مَا وضع للدلالة على قرب الْخَبَر، وَهُوَ ثَلَاثَة: كَاد وكرب وأوشك، كَمَا عرف
стр. 4448
فِي مَوْضِعه، فعلى هَذَا معنى: ويوشك أَن تسْجد، وَيقرب أَن تسْجد، وَقد علم أَن أَفعَال المقاربة مُلَازمَة لصيغة الْمَاضِي إلَاّ أَرْبَعَة أَلْفَاظ، فَاسْتعْمل لَهَا مضارع مِنْهَا: أوشك. قَوْله: (فَلَا يقبل مِنْهَا) يَعْنِي: لَا يُؤذن لَهَا حَتَّى تسْجد. قَوْله: (وتستأذن فَلَا يُؤذن لَهَا) ، يَعْنِي: تستأذن بالسير إِلَى مطْلعهَا فَلَا يُؤذن لَهَا. فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ (ي س: ٣٤) . أَشَارَ بقوله، فَذَلِك إِلَى مَا تضمن قَوْله: فَإِنَّهَا تذْهب إِلَى آخِره. قَوْله: (لمستقر لَهَا) يَعْنِي: إِلَى مُسْتَقر لَهَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يبلغ مستقرها حَتَّى ترجع إِلَى منازلها. قَالَ قَتَادَة: إِلَى وَقت وَأجل لَهَا لَا تعدوه، وَقيل: إِلَى انْتِهَاء أمرهَا عِنْد انْقِضَاء الدُّنْيَا، وَقيل: إِلَى أبعد منازلها فِي الْغُرُوب، وَقيل: لحد لَهَا من مسيرها كل يَوْم فِي مرأى عيوننا وَهُوَ الْمغرب، وَقيل: مستقرها أجلهَا الَّذِي أقرّ الله عَلَيْهِ أمرهَا فِي جريها فاستقرت عَلَيْهِ، وَهُوَ آخر السّنة. وَعَن ابْن عَبَّاس: إِنَّه قَرَأَ ﴿لَا مُسْتَقر لَهَا﴾ وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود، أَي: لَا قَرَار لَهَا فَهِيَ جَارِيَة أبدا ﴿ذَلِك﴾ (يس: ٣٤) . الجري على ذَلِك التَّقْدِير والحساب الدَّقِيق الَّذِي يكلُّ الفطن عَن استخراجه وتتحير الأفهام فِي استنباط مَا هُوَ إلَاّ ﴿تَقْدِير الْعَزِيز﴾ (ي س: ٣٤) . الْغَالِب بقدرته على كل مَقْدُور ﴿الْعَلِيم﴾ (ي س: ٣٤) . الْمُحِيط علما بِكُل مَعْلُوم، فَإِن قلت: روى مُسلم عَن أبي ذَر قَالَ: سَأَلت رَسُول الله، ﷺ عَن قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ (ي س: ٣٤) . قَالَ: مستقرها تَحت الْعَرْش. قلت: لَا يُنكر أَن يكون لَهَا اسْتِقْرَار تَحت الْعَرْش من حَيْثُ لَا ندركه وَلَا نشاهده، وَإِنَّمَا أخبر عَن غيب فَلَا نكذبه وَلَا نكيفه إِن علمنَا لَا يُحِيط بِهِ.
٠٠٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ الْمُخْتَارِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله الدَّانَاجُ قَالَ حدَّثني أَبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الشَّمْسُ والقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن تكور الشَّمْس وَالْقَمَر من صفاتهما. وَعبد الله هُوَ ابْن فَيْرُوز الداناج، بِالدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَفِي آخِره جِيم، وَيُقَال: بِدُونِ الْجِيم أَيْضا، وَهُوَ مُعرب، وَمَعْنَاهُ: الْعَالم وَهُوَ بَصرِي.
قَوْله: (مكوران) أَي: مطويان ذَاهِبًا الضَّوْء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي: يلفان ويجمعان، وَفِي رِوَايَة كَعْب الْأَحْبَار: يجاء بالشمس وَالْقَمَر ثورين يكوران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة، أَي: يلفان ويلقيان فِي النَّار، وَالرِّوَايَة: ثورين، بالثاء الْمُثَلَّثَة كَأَنَّهُمَا يمسخان، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد رُوِيَ بالنُّون وَهُوَ تَصْحِيف، وَقَالَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: تَكْذِيب كَعْب فِي قَوْله: هَذِه يَهُودِيَّة يُرِيد إدخالها فِي الْإِسْلَام، الله أكْرم وَأجل من أَن يعذب على طَاعَته، ألم تَرَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وسخر لكم الشَّمْس وَالْقَمَر دائبين﴾ (إِبْرَاهِيم: ٣٣) . يَعْنِي: دوامهما فِي طَاعَته، فَكيف يعذب عَبْدَيْنِ اثنى الله عَلَيْهِمَا؟ انْتهى.
قلت: قد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس أَيْضا مثل مَا رُوِيَ عَن كَعْب. أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فقد قَالَ الْخطابِيّ: وَرُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة لم يذكرهَا أَبُو عبد الله وَهِي مَا حَدثنَا ابْن الْأَعرَابِي حَدثنَا عَبَّاس الدوري حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الْعَزِيز الْمُخْتَار عَن عبد الله الداناج: شهِدت أَبَا سَلمَة، حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، ﷺ ، أَنه قَالَ: (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران يكوران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة) . قَالَ الْحسن: وَمَا ذنبهما؟ قَالَ أَبُو سَلمَة: أَنا أحَدثك عَن رَسُول الله، ﷺ وَأَنت تَقول مَا ذنبهما؟ فَسكت الْحسن. وَأما مَا رُوِيَ عَن أنس فقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) : عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس مَرْفُوعا: (أَن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران عقيران فِي النَّار) . وَذكره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي بعض نسخ (أَطْرَافه) موهماً أَن ذَلِك فِي الصَّحِيح، وَذكر ابْن وهب فِي (كتاب الْأَمْوَال) : عَن عَطاء بن يسَار أَنه تَلا هَذِه الْآيَة: وَجمع ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ (إِبْرَاهِيم: ٣٣) . قَالَ: يجمعان يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يقذفان فِي النَّار فيكونان فِي نَار الله الْكُبْرَى، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَيْسَ المُرَاد بكونهما فِي النَّار، تعذيبهما بذلك، وَلكنه تبكيت لمن لَكَانَ يعبدهما فِي الدُّنْيَا ليعلموا أَن عِبَادَتهم لَهما كَانَت بَاطِلَة. وَقيل: إنَّهُمَا خلقا من النَّار فأعيدا فِيهَا، وَيرد هَذَا القَوْل مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (تكلم رَبنَا بكلمتين صير إِحْدَاهمَا شمساً وَالْأُخْرَى قمراً وَكِلَاهُمَا من النُّور ويعادان يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْجنَّة) . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا يلْزم من جَعلهمَا فِي النَّار تعذيبهما، فَإِن الله فِي النَّار مَلَائِكَة وَغَيرهَا لتَكون لأهل النَّار عذَابا وَآلَة من آلَات الْعَذَاب.
стр. 4449
١٠٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرَني عَمْرٌ وأنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ القاسِمِ قَالَ حدَّثَهُ عنْ أبِيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْكُسُوف الَّذِي يعرض للشمس والخسوف الَّذِي يعرض للقمر من صفاتهما.
وَيحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر وَمَات بهَا سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أصبغ عَن ابْن وهب إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فصلوا) أَي: صَلَاة الْكُسُوف.
٢٠٢٣ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَسارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عِبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رأيْتُمْ ذَلِكَ فاذْكُرُوا الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. والْحَدِيث مضى بأتم وأطول مِنْهُ فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك ... إِلَى آخِره.
٣٠٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ قامَ فَكَبَّرَ وقرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ ركُوعَاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ رأسَهُ فَقَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ وقامَ كَمَا هُوَ فقَرَأ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وهِيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأولى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وهْوَ أدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأولى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودَاً طَوِيلاً ثُمَّ فعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سلَّمَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب هَل يَقُول: كسفت الشَّمْس أَو خسفت؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره نَحوه. قَوْله: (فافزعوا) أَي: التجئوا إِلَى الصَّلَاة وَذكر الله.
٤٠٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قَيْسٌ عنْ أبِي مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الشَّمْسُ والقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله فإذَا رَأيْتُمُوهُما فَصَلُّوا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي، وَقيس بن أبي حَازِم واسْمه: عَوْف الأحمسي البَجلِيّ، وَأَبُو مَسْعُود اسْمه: عقبَة بن عَمْرو البدري. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا ابْن مَسْعُود، أَي: عبد الله، وَهَذَا وَإِن كَانَ صَحِيحا من جِهَة أَن قيس بن أبي حَازِم بالزاي يروي عَنهُ أَيْضا، لَكِن الرِّوَايَات
стр. 4450
متعاضدة، على أَن الحَدِيث فِي مسانيد عقبَة لَا عبد الله. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب لَا ينكسف الشَّمْس لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَالله أعلم.
٥ - (بابُ مَا جاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وهْوَ الَّذي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٥) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ ... إِلَى آخِره.
قاصِفاً تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ: قاصفاً، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيُرْسل عَلَيْكُم قاصفاً من الرّيح﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٦) . وَفَسرهُ بقوله: تقصف كل شَيْء، يَعْنِي تَأتي عَلَيْهِ. . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ الَّتِي تقصف كل شَيْء أَي: تحطم، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن جريج، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: القاصف الَّتِي تفرق، هَكَذَا رَوَاهُ مُنْقَطِعًا، لِأَن ابْن جريج لم يدْرك ابْن عَبَّاس.
لَوَاقِحَ مَلَاقِحَ مُلْقِحَة
أَشَارَ بِهِ إِلَى لفظ: لَوَاقِح، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾ (الْحَج: ٢٢) . وَفسّر اللواقح بالملاقح جمع ملقحة، وَهُوَ من النَّوَادِر، يُقَال: إلقح الْفَحْل النَّاقة وَالرِّيح السَّحَاب ورياح لَوَاقِح، وَقَالَ ابْن السّكيت: اللواقح الْحَوَامِل. وَعَن أبي عُبَيْدَة: الملاقح جمع ملقحة وملقح، مثل مَا قَالَ البُخَارِيّ، وَأنْكرهُ غَيره، فَقَالَ: جمع لاقحة ولاقح على النّسَب، أَي: ذَات اللقَاح، وَالْعرب تَقول للجنوب: لاقح وحامل، وللشمال حَائِل وعقيم. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَوَاقِح تحمل الرّيح المَاء فتلقح السَّحَاب وتمر بِهِ فيدر كَمَا تدر اللقحة ثمَّ يمطر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: تلقح الرِّيَاح وَالشَّجر والسحاب وتمر بِهِ، وَقَالَ عبد الله بن عمر: الرِّيَاح ثَمَانِيَة: أَربع عَذَاب وَأَرْبع رَحْمَة، فالرحمة: الناشرات والذاريات والمرسلات والمبشرات، وَأما الْعَذَاب: فالعاصف والقاصف، وهما فِي الْبَحْر والصرصر والعقيم، وهما فِي الْبر.
إعْصَارٌ ريحٌ عاصفٌ تَهُبُّ مِنَ الأرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كعَمُودٍ فيهِ نَارٌ
أشارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير لفظ: إعصار، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأصابها إعصار فِيهِ نَار﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . وَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ الرّيح الشَّدِيدَة، وَقيل: ريح عاصف فِيهَا سموم، وَقيل: هِيَ الَّتِي يسميها النَّاس الزوبعة، وَعَن الضَّحَّاك: الإعصار ريح فِيهَا برد شَدِيد، وَالَّذِي قَالَه البُخَارِيّ أظهر لقَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ نَار﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦٢) . وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة.
صِرٌّ بَرْدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ: صر، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ريح فِيهَا صر﴾ (آل عمرَان: ٧١١) . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الصر شدَّة الْبرد.
نُشُراً مُتَفَرِّقَةً
فسر: نشراً، الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح نشراً بَين يَدي رَحمته﴾ (آل عمرَان: ١١) . الَّذِي وَصفه برحمة بقوله: مُتَفَرِّقَة، وَهُوَ جمع نشور، وَعَن عَاصِم، كَأَنَّهُ جمع نشر، وَعَن مُحَمَّد الْيَمَانِيّ: هُوَ الْمَطَر.
٥٠٢٣ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ نُصِرْتُ بالصَّبَا وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يتَضَمَّن ريح الرَّحْمَة. والحَكَم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة، والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء فِي: بَاب قَول النبيَّ ﷺ : نصرت بالصبا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسلم عَن شُعْبَة إِلَى آخِره.
следующие страницы →