← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

إِسْمَاعِيل بَين ولدانهم، أَي ولدان جرهم. قَوْله: (وَتعلم الْعَرَبيَّة مِنْهُم) أَي: من جرهم، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه تَضْعِيف لقَوْل من روى: أَنه أول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ، وَقع ذَلِك عِنْد الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (أول من نطق بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيل) . قلت: لَيْسَ فِيهِ تَضْعِيف ذَلِك لِأَن الْمَعْنى: أول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ من أَوْلَاد إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَن إِبْرَاهِيم وَأَهله كلهم لم يَكُونُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ فالأولية أَمر نسبي، فبالنسبة إِلَيْهِم هُوَ أول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جرهم. قَوْله: (وأنفسهم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أنفسهم، بِلَفْظ الْمَاضِي أَي: رغبهم فِيهِ وَفِي مصاهرته، يُقَال: أنفسني فلَان فِي كَذَا، أَي: رغبني فِيهِ (وأعجبهم) أَي: أعجبهم فِي نفاسته، وَقَالَ بَعضهم: أنفسهم، بِفَتْح الْفَاء بِلَفْظ أفعل التَّفْضِيل: من النفاسة أَي: كثرت رغبتهم فِيهِ انْتهى. قلت: قَوْله: أفعل التَّفْضِيل، غلط وَمَا هُوَ إلَاّ فعل ماضٍ من الإنفاس، وَالْفَاعِل فِيهِ: إِسْمَاعِيل، وَهُوَ عطف على: تعلم. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (النِّهَايَة) : وَحَدِيث إِسْمَاعِيل، ﵊، أَنه تعلم الْعَرَبيَّة وأنفسهم أَي: رغبهم وأعجبهم وَصَارَ عِنْدهم نفيساً، يُقَال: أنفسني فِي كَذَا: أَي: رغبني فِيهِ. قَوْله: (زوجوه إمرأة مِنْهُم) ، قَالَ السُّهيْلي: اسْمهَا جداء بنت سعد. وَعَن إِبْنِ إِسْحَاق: أَن اسْمهَا عمَارَة بنت سعد بن أُسَامَة، وَفِي حَدِيث أبي جهم: أَنَّهَا بنت صدي، وَلم يسمهَا، وَقَالَ عمر بن شبة: اسْمهَا حَيَّة بنت أسعد بن عملق، وَعَن ابْن إِسْحَاق: أَن إِسْمَاعِيل خطبهَا إِلَى أَبِيهَا فَزَوجهَا مِنْهُ. قَوْله: (وَمَاتَتْ أم إِسْمَاعِيل) يَعْنِي: فِي خلال ذَلِك، وَفِي رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب: فَقدم إِبْرَاهِيم وَقد مَاتَت هَاجر، ﵍، وَكَانَ عمرها تسعين سنة، فدفنها إِسْمَاعِيل، ﵊، فِي الْحجر. قَوْله: (يطالع تركته) ، بِكَسْر الرَّاء أَي: يتفقد حَال مَا تَركه هُنَاكَ، والتركة، بِكَسْر الرَّاء وسكونها: بِمَعْنى المتروكة، وَالْمرَاد بهَا أَهله، والمطالعة النّظر فِي الْأُمُور، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا يشْعر بِأَن الذَّبِيح إِسْحَاق، لِأَن الْمَأْمُور بذَبْحه كَانَ عِنْدَمَا بلغ السَّعْي، وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: إِن إِبْرَاهِيم تَركه رضيعاً وَعَاد إِلَيْهِ وَهُوَ متزوج، فَلَو كَانَ هُوَ الْمَأْمُور بذَبْحه لذكر فِي الحَدِيث أَنه عَاد إِلَيْهِ فِي خلال ذَلِك بَين زمَان الرَّضَاع وَالتَّزْوِيج، وَأجَاب الْكرْمَانِي: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نفي مَجِيئه مرّة أُخْرَى قبل مَوتهَا وتزوجه. قلت: بل لَيْسَ فِيهِ نفي الْمَجِيء أصلا، بل فِيهِ الْمَجِيء مَرَّات، فَإِنَّهُ جَاءَ فيخبر أبي جهم: كَانَ إِبْرَاهِيم، ﵊، يزور هَاجر كل شهر على الْبراق، يَغْدُو غدْوَة فَيَأْتِي مَكَّة ثمَّ يرجع فيقيل فِي منزله بِالشَّام. قَوْله: (خرج يَبْتَغِي لنا) ، أَي: يطْلب لنا الرزق، وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: وَكَانَ عَيْش إِسْمَاعِيل الصَّيْد، يخرج فيتصيد، وَفِي حَدِيث أبي جهم: وَلَكِن إِسْمَاعِيل يرْعَى مَاشِيَة وَيخرج متنكباً قوسه فَيَرْمِي الصَّيْد. قَوْله: (ثمَّ سَأَلَهَا عَن عيشهم) ، وَزَاد فِي رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب، وَقَالَ: هَل عنْدك من ضِيَافَة؟ قَوْله: (فَقَالَت: نَحن فِي ضيق وَشدَّة) ، وَفِي حَدِيث أبي جهم: فَقَالَ لَهَا: هَل من منزل؟ فَقَالَت: لَاها الله إِذا. قَالَ: فَكيف عيشكم؟ قَالَ: فَذكرت جهداً، فَقَالَت: أما الطَّعَام فَلَا طَعَام، وَأما الشَّاء فَلَا نحلب إلَاّ الْمصر، أَي: الشخب، وَأما المَاء فعلى مَا ترى من الغلظ. الشخب: بِفَتْح الشين وَسُكُون الْخَاء المعجمتين وبباء مُوَحدَة: السيلان. قَوْله: (يُغير عتبَة بَابه) ، العتبة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة من فَوق وَالْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي أُسْكُفَّة الْبَاب، وَهِي هَهُنَا كِنَايَة عَن الْمَرْأَة. قَوْله: (جَاءَنَا شيخ كَذَا وَكَذَا) ، وَفِي رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب: كالمستخف بِشَأْنِهِ. قَوْله: (فسألنا عَنْك) ، بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (ذَاك أبي) أَي: ذَاك الَّذِي هُوَ أبي إِبْرَاهِيم. قَوْله: (وَتزَوج مِنْهُم أُخْرَى) ، أَي: تزوج من جرهم امْرَأَة أُخْرَى، ذكر الْوَاقِدِيّ: أَن اسْمهَا سامة بنت مهلهل، وَقيل: اسْمهَا عَاتِكَة، وَقيل: بشامة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبشين مُعْجمَة خَفِيفَة: بنت مهلهل بن سعد بن عَوْف، وَقيل: اسْمهَا نجدة بنت الْحَارِث بن مضاض، وَحكى ابْن سعد عَن إِبْنِ إِسْحَاق: أَن اسْمهَا رعلة بنت يشجب بن يعرب بن يوذان بن جرهم، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ: أَن اسْمهَا سيدة بنت مضاض، وَقَالَ الجواني: اسْمهَا هَالة بنت الْحَارِث بن مضاض، وَيُقَال: سلمى، وَيُقَال: الحنفاء. قَوْله: (نَحن بِخَير وسعة) ، وَفِي حَدِيث أبي جهم: نَحن فِي خير عَيْش بِحَمْد الله، وَنحن فِي لبن كثير وَلحم كثير وَمَاء طيب. قَوْله: (أللهم بَارك لَهُم فِي اللَّحْم وَالْمَاء) . وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن نَافِع: أللهم بَارك لَهُم فِي طعامهم وشرابهم. قَوْله: (فهما لَا يخلوان عَلَيْهِمَا) أَي: فاللحم وَالْمَاء لَا يعْتَمد عَلَيْهِمَا أحد بِغَيْر مَكَّة إلَاّ لم يوافقاه، وَالْغَرَض: أَن المداومة على اللَّحْم وَالْمَاء لَا يُوَافق الأمزجة وينحرف المزاج عَنْهُمَا إلَاّ فِي مَكَّة فَإِنَّهُمَا يوافقانه، وَهَذَا من جملَة بركاتها وَأثر دُعَاء إِبْرَاهِيم، ﵊، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا يخلوان، بِصِيغَة التَّثْنِيَة، يُقَال: خلوت بالشَّيْء وأختليت: إِذا لم تخلط بِهِ غَيره، وَيُقَال: أخلى الرجل

стр. 4587

اللَّبن إِذا غَيره، وَفِي حَدِيث أبي جهم: لَيْسَ أحد يَخْلُو على اللَّحْم وَالْمَاء بِغَيْر مَكَّة إلَاّ اشْتَكَى بَطْنه. قَوْله: (هَل أَتَاكُم من أحد؟) وَفِي رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب: فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل وجد ريح أَبِيه، فَقَالَ لامْرَأَته: هَل جَاءَك أحد؟ قَالَت: نعم شيخ أحسن النَّاس وَجها وَأطيب ريحًا. قَوْله: (أَن تثبت عتبَة بابك) وَفِي حَدِيث أبي جهم: فَإِنَّهَا فلاح الْمنزل. قَوْله: (أَن أمسكك) زَاد فِي حَدِيث أبي جهم: وَلَقَد كنت عَليّ كَرِيمَة، وَلَقَد ازددت عَليّ كَرَامَة، فَولدت لإسماعيل عشرَة ذُكُور، قلت: ولدت اثْنَي عشر رجلا، وهم: نابت وقيدار وإذميل وميشى ومسمع وذوما وماش وآزر وفطور ونافش وظميا وقيدما، وَكَانَت لَهُ ابْنة تسمى: نسمَة. قَوْله: (يبري) ، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة (والنبل) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: السهْم، قبل أَن يركب فِيهِ نصله وريشه، وَهُوَ السهْم الْعَرَبِيّ. قَوْله: (دوحة) ، وَهِي الَّتِي نزل إِسْمَاعِيل وَأمه تحتهَا أول قدومهما، وَوَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن نَافِع، من رواء زَمْزَم. قَوْله: (كَمَا يصنع الْوَالِد بِالْوَلَدِ وَالْولد بالوالد) ، يَعْنِي من الاعتناق والمصافحة وتقبيل الْيَد. قَوْله: (إِن الله أَمرنِي بِأَمْر) قيل: كَانَ عمر إِبْرَاهِيم فِي ذَلِك الْوَقْت مائَة سنة، وَعمر إِسْمَاعِيل ثَلَاثِينَ سنة. قَوْله: (وتعينني؟) قَالَ: وأعينك. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فأعينك، بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن نَافِع: إِن الله قد أَمرنِي أَن تعينني عَلَيْهِ، قَالَ: إِذن إفعل. بِالنّصب. قَوْله: (أكمة) بفتحين، وَهِي: الرابية. قَوْله: (على مَا حولهَا) ، يتَعَلَّق بقوله: ابْني. قَوْله: (رفعا الْقَوَاعِد) جمع قَاعِدَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس: الْقَوَاعِد الَّتِي رَفعهَا إِبْرَاهِيم كَانَت قَوَاعِد الْبَيْت قبل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة مُجَاهِد عِنْد ابْن أبي حَاتِم: أَن الْقَوَاعِد كَانَت فِي الأَرْض السَّابِعَة، وَفِي حَدِيث أبي جهم: فَبلغ إِبْرَاهِيم من الأساس أس آدم، ﵊، وَجعل طوله فِي السَّمَاء تِسْعَة أَذْرع وَعرضه فِي الأَرْض، يَعْنِي: دوره ثَلَاثِينَ ذِرَاعا، كَانَ ذَلِك بذراعهم، زَاد أَبُو جهم: وَأدْخل الْحجر فِي الْبَيْت، وَكَانَ قبل ذَلِك زرباً لغنم إِسْمَاعِيل، وَإِنَّمَا بناه بحجارة بَعْضهَا على بعض وَلم يَجْعَل لَهُ سقفاً، وَجعل لَهُ بَابا وحفر لَهُ بِئْرا عِنْد بَابه خزانَة للبيت يلقِي فِيهَا مَا يهدى للبيت، وَفِي حَدِيثه أَيْضا: أَن الله أوحى إِلَى إِبْرَاهِيم أَن اتبع السكينَة، فحلقت على مَوضِع الْبَيْت كَأَنَّهَا سَحَابَة فحفراه: يُرِيد أَن أساس آدم الأول. وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا هناد بن السّري حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن سماك عَن خَالِد بن عرْعرة: أَن رجلا قَامَ إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: أَلا تُخبرنِي عَن الْبَيْت أهوَ أول بَيت وضع فِي الأَرْض؟ فَقَالَ: لَا، وَلكنه أول بَيت وضع للبركة مقَام إِبْرَاهِيم، وَمن دخله كَانَ آمنا، وَإِن شِئْت أَنْبَأتك كَيفَ بني: إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَى إِبْرَاهِيم أَن ابنِ لي بَيْتا فِي الأَرْض. قَالَ: فَضَاقَ إِبْرَاهِيم بذلك ذرعاً، فَأرْسل الله السكينَة، وَهِي ريح خجوج وَلها رأسان، فَاتبع أَحدهمَا صَاحبه حَتَّى انْتَهَت إِلَى مَكَّة فتطوت على مَوضِع الْبَيْت كطي الْجحْفَة، وَأمر إِبْرَاهِيم، ﵊، أَن يَبْنِي حَيْثُ تَسْتَقِر السكينَة، فَبنى إِبْرَاهِيم وَبَقِي حجر، فَقَالَ إِبْرَاهِيم لإسماعيل: إئتني حجرا كَمَا أَمرك الله. قَالَ: فَانْطَلق الْغُلَام يلْتَمس لَهُ حجرا، فَأَتَاهُ بِهِ فَوَجَدَهُ قد ركب الْحجر الْأسود فِي مَكَانَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَت، من أَتَاك بِهَذَا الْحجر؟ قَالَ: أَتَانِي بِهِ من لَا يتكل على بنائك، جَاءَ بِهِ جِبْرِيل، ﵊، من السَّمَاء فأتماه. وَفِي رِوَايَة السّديّ: لما بنيا الْقَوَاعِد فبلغا مَكَان الرُّكْن، قَالَ إِبْرَاهِيم لإسماعيل: يَا بني أطلب لي حجرا حسنا أَضَعهُ هَهُنَا. قَالَ: يَا أبتِ إِنِّي كسلان. قَالَ: عَليّ ذَلِك، فَانْطَلق يطْلب لَهُ حجرا،، وَجَاء جِبْرِيل بِالْحجرِ الْأسود من الْهِنْد، وَكَانَ أَبيض ياقوتة بَيْضَاء مثل الثغامة، وَكَانَ آدم، ﵊، هَبَط بِهِ من الْجنَّة فاسودَّ من خَطَايَا النَّاس، فَجَاءَهُ إِسْمَاعِيل بِحجر فَوَجَدَهُ عِنْد الرُّكْن، فَقَالَ: يَا أَبَت! من جَاءَك بِهَذَا؟ قَالَ: جَاءَ بِهِ من هُوَ أنشط مِنْك، فَبَيْنَمَا هما يدعوان الْكَلِمَات الَّتِي ابْتُلِيَ إِبْرَاهِيم ربه فَقَالَ: ﴿رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٢١) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا عَمْرو بن رَافع حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن مُعَاوِيَة عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد عَن عليان ابْن أَحْمَر: أَن ذَا القرنين قدم مَكَّة فَوجدَ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل بنيا قَوَاعِد الْبَيْت من خَمْسَة أجبل، فَقَالَ: مَا لَكمَا ولأرضي؟ فَقَالَا: نَحن عَبْدَانِ مأموران، أمرنَا بِبِنَاء هَذِه الْكَعْبَة، قَالَ: فهاتا الْبَيِّنَة على مَا تدعيان، فَقَامَتْ خَمْسَة أكبش، فَقُلْنَ: نَحن نشْهد أَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَبْدَانِ مأموران، أمرا بِبِنَاء هَذِه الْكَعْبَة، فَقَالَ: قد رضيت وسلمت، ثمَّ مضى. وَذكر الْأَزْرَقِيّ فِي (تَارِيخ مَكَّة) : أَن ذَا القرنين طَاف مَعَ إِبْرَاهِيم بِالْبَيْتِ. قلت: ريح خجوج أَي: شَدِيدَة الْمُرُور فِي غير اسْتِوَاء. قَوْله: (فتطوت) ، وَفِي رِوَايَة: (فتطوقت) . قَوْله: (مثل الثغامة) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة والغين الْمُعْجَمَة، وَهِي طير أَبيض كَبِير. قَوْله: (من خَمْسَة

стр. 4588

أجبل) ، وَعند ابْن أبي حَاتِم: بناه من خَمْسَة أجبل: حراء وثبير ولبنان وجبل الطّور وجبل الْخمر، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: جبل الْخمر يَعْنِي: بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة هُوَ: جبل بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن ابْن جريج عَن عَطاء: أَن آدم بناه من خَمْسَة أجبل: حراء وطور زيتا وطور سينا والجودي ولبنان، وَكَانَ ربضه من حراء، وَمن طَرِيق مُحَمَّد بن طَلْحَة اليتهمي: قَالَ: سَمِعت أَنه أسس الْبَيْت من سِتَّة أجبل: من أبي قبيس وَمن الطّور وَمن قدس وَمن ورقان وَمن رضوى وَمن أحد. قلت: حراء، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَالْمدّ وَهُوَ جبل من جبال مَكَّة مَعْرُوف، وثبير، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة جبل من جبال مَكَّة، و: لبنان، بِضَم اللَاّم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: جبل بِالشَّام من أعظم الْجبَال وَأَصله ممتد من الْحجاز إِلَى الرّوم، و: جبل الطّور، على مسيرَة سَبْعَة أَيَّام من مصر وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي كلم الله تَعَالَى مُوسَى، ﵊، عَلَيْهِ. و: طور زينا: جبل بالقدس، و: الجودي، جبل مطل على جَزِيرَة ابْن عمر على دجلة فَوق الْموصل، و: طور سينا، اخْتلف فِيهِ، فَقيل: هُوَ جبل بِقرب أَيْلَة، وَقيل: هُوَ جبل بِالشَّام، و: قدس، بِفَتْح الْقَاف إثنان: قدس الْأَبْيَض وَقدس الْأسود، وهما جبلان عِنْد ورقان، وورقان على وزن قطران: جبل أسود بَين العرج والرويثة على يَمِين الْمَار من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة. و: العرج، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره جِيم: قَرْيَة جَامِعَة من أَعمال الْفَرْع على أَيَّام من الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة. و: الرُّوَيْثَة، بِضَم الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: وَهِي قَرْيَة جَامِعَة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة سَبْعَة عشر فرسخاً، و: رضوى، من جبل تهَامَة بَينه وَبَين الْمَدِينَة سبع مراحل وَهُوَ من الينبع على يَوْم. قَوْله: (جَاءَ بِهَذَا الْحجر) ، أَرَادَ بِهِ الْحجر الْمَشْهُور بمقام إِبْرَاهِيم، ﵊، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن نَافِع: حَتَّى ارْتَفع الْبناء وَضعف الشَّيْخ عَن نقل الْحِجَارَة، فَقَامَ على حجر الْمقَام، وَزَاد فِي حَدِيث عُثْمَان: وَنزل عَلَيْهِ الرُّكْن وَالْمقَام، فَكَانَ إِبْرَاهِيم يقوم على الْمقَام يَبْنِي عَلَيْهِ وَيَرْفَعهُ لَهُ إِسْمَاعِيل، ﵇، فَلَمَّا بلغ الْموضع الَّذِي فِيهِ الرُّكْن وَضعه يَوْمئِذٍ مَوْضِعه، وَأخذ الْمقَام فَجعله لاصقاً بِالْبَيْتِ. قَوْله: (حَتَّى يدورا) ، من الدوران، ويروى: (حَتَّى يدورا) ، من التدوير. ٥٦٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا أَبُو عامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ ابنُ نَافِعٍ عنْ كَثِيرِ بنِ كَثير عَن سعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لَمَّا كانَ بَيْنَ إبْرَاهِيمَ وبَيْنَ أهْلِهِ مَا كانَ خَرَج بإسْمَاعِيلَ وأُمِّ إسْمَاعِيلَ ومَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيها مَاءٌ فجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنّةِ فَيَدِرُّ لَبَنُهَا علَى صَبِيِّهَا حَتَّى قَدِمَ مَكِّةَ فوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إبْرَاهِيمُ إِلَى أهْلِهِ فاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ حتَّى لَمَّا بَلَغُوا كدَاءً نادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ يَا إبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنا قَالَ إِلَى الله قالَتْ رَضِيتُ بِاللَّه قَالَ فرَجَعَتْ فجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ ويَدِرُّ لبَنُهَا علَى صَبِيِّهَا حتَّى لما فَنِي الماءُ قالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أحدا قَالَ فَذَهَبتْ فصَعِدَتِ الصَّفا فنَظَرَتْ ونَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أحَداً فلَمْ تُحِسُّ أحدَاً فلَمَّا بَلَغَتِ الوَادِي سَعَتْ وأتَتِ المَرْوَةَ فَفَعَلَتْ ذلِكَ أشْوَاطاً ثُمَّ قالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فنَظَرْتُ مَا فَعَلَ تَعْنِي الصَّبِيَّ فذَهَبَتْ فنَظَرَتْ فإذَا هُوَ عَلَى حالِهِ كأنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ فلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُها فقالَتْ لوْ ذَهَبْتُ فنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أحدَاً فذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فنَظَرَتْ ونَظَرَتْ فلَمْ تُحِسَّ أحَدَاً حتَّى أتَمَّتْ سبْعاً ثُمَّ قالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فنَظَرْتُ مَا فَعَلَ فإذَا هِيَ بِصَوْتٍ فَقالَتْ أغِثْ إنْ كانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فإذَا جِبْرِيلُ قَالَ فَقال بِعقِبِهِ هَكَذَا وغَمَزَ عَقِبَهُ علَى الأرْضِ قَالَ فانْبَثَقَ المَاءُ فدَهشَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ فَجَعَلَتْ تَحْفِرُ قَالَ فَقَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ لَوْ تَرَكَتْهُ كانَ المَاءُ ظِاهِرَاً قَالَ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ ويَدِرُّ لَبَنُهَا علَى صَبِيِّهَا

стр. 4589

قَالَ فَمَرَّ ناسٌ مِنْ جرهم بِبَطْنِ الوَادِي فإذَا هُمْ بِطَيْرٍ كأنَّهُمْ أنْكَرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إلَاّ علَى ماءٍ فبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فنَظَرَ فإذَا هُمْ بالمَاءِ فأتاهُمْ فأخْبَرَهُمْ فأتَوْا إلَيْهَا فَقَالُوا يَا أُمَّ إسْمَاعِيلَ أتأذَنِينَ لَنَا أنْ نَكُونَ مَعَكِ أوْ نَسْكُنَ مَعَكِ فبَلَغَ ابنُهَا فَنَكَحَ فِيهِمْ امْرَأةٍ قَالَ ثُمَّ إنَّهُ بدَا لإبْرَاهِيمَ ﷺ فَقَالَ لأهْلِهِ إنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي قَالَ فَجاءَ فسَلَّمَ فقالَ أيْنَ إسْمَاعِيلُ فقالَتِ امْرَأتُهُ ذَهَبَ يَصِيدُ قَالَ قُولِي لَهُ إذَا جاءَ غَيِّرْ عَتَبَةَ بابِكَ فلَمَّا جاءَ أخْبَرَتْهُ قَالَ أنْتِ ذَاكِ فاذْهَبِي إِلَى أهْلِكِ قَالَ ثُمَّ إنَّهُ بَدَا لإبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأِهْلِهِ إنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي قَالَ فَجاءَ فَقَالَ أيْنَ إسْمَاعِيلُ فقالَتِ امْرَأتُهُ ذَهَبَ يَصِيدُ فقالَتْ ألَا تَنْزِلُ فتَطْعَمَ وتَشْرَبَ فَقَالَ وَمَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ قالَتْ طَعَامُنا اللَّحْمُ وشَرَابُنَا الماءُ قالَ الَّلهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وشَرَابِهِمْ قَالَ فَقَالَ أبُو القَاسِمِ ﷺ برَكَةٌ بِدَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ ﷺ قَالَ ثُمَّ إنَّهُ بدَا لإبْرَاهِيمَ ﷺ فَقَالَ لأِهْلِهِ إنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي فَجاءَ فَوَافَقَ إسْمَاعِيلَ مِنْ ورَاءِ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلاً لَهُ فَقَالَ يَا إسْمَاعِيلُ إنَّ رَبَّكَ أمَرَنِي أنْ أبْنِيَ لَهُ بَيْتَاً قَالَ أطِعْ رَبَّكَ قَالَ إنَّهُ أمَرَنِي أنْ تُعِينَنِي علَيْهُ قَالَ إذَنْ أفْعَل أوْ كَمَا قَالَ قَالَ فقاما فجَعَلَ إبْرَاهِيمُ يَبْنِي وإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ ويَقُولَانِ رَبَّنَا تقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ قَالَ حتَّى ارْتَفَعَ البِنَاءُ وضَعُفَ الشَّيْخُ علَى نَقْلِ الحِجَارَةِ فقامَ علَى حَجَرِ المقَامِ فجَعَلَ يُناوِلُهُ الحِجَارَةَ ويَقُولانِ ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمَيعُ العَلِيمُ. . هَذَا طَرِيق ثَالِث لحَدِيث ابْن عَبَّاس، وَعبد الله بن مُحَمَّد البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَأَبُو عَامر هُوَ الْعَقدي، وَإِبْرَاهِيم بن نَافِع المَخْزُومِي الْمَكِّيّ. قَوْله: (وَبَين أَهله) ، يَعْنِي: سارة لما ولدت هَاجر إِسْمَاعِيل، وَقد تقدّمت قصَّتهَا. قَوْله: (مَا كَانَ) ، أَي: من جنس الْخُصُومَة الَّتِي هِيَ مُعْتَادَة بَين الضرائر. قَوْله: (لما بلغُوا) ، أَي: نادته حِين الْبلُوغ. قَوْله: (كداء) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ مَعَ الْخلاف فِي ضَبطه. قَوْله: (كَأَنَّهُ ينشغ) ، بالنُّون والشين والغين المعجمتين: وَهُوَ الشهيق من الصَّدْر حَتَّى كَاد يبلغ بِهِ الغشي، أَي: يَعْلُو نَفسه كَأَنَّهُ شهيق من شدَّة مَا يرد عَلَيْهِ. قَوْله: (فَلم تقرها نَفسهَا) ، من الْإِقْرَار فِي الْمَكَان، و: نَفسهَا، مَرْفُوع بِأَنَّهُ فَاعله. قَوْله: (فَقَالَ بعقبه) ، أَي: أَشَارَ بِهِ، وَهَذَا من الْمَوَاضِع الَّتِي يسْتَعْمل فِيهَا: قَالَ، فِي غير مَعْنَاهُ. قَوْله: (فانبثق) ، أَي: انخرق وتفجر، ومادته بَاء مُوَحدَة وثاء مُثَلّثَة وقاف. قَوْله: (وتحفر) ، بالراء، ويروى: تحفن، بالنُّون أَي: تملأ الْكَفَّيْنِ. قَوْله: (فَبلغ) ، الْفَاء فِيهِ فصيحة أَي: فَأَذنت فَكَانَ كَذَا فَبلغ. قَوْله: (بدا) ، أَي: ظهر لإِبْرَاهِيم التَّوَجُّه إِلَى هَاجر. قَوْله: (بركَة) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ بركَة، أَو بِالْعَكْسِ، أَي: زَمْزَم بركَة أَو فِي طَعَام مَكَّة وشرابها بركَة، وَسِيَاق الْكَلَام يدل عَلَيْهِ قَوْله: (عتبَة بابك) ، ويروى: (بَيْتك) . قَوْله: (على نقل الْحِجَارَة) ، ويروى: (عَن نقل الْحِجَارَة) . ٦٦٣٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قُلْتُ يَا رسُولَ الله أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأرْضِ أوَّلَ قَالَ المَسْجِدُ الحَرَامُ قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أيٌّ قَالَ المسْجِدُ الأقْصَى قُلْتُ كَمْ كانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أرْبَعُونَ سنَةً ثُمَّ أيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فإنَّ الفَضْلَ فيهِ. (الحَدِيث ٦٦٣٣ طرفه فِي: ٥٢٤٣) .

стр. 4590

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْمَسْجِد الْحَرَام) لِأَنَّهُ بناه إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، ﵊، وَالْمرَاد بالترجمة الَّتِي فِي قَوْله: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ (النِّسَاء: ٥٦١) . وَالْبَاب الْمُجَرّد الَّذِي بعده قد قُلْنَا: إِنَّه كالفصل، فالاعتبار للباب المترجم دون الْمُجَرّد. وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ هُوَ ابْن يزِيد يروي عَن أَبِيه يزِيد بن شريك بن طَارق التَّيْمِيّ عداده فِي أهل الْكُوفَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عمر بن حَفْص بن غياث فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان﴾ (ص: ٠٣) . وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي كَامِل وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَعَن عَليّ بن حجر، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن بشر بن خَالِد وَفِيه وَفِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن حجر، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن عَليّ بن مُحَمَّد وَعَن عَليّ بن مَيْمُون. قَوْله: (أول) ، بِضَم اللَاّم ضمة بِنَاء لقطعه عَن الْإِضَافَة مثل: قبل وَبعد، وَيجوز فتحهَا إِذا كَانَ غير منصرف، وَيجوز بِالنّصب إِذا كَانَ منصرفاً، وَالْمعْنَى: أَي: مَسْجِد وضع أَولا للصَّلَاة؟ قَوْله: (ثمَّ أَي) ، بِالتَّنْوِينِ، أَي: ثمَّ أَي مَسْجِد بني بعد الْمَسْجِد الْحَرَام؟ قَوْله: (قَالَ) ، أَي: النَّبِي ﷺ ، بني بعده الْمَسْجِد الْأَقْصَى، قيل لَهُ: الْأَقْصَى لبعد الْمسَافَة بَينه وَبَين الْكَعْبَة. وَقيل: لِأَنَّهُ لم يكن وَرَاءه مَوضِع عبَادَة وَقيل: لبعده عَن الأقذار والخبائث، فَإِنَّهُ مقدس أَي: مطهر. قَوْله: (كم بَينهمَا؟) أَي: بَين بِنَاء الْمَسْجِد الْحَرَام وَبِنَاء الْمَسْجِد الْأَقْصَى. قَوْله: (أَرْبَعُونَ سنة) ، أَي: بَينهمَا أَرْبَعُونَ سنة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ إِشْكَال، لِأَن إِبْرَاهِيم بنى الْكَعْبَة وَسليمَان، ﵊، بنى بَيت الْمُقَدّس، وَبَينهمَا أَكثر من ألف سنة، وَالْجَوَاب عَنهُ مَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ: إِن الْآيَة الْكَرِيمَة والْحَدِيث لَا يدلان على أَن إِبْرَاهِيم وَسليمَان، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، ابتدآ وضعهما، بل كَانَ تجديداً لما أسس غَيرهمَا، وَقد رُوِيَ أَن أول من بنى الْبَيْت آدم، وعَلى هَذَا فَيجوز أَن يكون غَيره من وَلَده رفع بَيت الْمُقَدّس بعده بِأَرْبَعِينَ عَاما، ويوضحه من ذكره ابْن هِشَام فِي كِتَابه (التيجان) : إِن آدم لما بنى الْبَيْت أمره جِبْرِيل، ﵊، بِالْمَسِيرِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَأَن يبنيه فبناه ونسك فِيهِ، وَقَالَ ابْن كثير: أول مَا جعله مَسْجِدا إِسْرَائِيل ﷺ ، وَإِنَّمَا أَمر سُلَيْمَان بتجديده وإحكامه، لَا أَنه أول من بنى. وَذكر الثَّعْلَبِيّ: أَن دَاوُد ﷺ أَمر بني إِسْرَائِيل أَن يتخذوا مَسْجِدا فِي صَعِيد بَيت الْمُقَدّس، فَأخذُوا فِي بنائِهِ لإحدى عشرَة سنة مَضَت من ملك دَاوُد، وَكَانَ دَاوُد ينْقل لَهُم الْحِجَارَة على عَاتِقه، فَأوحى الله إِلَى دَاوُد: إِنَّك لست بانيه وَلَكِن لَك ابْن أملكهُ بعْدك اسْمه سُلَيْمَان فأقضي إِتْمَامه على يَدَيْهِ، وَرُوِيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار: أَن سُلَيْمَان بنى بَيت الْمُقَدّس على أساس قديم كَانَ اسسه سَام بن نوح ﷺ ، وَذكر أَبُو مُحَمَّد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ فِي (تَارِيخ بَيت الْمُقَدّس) : أَن سُلَيْمَان اشْترى أرضه بسبعة قناطير ذَهَبا، وَقَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون الْمَسْجِد الْأَقْصَى أول مَا وضع بناءه بعض أَوْلِيَاء الله تَعَالَى قبل دَاوُد وَسليمَان، ثمَّ بناه دَاوُد وَسليمَان فزادا فِيهِ ووسعاه فأضيف إِلَيْهِمَا بِنَاؤُه، قَالَ: وَقد ينْسب هَذَا الْمَسْجِد إِلَى إيلياء فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ بانيه أَو غَيره، وَلست أحقق لِمَ أضيف إِلَيْهِ. وَفِي قَوْله: فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ بانيه نظر، لِأَن إيليا اسْم الْبَلَد، فأضيف إِلَى الْمَسْجِد كَمَا يُقَال: مَسْجِد الْمَدِينَة وَمَسْجِد مَكَّة، وَقَالَ أَبُو عبيد فِي (مُعْجم الْبلدَانِ) : إيلياء مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس فِيهَا ثَلَاث لُغَات: مد آخِره وقصره وَحذف الْيَاء الأولى. قَوْله: (بعد) ، بِضَم الدَّال، أَي: بعد إِدْرَاك وَقت الصَّلَاة. قَوْله: (فَصله) ، الْهَاء فِيهِ للسكت، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، فصل، بِلَا هَاء. قَوْله: (فَإِن الْفضل فِيهِ) أَي: فِي فعل الصَّلَاة إِذا حضر وَقتهَا. ٣٨ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو مولى الْمطلب عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - طلع لَهُ أحد فَقَالَ هَذَا جبل يحبنا ونحبه اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة وَإِنِّي أحرم مَا بَين لابتيها) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أَن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو بن أبي عَمْرو وَاسم أبي عَمْرو ميسرَة مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب الْقرشِي المَخْزُومِي أَبُو عُثْمَان الْمدنِي والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي آخر حَدِيث مطول فِي بَاب من غزا بصبي للْخدمَة قَوْله طلع لَهُ أَي ظهر لَهُ جبل أحد قَوْله يحبنا إِمَّا حَقِيقَة وَإِمَّا مجَازًا وَمن بَاب الْإِضْمَار أَي يحبنا أَهله قَوْله لابتيها تَثْنِيَة لابة بتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي الْحرَّة وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ

стр. 4591

(رَوَاهُ عبد الله بن زيد عَن النَّبِي ﷺ َ -) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ وَأخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب بركَة صَاع النَّبِي ﷺ َ - عَن مُوسَى عَن وهيب عَن عَمْرو بن يحيى عَن عباد بن تَمِيم الْأنْصَارِيّ عَن عبد الله بن يزِيد عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَى آخِره - ٨٦٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ ابنِ أبِي بَكْرٍ أخْبَرَ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ ألَمْ تَرَيْ أنَّ قَوْمَكِ بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله ألَا تَرُدُّهَا علَى قَوَاعِدَ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بالكُفْرِ فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ لَئِنْ كانَتْ عائِشَةُ سَمِعَتْ هذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَا أُرَى أنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيانِ الحِجْرَ إلَاّ أنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيم. . مطابقته للتَّرْجَمَة على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق، وَابْن أبي بكر هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر أَخُو الْقَاسِم قتل بِالْحرَّةِ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب فضل مَكَّة وبنيانها، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وقَالَ إسْمَاعِيلُ عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ أبِي بَكْر إِسْمَاعِيل بن أبي أويس واسْمه عبد الله إِبْنِ أُخْت مَالك بن أنس، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن إِسْمَاعِيل روى هَذَا الحَدِيث وَبَين ابْن ابْن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الَّذِي فِيهِ هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث إِسْمَاعِيل فِي التَّفْسِير. ٩٦٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرَنَا مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقَيِّ قَالَ أخبرَنِي أبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُمْ قَالُوا يَا رسولَ الله كيْفَ نُصَلِّي علَيْكَ فَقالَ رسولُ الله ﷺ قُولُوا أللَّهُمَّ صلِّ علَى مُحَمَّدٍ وأزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كمَا صَلَّيْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ وبارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. (الحَدِيث ٩٦٣٣ طرفه فِي: ٠٦٣٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله: (كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم) وَعَمْرو بن سليم، بِضَم السِّين: الزرقي، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وبالقاف، وَأَبُو حميد، بِضَم الْحَاء عبد الرَّحْمَن السَّاعِدِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَوَات عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَعَن أبي السَّرْح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن سَلمَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن عمار بن طالوت. قَوْله: (أللهم صل على مُحَمَّد) ، مَعْنَاهُ: عظمه فِي الدُّنْيَا بإعلاء ذكره وَإِظْهَار دَعوته وإبقاء شَرِيعَته، وَفِي الْآخِرَة بتشفيعه فِي أمته وتضعيف أجره ومثوبته، وَقيل: لما أمرنَا الله بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلم نبلغ قدر الْوَاجِب فِي ذَلِك أحلنا على الله وَقُلْنَا: أللهم صلِّ على مُحَمَّد. قَوْله: (كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم) هَذَا لَيْسَ من بَاب إِلْحَاق النَّاقِص بالكامل، بل من بَاب بَيَان حَال مَا لَا يعرف بِمَا يعرف وَمَا عرف من الصَّلَاة على إِبْرَاهِيم وَآله وَأَنه لَيْسَ إلَاّ فِي قَوْله تَعَالَى: رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم

стр. 4592

أهل الْبَيْت: أَنه حميد مجيد، قيل: سِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي أَن يُقَال: على إِبْرَاهِيم، بِدُونِ لفظ الْآل، وَأجِيب: أَن لفظ الْآل مقحم. قَوْله: (وَبَارك على مُحَمَّد) أَي: أثبت لَهُ وأدم مَا أَعْطيته من التشريف والكرامة، وَهُوَ من برك الْبَعِير إِذا ناخ من مَوضِع وَلَزِمَه، وَتطلق الْبركَة أَيْضا على الزِّيَادَة، وَالْأَصْل الأول. ٠٧٣٣ - حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ ومُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَا حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ حدَّثنا أبُو قُرَّةَ مُسْلِمُ بنُ سالِمٍ الهَمْدَانِيُّ قَالَ حدَّثنِي عَبْدُ الله بنُ عِيسَى سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ فقالَ أَلَا أهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فقُلْتُ بَلَى فأهْدِهَا لي فَقَالَ سألَنا رسُولُ الله ﷺ فقُلْنَا يَا رسولَ الله كَيْفَ الصَّلاةُ علَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ فإنَّ الله قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ قَالَ قُولُوا أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صلَّيْتَ على إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ أللَّهُمَّ بَارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلىَ آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (على إِبْرَاهِيم) فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَقيس بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْبَصْرِيّ التَّبُوذَكِي، وَعبد الله بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، واسْمه يسَار، وَكَعب بن عجْرَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء: البلوي، حَلِيف الْأَنْصَار شهد بيعَة الرضْوَان، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين بِالْمَدِينَةِ وَله خمس وَسَبْعُونَ سنة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن آدم، وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد بن يحيى، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن بنْدَار وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن مُحَمَّد بن بكار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عَمْرو عَن مُسَدّد وَعَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قَاسم بن زَكَرِيَّاء وَعَن سُوَيْد بن نصر، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد وَعَن بنْدَار وَقد عزى الْحَافِظ الْمزي حَدِيث كَعْب بن عجْرَة هَذَا إِلَى الصَّلَاة وَهُوَ وهم مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي الصَّلَاة، واغتر بذلك صَاحب (التَّلْوِيح) وَتَبعهُ فِيهِ وَتبع صَاحب (التَّلْوِيح) صَاحب (التَّوْضِيح) أَيْضا وَقد مر تَفْسِير الحَدِيث فِيمَا قبله. قَوْله: (أهل الْبَيْت) ، مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص. قَوْله: (فَإِن الله قد علمنَا) ، يَعْنِي: فِي التَّشَهُّد، وَهُوَ قَول الْمُصَلِّي: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. ١٧٣٣ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنِ المِنْهَالِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والْحُسَيْنَ ويَقُولُ إنَّ أباكُمَا كانَ يُعَوِّذُ بِها إسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةْ ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن أَبَاكُمَا) وَهُوَ إِبْرَاهِيم، ﵇، وَجَرِير بن عبد الحميد، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، والمنهال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وباللام، ابْن عَمْرو الْأَسدي، وَإِلَى هُنَا كلهم كوفيون. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة أَيْضا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطِّبّ عَن مَحْمُود بن غيلَان وَعَن الْحسن بن عَليّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال عَن عبد الله بن الْحَارِث. قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يعوذ) مُرْسل. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطِّبّ عَن أبي بكر بن خَلاد وَعَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان.

стр. 4593

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ النَّبِي ﷺ يعوذ) إِخْبَار ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بقوله: كَانَ، يدل على أَنه ﷺ كَانَ يكثر التعويذ بقوله: أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة ... إِلَى آخِره. قَوْله: (يعوذ، من التعويذ) ، يُقَال: عذت بِهِ أعوذ عوذاً وعياذاً وَمعَاذًا أَي: لجأت إِلَيْهِ، فالتعوذ والاستعاذة والتعويذ كلهَا بِمَعْنى وَاحِد، يَعْنِي: كَانَ النَّبِي ﷺ يعوذ الْحسن وَالْحُسَيْن بقوله: أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة إِلَى آخِره، وَيَقُول لَهما: إِن أَبَاكُمَا كَانَ يعوذ بهَا، أَي: بِهَذِهِ الْكَلِمَات إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق أبنيه، وَبَين هَذِه الْكَلِمَات بقوله: أعوذ بِكَلِمَات الله ... إِلَى آخِره. قَوْله: (إِن أَبَاكُمَا) أَرَادَ بِهِ إِبْرَاهِيم كَمَا ذكرنَا، وأضيف إِلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا من نَسْله. قَوْله: (بِكَلِمَات الله) إِمَّا بَاقِيَة على عمومها فالمقصود هَهُنَا: كل كلمة لله، وَإِمَّا مَخْصُوصَة بِنَحْوِ المعوذتين، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: الْقُرْآن. والتامة: صفة لَازِمَة، إِذْ كل كَلِمَاته تَامَّة، وَقيل: المُرَاد بالتامة الْكَامِلَة، وَقيل: النافعة، وَقيل: الشافية، وَقيل: الْمُبَارَكَة، وَقيل: القاضية الَّتِي تمْضِي وتستمر وَلَا يردهَا شَيْء وَلَا يدخلهَا نقص وَلَا عيب، وَقَالَ ابْن التِّين: التَّام فَضلهَا وبركاتها. قَوْله: (من كل شَيْطَان) قَالَ الدَّاودِيّ: يدْخل فِيهِ شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ. قَوْله: (وَهَامة) ، بتَشْديد الْمِيم وَاحِدَة الْهَوَام ذَوَات السمُوم، وَقيل: كل مَا لَهُ سم يقتل، وَأما مَا لَا يقتل فَيُقَال لَهَا: سوام، وَقيل: المُرَاد كل نسمَة تهم بِسوء، وَقَالَ ابْن فَارس: الْهَوَام حشرات الأَرْض. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: الْهَوَام الْحَيَّات وكل ذِي سم يقتل، وَقد تقع الهامة على مَا يدب من الْحَيَوَان، وَمِنْه. قَوْله ﷺ لكعب بن عجْرَة: أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك، أَرَادَ الْقمل، سَمَّاهَا هوَام لِأَنَّهَا تهم فِي الرَّأْس وتدب. قَوْله: (لَامة) ، الْعين اللَاّمة هِيَ الَّتِي تصيب بِسوء، وَقيل: اللَاّمة الملمة، وَإِنَّمَا أَتَى بهَا على فاعلة للمزاوجة، وَيجوز أَن تكون على ظَاهرهَا بِمَعْنى: جَامِعَة للشر على المعيون، من لمه إِذا جمعه، وَقَالَ أَبُو عبيد: أَصْلهَا من أَلممْت إلماماً بالشَّيْء: نزلت بِهِ، وَلم يقل: ملمة، كَأَنَّهُ أَرَادَ بهَا ذَات لمَم، وَقَالَ الْخطابِيّ: اللامة ذَات اللمم، وَهِي كل دَاء مر، وَآفَة تلم بالإنسان من جُنُون وخبل وَنَحْوه، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ كل عين تصيب الْإِنْسَان إِذا حلت بِهِ. ١١ - (بابٌ قَوْلُهُ : ﴿ونَبِّئْهُمْ عنْ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ إذْ دَخَلُوا علَيْهِ. .﴾ (الْحجر: ١٥) . الْآيَة: لَا تَوْجَلْ لَا تَخَفْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿ونبئهم عَن ضيف إِبْرَاهِيم ... ﴾ (الْحجر: ١٥) . الْآيَة وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قصَّة من قصَص إِبْرَاهِيم، ﵊، وَهِي: دُخُول الْمَلَائِكَة، قَوْله: الَّذين أرْسلُوا إِلَى هَلَاك قوم لوط ﷺ عَلَيْهِ حَتَّى حصل لَهُ الوجل مِنْهُم، وَذَلِكَ لامتناعهم من الْأكل، وَقيل لأَنهم دخلُوا بِغَيْر وَقت وَبِغير إِذن، وَتَمام الْآيَة قَوْله: ﴿قَالُوا لَا توجل إِنَّا نبشرك بِغُلَام عليم﴾ (الْحجر: ١٥) . قَوْله: (ونبئهم) ، أَي: نبيء عبَادي عَن ضيف إِبْرَاهِيم وقصته أَن الله تَعَالَى أرسل لوطاً إِلَى قومه ينهاهم عَمَّا يرتكبون من الْمعاصِي وَالْفَوَاحِش فَلم ينْتَهوا بل ازدادوا عتواً وَفَسَادًا، وَقَالُوا: ائتنا بِعَذَاب الله إِن كنت من الصَّادِقين، فَسَأَلَ لوط ربه أَن ينصره عَلَيْهِم فَأجَاب الله دعاءه وَبعث أَرْبَعَة من الْمَلَائِكَة: جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل ودردائيل، وَقيل: رفائيل لإهلاكهم، وَبشَارَة إِبْرَاهِيم بِالْوَلَدِ، فَأَقْبَلُوا مشَاة فِي صُورَة رجال مرد حسان حَتَّى نزلُوا على إِبْرَاهِيم ﷺ وَكَانَ الضَّيْف قد حبس عَنهُ خمس عشرَة لَيْلَة حَتَّى شقّ ذَلِك عَلَيْهِ، وَكَانَ لَا يَأْكُل إلَاّ مَعَ الضَّيْف مهما أمكنه، فَلَمَّا رَآهُمْ سُرَّ بهم لِأَنَّهُ رأى ضيفاً لم يضف مثلهم حسنا وجمالاً، فَقَالَ: لَا يخْدم هَؤُلَاءِ، إِلَّا أَنا فَخرج إِلَى أَهله فجَاء بعجل حنيذ، وَهُوَ المشوي بِالْحِجَارَةِ، فقربه إِلَيْهِم فأمسكوا أَيْديهم: ﴿قَالَ: إِنَّا مِنْكُم وجلون﴾ أَي: خائفون ﴿قَالُوا: لَا توجل إِنَّا نبشرك بِغُلَام عليم﴾ (الْحجر: ١٥) . أَي: يكون عليمياً بِالدّينِ. وَفسّر البُخَارِيّ قَوْله: (لَا توجل) بقوله: (لَا تخف) من وَجل ييجل ويوجل فَهُوَ وَجل، أَي: خَائِف فزع، وَقَرَأَ الْحسن: لَا توجل، بِضَم التَّاء من: أوجله يوجله إِذا أخافه، وقرىء لَا تأجل وَلَا تواجل. من واجله بِمَعْنى أوجله. ﴿ولاكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . وَفِي بعض النّسخ: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحيى الْمَوْتَى قَالَ أولَمْ تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة: ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . فَقَط، وَسقط كل ذَلِك للنسفي، فَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد تَكْمِلَة الْبَاب الَّذِي قبله، وَأما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ كَذَلِك لم يذكر مِنْهُ شَيْئا، لَا لفظ الْبَاب وَلَا لفظ التَّرْجَمَة. قَوْله: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . يَعْنِي: أذكر يَا مُحَمَّد حِين: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى؟ ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . الْآيَة وَذكر الْمُفَسِّرُونَ لسؤال إِبْرَاهِيم ﵇ أسباباً: مِنْهَا:

стр. 4594

أَنه لما قَالَ لنمرود لَعنه الله رَبِّي الَّذِي يحيى وَيُمِيت أحب أَن يترقى من علم الْيَقِين إِلَى عين الْيَقِين، وَأَن يرى ذَلِك مُشَاهدَة، فَقَالَ: ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . كَمَا أَن الْإِنْسَان يعلم الشَّيْء ويتيقنه وَلَكِن يحب أَن يرَاهُ عيَانًا. وَمِنْهَا: أَنه لما بشر بالخلة سَأَلَ ذَلِك ليتيقن بالإجابة لصِحَّة مَا بشر بِهِ قَالَه ابْن مَسْعُود ونمها انما سَأَلَ ليشاهد كَيْفيَّة جمع أَجزَاء الْمَوْتَى بعد تفريقها واتصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فَأَرَادَ أَن يجمع بَين علم الْيَقِين وَعين الْيَقِين وَحقّ الْيَقِين. وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: ذكر لنا أَن إِبْرَاهِيم أَتَى على دَابَّة توزعتها الدَّوَابّ وَالسِّبَاع، فَقَالَ: ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . ليشاهد ذَلِك، لِأَن النُّفُوس متشوقة إِلَى المعاينة، يصدقهُ الحَدِيث: لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة. وَمِنْهَا: مَا قَالَه ابْن دُرَيْد: مر إِبْرَاهِيم بحوت نصفه فِي الْبر وَنصفه فِي الْبَحْر، وَالَّذِي فِي الْبَحْر تَأْكُله دَوَاب الْبَحْر، وَالَّذِي فِي الْبر تَأْكُله دَوَاب الْبر، فَقَالَ إِبْلِيس الْخَبيث: يَا إِبْرَاهِيم! مَتى يجمع الله هَذَا من بطُون هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ (الْبَقَرَة: ١٦٢) . ﴿لِيَطمَئِن قلبِي﴾ (الْبَقَرَة: ١٦٢) . ليسكن ويهتدي بِالْيَقِينِ الَّذِي يستيقنه، وَقَالَ ابْن الْحصار فِي (شرح القصيدة) : إِنَّمَا سَأَلَ الله أَن يحيي الْمَوْتَى على يَدَيْهِ يدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فصرهن إِلَيْك﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . فَأَجَابَهُ على نَحْو مَا سَأَلَ، وَعلم أَن أحدا لَا يقترح على الله مثل هَذَا فَيُجِيبهُ بِعَين مَطْلُوبه إِلَّا عَن رضَا واصطفاء. بقوله: ﴿أَو لم تؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . بِأَنا اصطفيناك واتخذناك خَلِيلًا؟ قَالَ: بلَى. قَوْله: كَيفَ تحيي الْمَوْتَى، لفظ: كَيفَ، اسْم لدُخُول الْجَار عَلَيْهِ بِلَا تَأْوِيل نَحْو قَوْلهم: على كَيفَ تبيع الأحمرين؟ وَيسْتَعْمل على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون شرطا نَحْو: كَيفَ تصنع أصنع، وَالْآخر: وَهُوَ الْغَالِب: أَن يكون استفهاماً، وَهنا كَذَلِك، وَقَالَ ابْن عَطِيَّة: السُّؤَال: بكيف؟ إِنَّمَا هُوَ سُؤال عَن حَالَة شَيْء مَوْجُود متقرر الْوُجُود عِنْد السَّائِل، فَكيف هُنَا اسْتِفْهَام عَن هَيْئَة الْإِحْيَاء، وَهُوَ متقرر. قَوْله: ﴿قَالَ أَو لم تؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦٢) . يَعْنِي: بإحياء الْمَوْتَى؟ وَإِنَّمَا قَالَ: أَو لَمْ تؤمن؟ مَعَ علمه بِأَنَّهُ أثبت النَّاس إِيمَانًا ليجيب بِمَا أجَاب بِهِ لما فِيهِ من الْفَائِدَة الجليلة للسامعين. قَوْله: قَالَ بلَى، أَي: بلَى آمَنت، و: بلَى، إِيجَاب لما بعد النَّفْي. قَوْله: ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ (الْبَقَرَة: ١٦٢) . أَي: ليزِيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضَّرُورَة علم الِاسْتِدْلَال، لِأَن ظَاهر الْأَدِلَّة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة وَالْيَقِين، وَعَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَآخَرين: لِيَطمَئِن قلبِي للمشاهدة، كَأَن نَفسه طالبته بِرُؤْيَة ذَلِك، فَإِذا رَآهُ اطْمَأَن، وَقد يعلم الْمَرْء الشَّيْء من جِهَة ثمَّ يطْلب أَن يُعلمهُ من غَيرهَا، وَقيل: الْمَعْنى: لِيَطمَئِن قلبِي لِأَنِّي إِذا سَأَلتك أجبتني، وَقيل: كَانَ سُؤَاله على طَرِيق الْأَدَب يَعْنِي: أقدرني على إحْيَاء الْمَوْتَى لِيَطمَئِن قلبِي عَن هَذِه الأمنية، فَأَجَابَهُ الله إِلَى سُؤَاله، وَقَالَ: فَخذ أَرْبَعَة من الطير وَهِي: الغرموق والطاووس والديك والحمامة، كَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَعنهُ: أَنه أَخذ وزاً ورألاً، وَهُوَ فرخ النعامة وديكاً وطاووساً. وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة: كَانَت حمامة وديكاً وطاووساً وغراباً. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس: أَن الطُّيُور كَانَت طاووساً ونسراً وغرابا وحماماً. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَحْوَال الدُّنْيَا: فالطاووس من الزِّينَة، والنسر من امتداد الأمل، والغراب من الغربة، وَالْحمام من النِّيَاحَة. وَقيل: مَوضِع النسْر: البط، وَمَوْضِع الْحمام: الديك، وَالْحكمَة فِي اخْتِيَار هَذِه الْأَرْبَعَة هِيَ: أَن الطاووس خَان آدم، ﷺ ، فِي الْجنَّة، والبطَّ خَان يُونُس ﷺ حِين قطع يقطينه، والغراب خَان نوحًا ﷺ حِين أرْسلهُ ليكشف حَال المَاء الَّذِي عَم الأَرْض فاشتغل بالجيفة، والديك خَان إلْيَاس فسلب ثَوْبه، فَلَا جرم أَن الله تَعَالَى غير صَوت الطاووس بِدُعَاء آدم ﷺ ، وسلب السّكُون على البط بِدُعَاء يُونُس ﷺ ، وَجعل رزق الْغُرَاب الجيفة بِدُعَاء نوح ﷺ ، وَألقى الْعَدَاوَة بَين الديك بِدُعَاء الياس ﷺ ، وَلما أَخذ إِبْرَاهِيم هَذِه الطُّيُور الْأَرْبَعَة، قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: فصرهن إِلَيْك، أَي: قطعهن، كَذَا رَوَاهُ مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، ثمَّ خلطهن ثمَّ اجْعَلْهَا أَرْبَعَة أَجزَاء، ثمَّ اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا، فَفعل إِبْرَاهِيم مثل مَا أَمر بِهِ، ثمَّ أمره الله أَن يدعوهن، فدعاهن فَجعل ينظر إِلَى الريش يطير إِلَى الريش، وَالدَّم إِلَى الدَّم، وَاللَّحم إِلَى اللَّحْم، والأجْزَاء من كل طير يقْصد بَعْضهَا بَعْضًا حَتَّى قَامَ كل طير على حِدته وأتينه يَمْشين سعياً ليَكُون أبلغ فِي الرُّؤْيَة الَّتِي سَأَلَهَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَكَانَ إِبْرَاهِيم قد أَخذ رؤوسهن بِيَدِهِ وَجعل كل طير يَجِيء ليَأْخُذ رَأسه من يَد إِبْرَاهِيم، فَإِذا قدَّم إِبْرَاهِيم غير رَأسه يأباه، وَإِذا قدَّم رَأسه تركب مَعَ بَقِيَّة جثته، بحول الله تَعَالَى وقوته، وَلِهَذَا قَالَ الله: وَاعْلَم أَن الله عَزِيز لَا يغلبه شَيْء، وَلَا يمْتَنع مِنْهُ شَيْء، حَكِيم فِي أَقْوَاله وأفعاله. فَإِن قلت: لِمَ خص الطير من بَين سَائِر الْحَيَوَانَات؟ قلت: لِأَن للطير مَا لسَائِر الْحَيَوَانَات، وَله زِيَادَة: الطيران، وَلِأَن الطير هوائي ومائي وأرضي، فَكَانَت الأعجوبة فِي إحيائه أَكثر، وَلذَا قَالَ عِيسَى ﷺ : إِنِّي أخلق لكم من الطين كَهَيئَةِ الطير، فَاخْتَارَ الخفاش

стр. 4595

لاختصاصه بأَشْيَاء لَيست فِي الطُّيُور. الْحيض وَالْحَبل والطيران فِي الظلمَة وَعدم الرُّؤْيَة بِالنَّهَارِ وَله أَسْنَان. فَإِن قلت: لم خص أَرْبَعَة من الطير؟ قلت: لأجل الإسطقسات الْأَرْبَع الَّتِي بهَا قوام الْعَالم. وَالْجِبَال كَانَت أَرْبَعَة من جبال الشَّام، وَقيل: جبل لبنان وسينين وطور سينين وطور زينا. ٢٧٣٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخْبَرَنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ إبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ نَحْنُ أحَقّ بالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلاى ولاكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي: ويَرْحَمُ الله لُوطَاً لَقَدْ كانَ يأوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ولَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأجَبْتُ الدَّاعِيَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة الْأَصْلِيَّة ظَاهِرَة، وَأحمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن صَالح وَعَن سعيد بن تليد، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَفِي الْفَضَائِل عَن حَرْمَلَة بن يحيى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نَحن أَحَق بِالشَّكِّ) ، وَسقط فِي بعض الرِّوَايَات لفظ: الشَّك، وَمَعْنَاهُ: نَحن أَحَق بِالشَّكِّ فِي كَيْفيَّة الْإِحْيَاء لَا فِي نفس الْإِحْيَاء، وَعَن الشَّافِعِي وَغَيره: أَن الشَّك مُسْتَحِيل فِي حق إِبْرَاهِيم، ﷺ ، وَلَو كَانَ الشَّك متطرقاً إِلَى الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَكُنْت أَنا أَحَق بِهِ من إِبْرَاهِيم ﷺ وَقد علمْتُم أَن إِبْرَاهِيم لم يشك، فَإِذا لم أَشك أَنا وَلم أرْتَبْ فِي الْقُدْرَة عل الْإِحْيَاء فإبراهيم أولى بذلك، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن هَذَا الَّذِي تظنونه شكا فَلَيْسَ بشك، فَلَو كَانَ شكا لَكُنْت أَنا أولى بِهِ وَلكنه لَيْسَ بشك، وَلكنه تطلب لمزيد الْيَقِين، وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَنه أَرَادَ أمته الَّذين يجوز عَلَيْهِم الشَّك، أَو أَنه قَالَه تواضعاً مَعَ إِبْرَاهِيم. قَوْله: (إِذْ قَالَ) أَي: حِين قَالَ. قَوْله: (وَيرْحَم الله لوطاً) ، وَلُوط ﷺ هُوَ ابْن هاران ابْن آزر وَهُوَ أخي إِبْرَاهِيم ﷺ ، وَكَانَ مِمَّن آمن بإبراهيم وَهَاجَر مَعَه إِلَى مصر ثمَّ عَاد مَعَه إِلَى الشَّام فَنزل إِبْرَاهِيم، ﵊، فلسطين وَنزل لوط الْأُرْدُن ثمَّ أرْسلهُ الله إِلَى أهل سدوم، وَهِي عدَّة قرى، وَقَالَ مقَاتل: وبلادهم مَا بَين الشَّام والحجاز بِنَاحِيَة زغر، وَكَانَت اثْنَتَيْ عشرَة قَرْيَة وَتسَمى الْمُؤْتَفِكَات من الْإِفْك، وَكَانُوا يعْبدُونَ الْأَوْثَان ويأتون الْفَوَاحِش ويسافد بَعضهم بَعْضًا على الطَّرِيق، وَغير ذَلِك من الْمَفَاسِد وَذكر الله لوطاً فِي الْقُرْآن فِي سَبْعَة عشر موضعا وَهُوَ اسْم أعجمي وَفِيه العلمية والعجمة وَلكنه صرف لسكون وَسطه، وَقيل: اسْم عَرَبِيّ من: لَاطَ، لِأَن حبه لَاطَ بقلب إِبْرَاهِيم ﷺ أَي: تعلق ولصق. قَوْله: (لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد) ، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْآيَة الْكَرِيمَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو أَوَى إِلَى ركن شَدِيد﴾ (هود: ٠٨) . وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ذَلِك لِأَن كَلَامه يدل على إقناط كلي ويأس شَدِيد من أَن يكون لَهُ نَاصِر ينصره، وَكَأَنَّهُ، ﷺ ، اسْتغْرب ذَلِك القَوْل وعده نَادرا مِنْهُ، إِذْ لَا ركن أَشد من الرُّكْن الَّذِي كَانَ يأوي إِلَيْهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ إِلَى قوي أستند إِلَيْهِ وأمتنع بِهِ فيحميني مِنْكُم، شبه الْقوي الْعَزِيز بالركن من الْجَبَل فِي شدته ومنعته، وَقَالَ النَّوَوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: يجوز أَنه نسي الالتجاء إِلَى الله فِي حمايته الأضياف، أَو أَنه التجأ إِلَى الله فِيمَا بَينه وَبَين الله، وَأظْهر للأضياف الْعذر وضيق الصَّدْر قَوْله: (وَلَو لَبِثت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف) وَقد لبث سبع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَسَبْعَة أَيَّام وَسبع سَاعَات. قَوْله: (لَأَجَبْت الدَّاعِي) يَعْنِي: لَأَسْرَعت إِلَى الْإِجَابَة إِلَى الْخُرُوج من السجْن وَلما قدمت الْعذر، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ إرجع إِلَى رَبك﴾ (يُوسُف: ٠٥) . الْآيَة ... وَصفه رَسُول الله، ﷺ ، بِالصبرِ حَيْثُ لم يُبَادر إِلَى الْخُرُوج، وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ ذَلِك تواضعاً، لَا أَنه كَانَ فِي الْأَمر مِنْهُ مبادرة وعجلة لَو كَانَ مَكَان يُوسُف، والتواضع لَا يصغر

стр. 4596

كَبِيرا، بل يزِيدهُ إجلالاً وَقدرا، وَقيل: هُوَ من جنس قَوْله: لَا تفضلُونِي على يُونُس، وَقيل: إِنَّه كَانَ قبل أَن يعلم أَنه أفضل من الْجَمِيع، وَالله أعلم وَأحكم. ٤١ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى ﴿واذْكُرْ فِي الكِتَابِ إسْمَاعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ (مَرْيَم: ٤٥) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي حق إِسْمَاعِيل من قَوْله قَوْله ، وَاذْكُر فِي الْكتاب الْآيَة، وَتَمام الْآيَة ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ (مَرْيَم: ٤٥) . قَوْله: (وَاذْكُر) أَي: اذكر يَا مُحَمَّد (فِي الْكتاب) أَي: فِي الْقُرْآن ﴿إِسْمَاعِيل إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ بَينه وَبَين رجل ميعاد فَأَقَامَ ينتظره مُدَّة، وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ الْمدَّة، فَقيل: حولا حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيل ﷺ ، وَقَالَ: إِن الْفَاجِر الَّذِي وعدته بالقعود إِبْلِيس، عَلَيْهِ اللَّعْنَة. قَوْله: ﴿رَسُولا﴾ أَي: إِلَى جرهم. ٣٧٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا حاتِمٌ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ علَى نَفَرٍ مِنْ أسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فإنَّ أباكُمْ كانَ رَامِيَاً وَأَنا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ فأمْسَكَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ بأيْدِيهِمْ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ فقالُوا يَا رسوُلَ الله كَيْفَ نَرْمِي وأنْتَ معَهُمْ قَالَ ارْمُوا وَأَنا مَعَكُمْ كلِّكُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٩٩٨٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بني إِسْمَاعِيل) وحاتم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، مر فِي الْوضُوء، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع: والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب التحريض على الرَّمْي، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٥١ - (بابُ قِصَّةِ إسْحَاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ ﵉ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر قصَّة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، وَعَن إِبْنِ إِسْحَاق، بشر الله إِبْرَاهِيم بِإسْحَاق من سارة فَحملت وَكَانَت بنت تسعين سنة، وَإِبْرَاهِيم ابْن مائَة وَعشْرين سنة، وَقد كَانَت هَاجر حملت بِإِسْمَاعِيل فَوَضَعَتَا مَعًا، وشب الغلامان. وَنقل ابْن كثير عَن أهل الْكتاب أَن هَاجر ولدت إِسْمَاعِيل ولإبراهيم من الْعُمر سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة قبل مولد إِسْحَاق بِثَلَاث عشرَة سنة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (أَعمار الْأَعْيَان) : إِن إِسْحَاق عَاشَ مائَة وَثَمَانِينَ سنة، وَفِي قَول وهب بن مُنَبّه: عَاشَ مائَة وَخَمْسَة وَثَمَانِينَ سنة، وَدفن عِنْد قبر أَبِيه إِبْرَاهِيم فِي مزرعة حبرون. فيهِ ابنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ، أَي فِي الْبَاب، يَعْنِي: روى ابْن عمر فِي حق إِسْحَاق وقصته حَدِيثا فَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَيْهِ إِجْمَالا وَلم يذكرهُ بِعَيْنِه، لِأَنَّهُ لم يكن بِشَرْطِهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: لم يقف البُخَارِيّ على سَنَده فَأرْسلهُ، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا كَلَام من لم يفهم مَقَاصِد البُخَارِيّ وَنَحْوه قَول الْكرْمَانِي قلت: هَذِه مناقشة بَارِدَة لِأَن كل من لَهُ أدنى فهم يفهم أَن مَا قَالَه ابْن التِّين والكرماني هُوَ الْكَلَام الْوَاقِع فِي مَحَله، وَهَذَا الَّذِي ذكره أوجه من كَلَامه الَّذِي ذكره بِالشَّكِّ والتردد حَيْثُ قَالَ: كَأَنَّهُ يُشِير بِحَدِيث ابْن عمر إِلَى مَا سَيَأْتِي فِي قصَّة يُوسُف، وَبِحَدِيث أبي هُرَيْرَة إِلَى الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ فَلْينْظر المتأمل الحاذق فِي حَدِيث ابْن عمر الَّذِي فِي قصَّة يُوسُف: هَل يجد لما ذكره من الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَجها قَرِيبا أَو بَعيدا وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة. ٦١ - (بابٌ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءً إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ونحْن لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣١) .)

стр. 4597

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبدُونَ من بعدِي قَالُوا نعْبد إل هك وإل هـ آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إل هَاً وَاحِدًا وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣١) . ذكر الله تَعَالَى وَصِيَّة إِبْرَاهِيم لِبَنِيهِ بقوله) ﴿ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣١) . أَي: بِهَذِهِ الْملَّة، وَهِي الْإِسْلَام ووصى يَعْقُوب أَيْضا بهَا ثمَّ قَالَ محتجاً على الْمُشْركين من الْعَرَب أَبنَاء إِسْمَاعِيل وعَلى الْكفَّار من بني إِسْرَائِيل: إِن يَعْقُوب لما حَضرته الْوَفَاة وصّى بنيه بِعبَادة الله تَعَالَى وَحده لَا شريك لَهُ، فَقَالَ لَهُم: مَا تَعْبدُونَ من بعدِي؟ فَأخْبر الله تَعَالَى عَنْهُم أَنهم قَالُوا: نعْبد إل هك ... وَالْآيَة هَذِه من بَاب التغليب، لِأَن إِسْمَاعِيل عَم يَعْقُوب، وَنقل الْقُرْطُبِيّ أَن الْعَرَب تسمي الْعم أَبَا، وَقد اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة من جعل الْجد أَبَا، وحجب بِهِ الْأُخوة وَهُوَ قَول الصّديق: وَإِلَيْهِ ذهبت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، وَبِه يَقُول الْحسن الْبَصْرِيّ وطاووس وَعَطَاء، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَغير وَاحِد من عُلَمَاء السّلف وَالْخلف. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: إِنَّه يقاسم الْإِخْوَة، وَحكى مَالك عَن عَمْرو وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت، وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن، ﵏، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: (أم كُنْتُم شُهَدَاء) هِيَ: أم، المنقطعة وَمعنى الْهمزَة فِيهَا الْإِنْكَار، وَالشُّهَدَاء: جمع شَهِيد، يَعْنِي الْحَاضِر: أَي: مَا كُنْتُم حاضرين يَعْقُوب إِذْ حَضَره الْمَوْت أَي: حِين احْتضرَ، وَالْخطاب للْمُؤْمِنين بِمَعْنى: مَا شهدتم ذَلِك وَإِنَّمَا حصل لكم الْعلم بِهِ من طَرِيق الْوَحْي، وَقيل: الْخطاب للْيَهُود لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: مَا مَاتَ نَبِي إلَاّ على الْيَهُودِيَّة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا: لَكِن الْوَجْه أَن تكون: أم، مُتَّصِلَة على أَن يقدر قبلهمَا مَحْذُوف، كَأَنَّهُ قيل: أَتَدعُونَ على الْأَنْبِيَاء الْيَهُودِيَّة أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت، يَعْنِي أَن أوائلكم من بني إِسْرَائِيل كَانُوا مشاهدين لَهُ إِذْ أَرَادَ بنيه على التَّوْحِيد وملة الْإِسْلَام، وَقد علمْتُم ذَلِك، فَمَا لكم تدعون على الْأَنْبِيَاء مَا هم مِنْهُ برَاء؟ . ٤٧٣٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمُ سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قِيلَ لِ لنَّبِيِّ ﷺ مَنْ أكْرَمُ النَّاسِ قَالَ أكْرَمُهُمْ أتْقَاهُمْ قَالُوا يَا نَبِيَّ الله لَيْسَ عنْ هاذَا نَسْألُكَ قَالَ فأكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفَ نَبيُّ الله ابنُ نَبِيِّ الله ابنِ نَبِيِّ الله ابنِ خَلِيلِ الله قالُوا لَيْسَ عَنْ هاذَا نَسْألُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي قالُوا نَعَمْ قَالَ فَخِيَارِكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإسْلامِ إذَا فَقِهُوا. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث مُوَافق لِلْآيَةِ فِي سِيَاق نسب يُوسُف، وَالْآيَة تَضَمَّنت أَن يَعْقُوب خَاطب أَوْلَاده عِنْد مَوته بِالْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَة آنِفا. وَمن جملَة أَوْلَاد يَعْقُوب: يُوسُف، وَلَيْسَ فِي الْأَنْبِيَاء على نسق نسب يُوسُف فَإِنَّهُ نَبِي الله ابْن نَبِي الله يَعْقُوب ابْن نَبِي الله إِسْحَاق ابْن نَبِي الله إِبْرَاهِيم، وَإِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الرَّاوِي هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، والمعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان بن طرخان، وَعبيد الله مُصَغرًا ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، والْحَدِيث مر فِي: بَاب أَوَائِل قَول الله: ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ (النِّسَاء: ٥٦١) . وَمر الْكَلَام فِيهِ مستقصًى. ٧١ - (بابٌ ﴿ولُوطَاً إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أتَأتُونَ الْفَاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ أئِنَّكُمْ لَتَأتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلَاّ أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فأنْجَيْنَاهُ وأهْلَهُ إلَاّ امْرَأتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ وأمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرَاً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذِرِينَ﴾ .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ولوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ إِلَى آخِره، و: لوطاً، مَنْصُوب بِتَقْدِير وَاذْكُر لوطاً، أَو بِتَقْدِير: أرسلنَا لوطاً بِدلَالَة قَوْله فِيمَا قبله: ﴿وَلَقَد أرسلنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا﴾ (لوط: ٣٨) . وَكلمَة: إِذْ، بدل على الأول ظرف على الثَّانِي. قَوْله: ﴿أتأتون الْفَاحِشَة﴾ أَي: الفعلة القبيحة الشنيعة وَهِي اللواطة. قَوْله: ﴿وَأَنْتُم تبصرون﴾ ، أَي: وَالْحَال أَنكُمْ تعلمُونَ أَنَّهَا فَاحِشَة لم تسبقوا إِلَيْهَا، وتبصرون

стр. 4598

من بصر الْقلب وَالله تَعَالَى إِنَّمَا خلق الْأُنْثَى للذّكر وَلم يخلق الذّكر للذّكر وَلَا الْأُنْثَى للْأُنْثَى. وَقيل: وَأَنْتُم تبصرون أَي: يبصر بَعْضكُم بَعْضًا لأَنهم كَانُوا فِي ناديهم يرتكبونها مجاهرين بهَا لَا يستترون عتواً مِنْهُم وتمرداً وخلاعة ومجانة. قَوْله: (أئنكم لتأتون الرِّجَال؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (شهورة) أَي: لأجل الشَّهْوَة. قَوْله: (تجهلون) أَي: عَاقِبَة الْعِصْيَان وَيَوْم الْجَزَاء وَقيل: تجهلون مَوضِع قَضَاء الشَّهْوَة، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: فسرت: تبصرون، بِالْعلمِ وَبعده: بل أَنْتُم قوم تجهلون، فَكيف يكونُونَ عُلَمَاء جهلاء؟ قلت: أَرَادَ: تَفْعَلُونَ فعل الْجَاهِلين بِأَنَّهَا فَاحِشَة مَعَ علمكُم بذلك، وَاجْتمعت الْغَيْبَة والمخاطبة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بل أَنْتُم قوم تجهلون﴾ فَغلبَتْ المخاطبة، فَقيل: تجهلون، لِأَن المخاطبة أقوى وأرسخ أصلا من الْغَيْبَة. قَوْله: (فَمَا كَانَ جَوَاب قومه) أَي: قوم لوط إلَاّ أَن قَالُوا، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: إلَاّ قَوْلهم. قَوْله: (يتطهرون) من أدبار الرِّجَال يَقُولُونَهُ استهزاء بهم وتهكما. قَوْله: (فأنجيناه) ، أَي: أنجينا لوطاً من الْعَذَاب وأنجينا أَهله إلَاّ امْرَأَته قدرناها أَي: جعلناها بتقديرنا وقضائنا عَلَيْهَا من الغابرين أَي: البَاقِينَ فِي الْعَذَاب. قَوْله: (وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا) أَي: الْحِجَارَة، فسَاء مطر الْمُنْذرين الَّذين أنذروا بِالْعَذَابِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَيْنَمَا كَانَ الْمَطَر فِي كتاب الله فَهُوَ الْعقَاب، وَالْمَذْكُور فِي التَّفْسِير أَنه يُقَال: أمطر فِي الْعَذَاب، ومطر فِي الرَّحْمَة، وَأهل اللُّغَة يَقُولُونَ: مطرَت السَّمَاء وأمطرت. ٥٧٣٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَغْفِرُ الله لِلُوطٍ إنْ كانَ لَيأوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَهَؤُلَاء على هَذَا النسق مروا مرَارًا كَثِيرَة. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب قَوْله ﴿ونبِّئهم عَن ضيف إِبْرَاهِيم﴾ (الْحجر: ١٥) . قَوْله: (إِن كَانَ) كلمة: إِن، هَذِه مُخَفّفَة من المثقلة أَي: إِنَّه كَانَ. قَوْله: (إِلَى ركن شَدِيد) أَي: إِلَى الله وَيُشِير بذلك إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو آوي إِلَى ركن شَدِيد﴾ (الْحجر:) . أَي: إِلَى عشريته لكنه لم يأوِ إلِيهم وَلكنه آوى إِلَى الله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يجوز أَنه لما اندهش بِحَال الأضياف قَالَ ذَلِك، أَو أَنه التجأ إِلَى الله تَعَالَى فِي بَاطِنه، وَأظْهر هَذَا القَوْل للأضياف إعتذاراً وسمى الْعَشِيرَة ركنا لِأَن الرُّكْن يسْتَند إِلَيْهِ وَيمْتَنع بِهِ فشبههم بالركن من الْجَبَل لشدتهم ومنعتهم. ٨١ - (بابٌ ﴿فَلَمَّا جاءَ آلُ لُوطٍ المُرْسَلُونَ قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (الْحجر: ٢٦) .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ (الْحجر: ٢٦) . إِلَى آخِره، وفاعل جَاءَ هُوَ قَوْله: المُرْسَلُونَ، وهم الْمَلَائِكَة المُرْسَلُونَ من عِنْد الله لهلاك قوم لوط. قَوْله: (آل لوط) بِالنّصب مفعول: جَاءَ. قَوْله: (قَالَ) أَي: لوط، ﵊. قَوْله: (إِنَّكُم قوم منكرون) أَي: لَا أعرفكُم، قَالُوا: بل جئْنَاك بِالْحَقِّ، أَي: الْيَقِين، وَإِنَّا لصادقون فِي قَوْلنَا، ثمَّ حكى الله تَعَالَى بَقِيَّة الْقِصَّة، بقوله: فأسرِ بأهلك ... إِلَى آخرهَا. بِرُكْنِهِ بِمَنْ مَعَهُ لأِنَّهُمْ قُوَّتُهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَوَلّى بركنه وَقَالَ ساحراً أَو مَجْنُون﴾ . وَأول الْآيَة ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أرسلناه إِلَى فِرْعَوْن بسُلْطَان مُبين فَتَوَلّى بركته﴾ . قَوْله: (وَفِي مُوسَى) عطف على قَوْله: ﴿وَفِي الأَرْض آيَات﴾ قَوْله: (بركنه) يَعْنِي: بقَوْمه وَمن مَعَه يَعْنِي: المنعة والعشير، وَقَالَ المُورج بجانبه وَجَمِيع بدنه وَهُوَ كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة عَن الْإِعْرَاض وَالْإِنْكَار، والركن مَا ركن إِلَيْهِ الْإِنْسَان من مَال وجند وَقُوَّة. قَوْله: ﴿وَقَالَ سَاحر أَو مَجْنُون﴾ . أَي: وَقَالَ فِرْعَوْن: مُوسَى سَاحر أَو مَجْنُون. وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ هَهُنَا لَا وَجه لَهُ، لِأَنَّهُ فِي قصَّة مُوسَى، والترجمة فِي قصَّة لوط، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعَ هَذَا أَن التفاسير الَّتِي ذكرهَا هُنَا لم تُوجد إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده. تَرْكَنُوا تَمِيلُوا

стр. 4599

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا﴾ (هود: ٣١١) . أَي: لَا تميلوا إِلَيْهِم، وَهَذَا أَيْضا لَا تعلق لَهُ بِقصَّة لوط، وَقيل: كَأَنَّهُ ذكره هُنَاكَ لوُجُود مَادَّة: ركن. قلت: هَذَا بعيد، حَيْثُ لم يذكرهُ بمعية مَا وَقع فِي قصَّة لوط. فأنْكَرَهُمْ ونَكِرَهُمْ واسْتَنْكَرَهُمْ واحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رأى أَيْديهم لَا تصل إِلَيْهِ نكرهم﴾ (هود: ٠٧) . وَهَذَا أَيْضا لَا وَجه لَهُ، لِأَن هَذَا الْإِنْكَار فِي الْآيَة من إِبْرَاهِيم، ﵊، وَهُوَ غير إِنْكَار لوط، ﵊، وَذَلِكَ لِأَن الْمَلَائِكَة الْأَرْبَعَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ عَن قريب، لما دخلُوا على إِبْرَاهِيم، ﵊، فِي صور مُردٍ حِسان جَاءَ إِلَيْهِم بعجل حِينَئِذٍ فأمسكوا أَيْديهم، ﴿فَلَمَّا رأى أَيْديهم لَا تصل إِلَيْهِ نكرهم وأوجس مِنْهُم خيفة قَالُوا لَا تخف إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم لوط﴾ (هود: ٠٧) . وَأما إِنْكَار لوط فَفِي مَجِيء قومه إِلَيْهِم كَمَا هُوَ الْمَذْكُور فِي قصَّته. يُهْرَعُونَ يُسْرِعُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وجاءه قومه يهرعون إِلَيْهِ﴾ (هود: ٨٧) . أَي: جَاءَ لوطاً قومه يهرعون، أَي: يسرعون ويهرولون، وَذَلِكَ أَن امْرَأَة لوط هِيَ الَّتِي أَخْبَرتهم بمجيء هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة فِي صُورَة الرِّجَال المردان، وقصته مَشْهُورَة. دَابِرَ آخِرَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمر أَن دابر هَؤُلَاءِ مَقْطُوع﴾ (الْحجر: ٦٦) . أَي: آخِرهم مَقْطُوع مستأصل. صَيْحَةً هَلَكَةً أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كَانَت إلَاّ صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون﴾ (ي س: ٩٢) . وَهَذَا أَيْضا لَا وَجه لَهُ هَهُنَا لِأَن هَذِه الْآيَة لَا تعلق لَهَا بِقصَّة لوط. لِلْمُتَوَسِّمِينَ لِلنَّاظِرِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ (الْحجر: ٥٧) . وَفَسرهُ بقوله: للناظرين، وَهَكَذَا فسره الضَّحَّاك، وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ للمتفرسين، وَقَالَ الْفراء: للمتفكرين وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: للمتبصرين، وَحَقِيقَته من توسمت الشَّيْء: نظرته، نظر تثبت. لَبِسَبِيلٍ لَبِطَرِيقٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهَا لبسبيل مُقيم﴾ (الْحجر: ٦٧) . وَفسّر السَّبِيل بِالطَّرِيقِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَإِنَّهَا، يرجع إِلَى: مَدَائِن قوم لوط ﷺ ، وَقيل: إِلَى الْآيَات. ٦٧٣٣ - حدَّثنا مَحْمُودٌ حَدَّثَنا أَبُو أحْمَدَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قرَأ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِّرْ﴾ (الْقَمَر: ٥١، ٧١، ٢٢، ٢٣، ٠٤، و ١٥) . . هَذَا قد مر فِي: بَاب قَوْله : ﴿وَأما عَاد فأهلكوا برِيح صَرْصَر﴾ (الحاقة: ٦) . وَوجه مُنَاسبَة ذكره هُنَا هُوَ أَنه ذكر فِي قصَّة لوط، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كذبت قوم لوط بِالنذرِ﴾ (الْقَمَر: ٣٣) . إِلَى قَوْله: ﴿فَذُوقُوا عَذَابي ونذرِ﴾ (الْقَمَر: ٧٣ و ٩٣) . ثمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدَّكر﴾ (الْقَمَر: ١٥) . وَكَذَلِكَ ذكر عقيب قصَّة عَاد وقصة ثَمُود أَيْضا، وَكلهَا فِي سُورَة الْقَمَر. قَوْله: ﴿فَهَل من مدكر﴾ بِالدَّال الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، بالغين الْمُعْجَمَة، وَأَبُو أَحْمد هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الزبيرِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَمْرو، وَالْأسود بن يزِيد وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. ٩١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أخاهُمْ صالِحَاً﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٧) .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ بَيَان قَول الله : ﴿وَإِلَى ثَمُود﴾ أَي: أرسلنَا إِلَيّ ثَمُود ﴿أَخَاهُم صَالحا﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٧) . وَإِنَّمَا قَالَ: أَخَاهُم، لِأَن

стр. 4600

صَالحا، ﵇، كَانَ من قبيلتهم. وَاخْتلفُوا فِي ثَمُود، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: ثَمُود قَبيلَة من الْعَرَب الأولى، وهم قوم صَالح، وَكَذَلِكَ قَالَ الْفراء: سميت بذلك لقلَّة مَائِهِمْ، وَقَالَ الزّجاج: الثمد المَاء الْقَلِيل الَّذِي لَا مَادَّة لَهُ، وَقيل: ثَمُود اسْم رجل، وَقَالَ عِكْرِمَة: هُوَ ثَمُود بن جَابر بن إرم بن سَام بن نوح، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: وَكَانَت هَذِه الْقَبِيلَة تنزل فِي وَادي الْقرى إِلَى الْبَحْر والسواحل وأطراف الشَّام، وَكَانَت أعمارهم طَوِيلَة وَكَانُوا يبنون الْبُنيان والمساكن، فتنهدم، فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِم اتَّخذُوا من الْجبَال بُيُوتًا ينحتونها وعملوها على هَيْئَة الدّور، وَيُقَال: كَانَت مَنَازِلهمْ أَولا بِأَرْض كوش من بِلَاد عالج ثمَّ انتقلوا إِلَى الْحجر بَين الْحجاز وَالشَّام إِلَى وَادي الْقرى، وخالفوا أَمر الله وعبدوا غَيره، وأفسدوا فِي الأَرْض فَبعث الله إِلَيْهِم صَالحا نَبيا فَدَعَاهُمْ إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى شمط وَلم يتبعهُ مِنْهُم إلَاّ قَلِيل يستضعفون، وَصَالح هُوَ ابْن عبيد بن جاثر بن إرم بن سَام بن نوح، ﵊، وَقيل: صَالح بن عبيد بن أنيف بن ماشخ بن جادر بن جاثر بن ثَمُود، قَالَه مقَاتل، وَقيل: صَالح بن كانوه، قَالَه الرّبيع، وَقيل: صَالح بن عبيد بن يُوسُف بن شالخ بن عبيد بن جاثر بن ثَمُود، قَالَه مُجَاهِد. قَالَ مُجَاهِد: كَانَ بَينه وَبَين ثَمُود مائَة سنة وَكَانَ فِي قومه بقايا من قوم عَاد على طولهم وهيئاتهم، وَكَانَ لَهُم صنم من حَدِيد يدْخل فِيهِ الشَّيْطَان فِي السّنة مرّة وَاحِدَة ويكلمهم، وَكَانَ أَبُو صَالح سادنه فغار لله وهمَّ بكسره، فناداهم الصَّنَم: اقْتُلُوا كانوه، فَقَتَلُوهُ، ورموه فِي مغارة، فَبَكَتْ عَلَيْهِ امْرَأَته مُدَّة، فَجَاءَهَا ملك فَقَالَ لَهَا: إِن زَوجك فِي المغارة الْفُلَانِيَّة، فَجَاءَت إِلَيْهِ وَهُوَ ميت فأحياه الله تَعَالَى، فَقَامَ إِلَيْهَا فَوَطِئَهَا فِي الْحَال فعلقت بِصَالح من ساعتها، وَعَاد كانوه مَيتا بِإِذن الله، وَلما شب صَالح بَعثه الله إِلَى قومه قبل الْبلُوغ، وَلكنه قد راهق، قَالَه وهب. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لما تمّ لَهُ أَرْبَعُونَ سنة أرْسلهُ إِلَيْهِم وَذكره الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن فِي خَمْسَة مَوَاضِع، وَبَين قصَّته مَعَ قومه، فَلَمَّا أهلك الله قومه نزل صَالح بفلسطين وَأقَام بالرملة، وَقَالَ السّديّ: أَتَى صَالح وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ إِلَى مَكَّة وَأَقَامُوا يتعبدون حَتَّى مَاتُوا فقبورهم غربي الْكَعْبَة بَين دَار الندوة وَالْحجر، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَقَامَ صَالح فِي قومه عشْرين سنة وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وثمان وَخمسين سنة، وَقيل: ابْن ثَلَاثمِائَة وست وَثَلَاثِينَ سنة، وَحَكَاهُ الْخَطِيب عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ الْأَظْهر، وَيُقَال: إِن صَالحا مَاتَ فِي الْيمن وقبره بِموضع يُقَال لَهُ الشبوه، وَذكر الْفربرِي: أَن صَالحا خرج مَعَ الْمُؤمنِينَ إِلَى الشَّام فسكنوا فلسطين وَمَات بهَا، وَكَانَ بَين صَالح وَبَين هود مائَة سنة، وَبَين صَالح وَبَين إِبْرَاهِيم سِتّمائَة سنة وَثَلَاثُونَ سنة. ﴿كَذَبَ أصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ (الْحجر: ٠٨) . الحِجْرُ مَوْضِعُ ثَمُودَ. وأمَّا حَرْثٌ حِجْرٌ حَرَامٌ وكلُّ مَمْنُوعٍ فَهْوَ حِجْرٌ مَحْجُورٌ والْحِجْرُ كُلُّ بِناءٍ بَنَيْتَهُ ومَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ فَهُوَ حِجْرٌ ومِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرَاً كأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومِ مِثْلُ قَتِيلٍ مِنَ مَقْتُولٍ ويُقال لِلأُنْثَاى مِنَ الخَيْلِ الْحِجْرُ ويُقالُ لِلْعَقْلِ حِجْرٌ وحِجًى وأمَّا حَجْرُ اليَمامَةِ فَهْوَ مَنْزِلٌ قَوْله: (كذب أَصْحَاب الْحجر) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كذب أَصْحَاب الْحجر الْمُرْسلين﴾ (الْحجر: ٠٨) . وَفسّر الْحجر بقوله: مَوضِع ثَمُود، وَهُوَ مَا بَين الْمَدِينَة وَالشَّام، وَأَرَادَ بِالْمُرْسَلين صَالحا، وَهُوَ وَإِن كَانَ وَاحِدًا فَالْمُرَاد هُوَ وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ، كَمَا قَالُوا الخبيبيون فِي ابْن الزبير وَأَصْحَابه، وَقيل: كل من كذب وَاحِدًا من الرُّسُل فَكَأَنَّمَا كذبهمْ جَمِيعًا. قَوْله: (وَأما حرث حجر حرَام) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر﴾ (الْأَنْعَام: ٨٣١) . وَفسّر الْحجر بقوله: حرَام، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَحذف البُخَارِيّ الْفَاء من جَوَاب: أما، وَهُوَ قَوْله: حرَام، وَهُوَ جَائِز. قَوْله: (وكل منوع فَهُوَ حجر مَحْجُور) أَي: كل شَيْء يمْنَع فَهُوَ حجر أَي: حرَام، وَمِنْه: حجر مَحْجُور، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ حجرا مَحْجُورا﴾ (الْفرْقَان: ٢٢) . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي حَرَامًا محرما. قَوْله: (وَالْحجر كل بِنَاء بنيته) ، بتاء الْخطاب فِي آخِره، ويروي: (تبنيه) ، بتاء الْخطاب فِي أَوله. قَوْله: (فَهُوَ حجر) ، إِنَّمَا دخلت الْفَاء فِيهِ لِأَن قَوْله: (وَمَا حجرت عَلَيْهِ) ، يتَضَمَّن معنى الشَّرْط. قَوْله: (وَمِنْه سمي الْحطيم) ، أَي: وَمن قبيل هَذِه الْمَادَّة سمي حطيم الْبَيْت أَي الْكَعْبَة حجرا، وَهُوَ الْحَائِط المستدير إِلَى جَانب الْكَعْبَة. قَوْله: (كَأَنَّهُ مُشْتَقّ من محطوم مثل قَتِيل من مقتول) ، أَرَادَ: أَن الْحطيم بِمَعْنى المحطوم، كَمَا أَن الْقَتِيل بِمَعْنى الْمَقْتُول يَعْنِي فعيل، وَلكنه بِمَعْنى مفعول، وَلَيْسَ فِيهِ اشتقاق

стр. 4601

اصطلاحي، وَمعنى: محطوم، مكسور، وَكَأن الْحطيم سمي بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الأَصْل دَاخل الْكَعْبَة فانكسر بِإِخْرَاجِهِ عَنْهَا. قَوْله: (وَيُقَال للْأُنْثَى من الْخَيل الْحجر) وَيجمع على حجورة. قَوْله: (وَيُقَال لِلْعَقْلِ حجر) ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل فِي ذَلِك قسم لذِي حجر﴾ (الْفجْر: ٥) . أَي: لذِي عقل، لِأَنَّهُ يمْنَع صَاحبه من الْوُقُوع فِي المهالك. قَوْله: (وحجى) بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْجِيم مَقْصُور، وَهُوَ أَيْضا من أَسمَاء الْعقل، وَمِنْه: الحجى بِمَعْنى السّتْر، وَفِي الحَدِيث: (من بَات على ظهر بَيت لَيْسَ عَلَيْهِ حجى فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة) شبهه بالحجى الْعقل، لِأَن الْعقل يمْنَع الْإِنْسَان من الْفساد ويحفظه من التَّعَرُّض للهلاك، فَكَذَلِك السّتْر الَّذِي على السَّطْح يمْنَع الْإِنْسَان من التردي والسقوط. قَوْله: (وَأما حجر الْيَمَامَة فَهُوَ منزل) ، يَعْنِي: أما حجر الْيَمَامَة، بِفَتْح الْحَاء: فَهُوَ اسْم منزل ثَمُود بِنَاحِيَة الشَّام عِنْد وَادي الْقرى، وَهَذَا لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا قبله من الْأَلْفَاظ السِّتَّة، وَلكنه ذكره اسْتِطْرَادًا، وَمن مكسور الْحَاء غيير مَا ذكره حجر الْقَمِيص، وَفِيه جَاءَ الْكسر وَالْفَتْح أفْصح وَمِنْه حجر الْإِنْسَان، قَالَ ابْن فَارس: فِيهِ لُغَتَانِ وَيجمع على حجور، وَجَاء فِي الْحجر الَّذِي بِمَعْنى الْحَرَام الْكسر وَالضَّم وَالْفَتْح. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْكسر أفْصح، وَالْحجر بِفتْحَتَيْنِ مَعْرُوف، وَهُوَ اسْم رجل أَيْضا، وَمِنْه أَوْس بن حجر الشَّاعِر، وَالْحجر بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الْجِيم مصدر حجر القَاضِي عَلَيْهِ إِذا مَنعه من التَّصَرُّف فِي مَاله، وَحجر بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْجِيم: نبت مر، وَاسم رجل أَيْضا وَهُوَ حجر الْكِنْدِيّ الَّذِي يُقَال لَهُ: آكل المرار، وَحجر بن عدي الَّذِي يُقَال لَهُ: الأدبر، وَاعْلَم أَن فِي بعض النّسخ وَقع هَذَا الْبَاب عقيب قَوْله: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَاد أَخَاهُم هوداً﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٧) . وَقَالَ بَعضهم: الصَّوَاب إثْبَاته هُنَا، يَعْنِي: عقيب قَوْله: ﴿وَإِلَى عَاد أَخَاهُم هوداً﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٧) . ثمَّ أيد كَلَامه بِمَا حَكَاهُ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ عَن أبي ذَر الْهَرَوِيّ: أَن نُسْخَة الأَصْل من البُخَارِيّ كَانَت وَرقا غير محبوك، فَرُبمَا وجدت الورقة فِي غير موضعهَا فنسخت على مَا وجدت فَوَقع فِي بعض التراجم إِشْكَال بِحَسب ذَلِك، وإلَاّ فقد وَقع فِي الْقُرْآن مَا يدل على أَن ثَمُود كَانُوا بعد عَاد، كَمَا أَن عاداً بعد قوم نوح، ﵊، قلت: الِاعْتِمَاد على هَذَا الْكَلَام مِمَّا يسْتَلْزم سوء التَّرْتِيب بَين الْأَبْوَاب وَعدم الْمُطَابقَة بَين الْأَحَادِيث والتراجم مَعَ الاعتناء الشَّديد فِي كتب البُخَارِيّ على تَرْتِيب مَا وَضعه المُصَنّف فِي تِلْكَ الْأَيَّام، وَلَا يسْتَلْزم وُقُوع قصَّة ثَمُود بعد قصَّة عَاد فِي الْقُرْآن لُزُوم رِعَايَة التَّرْتِيب فِيهِ. ٧٧٣٣ - حدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيَانُ حدَّثنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وذَكَرَ الَّذِي عقَرَ النَّاقَةَ فَقَالَ انْتَدَبَ لَهَا رَجُلٌ ذُو عِزٍّ ومَنَعَةٍ فِي قُوَّةٍ كَأبي زَمْعَةَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن عقر النَّاقة فِي قصَّة صَالح، ﵊، والْحميدِي، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: عبد الله بن الزبير ابْن عِيسَى وَقد مر غير مرّة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن زَمعَة، بِفَتْح الزاء وَسُكُون الْمِيم وَفتحهَا: ابْن الْأسود بن الْمطلب ابْن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي، أمه قريبَة بنت أبي أُميَّة ابْنة أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، وَكَانَ من أَشْرَاف قُرَيْش، وَكَانَ يَأْذَن على النَّبِي ﷺ ، يعد فِي أهل الْمَدِينَة، وَزَمعَة وَأَخُوهُ عقيل قتلا يَوْم بدر كَافِرين، وأبوهما الْأسود كَانَ من الْمُسْتَهْزِئِينَ، ذكرُوا أَن جِبْرِيل، ﵊، ضرب فِي وَجهه بِوَرَقَة فَعميَ، وَكَانَ لعبد الله ابْن يُسمى: يزِيد، قَتله مُسْرِف بن عقبَة صبرا يَوْم الْحرَّة، وَقتل لَهُ بنُون أَيْضا يَوْم الْحرَّة، وَلَيْسَ لعبد الله بن زَمعَة فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو عمر وروى عَنهُ عُرْوَة ثَلَاثَة أَحَادِيث: أَحدهَا: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: يضْرب أحدكُم الْمَرْأَة ضرب العَبْد ثمَّ يضاجعها من آخر يَوْمه. وَالثَّانِي: أَنه ذكر الضرطة فوعظهم فِيهَا، فَقَالَ: لِمَ يضْحك أحدكُم مِمَّا يفعل؟ وَالثَّالِث: حَدِيث الْبَاب، وَقد جمع عُرْوَة الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث وَاحِد، كَمَا يَجِيء بَيَانه عَن قريب. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الْأَدَب عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن يُوسُف. وَأخرجه البُخَارِيّ هُنَا بِحَدِيث عقر النَّاقة وَفِي الْأَدَب بِالْحَدِيثِ الأول

стр. 4602

والْحَدِيث الثَّانِي، وَفِي النِّكَاح بِالْحَدِيثِ الأول، وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هَارُون بن إِسْحَاق وَعَن عَبدة بن سُلَيْمَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع وَهَارُون بن إِسْحَاق بِحَدِيث الْبَاب وَفِي عشرَة النِّسَاء بِالْحَدِيثِ الأول. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة بِالْحَدِيثِ الأول. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَذكر الَّذِي عقر النَّاقة) ، أَي: نَاقَة صَالح، ﵊، وقصتها هِيَ: أَن صَالحا لما دَعَا قومه إِلَى الله تَعَالَى اقترحوا عَلَيْهِ نَاقَة لأَنهم كَانُوا أَصْحَاب إبل وَكَانَت النوق عِنْدهم عزيزة، فَقَالُوا: لتكن النَّاقة سَوْدَاء حالكة عشراء ذَات عرف وناصية ووبر، فَسَأَلَ الله فَأوحى إِلَيْهِ: أخرج بهم إِلَى فضاء من الأَرْض، فَخَرجُوا فَقَالَ: من أَيْن تريدونها، فأشاروا إِلَى صَخْرَة، فَقَالُوا: من هَذِه فَأَشَارَ إِلَيْهَا صَالح، ﵊، فَقَالَ: أَخْرِجِي بِإِذن الله، فتمخضت تمخض الْحَامِل وانفجرت عَن نَاقَة كَمَا طلبُوا، ثمَّ تَلَاهَا فصيل لَهَا، فَآمن خلق مِمَّن حضر مِنْهُم ملكهم جندع بن عَمْرو ورهط من قومه، وَأَرَادَ أَشْرَاف ثَمُود أَن يُؤمنُوا فنهاهم دؤاب بن عَمْرو وَصَاحب أوثانهم ورئاب بن ضمعر، وَكَانَ من أَشْرَاف ثَمُود وَفِي (تَارِيخ الْفربرِي) : قَالُوا لصالح، ﵊: لن نؤمن لَك حَتَّى تخرج لنا من هَذِه الصَّخْرَة نَاقَة ذَات ألوان من أَحْمَر ناصع وأصفر فَاقِع وأسود حالك وأبيض يقق، وَيكون نظرها كالبرق الخاطف ورغاؤها كالرعد القاصف، وَيكون طولهَا مائَة ذِرَاع وعرضها كَذَلِك، ذَات ضروع أَرْبَعَة فنحلب مِنْهَا مَاء وَعَسَلًا ولبناً وخمراً، وَيكون لَهَا تبيع على صفتهَا، وَليكن حنينها بتوحيد إل هك وَالْإِقْرَار بنبوتك، فَخرجت مثل مَا قَالُوا، فَآمن الْملك وَكذب بَعضهم وَكذب أَخُو الْملك صَالحا وَملكه مِمَّن لم يُؤمن بِهِ مِنْهُم، والقصة طَوِيلَة، فآخر الْأَمر قَالُوا: قد ضايقتنا هَذِه النَّاقة فِي المَاء والكلأ، فأجمَعوا على عقرهَا كَمَا نذكرهُ. قَوْله: (انتدب لَهَا رجل) ، من نَدبه لأمر فَانْتدبَ أَي: دَعَا لَهُ فَأجَاب. قَوْله: (ذُو عز ومنعة) ، بِفَتْح الْمِيم وَالنُّون وبالعين الْمُهْملَة، وَقيل: بِسُكُون النُّون: وَهِي الْقُوَّة وَمَا يمْنَع بِهِ الْخصم. قَوْله: (فِي قُوَّة) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني والسرخسي وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي قومه. قَوْله: (كَأبي زَمعَة) ، وَهُوَ الْأسود بن الْمطلب وَكَانَ ذَا عز ومنعة فِي قومه كعاقر النَّاقة، والتشبيه فِي هَذَا، وعاقر الناقر هُوَ قدار بن سالف، وَذكر السُّهيْلي: أَنه كَانَ ولد زنا وَهُوَ أَحْمَر ثَمُود الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل فِي الشؤم، وَكَانَ أَحْمَر أشقر أَزْرَق سناطاً قَصِيرا، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اسْمه قديرة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: اسْمه قدار بِالدَّال الْمُهْملَة وَهُوَ الْأَصَح وَقَالَ وهب: وَكَانَ فِي الْمَدِينَة ثَمَانِيَة رَهْط يفسدون فِي الأَرْض وَلَا يصلحون فانضاف إِلَيْهِم قدار فصاروا تِسْعَة وَقَالَ وهب: وَكَانَت الثَّمَانِية حاكة وَكَانَ الَّذِي تولى عقرهَا قدار بن سالف، ورماها مصدع بن مهرج، وَذكرهمْ ابْن دُرَيْد فِي (الوشاح) ، فَقَالَ: قدار بن سالف بن جدع. ومصدع بن مهرج بن هزيل بن الْمحيا. وهزيل بن عنز بن غنم بن ميلع. وسبيع بن مكيف بن سيحان. وعرام بن نهبى بن لَقِيط. ومهرب بن زُهَيْر بن سبيع. وسبيع بن رغام بن ملدع، وعريد بن نجد ابْن مهان، ورعين بن عمر بن داعر. ٨٧٣٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مِسْكِينٍ أَبُو الْحَسَنِ حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَسَّانَ بنِ حَيَّانَ أبُو زَكَرِيَّاءَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله ﷺ لَمَّا نَزَلَ الحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أمَرَهُمْ أنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا ولَا يَسْتَقُوا مِنْهَا فقالُوا قَدْ عَجَّنَا مِنْهَا واسْتَقَيْنَا فأمَرَهُمْ أَن يَطْرَحُوا ذالِكَ العَجِينَ ويُهَرِيقُوا ذالِكَ المَاءَ. (الحَدِيث ٨٧٣٣ طرفه فِي: ٩٧٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن مِسْكين الْيَمَانِيّ شيخ الشَّيْخَيْنِ، وَيحيى بن حسان منصرفاً وَغير منصرف ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، التنيسِي مر فِي الْجَنَائِز، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب مولى الْقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ بربرياً. قَوْله: (لما نزل الْحجر) أَي: منَازِل ثَمُود. قَوْله: (وَيُهرِيقُوا) ، أَي: ويريقوا من الإراقة، وَالْهَاء زَائِدَة، وَإِنَّمَا أَمرهم أَن لَا يشْربُوا من مَائِهَا خوفًا أَن يورثهم قسوة أَو شَيْئا يضرهم.

стр. 4603

ويُرْوَى عنْ سَبْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ وَأبي الشَّمُوسِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بإلقَاءِ الطَّعَامِ سُبْرَة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء: ابْن معبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. وَقَالَ أَبُو عمر: سُبْرَة بن معبد الْجُهَنِيّ، وَيُقَال: بن عَوْسَجَة بن حَرْمَلَة بن سُبْرَة بن خديج بن مَالك بن عَمْرو الْجُهَنِيّ، يكنى أَبَا ثرية، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقَالَ أَبُو عمر: الصَّوَاب ضم الثَّاء، يَعْنِي الْمُثَلَّثَة وَفتح الرَّاء، سكن الْمَدِينَة وَله بهَا دا ثمَّ انْتقل إِلَى مرو وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَوصل حَدِيثه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الْعَزِيز ابْن سُبْرَة بن معبد عَن أَبِيه عَن جده سُبْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ لأَصْحَابه حِين رَاح من الْحجر: (من كَانَ عجن مِنْكُم من هَذَا المَاء عجينة أَو حاس بِهِ حَيْسًا فليلقه) ، وَأَبُو الشموس، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْمِيم وَفِي آخِره سين مُهْملَة: البلوي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَاللَّام، وَلَا يعرف لَهُ اسْم، وَوصل حَدِيثه البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مَنْدَه من طَرِيق سليم ابْن مطير عَن أَبِيه عَنهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك ... فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: فَألْقى ذُو الْعَجِين عجينة وَذُو الحيس حيسه، وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم من هَذَا الْوَجْه، وَزَاد: فَقلت: يَا رَسُول الله! قد حست حيسة أفألقمها رَاحِلَتي؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ أبُو ذَرٍّ عنِ النَّبِيِّ ﷺ مَنِ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ أَبُو ذَر اسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة. قَوْله: (من اعتجن بمائه) ، أَي: أَمر من اعتجن بمائه بالإلقاء، وَوَصله الْبَزَّار من طَرِيق عبد الله بن قدامَة عَنهُ: أَنهم كَانُوا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَأتوا على وَاد، فَقَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ : إِنَّكُم بوادٍ مَلْعُون فَأَسْرعُوا، وَقَالَ: من اعتجن عجينة أَو طبخ قدرا فليكبها ... الحَدِيث، وَقَالَ: لَا نعلمهُ إلَاّ بِهَذَا الْإِسْنَاد. ٩٧٣٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أخْبَرَهُ أنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ أرْضَ ثَمُودَ الحِجْرَ فاسْتَقُوا مِنْ بِئْرِهَا واعْتَجَنُوا بِهِ فأمَرَهُمْ رسُولُ الله ﷺ أنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وأنْ يَعْلِفُوا الإبِلَ العَجِينَ وأمَرَهُمْ أنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتَي كانَتْ تَرِدُها النَّاقَةُ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (الْحجر) ، بِالنّصب على أَنه بدل من أَرض ثَمُود. قَوْله: (وَأَن يعلفوا) ، بِفَتْح الْيَاء من: علفت الدَّابَّة علفاً، قيل: أَمر فِي الحَدِيث الْمَاضِي بالطرح، وَهَهُنَا قَالَ بالتعليف. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد بالطرح ترك الْأكل أَو الطرح عِنْد الدَّوَابّ. قَوْله: (الَّتِي كَانَت) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره الَّتِي كَانَ. وَفِيه: كَرَاهَة الاستقاء من آبار ثَمُود، قيل: وَيلْحق بهَا نظائرها من الْآبَار والعيون الَّتِي كَانَت لمن هلك بتعذيب الله تَعَالَى على كفره، وَاخْتلف فِي الْكَرَاهَة الْمَذْكُورَة، فَقيل: للتَّحْرِيم، وَقيل: للتنزيه، وعَلى التَّحْرِيم هَل يمْتَنع صِحَة التطهر من ذَلِك المَاء أم لَا؟ وَالظَّاهِر لَا يمْتَنع. تابَعَهُ أُسَامَةُ عنْ نافِعٍ أَي: تَابع عبيد الله أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة اللَّيْثِيّ عَن نَافِع، يَعْنِي روى عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة حَرْمَلَة بن يحيى أَبُو حَفْص التجِيبِي الْمصْرِيّ عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي أُسَامَة بن زيد فَذكر مثل حَدِيث عبيد الله، وَفِي آخِره: فَأَمرهمْ أَن ينزلُوا على بِئْر نَاقَة صَالح ﷺ فيستقوا مِنْهَا. ٠٨٣٣ - حدَّثني مُحَمَّدٌ أخبَرَنَا عَبْدُ الله عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ أنَّ النَّبِي ﷺ لَمَّا مَرَّ بالحِجْرِ قَالَ لَا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظلَمُوا إلَاّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكُمْ مَا أصَابَهُمْ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ وهْوَ عَلَى الرَّحْلِ. .

стр. 4604

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد هُوَ ابْن مقَاتل، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن سُوَيْد بن نصر. قَوْله: (لَا تدْخلُوا مسَاكِن الَّذين ظلمُوا) وَزَاد فِي رِوَايَة: أنفسهم. وَقَوله: مسَاكِن، أَعم من أَن يكون: مسَاكِن ثَمُود وَغَيرهم، مِمَّن هُوَ كصفتهم، وَإِن كَانَ السَّبَب ورد فِي ثَمُود. قَوْله: (بَاكِينَ) وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: باكيين، بياءين. قَالَ ابْن التِّين: وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الْيَاء الأولى مَكْسُورَة فِي الأَصْل فاسثقلت وحذفت إِحْدَى اليائين لالتقاء الساكنين. قَوْله: (الَّذين ظلمُوا) : ثَمُود وَمن فِي معناهم من سَائِر الْأُمَم الَّذين نزلت بهم المثلات. قَوْله: (أَن يُصِيبكُم) أَي: حذر أَن يُصِيبكُم، كَقَوْلِك: لَا تقرب الْأسد أَن يفترسك، و: أَن مَصْدَرِيَّة أَي: كَرَاهَة الْإِصَابَة، وَهَذَا التَّقْدِير عِنْد الْبَصرِيين، وَالتَّقْدِير عِنْد الْكُوفِيّين: لِئَلَّا يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم، وَهَذَا خطأ عِنْد الْبَصرِيين لأَنهم لَا يجوزون إِضْمَار: لَا. قَوْله: (ثمَّ تقنَّع) ، أَي تستر. قَوْله: (على الرحل) ، وَهُوَ رَحل الْبَعِير. ١٨٣٣ - حدَّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا وهْبٌ حدَّثنا أبِي سَمِعْتُ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ لَا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظلَمُوا أنْفُسَهُمْ إلَاّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أصَابَهُمْ. . عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، ووهب هُوَ ابْن جرير يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم الْبَصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْخَسْف حَدِيث ابْن عمر من وَجه آخر رَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (لَا تدْخلُوا على هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبين إلَاّ أَن تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِن لم تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تدْخلُوا عَلَيْهِم لِئَلَّا يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم) . وَالله أعلم. ٨١ - (بابٌ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣١) .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣١) . ثبتَتْ هَذِه التَّرْجَمَة هُنَا وَهِي مكررة ذكرت قبل بِثَلَاثَة أَبْوَاب فَلذَلِك لَا تُوجد فِي كثير من النّسخ. ٢٨٣٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصِورٍ أخبرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ الْكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكريمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ إسْحَاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ علَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن يُوسُف دَاخل فِي وَصِيَّة يَعْقُوب حِين حَضَره الْمَوْت، وَإِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج الْمروزِي الْحَافِظ أَبُو يَعْقُوب، سكن نيسابور وَمَات سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وروى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ أَبَا دَاوُد وَلَهُم: إِسْحَاق بن مَنْصُور السَّلُولي الْكُوفِي روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَلَهُم ثَالِث: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن حَيَّان الْأَسدي الْكُوفِي روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث أَبُو سهل التنوري الْحَافِظ الْحجَّة، وروى لَهُ الْجَمَاعَة، وَلَهُم: عبد الصَّمد بن حبيب العوادي روى لَهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ البُخَارِيّ: لين، وَعبد الصَّمد بن سُلَيْمَان الْبَلْخِي الْحَافِظ روى عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة مَاتَ فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن دِينَار. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي آخر هَذَا الْبَاب أَيْضا عَن عَبدة بن عبد الله الصفار. وَأخرجه فِي التَّفْسِير أَيْضا. وَقَالَ عبد الله. قَوْله: (يُوسُف) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ وَهُوَ قَوْله: (الْكَرِيم) ، ضد اللَّئِيم وكل نفس كريم هُوَ متناول للصالح الْجيد دينا وَدُنْيا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وأصل الْكَرم كَثْرَة الْخَيْر وَقد جمع يُوسُف، ﵊، مَكَارِم الْأَخْلَاق مَعَ شرف النُّبُوَّة، وَكَونه ابْنا لثَلَاثَة أَنْبيَاء متناسلين وَمَعَ شرف رياسة الدُّنْيَا ملكهَا بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان، وَكَون قَوْله ﷺ (الْكَرِيم

стр. 4605

ابْن الْكَرِيم) إِلَى آخِره مَوْزُونا مقفى لَا يُنَافِي: ﴿وَمَا علمناه الشّعْر﴾ (ي س: ٩٦) . إِذْ لم يكن هَذَا بِالْقَصْدِ بل وَقع بالِاتِّفَاقِ، أَو المُرَاد بِهِ صَنْعَة الشّعْر، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود: (يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق ذبيح الله) . وَله من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (قيل: يَا رَسُول الله! من السَّيِّد؟ قَالَ: يُوسُف بن يَعْقُوب، قَالَ: فَمَا فِي أمتك سيد؟ قَالَ: رجل أعْطى مَالا حَلَالا ورزق سماحة) ، وَإِسْنَاده ضَعِيف. ٩١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (يُوسُف: ١٧) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف﴾ (يُوسُف: ١٧) . ويوسف فِيهِ سِتَّة أوجه: ضم السِّين وَكسرهَا وَفتحهَا مَعَ الْهَمْز وَتَركه. وَاخْتلفُوا فِيهِ: هَل هُوَ أعجمى أَو عَرَبِيّ؟ فالأكثرون على أَنه أعجمي، وَلِهَذَا لم ينْصَرف. وَقيل: عَرَبِيّ مَأْخُوذ من الأسف وَهُوَ الْحزن، أَو الأسيف وَهُوَ العَبْد، وَقد اجْتمعَا فِي يُوسُف، ﵊، فَسُمي بِهِ. وَقَالَ مقَاتل: ذكر الله يُوسُف فِي الْقُرْآن فِي سَبْعَة وَعشْرين موضعا. قَوْله: (وَإِخْوَته) ، أَي: فِي خبرهم. قَوْله: (آيَات) ، أَي: عبر. قَوْله: (للسائلين) قيل: الْيَهُود، وَقيل: آيَات أَي عَلَامَات وَدَلَائِل على قدرَة الله تَعَالَى وحكمته فِي كل شَيْء، للسائلين: يَعْنِي لمن سَأَلَ عَن قصتهم، وَقيل: آيَات على نبوة مُحَمَّد ﷺ ، للَّذين سَأَلُوهُ من الْيَهُود عَنْهَا فَأخْبرهُم بِالصِّحَّةِ من غير سَماع من أحد وَلَا قِرَاءَة كتاب، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقريء: لآيَة، وَفِي بعض الْمَصَاحِف: عِبْرَة. وَأما أَسمَاء أخوة يُوسُف: فروبيل، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام، وَهُوَ أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهودا، ورويالون. ويسخر وَيُقَال: أَي ساخر. وأمهم ليا بنت لايان، وَهُوَ خَال يَعْقُوب، ﵊، وداني، ويفتالي، وجاد، وآشر، وَهَؤُلَاء من سريتين، ثمَّ توفيت ليا فَتزَوج يَعْقُوب أُخْتهَا راحيل، فَولدت لَهُ يُوسُف وبنيامين، فَالْكل إثنا عشر نَفرا. ٣٨٣٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَن أسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أخْبَرَنِي سَعِيدُ بنُ أبِي سَعِيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ سُئِلَ رسُولُ الله ﷺ منْ أكْرَمُ النَّاسِ قَالَ أتْقَاهُم لله قَالُوا لَيْسَ عنْ هَذَا نَسْألُكَ قَالَ فأكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ الله ابنُ نَبِيِّ الله ابنِ نَبِيِّ الله ابنِ خَلِيلِ الله قالُوا لَيْسَ عَنْ هاذَا نَسْألُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسْلَامِ إذَا فَقُهُوا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أكْرم النَّاس يُوسُف نَبِي الله) وَعبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن إِسْمَاعِيل واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله أَبُو مُحَمَّد الْهَبَّاري الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣١) . قَالَ الْعلمَاء: لما سَأَلُوا عَن أكْرم النَّاس أخبر بأكرم الْكِرَام، فَقَالَ: أَتْقَاهُم، لِأَن المتقي كَبِير فِي الْآخِرَة، فَلَمَّا قَالُوا لَا نَسْأَلك عَنهُ، فَقَالَ: يُوسُف، نَبِي الله الَّذِي جمع بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَلَمَّا قَالُوا مَا قَالُوا فهم أَن مُرَادهم قبائل الْعَرَب وأصولهم. قَوْله: (فقهوا) ، بِضَم الْقَاف وَحكي كسرهَا. حدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ أخبرَنَا عَبْدَةُ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ سَعيدٍ عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ بِهَذَا هَذَا وَجه آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور، قَالَ: حَدثنِي ويروى: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن سَلام أخبرنَا عَبدة ويروى: أَخْبرنِي عَبدة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لَعَلَّه المَقْبُري، وشنع عَلَيْهِ بعض من عاصره، لَا شكّ أَن سعيداً هُوَ المَقْبُري بِلَا حرف ترج، وَمثل هَذَا كَيفَ يتَصَدَّى لشرح البُخَارِيّ؟ قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِهَذَا الحَدِيث. ٣٨٣٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَن أسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أخْبَرَنِي سَعِيدُ بنُ أبِي سَعِيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ سُئِلَ رسُولُ الله ﷺ منْ أكْرَمُ النَّاسِ قَالَ أتْقَاهُم لله قَالُوا لَيْسَ عنْ هَذَا نَسْألُكَ قَالَ فأكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ الله ابنُ نَبِيِّ الله ابنِ نَبِيِّ الله ابنِ خَلِيلِ الله قالُوا لَيْسَ عَنْ هاذَا نَسْألُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسْلَامِ إذَا فَقُهُوا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أكْرم النَّاس يُوسُف نَبِي الله) وَعبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن إِسْمَاعِيل واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله أَبُو مُحَمَّد الْهَبَّاري الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣١) . قَالَ الْعلمَاء: لما سَأَلُوا عَن أكْرم النَّاس أخبر بأكرم الْكِرَام، فَقَالَ: أَتْقَاهُم، لِأَن المتقي كَبِير فِي الْآخِرَة، فَلَمَّا قَالُوا لَا نَسْأَلك عَنهُ، فَقَالَ: يُوسُف، نَبِي الله الَّذِي جمع بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَلَمَّا قَالُوا مَا قَالُوا فهم أَن مُرَادهم قبائل الْعَرَب وأصولهم. قَوْله: (فقهوا) ، بِضَم الْقَاف وَحكي كسرهَا. حدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ أخبرَنَا عَبْدَةُ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ سَعيدٍ عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ بِهَذَا هَذَا وَجه آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور، قَالَ: حَدثنِي ويروى: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن سَلام أخبرنَا عَبدة ويروى: أَخْبرنِي عَبدة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لَعَلَّه المَقْبُري، وشنع عَلَيْهِ بعض من عاصره، لَا شكّ أَن سعيداً هُوَ المَقْبُري بِلَا حرف ترج، وَمثل هَذَا كَيفَ يتَصَدَّى لشرح البُخَارِيّ؟ قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِهَذَا الحَدِيث.

стр. 4606

٤٨٣٣ - حدَّثنا بَدلُ بنُ الْمُحَبَّرِ أخْبرَنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا مُرِي أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بالنَّاسِ قالَتْ إنَّهُ رَجُلٌ أسِيفٌ مَتَى يَقُمْ مَقامَكَ رَقَّ فَعَادَتْ قَالَ شُعْبَةُ فقالَ فِي الثَّالِثَةِ أوِ الرَّابِعَةِ إنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أبَا بَكْر. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يُوسُف) . وَبدل، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالدَّال الْمُهْملَة وباللام: ابْن المحبر، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة وبالراء: الْيَرْبُوعي الْبَصْرِيّ، وَيُقَال: الوَاسِطِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب من أسمع النَّاس تَكْبِير الإِمَام وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ وَفِي: بَاب إِذا بَكَى الإِمَام فِي الصَّلاة. قَوْله: (مرى) ، أَمر من: أَمر يَأْمر وَأَصله: اؤمري، فحذفت الْهمزَة الثَّانِيَة تَخْفِيفًا وَاسْتغْنى عَن همزَة الْوَصْل فحذفت، فَصَارَ، مري، على وزن: عَليّ. قَوْله: (أسيف) وَفِي رِوَايَة زَائِدَة بعْدهَا: رَقِيق الْقلب سريع الْبكاء والحزن. قَوْله: (رق) ، أَي: يحصل لَهُ الرقة. قَوْله: (فَعَاد) ، أَي: فَعَاد رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى كَلَامه بِأَن قَالَ (مري) قَوْله: (فَعَادَت) أَي: عَائِشَة إِلَى كَلَامهَا الأول بِأَن قَالَت: إِنَّه رجل أسيف، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ. ٥٨٣٣ - حدَّثنا الرَّبِيعُ بنُ يَحْيَى البَصَرِيُّ حدَّثنا زَائِدَةُ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ بنِ أبِي مُوساى عنْ أبِيهِ قَالَ مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فقالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقالَتْ إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ فقالَ مِثْلَهُ فقالَ مُرُوهُ فإنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ فأمَّ أبُو بَكْرٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ الله ﷺ فقالَ حُسَيْنٌ عنْ زَائِدَةَ رَجُلٌ رَقِيقٌ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يُوسُف) . وزائدة بن قدامَة وَأَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: اسْمه عَامر، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ. قَوْله: (فَقَالَت) ، أَي: عَائِشَة. قَوْله: (فَقَالَ مثله) ، أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ ، مثل مَا قَالَ فِي الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (فَقَالَت مثله) ، أَي: فَقَالَت عَائِشَة مثل مَا قَالَت فِي الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (فَقَالَ حُسَيْن) ، وَالْحُسَيْن هُوَ ابْن عَليّ الْجعْفِيّ وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الَّذِي فِي: بَاب أهل الْعلم الَّذِي ذكرنَا آنِفا، وَهُوَ الرَّاوِي عَن زَائِدَة فِيهِ. ٦٨٣٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخْبرَنَا شُعَيْبٌ حدَّثَنَا أبُو الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ اللَّهُمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَةَ أللَّهُمَّ أنْجِ سلَمَةَ بنَ هِشَامٍ أللَّهُمَّ أنْجِ الولِيدَ بنَ الوَلِيدِ أللَّهُمَّ أنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلَى مُضَرَ ألَّلهُمَّ اجْعَلْهَا سِنينَ كَسِني يُوسُفَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَسِنِي يُوسُف) وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه على هَذَا النسق قد مر غير مرّة، وَمضى الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة مطولا فِي: بَاب يهوي بِالتَّكْبِيرِ حِين يسْجد، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٧٨٣٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ أسْمَاءَ ابنِ أخِي جُوَيْرِيَةَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أسْمَاءَ عنْ مالِكٍ عنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ وأبَا عُبَيْدٍ أخْبَرَاهُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ يَرْحَمُ الله لوطَاً لَقَدْ كانَ يَأوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ولَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أتَانِي الدَّاعِي لأجَبْتُهُ. .

стр. 4607

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا لبث يُوسُف) وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَجُوَيْرِية مصغر جَارِيَة وَهُوَ من الْأَعْلَام الْمُشْتَركَة بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث: ابْن أَسمَاء بِوَزْن حَمْرَاء الضبعِي. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب قَوْله : ﴿ونبئهم عَن ضيف إِبْرَاهِيم﴾ (الْحجر: ١٥) . وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٨٨٣٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ أخْبَرَنا ابنُ فُضَيْلٍ حدَّثنا حُصَيْنٌ عنْ شَقِيقٍ عنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سألْتُ أمَّ رُومانَ وهْيَ أمُّ عائِشَةَ عَمَّا قِيلَ فِيهَا مَا قِيلَ قالَتْ بَيْنَمَا أنَا مَعَ عَائِشَةَ جالِسَتَانِ إذْ ولَجَتْ عَلَيْنَا امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ وهْيَ تَقُولُ فَعَلَ الله بِفُلَانٍ وفَعَلَ قالَتْ فَقُلْتُ لِمَ قالَتْ إنَّهُ نَمَّى ذِكْرَ الحَدِيثِ فَقالَتْ عائِشَةُ أيُّ حَدِيثٍ فأخْبَرَتْهَا قالَتْ فَسَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ ورسُولُ الله ﷺ قالَتْ نَعَمْ فَخَرَّتْ مَغْشِيَّاً عَلَيْهَا فَما أفَاقَتْ إلَاّ وعَلَيْهَا حُمَّى بِنافِضٍ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَا لِهَذِهِ قُلْتُ حُمَّى أخَذَتْها مِنْ أجْلٍ حَدِيثٍ تُحَدِّثُ بِهِ فقَعَدَتْ فقالَتْ وَالله لَئِنْ حَلَفْتُ لَا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَذَرْتُ لَا تَعْذِرُونِي فَمَثَلِي ومَثَلُكُمْ كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ فَالله الْمُسْتَعَانُ علَى مَا تَصِفُونَ فانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فأنْزَلَ الله مَا أنْزَلَ فأخْبَرَهَا فقالَتْ بِحَمْدِ الله لَا بِحَمْدِ أحَدٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْلهَا: (فمثلي ومثلكم كَمثل يَعْقُوب وبنيه) فَإِن فِيهِ يُوسُف أَيْضا، وَسَيَأْتِي فِي قصَّة الْإِفْك فِي سُورَة النُّور عَن عَائِشَة بِلَفْظ: والتمست اسْم يَعْقُوب فَلم أَجِدهُ، فَقلت: مَا أحد لي وَلكم مثلا، إِلَّا أَبَا يُوسُف. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام البُخَارِيّ البيكندي وَهُوَ من أَفْرَاده. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل مصغر فضل ابْن غَزوَان الْكُوفِي. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عبد الرَّحْمَن الْهِلَالِي. الرَّابِع: شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي أَبُو وَائِل الْكُوفِي. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع الْهَمدَانِي الوادعي أَبُو عَائِشَة الْكُوفِي. السَّادِس: أم رُومَان، بِضَم الرَّاء، وَقيل: بِفَتْحِهَا بنت عَامر بن عُوَيْمِر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع ابْن دهمان بن الْحَارِث بن غنم بن مَالك بن كنَانَة، قَالَ أَبُو عمر: هَكَذَا نَسَبهَا مُصعب، وَخَالفهُ غَيره، وَالْخلاف من أَبِيهَا إِلَى كنَانَة كثير جدا، وَأَجْمعُوا أَنَّهَا من بني غنم بن مَالك بن كنَانَة، امْرَأَة أبي بكر الصّديق وَأم عَائِشَة وَعبد الرَّحْمَن ابْني أبي بكر، وَذكر فِي (التَّوْضِيح) : أم رُومَان دعد، وَيُقَال: زَيْنَب بنت عُمَيْر بن عَامر، وَقيل: بنت عَامر بن عُوَيْمِر. ذكر مَا قيل فِي هَذَا السَّنَد اخْتلف فِيهِ، فَقيل: إِنَّه مُنْقَطع. قَالَ أَبُو عمر: رِوَايَة مَسْرُوق عَن أم رُومَان مُرْسلَة، وَلَعَلَّه سمع ذَلِك من عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقَالَ ابْن سعد وَأَبُو حسان الزيَادي: أم رُومَان مَاتَت فِي حَيَاة رَسُول الله، ﷺ ، سنة سِتّ، وَنزل رَسُول الله، ﷺ فِي قبرها، زَاد الزبير: فِي ذِي الْحجَّة، وَقَالَ أَبُو عمر: سنة أَربع، وَقيل: سنة خمس، فعلى هَذَا لَا يتَّجه سَماع مَسْرُوق مِنْهَا، وَيكون حَدِيثه مُنْقَطِعًا، وَقَالَ آخَرُونَ: الحَدِيث مُتَّصِل، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ فِي (تَارِيخه) و (علله) : سَأَلَ مَسْرُوق أم رُومَان وَله خمس عشرَة سنة، وَمَات وَله ثَمَان وَسَبْعُونَ سنة، وَهِي أقدم من حدث عَنهُ مَسْرُوق، وَقد صلى خلف أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ أَبُو نعيم الْحَافِظ: بقيت بعد رَسُول الله، ﷺ دهراً طَويلا، فعلى هَذَا الحَدِيث مُتَّصِل، وَقَالَ الْخَطِيب: الْعجب من الْحَرْبِيّ كَيفَ خفى عَلَيْهِ اسْتِحَالَة سُؤال مَسْرُوق لَهَا مَعَ علو قدره فِي الْعلم، وأحسب الْعلَّة الَّتِي دخلت عَلَيْهِ اتِّصَال السَّنَد وثقة رِجَاله، وَلم يتفكر فِيمَا وَرَاء ذَلِك، فَهِيَ الْعلَّة الَّتِي دخلت على البُخَارِيّ حَتَّى خرجه، أما مُسلم فَلم يُخرجهُ، وَرِجَاله على شَرطه، وَأَحْسبهُ فطن لاستحالته فردَّه، وَقَول الْحَرْبِيّ: سَأَلَهَا وَله خمس عشرَة سنة، فعلى هَذَا لَو كَانَ لَهُ وَقت وَفَاة رَسُول الله، ﷺ بضع عشرَة سنة، فَمَا الَّذِي مَنعه أَن يسمع من رَسُول الله، ﷺ ؟ وَلَقَد انتصر بَعضهم للْبُخَارِيّ: بِأَنَّهُ لما ذكر رِوَايَة عَليّ بن زيد بن جدعَان عَن الْقَاسِم: مَاتَت أم رُومَان زمن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: فِيهِ نظر، لضعف عَليّ وَانْقِطَاع حَدِيث الْقَاسِم. وَحَدِيث مَسْرُوق أسْند، وَقَالَ أَيْضا: الَّذِي رَوَاهُ ابْن سعد

стр. 4608

أَصله من الْوَاقِدِيّ وَفِيه مقَال، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْحميدِي قَالَ: كَانَ بعض من لَقينَا من البغداديين الْحفاظ يَقُولُونَ: الْإِرْسَال فِي هَذَا الحَدِيث بيِّن. وَقَالَ الْخَطِيب: وَقع فِي كتاب فِي رِوَايَة: رَوَاهُ مَسْرُوق عَن أبي مَسْعُود عَن أم رُومَان، قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَه، وَكَذَا قَالَه نَاصِر السلَامِي، وَقَالَ الْخَطِيب أَيْضا: الصَّوَاب أَن يُقَال: سُئِلت أم رُومَان على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي وَهَذَا أشبه بِالصِّحَّةِ، لِأَن من النَّاس من يكْتب الْهمزَة ألفا فِي جَمِيع أحوالها الرّفْع وَالنّصب والخفض، فَلَعَلَّ بعض النقلَة كتب على صُورَة سَأَلت بِالْألف وَدون عَلَيْهِ وَرَوَاهُ؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا يَنْفَعهُ هَذَا الْعذر لما جَاءَ فِي حَدِيث الْإِفْك من الْمَغَازِي، قَالَ مَسْرُوق: حَدَّثتنِي أم رُومَان، قلت: قيل: إِنَّه وهم فِيهِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ من الْوَهم أَن أم مسطح من قُرَيْش، وَقَالَت: ولجت علينا امْرَأَة من الْأَنْصَار، وَقَالَ الْخَطِيب: الرَّاوِي عَن شَقِيق عَن مَسْرُوق هُوَ حُصَيْن، وحصين قد اخْتَلَط فِي آخر عمره، فَلَعَلَّهُ روى الحَدِيث فِي حَال اخْتِلَاطه؟ قَالَ الْخَطِيب أَيْضا: وَفِي رِوَايَة عَن مَسْرُوق: سُئِلت أم رُومَان، وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَه بِالصِّحَّةِ، وَالله أعلم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَمَّا قيل فِيهَا) ، أَي: فِي عَائِشَة، مَا قيل من الْإِفْك. قَوْله: (إِذا ولجت) ، أَي: دخلت. قَوْله: (فعل الله بفلان وَفعل) ، أَرَادَت الْأَنْصَارِيَّة الْمَذْكُورَة بفلان: مسطحًا، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ مسطح بن أَثَاثَة بن عباد بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي المطلبي، يكنى أَبَا عباد، وَقَالَ أَبُو عمر: اسْمه عَوْف لَا اخْتِلَاف فِي ذَلِك، وَغلب عَلَيْهِ مسطح، وَأمه سلمى بنت صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة، وَهِي ابْنة خَالَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: أم مسطح سلمى بنت صَخْر بن عامرة خَالَة أبي بكر الصّديق، شهد مسطح بَدْرًا وَمَات سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْن سِتّ وَخمسين سنة، وَقد قيل: إِنَّه شهد صفّين مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ الْأَكْثَر، وَلما خَاضَ فِي الْإِفْك على عَائِشَة وَنزلت براءتها جلده رَسُول الله، ﷺ ، فِيمَن جلد فِي ذَلِك، وَكَانَ أَبُو بكر ينْفق عَلَيْهِ لِقَرَابَتِهِ وَفَقره، فتألَّى أَن لَا ينْفق عَلَيْهِ، فَنزلت: ﴿وَلَا يأتلِ أولو الْفضل مِنْكُم وَالسعَة ... ﴾ (النُّور: ٢٢) . الْآيَة، فَقَالَ أَبُو بكر: وَالله إِنِّي لأحب أَن يغْفر الله لي، فَرجع إِلَى مسطح النَّفَقَة الَّتِي كَانَ ينْفق عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَالله لَا أنزعهَا عَنهُ أبدا. قَوْله: (إِنَّه نمَّى) ، بتَشْديد الْمِيم من التنمية، وَهِي رفع الْخَبَر، يُقَال: نميت الحَدِيث أنميه: إِذا بلغته على وَجه الْإِصْلَاح وَطلب الْخَيْر، فَإِذا بلَّغته على وَجه الْإِفْسَاد والنميمة، قلت: نميته، بِالتَّشْدِيدِ، كَذَا قَالَه أَبُو عبيد وَابْن قُتَيْبَة وَغَيرهمَا من الْعلمَاء، وَقَالَ الْحَرْبِيّ: نمى، مُشَدّدَة وَأكْثر الْمُحدثين يَقُولُونَهَا مُخَفّفَة، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَهَذَا لَا يجوز، يَعْنِي هَهُنَا. وَفِي (الْمطَالع) : وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالتَّخْفِيفِ. قَوْله: (ينافض) ، أَي: ملتبسة بارتعاد، والنافض من الْحمى هُوَ ذَات الرعدة، والنفض التحريك. قَوْله: (من أجل حَدِيث) ، وَهُوَ حَدِيث الْإِفْك. قَوْله: (تحدث بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول صفة لحَدِيث. قَوْله: (ومثلي) أَي: صِفَتي كصفة يَعْقُوب، ﵊، حَيْثُ صَبر صبرا جميلاً، وَقَالَ: ﴿وَالله الْمُسْتَعَان﴾ (يُوسُف: ٨١) . قَوْله: (مَا أنزل) ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين جاؤا بالإفك عصبَة مِنْكُم ... ﴾ (النُّور: ١١) . الْعشْر الْآيَات، فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : (يَا عَائِشَة أما الله فقد برأك، فَقَالَت أمهَا: قومِي إِلَيْهِ، فَقَالَت: وَالله لَا أقوم إِلَيْهِ فَإِنِّي وَلَا أَحْمد إلَاّ الله، وَهُوَ معنى قَوْلهَا: (بِحَمْد الله لَا بِحَمْد أحد) . ٩٨٣٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّهُ سألَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أرَأيْتِ قَوْلَهُ حَتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا أوْ كُذِبُوا قالَتْ بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ فَقُلْتُ وَالله لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ ومَا هُوَ بالظِّنِّ فقالَتْ يَا عُرَيَّةُ لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذالِكَ قُلْتُ فلَعَلَّهَا أوْ كُذِبُوا قالَتْ مَعَاذَ الله لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذالِكَ بِرَبِّهَا وأمَّا هاذِهِ الآيَةُ قالَتْ هُمْ أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وصَدَّقُوهُمْ وطَالَ عَلَيْهِمِ البَلاءُ واسْتأخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إذَا اسْتَيْأسَتْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وظَنُّوا أنَّ أتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جاءَهُمْ نَصْرُ الله. .

стр. 4609

مَا رَأَيْت أحدا ذكر وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة، وَلَكِن لَهُ مُنَاسبَة للْحَدِيث السَّابِق من حَيْثُ مَجِيء النَّصْر فِي حق كل مِمَّن ذكر فِيهَا بعد الْيَأْس، فَيكون هَذَا مطابقاً للْحَدِيث السَّابِق من هَذَا الْوَجْه، ثمَّ نقُول: المطابق للمطابق للشَّيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء. وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبِرِينِي. قَوْله: (وَقَوله) أَي: قَول الله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل وظنوا أَنهم قد كذبُوا﴾ (يُوسُف: ٠١١) . وَتَمام الْآيَة: ﴿جَاءَهُم نصرنَا فنجى من نشَاء وَلَا يرد بأسنا عَن الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ (يُوسُف: ٠١١) . قَوْله: (إِذا استيأس الرُّسُل) من الْيَأْس وَهُوَ الْقنُوط، وَنَذْكُر بَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (وظنوا) أَي: الرُّسُل ظنُّوا أَنهم كذبُوا، وَفهم عُرْوَة من ظَاهر الْكَلَام: أَن نِسْبَة الظَّن بالتكذيب لَا يَلِيق فِي حق الرُّسُل، فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: لَيْسَ كَمَا زعمت، بل مَعْنَاهُ مَا أشارت إِلَيْهِ بقوله بِكَلِمَة الإضراب: بل كذبهمْ قَومهمْ، فِي وعد الْعَذَاب، وَقَرِيب مِنْهُ مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: وظنوا حِين ضعفوا وغلبوا أَنهم قد أخْلفُوا مَا وعدهم الله من النَّصْر، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وظنوا أَنهم قد كذبُوا، أَي: كذبتهم أنفسهم حِين حدثتهم بِأَنَّهُم ينْصرُونَ. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ عُرْوَة، فَكَأَنَّهُ أشكل عَلَيْهِ قَوْله: وظنوا لأَنهم تيقنوا، وَمَا ظنُّوا، فَقَالَ: وَالله لقد استيقنوا أَن قَومهمْ كذبوهم، فَردَّتْ عَلَيْهِ عَائِشَة بقولِهَا يَا عرية لقد استيقنوا بذلك، وأشارت بذلك أَن الظَّن هُنَا بِمَعْنى الْيَقِين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إلَاّ إِلَيْهِ﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) . أَي: تيقنوا، ثمَّ عَاد عُرْوَة إِلَيْهَا فَقَالَ: أَو كذبُوا، بِالتَّخْفِيفِ، وَلَفظ الْقُرْآن على لفظ الْفَاعِل على معنى: وَظن الرُّسُل أَنهم قد كذبُوا فِيمَا حدثوا بِهِ قَومهمْ، فأجابت عَائِشَة بقولِهَا: معَاذ الله، لم تكن الرُّسُل تظن ذَلِك بربها، وأشارت بذلك إِلَى مَا فهمه عُرْوَة مِنْهُ، وَلما لم ترض عَائِشَة بِمَا قَالَه فِي الْمَوْضِعَيْنِ خاطبته بقولِهَا: يَا عرية بِالتَّصْغِيرِ وَلكنه تَصْغِير الشَّفَقَة والمحبة والدلال، وَلَيْسَ تَصْغِير التحقير، وَأَصلهَا: عريوة، اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. قَوْله: (وَأما هَذِه الْآيَة) ، جَوَاب: أما مَحْذُوف تَقْدِيره: فَالْمُرَاد من الظانين فِيهَا هم أَتبَاع الرُّسُل ... إِلَى آخِره. قَالَ أبُو عَبْدِ الله اسْتَيأسُوا افْتَعَلُوا مِنْ يَئِسْتُ مِنْهُ مِنْ يُوسُفَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (افتعلوا) ، يَعْنِي: وزن استيأسوا افتعلوا وَلَيْسَ كَذَلِك، بل وَزنه: استفعلوا وَالسِّين وَالتَّاء فِيهِ زائدتان للْمُبَالَغَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: استيأسوا استفعلوا، وَفِي بعض النّسخ: افتعلوا، وغرضه بَيَان الْمَعْنى، وَأَن الطّلب لَيْسَ مَقْصُودا فِيهِ وَلَا بَيَان الْوَزْن والاشتقاق. قلت: قَالَ بَعضهم فِي كثير من الرِّوَايَات: افتعلوا، وَقَوله: إِن الطّلب لَيْسَ مَقْصُودا مِنْهُ، كَلَام واهٍ لِأَن من قَالَ: إِن السِّين فِيهِ للطلب، قَالَ: لَيْسَ إلَاّ للْمُبَالَغَة كَمَا ذَكرْنَاهُ، نَص الزَّمَخْشَرِيّ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجياً﴾ (يُوسُف: ٠٨) . قَوْله: وَلَا بَيَان الْوَزْن، أَيْضا كَلَام واه لِأَنَّهُ إِذا لم يكن مُرَاده بَيَان الْوَزْن لِمَ قَالَ: استيأسوا افتعلوا؟ وَهَذَا عين بَيَان الْوَزْن، وَالظَّاهِر أَن مثل هَذَا من قُصُور الْيَد فِي علم التصريف. ﴿لَا تَيْأسُوا مِنْ رَوْحِ الله﴾ (يُوسُف: ٧٨) . مَعْناهُ الرَّجاءُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الرّوح فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تيأسوا من روح الله﴾ (يُوسُف: ٧٨) . بِمَعْنى: الرَّجَاء، وَعَن قَتَادَة: أَي لَا تيأسوا من رَحْمَة الله، كَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد بن بشير عَنهُ. ٠٩٣٣ - أخْبرَني عَبْدَةُ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ بنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ أسْحااقَ ابنِ إبْرَاهِيمَ ﵈. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٣٣ وطرفه) . عَبدة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله أَبُو سهل الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، مَاتَ بالأهواز سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا عَبدة، وَفِي السِّتَّة: عَبدة بن سُلَيْمَان الْكلابِي، وَعَبدَة ابْن أبي لبَابَة تَابِعِيّ كُوفِي نزل دمشق، روى لَهُ الْجَمَاعَة مَا خلا أَبَا دَاوُد، وَعَبدَة بن سُلَيْمَان الْمروزِي نزل المصيصة صَاحب ابْن الْمُبَارك. روى عَنهُ أَبُو دَاوُد، وَقيل: روى عَنهُ البُخَارِيّ أَيْضا، ذكره ابْن عدي وَلم يذكر غَيره، وَعَبدَة بن عبد الرَّحِيم

стр. 4610

الْمروزِي روى لَهُ التِّرْمِذِيّ، مَاتَ بِدِمَشْق سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن ابْن عبد الله. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣١) . ٢٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعالى ﴿وأيُّوبَ إذْ نادَى رَبَّهُ أنِّي مسَّنِي الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٨) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ذكر فِي حَال أَيُّوب فِي قَول الله تَعَالَى : ﴿وَأَيوب إِذْ نَادَى ربه﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٨) . الْآيَة. وَأَيوب: اسْم أعجمي لَا ينْصَرف للعجمة والعلمية، ذكره الله فِي الْقُرْآن فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَقَوله: وَأَيوب عطف على مَا قبله: ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٧) . وَالتَّقْدِير: وَاذْكُر أَيُّوب، كَمَا أَن التَّقْدِير فِي قَوْله: وَدَاوُد: أذكر دَاوُد. وَاخْتلفُوا فِي نسبه. فَقيل: أَيُّوب ابْن أموص بن رزاح بن روم بن عيصو بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ﵉، نقل هَذَا عَن كَعْب وَابْن إِسْحَاق. وَقيل: أَيُّوب ابْن أموص بن زيرح بن رعويل بن عيصو. وَقيل: أَيُّوب بن ساري بن رغوال بن عيصو، وَالْمَشْهُور الأول. وَقيل: كَانَ أَبوهُ مِمَّن آمن بإبراهيم، ﵊، يَوْم ألقِي فِي النَّار، وَالْمَشْهُور أَنه من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان وَأَيوب ... ﴾ (الْأَنْعَام: ٤٨) . الْآيَة، وَالْمَشْهُور أَن الضَّمِير عَائِد إِلَى إِبْرَاهِيم دون نوح، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَكَانَت أمه من ولد لوط بن هاران، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَأمه بنت لوط، ﵊، وَكَانَ أَيُّوب فِي زمن يَعْقُوب وَتزَوج ابْنة يَعْقُوب وَاسْمهَا رَحْمَة، وَقيل: دنيا، وَقيل: ليا، وَقيل: إِنَّمَا تزوج أَيُّوب رَحْمَة بنت مِيشَا بن يُوسُف بن يَعْقُوب. وَقيل: رَحْمَة بنت إفرائيم بن يُوسُف، وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّبْصِرَة) : أَنه كَانَ فِي زمن يَعْقُوب وَلَكِن لم يكن نَبيا فِي زَمَانه ونبيء بعد يُوسُف، ﵇، وَقيل: كَانَ بعد سُلَيْمَان، رُوِيَ عَن مقَاتل، وَكَانَ أَيُّوب رجلا غَنِيا وَكَانَ لَهُ خَمْسمِائَة فدان يتبعهَا خَمْسمِائَة عبد، لكل عبد امْرَأَة وَولد وَتحمل آلَة كل فدان أتان، لَكِن أتان ولد من اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة وَفَوق ذَلِك. وَقيل: لَهُ سِتّ مائَة عبد وَلكُل عبد امْرَأَة وَمَال، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة عشر ولدا وَكَانَ كثير الضِّيَافَة على مَذْهَب إِبْرَاهِيم، ﵊، وَكَانَ يكفل الأرامل واليتامى وَيحمل المنقطعين وَمَا كَانَ يشْبع حَتَّى يشْبع الجائع، وَلَا يكتسي حَتَّى يكسو العاري. قَوْله: (إِذْ نَادَى ربه) أَي: حِين نَادَى ربه، أَي: حِين دَعَا ربه: إِنِّي مسني الضّر، قَرَأَ حَمْزَة: مسني، بِسُكُون الْيَاء وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، والضر، بِالضَّمِّ: الضَّرَر فِي النَّفس من مرض وهزال، وبالفتح: الضَّرَر فِي كل شَيْء. وَاخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: إِنِّي مسني الضّر؟ فَقيل: قَالَ ذَلِك عِنْد بيع امْرَأَته قرنا من شعرهَا لشَيْء اشتهاه فَلم يقدر عَلَيْهِ. وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لما سمع نَفرا يَقُولُونَ: إِنَّمَا أُصِيب هَذَا لذنب عَظِيم فعله. وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك عِنْد انْقِطَاع الْوَحْي عَنهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فخاف الهجران. وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك عِنْد أكل الدُّود جَمِيع جسده، ثمَّ أَرَادَ الدَّب إِلَى قلبه. وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك عَن تَأَخّر زَوجته عَنهُ أَيَّامًا لمَرض حصل لَهَا فَلم يبْق من ينظر فِي أمره. وَقَالَ الْحسن: أَتَى إِبْلِيس إِلَى امْرَأَته بسخلة، فَقَالَ: قولي لَهُ ليذبحها لي حَتَّى يبرأ، فَجَاءَت وحكت بذلك، فَقَالَ: كدت أَن تهلكيني. لَئِن فرج الله عني لأجلدنك مائَة، تَأْمُرِينِي أَن أذبح لغير الله ثمَّ طردها عَنهُ وَبَقِي وحيداً لَيْسَ لَهُ معِين، فَقَالَ: مسني الضّر، وَقيل غير ذَلِك. فَإِن قلت: فَلِمَ لَم يدع أول مَا نزل بِهِ الْبلَاء؟ قلت: لِأَنَّهُ علم أَمر الله فِيهِ، وَلَا تصرف للْعَبد مَعَ مَوْلَاهُ، وَأَرَادَ مضاعفة الثَّوَاب فَلم يسْأَل كشف الْبلَاء. قَوْله: (وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ) تَعْرِيض مِنْهُ بسؤال الرَّحْمَة إِذْ أثنى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أرْحم وألطف فِي السُّؤَال حَيْثُ ذكر نَفسه بِمَا يُوجب الرَّحْمَة، وَذكر ربه بغاية الرَّحْمَة، وَلم يُصَرح بالمطلوب، وَقَالَ بَعضهم: لم يثبت عِنْد البُخَارِيّ فِي قصَّة أَيُّوب شَيْء فَاكْتفى بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي على شَرطه، قلت: إِنَّه أَرَادَ بِهِ حَدِيث الْبَاب، وَفِيمَا قَالَه نظر لعدم الدَّلِيل على عدم ثُبُوت غير هَذَا الحَدِيث عِنْده، وَلَا يلْزم من عدم ذكره غير هَذَا الحَدِيث أَن لَا يكون عِنْده شَيْء غير هَذَا الحَدِيث على شَرطه، ثمَّ قَالَ: وَأَصَح مَا ورد فِي قصَّته مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من طَرِيق نَافِع بن يزِيد عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس، أَن أَيُّوب ﷺ ابْتُلِيَ فَلبث فِي بلائه ثَلَاث عشرَة سنة فرفضه الْقَرِيب والبعيد ... الحَدِيث، وروى أَحْمد بن وهب عَن عَمه عبد الله بن وهب: أخبرنَا نَافِع عَن يزِيد عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن أنس مَرْفُوعا: أَن أَيُّوب مكث فِي بلائه ثَمَان عشرَة سنة، وَعَن خَالِد بن دريك: أَصَابَهُ الْبلَاء على رَأس ثَمَانِينَ سنة من عمره، وَعَن ابْن عَبَّاس: مكث فِي الْبلَاء سبع سِنِين وَكَانَ

стр. 4611

أَصَابَهُ بعد السّبْعين من عمره، وَعَن ابْن عَبَّاس: سبع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَسَبْعَة أَيَّام وَسبع سَاعَات، وَقَالَ الْحسن: مكث أَيُّوب مطروحاً على كناسَة مزبلة لبني إِسْرَائِيل سبع سِنِين وأشهراً، وَقَالَ الطَّبَرِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ، رَحِمهم الله تَعَالَى: كَانَ عمره حِين مَاتَ ثَلَاثًا وَتِسْعين سنة، وَقيل: عَاشَ مائَة وستاً وَأَرْبَعين سنة، وَدفن فِي الْموضع الَّذِي ذهب فِيهِ بلاؤه، وَهُوَ بالبثنية بِالشَّام، وقبره ظَاهر بهَا. ارْكُضْ اضْرِبْ يَرْكُضُونَ يَعْدُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة أَيُّوب ﵇: ﴿أركض برجلك هَذَا مغتسل بَارِد وشراب﴾ (ص: ٢٤) . الْمَعْنى: اضْرِب برجلك الأَرْض وحرك هَذَا مغتسل فِيهِ إِضْمَار مَعْنَاهُ، فركض فنبعت عين، فَقيل: هَذَا مغتسل أَي: هَذَا مَاء مغتسل بَارِد وشراب أَي: يغْتَسل بِهِ وَيشْرب مِنْهُ، وَلما أمره الله بذلك ركض بِرجلِهِ الأَرْض فنبعت عين فاغتسل فِيهَا فَلم يبْق عَلَيْهِ شَيْء من الدَّاء وَعَاد إِلَيْهِ شبابه وجماله أحسن مَا كَانَ، ثمَّ ضرب بِرجلِهِ فنبعت عين أُخْرَى فَشرب مِنْهَا، فَلم يبْق فِي جَوْفه دَاء إلَاّ خرج فَقَامَ صَحِيحا وكسي حلَّة. وَقَالَ السّديّ: جَاءَ جِبْرِيل، ﵇، بحلة من الْجنَّة فألبسها. فَإِن قلت: كَانَ يَكْفِيهِ ركضة وَاحِدَة؟ قلت: الركضة الأولى لزوَال الضَّرَر. وَالثَّانيَِة: دَلِيل الْفَرح والطرب بالعافية بِشَربَة مِنْهَا، وَإِنَّمَا خص الرِّجل بالركض لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِأَن تنبع المَاء من تَحت الرِّجل فَكَانَ ذَلِك معْجزَة لَهُ. قَوْله: (يركضون) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا هم مِنْهَا يركضون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢١) . وَفَسرهُ بقوله: يعدُون، وَفَسرهُ الْفراء بقوله: يهربون، وَوجه ذكر هَذَا كَون: أركض ويركضون، من مَادَّة وَاحِدَة. ١٩٣٣ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ بَيْنَمَا أيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانَاً خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَي رَبُّهُ يَا أيّوبُ ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى يَا رَبِّ ولَكِنْ لَا غِنَى لِي عنْ بَرَكَتِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٩٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ أَن عقيب قَوْله: ﴿رَبِّي إِنِّي مسني الضّر﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٨) . جَاءَ الْوَحْي بقوله: ﴿اركض برجلك﴾ (ص: ٢٤) . فركض فنبع المَاء فاغتسل فِيهِ، وَهُوَ عُرْيَان، فَنزل عَلَيْهِ رجل جَراد، ورواة هَذَا قد مروا غير مرّة. والْحَدِيث مر فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب من اغْتسل عُريَانا، وَمر الْكَلَام فِيهِ. وَقد ذكرنَا غير مرّة أَن أصل: بَينا، بَين، فأشبعت الفتحة بِالْألف ويضاف إِلَى جملَة وَهِي: أَيُّوب مُبْتَدأ، ويغتسل خَبره، وعرياناً نصب على الْحَال. قَوْله: (خر) أَي: سقط، وَهُوَ جَوَاب: بَينا، وَقد ذكرنَا أَيْضا أَن الْأَفْصَح فِي جَوَابه أَن يكون بِلَا: إِذْ قَوْله: (رجل) ، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْجِيم وَهُوَ جمَاعَة من الْجَرَاد، كَمَا يُقَال: سرب من الظباء، وعانة من الْحمر، وَهُوَ من أَسمَاء الْجَمَاعَات الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا. قَوْله: (يحثى) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي: يَأْخُذ بيدَيْهِ جَمِيعًا فِي رِوَايَة بشير بن نهيك: يلتقط، وروى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس: فَجعل أَيُّوب ينشر طرف ثَوْبه فَيَأْخُذ الْجَرَاد فَيَجْعَلهُ فِيهِ، فَكلما امْتَلَأت نَاحيَة نشر نَاحيَة. قَوْله: (فناداه ربه) يحْتَمل: أَن يكون بِوَاسِطَة أَو بِلَا وَاسِطَة أَو بإلهام قَوْله: (بلَى) ، أَي: أغنيتني. قَوْله: (لَا غنى لي) ، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة مَقْصُور بِلَا تَنْوِين، وَخبر: لَا، يجوز أَن يكون قَوْله: لي، أَو قَول: من بركته، ويروى: من فضلك، وَقَالَ وهب: تطاير الْجَرَاد من المَاء الَّذِي اغْتسل فِيهِ، وَكَانَ لَهُ أندران أَحدهمَا: الْقَمْح، وَالْآخر: الشّعير، فَبعث الله سحابتين، فأفرغت إِحْدَاهمَا على أندر الْقَمْح ذَهَبا، وَالْأُخْرَى فضَّة، وتطاير الْجَرَاد على الْكل، وَإِنَّمَا خص الْجَرَاد لكثرته. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دلَالَة على أَن من نثر عَلَيْهِ دَرَاهِم أَو نَحْوهَا فِي إملاك وَنَحْوه أَنه أَحَق بِمَا نثر عَلَيْهِ، وَتعقبه ابْن التِّين فَقَالَ: لَيْسَ كَمَا ذكره لِأَنَّهُ شَيْء خص الله بِهِ نبيه أَيُّوب، وَإِن ذَلِك شَيْء من فعل الْآدَمِيّ فَيكْرَه فعله، لِأَنَّهُ من السَّرف وينازع فِي كَونه خَاصّا، وَبِأَنَّهُ جَاءَ من الشَّارِع وَلَا سرف فِيهِ.

стр. 4612

٣٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿واذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسَى إنَّهُ كانَ مُخْلِصَاً وكانَ رسُولاً نبِيَّاً ونادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْنَاهُ نَجِيَّا﴾ كَلَّمَهُ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أخَاهُ هارُونَ نَبِيَّاً﴾ (: ١٥ ٣٥) .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مُوسَى وَهَارُون وَبَيَان ذَلِك فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب﴾ إِلَى آخِره، وَهَذَا كُله مَذْكُور فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: ﴿نجياً﴾ فَحسب. قَوْله: (وَاذْكُر) خطاب للنَّبِي ﷺ . قَوْله: (فِي الْكتاب) ، أَي: الْقُرْآن. قَوْله: (مخلصاً) ، قَرَأَ الْكسَائي وَحَمْزَة وَحَفْص عَن عَاصِم بِفَتْح اللَّام أَي: أخلصه الله وَجعله خَالِصا من الدنس مُخْتَارًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْر اللَّام أَي: الَّذِي وحد الله وَجعل نَفسه خَالِصَة فِي طَاعَة الله تَعَالَى غير دنسة. قَوْله: (وناديناه) ، أَي: دعوناه وكلمناه لَيْلَة الْجُمُعَة من جَانب الطّور وَهُوَ جبل بَين مصر ومدين. قَوْله: (الْأَيْمن) ، قيل: صفة للطور، وَقيل: للجانب، وَقيل: لمُوسَى فَإِنَّهُ جَاءَ النداء من يَمِين مُوسَى. قَوْله: (وقربناه نجيا) مناجياً، قيل: حَتَّى سمع صريف الْقَلَم حِين كتب لَهُ فِي الألواح. قَوْله: (من رَحْمَتنَا) ، أَي: من أجل رَحْمَتنَا لَهُ أَو بعض رَحْمَتنَا، فعلى الأولى قَوْله: أَخَاهُ، مفعول: وهبنا وعَلى الثَّانِي: بدل وَهَارُون، عطف بَيَان كَقَوْلِك: رَأَيْت رجلا أَخَاك زيدا، وَكَانَ هَارُون أكبر من مُوسَى بِثَلَاث سِنِين، وَقَالَ مقَاتل: ذكر الله تَعَالَى مُوسَى فِي الْقُرْآن فِي مائَة وَثَمَانِية عشر موضعا، وَذكر الله هَارُون فِي أحد عشر موضعا، ومُوسَى، على وزن فعلى من الموس، وَهُوَ حلق الشّعْر وَالْمِيم أَصْلِيَّة، وَقَالَ اللَّيْث: اشتقاقه من المَاء وَالشَّجر: فمو مَاء وسا شجر، لحمال التابوت: وَالْمَاء، وَهُوَ عبراني عرب، وَهُوَ ابْن عمرَان ابْن قاهث بن لاوي بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِم الصلا وَالسَّلَام وَذكر بَعضهم عاذر بعد قاهث ونكح عمرَان نجيب بنت أشمويل بن بركيا بن يقشان بن أبراهيم فَولدت لَهُ هَارُون ومُوسَى عليهماالصلاة وَالسَّلَام، وَقيل: اسْم أمهما أناجيا، وَقيل: أباذخت، قَالَ السُّهيْلي: أباذخا، وَقَالَ ابْن اسحاق: تجيب، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ يوخايذ وَهُوَ الْمَشْهُور وَولد مُوسَى وَقد مضى من عمر عمرَان سَبْعُونَ سنة، وَجَمِيع عمر عمرَان مائَة وَسبع وَثَلَاثُونَ سنة ((يُقَال للْوَاحِد وللاثنين وللجمع نجي وَيُقَال خلصوا نجيا اعتزلوا نجيا وَالْجمع أنجيه يتناجون)) النجي: بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ المناجي وَهُوَ الْمُخَاطب للْإنْسَان الْمُحدث لَهُ، وَذكر البُخَارِيّ: أَنه يُقَال للْوَاحِد نجي وللاثنين نجي وللجمع نجي. وَفِي (الْمطَالع) : يُقَال رجل نجى ورجلان نجي وَرِجَال نحي وَمثله فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: (خلصوا نجيا) وأوله: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجيا﴾ (يُوسُف: ٠٨) . وَفَسرهُ البُخَارِيّ بقوله: وَيُقَال خلصوا نجيا: اعتزلوا نجياً أَي: فَلَمَّا يئسوا من يُوسُف خلصوا نجياً، أَي: اعتزلوا وانفردوا عَن النَّاس خالصين لَا يخالطهم سواهُم. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ذَوي نجوى أَو فوجاً نجياً، أَي: مناجياً بَعضهم بَعْضًا، قَالَ الزّجاج: انفردوا متناجين فِيمَا يعْملُونَ فِي ذهابهم إِلَى أَبِيهِم من غير أخيهم، وَذكر البُخَارِيّ هَذَا تَأْكِيدًا لما قبله من أَن النجي يُطلق على الْجمع، لِأَن نجياً فِي الْآيَة بِمَعْنى: المتناجين، ونصبه على الْحَال، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: النجي على مَعْنيين، يكون بِمَعْنى المناجي كالعشير والسمير بِمَعْنى المعاشر والمسامر، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وقربناه نجياً﴾ (مَرْيَم: ٢٥) . وَبِمَعْنى الْمصدر الَّذِي هُوَ التناجي كَمَا قيل: النَّجْوَى بِمَعْنَاهُ، وَمِنْه قيل: قوم نجي، كَمَا قيل: هم صديق لِأَنَّهُ بزنة المصادر. قَوْله: (وَالْجمع أنجية) أَرَادَ بِهِ النجي إِذا أُرِيد بِهِ الْمُفْرد فَقَط يكون جمعه أنجية، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (وَإِذا مَا الْقَوْم كَانُوا أنجيهواضطرب الْيَوْم اضْطِرَاب الأرشيه) قَوْله: (يتناجون) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين نهوا عَن النَّجْوَى ثمَّ يعودون لما نهوا عَنهُ ويتناجون بالإثم والعدوان ... ﴾ (المجادلة: ٨) . الْآيَة، نزلت فِي الْيَهُود، وَكَانَت بَينهم وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلمموادعة، فَإِذا مرَّ بهم رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ جَلَسُوا يتناجون فِيمَا بَينهم حَتَّى يظنّ الْمُؤمن أَنهم يتناجون بقتْله أَو بِمَا يكره، فَيتْرك الطَّرِيق عَلَيْهِم من المخافة فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ ، فنهاهم عَن النَّجْوَى فَلم ينْتَهوا فعادوا إِلَى النَّجْوَى، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة.

стр. 4613

تَلَقَّفُ تَلَقَّمُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى أَن ألقِ عصاك فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون﴾ (الْأَعْرَاف: ٧١١) . وَفَسرهُ بقوله: تلقم، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. ٢٩٣٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا اللَّيْث قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابْن شِهابٍ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قَالَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا فَرَجَعَ النبيُّ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤادُهُ فانْطَلَقَتْ بِهِ إلَى ورَقَةَ بنِ نَوْفَلٍ وكانَ رَجُلاً تَنَصَّرَ يَقْرَأُ الإنْجِيلَ بالعَرَبِيَّةِ فَقَالَ ورَقَةُ ماذَا تَرَى فأخْبَرَهُ فَقَالَ ورَقَةُ هذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ الله عَلَى مُوساى وإنْ أدْرَكَنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرَاً مُؤَزَّرَاً. النَّامُوسُ صاحِبُ السِّرِّ الَّذِي يُطْلِعُهُ بِمَا يَسْتُرُهُ عنْ غَيْرِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا الناموس الَّذِي أنزل الله على مُوسَى، ﵊ وَهَذَا قِطْعَة من الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ فِي أول الْكتاب مطولا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (والناموس) إِلَى آخِره من كَلَام البُخَارِيّ، وَقد مر تَحْقِيقه هُنَاكَ فَليرْجع إِلَيْهِ من أَرَادَ أَن يقف عَلَيْهِ. ٤٢ - (بابُ قَوْلِ الله ﴿وهَلْ أتَاكَ حَديثُ مُوسَى إذْ رَأى نَارا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿بالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (طه: ٩ ٢١) .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهل أَتَاك حَدِيث مُوسَى إِذْ رأى نَارا فَقَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا لعلِّي آتيكم مِنْهَا بقبس أَو أجد على النَّار هدى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي يَا مُوسَى إِنِّي أَنا رَبك فاخلع نعليك إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس طوى﴾ . قَوْله: (وَهل أَتَاك) أَي: قد أَتَاك، لِأَن: هَل، هُنَا لَا تلِيق أَن تكون للاستفهام، لِأَنَّهُ لَا يجوز على الله تَعَالَى. قَوْله: (إِذْ رأى) أَي: حِين رأى، عَن وهب: اسْتَأْذن مُوسَى شعيباً فِي الرُّجُوع إِلَى أمه فَخرج إِلَى أَهله فولد لَهُ فِي الطَّرِيق ابْن فِي لَيْلَة شَاتِيَة مظْلمَة مثلجة، فحاد مُوسَى عَن الطَّرِيق وقدح النَّار فَلم تور المقدحة شَيْئا، فَبينا هُوَ يزاول ذَلِك أبْصر نَارا من بعيد عَن يسَار الطَّرِيق، قيل: كَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة، فَقَالَ مُوسَى لأَهله: امكثوا مَكَانكُمْ إِنِّي آنست أَي أَبْصرت نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا أَي: من النَّار بقبس أَي: بشعلة، القبس: النَّار المقتبسة فِي رَأس عود أَو فَتِيلَة أَو غَيرهمَا. قَوْله: (أَو أجد على النَّار هدى) ، يَعْنِي: من يدلني على الطَّرِيق، أَو يَنْفَعنِي بهداه فِي أَبْوَاب الدّين. قَوْله: (فَلَمَّا أَتَاهَا) ، أَي: فَلَمَّا أَتَى مُوسَى النَّار رأى شَجَرَة خضراء من أَسْفَلهَا إِلَى أَعْلَاهَا كَأَنَّهَا نَار بَيْضَاء تتقد، وَسمع تَسْبِيح الْمَلَائِكَة، وَرَأى نورا عَظِيما فخاف فألقيت عَلَيْهِ السكينَة، وَنُودِيَ: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنا رَبك فاخلع نعليك﴾ ، قيل: سَبَب أمره بخلع نَعْلَيْه أَنَّهُمَا كَانَتَا من جلد حمَار ميت غير مدبوغ، فَخلع مُوسَى نَعْلَيْه وألقاهما من وَرَاء الْوَادي. قَوْله: (إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس) ، أَي: المطهر، طوى إسم وادٍ، قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو بِالتَّنْوِينِ منصرفاً بِتَأْوِيل الْمَكَان، وَالْبَاقُونَ بِغَيْر تَنْوِين غير منصرف بِتَأْوِيل الْبقْعَة، وَقيل للوادي الْمُقَدّس: طوى طوى، مرَّتَيْنِ أَي: قدس، مرَّتَيْنِ، وَقيل: نُودي نداءين. آنَسْتُ أبْصَرْتُ يَعْنِي: معنى آنست أَبْصرت من الإيناس، وَهُوَ الإبصار الْبَين الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ، وَمِنْه إِنْسَان الْعين: لِأَنَّهُ يتَبَيَّن بِهِ الشَّيْء، وَالْإِنْس لظهورهم، وَقيل: الإيناس: إبصار مَا يؤنس بِهِ. قَالَ ابنُ عبَّاسٍ المُقَدَّسُ الْمُبَارَكُ وَقع هَذَا من قَول ابْن عَبَّاس إِلَى آخر مَا ذكره من تَفْسِير الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني

стр. 4614

خَاصَّة، وَلم يذكرهُ جَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ هُنَا، وَإِنَّمَا ذكرُوا بعضه فِي تَفْسِير سُورَة طه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَذكر أَمْثَال هَذَا فِي هَذَا الْكتاب الْعَظِيم الشَّأْن اشْتِغَال بِمَا لَا يعنيه، وَقَول ابْن عَبَّاس: وَصله عَليّ بن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. طُوًى اسْمُ الوَادِي وَقد ذَكرْنَاهُ، وروى الطَّبَرِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَنه سمي طوى لِأَن مُوسَى ﷺ ، طواه لَيْلًا. سِيرَتَها حالَتَهَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ (طه: ١٢) . وَفسّر السِّيرَة بالحالة، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن مُجَاهِد وَقَتَادَة: سيرتها: هيئتها. والنُّهَى التُّقَى أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لأولي النهى﴾ (طه: ٤٥ و ٨٢١) . وَفسّر النَّهْي: بالتقى، كَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، فِي قَوْله: لأولي النهى، قَالَ: لأولي التقى، وَعَن قَتَادَة: لأولي الْوَرع، وَقَالَ الطَّبَرِيّ، خص أولي النهى لأَنهم أهل التفكر وَالِاعْتِبَار. بِمَلْكِنا بأمْرِنَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أخلفنا موعدك بملكنا﴾ (طه: ٧٨) . وَفَسرهُ بقوله: بأمرنا، وَهَكَذَا روى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَمن طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة: بملكنا، أَي: بطاقتنا، وَكَذَا قَالَ السّديّ. هَوَى شَقِي أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يحلل عَلَيْهِ غَضَبي فقد هوى﴾ (طه: ١٨) . وَفَسرهُ بِلَفْظ: شقي، وَكِلَاهُمَا ماضيان، وَكَذَا رُوِيَ عَن الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم. فارِغاً إلَاّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى ﷺ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا﴾ . ثمَّ فسره بقوله: إلَاّ من ذكر مُوسَى، يَعْنِي: لم يخل قَلبهَا عَن ذكره، وَهَذَا وَصله سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي فِي تَفْسِير ابْن عُيَيْنَة من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَلَفظه: ﴿وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا﴾ . من كل شَيْء إلَاّ من ذكر مُوسَى، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ أَبُو عبيد: فَارغًا من الْحزن لعلمها أَنه لم يغرق. رِدْءًا كَيْ يُصَدِّقَنِي أَشَارَ بقوله (ردْءًا) إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأخي هَارُون هُوَ أفْصح مني لِسَانا فَأرْسلهُ معي ردْءًا يصدقني﴾ (الْقَصَص: ٤٣) . ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن التَّقْدِير فِي قَوْله: يصدقني، كي يصدقني وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق السّديّ: كَيْمَا يصدقني، وَمن طَرِيق مُجَاهِد وَقَتَادَة: ردْءًا، أَي: عوناً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: معينا، يُقَال: أردأت فلَانا على عدوة أَي: أكنفته وأعنته وصرت لَهُ كنفاً. ويُقَالُ مُغِيثاً أوْ مُعِينَاً أَي: يُقَال فِي تَفْسِير ردْءًا مغيثاً، بالغين الْمُعْجَمَة والثاء الْمُثَلَّثَة من الإغاثة. قَوْله: (أَو معينا) أَي: أَو يُقَال معينا بِالْعينِ الْمُهْملَة من الْإِعَانَة وَهِي المساعدة. يَبْطُشُ ويَبْطِشُ

стр. 4615

أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن لفظ (يبطش) فِيهِ لُغَتَانِ: إِحْدَاهمَا كسر الطَّاء، وَالْأُخْرَى ضمهَا. وَهُوَ فِي قَوْله: ﴿فَلَمَّا أَرَادَ أَن يبطش بِالَّذِي هُوَ عَدو لَهما﴾ (الْقَصَص: ٩١) . وَالْكَسْر هِيَ: الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة هُنَا، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) . وَالضَّم قِرَاءَة الْحسن وَابْن جَعْفَر، رَحِمهم الله تَعَالَى. يأتَمِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ (الْقَصَص: ٠٢) . وَفَسرهُ بقوله: يتشاورون، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ يَأْمر بَعضهم بَعْضًا. والجَذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو جذوة من النَّار﴾ (الْقَصَص: ٩٢) . ثمَّ فَسرهَا بِمَا ذكره أَبُو عُبَيْدَة، والجذوة مُثَلّثَة الْجِيم. سَنَشُدُّ سَنُعِينُكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سنشد عضك بأخيك﴾ (الْقَصَص: ٥٣) . وَفَسرهُ بقوله: سنعينك، وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة بقوله: سنقويك بِهِ ونعينك، يُقَال: شدّ فلَان عضد فلَان إِذا أَعَانَهُ. كُلَّمَا عَزَّزتَ شَيْئَاً فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدَاً هَذَا من بَقِيَّة تَفْسِير: سنشد عضدك، وَهُوَ ظَاهر. وَقَالَ غَيْرُهُ كُلَّمَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أوْ فأفَأةٌ فَهْيَ عُقْدَة أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير: عقدَة، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رب اشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي واحلل عقدَة من لساني﴾ (طه: ٥٢ ٧٢) . وروى الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ من طَرِيق السّديّ، قَالَ: لما تحرّك مُوسَى أَخَذته آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن ترقصه ثمَّ ناولته لفرعون فَأخذ مُوسَى بلحية فِرْعَوْن فنتفها، فاستدعى فِرْعَوْن بالذباحين، فَقَالَت آسِيَة: إِنَّه صبي لَا يعقل، فَوضعت لَهُ جمراً وياقوتاً، وَقَالَت: إِن أَخذ الْيَاقُوت فاذبحه، وَإِن أَخذ الْجَمْر فاعرف أَنه لَا يعقل، فجَاء جِبْرِيل، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَطرح فِي يَده جَمْرَة، فطرحها فِي فِيهِ، فاحترقت لِسَانه، فَصَارَت فِي لِسَانه عقدَة من يَوْمئِذٍ، وَقيل: لما وضع فِرْعَوْن مُوسَى فِي حجره تنَاول لحيته ومدها ونتف مِنْهَا، وَكَانَت لحيته طَوِيلَة سَبْعَة أشبار، وَكَانَ هُوَ قَصِيرا، وَيُقَال: لطم وَجهه وَكَانَ يلْعَب بَين يَدَيْهِ، وَيُقَال: كَانَ بِيَدِهِ قضيب صَغِير يلْعَب بِهِ فَضرب بِهِ رَأسه فَعِنْدَ ذَلِك غضب غَضبا شَدِيدا وَتَطير مِنْهُ، وَقَالَ: هَذَا عدوي الْمَطْلُوب ثمَّ جرى مَا ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: كَيفَ لم تحرقه النَّار يَوْم التَّنور الي ألقِي فِيهَا وأحرقت لِسَانه فِي هَذَا الْيَوْم؟ قلت: لِأَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لفرعون: يَا بَابا، فَعُوقِبَ لِسَانه وَلم تعاقب يَده لِأَنَّهَا مدت لحية فِرْعَوْن، وَلِهَذَا ظَهرت المعجزة فِي الْيَد دون اللِّسَان. ﴿تخرج بَيْضَاء من غير سوء﴾ (طه: ٢٢، النَّمْل: ٢١، الْقَصَص: ٢٣) . وَقيل: لم يَحْتَرِق فِي التَّنور ليدوم لَهُ الْأنس بَينه وَبَين النَّار لَيْلَة التكليم، وَقيل: إِنَّمَا لم تحترق يَده ليجاهد بهَا فِرْعَوْن بِحمْل الْعَصَا. قَوْله: (تمتمة) هِيَ التَّرَدُّد فِي النُّطْق بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، قَوْله: (أَو فأفأة) هِيَ التَّرَدُّد فِي النُّطْق بِالْفَاءِ. أزْرِي ظَهْرِي أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أشدد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي﴾ (طه: ١٣) . وَفسّر الأزر بِالظّهْرِ، كَذَا روى الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس. فَيُسْحِتَكُمْ فَيُهْلِكَكُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فيسحتكم بِعَذَاب وَقد خَابَ من افترى﴾ (طه: ١٦) . وَفسّر: فيسحتكم، قَوْله: يهلككم، وَهَكَذَا روى الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: سحت وأسحت بِمَعْنى، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: سحت أَكثر من أسحت. الْمُثْلى تأنِيثُ الأمْثَلِ يَقُولُ بِدِينِكُمْ يُقالُ خُذِ المُثْلَى خُذِ الأمْثَلَ

стр. 4616

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ (طه: ٣٦) . ومثلى، على وزن: فعلى، تَأْنِيث الأمثل. قَوْله: (تَقول بدينكم) ، تَفْسِير لقَوْله: بطريقتكم المثلى، يَعْنِي: يُرِيد مُوسَى وَهَارُون أَن يذهبا بدينكم الْمُسْتَقيم، وَقيل: بسنتكم ودينكم وَمَا أَنْتُم عَلَيْهِ، وَقيل: أَرَادَا أهل طريقتكم المثلى، وهم بَنو إِسْرَائِيل لقَوْل مُوسَى: أرسل معي بني إِسْرَائِيل، وَقيل: الطَّرِيقَة اسْم لوجوه النَّاس وأشرافهم الَّذين هم قدوة لغَيرهم. فَيُقَال: هم طَريقَة قَومهمْ، وَقَالَ الشّعبِيّ: مَعْنَاهُ ويصرفا وُجُوه النَّاس إِلَيْهِمَا. وَقَالَ الزّجاج: يَعْنِي المثلى والأمثل ذُو الْفضل الَّذِي بِهِ يسْتَحق أَن يُقَال: هَذَا مثل لِقَوْمِهِ. ثُمَّ ائْتُوا صَفَّاً أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاجمعوا كيدكم ثمَّ ائْتُوا صفا وَقد أَفْلح الْيَوْم من استعلى﴾ (طه: ٤٦) . الْخطاب لقوم فِرْعَوْن من السَّحَرَة يَعْنِي: ائْتُوا جَمِيعًا، وَقيل: صُفُوفا لِأَنَّهُ أهيب فِي صُدُور الرائين، رُوِيَ أَن الْحَسْرَة كَانُوا سبعين ألفا مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم حَبل وعصا، وَقد أَقبلُوا إقبالة وَاحِدَة. يُقالُ هَلْ أتَيْتَ الصَّفَّ اليَوْمَ يَعْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ قَائِل هَذَا التَّفْسِير أَبُو عُبَيْدَة، فَإِنَّهُ قَالَ: المُرَاد من قَوْله: صفا، يَعْنِي: الْمصلى والمجتمع، وَعَن بعض الْعَرَب الفصحاء: مَا اسْتَطَعْت أَن آتِي الصَّفّ أمس، يَعْنِي: الْمصلى، وَوجه صِحَّته أَن يَجْعَل صفا علما لمصلى بِعَيْنِه فَأمروا بِأَن يأتوه أَو يُرَاد ائْتُوا مصلى من الْمُصَليَات. فأوْجَسَ أضْمَرَ خَوْفاً فَذَهَبَتِ الوَاوُ مِنْ خِيفَةِ لِكَسْرَةِ الخَاءِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأوجس مِنْهُم خيفة﴾ (طه: ٧٦) . وَفسّر أوجس بقوله: أضمر خوفًا. قَوْله: فَذَهَبت الْوَاو من خيفة لكسرة الْخَاء. قلت: اصْطِلَاح أهل التصريف أَن يُقَال: أصل خيفة خوفة، فقلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. فِي جُذُوعِ النَّخْلِ علَى جُذُوعِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأصلبنَّكُم فِي جُذُوع النّخل﴾ (طه: ١٧) . وَأَشَارَ بقوله: على جُذُوع، أَن كلمة: فِي، فِي قَوْله: ﴿فِي جُذُوع النّخل﴾ (طه: ١٧) . بِمَعْنى: على، للاستعلاء، وَقَالَ: هم صلبوا الْعَبْدي فِي جُذُوع نَخْلَة. خَطْبُكَ بالُكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا خَطبك يَا سامري﴾ (طه: ٥٩) . وَفسّر: خَطبك بقوله: بالك، وقصته مَشْهُورَة ملخصها: أَن مُوسَى ﷺ أقبل على السامري، واسْمه مُوسَى بن ظفر، الَّذِي ﴿أخرج لَهُم عجلاً جسداً لَهُ خوار فَقَالَ هَذَا إِلَهكُم وإل هـ مُوسَى﴾ (طه: ٨٨) . قَالَ لَهُ: مَا خَطبك؟ أَي: مَا شَأْنك وحالك الَّذِي دعَاك وحملك على مَا صنعت؟ . مِساسَ مَصْدَرُ ماسَّه مِساساً أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِن لَك فِي الْحَيَاة أَن تَقول لَا مساس﴾ (طه: ٧٩) . أَي: قَالَ مُوسَى للسامري: فَاذْهَبْ من بَيْننَا فَإِن لَك فِي الْحَيَاة، أَي: مَا دمت حَيا أَن تَقول: لَا مساس، أَي: لَا أمِس وَلَا أُمَس، وَهُوَ مصدر: ماسه يماسه مماسة ومساساً، فعاقبه الله فِي الدُّنْيَا بالعقوبة الَّتِي لَا شَيْء أَشد مِنْهَا، وَلَا أوحش وَذَلِكَ أَنه منع من مُخَالطَة النَّاس منعا كلياً، وَحرم عَلَيْهِم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته، وَإِذا اتّفق أَن يماس أحدا رجلا أَو امْرَأَة، حم الماس والممسوس، فتحامى النَّاس وتحاموه وَكَانَ يَصِيح: لَا مساس، وَعَن قَتَادَة: أَن بقاياهم الْيَوْم يَقُولُونَ: لَا مساس. لَنَنْسِفَنَّهُ لَنُذْرِيَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لنحرقنه ثمَّ لننسفنه فِي اليم نسفاً﴾ (طه: ٧٩) . وَفسّر قَوْله: لننسفنه، بقوله: لنذرينه من التذرية فِي اليم،

стр. 4617

حُكيَ أَن مُوسَى، ﵊ أَخذ الْعجل فذبحه فَسَالَ مِنْهُ الدَّم لِأَنَّهُ كَانَ قد صَار لَحْمًا ودماً، ثمَّ أحرقه بالنَّار وذراه فِي اليم. الضَّحى الحَرُّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّك لَا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى﴾ (طه: ٩١١) . وَفسّر الضُّحَى بِالْحرِّ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذَا خطاب لآدَم، ﵊، وَمعنى: لَا تظمأ: لَا تعطش فِيهَا، أَي: فِي الْجنَّة وَلَا تضحى أَي: وَلَا تشرق للشمس فيؤذيك حرهَا، وَقيل: لَا يصيبك حر الشَّمْس إِذْ لَيْسَ فِيهَا شمس، وَذكر هَذَا هُنَا غير مُنَاسِب لِأَنَّهُ فِي قَضِيَّة آدم، ﵊، وَلَا تعلق لَهُ بِقصَّة مُوسَى، ﵊. قُصِّيهِ اتَّبِعِي أثَرَهُ وقَدْ يَكُونُ أنْ تَقُصَّ الكَلَامَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت لأخته قصيه﴾ (الْقَصَص: ١١) . وَفسّر: قصيه، بقوله: اتبعي أَثَره، هَكَذَا فسره أهل التَّفْسِير، وَيُقَال: مَعْنَاهُ استعلمي خَبره، وَهُوَ خطاب لأخت مُوسَى، ﵊، من أمهَا، وَاسم أُخْته: مَرْيَم بنت عمرَان، وافقها فِي ذَلِك: مَرْيَم بنت عمرَان أم عِيسَى ﷺ قَوْله: (وَقد يكون) إِلَى آخِره من جِهَة البُخَارِيّ، أَي: قد يكون معنى القص من: قصّ الْكَلَام، كَمَا فِي قَوْله: ﴿نَحن نقص عَلَيْك أحسن الْقَصَص﴾ (يُوسُف: ٣) . عنْ جُنُبٍ عنْ بُعْد أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فبصرت بِهِ عَن جنب وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الْقَصَص: ١١) . وَفسّر قَوْله: عَن جنب بقوله: عَن بعد، أَي: بصرت أُخْت مُوسَى مُوسَى عَن بعد، وَالْحَال أَن قوم فِرْعَوْن لَا يعلمُونَ بهَا. وعَنْ جنابَةٍ وعنِ اجْتِنابٍ واحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى: عَن جنب، وَعَن جَنَابَة وَعَن اجْتِنَاب وَاحِد، فَيُقَال: مَا يأتينا إلَاّ عَن جَنَابَة وَاجْتنَاب، وأصل معنى هَذِه الْمَادَّة يدل على الْبعد، وَمِنْه سمي الْجنب: لبعده عَن الصَّلَاة وَعَن قِرَاءَة الْقُرْآن. قَالَ مُجاهِدٌ عَلى قَدَرٍ عَلى مَوْعِدٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَبثت سِنِين فِي أهل مَدين ثمَّ جِئْت على قدر يَا مُوسَى﴾ (طه: ٠٤) . وَفسّر قَوْله: على قدر، بقوله: على موعد، وَقيل: على قدر: أَي جِئْت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك، وَكَانَ مُوسَى ﷺ مكث عِنْد شُعَيْب، ﵊، فِي مَدين ثمانياً وَعشْرين سنة، عشر سِنِين مِنْهَا مهر امْرَأَته صفورا بنت شُعَيْب، ثمَّ أَقَامَ بعده ثَمَانِيَة عشر سنة عِنْده حَتَّى ولد لَهُ فِي مَدين، ثمَّ جَاءَ على قدر. لَا تَنِيَا لَا تَضْعُفَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنيا فِي ذكري إذهبا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى﴾ (طه: ٢٤) . وَفسّر قَوْله تَعَالَى: لَا تنيا، بقوله: لَا تضعفا، يَعْنِي: لَا تفترَّا، من: ونى يني ونياً، وَهُوَ الضعْف والفتور، وَالْخطاب فِيهِ لمُوسَى وَهَارُون. مَكانَاً سِوًى مَنْصَفٌ بَيْنَهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْعَلْ بَيْننَا وَبَيْنك موعداً لَا نخلفه نَحن وَلَا أَنْت مَكَانا سوى﴾ (طه: ٨٥) . وَفسّر قَوْله: مَكَانا سوى، بقوله: منصف بَينهم، قَرَأَ ابْن عَامر وَعَاصِم وَحَمْزَة بِضَم السِّين، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، قيل: مَعْنَاهُ سوياً لَا سَاتِر فِيهِ، وَقيل: مَكَانا عدلا بَيْننَا وَبَيْنك، وَعَن ابْن عَبَّاس مثل مَا فسره بقوله: منصف بَينهم أَي: بَين الْفَرِيقَيْنِ، أَي: يَسْتَوِي مسافته بَين الْفَرِيقَيْنِ فَتكون مَسَافَة كل فريق إِلَيْهِ كمسافة الْفَرِيق الآخر. يَبَساً يابِساً

стр. 4618

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاضْرب لَهُم طَرِيقا فِي الْبَحْر يبساً لَا تخَاف دركاً وَلَا تخشى﴾ (طه: ٧٧) . وَفسّر قَوْله: يبساً، بقوله: يَابسا، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) يبساً مصدر وصف بِهِ، يُقَال: يبس يبساً، وَنَحْوهمَا الْعَدَم والعدم، وَمن ثمَّ وصف بِهِ الْمُؤَنَّث فَقيل: شاتنا يبس، وناقتنا يبس، أذا جف لَبنهَا. مِنْ زِينَةِ القَوْمِ الحُلِيِّ الَّذِي استَعَارُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكنَّا حملنَا أوزاراً من زِينَة الْقَوْم فقذفناها فَكَذَلِك ألْقى السامري﴾ (طه: ٧٨) . وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن زيد، قَالَ: الأوزار الأثقال وَهُوَ الْحلِيّ الَّذِي استعاروه من آل فِرْعَوْن، وَلَيْسَ المُرَاد بهَا الذُّنُوب، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) وَقيل: أثاماً، أَي: حملنَا أثاماً من حلي الْقَوْم لأَنهم استعاروه ليتزينوا فِي عيد كَانَ لَهُم ثمَّ لم يردوها عَلَيْهِم عِنْد خُرُوجهمْ من مصر مَخَافَة أَن يعلمُوا بخروجهم فحملوها. فَقذَفْتُهَا ألْقَيْتُهَا ألْقَى صَنَعَ فسر فقذفتها بقوله ألقيتها، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فقذفناها، وَالْقُرْآن ﴿وَلَكنَّا حملنَا أوزاراً من زِينَة الْقَوْم فقذفناها فَكَذَلِك ألْقى السامري فَأخْرج لَهُم عجلاً جسداً لَهُ خوار﴾ (طه: ٧٨) . قَوْله: ألقِي أَي: السامري، يَعْنِي: ألْقى مَا كَانَ مَعَه من الْحلِيّ، وَقيل: مَا كَانَ مَعَه من تُرَاب حافر فرس جِبْرِيل ﷺ ، وَأَرَادَ بقوله: صنع، أخرج لَهُم عجلاً جسداً لَهُ خوار. فنَسِيَ مُوسَى هُمْ يَقُولُونَ أخْطَأَ الرَّبُّ أنْ لَا يَرْجِعَ إلَيْهِمْ قَوْلاً فِي العِجْلِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا هَذَا إل هكم وإل هـ مُوسَى فنسي أَفلا يرَوْنَ أَن لَا يرجع إِلَيْهِم قولا وَلَا يملك لَهُم ضراً وَلَا نفعا﴾ (طه: ٨٨ و ٩٨) . قَوْله: فَقَالُوا أَي: السامري وَمن وَافقه. قَوْله: (فنسي مُوسَى) أَي: أَن يُخْبِركُمْ أَن هَذَا إل هه، وَقيل: فنسي مُوسَى الطَّرِيق إِلَى ربه، وَقيل: فنسي مُوسَى إل هه عنْدكُمْ، وَخَالفهُ فِي طَرِيق آخر. قَوْله: (هم يَقُولُونَ) ، أَي: السامري وَمن مَعَه يَقُولُونَ: أَخطَأ مُوسَى الرب حَيْثُ تَركه هُنَا وَذهب إِلَى الطّور يَطْلُبهُ. قَوْله: (أَن لَا يرجع إِلَيْهِم) فِي الْعجل (قولا) أَي: أَنه لَا يرجع إِلَيْهِم قولا فِي الْعجل. ٣٩٣٣ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ حدَّثنا هَمَّامٌ حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنْ مالِكَ بنَ صَعْصَعَةَ أَن رسوُلَ الله ﷺ حدَّثَهُمْ عنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِه حَتَّى السَّماَءَ الخَامِسَةَ فإذَا هارُونُ قَالَ هَذَا هارُونُ فسلَّمَ عَلَيْهِ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ. وَجه ذكر هَذِه الْقطعَة من حَدِيث الْإِسْرَاء المطول الْمَاضِي غير مرّة من طَرِيق قَتَادَة عَن أنس عَن مَالك بن صعصعة الْمَذْكُورَة تَمامهَا فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة هُوَ لأجل ذكر هَارُون فِي مَوَاضِع الْأَلْفَاظ الْمُتَقَدّمَة. تابَعَهُ ثابِتٌ وعَبَّادُ بنُ أبِي عَلِيٍّ عنْ أنَسٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: تَابع قَتَادَة ثَابت الْبنانِيّ، وَعباد، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن أبي عَليّ الْبَصْرِيّ فِي روايتهما عَن أنس فِي ذكر هَارُون فِي السَّمَاء الْخَامِسَة لَا فِي جَمِيع الحَدِيث وَلَا فِي الْإِسْنَاد أَيْضا، فَإِن رِوَايَة ثَابت مَوْصُولَة فِي (صَحِيح مُسلم) من طَرِيق شَيبَان عَن حَمَّاد ابْن سَلمَة عَنهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذكر مَالك بن صعصعة، بل الْمَذْكُور فِيهَا ذكر هَارُون فِي السَّمَاء الْخَامِسَة، وَأما مُتَابعَة عباد فرواها عَنهُ هِشَام الدستوَائي وَحَمَّاد بن زيد وَخَلِيفَة بن حسان وَلم يذكرُوا مَالك بن صعصعة، وَلَيْسَ لعباد ذكر فِي البُخَارِيّ إلَاّ فِي هَذَا الْموضع. ٥٢ - (بابٌ ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمْ إيمَانَهُ﴾ إِلَى قولِهِ ﴿مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غَافِر: ٨٢) .)

стр. 4619

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: ﴿وَقَالَ رجل مُؤمن من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم وَإِن يَك كَاذِبًا فَعَلَيهِ كذبه وَإِن يَك صَادِقا يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم إِن الله لَا يهدي من هُوَ مُسْرِف كَذَّاب﴾ (غَافِر: ٨٢) . وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا بِغَيْر حَدِيث فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يذكر فِيهَا حَدِيثا وَلم يظفر بِهِ على شَرطه فَبَقيت كَذَا وَالله أعلم. قَوْله: (وَقَالَ رجل مُؤمن) فِي اسْمه سِتَّة أَقْوَال: الأول: شمعان، بالشين الْمُعْجَمَة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يعرف شمعان بِالْمُعْجَمَةِ إِلَّا مُؤمن آل فِرْعَوْن. الثَّانِي: يُوشَع بن نون، وَبِه جزم ابْن التِّين، وَهُوَ بعيد لِأَن يُوشَع من ذُرِّيَّة يُوسُف، ﵊، وَلم يكن من آل فِرْعَوْن. الثَّالِث: حزقيل بن برحايا، وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء. الرَّابِع: حابوت، وَهُوَ الَّذِي التقطه إِذْ كَانَ فِي التابوت. الْخَامِس: حبيب ابْن عَم فِرْعَوْن، قَالَه ابْن إِسْحَاق. السَّادِس: حيزور قَالَه الطَّبَرِيّ، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ قبطياً يكتم إيمَانه مائَة سنة من فِرْعَوْن، وَكَانَ لَهُ الْملك بعد فِرْعَوْن، وَكَانَ على بَقِيَّة من دين إِبْرَاهِيم ﷺ ، وَقَالَ ابْن خالويه فِي (كتاب لَيْسَ) : لم يُؤمن من أهل مصر إلَاّ أَرْبَعَة: آسِيَة، وحزقيل مُؤمن آل فِرْعَوْن، وَمَرْيَم بنت لابوس الْملك الَّتِي دلّت على عِظَام يُوسُف، والماشطة. قَوْله: (أَتقْتلونَ) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام الإنكاري. قَوْله: (أَن يَقُول) أَي: لِأَن يَقُول، وَهَذَا إِنْكَار مِنْهُ عَظِيم وتبكيت شَدِيد، وَهَذَا كَانَ مِنْهُ نصح عَظِيم لَهُم وَلم يقْتَصر على بَيِّنَة وَاحِدَة وَهِي قَوْله: رَبِّي الله، حَتَّى قَالَ: ﴿وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم﴾ (غَافِر: ٨٢) . وَحكى الله تَعَالَى عَنهُ: ثمَّ أَخذهم بالاحتجاج على طَريقَة التَّقْسِيم، فَقَالَ: لَا يَخْلُو من أَن يكون كَاذِبًا أَو صَادِقا ﴿فَإِن يَك كَاذِبًا فَعَلَيهِ كذبه﴾ (غَافِر: ٨٢) . أَي: يعود عَلَيْهِ كذبه وَلَا يتخطاه ضَرَره. ﴿وَإِن يَك صَادِقا يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ (غَافِر: ٨٢) . إِن تعرضتم. قَوْله: (مُسْرِف) أَي: مُشْرك، قَالَ السّديّ: أَي الْكذَّاب على الله، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٦٢ - (بابُ قَوْلِ الله ﴿وهَلْ أتاكَ حِديثُ مُوسَى﴾ (طه: ٩ ٠١) . ﴿وكلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (النِّسَاء: ٤٦١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله ، وَهُوَ قَوْله: ﴿وَهل أَتَاك حَدِيث مُوسَى إِذْ رأى نَارا فَقَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بقبس أَو أجد على النَّار هدى﴾ (طه: ٩ ٠١) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب قبل الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: ﴿وكل الله مُوسَى تكليماً﴾ (النِّسَاء: ٤٦١) . وَقَبله:﴾ ورسلاً قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عَلَيْك وكلم الله مُوسَى تكليماً﴾ (النِّسَاء: ٤٦١) . وَقَبله: قَوْله: (ورسلاً) مَنْصُوب على تَقْدِير: قَصَصنَا رسلًا. وَقَوله: ﴿قد قصصناهم﴾ مُفَسّر لَهُ فَحذف الناصب حَتَّى لَا يجمع بَين المفسِر والمفسَر. قَوْله: (من قبل) ، أَي: من قبل هَذِه الْآيَة يَعْنِي فِي السُّور المكية وَغَيرهَا. قَوْله: (ورسلاً لم نقصصهم عَلَيْك) ، أَي: لم نسمهم لَك. قَوْله: (وكلم الله مُوسَى تلكيماً) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: لما بَين الله لمُحَمد، صلى الله عَلَيْهِ وسلمد أَمر النَّبِيين وَلم يبين أَمر مُوسَى، ﵊، شكوا فِي نبوته، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿مِنْهُم من كلم الله﴾ (الْبَقَرَة: ٣٥٢) . وكلم الله مُوسَى حَقِيقَة لَا كَمَا زعمت الْقَدَرِيَّة: أَن الله تَعَالَى خلق كلَاما فِي شَجَرَة فَسَمعهُ مُوسَى، ﷺ ، لِأَنَّهُ لَا يكون ذَلِك كَلَام الله، وَلَو كَانَ من غير التَّأْكِيد لاحتمل مَا قَالُوا، لِأَن أَفعَال الْمجَاز لَا تؤكد بِذكر المصادر، لَا يُقَال: أَرَادَ الْجِدَار أَن يسْقط إِرَادَة، وَعلم مُوسَى أَنه كَلَام الله لِأَنَّهُ كَلَام يعجز الْخلق أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ، قَالَ ابْن مرْدَوَيْه، بِإِسْنَادِهِ عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: إِن الله ناجى مُوسَى بِمِائَة ألف كلة وَأَرْبَعين ألف كلمة فِي ثَلَاثَة أَيَّام، كلهَا وَصَايَا فَلَمَّا سمع مُوسَى كَلَام الْآدَمِيّين مقتهم مِمَّا وَقع فِي مسامعه من كَلَام الرب، وجويبر ضَعِيف. وَالضَّحَّاك لم يدْرك ابْن عَبَّاس. ٤٩٣٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبَرَنَا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ لَيْلةَ أسْرِيَ بِي رأيْتُ مُوسَى وإذَا هُوَ رَجُلً ضَرْبٌ رَجِلٌ كأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَة ورَأيْتُ عِيسَى فإذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَة أحْمَرُ كأنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسَ وَأَنا أشْبَهُ ولَدِ إبْرَاهِيمَ بِهِ ثُمَّ أُتِيتُ بإنَاءَيْنِ فِي أحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ فَقَالَ اشْرَبْ

стр. 4620

أيُّهُمَا شِئْتَ فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ أخَذْتَ الفِطْرَةَ إمَّا إنَّكَ لَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أمَّتُكَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (رَأَيْت مُوسَى، ﵊ . والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَعبد بن حميد: وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان بِهِ. قَوْله: (وَرَأَيْت) ، قَالَ الطَّيِّبِيّ: لَعَلَّ أَرْوَاحهم مثلت لَهُ ﷺ بِهَذِهِ الصُّور، وَلَعَلَّ صورهم كَانَت كَذَلِك أَو صور أبدانهم كوشفت لَهُ فِي نوم أَو يقظة. قَوْله: (ضرب) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة أَي: نحيف خَفِيف اللَّحْم. قَوْله: (شنُوءَة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم النُّون وَفتح الْهمزَة: وَهُوَ حَيّ من الْيمن وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: شنائي، وَقَالَ ابْن السّكيت: أَزْد شنوة، بِالتَّشْدِيدِ غير مَهْمُوز وينسب إِلَيْهَا: شنوى. قَوْله: (ربعَة) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيجوز فتحهَا لَا طَوِيل وَلَا قصير، وأنث بِتَأْوِيل النَّفس. قَوْله: (من ديماس) بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، قَالَ الْكرْمَانِي: السرب، وَقيل: الْكن أَي: كَأَنَّهُ مخدر لم ير شمساً وَهُوَ فِي غَايَة الْإِشْرَاق والنضارة. انْتهى. وَقيل الْحمام وَقيل: لم يكن لَهُم يَوْمئِذٍ ديماس، وَإِنَّمَا هُوَ من عَلَامَات نبوته. قَوْله: (إِبْرَاهِيم) أَي: الْخَلِيل، ﵇، وَالْمعْنَى: أَنا أشبه بإبراهيم ... كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: كَانَ مَعْنَاهُ: أَنا أشبه ولد إِبْرَاهِيم بإبراهيم، ﵇، وَهَهُنَا ثَلَاث تشبيهات كلهَا للْبَيَان، وَلَكِن الأول لمُجَرّد الْبَيَان، والأخير أَن للْبَيَان مَعَ تَعْظِيم الْمُشبه فِي مقَام الْمَدْح، وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي تَشْبِيه مُوسَى ﵇: يَعْنِي فِي الطول ٧ وَقَالَ الْقَزاز: مَا أَدْرِي مَا أَرَادَ البُخَارِيّ بذلك، على أَنه روى فِي صفته بعد هَذَا خلاف هَذَا، فَقَالَ: وَأما مُوسَى فآدم جسيم كَأَنَّهُ من رجال الزط. قلت: روى البُخَارِيّ هَذَا من حَدِيث مُجَاهِد عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ رَأَيْت مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَأَما عِيسَى فأحمر جعد عريض الصَّدْر، وَأما مُوسَى فآدم جسيم سبط، كَأَنَّهُ من رجال الزط. قلت: هَذَا لَيْسَ فِيهِ إِشْكَال لِأَنَّهُ ﷺ شبه مُوسَى فِي حَدِيث الْبَاب وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، بقوله: كَأَنَّهُ من رجال شنُوءَة، يَعْنِي: فِي الطول وَشبهه فِي حَدِيث ابْن عمر، بقوله: كَأَنَّهُ من رجال الزط، يَعْنِي: فِي الطول أَيْضا لِأَن الزط جنس من السودَان والهنود الطوَال. قَوْله: (ثمَّ أتيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أخذت الْفطْرَة) ، أَي: الاسْتقَامَة أَي: اخْتَرْت عَلامَة الْإِسْلَام وَجعل اللَّبن عَلامَة لكَونه سهلاً طيبا طَاهِرا نَافِعًا للشاربين، سليم الْعَاقِبَة، وَأما الْخمر فَإِنَّهَا أم الْخَبَائِث وحاملة لأنواع الشَّرّ فِي الْحَال، والمآل، ويروى: هديت الْفطْرَة، قَالَ الطَّيِّبِيّ: أَي: الْفطْرَة الْأَصْلِيَّة الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا، وَجعل اللَّبن عَلامَة لذَلِك لِأَنَّهُ من أصلح الأغذية وَأول مَا بِهِ حصلت التربية. ٦٤ - (حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَالِيَة حَدثنَا ابْن عَم نَبِيكُم يَعْنِي ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لَا يَنْبَغِي لعبد أَن يَقُول أَنا خير من يُونُس بن مَتى وَنسبه إِلَى أَبِيه وَذكر النَّبِي ﷺ َ - لَيْلَة أسرِي بِهِ فَقَالَ مُوسَى آدم طوال كَأَنَّهُ من رجال شنُوءَة وَقَالَ عِيسَى جعد مَرْبُوع وَذكر مَالِكًا خَازِن النَّار وَذكر الدَّجَّال) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون قد تكَرر ذكره وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر وَأَبُو الْعَالِيَة اسْمه رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء الريَاحي بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وروى عَن ابْن عَبَّاس أَبُو الْعَالِيَة آخر واسْمه زِيَاد بن فَيْرُوز وَيعرف بالبراء بِالتَّشْدِيدِ نِسْبَة إِلَى بري السِّهَام والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن حَفْص بن عمر فِي بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين﴾ وَيَأْتِي عَن قريب وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار وَفِي التَّوْحِيد قَالَ لي خَليفَة بن خياط وَأخرجه مُسلم فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن حَفْص بن عمر بِهِ وَقَالَ لم يسمع قَتَادَة من أبي الْعَالِيَة إِلَّا ثَلَاثَة أَحَادِيث وَهَذَا أَحدهَا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر قَالَ شُعْبَة أَيْضا إِنَّمَا سمع قَتَادَة من أبي الْعَالِيَة أَرْبَعَة أَحَادِيث حَدِيث يُونُس بن مَتى وَحَدِيث ابْن عمر فِي الصَّلَاة وَحَدِيث الْقُضَاة ثَلَاثَة وَحَدِيث ابْن عَبَّاس شهد عِنْدِي رجال مرضيون قَوْله " لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَقُول أَنا خير من يُونُس بن مَتى " وَيُونُس

стр. 4621

فِيهِ سِتَّة أوجه وَمَتى بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالألف وَهُوَ اسْم أَبِيه وَفِي جَامع الْأُصُول وَقيل هُوَ اسْم أمه وَيُقَال لم يشْتَهر نَبِي بِأُمِّهِ غير يُونُس والمسيح ﵉ وَقَالَ الْفربرِي وَكَانَ مَتى رجلا صَالحا من أهل بَيت النُّبُوَّة فَلم يكن لَهُ ولد ذكر فَقَامَ إِلَى الْعين الَّتِي اغْتسل مِنْهَا أَيُّوب فاغتسل هُوَ وَزَوجته مِنْهَا وصليا ودعوا الله أَن يرزقهما رجلا مُبَارَكًا يَبْعَثهُ الله فِي بني إِسْرَائِيل فَاسْتَجَاب الله دعاءهما ورزقهما يُونُس وَتُوفِّي مَتى وَيُونُس فِي بطن أمه وَله أَرْبَعَة أشهر وَقد قيل أَنه من بني إِسْرَائِيل وَأَنه من سبط بنيامين وَقَالَ الْكرْمَانِي وَهُوَ ذُو النُّون أرْسلهُ الله إِلَى أهل الْموصل وَذهب قوم إِلَى أَن نبوته بعد خُرُوجه من بطن الْحُوت وَقَالَت الْعلمَاء بأخبار القدماء كَانَ يُونُس من أهل الْقرْيَة من قرى الْموصل يُقَال لَهَا نِينَوَى وَكَانَ قومه يعْبدُونَ الْأَصْنَام وَعَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعث الله يُونُس بن مَتى إِلَى قومه وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة فَأَقَامَ فيهم يَدعُوهُم إِلَى الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة فَلم يُؤمن بِهِ إِلَّا رجلَانِ أَحدهمَا روبيل وَكَانَ عَالما حكيما وَالْآخر تنوخا وَكَانَ زاهدا عابدا وَقَالَ الْخطابِيّ معنى قَوْله لَا يَنْبَغِي لأحد إِلَى آخِره لَيْسَ لأحد أَن يفضل نَفسه على يُونُس وَيحْتَمل أَن يُرَاد لَيْسَ لأحد أَن يُفَضِّلُنِي عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْهُ ﷺ َ - على مَذْهَب التَّوَاضُع والهضم من النَّفس وَلَيْسَ مُخَالفا لقَوْله ﷺ َ - أَنا سيد ولد آدم لِأَنَّهُ لم يقل ذَلِك مفتخرا وَلَا متطاولا بِهِ على الْخلق وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك ذَاكِرًا للنعمة ومعترفا بالمنة وَأَرَادَ بالسيادة مَا يكرم بِهِ فِي الْقِيَامَة وَقيل قَالَ ذَلِك قبل الْوَحْي بِأَنَّهُ سيد الْكل وَخَيرهمْ وأفضلهم وَقيل قَالَه زجرا عَن توهم حط مرتبته لما فِي الْقُرْآن من قَوْله ﴿وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي تَخْصِيص يُونُس بِالذكر من بَين سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله " لَيْلَة أسرِي بِهِ " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لَيْلَة أسرِي بِي على الْحِكَايَة قَوْله " طوال " بِضَم الطَّاء قَوْله " جعد الشّعْر " الْجَعْد خلاف السبط لِأَن السبوطة أَكْثَرهَا فِي شُعُور الْعَجم قَوْله " وَذكر مَالِكًا " أَي وَذكر النَّبِي ﷺ َ - لَيْلَة أسرِي بِهِ مَالِكًا خَازِن النَّار وَذكر أَيْضا الدَّجَّال وَهَذَا الحَدِيث وَاحِد عِنْد أَكثر الروَاة فَجعله بَعضهم حديثين أَحدهمَا مُتَعَلق بِيُونُس وَالْآخر بالبقية الْمَذْكُورَة - ٧٩٣٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ حدَّثَنَا أيُّوبُ السِّخْتْيَانِي عنِ ابنِ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قدِمَ المَدِينَةَ وجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْماً يَعْنِي عاشُورَاءَ فَقالوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وهْوَ يَوْمٌ نَجَّى الله فِيهِ مُوسَى وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصامُ مُوسَى شُكْرَاً لله فَقَالَ أنَا أوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصامَهُ وأمَرَ بِصِيَامِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نجى الله فِيهِ مُوسَى) وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن سعيد هُوَ عبد الله بن سعيد بن جُبَير يروي عَن أَبِيه، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب صِيَام عَاشُورَاء أخرجه عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٥٢ - (بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿وَوَاعَدْنا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأِخِيهِ هارُونَ أخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأصْلِحْ ولَا تَتَّبِعِ سَبِيلَ الْمُفْسِدين ولَمَّا جاءَ مُوساى لِمِيقَاتِنَا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَب أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ولَكِنْ أُنْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فإنِ اسْتَقَرَّ مكانَهُ فسَوْفَ تَرَانِي فلَمَّا تَجَلَّى رَبَّهُ لِلْجَبَلِ جعَلَهُ دَكَّاً وخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فلَمَّا أفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنَا أوَّلُ الْمُؤْمِنينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٤١ ٣٤١) .) سَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة هَاتين الْآيَتَيْنِ بتمامهما قَوْله: (وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة) ، وروى أَن مُوسَى، ﵊، وعد بني إِسْرَائِيل وَهُوَ بِمصْر إِن أهلك الله عدوهم أَتَاهُم بِكِتَاب من عِنْد الله فِيهِ بَيَان مَا يأْتونَ وَمَا يذرون، فَلَمَّا هلك فِرْعَوْن سَأَلَ مُوسَى ربه الْكتاب فَأمره بِصَوْم ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهُوَ شهر ذِي الْقعدَة، فَلَمَّا أتم الثَّلَاثِينَ أنكر خلوف فِيهِ فَتَسَوَّكَ، فَقَالَت

стр. 4622

الْمَلَائِكَة: كُنَّا نَشُمُّ من فِيك رَائِحَة الْمسك فأفسدتها بِالسِّوَاكِ، فَأمره الله أَن يزِيد عَلَيْهَا عشرَة أَيَّام من ذِي الْحجَّة لذَلِك، وَهُوَ معنى قَوْله: وأتممناها بِعشر، قَوْله: (فتم مِيقَات ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَة) وميقات ربه: مَا وَقت لَهُ من الْوَقْت وضربه لَهُ، وَالْفرق بَين الْمِيقَات وَالْوَقْت، وَإِن كَانَا من جنس وَاحِد أَن الْمِيقَات مَا قدر لعمل، وَالْوَقْت قد لَا يقدر لعمل. قَوْله: (أَرْبَعِينَ لَيْلَة) نصب على الْحَال أَي: تمّ بَالغا هَذَا الْعدَد. قَوْله: (هَارُون) ، عطف بَيَان لِأَخِيهِ. قَوْله: (اخلفني فِي قومِي) ، يَعْنِي: كن خَليفَة عني. قَوْله: (وَأصْلح وَلَا تتبع سَبِيل المفسدين) ، يَعْنِي: إرفق بهم وَأحسن إِلَيْهِم، وَهَذَا تَنْبِيه وتذكير. وإلَاّ فهارون، ﵇، نَبِي شرِيف كريم على الله لَهُ وجاهة وجلالة. قَوْله: (لِمِيقَاتِنَا) أَي: الْوَقْت الَّذِي وقتناه لَهُ وحددناه. قَوْله: (وَكَلمه ربه) أَي: من غير وَاسِطَة أَخذه الشوق حَتَّى ﴿قَالَ: رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَطلب الزِّيَادَة لما رأى من لطفه تَعَالَى بِهِ. قَوْله: (لن تراني) ، يَعْنِي: أعْطى جَوَابه بقوله: لن تراني، يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا، وَقد أشكل حرف: لن، هَهُنَا على كثير من النَّاس لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لنفي التَّأْبِيد، فاستدل بِهِ الْمُعْتَزلَة على نفي الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهَذَا أَضْعَف الْأَقْوَال لِأَنَّهُ قد تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث عَن النَّبِي ﷺ ، أَن الْمُؤمنِينَ يرونه فِي دَار الْآخِرَة، وَقيل: إِنَّهَا لنفي التأييد فِي الدُّنْيَا جمعا بَين هَذِه وَبَين الدَّلِيل الْقَاطِع على صِحَة الرُّؤْيَة فِي الدَّار الْآخِرَة. قَوْله: (فَإِن اسْتَقر) أَي: الْجَبَل مَكَانَهُ، وَهُوَ أعظم جبل لمدين، قَالَه الْكَلْبِيّ، يُقَال لَهُ: زبير، وَالْمعْنَى: إجعل بيني وَبَيْنك علما هُوَ أقوى مِنْك، يَعْنِي: الْجَبَل، فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ وَسكن وَلم يتضعضع فَسَوف تراني، وَإِن لم يسْتَقرّ فَلَنْ تطِيق (فَلَمَّا تجلى ربه للجبل) قَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ ظُهُور نوره وَقَالَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أنس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (فَلَمَّا تجلى ربه للجبل أَشَارَ بإصبعه فَجعله دكاً) وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم، وروى أَيْضا عَن أنس، قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله، ﷺ : (فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكاً) قَالَ وضع الْإِبْهَام قَرِيبا من طرف خِنْصره، قَالَ: فساخ الْجَبَل، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد وَقَالَ السّديّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: مَا تجلى إلَاّ قدر الْخِنْصر جعله دكاً، قَالَ تُرَابا، وخر مُوسَى صعقاً قَالَ: مغشياً عَلَيْهِ، وَقَالَ قَتَادَة: وَقع مَيتا، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: ساخ الْجَبَل فِي الأَرْض حَتَّى وَقع فِي الْبَحْر فَهُوَ يذهب مَعَه، وَعَن أبي بكر الْهُذلِيّ: جعله دكاً انْعَقَد فَدخل تَحت الأَرْض فَلَا يظْهر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) . وَجَاء فِي بعض الْأَخْبَار أَنه ساخ فِي الأَرْض فَهُوَ يهوي فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي مَالك عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته سِتَّة أجبل فَوَقَعت ثَلَاثَة بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَة بِمَكَّة، فالتي بِالْمَدِينَةِ: أحد وورقان ورضوى، وَوَقع بِمَكَّة حراء وثبير وثور، قَالَ ابْن كثير: هَذَا حَدِيث غَرِيب بل مُنكر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: ذكر عَن عُرْوَة بن رُوَيْم، قَالَ: كَانَت الْجبَال قبل أَن يتجلى الله لمُوسَى صماء ملساء فَلَمَّا تجلى تفطرت الْجبَال فَصَارَت الشقوق والكهوف. قَوْله: (فَلَمَّا أَفَاق) ، يَعْنِي: من غَشيته، وعَلى قَول مقَاتل: ردَّتْ عَلَيْهِ روحه، قَالَ: سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك، أَي من الْإِقْدَام على الْمَسْأَلَة قبل الْإِذْن، وَقيل: المُرَاد من التَّوْبَة الرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى لَا عَن ذَنْب سبق، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على جِهَة التَّسْبِيح، وَهُوَ عَادَة الْمُؤمنِينَ عِنْد ظُهُور الْآيَات الدَّالَّة على عظم قدرته. قَوْله: (وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ) أَي: بأنك لَا ترى فِي الدُّنْيَا، وَقيل: من بني إِسْرَائِيل، وَقيل: مِمَّن يذم باستعظام سُؤَاله الرُّؤْيَة. يُقالُ دَكَّهُ زَلْزَلَهُ ذكر هَذَا لقَوْله تَعَالَى: ﴿جعله دكاً﴾ ، وَفَسرهُ بقوله: زلزله، والدك مصدر جعل صفة، يُقَال: نَاقَة دكاء، أَي: ذَاهِبَة السنام مستوٍ ظهرهَا. فَدُكَّتَا فَدُكِكْنَ جَعَلَ الجِبَالَ كالوَاحِدَةِ أَشَارَ بقوله: ﴿فدكتا﴾ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وحملت الأَرْض وَالْجِبَال فدكتا دكة وَاحِدَة﴾ (الحاقة: ٤١) . وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: فدككن، بِالْجمعِ لِأَن الْجبَال جمع وَالْأَرْض فِي حكم الْجمع، وَلَكِن جعل كل جمع مِنْهُمَا كواحدة، فَلذَلِك قيل: دكتا بالتثنية. كَما قَالَ الله ﴿إنَّ السَّماوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقاً﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٣) . ولَمْ يَقُلْ كُنَّ رَتْقاً مُلْتَصِقَتَيْنِ قَالَ بَعضهم: ذكر هَذَا اسْتِطْرَادًا، إِذْ لَا تعلق لَهُ بِقصَّة مُوسَى، ﵊. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل ذكره تنظيراً لما قبله، وَلِهَذَا قَالَ: بكاف التَّشْبِيه، أَرَادَ أَن نَظِير: دكتا، الَّتِي هِيَ التَّثْنِيَة وَالْقِيَاس: دككن، كَمَا ذكره من وَجهه: ﴿كَانَت رتقاً﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٣) ، فَإِن الْقيَاس

стр. 4623

أَن يُقَال فِيهِ: كن رتقاً، لِأَن السَّمَوَات جمع وَالْأَرْض فِي حكم الْجمع، وَلكنه جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا كواحدة، فَقيل: كَانَتَا، بِلَفْظ التَّثْنِيَة وَلم يقل: كن، بِلَفْظ الْجمع. قَوْله: (ملتصقتين) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي كَانَتَا. اشْرِبُوا ثَوْبٌ مَشَرَّبٌ مَصْبوغٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ (الْبَقَرَة: ٣٩) . وَأَشَارَ بقوله: ثوب مشرب، أَي: مصبوغ، إِلَى أَن معنى أشربوا لَيْسَ من شرب المَاء، بل مَعْنَاهُ مثل معنى قَوْلهم: ثوب مشرب أَي: مصبوغ، يَعْنِي: اخْتَلَط بقلبهم حب الْعجل كَمَا يخْتَلط الصَّبْغ بِالثَّوْبِ، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: إِن حب الْعجل حل مَحل الشَّرَاب فِي قُلُوبهم، وعَلى كل تقدر المُرَاد الْمُبَالغَة فِي حبهم الْعجل، وَقَوله: ﴿وَاشْرَبُوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ (الْبَقَرَة: ٣٩) . فِيهِ الْحَذف أَي: حب الْعجل. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ انْبَجَسَتْ انْفَجَرَتْ أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٦١) . انفجرت وانشقت وَقَبله: ﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى إِذْ استسقاه قومه أَن اضْرِب بعصاك الْحجر فانبجست﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٦١) . وَفِي سُورَة الْبَقَرَة: ﴿وَإِذ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦) . وَالْفَاء فِيهِ مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره: فَضرب فانبجست، فَضرب فانفجرت، وَهَذِه الْفَاء تسمى فَاء الفصيحة لَا تقع إلَاّ فِي كَلَام بليغ. وإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ رَفَعْنا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظله﴾ (الْأَعْرَاف: ١٧١) . الْآيَة. وَفسّر: نتقنا، بقوله: رفعنَا، وَيُقَال: مَعْنَاهُ قلعناه وَرَفَعْنَاهُ فَوْقهم، كَمَا فِي قَوْله: ﴿ورفعنا فَوْقهم الطّور﴾ (النِّسَاء: ٤٥١) . كَأَنَّهُ ظلة، وَهُوَ كل مَا أظلك من سَقِيفَة أَو سَحَاب. وقصته: أَن مُوسَى، ﵊، لما رَجَعَ إِلَى قومه وَقد أَتَاهُم بِالتَّوْرَاةِ أَبَوا أَن يقبلوها ويعملوا بِمَا فِيهَا من الآصار والأثقال، وَكَانَت شَرِيعَة ثَقيلَة، فَأمر الله تَعَالَى جِبْرِيل، ﵊، قلع جبل قدر عَسْكَرهمْ، وَكَانَ فرسخاً فِي فَرسَخ، وَرَفعه فَوق رؤوسهم مِقْدَار قامة الرجل، وَكَانُوا سِتّمائَة ألف وَقَالَ لَهُم إِن لم تقبلوها وَإِلَّا ألقيت عَلَيْكُم هَذَا الْجَبَل وَعَن ابْن عَبَّاس رفع الله فَوْقهم الطّور وَبعث نَارا من قبل وُجُوههم وأتاهم الْبَحْر الْملح من خَلفهم. ٨٩٣٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ يَحْيى عنْ أبِيهِ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ النَّاسُ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فأكُونُ أوَّلَ منْ يُفِيقُ فإذَا أنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ فَلَا أدْرِي أفَاقَ قَبْلِي أمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِذا أَنا بمُوسَى) . وَمُحَمّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي وَهُوَ من أَفْرَاده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن يحيى يروي عَن أَبِيه يحيى بن عمَارَة بن أبي الْحسن الْمَازِني الْأنْصَارِيّ وَهُوَ يروي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى مطولا فِي الْأَشْخَاص، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ونتكلم بِبَعْض شَيْء لبعد الْعَهْد. فَقَوله: (يصعقون) من صعق الرجل إِذا غشي عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيّ: الصَّعق والصعقة الْهَلَاك وَالْمَوْت، وَيُقَال مِنْهُ: صعق الْإِنْسَان وصعق، بِفَتْح الصَّاد وَضمّهَا، وَأنكر بَعضهم الضَّم، وصعقتهم الصاعقة بِفَتْح الصَّاد وَالْعين وأصعقتهم، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: الصاقعة، بِتَقْدِيم الْقَاف على الْعين، وَقَالَ القَاضِي: وَهَذَا الحَدِيث من أشكل الْأَحَادِيث لِأَن مُوسَى، ﵊، قد مَاتَ فَكيف تُدْرِكهُ الصعقة؟ وَإِنَّمَا تصعق الْأَحْيَاء، وَيحْتَمل أَن هَذِه الصعقة صعقة فزع بعد الْفَزع حِين تَنْشَق السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَيُؤَيِّدهُ لفظ: يفِيق وأفاق، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال: أَفَاق من الغشي، وَأما الْمَوْت فَيُقَال: بعث مِنْهُ، وصعقة الطّور لم تكن موتا. وَأما قَوْله ﷺ (فَلَا أَدْرِي أَفَاق قبلي) فَيحْتَمل أَنه ﷺ قَالَه قبل أَن يعلم أَنه أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض إِن كَانَ هَذَا اللَّفْظ على ظَاهره، وَأَن نَبينَا ﷺ أول شخص مِمَّن تَنْشَق عَنْهُم الأَرْض فَيكون مُوسَى، ﵊، من زمرة الْأَنْبِيَاء،

стр. 4624

عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، انْتهى، حَاصِل الْكَلَام أَن الْإِفَاقَة غير الانشقاق، والصعقة تكون حِين ينْفخ فِي الصُّور النفخة الأولى، وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: فَأَكُون أول من يفِيق لَيْسَ بِمَحْفُوظ، واضطربت الروَاة فِي هَذَا الحَدِيث، وَقل من يسلم مَعَه مِنْهُم من الْوَهم، وَالصَّحِيح: فَأَكُون أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض، والانشقاق غير الْإِفَاقَة، كَمَا ذكرنَا. ٩٩٣٣ - حدَّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّام عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ لَوْلَا بَنُو إسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنِزِ اللَّحْمُ ولَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ. (انْظُر الحَدِيث ٠٣٣٣) . هَذَا الحَدِيث مضى فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة أَنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) . ٦٢ - (بابُ طُوفانٍ مِنَ السَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ طوفان من السَّيْل، وَلَيْسَ قَوْله: طوفان من السَّيْل، بترجمة لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد عَن التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ كالفصل للباب الْمُتَقَدّم، وَسقط جَمِيعه من رِوَايَة النَّسَفِيّ. قَوْله: (طوفان) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل والضفادع وَالدَّم آيَات مفصلات﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٣١) . الْآيَة. أما الطوفان فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فقاال البُخَارِيّ: هُوَ من السَّيْل يكون من الْمَطَر الْغَالِب، وَعَن ابْن عَبَّاس: الطوفان كَثْرَة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع وَالثِّمَار، وَبِه قَالَ الضَّحَّاك وَعنهُ كَثْرَة الْمَوْت، وَبِه قَالَ عَطاء، وَقَالَ مُجَاهِد: الطوفان المَاء والطاعون، وروى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : الطوفان الْمَوْت، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى: هُوَ أَمر من الله طَاف بهم. يُقَالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ طُوفَانٌ أَرَادَ بِهِ الْمَوْت المتتابع. القُمَّلُ الْحَمْنانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الحَلَمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقمل﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٣١) . الْمَذْكُور فِي الْآيَة، وفسرها بقولِهَا: الحمنان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالنونين: قراد يشبه صغَار الْحلم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام، وَهُوَ جمع الحلمة وَهُوَ القراد الْعَظِيم، وَوَاحِد الحمنان: حمنانة. وَعَن ابْن عَبَّاس: الْقمل السوس الَّذِي يخرج من الْحِنْطَة، وَعنهُ أَنه الدُّبَّاء وَهُوَ الْجَرَاد الصغار الَّذِي لَا أَجْنِحَة لَهُ وَبِه قَالَ عِكْرِمَة وَقَتَادَة، وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير: الْقمل دَوَاب سود صغَار، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن أسلم: الْقمل البراغيث، وَقَالَ ابْن جرير: الْقمل جمع واحده قملة، وَهِي دَابَّة تشبه الْقمل تأكلها الْإِبِل فِيمَا بَلغنِي. حَقِيقٌ حَقٌّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حقيق على﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٠١) . وَفَسرهُ بقوله: حق، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي تَفْسِيره: (مجازه حق عَليّ أَن لَا أَقُول على الله إلَاّ الْحق) ، هَذَا على قِرَاءَة التَّشْدِيد فِي عليَّ، وَمن خففه فَمَعْنَى: حقيق محق، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: حَرِيص. سُقِطَ كلُّ من نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٤١) . وَفسّر قَوْله: سقط، بقوله: كل من نَدم فقد سقط فِي يَده، وَسقط على صِيغَة الْمَجْهُول. ٧٢ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب وَهُوَ كالفصل لما قبله وَلَيْسَ بموجود فِي بعض النّسخ.

стр. 4625

حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوساى ﵉ أَي: هَذَا حَدِيث الْخضر مَعَ مُوسَى، ﵉، فارتفاع: حديثُ، على الخبرية، وَيجوز أَن يكون مجروراً بِإِضَافَة لفظ: بَاب إِلَيْهِ وَيكون التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَدِيث الْخضر مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. ٠٠٤٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثني أبي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله أخبرَهُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ تَمَارَي هُوَ والحُرُّ بنُ قَيْسٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوساى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أُبِيُّ بنُ كَعْبٍ فدَعَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إنِّي تَمَارَيْتُ أنَا وصاحِبِي هذَا فِي صاحِبِ مُوساى الَّذِي سألَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هلْ سَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يَذْكُرُ شَأنَهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ بَيْنَمَا مُوساى فِي مَلَاءٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ جاءَهُ رَجلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أحَدَاً أعْلَمَ مِنْكَ قَالَ لَا فأوْحَى الله إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنا خَضِرٌ فسَألَ مُوسَى السَّبِيلَ إلَيْهِ فَجُعِلَ لَهُ الحُوتُ آيَةً وقِيلَ لَهُ إذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فارْجِعْ فإنَّكَ سَتَلْقَاهُ فَكانَ يَتْبَعُ الحُوتَ فِي البَحْرِ فقالَ لِمُوسَى فَتاهُ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أنْسانِيهِ إلَاّ الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ فَقَالَ مُوساى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فارْتَدَّا علَى آثَارِهِمَا قَصَصاً فوَجَدَا خَضِراً فَكانَ منْ شَأنِهِمَا الَّذِي قَصَّ الله فِي كِتابِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن مُحَمَّد بن بكير النَّاقِد أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ مَاتَ بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي، كَانَ إِبْرَاهِيم بالعراق قَاضِيا يروي عَن صَالح بن كيسَان عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن قُتَيْبَة. والْحَدِيث بِعَيْنِه مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب مَا ذكر فِي ذهَاب مُوسَى فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عُزَيْر الزُّهْرِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (تمارى) ، أَي: تجَادل. ١٠٤٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ قَالَ أخبرَنِي سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ ل اِبْنِ عَبَّاسٍ إنَّ نَوْفاً البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوساى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ إنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ فقالَ كذَبَ عَدُوُّ الله حدَّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ مُوسَى قامَ خَطِيباً فِي بَنِي إسْرَائِيلَ فسُئِلَ أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ فَقَالَ أنَا فعَتَبَ الله عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العلْمَ فَقَالَ لَهُ بَلَي لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ قَالَ أيْ رَبِّ ومَنْ لِي بِهِ ورُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ أيْ رَبِّ وكَيْفَ لِي بِهِ قَالَ تأخُذُ حُوتاً فتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ حَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ ورُبَّمَا قَالَ فَهْوَ ثَمَّةَ وأخَذَ حُوتَاً فجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وفَتاهُ يُوشَعُ بنُ نُون حتَّى أتيَا الصَّخْرَةَ وضَعَا رُؤوسَهُمَا فرَقَدَ مُوسَى واضْطَرَبَ الحُوتُ فَخَرَجَ فسَقَطَ فِي البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً فأمْسَكَ الله عنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ فَصارَ مِثْلَ الطَّاقِ فَقَالَ هَكَذَا مِثلَ الطَّاقِ فانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا ويَوْمَهُمَا حَتَّى إذَا كانَ مِنَ الغَدِ قَالَ لِفَتاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ولَمْ يَجِدْ
следующие страницы →