← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

فِيهِ سِتَّة أوجه وَمَتى بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالألف وَهُوَ اسْم أَبِيه وَفِي جَامع الْأُصُول وَقيل هُوَ اسْم أمه وَيُقَال لم يشْتَهر نَبِي بِأُمِّهِ غير يُونُس والمسيح ﵉ وَقَالَ الْفربرِي وَكَانَ مَتى رجلا صَالحا من أهل بَيت النُّبُوَّة فَلم يكن لَهُ ولد ذكر فَقَامَ إِلَى الْعين الَّتِي اغْتسل مِنْهَا أَيُّوب فاغتسل هُوَ وَزَوجته مِنْهَا وصليا ودعوا الله أَن يرزقهما رجلا مُبَارَكًا يَبْعَثهُ الله فِي بني إِسْرَائِيل فَاسْتَجَاب الله دعاءهما ورزقهما يُونُس وَتُوفِّي مَتى وَيُونُس فِي بطن أمه وَله أَرْبَعَة أشهر وَقد قيل أَنه من بني إِسْرَائِيل وَأَنه من سبط بنيامين وَقَالَ الْكرْمَانِي وَهُوَ ذُو النُّون أرْسلهُ الله إِلَى أهل الْموصل وَذهب قوم إِلَى أَن نبوته بعد خُرُوجه من بطن الْحُوت وَقَالَت الْعلمَاء بأخبار القدماء كَانَ يُونُس من أهل الْقرْيَة من قرى الْموصل يُقَال لَهَا نِينَوَى وَكَانَ قومه يعْبدُونَ الْأَصْنَام وَعَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعث الله يُونُس بن مَتى إِلَى قومه وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة فَأَقَامَ فيهم يَدعُوهُم إِلَى الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة فَلم يُؤمن بِهِ إِلَّا رجلَانِ أَحدهمَا روبيل وَكَانَ عَالما حكيما وَالْآخر تنوخا وَكَانَ زاهدا عابدا وَقَالَ الْخطابِيّ معنى قَوْله لَا يَنْبَغِي لأحد إِلَى آخِره لَيْسَ لأحد أَن يفضل نَفسه على يُونُس وَيحْتَمل أَن يُرَاد لَيْسَ لأحد أَن يُفَضِّلُنِي عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْهُ ﷺ َ - على مَذْهَب التَّوَاضُع والهضم من النَّفس وَلَيْسَ مُخَالفا لقَوْله ﷺ َ - أَنا سيد ولد آدم لِأَنَّهُ لم يقل ذَلِك مفتخرا وَلَا متطاولا بِهِ على الْخلق وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك ذَاكِرًا للنعمة ومعترفا بالمنة وَأَرَادَ بالسيادة مَا يكرم بِهِ فِي الْقِيَامَة وَقيل قَالَ ذَلِك قبل الْوَحْي بِأَنَّهُ سيد الْكل وَخَيرهمْ وأفضلهم وَقيل قَالَه زجرا عَن توهم حط مرتبته لما فِي الْقُرْآن من قَوْله ﴿وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي تَخْصِيص يُونُس بِالذكر من بَين سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله " لَيْلَة أسرِي بِهِ " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لَيْلَة أسرِي بِي على الْحِكَايَة قَوْله " طوال " بِضَم الطَّاء قَوْله " جعد الشّعْر " الْجَعْد خلاف السبط لِأَن السبوطة أَكْثَرهَا فِي شُعُور الْعَجم قَوْله " وَذكر مَالِكًا " أَي وَذكر النَّبِي ﷺ َ - لَيْلَة أسرِي بِهِ مَالِكًا خَازِن النَّار وَذكر أَيْضا الدَّجَّال وَهَذَا الحَدِيث وَاحِد عِنْد أَكثر الروَاة فَجعله بَعضهم حديثين أَحدهمَا مُتَعَلق بِيُونُس وَالْآخر بالبقية الْمَذْكُورَة - ٧٩٣٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ حدَّثَنَا أيُّوبُ السِّخْتْيَانِي عنِ ابنِ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قدِمَ المَدِينَةَ وجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْماً يَعْنِي عاشُورَاءَ فَقالوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وهْوَ يَوْمٌ نَجَّى الله فِيهِ مُوسَى وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصامُ مُوسَى شُكْرَاً لله فَقَالَ أنَا أوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصامَهُ وأمَرَ بِصِيَامِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نجى الله فِيهِ مُوسَى) وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن سعيد هُوَ عبد الله بن سعيد بن جُبَير يروي عَن أَبِيه، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب صِيَام عَاشُورَاء أخرجه عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٥٢ - (بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿وَوَاعَدْنا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأِخِيهِ هارُونَ أخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأصْلِحْ ولَا تَتَّبِعِ سَبِيلَ الْمُفْسِدين ولَمَّا جاءَ مُوساى لِمِيقَاتِنَا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَب أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ولَكِنْ أُنْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فإنِ اسْتَقَرَّ مكانَهُ فسَوْفَ تَرَانِي فلَمَّا تَجَلَّى رَبَّهُ لِلْجَبَلِ جعَلَهُ دَكَّاً وخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فلَمَّا أفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنَا أوَّلُ الْمُؤْمِنينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٤١ ٣٤١) .) سَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة هَاتين الْآيَتَيْنِ بتمامهما قَوْله: (وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة) ، وروى أَن مُوسَى، ﵊، وعد بني إِسْرَائِيل وَهُوَ بِمصْر إِن أهلك الله عدوهم أَتَاهُم بِكِتَاب من عِنْد الله فِيهِ بَيَان مَا يأْتونَ وَمَا يذرون، فَلَمَّا هلك فِرْعَوْن سَأَلَ مُوسَى ربه الْكتاب فَأمره بِصَوْم ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهُوَ شهر ذِي الْقعدَة، فَلَمَّا أتم الثَّلَاثِينَ أنكر خلوف فِيهِ فَتَسَوَّكَ، فَقَالَت

стр. 4622

الْمَلَائِكَة: كُنَّا نَشُمُّ من فِيك رَائِحَة الْمسك فأفسدتها بِالسِّوَاكِ، فَأمره الله أَن يزِيد عَلَيْهَا عشرَة أَيَّام من ذِي الْحجَّة لذَلِك، وَهُوَ معنى قَوْله: وأتممناها بِعشر، قَوْله: (فتم مِيقَات ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَة) وميقات ربه: مَا وَقت لَهُ من الْوَقْت وضربه لَهُ، وَالْفرق بَين الْمِيقَات وَالْوَقْت، وَإِن كَانَا من جنس وَاحِد أَن الْمِيقَات مَا قدر لعمل، وَالْوَقْت قد لَا يقدر لعمل. قَوْله: (أَرْبَعِينَ لَيْلَة) نصب على الْحَال أَي: تمّ بَالغا هَذَا الْعدَد. قَوْله: (هَارُون) ، عطف بَيَان لِأَخِيهِ. قَوْله: (اخلفني فِي قومِي) ، يَعْنِي: كن خَليفَة عني. قَوْله: (وَأصْلح وَلَا تتبع سَبِيل المفسدين) ، يَعْنِي: إرفق بهم وَأحسن إِلَيْهِم، وَهَذَا تَنْبِيه وتذكير. وإلَاّ فهارون، ﵇، نَبِي شرِيف كريم على الله لَهُ وجاهة وجلالة. قَوْله: (لِمِيقَاتِنَا) أَي: الْوَقْت الَّذِي وقتناه لَهُ وحددناه. قَوْله: (وَكَلمه ربه) أَي: من غير وَاسِطَة أَخذه الشوق حَتَّى ﴿قَالَ: رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَطلب الزِّيَادَة لما رأى من لطفه تَعَالَى بِهِ. قَوْله: (لن تراني) ، يَعْنِي: أعْطى جَوَابه بقوله: لن تراني، يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا، وَقد أشكل حرف: لن، هَهُنَا على كثير من النَّاس لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لنفي التَّأْبِيد، فاستدل بِهِ الْمُعْتَزلَة على نفي الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهَذَا أَضْعَف الْأَقْوَال لِأَنَّهُ قد تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث عَن النَّبِي ﷺ ، أَن الْمُؤمنِينَ يرونه فِي دَار الْآخِرَة، وَقيل: إِنَّهَا لنفي التأييد فِي الدُّنْيَا جمعا بَين هَذِه وَبَين الدَّلِيل الْقَاطِع على صِحَة الرُّؤْيَة فِي الدَّار الْآخِرَة. قَوْله: (فَإِن اسْتَقر) أَي: الْجَبَل مَكَانَهُ، وَهُوَ أعظم جبل لمدين، قَالَه الْكَلْبِيّ، يُقَال لَهُ: زبير، وَالْمعْنَى: إجعل بيني وَبَيْنك علما هُوَ أقوى مِنْك، يَعْنِي: الْجَبَل، فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ وَسكن وَلم يتضعضع فَسَوف تراني، وَإِن لم يسْتَقرّ فَلَنْ تطِيق (فَلَمَّا تجلى ربه للجبل) قَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ ظُهُور نوره وَقَالَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أنس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (فَلَمَّا تجلى ربه للجبل أَشَارَ بإصبعه فَجعله دكاً) وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم، وروى أَيْضا عَن أنس، قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله، ﷺ : (فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكاً) قَالَ وضع الْإِبْهَام قَرِيبا من طرف خِنْصره، قَالَ: فساخ الْجَبَل، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد وَقَالَ السّديّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: مَا تجلى إلَاّ قدر الْخِنْصر جعله دكاً، قَالَ تُرَابا، وخر مُوسَى صعقاً قَالَ: مغشياً عَلَيْهِ، وَقَالَ قَتَادَة: وَقع مَيتا، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: ساخ الْجَبَل فِي الأَرْض حَتَّى وَقع فِي الْبَحْر فَهُوَ يذهب مَعَه، وَعَن أبي بكر الْهُذلِيّ: جعله دكاً انْعَقَد فَدخل تَحت الأَرْض فَلَا يظْهر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) . وَجَاء فِي بعض الْأَخْبَار أَنه ساخ فِي الأَرْض فَهُوَ يهوي فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي مَالك عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته سِتَّة أجبل فَوَقَعت ثَلَاثَة بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَة بِمَكَّة، فالتي بِالْمَدِينَةِ: أحد وورقان ورضوى، وَوَقع بِمَكَّة حراء وثبير وثور، قَالَ ابْن كثير: هَذَا حَدِيث غَرِيب بل مُنكر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: ذكر عَن عُرْوَة بن رُوَيْم، قَالَ: كَانَت الْجبَال قبل أَن يتجلى الله لمُوسَى صماء ملساء فَلَمَّا تجلى تفطرت الْجبَال فَصَارَت الشقوق والكهوف. قَوْله: (فَلَمَّا أَفَاق) ، يَعْنِي: من غَشيته، وعَلى قَول مقَاتل: ردَّتْ عَلَيْهِ روحه، قَالَ: سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك، أَي من الْإِقْدَام على الْمَسْأَلَة قبل الْإِذْن، وَقيل: المُرَاد من التَّوْبَة الرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى لَا عَن ذَنْب سبق، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على جِهَة التَّسْبِيح، وَهُوَ عَادَة الْمُؤمنِينَ عِنْد ظُهُور الْآيَات الدَّالَّة على عظم قدرته. قَوْله: (وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ) أَي: بأنك لَا ترى فِي الدُّنْيَا، وَقيل: من بني إِسْرَائِيل، وَقيل: مِمَّن يذم باستعظام سُؤَاله الرُّؤْيَة. يُقالُ دَكَّهُ زَلْزَلَهُ ذكر هَذَا لقَوْله تَعَالَى: ﴿جعله دكاً﴾ ، وَفَسرهُ بقوله: زلزله، والدك مصدر جعل صفة، يُقَال: نَاقَة دكاء، أَي: ذَاهِبَة السنام مستوٍ ظهرهَا. فَدُكَّتَا فَدُكِكْنَ جَعَلَ الجِبَالَ كالوَاحِدَةِ أَشَارَ بقوله: ﴿فدكتا﴾ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وحملت الأَرْض وَالْجِبَال فدكتا دكة وَاحِدَة﴾ (الحاقة: ٤١) . وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: فدككن، بِالْجمعِ لِأَن الْجبَال جمع وَالْأَرْض فِي حكم الْجمع، وَلَكِن جعل كل جمع مِنْهُمَا كواحدة، فَلذَلِك قيل: دكتا بالتثنية. كَما قَالَ الله ﴿إنَّ السَّماوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقاً﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٣) . ولَمْ يَقُلْ كُنَّ رَتْقاً مُلْتَصِقَتَيْنِ قَالَ بَعضهم: ذكر هَذَا اسْتِطْرَادًا، إِذْ لَا تعلق لَهُ بِقصَّة مُوسَى، ﵊. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل ذكره تنظيراً لما قبله، وَلِهَذَا قَالَ: بكاف التَّشْبِيه، أَرَادَ أَن نَظِير: دكتا، الَّتِي هِيَ التَّثْنِيَة وَالْقِيَاس: دككن، كَمَا ذكره من وَجهه: ﴿كَانَت رتقاً﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٣) ، فَإِن الْقيَاس

стр. 4623

أَن يُقَال فِيهِ: كن رتقاً، لِأَن السَّمَوَات جمع وَالْأَرْض فِي حكم الْجمع، وَلكنه جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا كواحدة، فَقيل: كَانَتَا، بِلَفْظ التَّثْنِيَة وَلم يقل: كن، بِلَفْظ الْجمع. قَوْله: (ملتصقتين) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي كَانَتَا. اشْرِبُوا ثَوْبٌ مَشَرَّبٌ مَصْبوغٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ (الْبَقَرَة: ٣٩) . وَأَشَارَ بقوله: ثوب مشرب، أَي: مصبوغ، إِلَى أَن معنى أشربوا لَيْسَ من شرب المَاء، بل مَعْنَاهُ مثل معنى قَوْلهم: ثوب مشرب أَي: مصبوغ، يَعْنِي: اخْتَلَط بقلبهم حب الْعجل كَمَا يخْتَلط الصَّبْغ بِالثَّوْبِ، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: إِن حب الْعجل حل مَحل الشَّرَاب فِي قُلُوبهم، وعَلى كل تقدر المُرَاد الْمُبَالغَة فِي حبهم الْعجل، وَقَوله: ﴿وَاشْرَبُوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ (الْبَقَرَة: ٣٩) . فِيهِ الْحَذف أَي: حب الْعجل. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ انْبَجَسَتْ انْفَجَرَتْ أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٦١) . انفجرت وانشقت وَقَبله: ﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى إِذْ استسقاه قومه أَن اضْرِب بعصاك الْحجر فانبجست﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٦١) . وَفِي سُورَة الْبَقَرَة: ﴿وَإِذ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٦) . وَالْفَاء فِيهِ مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره: فَضرب فانبجست، فَضرب فانفجرت، وَهَذِه الْفَاء تسمى فَاء الفصيحة لَا تقع إلَاّ فِي كَلَام بليغ. وإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ رَفَعْنا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظله﴾ (الْأَعْرَاف: ١٧١) . الْآيَة. وَفسّر: نتقنا، بقوله: رفعنَا، وَيُقَال: مَعْنَاهُ قلعناه وَرَفَعْنَاهُ فَوْقهم، كَمَا فِي قَوْله: ﴿ورفعنا فَوْقهم الطّور﴾ (النِّسَاء: ٤٥١) . كَأَنَّهُ ظلة، وَهُوَ كل مَا أظلك من سَقِيفَة أَو سَحَاب. وقصته: أَن مُوسَى، ﵊، لما رَجَعَ إِلَى قومه وَقد أَتَاهُم بِالتَّوْرَاةِ أَبَوا أَن يقبلوها ويعملوا بِمَا فِيهَا من الآصار والأثقال، وَكَانَت شَرِيعَة ثَقيلَة، فَأمر الله تَعَالَى جِبْرِيل، ﵊، قلع جبل قدر عَسْكَرهمْ، وَكَانَ فرسخاً فِي فَرسَخ، وَرَفعه فَوق رؤوسهم مِقْدَار قامة الرجل، وَكَانُوا سِتّمائَة ألف وَقَالَ لَهُم إِن لم تقبلوها وَإِلَّا ألقيت عَلَيْكُم هَذَا الْجَبَل وَعَن ابْن عَبَّاس رفع الله فَوْقهم الطّور وَبعث نَارا من قبل وُجُوههم وأتاهم الْبَحْر الْملح من خَلفهم. ٨٩٣٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ يَحْيى عنْ أبِيهِ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ النَّاسُ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فأكُونُ أوَّلَ منْ يُفِيقُ فإذَا أنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ فَلَا أدْرِي أفَاقَ قَبْلِي أمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِذا أَنا بمُوسَى) . وَمُحَمّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي وَهُوَ من أَفْرَاده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن يحيى يروي عَن أَبِيه يحيى بن عمَارَة بن أبي الْحسن الْمَازِني الْأنْصَارِيّ وَهُوَ يروي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى مطولا فِي الْأَشْخَاص، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ونتكلم بِبَعْض شَيْء لبعد الْعَهْد. فَقَوله: (يصعقون) من صعق الرجل إِذا غشي عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيّ: الصَّعق والصعقة الْهَلَاك وَالْمَوْت، وَيُقَال مِنْهُ: صعق الْإِنْسَان وصعق، بِفَتْح الصَّاد وَضمّهَا، وَأنكر بَعضهم الضَّم، وصعقتهم الصاعقة بِفَتْح الصَّاد وَالْعين وأصعقتهم، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: الصاقعة، بِتَقْدِيم الْقَاف على الْعين، وَقَالَ القَاضِي: وَهَذَا الحَدِيث من أشكل الْأَحَادِيث لِأَن مُوسَى، ﵊، قد مَاتَ فَكيف تُدْرِكهُ الصعقة؟ وَإِنَّمَا تصعق الْأَحْيَاء، وَيحْتَمل أَن هَذِه الصعقة صعقة فزع بعد الْفَزع حِين تَنْشَق السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَيُؤَيِّدهُ لفظ: يفِيق وأفاق، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال: أَفَاق من الغشي، وَأما الْمَوْت فَيُقَال: بعث مِنْهُ، وصعقة الطّور لم تكن موتا. وَأما قَوْله ﷺ (فَلَا أَدْرِي أَفَاق قبلي) فَيحْتَمل أَنه ﷺ قَالَه قبل أَن يعلم أَنه أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض إِن كَانَ هَذَا اللَّفْظ على ظَاهره، وَأَن نَبينَا ﷺ أول شخص مِمَّن تَنْشَق عَنْهُم الأَرْض فَيكون مُوسَى، ﵊، من زمرة الْأَنْبِيَاء،

стр. 4624

عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، انْتهى، حَاصِل الْكَلَام أَن الْإِفَاقَة غير الانشقاق، والصعقة تكون حِين ينْفخ فِي الصُّور النفخة الأولى، وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: فَأَكُون أول من يفِيق لَيْسَ بِمَحْفُوظ، واضطربت الروَاة فِي هَذَا الحَدِيث، وَقل من يسلم مَعَه مِنْهُم من الْوَهم، وَالصَّحِيح: فَأَكُون أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض، والانشقاق غير الْإِفَاقَة، كَمَا ذكرنَا. ٩٩٣٣ - حدَّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّام عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ لَوْلَا بَنُو إسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنِزِ اللَّحْمُ ولَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ. (انْظُر الحَدِيث ٠٣٣٣) . هَذَا الحَدِيث مضى فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة أَنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) . ٦٢ - (بابُ طُوفانٍ مِنَ السَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ طوفان من السَّيْل، وَلَيْسَ قَوْله: طوفان من السَّيْل، بترجمة لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد عَن التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ كالفصل للباب الْمُتَقَدّم، وَسقط جَمِيعه من رِوَايَة النَّسَفِيّ. قَوْله: (طوفان) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل والضفادع وَالدَّم آيَات مفصلات﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٣١) . الْآيَة. أما الطوفان فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فقاال البُخَارِيّ: هُوَ من السَّيْل يكون من الْمَطَر الْغَالِب، وَعَن ابْن عَبَّاس: الطوفان كَثْرَة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع وَالثِّمَار، وَبِه قَالَ الضَّحَّاك وَعنهُ كَثْرَة الْمَوْت، وَبِه قَالَ عَطاء، وَقَالَ مُجَاهِد: الطوفان المَاء والطاعون، وروى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : الطوفان الْمَوْت، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى: هُوَ أَمر من الله طَاف بهم. يُقَالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ طُوفَانٌ أَرَادَ بِهِ الْمَوْت المتتابع. القُمَّلُ الْحَمْنانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الحَلَمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقمل﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٣١) . الْمَذْكُور فِي الْآيَة، وفسرها بقولِهَا: الحمنان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالنونين: قراد يشبه صغَار الْحلم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام، وَهُوَ جمع الحلمة وَهُوَ القراد الْعَظِيم، وَوَاحِد الحمنان: حمنانة. وَعَن ابْن عَبَّاس: الْقمل السوس الَّذِي يخرج من الْحِنْطَة، وَعنهُ أَنه الدُّبَّاء وَهُوَ الْجَرَاد الصغار الَّذِي لَا أَجْنِحَة لَهُ وَبِه قَالَ عِكْرِمَة وَقَتَادَة، وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير: الْقمل دَوَاب سود صغَار، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن أسلم: الْقمل البراغيث، وَقَالَ ابْن جرير: الْقمل جمع واحده قملة، وَهِي دَابَّة تشبه الْقمل تأكلها الْإِبِل فِيمَا بَلغنِي. حَقِيقٌ حَقٌّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حقيق على﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٠١) . وَفَسرهُ بقوله: حق، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي تَفْسِيره: (مجازه حق عَليّ أَن لَا أَقُول على الله إلَاّ الْحق) ، هَذَا على قِرَاءَة التَّشْدِيد فِي عليَّ، وَمن خففه فَمَعْنَى: حقيق محق، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: حَرِيص. سُقِطَ كلُّ من نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٤١) . وَفسّر قَوْله: سقط، بقوله: كل من نَدم فقد سقط فِي يَده، وَسقط على صِيغَة الْمَجْهُول. ٧٢ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب وَهُوَ كالفصل لما قبله وَلَيْسَ بموجود فِي بعض النّسخ.

стр. 4625

حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوساى ﵉ أَي: هَذَا حَدِيث الْخضر مَعَ مُوسَى، ﵉، فارتفاع: حديثُ، على الخبرية، وَيجوز أَن يكون مجروراً بِإِضَافَة لفظ: بَاب إِلَيْهِ وَيكون التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَدِيث الْخضر مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. ٠٠٤٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثني أبي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله أخبرَهُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ تَمَارَي هُوَ والحُرُّ بنُ قَيْسٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوساى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أُبِيُّ بنُ كَعْبٍ فدَعَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إنِّي تَمَارَيْتُ أنَا وصاحِبِي هذَا فِي صاحِبِ مُوساى الَّذِي سألَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هلْ سَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يَذْكُرُ شَأنَهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ بَيْنَمَا مُوساى فِي مَلَاءٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ جاءَهُ رَجلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أحَدَاً أعْلَمَ مِنْكَ قَالَ لَا فأوْحَى الله إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنا خَضِرٌ فسَألَ مُوسَى السَّبِيلَ إلَيْهِ فَجُعِلَ لَهُ الحُوتُ آيَةً وقِيلَ لَهُ إذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فارْجِعْ فإنَّكَ سَتَلْقَاهُ فَكانَ يَتْبَعُ الحُوتَ فِي البَحْرِ فقالَ لِمُوسَى فَتاهُ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أنْسانِيهِ إلَاّ الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ فَقَالَ مُوساى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فارْتَدَّا علَى آثَارِهِمَا قَصَصاً فوَجَدَا خَضِراً فَكانَ منْ شَأنِهِمَا الَّذِي قَصَّ الله فِي كِتابِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن مُحَمَّد بن بكير النَّاقِد أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ مَاتَ بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي، كَانَ إِبْرَاهِيم بالعراق قَاضِيا يروي عَن صَالح بن كيسَان عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن قُتَيْبَة. والْحَدِيث بِعَيْنِه مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب مَا ذكر فِي ذهَاب مُوسَى فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عُزَيْر الزُّهْرِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (تمارى) ، أَي: تجَادل. ١٠٤٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ قَالَ أخبرَنِي سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ ل اِبْنِ عَبَّاسٍ إنَّ نَوْفاً البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوساى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ إنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ فقالَ كذَبَ عَدُوُّ الله حدَّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ مُوسَى قامَ خَطِيباً فِي بَنِي إسْرَائِيلَ فسُئِلَ أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ فَقَالَ أنَا فعَتَبَ الله عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العلْمَ فَقَالَ لَهُ بَلَي لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ قَالَ أيْ رَبِّ ومَنْ لِي بِهِ ورُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ أيْ رَبِّ وكَيْفَ لِي بِهِ قَالَ تأخُذُ حُوتاً فتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ حَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ ورُبَّمَا قَالَ فَهْوَ ثَمَّةَ وأخَذَ حُوتَاً فجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وفَتاهُ يُوشَعُ بنُ نُون حتَّى أتيَا الصَّخْرَةَ وضَعَا رُؤوسَهُمَا فرَقَدَ مُوسَى واضْطَرَبَ الحُوتُ فَخَرَجَ فسَقَطَ فِي البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً فأمْسَكَ الله عنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ فَصارَ مِثْلَ الطَّاقِ فَقَالَ هَكَذَا مِثلَ الطَّاقِ فانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا ويَوْمَهُمَا حَتَّى إذَا كانَ مِنَ الغَدِ قَالَ لِفَتاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ولَمْ يَجِدْ

стр. 4626

مُوساى النَّصَبَ حتَّى جاوَزَ حَيْثُ أمرَهُ الله قَالَ لَهُ فَتاهُ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ ومَا أنْسَانِيهِ إلَاّ الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبَاً فكانَ لِلْحُوتِ سَرَبَاً ولَهُمَا عَجَبَاً قَالَ لَهُ مُوسَى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فارْتَدَّا عَلى آثَارِهِما قَصَصاً رَجَعا يَقُصَّانِ آثارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فإذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فسَلَّمَ مُوساى فَرَدَّ علَيْهِ فَقَالَ وأنَّى بِأرْضِكَ السَّلَامُ قَالَ أنَا مُوساى قالَ مُوساى بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ نَعَمْ أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتُ رَشَدَاً قَالَ يَا مُوساى إنِّي علَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله علَّمَنِيهِ الله لَا تَعْلَمُهُ وأنْتَ علَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله علَّمَكَهُ الله لَا أعْلَمُهُ قَالَ هَلْ أتَّبِعُكَ قَالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً وكَيْفَ تَصْبِرُ علَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَاً إِلَى قَوْلِهِ إمْرَاً فانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ علَى ساحِلِ البَحْرِ فمَرَّتْ بِهِمَا سَفينَةٌ كلَّمُوهُمْ أنْ يَحْمِلُوهُمْ فعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نوْل فلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ على حَرْفِ السَّفِينَةِ فنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً أوْ نَقْرَتَيْنِ قَالَ لَهُ الخَضِرُ يَا مُوساى مَا نَقصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ الله إلَاّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ بِمِنْقَارِه مِنَ الْبَحْرِ إذْ أخَذَ الفَأسَ فنَزعَ لَوْحاً قَالَ فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إلَاّ وقَدْ قلَعَ لَوْحَاً بالْقَدُّومِ فَقَالَ لَهُ مُوسَى مَا صَنَعْتَ قَوْم حَمَّلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتْغْرِقَ أهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرَاً قَالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ولَا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرَاً فَكانَتِ الأولَى مِنْ مُوساى نِسْيَاناً فلَمَّا خَرَجَا مِنَ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلامٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فأخَذَ الخَضِرُ بِرَأسِهِ فقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا وأوْمَأ سُفْيَانِ بِأطْرَاقِ أصَابِعِهِ كأنَّهُ يَقْطِفْ شَيْئَاً فَقَالَ لَهُ مُوساى أقَتَلْتَ نَفْسَاً زَكِيَّةٍ بِغَيْرٍ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرَاً قَالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً قَالَ إنْ سَألْتُكَ عنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبُنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرَاً فانْطَلَقَا حتَّى إذَا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطعَما أهْلَها فأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارَاً يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ مائِلاً أوْمأ بِيَدِهِ هَكَذَا وأشَارَ سُفْيَانُ كأنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئَاً إِلَى فَوْقُ فلَمْ أسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مائِلاً إلَاّ مَرَّةٍ قَالَ قَوْمٌ أتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا ولَمْ يُضَيِّفُونَا عَمَدْتَ إِلَى حائِطِهِم لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرَاً قَالَ هاذَا فِرَاقٌ بَيْنِي وبَيْنَكَ سأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ علَيْهِ صَبْرَاً قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَدِدْنَا أنَّ مُوسَى كانَ صَبَرَ فَقَصَّ الله عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا قَالَ سُفْيَانُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْحَمُ الله مُوسَى لَوْ كانَ صبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أمْرِهِمَا. وقَرَأ ابنُ عَبَّاسٍ أمامَهُمْ مَلِكٌ يأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبَاً وأمَّا الغُلَامُ فَكانَ كافِرَاً وكانَ أبَوَاهُ مُؤمِنَيْنِ ثُمَّ قالَ لِي سُفْيَانُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وحَفِظْتُهُ مِنْهُ قِيلَ لِسفْيَانَ حَفِظْتَهُ قَبْلَ أنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرِو أوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إنْسَانٍ فقالَ مِمَّنَ أتَحَفَّظُهُ. ورَواهُ أحَدٌ عنْ عَمْرٍ وغَيْرِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَاً وحَفِظْتُهُ مِنْهُ. . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. . إِلَى آخِره، وَقد مر هَذَا أَيْضا

стр. 4627

فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب مَا يسْتَحبّ للْعَالم إِذا سُئِلَ ... إِلَى آخِره، وَأخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو ... إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ونوف بِفَتْح النُّون منصرف وَغير منصرف الْبكالِي، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْكَاف وباللام وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقد يُقَال بِفَتْح الْبَاء وَتَشْديد الْكَاف نِسْبَة إِلَى: بكال بن دعمي بن سعد بن عَوْف بن عدي بن مَالك بن زيد بن سدد بن زرْعَة بن سبأ. قَوْله: (كذب عَدو الله) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على سَبِيل التَّغْلِيظ لَا على قصد إِرَادَة الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَمن لي بِهِ) ، أَي: وَمن يتكفل لي بِرُؤْيَتِهِ. قَوْله: (فِي مكتل) ، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الزنبيل. قَوْله: (فَهُوَ ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمَكَان الْبعيد، وَهُوَ ظرف لَا يتَصَرَّف. قَوْله: (ثمَّة) أَي: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق كَمَا يُقَال: رب وربة. قَوْله: (مسجى) أَي: مغطى. قَوْله: (وأنَّى) هُوَ للاستفهام، أَي: من أَيْن سَلام فِي هَذِه الأَرْض الَّتِي أَنْت فِيهَا إِذْ أَهلهَا لَا يعْرفُونَ السَّلَام؟ قَوْله: (بِغَيْر نول) أَي: بِغَيْر أُجْرَة. قَوْله: (إلَاّ مثل مَا نقص) تَشْبِيه فِي الحقارة والقلة لَا الْمُمَاثلَة من كل الْوُجُوه، وَقيل: هَذَا تَشْبِيه على التَّقْرِيب إِلَى الإفهام لَا على التَّحْقِيق قَوْله: (فَلم يفجأ) بِالْجِيم. قَوْله: (بِغُلَام) ، اسْمه جيسون، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم السِّين الْمُهْملَة وبالنون، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ بالراء بدل النُّون. قَوْله: (ملك) ، اسْمه: هدد، بِفَتْح الْهَاء الْمُهْملَة: ابْن بدد، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبفتح الدالين الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقيل بِضَم الْهَاء وَضم الْبَاء. قَوْله: (أمامهم) ، أَي: وَرَاءَهُمْ قَوْله: (أَو تحفظته؟) شكّ من عَليّ بن عبد الله، يَعْنِي: قيل لِسُفْيَان: حفظته أَو تحفظته من إِنْسَان قبل أَن تسمعه من عَمْرو؟ وَقَوله: (وَرَوَاهُ) أَي: أرواه؟ همزَة الِاسْتِفْهَام فِيهِ محذوفة. ٢٠٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَعِيدٍ الأصْبَهَانِيُّ أخْبَرَنَا ابنُ الْمُبَارَكِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ أنَّهُ جلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فإذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ. [/ نه مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْخضر مَذْكُور فِيهِ، وَمُحَمّد بن سعيد أَبُو جَعْفَر يُقَال لَهُ حمدَان الإصبهاني، بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا وبالباء الْمُوَحدَة، وَفِي بعض النّسخ بِالْفَاءِ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله. قَوْله: (أَنه) أَي: أَن خضرًا ويروى: لِأَنَّهُ. قَوْله: (على فَرْوَة) ، بِفَتْح الْفَاء قيل: هِيَ جلدَة وَجه الأَرْض جلس عَلَيْهَا الْخضر فأنبتت وَصَارَت خضراء بعد أَن كَانَت جرداء، وَقيل: أَرَادَ بِهِ الهشيم من نَبَات الأَرْض أَخْضَر بعد يبسه وبياضه، وَلما أخرج عبد الرَّزَّاق هَذَا الحَدِيث فِي (مُصَنفه) بِهَذَا الْإِسْنَاد، زَاد: الفروة الْحَشِيش الْأَبْيَض وَمَا أشبهه، وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد، بعد أَن رَوَاهُ عَن أَبِيه عَن عبد الرَّزَّاق: أَظن أَن هَذَا تَفْسِير من عبد الرَّزَّاق، وَجزم بذلك عِيَاض، وَعَن مُجَاهِد: أَنه قيل لَهُ: الْخضر، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ صلى اخضرَّ مَا حوله. وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول فِي اسْمه، فَقَالَ مُجَاهِد: اسْمه أليسع بن ملكان بن فالغ بن عَابِر بن شالخ بن إرفخشذ بن سَام بن نوح، ﵊، وَقَالَ مقَاتل: بليا، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وبالياء آخر الْحُرُوف: ابْن ملكان بن يقطن بن فالغ ... إِلَى آخِره وَقيل: إيليا بن ملكان ... إِلَى آخِره، وَقيل: خضرون بن عماييل بن ليفر بن الْعيص بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ﵈، قَالَه كَعْب، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: إرميا بن حلقيا من سبط هَارُون بن عمرَان، وَأنْكرهُ الطَّبَرِيّ: وَقَالَ: إرميا كَانَ فِي زمن بخت نصر، وَبَين بخت نصر ومُوسَى زمَان طَوِيل، وَقيل: خضرون بن قابيل بن آدم ذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي، وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس: معمر بن عبد الله ابْن نصر بن الأزد. النَّوْع الثَّانِي فِي نسبه: فَقَالَ الطَّبَرِيّ: الْخضر هُوَ الرَّابِع من ولد إِبْرَاهِيم لصلبه، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ من ولد يافث وَكَانَ وَزِير ذِي القرنين، وَقيل: هُوَ من ولد رجل من أهل بابل مِمَّن آمن بالخليل وَهَاجَر مَعَه، وَقيل: إِنَّه كَانَ ابْن فِرْعَوْن صَاحب مُوسَى ملك مصر، وَهَذَا غَرِيب جدا، وَقيل: هُوَ أَخُو إلْيَاس، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وروى الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر بِإِسْنَادِهِ إِلَى السّديّ: أَن الْخضر وإلياس كَانَا أَخَوَيْنِ وَكَانَ أَبوهُمَا ملكا، وَقَالَ أَيْضا: يُقَال: إِنَّه الْخضر بن آدم لصلبه، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْخضر ابْن آدم لصلبه ونسىء لَهُ فِي أَجله حَتَّى يكذب الدَّجَّال، وَهُوَ مُنْقَطع غَرِيب، وروى الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر أَيْضا عَن سعيد بن الْمسيب: أَن أم الْخضر رُومِية وأباه فَارسي، وَقيل: كنيته أَبُو الْعَبَّاس. النَّوْع الثَّالِث فِي نبوته، فالجمهور على أَنه نَبِي، وَهُوَ الصَّحِيح، لِأَن أَشْيَاء فِي قصَّته تدل على نبوته، وروى مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ نَبيا، وَقيل: كَانَ وليا، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى

стр. 4628

عَنهُ، أَنه كَانَ عبدا صَالحا، وَقيل: كَانَ ملكا بِفَتْح اللَّام، وَهَذَا غَرِيب جدا. النَّوْع الرَّابِع: فِي حَيَاته، فالجمهور، خُصُوصا مَشَايِخ الطَّرِيقَة والحقيقة وأر باب المجاهدات والمكاشفات، أَنه حَيّ يرْزق ويشاهد فِي الفلوات، وَرَآهُ عمر بن عبد الْعَزِيز وَإِبْرَاهِيم بن أدهم وَبشر الحافي ومعروف الْكَرْخِي وسري السَّقطِي وجنيد وَإِبْرَاهِيم الْخَواص وَغَيرهم، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَفِيه دَلَائِل وحجج تدل على حَيَاته ذَكرنَاهَا فِي (تاريخنا الْكَبِير) . وَقَالَ البُخَارِيّ وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن الْمُنَادِي: إِنَّه مَاتَ، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٣) . وَبِمَا روى أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ قبل مَوته بِقَلِيل أَو بِشَهْر: مَا من نفس منفوسة أَو: مَا مِنْكُم الْيَوْم من نفس منفوسة يَأْتِي عَلَيْهَا مائَة سنة وَهِي يَوْمئِذٍ حَيَّة. وَأجَاب الْجُمْهُور عَن الْآيَة بِأَنا مَا ادعينا أَنه يخلد، وَإِنَّمَا يبْقى إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا، فَإِذا نفخ فِي الصُّور مَاتَ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ (آل عمرَان: ٥٨١، الْأَنْبِيَاء: ٥٣، العنكبوت: ٧٥) . وَعَن حَدِيث جَابر بِأَنَّهُ مَتْرُوك الظَّاهِر لِأَن جمَاعَة عاشوا أَكثر من مائَة سنة، مِنْهُم سلمَان الْفَارِسِي، فَإِنَّهُ عَاشَ ثَلَاثمِائَة سنة، وَقد شَاهد رَسُول الله، ﷺ ، وَحَكِيم بن حزَام عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة، وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا أَشَارَ، ﷺ ، إِلَى ذَلِك الزَّمَان لَا إِلَى مَا تقوم السَّاعَة، وَهُوَ الْأَلْيَق بِهِ، على أَنه قد عَاشَ بعد ذَلِك الزَّمَان خلق كثير أَكثر من مائَة سنة، وَأجَاب بَعضهم: بِأَن خضرًا، ﵇، كَانَ حِينَئِذٍ على وَجه الْبَحْر، وَقيل: هُوَ مَخْصُوص من الحَدِيث كَمَا خص مِنْهُ إِبْلِيس بالِاتِّفَاقِ. قَالَ الحَمُّوِيُّ قَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ بنِ مَطَرِ الفَرَبْرِيُّ حدَّثنا علِيُّ بنُ خُشْرَمَ عنْ سُفْيَانَ بِطُولِهِ هَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي خَاصَّة عَن الْفربرِي. قَوْله: (قَالَ الْحَمَوِيّ) ، هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن حمويه، قَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر: حَدثنَا عَليّ بن خشرم بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْحسن الْمروزِي حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَذكر الحَدِيث الْمَذْكُور مطولا. ٨٢ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب وَقع كَذَا بِغَيْر تَرْجَمَة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقد مر نَحْو هَذَا غير مرّة، وَهُوَ كالفصل لما قبله. ٣٠٤٣ - حدَّثني إسْحَاقِ بنُ نَصْرٍ حدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ رسُولُ الله ﷺ قِيلَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدَاً وقُولُوا حِطَّةٌ فبَدَّلُوا فدَخَلُوا يَزْحَفُونَ علَى أسْتَاهِهِمْ وقالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ. وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تكون من حَيْثُ إِنَّه فِي قَضِيَّة بني إِسْرَائِيل، ومُوسَى، ﵊، نَبِيّهم. وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ البُخَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد. قَوْله: (الْبَاب) ، أَرَادَ بِهِ بَاب الْقرْيَة الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة﴾ (الْبَقَرَة: ٨٥) . وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: كَانَ الْبَاب قِبَل الْقبْلَة، وَعَن مُجَاهِد وَالسُّديّ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك: هُوَ بَاب الحطة من بَاب إيليا من بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: إِن الْقرْيَة فِي الْآيَة بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ السُّهيْلي: هِيَ أريحاء، وَقيل: مصر، وَقيل: بلقاء، وَقيل: الرملة. وَالْبَاب الَّذِي أمروا بِدُخُولِهِ هُوَ الْبَاب الثَّامِن من جِهَة الْقبْلَة. قَوْله: (سجدا) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: منحنين رُكُوعًا. وَقيل: خضوعاً وشكراً لتيسير الدُّخُول، وانتصاب: سجدا على الْحَال وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ حَقِيقَة السَّجْدَة، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَقُولُوا: حطة) أَي: مغْفرَة، قَالَه ابْن عَبَّاس، أَو: لَا إلاه إلَاّ الله، قَالَه عِكْرِمَة، أَو: حط عَنَّا ذنوبنا، قَالَه الْحسن. أَو: أَخْطَأنَا فاعترفنا. فَإِن قلت: بِمَاذَا ارْتِفَاع حطة؟ قلت: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، تَقْدِيره: أمرنَا حطة، أَو مَسْأَلَتنَا حطة. قَوْله: (فبدلوا) ، أَي: غيروا لَفْظَة حطة بِأَن قَالُوا: حنطاً سمقاتاً، أَي: حِنْطَة حَمْرَاء اسْتِخْفَافًا بِأَمْر الله. قَوْله: (يزحفون على أستاههم) ، وَهُوَ جمع: الأست، يَعْنِي: دخلُوا من قبل أستاههم، وَفِي رِوَايَة

стр. 4629

للنسائي: فَدَخَلُوا يزحفون على أوراكهم، أَي: منحرفين. قَوْله: (وَقَالُوا حَبَّة فِي شَعْرَة) ، الْحبَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهَذَا كَلَام مهمل وغرضهم فِيهِ مُخَالف مَا أمروا بِهِ من الْكَلَام المستلزم للاستغفار وَطلب حطة الْعقُوبَة عَنْهُم، فَلَمَّا عصوا عاقبهم الله بالزجر وَهُوَ الطَّاعُون، هلك مِنْهُم سَبْعُونَ ألفا فِي سَاعَة وَاحِدَة. ٤٠٤٣ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدَّثنا عَوْفٌ عنِ الحَسَنِ ومُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ إنَّ مُوسَى كانَ رَجُلاً حَيِيَّاً سِتِّيرَاً لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءًا مِنْهُ فآذَاهُ مَنْ آذاهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فَقَالُوا مَا يَسْتَتِرُ هذَا التَّسَتُّرَ إلَاّ مِنْ عَيْبَ بِجِلْدِهِ إمَّا برَصٌ وإمَّا أُدْرَةٌ وإمَّا آفَةٌ وإنَّ الله أرَادَ أنْ يُبَرِّئَه مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى فَخَلَا يَوْماً وحْدَهُ فوَضَعَ ثِيَابَهُ علَى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ فلَمَّا فرَغَ أقْبَلَ إِلَى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَهَا وإنَّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ فأخَذَ مُوسَى عَصاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَلَ يَقولُ ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ حتَّى انْتَهَى إلَى مَلَاءٍ منْ بَنِي إسْرَائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيَانَاً أحْسَنَ مَا خلَقَ الله وأبْرَأهُ مِمَّا يَقُولُونَ وقامَ الحَجَرُ فأخَذَ ثَوْبَهُ فلَبِسَهُ وطَفِق بالحَجَرِ ضَرْبَاً بِعَصَاهُ فَوَالله إنَّ بالحَجَرِ لَنَدَباً مِنْ أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاثَاً أوْ أرْبَعَاً أوْ خَمْسَاً فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فبَرَّأهُ الله مِمَّا قَالُوا وكانَ عِنْدَ الله وجِيهاً. (الْأَحْزَاب: ٩٦) . (انْظُر الحَدِيث ٨٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ ذكر مُوسَى، ﵊، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة يُؤْخَذ الْوَجْه لذكره فِي التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وروح بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين: أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ، وعَوْف بن أبي جميلَة الْمَعْرُوف بالأعرابي وَلَيْسَ بأعرابي، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وخلاس، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن عَمْرو الهجري الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْغسْل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق بن نصر عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأما الْكَلَام فِي الروَاة، فَنَقُول: أما مُحَمَّد بن سِيرِين فَإِن سَمَاعه من أبي هُرَيْرَة ثَابت. وَأما الْحسن فَلم يسمع من أبي هُرَيْرَة عِنْد الْمُحَقِّقين من الْحفاظ، وَيَقُولُونَ: مَا وَقع فِي بعض الرِّوَايَات من سَمَاعه عَنهُ فَهُوَ وهم. وَأما البُخَارِيّ فَإِنَّهُ أخرجه عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هُنَا مَقْرُونا بِغَيْرِهِ وَمَاله فِي الْكتاب إلَاّ هَذَا، وَله حَدِيث آخر فِي: بَدْء الْخلق، مَقْرُونا بِابْن سِيرِين أَيْضا. وَأما خلاس فَفِي سَمَاعه عَن أبي هُرَيْرَة خلاف، فَقَالَ أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد: لم يسمع خلاس من أبي هُرَيْرَة، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ على شَرطه عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَحَدِيثه عَنهُ فِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَجزم يحيى الْقطَّان أَن رِوَايَته عَنهُ من صحيفَة، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم عَن أبي زرْعَة: كَانَ يحيى الْقطَّان يَقُول: رِوَايَته عَن عَليّ من كتاب، وَقد سمع من عمار وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قيل: إِذا ثَبت سَمَاعه من عمار وَكَانَ على شرطة عَليّ، فَكيف يمْتَنع سَمَاعه من عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يُقَال: وَقعت عِنْده صحيفَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَيْسَ بِقَوي، يَعْنِي فِي عَليّ، وَوَثَّقَهُ بَقِيَّة الْأَئِمَّة وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ أخرجه لَهُ مَقْرُونا بِغَيْرِهِ، وَأَعَادَهُ سنداً ومتناً فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب، وَله حَدِيث آخر أخرجه فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور مَقْرُونا بِمُحَمد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (حيياً) ، أَي: كثير الْحيَاء. قَوْله: (ستير) ، على وزن فعيل بِمَعْنى فَاعل أَي: من شَأْنه وإرادته حب السّتْر والصون. قَوْله: (أدرة) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الدَّال على الْمَشْهُور، وَحكى الطَّحَاوِيّ، ﵀، عَن بعض مشايخه، بِفَتْح الْهمزَة وَالدَّال، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الأدرة، بِالضَّمِّ نفخة فِي الخصية، يُقَال: رجل آدر بَين الأدر، بِفَتْح الْهمزَة وَالدَّال

стр. 4630

وَهِي الَّتِي تسميها النَّاس الإقليط. قَوْله: (وَإِمَّا آفَة) من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (عدا بِثَوْبِهِ) بِالْعينِ الْمُهْملَة أَي: مضى بِهِ مسرعاً. قَوْله: (ثوبي حجر) ، يَعْنِي رد ثوبي يَا حجر. قَوْله: (ضربا) أَي: يضْرب ضربا. قَوْله: (لندباً) ، بِفَتْح النُّون وَالدَّال وَهُوَ أثر الْجرْح إِذا لم يرْتَفع عَن الْجلد. قَوْله: (فوَاللَّه إِن بِالْحجرِ لندبا) ، ظَاهره أَنه بَقِيَّة الحَدِيث. وَقد بيَّن فِي رِوَايَة همام فِي الْغسْل أَنه قَول أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (ثَلَاثًا أَو أَرْبعا أَو خمْسا) ،. وَفِي رِوَايَة همام الْمَذْكُورَة سِتَّة أَو سَبْعَة، وَوَقع عِنْد ابْن مرْدَوَيْه من رِوَايَة حبيب بن سَالم عَن أبي هُرَيْرَة: الْجَزْم بست ضربات. قَوْله: (فَذَلِك قَوْله تَعَالَى) ، أَي: مَا ذكر من أَذَى بني إِسْرَائِيل مُوسَى، نزل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ (الْأَحْزَاب: ٩٦) . خطاب لأهل الْمَدِينَة. . قَوْله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى﴾ (الْأَحْزَاب: ٩٦) . أَي احْذَرُوا أَن تكون مؤذين للنَّبِي ﷺ كَمَا آذَى بَنو إِسْرَائِيل مُوسَى ﷺ فأظهر الله بَرَاءَته مِمَّا قَالُوهُ فِيهِ من أَنه أدر، وَقيل: كَانَ إيذاؤهم إِيَّاه ادعاؤهم عَلَيْهِ قتل أَخِيه هَارُون ﷺ . قَوْله: (وَكَانَ أَي مُوسَى عِنْد الله وجيهاً) أَي: ذَا جاه ومنزلة، وَقيل: وجيهاً لم يسْأَل شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ، وقرىء شاذاً: وَكَانَ عبد الله، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي الحَدِيث: إِن اغتسال بني إِسْرَائِيل عُرَاة بِمحضر مِنْهُم كَانَ جَائِزا فِي شرعهم، وَكَانَ اغتسال مُوسَى، ﷺ ، وَحده لكَونه حيياً يحب الاستتار. وَفِيه: جَوَاز الْمَشْي عُريَانا للضَّرُورَة. وَفِيه: جَوَاز النّظر إِلَى الْعَوْرَة عِنْد الضَّرُورَة للمداواة وَنَحْوهَا. وَفِيه: أَن الْأَنْبِيَاء، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَسلم، منزهون عَن النقائص والعيوب الظَّاهِرَة والباطنة. وَفِيه: أَن من نسب نَبيا من الْأَنْبِيَاء إِلَى نقص فِي خلقه فقد آذاه ويخشى عَلَيْهِ الْكفْر. وَفِيه: معْجزَة ظَاهِرَة لمُوسَى، ﵊، وَلَا سِيمَا تَأْثِير ضربه بالعصا على الْحجر مَعَ علمه بِأَنَّهُ مَا سَار بِثَوْبِهِ إلَاّ بِأَمْر من الله تَعَالَى. ٥٠٤٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمشِ قَالَ سَمِعْتُ أبَا وَائِلٍ سَمِعْتُ عَبْدَ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَسَم النَّبِيُّ ﷺ قسْماً فَقَالَ رَجُلٌ إنَّ هاذِه لَقِسْمَةٌ مَا أرِيدُ بِهَا وَجْهُ الله فأتَيْتُ النَّبيُّ ﷺ فأخْبَرْتُهُ فغَضِبَ حتَّى رأيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ يَرْحَمُ الله مُوساى قَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِنْ هاذَا فصَبَرَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يرحم الله مُوسَى) ، وَبَينه وَبَين الحَدِيث السَّابِق مُنَاسبَة أَيْضا على مَا لَا يخفى، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي يُعْطي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٩٢ - (بابٌ ﴿يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٣١) .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يعكفون على أصنام لَهُم﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٣١) . وَقَبله: ﴿وجاوزنا ببني إِسْرَائِيل الْبَحْر فَأتوا على قوم يعكفون على أصنام لَهُم ... ﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٣١) . الْآيَة، وَذكرهَا وَلم يُفَسِّرهَا. قَوْله: (على قوم) قَالَ بعض الْمُفَسّرين: على قوم من الكنعانيين، وَقيل: كَانُوا من لخم، وَقَالَ ابْن جرير: وَكَانُوا يعْبدُونَ أصناماً على صُورَة الْبَقر. قَوْله: يعكفون، من عكف يعكف عكوفاً وَهُوَ الْإِقَامَة على الشَّيْء وَالْمَكَان ولزومهما، وَيُقَال: عكف يعكف من بَاب ضرب يضْرب، وَعَكَفَ يعكف من بَاب نصر ينصر، وَالْفَاعِل عاكف وَمِنْه قيل لمن لَازم الْمَسْجِد وَأقَام على الْعِبَادَة فِيهِ: عاكف ومعتكف. مُتَبَّرٌ خُسْرَانٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ هَؤُلَاءِ متبَّرٌ مَا هم فِيهِ وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٣١) . وَفسّر: متَبَّرٌ بقوله: خسران، ومتبر اسْم مفعول من التتبير وَهُوَ الإهلاك، يُقَال: تبره تتبيراً إِذا كَسره وأهلكه. وَمِنْه التبار وَهُوَ الْهَلَاك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله متبر أَي: خاسر، وَقد فسر معنى الْمَفْعُول بِمَعْنى الْفَاعِل، وَهُوَ بعيد، وَكَذَلِكَ تَفْسِير البُخَارِيّ بِالْمَصْدَرِ وَتَفْسِيره الموجه متبر: مهلك وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ.

стр. 4631

ولِيُتَبِّرُوا يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا مَا غُلِبُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وليتبروا مَا علو تتبيراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٧) . وَفسّر: ليتبروا، بقوله: يدمروا من التدمير من الدمار وَهُوَ الْهَلَاك، يُقَال: دمره تدميراً وَدَمرَ عَلَيْهِ بِمَعْنى، وَفسّر قَوْله: مَا علوا، بقوله: غلبوا، وَذكر هَذَا بطرِيق الإستطراد. ٦٠٤٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ نَجْنِي الكُبَاثَ وإنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ عَلَيْكُمْ بالأسْوَدِ مِنْهُ فإنَّهُ أطْيَبُهُ قَالُوا أكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ قَالَ وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إلَاّ وقَدْ رعَاهَا. (الحَدِيث ٦٠٤٣ طرفه فِي: ٣٥٤٥) . قَالَ بَعضهم: مناسبته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة. وَقَالَ آخر: لَا مُنَاسبَة أصلا، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : مناسبته ظَاهِرَة لدُخُول مُوسَى، ﵊، فِيمَن رعى الْغنم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ الْمُنَاسبَة من حَيْثُ إِن بني إِسْرَائِيل كَانُوا مستضعفين جُهَّالًا ففضلهم الله على الْعَالمين، وَسِيَاق الْآيَة يدل عَلَيْهِ أَي فِيمَا يتَعَلَّق ببني إِسْرَائِيل، فَكَذَلِك الْأَنْبِيَاء، ﵈، كَانُوا أَولا مستضعفين بِحَيْثُ إِنَّهُم كَانُوا يرعون الْغنم. انْتهى. قلت: فِيهِ تعسف وتكلف وتوجيه غير طائل، وَيُمكن أَن تُوجد لَهُ الْمُطَابقَة وَإِن كَانَ لَا يَخْلُو أَيْضا عَن بعض تكلّف من حَيْثُ إِن هَذَا الْبَاب كَانَ مِمَّن غير تَرْجَمَة، وَكَذَلِكَ وَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَهُوَ كالفصل للباب المترجم، كَمَا أَن الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة الَّتِي قبل هَذَا الْبَاب كَذَلِك بِلَا تراجم كالفصول، فتوجد الْمُطَابقَة بَين حَدِيث جَابر وَبَين الْبَاب المترجم، وَهُوَ قَوْله بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٤١) . لِأَن فِيهِ بَيَان حَالَة من حالات مُوسَى ومُوسَى يدْخل فِي عُمُوم قَوْله. قَوْله: (مَا من نَبِي إِلَّا رعاها) ، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تُوجد الْمُطَابقَة، على أَنه وَقع التَّصْرِيح برعي مُوسَى الْغنم فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ أخرجه من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن نصر بن حزن، قَالَ: إفتخر أهل الْإِبِل وَالشَّاء، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : بعث مُوسَى راعي غنم. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن سعيد بن عفير. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن هَارُون بن عبد الله. قَوْله: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، هَذِه الكينونة كَانَت بمر الظهْرَان، كَذَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات، قَوْله: (نجني) ، من: جنى يجني جنياً، وَهُوَ أَخذ الثَّمر من الشّجر. قَوْله: (الكباث) ، بِفَتْح الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف ثاء مُثَلّثَة، وَهُوَ ثَمَر الْأَرَاك، وَيُقَال ذَلِك للنضيج مِنْهُ، كَذَا نَقله النَّوَوِيّ عَن أهل اللُّغَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ ثَمَر الْأَرَاك إِذا يبس وَلَيْسَ لَهُ عجم، وَقَالَ الْقَزاز: هُوَ الغض من ثَمَر الْأَرَاك والأراك هُوَ الخمط، وَقَالَ أَبُو زِيَاد: الكباث يشبه التِّين يَأْكُلهُ النَّاس وَالْإِبِل وَالْغنم. وَفِيه حرارة، وَفِي (الْمُحكم) هُوَ حمل ثَمَر الْأَرَاك إِذا كَانَ مُتَفَرقًا، واحده كباثة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة، وَهُوَ فَوق حب الكزبرة وعنقوده يمْلَأ الْكَفَّيْنِ، وَإِذا التقمه الْبَعِير فضل عَن لقمته، والنضيج مِنْهُ يُقَال لَهُ: المرد. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : هُوَ حصرمه. قَوْله: (قَالُوا: كنت ترعى الْغنم؟) ، أَي: قَالَت الصَّحَابَة لرَسُول الله، ﷺ : هَل كنت ترعى الْغنم؟ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لِأَن قَوْله لَهُم: (عَلَيْكُم بالأسود مِنْهُ) ، دَال على تَمْيِيزه بَين أَنْوَاعه، وَالَّذِي يُمَيّز بَين أَنْوَاع ثَمَر الْأَرَاك غَالِبا من يلازم رعي الْغنم على مَا ألفوه. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي هَذَا؟ قلت: قَالَ الْخطابِيّ: أَرَادَ أَن الله تَعَالَى لم يضع النُّبُوَّة فِي أَبنَاء الدُّنْيَا والمترفين مِنْهُم، وَإِنَّمَا جعلهَا فِي رعاء الشَّاء وَأهل التَّوَاضُع من أَصْحَاب الْحَرْف، كَمَا روى أَن أَيُّوب، ﵊، كَانَ خياطاً، وزكرياء كَانَ نجاراً: ﴿وَالله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ (الْأَنْعَام: ٤٢١) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْحِكْمَة فِيهِ أَن يَأْخُذُوا لأَنْفُسِهِمْ بالتواضع وصفوا قُلُوبهم بالخلوة وينتقلوا من سياستها إِلَى سياسة أمّهم، وَقد مر بعض الْكَلَام من هَذَا الْقَبِيل فِي أَوَائِل كتاب الْإِجَارَة. ٠٣ - (بابٌ ﴿وإذْ قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦) .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦) . الْآيَة، وَلم يذكر فِي هَذَا الْبَاب غير بعض تَفْسِير أَلْفَاظ تتَعَلَّق بِقصَّة مُوسَى

стр. 4632

الَّتِي وَقعت فِي الْقُرْآن من بعض قصصه، ﵊. قَوْله: (وَإِذ قَالَ) ، أَي: أذكر يَا مُحَمَّد حِين قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦) . وقصة الْبَقَرَة مَا ذكره ابْن أبي حَاتِم، فَقَالَ: حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي، قَالَ: كَانَ رجل من بني إِسْرَائِيل عقيماً لَا يُولد لَهُ وَكَانَ لَهُ مَال كثير وَكَانَ ابْن أَخِيه وَارثه فَقتله ثمَّ احتمله لَيْلًا فَوَضعه على بَاب رجل مِنْهُم، ثمَّ أصبح يَدعِيهِ عَلَيْهِم حَتَّى تسلحوا وَركب بَعضهم على بعض، فَقَالَ ذُو الرَّأْي مِنْهُم: على مَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا وَهَذَا رَسُول الله فِيكُم؟ فَأتوا مُوسَى، ﵊، فَذكرُوا ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة قَالُوا: أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦) . قَالَ: فَلَو لم يعترضوا لأجزأت عَنْهُم أدنى بقرة، وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم حَتَّى انْتَهوا إِلَى الْبَقَرَة الَّتِي أمروا بذبحها فوجدوها عِنْد رجل لَيْسَ لَهُ بقرة غَيرهَا فَقَالَ: وَالله لَا أنقصها من ملْء جلدهَا ذَهَبا فَأَخَذُوهَا بملء جلدهَا ذَهَبا فذكوها وضربوه بِبَعْضِهَا فَقَامَ، فَقَالُوا: من قَتلك؟ قَالَ هَذَا، لِابْنِ أَخِيه، ثمَّ مَال مَيتا فَلم يُعْط من مَاله شَيْئا، فَلَو يُورث قَاتل بعده. وَرَوَاهُ ابْن جرير من حَدِيث أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عُبَيْدَة بِنَحْوِ ذَلِك، وَرَوَاهُ آدم بن أبي إِيَاس فِي (تَفْسِيره) من وَجه آخر، وَمُلَخَّصه: كَانَ رجل من بني إِسْرَائِيل غَنِيا وَلم يكن لَهُ ولد وَكَانَ لَهُ قريب وَهُوَ وَارثه فَقتله ليرثه ثمَّ أَلْقَاهُ على مجمع الطَّرِيق، وأتى مُوسَى، ﵊، فَقَالَ لَهُ: إِن قريبي قتل، ونادى مُوسَى فِي النَّاس: من كَانَ عِنْده فِي هَذَا علم يُبينهُ لنا؟ فَلم يكن عِنْدهم علم، وَقَالَ الْقَاتِل: أَنْت نَبِي الله، سل لنا رَبك أَن يبين لنا. فَسَأَلَ ربه، فَأوحى الله إِلَيْهِ ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦) . الْآيَات، وَفِيه: أَنهم أعْطوا صَاحب الْبَقَرَة وَزنهَا عشر مَرَّات ذَهَبا فذبحوها وضربوه بالبضعة الَّتِي بَين الْكَتِفَيْنِ، فَعَاشَ فَسَأَلُوهُ فَبين الْقَاتِل، وَرَوَاهُ بِسَنَد من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَمُحَمّد بن قيس أَن سبطاً من بني إِسْرَائِيل لما رَأَوْا كَثْرَة شرور النَّاس بنوا مَدِينَة فاعتزلوا شرور النَّاس فَكَانُوا إِذا أَمْسوا لم يتْركُوا أحدا مِنْهُم خَارج الْمَدِينَة إلَاّ أدخلوه، فَإِذا أَصْبحُوا قَامَ رئيسهم فَنظر وتشوف فَإِذا لم يَرَ شيْئَاً فتح الْمَدِينَة فَكَانُوا مَعَ النَّاس حَتَّى يمسوا، قَالَ: وَكَانَ رجل من بني إِسْرَائِيل لَهُ مَال كثير وَلم يكن لَهُ وَارِث غير أَخِيه فطالت عَلَيْهِ حَيَاته فَقتله ليرثه ثمَّ حمله فَوَضعه على بَاب الْمَدِينَة، ثمَّ كمن هُوَ وَأَصْحَابه: قَالَ: فتشوف رَئِيس الْمَدِينَة على بَاب الْمَدِينَة فَنظر فَلم ير شَيْئا، فَفتح الْبَاب فَلَمَّا رأى الْقَتِيل رد الْبَاب، فناداه أَخُو الْمَقْتُول وَأَصْحَابه: هَيْهَات، قَتَلْتُمُوهُ ثمَّ تردون الْبَاب؟ وَكَاد أَن يكون بَين أَخ الْمَقْتُول وَبَين أهل الْمَدِينَة قتال حَتَّى لبسوا السِّلَاح، ثمَّ كف بَعضهم عَن بعض، فَأتوا مُوسَى فشكوا لَهُ شَأْنهمْ، فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن يذبحوا بقرة. . الْقِصَّة. وَقَالَ ابْن كثير: الرِّوَايَات فِيهَا مُخْتَلفَة، وَالظَّاهِر أَنَّهَا مَأْخُوذَة من كتب بني إِسْرَائِيل، وَهُوَ مِمَّا يجوز نقلهَا، لَكِن لَا يصدق وَلَا يكذب، فَلهَذَا لَا يعْتَمد عَلَيْهَا إلَاّ مَا وَافق الْحق. قَالَ أَبُو العَالِيَةِ الْعَوَانُ النَّصَفُ بَيْنَ البِكْرِ والهَرِمَةِ أَبُو الْعَالِيَة، بِالْعينِ الْمُهْملَة: رفيع بن مهْرَان الريَاحي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَهُوَ فسر الْعوَان فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا بقرة لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك﴾ (الْبَقَرَة: ٨٦) . وَرَوَاهُ الْقُرْطُبِيّ عَن سَلمَة عَن ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ. قَوْله: ﴿لَا فارض وَلَا بكر﴾ (الْبَقَرَة: ٨٦) . يَعْنِي: لَا هرمة وَلَا صَغِيرَة ﴿عوان بَين ذَلِك﴾ (الْبَقَرَة: ٨٦) . أَي: نَصف بَين الْبكر والهرمة، وَالنّصف، بِفَتْح النُّون وَالصَّاد. فاقِعٌ صَافٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين﴾ (الْبَقَرَة: ٩٦) . وَهَذِه الْجُمْلَة صفة لتِلْك الْبَقَرَة الْمَأْمُور بذبحها ولونها مَرْفُوع بفاقع، وَعَن سعيد بن جُبَير: صفراء فَاقِع صَافِيَة اللَّوْن، وَكَذَا عَن قَتَادَة وَالْحسن وَنَحْوه، وَقَالَ الْعَوْفِيّ فِي (تَفْسِيره) : عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَاقِع لَوْنهَا شَدِيد الصُّفْرَة تكَاد صفرتها تبيض، وَعَن ابْن عمر كَانَت صفراء الظلْف، وَعَن سعيد بن جُبَير: كَانَت صفراء الْقرن والظلف، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا نصر بن عَليّ أخبرنَا أَبُو رَجَاء عَن الْحسن، فِي قَوْله: ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٦) . قَالَ: سَوْدَاء شَدِيدَة السوَاد، وَهَذَا غَرِيب. قَوْله: ﴿تسر الناظرين﴾ (الْبَقَرَة: ٩٦) . أَي: تعجبهم. لَا ذَلُولٌ لَمْ يُذِلَّهَا العَمَلُ تُثِيرُ الأرْضَ لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الأرْضَ ولَا تَعْمَلُ فِي الحَرْثِ

стр. 4633

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا ذَلُول تثير الأَرْض وَلَا تَسْقِي الْحَرْث﴾ (الْبَقَرَة: ١٧) . أَي: هَذِه لَا ذَلُول، يَعْنِي: لَيست مذللة بالحرث وَلَا معدة للسقي فِي السانية، بل هِيَ مكرمَة حسناء صَبِيحَة. قَوْله: (لم يذلها) ، بِضَم الْيَاء من الإذلال، وَالْعَمَل مَرْفُوع بِهِ. قَوْله: (تثير الأَرْض) يَعْنِي: لَيست بذلول فتثير الأَرْض. مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مسلمة﴾ (الْبَقَرَة: ١٧) . الْآيَة وفسرها بقوله: من الْعُيُوب، وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: مسلمة القوائم والخلق. لَاشِيَة بَيَاضٌ فسر الشية الَّتِي هِيَ اللَّوْن بقوله: بَيَاض، يَعْنِي: لَا بَيَاض فِيهَا، قَالَ أَبُو الْعَالِيَة والربعي وَالْحسن وَقَتَادَة: لَيْسَ فِيهَا بَيَاض، وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: لَوْنهَا وَاحِد، وروى عَن عَطِيَّة ووهب بن مُنَبّه نَحْو ذَلِك، وَقَالَ السّديّ: ﴿لَا شية فِيهَا﴾ (الْبَقَرَة: ١٧) . من بَيَاض وَلَا سَواد وَلَا حمرَة. صَفْرَاءُ إنْ شِئْتَ سَوْدَاءُ ويُقَالُ صَفْرَاءُ كَقَوْلِهِ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ غَرَضه من هَذَا الْكَلَام أَن الصُّفْرَة يحْتَمل حملهَا على مَعْنَاهَا الْمَشْهُور، وعَلى معنى السوَاد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿جمالات صفر﴾ (المرسلات: ٣٣) . فَإِنَّهُ فسر بسود يضْرب إِلَى الصُّفْرَة فاحمل على أَيهمَا شِئْت. قَوْله: (جمالات) جمع الْجمع لِأَنَّهُ جمع: جمالة، والجمالة جمع جمل وفسرها مُجَاهِد بسود، وَيُقَال للجمل الْأسود: أصفر، لِأَنَّهُ لَا يُوجد جمل أسود إلَاّ وَهُوَ مشرب بصفرة. فادَّارَأْتُمْ اخْتَلَفْتُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قتلتم نفسا فادَّارَأْتُم فِيهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧) . وَفسّر بقوله: اختلفتم، وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن أبي حُذَيْفَة عَن شبْل عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قتلتم نفسا فادَّارأتُم فِيهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧) . اختلفتم، وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي وَالضَّحَّاك: اختصمتم فِيهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَهُوَ من التداري، وَهُوَ التدافع، وَالله أعلم. ١٣ - (بابُ وفاتِ مُوساى وذِكْرُهُ بَعْدُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَفَاة مُوسَى، ﵊، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر ذكر لفظ: بَاب، وَإِنَّمَا الْمَذْكُور عِنْده: وَفَاة مُوسَى، ﵊. قَوْله: (وَذكره بعد) ، بِضَم الدَّال لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَيْهِ لكَونه قطع عَن الْإِضَافَة وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان ذكره بعد ذَلِك وَفَاته، ﵊. ٧٠٤٣ - حدَّثنا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عنِ ابنِ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فلَمَّا جاءَهُ صَكَّهُ فرَجَعَ إلَى رَبِّهِ فقالَ أرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ قَالَ ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ قَالَ أيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا قالَ ثُمَّ المَوْتُ قَالَ فالآنَ قَالَ فَسَألَ الله أَن يُدْنِيهِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. رَمْيَةً بِحَجَرٍ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٣٣١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّاء السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله. وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَولا مَوْقُوفا من طَرِيق طَاوُوس عَنهُ، ثمَّ أوردهُ عتيبة بِرِوَايَة همام عَنهُ مَرْفُوعا وَهُوَ الْمَشْهُور عَن عبد الرَّزَّاق، والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب من

стр. 4634

أحب الدّفن فِي الأَرْض المقدسة. قَوْله: (صَكه) ، أَي: ضربه، وَفِي رِوَايَة مُسلم: جَاءَ ملك الْمَوْت إِلَى مُوسَى، ﵊، فَقَالَ: أجب رَبك، فلطم مُوسَى عين ملك الْمَوْت ففقأها، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: كَانَ ملك الْمَوْت يَأْتِي النَّاس عيَانًا، فَأتى مُوسَى فَلَطَمَهُ ففقأ عينه. قَوْله: (لَا يُرِيد الْمَوْت) ، وَفِي رِوَايَة همام، وَقد فَقَأَ عَيْني فَرد الله عينه، وَفِي ررواية عمار، فَقَالَ: يَا رب عَبدك مُوسَى فَقَأَ عَيْني، وَلَوْلَا كرامته عَلَيْك لشققت عَلَيْهِ. قَوْله: (فَقل لَهُ) ، أَي: لمُوسَى، يضع يَده، وَفِي رِوَايَة أبي يوسن: فَقل لَهُ: الحياةَ تُرِيدُ؟ فَإِن كنت تُرِيدُ الْحَيَاة فَإِن كنت تُرِيدُ الْحَيَاة فضع يدك. قَوْله: (على متن ثَوْر) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بِمَا غطى. قَوْله: (أَي رب) ، يَعْنِي: يَا رب. قَوْله: ثمَّ مَاذَا أَي ثمَّ مَا يكون بعد هَذَا أَي أحياة أَو موت؟ قَوْله (فَالْآن) هُوَ ظرف زمَان الْحَال بَين الْمَاضِي والمستقبل قَوْله: (ثمَّ مَاذَا) أَي ثمَّ مَا يكون بعد هَذَا أَي: أحياة أَو موت؟ قَوْله (فَالْآن) هُوَ ظرف زمَان الْحَال بَين الْمَاضِي والمستقبل قَوْله: أَن يُدْنِيه) بِضَم الْيَاء من الإدناء أَي: يقربهُ، وَوجه سُؤَاله الإدناء من الأَرْض المقدسة هُوَ شرفها وف ضيلة مَا فِيهَا من المدفونين من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَغَيرهم، فَإِن قلت: سَأَلَ الإدناء فلَمَ لَمْ يسْأَل نفس بَيت الْمُقَدّس؟ قلت: لِأَنَّهُ خَافَ أَن يكون قَبره مَشْهُورا عِنْدهم فيفتتن بِهِ النَّاس. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدّفن فِي الْمَوَاضِع الفاضلة والمواطن الْمُبَارَكَة والقرب من مدافن الصَّالِحين قَوْله (رمية) أَي قدر رمية كائنة بِحجر. قَوْله: (إِلَى جَانب الطَّرِيق) هَكَذَا رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: من جَانب الطَّرِيق. قَوْله: (الْكَثِيب) بالثاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: وَهُوَ الرمل الْكثير الْمُجْتَمع. وَاخْتلف أهل السّير فِي مَوضِع قَبره، فَقيل: بِأَرْض التيه وَهَارُون كَذَلِك وَلم كَذَلِك. وَلم يدْخل مُوسَى الأَرْض المقدسة إلَاّ رمية حجر، رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن بن عَبَّاس، وَقَالَ: لَا يعرف قَبره، وَرَسُول الله، ﷺ أبهم ذَلِك بقوله: إِلَى جَانب الطَّرِيق عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر، وَلَو أَرَادَ بَيَانه لبيَّن صَرِيحًا، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَو علمت الْيَهُود قبر مُوسَى وَهَارُون لاتخذوهما إل هَين من دون الله، وَقيل: بِبَاب لد بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس، وَقيل: قَبره بَين عالية وعويلة عِنْد كَنِيسَة توماء، وَقيل: بالوادي فِي أَرض مَاء بَين بُصرى والبلقاء، وَقيل: قَبره بِدِمَشْق، ذكره ابْن عَسَاكِر عَن كَعْب الْأَحْبَار، وَالأَصَح أَنه بالتيه قدر رمية حجر من الأَرْض المقدسة، وَعَن وهب: أَن الْمَلَائِكَة توَلّوا دَفنه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَأَنه عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة، وَقَالَ وهب: وَصلى عَلَيْهِ جِبْرِيل، ﵊، وَكَانَ مَوته بعد موت هَارُون بِأحد عشر شهرا، وَكَانَ بَين وَفَاة إِبْرَاهِيم ومولد مُوسَى مِائَتَان وَخَمْسُونَ سنة، وَقد مَضَت بَقِيَّة الْكَلَام فِي كتاب الْجَنَائِز. قَالَ وأخْبرَنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ نَحْوَهُ أَي: قَالَ عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ وَقد وهم من قَالَ: إِنَّه مُعَلّق. قلت: صورته صُورَة تَعْلِيق، وَكَونه مَوْصُولا بِالْإِسْنَادِ الأول مُحْتَمل، وَلَا يلْزم من إِخْرَاج غَيره هَذَا مَوْصُولا أَن يكون هَذَا أَيْضا مَوْصُولا، وَهُوَ فِي صُورَة التَّعْلِيق، فَافْهَم. ٨٠٤٣ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني أبُو سلَمَة بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ وسَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ اسْتَبَّ رجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ورَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ والَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّداً ﷺ علَى العَالَمِينَ فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ فَقَالَ اليَهُودِيُّ والَّذِي اصْطَفَى مُوسَى علَى العَالَمِينَ فرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فلَطَمَ اليَهُودِيَّ فذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فأخْبَرَهُ الَّذِي كانَ مِنْ أمْرِهِ وأمْرِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ لَا تُخَيِّرُونِي علَى مُوسَى فإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فأكُونُ أوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فإذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ فَلَا أدْرِي أكانَ فِيمَنْ صَعِقَ فأفَاقَ قَبْلِي أوْ كانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى الله. . مطابقته للجزء الْأَخير للتَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: وَذكره بعد، وَقد تكَرر ذكر رِجَاله على هَذَا النسق. والْحَدِيث مضى فِي

стр. 4635

الْخُصُومَات فِي: بَاب مَا يذكر فِي الْأَشْخَاص، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ٩٠٤٣ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ حُمَيْدِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ لَهُ مُوسَى أنْتَ آدَمُ الَّذِي أخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ أنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ الله بِرِسَالَتِهِ وبِكَلَامِهِ ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أمْرٍ قُدَّرَ علَيَّ قَبْلَ أنْ أُخْلَقَ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ. . مطابقته للجزء الْأَخير للتَّرْجَمَة، وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الْقرشِي الأويسي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده وَإِبْرَاهِيم ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن يحيى بن بكير. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْقدر عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن حَاتِم. قَوْله: (احْتج مُوسَى وآدَم) أَي: تحاجَّا. إِمَّا أَن تكون أرواحهما تَحَاجَّتْ، أَو يكون ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة، وَالْأول أظهر. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَيحْتَمل أَن يحمل على ظَاهره، وأنهما اجْتمعَا بأشخاصهما. وَقد ثَبت فِي حَدِيث الْإِسْرَاء أَنه، ﷺ ، اجْتمع بالأنبياء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي السَّمَوَات وَفِي بَيت الْمُقَدّس وَصلى بهم، وَلَا يبعد أَن الله أحياهم كَمَا أَحْيَا الشُّهَدَاء، وَيحْتَمل أَن يكون جرى ذَلِك فِي حَيَاة مُوسَى، سَأَلَ الله تَعَالَى أَن يرِيه آدم، ﵊، فيحاجه. قَوْله: (خطيئتك) أَي: الْأكل من الشَّجَرَة الْمنْهِي عَنْهَا بقوله: ﴿لَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣، الْأَعْرَاف: ٩١) . وَجَاز فِي مثله: أخرجتك وأخرجته بِالْخِطَابِ والغيبة نَحْو. (أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدره.) أَي: سمته قَوْله: (الَّذِي اصطفاك الله) ، أَي: جعلك خَالِصا صافياً عَن شَائِبَة مَا لَا يَلِيق بك. وَفِيه تلميح إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليماً﴾ (النِّسَاء: ٤٦١) . قَوْله: (ثمَّ تلومني) كلمة: ثمَّ، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْمِيم الْمُشَدّدَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بِمَ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْمِيم المخففة. قَوْله: (فحج آدم) بِالرَّفْع بِاتِّفَاق الروَاة أَي: غَلبه بِالْحجَّةِ وَظهر عَلَيْهِ بهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: أَي غلب بِالْحجَّةِ، بِأَن ألزمهُ أَن جملَة مَا صدر عَنهُ لم يكن هُوَ مُسْتقِلّا بهَا مُتَمَكنًا من تَركهَا، بل كَانَ أمرا مقضياً. قَوْله: (مرَّتَيْنِ) ، مُتَعَلق بقوله: قَالَ، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا حجه آدم فِي رفع اللوم إِذْ لَيْسَ لأحد من الْآدَمِيّين أَن يلوم أحدا بِهِ، وَأما الحكم الَّذِي تنازعاه فَإِنَّمَا هما فِي ذَلِك سَوَاء إِذْ لَا يقدر أحد أَن يسْقط الأَصْل الَّذِي هُوَ الْقدر، وَلَا أَن يبطل الَّذِي هُوَ السَّبَب، وَمن فعل وَاحِدًا مِنْهُمَا خرج عَن الْقَصْد إِلَى أحد الطَّرفَيْنِ، مَذْهَب الْقدر أَو الْجَبْر، وَفِي قَول آدم استقصار لعلم مُوسَى أَي: إِذا جعلك الله بِالصّفةِ الَّتِي أَنْت عَلَيْهَا من الاصطفاء بالرسالة وَالْكَلَام، فَكيف يسعك أَن تلومني على الْقدر الَّذِي لَا مدفع لَهُ؟ وَحَقِيقَته أَنه دفع حجَّة مُوسَى الَّتِي ألزمهُ بهَا اللوم وَذَلِكَ أَن الِاعْتِرَاض والابتداء كَانَ من مُوسَى، وعارضه بِأَمْر دفع بِهِ اللوم، فَكَانَ هُوَ الْغَالِب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أَنَّك تعلم أَنه مُقَدّر فَلَا تلمني، وَأَيْضًا اللوم شَرْعِي لَا عَقْلِي، وَإِذا تَابَ الله عَلَيْهِ وَغفر لَهُ زَالَ عَنهُ اللوم، فَمن لامه كَانَ محجوجاً بِالشَّرْعِ، فَإِن قيل: فالعاصي منَّا لَو قَالَ: هَذِه الْمعْصِيَة كَانَت بِتَقْدِير الله تَعَالَى لم تسْقط عَنهُ الْمَلَامَة قُلْنَا هُوَ باقٍ فِي دَار التَّكْلِيف جَار عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُكَلّفين، وَفِي لومه زجر لَهُ وَلغيره، وَأما آدم فميت خَارج عَن هَذِه الدَّار وَعَن الْحَاجة إِلَى الزّجر، فَلم يكن فِي هَذَا القَوْل فَائِدَة سوى التخجيل وَنَحْوه، وَقَالَ التوربشتي: لَيْسَ من معنى قَول آدم، ﵊، كتب الله عَليّ، ألزمهُ إِيَّاه وأوجبه عَليّ، فَلم يكن لي فِي تنَاول الشَّجَرَة كسب وَاخْتِيَار، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أثْبته فِي أم الْكتاب قبل كوني، وَحكم بِأَن ذَلِك كَائِن لَا محَالة لعلمه السَّابِق، فَهَل يُمكن أَن يصدر عني خلاف علم الله، فَكيف تغفل عَن الْعلم السَّابِق؟ وتذكر الْكسْب الَّذِي هُوَ السَّبَب وتنسى الأَصْل الَّذِي هُوَ الْقدر وَأَنت مِمَّن اصطفاك الله من المصطفين الأخيار الَّذين يشاهدون سر الله من وَرَاء الأستار؟

стр. 4636

٠١٤٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حُصَيْنُ بنُ نُمَيْرٍ عنْ حُصَيْنِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ سَعِيدِ ابنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَاً قَالَ عُرِضَتْ علَيَّ الأُمَمُ ورأيْتُ سَوَادَاً كَثِيرَاً سَدَّ الأُفُقَ فَقِيلَ هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة للجزء الْأَخير مِنْهَا، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن نمير: مصغر النمر الْحَيَوَان الْمَشْهُور أَبُو محسن الوَاسِطِيّ، وَشَيْخه حُصَيْن كَذَلِك ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَبُو الْهُذيْل الْكُوفِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مطولا فِي الطِّبّ عَن مُسَدّد أَيْضا وَفِي الرقَاق عَن عمرَان بن ميسرَة وَعَن أسيد بن زيد مَقْرُونا بِحَدِيث عمرَان بن ميسرَة وَفِي الرقَاق أَيْضا عَن إِسْحَاق. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن سعيد بن مَنْصُور وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أبي حُصَيْن عبد الله بن أَحْمد بِطُولِهِ: وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن أبي حُصَيْن بِهِ. قَوْله: (سواداً) ، وَهُوَ الَّذِي يعبر بِهِ عَن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة. قَوْله: (سد الْأُفق) ، والأفق بالضمتين وَاحِد آفَاق السَّمَاء وَالْأَرْض، وَهِي نواحيهما. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَيجوز أَن يكون الْأُفق وَاحِدًا وجمعاً: كالفلك، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ الحَدِيث أَن أمة مُوسَى أَكثر الْأُمَم بعد أمة النَّبِي ﷺ . قلت: ظَاهر الحَدِيث يدل صَرِيحًا على كَثْرَة أمة مُوسَى، ﵊، وَالله أعلم. ٢٣ - (بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿وضَرَبَ الله مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ﴾ (التَّحْرِيم: ١١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان آسِيَة بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا امْرَأَة فِرْعَوْن إِذْ قَالَت رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة ونجني من فِرْعَوْن وَعَمله ونجني من الْقَوْم الظَّالِمين وَمَرْيَم ابْنة عمرَان الَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا وصدقت بِكَلِمَات رَبهَا وَكتبه وَكَانَت من القانتين﴾ (التَّحْرِيم: ١١) . قَوْله: (ضرب الله مثلا) إِلَى آخِره، مثَّل حَال الْمُؤمنِينَ فِي أَن وصلَة الْكَافرين لَا تَضُرهُمْ وَلَا تنقص شَيْئا من ثوابهم وزلفاهم عِنْد الله بِحَال امْرَأَة فِرْعَوْن ومنزلتها عِنْد الله مَعَ كَونهَا امْرَأَة أعدى أَعدَاء الله النَّاطِق بِالْكَلِمَةِ الْعُظْمَى، وَأَرَادَ بِامْرَأَة فِرْعَوْن: آسِيَة بنت مُزَاحم، لما غلب مُوسَى سحرة فِرْعَوْن: أمنت، فَلَمَّا تبين إيمَانهَا لفرعون وَثبتت عَلَيْهِ أوتد يَديهَا ورجليها بأَرْبعَة أوتاد وَأَلْقَاهَا فِي الشَّمْس وَأمر بصخرة عَظِيمَة فَتلقى عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَتَوا بالصخرة قَالَت: رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة! فَأَبْصَرت بَيتهَا فِي الْجنَّة من درة بَيْضَاء، وانتزع الله روحها فألقيت الصَّخْرَة عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِي جَسدهَا روح، فَلم تَجِد ألماً من عَذَاب فِرْعَوْن. وَعَن الْحسن وَابْن كيسَان: رفع الله امْرَأَة فِرْعَوْن إِلَى الْجنَّة فَهِيَ فِيهَا تَأْكُل وتشرب. قَوْله: (وَمَرْيَم ابْنة عمرَان) عطف على: امْرَأَة فِرْعَوْن، أَي: وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا مَرْيَم ابْنة عمرَان وَمَا أُوتيت من الْكَرَامَة من كرامات الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والاصطفاء على نسَاء الْعَالمين مَعَ أَن قَومهَا كَانُوا كفَّارًا. قَوْله: (وَكَانَت من القانتين) أَي: من الْقَوْم القانتين، وَلذَلِك لم يقل: من القانتات، وآسية هِيَ بنت مُزَاحم ابْنة عَم فِرْعَوْن، وَقيل: إِنَّهَا من العماليق، وَقيل من بني إِسْرَائِيل من سبط مُوسَى، وَقَالَ السُّهيْلي: هِيَ عمَّة مُوسَى وَكَانَت لَهَا فراسة حِين قَالَت: قُرَّة عين لي وَلَك، وَإِنَّمَا ذكر الْآيَة المتضمنة لقضية مَرْيَم لكَونهَا مَذْكُورَة مَعَ آسِيَة. وَلَيْسَ مَقْصُوده من التَّرْجَمَة إلَاّ ذكر آسِيَة. ١١٤٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ عنْ مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ كَملَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلَاّ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وإنَّ فَضْلَ عائِشَةَ علَى النِّسَاءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ علَى سائِرِ الطَّعَامِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا لِأَن المُرَاد من قَوْله: (امْرَأَة فِرْعَوْن) هِيَ آسِيَة. وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي وَهُوَ من أَفْرَاده، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: الْمرَادِي الْأَعْمَى الْكُوفِي، مر فِي كتاب الصَّلَاة، وَمرَّة الْهَمدَانِي هُوَ مرّة بن شرَاحِيل الْكُوفِي كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم ألف رَكْعَة، وَلما كبر كَانَ لَهُ وتد يعْتَمد عَلَيْهِ،

стр. 4637

وَأَبُو مُوسَى هُوَ عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل عَائِشَة عَن عَمْرو بن مَرْزُوق وَفِي الْأَطْعِمَة عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن بشار وَعَن عبيد الله بن معَاذ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن قُتَيْبَة بِقصَّة مَرْيَم وآسية وَعَن عَمْرو بن عَليّ كَذَلِك وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود بِقصَّة فضل عَائِشَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن بشار بِتَمَامِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كمل) ، بِضَم الْمِيم وَفتحهَا وَكسرهَا، ثَلَاث لُغَات، وَالْمرَاد من الْكَمَال: التناهي فِي جَمِيع فَضَائِل الرِّجَال، قَوْله: (وَلم يكمل من النِّسَاء إلَاّ آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن وَمَرْيَم بنت عمرَان) ، وَقد اسْتدلَّ بَعضهم بِهَذَا على أَن آسِيَة وَمَرْيَم نبيتان، لِأَن أكمل النَّوْع الإنساني الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْأَوْلِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء، فَلَو كَانَتَا غير نبيتين للَزِمَ أَن لَا يكون فِي النِّسَاء ولية وَلَا صديقَة وَلَا شهيدة، وَفِي نفس الْأَمر إِن هَذِه الصِّفَات مَوْجُودَة فِي كثير مِنْهُنَّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لم تنبأ من النِّسَاء إِلَّا فُلَانَة وفلانة. وَمنع بِأَنَّهُ لَا يلْزم من لَفظهَا الْكَمَال نبوتهما إِذْ هُوَ يُطلق على إتْمَام الشَّيْء وتناهيه فِي بَابه، فَالْمُرَاد تناهيهما فِي جَمِيع الْفَضَائِل الَّتِي للنِّسَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد نقل الْإِجْمَاع على عدم النُّبُوَّة للنِّسَاء. قلت: وَقد نقل عَن الْأَشْعَرِيّ أَن من النِّسَاء من نبيء وَهن سِتّ: حَوَّاء وَسَارة وَأم مُوسَى وَهَاجَر وآسية وَمَرْيَم، وَقد ثَبت مَجِيء الْملك لبعضهن فِي الْقُرْآن، وَقد قَالَ الله تَعَالَى بعد أَن ذكر مَرْيَم والأنبياء بعْدهَا: ﴿أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين﴾ (مَرْيَم: ٨٥) . فَدخلت فِي عُمُومه، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الصَّحِيح أَن مَرْيَم نبية لِأَن الله أوحى إِلَيْهَا بِوَاسِطَة الْملك وَأما آسِيَة فَلم يرد مَا يدل على نبوتها. قَوْله: (وَإِن فضل عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، على النِّسَاء) أَي: على نسَاء هَذِه الْأمة فِي الْفَضِيلَة وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على الْأَفْضَلِيَّة، لِأَنَّهُ، ﷺ ، شبه فَضلهَا بِفضل الثَّرِيد على غَيره من الطَّعَام لما فِيهِ من تيسير المؤونة وسهولة الإساغة، وَكَانَ أجل أطعمتهم يَوْمئِذٍ، وكل هَذِه الْخِصَال لَا تَسْتَلْزِم الْأَفْضَلِيَّة لَهَا من كل وَجه. وَقد ورد من طَرِيق صَحِيح مَا يَقْتَضِي أَفضَلِيَّة خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، على غَيرهَا، وَهُوَ مَا رُوِيَ من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: خير نسائها خَدِيجَة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَورد أَيْضا مَا يَقْتَضِي أَفضَلِيَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِيمَا أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو دَاوُد فِي كتاب الزّهْد وَالْحَاكِم، كلهم من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أفضل نسَاء أهل الْجنَّة خَدِيجَة بنت خويلد وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد وَمَرْيَم ابْنة عمرَان وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن) . وَله شَاهد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَأحمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي سعيد رَفعه: فَاطِمَة سيدة نسَاء أهل الْجنَّة إلَاّ مَا كَانَ من مَرْيَم بنت عمرَان. وَعَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (حَسبك من نسَاء الْعَالمين بِأَرْبَع: مَرْيَم بنت عمرَان وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن وَخَدِيجَة بنت خويلد وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد) . رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن عَسَاكِر. وَعَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (خطّ رَسُول الله، ﷺ ، فِي الأَرْض أَرْبَعَة خطوط، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : أفضل نسَاء أهل الْجنَّة خَدِيجَة بنت خويلد وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد وَمَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو يعلى وَابْن عَسَاكِر، وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (فَاطِمَة سيدة نسَاء أهل الْجنَّة إلَاّ مَا كَانَ من مَرْيَم بنت عمرَان) . وَهَذَا يدل على أَن فَاطِمَة وَمَرْيَم أفضل هَذِه الْأَرْبَع، ثمَّ يحْتَمل الِاسْتِثْنَاء أَن تكون مَرْيَم أفضل من فَاطِمَة، وَيحْتَمل أَن تَكُونَا على السوَاء فِي الْفَضِيلَة، لَكِن ورد حَدِيث، إِن صَحَّ عين الِاحْتِمَال الأول، وَهُوَ مَا رُوِيَ: أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (سيدة نسَاء أهل الْجنَّة مَرْيَم بنت عمرَان ثمَّ فَاطِمَة ثمَّ خَدِيجَة ثمَّ آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن) . رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر، فَإِن كَانَ هَذَا اللَّفْظ مَحْفُوظًا: بثم، الَّتِي للتَّرْتِيب فَهُوَ مُبين لأحد الإحتمالين اللَّذين دلّ عَلَيْهِمَا الِاسْتِثْنَاء، وَيقدم على مَا تقدم من الْأَلْفَاظ الَّتِي وَردت: بواو الْعَطف الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَلَا تنفيه، وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا، وَذكره: بواو الْعَطف لَا بثم، الَّتِي للتَّرْتِيب فخالفه إِسْنَادًا ومتناً. قَوْله: (كفضل الثَّرِيد) هُوَ من ثردت الْخَبَر ثرداً إِذا كَسرته فَهُوَ ثريد ومثرود، وَالِاسْم: الثردة، بِالضَّمِّ

стр. 4638

والثريد غَالِبا لَا يكون إلَاّ بِاللَّحْمِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: فِي قَوْله، ﷺ ،: (فضل عَائِشَة على النِّسَاء) الحَدِيث قيل: لم يرد عين الثَّرِيد، وَإِنَّمَا أَرَادَ الطَّعَام الْمُتَّخذ من اللَّحْم والثريد مَعًا، لِأَن الثَّرِيد غَالِبا لَا يكون إلَاّ من اللَّحْم، وَالْعرب قَلما تَجِد طبيخاً وَلَا سِيمَا بِلَحْم. ٥٣ - (بابٌ ﴿إنَّ قَارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ (الْقَصَص: ٦٧) . الْآيَة) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: ﴿إِن قَارون كَانَ من قوم مُوسَى فبغى عَلَيْهِم وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة إِذْ قَالَ لَهُ قومه لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ (الْقَصَص: ٦٧) . قَارون: إسم أعجمي مثل هَارُون غير منصرف للعلمية والعجمة، وَلَو كَانَ وَزنه فاعولاً لانصرف. قَوْله: (من قوم مُوسَى) أَي: من عشيرته، وَفِي نسبه إِلَى مُوسَى ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ ابْن عَمه، قَالَه سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ ابْن جريج وَعبد الله بن الْحَارِث. وَالثَّانِي: ابْن خَالَته، رَوَاهُ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّالِث: أَنه عَم مُوسَى ﷺ ، قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقيل: معنى كَونه من قومه أَنه آمن بِهِ، وَكَانَ أَقرَأ بني إِسْرَائِيل للتوراة، وَلكنه نَافق كَمَا نَافق السامري، قَالَ: إِذا كَانَت النُّبُوَّة لمُوسَى وَالذّبْح والقربان لهارون، فَمَالِي؟ فبغى عَلَيْهِ. قَالَ ابْن عَبَّاس: بغيه عَلَيْهِ هُوَ قذفه مُوسَى ببغية جعل لَهَا جعلا، وَقَالَ الضَّحَّاك: بغيه عَلَيْهِ هُوَ كفره بِاللَّه، وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ كبره، وَقَالَ عَطاء: هُوَ أَنه زَاد فِي طول ثِيَابه شبْرًا. قَوْله: (وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز) أَي: الْأَمْوَال المدخرة. قَوْله: (مَا إِن مفاتحه) ، كلمة: مَا، مَوْصُولَة. قَوْله: (لتنوء) ، خبر: إِن، والمفاتح، جمع مِفْتَاح أَي: مفاتح خزائنه لتنوء أَي: لتثقل بالعصبة وتميل بهم إِذا حملوها، والعصبة: الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة، وَقيل: الْعصبَة عشرَة، وَقيل: خَمْسَة عشر، وَقيل: أَرْبَعُونَ، وَقيل: من عشرَة إِلَى أَرْبَعِينَ. قَوْله: (لتنوء) اللَاّم فِيهِ للتَّأْكِيد، وتنوء فعل مضارع من ناء نوءاً إِذا نَهَضَ بِهِ مُثقلًا، وروى أَن مفاتح خَزَائِن قَارون كَانَت وقر سِتِّينَ بغلاً غراً محجلة لكل خزانَة مِفْتَاح وَلَا يزِيد الْمِفْتَاح على إِصْبَع وَكَانَت من جُلُود الْإِبِل، وَيُقَال: كَانَت من الْحَدِيد، فَثقلَتْ عَلَيْهِ فَجَعلهَا من خشب، فَثقلَتْ عَلَيْهِ فَجَعلهَا من جُلُود الْبَقر، وَكَانَت خزائنه تحمل مَعَه حَيْثُ مَا ذهب. قَوْله: (أولي الْقُوَّة) ، صفة الْعصبَة. قَوْله: (إِذْ قَالَ لَهُ قومه) ، يَعْنِي: حِين قَالَ لَهُ قومه، وَكلمَة: إِذْ، مَنْصُوب بقوله: لتنوء، قَوْله: (لَا تفرح) ، يَعْنِي لَا تبطر إِن الله لَا يحب البطرين، وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تفْسد إِن الله لَا يحب المفسدين، وَقيل: إِن الله لَا يحب المرحين. لَتَنُوءُ لَتُثْقِلُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ (الْقَصَص: ٦٧) . وَفَسرهُ بقوله: لتثقل، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أُولِي القُوَّةِ لَا يَرْفَعُهَا العُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي تَفْسِير: أولي الْقُوَّة، لَا يرفعها الْعصبَة من الرِّجَال، وَقد مر الْكَلَام فِي تَفْسِيره الْآن. يُقالُ الفَرِحِينَ المَرِحِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ (الْقَصَص: ٦٧) . أَن مَعْنَاهُ: المرحين، وَهُوَ تَفْسِير ابْن عَبَّاس، أوردهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. ويْكَأنَّ الله مِثْلُ ألَمْ تَرَ أنَّ الله أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ويْكَأنَّ الله يبسط الرزق لمن يَشَاء من عباده وَيقدر لَوْلَا أَن مَنَّ الله علينا لخسف بِنَا ويْكَأنَّهُ لَا يفلح الْكَافِرُونَ﴾ (الْقَصَص: ٢٨) . قلت: قَالَ الْخَلِيل: وي، وَحدهَا و: كَأَن، للتحقيق، وَقَالَ أَبُو الْحسن: وي إسم فعل، وَالْكَاف، حرف خطاب و: أَن، على إِضْمَار اللَاّم، وَالْمعْنَى أعجب: لِأَن الله. قَالَ البُخَارِيّ: إِن قَوْله: ﴿ويكأن الله﴾ مثل: ﴿ألم تَرَ أَن الله﴾ (الْقَصَص:) . وَهَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، أَرَادَ أَن مَعْنَاهُ مثل معنى قَوْله: ﴿ألم تَرَ أَن الله﴾ (الْقَصَص:) . وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وي، مفصولة عَن: كَأَن، وَهِي كلمة تَنْبِيه على الْخَطَأ والتندم، وَحكى الْفراء أَن أعرابية قَالَت لزَوجهَا: أَيْن ابْنك؟ فَقَالَ: ويكأنه وَرَاء البيتِ يَعْنِي: أما ترينه وَرَاء الْبَيْت؟

стр. 4639

﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ (سبإ: ٦٣) . هَذَا فِي آيَة أُخْرَى وأولها: ﴿قل إِن رَبِّي يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ (سبإ: ٦٣) . وَذكرهَا لِأَن فِيهَا مثل مَا فِي الْآيَة الأولى، وَهُوَ قَوْله: ﴿يبسط الرزق لمن يَشَاء من عباده وَيقدر﴾ (سبإ: ٩٣) . ثمَّ فسر قَوْله: يبسط وَيقدر بقوله: يُوَسِّعُ عَلَيْهِ ويُضَيِّقُ قَوْله: (يُوسع) ، هُوَ معنى قَوْله: يبسط، وَقَوله: ويضيق، معنى قَوْله: وَيقدر، وَهُوَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه﴾ (الطَّلَاق: ٧) . أَي: ضَاقَ، وَيُقَال: قدر على عِيَاله قدرا مثل قتر وَقدر على الْإِنْسَان رزقه قدرا، مثل قتل، وَلم يذكر البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ هَذِه الآثاء الْمَذْكُورَة، وَلم يثبت هَذَا إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني. ٦٣ - (بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أخَاهُمْ شُعَيْبَاً﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٨، هود: ٤٨، وَالْعَنْكَبُوت: ٦٣) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيباً قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إل هـ غَيره﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٨، هود: ٤٨، وَالْعَنْكَبُوت: ٦٣) . الْآيَة. وَشُعَيْب: اسْم عَرَبِيّ، وَقَالَ مقَاتل: ذكره الله فِي الْقُرْآن فِي تِسْعَة مَوَاضِع، وَهُوَ شُعَيْب بن بويب بن رعول بن غيفا بن مَدين بن إِبْرَاهِيم، ﷺ ، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: شُعَيْب بن غيفان بن بويب بن مَدين، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: شُعَيْب بن بحرون بن بويب بن مَدين، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: شُعَيْب بن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يَعْقُوب. وَقيل: شُعَيْب بن نويل بن رعويل بن يويب بن غيفا ابْن مَدين بن إِبْرَاهِيم، ﵊. وَقيل: شُعَيْب بن ضيفون بن غيفا بنبن ثَابت بن مَدين بن إِبْرَاهِيم، وَيُقَال: جدته أَو أمه بنت لوط، وَكَانَ مِمَّن آمن بإبراهيم وَهَاجَر مَعَه وَدخل دمشق. قَوْله: ﴿وَإِلَى مَدين﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٨، هود: ٤٨، وَالْعَنْكَبُوت: ٦٣) . أَي: وَإِلَى أهل مَدين وَكَانُوا قوما عربا يقطعون الطَّرِيق ويخيفون الْمَارَّة ويبخسون المكاييل والموازين، وَكَانُوا مكاسين لَا يدعونَ شَيْئا إلَاّ مكسوه وأرسله الله إِلَيْهِم فَقَالَ: ﴿يَا قوم اعبدوا الله﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٨، هود: ٤٨، وَالْعَنْكَبُوت: ٦٣) . أَي: وحدوه، وَقد قصّ الله قصَّته فِي الْقُرْآن، وَقَالَ عُلَمَاء السّير: أَقَامَ شُعَيْب مُدَّة بعد هَلَاك قومه وَوصل إِلَيْهِ مُوسَى وزوجه بنته. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: ثمَّ خرج إِلَى مَكَّة وَمَات بهَا وعمره مائَة وَأَرْبَعُونَ سنة وَدفن فِي الْمَسْجِد الْحَرَام حِيَال الْحجر الْأسود. وَقَالَ سبطه: وَعند طبرية بالسَّاحل قَرْيَة يُقَال لَهَا: حطين فِيهَا قبر يُقَال أَنه قبر شُعَيْب، ﵊، وَقَالَ أَبُو المفاخر، إِبْرَاهِيم بن جِبْرِيل فِي (تَارِيخه) إِن شعيباً كَانَ عمره سِتّمائَة سنة وَخمسين سنة. إِلَى أهْلِ مَدْيَنِ لأِنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ ومِثلُهُ ﴿وَاسْألِ القَرْيَةِ﴾ (يُوسُف: ٢٨) . ﴿وَاسألِ العِيرَ﴾ يَعْنِي أهْلَ القَرْيَةِ وأهْلَ العِيرِ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن معنى قَوْله: (إِلَى مَدين) إِلَى أهل مَدين، لِأَن مَدين بلد وَهِي مَدِينَة شُعَيْب على بَحر القلزم محاذية لتبوك على نَحْو سِتّ مراحل مِنْهَا، وَبهَا الْبِئْر الَّتِي استسقى مِنْهَا مُوسَى، ﵊، لسائمة شُعَيْب، ﵊، وَهِي الْآن خراب، وَأَشَارَ بقوله: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (يُوسُف: ٢٨) . إِلَى أَن نَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيباً﴾ (يُوسُف: ٢٨) . هُوَ قَوْله: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (يُوسُف: ٢٨) . فِي أَن الْمُضَاف فيهمَا مَحْذُوف وَهُوَ لفظ: أهل، وَكَذَلِكَ قَوْله: واسأل العير، أَي: أهل العير، لِأَن الْقرْيَة وَالْعير لَا يَصح السُّؤَال مِنْهُمَا. وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيَّاً لَمْ تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ويُقالُ إذَا لَمْ تَقْضِ حاجَتَهُ ظَهَرْتَ حاجَتِي وجَعَلَتْنِي ظِهْرِيَّاً قَالَ الظِّهْرِيُّ أنْ تأخُذَ معَكَ دَابَّةً أوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ أَشَارَ بقوله: ﴿وراءكم ظهريا﴾ (هود: ٢٩) . إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهرياً﴾ (هود: ٢٩) . ثمَّ فسره بقوله: لم تلتفتوا إِلَيْهِ، والظهري مَنْسُوب إِلَى الظّهْر، وَكسر الظَّاء من تغييرات النّسَب كَمَا تَقول فِي أَمْسَى، أَمْسَى بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (وَيُقَال: إِذا لم تقض حَاجته) ، يَعْنِي: إِذا لم تقض حَاجَة من سَأَلَك بهَا تَقول: ظَهرت حَاجَتي، أَي: جَعلتهَا وَرَاء ظهرك، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَقَوْلهمْ: ظهر فلَان بحاجتي إِذا استخف بهَا. قَوْله: (وَجَعَلَنِي ظهرياً) ، يَعْنِي: يُقَال أَيْضا إِذا لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا قضى حَاجته: جَعَلتني ظهرياً، أَي: جَعَلتني وَرَاء ظهرك. قَوْله: (قَالَ الظهري) الظَّاهِر أَن الضَّمِير فِي: قَالَ، يرجع إِلَى البُخَارِيّ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الظهري بِصُورَة النِّسْبَة يُقَال أَيْضا لمن يَأْخُذ مَعَه دَابَّة أَو وعَاء يستظهر بِهِ، أَي: يتقوى بِهِ.

стр. 4640

مَكانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ واحِدٌ هَذَا فِيهِ نظر، لِأَن فِي قصَّة شُعَيْب هَكَذَا: ﴿وَيَا قوم اعْمَلُوا على مكانتكم﴾ (الْأَنْعَام: ٥٣١، هود: ٣٩، وَالزمر: ٩٣) . بِمَعْنى: مَكَانكُمْ، وَأما مكانتهم فَفِي سُورَة يس وَهُوَ قَوْله: ﴿وَلَو نشَاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ (يس: ٧٦) . وَفِي التَّفْسِير: المكانة وَالْمَكَان وَاحِد، كالمقامة وَالْمقَام. يَغْنَوْا يَعِيشُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَن لم يغنوا فِيهَا﴾ (هود: ٨٦، ٩٦) . ثمَّ فسره بقوله: يعيشوا، لِأَنَّهُ لما ذكر يغنوا بِدُونِ: لم، فسر: يعيشوا أَيْضا بِدُونِ: لم، وَالْأَصْل، كَأَن لم يغنوا فِيهَا، أَي: لم يعيشوا وَلم يقيموا بهَا. تَأسَ تَحْزَنُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تأس على الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ (الْمَائِدَة: ٦٢) . وَفسّر تأس بقوله:؛ تحزن، وَلم يذكر لفظ: لَا، فِيهَا وَذكر هَذَا لَيْسَ فِي مَحَله لِأَنَّهُ فِي قصَّة مُوسَى، ﵊. آسَى أحْزَنُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكيف آسى على قوم كَافِرين﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٩) . وَفسّر: آسى، بقوله: إحزن، وَالْمعْنَى: كَيفَ أَحْزَن وأتندم وأتوجع؟ وَقَالَ الحَسَنُ ﴿إنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرِّشِيدُ﴾ (هود: ٧٨) . يَسْتَهْزِؤنَ بهِ أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد﴾ (هود: ٧٨) . يستهزؤن بِهِ: يَعْنِي أَنهم عكسوا على سَبِيل الإستعارة التهكمية إِذْ غرضهم: أَنْت السَّفِيه الغوي لَا الْحَلِيم الرشيد، وَوصل ذَلِك ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي الْمليح عَنهُ. قَوْله: (بِهِ) أَي: بشعيب. وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَيْكَةُ الأيْكَةُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كذب أَصْحَاب الأيكة الْمُرْسلين﴾ (الشُّعَرَاء: ٦٧١) . قَرَأَ بَعضهم: ليكة، باللَاّم على وزن: لَيْلَة، فَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ نفس الأيكة، وَقَالَ الرشاطي: الأيكة كَانَت منَازِل قوم شُعَيْب، ﵊، من سَاحل الْبَحْر إِلَى مَدين، وَكَانَ شجرهم الْمقل والأيكة عِنْد أهل اللُّغَة الشّجر الملتف، وَكَانُوا أَصْحَاب شجر ملتف، وَيُقَال: الأيكة الغيضة، وليكة اسْم الْبَلَد حولهَا، كَمَا قبل مَكَّة: بكة، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: وَلَا يعلم ليكة اسْم بلد. يَوْمَ الظِّلَّةِ إظْلَالُ الغَمامِ العَذَابِ عَلَيْهِمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة﴾ (الشُّعَرَاء: ٩٨١) . يرْوى أَنه حبس عَنْهُم الْهَوَاء وسلط عَلَيْهِم الْحر فَأخذ بِأَنْفَاسِهِمْ فاضطروا إِلَى أَن خَرجُوا إِلَى الْبَريَّة، فأظلتهم سَحَابَة وجدوا لَهَا بردا ونسيماً، فَاجْتمعُوا تحتهَا، فأمطرت عَلَيْهِم نَارا فاحترقوا. فَكَانَ شُعَيْب، ﵊، مَبْعُوثًا إِلَى أَصْحَاب مَدين وَأَصْحَاب الأية، فأهلكت مَدين بصيحة حبريل، ﵊، وَأَصْحَاب الأيكة بِعَذَاب يَوْم الظلة. وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ لم يذكر فِي هَذَا الْبَاب غير تَفْسِير الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة فِيهِ، وَلم يَقع هَذَا أَيْضا إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني.

стр. 4641

بِسم الله الرحمان الرَّحيم ٥٣ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَهْوَ مُلِيمٍ﴾ (الصافات: ٩٣١ ٢٤١) ٢. أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين إِذْ أبق إِلَى الْفلك المشحون فساهم فَكَانَ من المدحضين فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم﴾ (الصافات: ٩٣١ ٢٤١) . وَيُونُس بن مَتى، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق مَقْصُور، وَقيل: مَتى أمه وَلم يشْتَهر نَبِي بِأُمِّهِ غير يُونُس والمسيح، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وروى عبد الرَّزَّاق: إِن مَتى اسْم أمه وَلَكِن الْأَصَح أَنه اسْم أَبِيه، وَكَانَ رجلا صَالحا من أهل بَيت النُّبُوَّة وَلم يكن ل ولد ذكر فَقَامَ إِلَى الْعين الَّتِي اغْتسل فِيهَا أَيُّوب، ﵊، فاغتسل هُوَ وَزَوجته مِنْهَا وصليا ودعوا الله تَعَالَى أَن يرزقهما ولدا مُبَارَكًا، فيبعثه الله فِي بني إِسْرَائِيل، فَاسْتَجَاب الله دعاءهما ورزقهما يُونُس، وَتُوفِّي مَتى وَيُونُس فِي بطن أمه وَله أَرْبَعَة أشهر، وَقد قيل: إِنَّه من بني إِسْرَائِيل وَإنَّهُ من سبط بنيامين، وَكَانَ من أهل قَرْيَة من قرى الْموصل يُقَال لَهَا: نِينَوَى، وَكَانَ قومه يعْبدُونَ الْأَصْنَام فَبَعثه الله إِلَيْهِم. قَالَ مُجَاهِد مُذْنِبٌ هُوَ تَفْسِير قَوْله: مليم، هَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُجَاهِد من ألام الرجل إِذا أَتَى بِمَا يلام عَلَيْهِ، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَهُوَ مليم دَاخل فِي الْمَلَامَة، يُقَال: رب لائم مليم، أَي: يلوم غَيره وَهُوَ أَحَق مِنْهُ باللوم، وَعَن الطَّبَرِيّ: المليم هُوَ المكتسب اللوم. الْمَشْحُونُ المُوَقَرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير تَعَالَى: ﴿إِلَى الْفلك المشحون﴾ (الصافات: ٠٤١) . هَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد والموقر بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف المملوء وَقيل مَعْنَاهُ المشحون الْمحمل المجهز. ﴿فَلَوْلَا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ (الصافات: ٣٤١) . الْآيَة يَعْنِي أتم الْآيَة أَو اقْرَأ الْآيَة، وَهُوَ قَوْله: ﴿للبث فِي بَطْنه إِلَى يَوْم يبعثون﴾ (الصافات: ٤٤١) . يَعْنِي: فلولا أَن يُونُس كَانَ من المسبحين، أَي: المنزهين الذَّاكِرِينَ الله تَعَالَى قبل ذَلِك فِي الرخَاء بالتسبيح وَالتَّقْدِيس للبث فِي بطن الْحُوت إِلَى يَوْم يبعثون، يَعْنِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : الظَّاهِر لبثه حَيا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن قَتَادَة: لَكَانَ بطن الْحُوت قبراً لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ لبثه فِي بطن الْحُوت أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ الضَّحَّاك: عشْرين يَوْمًا. وَقَالَ عَطاء: سَبْعَة أَيَّام، وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: لم يلبث إلَاّ قَلِيلا ثمَّ أخرج من بَطْنه بعيد الْوَقْت الَّذِي الْتَقم فِيهِ. فنَبَذْناهُ العَرَاءِ﴾ بِوَجْهِ الأرْضِ ﴿وهْوَ سَقِيمٌ﴾ (الصافات: ٥٤١) .

стр. 4642

أَي: فطرحناه، وَفسّر العراء: بِوَجْه الأَرْض، وَهَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ مقَاتل: هُوَ ظهر الأَرْض، وَقَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان: هُوَ البرَاز من الأَرْض، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ الفضاء، وَقَالَ السّديّ: هُوَ السَّاحِل، وَيُقَال: العراء الأَرْض الخالية من الشّجر والنبات، وَمِنْه قيل للمتجرد: عُرْيَان. قَوْله: (سقيم) ، أَي: عليل مِمَّا حل بِهِ. ﴿وأنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ (الصافات: ٦٤١) . من غَيْرِ ذَاتِ أصْلِ الدُّبَّاءِ ونَحْوِهِ قَوْله: (عَلَيْهِ) أَي: لَهُ، وَقيل: عِنْده، واليقطين: القرع، وَعَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَمُقَاتِل: كل نبت يمتذ وينبسط على وَجه الأَرْض وَلَيْسَ لَهُ سَاق نَحْو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ كل نبت ينْبت ثمَّ يَمُوت فِي عَامه، وَقيل: هُوَ يفعيل من: قطن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ إِقَامَة زائل لَا إِقَامَة ثَابت، وَقيل: هُوَ الدُّبَّاء. وَفَائِدَة الدُّبَّاء: أَن الذُّبَاب لَا يجْتَمع عِنْده، وَقيل: لرَسُول الله، ﷺ : إِنَّك لِتُحَبّ القرع؟ قَالَ: أجل، هِيَ شَجَرَة أخي يُونُس، وَقيل: هِيَ التِّين، وَقيل: هِيَ شَجَرَة الموز يُغطي بورقها ويستظل بأغصانها وَيفْطر على ثمارها، وَقَالَ مقَاتل بن حَيَّان: كَانَ يستظل بِالشَّجَرَةِ. وَكَانَت وَعلة تخْتَلف إِلَيْهِ فيشرب من لَبنهَا. قَوْله: (من غير ذَات أصل) ، صفة يَقْطِين أَي: من يَقْطِين كَائِن من غير ذَات أصل. قَوْله: (الدُّبَّاء) ، بِالْجَرِّ بدل من: يَقْطِين، أَو بَيَان وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَيْهِ. فَافْهَم. قَوْله: (وَنَحْوه) ، أَي: وَنَحْو اليقطين: القثاء والبطيخ. ﴿وأرْسَلْناهُ إلَى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: ٧٤١) . أَي: وَأَرْسَلْنَا يُونُس. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : يجوز أَن يكون قبل حَبسه فِي بطن الْحُوت، وَهُوَ مَا سبق من إرْسَاله إِلَى قومه من أهل نِينَوَى، وَقيل: هُوَ إرْسَال ثَان بَعْدَمَا جرى عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلين، وَالْغَرَض من قَوْله: ﴿إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ﴾ (الصافات: ٧٤١) . الْكَثْرَة، وَقَالَ مقَاتل: مَعْنَاهُ بل يزِيدُونَ، وَعَن ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ وَيزِيدُونَ، وَعنهُ مبلغ الزِّيَادَة على مائَة ألف عشرُون ألفا، وَعَن الْحسن وَالربيع، بضع وَثَلَاثُونَ ألفا، وَعَن ابْن حبَان: سَبْعُونَ ألفا. ﴿فآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (الصافات: ٨٤١) . يَعْنِي: فأمن قوم يُونُس عِنْد مُعَاينَة الْعَذَاب. قَوْله: (فمتعناهم إِلَى حِين) أَي: إِلَى أجل مُسَمّى إِلَى حِين انْقِضَاء آجالهم. وَلَا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نَادَى وهْوَ مَكْظُومٌ كَظِيمٌ وهْوَ مَغْمُومٌ﴾ (الْقَلَم: ٨٤) . الْخطاب للنَّبِي، ﷺ ، أَي: لَا تكن يَا مُحَمَّد كصاحب الْحُوت وَهُوَ يُونُس فِي الضجر وَالْغَضَب والعجلة. قَوْله: (إِذْ نَادَى) ، أَي: حِين دَعَا ربه فِي بطن الْحُوت وَهُوَ كظيم، أَي: مَمْلُوء غيظاً، من كظم السقاء إِذا ملأَهُ. وَأَشَارَ بقوله: كظيم، إِلَى أَن مكظوم على وزن مفعول، وَلكنه بِمَعْنى: كظيم على وزن فعيل، وَفَسرهُ بقوله: وَهُوَ مغموم، وَقيل: مَحْبُوس عَن التَّصَرُّف. ٢١٤٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ قَالَ حدَّثني الأعْمَشُ ح حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ إنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ زَادَ مُسَدَّدٌ يُوُنُسَ بنِ مَتَّى. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش. وَالْآخر: عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير: عَن أبي نعيم وَعَن مُسَدّد عَن قُتَيْبَة أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان، قَالَ الْعلمَاء: إِنَّمَا قَالَه، ﷺ ، لما خشِي على من سمع قصَّته أَن يَقع فِي نَفسه تنقيص لَهُ، فَذكره لسد هَذِه الذريعة.

стр. 4643

٣١٤٣ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أبِي العَالِيَةِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ إنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى ونَسَبَهُ إِلَى أبِيهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو الْعَالِيَة رفيع بن مهْرَان. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَهل أَتَاك حَدِيث مُوسَى﴾ (طه: ٩) . وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٤١٤٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ عنِ اللَّيْثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ أبِي سلَمَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ الفَضْلِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئاً كَرِهَهُ فَقَالَ لَا والَّذِي اصْطَفى مُوسَى علَى البَشَرِ فسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقامَ فلَطَمَ وجْهَهُ وَقَالَ تَقُولُ والَّذِي اصْطَفى مُوسَى علَى البَشَرِ وَالنَّبِيّ ﷺ بَين أظهرنَا فَذهب إِلَيْهِ فَقَالَ أَبَا الْقَاسِم إِن لي ذمَّة وعهدا ففما بَال فلَان لطم وَجْهي فَقَالَ لم لطمت وَجهه؟ فَذكره فَغَضب النَّبِي ﷺ حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجهه ثمَّ قَالَ لَا تفضلوا بَين أنْبِياءِ الله فإنَّهُ يُنْفَخْ فِي الصُّوَرِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَواتِ ومَنْ فِي الأرْضِ إلَاّ مَنْ شَاءَ الله ثُمَّ يُنْفَخُ فيهِ أخْرَى فأكُونُ أوَّلَ مَنْ بُعِثَ فإذَا مُوسَى آخِذٌ بالْعَرْشِ فَلَا أدْرِي أحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أمْ بُعِثَ قَبْلِي وَلَا أقُولُ إنَّ أحدَاً أفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي آخر الحَدِيث، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب وَفَاة مُوسَى، ﵊. قَوْله: (يعرض) ، أَي: يبرز مَتَاعه للنَّاس لِيَرْغَبُوا فِي شِرَائِهِ فَأعْطى لَهُ بِهِ ثمنا بخساً. قَوْله: (أظهرنَا) ، مقحم، وَقد يُوَجه عدم إقحامه وَهُوَ أَنه جمع ظهر، وَمَعْنَاهُ: أَنه بَينهم على سَبِيل الِاسْتِظْهَار كَانَ ظهرا مِنْهُ قدامه وظهراً وَرَاءه، فَهُوَ مَكْنُون من جانبيه، إِذا قيل: بَين ظهرانيهم، وَمن جوانبه إِذا قيل: بَين أظهرهم. قَوْله: (ذمَّة وعهداً) ، يَعْنِي: مَعَ الْمُسلمين، فَلم أَخْفَر ذِمَّتِي وَنقض عهدي باللطم. قَوْله: (لَا تفضلوا بَين أَنْبيَاء الله) ، مَعْنَاهُ: لَا تفضلوا بَعْضًا بِحَيْثُ يلْزم مِنْهُ نقص الْمَفْضُول، أَو يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَة والنزاع، أَو: لَا تفضلوا بِجَمِيعِ أَنْوَاع الْفَضَائِل، وَإِن كَانَ رَسُول الله، ﷺ أفضل مِنْهُم مُطلقًا، إِذْ الإِمَام أفضل من الْمُؤَذّن مُطلقًا، وَإِن كَانَ فَضِيلَة التأذين غير موجدة فِيهِ، أَو: لَا تفضلوا من تِلْقَاء أَنفسكُم وأهوائكم. فَإِن قلت: نهى ﷺ عَن التَّفْضِيل وَقد فضل هُوَ بِنَفسِهِ مُوسَى، ﵊؟ قلت: لم يفضل، إِذْ مَعْنَاهُ: وَأَنا لَا أَدْرِي أَن هَذَا الْبَعْث فَضِيلَة لَهُ أم لَا؟ أَو جَازَ لَهُ مَا لم يجز لغيره. فَإِن قلت: السِّيَاق يَقْتَضِي تَفْضِيل مُوسَى على سيدنَا رَسُول الله، ﷺ . قلت: لَئِن سلمنَا لَا يَقْتَضِي إلَاّ تفضيله بِهَذَا الْوَجْه وَهَذَا لَا يُنَافِي كَونه أفضل مُطلقًا من مُوسَى. قَوْله: (بصعقته يَوْم الطّور) ، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر مُوسَى صعقاً﴾ (طه) . فَإِن قلت: إِن مُوسَى قد مَاتَ، فَكيف تُدْرِكهُ الصعقة؟ وَأَيْضًا قد ورد النَّص وَأَجْمعُوا أَيْضا على أَن رَسُول الله، ﷺ هُوَ أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة؟ فَإِن قلت: المُرَاد من الْبَعْث الْإِفَاقَة بِقَرِينَة الروايا الْأُخَر حَيْثُ قَالَ: أَفَاق قبلي، وَهَذِه الصعقة هِيَ غشية بعد الْبَعْث عِنْد نفخة الْفَزع الْأَكْبَر. قَوْله: (وَلَا أَقُول) إِلَى آخِره، أَي: لَا أَقُول من عِنْد نَفسِي أَو قَالَه ﷺ تواضعا وهضما لنَفسِهِ. ٧٨ - (حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم قَالَ سَمِعت حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لَا يَنْبَغِي لعبد أَن يَقُول أَنا خير من يُونُس بن مَتى) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب وَالله أعلم - ٦٣ - (بابٌ ﴿واسألْهُمْ عنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذُ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ ) (الْأَعْرَاف: ٣٦١) . أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول الله تَعَالَى: ﴿واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر إِذْ يعدون فِي السبت إِذْ تأتيهم

стр. 4644

حيتانهم يَوْم سبتهم شرعا وَيَوْم لَا يسبتون لَا تأتيهم كَذَلِك نبلوهم بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٦١) . قَوْله: (واسألهم) ، أَي: اسْأَل يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذين بحضرتك عَن قصَّة أَصْحَابهم الَّذين خالفوا أَمر الله ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم فِي الْمُخَالفَة، وحذر هَؤُلَاءِ من كتمان صِفَتك الَّتِي يجدونها فِي كتبهمْ لِئَلَّا يحل بهم مَا حل بإخوانهم وسلفهم. قَوْله: (عَن الْقرْيَة) هِيَ أَيْلَة وَهِي على شاطىء بَحر القلزم وَهِي على طَرِيق الْحَاج الذَّاهِب إِلَى مَكَّة من مصر وَحكى ابْن التِّين عَن الزُّهْرِيّ أَنَّهَا طبرية وَقبل هِيَ مَدين وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ ابْن زيد هِيَ قَرْيَة يُقَال لَهَا منتنا بَين مَدين وعينونا قَوْله (إِذْ يعدون) أَي: يعتدون فِيهِ ويخالفون فِيهِ أَمر الله وَهُوَ اصطيادهم فِي يَوْم السبت وَقد نهو عَنهُ، وَإِذ يعدون بدل من الْقرْيَة بدل الاشتمال، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بقوله: كَانَت، أَو بقوله: حَاضِرَة. قَوْله: (إِذْ تأتيهم) كلمة: إِذْ، مَنْصُوب بقوله: يعدون. قَوْله: (شرعا) أَي: ظَاهِرَة على المَاء، قَالَه ابْن عَبَّاس. قَوْله: (كَذَلِك نبلوهم) أَي: نختبرهم بِإِظْهَار السّمك لَهُم على ظهر المَاء فِي الْيَوْم الْمحرم عَلَيْهِم صَيْده. يَعْدُونَ يتَعَدَّوْنَ يَتَجَاوَزُونَ فِي السَّبْتِ ﴿إِذْ تأتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٦١) . شَوَارِعَ فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يعدون﴾ بقوله: يتعدون يتجاوزون، وَقد فسرناه، وَقد فسر شرعا بقوله: شوارع، وَفِيه نظر، لِأَن الشَّرْع جمع شَارِع، والشوارع جمع شارعة، ومادته تدل على الظُّهُور وَمِنْه شرع الدّين: إِذا بَينه وأظهره. إِلَى قَوْلِهِ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٦١ ٧٦١) . إِلَى: مُتَعَلق بقوله: شرعا، وَلَيْسَ هُوَ بتعلق نحوي، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: إقرأ بعد قَوْله: شرعا، إِلَى قَوْله ﴿كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ وَهُوَ قَوْله: ﴿وَيَوْم لَا يسبتون لَا تأتيهم كَذَلِك نبلوهم بِمَا كَانُوا يفسقون وَإِذ قَالَت أمة مِنْهُم لم تعظون قوما الله مهلكهم أَو معذبهم عذَابا شَدِيدا قَالُوا معذرة إِلَى ربكُم ولعلهم يَتَّقُونَ فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ أنجينا الَّذين ينهون عَن السوء وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس بِمَا كَانُوا يفسقون فَلَمَّا عتوا عَمَّا نهوا عَنهُ قُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٦١ ٧٦١) . قَوْله: أمة مِنْهُم، أَي: جمَاعَة من أَصْحَاب السبت وَكَانُوا ثَلَاث فرق: فرقة ارتكبت الْمَحْذُور واحتالوا على صيد السّمك يَوْم السبت. وَفرْقَة نهت عَن ذَلِك وَأنْكرت واعتزلتهم. وَفرْقَة سكتت فَلم تفعل وَلم تنه، وَلَكنهُمْ قَالُوا للمنكرة: لِمَ تَعِظُونَ قوما الله مهلكهم؟ قَوْله: (معذرة) ، قرىء بِالرَّفْع على تَقْدِير: هَذَا معذرة، وَبِالنَّصبِ على تَقْدِير: نَفْعل ذَلِك معذرة إِلَى ربكُم أَي: فِيمَا أَخذ علينا بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، ولعلهم يَتَّقُونَ أَي: لَعَلَّهُم بِهَذَا الْإِنْكَار يَتَّقُونَ مَا هم فِيهِ ويتركونه ويرجعون إِلَى الله تَعَالَى تَائِبين، فَإِذا تَابُوا تَابَ الله عَلَيْهِم. قَوْله: (فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ) أَي: فَلَمَّا أبي الفاعلون الْمُنكر قبُول النَّصِيحَة (أنجينا الَّذين ينهون عَن السوء وأخذنا الَّذين ظلمُوا) أَي: ارتكبوا الْمعْصِيَة. قَوْله: (فَلَمَّا عتوا) أَي: فَلَمَّا تكبروا. قَوْله: (قردة) ، جمع قرد، قَوْله: (خَاسِئِينَ) أَي: ذليلين حقيرين مهانين، وروى ابْن جرير من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: صَار شُبَّانهمْ قردة وشيوخهم خنازير. بَئِيسٌ شَدِيدٌ هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَهَكَذَا فسره الزَّمَخْشَرِيّ يُقَال: بؤس ببؤس بَأْسا: إِذا اشْتَدَّ فَهُوَ بئيس، وقرىء: بئس، بِوَزْن حذر وَبئسَ على تَخْفيف الْعين وَنقل حركتها إِلَى الْفَاء، كَمَا يُقَال: كبد فِي كبد، وبيس على قلب الْهمزَة يَاء: كذيب، فِي ذِئْب، وبيئس على وزن فيعل بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا، وبيس على وزن ريس وبيس على وزن هَين فِي هَين. وَلم يذكر البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا. ٧٣ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وآتَيْنَا داوُدَ زَبُورَاً﴾ (النِّسَاء: ٢٦١، الْإِسْرَاء: ٥٥) . أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وآتينا دَاوُد زبوراً﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٦١ ٧٦١) . وَقَبله: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان وآتينا دَاوُد زبوراً﴾ (النِّسَاء: ٢٦١، والأسراء: ٥٥) . وَدَاوُد اسْم أعجمي، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ بالعبرانية الْقصير الْعُمر، وَيُقَال: سمي بِهِ لِأَنَّهُ داوى جراحات الْقُلُوب، وَقَالَ مقَاتل: ذكره الله فِي

стр. 4645

الْقُرْآن فِي اثْنَي عشر موضعا، وَهُوَ دَاوُد بن إيشا، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن عوبد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، على وزن جَعْفَر: ابْن باعر، بباء مُوَحدَة وَعين مُهْملَة مَفْتُوحَة: ابْن سَلمُون بن يارب، بياء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن رام بن حضرون، بحاء مُهْملَة وضاد مُعْجمَة: ابْن فارص، بفاء وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة ابْن يهوذا بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَمِنْهُم من زَاد بعد سَلمُون: يحشون بن عمينا ابْن دَاب بن رام، وَقيل: ارْمِ. قَوْله: (زبورا) ، هواسم الْكتاب الَّذِي أنزل الله عَلَيْهِ، وروى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أنزل الله الزبُور على دَاوُد، ﵊، مائَة وَخمسين سُورَة بالعبرانية، فِي خمسين مِنْهَا مَا يلقونه من بخت نصر، وَفِي خمسين مَا يلقونه من الرّوم، وَفِي خمسين مواعظ وَحكم، وَلم يكن فِيهِ حَلَال وَلَا حرَام وَلَا حُدُود وَلَا أَحْكَام، وروى: أَنه نزل عَلَيْهِ فِي شهر رَمَضَان. الزُّبُرُ الْكُتُبُ واحِدُها زَبُورٌ. زَبَرْتُ كَتَبْتُ الزبر، بِضَم الزَّاي وَالْبَاء: جمع زبور، قَالَ الْكسَائي: يَعْنِي الْمَزْبُور، يَعْنِي: الْمَكْتُوب، يُقَال: زبرت الْوَرق فَهُوَ مزبور أَي: كتبته، فَهُوَ مَكْتُوب، وَقَرَأَ حَمْزَة: زبور، بِضَم الزَّاي وَغَيره من الْقُرَّاء بِفَتْحِهَا. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ (سبأ: ٠١ ١١) . فضلا أَي: نبوة وكتاباً هُوَ الزبُور وصوتاً بديعاً وَقُوَّة وقدرة وتسخير الْجبَال وَالطير، قَوْله: (يَا جبال) ، بدل من قَوْله: (فضلا) بِتَقْدِير قَوْلنَا: يَا جبال، أَو هُوَ بدل من قَوْله تَعَالَى: آتَيْنَا، بِتَقْدِير: قُلْنَا يَا جبال. قَالَ مُجَاهِدٌ سَبِّحِي مَعَهُ هُوَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى أوِّبي مَعَه، يَعْنِي: يَا جبال سبحي مَعَ دَاوُد، وأوِّبي أَمر من التأويب أَي: رَجْعِيّ مَعَه التَّسْبِيح أَو رَجْعِيّ مَعَه فِي التَّسْبِيح كلما رَجَعَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِذا رجعه فقد رَجَعَ، وَقيل: سبحي مَعَه إِذا سبح، وَقيل: هِيَ بِلِسَان الْحَبَشَة، وَقيل: نواحي مَعَه وَالطير تساعدك على ذَلِك، وَكَانَ إِذا نَادَى بالنياحة أَجَابَتْهُ الْجبَال بصداها وعكفت عَلَيْهِ الطير من فَوْقه، فصدى الْجبَال الَّذِي يسمعهُ النَّاس من ذَلِك الْيَوْم. والطيْرَ هُوَ مَنْصُوب بالْعَطْف على مَحل الْجبَال، وَقيل: مَنْصُوب على أَنه مفعول مَعَه، وَقيل: مَنْصُوب بالْعَطْف على: فضلا، يَعْنِي: وسخرنا لَهُ الطيرَ. وألَنَّا لَهُ الحَدِيدَ أَي: ألنَّا لداود الْحَدِيد فَصَارَ فِي يَده مثل الشمع، وَكَانَ سَأَلَ الله أَن يسبب لَهُ سَببا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن بَيت المَال فيتقوت مِنْهُ وَيطْعم عِيَاله، فألان الله لَهُ الْحَدِيد. أنِ اعْمَلْ سابِغَاتٍ الدُّرُوعَ كلمة: أَن، هَذِه مفسرة بِمَنْزِلَة: أَي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٧٢) . وسابغات، مَنْصُوب بقوله: اعْمَلْ، وَفَسرهُ بقوله: الدروع، وَكَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة السابغات بالدروع، وَقَالَ أهل التَّفْسِير: أَي كوامل واسعات، وقرىء: صابغات، بالصَّاد. وقَدِّرْ فِي السَّرْدِ المَسَامِيرِ والحَلَقِ وَلَا تُدِقَّ المِسْمَارَ فيَتَسَلْسَلَ ولَا تُعَظِّمُ فَيَفْصِمَ فسر السرد بقوله: المسامير وَالْحلق، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ معنى قَوْله: ﴿وَقدر فِي السرد﴾ (سبإ: ١١) . أَي: لَا تجْعَل المسامير دقاقاً، وَلَا غلاظاً، وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى ذَلِك بقوله: وَلَا تدق بِالدَّال الْمُهْملَة، من التدقيق، وَيدل عَلَيْهِ مَا روى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) : من طَرِيق مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿وَقدر فِي السرد﴾ (سبإ: ١١) . لَا تدق المسامير، فيتسلل وَلَا تغلظها فيفصمها، وَقيل: وَلَا ترق، بالراء من الرقة وَهُوَ أَيْضا يُؤَدِّي ذَلِك الْمَعْنى. قَوْله: (فيتسلسل) ، ويروى: فيتسلل، ويروى: فيسلس، وَالْكل يرجع إِلَى معنى

стр. 4646

واحدِ، يُقَال: شَيْء سَلس، أَي: سهل، وَرجل سَلس أَي: لين منقاد بَين السلس والسلاسة. قَوْله: (وَلَا تعظم) أَي: المسمار، فَيفْصم، من الفصم: وَهُوَ الْقطع. أفْرِغْ أنْزِلْ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا أفرغ علينا صبرا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٥٢) . وَفسّر أفرغ بقوله: أنزل من الْإِنْزَال، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، معنى قَوْله: ﴿أفرغ علينا صبرا﴾ أَي: أنزل علينا صبرا من عنْدك، وَهَذَا فِي قصَّة طالوت، وفيهَا قَضِيَّة دَاوُد ﵊، فَكَأَنَّهُ ذكر هَهُنَا لِأَن قضيتهما وَاحِدَة، وَقَالَ بَعضهم: أفرغ أنزل لم أعرف المُرَاد من هَذِه الْكَلِمَة هُنَا! قلت: لَيْسَ هَذَا الْموضع من الْمَوَاضِع الَّتِي يدعى فِيهَا الْعَجز، وَالْوَجْه فِيهِ من الْمَعْنى والمناسبة مَا ذَكرْنَاهُ. ((بسطة زِيَادَة وفضلا)) أإشاربه إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى إِن الله اصطفاه عَلَيْكُم وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم وَهَذَا أَيْضا فِي قصَّة الْمَوْت وَالْوَجْه فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ وَقد فسر البُخَارِيّ بسطة بقوله زِيَادَة وفضلا أَي زِيَادَة فِي الْقُوَّة وفضلا فِي المَال وَفِي علم الحروب وَهَذَا وَالَّذِي قبله لم يقعا إِلَّا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده ﴿واعْمَلُوا صالِحَاً إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سبإ: ١١) . فأجازيكم عَلَيْهِ أحسن جَزَاء وأتمه. ٧١٤٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خُفِّفَ علَى دَاودَ السَّلَامُ القُرْآنُ فكانَ يأمُرُ بِدَوَابِهِ فَتُسْرَجُ فَيَقْرَأُ القُرْآنَ قَبْلَ أنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ ولَا يأكُلُ إلَاّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق ابْن نصر. قَوْله: (خفف) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّخْفِيف. قَوْله: (الْقُرْآن) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الْقِرَاءَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقُرْآن أَي التَّوْرَاة أَو الزبُور، وَقَالَ التوربشتي: وَإِنَّمَا أطلق الْقُرْآن لِأَنَّهُ قصد بِهِ إعجازه من طَرِيق الْقِرَاءَة. وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : الأَصْل فِي هَذِه اللَّفْظَة الْجمع، وكل شَيْء جمعته فقد قرأته، وسمى الْقُرْآن قُرْآنًا لِأَنَّهُ جمع الْأَمر وَالنَّهْي وَغَيرهمَا، وَقد يُطلق الْقُرْآن على الْقِرَاءَة، وَقُرْآن كل نَبِي يُطلق على كِتَابه الَّذِي أوحى إِلَيْهِ، قَوْله: (فَكَأَن) أَي: دَاوُد يَأْمر بدوابه، وَفِي رِوَايَته فِي التَّفْسِير: بدابته بِالْإِفْرَادِ، وَيحمل الْإِفْرَاد على مركوبه خَاصَّة، وبالجمع مركوبه ومراكيب أَتْبَاعه. قَوْله: (قبل أَن تسرج) ، وَفِي رِوَايَة مُوسَى: فَلَا تسرج حَتَّى يقْرَأ الْقُرْآن، وَالْأول أبلغ. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الله تَعَالَى يطوي الزَّمَان لمن يَشَاء من عباده كَمَا يطوي الْمَكَان، وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَى إِدْرَاكه إلَاّ بالفيض الرباني، وَجَاء فِي الحَدِيث: إِن الْبركَة قد تقع فِي الزَّمن الْيَسِير حَتَّى يَقع فِيهِ الْعَمَل الْكثير، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَكثر مَا بلغنَا من ذَلِك من كَانَ يقْرَأ أَربع ختمات بِاللَّيْلِ وأربعاً بِالنَّهَارِ. انْتهى، وَلَقَد رَأَيْت رجلا حَافِظًا قَرَأَ ثَلَاث ختمات فِي الْوتر فِي كل رَكْعَة ختمة فِي لَيْلَة الْقدر. قَوْله: (وَلَا يَأْكُل إلَاّ من عمل يَده) ، وَهُوَ من ثمن مَا كَانَ يعْمل من الدروع من الْحَدِيد بِلَا نَار وَلَا مطرقة وَلَا سندان، وَهُوَ أول من عمل الدروع من زرد، وَكَانَت قبل ذَلِك صَفَائِح. رَوَاهُ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ صَفْوانَ عنْ عطَاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور مُوسَى بن عقبَة عَن صَفْوَان بن سليم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مُوسَى بن عقبَة، وَوَصله البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب خلق أَفعَال الْعباد عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو عَن أَبِيه، وَهُوَ حَفْص بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مُوسَى بن عقبَة. ٨١٤٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ أنَّ سَعِيدَ بنَ

стр. 4647

المُسَيَّبِ أخْبَرَهُ وأبَا سلَمَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عَبْدَ الله بن ,َ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أُخْبِرَ رَسُولُ الله ﷺ أنِّي أقولُ وَالله لأَصُومَنَّ النَّهَارَ ولأقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عشْتُ فَقَالَ لَهُ رسُولُ الله ﷺ أنْتَ الَّذِي تقُولُ وَالله لأصُومَنَّ النَّهَارَ ولأقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ قُلْتُ قَدْ قُلْتُهُ قَالَ إنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وأفْطِرْ وقُمْ ونَمْ وصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ أمْثَالِهَا وذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقُلْتُ إنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رسولَ الله قَالَ فَصُمْ يَوْمَاً وأفْطِرْ يَوْمَيْنِ قَالَ قُلْتُ إنِّي أطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْماً وأفْطِرْ يَوْماً وذلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ وهْوَ عَدْلُ الصِّيَامِ قُلْتُ إنِّي أطِيقُ أفْضَلَ مِنْهُ يَا رسُولَ الله قَالَ لَا أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صِيَام دَاوُد، ﵊ ، والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب صَوْم الدَّهْر، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٩١٤٣ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى حدَّثنا مِسْعَرٌ حدَّثنا حَبِيبُ بنُ أبِي ثابِتٍ عنْ أبي العَبَّاسِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ قَالَ قَالَ لي رسُولُ الله ﷺ ألَمْ أنَبَّأ أنَّكَ تَقُومُ اللَّيْل وتَصُومُ النَّهارَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتِ العَيْنُ ونَفِهَتِ النَّفْسُ صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فَذالِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ أوْ كَصَوْمِ الدَّهْرِ قُلْتُ إنِّي أجِدُ بِي قَالَ مِسْعَرٌ يَعْنِي قُوَّةً قَالَ فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇ وكانَ يَصُومُ يَوْماً ويُفْطِرُ يَوْماً ولَا يَفِرُّ إذَا لَاقَى. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صَوْم دَاوُد ﷺ . ومسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن كدام، وَأَبُو الْعَبَّاس اسْمه السَّائِب من السيب الْمَشْهُور بالشاعر، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب حق الْأَهْل فِي الصَّوْم، وَفِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب مُجَرّد من التَّرْجَمَة. قَوْله: هجمت) ، أَي: غارت، قَالَ الْأَصْمَعِي: هجمت مَا فِي الضَّرع إِذا حلبت كل مَا فِيهِ. قَوْله: (نفهت) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء أَي: ضعفت. قَوْله: (وَلَا يفر إِذا لَاقَى) ، وَجه اتِّصَاله بِمَا قبله هُوَ بَيَان أَن صَوْمه مَا كَانَ يُضعفهُ عَن الْحَرْب. ٨٣ - (بابٌ أحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى الله صَلَاةُ دَاوُد ﷺ وأحَبُّ الصِّيامِ إِلَى الله صِيامُ داوُدَ كانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ ويَصُومُ يَوماً ويُفْطِرُ يَوْماً قَالَ عَلِيٌّ وهْوَ قَوْلُ عائِشَةَ مَا ألْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إلَاّ نائِماً) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أحب الصَّلَاة ... إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَ عَليّ) ، الظَّاهِر أَنه عَليّ بن الْمَدِينِيّ أحد مشايخه. قَوْله: (وَهُوَ قَول عَائِشَة) ، أَي: قَوْله: (وينام سدسه) أَي: السُّدس الْأَخير مُوَافق لقَوْل عَائِشَة: (مَا ألفاه السَّحَرَ) بِالْفَاءِ أَي: مَا وجده السحر عِنْدِي إلَاّ نَائِما، أَي: إلَاّ حَال كَونه نَائِما، وَالسحر، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل الْفَاء، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب من نَام عِنْد السحر، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد قَالَ: ذكر أبي عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة، قَالَت: مَا ألفاه السحر عِنْدِي إلَاّ نَائِما يَعْنِي النَّبِي ﷺ ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٠٢٤٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ عنْ عَمْرِو بنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ سَمِعَ عَبْدَ الله بنَ عَمْرَو قَالَ قَالَ لي رسُولُ الله ﷺ أحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيامُ دَاوُدَ

стр. 4648

كَانَ يَصُومُ يَوْماً ويُفْطِرُ يَوْمَاً وأحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى الله صَلَاةُ داوُدَ كانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ. . الحَدِيث والترجمة شَيْء وَاحِد غير أَن فيهمَا تَقْدِيمًا وتأخيراً. والْحَدِيث مضى فِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب من نَام عِنْد السحر، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٩٣ - (بابٌ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إنَّهُ أوَّابٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وفَصْلِ الخِطَابِ﴾ (ص: ٧١ ٠٢) .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد ذَا الأيد إِنَّه أواب أَنا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق وَالطير محشورة كل لَهُ أواب وشددنا ملكه وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب﴾ (ص: ٧١ ٠٢) . قَوْله: (وَاذْكُر عَبدنَا) عطف على مَا قبله وَهُوَ قَوْله: ﴿إصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ (ص: ٧١) . خَاطب الله تَعَالَى نبيه بقوله: إصبر على مَا يَقُولُونَ أَي: الْكفَّار، وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد فِي صبره على الْعِبَادَة وَالطَّاعَة. قَوْله: (ذَا الأيد) أَي: الْقُوَّة إِنَّه أواب أَي: رَاجع عَن كل مَا يكرههُ الله تَعَالَى. قَوْله: (بالْعَشي) ، أَي: بآخر النَّهَار وَالْإِشْرَاق أَوله. قَوْله: (وَالطير) ، أَي: وسخرنا لَهُ الطير محشورة أَي: مَجْمُوعَة. قَوْله: (كل لَهُ) أَي: كل وَاحِد من الْجبَال وَالطير لَهُ أَي: لداود أواب، أَي: مُطِيع. قَوْله: (وشددنا ملكه) ، أَي: ملك دَاوُد، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ دَاوُد أَشد مُلُوك الأَرْض سُلْطَانا كَانَ يحرس محرابه كل لَيْلَة ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف رجل، وَعنهُ: سِتَّة وَثَلَاثُونَ ألف رجل، فَإِذا أَصْبحُوا قيل: إرجعوا فقد رَضِي نَبِي الله مِنْكُم، وَقيل: ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألفا من بني إِسْرَائِيل ثمَّ يَأْتِي عوضهم، قَالَ قَتَادَة: فَكَأَن جملَة حرسه مِائَتَان وَثَلَاثُونَ ألف حرس. قَوْله: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة) يَعْنِي: النُّبُوَّة وَالزَّبُور وَعلم الشَّرَائِع والإصابة فِي الْأَمر. قَوْله: (فصل الْخطاب) ، الْفَصْل: التَّمْيِيز بَين الشَّيْئَيْنِ وَقيل: الْكَلَام الْبَين، والفصل بِمَعْنى المفصول، وَقيل: الْفَصْل بِمَعْنى الْفَاصِل، والفاصل من الْخطاب الَّذِي يفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل وَالصَّحِيح وَالْفَاسِد، وَقيل: فصل الْخطاب هُوَ قَوْله: أما بعد، فَإِنَّهُ أول من قَالَهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ الْفَهْمَ فِي القَضاءِ أَي: قَالَ مُجَاهِد: فصل الْخطاب هُوَ الْفَهم فِي الْقَضَاء. وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي بشر عَن مُجَاهِد، قَالَ: الْحِكْمَة الصَّوَاب، وَمن طَرِيق لَيْث عَن مُجَاهِد: فصل الْخطاب: إِصَابَة الْقَضَاء وفهمه. ولَا تُشْطِطْ لَا تُسْرِف أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ وَلَا تشطط واهدنا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط﴾ (ص: ٢٢) . وَفسّر: لَا تشطط، بقوله: لَا تسرف. قَالَ بَعضهم: كَذَا وَقع هُنَا. قلت: فَكَأَنَّهُ استبعد هَذَا التَّفْسِير، وَقد فسره السّديّ هَكَذَا، وَفَسرهُ أَيْضا بقوله: لَا تحف، وَقَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ لَا تجرُ، وروى ان جرير من طَرِيق قَتَادَة فِي قَوْله: وَلَا تشطط، أَي: لَا تمل، وَعَن المورج: لَا تفرط والشطط مُجَاوزَة الْحَد، وأصل الْكَلِمَة من قَوْلهم: شطت الدَّار وأشطت إِذا بَعدت. واهْدِنَا إلَى سَواءِ الصِّرَاطِ هُوَ بعد قَوْله: وَلَا تشطط، وَمَعْنَاهُ: واهدنا إِلَى وسط الطَّرِيق. ﴿إنَّ هَذَا أخِي لَهُ تَسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَة﴾ (ص: ٣٢ ٤٢) . نذْكر الْآيَة بِتَمَامِهَا ثمَّ نذْكر مَا ذكره البُخَارِيّ من أَلْفَاظ هَذِه الْآيَة وتمامها: ﴿ولي نعجة وَاحِدَة فَقَالَ اكفلنيها وعزني فِي الْخطاب﴾ (ص: ٣٢ ٤٢) . وَبعد هَذِه الْآيَة: ﴿قَالَ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إِلَى نعاجه وَإِن كثير من الخلطاء ليبغي بَعضهم على بعض إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَلِيل مَا هم وَظن دَاوُد أَنما فتناه فَاسْتَغْفر ربه وخرَّ رَاكِعا وأناب﴾ (ص: ٣٢ ٤٢) . قَوْله: (إِن هَذَا أخي) أَي: فِي الدّين، أَو المُرَاد: أخوة الصداقة والألفة وأخوة الشّركَة، وَالْمرَاد من النعجة الْمَرْأَة، وَهَذَا من أحسن التَّعْرِيض حَيْثُ كنى بالنعاج عَن النِّسَاء، وَالْعرب تفعل هَذَا كثيرا، توري عَن النِّسَاء بالظباء وَالشَّاء وَالْبَقر.

стр. 4649

يُقالُ لِلْمَرْأةِ نَعْجَةٌ ويُقالُ لَهَا أَيْضا شاةٌ هَذَا كثير فَاش فِي أشعارهم. وَقَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل، هَذَا تَعْرِيض للتّنْبِيه والتفهيم لِأَنَّهُ لم يكن هُنَاكَ نعاج، وَإِنَّمَا هَذَا مثل قَول النَّاس: مَا ضرب زيد عمرا، وَمَا كَانَ هُنَاكَ ضرب. ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقَالَ أكْفِلْنِيهَا﴾ (ص: ٣٢) . مِثْلُ ﴿وكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ (آل عمرَان: ٧٣) . ضَمَّها أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى الكفل الضَّم، فَلذَلِك قَالَ: إكفلنيها مثل ﴿وكفلها زَكَرِيَّا﴾ (آل عمرَان: ٧٣) . أَي: ضم زَكَرِيَّاء مَرْيَم بنت عمرَان إِلَى نَفسه، وَعَن أبي الْعَالِيَة معنى: إكفلنيها ضمهَا إِلَيّ حَتَّى أكفلها. وَقَالَ ابْن كيسَان: إجعلها كفلي، أَي: نَصِيبي. وعَزَّنِي غلَبَنِي صارَ أعَزَّ مِنِّي أعْزَرْتُهُ جَعَلْتُهُ عَزِيزاً فِي الخِطَابِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله: (وعزني فِي الْخطاب) ، أَي: صَار أعز مني فِيهِ، وَيُقَال: عزني فِي الْخطاب أَي المحاورة، وَعَن قَتَادَة مَعْنَاهُ: ظَلَمَنِي وقهرني. يُقالُ الْمُحَاوَرَةُ أَي: الْخطاب، يُقَال: المحاورة، بِالْحَاء الْمُهْملَة. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالٍ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ (ص: ٤٢) . أَي: قَالَ دَاوُد، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : لقد ظلمك، جَوَاب قسم مَحْذُوف، وَفِي ذَلِك استنكار لفعل خليطه وتهجين لطمعه. قَوْله: ﴿بسؤال نعجتك﴾ (ص: ٤٢) . مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول. وإنَّ كَثِيرَاً مِنَ الخُلَطَاءِ أَي الشُّرَكَاءِ لَيَبْغِي إِلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ . فسر الخلطاء بالشركاء، وَهَكَذَا فسره الْمُفَسِّرُونَ وَهُوَ جمع خليط. قَوْله: (ليبغي) أَي: ليظلم. قَوْله: إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّمَا فتناه﴾ (ص: ٤٢) . قد ذكرنَا الْآن تَمام الْآيَة. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: اخْتَبَرْنَاهُ أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: معنى فتناه اختبرناه، وَهَذَا وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. وقَرَأ عُمَرُ: فَتناهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ هَذِه قِرَاءَة شَاذَّة، ونقلت هَذِه الْقِرَاءَة أَيْضا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَأبي رَجَاء العطاردي. ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ رَاكِعَاً وأنابَ﴾ (ص: ٤٢) . خر رَاكِعا، أَي: حَال كَونه رَاكِعا سَاجِدا، وَعبر عَن السُّجُود بِالرُّكُوعِ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى الإنحناء. قَوْله: (وأناب) أَي: رَجَعَ إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ، من الْإِنَابَة وَهُوَ الرُّجُوع إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ، يُقَال: أناب ينيب إنابة فَهُوَ منيب إِذا أقبل وَرجع. ١٢٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا سَهْلُ بنُ يُوسُفَ قَالَ سَمِعْتُ الْعَوَّامَ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قُلْتُ ل اِبنِ عَبَّاسٍ أنَسْجُدُ فِي ص فَقَرَأ﴾ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ﴾ حتَّى أتَي ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتدِهْ﴾ (الْأَنْعَام: ٠٩) . فَقَالَ نَبِيُّكُمْ ﷺ مَمَّنْ أُمِرَ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمن ذُريَّته دَاوُد) . وَمُحَمّد شَيْخه هُوَ ابْن سَلام، كَذَا جزم بِهِ بَعضهم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ إِمَّا مُحَمَّد ابْن سَلام، وَإِمَّا ابْن الْمثنى، وَإِمَّا ابْن بشار على مَا اخْتلفُوا فِيهِ. انْتهى. وَقيل: يُقَال إِنَّه أَبُو مُوسَى الزَّمِن وَهُوَ مُحَمَّد ابْن الْمثنى الْبَصْرِيّ، وَسَهل بن يُوسُف أَبُو عبد الله الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ، والعوام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو: ابْن حَوْشَب. والْحَدِيث

стр. 4650

أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة. قَوْله: (أنسجد؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وبنون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: أأسجد، بهمزتين الأولى للاستفهام وَالثَّانيَِة للمتكلم وَحده. قَوْله: (فَقَرَأَ) ، أَي: ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان وَأَيوب ويوسف ومُوسَى وَهَارُون وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ (الْأَنْعَام: ٤٨) . وَقَرَأَ بعده خمس آيَات أُخْرَى حَتَّى قَرَأَ بعْدهَا: ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِن هُوَ إلَاّ ذكرى للْعَالمين﴾ (الْأَنْعَام: ٠٩) . قَوْله: (فَقَالَ نَبِيكُم) أَي: فَقَالَ ابْن عَبَّاس، وَفِي بعض الرِّوَايَات: فَقَالَ ابْن عَبَّاس. قَوْله: (مِمَّن أَمر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن يُقتدى بهم) أَي: بهؤلاء الرُّسُل الْمَذْكُورين فِي هَذِه الْآيَات الْمَذْكُورَة وهم سَبْعَة عشر نَبيا. قَوْله: (وَمن ذُريَّته) أَي: وَمن ذُرِّيَّة نوح، ﵊، لِأَن قبله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب كلاًّ هدينَا ونوحاً هدينَا من قبل وَمن ذُريَّته دَاوُد﴾ (الْأَنْعَام: ٤٨) . وَإِنَّمَا قُلْنَا: الضَّمِير يرجع إِلَى نوح لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ اخْتِيَار ابْن جرير أَيْضا. وَقَالَ آخَرُونَ: إِن الضَّمِير يرجع إِلَى إِبْرَاهِيم، ﵊، لِأَنَّهُ الَّذِي سيق الْكَلَام من أَجله، لَكِن يشكل على هَذَا ذكر لوط، ﵊، فَإِنَّهُ لَيْسَ من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم، ﵊، بل هُوَ ابْن أَخِيه هاران بن آزر أللهم إلَاّ أَن يُقَال: إِنَّه دخل فِي الذُّرِّيَّة تَغْلِيبًا. وَفِي ذكر عِيسَى، ﵊، فِي ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم أَو نوح على القَوْل الآخر دلَالَة على دُخُول ولد الْبَنَات فِي ذُرِّيَّة الرجل، لِأَن عِيسَى، ﵊ إِنَّمَا ينْسب الى إِبْرَاهِيم ﵇، بِأُمِّهِ مَرْيَم، ﵍، فَإِنَّهُ لَا أَب بِهِ. ٢٢٤٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لَ يْسَ ص مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ورَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. (انْظُر الحَدِيث ٩٦٠١) . وَجه ذكر هَذَا الحَدِيث عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا يتَضَمَّن ذكر السُّجُود فِي ص، ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، والْحَدِيث مضى فِي: أَبْوَاب سُجُود التِّلَاوَة فِي: بَاب سَجْدَة ص، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَالله أعلم. ٠٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿ووهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أوَّابٌ﴾ (ص: ٠٣) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ذكر فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا ... ﴾ إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، بل الْمَذْكُور: قَول الله تَعَالَى وَوَهَبْنَا ... إِلَى آخِره. قَوْله: (نعم العَبْد) ، الْمَخْصُوص بالمدح مَحْذُوف. قَوْله: (إِنَّه أواب) تَعْلِيل لكَونه ممدوحاً لكَونه أوَّاباً أَي رجَّاعاً إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ أَو مسبحاً مؤوباً للتسبيح ومرجعاً لَهُ، لِأَن كل مؤوب أواب. الرَّاجِعُ المُنِيبُ هَذَا تَفْسِير الأواب، وَفَسرهُ بِأَنَّهُ الرَّاجِع عَن الذُّنُوب، والمنيب من الْإِنَابَة وَهِي الرُّجُوع إِلَى الله بِكُل طَاعَة. وقَوْلِهِ ﴿هَبْ لِي مُلْكَاً لَا يَنْبَغِي لأِحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: ٥٣) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: قَول الله، فِي قَوْله: بَاب قَول الله. قَوْله: (هَب لي) أَي: أَعْطِنِي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي، يَعْنِي: من دوني، وَقَالَ ابْن كيسَان: لَا يكون لأحد من بعدِي، وَقَالَ يزِيد بن وهب: هَب لي ملكا لَا أسلبه فِي بَاقِي عمري كَمَا سلبته فِي ماضي عمري، وَقَالَ مقَاتل بن حَيَّان: كَانَ سُلَيْمَان ملكا وَلكنه أَرَادَ بقوله: لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي تسخير الرِّيَاح وَالطير، وَقيل: إِنَّمَا سَأَلَ ذَلِك ليَكُون لَهُ علما على الْمَغْفِرَة وَقبُول التَّوْبَة حَيْثُ أجَاب الله دعاءه، ورد عَلَيْهِ ملكه وَزَاد فِيهِ. وقَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ علَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠١) . وَقَوله، بِالْجَرِّ أَيْضا عطف على قَوْله: هَب لي ملكا. قَوْله: (وَاتبعُوا) أَي: الْيَهُود، مَا تتلو الشَّيَاطِين أَي: مَا ترويه وَتُخْبِرهُ وتحدثه الشَّيَاطِين. قَوْله: (على ملك سُلَيْمَان) وعداه: بعلى، لِأَنَّهُ ضمن معنى: تتلوا تكذب، وَقَالَ ابْن جرير: على، هُنَا بِمَعْنى: فِي، أَي: فِي ملك سُلَيْمَان، وَنَقله عَن ابْن جريج وَابْن إِسْحَاق. قلت: التَّضْمِين أولى وَأحسن، وَقَالَ السّديّ مَا ملخصه: إِن الشَّيَاطِين

стр. 4651

كَانُوا يصعدون إِلَى السَّمَاء فيسمعون من الْمَلَائِكَة مَا يكون فِي الأَرْض فَيَأْتُونَ الكهنة فيخبرون بِهِ فتحدثه الكهنة للنَّاس فيجدونه كَمَا قَالُوا، وادخلت الكهنة فِيهِ غَيره فزادوا مَعَ كل كلمة سبعين، كلمة، فاكتتب النَّاس ذَلِك، وفشى فِي بني إِسْرَائِيل أَن الْجِنّ تعلم الْغَيْب، فَبعث سُلَيْمَان فِي النَّاس فَجمع تِلْكَ الْكتب وَجعلهَا فِي صندوق ثمَّ دَفنهَا تَحت كرسيه، وَلم يكن أحد من الشَّيَاطِين يَسْتَطِيع أَن يدنو من الْكُرْسِيّ إلَاّ احْتَرَقَ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان تمثل شَيْطَان فِي صُورَة آدَمِيّ وأتى نَفرا من بني إِسْرَائِيل فدلهم على تِلْكَ الْكتب فأخرجوها. فَقَالَ لَهُم الشَّيْطَان: إِن سُلَيْمَان كَانَ يضْبط الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطير بِهَذَا السحر، ثمَّ طَار وَذهب وفشى فِي النَّاس أَن سُلَيْمَان كَانَ ساحراً فاتخذت بَنو إِسْرَائِيل تِلْكَ الْكتب، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي ﷺ خاصموه بهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وَاتبعُوا مَا تتلو الشَّيَاطِين على ملك سُلَيْمَان وَمَا كفر سُلَيْمَان﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠١) . الْآيَة. ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ورَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ (سبأ: ٢١) . أَي: وسخرنا لِسُلَيْمَان الرّيح، وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿فسخرنا لَهُ الرّيح تجْرِي بأَمْره رخاء﴾ (ص: ٦٣) . أَي لينَة حَيْثُ أصَاب أَي: حَيْثُ أَرَادَ. قَوْله: (غدوها) أَي: غدو الرّيح، شهر: يَعْنِي: مسير الرّيح شهر فِي غدوته وَشهر فِي روحته، وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ سُلَيْمَان يَغْدُو من دمشق فيقيل باصطخر، وَيروح من اصطخر فيقيل بكابل، وَكَانَ بَين إصطخر وكابل مسيرَة شهر، وَمَا بن دمشق واصطخر مسيرَة شهر. ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْر﴾ (سبإ: ٢١) . أذَبْنا لَهُ عَيْنَ الحَدِيدِ أسلنا من الإسالة، وَفَسرهُ بقوله: أذبنا لَهُ من الإذابة، وَفسّر عين الْقطر بالحديد، وَقَالَ قَتَادَة: عين من نُحَاس كَانَت بِالْيمن، وَقَالَ الْأَعْمَش: سيلت لَهُ كَمَا يسال المَاء، وَقيل: لم يذب للنَّاس لأحد قبله. ﴿ومِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ (سبإ: ٢١) . أَي: وسخرنا لَهُ ﴿من الْجِنّ من يعْمل بَين يَدَيْهِ بِإِذن ربه وَمن يزغ مِنْهُم عَن أمرنَا نذقه من عَذَاب السعير يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا وَقَلِيل من عبَادي الشكُور﴾ (سبإ: ٢١) . قَوْله: (وَمن يزغ) أَي: وَمن يمل من الْجِنّ عَن أمرنَا نذقه من عَذَاب السعير فِي الْآخِرَة، وَقيل: فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى وكل بهم ملكا بِيَدِهِ سَوط من نَار فَمن زاغ عَن أمره ضربه ضَرْبَة أحرقته. قَالَ مُجَاهِدٌ: بُنْيَانٌ مَا دُونَ القُصُورِ فسر مُجَاهِد المحاريب بقوله: بُنيان مَا دون الْقُصُور، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المحاريب جمع محراب وَهُوَ مقدم كل بَيت، وَهُوَ أَيْضا الْمَسْجِد والمصلى. وتَماثِيلَ جمع: تِمْثَال، وَهِي الصُّور، وَكَانَ عمل الصُّور فِي الجدران وَغَيرهَا سائغاً فِي شريعتهم. ﴿وجِفَان كالْجَوابِ﴾ (سبإ: ٢١) . كالحِياضِ لِلإبِلِ، وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كالْجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ الجفان جمع جَفْنَة، وَهِي الْقَصعَة الْكَبِيرَة شبهت بالجوابي وشبهت الجوابي بالحياض الَّتِي يجبى فِيهَا المَاء أَي: يجمع، وَاحِدهَا: جابية، قَالَ الْأَعْشَى: (تروح على آل المحلق جَفْنَة كجابية الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ تفهق) وَيُقَال: كَانَ يقْعد على جَفْنَة وَاحِدَة من جفان سُلَيْمَان ألف رجل يَأْكُلُون بَين يَدَيْهِ. قَوْله: (وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كالجوبة) أَي: الجفان كالجوبة، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي مَوضِع ينْكَشف فِي الْحرَّة وَيَنْقَطِع عَنْهَا. ﴿وقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ إِلَى قوْلِهِ ﴿الشَّكُورُ﴾ (سبإ: ٢١) . راسيات: أَي: ثابتات لَا يحولن وَلَا يحركن من أماكنهن لعظمهن، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَكَانَت بِالْيمن، وَمِنْه قيل للجبال: رواسي.

стр. 4652

قَوْله: (إِلَى قَوْله: الشكُور) ، بِعني، إقرأ إِلَى قَوْله: الشكُور، وَهُوَ قَوْله: ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا وَقَلِيل من عبَادي الشكُور﴾ (سبإ: ٣١) . قَالَ النَّسَفِيّ: أَي: وَقُلْنَا: إعملوا شكرا، يَعْنِي: إعملوا بِطَاعَة الله يَا آل دَاوُد شكرا على نعمه، وشكراً فِي مَحل الْمصدر على تَقْدِير: اشكروا شكرا، لِأَن إعملوا فِيهِ معنى: اشكروا من حَيْثُ أَن معنى الْعَمَل فِيهِ للمنعم شكر لَهُ، وَقيل: انتصب: شكرا، على أَنه مفعول لَهُ، أَي: اعْمَلُوا لله واعبدوه، على وَجه الشُّكْر لنعمائه، وَقيل: انتصب على الْحَال، أَي: شاكرين، وَقيل: يجوز أَن ينْتَصب: باعملوا، مَفْعُولا بِهِ، مَعْنَاهُ: أَنا سخرنا لكم الْجِنّ يعْملُونَ لكم مَا شِئْتُم فاعملوا أَنْتُم شكرا، على طَرِيق المشاكلة. قَوْله: (الشكُور) ، المتوفر على أَدَاء الشُّكْر الْبَاذِل وَسعه فِيهِ، قد شغل بِهِ قلبه وَلسَانه وجوارحه اعتقاداً واعترافاً. وَعَن ابْن عَبَّاس: الشكُور من يشْكر على أَحْوَاله كلهَا، وَقَالَ السّديّ: هُوَ من يشْكر على الشُّكْر، وَقيل: من يرى عَجزه عَن الشُّكْر. ﴿فلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ مَا دلَّهُمْ علَى مَوْتِهِ إلَاّ دَابَّةُ الأرْضِ. الأرَضَةُ تأكُلُ مِنْسَأتَهُ عَصاهُ فلَمَّا خَرَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿المُهِينِ﴾ (سبأ: ٣١ ٤١) . أَي: فَلَمَّا حكمنَا على سُلَيْمَان بِالْمَوْتِ مَا دلّ الْجِنّ على مَوته إلَاّ دَابَّة الأَرْض وَهِي الأَرْض، وَهِي دويبة تَأْكُل الْخشب. قَوْله: (منسأته) أَي: عَصَاهُ. قَوْله: (فَلَمَّا خر) ، أَي: سقط سُلَيْمَان مَيتا. قَوْله: (إِلَى قَوْله: المهين) ، يَعْنِي: اقْرَأ إِلَى قَوْله: المهين، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿تبينت الْجِنّ أَن لَو كَانُوا يعلمُونَ الْغَيْب مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَاب المهين﴾ (سبإ: ٣١ ٤١) . قَوْله: (تبينت الْجِنّ) جَوَاب: لما، أَي: لما علمت الْجِنّ أَن لَو كَانُوا يعلمُونَ الْغَيْب وَكَانُوا يدعونَ أَنهم يعلمُونَ الْغَيْب. قَوْله: (فِي الْعَذَاب المهين) ، أَي: فِي الْعَذَاب الَّذِي يهين المعذب، يَعْنِي: مَا عمِلُوا مسخرين وَهُوَ ميت وهم يَظُنُّونَهُ حَيا. حُبُّ الخَيْرِ عنْ ذِكْرِ رَبِّي مِنْ ذِكْرِ رَبِّي أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ (ص: ٢٣) . قَوْله: (حب الْخَيْر) ، قَالَ الْفراء: الْخَيل وَالْخَيْر بِمَعْنى فِي كَلَام الْعَرَب، وَالنَّبِيّ ﷺ سمى زيد الْخَيل: زيد الْخَيْر، وَالْخَيْر: المَال أَيْضا. قَوْله: (عَن ذكر رَبِّي) ، قَالَ قَتَادَة: عَن صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (حَتَّى تَوَارَتْ) ، يَعْنِي: الشَّمْس، أَي: غَابَتْ بالحجاب وَهُوَ جبل دون الْقَاف بمسيرة سنة تغرب الشَّمْس من وَرَائه، قيل: مَعْنَاهُ حَتَّى استترت الشَّمْس بِمَا يحجبها عَن الْأَبْصَار، والإضمار قبل الذّكر يجوز إِذا جرى ذكر الشَّيْء أَو دَلِيل الذّكر، وَقد جرى هُنَا، وَهُوَ قَوْله: بالْعَشي، وَهُوَ مَا بعد الزَّوَال. فَطَفِقَ مَسْحَاً بالسُّوقِ والأعناق يَمْسَحُ أعْرَافَ الخَيْلِ وعَرَاقِيبَهَا أول الْآيَة: ﴿ردوهَا عَليّ﴾ (ص: ١٣) . وَهِي الْمَذْكُورَة قبله بقوله: ﴿إِذْ عرض عَلَيْهِ بالْعَشي الصافنات الْجِيَاد﴾ (ص: ١٣) . وَكَانَ سُلَيْمَان، ﵊، صلى الصَّلَاة الأولى ثمَّ قعد على الْكُرْسِيّ وَهِي تعرض عَلَيْهِ، فعرضت عَلَيْهِ مِنْهَا تِسْعمائَة وَكَانَت ألفا، وَكَانَ سُلَيْمَان غزا دمشق ونصيبين فَأصَاب مِنْهَا ألف فرس، وَقَالَ مقَاتل: ورث سُلَيْمَان عَن أَبِيه دَاوُد ألف فرس، وَكَانَ أَبوهُ أَصَابَهَا من العمالقة، وَقَالَ الْحسن: بَلغنِي أَنَّهَا كَانَت خيلاً خرجت من الْبَحْر لَهَا أَجْنِحَة، وَقبل أَن يكمل الْعرض غربت الشَّمْس ففاتته صَلَاة الْعَصْر وَلم يعلم بذلك فَاغْتَمَّ لذَلِك، فَقَالَ: ﴿ردوهَا عَليّ فَطَفِقَ مسحاً﴾ (ص: ١٣) . أَي: فَأقبل يمسح بسوقها وأعناقها بِالسَّيْفِ وينحرها تقرباً إِلَى الله تَعَالَى وطلباً لرضاه حَيْثُ اشْتغل بهَا عَن طَاعَته. قَوْله: (يمسح أعراف الْخَيل وعراقيبها) ، والعراقيب جمع عرقوب، وَهُوَ العصب الغليظ عِنْد عقب الْإِنْسَان. والأصْفَادِ الوَثاقُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرين مُقرنين فِي الأصفاد﴾ (ص: ٨٣) . وَفسّر الأصفاد بِالْوَثَاقِ، وروى ابْن جرير من طَرِيق السّديّ، قَالَ: مُقرنين فِي الأصفاد: أَن تجمع اليدان إِلَى الْعُنُق بالأغلال، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الأصفاد والأغلال وَاحِدهَا صفد، وَيُقَال للعطاء أَيْضا: صفد. قَوْله: ﴿وَآخَرين﴾ (ص: ٨٣) . عطف على قَوْله: ﴿الشَّيَاطِين﴾ (ص: ٨٣) . أَي: سخرنا لَهُ الشَّيَاطِين وسخرنا لَهُ آخَرين، يَعْنِي: مَرَدَة الشَّيَاطِين مُقرنين فِي الأصفاد، يُقَال: صفده أَي: شده وأوثقه.

стр. 4653

قَالَ مُجَاهِدٌ الصَّافِنَاتُ صَفَنَ الفَرَس رَفَعَ إحْدى رِجْلَيْهِ حتَّى تَكُونَ علَى طَرَفِ الحَافِرِ، الجِيَادُ السِّرَاع أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ عرض عَلَيْهِ بالْعَشي الصافنات الْجِيَاد﴾ (ص: ١٣) . أَن الصافنات من صفن الْفرس إِلَى آخِره يَعْنِي: مُشْتَقّ مِنْهُ وَهُوَ جمع صافنة، وَقَالَ النَّسَفِيّ: الصَّافِن من الْخَيل الْقَائِم على ثَلَاث قَوَائِم، وَقد أَقَامَ الرَّابِعَة على طرف الْحَافِر، والصفون لَا يكَاد يكون فِي الهجن وَإِنَّمَا هُوَ فِي العراب الخلص، وَوصل الْفرْيَابِيّ إِلَى مُجَاهِد مَا قَالَه، لَكِن فِي رِوَايَته: يَدَيْهِ، وَالْمَوْجُود فِي أصل البُخَارِيّ: رجلَيْهِ، وَصوب القَاضِي عِيَاض مَا عِنْد الْفرْيَابِيّ. قَوْله: (الْجِيَاد السراع) بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة، وَفِي التَّفْسِير: الْجِيَاد المسرعة فِي الجري جمع جواد، وَقيل: جمع جيد، جمع لَهَا بَين وصفين محمودين. جَسَداً شَيْطانَاً أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ (ص: ٤٣) . وَفسّر جسداً بقوله: شَيْطَانا، وَقَالَ الْفرْيَابِيّ: حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ (ص: ٤٣) . قَالَ: شَيْطَانا يُقَال لَهُ آصف، قَالَ لَهُ سُلَيْمَان، ﵊، كَيفَ تفتن النَّاس؟ قَالَ: أَرِنِي خاتمك أخْبرك، فَأعْطَاهُ فنبذه آصف فِي الْبَحْر فساخ، فَذهب سُلَيْمَان وَقعد أصف على كرسيه وَمنع الله نسَاء سُلَيْمَان فَلم يقربهن، فأنكرته أم سُلَيْمَان، وَكَانَ سُلَيْمَان ﵊، يستطعم ويعرفهم بِنَفسِهِ فيكذبونه حَتَّى أَعطَتْهُ امْرَأَة حوتاً فطب بَطْنه فَوجدَ خَاتمه فِي بَطْنه، فَرد الله إِلَيْهِ ملكه، وفر آصف فَدخل الْبَحْر. وَرَوَاهُ ابْن جرير من وَجه آخر عَن مُجَاهِد: أَن اسْمه آصر، آخِره رَاء، وَمن طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن اسْم الْجِنّ: صَخْر، وَمن طَرِيق السّديّ كَذَلِك. انْتهى. قلت: فِي هَذَا نظر من وُجُوه: الأول: أَنه يبعد من سُلَيْمَان أَن يناول خَاتمه لغيره ليراه مَعَ علمه أَن ملكه قَائِم بِهِ. وَالثَّانِي: لَا يَلِيق أَن يقْعد شَيْطَان على كرْسِي نَبِي مُرْسل الَّذِي أعطي مَا لَا يعْطى غَيره من الْملك الْعَظِيم. وَالثَّالِث: أَن آصف، بِالْفَاءِ فِي آخِره: هُوَ معلم سُلَيْمَان وكاتبه فِي أَيَّام ملكه، وَالَّذِي أَظن أَن الصَّحِيح أَن سُلَيْمَان لما افْتتن بِسَبَب ابْنة ملك صيدون وَاصْطفى ابْنة ملكهَا لنَفسِهِ وأحبها صورت فِي بَيتهَا صُورَة أَبِيهَا، وَكَانَ سُلَيْمَان، ﵊، إِذا خرج من بَيتهَا كَانَت هِيَ وجواريها يعْبدُونَ هَذِه الصُّورَة حَتَّى أَتَى على ذَلِك أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَبلغ ذَلِك آصف بن برخياء فعتب على سُلَيْمَان، ﵊، بِسَبَب ذَلِك، فَعِنْدَ ذَلِك سقط الْخَاتم من يَده، وَكَانَ كلما أَعَادَهُ كَانَ يسْقط، فَقَالَ لَهُ آصف: إِنَّك مفتون، ففر إِلَى الله تَائِبًا من ذَلِك وَأَنا أقوم مقامك وأسير فِي عِيَالك وَأهل بَيْتك بسيرك إِلَى أَن يَتُوب الله عَلَيْك ويردك إِلَى ملكك، ففر سُلَيْمَان هَارِبا إِلَى الله تَعَالَى، وَأخذ آصف الْخَاتم فَوَضعه فِي يَده فَثَبت وَغَابَ مُدَّة أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ أَن الله تَعَالَى لما قبل تَوْبَته رَجَعَ إِلَى منزله فَرد الله إِلَيْهِ ملكه وَأعَاد الْخَاتم فِي يَده. وَقيل: المُرَاد من الْجَسَد ابْنه، وَذَلِكَ أَنه لما ولد لَهُ قَالَت الشَّيَاطِين: نَقْتُلهُ وإلَاّ لَا نَعِيش مَعَه بعده، وَلما علم سُلَيْمَان ذَلِك أَمر السَّحَاب حَتَّى حملت ابْنه وعدى فِي السَّحَاب خوفًا من مضرَّة الشَّيَاطِين، فَعَاتَبَهُ الله لذَلِك، وَمَات الْوَلَد فَألْقى مَيتا على كرسيه فَهُوَ الْجَسَد الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ (ص: ٤٣) . وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَب والأليق من غَيره، وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَه الْخَلِيل: لَا يُقَال الْجَسَد لغير الْإِنْسَان من خلق الأَرْض، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ الْخَاتم من ياقوتة خضراء أَتَاهُ بهَا جِبْرِيل، ﵊، من الْجنَّة مَكْتُوب عَلَيْهَا: لَا إلاه إلَاّ الله مُحَمَّد رَسُول الله، وَهُوَ الْخَاتم الَّذِي ألبسهُ الله آدم فِي الْجنَّة. رُخَاءً طَيِّبةً حَيْثُ أصابَ حَيْثُ شَاءَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فسخرنا لَهُ الرّيح تجْرِي بأَمْره رخاء﴾ (ص: ٦٣) . وَفسّر رخاء بقوله: طيبَة، ويروى طيبا، بالتذكير، وَفسّر قَوْله: حَيْثُ أصَاب، بقوله: حَيْثُ شَاءَ، بلغَة حِمْيَر. فامْنُنْ أعْطِ بِغَيْرِ حِسابٍ بِغَيْرِ حَرَجٍ أول الْآيَة: ﴿هَذَا عطاؤنا فَامْنُنْ أَو أمسك بِغَيْر حِسَاب﴾ (ص: ٩٣) . وَفسّر قَوْله: فَامْنُنْ، بقوله: أعْط، وَالْعرب تَقول: منَّ عَليّ برغيف، أَي: أعطانيه، وَفسّر قَوْله: بِغَيْر حِسَاب، بقوله: بِغَيْر حرج، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ. ﵀: إِن الله لم يُعْط أحد أعطية إلَاّ جعل فِيهَا حسابا إلَاّ سُلَيْمَان، فَإِن الله أعطَاهُ عَطاء هَنِيئًا، فَقَالَ: هَذَا عطاؤنا فَامْنُنْ أَو أمسك بِغَيْر حِسَاب، قَالَ: إِن أعطي أجر، وَإِن لم يُعْط

стр. 4654

لم يكن عَلَيْهِ تبعة. وَقَالَ مقَاتل: هُوَ فِي أَمر الشَّيَاطِين، أَي: حل من شِئْت مِنْهُم وأوثق من شِئْت فِي وثاقك وَلَا تبعة عَلَيْك فِيمَا تتعاطاه. ٣٢٤٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطع علَيَّ صَلَاتِي فأمْكَنَنِي الله مِنْهُ فأخَذْتُهُ فأرَدْتُ أنْ أرْبُطَهُ علَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكَاً لَا يَنْبَغِي لأِحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرَدَدْتُهُ خاسِئاً. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْأَسير يرْبط فِي الْمَسْجِد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (تفلَّت) ، بتَشْديد اللَّام، أَي: تعرض لي فلتة، أَي: بَغْتَة، وَفِي قَوْله: (فَذكرت دَعْوَة أخي سُلَيْمَان) إِلَى آخِره، دلَالَة على أَنه ﷺ كَانَ يقدر على ذَلِك، إلَاّ أَنه تَركه رِعَايَة لِسُلَيْمَان، ﵊. عِفْرِيتٌ مُتَمَرِّدٌ مِنْ إنْسٍ أوْ جانٍّ مِثْلُ زِبْنِيَةٍ جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَّةُ فسر: عفريتاً، بقوله: متمرد، سَوَاء كَانَ من إنس أَو من جَان، واشتقاقه من: العفر، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: العفر والعفرية والعفارية والعفريت: الْقوي المتشيطن الَّذِي يعفر قرنه، وَالْيَاء فِي عفرية وعفارية للإلحاق بشرذمة وعذافرة، وَالْهَاء فيهمَا للْمُبَالَغَة، وَالتَّاء فِي: عفريت، للإلحاق بقنديل، وَفِي الحَدِيث: أَن الله تَعَالَى يبغض العفرية التفرية، قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ الداهي الْخَبيث الشرير، وَمِنْه العفريت. قَوْله: (مثل زبنية) ، بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر النُّون وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره هَاء، وَيجمع على: زَبَانِيَة. وَفِي قَوْله: (عفريت) مثل زبنية، نظر، لِأَن مثل الزبنية العفرية لَا العفريت، وَقَالَ بَعضهم: مُرَاد المُصَنّف بقوله: مثل زبنية، إِنَّه قيل فِي عفريت: عفرية، وَهِي قِرَاءَة جَاءَت شَاذَّة عَن أبي بكر الصّديق وَأبي رَجَاء العطاردي، وَأبي السمال، بِالسِّين الْمُهْملَة وباللام. انْتهى. قلت: قد تقدم من قَول الزَّمَخْشَرِيّ أَن عفرية لُغَة مُسْتَقلَّة وَلَيْسَت هِيَ وعفرية لُغَة وَاحِدَة، والزبانية فِي الأَصْل إسم أَصْحَاب الشرطة واشتقاقها من الزَّبْن وَهُوَ الدّفع، وَأطلق ذَلِك على مَلَائِكَة النَّار لأَنهم يدْفَعُونَ الْكفَّار إِلَى النَّار، وَيُقَال وَاحِد الزَّبَانِيَة زبني، وَيُقَال: زابن، وَقيل: زباني، وَالْكل لَا يَخْلُو عَن نظر. ٤٢٤٣ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حدَّثنا مُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ ﵉ لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ علَى سَبْعِينَ امْرَأةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأةٍ فارِسَاً يُجاهِدُ فِي سَبِيلِ الله فَقَالَ لَهُ صاحِبُهُ إنْ شَاءَ الله فلَمْ يَقُلْ ولَمْ تَحْمِلْ شَيْئاً إلَاّ واحِدَاً ساقِطَاً إحْدَى شِقَّيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ قالَهَا لَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله. قَالَ شُعَيْبٌ وابنُ أبِي الزِّنادِ تَسْعِينَ وهْوَ أصَحُّ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وخَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم البَجلِيّ الْكُوفِي وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد الرَّحْمَن ابْن عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. قَوْله: (لأطوفن) ، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: لأطيفن، وهما لُغَتَانِ: طَاف بالشَّيْء وأطاف بِهِ، إِذا دَار خَلفه وتكرر عَلَيْهِ، وَالطّواف هُنَا كِنَايَة عَن الْجِمَاع، وَاللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف تَقْدِيره: وَالله لأطوفن. قَوْله: (اللَّيْلَة) ، نصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (على سبعين امْرَأَة) ، وَمضى الحَدِيث فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب من طلب الْوَلَد، وَفِيه لأطوفن اللَّيْلَة على مائَة امْرَأَة أَو تسع وَتِسْعين، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور، فَقَالَ: تسعين، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان، فَقَالَ: سبعين، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد من رِوَايَة أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة: كَانَ لِسُلَيْمَان سِتُّونَ امْرَأَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَأبي عوَانَة من طَرِيق هِشَام عَن ابْن سِيرِين، فَقَالَ: مائَة امْرَأَة، وَكَذَا

стр. 4655

عِنْد ابْن مرْدَوَيْه من رِوَايَة عمرَان بن خَالِد عَن ابْن سِيرِين، وَقد مر وَجه الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات فِي كتاب الْجِهَاد، وَقيل: إِن السِّتين كن حرائر وَمَا زَاد عَلَيْهِنَّ كن سراري، أَو بِالْعَكْسِ، وَعَن وهب: كَانَ لِسُلَيْمَان ألف امْرَأَة ثَلَاثمِائَة مهيرة وَسَبْعمائة سَرِيَّة، وروى الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من طَرِيق أبي معشر عَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: بلغنَا أَنه كَانَ لِسُلَيْمَان ﷺ ألف بَيت من قَوَارِير على الْخشب، مِنْهَا ثَلَاثمِائَة صَرِيحَة وَسَبْعمائة سَرِيَّة. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ صَاحبه: قل: إِن شَاءَ الله تَعَالَى) ، وَفِي رِوَايَة معمر عَن طَاوُوس، على مَا سَيَأْتِي، فَقَالَ لَهُ الْملك، وَفِي رِوَايَة هِشَام بن حُجَيْر: فَقَالَ لَهُ صَاحبه. قَالَ سُفْيَان: يَعْنِي الْملك هَذَا يدل على أَن تَفْسِير صَاحبه بِالْملكِ لَيْسَ بمرفوع، وَوَقع فِي (مُسْند الْحميدِي) : عَن سُفْيَان: فَقَالَ لَهُ صَاحبه أَو الْملك، بِالشَّكِّ، وَمثلهَا فِي مُسلم، وَبِهَذَا كُله يرد قَول من يَقُول بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب، وَهُوَ: آصف بن برخيا، وَأبْعد من هَذَا من قَالَ: المُرَاد بِالْملكِ خاطره، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قيل: المُرَاد بِصَاحِبِهِ الْملك وَهُوَ الظَّاهِر من لَفظه، وَقيل: القرين، وَقيل: صَاحب لَهُ آدَمِيّ. قَوْله: (إلَاّ وَاحِدًا سَاقِطا شقَّه) ، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: فَلم تحمل مِنْهُنَّ إلَاّ امْرَأَة وَاحِدَة جَاءَت بشق رجل، وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين: شقّ غُلَام، وَفِي رِوَايَة هِشَام عَنهُ. نصف إِنْسَان، وَفِي رِوَايَة معمر: حكى النقاش فِي (تَفْسِيره) : أَن الشق الْمَذْكُور هُوَ الْجَسَد الَّذِي ألقِي على كرسيه. قَوْله: (لَو قَالَهَا) ، أَي: لَو قَالَ سُلَيْمَان: إِن شَاءَ الله، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل الله، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله، وَزَاد فِي آخِره: فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ، وَفِي رِوَايَة ابْن سِيرِين: لَو اسْتثْنى لحملت كل امْرَأَة مِنْهُنَّ فَولدت فَارِسًا يُقَاتل فِي سَبِيل الله، وَفِي رِوَايَة طَاوُوس: لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله، لم يَحْنَث وَكَانَ دركاً لِحَاجَتِهِ، أَي: كَانَ يحصل لَهُ مَا طلب، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيق معمر: وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ. قَوْله: (قَالَ شُعَيْب) ، هُوَ شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَابْن أبي الزِّنَاد هُوَ عبد الله بن ذكْوَان، وهما قَالَا فِي روايتهما: تسعين، على مَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور. قَوْله: (وَهُوَ الْأَصَح) ، أَي: مَا روياه من تسعين هُوَ الْأَصَح. ٥٢٤٣ - حدَّثني عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبي حدَّثَنا الأعْمَشُ حدثناإبْرَاهِيمُ التِيمِيُّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قُلْتُ يَا رسُولَ الله أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلُ قَالَ المَسْجِدُ الحَرَامُ قُلْتُ ثُمَّ أيُّ قَالَ ثُمَّ المَسْجِدُ الأقْصَى قُلْتُ كَمْ كانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أرْبَعُونَ ثُمَّ قَالَ حَيْثُما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ والأرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ. (انْظُر الحَدِيث ٦٦٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة تستأنس من قَوْله: (ثمَّ الْمَسْجِد الْأَقْصَى) ، لِأَن سُلَيْمَان ﷺ هُوَ الَّذِي بناه، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد بن شريك عَن أبي ذَر الْغِفَارِيّ. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ (النِّسَاء: ٥٢١) . فَإِنَّهُ رُوِيَ هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ ... إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قَالَ: أَرْبَعُونَ) أَي: أَرْبَعُونَ سنة، وَقد صرح بِهِ هُنَاكَ، وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد. ٦٢٤٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخْبرَنَا شُعَيْبٌ حدَّثنا أَبُو الزِّنادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقُولُ مَثَلِي ومثَلُ النَّاسِ كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارَاً فجعَلَ الفَرَاشُ وهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ. وقَالَ كَانَتِ امْرَأتَانِ مَعَهُما ابناهُمَا جاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابنِ إحْدَيْهِمَا فقالَتْ صاحِبَتُهَا إنَّما ذَهَبَ بابْنِكِ وقالَتِ الأخْرَى إنَّمَا ذَهَبَ بابْنِكِ فتَحَاكَما إِلَى داوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فخَرَجَتَا علَى سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ فأخْبَرَتاهُ فَقال ائْتُونِي بالسِّكِّينِ أشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فقَالَتِ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ الله هوَ ابنُهَا فَقَضَى بِهِ للْصُّغْرَى. قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ وَالله إنْ سَمِعْتُ بالسِّكِّينِ إلَاّ يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إلَاّ المُدْيَةُ. (الحَدِيث ٧٢٤٣ طرفه فِي: ٩٦٧٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَقَالَ كَانَت امْرَأَتَانِ) إِلَى آخِره، فَإِن فِيهِ ذكر سُلَيْمَان، وَأما تَعْلِيق الحَدِيث الأول بِحَدِيث التَّرْجَمَة

стр. 4656

فَهُوَ أَن الرَّاوِي ذكره مَعَه كَمَا سَمعه مَعَه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُتَابعَة الْأَنْبِيَاء مُوجبَة للخلاص، كَمَا أَن فِي هَذَا التحاكم خلاص الْكُبْرَى من تلبسها بِالْبَاطِلِ ووباله فِي الْآخِرَة، وخلاص الصُّغْرَى من ألم فِرَاق وَلَدهَا، وخلاص الابْن من الْقَتْل، وَتَمام الحَدِيث الأول هُوَ قَوْله: فَجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فِيهَا فَذَلِك مثلي ومثلكم أَنا آخذ بِحُجزِكُمْ عَن النَّار فتغلبوني وتقتحمون فِيهَا. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن هُرْمُز الْأَعْرَج. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن أبي الْيَمَان أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء عَن عمرَان بن بكار وَعَن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مثلي وَمثل النَّاس) ، بِفَتْح الْمِيم أَي: صِفَتي وحالي وشأني فِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَام المنقذ لَهُم من النَّار، وَمثل مَا تزين لَهُم أنفسهم من التَّمَادِي على الْبَاطِل كَمثل رجل. . إِلَى آخِره، وَهَذَا من تَمْثِيل الْجُمْلَة بِالْجُمْلَةِ، وَالْمرَاد من ضرب الْمثل الزِّيَادَة فِي الْكَشْف والتنبيه للْبَيَان. قَوْله: (استوقد نَارا) أَي: أوقد نَارا، يُؤَيّدهُ مَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم وَأحمد من حَدِيث جَابر: مثلي ومثلكم كَمثل رجل أوقد نَارا، وَقَالَ بَعضهم: زِيَادَة السِّين وَالتَّاء للْإِشَارَة إِلَى أَنه عالج إيقادها وسعى فِي تَحْصِيل آلاتها. قلت: معنى الاستفعال الطّلب، وَلَكِن قد يكون صَرِيحًا نَحْو: استكتبته، أَي: طلبت مِنْهُ الْكِتَابَة، وَقد يكون تَقْديرا نَحْو استخرجت الوتد من الْحَائِط، وَلَيْسَ فِيهِ طلب صَرِيح، واستوقد هَهُنَا من هَذَا الْقَبِيل، وَالنَّار جَوْهَر لطيف مضيء محرق حَار والنور ضوؤها. قَوْله: (الْفراش) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، قَالَ الْخَلِيل: يطير كالبعوض، وَقيل: هُوَ كصغار البق، وَقَالَ الْفراء: هُوَ غوغاء الْجَرَاد الَّذِي يتفرش ويتراكم ويتهافت فِي النَّار. قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ) ، عطف على الْفراش، وَهُوَ جمع دَابَّة، وَأَرَادَ بهَا هُنَا مثل البرغش والبعوض والجندب وَنَحْوهَا. قَوْله: (تقع فِي النَّار) خبر: جعل، لِأَن جعل، من أَفعَال المقاربة يعْمل عمل: كَانَ، فِي اقتضائه الِاسْم وَالْخَبَر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه ﷺ شبه الْمُخَالفين لَهُ بالفراش وتساقطهم فِي نَار الْآخِرَة بتساقط الْفراش فِي نَار الدُّنْيَا مَعَ حرصهم على الْوُقُوع فِي ذَلِك وَمنعه إيَّاهُم، وَالْجَامِع بَينهمَا اتِّبَاع الْهوى وَضعف التَّمْيِيز وحرص كل من الطَّائِفَتَيْنِ على هَلَاك نَفسه، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هَذَا مثل كثير الْمعَانِي، وَالْمَقْصُود: أَن الْخلق لَا يأْتونَ مَا يجرهم إِلَى النَّار على قصد الهلكة، وَإِنَّمَا يأتونه على قصد الْمَنْفَعَة وَاتِّبَاع الشَّهْوَة، كَمَا أَن الْفراش يقتحم النَّار لَا ليهلك فِيهَا بل لما يَصْحَبهُ من الضياء، وَقد قيل: إِنَّهَا لَا تبصر بِحَال وَهُوَ بعيد جدا. قَوْله: (وَقَالَ كَانَت امْرَأَتَانِ) ، لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِرَفْعِهِ وَهُوَ مَرْفُوع فِي نُسْخَة شُعَيْب عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَغَيره، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عَليّ بن عَيَّاش عَن شُعَيْب: حَدثنِي أَبُو الزِّنَاد مِمَّا حَدثهُ عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج مِمَّا ذكر أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يحدث عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: بَينا امْرَأَتَانِ. قَوْله: (فتحاكما) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فتحاكمتا، وَفِي نُسْخَة شُعَيْب: فاختصما. قَوْله: (فَقضى بِهِ للكبرى) ، أَي: للْمَرْأَة الْكُبْرَى، قيل: إِن ذَلِك كَانَ على سَبِيل الْفتيا مِنْهُمَا لَا الحكم، فَلذَلِك سَاغَ لِسُلَيْمَان أَن ينْقضه، ورده الْقُرْطُبِيّ بِأَن فتيا النَّبِي ﷺ كحكمه وهما سَوَاء فِي التَّنْفِيذ. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، فَكيف جَازَ لِسُلَيْمَان نقض حكم دَاوُد؟ قلت: إِن كَانَ حكمهمَا بِالْوَحْي فَحكم سُلَيْمَان نَاسخ لحكم دَاوُد، وَإِن كَانَ بِالِاجْتِهَادِ فاجتهاده كَانَ أقوى لِأَنَّهُ بالحيلة اللطيفة أظهر مَا فِي نفس الْأَمر، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّمَا كَانَ بَينهمَا على سَبِيل الْمُشَاورَة، فوضح لداود صِحَة رَأْي سُلَيْمَان فأمضاه، وَقيل: إِن من شرع دَاوُد، ﵊، الحكم للكبرى من حَيْثُ هِيَ كبرى. ورد بِأَن هَذَا غلط، لِأَن الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وصف طردي مَحْض لَا يُوجب شَيْء من ذَلِك تَرْجِيحا لأحد المتداعيين حَتَّى يحكم لَهُ أَو عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الطول وَالْقصر والسواد وَالْبَيَاض، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن سُلَيْمَان فعل ذَلِك تحيلاً على إِظْهَار الْحق فَلَمَّا أقرَّت بِهِ الصُّغْرَى عمل بإقرارها وَإِن كَانَ الحكم قد نفذ، كَمَا لَو اعْترف الْمَحْكُوم لَهُ بعد الحكم أَن الْحق لخصمه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَإِنَّمَا حكما بِالِاجْتِهَادِ إِذْ لَو كَانَ بِنَصّ لما سَاغَ خِلَافه، وَهُوَ دَال على أَن الفطنة والفهم موهبة من الله تَعَالَى وَلَا الْتِفَات لقَوْل من يَقُول: إِن الإجتهاد إِنَّمَا يسوغ عِنْد فقد النَّص، والأنبياء، ﵊، لَا يفقدون النَّص، فَإِنَّهُم متمكنون من استطلاع الْوَحْي وانتظاره، وَالْفرق بَينهم وَبَين غَيرهم قيام الْعِصْمَة بهم عَن الْخَطَأ وَعَن التَّقْصِير فِي الِاجْتِهَاد، بِخِلَاف غَيرهم. قَوْله: (لَا تفعل يَرْحَمك الله) ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي من طَرِيق وَرْقَاء عَن أبي الزِّنَاد: لَا يَرْحَمك الله، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَنْبَغِي أَن يكون على هَذِه

стр. 4657

الرِّوَايَة أَن يقف على: لَا، دقيقة حَتَّى يتَبَيَّن للسامع أَن مَا بعده كَلَام مستأنمف، لِأَنَّهُ إِذا وصل بِمَا بعد: لَا يتَوَهَّم للسامع أَنه دُعَاء عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاء لَهُ. قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة) صورته تَعْلِيق، لَكِن ادّعى بَعضهم أَنه مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، وَفِيه تَأمل. قَوْله: (إِن سَمِعت) ، كلمة: إِن، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون كلمة نفي. أَي: وَالله مَا سَمِعت بِلَفْظ السكين إلَاّ يَوْمئِذٍ. قَوْله: (المدية) بِضَم الْمِيم، وَقيل: الْمِيم مُثَلّثَة، سمي السكين بهَا لِأَنَّهَا تقطع مدى حَيَاة الْحَيَوَان، وَسمي السكين سكيناً لِأَنَّهُ يسكن حَرَكَة الْحَيَوَان، وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث. ١٤ - (بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لله﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لُقْمَان: ٢١ ٨١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة أَن أشكر لله وَمن يشْكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ وَمن كفر فَإِن الله غَنِي حميد﴾ (لُقْمَان: ٢١ ٨١) .) ، قَوْله: (إِلَى قَوْله) أَي: إقرأ إِلَى قَوْله: ﴿إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ (لُقْمَان: ٢١ ٨١) . وَمن قَوْله: ﴿غَنِي حميد﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فخور﴾ سِتّ آيَات. قَوْله: (الْحِكْمَة) أَي: الْعقل وَالْعلم وَالْعَمَل بِهِ والإصابة فِي الْأُمُور. قَوْله: (أَن أشكر) ، قيل: لِأَن تشكر الله، وَيجوز أَن تكون: أَن، مفسرة أَي: أشكر الله، وَالتَّقْدِير: قُلْنَا لَهُ: اشكر الله. وَقيل: بدل من الْحِكْمَة. قَوْله: (مختال) ، من الاختيال وَهُوَ أَن يرى لنَفسِهِ طولا على غَيره فيشمخ بِأَنْفِهِ. قَوْله: (فخور) ، يعدد مناقبه تطاولاً. ولقمان بن باعور بن ناخور بن تارخ وَهُوَ آزر أَب إِبْرَاهِيم، ﵊، كَذَا قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ مقَاتل: لُقْمَان بن عنقًا بن سدون. وَيُقَال: لُقْمَان بن ثاران، حَكَاهُ السُّهيْلي عَن ابْن جرير والقعنبي، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: لُقْمَان بن عبقر بن مرْثَد بن صَادِق بن التوت من أهل أَيْلَة، ولد على عشر سِنِين خلت من أَيَّام دَاوُد، ﵊، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ ابْن أُخْت أَيُّوب، ﵊، وَقيل: ابْن خَاله، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق ثمَّ عَاشَ ألف سنة وَأدْركَ دَاوُد، ﵊، وَأخذ عَنهُ الْعلم. وَحكى الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن الْمسيب: أَنه كَانَ عبدا أسود عَظِيم الشفتين مشقق الْقَدَمَيْنِ من سودان مصر ذَا مشافر، وَقَالَ الرّبيع: كَانَ عبدا نوبياً اشْتَرَاهُ رجل من بني إِسْرَائِيل بِثَلَاثِينَ دِينَارا وَنصف دِينَار، وَقَالَ السُّهيْلي: كَانَ نوبياً من أَيْلَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عبدا حَبَشِيًّا نجاراً، وَقيل: كَانَ خياطاً، وَقيل: كَانَ رَاعيا، وَقيل: كَانَ يحتطب لمَوْلَاهُ حزمة حطب، وَرُوِيَ أَنه كَانَ عبدا لقصاب. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ قَاضِيا لبني إِسْرَائِيل فَكَانَ يسكن ببلدة أَيْلَة ومدين، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ اسْم أمه: تارات، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَاتفقَ الْعلمَاء أَنه كَانَ حكيماً وَلم يكن نَبيا إلَاّ عِكْرِمَة فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: إِنَّه كَانَ نَبيا. قَالَ الْوَاقِدِيّ وَالسُّديّ: مَاتَ بأيلة، وَقَالَ قَتَادَة: بالرملة. ولَا تُصَعِّرْ الإعْرَاضُ بالوَجْهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس﴾ (لُقْمَان: ٨١) . وَفسّر: تصعر، بقوله: الْإِعْرَاض بِالْوَجْهِ، وَكَأَنَّهُ جعل الْإِعْرَاض بِمَعْنى التصغير الْمُسْتَفَاد من: لَا تصعر، وَهَكَذَا فسره عِكْرِمَة، أوردهُ عَنهُ الطَّبَرِيّ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: أصل الصعر دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فِي أعناقها حَتَّى تلفت أعناقها عَن رؤوسها فَيُشبه بِهِ الرجل المعرض عَن النَّاس المتكبر، وَقِرَاءَة عَاصِم وَابْن كثير: وَلَا تصعر، وَقِرَاءَة الْبَاقُونَ: وَلَا تصاغر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: القراءتان مشهورتان ومعناهما صَحِيح. ٨٢٤٣ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ لَ مَّا نَزَلَتِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إيْمَانَهُ بِظُلْمٍ فنَزَلَتْ ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّه إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لُقْمَان: ٣١) . . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تشرك بِاللَّه ... ﴾ إِلَى آخِره، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿وَإِذ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ وَهُوَ يعظه يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ٣١) . وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب ظلم دون ظلم، وَمر الْكَلَام فِيهِ.

стр. 4658

٩٢٤٣ - حدَّثني إسْحَاقُ أخبرَنا عِيسَى بنُ يُونُسَ حدَّثنا الأعمشُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الْأَنْعَام: ٢٨) . شَقَّ ذَلِكَ علَى المُسْلِمِينَ فَقَالُوا يَا رسوُلَ الله أيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ ألَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهْوَ يَعِظُهُ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّه إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (إِنَّمَا هُوَ الشّرك) ، أَي: الظُّلم الْمَذْكُور فِي تِلْكَ الْآيَة هُوَ الشّرك، وَالظُّلم لفظ عَام يعم الشّرك وَغَيره، وَقد خص فِي الْآيَة بالشرك. وَمعنى: اخْتِلَاط الْإِيمَان، هُوَ أَن الْإِيمَان التَّصْدِيق بِاللَّه وَهُوَ لَا يُنَافِي جعل الْأَصْنَام آلِهَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إلَاّ وهم مشركون﴾ (يُوسُف: ٦٠١) . قَوْله: (مَا قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ) قَالَ السُّهيْلي، اسْم ابْنه: باران، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء، وَكَذَا قَالَه الطَّبَرِيّ والعتبي، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اسْمه أنعم، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أشكم. قَوْله: (وَهُوَ يعظه) جملَة حَالية، وَالله أعلم. ٢٤ - (بابٌ ﴿واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أصْحَابَ القَرْيَةِ﴾ (ي س: ٣١) . الْآيَة) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مثلا أَصْحَاب الْقرْيَة إِذْ جاءها المُرْسَلُونَ إِذْ أرسلنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ فكذبوهما فعززنا بثالث فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مرسلون﴾ (ي س: ٣١) . قَوْله: (وَاضْرِبْ لَهُم مثلا) أَي: لأجلهم، وَقيل: وَاضْرِبْ لأجل نَفسك أَصْحَاب الْقرْيَة مثلا، وَحَاصِل الْمَعْنى: اذكر لَهُم قصَّة عَجِيبَة، يَعْنِي: قصَّة أَصْحَاب الْقرْيَة، وَهِي أنطاكية: ﴿إِذْ جاءها المُرْسَلُونَ﴾ (ي س: ٣١) . أَي: رسل عِيسَى، وَكلمَة إِذْ، بدل من أَصْحَاب الْقرْيَة، وَكَانَ إرْسَال عِيسَى، ﵊، رسله فِي أَيَّام مُلُوك الطوائف. وَاخْتلفُوا فِي اسْم الرسولين اللَّذين أرسلا أَولا، فَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قاروص وماروص، وَقَالَ وهب: يحيى وَيُونُس، وَقَالَ مقَاتل: تومان ومالوس، وَقَالَ كَعْب: صَادِق وصدوق، وَاسم الرَّسُول الثَّالِث: شَمْعُون الصَّفَا رَأس الحواريين، وَهُوَ قَول أَكثر الْمُفَسّرين، وَقَالَ كَعْب: اسْمه شلوم، وَقَالَ مقَاتل: سمْعَان، وَقيل: بولص، وَلم يذكر البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا مَرْفُوعا، وَقد روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: السَّبق ثَلَاثَة: يُوشَع إِلَى مُوسَى، وَصَاحب يس إِلَى عِيسَى، وَعلي إِلَى مُحَمَّد، ﷺ ، وَفِي إِسْنَاده حُسَيْن بن الْحسن الْأَشْقَر وَهُوَ ضَعِيف، وَاسم صَاحب يس: حبيب النجار، وَعَن السّديّ: كَانَ قصاراً، وَقيل: كَانَ إسكافاً، وَكَانَ اسْم ملك أنطاكية أنطيخس بن أنطيخس وَكَانَ يعبد الْأَصْنَام. فَعَزَّزْنا. . قَالَ مُجَاهِدٌ شَدَّدْنَا أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فعززنا﴾ (ي س: ٣١) . وَحكي عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ: شددنا، يَعْنِي: قوينا الرسولين الْأَوَّلين برَسُول ثَالِث، وعَلى يَده كَانَ الْخَلَاص. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ طائِرُكُمْ مَصَائِبُكُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا طائركم مَعكُمْ أئن ذكرْتُمْ بل أَنْتُم قوم مسرفون﴾ (ي س: ٩١) . وَوصل ابْن أبي حَاتِم قَول ابْن عَبَّاس من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ بِهِ. قَوْله: ﴿طائركم﴾ وَفَسرهُ ابْن عَبَّاس بقوله: مصائبكم، وَلما قَالُوا: ﴿إنَّا تطيرنا بكم﴾ (ي س: ٨١) . يَعْنِي: تشاءمنا بكم، قَالُوا: طائركم، أَي: شؤمكم مَعكُمْ، وَهُوَ كفرهم. ٣٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿كَهيَعَصَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّاءَ إذْ نادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيَّاً قَالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ إِلَى قولِهِ ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيَّاً﴾ (مَرْيَم: ٣ ٧) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: ﴿كهيعص ذكر رَحْمَة رَبك عَبده زَكَرِيَّا﴾ (مَرْيَم: ٣ ٧) . إِلَى آخِره. قَوْله: (إِلَى قَوْله) ، أَي: إقرأ إِلَى قَوْله: ﴿لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ (مَرْيَم: ٣ ٧) . وَهُوَ قَوْله: ﴿وَلم أكن بدعائك رب شقيا وَإِنِّي خفت الموالى من ورائي وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً فَهَب لي

стр. 4659

من لَدُنْك وليا يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ (مَرْيَم: ٥ ٧) [/ ح. قَوْله: (ذكر) ، مَرْفُوع بِأَنَّهُ خبر لقَوْله: ﴿كهيعص﴾ ، وَقيل: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا القَوْل الَّذِي نتلو عَلَيْك ذكر رَحْمَة رَبك، وَقيل: مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مُقَدّر تَقْدِيره، فِيمَا أُوحِي إِلَيْك ذكر رَحْمَة رَبك، و: ذكر مصدر مُضَاف إِلَى الرَّحْمَة، وَهِي فَاعله، و: عَبده، مفعولها. قَوْله: (خفِيا) أَي: خافياً يخفى ذَلِك فِي نَفسه لم يطلع عَلَيْهِ إلَاّ الله. قَوْله: (وَهن) ، يُقَال: وَهن يهن وَهنا، فَهُوَ واهن، وَقَالَ الْفراء: وَهن الْعظم، بِالْفَتْح وَالْكَسْر فِي الْهَاء: أَرَادَ أَن قُوَّة عِظَامه ذهبت لكبر سنه، وَإِنَّمَا خص الْعظم لِأَنَّهُ الأَصْل فِي التَّرْكِيب، وَقَالَ قَتَادَة: شكى ذهَاب أَضْرَاسه. قَوْله: (واشتعل الرَّأْس شيباً) أَي: من حَيْثُ الشيب شبه الشيب بشواظ النَّار فِي بياضه وإنارته وانتشاره فِي الشّعْر وفشوه فِيهِ وَأَخذه كل مَأْخَذ باشتعال النَّار، ثمَّ أخرجه مخرج الِاسْتِعَارَة، ثمَّ أسْند الاشتعال إِلَى مَكَان الشّعْر ومنبته وَهُوَ الرَّأْس، وَأخرج الشيب مُمَيّزا وَلم يضف الرَّأْس، يَعْنِي لم يقل: رَأْسِي، اكْتِفَاء بِعلم الْمُخَاطب أَنه رَأس زَكَرِيَّا ﷺ ، فَمن ثمَّ فَصحت هَذِه الْجُمْلَة وَشهد لَهَا بالبلاغة. قَوْله: (وَلم أكن بدعائك رب شقياً) أَي: بدعائي إياك شقياً أَي: خائباً. قَوْله: الموَالِي، وهم الَّذين يلونه فِي النّسَب، وهم: بَنو الْعم والعصبة، وَكَانَ عَمه وعصبته شرار بني إِسْرَائِيل فخافهم على الدّين أَن يغيروه ويبدلوه وَأَن لَا يحسنوا للخلافة على أمته، فَطلب عقباً من صلبه صَالحا يُقتدى بِهِ فِي إحْيَاء الدّين. قَوْله: (عاقراً) أَي: عقيماً لَا تَلد. قَوْله: (وليا) ، أَي: ولدا صَالحا يحمل أَمر الدّين بعدِي. قَوْله: (يَرِثنِي) ، أَي: يَرث النُّبُوَّة وَقيل: الْعلم، وَقيل: يرثهما. قَوْله: (وَيَرِث من آل يَعْقُوب) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: يَرِثنِي مَالِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب النُّبُوَّة، وَعنهُ: يَرِثنِي الْعلم وَيَرِث من آل يَعْقُوب الْملك، فَأَجَابَهُ الله إِلَى وراثة الْعلم دون الْملك. قَوْله: (لم نجْعَل لَهُ من قبل سمياً) ، يَعْنِي: لم يسم أحد قبله بِيَحْيَى. فَإِن قلت: مَا وَجه المدحة باسم لم يسم أحد قبله ونرى كثيرا من الْأَسْمَاء لم يسْبق إِلَيْهَا؟ قلت: لِأَن الله تَعَالَى تولى تَسْمِيَته وَلم يكل ذَلِك إِلَى أَبَوَيْهِ فَسَماهُ باسم لم يسْبق إِلَيْهِ. وَاعْلَم أَن فِي زَكَرِيَّا أَربع لُغَات: الْمَدّ وَالْقصر وَحذف الْألف مَعَ إبْقَاء الْبَاء مُشَدّدَة وَتَخْفِيف الْيَاء، فَإِن مددت أَو قصرت لم تصرف، وَإِن حذفت الْألف مَعَ إبْقَاء الْيَاء مُشَدّدَة صرفته. وزَكَرِيا بن آدن بن مُسلم بن صَدُوق بن نخشان بن دَاوُد بن سُلَيْمَان بن مُسلم بن صديقَة بن ناخور بن شلوم بن بهفاشاط بن أسا بن أفيا بن رَحِيم بن سُلَيْمَان بن دَاوُد، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَذَا ذكره الثَّعْلَبِيّ، وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي (تَارِيخه) : زَكَرِيَّا بن برخيا، وَيُقَال: زَكَرِيَّا بن دَان، وَيُقَال: ابْن آدن ... إِلَى آخِره، وَعَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : كَانَ زَكَرِيَّا نجاراً. انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم وَابْنه يحيى من الْحَيَاة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَانَ يحيى أعجمياً وَهُوَ الظَّاهِر، فَمنع صرفه للتعريف والعجمة: كموسى وَعِيسَى، وَإِن كَانَ عَرَبيا فللتعريف وَوزن الْفِعْل، وَاخْتلفُوا فِيهِ لِمَ سمي يحيى؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: لِأَن الله تَعَالَى أحيى بِهِ عقر أمه، وَقَالَ قَتَادَة: لِأَن الله تَعَالَى أحيى قلبه بِالْإِيمَان والنبوة، وَقيل: أَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ حَتَّى لم يعْص أصلا وَلم يهم بِمَعْصِيَة، وَاسم أم يحيى: أشياع بنت فاقوذا أُخْت حنة أم مَرْيَم، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا وَسلم، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ زَكَرِيَّا وَابْنه يحيى، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَسلم، آخر من بعث فِي بني إِسْرَائِيل من أَنْبِيَائهمْ. قَالَ ابنُ عبَّاسٍ مِثْلاً أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: معنى: سمياً، مثلا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل تعلم لَهُ سمياً﴾ (مَرْيَم: ٥٦) . يُقَالُ: رَضِيَّاً مَرْضِيَّاً أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: رَضِيا فِي قَوْله: ﴿واجعله رب رَضِيا﴾ (مَرْيَم: ٦) . بِأَنَّهُ بِمَعْنى: مرضياً. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: مرضيا ترضاه أَنْت وعبادك. عَتِيَّاً عَصِياً عَتَا يَعْتُو أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد بلغت

стр. 4660

من الْكبر عتياً﴾ (مَرْيَم: ٨) . وَفَسرهُ بقوله: عصياً، وَذكره بالصَّاد الْمُهْملَة وَالصَّوَاب بِالسِّين الْمُهْملَة، وروى الطَّبَرِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُول الله، ﷺ يقْرَأ عتياً أَو عسياً؟ يُقَال: قَرَأَ مُجَاهِد: عسياً بِالسِّين، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: عتا الشَّيْخ يعتو عتياً، بِضَم الْعين وَكسرهَا: كبر وَولى، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عسا الشَّيْخ يعسو عسياً، ولى وَكبر مثل: عتا، وَقَالَ قَتَادَة: العتو نحول الْعظم، يُقَال: ملك عَاتٍ: إِذا كَانَ قاسي الْقلب غير لين، وَعَن أبي عُبَيْدَة: كل مبالغ فِي شَرّ أَو كفر فقد عتا وعسا، وَيُقَال: عتا الْعود وعسا من أجل الْكبر والطعن فِي السن الْعَالِيَة، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: ﴿وَقد بلغت من الْكبر عتياً﴾ (مَرْيَم: ٨) . بِكَسْر الْعين وَالْبَاقُونَ بضَمهَا. قَوْله: (عتا يعتو) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه من بَاب فعل يفعل، مثل: غزا يَغْزُو، من معتل اللَّام الواوي. ﴿قالَ رَبِّ أنَّى يَكُونَ لِي غُلَامٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيَّاً﴾ (مَرْيَم: ٨ ٠١) . ويُقَالُ صَحِيحاً أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً وَقد بلغت من الْكبر عتيا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ على هَين وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا قَالَ رب اجْعَل لي آيَة قَالَ آيتك أَن لَا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سوياً﴾ (مَرْيَم: ٨ ٠١) . قَوْله: (قَالَ رب) أَي: قَالَ زَكَرِيَّا: يَا رب أنَّى يكون لي غُلَام؟ أَي: من أَيْن يكون لي غُلَام؟ وَكَيف يكون لي غُلَام وَالْحَال أَن امْرَأَتي عَاقِر وَأَنا قد بلغت من الْكبر عتياً؟ قَوْله: (قَالَ كَذَلِك) ، أَي: قَالَ جِبْرِيل ﷺ : إِن الْأَمر كَذَلِك كَمَا قيل لَك من هبة الْوَلَد على الْكبر. قَوْله: (هُوَ عليَّ هيِّن) ، أَي: خلقه عليّ هيّن بِأَن أرد عَلَيْك قوتك حَتَّى تقوى على الْجِمَاع، وأفتق رحم امْرَأَتك. قَوْله: (قد خلقتك من قبل) ، أَي: أوجدتك من قبل يحيى وَلم تَكُ شَيْئا، لِأَن الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء أَو شَيْئا لَا يعْتد بِهِ. قَوْله: (قَالَ: رب) ، أَي: قَالَ زَكَرِيَّا: يَا رب إجعل لي آيَة أَي: عَلامَة على حمل امْرَأَتي. قَوْله: (قَالَ آيتك) أَي: قَالَ الله، : علامتك أَن لَا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سوياً مَنْصُوب على الْحَال، أَي: وَأَنت صَحِيح سليم الْجَوَارِح عَن سوء الْخلق مَا بك خرس وَلَا بكم، وَدلّ ذكر اللَّيَالِي هُنَا وَالْأَيَّام فِي آل عمرَان، على أَن الْمَنْع من الْكَلَام اسْتمرّ بِهِ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن. فخَرَجَ علَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فأوْحَى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيَّاً﴾ (مَرْيَم: ١١) . فأوْحَى فأشارَ أَي: فَخرج زَكَرِيَّا وَكَانَ النَّاس من وَرَاء الْمِحْرَاب ينتظرون أَنه يفتح لَهُم الْبَاب فَيدْخلُونَ وَيصلونَ، إِذْ خرج إِلَيْهِم زَكَرِيَّا متغير اللَّوْن فأنكروه، فَقَالُوا لَهُ: يَا زَكَرِيَّا! مَالك؟ فَأوحى إِلَيْهِم، أَي: أَشَارَ إِلَيْهِم بِيَدِهِ وَرَأسه. قَالَه مُجَاهِد: وَعَن ابْن عَبَّاس: فَكتب إِلَيْهِم فِي كتاب، وَقيل: على الأَرْض. قَوْله: (أَن سبحوا) ، وَكلمَة: أَن، هِيَ المفسرة أَي: صلوا لله بكرَة وعشياً، وَهَذَا فِي صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي حملت امْرَأَته، فَلَمَّا حملت امْرَأَته أَمرهم بِالصَّلَاةِ إِشَارَة. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا﴾ (مَرْيَم: ٢١ ٥١) . أَي: إقرأ الْآيَة إِلَى قَوْله: (وَيَوْم يبْعَث حَيا) . وَهُوَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا وَحَنَانًا من لدنا وَزَكَاة وَكَانَ تقياً وَبرا بِوَالِديهِ وَلم يكن جباراً عصيّاً وَسَلام عَلَيْهِ يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾ (مَرْيَم: ٢١ ٥١) . قَوْله: (يَا يحيى) ، التَّقْدِير: فوهبنا لَهُ يحيى وَقُلْنَا لَهُ: يَا يحيى خُذ الْكتاب، أَي: التَّوْرَاة، وَكَانَ مَأْمُورا بالتمسك بهَا. قَوْله: (الحكم) ، أَي: الْحِكْمَة وَهِي الْفَهم للتوراة وَالْفِقْه فِي الدّين، صَبيا، أَي: حَال كَونه صَبيا، وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ : أَنه سبع سِنِين، وَعَن قَتَادَة وَمُقَاتِل: ثَلَاث سِنِين وَكَانَ ذَلِك معْجزَة بِهِ. قَوْله: (وَحَنَانًا) ، قَالَ الزّجاج: وَآتَيْنَاهُ حناناً، وَقيل: وجعلناه حناناً لأهل زَمَانه، أَي: رَحْمَة لِأَبَوَيْهِ وَغَيرهمَا، وتعطفاً وشفقة. قَوْله: (وَزَكَاة) ، أَي: زِيَادَة فِي الْخَيْر على مَا وصف، وَقيل: طَهَارَة من الذُّنُوب، وَقيل: عملا صَالحا. قَوْله: (تقياً) ، يَعْنِي: مُسلما مخلصاً مُطيعًا. قَوْله: (وبرّاً) أَي: وبارّاً بِوَالِديهِ، لطيفاً بهما، محسناً إِلَيْهِمَا، وَلم يكن جباراً متكبراً. قَوْله: (عصياً) أَي: عَاصِيا لرَبه. قَوْله: (وَسَلام عَلَيْهِ) أَي: سَلام من الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الْأَيَّام، وَإِنَّمَا خص التَّسْلِيم وَالسَّلَام بِهَذِهِ الْأَحْوَال لِأَنَّهَا أصعب الْأَوْقَات وأوحشها. حَفِيَّاً لَطِيفاً أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ بِي حفيّاً﴾ (مَرْيَم: ٧٤) . وَفسّر: حفياً، بقوله: لطيفاً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي محتفياً. عاقِرَاً الذَّكَرُ والأنْثَى سَوَاءٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً﴾ (مَرْيَم: ٥ و ٨) . وَقَالَ: الذّكر وَالْأُنْثَى سَوَاء، يَعْنِي: يُقَال للرجل الَّذِي لَا يلد: عَاقِر، وللمرأة الَّتِي لَا تَلد: عَاقِر.
следующие страницы →