Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
رَسُول الله فَإِذا أَصبَحت فاتبعني. قَوْله: (أُدخل حَيْثُ أَدخل) ، أَمر، وأَدخل مضارع. قَوْله: (قُمْت إِلَى الْحَائِط كَأَنِّي أصلح نَعْلي وامضِ أنْتَ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم، فَإِنِّي إِن رَأَيْت شَيْئا أَخَاف عَلَيْك قُمْت كَأَنِّي أريق المَاء. فَإِن مضيت فاتبعني حَتَّى تدخل مدخلي. قَوْله: (فَمضى) ، أَي: عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (فمضيت مَعَه حَتَّى دخل) أَي: عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بَين ظُهُورهمْ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: بَين ظهرانيهم. قَوْله: (وقريش) فِيهِ حَال أَي: فِي الْمَسْجِد. قَوْله: (إِلَى هَذَا الصابىء) من صَبأ يصبؤ إِذا انْتقل من شَيْء إِلَى شَيْء وَكَانُوا يسمون من أسلم صابئاً. قَوْله: (فَضربت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله: (لأموت) أَي: لِأَن أَمُوت، يَعْنِي: ضربوه ضرب الْمَوْت، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فضربوه حَتَّى اضجعوه. قَوْله: (فأكب عَليّ) أَي: رمى نَفسه عَليّ، قَوْله: (فأقلعوا) أَي: كفوا عني.
وَفِي الحَدِيث: دلَالَة على تقدم إِسْلَام أبي ذَر، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه بعد الْبَعْث بِمدَّة طَوِيلَة لما فِيهِ من الْحِكَايَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من مخاطبته لأبي ذَر وتضيفه إِيَّاه، وَالأَصَح أَن سنه حِين الْبَعْث كَانَ عشر سِنِين، وَقيل: أقل من ذَلِك، فَظهر من ذَلِك أَن إِسْلَام أبي ذَر بعد الْبَعْث بِمدَّة بِأَكْثَرَ من سنتَيْن بِحَيْثُ يتهيأ لعَلي مَا فعله، وروى عبد الله بن الصَّامِت إِسْلَام أبي ذَر عَن نفس أبي ذَر، أخرجه مُسلم مطولا جدا، وَفِيه مُغَايرَة كَثِيرَة لسياق ابْن عَبَّاس، وَلَكِن الْجمع بَينهمَا مُمكن بِاعْتِبَار ان ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اقْتصر فِي حكايته عَن ذَلِك، وَالله أعلم.
٧ - (بابُ ذِكْرِ قَحْطانَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر قحطان مُجَردا عَن الْكَلَام فِيهِ: هَل هُوَ من ذُرِّيَّة إِسْمَاعِيل ﵊ أم لَا؟ وَعَن ذكر نسبه، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى عَن قريب.
٧١٥٣ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنِي سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ عنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ عنْ أبي الغَيْثِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ. (الحَدِيث ٧١٥٣ طرفه فِي: ٧١١٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي ذكر اسْم قحطان، وثور بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف ابْن زيد الديلِي الْمدنِي، مر فِي الْجُمُعَة، وَأَبُو الْغَيْث. وَهُوَ الْمَطَر اسْمه سَالم مولى عبد الله بن مُطِيع الْأسود الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عبد الْعَزِيز أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (رجل) لم يدر اسْمه عِنْد الْأَكْثَرين، لَكِن الْقُرْطُبِيّ جزم أَنه: جَهْجَاه، الَّذِي وَقع ذكره فِي (صَحِيح مُسلم) من طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (لَا تذْهب الْأَيَّام والليالي حَتَّى يملك رجل يُقَال لَهُ: الجهجاه، وَأخرجه عقيب حَدِيث القحطاني. قَوْله: (يَسُوق النَّاس بعصاه) كِنَايَة عَن تسخير النَّاس واسترعائهم كسوق الرَّاعِي الْغنم بعصاه، وَفِي (التَّوْضِيح) : حَدِيث القحطان يدل على أَنه خَليفَة وَلكنه يحمل على تغلبه، وروى نعيم بن حَمَّاد فِي (الْفِتَن) : عَن أَرْطَأَة بن الْمُنْذر، أحد التَّابِعين من أهل الشَّام: أَن القحطاني يخرج بعد الْمهْدي ويسير على سيرة الْمهْدي، وَأخرج أَيْضا من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن قيس بن جَابر الصَّدَفِي عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: يكون بعد الْمهْدي القحطاني، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا هُوَ دونه. قيل: هَذَا الثَّانِي، مَعَ كَونه مَرْفُوعا، ضَعِيف الْإِسْنَاد، وَالْأول مَعَ كَونه مَوْقُوفا أصلح إِسْنَادًا مِنْهُ فَإِن ثَبت ذَلِك فَهُوَ فِي زمن عِيسَى ابْن مَرْيَم، ﵉، لِأَن عِيسَى، ﵇، إِذا نزل يجد الْمهْدي إِمَام الْمُسلمين. انْتهى. قلت: إِذا كَانَ القحطاني فِي زمن عِيسَى، كَيفَ يَسُوق النَّاس بعصاه وَكَيف يملك مَعَ وجود عِيسَى، ﵊؟ على أَن فِي رِوَايَة أَرْطَأَة ابْن الْمُنْذر: أَن القحطاني يعِيش فِي الْملك عشْرين سنة.
٨ - (بابُ مَا يُنْهَى عنْ دَعْوَى الجاهِلِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ مَا ينْهَى من دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة، وَكلمَة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة، وَينْهى على صِيغَة الْمَجْهُول، وَدَعوى الْجَاهِلِيَّة هِيَ الاستغاثة عِنْد إِرَادَة الْحَرْب، كَانُوا يَقُولُونَ: يَا آل فلَان، يَا آل فلَان، فيجتمعون وينصرون الْقَاتِل وَلَو كَانَ ظَالِما، فجَاء الْإِسْلَام بِالنَّهْي عَن ذَلِك.
стр. 4727
٨١٥٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبَرَنَا مَخْلَدُ بنُ يَزِيدَ أخبرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرنِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ثابَ معَهُ ناسٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ حتَّى كَثُرُوا وكانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلً لعَّابٌ فَكَسَعَ أنْصَارِيَّاً فغَضِبَ الأنْصَارِيُّ غضَبَاً شَدِيدَاً حتَّى تدَاعَوْا وقالَ الأنْصَارِيُّ يَا لَلأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ فَما بالُ دَعْوَى أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَالَ مَا شَأنُهُمْ فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأنْصَارِيِّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ دَعُوهَا فإنَّهَا خَبِيثَةٌ وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ بنُ سَلُولَ أقَدْ تدَاعَوْا علَيْنَا ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٨) . فَقَالَ عُمَرُ ألَا نَقْتُلُ يَا رسُولَ الله هَذَا الخَبِيثَ لِعَبْدِ الله فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّهُ كانَ يَقْتُلُ أصْحَابَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا بَال دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، كَذَا وَقع مُحَمَّد غير مَنْسُوب عِنْد جَمِيع الروَاة، وَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ مُحَمَّد بن سَلام نَص عَلَيْهِ فِي (الْمُسْتَخْرج) وَكَذَا قَالَه أَبُو عَليّ الجياني، وَجزم بِهِ الدمياطي أَيْضا. الثَّانِي: مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي الْجَزرِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: عَمْرو بن دِينَار الْقرشِي الْأَثْرَم الْمَكِّيّ. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عنهُما. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (غزونا) ، هَذِه الْغَزْوَة هِيَ عزوة الْمُريْسِيع وَفِي مُسلم: قَالَ سُفْيَان: يروون أَن هَذِه الْغَزْوَة غَزْوَة بني المصطلق، وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَكَانَت فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة. قَوْله: (ثاب) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي اجْتمع مَعَه نَاس، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ خرج، وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل اللُّغَة أَن معنى: ثاب رَجَعَ. قَوْله: (لعاب) ، قيل: مَعْنَاهُ مطال، وَقيل: كَانَ يلْعَب بالحراب كَمَا تصنع الْحَبَشَة، وَقيل: مزاح، واسْمه: جَهْجَاه بن قيس الْغِفَارِيّ، وَكَانَ أجِير عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَكَسَعَ) ، بِفَتْح الْكَاف وَالسِّين الْمُهْملَة وَالْعين الْمُهْملَة: من الكسع، وَهُوَ أَن تضرب بِيَدِك أَو برجلك دبر إِنْسَان، وَيُقَال: هُوَ أَن تضرب عجز إِنْسَان بقدمك، وَقيل: هُوَ ضربك بِالسَّيْفِ على مؤخره. وَفِي (الموعب) : كسعته بِمَا سَاءَهُ: إِذا تكلم فرميته على إِثْر قَوْله بِكَلِمَة تسوؤه بهَا. قَوْله: (أَنْصَارِيًّا) ، أَي: رجلا أَنْصَارِيًّا وَهُوَ: سِنَان بن وبرة، حَلِيف بني سَالم الخزرجي. قَوْله: (حَتَّى تداعوا) ، أَي: حَتَّى اسْتَغَاثُوا بالقبائل يستنصرون بهم فِي ذَلِك، وَالدَّعْوَى الانتماء، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة ينتمون بالاستغاثة إِلَى الْآبَاء، وتداعوا، بِصِيغَة الْجمع وَعَن أبي ذَر: تداعوا: بالتثنية. قَالَ بَعضهم: وَالْمَشْهُور فِي هَذَا: تداعياً بِالْيَاءِ عوض الْوَاو. قلت: الَّذِي قَالَ بِالْوَاو أخرجه على الأَصْل. قَوْله: (يَا للْأَنْصَار) ، ويروى: يَا آل الْأَنْصَار. قَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا فِي مُعظم نسخ البُخَارِيّ بلام مفصولة فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي بَعْضهَا يوصلها، وَفِي بَعْضهَا: يَا آل، بِهَمْزَة ثمَّ لَام مفصولة وَاللَّام فِي الْجَمِيع مَفْتُوحَة وَهِي لَام الاستغاثة، قَالَ: وَالصَّحِيح بلام مَوْصُولَة، وَمَعْنَاهُ: ادعو الْمُهَاجِرين واستغيث بهم. قَوْله: (مَا بَال دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة؟) يَعْنِي: لَا تداعوا بالقبائل بل تداعوا بدعوة وَاحِدَة بِالْإِسْلَامِ، ثمَّ قَالَ: مَا شَأْنهمْ؟ أَي: مَا جرى لَهُم وَمَا الْمُوجب فِي ذَلِك؟ قَوْله: (دَعُوهَا) ، أَي: دعوا هَذِه الْمقَالة، أَي: اتركوها أَو: دعوا هَذِه الدَّعْوَى، ثمَّ بيَّن حِكْمَة التّرْك بقوله: (فَإِنَّهَا خبيثة) أَي: فَإِن هَذِه الدعْوَة خبيثة أَي قبيحة مُنكرَة كريهة مؤذية لِأَنَّهَا تثير الْغَضَب على غير الْحق، والتقاتل على الْبَاطِل، وَتُؤَدِّي إِلَى النَّار. كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: (من دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَلَيْسَ منا وليتبوأ مَقْعَده من النَّار) ، وتسميتها: دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة، لِأَنَّهَا كَانَت من شعارهم وَكَانَت تَأْخُذ حَقّهَا بالعصبية فجَاء الْإِسْلَام بِإِبْطَال ذَلِك وَفصل الْقَضَاء بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة إِذا تعدى إِنْسَان على آخر حكم الْحَاكِم بَينهمَا وألزم كلَاّ مَا لزمَه. وَقَالَ السُّهيْلي: من دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة يتَوَجَّه للفقهاء فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: يجلد من اسْتَجَابَ لَهَا بِالسِّلَاحِ خمسين سَوْطًا، اقْتِدَاء بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عنهُ، فِي جلده النَّابِغَة الْجَعْدِي خمسين سَوْطًا حِين سمع: يَا لعامر. .
стр. 4728
الثَّانِي: فِيهِ الْجلد دون الْعشْرَة أسواط لنَهْيه ﷺ أَن يجلد أحد فَوق عشرَة أسواط. الثَّالِث: يُوكل إِلَى إجتهاد الإِمَام على حسب مَا يرَاهُ من سد الذريعة وإغلاق بَاب الشَّرّ، إِمَّا بالوعيد، وَإِمَّا بالسجن، وَإِمَّا بِالْجلدِ قيل: فِي القَوْل الأول الَّذِي ذكره السُّهيْلي فِيهِ نظر، لِأَن أَبَا الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ وهيره ذكرُوا أَن النَّابِغَة لما سمع: يَا لعامر، أَخذ عَصَاهُ وَجَاء مغيثاً، والعصا لَا تعد سِلَاحا يقتل. قَوْله: وَقَالَ عبد الله بن أبي سلول ... إِلَى آخِره، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك عبد الله لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ عمر بن الْخطاب أَجِيرا لَهُ من غفار يُقَال لَهُ جِعَال كَانَ مَعَه فرس يَقُودهُ فحوض لعمر حوضاً فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِم على الْحَوْض إِذْ أقبل رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ وبرة بن سِنَان الْجُهَنِيّ، وَسَماهُ أَبُو عمر: سِنَان بن تَمِيم، وَكَانَ حليفاً لعبد الله بن أبي، فقاتله، فتداعيا بقبائلهما، فَقَالَ عبد الله بن أبي: أقد تداعوا علينا؟ ﴿لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الأعزُ مِنها الأذلَ﴾ (الْمُنَافِقين: ٨) . وَأما قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْمُنَافِقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ (الْمُنَافِقين: ٨) . فقد قَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) : يَقُولُونَ، أَي: المُنَافِقُونَ عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه: وَالله لَئِن رَجعْنَا من غزَاة بني لحيان ثمَّ بني المصطلق، وَهُوَ حَيّ من هُذَيْل، إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز عَنى بِهِ نَفسه مِنْهَا: من الْمَدِينَة، الْأَذَل: يَعْنِي مُحَمَّدًا، ﷺ وَلَقَد كذب عَدو الله. قَوْله: (فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَلَا نقْتل؟) بالنُّون، ويروى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: (هَذَا الْخَبيث) أَرَادَ بِهِ عبد الله ابْن أبي، وَقد بَينه بقوله لعبد الله، وَاللَّام فِيهِ يتَعَلَّق بقوله: قَالَ عمر، أَي: قَالَ لأجل عبد الله، وَقَالَ الْكرْمَانِي أَو اللَاّم للْبَيَان، نَحْو: هيت لَك، وَفِي بَعْضهَا يَعْنِي: عبد الله، وَقَالَ بَعضهم: اللَّام بِمَعْنى: عَن قلت: قَالَ هَذَا بَعضهم فِي قَوْله: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا لَو كَانَ خيرا مَا سبقُونَا إِلَيْهِ﴾ (الْأَحْقَاف: ١١) . ورده ابْن مَالك وَغَيره، وَقَالُوا: اللَّام، هَهُنَا للتَّعْلِيل، وَقيل غير ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا) أَي: لَا نقْتل. قَوْله: (يتحدث النَّاس) إِلَى آخِره، كَلَام مُسْتَقل وَلَيْسَ لَهُ تعلق: بِكَلِمَة: لَا، فَافْهَم. قَوْله: (أَنه) أَي: النَّبِي ﷺ (كَانَ يقتل أَصْحَابه) ويتنفر النَّاس عَن الدُّخُول فِي الْإِسْلَام، وَيَقُول بَعضهم لبَعض: مَا يؤمنكم إِذا دَخَلْتُم فِي دينه أَن يَدعِي عَلَيْكُم كفر الْبَاطِن فيستبيح بذلك دماءكم وَأَمْوَالكُمْ؟ فَلَا تسلموا أَنفسكُم إِلَيْهِ للهلاك، فَيكون ذَلِك سَبِيلا لنفور النَّاس عَن الدّين.
٩١٥٣ - حدَّثنا ثابِتُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ عَبْدِ الله بنُ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وثابت بن مُحَمَّد أَبُو إِسْمَاعِيل العابد الشَّيْبَانِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب لَيْسَ منا من ضرب الخدود، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
عنْ سُفْيَانَ عنْ زُبَيْدٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وشَقَّ الجُيُوبَ ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله: حَدثنَا سُفْيَان عَن الْأَعْمَش، فِي الحَدِيث السَّابِق، فَيكون مَوْصُولا وَلَيْسَ بمعلق وزبيد، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: ابْن الْحَارِث بن عبد الْكَرِيم اليامي بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، مَسْرُوق هُوَ ابْن الأجدع، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب لَيْسَ منا من شقّ الْجُيُوب، حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا سُفْيَان قَالَ: زبيد اليامي عَن إِبْرَاهِيم عَن مَسْرُوق عَن عبد الله ... إِلَى آخِره.
٩١٥٣ - حدَّثنا ثابِتُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ عَبْدِ الله بنُ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وثابت بن مُحَمَّد أَبُو إِسْمَاعِيل العابد الشَّيْبَانِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب لَيْسَ منا من ضرب الخدود، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
عنْ سُفْيَانَ عنْ زُبَيْدٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وشَقَّ الجُيُوبَ ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله: حَدثنَا سُفْيَان عَن الْأَعْمَش، فِي الحَدِيث السَّابِق، فَيكون مَوْصُولا وَلَيْسَ بمعلق وزبيد، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: ابْن الْحَارِث بن عبد الْكَرِيم اليامي بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، مَسْرُوق هُوَ ابْن الأجدع، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب لَيْسَ منا من شقّ الْجُيُوب، حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا سُفْيَان قَالَ: زبيد اليامي عَن إِبْرَاهِيم عَن مَسْرُوق عَن عبد الله ... إِلَى آخِره.
٩ - (بابُ قِصَّةِ خزَاعَة)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قصَّة خُزَاعَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالزاي المخففة وَفتح الْعين الْمُهْملَة. قَالَ الرشاطي: خُزَاعَة هُوَ عَمْرو بن ربيعَة، وَرَبِيعَة هَذَا هُوَ لحي بن حَارِثَة بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن ابْن الأزد، هَذَا مَذْهَب من يرى أَن خُزَاعَة من الْيمن، وَمن يرى أَن خُزَاعَة من مُضر يَقُول: هُوَ عَمْرو بن ربيعَة بن قمعة، ويحتج بِحَدِيث
стр. 4729
رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأكثم ابْن أبي الجون الْخُزَاعِيّ: (رَأَيْت عَمْرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه فِي النَّار) وَجمع بَعضهم بَين الْقَوْلَيْنِ، أَعنِي نِسْبَة خُزَاعَة إِلَى الْيمن وَإِلَى مُضر، فَزعم أَن حَارِثَة بن عَمْرو لما مَاتَ قمعة بن خندف كَانَت امْرَأَته حَامِلا بِلحي فولدته وَهِي عِنْد حَارِثَة فَتَبَنَّاهُ فنسب إِلَيْهِ، فعلى هَذَا هُوَ من مُضر بِالْولادَةِ، وَمن الْيمن بالتبني، وَقَالَ صَاحب (الموعب) : خُزَاعَة اسْمه عَمْرو بن لحي، ولحي اسْمه: ربيعَة، سمي خُزَاعَة لِأَنَّهُ انخزع فَلم يتبع عَمْرو بن عَامر حِين ظعن عَن الْيمن بولده، وَسمي عَمْرو: مزيقيا، لِأَنَّهُ مزق الأزد فِي الْبِلَاد، وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ يمزق كل يَوْم حلَّة. وَفِي (التيجان) لِابْنِ هِشَام: انخزعت خُزَاعَة فِي أَيَّام ثَعْلَبَة العنقاء بن عَمْرو بعد وَفَاة عمر، وَفِي (التَّلْوِيح) : قيل لَهُم ذَلِك لأَنهم تخزعوا من بني مَازِن بن الأزد فِي إقبالهم مَعَهم أَيَّام سيل العرم لما صَارُوا إِلَى الْحجاز، فافترقوا، فَصَارَ قوم إِلَى عمان وَآخَرُونَ إِلَى الشَّام، قَالَ حسان بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
(فَلَمَّا قَطعنَا بطن مر تخزعت ... خُزَاعَة منا فِي جموع كراكر)
وانخزعت أَيْضا بَنو أفصى بن حَارِثَة بن عَمْرو، وأفصى هُوَ عَم عَمْرو بن لحي، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: إِنَّمَا سموا خُزَاعَة لِأَن بني مَازِن ابْن الأزد لما تَفَرَّقت الأزد بِالْيمن نزل بَنو مَازِن على مَاء عِنْد زبيد يُقَال لَهُ غَسَّان، فَمن شرب مِنْهُ فَهُوَ غساني. وَأَقْبل بَنو عَمْرو بن لحي فانخزعوا من قَومهمْ فنزلوا مَكَّة، ثمَّ أقبل بَنو أسلم وَملك وملكان بَنو أفصى بن حَارِثَة فانخزعوا أَيْضا، فسموا خُزَاعَة، وتفرق سَائِر الأزد، وَأول من سماهم هَذَا الِاسْم: جدع بن سِنَان الَّذِي يُقَال فِيهِ: خُذ من جدع مَا أَعْطَاك، وَذَلِكَ أَنه لما رَآهُمْ قد تفَرقُوا قَالَ: أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم كلما أَعجبتكُم بَلْدَة أَقَامَت مِنْكُم طَائِفَة كَيْفَمَا انخزعت خزاعتكم هَذِه أوشكتم أَن يأكلكم أقل حَيّ وأذل قبيل.
٠٢٥٣ - حدَّثني إسحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَم أخبرَنا إسْرائِيلُ عنْ أبِي حَصِين عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله، ﷺ قَالَ عَمْرُو بنُ لُحَيِّ بنِ قَمَعَةَ بنِ خِنْدَفَ أبُو خُزَاعَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ مَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه، وَيحيى بن آدم بن سُلَيْمَان أَبُو زَكَرِيَّا الْقرشِي الْكُوفِي صَاحب الثَّوْريّ، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، واسْمه: عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (عَمْرو بن لحي) ، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (أَبُو خُزَاعَة) . ولحي، بِضَم اللَّام وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (ابْن قمعة) ، بِفَتْح الْقَاف وَالْمِيم وتخفيفها وبإهمال الْعين، وَقيل: بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الْمِيم بِفَتْحِهَا وَكسرهَا، وَقيل: بِفَتْحِهَا مَعَ سُكُون الْمِيم. قَوْله: (ابْن خندف) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَفتحهَا وبالفاء، وَهِي أم الْقَبِيلَة فَلَا تَنْصَرِف، وقمعة، مَنْسُوب إِلَى الْأُم، وإلَاّ فأبوه اسْمه: الياس بن مُضر. قَالَ قَائِلهمْ:
(أمهتي خندف وإلياس أبي)
وَاسم خندف: ليلى بنت حلوان بن عمرَان بن ألحاف من قضاعة، لقبت بخندف لمشيتها بالخندفة وَهِي الهرولة، واشتهر بنوها بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا دون أَبِيهِم. قَوْله: (أَبُو خُزَاعَة) أَي: هُوَ حَيّ من الأزد.
١٢٥٣ - حدَّثنا أَبُو اليمانِ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّواغِيتِ ولَا يَحْلُبُهَا أحَدٌ مِنَ النَّاسِ: والسَّائِبَةُ الَّتِي كانُوا يُسَيِّبُونَهَا لآِلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ علَيْهَا شَيْءٌ قَالَ وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ رَأيْتُ عمْرَو بنَ عامِرِ بنِ لُحَيٍّ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وكانَ أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ. (الحَدِيث ١٢٥٣ طرفه فِي: ٣٢٦٤) .
أول هَذَا الحَدِيث مَوْقُوف على سعيد بن الْمسيب رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي عَن شُعَيْب بن
стр. 4730
أبي حَمْزَة الْحِمصِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب، وَآخره عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ على مَا نذْكر مفصلا.
أما الْبحيرَة فَهِيَ الَّتِي يمْنَع درها أَي: لَبنهَا للطواغيت، أَي: لأَجلهَا، وَهِي جمع: طاغوت، وَهُوَ الشَّيْطَان وكل رَأس فِي الضلال، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا أنتجت النَّاقة خَمْسَة أبطن آخرهَا ذكر بحروا أذنها، أَي: شَقوا وحرموا ركُوبهَا ودرها فَلَا تطرد عَن مَاء وَلَا عَن مرعًى لتعظيم الطواغيت، وَتسَمى تِلْكَ النَّاقة الْبحيرَة. وَأما السائبة فَهِيَ: أَن الرجل مِنْهُم كَانَ يَقُول: إِذا قدمت من سَفَرِي أَو بَرِئت من مرضِي فناقتي سائبة، وَجعلهَا كالبحيرة فِي تَحْرِيم الِانْتِفَاع بهَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَقد خصصه البُخَارِيّ بقوله: والسائبة الَّتِي كَانُوا يسيبونها لآلهتهم، أَي: لأصنامهم الَّتِي كَانُوا يعبدونها، وَبعد ذَلِك لَا يحمل عَلَيْهَا شَيْء. وَفِي (التَّلْوِيح) : والسائبة هِيَ الْأُنْثَى من أَوْلَاد الْأَنْعَام كلهَا، كَانَ الرجل يسيِّب لآلهته مَا شَاءَ من إبِله وبقره وغنمه وَلَا يسيب إلَاّ أُنْثَى، فظهورها وَأَوْلَادهَا وأصوافها وأوبارها للآلهة، وَأَلْبَانهَا ومنافعها للرِّجَال دون النِّسَاء، قَالَه مقَاتل. وَقيل: هِيَ النَّاقة إِذا تابعت بَين عشر إِنَاثًا لم يركب ظهرهَا وَلم يجز وبرها وَلم يشرب لَبنهَا إلَاّ ضيف، فَمَا نتجت بعد ذَلِك من أُنْثَى شقّ أذنها ثمَّ خلي سَبِيلهَا مَعَ أمهَا فِي الْإِبِل فَلم يركب ظهرهَا وَلم يجز وبرها وَلم يشرب لَبنهَا إلَاّ ضيف كَمَا فعل بأمها، فَهِيَ الْبحيرَة بنت السائبة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: هِيَ أَنهم كَانُوا إِذا نتجت النَّاقة خَمْسَة أبطن، فَإِن كَانَ الْخَامِس ذكرا نحروه وَأكله الرِّجَال
стр. 4731
وَالنِّسَاء جَمِيعًا، وَإِن كَانَت أُنْثَى شَقوا أذنها وَتلك الْبحيرَة لَا يجز لَهَا وبر وَلَا يذكر عَلَيْهَا اسْم الله، ، إِن ركبت وَلَا إِن حمل عَلَيْهَا، وَحرمت على النَّاس فَلَا يذقن من لَبنهَا شَيْئا، وَلَا ينتفعن بهَا، وَكَانَ لَبنهَا ومنافعها خَاصَّة للرِّجَال دون النِّسَاء حَتَّى تَمُوت، فَإِذا مَاتَت اشْترك الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أكلهَا.
قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة) أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره. وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول. قَوْله: (يجر قصبه) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، وَهِي: الأمعاء. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْقصب بِالضَّمِّ المعاء وَجمعه أقصاب، وَقيل: الْقصب اسْم للأمعاء كلهَا، وَقيل: هُوَ مَا كَانَ أَسْفَل الْبَطن من الأمعاء. قَوْله: (وَكَانَ) ، أَي: عَمْرو بن عَامر (أول من سيب السوائب) ، وَهُوَ جمع، وروى مُحَمَّد بن إِسْحَاق بِسَنَد صَحِيح: عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: أَن أَبَا صَالح السمان حَدثهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول لأكتم: رَأَيْت عَمْرو بن لحي يجر قصبه فِي النَّار، إِنَّه أول من غير دين إِسْمَاعِيل، ﵊، فنصب الْأَوْثَان وسيب السائبة وبحر الْبحيرَة وَوصل الوصيلة وَحمى الحامي قَالَ: وحَدثني بعض أهل الْعلم: أَن عَمْرو بن لحي خرج من مَكَّة إِلَى الشَّام، فَلَمَّا قدم مآب من أَرض البلقاء وَبهَا يَوْمئِذٍ العماليق، فَرَآهُمْ يعْبدُونَ الْأَصْنَام فَقَالَ لَهُم: مَا هَذِه الْأَصْنَام الَّتِي أَرَاكُم تَعْبدُونَ؟ قَالُوا لَهُ: هَذِه نعبدها ونستمطر بهَا فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فَقَالَ لَهُم: أَفلا تعطوني مِنْهَا صنماً فأسير بِهِ إِلَى أَرض الْعَرَب فيعبدونه؟ فَأَعْطوهُ صنماً يُقَال لَهُ: هُبل، فَقدم بِهِ مَكَّة فنصبه وَأمر النَّاس بِعِبَادَتِهِ وتعظيمه. وَيُقَال: كَانَ عَمْرو بن لحي، حِين غلبت خُزَاعَة على الْبَيْت ونفت جرهم عَن مَكَّة، جعلته الْعَرَب رَبًّا لَا يبتدع لَهُم بِدعَة إِلَّا اتَّخَذُوهَا شرعة، لِأَنَّهُ كَانَ يطعم النَّاس ويكسو فِي المواسم، فَرُبمَا نحر فِي الْمَوْسِم عشرَة آلَاف بَدَنَة وكسا عشرَة آلَاف حلَّة حَتَّى إِنَّه اللَاّت الَّذِي يلت السويق للحجيج على صَخْرَة مَعْرُوفَة تسمى صَخْرَة اللَاّت، وَيُقَال: إِن اللَاّت كَانَ من ثَقِيف، فَلَمَّا مَاتَ قَالَ لَهُم عَمْرو: إِنَّه لم يمت وَلكنه دخل فِي الصَّخْرَة، ثمَّ أَمرهم بعبادتها وَأَن يبنوا عَلَيْهَا بَيْتا يُسمى اللَاّت، ودام أَمر عَمْرو وَأمر وَلَده عَليّ هَذَا بِمَكَّة ثَلَاثمِائَة سنة، وَذكر أَبُو الْوَلِيد الْأَزْرَقِيّ فِي (أَخْبَار مَكَّة) : أَن عمرا فَقَأَ عين عشْرين بَعِيرًا وَكَانُوا من بلغت إبِله ألفا فَقَأَ عين بعير، وَإِذا بلغت أَلفَيْنِ فَقَأَ الْعين الْأُخْرَى، قَالَ الراجز:
(وَكَانَ شكر الْقَوْم عِنْد المننكي الصحيحات وفقأ الْأَعْين)
وَهُوَ الَّذِي زَاد فِي التَّلْبِيَة: إلَاّ شَرِيكا هُوَ لَك تملكه، وَملك، وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان تمثل فِي صُورَة شيخ يُلَبِّي مَعَه، فَقَالَ عَمْرو: لبيْك لَا شريك لَك، قَالَ الشَّيْخ: إلَاّ شَرِيكا هُوَ لَك، فَأنْكر ذَلِك عَمْرو بن لحي، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ الشَّيْخ: تملكه وَمَا ملك، فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِهِ، فَقَالَهَا عَمْرو فدانت بهَا الْعَرَب.
وَأما تَفْسِير الوصيلة فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَهِيَ الشَّاة إِذا ولدت سَبْعَة أبطن، فَإِن كَانَ السَّابِع ذكرا ذبحوه وأهدوه للآلهة، وَإِن كَانَت انثى استحيوها، وَإِن كَانَت ذكرا وَأُنْثَى اسْتَحْيوا الذّكر من أجل الْأُنْثَى. وَقَالُوا: وصلت أخاها، فَلم يذبحوهما. وَقَالَ مقَاتل: وَكَانَت الْمَنْفَعَة للرِّجَال دون النِّسَاء، فَإِن وضعت مَيتا اشْترك فِي أكله الرِّجَال وَالنِّسَاء، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن يكن ميتَة فهم فِيهِ شُرَكَاء﴾ (الْأَنْعَام: ٩٣١) . وَأما الحام: فَهُوَ الْفَحْل إِذا ركب ولد وَلَده فَبلغ ذَلِك عشرَة أَو أقل من ذَلِك قيل: حمي ظَهره، فَلَا يركب وَلَا يحمل عَلَيْهِ وَلَا يمْنَع من مَاء وَلَا مرعى وَلَا ينْحَر أبدا إِلَى أَن يَمُوت فتأكله الرِّجَال وَالنِّسَاء.
٢١ - (بابُ قِصَّةِ زَمْزَمَ وجَهْلِ العَرَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قصَّة زَمْزَم وَجَهل الْعَرَب، هَكَذَا وَقع لأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره مَا وَقع إلَاّ: بَاب جهل الْعَرَب، فَقَط، وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ أصلا زَمْزَم، وَمَا يتَعَلَّق بِهِ، وَقد وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب قصَّة إِسْلَام أبي ذَر قبل هَذَا الْبَاب.
٤٢٥٣ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا قَالَ إذَا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأ مَا فَوْقَ الثلَاثِينَ ومِائَةٍ فِي سُورَةِ الأنْعَامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قتَلُوا أوْلادَهُمْ سَفَهَاً بِغَيْرِ عَلْمٍ﴾ (الْأَنْعَام: ٠٤١) . إِلَى قَوْلِهِ ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (الْأَنْعَام: ٠٤١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جهل الْعَرَب) وَأما الْجُزْء الأول مِنْهَا فَلَا ذكر لَهُ هُنَا أصلا كَمَا ذكرنَا آنِفا. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد ابْن الْفضل السدُوسِي وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه إِيَاس الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس نَحوه.
قَوْله: (إِذا سرك) ، من سره الْأَمر سُرُورًا، إِذا فَرح بِهِ. قَوْله: ﴿قد خسر الَّذين قتلوا أَوْلَادهم سفهاً بِغَيْر علم وحرموا مَا رزقهم الله افتراءً على الله قد ضلوا وَمَا كَانُوا مهتدين﴾ ) وَقد أخبر الله تَعَالَى: ﴿أَن الَّذين قتلوا أَوْلَادهم سفهاً بِغَيْر علم﴾ (الْأَنْعَام: ٠٤١) . أَي: من غير علم أَتَاهُم فِي ذَلِك ﴿وحرموا مَا رزقهم الله﴾ (الْأَنْعَام: ٠٤١) . من الْأَنْعَام والحرث ﴿إفتراء على الله﴾ (الْأَنْعَام: ٠٤١) . حَيْثُ قَالُوا: إِن الله أَمركُم بِهَذَا قد ضلوا فِي ذَلِك وخسروا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَأما فِي الدُّنْيَا: فخسروا أَوْلَادهم بِقَتْلِهِم وضيقوا عَلَيْهِم فِي أَمْوَالهم وحرموا أَشْيَاء ابتدعوها من تِلْقَاء أنفسهم. وَأما فِي الْآخِرَة: فيصيرون إِلَى شَرّ الْمنَازل بكذبهم على الله وافترائهم، وَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت هَذِه الْآيَة فِي ربيعَة وَمُضر وَالَّذين كَانُوا يدفنون بناتهم أَحيَاء فِي الْجَاهِلِيَّة من الْعَرَب، قَالَ قَتَادَة: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقتلُون بناتهم مَخَافَة السَّبي عَلَيْهِم والفاقة، إلَاّ مَا كَانَ من بني كنَانَة فَإِنَّهُم كَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك.
٣١ - (بابُ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى آبَائِهِ فِي الإسْلَامِ أوْ الجاهِلِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز انتساب من انتسب إِلَى آبَائِهِ الَّذين مضوا فِي الْإِسْلَام أَو فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكره بَعضهم ذَلِك مُطلقًا، وَمحل الْكَرَاهَة إِنَّمَا كَانَ إِذا ذكره على طَرِيق الْمُفَاخَرَة والمشاجرة، وَقد روى الإِمَام أَحْمد وَأَبُو يعلى فِي (مسنديهما) بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث أبي رَيْحَانَة رَفعه: من انتسب إِلَى تِسْعَة آبَاء كفار، يزيدهم عزا وكرامة فَهُوَ عاشرهم فِي النَّار.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّ الكَرِيمَ ابنَ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمُ ابنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ إسْحَاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الله
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (فِي الْإِسْلَام) ، ظَاهِرَة لِأَنَّهُ، ﷺ لما نسب يُوسُف إِلَى آبَائِهِ كَانَ ذَلِك دَلِيلا على جَوَازه لغيره فِي مثل ذَلِك، وَأما تَعْلِيق عبد الله بن عَمْرو أبي هُرَيْرَة فقد مر كِلَاهُمَا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام.
стр. 4732
وَقَالَ البَرَاءُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، من حَيْثُ إِنَّه ﷺ انتسب إِلَى جده عبد الْمطلب، وَتَعْلِيق الْبَراء قِطْعَة من حَدِيث مضى مطولا مَوْصُولا فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب من صف أَصْحَابه عِنْد الْهَزِيمَة.
٥٢٥٣ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لَ مَّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . جعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنادي يَا بَني فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ بِبُطُونِ قُرَيْشٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ ذكر النَّبِي ﷺ عشيرته بِنِسْبَة كل قَبيلَة إِلَى آبائها.
وَحَفْص بن غياث بن طلق أَبُو عمر النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها، يروي عَن الْأَعْمَش وَهُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن عبد الله وَمُحَمّد بن سَلام فرقهما وَعَن أبي يُوسُف بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة وَعَن أبي بكر وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هناد وَأحمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب وَفِيه وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي كريب.
قَوْله: (يَا بني فهر) ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْهَاء: ابْن مَالك ابْن النَّضر بن كنَانَة، بطن من قُرَيْش، وَكَذَا: بَنو عدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: ابْن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر رَهْط عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (ببطون قُرَيْش) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لبطون قُرَيْش، بِاللَّامِ، وَقد أَمر الله تَعَالَى نبيه، ﷺ ، بإنذار الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب من قومه، وَبَدَأَ فِي ذَلِك بِمن هُوَ أولى بالبدء، ثمَّ بِمن يَلِيهِ، وَأَن يقدم إِنْذَارهم على إنذار غَيرهم، وَهَذَا الحَدِيث من مرسلات ابْن عَبَّاس لِأَن الْآيَة نزلت فِي مَكَّة وَابْن عَبَّاس ولد بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين، وَالله أعلم.
٦٢٥٣ - وقَالَ لَنَا قَبيصَةُ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ حَبِيبِ بنِ أبِي ثابِتٍ عنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَ مَّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُمْ قَبَائِلَ قَبائِلَ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا قَالَ: (قَالَ لنا قبيصَة) لِأَنَّهُ سَمعه مِنْهُ فِي المذاكرة. وَقبيصَة، بِفَتْح الْقَاف: هُوَ ابْن عقبَة وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وحبِيب بن أبي ثَابت اسْمه قيس بن دِينَار أَبُو يحيى الْكُوفِي. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مَحْمُود بن غيلَان. قَوْله: (يَدعُوهُم) أَي: يَدْعُو عشيرته. (قبائل قبائل) بِأَن قَالَ: يَا بني فلَان، يَا بني فلَان، بِمَا يعرف بِهِ كل قَبيلَة، كَمَا يَأْتِي تَوْضِيحه فِي الحَدِيث الْآتِي.
٧٢٥٣ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرَنَا شُعَيْبٌ أخبَرَنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ عَمَّة رسولِ الله يَا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ اشْترِيا أنْفُسَكُمَا مِنَ الله لَا أمْلِكُ لَكُمَا مِنَ الله شَيْئَاً سَلَانِي مِنْ مالِي مَا شِئْتُمَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (اشْتَروا) إِنَّمَا قَالَ: اشْتَروا أَنفسكُم، مَعَ أَنهم البائعون، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . لأَنهم مشترون أنفسهم بِاعْتِبَار التخليص من الْعَذَاب، بائعون بِاعْتِبَار تَحْصِيل الثَّوَاب. قَوْله: (عمَّة رَسُول الله) عطف بَيَان من قَوْله: أم الزبير، وَاسْمهَا: صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب.
وَفِيه أَنه ﷺ ناداهم طبقَة بعد طبقَة الى أَن انْتهى الى ابْنَته فَاطِمَة ﵂
وَفِيه: أَن قُريْشًا كلهم من الْأَقْرَبين. وَفِيه: بداءته، ﷺ ، بقَوْمه، فَإِذا قَامَت
стр. 4733
حجَّة عَلَيْهِم قَامَت على من سواهُم مِمَّن أَمر بتبليغه. وَفِيه: فضل صَفِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَفِيه: تكنية الْمَرْأَة حَيْثُ قَالَ: يَا أم الزبير بن الْعَوام.
٥١ - (بابُ قِصَّةِ الحَبَشِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قصَّة الْحَبَش، وَلم يذكر فِيهِ إلَاّ شَيْئا نزراً من قصَّة الْحَبَشَة، وَذكر ابْن إِسْحَاق قصتهم مُطَوَّلَة، فَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا فَليرْجع إِلَى كِتَابه، والحبش والحبشة جنس من السودَان، وَالْجمع: الحبشان مثل حمل وحملان، قَالَه الْجَوْهَرِي وهم من أَوْلَاد حام بن نوح، ﵊، وَكَانُوا سبع أخوة: السَّنَد والهند والزنج والقبط والحبش والنوبة وكنعان، والحبش على أَنْوَاع: الدهلك وناصع والزيلع والكوكر والفافور واللابة والقوماطين ودرقلة والقرنة، والحبش بن كوش بن حام وهم مجاورون لأهل الْيمن يقطع بَينهم الْبَحْر، وَقد غلبوا على الْيمن قبل الْإِسْلَام، وقصتهم مَشْهُورَة.
وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يَا بَنِي أرْفِدَةَ
وَقَول، مجرور لِأَنَّهُ عطف على: قَوْله قصَّة الْحَبَش، وأرفدة، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْفَاء: اسْم جدٍ لَهُم، وَقيل: أرفدة، اسْم أمه، وَقد مضى هَذَا اللَّفْظ فِي حَدِيث طَوِيل فِي كتاب الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب الحراب والدرق يَوْم الْعِيد، وَفِيه: وَكَانَ يَوْم عيد يلْعَب فِيهِ السودَان، فإمَّا سَأَلت يَعْنِي: عَائِشَة رَسُول الله، ﷺ ، وَإِمَّا قَالَ: تشتهين تنظرين؟ فَقلت: نعم، فأقامني وَرَاءه خدي على خَدّه، وَهُوَ يَقُول: دونكم يَا بني أرفدة، حَتَّى إِذا مللت، قَالَ: حَسبك! قلت: نعم، قَالَ: فاذهبي.
٩٢٥٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثَنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ دخَلَ علَيْهَا وعِنْدَهَا جارِيَتانِ فِي أيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وتُدَفِّفَانِ وتَضْرِبَانِ والنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ فانْتَهَرَهُمَا أبُو بَكْرٍ فكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عنْ وَجْهِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا يَا أبَا بَكْرٍ فإنَّهَا أيَّامُ عَيدٍ وتِلْكَ الأيَّامُ أيَّامُ مِنًى. وقالَتْ عائِشَةُ رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي وأنَا أنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ فزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ دَعْهُمْ أمْناً بَني أرْفِدَةَ يَعْنِي مِنَ الأمْنِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة الأولى فِي قَوْله: (إِلَى الْحَبَشَة) وَفِي الثَّانِيَة فِي قَوْله: (بني أرفدة) وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب الحراب والدرق يَوْم الْعِيد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي أَيَّام منى تُغنيَانِ) ويروى: فِي أَيَّام منى تدفعان وتضربان، وَلَيْسَ فِيهِ: تُغنيَانِ. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن أَيَّام منى (أَيَّام عيد) أَيَّام فَرح وسرور، وَقيل: هَذَا يدل على أَن أَيَّام الْعِيد أَرْبَعَة أَيَّام، ورد بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك الْيَوْم ثَانِي يَوْم الْعِيد أَو ثالثه، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ من أَيَّام منى، وَلَا يُقَال: إِنَّه على عُمُومه، لِأَن دَعْوَى الْعُمُوم فِي الْأَفْعَال غير صَحِيحَة عِنْد الْأَكْثَرين لِأَنَّهَا قصَّة عين. قَوْله: (متغش) ويروى: متغشي، وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد من قَوْلهم: تغشى، أَي: تغطى بِثَوْبِهِ. قَوْله: (فزجرهم) أَي: فزجر أَبُو بكر الْحَبَشَة الَّذين يَلْعَبُونَ. قَوْله: (دعهم) أَي: أتركهم آمِنين، وَيجوز أَن يكون: (أمنا) مَفْعُولا مُطلقًا أَي: إئمنوا أمنا لَيْسَ لأحد أَن يمنعكم، وَنَحْوه. قَوْله: (بني أرفدة) أَي: يَا بني أرفدة. قَوْله: (يَعْنِي من الْأَمْن) وَالْغَرَض من ذكر لفظ: يَعْنِي، بَيَان أَنه مُشْتَقّ من الْأَمْن الَّذِي هُوَ ضد الْخَوْف، لَا من الْإِيمَان.
٦١ - (بابُ منْ أحبَّ أنْ لَا يُسُبَّ نَسَبَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أحب أَن لَا يسب أَي: لَا يشْتم نسبه، أَي: أهل نسبه.
١٣٥٣ - حدَّثني عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ اسْتأذَنَ حَسَّانُ النَّبِيَّ ﷺ فِي هجاءِ المُشْرِكِينَ فقَالَ كَيْفَ بِنَسَبِي فَقَالَ حسَّانٌ لأسُلَّنَّكَ
стр. 4734
مِنْهُم كَمَا تُسَلَّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ: كَيفَ بنسبي؟) فَإِنَّهُ ﷺ لم يرد أَن يهجى نسبه مَعَ هجو الْكفَّار، وَعَبدَة هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة أَيْضا، وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة.
قَوْله: (كَيفَ بنسبي؟) أَي: كَيفَ بنسبي مجتمعاً بنسبهم؟ يَعْنِي: كَيفَ تهجو قُريْشًا مَعَ اجتماعي مَعَهم فِي النّسَب؟ وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن مُعظم طرق الهجو النَّقْص من الْآبَاء. قَوْله: (لأسلَّنَّكَ مِنْهُم) أَي: لأخلصنَّ نسبك مِنْهُم، أَي: من نسبهم، بِحَيْثُ يخْتَص الهجو بهم دُونك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي: لأتلطفن فِي تَخْلِيص نسبك من هجوهم بِحَيْثُ لَا يبْقى جُزْء من نسبك فِيمَا ناله الهجو. قَوْله: (كَمَا تسل الشعرة) ، ويروى: (الشّعْر) ، وَإِنَّمَا عين الشّعْر والعجين لِأَنَّهُ إِذا سل من الْعَجِين لَا يتَعَلَّق بِهِ شَيْء وَلَا يَنْقَطِع لنعومته، بِخِلَاف مَا إِذا سل من شَيْء صلب فَإِنَّهُ رُبمَا يَنْقَطِع وَيبقى مِنْهُ بَقِيَّة، وروى أَنه: لما اسْتَأْذن النَّبِي ﷺ ، فِي هجاء الْمُشْركين قَالَ لَهُ: إئتِ أَبَا بكر فَإِنَّهُ أعلم قُرَيْش بأنسابها حَتَّى يخلص لَك نسبي، فَأَتَاهُ حسان ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَهُ: قد خلص لي نسبك.
وعنْ أبِيهِ قَالَ ذَهَبْتُ أسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عائِشَةَ فقالَتْ لَا تَسُبُّهُ فإنَّهُ كانَ يُنافِحُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: وَعَن أبي هِشَام وَهُوَ عُرْوَة بن الزبير وَهَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى عُرْوَة وَلَيْسَ بمعلق وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن عبد الله بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَالَ فِيهِ وَعَن هِشَام عَن أَبِيه فَذكر الزِّيَادَة وَكَذَلِكَ أخرجه فِي الْأَدَب الْمُفْرد قَوْله: (كَانَ ينافح) بِكَسْر الْفَاء بعْدهَا حاء مُهْملَة وَمَعْنَاهُ يدافع يُقَال نافحت عَن فلَان أَي خَاصَمت عَنهُ. وَيُقَال نفحت الدَّابَّة إِذا رمحت بحوافرها ونفحه بِالسَّيْفِ إِذا تنَاوله من بعيد وأصل النفح بِالْمُهْمَلَةِ الضَّرْب وَقيل للعطاء نفح كَانَ الْمُعْطى يضْرب السَّائِل بِهِ.
٧١ - (بابُ مَا جاءَ فِي أسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من أَسمَاء النَّبِي ﷺ وَفِي بعض النّسخ: فِي أَسمَاء رَسُول الله، ﷺ .
وقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله والَّذِينَ معَهُ أشِدَّاءُ علَى الكُفَّارِ﴾ (الْفَتْح: ٩٢) . وقَوْلِهِ ﴿مِنْ بَعْدِيَ اسْمُهُ أحْمَدَ﴾ (الصَّفّ: ٦) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: مَا جَاءَ، وَقَوله: (وَقَوله: من بعدِي اسْمه أَحْمد) بِالْجَرِّ أَيْضا عطفا على: قَول الله، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِمَا ذكر من بعض الْآيَتَيْنِ إِلَى أَن أشهر أَسمَاء النَّبِي ﷺ مُحَمَّد وَأحمد، فمحمد من بَاب التفعيل للْمُبَالَغَة، وَأحمد من بَاب التَّفْضِيل، وَقيل: مَعْنَاهُمَا إِذا حمدني أحد فَأَنت أَحْمد، وَإِذا حمدت أحد فَأَنت مُحَمَّد، وَقَالَ عِيَاض: كَانَ رَسُول الله، ﷺ أَحْمد قبل أَن يكون مُحَمَّدًا، كَمَا وَقع فِي الْوُجُود، لِأَن تَسْمِيَته أَحْمد وَقعت فِي الْكتب السالفة، وتسميته مُحَمَّدًا وَقعت فِي الْقُرْآن الْعَظِيم، وَذَلِكَ أَنه حمد ربه قبل أَن يحمده النَّاس، وَكَذَلِكَ فِي الْآخِرَة يحمد ربه فيشفعه فيحمده النَّاس، وَقد خص: بِسُورَة الْحَمد، ولواء الْحَمد، وبالمقام الْمَحْمُود، وَشرع لَهُ الْحَمد بعد الْأكل وَبعد الشّرْب وَبعد الدُّعَاء وَبعد الْقدوم من السّفر، وَسميت أمته: الحمادين، فَجمعت لَهُ مَعَاني الْحَمد وأنواعه، وَقيل: اسْمه فِي السَّمَوَات أَحْمد وَفِي الْأَرْضين مَحْمُود، وَفِي الدُّنْيَا مُحَمَّد، وَقيل: الْأَنْبِيَاء كلهم حمادون لله تَعَالَى وَنَبِينَا أَحْمد، أَي: أَكثر حمداً لله مِنْهُم، وَقيل: الْأَنْبِيَاء كلهم محمودون وَنَبِينَا أَحْمد، أَي: أَكثر مناقباً، وَأجْمع للفضائل. قَوْله: (مُحَمَّد رَسُول الله) ، مُحَمَّد، إِمَّا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ مُحَمَّد، لتقدم قَوْله: ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله﴾ (التَّوْبَة: ٣٣، الْفَتْح: ٨٢، والصف: ٩) . وَإِمَّا مُبْتَدأ، وَرَسُول الله، عطف بَيَان ﴿وَالَّذين مَعَه﴾ أَي: أَصْحَابه عطف على الْمُبْتَدَأ. وَقَوله: ﴿أَشد﴾ خبر عَن الْجَمِيع، وَيجوز أَن يكون استئنافاً: مُحَمَّد مُبْتَدأ وَرَسُول الله خَبره، وَالَّذين مَعَه مُبْتَدأ، وأشداء خَبره، وَيجوز أَن يكون: وَالَّذين مَعَه فِي مَحل الْجَرّ عطفا على قَوْله: بِاللَّه، فِي قَوْله: ﴿وَكفى بِاللَّه﴾ . وَالْجُمْهُور على أَن المُرَاد من قَوْله: وَالَّذين مَعَه رسل الله، فَيحسن الْوَقْف على: مَعَه. قَوْله: (أشداء) ، جمع شَدِيد وَمَعْنَاهُ: يغلظون على الْكفَّار وعَلى من
стр. 4735
خَالف دينهم، وَإِن كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم. قَوْله: (من بعدِي اسْمه أَحْمد) ، وَقَبله: ﴿وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾ (الصَّفّ: ٦) . وَعَن كَعْب: أَن الحواريين قَالُوا لعيسى، ﷺ : يَا روح الله! فَهَل بَعدنَا من أمة؟ قَالَ: نعم أمة مُحَمَّد، حَكَاهُ عُلَمَاء أبرار أتقياء.
٣٩ - (حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ حَدثنِي معن عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لي خَمْسَة أَسمَاء أَنا مُحَمَّد وَأحمد وَأَنا الماحي الَّذِي يمحو الله بِهِ الْكفْر وَأَنا الحاشر الَّذِي يحْشر النَّاس على قدمي وَأَنا العاقب) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومعن بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون ابْن عِيسَى الْقَزاز مر فِي الْوضُوء والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ َ - عَن زُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عَمْرو عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن عبد الْملك بن شُعَيْب وَعَن عبد بن حميد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَفِي الشَّمَائِل عَن غير وَاحِد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن شُعَيْب الْبَغْدَادِيّ عَن معن بن عِيسَى بِهِ قَوْله " عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه " كَذَا وَقع مَوْصُولا عِنْد معن بن عِيسَى عَن مَالك وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن جُبَير مُرْسلا وَوَافَقَ مَعنا على وَصله عَن مَالك جوَيْرِية بن أَسمَاء عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمُحَمّد بن الْمُبَارك وَعبد الله بن نَافِع عِنْد أبي عوَانَة وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي الغرائب عَن آخَرين عَن مَالك وَقَالَ إِن أَكثر أَصْحَاب مَالك أَرْسلُوهُ وَرَوَاهُ مُسلم مَوْصُولا من رِوَايَة يُونُس بن يزِيد وَعقيل وَمعمر وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا مَوْصُولا فِي التَّفْسِير من رِوَايَة شُعْبَة وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا مَوْصُولا من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة كلهم عَن الزُّهْرِيّ قَوْله " لي خَمْسَة أَسمَاء " فِيهِ سؤالان الأول أَنه قصر أسماءه على خَمْسَة وأسماؤه أَكثر من ذَلِك وَقد قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي شرح التِّرْمِذِيّ عَن بَعضهم أَن لله تَعَالَى ألف اسْم وَكَذَا للرسول. وَالثَّانِي أَن قَوْله الماحي وَنَحْوه صفة لَا اسْم. الْجَواب عَن الأول أَن مَفْهُوم الْعدَد لَا اعْتِبَار لَهُ فَلَا يَنْفِي الزِّيَادَة وَقيل إِنَّمَا اقْتصر عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْكتب الْقَدِيمَة ومعلومة للأمم السالفة وَزعم بَعضهم أَن الْعدَد لَيْسَ من قَول النَّبِي ﷺ َ - وَإِنَّمَا ذكره الرَّاوِي بِالْمَعْنَى ورد عَلَيْهِ لتصريحه فِي الحَدِيث بذلك وَقيل مَعْنَاهُ ولي خَمْسَة أَسمَاء لم يسم بهَا أحد قبلي وَقيل مَعْنَاهُ أَن مُعظم أسمائي خَمْسَة. وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي أَن الصّفة قد يُطلق عَلَيْهَا الِاسْم كثيرا قَوْله " أَنا مُحَمَّد " هَذَا هُوَ الأول من الْخَمْسَة وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض لَا يعرف فِي الْعَرَب من تسمى مُحَمَّدًا قبل النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا ثَلَاثَة مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع وَمُحَمّد بن أحيحة بن الجلاح وَمُحَمّد بن حمْرَان بن ربيعَة وَقد رد عَلَيْهِ وَمِنْهُم من عد سِتَّة ثمَّ قَالَ وَلَا سَابِع لَهُم ثمَّ عدهم فَذكر مِنْهُم هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَزَاد عَلَيْهِم مُحَمَّد بن خزاعي السّلمِيّ وَمُحَمّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن برَاء الْبكْرِيّ ورد عَلَيْهِ أَيْضا بِجَمَاعَة تسموا بِمُحَمد وهم مُحَمَّد بن عدي بن ربيعَة السَّعْدِيّ روى حَدِيثه الْبَغَوِيّ وَابْن سعد وَابْن شاهين وَغَيرهم وَمُحَمّد بن اليحمد الْأَزْدِيّ ذكره المفجع الْبَصْرِيّ فِي كتاب المنقذ وَمُحَمّد بن خولي الْهَمدَانِي ذكره ابْن دُرَيْد وَمُحَمّد بن حرماز ذكره أَبُو مُوسَى فِي الزيل وَمُحَمّد بن عَمْرو بن مُغفل بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء وباللام وَمُحَمّد الأسيدي وَمُحَمّد الْفُقيْمِي وَمُحَمّد بن يزِيد بن ربيعَة وَمُحَمّد بن أُسَامَة وَمُحَمّد بن عُثْمَان وَمُحَمّد بن عتوارة اللَّيْثِيّ قَوْله " وَأَنا أَحْمد " هَذَا هُوَ الثَّانِي من الْخَمْسَة ويروى وَأَنا مُحَمَّد وَأحمد بِغَيْر لَفْظَة وَأَنا قَوْله " وَأَنا الماحي " هَذَا هُوَ الثَّالِث من الْخَمْسَة قيل أَرَادَ بقوله الَّذِي يمحو الله بِي الْكفْر من جَزِيرَة الْعَرَب وَقَالَ الْكرْمَانِي محو الْكفْر إِمَّا من بِلَاد الْعَرَب وَنَحْوهَا وَفِيه نظر لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة عقيل وَمعمر يمحو الله بِي الْكَفَرَة وَفِي رِوَايَة نَافِع بن جهير وَأَنا الماحي فَإِن الله يمحو بِهِ سيئات من اتبعهُ (قلت) قَوْله هَذَا عَام يتَنَاوَل كفر كل أحد فِي كل أَرض قَوْله " وَأَنا الحاشر " هَذَا هُوَ الرَّابِع من الْخَمْسَة وَقد فسره بقوله الَّذِي يحْشر النَّاس على قدمي أَي على أثري أَي أَنه يحْشر قبل
стр. 4736
النَّاس ويوافق هَذَا لقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يحْشر النَّاس على عَقبي وَيُقَال مَعْنَاهُ على زماني وَوقت قيامي على الْقدَم بِظُهُور عَلَامَات الْحَشْر وَيُقَال مَعْنَاهُ لَا نَبِي بعدِي قَوْله " قدمي " ضبطوه بتَخْفِيف الْيَاء وتشديدها مُفردا ومثنى قَوْله " وَأَنا العاقب " هَذَا هُوَ الْخَامِس وَزَاد يُونُس بن يزِيد فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ الَّذِي لَيْسَ بعده أحد وَقد سَمَّاهُ الله رؤفا رحِيما وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل قَوْله " وَقد سَمَّاهُ الله " إِلَى آخِره مدرج من قَول الزُّهْرِيّ وَفِي دَلَائِل الْبَيْهَقِيّ العاقب يَعْنِي الْخَاتم وَفِي لفظ الماحي والخاتم وَفِي لفظ فَأَنا حاشر فَبعثت مَعَ السَّاعَة نذيرا لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد وَعند مُسلم فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الملحمة وَعَن أبي صَالح قَالَ ﷺ َ - " إِنَّمَا أَنا رَحْمَة مهداة " وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا الْعَنْبَري لنبينا مُحَمَّد ﷺ َ - خَمْسَة أَسمَاء فِي الْقُرْآن الْعَظِيم قَالَ الله ﴿مُحَمَّد رَسُول الله﴾ وَقَالَ ﴿وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾ وَقَالَ ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله﴾ يَعْنِي النَّبِي ﷺ َ - لَيْلَة الْجِنّ وَقَالَ (طه) وَقَالَ (يس) يَعْنِي يَا إِنْسَان وَالْإِنْسَان هُنَا الْعَاقِل وَهُوَ مُحَمَّد ﷺ َ - وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَزَاد عَبدة وَسَماهُ فِي الْقُرْآن رَسُولا نَبيا أُمِّيا وَسَماهُ ﴿شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾ وَسَماهُ مذكرا وَرَحْمَة وَجعله نعْمَة وهاديا عَن كَعْب قَالَ الله لمُحَمد ﷺ َ - عَبدِي المتَوَكل الْمُخْتَار وَعَن حُذَيْفَة بِسَنَد صَحِيح يرفعهُ " أَنا المقفى وَنَبِي الرَّحْمَة " وَعَن مُجَاهِد قَالَ ﷺ َ - " أَنا رَسُول الرَّحْمَة أَنا رَسُول الله الملحمة بعثت بالحصاد وَلم أبْعث بالزراع " وَفِي كتاب الشِّفَاء وَأَنا رَسُول الرَّاحَة وَرَسُول الْمَلَاحِم وَأَنا قثم والقثم الْجَامِع فِي الْكَامِل وَفِي الْقُرْآن المزمل والمدثر والنور وَالْمُنْذر والبشير وَالشَّاهِد والشهيد وَالْحق والمبين والأمين وَقدم الصدْق ونعمة الله والعروة الوثقى والصراط الْمُسْتَقيم والنجم الثاقب والكريم وداعي الله والمصطفى والمجتبى والحبيب وَرَسُول رب الْعَالمين وَالشَّفِيع والمشفع والمتقي والمصلح وَالظَّاهِر والصادق والمصدوق وَالْهَادِي وَسيد ولد آدم وَسيد الْمُرْسلين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين وحبِيب الله وخليل الرَّحْمَن وَصَاحب الْحَوْض المورود والشفاعة وَالْمقَام الْمَحْمُود وَصَاحب الْوَسِيلَة والفضيلة والدرجة الرفيعة وَصَاحب التَّاج والمعراج واللواء والقضيب وراكب الْبراق والناقة والنجيب وَصَاحب الْحجَّة وَالسُّلْطَان والعلامة والبرهان وَصَاحب الهراوة والنعلين وَالْمُخْتَار ومقيم السّنة والمقدس وروح الْقُدس وروح الْحق وَهُوَ معنى البارقليط فِي الْإِنْجِيل وَقَالَ ثَعْلَب البارقليط الَّذِي يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل وماذماذ مَعْنَاهُ طيب طيب والبرقليطس بالرومية وَقَالَ ثَعْلَب الْخَاتم الَّذِي ختم الْأَنْبِيَاء والخاتم أحسن الْأَنْبِيَاء خلقا وخلقا وَيُسمى بالسُّرْيَانيَّة مشفح والمنحمنا وَفِي التَّوْرَاة أحيد ذكره ابْن دحْيَة بِمد الْألف وَكسر الْحَاء وَمَعْنَاهُ أحيد أمتِي عَن النَّار وَقيل مَعْنَاهُ الْوَاحِد وَقَالَ عِيَاض وَمَعْنَاهُ صَاحب الْقَضِيب أَي السَّيْف وَفِي الدّرّ المنظم للعرقي من أَسْمَائِهِ الْمُصدق الْمُسلم الإِمَام المُهَاجر الْعَامِل اذن خير الْآمِر الناهي الْمُحَلّل الْمحرم الْوَاضِع الرافع المجير وَقَالَ ابْن دحْيَة أسماؤه وَصِفَاته إِذا بحث عَنْهَا تزيد على الثلاثمائة وَقد ذكرنَا عَن ابْن الْعَرَبِيّ أَن أسماءه بلغت ألفا كأسماء الله تَعَالَى -
٣٣٥٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفُيانُ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ ألَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ الله عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعْنَهُمْ يَشْتِمُونَ مُذَمَّماً ويَلْعَنُونَ مُذَمَّماً وأنَا مُحَمَّدٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَنا مُحَمَّد) ، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
قَوْله: (أَلا تعْجبُونَ؟) كلمة ألَا للتّنْبِيه، وَكَانَ الْكفَّار من قُرَيْش من شدَّة كراهتهم فِي النَّبِي ﷺ لَا يسمونه باسمه الدَّال على الْمَدْح فيعدلون إِلَى ضِدّه، فيقولوا: مذمم ومذمم، لَيْسَ باسمه، وَلَا يعرف بِهِ فَكَانَ الَّذِي يَقع مِنْهُم فِي ذَلِك مصروفاً إِلَى غَيره، وَأَنا أسمي مُحَمَّد، كثير الْخِصَال الحميدة، وألهم الله أَهله أَن يسموه بِهِ لما علم من حميد صِفَاته، وَفِي الْمثل الْمَشْهُور: الألقاب تنزل من السَّمَاء، وَقَالَ ابْن التِّين: اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث من أسقط حد الْقَذْف بالتعريض، وهم الْأَكْثَرُونَ خلافًا لمَالِك، وَأجَاب بِأَنَّهُ لم يَقع فِي الحَدِيث أَنه: لَا شَيْء عَلَيْهِم فِي ذَلِك، بل الْوَاقِع أَنهم عوقبوا على ذَلِك، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يدل على النَّفْي وَلَا على الْإِثْبَات، فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بِهِ.
стр. 4737
٨١ - (بابُ خاتَمِ النَّبِيِّينَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم)
٩٨
- أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان معنى الْخَاتم من أَسْمَائِهِ: أَنه خَاتم النَّبِيين.
٤٣٥٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدَّثنا سَلِيمٌ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مِيناءَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْده الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مثَلِي ومثَلُ الأنْبِيَاءِ كمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارَاً فأكْمَلَهَا وأحْسَنَها إلَاّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فجَعَلَ النَّاسَ يَدْخُلُونَها ويتَعَجَّبُونَ ويَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، لِأَن فِي طَرِيق من طرق الحَدِيث عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة عُثْمَان عَن سليم بن حَيَّان: فَأَنا مَوضِع اللبنة جِئْت فختمت الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام.
وَمُحَمّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف نون أُخْرَى: أَبُو بكر الْعَوْفِيّ الْبَاهِلِيّ الْأَعْمَى، وَهُوَ من أَفْرَاده، وسليم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَاّم: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَسَعِيد بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون: ممدوداً ومقصوراً.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَمْثَال عَن مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ بِهِ، وَقَالَ: صَحِيح غَرِيب من هَذَا الْوَجْه.
قَوْله: (مثلي) ، مُبْتَدأ (وَمثل الْأَنْبِيَاء) عطف عَلَيْهِ. وَقَوله: (كَمثل رجل) خَبره، والمثل مَا يضْرب بِهِ الْأَمْثَال، وَفِي (الجمهرة) : الْمثل النظير والمشبه هُنَا وَاحِد والمشبه بِهِ مُتَعَدد فَكيف يَصح التَّشْبِيه؟ وَوَجهه أَنه جعل الْأَنْبِيَاء كلهم كواحد فِيمَا قصد فِي التَّشْبِيه، وَهُوَ أَن الْمَقْصُود من تعيينهم مَا تمّ إلَاّ بِاعْتِبَار الْكل، فَكَذَلِك الدَّار لم يتم إلَاّ بِجَمِيعِ اللبنات، وَيُقَال: إِن التَّشْبِيه هُنَا لَيْسَ من بَاب تَشْبِيه الْمُفْرد بالمفرد بل هُوَ تَشْبِيه تمثيلي، فَيُؤْخَذ وصف من جَمِيع أَحْوَال الْمُشبه وَيُشبه بِمثلِهِ من أَحْوَال الْمُشبه بِهِ، فَيُقَال: شبه الْأَنْبِيَاء وَمَا بعثوا بِهِ من إرشاد النَّاس إِلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق بدار أسس قَوَاعِده وَرفع بُنْيَانه وَبَقِي مِنْهُ مَوضِع لبنة، فنبينا ﷺ بعث لتتميم مَكَارِم الْأَخْلَاق كَأَنَّهُ هُوَ تِلْكَ اللبنة الَّتِي بهَا إصْلَاح مَا بَقِي من الدَّار، قَوْله: (إلَاّ مَوضِع لبنة) ، بِفَتْح الَّلام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَجَاز إسكانها مَعَ فتح اللَّام وَكسرهَا، وَهِي الْقطعَة من الطين تعجن وتيبس ويبنى بهَا بِنَاء، فَإِذا أحرقت تسمى آجرَّة. قَوْله: (لَوْلَا مَوضِع اللبنة) ، بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: لَوْلَا مَوضِع اللبنة يُوهم النَّقْص لَكَانَ بِنَاء الدَّار كَامِلا، كَمَا فِي قَوْلك: لَوْلَا زيد لَكَانَ كَذَا أَي: لَوْلَا زيد مَوْجُود لَكَانَ كَذَا، وَيجوز أَن تكون: لَوْلَا، تخصيصية لَا امتناعية، وَفعله مَحْذُوف أَي: لَوْلَا ترك مَوضِع اللبنة أَو سوى، وَيجوز مَوضِع بِالنّصب أَي: لَوْلَا تركت أَيهَا الرجل موضعهَا وَنَحْو ذَلِك، وَوَقع فِي رِوَايَة همام عِنْد أَحْمد. ألَا وضعت هَهُنَا لبنة فَيتم بنيانك؟
٥٣٥٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ إنَّ مَثَلِي ومثَلَ الأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتَاً فأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلَاّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فجَعَلَ النَّاسَ يَطُوفُونَ بِهِ ويَعْجَبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ هَلَاّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنا اللَّبِنَةُ وأنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ ، عَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (من زَاوِيَة) ، قَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الرُّكْن، وَفِي رِوَايَة همام عِنْد مُسلم: إلَاّ مَوضِع لبنة من زَاوِيَة من زواياها فَظهر أَن المُرَاد أَنَّهَا مكملة محسنة وإلَاّ لاستلزم أَن يكون الْأَمر بِدُونِهَا نَاقِصا وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن شَرِيعَة كل نَبِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَامِلَة، فَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا النّظر إِلَى الْأَكْمَل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرِيعَة المحمدية مَعَ مَا خص بِهِ من الشَّرَائِع.
وَفِيه: ضرب الْأَمْثَال للتقريب للأفهام، وَفضل النَّبِي ﷺ على سَائِر الْأَنْبِيَاء، وَأَن الله ختم بِهِ الْمُرْسلين وأكمل بِهِ شرائع الدّين.
стр. 4738
٩١ - (بابُ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي باين وَفَاة النَّبِي ﷺ ، هَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة عِنْد أبي ذَر، وَسَقَطت من رِوَايَة النَّسَفِيّ.
٦٣٥٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ وهْوَ ابنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ وَقَالَ ابنُ شِهَابٍ وأخْبَرَنِي سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. (الحَدِيث ٦٣٥٣ طرفه فِي: ٦٦٤٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده بِهِ.
قَوْله: (توفّي وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ) ، هَذَا هُوَ الْأَصَح فِي سنه، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي آخر الْغَزَوَات، وَترْجم عَلَيْهِ هَذِه التَّرْجَمَة أَيْضا، وَرُوِيَ أَيْضا هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أنس، وروى عَن أنس: (أَنه توفّي على رَأس السِّتين) ، وَصَححهُ الْحَاكِم فِي (الإكليل) وأسنده ابْن سعد من طَرِيقين عَنهُ، وَبِه قَالَ عُرْوَة وَيحيى بن جعدة وَالنَّخَعِيّ، وروى مُسلم من حَدِيث عمار بن أبي عَامر عَن ابْن عَبَّاس: (أَنه توفّي وَهُوَ ابْن خمس وَسِتِّينَ) ، وَصَححهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ أَيْضا فِي (تَارِيخه) . وَأما البُخَارِيّ فَذكره فِي (تَارِيخه الصَّغِير) : عَن عمار، ثمَّ قَالَ: وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَكَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِي عمار وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن ابْن أبي خَيْثَمَة ذكره أَيْضا من حَدِيث عَليّ بن زيد عَن يُوسُف بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن سعد عَن سعيد بن سُلَيْمَان عَن هشيم حَدثنَا عَليّ ... فَذكره، وَلَو أعله البُخَارِيّ مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حَمَّاد عَن عمار عَن ابْن عَبَّاس، لَكَانَ صَوَابا، لِأَن شُعْبَة، وَإِن تكلم فِيهِ فقد أثنى عَلَيْهِ غير وَاحِد. وَفِي (تَارِيخ ابْن عَسَاكِر) : ثِنْتَانِ وَسِتُّونَ سنة وَنصف، وَفِي كتاب عمر بن شُعْبَة: إِحْدَى أَو اثْنَتَانِ، لَا أرَاهُ بلغ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ. وروى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: توفّي فِي إِحْدَى وَعشْرين من رَمَضَان، وَلما ذكر الطَّبَرِيّ قَول الْكَلْبِيّ وَأبي محيف: أَنه، ﷺ ، توفّي فِي ثامن ربيع الأول، قَالَ هَذَا القَوْل: وَإِن كَانَ خلاف قَول الْجُمْهُور فَإِنَّهُ لَا يبعد أَن كَانَت الثَّلَاثَة الْأَشْهر الَّتِي قبله كَانَت تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهَذَا قَول أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمُحَمّد بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ والمعتمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه وَأبي معشر عَن مُحَمَّد بن قيس، قَالُوا ذَلِك أَيْضا، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْقَاضِي أَبُو بكر بن كَامِل فِي (الْبُرْهَان) . وَقَالَ السُّهيْلي فِي (الرَّوْض) : اتَّفقُوا أَنه توفى ﷺ يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَقَالُوا كلهم: فِي ربيع الأول غير أَنهم قَالُوا، أَو قَالَ أَكْثَرهم: فِي الثَّانِي عشر من الشَّهْر أَو الثَّالِث عشر أَو الرَّابِع عشر أَو الْخَامِس عشر، لإِجْمَاع الْمُسلمين على أَن وَقْفَة عَرَفَة فِي حجَّة الْوَدَاع كَانَت يَوْم الْجُمُعَة، وَهُوَ التَّاسِع من ذِي الْحجَّة، فَدخل ذُو الْحجَّة يَوْم الْخَمِيس، فَكَانَ الْمحرم إِمَّا الْجُمُعَة وَإِمَّا السبت وَإِمَّا الْأَحَد، فَإِن كَانَ الْجُمُعَة فقد كَانَ صفر إِمَّا السبت وَإِمَّا الْأَحَد، فَإِن كَانَ السبت فقد كَانَ الرّبيع إِمَّا الْأَحَد وَإِمَّا الْإِثْنَيْنِ، وَكَيف مَا دارت الْحَال على هَذَا الْحساب فَلم يكن الثَّانِي عشر من ربيع الأول يَوْم الْإِثْنَيْنِ بِوَجْه، وَعَن الْخَوَارِزْمِيّ: توفّي ﷺ فِي أول يَوْم من ربيع الأول، قَالَ: وَهَذَا أقرب إِلَى الْقيَاس، وَعَن الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله ﷺ (مرض يَوْم السبت لاثْنَيْنِ وَعشْرين لَيْلَة من صفر، بَدَأَ بِهِ وَجَعه عِنْد وليدته ريحاته، وَتوفى فِي الْيَوْم الْعَاشِر) ، وَعند أبي معشر عَن مُحَمَّد بن قيس: اشْتَكَى ﷺ يَوْم الْأَرْبَعَاء لإحدى عشرَة بقيت من صفر فِي بَيت زَيْنَب بنت جحش، فَمَكثَ ثَلَاثَة عشر يَوْمًا. وَعند الْوَاقِدِيّ: عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ : (أَنه بدىء بِهِ ﷺ وَجَعه فِي بَيت مَيْمُونَة زَوجته) ، وَقَالَ أهل الصَّحِيح بِإِجْمَاع: إِنَّه توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ، قَالَ أهل السّير: مثل الْوَقْت الَّذِي دخل فِيهِ الْمَدِينَة، وَذَلِكَ حِين ارْتَفع الضُّحَى، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت مُدَّة علته اثْنَي عشر يَوْمًا، وَقيل: أَرْبَعَة عشر يَوْمًا. قَوْله: (وَقَالَ ابْن شهَاب) ، وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ (وَأَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب مثله) أَي: مثل مَا أخبر عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَهُوَ موصل بِالْإِسْنَادِ الأول الْمَذْكُور، وَقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب
стр. 4739
بالإسنادين مَعًا مفرقاً وَهُوَ من مُرْسل سعيد بن الْمسيب، وَيحْتَمل أَن يكون سعيد أَيْضا سَمعه من عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالله تَعَالَى أعلم.
٠٢ - (بابُ كُنْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كنية النَّبِي ﷺ ، الكنية، بِضَم الْكَاف وَسُكُون النُّون: مَأْخُوذ من الْكِنَايَة، تَقول: كنيت عَن الْأَمر بِكَذَا إِذْ ذكرته بِغَيْر مَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَيْهِ صَرِيحًا، وَقد شاعت الكنى بَين الْعَرَب وَبَعضهَا يغلب على الإسم: كَأبي طَالب وَأبي لَهب وَنَحْوهَا، وَقد يكنى وَاحِد بكنية وَاحِدَة فَأكْثر وَمِنْهُم من يشْتَهر باسمه وكنيته جَمِيعًا، فالكنية وَالِاسْم واللقب كلهَا من الْأَعْلَام، وَلَكِن الكنية مَا يصدر بأب أَو أم، واللقب مَا يشْعر بمدح أَو ذمّ، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يكنى: بِأبي الْقَاسِم وَهُوَ أكبر أَوْلَاده، وَعَن ابْن دحْيَة: كنى رَسُول الله، ﷺ بِأبي الْقَاسِم لِأَنَّهُ يقسم الْجنَّة بَين الْخلق يَوْم الْقِيَامَة، ويكنى أَيْضا بِأبي إِبْرَاهِيم، باسم وَلَده إِبْرَاهِيم الَّذِي ولد فِي الْمَدِينَة من مَارِيَة الْقبْطِيَّة، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أنس: أَنه لما ولد إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله، ﷺ من مَارِيَة جَارِيَته كَاد يَقع فِي نفس رَسُول الله، ﷺ ، مِنْهُ حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيل، ﵊، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك أَبَا إِبْرَاهِيم، وَفِي رِوَايَة يَا أَبَا إِبْرَاهِيم، وَذكره ابْن سعد أَيْضا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَله كنية ثَالِثَة وَهُوَ: أَبُو الأرامل.
٧٣٥٣ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السِّوقِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَبَا القَاسِمِ فالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ سَمُّوا باسْمِي ولَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي. (انْظُر الحَدِيث ٠٢١٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا ذكر فِي الْأَسْوَاق، أخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن آدم بن مَالك. وَالْآخر: عَن إِسْمَاعِيل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٨٣٥٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرَنا شُعْبَةُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ تَسَمَّوْا باسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَسَالم هُوَ ابْن أبي الْجَعْد، والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي الْخمس فِي: بَاب قَول الله : ﴿فَإِن لله خمسه﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة؛ وَالْآخر: عَن مُحَمَّد ابْن يُوسُف عَن سُفْيَان.
٩٣٥٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ عنْ أيُّوبَ عنِ ابنِ سِيريِنَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ سَمُّوا باسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه فِي الْأَدَب عَن عَليّ بن عبد الله أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَمْرو النَّاقِد وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَأبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (قَالَ أَبُو الْقَاسِم) ، وَفِيه نُكْتَة لَطِيفَة على مَا لَا يخفى على الفطن. قَوْله: (سموا باسمي) ، بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الْمِيم المضمومة، أَمر للْجَمَاعَة من التَّسْمِيَة، وَالله أعلم.
١٢ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب، إِذا قَدرنَا هَكَذَا يكون معرباً، وإلَاّ فَلَا، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ فِي التَّرْكِيب، وَهَذَا وَقع كَذَا بِغَيْر تَرْجَمَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَا يصلح أَن يكون فصلا من الَّذِي قبله، بل هُوَ طرف من الحَدِيث الَّذِي بعده، وَلَعَلَّ هَذَا من تصرف الروَاة.
стр. 4740
انْتهى. قلت: لَا نسلم أَنه لَا يصلح أَن يكون فصلا من الَّذِي قبله، بل هُوَ صَالح جيد لذَلِك، لِأَن الْأَلْفَاظ الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ ، يُخَاطب بهَا: يَا مُحَمَّد، يَا أَبَا الْقَاسِم، يَا رَسُول الله، وَالْأَدب بل الْأَحْسَن أَن يُخَاطب: بيا رَسُول الله، وَهَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن هَذَا فَلهُ تعلق بِمَا قبله من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: نعم، وَجهه بعض شُيُوخنَا فَإنَّا أَشَارَ إِلَى أَن النَّبِي ﷺ ، وَإِن كَانَ ذَا أَسمَاء وكنية، لَكِن لَا يَنْبَغِي أَن يُنَادى بِشَيْء مِنْهَا، يُقَال لَهُ: يَا رَسُول الله، كَمَا خاطبته خَالَة السَّائِب لما أَتَت بِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يخفى تكلفه. انْتهى. قلت: أَرَادَ بِبَعْض شُيُوخه: صَاحب (التَّوْضِيح) : الشَّيْخ سراج الدّين بن الملقن، وَقَوله: وَلَا يخفى تكلفه، تكلّف بل هُوَ قريب مِمَّا ذكرنَا، وَهُوَ تَوْجِيه حسن، وَهَذَا أحسن من نسبته إِلَى تصرف الروَاة.
٠٤٥٣ - حدَّثني إسْحاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخْبرَنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى عنِ الجُعَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ رأيْتُ السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ ابنَ أرْبَعٍ وتِسْعِينَ جَلْدَاً مُعْتَدِلاً فَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ مَا مُتِّعْتُ بِهِ سَمْعِي وبَصَرِي إلَاّ بِدُعَاءِ رسُولِ الله ﷺ إنَّ خالَتِي ذَهَبَتْ بِي ألَيْهِ فقالَتْ يَا رسُولَ الله إنَّ ابنَ اخْتِي شاكٍ فادْعُ الله قَالَ فدَعَا لِي ﷺ . .
توجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين الْبَاب المترجم قبله بِمَا ذكرنَا الْآن. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَالْفضل بن مُوسَى الشَّيْبَانِيّ، وشيبان قَرْيَة من قرى مرو، الْمروزِي والجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: ابْن عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: الْجَعْد أَيْضا الْكِنْدِيّ الْمدنِي، والسائب بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن سعد الْكِنْدِيّ، وَيُقَال: الْأَسدي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ، وَيُقَال: الْهُذلِيّ، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ من الأزد عداده فِي كنَانَة لَهُ ولأبيه صُحْبَة، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَهُوَ ابْن سِتّ وَتِسْعين، وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن إِسْحَاق لم يذكر إلَاّ هُنَا فَقَط، بِخِلَاف الحَدِيث الْآتِي على مَا نبينه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (ابْن أَربع وَتِسْعين) هَذَا يدل على أَنه رَآهُ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين، فَيكون عَاشَ بعد ذَلِك سنتَيْن، وَهُوَ الْأَشْهر. وَأبْعد من قَالَ: إِنَّه مَاتَ قبل التسعين، وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد: وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (جلدا) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام أَي: قَوِيا صلباً. قَوْله: (معتدلاً) أَي: معتدل الْقَامَة مَعَ كَونه معمراً. قَوْله: (مَا متعت بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (سَمْعِي) بدل من الضَّمِير الَّذِي فِي: بِهِ (وبصري) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (شَاك) فَاعل من الشكوى وَهُوَ الْمَرَض. قَوْله: (فَادع الله) أَي: أدع الله لَهُ، وَهَكَذَا يرْوى أَيْضا، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب: كَانَ مقدم رَأسه أسود وَهُوَ هُوَ لِأَنَّهُ ﷺ مَسحه، وَأمه علية بنت شُرَيْح الحضرمية، ومخرمة ابْن شُرَيْح خَاله.
٢٢ - (بابُ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة خَاتم النُّبُوَّة، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بَين كَتِفي النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ من علاماته الَّتِي كَانَ أهل الْكتاب يعرفونه بهَا.
١٤٥٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله حدَّثنا حاتِمٌ عنِ الجُعَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ سَمِعْتُ السَّائبَ بنَ يَزيدَ قَالَ ذَهَبَتْ بِي خالَتِي إِلَى رسُولِ الله ﷺ فقالَتْ يَا رسُولَ الله إنَّ ابنَ أُخْتِي وَقِعُ فمَسَحَ رأسِي ودَعَا لي بالبَرَكَةِ وتَوَضَّأ فشَرِبْتُ مِنْ وُضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فنَظَرْتُ إلَى خاتَمٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَنَظَرت إِلَى خَاتم بَين كَتفيهِ) . وَمُحَمّد بن عبد الله بِالتَّصْغِيرِ أَبُو ثَابت الْمدنِي، مَشْهُور بكنيته، وَهُوَ من أَفْرَاده، وحاتم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق الْمَكْسُورَة بعد الْألف: ابْن إِسْمَاعِيل أَبُو إِسْمَاعِيل
стр. 4741
الْكُوفِي، سكن الْمَدِينَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب اسْتِعْمَال فضل وضوء النَّاس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. (وَقع) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْقَاف، أَي: وجع وَقد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة بِلَفْظ: وجع، وَقيل: يشتكي رجله، ويروى بِلَفْظ الْمَاضِي.
قَالَ ابنُ عُبَيْدِ الله الحُجْلَةُ مِنْ حُجَلِ الفَرَسِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ. قَالَ إبْرَاهِيم بنُ حَمْزَةَ مِثْلَ زرِّ الحَجَلَةِ
ابْن عبيد الله، هُوَ شَيْخه مُحَمَّد بن عبيد الله الْمَذْكُور آنِفا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه فسر الحجلة الَّتِي وَقع فِي هَذَا الحَدِيث لِأَن فِيهِ: فَنَظَرت إِلَى خَاتمه بَين كَتفيهِ مثل زر الحجلة، على مَا يَأْتِي فِي: بَاب الدُّعَاء للصبيان، من كتاب الدُّعَاء. فَإِن قلت: لم تقع هَذِه اللَّفْظَة هُنَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، فَمَا وَجه تَفْسِيرهَا هُنَا؟ قلت: الظَّاهِر أَنه لما روى هَذَا الحَدِيث عَن شَيْخه مُحَمَّد بن عبيد الله، وَقع السُّؤَال فِي الْمجْلس عَن كَيْفيَّة الْخَاتم؟ فَقَالَ هُوَ: أَعنِي ابْن عبيد الله، أَو غَيره، وَهُوَ مثل زر الحجلة، فَسئلَ هُوَ عَن معنى الحجلة، فَقَالَ: من حجل الْفرس الَّذِي بَين عَيْنَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه فِي هَذَا وَلَيْسَ مثل مَا قَالَ بَعضهم: هَكَذَا وَقع، وَكَأَنَّهُ سقط مِنْهُ شَيْء لِأَنَّهُ يبعد من شَيْخه مُحَمَّد ابْن عبيد الله أَن يُفَسر الحجلة وَلم يَقع لَهَا فِي سِيَاقه ذكر، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ مثل زر الحجلة ثمَّ فَسرهَا كَذَلِك. انْتهى. قلت: قَوْله: كَأَنَّهُ سقط، لَيْسَ مَوضِع الشَّك، لِأَن هَذِه اللَّفْظَة مَوْجُودَة فِي نفس حَدِيث السَّائِب بن يزِيد، وَلكنهَا لَيست بمذكورة هَهُنَا، وَهِي مَذْكُورَة فِيهِ فِي الطَّرِيق الآخر الَّذِي أخرجه فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب الدُّعَاء للصبيان، فَلَا معنى لقَوْله: وَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ مثل زر الحجلة، لِأَنَّهُ لَا مَحل للشَّكّ، وَالْوَجْه فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ، فَافْهَم. وَمَعَ هَذَا تَفْسِيره: من حجل الْفرس الَّذِي بَين عَيْنَيْهِ بِمَعْنى الْبيَاض، فِيهِ نظر، لِأَن الْمَعْرُوف الَّذِي بَين عَيْني الْفرس إِنَّمَا هُوَ غرَّة، وَالَّذِي فِي قوائمه هُوَ التحجيل، وَلَئِن سلمنَا أَن يكون هَذَا التَّفْسِير صَحِيحا فَلَيْسَ لَهُ معنى إِن أَرَادَ الْبيَاض، لِأَنَّهُ لَا يبْقى فَائِدَة لذكر الزر. قَوْله: (وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة) هُوَ أَبُو إِسْحَاق الزبيرِي الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ أَيْضا من مَشَايِخ البُخَارِيّ، روى عَنهُ فِي غير مَوضِع، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَنه روى هَذَا الحَدِيث كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن عبيد الله الْمَذْكُور، إلَاّ أَنه خَالفه فِي هَذِه اللَّفْظَة، فَقَالَ: (مثل زر الحجلة) مثل مَا وَقع فِي نفس الحَدِيث، وَسَيَأْتِي عَنهُ مَوْصُولا فِي كتاب الطِّبّ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد أمعنا فِي هَذَا الْبَاب الْكَلَام فِي كتاب الطَّهَارَة، فَليرْجع إِلَيْهِ هُنَاكَ من أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ، وَالله أعلم.
٣٢ - (بابُ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة النَّبِي ﷺ يَعْنِي: فِي خَلقه وخُلقه.
٢٤٥٣ - حدَّثنا أبُو عاصمٍ عنْ عُمَرَ بنَ سَعِيدِ بنِ أبِي حُسَيْنٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ ابنِ الحارِثِ قَالَ صَلَّى أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ العَصْرَ ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي فرَأى الحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فحَمَلَهُ علَى عاتِقِهِ وَقَالَ بِأبِي شَبِيهٌ بالنَّبِيِّ لَا شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ وعَلِيٌّ يَضْحَكُ. (الحَدِيث ٢٤٥٣ طرفه فِي: ٠٥٧٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا بكر شبه الْحسن بِالنَّبِيِّ فِي خلقه، بِالْفَتْح وَهِي صفته ﷺ .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد الْمَشْهُور بالنبيل. الثَّانِي: عَمْرو بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْقرشِي. الثَّالِث: عبد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم. الرَّابِع: عقبَة بن الْحَارِث بن عَامر الْقرشِي النَّوْفَلِي أَبُو سروعة الْمَكِّيّ ...
...
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ بَصرِي والبقية كلهم مكيون. وَفِيه: عَن ابْن أبي مليكَة وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَخْبرنِي ابْن أبي مليكَة، وَفِي أُخْرَى: حَدثنِي. وَفِيه: عَن عقبَة بن الْحَارِث، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَخْبرنِي عقبَة بن الْحَارِث.
والْحَدِيث أخرجه
стр. 4742
البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد ابْن عبد الله المخرمي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ خرج يمشي) ، وَزَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة: بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ بليالي، وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يمشي إِلَى جَانِبه. قَوْله: (وَقَالَ بِأبي) ، أَي: قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: بِأبي، أَي: أفديه بِأبي، أَو: هُوَ مفدى بِأبي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِأبي قسم، وَفِيه نظر. قَوْله: (شَبيه بِالنَّبِيِّ) ، أَي: هُوَ شَبيه بِالنَّبِيِّ ﷺ (لَا شَبيه بعلي) يَعْنِي: أَبَاهُ ابْن أبي طَالب. قَوْله: (وَعلي يضْحك) جملَة حَالية، وضحكه يدل على أَنه وَافق أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على أَن الْحسن كَانَ يشبه النَّبِي ﷺ . وَقَالَ أَبُو عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ المشبهون برَسُول الله، ﷺ خَمْسَة، وهم: جَعْفَر بن أبي طَالب، وَالْحسن بن عَليّ، وَقثم بن الْعَبَّاس، وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث، والسائب ابْن عبيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد قيل فِي ذَلِك شعر:
(بِخَمْسَة شبه الْمُخْتَار من مُضر ... يَا حسن مَا خولوا من شبهه الْحسن)
(بِجَعْفَر وَابْن عَم الْمُصْطَفى قثم ... وسائب وَأبي سُفْيَان وَالْحسن)
وَفِي (عُيُون الْأَثر) : وَمِمَّنْ كَانَ يُشبههُ ﷺ : عبد الله بن عَامر بن كَعْب بن ربيعَة بن حبيب بن عبد شمس، رَآهُ رَسُول الله، ﷺ ، صَغِيرا، فَقَالَ: هَذَا يشبهنا، وَذكر فِي (الْمرْآة) : مِنْهُم مُسلم بن معتب، وَأنس بن ربيعَة بن مَالك البياضي الْبَصْرِيّ من بني أُسَامَة بن لؤَي، وَكَانَ أشبه النَّاس برَسُول الله، ﷺ فِي خلقه وخلقه، وَكَانَ أنس بن مَالك إِذا رَآهُ عانقه وَبكى، وَقَالَ: من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلْينْظر إِلَى هَذَا، وَبلغ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان خَبره فاستقدمه، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَامَ واعتنقه وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وأقطعه مَالا وأرضاً، فَرد المَال وَقبل الأَرْض.
وَفِي الحَدِيث: فَضِيلَة أبي بكر ومحبته لآل النَّبِي ﷺ . وَفِيه: ترك الصَّبِي الْمُمَيز يلْعَب لِأَن الْحسن إِذْ ذَاك كَانَ ابْن سبع سِنِين، وَقد سمع من النَّبِي ﷺ ، وَحفظ عَنهُ، ولعبه مَحْمُول على مَا يَلِيق لمثله فِي ذَلِك الزَّمَان من الْأَشْيَاء الْمُبَاحَة، بل يحمل على مَا فِيهِ تمرين وتنشيط وَنَحْو ذَلِك.
٤٤٥٣ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي خالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا جُحَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وكانَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵉ يُشْبِهُهُ قُلْتُ لأِبِي جُحَيْفَةَ صِفْهُ لِي قَالَ كانَ أبْيَض قَدْ شَمِطَ وأمَرَ لَنَا النَّبيُّ ﷺ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ قَلُوصاً قَالَ فَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أنْ نَقْبِضَهَا. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٥٣) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بأتم مِنْهُ أخرجه عَن عَمْرو بن عَليّ بن بَحر بن أبي حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل بِالتَّصْغِيرِ إِلَى آخِره.
قَوْله: (قد شمط) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم: أَي صَار شعر رَأسه السوَاد مخالطاً بالبياض. قَوْله: (فَأمر لنا) أَي: لَهُ ولقومه من بني سواءة، وَكَانَ أَمر لَهُم بذلك على سَبِيل جَائِزَة الْوَفْد. قَوْله: (بِثَلَاث عشرَة) ويروى
стр. 4743
بِثَلَاثَة عشر، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَانَ حَقه أَن يَقُول: ثَلَاث عشرَة، وَهُوَ ظَاهر قَوْله: (قلوصاً) بِفَتْح الْقَاف وَضم اللَّام، وَهِي الْأُنْثَى من الْإِبِل، وَقيل: هِيَ الطَّوِيلَة القوائم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الثَّنية من الْإِبِل. قَوْله: (فَقبض النَّبِي ﷺ ، قبل أَن نقبضها) أَي: قبل أَن نقبض تِلْكَ القلائص.
وَفِيه: إِشْعَار أَن ذَلِك كَانَ قرب وَفَاة النَّبِي ﷺ قلت: نعم، روى الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن الفضيل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور: فذهبنا نقبضها فَأَتَانَا مَوته فَلم يعطونا شَيْئا، فَلَمَّا قَامَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: من كَانَت لَهُ عِنْد رَسُول الله، ﷺ عِدَةٌ، فليجىء، فَقُمْت إِلَيْهِ فَأَخْبَرته فَأمر لنا بهَا.
٥٤٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ رَجاءٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ وَهْبٍ أبي جُحَيْفَةَ السُّوَائِيِّ قَالَ رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ورأيْتُ بَيَاضَاً منْ تَحْتِ شَفَتِهِ السُّفْلَى العَنْفَقَةَ.
هَذَا طَرِيق آخر عَن عبد الله بن رَجَاء بن الْمثنى الفداني الْبَصْرِيّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق السبيعِي، واسْمه عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي.
قَوْله: (العنفقة) ، بِالْجَرِّ على أَنه بدل من: الشّفة، وَيجوز بِالنّصب على أَن يكون بَدَلا من قَوْله: (بَيَاضًا) . قَالَ ابْن سَيّده فِي (الْمُخَصّص) : هِيَ مَا بَين الذقن وطرف الشّفة السُّفْلى كَأَن عَلَيْهَا شعر أَو لم يكن، وَقيل: هُوَ مَا كَانَ نبت على الشّفة السُّفْلى من الشّعْر، وَقَالَ الْقَزاز: هِيَ تِلْكَ الْهمزَة الَّتِي بَين الشّفة السُّفْلى والذقن، وَقَالَ الْخَلِيل: هِيَ الشعيرات بَينهمَا، وَلذَلِك يَقُولُونَ فِي التحلية: نقي العنفقة، وَقَالَ أَبُو بكر: العنفقة خفَّة الشَّيْء وقلته، وَمِنْه اشتقاق: العنفقة، فَدلَّ هَذَا على أَن العنفقة الشّعْر، وَأَنه سمي بذلك لقلته وَخِفته، وَفِي هَذَا الحَدِيث بيَّن مَوضِع الْبيَاض والشمط.
٦٤٥٣ - حدَّثنا عِصامُ بنُ خالِدٍ حدَّثنا حَرِيزُ بنُ عُثْمَانَ أنَّهُ سَألَ عبْدَ الله بنَ بُسْرٍ صاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أرَأيْتَ النَّبِيَّ ﷺ كانَ شَيْخَاً قَالَ كانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وعصام، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة: ابْن خَالِد أَبُو إِسْحَاق الْحِمصِي الْحَضْرَمِيّ، مَاتَ سنة بضع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ وَلَيْسَ لَهُ عَنهُ فِي (الصَّحِيح) غَيره، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، و: حريز، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره زَاي: ابْن عُثْمَان السَّامِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَعبد الله بن بسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء.
والْحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ، الثَّالِث عشر مِنْهَا، وَمن أَفْرَاده أَيْضا.
قَوْله: (أَرَأَيْت النَّبِي) يجوز فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون أَرَأَيْت بِمَعْنى أَخْبرنِي، وَيكون لفظ: النَّبِي، مَرْفُوعا على الإبتداء. وَقَوله: (أَكَانَ شَيخا) ، خَبره على تَأْوِيل: هَل يُقَال فِيهِ: كَانَ شَيخا؟ وأعربه بَعضهم بِأَن النَّبِي مَرْفُوع على أَنه اسْم: كَانَ، وَفِيه مَا فِيهِ، وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون: أَرَأَيْت؟ استفهاماً تَقْدِيره: هَل رَأَيْت النَّبِي أَكَانَ شَيخا؟ فَيكون النَّبِي مَنْصُوبًا على المفعولية، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر عَن حريز بن عُثْمَان، قَالَ: رَأَيْت عبد الله بن بسر صَاحب النَّبِي ﷺ بحمص وَالنَّاس يسألونه، فدنوت مِنْهُ وَأَنا غُلَام، فَقلت: أَنْت رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالَ: نعم، قلت: أشيخ كَانَ رَسُول الله، ﷺ أم شَاب؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ. وَفِي رِوَايَة لَهُ: فَقلت لَهُ: أَكَانَ رَسُول الله، ﷺ صبغ؟ قَالَ: يَا ابْن أخي، لم يبلغ ذَلِك. قَوْله: (شَعرَات بيض) ، الشعرات جمع شَعْرَة، وَالْبيض بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جمع أَبيض، وَقَالَ الْكرْمَانِي: شَعرَات جمع قلَّة فَلَا يكون زَائِدا على عشرَة. قلت: سَمِعت بعد الأساتذة الْكِبَار: أَن عدد الشعرات الْبيض الَّتِي كَانَت على عنفقته سَبْعَة عشر شَعْرَة، وَالله أعلم.
٧٤٥٣ - حدَّثني ابنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ خالِدٍ عنْ سَعيدِ بنِ أبِي هِلالٍ عنْ رَبِيعَةَ ابنِ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كانَ رَبْعَةً مِنَ القَوْمِ لَيْسَ بالطَّوِيلِ ولَا بالْقَصِيرَ أزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بأبْيَضَ أمْهَقَ ولَا آدَمَ لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطِطٍ ولَا سَبْطٍ رَجُلٍ أُنْزِلَ علَيْهِ وهْوَ ابنُ أرْبَعِينَ فلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنَزَّلُ علَيْهِ وبالمَدِينَةِ عَشْرَ
стр. 4744
سِنِينَ ولَيْسَ فِي رأسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعرَةً بَيْضَاءَ قَالَ رَبِيعَةُ فرَأيْتُ شَعَرَاً مِنْ شَعَرِهِ فإذَا هُوَ أحْمَرُ فَسَألْتُ فَقيلَ احْمَرَّ مِنَ الطَّيب.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن بِكَسْر هُوَ يحيى بن بكير تَصْغِير بكر وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى جده لِأَنَّهُ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد الْمصْرِيّ، وخَالِد هُوَ ابْن يزِيد الجُمَحِي الإسْكَنْدراني أَبُو عبد الرَّحِيم الْفَقِيه الْمُفْتِي، وَسَعِيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن بن فروخ الْفَقِيه الْمدنِي الْمَعْرُوف بربيعة الرَّأْي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك وَفِي اللبَاس عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ ، عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَعَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّاء. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ مُخْتَصرا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ ربعَة) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: مربوعاً، والتأنيث بِاعْتِبَار النَّفس، يُقَال: رجل ربعَة وَامْرَأَة ربعَة. قَوْله: (لَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير) ، تَفْسِير ربعَة، أَي: لَيْسَ بالطويل الباين المفرط فِي الطول مَعَ اضْطِرَاب الْقَامَة، قَالَ الْأَخْفَش: هُوَ عيب فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الْبَراء عَن قريب أَنه كَانَ مربوعاً، وَوَقع فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد الذهلي. فِي (الزهريات) بِإِسْنَاد حسن: كَانَ ربعَة وَهُوَ إِلَى الطول أقرب. قَوْله: (أَزْهَر اللَّوْن) أَي: أَبيض مشرب بحمرة، وَقد وَقع ذَلِك صَرِيحًا فِي مُسلم من حَدِيث أنس من وَجه آخر، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ أَبيض مشرباً بياضه بحمرة، وَقيل: الْأَزْهَر أَبيض اللَّوْن ناصعاً. قَوْله: (لَيْسَ بأبيض أمهق) ، كَذَا وَقع فِي الْأُصُول، وَوَقع عِنْد الدَّاودِيّ تبعا لرِوَايَة الْمروزِي: أمهق لَيْسَ بأبيض، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أمهق أَبيض لَا فِي الْغَايَة، وَهُوَ معنى لَيْسَ بأبيض. وَقَالَ رؤبة: المهق خضرَة المَاء، وَلم يُوجد لفظ أمهق فِي بعض النّسخ وَهُوَ الْأَظْهر. وَفِي (الموعب) : الأمهق الْبيَاض الجصي، وَكَذَلِكَ الأمقه، وَقيل: هُوَ بَيَاض فِي زرقة، وَامْرَأَة مهقاء ومقهاء، وَقَالَ بَعضهم: هما الشديدا الْبيَاض، وَعَن ابْن دُرَيْد: هُوَ بَيَاض سمج لَا يخالطه حمرَة وَلَا صفرَة. وَفِي (التَّهْذِيب) : بَيَاض لَيْسَ بنير. وَفِي (الْجَامِع) : بَيَاض شَدِيد مفتح، وَقيل: هُوَ شدَّة الخضرة. وَقَالَ عِيَاض: من روى أَنه لَيْسَ بالأبيض وَلَا الآدم فقد وهم، وَلَيْسَ بصواب، ورد عَلَيْهِ بِأَن المُرَاد أَنه لَيْسَ بالأبيض الشَّديد الْبيَاض، وَلَا بالآدم الشَّديد الأدمة، وَإِنَّمَا يخالط بياضه الْحمرَة، وَالْعرب قد تطلق على من كَانَ كَذَلِك أسمر، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث أنس أخرجه أَحْمد وَالْبَزَّار وَابْن مَنْدَه بِإِسْنَاد صَحِيح: أَن النَّبِي ﷺ (كَانَ أسمر) ، وَفِي رِوَايَات كَثِيرَة مُخْتَلفَة، فَعِنْدَ النّظر يظْهر من مجموعها أَن المُرَاد بالسمرة: الْحمرَة الَّتِي تخالط الْبيَاض، وَأَن المُرَاد بالبياض الْمُثبت مَا يخالط الْحمرَة، والمنفي مَا لَا يخالطه، وَهُوَ الَّذِي تكرههُ الْعَرَب وتسميه أمهق، وَبِهَذَا يظْهر أَن رِوَايَة الْمروزِي: أمهق، لَيْسَ بأبيض، مَقْلُوبَة على أَنه يُمكن تَوْجِيهه بِمَا ذَكرْنَاهُ عَن الْكرْمَانِي آنِفا. قَوْله: (لَيْسَ بجعد قطط) ، الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، والقطط بِفتْحَتَيْنِ والجعودة فِي الشّعْر أَن لَا يتكسر وَلَا يسترسل، والقطط شَدِيد الجعودة. وَفِي (التَّلْوِيح) : الشّعْر القطط شَبيه بِشعر السودَان. قَوْله: (وَلَا سبط) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: من السبوطة وَهِي ضد الجعودة، وَالْحَاصِل أَنه: وسط بَين الجعودة والسبوطة، وَيُقَال: يَعْنِي شعره لَيْسَ بِهَاتَيْنِ الصفتين وَإِنَّمَا فِيهِ جعدة بصقلة. قَوْله: (رجل) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْجِيم وَقيل بِفَتْحِهَا وَقيل بسكونها، وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ رجل، أَي: مسترسل، وَقيل: منسرح. وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَلم يكن بالجعد القطط وَلَا بالسبط، كَانَ جَعدًا رجلا. وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ: رجل، بِالْجَرِّ. قيل: إِنَّه وهم وَيُمكن تَوْجِيهه على أَنه جر بالمجاورة، ويروى فِي بعض الرِّوَايَات: رجل، بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْجِيم، على أَنه فعل مَاض، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة فَلَا يظْهر وَجه وُقُوعه هَكَذَا إلَاّ بتعسف. قَوْله: (أنزل عَلَيْهِ) ، يَعْنِي: الْوَحْي، وَفِي رِوَايَة مَالك: بَعثه الله. قَوْله: (وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة) ، جملَة حَالية يَعْنِي: وعمره أَرْبَعُونَ سنة، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَقيل: أنزل عَلَيْهِ الْوَحْي بعد أَرْبَعِينَ سنة وَعشرَة أَيَّام، وَقيل: وشهرين، وَذَلِكَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ لسبع عشرَة خلت من شهر رَمَضَان، وَقيل:
стр. 4745
لسبع، وَقيل: لأَرْبَع وَعشْرين لَيْلَة مِنْهُ، فِيمَا ذكره ابْن عَسَاكِر، وَعَن أبي قلَابَة: نزل عَلَيْهِ الْوَحْي لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان، وَعند المَسْعُودِيّ: يَوْم الْإِثْنَيْنِ لعشر خلون من ربيع الأول، وَعند إِبْنِ إِسْحَاق: ابْتَدَأَ بالتنزيل يَوْم الْجُمُعَة من رَمَضَان بَغْتَة، وعمره أَرْبَعُونَ سنة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَهُوَ تَاسِع شباط لسبعمائة وَأَرْبَعَة وَعشْرين عَاما من سني ذِي القرنين، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان خلون من ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين من الْفِيل، وَقيل: فِي أول ربيع، وَفِي (تَارِيخ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْفَسَوِي) : على رَأس خمس عشرَة سنة من بُنيان الْكَعْبَة، وَعَن مَكْحُول: أُوحِي إِلَيْهِ بعد اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين سنة، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَابْن أبي عَاصِم والدولابي فِي (تَارِيخه) : نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَأَرْبَعين سنة. وَفِي (تَارِيخ أبي عبد الرَّحْمَن العتقي) : وَهُوَ ابْن خمس وَأَرْبَعين سنة لسبع وَعشْرين من رَجَب، قَالَه الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَجمع بَين هَذِه الْأَقْوَال، وَالْأول بِأَن ذَلِك حِين حمي الْوَحْي وتتابع، وَعند الْحَاكِم مصححاً: أَن إسْرَافيل، ﵇، وكل بِهِ ثَلَاث سِنِين، قبل جِبْرِيل ﷺ ، وَأنكر ذَلِك الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ: أهل الْعلم ببلدنا يُنكرُونَ أَن يكون وكل بِهِ غير جِبْرِيل ﷺ ، وَزعم السُّهيْلي إِن إسْرَافيل ﷺ وكل بِهِ ﷺ تدرباً وتدريجاً لجبريل كَمَا كَانَ أول نبوته الرُّؤْيَا الصادقة. قَوْله: (فَلبث بِمَكَّة عشر سِنِين ينزل عَلَيْهِ) أَي: الْوَحْي، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه عَاشَ سِتِّينَ سنة، وَأخرج مُسلم من وَجه آخر عَن أنس أَنه ﷺ : عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة، وَهُوَ مُوَافق لحَدِيث عَائِشَة الَّذِي مضى عَن قريب، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، وَالله أعلم. قَوْله: (وَلَيْسَ فِي رَأسه ولحيته عشرُون شَعْرَة بَيْضَاء) ، يَعْنِي: دون ذَلِك. فَإِن قلت: روى ابْن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر: (كَانَ شيب رَسُول الله، ﷺ نَحوا من عشْرين شَعْرَة بَيْضَاء فِي مقدمه) ، فَهَذَا وَحَدِيث أنس يَقْتَضِي أَن يكون أَكثر من عشرَة إِلَى مَا دون عشْرين، وَحَدِيث عبد الله بن بسر الْمَاضِي يدل على أَنَّهَا كَانَت عشرَة، لِأَنَّهُ قَالَ: عشر شَعرَات بِصِيغَة جمع الْقلَّة، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن جمع الْقلَّة لَا يزِيد على عشرَة. قلت: التَّوْفِيق بَين هَذَا أَن حَدِيث ابْن بسر فِي شَعرَات عنفقته، وَمَا زَاد على ذَلِك يكون فِي صدغيه، كَمَا فِي حَدِيث الْبَراء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَإِن قلت: روى ابْن سعد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن حميد عَن أنس فِي أثْنَاء حَدِيث، قَالَ: لم يبلغ مَا فِي لحيته من الشّعْر عشْرين شَعْرَة، قَالَ حميد: وَأَوْمَأَ إِلَى عنفقته سبع عشرَة، وروى أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ثَابت عَن أنس، قَالَ: (مَا كَانَ فِي رَأس النَّبِي ﷺ ولحيته إلَاّ سبع عشرَة أَو ثَمَان عشرَة) ، وروى ابْن أبي خَيْثَمَة من حَدِيث حميد عَن أنس: لم يكن فِي لحية رَسُول الله ﷺ عشرُون شَعْرَة بَيْضَاء، قَالَ حميد: كن سبع عشرَة، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن أنس، قَالَ: لَو عددت مَا أقبل من شَيْبه فِي رَأسه ولحيته مَا كنت أزيدهن على إِحْدَى عشرَة. قلت: هَذِه أَربع رِوَايَات عَن أنس كلهَا تدل على أَن شعراته الْبيض لم تبلغ عشْرين شَعْرَة، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة توضح بِأَن مَا دون الْعشْرين كَانَ سبع عشرَة أَو ثَمَان عشرَة، فَيكون كَمَا ذكرنَا الْعشْرَة على عنفقته وَالزَّائِد عَلَيْهَا يكون فِي بَقِيَّة لحيته، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة: لم يكن فِي لحية رَسُول الله ﷺ عشرُون شَعْرَة بَيْضَاء، واللحية تَشْمَل العنفقة وَغَيرهَا، وَكَون الْعشْرَة على العنفقة بِحَدِيث عبد الله بن بسر، والبقية بالأحاديث الْأُخَر فِي بَقِيَّة لحيته، وَكَون حميد أَشَارَ إِلَى عنفقته سبع عشرَة لَيْسَ يفهم ذَلِك من نفس الحَدِيث، والْحَدِيث لَا يدل إلَاّ على مَا ذكرنَا من التَّوْفِيق، وَأما الرِّوَايَة الرَّابِعَة الَّتِي رَوَاهَا الْحَاكِم فَلَا تنَافِي كَون الْعشْرَة على العنفقة وَالْوَاحد على غَيرهَا، وَهَذَا الْموضع مَوضِع تَأمل. قَوْله: (قَالَ ربيعَة) ، هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَسَأَلت) ، قيل: يُمكن أَن يكون المسؤول عَنهُ أنسا، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَاه مُحَمَّد ابْن عقيل: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ لأنس: هَل خضب النَّبِي ﷺ فَإِنِّي رَأَيْت شعرًا من شعره قد لون؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا الْأَثر قد لون من الطّيب الَّذِي كَانَ يطيب بِهِ شعر رَسُول الله، ﷺ فَهُوَ الَّذِي غير لَونه فَيحْتَمل أَن يكون ربيعَة سَأَلَ أنسا عَن ذَلِك فَأَجَابَهُ بقوله: أَحْمَر من الطّيب، يَعْنِي لم يخضب، وَالله أعلم.
٨٤٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبَرَنَا مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ كانَ رسُولُ الله ﷺ لَيْسَ بالطَّوِيلِ البائِنِ ولَا بالقَصِيرِ وَلَا بالأبْيَضِ الأمْهَقِ ولَيْسَ بالآدَمِ ولَيْسَ بالجَعْدِ القطَطِ ولَا بالسَّبْطِ بَعَثَهُ
стр. 4746
الله علَى رأسِ أرْبَعِينَ سَنَةً فأقامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنينَ وبِالمَدِينَةِ عَشْرِ سِنينَ فتَوَفَّاهُ الله ولَيْسَ فِي رَأسِهِ ولِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٤٥٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس من رِوَايَة ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن. وَالْكَلَام فِيهِ قد مر عَن قريب، وَهَذَا الحَدِيث يَقْتَضِي أَنه عَاشَ سِتِّينَ سنة، وروى مُسلم من وَجه آخر عَن أنس: أَنه عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة، وَهَذَا مُوَافق لحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عنهَا الْمَاضِي عَن قريب. وَهَذَا قَول الْجُمْهُور، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا بُد أَن يكون الصَّحِيح أَحدهمَا قلت: كِلَاهُمَا صَحِيح، وَيحمل رِوَايَة السِّتين على إِلْغَاء الْكسر.
٩٤٥٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ أبُو عَبْدِ الله حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ حدَّثَنا إبْرَاهِيمُ ابنُ يُوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ يقُولُ كانَ رسُولُ الله ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ وجْهاً وأحْسَنَهُ خَلْقاً لَيْسَ بالطَّوِيلِ البائِنِ وَلَا بالقَصِيرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأحمد بن سعيد بن إِبْرَاهِيم أَبُو عبد الله الْمروزِي الْمَعْرُوف بالرباطي، مَاتَ يَوْم عَاشُورَاء أَو النّصْف من محرم سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا وَإِسْحَاق بن مَنْصُور أَبُو عبد الله السَّلُولي الْكُوفِي وَإِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِسْحَاق يروي عَن أَبِيه يُوسُف بن إِسْحَاق، ويوسف يروي عَن جده أبي إِسْحَاق السبيعِي، واسْمه: عَمْرو بن عبد الله، لِأَن إِسْحَاق يُقَال: إِنَّه مَاتَ قبل أَبِيه أبي إِسْحَاق!
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن أبي كريب.
قَوْله: (وَأحسنه خلقا) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم أَوله، وَاسْتشْهدَ بقوله تَعَالَى: ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ (الْقَلَم: ٤) . وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وَأحسنه خلقا وخلقاً) . قَوْله: (الْبَائِن) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة من: بَان، أَي: ظهر على غَيره أَو فَارق من سواهُ.
٠٥٥٣ - حدَّثنا أبُو نَعَيْمٍ حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سألْتُ أنَسَاً هَلْ خَضَبَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لَا إنَّمَا كانَ شَيْءٌ فِي صُدْغَيْهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَهَمَّام بن يحيى العوذي الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن أبي مُوسَى. قَوْله: (شَيْء) ، أَي: من الشيب، يُرِيد أَنه لم يبلغ الخضاب لِأَنَّهُ لم يكن لَهُ شَيْء من الشيب إلَاّ قَلِيلا فِي صدغيه لم يحْتَج إِلَى التخضيب. قَوْله: (فِي صدغيه) ، الصدغ مَا بَين الْأذن وَالْعين، وَيُسمى أَيْضا الشّعْر المتدلي عَلَيْهِ صدغاً. فَإِن قلت: روى ابْن عمر فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : أَنه رأى النَّبِي ﷺ ، يصْبغ من الصُّفْرَة. قلت: صبغ فِي وَقت وَتَركه فِي مُعظم الْأَوْقَات، فَأخْبر كل بِمَا رأى، وَكِلَاهُمَا صادقان. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث يدل على أَن بعض الشيب كَانَ فِي صدغيه، وَفِي حَدِيث عبد الله بن بسر: كَانَ على عنفقته؟ قلت: يجمع بَينهمَا بِمَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس، قَالَ: (لم يخضب رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْبيَاض فِي عنفقته وَفِي الصدغين وَفِي الرَّأْس نبذ، أَي: متفرق) ، فَإِن قلت: أخرج الْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: (مَا شانه الله ببيضاء) . قلت: هَذَا مَحْمُول على أَن تِلْكَ الشعرات الْبيض لم يتَغَيَّر بهَا شَيْء من حسنه ﷺ .
١٥٥٣ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعَاً بَعيد مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أذُنِهِ رأيْتُهُ فِي حُلَّة حَمْرَاءَ لَمْ أرَ شَيْئاً قَطُّ أحْسَنَ مِنْهُ قَالَ يُوسُفُ بنُ أبِي إسْحَاقَ عنْ أبِيهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو إِسْحَاق مر الْآن، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن أبي الْوَلِيد مُخْتَصرا.
стр. 4747
وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن حَفْص بن عمر بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان وَالْأَدب عَن بنْدَار بِبَعْضِه، وَفِي الشَّمَائِل عَن بنْدَار بِتَمَامِهِ وَعَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن عَليّ بن الْحُسَيْن وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي.
قَوْله: (مربوعاً) وَهُوَ معنى قَوْله: (ربعَة) فِي الْأَحَادِيث السَّابِقَة. قَوْله: (بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ) ، أَي عريض أَعلَى الظّهْر، وَوَقع فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن سعد: رحب الصَّدْر. قَوْله: (أُذُنه) بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أُذُنَيْهِ) بالتثنية، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: تكَاد جمته تصيب شحمة أُذُنَيْهِ. قَوْله: (قَالَ يُوسُف بن أبي إِسْحَاق) ، نسبه إِلَى جده لِأَنَّهُ ذكر الْأَب وَأَرَادَ الْجد مجَازًا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الضَّمِير فِي أَبِيه يرجع إِلَى إِسْحَاق لَا إِلَى يُوسُف، لِأَن يُوسُف لَا يروي إلَاّ عَن الْجد. قَوْله: (إِلَى مَنْكِبَيْه) ، أَي: يبلغ الجمة إِلَى مَنْكِبَيْه، وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ قبل عَن أَحْمد بن سعد عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن يُوسُف حَدثنَا أبي عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء، وَلكنه اخْتَصَرَهُ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله (يبلغ شحمة أُذُنَيْهِ) ، مُغَاير لقَوْله: مَنْكِبَيْه، ورد بِأَن المُرَاد أَن مُعظم شعره كَانَ عِنْد شحمة أُذُنه، وَمَا استرسل مِنْهُ مُتَّصِل إِلَى الْمنْكب، أَو يحمل على حالتين.
٢٥٥٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا زُهَيْرٌ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سُئِلَ البَرَاءُ أكانَ وجْهُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ قَالَ لَا بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن سُفْيَان بن وَكِيع.
قَوْله: (أَكَانَ؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الإستخبار. قَوْله: (مثل السَّيْف) ، يحْتَمل أَنه أَرَادَ: مثل السَّيْف فِي الطول، قَالَ الْبَراء: لَا بل مثل الْقَمَر فِي التدوير، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ مثل السَّيْف فِي اللمعان والصقال، فَقَالَ الْبَراء: لَا بل مثل الْقَمَر الَّذِي فَوق السَّيْف فِي ذَلِك، لِأَن الْقَمَر يَشْمَل التدوير واللمعان، بل التَّشْبِيه بِهِ أبلغ لِأَن التَّشْبِيه بالقمر لوجه الممدوح شَائِع ذائع، وَكَذَا بالشمس، وَقد أخرج مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة: أَن رجلا قَالَ لَهُ: أَكَانَ وَجه رَسُول الله، ﷺ مثل السَّيْف؟ قَالَ: لَا بل مثل الشَّمْس وَالْقَمَر مستديراً، وَقد أَشَارَ بقوله: مستديراً، إِلَى أَنه جمع التدوير مَعَ كَونه مثل الشَّمْس وَالْقَمَر فِي الْإِشْرَاق واللمعان والصقال، فَكَأَنَّهُ نبه فِي حَدِيثه أَنه جمع الْحسن والاستدارة، وَهَذَا الحَدِيث يُؤَيّد الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورين.
٣٥٥٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ مَنْصُورٍ أبُو عَلِيٍّ حدَّثنَا حَجَّاحُ بنُ مُحَمَّدٍ الأعْوَرُ بالمَصِّيصَةِ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أبَا جُحَيْفَةَ قَالَ خَرَجَ رسُولُ الله ﷺ بالهاجِرَةِ إِلَى البَطْحَاءِ فتَوَضَّأ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ والعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وبَيْنَ يَدَيْهِ عنْزَةٌ وزَادَ فيهِ عَوْنٌ عنْ أبِيهِ عنْ أبي جُحَيْفَةَ قَالَ كانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا المَارَّةُ وقامَ الْنَّاسُ فجَعَلُوا يأخُذُونَ يَدَيْهِ فيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ قَالَ فأخَذْتُ بِيَدِهِ فوَضَعْتُهَا علَى وَجْهِي فإذَا هِيَ أبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وأطْيَبُ رائِحَةً مِنَ المِسْكِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحسن بن مَنْصُور أَبُو عَليّ الصُّوفِي الْبَغْدَادِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَلم يخرج عَنهُ غير هَذَا الحَدِيث، وَالْحكم، بِفتْحَتَيْنِ: ابْن عتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر غير مرّة، وَهَذَا الحَدِيث مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب اسْتِعْمَال فضل وضوء النَّاس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَمر أَيْضا فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة إِلَى العنزة، فَأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة، قَالَ: حَدثنَا عون بن أبي جُحَيْفَة، قَالَ سَمِعت أبي قَالَ: (خرج علينا رَسُول الله، ﷺ الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (بِالْمصِّيصَةِ) بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة وَكسرهَا وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الصَّاد الثَّانِيَة وَفِي آخرهَا هَاء: وَهِي مَدِينَة مَشْهُورَة بناها أَبُو
стр. 4748
جَعْفَر الْمَنْصُور على نهر جيحان وَهُوَ الَّذِي تسميه الْقَوْم جاهان. وَقَالَ الْبكْرِيّ: ثغر من ثغور الشَّام. قلت: رَأَيْتهَا فِي سفرتي إِلَى بِلَاد الرّوم وغالبها خراب، وَهِي فِي بِلَاد الأرمن بِالْقربِ من مَدِينَة تسمى أذنة، وَإِنَّمَا قَالَ: بِالْمصِّيصَةِ، لِأَن حجاج بن مُحَمَّد سكن المصيصة وَأَصله ترمذي وَمَات بِبَغْدَاد سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ. قَوْله: (بالهاجرة) ، وَهِي: نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر. قَوْله: (إِلَى الْبَطْحَاء) ، وَهُوَ المسيل الْوَاسِع الَّذِي فِيهِ دقاق الْحَصَى. قَوْله: (عنزة) ، بِفَتْح النُّون: أطول من الْعَصَا وأقصر من الرمْح وَفِيه زج. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة) ، هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (وَزَاد فِيهِ عون) ، أَي: زَاد الحكم فِي إِسْنَاد الحَدِيث: حَدثنَا عون عَن أَبِيه عَن أبي جُحَيْفَة، وَيَأْتِي هَذَا فِي آخر الْبَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمَا وَقع فِي بعض النّسخ: عون عَن أَبِيه عَن أبي جُحَيْفَة، سَهْو لِأَن عوناً هُوَ ابْن أبي جُحَيْفَة، وَالصَّوَاب نقص الْأَب. قلت: فِي كتاب الصَّلَاة الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: حَدثنَا عون ابْن أبي جُحَيْفَة عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت أبي، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله، ﷺ ... الحَدِيث، وَهنا عون عَن أَبِيه عَن أبي جُحَيْفَة، فَلفظ: عَن أَبِيه، حَشْو لَا طائل تَحْتَهُ، وَالصَّوَاب ترك هَذِه اللَّفْظَة. قَوْله: (فَإِذا هِيَ) ، أَي: يَده أبرد من الثَّلج، وَالْحكمَة فِيهِ أَن برودة يَده تدل على سَلامَة جسده من الْعِلَل والعوارض. قَوْله: (وَأطيب رَائِحَة من الْمسك) ، قَالَت الْعلمَاء: كَانَت هَذِه الرّيح الطّيبَة صفته، ﷺ ، وَإِن لم يمس طيبا، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يسْتَعْمل الطّيب فِي كثير من الْأَوْقَات مُبَالغَة فِي طيب رِيحه لملاقاة الْمَلَائِكَة وَأخذ الْوَحْي الْكَرِيم ومجالسة الْمُسلمين، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث وَائِل بن حجر: (أُتِي رَسُول الله ﷺ بِدَلْو من مَاء فَشرب مِنْهُ ثمَّ مج فِي الدَّلْو ثمَّ فِي الْبِئْر، ففاح مِنْهَا ريح الْمسك) . وروى أَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ رَسُول الله، ﷺ : (إِذا مر فِي طَرِيق من طرق الْمَدِينَة وجد مِنْهُ رَائِحَة الْمسك، فَيُقَال: مر رَسُول الله، ﷺ من هَذِه الطَّرِيق) .
٤٥٥٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخبَرَنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ وأجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رمَضَانَ حِينَ يلْقَاهُ جِبرِيلُ وكانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْقَاهُ فِي كلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ فلَرَسُولُ الله ﷺ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المرْسَلَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كَونه ﷺ مَوْصُوفا بالجود. وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَهَذَا الحَدِيث مر فِي أَوَائِل: بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين: أَحدهمَا عَن عَبْدَانِ أَيْضا إِلَى آخِره، نَحوه. وَالْآخر: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الصّيام فِي: بَاب أَجود مَا يكون النَّبِي ﷺ يكون فِي رَمَضَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره. قَوْله: (أَجود النَّاس) أَي: أَعْطَاهُم وَأكْرمهمْ. قَوْله: (من الرّيح الْمُرْسلَة) أَي: المبعوثة لنفع النَّاس.
٥٥٥ - حدَّثنا يَحْيَى حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرنِي ابنُ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ رسُولَ الله ﷺ دَخَلَ علَيْهَا مَسْرُوراً تَبْرُقُ أسَارِيرُ وجْهِهِ فَقَالَ ألَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ المُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وأُسَامَةَ ورَأي أقْدَامَهُمَا إنَّ بَعْضَ هاذِهِ الأقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تبرق أسارير وَجهه) فَإِن هَذَا من جملَة صِفَاته، ﷺ ، وَيحيى: إِمَّا ابْن مُوسَى بن عبد ربه السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَإِمَّا يحيى بن جَعْفَر ابْن أعين البيكندي، وَكِلَاهُمَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَكِلَاهُمَا رويا عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج.
стр. 4749
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: (مَسْرُورا) حَال، أَي: فرحان. قَوْله: (تبرق) بِضَم الرَّاء، أَي: تضيء وتستنير من الْفَرح، قَوْله: (أسارير وَجهه) الأسارير جمع الْأَسْرَار، وَهُوَ جمع السرر: وَهِي الخطوط الَّتِي تكون فِي الجبين، وبرقانها يكون عِنْد الْفَرح. قَوْله: (ألم تسمعي) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ لعَائِشَة: ألم تسمعي مَا قَالَ المدلجي؟ بِضَم الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالجيم، واسْمه: مجزز، بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وَكسر الزَّاي الأولى الْمُشَدّدَة، ونسبته إِلَى مُدْلِج بن مرّة بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، بطن من كنَانَة كَبِير مَشْهُور بالقيافة، والقائف هُوَ من يتتبع الْآثَار ويعرفها وَيعرف شبه الرجل بأَخيه وَأَبِيهِ، وَالْجمع: الْقَافة، يُقَال: فلَان يقوف الْأَثر ويقتافه قيافة، مثل: قفا الْأَثر واقتفاه، وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة تقدح فِي نسب أُسَامَة بن زيد لكَونه أسود وَزيد أَبيض، فَمر بهما مجزز وهما تَحت قطيفة قد بَدَت أقدامهما من تحتهَا، فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض، فَلَمَّا قضى هَذَا الْقَائِف بإلحاق نسبه، وَكَانَت الْعَرَب تعتمد قَول الْقَائِف ويعترفون بحقية القيافة، فَرح رَسُول الله ﷺ لكَونه زجرا لَهُم عَن الطعْن فِي النّسَب، وَكَانَت أم أُسَامَة بركَة حبشية سَوْدَاء، وَكَانَ أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل بن كَعْب بن عبد الْعُزَّى، وَأمه أم أَيمن حاضنة النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ يُسمى حب النَّبِي ﷺ . وَاخْتلفُوا فِي الْعَمَل بقول الْقَائِف: فأثبته الشَّافِعِي وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث، وَالْمَشْهُور عَن مَالك إثْبَاته فِي الْإِمَاء ونفيه فِي الْحَرَائِر، ونفاه أَبُو حنيفَة مُطلقًا لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٣) . وَلَيْسَ فِي حَدِيث المدلجي دَلِيل على وجوب الحكم بقول الْقَافة لِأَن أُسَامَة كَانَ نسبه ثَابتا من زيد قبل ذَلِك، وَلم يحْتَج النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك إِلَى قَول أحد، وَإِنَّمَا تعجب النَّبِي ﷺ من إِصَابَة مجزز كَمَا يتعجب من ظن الرجل الَّذِي يُصِيب ظَنّه حَقِيقَة الشَّيْء الَّذِي ظَنّه، وَلَا يثبت الحكم بذلك، وَترك رَسُول الله، ﷺ الْإِنْكَار عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يتعاطَ فِي ذَلِك إِثْبَات مَا لم يكن ثَابتا.
٦٥٥٣ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ أنَّ عبْدَ الله بنَ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عنْ تبُوكَ قَالَ فلَمَّا سلَّمْتُ علَى رَسُولِ الله ﷺ وهْوَ يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وكانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حتَّى كأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وكُنَّا نَعْرِفُ ذالِكَ مِنْهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (استنار وَجهه) إِلَى آخِره، وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ الْمَدِينِيّ، يكنى أَبَا الْخطاب، عبد الله بن كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ رُوِيَ عَن أَبِيه كَعْب بن مَالك بن أبي كَعْب بن الْقَيْن بن كَعْب بن سَواد بن غنم ابْن كَعْب بن سَلمَة السّلمِيّ الخزرجي الْأنْصَارِيّ الْمدنِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مصريان، وعقيلاً أيلي، والبقية مدنيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله، وَعبد الله بن كَعْب. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب عَن الْجد.
وَحَدِيث كَعْب هَذَا قِطْعَة من تَوْبَته، وَسَيَأْتِي بِطُولِهِ فِي الْمَغَازِي. وَأخرجه فِي مَوَاضِع مُخْتَصرا وَمُطَولًا، فَفِي الْمَاضِي أخرج فِي الْوَصَايَا قِطْعَة وَفِي الْجِهَاد قِطْعَة، وَفِي الَّذِي يَأْتِي فِي وُفُود الْأَنْصَار وَفِي موضِعين من الْمَغَازِي وَفِي أَرْبَعَة مَوَاضِع من التَّفْسِير وَفِي الْأَحْكَام مطولا ومختصراً، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي الطَّاهِر وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن أبي الطَّاهِر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُلَيْمَان وَعَن مُحَمَّد بن جبلة وَمُحَمّد بن يحيى وَمُحَمّد بن معدان.
قَوْله: (فَلَمَّا سلمت) ، وَجَوَابه مَحْذُوف تَقْدِيره: قَالَ رَسُول الله، ﷺ كَذَا وَكَذَا. وَقَوله: (وَهُوَ يَبْرق وَجهه) ، جملَة حَالية وَمعنى: يَبْرق، يلمع. قَوْله: (إِذا سر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من السرُور. قَوْله: (استنار) ، أَي: أَضَاء وتنور، قَوْله: (كَأَنَّهُ قِطْعَة قمر) ، أَي: كَأَن الْموضع الَّذِي تبين فِيهِ السرُور، وَهُوَ جَبينه قِطْعَة قمر.
стр. 4750
٧٥٥٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَمْرو عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرونِ بَنِي آدَمَ قَرْناً فَقَرْناً حتَّى كُنْتُ مِنَ القَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فيهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كَونه من خير قُرُون، وَهُوَ صفة من صِفَاته، وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْقَارِي من القارة حَلِيف بني زهرَة أَصله مدنِي سكن الْإسْكَنْدَريَّة، وَعَمْرو هُوَ ابْن أبي عَمْرو، واسْمه: ميسرَة مولى الْمطلب. والْحَدِيث لم يُخرجهُ إلَاّ هُوَ.
قَوْله: (قُرُون) جمع قرن وَهُوَ: النَّاس المجتمعون فِي عصر وَاحِد، وَقيل: مائَة سنة، وَقيل: سَبْعُونَ سنة، وَقيل: ثَلَاثُونَ سنة. قَوْله: (قرنا فقرناً) ، أَي: نقيت من خير الْقُرُون أَو أفضلهَا، واعتبرت قرنا فقرناً من أَوله إِلَى آخِره، فَهُوَ حَال للتفضيل، فَخير الْقُرُون قرنه ثمَّ قرن الصَّحَابَة ثمَّ قرن التَّابِعين. قَوْله: (كنت فِيهِ) ، ويروى: كنت مَعَه.
٨٥٥٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله ابنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ يَسْدُلُ شَعْرَهُ وكانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُؤُوسَهُمْ فَكانَ أهْلُ الكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُؤُوسَهُمْ وكانَ رسُولُ الله ﷺ يُحَبُّ مُوافَقَةَ أهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ رسُولُ الله ﷺ رأسَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه فِي الْأَخِيرَة فرق رَأسه، وَهُوَ صفة من صِفَاته، وَرِجَاله مروا عَن قريب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله بن الْمُبَارك، وَفِي اللبَاس عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَمُحَمّد بن جَعْفَر، وَعَن أبي الطَّاهِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي التَّرَجُّل عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن سُوَيْد بن نصر، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي اللبَاس عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (يسدل شعره) ، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال، وَيجوز ضمهَا أَي: يتْرك شعر ناصيته على جَبينه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعلمَاء: المُرَاد إرْسَاله على الجبين واتخاذه كالقصة، بِضَم الْقَاف وبالصاد الْمُهْملَة. قَوْله: (وَكَانَ الْمُشْركُونَ يفرقون) ، بِضَم الرَّاء وَكسرهَا، أَي: يلقون شعر رَأْسهمْ إِلَى جانبيه وَلَا يتركون مِنْهُ شَيْئا على جبهتهم. قَوْله: (يحب مُوَافقَة أهل الْكتاب) لأَنهم أقرب إِلَى الْحق من الْمُشْركين عَبدة الْأَوْثَان، وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورا بِاتِّبَاع شريعتهم فِيمَا لم يُوح إِلَيْهِ فِيهِ شَيْء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: احْتج بِهِ بَعضهم على أَن شرع من قبلنَا شرع لنا، وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ قَالَ: كَانَ يحب من الْمحبَّة، وَلَو كَانَ شرعهم شَرعه لكَانَتْ الْمُوَافقَة وَاجِبَة. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه ضَعِيف، لِأَن الْمُحَقِّقين من الْعلمَاء قَالُوا: شرع من قبلنَا يلْزمنَا إلَاّ إِذا قصه الله بالإنكار. قَوْله: (ثمَّ فرق رَسُول الله، ﷺ ، رَأسه) أَي: شعر رَأسه، يَعْنِي أَلْقَاهُ إِلَى جَانِبي رَأسه فَلم يتْرك مِنْهُ شَيْئا على جَبهته. وَقد روى ابْن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: (أَنا فرقت لرَسُول الله ﷺ رَأسه) أَي: شعر رَأسه على يَافُوخه.
٩٥٥٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبِي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وائلٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لَمْ يَكنِ النَّبِيُّ ﷺ فاحِشَاً ولَا مُتَفَحِّشاً وكانَ يَقُولُ إنَّ منْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاقاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي الْمروزِي، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، ومسروق بن بالأجدع.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن حَفْص بن عمر وَعَن قُتَيْبَة وَعَن عمر بن حَفْص. وَأخرج حَدِيث حَفْص بن عمر فِي مَنَاقِب عبد الله بن
стр. 4751
مَسْعُود. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي سعيد الْأَشَج. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن مَحْمُود بن غيلَان.
قَوْله: (لم يكن النَّبِي ﷺ فَاحِشا) من الْفُحْش، وَأَصله الزِّيَادَة بِالْخرُوجِ عَن الْحَد. قَوْله: (وَلَا متفحشاً) أَي: وَلَا متكلفاً فِي الْفُحْش، حَاصله أَنه لم يكن الْفُحْش لَهُ لَا جبلياً وَلَا كسبياً. وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي عبد الله الجدلي، قَالَ: سَأَلت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن خلق النَّبِي ﷺ فَقَالَت: (لم يكن فَاحِشا وَلَا متفحشاً، وَلَا سخاباً فِي الْأَسْوَاق، وَلَا يجزىء بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة، وَلَكِن يعْفُو ويصفح) . قَوْله: (أحسنكم أَخْلَاقًا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (أحاسنكم) ، وَحسن الْخلق اخْتِيَار الْفَضَائِل فِيهِ وَترك الرذائل، وَهُوَ صفة الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، والأولياء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعند مُسلم من حَدِيث عَائِشَة (كَانَ: خلقه الْقُرْآن يغْضب لغضبه ويرضى لرضاه) .
٠٦٥٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّها قالَتْ مَا خُيِّرَ رسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلَاّ أخَذَ أيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمَاً فَإِن كانَ إثْمَاً كانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رسُولُ الله ﷺ لِنَفْسِهِ إلَاّ أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فيَنْتَقِمَ لله بِهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن يحيى بن يحيى وقتيبة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي بِهِ مُخْتَصرا.
قَوْله: (مَا خير) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بَين أَمريْن) ، أَي: من أُمُور الدُّنْيَا، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (مَا لم يكن إِثْمًا) ، لِأَن أُمُور الدّين لَا إِثْم فِيهَا. قَوْله: (أيسرهما) ، أَي: أسهلهما. قَوْله: (مَا لم يكن إِثْمًا) أَي: مَا لم يكن الأسهل إِثْمًا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يخْتَار الأشق. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يُخَيّر رَسُول الله ﷺ فِي أَمريْن أَحدهمَا إِثْم؟ قلت: التَّخْيِير إِن كَانَ من الْكفَّار فَظَاهر، وَإِن كَانَ من الله وَالْمُسْلِمين فَمَعْنَاه: مَا لم يؤد إِلَى إِثْم، كالتخيير فِي المجاهدة فِي الْعِبَادَة والاقتصاد فِيهَا، فَإِن المجاهدة بِحَيْثُ ينجر إِلَى الْهَلَاك لَا تجوز. قَوْله: (وَمَا انتقم لنَفسِهِ) ، أَي: خَاصَّة. فَإِن قلت: أَمر بقتل عقبَة بن أبي معيط وَعبد الله بن خطل وَغَيرهمَا مِمَّن كَانَ يُؤْذِيه؟ قلت: كَانُوا مَعَ أذاهم لرَسُول الله، ﷺ كَانُوا ينتهكون حرمات الله تَعَالَى، وَقيل: أَرَادَ أَنه لَا ينْتَقم إِذا أوذي فِي غير السَّبَب الَّذِي يخرج إِلَى الْكفْر، كَمَا عَفا عَن ذَلِك الْأَعرَابِي الَّذِي جَفا فِي رفع صَوته عَلَيْهِ، وَعَن ذَاك الآخر الَّذِي جبذ بردائه حَتَّى أثر فِي كتفه، وَحمل الدَّاودِيّ عدم الانتقام على مَا يخْتَص بِالْمَالِ، قَالَ: وَأما الْعرض فقد اقْتصّ مِمَّن نَالَ مِنْهُ. قَوْله: (إلَاّ أَن تنتهك) ، هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، أَي: لَكِن إِذا انتهكت حُرْمَة الله انتصر لله تَعَالَى وانتقم مِمَّن ارْتكب ذَلِك، وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ: (وَمَا انتقم لنَفسِهِ إلَاّ أَن تنتهك حُرْمَة الله فَإِن انتهكت حُرْمَة الله كَانَ أَشد النَّاس غَضبا ﷺ لله تَعَالَى) .
وَفِي الحَدِيث: الْأَخْذ بالأسهل والحث على الْعَفو والانتصار للدّين وَأَنه يسْتَحبّ للحكام التخلق بِهَذَا الْخلق الْكَرِيم فَلَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَلَا يهمل حق الله تَعَالَى.
١٦٥٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثَنا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَا مَسِسْتُ حَرِيرَاً ولَا دِيبَاجَاً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ ولَا شَمِمْتُ رِيحاً قَطُّ أوْ عَرْفَاً قَطُّ أطْيَبُ مِنْ رِيحِ أوْ عَرْفِ النَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الْمَذْكُور فِيهِ من صِفَاته، ﷺ ، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَفِي بعض النّسخ وَقع هَكَذَا، والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَأخرجه مُسلم بِمَعْنَاهُ من رِوَايَة سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت عَنهُ.
قَوْله: (مَا مسست) ، بسينين مهملتين الأولى مَكْسُورَة وَيجوز فتحهَا وَالثَّانيَِة سَاكِنة وَكَذَا الْكَلَام فِي (شممت) . قَوْله: (وَلَا ديباجاً) وَفِي (الْمغرب) : الديباج
стр. 4752
الثَّوْب الَّذِي سداه وَلحمَته إبريسم، وَعِنْدهم اسْم للمنقش وَالْجمع: ديابيج. قلت: فعلى هَذَا يكون عطفه على الْحَرِير من عطف الْخَاص على الْعَام. قَوْله: (أَلين من كف النَّبِي ﷺ ، أَي: أنعم. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارضهُ مَا روى من حَدِيث هِنْد بن أبي هَالة الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة النَّبِي ﷺ ، فَإِن فِيهِ أَنه كَانَ شش الْكَفَّيْنِ والقدمين، أَي: غليظهما فِي خشونة. قلت: قيل: اللين فِي الْجلد والغلظ فِي الْعِظَام فيجتمع لَهُ نعومة الْبدن مَعَ الْقُوَّة، وَيُؤَيّد مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار من حَدِيث معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أردفني النَّبِي ﷺ خَلفه فِي سفر فَمَا مسست شَيْئا قطّ أَلين من جلده ﷺ . قَوْله: (أَو عرفا) ، هُوَ شكّ من الرَّاوِي، لِأَن الْعرف، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا فَاء: هُوَ الرّيح أَيْضا. قَوْله: (من ريح أَو عرف النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا أَيْضا شكّ من الرَّاوِي. وَقَوله: (من ريح) ، بِكَسْر الْحَاء بِلَا تَنْوِين لِأَنَّهُ فِي حكم الْمُضَاف، تَقْدِيره: من ريح النَّبِي ﷺ ، أَو من عرفه، وَهَذَا كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:
(بَين ذراعي وجبهة الْأسد)
تَقْدِيره: بَين ذراعي الْأسد وجبهته، فقد أَدخل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ شَيْئا، وَالْأَصْل عَدمه. قيل: وَوَقع فِي بعض النّسخ: أَو عرقاً، بِفَتْح الرَّاء وبالقاف، وَكلمَة: أَو، وعَلى هَذَا تكون للتنويع دون الشَّك، وَالْمَعْرُوف من الرِّوَايَة هِيَ الأولى.
٢٦٥٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي عُتْبَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أشَدَّ حَياءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ صفة من صِفَاته الْعَظِيمَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبد الله بن أبي عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: مولى أنس بن مَالك، مر فِي الْحَج.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن بنْدَار عَن يحيى وَابْن مهْدي وَفِي الْأَدَب عَن عَليّ بن أبي الْجَعْد وَعَن عَبْدَانِ عَن عبيد الله. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى وَأحمد بن سِنَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن بنْدَار.
قَوْله: (حَيَاء) ، نصب على التَّمْيِيز وَهُوَ تغير وانكسار عِنْد خوف مَا يعاب أَو يذم (والعذراء) الْبكر لِأَن عذرتها وَهِي: جلدَة الْبكارَة بَاقِيَة. قَوْله: (فِي خدرها) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة: أَي: فِي سترهَا، وَيُقَال: الخدر ستر يَجْعَل للبكر فِي جنب الْبَيْت. فَإِن قلت: مبْنى أَمر الْعَذْرَاء على السّتْر، فَمَا فَائِدَة قَوْله: (فِي خدرها؟) قلت: هَذَا من بَاب التَّعْمِيم للْمُبَالَغَة لِأَن الْعَذْرَاء فِي الْخلْوَة يشْتَد حياؤها أَكثر مِمَّا تكون خَارِجَة عَن الخدر لكَون الْخلْوَة مَظَنَّة وُقُوع الْفِعْل بهَا، ثمَّ مَحل الْحيَاء فِيهِ ﷺ فِي غير حُدُود الله، وَلِهَذَا قَالَ للَّذي اعْترف بِالزِّنَا: أنكتها؟ وَلم يكنِ.
حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا يَحْيَى وابْنُ مَهْدِيٍّ قالَا حدَّثنا شُعْبَةُ مِثْلَهُ وإذَا كَرِهَ شَيْئَاً عُرِفَ فِي وَجْهِهِ
هَذَا طَرِيق فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار وَهُوَ عَن بنْدَار عَن يحيى الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي كِلَاهُمَا رويا عَن شُعْبَة. قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور سنداً ومتناً. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي مُوسَى مُحَمَّد ابْن الْمثنى عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بِسَنَدِهِ، وَقَالَ فِيهِ: سَمِعت عبد الله بن أبي عتبَة يَقُول: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول ... إِلَخ. . قَوْله: (وَإِذا كره شَيْئا عرف فِي وَجهه) ، هَذِه زِيَادَة مُحَمَّد بن بشار على رِوَايَة مُسَدّد الْمَذْكُورَة، وَمعنى: عرف فِي وَجهه، أَنه لَا يواجه أحدا بِمَا يكرههُ بل يتَغَيَّر وَجهه فَيعرف أَصْحَابه كَرَاهَته لذَلِك.
٣٦٥٣ - حدَّثني عَلِيُّ بنُ الْجَعْدِ أخبرَنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَا عابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعامَاً قَطُّ إنِ اشْتَهَاهُ أكَلَهُ وإلَاّ تَرَكَهُ. (الحَدِيث ٣٦٥٣ طرفه فِي: ٩٠٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ من جملَة صِفَاته الْحَسَنَة. وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ وَلَيْسَ هُوَ أَبَا حَازِم سَلمَة بن دِينَار صَاحب سهل بن سعد.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن
стр. 4753
كثير. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن أَحْمد بن يُونُس وَعَن أبي كريب وَابْن الْمثنى وَعَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر بن حَرْب. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد بن حميد، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن كثير بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن أَحْمد بن مُحَمَّد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن بشار.
قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يشتهه (تَركه) وَهُوَ من جملَة خصاله الشَّرِيفَة.
٤٦٥٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنِ الأعْرَجِ عنْ عبْدِ الله بنِ مالِكٍ بنِ بُحَيْنَةَ الأسْدِيِّ قَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى نَرَى إبْطَيْهِ قَالَ وَقَالَ ابنُ بُكَيْرٍ حدَّثَنا بَكْرٌ بَياضَ إبْطَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٠٩٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بَيَاض إبطَيْهِ) لِأَن هَذَا أَيْضا من صِفَاته الجميلة. والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَمضى الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب يُبْدِي ضبعيه ويجافي فِي السُّجُود.
قَوْله: (مَالك) ، بِالتَّنْوِينِ. قَوْله: (ابْن بُحَيْنَة) ، صفة لعبد الله لَا لمَالِك، و: بُحَيْنَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون: وَهُوَ اسْم أم عبد الله، فَجمع فِي نسبه بَين الْأَب وَالأُم. قَوْله: (الْأَسدي) ، بِسُكُون السِّين وَيُقَال فِيهِ: الْأَزْدِيّ بالزاي الساكنة، وَهَذَا مَشْهُور فِي هَذِه النِّسْبَة، يُقَال: بالزاي وبالسين. قَوْله: (فرج بَين يَدَيْهِ) ، يَعْنِي: فتح وَلم يضم مرفقيه إِلَيْهِ، وَهَذِه سنة السُّجُود. قَوْله: (حَتَّى نرى) ، بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر. قَوْله: (وَقَالَ ابْن بكير) ، وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، قَالَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (بكر) ، هُوَ بكر بن مُضر الْمَذْكُور، أَرَادَ أَن يحيى بن بكير زَاد لَفْظَة: بَيَاض، على لَفْظَة: إبطَيْهِ، وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة: حَتَّى نرى إبطَيْهِ، بِدُونِ لَفْظَة: بَيَاض، قيل: المُرَاد بِوَصْف إبطَيْهِ بالبياض أَنه لم يكن تحتهما شعر فَكَانَا كلون جسده، وَقيل: لدوام تعاهده لَهُ لَا يبْقى فِيهِ شعر. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة مُسلم: حَتَّى رَأينَا عفرَة إبطَيْهِ؟ قلت: لَا تنَافِي بَينهمَا لِأَن العفرة هِيَ الْبيَاض لَيْسَ بالناصع، وَهَذَا شَأْن المغابن يكون لَوْنهَا فِي الْبيَاض دون لون بَقِيَّة الْجَسَد.
٥٦٥٣ - حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى بنُ حَمَّادٍ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ قَتادَةَ أنَّ أنَسَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُمْ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إلَاّ فِي الاسْتِسْقَاءِ فإنَّهُ كانَ يَرْفَعُ يدَيْهِ حَتَّى يُرَي بَياضُ إبْطَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ١٣٠١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ) وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي: بَاب رفع الإِمَام يَده فِي الاسْتِسْقَاء.
قَوْله: (كَانَ لَا يرفع) إِلَى آخِره، ظَاهره أَنه لم يرفع إلَاّ فِي الاسْتِسْقَاء، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل ثَبت الرّفْع فِي الدُّعَاء فِي مَوَاطِن فيؤول على أَنه لم يرفع الرّفْع البليغ فِي شَيْء من دُعَائِهِ إلَاّ فِي الاسْتِسْقَاء، فَإِنَّهُ كَانَ يرفع الرّفْع البليغ حَتَّى يُرى بَيَاض إبطَيْهِ.
وَقَالَ أبُو مُوساى دَعَا النَّبِيُّ ﷺ ورَفَعَ يَدَيْهُ ورَأيْتُ بَياضَ إبْطَيْهِ
أَبُو مُوسَى هُوَ مُحَمَّد بن الْمثنى يعرف بالزمن الْعَنْبَري شيخ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَهَذَا طرف علقه من حَدِيث سَيَأْتِي مَوْصُولا فِي المناقب فِي تَرْجَمَة أبي عَامر الْأَشْعَرِيّ.
٦٦٥٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ حدَّثنا مالِكُ بنُ مِغْوَلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَوْنَ بنِ أبِي جُحَيْفَةَ ذَكَرَ عَنْ أبِيهِ قَالَ دُفِعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وهْوَ بالأبْطَحِ فِي قُبَّةِ كانَ بالْهَاجِرَةِ خَرَجَ بِلالٌ فناداى بالصَّلَاةِ ثُمَّ دَخَلَ فأخْرَجَ فَضْلَ وَضُوءٍ رَسُولِ الله ﷺ فوقَعَ النَّاسُ علَيْهِ يأخُذُونَ مِنْهُ ثُمَّ دَخَلَ فأخْرَج العَنْزَةَ وخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ كأنِّي أنْظُرُ إِلَى وَبِيص
стр. 4754
ساقَيْهِ فرَكَزَ العَنْزَةَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهُرَ رَكْعَتَيْنِ والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الحِمارُ والمَرْأةُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَأَنِّي أنظر إِلَى وبيض سَاقيه) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة: وَهُوَ البريق وزنا وَمعنى. وَالْحسن بن الصَّباح، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي بعض النّسخ: الْحسن ابْن الصَّباح الْبَزَّار، بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء، وَهُوَ واسطي سكن بَغْدَاد، وَمُحَمّد بن سَابق أَيْضا من شُيُوخ البُخَارِيّ روى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وروى عَنهُ بِدُونِ الْوَاسِطَة فِي الْوَصَايَا حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق أَو الْفضل بن يَعْقُوب عَنهُ، وَمَالك بن مغول بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة: ابْن عَاصِم أَبُو عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي، وَأَبُو جُحَيْفَة اسْمه وهب وَقد مر عَن قريب، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب اسْتِعْمَال فضل وضوء النَّاس.
قَوْله: (دفعت إِلَى النَّبِي ﷺ على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي: وصلت إِلَيْهِ من غير قصد. قَوْله: (وَهُوَ بِالْأَبْطح) جملَة حَالية، والأبطح أبطح مَكَّة وَهُوَ مسيل واديها وَيجمع على البطاح والأباطح. قَوْله: (فِي قبَّة) أَيْضا حَال. قَوْله: (بالهاجرة) وَهُوَ نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر. قَوْله: (فَأخْرج) من الْإِخْرَاج. قَوْله: (فضل وضوء النَّبِي، ﷺ بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (فَأخْرج العنزة) وَهُوَ مثل نصف الرمْح أَو أكبر شَيْئا. وفيهَا سِنَان مثل سِنَان الرمْح، والعكازة قريب مِنْهَا.
٧٦٥٣ - حدَّثني الحَسَنُ بنُ صَبَّاحٍ البَزَّارُ حدَّثنَا سُفْيَانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحَدِّثُ حَدِيثَاً لَوْ عَدَّهُ الْعادُّ لأحْصَاهُ. (الحَدِيث ٧٦٥٣ طرفه فِي: ٨٦٥٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من صِفَات النَّبِي ﷺ ، أَن الَّذِي سمع كَلَامه لَو أَرَادَ أَن يعد كَلِمَاته أَو مفرداته أَو حُرُوفه لعَدهَا، وَالْمرَاد بذلك الْمُبَالغَة فِي الترتيل والتفهيم.
وَالْحسن بن الصَّباح هَذَا هُوَ الَّذِي مضى فِي الحَدِيث السَّابِق، وَقيل: لَا بل غَيره، لِأَن الْحسن بن الصَّباح الَّذِي قبله هُوَ الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح الزَّعْفَرَانِي، نِسْبَة إِلَى جده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور الطوسي نَحوه وَذكر فِيهِ قصَّة أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (لَو عدَّهُ العادُّ) ، لَو عَدَّ الْعَاد حَدِيثه، أَي: كَلِمَات حَدِيثه، لعده أَي: لقدر على عده، فَالشَّرْط وَالْجَزَاء متحدان ظَاهرا وَلكنه من قبيل قَوْله: ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤٧، النَّحْل: ٨١) . وَقد فسر: بِلَا تُطِيقُوا عدهَا وبلوغ آخرهَا.
٨٦٥٣ - وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ أنَّهُ قَالَ أخبرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ أنَّهَا قالَتْ ألَاّ يُعْجِبُكَ أبُو فُلانٍ جاءَ فجَلَسَ إِلَى جانِبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عنْ رَسُولِ الله ﷺ يُسْمِعُنِي ذالِكَ وكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقامَ قَبْلَ أنْ أقْضِيَ سُبْحَتِي ولَوْ أدْرَكْتُهُ لرَدَدْتُ علَيْهُ إنَّ رسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كسَرْدِكُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٦٥٣) .
هَذَا التَّعْلِيق وَصله الذهلي فِي (الزهريات) عَن أبي صَالح عَن اللَّيْث.
قَوْله: (أَبُو فلَان) كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أَبَا فلَان، أما الرِّوَايَة الأولى فَلَا إِشْكَال فِيهَا، وَأما الثَّانِيَة فعلى لُغَة من قَالَ: (لَا وَلَو رَمَاه بأبا قبيس، قيل: المُرَاد بِهِ أَبُو هُرَيْرَة، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث ابْن وهب عَن يُونُس: أَلا يُعْجِبك أَبُو هُرَيْرَة جَاءَ فَجَلَسَ ... وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد وَمُسلم وَأبي دَاوُد من هَذَا الْوَجْه: أَلا أعْجبك من أبي هُرَيْرَة، وَوَقع للقابسي: أَتَى فلَان فَأتى، فعل مَاض من الْإِتْيَان، وَفُلَان فَاعله، وَهُوَ تَصْحِيف قَالَه بَعضهم، ثمَّ علل بقوله: لِأَنَّهُ تبين أَنه بِصِيغَة الكنية. قلت: نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَكنت أسبح) يجوز أَن يكون على ظَاهره من التَّسْبِيح الَّذِي هُوَ الذّكر، وَيجوز أَن يكون مجَازًا عَن صَلَاة التَّطَوُّع. قَوْله: (لم يكن يسْرد) أَي: لم يكن يُتَابع الحَدِيث استعجالاً، أَي: كَانَ يتَكَلَّم بِكَلَام متتابع مَفْهُوم وَاضح على سَبِيل التأني لِئَلَّا يلتبس على المستمع، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس: إِنَّمَا كَانَ حَدِيث رَسُول الله، ﷺ فصلا يفهمهُ الْقُلُوب، وَاعْتذر عَن أبي هُرَيْرَة بِأَنَّهُ كَانَ وَاسع الرِّوَايَة كثير الْمَحْفُوظ، فَكَانَ
стр. 4755
لَا يتَمَكَّن من الْمهل عِنْد إِرَادَة التحديث، كَمَا قَالَ بعض البلغاء: أُرِيد أَن أقتصر فتزدحم القوافي عَليّ.
٤٢ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ كالفصل لما قبله.
كانَ النَّبِيُّ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنامُ قَلْبُهُ رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ مِينَاءَ عنْ جابِرٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
هَذَا وَصله البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن عبَادَة عَن يزِيد بن هَارُون عَن سليم بن حَيَّان عَن سعيد بن ميناء عَن جَابر فِي كتاب الِاعْتِصَام. وَسَعِيد بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ممدودة: أَبُو الْوَلِيد الْمَكِّيّ.
قَوْله: (تنام عينه) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: تنام عَيناهُ، بالتثنية، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب قيام النَّبِي ﷺ بِاللَّيْلِ، فِي حَدِيث عَائِشَة مطولا. وَفِيه: (فَقلت: يَا رَسُول الله ﷺ ﴿: أتنام قبل أَن توتر؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة﴾ إِن عَيْني تنامان وَلَا ينَام قلبِي) .
٩٦٥٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ سَعيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ سألَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَيْفَ كانَتْ صَلَاةُ رسولِ الله ﷺ فِي رَمَضَانَ قالَتْ مَا كانَ يَزِيدُ فِي رمَضَانَ ولَا فِي غَيْرِهِ علَى إحْداى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أرْبَعَ رَكْعَاتٍ فَلَا تَسْألْ عنْ حُسْنِهِنَّ وطولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أرْبَعَاً فَلَا تَسْألْ عنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثاً فقُلْتُ يَا رسولَ الله تَنامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ قَالَ تَنامُ عَيْنِي وَلَا يَنامُ قَلْبِي. (انْظُر الحَدِيث ٧٤١١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن نوم عينه وَعدم نوم قلبه من الصِّفَات الْعَظِيمَة والخصال الجليلة. وَهَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد وَهَذَا الْمَتْن قد مضى فِي كتاب التَّهَجُّد كالحديث الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن.
٠٧٥٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ عنْ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي نَمِرٍ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُنَا عنْ لَ يْلَةَ أُسْرِيَ بالنَّبيِّ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ جاءَ ثلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحاى إلَيْهُ وهْوَ نائِمٌ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ فَقَالَ أوَّلُهُمْ أيُّهُمْ هُوَ فَقَالَ أوْسَطُهُمْ هُوَ خَيْرُهُمْ وَقَالَ آخِرُهُمْ خُذُوا خَيرَهُمْ فَكانَتْ تِلْكَ فلَمْ يَرَهُمْ حتَّى جاؤُوا لَيْلَةً أُخْراى فِيما يَرَى قَلْبُهُ والنَّبِيُّ ﷺ نائِمَةٌ عَيْنَاهُ ولَا يَنامُ قَلْبُهُ وكَذالِكَ الأنْبِيَاءُ تَنامُ أعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ فَتَوَلَاّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَخُوهُ أَبُو بكر بن عبد الحميد، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي.
قَوْله: (ثَلَاثَة نفر) هم الْمَلَائِكَة، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: الَّذِي يظْهر لي أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَانُوا: جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل. لِأَنِّي رَأَيْت فِي كتب كَثِيرَة مَخْصُوصَة بالمعراج أَنهم نزلُوا عَلَيْهِ والبراق مَعَهم. قَوْله: (قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ) ، قيل: لَيْسَ فِي أَكثر الرِّوَايَات هَذِه اللَّفْظَة، وَأَن تِلْكَ مَحْفُوظَة فَلم يَأْته عقيب تِلْكَ اللَّيْلَة، بل بعْدهَا بِسنتَيْنِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أسرِي بِهِ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاثَة سِنِين، وَقيل: بِسنتَيْنِ، وَقيل: بِسنة. قَوْله: (أَيهمْ هُوَ) ، أَي: الثَّلَاثَة مُحَمَّد، وَكَانَ ﷺ نَائِما بَين اثْنَيْنِ أَو أَكثر، وَقد قيل: كَانَ نَائِما بَين عَمه حَمْزَة وَابْن عَمه جَعْفَر بن أبي طَالب. قَوْله: (وأوسطهم) هُوَ النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ نَائِما بَينهمَا. قَوْله: (خُذُوا خَيرهمْ) أَي: لأجل أَن يعرج بِهِ إِلَى السَّمَاء. قَوْله: (فَكَانَت تِلْكَ) أَي: كَانَت الْقِصَّة تِلْكَ الْحِكَايَة لم يَقع شَيْء آخر. قَوْله: (فِيمَا يرى قلبه) أَي: بَين النَّائِم وَالْيَقظَان. فَإِن قلت: ثَبت فِي الرِّوَايَات الْأُخْرَى أَنه فِي الْيَقَظَة. قلت: أَن قُلْنَا بتعدده
стр. 4756
فَظَاهر، وَإِن قُلْنَا باتحاده فَيمكن أَن يُقَال: كَانَ ذَلِك أول وُصُول الْملك إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على كَونه نَائِما فِي الْقِصَّة كلهَا، وَالله سبخانه وَتَعَالَى أعلم.
٥٢ - (بابُ عَلَاماتِ النُّبُوَّةِ فِي الإسْلَامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عَلَامَات النُّبُوَّة، والعلامات جمع عَلامَة، إِنَّمَا لم يقل: معجزات النُّبُوَّة لِأَن الْعَلامَة أَعم مِنْهَا، وَمن الْكَرَامَة، وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر، لِأَن المعجزة لَا تكون إلَاّ عِنْد التحدي بِخِلَاف الْكَرَامَة. قَوْله: (فِي الْإِسْلَام) ، أَي: فِي زمن الْإِسْلَام.
١٧٥٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا سَلْمُ بنُ زَرِيرٍ سَمِعْتُ أبَا رَجاءٍ قَالَ حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ أنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ فأدْلَجُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إذَا كانَ وَجْهُ الصِّبْحِ عَرَّسُوا فغَلَبَتْهُمْ أعْيُنُهُمْ حتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ فَكانَ أوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنامِهِ أبُو بَكْرٍ وكانَ لَا يُوقِظِ رسُولُ الله ﷺ مِنْ مَنَامِهِ حتَّى يَسْتَيْقِظَ فاسْتَيْقَظَ عُمَرُ فقَعَدَ أبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأسِهِ فجَعَلَ يُكَبِّرُ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فنَزَلَ وصَلَّى بِنَا الغَدَاةَ فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا فلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ يَا فُلانُ مَا يَمْنَعُكَ أنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا قَالَ أصَابَتْنِي جَنابَة فأمَرَهُ أنْ يَتَيَمَّمَ بالصَّعِيدِ ثُمَّ صَلَّى وجَعَلَنِي رسُولُ الله ﷺ فِي رُكُوبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وقَدْ عَطِشْنَا عَطَشَاً شَدِيداً فبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إذَا نَحْنُ بامْرَأةٍ سادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ فَقُلْنَا لَهَا أيْنَ المَاءُ فقالَتْ إيهِ لَا مَاءَ فقُلْنَا كَمْ بَيْنَ أهْلِكِ وبَيْنَ المَاءِ قالَتْ يَوْم ولَيْلَةٌ فَقُلْنَا انْطَلِقِي إِلَى رسُولِ الله ﷺ قالَتْ ومَا رَسُولُ الله فلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أمْرِهَا حتَّى اسْتَقْبَلْنَا بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ بِمِثْلِ الَّذِي حدَّثَتْنَا غيْرَ أنَّهَا حَدَّثَتْهُ أنَّهَا مُؤْتِمَةٌ فأمَرَ بِمَزَادَتَيْهَا فمَسَحَ فِي العزْلَاوَيْنِ فشَرِبْنَا عِطَاشاً أرْبَعِينَ رَجُلاً حتَّى رَوِينَا فمَلأْنا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وإدَاوَةٍ غَيْرَ أنَّهُ لَمْ نَسْق بَعِيراً وَهْيَ تَكادُ تَنِضُّ مِنَ المِلْءِ ثُمَّ قَالَ هاتُوا مَا عِنْدَكُمْ فَجُمِعَ لَهَا مِنَ الْكِسَرِ والتَّمْرِ حَتَّى أتَتْ أهْلَهَا قالَتْ لَقِيتُ أسْحَرَ النَّاسِ أوْ هُوَ نَبِيٌّ كَمَا زَعَمُوا فَهَداى الله ذَلِكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ المَرْأةِ فأسْلَمَتْ وأسْلَمُوا. (انْظُر الحَدِيث ٤٤٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي تَكْثِير المَاء الْقَلِيل ببركته ﷺ ، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَسلم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام: ابْن زرير، بِفَتْح الزَّاي وَكسر الرَّاء الأولى، وَقد مر فِي بَدْء الْخلق، وَأَبُو رَجَاء ضد الْخَوْف عمرَان بن ملْحَان العطاردي الْبَصْرِيّ، أدْرك زمَان النَّبِي ﷺ وَأسلم بعد الْفَتْح وَلم ير النَّبِي ﷺ وَلم يُهَاجر إِلَيْهِ.
والْحَدِيث مر فِي كتاب التَّيَمُّم فِي: بَاب الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم، بأتم مِنْهُ وأطول، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فأدلجوا) ، من الإدلاج يُقَال: أدْلج الْقَوْم إِذا سَارُوا أول اللَّيْل، وَإِذا سَارُوا فِي آخر اللَّيْل يُقَال: أدلجوا، بتَشْديد الدَّال. قَوْله: (عرسوا) ، من التَّعْرِيس وَهُوَ: نزُول الْقَوْم آخر اللَّيْل يقفون فِيهِ وَقْفَة للاستراحة. قَوْله (وَكَانَ لَا يوقظ) على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله: (فَجعل يكبر) أَي: فَجعل أَبُو بكر يكبر رَافعا صَوته، وَقد تقدم فِي كتاب التَّيَمُّم: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ الَّذِي كَانَ يكبر وَيرْفَع صَوته حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا وَقع فِي مُسلم فِي الصَّلَاة من حَدِيث عَوْف الْأَعرَابِي عَن أبي رَجَاء: أَن عمر كَانَ رجلا جليداً، فَكبر وَرفع صَوته بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُول الله، ﷺ ، وَلَا مُنَافَاة، إِذْ لَا منع للْجمع بَينهمَا لاحْتِمَال أَن كلاًّ مِنْهُمَا فعل ذَلِك. قَوْله: (فِي ركُوب) ، بِالضَّمِّ جمع: رَاكب، وَبِفَتْحِهَا: مَا يركب. قَوْله: (سادلة) ، أَي:
стр. 4757
مُرْسلَة رِجْلَيْهَا، يُقَال: سدل ثَوْبه إِذا أرخاه. قَوْله: (مزادتين) ، تَثْنِيَة مزادة، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الزَّاي وَهِي: الراوية، وَسميت بهَا لِأَنَّهَا يُزَاد فِيهَا جلد آخر من غَيرهَا، وَلِهَذَا قيل: إِنَّهَا أكبر من الْقرْبَة. قَوْله: (إيه) ، بِلَفْظ الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ ويروي: أَيهَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَمن الْعَرَب من يَقُول: أَيهَا، بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى: هَيْهَات، ويروى: أيهات، على وزن: هَيْهَات، وَمَعْنَاهُ. قَوْله: (مؤتمة) ، من أيتمت الْمَرْأَة إِذا صَار أَوْلَادهَا أيتاماً فَهِيَ مؤتمة، بِكَسْر التَّاء، ويروى بِفَتْحِهَا. قَوْله: (فَمسح فِي العزلاوين) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فسمح بالعزلاوين، وَهِي تَثْنِيَة: عزلاء، بِسُكُون الزَّاي وبالمد، وَهُوَ: فَم الْقرْبَة، قَالَه بَعضهم قلت: العزلاء فَم المزادة الْأَسْفَل. قَوْله: (فشربنا عطاشاً) ، أَي شربنا حَالَة كوننا عطاشا قَوْله (اربعين) بِالنّصب رِوَايَة الْكشميهني وَوجه النصب أَن بَيَان لقَوْله (عطاشا) ويروى: أَرْبَعُونَ، بِالرَّفْع أَي: وَنحن أَرْبَعُونَ نفسا. قَوْله: (حَتَّى روينَا) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْوَاو: من الرّيّ. قَوْله: (تبض) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا الضَّاد الْمُعْجَمَة المثقلة: أَي تسيل وَقَالَ ابْن التِّين: تبض أَي: تَنْشَق فَيخرج مِنْهُ المَاء، يُقَال: بض المَاء من الْعين إِذا نبع، وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن بعض الروَاة بالصَّاد الْمُهْملَة: من البصيص، وَهُوَ اللمعان، وَفِيه بعد، ويروى: تنض، بالنُّون عوض الْبَاء الْمُوَحدَة، وروى أَبُو ذَر عَن الْكشميهني: تنصب، من الانصباب، ويروى: تنضرج، من الضرج بالضاد الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَالْجِيم، وَهُوَ: الشق، ويروى: تيصر، بتاء مثناة من فَوق مَفْتُوحَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة وصاد مُهْملَة وَرَاء، ذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن: أَن مَعْنَاهُ تَنْشَق. قَالَ: وَمِنْه: صير الْبَاب، أَي: شقَّه، ورده ابْن التِّين وَهُوَ أَجْدَر بِالرَّدِّ لِأَن فِيهِ تكلفاً من جِهَة الصّرْف، وَغير مَوْجُود فِي شَيْء من الرِّوَايَات. قَوْله: (ذَلِك الصرم) ، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ أَبْيَات مجتمعة نزُول على المَاء.
٢٧٥٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيُ عنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بإنَاءٍ وهْوَ بالزَّوْرَاءِ فوَضَعَ يَدَهُ فِي الإنَاءِ فجَعَلَ المَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أصابِعِهِ فَتوَضَّأ الْقَوْمُ قَالَ قَتَادَةُ قُلْتُ لأِنَسٍ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ ثَلاثَمِائَةٍ أوْ زُهاءٍ ثَلاثِمِائَةٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد بن أبي عدي. واسْمه إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ ، عَن أبي مُوسَى.
قَوْله: (وَهُوَ بالزوراء) ، جملَة حَالية، والزوراء بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْوَاو وبالراء وبالمد: مَوضِع بسوق الْمَدِينَة، وَوَقع فِي رِوَايَة همام عَن قَتَادَة عَن أنس: (شهِدت النَّبِي ﷺ ، مَعَ أَصْحَابه عِنْد الزَّوْرَاء وَعند بيُوت الْمَدِينَة) . أخرجه أَبُو نعيم، وَعند أبي نعيم من رِوَايَة شريك بن أبي نمر عَن أنس: أَنه هُوَ الَّذِي أحضر المَاء وَأَنه أحضرهُ إِلَى النَّبِي ﷺ من بَيت أم سَلمَة، وَأَنه رده بعد فراغهم إِلَى أم سَلمَة. قَوْله: (وَالْمَاء يَنْبع) ، إِمَّا أَنه يخرج من نفس الإصبع وينبع من ذَاتهَا، وَإِمَّا أَنه يكثر فِي ذَاته فيفور من بَين أَصَابِعه، وَهُوَ أعظم فِي الإعجاز من نبعه من الْحجر، لِأَن خُرُوج المَاء من الْحِجَارَة مَعْهُود بِخِلَاف خُرُوجه من بَين اللَّحْم وَالدَّم، وَيجوز فِي بَاء: يَنْبع، الضَّم وَالْفَتْح وَالْكَسْر. قَوْله: (زهاء) ، بِضَم الزاء ممدوداً: الْمِقْدَار.
٣٧٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ قَالَ رأيْتُ رسُولَ الله ﷺ وحَانَتْ صَلاةُ العَصْرِ فالْتُمِسَ الوَضُوءُ فلَمْ يَجِدُوهُ فأُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِوَضُوءٍ فوَضَعَ رسُولُ الله ﷺ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإنَاءِ فأمَرَ النَّاسَ أنْ يَتَوَضَّؤا مِنْهُ فرَأيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أصَابِعِهِ فتَوضَّأ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّؤا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس. وَقد مضى هَذَا فِي كتاب الطهار فِي: بَاب التمَاس الْوضُوء إِذا حانت الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره نَحوه. قَوْله: (من عِنْد آخِرهم) كلمة: من، هَهُنَا بِمَعْنى: إِلَى، وَهِي لُغَة. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: يجوز مُطلقًا وضع حُرُوف الْجَرّ بَعْضهَا مقَام بعض.
стр. 4758
٤٧٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ مُبَارَكٍ حدَّثنا حَزْم قَالَ سَمِعْتُ الحَسَنَ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ مَخارِجِهِ ومعَهُ نَاس مِنْ أصْحَابِهِ فانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ فحَضَرَتِ الصَّلاةُ فلَمْ يَجِدُوا مَاء يتَوَضَّؤنَ فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فجَاءَ بِقَدَحٍ مِنْ ماءٍ يَسيرٍ فأخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فتَوَضَّأ ثُمَّ مَدَّ أصَابِعَهُ الأرْبَعَ على القَدَحِ ثُمَّ قالَ قُومُوا فَتَوَضَّؤا فَتَوَضَّأ الْقَوْمُ حَتَّى بَلَغُوا فيمَا يُرِيدُونَ مِنَ الوَضُوءِ وكانُوا سَبْعِينَ أوْ نَحْوَهُ. .
هَذَا الحَدِيث لأنس أَيْضا من وَجه آخر عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك بن عبد الله الْعَبْسِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، ويروي عَن حزم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي: ابْن أبي حزم واسْمه مهْرَان، مَاتَ سنة خمس وَسبعين وَمِائَة. وَهُوَ يروي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (خرج النَّبِي ﷺ فِي بعض مخارجه) أَرَادَ بِهِ بعض أَسْفَاره. قَوْله: (وَمَعَهُ) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال.
٥٧٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ أخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ حَضَرَتِ الصَّلاةُ فقامَ مَنْ كانَ قَرِيبَ الدَّارِ مِنَ المَسْجِدِ يَتَوَضَّأ وبَقِي قَوْمٌ فأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فيهِ ماءٌ فوَضَعَ كَفَّهُ فَصَغُرَ المِخْضَبُ أنْ يَبْسُطَ فيِهِ كَفَّهُ فَضَمَّ أصَابِعَهُ فوَضَعَهَا فِي المِخْضَبِ فتَوَضَّأ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ جَمِيعَاً قُلْتُ كَمْ كَانُوا قَالَ ثَمَانُونَ رَجُلاً. .
هَذَا طَرِيق رَابِع فِي حَدِيث أنس الأول عَن قَتَادَة، وَالثَّانِي عَن إِسْحَاق، وَالثَّالِث عَن الْحسن، وَالرَّابِع عَن حميد، فَفِيهَا مُغَايرَة وَاضِحَة فِي الْمَتْن وَتَعْيِين الْمَكَان وَعدد من حضر وَغير ذَلِك، فَدلَّ هَذَا كُله على تعدد الْقَضِيَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قصَّة نبع المَاء من أَصَابِعه ﷺ تَكَرَّرت مِنْهُ فِي عدَّة مَوَاضِع فِي مشَاهد عَظِيمَة، ووردت من طرق كَثْرَة يُفِيد مجموعها الْعلم الْقطعِي الْمُسْتَفَاد من التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ، قَالَ: وَلم يسمع بِمثل هَذِه المعجزة من غير نَبينَا ﷺ حَيْثُ نبع المَاء من بَين عصبه وعظبه ولحمه وَدَمه.
وَعبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون: الْمروزِي، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون بن زادان أَبُو خَالِد الوَاسِطِيّ، والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (بمخضب) ، بِكَسْر الْمِيم وبالمعجمتين: المركن، وَهُوَ إِنَاء من حِجَارَة يغسل فِيهَا الثِّيَاب وَيُسمى الإجانة أَيْضا.
٦٧٥٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ حدَّثنا حُصَيْنٌ عنْ سالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ والنَّبيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فتَوَضَّأ فجَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ مَا لَكُمْ قالُوا لَيْسَ عِنْدَنا ماءٌ نَتَوَضَّأُولَا نَشْرَبُ إلَاّ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ فوَضَعَ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فجَعَلَ الماءُ يَثُورُ بَيْنَ أصَابِعِهِ كأمْثَالِ العُيُونِ فَشَرِبْنَا وتَوَضَّأنَا قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ ألْفٍ لكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم أَبُو زيد الْقَسْمَلِي الْمروزِي، سكن الْبَصْرَة، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ الْكُوفِي، وَسَالم بن أبي الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: واسْمه رَافع الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يُوسُف بن عِيسَى. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَعَن رِفَاعَة ابْن الْهَيْثَم وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن الْحُسَيْن.
قَوْله: (يَوْم
стр. 4759
الْحُدَيْبِيَة) ، وَهِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَكَانَت فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بِلَا خلاف، وَالْحُدَيْبِيَة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة مِثَال دويهية وَهِي بِئْر على مرحلة من مَكَّة مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: سميت الْحُدَيْبِيَة بشجرة حدباء كَانَت هُنَاكَ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: خرج رَسُول الله، ﷺ فِي ذِي الْقعدَة مُعْتَمِرًا لَا يُرِيد حَربًا، وَخرج مَعَه نَاس من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمن لحق بِهِ من الْعَرَب، وَكَانَ مَعَه من الْهَدْي سَبْعُونَ بَدَنَة، وَكَانُوا خمس عشرَة مائَة على مَا ذكره جَابر. وَعَن الْبَراء: كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ أَربع عشرَة مائَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانُوا سَبْعمِائة، وَإِنَّمَا قَالَ كَذَلِك تفقهاً من تِلْقَاء نَفسه من حَيْثُ إِن الْبدن كَانَت سبعين بَدَنَة. قَوْله: (بَين يَدَيْهِ ركوة) بِفَتْح الرَّاء وَهِي: إِنَاء صَغِير من جلد يشرب مِنْهَا المَاء، وَالْجمع: ركا. قَوْله: (فجهش النَّاس) بِفَتْح الْجِيم وَالْهَاء بعْدهَا شين مُعْجمَة، وَهُوَ فعل مَاض، وَالنَّاس فَاعله، وَمَعْنَاهُ: أَسْرعُوا إِلَى أَخذ المَاء، وَالْفَاء فِي أَوله رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِدُونِ الْفَاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وجهش من الجهش وَهُوَ أَن يفزع الْإِنْسَان إِلَى غَيره وَيُرِيد الْبكاء، كَالصَّبِيِّ يفزع إِلَى أمه وَقد تهَيَّأ للبكاء. قَوْله: (يثور) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يفور، بِالْفَاءِ مَوضِع الثَّاء، وهما بِمَعْنى وَاحِد.
٧٧٥٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أرْبَعَ عَشْرَةَ مائَةً والحدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فنَزَحْنَاهَا حتَّى لَمْ نَتْرُكْ فيهَا قَطْرَةً فجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ علَى شَفِيرِ البِئْرِ فدَعَا بِمَاءٍ فمَضْمَضَ ومَجَّ فِي البِئْرِ فمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حتَّى رَوِينَا ورَوِيَتْ أوْ صَدَرَتْ ركابُنَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله عَن الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أَربع عشرَة مائَة) كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: ألفا وَأَرْبَعمِائَة، لَكِن قد يسْتَعْمل بترك الْألف وَاعْتِبَار المئات أَيْضا. وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي رِوَايَة جَابر: كُنَّا خمس عشرَة مائَة، وَالْقِيَاس أَن يُقَال: ألفا وَخَمْسمِائة، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث إِيَاس بن سَلمَة عَن أَبِيه. قَالَ: قدمنَا الْحُدَيْبِيَة مَعَ رَسُول الله، ﷺ وَنحن أَربع عشرَة مائَة، وَفِي (التَّوْضِيح) فِي قَول جَابر: كُنَّا خمس عشرَة مائَة، قَالَ ابْن الْمسيب: هَذَا وهم، وَكَانُوا أَربع عشرَة مائَة، وعَلى هَذَا مَالك وَأكْثر الروَاة. وَقيل: كَانُوا ثَلَاث عشرَة مائَة، فَإِذا كَانَ أَكثر الروَاة على أَربع عشرَة مائَة يحمل قَول من يزِيد على هَذَا مائَة أَو ينقص مائَة على عدد من انْضَمَّ إِلَى الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من الْعَرَب، فَمنهمْ من جعل المضافين إِلَيْهِم مائَة، وَمِنْهُم من جعل الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ثَلَاث عشرَة مائَة، وَلم يعدوا المضافين إِلَيْهِم لكَوْنهم أتباعاً. قَوْله: (على شَفير الْبِئْر) أَي: حَده وطرفه. قَوْله: (وَرويت) بِكَسْر الْوَاو. قَوْله: (أَو صدرت) أَي: رجعت. قَوْله: (رِكَابنَا) بِكَسْر الرَّاء أَي: الْإِبِل الَّتِي تحمل الْقَوْم.
٨٧٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِك يَقُولُ أبُو طَلْحَةَ لأِمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ الله ﷺ ضَعِيفاً أعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ فهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ قالَتْ نَعَمْ فأخْرَجَتْ أقْرَاصَاً مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أخْرَجَتْ خِمَارَاً لَهَا فلَفتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي ولَا ثْتنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أرْسَلَتْنِي إلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ فَذَهَبْتُ بِهِ فوَجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي المَسْجِدِ ومعَهُ النَّاسُ فقُمْتُ علَيْهِمْ فَقَالَ لي رَسُولُ الله ﷺ أرْسَلَكَ أبُو طَلْحَةَ فقُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِطَعامٍ فقُلْتُ نعَمْ فقالَ رسُولُ الله ﷺ لِمَنْ معَهُ قُومُوا فانْطَلَقَ وانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حتَّى جِئْتُ أبَا طَلْحَةَ فأخْبَرْتُهُ فَقَالَ أبُو طَلْحَة يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قدْ جاءَ رسُولُ الله ﷺ بالنَّاسِ ولَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ
стр. 4760
فقالَتِ الله ورسُولُهُ أعْلَمُ فانْطَلَقَ أبُو طَلْحَةَ حتَّى لَقِيَ رسُولَ الله ﷺ فأقْبَلَ رسُولُ الله ﷺ وَأَبُو طلْحَةَ مَعَهُ فَقَالَ رسوُلُ الله ﷺ هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ فأتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزَ فَأمَرَ بِهِ رسُولُ الله ﷺ فَفُتَّ وعَصَرَتْ أمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فأدْمَتْهُ ثُمَّ قالَ رسُولُ الله ﷺ فِيهِ مَا شاءَ الله أنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ ائْذِنْ لِعَشَرَةٍ فأذِنَ لَهُمْ فأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قالَ ائْذَنْ لِعَشَرَة فأذِنَ لَهُمْ فأكَلُوا حتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قالَ ائْذِنْ لِعَشَرَةٍ فأذِنَ لَهُمْ فأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فأكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ حتَّى شَبِعُوا والقَوْمُ سَبْعُونَ أوْ ثَمَانُونَ رَجُلاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم سليم وَالِدَة أنس، وَقد اتّفقت الطّرق على أَن الحَدِيث الْمَذْكُور من مُسْند أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن إِسْمَاعِيل وَفِي النذور عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن يحيى ابْن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن إِسْحَاق بن مُوسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ضَعِيفا أعرف فِيهِ الْجُوع) فِيهِ الْعَمَل بالقرائن، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن أنس: أَن أَبَا طَلْحَة رأى رَسُول الله، ﷺ طاوياً، وَفِي رِوَايَة أبي يعلى عَن أنس: أَن أَبَا طَلْحَة بلغه أَنه لَيْسَ عِنْد رَسُول الله، ﷺ طَعَام، فَذهب فأجر نَفسه بِصَاع من شعير، فَعمل بَقِيَّة يَوْمه ذَلِك ثمَّ جَاءَ بِهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أنس، قَالَ: رأى أَبُو طَلْحَة رَسُول الله، ﷺ مُضْطَجعا يتقلب ظهرا لبطن، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أنس، قَالَ: جِئْت رَسُول الله، ﷺ فَوَجَدته جَالِسا مَعَ أَصْحَابه يُحَدِّثهُمْ وَقد عصب بَطْنه بعصابة، فَسَأَلت بعض أَصْحَابه فَقَالُوا: من الْجُوع. فَذَهَبت إِلَى أبي طَلْحَة فَأَخْبَرته، فَدخل على أم سليم، فَقَالَ: هَل من شَيْء ... الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم عَن مُحَمَّد بن كَعْب عَن أنس: جَاءَ أَبُو طَلْحَة إِلَى أم سليم فَقَالَ: أعندك شَيْء فَإِنِّي مَرَرْت على رَسُول الله، ﷺ وَهُوَ يقرىء أَصْحَاب الصّفة سُورَة النِّسَاء وَقد ربط على بَطْنه حجرا من الْجُوع. قَوْله: (فأخرجت أقراصاً من شعير) . وَعند أَحْمد من رِوَايَة مُحَمَّد ابْن سِيرِين عَن أنس قَالَ: عَمَدت أم سليم إِلَى نصف مد من شعير فطحنته. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ تَأتي عَن أنس: أَن أمه أم سليم عَمَدت إِلَى مد من شعير جرشته ثمَّ عملته، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَمُسلم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن أنس: أَتَى أَبُو طَلْحَة بمدين من شعير فَأمر بِهِ فَصنعَ طَعَاما. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: لَا مُنَافَاة لاحْتِمَال تعدد الْقِصَّة: أَو أَن بعض الروَاة حفظ مَا لم يحفظه الآخر، وَقيل: يُمكن أَن يكون الشّعير من الأَصْل كَانَ صَاعا فأفردت بعضه لِعِيَالِهِ وَبَعضه للنَّبِي ﷺ . قَوْله: (ولاثتني) ، من الإلتياث، وَهُوَ الِالْتِفَات، وَمِنْه: لاث الْعِمَامَة على رَأسه أَي: عصبها وَأَصله من: اللوث، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ اللف وَمِنْه: لاث بِهِ النَّاس إِذا استداروا حوله، وَالْحَاصِل أَنَّهَا لفت بعضه على رَأسه وَبَعضه على أبطه، وَفِي الْأَطْعِمَة للْبُخَارِيّ: عَن إِسْمَاعِيل بن أويس عَن مَالك فِي هَذَا الحَدِيث: فلفت الْخبز بِبَعْضِه ودست الْخبز تَحت ثوبي وردتني بِبَعْضِه، يُقَال: دس الشَّيْء يدسه دساً إِذا أدخلهُ فِي الشَّيْء بقهر وَقُوَّة. قَوْله: (قَالَ: فَذَهَبت بِهِ) ، أَي: قَالَ أنس: فَذَهَبت بالخبز الَّذِي أرْسلهُ أَبُو طَلْحَة وَأم سليم. قَوْله: (أرسلك أَبُو طَلْحَة) . بِهَمْزَة ممدودة للاستفهام على وَجه الاستخبار. قَوْله: (فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ ، لمن مَعَه) أَي: من الصَّحَابَة: (قومُوا) ظَاهر هَذَا أَنه ﷺ فهم أَن أَبَا طَلْحَة استدعاه إِلَى منزله، فَلذَلِك قَالَ لمن مَعَه: قومُوا. فَإِن قلت: أول الْكَلَام يَقْتَضِي أَن أَبَا طَلْحَة وَأم سليم أرسلا الْخبز مَعَ أنس. قلت: يجمع بَينهمَا بِأَنَّهُمَا أَرَادَا بإرسال الْخبز مَعَ أنس أَن يَأْخُذهُ النَّبِي ﷺ فيأكله، فَلَمَّا وصل أنس وَرَأى كَثْرَة النَّاس حول النَّبِي ﷺ استحيى وَظهر لَهُ أَن يَدْعُو النَّبِي ﷺ ليقوم مَعَه وَحده إِلَى الْمنزل. وَهنا وَجه آخر، وَهُوَ أَنه: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك على رَأْي من أرْسلهُ عهد إِلَيْهِ أَنه إِذا رأى كَثِيرَة النَّاس أَن يَسْتَدْعِي النَّبِي ﷺ ، وَحده خشيَة أَن لَا يكفيهم ذَلِك الشَّيْء، وَقد عرفُوا إِيثَار النَّبِي ﷺ ، وَأَنه لَا يَأْكُل وَحده، وَرِوَايَات مُسلم تَقْتَضِي: أَن أَبَا طَلْحَة استدعى النَّبِي ﷺ فِي هَذِه الْوَاقِعَة، فَفِي رِوَايَة سعد بن سعيد عَن أنس: بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَة إِلَى النَّبِي ﷺ لأدعوه، وَقد جعل لَهُ طَعَاما، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن
стр. 4761
أنس: أَمر أَبُو طَلْحَة أم سليم أَن تصنع للنَّبِي ﷺ لنَفسِهِ خَاصَّة، ثمَّ أرسلتني إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أنس: فَدخل أَبُو طَلْحَة على أُمِّي، فَقَالَ: هَل من شَيْء؟ فَقَالَت: نعم عِنْدِي كسر من خبز، فَإِن جَاءَنَا رَسُول الله، ﷺ وَحده أشبعناه، وَإِن جَاءَ أحد مَعَه قلَّ عَنْهُم. وروى أَبُو نعيم من حَدِيث يَعْقُوب بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أنس، قَالَ لي أَبُو طَلْحَة: يَا أنس إذهب فَقُمْ قَرِيبا من رَسُول الله، ﷺ فَإِذا قَامَ فَدَعْهُ حَتَّى يتفرق أَصْحَابه ثمَّ اتبعهُ حَتَّى إِذا قَامَ على عتبَة بَابه، فَقل لَهُ: إِن أبي يَدْعُوك. وروى أَحْمد من حَدِيث النَّضر بن أنس عَن أَبِيه، قَالَت لي أم سليم: إذهب إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فَقل لَهُ: إِن رَأَيْت أَن تغدى عندنَا فافعل، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب، فَقَالَ: (يَا بني ﴿إذهب إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فَادعه وَلَا تدع مَعَه غَيره وَلَا تفضحني) . قَوْله: (وَلَيْسَ عندنَا مَا نطعمهم) ، أَي: قدر مَا يكفيهم. قَوْله: (فَقَالَت: الله وَرَسُوله أعلم) كَأَنَّهَا عرفت أَنه فعل ذَلِك عمدا لتظهر الْكَرَامَة فِي تَكْثِير ذَلِك الطَّعَام، وَدلّ ذَلِك على فطنة أم سليم ورجحان عقلهَا. قَوْله: (فَانْطَلق أَبُو طَلْحَة حَتَّى لَقِي رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة مبارك بن فضَالة: فَاسْتَقْبلهُ أَبُو طَلْحَة. فَقَالَ: (يَا رَسُول الله﴾ مَا عندنَا إلَاّ قرص عملته أم سليم) . وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن عبد الله فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: إِنَّمَا هُوَ قرص. فَقَالَ: إِن الله سيبارك فِيهِ. وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب. فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: يَا رَسُول الله! إِنَّمَا أرْسلت أنسا يَدْعُوك وَحدك وَلم يكن عندنَا مَا يشْبع من أرى. فَقَالَ: أدخِل، فَإِن الله سيبارك فِيمَا عنْدك. وَفِي رِوَايَة النَّضر بن أنس عَن أَبِيه: فَدخلت عَليّ أم سليم وَأَنا مندهش، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى: أَن أَبَا طَلْحَة قَالَ: يَا أنس فضحتنا. وللطبراني فِي (الْأَوْسَط) : فَجعل يرميني بِالْحِجَارَةِ. قَوْله: (هَلُمِّي يَا أم سليم) ، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة: هَلُمَّ، وَهِي لُغَة حجازية، فَإِن عِنْدهم لَا يؤنث وَلَا يثنى وَلَا يجمع، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (الْأَحْزَاب: ٨١) . وَالْمرَاد بذلك طلب مَا عِنْدهَا. قَوْله: (عكة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْكَاف: إِنَاء من جلد مستدير يَجْعَل فِيهِ السّمن غَالِبا وَالْعَسَل، وَفِي رِوَايَة مبارك بن فضَالة: فَقَالَ: هَل من سمن؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: قد كَانَ فِي العكة شَيْء، فجَاء بهَا فَجعلَا يعصرانها حَتَّى خرج، ثمَّ مسح رَسُول الله، ﷺ سبابته، ثمَّ مسح القرص فانتفخ وَقَالَ: بِسم الله، فَلم يزل يصنع ذَلِك والقرص ينتفخ حَتَّى رَأَيْت القرص فِي الْجَفْنَة يتميع. قَوْله: (فأدمته) ، أَي: جعلته أداماً للمفتوت تَقول: أَدَم دلان الْخبز بِاللَّحْمِ يأدمه، بِالْكَسْرِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: أدمته، أَي: أصلحته بالأدام. قَوْله: (إئذن لعشرة) ، أَي: إئذن بِالدُّخُولِ لعشرة أنفس، إِنَّمَا أذن لعشرة عشرَة ليَكُون أرْفق بهم، فَهَذَا يدل على أَنه ﷺ دخل منزل أبي طَلْحَة وَحده، وَجَاء بذلك صَرِيحًا فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَلَفظه: فَلَمَّا انْتهى رَسُول الله، ﷺ إِلَى الْبَاب، فَقَالَ لَهُم: اقعدوا، وَدخل. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة يَعْقُوب: أَدخل عَليّ ثَمَانِيَة، فَمَا زَالَ حَتَّى دخل عَلَيْهِ ثَمَانُون رجلا، ثمَّ دَعَاني ودعا أُمِّي ودعا أَبَا طَلْحَة فأكلنا حَتَّى شبعنا. قلت: هَذَا يحمل على تعدد الْقِصَّة، وَأكْثر الرِّوَايَات: عشرَة عشرَة، سوى هَذِه، فَإِنَّهُ أدخلهم ثَمَانِيَة ثَمَانِيَة، وَالله أعلم. قَوْله: (فَأَكَلُوا) ، وَفِي رِوَايَة مبارك بن فضَالة: فَوضع يَده فِي وسط القرص، قَالَ: كلوا بِسم الله، فَأَكَلُوا من حوالي الْقَصعَة حَتَّى شَبِعُوا، وَفِي رِوَايَة بكر بن عبد الله: فَقَالَ لَهُم: كلوا من بَين أصابعي. قَوْله: (وَالْقَوْم سَبْعُونَ أَو ثَمَانُون) ، كَذَا وَقع بِالشَّكِّ، وَفِي غير هَذَا الْموضع الْجَزْم بالثمانين، وَفِي رِوَايَة مبارك بن فضَالة: حَتَّى أكل مِنْهُ بضعَة وَثَمَانُونَ رجلا، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد: كَانُوا نيفاً وَثَمَانِينَ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث عبد الله بن أبي طَلْحَة: وأفضلوا مَا بلغُوا جيرانهم، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن عبد الله: وفضلت فضلَة فأهدينا لجيراننا، وَفِي رِوَايَة لسعد بن أبي سعيد: ثمَّ أَخذ مَا بَقِي فَجَمعه ثمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبركَةِ، فَعَاد كَمَا كَانَ.
٩٧٥٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى حدَّثنا أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ كُنَّا نَعُدُّ الآياتِ بَرَكَةً وأنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفاً كُنَّا مَعَ رسُولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ المَاءُ فَقَالَ اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ فَجاؤُا بإنَاءٍ فِيهِ ماءٌ قَلِيلٌ فأدْخَلَ يَدَهُ فِي الإنَاءِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ والبَرَكَةُ مِنَ الله فلَقَدْ رأيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أصَابِعِ رَسُولِ الله ﷺ ولَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وهْوَ يُؤْكَلُ.
стр. 4762
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي نبع المَاء من بَين أَصَابِعه وَفِي تَسْبِيح الطَّعَام بَين يَدَيْهِ وهم يسمعونه، وَأَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيرِي الْأَسدي الْكُوفِي، وَقد مر غير مرّة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن الْقَيْس، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن بشار.
قَوْله: (كُنَّا نعد الْآيَات) وَهِي الْأُمُور الخارقة للْعَادَة. قَوْله: (وَأَنْتُم تعدونها تخويفاً) أَي: لأجل التخويف، فَكَأَن ابْن مَسْعُود أنكر عَلَيْهِم عد جَمِيع الْآيَات تخويفاً، فَإِن بَعْضهَا يَقْتَضِي بركَة من الله: كشبع الْخلق الْكثير من الطَّعَام الْقَلِيل، وَبَعضهَا يَقْتَضِي تخويفاً من الله: ككسوف الشَّمْس وَالْقَمَر. قَوْله: (فِي سفر) ، جزم الْبَيْهَقِيّ أَنه فِي الْحُدَيْبِيَة، لَكِن لم يخرج مَا يُصَرح بِهِ، وَعند أبي نعيم فِي (الدَّلَائِل) : أَن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة خَيْبَر، فَأخْرج من طَرِيق يحيى بن سَلمَة بن كهيل عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ فِي غَزْوَة خَيْبَر، فَأصَاب النَّاس عَطش شَدِيد، فَقَالَ: يَا عبد الله إلتمس لي مَاء، فَأَتَيْته بِفضل ماءٍ فِي إداوة. قَوْله: (حَيّ على الطّهُور) أَي: هلموا إِلَى الطّهُور، وَهُوَ بِفَتْح الطَّاء، وَالْمرَاد بِهِ المَاء، وَيجوز ضمهَا وَيُرَاد الْفِعْل، أَي: تطهروا. قَوْله: (وَالْبركَة) ، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره. قَوْله: (من الله) وَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَن الإيجاد من الله تَعَالَى. قَوْله: (لقد كُنَّا نسْمع تَسْبِيح الطَّعَام وَهُوَ يُؤْكَل) ، أَي: فِي حَالَة الْأكل، وَذَلِكَ فِي عهد رَسُول الله، ﷺ .
٠٨٥٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قَالَ حدَّثني عامِرٌ قَالَ حدَّثني جابِرٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ أباهُ تُوُفِّيَ وعلَيْهِ دَيْنٌ فأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فقُلْتُ إنَّ أبي تَرَكَ علَيْهُ دَيْناً ولَيْسَ عِنْدِي إلَاّ مَا يُخْرِجُ نَخْلَهُ ولَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ سَنَتَيْنِ مَا عَلَيْهِ فانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْلَا يُفْحِشَ علَيَّ الغُرَمَاءُ فمَشَى حَوْلَ بَيْدَرٍ مِنْ بَيَادِرِ التَّمْرِ فدَعَا ثُمَّ آخَرَ ثُمَّ جَلَسَ علَيْهِ فَقَالَ انْزِعُوهُ فأوْفَاهُمْ الَّذِي لَهُمْ وبَقِيَ مِثْلُ مَا أعْطَاهُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ حُصُول الْبركَة الزَّائِدَة بمشيه حول البيادر حَتَّى بلغ مَا أخرج نخله ماعليه، وَفضل مثل ذَلِك، وَهَذِه أَيْضا من معجزاته، ﷺ .
وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وزكرياء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وعامر هُوَ الشّعبِيّ.
والْحَدِيث مضى مطولا ومختصراً فِي مَوَاضِع فِي الاستقراض وَفِي الْجِهَاد وَفِي الشُّرُوط وَفِي الْبيُوع وَفِي الْوَصَايَا وَمر الْكَلَام فِي الْجَمِيع.
قَوْله: (إلَاّ مَا يخرج نخله) من الْإِخْرَاج، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَلَا يبلغ مَا يخرج) من الْإِخْرَاج. قَوْله: (سنتَيْن) ، أَي: فِي مُدَّة سنتَيْن، وَهِي تَثْنِيَة سنة، ويروى بِصِيغَة الْجمع. قَوْله: (مَا عَلَيْهِ) ، مفعول قَوْله: (وَلَا يبلغ) أَي: مَا على أبي من الدّين. قَوْله: (لكيلا يفحش) ، من الإفحاش. قَوْله: (عليَّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (الْغُرَمَاء) ، بِالرَّفْع فَاعل يفحش. قَوْله: (فَمشى حول بيدر) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَقَالَ: نعم، فَانْطَلق فوصل إِلَى الْحَائِط فَمشى حول بيدر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الدَّال الْمُهْملَة: كالجرن للحب. قَوْله: (فَدَعَا) ، أَي: فِي ثمره بِالْبركَةِ. قَوْله: (ثمَّ آخر) أَي: ثمَّ مَشى حول بيدر آخر فَدَعَا. قَوْله: (فَقَالَ: انزعوه) أَي: إنزعوه من البيدر. قَوْله: (وَبَقِي مثل مَا أَعْطَاهُم) ، أَي: مثل مَا أعْطى أَصْحَاب الدُّيُون، وَفِي رِوَايَة مُغيرَة: وَبَقِي تمري كَأَنَّهُ لم ينقص مِنْهُ شَيْء، وَوَقع فِي رِوَايَة وهب بن كيسَان: فأوفاهه ثَلَاثِينَ وسْقا وفضلت لَهُ سَبْعَة عشر وسْقا. وَيجمع بِالْحملِ على تعدد الْغُرَمَاء فَكَأَن أصل الدّين كَانَ مِنْهُ لِلْيَهُودِيِّ ثَلَاثُونَ وسْقا من صنف وَاحِد فأوفاه وَفضل من ذَلِك البيدر سَبْعَة عشر وسْقا، وَكَانَ مِنْهُ لغير ذَلِك الْيَهُودِيّ أَشْيَاء أخر من أَصْنَاف أُخْرَى فأوفاهم وَفضل من الْمَجْمُوع قدر الدّين الَّذِي أوفاه.
١٨٥٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عَن أبِيهِ حدَّثنا أبُو عُثْمَانَ أنَّهُ حدَّثَهُ عبْدُ الرِّحمانِ ابنُ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ أصْحَابَ الصُّفَةِ كانُوا أُنَاسَاً فُقَرَاءَ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَرَّةً مَنْ كانَ عِنْدَهُ طَعامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ومَنْ كانَ عِنْدَهُ طَعامُ أرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أوْ سادِسٍ أوْ كَما قالَ وأِنَّ أبَا بَكْرٍ جاءَ بِثَلَاثَةٍ وانْطَلَقَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 4763
بِعَشَرَةٍ وأبُو بَكْرٍ وثَلاثَةٍ قَالَ فَهْوَ أَنا وأبِي وأُمِّي ولَا أدْرِي هَلْ قَالَ امْرَأتِي وخادِمِي بَيْنَ بَيْتِنَا وبَيْنَ بَيْتِ أبِي بَكْرٍ وأنَّ أبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حتَّى صَلَّى العِشَاءَ ثُمَّ رَجَعَ فلَبِثَ حتَّى تَعَشَّى رسُولُ الله ﷺ فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ الله قالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ مَا حَبَسَكَ عنْ أضْيَافِكَ أوْ ضَيْفِكَ قَالَ أوَ عَشَّيْتِهِمْ قالَتْ أبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عَرَضُوا علَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ فَذَهَبْتُ فاخْتَبَأتُ فَقَالَ يَا غُنْثَر فَجَدَّعَ وسَبَّ وَقَالَ كُلُوا وَقَالَ لَا أطْعَمُهُ أبَدَاً قَالَ وايْمُ الله مَا كُنَّا نأخُذُ مِنَ اللُّقْمَةِ إلَاّ رَبَا مِنْ أسْفَلِهَا أكْثَرُ مِنْهَا حتَّى شَبِعُوا وصارَتْ أكْثَرَ مِمَّا كانَتْ قَبْلُ فنَظَرَ أبُو بَكْرٍ فإذَا شَيءٌ أوْ أكْثَرُ قَالَ لإمْرَأتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ قالَتْ لَا وقُرَّةِ عَيْنِي لَهْيَ الآنَ أكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ بِثَلاثِ مَرَّاتٍ فأكَلَ مِنْهَا أبُو بَكْرٍ وَقَالَ إنَّمَا كانَ الشَّيْطَانُ يَعْنِي يَمينَهُ ثُمَّ أكَلَ مِنْهَا لُقْمَة ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَيّ النَّبِيِّ ﷺ فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ وكانَ بَيْنَنَا وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فمَضَي الأجَلُ ففَرَّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ الله أعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجلٍ غَيْرَ أنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ قَالَ أكَلُوا مِنْهَا أجْمَعُونَ أوْ كَمَا قَالَ.
قيل: لَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة هُنَا، لِأَن التَّرْجَمَة فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، والْحَدِيث فِي كَرَامَة الصّديق. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يجوز أَن تظهر المعجزة على يَد الْغَيْر، أَو أستفيد الإعجاز من آخِره حَيْثُ قَالَ: أكلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ.
ومعتمر يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن طرخان وَهُوَ من صغَار التَّابِعين، وَفِي رِوَايَة أبي النُّعْمَان الَّتِي مَضَت فِي كتاب الصَّلَاة: حَدثنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان حَدثنَا أبي وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب السمر مَعَ الْأَهْل والضيف.
قَوْله: (إِن أَصْحَاب الصّفة) هِيَ مَكَان فِي مُؤخر الْمَسْجِد النَّبَوِيّ مظلل أعد لنزول الغرباء فِيهِ مِمَّن لَا مأوى لَهُ وَلَا أهل، وَكَانُوا يكثرون فِيهِ ويقلون بِحَسب من يتَزَوَّج مِنْهُم أَو يَمُوت أَو يُسَافر. قَوْله: (فليذهب بثالث) ، أَي: من أهل الصّفة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فليذهب بِثَلَاثَة، قَالَ عِيَاض: وَهُوَ غلط وَالصَّوَاب رِوَايَة البُخَارِيّ لموافقتها لسياق بَاقِي الحَدِيث. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِن حمل على ظَاهره فسد الْمَعْنى لِأَن الَّذِي عِنْده طَعَام إثنين إِذا ذهب مَعَه بِثَلَاثَة لزم أَن يَأْكُلهُ فِي خَمْسَة وَحِينَئِذٍ لَا يكفيهم وَلَا يسد رمقهم، بِخِلَاف مَا إِذا ذهب مَعَه بِوَاحِد فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَأْكُلهُ من ثَلَاثَة، وَأجَاب النَّوَوِيّ عَنهُ: بِأَن التَّقْدِير فليذهب بِمن يتم من عِنْده ثَلَاثَة، أَو فليذهب بِتمَام ثَلَاثَة. قَوْله: (وَأَبُو بكر وَثَلَاثَة) أَي: وَانْطَلق أَبُو بكر وَثَلَاثَة مَعَه، وَإِنَّمَا كرر بِثَلَاثَة لِأَن الْغَرَض من الأول الْإِخْبَار بِأَن أَبَا بكر كَانَ من المكثرين مِمَّن عِنْده طَعَام أَرْبَعَة فَأكْثر، وَأما الثَّانِي فَهُوَ مِمَّا يَقْتَضِي سوق الْكَلَام على تَرْتِيب الْقِصَّة، ذكره. قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر. قَوْله: (فَهُوَ أَنا) أَي: الشَّأْن أَنا وَأبي وَأمي فِي الدَّار، وَالْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان أَن فِي منزله هَؤُلَاءِ، فَلَا بُد أَن يكون عِنْده طعامهم، وَأم عبد الرَّحْمَن هِيَ أم رُومَان مَشْهُورَة بكنيتها وَاسْمهَا زَيْنَب، وَقيل: وَعلة بنت عَامر بن عُوَيْمِر كَانَت تَحت الْحَارِث بن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ فَمَاتَ بعد أَن قدم مَكَّة وَخلف مِنْهَا ابْنه الطُّفَيْل، فَتَزَوجهَا أَبُو بكر فَولدت لَهُ عبد الرَّحْمَن وَعَائِشَة، وَأسْلمت أم رُومَان قَدِيما وَهَاجَرت وَعَائِشَة مَعهَا، وَأما عبد الرَّحْمَن فَتَأَخر إِسْلَامه وهجرته إِلَى هدنة الْحُدَيْبِيَة، فَقدم فِي سنة سبع أَو أول سنة ثَمَان، وَاسم امْرَأَته أُمَيْمَة بنت عدي بن قيس السهمية، وَهِي وَالِدَة أكبر أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن أبي عَتيق مُحَمَّد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (وَلَا أَدْرِي هَل قَالَ) الْقَائِل هُوَ أَبُو عُثْمَان الرَّاوِي عَن عبد الرَّحْمَن، كَأَنَّهُ شكّ فِي ذَلِك. قَوْله: (وخادمي) بِالْإِضَافَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِغَيْر إِضَافَة. قَوْله: (بَين بيتنا وَبَيت أبي بكر) يَعْنِي: خدمتها مُشْتَركَة بَين بيتنا وَبَيت أبي بكر. وَقَوله: (بَين) طرف للخادم. قَوْله: (إِن أَبَا بكر تعشي عِنْد النَّبِي ﷺ وَفِي مُسلم، قَالَ: وَإِن أَبَا بكر، أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن: وَإِن أَبَا بكر تعشى عِنْد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (ثمَّ لبث) ، أَي:
стр. 4764
مكث عِنْد النَّبِي ﷺ ، حَتَّى صلى الْعشَاء، وَفِيمَا تقدم فِي: بَاب السمر مَعَ الْأَهْل: ثمَّ لبث حَتَّى صليت الْعشَاء الْآخِرَة وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (ثمَّ رَجَعَ) ثمَّ رَجَعَ أَبُو بكر إِلَى منزله، هَذَا الَّذِي يفهم من ظَاهر الرِّوَايَة، والرواة مَا اتَّفقُوا على هَذَا، لِأَن فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: ثمَّ ركع، بِالْكَاف، أَي: ثمَّ صلى النَّافِلَة، وَالْحَاصِل على هَذَا أَن أَبَا بكر مكث عِنْد النَّبِي ﷺ حَتَّى صلى الْعشَاء ثمَّ صلى النَّافِلَة فَلبث أَبُو بكر عِنْده حَتَّى تعشى أَو حَتَّى نعس، يَعْنِي أَخذ فِي النّوم على مَا نذكرهُ الْآن. قَوْله: (فَلبث) مَعْنَاهُ: فَلبث عِنْد النَّبِي ﷺ ، بعد أَن رَجَعَ إِلَيْهِ حَتَّى تعشى رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ثمَّ رَجَعَ فَلبث حَتَّى نعس رَسُول الله، ﷺ ، من النعاس الَّذِي هُوَ مُقَدّمَة النّوم، وَقَالَ بَعضهم: شرح الْكرْمَانِي: يَعْنِي هَذَا الْموضع بِأَن المُرَاد: أَنه لما جَاءَ بِالثَّلَاثَةِ إِلَى منزله لبث فِي منزله إِلَى وَقت صَلَاة الْعشَاء، ثمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَلبث عِنْده حَتَّى تعشى النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا لَا يَصح، لِأَنَّهُ يُخَالف صَرِيح قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب: وَإِن أَبَا بكر تعشى عِنْد النَّبِي ﷺ . انْتهى. قلت: لم يقل الْكرْمَانِي هَذَا مثل الَّذِي ذكره، وَإِنَّمَا قَالَ فَإِن قلت: هَذَا يشْعر بِأَن التعشي عِنْد النَّبِي ﷺ كَانَ بعد الرُّجُوع إِلَيْهِ وَمَا تقدم بِأَنَّهُ كَانَ بعده قلت: الأول: بَيَان حَال أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي عدم احْتِيَاجه إِلَى الطَّعَام عِنْد أَهله، وَالثَّانِي: هُوَ سوق الْقِصَّة على التَّرْتِيب الْوَاقِع. أَو الأول: تعشى الصّديق وَالثَّانِي تعشى الرَّسُول، ﷺ ، أَو الأول: من الْعشَاء، بِكَسْر الْعين، وَالثَّانِي: مِنْهُ بِفَتْحِهَا. انْتهى. هَذَا لفظ الْكرْمَانِي فَلْينْظر المتأمل هَل نِسْبَة هَذَا الْقَائِل عدم الصِّحَّة إِلَى الْكرْمَانِي صَحِيحَة أم لَا؟ وَحل تركيب هَذَا الحَدِيث يحْتَاج إِلَى دقة نظر وَتَأمل كثير. قَوْله: (أَو ضيفك) ، شكّ من الرَّاوِي، وعَلى هَذَا فالضيف كَانُوا ثَلَاثَة فَكيف قَالَ بِالْإِفْرَادِ؟ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن الضَّيْف اسْم جنس يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو الضَّيْف، مصدر يتَنَاوَل الْمثنى وَالْجمع. قلت: لَا يَصح هَذَا الْفساد الْمَعْنى. قَوْله: (أوَعشيتهم؟) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَو مَا عشيتهم؟ بِزِيَادَة: مَا النافية، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي، والهمزة للاستفهام، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر بعد الْهمزَة، ويروى: أوعشيتهم، بِالْيَاءِ الساكنة بعد تَاء الْخطاب. قَوْله: (قَالَت: أَبَوا) ، أَي: امْتَنعُوا إِلَى أَن تَجِيء رفقا بِهِ لظنهم أَنه لَا يجد عشَاء فصبروا حَتَّى يَأْكُل مَعَهم. قَوْله: (قد عرضوا) ، بِفَتْح الْعين أَي: قد عرض الْأَهْل والخدم. قَوْله: (فغلبوهم) ، أَي: إِن آل بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عرضوا على الأضياف الْعشَاء فامتنعوا، فعالجوهم فامتنعوا حَتَّى غلبوهم، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي: بَاب السمر مَعَ الْأَهْل. قَوْله: (فَذَهَبت) ، أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن: فَذَهَبت، وَفِي رِوَايَة مُسلم: قَالَ: فَذَهَبت أَنا. قَوْله: (فاختبأت) ، أَي: اختفيت خوفًا مِنْهُ. قَوْله: (فَقَالَ: يَا غنثر) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره رَاء: مَعْنَاهُ الْجَاهِل، وَقيل: غنثر الذُّبَاب، وَأَرَادَ بِهِ التَّغْلِيظ عَلَيْهِ حَيْثُ خاطبه بِشَيْء فِيهِ التحقير، وَقد مر فِي الصَّلَاة كَلَام كثير فِيهِ فَليرْجع إِلَيْهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فجدع) أَي: جدع أَبُو بكر، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: أَي: دَعَا بالجدع، وَهُوَ قطع الْأنف وَالْأُذن وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَسَب) ، أَي: شتم ظنا مِنْهُ أَن عبد الرَّحْمَن فرط فِي حق الأضياف. قَوْله: (وَقَالَ: كلوا) ، أَي: قَالَ أَبُو بكر: كلوا، وَفِي رِوَايَة الصَّلَاة: كلوا لَا هَنِيئًا، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، إِنَّمَا قَالَه لما حصل لَهُ من الْحَرج والغيظ بتركهم الْعشَاء بِسَبَبِهِ، وَقيل: إِنَّه لَيْسَ بِدُعَاء إِنَّمَا هُوَ خبر أَي: لم تهنوا بِهِ فِي وقته. قَوْله: (فَقَالَ: لَا أطْعمهُ أبدا) ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كل ذَلِك من أبي بكر على ابْنه ظنا مِنْهُ أَنه فرط فِي حق الأضياف، فَلَمَّا تبين لَهُ أَن ذَلِك كَانَ من الأضياف أدبهم. بقوله: كلوا لَا هَنِيئًا، وَحلف أَن لَا يطعمهُ، وَفِي رِوَايَة الْجريرِي، فَقَالَ: إِنَّمَا انتظرتموني؟ وَالله لَا أطْعمهُ أبدا، فَقَالَ الْآخرُونَ: وَالله لَا نطعمه أبدا حَتَّى تطعمه، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من هَذَا الْوَجْه: فَقَالَ أَبُو بكر: فَمَا منعكم؟ قَالُوا: مَكَانك. قَالَ: وَالله لَا أطْعمهُ أبدا، ثمَّ اتفقَا، فَقَالَ: لم أر من الشَّرّ كالليلة، وَيْلكُمْ؟ مَا أَنْتُم؟ لم لَا تقبلون عَنَّا قراكم؟ هَات طَعَامك. فَوضع فَقَالَ: بِسم الله الأولى من الشَّيْطَان فَأكل وأكلوا. قَوْله: الأولى من الشَّيْطَان، أَرَادَ بِهِ يَمِينه. قَالَ القَاضِي: وَقيل: مَعْنَاهُ اللُّقْمَة الأولى من أجل قمع الشَّيْطَان وإرغامه ومخالفته فِي مُرَاده بِالْيَمِينِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ أَن من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فعل ذَلِك وَكفر عَن يَمِينه، كَمَا جَاءَت بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قَوْله: (وأيم الله) أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن: وأيم الله، هَذَا من أَلْفَاظ الْيَمين وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، أَي: وأيم الله قسمي، وهمزته همزَة وصل لَا يجوز قطعه عِنْد الْأَكْثَرين، وَقد أطلنا الْكَلَام فِيهِ فِي التَّيَمُّم فِي: بَاب
стр. 4765
الصَّعِيد الطّيب. قَوْله: (إلَاّ رَبًّا من أَسْفَلهَا) ، أَي: زَاد من أَسْفَلهَا، أَي: من الْموضع الَّذِي أخذت مِنْهُ. قَوْله: (فَإِذا شَيْء) ، أَي: فَإِذا هُوَ شَيْء كَمَا كَانَ أَو أَكثر، ويروى لَهَا: فَإِذا هِيَ شَيْء، أَي الْبَقِيَّة أَو الْأَطْعِمَة. قَوْله: (قَالَ لامْرَأَته) أَي: قَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأمرأته: (يَا أُخْت بني فراس) قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ: يَا من هِيَ من بني فراس، بِكَسْر الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة، قَالَ القَاضِي: فراس هُوَ ابْن غنم بن مَالك بن كنَانَة، وَقد تقدم أَن أم رُومَان من ذُرِّيَّة الْحَارِث بن غنم، وَهُوَ أَخُو فراس بن غنم، فَلَعَلَّ أَبَا بكر نَسَبهَا إِلَى بني فراس لكَوْنهم أشهر من بني الْحَارِث، وَقد يَقع مثل هَذَا كثيرا، وَقيل: الْمَعْنى: يَا أُخْت الْقَوْم المنتسبين إِلَى بني فراس. قَوْله: (قَالَت: لَا، وقرة عَيْني) ، كلمة: لَا، زَائِدَة للتَّأْكِيد، وَيحْتَمل أَن تكون نَافِيَة، وثمة مَحْذُوف أَي: لَا شَيْء غير مَا أَقُول، وَهُوَ قَوْلهَا: وقرة عَيْني، وَالْوَاو فِيهِ للقسم، وقرة الْعين، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء: يعبر بهَا عَن المسرة ورؤية مَا يحب الْإِنْسَان، وَقد طولنا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب السمر مَعَ الْأَهْل والضيف. قَوْله: (لهي الْآن أَكثر) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَقيل بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) وَقيل: ثَلَاث مرار. قَوْله: (فَأكل مِنْهَا) أَي: من الْأَطْعِمَة. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَان) يَعْنِي: إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَان الْحَامِل على يَمِينه الَّتِي حَلفهَا، وَهِي قَوْله: (وَالله لَا أطْعمهُ) وَفِي رِوَايَة مُسلم: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من الشَّيْطَان، يَعْنِي: يَمِينه، وَهَذَا أقرب. قَوْله: (فَأَصْبَحت عِنْده) أَي: أَصبَحت الْأَطْعِمَة الَّتِي فِي الْجَفْنَة عِنْد النَّبِي ﷺ على حَالهَا، وَإِنَّمَا لم يَأْكُلُوا مِنْهَا فِي اللَّيْل لكَون ذَلِك وَقع بعد أَن مضى من اللَّيْل مُدَّة طَوِيلَة. قَوْله: (عهد) ، أَي: عهد مهادنة، ويروى: وَكَانَت بَيْننَا، والتأنيث بِاعْتِبَار المهادنة. قَوْله: (فَمضى الْعَهْد) أَي: مَضَت مُدَّة الْعَهْد. قَوْله: (ففرقنا) من التَّفْرِيق، فالراء فِيهِ مَفْتُوحَة وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَكلمَة: نَا، مَفْعُوله، و: الْفَاء، فِيهِ فَاء الفصيحة أَي: فجاؤا إِلَى الْمَدِينَة، أَي: جعل كل رجل مَعَ اثْنَي عشرَة فرقة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَعرفنَا: بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء الْمُشَدّدَة أَي: جعلنَا عرفاء نقباء على قَومهمْ. وَفِيه: دَلِيل لجَوَاز تَعْرِيف العرفاء على العساكر وَنَحْوهَا، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : العرافة حق، وَلما فِيهِ من مصلحَة النَّاس وليتيسر ضبط الجيوش على الإِمَام وَنَحْوهَا باتخاذ العرفاء. فَإِن قلت: جَاءَ فِي الحَدِيث: العرفاء فِي النَّار. قلت: هُوَ مَحْمُول على العرفاء الْمُقَصِّرِينَ فِي ولايتهم المرتكبين فِيهَا مَا لَا يجوز، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: فقرينا، بقاف وَرَاء وياء آخر الْحُرُوف، من الْقرى، وَهِي: الضِّيَافَة. وَقَالَ بَعضهم: وَلم أَقف على ذَلِك. قلت: لَا يلْزم من عدم وُقُوفه على ذَلِك الْإِنْكَار عَلَيْهِ، لِأَن من لم يقف على شَيْء أَكثر مِمَّن وقف عَلَيْهِ. قَوْله: (اثْنَا عشر رجلا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: اثْنَي عشر، بِالنّصب وَهُوَ ظَاهر، وَأما رواي الرّفْع فعلى لُغَة من يَجْعَل الْمثنى بِالْألف فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَانِ لساحران﴾ (طه: ٣٦) . قَوْله: (غير أَنه بعث) أَي: غير أَن النَّبِي ﷺ بعث مَعَهم نصيب أَصْحَابهم إِلَيْهِم. قَوْله: (أَو كَمَا قَالَ) ، شكّ من أبي عُثْمَان، وَالْمعْنَى: أَن جَمِيع الْجَيْش أكلُوا من تِلْكَ الْأَطْعِمَة الَّتِي أرسلها أَبُو بكر إِلَى النَّبِي ﷺ فِي الْجَفْنَة، فَظهر بذلك أَن تَمام الْبركَة فِيهَا كَانَت عِنْد النَّبِي ﷺ ، وَالَّذِي وَقع فِي بَيت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ ظُهُور أَوَائِل الْبركَة فِيهَا، والفوائد الَّتِي استفيدت من الحَدِيث الْمَذْكُور ذَكرنَاهَا فِي: بَاب السمر مَعَ الْأَهْل والضيف.
٢٨٥٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ وعنْ يُونُسَ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أصابَ أهْلَ المَدِينَةِ قَحْطٌ علَى عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ فبَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ إذْ قامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رسُولَ الله هَلَكَتِ الكُرَاعُ هَلَكَتِ الشَّاءُ فادْعُ الله يَسْقِينَا فَمَدَّ يَدَيْهِ ودَعَا قَالَ أنَسٌ وإنَّ السَّمَاءَ كَمِثْلُ الزُّجَاجَةِ فَهَاجَتْ رِيح أنْشأتْ سَحابَاً ثُمَّ اجْتَمَعَ ثُمَّ أرْسَلَتِ السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا فَخَرَجْنَا نَخُوضُ المَاءَ حَتَّى أتَيْنَا مَنَازِلَنَا فلَمْ تَزَلُ تُمْتِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الأخْرَى فقامَ إلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ أوْ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رسُولَ الله تَهَدَّمَتِ البيُوتُ فادْعُ الله يَحْبِسْهُ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فنَظَرْتُ إِلَى السَّحَابِ تَصَدَّعَ حَوْلَ المَدِينَةِ كأنَّهُ إكْلِيلٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الاسْتِسْقَاء مطولا ومختصراً من عشرَة وُجُوه. الأول: عَن
следующие страницы →