Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
وَقَالَ عُمَرُ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وهْوَ عَنْهُ رَاضٍ
قد مر هَذَا التَّعْلِيق عَن قريب فِي قصَّة الْبيعَة، وَفِيه: مقتل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مطولا وَمُسْندًا وَهُوَ قَول عمر: مَا أحد أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ النَّفر أَو الرَّهْط الَّذين توفّي رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ عَنْهُم راضٍ، فَسمى: عليا وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وسعداً وَعبد الرَّحْمَن.
٢٢٧٣
- ٣٢٧٣ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ حدَّثَن مُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي عُثْمَانَ قَالَ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأيَّامِ الَّتِي قاتَلَ فِيهِنَّ رسُولُ الله ﷺ غيرُ طَلْحةَ وسعْدٍ عنْ حَدِيثِهِمَا. (الحَدِيث ٢٢٧٣ طرفه فِي: ٠٦٠٤) . (الحَدِيث ٣٢٧٣ طرفه فِي: ١٦٠٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن طَلْحَة بَقِي مَعَ رَسُول الله، ﷺ يَوْم الْحَرْب عِنْد فرار النَّاس عَنهُ، وَفِيه منقبة عَظِيمَة لَهُ، ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ. قَوْله: (فِي بعض تِلْكَ الْأَيَّام) أَرَادَ بِهِ يَوْم أحد. قَوْله: (غير طَلْحَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل. قَوْله: (لم يبْق) ، قَوْله: (عَن حَدِيثهمَا) يَعْنِي: يروي أَبُو عُثْمَان هَذَا من حَدِيث طَلْحَة وَسعد، أَرَادَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ بذلك.
٤٢٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا خالِدٌ حدَّثنا ابنُ أبِي خالِدٍ عنْ قَيْسِ بنِ أبِي حازِمٍ قَالَ رأيْتُ يدَ طَلْحَةَ الَّتِي وقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَلَّتْ. (الحَدِيث ٤٢٧٣ طرفه فِي: ٣٦٠٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الوَاسِطِيّ، وَابْن أبي خَالِد هُوَ إِسْمَاعِيل، وَاسم أبي خَالِد سعد، وَيُقَال: هُرْمُز الأحمسي البَجلِيّ، وَقيس بن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عَوْف الأحمسي البَجلِيّ، قدم الْمَدِينَة بعد مَا قبض النَّبِي ﷺ .
قَوْله: (الَّتِي وقى بهَا) يَعْنِي: يَوْم أحد، وَقد صرح بذلك عَليّ بن مسْهر عَن إِسْمَاعِيل عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُوسَى بن طَلْحَة عَن أَبِيه: أَنه أَصَابَهُ فِي يَده سهم، وَمن حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَنه وقى رَسُول الله، ﷺ لما أَرَادَ بعض الْمُشْركين أَن يضْربهُ، وَفِي (مُسْند الطَّيَالِسِيّ) من حَدِيث عَائِشَة عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: ثمَّ أَتَيْنَا طَلْحَة يَعْنِي يَوْم أُحد فَوَجَدنَا بِهِ بضعاً وَسبعين جِرَاحَة، وَإِذا هُوَ قد قطعت إصبعه. وَفِي (الْجِهَاد) لِابْنِ الْمُبَارك من طَرِيق مُوسَى بن طَلْحَة: إِن إصبعه الَّتِي اصيبت هِيَ الَّتِي تلِي الْإِبْهَام. قَوْله: (قد شلت) بِفَتْح الشين تشل، ذكره ثَعْلَب، قَالَ الشنتمري: هُوَ بطلَان فِي الْيَد أَو الرجل من آفَة تعتريها، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: قطعت، كَمَا ذكره ابْن سَيّده. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِذا استرخت، وَقَالَ كرَاع: هُوَ تقبض فِي الْكَفّ، وَأَصله: شللت على وزن: فعلت، بِكَسْر الْعين، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: والعامة تَقول: شلت يَده، بِالضَّمِّ، وَهُوَ خطأ، وَقَالَ اللحياني: وَمِنْهُم من يَقُول: شلت، يَعْنِي: بِالضَّمِّ، وَهُوَ قَلِيل، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: لَا يُقَال: شلت، يَعْنِي بِالضَّمِّ، إلَاّ فِي لُغَة رَدِيئَة. وَفِي (العويص) لِابْنِ سَيّده: أشللت يَده، بِالْألف، وَقَالَ أَبُو الشَّاء: وَمن خَواص طَلْحَة بن عبيد الله أَن رَسُول الله، ﷺ إِذا لم يره قَالَ: مَالِي لَا أرى الْمليح الفصيح؟ ولقبه: بالفياض، وَطَلْحَة الْخَيْر وَطَلْحَة الْجُود، وَلم يثبت مَعَه يَوْم أحد غَيره، وَعَن الْمبرد: كَانَ يُقَال لطلْحَة بن عبيد الله: طَلْحَة الطلحات، وَخلف مَالا جزيلاً: ثَلَاثِينَ ألف ألف، وَفِي الصَّحَابَة من اسْمه طَلْحَة نَحْو الْعشْرين.
٥١ - (بابُ مَناقِبِ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب سعد بن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ أحد الْعشْرَة ويكنى أَبَا إِسْحَاق، وَكَانَ يُقَال لَهُ: فَارس الْإِسْلَام وَهُوَ أول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله، وَكَانَ مجاب الدعْوَة، وَكَانَ سَابِع سَبْعَة فِي الْإِسْلَام، وَهُوَ الَّذِي كوف الْكُوفَة وَنفى الْأَعَاجِم وَفتح الله على يَدَيْهِ أَكثر فَارس، مَاتَ فِي قصره بالعقيق على عشرَة أَمْيَال من الْمَدِينَة، وَحمل على رِقَاب النَّاس إِلَى الْمَدِينَة
стр. 4867
وَدفن بِالبَقِيعِ، وَصلى عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ آخر الْعشْرَة وَفَاة فِي سنة خمس وَخمسين وَهُوَ الْمَشْهُور وعمره يَوْم مَاتَ ثَلَاث وَثَمَانُونَ، وَقيل: ثَلَاث وَسَبْعُونَ، وَالله أعلم.
وبَنُو زُهْرَةَ أخْوَالُ النَّبِيِّ ﷺ
لِأَن أم النَّبِي ﷺ آمِنَة مِنْهُم وأقارب الْأُم أخوال.
وهْوَ سَعْدُ بنُ مالِكٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن اسْم أبي وَقاص وَالِد سعد هُوَ: مَالك بن وهب، وَيُقَال: وهيب، وَيُقَال: أهيب بن عبد منَاف بن زهرَة ابْن كلاب بن مرّة، يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ فِي كلاب بن مرّة، وَعدد مَا بَينهمَا من الْآبَاء متفاوت، وَأمه حمْنَة بنت سُفْيَان ابْن أُميَّة بن عبد شمس، لم تُسْلِم.
٥٢٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى حدَّثنا عبْدُ الوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ سَعيدَ بن المُسَيَّبِ قَالَ سَمِعْتُ سعْدَاً يقُولُ جَمَع لي النَّبيُّ ﷺ أبَوَيْهُ يَوْمَ أُحُدٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن مُسَدّد وَعَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان فِي المناقب عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن هِشَام بن عمار. قَوْله: (جمع لي) أَي: فِي التفدية بِأَن قَالَ: فدَاك أبي وَأمي.
٦٢٧٣ - حدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا هَاشِمُ بنُ هاشِمٍ عنْ عامِرِ بنِ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ قَالَ لَقَدْ رأيْتُنِي وَأَنا ثُلُثُ الإسْلَامِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ ثلث الْإِسْلَام، وَهُوَ منقبة عَظِيمَة. وهَاشِم بن هَاشم بن عتبَة بن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ يعد فِي أهل الْمَدِينَة وَهُوَ يروي عَن عَامر بن سعد وَابْن أبي وَقاص يروي عَن أَبِيه سعد.
قَوْله: (لقد رَأَيْتنِي) أَي: رَأَيْت نَفسِي وَالْحَال (وَأَنا ثلث الْإِسْلَام) أَرَادَ بِهِ أَنه ثَالِث من أسلم أَولا، وَأَرَادَ بالإثنين، أَبَا بكر وَخَدِيجَة أَو النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر، وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ الرِّجَال الْأَحْرَار، لِأَن أَبَا عمر ذكر فِي الِاسْتِيعَاب أَنه سَابِع سَبْعَة فِي الْإِسْلَام، وَقد تقدم فِي تَرْجَمَة الصّديق حَدِيث عمار: رَأَيْت النَّبِي ﷺ ، وَمَا مَعَه إلَاّ خَمْسَة أعبد وَأَبُو بكر فَهَؤُلَاءِ سِتَّة وَيكون هُوَ السَّابِع بِهَذَا الإعتبار، أَو قَالَ ذَلِك بِحَسب إطلاعه، وَالسَّبَب فِيهِ أَن من كَانَ أسلم فِي ابْتِدَاء الْأَمر كَانَ يخفي إِسْلَامه، فَبِهَذَا الِاعْتِبَار قَالَ: وَأَنا ثلث الْإِسْلَام.
٧٢٧٣ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى أخْبرَنا ابنُ أبِي زَائِدَةَ حدَّثنا هاشِمُ بنُ هاشِمِ بنِ عُتْبَةَ بنِ أبِي وقَّاصٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أبِي وقَّاصٍ يقُولُ مَا أسْلَمَ أحَدٌ إلَاّ فِي اليَوْمِ الَّذي أسْلَمْتُ فيهِ ولَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أيَّامٍ وإنِّي لَثُلُثُ الإسْلَامِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٧٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق يعرف بالصغير، يروي عَن يحيى بن زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة، واسْمه مَيْمُون، وَيُقَال: خَالِد الْهَمدَانِي الْكُوفِي القَاضِي.
قَوْله: (مَا أسلم أحد) ظَاهره أَنه لم يسلم أحد قبله، وَهَذَا مُشكل لِأَنَّهُ قد أسلم قبله جمَاعَة وَلَكِن يحمل هَذَا على مُقْتَضى مَا كَانَ اتَّصل بِعِلْمِهِ حِينَئِذٍ وَقد روى ابْن مَنْدَه فِي الْمعرفَة من طَرِيق أبي بدر عَن هَاشم بِلَفْظ: مَا أسلم أحد فِي الْيَوْم الَّذِي أسلمت فِيهِ، وَهَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ لِأَنَّهُ لَا مَانع أَن لَا يُشَارِكهُ أحد فِي الْإِسْلَام يَوْم أسلم وَلَا يُنَافِي هَذَا إِسْلَام جمَاعَة قبل يَوْم إِسْلَامه فَافْهَم. قَوْله: (وَلَقَد مكثت) إِلَى آخِره، هَذَا أَيْضا على مُقْتَضى إطلاعه، كَمَا ذكرنَا عَن قريب.
стр. 4868
تابَعَهُ أبُو أُسَامَةَ حدَّثنا هاشِمٌ
أَي: تَابع ابْن أبي زَائِدَة أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن هَاشم، وَأسْندَ البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي إِسْلَام سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى ويروى: أَبُو أُسَامَة حَدثنَا هَاشم.
٨٢٧٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ حدَّثنا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ إنِّي لأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ الله وكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إلَاّ ورَقُ الشَّجَرِ حتَّى إنَّ أحَدَنا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ البَعِيرُ أوِ الشَّاةِ مَا لَهُ خِلْطٌ ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو اسَدٍ تُعَزِّرُنِي علَى الإسْلَامِ لَقَدْ خِبْتُ إذَاً وضَلَّ عَمَلِي وكانُوا وشَوْا بِهِ إلَى عُمَرَ قالُوا لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنِّي لأوّل الْعَرَب رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله) وَفِيه منقبة عَظِيمَة لَهُ.
وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عون، بِفَتْح الْعين وبالنون، مر فِي الصَّلَاة، روى عَنهُ البُخَارِيّ هُنَا بِلَا وَاسِطَة، وَفِي بعض الْمَوَاضِع يروي عَنهُ بِوَاسِطَة عبد الله بن مُحَمَّد المسندي، وخَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان الوَاسِطِيّ يروي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ عَن قيس بن أبي حَازِم عَن سعد بن أبي وَقاص.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي الرقَاق عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن حبيب وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن نمير وَعَن يحيى عَن وَكِيع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن عَمْرو بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَفِي الرَّقَائِق عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد.
قَوْله: (إِنِّي لأوّل الْعَرَب رمى) كَانَ ذَلِك فِي سَرِيَّة عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وَكَانَ الْقِتَال فِيهَا أول حَرْب وَقعت بَين الْمُشْركين وَالْمُسْلِمين، وَكَانَت هِيَ أول سَرِيَّة بعثها رَسُول الله، ﷺ فِي السّنة الأولى من الْهِجْرَة، بعث نَاسا من الْمُسلمين إِلَى رابغ ليلقوا عيرًا لقريش فتراموا بِالسِّهَامِ وَلم يكن بَينهم مسايفة، أَي: مُضَارَبَة ومحاربة، وَكَانَ سعد أول من رمى، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا من الْمُهَاجِرين وَفِيهِمْ سعد، وَعقد لَهُ اللِّوَاء، وَهُوَ أول لِوَاء عقده رَسُول الله، ﷺ ، فَالتقى عُبَيْدَة وَأَبُو سُفْيَان الْأمَوِي وَكَانَ هُوَ على الْمُشْركين، وَهَذَا أول قتال جرى فِي الْإِسْلَام، وَأول من رمى إِلَيْهِم هُوَ سعد، وَفِيه قَالَ:
(ألَا هَلْ جاءَ رَسُول الله أَنِّي ... حميت صحابِيَ بِصدور نبلي)
(فَمَا يعْتد رام من معد ... بِسَهْم مَعَ رَسُول الله قبلي)
قَوْله: (كَمَا يضع) ، أَي: يضع عِنْد قَضَاء الْحَاجة أَي: يخرج مِنْهُم مثل البعر ليبسه وَعدم الْغذَاء المألوف. قَوْله: (مَا لَهُ خلط) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة أَي: لَا يخْتَلط بعضه بِبَعْض لجفافه. قَوْله: (تعزرني على الْإِسْلَام) أَي: تؤذيني، وَالْمعْنَى: تعلمني الصَّلَاة وتعيرني بِأَنِّي لَا أحْسنهَا. قَوْله: (لقد خبت) ، من الخيبة أَي: إِن كنت مُحْتَاجا إِلَى تعليمهم فقد ضل عَمَلي فِيمَا مضى خاسئاً من ذَلِك. قَوْله: (وَكَانُوا) أَي: بَنو أَسد. قَوْله: (وشوا بِهِ) بالشين الْمُعْجَمَة أَي: سعوا بِهِ، أَي: بِسَعْد، يُقَال: وشى بِهِ وشاية إِذا نم عَلَيْهِ وسعى بِهِ فَهُوَ واش، وَجمعه وشَاة وَأَصله: اسْتِخْرَاج الحَدِيث باللطف وَالسُّؤَال، وَقد مرت قصَّته مَعَ الَّذين زَعَمُوا أَنه لَا يحسن يُصَلِّي فِي: صفة الصَّلَاة.
٦١ - (بابُ ذِكْرِ أصْهَارِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر أَصْهَار النَّبِي ﷺ ، وَفِي بعض النّسخ: ذكر أَصْهَار رَسُول الله، ﷺ وَلَيْسَ فِيهِ ذكر لفظ: بَاب. وأصهاره هم الَّذين تزوجوا إِلَيْهِ، والصهر يُطلق على جَمِيع أقَارِب الْمَرْأَة، وَمِنْهُم من يَخُصُّهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الأصهار أهل بَيت الْمَرْأَة، وَعَن الْخَلِيل قَالَ: وَمن الْعَرَب من يَجْعَل الصهر من الأحماء والأختان،
стр. 4869
والأختان جمع ختن وَهُوَ كل من كَانَ من قبل الْمَرْأَة مثل الْأَب وَالْأَخ، وهم الْأخْتَان، هَكَذَا عِنْد الْعَرَب، وَأما عِنْد الْعَامَّة فختن الرجل: زوج ابْنَته.
مِنْهُمْ أبُو الْعَاصِ بنُ الرَّبِيعِ
أَي: من أَصْهَار النَّبِي ﷺ : أَبُو الْعَاصِ واسْمه: لَقِيط، مقسم، بِكَسْر الْمِيم، وَقيل: هشيم، ويلقب: جرو الْبَطْحَاء ابْن الرّبيع بن الربيعة بن عبد الْعُزَّى بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَيُقَال بِإِسْقَاط الربيعة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، وَأمه هَالة بنت خويلد أُخْت خَدِيجَة، وَكَانَ ابْن خَالَتهَا وَتزَوج زَيْنَب بنت رَسُول الله، ﷺ ، قبل الْبعْثَة، وَهِي أكبر بَنَات رَسُول الله، ﷺ ، وَقد أسر أَبُو الْعَاصِ ببدر مَعَ الْمُشْركين وفدته زَيْنَب، فَشرط عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ أَن يرسلها إِلَيْهِ، فوفى لَهُ بذلك، فَهَذَا معنى قَوْله فِي آخر الحَدِيث: ووعدني فوفى لي، ثمَّ أسر أَبُو الْعَاصِ مرّة أُخْرَى فَأَجَارَتْهُ زَيْنَب فَأسلم فَردهَا النَّبِي ﷺ إِلَى نِكَاحه، وَقَالَ أَبُو عمر: وَكَانَ الَّذِي أسر إبا الْعَاصِ عبد الله بن جُبَير بن النُّعْمَان الْأنْصَارِيّ، فَلَمَّا بعث أهل فكة فِي فداى أساراهم قدم فِي فدَاء أَخُوهُ عَمْرو بن الرّبيع بِمَال دَفعته إِلَيْهِ زَيْنَب بنت رَسُول الله، ﷺ ، من ذَلِك قلادة لَهَا كَانَت لِخَدِيجَة أمهَا قد أدخلتها بهَا على أبي الْعَاصِ حِين بنى عَلَيْهَا، ثمَّ هَاجَرت زَيْنَب مسلمة وَتركته على شركه فَلم يزل كَذَلِك مُقيما على الشّرك حَتَّى كَانَ قبيل الْفَتْح، خرج بِتِجَارَة إِلَى الشَّام وَمَعَهُ أَمْوَال من أَمْوَال قُرَيْش، فَلَمَّا انْصَرف قَافِلًا لَقيته سَرِيَّة لرَسُول الله، ﷺ ، أَمِيرهمْ زيد بن حَارِثَة، وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ فِي جمَاعَة عير قُرَيْش، وَكَانَ زيد فِي نَحْو سبعين وَمِائَة رَاكب، فَأخذُوا مَا فِي تِلْكَ العير من الثّقل وأسروا نَاسا مِنْهُم وأفلتهم أَبُو الْعَاصِ هرباً، ثمَّ أقبل من اللَّيْل حَتَّى دخل على زَيْنَب فَاسْتَجَارَ بهَا فَأَجَارَتْهُ، وَدخل رَسُول الله، ﷺ ، على زَيْنَب وَقَالَ: أكرمي مثواه، ثمَّ ردوا عَلَيْهِ مَا أخذُوا مِنْهُ فَلم يفقد مِنْهُ شَيْئا، فَاحْتمل إِلَى مَكَّة فَأدى إِلَى كل أحد مَاله، ثمَّ خرج حَتَّى قدم على رَسُول الله، ﷺ مُسلما وَحسن إِسْلَامه، ورد رَسُول الله، ﷺ ، ابْنَته عَلَيْهِ فَقيل: ردهَا عَلَيْهِ على النِّكَاح الأول، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله، ﷺ ردهَا عَلَيْهِ بِنِكَاح جَدِيد، وَبِه قَالَ الشّعبِيّ، وَولدت لَهُ أُمَامَة الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ يحملهَا وَهُوَ يُصَلِّي، وَولدت لَهُ أَيْضا ابْنا اسْمه: عَليّ، كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ ، مراهقاً، وَيُقَال: إِنَّه مَاتَ قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ ، وَاسْتشْهدَ أَبُو الْعَاصِ فِي وقْعَة الْيَمَامَة.
٩٢٧٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخْبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عَلِيُّ بنُ حُسَيْنٍ أنَّ المِسْوَرَ ابنَ مَخْرَمَةَ قَالَ إنَّ عَلِيَّاً خطَبَ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ فسَمِعَتْ بِذَلِكَ فاطِمَةُ فَأَتَت رَسُولَ الله ﷺ فقالَتْ يَزْعَمُ قَوْمُكَ أنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَناتِكَ وهَذَا عَلِيٌّ ناكِحٌ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ فقامَ رَسُولُ الله ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ أمَّا بَعْدُ فإنِّي أنْكَحْتُ أَبَا العاصِ بنَ الرَّبِيعِ فحَدَّثَني وصَدَقَنِي وإنَّ فاطِمَةَ بِضْعَةٌ منِّي وإنِّي أكْرَهُ أنْ يَسُوءَها وَالله لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ الله ﷺ وبِنْتُ عَدُوِّ الله عِنْدَ رَجُلٍ واحِدَ فَتَرَكَ عِلِيٌّ الخِطْبَةَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَاتَ فِي سنة أَربع أَو خمس وَتِسْعين. والْحَدِيث مضى فِي الْخمس فِي: بَاب مَا ذكر من درع النَّبِي ﷺ .
قَوْله: (بنت أبي جهل) اسْمهَا: جوَيْرِية، بِالْجِيم، وَقيل: الجميلة، وَقيل: العوراء، وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد أَخذ بِعُمُوم الْجَوَاز، فَلَمَّا أنكرهُ النَّبِي ﷺ أعرض عَن الْخطْبَة، فَيُقَال: تزَوجهَا عتاب بن أسيد، وَإِنَّمَا خطب النَّبِي ﷺ ليشيع الحكم الْمَذْكُور بن النَّاس ويأخذوا بِهِ، إِمَّا على سَبِيل الْإِيجَاب، وَإِمَّا على
стр. 4870
سَبِيل الْأَوْلَوِيَّة. وَادّعى الشريف المرتضي الموسوي فِي (غرره) : أَن خطْبَة عَليّ لابنَة أبي جهل مَوْضُوع فَلَا يَسْتَوِي سَمَاعه ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ثَبت فِي (الصَّحِيح) فِي حَدِيث الْمسور بن مخرمَة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن الزبير وَصَححهُ. قَوْله: (وَهَذَا عَليّ ناكح بنت أبي جهل) وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن أبي زرْعَة عَن أبي الْيَمَان: وَهَذَا عَليّ ناكحاً بِالنّصب على الْحَال المنتظرة، وَإِطْلَاق اسْم الناكح عَلَيْهِ مجَاز بِاعْتِبَار مَا كَانَ قصد إِلَيْهِ. قَوْله: (فَحَدثني وصدقني) كَأَنَّهُ أَرَادَ بذلك أَنه كَانَ على شَرط على أبي الْعَاصِ أَن لَا يتَزَوَّج على زَيْنَب، فَثَبت على شَرطه، فَلذَلِك شكره النَّبِي ﷺ ، بالثناء عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ والصدق. قَوْله: (وصدقني) بتَخْفِيف الدَّال الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (بضعَة) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: مُضْغَة مني، بِالْمِيم يغيظني مَا يغيظها ويبسطني مَا يبسطها، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد.
وزَادَ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَلِيٍّ عنْ مِسْوَرٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وذَكَر صِهْرَاً لَهُ مِنْ بَنِي عبْدِ شَمْسٍ فأثْنَى علَيْهِ فِي مصَاهَرَتهِ إِيَّاهُ فأحْسَنَ قَالَ حدَّثني فصَدَقَنِي ووَعَدَنِي فوَفَى لِي
هَذِه الزِّيَادَة قد تقدّمت فِي كتاب الْخمس مطولا، أخرجهَا عَن سعيد بن مُحَمَّد الْجرْمِي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن الْوَلِيد بن كثير عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حلحلة الديلِي عَن ابْن شهَاب عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ... إِلَى آخِره، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٧١ - (بابُ مَناقِبِ زَيْدِ بنِ حارِثَةَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب زيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل بن كَعْب بن عبد الْعُزَّى الْكَلْبِيّ، أسر زيد فِي الْجَاهِلِيَّة فَاشْتَرَاهُ حَكِيم ابْن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة، فاستوهبه النَّبِي ﷺ ، مِنْهَا، وَيُقَال: خرجت بِهِ أمه تزور قَومهَا، فاتفق غَارة فيهم فاحتملوا زيدا وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، ووفدوا بِهِ إِلَى سوق عكاظة، فَعَرَضُوهُ على البيع فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام بالزاي لِخَدِيجَة بأربعمائة دِرْهَم، فَلَمَّا تزَوجهَا رَسُول الله، ﷺ ، وهبته لَهُ، ثمَّ إِن خَبره اتَّصل بأَهْله، فحضره أَبوهُ حَارِثَة فِي فدائه فخيره النَّبِي ﷺ بَين الْمقَام عِنْده وَالرُّجُوع إِلَيْهِ فَاخْتَارَ رَسُول الله ﷺ وتبناه رَسُول الله، ﷺ وزوجه حاضنته أم أَيمن ضد الْأَيْسَر فَولدت لَهُ أُسَامَة. وَمن فضائله: أَن الله سَمَّاهُ فِي الْقُرْآن، وَهُوَ أول من أسلم من الموَالِي فَأسلم من أول يَوْم تشرف بِرُؤْيَة النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ من الْأُمَرَاء الشُّهَدَاء وَمن الرُّمَاة الْمَذْكُورين، وَله حديثان، وَقَالَ ابْن عمر: مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إلَاّ زيد بن مُحَمَّد حَتَّى نزلت ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) . وَذكر ابْن مَنْدَه فِي (معرفَة الصَّحَابَة) عَن آل بَيت زيد بن حَارِثَة: أَن حَارِثَة أسلم يَوْمئِذٍ أَعنِي يَوْم جَاءَ أَبوهُ يَأْخُذهُ بِالْفِدَاءِ.
وقالَ البَرَاءُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنْتَ أخونا ومَوْلانَا
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث الْبَراء أخرجه مطولا فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب كَيفَ يكْتب: هَذَا مَا صَالح ... ؟ إِلَى آخِره.
٠٣٧٣ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ بعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثاً وأمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ فطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إمَارَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَطْعُنُوا فِي إمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إمَارَةِ أبِيهِ مِنْ قَبْلُ وايْمُ الله إنْ كانَ لَخَلِيقاً لِلإمَارَةِ وإنْ كانَ لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ بَعْدَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا. وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (بعثاً) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة
стр. 4871
وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، وَهُوَ السّريَّة. قَوْله: (وأمَّر) بتَشْديد الْمِيم. قَوْله: (فطعن) ، يُقَال: طعن بِالرُّمْحِ وباليد: يطعن بِالضَّمِّ، وَطعن فِي الْعرض وَالنّسب: يطعَن بِالْفَتْح، وَقيل: هما لُغَتَانِ فيهمَا. قَوْله: (بعض النَّاس) مِنْهُم عَيَّاش بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي. قَوْله: (فِي إمارته) بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (فِي إِمَارَة أَبِيه) ، وَهِي: إِمَارَة زيد بن حَارِثَة فِي غَزْوَة مُؤْتَة. قَوْله: (إِن كَانَ لخليقاً) أَي: إِن زيدا كَانَ خليقاً بالإمارة، يَعْنِي: أَنهم طعنوا فِي إِمَارَة زيد وَظهر لَهُم فِي الآخر أَنه كَانَ جَدِيرًا لائقاً بهَا، فَكَذَلِك حَال أُسَامَة.
وَفِيه: جَوَاز إِمَارَة الموَالِي، وتولية الصغار على الْكِبَار، والمفضول على الْفَاضِل للْمصْلحَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الأحب بِمَعْنى المحبوب. قلت: مَا ظهر لي وَجه الْعُدُول عَن معنى التَّفْضِيل، وَمَعَ هَذَا ذكره بِكَلِمَة: من التبعيضية.
١٣٧٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ قَزَعَةَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ دَخَلَ علَيَّ قائِفٌ والنَّبِيُّ ﷺ شاهِدٌ وأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ وزَيْدُ بنُ حارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ فَقَالَ إنَّ هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ قَالَ فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وأعْجَبَهُ فأخْبَرَ بِهِ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تستأنس من قَوْله: (فسر بذلك النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم.
قَوْله: (قائف) هُوَ الَّذِي يلْحق الْفُرُوع بالأصول، بالشبه والعلامات، وَيُرَاد بِهِ هَهُنَا: مجزز، بِالْجِيم وَتَشْديد الزَّاي الأولي المدلجي، وَأبْعد من قَالَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَحكى فتح الزَّاي الأولى، وَالصَّوَاب الْكسر لِأَنَّهُ جز نواصي الْعَرَب، وَهُوَ: ابْن الْأَعْوَر بن جعدة بن معَاذ بن عتوارة بن عمر بن مُدْلِج الْكِنَانِي المدلجي، ودخوله على عَائِشَة إِمَّا قبل نزُول الْحجاب أَو بعده، وَكَانَ من وَرَاء حجاب. قَوْله: (فأعجبه وَأخْبر بِهِ عَائِشَة) لَعَلَّه لم يعلم أَنَّهَا علمت ذَلِك، أَو أخْبرهَا وَإِن كَانَ علم بعلمها تَأْكِيدًا للْخَبَر، أَو نسي أَنَّهَا علمت ذَلِك وشاهدته مَعَه، وَقد مر الْكَلَام فِي حكم الْقَائِف فِي: بَاب صفة النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الَّذِي أخرجه: عَن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، ﷺ دخل عَلَيْهَا مَسْرُورا تبرق أسارير وَجهه ... الحَدِيث.
٨١ - (بابُ ذِكْرِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر أُسَامَة بن زيد، قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ ذكر أُسَامَة، وَلم يقل: مَنَاقِب أُسَامَة، كَمَا قَالَ فِيمَا تقدم، لِأَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب أَعم من المناقب، كالحديث الْآتِي.
٢٣٧٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا لَ يْثٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ قُرَيْشَاً أهَمَّهُمْ شأنْ المَخْزُومِيَّةِ فَقالُوا مَنْ يَجْتَرِىءُ علَيْهِ إلَاّ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ حِبُّ رسُولِ الله ﷺ . .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من يجترىء عَلَيْهِ) إِلَى آخِره. والْحَدِيث مر بأتم مِنْهُ فِي: بَاب مَا ذكر فِي بني إِسْرَائِيل، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (شَأْن المخزومية) أَي: أمرهَا وحالها وَاسْمهَا: فَاطِمَة بنت الْأسود بن عبد الْأسد ابْن هِلَال بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وعمها أَبُو سَلمَة عبد الله بن مَخْزُوم. قَوْله: (حب) ، الْحبّ بِكَسْر الْحَاء بمعني المحبوب.
(وَحدثنَا عَليّ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ ذهبت أسأَل الزُّهْرِيّ عَن حَدِيث المخزومية فصاح بِي
стр. 4872
قلت لِسُفْيَان فَلم تحتمله عَن أحد قَالَ وجدته فِي كتاب كَانَ كتبه أَيُّوب بن مُوسَى عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ أَن امْرَأَة من بني مَخْزُوم سرقت فَقَالُوا من يكلم فِيهَا النَّبِي ﷺ َ - فَلم يجترىء أحد أَن يكلمهُ فَكَلمهُ أُسَامَة بن زيد فَقَالَ إِن بني إِسْرَائِيل كَانَ إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف قطعوه لَو كَانَت فَاطِمَة لَقطعت يَدهَا) هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْ ن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره قَوْله قَالَ وجدته أَي قَالَ سُفْيَان وجدت هَذَا الحَدِيث فِي كتاب كتبه أَيُّوب بن مُوسَى بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ الوجادة أَن يُوقف على كتاب بِخَط شيخ فِيهِ أَحَادِيث لَيْسَ لَهُ رِوَايَة مَا فِيهَا فَلهُ أَن يَقُول وجدت أَو قَرَأت بِخَط فلَان أَو فِي كتاب فلَان بِخَطِّهِ حَدثنَا فلَان ويسوق بَاقِي الْإِسْنَاد والمتن وَقد اسْتمرّ الْعَمَل عَلَيْهِ قَدِيما وحديثا وَهُوَ من بَاب الْمُرْسل وَفِيه شوب من الِاتِّصَال قَوْله " تَرَكُوهُ " يَعْنِي أَحْدَثُوا ذَلِك بعد أَنْبِيَائهمْ قَوْله " لَو كَانَت " يَعْنِي لَو كَانَت السارقة فَاطِمَة لَقطعت يَدهَا وَفِيه ترك الرَّحْمَة فِيمَن وَجب عَلَيْهِ الْحَد -
(بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب وَهُوَ كالفصل لما قبله، وَلَيْسَ هَذَا فِي كثير من النّسخ بموجود.
٤٣٧٣ - حدَّثني الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا أبُو عَبَّادٍ يَحْيَى بنُ عَبَّادٍ حدَّثَنا الماجِشُونُ أخْبرَنا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ نَظَرَ ابنُ عُمَرَ يَوْماً وهْوَ فِي المَسْجِدِ إِلَى رَجُلٍ يَسْحَبُ ثِياَهُ فِي ناحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ فَقَالَ انْظُرْ مِنْ هاذَا لَيْتَ هَذَا عِنْدِي قَالَ لَهُ إنْسَانٌ أمَا تَعْرِفُ هَذَا يَا أبَا عَبْدِ الرَّحْمانِ هَذَا مُحَمَّدُ بنُ أُسَامَةَ قَالَ فَطَأطأ ابنُ عُمَرَ رأسَهُ ونَقَرَ بِيَدَيْهِ فِي الأرْضِ ثُمَّ قالَ لَوْ رَآهُ رسُولُ الله ﷺ لأحَبَّهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة بطرِيق الْإِلْحَاق. وَالْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح أَبُو عَليّ الزَّعْفَرَانِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَيحيى بن عباد، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو عباد الضبعِي الْبَصْرِيّ، والماجشون هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (وَهُوَ فِي الْمَسْجِد) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (يسحب)
قَوْله: (لَيْت هَذَا عِنْدِي) أَي: قَرِيبا مني حَتَّى أنصحه وأعظه، وَقد رُوِيَ: عَبدِي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَكَأَنَّهُ على هَذَا كَانَ أسود اللَّوْن مثل العبيد السود. قَوْله: (لَهُ إِنْسَان) ، أَي: قَالَ لعبد الله بن عمر شخص: أما تعرف هَذَا يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن؟ وَهُوَ كنية عبد الله بن عمر. قَوْله: (مُحَمَّد بن أُسَامَة) ، أَي: أُسَامَة بن زيد. قَوْله: (فطأطأ ابْن عمر) أَي: طأطأ رَأسه أَي خفضه. قَوْله: (لَأحبهُ) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لما كَانَ يعلم من محبَّة رَسُول الله، ﷺ لأسامة ولأبيه زيد بن حَارِثَة ولذريتهما، فَإِنَّهُ قَاس مُحَمَّدًا الْمَذْكُور على أَبِيه وعَلى جده حَيْثُ كَانَا محبوبين لرَسُول الله، ﷺ .
٥٣٧٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أبي حدَّثنا أبُو عُثْمَانَ عنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما حدَّثَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يأخُذُهُ والحَسَنُ فيَقُولُ اللَّهُمَّ
стр. 4873
أحِبَّهُمَا فإنِّي أُحِبُّهُما.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان يروي عَن أَبِيه، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل الْحسن عَن مُسَدّد وَفِي الْأَدَب عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَعَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ، ﵀، فِي المناقب عَن أبي قدامَة وَعَن الْحسن بن قزعة وَعَن قُتَيْبَة وَعَن سوار بن عبد الله.
قَوْله: (وَالْحسن) هُوَ ابْن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (أحبهما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْحَاء وَفتح الْبَاء الْمُشَدّدَة. قَوْله: (أحبهما) بِضَم الْهمزَة وَضم الْبَاء، وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لأسامة بن زيد وَالْحسن بن عَليّ.
٦٣٧٣ - وقالَ نُعَيْمٌ عنِ ابنِ الْمُبَارَكِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْريِّ أخبرَنِي مَوْلًى ل أِسَامَةَ بنِ زَيْدٍ أنَّ الحَجَّاجَ بنَ أيْمَنَ بنِ أُمِّ أيْمَنَ وكانَ أيْمَنُ بنُ أُمِّ أيْمَنَ أخَا أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ لأمِّهِ وهْوَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فرَآهُ ابنُ عُمرَ لَا يُتِمُّ رَكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ أعِدْ.
٧٣٧٣ - قَالَ أبُو عبْدِ الله وحدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ حدَّثنَا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ نَمِرٍ عنِ الزُّهْرِيَّ حدَّثنِي حَرْمَلَةُ مَوْلَى أُسَامَةَ ابنِ زَيْدٍ أنَّهُ بَيْنَمَا هُمَا مَعَ عَبْدِ الله بنُ عُمَرَ إذْ دَخَلَ الحَجَّاجُ بنُ أيْمَنَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ أعِدْ فلَمَّا ولَّى قَالَ لي ابنُ عُمَرَ مَنْ هاذَا قُلْتُ الحَجَّاجُ بنُ أيْمَنَ ابنِ أُمِّ أيْمَنَ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ لَوْ رأى هذَا رسُولُ الله ﷺ لأَحَبَّهُ فَذَكَرَ حُبَّهُ وَمَا ولَدَتْهُ أُمُّ أيْمَنَ قَالَ أوْ زَادَنِي بَعْضُ أصْحَابِي عَنْ سُلَيْمَانَ وكانَتْ حاضِنَةَ النَّبِيِّ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٦٣٧٣) .
نعيم، بِضَم النُّون هُوَ: حَمَّاد بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن سَلمَة بن مَالك أَبُو عبد الله الْخُزَاعِيّ الْمروزِي الْأَعْوَر الرفاء الفارض، أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، وَفِي (التَّهْذِيب) : روى عَنهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا بِغَيْرِهِ، سكن مصر، وَمَات بسر من رأى مسجوناً فِي محنة سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. قَالَه أَبُو دَاوُد. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد نفطويه: كَانَ مُقَيّدا فجر بأقياده وَأُلْقِي فِي حُفْرَة لم يُكفن وَلم يصلَّ عَلَيْهِ، فعل ذَلِك بِهِ صَاحب ابْن أبي دؤاد؟ . وَفِي (التَّهْذِيب) : خرج نعيم إِلَى مصر فَأَقَامَ بهَا نيفاً وَأَرْبَعين سنة ثمَّ حمل إِلَى الْعرَاق فِي امتحان الْقُرْآن مَعَ الْبُوَيْطِيّ مقيدين، فَمَاتَ نعيم بالعسكر بسامرة، وَابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَمولى أُسَامَة بن زيد هُوَ حَرْمَلَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْمِيم، سمع أُسَامَة وَعلي بن أبي طَالب، روى عَنهُ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ وَالزهْرِيّ فِي مَوَاضِع، وَالْحجاج بن أَيمن بن عبيد ابْن عَمْرو بن هِلَال الْأنْصَارِيّ الخزرجي، وَقيل: الحبشي، من موالى الْخَزْرَج ابْن أم أَيمن حاضنة رَسُول الله، ﷺ ، وأخو أُسَامَة لأمه. قَالَ ابْن إِسْحَاق: استُشهد يَوْم حنين وَله ابْن اسْمه حجاج، وَذكره الذَّهَبِيّ أَيْضا فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) وَتزَوج أم أَيمن قبل زيد بن حَارِثَة فَولدت لَهُ أَيمن، وَنسب أَيمن إِلَى أمه لشرفها على أَبِيه وشهرتها عِنْد أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ، وَتزَوج زيد بن حَارِثَة أم أَيمن، وَكَانَت حاضنة النَّبِي ﷺ ، ورثهَا من أَبِيه فَولدت لَهُ أُسَامَة بن زيد، وَعَاشَتْ أم أَيمن بعد النَّبِي ﷺ ، قَلِيلا، وَاسْمهَا: بركَة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، أعْتقهَا أَبُو النَّبِي ﷺ ، وَأسْلمت قَدِيما، وَقَالَ أَبُو عمر: بركَة بنت ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن حصن بن مَالك بن سَلمَة بن عَمْرو بن النُّعْمَان، وَهِي: أم أَيمن، غلبت عَلَيْهَا كنيتها، هَاجَرت الهجرتين إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَإِلَى الْمَدِينَة جَمِيعًا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت بركَة لعبد الله بن عبد الْمطلب وَصَارَت للنَّبِي ﷺ ، وَقَالَ أَبُو عمر بِإِسْنَادِهِ إِلَى سُلَيْمَان بن أبي شيخ: كَانَت بركَة لأم رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَ ﷺ يَقُول: أم أَيمن أُمِّي بعد أُمِّي، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ يزورها، وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يزورانها فِي منزلهَا، كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يزورها. .
стр. 4874
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ رجل) ، أَي: أَيمن رجل من الْأَنْصَار، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَرَآهُ ابْن عمر) ، رأى مَعْطُوف على شَيْء مُقَدّر وَهُوَ خبر: أَن الْحجَّاج بن أَيمن رَآهُ عبد الله بن عمر، فرأه يقصر فِي صلَاته وَهُوَ معنى قَوْله: (لَا يتم رُكُوعه وَلَا سُجُوده) . قَوْله: (فَقَالَ: أعد) أَي: قَالَ عبد الله بن عمر للحجاج: أعد صَلَاتك، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَقَالَ: يَا ابْن أخي: أتحسب أَنَّك قد صليت؟ إِنَّك لم تصلِ فأعِد صَلَاتك.
قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه (حَدثنِي سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن) ابْن ابْنة شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي، عَن الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم: الْيحصبِي، بِلَفْظ مضارع حصب، الدِّمَشْقِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن حَرْمَلَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بَيْنَمَا هُوَ) قيل: فِيهِ تَجْرِيد، كَأَن حَرْمَلَة قَالَ: بَيْنَمَا أَنا، فَجرد من نَفسه شخصا فَقَالَ: بَيْنَمَا هُوَ، وَقيل: فِيهِ الْتِفَات من الْحَاضِر إِلَى الْغَائِب. قَوْله: (فَلَمَّا ولَّى) أَي: الْحجَّاج. قَوْله: (قَالَ لي ابْن عمر:) يَا حَرْمَلَة! (من هَذَا؟ قلت: الْحجَّاج بن أَيمن) . قَوْله: (لَأحبهُ) يَعْنِي: لمحبته أَيمن وَأمه أم أَيمن ولأسامة بن زيد. قَوْله: (وَمَا وَلدته أمه) ، كَذَا ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر بواو الْعَطف وَالضَّمِير على هَذَا لأسامة فِي قَوْله: (فَذكر حبه) أَي: ميله إِلَى أَيمن، يَعْنِي: حبه إِيَّاه وَفِي رِوَايَة غير أبي ذَر: فَذكر حبه مَا وَلدته أم أَيمن، فعلى هَذَا فَالضَّمِير للنَّبِي ﷺ ، وَمَا وَلدته هُوَ الْمَفْعُول، وَالْمرَاد: بِمَا وَلدته أم أَيمن: مَا وَلدته من ذكر وَأُنْثَى. قَالَ الْكرْمَانِي: فَذكر حبه أَي: حب أَيمن وَأَوْلَاد أم أَيمن، وَالْفَاعِل مَحْذُوف، أَي: رَسُول الله، ﷺ ، أَو حب رَسُول الله، ﷺ لَهَا مَقْرُونا بِأَوْلَادِهَا، فَهُوَ مُضَاف إِلَى الْفَاعِل. قَوْله: (وَزَادَنِي بعض أَصْحَابِي) ، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: وَزَادَنِي بعض أَصْحَابِي على مَا مر، قيل: هُوَ إِمَّا يَعْقُوب بن سُفْيَان فَإِنَّهُ رَوَاهُ فِي (تَارِيخه) : عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَزَاد فِيهِ: وَكَانَت أم أَيمن حاضنة النَّبِي ﷺ ، وَأما الذهلي فَإِنَّهُ أخرجه فِي (الزهريات) عَن سُلَيْمَان أَيْضا، وَكَأن هَذَا الْقدر لم يسمعهُ البُخَارِيّ من سُلَيْمَان فَحَمله عَن بعض أَصْحَابه، فَبين مَا سَمعه مِمَّا لم يسمعهُ، فَللَّه دره مَا أدق تحريره وَمَا أَشد تحبيره.
٩١ - (بابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب أبي عبد الرَّحْمَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْمَكِّيّ الْمدنِي، أسلم قَدِيما مَعَ أَبِيه قبل أَن يبلغ الْحلم وَهُوَ أحد العبادلة وفقهاء الصَّحَابَة والمكثرين مِنْهُم، وَأمه زَيْنَب، وَيُقَال: رايطة بنت مَظْعُون أُخْت عُثْمَان بن مَظْعُون، وأخيه قدامَة بن مَظْعُون، للْجَمِيع صُحْبَة، مَاتَ بِمَكَّة فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وعمره سِتّ وَثَمَانُونَ سنة، وَقيل: كَانَ سَبَب مَوته أَن الْحجَّاج دس عَلَيْهِ من مس رجله بِحَرْبَة مَسْمُومَة فَمَرض بهَا إِلَى أَن مَاتَ.
٨٣٧٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ الرَّجُلُ فِي حَياةِ النِّبِيِّ ﷺ إذَا رَأى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فتَمَنَّيْتُ أنْ أرَي رُؤيَا أقُصها علَى النَّبِيِّ ﷺ وكُنْتُ غُلامَاً أعْزَبَ وكُنْتُ أنامُ فِي المَسْجِدِ علَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فرَأيْتُ فِي المَنَامِ كأنَّ مَلَكَيْنِ أخَذَانِي فذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فإذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وإذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيِّ البِئْرِ وإذَا فِيهَا ناسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فجَعَلْتُ أقُولُ أعُوذُ بِاللَّه مِنَ النَّارِ أعُوذُ بِاللَّه مِنَ النَّارِ فلَقِيَهُمَا ملَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي لَنْ تُرَعْ. فَقَصَصْتُهَاعلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَة علَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ الله لَوْ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ قَالَ سالِمٌ فَكانَ عَبْدُ الله لَا يَنامُ مِنَ اللَّيْلِ إلَاّ قَلِيلاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله، ﷺ : (نعم الرجل عبد الله) ، وَقَول الْملك الثَّالِث: (لن ترع) . وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، وَكَانَ ينزل مَدِينَة بُخَارى بِبَاب بني سعد، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي
стр. 4875
ذَر وَحده هَكَذَا: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا إِسْحَاق بن نصر، وَأَرَادَ بِمُحَمد البُخَارِيّ نَفسه، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر مطولا، وَفِيه قصَّة رُؤْيَة الْملكَيْنِ بِمَعْنى مَا فِي ذَلِك.
قَوْله: (رُؤْيا) ، بِدُونِ التَّنْوِين يخْتَص بالمنام، كالرؤية باليقظة، فرقوا بَينهمَا بحرفي التَّأْنِيث أَي: الْألف الْمَقْصُورَة وَالتَّاء. قَوْله: (أعزب) ، وَهُوَ الَّذِي لَا أهل لَهُ، ويروى: عزباً، قَوْله: (وَإِذا لَهَا قرنان) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة، والقرنان تَثْنِيَة قرن وَأَرَادَ بهما الطَّرفَيْنِ. قَوْله: (لن ترع بِالْجَزْمِ) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ لُغَة قَليلَة، يَعْنِي: الْجَزْم بلن، وَقَالَ الْقَزاز: وَلَا أحفظ لَهُ شَاهدا، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِلَفْظ: لن تراع، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ الْوَجْه. قلت: لن ترع أَيْضا الْوَجْه، لِأَن الْجَزْم بلن لُغَة حَكَاهَا الْكسَائي، وَمَعْنَاهُ: لَا تخف.
١٤٧٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا إنَّ عَبْدَ الله رَجُلٌ صالِحٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن قَول النَّبِي ﷺ : (إِن عبد الله رجل صَالح) منقبة عَظِيمَة لَهُ. وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر، يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصحابية، وَهُوَ أَيْضا رِوَايَة الْأَخ عَن أُخْته.
٠٢ - (بابُ مَناقِبِ عَمَّارٍ وحُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب عمار بن يَاسر، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، ويكنى عمار بِأبي الْيَقظَان الْعَنسِي بالنُّون، وَأمه سميَّة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة مصغر، أسلم هُوَ وَأَبوهُ قَدِيما وعذبوا لأجل الْإِسْلَام، وَقتل أَبُو جهل أمه فَكَانَت أول شهيدة فِي الْإِسْلَام، وَمَات أَبوهُ قَدِيما، وعاش عمار إِلَى أَن قتل فِي وقْعَة صفّين، وَكَانَ مَعَ عَليّ بن أبي طَالب مَعَ الفئة العادلة، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان بن جَابر ابْن عَمْرو الْعَبْسِي بِالْبَاء الْمُوَحدَة حَلِيف بني عبد الْأَشْهَل من الْأَنْصَار، وَأسلم هُوَ وَأَبوهُ الْيَمَان، وَمَات بعد قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: إِنَّمَا جمع البُخَارِيّ بَين عمار وَحُذَيْفَة فِي التَّرْجَمَة لوُقُوع الثَّنَاء عَلَيْهِمَا من أبي الدَّرْدَاء فِي حَدِيث وَاحِد.
٢٤٧٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسَاً صالِحَاً فأتَيْتُ قَوْمَاً فجَلَسْتُ إلَيْهِمْ فإذَا شَيْخٌ قدْ جاءَ حَتَّى جَلَسَ إلَى جَنْبِي قُلْتُ مَنْ هاذَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءِ فَقُلْتُ إنِّي دَعَوْتُ الله أنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسَاً صالِحَاً فيَسَّرَكَ لِي قَالَ مِمَّنْ أنْتَ قُلْتُ مِنْ أهْلِ الكُوفَةِ قَالَ أوَلَيْسَ عِنْدَكُمْ ابنُ أُمِّ عَبْدٍ صاحِبُ النَّعْلَيْنِ والوِسادِ والمِطْهَرَةِ وفِيكُمْ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشَّيْطَانِ عَلِى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ أوَ لَيْسَ فِيكُمْ صاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي لَا يَعْلَمُ أحَدٌ غَيْرَهُ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ يَقْرَأ عَبْدُ الله واللَّيْلِ إذَا يَغْشَي فَقَرَأتُ علَيْهِ واللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأُنْثَى قَالَ وَالله لَقَدْ أقْرَأنِيهَا رسُولُ الله ﷺ مِنْ فِيهِ إلَى فِيَّ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَفِيكُمْ الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان) لِأَن المُرَاد بِهِ هُوَ عمار بن يَاسر، وَفِي قَوْله: (أوليس فِيكُم صَاحب سر النَّبِي ﷺ لِأَن المُرَاد بِهِ حُذَيْفَة بن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَمَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وروى عَنهُ مُسلم بِوَاسِطَة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة هُوَ ابْن مقسم أَبُو هِشَام الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ.
قَوْله: (فَجَلَست إِلَيْهِم) أَي حَتَّى انْتهى جلوسي إِلَيْهِم. قَوْله: (فَإِذا شيخ) كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (قَالُوا أَبَا الدَّرْدَاء) ، واسْمه: عُوَيْمِر بن عَامر الْأنْصَارِيّ الخزرجي الْفَقِيه الْحَكِيم، مَاتَ بِدِمَشْق سنة
стр. 4876
اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (قَالَ: مِمَّن أَنْت؟) ويروى: فَقَالَ، بفاء الْعَطف. قَوْله: (أَو لَيْسَ عنْدكُمْ ابْن أم عبد؟) أَرَادَ بِهِ عبد الله بن مَسْعُود، لِأَن أمه أم عبد بنت عبدود بن سَوَاء مَاتَ ابْن مَسْعُود بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: بِالْكُوفَةِ. وَالْأول أثبت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقيل: كَانَ مُرَاد أبي الدَّرْدَاء من هَذَا السُّؤَال أَنه فهم من عَلْقَمَة أَنه قدم دمشق لطلب الْعلم، فَقَالَ: أوَليس عنْدكُمْ من الْعلمَاء من لَا يحْتَاج إِلَى غَيره وَيُسْتَفَاد مِنْهُ؟ إِن الشَّخْص لَا يرحل عَن بَلَده لأجل طلب الْعلم إلَاّ إذَا لَمْ يَجِد أحدا يُعلمهُ. قَوْله: (صَاحب النَّعْلَيْنِ) أَي: نَعْلي النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ ابْن مَسْعُود هُوَ الَّذِي كَانَ يحمل نَعْلي النَّبِي ﷺ ويتعاهدهما. قَوْله: (والوساد) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: صَاحب السِّوَاك، بِالْكَاف، أَو السوَاد بِالدَّال، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: والوسادة، وَرِوَايَة: السوَاد، أوجه، لِأَن السوَاد السرَار، براءين بِكَسْر السِّين فيهمَا، والوساد: المخدة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السوَاد السرَار، تَقول: ساودته مساودة وسواداً، أَي: ساررته، وَأَصله: إدناء سوادك من سوَاده وَهُوَ الشَّخْص. قَوْله: (والمطهرة) ، بِكَسْر الْمِيم: الْإِدَاوَة وكل إِنَاء يتَطَهَّر بِهِ، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: والمطهر، بِغَيْر هَاء، وَكَانَ النَّبِي ﷺ خصص ابْن مَسْعُود بِنَفسِهِ اختصاصاً شَدِيدا، كَانَ لَا يَحْجُبهُ رَسُول الله، ﷺ إِذا جَاءَ وَلَا يخفي عَنهُ سره، وَكَانَ يلج عَلَيْهِ ويلبسه نَعْلَيْه ويستره إِذا اغْتسل ويوقظه إِذا نَام، وَكَانَ يعرف فِي الصَّحَابَة بِصَاحِب السوَاد والسواك، وَكَانَ ﷺ يَقُول: إذنك عَليّ أَن ترفع الْحجاب وَتسمع سوَادِي حَتَّى انهاك. قَوْله: (وَفِيكُمْ الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟) كَذَا هُوَ بواو الْعَطف فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: أفيكم؟ بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: أَلَيْسَ فِيكُم أَو مِنْكُم؟ بِالشَّكِّ، وَمعنى قَوْله: (الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان) يَعْنِي على لِسَان نبيه، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: أجاره الله على لِسَان نبيه، وَزَاد فِي رِوَايَته يَعْنِي عماراً، وَأَرَادَ بِهِ قَوْله ﷺ : وَيْح عمار يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار، وَذَلِكَ حِين أكرهوه على الْكفْر بسبه ﷺ ، قيل: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا: مَا خير عمار بَين أَمريْن إلَاّ اخْتَار أشدهما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. قَوْله: (وَلَيْسَ فِيكُم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (صَاحب سر النَّبِي ﷺ أَرَادَ بِهِ حُذَيْفَة، فَإِنَّهُ ﷺ أعلمهُ أموراً من أَحْوَال الْمُنَافِقين، وأموراً من الَّذِي يجْرِي بَين هَذِه الْأمة فِيمَا بعده، وَجعل ذَلِك سرا بَينه وَبَينه. قَوْله: (الَّذِي لَا يعلم) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِحَذْف الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يعلم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الَّذِي لَا يُعلمهُ، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا مَاتَ وَاحِد يتبع حُذَيْفَة، فَإِن صلى عَلَيْهِ هُوَ صلى عَلَيْهِ أَيْضا عمر، وإلَاّ فَلَا. قَوْله: (كَيفَ يقْرَأ عبد الله) يَعْنِي: ابْن مَسْعُود. قَوْله: (وَالذكر وَالْأُنْثَى) أَي: وَكَانَ يقْرَأ بِدُونِ: وَمَا خلق، وَهَذِه خلاف الْقِرَاءَة المتواترة الْمَشْهُورَة، وَيُقَال: قَرَأَ عبد الله: وَالذكر وَالْأُنْثَى، أنزل كَذَلِك ثمَّ أنزل، وَمَا خلق، فَلم يسمعهُ عبد الله وَلَا أَبُو الدَّرْدَاء، وسَمعه سَائِر النَّاس وأثبتوه، وَهَذَا كظن عبد الله: أَن المعوذتين ليستا من الْقُرْآن، وَالله أعلم.
٣٤٧٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ عنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ ذَهَبَ علْقَمَةُ إِلَى الشَّأمِ فَلَمَّا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ أللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسَاً صَالحا فجَلَسَ إلَى أبي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ مِمَّنْ أنْتَ قَالَ مِنْ أهْلِ الكُوفَةِ قَالَ ألَيْسَ فِيكُمْ أوْ مِنْكُمْ صاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ يَعْنِي حُذَيْفَةَ قَالَ قُلْتُ بلَى قَالَ ألَيْسَ فِيكُمْ أوْ مِنْكُمْ الَّذِي أجَارَهُ الله علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ يَعْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ يعْنِي عَمَّارَاً قُلْتُ بَلَى قَالَ ألَيْسَ فيكُمْ أوْ مِنْكُمْ صاحِبُ السِّوَاك أَو السِّرَارِ قَالَ بَلَى قَالَ كَيْفَ كانَ عَبْدُ الله يَقْرَأُ واللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى قُلْتُ والذكَرِ والأنْثَى قَالَ مَا زَالَ بِي هاؤُلاءِ حَتَّى كادُوا يَسْتَنْزِلُونِي عنْ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ لله ﷺ . .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور من طَرِيق سُلَيْمَان بن حَرْب، وَهُوَ فِي نفس الْأَمر يُفَسر بعضه بعض الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (قَالَ: مِمَّن أَنْت) ويروى: فَقَالَ لي: مِمَّن أَنْت؟ قَوْله: (من الشَّيْطَان على لِسَان نبيه) ويروى: من الشَّيْطَان، يَعْنِي على لِسَان نبيه. قَوْله: (أَو السرَار) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (يستنزلوني) ويروي: يستنزلونني. قَوْله: (من رَسُول الله) ويروى: من نَبِي الله ﷺ ، وَالله أعلم.
стр. 4877
١٢ - (بابُ مَنَاقِبِ أبِي عُبَيْدَةَ بنِ الجَرَّاحِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب أبي عُبَيْدَة واسْمه: عَامر بن عبد الله بن الْجراح بن هِلَال بن أهيب بن ضبة بن الْحَارِث بن فهر، يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ فِي فهر بن مَالك، وَعدد مَا بَينهمَا من الْآبَاء متفاوت جدا بِخَمْسَة آبَاء، فَيكون أَبُو عُبَيْدَة من حَيْثُ الْعدَد فِي دَرَجَة: عبد منَاف، وَمِنْهُم من أَدخل فِي نسبه بَين الْجراح وهلال: ربيعَة، فَيكون على هَذَا فِي دَرَجَة: هَاشم، وَأمه أم غنم بنت جَابر بن عبد الله بن الْعَلَاء بن عَامر بن عميرَة بن الْوَدِيعَة بن الْحَارِث بن فهر، وَيُقَال: أُمَيْمَة بنت جَابر بن عبد الْعُزَّى، وَمن بني الْحَارِث بن فهر، وَهُوَ أَمِين هَذِه الْأمة، وَقتل أَبوهُ يَوْم بدر كَافِرًا، وَيُقَال: إِنَّه هُوَ الَّذِي قَتله، وَمَات أَبُو عُبَيْدَة وَهُوَ أَمِير على الشَّام من قبل عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة فِي طاعون عمواس، وقبره بغور بيسان عِنْد قَرْيَة تسمى: عمتا، وَصلى عَلَيْهِ معَاذ بن جبل.
٤٤٧٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا عَبْدُ الأعلَى حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلابَةَ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسُولَ الله قَالَ إنَّ لِكُلِّ أمَّةٍ أمِيناً وإنَّ أمينَنا أيَّتُهَا الأُمَّةُ أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَعبد الْأَعْلَى أَبُو مُحَمَّد السَّامِي الْبَصْرِيّ، وخَالِد هُوَ بن مهْرَان الْحذاء، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام واسْمه عبد الله بن زيد الْجرْمِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد وَفِي خبر الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر وَزُهَيْر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن حميد بن مسْعدَة.
قَوْله: (أميننا) ، الْأمين الثِّقَة الرِّضَا. قَوْله: (أيتها الْأمة) ، صورته صُورَة النداء، لَكِن المُرَاد مِنْهُ الِاخْتِصَاص، أَي: أميننا مخصوصين من بَين الْأُمَم أَبُو عُبَيْدَة، فعلى هَذَا يكون مَنْصُوبًا على الِاخْتِصَاص، وَقَالَ القَاضِي: هُوَ بِالرَّفْع على النداء، والأفصح أَن يكون مَنْصُوبًا على الِاخْتِصَاص، وَالْأَمَانَة مُشْتَركَة بَين أبي عُبَيْدَة وَغَيره من الصَّحَابَة، لَكِن الْمَقْصُود بَيَان زيادتها فِي أبي عُبَيْدَة وَالنَّبِيّ ﷺ ، خص كل وَاحِد من كبار الصَّحَابَة بفضيلة وَاحِدَة وَصفه بهَا، فأشعر بِقدر زَائِد فِيهَا على غَيره، يُوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قَتَادَة عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أرْحم أمتِي بأمتي أَبُو بكر، وأشدهم فِي أَمر الله عمر، وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان، وأعلمهم بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثَابت، وأقرؤهم أبي بن كَعْب، وَلكُل أمة أَمِين، وَأمين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا.
٥٤٧٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنَا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ صِلَةَ عنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لأَهْلِ نَجْرَانَ لأَبْعَثَنَّ يَعْنِي عَلَيْكُمْ يَعْنِي أمِيناً حَقَّ أمِينٍ فأشْرَفَ أصْحَابُهُ فبَعَثَ أبَا عُبَيْدَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حق أَمِين) . وَأَبُو إِسْحَاق عمر بن عبد الله السبيعِي، وصلَة، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام: هُوَ ابْن زفر الْعَبْسِي الْكُوفِي، مَاتَ فِي زمن مُصعب بن الزبير.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي خبر الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الْمَغَازِي عَن بنْدَار وَعَن الْعَبَّاس بن سُهَيْل، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن نصر بن عَليّ وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن بنْدَار بِهِ وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد.
قَوْله: (عَن حُذَيْفَة) ، قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: هَكَذَا قَالَ يحيى بن آدم فِيهِ: عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن صلَة عَن حُذَيْفَة، وَيحيى إِمَام، وَقَالَ غَيره: عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن صلَة عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة أصح. قَوْله: (لأهل نَجْرَان)
стр. 4878
بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم وبالراء: بلد بِالْيمن وَأَهْلهَا العاقب واسْمه عبد الْمَسِيح وَالسَّيِّد وَأَبُو الْحَارِث بن عَلْقَمَة وَأَخُوهُ كرز وَأَوْس وَزيد بن قيس وَشَيْبَة وخويلد وَعَمْرو وَعبيد الله، وَكَانَ وَفد نَجْرَان سنة تسع كَمَا ذكره ابْن سعد، وَكَانُوا أَرْبَعَة عشر رجلا من أَشْرَافهم، وَكَانُوا نَصَارَى وَلم يسلمُوا إِذْ ذَاك، ثمَّ لم يلبث السَّيِّد وَالْعَاقِب إلَاّ يَسِيرا حَتَّى أَتَيَا إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَأَسْلمَا، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قدم وَفد نَصَارَى نَجْرَان سِتُّونَ رَاكِبًا، مِنْهُم أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ رجلا من أَشْرَافهم وَثَلَاثَة مِنْهُم يؤول إِلَيْهِم أَمرهم وهم: الْعَاقِد وَالسَّيِّد وَأَبُو حَارِثَة أحد بني بكر بن وَائِل أسقفهم وَصَاحب مدارسهم، وَلما دخلُوا الْمَسْجِد النَّبَوِيّ دخلُوا فِي تجمل وَثيَاب حسان وَقد حانت صَلَاة الْعَصْر، فَقَامُوا يصلونَ إِلَى الْمشرق، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ دعوهم، وَكَانَ الْمُتَكَلّم أَبَا حَارِثَة وَالسَّيِّد وَالْعَاقِب وسألوه أَن يُرْسل مَعَهم أَمينا. فَبعث مَعَهم أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح، وَكَانَ أَبُو حَارِثَة يعرف أَمر رَسُول الله، ﷺ ، وَلَكِن صده الشّرف والجاه عَن اتِّبَاع الْحق. قَوْله: (لَأَبْعَثَن) ، أَي: لما سَأَلُوا أَن يُرْسل إِلَيْهِم أَمينا قَالَ: لَأَبْعَثَن أَمينا حق أَمِين. قَوْله: (يَعْنِي: عَلَيْكُم، يَعْنِي: أَمينا) رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَأَبْعَثَن حق أَمِين، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَأَبْعَثَن إِلَيْكُم رجلا أَمينا حق أَمِين. قَوْله: (فَأَشْرَف أَصْحَابه) ، أَي: تطلعوا إِلَى الْولَايَة وَرَغبُوا فِيهَا حرصاً على أَن يكون هُوَ الْأمين الْمَوْعُود فِي الحَدِيث، لَا حرصاً على الْولَايَة من حَيْثُ هِيَ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فاستشرف لَهَا أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، قَوْله: (فَبعث أَبَا عُبَيْدَة) ، وَفِي رِوَايَة أبي يعلى: قُم يَا أَبَا عُبَيْدَة، فَأرْسلهُ مَعَهم.
(بابُ مَنَاقِبِ مُصْعَبٍ بنِ عُمَيْرٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب مُصعب. ذكر مَنَاقِب مُصعب بن عميير وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا، وَكَأَنَّهُ لم يجد شَيْئا على شَرطه وبيض لَهُ، وَفِي بعض النّسخ: ذكر مُصعب بن عُمَيْر لَيْسَ إلَاّ. وَمصْعَب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصي الْقرشِي الْعَبدَرِي، يكنى أَبَا عبد الله، كَانَ من أجلة الصَّحَابَة وفضلائهم، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، قد بَعثه إِلَى الْمَدِينَة قبل الْهِجْرَة بعد الْعقبَة الثَّانِيَة يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويفقههم فِي الدّين، وَكَانَ يدعى القاريء والمقرىء، وَيُقَال: إِنَّه أول من جمع الْجُمُعَة بِالْمَدِينَةِ قبل الْهِجْرَة، وَقتل يَوْم أحد شَهِيدا، قَتله ابْن قمية اللَّيْثِيّ فِيمَا قَالَ ابْن إِسْحَاق وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، أَو أَزِيد شَيْئا وَأسلم بعد دُخُول رَسُول الله، ﷺ ، دَار الأرقم، وَكَانَ بلغه أَن رَسُول الله، ﷺ ، يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام فِي دَار الأرقم، فَدخل وَأسلم وكتم إِسْلَامه خوفًا من أمه وَقَومه، وَكَانَ يخْتَلف إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، سرا فَبَصر بِهِ عُثْمَان بن طَلْحَة يُصَلِّي فَأخْبر بِهِ قومه وَأمه فَأَخَذُوهُ فحبسوه، فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى خرج إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة فِي أول من هَاجر إِلَيْهَا ثمَّ شهد بَدْرًا.
٥٤٧٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنَا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ صِلَةَ عنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لأَهْلِ نَجْرَانَ لأَبْعَثَنَّ يَعْنِي عَلَيْكُمْ يَعْنِي أمِيناً حَقَّ أمِينٍ فأشْرَفَ أصْحَابُهُ فبَعَثَ أبَا عُبَيْدَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حق أَمِين) . وَأَبُو إِسْحَاق عمر بن عبد الله السبيعِي، وصلَة، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام: هُوَ ابْن زفر الْعَبْسِي الْكُوفِي، مَاتَ فِي زمن مُصعب بن الزبير.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي خبر الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الْمَغَازِي عَن بنْدَار وَعَن الْعَبَّاس بن سُهَيْل، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن نصر بن عَليّ وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن بنْدَار بِهِ وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد.
قَوْله: (عَن حُذَيْفَة) ، قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: هَكَذَا قَالَ يحيى بن آدم فِيهِ: عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن صلَة عَن حُذَيْفَة، وَيحيى إِمَام، وَقَالَ غَيره: عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن صلَة عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة أصح. قَوْله: (لأهل نَجْرَان) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم وبالراء: بلد بِالْيمن وَأَهْلهَا العاقب واسْمه عبد الْمَسِيح وَالسَّيِّد وَأَبُو الْحَارِث بن عَلْقَمَة وَأَخُوهُ كرز وَأَوْس وَزيد بن قيس وَشَيْبَة وخويلد وَعَمْرو وَعبيد الله، وَكَانَ وَفد نَجْرَان سنة تسع كَمَا ذكره ابْن سعد، وَكَانُوا أَرْبَعَة عشر رجلا من أَشْرَافهم، وَكَانُوا نَصَارَى وَلم يسلمُوا إِذْ ذَاك، ثمَّ لم يلبث السَّيِّد وَالْعَاقِب إلَاّ يَسِيرا حَتَّى أَتَيَا إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَأَسْلمَا، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قدم وَفد نَصَارَى نَجْرَان سِتُّونَ رَاكِبًا، مِنْهُم أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ رجلا من أَشْرَافهم وَثَلَاثَة مِنْهُم يؤول إِلَيْهِم أَمرهم وهم: الْعَاقِد وَالسَّيِّد وَأَبُو حَارِثَة أحد بني بكر بن وَائِل أسقفهم وَصَاحب مدارسهم، وَلما دخلُوا الْمَسْجِد النَّبَوِيّ دخلُوا فِي تجمل وَثيَاب حسان وَقد حانت صَلَاة الْعَصْر، فَقَامُوا يصلونَ إِلَى الْمشرق، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ دعوهم، وَكَانَ الْمُتَكَلّم أَبَا حَارِثَة وَالسَّيِّد وَالْعَاقِب وسألوه أَن يُرْسل مَعَهم أَمينا. فَبعث مَعَهم أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح، وَكَانَ أَبُو حَارِثَة يعرف أَمر رَسُول الله، ﷺ ، وَلَكِن صده الشّرف والجاه عَن اتِّبَاع الْحق. قَوْله: (لَأَبْعَثَن) ، أَي: لما سَأَلُوا أَن يُرْسل إِلَيْهِم أَمينا قَالَ: لَأَبْعَثَن أَمينا حق أَمِين. قَوْله: (يَعْنِي: عَلَيْكُم، يَعْنِي: أَمينا) رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَأَبْعَثَن حق أَمِين، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَأَبْعَثَن إِلَيْكُم رجلا أَمينا حق أَمِين. قَوْله: (فَأَشْرَف أَصْحَابه) ، أَي: تطلعوا إِلَى الْولَايَة وَرَغبُوا فِيهَا حرصاً على أَن يكون هُوَ الْأمين الْمَوْعُود فِي الحَدِيث، لَا حرصاً على الْولَايَة من حَيْثُ هِيَ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فاستشرف لَهَا أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، قَوْله: (فَبعث أَبَا عُبَيْدَة) ، وَفِي رِوَايَة أبي يعلى: قُم يَا أَبَا عُبَيْدَة، فَأرْسلهُ مَعَهم.
(بابُ مَنَاقِبِ مُصْعَبٍ بنِ عُمَيْرٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب مُصعب. ذكر مَنَاقِب مُصعب بن عميير وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا، وَكَأَنَّهُ لم يجد شَيْئا على شَرطه وبيض لَهُ، وَفِي بعض النّسخ: ذكر مُصعب بن عُمَيْر لَيْسَ إلَاّ. وَمصْعَب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصي الْقرشِي الْعَبدَرِي، يكنى أَبَا عبد الله، كَانَ من أجلة الصَّحَابَة وفضلائهم، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، قد بَعثه إِلَى الْمَدِينَة قبل الْهِجْرَة بعد الْعقبَة الثَّانِيَة يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويفقههم فِي الدّين، وَكَانَ يدعى القاريء والمقرىء، وَيُقَال: إِنَّه أول من جمع الْجُمُعَة بِالْمَدِينَةِ قبل الْهِجْرَة، وَقتل يَوْم أحد شَهِيدا، قَتله ابْن قمية اللَّيْثِيّ فِيمَا قَالَ ابْن إِسْحَاق وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، أَو أَزِيد شَيْئا وَأسلم بعد دُخُول رَسُول الله، ﷺ ، دَار الأرقم، وَكَانَ بلغه أَن رَسُول الله، ﷺ ، يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام فِي دَار الأرقم، فَدخل وَأسلم وكتم إِسْلَامه خوفًا من أمه وَقَومه، وَكَانَ يخْتَلف إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، سرا فَبَصر بِهِ عُثْمَان بن طَلْحَة يُصَلِّي فَأخْبر بِهِ قومه وَأمه فَأَخَذُوهُ فحبسوه، فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى خرج إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة فِي أول من هَاجر إِلَيْهَا ثمَّ شهد بَدْرًا.
٢٢
- (بابُ مَناقِبِ الحَسَنِ والْحُسَيْنِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما
(
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب أبي مُحَمَّد الْحسن وَأبي عبد الله الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وفضائلهما لَا تعد ومناقبهما لَا تحد. وَترك الْحسن الْخلَافَة لله تَعَالَى لَا لعِلَّة وَلَا لذلة وَلَا لقلَّة، وَكَانَ ذَلِك تَحْقِيقا لمعجزة جده رَسُول الله، ﷺ ، حَيْثُ قَالَ: يُصْلِح الله بِهِ بَين طائفتين، وهما طائفته وَطَائِفَة مُعَاوِيَة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مسموماً سنة تسع وَأَرْبَعين وَلم يكن بَين وِلَادَته وَحمل الْحُسَيْن إلَاّ طهر وَاحِد، وَأما الْحُسَيْن فَقتله سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين: ابْن أنس النَّخعِيّ يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عَاشُورَاء سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ بكربلاء من أَرض الْعرَاق، وَيُقَال كَانَ مولد الْحسن فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَقيل: بعد ذَلِك، ومولد الْحُسَيْن فِي شعْبَان سنة أَربع من الْهِجْرَة فِي قَول الْأَكْثَرين.
قَالَ نافِعُ بنُ جُبَيْرٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَانَقَ النَّبِيُّ ﷺ الحَسَنَ
نَافِع بن جُبَير بن مطعم مر فِي الْوضُوء، وَهَذَا التَّعْلِيق قد مضى مَوْصُولا مطولا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا ذكر فِي الْأَسْوَاق.
٢٢
- (بابُ مَناقِبِ الحَسَنِ والْحُسَيْنِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما
(
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب أبي مُحَمَّد الْحسن وَأبي عبد الله الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وفضائلهما لَا تعد ومناقبهما لَا تحد. وَترك الْحسن الْخلَافَة لله تَعَالَى لَا لعِلَّة وَلَا لذلة وَلَا لقلَّة، وَكَانَ ذَلِك تَحْقِيقا لمعجزة جده رَسُول الله، ﷺ ، حَيْثُ قَالَ: يُصْلِح الله بِهِ بَين طائفتين، وهما طائفته وَطَائِفَة مُعَاوِيَة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مسموماً سنة تسع وَأَرْبَعين وَلم يكن بَين وِلَادَته وَحمل الْحُسَيْن إلَاّ طهر وَاحِد، وَأما الْحُسَيْن فَقتله سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين: ابْن أنس النَّخعِيّ يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عَاشُورَاء سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ بكربلاء من أَرض الْعرَاق، وَيُقَال كَانَ مولد الْحسن فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَقيل: بعد ذَلِك، ومولد الْحُسَيْن فِي شعْبَان سنة أَربع من الْهِجْرَة فِي قَول الْأَكْثَرين.
قَالَ نافِعُ بنُ جُبَيْرٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَانَقَ النَّبِيُّ ﷺ الحَسَنَ
نَافِع بن جُبَير بن مطعم مر فِي الْوضُوء، وَهَذَا التَّعْلِيق قد مضى مَوْصُولا مطولا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا ذكر فِي الْأَسْوَاق.
стр. 4879
٦٤٧٣ - حدَّثنا صَدَقَةُ حدَّثَنَا ابنُ عُيَيْنَةَ حدَّثَنَا أبُو أبُو مُوساى عنِ الحَسَنِ سَمِعَ أبَا بَكْرَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ علَى المِنْبَرِ والحَسَنُ إلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وإلَيْهِ مَرَّةً ويَقُولُ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ولَعَلَّ الله أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا سيد) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: صَدَقَة بن الْفضل أَبُو الْفضل الْمروزِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَأَبُو مُوسَى إِسْرَائِيل بن مُوسَى من أهل الْبَصْرَة نزل الْهِنْد لم يروه عَن الْحسن غَيره، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بكرَة اسْمه نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: ابْن الْحَارِث بن كلدة الثَّقَفِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الصُّلْح فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ لِلْحسنِ بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٨٤٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثني حُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أتِيَ عُبَيْدُ الله بنُ زِيادٍ بِرَأسِ الْحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ ﵇ فَجُعِلَ فِي طَستٍ فجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئَاً فَقَالَ أنَسٌ كانَ أشْبَهُهُمْ بِرَسُولِ الله ﷺ وكانَ مَخْضُوبَاً بالوَسْمَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ أشبههم برَسُول الله، ﷺ .
وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم بن الْحر أَخُو أبي الْحسن عَليّ بن أشكاب العامري الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء يَوْم عَاشُورَاء سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَالْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن بهْرَام أَبُو أَحْمد التَّمِيمِي الْمروزِي الْمعلم، نزل بِبَغْدَاد، مَاتَ سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَجَرِير ابْن حَازِم، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أُتِي) بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول. (وَعبيد الله بن زِيَاد) بن أبي سُفْيَان وَزِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف هُوَ الَّذِي ادَّعَاهُ مُعَاوِيَة أَخا لِأَبِيهِ أبي سُفْيَان فألحقه بنسبه، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: زِيَاد ابْن أَبِيه، وَيُقَال لَهُ: زِيَاد بن سميَّة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة، وَهِي أمة كَانَت لِلْحَارِثِ وَالِد أبي بكرَة نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء. وَقَالَ ابْن معِين: وَيُقَال لِعبيد الله بن مرْجَانَة وَهِي أمه، وَقَالَ غَيره: وَكَانَت مَجُوسِيَّة، وَقَالَ البُخَارِيّ: وَكَانَت مرْجَانَة سبية من أصفهان، وَكَانَ زِيَاد من أَصْحَاب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا اسْتَلْحقهُ مُعَاوِيَة صَار من أَشد النَّاس بغضاً لعَلي بن أبي طَالب وَأَوْلَاده، وَعبيد الله ابْنه هُوَ الَّذِي سير الْجَيْش لقِتَال الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْكُوفَة ليزِيد بن مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان، وَكَانَ جَيْشه ألف فَارس، ورأسهم الْحر بن يزِيد التَّمِيمِي وعَلى مقدمتهم الْحصين بن نمير الْكُوفِي، ثمَّ جرى مَا جرى فَأخر الْأَمر قتل الْحُسَيْن.
وَاخْتلفُوا فِي قَاتله، فَقيل: الْحصين بن نمير، وَقيل: مهَاجر بن أَوْس التَّمِيمِي، وَقيل: كثير
стр. 4880
ابْن عبد الله الشّعبِيّ، وَقيل: شمر بن ذِي الجوشن، وَقيل: سِنَان بن أبي أَوْس بن عَمْرو النَّخعِيّ، وَهُوَ الْأَشْهر، فَأخذ رَأس الْحُسَيْن وَدفعه إِلَى خولي بن يزِيد، وَكَانَ سِنَان طعنه فَوَقع، ثمَّ قَالَ لخولي: احتز رَأسه، فَأَرَادَ أَن يفعل فارعد وَضعف، فَقَالَ لَهُ سِنَان: فت الله عضدك، وَأَبَان يَديك، فَنزل إِلَيْهِ فذبحه، وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عَاشُورَاء سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ، ثمَّ حملُوا رَأس الْحُسَيْن ورؤوس الْقَتْلَى من أَصْحَابه إِلَى عبيد الله بن زِيَاد وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَت الرؤوس اثْنَيْنِ وَسبعين رَأْسا حمل خولي بن يزِيد رَأس الْحُسَيْن، وحملت كِنْدَة ثَلَاثَة عشر رَأْسا، وهوازن عشْرين، وَبَنُو تَمِيم عشْرين، وَبَنُو أَسد سَبْعَة، ومذحج أحد عشر، وَكَانَ مَعَ الرؤوس والسبايا شمر بن ذِي الجوشن، وَقيس بن الْأَشْعَث وَعَمْرو بن الْحجَّاج وَعُرْوَة بن قيس. فاقبلوا حَتَّى قدمُوا بهَا على عبيد الله بن زِيَاد، ثمَّ نذْكر الْآن مَا جرى بعد أَن قدمُوا بِرَأْس الْحُسَيْن على هَذَا اللعين عبيد الله ابْن زِيَاد.
قَوْله: (فَجعل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: جعل رَأس الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي طست، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الطست الطس بلغَة طي أبدل من إِحْدَى السينين تَاء للاستثقال، وَفِي (الْمغرب) بالشين الْمُعْجَمَة: الطشت مُؤَنّثَة، وَهِي أَعْجَمِيَّة، والطس تعريبها، وَالْجمع طشاش وطشوش، وَقد يُقَال: الطشوت. قَوْله: (فَجعل ينكت) ، أَي: فَجعل عبيد الله بن زِيَاد ينكت أَي: يضْرب بقضيب على الأَرْض فيؤثر فِيهَا، وَهُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من طَرِيق حَفْصَة بنت سِيرِين عَن أنس: فَجعل يَقُول بقضيب لَهُ فِي أَنفه، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث زيد بن أَرقم: فَجعل يَجْعَل قَضِيبًا فِي يَده فِي عَيْنَيْهِ وَأَنْفه، فَقلت: أرفع قضيبك فقد رَأَيْت فَم رَسُول الله، ﷺ فِي مَوْضِعه. قَوْله: فَقَالَ فِي حسنه شَيْئا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، ﵀: مَا رَأَيْت مثل هَذَا حسنا، لم يذكر، فَقَالَ أنس: كَانَ أشبههم برَسُول الله، ﷺ ، أَي: أشبه أهل الْبَيْت، وَزَاد الْبَزَّار من وَجه آخر عَن أنس، قَالَ: فَقلت لَهُ: إِنِّي رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، يلثم حَيْثُ يَقع قضيبك، قَالَ: فانقبض. انْتهى. وَقَالَ سبط ابْن الْجَوْزِيّ: أما كَانَ لرَسُول الله، ﷺ على أنس من الْحُقُوق أَن يُنكر على ابْن زِيَاد فعله ويقبح لَهُ مَا وَقع من قرع ثنايا الْحُسَيْن بالقضيب؟ لَكِن الْفَحْل زيد بن أَرقم فَإِنَّهُ أنكر عَلَيْهِ، فروى الطَّبَرِيّ عَن أبي محنف عَن سُلَيْمَان بن أبي رَاشد عَن حميد بن مُسلم، قَالَ: شهِدت ابْن زِيَاد وَهُوَ ينْكث بقضيب بَين ثنيتيه سَاعَة، فَلَمَّا رَآهُ زيد بن أَرقم لاهجه عَن نكثه بالقضيب، فَقَالَ لَهُ: أعل بِهَذَا الْقَضِيب عَن هَاتين الشفتين، فوالذي لَا إِلَه غَيره لقد رَأَيْت شفتي رَسُول الله، ﷺ ، على هَاتين الشفتين يقبلهما، ثمَّ انفضح الشَّيْخ يبكي. فَقَالَ لَهُ ابْن زِيَاد: أبكى الله عَيْنَيْك، فوَاللَّه لَوْلَا أَنَّك شيخ قد خرفت وَذهب عقلك لضَرَبْت عُنُقك، فَقَامَ وَخرج فَسمِعت النَّاس يَقُولُونَ: وَالله لقد قَالَ زيد بن أَرقم قولا لَو سَمعه ابْن زِيَاد لقَتله، فَقلت: مَا الَّذِي قَالَ؟ قَالَ: مر بِنَا وَهُوَ يَقُول: أَنْتُم يَا معاشر الْعَرَب عبيد بعد الْيَوْم، قتلتم ابْن فَاطِمَة وأمرتم ابْن مرْجَانَة فَهُوَ يقتل خياركم ويستعبد شِرَاركُمْ فبعداً لمن رَضِي بالذل والعار. قلت: فَللَّه ذَر زيد بن أَرقم الْأنْصَارِيّ الخزرجي من أَعْيَان الصَّحَابَة، غزا مَعَ النَّبِي ﷺ ، سبع عشرَة غَزْوَة، وَشهد صفّين مَعَ عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ من خَواص أَصْحَابه، وَمَات بِالْكُوفَةِ سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَقيل: ثَمَان وَسِتِّينَ، ثمَّ إِن الله تَعَالَى جازى هَذَا الْفَاسِق الظَّالِم عبيد الله بن زِيَاد بِأَن جعل قَتله على يَدي إِبْرَاهِيم بن الأشتر يَوْم السبت لثمان بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَسِتِّينَ على أَرض يُقَال لَهَا: الجازر، بَينهَا وَبَين الْموصل خَمْسَة فراسخ، وَكَانَ الْمُخْتَار بن أبي عُبَيْدَة الثَّقَفِيّ أرْسلهُ لقِتَال ابْن زِيَاد، وَلما قتل ابْن زِيَاد جِيءَ بِرَأْسِهِ وبرؤوس أَصْحَابه وطرحت بَين يَدي الْمُخْتَار، وَجَاءَت حَيَّة دقيقة تخللت الرؤوس حَتَّى دخلت فِي فَم ابْن مرْجَانَة وَهُوَ ابْن زِيَاد وَخرجت من منخره وَدخلت فِي منخره وَخرجت من فِيهِ، وَجعلت تدخل وَتخرج من رَأسه بَين الرؤوس، ثمَّ إِن الْمُخْتَار بعث بِرَأْس ابْن زِيَاد ورؤوس الَّذين قتلوا مَعَه إِلَى مَكَّة إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة، وَقيل: إِلَى عبد الله بن الزبير، فنصبها بِمَكَّة وأحرق ابْن الأشتر جثة ابْن زِيَاد وجثث البَاقِينَ. قَوْله: (وَكَانَ) أَي: الْحُسَيْن (مخضوباً بالوسمة) بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَجَاء فتحهَا وَهُوَ نبت يختضب بِهِ يمِيل إِلَى سَواد.
стр. 4881
٩٤٧٣ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ المِنْهَالِ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَنِي عَدِيٌ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ والحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ علَى عاتِقِهِ يَقُولُ أللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُ فأحِبَّهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال: ابْن ثَابت الْأنْصَارِيّ مر فِي الْإِيمَان.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي بكر بن نَافِع وَبُنْدَار. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بنْدَار بِهِ وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن الدرهمي.
قَوْله: (وَالْحسن) الْوَاو فِيهِ للْحَال وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة الْحسن أَو الْحُسَيْن بِالشَّكِّ، ثمَّ ذكر أَن أَكثر أَصْحَاب شُعْبَة رَوَوْهُ، فَقَالُوا: الْحسن، بِغَيْر شكّ. قَوْله: (على عَاتِقه) اسْم لما بَين الْمنْكب والعنق. قَوْله: (يَقُول) جملَة حَالية. قَوْله: (إِنِّي أحبه) بِضَم الْهمزَة وَكسر الْحَاء. قَوْله: (فَأَحبهُ) بِفَتْح الْهمزَة لِأَنَّهُ أَمر من: أحب.
٠٥٧٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبرَنا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنِي عُمَرُ بنُ سَعِيدِ بنِ أبِي حُسَيْنٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ قَالَ رأيْتُ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وحَمَلَ الحَسَنُ وهْوَ يَقُولُ بِأبِي شَبِيهٌ بالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ وعَلِيٌّ يَضْحَكُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٥٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَحمل الْحسن. .) إِلَى آخِره. وعبدان هُوَ عبد الله لقب لعبدان، وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك وَعمر بن سعيد بن أبي سعيد حُسَيْن الْقرشِي النَّوْفَلِي، يروي عَن عبد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: ابْن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل بن عبد منَاف أَبُو سروعة الْقرشِي الْمَكِّيّ، سمع النَّبِي ﷺ وَهُوَ من أَفْرَاده.
قَوْله: (وَحمل الْحسن) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَا الْوَاو فِي قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) قَوْله: (بِأبي شَبيه) وَقد مر هَذَا فِي أول: بَاب صفة النَّبِي ﷺ من حَدِيث عقبَة بن الْحَارِث وَمعنى: بِأبي مفدى أَي: هُوَ مفدى بِأبي، قَوْله: (شَبيه) مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هُوَ شَبيه بِالنَّبِيِّ، قَوْله: (لَيْسَ شَبيه) رُوِيَ بِالرَّفْع وَبِالنَّصبِ، فَوجه الرّفْع على أَن: لَيْسَ، بِمَعْنى: لَا، العاطفة يَعْنِي: لَا شَبيه بعلي، وَقَالَ ابْن مَالك: أَصله لَيْسَ شَبيه، وَيكون شَبيه اسْم: لَيْسَ، وخبرها الضَّمِير الْمُتَّصِل الْمَحْذُوف اسْتغْنَاء عَن تلفظه بنيته، وَوجه النصب على أَن يكون اسْم لَيْسَ هُوَ الضَّمِير الَّذِي فِيهِ وخبرها. قَوْله: (شَبِيها) . فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي صفة النَّبِي ﷺ لم أر قبله وَلَا بعده مثله. قلت: يحمل الْمَنْفِيّ على عُمُوم الشّبَه، والمثبت على معظمه.
١٥٧٣ - حدَّثني يَحْيَى بنُ مُعِينٍ وصَدَقةُ قَالَا أخْبرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ واقِدِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ أبُو بَكْرٍ ارْقُبُوا مُحَمَّدَاً ﷺ فِي أهْلِ بَيْتِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٣١٧٣) .
هَذَا الحَدِيث مر عَن قريب فِي بَاب مَنَاقِب قرَابَة رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب عَن خَالِد عَن شُعْبَة عَن وَاقد بِكَسْر الْقَاف ابْن مُحَمَّد بن زيد ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب
٢٥٧٣ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرَنا هِشامُ بنُ يُوسُفُ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أنَسَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي أنَسٌ قَالَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أشْبَهَ بالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْحسن إِذا لم يكن أحد أشبه بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْهُ كَانَت لَهُ منقبة عَظِيمَة وَفضل ظَاهر، وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، وَقد مر فِي مَوَاضِع، وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ يروي عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَأخرج هَذَا مُسْندًا ثمَّ أخرجه مُعَلّقا
стр. 4882
فَقَالَ: وَقَالَ عبد الرَّزَّاق ... إِلَى آخِره، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. قيل: إِنَّمَا قصد البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَماع الزُّهْرِيّ لَهُ من أنس، وَقيل: هَذَا يُعَارض مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس، وَقد مضى عَن قريب، وَلَفظه: كَانَ، أَي: الْحسن أشبههم برَسُول الله، ﷺ ، ووفق بَينهمَا بِأَن الَّذِي وَقع فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ هُنَا فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، لِأَنَّهُ يَوْمئِذٍ كَانَ أَشد شبها بِالنَّبِيِّ ﷺ من أَخِيه الْحُسَيْن، وَالَّذِي وَقع فِي رِوَايَة ابْن سِيرِين كَانَ بعد ذَلِك، وَقيل: إِن المُرَاد أَن كلاًّ مِنْهُمَا كَانَ أَشد شبها فِي بعض أَعْضَائِهِ فقد روى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من طَرِيق هَانِيء بن هانىء عَن عَليّ، قَالَ: كَانَ الْحسن أشبه برَسُول الله، ﷺ مَا بَين الرَّأْس إِلَى الصَّدْر وَالْحُسَيْن أشبه بِالنَّبِيِّ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَل فِي ذَلِك.
٣٥٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبِي يَعْقُوبَ سَمِعْتُ ابنَ أبِي نُعْمٍ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ وسألَهُ عنِ الْمُحْرِم قَالَ شُعْبَةُ أحْسِبُهُ يَقْتُلُ الذُّبابَ فَقَالَ أهْلُ العِراقِ يَسْألُونَ عنِ الذُّبَابِ وقَدْ قَتَلُوا ابنَ ابْنَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هُمَا رِيحانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا. (الحَدِيث ٣٥٧٣ طرفه فِي: ٤٩٩٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يتَضَمَّن فضل الْحُسَيْن ظَاهرا، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَمُحَمّد بن أبي يَعْقُوب هُوَ مُحَمَّد ابْن أبي عبد الله بن أبي يَعْقُوب الضَّبِّيّ الْبَصْرِيّ، وينسب إِلَى جده، وَابْن أبي نعم، بِضَم النُّون وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: التِّرْمِذِيّ اسْمه عبد الرَّحْمَن، يكنى أَبَا الحكم البَجلِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن عقبَة بن مكرم الْعمي الضَّبِّيّ.
قَوْله: (عَن الْمحرم) أَي: بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة، يَعْنِي: سَأَلَ رجل ابْن عمر عَن حَال الْمحرم يقتل الذُّبَاب حَالَة الْإِحْرَام. وَفِي الْأَدَب فِي رِوَايَة مهْدي بن مَيْمُون عَن ابْن أبي يَعْقُوب، وَسَأَلَهُ رجل، وَقيل فِي رِوَايَة أبي ذَر: فَسَأَلته، ورد هَذَا بِأَن فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: أَن رجلا من أهل الْعرَاق سَأَلَ. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: أَحْسبهُ يقتل الذُّبَاب) أَي: أَظُنهُ سَأَلَ عَن الْمحرم يقتل الذُّبَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن شُعْبَة بِغَيْر شكّ. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة مهْدي ابْن مَيْمُون فِي الْأَدَب: سُئِلَ ابْن عمر عَن دم البعوض يُصِيب الثَّوْب؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون السُّؤَال وَقع عَن الْأَمريْنِ. قَوْله: (فَقَالَ أهل الْعرَاق) أَي: قَالَ عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، إِنَّمَا قَالَ مُتَعَجِّبا حَيْثُ يسْأَلُون عَن قتل الذُّبَاب ويتفكرون فِيهِ، وَقد كَانُوا اجترأوا على قتل الْحُسَيْن بن عَليّ وَابْن بنت رَسُول الله، ﷺ ، وَهَذَا شَيْء عَجِيب، يسْأَلُون عَن الشَّيْء الْيَسِير ويفرطون فِي الشَّيْء الْخطر الْعَظِيم. قَوْله: (هما) أَي: الْحسن وَالْحُسَيْن (ريحانتاي) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بالتثنية، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْإِفْرَادِ والتذكير، أَعنِي، هما ريحاني، وَجه التَّشْبِيه أَن الْوَلَد يشم وَيقبل فكأنهم من جملَة الرياحين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الريحان الرزق أَو المشموم. قلت: لَا وَجه هُنَا أَن يكون بِمَعْنى الرزق على مَا لَا يخفى، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَدْعُو الْحسن وَالْحُسَيْن فيشمهما ويضمهما إِلَيْهِ، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من طَرِيق أبي أَيُّوب، قَالَ: (دخلت على رَسُول الله، ﷺ ، الْحسن وَالْحُسَيْن يلعبان بَين يَدَيْهِ، فَقلت: أتحبهما يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَكَيف لَا وهما ريحانتاي من الدُّنْيَا أشمهما؟) .
٣٢ - (بابُ مَناقِبِ بِلَالِ بنِ رَبَاحٍ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما)
ورباح، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَاسم أمه حمامة، كَانَت لبَعض بني جمح، وَقد مضى بَيَانه فِي الْبيُوع فِي: بَاب الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ الْمُشْركين، وَذكر ابْن سعد أَنه كَانَ من مولدِي الشراة، وَكَانَ أَبُو بكر اشْتَرَاهُ بِخمْس أَوَاقٍ.
وقالَ النَّبِيُّ ﷺ سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ
стр. 4883
هَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث مضى فِي صَلَاة اللَّيْل، والدف، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء: السّير اللين، وَيُقَال: الخفق، وَإِنَّمَا قَالَ: بَين يَدي، ليبين أَنه يفعل ذَلِك.
٤٥٧٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي سلَمَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ أخْبَرَنَا جابِرُ ابنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ عُمَرُ يَقُولُ أبُو بَكْرٍ سَيِّدُنا وأعْتَقَ سَيِّدَنا يَعْنِي بِلَالاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عمر أطلق على بِلَال بالسيادة وَهِي منقبة عَظِيمَة وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة الْمَاجشون، وَاسم أبي سَلمَة دِينَار. قَوْله: (وَأعْتق سيدنَا) السَّيِّد الأول حَقِيقَة، وَالسَّيِّد الثَّانِي مجَاز، لِأَنَّهُ قَالَه تواضعاً، وَيُقَال: مَعْنَاهُ أَنه من سادة هَذِه الْأمة وَلَيْسَ أَنه أفضل من عمر، وَقيل: إِن السِّيَادَة لَا تثبت إلَاّ فَضِيلَة.
٥٥٧٣ - حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْدٍ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ قَيْسٍ أنَّ بِلالاً قَالَ لأبي بَكْرٍ إنْ كُنْتَ اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فأمْسِكْنِي وإنْ كُنْتَ إنَّما اشْتَرَيْتَنِي لله فدَعْنِي وعَمَلَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (فَدَعْنِي وَعمل الله) لِأَن كَلَامه هَذَا يدل على أَن قَصده التجرد إِلَى الله والاشتغال بِعَمَلِهِ، وَهُوَ منقبة غير قَليلَة.
وَابْن نمير هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، وَقد ذكر غير مرّة، وَمُحَمّد بن عبيد الطنافسي مر فِي بَدْء الْخلق وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن حَازِم.
قَوْله: (إِن كنت اشتريتني؟) إِلَى آخِره هَذِه القَوْل من بِلَال كَانَ فِي خلَافَة أبي بكر، وَصرح بذلك فِي رِوَايَة أَحْمد عَن أبي أُسَامَة عَن إِسْمَاعِيل بِلَفْظ: قَالَ بِلَال لأبي بكر حِين توفّي رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فَدَعْنِي) أَي: فاتركني، وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: فذرني، وَهُوَ بِمَعْنى: دَعْنِي. قَوْله: (وَعمل الله) أَي: مَعَ عمل الله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَدَعْنِي وعملي لله، وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: فذرني أعمل لله، وَذكر الْكرْمَانِي: أَرَادَ بِلَال أَن يُهَاجر من الْمَدِينَة فَمَنعه أَبُو بكر إِرَادَة أَن يُؤذن فِي مَسْجِد رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أُرِيد الْمَدِينَة بِدُونِ رَسُول الله، ﷺ ، وَلَا أتحمل مقَام رَسُول الله، ﷺ ، خَالِيا عَنهُ. وَقَالَ ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) : أَن بِلَالًا قَالَ: رَأَيْت أفضل عمل الْمُؤمن الْجِهَاد، فَأَرَدْت أَن أرابط فِي سَبِيل الله، وَأَن أَبَا بكر قَالَ لِبلَال: أنْشدك الله وحقي، فَأَقَامَ مَعَه بِلَال حَتَّى توفّي، فَلَمَّا مَاتَ أذن لَهُ عمر، فَتوجه إِلَى الشَّام مُجَاهدًا، وَتُوفِّي بهَا فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة، وَقيل: مَاتَ سنة عشْرين، وَالله أعلم.
٤٢ - (بابُ ذِكْرِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم ابْن عَم النَّبِي ﷺ ، يكنى أَبَا الْعَبَّاس، ولد قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين، وَمَات بِالطَّائِف سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، وَفِي غَالب النّسخ لَيْسَ لفظ: بَاب، مَذْكُورا وَإِنَّمَا لم يقل: مَنَاقِب ابْن عَبَّاس، مثل غَيره لِأَنَّهُ قد عقد لَهُ بَابا فِي كتاب الْعلم حَيْثُ قَالَ: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : أللهم علمه الْكتاب، ثمَّ ذكر عَنهُ أَنه قَالَ: ضمني رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ: أللهم علمه الْكتاب، وَهَذَا منقبة عَظِيمَة، وَاكْتفى بِهِ عَن ذكر لفظ: مَنَاقِب هُنَا.
٦٥٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ ضَمَّنِي النبيُّ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ أللَّهُمَّ علِّمْهُ الحِكْمَةَ حدَّثنَا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ حدَّثنا مُوساى حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ خالِدٍ مِثْلَهُ. .
قد ذكرنَا الْآن أَن هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي كتاب الْعلم. وَأخرجه هُنَا أَيْضا من ثَلَاث طرق. الأول: عَن مُسَدّد
стр. 4884
عَن عبد الْوَارِث بن سعيد الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ عَن خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين بَينهمَا عين مُهْملَة سَاكِنة: واسْمه عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري التَّمِيمِي المقعد عَن عبد الْوَارِث إِلَى آخِره. الثَّالِث: عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي عَن وهيب مصغر وهب بن خَالِد بن عجلَان أبي بكر الْبَصْرِيّ عَن خَالِد الْحذاء.
قَوْله: (الْحِكْمَة) أَي: الْعلم وَقيل: إتقان الْأُمُور، وَفِي بعض النّسخ: وَالْحكمَة الْإِصَابَة من غير النُّبُوَّة، قَوْله: (مثله) أَي: مثل مَا روى أَبُو معمر.
٥٢ - (بابُ مَناقِبِ خالِدِ بنِ الوَلِيدِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب أبي سُلَيْمَان خَالِد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم بن يقظة، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالْقَاف والظاء الْقَائِمَة: ابْن مرّة بن كَعْب، يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَمَعَ أبي بكر جَمِيعًا فِي مرّة بن كَعْب، وَكَانَ من فرسَان الصَّحَابَة، أسلم بَين الْفَتْح وَالْحُدَيْبِيَة، وَيُقَال: قبل غَزْوَة مُؤْتَة بشهرين، وَكَانَت فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان، وَكَانَ الْفَتْح بعد ذَلِك فِي رَمَضَان، وَشهد مَعَ رَسُول الله، ﷺ مشَاهد ظَهرت فِيهَا نجابته، ثمَّ كَانَ قتل أهل الرِّدَّة على يَدَيْهِ، ثمَّ فتوح الْبِلَاد الْكِبَار، وَمَات على فرَاشه بحمص، وَقيل بِالْمَدِينَةِ، وَالْأول أصح سنة إِحْدَى وَعشْرين، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَالَ الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين احْتضرَ والنسوة يبْكين: دَعْهُنَّ تهريق دُمُوعهنَّ على أبي سُلَيْمَان، فَهَل قَامَت النِّسَاء عَن مثله؟ قلت: هَذَا غلط فَاحش يظْهر بِالتَّأَمُّلِ، وَقَالَ الزبير بن بكار: انقرض ولد خَالِد وَلم يبْق مِنْهُم أحد، وورثهم أَيُّوب بن سَلمَة.
٧٥٧٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ وَاقِدٍ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلَالٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النَّبِي ﷺ نَعَى زَيْدَاً وجَعْفَرَاً وابنَ رَواحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أنْ يأتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَ جَعْفَرٌ فأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فأُصِيبَ وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله حتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى أَخذ سيف من سيوف الله) .
وَأحمد بن وَاقد هُوَ أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد، بِكَسْر الْقَاف: أَبُو يحيى الْحَرَّانِي، وينسب إِلَى جده، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجَنَائِز عَن أبي معمر وَفِي الْجِهَاد عَن يُوسُف ابْن يَعْقُوب الصفار وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد بن وَاقد أَيْضا وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، أَعنِي: فِي الْجَنَائِز، وَزيد هُوَ ابْن حَارِثَة، وجعفر هُوَ ابْن أبي طَالب، وَابْن رَوَاحَة هُوَ عبد الله.
قَوْله: (تَذْرِفَانِ) ، أَي: تسيلان دمعاً. قَوْله: (حَتَّى أَخذ) ، ويروى أَخذهَا، وَأَرَادَ بِسيف: خَالِد بن الْوَلِيد، وَمن يَوْمئِذٍ سمي سيف الله، وَقد أخرج ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا تُؤْذُوا خَالِدا فَإِنَّهُ سيف من سيوف الله تَعَالَى صبه الله تَعَالَى على الْكفَّار) .
٦٢ - (بابُ مَناقِبِ سالِمٍ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب سَالم مولى أبي حُذَيْفَة. أما سَالم، فَقَالَ أَبُو عمر: سَالم بن معقل يكنى أَبَا عبد الله، كَانَ من أهل فَارس من اصطخر، وَقيل: إِنَّه من عجم الْفرس، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وكبارهم وَهُوَ مَعْدُود فِي الْمُهَاجِرين لِأَنَّهُ لما أعْتقهُ مولاته زوج أبي حُذَيْفَة وَإِلَى أَبَا حُذَيْفَة وتبناه، فَلذَلِك عد فِي الْمُهَاجِرين، وَهُوَ مَعْدُود أَيْضا فِي الْأَنْصَار فِي بني عبيد لعتق مولاته الْأَنْصَارِيَّة زوج أبي حُذَيْفَة لَهُ، فَهُوَ يعد فِي قُرَيْش من الْمُهَاجِرين لما ذكرنَا، وَفِي الْأَنْصَار لما وَصفنَا، وَفِي الْعَجم لما تقدم ذكره أَيْضا ويعد فِي الْقُرْآن أَيْضا مَعَ ذَلِك، وَكَانَ يؤم الْمُهَاجِرين بقباء فيهم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبل أَن يقدم رَسُول الله، ﷺ ، الْمَدِينَة. وَقد رُوِيَ أَنه هَاجر مَعَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ يفرط فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، قد آخى بَينه وَبَين معَاذ بن ماعص، وَقيل: إِنَّه آخى بَينه وَبَين أبي بكر، وَلَا يَصح. وَرُوِيَ عَن
стр. 4885
عمر أَنه قَالَ: لَو كَانَ سَالم حَيا مَا جَعلتهَا شُورَى. قَالَ أَبُو عمر: هَذَا عِنْدِي على أَنه كَانَ يصدر فِيهَا عَن رَأْيه، وَالله أعلم. قَالَ: وَكَانَ أَبُو حُذَيْفَة قد تبنى سالما، فَكَانَ ينْسب إِلَيْهِ، وَيُقَال: سَالم بن أبي حُذَيْفَة حَتَّى نزلت: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) . وَكَانَ سَالم عبد الثبيتة بنت يعار بن زيد بن عبيد بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف الْأَنْصَارِيَّة، كَانَت من الْمُهَاجِرَات الأولى، وَمن فضلاء نسَاء الصَّحَابَة. قلت: ثبيتة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: اسْمهَا عمْرَة بنت يعار، وَعَن ابْن إِسْحَاق: اسْمهَا سلمى بنت يعار، ويعار، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتحهَا وبالعين الْمُهْملَة، وَقَالَ أَبُو عمر: شهد سَالم مولى أبي حُذَيْفَة بَدْرًا، وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا هُوَ ومولاه أَبُو حُذَيْفَة، فَوجدَ رَأس أَحدهمَا عِنْد رجْلي الآخر، وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة من الْهِجْرَة، وَأما أَبُو حُذَيْفَة فَاخْتلف فِي اسْمه، فَقيل: مهشم، وَقيل: هشيم، وَقيل: هَاشم بن عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف الْقرشِي العبشمي، كَانَ من فضلاء الصَّحَابَة من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، جمع الله لَهُ الشّرف وَالْفضل، صلى الْقبْلَتَيْنِ وَهَاجَر الهجرتين وَكَانَ إِسْلَامه قبل دُخُول رَسُول الله، ﷺ دَار الأرقم للدُّعَاء فِيهَا إِلَى الْإِسْلَام، وَشهد بَدْرًا وأحداً وَالْخَنْدَق وَالْحُدَيْبِيَة والمشاهد كلهَا، وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَهُوَ ابْن ثَلَاث أَو أَربع وَخمسين سنة.
٨٥٧٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوق قَالَ ذُكِرَ عَبْدُ الله عِنْدَ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وفقال ذَاكَ رَجُلٌ لَا أزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ اسْتَقْرِؤا القُرْآنَ مِنْ أرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ فبَدَأ بِهِ وسالِمٍ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ قَالَ لَا أدْرِي بَدَأ بأُبَيٍّ أوْ بِمُعَاذٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة) وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَنَاقِب أبي بن كَعْب عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن حَفْص بن عَمْرو فِي مَنَاقِب معَاذ بن جبل عَن مُحَمَّد بن بشار وَفِي مَنَاقِب عبد الله بن مَسْعُود عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن جمَاعَة آخَرين. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن هناد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن بشر بن خَالِد وَعَن آخَرين.
قَوْله: (ذكر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (عبد الله) ، أَرَادَ بِهِ عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (استقرئوا) ، أَي: اطْلُبُوا الْقِرَاءَة من أَرْبَعَة أنفس. قَوْله: (من عبد الله) إِلَى آخِره، بَيَان للأربعة. قَوْله: (فَبَدَأَ بِهِ) أَي: بِعَبْد الله بن مَسْعُود، والتقديم يُفِيد الاهتمام بالمقدم وتفضيله على غَيره، وَوجه تَخْصِيص هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَنهم كَانُوا أَكثر ضبطاً للفظ الْقُرْآن وأتقن للْأَدَاء، وَإِن كَانَ غَيرهم أفقه فِي الْمَعَالِي مِنْهُم، وَقيل: لأَنهم تفرغوا لأَخذه مِنْهُ مشافهة، وَقيل: لِأَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهُم، وَقيل: إِنَّه ﷺ ، أَرَادَ الْإِعْلَام بِمَا يكون بعده، وَهَذَا لَا يدل على أَن غَيرهم لم يجمعه. قَوْله: (أَو بمعاذ) ، ويروى: أَو بمعاذ بن جبل.
٧٢ - (بابُ مَناقِبِ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب عبد الله بن مَسْعُود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن مَخْزُوم، وَيُقَال: ابْن شمخ بن فار بن مَخْزُوم ابْن صاهلة بن كَاهِل بن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هذل بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْهُذلِيّ، وَأمه أم عبد بنت عبدود بن سَواد من هُذَيْل أَيْضا، أسلمت وصحبت وَأَبوهُ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَعبد الله أسلم قَدِيما، وَقد روى ابْن حبَان من طَرِيقه أَنه كَانَ سادس سِتَّة فِي الْإِسْلَام، وَهَاجَر الهجرتين وَشهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ صَاحب نعل رَسُول الله، ﷺ ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْن بضع وَسِتِّينَ سنة، وَقيل: مَاتَ بِالْكُوفَةِ، وَالْأول أصح.
стр. 4886
٢٤٧ - (حَدثنَا حَفْص بن عمر حَدثنَا شُعْبَة عَن سُلَيْمَان قَالَ سَمِعت أَبَا وَائِل قَالَ سَمِعت مسروقا قَالَ قَالَ عبد الله بن عَمْرو إِن رَسُول الله ﷺ َ - لم يكن فَاحِشا وَلَا متفاحشا وَقَالَ إِن من أحبكم إِلَيّ أحسنكم أَخْلَاقًا وَقَالَ استقرئوا الْقُرْآن من أَرْبَعَة من عبد الله بن مَسْعُود وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَأبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله عبد الله بن مَسْعُود والْحَدِيث مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله غير أَنه زَاد فِي هَذَا حَدِيثا تقدم فِي صفة النَّبِي ﷺ َ - وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش بن مهْرَان وَأَبُو وَائِل من الويل بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف اسْمه شَقِيق قَوْله " فَاحِشا " أَي متكلما بالقبيح وَلَا متفاحشا أَي وَلَا متكلفا للتكلم بِهِ
١٦٧٣ - حدَّثنا مُوساى عنْ أبِي عَوَانَةَ عنْ مُغِيرَةَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ دَخَلْتُ الشَّأمَ فصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيساً صالحَاً فرَأيْتُ شَيْخاً مُقْبِلاً فلَمَّا دَنا قُلْتُ أرْجُو أنْ يَكُونَ اسْتَجَابَ الله قَالَ مِنْ أيْنَ أنْتَ قُلْتُ مِنْ أهْلِ الكُوفَةِ قَالَ أفَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صاحِبُ النَّعْلَيْنِ والوِسادِ المِطْهَرَةِ أوَ لَمْ يَكُنْ فِيكُمُ الَّذِي أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ أوَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ كَيْفَ قرَأ ابنُ أُمِّ عَبْدٍ واللَّيْلِ فقَرَأتُ واللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأُنْثَى قَالَ أَقْرَأَنيهَا النَّبِيُّ ﷺ فاهُ إلَى فِيَّ فَمَا زَالَ هَؤلاءِ حَتَّى كادُوا يَرُدُّونِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَال مُغيرَة بن مقسم الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ، والْحَدِيث مر فِي: بَاب مَنَاقِب عمار وَحُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، من طَرِيقين وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (اسْتَجَابَ) ، أَي: دعائي. قَوْله: (يردوني) ، ويروى: يردونني، على الأَصْل أَي من قِرَاءَة ﴿الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ (اللَّيْل: ٣) . إِلَى قِرَاءَة ﴿وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ (اللَّيْل: ٣) .
٢٦٧٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ قَالَ سألْنَا حُذَيْفَةَ عنْ رَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ والهَدْيِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى نأخُذَ عنْهُ فَقَالَ مَا أعْرِفُ أحَدَاً أقْرَبَ سَمْتاً وهَدْيَاً ودَلاًّ بالنَّبِيِّ ﷺ منِ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ. (الحَدِيث ٢٦٧٣ طرفه فِي: ٧٩٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة النَّخعِيّ أَخُو الْأسد بن يزِيد. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن ابْن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن بنْدَار.
قَوْله: (السمت) ، وَهُوَ الْهَيْئَة الْحَسَنَة (وَالْهَدْي) بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال: الطَّرِيقَة وَالْمذهب، و: الدل بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وتشديف اللَّام: الشكل وَالشَّمَائِل، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ مِمَّا يدل ظَاهر حَاله على حسن فعاله، وَابْن أم عبد هُوَ: عبد الله بن مَسْعُود، وَهِي اسْم أمه وَقد مر عَن قريب.
٣٦٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ بنِ أبِي إسْحَاقَ قَالَ حدَّثنِي أبِي عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ حدَّثني الأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا مُوساى الأشْعَرِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ قَدِمْتُ أنَا وأخِي مِنَ اليَمَنِ فمَكَثْنَا حينا مَا نُراى إلَاّ أنَّ عَبْدَ الله بنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا نَرَي منْ دُخُولِهِ ودُخُولِ أُمِّهِ علَى النَّبِيِّ ﷺ . (الحَدِيث ٣٦٧٣ طرفه فِي: ٤٨٣٤) .
стр. 4887
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لما نرى) إِلَى آخِره. وَمُحَمّد بن الْعَلَاء أَبُو كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَإِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي السبيعِي، يرْوى عَن أَبِيه يُوسُف بن إِسْحَاق وَهُوَ يروي عَن جده أبي إِسْحَاق السبيعِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَإِسْحَاق بن نصر. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن رَافع وَعَن آخَرين. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن أبي كريب بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَبدة بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن بشار.
قَوْله: (قدمت أَنا وَأخي) قد ذكرنَا فِي مَنَاقِب أبي بكر أَن لأبي مُوسَى أَخَوَيْنِ: أَبُو رهم وَأَبُو بردة، وَقيل: إِن لَهُ أَخا آخر اسْمه: مُحَمَّد، وأشهرهم أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه: عَامر. قَوْله: (مَا نرى) يجوز أَن يكون حَالا من فَاعل: (مكثنا) وَيجوز أَن يكون صفة لقَوْله: (حينا) . قَوْله: (لما نرى) اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل، وَكلمَة مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: لأجل رؤيتنا دُخُول عبد الله بن مَسْعُود وَدخُول أمه على النَّبِي ﷺ ، وَذَلِكَ يدل على خصوصيته بملازمة النَّبِي ﷺ . وَفِيه: دلَالَة على فَضله وخيره.
٨٢ - (بابُ ذِكْرِ مُعاوِيَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر أبي عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، واسْمه: صَخْر، ويكنى أَيْضا أَبَا حَنْظَلَة بن حَرْب بن أبي أُميَّة ابْن عبد شمس بن عبد منَاف الْقرشِي الْأمَوِي، وَأمه هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس، فمعاوية وَأَبوهُ من مسلمة الْفَتْح، وَقيل: إِنَّه أسلم زمن الْحُدَيْبِيَة وَأسْلمت أمه أَيْضا بعده، وَكتب مُعَاوِيَة للنَّبِي ﷺ ، وَولي إمرة دمشق عَن عمر بن الْخطاب بعد موت أَخِيه يزِيد بن أبي سُفْيَان سنة تسع عشرَة، وَاسْتمرّ عَلَيْهَا بعد ذَلِك فِي خلَافَة عُثْمَان ثمَّ زمَان محاربته لعَلي وَالْحسن، ثمَّ اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين إِلَى أَن مَاتَ سنة سِتِّينَ، فَكَانَت ولَايَته مَا بَين إِمَارَة ومحاربة ومملكة أَكثر من أَرْبَعِينَ سنة مُتَوَالِيَة.
٤٦٧٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ بِشْرٍ حدَّثنا الْمُعافَى عنْ عُثْمَانَ بنَ الأسْوَدِ عَن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ أوْتَرَ مُعاوِيَةُ بَعْدَ العِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وعِنْدَهُ مَوْلًى لإبنِ عَبَّاسٍ فأتَى ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ دَعْهُ فإنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ الله ﷺ . (الحَدِيث ٤٦٧٣ طرفه فِي: ٥٦٧٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر مُعَاوِيَة. وَفِيه: دلَالَة أَيْضا على فَضله من حَيْثُ إِنَّه صحب النَّبِي ﷺ .
وَالْحسن بن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو مُسلم بن الْمسيب أَبُو عَليّ البَجلِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، والمعافى، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من المعافاة، بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء: ابْن عمرَان الْأَزْدِيّ الْموصِلِي، يكنى أَبَا مَسْعُود، أحد الْأَعْلَام من الثِّقَات النبلاء، وَلَقَد لَقِي بعض التَّابِعين وتلمذ لِسُفْيَان الثَّوْريّ وَكَانَ يلقب: ياقوتة الْعلمَاء، وَكَانَ الثَّوْريّ شَدِيد التَّعْظِيم لَهُ، مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع وَمَوْضِع آخر تقدم فِي الاسْتِسْقَاء، وَعُثْمَان بن الْأسود بن مُوسَى الْمَكِّيّ، وَابْن أبي مليكَة عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن نَافِع بن عمر عَن ابْن أبي مليكَة على مَا يَجِيء الْآن.
قَوْله: (وَعِنْده مولى لِابْنِ عَبَّاس) ، وَهُوَ: كريب روى ذَلِك مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب (الْوتر) لَهُ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن كريب. قَوْله: (فَأتى ابْن عَبَّاس فَقَالَ: دَعه) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَأتى ابْن عَبَّاس فَأخْبرهُ بذلك، فَقَالَ، الْفَاء فِيهِ فصيحة، وَهِي الَّتِي تفصح عَن الْمُقدر الْمَذْكُور. قَوْله: (دَعه) ، أَي: اترك القَوْل فِيهِ وَالْإِنْكَار عَلَيْهِ فَإِنَّهُ صحب رَسُول الله، ﷺ ، وَإنَّهُ عَارِف بالفقه.
٥٦٧٣ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ حدَّثنا نافِعُ بنُ عُمَرَ حدَّثنِي ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ قِيلَ ل اِبْنِ عَبَّاسٍ هَلْ لَكَ فِي أمِيرِ المُؤْمِنِينَ مُعاوِيةَ فإنَّهُ مَا أوْتَرَ إلَاّ بِوَاحِدَةٍ قَالَ أصَابَ إنَّهُ فَقيهٌ. (انْظُر الحَدِيث ٤٦٧٣) .
стр. 4888
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن سعيد بن الحكم بن أبي مَرْيَم عَن نَافِع بن عمر بن عبد الله الجُمَحِي، وَقد تقدم فِي الْعلم. قَوْله: (إلَاّ بِوَاحِدَة) أَي: بِرَكْعَة وَاحِدَة. قَوْله: (أصَاب) ، أَي: السّنة. قَوْله: (إِنَّه) أَي: إِن مُعَاوِيَة (فَقِيه) يَعْنِي: يعرف أَبْوَاب الْفِقْه.
٦٦٧٣ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَر حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بنَ أبَان عنْ مُعَاوِيَةً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ إنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلاةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَمَا رَأيْنَاهُ يُصَلِّيهِمَا ولَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٨٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر مُعَاوِيَة، وَلَا يدل هَذَا على فضيلته. فَإِن قلت: قد ورد فِي فضيلته أَحَادِيث كَثِيرَة. قلت: نعم، وَلَكِن لَيْسَ فِيهَا حَدِيث يَصح من طَرِيق الْإِسْنَاد نَص عَلَيْهِ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا، فَلذَلِك قَالَ: بَاب ذكر مُعَاوِيَة، وَلم يقل: فَضِيلَة وَلَا منقبة.
وَعَمْرو بن عَبَّاس أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمَات فِي ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: واسْمه يزِيد بن حميد الضبعِي الْبَصْرِيّ، وحمران، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن أبان، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة: مولى عُثْمَان بن عَفَّان.
والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب لَا يتحَرَّى الصَّلَاة قبل غرُوب الشَّمْس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٩٢ - (بابُ مَنَاقِبِ فاطِمَةَ ﵍
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب فَاطِمَة بنت النَّبِي ﷺ ، وَأمّهَا خَدِيجَة بنت خويلد، ولدت فَاطِمَة فِي الْإِسْلَام وَكَانَ مولدها وقريش تبني الْكَعْبَة، وَكَانَ بِنَاء قُرَيْش الْكَعْبَة قبل مبعث النَّبِي ﷺ بِسبع سِنِين وَسِتَّة أشهر، وأنكحها رَسُول الله، ﷺ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعد وقْعَة أحد، وَقيل: تزَوجهَا بعد أَن ابتني رَسُول الله، ﷺ بعائشة بأَرْبعَة أشهر وَنصفا وَبنى بهَا بعد تَزْوِيجه إِيَّاهَا بِتِسْعَة أشهر وَنصف، وَكَانَ سنّهَا يَوْمئِذٍ خمس عشرَة وَخَمْسَة أشهر وَنصفا، وَكَانَ سنّ عَليّ يَوْمئِذٍ إِحْدَى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر، وَقَالَ أَبُو عمر: فَولدت لَهُ الْحسن وَالْحُسَيْن وَأم كُلْثُوم وَزَيْنَب، وَلم يتَزَوَّج عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَلَيْهَا غَيرهَا حَتَّى مَاتَت، وَتوفيت لَيْلَة الثُّلَاثَاء لثلاث خلون من رَمَضَان سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة، وَقَالَ المدايني: وَصلى عَلَيْهَا الْعَبَّاس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: غسلهَا عَليّ وَصلى عَلَيْهَا ودفنها لَيْلًا بوصيتها. وَقَالَ أَبُو عمر: توفيت بعد رَسُول الله، ﷺ بِيَسِير، وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ: بِسِتَّة أشهر، وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار: بِثمَانِيَة أشهر، وَقَالَ ابْن بُرَيْدَة: عاشت بعد أَبِيهَا سبعين يَوْمًا.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فاطِمَةُ سَيِّدَةِ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ
هَذَا التَّعْلِيق أخرجه البُخَارِيّ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَغَيره.
٧٦٧٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي فَمن أغْضَبَهَا فقَدْ أغْضَبَنِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. والْحَدِيث مر فِي: بَاب ذكر أَصْهَار النَّبِي ﷺ بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (بضعَة مني) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِضَمِّهَا على قَول، وبكسرها أَيْضا، وَاسْتدلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيّ على أَن: من سبها فَإِنَّهُ يكفر.
٠٣ - (بابُ فَضْلِ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا)
стр. 4889
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، هِيَ الصديقة بنت الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قيل: إِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ: ذكر مُعَاوِيَة ومناقب فَاطِمَة وَفضل عَائِشَة لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذكر الْفضل مُرَاعَاة لفظ الحَدِيث فِي حَقّهَا. وَأما الذّكر فَهُوَ أَعم من المناقب. وَأمّهَا أم رُومَان بنت عَامر بن عُوَيْمِر بن عبد شمس تزَوجهَا رَسُول الله، ﷺ بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ فِي قَول أبي عُبَيْدَة، وَقيل: قبلهَا بِثَلَاث سِنِين، وَقيل: بِسنة وَنصف، وَهِي بنت سِتّ سِنِين وَبنى بهَا بِالْمَدِينَةِ بعد مُنْصَرفه من وقْعَة بدر فِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة وَهِي بنت تسع سِنِين، وَمَات النَّبِي ﷺ وَلها نَحْو ثَمَان عشرَة سنة، وَعَاشَتْ بعده قَرِيبا من خمسين سنة، وَأكْثر الناسُ الْأَخْذ عَنْهَا ونقلوا عَنْهَا من الْأَحْكَام والآداب شَيْئا كثيرا، حَتَّى قيل: إِن ربع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة منقولة عَنْهَا، رُوِيَ لَهَا عَن رَسُول الله، ﷺ ألف حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث، وَلم تَلد للنَّبِي ﷺ ، وَسَأَلته أَن تكتني، فَقَالَ: إكتني بِابْن أختك، قَالَت: أم عبد الله.
٨٦٧٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أبُو سَلَمَةَ إنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ قَالَ رسُولُ الله ﷺ يَوْماً يَا عائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرئُكِ السَّلامَ فَقُلْتُ وعَلَيْهِ السَّلَامُ ورَحْمَةُ الله وبرَكَاتُهُ تَراى مَا لَا أراى تُرِيدُ رسُولَ الله ﷺ . .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن سَلام جِبْرِيل عَلَيْهَا يدل على أَن لَهَا فضلا عَظِيما، وَاسْتدلَّ بِهِ بَعضهم لفضل خَدِيجَة على عَائِشَة لِأَن الَّذِي ورد فِي حق خَدِيجَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا: (إِن جِبْرِيل يُقْرِئك السَّلَام من رَبك) ، وَهنا: السَّلَام من جِبْرِيل خَاصَّة، وَيحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وَهَذَا روى لَهُ مُسلم أَيْضا وَيُونُس بن يزِيد وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف، والْحَدِيث مر فِي بَدْء الْخلق وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يَا عائش) ، مرخم يجوز فِي الشين الضَّم وَالْفَتْح. قَوْله: (ترى) خطاب لرَسُول الله، ﷺ ، وأوضحه بقوله: تُرِيدُ رَسُول الله، ﷺ .
٩٦٧٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ وحدَّثنا عَمْرٌ وأخبرَنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ عنْ مُرَّةَ عنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلَاّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وآسِيةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ وفَضْلُ عائِشَةَ علَى النِّسَاءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ علَى سائِرِ الطَّعَامِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فضل عَائِشَة) إِلَى آخِره، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة ... إِلَى آخِره. الثَّانِي: عَن عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: الْأَعْمَى الْكُوفِي عَن مرّة الْهَمدَانِي الْكُوفِي عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي قصَّة مُوسَى فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿ضرب الله مثلا﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤٢، النَّحْل: ٥٧، ٦٧ و ٢١١، الزمر: ٩٢، التَّحْرِيم: ٠١ و ١١) . الْآيَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (كمل) ، بِتَثْلِيث الْمِيم. قَوْله: (وَلم يكمل) ، أَي: من نسَاء عصرها، وَقَالَ ابْن حبَان الْأَفْضَلِيَّة الَّتِي يدل عَلَيْهَا هَذَا الحَدِيث وَغَيره مُقَيّدَة بنساء النَّبِي ﷺ ، حَتَّى لَا يَقع بَينه وَبَين قَوْله: أفضل نسَاء إهل الْجنَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة، تعَارض ظَاهرا.
٠٧٧٣ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ فَضْلُ عائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أبي الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر ابْن أبي كثير، وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن معمر بن حزم أَبُو طوالة الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة
стр. 4890
عَن عَمْرو بن عون ومسدد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن القعْنبِي وَعَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَعلي بن حجر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن حَرْمَلَة بن يحيى.
قَوْله: (الثَّرِيد) ، فِي الأَصْل: الْخبز المكسور، يُقَال: ثردت الْخبز ثرداً أَي كَسرته فَهُوَ ثريد ومثرود، والإسم: الثردة بِالضَّمِّ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي شرح هَذَا الْموضع، قيل: لم يرد عين الثَّرِيد، وَإِنَّمَا أَرَادَ الطَّعَام الْمُتَّخذ من اللَّحْم والثريد مَعًا لِأَن الثَّرِيد غَالِبا لَا يكون إلَاّ من لحم، وَالْعرب قَلما تَجِد طبيخاً، وَلَا سِيمَا بِلَحْم. وَيُقَال: الثَّرِيد أحد اللحمين بل اللَّذَّة وَالْقُوَّة إِذا كَانَ اللَّحْم نضيجاً فِي المرق أَكثر مِمَّا فِي نفس اللَّحْم. انْتهى. قلت: علم من هَذَا أَن الثَّرِيد طَعَام متخذ من اللَّحْم يكون فِيهِ خبز مكسور، فَلَا يُسمى اللَّحْم الْمَطْبُوخ وَحده بِدُونِ الْخبز المكسور ثريداً، وَلَا الْخبز المكسور وَحده بِدُونِ اللَّحْم ثريداً. وَالظَّاهِر أَن فضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام إِنَّمَا كَانَ فِي زمنهم لأَنهم قَلما كَانُوا يَجدونَ الطبيخ، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ بِاللَّحْمِ، وَأما فِي هَذَا الزَّمَان فأطعمة معمولة من أَشْيَاء كَثِيرَة متنوعة فِيهَا من أَنْوَاع اللحوم وَمَعَهَا أَنْوَاع من الْخبز الْحوَاري، فَلَا يُقَال: إِن مُجَرّد اللَّحْم مَعَ الْخبز المكسور أفضل من هَذِه الْأَطْعِمَة الْمُخْتَلفَة الْأَجْنَاس والأنواع، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى.
١٧٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَبْدِ المَجِيدِ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنِ الْقَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ أنَّ عائِشَةَ اشْتَكَتْ فَجاءَ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ يَا أمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقْدَمِينَ علَى فَرَطِ صِدْقٍ علَى رسُولِ الله ﷺ وعلَى أبِي بَكْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عَبَّاس قطع لعَائِشَة بِدُخُول الْجنَّة، إِذْ لَا يُقَال ذَلِك إلَاّ بتوقيف، وَهَذِه فَضِيلَة عَظِيمَة. وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو: عبد الله الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن ابْن الْمثنى نَحوه.
قَوْله: (اشتكت) ، أَي: ضعفت. قَوْله: (تقدمين) ، بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (على فرط) ، بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء: وَهُوَ الْمُتَقَدّم من كل شَيْء. وَيُقَال: الفرط الفارط أَي: السَّابِق إِلَى المَاء والمنزل. قَوْله: (صدق) ، صفة فرط أَي: صَادِق، وَهُوَ عبارَة عَن الْحسن. قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي مقْعد صدق﴾ (الْقَمَر: ٥٥) . قَوْله: (على رَسُول الله، ﷺ بدل مِنْهُ بتكرير الْعَامِل، وَحَاصِل الْمَعْنى: أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر قد سبقاك وَأَنت تلحقينهما، وهما قد هيئا لَك الْمنزل فِي الْجنَّة فَلَا تحملي الْهم وافرحي بذلك.
٢٧٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ سَمِعْتُ أبَا وَائِلٍ قَالَ لمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَاً والحَسَنَ إلَى الكُوفَةِ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ خَطَبَ عَمَّارٌ فَقَالَ إنِّي لأَعْلَمُ أنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ ولاكِنَّ الله ابْتَلَاكُمْ تَتَّبِعُونَهُ أوْ إيَّاهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن عَائِشَة (زَوجته) أَي: زَوْجَة النَّبِي ﷺ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) وَفِي هَذَا فضل عَظِيم لَهَا.
وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَالْحكم هُوَ ابْن عتيبة وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق. قَوْله: (بعث عليٌّ) أَي: عَليّ بن أبي طَالب، وَكَانَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعث عمار بن يَاسر وَالْحسن ابْنه إِلَى الْكُوفَة لأجل نصرته فِي مقاتلة كَانَت بَينه وَبَين عَائِشَة بِالْبَصْرَةِ، وَيُسمى: بِيَوْم الْجمل، بِالْجِيم. قَوْله: (ليستنفرهم) ، أَي: ليستنجدهم ويستنصرهم من الاستنفار وَهُوَ الاستنجاد والاستنصار. قَوْله: (خطب) ، جَوَاب: لما. قَوْله: (أَنَّهَا:) أَي أَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وروى ابْن حبَان من طَرِيق سعيد بن كثير عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا: أما ترْضينَ أَن تَكُونِي زَوْجَتي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؟ قَوْله: (تتبعونه) ، أَي: تتبعون عليا أَو تتبعون إِيَّاهَا، أَي: عَائِشَة. قيل: الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: تتبعونه، يرجع إِلَى الله تَعَالَى، وَالْمرَاد بِاتِّبَاع حكمه الشَّرْعِيّ فِي طَاعَة الإِمَام وَعدم الْخُرُوج عَلَيْهِ. فَإِن قلت: خَاطب الله تَعَالَى أَزوَاج النَّبِي ﷺ بقوله: ﴿قرن فِي بيوتكن﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣) . وَلِهَذَا قَالَت أم سَلمَة: لَا يحركني ظهر بعير حَتَّى ألْقى الله تَعَالَى. قلت: كَانَت عَائِشَة،
стр. 4891
رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، متأولة هِيَ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر، وَكَانَ مُرَادهم إِيقَاع الْإِصْلَاح بَين النَّاس وَأخذ الْقصاص من قتلة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٣٧٧٣ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو أسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها اسْتَعَارَتْ مِنْ أسْماءَ قِلادَةً فهَلَكَتْ فأرْسَلَ رسُولُ الله ﷺ ناسَاً مِنْ أصْحَابِهِ فِي طلَبِهَا فأدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرٍ وُضُوءٍ فلَمَّا أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذالِكَ إلَيْهِ فنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ جَزَاكِ الله خَيْرَاً فَوالله مَا نَزَلَ بِكِ أمْرٌ قَطُّ إلَاّ جعَلَ الله لَكِ مِنْهُ مَخْرَجَاً وجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (جَزَاك الله خيرا) إِلَى آخِره. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير. والْحَدِيث مُرْسل لِأَن عُرْوَة تَابِعِيّ والْحَدِيث مر بِطُولِهِ فِي أول كتاب التَّيَمُّم.
قَوْله: (من أَسمَاء) ، هِيَ أُخْت عَائِشَة، والقلادة وَالْعقد بِكَسْر الْعين وَاحِد، وَهُوَ كل مَا يعْقد ويعلق فِي الْعُنُق. فَإِن قلت: قَالَت فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: عقدا لي وَهَذَا يخلف قَوْلهَا: استعارت. قلت: لَا مُخَالفَة فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا ملك لأسماء وإضافته فِي تِلْكَ الرِّوَايَة إِلَى نَفسهَا لكَونه فِي يَدهَا. قَوْله: (فَهَلَكت) ، أَي: ضَاعَت. قَوْله: (أسيد) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين (وحضير) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة: الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ. قَوْله: (فصلوا بِغَيْر وضوء) ، قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن من عَدِمَ المَاء وَالتُّرَاب يُصَلِّي على حَاله، وَللشَّافِعِيّ فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال، أَصَحهَا: أَنه يجب عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي وَيجب أَن يُعِيدهَا. وَالثَّانِي: تحرم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَتجب الْإِعَادَة. وَالثَّالِث: لَا تجب عَلَيْهِ وَلَكِن تسْتَحب وَيجب الْقَضَاء. الرَّابِع: تجب الصَّلَاة وَلَا تجب الْإِعَادَة، وَهَذَا مَذْهَب الْمُزنِيّ، وَعند أبي حنيفَة: يمسك عَن الصَّلَاة وَلَا يجب عَلَيْهِ التَّشَبُّه، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يجب التَّشَبُّه، وَلَا خلاف فِي الْقَضَاء.
٤٧٧٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ أنَّ رسُولَ الله ﷺ لَمَّا كانَ فِي مَرَضِهِ جعَلَ يَدُورُ فِي نِسائِهِ ويَقُولُ أيْنَ أنَا غدَاً أَيْن أَنا غَدا حِرْصاً علَى بَيْتِ عائِشَةَ قالَتْ عائِشَةُ فلَمَّا
стр. 4892
كانَ يَوْمِي سَكَنَ. .
هَذَا الْإِسْنَاد بِعَين الْإِسْنَاد الأول وَهُوَ أَيْضا مُرْسل، قيل: ظَاهره كَذَا، وَلَكِن قَول عَائِشَة فِي آخر الحَدِيث: قَالَت عَائِشَة، يُوضح أَن كُله مَوْصُول.
قَوْله: (فِي مَرضه) أَي: مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: قَالَت: إِن كَانَ رَسُول الله، ﷺ ليتفقد، يَقُول: أَيْن أَنا الْيَوْم؟ أَيْن أَنا غَدا؟ استبطاء ليَوْم عَائِشَة، وَهنا حرصاً أَي: لأجل حرصه على بَيت عَائِشَة. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ يومي سكن) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: مَاتَ أَو سكت عَن هَذَا القَوْل، وَقَالَ بَعضهم: الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح، وَالْأول خطأ صَرِيح. قلت: الْخَطَأ الصَّرِيح تخطئته، لِأَن فِي رِوَايَة مُسلم: فَلَمَّا كَانَ يومي قَبضه الله بَين سحرِي وَنَحْرِي، وَالسحر، بِفَتْح السِّين وَضمّهَا وَإِسْكَان الْحَاء: الرئة وَمَا تعلق بهَا.
٥٧٧٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوهَّابِ حدَّثنا حَمَّادٌ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ أبِيهِ قَالَ كانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عائِشةَ قالَتْ عائِشَةُ فاجْتَمَعَ صَوَاحِبِي إِلَى أُمِّ سلَمَةَ فقُلْنَ يَا أُمَّ سلَمَةَ وَالله إنَّ النَّاسَ يتَحَرَّوْنَ بِهَدَاياهُمْ يَوْمَ عائِشَةَ وإنَّا نُرِيدُ الخَيْرَ كَما تُرِيدُهُ عائِشَةُ فَمُرِي رسُولَ الله ﷺ أنْ يأمُرَ النَّاسَ أنْ يُهْدُوا إلَيْهِ حَيْثُ مَا كَانَ أوْحيْتُ مَا دَارَ قالَتْ فذَكَرَتْ ذالِكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلْنَّبِيِّ ﷺ قالَتْ فأعْرَضَ عَنِّي فلَمَّا عادَ إلَيَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَاكَ فأعْرَضَ عَنِّي فلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ يَا أُمَّ سلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عائِشَةَ فإنَّهُ وَالله مَا نزَلَ علَيَّ الوَحْيُ وأنَا فِي لِحافِ امْرَأةٍ مِنْكُنَّ غيْرَهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لَا تؤذيني فِي عَائِشَة) إِلَى آخِره. وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي الْبَصْرِيّ، مَاتَ فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب قبُول الْهَدِيَّة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (يتحرون) ، أَي: يقصدون ويجتهدون. قَوْله: (وَإِنَّا نُرِيد الْخَيْر) ، بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر، وَأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ وَاسْمهَا: هِنْد، وَقد مر غير مرّة. قَوْله: (فمري) أَي: قولي، وَبِه يسْتَدلّ على أَن الْعُلُوّ والاستعلاء لَا يشْتَرط فِي الْأَمر. قَوْله: (فِي لِحَاف) ، وَهُوَ اسْم مَا يتغطى بِهِ، قَالَ الْكرْمَانِي: والمعتنون بِهَذَا الْكتاب من الشُّيُوخ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ضبطوه فَقَالُوا: هَهُنَا منتصف الْكتاب، أَي: كتاب البُخَارِيّ. وَ بَاب مَنَاقِب الْأَنْصَار هُوَ ابْتِدَاء النّصْف الْأَخير مِنْهُ.
١ - (بابُ مَناقِبِ الأنصَارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار، وَالْأَنْصَار جمع نصير مثل شرِيف وأشراف، والنصير النَّاصِر وَجمعه: نصر مثل صَاحب وَصَحب، وَالْأَنْصَار إسم إسلامي سمي بِهِ النَّبِي ﷺ الْأَوْس والخزرج وحلفاءهم، والأوس ينتسبون إِلَى أَوْس بن حَارِثَة، والخزرج ينتسبون إِلَى الْخَزْرَج بن حَارِثَة، وهما ابْنا قيلة بنت الأرقم بن عَمْرو بن جَفْنَة، وَقيل: قيلة بنت كَاهِل بن عذرة بن سعد ابْن قضاعة، وأبوهما حَارِثَة بن ثَعْلَبَة من الْيمن.
وقَوْلِ الله ﴿والَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ والإيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ ولَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ (الْحَشْر: ٩) .
وَقَول الله ، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: مَنَاقِب الْأَنْصَار، لِأَنَّهُ مُضَاف مجرور بِإِضَافَة الْبَاب إِلَيْهِ، وَفِي النّسخ الَّتِي لم يذكر فِيهَا لفظ: بَاب، يكون مَرْفُوعا، لِأَنَّهُ يكون عطفا على لفظ: المناقب أَيْضا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون مَرْفُوعا على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا مَنَاقِب الْأَنْصَار، يَعْنِي: هَذَا الَّذِي نذكرهُ مَنَاقِب الْأَنْصَار. قَوْله: وَالَّذين تبوؤا﴾ (الْحَشْر: ٩) . أَي: اتَّخذُوا ولزموا، والتبوؤ فِي الأَصْل التَّمَكُّن والاستقرار، وَالْمرَاد بِالدَّار: دَار الْهِجْرَة نزلها الْأَنْصَار قبل الْمُهَاجِرين وابتنوا الْمَسَاجِد قبل قدوم النَّبِي ﷺ ، بِسنتَيْنِ فَأحْسن الله عَلَيْهِم الثَّنَاء. قَوْله: (وَالْإِيمَان) فِيهِ إِضْمَار أَي: وآثروا الْإِيمَان، وَهَذَا من قبيل قَول الشَّاعِر:
علفتها تبناً وَمَاء بَارِدًا
وَزعم مُحَمَّد بن الْحسن بن زبالة أَن الْإِيمَان اسْم من أَسمَاء الْمَدِينَة، وَاحْتج بِالْآيَةِ، وَلَا حجَّة لَهُ فِيهَا، لِأَن الْإِيمَان لَيْسَ بمَكَان. قَوْله: (من قبلهم) أَي: من قبل الْمُهَاجِرين. قَوْله: (يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم) أَي: من الْمُسلمين حَتَّى بلغ من محبتهم أَن نزلُوا لَهُم عَن نِسَائِهِم وشاطروهم أَمْوَالهم ومساكنهم. قَوْله: (حَاجَة) أَي: حسداً وغيظاً مِمَّا أُوتِيَ الْمُهَاجِرُونَ، وَقد مر شَيْء من ذَلِك فِي أَوَائِل مَنَاقِب عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٦٧٧٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا مَهْدِي بنُ مَيْمُونٍ حدَّثنا غَيْلَانُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ قُلْتُ لأِنَسٍ أرَأيْتُمْ اسْمَ الأنْصَارِ كُنْتُمْ تُسَمُّونَ بِهِ أمْ سَمَّاكُمُ الله قَالَ بَلْ سَمَّانَا الله كُنَّا نَدْخُلُ علَى أنَسٍ فَيُحَدِّثُنَا مَناقِبَ الأنْصَارِ ومَشَاهِدَهُمْ ويُقْبِلُ عَلَيَّ أوْ علَى رَجُلٍ مِنَ الأزْدِ فيَقُولُ فَعَلَ قَوْمُكَ يَوْمَ كَذَا وكَذَا وكَذَا وكَذَا. (الحَدِيث ٦٧٧٣ طرفه فِي: ٤٤٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي آخر أَيَّام الْجَاهِلِيَّة عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (أَرَأَيْتُم؟) أَي: أخبروني أَنكُمْ قبل الْقُرْآن كُنْتُم تسمون بالأنصار أم لَا؟ قَوْله: (بل سمانا الله) ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار﴾ (التَّوْبَة: ٠١١) . قَوْله:
стр. 4893
(كُنَّا ندخل على أنس) أَي: بِالْبَصْرَةِ. قَوْله: (فَيقبل عَليّ) أَي: مُخَاطبا لي، من الإقبال، و: عَليّ، بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (أَو على رجل) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: أَو يقبل أنس على رجل من الأزد، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد هُوَ غيلَان الْمَذْكُور لِأَنَّهُ من الأزد، وَيحْتَمل أَن يكون غَيره من الأزد. فَإِن قلت: فعلى التَّقْدِيرَيْنِ: قَالَ أنس: فعل قَوْمك، بِالْخِطَابِ إِلَى غيلَان أَو غَيره من الأزد بقوله: قَوْمك، وَلَيْسَ قومه من الْأَنْصَار؟ قلت: هَذَا بِاعْتِبَار النِّسْبَة الأعمية إِلَى الأزد، فَإِن الأزد يجمعهُمْ قَوْله: (فعل قَوْمك كَذَا) ، أَي: يَحْكِي مَا كَانَ من مآثرهم فِي الْمَغَازِي وَنصر الْإِسْلَام. قَوْله: (كَذَا وَكَذَا) وَاعْلَم أَن: كَذَا، ترد على ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن تكون كلمة وَاحِدَة مركبة من كَلِمَتَيْنِ مكنياً بهَا عَن غير عدد، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بِهِ هُنَا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: يُقَال للْعَبد يَوْم الْقِيَامَة: أَتَذكر يَوْم كَذَا وَكَذَا فعلت كَذَا وَكَذَا؟ .
٧٧٧٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو أُسَامَة عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كانَ يَوْمَ بُعاثَ يَوْمَاً قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ فقَدِمَ رسُولُ الله ﷺ وَقد افْتَرَقَ مَلأهُمْ وقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وجُرِّحُوا فقَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإسْلَامِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث مثل مَا فِي الحَدِيث السَّابِق، وَسَنَده بِعَيْنِه مضى فِي الْبَاب السَّابِق، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عبيد الله بن سعيد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بُعَاث) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة: وَهُوَ يَوْم من أَيَّام الْأَوْس والخزرج مَعْرُوف، وَقَالَ العسكري: روى بَعضهم عَن الْخَلِيل بن أَحْمد بالغين الْمُعْجَمَة، وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِي: صحفه ابْن المظفر، وَمَا كَانَ الْخَلِيل ليخفى عَلَيْهِ هَذَا الْيَوْم لِأَنَّهُ من مشاهير أَيَّام الْعَرَب، وَإِنَّمَا صحفه اللَّيْث وَعَزاهُ إِلَى الْخَلِيل نَفسه وَهُوَ لِسَانه، وَذكر النَّوَوِيّ أَن أَبَا عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى ذكره أَيْضا بغين مُعْجمَة، وَحكى الْقَزاز فِي (الْجَامِع) : أَنه يُقَال بِفَتْح أَوله أَيْضا، وَذكر عِيَاض: أَن الْأصيلِيّ رَوَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ، يَعْنِي بِالْعينِ الْمُهْملَة والمعجمة، وَأَن الَّذِي وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بالغين الْمُعْجَمَة وَجها وَاحِدًا، وَهُوَ مَكَان، وَيُقَال: إِنَّه حصن على ميلين من الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن قرقول: يجوز صرفه وَتَركه. قلت: إِذا كَانَ اسْم يَوْم يجوز صرفه، وَإِذا كَانَ اسْم بقْعَة يتْرك صرفه للتأنيث والعلمية. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: بُعَاث، حصن لِلْأَوْسِ، وَقَالَ ابْن قرقول: وَهُوَ على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة، وَكَانَت بِهِ وقْعَة عَظِيمَة بَين الْأَوْس والخزرج قتل فِيهَا كثير مِنْهُم، وَكَانَ رَئِيس الأول فِيهِ حضير وَالِد أسيد بن حضير، وَكَانَ يُقَال لَهُ: حضير الْكَتَائِب وَكَانَ فارسهم، وَيُقَال: إِنَّه ركز الرمْح فِي قدمه يَوْم بُعَاث، وَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي أفر؟ فَقتل يَوْمئِذٍ، وَكَانَ لَهُ حصن منيع يُقَال لَهُ: وأقم، وَكَانَ رَئِيس الْخَزْرَج يَوْمئِذٍ، وَكَانَ ذَلِك قبل الْهِجْرَة بِخمْس سِنِين، وَقيل: بِأَرْبَعِينَ سنة، وَقيل: بِأَكْثَرَ من ذَلِك. وَقَالَ فِي (الواعي) : بقيت الْحَرْب بَينهم قَائِمَة مائَة وَعشْرين سنة حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام. وَفِي (الْجَامِع) : كَأَنَّهُ سمى بعاثاً لنهوض الْقَبَائِل بَعْضهَا إِلَى بعض، وَقَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ: إِن سَبَب ذَلِك أَنه كَانَ من قاعدتهم أَن الْأَصِيل لَا يقتل بالحليف، فَقتل رجل من الْأَوْس حليفاً للخزرج، فأرادوا أَن يقيدوه فامتنعوا، فَوَقَعت بَينهم الْحَرْب لأجل ذَلِك. قَوْله: (يَوْمًا قدمه الله لرَسُوله) أَي: قدم ذَلِك الْيَوْم لأجل رَسُول الله، ﷺ ، إِذْ لَو كَانَ أَشْرَافهم أَحيَاء لاستكبروا عَن مُتَابعَة رَسُول الله، ﷺ ، ولمنع حب رياستهم عَن دُخُول رَئِيس عَلَيْهِم، فَكَانَ ذَلِك من جملَة مُقَدمَات الْخَيْر، وَذكر أَبُو أَحْمد العسكري فِي (كتاب الصَّحَابَة) : قَالَ بَعضهم: كَانَ يَوْم بُعَاث قبل قدوم النَّبِي ﷺ ، بِخمْس سِنِين. قَوْله: (فَقدم رَسُول الله، ﷺ ، أَي: الْمَدِينَة. (وَقد افترق) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (ملأهم) أَي: جَمَاعَتهمْ. قَوْله: (سرواتهم) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالرَّاء وَالْوَاو أَي: خيارهم وأشرافهم، والسروات جمع السراة وَهُوَ جمع السّري وَهُوَ السَّيِّد الشريف الْكَرِيم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: السّري النفيس الشريف، وَقيل: السخي ذُو مُرُوءَة، وَالْجمع سراة بِالْفَتْح على غير قِيَاس، وَقد تضم السِّين، وَالِاسْم مِنْهُ السرو. انْتهى. قلت: السرو سخاء فِي مُرُوءَة، يُقَال: سرا
стр. 4894
يسرو، وسرى بِالْكَسْرِ يسري سرواً فيهمَا، وسر وَيسر وسراوة، أَي: صَار سرياً. قَالَ الْجَوْهَرِي: جمع السّري سراة وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة، وَلَا يعرف غَيره. (وجرحوا) بِضَم الْجِيم وَكسر الرَّاء، من الْجرْح، ويروى: وحرجوا بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالجيم من: الْحَرج، وَهُوَ فِي الأَصْل: الضّيق، وَيَقَع على الْإِثْم وَالْحرَام، وَقيل: الْحَرج أضيق الضّيق. قَوْله: (فقدمه الله) أَي: فَقدم الله ذَلِك الْيَوْم. (لرَسُوله) أَي: لأَجله. قَوْله: (فِي دُخُولهمْ فِي الْإِسْلَام) كلمة: فِي، هُنَا للتَّعْلِيل أَي: لأجل دُخُولهمْ، أَي: دُخُول الْأَنْصَار الَّذين بقوا من الَّذين قتلوا يَوْم بُعَاث فِي الْإِسْلَام، وَجَاء فِي بِمَعْنى التَّعْلِيل فِي الْقُرْآن والْحَدِيث، أما الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى: ﴿فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ (يُوسُف: ٢٣) . وَأما الحَدِيث فَقَوله ﷺ : (إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي الْهِرَّة) .
٨٧٧٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ قالَتِ الأنْصَارُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وأعْطَى قُرَيْشَاً وَالله إنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ إنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِماءِ قُرَيْشٍ وغَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ فبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فدَعَا الأنْصَارَ قَالَ فَقَالَ مَا الَّذِي بلَغَنِي عَنْكُمْ وكانُوا لَا يَكْذِبُونَ فقالُوا هُوَ الَّذِي بلَغَكَ قَالَ أوَلَا تَرْضَوْنَ أنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بالغَنَائِمِ إِلَى بُيُوتِهِمْ وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ الله ﷺ إلَى بُيُوتِكُمْ لَوْ سَلَكَتِ الأنْصَارُ وادِيَاً أوْ شِعْبَاً لسَلَكْتُ وادِيَ الأنْصَارِ أوْ شِعْبَهُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قَالَ: أَولا ترْضونَ) إِلَى آخِره، فَإِن فِيهِ منقبة عَظِيمَة لَهُم. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: واسْمه يزِيد بن حميد الضبعِي الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (يَوْم فتح مَكَّة) ، يَعْنِي: عَام فتح مَكَّة، لِأَن الْغَنَائِم الْمشَار إِلَيْهَا كَانَت غَنَائِم حنين وَكَانَ ذَلِك بعد الْفَتْح بشهرين. قَوْله: (وَأعْطى قُريْشًا) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (وَالله) إِلَى قَوْله: (ترد عَلَيْهِم) مقول الْأَنْصَار. قَوْله: (إِن هَذَا) إِشَارَة إِلَى الْإِعْطَاء الَّذِي دلّ عَلَيْهِ، قَوْله: وَأعْطى قُريْشًا. قَوْله: (إِن سُيُوفنَا تقطر من دِمَاء قُرَيْش) فِيهِ من أَنْوَاع البديع الْقلب نَحْو: عرضت النَّاقة على الْحَوْض، وَالْأَصْل: دِمَاؤُهُمْ تقطر من سُيُوفنَا، هَكَذَا قَالُوا: وَيجوز أَن يكون على الأَصْل، وَيكون الْمَعْنى: إِن سُيُوفنَا من كَثْرَة مَا أَصَابَهَا من دِمَاء قُرَيْش تقطر دِمَاءَهُمْ. قَوْله: (وَكَانُوا لَا يكذبُون) يَعْنِي الْأَنْصَار. قَوْله: (هُوَ الَّذِي بلغك) يَعْنِي: الَّذِي بلغك نَحن قُلْنَاهُ وَلَا ننكر. قَوْله: (لَسَلَكْت) أَرَادَ بذلك حسن مُوَافَقَته إيَّاهُم وترجيحهم فِي ذَلِك على غَيرهم لما شَاهد مِنْهُم من حسن الْجوَار وَالْوَفَاء بالعهد، لَا مُتَابعَة لَهُم، لِأَنَّهُ هُوَ الْمَتْبُوع المطاع المفترض الطَّاعَة والمتابعة لَهُ وَاجِبَة على كل مُؤمن ومؤمنة. قَوْله: (أَو شِعْبهمْ) بِكَسْر الشين وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: وَهُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل، وَيجمع على: شعاب، وَأما الشّعب، بِالْفَتْح فَهُوَ: مَا تشعب من قبائل الْعَرَب والعجم، وَيجمع على: شعوب.
٢ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْلَا الهِجْرَةُ لكُنْتُ مِنَ الأنْصَارِ قالَهُ عَبْدُ الله بنُ زَيْدٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره. وَقَالَ محيي السّنة: لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الِانْتِقَال عَن النّسَب الولادي، وَمَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن الْهِجْرَة أَمر ديني وَعبادَة مَأْمُور بهَا لانتسبت إِلَى داركم، وَالْغَرَض مِنْهُ التَّعْرِيض بِأَنَّهُ لَا فَضِيلَة أَعلَى من النُّصْرَة بعد الْهِجْرَة، وَبَيَان أَنهم بلغُوا من الْكَرَامَة مبلغا لَوْلَا أَنه من الْمُهَاجِرين لعد نَفسه من الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وتلخيصه: لَوْلَا فضلي على الْأَنْصَار بِالْهِجْرَةِ لَكُنْت وَاحِدًا مِنْهُم. قَوْله: (قَالَه عبد الله بن زيد) أَي: ابْن عَاصِم بن كَعْب أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ البُخَارِيّ الْمَازِني، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج هَذَا الْمُعَلق بِتَمَامِهِ مَوْصُولا فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب غَزْوَة الطَّائِف، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب
стр. 4895
عَن عَمْرو بن يحيى عَن عباد بن تَمِيم عَن عبد الله بن زيد بن عَاصِم، قَالَ: لما أَفَاء الله على رَسُوله ... الحَدِيث. وَفِيه: (لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرأ من الْأَنْصَار) .
٩٧٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ قَالَ أبُو القَاسِمِ ﷺ لَوْ أنَّ الأنْصَارَ سلَكُوا وادِيَاً أوْ شِعْبَاً لسَلَكْتُ فِي وادِي الأنْصَارِ ولَوْلا الهِجْرَةُ لكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصَارِ: فَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَا ظَلَمَ بأبِي وأُمِّي آوَوْهُ ونَصَرُوهُ أوْ كَلِمَةً أُخْراى.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ جُزْءا هُوَ التَّرْجَمَة. وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب نَحوه عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ.
قَوْله: (مَا ظلم) أَي: رَسُول الله، ﷺ فِي هَذَا القَوْل. قَوْله: (بِأبي وَأمي) أَي: هُوَ مفدًّى بِأبي وَأمي. قَوْله: (آووه) بَيَان لما قبله من الإيواء أَي: آوى الْأَنْصَار رَسُول الله، ﷺ بِمَعْنى ضموه إِلَيْهِم وَأَحَاطُوا بِهِ وَاتَّخذُوا لَهُ منزلا. قَوْله: (أَو كلمة أُخْرَى) أَي: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة كلمة أُخْرَى مَعَ قَوْله: آووه ونصروه، وَهِي قَوْله: وواسوه بِالْمَالِ وَأَصْحَابه أَيْضا بِأَمْوَالِهِمْ.
٣ - (بابُ إخَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ)
هَذَا بَاب فِي بَيَان إخاء النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ من قَوْلهم: وآخاه موآخاة وإخاء أَي: اتَّخذهُ أَخا.
٠٨٧٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ قَالَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ آخاى رسُولُ الله ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ إنِّي أكْثَرُ الأنْصَارِ مَالا فأُقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ. ولِي امْرَأتَانِ فانْظُرْ أعْجَبَهُمَا إلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا فإذَا انْقَضَتْ عَدَّتُهَا فتَزَوَّجْهَا قَالَ بارَكَ الله لَكَ فِي أهْلِكَ ومالِكَ أيْنَ سُوقُكُمْ فدَلُّوهُ علَى سُوقِ بَنِ قَيْنُقاعَ فَمَا انْقَلَبَ إلَاّ ومعَهُ فَضْلٌ مِنْ أقِطٍ وسَمْنٍ ثُمَّ تابعَ الغُدُوَّ ثُمَّ جاءَ يَوْمَاً وبِهِ أثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَهْيَمُ قَالَ تَزَوَّجْتُ قَالَ كَمْ سُقْتَ إلَيْهَا قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ شَكَّ إبْرَاهِيمُ. (انْظُر الحَدِيث ٨٤٠٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم عَن جده عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مر فِي أول كتاب الْبيُوع فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد إِلَى آخِره.
قَوْله: (وَسعد بن الرّبيع) بِفَتْح الرَّاء ضد الخريف الخزرجي الْأنْصَارِيّ العقبي النَّقِيب البدري، اسْتشْهد يَوْم أحد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وقينقاع، بِفَتْح القافين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم النُّون، وَفِي آخِره عين مُهْملَة. قَوْله: (الغدو) والغدوات كَقَوْلِه تعاى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٠٢، الرَّعْد: ٥١، النُّور: ٦٣) . أَي: فعل مثله فِي كل صَبِيحَة يَوْم. قَوْله: (مَهيم؟) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره مِيم، أَي: مَا حالك وَمَا شَأْنك وَمَا الْخَبَر؟ قَوْله: (نواة) ، وَهِي: خَمْسَة دَرَاهِم. قَوْله: (أَو وزن) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن سعد الْمَذْكُور.
١٨٧٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا إسماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ قَالَ قَدِمَ علَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ وآخاى رسُولُ الله ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ
стр. 4896
ابنِ الرِّبِيعِ وكانَ كَثِيرَ المَالِ فَقَالَ سَعْدٌ قَدْ عَلِمَتِ الأنْصَارُ أنِّي مِنْ أكْثَرِهَا مالَا سأقْسِمُ مالِي بَيْنِي وبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ ولِي امْرَأتَانِ فانْظُرْ أعْجَبَهُمَا إلَيْكَ فأُطَلَّقُهَا حَتَّى إذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتُهَا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بارَكَ الله لَكَ فِي أهْلِكَ فلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حتَّى أفْضَلَ شَيْئَاً مِنْ سَمْنٍ وأقِطٍ فلَمْ يَلْبَثْ إلَاّ يَسِيرَا حَتَّى جاءَ رَسُولُ الله ﷺ وعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فقالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ مَهْيَمْ قَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأةً مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ مَا سُقْتُ فِيها قَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ أوْلِمْ ولَوْ بِشَاةٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وآخى رَسُول الله، ﷺ بَينه وَبَين سعد، وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمَدِينِيّ، كَانَ يكون بِبَغْدَاد مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، وَبَعضه مر فِي كتاب الْكفَالَة فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين عاقدت إيمَانكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد.
قَوْله: (وضر) بِفَتْح الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء أَي: لطخ من الطّيب وَنَحْوه، وَأكْثر المباحث تقدم هُنَاكَ. وَفِيه: الْأَمر بالوليمة وَالْأَشْهر استحبابها وَهِي: الطَّعَام الَّذِي يصنع عِنْد الْعرس.
٢٨٧٣ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ أبُو هَمَّامٍ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَتِ الأنْصَارُ اقسِمْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُمْ النَّخْلَ قَالَ لَا قَالَ تَكْفُونَا المَؤونَةَ وتَشْرَكُونَا فِي التَّمْرَ قالُوا سَمِعْنَا وأطَعْنَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سمعنَا وأطعنا) وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث مر فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا قَالَ إكفني مؤونة النّخل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (وَبينهمْ) يَعْنِي: وَبَين الْمُهَاجِرين. قَوْله: (تكفونا) ويروى: تكفوننا، على الأَصْل، وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي (تشركونا) قَوْله: (قَالُوا) أَي: الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
٤ - (بابُ حُبِّ الأنْصَارِ مِنَ الإيمانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حب الْأَنْصَار.
٤٨٧٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عبد الله بنِ جَبْر عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصَارِ وآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنْصَارِ. (انْظُر الحَدِيث ٧١) .
стр. 4897
مضى الحَدِيث فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب عَلامَة الْإِيمَان حب الْأَنْصَار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن جبر عَن أنس ... إِلَى آخِره. وَعبد الله بن عبد الله هُوَ الصَّحِيح، وَمَا وَقع عَن عبد الله بن عبد الله ابْن جبر لَا يَصح، وَقَالَ ابْن منجويه: أهل الْعرَاق يَقُولُونَ فِي جده: جبر، وَلَا يَصح، وَإِنَّمَا هُوَ جَابر بن عتِيك الْأنْصَارِيّ الْمدنِي.
٥ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلأنْصَارِ أنْتُمْ أحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول النَّبِي ﷺ للْأَنْصَار: أَنْتُم أحب النَّاس إِلَيّ، وَالْحكم بأحبية الْأَنْصَار إِلَيْهِ من النَّاس لَا يُنَافِي أحيية أحد إِلَيْهِ من غير الْأَنْصَار، لِأَن الحكم للْكُلّ بِشَيْء لَا يُنَافِي الحكم بِهِ لفرد من أَفْرَاده، فَلَا تعَارض بَينه وَبَين قَوْله: أَبُو بكر، فِي جَوَاب: من أحب النَّاس إِلَيْك؟ فَافْهَم.
٥٨٧٣ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رأى النَّبِيُّ ﷺ النِّساءَ والصِّبْيَانَ مُقْبِلِينَ قَالَ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ مِنْ عُرُسٍ فقامَ النَّبِيُّ ﷺ مُمَثِّلاً فَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْتُم مِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ قالَهَا ثَلاثَ مِرَارٍ. (الحَدِيث ٥٨٧٣ طرفه فِي: ٠٨١٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَنْتُم من أحب النَّاس إليّ) وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعدي الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد، وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك.
قَوْله: (حسبت) ، الشَّك فِيهِ من الرَّاوِي: والعرس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ طَعَام الْوَلِيمَة يذكر وَيُؤَنث. قَوْله: (ممثلاً) ، بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة من بَاب التفعيل، أَي: منتصباً قَائِما، قَالَ ابْن التِّين: كَذَا وَقع رباعياً وَالَّذِي ذكره أهل اللُّغَة: مثل الرجل، بِفَتْح الْمِيم وَضم الْمُثَلَّثَة: مثولاً إِذا انتصب قَائِما، ثلاثي. انْتهى. قلت: كَانَ غَرَضه الْإِنْكَار على الَّذِي وَقع هُنَا وَلَيْسَ بموجه، لِأَن: ممثلاً، مَعْنَاهُ هُنَا: مُكَلّفا نَفسه ذَلِك، وطالباً ذَلِك، فَلذَلِك عدى فعله، وَأما مثل، الَّذِي هُوَ ثلاثي فَهُوَ لَازم غير مُتَعَدٍّ، وَفِي رِوَايَة النِّكَاح: ممتناً، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالنون: من الْمِنَّة أَي: متفضلاً عَلَيْهِم.
٦٨٧٣ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ كَثِيرٍ حدَّثنا بَهْزُ بنُ أسَدٍ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخبرَنِي هِشَامُ ابنُ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ إِلَى رسُولِ الله ﷺ ومَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَكَلَّمَهَا رسُولُ الله ﷺ فَقَالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّكُمْ أحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ مَرَّتَيْنِ.
التَّرْجَمَة مَذْكُورَة فِي الحَدِيث، وَيَعْقُوب الْمَذْكُور هُوَ الدَّوْرَقِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك سمع جده أنسا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن بنْدَار عَن غنْدر وَفِي النذور عَن إِسْحَاق عَن وهب بن جرير. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن أبي كريب بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
قَوْله: (فكلمها رَسُول الله، ﷺ أَي: ابتدأها بالْكلَام تأنيساً لَهَا، وَيحْتَمل أَنه أجابها عَمَّا سَأَلته.
٦ - (بابُ اَتْباعِ الأنْصَارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي اتِّبَاع الْأَنْصَار، بِفَتْح الْهمزَة جمع تبع، وَأَرَادَ بهم الحلفاء والموالي لأَنهم أَتبَاع الْأَنْصَار وَلَيْسوا بأنصار.
٧٨٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمُرٍ وسَمِعْتُ أبَا حَمْزَةَ عنْ زَيْدِ بنِ أرْقَمَ قالَتِ الأنْصَارُ لِكُلِّ نَبِيٍّ أتْباعٌ وإنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ فادْعُ الله أنْ يَجْعَلَ أتْبَاعَنَا
стр. 4898
مِنَّا فدَعَا بِهِ فَنَمَيْتُ ذَلِكَ إلَى ابنِ أبِي لَيْلَى قَالَ قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْدٌ. (الحَدِيث ٧٨٧٣ طرفه فِي: ٨٨٧٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر من مَعْنَاهُ، وَعَمْرو هُوَ ابْن مرّة بن عبد الله أَبُو عبد الله الْجملِي أحد الْأَعْلَام الْكُوفِي الضَّرِير، قَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة يرى الإرجاء، مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة، وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: اسْمه طَلْحَة بن يزِيد من الزِّيَادَة مولى قرظة بن كَعْب الْأنْصَارِيّ، و: قرظة، بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء والظاء الْمُعْجَمَة، صَحَابِيّ مَعْرُوف وَهُوَ ابْن كَعْب بن ثَعْلَبَة ابْن عَمْرو بن كَعْب بن عَامر بن زيد مَنَاة أَنْصَارِي خزرجي، مَاتَ فِي ولَايَة الْمُغيرَة على الْكُوفَة لمعاوية، وَذَلِكَ فِي حُدُود سنة خمسين.
قَوْله: (أَن يَجْعَل أتباعنا منَّا) أَي: يُقَال لَهُم الْأَنْصَار، حَتَّى تتناولهم الْوَصِيَّة بهم بالأحسان إِلَيْهِم وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (فَدَعَا بِهِ) ، أَي: بِمَا سَأَلُوهُ من ذَلِك، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي بِلَفْظ: أللهم إجعل أتباعهم مِنْهُم. قَوْله: (فنميت) ، أَي: رفعته ونقلته، وَهُوَ بتَخْفِيف الْمِيم، وَأما بتَشْديد الْمِيم فَمَعْنَاه: أبلغته على جِهَة الْإِفْسَاد، وَقَائِل ذَلِك هُوَ عَمْرو بن مرّة. قَوْله: (إِلَى ابْن أبي ليلى) ، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى. قَوْله: (قد زعم ذَلِك زيد) ، أَي: قَالَ قَالَ ذَلِك زيد، وَأهل الْحجاز يطلقون الزَّعْم على القَوْل وَزيد هُوَ زيد بن أَرقم، وَجزم بِهِ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون غير زيد بن أَرقم كزيد بن ثَابت، وَمَا ذكره أَبُو نعيم هُوَ الصَّحِيح.
٨٨٧٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنَا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا حَمْزَةَ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قالَتِ الأنْصَارُ إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ أتْبَاعَاً وإنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ فادْعُ الله أنْ يَجْعَلَ أتْباعَنَا مِنَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَلْ أتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ: قَالَ عَمْرٌ وفذَكَرْتُهُ لاِبْنِ أبِي لَيْلَى قَالَ قَدْ زَعَم ذَاكَ زَيْدٌ قَالَ شعْبَةُ أظَنَّهُ زَيْدَ بنَ أرْقَمَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٨٧٣) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن آدم بن أبي إِيَاس إِلَى آخِره، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
قَوْله: (رجلا منَ الْأَنْصَار) نصب على أَنه بَيَان أَو بدل من: أَبَا حَمْزَة، وَأَبُو حَمْزَة يروي عَن حُذَيْفَة مُرْسلا، وَعَن زيد بن أَرقم وَعنهُ عَمْرو بن مرّة فَقَط. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: أَظُنهُ) ، أَي: أَظن قَول ابْن أبي ليلى: ذَاك زيد، أَنه زيد بن أَرقم، وظنه صَحِيح، فَإِنَّهُ زيد بن أَرقم كَمَا ذَكرْنَاهُ.
٧ - (بابُ فَضْلِ دُورِ الأنْصَارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل دور الْأَنْصَار، والدور بِالضَّمِّ جمع دَار، قَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ الْمنَازل المسكونة والمحال وَتجمع أَيْضا على ديار، وَالْمرَاد هَهُنَا الْقَبَائِل، وكل قَبيلَة اجْتمعت فِي محلّة سميت تِلْكَ الْمحلة دَارا، وَسمي ساكنوها بهَا مجَازًا على حذف الْمُضَاف، أَي: أهل الدّور، قَالَ: وَأما قَوْله ﷺ : (وَهل ترك لنا عقيل من دَار) فَإِنَّمَا يُرِيد بِهِ الْمنزل لَا الْقَبِيلَة.
٩٨٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنْ أبِي أُسَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرُ دُورِ الأنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأشْهَلِ ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ خَزْرَجٍ ثُمَّ بَنُو ساعِدَةَ وَفِي كلِّ دُورِ الأنْصَارِ خَيْرٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة قد تكَرر ذكره وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو أسيد، بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين الْمُهْملَة، مصغر أَسد واسْمه: مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَنَاقِب سعد بن عبَادَة عَن إِسْحَاق عَن عبد الصَّمد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر بِهِ.
قَوْله: (خير دور الْأَنْصَار) ، أَي: خير قبائلهم: بَنو النجار) بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْجِيم، وَهَذَا من بَاب إِطْلَاق الْمحل وَإِرَادَة الْحَال، أَو خيريتها بِسَبَب خيرية أَهلهَا، والنجار هُوَ: تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، والخزرج أَخُو الْأَوْس ابْنا حَارِثَة بن ثَعْلَبَة العنقاء بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر بن مَاء السَّمَاء
стр. 4899
ابْن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس البطريق بن ثَعْلَبَة البهلول بن مَازِن وَهُوَ جماع غَسَّان بن الأزد بن الْغَوْث بن يشجب ابْن ملكان بن زيد بن كهلان ابْن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عَابِر بن شالخ بن إرفخشذ بن سَام بن نوح، ﵊. والأزد، يُقَال لَهُ: الْأسد أَيْضا بِالسِّين، وقحطان: فعلان من الْقَحْط وَهُوَ الشدَّة، وَيُقَال: شَيْء قحيط أَي: شَدِيد، وَسمي: تيم الله بالنجار، لِأَنَّهُ اختتن بقدوم، وَقيل: جرحه رجل بالقدوم فَسُمي النجار، وَبَنُو النجار هم رَهْط سعد بن معَاذ وَأبي أَيُّوب. وَمِنْهُم: أَبُو قيس صرمة بن مَالك بن عدي بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار النجاري، ترهب فِي الْجَاهِلِيَّة وَلبس المسوح وَفَارق الْأَوْثَان واغتسل من الْجَنَابَة وهم بالنصرانية، ثمَّ أمسك عَنْهَا، وَقَالَ: أعبد رب إِبْرَاهِيم، ﵊، فَلَمَّا قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة أسلم فَحسن إِسْلَامه. وَأما الطَّائِفَة النجارية فتنسب إِلَى حُسَيْن النجار، أَخذ عَن بشر بن غياث المريسي الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن. قَوْله: (ثمَّ بَنو عبد الْأَشْهَل) ، هم من الْأَوْس، وَعبد الْأَشْهَل بن جشم بن الْحَرْث بن الْخَزْرَج الْأَصْغَر بن عَمْرو وَهُوَ النبيت بن مَالك بن أَوْس بن حَارِثَة، وَبَقِيَّة النّسَب قد مرت الْآن. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: زَعَمُوا أَن الْأَشْهَل صنم وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ أشهلي، مِنْهُم: أسيد بن حضير بن سماك بن عتِيك بن امرىء الْقَيْس بن زيد بن عبد الْأَشْهَل. قَوْله: (ثمَّ بَنو الْحَارِث بن خزرج) والخزرج بن عَمْرو بن مَالك بن أَوْس الْمَذْكُور. مِنْهُم: رَافع بن خديج بن رَافع بن عدي بن زيد بن عَمْرو بن زيد بن جشم بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْمَذْكُور. قَوْله: (ثمَّ بَنو سَاعِدَة) ، هم من الْخَزْرَج الْمَذْكُور أَيْضا، وساعدة بن كَعْب بن الْخَزْرَج، قَالَ ابْن دُرَيْد: سَاعِدَة اسْم من أَسمَاء الْأسد. مِنْهُم: سعد بن عبَادَة بن دليم بن حَارِثَة بن أبي خُزَيْمَة بن ثَعْلَبَة بن طريف بن الْخَزْرَج ابْن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ الخزرجي الشَّاعِر. قلت: أَبُو حزيمة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الزَّاي، كَذَا قَالَه الدارقني، وَقَالَ أَبُو عمر: حليمة بِاللَّامِ مَوضِع الزَّاي، وَقَالَ الْخَطِيب: خُزَيْمَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الزَّاي، وَيُقَال: خُزَيْمَة، بِكَسْر الزَّاي، قَوْله: (وَفِي كل دور الْأَنْصَار خير) ، الْمَذْكُور هُنَا لفظ: خير، فِي الْمَوْضِعَيْنِ. الأول: قَوْله: (خير دور الْأَنْصَار) وَلَفظ: خير فِيهِ، بِمَعْنى أفعل التَّفْضِيل أَي: أفضل دور الْأَنْصَار، أَي: قبائلهم كَمَا ذكرنَا. وَالثَّانِي: قَوْله: (وَفِي كل دور الْأَنْصَار خير) ، وَلَفظ: خير، فِيهِ على أَصله، أَي: فِي كل دور الْأَنْصَار أَي: فِي قبائلهم خير، وَإِن تفاوتت مَرَاتِبهمْ.
فَقَالَ سَعْدٌ مَا أرَي النَّبِيَّ ﷺ إلَاّ قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا فَقِيل قَدْ فَضَّلَكُمُ علَى كَثِيرٍ
أَي: قَالَ سعد بن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ من بني سَاعِدَة. قَوْله: (مَا أرى) ، يجوز بِفَتْح الْهمزَة من الرُّؤْيَة، وَبِضَمِّهَا بِمَعْنى الظَّن. قَوْله: (قد فضل علينا) أَي: قد فضل النَّبِي ﷺ ، علينا بعض الْقَبَائِل وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ من بني سَاعِدَة وَلم يذكر النَّبِي ﷺ ، بني سَاعِدَة إلَاّ بِكَلِمَة، ثمَّ، بعد ذكره الْقَبَائِل الثَّلَاثَة. قَوْله: (فَقيل: قد فَضلكُمْ على كثير) أَي: على كثير من الْقَبَائِل الْغَيْر الْمَذْكُورين من الْأَنْصَار.
وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ حدَّثَنَا شُعْبَةُ حدَّثنا قَتادَةُ سَمِعْتُ أنَسَاً قَالَ أبُو أُسَيْدٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَقَالَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ
عبد الصَّمد هُوَ ابْن عبد الْوَارِث بن سعيد التنوري الْبَصْرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره مَوْصُولا فِي مَنَاقِب سعد بن عبَادَة عَن إِسْحَاق عَن عبد الصَّمد عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة، قَالَ: سَمِعت أنس بن مَالك، قَالَ أَبُو أسيد: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (خير دور الْأَنْصَار بَنو النجار) الحَدِيث، وَيَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَقَالَ سعد بن عبَادَة) أَي: صرح بِأَن سَعْدا فِي قَوْله: قَالَ سعد: مَا أرى النَّبِي ﷺ ، هُوَ سعد بن عبَادَة.
٠٩٧٣ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ الطَّلْحِيُّ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى قَالَ أبُو سلَمَة أخْبَرَنِي أبُو أُسَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَيْرُ الأنْصَارِ أوْ قالَ خَيْرُ دُورِ الأنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ وبَنُو عَبْدِ الأشْهَلِ وبَنُو الحَارِثِ وبَنُو ساعِدَةَ.
стр. 4900
هَذَا طَرِيق آخر عَن أبي أسيد عَن النَّبِي ﷺ ، أخرجه عَن سعد بن حَفْص أبي مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي عَن شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ عَن يحيى بن أبي كثير، وَاسم أبي كثير صَالح اليمامي الطَّائِي عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي أسيد مَالك بن ربيعَة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي قبيصَة عَن سُفْيَان، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن يحيى بن يحيى وَعَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن عَمْرو بن عَليّ وَآخَرين.
٨ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلأَنْصَارِ اصْبُرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي علَى الحَوْضِ قالَهُ عَبْدُ الله بنُ زَيْدٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ ، مُخَاطبا للْأَنْصَار ... إِلَى آخِره. قَوْله: (على الْحَوْض) ، أَي: الْكَوْثَر. قَوْله: (قَالَه عبد الله بن زيد) ، أَي: ابْن عَاصِم الْمَازِني، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ بأتم من هَذَا فِي غَزْوَة حنين على مَا سَيَجِيءُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢٩٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنْ أسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قَالَ يَا رَسُولَ الله ألَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانَاً قَالَ سَتَلْقوْنَ بَعْدِي أثْرَةً فاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي علَى الحَوْضِ.
(الحَدِيث ٢٩٧٣ طرفه فِي: ٧٥٠٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بهؤلاء الرِّجَال قد مر عَن قريب فُرَادَى ومجموعاً، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن عرْعرة، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن عبيد الله بن معَاذ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. قَوْله: (أَلا تَسْتَعْمِلنِي؟)
стр. 4901
أَي: أَلَا تَجعلني عَاملا على الصَّدَقَة أَو مُتَوَلِّيًا على بلد؟ قَوْله: (كَمَا اسْتعْملت فلَانا) أَي: كاستعمالك فلَانا، قيل: هُوَ عَمْرو بن الْعَاصِ. قَوْله: (أَثَرَة) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الرَّاء وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَثَرَة، بِفَتْح الْهمزَة والثاء، قَالَ ابْن الْأَثِير: الأثرة الِاسْم من آثر يوثر إيثاراً إِذا أعْطى، أَرَادَ أَن يستأثر عَلَيْكُم فيفضل غَيْركُمْ فِي نصِيبه من الْفَيْء، والاستئثار الِانْفِرَاد بالشَّيْء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الأثرة الاستئثار لنَفسِهِ والاستقلال والاختصاص يَعْنِي: أَن الْأُمَرَاء يخصصون أنفسهم بالأموال وَلَا يشركونكم فِيهَا. قلت: وَقع الْأَمر كَمَا وصف، ﷺ ، وَهُوَ من جملَة مَا أخبر بِهِ من الْأُمُور الَّتِي تَأتي بعده، ﷺ .
٣٩٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ هِشَامٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ للأنْصَارِ إنَّكُمْ سَتلْقَونَ بَعْدِي أثَرَةً فاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي ومَوْعِدُكُمْ الحَوْضُ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن أنس نَفسه، وَالَّذِي قبله عَنهُ عَن أسيد رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَفِيه رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس، وَهَهُنَا عَن هِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك، فَإِنَّهُ يروي عَن جده أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وموعدكم الْحَوْض) ، أَي: حَوْض النَّبِي ﷺ .
٤٩٧٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حِينَ خرَجَ مَعَهُ إلَى الوَلِيدِ قَالَ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأنْصَارَ إِلَى أنْ يُقُطِعَ لَهُمُ الَبْحْرَيْنِ فقالُوا لَا إلَاّ أنْ تُقْطِعَ لإخْوَانِنا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا قَالَ إمَّا لَا فاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي فإنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ بَعْدِي أثْرَةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاصْبِرُوا) وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجِزْيَة فِي: بَاب مَا اقْطَعْ النَّبِي ﷺ ، من الْبَحْرين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن يحيى بن سعيد عَن أنس، وَفِي الشّرْب أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب.
قَوْله: (حِين خرج مَعَه) أَي: حِين خرج يحيى أَي: سَافر مَعَه، أَي: مَعَ أنس. قَوْله: (إِلَى الْوَلِيد) بن عبد الْملك بن مَرْوَان، وَكَانَ أنس قد توجه من الْبَصْرَة حِين آذاه الْحجَّاج إِلَى دمشق يشكوه إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك فأنصفه مِنْهُ. قَوْله: (إِلَى أَن يقطع) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف من: الإقطاع، وَهُوَ أَن يُعْطي الإِمَام قِطْعَة من الأَرْض وَغَيرهَا. قَوْله: (الْبَحْرين) تَثْنِيَة بَحر، إسم بلد بساحل الْهِنْد. قَوْله: (إمَّا لَا) ، بِكَسْر الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم وَفتح اللَّام أَصله: أَن مَا لَا تريدوا أَو لَا تقبلُوا، فأدغمت النُّون فِي الْمِيم وَحذف فعل الشَّرْط، وَقد تمال كلمة: لَا، وَقد روى بِفَتْح الْهمزَة من أَن مَا قيل هُوَ خطأ إلَاّ على لُغَة بعض بني تَمِيم، فَإِنَّهُم يفتحون الْهمزَة من أما حَيْثُ وَردت، وَقيل: اللَّام من قَوْله: (إِمَّا لَا) مَفْتُوحَة عِنْد الْجُمْهُور، وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ فِي الْبيُوع من (الْمُوَطَّأ) بِكَسْر الَّلام وَالْمَعْرُوف فتحهَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن إقطاع المَال سيصيبكم حَال كَونه أَثَرَة بِمَعْنى: استئثار الْغَيْر عَلَيْكُم واستئثار المقطع بِكَسْر الطَّاء لنَفسِهِ وَعدم الِالْتِفَات إِلَى غَيره كَمَا هُوَ فِي غَالب أهل هَذَا الزَّمَان، فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع الدقة.
٩ - (بابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أصْلِحِ الأنْصَارَ والمُهَاجِرَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دُعَاء النَّبِي ﷺ ، للْأَنْصَار والمهاجرين. بقوله: أصلح الْأَنْصَار والمهاجرة، وَقد ذكرنَا أَن الْأَنْصَار جمع نصير بِمَعْنى نَاصِر، كشريف يجمع على أَشْرَاف، والمهاجرة بِكَسْر الْجِيم الْجَمَاعَة الْمُهَاجِرُونَ الَّذين هَاجرُوا من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة.
стр. 4902
٦٩٧٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كَانَتِ الأنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ تَقُولُ:
(نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّداً ... علَى الجِهَادِ مَا حَيينَا أبَدَاً)
فأجابَهُمْ:
(اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَاّ عَيْشُ الآخِرَه ... فأكْرِمِ الأنْصَارَ والْمُهَاجِرَهْ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد، أخرجه عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.
٧٩٧٣ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله حدَّثنا ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَهْلٍ قَالَ جاءَنَا رسُولُ الله ﷺ ونَحْنُ نَحْفِرُ الخَنْدَقَ ونَنْقلُ التُّرَابَ عَلَى أكْتَادنَا فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ :
(اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَاّ عَيْشُ الآخِرَهِفاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن عبيد الله بن مُحَمَّد بن زيد أَبُو ثَابت مولى عُثْمَان بن عَفَّان الْأمَوِي الْقرشِي الْمدنِي، وَابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز يروي عَن ابيه أبي حَازِم واسْمه سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل هُوَ بن سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي الرقَاق عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (على أكتادنا) جمع كتد، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ مَا بَين الْكَاهِل إِلَى الظّهْر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أكبادنا) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة جمع كبد، وَوَجهه أَنا نحمل التُّرَاب على جنوبنا مِمَّا يَلِي الكبد.
٠١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الْحَشْر: ٩) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى ... إِلَخ، إِنَّمَا ذكر هَذِه الْآيَة بِنَاء على أَنَّهَا نزلت فِي الْأَنْصَار، وَلَكِن ظَاهر حَدِيث الْبَاب يدل على أَنَّهَا نزلت فِي رجل أَنْصَارِي، على مَا يَجِيء بَيَانه عَن قريب، وعَلى كل حَال الْمُطَابقَة مَوْجُودَة من حَيْثُ إِنَّهَا فِيمَن يُسمى بِالْأَنْصَارِيِّ، مُفردا أَو بالأنصار جمعا، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول على مَا نذكرهُ الْآن. قَوْله: (ويؤثرون) من آثَرته بِكَذَا
стр. 4903
أَي: خصصته أَي: يؤثرون بِأَمْوَالِهِمْ ومساكنهم أَي: لَا عَن غنى، بل مَعَ احتياجهم، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ (الْحَشْر: ٩) . أَي: فقر وحاجة.
٨٩٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ داوُدَ عنْ فُضَيْل بن غَزْوَانَ عنْ أبِي حازمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رَجُلاً أتَى النَّبِيَّ ﷺ فبَعَثَ إِلَى نسائِهِ فقُلْنَ مَا مَعَنَا إلَاّ المَاءَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْ يَضُمُّ أوْ يُضيفُ هَذا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ أَنا فانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأتِهِ فَقَالَ أكْرِمِي ضَيْفَ رسُولِ الله ﷺ فقالَتْ مَا عِنْدَنَا إلَاّ قُوتُ صِبْيَانِي فَقَالَ هَيِّئِي طَعَامَكِ وأصْبِحِي سِرَاجَكِ ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذَا أرَادُوا عَشاءً فَهَيَّأتْ طَعَامَهَا وأصْبَحَتْ سِرَاجَهَا ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قامَتْ كأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفأتْهُ فجَعَلَا يُرِيَانِهِ أنَّهُمَا يأكُلَانِ فَباتَا طاوِيَيْنِ فَلَمَّا أصْبَحْ غدَا إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ ضَحِكَ اللَّيْلَةَ أوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا فأنْزَلَ الله ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأُلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الْحَشْر: ٩) . (الحَدِيث ٨٩٧٣ طرفه فِي: ٩٨٨٤) .
قد ذكرنَا أَن الْمُطَابقَة مَوْجُودَة. وَعبد الله بن دَاوُد بن عَامر الْهَمدَانِي الْكُوفِي، سكن الْحُدَيْبِيَة بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وفضيل بن غَزوَان بن جرير أَبُو الْفضل الْكُوفِي، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء وَالزَّاي: اسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ، وَلَا يشْتَبه عَلَيْك ب أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْمَذْكُور فِي آخر الْبَاب الَّذِي قبله.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأبي كريب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أبي كريب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع.
قَوْله: (فَبعث إِلَى نِسَائِهِ) أَي: يطْلب مِنْهُنَّ مَا يضيف الرجل بِهِ. قَوْله: (فَقُلْنَ: مَا مَعنا) أَي: مَا عندنَا إلَاّ المَاء. قَوْله: (من يضم) أَي: يجمعه إِلَى نَفسه فِي الْأكل. قَوْله: (أَو يضيف) شكّ من الرَّاوِي، من أضَاف يضيف، يُقَال: ضفت الرجل إِذا نزلت بِهِ فِي ضِيَافَة، وأضفته إِذا أنزلته، وتضيفته إِذا نزلت بِهِ، وتضيفني إِذا نزلني. قَوْله: (فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار) قيل: هَذَا أَبُو طَلْحَة بن زيد بن سهل، وَهُوَ الْمَفْهُوم من كَلَام الْحميدِي، لِأَنَّهُ لما ذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ فِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل: فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ أَبُو طَلْحَة زيد بن سهل، وَقَالَ الْخَطِيب: لَا أرَاهُ زيد بن سهل، بل آخر تكنى أَبَا طَلْحَة. قلت: كَأَنَّهُ استبعد أَن يكون أَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل لِأَنَّهُ كَانَ أَكثر الْأَنْصَار مَالا بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) : هُوَ ثَابت بن قيس بن الشماس، قَالَ: وَذَلِكَ لِأَن رجلا من الْمُسلمين عبر عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام لَا يجد مَا يفْطر بِهِ حَتَّى فطن لَهُ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: ثَابت بن قيس، وَقَالَ ابْن بشكوال: قيل: هُوَ عبد الله بن رَوَاحَة، وَذكر النّحاس فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أَنَّهَا نزلت فِي أبي المتَوَكل النَّاجِي، ورد عَلَيْهِ بِأَن أَبَا المتَوَكل تَابِعِيّ، وَقيل: هُوَ أَبُو هُرَيْرَة رَاوِي الحَدِيث، نسب ذَلِك إِلَى البحتري القَاضِي أحد الضُّعَفَاء المتروكين. قَوْله: (قوت صبياني) ، ويروى: صبيان، بِدُونِ الْإِضَافَة. قَوْله: (وأصبحي سراجك) بِهَمْزَة الْقطع أَي: أوقديه أَو نوريه. قَوْله: (فَجعلَا يُريانه) ، بِضَم الْيَاء من الإراءة. قَوْله: (أَنَّهُمَا) أَي: أَن الْأنْصَارِيّ وَامْرَأَته، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَأَنَّهُمَا بِالْكَاف. قَوْله: (طاويين) ، حَال تَثْنِيَة طاوٍ، وَهُوَ الجائع الَّذِي يطوي ليله بِالْجُوعِ. قَوْله: (ضحك الله) ، يُرَاد بالضحك لَازمه، لِأَن الضحك لَا يَصح على الله ، وَهُوَ الرِّضَا بذلك، وَكلما جَاءَ هَكَذَا من أَمْثَاله يُرَاد لوازمها. قَوْله: (أَو عجب) شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ كَذَلِك يُرَاد لَازمه، وَهُوَ الرِّضَا بِهَذَا الْفِعْل. قَوْله: (فَأنْزل الله) ، هَذَا هُوَ الْأَصَح فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، وَذكر الواحدي عَن ابْن عمر، قَالَ: أهدي لرجل من الصَّحَابَة رَأس شَاة، فَقَالَ: إِن أخي وَعِيَاله أحْوج منا إِلَى هَذَا، فَبعث بِهِ إِلَيْهِ فَلم يزل يبْعَث بِهِ واحدٌ إِلَى آخر حَتَّى تداولها سَبْعَة أهل أَبْيَات، حَتَّى رجعت إِلَى الأول، فَنزلت: ﴿ويؤثرون على
стр. 4904
أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ (الْحَشْر: ٩) . قَوْله: ﴿وَمن يُوقَ نَفسه﴾ (الْحَشْر: ٩) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَمن غلب مَا أَمرته بِهِ نَفسه وَخَالف هَواهَا بمعونة الله وتوفيقه: ﴿فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ (الْحَشْر: ٩) . الظافرون بِمَا أَرَادوا. وقرىء: وَمن يُوقَ، بتَشْديد الْقَاف، وَأَصله من الْوِقَايَة وَهِي الْحِفْظ، وَالشح، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَقد قرىء بهَا: اللوم، وَأَن تكون النَّفس كزة حريصة على الْمَنْع، وَقيل: الشُّح وَالْبخل بِمَعْنى وَاحِد، وَقيل: الشُّح أَخذ المَال بِغَيْر حق، وَالْبخل الْمَنْع من المَال الْمُسْتَحق، وَقيل: الشُّح بِمَا فِي يَد الْغَيْر، وَالْبخل بِمَا فِي يَده، وَقيل: الْبَخِيل إِذا وجد شبع، والشحيح لَا يشْبع أبدا فالشح أَعم.
١١ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أقْبَلُوا مِنْ محْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله ﷺ : (اقْبَلُوا من محسن الْأَنْصَار وتجاوزوا عَن مسيئهم) ، أَي: لَا تؤاخدوه بإساءته.
٩٩٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى أبُو عَلِيٍّ حدَّثنا شاذَانُ أخُو عَبْدَانَ حدَّثنا أبِي أخْبَرَنَا شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ عنْ هِشَامِ بنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يَقُولُ مَرَّ أبُو بَكْرٍ والْعَبَّاسُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأنْصَارِ وهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ قَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَّا فدَخَلَ علَى النَّبِيِّ ﷺ فأخْبَرَهُ بِذالِكَ قَالَ فخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وقدْ عَصَبَ علَى رأسِهِ حاشِيَةَ بُرْدٍ قَالَ فصَعِدَ المِنْبَرَ ولَمْ يَصْعَدْهُ بعْدَ ذالِكَ اليَوْمِ فحَمِدَ الله وأثْنَى علَيْهِ ثُمَّ قالَ أُوصِيكُمْ بالأنْصَارِ فإنَّهُمْ كَرِشِي وعَيْبَتِي وقدْ قَضُوا الَّذِي علَيْهِمْ وبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فأقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ. (الحَدِيث ٩٩٧٣ طرفه فِي: ١٠٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث لِأَنَّهُ عين التَّرْجَمَة وَمُحَمّد بن يحيى أَبُو عَليّ الْيَشْكُرِي الْمروزِي الصَّائِغ، بالغين الْمُعْجَمَة كَانَ أحد الْحفاظ، روى عَنهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا وَقَالَ: ثِقَة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَقيل: مَاتَ قبل البُخَارِيّ بِأَرْبَع سِنِين. قلت: نعم، لِأَن البُخَارِيّ مَاتَ فِي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وشاذان بِالْمُعْجَمَةِ اسْمه عبد الْعَزِيز بن عُثْمَان بن جبلة وَهُوَ أَخُو عَبْدَانِ وَهُوَ أكبر من شَاذان، وَقد أَكثر البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن عَبْدَانِ، وَأدْركَ شَاذان وَلكنه روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وأبوهما عُثْمَان بن جبلة روى عَنهُ ابْنه عَبْدَانِ عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم، وروى عَنهُ شَاذان عِنْد البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك روى عَن جده أنس بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن شيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن يحيى الْمَذْكُور فِي المناقب.
قَوْله: (وَالْعَبَّاس) ، هُوَ ابْن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ مرورهما بِمَجْلِس من مجَالِس الْأَنْصَار فِي مرض النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وهم يَبْكُونَ) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فَقَالَ مَا يبكيكم؟) يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْقَائِل أَبَا بكر، وَيحْتَمل أَن يكون الْعَبَّاس، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَنه الْعَبَّاس قلت: لَا قرينَة هُنَا تدل على ذَلِك، ثمَّ قوي مَا قَالَه من أَنه الْعَبَّاس بِالْحَدِيثِ الثَّانِي الَّذِي يَأْتِي الْآن، الَّذِي رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: هَذَا من رِوَايَة ابْنه، يَعْنِي: ابْن عَبَّاس، فَكَأَنَّهُ سمع ذَلِك مِنْهُ. قلت: هَذَا أبعد من ذَلِك، لِأَن الْوَصِيَّة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَعم من الْوَصِيَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْعَبَّاس، لِأَنَّهَا فِي حَدِيثه مُخْتَصَّة بالأنصار، بِخِلَاف حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَأَيْنَ ذَا من ذَاك؟ حَتَّى يكون هَذَا دَلِيلا على أَن الْقَائِل فِي قَوْله: فَقَالَ: مَا يبكيكم، هُوَ الْعَبَّاس من غير احْتِمَال أَن يكون أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ قَوْله: (ذكرنَا مجْلِس النَّبِي ﷺ ، لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ مَعَه وَكَانَ ذَلِك فِي مرض النَّبِي ﷺ ، فخافوا أَن يَمُوت من مَرضه فيفقدوا مَجْلِسه، فبكوا حزنا على فَوَات ذَلِك. قَوْله: (فَدخل على النَّبِي ﷺ أَي: فَدخل هَذَا الْقَائِل:
стр. 4905
مَا يبكيكم على النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ بذلك، أَي: بِمَا شَاهد من بكائهم. قَوْله: (فَخرج النَّبِي ﷺ ، الْقَائِل يحْتَمل أَن يكون الْقَائِل مَا يبكيكم، وَيحْتَمل أَن يكون الرَّاوِي، وَهُوَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر قَوْله: (وَقد عصب) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، و: عصب، بتَخْفِيف الصَّاد ومصدره عصب وَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَكَذَا عصب بِالتَّشْدِيدِ ومصدره تعصيب، يُقَال: عصب رَأسه بِالْعِصَابَةِ تعصيباً. قَوْله: (حَاشِيَة برد) ، بِالنّصب مفعول: عصب، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: حاشة بردة، وَالْبرد نوع من الثِّيَاب مَعْرُوف، وَالْجمع: أبراد وبرود، والبردة الشملة المخططة، وَقيل: كسَاء أسود مربع تلبسه الْأَعْرَاب وَجَمعهَا: برد. قَوْله: (كرشي) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء (وعيبتي) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، والكرش لكل مجتر بِمَنْزِلَة الْمعدة للْإنْسَان، والعيبة مستودع الثِّيَاب، وَالْأول أَمر بَاطِن وَالثَّانِي ظَاهر، فَيحْتَمل أَنه ضرب الْمثل بهما فِي إِرَادَة اختصاصهم بأمورهم الظَّاهِرَة والباطنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَنهم بطانتي وخاصتي، وَمثله بالكرش لِأَنَّهُ مُسْتَقر غذَاء الْحَيَوَان الَّذِي يكون بِهِ بَقَاؤُهُ، وَقد يكون المُرَاد بالكرش أهل الرجل وَعِيَاله، والعيبة الَّتِي يخزن فِيهَا الْمَرْء حرثياً بِهِ، أَي: أَنهم مَوضِع سره وأمانته. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هَذَا من كَلَامه ﷺ ، الموجز الَّذِي لم يسْبق إِلَيْهِ. قَوْله: (قد قضوا الَّذِي عَلَيْهِم) ، وَهُوَ مَا وَقع لَهُم من الْمُبَايعَة لَيْلَة الْعقبَة، فَإِنَّهُم كَانُوا بَايعُوا على أَن يؤوا النَّبِي ﷺ ، وينصروه على أَن لَهُم الْجنَّة، فوفوا بذلك. قَوْله: (وَبَقِي الَّذِي لَهُم) ، وَهُوَ دُخُول الْجنَّة. قَوْله: (فَأَقْبَلُوا) أَي: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَأَقْبَلُوا (من محسنهم) أَي: من محسن الْأَنْصَار. قَوْله: (وتجاوزوا) ، قد ذكرنَا أَن مَعْنَاهُ: لَا تؤاخذوهم بالإساءة، والتجاوز عَن الْمُسِيء مَخْصُوص بِغَيْر الْحُدُود، وَفِيه وَصِيَّة عَظِيمَة لأجلهم، وفضيلة عزيزة لَهُم.
٠٠٨٣ - حدَّثنا أحْمهدُ بنُ يَعْقُوبَ حدَّثنا ابنُ الغَسِيلِ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقُولُ خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ وعلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفَاً بِهَا على مَنْكِبَيْهِ وعلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ حَتَّى جَلَسَ علَى المِنْبَرِ فَحَمِدَ الله وأثْنَى علَيْهِ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ أيُّهَا النَّاسُ فإنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وتَقِلُّ الأنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كالمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أمْرَاً يَضُرُّ فِيهِ أحدا أوْ يَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ويَتَجَاوَزْ عنْ مُسِيئِهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وَأحمد بن يَعْقُوب أَبُو يَعْقُوب المَسْعُودِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن الغسيل هُوَ عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة غسيل الْمَلَائِكَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب صَلَاة الْجُمُعَة فِي: بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة بعد الثَّنَاء: أما بعد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل بن أبان عَن ابْن الغسيل.
قَوْله: (خرج النَّبِي ﷺ أَي: من الْبَيْت إِلَى الْمَسْجِد. قَوْله: (وَعَلِيهِ) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (متعطفاً) نصب على الْحَال، أَي: مرتدياً والعطاف الرِّدَاء. قَوْله: (بهَا) أَي: بالملحفة. قَوْله: (وَعَلِيهِ) الْوَاو فِيهِ أَيْضا للْحَال. قَوْله: (عِصَابَة دسماء) الْعِصَابَة بِالْكَسْرِ مَا يعصب بِهِ الرَّأْس من عِمَامَة أَو منديل أَو خرقَة، والدسماء السَّوْدَاء، وَمِنْه الحَدِيث الآخر، خرج وَقد عصب رَأسه بعصابة دسمة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الدسماء الوسخة من الْعرق وَالْغُبَار. قَوْله: (فَإِن النَّاس يكثرون وتقل الْأَنْصَار) ، لِأَن الْأَنْصَار هم الَّذين سمعُوا رَسُول الله، ﷺ ، ونصروه وَهَذَا أَمر قد انْقَضى زَمَانه لَا يلحقهم اللَّاحِق وَلَا يدْرك شاوهم السَّابِق، وَكلما مضى مِنْهُم أحد مضى من غير بدل، فيكثر غَيرهم ويقلون. قَوْله: (حَتَّى يَكُونُوا كالملح فِي الطَّعَام) يَعْنِي من الْقلَّة، وَوجه التَّشْبِيه بَين الْأَنْصَار وَالْملح هُوَ أَن الْملح جُزْء يسير من الطَّعَام وَفِيه إِصْلَاحه، فَكَذَلِك الْأَنْصَار وَأَوْلَادهمْ من بعدهمْ، جُزْء يسير بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُهَاجِرين وَأَوْلَادهمْ الَّذين انتشروا فِي الْبِلَاد وملكوا الأقاليم، فَلذَلِك قَالَ ﷺ ، مُخَاطبا للمهاجرين: (فَمن ولي مِنْكُم أمرا يضرُّ فِيهِ) أَي: فِي ذَلِك الْأَمر (أحدا أَو يَنْفَعهُ فليقبل من محسنهم) أَي: محسن الْأَنْصَار، وَالَّذين ملكوا من بعد النَّبِي ﷺ ، من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كلهم من الْمُهَاجِرين، وَكَذَلِكَ من بني أُميَّة وَمن بني الْعَبَّاس كلهم من أَوْلَاد الْمُهَاجِرين.
следующие страницы →