Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
أَي: أَلَا تَجعلني عَاملا على الصَّدَقَة أَو مُتَوَلِّيًا على بلد؟ قَوْله: (كَمَا اسْتعْملت فلَانا) أَي: كاستعمالك فلَانا، قيل: هُوَ عَمْرو بن الْعَاصِ. قَوْله: (أَثَرَة) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الرَّاء وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَثَرَة، بِفَتْح الْهمزَة والثاء، قَالَ ابْن الْأَثِير: الأثرة الِاسْم من آثر يوثر إيثاراً إِذا أعْطى، أَرَادَ أَن يستأثر عَلَيْكُم فيفضل غَيْركُمْ فِي نصِيبه من الْفَيْء، والاستئثار الِانْفِرَاد بالشَّيْء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الأثرة الاستئثار لنَفسِهِ والاستقلال والاختصاص يَعْنِي: أَن الْأُمَرَاء يخصصون أنفسهم بالأموال وَلَا يشركونكم فِيهَا. قلت: وَقع الْأَمر كَمَا وصف، ﷺ ، وَهُوَ من جملَة مَا أخبر بِهِ من الْأُمُور الَّتِي تَأتي بعده، ﷺ .
٣٩٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ هِشَامٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ للأنْصَارِ إنَّكُمْ سَتلْقَونَ بَعْدِي أثَرَةً فاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي ومَوْعِدُكُمْ الحَوْضُ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن أنس نَفسه، وَالَّذِي قبله عَنهُ عَن أسيد رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَفِيه رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس، وَهَهُنَا عَن هِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك، فَإِنَّهُ يروي عَن جده أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وموعدكم الْحَوْض) ، أَي: حَوْض النَّبِي ﷺ .
٤٩٧٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حِينَ خرَجَ مَعَهُ إلَى الوَلِيدِ قَالَ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأنْصَارَ إِلَى أنْ يُقُطِعَ لَهُمُ الَبْحْرَيْنِ فقالُوا لَا إلَاّ أنْ تُقْطِعَ لإخْوَانِنا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا قَالَ إمَّا لَا فاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي فإنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ بَعْدِي أثْرَةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاصْبِرُوا) وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجِزْيَة فِي: بَاب مَا اقْطَعْ النَّبِي ﷺ ، من الْبَحْرين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن يحيى بن سعيد عَن أنس، وَفِي الشّرْب أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب.
قَوْله: (حِين خرج مَعَه) أَي: حِين خرج يحيى أَي: سَافر مَعَه، أَي: مَعَ أنس. قَوْله: (إِلَى الْوَلِيد) بن عبد الْملك بن مَرْوَان، وَكَانَ أنس قد توجه من الْبَصْرَة حِين آذاه الْحجَّاج إِلَى دمشق يشكوه إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك فأنصفه مِنْهُ. قَوْله: (إِلَى أَن يقطع) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف من: الإقطاع، وَهُوَ أَن يُعْطي الإِمَام قِطْعَة من الأَرْض وَغَيرهَا. قَوْله: (الْبَحْرين) تَثْنِيَة بَحر، إسم بلد بساحل الْهِنْد. قَوْله: (إمَّا لَا) ، بِكَسْر الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم وَفتح اللَّام أَصله: أَن مَا لَا تريدوا أَو لَا تقبلُوا، فأدغمت النُّون فِي الْمِيم وَحذف فعل الشَّرْط، وَقد تمال كلمة: لَا، وَقد روى بِفَتْح الْهمزَة من أَن مَا قيل هُوَ خطأ إلَاّ على لُغَة بعض بني تَمِيم، فَإِنَّهُم يفتحون الْهمزَة من أما حَيْثُ وَردت، وَقيل: اللَّام من قَوْله: (إِمَّا لَا) مَفْتُوحَة عِنْد الْجُمْهُور، وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ فِي الْبيُوع من (الْمُوَطَّأ) بِكَسْر الَّلام وَالْمَعْرُوف فتحهَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن إقطاع المَال سيصيبكم حَال كَونه أَثَرَة بِمَعْنى: استئثار الْغَيْر عَلَيْكُم واستئثار المقطع بِكَسْر الطَّاء لنَفسِهِ وَعدم الِالْتِفَات إِلَى غَيره كَمَا هُوَ فِي غَالب أهل هَذَا الزَّمَان، فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع الدقة.
٩ - (بابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أصْلِحِ الأنْصَارَ والمُهَاجِرَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دُعَاء النَّبِي ﷺ ، للْأَنْصَار والمهاجرين. بقوله: أصلح الْأَنْصَار والمهاجرة، وَقد ذكرنَا أَن الْأَنْصَار جمع نصير بِمَعْنى نَاصِر، كشريف يجمع على أَشْرَاف، والمهاجرة بِكَسْر الْجِيم الْجَمَاعَة الْمُهَاجِرُونَ الَّذين هَاجرُوا من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة.
стр. 4902
٦٩٧٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كَانَتِ الأنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ تَقُولُ:
(نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّداً ... علَى الجِهَادِ مَا حَيينَا أبَدَاً)
فأجابَهُمْ:
(اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَاّ عَيْشُ الآخِرَه ... فأكْرِمِ الأنْصَارَ والْمُهَاجِرَهْ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد، أخرجه عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.
٧٩٧٣ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله حدَّثنا ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَهْلٍ قَالَ جاءَنَا رسُولُ الله ﷺ ونَحْنُ نَحْفِرُ الخَنْدَقَ ونَنْقلُ التُّرَابَ عَلَى أكْتَادنَا فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ :
(اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَاّ عَيْشُ الآخِرَهِفاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن عبيد الله بن مُحَمَّد بن زيد أَبُو ثَابت مولى عُثْمَان بن عَفَّان الْأمَوِي الْقرشِي الْمدنِي، وَابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز يروي عَن ابيه أبي حَازِم واسْمه سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل هُوَ بن سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي الرقَاق عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (على أكتادنا) جمع كتد، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ مَا بَين الْكَاهِل إِلَى الظّهْر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أكبادنا) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة جمع كبد، وَوَجهه أَنا نحمل التُّرَاب على جنوبنا مِمَّا يَلِي الكبد.
٠١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الْحَشْر: ٩) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى ... إِلَخ، إِنَّمَا ذكر هَذِه الْآيَة بِنَاء على أَنَّهَا نزلت فِي الْأَنْصَار، وَلَكِن ظَاهر حَدِيث الْبَاب يدل على أَنَّهَا نزلت فِي رجل أَنْصَارِي، على مَا يَجِيء بَيَانه عَن قريب، وعَلى كل حَال الْمُطَابقَة مَوْجُودَة من حَيْثُ إِنَّهَا فِيمَن يُسمى بِالْأَنْصَارِيِّ، مُفردا أَو بالأنصار جمعا، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول على مَا نذكرهُ الْآن. قَوْله: (ويؤثرون) من آثَرته بِكَذَا
стр. 4903
أَي: خصصته أَي: يؤثرون بِأَمْوَالِهِمْ ومساكنهم أَي: لَا عَن غنى، بل مَعَ احتياجهم، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ (الْحَشْر: ٩) . أَي: فقر وحاجة.
٨٩٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ داوُدَ عنْ فُضَيْل بن غَزْوَانَ عنْ أبِي حازمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رَجُلاً أتَى النَّبِيَّ ﷺ فبَعَثَ إِلَى نسائِهِ فقُلْنَ مَا مَعَنَا إلَاّ المَاءَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْ يَضُمُّ أوْ يُضيفُ هَذا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ أَنا فانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأتِهِ فَقَالَ أكْرِمِي ضَيْفَ رسُولِ الله ﷺ فقالَتْ مَا عِنْدَنَا إلَاّ قُوتُ صِبْيَانِي فَقَالَ هَيِّئِي طَعَامَكِ وأصْبِحِي سِرَاجَكِ ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذَا أرَادُوا عَشاءً فَهَيَّأتْ طَعَامَهَا وأصْبَحَتْ سِرَاجَهَا ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قامَتْ كأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفأتْهُ فجَعَلَا يُرِيَانِهِ أنَّهُمَا يأكُلَانِ فَباتَا طاوِيَيْنِ فَلَمَّا أصْبَحْ غدَا إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ ضَحِكَ اللَّيْلَةَ أوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا فأنْزَلَ الله ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأُلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الْحَشْر: ٩) . (الحَدِيث ٨٩٧٣ طرفه فِي: ٩٨٨٤) .
قد ذكرنَا أَن الْمُطَابقَة مَوْجُودَة. وَعبد الله بن دَاوُد بن عَامر الْهَمدَانِي الْكُوفِي، سكن الْحُدَيْبِيَة بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وفضيل بن غَزوَان بن جرير أَبُو الْفضل الْكُوفِي، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء وَالزَّاي: اسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ، وَلَا يشْتَبه عَلَيْك ب أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْمَذْكُور فِي آخر الْبَاب الَّذِي قبله.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأبي كريب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أبي كريب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع.
قَوْله: (فَبعث إِلَى نِسَائِهِ) أَي: يطْلب مِنْهُنَّ مَا يضيف الرجل بِهِ. قَوْله: (فَقُلْنَ: مَا مَعنا) أَي: مَا عندنَا إلَاّ المَاء. قَوْله: (من يضم) أَي: يجمعه إِلَى نَفسه فِي الْأكل. قَوْله: (أَو يضيف) شكّ من الرَّاوِي، من أضَاف يضيف، يُقَال: ضفت الرجل إِذا نزلت بِهِ فِي ضِيَافَة، وأضفته إِذا أنزلته، وتضيفته إِذا نزلت بِهِ، وتضيفني إِذا نزلني. قَوْله: (فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار) قيل: هَذَا أَبُو طَلْحَة بن زيد بن سهل، وَهُوَ الْمَفْهُوم من كَلَام الْحميدِي، لِأَنَّهُ لما ذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ فِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل: فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ أَبُو طَلْحَة زيد بن سهل، وَقَالَ الْخَطِيب: لَا أرَاهُ زيد بن سهل، بل آخر تكنى أَبَا طَلْحَة. قلت: كَأَنَّهُ استبعد أَن يكون أَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل لِأَنَّهُ كَانَ أَكثر الْأَنْصَار مَالا بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) : هُوَ ثَابت بن قيس بن الشماس، قَالَ: وَذَلِكَ لِأَن رجلا من الْمُسلمين عبر عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام لَا يجد مَا يفْطر بِهِ حَتَّى فطن لَهُ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: ثَابت بن قيس، وَقَالَ ابْن بشكوال: قيل: هُوَ عبد الله بن رَوَاحَة، وَذكر النّحاس فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أَنَّهَا نزلت فِي أبي المتَوَكل النَّاجِي، ورد عَلَيْهِ بِأَن أَبَا المتَوَكل تَابِعِيّ، وَقيل: هُوَ أَبُو هُرَيْرَة رَاوِي الحَدِيث، نسب ذَلِك إِلَى البحتري القَاضِي أحد الضُّعَفَاء المتروكين. قَوْله: (قوت صبياني) ، ويروى: صبيان، بِدُونِ الْإِضَافَة. قَوْله: (وأصبحي سراجك) بِهَمْزَة الْقطع أَي: أوقديه أَو نوريه. قَوْله: (فَجعلَا يُريانه) ، بِضَم الْيَاء من الإراءة. قَوْله: (أَنَّهُمَا) أَي: أَن الْأنْصَارِيّ وَامْرَأَته، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَأَنَّهُمَا بِالْكَاف. قَوْله: (طاويين) ، حَال تَثْنِيَة طاوٍ، وَهُوَ الجائع الَّذِي يطوي ليله بِالْجُوعِ. قَوْله: (ضحك الله) ، يُرَاد بالضحك لَازمه، لِأَن الضحك لَا يَصح على الله ، وَهُوَ الرِّضَا بذلك، وَكلما جَاءَ هَكَذَا من أَمْثَاله يُرَاد لوازمها. قَوْله: (أَو عجب) شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ كَذَلِك يُرَاد لَازمه، وَهُوَ الرِّضَا بِهَذَا الْفِعْل. قَوْله: (فَأنْزل الله) ، هَذَا هُوَ الْأَصَح فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، وَذكر الواحدي عَن ابْن عمر، قَالَ: أهدي لرجل من الصَّحَابَة رَأس شَاة، فَقَالَ: إِن أخي وَعِيَاله أحْوج منا إِلَى هَذَا، فَبعث بِهِ إِلَيْهِ فَلم يزل يبْعَث بِهِ واحدٌ إِلَى آخر حَتَّى تداولها سَبْعَة أهل أَبْيَات، حَتَّى رجعت إِلَى الأول، فَنزلت: ﴿ويؤثرون على
стр. 4904
أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ (الْحَشْر: ٩) . قَوْله: ﴿وَمن يُوقَ نَفسه﴾ (الْحَشْر: ٩) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَمن غلب مَا أَمرته بِهِ نَفسه وَخَالف هَواهَا بمعونة الله وتوفيقه: ﴿فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ (الْحَشْر: ٩) . الظافرون بِمَا أَرَادوا. وقرىء: وَمن يُوقَ، بتَشْديد الْقَاف، وَأَصله من الْوِقَايَة وَهِي الْحِفْظ، وَالشح، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَقد قرىء بهَا: اللوم، وَأَن تكون النَّفس كزة حريصة على الْمَنْع، وَقيل: الشُّح وَالْبخل بِمَعْنى وَاحِد، وَقيل: الشُّح أَخذ المَال بِغَيْر حق، وَالْبخل الْمَنْع من المَال الْمُسْتَحق، وَقيل: الشُّح بِمَا فِي يَد الْغَيْر، وَالْبخل بِمَا فِي يَده، وَقيل: الْبَخِيل إِذا وجد شبع، والشحيح لَا يشْبع أبدا فالشح أَعم.
١١ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أقْبَلُوا مِنْ محْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله ﷺ : (اقْبَلُوا من محسن الْأَنْصَار وتجاوزوا عَن مسيئهم) ، أَي: لَا تؤاخدوه بإساءته.
٩٩٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى أبُو عَلِيٍّ حدَّثنا شاذَانُ أخُو عَبْدَانَ حدَّثنا أبِي أخْبَرَنَا شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ عنْ هِشَامِ بنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يَقُولُ مَرَّ أبُو بَكْرٍ والْعَبَّاسُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأنْصَارِ وهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ قَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَّا فدَخَلَ علَى النَّبِيِّ ﷺ فأخْبَرَهُ بِذالِكَ قَالَ فخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وقدْ عَصَبَ علَى رأسِهِ حاشِيَةَ بُرْدٍ قَالَ فصَعِدَ المِنْبَرَ ولَمْ يَصْعَدْهُ بعْدَ ذالِكَ اليَوْمِ فحَمِدَ الله وأثْنَى علَيْهِ ثُمَّ قالَ أُوصِيكُمْ بالأنْصَارِ فإنَّهُمْ كَرِشِي وعَيْبَتِي وقدْ قَضُوا الَّذِي علَيْهِمْ وبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فأقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ. (الحَدِيث ٩٩٧٣ طرفه فِي: ١٠٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث لِأَنَّهُ عين التَّرْجَمَة وَمُحَمّد بن يحيى أَبُو عَليّ الْيَشْكُرِي الْمروزِي الصَّائِغ، بالغين الْمُعْجَمَة كَانَ أحد الْحفاظ، روى عَنهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا وَقَالَ: ثِقَة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَقيل: مَاتَ قبل البُخَارِيّ بِأَرْبَع سِنِين. قلت: نعم، لِأَن البُخَارِيّ مَاتَ فِي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وشاذان بِالْمُعْجَمَةِ اسْمه عبد الْعَزِيز بن عُثْمَان بن جبلة وَهُوَ أَخُو عَبْدَانِ وَهُوَ أكبر من شَاذان، وَقد أَكثر البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن عَبْدَانِ، وَأدْركَ شَاذان وَلكنه روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وأبوهما عُثْمَان بن جبلة روى عَنهُ ابْنه عَبْدَانِ عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم، وروى عَنهُ شَاذان عِنْد البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك روى عَن جده أنس بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن شيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن يحيى الْمَذْكُور فِي المناقب.
قَوْله: (وَالْعَبَّاس) ، هُوَ ابْن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ مرورهما بِمَجْلِس من مجَالِس الْأَنْصَار فِي مرض النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وهم يَبْكُونَ) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فَقَالَ مَا يبكيكم؟) يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْقَائِل أَبَا بكر، وَيحْتَمل أَن يكون الْعَبَّاس، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَنه الْعَبَّاس قلت: لَا قرينَة هُنَا تدل على ذَلِك، ثمَّ قوي مَا قَالَه من أَنه الْعَبَّاس بِالْحَدِيثِ الثَّانِي الَّذِي يَأْتِي الْآن، الَّذِي رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: هَذَا من رِوَايَة ابْنه، يَعْنِي: ابْن عَبَّاس، فَكَأَنَّهُ سمع ذَلِك مِنْهُ. قلت: هَذَا أبعد من ذَلِك، لِأَن الْوَصِيَّة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَعم من الْوَصِيَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْعَبَّاس، لِأَنَّهَا فِي حَدِيثه مُخْتَصَّة بالأنصار، بِخِلَاف حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَأَيْنَ ذَا من ذَاك؟ حَتَّى يكون هَذَا دَلِيلا على أَن الْقَائِل فِي قَوْله: فَقَالَ: مَا يبكيكم، هُوَ الْعَبَّاس من غير احْتِمَال أَن يكون أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ قَوْله: (ذكرنَا مجْلِس النَّبِي ﷺ ، لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ مَعَه وَكَانَ ذَلِك فِي مرض النَّبِي ﷺ ، فخافوا أَن يَمُوت من مَرضه فيفقدوا مَجْلِسه، فبكوا حزنا على فَوَات ذَلِك. قَوْله: (فَدخل على النَّبِي ﷺ أَي: فَدخل هَذَا الْقَائِل:
стр. 4905
مَا يبكيكم على النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ بذلك، أَي: بِمَا شَاهد من بكائهم. قَوْله: (فَخرج النَّبِي ﷺ ، الْقَائِل يحْتَمل أَن يكون الْقَائِل مَا يبكيكم، وَيحْتَمل أَن يكون الرَّاوِي، وَهُوَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر قَوْله: (وَقد عصب) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، و: عصب، بتَخْفِيف الصَّاد ومصدره عصب وَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَكَذَا عصب بِالتَّشْدِيدِ ومصدره تعصيب، يُقَال: عصب رَأسه بِالْعِصَابَةِ تعصيباً. قَوْله: (حَاشِيَة برد) ، بِالنّصب مفعول: عصب، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: حاشة بردة، وَالْبرد نوع من الثِّيَاب مَعْرُوف، وَالْجمع: أبراد وبرود، والبردة الشملة المخططة، وَقيل: كسَاء أسود مربع تلبسه الْأَعْرَاب وَجَمعهَا: برد. قَوْله: (كرشي) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء (وعيبتي) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، والكرش لكل مجتر بِمَنْزِلَة الْمعدة للْإنْسَان، والعيبة مستودع الثِّيَاب، وَالْأول أَمر بَاطِن وَالثَّانِي ظَاهر، فَيحْتَمل أَنه ضرب الْمثل بهما فِي إِرَادَة اختصاصهم بأمورهم الظَّاهِرَة والباطنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَنهم بطانتي وخاصتي، وَمثله بالكرش لِأَنَّهُ مُسْتَقر غذَاء الْحَيَوَان الَّذِي يكون بِهِ بَقَاؤُهُ، وَقد يكون المُرَاد بالكرش أهل الرجل وَعِيَاله، والعيبة الَّتِي يخزن فِيهَا الْمَرْء حرثياً بِهِ، أَي: أَنهم مَوضِع سره وأمانته. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هَذَا من كَلَامه ﷺ ، الموجز الَّذِي لم يسْبق إِلَيْهِ. قَوْله: (قد قضوا الَّذِي عَلَيْهِم) ، وَهُوَ مَا وَقع لَهُم من الْمُبَايعَة لَيْلَة الْعقبَة، فَإِنَّهُم كَانُوا بَايعُوا على أَن يؤوا النَّبِي ﷺ ، وينصروه على أَن لَهُم الْجنَّة، فوفوا بذلك. قَوْله: (وَبَقِي الَّذِي لَهُم) ، وَهُوَ دُخُول الْجنَّة. قَوْله: (فَأَقْبَلُوا) أَي: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَأَقْبَلُوا (من محسنهم) أَي: من محسن الْأَنْصَار. قَوْله: (وتجاوزوا) ، قد ذكرنَا أَن مَعْنَاهُ: لَا تؤاخذوهم بالإساءة، والتجاوز عَن الْمُسِيء مَخْصُوص بِغَيْر الْحُدُود، وَفِيه وَصِيَّة عَظِيمَة لأجلهم، وفضيلة عزيزة لَهُم.
٠٠٨٣ - حدَّثنا أحْمهدُ بنُ يَعْقُوبَ حدَّثنا ابنُ الغَسِيلِ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقُولُ خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ وعلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفَاً بِهَا على مَنْكِبَيْهِ وعلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ حَتَّى جَلَسَ علَى المِنْبَرِ فَحَمِدَ الله وأثْنَى علَيْهِ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ أيُّهَا النَّاسُ فإنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وتَقِلُّ الأنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كالمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أمْرَاً يَضُرُّ فِيهِ أحدا أوْ يَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ويَتَجَاوَزْ عنْ مُسِيئِهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وَأحمد بن يَعْقُوب أَبُو يَعْقُوب المَسْعُودِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن الغسيل هُوَ عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة غسيل الْمَلَائِكَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب صَلَاة الْجُمُعَة فِي: بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة بعد الثَّنَاء: أما بعد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل بن أبان عَن ابْن الغسيل.
قَوْله: (خرج النَّبِي ﷺ أَي: من الْبَيْت إِلَى الْمَسْجِد. قَوْله: (وَعَلِيهِ) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (متعطفاً) نصب على الْحَال، أَي: مرتدياً والعطاف الرِّدَاء. قَوْله: (بهَا) أَي: بالملحفة. قَوْله: (وَعَلِيهِ) الْوَاو فِيهِ أَيْضا للْحَال. قَوْله: (عِصَابَة دسماء) الْعِصَابَة بِالْكَسْرِ مَا يعصب بِهِ الرَّأْس من عِمَامَة أَو منديل أَو خرقَة، والدسماء السَّوْدَاء، وَمِنْه الحَدِيث الآخر، خرج وَقد عصب رَأسه بعصابة دسمة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الدسماء الوسخة من الْعرق وَالْغُبَار. قَوْله: (فَإِن النَّاس يكثرون وتقل الْأَنْصَار) ، لِأَن الْأَنْصَار هم الَّذين سمعُوا رَسُول الله، ﷺ ، ونصروه وَهَذَا أَمر قد انْقَضى زَمَانه لَا يلحقهم اللَّاحِق وَلَا يدْرك شاوهم السَّابِق، وَكلما مضى مِنْهُم أحد مضى من غير بدل، فيكثر غَيرهم ويقلون. قَوْله: (حَتَّى يَكُونُوا كالملح فِي الطَّعَام) يَعْنِي من الْقلَّة، وَوجه التَّشْبِيه بَين الْأَنْصَار وَالْملح هُوَ أَن الْملح جُزْء يسير من الطَّعَام وَفِيه إِصْلَاحه، فَكَذَلِك الْأَنْصَار وَأَوْلَادهمْ من بعدهمْ، جُزْء يسير بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُهَاجِرين وَأَوْلَادهمْ الَّذين انتشروا فِي الْبِلَاد وملكوا الأقاليم، فَلذَلِك قَالَ ﷺ ، مُخَاطبا للمهاجرين: (فَمن ولي مِنْكُم أمرا يضرُّ فِيهِ) أَي: فِي ذَلِك الْأَمر (أحدا أَو يَنْفَعهُ فليقبل من محسنهم) أَي: محسن الْأَنْصَار، وَالَّذين ملكوا من بعد النَّبِي ﷺ ، من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كلهم من الْمُهَاجِرين، وَكَذَلِكَ من بني أُميَّة وَمن بني الْعَبَّاس كلهم من أَوْلَاد الْمُهَاجِرين.
стр. 4906
١٠٨٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الأنْصَارُ كَرِشي وعَيْبَتِي والنَّاسُ سَيَكْثُرُونَ ويَقِلُّونَ فاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجَاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٩٩٧٣) .
هَؤُلَاءِ الرِّجَال قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن بنْدَار فِي المناقب وَالنَّسَائِيّ عَن حرمي بن عمَارَة عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس عَن أسيد بن حضير. قَوْله: (ويقلون) أَي: الْأَنْصَار.
٢١ - (بابُ مَناقِبِ سَعْدِ بنِ مُعاذ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب سعد بن معَاذ، بِضَم الْمِيم وإعجام الذَّال: ابْن النُّعْمَان بن امرىء الْقَيْس ابْن عبد الْأَشْهَل بن جشم بن الْحَرْث بن الْخَزْرَج بن النبيت، واسْمه: عَمْرو بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ الأوسي ثمَّ الأشْهَلِي، وَهُوَ كَبِير الْأَوْس، كَمَا أَن سعد بن عبَادَة كَبِير الْخَزْرَج، أسلم على يَد مُصعب بن عُمَيْر، لما أرْسلهُ النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة يعلم الْمُسلمين، فَلَمَّا أسلم قَالَ لبني عبد الْأَشْهَل: كَلَام رجالكم ونسائكم عَليّ حرَام حَتَّى تسلموا، فَكَانَ من أعظم النَّاس بركَة فِي الْإِسْلَام، وَشهد بَدْرًا بِلَا خلاف فِيهِ، وَشهد أحدا وَالْخَنْدَق ورماه يَوْمئِذٍ حبَان بن العراقة فِي أكحله، فَعَاشَ شهرا ثمَّ انتفض جرحه فَمَاتَ مِنْهُ، وَكَانَ مَوته بعد الخَنْدَق بِشَهْر، وَبعد قُرَيْظَة بليالٍ، وَأمه كَبْشَة بنت رَافع، لَهَا صُحْبَة.
٢٠٨٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنَا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ أُهْدِيَتْ للنَّبِيِّ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ فجَعَلَ أصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا ويَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا فَقَالَ أتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ خَيْرٌ مِنْها أوْ ألْيَنُ: رَوَاهُ قَتَادَةُ والزُّهْرِيُّ سَمِعا أنَسَ بنَ مالِكٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لمناديل سعد بن معَاذ خير مِنْهَا) وَجَاء فِيهِ: (إِن لمناديل سعد فِي الْجنَّة أحسن مَا ترَوْنَ) وَفِيه منقبة عَظِيمَة لَهُ. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار عَن مُحَمَّد بن عَمْرو.
قَوْله: (أهديت) كَانَ الَّذِي أهدها أكيدر دومة، كَمَا بَينه فِي حَدِيث أنس فِي كتاب الْهِدَايَة فِي بَاب قبُول الْهَدِيَّة من الْمُشْركين وَفِيه لمناديل سعد بن معَاذ فِي الْجنَّة أحسن من هَذَا وَتَخْصِيص سعد بِهِ، قيل: لِأَنَّهُ كَانَ يُعجبهُ ذَلِك الْجِنْس من الثَّوْب، أَو لأجل كَون اللامسين المتعجبين من الْأَنْصَار، فَقَالَ: مناديل سيدكم خير مِنْهَا، قَالَ الطَّيِّبِيّ: مناديل جمع منديل وَهُوَ الَّذِي يحمل فِي الْيَد، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وَغَيره: هُوَ مُشْتَقّ من الندل، وَهُوَ النَّقْل لِأَنَّهُ ينْقل من وَاحِد، وَقيل: من الندل وَهُوَ الْوَسخ، لِأَنَّهُ يندل بِهِ، إِنَّمَا ضرب الْمثل بالمناديل لِأَنَّهَا لَيست من علية الثِّيَاب بل هِيَ تتبدل فِي أَنْوَاع من الْمرَافِق يتمسح بهَا الْأَيْدِي وينفض بهَا الْغُبَار عَن الْبدن وَيُعْطى بهَا مَا يهدى وتتخذ لفائف للثياب، فَصَارَ سَبِيلهَا سَبِيل الْخَادِم وسبيل سَائِر الثِّيَاب سَبِيل المخدوم، فَإِذا كَانَ أدناها هَكَذَا، فَمَا ظَنك بعليتها؟ قَوْله: (رَوَاهُ قَتَادَة) رِوَايَته وَصلهَا البُخَارِيّ فِي الْهِبَة، وَالزهْرِيّ أَي: وَرَوَاهُ الزُّهْرِيّ أَيْضا، وَوصل البُخَارِيّ رِوَايَته فِي اللبَاس، على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣٠٨٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا فَضْلُ بنُ مُسَاوِرٍ خَتَنُ أبِي عَوَانَةَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي سُفْيَانَ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقُولُ اهْتَزَّ العَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ.
стр. 4907
اهتزاز الْعَرْش لمَوْت سعد منقبة عَظِيمَة لَهُ، وَفضل بن مساور بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من المساورة بِالسِّين الْمُهْملَة وَهِي المواثبة والمقاتلة: أَبُو مساور الْبَصْرِيّ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، وَهُوَ ختن أبي عوَانَة، وَهُوَ كل من كَانَ من قبل الْمَرْأَة مثل: الْأَخ وَالْأَب، وَأما الْعَامَّة فختن الرجل عِنْدهم زوج ابْنَته، وَهُوَ يروي عَن أبي عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان طَلْحَة بن نَافِع الْمَكِّيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن عَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد.
قَوْله: (اهتز الْعَرْش) ، الْعَرْش فِي اللُّغَة: السرير، فَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ السرير الَّذِي حمل عَلَيْهِ فَمَعْنَى الاهتزاز الْحَرَكَة وَالِاضْطِرَاب، وَذَلِكَ فَضِيلَة لَهُ كَمَا كَانَ رجف أحد فَضِيلَة لمن كَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ: رَسُول الله، ﷺ وَأَصْحَابه، وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ عرش الله تَعَالَى فيراد مِنْهُ حَملته، وَمعنى الإهتزاز: السرُور والاستبشار بقدومه، وَمِنْه اهتزت الأَرْض بالنبات إِذا اخضرت وَحسنت، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَقُول: وَيحْتَمل أَن يكون اهتزاز نفس الْعَرْش حَقِيقَة ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ قلت فِيهِ تَأمل وَقَالَ الطَّيِّبِيّ قَالَت طَائِفَة هُوَ على ظَاهره واهتزاز الْعَرْش تحركه فَرحا بقدوم سعد وَجعل الله فِي الْعَرْش تمييزا وَلَا مَانع مِنْهُ كَمَا قَالَ (وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله) (الْبَقَرَة: ٨٤٢، آل عمرَان: ٩٢ و ٩٨١، الْمَائِدَة: ٧١، ٩١، ٠٤، الْأَنْفَال: ١٤، التَّوْبَة: ٩٣، الْحَشْر: ٦) . وَقَالَ الْمَازرِيّ: هُوَ على حَقِيقَته، وَلَا يُنكر هَذَا من جِهَة الْعقل لِأَن الْعَرْش جسم والأجسام تقبل الْحَرَكَة والسكون، وَقيل: المُرَاد بالاهتزاز الاستبشار، وَمِنْه قَول الْعَرَب: فلَان يَهْتَز للكرم، لَا يُرِيدُونَ اضْطِرَاب جِسْمه وحركته، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ ارتياحه إِلَيْهِ وإقباله عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: هُوَ كِنَايَة عَن تَعْظِيم شَأْن وَفَاته، وَالْعرب تنْسب الشَّيْء الْمُعظم إِلَى أعظم الْأَشْيَاء، فَيَقُولُونَ: أظلمت لمَوْت فلَان الأَرْض، وَقَامَت لَهُ الْقِيَامَة.
وعَنِ الأعْمَشِ حَدثنَا أَبُو صَالِحٍ عنْ جَابِرٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ فَقَالَ رَجُلٌ لِجابِرٍ فإنَّ فإنَّ البَرَاءَ يقُولُ اهْتَزَّ السَّرِيرُ فَقَالَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ هاذَيْنِ الحَيَّيْنِ ضَغَائِنُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمانِ لِمَوْتِ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ
هُوَ عطف على الْإِسْنَاد الَّذِي قبله أَي: وروى أَبُو عوَانَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن جَابر بن عبد الله، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِرِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن جَابر إِلَى أَنه لَا يخرج لأبي سُفْيَان الْمَذْكُور إلَاّ مَقْرُونا بِغَيْرِهِ، أَو اسْتِشْهَادًا. قَوْله: (مثله) أَي: مثل حَدِيث أبي سُفْيَان عَن جَابر. قَوْله: (فَقَالَ رجل) ، لم يدر من هُوَ، قَالَ لجَابِر بن عبد الله رَاوِي الحَدِيث كَيفَ تَقول: اهتز الْعَرْش؟ فَإِن الْبَراء بن عَازِب يَقُول: اهتز السرير؟ قَوْله: (فَقَالَ) أَي: قَالَ جَابر فِي جَوَاب الرجل: إِنَّه كَانَ بَين هذَيْن الْحَيَّيْنِ، أَي: الْأَوْس والخزرج، ضغائن بالضاد والغين المعجمتين: جمع ضغينة وَهِي الحقد، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا قَالَ جَابر ذَلِك لِأَن سَعْدا كَانَ من الْأَوْس والبراء خزرجي والخزرج لَا تقر بِالْفَضْلِ لِلْأَوْسِ، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْبَراء أَيْضا أوسي يعرف ذَلِك بِالنّظرِ فِي نسبه لِأَن نسبهما يَنْتَهِي إِلَى الْأَوْس، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا ينْسب الْبَراء إِلَى غَرَض النَّفس، وَإِنَّمَا حمل لفظ الْعَرْش على معنى يحْتَملهُ، إِذْ كثيرا يُطلق وَيُرَاد بِهِ السرير، وَلَا يلْزم بذلك قدح فِي عَدَالَته كَمَا لَا يلْزم بذلك القَوْل قدح فِي عَدَالَة جَابر، وَقد روى اهتزاز الْعَرْش لسعد عَن جمَاعَة غير جَابر مِنْهُم: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأسيد بن حضير ورميثة، وَأَسْمَاء بنت يزِيد بن السكن وَعبد الله بن بدر وَابْن عمر بِلَفْظ: (اهتز الْعَرْش فَرحا بِسَعْد) ، ذكرهَا الْحَاكِم، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَعَائِشَة عِنْد ابْن سعد، وَالْحسن وَيزِيد بن الْأَصَم مُرْسلا، وَسعد بن أبي وَقاص فِي كتاب أبي عرُوبَة الْحَرَّانِي. وَفِي (الإكليل) بِسَنَد صَحِيح: (إِن جِبْرِيل ﵊ أَتَى النَّبِي ﷺ حِين قبض سعد، فَقَالَ: من هَذَا الْمَيِّت الَّذِي فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء واستبشر بِمَوْتِهِ أَهلهَا؟) وَعند التِّرْمِذِيّ مصححاً عَن أنس: (لما حملت جَنَازَة سعد، قَالَ المُنَافِقُونَ: مَا أخف جنَازَته) ، وَذَلِكَ لحكمه فِي بني قُرَيْظَة، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَقَالَ: (إِن الْمَلَائِكَة كَانَت تحمله) ، زَاد ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) : لما قَالَ المُنَافِقُونَ ذَلِك قَالَ ﷺ : (لقد نزل سَبْعُونَ ألف ملك شهدُوا جَنَازَة سعد، مَا وطئوا الأَرْض قبل الْيَوْم) ، وَكَانَ رجلا جسيماً، وَكَانَ يفوح من قَبره رَائِحَة الْمسك، وَأخذ إِنْسَان قَبْضَة من تُرَاب قَبره فَذهب بهَا، ثمَّ نظر إِلَيْهَا بعد ذَلِك فَإِذا هِيَ مسك.
стр. 4908
٤٠٨٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ أنَاساً نَزَلُوا علَى حُكْم سَعْدِ بنِ مُعاذٍ فأرْسَلَ إلَيْهِ فَجاءَ علَى حِمارٍ فلَمَّا بلَغَ قَرِيباً مِنَ المَسْجِدِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ أوْ سَيِّدِكُمْ فَقَالَ يَا سَعْدُ إنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا علَى حُكْمِكَ قَالَ فإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وتُسْباى ذَرَارِيُّهُمْ قَالَ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الله أوْ بِحُكْمِ المَلِكِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قومُوا إِلَى خَيركُمْ) وَفِي قَوْله: (حكمت بِحكم الله) . وَأَبُو أُمَامَة، بِضَم الْهمزَة أسعد بن سهل بن حنيف، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الأوسي الْأنْصَارِيّ، أدْرك النَّبِي ﷺ وَيُقَال: إِنَّه سَمَّاهُ وكناه باسم جده وكنيته، وَلم يسمع من النَّبِي ﷺ شَيْئا، مَاتَ سنة مائَة.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب إِذا نزل الْعَدو على حكم رجل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أَن أُنَاسًا) ، ويروى: (أَن نَاسا) ، وهم بَنو قُرَيْظَة وَقد صرح بِهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فَأرْسل إِلَيْهِ) أَي: فَأرْسل النَّبِي ﷺ إِلَى سعد: قَوْله: (قَرِيبا من الْمَسْجِد) أَرَادَ بِهِ الْمَسْجِد الَّذِي أعده ﷺ ، أسام محاصرته لبني قُرَيْظَة، وَالَّذِي ظن أَنه الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فقد غلط، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَلَمَّا دنا من النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ يُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ حَيْثُ لم يقل: من مَسْجِد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (إِلَى خَيركُمْ) ، إِن كَانَ الْخطاب للْأَنْصَار فَظَاهر لِأَنَّهُ سيد الْأَنْصَار، وَإِن كَانَ أَعم مِنْهُ فإمَّا بإن لم يكن فِي الْمجْلس من هُوَ خير مِنْهُ، وَإِمَّا بِأَن يُرَاد بِهِ السِّيَادَة الْخَاصَّة، أَي: من جِهَة تحكيمه فِي هَذِه الْقَضِيَّة وَنَحْوهَا. قَوْله: (أَو سيدكم) ، شكّ من الرَّاوِي، وَكَذَلِكَ قَوْله: (أَو بِحكم الْملك) وَهُنَاكَ: بِحكم الْملك، بِلَا شكّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْملك، بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا. قلت: أما الْكسر فَظَاهر، وَأما الْفَتْح فَمَعْنَاه: أَنه الحكم الَّذِي نزل بِهِ الْملك وَهُوَ جِبْرِيل، ﵊، وَأخْبر بِهِ النَّبِي ﷺ .
٣١ - (بابُ مَنْقَبَةِ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ وعَبَّادِ بنِ بِشْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان منقبة أسيد، بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حضير، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن سماك بن عتِيك بن رَافع بن امرىء الْقَيْس بن زيد بن عبد الْأَشْهَل الْأنْصَارِيّ الأوسي الأشْهَلِي، يكنى أَبَا يحيى، وَقيل غير ذَلِك، وَمَات فِي سنة عشْرين فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْأَصَح وَحمله عمر حَتَّى وَضعه فِي قَبره بِالبَقِيعِ، وَعباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن وقش بن رَغْبَة بن عبد الْأَشْهَل بن جشم بن الْحَرْث ابْن الْخَزْرَج الأوسي الأشْهَلِي، من كبار الصَّحَابَة، قتل يَوْم الْيَمَامَة، وَمن قَالَ: بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين، فقد غلط.
٥٠٨٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مُسْلِمٍ حدَّثنا حَبَّانُ حدَّثنا هَمَّامٌ أخبرَنا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وإذَا نُورٌ بيْنَ أيْدِيهِما حتَّى تفَرَّقا فتَفَرَّقُ النُّورُ مَعَهُمَا. (انْظُر الحَدِيث ٥٦٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن مُسلم الطوسي الْبَغْدَادِيّ وَهُوَ من أَفْرَاده، وحبان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ، وَهَمَّام، بتَشْديد الْمِيم: ابْن يحيى العوذي الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ. قَوْله: (أَن رجلَيْنِ خرجا من عِنْد النَّبِي ﷺ ، قيل: ظهر من رِوَايَة معمر أَن أسيد بن حضير أَحدهمَا، وَمن رِوَايَة حَمَّاد أَن الثَّانِي عباد بن بشر. انْتهى. قلت: رِوَايَة معمر تَأتي الْآن وَرِوَايَة حَمَّاد كَذَلِك معلقتين، وَلَكِن فِي ظهورهما من روايتهما نظر على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَالَ مَعْمَرٌ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ ورَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ وَقَالَ حَمَّادٌ
стр. 4909
أخْبرَنا ثابِتٌ عنْ أنَسٍ كانَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ
تَعْلِيق معمر بن رَاشد وَصله عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَنهُ، وَمن طَريقَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ: أَن أسيد بن حضير ورجلاً من الْأَنْصَار تحدثا عِنْد رَسُول الله، ﷺ ، حَتَّى ذهب من اللَّيْل سَاعَة فِي لَيْلَة شَدِيدَة الظلمَة، ثمَّ خرجا وبيد كل مِنْهُمَا عَصا فَأَضَاءَتْ عَصا أَحدهمَا حَتَّى مشيا فِي ضوئها، حَتَّى إِذا افْتَرَقت بهما الطَّرِيق أَضَاءَت عَصا الآخر، فَمشى كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي ضوء عَصَاهُ حَتَّى بلغ أَهله، وَتَعْلِيق حَمَّاد بن سَلمَة وَصله أَحْمد وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: أَن أسيد بن حضير وَعباد ابْن بشر كَانَا عِنْد النَّبِي ﷺ ، فِي لَيْلَة ظلماء حندس، فَلَمَّا خرجا أَضَاءَت عَصا أَحدهمَا فمشيا فِي ضوئها، فَلَمَّا افْتَرَقت بهما الطَّرِيق أَضَاءَت عَصا الآخر، وَوجه النّظر الَّذِي نبهنا عَلَيْهِ هُوَ أَن حَدِيث الْبَاب سَاكِت عَن تعْيين الرجلَيْن وتعيينهما بالمعلقين غير جازم بذلك لاحْتِمَال كَون الرجلَيْن غير أسيد بن حضير وَعباد بن بشر، وَالَّذِي اتّفق للرجلين الْمَذْكُورين اتّفق أَيْضا لأسيد وَعباد، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل الْمَذْكُور أَيْضا: إِن البُخَارِيّ جزم بِهِ فِي التَّرْجَمَة، وَأَشَارَ إِلَى حَدِيثهمَا، وَفِيه أَيْضا نظر، لاحْتِمَال تعدد الِاحْتِمَال لتَعَدد أَصْحَاب الْقَضِيَّة كَمَا ذكرنَا.
٤١ - (بَاب مَناقِبِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب معَاذ بن جبل بن عَمْرو بن أَوْس بن عَائِذ بن عدي بن كَعْب بن عَمْرو بن أد بن سعد بن عَليّ بن أَسد ابْن ساردة بن تزيد بن جشم من الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ الخزرجي أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمدنِي، هُوَ أحد السّبْعين الَّذين شهدُوا الْعقبَة من الْأَنْصَار وآخى رَسُول الله، ﷺ ، بَينه وَبَين عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود، أسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان عشرَة سنة، وَشهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ من الَّذين جمعُوا الْقُرْآن على عهد رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَ أَمِيرا للنَّبِي ﷺ على الْيمن، وَرجع بعده إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ خرج إِلَى الشَّام مُجَاهدًا وَمَات فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَهُوَ ابْن أَربع وَثَلَاثِينَ بِنَاحِيَة الْأُرْدُن، وقبره بغور بَيَان فِي شرقيه، وعمواس قَرْيَة بَين الرملة وَبَيت الْمُقَدّس نسبت الطَّاعُون إِلَيْهَا لِأَنَّهُ أول مَا بدا مِنْهَا، قيل: إِنَّه لم يُولد لَهُ قطّ، وَقيل: ولد لَهُ ولد يُسمى عبد الرَّحْمَن وَأَنه قَاتل مَعَه يَوْم اليرموك، وَبِه كَانَ يكنى.
٦٠٨٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول اسْتَقْرِئُوا القُرْآنَ مِنْ أرْبَعَةٍ منِ ابنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ واأبَيٍّ ومُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ومعاذ بن جبل) وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: بَاب منقبة معَاذ، لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ إلَاّ منقبة وَاحِدَة، وَقد أخرج ابْن حبَان من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه: نعم الرجل معَاذ بن جبل، والْحَدِيث مر فِي مَنَاقِب سَالم مولى أبي حُذَيْفَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سلمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن إِبْرَاهِيم عَن مَسْرُوق عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأخرجه من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن عَمْرو فِي: بَاب مَنَاقِب عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأخرجه من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن عَمْرو فِي: بَاب مَنَاقِب عبد الله بن مَسْعُود، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٥١ - (بابُ مَنْقَبَةِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان منقبة سعد بن عبَادَة بن دليم بن أبي حَارِثَة بن أبي صريمة بن ثَعْلَبَة بن طريف بن الْخَزْرَج بن سَاعِدَة، يكنى أَبَا الْحَارِث وَهُوَ وَالِد قيس بن سعد أحد مشاهير الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَ سعد كَبِير الْخَزْرَج، وَكَانَ جواداً كَرِيمًا، مَاتَ بحوران من أَرض الشَّام سنة أَربع عشرَة أَو خمس عشرَة فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وقالَتْ عائِشَةُ: وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلاً صالِحَاً
стр. 4910
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل فِي قَضِيَّة الْإِفْك ذكره فِي التَّفْسِير فِي سُورَة النُّور، وَقيل: تَمام هَذِه الْقطعَة: فَقَامَ رَسُول الله، ﷺ ، فاستعذر يَوْمئِذٍ عَن عبد الله بن أبي بن سلول، قَالَت يَعْنِي عَائِشَة: فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ على الْمِنْبَر: يَا معشر الْمُسلمين ﴿من يعذرني فِي رجل قد بَلغنِي أَذَاهُ فِي أهل بَيْتِي؟ فوَاللَّه مَا علمت على أَهلِي إلَاّ خيرا، وَلَقَد ذكرُوا رجلا مَا علمت عَلَيْهِ إلَاّ خيرا، وَمَا كَانَ يدْخل على أَهلِي إلَاّ معي، فَقَامَ سعد بن معَاذ الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أَنا أعذرك مِنْهُ إِن كَانَ من الْأَوْس ضربت عُنُقه، وَإِن كَانَ من إِخْوَاننَا من الْخَزْرَج أمرتنا فعلنَا أَمرك. قَالَت: فَقَامَ سعد بن عبَادَة، وَهُوَ سيد الْخَزْرَج، وَكَانَ قبل ذَلِك رجلا صَالحا، وَلَكِن حَملته الحمية: فَقَالَ لسعد: كذبت لعمر الله لَا تقتله وَلَا تقدر على قَتله، فتثاور الْحَيَّانِ: الْأَوْس والخزرج، حَتَّى هموا أَن يقتتلوا ... الحَدِيث، قَوْله: (وَكَانَ) أَي: سعد بن عبَادَة. قَوْله: (قبل ذَلِك) أَي: قبل حَدِيث الْإِفْك، وَظَاهره أَنه لَيْسَ فِي حَدِيث الْإِفْك مثل مَا كَانَ، وَلَكِن لم يكن مرادها الغض مِنْهُ، لِأَن سَعْدا لم يكن مِنْهُ فِي تِلْكَ الْمقَالة إلَاّ الرَّد على سعد بن معَاذ، وَلَا يلْزم مِنْهُ زَوَال تِلْكَ الصّفة عَنهُ فِي وَقت صُدُور الْإِفْك، بل هَذِه الصّفة مستمرة فِيهِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٠٨٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا عبْدُ الصَّمَدِ حدَّثنا شُعْبةُ حدَّثنَا قَتادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ ابنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أبُو أُسَيْدٍ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ خَيْرُ دُورِ الأنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأشْهَلِ ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ ثُمَّ بَنُو ساعِدَةَ وَفِي كلِّ دُورِ الأنْصَارِ خَيْرٌ فَقَالَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وكانَ ذَا قَدَمٍ فِي الإسْلَامِ أرَى رسولَ الله ﷺ قَدْ فَضَّلَ علَيْنَا فَقيلَ لَهُ قَدْ فَضَّلَكُمْ علَى ناسٍ كَثِيرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَقيل: هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه الْمروزِي، وَهُوَ الصَّحِيح، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب فضل دور الْأَنْصَار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٦١ - (بابُ مَنَاقِبِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب أبي بن كَعْب بن قس بن عبيد بن زيد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الخزرجي النجاري، يكنى أَبَا الْمُنْذر، وَأَبا الطُّفَيْل، وَكَانَ من السَّابِقين من الْأَنْصَار، شهد الْعقبَة وَمَا بعْدهَا، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ، وَقيل: قبل ذَلِك بِالْمَدِينَةِ.
٨٠٨٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وبنِ مُرَّةَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوقٍ قَالَ ذُكِرَ عبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ عنْدَ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وفقال ذَاكَ رَجُلٌ لَا أزَالُ أحِبُّهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقولُ خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُود فبَدَأَ بِهِ وسالِمِ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، والْحَدِيث مر فِي: بَاب مَنَاقِب سَالم مولى أبي حُذَيْفَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب إِلَى آخِره.
٩٠٨٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثَنا غُنْدَرٌ قَالَ سَمِعْتُ شُعْبَةَ سَمِعْتُ قتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لاُِبَيِّ بنِ كَعْبِ إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أقْرَأ علَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الْبَيِّنَة: ١) . قَالَ وسَمَّاني قَالَ نَعَمْ قَالَ فبَكَى،.
مطابقته للتَّرْجَمَة أظهر مَا يكون، وَهِي منقبة عَظِيمَة لم يُشَارِكهُ فِيهَا أحد من النَّاس، وَهِي قِرَاءَة رَسُول الله، ﷺ الْقُرْآن عَلَيْهِ
стр. 4911
وَسَماهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سيد الْمُسلمين، وَقد تكَرر ذكر رِجَاله لَا سِيمَا على هَذَا النسق.
والْحَدِيث أخرجه فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَفِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَفِي التَّفْسِير عَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن.
قَوْله: (قَالَ النَّبِي ﷺ لأبي بن كَعْب: إِن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْك) وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عَليّ بن زيد عَن عمار بن أبي عمار عَن أبي حَيَّة: لما نزلت لم يكن، قَالَ جِبْرَائِيل، ﵊، لرَسُول الله، ﷺ : إِن رَبك أَمرك أَن تقرئها أَبَيَا. فَقَالَ لَهُ: إِن الله أَمرنِي أَن أقرئك هَذِه السُّورَة، فَبكى وَالْحكمَة فِي أمره بِالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ هِيَ أَنه يتَعَلَّق أبي أَلْفَاظه وَكَيْفِيَّة أَدَائِهِ ومواضع الْوُقُوف، فَكَانَت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ لتعليمه لَا ليتعلم مِنْهُ، وَأَنه يسن عرض الْقُرْآن على حفاظه المجودين لأدائه وَإِن كَانُوا دونه فِي النّسَب وَالدّين والفضيلة وَنَحْو ذَلِك، أَو أَن يُنَبه النَّاس على فَضِيلَة أبي ويحثهم على الْأَخْذ عَنهُ وتقديمه فِي ذَلِك، وَكَانَ كَذَلِك، وَصَارَ بعد النَّبِي ﷺ ، رَأْسا وإماماً مَشْهُورا فِيهِ. قَوْله: ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ (الْبَيِّنَة: ١) . تَخْصِيص هَذِه السُّورَة لِأَنَّهَا مَعَ وجازتها جَامِعَة لأصول وقواعد ومهمات عَظِيمَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: خص هَذِه السُّورَة بِالذكر لما احتوت عَلَيْهِ من التَّوْحِيد والرسالة وَالْإِخْلَاص والصحف والكتب الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء، ﵊، وَذكر الصَّلَاة وَالزَّكَاة والمعاد وَبَيَان أهل الْجنَّة وَالنَّار مَعَ وجازتها، وَقيل: لِأَن فِيهَا ﴿رَسُول من الله يَتْلُو صحفاً مطهرة﴾ (الْبَيِّنَة: ٢) . قَوْله: (قَالَ: وسماني الله؟) أَي: قَالَ أبي: وسماني الله؟ يَعْنِي هَل نَص عَليّ باسمي؟ أَو قَالَ: إقرأ على وَاحِد من أَصْحَابك فاخترتني أَنْت؟ قَالَ: نعم، أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : نعم إِن الله سماك. وَفِي رِوَايَة للطبراني عَن أبي بن كَعْب، قَالَ: نعم بِاسْمِك ونسبك فِي الْمَلأ الْأَعْلَى، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ. وَفِي رِوَايَة: الله سماني لَك؟ بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام على التَّعَجُّب مِنْهُ إِذْ كَانَ ذَلِك عِنْده مستبعداً، لِأَن تَسْمِيَته تَعَالَى لَهُ وتعيينه ليقْرَأ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ ، تشريف عَظِيم، فَلذَلِك بَكَى من شدَّة الْفَرح وَالسُّرُور، وَقَالَ النَّوَوِيّ؛ قيل؛ بكاؤه خوفًا من تَقْصِيره على شكر هَذِه النِّعْمَة الْعَظِيمَة، وروى الْحَاكِم مصححاً من حَدِيث زر بن حُبَيْش عَن أبي بن كَعْب: أَن النَّبِي ﷺ ، قَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لم يكن﴾ (الْبَيِّنَة: ١) . وَقَرَأَ فِيهَا: إِن الدّين عِنْد الله الحنيفية لَا الْيَهُودِيَّة وَلَا النَّصْرَانِيَّة وَلَا الْمَجُوسِيَّة، من تعجل خيرا فَلَنْ يكفره، وَالله أعلم.
٧١ - (بابُ مَنَاقِبِ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك بن زيد بن لوذان بن عَمْرو بن عبد بن عَوْف بن غنم بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ النجاري أَبُو سعيد، وَيُقَال: أَبُو خَارِجَة الْمدنِي، وَأمه النوار بنت مَالك بن النجار، قدم رَسُول الله، ﷺ ، الْمَدِينَة وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة، وَكَانَ يكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى، توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين بِالْمَدِينَةِ أَو سنة سِتّ وَخمسين.
٠١٨٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا يَحْيَى حدَّثَنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَة عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ جَمَعَ القُرْآنُ علَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأنْصَارِ أُبَيٌّ ومُعَاذُ بنُ جَبَلٍ وأبُو زَيْدٍ وزَيْدُ ابنُ ثابِتٍ قُلْتُ لأنسٍ مَنْ أبُو زَيْدٍ قَالَ أحَدُ عُمُومَتِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن جمع زيد بن ثَابت الْقُرْآن على عهد النَّبِي ﷺ منقبة عَظِيمَة، وَيحيى هُوَ: ابْن سعيد الْقطَّان.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى وَعَن يحيى بن حبيب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بنْدَار عَن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن بنْدَار عَن يحيى.
قَوْله: (جمع الْقُرْآن) أَي: اسْتَظْهرهُ حفظا. قَوْله: (وَأَبُو زيد) قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: اسْمه أَوْس، وَعَن يحيى بن معِين: هُوَ ثَابت بن زيد بن مَالك الأشْهَلِي، وَقيل: هُوَ سعد بن عبيد بن النُّعْمَان، وَبِذَلِك جزم الطَّبَرَانِيّ عَن شَيْخه أبي بكر بن صَدَقَة. قَالَ: هُوَ الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ: القارىء، وَكَانَ على الْقَادِسِيَّة، وَاسْتشْهدَ بهَا سنة خمس عشرَة، وَهُوَ وَالِد عُمَيْر بن سعد. وَعَن الْوَاقِدِيّ: هُوَ قيس بن السكن بن
стр. 4912
قيس بن زعور بن حرَام الْأنْصَارِيّ، ويرجحه قَول أنس: (أحد عمومتي) فَإِنَّهُ من قَبيلَة بني حرَام، وَأنس بن مَالك بن النَّضر ابْن ضَمْضَم بِالْمُعْجَمَةِ ابْن زيد بن حرَام. قَوْله: (عمومتي) أَي: أعمامي. وَفِي (الِاسْتِيعَاب) : افتخر الْحَيَّانِ، فَقَالَت الْأَوْس: منا غسيل الْمَلَائِكَة حَنْظَلَة، وَالَّذِي حمته الدبر عَاصِم، وَالَّذِي اهتز لمَوْته الْعَرْش سعد، وَمن شَهَادَته بِشَهَادَة رجلَيْنِ خُزَيْمَة. وَقَالَ الْخَزْرَج: منا أَرْبَعَة جمعُوا الْقُرْآن على عهد رَسُول الله، ﷺ : معَاذ وَأبي وَزيد وَأَبُو زيد فَإِن قيل: غَيرهم أَيْضا جمعُوا مثل الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة؟ وَأجِيب: بِأَن مَفْهُوم الْعدَد لَا يَنْفِي الزَّائِد، وَقيل: جَمَعُوهُ حفظا عَن ظهر الْقلب فَإِن قيل: كَيفَ جَمَعُوهُ كُله وَقد نزل بعض الْقُرْآن بِقرب وَفَاة النَّبِي ﷺ ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم حفظوا ذَلِك الْبَعْض أَيْضا قبل الْوَفَاة. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ الَّذِي تقدم: استقرئوا الْقُرْآن من أَرْبَعَة: من ابْن مَسْعُود وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَأبي ومعاذ، وَأسْقط فِي حَدِيث الْبَاب: ابْن مَسْعُود وَسَالم، وَزَاد: زيد بن ثَابت وَأَبا زيد. قلت: لَا مُعَارضَة، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من الْأَمر بِأخذ الْقِرَاءَة عَنْهُم أَن يكون كلهم استظهر جَمِيع الْقُرْآن، وَقيل: لَا يُؤْخَذ بِمَفْهُوم حَدِيث أنس لِأَنَّهُ لَا يلْزم من قَوْله: جمعه أَرْبَعَة، أَن لَا يكون جمعه غَيرهم، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنه لم يَقع جمعه لأربعة من قَبيلَة وَاحِدَة إلَاّ لهَذِهِ الْقَبِيلَة، وَهِي الْأَنْصَار.
٨١ - (بابُ مَنَاقِبِ أبِي طَلْحَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب أَي طَلْحَة زيد بن سهل بن الْأسود بن حرَام الْأنْصَارِيّ الخزرجي النجاري، وَهُوَ زوج أم سليم وَالِدَة أنس بن مَالك، شهد الْمشَاهد كلهَا، وَهُوَ أحد النُّقَبَاء، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقيل: أَربع وَثَلَاثِينَ، وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان ابْن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي: مَاتَ بِالشَّام وعاش بعد رَسُول الله، ﷺ أَرْبَعِينَ سنة يسْرد الصَّوْم، وَرُوِيَ عَن أنس أَنه مَاتَ فِي الْبَحْر غازياً.
١١٨٣ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَ مَّا كانَ يَوْمُ أُحُدِ انْهَزَمَ النَّاسُ عنِ النَّبِي ﷺ وأبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِّ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ بِهِ علَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ وكانَ أبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِياً شَدِيداً لَقَد يُكَسِّرُ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أوْ ثَلاثَاً وكانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ ومَعَهُ الجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ فيَقُولُ انْشُرْها لأِبِي طَلْحَةَ فأشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيّ القَوْمِ فيَقُولُ أبُو طَلْحَةَ يَا نَبِيَّ الله بأبِي أنْتَ وأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصبْكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ ولَقَدْ رأيْتُ عائِشَةَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ وأُمَّ سُلَيْمٍ وإنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتانِ أرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا تُفْرِغَانِهِ فِي أفْوَاهِ القَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِها ثُمَّ تَجِيآنِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أفْوَاهِ القَوْمِ ولَقَدْ وقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أبِي طَلْحَةَ إمَّا مَرَّتَيْنِ وإمَّا ثَلاثَاً. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث فِي مَوَاضِع على مَا لَا يخفى، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري مَوْلَاهُم المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب. وَرِجَاله كلهم بصريون.
وَمضى بعض هَذَا الحَدِيث فِي الْجِهَاد فِي: بَاب غَزْو النِّسَاء مَعَ الرِّجَال فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه.
قَوْله: (وَأَبُو طَلْحَة) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَهُوَ مُبْتَدأ. وَقَوله: (مجوِّب) خَبره، وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وَكسر الْوَاو الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَمَعْنَاهُ: مترِّس عَلَيْهِ يَقِيه بالجوبة وَهُوَ الترس. قَوْله: (عَلَيْهِ) أَي: على النَّبِي ﷺ . قَوْله: (بحجفة) ، مُتَعَلق بقوله: مجوِّب، والحجفة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم وَالْفَاء أَيْضا وَهِي الترس إِذا كَانَ من جلد لَيْسَ فِيهَا خشب. قَوْله: (رامياً) أَي: رامياً بِالْقَوْسِ. قَوْله: (شَدِيدا) يَعْنِي: مَوْصُوفا بِشدَّة الرَّمْي، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: شَدِيدا، بِالنّصب وَبعده: (لقد
стр. 4913
يكسر) بلام التَّأْكِيد وَكلمَة: قد، للتحقيق، و: يكسر، يفعل بِالتَّشْدِيدِ ليدل على كَثْرَة الْكسر، وَهَذِه الصِّيغَة تَأتي متعدية ولازمة، ويروى شَدِيد الْقد، بِإِضَافَة لفظ الشَّديد إِلَى لفظ الْقد بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الدَّال، وَهُوَ: السّير من جلد غير مدبوغ، وَمَعْنَاهُ: شَدِيد وتر الْقوس فِي النزع وَالْمدّ، وَبِهَذَا جزم الْخطابِيّ، وَتَبعهُ ابْن التِّين، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يقْرَأ: قوسان، بِالرَّفْع على أَنه فَاعل: يكسِّر، على أَن يكون: يكسر، لَازِما. قَوْله: (أَو ثَلَاثًا) ويروى: أَو ثَلَاث، أَيْضا بِالرَّفْع عطفا عطفا عَلَيْهِ، وَكلمَة: أَو للشَّكّ من الرَّاوِي، ويروى: شَدِيد الْمَدّ، بِالْمِيم الْمَفْتُوحَة وَالدَّال الْمُشَدّدَة. قَوْله: (من النبل) أَي: السِّهَام. قَوْله: (فَيَقُول) أَي: فَيَقُول النَّبِي ﷺ : (أنشرها) من النشر بالنُّون الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة من انتشار المَاء وتفرقه، ويروى: نثرها من النثر بالنُّون الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة ومعناهما وَاحِد. قَوْله: (فَأَشْرَف) من الإشراف وَهُوَ الإطلاع من فَوق. قَوْله: (لَا تشرف) مجزوم لِأَنَّهُ نهي أَي: لَا تطلع. قَوْله: (يصبك) ، مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب النَّهْي نَحْو: لَا تدن من الْأسد يَأْكُلك، ويروى: تصيبك على تَقْدِير: السهْم يصيبك. قَوْله: (سهم) بَيَان للمحذوف وَمن سِهَام القَوْل بَيَان أَن السهْم من الْعَدو. قَوْله: (نحري دون نحرك) ، أَي: صَدْرِي عِنْد صدرك أَي: أَقف أَنا بِحَيْثُ يكون صَدْرِي كالترس لصدرك، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي. قلت: الْأَوْجه أَن يُقَال: هَذَا نحري قُدَّام نحرك، يَعْنِي: أَقف بَين يَديك بِحَيْثُ أَن السهْم إذاجاء يُصِيب نحري وَلَا يُصِيب نحرك. قَوْله: (وَأم سليم) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي زَوْجَة أبي طَلْحَة وَأم أنس بن مَالك وَخَالَة رَسُول الله، ﷺ ، من الرَّضَاع. قَوْله: (لمشمرتان) ، تَثْنِيَة على صِيغَة الْفَاعِل من: شمرت ثِيَابِي أذا رفعتها، وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (خدم) بِالنّصب. قَوْله: (لِأَنَّهُ) مفعول (أرى) وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْملَة جمع الْخدمَة وَهِي الخلخال، و: السُّوق، بِالضَّمِّ جمع سَاق، وَهَذَا كَانَ قبل نزُول آيَة الْحجاب. قَوْله: (تنقزان) ، بالنُّون الساكنة وَالْقَاف المضمومة وبالزاي: من النقز وَهُوَ النَّقْل، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي تنقلان، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا هُوَ تزفران، أَي: تحملان. قَالَ: وَأما النقز فَهُوَ الوثب الْبعيد، وَقَالَ ابْن قرقول: تزفران، بالزاي وَالْفَاء وَالرَّاء، يُقَال: إزفر لنا الْقرب أَي: إحملها ملأى على ظهرك. وَفِي (الْمطَالع) : تنقزان الْقرب على ظهورهما، هَكَذَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي معمر، قَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ غَيره: تنقلان، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم، قيل: معنى تنقزان على الرِّوَايَة الأولي تثبان، والنقز الوثب والقفز كَأَنَّهُ من سرعَة السّير، وَضبط الشُّيُوخ: الْقرب، بِنصب الْبَاء وَوَجهه بعيد على الضَّبْط الْمُتَقَدّم. وَأما مَعَ: تنقلان، فَصَحِيح وَكَانَ بعض شُيُوخنَا يقْرَأ هَذَا الْحَرْف بِضَم بَاء الْقرب ويجعله مُبْتَدأ، كَأَنَّهُ قَالَ: والقرب على متونهما وَالَّذِي عِنْدِي فِي الرِّوَايَة اختلال، وَلِهَذَا جَاءَ البُخَارِيّ بعْدهَا بالرواية الْبَيِّنَة الصَّحِيحَة، وَقد تخرج رِوَايَة الشُّيُوخ بِالنّصب على عدم الْخَافِض، كَأَنَّهُ قَالَ: تنقزان الْقرب أَي: تحركان الْقرب بِشدَّة عدوهما بهَا، فَكَانَت الْقرب ترْتَفع وتنخفض مثل الوثب على ظهورهما. قَوْله: (على متونهما) أَي: على ظهورهما، وَهُوَ بِضَم الْمِيم جمع متن، وَهُوَ الظّهْر. قَوْله: (تفرغانه) بِضَم التَّاء يُقَال: أفرغت الْإِنَاء إفراغاً، وفرغته بِالتَّشْدِيدِ تفريغاً إِذا قلبت مَا فِيهِ.
٩١ - (بابُ مَناقِبِ عبْدِ الله بنِ سَلَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَنَاقِب عبد الله بن سَلام، بتَخْفِيف اللَّام ابْن الْحَارِث الإسرائيلي، ثمَّ الْأنْصَارِيّ من بني قينقاع، ويكنى أَبَا يُوسُف، وَهُوَ من ذُرِّيَّة ابْن يُوسُف الصّديق، ﵊، وَقَالَ أَبُو عمر: وَكَانَ حليفاً للْأَنْصَار، وَيُقَال: كَانَ حليفاً للقواقلة من بني عَوْف بن الْخَزْرَج وَكَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة: الْحصين فَلَمَّا أسلم سَمَّاهُ رَسُول الله، ﷺ : عبد الله، وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَهُوَ أحد الْأَحْبَار، أسلم إِذْ قدم النَّبِي ﷺ ، الْمَدِينَة. وروى أَبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن يزِيد بن عميرَة فَإِنَّهُ سمع معَاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. يَقُول: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول لعبد الله بن سَلام: أَنه عَاشر عشرَة فِي الْجنَّة، وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا حَدِيث حسن الْإِسْنَاد صَحِيح.
٣٠٠ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ سَمِعت مَالِكًا يحدث عَن أبي النَّضر مولى عمر بن
стр. 4914
عبيد الله عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه قَالَ مَا سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول لأحد يمشي على الأَرْض إِنَّه من أهل الْجنَّة إِلَّا لعبد الله بن سَلام قَالَ وَفِيه نزلت هَذِه الْآيَة ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل﴾ الْآيَة قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ مَالك الْآيَة أَو فِي الحَدِيث) مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تخفى فَإِن فِيهِ منقبة عَظِيمَة لَهُ وَأَبُو النَّضر بالضاد الْمُعْجَمَة اسْمه سَالم وَهُوَ ابْن أبي أُميَّة مولى عمر بن عبيد الله بن معمر الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي قَالَ الْوَاقِدِيّ توفّي فِي زمن مَرْوَان بن مُحَمَّد والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل عبد الله بن سَلام عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور قَوْله " عَن أبي النَّضر " وَفِي رِوَايَة أبي يعلى عَن يحبى بن معِين عَن أبي مسْهر عَن مَالك حَدثنِي أَبُو النَّضر قَوْله " عَن عَامر " وَفِي رِوَايَة عَاصِم بن مهجع عَن مَالك وَعند الدَّارَقُطْنِيّ سَمِعت عَامر بن سعد قَوْله " عَن أَبِيه " هُوَ سعد بن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وَفِي رِوَايَة إِسْحَق بن الطباع عَن مَالك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ سَمِعت أبي قَوْله مَا سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - قيل كَيفَ قَالَ سعد هَذَا وَقد علم أَنه قَالَ ذَلِك فِيهِ وَفِي بَاقِي الْعشْرَة وَأجَاب عَنهُ الْخطابِيّ بِأَنَّهُ كره التَّزْكِيَة لنَفسِهِ وَلزِمَ التَّوَاضُع وَلم ير لنَفسِهِ من الِاسْتِحْقَاق مَا رَآهُ لِأَخِيهِ وَقَالَ ابْن التِّين هَذَا غير بَين لِأَنَّهُ نفى بَاقِي الْعشْرَة بقوله قلت الْأَوْجه أَن يُقَال لفظ مَا سَمِعت لم ينف أصل الْإِخْبَار بِالْجنَّةِ لغيره وَقَالَ الْكرْمَانِي التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد أَو المُرَاد بِالْعشرَةِ الَّذين جَاءَ فيهم لفظ الْبشَارَة المبشرون بهَا فِي مجْلِس وَاحِد أَو لم يقل لأحد غَيره حَال مَشْيه على الأَرْض وَلَا بُد من التَّأْوِيل وَكَيف لَا والحسنان وَأَزْوَاج النَّبِي ﷺ َ - بل أهل بدر وَنَحْوهم من أهل الْجنَّة قطعا انْتهى قَالَ وَفِيه نزلت أَي وَفِي عبد الله بن سَلام نزلت هَذِه الْآيَة ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل﴾ وَفِي التَّفْسِير الشَّاهِد هُوَ عبد الله بن سَلام وَتَمام الْآيَة على مثله ﴿فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الضَّمِير فِي مثله لِلْقُرْآنِ أَي على مثله فِي الْمَعْنى وَهُوَ مَا فِي التَّوْرَاة من الْمعَانِي الْمُطَابقَة لمعان الْقُرْآن من التَّوْحِيد والوعد والوعيد وَغير ذَلِك وَحَاصِل الْمَعْنى وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على كَونه من عِنْد الله وَمن جملَة من قَالَ أَن الشَّاهِد هُوَ عبد الله بن سَلام الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُجاهد وَالضَّحَّاك وَأنْكرهُ مَسْرُوق وَالشعْبِيّ وَقَالا السُّورَة مَكِّيَّة يَعْنِي سُورَة الْأَحْقَاف يَعْنِي السُّورَة الَّتِي فِيهَا الْآيَة الْمَذْكُورَة قَالَ الشّعبِيّ وَأسلم عبد الله بن سَلام قبل مَوته ﷺ َ - بعامين وَاخْتلفَا فِي المُرَاد بِالْآيَةِ فَقَالَ مَسْرُوق الشَّاهِد مُوسَى ﵇ وَقَالَ الشّعبِيّ هُوَ رجل من أهل الْكتاب وَأجِيب بِأَنَّهُ يجوز أَن تكون الْآيَة مَدَنِيَّة من سُورَة مَكِّيَّة وَقَالَ صَاحب مقامات النزيل هَذِه السُّورَة يَعْنِي سُورَة الْأَحْقَاف مَكِّيَّة إِلَّا آيتان مدنيتان مِنْهُمَا هَذِه الْآيَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل الشَّاهِد ابْن يَامِين وروى السّديّ عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا نزلت فِي عبد الله بن سَلام وَابْن يَامِين واسْمه عُمَيْر بن وهب النضري وروى عبد بن حميد عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن اسْمه مَيْمُون بن يَامِين وَفِيه نزلت هَذِه الْآيَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة يَامِين بن يَامِين الإسرائيلي أسلم وَكَانَ من بني النَّضر وَقيل يَامِين بن عمر وَقَالَ فِي بَاب الْمِيم مَيْمُون بن يَامِين قَالَ سعيد بن جُبَير كَانَ رَأس الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ فَأسلم قَوْله " قَالَ لَا أَدْرِي " أَي قَالَ عبد الله بن يُوسُف الرَّاوِي عَن مَالك لَا أَدْرِي قَالَ مَالك الْآيَة عِنْد الرِّوَايَة أَو كَانَت هَذِه الْكَلِمَة مَذْكُورَة فِي جملَة الحَدِيث فَلَا يكون خَاصّا بِمَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقيل هَذَا الشَّك من القعْنبِي أحد الروَاة عَن مَالك وَلَيْسَ بِصَحِيح بل هُوَ عبد الله بن يُوسُف وروى إِسْمَاعِيل بن عبد الله الملقب بسمويه فِي فَوَائده هَذَا عَن عبد الله بن يُوسُف وَلم يذكر هَذَا الْكَلَام عَنهُ وَكَذَا رَوَاهُ الإسمعيلي من وَجه آخر عَن عبد الله بن يُوسُف وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَنهُ فِي غرائب مَالك من وَجْهَيْن آخَرين وَأخرجه من طَرِيق ثَالِث عَنهُ بِلَفْظ آخر مُقْتَصرا على الزِّيَادَة دون الحَدِيث وَقَالَ أَنه وهم وروى ابْن مَنْدَه فِي الْإِيمَان من طَرِيق إِسْحَق بن يسَار عَن عبد الله بن يُوسُف الحَدِيث وَالزِّيَادَة وَالَّذِي يظْهر من هَذَا الِاخْتِلَاف أَنَّهَا مدرجة
٣٠١ - (حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا أَزْهَر السمان عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد عَن قيس -
٣١٨٣ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا أزْهَرُ السَّمَّانُ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ قَيْسِ
стр. 4915
ابنِ عُبَادٍ قَالَ كُنْتُ جالِسَاً فِي مَسْجِدِ المَدِينَةِ فدَخَلَ رَجُلٌ علَى وجْهِهِ أثَرُ الخُشُوعِ فقالُوا هذَا رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ وتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ إنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ المَسْجِدَ قالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ قَالَ وَالله مَا يَنْبَغِي لأِحَدٍ أنْ يقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ وسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَلِكَ رأيْتُ رُؤيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فقَصَصْتُهَا علَيْهِ ورَأيْتُ كأنِّي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سِعَتِهَا وخُضْرَتِها وسْطَها عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أسْفَلُهُ فِي الأرْضِ وأعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أعْلَاهُ عُرْوَةٌ فَقِيلَ لِيَ ارْقَهْ قُلْتُ لَا أسْتَطِيعُ فأتَانِي مِنْصَفٌ فرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي فرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أعْلاهَا فأخَذْتُ بالعُرْوَةِ فَقيلَ لِي اسْتَمْسِكْ فاسْتَيْقَظْتُ وإنَّهَا لَفِي يَدِي فقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإسْلَامُ وذَلِكَ العَمُودُ عَمُودُ الإسْلَامِ وتِلْكَ العُرْوَةُ عُرْوَةُ الوُثْقَى فأنْتَ علَى الإسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ وذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ الله بنُ سَلَامٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي. الثَّانِي: أَزْهَر، بِسُكُون الزَّاي وَفتح الْهَاء: ابْن سعد الْبَاهِلِيّ مَوْلَاهُم السمان بتَشْديد الْمِيم الْبَصْرِيّ، يكنى أَبَا بكر، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: عبد الله بن عون بن أرطبان أَبُو عون الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: قيس بن عباد، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة: الْبَصْرِيّ، قَتله الْحجَّاج صبرا.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل عبد الله بن سَلام عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن جبلة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كنت جَالِسا فِي مَسْجِد الْمَدِينَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم قَالَ: (كنت بِالْمَدِينَةِ فِي نَاس فيهم بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، فجَاء رجل فِي وَجهه أثر من خشوع) . قَوْله: (تجوز فيهمَا) ، أَي: خفف وتكلف الْجَوَاز فيهمَا. قَوْله: (ثمَّ خرج وتبعته) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَأَتْبَعته فَدخل منزله وَدخلت، فتحدثنا، فَلَمَّا استأنس قلت لَهُ: إِنَّك لما دخلت قَالَ رجل: كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (قَالَ: وَالله لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَقُول مَا لَا يعلم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم (قَالَ: سُبْحَانَ الله! مَا يَنْبَغِي لأحد) ، وَهَذَا إِنْكَار من عبد الله بن سَلام حَيْثُ قطعُوا لَهُ بالحنة، فَيحْتَمل أَن هَؤُلَاءِ بَلغهُمْ خبر سعد أَنه من أهل الْجنَّة وَلم يسمع هُوَ ذَلِك، أَو أَنه كره الثَّنَاء عَلَيْهِ بذلك تواضعاً، أَو غَرَضه: إِنِّي رَأَيْت رُؤْيا على عَهده، ﷺ فَقَالَ: ﷺ ذَلِك، وَهَذَا لَا يدل على النَّص بِقطع رَسُول الله، ﷺ ، على أَنِّي من أهل الْجنَّة، فَلهَذَا كَانَ مَحل الْإِنْكَار. قَوْله: (لم ذَلِك؟) أَي: لأجل مَا قَالُوا ذَلِك القَوْل؟ قَوْله: (ذكر) أَي: عبد الله بن سَلام. قَوْله: (أرقه) ، بهاء السكت فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: أرق، بِدُونِ الْهَاء، وَهُوَ أَمر من رقى يرقى من بَاب علم يعلم إِذا ارْتَفع وَعلا، ومصدره: رقي، بِضَم الرَّاء وَكسر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (فَأَتَانِي منصف) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون، وَهُوَ الْخَادِم. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، بِفَتْح الْمِيم وَالْأول أشهر قَوْله: (فَرفع ثِيَابِي) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ثمَّ قَالَ: بثيابي من خَلْفي) ، وَوصف أَنه رَفعه من خَلفه بِيَدِهِ. قَوْله: (فرقيت) بِكَسْر الْقَاف على الْمَشْهُور وَحكي فتحهَا. قَوْله: (فَاسْتَيْقَظت) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وَلَقَد استيقظت) . قَوْله: (وَإِنَّهَا) الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وَإِن العروة فِي يَدي، مَعْنَاهُ: أَنه بعد الْأَخْذ اسْتَيْقَظَ فِي الْحَال قبل التّرْك لَهَا، يَعْنِي: استيقظت حَال الْأَخْذ من غير فاصلة بَينهمَا، أَو أَن أَثَرهَا فِي يَدي كَانَ يَده بعد الاستيقاظ كَانَت مَقْبُوضَة بعد كَأَنَّهَا تسْتَمْسك شَيْئا، مَعَ أَنه لَا مَحْذُور فِي الْتِزَام كَون العروة فِي يَده عِنْد الاستيقاظ لشمُول قدرَة الله لنحوه. قَوْله: (الْإِسْلَام) يُرِيد بِهِ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالدّينِ، وَيُرِيد بالعمود: الْأَركان الْخَمْسَة أَو كلمة الشَّهَادَة وَحدهَا، وَيُرِيد بالعروة الوثقى الْإِيمَان قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ (الْبَقَرَة: ٦٥٢) . والوثقى على وزن فعلى من وثق بِهِ ثِقَة ووثوقاً، أَي: ائتمنه وأوثقه وَوَثَّقَهُ بِالتَّشْدِيدِ أحكمه. قَوْله: (وَذَلِكَ الرجل: عبد الله بن سَلام)
стр. 4916
يحْتَمل أَن يكون هُوَ قَوْله: وَلَا مَانع أَن يخبر بذلك وَيُرِيد نَفسه، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام الرَّاوِي.
وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حدَّثنا مُعاذٌ حدَّثنا ابنُ عَوْن عنْ مُحَمَّدٍ حدَّثنا قَيْسُ بنُ عُبَّادٍ عنِ ابنِ سَلَامٍ قَالَ وَصِيفٌ مَكانَ مِنْصَفٌ
أَي: قَالَ لي خَليفَة بن خياط، وَهُوَ أحد شُيُوخه: حَدثنَا معَاذ بن معَاذ بن نصر الْعَنْبَري قَاضِي الْبَصْرَة حَدثنَا عبد الله بن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين حَدثنَا قيس بن عباد الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة عَن عبد الله بن سَلام أَنه قَالَ: فَأَتَانِي وصيف، مَكَان منصف، والوصيف بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الْخَادِم الصَّغِير غُلَاما كَانَ أَو جَارِيَة، وَمن طَرِيق معَاذ بن معَاذ الْمَذْكُور روى مُسلم الحَدِيث الْمَذْكُور، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا معَاذ حَدثنَا ابْن عون ... إِلَى آخِره نَحوه، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن قُتَيْبَة من حَدِيث خَرشَة بن الْحر مطولا بِأَلْفَاظ غير مَا فِي الرِّوَايَة الأولى.
٤١٨٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ أتَيْتُ المَدِينَةَ فلَقِيتُ عبْدَ الله بنَ سَلَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ ألَا تَجيءُ فأُطْعِمَكَ سَوِيقاً وتَمْرَاً وتَدْخُلُ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قالَ إنَّكَ بأرْضٍ الرِّبَا بِها فاشٍ إذَا كانَ لَكَ علَى رَجُلٍ حَقٌّ فأهْدَى إلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلَا تَأخُذُهُ فإنَّهُ رِبَاً ولَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وأبُو دَاوُدَ ووَهْبٌ عنْ شُعْبَةَ الْبَيْتَ. (الحَدِيث ٤١٨٣ طرفه فِي: ٢٤٣٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: من حَيْثُ إِنَّه علم مِنْهُ أَن النَّبِي ﷺ ، دخل فِي بَيت عبد الله وَفِيه تَعْظِيم لَهُ. وَالْآخر: من حَيْثُ إِنَّه أَمر بترك قبُول هَدِيَّة الْمُسْتَقْرض، وَهَذَا من غَايَة الْوَرع، وَفِيه منقبة عَظِيمَة.
وَسَعِيد بن أبي بردة يروي عَن أَبِيه أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَاضِي الْكُوفَة مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة وَهُوَ ابْن نَيف وَثَمَانِينَ سنة.
قَوْله: (وَتدْخل فِي بَيت) ، التَّنْوِين فِيهِ للتعظيم أَي: بَيت عَظِيم مشرف بِدُخُول رَسُول الله، ﷺ ، فِيهِ وَهُوَ أحد وَجْهي الْمُطَابقَة على مَا ذكرنَا. قَوْله: (بِأَرْض) أَي: أَرض الْعرَاق أَي: إِنَّك مُقيم بِأَرْض. قَوْله: (الرِّبَا بهَا فاشٍ) ، جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لأرض، وَمعنى: فاشٍ ظَاهر وشاسع كثير من الفشو. قَوْله: (حمل تبن) ، بِكَسْر الْحَاء. قَوْله: (أَو) فِي الْمَوْضِعَيْنِ للتنويع. قَوْله: (قت) ، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ نوع من علف الدَّوَابّ. قَوْله: (فَإِنَّهُ رَبًّا) أَي: فَإِن قبُول هَدِيَّة الْمُسْتَقْرض جَار مجْرى الرِّبَا من حَيْثُ إِنَّه زَائِد على مَا أَخذه من الْمُسْتَقْرض، وَيُمكن أَن يكون رَأْي عبد الله بن سَلام أَنه عِنْده حَقِيقَة الرِّبَا، وعَلى كل حَال الْوَرع والزهد وَالتَّقوى يَنْفِي ذَلِك. قَوْله: (وَلم يذكر النَّضر) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة هُوَ ابْن شُمَيْل، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن النَّضر ابْن شُمَيْل وَأَبا دَاوُد سُلَيْمَان الطَّيَالِسِيّ ووهب بن جرير لما رووا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن شُعْبَة لم يذكرُوا فِيهِ لفظ: (وَتدْخل فِي بَيت) .
٠٢ - (بابُ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ خدِيجَةَ وفَضْلِهَا رَضِي الله تَعَالَى عنهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَزْوِيج النَّبِي ﷺ ، خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي، تَجْتَمِع مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي قصي وَهِي من أقرب نِسَائِهِ إِلَيْهِ فِي النّسَب، وَلم يتَزَوَّج من ذُرِّيَّة قصي غَيرهَا إلَاّ أم حَبِيبَة. قَالَ الزبير: كَانَت خَدِيجَة تدعى فِي الْجَاهِلِيَّة الطاهرة، أمهَا فَاطِمَة بنت زَائِدَة بن الْأَصَم، والأصم اسْمه: جُنْدُب بن هرم بن رَوَاحَة بن حجر بن عبد معيص بن عَامر بن لؤَي، تزَوجهَا رَسُول الله، ﷺ ، فِي سنة خمس وَعشْرين من مولده فِي قَول الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَت إِذْ تزَوجهَا رَسُول الله، ﷺ ، بنت أَرْبَعِينَ سنة، وأقامت مَعَه أَرْبعا وَعشْرين سنة وَتوفيت وَهِي بنت أَربع وَسِتِّينَ سنة، وَسِتَّة أشهر، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، إِذْ تزَوجهَا ابْن إِحْدَى وَعشْرين سنة، وَقيل: ابْن خمس وَعشْرين، وَهُوَ الْأَكْثَر، وَقيل: ابْن ثَلَاثِينَ وَتوفيت قبل الْهِجْرَة بِخمْس سِنِين.
стр. 4917
وَقيل: بِأَرْبَع، وَقَالَ قَتَادَة: قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين، قَالَ أَبُو عمر: قَول قَتَادَة عندنَا أصح، وَقَالَ أَبُو عمر: يُقَال: إِنَّهَا توفيت بعد موت أبي طَالب بِثَلَاثَة أَيَّام، توفيت فِي شهر رَمَضَان ودفنت فِي الْحجُون، وَذكر الْبَيْهَقِيّ: أَن أَبَاهَا خويلد هُوَ الَّذِي زوجه إِيَّاهَا، وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَنه زَوجهَا إِيَّاه عَمها عَمْرو بن أَسد، وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن الَّذِي زوجه إِيَّاهَا أَخُوهَا عَمْرو بن خويلد، وَكَانَت قبل النَّبِي ﷺ عِنْد أبي هَالة بن النباش بن زُرَارَة التَّمِيمِي حَلِيف بني عبد الدَّار، قَالَ الزبير: اسْمه مَالك، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: زُرَارَة، وَقَالَ العسكري: هِنْد، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اسْمه النباش وَابْنه هِنْد، وَمَات أَبُو هَالة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَت خَدِيجَة قبله عِنْد عَتيق بن عَائِذ المَخْزُومِي، ثمَّ خلف عَلَيْهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه ولد لَهُ مِنْهَا أَوْلَاده كلهم إلَاّ إِبْرَاهِيم، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق، ولدت خَدِيجَة لَهُ زَيْنَب ورقية وَأم كُلْثُوم وَفَاطِمَة وَالقَاسِم، وَبِه كَانَ يكنى، والطاهر وَالطّيب، فالثلاثة هكلوا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأما بَنَاته فكلهن أدركن الْإِسْلَام فأسلمن وهاجرن مَعَه ﷺ . فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: بَاب تَزْوِيج النَّبِي ﷺ خَدِيجَة، وَكَانَ يَقْتَضِي الْكَلَام أَن يُقَال: بَاب تزوج النَّبِي ﷺ من بَاب التفعل لَا من بَاب التفعيل؟ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون التَّزْوِيج لغيره؟ قلت: قد وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب تزوج النَّبِي ﷺ خَدِيجَة على الأَصْل، وَلَكِن فِي أَكثر النّسخ بِلَفْظ: تَزْوِيج، فوجهه أَن يُقَال: إِن التفعيل يَجِيء بِمَعْنى التفعل، وَلِهَذَا يُقَال: بِمَعْنى الْمُتَقَدّمَة، أَو المُرَاد: تَزْوِيج النَّبِي ﷺ خَدِيجَة من نَفسه. قَوْله: (وفضلها) أَي: وَفِي بَيَان فضل خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
٥١٨٣ - حدَّثني مُحَمَّدٌ أخْبَرَنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ. . ح وحدَّثني صَدَقَةُ أخبرنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ جَعْفَر عَنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وخَيْرُ نِسائِهَا خَدِيجَةُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٣٤٣) .
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين الأول: عَن مُحَمَّد بن سَلام البُخَارِيّ البيكندي وَهُوَ من أَفْرَاده عَن عَبدة بن سُلَيْمَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ . الثَّانِي: عَن صَدَقَة بن الْفضل الْمروزِي عَن عَبدة ... إِلَى آخِره.
وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ، هِشَام عَن أَبِيه، وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ: عبد الله بن جَعْفَر عَن عَمه عَليّ بن أبي طَالب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي بَاب: ﴿وَإِذ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله اصطفاك﴾ (آل عمرَان: ٢٤) . وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الضَّمِير يَعْنِي فِي: نسائها، عَائِد على غير مَذْكُور، لكنه يفسره الْحَال والشأن، يَعْنِي بِهِ نسَاء الدُّنْيَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الضَّمِير الأول يرجع إِلَى الْأمة الَّتِي كَانَت فِيهَا مَرْيَم، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالثَّانِي إِلَى هَذِه الْأمة، وَلِهَذَا كرر الْكَلَام تَنْبِيها على أَن حكم كل وَاحِدَة مِنْهُمَا غير حكم الْأُخْرَى، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن وَكِيع عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث، وَأَشَارَ وَكِيع إِلَى السَّمَاء وَالْأَرْض، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يبين أَن المُرَاد نسَاء الدُّنْيَا، وَأَن الضميرين يرجعان إِلَى الدُّنْيَا، وَبِهَذَا جزم الْقُرْطُبِيّ أَيْضا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالضَّمِير يرجع إِلَى الأَرْض، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَن قَوْله: (خير نسائها) خبر مقدم، وَالضَّمِير لِمَرْيَم، وَكَأَنَّهُ قَالَ: مَرْيَم خير نسائها، أَي: نسَاء زمانها، وَكَذَا فِي خَدِيجَة: قلت: هَذَا فِيهِ تعسف من وُجُوه: الأول: تَقْدِيم الْخَبَر لغير نُكْتَة غير طائل. وَالثَّانِي: إِضَافَة النِّسَاء إِلَى مَرْيَم غير صَحِيحَة. وَالثَّالِث: فِيهِ الْحَذف وَهُوَ غير الأَصْل.
٦١٨٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ كَتَبَ إلَيَّ هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ مَا غِرْتُ علَى امْرَأةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ هَلَكَتْ قَبْل أنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أسْمَعُهُ يَذْكُرُها وأمَرَهُ الله أنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ وإنْ كانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ
стр. 4918
فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير أَبُو عُثْمَان الْمصْرِيّ، وَقد نسب إِلَى جده، والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (كتب إِلَيّ هِشَام) يَعْنِي: هِشَام بن عُرْوَة ابْن الزبير، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر عَن اللَّيْث: حَدثنِي هِشَام بن عُرْوَة، قيل: لَعَلَّ اللَّيْث لَقِي هشاماً بعد أَن كتب إِلَيْهِ بِهَذَا الحَدِيث فحدثه بِهِ. وَقيل: كَانَ مَذْهَب اللَّيْث أَن الْكِتَابَة والتحديث سَوَاء، وَنقل عَنهُ الْخَطِيب ذَلِك. قَوْله: (مَا غرت) بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة من الْغيرَة وَهِي الحمية والأنفة، يُقَال: رجل غيور وَامْرَأَة غيور بِلَا: هَاء، لِأَن فعولًا يشْتَرك فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى، وَجَاء فِي حَدِيث: أَن امْرَأَة غيرى، على وزن فعلى، من الْغيرَة يُقَال: غرت على أَهلِي أغار غيرَة فَأَنا غائر وغيور للْمُبَالَغَة، وَفِيه ثُبُوت الْغيرَة وَأَنَّهَا غير مستنكر وُقُوعهَا من فاضلات النِّسَاء، فضلا عَمَّن دونهن، وَكَانَت عَائِشَة تغار من نسَاء النَّبِي ﷺ ، وَلَكِن تغار من خَدِيجَة أَكثر، وَذَلِكَ لِكَثْرَة ذكر رَسُول الله، ﷺ ، إِيَّاهَا. وأصل غيرَة المرأ من تخيل محبَّة غَيرهَا أَكثر مِنْهَا وَكَثْرَة الذّكر تدل على كَثْرَة الْمحبَّة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مرادها بِالذكر لَهَا مدحها وَالثنَاء عَلَيْهَا. قَوْله: (هَلَكت قبل أَن يَتَزَوَّجنِي) أَي: مَاتَت خَدِيجَة قبل أَن يتَزَوَّج النَّبِي ﷺ ، بعائشة، وَيَأْتِي عَن قريب بَيَان الْمدَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وأشارت عَائِشَة بذلك إِلَى أَن خَدِيجَة لَو كَانَت حَيَّة فِي زمانها لكَانَتْ غيرتها مِنْهَا أَكثر وَأَشد. قَوْله: (وَأمره الله أَن يبشرها) ، أَي: أَمر الله تَعَالَى النَّبِي ﷺ ، أَن يبشر خَدِيجَة (بِبَيْت من قصب) بِفتْحَتَيْنِ، قَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ أنابيب من جَوْهَر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِهِ قصب اللُّؤْلُؤ المجوف، وَقيل: قصب من ذهب منظوم بالجواهر، وَيُقَال: الْقصب هُنَا اللُّؤْلُؤ المجوف الْوَاسِع كالقصر المنيف، وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة عبد الله بن وهب: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة قلت: يَا رَسُول الله ﴿وَمَا بَيت من قصب؟ قَالَ: بَيت من لؤلؤة مجوفة، رَوَاهُ السَّمرقَنْدِي فِي (صَحِيح مُسلم) : مجوبة، وروى الْخطابِيّ: مجوبة، بِضَم الْجِيم، أَي: قطع داخلها فتفرغ، وخلا من قَوْلهم: جبت الشَّيْء إِذا قطعته، وروى أَبُو الْقَاسِم بن مطير بِإِسْنَادِهِ عَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، سيدة نسَاء الْعَالمين أَنَّهَا قَالَت: (يَا رَسُول الله أَيْن أُمِّي خَدِيجَة؟ قَالَ: فِي بَيت من قصب، لَا لَغْو فِيهِ وَلَا نصب، بَين مَرْيَم وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن. قَالَت: يَا رَسُول الله﴾ أَمن هَذَا الْقصب؟ قَالَ: لَا من الْقصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت. فَإِن قلت: قَالَ: من قصب، وَلم يقل: من لُؤْلُؤ وَنَحْوه؟ قلت: هَذَا من بَاب المشاكلة لِأَنَّهَا لما أحرزت قصب السَّبق إِلَى الْإِيمَان دون غَيرهَا من الرِّجَال وَالنِّسَاء ذكر الْجَزَاء بِلَفْظ الْعَمَل، وَالْعرب تسمي السَّابِق مُحرز الْقصب. فَإِن قلت: كَيفَ بشرها بِبَيْت وَأدنى أهل الْجنَّة منزلَة من يُعْطي مسيرَة ألف عَام فِي الْجنَّة، كَمَا فِي حَدِيث ابْن عمر عِنْد التِّرْمِذِيّ؟ قلت: قيل: بِبَيْت زَائِد على مَا أعده الله لَهَا من ثَوَاب أَعمالهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْبَيْت هُنَا عبارَة عَن قصر، ألَا يرى قد يُقَال لمنزل الرجل: بَيته، وَيُقَال فِي الْقَوْم: هَل هُوَ أهل بَيت شرف وَعز؟ وَقَالَ السُّهيْلي ماملخصه: أَنه من بَاب المشاكلة لِأَنَّهَا كَانَت ربة بَيت فِي الْإِسْلَام وَلم يكن على وَجه الأَرْض بَيت إِسْلَام إلَاّ بَيتهَا حِين آمَنت، وَجَزَاء الْفِعْل يذكر بِلَفْظ الْفِعْل، وَإِن كَانَ أشرف مِنْهُ، كَمَا قيل: من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة، لم يرد مثله فِي كَونه مَسْجِدا وَلَا فِي صفته، وَلكنه قَابل الْبُنيان بالبنيان أَي: كَمَا بنى بني لَهُ. قَوْله: (وَإِن كَانَ) ، كلمة: إِن، مُخَفّفَة من المثقلة وَيُرَاد بهَا تَأْكِيد الْكَلَام وَلِهَذَا أَتَت بِاللَّامِ فِي قَوْلهَا (ليذبح) . قَوْله: (فيهدي) فِي خلائلها، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة جمع خَلِيلَة، وَهِي الصديقة وَهَذَا أَيْضا من أَسبَاب الْغيرَة لما فِيهِ من الْإِشْعَار باستمرار حبه لَهَا حَتَّى كَانَ يتَعَاهَد صواحباتها. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من الشَّاة. قَوْله: (مَا يسعهن) أَي: مَا يسع لَهُنَّ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (مَا يتسعهن) ، أَي: مَا يَتَّسِع لَهُنَّ، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: مَا يشبعهن) من الإشباع، قيل: لَيْسَ فِي رِوَايَته كلمة مَا.
٧١٨٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجةَ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ
стр. 4919
رَسُولِ الله إيَّاهَا قالَتْ وتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا بِثَلاثِ سِنينَ وأمَرَهُ رَبُّهُ أوْ جِبْرِيلُ ﵇ أنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عَن قُتَيْبَة عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِي، بِضَم الرَّاء وهمزة بعد الرَّاء وسين مُهْملَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَحَدِيث آخر فِي الْحُدُود، وَفِيه زِيَادَة قَوْله: (وَتَزَوَّجنِي بعْدهَا) أَي: بعد موت خَدِيجَة بِثَلَاث سِنِين. قَالَ النَّوَوِيّ: أَرَادَت بذلك زمن دُخُولهَا عَلَيْهِ، وَأما العقد فَتقدم على ذَلِك بِمدَّة سنة وَنصف. قَوْله: (أَو جِبْرِيل) ، شكّ من الرَّاوِي.
٨١٨٣ - حدَّثني عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَسَنٍ حدَّثنا أبي حدَّثنا حَفْصٌ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ مَا غِرْتُ علَى أحَدٍ مِنْ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ علَى خدِيجَةَ وَمَا رأيْتُها ولَكِنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا ورُبَّما ذَبحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُها أعْضاءٍ ثُمَّ يبْعَثُهَا فِي صدَائِقِ خدِيجَةَ فرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امرَأةٌ إلَاّ خدِيجَةُ فيَقُولُ إنَّهَا كانَتْ وكانَتْ وكانَ لِي مِنْها ولَدٌ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور أخرجه عَن عمر بن مُحَمَّد بن حسن الْمَعْرُوف بِابْن التل، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد اللَّام الْأَسدي الْكُوفِي، مَاتَ فِي شَوَّال سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ، يروي عَن أَبِيه مُحَمَّد بن حسن بن الزبير أبي جَعْفَر الْأَسدي الْكُوفِي هُوَ وَابْنه من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَهُوَ يروي عَن حَفْص بن غياث النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَهَذَا الْإِسْنَاد نَازل لِأَنَّهُ يروي عَن حَفْص بن غياص بِوَاسِطَة شخص، وَهنا روى عَنهُ بِوَاسِطَة اثْنَيْنِ، وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ لعمر إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي الزَّكَاة، وَقد مر، وَهُوَ من صغَار شُيُوخه.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فضل خَدِيجَة أَيْضا عَن سهل بن عُثْمَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن أبي هِشَام الرِّفَاعِي.
قَوْله: (وَمَا رَأَيْتهَا) جملَة حَالية، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وَلم أدْركهَا) ، وَالْمعْنَى: مَا رَأَيْتهَا عِنْد النَّبِي ﷺ ، وَلَا أدركتها عِنْده، ورؤيتها إِيَّاهَا كَانَت مُمكنَة، وَكَذَلِكَ إِدْرَاكهَا إِيَّاهَا لِأَنَّهَا كَانَت عِنْد موت خَدِيجَة بنت سِتّ سِنِين، وَلَكِن نَفيهَا الرُّؤْيَة والإدراك بالقيد الْمَذْكُور. قَوْله: (كَأَنَّهُ لم يكن) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (كَأَن لم يكن) ، بِحَذْف الْهَاء. قَوْله: (أَنَّهَا كَانَت) ، أَي: أَن خَدِيجَة كَانَت، وَكَانَت أَي: كَانَت فاضلة، وَكَانَت عاملة وَكَانَت تقية وَنَحْوهَا ذَلِك، قَوْله: (وَكَانَ لي مِنْهَا) أَي: من خَدِيجَة: (ولد) وَقد ذكرنَا أَن جَمِيع أَوْلَاده من خَدِيجَة إلَاّ ابْنه إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ من مَارِيَة الْقبْطِيَّة.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِي هَذَا الحَدِيث وَنَحْوه دلَالَة لحسن الْعَهْد وَحفظ الود ورعاية حُرْمَة الصاحب والمعاشر حَيا وَمَيتًا، وإكرام معارف ذَلِك الصاحب.
٣٠٧ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن إِسْمَاعِيل قَالَ قلت لعبد الله بن أبي أوفى ﵄ بشر النَّبِي ﷺ َ - خَدِيجَة قَالَ نعم بِبَيْت من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب) يحيى هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد وَعبد الله بن أبي أوفى وَاسم أبي أوفى عَلْقَمَة الْأَسْلَمِيّ لَهما صُحْبَة قَوْله بشر النَّبِي ﷺ َ - خَدِيجَة أَي هَل بشر النَّبِي ﷺ َ - وأداة الِاسْتِفْهَام محذوفة قَوْله قَالَ نعم أَي قَالَ عبد الله نعم بشرها بِبَيْت من قصب وَقد مضى فِي أَبْوَاب الْعمرَة فِي بَاب مَتى يحل الْمُعْتَمِر فِي رِوَايَة جرير عَن إِسْمَاعِيل أَنهم قَالُوا لعبد الله بن أبي أوفى حَدثنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَة قَالَ قَالَ بشروا خَدِيجَة بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب وَقد
стр. 4920
مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ والقصب قد مر تَفْسِيره والصخب بِالْمُهْمَلَةِ والمعجمة المفتوحتين الصَّوْت الْمُخْتَلط الْمُرْتَفع وَالنّصب الْمَشَقَّة والتعب وَذكر الصخب وَالنّصب أَيْضا من بَاب المشاكلة لِأَنَّهُ ﷺ َ - لما دَعَاهَا إِلَى الْإِيمَان أَجَابَتْهُ سَرِيعا وَلم تحوجه إِلَى أَن يصخب كَمَا يصخب الرجل إِذا تعصت عَلَيْهِ امْرَأَته وَلَا أَن ينصب بل أزالت عَنهُ كل نصب وآنسته من كل وَحْشَة وهونت عَلَيْهِ كل مَكْرُوه وأزاحت بمالها كل كدر وَنصب فوصف منزلهَا الَّذِي بشرت بِهِ بِالصّفةِ الْمُقَابلَة لفعلها وَصُورَة حَالهَا -
٠٢٨٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ يَا رسولَ الله هذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أتَتْ مَعَهَا إنَاءٌ فِيهِ إدامٌ أَو طَعَامٌ أوْ شَرَابٌ فإذَا هِيَ أتَتْكَ فاقْرَأ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ ولَا نَصَبَ. (الحَدِيث ٠٢٨٣ طرفه فِي: ٧٩٤٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة لم يدْرك خَدِيجَة وَلَا أَيَّامهَا، وَعمارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن قعقاع، وَأَبُو زرْعَة بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ اسْمه هرم، وَقيل: عبد الله، وَقيل: غير ذَلِك.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر، وَأبي كريب وَابْن نمير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن عَمْرو بن عَليّ.
قَوْله: (عَن أبي هُرَيْرَة) وَفِي رِوَايَة مُسلم: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة. قَوْله: (أَتَى جِبْرِيل) وَعند الطَّبَرَانِيّ أَن ذَلِك كَانَ وَهُوَ بحراء. قَوْله: (قد أَتَت) وَفِي رِوَايَة مُسلم: قد أتتك، أَي: تَوَجَّهت أليك، قَوْله: (فِيهِ إدام أَو طَعَام أَو شراب) شكّ من الرَّاوِي، وَعند الطَّبَرَانِيّ أَنه كَانَ حَيْسًا. قَوْله: (فَإِذا هِيَ أتتك) أَي: وصلت إِلَيْك. قَوْله: (فاقرأ ﵍ أَي: سلم عَلَيْهَا من رَبهَا ومني. فَإِن قلت: كَيفَ ردَّتْ الْجَواب؟ قلت: بَين ذَلِك الطَّبَرَانِيّ فِي رِوَايَته، فَقَالَت: هُوَ السَّلَام وَمِنْه السَّلَام وعَلى جِبْرِيل السَّلَام. وللنسائي من رِوَايَة أنس، قَالَ: قَالَ جِبْرِيل للنَّبِي ﷺ : إِن الله يقرىء خَدِيجَة السَّلَام، يَعْنِي: فَأَخْبرهَا فَقَالَت: إِن الله هُوَ السَّلَام وعَلى جِبْرِيل السَّلَام وَعَلَيْك يَا رَسُول الله السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَفِي رِوَايَة ابْن السّني زِيَادَة وَهِي قَوْلهَا: وعَلى من سمع السَّلَام إلَاّ الشَّيْطَان. فَإِن قلت: فَلم مَا قَالَت: وعَلى الله السَّلَام؟ كَمَا قَالَت: وعَلى جِبْرِيل وَعَلَيْك يَا رَسُول الله؟ قلت: لِأَن الله هُوَ السَّلَام، وَهُوَ إسم من أَسْمَائِهِ فَلَا يرد ﵇ كَمَا يرد على المخلوقين، أَلا يرى أَن بعض الصَّحَابَة لما قَالُوا فِي التَّشَهُّد: السَّلَام على الله؟ نَهَاهُم النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك، وَقَالَ: إِن الله هُوَ السَّلَام؟ فَقولُوا التَّحِيَّات لله، وَلِأَن السَّلَام دُعَاء أَيْضا بالسلامة فَلَا يصلح أَن يرد بِهِ على الله، فَفِيهِ دلَالَة على صِحَة فهم خَدِيجَة وَقُوَّة إِدْرَاكهَا مثل هَذَا. فَإِن قلت: لما ردَّتْ الْجَواب بِمَا ذكرنَا، هَل كَانَ جِبْرِيل، ﵊، حَاضرا؟ قلت: بلَى، كَانَ حَاضرا فَردَّتْ عَلَيْهِ وَردت على النَّبِي ﷺ ، مرَّتَيْنِ، ثمَّ أخرجت الشَّيْطَان مِمَّن سمع لِأَنَّهُ لَا يسْتَحق الدُّعَاء بذلك.
١٢٨٣ - وقَالَ إسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ قالَ أخبَرَنا علِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشَام عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتِ اسْتأذَنَتْ هالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِد أخْتُ خَدِيجَةَ علَى رسُولِ الله ﷺ فعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقالَ اللَّهُمَّ هَالة قالَتْ فَغِرْتُ فقُلْتُ مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أبْدَلَكَ الله خَيْرَاً مِنْهَا.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة من حَيْثُ دلَالَته على التَّزْوِيج بطرِيق اللُّزُوم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد من التَّرْجَمَة لفظ: وفضلها، كَمَا تَقول: أعجبني زيد وَكَرمه، وتريد أعجبني كرم زيد. قلت: على قَوْله لَا يُوجد فِي الْبَاب للجزء الأول من التَّرْجَمَة حَدِيث يطابقها.
وَإِسْمَاعِيل بن خَالِد أَبُو عبد الله الخزار الْكُوفِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَقَالَ البُخَارِيّ: جَاءَنَا نعيه سنة خمس
стр. 4921
وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. قَوْله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيل) صورته صُورَة التَّعْلِيق فِي النّسخ كلهَا، لَكِن الْحَافِظ الْمزي قَالَ: حَدِيث اسْتَأْذَنت هَالة ... وَذكر الحَدِيث، ثمَّ قَالَ حِينَئِذٍ فِي فضل خَدِيجَة: عَن إِسْمَاعِيل بن خَلِيل، فَهَذِهِ الْعبارَة تدل على أَنه روى عَنهُ، فتقتضي اتِّصَاله. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن سُوَيْد بن سعيد. وَأخرجه أَبُو عوَانَة عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور.
قَوْله: (اسْتَأْذَنت هَالة) ، بِالْهَاءِ وَتَخْفِيف اللَّام، وَهِي أُخْت خَدِيجَة وكلتاهما بِنْتا خويلد بن أَسد، وَكَانَت زوج الرّبيع بن عبد الْعُزَّى ابْن عبد شمس وَالِد أبي الْعَاصِ زوج زَيْنَب بنت النَّبِي ﷺ ، وَذكرت فِي الصَّحَابَة، وَقد هَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة لِأَن استيذانها كَانَ بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (فَعرف اسْتِئْذَان خَدِيجَة) ، أَي: تذكر استئذانها لشبه صَوتهَا بِصَوْت خَدِيجَة. قَوْله: (فارتاع لذَلِك) من الروع أَي: فزع، وَلَكِن المُرَاد لَازمه وَهُوَ التَّغَيُّر، ويروى: فارتاح، بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: اهتز لذَلِك سُرُورًا قَوْله: (فَقَالَ: أللهم هَالة) بِالنّصب تَقْدِيره: يَا الله إجعلها هَالة، فَتكون هَالة مَنْصُوبًا على المفعولية، وَيجوز رَفعهَا على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذِه هَالة، وروى المستغفري من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بِهَذَا السَّنَد. قدم ابْن لِخَدِيجَة يُقَال لَهُ هَالة، فَسمع النَّبِي ﷺ فِي قابلته كَلَام هَالة فانتبه وَقَالَ: هَالة هَالة، ثمَّ قَالَ المستغفري: الصَّوَاب هَالة أُخْت خَدِيجَة. قَوْله: (قَالَت) ، أَي: عَائِشَة (فغرت) من الْغيرَة. (فَقلت: مَا تذكر من عَجُوز من عَجَائِز قُرَيْش؟) أَرَادَت بِهِ خَدِيجَة. قَوْله: (حَمْرَاء الشدقين) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء، والشدق بِالْكَسْرِ جَانب الْفَم، أَرَادَت أَنَّهَا عَجُوز كَبِيرَة جدا قد سَقَطت أسنانها من الْكبر وَلم يبْق بشدها بَيَاض من الْأَسْنَان إِنَّمَا بقيت فِيهِ حمرَة اللثات. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قيل: معنى حَمْرَاء الشدقين بَيْضَاء الشدقين، وَالْعرب تطلق الْأَحْمَر على الْأَبْيَض كَرَاهَة لاسم الْبيَاض لكَونه يشبه البرص، وَفِيه نظر لَا يخفى، وَحكى ابْن التِّين أَنه رُوِيَ بِالْجِيم وَالزَّاي وَلم يذكر لَهُ معنى، وَهُوَ تَصْحِيف، قَالَه بَعضهم. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : روى كِلَاهُمَا وَلم يذكر الْمَعْنى أَيْضا. قَوْله: (خيرا مِنْهَا) ، أَي: من خَدِيجَة، وَقَالَ ابْن التِّين: فِي سكُوت النَّبِي ﷺ ، على هَذِه الْمقَالة دَلِيل على أَفضَلِيَّة عَائِشَة على خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إلَاّ أَن يكون المُرَاد بالخيرية هُنَا حسن الصُّورَة وَصغر السن، وَقَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيره: الْغيرَة تسَامح للنِّسَاء مَا يَقع مِنْهُنَّ وَلَا عُقُوبَة عَلَيْهِنَّ فِي تِلْكَ الْحَالة لما جبلن عَلَيْهَا، وَلِهَذَا لم يزْجر، ﷺ ، عَائِشَة عَن ذَلِك. قلت: فعلى هَذَا سُكُوته ﷺ على الْمقَالة الْمَذْكُورَة لَا يدل على أَفضَلِيَّة عَائِشَة على خَدِيجَة، على أَنه جَاءَت رِوَايَة بِالرَّدِّ لهَذِهِ الْمقَالة، وَهِي مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رُوَاة ابْن أبي نجيح عَن عَائِشَة، أَنَّهَا قَالَت: قد أبدلك الله بكبيرة السن حَدِيثَة السن، فَغَضب حَتَّى قلت: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا أذكرها بعد هَذَا إلَاّ بِخَير.
١٢ - (بابُ ذِكْرِ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله البَجَليِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر جرير بن عبد الله بن جَابر، وَهُوَ الشليل، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبلامين بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف: ابْن مَالك بن نصر بن ثَعْلَبَة بن جشم بن عَوْف البَجلِيّ، نِسْبَة إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة أم ولد أَنْمَار بن أراش أحد أجداد جرير، وكنيته أَبُو عَمْرو، نزل الْكُوفَة ثمَّ نزل قرقيسيا وَبهَا مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين، وَكَانَ سيداً مُطَاعًا مليحاً طوَالًا بديع الْجمال صَحِيح الْإِسْلَام كَبِير الْقد، قَالَ ﷺ : على وَجهه مسحة ملك. وَعَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: إِنَّه يُوسُف هَذِه الْأمة، وَلما دخل على رَسُول الله، ﷺ ، أكْرمه وَبسط لَهُ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث قيس عَنهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ إِسْلَامه فِي الْعَام الَّذِي توفّي فِيهِ رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ جرير: أسلمت قبل موت النَّبِي ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ ثَبت فِي (الصَّحِيح) : أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ لَهُ: استنصت النَّاس فِي حجَّة الْوَدَاع وَذَلِكَ قبل مَوته بِأَكْثَرَ من ثَمَانِينَ يَوْمًا، قيل: الصَّحِيح أَن إِسْلَامه كَانَ فِي سنة الْوُفُود سنة تسع أَو سنة عشر.
٢٢٨٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ قالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ بَيان عنْ قَيْسٍ قالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَا حَجَبَنِي رسُولُ الله ﷺ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولَا رآنِي إلَاّ ضَحِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٠٣ وطرفه) .
стр. 4922
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر جرير وإكرام النَّبِي ﷺ ، إِيَّاه، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ ابْن بشر وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان الوَاسِطِيّ من الصَّالِحين، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشر، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة: الأحمسي الْمعلم، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب من لَا يثبت على الْخَيل، بأتم مِنْهُ.
٣٢٨٣ - وعَنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ كانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقالُ لَهُ ذُو الخَلَصَةِ وكانَ يُقالُ لَهُ الكَعْبَةُ الْيَمانِيَّةُ أوِ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فقالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ هَلْ أنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ قالَ فنَفَرْتُ إلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمَائَةِ فارِسٍ مِنْ أحْمَسَ قالَ فكَسَرْنَاهُ وقَتلْنَا مَنْ وجَدْنا عِنْدَهُ فأتَيْنَاهُ فأخْبَرْنَاهُ فدَعَا لَنَا وَلأِحْمَسَ. .
فِيهِ أَيْضا ذكر جرير وَخَبره، وَفِيه الْمُطَابقَة وَفِيه إكرام النَّبِي ﷺ ، لَهُ حَيْثُ دَعَا لَهُ ولأحمس، وَهُوَ بالمهملتين اسْم قَبيلَة، وَهُوَ أحمس بن غوث، وغوث هَذَا ابْن بجيلة بنت مُصعب الْمَذْكُور آنِفا.
قَوْله: (وَعَن قيس) ، هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَهُوَ قيس بن أبي حَازِم.
والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الْبشَارَة فِي الْفتُوح، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نتكلم بِبَعْض شَيْء لطول الْعَهْد من هُنَاكَ فَنَقُول.
قَوْله: (بَيت) وَكَانَ لخثعم وَكَانَ بِالْيمن وَكَانَ فِيهِ صنم يدعى بالخلصة، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وباللام الْمَفْتُوحَة، وَحكى سكونها، واليمانية بتَخْفِيف الْيَاء على الْأَصَح. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِشْكَال، إِذْ كَانُوا يسمونها بِالْكَعْبَةِ اليمانية فَقَط، وَأما الْكَعْبَة الشامية فَهِيَ الْكَعْبَة المكرمة الَّتِي بِمَكَّة، شرفها الله تَعَالَى، وَفرقُوا بَينهمَا بِالْوَصْفِ للتمييز، فَلَا بُد من تَأْوِيل اللَّفْظ بِأَن يُقَال: كَانَ يُقَال لَهَا الْكَعْبَة اليمانية، وَالَّتِي بِمَكَّة الْكَعْبَة الشامية، وَقد يرْوى بِدُونِ: الْوَاو، فَمَعْنَاه: كَانَ يُقَال هَذَانِ اللفظان أَحدهمَا لموْضِع وَالْآخر لآخر، وَقَالَ القَاضِي: ذكر الشامية غلط من الروَاة وَالصَّوَاب حذفه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الضَّمِير فِي: لَهُ، رَاجع إِلَى الْبَيْت، وَالْمرَاد بِهِ: بَيت للصنم، كَانَ يُقَال لبيت الصَّنَم: الْكَعْبَة اليمانية، والكعبة الشامية فَلَا غلط وَلَا حَاجَة إِلَى التَّأْوِيل بالعدول عَن الظَّاهِر. قَوْله: (مريحي) من الإراحة، بالراء الْمُهْملَة.
٢٢ - (بابُ ذكْرِ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ العَبْسِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر حُذَيْفَة بن الْيَمَان، واليمان لقب واسْمه: حسيل، وَقيل: حسل، وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْيَمَان لِأَنَّهُ حَالف اليمانية، وحسل بن جَابر بن أَسد بن عَمْرو بن مَالك أَبُو عبد الله الْعَبْسِي حَلِيف بني الْأَشْهَل صَاحب سر رَسُول الله، ﷺ ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة، قتل أَبوهُ يَوْم أحد وَكَانَ حُذَيْفَة أَمِيرا على الْمَدَائِن، اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَات بعد قتل عُثْمَان بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، سكن الْكُوفَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: مَاتَ بِدِمَشْق، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِيمَا مضى فِي مَنَاقِب عمار وَحُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (الْعَبْسِي) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان.
٤٢٨٣ - حدَّثني إسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ قالَ أخبرَنَا سلَمَةُ بنُ رَجَاءٍ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ هَزِيمَةً بَيِّنَةٍ فَصاحَ إبْلِيسُ أيْ عَبَادَ الله أُخْرَاكُمْ فرَجَعَتْ أُوُلاهُمْ علَى أُخْرَاهُمْ فاجْتَلَدَتْ أُخْرَاهُمْ فنَظَر حُذَيْفَةُ فإذَا هُوَ بأبِيهِ فَنَادى أيْ عِبَادَ الله أبي أبي فَقالَتْ فَوَالله مَا احْتَجَزُوا حتَّى قَتلُوهُ فقالَ حُذَيْفَةُ غَفَرَ الله لَكُمْ قَالَ أبِي فَوَالله مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حتَّى لَقِيَ الله . .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل بن خَلِيل عَن قريب مضى، وَسَلَمَة بن رَجَاء، بِفَتْح اللَّام: أَبُو عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي، والْحَدِيث
стр. 4923
من أَفْرَاده.
قَوْله: (هزم) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بَيِّنَة) أَي: ظَاهِرَة. قَوْله: (أخراكم) أَي: اقْتُلُوا اخراكم أَو انصروا أخراكم، قَالَ ذَلِك إِبْلِيس تغليطاً وتلبيساً، وَالْخطاب للْمُسلمين أَو للْمُشْرِكين. (فاجتلدت) يُقَال: تجالد الْقَوْم بِالسُّيُوفِ، وَكَذَلِكَ: اجتلدوا. قَوْله: (أبي أبي) بالتكرار، يَعْنِي: هَذَا أبي، يحذر الْمُسلمين عَن قَتله وَلم يسمعوه فَقَتَلُوهُ يَظُنُّونَهُ من الْمُشْركين وَلَا يَدْرُونَ، فَتصدق حُذَيْفَة بديته على من أَصَابَهُ. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: عَائِشَة. قَوْله: (مَا احتجزوا) أَي: مَا انفصلوا من الْقِتَال وَمَا امْتنع بَعضهم من بعض (حَتَّى قَتَلُوهُ) أَي: أَبَا حُذَيْفَة قَوْله: (قَالَ) ، أَي: هِشَام بن عُرْوَة، (قَالَ: أبي) أَي: عُرْوَة، وَفصل هَذَا من حَدِيث عَائِشَة فَصَارَ مُرْسلا. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من هَذِه الْكَلِمَة أَي بِسَبَبِهَا وَهِي قَول حُذَيْفَة: غفر الله لكم. قَوْله: (بَقِيَّة خير حَتَّى لَقِي الله ، يُؤْخَذ مِنْهُ أَن فعل الْخَيْر تعود بركته على صَاحبه فِي طول حَيَاته، وَهَذَا الْبَاب وَالَّذِي قبله وَقعا فِي بعض النّسخ قبل: بَاب تَزْوِيج النَّبِي ﷺ خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
٣٢ - (بابُ ذِكْرِ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر هِنْد يجوز فِيهِ الصّرْف وَمنعه بنت عتبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن ربيعَة ابْن عبد شمس وَهِي وَالِدَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قتل أَبوهَا ببدر كَمَا سَيَأْتِي وَشهِدت هِيَ مَعَ زَوجهَا أبي سُفْيَان أحدا وحرضت على قتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَم النَّبِي ﷺ لكَونه قتل عَمها شيبَة، فَقتله وَحشِي بن حَرْب، ثمَّ أسلمت هِنْد يَوْم الْفَتْح وَكَانَت من عقلاء النِّسَاء وَكَانَت قبل أبي سُفْيَان عِنْد الْفَاكِه بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي، ثمَّ طَلقهَا فِي قصَّة جرت، ثمَّ تزَوجهَا أَبُو سُفْيَان فأنجبت عِنْده، وَمَاتَتْ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٥٢٨٣ - وقالَ عَبْدَانُ أخبرَنَا عبْدُ الله أخبرَنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ حدَّثني عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالتْ جاءَتْ هِنْدُ بنْتُ عُتْبَةَ قالَتْ يَا رَسُول الله مَا كانَ على ظَهْرِ الأرْضِ مِنْ أهْلِ خِبَاءٍ أحَبُّ إلَيَّ أنْ يَذِلُّوا منْ أهْلِ خِبَائِكَ ثُمَّ مَا أصْبَحَ اليَوْمَ علَى ظَهْرِ الأرْضِ أهْلُ خِبَاءٍ أحَبَّ إلَيَّ أنْ يعِزُّو مَنْ أهْلِ خِبائِكَ قالَتْ وَأَيْضًا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ قالَتْ يَا رسُولَ الله إنَّ أبَا سُفْيانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهلْ علَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قالَ لَا أُرَاهُ إلَاّ بالمَعْرُوفِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ ذكر هِنْد، وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَقد مر غير مرّة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن يحيى بن بكير، وَأخرجه هُنَا مُعَلّقا وَكَلَام أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) يَقْتَضِي أَن البُخَارِيّ أخرجه مَوْصُولا وَوَصله الْبَيْهَقِيّ عَن عَبْدَانِ.
قَوْله: (خباء) ، هِيَ الْخَيْمَة الَّتِي من الْوَبر أَو الصُّوف على عمودين أَو ثَلَاثَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن تُرِيدُ بِهِ نَفسه ﷺ فَكنت عَنهُ بذلك إجلالاً لَهُ، وَأهل بَيته، والخباء يعبر بِهِ عَن مسكن الرجل وداره. قَوْله: (قَالَت: وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، هَذَا جَوَاب لهِنْد بِتَصْدِيق مَا ذكرته يَعْنِي: وَأَنا أَيْضا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مثل ذَلِك، وَقيل: مَعْنَاهُ وَأَيْضًا ستزيدين فِي ذَلِك ويتمكن الْإِيمَان فِي قَلْبك فيزيد حبك لرَسُول الله، ﷺ ويقوى رجوعك عَن غَضَبه، وَهَذَا الْمَعْنى أولى وأوجه من الأول، بَيَان ذَلِك من جِهَة طرف الْحبّ والبغض، فقد كَانَ فِي الْمُشْركين من هُوَ أَشد أَذَى للنَّبِي ﷺ من هِنْد وَأَهْلهَا، وَكَانَ فِي الْمُسلمين بعد أَن أسلمت من هُوَ أحب إِلَى النَّبِي ﷺ مِنْهَا وَمن أَهلهَا، فَلَا يُمكن حمل الْخَبَر على ظَاهره فيفسر بِمَا ذَكرْنَاهُ أَولا. قَوْله: (قَالَت: يَا رَسُول الله!) أَي: قَالَت هِنْد: يَا رَسُول الله (إِن أَبَا سُفْيَان) تَعْنِي زَوجهَا وَالِد مُعَاوِيَة. (رجل مسيك) بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة، وَهِي صِيغَة مُبَالغَة أَي: بخيل جدا شحيح. قَوْله: (هَل عَليّ؟) ، بتَشْديد الْيَاء اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستعلام، أَي: هَل عَليّ حرج أَو إِثْم (أَن أطْعم) أَي: بِأَن أطْعم من الْإِطْعَام؟ قَوْله: (من الَّذِي لَهُ) أَي: من المَال الَّذِي لأبي سُفْيَان قَوْله: (عيالنا) بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول: أطْعم، بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا أرى ذَلِك، أَي: الْإِطْعَام. (إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ) أَي: بِقدر الْحَاجة
стр. 4924
والضرورة دون الزِّيَادَة عَلَيْهَا.
وَفِيه: وجوب النَّفَقَة للأولاد الصغار الْفُقَرَاء، وَمِنْهُم من احْتج بِهِ على جَوَاز الحكم للْغَائِب، ورد ذَلِك بِأَن هَذَا كَانَ إِفْتَاء لَا حكما.
٤٢ - (بابُ حَدِيثِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَدِيث زيد بن عَمْرو بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى بن رَبَاح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر الْعَدوي، وَهُوَ وَالِد سعيد بن زيد أحد الْعشْرَة المبشرة، وَابْن عَم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن عمر هُوَ ابْن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى وَعَمْرو الَّذِي هُوَ وَالِد زيد أَخُو خطاب وَالِد عمر بن الْخطاب، فَيكون زيد هَذَا ابْن عَم عمر بن الْخطاب، وَكَانَ زيد هَذَا مِمَّن طلب التَّوْحِيد، وخلع الْأَوْثَان وجانب الشّرك وَلكنه مَاتَ قبل مبعث النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: مَاتَ وقريش تبني الْكَعْبَة قبل نزُول الْوَحْي على رَسُول الله، ﷺ ، بِخمْس سِنِين، وَعَن زَكَرِيَّا السَّعْدِيّ: أَنه لما مَاتَ دفن بِأَصْل حراء، وَعند ابْن إِسْحَاق: أَنه لما توَسط بِلَاد لحم عدوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَعند الزبير: بلغنَا أَن زيدا كَانَ بِالشَّام فَلَمَّا بلغه خُرُوج سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، أقبل يُريدهُ فَقتله أهل ميفعة. وَقَالَ الْبكْرِيّ، وَهِي قَرْيَة من أَرض البلقاء بِالشَّام، وَيُقَال: كَانَ زيد سكن حراء وَكَانَ يدْخل مَكَّة سرَّاً ثمَّ سَار إِلَى الشَّام يسْأَل عَن الدّين فَسَمتْهُ النَّصَارَى فَمَاتَ. فَإِن قلت: مَا حكمه من جِهَة الدّين؟ قلت: ذكره الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) وَقَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : يبْعَث أمة وَحده، وَعَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، عَن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل أَنه كَانَ يسْتَقْبل الْقبْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَيَقُول: إل هِي إل هـ إِبْرَاهِيم وديني دين إِبْرَاهِيم وَيسْجد، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : يحْشر ذَاك أمه وَحده بيني وَبَين عِيسَى ابْن مَرْيَم، ﵉، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، وروى مُحَمَّد بن سعد من حَدِيث عَامر بن ربيعَة حَلِيف بني عدي بن كَعْب، قَالَ: قَالَ لي زيد بن عَمْرو: إِنِّي خَالَفت قومِي وَاتَّبَعت مِلَّة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، وَمَا كَانَا يعبدان، وَإِن كَانَا يصليان إِلَى هَذِه الْقبْلَة وَأَنا أنْتَظر نَبيا من بني إِسْمَاعِيل يبْعَث، وَلَا أَرَانِي أدْركهُ وَأَنا أومن بِهِ وأصدقه وَأشْهد أَنه نَبِي، وَإِن طَالَتْ بك حَيَاة فأقرئه مني السَّلَام. قَالَ عَامر فَلَمَّا أسلمت أعلمت النَّبِي ﷺ بِخَبَرِهِ، قَالَ: فَرد ﵇، وترحم عَلَيْهِ، وَقَالَ: لقد رَأَيْته فِي الْجنَّة يسحب ذيولاً، وروى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سعيد بن زيد، وَفِيه قَالَ: سَأَلت أَنا وَعمر، رَسُول الله، ﷺ عَن زيد، فَقَالَ: غفر الله لَهُ، ورحمه. فَإِنَّهُ مَاتَ على دين إِبْرَاهِيم، ﵊. وَقَالَ الباغندي عَن أبي سعيد الْأَشَج عَن أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت لزيد بن عَمْرو بن نفَيْل دوحتين) ، وَقَالَ ابْن كثير: وَهَذَا إِسْنَاد جيد وَلَيْسَ فِي شَيْء من الْكتب. فَإِن قلت: لم ذكر البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب فِي كِتَابه؟ قلت: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن النَّبِي ﷺ لقِيه قبل أَن يبْعَث، وَذكر فِي شَأْنه مَا ذكره حَتَّى إِن الذَّهَبِيّ وَغَيره ذَكرُوهُ فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ميل البُخَارِيّ إِلَيْهِ، قلت: فَلذَلِك ذكره بَين ذكر الصَّحَابَة.
٦٢٨٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثنا مُوساى حدَّثنا سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بنَ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ بأسْفَلِ بلْدَحَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ علَى النَّبِيِّ ﷺ فقُدَّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ فأبَى أنْ يأكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ إنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تذْبَحُونَ علَى أنْصَابِكُمْ ولَا آكُلُ إِلَاّ مَا ذُكِرَ اسْمُ الله علَيْهِ وأنَّ زَيْدَ بنَ عَمْرٍ وكانَ يَعِيبُ علَى قُرَيْشٍ ذَبائِحَهُمْ ويَقُولُ الشَّاةُ خَلَقَهَا الله وأنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّماءِ المَاءَ وأنْبَتَ لَهَا مِنَ الأرْضِ ثُمَّ تَذْبَحُونَها علَى غيْرِ اسْمِ الله إنْكَارَاً لِذَلِكَ وإعْظَاماً لَهُ. (الحَدِيث ٦٢٨٣ طرفه فِي: ٩٩٤٥) .
стр. 4925
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ حَدِيث زيد الْمَذْكُور. وَمُحَمّد بن أبي بكر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بالمقدمي الْبَصْرِيّ، يروي عَن فُضَيْل بن سُلَيْمَان النميري الْبَصْرِيّ، يروي عَن مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ عَن سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب عَن أَبِيه عبد الله.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الذَّبَائِح عَن مُعلى بن أَسد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.
قَوْله: (يلدح) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، قَالَ الْبكْرِيّ: هُوَ مَوضِع فِي ديار بني فَزَارَة، وَهُوَ وَاد فِي طَرِيق التَّنْعِيم إِلَى مَكَّة. قَوْله: (فَقدمت) على صِيغَة الْمَجْهُول: قَوْله: (سفرة) قَالَ ابْن الْأَثِير: السفرة طَعَام يَتَّخِذهُ الْمُسَافِر وَأكْثر مَا يحمل فِي جلد مستدير فَنقل اسْم الطَّعَام إِلَى الْجلد وَسمي بِهِ، كَمَا سميت المزادة راوية، وَغير ذَلِك من الْأَسْمَاء المنقولة. قَوْله: (فَأبى) أَي: أَبى زيد، أَي: امْتنع أَن يَأْكُل مِنْهَا. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَت السفرة لقريش فقدموها للنَّبِي ﷺ ، فَأبى أَن يَأْكُل مِنْهَا، فَقَدمهَا النَّبِي ﷺ ، لزيد بن عَمْرو فَأبى أَن يَأْكُل مِنْهَا. وَقَالَ مُخَاطبا لقريش الَّذين قدموها أَولا: إِنَّا لَا نَأْكُل كل مَا ذبح على أنصابكم. انْتهى. والأنصاب جمع النصب، قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ مَا نصب فعبد من دون الله، . قلت: هِيَ أَحْجَار كَانَت حول الْكَعْبَة يذبحون عَلَيْهَا للأصنام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَل أكل رَسُول الله، ﷺ مِنْهَا؟ قلت: جعله فِي سفرة رَسُول الله، ﷺ لَا يدل على أَنه كَانَ يَأْكُلهُ، وَكم شَيْء يوضع فِي سفرة الْمُسَافِر مِمَّا لَا يَأْكُلهُ هُوَ بل يَأْكُل مَن مَعَه، وَإِنَّمَا لم ينْه الرَّسُول ﷺ من مَعَه عَن أكله لِأَنَّهُ لم يُوح إِلَيْهِ إِذْ ذَاك وَلم يُؤمر بتبليغ شَيْء تَحْرِيمًا وتحليلاً حِينَئِذٍ. انْتهى. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على كَلَام الْقَوْم لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا السُّؤَال، وَالْجَوَاب، وَقد ذكرنَا الْآن عَن ابْن بطال مَا يُغني عَن ذَلِك. وَقَوله أَيْضا: فِي سفرة رَسُول الله، ﷺ ، غير صَحِيح، لِأَن السفرة كَانَت لقريش كَمَا مر الْآن، وَقَالَ السُّهيْلي: إِن قلت: كَيفَ وفْق زيد إِلَى ترك أكل ذَلِك وَسَيِّدنَا أولى بالفضيلة فِي الْجَاهِلِيَّة لما ثَبت من عصمته؟ قلت: عَنهُ جوابان: أَحدهمَا: أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه ﷺ أكل مِنْهَا، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَن زيدا لما قدمت إِلَيْهِ أَبى. ثَانِيهمَا: أَن زيدا إِنَّمَا فعل ذَلِك بِرَأْي رَآهُ لَا بشرع مُتَقَدم، وَإِنَّمَا تقدم شرع إِبْرَاهِيم، ﵇، بِتَحْرِيم الْميتَة لَا بِتَحْرِيم مَا ذبح لغير الله، وَإِنَّمَا نزل تَحْرِيم ذَلِك فِي الْإِسْلَام. وَقَالَ الْخطابِيّ: امْتنَاع زيد من أكل مَا فِي السفرة إِنَّمَا هُوَ من أجل خَوفه أَن يكون اللَّحْم الَّذِي فيهمَا مِمَّا ذبح على الأنصاب، وَقد كَانَ رَسُول الله، ﷺ أَيْضا لَا يَأْكُل من ذَبَائِحهم الَّتِي كَانُوا يذبحونها لأصنامهم، فَأَما ذَبَائِحهم لمأكلهم فَلم نجد فِي الحَدِيث أَنه كَانَ يتنزه عَنْهَا، وَقد كَانَ بَين ظهرانيهم مُقيما، وَلم يذكر أَنه كَانَ يتَمَيَّز عَنْهُم إلَاّ فِي أكل الْميتَة، لِأَن قُريْشًا كَانُوا يتنزهون أَيْضا فِي الْجَاهِلِيَّة عَن الْميتَة مَعَ أَنه أَبَاحَ الله لنا طَعَام أهل الْكتاب وَالنَّصَارَى يذبحون ويشركون فِي ذَلِك الله تَعَالَى. قَوْله: (وَإِن كَانَ زيد بن عَمْرو) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله: (كَانَ يعيب) بِفَتْح الْيَاء. قَوْله: (إنكاراً) ، نصب على التَّعْلِيل (وإعظاماً) عطف عَلَيْهِ.
٧٢٨٣ - قَالَ مُوساى حدَّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله ولَا أعْلَمُهُ إلَاّ يُحَدِّثُ بِهِ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ زَيْدَ بنَ عَمْرو بنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلَى الشَّامِ يَسأَلُ عنِ الدِّينِ ويَتَّبِعُهُ فلَقِيَ عالِمَاً مِنَ اليَهُودِ فسألَهُ عنْ دِينِهِمْ فقالَ إنِّي لعَلِّي أنْ أدِينَ دِينَكُمْ فأخْبرني فقالَ لَا تَكُونُ علَى دِينِنَا حتَّى تأخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ الله قَالَ زَيْدٌ مَا أفِرُّ إلَاّ مِنْ غَضَبِ الله ولَا أحْمِلُ مِنْ غَضَبِ الله شَيْئَاً أبَدَاً وأنَا أسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي علَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أعْلَمُهُ إلَاّ أنْ يَكُونَ حَنِيفاً قَالَ زَيْدٌ وَمَا
стр. 4926
الحَنِيفُ قَالَ دِينُ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيَّاً ولَا نَصْرَانِيَّاً ولَا يَعْبُدُ إلَاّ الله فخَرَجَ زَيْدٌ فلَقِيَ عالِمَاً مِنَ النَّصارى فذَكَرَ مثْلَهُ فقالَ لَنْ تَكُونَ علَى دينِنَا حَتَّى تأخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ الله قَالَ مَا أفِرُّ إلَاّ مِنْ لَعْنَةِ الله ولَا أحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ الله وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئاً أبَدَاً وأنَا أسْتَطِيعُ فَهَلْ تَدُلُّنِي علَى غَيْرِهِ قالَ مَا أعْلَمُهُ إلَاّ أنْ يَكُونَ حَنِيفاً قَالَ وَمَا الحَنِيفُ؟ قالَ دِينُ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيَّاً ولَا نَصْرَانِيَّاً ولَا يَعْبُدُ إلَاّ الله فلَمَّا رأى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إبرَاهِيمَ ﵇ خَرَجَ فلَمَّا برَزَ رفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي علَى دِينِ إبْرَاهِيمَ.
مُوسَى هُوَ ابْن عقبَة الْمَذْكُور الَّذِي روى عَن سَالم، وَظَاهره التَّعْلِيق، وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: مَا أَدْرِي هَذِه الْقِصَّة الثَّانِيَة من رِوَايَة الفضيل عَن مُوسَى أم لَا. وَقيل: هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَفِيه نظر لَا يخفى.
قَوْله: (ويتبعه) بِالتَّشْدِيدِ من الِاتِّبَاع، ويروى عَن الْكشميهني: يبتغيه من الابتغاء بالغين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الطّلب. قَوْله: (لعلِّي) كلمة: لَعَلَّ، للترجي تنصب الإسم وترفع الْخَبَر وَاسْمهَا هُنَا: يَاء الْمُتَكَلّم وخبرها. قَوْله: (أَن أدين) قَوْله: (فَأَخْبرنِي) أَي: عَن حَال دينكُمْ وكيفيته. قَوْله: (من غضب الله) المُرَاد من غضب الله هُوَ إِيصَال الْعَذَاب. قَوْله: (فَذكر مثله) أَي: مثل مَا ذكر لعالم الْيَهُود، قَوْله: (من لعنة الله) المُرَاد من اللَّعْنَة إبعاد الله عَبده من رَحمته وطرده عَن بَابه، لِأَن اللَّعْنَة فِي اللُّغَة الطَّرْد، وَإِنَّمَا خص الْغَضَب باليهود واللعنة بالنصارى لِأَن الْغَضَب أردى من اللَّعْنَة، فَكَانَ الْيَهُود أَحَق بِهِ لأَنهم أَشد عَدَاوَة لأهل الْحق. قَوْله: (وَأَنا أَسْتَطِيع) أَي: وَالْحَال أَن لي قدرَة على عدم حمل ذَلِك. قَوْله: (فَلَمَّا برز) ، أَي: لما ظهر خَارِجا عَن أَرضهم. قَوْله: (إِنِّي أشهدك) بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (أَنِّي على دين إِبْرَاهِيم، ﵇ بِفَتْح الْهمزَة. وَفِي حَدِيث سعد بن زيد: فَانْطَلق زيد وَهُوَ يَقُول: لبيْك حَقًا حَقًا، تعبداً وَرقا، ثمَّ يخر فَيسْجد لله .
٨٢٨٣ - وقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إلَيَّ هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قالَتْ رأيْتُ زَيْدَ بنَ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ قائِمَاً مُسْنِدَاً ظَهْرَهُ إلَى الكَعْبَةِ يقُولُ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ وَالله مَا مِنْكُمْ على دِينِ إبْرَاهِيمَ غَيْرِي وكانَ يُحْيى المَوؤُدَةَ يقُولُ لِلرَّجُلِ إذَا أرَادَ أنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لَا تَقْتُلْهَا أنَا أكْفِيكَها مَؤُنَتها فيَأخُذُها فإذَا تَرَعْرَعَتْ قالَ لأبِيهَا إنْ شِئْتَ دَفَعْتُها إلَيْكَ وإنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَؤُونَتها.
أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد: كتب إِلَيّ هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو بكر بن أبي دَاوُد عَن عِيسَى بن حَمَّاد الْمَعْرُوف بزغبة عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن الْحُسَيْن بن مَنْصُور بن جَعْفَر عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة.
قَوْله: (مَا مِنْكُم على دين إِبْرَاهِيم ﵇ غَيْرِي) وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة كَانَ يَقُول: إل هِي إل هـ إِبْرَاهِيم وديني دين إِبْرَاهِيم، وَرِوَايَة ابْن أبي الزِّنَاد: وَكَانَ قد ترك عبَادَة الْأَوْثَان وَترك أكل مَا يذبح على النصب، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ يَقُول: أللهم لَو أعلم أحب الْوُجُود إِلَيْك لعبدتك بِهِ، وَلَكِن لَا أعلمهُ ثمَّ يسْجد على راحتيه. قَوْله: (وَكَانَ يحيي الموؤدة) الْإِحْيَاء هُنَا مجَاز عَن الْإِبْقَاء، وَهُوَ على وزن مفعولة من الوأد وَهُوَ الْقَتْل، كَانَ إِذا ولد لأَحَدهم فِي الْجَاهِلِيَّة بنت دَفنهَا فِي التُّرَاب وَهِي حَيَّة، يُقَال: وأدها يئدها وأداً فَهِيَ موؤدة، وَهِي الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز، وَفِي الحَدِيث: الوئيد فِي الْجنَّة، أَي: الموؤدة، فعيل بِمَعْنى مفعول، وَزعم بعض الْعَرَب: أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك غيرَة على الْبَنَات، وَقَول الله هُوَ الْحق: وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم من إملاق أَي: خشيَة إملاق، أَي: فقر وَقلة، وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره أَنهم كَانُوا يئدون من الْبَنَات من كَانَت مِنْهُنَّ زرقاء أَو هرشاء أَو شيماء أَو كشحاء تشاؤماً مِنْهُم بِهَذِهِ الصِّفَات. قلت: هرشاء من التهريش وَهُوَ مقاتلة الْكلاب، والشيماء من التشاؤم، والكشحاء من الكشاحة وَهُوَ إِضْمَار الْعَدَاوَة. قَوْله: (أَنا أكفيكها مؤونتها) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَنا أكفيك مؤنتها. قَوْله: (فَإِذا ترعرعت) ، براءين وعينين مهملتين أولاهما مَفْتُوحَة أَي: تحركت ونشأت.
٥٢ - (بابُ بُنْيَانِ الكَعْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بُنيان الْكَعْبَة على يَد قُرَيْش فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، قبل بعثته. وَذكر ابْن إِسْحَاق وَغَيره: إِن قُريْشًا لما بنت الْكَعْبَة كَانَ عمر النَّبِي ﷺ ، خمْسا وَعشْرين سنة، وروى إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه من
стр. 4927
طَرِيق خَالِد بن عرْعرة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قصَّة بِنَاء إِبْرَاهِيم، ﵊، الْبَيْت، قَالَ: فَمر عَلَيْهِ الدَّهْر فانهدم، فبنته العمالقة فَمر عَلَيْهِ الدَّهْر فانهدم، فبنته جرهم فَمر عَلَيْهِ الدَّهْر فانهدم، فبنته قُرَيْش وَرَسُول الله، ﷺ ، يَوْمئِذٍ شَاب، فَلَمَّا أَرَادوا أَن يضعوا الْحجر الْأسود اخْتَصَمُوا فِيهِ، فَقَالُوا: يحكم بَيْننَا أول من يخرج من هَذِه السِّكَّة، فَكَانَ النَّبِي ﷺ ، أول من خرج مِنْهَا، فَحكم بَينهم أَن يَجْعَلُوهُ فِي ثوب ثمَّ يرفعهُ من كل قَبيلَة رجل، وَذكر أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي الحَدِيث: أَنهم قَالُوا: نحكم أول من يدْخل من بَاب بني شيبَة، فَكَانَ النَّبِي ﷺ ، أول من دخل مِنْهُ، فأخبروه فَأمر بِثَوْب فَوضع الْحجر فِي وَسطه، وَأمر كل فخان يَأْخُذ بطَائفَة من الثَّوْب فَرَفَعُوهُ، ثمَّ أَخذه فَوَضعه بِيَدِهِ. وَذكر الفاكهي: أَن الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِم أَن يحكموا أول دَاخل أَبُو أُميَّة بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي أَخُو الْوَلِيد.
وَاخْتلفُوا فِي أول من بنى الْكَعْبَة، فَقيل: أول من بناها الْمَلَائِكَة ليطوفوا خوفًا من الله حِين قَالُوا: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) . الْآيَة، وَقيل: أول من بناها آدم، ﵊، ذكره ابْن إِسْحَاق، وَقيل: أول من بناها شِيث، ﵊، وَكَانَ فِي عهد آدم الْبَيْت الْمَعْمُور فَرفع، وَقيل: رفع وَقت الطوفان، وَقيل: كَانَت تِسْعَة أَذْرع من عهد إِبْرَاهِيم، ﵇، وَلم يكن لَهَا سقف، وَلما بناها قُرَيْش قبل الْإِسْلَام زادوا فِيهَا تِسْعَة أَذْرع فَكَانَت ثَمَان عشرَة ذِرَاعا، وَرفعُوا بَابهَا من الأَرْض لَا يصعد إِلَيْهَا إِلَّا بدرج أَو سلم، وَذَلِكَ حِين سرق دويك مولى بني مليح مَال الْكَعْبَة، وَأول من عمل لَهَا غلقان تبع، ثمَّ لما بناها ابْن الزبير زَاد فِيهَا تِسْعَة أَذْرع أُخْرَى فَكَانَت سبعا وَعشْرين ذِرَاعا، وعَلى ذَلِك هِيَ إِلَى الْآن.
٩٢٨٣ - حدَّثني مَحْمُودٌ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبَرَني ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخْبرَنِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وعبَّاسٌ يَنْقُلانِ الحِجَارَةَ فَقَالَ عَبَّاسٌ للنَّبِيِّ ﷺ إجْعَلْ إزَارَكَ علَى رَقَبَتِكَ يَقِيكَ مِنَ الحِجَارَةِ فَخَرَّ إِلَى الأرْضِ وطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ أفَاقَ فَقَالَ إزَارِي إزَارِي فَشَدَّ عَلَيْهِ إزَارَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٤٦٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لما بنيت الْكَعْبَة) وَمن قَوْله: (ينقلان الْحِجَارَة) لِأَن نقلهَا كَانَ للْبِنَاء. ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ.
والْحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب فضل مَكَّة وبنيانها، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج ... إِلَخ نَحوه.
قَوْله: (لما بنيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: لما بناها قُرَيْش فِي عهد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (يقيك) ، أَي: يحفظك من الْوِقَايَة. قَوْله: (فَخر) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَفعل مَا قَالَه عَبَّاس فَخر، أَي: فَسقط إِلَى الأَرْض، وَفِي حَدِيث أبي الطُّفَيْل الَّذِي تقدم فِي الْحَج: فَبَيْنَمَا رَسُول الله، ﷺ ، ينْقل الْحِجَارَة مَعَهم إِذْ انكشفت عَوْرَته، فَنُوديَ: يَا مُحَمَّد غطِّ عورتك، فَذَلِك أول مَا نُودي فَمَا رؤيت لَهُ عَورَة بعد وَلَا قبل. قَوْله: (طمحت عَيناهُ) أَي: ارْتَفَعت. قَوْله: (إزَارِي إزَارِي) ، هَكَذَا هُوَ مُكَرر أَي: ناولوني إزَارِي.
٠٣٨٣ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ وعُبَيْدِ الله بنِ أبِي يَزِيدَ قالَا لَمْ يَكُنْ علَى عَهْدِ النَّبِي ﷺ حَوْلَ البَيْتِ حائِطٌ كانُوا يُصَلُّونَ حَوْلَ البَيْتِ حَتَّى كانَ عُمَرُ فبَنَى حَوْلَهُ حائِطَاً قَالَ عُبَيْدُ الله جدْرُهُ قَصِيرٌ فبَنَاهُ ابنُ الزُّبَيْرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (فَبنى حوله حَائِطا) الخ. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَعبيد الله بن أبي يزِيد من الزِّيَادَة مولى أهل الْكُوفَة الْمَكِّيّ، وَهُوَ عَمْرو بن دِينَار تابعيان لم يدركا النَّبِي ﷺ ، فَهُوَ من بَاب الْإِرْسَال
стр. 4928
وَقيل: مُنْقَطع. قَوْله: (على عهد النَّبِي ﷺ أَي: على زَمَنه. قَوْله: (حَتَّى كَانَ عمر) أَي: زمَان خِلَافَته، وَهُوَ أَيْضا مُنْقَطع لِأَنَّهُمَا لم يدركا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا. قَوْله: (جدره) ، بِفَتْح الْجِيم أَي: جِدَاره وَهُوَ مُبْتَدأ. وَقَوله: (قصير) خَبره وَالْجُمْلَة صفة لقَوْله: (حَائِطا) وَأغْرب الْكرْمَانِي بقوله: جدره، بِفَتْح الْجِيم بِلَفْظ الْمُفْرد مَنْصُوبًا، وقصيراً حَال أَي: بنى عمر جدره قَصِيرا، وَالَّذِي قُلْنَا أوجه. قَوْله: (فبناه ابْن الزبير) ، أَي: بنى الْبَيْت عبد الله بن الزبير مرتفعاً طَويلا، وَهَذَا الْمِقْدَار من الحَدِيث مَوْصُول، وَقد مضى عَن قريب طول الْبَيْت وَكَيف كَانَ أَولا.
٦٢ - (بابُ أيَّامِ الجاهِلِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَيَّام الْجَاهِلِيَّة وَهِي الْأَيَّام الَّتِي كَانَت قبل الْإِسْلَام، قَالَ بَعضهم: أَي مَا كَانَ بَين مولد النَّبِي ﷺ والمبعث، وَفِيه نظر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَيَّام الْجَاهِلِيَّة هِيَ مُدَّة الْفطْرَة الَّتِي كَانَت بَين عِيسَى وَرَسُول الله، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَسميت بهَا لِكَثْرَة جهالاتهم. قلت: هَذَا هُوَ الصَّوَاب.
١٣٨٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ هِشَامٌ حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كانَ عَاشُورَاءُ يَوْمَاً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ فلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صامَهُ وأمَرَ بِصِيامِهِ فلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانَ كانَ مَنْ شَاءَ صامَهُ ومنْ شاءَ لَا يَصُومُهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تصومه قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة) . وَيحيى قو الْقطَّان وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب صِيَام عَاشُورَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢٣٨٣ - حدَّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا ابنُ طاوُسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ العُمْرَةَ فِي أشْهُرِ الحَجِّ منَ الفُجُورِ فِي الأرْضِ وكانُوا يُسَمُّونَ المُحَرَّمَ صفَرَاً ويَقُولُونَ إذَا برَا الدَّبْرْ وعَفَا الأثَرْ حَلَّتْ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ قَالَ فَقَدمَ رسُولُ الله ﷺ وأصْحَابُهُ رابِعَةً مُهِلِّينَ بالحَجِّ وأمرَهُمُ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً قالُوا يَا رسُولَ الله أيُّ الحِلِّ قَالَ الحِلُّ كُلُّهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَانُوا يرَوْنَ أَن الْعمرَة) إِلَى قَوْله: (قَالَ: فَقدم) لِأَن مَا ذكر فِيهِ كُله من أَفعَال الْجَاهِلِيَّة، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله يروي عَن أَبِيه.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب التَّمَتُّع والإفراد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب الخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (يسمون الْمحرم صفراً) أَي: يجعلونه مَكَانَهُ فِي الْحُرْمَة، وَذَلِكَ هُوَ النسيء الْمَشْهُور بَينهم كَانُوا يؤخرون ذَا الْحجَّة إِلَى الْمحرم، وَالْمحرم إِلَى صفر وهلم جراً. قَوْله: (الدبر) ، بِالدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ: الْجرْح الَّذِي يحصل على ظهر الْإِبِل، وَنَحْوه. قَوْله: (وَعَفا الْأَثر) أَي: انمحى أثر الدبر. قَوْله: (رَابِعَة) ، أَي: صبح رَابِعَة من شهر ذِي الْحجَّة أَو لَيْلَة رَابِعَة. قَوْله: (مهلّين) ، حَال. قَوْله: (أَي الْحل) ، أَي: أَي شَيْء من الْأَشْيَاء يحل لنا. قَوْله: (الْحل كُله) ، أَي: يحل فِيهِ جَمِيع مَا يحرم على الْمحرم، حَتَّى الْجِمَاع.
٣٣٨٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ كانَ عَمْرٌ ويَقُولُ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ قَالَ جاءَ سَيْلٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَكَسَا مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ قَالَ سُفْيَانُ ويَقُولُ إنَّ هَذَا لَحَدِيثٌ لَهُ شأنٌ.
стр. 4929
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي الْجَاهِلِيَّة) وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن الْمسيب التَّابِعِيّ الْكَبِير الْفَقِيه، ومسيب هُوَ ابْن حزن بن أبي وهب بن عَمْرو ابْن عَائِذ بن عمرَان بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي، أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين فِي خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه الْمسيب، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَفْتُوحَة، وَحكى كسرهَا، وَكَانَ الْمسيب مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة وَكَانَ تَاجِرًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْحفاظ: لم يروِ عَن الْمسيب إلَاّ ابْنه سعيد، قَالَ: وَفِيه رد على الْحَاكِم أبي عبد الله الْحَافِظ فِيمَا قَالَ: لم يخرج البُخَارِيّ عَن أحد مِمَّن لم يروِ عَنهُ
إلَاّ راوٍ واحدٍ، قَالَ: وَلَعَلَّه أَرَادَ من غير الصَّحَابَة، وَالْمُسَيب هُوَ ابْن حزن، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي وَفِي آخِره نون وَكَانَ من الْمُهَاجِرين وَمن أَشْرَاف قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ رَسُول الله، ﷺ لحزن: (مَا اسْمك؟) قَالَ: حزن، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أَنْت سهل؟) فَقَالَ: إسم سماني بِهِ أبي. ويروى أَنه قَالَ لَهُ: إِنَّمَا السهولة للحمار. قَالَ سعيد بن الْمسيب: فَمَا زَالَت الحزونة تعرف فِينَا حَتَّى الْيَوْم، وَفِيه أخرج البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن إِسْحَاق بن نصر وَعلي بن عبد الله ومحمود، على مَا سَيَجِيءُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. .
قَوْله (فِي الْجَاهِلِيَّة) أَي قبل الْإِسْلَام قَوْله (فكساما بَين الجبلين) أَي غطى مَا بَين جبلي مَكَّة المشرفين عَلَيْهَا
قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ الرَّاوِي. قَوْله: (وَيَقُول) أَي: عَمْرو الْمَذْكُور. قَوْله: (شَأْن) أَي: قصَّة طَوِيلَة، وَذكر مُوسَى بن عقبَة أَن السَّيْل كَانَ يَأْتِي من فَوق الرَّدْم بِأَعْلَى مَكَّة فيخربه، فتخوفوا أَن يدْخل المَاء الْكَعْبَة فأرادوا تشييد بنيانها، فَكَانَ أول من طلعها وَهدم مِنْهَا شَيْئا الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَذكر الْقِصَّة. قَالَ الْكرْمَانِي: الْحِكْمَة فِي أَن الْبَيْت ضبط فِي طوفان نوح، عَلَيْهِ، الصَّلَاة وَالسَّلَام من الْغَرق وَرفع إِلَى السَّمَاء، وَفِي هَا السَّيْل قد غرق أَنه لَعَلَّه كَانَ ذَلِك عذَابا وَهَذَا لم يكن عذَابا. انْتهى. قلت: هَذَا تصرف عَجِيب، لِأَنَّهُ لما جَاءَ الطوفان كَانَ الْبَيْت الْمَعْمُور مَوضِع الْبَيْت، وَلما أهبط الله آدم، ﵊، إِلَى الأَرْض أُتِي إِلَيْهِ من الْهِنْد، وَقيل: لما آل الْأَمر إِلَى شِيث بنى الْكَعْبَة، وَذكر ابْن هِشَام: أَن المَاء لم يعله حِين الطوفان وَلكنه قَامَ حوله وَبَقِي فِي الْهَوَاء إِلَى السَّمَاء، وَأَن نوحًا، ﵊، طَاف بِهِ هُوَ وَمن مَعَه فِي السَّفِينَة، ثمَّ بناها إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، ﵉.
٤٣٨٣ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَن بَيَانٍ أبي بِشْرٍ عنْ قَيْسِ بنِ أبِي حازمٍ قَالَ دَخَلَ أبُو بَكْر علَى امْرَأةٍ مِنْ أحْمَسَ يُقالُ لَهَا زَيْنَبُ فرَآهَا لَا تَكَلَّمُ فَقالَ مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ قالُوا حَجَّتْ مُصْمِتَةً قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فإنَّ هذَا لَا يَحِلُّ هاذَا مِنْ عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ فتَكَلَّمَتْ فقالَتْ مَنْ أنْتَ قَالَ امْرُءٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ قالَتْ أيُّ المُهَاجِرِينَ قَالَ مِنْ قُرَيْشٍ قالَتْ مِنْ أيُّ قُرَيْشٍ أنْتَ قَالَ إنَّكِ لَسَؤُولٌ أنَا أبُو بَكْرٍ قالَتْ مَا بَقاؤُنا على هَذَا الأمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جاءَ الله بهِ بَعْدَ الجاهِلِيَّةِ قَالَ بَقَاؤُكُمْ علَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أئِمَّتُكُمْ قالَتْ وَمَا لأئِمَّةُ قَالَ أما كانَ لِقَوْمِكِ رُؤُسٌ وأشْرَافٌ يأمُرُونَهُمْ فيُطِيعُونَهُمْ قالَتْ بَلَى قَالَ فَهُمْ أُولَئِكَ علَى النَّاسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا من عمل الْجَاهِلِيَّة) . وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشر المكنى بِأبي بشر الأحمسي الْمعلم الْكُوفِي، وَابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: اسْمه عَوْف، قدم إِلَى الْمَدِينَة طَالبا النَّبِي ﷺ ، بَعْدَمَا قبض، وَقد مر غير مرّة.
قَوْله: (دخل أَبُو بكر) يَعْنِي الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (من أحمس) بالمهملتين وَفتح الْمِيم، وَهِي قَبيلَة من بجيلة ورد على ابْن التِّين فِي قَوْله: امْرَأَة من الحمس، وهم من قُرَيْش. قَوْله: (يُقَال لَهَا زَيْنَب) هِيَ بنت المُهَاجر، روى حَدِيثهَا مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) من طَرِيق عبد الله بن جَابر الأحمسي عَن عمته زَيْنَب بنت المُهَاجر، قَالَت: خرجت حَاجَة ... فَذكر هَذَا
стр. 4930
الحَدِيث وَذكر ابْن مَنْدَه فِي (تَارِيخ النِّسَاء) لَهُ: أَن زَيْنَب بنت جَابر أدْركْت النَّبِي ﷺ ، وروت عَن أبي بكر، وروى عَنْهَا عبد الله بن جَابر وَهِي عمته، قَالَ: وَقيل: هِيَ بنت المُهَاجر بن جَابر، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل أَن فِي رِوَايَة شريك وَغَيره عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد فِي حَدِيث الْبَاب: أَنَّهَا زَيْنَب بنت عَوْف، قَالَ: وَذكر ابْن عُيَيْنَة عَن إِسْمَاعِيل أَنَّهَا جدة إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، قيل: الْجمع بَين هَذِه الْأَقْوَال مُمكن بِأَن من قَالَ: بنت المُهَاجر، نَسَبهَا إِلَى أَبِيهَا، وَبنت جَابر نَسَبهَا إِلَى جدها الْأَدْنَى، أَو: بنت عَوْف نَسَبهَا إِلَى جدها الْأَعْلَى. قَوْله: (مصمتة) بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى: صامتة، يَعْنِي: ساكتة يُقَال: أصمت إصماتاً وَصمت صموتاً وصمتاً وصماتاً، وَالِاسْم: الصمت بِالضَّمِّ، قَوْله: (فَإِن هَذَا) أَي: ترك الْكَلَام (لَا يحل) قَوْله: (هَذَا) أَي: الصمات من عمل الْجَاهِلِيَّة، وَقد احْتج بِهَذَا على أَن من حلف لَا يتَكَلَّم اسْتحبَّ لَهُ أَن يتَكَلَّم، وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، لِأَن أَبَا بكر لم يأمرها بِالْكَفَّارَةِ. وَقَالَ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) : لَيْسَ من شَرِيعَة الْإِسْلَام صمت الْكَلَام، وَظَاهر الْأَخْبَار تَحْرِيمه. وَاحْتج بِحَدِيث أبي بكر وَبِحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. يرفعهُ: لَا يتم بعد احْتِلَام وَلَا يصمت يَوْم إِلَى اللَّيْل، أخرجه أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: فَإِن نذر ذَلِك لم يلْزمه الْوَفَاء، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: من صمت نجا. وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا مُرْسلا بِرِجَال ثقاة: أيسر الْعِبَادَة الصمت. قلت: الصمت الْمُبَاح المرغوب فِيهِ ترك الْكَلَام الْبَاطِل، وَكَذَا الْمُبَاح الَّذِي يجر إِلَى شَيْء من ذَلِك، والصمت الْمنْهِي عَنهُ ترك الْكَلَام عَن الْحق لمن يستطيعه، وَكَذَا الْمُبَاح الَّذِي يَسْتَوِي طرفاه. قَوْله: (إنكِ) بِكَسْر الْكَاف لِأَنَّهُ خطاب لِزَيْنَب الْمَذْكُورَة. قَوْله: (لسؤول) أَي: كَثِيرَة السُّؤَال، وَصِيغَة فعول يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذكر والمؤنث، وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (الْأَمر الصَّالح) أَي: دين الْإِسْلَام، وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْعدْل واجتماع الْكَلِمَة وَنصر الْمَظْلُوم وَوضع كل شَيْء فِي مَحَله. قَوْله: (بقاؤكم عَلَيْهِ مَا استقامت بكم أئمتكم) وَقت الْبَقَاء بالاستقامة إِذْ هم باستقامتهم تُقَام الْحُدُود وَتُؤْخَذ الْحُقُوق وَيُوضَع كل شَيْء فِي مَوْضِعه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مَا اسقامت لكم، وَقَالَ الْمُغيرَة: كُنَّا فِي بلَاء شَدِيد نعْبد الشّجر وَالْحجر ونمص الْجلد والنوى، فَبعث إِلَيْنَا رب السَّمَوَات رَسُولا منا، فَأمرنَا بِعبَادة الله وَحده وَترك مَا يعبد أباؤنا، وَذكر الحَدِيث وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ على عهد أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من الْأَمر واجتماع الْكَلِمَة، وَأَن لَا يظلم أحد أحدا.
٥٣٨٣ - حدَّثني فَرْوَةُ بنُ أبِي المغْرَاءِ أخْبرَنا علِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ أسْلَمَتْ امْرأةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ العَرَبِ وكانَ لَهَا حِفْأ فِي المَسْجِدِ قالَتْ فَكانَتْ تأتِينَا فتَحَدَّثُ عِنْدَنا فإذَا فَرَغَتْ مِنْ حدِيثِهَا قالَتْ:
(ويَوْمُ الوشاحِ مِنْ تَعاجِيبِ رَبِّنا ... ألَا إنَّهُ مِنْ بَلْدَةَ الكُفْرِ أنْجَانِي)
فلَمَّا أكْثَرَتْ قالَتْ لَهَا عائِشَةٌ وَمَا يَوْمُ الوِشَاحِ قالَتْ خَرَجَتْ جُوَيْرِيةٌ لِبَعْضِ أهْلِي وعلَيْهَا وِشاحٌ مِنْ أدَمٍ فسَقَطَ مِنْهَا فانْحَطَّتْ علَيْهِ الحُدَيَّا وهْيَ تَحْسِبُهُ لَحْمَاً فأخَذَتْ فاتَّهَمُونِي بِهِ فعَذَّبُونِي حتَّى بَلَغَ مِنْ أمْرِي أنَّهُمْ طلَبُوا فِي قُبُلِي فبَيْنَمَا هُمْ حَوْلِي وأنَا فِي كَرْبِي إذْ أقْبَلَتِ الحُدَيَّا حتَّى وازَتْ بِرُؤوسِنَا ثُمَّ ألْقَتْهُ فأخَذُوهُ فقُلْتُ لَهُمْ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ وأنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ. (انْظُر الحَدِيث ٩٣٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة من الْجفَاء فِي الْفِعْل وَالْقَوْل، أَلا ترى أَن الَّذين أتهموا هَذِه الْمَرْأَة السَّوْدَاء كَيفَ جفوها وعذبوها وبالغوا فِيهِ حَتَّى فتشوا فِي قبلهَا؟ قَوْله: (وفروة) ، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء ابْن أبي المغراء، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالراء وبالمد: أَبُو الْقَاسِم الْكِنْدِيّ الْكُوفِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي: بَاب نوم الْمَرْأَة فِي الْمَسْجِد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام ... إِلَخ، بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (حفش)
стр. 4931
بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وَفِي آخِرَة شين مُعْجمَة: وَهُوَ الْبَيْت الضّيق الصَّغِير. قَوْله: (والوشاح) بِكَسْر الْوَاو. وَيُقَال لَهُ: إشاح أَيْضا. وَهُوَ شَيْء ينسج عريضاً من أَدِيم وَرُبمَا رصع بالجوهر والخرز وتشده الْمَرْأَة بَين عاتقها وكشحها. قَوْله: (من تعاجيب رَبنَا) ويروى: من تباريح رَبنَا، والتعاجيب الْعَجَائِب لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، والتباريح جمع تبريح وَهُوَ الْمَشَقَّة والشدة. قَوْله: (أَلا أَنه) ويروى: على أَنه قَوْله: (من بَلْدَة الْكفْر) ، قَوْله: ويروي من دارة الْكفْر (الحديا) ، مصغر الحدأة على وزن العنبة، قَوْله: (وازت) أَي: حاذت.
٦٣٨٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ألَا مَنْ كانَ حالِفَاً فَلَا يَحْلِفُ إلَاّ بِاللَّه فَكانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بآبَائِهَا فَقَالَ لَا تَحْلِفُوا بآبَائِكُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، فَإِن فِيهِ النَّهْي عَن الْحلف بِالْآبَاءِ لِأَنَّهُ من أَفعَال الْجَاهِلِيَّة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر.
وَكلمَة (ألَا) للتّنْبِيه فتدل على تحقق مَا قبلهَا. قَوْله: (من كَانَ حَالفا) يَعْنِي: من أَرَادَ أَن يحلف لتأكيد فعل أَو قَول فَلَا يحلف إلَاّ بِاللَّه، لِأَن الْحلف يَقْتَضِي تَعْظِيم الْمَحْلُوف بِهِ، وَحَقِيقَة العظمة مُخْتَصَّة بِاللَّه تَعَالَى فَلَا يضاهى بِهِ غَيره، وَقد جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: لِأَن أَحْلف بِاللَّه تَعَالَى مائَة مرّة فآثم خير من أَن أَحْلف بِغَيْرِهِ فأبر. وَيكرهُ الْحلف بِغَيْر أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته وَسَوَاء فِي ذَلِك: النَّبِي ﷺ والكعبة وَالْمَلَائِكَة وَالْأَمَانَة وَالروح، وَغير ذَلِك، وَمن أَشدّهَا كَرَاهَة الْحلف بالأمانة. فَإِن قلت: قد أقسم الله تَعَالَى بمخلوقاته، كَقَوْلِه: ﴿وَالصَّافَّات﴾ ﴿والذاريات﴾ ﴿وَالْعَادِيات﴾ ؟ قلت: إِن الله تَعَالَى أَن يقسم بِمَا شَاءَ من مخلوقاته تَنْبِيها على شرفها. قَوْله: (فَكَانَت قُرَيْش تحلف بِآبَائِهَا) بِأَن يَقُول وَاحِد مِنْهُم عِنْد إِرَادَة الْحلف، وَأبي أفعل هَذَا، أَو: وَأبي لَا أفعل، أَو يَقُول: وَحقّ أبي، أَو تربة أبي وَنَحْو ذَلِك، فَنهى رَسُول الله، ﷺ عَن ذَلِك، فَقَالَ: لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ لِأَن هَذَا من أَيْمَان الْجَاهِلِيَّة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت) وَفِي رِوَايَة: لَا تحلفُوا بِالطَّوَاغِيتِ وَلَا بِآبَائِكُمْ. قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن قيل: هَذَا الحَدِيث مُخَالف لقَوْله، ﷺ : (أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق) فَجَوَابه: إِن هَذِه كلمة تجْرِي على اللِّسَان لَا يقْصد بهَا الْيَمين، وَقَالَ غَيره: بل هِيَ من جملَة مَا يُزَاد فِي الْكَلَام لمُجَرّد التَّقْرِير والتأكيد، وَلَا يُرَاد بهَا الْقسم كَمَا تزاد صِيغَة النداء لمُجَرّد الِاخْتِصَاص دون الْقَصْد إِلَى النداء.
٧٣٨٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وهْبٍ قَالَ أخْبَرَنِي عَمْرٌ وأنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ القَاسِمِ حدَّثَهُ أنَّ القَاسِمَ كانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الجَنَازَةِ ولَا يَقُومُ لَهَا ويُخْبِرُ عنْ عائِشةَ قالَتْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يقُومُونَ لَهَا يَقُولُونَ إذَا رَأوْهَا كُنْتِ فِي أهْلِكِ مَا أنْتِ مَرَّتَيْنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي لفظ: (أهل الْجَاهِلِيَّة) . وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ سكن مصر، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: قدم مصر وَحدث بهَا وَتُوفِّي بهَا سنة ثَمَان، وَيُقَال: سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (كَانَ يمشي بَين يَدي الْجِنَازَة) ، وَفِيه خلاف، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة الْمَشْي أَمَام الْجِنَازَة أفضل، وَعند الْحَنَفِيَّة وَرَاءَهَا أفضل، لِأَنَّهَا متبوعة، وَبِه قَالَ فِي رِوَايَة، وَعنهُ: الْأَفْضَل أَن تكون المشاة أمامها والركبان خلفهَا، وَبِه قَالَ أَحْمد. قَوْله: (وَلَا يقوم لَهَا) ، أَي: وَلَا يقوم الْقَاسِم أَي للجنازة، ويخبر عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: كَانَ أَي أهل الْجَاهِلِيَّة يقومُونَ لَهَا إِذا رَأَوْا الْجِنَازَة، وَالظَّاهِر أَن أَمر الشَّارِع بِالْقيامِ لَهَا لم يبلغ عَائِشَة، فرأت أَن ذَلِك من أَفعَال أهل الْجَاهِلِيَّة، وَلَكِن الشَّارِع فعله، وَاخْتلف فِي نسخه، فَقَالَت الشَّافِعِيَّة وَمَالك: هُوَ مَنْسُوخ بجلوسه، ﷺ ، وَالْمُخْتَار أَنه باقٍ، وَبِه قَالَ ابْن الْمَاجشون، قَالَ
стр. 4932
هُوَ على التَّوسعَة، وَالْقِيَام فِيهِ أجر وَحِكْمَة باقٍ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا تقدمها لم يجلس حَتَّى تحضر وَيُصلي عَلَيْهَا. قَوْله: (كنت فِي أهلك مَا أَنْت مرَّتَيْنِ) كلمة: مَا، مَوْصُولَة وَبَعض صلته مَحْذُوف أَي: الَّذِي أَنْت فِيهِ كنت فِي الْحَيَاة مثله إِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر، وَذَلِكَ فِيمَا كَانُوا يدعونَ من أَن روح الْإِنْسَان تصير طائراً مثله، وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْدهم بالصدي والهام، وَيجوز أَن تكون كلمة: مَا، استفهامية أَي: كنت فِي أهلك شريفاً مثلا، فَأَي شَيْء أَنْت الْآن؟ وَيجوز أَن يكون: مَا، نَافِيَة، وَلَفظ: مرَّتَيْنِ من تَتِمَّة الْمَقُول، أَي: كنت مرّة فِي الْقَوْم وَلست بكائن فيهم مرّة أُخْرَى، كَمَا هُوَ مُعْتَقد الْكفَّار، حَيْثُ قَالُوا: ﴿مَا هِيَ إلَاّ حياتنا الدُّنْيَا﴾ (الجاثية: ٤٢) .
٨٣٨٣ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ حدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمانِ حدَّثَنَا سُفْيانُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ عَمْرِو ابنِ ميْمُونٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ علَى ثَبِيرٍ فخَالَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فأفاضَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. (انْظُر الحَدِيث ٤٨٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن الْمُشْركين لَا يفيضون من جمع حَتَّى تشرق الشَّمْس) . وَعَمْرو بن عَبَّاس، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي بن حسان الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي، وَعَمْرو بن مَيْمُون الأودي أَبُو عبد الله الْكُوفِي، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ بِالشَّام ثمَّ سكن الْكُوفَة. والْحَدِيث قد مضى فِي الْحَج فِي: بَاب مَتى يدْفع من جمع؟
قَوْله: (لَا يفيضون) ، من الْإِفَاضَة وَهِي الدّفع هُنَا، وكل دفْعَة إفَاضَة، وَالْمعْنَى: لَا يدْفَعُونَ من جمع، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم بعْدهَا عين مُهْملَة: وَهِي الْمزْدَلِفَة. قَوْله: (حَتَّى تشرق) بِفَتْح التَّاء وَضم الرَّاء، كَذَا ضَبطه ابْن التِّين، وَالْمَشْهُور بِضَم التَّاء وَكسر الرَّاء. قَوْله: (على ثبير) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ جبل مَعْرُوف عِنْد مَكَّة.
١٤٨٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أصْدَقُ كلِمَةٍ قالَهَا الشاعِرُ كلِمَةُ لَبِيدٍ:
(ألَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطِلٌ ... وكادع امَيَّةُ بنُ أبِي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ)
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ: إِن كلَاّ من لبيد وَأُميَّة شَاعِر جاهلي أما لبيد فَهُوَ ابْن ربيعَة بن عَامر بن مَالك بن جَعْفَر بن كلاب
стр. 4933
ابْن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن الْجَعْفَرِي العامري، شَاعِر من فحول الشُّعَرَاء مفلق مُتَقَدم فِي الفصاحة مجيد فَارس جواد حَكِيم، يكنى أَبَا عقيل مخضرم، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، وَهُوَ عِنْد ابْن سَلام من الطَّبَقَة الثَّالِثَة من شعراء الْجَاهِلِيَّة، وَفد على رَسُول الله، ﷺ ، سنة وَفد بني جَعْفَر فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: قدم على رَسُول الله، ﷺ ، فِي وَفد كلاب وَكَانَ شريفاً فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي إِمَارَة الْوَلِيد بن عقبَة عَلَيْهَا فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ مَالك بن أنس: بَلغنِي أَنه عَاشَ مائَة وَأَرْبَعين سنة، وَقيل: مَاتَ وَهُوَ ابْن مائَة وَسبع وَخمسين سنة، وَقَالَ أَكثر أهل الْعلم بالأخبار: لم يقل شعرًا مُنْذُ أسلم، وَأما أُميَّة فَهُوَ ابْن أبي الصَّلْت عبد الله بن أبي ربيعَة ابْن عَوْف بن عقدَة بن غيرَة بن ثَقِيف أَبُو عُثْمَان، وَيُقَال: أَبُو الحكم، قدم دمشق قبل الْإِسْلَام، وَقيل: إِنَّه كَانَ صَالحا. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَكَانَ قد تنبأ فِي الْجَاهِلِيَّة فِي أول زَمَانه، وَأَنه كَانَ فِي أول عمره على الْإِيمَان، ثمَّ زاغ عَنهُ وَأَنه هُوَ الَّذِي أَرَادَ الله بقوله: ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٧١) . الْآيَة. وَكَانَ شَاعِرًا مجيداً، إلَاّ أَنه لقرَاءَته الْكتب الْمنزلَة كَانَ يَأْتِي فِي شعره بأَشْيَاء لَا تعرفها الْعَرَب، فَلذَلِك كَانَت الْعلمَاء لَا تحتج بِشعرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفرج: وَقيل: لما بعث رَسُول الله، ﷺ أَخذ أُميَّة ابنيه وهرب بهما إِلَى الْيمن، ثمَّ عَاد إِلَى الطَّائِف وَمَات فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عبد الْملك بن عُمَيْر الْكُوفِي. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن ابْن بشار وَفِي الرقَاق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي الشّعْر عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَعَن جمَاعَة آخَرين. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الإستيذان عَن عَليّ بن حجر وَفِي الشَّمَائِل عَن مُحَمَّد بن بشار وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن الصَّباح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أصدق كلمة) ، أصدق أفعل التَّفْضِيل تدل على الْمُبَالغَة فِي الصدْق، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم: أشعر كلمة تَكَلَّمت بهَا الْعَرَب كلمة لبيد ... إِلَى آخِره، وروينا هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا من طَرِيق التِّرْمِذِيّ، وَقد رويت هَذِه اللَّفْظَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة: أصدق بَيت قَالَه الشَّاعِر، وَإِن أصدق بَيت قالته الشُّعَرَاء، وَكلهَا فِي (الصَّحِيح) ، وَمِنْهَا: أشعر كلمة قالتها الْعَرَب، قَالَه ابْن مَالك فِي (شَرحه للتسهيل) وَكلهَا من وصف الْمعَانِي مُبَالغَة بِمَا يُوصف بِهِ الْأَعْيَان كَقَوْلِهِم: شعر شَاعِر، خوف خَائِف، وَمَوْت مائت، ثمَّ يصاغ مِنْهُ أفعل بِاعْتِبَار ذَلِك الْمَعْنى، فَيُقَال: شعرك أشعر من شعره وخوفي أخوف من خَوفه. قَوْله: (كلمة) ، فِيهِ إِطْلَاق الْكَلِمَة على الْكَلَام، وَهُوَ مجَاز مهمل عِنْد النَّحْوِيين مُسْتَعْمل عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وَهُوَ من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء باسم جزئه على سَبِيل التَّوَسُّع. قَوْله: (أَلا كل شَيْء) كلمة: ألَا، حرف استفتاح فتصدر بهَا الْجُمْلَة الإسمية والفعلية، وَلَفظ: كل، إِذا أضيف إِلَى النكرَة يَقْتَضِي عُمُوم الْأَفْرَاد، وَإِذا أضيف إِلَى الْمعرفَة يَقْتَضِي عُمُوم الْأَجْزَاء، يظْهر ذَلِك فِي: كل رمان مَأْكُول، وكل الرُّمَّان مَأْكُول، فَالْأول صَحِيح دون الثَّانِي. قَوْله: (مَا خلا الله) ، كلمة: خلا وَعدا، إِذا وَقعا صلَة: لما، المصدرية وَجب أَن يَكُونَا فعلين، لِأَن الْحَرْف لَا يُوصل بالحرف، فَوَجَبَ أَن يَكُونَا فعلين، فَوَجَبَ النصب، وَلَفْظَة: الله، مَنْصُوبَة بقوله: خلا. وَقَوله: (كل شَيْء) مُبْتَدأ. وَقَوله: (بَاطِل) خَبره، وَمَعْنَاهُ: ذَاهِب، من بَطل الشَّيْء يبطل بطلاً وبطلاً وبطولاً وبطلاناً، وَمَعْنَاهُ: كل شَيْء سوى الله تَعَالَى زائل فَائت مضمحل لَيْسَ لَهُ دوَام. فَإِن قلت: الطَّاعَات والعبادات حق لَا محَالة، وَكَذَا قَوْله ﷺ فِي دُعَائِهِ فِي اللَّيْل: أَنْت الْحق وقولك الْحق وَالْجنَّة وَالنَّار حق فَكيف تُوصَف هَذِه الْأَشْيَاء بِالْبُطْلَانِ. قلت: المُرَاد من قَوْله: (مَا خلا الله) أَي: مَا خلاه، وخلا صِفَاته الذاتية والفعلية من رَحْمَة وَعَذَاب وَغير ذَلِك، وَجَوَاب آخر: الْجنَّة وَالنَّار إِنَّمَا يبقيان بإبقاء الله لَهما وَخلق الدَّوَام لأهلهما. وكل شَيْء سوى الله يجوز عَلَيْهِ الزَّوَال لذاته، وكل شَيْء لَا يَزُول فبإبقاء الله تَعَالَى وَالنّصف الْأَخير للبيت.
وكل نعيم لَا محَالة زائل
وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل وجملتها عشرَة أَبْيَات ذَكرنَاهَا فِي (شرح الشواهد الْكُبْرَى) وتكلمنا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. قَوْله: (وَكَاد أُميَّة بن أبي الصَّلْت) ، وَلَفْظَة: كَاد، من أَفعَال المقاربة، وَهُوَ مَا وضع لدنو الْخَبَر رَجَاء أَو حصولاً، وأخذاً فِيهِ، تَقول
стр. 4934
كَاد زيد يخرج وَكَاد: أَن يخرج، أَي: قَارب أُميَّة الْإِسْلَام وَلكنه لم يسلم وَكَانَ يتعبد فِي الْجَاهِلِيَّة ويؤمن بِالْبَعْثِ وَأدْركَ الْإِسْلَام وَلم يسلم، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : عَن الشريد، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة ابْن سُوَيْد. قَالَ: (ردفت رَسُول الله، ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: هَل مَعَك من شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت شَيْء؟ قلت: نعم. قَالَ: هيه، فَأَنْشَدته بَيْتا، فَقَالَ: هيه، حَتَّى أنشدته مائَة بَيت، فَقَالَ: لقد كَاد يسلم فِي شعره) ، وروى ابْن مَنْدَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن الفارعة بنت أبي الصَّلْت أُخْت أُميَّة أَتَت النَّبِي ﷺ فَأَنْشَدته من شعر أُميَّة. قَالَ: لقد كَاد أَن يسلم فِي شعره.
٢٤٨٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ بنِ بِلالٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ القاسِمِ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ لأِبي بَكْرٍ غُلَام يخرج لَهُ الْخراج وَكَانَ أَبُو بكر يَأْكُل من خراجه فجَاء يَوْمًا بِشَيْء فَأكل مِنْهُ أَبُو بكر فَقالَ لَهُ الغُلَامُ تَدْرِي مَا هَذَا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وَمَا هُوَ قالَ كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإنْسَانٍ فِي الجاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ إلَاّ أنَّي خَدَعْتُهُ فلَقِيَنِي فأعْطَانِي بِذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي أكَلْتَ مِنْهُ فأدْخَلَ أبُو بَكْرٍ يَدَهُ فقاءَ كلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت تكهنت لإِنْسَان فِي الْجَاهِلِيَّة) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، واسْمه: عبد الله الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك ابْن أنس. وَأَخُوهُ عبد الحميد يكنى أَبَا بكر الْمدنِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة.
قَوْله: (يخرج) ، بِضَم الْيَاء من الْإِخْرَاج، أَرَادَ أَنه يَأْتِي لَهُ بِمَا يكسبه من الْخراج وَهُوَ مَا يقرره السَّيِّد على عَبده من مَال يَدْفَعهُ إِلَيْهِ من كَسبه. قَوْله: (كنت تكهنت) ، من الكهانة وَهُوَ إِخْبَار عَمَّا سَيكون من غير دَلِيل شَرْعِي، وَكَانَ هَذَا كثيرا فِي الْجَاهِلِيَّة خُصُوصا قبل ظُهُور النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَمَا أحسن) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَأَعْطَانِي بذلك) ، أَي: بِمُقَابلَة مَا تكهنت لَهُ. قَوْله: (فقاء) ، أَي: استفرغ كل مَا أكل مِنْهُ، وَإِنَّمَا قاء لِأَن حلوان الكاهن مَنْهِيّ عَنهُ، والمحصل من المَال بطرِيق الخديعة حرَام، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالله تَعَالَى وضع مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَلَو كَانَ فِي الْإِسْلَام لغرم مثل مَا أكل أَو قِيمَته إِن لم يكن مِمَّا يقْضِي فِيهِ بِالْمثلِ.
٣٤٨٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أخبَرَنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قالَ كانَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لُحُومَ الجَزُورِ إلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ قالَ وحَبَلُ الحَبَلَةِ أنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نُتِجَتْ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عنْ ذَلِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤١٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع الْغرَر، وحبل الحبلة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٤٤٨٣ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا مَهْدِيٌّ قَالَ حدَّثنا غَيْلَانُ بنُ جَرِيرٍ كُنَّا نأتِي أنَسَ بنَ مَالِكٍ فيُحَدِّثُنَا عنِ الأنْصَارِ وكَانَ يَقُولُ لِي فَعلَ قَوْمُكَ كذَا وكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وفَعَلَ قوْمُكَ كذَا وكَذَا يَوْمَ كذَا وكذَا. (انْظُر الحَدِيث ٦٧٧٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله: (فعل قَوْمك كَذَا وَكَذَا) إِلَى آخِره، يحْتَمل أَن يُشِير بِهِ إِلَى مَا صدر عَنْهُم من الوقائع فِي الْجَاهِلِيَّة. فَإِن قلت: يحْتَمل أَيْضا أَن يُشِير بِهِ إِلَى مَا صدر عَنْهُم من الوقائع فِي الْإِسْلَام فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة. قلت: يحْتَمل الْأَعَمّ مِنْهُمَا أَيْضا فالمطابقة بِهَذَا الْمِقْدَار كَافِيَة.
وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، ومهدي هُوَ ابْن مَيْمُون المغولي الْأَزْدِيّ
стр. 4935
الْبَصْرِيّ، وغيلان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن جرير بِفَتْح الْجِيم المغولي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، مَاتَ فِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن المَخْزُومِي عَن مهْدي نَحوه.
٧٢ - (الْقَسَامَةُ فِي الجَاهِلِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَيَان الْقسَامَة الَّتِي كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة وأقرت فِي الْإِسْلَام، والقسامة أَقسَام المتهمين بِالْقَتْلِ على نفي الْقَتْل عَنْهُم، وَقيل: هِيَ قسْمَة الْيَمين عَلَيْهِم، وَعند الشَّافِعِي: قسْمَة أَوْلِيَاء الدَّم الْأَيْمَان على أنفسهم بِحَسب استحقاقهم الدَّم، أَو أقسامهم وَلَا يلْزم عَلَيْهِم، تَحْلِيف أهل الْجَاهِلِيَّة الْمُدعى عَلَيْهِم إِذْ لَا حجَّة فِي فعلهم، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْقسَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهَذِه التَّرْجَمَة ثبتَتْ عِنْد أَكثر الروَاة عَن الْفربرِي، وَلم تقع عِنْد النَّسَفِيّ.
٥٤٨٣ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا قَطَنٌ أبُو الهَيْثَمِ حدَّثَنَا أبُو يَزِيدَ المَدَنِيُّ عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا قَالَ إنَّ أوَّلَ قَسامَةٍ كانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَفِينا بَنِي هاشِمٍ كانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هاشِمٍ اسْتَأجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخْذٍ أخْرَى فانْطَلَقَ معَهُ فِي إبِلِهِ فَمَرَّ رَجُلٌ بِهِ مِنْ بَنِي هاشِمٍ قَدِ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ فَقالَ أغِثْنِي بِعِقَالٍ أشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقي لَا تَنْفِرُ الإبِلُ فأعْطَاهُ عقَالًا فشَدَّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ فلَمَّا نَزَلُوا عُقِلَتِ الأبِلُ إلَاّ بَعِيرَاً وَاحِداً فَقالَ الَّذِي اسْتَأجَرَهُ مَا شأنُ هَذَا البَعِيرِ لَمْ يُعْقَلْ مِنْ بَيْنِ الإبِلِ قَالَ لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ قَالَ لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ قَالَ فأيْنَ عِقَالُهُ قَالَ فَحَذَفَهُ بِعَصَاً كانَ فِيهَا أجَلُهُ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ فَقالَ أتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ قَالَ مَا أشْهَدُ ورُبَّمَا شَهِدْتُهُ قَالَ هَلْ أنْتُ مُبْلِغٌ عَنِّي رِسَالَةً مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ قَالَ نَعمْ قَالَ فَكُنْتُ إذَا أنْتَ شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ فَنادِ يَا آلَ قُرَيْشٍ فإذَا أجَابُوكَ فَنادِ يَا آلَ بَنِي هاشِمٍ فإنْ أجابُوكَ فَسَلْ عنْ أبي طالِبٍ فأخْبِرْهُ أنَّ فُلاناً قتَلَنِي فِي عِقَالٍ وماتَ المُسْتَأجَرُ فَلَمَّا قَدِمَ الَّذِي اسْتَأجَرَهُ أتاهُ أبُو طَالِبٍ فَقالَ مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا قَالَ مرِضَ فأحْسَنْتُ الْقِيَامَ علَيْهِ فوَلِيتُ دَفْنَهُ قَالَ قَدْ كانَ أهْلَ ذَاكَ مِنْكَ فَمَكُثَ حِينَاً ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أوْصَى إلَيْهِ أنْ يُبْلِغَ عنْهُ وَافى المَوْسِمَ فَقَالَ يَا آلَ قُرَيْشٍ قالُوا هاذِهِ قُرَيْشٌ قَالَ يَا آلَ بَنِي هاشِمٍ قالُوا هاذِهِ بَنُو هاشِمٍ قَالَ أيْنَ أبُو طَالِبٍ قالُوا هاذَا أبُو طَالِبٍ قَالَ أمَرَنِي فُلانٌ أنْ أُبْلِغَكَ رِسالَةً أنَّ فُلَاناً فِي عِقَالٍ فأتاهُ أبُو طَالِبٍ فَقالَ لَهُ اخْتَرْ مِنَّا إحْدَى ثَلاثٍ إنْ شِئْتَ أنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ فإنَّكَ قتَلْتَ صاحِبَنَا وإنْ شِئْتَ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ إنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ فإنْ أبَيْتَ قَتَلْنَاكَ بِهِ فأتَى قَوْمَهُ فقالُوا نَحْلِفُ فأتَتْهُ امْرَأةٌ مِنْ بَنِي هاشِمٍ كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قدْ ولَدَتْ لَهُ فقالَتْ يَا أبَا طَالِبٍ أُحِبُّ أنْ تُجِيزَ ابْنِي هَذَا بِرَجُلٍ مِنَ الخَمْسِينَ ولَا تَصْبُرْ يَمِينَهُ حَيْثُ تُصْبَرُ الأيْمَانُ فَفَعَلَ فأتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقال يَا أبَا طالِبٍ أرَدْتَ خَمْسِينَ رَجُلاً أنْ يَحلِفُوا مَكانَ مِائَةٍ مِنَ الإبِلِ يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ بَعِيرَانِ هَذَانِ بَعِيرَانِ فاقْبَلْهُمَا عَنِّي ولَا تَصْبُرْ يَمِيني حَيْثُ تُصْبَرُ الأيْمَانُ فَقَبِلَهُمَا وجاءَ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ فحَلَفُوا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حالَ الحَوْلُ وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وأرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ.
стр. 4936
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو معمر عبد الله بن عَمْرو المقعد وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الْوَارِث هُوَ بن سعيد أَبُو عُبَيْدَة، وقطن، بِالْقَافِ والطاء الْمُهْملَة ثمَّ النُّون: هُوَ ابْن كَعْب أَبُو الْهَيْثَم الْقطعِي بِضَم الْقَاف الْبَصْرِيّ وَأَبُو يزِيد من الزِّيَادَة الْمدنِي الْبَصْرِيّ وَيُقَال لَهُ: الْمَدِينِيّ بِزِيَادَة الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَلَعَلَّ أَصله كَانَ من الْمَدِينَة، وَلَكِن لم يرو عَنهُ أحد من أهل الْمَدِينَة، وَسُئِلَ عَنهُ مَالك فَلم يعرفهُ، وَلَا عرف إسمه وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا للراوي عَنهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقسَامَة عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن معمر نَحوه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن أول قسَامَة) أَي: فِي حكم أبي طَالب، وَاخْتلفُوا فِي أول من سنّ الدِّيَة مائَة من الْإِبِل، فَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عبد الْمطلب، وَقيل: القلمس، وَقيل: النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة قتل أَخَاهُ لأمه فوداه مائَة من الْإِبِل من مَاله، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: وثب ابْن كنَانَة على عَليّ بن مَسْعُود فَقتله، فوداه خُزَيْمَة بِمِائَة من الْإِبِل، فَهِيَ أول دِيَة كَانَت فِي الْعَرَب، وَقيل: قتل مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن أَخَاهُ زيدا فوداه عَامر بن الضَّرْب مائَة من الْإِبِل، فَهِيَ أول دِيَة كَانَت فِي الْعَرَب. قَوْله: (لفينا) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر لقَوْله: (أول قسَامَة) وَاللَّام فِيهِ لتأكيد معنى الحكم بهَا. قَوْله: (بني هَاشم) ، مجرور لِأَنَّهُ بدل من الضَّمِير الْمَجْرُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِنَّه مَنْصُوب على الإختصاص، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون نصبا على التَّمْيِيز، أَو على النداء بِحَذْف حرف النداء. قلت: لَا وَجه لِأَن يكون مَنْصُوبًا على التَّمْيِيز لِأَن التَّمْيِيز مَا يرفع الْإِبْهَام المستقر عَن ذَات مَذْكُورَة أَو مقدرَة وَالْمرَاد بالإبهام المستقر مَا كَانَ بِالْوَضْعِ أَي: مَا وَضعه الْوَاضِع مُبْهما، وَلَيْسَ فِي قَوْله: لفينا، إِبْهَام بِوَضْع الْوَاضِع وَلَا وَجه أَيْضا لِأَن يكون مَنْصُوبًا على النداء، لِأَن الْمُنَادِي غير المنادى، وَهنا قَوْله: (بني هَاشم) هُوَ معنى قَوْله: (لفينا) ، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كَانَ رجل من بني هَاشم) ، هُوَ عَمْرو بن عَلْقَمَة بن الْمطلب بن عبد منَاف نَص عَلَيْهِ الزبير بن بكار فِي هَذِه الْقِصَّة، وَسَماهُ ابْن الْكَلْبِيّ عَامِرًا. قَوْله: (اسْتَأْجرهُ رجل) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا حذف الْمَفْعُول مِنْهُ، وَجَاء على الْوَجْهَيْنِ هَكَذَا: اسْتَأْجر رجل فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا: اسْتَأْجر رجلا من قُرَيْش، وَهُوَ مقلوب، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (من فَخذ أُخْرَى) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَقد تسكن، الْفَخْذ أقل من الْبَطن الْأَقَل من الْعِمَارَة الْأَقَل من الفصيلة الْأَقَل من الْقَبِيلَة. وَنَصّ الزبير بن بكار على أَن الْمُسْتَأْجر الْمَذْكُور: هُوَ خِدَاش بن عبد الله بن أبي قيس العامري، وخداش، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبدال مُهْملَة وشين مُعْجمَة. قَوْله: (فَمر بِهِ) ، أَي: بالأجير. قَوْله: (عُرْوَة جوالقه) ، بِضَم الْجِيم وَكسر اللَّام: الْوِعَاء من جلدو وَثيَاب وَغَيرهَا، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَأَصله: كواله، وَالْجمع: الجوالق، بِفَتْح الْجِيم والجواليق بِزِيَادَة الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (أَغِثْنِي) ، من الإغاثة بالغين الْمُعْجَمَة والثاء الْمُثَلَّثَة، وَمَعْنَاهُ: أَعنِي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالنُّون. قَوْله: (بعقال) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ: الْحَبل، قَوْله: (فَحَذفهُ) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فأعطيته فَحَذفهُ، بِالْحَاء الْمُهْملَة ويروى بِالْمُعْجَمَةِ، أَي: رَمَاه، والحذف الرَّمْي بالأصابع. قَوْله: (كَانَ فِيهَا أَجله) أَي: فَأصَاب مَقْتَله وأشرف على الْمَوْت بِدَلِيل. قَوْله: (فَمر بِهِ رجل من أهل الْيمن) قبل أَن يقْضِي. قَوْله: (أَتَشهد الْمَوْسِم؟) ، أَي: موسم الْحَج ومجتمعهم. قَوْله: (مرّة من الدَّهْر) أَي: وقتا من الْأَوْقَات. قَوْله: (قَالَ: فَكنت) بِضَم الْكَاف وَسُكُون النُّون من الْكَوْن، هَكَذَا رِوَايَة أبي ذَر، والأصيلي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، فَكتب، من الْكِتَابَة وَهُوَ الْأَوْجه، وَفِي رِوَايَة الزبير بن بكار: فَكتب إِلَى أبي طَالب يُخبرهُ بذلك. قَوْله: (يَا آل قُرَيْش) الْهمزَة للاستغاثة. قَوْله: (يَا آل بني هَاشم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يَا بني هَاشم. قَوْله: (قتلني فِي عقال) أَي: بِسَبَب عقال. قَوْله: (وَمَات الْمُسْتَأْجر) بِفَتْح الْجِيم. قَوْله: (أهل ذَاك) بِالنّصب ويروى. ذَلِك. قَوْله: (وافى الْمَوْسِم) أَي: أَتَاهُ. قَوْله: (أَيْن أَبُو طَالب؟) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: من أَبُو طَالب؟ هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: من أَبُو طَالب؟ قَوْله: (أَن فلَانا قَتله) ويروى: فتكه، بِالْفَاءِ وَالْكَاف. قَوْله: (إِحْدَى ثَلَاث) يحْتَمل أَن تكون هَذِه الثَّلَاث كَانَت مَعْرُوفَة بَينهم، وَيحْتَمل أَن تكون هَذِه الثَّلَاث كَانَت مَعْرُوفَة بَينهم، وَيحْتَمل أَن يكون شَيْء اخترعه أَبُو طَالب، وَقَالَ ابْن التِّين: لم ينْقل أَنهم تشاوروا فِي ذَلِك وَلَا تدافعوا، فَدلَّ على أَنهم كَانُوا يعْرفُونَ الْقسَامَة قبل ذَلِك، قيل: فِيهِ نظر لقَوْل ابْن عَبَّاس رَاوِي الحَدِيث: إِنَّهَا أول قسَامَة، ورد بِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس الْوُقُوع، وَإِن كَانُوا يعْرفُونَ الحكم قبل ذَلِك، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (إِن شِئْت أَن تُؤدِّي) ويروى: تُؤدِّي، بِدُونِ لَفْظَة: أَن، قَوْله: (فَإنَّك) الْفَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة. قَوْله: (حلف) فعل مَاض. و: (خَمْسُونَ) بِالرَّفْع فَاعله، قَوْله: (فَأَتَتْهُ امْرَأَة من بني هَاشم) هِيَ: زَيْنَب بنت
стр. 4937
عَلْقَمَة أُخْت الْمَقْتُول: (وَكَانَت تَحت رجل مِنْهُم) وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن أبي قيس العامري، وَاسم وَلَدهَا مِنْهُ: حويطب مُصَغرًا بمهملتين وَقد عَاشَ حويطب بعد هَذَا دهراً طَويلا وَله صُحْبَة، وَسَيَأْتِي حَدِيثه فِي كتاب الْأَحْكَام. قَوْله: (أَن تجيزا بني هَذَا) ، بِالْجِيم وَالزَّاي، أَي: تهبه مَا يلْزمه من الْيَمين، وَقَالَ صَاحب (جَامع الْأُصُول) : إِن كَانَ: تجير، بالراء فَمَعْنَاه: تؤمنه من الْيَمين، وَإِن كَانَ بالزاي فَمَعْنَاه: تَأذن لَهُ فِي ترك الْيَمين. قَوْله: (وَلَا تصبر يَمِينه) ، بالصَّاد الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة المضمومة، قَالَ الْجَوْهَرِي: صَبر الرجل إِذا حلف صبرا إِذا حبس على الْيَمين حَتَّى يحلف، والمصبورة هِيَ الْيَمين، وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى الصَّبْر فِي الْإِيمَان الْإِلْزَام حَتَّى لَا يَسعهُ أَن لَا يحلف، وَحَاصِل معنى: صَبر الْيَمين، هُوَ أَن يلْزم الْمَأْمُور بهَا وَيكرهُ عَلَيْهَا. قَوْله: (حَيْثُ تصبر الْأَيْمَان) أَي: بَين الرُّكْن وَالْمقَام، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَمن هَذَا اسْتدلَّ الشَّافِعِي على أَنه لَا يحلف بَين الرُّكْن وَالْمقَام على أقل من عشْرين دِينَارا، وَهُوَ مَا يجب فِيهِ الزَّكَاة، قيل: لَا يدرى كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا الِاسْتِدْلَال، وَلم يذكر أحد من أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن الشَّافِعِي اسْتدلَّ لذَلِك بِهَذِهِ الْقَضِيَّة. قَوْله: (فَحَلَفُوا) ، زَاد ابْن الْكَلْبِيّ: حلفوا عِنْد الرُّكْن أَن خداشاً بَرِيء من دم الْمَقْتُول. قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) قَالَ ابْن التِّين: كَانَ الَّذِي أخبر ابْن عَبَّاس بذلك جمَاعَة اطمأنت نَفسه إِلَى صدقهم حَتَّى وَسعه أَن يحلف على ذَلِك، قيل: يَعْنِي أَنه كَانَ حِين الْقسَامَة لم يُولد، وَيحْتَمل أَن يكون الَّذِي أخبرهُ بذلك هُوَ النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي (الصَّحِيح) . قَوْله: (فَمَا حَال الْحول) أَي: من يَوْم حلفوا. قَوْله: (وَمن ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمن الثَّمَانِية، وَعند الْأصيلِيّ: وَالْأَرْبَعِينَ. قَوْله: (عين تطرف) ، بِكَسْر الرَّاء، أَي: تتحرك. وَزَاد ابْن الْكَلْبِيّ: وَصَارَت رباع الْجَمِيع لحويطب، فَلذَلِك كَانَ أَكثر من بِمَكَّة رباعاً، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة أَن من ظلم أحدا يعجل لَهُ عُقُوبَته، وروى الفاكهي من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن أَبِيه، قَالَ: حلف نَاس عَن الْبَيْت قسَامَة على بَاطِل، ثمَّ خَرجُوا فنزلوا تَحت صَخْرَة فانهدمت عَلَيْهِم، قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ يفعل بهم ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة ليتناهوا عَن الظُّلم، لأَنهم كَانُوا لَا يعْرفُونَ الْبَعْث، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام أخر الْقصاص إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
٦٤٨٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ يَوْمُ بُعاثَ يَوْمَاً قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ فقَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ وقَدِ افْتَرَقَ مَلأُهُمْ وقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وجُرِّحُوا قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإسْلَامِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٧٧٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن يَوْم بُعَاث كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَعبيد بن إِسْمَاعِيل كَانَ اسْمه فِي الأَصْل عبد الله، ويكنى: أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَنَاقِب الْأَنْصَار بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن عَن عبيد إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٧٤٨٣ - وقَالَ ابنُ وَهْبٍ أخْبَرَنَا عَمْرٌ وعنْ بُكَيْرِ بنِ الأشَجِّ أنَّ كُرَيْبَاً مَوْلَى ابنِ عبَّاس حدَّثه أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ سُنَّةً إنَّمَا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَها ويَقُولُونَ لَا نُجِيزُ البَطْحَاءَ إلَاّ شَدَّا.
أَي: قَالَ عبد الله بن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ عَن بكير مصغر بكر بِالْيَاءِ الْمُوَحدَة ابْن الْأَشَج، بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَشد الْجِيم: وَهُوَ بكير بن عبد الله بن الْأَشَج مولى بني مَخْزُوم كَانَ من صلحاء أهل الْمَدِينَة.
وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق حَرْمَلَة بن يحيى عَن عبد الله بن وهب.
قَوْله: (لَيْسَ السَّعْي) المُرَاد مِنْهُ السَّعْي اللّغَوِيّ وَهُوَ الْعَدو أَي: لَيْسَ الْإِسْرَاع فِي السَّعْي بِبَطن الْوَادي بَين الصَّفَا والمروة سنة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِسنة، بباء الْجَرّ، وَقَالَ ابْن التِّين: خُولِفَ فِيهِ
стр. 4938
ابْن عَبَّاس، بل قَالُوا: إِنَّه فَرِيضَة. قلت: أَرَادَ ابْن عَبَّاس أَن شدَّة السَّعْي لَيْسَ بِسنة، وَلَا يُرِيد بذلك نفس سنية السَّعْي الْمُجَرّد، وَفِيه خلاف فَعِنْدَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة من أَرْكَان الْحَج وَعند أَصْحَابنَا: لَيْسَ بِرُكْن، بل هُوَ من الْوَاجِبَات كَمَا علم فِي مَوْضِعه. قَوْله: (لَا نجيز) ، بِضَم النُّون أَي: لَا نقطع الْبَطْحَاء بمسيل الْوَادي، يُقَال: أجزته، أَي: خلفته وقطعته، وَيُقَال: جزت الْموضع أَي: سرت فِيهِ وأجزته خلفته وقطعته، وَقيل: أجزته بِمَعْنى جزته، ويروى: لَا تجوز الْبَطْحَاء، أَي: لَا نتجاوزها إلَاّ شداً، وانتصابه على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: لَا نجيز إجَازَة شداً، أَي: بقوةَ وعدوٍ شَدِيد، وَيجوز أَن يكون حَالا بِمَعْنى شادِّين.
٨٤٨٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدُ الجُعَفِيُّ حدَّثَنَا سُفْيَانُ أخبَرَنًّا مُطَرِّفٌ سَمِعْتُ أبَا السَّفَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ يَا أيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي مَا أقُولُ لَكُمْ وأسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ ولَا تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ ابْن عَبَّاسٍ مَنْ طافَ بالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ ورَاءِ الحِجْرِ ولَا تَقُولُوا الحَطِيمُ فإنَّ الرَّجُلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أوْ نَعْلَهُ أوْ قَوْسَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة) وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، ومطرف، على صِيغَة الْفَاعِل من التطريف، ابْن طريف، بِالطَّاءِ الْمُهْملَة: الْحَارِثِيّ، وَأَبُو السّفر، بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْفَاء المفتوحتين: واسْمه سعيد بن يحمد، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم: الْكُوفِي الْهَمدَانِي.
قَوْله: (اسمعوا) إسماع ضبط وإتقان. قَوْله: (مَا أَقُول) مفعول: اسمعوا، قَوْله: (واسمعوني) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين من الإسماع. قَوْله: (مَا تَقولُونَ) ، مفعول ثَان لقَوْله: اسمعوني، قَوْله: (وَلَا تذْهبُوا) ، أَي: قبل أَن تضبطوا فتقولوا: (قَالَ ابْن عَبَّاس) بِلَا ضبط وَلَا إتقان. قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) كَلَام مُسْتَقل وَلَيْسَ بتكرار، وَهُوَ مقول. قَوْله: (اسمعوا مني مَا أَقُول لكم) وَقَوله: (من طَاف) مقول. قَوْله: (قَالَ بَان عَبَّاس) قَوْله: (من وَرَاء الْحجر) ، بِكَسْر الْمُهْملَة وَهُوَ: المحوط الَّذِي تَحت الْمِيزَاب. قَوْله: (وَلَا تَقولُوا: الْحطيم) لِأَنَّهُ من أوضاع الْجَاهِلِيَّة كَانَت عَادَتهم أَنهم إِذا كَانُوا يتحالفون بَينهم كَانُوا يحطمون أَي: يدْفَعُونَ نعلا أَو سَوْطًا أَو قوساً إِلَى الْحجر عَلامَة لعقد حلفهم فَسَموهُ بذلك لكَونه يحطم أمتعتهم، وَقيل: إِنَّمَا قيل لَهُ الْحطيم لما حطم من جِدَاره فَلم يسوِّ بِبِنَاء الْبَيْت وَترك خَارِجا مِنْهُ، وَقيل: إِنَّمَا سمي الْحطيم لِأَن بَعضهم كَانَ إِذا دَعَا على من ظلمه فِي ذَلِك الْموضع هلك. قلت: فعلى هَذَا يكون الْحطيم بِمَعْنى: الحاطم، فعيل بِمَعْنى فَاعل، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: سمي الْحطيم حطيماً لما يحْجر عَلَيْهِ، أَو لِأَنَّهُ قصر بِهِ عَن بِنَاء الْبَيْت، وَأخرج عَنهُ، قلت: فعلى هَذَا يكون الْحطيم بِمَعْنى المحطوم، فعيل بِمَعْنى مفعول، وَقيل: سمي بِهِ لِأَن النَّاس يحطم فِيهِ بَعضهم بَعْضًا من الزحام عِنْد الدُّعَاء فِيهِ، وَقيل: الْحطيم هُوَ بِئْر الْكَعْبَة الَّتِي كَانَ يلقى فِيهَا مَا ينذر لَهَا، وَقيل: الْحطيم مَا بَين الْحجر الْأسود وَالْمقَام، وَقيل: من زَمْزَم إِلَى الْحجر يُسمى حطيماً. قَوْله: (فَيلقى) بِضَم الْيَاء من الْإِلْقَاء: وَهُوَ الرَّمْي. قَوْله: (سَوْطه أَو نَعله أَو قوسه) كلمة: أَو، فِيهِ للتنويع وَالتَّقْدِير: يلقِي فِي الْحطيم.
٩٤٨٣ - حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ حدَّثنا هُشَيْمٌ عنْ حُصَيْنٍ عنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ قَالَ رأيْتُ فِي الجاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فرَجَمُوهَا فرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ونعيم، بِضَم النُّون: ابْن حَمَّاد، بتَشْديد الْمِيم: أَبُو عبد الله الرفاء الفارض الْمروزِي، سكن مصر، قَالَ أَبُو دَاوُد: مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وهشيم، بِضَم الْهَاء: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة السّلمِيّ الوَاسِطِيّ، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَبُو الْهُذيْل الْكُوفِي، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن مَيْمُون، قد مر عَن قريب.
قَوْله: (قردة) ، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: وَهِي الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَتجمع على: قرود وقردة أَيْضا، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الرَّاء
стр. 4939
كَمَا فِي متن الحَدِيث. قَوْله: (قد زنت) حَال من: قردة، المفردة. فَإِن قلت: كَيفَ ذكر قَوْله: (اجْتمع) مَعَ أَن فَاعله جمَاعَة، وَهُوَ قَوْله: (قردة) وَكَذَلِكَ ذكر الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: (رجموها) وَفِي قَوْله: مَعَهم؟ قلت: أما الأول: فلوقوع الْفَصْل بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَأما الثَّانِي: فباعتبار أَن الرَّاوِي كَانَ بَين القردة، فغلب الْمُذكر على الْمُؤَنَّث، وأصل هَذِه الْقِصَّة مَا ذكرهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مشروحة من طَرِيق عِيسَى بن حطَّان عَن عَمْرو بن مَيْمُون، قَالَ: كنت فِي الْيمن فِي غنمٍ لأهلي وَأَنا على شرف، فجَاء قرد مَعَ قردة فتوسد يَدهَا، فجَاء قرد أَصْغَر مِنْهُ فغمزها، فسلت يَدهَا من تَحت رَأس القرد الأول سلاًّ رَفيقاً وتبعته، فَوَقع عَلَيْهَا وَأَنا أنظر، ثمَّ رجعت فَجعلت تدخل يَدهَا من تَحت خد الأول بِرِفْق، فَاسْتَيْقَظَ فَزعًا، فشمها فصاح فاجتمعت القرود، فَجعل يصيخ ويومي إِلَيْهَا بِيَدِهِ، فَذهب القرود يمنة ويسرة، فَجَاءُوا بذلك القرد أعرفهُ، فَحَفَرُوا لَهما حُفْرَة فرجموهما، فَلَقَد رَأَيْت الرَّجْم فِي غير بني آدم. وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا من نسل الَّذين مسخوا فَبَقيَ فيهم ذَلِك الحكم. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: إِضَافَة الزِّنَا إِلَى غير الْمُكَلف وَإِقَامَة الْحُدُود فِي الْبَهَائِم عِنْد جمَاعَة أهل الْعلم مُنكر، وَلَو صَحَّ لكانوا من الْجِنّ، لِأَن الْعِبَادَات فِي الْجِنّ وَالْإِنْس دون غَيرهمَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُقَال: كَانُوا من الْإِنْس فمسخوا قردة وتغيروا عَن الصُّورَة الإنسانية فَقَط، وَكَانَ صورته صُورَة الزِّنَا وَالرَّجم وَلم يكن ثمَّة تَكْلِيف وَلَا حدّ، وَإِنَّمَا ظَنّه الَّذِي ظن فِي الْجَاهِلِيَّة مَعَ أَن هَذِه الْحِكَايَة لم تُوجد فِي بعض نسخ البُخَارِيّ، وَقَالَ الْحميدِي: فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : هَذَا الحَدِيث وَقع فِي بضع نسخ البُخَارِيّ، وَأَن أَبَا مَسْعُود وَحده ذكره فِي (الْأَطْرَاف) ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا فِي نسخ البُخَارِيّ أصلا، فَلَعَلَّهُ من الْأَحَادِيث المقحمة فِي كتاب البُخَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم فِي الرَّد على ابْن التِّين بِأَنَّهُ: ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) : أَن الممسوخ لَا نسل لَهُ، وَيُعَكر عَلَيْهِ بِمَا ثَبت أَيْضا فِي صَحِيح مُسلم أَن النَّبِي ﷺ ، لما أُوتِيَ بالضب، قَالَ: لَعَلَّه من الْقُرُون الَّتِي مسخت. وَقَالَ فِي الفأر: فقدت أمة من بني إِسْرَائِيل لَا أَرَاهَا إلَاّ الفار وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو إِسْحَاق الزّجاج وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ حَيْثُ قَالَا: إِن الْمَوْجُود من القردة من نسل الممسوخ، وَأجِيب بِأَنَّهُ، ﷺ ، قَالَ ذَلِك قبل الْوَحْي إِلَيْهِ يحقيقة الْأَمر فِي ذَلِك، وَفِيه نظر لعدم الدَّلِيل عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الرَّد على ابْن عبد الْبر بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون صُورَة الْوَاقِعَة صُورَة الزِّنَا، وَالرَّجم يكون ذَلِك زنا حَقِيقَة وَلَا حدا، وَإِنَّمَا أطلق ذَلِك عَلَيْهِ لشبهه بِهِ، فَلَا يسْتَلْزم ذَلِك إِيقَاع التَّكْلِيف على الْحَيَوَان. وَأجِيب: عَنهُ بِالْجَوَابِ الأول من جوابي الْكرْمَانِي فِي ذَلِك، وَقَالَ فِي الرَّد على الْحميدِي، بقوله: وَمَا قَالَه الْحميدِي مَرْدُود، فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور فِي مُعظم الْأُصُول الَّتِي وقفنا عَلَيْهَا، ورد عَلَيْهِ بِأَن وقُوف الْحميدِي على الْأُصُول أَكثر وَأَصَح من وقُوف هَذَا الْمُعْتَرض، لِأَنَّهُ جمع بَين (الصَّحِيحَيْنِ) وَمثله أدرى بحالهما، وَلَو كَانَ فِي أصل البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث لم يجْزم بنفيه عَن الْأُصُول قطعا وجزماً على أَنه غير مَوْجُود فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وتجويز الْحميدِي أَن يُزَاد فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) مَا لَيْسَ مِنْهُ يُنَافِي مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء من الحكم بتصحيح جَمِيع مَا أوردهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه، وَمن اتِّفَاقهم على أَنه مَقْطُوع بنسبته إِلَيْهِ. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن مِنْهُم من تعرض إِلَى بعض رِجَاله بِعَدَمِ الوثوق وبكونه من أهل الْأَهْوَاء، وَدَعوى الحكم بتصحيح جَمِيع مَا أوردهُ البُخَارِيّ فِيهِ غير موجهة، لِأَن دَعْوَى الْكُلية تحْتَاج إِلَى دَلِيل قَاطع، وَيرد مَا قَالَه أَيْضا بِأَن النَّسَفِيّ لم يذكر هَذَا الحَدِيث فِيهِ.
٠٥٨٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثَنَا سُفْيَانُ عنْ عُبَيْدِ الله سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ خِلَالٌ مِنْ خِلالِ الجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الأنْسَابِ والنِّياحَةُ ونَسيَ الثَّالِثَةَ: قَالَ سُفْيَانُ ويَقُولُونَ إنَّهَا الاسْتِسْقَاءُ بالأنْوَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله تَصْغِير عبد بن أبي يزِيد الْمَكِّيّ، مولى آل قارظ بن شيبَة الْكِنَانِي. وَثَّقَهُ ابْن الْمَدِينِيّ وَابْن معِين وَآخَرُونَ، وَكَانَ مكثراً. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة، وَله سِتّ وَثَمَانُونَ سنة.
قَوْله: (خلال) أَي: خِصَال ثَلَاث من خِصَال الْجَاهِلِيَّة. أَحدهَا: (االطعن فِي الْأَنْسَاب) كطعنهم فِي نسب أُسَامَة.
стр. 4940
وَثَانِيها: (النِّيَاحَة على الْأَمْوَات) قَوْله: (وَنسي الثَّالِثَة) أَي: نسي عبيد الله الرَّاوِي الْخلَّة الثَّالِثَة. وَوَقع ذَلِك فِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان: وَنسي عبيد الله الثَّالِثَة، فعين النَّاسِي. أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) أَي: ابْن عُيَيْنَة أحد الروَاة (يَقُولُونَ إِنَّهَا) أَي: الْخلَّة الثَّالِثَة هِيَ (الاسْتِسْقَاء بالأنواء) وَهُوَ جمع نوء وَهُوَ منزل الْقَمَر، كَانُوا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا، وسقينا بِنَوْء كَذَا. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي كتاب الاسْتِسْقَاء.
٨٢ - (بابُ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مبعث النَّبِي ﷺ ، والمبعث مصدر ميمي من الْبَعْث وَهُوَ الْإِرْسَال.
مُحَمَّدِ
بِالْجَرِّ عطف بَيَان للنَّبِي، وَهُوَ على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من بَاب التفعيل، صيغت للْمُبَالَغَة. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَت آمِنَة بنت وهب أم رَسُول الله، ﷺ ، تحدث أَنَّهَا أُوتيت حِين حملت برَسُول الله، ﷺ ... إِلَخ، وَفِيه: فَإِذا وَقع فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا فَإِن اسْمه فِي التَّوْرَاة أَحْمد، وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) بِإِسْنَاد مُرْسل: أَن عبد الْمطلب لما ولد النَّبِي ﷺ ، عمل لَهُ مأدبة، فَلَمَّا أكلُوا سَأَلُوهُ مَا سميته؟ قَالَ: مُحَمَّدًا. قَالُوا: فبمَا رغبت بِهِ عَن أَسمَاء أهل بَيْتك، قَالَ: أردْت أَن يحمده الله فِي السَّمَاء وخلقه فِي الأَرْض.
ابنِ عَبْدِ الله
لَا خلاف فِي اسْمه أَنه عبد الله، قَالَ الْوَاقِدِيّ: ولد عبد الله فِي أَيَّام كسْرَى أنو شرْوَان لأربعة وَعشْرين سنة خلت من ملكه، وكنيته أَبُو أَحْمد، وَاخْتلفُوا فِي زمَان مَوته، فَقيل: إِنَّه مَاتَ وَرَسُول الله، ﷺ ، حاملة بِهِ أمه. وَقَالَ عَامَّة المؤرخين: إِنَّه مَاتَ قبل وِلَادَته بِشَهْر أَو بشهرين، وَقَالَ مقَاتل: بعد وِلَادَته بِثمَانِيَة وَعشْرين شهرا، وَقيل: بعد وِلَادَته بسبعة أشهر، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَأثبت الْأَقَاوِيل عندنَا أَنه مَاتَ وَرَسُول الله، ﷺ ، حمل، وَكَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ فِي دَار النَّابِغَة عِنْد أَخْوَاله من بني النجار، وَيُقَال: إِنَّه دفن فِي دَار الْحَارِث بن إِبْرَاهِيم بن سراقَة الْعَدوي وَهُوَ من أخوال عبد الْمطلب، وَكَانَ أَبوهُ عبد الْمطلب بَعثه يمتار لَهُ تَمرا من الْمَدِينَة، وَقيل: إِنَّه خرج فِي تِجَارَة إِلَى الشَّام فِي عير لقريش، فَمَرض بِالْمَدِينَةِ شهرا وَمَات، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَتُوفِّي عبد الله وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة، وَقيل: ابْن ثَلَاثِينَ سنة، وَترك أم أَيمن وَكَانَت تحضن رَسُول الله، ﷺ وَعبد الله شَقِيق أبي طَالب.
ابنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
اسْمه شيبَة الْحَمد عِنْد الْجُمْهُور لجوده، وَقيل: شيبَة لقبه لقب بِهِ لشيبة كَانَت فِي رَأسه، وَيُقَال: اسْمه عَامر وكنيته أَبُو الْحَارِث، كني باسم وَلَده الْحَارِث وَهُوَ أكبر أَوْلَاده، وَله كنية أُخْرَى وَهِي أَبُو الْبَطْحَاء. وَأمه سلمى بنت عَمْرو بن زيد بن لبيد بن خِدَاش بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار، وَإِنَّمَا قيل لَهُ عبد الْمطلب لِأَن أَبَاهُ هاشماً لما مر بِالْمَدِينَةِ فِي تِجَارَته إِلَى الشَّام، نزل على عَمْرو بن زيد بن لبيد الْمَذْكُور آنِفا، فَأَعْجَبتهُ ابْنَته سلمى فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَزَوجهَا مِنْهُ، وَلما رَجَعَ من الشَّام بني بهَا وَأَخذهَا مَعَه إِلَى مَكَّة، ثمَّ خرج فِي تِجَارَة فَأَخذهَا مَعَه وَهِي حُبْلَى، وَتركهَا فِي الْمَدِينَة، وَدخل الشَّام وَمَات بغزة، وَوضعت سلمى وَلَدهَا فَسَمتْهُ: شيبَة، فَأَقَامَ عِنْد أَخْوَاله بني النجار سبع سِنِين، ثمَّ جَاءَ عَمه الْمطلب بن عبد منَاف فَأَخذه خُفْيَة من أمه، فَذهب بِهِ إِلَى مَكَّة فَلَمَّا رَآهُ النَّاس وَرَاءه على الرَّاحِلَة قَالُوا: من هَذَا مَعَك؟ فَقَالَ: عَبدِي، ثمَّ جاؤا فهنأوه بِهِ وَجعلُوا يَقُولُونَ لَهُ: عبد الْمطلب لذَلِك، فغلب عَلَيْهِ. وَحكى الْوَاقِدِيّ عَن مخرمَة بن نَوْفَل الزُّهْرِيّ قَالَ: توفّي عبد الْمطلب فِي السّنة الثَّامِنَة من مولد النَّبِي ﷺ وَدفن فِي الْحجُون، وَاخْتلفُوا فِي سنه فَقيل: ثَمَانُون سنة، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقيل: مائَة وَعشر سِنِين وَعشرَة أشهر، وَقَالَ هِشَام مائَة وَعِشْرُونَ.
ابنِ هاشِمٍ
اسْمه عَمْرو، وَسمي بِهِ لهشمه الثَّرِيد مَعَ اللَّحْم لِقَوْمِهِ فِي زمن المجاعة، وَكَانَ أكبر ولد أَبِيه، وَعَن ابْن جرير: أَنه كَانَ توأم أَخِيه عبد شمس، وَأَن هاشماً خرج وَرجله ملتصقة بِرَأْس عبد شمس، فَمَا تخلصت حَتَّى سَالَ بَينهمَا دم، فتفاءل النَّاس بذلك أَن يكون بَين أولادهما حروب، فَكَانَت وقْعَة بني الْعَبَّاس مَعَ بني أُميَّة بن عبد شمس سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة من الْهِجْرَة، وشقيقهم الثَّالِث: الْمطلب، وَكَانَ أَصْغَر ولد أَبِيه، وأمهم عَاتِكَة بنت مرّة بن هِلَال، ورابعهم نَوْفَل من أم أُخْرَى، وَهِي واقدة بنت عَمْرو المازنية، وَقد ذكرنَا أَن هاشماً مَاتَ بغزة.
следующие страницы →