Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو معمر عبد الله بن عَمْرو المقعد وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الْوَارِث هُوَ بن سعيد أَبُو عُبَيْدَة، وقطن، بِالْقَافِ والطاء الْمُهْملَة ثمَّ النُّون: هُوَ ابْن كَعْب أَبُو الْهَيْثَم الْقطعِي بِضَم الْقَاف الْبَصْرِيّ وَأَبُو يزِيد من الزِّيَادَة الْمدنِي الْبَصْرِيّ وَيُقَال لَهُ: الْمَدِينِيّ بِزِيَادَة الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَلَعَلَّ أَصله كَانَ من الْمَدِينَة، وَلَكِن لم يرو عَنهُ أحد من أهل الْمَدِينَة، وَسُئِلَ عَنهُ مَالك فَلم يعرفهُ، وَلَا عرف إسمه وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا للراوي عَنهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقسَامَة عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن معمر نَحوه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن أول قسَامَة) أَي: فِي حكم أبي طَالب، وَاخْتلفُوا فِي أول من سنّ الدِّيَة مائَة من الْإِبِل، فَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عبد الْمطلب، وَقيل: القلمس، وَقيل: النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة قتل أَخَاهُ لأمه فوداه مائَة من الْإِبِل من مَاله، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: وثب ابْن كنَانَة على عَليّ بن مَسْعُود فَقتله، فوداه خُزَيْمَة بِمِائَة من الْإِبِل، فَهِيَ أول دِيَة كَانَت فِي الْعَرَب، وَقيل: قتل مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن أَخَاهُ زيدا فوداه عَامر بن الضَّرْب مائَة من الْإِبِل، فَهِيَ أول دِيَة كَانَت فِي الْعَرَب. قَوْله: (لفينا) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر لقَوْله: (أول قسَامَة) وَاللَّام فِيهِ لتأكيد معنى الحكم بهَا. قَوْله: (بني هَاشم) ، مجرور لِأَنَّهُ بدل من الضَّمِير الْمَجْرُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِنَّه مَنْصُوب على الإختصاص، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون نصبا على التَّمْيِيز، أَو على النداء بِحَذْف حرف النداء. قلت: لَا وَجه لِأَن يكون مَنْصُوبًا على التَّمْيِيز لِأَن التَّمْيِيز مَا يرفع الْإِبْهَام المستقر عَن ذَات مَذْكُورَة أَو مقدرَة وَالْمرَاد بالإبهام المستقر مَا كَانَ بِالْوَضْعِ أَي: مَا وَضعه الْوَاضِع مُبْهما، وَلَيْسَ فِي قَوْله: لفينا، إِبْهَام بِوَضْع الْوَاضِع وَلَا وَجه أَيْضا لِأَن يكون مَنْصُوبًا على النداء، لِأَن الْمُنَادِي غير المنادى، وَهنا قَوْله: (بني هَاشم) هُوَ معنى قَوْله: (لفينا) ، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كَانَ رجل من بني هَاشم) ، هُوَ عَمْرو بن عَلْقَمَة بن الْمطلب بن عبد منَاف نَص عَلَيْهِ الزبير بن بكار فِي هَذِه الْقِصَّة، وَسَماهُ ابْن الْكَلْبِيّ عَامِرًا. قَوْله: (اسْتَأْجرهُ رجل) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا حذف الْمَفْعُول مِنْهُ، وَجَاء على الْوَجْهَيْنِ هَكَذَا: اسْتَأْجر رجل فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا: اسْتَأْجر رجلا من قُرَيْش، وَهُوَ مقلوب، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (من فَخذ أُخْرَى) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَقد تسكن، الْفَخْذ أقل من الْبَطن الْأَقَل من الْعِمَارَة الْأَقَل من الفصيلة الْأَقَل من الْقَبِيلَة. وَنَصّ الزبير بن بكار على أَن الْمُسْتَأْجر الْمَذْكُور: هُوَ خِدَاش بن عبد الله بن أبي قيس العامري، وخداش، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبدال مُهْملَة وشين مُعْجمَة. قَوْله: (فَمر بِهِ) ، أَي: بالأجير. قَوْله: (عُرْوَة جوالقه) ، بِضَم الْجِيم وَكسر اللَّام: الْوِعَاء من جلدو وَثيَاب وَغَيرهَا، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَأَصله: كواله، وَالْجمع: الجوالق، بِفَتْح الْجِيم والجواليق بِزِيَادَة الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (أَغِثْنِي) ، من الإغاثة بالغين الْمُعْجَمَة والثاء الْمُثَلَّثَة، وَمَعْنَاهُ: أَعنِي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالنُّون. قَوْله: (بعقال) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ: الْحَبل، قَوْله: (فَحَذفهُ) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فأعطيته فَحَذفهُ، بِالْحَاء الْمُهْملَة ويروى بِالْمُعْجَمَةِ، أَي: رَمَاه، والحذف الرَّمْي بالأصابع. قَوْله: (كَانَ فِيهَا أَجله) أَي: فَأصَاب مَقْتَله وأشرف على الْمَوْت بِدَلِيل. قَوْله: (فَمر بِهِ رجل من أهل الْيمن) قبل أَن يقْضِي. قَوْله: (أَتَشهد الْمَوْسِم؟) ، أَي: موسم الْحَج ومجتمعهم. قَوْله: (مرّة من الدَّهْر) أَي: وقتا من الْأَوْقَات. قَوْله: (قَالَ: فَكنت) بِضَم الْكَاف وَسُكُون النُّون من الْكَوْن، هَكَذَا رِوَايَة أبي ذَر، والأصيلي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، فَكتب، من الْكِتَابَة وَهُوَ الْأَوْجه، وَفِي رِوَايَة الزبير بن بكار: فَكتب إِلَى أبي طَالب يُخبرهُ بذلك. قَوْله: (يَا آل قُرَيْش) الْهمزَة للاستغاثة. قَوْله: (يَا آل بني هَاشم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يَا بني هَاشم. قَوْله: (قتلني فِي عقال) أَي: بِسَبَب عقال. قَوْله: (وَمَات الْمُسْتَأْجر) بِفَتْح الْجِيم. قَوْله: (أهل ذَاك) بِالنّصب ويروى. ذَلِك. قَوْله: (وافى الْمَوْسِم) أَي: أَتَاهُ. قَوْله: (أَيْن أَبُو طَالب؟) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: من أَبُو طَالب؟ هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: من أَبُو طَالب؟ قَوْله: (أَن فلَانا قَتله) ويروى: فتكه، بِالْفَاءِ وَالْكَاف. قَوْله: (إِحْدَى ثَلَاث) يحْتَمل أَن تكون هَذِه الثَّلَاث كَانَت مَعْرُوفَة بَينهم، وَيحْتَمل أَن تكون هَذِه الثَّلَاث كَانَت مَعْرُوفَة بَينهم، وَيحْتَمل أَن يكون شَيْء اخترعه أَبُو طَالب، وَقَالَ ابْن التِّين: لم ينْقل أَنهم تشاوروا فِي ذَلِك وَلَا تدافعوا، فَدلَّ على أَنهم كَانُوا يعْرفُونَ الْقسَامَة قبل ذَلِك، قيل: فِيهِ نظر لقَوْل ابْن عَبَّاس رَاوِي الحَدِيث: إِنَّهَا أول قسَامَة، ورد بِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس الْوُقُوع، وَإِن كَانُوا يعْرفُونَ الحكم قبل ذَلِك، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (إِن شِئْت أَن تُؤدِّي) ويروى: تُؤدِّي، بِدُونِ لَفْظَة: أَن، قَوْله: (فَإنَّك) الْفَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة. قَوْله: (حلف) فعل مَاض. و: (خَمْسُونَ) بِالرَّفْع فَاعله، قَوْله: (فَأَتَتْهُ امْرَأَة من بني هَاشم) هِيَ: زَيْنَب بنت
стр. 4937
عَلْقَمَة أُخْت الْمَقْتُول: (وَكَانَت تَحت رجل مِنْهُم) وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن أبي قيس العامري، وَاسم وَلَدهَا مِنْهُ: حويطب مُصَغرًا بمهملتين وَقد عَاشَ حويطب بعد هَذَا دهراً طَويلا وَله صُحْبَة، وَسَيَأْتِي حَدِيثه فِي كتاب الْأَحْكَام. قَوْله: (أَن تجيزا بني هَذَا) ، بِالْجِيم وَالزَّاي، أَي: تهبه مَا يلْزمه من الْيَمين، وَقَالَ صَاحب (جَامع الْأُصُول) : إِن كَانَ: تجير، بالراء فَمَعْنَاه: تؤمنه من الْيَمين، وَإِن كَانَ بالزاي فَمَعْنَاه: تَأذن لَهُ فِي ترك الْيَمين. قَوْله: (وَلَا تصبر يَمِينه) ، بالصَّاد الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة المضمومة، قَالَ الْجَوْهَرِي: صَبر الرجل إِذا حلف صبرا إِذا حبس على الْيَمين حَتَّى يحلف، والمصبورة هِيَ الْيَمين، وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى الصَّبْر فِي الْإِيمَان الْإِلْزَام حَتَّى لَا يَسعهُ أَن لَا يحلف، وَحَاصِل معنى: صَبر الْيَمين، هُوَ أَن يلْزم الْمَأْمُور بهَا وَيكرهُ عَلَيْهَا. قَوْله: (حَيْثُ تصبر الْأَيْمَان) أَي: بَين الرُّكْن وَالْمقَام، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَمن هَذَا اسْتدلَّ الشَّافِعِي على أَنه لَا يحلف بَين الرُّكْن وَالْمقَام على أقل من عشْرين دِينَارا، وَهُوَ مَا يجب فِيهِ الزَّكَاة، قيل: لَا يدرى كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا الِاسْتِدْلَال، وَلم يذكر أحد من أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن الشَّافِعِي اسْتدلَّ لذَلِك بِهَذِهِ الْقَضِيَّة. قَوْله: (فَحَلَفُوا) ، زَاد ابْن الْكَلْبِيّ: حلفوا عِنْد الرُّكْن أَن خداشاً بَرِيء من دم الْمَقْتُول. قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) قَالَ ابْن التِّين: كَانَ الَّذِي أخبر ابْن عَبَّاس بذلك جمَاعَة اطمأنت نَفسه إِلَى صدقهم حَتَّى وَسعه أَن يحلف على ذَلِك، قيل: يَعْنِي أَنه كَانَ حِين الْقسَامَة لم يُولد، وَيحْتَمل أَن يكون الَّذِي أخبرهُ بذلك هُوَ النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي (الصَّحِيح) . قَوْله: (فَمَا حَال الْحول) أَي: من يَوْم حلفوا. قَوْله: (وَمن ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمن الثَّمَانِية، وَعند الْأصيلِيّ: وَالْأَرْبَعِينَ. قَوْله: (عين تطرف) ، بِكَسْر الرَّاء، أَي: تتحرك. وَزَاد ابْن الْكَلْبِيّ: وَصَارَت رباع الْجَمِيع لحويطب، فَلذَلِك كَانَ أَكثر من بِمَكَّة رباعاً، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة أَن من ظلم أحدا يعجل لَهُ عُقُوبَته، وروى الفاكهي من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن أَبِيه، قَالَ: حلف نَاس عَن الْبَيْت قسَامَة على بَاطِل، ثمَّ خَرجُوا فنزلوا تَحت صَخْرَة فانهدمت عَلَيْهِم، قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ يفعل بهم ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة ليتناهوا عَن الظُّلم، لأَنهم كَانُوا لَا يعْرفُونَ الْبَعْث، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام أخر الْقصاص إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
٦٤٨٣ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ يَوْمُ بُعاثَ يَوْمَاً قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ فقَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ وقَدِ افْتَرَقَ مَلأُهُمْ وقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وجُرِّحُوا قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ ﷺ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإسْلَامِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٧٧٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن يَوْم بُعَاث كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَعبيد بن إِسْمَاعِيل كَانَ اسْمه فِي الأَصْل عبد الله، ويكنى: أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَنَاقِب الْأَنْصَار بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن عَن عبيد إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٧٤٨٣ - وقَالَ ابنُ وَهْبٍ أخْبَرَنَا عَمْرٌ وعنْ بُكَيْرِ بنِ الأشَجِّ أنَّ كُرَيْبَاً مَوْلَى ابنِ عبَّاس حدَّثه أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ سُنَّةً إنَّمَا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَها ويَقُولُونَ لَا نُجِيزُ البَطْحَاءَ إلَاّ شَدَّا.
أَي: قَالَ عبد الله بن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ عَن بكير مصغر بكر بِالْيَاءِ الْمُوَحدَة ابْن الْأَشَج، بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَشد الْجِيم: وَهُوَ بكير بن عبد الله بن الْأَشَج مولى بني مَخْزُوم كَانَ من صلحاء أهل الْمَدِينَة.
وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق حَرْمَلَة بن يحيى عَن عبد الله بن وهب.
قَوْله: (لَيْسَ السَّعْي) المُرَاد مِنْهُ السَّعْي اللّغَوِيّ وَهُوَ الْعَدو أَي: لَيْسَ الْإِسْرَاع فِي السَّعْي بِبَطن الْوَادي بَين الصَّفَا والمروة سنة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِسنة، بباء الْجَرّ، وَقَالَ ابْن التِّين: خُولِفَ فِيهِ
стр. 4938
ابْن عَبَّاس، بل قَالُوا: إِنَّه فَرِيضَة. قلت: أَرَادَ ابْن عَبَّاس أَن شدَّة السَّعْي لَيْسَ بِسنة، وَلَا يُرِيد بذلك نفس سنية السَّعْي الْمُجَرّد، وَفِيه خلاف فَعِنْدَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة من أَرْكَان الْحَج وَعند أَصْحَابنَا: لَيْسَ بِرُكْن، بل هُوَ من الْوَاجِبَات كَمَا علم فِي مَوْضِعه. قَوْله: (لَا نجيز) ، بِضَم النُّون أَي: لَا نقطع الْبَطْحَاء بمسيل الْوَادي، يُقَال: أجزته، أَي: خلفته وقطعته، وَيُقَال: جزت الْموضع أَي: سرت فِيهِ وأجزته خلفته وقطعته، وَقيل: أجزته بِمَعْنى جزته، ويروى: لَا تجوز الْبَطْحَاء، أَي: لَا نتجاوزها إلَاّ شداً، وانتصابه على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: لَا نجيز إجَازَة شداً، أَي: بقوةَ وعدوٍ شَدِيد، وَيجوز أَن يكون حَالا بِمَعْنى شادِّين.
٨٤٨٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدُ الجُعَفِيُّ حدَّثَنَا سُفْيَانُ أخبَرَنًّا مُطَرِّفٌ سَمِعْتُ أبَا السَّفَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ يَا أيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي مَا أقُولُ لَكُمْ وأسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ ولَا تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ ابْن عَبَّاسٍ مَنْ طافَ بالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ ورَاءِ الحِجْرِ ولَا تَقُولُوا الحَطِيمُ فإنَّ الرَّجُلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أوْ نَعْلَهُ أوْ قَوْسَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة) وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، ومطرف، على صِيغَة الْفَاعِل من التطريف، ابْن طريف، بِالطَّاءِ الْمُهْملَة: الْحَارِثِيّ، وَأَبُو السّفر، بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْفَاء المفتوحتين: واسْمه سعيد بن يحمد، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم: الْكُوفِي الْهَمدَانِي.
قَوْله: (اسمعوا) إسماع ضبط وإتقان. قَوْله: (مَا أَقُول) مفعول: اسمعوا، قَوْله: (واسمعوني) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين من الإسماع. قَوْله: (مَا تَقولُونَ) ، مفعول ثَان لقَوْله: اسمعوني، قَوْله: (وَلَا تذْهبُوا) ، أَي: قبل أَن تضبطوا فتقولوا: (قَالَ ابْن عَبَّاس) بِلَا ضبط وَلَا إتقان. قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) كَلَام مُسْتَقل وَلَيْسَ بتكرار، وَهُوَ مقول. قَوْله: (اسمعوا مني مَا أَقُول لكم) وَقَوله: (من طَاف) مقول. قَوْله: (قَالَ بَان عَبَّاس) قَوْله: (من وَرَاء الْحجر) ، بِكَسْر الْمُهْملَة وَهُوَ: المحوط الَّذِي تَحت الْمِيزَاب. قَوْله: (وَلَا تَقولُوا: الْحطيم) لِأَنَّهُ من أوضاع الْجَاهِلِيَّة كَانَت عَادَتهم أَنهم إِذا كَانُوا يتحالفون بَينهم كَانُوا يحطمون أَي: يدْفَعُونَ نعلا أَو سَوْطًا أَو قوساً إِلَى الْحجر عَلامَة لعقد حلفهم فَسَموهُ بذلك لكَونه يحطم أمتعتهم، وَقيل: إِنَّمَا قيل لَهُ الْحطيم لما حطم من جِدَاره فَلم يسوِّ بِبِنَاء الْبَيْت وَترك خَارِجا مِنْهُ، وَقيل: إِنَّمَا سمي الْحطيم لِأَن بَعضهم كَانَ إِذا دَعَا على من ظلمه فِي ذَلِك الْموضع هلك. قلت: فعلى هَذَا يكون الْحطيم بِمَعْنى: الحاطم، فعيل بِمَعْنى فَاعل، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: سمي الْحطيم حطيماً لما يحْجر عَلَيْهِ، أَو لِأَنَّهُ قصر بِهِ عَن بِنَاء الْبَيْت، وَأخرج عَنهُ، قلت: فعلى هَذَا يكون الْحطيم بِمَعْنى المحطوم، فعيل بِمَعْنى مفعول، وَقيل: سمي بِهِ لِأَن النَّاس يحطم فِيهِ بَعضهم بَعْضًا من الزحام عِنْد الدُّعَاء فِيهِ، وَقيل: الْحطيم هُوَ بِئْر الْكَعْبَة الَّتِي كَانَ يلقى فِيهَا مَا ينذر لَهَا، وَقيل: الْحطيم مَا بَين الْحجر الْأسود وَالْمقَام، وَقيل: من زَمْزَم إِلَى الْحجر يُسمى حطيماً. قَوْله: (فَيلقى) بِضَم الْيَاء من الْإِلْقَاء: وَهُوَ الرَّمْي. قَوْله: (سَوْطه أَو نَعله أَو قوسه) كلمة: أَو، فِيهِ للتنويع وَالتَّقْدِير: يلقِي فِي الْحطيم.
٩٤٨٣ - حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ حدَّثنا هُشَيْمٌ عنْ حُصَيْنٍ عنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ قَالَ رأيْتُ فِي الجاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فرَجَمُوهَا فرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ونعيم، بِضَم النُّون: ابْن حَمَّاد، بتَشْديد الْمِيم: أَبُو عبد الله الرفاء الفارض الْمروزِي، سكن مصر، قَالَ أَبُو دَاوُد: مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وهشيم، بِضَم الْهَاء: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة السّلمِيّ الوَاسِطِيّ، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَبُو الْهُذيْل الْكُوفِي، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن مَيْمُون، قد مر عَن قريب.
قَوْله: (قردة) ، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: وَهِي الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَتجمع على: قرود وقردة أَيْضا، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الرَّاء
стр. 4939
كَمَا فِي متن الحَدِيث. قَوْله: (قد زنت) حَال من: قردة، المفردة. فَإِن قلت: كَيفَ ذكر قَوْله: (اجْتمع) مَعَ أَن فَاعله جمَاعَة، وَهُوَ قَوْله: (قردة) وَكَذَلِكَ ذكر الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: (رجموها) وَفِي قَوْله: مَعَهم؟ قلت: أما الأول: فلوقوع الْفَصْل بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَأما الثَّانِي: فباعتبار أَن الرَّاوِي كَانَ بَين القردة، فغلب الْمُذكر على الْمُؤَنَّث، وأصل هَذِه الْقِصَّة مَا ذكرهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مشروحة من طَرِيق عِيسَى بن حطَّان عَن عَمْرو بن مَيْمُون، قَالَ: كنت فِي الْيمن فِي غنمٍ لأهلي وَأَنا على شرف، فجَاء قرد مَعَ قردة فتوسد يَدهَا، فجَاء قرد أَصْغَر مِنْهُ فغمزها، فسلت يَدهَا من تَحت رَأس القرد الأول سلاًّ رَفيقاً وتبعته، فَوَقع عَلَيْهَا وَأَنا أنظر، ثمَّ رجعت فَجعلت تدخل يَدهَا من تَحت خد الأول بِرِفْق، فَاسْتَيْقَظَ فَزعًا، فشمها فصاح فاجتمعت القرود، فَجعل يصيخ ويومي إِلَيْهَا بِيَدِهِ، فَذهب القرود يمنة ويسرة، فَجَاءُوا بذلك القرد أعرفهُ، فَحَفَرُوا لَهما حُفْرَة فرجموهما، فَلَقَد رَأَيْت الرَّجْم فِي غير بني آدم. وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا من نسل الَّذين مسخوا فَبَقيَ فيهم ذَلِك الحكم. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: إِضَافَة الزِّنَا إِلَى غير الْمُكَلف وَإِقَامَة الْحُدُود فِي الْبَهَائِم عِنْد جمَاعَة أهل الْعلم مُنكر، وَلَو صَحَّ لكانوا من الْجِنّ، لِأَن الْعِبَادَات فِي الْجِنّ وَالْإِنْس دون غَيرهمَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُقَال: كَانُوا من الْإِنْس فمسخوا قردة وتغيروا عَن الصُّورَة الإنسانية فَقَط، وَكَانَ صورته صُورَة الزِّنَا وَالرَّجم وَلم يكن ثمَّة تَكْلِيف وَلَا حدّ، وَإِنَّمَا ظَنّه الَّذِي ظن فِي الْجَاهِلِيَّة مَعَ أَن هَذِه الْحِكَايَة لم تُوجد فِي بعض نسخ البُخَارِيّ، وَقَالَ الْحميدِي: فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : هَذَا الحَدِيث وَقع فِي بضع نسخ البُخَارِيّ، وَأَن أَبَا مَسْعُود وَحده ذكره فِي (الْأَطْرَاف) ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا فِي نسخ البُخَارِيّ أصلا، فَلَعَلَّهُ من الْأَحَادِيث المقحمة فِي كتاب البُخَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم فِي الرَّد على ابْن التِّين بِأَنَّهُ: ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) : أَن الممسوخ لَا نسل لَهُ، وَيُعَكر عَلَيْهِ بِمَا ثَبت أَيْضا فِي صَحِيح مُسلم أَن النَّبِي ﷺ ، لما أُوتِيَ بالضب، قَالَ: لَعَلَّه من الْقُرُون الَّتِي مسخت. وَقَالَ فِي الفأر: فقدت أمة من بني إِسْرَائِيل لَا أَرَاهَا إلَاّ الفار وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو إِسْحَاق الزّجاج وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ حَيْثُ قَالَا: إِن الْمَوْجُود من القردة من نسل الممسوخ، وَأجِيب بِأَنَّهُ، ﷺ ، قَالَ ذَلِك قبل الْوَحْي إِلَيْهِ يحقيقة الْأَمر فِي ذَلِك، وَفِيه نظر لعدم الدَّلِيل عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الرَّد على ابْن عبد الْبر بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون صُورَة الْوَاقِعَة صُورَة الزِّنَا، وَالرَّجم يكون ذَلِك زنا حَقِيقَة وَلَا حدا، وَإِنَّمَا أطلق ذَلِك عَلَيْهِ لشبهه بِهِ، فَلَا يسْتَلْزم ذَلِك إِيقَاع التَّكْلِيف على الْحَيَوَان. وَأجِيب: عَنهُ بِالْجَوَابِ الأول من جوابي الْكرْمَانِي فِي ذَلِك، وَقَالَ فِي الرَّد على الْحميدِي، بقوله: وَمَا قَالَه الْحميدِي مَرْدُود، فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور فِي مُعظم الْأُصُول الَّتِي وقفنا عَلَيْهَا، ورد عَلَيْهِ بِأَن وقُوف الْحميدِي على الْأُصُول أَكثر وَأَصَح من وقُوف هَذَا الْمُعْتَرض، لِأَنَّهُ جمع بَين (الصَّحِيحَيْنِ) وَمثله أدرى بحالهما، وَلَو كَانَ فِي أصل البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث لم يجْزم بنفيه عَن الْأُصُول قطعا وجزماً على أَنه غير مَوْجُود فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وتجويز الْحميدِي أَن يُزَاد فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) مَا لَيْسَ مِنْهُ يُنَافِي مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء من الحكم بتصحيح جَمِيع مَا أوردهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه، وَمن اتِّفَاقهم على أَنه مَقْطُوع بنسبته إِلَيْهِ. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن مِنْهُم من تعرض إِلَى بعض رِجَاله بِعَدَمِ الوثوق وبكونه من أهل الْأَهْوَاء، وَدَعوى الحكم بتصحيح جَمِيع مَا أوردهُ البُخَارِيّ فِيهِ غير موجهة، لِأَن دَعْوَى الْكُلية تحْتَاج إِلَى دَلِيل قَاطع، وَيرد مَا قَالَه أَيْضا بِأَن النَّسَفِيّ لم يذكر هَذَا الحَدِيث فِيهِ.
٠٥٨٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثَنَا سُفْيَانُ عنْ عُبَيْدِ الله سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ خِلَالٌ مِنْ خِلالِ الجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الأنْسَابِ والنِّياحَةُ ونَسيَ الثَّالِثَةَ: قَالَ سُفْيَانُ ويَقُولُونَ إنَّهَا الاسْتِسْقَاءُ بالأنْوَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله تَصْغِير عبد بن أبي يزِيد الْمَكِّيّ، مولى آل قارظ بن شيبَة الْكِنَانِي. وَثَّقَهُ ابْن الْمَدِينِيّ وَابْن معِين وَآخَرُونَ، وَكَانَ مكثراً. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة، وَله سِتّ وَثَمَانُونَ سنة.
قَوْله: (خلال) أَي: خِصَال ثَلَاث من خِصَال الْجَاهِلِيَّة. أَحدهَا: (االطعن فِي الْأَنْسَاب) كطعنهم فِي نسب أُسَامَة.
стр. 4940
وَثَانِيها: (النِّيَاحَة على الْأَمْوَات) قَوْله: (وَنسي الثَّالِثَة) أَي: نسي عبيد الله الرَّاوِي الْخلَّة الثَّالِثَة. وَوَقع ذَلِك فِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان: وَنسي عبيد الله الثَّالِثَة، فعين النَّاسِي. أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) أَي: ابْن عُيَيْنَة أحد الروَاة (يَقُولُونَ إِنَّهَا) أَي: الْخلَّة الثَّالِثَة هِيَ (الاسْتِسْقَاء بالأنواء) وَهُوَ جمع نوء وَهُوَ منزل الْقَمَر، كَانُوا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا، وسقينا بِنَوْء كَذَا. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي كتاب الاسْتِسْقَاء.
٨٢ - (بابُ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مبعث النَّبِي ﷺ ، والمبعث مصدر ميمي من الْبَعْث وَهُوَ الْإِرْسَال.
مُحَمَّدِ
بِالْجَرِّ عطف بَيَان للنَّبِي، وَهُوَ على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من بَاب التفعيل، صيغت للْمُبَالَغَة. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَت آمِنَة بنت وهب أم رَسُول الله، ﷺ ، تحدث أَنَّهَا أُوتيت حِين حملت برَسُول الله، ﷺ ... إِلَخ، وَفِيه: فَإِذا وَقع فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا فَإِن اسْمه فِي التَّوْرَاة أَحْمد، وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) بِإِسْنَاد مُرْسل: أَن عبد الْمطلب لما ولد النَّبِي ﷺ ، عمل لَهُ مأدبة، فَلَمَّا أكلُوا سَأَلُوهُ مَا سميته؟ قَالَ: مُحَمَّدًا. قَالُوا: فبمَا رغبت بِهِ عَن أَسمَاء أهل بَيْتك، قَالَ: أردْت أَن يحمده الله فِي السَّمَاء وخلقه فِي الأَرْض.
ابنِ عَبْدِ الله
لَا خلاف فِي اسْمه أَنه عبد الله، قَالَ الْوَاقِدِيّ: ولد عبد الله فِي أَيَّام كسْرَى أنو شرْوَان لأربعة وَعشْرين سنة خلت من ملكه، وكنيته أَبُو أَحْمد، وَاخْتلفُوا فِي زمَان مَوته، فَقيل: إِنَّه مَاتَ وَرَسُول الله، ﷺ ، حاملة بِهِ أمه. وَقَالَ عَامَّة المؤرخين: إِنَّه مَاتَ قبل وِلَادَته بِشَهْر أَو بشهرين، وَقَالَ مقَاتل: بعد وِلَادَته بِثمَانِيَة وَعشْرين شهرا، وَقيل: بعد وِلَادَته بسبعة أشهر، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَأثبت الْأَقَاوِيل عندنَا أَنه مَاتَ وَرَسُول الله، ﷺ ، حمل، وَكَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ فِي دَار النَّابِغَة عِنْد أَخْوَاله من بني النجار، وَيُقَال: إِنَّه دفن فِي دَار الْحَارِث بن إِبْرَاهِيم بن سراقَة الْعَدوي وَهُوَ من أخوال عبد الْمطلب، وَكَانَ أَبوهُ عبد الْمطلب بَعثه يمتار لَهُ تَمرا من الْمَدِينَة، وَقيل: إِنَّه خرج فِي تِجَارَة إِلَى الشَّام فِي عير لقريش، فَمَرض بِالْمَدِينَةِ شهرا وَمَات، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَتُوفِّي عبد الله وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة، وَقيل: ابْن ثَلَاثِينَ سنة، وَترك أم أَيمن وَكَانَت تحضن رَسُول الله، ﷺ وَعبد الله شَقِيق أبي طَالب.
ابنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
اسْمه شيبَة الْحَمد عِنْد الْجُمْهُور لجوده، وَقيل: شيبَة لقبه لقب بِهِ لشيبة كَانَت فِي رَأسه، وَيُقَال: اسْمه عَامر وكنيته أَبُو الْحَارِث، كني باسم وَلَده الْحَارِث وَهُوَ أكبر أَوْلَاده، وَله كنية أُخْرَى وَهِي أَبُو الْبَطْحَاء. وَأمه سلمى بنت عَمْرو بن زيد بن لبيد بن خِدَاش بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار، وَإِنَّمَا قيل لَهُ عبد الْمطلب لِأَن أَبَاهُ هاشماً لما مر بِالْمَدِينَةِ فِي تِجَارَته إِلَى الشَّام، نزل على عَمْرو بن زيد بن لبيد الْمَذْكُور آنِفا، فَأَعْجَبتهُ ابْنَته سلمى فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَزَوجهَا مِنْهُ، وَلما رَجَعَ من الشَّام بني بهَا وَأَخذهَا مَعَه إِلَى مَكَّة، ثمَّ خرج فِي تِجَارَة فَأَخذهَا مَعَه وَهِي حُبْلَى، وَتركهَا فِي الْمَدِينَة، وَدخل الشَّام وَمَات بغزة، وَوضعت سلمى وَلَدهَا فَسَمتْهُ: شيبَة، فَأَقَامَ عِنْد أَخْوَاله بني النجار سبع سِنِين، ثمَّ جَاءَ عَمه الْمطلب بن عبد منَاف فَأَخذه خُفْيَة من أمه، فَذهب بِهِ إِلَى مَكَّة فَلَمَّا رَآهُ النَّاس وَرَاءه على الرَّاحِلَة قَالُوا: من هَذَا مَعَك؟ فَقَالَ: عَبدِي، ثمَّ جاؤا فهنأوه بِهِ وَجعلُوا يَقُولُونَ لَهُ: عبد الْمطلب لذَلِك، فغلب عَلَيْهِ. وَحكى الْوَاقِدِيّ عَن مخرمَة بن نَوْفَل الزُّهْرِيّ قَالَ: توفّي عبد الْمطلب فِي السّنة الثَّامِنَة من مولد النَّبِي ﷺ وَدفن فِي الْحجُون، وَاخْتلفُوا فِي سنه فَقيل: ثَمَانُون سنة، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقيل: مائَة وَعشر سِنِين وَعشرَة أشهر، وَقَالَ هِشَام مائَة وَعِشْرُونَ.
ابنِ هاشِمٍ
اسْمه عَمْرو، وَسمي بِهِ لهشمه الثَّرِيد مَعَ اللَّحْم لِقَوْمِهِ فِي زمن المجاعة، وَكَانَ أكبر ولد أَبِيه، وَعَن ابْن جرير: أَنه كَانَ توأم أَخِيه عبد شمس، وَأَن هاشماً خرج وَرجله ملتصقة بِرَأْس عبد شمس، فَمَا تخلصت حَتَّى سَالَ بَينهمَا دم، فتفاءل النَّاس بذلك أَن يكون بَين أولادهما حروب، فَكَانَت وقْعَة بني الْعَبَّاس مَعَ بني أُميَّة بن عبد شمس سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة من الْهِجْرَة، وشقيقهم الثَّالِث: الْمطلب، وَكَانَ أَصْغَر ولد أَبِيه، وأمهم عَاتِكَة بنت مرّة بن هِلَال، ورابعهم نَوْفَل من أم أُخْرَى، وَهِي واقدة بنت عَمْرو المازنية، وَقد ذكرنَا أَن هاشماً مَاتَ بغزة.
стр. 4941
ابنِ عَبْدِ مَنافٍ
اسْمه الْمُغيرَة، كنيته أَبُو عبد شمس، وَكَانَ يُقَال لَهُ: قمر الْبَطْحَاء لجماله، وَإِنَّمَا لقبته بِهِ أمه حبى بنت خَلِيل بن حبشية بن سلول بن خُزَاعَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أخدمته منَاف وَكَانَ صنماً عَظِيما لَهُم.
ابنِ قُصَيِّ
اسْمه زيد، وَهُوَ تَصْغِير قاص سمي بِهِ لِأَنَّهُ قصي عَن قومه وَكَانَ فِي بني عذرة مَعَ أَخِيه لأمه، وَذَلِكَ لِأَن أمه تزوجت بعد أَبِيه بربيعة بن حزَام بن عذرة، فسافر بهَا إِلَى بِلَاده وَابْنهَا صَغِير فَسُمي بقصي لذَلِك، ثمَّ عَاد إِلَى مَكَّة وَهُوَ كَبِير، وَأمه فَاطِمَة بنت سعد بن سيل بن حمالَة، وَكَانَ قصي حَاز شرف مَكَّة وأمرها وَكَانَ سيداً مُطَاعًا رَئِيسا مُعظما وَبنى دَارا لإزاحة الظلامات وَفصل الْخُصُومَات سَمَّاهَا دَار الندوة، وَلما مَاتَ دفن بالحجون.
ابنِ كِلَابٍ
اسْمه: حَكِيم، وَكَانَ مُولَعا بالصيد، وَأكْثر صَيْده بالكلاب، وَلذَلِك لقب بِهِ، وَيُقَال: اسْمه عُرْوَة، قَالَه أَبُو البركات، وَأمه هِنْد بنت سَرِير بن ثَعْلَبَة بن الْحَارِث بن فهر.
ابنِ مُرَّةَ
هُوَ مَنْقُول من وصف الحنظلة، وَيجوز أَن تكون الْهَاء للْمُبَالَغَة، فَيكون مَنْقُولًا من وصف الرجل بالمرارة، وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من الْقُوَّة والشدة، وَأمه نحشبة، وَقيل: وحشية بنت سُفْيَان بن محَارب بن فهر.
ابنِ كَعْبِ
قيل: هُوَ مَنْقُول من الكعب الَّذِي هُوَ قِطْعَة من السّمن، وَهِي الكتلة الجامدة فِي الزق أَو فِي غَيره من الظروف، أَو من كَعْب الْقدَم، وَهُوَ أشبه، وَقَالَ السُّهيْلي: قيل: سمي بذلك لستره على قومه ولين جَانِبه لَهُم، مَنْقُول من كَعْب الْقدَم، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: من كَعْب الْقَنَاة لارتفاعه على قومه وشرفه فيهم، فَلذَلِك كَانُوا يخضعون لَهُ حَتَّى أَرخُوا لمَوْته، وَهُوَ أول من جمع قومه يَوْم الْجُمُعَة، وَكَانُوا يسمونه: يَوْم الْعرُوبَة، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام.
ابنِ لُؤَيِّ
بِضَم اللَّام وبالهمزة، قَول الْأَكْثَرين، وَهُوَ تَصْغِير لائي، وَهُوَ الثور الوحشي، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: من لِوَاء الْجَيْش وَهُوَ مَمْدُود، وَإِن كَانَ من لوى الرجل فَهُوَ مَقْصُور، وَأمه عَاتِكَة بنت مخلد بن النَّضر بن كنَانَة وَهِي أحد العواتك اللَّاتِي ولدت رَسُول الله، ﷺ ، وَقيل: بل أمه سلمى بنت عَمْرو بن ربيعَة الْخُزَاعِيَّة.
ابنِ غالبِ
يكني أَبَا تَمِيم، وَأمه ليلى بنت الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل بن مدركة.
ابنِ فِهْرِ
بِكَسْر الْفَاء، قَالَ ابْن دُرَيْد: الفهر الْحجر الأملس يمْلَأ الْكَفّ أَو نَحوه، وَهُوَ مؤنث، وَقَالَ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ: يذكر وَيُؤَنث، وَقَالَ السُّهيْلي: الفهر من الْحِجَارَة الطَّوِيل، وكنيته أَبُو غَالب، وَهُوَ جماع قُرَيْش فِي قَول الْكَلْبِيّ، وَقَالَ عَليّ بن كيسَان: فهر هُوَ أَبُو قُرَيْش، وَمن لم يكن من ولد فهر فَلَيْسَ من قُرَيْش.
ابنِ مالِكِ
كنيته أَبُو الْحَارِث، وَأمه عَاتِكَة بنت غَزوَان.
ابنِ النَّضْرِ
اسْمه: قيس، سمي بالنضر لوضاءته وجماله وإشراق لون وَجهه، وَالنضْر هُوَ الذَّهَب الْأَحْمَر وَهُوَ النضار، وَأمه برة بنت مر بن أد ابْن طابخة بن إلْيَاس بن مُضر وكنية النَّضر أَبُو يخلد، كني بِابْنِهِ يخلد.
ابنِ كَنانَةَ
هُوَ بِلَفْظ وعَاء السِّهَام إِذا كَانَت من جُلُود، قَالَه ابْن دُرَيْد، والكنانة الجعبة وكنيته أَبُو النَّضر، وَأمه عوَانَة بنت سعد بن قيس.
ابنِ خُزَيْمَةَ
تَصْغِير: خزمة، بِفَتْح المعجمتين وَاحِدَة، الخزم بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ شجر يتَّخذ من لحائه الحبال، وَقَالَ الزّجاج: يجوز أَن يكون الخزم بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الزَّاي، تَقول: خزمته فَهُوَ مَخْزُوم إِذا أدخلت فِي أَنفه الخزام.
ابنِ مُدْرِكَةَ
اسْمه عَمْرو، عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عَامر، وَاسم أَخِيه طابخة، فاصطاد صيدا فَبَيْنَمَا هما يطبخانه إِذْ نفرت الْإِبِل فَذهب عَامر فِي طلبَهَا حَتَّى أدْركهَا، وَجلسَ الآخر يطْبخ، فَلَمَّا رَاحا على أَبِيهِمَا ذكرا لَهُ ذَلِك، فَقَالَ لعامر: أَنْت مدركة، وَقَالَ لِأَخِيهِ عَمْرو: أَنْت طابخة.
ابنِ إلياسِ
بِكَسْر الْهمزَة عِنْد ابْن الْأَنْبَارِي وَجعله مُوَافقا لاسم إلْيَاس النَّبِي ﷺ فَإِن إلْيَاس النَّبِي، بِكَسْر الْهمزَة لَا غير، وَقَالَ غَيره بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْهمزَة ضد الرَّجَاء، وَاللَّام فِيهِ للمح الصّفة وَهُوَ أول من أهْدى الْبدن إِلَى الْبَيْت، وَقَالَ السُّهيْلي وَيذكر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: لَا تسبوا إلْيَاس فَإِنَّهُ كَانَ مُؤمنا وَذكر أَنه كَانَ يسمع تَلْبِيَة
стр. 4942
النَّبِي ﷺ فِي صلبه، وَيُقَال إلْيَاس لقب لَهُ واسْمه إلياسين، وَهُوَ أول من لقب بِهِ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَيُقَال: النَّاس، بالنُّون وَهُوَ وهم، وَأمه الربَاب بنت حيدة بن معد بن عدنان، وَيُقَال: هُوَ أول من وضع الرُّكْن فِي الْبَيْت بعد الطوفان، وَكَانَت بَنو إِسْمَاعِيل قد غيرت معالم إِبْرَاهِيم، ﵊، لما طَال الزَّمَان فَرفعُوا الرُّكْن من الْبَيْت وتركوه فِي أبي قبيس، فَرده إلْيَاس إِلَى مَوْضِعه.
ابنِ مُضَرَ
من المضيرة وَهُوَ شَيْء يصنع من اللَّبن، سمي بِهِ لبياض لَونه، وَالْعرب تسمي الْأَبْيَض أَحْمَر فَلذَلِك قيل: مُضر الْحَمْرَاء، وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ يحب شرب اللَّبن الماضر وَهُوَ الحامض، وَهُوَ أول من سنّ الحداء لِأَنَّهُ كَانَ حسن الصَّوْت، وَأمه سَوْدَة بنت عك، وَقيل: خبية بنت عك، بخاء مُعْجمَة وباء مُوَحدَة.
ابنِ نِزَارٍ
بِفَتْح النُّون وَيُقَال بِكَسْرِهَا، وَهُوَ الْأَصَح من النزر، وَهُوَ الشَّيْء الْقَلِيل، وَكَانَ أَبوهُ حِين ولد لَهُ نظر إِلَى النُّور بَين عَيْنَيْهِ وَهُوَ نور النُّبُوَّة، وَفَرح فَرحا شَدِيدا، وَنحر وَأطْعم، وَقَالَ إِن هَذَا كُله نزر فِي حق هَذَا الْمَوْلُود، فَسُمي نزاراً لذَلِك، وَأمه معانة بنت حوشم بن جلهمة بن عَمْرو بن هلينبة ابْن دوه بن جرهم، وَقَالَ السُّهيْلي: وَيُقَال: إسمها ناعمة، ويكنى نزار أَبَا إياد، وَقيل: أَبَا ربيعَة.
ابنِ مَعَدِّ
بِفَتْح الْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: أَن يكون مفعلاً من الْعد. وَالثَّانِي: أَن يكون فعلا من معد فِي الأَرْض إِذا فسد. وَالثَّالِث: أَن يكون من المعدين وهما: مَوضِع عَقبي الْفَارِس من الْفرس، وَقَالَ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ: معد من تمعد إِذا اشْتَدَّ، وَيُقَال تمعدد أَيْضا إِذا أبعد فِي الذّهاب، وَأم معد مهدد، وَقيل: مهاد بنت لَهُم، وَقيل: اللَّهُمَّ بن جلحت، وَفِي رِوَايَة: خُلَيْد بن طسم بن يلمع بن إسليحيا بن لوذان بن سَام بن نوح، ﵇.
حَتَّى ص ٣٠٣
ابنِ عَدْنَانَ
على وزن فعلان من عدن إِذا أَقَامَ، وَمِنْه الْمَعْدن، بِكَسْر الدَّال لِأَنَّهُ يُقَام فِيهِ على طلب جواهره.
وَاقْتصر البُخَارِيّ فِي ذكر نسبه الشريف على هَذَا وَلم يذكرهُ إِلَى آدم، ﵇، لِأَن أهل النّسَب أَجمعُوا عَلَيْهِ إِلَى هُنَا، وَمَا وَرَاء ذَلِك فِيهِ اخْتِلَاف كثير جدا، وَاخْتلفُوا فِيمَا بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل، ﵇، من الْآبَاء، فَقيل: سَبْعَة آبَاء بَينهمَا، وَقيل: تِسْعَة، وَقيل: خَمْسَة عشر أَبَا، وَقيل: أَرْبَعُونَ، وَأخذُوا ذَلِك من كتاب رخيا وَهُوَ يورخ كَاتب إرمياء، ﵇، وَكَانَ قد حملا معد بن عدنان إِلَى جَزِيرَة الْعَرَب ليَالِي بخت نصر فَأثْبت رخيا فِي كتبه نِسْبَة عدنان فَهُوَ مَعْرُوف عِنْد أَخْبَار أهل الْكتاب وعلمائهم، مُثبت فِي أسفارهم، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن فِي نسب عدنان قَالُوا: عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب ابْن يشجب بن نبت بن قيدار بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن بن تارح وَهُوَ آزر بن ناحور بن ساروح بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن إرفخشذ بن سَام بن نوح، ﵇، بن لامك بن متوشلخ بن أَخْنُوخ، وَهُوَ إِدْرِيس، ﵇، ابْن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شِيث بن آدم ﵇.
١٥٨٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي رَجَاءٍ حدَّثنا النَّضْرُ عنْ هِشَامٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا قَالَ انْزِلَ علَى رسُولِ الله ﷺ وهْوَ ابنُ أرْبَعِينَ فمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ أُمِرَ بالْهِجْرةِ فَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ فمَكَثَ بِهَا عَشْرَ سِنينَ ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ . .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأحمد بن أبي رَجَاء واسْمه عبد الله بن أَيُّوب أَبُو الْوَلِيد الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ، توفّي بهراة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وقبره مَشْهُور يزار، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل أَبُو الْحسن الْمَازِني، وَهِشَام هُوَ ابْن حسان الْبَصْرِيّ، وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس.
قَوْله: (أنزل على رَسُول الله، ﷺ أَي: الْوَحْي. قَوْله: (وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ) أَي: وعمره أَرْبَعُونَ سنة، فَأَقَامَ بِمَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة بعد الْوَحْي ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا عشر سِنِين، ثمَّ توفّي فَيكون عمره ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة، هَذَا حَاصِل كَلَام ابْن عَبَّاس، وروى ابْن سعد من رِوَايَة عمار بن أبي عمار عَن ابْن عَبَّاس: أَقَامَ النَّبِي ﷺ بِمَكَّة خمس عشرَة: سبع سِنِين يرى الضَّوْء والنور وَيسمع
стр. 4943
الصَّوْت وثمان سِنِين يُوحى إِلَيْهِ، وَكَذَا ذكره الْحسن، وَعَن ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: نزل الْقُرْآن بِمَكَّة عشرا أَو خمْسا، يَعْنِي: سِنِين أَو أَكثر، وَعَن الْحسن أَيْضا: أنزل عَلَيْهِ ثَمَان سِنِين بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة وَعشر سِنِين بِالْمَدِينَةِ. قلت: قَول البُخَارِيّ هُوَ قَول الْأَكْثَر، وَكَانَ النُّزُول يَوْم الْإِثْنَيْنِ لسبع عشرَة خلت من رَمَضَان وَقيل: لتسْع، وَقيل: لأَرْبَع وَعشْرين لَيْلَة، فِيمَا ذكره ابْن عَسَاكِر، وَعَن أبي قلَابَة: نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان، وَعند المَسْعُودِيّ يَوْم الْإِثْنَيْنِ لعشر خلون من ربيع الأول وَعند ابْن إِسْحَاق: ابْتِدَاء التَّنْزِيل يَوْم الْجُمُعَة من رَمَضَان وعمره أَرْبَعُونَ سنة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَهُوَ تَاسِع شباط لسبع مائَة وَأَرْبَعَة وَعشْرين عَاما من سني ذِي القرنين، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان خلون من ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين من الْفِيل، وَقيل: فِي أول ربيع وَفِي (تَارِيخ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْفَسَوِي) : على رَأس خمس عشرَة سنة من بُنيان الْكَعْبَة، وَعَن مَكْحُول: أُوحِي إِلَيْهِ بعد اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين سنة، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَابْن أبي عَاصِم والدولابي فِي (تَارِيخه) : نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَأَرْبَعين سنة، لسبع وَعشْرين من رَجَب، قَالَه الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعند الْحَاكِم مصححاً: إِن إسْرَافيل، ﵇، وكل بِهِ أَولا ثَلَاث سِنِين، قبل جِبْرِيل، ﵇، وَأنكر ذَلِك الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ: أهل الْعلم ببلدنا يُنكرُونَ أَن يكون وكل بِهِ غير جِبْرِيل، ﵇، وَزعم السُّهيْلي أَن إسْرَافيل، ﵇، وكل بِهِ تدرباً وتدريجاً لجبريل، ﵇، كَمَا كَانَ أول نبوته الرُّؤْيَا الصادقة.
٩٢ - (بابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ وأصحَابُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا لَقِي النَّبِي ﷺ وَمَا لَقِي أَصْحَابه من أَذَى الْمُشْركين حَال كَونهم بِمَكَّة.
٢٥٨٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنَا سُفْيَانُ حدَّثنَا بَيانٌ وإسْمَاعِيلُ قالَا سَمِعْنَا قَيْسَاً يَقُولُ سَمِعْتُ خَبَّابَاً يَقُولُ أتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَهُ وهْوَ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ وقَدْ لَقِينَا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ ألَا تَدْعُو الله فقَعَدَ وهْوَ مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ لَقَدْ كانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحمٍ أوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عنْ دِينِهِ ويُوضَعُ المِنْشَارُ علَى مَفْرِقِ رأسِهِ فيُشَقُّ باثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عنْ دِينِهِ ولَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخافُ إلَاّ الله. زَادَ بَيانٌ والذِّئْبُ علَى غَنَمِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٢١٦٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَقَد لَقينَا من الْمُشْركين شدَّة) . والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى ونسبته إِلَى أحد أجداده حميد، وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشر الأحمسي الْمعلم الْكُوفِي، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وخباب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: ابْن الأرتّ، بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن حَنْظَلَة مولى خُزَاعَة.
والْحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس عَن خباب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَهُوَ مُتَوَسِّد) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (برده) بهاء الضَّمِير رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بردة، بتاء الْإِفْرَاد. قَوْله: (وَهُوَ فِي ظلّ الْكَعْبَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وَالْحَال أَنه مُتَوَسِّد بردة لَهُ فِي ظلّ الْكَعْبَة. قَوْله: (وَلَقَد لَقينَا) ، الْوَاو فِيهِ أَيْضا للْحَال وَإِن كَانَ يحْتَمل غَيره. قَوْله: (وَهُوَ محمر وَجهه) الْوَاو فِيهِ للْحَال، قيل: من أثر النّوم، وَقَالَ ابْن التِّين: من الْغَضَب وَهُوَ الْأَوْجه. قَوْله: (من كَانَ) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون مَوْصُول، وَأَرَادَ بهم الْأَنْبِيَاء تقدمُوا وأتباعهم. قَوْله: (ليمشط) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بمشاط الْحَدِيد) بِكَسْر الْمِيم فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (بِأَمْشَاط) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم وَكِلَاهُمَا جمع مشط بِضَم الْمِيم وَكسرهَا، وَأنكر ابْن دُرَيْد الْكسر فِي الْمُفْرد. قَوْله: (ذَلِك) ، أَي: قَتلهمْ الْمُسلمين من الْمشْط أَو الأمشاط، وَكِلَاهُمَا مصدر. قَوْله: (وَيُوضَع الْمِنْشَار) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَهِي الْآلَة الَّتِي ينشر بهَا الأخشاب، ويروى: (الميشار) ،
стр. 4944
بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف يهمز وَلَا يهمز. قَوْله: (بإثنين) ، ويروى بِاثْنَتَيْنِ. قَوْله: (ذَلِك) أَي: وضع الْمِنْشَار على مفرق رَأسه. قَوْله: (وليتمن الله) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الْإِتْمَام وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَلَفظ: الله، مَرْفُوع فَاعله. قَوْله: (هَذَا الْأَمر) أَي: أَمر الْإِسْلَام. قَوْله: (من صنعاء إِلَى حَضرمَوْت) الصنعاء صنعاء الْيمن أعظم مدنها وأجلها، تشبه بِدِمَشْق فِي كَثْرَة الْبَسَاتِين والمياه، وحضرموت بلد عَامر بِالْيمن كثير التَّمْر بَينه وَبَين الشحر أَرْبَعَة أَيَّام، وَهِي بليدَة قريبَة من عدن بَينه وَبَين صنعاء ثَلَاث مراحل، قَوْله: (زادبيان) أَي: زَاد بَيَان الرَّاوِي فِي حَدِيثه: (وَالذِّئْب) بِالنّصب عطف على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ لَا على الْمُسْتَثْنى، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يمْتَنع أَن يكون عطفا على الْمُسْتَثْنى، وَالتَّقْدِير: وَلَا يخَاف على غنمه إلَاّ الذِّئْب، لِأَن مساق الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ للأمن من عدوان بعض النَّاس على بعض، كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا للأمن من عدوان الذِّئْب، فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يكون فِي آخر الزَّمَان عِنْد نزُول عِيسَى، ﵊. انْتهى. قلت: هَذَا تصرف عَجِيب، لِأَن مساق الحَدِيث أَعم من عدوان النَّاس وعدوان الذِّئْب وَنَحْوه، لِأَن قَوْله: الرَّاكِب، أَعم من أَن يكون مَعَه غنم أَو غَيره، وَعدم خَوفه يكون من النَّاس وَالْحَيَوَان، وَقَوله: فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يكون فِي آخر الزَّمَان ... إِلَى آخِره، غير مُخْتَصّ بِزَمَان عِيسَى، ﵊، وَإِنَّمَا وَقع هَذَا فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن الرُّعَاة كَانُوا آمِنين من الذئاب فِي أَيَّامه حَتَّى إِنَّهُم مَا عرفُوا مَوته، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إلَاّ بعدوان الذِّئْب على الْغنم، وَلَئِن سلمنَا أَن ذَلِك فِي زمن عِيسَى، ﵊، وزمن عِيسَى، ﵊، بعد نُزُوله فَهُوَ مَحْسُوب من زمن النَّبِي ﷺ ، لِأَنَّهُ ينزل وَهُوَ تَابع للنَّبِي ﷺ كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.
٣٥٨٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْم فسَجَدَ فَمَا بَقِيَ أحَدٌ إلَاّ سَجَدَ إلَاّ رَجُلٌ رأيْتُهُ أخَذَ كَفَّاً مِنْ حَصاً فرَفَعَهُ فسَجَدَ علَيْهِ وَقَالَ هاذَا يَكْفِينِي فَلَقَدْ رأيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كافِرَاً بِاللَّه. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن امْتنَاع الرجل الْمَذْكُور فِيهِ عَن السَّجْدَة مَعَ الْمُسلمين ومخالفته إيَّاهُم نوع أَذَى لَهُم، فَلَا يخفى ذَلِك. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَالَ الدَّاودِيّ: لَعَلَّه عبد الله بن عَمْرو أَو عبد الله بن عمر، وَفِي نِسْبَة ذَلِك إِلَى الدَّاودِيّ نظر. والْحَدِيث مضى فِي أول أَبْوَاب سُجُود الْقِرَاءَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (رجل) هُوَ أُميَّة بن خلف، وَقيل: الْوَلِيد بن مُغيرَة. قَوْله: (بعد) أَي: بعد ذَلِك.
٤٥٨٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثَنَا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إِسْحَاقَ عنْ عَمْرِو بنِ ميْمُونٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ ساجِدٌ وحَوْلَهُ ناسٌ مِنْ قُرَيْشٍ جاءَ عُقْبَةُ بنُ أبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جُزُورٍ فَقَذَفَهُ علَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ فلَمْ يَرْفَعْ رأسَهُ فَجَاءَتْ فاطِمَةُ ﵍ فأخَذتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ ودَعَتْ علَى منْ صنَعَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ علَيْكَ المَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ أبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ وعُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وشَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ أوْ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ شُعْبَةُ الشَّاكُ فرَأيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فأُلْقُوا فِي بِئْرٍ غَيْرَ أُمَيَّةَ أوْ أُبَيٍّ تَقَطَّعَتْ أوْصَالُهُ فلَمْ يُلْقَ فِي البِئْرِ. .
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة وَهِي ظَاهِرَة، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر. والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْوضُوء فِي: بَاب
стр. 4945
إِذا ألْقى على ظهر الْمُصَلِّي قذراً أَو جيفة، بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بسلى) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام مَقْصُورا: الْجلْدَة الرقيقة يكون فِيهَا الْوَلَد من الْمَوَاشِي. قَوْله: (عَلَيْك الْمَلأ) أَي: إلزم جَمَاعَتهمْ وأشرافهم أَي: أهلكهم.
٥٨٨٣ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ حدَّثني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ أوْ قَالَ حدَّثني الحَكَمُ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ أمرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبْزَى قَالَ سَلِ ابنَ عَبَّاسٍ عنِ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَا أمْرُهُمَا: ﴿ولَا تَقْتُلُوا النَّفُسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلَاّ بالحَقِّ﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) . وَ ﴿مَنْ يَقْتُلُ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ (النِّسَاء: ٣٩) . فسَألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ قَالَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ فَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله ودَعَوْنَا مَعَ الله إلاهَاً آخرَ وقَدْ أتَيْنَا الفَوَاحِشَ فأنْزَلَ الله إلَاّ مَنْ تابَ وآمَنَ الآيَةَ فَهَذِهِ لأِولَئِكَ وأمَّا الَّتِي فِي النِّساءِ الرَّجُلُ إذَا عَرَفَ الإسْلَامَ وشَرَائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ خالِدَاً فِيهَا فذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ إلَاّ مَنْ نَدِمَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مشركو أهل مَكَّة: فقد قتلنَا النَّفس الَّتِي حرم الله) لِأَنَّهُ لم يَك فِي إيصالهم الْأَذَى للْمُسلمين أَشد من قَتلهمْ وتعذيبهم إيَّاهُم. وَقَالَ بَعضهم: وَالْغَرَض مِنْهُ أَي من هَذَا الحَدِيث الْإِشَارَة إِلَى أَن صَنِيع الْمُشْركين بِالْمُسْلِمين من الْقَتْل والتعذيب وَغير ذَلِك يسْقط عَنْهُم بِالْإِسْلَامِ. انْتهى. قلت: أَرَادَ بذلك بَيَان وَجه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة، فَلَا مُطَابقَة بَينهمَا بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكره أصلا، لِأَن التَّرْجَمَة لَيست بمعقودة لما ذكره.
وَعُثْمَان بن أبي شيبَة هُوَ أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة وَأَبُو شيبَة اسْمه إِبْرَاهِيم وَهُوَ جدهما لِأَنَّهُمَا ابْنا مُحَمَّد بن أبي شيبَة، وَكِلَاهُمَا من شُيُوخ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالْحكم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف: هُوَ ابْن عتيبة الْكُوفِي وَعبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الزَّاي مَقْصُورا: مولى خُزَاعَة كُوفِي أدْرك النَّبِي ﷺ ، وَصلى خَلفه، مر فِي التَّيَمُّم.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن آدم وَعَن عَبْدَانِ وَعَن سعد بن حَفْص، وَحَدِيثه أتم. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَعَن هَارُون بن عبد الله. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفِتَن عَن يُوسُف بن مُوسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ.
قَوْله: (أَو قَالَ: حَدثنِي الحكم) أَي: أَو قَالَ مَنْصُور: حَدثنِي الحكم بن عتيبة عَن سعيد بن جُبَير، الْحَاصِل أَن منصوراً شكّ فِي رِوَايَته بَين سعيد وَبَين الحكم حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي سعيد بن جُبَير، أَو قَالَ: حَدثنِي الحكم عَن سعيد بن جُبَير. قَوْله: (مَا أَمرهمَا) أَي: مَا التَّوْفِيق بَينهمَا حَيْثُ دلّت الأولى على الْعَفو عِنْد التَّوْبَة، وَالثَّانيَِة على وجوب الْجَزَاء مُطلقًا. قَوْله: (وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِى حرم الله إلَاّ بِالْحَقِّ) ، كَذَا وَقع فِي الرِّوَايَة، وَالَّذِي وَقع فِي التِّلَاوَة وَهُوَ: ﴿وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إلَاّ بِالْحَقِّ﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) . كَذَا فِي سُورَة الْفرْقَان. قَوْله: (قَالَ: لما أنزلت) جَوَاب ابْن عَبَّاس، وَهُوَ أَن الْآيَة الَّتِي فِي الْفرْقَان وَهِي الأولى فِي حق الْكفَّار، وَالَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء وَهِي الثَّانِيَة فِي حق الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: أَمرنِي عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى أَن أسأَل ابْن عَبَّاس عَن هَاتين الْآيَتَيْنِ: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ (النِّسَاء: ٣٩) . فَسَأَلته فَقَالَ: لم ينسخها شَيْء، وَعَن هَذِه الْآيَة: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إل هَا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إلَاّ بِالْحَقِّ﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) . نزلت فِي أهل الشّرك، وَفِي رِوَايَة لَهُ: عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ نزلت هَذِه الْآيَة بِمَكَّة: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إل هَا آخر﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فِيهِ مهانا﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) . فَقَالَ الْمُشْركُونَ: وَمَا يُغني عَنَّا الْإِسْلَام وَقد عدلنا بِاللَّه وَقد قتلنَا النَّفس الَّتِي حرم الله، وآتينا الْفَوَاحِش. فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إلَاّ من تَابَ وآمن وَعمل عملا صَالحا ... ﴾ (الْفرْقَان: ٠٧) . إِلَى آخر الْآيَة، قَالَ: فَأَما من دخل فِي الْإِسْلَام وعقل ثمَّ قتل فَلَا تَوْبَة لَهُ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس: أَلِمَنْ قتل مُؤمنا مُتَعَمدا من تَوْبَة؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فتلوت هَذِه الْآيَة الَّتِي فِي الْفرْقَان: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إل هَا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إلَاّ بِالْحَقِّ﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) . إِلَى آخر الْآيَة. قَالَ: هَذِه آيَة مَكِّيَّة نسختها آيَة مَدَنِيَّة: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ (النِّسَاء: ٣٩) . وَحَاصِل الْكَلَام أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى
стр. 4946
عَنْهُمَا، قَالَ: إِن قَاتل النَّفس عمدا بِغَيْر حق لَا تَوْبَة لَهُ، وَاحْتج فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ (النِّسَاء: ٣٩) . ادّعى أَن هَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة نسخت هَذِه الْآيَة المكية، وَهِي: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إل هَا آخر﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) . الْآيَة، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَنهُ أَن لَهُ تَوْبَة، وَجَوَاز الْمَغْفِرَة لَهُ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما﴾ (النِّسَاء: ٠١١) . وَهَذِه الرِّوَايَة الثَّانِيَة هِيَ مَذْهَب جَمِيع أهل السّنة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَمَا رُوِيَ عَن بعض السّلف مِمَّا يُخَالف هَذَا فَمَحْمُول على التَّغْلِيظ والتحذير من الْقَتْل، وَلَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة الَّتِي احْتج بهَا ابْن عَبَّاس تَصْرِيح بِأَنَّهُ يخلد، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنه جَزَاؤُهُ، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يجازى. قَوْله: (فَذَكرته لمجاهد) أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى: فَذكرت الحَدِيث لمجاهد بن جُبَير (فَقَالَ: إِلَّا من نَدم) يَعْنِي: قَالَ الْآيَة الثَّانِيَة مُطلقَة فتقيد بقوله: إلَاّ من نَدم، إلَاّ من تَابَ حملا للمطلق على الْمُقَيد.
٦٥٨٣ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ حدَّثني الأوْزَاعِيُّ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ حدَّثَني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قَالَ سألْتُ ابنَ عَمْرِو بنِ العَاصِ قُلْتُ أخْبرني بأشَدِّ شَيْءٍ صنعَهُ المُشْرِكُونَ بالنَّبِيِّ ﷺ قالَ بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي حِجْرِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بنُ أبِي مُعَيْطٍ فوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فخَنَقَهُ خَنْقَاً شَدِيدَاً فأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ حتَّى أخَذَ بِمَنْكِبِهِ ودَفَعَهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾ (غَافِر: ٨٢) . (انْظُر الحَدِيث ٨٧٦٣ وطرفه) .
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة أظهر مَا يكون، وَعَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ، والوليد بن مُسلم أَبُو الْعَبَّاس الدِّمَشْقِي، يروي عَن عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ. والْحَدِيث مر فِي مَنَاقِب أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يزِيد الْكُوفِي عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ. . إِلَخ نَحوه. قَوْله: (أَخْبرنِي بأشد شَيْء) إِلَخ. . قيل هَذَا يُعَارضهُ حَدِيث عَائِشَة أَنه ﷺ قَالَ لَهَا وَكَانَ أَشد مَا لقِيت من قَوْمك فَذكر قصَّته بِالطَّائِف مَعَ ثَقِيف وًّأجيب بِأَن عبد الله ابْن عَمْرو أخبر بِمَا رَآهُ، وَلم يكن حَاضرا للقصة الَّتِي وَقعت بِالطَّائِف، وَمَا جَاءَ عَن أحد من الصَّحَابَة بِخِلَاف حَدِيث الْبَاب، فَيحمل على التَّعَدُّد.
تابَعَهُ ابنُ إسْحَاقَ. حدَّثني يَحْيَى بنُ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ قُلْتُ لِعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ
وَأي: تَابع عَيَّاش بن الْوَلِيد مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي رِوَايَته عَن يحيى بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام عَن أَبِيه عُرْوَة. قلت: لعبد الله بن عَمْرو وَكِلَاهُمَا قَالَا: عبد الله بن عَمْرو، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة أَحْمد فِي (مُسْنده) : من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن إِسْحَاق إِلَخ نَحوه.
وقالَ عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ قِيلَ لعَمْرِو بنِ العَاصِ
أَي: قَالَ عَبدة بن سُلَيْمَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة، قيل لعَمْرو بن الْعَاصِ: هَكَذَا خَالف هِشَام بن عُرْوَة أَخَاهُ يحيى ابْن عُرْوَة فِي إسم الصَّحَابِيّ، فَإِن يحيى قَالَ: عبد الله بن عَمْرو، وَقَالَ هِشَام: عَمْرو بن الْعَاصِ، وَتَعْلِيق عَبدة أسْندهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن فِي كِتَابه عَن هناد عَنهُ بِهِ من مُسْند عَمْرو بن الْعَاصِ فِي كتاب التَّفْسِير.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍ وعنْ أبِي سلَمَةَ حدَّثنِي عَمْرُو بنُ العاصِ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة اللَّيْثِيّ الْمدنِي: عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه أَبُو الْقَاسِم فِي مُعْجَمه عَن عبد بن عباد حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بِهِ.
стр. 4947
٠٣ - (بابُ إسْلَامِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِسْلَام أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٧٥٨٣ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ حَمَّادٍ الآمُلِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ مَعِينٍ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ مُجَالِدٍ عنْ بَيَانٍ عنْ وَبَرَةَ عنْ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ قَالَ قَالَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرِ رأيْتُ رسُولَ الله ﷺ وَمَا معَهُ إلَاّ خَمْسَةُ أعْبُدٍ وامْرَأتَانِ وأبُو بَكْرٍ. (انْظُر الحَدِيث ٠٦٦٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَبُو بكر) من حَيْثُ أَنه يفهم مِنْهُ أَن أَبَا بكر أسلم قبل الرِّجَال، وَعبد الله بن حَمَّاد هَكَذَا وَقع مَنْسُوبا فِي رِوَايَة أبي ذَر الْهَرَوِيّ، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ بل أَصْغَر مِنْهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة غَيره غير مَنْسُوب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عبد الله ابْن مُحَمَّد المسندي، وَقيل: هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد الآملي، ونسبته إِلَى آمل، بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْمِيم، وَهُوَ: آمل جيحون مَاتَ بآمل حِين خرج من سَمَرْقَنْد فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ روى عَن البُخَارِيّ أَيْضا وَيحيى بن معِين، بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْعين ابْن عون أَبُو زَكَرِيَّا الْبَغْدَادِيّ، أَصله من سرخس، روى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا، وَقَالَ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَغسل على أَعْوَاد النَّبِي ﷺ ، وَحمل على نعش رَسُول الله، ﷺ ، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن بشر، وَقد مر عَن قريب، ووبرة، بِفَتْح الْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَبُو الْعَبَّاس يعد فِي الْكُوفِيّين، وَهَمَّام بن الْحَارِث النَّخعِيّ الْكُوفِي مَاتَ فِي ولَايَة الْحجَّاج.
والْحَدِيث مضى فِي مَنَاقِب أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ إخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن أبي الطّيب عَن إِسْمَاعِيل بن مجَالد ... الخ وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٣ - (بابُ إسْلَامِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِسْلَام سعد بن أبي وَقاص، وَوَقع فِي بعض النّسخ سعد بن أبي وَقاص هَكَذَا مَنْسُوبا.
٨٥٨٣ - حدَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا أبُو أسَامَةَ حدَّثنا هَاشِمٌ قَال سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيِّبِ قَالَ سَمِعْتُ أبَا إسْحَاقَ سَعْدَ بنَ أبِي وقَّاصٍ يقُولُ مَا أسْلَمَم أحَدٌ إلَاّ فِي اليَوْمِ الَّذِي أسْلَمْ فِيهِ ولَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أيَّامٍ وإنِّي لَثُلُثُ الإسْلَامِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٧٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَقَد مكثت) إِلَخ، لِأَنَّهُ يدل على أَنه من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام، قيل: قد أسلم قبله كثير: أَبُو بكر وَعلي وَخَدِيجَة وَزيد، وَنَحْوهم؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَعَلَّهُم أَسْلمُوا فِي أول النَّهَار وَهُوَ آخِره، وَقيل: كَيفَ يكون ثلث الْإِسْلَام وَقد أسلم مقدما عَلَيْهِ أَكثر من اثْنَيْنِ؟ وَأجِيب: بِأَن ذكل نظرا إِلَى إِسْلَام الْبَالِغين.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَنَاقِب سعد هَذَا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن هَاشم بن هَاشم عَن سعيد بن الْمسيب عَنهُ، وَأخرجه هُنَا عَن إِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن النَّصْر السَّعْدِيّ البُخَارِيّ عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن هَاشم، هُوَ ابْن هَاشم بن عتبَة بن أبي وَقاص، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢٣ - (بابُ ذِكْرِ الجِنِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر الْجِنّ، وَتقدم الْكَلَام فِي الْجِنّ فِي أَوَائِل بَدْء الْخلق.
وقوْلِ الله تَعَالَى ﴿قُلْ أُوْحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ (الْجِنّ: ١) .
وَقَول الله بِالْجَرِّ، عطف على قَوْله: (ذكر الْجِنّ) . قَوْله: (قل أُوحِي) ، يَعْنِي: قل يَا مُحَمَّد، أَي: أخبر قَوْمك مَا لَيْسَ لَهُم بِهِ علم، ثمَّ بَين فَقَالَ: أُوحِي إِلَيّ أَي: أخْبرت بِالْوَحْي من الله أَنه أَي الْأَمر والشأن، وَكلمَة: أَن، بِالْفَتْح مَعَ اسْمه وَخَبره فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ قَامَ مقَام
стр. 4948
فَاعل أُوحِي: اسْتمع الْقُرْآن، فَحذف لِأَن مَا بعده يدل عَلَيْهِ، وَالِاسْتِمَاع طلب بالإصغاء إِلَيْهِ. قَوْله: (نفر من الْجِنّ) أَي: جمَاعَة مِنْهُم ذكرُوا فِي التَّفْسِير، وَكَانُوا تِسْعَة من جن نَصِيبين، وَقيل: كَانُوا من جن الشيصبان، وهم أَكثر الْجِنّ عددا د وهم عَامَّة جنود إِبْلِيس، وَقيل: كَانُوا سَبْعَة وَكَانُوا من الْيمن وَكَانُوا يهود، وَقيل: كَانُوا مُشْرِكين.
وَاعْلَم أَن الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت فِي هَا الْبَاب، أَعنِي: فِيمَا يتَعَلَّق بالجن، تدل على أَن وفادة الْجِنّ كَانَت سِتّ مَرَّات. الأولى: قيل فِيهَا: اغتيل واستظير وَالْتمس. الثَّانِيَة: كَانَت بالحجون. الثَّالِثَة: كَانَت بِأَعْلَى مَكَّة وانصاع فِي الْجبَال. الرَّابِعَة: كَانَت ببقيع الْغَرْقَد وَفِي هَؤُلَاءِ اللَّيَالِي حضر ابْن مَسْعُود، وَخط عَلَيْهِ. الْخَامِسَة: كَانَت خَارج الْمَدِينَة وحضرها الزبير بن الْعَوام. السَّادِسَة: كَانَت فِي بعض أَسْفَاره وحضرها بِلَال بن الْحَارِث. وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: لما آيس رَسُول الله، ﷺ ، من خبر ثَقِيف انْصَرف عَن الطَّائِف رَاجعا إِلَى مَكَّة حَتَّى كَانَ بنخلة، قَامَ من جَوف اللَّيْل يُصَلِّي فَمر بِهِ النَّفر من الْجِنّ الَّذين ذكرهم الله فِيمَا ذكر لي سَبْعَة نفر من أهل جن نَصِيبين، فَاسْتَمعُوا لَهُ، فَلَمَّا فرغ من صلَاته ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين قد آمنُوا وَأَجَابُوا إِلَى مَا سمعُوا، فَقص الله خبرهم عَلَيْهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أَلِيم﴾ (الْأَحْقَاف: ٩٢) . ثمَّ قَالَ تَعَالَى:﴾ قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ﴾ (الْجِنّ: ١) . إِلَى آخر الْقِصَّة من خبرهم فِي هَذِه السُّورَة. فَإِن قلت: فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُول الله، ﷺ ، على الْجِنّ وَلَا رَآهُمْ ... ؟ الحَدِيث. قلت: هَذَا النَّفْي من ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا هُوَ حَدِيث اسْتَمعُوا التِّلَاوَة فِي صَلَاة الْفجْر وَلم يرد بِهِ نفي الرُّؤْيَة والتلاوة مُطلقًا وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: معنى حَدِيث ابْن عَبَّاس: لم يقصدهم بِالْقِرَاءَةِ، فعلى هَذَا فَلم يعلم رَسُول الله، ﷺ ، بِاسْتِمَاعِهِمْ وَلَا كَلمهمْ، وَإِنَّمَا أعلمهُ الله تَعَالَى بقوله: ﴿قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع﴾ (الْجِنّ: ١) . وَيُقَال: عبد الله بن مَسْعُود أعلم بِقصَّة الْجِنّ من عبد الله بن عَبَّاس، فَإِنَّهُ حضرها وحفظها، وَعبد الله بن عَبَّاس كَانَ إِذْ ذَاك طفْلا رضيعاً، فقد قيل: إِن قصَّة الْجِنّ كَانَت قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت فِي سنة إِحْدَى عشرَة من النُّبُوَّة، وَابْن عَبَّاس كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع قد ناهز الِاحْتِلَام، وَقيل: يجمع بَين مَا نَفَاهُ وَمَا أثْبته غَيره بِتَعَدُّد وُفُود الْجِنّ على النَّبِي ﷺ .
٩٥٨٣ - حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عنْ مَعْنِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ سَمِعْتُ أبِي قَالَ سألْتُ مَسْرُوقاً مِنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرآنَ فَقَالَ حدَّثنِي أبُوكَ يَعْنِي عَبْدَ الله أنَّهُ آذَنَتُ بِهِمْ شَجَرَةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن سعيد أَبُو قدامَة السَّرخسِيّ وَهُوَ أَبُو سعيد الْأَشَج، ومعن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون: ابْن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع، وَفِي الأَصْل أجدع لقبه واسْمه عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: (من أذن) أَي: من أعلم النَّبِي ﷺ بالجن فِي لَيْلَة اسْتِمَاع الْقُرْآن؟ قَوْله: (فَقَالَ: حَدثنِي أَبوك) أَي: قَالَ مَسْرُوق لعبد الرَّحْمَن: حَدثنِي بذلك أَبوك، يَعْنِي: عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (آذَنت بهم) ، أَي: آذَنت النَّبِي ﷺ ، بالجن (شَجَرَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: آذَنت، وَفِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: سَمُرَة مَوضِع شَجَرَة، وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن مَسْعُود أَنه يَقُول: إِن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ لأَصْحَابه وَهُوَ بِمَكَّة: من أحب مِنْكُم أَن يحضر اللَّيْلَة أَمر الْجِنّ فَلْيفْعَل ... الحَدِيث مطولا. وَفِيه: قَالَ ابْن مَسْعُود: سَمِعت الْجِنّ تَقول للنَّبِي ﷺ : من يشْهد أَنَّك رَسُول الله، ﷺ ؟ وَكَانَ قَرِيبا من هُنَاكَ شَجَرَة، فَقَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ : أَرَأَيْتُم إِن شهِدت هَذِه الشَّجَرَة أتؤمنون؟ قَالُوا: نعم، فَدَعَاهَا النَّبِي ﷺ فَأَقْبَلت، قَالَ ابْن مَسْعُود: فَلَقَد رَأَيْتهَا تجر أَغْصَانهَا. قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : أتشهدي أَنِّي رَسُول الله؟ قَالَت: أشهد أَنَّك رَسُول الله. فَإِن قلت: مَا فِيهِ من إِعْلَامه أَصْحَابه بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِم يُخَالف مَا روى فِي (الصَّحِيح) من فقدانهم إِيَّاه حَتَّى، قيل: اغتيل أَو استطير، قلت: المُرَاد من فَقده غير الَّذِي علم بِخُرُوجِهِ. فَإِن قلت: ظَاهر كَلَام ابْن مَسْعُود: فقدناه والتمسناه وبتنا بشر لَيْلَة، يدل على أَنه فَقده والتمسه وَبَات لَيْلَة، وَفِي هَذَا الحَدِيث: قد علم بِخُرُوجِهِ وَخرج مَعَه وَرَأى الْجِنّ وَلم يُفَارق الْخط الَّذِي خطه،
стр. 4949
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَتَّى عَاد إِلَيْهِ بعد الْفجْر. قلت: إِذا قُلْنَا إِن لَيْلَة الْجِنّ كَانَت مُتعَدِّدَة، لَا يبْقى إِشْكَال، وَقد ذكرنَا أَنَّهَا كَانَت مُتعَدِّدَة.
٠٦٨٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قَالَ أخْبَرَني جَدِّي عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ كانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إدَاوةً لِوَضُوئِهِ وحاجَتِهِ فبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بهَا فَقَالَ مَنْ هاذَا فَقَالَ أَنا أبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ ابْغِني أحْجَارَاً أسْتَنْفِضْ بِهَا ولَا تأتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثِهِ فأتَيْتُهُ بأحْجَارٍ أحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي حتَّى وَضَعْتُهَا إلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ حتَّى إذَا فرغَ مَشَيْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ مَا بالُ العظْمِ والرَّوْثَةِ قَالَ هُمَا مِنْ طَعَامِ الجِنِّ وإنَّهُ أتانِي وفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ ونِعْمَ الجِنُّ فسألُونِي الزَّادَ فدَعَوْتُ الله لَهُمْ أنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ ولَا بِرَوْثَةٍ إلَاّ وجَدُوا عَلَيْهَا طعَامَاً. (انْظُر الحَدِيث ٥٥١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هما من طَعَام الْجِنّ) إِلَى آخِره. ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الَّذِي يُقَال لَهُ: التَّبُوذَكِي، وَقد مر غير مرّة، وَعَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ عَن عَمْرو بن يحيى ... إِلَخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (إبغني) أَي: أطلب لي أحجاراً، وَهُوَ من الثلاثي من بَاب رمى يَرْمِي، يُقَال: بغيتك الشَّيْء أَي طلبته لَك، وأبغيته أَي: أعنتك على طلبه. قَوْله: (أستنفض بهَا) أَي: أستنجي بهَا، وَهُوَ من نفض الثَّوْب، لِأَن المستنجي ينفض عَن نَفسه الْأَذَى بِالْحجرِ أَي: يُزِيلهُ ويدفعه. قَوْله: (وَفد جن نَصِيبين) ، الْوَفْد: الْقَوْم يقدمُونَ، ونصيبين: بَلْدَة مَشْهُورَة بالجزيرة أَعنِي جَزِيرَة ابْن عمر فِي الشرق، وَوَقع فِي كَلَام ابْن التِّين: إِنَّهَا فِي الشَّام وَهُوَ وهم وَغلط. قَوْله: (طَعَاما) أَي: حَقِيقَة وَذَلِكَ بعد أَن يفضل من الْإِنْس، وَطَعَامًا هَكَذَا رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: طعماً، قيل بالشم يكتفون. قلت: للنَّاس فِي أكل الْجِنّ وشربهم ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون، وَهَذَا قَول سَاقِط. الثَّانِي: أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ، وَصِنْفًا مِنْهُم يَأْكُلُون وَلَا يشربون، وَعَن وهب: خَالص الْجِنّ ريح لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يتوالدون، وَمِنْهُم أَجنَاس يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتوالدون ويتناكحون مِنْهُم: السعالي والغيلان والقطرب وَغَيرهَا. الثَّالِث: أَن جَمِيع الْجِنّ يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ لظَاهِر الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وعمومها، وَاخْتلف أَصْحَاب هَذَا القَوْل فِي أكلهم وشربهم، فَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لَا مضغ وَلَا بلع، وَهَذَا قَول لَا يرد عَلَيْهِ دَلِيل، وَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم مضغ وبلع، وَهَذَا القَوْل هُوَ الَّذِي تشهد بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة.
стр. 4950
٣٣ - (بابُ إسْلَامِ أبِي ذَرٍّ الغَفَارِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إسلاك أبي ذَر، واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة بن سُفْيَان بن عبيد بن حزَام بن غفار بن مليل بن ضَمرَة بن بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر، وَقيل غير ذَلِك، وَفِي (التَّهْذِيب) : اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَافا كثيرا، فَقيل: اسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة، وَقيل: بربر بن جُنْدُب، وَقيل: بربر بن عشرقة، وَقيل: جُنْدُب بن السكن وَالْمَشْهُور مَا ذَكرْنَاهُ أَولا. وَأمه رَملَة بنت الوقيعة من بني غفار بن مليل، وَكَانَ أَخا عَمْرو بن عبسة لأمه، قَالَ خَليفَة بن خياط، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بالربذة، قَرْيَة من قرى الْمَدِينَة فِي خلَافَة عُثْمَان بن عَفَّان، وَصلى عَلَيْهِ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٣٨٦١ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ مَهْدِي حدَّثنا الْمُثَنَّى عَن أبِي جَمْرَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي لله تَعَالَى عنهُما قَالَ لَمَّا بَلَغَ أبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قالَ لأِخِيهِ ارْكَبْ إلَى هاذَا الْوَادِي فاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعَمُ أنَّهُ نَبِيٌّ يأتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ واسْمَعْ منْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي فانْطَلَقَ الأخُ حَتَّى قَدِمَهُ وسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أبِي ذَرٍّ فَقالَ لَهُ رَأيْتُهُ يأمُرُ بِمَكَارِمِ الأخْلَاقِ وكَلَاماً مَا هُوَ بالشِّعْرِ فَقَالَ مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أرَدْتُ فتَزَوَّدَ وحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا ماءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فأتَى المَسْجِدَ فالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ ولَا يَعْرِفُهُ وكَرِهَ أنْ يَسْألَ عنهُ حتَّى أدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ فرَآهُ عَلِيٌّ فعَرَفَ أنَّهُ غَرِيبٌ فلَمَّا رآهُ تَبِعَهُ فَلَمْ يَسْألْ واحِدٌ مِنْهُمَا صاحِبَهُ عنْ شَيْءٍ حتَّى أصْبَحَ ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وزَادَهُ إِلَى المَسْجِدِ وظَلَّ ذَلِكَ اليَوْمَ ولَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حتَّى أمْسَى فَعادَ إِلَى مَضْجَعِهِ فمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ أما نالَ لِلرَّجُلِ أنْ يَعلَمَ مَنْزِلَهُ فأقامَهُ فذَهَبَ بِهِ معَهُ لَا يَسْألُ واحِدٌ مِنْهُمَا صاحِبَهُ عنْ شَيءٍ حتَّى إذَا كانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فعادَ عَلِيٌّ على مِثْلِ ذَلِكَ فأقامَ معَهُ ثُمَّ قالَ ألَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أقْدَمَكَ قَالَ إنْ أعْطَيْتَنِي عَهْدَاً ومِيثاقاً لَتُرْشِدَنَّنَيفَعَلْتُ ففَعَلَ فأخْبَرَهُ قَالَ فإنَّهُ حَقٌّ وهْوَ رَسُولُ الله ﷺ فإذَا أصْبَحْتَ فاتْبَعْنِي فإنِّي إنْ رأيْتُ
стр. 4951
شَيْئَاً أخافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كأنِّي أُرِيقُ الماءَ فإنْ مَضَيْتُ فاتْبَعْنِي حتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي ففَعَلَ فانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حتَّى دَخَلَ علَى النَّبِيِّ ﷺ ودَخَل معَهُ فسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وأسْلَمَ مَكانَهُ فَقَالَ لهُ النَّبِيُّ ﷺ ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فأخْبِرْهُمْ حتَّى يأتِيكَ أمْرِي قَالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فخَرَجَ حتَّى أَتَى المَسْجِدَ فَنادَى بأعْلَى صَوْتِهِ أشْهَدُ أنْ لَا إلاه إلَاّ الله وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله ثُمَّ قامَ القَوْمُ فضَرَبُوهُ حتَّى أضْجَعُوهُ وأتى العَبَّاسُ فأكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ ويْلَكُمْ ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنْ غِفَار وأنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إلَى الشَّأمِ فأنْقَذَهُ مِنْهُمْ ثُمَّ عادَ مِنَ الغَدِ لِمِثْلِها فَضَرَبُوهُ وثارُوا إليْهِ فأكَبَّ العَبَّاسُ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٢٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأسلم مَكَانَهُ) . وَعَمْرو بن عَبَّاس أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، قَالَ أَبُو دَاوُد: مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة، والمثنى ضد الْمُفْرد هُوَ ابْن سعيد الضبعِي، لَهُ فِي البُخَارِيّ حديثان: هَذَا وَآخر تقدم فِي ذكر بني إِسْرَائِيل، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: هُوَ نصر بن عمرَان.
والْحَدِيث قد مضى فِي مَنَاقِب قُرَيْش فِي: بَاب قصَّة زَمْزَم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن زيد بن حزم وَعَن أبي قُتَيْبَة عَن مثنى ابْن سعيد عَن أبي جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس مطولا، وَبَين ألفاظهما بعض زِيَادَة ونقصان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم فِيهِ هُنَا أَيْضا زِيَادَة للْبَيَان.
قَوْله: (لِأَخِيهِ) هُوَ أنيس. قَوْله: (إِلَى هَذَا الْوَادي) أَي: وَادي مَكَّة الَّذِي بِهِ الْمَسْجِد. قَوْله: (فَاعْلَم) من الْإِعْلَام. (لي) أَي: لأجلي. قَوْله: (علم هَذَا) مَنْصُوب بقوله: إعلم. قَوْله: (فَانْطَلق الْأَخ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَانْطَلق الآخر، يَعْنِي: أنيس. قَوْله: (حَتَّى قدمه) أَي: حَتَّى قدم الْوَادي أَي: وَادي مَكَّة، وَفِي رِوَايَة ابْن مهْدي: فَانْطَلق الآخر حَتَّى قدم مَكَّة. قَوْله: (وكلاماً) بِالنّصب عطف على الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي رِوَايَته. فَإِن قلت: الْكَلَام لَا يرى. قلت: فِيهِ وَجْهَان: الْإِضْمَار وَالْمجَاز من قبيل قَوْله:
(علفتها تبناً وَمَاء بَارِدًا)
أما الْإِضْمَار فَهُوَ: سقيته مَاء، وَأما الْمجَاز فَهُوَ أَن علفته بِمَعْنى أَعْطيته، وَأما هَهُنَا فالإضمار هُوَ أَن يقدر، وسمعته يَقُول كلَاما، وَأما الْمجَاز فَهُوَ أَن يضمن الرُّؤْيَة معنى الْأَخْذ عَنهُ، فالتقدير: وَأخذت عَنهُ كلَاما مَا هُوَ بالشعر. قَوْله: (وَكره أَن يسْأَل عَنهُ) لِأَنَّهُ عرف أَن قومه يُؤْذونَ من يَقْصِدهُ أَو يؤذونه بِسَبَب قصد من يَقْصِدهُ أَو لكراهتهم فِي ظُهُور أمره لَا يدلون من يسْأَل عَنهُ عَلَيْهِ أَو يمنعونه من الِاجْتِمَاع بِهِ أَو يخدعونه حَتَّى يرجع عَنهُ. (فَرَآهُ عَليّ) هُوَ ابْن أبي طَالب، كرم الله وَجهه، وَهَذَا يدل على أَن قصَّة أبي ذَر وَقعت بعد المبعث بِأَكْثَرَ من سنتَيْن بِحَيْثُ يتهيأ لعَلي أَن يسْتَقلّ بمخاطبة الْغَرِيب ويضيفه، فَإِن الْأَصَح فِي سنّ عَليّ حِين الْبَعْث كَانَ عشر سِنِين، وَقيل: أقل من ذَلِك. قَوْله: (فَعرف أَنه غَرِيب) ، وَفِي رِوَايَة أبي قُتَيْبَة: فَقَالَ: كَانَ الرجل غَرِيب. قلت: نعم. قَوْله: (أما نَالَ للرجل) ، أَي: أما حَان، يُقَال: نَالَ لَهُ، بِمَعْنى: آن لَهُ، ويروى: أما آن، بِمد الْهمزَة، وأنَّى بِفَتْح الْهمزَة وَالْقصر وَفتح النُّون وَكلهَا بِمَعْنى. قَوْله: (أَن يعلم منزله) أَي: مقْصده. قَوْله: (يَوْم الثَّالِث) ، بِالْإِضَافَة كَمَا فِي: مَسْجِد الْجَامِع، فَإِن التَّقْدِير فِيهِ: مَسْجِد الْوَقْت الْجَامِع فالجامع صفة للْوَقْت لَا لِلْمَسْجِدِ، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي: يَوْم الثَّالِث. قَوْله: (فَعَاد عليَّ على مثل ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة: فعل عَليّ مثل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فغدا على ذَلِك. قَوْله: (لترشدنني) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بنونين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لترشدني، بنُون وَاحِدَة وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (فَأخْبرهُ) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة: فَأَخْبَرته، بتاء الْمُتَكَلّم قبل الضَّمِير وَفِيه الْتِفَات. قَوْله: (كَأَنِّي أريق المَاء) ، وَفِي رِوَايَة أبي قُتَيْبَة: كَأَنِّي أصلح نَعْلي، وَيحمل على أَنه قالهما جَمِيعًا. قَوْله: (يقفوه) ، أَي: يتبعهُ. قَوْله: (وَدخل مَعَه) أَي: دخل أَبُو ذَر مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسمع من قَول النَّبِي ﷺ ، وَفِي حَدِيث عبد الله بن الصَّامِت: أَن أَبَا ذَر لَقِي النَّبِي ﷺ ، وَأَبا بكر فِي الطّواف بِاللَّيْلِ، وَالْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ، بِأَنَّهُ لقِيه أَولا مَعَ عَليّ ثمَّ لقِيه فِي الطّواف مَعَ أبي بكر
стр. 4952
أَو بِالْعَكْسِ. قَوْله: (إرجع إِلَى قَوْمك فَأخْبرهُم حَتَّى يَأْتِيك أَمْرِي) ، وَفِي رِوَايَة أبي قُتَيْبَة: أكتم هَذَا الْأَمر وارجع إِلَى قَوْمك، فَإِذا بلغك ظُهُورنَا فَأقبل. قَوْله: (لأصرخن بهَا) أَي: بِكَلِمَة التَّوْحِيد، أَرَادَ أَنه يرفع صَوته جهاراً بَين الْمُشْركين، وَضبط فِي بعض النّسخ: لأصرحن، بِالْحَاء الْمُهْملَة من التَّصْرِيح. قَوْله: (بَين ظهرانيهم) أَي: فِي جمعهم، قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: هُوَ نَازل بَين ظهرانيهم وأظهرهم، وَلَا تقل: بَين ظهرانيهم، بِكَسْر النُّون. قلت: مَعْنَاهُ لأصرحن بهَا على سَبِيل الِاسْتِظْهَار، وزيدت النُّون الْمَفْتُوحَة وَالْألف تَأْكِيدًا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة. قَوْله: (حَتَّى أضجعوه) أَي: أرموه على الأَرْض. قَوْله: (فأنقذه) أَي: خلصه مِنْهُم أَي: من الْمُشْركين.
٣٤ - (بابُ إسْلَامِ سَعيدِ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِسْلَام سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، وَتَقَدَّمت بَقِيَّة نسبه، وَهُوَ ابْن عَم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٣٥ - (بابُ إسْلَامُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِسْلَام عمر بن الْخطاب، وَقد ذكرنَا نسبه فِي مناقبه.
٣٨٦٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ كَثِير أخْبرَنا سُفْيانُ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ أبِي خالِدٍ عنْ قَيْسِ بنِ أبِي حازِمٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَا زِلْنَا أعِزَّاءَ مُنْذُ أسْلَمَ عُمَرُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٨٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مُنْذُ أسلم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد.
٣٤٧ - (حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي ابْن وهب قَالَ حَدثنِي عمر بن مُحَمَّد قَالَ وَأَخْبرنِي جدي زيد بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه قَالَ بَيْنَمَا هُوَ فِي الدَّار خَائفًا إِذْ جَاءَهُ الْعَاصِ بن وَائِل
стр. 4953
السَّهْمِي أَبُو عَمْرو عَلَيْهِ حلَّة حبرَة وقميص مكفوف بحرير وَهُوَ من بني سهم وهم حلفاؤنا فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ لَهُ مَا بالك قَالَ زعم قَوْمك أَنهم سيقتلوني إِن أسلمت قَالَ لَا سَبِيل إِلَيْك بعد أَن قَالَهَا أمنت فَخرج الْعَاصِ فلقي النَّاس قَالَ سَالَ بهم الْوَادي فَقَالَ أَيْن تُرِيدُونَ فَقَالُوا نُرِيد هَذَا ابْن الْخطاب الَّذِي صَبأ قَالَ لَا سَبِيل إِلَيْهِ فكر النَّاس) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله هَذَا ابْن الْخطاب الَّذِي صَبأ وَكَانُوا يَقُولُونَ صَبأ لمن أسلم وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي وَسكن مصر وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ وَعمر بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب مدنِي نزل عسقلان أَخُو عَاصِم وَزيد وواقد وَأبي بكر وَعمر هَذَا يروي عَن جده عبد الله بن عمر (فَإِن قلت) كَيفَ قَالَ وَأَخْبرنِي جدي بِالْوَاو ويروى فَأَخْبرنِي بِالْفَاءِ (قلت) للإشعار بِأَنَّهُ أخبرهُ أَيْضا بِغَيْر هَذَا الحَدِيث أَنه قَالَ قَالَ كَذَا وَأَخْبرنِي كَذَا وجده زيد يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب والْحَدِيث من أَفْرَاده قَوْله " بَيْنَمَا هُوَ " أَي عمر بن الْخطاب قَوْله " خَائفًا " حَال من الضَّمِير قَوْله " إِذْ جَاءَهُ " جَوَاب بَيْنَمَا قَوْله " الْعَاصِ بن وَائِل " مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل جَاءَ وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مَا يرجع إِلَيْهِ قَوْله هُوَ فِي الدَّار أَي عمر بن الْخطاب كَمَا ذكرنَا وَالْعَاص بِضَم الصَّاد وَأَصله العوص وَيجوز بِكَسْر الصَّاد لِأَن أَصله العَاصِي نَحْو القَاضِي وَلَكِن الْيَاء خففت فِيهِ وَهُوَ ابْن وَائِل بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف السَّهْمِي بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْهَاء وَالِد عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ جاهلي أدْرك الْإِسْلَام وَلم يسلم وَهُوَ ابْن هَاشم بن سعيد بن سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب قَوْله " أَبُو عَمْرو " كنية الْعَاصِ الْمَذْكُور وَهُوَ عَمْرو بن الْعَاصِ الصَّحَابِيّ قَوْله " عَلَيْهِ حلَّة حبرَة " جملَة اسمية وَقعت حَالا بِغَيْر وَاو والحبرة بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي برد مخططة بالوشي ويروى حبر بِغَيْر هَاء وَهُوَ جمع حبرَة قَوْله " مكفوف بحرير " من كَفَفْت الثَّوْب إِذا خططته قَوْله " حلفاؤنا " جمع حَلِيف من الْحلف وَهُوَ المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق قَوْله " سيقتلونني " ويروي سيقتلوني قَوْله " إِن أسلمت " بِفَتْح الْهمزَة أَي لإن أسلمت أَي لأجل إسلامي وَكلمَة إِن مَصْدَرِيَّة قَوْله " آمَنت " بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الْأمان أَي زَالَ خوفي لِأَن الْعَاصِ كَانَ مُطَاعًا فِي قومه وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِمد الْهمزَة وَهُوَ خطأ فَإِنَّهُ كَانَ قد أسلم قبل ذَلِك وَذكر عِيَاض أَن فِي رِوَايَة الْحميدِي بِالْقصرِ أَيْضا لكنه بِفَتْح التَّاء وَهُوَ أَيْضا خطأ لِأَنَّهُ يصير من كَلَام الْعَاصِ بن وَائِل وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من كَلَام عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يُرِيد أَنه أَمن لما قَالَ لَهُ الْعَاصِ ابْن وَائِل تِلْكَ الْمقَالة قَوْله " قد سَالَ بهم الْوَادي " أَي وَادي مَكَّة وَهُوَ كِنَايَة عَن امتلائه بِالنَّاسِ قَوْله فَقَالَ أَي الْعَاصِ قَوْله هَذَا ابْن الْخطاب يَعْنِي عمر بن الْخطاب قَوْله الَّذِي صَبأ أَي مَال عَن دين آبَائِهِ وَخرج قَوْله فكر أَي رَجَعَ
٣٤٨ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله حَدثنَا سُفْيَان قَالَ عَمْرو بن دِينَار سمعته يَقُول قَالَ عبد الله بن عمر ﵄ لما أسلم عمر اجْتمع النَّاس عِنْد دَاره وَقَالُوا صَبأ عمر وَأَنا غُلَام فَوق ظهر بَيْتِي فجَاء رجل عَلَيْهِ قبَاء من ديباج فَقَالَ قد صَبأ عمر فَمَا ذَاك وَأَنا لَهُ جَار قَالَ فَرَأَيْت النَّاس تصدعوا عَنهُ فَقلت من هَذَا الرجل قَالُوا الْعَاصِ بن وَائِل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله لما أسلم عمر وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة قَوْله " سمعته يَقُول " أَي سَمِعت عَمْرو بن دِينَار يَقُول قَالَ عبد الله بن عمر وَالْقَائِل بِهَذَا هُوَ سُفْيَان قَوْله صَبأ عمر أَي خرج من دينه إِلَى دين آخر قَوْله وَأَنا غُلَام الْقَائِل هُوَ عبد الله وَفَسرهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه كَانَ ابْن خمس سِنِين وَإِذا كَانَ كَذَلِك خرج مِنْهُ أَن إِسْلَام عمر بعد المبعث بست سِنِين أَو سبع لِأَن ابْن عمر كَانَ يَوْم أحد ابْن أَربع عشرَة سنة وَذَلِكَ بعد المبعث بست عشرَة سنة فَيكون مولده
стр. 4954
بعد المبعث بِسنتَيْنِ قَوْله فَوق ظهر بَيْتِي قَالَ الدَّاودِيّ هُوَ غلط وَالْمَحْفُوظ على ظهر بيتنا ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنه الْآن بَيته وَكَانَ قبل ذَلِك لِأَبِيهِ وَقَالَ بَعضهم وَلَا يخفى عدم الِاحْتِيَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا نسب ابْن عمر الْبَيْت إِلَى نَفسه مجَازًا أَو مُرَاده الْمَكَان الَّذِي كَانَ يأوي فِيهِ سَوَاء كَانَ ملكه أم لَا قلت الصَّوَاب مَعَ الدَّاودِيّ وَلَا وَجه للرَّدّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يخفى أَن ابْن عمر كَانَ عمره إِذْ ذَاك خمس سِنِين وَهُوَ لَا يُفَارق بَيت أَبِيه وَلَا وَجه لقَوْله بَيْتِي بإضافته إِلَى نَفسه وَلَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى الْمجَاز هُنَا من غير ضَرُورَة وَلَا نُكْتَة دَاعِيَة إِلَيْهِ وَلَا وَجه أَيْضا أَن يُقَال مُرَاد ابْن عمر الْمَكَان الَّذِي يأوي فِيهِ لِأَنَّهُ لم يكن يأوي إِلَّا فِي بَيت أَبِيه عَادَة خُصُوصا وَهُوَ ابْن خمس سِنِين قَوْله فجَاء رجل وَهُوَ الْعَاصِ بن وَائِل على مَا يُوضحهُ فِي آخر الحَدِيث قَوْله فَمَا ذَاك أَي فَلَا بَأْس عَلَيْهِ وَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ وَالْحَال أَنا لَهُ جَار بِالْجِيم وَتَخْفِيف الرَّاء وَالْجَار هُوَ الَّذِي أجرته من أَن يَظْلمه ظَالِم قَوْله تصدعوا عَنهُ أَي تفَرقُوا فَقلت من هَذَا الْقَائِل هُوَ عبد الله يسْأَل النَّاس عَن هَذَا الرجل الَّذِي عَلَيْهِ قبَاء من ديباج وتفرق النَّاس بِسَبَبِهِ قَوْله قَالُوا الْعَاصِ بن وَائِل أَي قَالُوا هُوَ الْعَاصِ بن وَائِل ويروى قلت يَا أَبَت من هَذَا جزاه الله خيرا قَالَ الْعَاصِ بن وَائِل لَا جزاه الله خيرا -
٣٨٦٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ حدَّثني عُمَرُ أنَّ سالِمَاً حدَّثَهُ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَال مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيءٍ قَطُّ يَقُولُ إنِّي لأَظُنُّهُ كذَا إلَاّ كانَ كَما يَظُنُّ بَيْنَمَا عُمَرُ جالِسٌ إذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ عُمَرُ لَقدْ أخْطأ ظَنِّي أوْ إنَّ هذَا علَى دِينِهِ فِي الجاهِلِيَّةِ أوْ لَقَدْ كانَ كاهِنَهُمْ علَيَّ الرَّجُلَ فدُعِيَ لَهُ فَقَالَ لهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ مَا رأيْتُ كالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ قَالَ فإنِّي أعْزِمُ علَيْكَ إلَاّ مَا أخْبَرْتَنِي قَالَ كُنْتُ كاهِنَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَالَ فَمَا أعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ قَالَ بَيْنَمَا أنَا يَوْمَاً فِي السُّوقُ جاءَتْنِي أعْرِفُ فِيهَا الفَزَعَ فقَالَتْ ألَمْ تَرَ الجِنَّ وإبْلَاسَهَا ويأسَهَا مِنْ بَعْدِ إنْكَاسِهَا ولُحوقَها بالْقِلاصِ وأحْلَاسَهَا قَالَ عُمَرُ صَدَقَ بَيْنَمَا أنَا عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إذْ جاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فذَبَحَهُ فصرَخَ بِهِ صارِخٌ لَمْ أسْمَعْ صارِخَاً قَطُّ أشَدَّ صَوْتَاً مِنْهُ يَقُولُ يَا جَلِيحْ أمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ يَقُولُ لَا إلاه إلَاّ الله فوَثَبَ القَوْمُ قُلْتُ لَا أبْرَحُ حَتَّى أعْلَمَ مَا ورَاءَ هذَا ثُمَّ نَادَى يَا جَليحْ أمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ يَقُولُ لَا إلاه إلَاّ الله فَقُمْتُ فَما نَشِبْنَا أنْ قِيلَ هاذَا نَبِيٌّ.
وَجه ذكر هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب مَا قبل أَن الْقِصَّة الَّتِي فِي هَذَا الحَدِيث هِيَ الَّتِي كَانَت سَببا لإسلام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحيى شيخ البُخَارِيّ، وَابْن وهب قد مر ذكرهمَا عَن قريب، وَعمر هُوَ مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَقَالَ الكلاباذي، أَي هُوَ عَمْرو بِالْوَاو ابْن الْحَارِث. قيل: هُوَ وهم. وَهُوَ من أَفْرَاده.
قَوْله: (لشَيْء) ، قَالَ بَعضهم: أَي: عَن شَيْء وَاللَّام قد تَأتي بِمَعْنى: عَن، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ (العنكبوت: ١٢، الْأَحْقَاف: ١١) . قلت: لَا حَاجَة إِلَى الْعُدُول عَن مَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ للتَّعْلِيل، أَي: لأجل شَيْء. قَوْله: (إلَاّ كَانَ كَمَا يظنّ) لِأَنَّهُ كَانَ من الْمُحدثين، وَقد تقدم فِي مناقبه أَنه كَانَ مُحدثا بِفَتْح الدَّال وَقد ذكرنَا أَن معنى الْمُحدثين الملهمون، والملهم هُوَ الَّذِي يلقِي فِي نَفسه الشي فيخبر بِهِ حدساً وفراسة. قَوْله: (بَيْنَمَا عمر) قد ذكرنَا غير مرّة أَن أَصله: بَين، فزيدت فِيهِ: مَا، ويضاف إِلَى جملَة إسمية وَهِي قَوْله: (عمر جَالس) وَقَوله: (إِذْ مر بِهِ) جَوَاب: بَيْنَمَا. وَهُوَ سَواد، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو: ابْن قَارب، بِالْقَافِ وَالرَّاء الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: الدوسي، كَذَا قَالَ الْكَلْبِيّ، وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَم: سَواد بن قَارب الدورسي من بني دوس، قَالَ أَبُو حَاتِم: لَهُ صُحْبَة، وَقَالَ عمر: كَانَ يتكهن فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ شَاعِرًا ثمَّ أسلم، وداعبه عمر بن الْخطاب يَوْمًا، وَقَالَ: مَا فعلت كهانتك يَا سَواد؟ فَغَضب وَقَالَ: مَا كُنَّا عَلَيْهِ نَحن وَأَنت يَا عمر من جاهليتنا وكفرنا شَرّ من الكهانة، فَمَا لَك تعيرني بِشَيْء تبت مِنْهُ وَأَرْجُو من الله الْعَفو عَنهُ؟ قَوْله: (لقد أَخطَأ ظَنِّي) أَي: فِي
стр. 4955
كَونه فِي الْجَاهِلِيَّة بِأَن صَار مُسلما. قَوْله: (أَو) ، بِسُكُون الْوَاو أَي: (أَو إِن هَذَا) يَعْنِي: سَواد بن قَارب مُسْتَمر على دينه فِي الْجَاهِلِيَّة يَعْنِي: على عبَادَة مَا كَانُوا يعْبدُونَ. قَوْله: (لقد كَانَ كاهنهم) ، أَي: كَاهِن قومه. قَوْله: (عليَّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (الرجل بِالنّصب) أَي: أحضروه إِلَيّ وقربوه مني. قَوْله: (فدعي بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: دعِي بِالرجلِ وَهُوَ سَواد بن قَارب، ويروى: فدعي لَهُ، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة يكون الضَّمِير فِي قَوْله: لَهُ، رَاجعا إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي: دعِي الرجل لأَجله. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ ذَلِك) ، أَي: قَالَ لَهُ عمر، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا قَالَه فِي غيبته قبل أَن يحضر بَين يَدَيْهِ من التَّرَدُّد بقوله أَو، فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب: فَقَالَ: فَأَنت على مَا كنت عَلَيْهِ من كهانتك؟ فَغَضب سَواد. وَاقْتصر عمر هُنَا على أخف الْأَمريْنِ وهما: الكهانة والشرك، تلطفاً بِهِ. قَوْله: (مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ) ، أَي: مَا رَأَيْت يَوْمًا مثل هَذَا الْيَوْم حَيْثُ (استقبلَ بِهِ) أَي: فِيهِ (رجل مُسلم) ، وارتفاع رجل بقوله: اسْتقْبل، الَّذِي هُوَ على صِيغَة الْبناء للْفَاعِل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: اسْتقْبل، على صِيغَة الْمَجْهُول، فعلى هَذَا قَوْله: الرجل، مَرْفُوع أَيْضا، لِأَن الْفِعْل مُسْتَند إِلَيْهِ، وَالْبَاء فِي: بِهِ، بِمَعْنى: فِي، أَيْضا. وَالضَّمِير يرجع إِلَى الْيَوْم، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر: رجلا مُسلما، بِالنّصب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: رجلا، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: رَأَيْت، وَفِي الْقلب من هَذَا دغدغة على مَا لَا يخفى إِن كَانَ مُرَاده: رَأَيْت، الْمُصَرّح بِهِ فِي الحَدِيث، فَإِن قدر لفظ: رَأَيْت، آخر، يكون موجهاً تَقْدِيره حِينَئِذٍ: مَا رَأَيْت يَوْمًا مثل هَذَا الْيَوْم رَأَيْت اسْتقْبل بِهِ أَي: بالْكلَام الْمَذْكُور رجلا مُسلما. قَوْله: (اسْتقْبل بِهِ) ، جملَة مُعْتَرضَة بَين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَحَاصِل الْمَعْنى: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رَأَيْت فِيهِ رجلا اسْتقْبل بِهِ أَي: فِي الْيَوْم، وَرَأَيْت الشُّرَّاح فِيهِ عاجزين، فَمنهمْ من لم يتَعَرَّض إِلَى شَيْء مَا كَأَنَّهُ مَا اطلع على الْمَتْن، وَمِنْهُم من تصرف فِيهِ بالتعسف. قَوْله: (فَإِنِّي أعزم) أَي: قَالَ سَواد بن قَارب، كنت كَاهِن الْقَوْم، والكاهن هُوَ الَّذِي يتعاطى الْأَخْبَار المغيبة ويخبر بهَا، وَكَانَ فِي الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كهان كثير، وَأَكْثَرهم كَانَ يعْتَمد على تَابعه من الْجِنّ، وَأما الَّذِي كَانَ يَدعِي معرفَة ذَلِك بمقدمات أَسبَاب يسْتَدلّ بهَا على مواقعها من كَلَام من يسْأَله فَهُوَ الَّذِي يُسمى: عرافاً. قَوْله: (فَمَا أعجب) كلمة: مَا، استفهامية، وأعجب، بِالرَّفْع أَي: أَي شَيْء أعجب. قَوْله: (مَا جَاءَت بِهِ) ، كلمة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة بَدَلا من كلمة: مَا، فِي: مَا أعجب، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: أَي شَيْء أعجب من مَجِيء جنيتك بالأخبار، والجنية تَأْنِيث الجني، وأنثه تحقيراً لَهُ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون قد عرف أَن تَابع سَواد من الْجِنّ أُنْثَى، أَو هُوَ كَمَا يُقَال: تَابع الذّكر أُنْثَى وتابع الْأُنْثَى الذّكر. قَوْله: (جَاءَتْنِي) أَي: الجنية. قَوْله: (الْفَزع) ، بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي: الْخَوْف، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب: أَن ذَلِك كَانَ وَهُوَ بَين النَّائِم وَالْيَقظَان. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: الجنية. قَوْله: (ألم تَرَ الْجِنّ. .) إِلَى آخِره، من الرجز، و: الْجِنّ، مَنْصُوب بقوله: ألم تَرَ، قَوْله: (وإبلاسها) بِالنّصب عطفا على مَا قبله، وإبلاس، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الإبلاس الْحيرَة وَمِنْه الحَدِيث: ألم تَرَ الْجِنّ وإبلاسها، أَي: تحيرها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إبلاسها، أَي: انكسارها، وَقَالَ غَيره: صيرورتها مثل إِبْلِيس حائراً بائراً. قَوْله: (ويأسها) ، بِالنّصب أَيْضا عطفا على مَا قبله، والياس بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف ضد الرَّجَاء. قَوْله: (من بعد إنكاسها) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون، أَي: من بعد انتكاسها، والانتكاس الانقلاب على الرَّأْس، ويروى: من بعد أنساكها، بِفَتْح الْهمزَة، قَالَ ابْن الْأَثِير: هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة، أَي: متعبداتها، وَقَالَ ابْن فَارس الأنساك جمع نسك، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يألفه، أَرَادَ أَنَّهَا يئست من السّمع بعد أَن كَانَت ألفته، وروى الدَّاودِيّ: من بعد إيناسها، وَقَالَ: يَعْنِي كَانَت تأنس إِلَى مَا تسمع. قَوْله: (ولحوقها) ، بِالنّصب عطفا على: إبلاسها، وَيجوز بِالْجَرِّ عطفا على، أنكاسها، قَوْله: (بالقلاص) ، بِكَسْر الْقَاف: وَهُوَ جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأُرِيد بالقلاص أهل القلاص وهم الْعَرَب على طَرِيق الْكِنَايَة وَقَالَ غَيره أَرَادَ تفرقهم ونفارهم كَرَاهِيَة الْإِسْلَام قَوْله (وإحلاسها) بِفَتْح الْهمزَة جمع حلْس بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام، وَهُوَ كسَاء رَقِيق يوضع تَحت البردعة رِعَايَة لظهر الدَّوَابّ، وَفِي رِوَايَة: أَن الجني عاوده ثَلَاث مَرَّات. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عازم: كَانَ لَهُ، أَي لسواد بن قَارب رائي من الْجِنّ، قَالَ: بَينا أَنا نَائِم إِذْ جَاءَنِي، فَقَالَ: قُم فَافْهَم واعقل إِن كنت تفعل، قد بعث رَسُول من لؤَي بن غَالب، ثمَّ أنشأ يَقُول:
(عجبت للجن وأجناسهاوشدها العيس بأحلاسها)
стр. 4956
(تهوي إِلَى مَكَّة تبغي الْهدى مَا مؤمنوها مثل أرجاسها)
(فانهض إِلَى الصفوة من هاشمواسْمُ بِعَيْنَيْك إِلَى رَأسهَا)
قَالَ: ثمَّ نبهني، وَقَالَ: يَا سَواد! إِن الله قد بعث نَبيا فانهض إِلَيْهِ تسعد وترشد، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة أَتَانِي فنبهني ثمَّ قَالَ:
(عجبت للجن وتطلابهاوشدها العيس بأقتابها)
(تهوي إِلَى مَكَّة تبغي الْهدى لَيْسَ قدامها كأذنابها)
(فانهض إِلَى الصفوة من هاشمواسم بِعَيْنَيْك إِلَى نابها)
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة أَتَانِي فنبهني، فَقَالَ:
(عجبت للجن وتجارهاوشدها العيس بأكوارها)
(تهوي إِلَى مَكَّة تبغي الْهدى لَيْسَ ذَوُو الشَّرّ كأخيارها)
(فانهض إِلَى الصفوة من هاشمما مؤمنو الْجِنّ ككفارها)
قَالَ: فَوَقع فِي قلبِي الْإِسْلَام وأتيت الْمَدِينَة، فَلَمَّا رَآنِي رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: مرْحَبًا بك يَا سَواد بن قَارب، قد علمنَا مَا جَاءَ بك. قَالَ: قلت شعرًا فاسمعه مني، فَقلت:
(أَتَانِي رئبي بعد ليل وهجعة فَلم أكُ فِيمَا قد بليت بكاذبِ)
(ثلاثُ لَيال قَوْله كل لَيْلَة: أَتَاك نَبِي من لؤَي بن غَالب)
(فشمرت عَن ساقي الْإِزَار ووسطتبي الذعلب الوجناء عِنْد السباسب)
(فَأشْهد أَن الله لَا رب غيرهوأنك مَأْمُون على كل غَائِب)
(وَأَنَّك أدنى الْمُرْسلين شَفَاعَة إِلَى الله يَا ابْن الأكرمين الأطايب)
(فمرنا بِمَا يَأْتِيك يَا خير مرسلوإن كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيْبُ الذوائب)
(فَكُن لي شَفِيعًا لَا ذُو شَفَاعَة سواك بمغنٍ عَن سَواد بن قَارب)
قَالَ: فَضَحِك النَّبِي ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه. قَوْله: إِلَى أرجاسها، جمع رِجْس وَهُوَ النَّجس، وَأَرَادَ بهم الْمُشْركين. قَوْله: (واسمُ) من سما يسمو. أَي أعلُ وَانْظُر بِعَيْنَيْك. قَوْله: (تطلبانها) التَّاء فِيهِ زَائِدَة وَهُوَ من المصادر الشاذة و (العيس) بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: جمع عيساء، قَالَ ابْن الْأَثِير: العيس الْإِبِل الْبيض مَعَ شقرة يسيرَة وَاحِدهَا أعيس وعيسا، والأقتاب جمع قتَب بِفتْحَتَيْنِ، وَهُوَ للجمل كالإكاف لغيره. قَوْله: (لَيْسَ قداماها) من: قوادم الطير، وَهِي: مقاديم ريشه وَهِي عشرَة فِي كل جنَاح، الْوَاحِدَة قادمة وَهِي القدامى أَيْضا، وَيُقَال: القدامى تكون وَاحِدَة وَتَكون جمعا والأذناب جمع ذَنْب. قَوْله: (إِلَى نابها) الناب بالنُّون وبالباء الْمُوَحدَة وَمَعْنَاهُ: سيد الْقَوْم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: نَاب الْقَوْم سيدهم والناب المسنة من الْإِبِل النوق. قَوْله: (وتجآرها) التَّاء فِيهِ زَائِدَة، وَأَصله من جأر إِذا تضرع وَهُوَ من المصادر الشاذة والأكوار جمع كور بِالضَّمِّ، وَهُوَ رَحل النَّاقة بأداته وَهُوَ كالسرج وآلته للْفرس، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَكثير من النَّاس يفتح الْكَاف وَهُوَ خطأ. قَوْله: (رئي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء وَهُوَ التَّابِع من الْجِنّ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: رئي بِوَزْن كمي وَهُوَ فعيل أَو فعول، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يتَرَاءَى لمتبوعه أَو هُوَ: من الرَّأْي من قَوْلهم فلَان رأى قومه إِذا كَانَ صَاحب رَأْيهمْ، وَقد تكسر راؤه لاتباعها مَا بعْدهَا. قَوْله: (فِيمَا قد بليت) بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَي: فِيمَا قد جربت. قَوْله: (الذعلب) بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَهِي النَّاقة السريعة (والوجناء) بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْجِيم بالنُّون الممدودة والهمزة فِي آخِره: وَهِي الغليظة الصلبة، وَقيل: الْعَظِيمَة الوجنتين (والسباسب) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر السِّين الثَّانِيَة وَفِي آخِره بَاء أُخْرَى، وَهُوَ جمع سبسب وَهِي القفر والمفازة. قَوْله: (أدنى الْمُرْسلين) أَي: أقربهم وأولاهم. قَوْله: (بَيْنَمَا أَنا عِنْد
стр. 4957
آلِهَتهم) أَي: أصنامهم. قَوْله: (بعجل) هُوَ ولد الْبَقَرَة. قَوْله: (يَا جليح) ، بِفَتْح الْجِيم وَكسر اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: مَعْنَاهُ الواقح الكاشف بالعداوة. قَوْله: (نجيح) بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم من النجاح، وَهُوَ الظفر بالحوائج. قَوْله: (رجل فصيح) من الفصاحة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: رجل يَصِيح، بِالْيَاءِ آخر الْحَرْف من الصياحة وَوَقع فِي رِوَايَة فصيح رجل يَصِيح. قَوْله: (يَقُول: لَا إلاه إلَاّ الله) هَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: لَا إلاه إلَاّ أَنْت، وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات مثل الأول. قَوْله: (نشبنا) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: مَا مكثنا وتعلقنا بِشَيْء إِذْ ظهر القَوْل بَين النَّاس بِخُرُوج النَّبِي ﷺ .
٣٥٠ - (حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا يحيى حَدثنَا إِسْمَاعِيل حَدثنَا قيس قَالَ سَمِعت سعيد بن زيد يَقُول للْقَوْم لَو رَأَيْتنِي موثقي عمر على الْإِسْلَام أَنا وَأُخْته وَمَا أسلم وَلَو أَن أحدا انقض لما صَنَعْتُم بعثمان لَكَانَ محقوقا أَن ينْقض) هَذَا الحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي إِسْلَام سعيد بن زيد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم وَفِيه هُنَاكَ الِاقْتِصَار على ذكر عمر وَهَهُنَا لَو رَأَيْتنِي موثقي عمر على الْإِسْلَام أَنا وَأُخْته قَوْله " موثقي " مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول قَوْله وَأُخْته بِالنّصب أَي أُخْت عمر وَهِي فَاطِمَة بنت الْخطاب زَوْجَة سعيد بن زيد وَكَانَا أسلما قبل عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ ابْن عبد الْبر فَاطِمَة هَذِه أسلمت قَدِيما قيل قبل زَوجهَا سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وَقيل مَعَ زَوجهَا وقصتها ذكرهَا ابْن سعيد قَالَ بِإِسْنَادِهِ عَن أنس بن مَالك قَالَ خرج عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مُتَقَلِّدًا السَّيْف فَلَقِيَهُ رجل من بني زهرَة فَقَالَ أَيْن تعمد يَا عمر فَقَالَ أُرِيد أَن أقتل مُحَمَّدًا قَالَ وَكَيف تأمن من بني هَاشم وَبني زهرَة إِذا قتلت مُحَمَّدًا وَقَالَ لَهُ عمر مَا أَرَاك إِلَّا قد صَبَأت وَتركت دينك الَّذِي كنت عَلَيْهِ فَقَالَ أَلا أدلك على مَا هُوَ أعجب من ذَلِك قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ أختك وختنك قد صبآ وتركا دينك الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ فَمشى عمر ذَا أَمر أَي يلوم نَفسه على مَا فَاتَ حَتَّى دخل على أُخْته فَاطِمَة وَزوجهَا سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل من الْعشْرَة وَعِنْدَهُمَا خباب بن الْأَرَت رجل من الْمُهَاجِرين يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن فَقَالَ مَا هَذِه الهنيمة الَّتِي أسمعها عنْدكُمْ وَكَانُوا يقرؤون (طه) فَقَالُوا مَا عدا حَدِيثا تحدثناه بَيْننَا فَقَالَ لعلكما قد صبوتما فَقَالَ لَهُ سعيد يَا عمر أَرَأَيْت إِذا كَانَ الْحق فِي غير دينك الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ فَوَثَبَ عمر عَلَيْهِ فوطأه وطا شَدِيدا فَجَاءَت أُخْته فَدَفَعته عَنهُ فنفحها بِرجلِهِ أَو بِيَدِهِ نفحة دمى وَجههَا فَقَالَت وَهِي غَضبى إِن كَانَ الْحق فِي غير دينك يَا عمر أَتَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَلَمَّا آيس عمر قَالَ أعطوني هَذَا الْكتاب الَّذِي عنْدكُمْ لأقرأه وَكَانَ عمر يقْرَأ الْكتب فَقَالَت لَهُ أُخْته إِنَّك رِجْس وَلَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ فَقُمْ واغتسل وَتَوَضَّأ فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَأخذ الْكتاب فَقَرَأَ ﴿طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى﴾ حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ فَقَالَ عمر دلوني على مُحَمَّد فَلَمَّا سمع خباب قَوْله خرج من الْبَيْت أَو من تَحت السرير وَقَالَ لَهُ أبشر يَا عمر فَإِنِّي أَرْجُو أَن تكون دَعْوَة رَسُول الله ﷺ َ - لَيْلَة الْخَمِيس اللَّهُمَّ أيد الْإِسْلَام أَو أعز الْإِسْلَام بعمر ابْن الْخطاب أَو بِعَمْرو بن هِشَام يَعْنِي أَبَا جهل قَالَ وَرَسُول الله ﷺ َ - فِي دَاره الَّتِي عِنْد الصَّفَا فَانْطَلق عمر إِلَيْهَا وعَلى الْبَاب حَمْزَة وَطَلْحَة وناس من الصَّحَابَة ﵃ فخاف الْقَوْم مِنْهُ فَلَمَّا رأى حَمْزَة وَجل الْقَوْم مِنْهُ قَالَ إِن يرد الله بِهِ خيرا يسلم وَإِلَّا فَقتله علينا هَين قَالَ وَرَسُول الله ﷺ َ - دَاخل الدَّار يُوحى إِلَيْهِ فَخرج رَسُول الله ﷺ َ - وَأخذ بِمَجَامِع ثَوْبه وحمائل سَيْفه وَقَالَ مَا أَنْت بمنته يَا عمر حَتَّى ينزل الله بك من الخزي والنكال مَا أنزل بالوليد بن الْمُغيرَة اللَّهُمَّ هَذَا عمر بن الْخطاب فأعز الدّين بِهِ فَقَالَ عمر ﵁ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَنَّك رَسُول الله وَقَالَ اخْرُج يَا رَسُول الله قَوْله " وَمَا أسلم " أَي وَالْحَال أَن عمر إِذْ ذَاك لم يكن أسلم قَوْله " انقض " بنُون وقاف وضاد مُعْجمَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بفاء بدل الْقَاف فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِي رِوَايَة ابْن نعيم بالراء وَالْفَاء ومعانيها مُتَقَارِبَة والانقضاض الْإِزَالَة والتفرق بِالْقَافِ وَالْفَاء أَيْضا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لانفضوا من حولك﴾ أَي لتفرقوا وَقَالَ ابْن فَارس انقض الْحَائِط وَقع وَمِنْه (يُرِيد أَن
стр. 4958
ينْقض فأقامه﴾ أَي ينكسر وينهدم قَوْله " لَكَانَ محقوقا " أَي وَاجِبا حَقًا يُقَال حق عَلَيْك أَن تفعل كَذَا ومحقوق أَن تفعل ذَلِك قَوْله " أَن ينْقض " كلمة أَن مَصْدَرِيَّة أَي الانقضاض. -
٣٦ - (بابُ انْشِقَاقِ القَمَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان انْشِقَاق الْقَمَر فِي زمن النَّبِي ﷺ ، معْجزَة لَهُ وَهِي من أُمَّهَات معجزات رَسُول الله، ﷺ وآياته النيرة الَّتِي اخْتصّت بِهِ، إِذْ كَانَت معجزات سَائِر الْأَنْبِيَاء لم تتجاوز عَن الأرضيات إِلَى السماويات وَقد نطق الْقُرْآن بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ (الْقَمَر: ١) . وَلَقَد زعم بعض الفلاسفة بزعمهم الْفَاسِد أَن الفلكيات لَا تقبل الْخرق والالتئام، وَنحن نقُول: الْقَمَر مَخْلُوق من مخلوقات الله تَعَالَى يفعل فِيهِ مَا يَشَاء كَمَا يفنيه ويكوره فِي آخر أمره.
٣٨٦٨ - حدَّثني عبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حدَّثنَا بِشْرُ بنُ المُفَضِّلِ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي عَرُوبَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سألُوا رسُولَ الله ﷺ أنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأرَاهُمْ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حتَّى رأوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة لِأَن أنسا لم يدْرك هَذَا، وَقد مضى هَذَا فِي: بَاب سُؤال الْمُشْركين أَن يُرِيهم النَّبِي ﷺ ، آيَة، فَأَرَاهُم انْشِقَاق الْقَمَر، وَأخرجه هُنَاكَ من حَدِيث شَيبَان عَن قَتَادَة عَن أنس وَمن حَدِيث سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس وَفِيه: فَأَرَاهُم انْشِقَاق الْقَمَر، وَهَهُنَا: فَأَرَاهُم الْقَمَر شقتين ... إِلَى آخِرهم، (وشقتين) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة، أَي: نِصْفَيْنِ. وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي (مُصَنف عبد الرَّزَّاق) : عَن معمر بِلَفْظ: مرَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ أخرجه الإِمَام أَحْمد وَإِسْحَاق فِي (مسنديهما) عَن عبد الرَّزَّاق، وَقد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَيْهِ من رِوَايَة شُعْبَة عَن قَتَادَة بِلَفْظ: (فرْقَتَيْن) . قَوْله: (حَتَّى رَأَوْا حراء) أَي: جبل حراء (بَينهمَا) أَي: بَين الشقتَيْنِ، و: حراء، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد: جبل على يسَار السائر من مَكَّة إِلَى منى، وَقد مر بَيَانه مستقصًى فِي بَدْء الْوَحْي.
٣٨٦٩ - حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبِي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِي مَعْمَرٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى فَقَالَ اشْهَدُوا وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ نَحْوَ الجَبَلِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وعبدان اسْمه عبد الله وَقد تكَرر ذكره، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون الْيَشْكُرِي، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن سَخْبَرَة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب سُؤال الْمُشْركين إِن يُرِيهم النَّبِي ﷺ آيَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن أبي معمر عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَانْشَقَّ الْقَمَر على عهد رَسُول الله، ﷺ ، شقتين، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (اشْهَدُوا) . قَوْله: عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ والكشميهني فِي آخر الْبَاب من وَجه آخر عَن الْأَعْمَش حَدثنَا إِبْرَاهِيم قَوْله: عَن أبي معمر هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش وَوَقع فِي التَّفْسِير عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن أبي معمر وَهُوَ الْمَشْهُور.
قَوْله: (وَنحن مَعَ النَّبِي ﷺ الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عَليّ بن سهل عَن الْأَعْمَش: بَيْنَمَا نَحن مَعَ النَّبِي ﷺ ، بمنى إِذْ انْفَلق الْقَمَر. فَإِن قلت: يُعَارضهُ قَول أنس: أَن ذَلِك كَانَ بِمَكَّة. قلت: لَا مُعَارضَة، لِأَنَّهُ لم يُصَرح أَنه، ﷺ ، كَانَ لَيْلَة إذٍ بِمَكَّة، وَلَئِن سلمنَا التَّصْرِيح بذلك فمنًى من جملَة مَكَّة وَالَّذِي وَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من
стр. 4959
حَدِيث زر بن حُبَيْش عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَر بِمَكَّة فرأيته فرْقَتَيْن، فَهُوَ مَحْمُول على مَا ذَكرْنَاهُ، وَكَذَا كل مَا رُوِيَ نَحوه. قَوْله: (اشْهَدُوا) أَي: اضبطوا هَذَا الْقدر بِالْمُشَاهَدَةِ. قَوْله: (وَذَهَبت فرقة نَحْو الْجَبَل) أَي: ذهبت قِطْعَة فِي نَاحيَة جبل حراء وَبقيت نَاحيَة فِي مَكَانَهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْمَشْهُور أَنَّهُمَا التأما فِي الْحَال لَا بعد الْغُرُوب، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: مَا التلفيق بَينه وَبَين مَا قَالَ: رَأَوْا حراء بَينهمَا؟ قلت: إِذا نزلت قِطْعَة تَحت حراء، وَبقيت قِطْعَة مِنْهُ فَهُوَ بَينهمَا، وَكَذَا إِذا ذهبت الْفرْقَة عَن يَمِين حراء أَو شِمَاله أَو الانشقاق كَانَ مرَّتَيْنِ.
وَقَالَ أبُو الضُّحَى عنْ مَسْرُوق عنْ عَبْدِ الله انْشَقَّ بِمَكَّةَ
أَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْكُوفِي، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَظَاهر هَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن أبي عوَانَة، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا مَعْطُوفًا على قَوْله: عَن إِبْرَاهِيم، فَإِن أَبَا الضُّحَى من شُيُوخ الْأَعْمَش فَيكون للأعمش فِيهِ إسنادان. قلت: الإحتمال الناشيء عَن غير دَلِيل لَا يعْتَبر بِهِ.
وتابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ أبِي مَعْمَرٍ عنْ عَبْدِ الله
أَي: تَابع إِبْرَاهِيم فِي رِوَايَته عَن أبي معمر مُحَمَّد بنُ مُسلم الطَّائِفِي عَن عبد الله بن أبي نجيح، واسْمه يسَار ضد الْيَمين ومتابعته إِيَّاه فِي قَوْله: إِن ذَلِك كَانَ بِمَكَّة، لَا فِي جَمِيع سِيَاق الحَدِيث، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه فِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) : عَن ابْن عُيَيْنَة، وَمُحَمّد بن مُسلم جَمِيعًا عَن ابْن أبي نجيح بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَفظه: رَأَيْت الْقَمَر منشقاً شقتين، شقة على أبي قبيس وشقة على السويد، وَهِي نَاحيَة خَارج مَكَّة عِنْدهَا حَبل. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض حَدِيث أنس الْمَذْكُور. قلت: يحمل على التَّعَدُّد، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَانَ الانشقاق مرَّتَيْنِ، وَقيل: التَّعْبِير بِأبي قبيس من تَعْبِير بعض الروَاة.
٣٨٧٠ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ صَالِحٍ حدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ قَالَ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عِرَاكِ بنِ مالِكٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ القَمَرَ انْشَقَّ علَى زَمانِ رسُولِ الله ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٣٦٣٨ وطرفه) .
الحَدِيث مضى فِي: بَاب سُؤال الْمُشْركين أَن يُرِيهم النَّبِي ﷺ آيَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خلف بن خَالِد الْقرشِي حَدثنَا بكر بن مُضر. . الخ. وَأخرجه هُنَا عَن عُثْمَان بن صَالح السَّهْمِي الْمصْرِيّ عَن بكر بن مُضر، بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء. وَهَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة لِأَن ابْن عَبَّاس كَانَ حِينَئِذٍ طفْلا ابْن سنتَيْن أَو ثَلَاث.
٣٨٧١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنْ أبِي مَعْمَرٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ انْشَقَّ القَمَر. .
مضى هَذَا أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور الْآن، وَرِجَاله قد ذكرُوا عَن قريب وَفِيمَا مضى غير مرّة.
٣٧ - (بابُ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان هِجْرَة الْمُسلمين من مَكَّة إِلَى أَرض الْحَبَشَة، الْهِجْرَة فِي الأَصْل اسْم من الهجر ضد الْوَصْل وَقد هجره هجراً وهجراناً، ثمَّ غلبت على الْخُرُوج من أَرض إِلَى أَرض وَترك الأولى للثَّانِيَة، يُقَال مِنْهُ: هَاجر مهاجرة، وَكَانَ وُقُوع هِجْرَة الْمُسلمين من مَكَّة إِلَى أَرض الْحَبَشَة مرَّتَيْنِ. أولاهما: كَانَت فِي شهر رَجَب من سنة خمس من المبعث، قَالَ الْوَاقِدِيّ: أول من هَاجر مِنْهُم أحد عشر رجلا، وَأَرْبع نسْوَة، وَأَنَّهُمْ انْتَهوا إِلَى الْبَحْر مَا بَين ماش وراكب، فاستأجروا سفينة بِنصْف دِينَار إِلَى الْحَبَشَة وهم: عُثْمَان ابْن عَفَّان وَامْرَأَته رقية بنت رَسُول الله، ﷺ ، وَأَبُو حُذَيْفَة بن عتبَة وَامْرَأَته سهلة بنت سُهَيْل، وَالزُّبَيْر ابْن الْعَوام، وَمصْعَب بن عُمَيْر، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد وَامْرَأَته أم سَلمَة بنت أبي أُميَّة، وَعُثْمَان بن مَظْعُون
стр. 4960
وعامر بن ربيعَة الْعَنزي وَامْرَأَته ليلى بنت أبي خَيْثَمَة، وَأَبُو سُبْرَة بن أبي رهم، وحاطب بن عَمْرو، وَسُهيْل بن بَيْضَاء، وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَالثَّانيَِة: من الْهِجْرَة فَكَانَ أَهلهَا اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رجلا سوى نِسَائِهِم وَأَبْنَائِهِمْ، وعمار بن يَاسر يشك فِيهِ، فَإِن كَانَ فيهم فقد كَانُوا ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ رجلا، وَقد ذَكَرْنَاهُمْ فِي (تاريخنا الْكَبِير) على مَا ذكره ابْن إِسْحَاق، ﵀، وَجزم ابْن إِسْحَاق بِأَن ابْن مَسْعُود كَانَ فِي الْهِجْرَة الثَّانِيَة.
وقالَتْ عائِشَةُ قَالَ النَّبيُّ ﷺ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ فَهَاجَرَ مَنْ هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ وَرَجَعَ عامَّةُ مَنْ كانَ هَاجَرَ بأرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ
هَذَا تَعْلِيق سَيَأْتِي مَوْصُولا مطولا فِي: بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (أريت) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (لابتين) ، تَثْنِيَة لابة، واللابة بتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي الْحرَّة ذَات الْحِجَارَة السود الَّتِي قد ألبستها لكثرتها، وَالْمَدينَة مَا بَين حرتين عظيمتين، والحرة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء. قَوْله: (قِبَل الْمَدِينَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء، أَي: جِهَة الْمَدِينَة وناحيتها فِيهِ عنْ أبِي مُوسَى وأسْماءَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: فِي هَذَا الْبَاب روى عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسَيَأْتِي فِي آخر الْبَاب حَدِيثه مُسْندًا مُتَّصِلا. قَوْله: وَأَسْمَاء هِيَ بنت عُمَيْس الخثعمية، وَهِي أُخْت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ لأمها، رَوَت عَن النَّبِي ﷺ وَكَانَت أَولا تَحت جَعْفَر بن أبي طَالب وَهَاجَرت مَعَه إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ قتل عَنْهَا يَوْم مُؤْتَة فَتَزَوجهَا أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَمَاتَ عَنْهَا ثمَّ تزَوجهَا عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وحديثها سَيَأْتِي فِي غَزْوَة خَيْبَر، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣٨٧٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ حدَّثنا هِشامٌ أخبرَنا معْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ حدَّثنا عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عُبَيْدِ الله بنَ عَدِيِّ بنِ الخِيارِ أخبرَهُ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ وعَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ الأسْوَدِ بنِ عَبْدِ يغُوثَ قالَا لَهُ مَا يَمْنَعُكَ أنْ تُكَلِّمَ خالَكَ عُثْمَانَ فِي أخِيهِ الوَلِيدِ بنَ عُقْبَةَ وكانَ أكْثَرَ النَّاسُ فِيما فعَلَ بِهِ: قَالَ عُبَيْدُ الله فانْتَصَبْتُ لِعُثْمَانَ حِينَ خَرَجَ إلَى الصَّلاةِ فقُلْتُ لهُ إنَّ لِي إليْكَ حاجَةً وهْي نصِيحَةٌ فقالَ أيُّهَا المَرْءُ أعُوذُ بِاللَّه مِنْكَ فانْصَرَفْتُ فلَمَّا قَضَيْتُ الصَّلاةَ جَلَسْتُ إِلَى المِسْوَرِ وَإِلَى ابنِ عَبْدِ يَغُوثَ فحَدَّثْتُهُمَا بالَّذِي قُلْتُ لِعُثْمَانَ وَقَالَ لِي فَقالا قَدْ قَضَيتَ الَّذِي كانَ عَلَيْكَ فبَيْنَمَا أنَا جالِسٌ مَعَهُمَا إذْ جاءَنِي رَسُولُ عُثْمَانَ فَقَالَا لِي قدِ ابْتَلاكَ الله فانْطَلَقْتُ حتَّى دَخَلْتُ علَيْهِ فَقَالَ مَا نَصِيحَتُكَ الَّتي ذَكَرْتَ آنِفَاً قَالَ فتَشَهَّدْتُ ثُمَّ قُلْتُ إنَّ الله بعَثَ مُحَمَّداً ﷺ وَأنْزَلَ علَيْهِ الكِتابَ وكُنْتُ مِمَّنْ اسْتَجابَ لله ورَسُولِهِ ﷺ وآمَنْتَ بِهِ وهاجَرْتَ الهِجْرَتَيْنِ الأولَيَيْنِ وصَحِبْتَ رسُولَ الله ﷺ ورَأيْتَ هَدْيَهُ وقَدْ أكْثَرَ النَّاسُ فِي شأنِ الوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ فحَقٌّ عَلَيْكَ أنْ تُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدَّ فَقالَ لِي يَا ابنَ أخِي أدْرَكْتَ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ قُلْتُ لَا ولَكِنْ قَدْ خَلَصَ إلَيَّ منْ عِلْمِهِ مَا خَلَصَ إلَى العَذْرَاءِ فِي سِتْرِها قَالَ فتَشَهَّدَ عُثْمَانُ فَقَالَ إنَّ الله قدْ بعَثَ مُحَمَّدَاً ﷺ بالحَقِّ
стр. 4961
وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ وكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لله ورَسُولِهِ ﷺ وآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وهاجَرْتُ الهِجْرَتَيْنِ الأولَيَيْنِ كَمَا قُلْتَ وصَحِبْتُ رَسُولَ الله ﷺ وبايَعْتُهُ وَالله مَا عَصَيْتُهُ ولَا غَشَشْتُهُ حتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ اسْتَخْلَفَت الله أبَا بَكْرٍ فَوالله مَا عَصَيْتُهُ ولَا غَشَشْتُهُ ثُمَّ اسْتخْلِفَ عُمَرُ فَوالله مَا عَصيْتُهُ ولَا غَشَشْتُهُ ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أفَلَيْسَ لِي علَيْكُمْ مِثْلُ الَّذِي كانَ لَهُمْ علَيَّ قَالَ بلَى قَالَ فَمَا هَذِهِ الأحَادِيثُ الَّتي تَبْلُغُنِي عنْكُمْ فأمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شأنِ الْوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ فسَنَأخُذُ فيهِ إنْ شاءَ الله بالحَقِّ قَالَ فجَلَدَ الوَلِيدَ أرْبَعِينَ جَلْدَة وأمَر علِيَّاً أنْ يَجْلِدَهُ وكانَ هُوَ يَجْلِدُهُ وَقَالَ يُونُسُ وابنُ أخِي الزُّهْرِيِّ عنِ الزُّهْرِيِّ أفَلَيْسَ لي عَلَيْكُمْ مِنَ الحَقِّ مثْلُ الَّذِي كانَ لَهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٩٦ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عُثْمَان) و (هَاجَرت الهجرتين) . وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي مَنَاقِب عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن شبيب عَن سعيد عَن أَبِيه عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نتكلم هُنَا أَيْضا لِأَن الرِّوَايَتَيْنِ فيهمَا من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان على مَا لَا يخفى.
قَوْله: (فِي أَخِيه الْوَلِيد بن عقبَة) وَكَانَ أَخا عُثْمَان لأمه وَهَاجَر الهجرتين الْأَوليين، بِضَم الْهمزَة وباليائين آخر الْحُرُوف تَثْنِيَة أولى، وَهُوَ على طَرِيق التغليب بِالنِّسْبَةِ إِلَى هِجْرَة الْحَبَشَة فَإِنَّهَا كَانَت أولى وثانية، وَأما هِجْرَة الْمَدِينَة فَلم تكن إلَاّ وَاحِدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: والهجرتين الْأَوليين أَي: هِجْرَة الْمَدِينَة وهجرة الْحَبَشَة، وَإِنَّمَا قَالَ الْأَوليين أَي: بِالنِّسْبَةِ إِلَى هِجْرَة من هَاجر بعده من الصَّحَابَة. قلت: الصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (رَأَيْت هَدْيه) بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال: أَي: طَرِيقَته وَسيرَته. قَوْله: (يَا ابْن أخي) قَالَ الْكرْمَانِي: يَا ابْن أخي، سَهْو وَالصَّوَاب: يَا ابْن أُخْتِي، لِأَنَّهُ كَانَ خَاله إلَاّ أَن يُقَال: إِنَّه تكلم بِهِ على مَا هُوَ عَادَة الْعَرَب من قَوْلهم: يَا ابْن عمي وَيَا ابْن أخي. قَوْله: (قد خلص) ، بِفتْحَتَيْنِ أَي: قد وصل. (والعذراء) االبكر، أَرَادَ أَن علم الشَّرِيعَة وصل إِلَيْهِ كَمَا وصل إِلَى المُخدرات. قَوْله: (أَرْبَعِينَ) قيل: مر فِيمَا مضى أَنه جلده ثَمَانِينَ، وَأجِيب: بِأَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: كَانَ يضْربهُ بِسَوْط لَهُ طرفان، فَمن اعْتبر الطَّرفَيْنِ عده ثَمَانِينَ، وَمن اعْتبر نفس السَّوْط عده أَرْبَعِينَ. قَوْله: (وبايعته) بِالْبَاء الْمُوَحدَة من الْمُبَايعَة، ويروى: وتابعته، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق من الْمُتَابَعَة. قَوْله: (قَالَ يُونُس) هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي. (وَابْن أخي الزُّهْرِيّ) هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم (وَالزهْرِيّ) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَتَعْلِيق يُونُس وَصله البُخَارِيّ فِي مَنَاقِب عُثْمَان، وَتَعْلِيق ابْن أخي الزُّهْرِيّ وَصله قَاسم ابْن أصبغ فِي (مُصَنفه) وَمن طَرِيقه وَصله ابْن عبد الْبر فِي (تمهيده) والتعليقان وَالَّذِي بعده من التَّفْسِير فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده.
٣٥٦ - (حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا يحيى عَن هِشَام قَالَ حَدثنِي أبي عَن عَائِشَة ﵂ أَن أم حَبِيبَة وَأم سَلمَة ذكرتا كَنِيسَة رأينها بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تصاوير فذكرتا للنَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ إِن أُولَئِكَ إِذا كَانَ فيهم الرجل الصَّالح فَمَاتَ بنوا على قَبره مَسْجِدا وصورا فِيهِ تيك الصُّور أُولَئِكَ شرار الْخلق عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن كلا من أم حَبِيبَة وَأم سَلمَة من الْمُهَاجِرَات إِلَى الْحَبَشَة فَإِنَّهَا أم حَبِيبَة هَاجَرت فِي الْهِجْرَة الثَّانِيَة مَعَ زَوجهَا عبد الله بن جحش فَمَاتَ هُنَاكَ وَيُقَال أَنه كَانَ تنصر وَتَزَوجهَا النَّبِي ﷺ َ - بعده وَأما أم سَلمَة فَإِنَّهَا قد هَاجَرت فِي الْهِجْرَة الأولى مَعَ زَوجهَا أبي سَلمَة بن عبد الْأسد وَاسْمهَا هِنْد وَأم حَبِيبَة اسْمهَا رَملَة بنت أبي
стр. 4962
سُفْيَان وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة وَمضى أَيْضا فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب الصَّلَاة فِي الْبيعَة أخرجه عَن مُحَمَّد عَن عَبدة عَن هِشَام بن عُرْوَة الخ وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ
٣٥٧ - (حَدثنَا الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا إِسْحَاق بن سعيد السعيدي عَن أَبِيه عَن أم خَالِد بنت خَالِد قَالَت قدمت من أَرض الْحَبَشَة وَأَنا جوَيْرِية فكساني رَسُول الله ﷺ َ - خميصة لَهَا أَعْلَام فَجعل رَسُول الله ﷺ َ - يمسح الْأَعْلَام بِيَدِهِ وَيَقُول سناه سناه قَالَ الْحميدِي يَعْنِي حسن حسن) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله قدمت من أَرض الْحَبَشَة والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَإِسْحَاق بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ وجد أَبِيه هُوَ سعيد بن الْعَاصِ وَهُوَ ابْن عَم أم خَالِد الْمَذْكُورَة وَأم خَالِد اسْمهَا أمة بِفَتْح الْهمزَة وَالْمِيم وبالهاء وخَالِد هَذَا هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام وَبنت خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ وأطول فِي الْجِهَاد وَفِي بَاب من تكلم بِالْفَارِسِيَّةِ والرطانة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حبَان بن مُوسَى عَن عبد الله عَن خَالِد بن سعيد الخ وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ والخميصة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم وَهِي ثوب خَز أَو صوف معلم وَقيل لَا تسمى خميصة إِلَّا أَن تكون سَوْدَاء معلمة وَجَمعهَا خمائص قَوْله سناه بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون كلمة حبشية مَعْنَاهَا حسن كَمَا فسره الْحميدِي شيخ البُخَارِيّ -
٣٨٧٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَمَّادٍ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنَّا نُسَلَّمُ علَى النَّبِيِّ ﷺ وهْوَ يُصَلِّي فَيَرُدُّ علَيْنَا فلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سلَّمْنَا علَيْهِ فلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رسُولَ الله إنَّا كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فتَرُد عَلَيْنَا قَالَ إنَّ فِي الصَّلاةِ شُغْلاً فقُلْتِ لإبْرَاهِيمَ كَيْفَ تَصْنَعُ أنْتَ قَالَ أرُدُّ فِي نَفْسِي. (انْظُر الحَدِيث ١١٩٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ) وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَتَخْفِيف الْجِيم وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء وتخفيفها، وَهُوَ اسْم من ملك الْحَبَشَة، ككسرى اسْم من ملك الْفرس، وَقَيْصَر اسْم من ملك الرّوم، وَيحيى بن حَمَّاد الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ، روى البُخَارِيّ عَنهُ بالواسطة فِي آخر الْحيض، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح الْيَشْكُرِي، وَسليمَان الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ، والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي: بَاب لَا يرد السَّلَام فِي الصَّلَاة، وَأخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن أبي شيبَة عَن ابْن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم ... الخ، وَفِيه: كنت أسلم فَلَمَّا رجعت سلمت عَلَيْهِ. قَوْله: (لشغلاً) ويروى: شغلاً، بلام التَّأْكِيد.
٣٨٧٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ حدَّثنا بُرَيْدُ بنُ عَبْدِ الله عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ ونَحْنُ بالْيَمَنِ فرَكِبْنَا سَفِينَةً فألْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجاشِيِّ بالحَبْشَةِ فَوافَقْنَا جَعْفَرَ بنَ أبِي طالِبٍ فأقَمْنَا معَهُ حَتَّى قَدِمْنَا فوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَكُمْ أنْتُمْ يَا أهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتنَا إِلَى النَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ) وَذَلِكَ من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ أطلق على ذَلِك هِجْرَة حَيْثُ قَالَ: لكم أَنْتُم يَا أهل السَّفِينَة هجرتان.
وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف:
стр. 4963
ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وبريد يروي عَن جده أبي بردة عَامر أَو الْحَارِث، وَقيل: كنيته اسْمه وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مقطعاً فِي الْخمس وَفِي الْمَغَازِي وَهَهُنَا. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي كريب وَأبي عَامر.
قَوْله: (مخرج النَّبِي ﷺ الْمخْرج بِفَتْح الْمِيم مصدر ميمي بِمَعْنى الْخُرُوج، وَالْوَاو فِي: (وَنحن بِالْيمن) للْحَال. قَوْله: (فَرَكبْنَا السَّفِينَة) أَي: لنصل إِلَى مَكَّة. قَوْله: (فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتنَا إِلَى النَّجَاشِيّ) أَرَادَ أَن الرّيح هاج عَلَيْهِم فَمَا ملكوا أَمرهم حَتَّى أوصلهم إِلَى بِلَاد الْحَبَشَة. قَوْله: (فَوَافَقنَا) ، بِالْفَاءِ وَسُكُون الْقَاف فِي الْمَوْضِعَيْنِ. فَإِن قلت: روى أَحْمد بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: (بعثنَا النَّبِي ﷺ إِلَى النَّجَاشِيّ وَنحن نَحوا من ثَمَانِينَ رجلا فيهم: عبد الله بن مَسْعُود وجعفر بن أبي طَالب عبد الله بن عرفطة وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم) الحَدِيث. قلت: الْمَذْكُور هُنَا هُوَ الصَّحِيح، وَمَعَ هَذَا فقد يُمكن الْجمع على تَقْدِير صِحَة الْخَبَرَيْنِ بِأَن يكون أَبُو مُوسَى هَاجر أَولا إِلَى مَكَّة فَأسلم، فَبَعثه النَّبِي ﷺ ، مَعَ من بعث إِلَى الْحَبَشَة فَتوجه هُوَ إِلَى بِلَاد قومه وهم مُقَابل الْحَبَشَة من الْجَانِب الشَّرْقِي، فَلَمَّا تحققوا اسْتِقْرَار النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه بِالْمَدِينَةِ هَاجر هُوَ وَمن أسلم من قومه، فألقتهم السَّفِينَة لأجل هيجان الرّيح إِلَى الْحَبَشَة فعلى هَذَا معنى قَوْله: (بلغنَا مخرج النَّبِي ﷺ أَي: خُرُوجه إِلَى الْمَدِينَة، وَلَيْسَ الْمَعْنى: بلغنَا مبعثه، لِأَنَّهُ يبعد جدا أَن يتَأَخَّر بعد علمه بمبعثه سِنِين عديدة. قَوْله: (حِين افْتتح خَيْبَر) ، كَانَ افْتِتَاح خَيْبَر فِي سنة سبع، وَعَن الزُّهْرِيّ: فِي سنة سِتّ، وَفِي مُسلم: (فَوَافَقنَا رَسُول الله، ﷺ ، حِين افْتتح خَيْبَر، فَأَسْهم لنا، أَو قَالَ: فأعطانا مِنْهَا وَمَا قسم لأحد غَابَ عَن فتح خَيْبَر مِنْهَا شَيْئا إلَاّ لمن شهد مَعَه إلَاّ أَصْحَاب سَفِينَتنَا مَعَ جَعْفَر وَأَصْحَابه قسم لَهُم مَعَهم) . قَوْله: (لَكِن أَنْتُم يَا أهل السَّفِينَة هجرتان) ، يَعْنِي هِجْرَة من مَكَّة إِلَى الْحَبَشَة وهجرة من الْحَبَشَة، إِلَى الْمَدِينَة، وَأما الَّذين لم يهاجروا إِلَى الْحَبَشَة فَلَيْسَ لَهُم إلَاّ هِجْرَة وَاحِد من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة.
٣٨ - (بابُ مَوْتِ النَّجاشِيِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان موت النَّجَاشِيّ صَاحب الْحَبَشَة، وَقد مر تَفْسِير النَّجَاشِيّ عَن قريب. فَإِن قلت: كَانَ موت النَّجَاشِيّ بعد الْهِجْرَة سنة سبع، وَقيل: سنة ثَمَان، وَالْأول قَول الْأَكْثَرين، فَمَا وَجه ذكره هُنَا؟ قلت: ذكره هُنَا اسْتِطْرَادًا لكَون الْمُسلمين هَاجرُوا.
٣٨٧٧ - حدَّثنا أبُو الرَّبِيعِ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ ماتَ النَّجَاشِيُّ ماتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صالِحٌ فقُومُوا فصَلُّوا علَى أخِيكُمْ أصْحَمَةَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ ، أخبر بِمَوْتِهِ، وَأمرهمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَارِيخ مَوته. وَأَبُو الرّبيع هُوَ سُلَيْمَان بن دَاوُد، وَابْن عُيَيْنَة سُفْيَان، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أَصْحَمَة) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، وَقيل بِالْمُعْجَمَةِ وَفتح الْمِيم، وَهُوَ اسْم النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة، آمن برَسُول الله، ﷺ غَائِبا عَنهُ، وَتَفْسِيره بِالْعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّة.
٣٨٧٨ - حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى بنُ حَمَّادٍ حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا سَعِيدٌ حدَّثنا قتَادَةُ أنَّ عَطاءً حدَّثَهُمْ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله الأنْصَارِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ صلَّى علَى النَّجاشِيِّ فصَفَّنا ورَاءَهُ فكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أوِ الثَّالِثِ. .
стр. 4964
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ ، صلى على النَّجَاشِيّ بعد إخْبَاره بِمَوْتِهِ، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب من صف صفّين أَو ثَلَاثَة على الْجِنَازَة. قَوْله: (فصفنا) بِفَتْح الصَّاد وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى رَسُول الله، ﷺ
٣٨٧٩ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي شيبَةَ حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عنْ سَلِيمِ بنِ حَيَّانَ حدَّثَنا سَعِيدُ بنُ ميِنَاءَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى على أصْحَمَةِ النَّجَاشي فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أرْبَعاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن النَّبِي ﷺ صلى على النَّجَاشِيّ بعد اخباره بِمَوْتِهِ وَسَعِيد هُوَ ابْن ابي عُرْوَة، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب من صف صفّين أَو ثَلَاثَة على الْجِنَازَة قَوْله فصفنا بِفَتْح الصَّاد وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى رَسُول الله ﷺ .
ح دثني عبد الله بن أبي شيبَة حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن مُسلم بن حَيَّان حَدثنَا سعيد بن ميناء عَن جَابر بن عبد الله ﵄ (أَن النَّبِي ﷺ صلى على أَصْحَمَة النَّجَاشِيّ فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا)
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله. وَيزِيد هُوَ ابْن هَارُون، وسليم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام: ابْن حَيَّان من الْحَيَاة ضد الْمَوْت وَسَعِيد بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ممدوداً ومقصوراً. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب التَّكْبِير على الْجِنَازَة أَرْبعا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن سليم بن حَيَّان ... الخ.
(تابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ)
أَي: تَابع يزِيد بن هَارُون عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث فِي رِوَايَته إِيَّاه عَن سليم بن حَيَّان، وَقد مضى فِي الْجَنَائِز بَيَان من وَصله.
ح دثني عبد الله بن أبي شيبَة حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن مُسلم بن حَيَّان حَدثنَا سعيد بن ميناء عَن جَابر بن عبد الله ﵄ (أَن النَّبِي ﷺ صلى على أَصْحَمَة النَّجَاشِيّ فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا)
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله. وَيزِيد هُوَ ابْن هَارُون، وسليم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام: ابْن حَيَّان من الْحَيَاة ضد الْمَوْت وَسَعِيد بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ممدوداً ومقصوراً. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب التَّكْبِير على الْجِنَازَة أَرْبعا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن سليم بن حَيَّان ... الخ.
(تابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ)
أَي: تَابع يزِيد بن هَارُون عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث فِي رِوَايَته إِيَّاه عَن سليم بن حَيَّان، وَقد مضى فِي الْجَنَائِز بَيَان من وَصله.
٣٨٨٠ - حدَّثنا زهَيْرُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وابنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أخْبَرَهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ نعَى لَهُمْ النَّجَاشِيَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ فِي اليَوْمِ الَّذِي ماتَ فيهِ وَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لأِخِيكُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَصله مدنِي كَانَ بالعراق، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَابْن الْمسيب هُوَ سعيد بن الْمسيب، والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب الصَّلَاة على الْجِنَازَة بالمصلى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب ... إِلَخ. قَوْله: (نعى) ، من نعى الْمَيِّت ينعاه نعياً، إِذا أذاع مَوته وَأخْبر بِهِ وَإِذا نَدبه.
٣٨٨١ - وعَنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ حدَّثني سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أخْبَرَهُمْ أنَّ رسُولَ الله ﷺ صَفَّ بِهِمْ فِي المُصَلَّى فَصَلَّى عَلَيْهِ وكَبَّرَ أرْبَعَاً. .
أَي: عَن صَالح بن كيسَان الْمَذْكُور، وَهُوَ مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الأول الْمَوْصُوف. قَوْله: (حَدثنِي أَبُو سَلمَة وَسَعِيد بن الْمسيب) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده، وَفِي رِوَايَة غَيره: حَدثنِي سعيد، هُوَ ابْن الْمسيب وَذكر أبي سَلمَة زَائِدا لم يُتَابع عَلَيْهِ.
٣٩ - (بابُ تَقَاسُمِ المُشْرِكِينَ علَى النَّبيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تقاسم الْمُشْركين، أَي: تحالفهم على أَن يجتمعوا ويقتلوا النَّبِي ﷺ ، على مَا ذكره أَصْحَاب السّير، فحماه الله تَعَالَى وَنَصره عَلَيْهِم.
٣٨٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ حينَ أرَادَ حُنَيْناً مَنزِلنا غَدا إنْ شاءَ الله بِخيْفِ بَنِي كِنانَةَ حيْثُ تَقاسَمُوا علَى الكُفْرِ. .
стр. 4965
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَيْثُ تقاسموا على الْكفْر) وتقاسمهم على الْكفْر هُوَ تقاسمهم على قتل النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ من أعظم الْكفْر وأشده. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب نزُول النَّبِي ﷺ بِمَكَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَخ. فَإِن قلت: لَفظه هُنَاكَ: حِين أَرَادَ قدوم مَكَّة، وَهنا: حِين أَرَادَ حنيناً، أَي: حِين قصد غَزْوَة حنين، والخيف مَا انحدر من غلظ الْجَبَل، وارتفع عَن مسيل المَاء، وَفِيه مَسْجِد الْخيف. قلت: لَا مُعَارضَة بَينهمَا لِأَنَّهُ يحمل على أَنه قَالَ: حِين أَرَادَ دُخُول مَكَّة فِي غَزْوَة الْفَتْح، وَفِي ذَلِك الْقدوم غزا حنيناً. فَإِن قلت: قد تقدم أَيْضا من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ من الْغَد يَوْم النَّحْر وَهُوَ بمنى: نَحن نازلون غَدا ... الحَدِيث، وَهَذَا يدل على أَنه قَالَه فِي حجَّة الْوَدَاع. قلت: يحمل على التَّعَدُّد، وَالله أعلم.
٤٠ - (بابُ قِصةِ أبي طالِبٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قصَّة أبي طَالب واسْمه عبد منَاف واشتهر بكنيته، وَهُوَ شَقِيق وَالِد النَّبِي ﷺ ، وَلذَلِك أوصى بِهِ عبد الْمطلب عِنْد مَوته إِلَيْهِ فَكَفَلَهُ إِلَى أَن كبر وَاسْتمرّ على نَصره بعد أَن بعث إِلَى أَن مَاتَ قبل الْهِجْرَة، وَله ﷺ ، خَمْسُونَ سنة إلَاّ ثَلَاثَة أشهر وأياماً، وَيُقَال: مَاتَ بعد خُرُوجهمْ من الشّعب وَذَلِكَ فِي آخر السّنة الْعَاشِرَة.
٣٨٨٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ الحارِثِ حدَّثنا العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا أغْنَيْتَ عنْ عَمِّكَ فإنَّهُ كانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لكَ قَالَ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نارٍ ولَوْلَا أنَا لَكانَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ بعض قصَّة أبي طَالب، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، وَعبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وعباس عَم جده.
والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن أبي بكر وَعبيد الله بن عَمْرو مُحَمَّد بن عبد الْملك وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن يحيى.
قَوْله: (مَا أغنيت عَن عمك) ، أَي: أَي شَيْء دَفعته عَنهُ وماذا نفعته؟ قَوْله: (يحوطك) ، من حاطه إِذا صانه وَحفظه وذب عَنهُ وتوفر على مَصَالِحه. قَوْله: (فِي ضحضاح) ، بِفَتْح الضادين المعجمتين وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة الأولى، وَهُوَ قريب القعر، وضحضح الشَّرَاب إِذا دق، وَيُقَال: هُوَ اسْتِعَارَة، فَإِن الضحضاح من المَاء مَا يبلغ الكعب، وَيُقَال أَيْضا لما قرب من المَاء، وَالْمعْنَى أَنه خفف عَنهُ الْعَذَاب. وروى الْبَزَّار من حَدِيث جَابر، قيل للنَّبِي ﷺ : هَل نَفَعت أَبَا طَالب؟ قَالَ: أخرجته من النَّار إِلَى ضحضاح مِنْهَا. قَوْله: (فِي الدَّرك) ، بِفَتْح الرَّاء وسكونها وَفِيه التَّصْرِيح بتفاوت عَذَاب أهل النَّار، فَإِن قلت: أَعمال الْكَفَرَة هباء منثوراً لَا فَائِدَة فِيهَا. قلت: هَذَا النَّفْع من بركَة رَسُول الله، ﷺ وخصائصه. فَإِن قلت: روى ابْن إِسْحَاق من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن أَبَا طَالب لما تقَارب مِنْهُ الْمَوْت بعد أَن عرض عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ ، أَن يَقُول: لَا إلاه إلَاّ الله، فَأبى، فَنظر الْعَبَّاس إِلَيْهِ وَهُوَ يُحَرك شَفَتَيْه فأصغى إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْن أخي! وَالله لقد قَالَ أخي الْكَلِمَة الَّتِي أَمرته أَن يَقُولهَا. قلت: فِي سَنَده من لم يسم، وَلَو كَانَ صَحِيحا لعارضه حَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ أصح مِنْهُ، فضلا عَن أَنه لم يَصح.
٣٨٨٤ - حدَّثنا مَحْمُودٌ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخْبَرَنا معْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِيهِ أنَّ أَبَا طالِبٍ لَّما حضَرَتْهُ الوَفاةُ دخَلَ علَيْهُ النَّبِيُّ ﷺ وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ أيْ عَمِّ قُلْ لَا إلاه إلَاّ الله كَلِمَةَ أُحاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله فَقَالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ الله بنُ أبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ أتَرْغَبُ
стр. 4966
عنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فلَمْ يَزالا يُكَلِّمَانِهِ حتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كُلَّمهُمْ بِهِ علَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عنْهُ فنَزَلَتْ ﴿مَا كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أولِي قُرْبَى منْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحَابُ الجَحِيم﴾ (التَّوْبَة: ١١٣) . فنَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ الْآيَة قيل فِي نزُول هَذِه الْآيَة فِي هَذِه الْقِصَّة نظر لِأَنَّهَا عَامَّة فِي حَقه وَحقّ غَيره قَوْله ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ﴾ (الْقَصَص: ٥٦) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومحمود هُوَ ابْن غيلَان أَبُو أَحْمد الْعَدوي الْمروزِي، وَابْن الْمسيب هُوَ سعيد يروي عَن أَبِيه الْمسيب ابْن حزن بن أبي وهب الْقرشِي المَخْزُومِي، وَقيل: قَالَ الْحفاظ: لم يرو عَن الْمسيب إلَاّ سعيد، وَالْمَشْهُور من شَرط البُخَارِيّ أَنه لَا يروي عَمَّن لَهُ راوٍ وَاحِد. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَعَلَّه أَرَادَ من غير الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
قَوْله: (لما حَضرته الْوَفَاة) ، أَي: قربت وَفَاته وَظَهَرت علاماتها وَذَلِكَ قبل النزع والغرغرة. قَوْله: (وَعِنْده أَبُو جهل) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَأَبُو جهل هُوَ عَمْرو ابْن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي، عَدو الله فِرْعَوْن هَذِه الْأمة. قَوْله: (أَي عَم) ، أَي: يَا عمي. قَوْله: (كلمة) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ بدل من مقول القَوْل الَّذِي هُوَ: لَا إلاه إلَاّ الله. قَوْله: (أحاجّ) ، بتَشْديد الْجِيم، وَأَصله: أحاجج، وَقد تقدم فِي آخر الْجَنَائِز بِلَفْظ: أشهد لَك بهَا عِنْد الله. قَوْله: (بهَا) أَي: بِهَذِهِ الْكَلِمَة. قَوْله: (وَعبد الله بن أبي أُميَّة) ، هُوَ ابْن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم، وَهُوَ أَخُو أم سَلمَة الَّتِي تزَوجهَا النَّبِي ﷺ ، بعد ذَلِك، وَقد أسلم عبد الله هَذَا يَوْم الْفَتْح، وَقيل: قبل الْفَتْح، وَاسْتشْهدَ فِي تِلْكَ السّنة فِي غَزْوَة حنين. قَوْله: (أترغب؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (فَلم يَزَالَا) أَي: أَبُو جهل وَعبد الله الْمَذْكُور. قَوْله: (يكلمانه) ، ويروى: يُكَلِّمَاهُ، بِإِسْقَاط النُّون على لُغَة قَليلَة قَوْله: (على مِلَّة) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أَنا على مِلَّة عبد الْمطلب أَي: على مَا كَانَ يَعْتَقِدهُ من غير دين الْإِسْلَام. قَوْله: (مَا لم أُنْهَ) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون النُّون على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: مَا لم ينهني الله عَنهُ، أَي: عَن الاسْتِغْفَار الْمَذْكُور الَّذِي دلّ عَلَيْهِ. قَوْله: (لأَسْتَغْفِرَن لَك) قَوْله: وَنزلت: ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ (الْقَصَص: ٥٦) . هَذَا ظَاهر أَنه نزل فِي قصَّة أبي طَالب، وروى أَحْمد من طَرِيق أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة فِي قصَّة أبي طَالب، قَالَ: فَأنْزل الله: ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ (الْقَصَص: ٥٦) . وَهَذَا كُله ظَاهر على أَنه مَاتَ على غير الْإِسْلَام. فَإِن قلت: ذكر السُّهيْلي أَنه رأى فِي بعض كتب المَسْعُودِيّ أَنه أسلم. قلت: مثل هَذَا لَا يُعَارض مَا فِي الصَّحِيح، وَالله أعلم.
٣٨٨٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ حدَّثنا ابنُ الْهادِ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وذُكِرَ عِنْدَهُ عَمَّهُ فَقال لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلي مِنْهُ دِماغُهُ. (الحَدِيث ٣٨٨٥ طرفه فِي: ٦٥٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه من جملَة قصَّة مَا أخبر النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث، وَابْن الْهَاد هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة ابْن الْهَاد اللَّيْثِيّ، وَعبد الله بن خباب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: الْأنْصَارِيّ التَّابِعِيّ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك بن سِنَان الْخُدْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث بِهِ. قَوْله: (وَذكر عِنْده) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال، وَقَالَ بَعضهم: يُؤْخَذ من الحَدِيث الأول أَن الذاكر هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، لِأَنَّهُ الَّذِي سَأَلَ عَن ذَلِك. قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الذاكر هُوَ الْعَبَّاس لاحْتِمَال أَن يكون الذاكر غَيره. قَوْله: (يبلغ كعبيه) قَالَ السُّهيْلي: الْحِكْمَة فِيهِ أَن أَبَا طَالب كَانَ تَابعا لرَسُول الله، ﷺ ، بجملته إلَاّ أَنه اسْتمرّ ثَابت الْقدَم على دين قومه، فَسلط الْعَذَاب على قَدَمَيْهِ خَاصَّة لتثبيته إيَّاهُمَا على دين قومه.
٣٦٨ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة حَدثنَا ابْن أبي حَازِم والدراوردي عَن يزِيد
стр. 4967
بِهَذَا وَقَالَ تغلي مِنْهُ أم دماغه) هَذَا طَرِيق آخر عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة أبي اسحق الربيري الْأَسدي الْمَدِينِيّ وَهُوَ من أَفْرَاده وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم واسْمه سَلمَة بن دِينَار والدراوردي هُوَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد روى لَهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا بِغَيْرِهِ هُنَا وَفِي مَوَاضِع وروى لَهُ مُسلم وَكِلَاهُمَا يرويان عَن يزِيد بن الْهَاد الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق قَوْله بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَلَفظه تغلي مِنْهُ أم دماغه أَي أصل دماغه وَقَالَ الدَّرَاورْدِي المُرَاد أم رَأسه وَأطلق على الرَّأْس الدِّمَاغ من تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يُقَارِبه وَجَاء فِي الرقَاق من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير نَحوه وَفِي آخِره كَمَا يغلي الْمرجل بالقمقم والمرجل بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْجِيم الْإِنَاء الَّذِي يغلي فِيهِ المَاء وَغَيره والقمقم بِضَم القافين وَسُكُون الْجِيم الأولى مَعْرُوف وَهُوَ الَّذِي يسخن فِيهِ المَاء قَالَ ابْن الْأَثِير كَذَا وَقع كَمَا يغلي الْمرجل والقمقم وَهَذَا أوضح إِن صحت الرِّوَايَة وَقيل يحْتَمل أَن تكون الْبَاء بِمَعْنى مَعَ وَقيل القمقم هُوَ الْبُسْر كَانُوا يغلونه على النَّار استعجالا لنضجه فَإِن ثَبت هَذَا فَلَا يبْقى إِشْكَال وَفِيه دَلِيل على أَن الْعَذَاب متفاوت وَجَاء فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَهْون أهل النَّار عذَابا من ينتعل نَعْلَيْنِ من نَار يغلي مِنْهُمَا دماغه حَتَّى يسيل على قَدَمَيْهِ
(بَاب حَدِيث الْإِسْرَاء)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء من الْقُرْآن والْحَدِيث
(وَقَول الله تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ ) وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على حَدِيث الْإِسْرَاء قَوْله سُبْحَانَ علم للتسبيح كعثمان علم للرجل وَأَصله للتنزيه وَالْمعْنَى أسبح الله الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ أَي أنزهه من جَمِيع النقائص والعيوب قَوْله بِعَبْدِهِ وَالْمرَاد بِهِ النَّبِي ﷺ َ - وَإِنَّمَا لم يقل بِرَسُولِهِ أَو نبيه إِشَارَة إِلَى أَنه مَعَ هَذَا الْإِكْرَام الَّذِي أكْرمه الله تَعَالَى وَهَذَا التَّعْظِيم الَّذِي عظمه الله بِهِ هُوَ عَبده ومخلوقه لِئَلَّا يتغالوا فِيهِ كَمَا تغالت النَّصَارَى فِي الْمَسِيح حَيْثُ قَالُوا أَنه ابْن الله وكما تغالى طَائِفَة من الْيَهُود فِي عُزَيْر ﵊ حَيْثُ قَالُوا أَنه ابْن الله تَعَالَى وتعظم أَن يكون لَهُ ابْن بل هُوَ وَاحِد أحد فَرد صَمد لَيْسَ بأب وَلَا بِابْن قَوْله أسرى مَأْخُوذ من السرى وَهُوَ سير اللَّيْل يُقَال أسرى وسرى إِذا سَار لَيْلًا وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد عِنْد الْأَكْثَرين وَقَالَ الحوفي أسرى سَار لَيْلًا وسرى سَار نَهَار وَقيل أسرى سَار من أول اللَّيْل وسرى سَار من آخِره وَمعنى أسرى بِهِ أَي جعل الْبراق ساريا بِهِ من الْمَسْجِد الْحَرَام وَهُوَ مَسْجِد مَكَّة إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَهُوَ مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس قَوْله لَيْلًا ظرف للإسراء وَهُوَ للتَّأْكِيد وَفَائِدَته دفع توهم الْمجَاز لِأَن الْإِسْرَاء قد يُطلق على سير النَّهَار كَمَا ذَكرْنَاهُ وَيُقَال هُوَ إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك وَقع فِي بعض اللَّيْل لَا فِي جَمِيعه وَالْعرب تَقول أسرى فلَان لَيْلًا إِذا سَار بعضه وسرى ليله إِذا سَار جَمِيعه فَإِن قلت مَا الْحِكْمَة فِي إسرائه إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ إِلَى السَّمَوَات فَهَلا أسرِي بِهِ من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى السَّمَوَات قلت ليجمع ﷺ َ - فِي تِلْكَ اللَّيْلَة بَين رُؤْيَة الْقبْلَتَيْنِ أَو لِأَن بَيت الْمُقَدّس كَانَ هِجْرَة غَالب الْأَنْبِيَاء قبله فَرَحل إِلَيْهِ ليجمع بَين أشتات الْفَضَائِل أَو لِأَنَّهُ مَحل الْمَحْشَر وغالب مَا اتّفق لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة يُنَاسب الْأَحْوَال الأخروية وَكَانَ الْإِسْرَاء إِلَيْهِ فَإِن قلت هَل كَانَت لَيْلَة الْإِسْرَاء هِيَ لَيْلَة الْمِعْرَاج أَيْضا أَو هما متغايرتان قلت قَالَ ابْن دحْيَة مَال البُخَارِيّ إِلَى أَنَّهُمَا متغايرتان لِأَنَّهُ أفرد لكل مِنْهُمَا تَرْجَمَة ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِي ذَلِك على التغاير عِنْده بل كَلَامه فِي أول الصَّلَاة ظَاهر فِي اتحادهما لِأَنَّهُ ترْجم بَاب كَيفَ فرضت الصَّلَاة لَيْلَة الْإِسْرَاء وَالصَّلَاة إِنَّمَا فرضت فِي الْمِعْرَاج فَدلَّ على اتحادهما عِنْده قلت فِيهِ تَأمل وَاخْتلف السّلف فِي هَذَا فَمنهمْ من ذهب إِلَى أَنَّهُمَا وَقعا فِي لَيْلَة وَاحِدَة فِي الْيَقَظَة بجسده وروحه ﷺ َ - بعد المبعث وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور من عُلَمَاء الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والمتكلمين وَمِنْه من ذهب إِلَى أَن الْإِسْرَاء كَانَ فِي لَيْلَة والمعراج فِي لَيْلَة وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَن ذَلِك كُله وَقع مرَّتَيْنِ مرّة فِي الْمَنَام تَوْطِئَة وتمهيدا وَمرَّة ثَانِيَة فِي الْيَقَظَة فَقَالُوا الْإِسْرَاء فِي الْيَقَظَة والمعراج فِي الْمَنَام وَالَّذين قَالُوا الْإِسْرَاء
стр. 4968
فِي لَيْلَة والمعراج فِي لَيْلَة أُخْرَى وأنهما فِي الْيَقَظَة قَالُوا فِي الأول رَجَعَ من بَيت الْمُقَدّس وَفِي صبيحته أخبر قُريْشًا بِمَا وَقع وَفِي الثَّانِي أسرِي بِهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ عرج بِهِ من ليلته إِلَى السَّمَاء إِلَى آخر مَا وَقع وَمِنْهُم من قَالَ بِوُقُوع الْمِعْرَاج مرَارًا مِنْهُم الإِمَام أَبُو شامة واستندوا فِي ذَلِك إِلَى مَا أخرجه الْبَزَّار وَسَعِيد بن الْمَنْصُور من طَرِيق أبي عمرَان الْجونِي عَن أنس رَفعه قَالَ بَينا أَنا جَالس إِذْ جَاءَ جِبْرِيل ﵊ فَوَكَزَ بَين كَتِفي فقمنا إِلَى صَخْرَة مثل وَكري الطَّائِر فَقَعَدت فِي أَحدهمَا وَقعد جِبْرِيل فِي الآخر فارتفعت حَتَّى سدت الْخَافِقين الحَدِيث وَفِيه فتح لي بَاب من السَّمَاء وَرَأَيْت النُّور الْأَعْظَم قيل الظَّاهِر أَنَّهَا وَقعت فِي الْمَدِينَة -
٣٨٨٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الحِجْر فجَلَا الله لِي بَيْتَ المَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عنْ آيَاتِهِ وأنَا أنْظُرُ إلَيْهِ. (الحَدِيث ٣٨٨٦ طرفه فِي: ٤٧١٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُشْتَمل على بعض مَا وَقع فِي الْإِسْرَاء، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن صَالح، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ.
قَوْله: (أَبُو سَلمَة: سَمِعت جَابر بن عبد الله) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة، وَخَالفهُ عبد الله بن الْفضل عَن أبي سَلمَة فَقَالَ: عَن أبي هُرَيْرَة، أخرجه مُسلم وَهُوَ مَحْمُول على أَن لأبي سَلمَة فِيهِ شيخين، لِأَن فِي رِوَايَة عبد الله بن الْفضل زِيَادَة لَيست فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ. قَوْله: (لما كَذبَنِي) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: كذبتني، بِزِيَادَة تَاء التَّأْنِيث، أَي: كذبتني فِي الْإِسْرَاء: ﴿من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ (الْإِسْرَاء: ١) . قَوْله: (قُمْت فِي الْحجر) ، بِكَسْر الْحَاء وَهُوَ مَا تَحت ميزاب الرَّحْمَة وَهُوَ من جِهَة الشَّام. قَوْله: (فجلا لي الله بَيت الْمُقَدّس) أَي: كشف الْحجب بيني وَبَينه حَتَّى رَأَيْته، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الله بن الْفضل عَن أبي سَلمَة عِنْد مُسلم، قَالَ: فسألوني عَن أَشْيَاء لم أثبتها، فكربت كرباً لم أكرب مثله قطّ، فرفعه الله إِلَيّ أنظر إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَن شَيْء إلَاّ أنبأتهم بِهِ، قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَنه حمل إِلَى مَوضِع بِحَيْثُ يرَاهُ ثمَّ أُعِيد. قلت: لَا طائل فِي ذكر الِاحْتِمَال، بل قَوْله: فرفعه الله، يدل قطعا على أَن الله رَفعه وَوَضعه بَين يَدَيْهِ قطعا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، فجيء بِالْمَسْجِدِ وَأَنا أنظر إِلَيْهِ حَتَّى وضع عِنْد دَار عقيل فنعتُّه وَأَنا أنظر إِلَيْهِ، وَهَذَا أبلغ فِي المعجزة وَلَا اسْتِحَالَة فِيهِ، فقد أحضر عرش بلقيس فِي طرفَة عين. وَفِي حَدِيث أم هانىء عِنْد ابْن سعد: أَنهم قَالُوا لَهُ: كم لِلْمَسْجِدِ من بَاب؟ قَالَ: وَلم أكن عددتها، فَجعلت أنظر إِلَيْهِ وأعدها بَابا بَابا، وَفِيه عِنْد أبي يعلى: أَن الَّذِي سَأَلَهُ عَن صفة بَيت الْمُقَدّس هُوَ الْمطعم بن عدي وَالِد جُبَير بن مطعم. قَوْله: (فطفقت أخْبرهُم) بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْقَاف وَهُوَ من أَفعَال المقاربة وَمَعْنَاهُ: الْأَخْذ فِي الْفِعْل. قَوْله: (عَن آيَاته) أَي: علاماته وأوضاعه وأحواله. قَوْله: (وَأَنا أنظر إِلَيْهِ) أَي: إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال.
٤٢ - (بابُ المِعْرَاجِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمِعْرَاج، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: قصَّة الْمِعْرَاج، أَي: هَذِه قصَّة الْمِعْرَاج، بِكَسْر الْمِيم. قَالَ بَعضهم: وَحكى ضمهَا. قلت: هَذَا غير صَحِيح، وَهُوَ من عرج يعرج عروجاً إِذا صعد، قَالَ ابْن الْأَثِير: الْمِعْرَاج، بِالْكَسْرِ شبه السّلم مفعال من العروج الصعُود: كَأَنَّهُ آلَة لَهُ، وَاخْتلف فِي وَقت الْمِعْرَاج، فَقيل: إِنَّه كَانَ قبل المبعث، وَهُوَ شَاذ إلَاّ إِذا حمل على أَنه وَقع فِي الْمَنَام فَلهُ وَجه، وَقيل: كَانَ قبل الْهِجْرَة بِسنة، فِي ربيع الأول، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين، حَتَّى بَالغ ابْن حزم فَنقل الْإِجْمَاع على ذَلِك، وَقَالَ السّديّ: قبل الْهِجْرَة بِسنة وَخَمْسَة أشهر، وَأخرجه من طَرِيقه الطَّبَرِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فعلى هَذَا كَانَ فِي شَوَّال، وَحكى ابْن عبد الْبر: أَنه كَانَ فِي رَجَب، وَجزم بِهِ النَّوَوِيّ، وَقيل: بِثمَانِيَة عشر شهرا، حَكَاهُ عبد الْبر أَيْضا، وَقيل: كَانَ قبل الْهِجْرَة بِسنة وَثَلَاثَة أشهر، فعلى هَذَا يكون فِي ذِي الْحجَّة، وَبِه جزم ابْن فَارس، وَقيل: كَانَ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين،
стр. 4969
حَكَاهُ ابْن الْأَثِير، وَحكى عِيَاض عَن الزُّهْرِيّ: أَنه كَانَ بعد المبعث بِخمْس سِنِين، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث جَابر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَا: ولد رَسُول الله، ﷺ يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَفِيه بعث، وَفِيه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء، وَفِيه مَاتَ.
٣٨٨٧ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ حدَّثنا هَمَّامُ بنُ يَحْيَى حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنْ مالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أخبرنَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حدَّثَهُمْ عنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بَيْنَما أنَا فِي الحَطِيمِ ورُبَّمَا قَالَ فِي الحِجْرِ مُضْطَجِعَاً إذْ أتَانِي آتٍ فَقَدَّ قَالَ وسَمِعْتُهُ يَقُولُ فشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إلَى هَذِهِ فقُلْتُ لِلْجَارُودِ وهْوَ إلَى جَنْبِي مَا يَعْنِي بِهِ قالَ مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ وسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِنْ قَصِّهِ إلَى شِعْرَتِهِ فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي ثُمَّ أُتِيتُ بِطُسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إيِمَانَاً فغُسِلَ قلْبِي ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أعِيدَ ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةِ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ أبْيَضَ فقا لهُ الجَارُودُ هُوَ البُرَاقُ يَا أبَا حَمْزَةَ قَالَ أنَسٌ نَعَمْ يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أقْصَى طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَليْهِ فانْطَلقَ بِي جِبرِيلُ حتَّى أتَى السَّماءَ الدُّنْيَا فاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبرِيلُ قِيلَ ومَنْ معَك قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ فنِعْمَ المَجيءُ جاءَ ففَتَحَ فلَمَّا خَلَصْتُ فإذَا فِيهَا آدَمُ فَقَالَ هاذَا أبُوكَ آدَمُ فسَلمَ عَلَيهِ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فرَدَّ السَّلَامُ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالابْنِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعَدَ حتَّى أتَى السَّماءَ الثَّانِيَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هاذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ ومَنْ معَك قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ أُرْسِل إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ ففَتَحَ فلَمَّا خَلَصْتُ إذَا يَحْيَى وعِيسَى وهُمَا ابْنا الخَالَةِ قَالَ هَذا يَحْيى وعِيسى فسَلِّمْ عَلَيْهِما فسَلَّمْتُ فرَدَّا ثُمَّ قَالَا مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّماءِ الثَّالِثَةِ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ أُرُسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَفُتِحَ فلَمَّا خَلَصْتُ إذَا يُوسُف قَالَ هَذَا يُوسُفُ فسَلِّمْ عَلَيْهِ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حتَّى أتَى السَّماءَ الرَّابِعَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبرِيلُ قِيلَ ومَنْ معَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قيلَ أوَقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَفُتِحَ فلَمَّا خلَصْتُ إِلَى إدْرِيسَ قَالَ هَذَا إدْرِيسُ فسَلَّمَ علَيْهِ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيَّ الصَّالِحِ ثُمَّ صعِدَ بِي حتَّى أتَى السَّماءَ الخامِسَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ ومَنْ معَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ قِيلَ وَقد أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قيل مَرْحَبَاً بِهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فلَمَّا خَلَصْتُ فإذَا هَارُونِ قَالَ هاذَا هاارُونُ فسَلِّمْ عَلَيْهُ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حتَّى أتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نعَمْ قَالَ مَرْحَبَاً بِهِ فنِعْمَ المَجيءُ جاءَ فلَمَّا خَلَصْتُ فإذَا موُسى فسَلَّمَ عَلَيْهِ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحْ فلَمَّا تَجاوَزْتُ بَكِي قِيلَ لَهُ
стр. 4970
مَا يُبْكِيكَ قَالَ أبْكِي لأنَّ غُلامَاً بُعِثَ مِنْ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أكْثَرُ مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ صَعِدَ بِي إلَى السَّماءِ السَّابِعَةِ فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ هذَا قالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ معَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ بُعِثِ إلَيْهِ قَالَ نعَمْ قَالَ مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فلَمَّا خَلَصْتُ فإذَا إبْرَاهِيمُ قَالَ هذَا أبُوكَ فسَلِّمْ عَلَيْهِ قَالَ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فرَدَّ السَّلامَ قَالَ مَرْحَبَاً بالإبْنِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى فإذَا نَبِقُها مثْلُ قِلالِ هَجَرَ وإذَا ورَقُها مثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ قَالَ هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى وإذَا أرْبَعَةُ أنْهَارٍ نَهْرَانِ باطنان ونَهْرَانِ فَقُلْتُ مَا هَذانِ يَا جِبِرِيلُ قَالَ أمَّا البَاطِنانِ فَنَهْرَانِ فِي الجَنَّةِ وأمَّا الظَّاهِرَانِ فالنِّيلُ والْفُرَاتُ ثُمَّ رُفِعَ لي البَيْتُ المَعمُورُ ثُمَّ أُتِيتُ بإنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وإنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وإناءٍ منْ عَسَلٍ فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَقالَ هِيَ الفِطْرَةُ أنْتَ عَلَيْها وأُمَّتُكَ ثُمَّ فُرِضَتْ علَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ فرَجَعْتُ فمَرَرْتُ علَى مُوساى فقالَ بِمَا أُمِرْتَ قَالَ أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صلَاةً كُلَّ يَوْمٍ قَالَ إنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وإنِّي وَالله قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعالَجْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ أشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ لأمَّتِكَ فرَجَعْتُ فوَضَعَ عَنِّي عَشْرَاً فرَجَعْتُ إِلَى مُوساى فقَالَ مِثْلَهُ فرَجَعْتُ فوَضَعَ عَنِّي عَشْرَاً فرَجَعْتُ إِلَى مُوساى فَقال مِثْلَهُ فرَجَعْتُ فوَضَعَ عَنِّي عَشْرَاً فرَجَعْتُ إِلَى مُوساى فَقالَ مِثْلَهُ فرَجَعْتُ فأُمِرْتُ بِعَشْرِ صلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ فرَجَعْتُ فقالَ مِثْلَهُ فرَجَعْتُ فأُمِرْتُ بِخَمْسِ صلَوَاتٍ كلَّ يَوْمٍ فرَجَعْتُ إِلَى مُوساى فَقال بِما أُمِرْتَ قُلْتُ أُمِرْتُ بِخَمْسِ صلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ إنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ وإنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعالَجْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ أشَدَّ المُعَالَجَةِ فارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ لأِمَّتِكَ قَالَ سألْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ولَكِنْ أرْضَى وأُسَلِّمُ قَالَ فلَمَّا جاوَزْتُ نادَى مُنادٍ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول: فِي رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: هدبة، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد الْقَيْسِي الْمصْرِيّ أَخُو أُميَّة، وَيُقَال: هداب، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ أَو سبع أَو ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: همام، بتَشْديد الْمِيم الأولى: ابْن يحيى بن دِينَار العوذي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة فِي رَمَضَان. الثَّالِث: قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي الْأَعْمَى الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: مَالك بن صعصعة، بِفَتْح الصادين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة الأولى: الْمدنِي الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ.
النَّوْع الثَّانِي فِي لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن هَؤُلَاءِ كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن مَالك بن صعصعة لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ وَلَا فِي غَيره سوى هَذَا الحَدِيث، وَلَا يعرف روى عَنهُ إلَاّ أنس بن مَالك. وَمِنْهَا: أَن قَوْله: عَن أنس، بالعنعنة، وَقد مضى فِي أول بَدْء الْخلق من وَجه آخر عَن قَتَادَة: حَدثنَا أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
النَّوْع الثَّالِث: أَنه روى مَا يتَعَلَّق بالإسراء فِي مَوَاضِع. مِنْهَا: فِي أول كتاب الصَّلَاة من حَدِيث ابْن شهَاب عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن أبي ذَر. وَمِنْهَا: فِي بَدْء الْخلق فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، من حَدِيث هدبة عَن همام عَن قَتَادَة عَن أنس وَمن حَدِيث خَليفَة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد وَهِشَام كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة عَن أنس عَن
стр. 4971
مَالك بن صعصعة. وَمِنْهَا: هَهُنَا عَن هدبة أَيْضا، فَانْظُر إِلَى تفَاوت مَا بَين روايتي هدبة من زِيَادَة ونقصان.
النَّوْع الرَّابِع: فِي أَن مُسلما أخرجه فِي الْإِيمَان عَن مُوسَى، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن ابْن أبي عدي بِبَعْضِه، وَقَالَ: وَفِي الحَدِيث قصَّة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي بِطُولِهِ وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَطول فِيهِ.
النَّوْع الْخَامِس: فِي مَعْنَاهُ: فَقَوله: (أَن نَبِي الله) ويروى: أَن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (حَدثهمْ) ، ويروى: حَدثنِي، بإفراد الضَّمِير الْمَنْصُوب. قَوْله: (عَن لَيْلَة أسرِي بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَهِي صفة لليلة، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا رِوَايَة الْكشميهني بِزِيَادَة لَفْظَة: بِهِ، وَفِي رِوَايَة غَيره: أسرى، دون لفظ: بِهِ. قَوْله: (بَينا أَنا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن: بَين، ظرف زيدت فِيهِ الْألف وَرُبمَا تزاد فِيهِ الْمِيم أَيْضا، ويضاف إِلَى جملَة وَهِي مُبْتَدأ، (وَفِي الْحطيم) خَبره أَي: كَائِن أَو مُسْتَقر فِيهِ، وَالْمرَاد بِالْحَطِيمِ الْحجر هُنَا على الْأَصَح، واستبعد قَول من قَالَ: المُرَاد بِهِ مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام، أَو بَين زَمْزَم وَالْحجر، وَسمي الْحطيم لِأَنَّهُ حطم من جِدَاره فَلم يسو بِبِنَاء الْكَعْبَة وَترك خَارِجا مِنْهُ. وَقَالَ النَّضر: إِنَّمَا سمي الْحجر حطيماً لِأَن الْبَيْت رفع وَترك ذَلِك محطوماً، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخطابِيّ. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ فِي الْحجر) ، هُوَ شكّ من قَتَادَة. قَوْله: (مُضْطَجعا) نصب على الْحَال من قَوْله: (أَنا) وَفِي رِوَايَة: بَين النَّائِم وَالْيَقظَان. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة شريك الَّتِي تَأتي فِي التَّوْحِيد فِي آخر الحَدِيث: فَلَمَّا استيقظت قلت: إِن كَانَت الْقِصَّة مُتعَدِّدَة فَلَا إِشْكَال، وإلَاّ فَالْمَعْنى: أَفَقْت مِمَّا كنت فِيهِ من شغل البال بمشاهدة الملكوت. فَإِن قلت: قد تقدم فِي أول بَدْء الْخلق: بَينا أَنا عِنْد الْبَيْت، وَوَقع فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أنس عَن أبي ذَر فرج سقف بَيْتِي وَأَنا بِمَكَّة، وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ بأسانيده: أَنه أسرِي بِهِ من شعب أبي طَالب، وَفِي حَدِيث أم هانىء عِنْد الطَّبَرَانِيّ: أَنه بَات فِي بَيتهَا، قَالَت: فَفَقَدته من اللَّيْل، فَقَالَ: إِن جِبْرِيل، ﵊ أَتَانِي. قلت: الْجمع بَين هَذِه الْأَقْوَال أَنه ﷺ ، نَام فِي بَيت أم هانىء، و، بَيتهَا عِنْد شعب أبي طَالب، فَفرج سقف بَيته، وأضاف الْبَيْت إِلَيْهِ لكَونه كَانَ يسكنهُ فَنزل مِنْهُ الْملك فَأخْرجهُ من الْبَيْت إِلَى الْمَسْجِد فَكَانَ بِهِ مُضْطَجعا وَبِه أثر النعاس، ثمَّ أخرجه الْملك إِلَى بَاب الْمَسْجِد فأركبه الْبراق. قَوْله: (إِذْ أَتَانِي) ، جَوَاب: بَينا، قَوْله: (آتٍ) ، هُوَ جِبْرِيل، ﵊، وَأَصله: أَتَى فَاعل إعلال قاضٍ. قَوْله: (فقد) ، بِالْقَافِ وَتَشْديد الدَّال أَي: فشق، وَهُوَ الْمُسْتَفَاد من قَوْله: قَالَ: وسمعته يَقُول: فشق، وفاعل: قَالَ، قَتَادَة، وَالْمقول عَنهُ أنس، وتوضحه رِوَايَة أَحْمد، قَالَ قَتَادَة: وَرُبمَا سَمِعت أنسا يَقُول: فشق. قَوْله: (فَقلت للجارود) ، الْقَائِل قَتَادَة، والجارود بِالْجِيم وَضم الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة: ابْن أبي سُبْرَة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء: الْهُذلِيّ التَّابِعِيّ، صَاحب أنس، وَقد أخرج لَهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَته عَن أنس حَدِيثا غير هَذَا. قَوْله: (من ثغرة) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَهِي ثغرة النَّحْر الَّتِي بَين الترقوتين. قَوْله: (إِلَى شعرته) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة: وَهُوَ شعر الْعَانَة، قَوْله: (من قصه) بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ رَأس الصَّدْر. قَوْله: (إِلَى شعرته) وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بدل الشعرة: الثنة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد النُّون وَهِي مَا بَين السُّرَّة والعانة، وَقد استنكر بَعضهم وُقُوع شقّ الصَّدْر لَيْلَة الْمِعْرَاج، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك وَهُوَ صَغِير فِي بني سعد ورد بِأَنَّهُ ثَبت شقّ الصَّدْر أَيْضا عِنْد الْبعْثَة، ثمَّ وَقع أَيْضا عِنْد إِرَادَة العروج إِلَى السَّمَاء، وَلَا إِنْكَار فِي ذَلِك لكَونه من الْأُمُور الخارقة للْعَادَة لصلاحية الْقُدْرَة وَإِظْهَار المعجزة، ثمَّ الْحِكْمَة فِي الأول وَهُوَ فِي حَال الطفولية لينشأ على أكمل الْأَحْوَال من الْعِصْمَة من الشَّيْطَان، وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيث أنس عِنْد مُسلم: هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك وَذَلِكَ الْعلقَة الَّتِي أخرجهَا وَفِي الثَّانِي: أَعنِي: عِنْد الْبَعْث ليتلقى مَا يُوحى إِلَيْهِ بقلب قوي فِي أكمل الْأَحْوَال. وَفِي الثَّالِث: أَعنِي: عِنْد العروج إِلَى السَّمَاء ليتأهب للمناجاة. قَوْله: (بطست) بِفَتْح الطَّاء وَكسرهَا وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقد تحذف وَهُوَ الْأَكْثَر، وَقد يؤنث بِاعْتِبَار الْآنِية وَإِنَّمَا خص الطست لكَونه أشهر آلَات الْغسْل عرفا، وَخص الذَّهَب لكَونه الْأَعْلَى أواني الحسية وأصفاها، وَلِأَن لِلذَّهَبِ خَواص لَيست لغيره وَهِي أَنه لَا تَأْكُله النَّار وَلَا يبليه التُّرَاب وَلَا يلْحقهُ الصدى وَهُوَ أثقل الْجَوَاهِر، فَنَاسَبَ ثقل الْوَحْي. فَإِن قلت: اسْتِعْمَال الذَّهَب حرَام للرِّجَال؟ قلت: لَعَلَّ ذَلِك قبل التَّحْرِيم، وَقيل: إِنَّه مَخْصُوص بأحوال الدُّنْيَا وَمَا وَقع فِي تِلْكَ اللَّيْلَة يلْحق بِأَحْكَام الْآخِرَة، لِأَن الْغَالِب أَنه من أَحْوَال
стр. 4972
الْغَيْب. قَوْله: (مَمْلُوءَة) صفة الطست، وَقد ذكرنَا أَنه يؤنث بِاعْتِبَار الْآنِية. قَوْله: (إِيمَانًا) نصب على التَّمْيِيز، وَزَاد فِي بَدْء الْخلق: وَحكمه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أَن الطست كَانَ فِيهِ شَيْء تحصل بِهِ زِيَادَة فِي كَمَال الْإِيمَان وَكَمَال الْحِكْمَة. فَإِن قلت: الملء الْمَذْكُور حَقِيقَة أم مجَاز؟ قلت: يجوزان أَن يكون حَقِيقَة، لِأَن تجسد الْمعَانِي جَائِز كَمَا جَاءَ فِي وزن الْأَعْمَال يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَعَلَّ ذَلِك من بَاب التَّمْثِيل، إِذْ تَمْثِيل الْمعَانِي قد وَقع كثيرا كَمَا مثلت لَهُ الْجنَّة وَالنَّار فِي عرض الْحَائِط، وَفَائِدَته كشف الْمَعْنَوِيّ بالمحسوس. قَوْله: (فَغسل قلبِي) ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فاستخرج قلبِي فَغسل بِمَاء زَمْزَم، وَفِيه فَضِيلَة مَاء زَمْزَم على جَمِيع الْمِيَاه فَإِن قلت: لِمَ لم يغسلهُ بِمَاء الْجنَّة؟ قلت: لما اجْتمع فِي زَمْزَم من كَون أصل مَائِهَا من الْجنَّة ثمَّ اسْتَقر فِي الأَرْض فَأُرِيد بذلك بَقَاء بركَة النَّبِي ﷺ ، فِي الأَرْض، وَيُقَال: لبَقَاء بركَة إِسْمَاعِيل، ﵊، فَإِنَّهُ ركضه. قَوْله: (حشي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْقلب (ثمَّ أُعِيد) أَي قلبه إِلَى حَالَته الأولى قَوْله (ثمَّ اتيت) على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي أَنه أَتَى بِدَابَّة فَلم لَم تطوله الأَرْض؟ قلت: إِنَّمَا فعل ذَلِك تأنيساً لَهُ بِالْعَادَةِ فِي مقَام خرق الْعَادة، وَأَيْضًا أَن الْملك إِذا طلب من يُحِبهُ يبْعَث إِلَيْهِ مركوباً، وَوَقع فِي خاطري من الْفَيْض الإل هِيَ أَن طي الأَرْض يشْتَرك فِيهِ الْأَوْلِيَاء بِخِلَاف المركوب الَّذِي يقطع الْمُسَاقَاة الْبَعِيدَة براكبه أسْرع من طرفَة الْعين، فَإِنَّهُ مَخْصُوص بالأنبياء، ﵈. قَوْله: (دون الْبَغْل وَفَوق الْحمار) ، الْحِكْمَة فِي كَون هَذِه الدَّابَّة بِهَذِهِ الصّفة الْإِشَارَة إِلَى الْإِسْرَاع الشَّديد بِدَابَّة لَا تُوصَف بذلك فِي الْعَادة، أَو بِاعْتِبَار أَن الرّكُوب كَانَ فِي سلم وَأمن لَا فِي حَرْب وَخَوف. قَوْله: (أَبيض) صفة دَابَّة والتذكير بِاعْتِبَار أَنَّهَا الْبراق أَو بِاعْتِبَار أَنَّهَا المركوب وَكَونه أَبيض بِاعْتِبَار أَنه أصل الألوان، أَو بِاعْتِبَار أَنه، ﷺ ، كَانَ يحب الْبيَاض. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) أَي: لأنس، والجارود فَاعل. قَالَ. قَوْله: (هُوَ الْبراق) أَي: الدَّابَّة الْمَذْكُورَة المتصفة بِالصّفةِ الْمَذْكُورَة هُوَ الْبراق، بهمز مقدرَة وتذكير الضَّمِير بِاعْتِبَار لفظ الْبراق، وَإِنَّمَا قَالَ الْجَارُود: هُوَ الْبراق لِأَن أنسا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يتَلَفَّظ بِلَفْظ الْبراق فِي رِوَايَة قَتَادَة عَنهُ، قَوْله: يَا أَبَا حَمْزَة، خطاب لأنس لِأَنَّهُ كنيته. قَوْله: (يضع خطوه) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْمرة، وبالضم بَعْدَمَا بَين الْقَدَمَيْنِ فِي الْمَشْي. قَوْله: (طرفه) بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وبالفاء وَهُوَ نظر عينه فَإِنَّهُ يضع خطوه عِنْد مُنْتَهى مَا يرى يبصره، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يمشي على وَجه الأَرْض، وَلَكِن بِالْمَشْيِ الْمَوْصُوف.
وروى ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ بأسانيده: لَهُ جَنَاحَانِ، فَهَذَا يدل على أَنه يطير بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَيدل على وَصفه بِالْمَشْيِ مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود عِنْد أبي يعلى، وَالْبَزَّار: إِذا أَتَى على جبل ارْتَفَعت رِجْلَاهُ فَإِذا هَبَط ارْتَفَعت يَدَاهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الثَّعْلَبِيّ بِسَنَد ضَعِيف: لَهُ خد كخد الْإِنْسَان وَعرف كالفرس وقوائم كَالْإِبِلِ وأظلاف وذنب كالبقر وَكَانَ صَدره ياقوتة حَمْرَاء. قلت: الْبراق، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مُشْتَقّ من البريق وَهُوَ اللمعان سمي بِهِ لنصوع لَونه وَشدَّة بريقه، أَو هُوَ مُشْتَقّ من الْبَرْق، سمي بِهِ لشدَّة حركته وَسُرْعَة مَشْيه كالبرق، وَقَالَ ابْن أبي حَمْزَة: خص الْبراق بذلك إِشَارَة إِلَى الِاخْتِصَاص بِهِ لِأَنَّهُ لم ينْقل أَن أحدا ملكه بِخِلَاف غير جنسه من الدَّوَابّ. قلت: هَذَا يدل على أَن غير نَبينَا، ﷺ ، لم يركب الْبراق وَبِه قَالَ ابْن دحْيَة أَيْضا، وَلَكِن رد هَذَا بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله، ﷺ ، لَيْلَة أسرِي بِهِ أَتَى بِالْبُرَاقِ مسرجاً مُلجمًا فاستصعب عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل، ﵊: مَا حملك على هَذَا؟ فوَاللَّه مَا ركبك خلق قطّ أكْرم على الله مِنْهُ. قَالَ: فَارْفض عرقاً. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن غَرِيب، وَصَححهُ ابْن حبَان، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَابْن مرْدَوَيْه: وَكَانَت تسخر للأنبياء، ﵈، قبله، أَي: كَانَت الدَّابَّة الَّتِي تسمى بِالْبُرَاقِ تسخر للأنبياء قبل النَّبِي ﷺ ، وَنَحْوه فِي حَدِيث أبي سعيد عِنْد ابْن إِسْحَاق، وَهَذَا يُصَرح على أَن الْبراق كَانَ معداً لركوب الْأَنْبِيَاء، وَجَاء أَن إِبْرَاهِيم، ﵊، لما كَانَ يُرِيد زِيَارَة هَاجر وَإِسْمَاعِيل، ﵉، وهما فِي مَكَّة كَانَ يركب الْبراق، ثمَّ الْحِكْمَة فِي نفرته مُخْتَلف فِيهَا، فَقَالَ ابْن بطال: بعد عَهده بالأنبياء وَطول الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ غَيره: قَالَ جِبْرِيل، ﵇، للنَّبِي ﷺ ، حِين شمس بِهِ الْبراق: لَعَلَّك يَا مُحَمَّد مسست الصَّفْرَاء الْيَوْم؟ يَعْنِي: الذَّهَب، فَأخْبر النَّبِي ﷺ ، أَنه مَا مَسهَا إلَاّ أَنه مرَّ بهَا. فَقَالَ: تَبًّا لمن يعبدك من دون اللهد، وَمَا شمس إلَاّ لذَلِك.
стр. 4973
وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا استصعب الْبراق تيهاً وزهواً بركوب النَّبِي ﷺ ، وَأَرَادَ جِبْرِيل استنطاقه، فَلذَلِك خجل وارفضَّ عرقاً من ذَلِك، وَقَرِيب من ذَلِك رَجْفَة الْجَبَل بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُ: اثْبتْ، فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِي وصديق وشهيد، فَإِنَّهَا هزة الطَّرب لَا هزة الْغَضَب، وَسمع العَبْد الضَّعِيف من مشايخه الثقاة أَنه إِنَّمَا شمس بِهِ ليعده الرَّسُول ﷺ ، بالركوب عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، فَلَمَّا وعده بذلك قرو ذَلِك، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ (الضُّحَى: ٦) . أَن الله أعد لَهُ فِي الْجنَّة أَرْبَعِينَ ألف براق ترتع فِي مروج الْجنَّة.
قَوْله: (فَحملت عَلَيْهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: على الْبراق، وَذكر فِي (شرف الْمُصْطَفى) : كَانَ الَّذِي أمسك بركابه جِبْرِيل، ﵊، وبزمام الْبراق مِيكَائِيل، ﵊، فَإِن قلت: لما ركب النَّبِي ﷺ ، الْبراق مَا فعل جِبْرِيل، ﵇؟ قلت: وَقع فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد أَحْمد، قَالَ: أَتَى رَسُول الله، ﷺ ، بِالْبُرَاقِ فَلم يزَال ظَهره هُوَ وَجِبْرِيل حَتَّى انتهيا إِلَى بَيت الْمُقَدّس، قيل: هَذَا لم يسْندهُ حُذَيْفَة إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَيحْتَمل أَنه قَالَه عَن اجْتِهَاد، وَيحْتَمل أَن يكون جِبْرِيل رافقه فِي السّير لَا فِي الرّكُوب، وَقَالَ ابْن دحْيَة وَغَيره: مَعْنَاهُ: وَجِبْرِيل قَائِد أَو سائق أَو دَلِيل، قَالَ: وَإِنَّمَا جزمنا بذلك لِأَن قصَّة الْمِعْرَاج كَانَت كَرَامَة للنَّبِي، ﷺ ، فَلَا مدْخل لغيره فِيهَا، ورد عَلَيْهِ مَا قَالَه بِمَا روى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن جِبْرِيل، ﵊، حمله على الْبراق رديفا لَهُ وَفِي رِوَايَة الْحَارِث فِي مُسْنده اتى بِالْبُرَاقِ فَرَكبهُ خلف جِبْرِيل ﵇ فَسَار بهما، فَهَذَا صَرِيح فِي ركُوبه مَعَه، وَالله أعلم. قَوْله: (فَانْطَلق بِي جِبْرِيل) وَفِي رِوَايَته الْمُتَقَدّمَة: (فَانْطَلَقت مَعَ جِبْرِيل، ﵇ وَلَا مُغَايرَة بَينهمَا، وَفِي حَدِيث أبي ذَر فِي أول الصَّلَاة: (ثمَّ أَخذ بيَدي فعرج بِي) وَظَاهر هَذَا يدل على أَن جِبْرِيل كَانَ دَلِيلا لَهُ فِيمَا قصد لَهُ. قلت: كَونه دَلِيلا لَا يُنَافِي ركُوبه مَعَه. قَوْله: (حَتَّى أَتَى السَّمَاء الدُّنْيَا) ، ظَاهره يدل على أَنه اسْتمرّ على الْبراق حَتَّى عرج إِلَى السَّمَاء وَتمسك بِهِ من زعم أَن الْمِعْرَاج كَانَ فِي لَيْلَة غير لَيْلَة الْإِسْرَاء إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَكَانَ فِي لَيْلَة الْمِعْرَاج على مِعْرَاج وَهُوَ سلم وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) من حَدِيث طَوِيل، وَفِيه: فَإِذا أَنا بِدَابَّة كالبغل مُضْطَرب الْأُذُنَيْنِ يُقَال لَهُ: الْبراق، وَكَانَت الْأَنْبِيَاء تركبه قبلي، فركبته ثمَّ دخلت أَنا وَجِبْرِيل بَيت الْمُقَدّس فَصليت ثمَّ أتيت بالمعراج، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فأصعدن صَاحِبي فِيهِ حَتَّى انْتهى بِي إِلَى بَاب من أَبْوَاب السَّمَاء ... الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة كَعْب: فَوضعت لَهُ مرقاة من فضَّة ومرقاة من ذهب حَتَّى عرج هُوَ وَجِبْرِيل، وَفِي (شرف الْمُصْطَفى) فِي حَدِيث أبي سعيد: أَنه أُتِي بالمعراج من جنَّة الفردوس، وَأَنه منضد بِاللُّؤْلُؤِ وَعَن يَمِينه مَلَائِكَة وَعَن يسَاره مَلَائِكَة، وَفِي رِوَايَة ثَابت عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: أتيت بِالْبُرَاقِ فركبته حَتَّى أتيت بَيت الْمُقَدّس فربطته بالحلقة الَّتِي كَانَت ترْبط بهَا الْأَنْبِيَاء، ﵈، ثمَّ دخلت الْمَسْجِد فَصليت فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرجت ... فَذكر الْقِصَّة. قَالَ: ثمَّ عرج بِي إِلَى السَّمَاء. فَإِن قلت: أنكر حُذَيْفَة رِوَايَة ثَابت: فربطته بالحلقة، فروى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة، قَالَ: تحدثون أَنه ربطه، أخافَ أَن يفر مِنْهُ وَقد سخر لَهُ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة؟ قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْمُثبت مقدم على النَّافِي لِأَن الْمُثبت لَهُ زِيَادَة علم على من نفي فَهُوَ أولى بِالْقبُولِ، وروى الْبَزَّار من حَدِيث بُرَيْدَة: لما كَانَ لَيْلَة أسرِي بِهِ جَاءَ جِبْرِيل الصَّخْرَة الَّتِي بِبَيْت الْمُقَدّس فَوضع إصبعه فِيهَا فخرقها فَشد بهَا الْبراق. فَإِن قلت: هَل للباب الَّذِي دخل مِنْهُ جِبْرِيل وَالنَّبِيّ ﷺ ، من أَبْوَاب سَمَاء الدُّنْيَا اسْم؟ قلت: نعم، وروى الْبَيْهَقِيّ: حَتَّى أَتَى إِلَى بَاب من أَبْوَاب السَّمَاء يُقَال لَهُ: بَاب الْحفظَة وَعَلِيهِ ملك يُقَال لَهُ: إِسْمَاعِيل، تَحت يَده إثنا عشر ألف ملك. قَوْله: (فَاسْتَفْتَحَ) ، أَي: طلب فتح الْبَاب. قَوْله: (فَقيل: من هَذَا؟) أَي: قَالَ قَائِل من دَاخل الْبَاب: من هَذَا الَّذِي يستفتح الْبَاب؟ قَوْله: (قيل: جِبْرِيل) أَي: قَالَ قَائِل من خَارج الْبَاب مِمَّن كَانَ مَعَ جِبْرِيل وَالنَّبِيّ ﵉: هُوَ جِبْرِيل، ﵇. قَوْله: (من مَعَك) يدل على أَنهم أحسوا مَعَه برفيق وإلَاّ لَكَانَ السُّؤَال بِلَفْظ أَمَعَك أحد؟ فَإِن قلت: من أَيْن لَهُم هَذَا الإحساس؟ قلت: قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون بمشاهدة لكَون السَّمَاء شفافة، وَفِيه نظر، لِأَن الْأَمر لَو كَانَ كَذَلِك لما قَالُوا: من هَذَا، حِين استفتح جِبْرِيل، ﵇، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن إحساسهم بذلك كَانَ بِزِيَادَة أنوار ظَهرت لَهُم دلّت على أَن جِبْرِيل لم يكن وَحده. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) أَي: قَالَ جِبْرِيل: معي مُحَمَّد، وَفِيه دَلِيل على أَن الِاسْم أولى وأوضح فِي التَّوْضِيح من
стр. 4974
الكنية. قَوْله: (قيل: وَقد أرسل إِلَيْهِ؟) أَي: هَل أرسل إِلَيْهِ ليعرج بِهِ إِلَى السَّمَاء؟ الْحِكْمَة فِي قَوْلهم هَذَا هِيَ أَن الله أَرَادَ إطلاع نبيه على أَنه مَعْرُوف عِنْد الْمَلأ الْأَعْلَى لأَنهم قَالُوا: أرسل إِلَيْهِ، فَدلَّ على أَنهم كَانُوا يعْرفُونَ أَن ذَلِك سيقع، وإلَاّ لكانوا يَقُولُونَ: من مُحَمَّد؟ مثلا. قَوْله: (مرْحَبًا بِهِ) أَي: أصَاب رحباً وسعة، وكنى بذلك عَن الانشراح، واستنبط مِنْهُ بَعضهم جَوَاز رد السَّلَام بِغَيْر لفظ السَّلَام، ورد عَلَيْهِ بِأَن هَذَا لم يكن ردا للسلام، فَإِنَّهُ كَانَ قبل أَن يفتح الْبَاب وَالسَّلَام ورده بعد ذَلِك. قَوْله: (فَنعم الْمَجِيء جَاءَ) كلمة: نعم، للمدح والمخصوص بالمدح مَحْذُوف وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره: جَاءَ فَنعم الْمَجِيء مَجِيئه فِي خير وَقت إِلَى خير أمة. قَوْله: (فَلَمَّا خلصت) بِفَتْح اللَّام، أَي: وصلت. قَوْله: (فَإِذا فِيهَا آدم) كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَالضَّمِير فِي: فِيهَا، يرجع إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا. قَوْله: (بالابن الصَّالح) ذكر الابْن لافتخاره بأبوة النَّبِي ﷺ ، وَوَصفه بالصالح لِأَن الصَّالح صفة تَشْمَل خلال الْخَيْر، وَلذَلِك ذكره كل من الْأَنْبِيَاء الَّذين لاقاهم فِي السَّمَوَات، والصالح هُوَ الَّذِي يقوم بِمَا يلْزمه من حُقُوق الله وَحُقُوق الْعباد. قَوْله: (وهما ابْنا) خَالَة أَي: يحيى وَعِيسَى، لِأَن أم يحيى إيشاع بنت فاقوذا، اخت حنة أم مَرْيَم، وَبَيَان ذَلِك أَن زَكَرِيَّا، ﵊، وَعمْرَان بن ماثان كَانَا متزوجين بأختين، إِحْدَاهمَا عِنْد زَكَرِيَّا وَهِي إيشاع بنت فاقوذا، وَالْأُخْرَى عِنْد عمرَان وَهِي حنة بنت فاقوذا أم مَرْيَم، فَولدت إيشاع يحيى وَولدت حنة مَرْيَم، فَتكون إيشاع خَالَة مَرْيَم، وَتَكون حنة خَالَة يحيى، فيطلق عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا ابْنا خَالَة بِهَذَا الِاعْتِبَار. ويروى: إبنا الْخَالَة، بِالْألف وَاللَّام، وَفِي رِوَايَة مُسلم مثل رِوَايَة البُخَارِيّ فِي منَازِل الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين فِيهِ، غير أَن فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أنس عَن أبي ذَر: أَنه لم يثبت أَسْمَاءَهُم، وَقَالَ فِيهِ: وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّادِسَة، وَوَقع فِي رِوَايَة شريك عَن أنس: أَن إِدْرِيس فِي الثَّالِثَة وَهَارُون فِي الرَّابِعَة، وَرِوَايَة من ضبط أولى وَلَا سِيمَا مَعَ اتِّفَاق قَتَادَة وثابت، فقتادة عِنْد البُخَارِيّ، وثابت عِنْد مُسلم، وَوَافَقَهُمَا يزِيد بن أبي مَالك عَن أنس إلَاّ أَنه خَالف فِي إِدْرِيس وَهَارُون. فَقَالَ: هَارُون فِي الرَّابِعَة وَإِدْرِيس فِي الْخَامِس وَوَافَقَهُمْ أَبُو سعيد إلَاّ أَن فِي رِوَايَته: يُوسُف فِي الثَّانِيَة وَعِيسَى وَيحيى فِي الثَّالِثَة، وَالْأول أثبت. فَإِن قلت: كَيفَ رأى ﷺ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء، ﵈، فِي السَّمَوَات مَعَ أَن أَجْسَادهم هِيَ فِي قُبُورهم فِي الأَرْض؟ قلت: أَرْوَاحهم تشكلت بصور أَجْسَادهم، وَيُقَال: أحضرت أَجْسَادهم لملاقاة النَّبِي ﷺ ، تِلْكَ اللَّيْلَة تَشْرِيفًا وتكريماً، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن هَاشم عَن أنس، وَفِيه: وَبعث لَهُ آدم فَمن دونه من الْأَنْبِيَاء فَأمهمْ. قَوْله: (فَإِذا يُوسُف) وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَته عَن ثَابت عَن أنس: فَإِذا هُوَ قد أعْطى شطر الْحسن، وَفِي حَدِيث أبي سعيد عِنْد الْبَيْهَقِيّ، وَأبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن عَائِذ والطبري: فَإِذا أَنا بِرَجُل أحسن مَا خلق الله قد فضل النَّاس بالْحسنِ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب، فَإِن قلت: هَذَا يدل على أَن يُوسُف كَانَ أحسن من جَمِيع النَّاس. قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس: مَا بعث الله نَبيا إلَاّ حسن الْوَجْه حسن الصَّوْت، وَكَانَ نَبِيكُم أحْسنهم صَوتا وَأَحْسَنهمْ وَجها، فعلى هَذَا حمل مَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج على غير النَّبِي ﷺ ، وَحمله بَعضهم على أَن المُرَاد: أَن يُوسُف أعطي شطر الْحسن الَّذِي أوتيه نَبينَا ﷺ ، وَفِيه مَا فِيهِ. قَوْله: (هَذَا إِدْرِيس، فَسلم عَلَيْهِ) ، فَإِن قلت: قَالَ بَعضهم: إِن إِدْرِيس فِي الْجنَّة يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ (مَرْيَم: ٥٧) . قيل: الْمَكَان الْعلي هُوَ الْجنَّة. قلت: سَمِعت بعض مشايخي الثقاة أَن إِدْرِيس لما أخبر بعروج النَّبِي ﷺ ، اسْتَأْذن ربه أَن يستقبله فَأذن لَهُ، فَاسْتَقْبلهُ ولقيه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ إِدْرِيس: مرْحَبًا بالأخ الصَّالح؟ وَالْحَال أَنه أَب من آبَاء النَّبِي ﷺ ، وَأَنه جدّ أَعلَى لنوح، ﵇، لِأَن نوحًا هُوَ ابْن لامك ابْن متوشلخ بن أَخْنُوخ وَهُوَ إِدْرِيس، ﵇؟ قلت: قد قيل عَن إِدْرِيس أَنه إلْيَاس وَأَنه لَيْسَ بجد لنوح، ﵇، وَقيل: لَيْسَ فِيهِ مَا يمْنَع أَن يكون إِدْرِيس أَبَا للنَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: بالأخ الصَّالح، تأدباً، وَهُوَ أَخ وَإِن كَانَ أَبَا فالأنبياء أخوة. قَوْله: (فَلَمَّا تجاوزت) ، أَي: عديت مُوسَى، ﵇. قَوْله:. قَوْله: (بَكَى) أَي: مُوسَى، وَكَانَ بكاؤه حزنا على قومه وقصور عَددهمْ وعَلى فَوَات الْفضل الْعَظِيم مِنْهُم، وَيُقَال: لم يكن بكاء مُوسَى حسداً، معَاذ الله! فَإِن الْحَسَد فِي ذَلِك الْعَالم منزوع عَن آحَاد الْمُؤمنِينَ، فَكيف بِمن اصطفاه الله؟ بل كَانَ آسفاً على مَا فَاتَهُ من الْأجر الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ رفع الدرجَة بِسَبَب
стр. 4975
مَا وَقع من أمته من كَثْرَة الْمُخَالفَة الْمُقْتَضِيَة لتنقيص أُجُورهم المستلزمة لتنقيص أجره، لِأَن لكل نَبِي مثل أجر كل من اتبعهُ، وَلِهَذَا كَانَ من اتبعهُ فِي الْعدَد دون من اتبع نَبينَا ﷺ مَعَ طول مدتهم بِالنِّسْبَةِ لمُدَّة هَذِه الْأمة. قَوْله: (لِأَن غُلَاما بعث بعدِي يدْخل الْجنَّة من أمته أَكثر من يدخلهَا من أمتِي) . قَوْله: (غُلَاما) لَيْسَ للتحقير والاستصغار بِهِ، بل إِنَّمَا هُوَ لتعظيم منَّة الله على رَسُول الله، ﷺ ، من غير طول الْعُمر، وَيُقَال: بل قَالَ ذَلِك على سَبِيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه إِذا أعْطى لمن كَانَ فِي ذَلِك السن مَا لم يُعْطه أحدا قبله مِمَّن هُوَ أسن مِنْهُ.
وَفِي هَذَا الْموضع عِبَارَات وَقعت فِي أَحَادِيث، فَفِي رِوَايَة شريك عَن أنس: لم أَظن أحدا يرفع عَليّ، وَفِي حَدِيث أبي سعيد، قَالَ مُوسَى: يزْعم بَنو إِسْرَائِيل أَنِّي أكْرم على الله وَهَذَا أكْرم على الله مني، زَاد الْأمَوِي فِي رِوَايَته: وَلَو كَانَ هَذَا وَحده هان عَليّ وَلَكِن مَعَه أمته وهم أفضل الْأُمَم عِنْد الله، وَفِي رِوَايَة أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه: أَنه مر بمُوسَى، ﵊، يرفع صَوته فَيَقُول: أكرمته وفضلته؟ فَقَالَ جِبْرِيل، ﵊: هَذَا مُوسَى قلت: وَمن يُعَاتب؟ قَالَ: يُعَاتب ربه فِيك. قلت: وَيرْفَع صَوته على ربه؟ قَالَ: إِن الله قد عرف لَهُ حِدته. وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود عِنْد الْحَارِث وَأبي يعلى وَالْبَزَّار: سَمِعت صَوتا وتذمراً، فَسَأَلت جِبْرِيل، ﵇، فَقَالَ: هَذَا مُوسَى. قلت: على من تذمره؟ قَالَ: على ربه. قلت: على ربه؟ قَالَ: إِنَّه يعرف ذَلِك مِنْهُ. فَإِن قلت: مَا وَجه قَوْله: لما أَتَى السَّمَاء السَّادِسَة فَإِذا مُوسَى؟ وَقد قَالَ فِي حَدِيث آخر: رَأَيْت مُوسَى لَيْلَة الْإِسْرَاء وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبره؟ قلت: لَا إِشْكَال فِي ذَلِك على قَول من يَقُول بِتَعَدُّد الْإِسْرَاء، وعَلى قَول من يَقُول: بِأَن الْإِسْرَاء مرّة وَاحِدَة، فَالْجَوَاب: أَن مُوسَى، ﵊، صعد إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة بعد أَن رَآهُ النَّبِي ﷺ ، فِي قَبره حَتَّى اجْتمع بِهِ هُنَاكَ، وَمَا ذَلِك على الله بعزيز. وَلَا على مُوسَى بِكَثِير.
قَوْله: (فَإِذا إِبْرَاهِيم ﵊ وَهُوَ فِي السَّمَاء السَّابِعَة على رِوَايَة البُخَارِيّ، وعَلى رِوَايَة مُسلم: فِي السَّمَاء السَّادِسَة، فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أنس حَيْثُ قَالَ: وجد آدم فِي السَّمَاء الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّادِسَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي أول كتاب الصَّلَاة: فِي السَّمَاء السَّادِسَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة لاحْتِمَال أَن يكون فِي السَّادِسَة وَصعد قبل رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى السَّابِعَة، وَقيل: يحْتَمل أَنه جَاءَ إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة اسْتِقْبَالًا وَهُوَ فِي السَّابِعَة على سَبِيل التوطن، وعَلى تعدد الْإِسْرَاء لَا إِشْكَال. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار على هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين فِيهِ دون غَيرهم مِنْهُم؟ قلت: للْإِشَارَة إِلَى مَا سيقع لَهُ ﷺ ، مَعَ قومه مَعَ نَظِير مَا وَقع لكل مِنْهُم، فَفِي آدم مَا وَقع لَهُ من الْخُرُوج من الْجنَّة، فَكَذَلِك فِي النَّبِي ﷺ ، وَقع لَهُ من الْخُرُوج من مَكَّة. وَفِي عِيسَى وَيحيى على مَا وَقع لَهُ أول الْهِجْرَة من عَدَاوَة الْيَهُود وتماديهم فِي الْبَغي عَلَيْهِ، وَفِي يُوسُف على مَا وَقع لَهُ مَعَ إخْوَته، فَكَذَلِك النَّبِي ﷺ ، مَا وَقع لَهُ من قُرَيْش فِي نصبهم الْحَرْب لَهُ، وَفِي إِدْرِيس على رفيع مَنْزِلَته عِنْد الله فَكَذَلِك النَّبِي ﷺ ، وَفِي هَارُون على أَن قومه رجعُوا إِلَى محبته بعد أَن آذوه فَكَذَلِك النَّبِي ﷺ ، فَأكْثر قومه رجعُوا إِلَيْهِ بعد الْعَدَاوَة، وَفِي مُوسَى على مَا وَقع لَهُ من معالجة قومه فَكَذَلِك النَّبِي ﷺ ، عالج قُريْشًا وَغَيرهم أَشد المعالجة، وَفِي إِبْرَاهِيم، ﵊، فِي استناده إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور بِمَا ختم الله لَهُ فِي آخر عمره من إِقَامَة مَنَاسِك الْحَج وتعظيم الْبَيْت فَكَذَلِك النَّبِي ﷺ ، أَقَامَ مَنَاسِك الْحَج وَعظم الْبَيْت وَأمر بتعظيمه، وَقيل: الْحِكْمَة فِيهِ أَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أمروا بملاقاة النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج، فَمنهمْ من أدْركهُ فِي أول الوهلة، وَمِنْهُم من تَأَخّر فلحق، وَمِنْهُم من فَاتَهُ. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي كَون كل مِنْهُم فِي مَكَانَهُ الْمَذْكُور فِيهِ؟ قلت: أما آدم فَإِنَّهُ أول الْأَنْبِيَاء وَأول الْآبَاء وَهُوَ الأَصْل فَكَانَ أَولا فِي السَّمَاء الأولى، وَأما عِيسَى، ﵇، فَإِنَّهُ أقرب الْأَنْبِيَاء عهدا من نَبينَا ﷺ ، ويليه يُوسُف، ﵇، لِأَن أمة مُحَمَّد تدخل الْجنَّة على صورته، وَأما إِدْرِيس فَلقَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليّاً﴾ (مَرْيَم: ٥٧) . وَالسَّمَاء الرَّابِعَة من السَّبع وسط معتدل. وَأما هَارُون فلقربه من أَخِيه مُوسَى، ومُوسَى أرفع مِنْهُ لفضل كَلَام الله، وَأما إِبْرَاهِيم فَلِأَنَّهُ الْأَب الْأَخير، فَنَاسَبَ أَن يَتَجَدَّد للنَّبِي ﷺ يلقيه أنس لتوجهه بعده إِلَى عَالم آخر. وَالله أعلم. قَوْله: (ثمَّ رفعت إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى) ، الرّفْع تقريبك الشَّيْء، وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وفرش مَرْفُوعَة﴾ (الْوَاقِعَة: ٣٤) . أَي:
следующие страницы →