← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

الله بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُها مِنْ رسُولِ الله ﷺ أيَّامَ الجَمَلِ بَعْدَما كِدْتُ أنْ ألْحَقَ بأصْحابِ الجَمَلِ فأُقاتلَ مَعَهُمْ قَالَ لمَّا بَلَغَ رسُولَ الله ﷺ أنَّ أهْلَ فارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ لَنْ يَفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن تَوْلِيَة بنت كسْرَى لم تكن إِلَّا بعد كسْرَى الَّذِي كتب إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَذَلِكَ أَن كسْرَى هَذَا لما قَتله ابْنه شيرويه لم يَعش بعده إلَاّ سِتَّة أشهر، فَلَمَّا مَاتَ لم يخلف أَخا لِأَنَّهُ كَانَ قتل إخْوَته حرصاً على الْملك، وَلم يخلف ذكرا وكرهوا خُرُوج الْملك عَن بنت كسْرَى فملكوا عَلَيْهِم بنت كسْرَى وَاسْمهَا: بوران، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره نون. وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن الجهم أَبُو عَمْرو والمؤذن الْبَصْرِيّ، وعَوْف، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالفاء ابْن أبي جميلَة، يعرف بالأعرابي، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بكرَة نفيع بن الْحَارِث. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد ابْن الْمثنى. قَوْله: (أَيَّام الْجمل) ، يتَعَلَّق بقوله: (نَفَعَنِي) لِأَن الْمَعْنى لَا يَسْتَقِيم إلَاّ بَان يُقَال: نَفَعَنِي الله أَيَّام الْجمل بِكَلِمَة سَمعتهَا من النَّبِي ﷺ قبل ذَلِك، وَالْمرَاد بالجمل: الْجمل الَّذِي تَحت عَائِشَة ﵂، حِين تَوَجَّهت إِلَى نَاحيَة الْبَصْرَة وَمَعَهَا طَلْحَة وَالزُّبَيْر لطلب دم عُثْمَان، وَأَصْحَاب الْجمل هم عَسْكَر عَائِشَة ﵂، وَبِه سميت وقْعَة الْجمل، وقصتها مَشْهُورَة. قَوْله: (بنت كسْرَى) ، هِيَ بوران كَمَا ذَكرنَاهَا الْآن، وَذكر الطَّبَرِيّ: أَن أُخْتهَا أَو زيمدخت ملكت أَيْضا، قَالَ الْخطابِيّ: فِي الحَدِيث أَن الْمَرْأَة لَا تلِي الْإِمَارَة وَلَا الْقَضَاء. ٤٤٢٦ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عنِ السَّائِبِ بن يَزِيدَ يَقُولُ أذْكُرُ أنِّي خَرَجْتُ مَعَ الْغِلْمانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ نَتَلَقَّى رسُولَ الله ﷺ وَقَالَ سُفيانُ مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٨٣ وطرفه) . وَجه ذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا من حَيْثُ أَن تلقيهم رَسُول الله ﷺ ، كَانَ عِنْد مقدمه من غَزْوَة تَبُوك، كَمَا صرح بِهِ فِي الحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ، وَأَن كتاب النَّبِي ﷺ ، إِلَى الْمُلُوك كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة يكون مُتَعَلقا بِقصَّة كسْرَى. وَعلي بن عبد الله المعروب بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، والسائب بن يزِيد بن سعيد بن ثُمَامَة بن الْأسود ابْن أُخْت النمر، فيل: إِنَّه كناني، وَقيل: ليثي، وَقيل هذلي، وَقيل: أزدي، ولد فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وَقَالَ السَّائِب: حج بِي أبي مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَأَنا ابْن سبع سِنِين، مَاتَ فِي سنة ثَمَانِينَ، وَقيل: فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ، وَقيل: سنة إِحْدَى وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين. والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب اسْتِقْبَال الْغُزَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الحَدِيث. قَوْله: (سَمِعت الزُّهْرِيّ عَن السَّائِب) ، ويروى: سَمِعت الزُّهْرِيّ يَقُول: سَمِعت السَّائِب. قَوْله: (إِلَى ثنية الْوَدَاع) ، الثَّنية: طَرِيق الْعقبَة، وَكَانَ ثمَّة يودع أهل الْمَدِينَة الْمُسَافِرين. قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي، وَهُوَ مَوْصُول وَلَكِن الرَّاوِي عَنهُ بيّن أَنه قَالَ تَارَة: مَعَ الغلمان، وَتارَة: مَعَ الصّبيان.

стр. 5322

٨٤ - (بَاب مَرَضِ النبيِّ ﷺ ووَفاتِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مرض النَّبِي ﷺ وَبَيَان وَقت وَفَاته، وَلَا خلاف أَنه ﷺ توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: توفّي رَسُول الله ﷺ يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَدفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، وَتفرد بِهِ، وَعَن عُرْوَة: توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ حِين زاغت الشَّمْس لهِلَال ربيع الأول، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ قبل أَن ينشب النَّهَار، وَفِي حَدِيث أبي يعلى بِإِسْنَادِهِ عَن أنس أَنه توفّي آخر يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ فِي كتاب الْمَغَازِي، قَالَ: مرض النَّبِي ﷺ لإثنين وَعشْرين لَيْلَة من صفر، وبدىء وَجَعه عِنْد وليدة لَهُ يُقَال لَهَا: رَيْحَانَة، كَانَت من سبي الْيَهُود، وَكَانَ أول يَوْم مرض يَوْم السبت، وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتَمام عشر سِنِين من مقدمه الْمَدِينَة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدثنَا أَبُو معشر عَن مُحَمَّد بن قيس، قَالَ: اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ يَوْم الْأَرْبَعَاء لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من صفر سنة إِحْدَى عشرَة فِي بَيت زَيْنَب بنت جحش شكوى شَدِيدَة، فاجتمعت عِنْده نساؤه كُلهنَّ، فاشتكى ثَلَاثَة عشر يَوْمًا، وَتُوفِّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إِحْدَى عشرَة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: قَالُوا: بديء برَسُول الله ﷺ يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين بَقِيَتَا من سفر، وَتُوفِّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة من ربيع الأول، وَبِه جزم مُحَمَّد بن سعد كَاتبه، وَزَاد: وَدفن يَوْم الْأَرْبَعَاء. وَعَن الْوَاقِدِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَنه بدىء بِهِ فِي بَيت مَيْمُونَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: توفّي لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول فِي الْيَوْم الَّذِي قدم فِيهِ الْمَدِينَة مُهَاجرا، وَعَن يَعْقُوب بن سُفْيَان عَن ابْن بكير عَن اللَّيْث، أَنه قَالَ: توفّي رَسُول الله ﷺ يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلة خلت من ربيع الأول، وَقَالَ سعد بن إِبْرَاهِيم الزُّهْرِيّ: توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من ربيع الأول، وَقَالَ أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن: توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ مستهل ربيع الأول، وروى سيف بن عمر بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما قضى رَسُول الله ﷺ حجَّة الْوَدَاع ارتحل فَأتى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا ذَا الْحجَّة ومحرم وصفر، وَمَات يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثاني عشر خلون من ربيع الأول من سنة إِحْدَى عشرَة. وَقَالَ السُّهيْلي فِي (الرَّوْض) لَا يتَصَوَّر وُقُوع وَفَاته ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر ربيع الأول من سنة إِحْدَى عشرَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ وقف فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر يَوْم الْجُمُعَة، وَكَانَ أول ذِي الْحجَّة يَوْم الْخَمِيس، فعلى تَقْدِير أَن تحسب الشُّهُور تَامَّة أَو نَاقِصَة أَو بَعْضهَا تَامّ وَبَعضهَا نَاقص لَا يتَصَوَّر أَن يكون يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي عشر ربيع الأول. وَأجِيب: باخْتلَاف الْمطَالع بِأَن يكون أهل مَكَّة رَأَوْا هِلَال ذِي الْحجَّة لَيْلَة الْخمس، وَأما أهل الْمَدِينَة فَلم يروه إِلَّا لَيْلَة الْجُمُعَة. وقَوْل الله تَعَالَى: ﴿إنَّك مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر: ٣١) وَقَول الله تَعَالَى، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: مرض النَّبِي ﷺ وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: إِنَّك ميت: إِلَى آخِره، وَجه ذكر هَذِه الْآيَة جُزْءا من التَّرْجَمَة لأجل صِحَة الْجُزْء الثَّانِي من التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: بَاب مرض النَّبِي ﷺ ووفاته، حَتَّى لَا يُنكر إِطْلَاق الْمَوْت على النَّبِي ﷺ ، وَكَيف يُنكر وَقد خَاطب الله تَعَالَى نبيه ﷺ بقوله: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ ؟ فَأخْبر الله تَعَالَى بِأَن الْمَوْت يعمهم، وَكَانَ مشركو قُرَيْش يتربصون برَسُول الله ﷺ مَوته، فَأخْبر الله تَعَالَى أَن لَا معنى للتربص وَأنزل: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ وَقَالَ قَتَادَة: نعيت إِلَى رَسُول الله ﷺ ، نَفسه ونعيت إِلَيْكُم أَنفسكُم. قَوْله: ﴿ثمَّ إِنَّكُم﴾ أَي: إِنَّك وإياهم، فغلب ضمير الْمُخَاطب على ضمير الْغَائِب: ﴿يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم تختصمون﴾ فتحتج عَلَيْهِم بأنك بلغت، ويعتذرون بمالاً طائل تَحْتَهُ، يَقُول الأتباع: أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا، وَتقول السادات: أغوتنا الشَّيَاطِين وآباؤنا الأقدمون. ٤٤٢٨ - وَقَالَ يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ قالتْ عائِشَةُ ﵂ كَانَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ يَا عائِشَةُ مَا أزَالُ أجدُ ألَمَ الطعامِ الَّذِي أكَلْت بخيْبَرَ فهَذَا أوَانُ وجَدْتُ انْقِطاعَ أبْهَرِي مِنْ ذالِكَ السُّمِّ.

стр. 5323

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام. وَهَذَا مُعَلّق وَصله الْبَزَّار وَالْحَاكِم والإسماعيلي من طَرِيق عَنْبَسَة بن خَالِد عَن يُونُس بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَوله: (مَا أزل أجد ألم الطَّعَام) أَي: أحس الْأَلَم فِي جوفي بِسَبَب الطَّعَام، وَقَالَ الدَّاودِيّ: المُرَاد أَنه نقص من لَذَّة ذوقه، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن نقص الذَّوْق لَيْسَ بألم. قَوْله: (فَهَذَا أَوَان) مُبْتَدأ وَخبر، وَقيل: أَوَان، بِالْفَتْح على الظَّرْفِيَّة وبنيت على الْفَتْح لإضافتها إِلَى مبْنى وَهُوَ الْمَاضِي، لِأَن الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ كالشيء الْوَاحِد. قَوْله: (أَبْهَري) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْهَاء، وَهُوَ عرق مستبطن الْقلب، قيل: وَهُوَ النياط الَّذِي علق بِهِ الْقلب، فَإِذا انْقَطع مَاتَ، وَقيل: هما أبهران يخرجَانِ من الْقلب ثمَّ يتشعب مِنْهُمَا سَائِر الشرايين، وَقيل: هُوَ عرق فِي الصلب مُتَّصِل بِالْقَلْبِ. قَوْله: (من ذَلِك السم) ، بِفَتْح السِّين وَضمّهَا، الَّذِي سمته تِلْكَ الْمَرْأَة فِي غَزْوَة خَيْبَر، وَاسْمهَا زَيْنَب بنت الْحَارِث، وَقيل: أُخْت مرحب من شجعان أهل خَيْبَر، وَقد مر بَيَانه فِي الْبَاب الَّذِي ذكرت فِي غَزْوَة خَيْبَر حِكَايَة الشَّاة المسمومة. ٤٤٢٩ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عُبَيْدِ الله ابْن عَبْدِ الله عنْ عبْدِ الله بن عبَّاسٍ ﵄ عنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ قالتْ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بالمُرْسَلَاتِ عُرْفاً ثُمَّ مَا صَلَّى لَنا بَعْدَها حَتَّى قَبَضَهُ الله. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى قَبضه الله) . وَهَؤُلَاء الروَاة قد تكَرر ذكرهم. وَأم الْفضل هِيَ وَالِدَة ابْن عَبَّاس، وَهِي بنت الْحَارِث ابْن حزن الْهِلَالِيَّة أُخْت مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ وَاسْمهَا لبَابَة، يُقَال: إِنَّهَا أول امْرَأَة أسلمت بعد خَدِيجَة، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يزورها ويقيل عِنْدهَا، وروت عَنهُ أَحَادِيث كَثِيرَة. والْحَدِيث قد مر فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِرَاءَة فِي الْمغرب. ٤٢١ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن عرْعرة حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يدني ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف إِن لنا أَبنَاء مثله فَقَالَ إِنَّه من حَيْثُ تعلم فَسَأَلَ عمر ابْن عَبَّاس عَن هَذِه الْآيَة ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ فَقَالَ أجل رَسُول الله ﷺ َ - أعلمهُ إِيَّاه فَقَالَ مَا أعلم مِنْهَا إِلَّا مَا تعلم) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله فَقَالَ أجل رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه إِيَاس الوَاسِطِيّ والْحَدِيث قد مر فِي غَزْوَة الْفَتْح فِي بَاب مُجَرّد عَن التَّرْجَمَة بأتم مِنْهُ وأطول قَوْله " يدني ابْن عَبَّاس " أَي يقربهُ من نَفسه وَقَوله ابْن عَبَّاس من إِقَامَة الظَّاهِر مقَام الْمُضمر وَمُقْتَضى الْكَلَام أَن يُقَال يُدْنِيه على مَا لَا يخفى ٤٢٢ - (حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا سُفْيَان عَن سُلَيْمَان الْأَحول عَن سعيد بن جُبَير قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس يَوْم الْخَمِيس وَمَا يَوْم الْخَمِيس اشْتَدَّ برَسُول الله ﷺ َ - وَجَعه فَقَالَ ائْتُونِي أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْد نَبِي تنَازع فَقَالُوا مَا شَأْنه أَهجر استفهموه فَذَهَبُوا يردون عَلَيْهِ فَقَالَ دَعونِي فَالَّذِي أَنا فِيهِ خير مِمَّا تَدعُونِي إِلَيْهِ وأوصاهم بِثَلَاث قَالَ أخرجُوا الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب وأجيزوا الْوَفْد بِنَحْوِ مَا كنت أجيزهم وَسكت عَن الثَّالِثَة أَو قَالَ فنسيتها) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله اشْتَدَّ برَسُول الله ﷺ َ - وَجَعه وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَفِي بعض النّسخ هَكَذَا

стр. 5324

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي بَاب كِتَابَة الْعلم من غير هَذَا الْوَجْه وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي بَاب جوائز الْوَفْد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قبيصَة عَن ابْن عُيَيْنَة إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ ولنذكر بعض شَيْء قَوْله " يَوْم الْخَمِيس " مَرْفُوع على أَنه خبر للمبتدأ الْمَحْذُوف أَي هَذَا يَوْم الْخَمِيس وَيجوز الْعَكْس قَوْله " وَمَا يَوْم الْخَمِيس " مثل هَذَا يسْتَعْمل عِنْد إِرَادَة تفخيم الْأَمر فِي الشدَّة والتعجب مِنْهُ وَزَاد فِي الْجِهَاد من هَذَا الْوَجْه ثمَّ بَكَى حَتَّى خضب دمعه الْحَصَى قَوْله " اشْتَدَّ برَسُول الله ﷺ َ - وَجَعه " زَاد فِي الْجِهَاد يَوْم الْخَمِيس فَهَذَا يدل على تقدم مَرضه عَلَيْهِ قَوْله " ائْتُونِي " أَي بِكِتَاب وَكَذَا هُوَ فِي كتاب الْعلم قَوْله " وَلَا يَنْبَغِي عِنْد نَبِي " قيل هَذَا مدرج من قَول ابْن عَبَّاس وَالصَّوَاب أَنه من الحَدِيث الْمَرْفُوع وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي كتاب الْعلم وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُع قَوْله " أَهجر " بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام الإنكاري عِنْد جَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ وَفِي رِوَايَة الْجِهَاد هجر بِدُونِ الْهمزَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني هُنَاكَ هجر هجر رَسُول الله ﷺ َ - بتكرار لفظ هجر وَقَالَ عِيَاض معنى هجر أفحش وَيُقَال هجر الرجل إِذا هذى وأهجر إِذا أفحش قلت نِسْبَة مثل هَذَا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - لَا يجوز لِأَن وُقُوع مثل هَذَا الْفِعْل عَنهُ ﷺ َ - مُسْتَحِيل لِأَنَّهُ مَعْصُوم فِي كل حَالَة فِي صِحَّته ومرضه لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ وَلقَوْله ﷺ َ - " إِنِّي لَا أَقُول فِي الْغَضَب وَالرِّضَا إِلَّا حَقًا " وَقد تكلمُوا فِي هَذَا الْموضع كثيرا وَأَكْثَره لَا يجدي وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن الَّذين قَالُوا مَا شَأْنه أَهجر أَو هجر بِالْهَمْزَةِ وبدونها هم الَّذين كَانُوا قريبي الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ وَلم يَكُونُوا عَالمين بِأَن هَذَا القَوْل لَا يَلِيق أَن يُقَال فِي حَقه ﷺ َ - لأَنهم ظنُّوا أَنه مثل غَيره من حَيْثُ الطبيعة البشرية إِذا اشْتَدَّ الوجع على وَاحِد مِنْهُم تكلم من غير تحر فِي كَلَامه وَلِهَذَا قَالُوا استفهموه لأَنهم لم يفهموا مُرَاده وَمن أجل ذَلِك وَقع بَينهم التَّنَازُع حَتَّى أنكر عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ َ - بقوله وَلَا يَنْبَغِي عِنْد نَبِي التَّنَازُع وَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي تنَازع وَمن جملَة تنازعهم ردهم عَلَيْهِ وَهُوَ معنى قَوْله " فَذَهَبُوا يردون عَلَيْهِ " ويروى يردون عَنهُ أَي عَمَّا قَالَه فَلهَذَا قَالَ دَعونِي أَي اتركوني وَالَّذِي أَنا فِيهِ من المراقبة وَالتَّأَهُّب للقاء الله فَإِنَّهُ أفضل من الَّذِي تدعونني إِلَيْهِ من ترك الْكِتَابَة وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس أَن الرزية كل الرزية مَا حَال بَين رَسُول الله ﷺ َ - وَبَين أَن يكْتب لَهُم ذَلِك الْكتاب وَقَالَ ابْن التِّين قَوْله " فَذَهَبُوا يردوا عَلَيْهِ " كَذَا فِي الْأُصُول يَعْنِي بِحَذْف النُّون ثمَّ قَالَ وَصَوَابه يردون يَعْنِي بنُون الْجمع لعدم الْجَازِم والناصب وَلَكِن ترك النُّون بدونهما لُغَة بعض الْعَرَب قَوْله " وأوصاهم " أَي فِي تِلْكَ الْحَالة بِثَلَاث أَي بِثَلَاث خِصَال (الأولى) قَوْله " أخرجُوا الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب " وَهِي من العدن إِلَى الْعرَاق طولا وَمن جدة إِلَى الشَّام عرضا قَوْله " وأجيزوا " هِيَ (الثَّانِيَة) من الثَّلَاث الْمَذْكُورَة وَهُوَ بِالْجِيم وَالزَّاي مَعْنَاهُ أعْطوا الْجَائِزَة وَهِي الْعَطِيَّة وَيُقَال أَن أصل هَذَا أَن نَاسا وفدوا على بعض الْمُلُوك وَهُوَ قَائِم على قنطرة فَقَالَ أجيزوهم فصاروا يُعْطون الرجل ويطلقونه فَيجوز على القنطرة مُتَوَجها فسميت عَطِيَّة من يفد على الْكَبِير جَائِزَة وَيسْتَعْمل أَيْضا فِي إِعْطَاء الشَّاعِر على مدحه وَنَحْو ذَلِك قَوْله بِنَحْوِ مَا كنت أجيزهم أَي بِمثلِهِ وَكَانَت جَائِزَة الْوَاحِد على عهد النَّبِي ﷺ َ - أُوقِيَّة من فضَّة وَهِي أَرْبَعُونَ درهما وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي أجيزهم يعود إِلَى الْوَفْد الْمَذْكُور تَقْديرا وَهُوَ مفعول قَوْله أجيزوا أَي أجيزوا الْوَفْد وَقد حذف لدلَالَة أجيزوا عَلَيْهِ من حَيْثُ اللَّفْظ وَالْمعْنَى قَوْله " وَسكت عَن الثَّالِثَة " أَي عَن الْخصْلَة الثَّالِثَة قيل الْقَائِل ذَلِك هُوَ سعيد بن جُبَير وَقد صرح الإسمعيلي فِي رِوَايَته بِأَنَّهُ هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَفِي مُسْند الْحميدِي من طَرِيقه وروى أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج قَالَ سُفْيَان قَالَ سُلَيْمَان بن أبي مُسلم لَا أَدْرِي أذكر سعيد بن جُبَير الثَّالِثَة فنسيتها أَو سكت عَنْهَا وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر الْأَقْرَب وَاخْتلفُوا فِي الثَّالِثَة مَا هِيَ فَقَالَ الدَّاودِيّ الْوَصِيَّة بِالْقُرْآنِ وَبِه قَالَ ابْن التِّين وَقَالَ الْمُهلب تجهيز جَيش أُسَامَة وَبِه قَالَ ابْن بطال وَرجحه وَقَالَ عِيَاض هِيَ قَوْله لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وثنا يعبد فَإِنَّهَا ثبتَتْ فِي الْمُوَطَّأ مقرونة بِالْأَمر بِإِخْرَاج الْيَهُود وَقيل يحْتَمل أَن يكون مَا وَقع فِي حَدِيث أنس أَنَّهَا قَوْله الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم قَوْله " أَو قَالَ فنسيتها " شكّ من الرَّاوِي -

стр. 5325

٤٤٣٢ - حدّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بن عبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لمَّا حُضِرَ رَسولُ الله ﷺ وَفِي البَيْتِ رجالٌ فَقَالَ النبيُّ ﷺ هَلُمُّوا أكْتُبْ لَكُمْ كِتاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ فَقال بَعْضُهُمُ إنَّ رَسُولِ الله ﷺ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ وعِنْدَكُمُ القُرْآنُ حَسْبُنا كِتابُ الله فاخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ واخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتاباً لَا تضِلُّوا بَعْدَهُ ومِنْهُمْ مَن يَقُولُ غَيْرَ ذالِكَ فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالإخْتِلَاف قَالَ رسولُ الله ﷺ قُومُوا قَالَ عُبَيْدُ الله فكانَ يَقُولُ ابنُ عبَّاسٍ إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حالَ بَيْنَ رسولِ الله ﷺ وبَيْنَ أنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذالِكَ الكِتابَ لاخْتِلَافِهِمْ ولَغَطهِمْ. . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور. قَوْله: (لما حضر) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة، على صِيغَة الْمَجْهُول يُقَال: حضر فلَان واحتضر إِذا دنا مَوته، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَرُوِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَقيل: هُوَ تَصْحِيف. قَوْله: (وَفِي الْبَيْت رجال) ، أَي: وَالْحَال أَن فِي بَيت النَّبِي ﷺ رجال من الصَّحَابَة، وَلم يرد أهل بَيت النَّبِي ﷺ . قَوْله: (لَا تضلوا) ، ويروى: لَا تضلون بنُون الْجمع على اخْتِلَاف كلمة: لَا فَإِن كَانَت: لَا، الناهية فَتتْرك النُّون، وَإِن كَانَت: لَا، للنَّفْي فبالنون. قَوْله: (قومُوا) ، أَي: قومُوا عني، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن سعد. قَوْله: (إِن الرزية) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الزَّاي وَتَشْديد الْيَاء: الْمُصِيبَة. قَوْله: (ولغطهم) اللَّغط بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالطاء الْمُهْملَة: الصَّوْت والصياح. ٤٢٤ - (حَدثنَا يسرة بن صَفْوَان بن جميل اللَّخْمِيّ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دَعَا النَّبِي ﷺ َ - فَاطِمَة ﵍ فِي شكواه الَّذِي قبض فِيهِ فسارها بِشَيْء فَبَكَتْ ثمَّ دَعَاهَا فسارها بِشَيْء فَضَحكت فَسَأَلْنَاهُ عَن ذَلِك فَقَالَت سَارَّنِي النَّبِي ﷺ َ - أَنه يقبض فِي وَجَعه الَّذِي توفّي فِيهِ فَبَكَيْت ثمَّ سَارَّنِي فَأَخْبرنِي أَنِّي أول أَهله يتبعهُ فَضَحكت) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فِي شكواه الَّذِي قبض فِيهِ " ويسرة بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة وَالرَّاء المفتوحات ابْن صَفْوَان بن جميل بِفَتْح الْجِيم اللَّخْمِيّ بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى لخم وَهُوَ مَالك بن عدي بن الْحَارِث سمي لخما لِأَنَّهُ لخم أَي لطم من اللخمة وَهِي اللَّطْمَة وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ لخم وجذام قبيلتان من الْيمن ينْسب إِلَى لخم خلق كثير وَهُوَ من أَفْرَاده مَاتَ سنة خمس عشرَة أَو سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقد مر فِي غَزْوَة أحد وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا والْحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن يحيى بن قزعة عَن إِبْرَاهِيم الخ قَوْله " فِي شكواه " أَي فِي مَرضه وَكَذَلِكَ الشكوى والشكاة والشكاية بِمَعْنى الْمَرَض قَوْله " فسارها " من المساررة قَوْله " فسألنا عَن ذَلِك " ويروي فسألناها عَن ذَلِك أَي سَأَلنَا فَاطِمَة عَن ذَلِك يَعْنِي عَن الْبكاء أَولا وَعَن الضحك ثَانِيًا وَفِي رِوَايَة يحيى بن قزعة قَالَت عَائِشَة فسألتها عَن ذَلِك وَاخْتلف فِيمَا سَارهَا بِهِ ثَانِيًا فَضَحكت فَفِي رِوَايَة عُرْوَة إخْبَاره إِيَّاهَا بِأَنَّهَا أول أَهله لُحُوقا بِهِ وَفِي رِوَايَة مَسْرُوق إخْبَاره إِيَّاهَا بِأَنَّهَا سيدة نسَاء أهل الْجنَّة وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَائِشَة أَنه قَالَ لفاطمة أَن جِبْرَائِيل ﵇ أَخْبرنِي أَنه لَيْسَ امْرَأَة من نسَاء الْمُسلمين أعظم ذُرِّيَّة مِنْك فَلَا تَكُونِي أدنى امْرَأَة مِنْهُنَّ صبرا قَوْله " فَقَالَت سَارَّنِي " الخ جَوَاب فَاطِمَة عَن سُؤال عَائِشَة عَن ذَلِك وَلكنهَا مَا أخْبرت بذلك إِلَّا بعد وَفَاة النَّبِي

стр. 5326

- ﷺ َ - وَفِي حَدِيث مَسْرُوق فسألتها عَن ذَلِك فَقَالَت مَا كنت لأفشي سر رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى توفّي النَّبِي ﷺ َ - فسألتها فَقَالَت الحَدِيث قَوْله " أول أَهله " ويروى أهل بَيته قَوْله " يتبعهُ " حَال وَقد وَقع مثل مَا قَالَ فَإِنَّهَا كَانَت أول من مَاتَت من أهل بَيت النَّبِي ﷺ َ - بعده حَتَّى من أَزوَاجه - ٤٤٣٥ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ سعْدٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَة قالَتْ كُنْتُ أسْمَعُ أنَّهُ لَا يمُوتُ نبيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقُولُ فِي مَرَضِهِ الذِي ماتَ فِيهِ وأخذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ معَ الَّذِينَ أنْعَمَ الله عَلَيْهمْ الْآيَة فَظَنَنْتُ أنهُ خُيِّرَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ) . وغندر لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَسعد هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور آنِفا فِي الحَدِيث السَّابِق، يروي عَن عُرْوَة بن الزبير. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب. قَوْله: (حَتَّى يُخَيّر) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلم تبين عَائِشَة فِيهِ من الَّذِي كَانَت تسمع مِنْهُ أَنه: لَا يَمُوت نَبِي حَتَّى يُخَيّر بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وبنيت ذَلِك فِي الحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ على مَا يَأْتِي. قَوْله: (بحة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة، وَهِي شَيْء يعْتَرض فِي مجاري النَّفس فيتغير بِهِ الصَّوْت فيغلظ، يُقَال: بححت، بِالْكَسْرِ بحاً، وَرجل أبح إِذا كَانَ ذَلِك فِيهِ خلقَة، وَقيل: يُقَال رجل بح وابح، وَلَا يُقَال: باح، وَامْرَأَة بحاء. قَوْله: (فَظَنَنْت أَنه خير) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: خير بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَاخْتَارَ الْآخِرَة، وروى أَحْمد من حديت أبي مويهبة، قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ إِنِّي أُوتيت مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض والخلد ثمَّ الْجنَّة، فخيرت بَين ذَلِك وَبَين لقاى رَبِّي وَالْجنَّة، فاخترت لِقَاء رَبِّي وَالْجنَّة، وَعند عبد الرَّزَّاق من مُرْسل طَاوس رَفعه: خيرت بَين أَن أبقى حَتَّى أرى مَا يفتح على أمتِي وَبَين التَّعْجِيل، فاخترت التَّعْجِيل. ٤٢٦ - (حَدثنَا مُسلم حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت لما مرض النَّبِي ﷺ َ - الْمَرَض الَّذِي مَاتَ فِيهِ جعل يَقُول فِي الرفيق الْأَعْلَى) هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ قَوْله فِي الرفيق الْأَعْلَى قَالَ الْجَوْهَرِي الرفيق الْأَعْلَى الْجنَّة وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَاق وَقيل الرفيق اسْم جنس يَشْمَل الْوَاحِد وَمَا فَوْقه وَالْمرَاد بِهِ الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمن ذكر فِي الْآيَة وَقَالَ الْخطابِيّ الرفيق الْأَعْلَى هُوَ الصاحب الْمرَافِق وَهُوَ هَهُنَا بِمَعْنى الرفقاء يَعْنِي الْمَلَائِكَة وَقَالَ الْكرْمَانِي الظَّاهِر أَنه مَعْهُود من قَوْله تَعَالَى ﴿وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أَي أدخلني فِي جملَة أهل الْجنَّة من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ والْحَدِيث الْمُتَقَدّم يشْهد بذلك وَقيل المُرَاد بالرفيق الْأَعْلَى الله لِأَنَّهُ رَفِيق بعباده وَغلط الْأَزْهَرِي قَائِل ذَلِك وَقيل أَرَادَ رفق الرفيق وَقيل أَرَادَ مرتفق الْجنَّة وَقَالَ الدَّاودِيّ هُوَ اسْم لكل مَا سما وَقَالَ الْأَعْلَى لِأَن الْجنَّة فَوق ذَلِك وَفِي التَّلْوِيح والمفسرون يُنكرُونَ قَوْله وَيَقُولُونَ إِنَّه صحف الرقيع بِالْقَافِ والرقيع من أَسمَاء السَّمَاء ورد على هَذَا بِمَا رُوِيَ من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الرفيق مِنْهَا حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة الْمطلب عَن عَائِشَة مَعَ الرفيق الْأَعْلَى مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم إِلَى قَوْله رَفِيقًا وَمِنْهَا حَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه وَفِيه فَقَالَ أسأَل الله الرفيق الأسعد مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَمِنْهَا رِوَايَة الزُّهْرِيّ فِي الرفيق الْأَعْلَى وَرِوَايَة عباد عَن عَائِشَة اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الْأَعْلَى وَفِي رِوَايَة عَن ذكْوَان عَن عَائِشَة فَجعل يَقُول فِي الرفيق الْأَعْلَى حَتَّى قبض وَرِوَايَة ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة وَقَالَ فِي الرفيق الْأَعْلَى وَعَن الْوَاقِدِيّ إِن أول كلمة تكلم بهَا ﷺ َ - وَهُوَ مسترضع عِنْد حليمة الله أكبر وَآخر كلمة تكلم بهَا كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة فِي الرفيق الْأَعْلَى وروى الْحَاكِم من حَدِيث أنس أَن آخر مَا تكلم بِهِ جلال رَبِّي الرفيع ٤٢٧ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ عُرْوَة بن الزبير إِن عَائِشَة قَالَت

стр. 5327

كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ صَحِيح يَقُول إِنَّه لم يقبض نَبِي قطّ حَتَّى يرى مَقْعَده من الْجنَّة ثمَّ يحيا أَو يُخَيّر فَلَمَّا اشْتَكَى وحضره الْقَبْض وَرَأسه على فَخذ عَائِشَة غشي عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق شخص بَصَره نَحْو سقف الْبَيْت ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ فِي الرفيق الْأَعْلَى فَقلت إِذا لَا يجاورنا فَعرفت أَنه حَدِيثه الَّذِي كَانَ يحدثنا وَهُوَ صَحِيح) هَذَا حَدِيث آخر عَن عَائِشَة بِوَجْه آخر عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة إِلَى آخِره قَوْله " ثمَّ يحيا أَو يُخَيّر " شكّ من الرَّاوِي ويحيا بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء الْأَخِيرَة أَي ثمَّ يسلم إِلَيْهِ الْأَمر أَو يملك فِي أمره أَو يسلم عَلَيْهِ تَسْلِيم الْوَدَاع قَوْله شخص بَصَره بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة أَي ارْتَفع وَيُقَال شخص بَصَره إِذا فتح عينه وَجعل لَا يطرف قَوْله " إِذا لَا يجاورنا " من الْمُجَاورَة وَرُوِيَ إِذا لَا يختارنا من الِاخْتِيَار وَفِي التَّوْضِيح إِذا لَا يجاورنا بِفَتْح الرَّاء لاعتماد الْفِعْل على إِذا وَإِن اعْتمد على مَا قبلهَا سقط عَملهَا كَمَا فِي قَوْلك أَنا إِذا أزورك فيرفع لاعتماد الْفِعْل على أَنا - ٤٤٣٨ - ح دَّثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا عَفَّانُ عنْ صَخْرِ بنِ جُوَيْرِيَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القَاسِمِ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبي بَكْرٍ عَلَى النبيِّ بن وَأَنا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْري ومَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ فأبَدَّهُ رسولُ الله ﷺ بَصَرَهُ فأخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضِمْتُهُ ونفَضْتُهُ وطَيَّبْتُهُ ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النبيِّ ﷺ فاسْتَنَّ بِهِ فَما رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ اسْتنَّ اسْتِناناً قَطُّ أحْسَنَ مِنْهُ فَما عَدَا أنْ فَرَغَ رَسُولُ الله ﷺ رَفَعَ يَدَهُ أوْ إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّفِيقِ الأعْلَى ثَلَاثًا ثُمَّ قَضَى وكَانَتْ تَقُولُ مَاتَ ورأسُهُ بَيْنَ حاقِنَتِي وذَاقِنَتِي. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ قضى وَكَانَت تَقول: مَاتَ) وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ مُبْهَم، لَكِن الْكرْمَانِي قَالَ: قَوْله: (مُحَمَّد) ، هُوَ ابْن يحيى الذهلي، وَفِي (كتاب رجال الصَّحِيحَيْنِ) مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا، وَلم يقل: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا، وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد، وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَيَقُول: مُحَمَّد بن عبد الله، فينسبه إِلَى جده، وَيَقُول: مُحَمَّد بن خَالِد، فينسبه إِلَى جد أَبِيه، وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن البُخَارِيّ لما دخل نيسابور شغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ، وَكَانَ قد سمع مِنْهُ، فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه، مَاتَ بعد البُخَارِيّ بِيَسِير سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. وَعَفَّان، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء: ابْن مُسلم الصفار، وصخر، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن جوَيْرِية مصغر الْجَارِيَة بِالْجِيم: النميري، يعد فِي الْبَصرِيين، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق. قَوْله: (يستن بِهِ) أَي: يستاك، وَقَالَ الْخطابِيّ: أَصله من السن، وَمِنْه: المسن الَّذِي يسن عَلَيْهِ الْحَدِيد. قَوْله: (فأبده) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة وَتَشْديد الدَّال أَي: مد نظره إِلَيْهِ، يُقَال: أبددت فلَانا النّظر، إِذا طولته إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فأمده، بِالْمِيم مَوضِع الْبَاء. قَوْله: (فقضمته) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: مضغته، والقضم الْأَخْذ بأطراف الْأَسْنَان، يُقَال: قضمت الدَّابَّة بِكَسْر الضَّاد شعيرها، تقضمه بِالْفَتْح إِذا مضغته، وَحكى عِيَاض أَن الْأَكْثَر رَوَاهُ بالصَّاد الْمُهْملَة، أَي: كَسرته وقطعته، والقصامة من السِّوَاك مَا يكسر مِنْهُ، وَحكى ابْن التِّين رِوَايَة بِالْفَاءِ وَالصَّاد الْمُهْملَة، وَقيل: إِذا كَانَ بالضاد الْمُعْجَمَة فَيكون قَوْلهَا: فطيبته تَكْرَارا، وَإِن كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَلَا، لِأَنَّهُ يصير الْمَعْنى: كَسرته لطوله أَو لِأَنَّهُ آلَة الْمَكَان الَّذِي تسوك بِهِ عبد الرَّحْمَن ثمَّ لينته ثمَّ طيبته أَي: بِالْمَاءِ، وَيحْتَمل أَنِّي كَون قَوْله: (طيبته) ، تَأْكِيدًا لقَوْله: لينته. قَوْله: (ونفضته) ، بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، قَوْله: (فَمَا عدا أَن فرغ) أَي: مَا عدا الْفَرَاغ من السِّوَاك. قَوْله: (رفع يَده أَو

стр. 5328

إصبعه) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (حاقنتي) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف، وَهِي النقرة بَين الترقوة وحبل العاتق، وَقيل: المطمئن من الترقوة وَالْحلق، وَقيل: مَا دون الترقوة من الصَّدْر، وَقيل: هُوَ تَحت السُّرَّة، وَقَالَ ابْن فَارس: مَا سفل من الْبَطن. قَوْله: (وذاقنتي) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وبالقاف، وَهِي طرف الْحُلْقُوم، وَقيل: مَا يَنَالهُ الذقن من الصَّدْر، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: والذاقنة جمع ذقن وَهُوَ مجمع أَطْرَاف اللحيين، وَالْحَاصِل أَنه ﷺ ، مَاتَ وَرَأسه بَين حنكها وصدرها فَإِن قلت تَعَالَى: يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَابْن سعد من طَرِيقه: أَن النَّبِي ﷺ ، مَاتَ وَرَأسه فِي حجر عَليّ ﵁. قلت: لَا يُعَارضهُ وَلَا يدانيه، لِأَن فِي كل طَرِيق من طرقه شيعي فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِم، وَلَئِن سلمنَا فَنَقُول: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون على آخِرهم عهدا بِهِ، وَأَنه لم يُفَارِقهُ إِلَى أَن مَاتَ فأسندته عَائِشَة بعده إِلَى صدرها فَقبض. ٤٤٣٩ - ح دَّثني حِبَّانُ أخبرَنا عبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخْبَرَني عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ ﵂ أخْبَرَتْهُ أنَّ رسُول الله ﷺ كانَ إذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بالمُعَوِّذَاتِ ومسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا اشْتَكَى وجعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كانَ يَنْفِثُ وأمْسَحُ بِيَدِ النبيِّ ﷺ عَنْهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ) . وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِيهِ أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وحرملة بن يحيى. قَوْله: (إِذا اشْتَكَى) ، أَي: إِذا مرض قَوْله: (نفث) ، أَي: تفل بِغَيْر ريق أَو مَعَ ريق خَفِيف. قَوْله: (بالمعوذات) ، أَي: بِسُورَة: ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ وَجمع بِاعْتِبَار أَن أقل الْجمع إثنان، أَو أرادهما مَعَ سُورَة الْإِخْلَاص فَهُوَ من بَاب التغليب، وَقيل: المُرَاد بهَا الْكَلِمَات المعوذة بِاللَّه من الشَّيْطَان والأمراض والآفات وَنَحْوهَا. قَوْله: (طفقت) قد ذكرنَا غير مرّة أَنه من أَفعَال المقاربة بِمَعْنى: أخذت أَو شرعت، ويروى: فطفقت، بِالْفَاءِ فِي أَوله. قَوْله: (أنفث) ، جملَة حَالية. قَوْله: (وأمسح بيد النَّبِي ﷺ عَنهُ) ، وَفِي رِوَايَة معمر: وأمسح بيد نَفسه لبركتها، وَهَذَا الحَدِيث وَقع فِي بعض النّسخ رَابِعا بعد قَوْله: وَقَالَ يُونُس. ٤٤٤٠ - ح دَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حَدثنَا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُخْتارٍ حدَّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ الله بن الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها سَمِعَتِ النبيَّ ﷺ وأصْغَتْ إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ وهْوَ مُسْنِدٌ إليَّ ظَهْرَهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ أغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي وألْحِقْنِي بالرَّفِيقِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (قبل أَن يَمُوت) . وَعباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن عبد الله بن أبي شيبَة. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن قُتَيْبَة وَغَيره، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن هَارُون بن إِسْحَاق وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَفَاة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (وأصغت إِلَيْهِ) ، من الإصغاء يُقَال: أصغيت إِلَيْهِ إِذا أملت سَمعك نَحوه. قَوْله: (بالرفيق) قد مر تَفْسِيره، ويروى: بالرفيق الْأَعْلَى. ٤٤٤١ - ح دَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ حدّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ هِلَالٍ الوَزَّانِ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ قَالَ النبيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ الله اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ قالَتْ عائِشَةُ لَوْلَا ذالِكَ لأُبَرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً. .

стр. 5329

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي مَرضه الَّذِي لم يقم مِنْهُ) وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح الْيَشْكُرِي. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا يكره من اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن شَيبَان عَن هِلَال إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (خشِي) أَي: قَالَت عَائِشَة: خشِي رَسُول الله ﷺ أَن يتَّخذ قَبره مَسْجِدا. ٤٤٤٢ - ح دَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدّثني اللَّيْثُ قَالَ حدّثني عُقَيْلٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أَن عائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ قالَتْ لمَّا ثَقُلَ رسُولُ الله ﷺ واشْتَدَّ بِهِ وجعُهُ اسْتَأْذَنَ أزْواجَهُ أنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فأذِنَّ لهُ فَخَرَجَ وهْوَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأرْضِ بَيْنَ عَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ قَالَ عُبَيْدُ الله فأخْبَرْتُ عَبْدَ الله بالَّذِي قالَتْ عائِشَةُ فَقَالَ لِي عَبْدُ الله بنُ عَبَّاسٍ هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عائِشَةُ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ هُوَ عَلِيٌّ وكانَتْ عائِشَةُ زَوْجُ النبيِّ ﷺ تُحَدِّثُ أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا دَخَلَ بَيْتِي واشْتَدَّ بِهِ وَجَعهُ قَالَ هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أوْ كِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أعْهَدُ إِلَى النَّاسِ فأجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ثُمَّ طفِقْنا نَصُبُّ عليْهِ مِنْ تِلْكَ القِرَبِ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إلَيْنَا بِيَدِهِ أنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ قالتْ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى لَهُمْ وخَطَبَهُمْ. . وَأَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة أَن عاشة وَعبد الله بن عَبَّاس ﵃ قَالَا لما نزل برَسُول الله ﷺ َ - طفق يطْرَح خميصة لَهُ على وَجهه فَإِذا اغتم كشفها عَن وَجهه وَهُوَ كَذَلِك يَقُول لعنة الله على الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد يحذر مَا صَنَعُوا أَخْبرنِي عبيد الله أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لقد راجعت رَسُول الله فِي ذَلِك وَمَا حَملَنِي على كَثْرَة مُرَاجعَته إِلَّا أَنه لم يَقع فِي قلبِي أَن يحب النَّاس بعده رجلا قَامَ مقَامه أبدا وَلَا كنت أرى أَنه لن يقوم أحد مقَامه إِلَّا تشاءم النَّاس بِهِ فَأَرَدْت أَن يعدل ذَلِك رَسُول الله ﷺ َ - عَن أبي بكر رَوَاهُ ابْن عمر وَأَبُو مُوسَى وَابْن عَبَّاس ﵃ عَن النَّبِي ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعه والْحَدِيث مضى فِي الطَّهَارَة فِي بَاب الْوضُوء وَالْغسْل فِي المخضب والقدح فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله إِلَى قَوْله " أَن قد فعلتن " وَفِي الْهِبَة فِي بَاب هبة الرجل لامْرَأَته مضى من قَوْله قَالَت عَائِشَة لما ثقل النَّبِي ﷺ َ - إِلَى قَوْله قَالَ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب وَفِي الْخمس فِي بَاب مَا جَاءَ فِي بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ - مضى من قَوْله لما ثقل النَّبِي ﷺ َ - اسْتَأْذن أَزوَاجه أَن يمرض فِي بَيْتِي فَأذن لَهُ ذكر هَذَا الْمِقْدَار وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي هَذِه الْأَبْوَاب ولنذكر مَا لم يذكر فِيهَا قَوْله " لما ثقل " أَي فِي وَجَعه قَوْله " أَن يمرض " على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض وَهُوَ تعاهد الْمَرِيض وَالنَّظَر فِي حَاله وَالْقِيَام بخدمته قَوْله " فَأذن " بتَشْديد النُّون فعل جمَاعَة النِّسَاء من الْمَاضِي من الْإِذْن قَوْله " هُوَ عَليّ " أَي ابْن أبي طَالب الَّذِي لم تسمه عَائِشَة قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لم قَالَت رجل آخر وَمَا سمعته قلت لِأَن الْعَبَّاس كَانَ دَائِما يلازم أحد جانبيه وَأما الْجَانِب الآخر فَتَارَة كَانَ عَليّ فِيهِ وَتارَة أُسَامَة فلعدم ملازمته لذَلِك لم تذكره لَا لعداوة وَلَا لنحوها حاشاها من ذَلِك انْتهى قلت فِيهِ نظر لِأَن عليا كَانَ ألزم لرَسُول الله

стр. 5330

- ﷺ َ - فِي كل حَاله من غَيره قَوْله " وَكَانَت عَائِشَة تحدث " هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله " هريقوا " أَي أريقوا من الإراقة وَالْهَاء مبدلة من الْهمزَة ويروى أهريقوا بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله أَي صبوا قَوْله " أوكيتهن " جمع وكاء بِكَسْر الْوَاو وَهُوَ رِبَاط الْقرْبَة قَوْله " مخضب " بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء وَفتح الضَّاد المعجمتين وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَهِي الاجانة قَوْله " طفقنا " من أَفعَال المقاربة وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله " أَن قد فعلتن " أَن هَذِه مفسرة نَحْو وأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك وَيحْتَمل المصدرية قَوْله " لعَلي أَعهد " أَي أوصِي قَوْله " فصلى لَهُم " ويروى فصلى بهم قَوْله " وَأَخْبرنِي عبيد الله " هُوَ مقول الزُّهْرِيّ وَهُوَ مَوْصُول أَيْضا قَوْله " لما نزل برَسُول الله ﷺ َ - " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي لما نزل الْمَرَض بِهِ ﷺ َ - قَوْله " خميصة " بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي ثوب خَز أَو صوف معلم وَقيل لَا تسمى خميصة إِلَّا أَن تكون سَوْدَاء معلمة وَالْجمع خمائص قَوْله " فَإِذا اغتم " يُقَال اغتم إِذا كَانَ يَأْخُذهُ النَّفس من شدَّة الْحر قَوْله " يحذر " على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي يحذر النَّبِي ﷺ َ - وَهِي جملَة حَالية قَوْله " أَخْبرنِي عبيد الله " أَي قَالَ الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي عبيد الله الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد قَوْله " فِي ذَلِك " أَي فِي أمره ﷺ َ - أَبَا بكر بإمامة الصَّلَاة قَوْله " بعده " أَي بعد النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " مقَامه " أَي مقَام النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " وَلَا كنت " عطف على قَوْله إِلَّا أَنه لم يَقع قَوْله " أرى " أَي أَظن وَحَاصِل الْمَعْنى وَمَا حَملَنِي عَلَيْهِ إِلَّا ظَنِّي بِعَدَمِ محبَّة النَّاس للقائم مقَامه وظني بتشاؤمهم مِنْهُ قَوْله " رَوَاهُ ابْن عمر " أَي روى الَّذِي يتَعَلَّق بِصَلَاة أبي بكر عبد الله بن عمر وَوصل هَذَا البُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة فِي بَاب أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ رَوَاهُ عَن يحيى بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن حَمْزَة بن عبد الله عَن أَبِيه وَهُوَ عبد الله بن عمر قَالَ " لما اشْتَدَّ برَسُول الله ﷺ َ - وَجَعه قيل لَهُ فِي الصَّلَاة قَالَ مروا أَبَا بكر " إِلَى آخِره قَوْله " وَأَبُو مُوسَى " أَي رَوَاهُ أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ وَوَصله البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن نصر عَن حُسَيْن عَن زَائِدَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى قَالَ " مرض النَّبِي ﷺ َ - " الحَدِيث إِلَى آخِره وَوَصله أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة يُوسُف ﵊ رَوَاهُ عَن الرّبيع بن يحيى عَن زَائِدَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه الحَدِيث قَوْله " وَابْن عَبَّاس " أَي رَوَاهُ عبد الله بن عَبَّاس وَرَوَاهُ فِي بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ مَعَ حَدِيث عَائِشَة عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زَائِدَة عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن عبيد الله بن عبد الله قَالَ " دخلت على عَائِشَة " الحَدِيث بِطُولِهِ - ٤٤٤٦ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا اللَّيْثُ قَالَ حدّثني ابنُ الهادِ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ القاسِمِ عنْ أبيهِ عنْ عائِشَةَ قَالَتْ ماتَ النبيُّ ﷺ وإنَّهُ لَبَيْنَ حاقِنَتِي وذَاقِنَتِي فَلَا أكْرَهُ شِدَّةَ المَوْتِ لأحَدٍ أبَداً بَعْدَ النبيِّ ﷺ . . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَاتَ النَّبِي ﷺ وَابْن الْهَاد هُوَ يزِيد بن عبد الله بن الْهَاد، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. قَوْله: (وَإنَّهُ) ، أَي: وَالْحَال أَن النَّبِي ﷺ ، وَقد مر تَفْسِير الحاقنة والذاقنة عَن قريب. قَوْله: (فَلَا أكره شدَّة الْمَوْت) . قد بنيت عَائِشَة فِي حَدِيثهَا الآخر، كماس يَأْتِي، شدَّة الْمَوْت بقولِهَا وَبَين يَدَيْهِ ركوة أَو علبة فِيهَا مَاء، فَجعل يدْخل يَدَيْهِ فِي المَاء فيمسح بهها وَجهه، يَقُول: (لَا إل هـ إلَاّ الله إِن للْمَوْت سَكَرَات) ، وروى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق الْقَاسِم عَن عَائِشَة: رَأَيْته وَعِنْده قدح فِيهِ مَاء وَهُوَ يَمُوت، فَيدْخل يَده فِي الْقدح ثمَّ يمسح وَجهه بِالْمَاءِ ثمَّ يَقُول: (اللَّهُمَّ أَعنِي على سَكَرَات الْمَوْت) . ٤٤٤٧ - ح دَّثني إسْحاقُ أخْبرَنا بِشْرُ بنُ شُعَيْبِ بنِ أبي حَمْزَةَ قَالَ حدّثني أبي عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عبْدُالله بنُ كَعْبِ بنِ مالِكٍ الأنصارِيُّ وكانَ كَعْبُ بنُ مالِكٍ أحَدَ الثَّلَاثَةِ الذِينَ تِيبَ

стр. 5331

عَلَيْهِمْ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ ﵁ خَرَج مِنْ عِنْدِ رسُول الله ﷺ فِي وجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فيهِ فَقَالَ الناسُ يَا أَبَا الْحَسَنِ كَيْفَ أصْبَحَ رَسُولُ الله ﷺ فقالَ أصْبَحَ بِحَمْدِ الله بارِئاً فأخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بنُ عبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لهُ أنتَ وَالله بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ العَصا وإنِّي لَارَى رسُولَ الله ﷺ سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وجَعِهِ هَذَا إنِّي لأعْرفُ وجُوهَ بَنِى عَبْدِ المُطَّلِبِ عِنْدَ المَوْتِ أذْهَبْ بِنا إِلَى رسُولِ الله ﷺ فَلْنَسْألْهُ فِيمَنْ هاذَا الأمْرُ إنْ كانَ فِينا عَلِمْنا ذالِكَ وإنْ كانَ فِي غَيْرِنا عَلِمْناهُ فأوْصَي بِنا فَقَالَ علِيٌّ إنَّا وَالله لِئنْ سألْناها رسُولَ الله ﷺ فَمَنَعناها لَا يُعْطِيناها النَّاسُ بَعْدَهُ وإنِّي وَالله لَا أسْألُها رسولَ الله ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي وَجَعه الَّذِي توفّي فِيهِ) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، قَالَه أَبُو نعيم، وَقَالَ الغساني: قَالَ ابْن السكن: هُوَ إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، يروي عَن أَبِيه شُعَيْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد يروي تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما: الزُّهْرِيّ وَعبد الله بن كَعْب، ويروي صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ، وهما: كَعْب بن مَالك وَابْن عَبَّاس. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان. قَوْله: (أَخْبرنِي عبد الله بن كَعْب) ، قَالَ الدمياطي: فِي سَماع عبد الله بن كَعْب من عبد الله بن عَبَّاس نظر، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْإِسْنَاد صَحِيح وَسَمَاع الزُّهْرِيّ من عبد الله بن كَعْب ثَابت لم ينْفَرد بِهِ شُعَيْب، وَقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق صَالح عَن ابْن شهَاب فَصرحَ أَيْضا بِهِ، قَوْله: (وَكَانَ كَعْب أحد الثَّلَاثَة) ، وهم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ (التَّوْبَة: ١١٨) وهم: كَعْب هَذَا، وهلال بن أُميَّة، ومرارة بن الرّبيع، وَقد مر فِيمَا مضى. قَوْله: (فَقَالَ النَّاس: يَا أَبَا الْحسن) ، هُوَ كنية عَليّ بن أبي طَالب. قَوْله: (بارئاً) ، إسم فَاعل من: برأَ، بِالْهَمْزَةِ بِمَعْنى: أَفَاق من الْمَرَض. قَوْله: (بعد ثَلَاث عبد الْعَصَا) ، هُوَ كِنَايَة عَن أَن يصير تَابعا لغيره. وَالْمعْنَى: أَن النَّبِي ﷺ يَمُوت بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَتصير أَنْت مَأْمُورا عَلَيْك بِلَا عز وَلَا حُرْمَة بَين النَّاس، هَذَا من قُوَّة فراسة الْعَبَّاس ﵁. قَوْله: (لأرى) ، بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى: اعْتقد، وَبِضَمِّهَا بِمَعْنى: أَظن، قَوْله: (سَوف يُتوفى) ، أَي: رَسُول الله ﷺ ، وَهَذَا قَالَه عَبَّاس مُسْتَندا إِلَى التجربة لِأَنَّهُ جرب ذَلِك فِي وُجُوه الَّذين مَاتُوا من بني عبد الْمطلب. قَوْله: (فِيمَن هَذَا الْأَمر؟) أَي: الْخلَافَة. قَوْله: (فأوصى بِنَا) ، وَفِي مُرْسل الشّعبِيّ: وإلَاّ وصَّى بِنَا فحفظنا من بعده، وَله من طَرِيق أُخْرَى. فَقَالَ عَليّ ﵁: وَهل يطْمع فِي هَذَا الْأَمر غَيرنَا؟ قَالَ: أَظن وَالله، سَيكون. قَوْله: (فمنعناها) ، بِفَتْح النُّون جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول. قَوْله: (فَلَا يعطيناها النَّاس بعده) ، أَي: بعد النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا كَانَ، لأَنهم احْتَجُّوا بِمَنْع رَسُول الله ﷺ إيَّاهُم. قَوْله: (لَا أسألها) ، أَي: الْخلَافَة، أَي: لَا أطلبها مِنْهُ، وَزَاد ابْن سعد فِي (مُرْسل الشّعبِيّ) فِي آخِره: فَلَمَّا قبض النَّبِي ﷺ ، قَالَ الْعَبَّاس لعَلي: إبسط يدك أُبَايِعك النَّاس، وَلم يفعل. ٤٤٤٨ - ح دَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدّثني اللَّيْثُ قَالَ حدّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ حدّثني أنسُ بنُ مالِكٍ ﵁ أنَّ المُسْلِمِينَ بيْنا هُمْ فِي صَلَاةِ الفجْرِ مِنْ يَوْمِ الإثْنَيْنِ وأبُو بَكْرٍ يُصَلِّي لَهُمْ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إلَاّ رسُولُ الله ﷺ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عائِشَةَ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ وهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَنَكَصَ أبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ وظَنَّ أنَّ رسُولَ الله ﷺ يُرِيدُ أنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ أنَسٌ وهَمَّ المُسْلِمُونَ

стр. 5332

أنْ يَفْتَتِنُوا فِي صلَاتِهِمْ فَرَحاً بِرَسُولِ الله ﷺ فأشارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ رسولُ الله ﷺ أنْ أتِمُّوا صَلَاتَكُمْ ثُمَّ دَخَلَ الحُجْرَةَ وأرْخَى السِّتْرَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَتِمَّة هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، وَتُوفِّي من يَوْمه ذَلِك. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بينماهم) ، ويروى: بيناهم، بِدُونِ الْمِيم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة. قَوْله: (يفجؤهم) ، جَوَاب: بَيْنَمَا قَوْله: (فنكص) أَي: تَأَخّر إِلَى وَرَائه. قَوْله: (وهمَّ الْمُسلمُونَ) ، أَي: قصدُوا إبِْطَال الصَّلَاة بِإِظْهَار السرُور قولا أَو فعلا. قَوْله: (وأرخى السّتْر) أَي: الستارة، وَزَاد أَبُو الْيَمَان عَن شُعَيْب: وَتُوفِّي من يَوْمه ذَلِك، كَمَا ذكرنَا أَنه مُطَابق للتَّرْجَمَة. ٤٤٤٩ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ حدَّثنا عِيسَى بن يُونسَ عنْ عُمَرَ بنِ سعِيدٍ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ أبي مُلَيْكَةَ أنَّ أَبَا عَمْروٍ وذَكْوَانَ مَوْلَى عائِشَةَ أخبرهُ أنَّ عائِشَةَ كانَتْ تَقُولُ إنَّ مِنْ نِعَمِ الله عَلَيَّ أَنَّ رَسُول الله ﷺ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وبَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي وأنَّ الله جَمَعَ بَيْنَ رِيقي ورِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمانِ وبِيَدِهِ السِّواكُ وَأَنا مُسْنِدَةٌ رسولَ الله ﷺ فَرَأيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ وعَرَفْتُ أنَّهُ يحبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ آخُذُهُ لَكَ فأشارَ بِرَأسِهِ أنْ نَعَمْ فَتَنَاوَلْتُهُ فاشْتَدَّ عَلَيْهِ وقُلْتُ أُلَيِّنُهُ لَكَ فأشارَ بِرَأْسِهِ أنْ نَعَمْ فَلَيَّنْتُهُ وبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أوْ عُلْبَةٌ يَشُكُّ عُمَرُ فِيها فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِما وجْهَهُ يقُولُ لَا إلاهَ إلَاّ الله إنَّ لِلمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُول فِي الرَّفِيق الأعْلَى حَتَّى قُبِضَ ومالَتْ يَدُهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبيد الله، بِضَم الْعين مصغر العَبْد: ابْن مَيْمُون وَهُوَ الْمَشْهُور بِمُحَمد بن عباد، وَقد مر فِي الصَّلَاة، وَعِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَعمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْقرشِي الْمَكِّيّ يروي عَن عبد الله بن أبي مليكَة، وذكوان بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْكَاف وبالواو وَالنُّون دَبرته عَائِشَة، وَكَانَ من أفْصح الْقُرَّاء، مَاتَ فِي زمن الْحرَّة. قَوْله: (إِن من نعم الله) ، بِكَسْر النُّون وَفتح الْعين جمع: نعْمَة. قَوْله: (عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (سحرِي) ، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، ويحكى ضم السِّين: الرئة، والنحر مَوضِع القلادة من الصَّدْر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: السحر مَا بَين الثديين. قَوْله: (ركوة أَو علبة) ، شكّ من الرَّاوِي، والعلبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: المحلب من الْجلد. قَوْله: (يشك عمر) ، هُوَ عمر بن سعيد الرَّاوِي. قَوْله: (فَجعل يدْخل) ، بِضَم الْيَاء من الإدخال. قَوْله: (سَكَرَات) ، جمع سكرة وَهِي: الشدَّة. ٤٤٥٠ - ح دَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ حدَّثنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ ﵂ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَسألُ فِي مَرَضِهِ الذِي ماتَ فِيهِ يقُولُ أيْنَ أَنا غَداً يُرِيدُ يَوْمَ عائِشَةَ فأذِنَّ لهُ أزْوَاجُهُ يَكونُ حَيْثُ شاءَ فكانَ فِي بَيْتِ عائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَها قالَتْ عائِشَةُ فَماتَ فِي اليَوْمِ الَّذي كانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي فَقَبَضَهُ الله وإنَّ رَأسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وسَحْرِي وخالَطَ ريقُهُ رِيقِي ثُمَّ قَالَتْ دَخَلَ عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبي بَكْرٍ

стр. 5333

وَمَعَه سِواكٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَنَظَرَ إلَيْهِ رسولُ الله ﷺ فَقُلْتُ لَهُ أعْطِني هاذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ فأعْطانِيهِ فَقَصِمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فأعْطَيْتُهُ رسولَ الله ﷺ فاسْتَنَّ بِهِ وهْوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي. وَهَذَا طَرِيق آخر بِوَجْه آخر فِي حَدِيث عَائِشَة. قَوْله: (فَأذن) ، بتَشْديد النُّون بِصِيغَة الْجمع الْمُؤَنَّث من الْمَاضِي. وَقَوله: (أَزوَاجه) فَاعله وَهُوَ من قبيل: أكلوني البراغيث. قَوْله: (وخالط رِيقه ريقي) ، أَي: بِسَبَب السِّوَاك. قَوْله: (وَهُوَ مُسْند إِلَى صَدْرِي) ، وَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة: وَأَنا مُسندَة رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد من حَدِيث جَابر عَن عَليّ ﵁: قبض رَسُول الله ﷺ وَإنَّهُ لمستند إِلَى صَدْرِي، وَعَن الشّعبِيّ عَن عَليّ بن حُسَيْن: قبض رَسُول الله ﷺ وَرَأسه فِي حجر عَليّ، وَعَن ابْن عَبَّاس: وَالله لِتوفي رَسُول الله ﷺ وَإنَّهُ لمستند إِلَى صدر عَليّ ﵁، وَهُوَ الَّذِي غسله وَأخي الْفضل وأبى أبي أَن يحضر فَقَالَ: إِنَّه ﷺ كَانَ يستحي أَن أرَاهُ حاسراً. وَفِي (الإكليل) للْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَليّ ﵁، قَالَ: أسندت رَسُول الله ﷺ إِلَى صَدْرِي فسالت نَفسه، وَمن حَدِيث أم سَلمَة ﵂، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : كَانَ عَليّ آخِرهم عهدا بِهِ جعل، يسَاره وفوه على فِيهِ ثمَّ قبض، وَعَن عَائِشَة ﵂، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، لما حَضَره الْمَوْت: أَدْعُو لي حَبِيبِي، فَقلت: أدعوا عَليّ بن أبي طَالب، فوَاللَّه مايريد ريد غَيره، فَلَمَّا رَآهُ نزع الثَّوْب الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَأدْخلهُ فِيهِ، وَلم يزل يحضنه حَتَّى قبض وَيَده عَلَيْهِ. ٤٤٥١ - ح دَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عَن عائِشَةَ ﵂ قالتْ تُوُفِّيَ النبيُّ ﷺ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وبَيْنَ سحْرِي ونَحْرِي وكانَتْ إحْدَانا تُعَوِّذُهُ بدُعاءٍ إذَا مرِضَ فذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّماءِ وَقَالَ فِي الرَّفِيقِ الأعْلَى فِي الرَّفِيق الأعْلَى: ومَرَّ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبي بَكْرٍ وَفِي يَدِهِ جرِيدَةٌ رَطْبَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النبيُّ ﷺ فَظَنَنتُ أنَّ لهُ بهَا حاجَةً فأخَذْتها فَمَضَغْتُ رَأْسَها ونفَضْتُها فدَفَعْتُها إلَيْهِ فاسْتَنَّ بِها كأحْسَن مَا كَانَ مُسْتَنًّا ثُمَّ ناوَلَنِيها فَسَقَطَتْ يَدُهُ أوْ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ فَجَمَعَ الله بَيْنَ رِيقِي ورِيقِهِ فِي آخِر يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيا وأوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ. . هَذَا طَرِيق آخر بِوَجْه آخر، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله وَقد مر غير مرّة. قَوْله: (وَفِي يومي) أَي: فِي نوبتي بِحَسب الدّور الْمَعْهُود. قَوْله: (مستنا) ، هُوَ صِيغَة يَسْتَوِي فِيهِ إسم الْفَاعِل وَاسم الْمَفْعُول وَعند فك الْإِدْغَام يفرق بَينهمَا لِأَن فِي الْفَاعِل تكون النُّون الأولى مَكْسُورَة، وَفِي الْمَفْعُول مَفْتُوحَة. قَوْله: (فِي آخر يَوْم) أَي: من أَيَّام النَّبِي ﷺ . ٤٤٥٣ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عَن ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَني أبُو سلَمَة أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أقْبلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بالسُّنْحِ حَتَى نزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عائِشَةَ فَتَيَمَّمَ رَسُولَ الله ﷺ وهْوَ مُغشَى بِثَوْبِ حِبرَةٍ فَكَشَفَ عنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى ثُمَّ قَالَ بِأبي أنْتَ وأُمِّي وَالله

стр. 5334

لَا يجْمَعُ الله عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أمَّا المَوْتَةُ الَّتي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها. قَالَ الزُّهْرِيُّ وحدَّثني أبُو سَلَمَةَ عنْ عَبْدِ الله بن عبَّاس أَن أَبَا بكْرٍ خَرَجَ وعُمَرُ بنُ الخَطابِ يُكلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأبى عُمَرُ أنْ يَجْلِسَ فأقْبَلَ الناسُ إلَيْهِ وتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ أمَّا بَعْدُ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّداً ﷺ فإِنَّ مُحَمَّداً قدْ مَاتَ ومَنْ كانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ الله فَإِنَّ الله حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ الله تَعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمرَان: ١٤٤) وَقَالَ وَالله لَكأنَّ النَّاسَ لمْ يَعْلَمُوا أنَّ الله أنْزَلَ هاذِهِ الآيَةَ حَتَّى تَلَاها أبُو بَكْرٍ فَتَلَقَّاها مِنْهُ النَّاسُ كُلَّهُم فَما أسْمَعُ بَشَراً مِنَ الناسِ إلَاّ يَتْلُوها فأخْبَرَنِي سَهيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ عُمَرَ قَالَ وَالله مَا هُوَ إلَاّ أنْ سمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلاها فَعُقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى أهوَيْتُ إِلَى الأرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاها أنَّ النَّبِي ﷺ قدْ ماتَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁. والْحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الدُّخُول على الْمَيِّت، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بالسنح) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَبِضَمِّهَا أَيْضا وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: وَهُوَ مَوضِع فِي عوالي الْمَدِينَة كَانَ للصديق مسكن ثمَّة، وَيُقَال: هُوَ من منَازِل بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج بعوالي الْمَدِينَة، وَقيل: كَانَ مسكن زَوجته. قَوْله: (فَتَيَمم) ، قصد. قَوْله: (وَهُوَ مغشى) ، أَي: مغطى (بِثَوْب حبرَة) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ ثوب يماني، وَيُقَال: ثوب حبرَة، بِالْإِضَافَة وبالصفة. قَوْله: (موتتين) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك أَبُو بكر حِين قَالَ عمر حِين مَاتَ النَّبِي ﷺ : إِن الله سيبعث نبيه فَيقطع أَيدي رجال قَالُوا إِنَّه مَاتَ ثمَّ يَمُوت آخر الزَّمَان، فَأَرَادَ أَبُو بكر رد كَلَامه، أَي: لَا يكون ذَلِك فِي الدُّنْيَا إلَاّ موتَة وَاحِدَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي لَا يَمُوت فِي قَبره موتَة أُخْرَى، كَمَا قيل فِي الْكَافِر وَالْمُنَافِق بعد أَن ترد إِلَيْهِ روحه ثمَّ تقبض، وَقيل: لَا يجمع الله عَلَيْك كرب هَذَا الْمَوْت، قد عصمك من عَذَابه وَمن أهوال يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: أَرَادَ بالموتة الْأُخْرَى موت الشَّرِيعَة، أَي: لَا يجمع الله عَلَيْك موتك وَمَوْت شريعتك. قَوْله: (قَالَ الزُّهْرِيّ وحَدثني أَبُو سَلمَة) ، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ: وحَدثني، بِدُونِ ذكر الزُّهْرِيّ. قَوْله: (وَعمر يكلم النَّاس) ، أَي: يَقُول لَهُم: مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ ، وَعَن أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة، فَقَالَ عمر: لَا يَمُوت رَسُول الله ﷺ ، حَتَّى يَنْفِي الْمُنَافِقين. قَوْله: (فَأَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب) من كَلَام الزُّهْرِيّ أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ: فَأَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَا أَدْرِي من يَقُول ذَلِك أَبُو سَلمَة وَالزهْرِيّ؟ قيل: صرح عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِأَنَّهُ الزُّهْرِيّ. قَوْله: (فعقرت) ، بِضَم الْعين وَكسر الْقَاف، أَي: هَلَكت، ويروى بِفَتْح الْعين، أَي: دهشت وتحيرت، وَقيل: سَقَطت، وَرَوَاهُ يَعْقُوب بن السّكيت بِالْفَاءِ من العفر وَهُوَ التُّرَاب، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فقعرت، بِتَقْدِيم الْقَاف على الْعين، قيل: هُوَ خطأ وَالصَّوَاب الأول. قَوْله: (مَا تُقِلني) بِضَم أَوله وَكسر الْقَاف وَتَشْديد اللَّام: أَي مَا تحملنِي، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا أقلت سحاباً ثقالاً﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٧) . قَوْله: (أهويت) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: هويت، قَالَ بَعضهم: هويت، بِفَتْح أَوله وَكسر الْوَاو: أَي سَقَطت. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ بِفَتْح الْهَاء وَالْوَاو مَعًا لِأَنَّهُ من: هوى يهوي هوياً من بَاب ضرب يضْرب، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿والنجم إِذا هوى﴾ (النَّجْم: ١) وَأما: هوي، بِكَسْر الْوَاو يهوي بِمَعْنى أحب، فَمن بَاب علم يعلم. قَوْله: (حِين سمعته تَلَاهَا، أَن النَّبِي ﷺ ، قد مَاتَ) هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين ويروى: حِين سمعته تَلَاهَا علمت أَن النَّبِي ﷺ قد مَاتَ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: تَلَاهَا إِن النَّبِي ﷺ ، قد مَاتَ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن ذَلِك؟ قلت: تَقْدِيره: تَلَاهَا رجل أَن النَّبِي ﷺ قد مَاتَ، ولتقرير ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (أَن النَّبِي) بدل من: الْهَاء، فِي قَوْله: (تَلَاهَا) ، أَي: تَلا الْآيَة، مَعْنَاهَا: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 5335

قد مَاتَ، وَهِي قَوْله: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ (الزمر: ٣٠) قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي أوضح وَأحسن. ٤٤٥٧ - ح دَّثني عَبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا يَحْيَى بن سَعِيدٍ عنْ سُفْيَانَ عنْ مُوسَى بن أبي عائِشَةَ عنْ عُبَيْدِ الله بن عبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنْ عائِشَة وَابْن عبَّاسٍ ﵃ أنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النبيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بعد مَوته) وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله على مَا يَأْتِي، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن بنْدَار وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَفِيه وَفِي الْوَفَاة عَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز عَن أَحْمد بن سِنَان وَغَيره، وَفِيه: لَا بَأْس بتقبيل الْمَيِّت. ٤٤٥٨ - حدَّثنا عَليٌّ حدَّثنا يَحيَى وزَادَ قالَتْ عائِشَةُ لَدَدْناهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أنْ لَا تَلُدُّوني فَقُلْنا كَرَاهيةُ المَريضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أفاقَ قَالَ ألَمْ أنْهَكُمْ أنْ تَلُدُّوني قُلْنا كَرَاهِيَّةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ لَا يَبْقَى أحَدٌ فِي البَيْت إلَاّ لُدَّو أَنا أنْظُرُ إلَاّ العَباسَ فَإنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي مَرضه) ، وعَلى هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان. قَوْله: (وَزَاد) ، أَي: وَزَاد يحيى، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَافق عبد الله بن أبي شيبَة فِي رِوَايَته عَن يحيى بن سعيد الحَدِيث الَّذِي قبله، وَزَاد عَلَيْهِ قصَّة اللد. قَوْله: (لددناه) ، أَي: جعلنَا فِي جَانب فَمه دَوَاء بِغَيْر اخْتِيَاره، فَهَذَا هُوَ اللد، وَالَّذِي يصب فِي الْحلق يُسمى: الوجور، وَالَّذِي يصب فِي الْأنف يُسمى: السعوط. قَوْله: (كَرَاهِيَة الْمَرِيض) ، قَالَ عِيَاض: ضبطناه بِالرَّفْع أَي: هَذَا مِنْهُ كَرَاهِيَة الْمَرِيض، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء: هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا الِامْتِنَاع كَرَاهِيَة. قلت: لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة لِأَن مَا قَالَه مثل مَا قَالَه عِيَاض، وَيجوز النصب على أَنه مفعول، أَي: لأجل كَرَاهِيَة الْمَرِيض، وَيجوز انتصابه على المصدرية أَي: كرهه كَرَاهِيَة الْمَرِيض الدَّوَاء. قَوْله: (وَأَنا أنظر) جملَة حَالية. أَي: لَا يبْقى أحد إلاّ لد فِي حضوري، وَحَال نَظَرِي إِلَيْهِم قصاصا لفعلهم وعقوبة لَهُم لتركهم امْتِثَال نَهْيه عَن ذَلِك، أما من بَاشرهُ فَظَاهر، وَأما من لم يباشره فلكونهم تركُوا نهيهم عَمَّا نَهَاهُم هُوَ عَنهُ. قَوْله: (فَإِنَّهُ لم يشهدكم) ، أَي: لم يحضركم حَالَة اللد، ومَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مَعَهم فلدت أَيْضا وَإِنَّهَا الصائمة لقسم رَسُول الله ﷺ ، قيل: قَالَ ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) إِن الْعَبَّاس هُوَ الْآمِر باللد، وَقَالَ: وَالله لألدَّنه، وَلما أَفَاق قَالَ: من صنع هَذَا بِي؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله عمك. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يُمكن التلفيق بَينهمَا بِأَن يُقَال: لَا مُنَافَاة بَين الْأَمر وَعدم الْحُضُور وَقت اللد. رَوَاهُ ابنُ أبي الزِّنادِ عنْ هشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق مُحَمَّد بن سعد عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد بِهَذَا السَّنَد وَكَانَ لَفظه: كَانَت تَأْخُذ رَسُول الله الخاصرة فاشتدت بِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فلددناه، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ: كُنْتُم ترَوْنَ أَن الله يُسَلط عَليّ ذَات الْجنب؟ مَا كَانَ الله ليجعل لَهَا عَليّ سُلْطَانا، وَالله لَا يبْقى أحد فِي الْبَيْت إلَاّ لد، ولددنا مَيْمُونَة وَهِي صَائِمَة. ٤٤٥٩ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ أخْبرنا أزْهَرُ أخْبرنا ابنُ عَوْنٍ عنْ إبْرَاهيمَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ ذُكرَ عِنْدَ عائِشَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ أوْصَي إِلَيّ عَلِيّ فقالَتْ مَنْ قالهُ لَقَدْ رأيْتُ النبيَّ ﷺ وإنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي فَدَعا بالطَّسْتِ فانْخَنَثَ فَماتَ فَما شعَرْتُ فَكَيْفَ أوصَى إلَى عَلِيّ. (انْظُر الحَدِيث ٢٧٤١) .

стр. 5336

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمَاتَ) وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وأزهر هُوَ ابْن سعد السمان الْبَصْرِيّ، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ. وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ خَال إِبْرَاهِيم والْحَدِيث مضى فِي أول الوصابا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَمْرو بن زُرَارَة عَن إِسْمَاعِيل عَن عون الخ وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (ذكر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَدَعَا بالطست) ، يَعْنِي: ليتفل فِيهِ. قَوْله: (فانخنث) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة أَي: استرخى وَمَال إِلَى أحد شقيه، من الانخناث، وَهُوَ الْميل والاسترخاء. ٤٤٦٠ - ح دَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا مالِكُ بنُ مِغْوَلٍ عنْ طَلْحَةَ قَالَ سألْتُ عَبْدَ الله بنَ أبي أوْفَى ﵄ آوْصَى النبيُّ ﷺ فَقَالَ لَا فَقُلْتُ كَيْفَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أوْ إُمروا بِها قَالَ أوْصَى بِكِتابِ الله. (انْظُر الحَدِيث ٢٧٤٠ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُطَابق للْحَدِيث السَّابِق، والمطابق للمطابق بِشَيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وَمَالك بن مغول، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره لَام، وَطَلْحَة هُوَ ابْن مصرف بِلَفْظ إسم الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول من التصريف. والْحَدِيث مضى فِي الْوَصَايَا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَلاد بن يحيى عَن مَالك بن مغول ... الخ. (فَقَالَ: لَا) ، يَعْنِي: مَا أوصى فَإِن قلت: كَيفَ نفى هُنَا الْوَصِيَّة ثمَّ أثبتها بقوله: (أوصى بِكِتَاب الله) ؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْبَاء زَائِدَة، يَعْنِي أوصى كتاب الله أَي: أَمر بذلك، وَإِطْلَاق لفظ الْوَصِيَّة على سَبِيل المشاكلة فَلَا مُنَافَاة بَينهمَا أَو الْمَنْفِيّ الْوَصِيَّة بِالْمَالِ أَو بِالْإِمَامَةِ، والمثبت الْوَصِيَّة بِكِتَاب الله تَعَالَى. قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ طابق السُّؤَال الْجَواب؟ قلت: مَعْنَاهُ أوصى بِمَا فِي كتاب للها، وَمِنْه الْأَمر بِالْوَصِيَّةِ. ٤٤٦٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ عنْ أنسٍ قَالَ لمّا ثَقُلَ النبيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فقالتْ فاطِمَةُ ﵍ واكَرْبَ أباهْ فَقَالَ لهَا لَيْسَ عَلَى أبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قالَتْ يَا أبَتاهْ أجابَ رَبًّا دعاهْ يَا أبَتاهْ مَنْ جَنَّةُ الفِرْدُوْسِ مأْوَاهْ يَا أبتاهْ إلَى جِبْرِيلَ نَنْعاه فَلَمَّا دُفِنَ قالَتْ فاطِمَةُ ﵍ يَا أنَسُ أطَابَتْ أنْفُسَكُمْ أنْ تَحْثُوا عَلَى رسُول الله ﷺ الترَابَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَلَمَّا دفن) ، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد وثابت بن أسلم الْبنانِيّ. والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي. قَوْله: (لما ثقل) ، أَي: لما اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض. قَوْله: (جعل يتغشاه) ، فَاعل: جعل، الثّقل الَّذِي يدل عَلَيْهِ لفظ: ثقل، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: يتغشاه، يرجع إِلَى الثّقل الْمُقدر، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَالْمرَاد بالثقل: الكرب الَّذِي هُوَ الْغم الَّذِي يَأْخُذ بِالنَّفسِ والشدة، وَلَا يُقَال: إِنَّه نوع من النِّيَاحَة لِأَن هَذَا ندبة

стр. 5337

مُبَاحَة لَيْسَ فِيهَا مَا يشبه نوح الْجَاهِلِيَّة من الْكَذِب وَنَحْوه. قَوْله: (واكرب أَبَاهُ) ، مَنْدُوب، وَالْألف ألف الندبة، وَالْهَاء هَاء السكت لأجل الْوَقْف، قَوْله: (لَيْسَ على أَبِيك كرب بعد الْيَوْم) ، يَعْنِي: لَا يُصِيبهُ بعد الْيَوْم نصب وَلَا يجد لَهُ كرباً إِذا ذَهَبْنَا إِلَى دَار الْكَرَامَة، قَوْله: (يَا أبتاه) أَصله: يَا أبي، وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق الَّتِي فِيهِ مبدلة من يَاء أبي، وَالْألف للندبة لمد الصَّوْت، وَالْهَاء للسكت. قَوْله: (من جنَّة الفردوس) ، وَمِيم كلمة: من، مَفْتُوحَة وَهِي مَوْصُولَة، و: جنَّة الفردوس، خَبره مقدما، أَي: مَأْوَاه خَبره أَي منزله وَقيل كلمة من بِكَسْر الْمِيم حرف جر فعلى هَذَا قَوْله (مَأْوَاه) مُبْتَدأ وَمن جنَّة الفردوس خَبره مقدما أَي كَائِن من جنَّة الفردوس، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا أولى قلت: الأول أولى على مَا لَا يخفي على من يدقق نظره. قَوْله: (ننعاه) مضارع: نعى الْمَيِّت ينعاه نعياً ونعيّا بتَشْديد الْيَاء: إِذا ذاع مَوته وَأخْبر بِهِ وَإِذا نَدبه. وَقيل: الصَّوَاب نعاه يَعْنِي بِصِيغَة الْمَاضِي وَقَالَ بَعضهم: الأول موجه فَلَا معنى لتغليط الروَاة بِالظَّنِّ قلت: من نَص على أَن الروَاة رَوَوْهُ بِصِيغَة الْمُضَارع فَلم لَا يجوز أَن يكون ذَلِك من النساخ؟ قَوْله: (فَلَمَّا دفن قَالَت فَاطِمَة) ، هَذَا من رِوَايَة أنس عَن فَاطِمَة حَيْثُ قَالَت: (أطابت أَنفسكُم) الخ مَعْنَاهُ: كَيفَ طابت أَنفسكُم على حثو التُّرَاب عَلَيْهِ مَعَ شدَّة محبتكم لَهُ؟ وَسكت أنس عَن الْجَواب لَهَا رِعَايَة وتأدباً، وَلكنه أجَاب بِلِسَان الْحَال: قُلُوبنَا لم تطب بذلك وَلَكنَّا قهرنا على فعله امتثالاً لأَمره، وَالله أعلم. ٨٥ - (بابُ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النبيّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان آخر مَا تكلم بِهِ النَّبِي ﷺ عِنْد طُلُوع روحه الْكَرِيم. ٤٤٦٣ - ح دَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عبْدُ الله قَالَ يُونُسُ قَالَ الزُّهْريُّ أخبَرَني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ فِي رِجالٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ وهْوَ صحِيحٌ إنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نبيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ ورَأسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عليْهِ ثُمَّ أَفَاق فأشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ ثُمَّ قَالَ أللَّهُمَّ الرَّفِيق الأعْلَى فَقُلْتُ إِذا لَا يَخْتارُنا وعَرَفْتُ أنَّهُ الحَدِيثُ الَّذِي كانَ يُحَدِّثُنا بِهِ وهْوَ صَحِيحٌ قالَتْ فَكانَتْ آخرَ كَلِمَةٍ تَكلَّمَ بِها أللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (فَكَانَت آخر كلمة) إِلَى آخِره، وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله وَابْن الْمُبَارك. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الرقَاق عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير فِي رجال من أهل الْعلم إِلَى آخِره وَفِي الدَّعْوَات عَن سعيد ابْن عفير، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده. قَوْله: (فِي رجال من أهل الْعلم) ، أَي: أَخْبرنِي فِي جملَة رجال مِنْهُم عُرْوَة بن الزبير، كَمَا فِي كتاب الرقَاق، أَو: أَخْبرنِي فِي حُضُور رجال. قَوْله: (وَهُوَ صَحِيح) ، جملَة حَالية، قَوْله: (ثمَّ يُخَيّر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّخْيِير. قَوْله: (فَلَمَّا نزل بِهِ) ، أَي: فَلَمَّا صَار الْمَرَض نازلاً بِهِ، وَالرَّسُول منزولاً بِهِ. قَوْله: (الرفيق) بِالنّصب، أَي: اخْتَار الرفيق أَو أريده، وَتَفْسِيره قد مر. ٨٥ - (بابُ وفاةِ النبيِّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَفَاة النَّبِي ﷺ ، فِي أَي السنين، وَفِي بعض النّسخ: بَاب وَفَاة النَّبِي ﷺ ، وَمَتى توفّي؟ وَابْن كم؟ ٤٤٦٤ - ح دَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا شَيْبانُ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ عائِشَةَ وابنِ عَبَّاسٍ ﵃ أنَّ النبيَّ ﷺ لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ وبالمَدِينَةِ عَشْراً. . مطابقته للتَّرْجَمَة تدل بالإلتزام لَا بِالصَّرِيحِ، وَذَلِكَ أَن قَوْله: (وبالمدينة عشرا) يدل على أَنه توفّي عِنْد تَمام الْعشْر، فطابق

стр. 5338

التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَلَا يدل على وَقت معِين، وَيدل على أَنه عمر سِتِّينَ سنية لِأَن الْعشْر الَّذِي فِي مَكَّة هُوَ الْعشْر الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن وَلم ينزل عَلَيْهِ الْقُرْآن إلَاّ بعد تَمام الْأَرْبَعين كَمَا دلّت عَلَيْهِ الدَّلَائِل من الْخَارِج، فَيكون عمره سِتِّينَ سنة فَإِن قلت: روى عَن عَائِشَة أَيْضا أَنه عمر ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة؟ قلت: تحمل رِوَايَة السِّتين على إِلْغَاء الْكسر فَإِن قلت: روى مُسلم عَن ابْن عَبَّاس: أَن عمره خمس وَسِتُّونَ قلت: إِمَّا بِحمْل الزِّيَادَة على الإلغاء كَمَا ذكرنَا، أَو يكون على قَول من قَالَ: إِنَّه بعث وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَأَرْبَعين، وَأكْثر مَا قيل فِي عمره خمس وَسِتُّونَ، وَالْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور ثَلَاث وَسِتُّونَ. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير صَالح، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. ٤٤٦٦ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَة ﵂ أنَّ رسُولَ الله ﷺ تُوُفِّيَ وَهْوَ ابنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ قَالَ ابنُ شِهابٍ وأخْبَرَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. . هَذِه الرِّوَايَة عَن عَائِشَة هِيَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور كَمَا قُلْنَا الْآن. قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل مَا سمع ابْن شهَاب عَن عُرْوَة: أَنه عمر ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة، سمع عَن سعيد بن الْمسيب أَيْضا: أَنه عمر ثَلَاثًا وَسِتِّينَ. ٨٧ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب، كَذَا عِنْد جَمِيع الروَاة بِلَا تَرْجَمَة، وَهُوَ كالفصل لما قبله. ٤٤٦٧ - ح دَّثنا قَبِصَةُ حَدثنَا سُفْيان عنِ الأَعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عَن الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ تُوُفِّيَ النبيُّ ﷺ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيّ بثَلَاثِينَ يَعْنِي صَاعا منْ شَعِيرٍ. . وَجه ذكر هَذَا الحَدِيث الَّذِي مضى فِي الرَّهْن وَغَيره لأجل ذكر وَفَاته هُنَا، وللإشارة إِلَى أَن ذَلِك من آخر أَحْوَاله وَقبيصَة هُوَ ابْن عقبَة، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ، وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون. قَوْله: (بِثَلَاثِينَ) ، كَذَا لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده: ثَلَاثِينَ صَاعا من الشّعير، وَفِي التِّرْمِذِيّ: عشْرين صَاعا بدل ثَلَاثِينَ. ٨٨ - (بابُ بَعْثِ النبيِّ ﷺ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بعث النَّبِي ﷺ أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة مولى النَّبِي ﷺ من أَبَوَيْهِ، وَكَانَ تَجْهِيزه أُسَامَة يَوْم السبت قبل موت النَّبِي ﷺ بيومين، لِأَنَّهُ مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وَكَانَ بَعثه إِلَى الشَّام، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لما كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين بَقِيَتَا من صفر بدىء برَسُول الله ﷺ وَجَعه فَحم وصدع، فَلَمَّا أصبح يَوْم الْخَمِيس عقد لأسامة لِوَاء بِيَدِهِ، ثمَّ قَالَ: أغز باسم الله، فقاتل من كفر بِاللَّه وسر إِلَى مَوضِع مقتل أَبِيك فقد وليتك على هَذَا الْجَيْش فاغز صباحاً على أهل أبنى، وَهِي أَرض لسراه نَاحيَة البلقاء، فَخرج بلوائه معقوداً فَدفعهُ إِلَى بُرَيْدَة بن الْحصيب الْأَسْلَمِيّ وعسكر بالجرف فَلم يبْق أحد من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين وَالْأَنْصَار إلَاّ انتدب فِي تِلْكَ الْغَزْوَة، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ﵃، وَغَيرهم، فَتكلم قوم وَقَالُوا: يسْتَعْمل هَذَا الْغُلَام على الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين؟ فَغَضب رَسُول الله ﷺ غَضبا شَدِيدا، فَخرج وَقد عصب على رَأسه عِصَابَة قطيفة، فَصَعدَ الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس! فَمَا مقَالَة بلغتني عَن بَعْضكُم فِي تأميري أُسَامَة؟ وَإِن طعنتم فِي تأميري أُسَامَة فقد طعنتم فِي إِمَارَة أَبِيه من قبله، وأيم الله إِن كَانَ خليقاً بالإمارة وَإِن ابْنه بعده لخليق للإمارة، ثمَّ نزل فَدخل

стр. 5339

بَيته وَذَلِكَ يَوْم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إِحْدَى عشرَة. قَالَ ابْن هِشَام: وَإِنَّمَا طعنوا فِي أُسَامَة لِأَنَّهُ ابْن مولى وَكَانَ صَغِير السن، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك المُنَافِقُونَ، وَلما كَانَ يَوْم الْأَحَد اشْتَدَّ برَسُول الله ﷺ وَجَعه فَدخل أُسَامَة من مُعَسْكَره وَالنَّبِيّ ﷺ مغمور، فطأطأ أُسَامَة رَأسه فَقبله، وَالنَّبِيّ ﷺ لَا يتَكَلَّم وَرجع أُسَامَة إِلَى مُعَسْكَره ثمَّ دخل يَوْم الْإِثْنَيْنِ فَأصْبح رَسُول الله ﷺ مفيقاً وَأمر أُسَامَة النَّاس بالرحيل، فَبَيْنَمَا هُوَ يُرِيد الرّكُوب إِذا رَسُول أم أَيمن قد جَاءَهُ يَقُول: إِن رَسُول الله ﷺ يَمُوت، فَأقبل أُسَامَة وَأَقْبل مَعَه عمر وَأَبُو عُبَيْدَة، فَانْتَهوا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَتوفي حِين زاغت الشَّمْس يَوْم الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول، وَدخل الْمُسلمُونَ الَّذين عسكروا بالجرف إِلَى الْمَدِينَة، وَدخل بُرَيْدَة بن الْحصيب بلواء أُسَامَة معقوداً حَتَّى أَتَى بِهِ بَاب رَسُول الله ﷺ ، فغرزه عِنْده، فَلَمَّا بُويِعَ لأبي بكر ﵁، أَمر أُسَامَة أَن يمْضِي إِلَى وَجه، وَسَار عشْرين لَيْلَة فشن عَلَيْهِم الْغَارة فَقتل من أشرف لَهُ وسبى من قدر عَلَيْهِ وَحرق مَنَازِلهمْ وحرثهم ونخلهم، وَكَانَ أُسَامَة على فرس أَبِيه سبْحَة، وَقتل قَاتل أَبِيه فِي الْغَارة ثمَّ قسم الْغَنِيمَة ثمَّ قصد الْمَدِينَة وَمَا أُصِيب من الْمُسلمين أحد، وَخرج أَبُو بكر فِي الْمُهَاجِرين وَأهل الْمَدِينَة يتلقونهم، وَكَانَ أُسَامَة دخل على فرس أَبِيه سبْحَة واللواء أَمَامه يحملهُ بُرَيْدَة بن الْحصيب، وَبلغ هِرقل وَهُوَ بحمص مَا صنع أُسَامَة فَبعث رابطة يكونُونَ بالبلقاء، فَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى قدمت الْبعُوث إِلَى الشَّام فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر ﵄. ٤٤٦٨ - ح دَّثني أبُو عاصِمٍ الضَّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ عنِ الفُضَيْلِ بن سُلَيْمانَ حَدثنَا موساى بنُ عقْبَةَ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ اسْتَعْمَلَ النبيُّ ﷺ أُسامَةَ فَقَالُوا فِيهِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ قَدْ بَلَغَنِي أنَّكُمْ قُلْتُمْ فِي أُسامَةَ وإنَّهُ أحَبُّ النَّاسِ إليَّ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اسْتعْمل النَّبِي ﷺ ، أُسَامَة) ، وَقد مرت الْآن قصَّته، والفضيل مصغر فضل بالضاد الْمُعْجَمَة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر، والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن عَمْرو بن يحيى. قَوْله: (فَقَالُوا فِيهِ) ، أَي: طعنوا فِي أُسَامَة. قَوْله: (وَإنَّهُ) ، أَي: وَإِن أُسَامَة (أحب النَّاس إليّ) ، وَمرَاده أحب النَّاس الَّذين طعنوا فِيهِ إليّ. ٨٩ - (بَاب) ٤٤٧٠ - ح دَّثنا أصْبَغُ قَالَ أخْبرني ابنُ وهْبٍ قَالَ أخبرَني عَمْروٌ عَن ابنِ أبي حَبِيبٍ عنْ أبي الخَيْرِ عنِ الصُّنابِحِيِّ أنَّهُ قَالَ لهُ مَتى هاجَرْتَ قَالَ خَرَجْنا من اليَمَنِ مُهاجِرِينَ فَقَدِمْنا الجُحْفَةَ

стр. 5340

فأقْبَلَ رَاكِبٌ فقُلْتُ لهُ الخَبَرَ فَقَالَ دَفَنَّا النبيَّ ﷺ مُنْذُ خمْسٍ قُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ شَيْئاً قَالَ نَعمْ أَخْبرنِي بِلَالٌ مُؤَذِّنُ النبيِّ ﷺ أنَّهُ فِي السَّبْعِ فِي العَشْرِ الأوَاخِر. مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: بَاب وَفَاة النَّبِي ﷺ ، فِي قَوْله: (دفنا النَّبِي ﷺ والبابان اللَّذَان بعده متعلقان بِهِ وَلَيْسَ لَهما حكم الاستبداد، فَافْهَم. وَأصبغ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: وَهُوَ ابْن الْفرج أَبُو عبد الله الْمصْرِيّ، سمع عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو، بِالْفَتْح: ابْن الْحَارِث، وَابْن أبي حبيب هُوَ يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو رَجَاء الْمصْرِيّ، وَاسم أبي حبيب سُوَيْد، وَأَبُو الْخَيْر اسْمه مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: ابْن عبد الله الْيَزنِي الْمصْرِيّ، ويزن، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالزَّاي وَالنُّون: بطن من حمير، والصنابحي، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة مَكْسُورَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: وَهُوَ عبد الله ابْن عسيلة مصغر العسلة بالمهملتين: ابْن عسل بن عَسَّال الشَّامي، وَأَصله من الْيمن ونسبته إِلَى صنابج بن زَاهِر بن عَامر بطن من مُرَاد، حل إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقبض وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ، ثمَّ نزل الشَّام وَمَات بِدِمَشْق. وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (إِنَّه قَالَ) أَي: أَن أَبَا الْخَيْر قَالَ للصنابحي: مَتى هَاجَرت؟ من الْهِجْرَة. قَوْله: (الْجحْفَة) بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء، وَهِي إِحْدَى مَوَاقِيت الْحَج. قَوْله: (الْخَبَر) ، أَي: مَا الْخَبَر من الْمَدِينَة؟ وَيجوز فِيهِ النصب على تَقْدِير: هَات الْخَبَر. قَوْله: (مُنْذُ خمس) لَيَال. قَوْله: (قلت: هَل سَمِعت؟) الْقَائِل هُوَ أَبُو الْخَيْر. وَالْمقول لَهُ الصنَابحِي. قَوْله: (فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان) ، وَلَيْسَ هُوَ بَدَلا من السَّبع، بل التَّقْدِير: السَّبع الْكَائِن فِي الْعشْر، أَو كلمة: فِي، بِمَعْنى: من، وَجمع الْأَوَاخِر بِاعْتِبَار أَيَّام الْعشْر أَو جنس الْعشْر كالدراهم الْبيض. قَوْله: (الْأَوَاخِر) ، صفة للسبع وللعشر كليهمَا فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، وَهُوَ نوع من بَاب التَّنَازُع. ٩٠ - (بابٌ كَمْ غَزَا النبيُّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: كم غزا النَّبِي ﷺ ؟ ٤٤٧١ - ح دَّثنا عبْدُ الله بنُ رجاءٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ سألْتُ زَيْدَ بنَ أرْقَمَ ﵁ كَمْ غَزَوْتَ معَ رسُولِ الله ﷺ قَالَ سبْعَ عَشْرَةَ قُلْتُ كُمْ غَزَا النبيُّ ﷺ قالَ تِسْعَ عَشْرَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٩٤٩ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَإِسْرَائِيل هَذَا يروي عَن جده أبي إِسْحَاق. وَمر الحَدِيث فِي أول الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن وهب، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٤٥٤ - (حَدثنَا عبد الله بن رَجَاء حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق حَدثنَا الْبَراء ﵁ قَالَ غزوت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - خمس عشرَة) هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه هُوَ الْإِسْنَاد الَّذِي سبق غير أَن أَبَا إِسْحَاق روى الحَدِيث هُنَاكَ عَن زيد بن أَرقم وَهَهُنَا عَن الْبَراء وَاخْتلف فِي عدد غزوات النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان بِإِسْنَادِهِ عَن مَكْحُول أَن رَسُول الله ﷺ َ - غزا ثَمَان عشرَة غَزْوَة وَقَاتل فِي ثَمَان غزوات أولهنَّ (بدر) ثمَّ (أحد) ثمَّ (الْأَحْزَاب) ثمَّ (قُرَيْظَة) ثمَّ (بِئْر مَعُونَة) ثمَّ (غَزْوَة بني المصطلق من خُزَاعَة) ثمَّ (غَزْوَة خَيْبَر) ثمَّ (غَزْوَة مَكَّة) ثمَّ (حنين والطائف) قَالَ ابْن كثير قَوْله أَن بِئْر مَعُونَة بعد بني قُرَيْظَة فِيهِ نظر وَالصَّحِيح أَنَّهَا بعد أحد وَعَن الزُّهْرِيّ قَالَ غزا رَسُول الله ﷺ َ - أَرْبعا وَعشْرين غَزْوَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وروى عبد بن حميد فِي مُسْنده عَن جَابر قَالَ غزا رَسُول الله ﷺ َ - إِحْدَى وَعشْرين غَزْوَة وَقَالَ ابْن

стр. 5341

إِسْحَاق جَمِيع مَا غزا رَسُول الله ﷺ َ - بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة سبعا وَعشْرين غَزْوَة وَعَن قَتَادَة أَن مغازي رَسُول الله ﷺ َ - وسراياه ثَلَاث وَأَرْبَعُونَ أَربع وَعِشْرُونَ بعثا وتسع عشرَة غَزْوَة وَخرج فِي ثَمَان مِنْهَا بِنَفسِهِ وَقَالَ ابْن إِسْحَاق بعوثه وسراياه ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح غزوات النَّبِي ﷺ َ - وسراياه نيفت على الْمِائَة مَا بَين غَزْوَة وسرية - ٤٤٧٣ - ح دَّثني أحْمَدُ بنُ الحَسَنِ حَدثنَا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَل بنِ هِلَالٍ حَدثنَا معْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ كَهْمَس عنِ ابْن بُرَيْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ سِتَّ عشْرَةَ غَزْوَةً. أَحْمد بن الْحسن بن الجنيدب، بِضَم الْجِيم وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: التِّرْمِذِيّ أحد حفاظ خُرَاسَان، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ وأفراده، وَأحمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل ابْن هِلَال الْمروزِي الشَّيْبَانِيّ، خرج من مر وحملاً وَولد بِبَغْدَاد وَمَات بهَا وقبر مَشْهُور يزار ويتبرك بِهِ، وَكَانَ إِمَام الدُّنْيَا وقدوة أهل السّنة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَلم يخرج البُخَارِيّ لَهُ فِي هَذَا الْجَامِع مُسْندًا غير هَذَا الحَدِيث، نعم اسْتشْهد بِهِ، قَالَ فِي النِّكَاح فِي: بَاب مَا يحل من النِّسَاء: قَالَ لنا أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ فِي اللبَاس فِي: بَاب هَل يَجْعَل نقش الْخَاتم ثَلَاثَة أسطر: وَزَادَنِي أَحْمد، وكهمس، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْمِيم وبالسين الْمُهْملَة: إِبْنِ الْحسن النمر، بالنُّون: الْمصْرِيّ مر فِي الصَّلَاة، وَأَبُو بُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر الْبردَة: واسْمه عبد الله يروي عَن أَبِيه بُرَيْدَة بن حصيب، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: الْأَسْلَمِيّ الصَّحَابِيّ الْكَبِير. قَوْله: (غزا مَعَ رَسُول الله ﷺ سِتَّة عشرَة غَزْوَة) . هَذَا أحد الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة الَّتِي أخرجهَا مُسلم عَن شُيُوخ أخرج البُخَارِيّ تِلْكَ الْأَحَادِيث بِعَينهَا عَن أُولَئِكَ الشُّيُوخ بِوَاسِطَة، وَوَقع من هَذَا النمط للْبُخَارِيّ أَكثر من مِائَتي حَدِيث. ٦٥ - (كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا: كتاب تَفْسِير الْقُرْآن، وَعند غير أبي ذَر الْبَسْمَلَة مؤخرة عَن التَّرْجَمَة، وَالتَّفْسِير مصدر من فسر من بَاب التفعيل وَمَعْنَاهُ اللّغَوِيّ: الْبَيَان، يُقَال: فسَرت الشَّيْء بِالتَّخْفِيفِ وفسَّرته بِالتَّشْدِيدِ: إِذا بَينته، وَمَعْنَاهُ الإصطلاحي: التَّفْسِير هُوَ التكشيف عَن مدلولات نظم الْقُرْآن. الرَّحْمانِ الرَّحِيمُ اسْمانِ منَ الرَّحْمَةِ: الرَّحِيمُ والرَّاحِمُ بِمَعْنى واحِدٍ كالْعَلِيمِ والعالِم قَوْله: (من الرَّحْمَة) أَي: مشتقان من الرَّحْمَة، وَهِي فِي اللُّغَة: الحنو والعطف، وَفِي حق الله تَعَالَى مجَاز عَن إنعامه على عباده وَعَن ابْن عَبَّاس: الرَّحْمَن الرَّحِيم إسماه رقيقان أَحدهمَا أرق من الآخر، فالرحمن الرَّقِيق والرحيم العاطف على خلقه بالرزق، وَقيل: الرَّحْمَن لجَمِيع الْخلق، والرحيم للْمُؤْمِنين، وَقيل: رَحْمَن الدُّنْيَا وَرَحِيم الْآخِرَة، وَعَن ابْن الْمُبَارك: الرَّحْمَن إِذا سُئِلَ أعْطى، والرحيم إِذا لم يسْأَل يغْضب، وَعَن الْمبرد: الرَّحْمَن عبراني والرحيم عَرَبِيّ. قلت: فِي العبراني بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (الرَّحِيم والراحم بِمَعْنى وَاحِد) ، فِيهِ نظر، لِأَن الرَّحِيم إِن كَانَ صِيغَة مُبَالغَة فيزيد مَعْنَاهُ على معنى الراحم، وَإِن كَانَ صفة مشبهة فَيدل على الثُّبُوت، بِخِلَاف الراحم فَإِنَّهُ يدل على الْحُدُوث، وَأجِيب بِأَن مَا قَالَه بِالنّظرِ إِلَى أصل الْمَعْنى دون الزِّيَادَة. ١ - (بابُ مَا جاءَ فِي فاتِحَةِ الكِتابِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي فَاتِحَة الْكتاب من الْفضل أَو من التَّفْسِير أَو أَعم من ذَلِك، إعلم أَن لسورة الْفَاتِحَة ثَلَاثَة عشر إسماً. الأول: فَاتِحَة الْكتاب، لِأَنَّهُ يفْتَتح بهَا فِي الْمَصَاحِف والتعليم، وَقيل: لِأَنَّهَا أول سُورَة نزلت من السَّمَاء. الثَّانِي: أم الْقُرْآن على مَا يَجِيء. الثَّالِث: الْكَنْز. وَالرَّابِع: الوافية، سميت بهَا لِأَنَّهَا لَا تقبل التنصف فِي رَكْعَة. وَالْخَامِس: سُورَة الْحَمد، لِأَنَّهُ أَولهَا: الْحَمد. وَالسَّادِس: سُورَة الصَّلَاة. وَالسَّابِع: السَّبع المثاني. وَالثَّامِن: الشِّفَاء والشافية، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ

стр. 5342

رَسُول الله ﷺ : فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من كل سم. وَالتَّاسِع: الكافية لِأَنَّهَا تَكْفِي عَن غَيرهَا. والعاشر: الأساس لِأَنَّهَا أول سُورَة الْقُرْآن فَهِيَ كالأساس. وَالْحَادِي عشر: السُّؤَال لِأَن فِيهَا سُؤال العَبْد من ربه. وَالثَّانِي عشر: الشُّكْر، لِأَنَّهَا ثَنَاء على الله تَعَالَى. وَالثَّالِث عشر: سُورَة الدُّعَاء لاشتمالها على قَوْله: (اهدنا الصِّرَاط) . وسُمِّيَتْ أمَّ الكِتاب أنَّهُ يُبْدَأ بِكِتابَتِها فِي المَصاحِفِ ويُبْدَأ بِقِراءَتِها فِي الصَّلَاةِ أَي: وَسميت سُورَة الْفَاتِحَة أم الْكتاب وَذَلِكَ بِالنّظرِ إِلَى أَن الْأُم مبدأ الْوَلَد، وَقيل: سميت بهَا لاشتمالها على الْمعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآن من الثَّنَاء على الله تَعَالَى والتعبد بِالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد، وَقيل: لِأَن فِيهَا ذكر الذَّات وَالصِّفَات وَالْأَفْعَال. وَلَيْسَ فِي الْوُجُود سَوَاء. وَقيل: لاشتمالها على ذكر المبدأ والمعاش والمعاد، وَسميت: أم الْقُرْآن لِأَن الْأُم فِي اللُّغَة الأَصْل، سميت بِهِ لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل شَيْئا مِمَّا فِيهِ النّسخ والتبديل، بل آياتها كلهَا محكمَة فَصَارَت أصلا، وَقيل: سميت أم الْقُرْآن لِأَنَّهَا تؤم غَيرهَا كَالرّجلِ يؤم غَيره فيتقدم عَلَيْهِ. والدِّينُ الجَزَاءُ فِي الخَيْرِ والشَّرِّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَقَالَ مُجاهِدٌ بالدِّينِ بالحِسَابِ مَدِينِينَ مُحاسَبِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الدّين فِي قَوْله: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ وَهُوَ كَلَام أبي عُبَيْدَة حَيْثُ قَالَ: الدّين الْجَزَاء والحساب، يُقَال فِي الْمثل: كَمَا تدين تجازي، أَي كَمَا تفعل تجازى بِهِ، وَرُوِيَ هَذَا حَدِيثا مُرْسلا، رَوَاهُ بعد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَرُوِيَ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي قلَابَة عَن أبي الدَّرْدَاء مَوْقُوفا، وَأَبُو قلَابَة: عبد الله بن زيد لم يدْرك أَبَا الدَّرْدَاء. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد: بِالدّينِ بِالْحِسَابِ) . هُوَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْت الَّذِي يكذب بِالدّينِ﴾ (الماعون: ١) وَوَصله عبد بن حميد فِي التَّفْسِير من طَرِيق مَنْصُور عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿كلا بل تكذبون بِالدّينِ﴾ (الانفطار: ٩) ، قَالَ: الْحساب وَالدّين يَأْتِي لمعان كَثِيرَة: (الْعَادة) (وَالْعَمَل) (الحكم) (وَالْحَال) (وَالْحق) (وَالطَّاعَة) (والقهر) (وَالْملَّة) (والشريعة) (والورع) (والسياسة) ، قَوْله: (مدينين محاسبين) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا أَن كُنْتُم غير مدينين﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) وَفسّر مدينين بقوله: محاسبين، بِفَتْح السِّين. ٤٤٧٤ - ح دَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ قَالَ حدَّثني خُبَيْبُ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصِ ابنِ عاصِمٍ عنْ أبي سَعِيدِ بن المُعَلى قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ فدَعانِي رسولُ الله ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ فقلْتُ يَا رسولَ الله إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي فَقال ألَمْ يَقُلِ الله اسْتَجِيبُوا لله ولِلرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ ثُمَّ قَالَ ألَا أُعَلِّمَنَّكَ سورَةً هِيَ أعْظَمُ السُّوَر فِي القُرْآن قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أرادَ أنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لهُ ألمْ نَقُلْ لأُعَلِّمَنَّكَ سورَةً هِيَ أعْظَمُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ قَالَ الحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أوتِيتُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وخبيب، بِضَم الْخَاء العجمة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن بن خبيب بن يسَاف، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة: أَبُو الْحَارِث الْأنْصَارِيّ الخزرجي الْمدنِي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵁، وَأَبُو سعيد، بِفَتْح السِّين وَكسر الْعين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن الْمُعَلَّى، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين وَاللَّام الْمُشَدّدَة على لفظ إسم مفعول من التعلية، وَاخْتلف فِي إسم أبي سعيد هَذَا فَقيل: اسْمه رَافع، وَقيل: الْحَارِث، وَقيل: أَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: من قَالَ هُوَ رَافع بن الْمُعَلَّى فقد أَخطَأ لِأَن رَافع بن الْمُعَلَّى قتل ببدر، وَأَصَح مَا قيل الله أعلم فِي اسْمه: الْحَارِث بن نفيع بن الْمُعَلَّى بن لوذان بن حَارِثَة بن زيد بن ثَعْلَبَة من بني زُرَيْق الْأنْصَارِيّ الزرقي توفّي سنة أَربع وَسبعين وَهُوَ ابْن أَربع وَسبعين، وَقَالَ أَبُو عمر أَيْضا: لَا يعرف فِي الصَّحَابَة إلَاّ بحديثين: أَحدهمَا: عَن شُعْبَة عَن خبيب بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخر مَا ذكر هُنَا، وَالْآخر: عِنْد اللَّيْث بن سعد وَهُوَ حَدِيث طَوِيل، وأوله:

стр. 5343

كُنَّا نغدو إِلَى السُّوق على عهد رَسُول الله ﷺ الحَدِيث، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وَقيل: نسب الْغَزالِيّ وَالْفَخْر الرَّازِيّ وتبعهما الْبَيْضَاوِيّ هَذَا الحَدِيث إِلَى أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَهُوَ وهم، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سعيد بن الْمُعَلَّى، وَقَالَ بَعضهم: وروى الْوَاقِدِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي رِوَايَة عَن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى عَن أبي بن كَعْب وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالَّذِي هُنَا هُوَ الصَّحِيح، وَشَيخ الْوَاقِدِيّ هُنَا مَجْهُول أَيْضا وَهُوَ مُحَمَّد بن معَاذ، وَقَالَ أَيْضا: الْوَاقِدِيّ شَدِيد الضعْف إِذا انْفَرد فَكيف إِذا خَالف؟ قلت: ذكر الْحَافِظ الْمزي هَذَا وَلم يتَعَرَّض إِلَى شَيْء من ذَلِك، وَمن الْعجب أَن الْوَاقِدِيّ أحد مَشَايِخ إِمَامه الشَّافِعِي ويحط عَلَيْهِ هَذَا الْحَط وَهُوَ، وَإِن كَانَ ضعفه بَعضهم، فقد وَثَّقَهُ آخَرُونَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الْوَاقِدِيّ أَمِين النَّاس على أهل الْإِسْلَام، وَعَن مُصعب بن الزبير: ثِقَة مَأْمُون، وَكَذَا وَثَّقَهُ أَبُو عبيد وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن الْمُبَارك وَآخَرُونَ. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن بنْدَار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عبيد الله بن معَاذ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن بنْدَار. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب التَّسْبِيح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) ، أَي: فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَلم أجبه) ، لِأَنَّهُ ظن أَن الْخطاب لمن هُوَ خَارج عَن الصَّلَاة. قَوْله: (ألم يقل الله اسْتجِيبُوا لله وَالرَّسُول إِذا دعَاكُمْ) هَذَا خَاص بِهِ ﷺ . قَوْله: (أَلا أعلمنك) كلمة: إلَاّ للحث والتحضيض على مَا يَقُوله الْقَائِل فِي مثل هَذَا الْموضع، وأعلمنك، بنُون التَّأْكِيد الْمُشَدّدَة. قَوْله: (أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن) قَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون أعظم بِمَعْنى عَظِيم، وَقَالَ ابْن التِّين: مَعْنَاهُ أَن ثَوَابهَا أعظم من غَيرهَا، وَاسْتدلَّ بِهِ على جَوَاز تَفْضِيل بعض الْقُرْآن على بعض، وَقد منع ذَلِك الْأَشْعَرِيّ وَجَمَاعَة لِأَن الْمَفْضُول نَاقص عَن دَرَجَة الْأَفْضَل، وأسماه الله وَصِفَاته وَكَلَامه لَا نقص فِيهَا، وَأجِيب عَن هَذَا بِأَن الْأَفْضَلِيَّة من حَيْثُ الثَّوَاب والنفع للمتعبدين لَا من حَيْثُ الْمَعْنى وَالصّفة، فَإِن قلت: يُؤَيّد التَّفْضِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٦) قلت: الْخَيْرِيَّة فِي الْمَنْفَعَة والرفق لِعِبَادِهِ لَا من حَيْثُ الذَّات. قَوْله: (قَالَ: الْحَمد لله رب الْعَالمين) ، هَذَا صَرِيح فِي الدّلَالَة على أَن الْبَسْمَلَة لَيست من الْفَاتِحَة. قَوْله: (هِيَ السَّبع المثاني) ، أما السَّبع فَلِأَنَّهَا سبع آيَات بِلَا خلاف إِلَّا أَن مِنْهُم من عد: أَنْعَمت عَلَيْهِم دون التَّسْمِيَة، وَمِنْهُم من مذْهبه على الْعَكْس، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، قلت: الأول قَول الْحَنَفِيَّة، وَالْعَكْس قَول الشَّافِعِيَّة، فَإِنَّهُم يعدون التَّسْمِيَة من الْفَاتِحَة وَلَا يعدون: أَنْعَمت عَلَيْهِم آيَة، وَلكُل فريق حجج وبراهين عرفت فِي موضعهَا، وَإِمَّا تَسْمِيَتهَا بالمثاني فَلِأَنَّهَا تثني فِي كل رَكْعَة، وَقيل: المثاني من التَّثْنِيَة وَهِي التكرير لِأَن الْفَاتِحَة تكَرر قرَاءَتهَا فِي الصَّلَاة، أَو من الثَّنَاء لاشتمالها على مَا هُوَ ثَنَاء على الله تَعَالَى، وَفِيه نظر، والمثاني: جمع مثنى الَّذِي هُوَ معدول عَن اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، فَافْهَم. وروى ابْن عَبَّاس: أَن السَّبع المثاني هِيَ السَّبع الطوَال: (الْبَقَرَة) و (آل عمرَان) و (النِّسَاء) و (الْمَائِدَة) و (الْأَنْعَام) و (الْأَعْرَاف) و (يُونُس) وَكَذَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير، وَكَذَا ذكره الْحَاكِم، وَقَالَ: الْكَهْف، بدل: يُونُس، وَذكر الدَّاودِيّ عَن غَيره: أَنَّهَا من (الْبَقَرَة) إِلَى (بَرَاءَة) قَالَ: وَقيل: هِيَ السَّبع الَّتِي تلِي هَذِه السَّبع، وَقيل: السَّبع الْفَاتِحَة، والمثاني الْقُرْآن، وَقَالَ الْخطابِيّ: يَعْنِي بالعظيم عَظِيم المثوبة على قرَاءَتهَا وَذَلِكَ لما تجمع هَذِه السُّورَة من الثَّنَاء وَالدُّعَاء وَالسُّؤَال، وَالْوَاو فِي: وَالْقُرْآن الْعَظِيم، لَيست وَاو الْعَطف الْمُوجبَة للفصل بَين الشَّيْئَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ الْوَاو الَّتِي تَجِيء بِمَعْنى التَّخْصِيص كَقَوْلِه: ﴿وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل﴾ (الْبَقَرَة: ٩٨) ، وَكَقَوْلِه: ﴿فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ (الرَّحْمَن: ٦٨) وَقَالَ الْكرْمَانِي الْمَشْهُور بَين النُّحَاة أَن هَذِه الْوَاو للْجمع بَين الوصفين، فمعني: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ أَي: مَا يُقَال لَهُ: السَّبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم، وَمَا يُوصف بهما انْتهى. قلت: قَول الْخطابِيّ: إِن هَذِه الْوَاو وَلَيْسَت للْعَطْف خلاف مَا قَالَه النُّحَاة وَغَيرهم، وَهَذَا من عطف الْعَام على الْخَاص، وَقد مثل هُوَ أَيْضا بقوله: ﴿فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ (الْحجر: ٨٧) وَهَذَا يرد كَلَامه على مَا لَا يخفى، وَكَون الْعَطف عطف الْعَام على الْخَاص أَو بِالْعَكْسِ لَا يخرج الْوَاو عَن العطفية. ٢ - (بابُ غَيْرِ المَغْصُوبِ عَلَيْهِمْ ولَا الضَّالِّينَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ ، وَلَا وَجه لذكر لفظ: بَاب هُنَا، وَلَا ذكره حَدِيث الْبَاب هَهُنَا مناسباً لِأَنَّهُ لَا يتَعَلَّق بالتفسير، وَإِنَّمَا مَحَله أَن يذكر فِي فضل الْقُرْآن.

стр. 5344

٤٤٧٥ - ح دَّثنا عبْدُ الله بنُ يوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمّيَ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن رسُولَ الله ﷺ قَالَ إذَا قَالَ الإمامُ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولَا الضَّالِّينَ فقُولُوا آمِينَ فمنْ وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب جهر الإِمَام بآمين، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٢ - (سورَةُ البَقَرَةِ) أَي: هَذَا بَيَان مَا فِي سُورَة الْبَقَرَة من التَّفْسِير، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، أَي: السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهَا الْبَقَرَة، وَالسورَة فِي اللُّغَة وَاحِد السُّور وَهِي كل منزلَة من الْبناء، وَمِنْه: سور الْقُرْآن لِأَنَّهَا منزلَة بعد منزلَة مَقْطُوعَة عَن الْأُخْرَى، وَالْجمع: بِفَتْح الْوَاو، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَيجوز أَن يجمع على سورات وسورات، وَسورَة الْبَقَرَة مَدَنِيَّة فِي قَول الْجَمِيع، وَحكى الْمَاوَرْدِيّ الْقشيرِي: إلَاّ آيَة وَاحِدَة، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨١) فَإِنَّهَا نزلت يَوْم النَّحْر فِي حجَّة الْوَدَاع بمنى، وَهِي خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف حرف وَخَمْسمِائة حرف، وَسِتَّة آلَاف وَمِائَة وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ كلمة، ومائتان وست وَثَمَانُونَ آيَة فِي الْعدَد الْكُوفِي، وَهُوَ عدد عَليّ ﵁، وَفِي عدد أهل الْبَصْرَة: مِائَتَان وَثَمَانُونَ وَسبع آيَات، وَفِي عدد أهل الشَّام: مِائَتَان وَثَمَانُونَ وَأَرْبع آيَات، وَفِي عدد أهل مَكَّة: مِائَتَان وَثَمَانُونَ وَخمْس آيَات، وَهِي أول سُورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ فِي قَول، وَقيل لَهَا: فسطاط الْقُرْآن، فِيهَا خَمْسَة عشر مثلا، وَخَمْسمِائة حِكْمَة، وفيهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ رَحْمَة. ١ - (بابُ قوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ (الْبَقَرَة: ٣١) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٣١) هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره سقط لفظ: بَاب قَول الله. ٤٤٧٦ - ح دَّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حدّثنا هِشَامٌ حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ وَقَالَ لي خَلِيفَةُ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حَدثنَا سعِيدٌ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ يجْتَمِعُ المُؤمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فيَقُولون لَو اسْتَشْفَعْنا إِلَى رَبِّنا فَيأتُونَ آدَمَ فيَقُولُونَ أنْتَ أبُو النّاس خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ وأسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وعَلَّمَكَ أسْماءَ كلِّ شَيْءٍ فاشْفَعْ لَنا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنا مِنْ مكانِنا هاذا فيَقُولُ لَسْتُ هُناكُمْ ويَذْكُرُ ذَنْبَهُ فيسْتَحِي ائْتُوا نُوحاً فإنَّهُ أوَّلُ رَسولٍ بَعَثَهُ الله إلَى أهْلِ الأرْضِ فيَأتُونَهُ فيَقُولُ لَسْتُ هُناكُمْ ويَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ فيَسْتَحِي فيَقُولُ ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمانِ فَيأتُونَهُ فيَقُولُ لَسْتُ هُناكُمْ ائْتُوا موساى عَبْداً كلّمَهُ الله وأعْطاهُ التَّوْرَاةَ فيأتُونَهُ فيَقُولُ لَسْتُ هُناكُمْ ويَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ فيَسْتَحي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ ائْتُوا عِيسَى عبْدَ الله ورسُولَهُ وكَلِمَةَ الله ورُوحَهُ فيَقُولُ لَسْتُ هُناكُمْ ائْتُوا محَمَّداً ﷺ عبْداً غَفَرَ الله لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخَّرَ فيَأتُوني فأنْطَلِقُ حَتَّى أسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ فإِذا رَأيْتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِداً فَيَدَعُني مَا شاءَ الله ثُمَّ يُقالُ

стр. 5345

ارْفَعْ رَأْسك وسَلْ تُعْطَهْ وقُلْ يُسْمَعْ واشْفَعْ تُشفَعْ فأرْفَعْ رَأسِي فأحْمَدُهُ بتَحْمِيدٍ يُعلِّمُنِيهِ ثُمَّ أشْفعُ فيَحُد لِي حَدا فأُدْخِلُهُمُ الْجنَّة ثُمَّ أعُودُ إليْهِ فإِذَا رَأيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ ثُمَّ أشْفَعُ فيَحُدُّ لِي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ثُمَّ أعُودُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ أعودُ الرَّابِعَةَ فأقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إلَاّ مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ قَالَ أبُوا عبْدِ الله إلَاّ مَنْ حبَسَهُ القُرْآنُ يَعْنِي قَوْلَ الله تَعالى خالِدِينَ فِيهَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وعلمك أَسمَاء كل شَيْء) وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس. وَالثَّانِي: عَن خَليفَة بن خياط عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة الْبَصْرِيّ عَن قَتَادَة عَن أنس. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب التَّوْحِيد فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿لما خلقت بيَدي﴾ (ص: ٧٥) عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن قَتَادَة عَن أنس الخ بِطُولِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أبي الْأَشْعَث. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن نصر بن عَليّ. قَوْله: (وَقَالَ لي خَليفَة) فِي الطَّرِيق الثَّانِي هُوَ على سَبِيل المذاكرة، وَقيل: هُوَ بِمَنْزِلَة التحديث على رأى من رَآهُ، وَقيل: روى البُخَارِيّ عَن خَليفَة هَذَا فِي عشرَة مَوَاضِع مَقْرُونا ومنفرداً، وَالْغَالِب أَنه إِذا أفرده ذكره بِصِيغَة: قَالَ لي. قَوْله: (وعلمك أَسمَاء كل شَيْء) ، أَي: كل شَيْء من سَائِر الْأَشْيَاء حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: علمه أَسمَاء مَعْدُودَة، وَفِيه أَرْبَعَة أَقْوَال: الأول: أَنه علمه أَسمَاء الْمَلَائِكَة. الثَّانِي: أَنه علمه أَسمَاء الْأَجْنَاس دون أَنْوَاعهَا كَقَوْلِك: وَملك. الثَّالِث: أَنه علمه أَسمَاء مَا خلق الله فِي الأَرْض من الدو اب والهوام وَالطير. الرَّابِع: أَنه علمه أَسمَاء ذُريَّته. فَإِن قلت: هَل التَّعْلِيم مَقْصُور على الإسم دون الْمَعْنى أَو عَلَيْهِمَا؟ قلت: فِيهِ قَولَانِ. قَوْله: (حَتَّى يُرِيحنَا) ، بِضَم الْيَاء وبالراء: من الإراحة، وَقيل: بالزاي، يَعْنِي: يذهبنا ويبعدنا عَن هَذَا الْمَكَان، وَهُوَ موقف العرصات عِنْد الْفَزع الْأَكْبَر. قَوْله: (لست هُنَاكُم) ، يَعْنِي: لم يخبر أَن لَهُ ذَلِك، وَهنا، للقريب، وَالْكَاف، للخطاب. قَوْله: (وَيذكر ذَنبه) ، وَهُوَ قرْبَان الشَّجَرَة وَالْأكل مِنْهَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ أول رَسُول) أَي فَإِن نوحًا ﵇، أول رَسُول من الرُّسُل الَّذين أرسلهم الله. فَإِن قلت: آدم هُوَ أول الرُّسُل؟ قلت: مَعْنَاهُ: أول رَسُول أرْسلهُ الله بعد الطوفان، وَقيل: آدم كَانَ نَبيا لَا رَسُولا، وَهُوَ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ أول رَسُول أرْسلهُ الله بالإنذار لأولاده والإرشاد لَهُم. قَوْله: (وَيذكر سُؤَاله ربه مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم) وَهُوَ قَوْله: ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ (نوح: ٢٦) . قَوْله: (قتل النَّفس) هُوَ قَتله القبطي، قَوْله: (وَكلمَة الله وروحه) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ (النِّسَاء: ١٧١) قيل لَهُ: كلمة الله، لِأَنَّهُ وجد بِكَلِمَة: كن، وروح الله بقوله: ﴿فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٩١) والحصول الرّوح فِيمَن أَحَي من الْمَوْتَى، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ كلمة الله لِأَنَّهُ قد وجد بِأَمْر الله وكلمته من غير وَاسِطَة أَب ونطفة، وروح الله لِأَنَّهُ ذُو روح وجد من غير جُزْء من ذِي روح كالنطفة الْمُنْفَصِلَة من الْأَب الْحَيّ، وَإِنَّمَا اخترع اختراعاً من عِنْد الله تَعَالَى. قَوْله: (حَتَّى اسْتَأْذن على رَبِّي) ، وَفِي رِوَايَة: فِي دَاره، فَمَعْنَاه: دَاره الَّتِي خلقهَا الْعِبَادَة، كَمَا قيل: بَيت الله للكعبة والمساجد. قَوْله: (تشفع) على صِيغَة الْمَجْهُول بتَشْديد الْفَاء، أَي تقبل شفاعتك. قَوْله: (فيحدلي حدا) ، أَي: يعين لي قوما. قَوْله: (إلَاّ من حَبسه الْقُرْآن) ، أَي: إلَاّ من حكم عَلَيْهِ الْقُرْآن بِالْحَبْسِ وَالْخُلُود فِي النَّار قَالَ تَعَالَى: ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ ، أَي الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَوَجَب عَلَيْهِ الخلود) ، أَي: فِي النَّار. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن معنى قَوْله: (حَبسه الْقُرْآن هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ فَإِن قلت: فِي هَذَا الحَدِيث: إِنَّهُم يخرجُون من النَّار بشفاعة النَّبِي ﷺ . وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة: فَأمر الْمَلَائِكَة أَن يخرجُوا قوما من النَّار. قلت: لَا مُنَافَاة فِيهِ لأَنهم قد يؤمرون أَن يخرجوهم بشفاعة النَّبِي ﷺ . ٢ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب، كَذَا وَقع بِلَا تَرْجَمَة فِي رِوَايَة الْكل. قَالَ مُجاهِدٌ إلَى شياطِينِهِمْ أصْحابِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ

стр. 5346

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم﴾ (الْبَقَرَة: ١٤) وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَرُوِيَ عَن قَتَادَة قَالَ: إِلَى إخْوَانهمْ من الْمُشْركين ورؤوسهم، وَمعنى: خلوا رجعُوا، وَيجوز أَن يكون من الْخلْوَة يُقَال: خلوت بِهِ وخلوت مَعَه وخلوت إِلَيْهِ وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد، والشيطان المتمرد العاتي من الْجِنّ وَالْإِنْس وَمن كل شَيْء، واشتقاقه من: شطن، أَي: بعد عَن الْخَيْر، وَقيل: من شاط يشيط إِذا التهب وَاحْتَرَقَ، فعلى الأول النُّون أَصْلِيَّة، وعَلى الثَّانِي زَائِدَة. مُحِيطٌ بالكافِرِينَ: الله جامِعُهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى آخر قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو كصيب من السَّمَاء فِيهِ ظلمات ورعد وبرق يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق حذر الْمَوْت وَالله مُحِيط بالكافرين﴾ . وَفَسرهُ بقوله: (الله جامعهم) وَهَذَا وَصله عبد بن حميد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَن مُجَاهِد، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وإحاطة الله بالكافرين مجَاز، وَالْمعْنَى أَنهم لَا يفوتونه كَمَا لَا يفوت المحاط بِهِ الْمُحِيط حَقِيقَة، وَهَذِه الْجُمْلَة اعْتِرَاض لَا مَحل لَهَا. انْتهى. قلت: هِيَ جملَة إسمية، فالجملة لَا يكون لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب إلَاّ إِذا وَقعت فِي موقع الْمُفْرد، وَمعنى قَوْله: مجَاز، اسْتِعَارَة تمثيلية شبه حَاله تَعَالَى مَعَ الْكفَّار فِي أَنهم لَا يفوتونه وَلَا محيص لَهُم من عَذَابه بِحَال الْمُحِيط بالشَّيْء لِأَنَّهُ لَا يفوتهُ المحاط. صبْغَةٌ دِينٌ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الصبغة الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿صبغة الله﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٨) مفسرة: بِالدّينِ، وَكَذَا فَسرهَا مُجَاهِد، رَوَاهُ عَنهُ عبد بن حميد من طَرِيق مَنْصُور عَنهُ قَالَ: صبغة الله، أَي: دين الله، وَرُوِيَ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، قَالَ: صبغة الله أَي: فطْرَة الله. عَلَى الخَاشِعِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَقًّا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا الْكَبِيرَة إلَاّ على الخاشعين﴾ (الْبَقَرَة: ٤٥) ثمَّ فسر الخاشعين بقوله: (على الْمُؤمنِينَ حَقًا) وَوَصله عبد بن حميد عَن شَبابَة بالسند الْمَذْكُور عَن مُجَاهِد، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي الْعَالِيَة قَالَ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ على الخاشعين﴾ (الْبَقَرَة: ٤٥) يَعْنِي: الْخَائِفِينَ، وَمن طَرِيق مقَاتل بن حبَان، قَالَ: يَعْنِي بِهِ المتواضعين. قَالَ مُجاهِدٌ بقُوَّةٍ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣ ٩٣) ثمَّ فسر الْقُوَّة بقوله: (يعْمل بِمَا فِيهِ) ، وَعَن أبي الْعَالِيَة: الْقُوَّة الطَّاعَة، وَعَن قَتَادَة وَالسُّديّ: الْقُوَّة الْجد وَالِاجْتِهَاد. وَقَالَ أَبُو الْعالِيَةِ مَرَضٌ شَكٌّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا﴾ ثمَّ حكى عَن أبي الْعَالِيَة أَنه قَالَ: مرض شكّ، وَوصل هَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن أبي الْعَالِيَة، واسْمه: رفيع بن مهْرَان الريَاحي. وَمَا خَلْفَها عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناها نكالاً لما بَين يَديهَا وَمَا خلفهَا وموعظة لِلْمُتقين﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦) ثمَّ فسر قَوْله: ﴿وَمَا خلفهَا﴾ بقوله: (عِبْرَة لمن بَقِي) وَمعنى الْآيَة: فجعلناها، أَي: المسخة الَّتِي تفهم من قَوْله قبل هَذَا: ﴿فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ فجعلناها نكالا﴾ أَي: عِبْرَة، تنكل من اعْتبر بهَا، أَي: تَمنعهُ، وَمِنْه النكل وَهُوَ الْقَيْد. قَوْله: ﴿لما بَين يَديهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٥) أَي: لما قبلهَا. قَوْله: ﴿وَمَا خلفهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٦) أَي، وَمَا بعْدهَا من الْأُمَم والقرون، وَفسّر البُخَارِيّ قَوْله: (وَمَا خلفهَا) بقوله: (عِبْرَة لمن بَقِي) بعدهمْ من النَّاس، وَكَذَا فسره أَبُو الْعَالِيَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي جَعْفَر عَنهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقيل: نكالاً عُقُوبَة منكلة لما بَين يَديهَا لأجل مَا تقدمها من الذُّنُوب وَمَا تَأَخّر مِنْهَا. لَا شِيَةَ لَا بَياضَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول تثير الأَرْض وَلَا تَسْقِي الْحَرْث مسلمة لَا شية فِيهَا﴾ ثمَّ فسر قَوْله: (لَا شية) ، بقوله (لَا بَيَاض) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَا شية فِيهَا: لَا لمْعَة فِي بقيتها من لون آخر سوى الصُّفْرَة، فَهِيَ صفراء كلهَا حَتَّى قرنها وظلفها،

стр. 5347

والشية فِي الأَصْل مصدر وشاه وشياً وشيه إِذا خلط بلونه لون آخر قلت: أصل شية، وشي حذفت الْوَاو مِنْهُ ثمَّ عوض عَنْهَا التَّاء كَمَا فِي عدَّة. وَقَالَ غيْرُهُ أَي: غير أبي الْعَالِيَة، وَهُوَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام، وَأَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى، وَأَرَادَ بِهَذَا: أَن تَفْسِير الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة إِلَى هُنَا من قَول أبي الْعَالِيَة الْمَذْكُور، وَالَّذِي بعْدهَا من قَول غَيره. يَسُومُونَكُمْ: يُولُونَكُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يسومونكم سوء الْعَذَاب﴾ (الْبَقَرَة: ٤٩) ، ثمَّ فسر قَوْله: ﴿يسومونكم﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤١) بقوله: ﴿يولونكم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٦) بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: معنى يسومونكم يوردونكم أَو يذيقونكم أَو يولونكم، وَقيل: مَعْنَاهُ يصرفونكم فِي الْعَذَاب مرّة كَذَا وَمرَّة كَذَا، كَمَا يفعل فِي الْإِبِل السَّائِمَة. الولايَةُ مَفْتُوحَةُ مَصْدَرُ الوَلاءِ وهْيَ الرُّبُوبِيَّةُ وَإذَا كُسِرَتِ الواوُ فَهِيَ الإِمارَةُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هُنَالك الْولَايَة لله الْحق﴾ (الْكَهْف: ٤٤) قَوْله: (مَفْتُوحَة) أَي: حَال كَونهَا مَفْتُوحَة، الْوَاو مصدر الْوَلَاء، وَهِي الربوبية، وَمن أَسمَاء الله تَعَالَى: الْوَالِي، وَهُوَ مَالك الْأَشْيَاء جَمِيعهَا المنصرف فِيهَا، وَمن أَسْمَائِهِ: الْوَلِيّ لأمور الْعَالم وَالْخَلَائِق الْقَائِم بهَا. قَوْله: (وَإِذا كسرت الْوَاو) أَي: الْوَاو الَّتِي فِي: الْولَايَة، فَتكون بِمَعْنى: الْإِمَارَة، بسكر الْهمزَة، وَهَذَا كَلَام أبي عُبَيْدَة حَيْثُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هُنَالك الْولَايَة لله الْحق﴾ ، الْولَايَة بِالْفَتْح مصدر الْوَلِيّ، وبالكسر مصدر وليت الْعَمَل وَالْأَمر تليه. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الحُبُوبُ الَّتي تُؤْكَلُ كلُّها فومٌ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَادع لنا رَبك يخرج لنا مِمَّا تنْبت الأَرْض من بقلها وقثائها وفومها﴾ (الْبَقَرَة: ٦١) وَحكى عَن الْبَعْض وَأَرَادَ بِهِ عَطاء وَقَتَادَة: الْحُبُوب الَّتِي تُؤْكَل كلهَا فوم، بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا حَكَاهُ الْفراء عَنْهُمَا فِي: (مَعَاني الْقُرْآن) حَيْثُ قَالَ: كل حب يختبز، وروى ابْن جرير الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طرق عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَغَيرهمَا: أَن الفوم الْحِنْطَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: البقل مَا أنبتته الأَرْض من الْخضر، وَالْمرَاد بِهِ أطايب الْبُقُول الَّتِي يأكلها النَّاس: كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها والفوم الْحِنْطَة، وَمِنْه: فوموا لنا، أَي: اخبزوا، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود وَطَلْحَة وَالْأَعْمَش: الثوم، بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَبِه فسره سعيد بن جُبَير وَغَيره. وَقَالَ قَتادَةُ فَباؤُوا فانْقَلَبُوا أَي: قَالَ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي فِي تَفْسِير. قَوْله: ﴿فباؤوا بغضب من الله﴾ أَي: فانقلبوا، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فباؤوا، من قَوْلك: بَاء فلَان بفلان إِذا كَانَ حَقِيقا بِأَن يقتل بِهِ لمساواته لَهُ ومكافأته، أَي: صَارُوا أحقاء بغضبه، وَقَالَ الزّجاج: البوء التَّسْوِيَة، بقوله: باؤوا، أَي: اسْتَوَى عَلَيْهِم غضب الله، وَيُقَال: البوء الرُّجُوع أَي: رجعُوا وَانْصَرفُوا بذلك، وَهُوَ قريب من تَفْسِير قَتَادَة. وَقَالَ غيْرُهُ يَسْتَفْتِحُونَ يَسْتَنْصِرُونَ أَي: وَقَالَ غير قَتَادَة، وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة إِن معنى قَوْله: تَعَالَى: ﴿وَكَانُوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفرُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩) يَعْنِي: يستنصرون، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: يستظهرون، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين﴾ قَوْله: ﴿وَلما جَاءَهُم﴾ أَي: الْيَهُود ﴿كتاب من عِنْد الله﴾ وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي أنزل على مُحَمَّد ﷺ ﴿مُصدق لما مَعَهم﴾ يَعْنِي: من التَّوْرَاة، قَوْله: (وَكَانُوا أَي الْيَهُود: من قبل، أَي: من قبل مجيبي الْقُرْآن على لِسَان هَذَا الرَّسُول يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من الْمُشْركين إِذا قاتلوهم، فَيَقُولُونَ: إِنَّه سيبعث نَبِي فِي آخر الزَّمَان نقتلكم مَعَه قتل عَاد) . قَوْله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا﴾ يَعْنِي: فَلَمَّا بعث مُحَمَّد ﷺ ورأوه وعرفوه ﴿كفرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي: عَلَيْهِم، وضعا للظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر، وَاللَّام للْعهد، وَيجوز أَن يكون للْجِنْس. ويدخلوا فِيهِ دُخُولا أولياً. شَرَوْا باعُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولبئس مَا شروا بِهِ أنفسهم﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٢) ثمَّ فسره بقوله: (باعوا) وَكَذَا أخرجه ابْن أبي

стр. 5348

حَاتِم من طَرِيق السّديّ. راعِنا مِنَ الرُّعُونَةِ إذَا أَرَادوا أنْ يُحَمِّقُوا إنْساناً قالُوا رَاعِنا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَقولُوا رَاعنا قُولُوا أنظرنا﴾ الْآيَة نهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ أَن يشتبهوا بالكافرين فِي مقالهم وفعالهم، وَذَلِكَ أَن الْيَهُود كَانُوا يعانون من الْكَلَام مَا فِيهِ تورية لما يقصدونه من التنقص، فَإِذا أَرَادوا أَن يَقُولُوا: إسمع لنا، يَقُولُونَ: رَاعنا، ويورون بالرعونة الحماقة، وَمِنْهَا: الراعن وَهُوَ الأحمق، والأرعن عَن مُبَالغَة فِيهِ فَنهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ عَن مشابهة الْكَفَّارَة قولا وفعلاً، فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَقولُوا رَاعنا﴾ الْآيَة، وروى أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم، وَقَرَأَ عبد الله بن مَسْعُود: عوناً، وَقَرَأَ الْحسن: رَاعنا، بِالتَّنْوِينِ من الرعن وَهُوَ الحماقة أَي: لَا تَقولُوا قولا رَاعنا مَنْسُوبا إِلَى الرعن. بِمَعْنى: رعينا. وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِلَا تَنْوِين على أَنه فعل أَمر من المراعاة، وَالَّذِي قَالَه البُخَارِيّ يمشي على قِرَاءَة الْحسن. لَا تَجْزِي لَا تُغْنِي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨) وَفَسرهُ بقوله: ﴿لَا تغني﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٣) وَكَذَلِكَ فسره أَبُو عُبَيْدَة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ، قَالَ: لَا تغني نفس مُؤمنَة عَن نفس كَافِرَة من الْمَنْفَعَة شَيْئا. خُطُوَاتٍ مِن الخَطْوِ والمَعْنَى آثارُهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ (الْبَقَرَة: ١٦٨ ٢٠٨) وَقَالَ: خطوَات من الخطو والخطو مصدر خطا يخطو خطواً، والخطوة بِالضَّمِّ بَعْدَمَا بَين الْقَدَمَيْنِ فِي الْمَشْي، وبالفتح الْمرة، وَجمع الخطوة فِي الْكَثْرَة: خطى، وَفِي الْقلَّة: خطوَات، بِتَثْلِيث الطَّاء، وَفسّر خطوَات الشَّيْطَان بقوله: ﴿آثاره﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٢) . ٣ - (بَاب: قوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أنْدَاداً وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢) ذكر هَذِه الْآيَة تَوْطِئَة للْحَدِيث الَّذِي ذكره بعْدهَا، وَلما خَاطب الله أَولا النَّاس من الْمُؤمنِينَ وَالْكَفَّارَة وَالْمُنَافِقِينَ بقوله: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٢١) إِلَى قَوْله: ﴿فَلَا تجْعَلُوا﴾ أَي: وحدوا ربكُم الَّذِي من صِفَاته مَا ذكر، خَاطب الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ بقوله: ﴿فَلَا تجْعَلُوا الله أنداداً﴾ وَهُوَ جمع: ند بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ النظير قَوْله: ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ جملَة حَالية، أَي: وَالْحَال أَنكُمْ تعلمُونَ أَن الله تَعَالَى منزه عَن الأنداد والأضداد والأشباه. وَمن أول الْبَاب إِلَى هُنَا سقط جَمِيعه من رِوَايَة السَّرخسِيّ وَلِهَذَا إِلَّا يُوجد فِي كثير من النّسخ، وَيُوجد بعضه فِي بعض. ٤٤٧٧ - ح دَّثني عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ منْصُورٍ عَنْ أبي وائِلٍ عنْ عَمْروِ بنِ شُرْحَبِيلَ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ سألتُ النبيَّ ﷺ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ الله قَالَ أنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وهْوَ خلَقَكَ قُلْتُ إنَّ ذَالِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثمَّ أيّ قَالَ وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخافُ أنْ يطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثمَّ أيّ قَالَ أنْ تُزَانِيَ حَلَيلَةَ جارِكَ. ذكر هَذَا الحَدِيث مناسباً لِلْآيَةِ الَّتِي قبله. وَعُثْمَان هُوَ أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأَبُو بكر اسْمه عبد الله، وَاسم أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان، وَهُوَ جدهما، وأبوهما مُحَمَّد بن أبي شيبَة وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هُنَا عَن مُسَدّد، وَأخرجه فِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي الْمُحَاربين عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عُثْمَان بن إِسْحَاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِيه وَفِي الرَّجْم عَن قُتَيْبَة وَفِي الْمُحَاربَة عَن مُحَمَّد بن بشار. قَوْله: (أَن تجْعَل لله ندا) قدمه لِأَنَّهُ أعظم الذُّنُوب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ١٣) ثمَّ ثناه

стр. 5349

بِالْقَتْلِ لِأَن عِنْد الشَّافِعِيَّة أكبر الْكَبَائِر بعد الشّرك الْقَتْل ثمَّ ثلثه بِالزِّنَا، لِأَنَّهُ سَبَب لاختلاط الْأَنْسَاب لَا سِيمَا مَعَ حَلِيلَة الْجَار، لِأَن الْجَار يتَوَقَّع من جَاره الذب عَنهُ وَعَن حريمه فَإِذا قَابل هَذَا بالذب عَنهُ كَانَ من أقبح الْأَشْيَاء. قَوْله: (ثمَّ أَي؟) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَي: هَهُنَا مشدد منون، كَذَا سمعته من أبي مُحَمَّد بن الخشاب، قَالَ: لَا يجوز إلَاّ تنوينه لِأَنَّهُ إسم مُعرب غير مُضَاف. قَوْله: (وَأَن تقتل ولدك) فِيهِ ذمّ شَدِيد للبخيل لِأَن بخله أَدَّاهُ إِلَى قتل وَلَده مَخَافَة أَن يَأْكُل مَعَه. قَوْله: (تخَاف) ، فِي مَوضِع الْحَال. قَوْله: (أَن تُزَانِي) من بَاب المفاعلة من الزِّنَا مَعْنَاهُ: أَن تَزني بِرِضَاهَا، وَلأَجل هَذَا ذكره من بَاب المفاعلة. قَوْله: (حَلِيلَة) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة: الزَّوْجَة، سميت بذلك لكَونهَا تحل لَهُ فَهِيَ حَلِيلَة بِمَعْنى محلّة لكَونهَا تحل مَعَه بِضَم الْحَاء، وَقيل: لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل أزرة الآخر، وَهِي أَيْضا: عرسه وظعينته وربضه وطلعته وحنته وبيته وقعيدته وشاعته وبعلته وضبينته وجارته وفرشه وَزَوجته وعشيرته وَأَهله. ٤ - (بَاب: وقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وظَللْنا علَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَمَا ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧) وَقَالَ مجاهِدٌ المَنُّ صَمْغَةٌ والسَّلْوَى الطيْرُ.) ذكر هَذِه الْآيَة وَلم يذكر شَيْئا من تَفْسِيرهَا غير مَا ذكره من قَول مُجَاهِد، وَلما ذكر الله تَعَالَى مَا دفع عَن قوم مُوسَى من النقم الْمَذْكُورَة قبل هَذِه الْآيَة، ذكرهم هُنَا بِمَا أَسْبغ عَلَيْهِم من النعم، فَقَالَ: (وظللنا عَلَيْكُم الْغَمَام) وَهُوَ جمع غمامة، سمي بذلك لِأَنَّهُ يغم السَّمَاء أَي يواريها ويسترها، وَهُوَ السَّحَاب الْأَبْيَض ظللوا بِهِ فِي التيه ليقيهم حر الشَّمْس، وَعَن مُجَاهِد: لَيْسَ من زِيّ مثل هَذَا السَّحَاب بل أحسن مِنْهُ وَأطيب وأبهى منْظرًا، وَذكر سنيد فِي تَفْسِيره: عَن حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس، ﵄: غمام أبرد من هَذَا وَأطيب، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي الله فِيهِ فِي قَوْله: ﴿هَل ينظرُونَ إلَاّ أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ (الْبَقَرَة: ٢١٠) وَهُوَ الَّذِي جَاءَت فِيهِ الْمَلَائِكَة يَوْم بدر. قَوْله: (وأنزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى) وَفسّر مُجَاهِد: الْمَنّ، بقوله صمغة، والسلوى، بالطير، رَوَاهُ عَنهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَعَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ الْمَنّ ينزل عَلَيْهِم على الْأَشْجَار فيغدون إِلَيْهِ ويأكلون مِنْهُ مَا شاؤوا، وَقَالَ عِكْرِمَة: شَيْء يشبه الرب الغليظ، وَعَن السّديّ: إِنَّه الترنجبين، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: الْمَنّ شراب كَانَ ينزل عَلَيْهِم مثل الْعَسَل فيمزجونه بِالْمَاءِ ثمَّ يشربونه، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: هُوَ خبز الرقَاق مثل الذّرة أَو مثل النقي، وروى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن الشّعبِيّ، قَالَ: عسلكم هَذَا جُزْء من سبعين جُزْءا من الْمَنّ، وَكَذَا قَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: إِنَّه الْعَسَل. وَاخْتلفت عِبَارَات الْمُفَسّرين فِي (الْمَنّ) وَلكنهَا مُتَقَارِبَة فَمنهمْ من فسره بِالطَّعَامِ، وَمِنْهُم من فسره بِالشرابِ، وَالظَّاهِر وَالله أعلم أَن كل مَا امتن الله بِهِ عَلَيْهِم من طَعَام أَو شراب وَغير ذَلِك مِمَّا لَيْسَ لَهُم فِيهِ عمل وَلَا كد، فالمن الْمَشْهُور إِن أكل وَحده كَانَ طَعَاما، وَإِن مزج مَعَ المَاء كَانَ شرابًا طيبا وَإِن ركب مَعَ غَيره صَار نوعا آخر. وَأما (السلوى) فَكَذَلِك اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن أبي عَبَّاس: السلوى طَائِر شَبيه السمان يأكلوه مِنْهُ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَالشعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَالربيع بن أنس، وَعَن وهب: هُوَ طير سمين مثل الْحَمَامَة يَأْتِيهم فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ من سبت إِلَى سبت، وَعَن عِكْرِمَة: طير أكبر من العصفور، وَقَالَ ابْن عَطِيَّة: السلوى طير بِإِجْمَاع الْمُفَسّرين، وَقد غلط الْهُذلِيّ فِي قَوْله: إِنَّه الْعَسَل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: دَعْوَى الْإِجْمَاع لَا يَصح لِأَن المؤرخ أحد عُلَمَاء اللُّغَة وَالتَّفْسِير قَالَ: إِنَّه الْعَسَل، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السلوى الْعَسَل، قَالُوا: والسلوى جمع بِلَفْظ الْوَاحِد أَيْضا، كَمَا يُقَال: سماني للْوَاحِد وَالْجمع، وَقَالَ الْخَلِيل: واحده سلوة، وَقَالَ الْكسَائي: السلوى وَاحِد وَجمعه سلاوي. قَوْله: (كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم) أَمر إِبَاحَة وإرشاد وامتنان. قَوْله: (وَمَا ظلمونا) الْآيَة، يَعْنِي: أمرناهم بِالْأَكْلِ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ وَأَن يعبدوا فخالفوا وَكفر لظلموا أنفسهم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فظلموا بِأَن كفرُوا هَذِه النعم. ٤٤٧٨ - ح دَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ المَلِكِ عنْ عَمْروِ بن حُرَيْثٍ عَن سعِيدٍ

стр. 5350

بنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ الكَمْأةُ مِن المَنِّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ. قَالَ الْخطابِيّ: لَا وَجه لإدخال هَذَا الحَدِيث هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد من الكمأة فِي الحَدِيث أَنَّهَا نوع من الْمَنّ الْمنزل على بني إِسْرَائِيل، فَإِن ذَلِك شَيْء كَانَ يسْقط عَلَيْهِم كالترنجبين، وَإِنَّمَا المُرَاد أَنَّهَا شَجَرَة تنْبت بِنَفسِهَا من غير استنبات وَلَا مؤونة، ورد عَلَيْهِ: بِأَن فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر فِي هَذَا الْبَاب من الْمَنّ الَّذِي أنزل على بني إِسْرَائِيل، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَبِهَذَا تظهر الْمُنَاسبَة فِي ذكره هُنَا، وَكَأن الْخطابِيّ لم يطلع على رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك، فَلذَلِك قَالَ ذَلِك. وَأَبُو نعيم: بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ هُنَا، وَإِن كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يروي أَيْضا عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، لِأَن الْغَالِب إِذا أطلق: سُفْيَان عَن عبد الْملك، يكون الثَّوْريّ، وَكَذَا ذكره أَبُو مَسْعُود لما ذكر هَذَا الحَدِيث، وَعَمْرو بن حُرَيْث الْقرشِي المَخْزُومِي وَله صُحْبَة، وَسَعِيد بن زيد ابْن عَمْرو بن نفَيْل الْعَدوي أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن غَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطِّبّ عَن أبي كريب وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْوَلِيمَة عَن يحيى بن حبيب وَغَيره وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح. قَوْله: (الكمأة) ، بِفَتْح الْكَاف وَإِسْكَان الْمِيم وَفتح الْهمزَة: وَاحِدهَا كمء، وَعَكسه. تَمْرَة وتمر، وَهُوَ من النَّوَادِر، وَقَالَ ابْن سَيّده: جمع الكمء أكمؤه وكمأة، هَذَا قَول أهل اللُّغَة، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَيست الكمأة بِجمع، كمء، لِأَن فعلة لَيْسَ مِمَّا يكسر على فعل، وَإِنَّمَا هُوَ إسم الْجمع، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: كمأة وَاحِدَة وكمأتان وكماء. وَعَن أبي زيد: أَن الكمأة تكون وَاحِدَة وجمعاً. وَفِي (الْجَامِع) : الْجمع الْقَلِيل أكمؤة على أفعل، وَالْجمع الْكثير: كَمَاء، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الصَّحِيح من هَذَا كُله مَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ، وَذكر عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ أَن الكمأة جدرى الأَرْض وَتسَمى بَنَات الرَّعْد، لِأَنَّهَا تكْثر بكثرته وتنفطر عَنْهَا الأَرْض، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: أول اجتناثها سُقُوط الْجَبْهَة، وَهِي تتطاول إِلَى أَن يَتَحَرَّك الْحر، وكمأة السهل بَيْضَاء رخوة، وَالَّتِي بالآكام سَوْدَاء جَيِّدَة، وَقيل: الكمأة هِيَ الَّتِي إِلَى الغبرة والسواد. وَفِي (الْجَامِع) : تخرج بِبَعْض الأَرْض، وَقَالَ ابْن خالويه فِي كِتَابه: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب من أَسمَاء الكمء إلَاّ الَّذِي أعرفك: الذعلوق والبرنيق والمغرود والفقع والجب وَبَنَات أوبر وَالْعقل والقعيل، بِتَقْدِيم الْقَاف على الْعين، والجباة. يُقَال: كمأت الأَرْض أخرجت كماءها، وأجبأت أخرجت جباءها وَهِي الكمأة الْحَمْرَاء، والبدأة يُقَال بدئت الأَرْض بِكَسْر الدَّال، وَعَن أبي حنيفَة: الفردة والفراد وعصاقل وقرحان والخماميس، وَلم أسمع لَهَا بِوَاحِد، قَالَه الْفراء: وَعند الْقَزاز: العرجون ضرب من الكمأة قدر شبر أَو دون ذَلِك وَهُوَ طيب مَا دَامَ غضاً، وَالْجمع العراجين، وَالْفطر قَالَ ابْن سيدة: هُوَ ضرب من الكمأة. قَوْله: (من الْمَنّ) ، ظَاهره أَن الكمأة من نفس الْمَنّ، وَأَبُو هُرَيْرَة أَخذ بِظَاهِرِهِ على مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قَتَادَة، قَالَ: حدثت أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: أخذت ثَلَاثَة أكمؤ أَو خَمْسَة أَو سبعا فعصرتهن وَجعلت ماءهن فِي قَارُورَة وكحلت بِهِ جَارِيَة فبرئت، وَقَالَ ابْن خالويه: يعصر مَاؤُهَا ويخلط بِهِ أدوية ثمَّ يكتحل بِهِ، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الصَّحِيح أَنه ينْتَفع بصورتها فِي حَال وبإضافتها فِي أُخْرَى. وَفِي (الْجَامِع) لِابْنِ بيطار: هِيَ أصل مستدير لَا ورق وَلَا سَاق لَهَا ولونها إِلَى الْحمرَة مائل تُؤْخَذ فِي الرّبيع وتؤكل نِيَّة ومطبوخة، والغذاء الْمُتَوَلد مِنْهَا أغْلظ من الْمُتَوَلد من القرع وَلَيْسَت بردي، الكيموس، وَهِي فِي الْمعدة الحارة جَيِّدَة لِأَنَّهَا بَارِدَة رطبَة فِي الدرجَة الثَّانِيَة، وأجودها أَشدّهَا تلذذاً وملاساً، وأميلها إِلَى الْبيَاض، والمتخلخلة الرخوة رَدِيئَة جدا، وماؤها يجلو الْبَصَر كحلاً، وَهِي من أصلح أدوية الْعين، وَإِذا رتب بهَا الإثمد واكتحل بِهِ قوى الأجفان، وَزَاد فِي الرّوح الباصرة قُوَّة وحدة، وَيدْفَع عَنْهَا نزُول المَاء. وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ: أَن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ: إِن أكل الكمأة يجلو الْبَصَر، وَقيل: تُؤْخَذ فتشق وتوضع على الْجَمْرَة حَتَّى يغلي مَاؤُهَا ثمَّ يُؤْخَذ ميل فَيصير فِي ذَلِك الشق وَهُوَ فاتر فيكتحل بِهِ، وَلَا يَجْعَل الْميل فِي مَائِهَا وَهِي بَارِدَة يابسة، وَقيل: أَرَادَ المَاء الَّذِي تنْبت بِهِ وَهُوَ أول مطر ينزل إِلَى الأَرْض فتربى بِهِ الأكحال، وَقيل: إِن كَانَ فِي الْعين حرارة فماؤها وَحده شِفَاء، وَإِن كَانَ لغير ذَلِك فيركب مَعَ غَيره. وَقَالَ ابْن التِّين: قيل: أَرَادَ أَنَّهَا تَنْفَع من تَأْخُذهُ الْعين الَّتِي هِيَ النظرة، وَذَلِكَ أَن فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: وماؤها شِفَاء من الْعين، قَالَ: وَقيل: يُرِيد من دَاء الْعين، فَحذف الْمُضَاف، وَقَالَ الْخطابِيّ فِي قَوْله: (والكمأة من الْمَنّ) ، مَا ملخصه: أَنه لم يرد بِهِ أَنَّهَا من الْمَنّ الَّذِي أنزل على مُوسَى

стр. 5351

بني إِسْرَائِيل ﵊، فَإِن الْمَرْوِيّ أَنه شَيْء كَانَ يسْقط عَلَيْهِم كالترنجبين، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي أول الحَدِيث، وَالْجَوَاب عَنهُ أَيْضا: وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ كَثِيرُونَ: شبهها بالمن الَّذِي أنزل عَلَيْهِم حَقِيقَة، عملا بِظَاهِر اللَّفْظ، وَقيل: معنى قَوْله: (الكمأة من الْمَنّ) يَعْنِي: مِمَّا من الله على عباده بهَا بإنعامه ذَلِك عَلَيْهِم. ٥ - (بابٌ ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هاذِهِ القَرْيَةَ فكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدَا وادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وقُولُوا حِطَّة تَغْفِرْ لكُمْ خَطاياكُمْ وَسنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قُلْنَا﴾ الْآيَة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا﴾ وَفِي بَعْضهَا لَيْسَ فِيهَا لفظ: بَاب، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب: ﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم﴾ ، الْآيَة كَذَا وجد فِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: (الْمُحْسِنِينَ) . قَوْله: (وَإِذ قُلْنَا) ، يَعْنِي: اذكر، وَهُوَ الْعَامِل فِي: إِذْ، وَفِي الْأَعْرَاف: ﴿وَإِذ قيل لَهُم﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦١) ، قَوْله: (ادخُلُوا) ، قَالَ فِي الْأَعْرَاف: اسكنوا وَكَانَ هَذَا الْأَمر أَمر تَكْلِيف. قَوْله: (هَذِه الْقرْيَة) ، أَي: بَيت الْمُقَدّس، وَقيل: أرِيحَا من قرى الشَّام. قَوْله: (فَكُلُوا) ، وَفِي الْأَعْرَاف بِالْوَاو، قَوْله: (رغداً) أَي: وَاسِعًا كثيرا، وَقيل: الرغد سَعَة الْمَعيشَة، وَقيل: الرغد الهنيء، وَعَن مُجَاهِد: الرغد الَّذِي لَا حِسَاب فِيهِ. قَوْله: (وادخلوا الْبَاب) أَي: بَاب الْقرْيَة، وَقيل: بَاب الْقبَّة الَّتِي كَانُوا يصلونَ إِلَيْهَا. قَوْله: (سجدا) . أَي: ركعا لتعذر الْحمل على حَقِيقَته، فَيكون الْمَعْنى: خاضعين خاشعين، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (حطة) ، أَي: أَمرك حطة، يَعْنِي: شَأْنك حط الذُّنُوب ومغفرتها، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الأَصْل النصب، يَعْنِي: حط عَنَّا ذنوبنا، وَقَرَأَ ابْن أبني عبلة بِالنّصب على الأَصْل. قَوْله: (وسنزيد الْمُحْسِنِينَ) ، يَعْنِي: من كَانَ مِنْكُم محسناً انت تِلْكَ الْكَلِمَة لَهُ سَببا فِي زِيَادَة ثَوَابه، وَمن كَانَ مسيئاً كَانَت لَهُ تَوْبَة ومغفرة. ٤٤٧٩ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ حدّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ مَهْدِيّ عنِ ابنِ المُبارَكِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ قِيلَ لِبَني إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا البابَ سُجَّداً وقُولُوا حِطَّةٌ فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتاهِهِمْ فَبَدَّلُوا وقالؤا حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٠٣ وطرفه) . مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة. وَمُحَمّد الَّذِي ذكره بِغَيْر نِسْبَة، قَالَ الغساني: الْأَشْبَه أَنه ابْن بشار، بِالْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة، وَابْن الْمثنى ضد الْفَرد وَقَالَ ابْن السكن: هُوَ ابْن سَلام، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون مُحَمَّد بن يحيى الْهُذلِيّ لِأَنَّهُ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي أَيْضا، وَابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي بَاب مُجَرّد بعد حَدِيث الْخضر مَعَ مُوسَى ﵇. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بِبَعْضِه مُسْندًا. ٦ - (بَاب: منْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ جَبْرومِيكَ وسَرَافِ عَبْدٌ إيلْ الله) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب من كَانَ. قَوْله: (جِبْرِيل) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء: وَهُوَ من جِبْرَائِيل. قَوْله: (وميك) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا كَاف مَفْتُوحَة: وَهُوَ من مِيكَائِيل. قَوْله: (وسراف) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالفاء الْمَكْسُورَة بعد الْألف: هُوَ من إسْرَافيل. قَوْله: (عبد) ، أَي: معنى هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة: عبد. قَوْله: (إيل) ، بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا لَام. قَوْله: (الله) ، أَي: معنى لفظ: إيل الله. وَالْحَاصِل أَن معنى جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل: عبد الله، قَالَه عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَاصِم عَنهُ، قَالَ جِبْرِيل عبد الله، وَمِيكَائِيل عبد الله، إيل: الله، وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: كل إسم فِيهِ: إيل، فَهُوَ الله، وَيُقَال: إيل الله بالعبرانية، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ ابْن الْحُسَيْن، قَالَ: إسم جِبْرِيل عبد الله، وَمِيكَائِيل عبيد الله، يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ، وإسرافيل عبد الرَّحْمَن، وكل إسم فِيهِ إيل، فَهُوَ عبد الله، وَذكر عكس هَذَا وَهُوَ: أَن إيل مَعْنَاهُ: عبد، وَمعنى مَا قبله إسم لله. وَله وَجه، وَهُوَ أَن الإسم الْمُضَاف فِي لُغَة غير الْعَرَب غَالِبا يتَقَدَّم

стр. 5352

فِيهِ الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قرىء جبرئيل بِوَزْن قفشليل، وجبرئل بِحَذْف الْيَاء، وَجِبْرِيل بِحَذْف الْهمزَة، وَجِبْرِيل بِوَزْن قنديل، وجبرايل بلام شَدِيدَة، وجبرائيل بِوَزْن جبراعيل، وجبرائل بِوَزْن جبراعل، وَمنع الصّرْف فِيهِ للتعريف والعجمة. قَالَ: وقرىء ميكال بِوَزْن قِنْطَار، وَمِيكَائِيل كميكاعيل، وميكائل كميكاعل ومكئل كميعل وميكئل كميكعل وميكئيل كميكعيل، وَقَالَ ابْن جني: الْعَرَب إِذا نطقت بالأعجمي خلطت فِيهِ. ٧ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَنْسَخْ منْ آيَةٍ أوْ نَنْسَاها﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٦) أَي: هَذَا بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ﴾ وقرىء: مَا تنسخ، بتاء الخاب، (وَمَا ننسخ) ، بِضَم النُّون الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَكسر السِّين، والنسخ فِي الْآيَة إِزَالَتهَا بإبدال أُخْرَى مَكَانهَا. قَوْله: (أَو ننساها) بِفَتْح النُّون الأولى من النسي وَهُوَ التَّأْخِير لَا إِلَى بدل، وقرىء ننسها، بِضَم النُّون الأولى وَكسر السِّين: من الإنساء، وَهُوَ أَن يذهب بحفظها من الْقُلُوب، وقرىء: وننسها، بِضَم النُّون الأولى وَفتح

стр. 5353

الثَّانِيَة وَكسر السِّين الْمُشَدّدَة، وقرىء: وتنسها، بِفَتْح التَّاء للخطاب وَسُكُون النُّون، وقرىء: وتنسها، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَانَت الْيَهُود طعنوا فِي النّسخ فَقَالُوا: أَفلا ترَوْنَ إِلَى مُحَمَّد؟ يَأْمر أَصْحَابه بِأَمْر ثمَّ ينهاهم عَنهُ وَيَأْمُرهُمْ بِخِلَافِهِ، وَيَقُول الْيَوْم قولا وَيرجع عَنهُ غَدا؟ فَنزلت ﴿مَا ننسخ﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٦) الخ. ٤٤٨١ - ح دَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ حدَّثنا يَحْيَى حَدثنَا سُفْيانُ عنْ حَبِيبٍ عنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قَالَ قَالَ عَمرُ ﵁ أقْرَأُنا أُبَيٌّ وأقْضانا عَلِيٌّ وإنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أبَيّ وذَاكَ أنَّ أبَيًّا يَقُولُ لَا أدَعُ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله ﷺ وقَدْ قَالَ الله تَعَالَى مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نَنْسَاها. مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة. وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وحبِيب، هُوَ ابْن أبي ثَابت واسْمه قيس بن دِينَار الْكُوفِي. وَهَذَا حَدِيث مَوْقُوف وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أنس مَرْفُوعا. وَفِيه ذكر جمَاعَة، وأوله: أرْحم أمتِي أَبُو بكر، وَفِيه: وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كَعْب الحَدِيث، وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ غَيره: وَالصَّوَاب إرْسَاله. قَوْله: (وأقضانا عَليّ) ، أَي: أعلمنَا بِالْقضَاءِ عَليّ بن أبي طَالب، وَقد رُوِيَ هَذَا أَيْضا مَرْفُوعا عَن أنس وَلَفظه: أقضى أمتِي عَليّ بن أبي طَالب، رَوَاهُ الْبَغَوِيّ قَوْله: (وَإِنَّا لندع من قَول أبي) ، أَي: لنترك، وَفِي رِوَايَة صَدَقَة: من لحن أبي، أَي: من لغته، وَفِي رِوَايَة ابْن خَلاد وَإِنَّا لنترك كثيرا من قِرَاءَة أبي، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى قَول عَمْرو: إِنَّا لندع. قَوْله: (أَن أَبَيَا يَقُول) ، أَي: أَن أَبَيَا يَقُول: (لَا أدع شَيْئا) أَي: لَا أترك شَيْئا (سمعته من رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ لَا يَقُول أبي بنسخ شَيْء من الْقُرْآن، فَرد عمر ﵁ ذَلِك بقوله: وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ فَإِنَّهُ يدل على ثُبُوت النّسخ فِي الْبَعْض، وَهَذِه الْجُمْلَة، وَإِن كَانَت شَرْطِيَّة، إلَاّ أَنَّهَا لَا تدل على وُقُوع الشَّرْط، فالسياق هُنَا يدل عَلَيْهِ لِأَنَّهَا نزلت بعد وُقُوعه وإنكارهم عَلَيْهِ، وَيمْنَع عدم دلالتها فِي مثل هَذَا لِأَنَّهَا لَيست شَرْطِيَّة مَحْضَة. ٨ - (بابٌ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الله ولَداً سُبْحانَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ١١٦) أَي: هَذَا بَاب: ﴿قَالُوا﴾ بِالْوَاو قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقَرَأَ ابْن عَامر: قَالُوا، بِحَذْف الْوَاو، وَاتَّفَقُوا على أَن الْآيَة نزلت فِيمَن زعم أَن لله ولدا من يهود خَيْبَر ونصارى نَجْرَان، وَمن قَالَ من مُشْركي الْعَرَب: الْمَلَائِكَة بَنَات الله، فَرد الله تَعَالَى عَلَيْهِم. ٤٤٨٢ - ح دَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنْ عبْدِ الله بن أبي حُسَيْنٍ حَدثنَا نافِعُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ عَبَّاسٍ ﵄ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ قَالَ الله كَذَّ بَني ابنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لهُ ذَاكَ وشَتَمَني ولَمْ يَكُنْ لهُ ذالِكَ فأمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَزَعَمَ أنِّي لَا أقْدِرُ أنْ أُعيدَهُ كَمَا كانَ وأمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي ولَدٌ فَسُبْحانِي أنْ أتخِذ صاحِبَةً أوْ ولَداً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَعبد الله هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن الْقرشِي النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، وَنَافِع بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مطعم بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف الْقرشِي الْمدنِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَسلف فِي بَدْء الْخلق، قلت: مَا سلف فِي بَدْء الْخلق إلَاّ عَن أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة الْأَعْرَج. قَالَ رَسُول الله ﷺ ، ويروي: قَالَ: قَالَ الله أرَاهُ يَقُول الله شَتَمَنِي ابْن آدمِ الحَدِيث، وَهَذَا من الْأَحَادِيث القدسية. قَوْله: (كَذبَنِي) من التَّكْذِيب وَهُوَ نِسْبَة الْمُتَكَلّم إِلَى أَن خَبره خلاف الْوَاقِع. قَوْله: (ذَلِك) أَي: التَّكْذِيب. قَوْله: (وَشَتَمَنِي) ، من الشتم وَهُوَ توصيف الشَّخْص بِمَا هُوَ أزراً وأنقص فِيهِ، وَإِثْبَات الْوَلَد لَهُ كَذَلِك لِأَن الْوَلَد إِنَّمَا يكون عَن وَالِدَة

стр. 5354

تحمله ثمَّ تضعه، ويستلزم ذَلِك سبق النِّكَاح، والناكح يَسْتَدْعِي باعثاً لَهُ على ذَلِك، وَالله منزع عَن جَمِيع ذَلِك. قَوْله: (فسبحاني) ، لفظ: سُبْحَانَ، مُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم يَعْنِي: أنزه نَفسِي (أَن أَتَّخِذ) بِأَن اتخذو: وَأَن، مَصْدَرِيَّة أَي: من اتِّخَاذ الصاحبة أَي: الزَّوْجَة وَالْولد. ٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٥) أَي: هَذَا بَاب، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، وَإِنَّمَا الْمَذْكُور قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ قَوْله: (واتخذو) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة، أَمر للْجَمَاعَة على إِرَادَة القَوْل، أَي: وَقُلْنَا اتَّخذُوا مِنْهُ مَوضِع صَلَاة، وَهَكَذَا هُوَ عِنْد الْجُمْهُور، وقرىء: وَاتَّخذُوا، بِفَتْح الْخَاء: جملَة فعلية مَاضِيَة، وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن عَامر، أَي: وَاتخذ النَّاس من مَكَان إِبْرَاهِيم، عطف على قَوْله: ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا وَاتَّخذُوا﴾ الْآيَة، ومقام إِبْرَاهِيم هُوَ الْحجر الَّذِي عَلَيْهِ أثر قَدَمَيْهِ، وَعَن عَطاء، مقَام إِبْرَاهِيم عَرَفَة والمزدلفة والجمار لِأَنَّهُ قَامَ فِي هَذِه الْمَوَاضِع ودعا فِيهَا. قَوْله: (مصلى) ، أَي: مَوضِع صَلَاة تصلونَ فِيهِ، وَهُوَ على وَجه الِاخْتِيَار والاستحباب دون الْوُجُوب، وَقيل: مصلى، أَي: مدعى. مَثابَةً يَثُوبُونَ يَرْجِعُونَ هُوَ فِي قَوْله: ﴿وَإِذا جعلنَا الْبَيْت مثابة﴾ يَعْنِي: مرجعاً للنَّاس من الْحجَّاج والعمار يتفرقون عَنهُ ثمَّ يثوبون إِلَيْهِ، والمثابة: الْموضع الَّذِي يرجع إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى، من ثاب ثوبا وثوبانا رَجَعَ بعد ذَهَابه، وَأَصله: مثوبة، نقلت حَرَكَة الْوَاو إِلَى مَا قبلهَا ثمَّ قلبت ألفا لتحركها فِي الأَصْل وانفتاح مَا قبلهَا، وَنقل بَعضهم عَن أبي عُبَيْدَة: أَن مثوبة، مصدر يثوبون. قلت: لَيْسَ بمصدر بل هُوَ إسم للمصدر، وَيجوز أَن يكون مصدرا ميمياً.

стр. 5355

١٠ - (بَاب: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٧) أَي: أذكر إِذْ يرفع أَي: حِين يرفع إِبْرَاهِيم، وَهِي حِكَايَة حَال مَاضِيَة، وَالْقَوَاعِد جمع قَاعِدَة وَهِي الأساس وَالْأَصْل لما فَوْقه، وَقَالَ الْفراء: الْقَوَاعِد أساس الْبَيْت، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلفُوا فِي الْقَوَاعِد الَّتِي رَفعهَا إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، صلوَات الله عَلَيْهِمَا، أَهما حدثاها أم كَانَت قبلهمَا؟ ثمَّ روى بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄، قَالَ: كَانَت قَوَاعِد الْبَيْت، قيل ذَلِك، وَمن طَرِيق عَطاء قَالَ: قَالَ آدم ﵇: أَي رب، لَا أسمع أصوات الْمَلَائِكَة، قَالَ: ابْن لي بَيْتا ثمَّ أخفف بِهِ كَمَا رَأَيْت الْمَلَائِكَة تَحت بَيْتِي الَّذِي فِي السَّمَاء، فَزعم النَّاس أَنه بناه من خَمْسَة أجبل حَتَّى بناه إِبْرَاهِيم ﵇، بعد وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: معنى رفع الْقَوَاعِد: رَفعهَا بِالْبِنَاءِ. قَوْله: (رَبنَا) ، أَي: يَقُولَانِ: رَبنَا، يَعْنِي: يرفعانها حَال كَونهمَا قائلين: رَبنَا. قَوْله: (إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم) أَي: لدعائنا، الْعَلِيم أَي: بضمائرنا ونياتنا. القَوَاعِدُ أساسُهُ واحِدَتُها قاعِدَةٌ والقَوَاعِدُ مِنَ النِّساءِ واحدُها قاعِدٌ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْفرق بَين الْقَوَاعِد الَّتِي هِيَ جمع قَاعِدَة الْبناء، وَبَين جمع الْقَوَاعِد الَّتِي هِيَ جمع قَاعد من النِّسَاء بِلَا تَاء، حَاصله أَن لفظ الْقَوَاعِد مُشْتَرك بَين قَوَاعِد الأساس وقواعد النِّسَاء، وَالْفرق فِي مفرديهما أَن الْقَاعِدَة بتاء التَّأْنِيث الأساس، وبدونها الْمَرْأَة الَّتِي قعدت عَن الْحيض، وَذَلِكَ لتخصيصهن بذلك فِي هَذِه الْحَالة وَفِي غير هَذَا الْحَال بِالتَّاءِ أَيْضا، وَذَلِكَ من الْقعُود خلاف الْقيام، فَافْهَم. ٤٤٨٤ - ح دَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بنِ عبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله ابنَ مُحَمَّدِ بنِ أبي بَكْرٍ أخْبَرَ عبْدِ الله بنَ عُمَرَ عنْ عائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النبيِّ ﷺ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ ألَمْ تَرَى أنَّ قَوْمكِ بَنُوا الكَعْبَةَ واقتَصَرُوا عنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله ألَا تَرُدُّها عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيم قَالَ لَوْلَا حِدْثانُ قَوْمِكِ بالْكُفرِ فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ لَئِنْ كانَتْ عائِشَةُ سَمِعَتْ هاذَا مِنْ رسولِ الله ﷺ مَا أُرَى رسولَ الله ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيانِ الحِجْرَ إِلَّا أنَّ البَيتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ. . مطابقته لِلْآيَةِ فِي قَوْله: (واقتصروا عَن قَوَاعِد إِبْرَاهِيم) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ﵁، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب فضل مَكَّة وبنيانها وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (حدثان) ، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالثاء الْمُثَلَّثَة: مصدر حدث يحدث حدوثاً وحدثاناً، وَجَوَاب: لَوْلَا، مَحْذُوف تَقْدِيره: لَوْلَا قرب عهد قَوْمك ثَابت لرددتها. قَوْله: (الْحجر) بِكَسْر الْحَاء، وَذَلِكَ لِأَن سِتَّة أَذْرع مِنْهُ كَانَت من الْبَيْت، فالركنان اللَّذَان فِيهِ لم يَكُونَا على الأساس الأول. قَوْله: (لم يتمم) ويروى: لم يتم. ١١ - (بابٌ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّه وَمَا أُنْزِل إِلَيْنا﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٦) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ وَلم يثبت لفظ: بَاب إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (قُولُوا) ، خطاب للْمُؤْمِنين، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَيجوز أَن يكون خطابا للْكَافِرِينَ. ٤٤٨٥ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ أخْبَرَنا عَلِيُّ بنُ المُبارَك عنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عنْ أبي سلمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁. قَالَ: كانَ أهلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ

стр. 5356

ويفسِّرُونَها بالعرَبِيَّةِ لأهْلِ الإسْلَامِ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ لَا تُصَدِّقُوا أهْلَ الْكِتَابِ ولَا تُكَذِّبُوهُمْ ﴿وقُولُوا آمنّا بِاللَّه وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٦) الْآيَة. مطابقته لِلْآيَةِ فِي قَوْله: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ . والْحَدِيث ذكره البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام وَفِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد بن بشار أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. قَوْله: (كَانَ أهل الْكتاب) ، أَي: من الْيَهُود. قَوْله: (لَا تصدقوا) ، إِلَى آخِره، يَعْنِي: إِذا كَانَ مَا يخبرونكم بِهِ مُحْتملا لِئَلَّا يكون فِي نفس الْأَمر صدقا فتكذبوه، أَو كذبا فتصدقوه فتقعوا فِي الْحَرج، وَلم يرد النَّهْي عَن تكذيبهم فِيمَا ورد شرعنا بِخِلَافِهِ، وَلَا عَن تصديقهم فِيمَا ورد شرعنا بوفاقه. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث أصل فِي وجوب التَّوَقُّف عَمَّا يشكل من الْأُمُور فَلَا يقْضِي عَلَيْهِ بِصِحَّة أَو بطلَان وَلَا بتحليل وَتَحْرِيم، وَقد أمرنَا أَن نؤمن بالكتب الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء، ﵈، إلَاّ أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى أَن نعلم صَحِيح مَا يحكونه عَن تِلْكَ الْكتب من سقيمه، فنتوقف فَلَا نصدقهم لِئَلَّا نَكُون شُرَكَاء مَعَهم فِيمَا حرفوه مِنْهُ، وَلَا نكذبهم فَلَعَلَّهُ يكون صَحِيحا فنكون منكرين لما أمرنَا أَن نؤمن بِهِ، وعَلى هَذَا كَانَ يتَوَقَّف السّلف عَن بعض مَا أشكل عَلَيْهِم وتعليقهم القَوْل فِيهِ كَمَا سُئِلَ عُثْمَان ﵁، عَن الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ فِي ملك الْيَمين، فَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَة وحرمتهما آيَة، وكما سُئِلَ ابْن عمر عَن رجل نذر أَن يَصُوم كل اثْنَيْنِ، فَوَافَقَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم عيد، فَقَالَ: أَمر الله بِالْوَفَاءِ بِالنذرِ وَنهى النَّبِي ﷺ ، عَن صَوْم يَوْم الْعِيد، فَهَذَا مَذْهَب من يسْلك طَرِيق الْوَرع وَإِن كَانَ غَيرهم قد اجتهدوا واعتبروا الْأُصُول فرجحوا أحد المذهبين على الآخر، وكل على مَا ينويه من الْخَيْر ويؤمه من الصّلاح مشكور. ١٢ - (بَاب: ﴿سَيَقُولُ السفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَاّهُمْ عنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْهَا قُلْ لله المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٢) . وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ وَلَكِن فِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: ﴿مَا ولاهم عَن قبلتهما﴾ فَقَط، والسفهاء جمع سَفِيه. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سَيَقُولُ السُّفَهَاء أَي: خفاف الأحلام وهم الْيَهُود لكراهتهم التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة وَأَنَّهُمْ لَا يرَوْنَ النّسخ، وَقيل: المُنَافِقُونَ بحرصهم على الطعْن والاستهزاء، وَقيل: الْمُشْركُونَ. قَالُوا: رغب عَن قبْلَة آبَائِهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا وَالله ليرجعن إِلَى دينهم. قَوْله: (مَا ولاهم) أَي: أَي شَيْء رجعهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا وَهُوَ بَيت الْمُقَدّس، قل يَا مُحَمَّد (لله الْمشرق وَالْمغْرب) ، أَي: بِلَاد الشرق والغرب وَالْأَرْض كلهَا، وَهَذَا جَوَاب لَهُم أَي الحكم وَالتَّصَرُّف فِي الْأَمر كلمة لله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ فيأمرهم بالتوجه إِلَى أَي جِهَة شَاءَ، وَقيل: أَرَادَ بالمشرق الْكَعْبَة لِأَن الْمُصَلِّي بِالْمَدِينَةِ إِذا توجه إِلَى الْكَعْبَة فَهُوَ مُتَوَجّه للمشرق، وَأَرَادَ بالمغرب بَيت الْمُقَدّس لِأَن الْمُصَلِّي فِي الْمَدِينَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس مُتَوَجّه جِهَة الْمغرب. ١٣ - (حَدثنَا أَبُو نعيم سمع زهيرا عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر شهرا وَكَانَ يُعجبهُ أَن تكون قبلته قبل الْبَيْت وَأَنه صلى أَو صلاهَا صَلَاة الْعَصْر وَصلى مَعَه قوم فَخرج رجل مِمَّن كَانَ صلى مَعَه فَمر على أهل الْمَسْجِد وهم رَاكِعُونَ فَقَالَ أشهد بِاللَّه لقد صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - قبل مَكَّة فَدَارُوا كَمَا هم قبل الْبَيْت وَكَانَ الَّذِي مَاتَ على الْقبْلَة قبل أَن تحول قبل الْبَيْت رجال قتلوا لم ندر مَا نقُول فيهم فَأنْزل الله ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ إِن الله بِالنَّاسِ لرؤف رَحِيم﴾ مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَزُهَيْر تَصْغِير زهر ابْن مُعَاوِيَة وَأَبُو إِسْحَق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي والبراء هُوَ ابْن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم

стр. 5357

مِنْهُ عَن عَمْرو بن خَالِد عَن زُهَيْر إِلَى آخِره وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مطولا قَوْله " أَو سَبْعَة عشر " شكّ من الرَّاوِي قَوْله " قبل الْبَيْت " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي جِهَة الْكَعْبَة قَوْله " أَو صلاهَا " شكّ من الرَّاوِي قَوْله " صَلَاة الْعَصْر " بِالنّصب بدل من الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِي صلاهَا قَوْله " رجل " قيل هُوَ عباد بن نهيك الخطمي الْأنْصَارِيّ قَالَه أَبُو عمر فِي كتاب الِاسْتِيعَاب وَقَالَ ابْن بشكوال هُوَ عباد بن بشر الأشْهَلِي قَوْله " إيمَانكُمْ " أَي صَلَاتكُمْ - ١٣ - (بابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدٍ﴾ (الْبَقَرَة:) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ الْآيَة، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: ﴿لرؤوف رَحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣) قَوْله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا) أَي: كَمَا اخترنا إِبْرَاهِيم ﵊، وَأَوْلَاده وأنعمنا عَلَيْهِم بالحنيفية جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا. وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : يَقُول الله تَعَالَى: إِنَّمَا حولناكم إِلَى قبْلَة إِبْرَاهِيم ﵊، واخترناها لكم لنجعلكم خِيَار الْأُمَم لِتَكُونُوا يَوْم الْقِيَامَة شُهَدَاء على الْأُمَم، لِأَن الْجَمِيع معترفون لَكِن بِالْفَضْلِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ، وَمثل ذَلِك الْجعل العجيب جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا أَي خياراً، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث. ٤٤٨٧ - ح دَّثنا يُوسُفُ بنُ راشِدٍ حَدثنَا جَرِيرٌ وأبُو أُسامَةَ واللَّفْظِ لِ جَرِيرٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي صالِحِ. وَقَالَ أبُو أُسامَةَ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبّيْكَ وسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقالُ لأُمَّتِهِ هلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولون مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فيَقُولُ مُحَمَّدٌ وأمَّتُهُ فيَشْهَدُونَ أنّهُ قَدْ بلَّغَ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فَذالِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وكَذالِكَ جَعَلْناكمْ أُمَّةٍ وسَطاً لِتكُونُوا شُهَدَاءٍ عَلَى النَّاسِ ويَكون الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ . والوَسَطُ العَدْلُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٣٣٩ وطرفه) . مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة. ويوسف هُوَ ابْن مُوسَى بن رَاشد بن بِلَال الْقطَّان الْكُوفِي، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك بن سِنَان. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا﴾ (نوح: ١) وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَالْوسط: الْعدْل) قيل، هُوَ مَرْفُوع من نفس الْخَبَر وَلَيْسَ بمدرج من قَول بعض الروَاة كَمَا وهمه بَعضهم. قلت: فِيهِ تَأمل، وَقَالَ ابْن جرير: الْوسط الْعدْل وَالْخيَار، وَأَنا أرى أَن الْوسط فِي هَذَا الْموضع هُوَ الْوسط الَّذِي بِمَعْنى الْجُزْء الَّذِي هُوَ بَين الطَّرفَيْنِ مثل: وسط الدَّار، وَرُوِيَ أَن الرب إِنَّمَا وَصفهم بذلك لتوسطهم فِي الدّين فلاهم أهل غلو فِيهِ كالنصارى ولاهم أهل تَقْصِير فِيهِ كاليهود، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقيل للخيار: وسط، لِأَن الْأَطْرَاف يتسارع إِلَيْهَا الْخلَل والإعواز والأوساط مَحْفُوظَة. ١٤ - (بابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتي كُنْتَ علَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ منْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله وَمَا كانَ الله لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ إنَّ الله بالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إلَاّ لنعلم من يتبع الرَّسُول﴾ إِلَى هُنَا رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى آخر الْآيَة الَّتِي ذَكرنَاهَا. قَوْله: (وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا) يَعْنِي: وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي تحب أَن تستقبلها الْجِهَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا أَولا بِمَكَّة وَمَا رددناك إِلَيْهَا إلَاّ امتحاناً للنَّاس وابتلاءً لنعلم الثَّابِت على الْإِسْلَام الصَّادِق فِيهِ مِمَّن هُوَ على حرف يَنْكص على عَقِبَيْهِ لقلقه فيرتد. قَوْله: (وَإِن كَانَت) ، كلمة: إِن المخففة الَّتِي تلزمها اللَّام الفارقة، وَالضَّمِير فِي: كَانَت، يرجع إِلَى التحويلة أَو إِلَى الْقبْلَة. قَوْله: (لكبيرة) ، أَي: لثقيلة شاقة ﴿إلَاّ على الَّذين هدى الله﴾ وهم التائبون الصادقون فِي اتِّبَاع الرَّسُول. قَوْله: (وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ) أَي: ثباتكم على الْإِيمَان، وَعَن ابْن عَبَّاس: وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ أَي: بالقبلة

стр. 5358

الأولى، وتصديقكم نَبِيكُم باتباعه إِلَى الْقبْلَة الْأُخْرَى، أَي: ليعطيكم أجرهما جَمِيعًا. ٤٤٨٨ - ح دَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابْن عُمَرَ ﵄ بَيْنا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُباءٍ إذْ جاءَ فَقَالَ أنْزَلَ الله عَلَى النبيِّ ﷺ قُرْآناً أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبَلُوها فَتوجَّهُوا إلَى الكَعْبَةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أنزل الله على النَّبِي قُرْآنًا أَن يسْتَقْبل الْقبْلَة) وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الصَّلَاة فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْقبْلَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر الحَدِيث. ١٥ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ إِلَى ﴿عمَّا تَعْلَمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٤) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله: (قد نرى) إِلَى آخِره، وَالْمَذْكُور على هَذَا الْوَجْه رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: إِلَى قَوْله: (فِي السَّمَاء) . ٤٤٨٩ - ح دَّثنا عليُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا مُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ لَمْ يبقَ مِمَّنْ صلَّى القِبْلَتَيْنِ غيْرِي. مطابقته لِلْآيَةِ تُؤْخَذ من قَوْله: مِمَّن صلى الْقبْلَتَيْنِ، لِأَن الْآيَة مُشْتَمِلَة على أَمر الْقبْلَتَيْنِ، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، ومعتمر على وزن إسم فَاعل من الاعتمار ابْن سُلَيْمَان بن طرخان. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (مِمَّن صلى الْقبْلَتَيْنِ) يَعْنِي: الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِلَى الْكَعْبَة، وَقَالَ أنس: ذَلِك فِي آخر عمره، وَلَعَلَّ مُرَاده: أَنه آخر من مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، مِمَّن صلى إِلَى الْقبْلَتَيْنِ، وهم الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ وَالسَّابِقُونَ، وَقد ثَبت لجَماعَة مِمَّن سكن الْبَوَادِي من الصَّحَابَة تأخرهم عَن أنس. ١٦ - (بابُ: ﴿ولِئنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ إِذا لَمِنَ الظَّلِمِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٥) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أتيت﴾ إِلَى آخِره، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، يَعْنِي: إِلَى قَوْله: ﴿مَا تبعوا قبلتك﴾ الْآيَة وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى: ﴿لمن الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: الْمَذْكُور فِيهِ. قَوْله: (وَلَئِن أتيت) ، جَوَاب للقسم الْمَحْذُوف، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قلت: لِأَن اللَّام تَوْطِئَة للقسم. قَوْله: (بِكُل آيَة) أَي: بِكُل برهَان. قَوْله: (مَا تبعوا قبلتك) يَعْنِي: لم يُؤمنُوا بهَا، ثمَّ حسم مَادَّة أطماعهم فِي رُجُوعه ﷺ ، إِلَى قبلتهم بقوله: ﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم﴾ الْآيَة، الْخطاب للرسول ﷺ وَالْمرَاد الْأمة. ٤٤٩٠ - ح دَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ حدّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ بَيْنَما النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بقُباءٍ جاءَهُمْ رجُلٌ فَقَالَ إنَّ رسُولَ الله ﷺ قَدْ أنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وقدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ ألَا فاسْتَقْبِلُوها وكانَ وجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ فاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إلَى الكَعْبَةِ. . مطابقته لِلْآيَةِ تَتَأَتى بالتعسف يوضحها من يمعن النّظر فِيهِ. وخَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم: البَجلِيّ الْكُوفِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال. والْحَدِيث مرعن قريب. إِلَّا كلمة تحضيض وحث. قَوْله: (فاستقبلوها) أَمر للْجَمَاعَة.

стр. 5359

١٧ - (بابُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتاب يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفون أبْناءَهُمْ وإنَّ فَريقاً مِنهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تكُونَنَّ منَ المُمْتَرِين﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٦) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم﴾ إِلَى آخِره. وَهَذَا هَكَذَا رِوَايَة غير أبي ذَر، وَرِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا: بَاب ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ إِلَى هُنَا فَحسب. قَوْله: (يعرفونه) أَي: يعْرفُونَ رَسُول الله ﷺ (كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم) بِحَيْثُ لَا يشْتَبه عَلَيْهِم أبناؤهم وَأَبْنَاء غَيرهم، وَإِنَّمَا اخْتصَّ الْأَبْنَاء لِأَن الذُّكُور أشهر وَأعرف وهم لصحبة الْآبَاء ألزم. قَالَ الواحدي: نزلت فِي مؤمني أهل الْكتاب مثل عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه، كَانُوا يعْرفُونَ رَسُول الله ﷺ وَصفته فِي كِتَابهمْ كَمَا يعْرفُونَ أَوْلَادهم إِذا رَأَوْهُمْ، وَقَالَ ابْن سَلام: لأَنا كنت أَشد معرفَة برَسُول الله ﷺ مني يَا بني، فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: كَيفَ ذَاك؟ قَالَ: لِأَنِّي أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حَقًا يَقِينا وَأَنا لَا أشهد بذلك لِابْني لِأَنِّي أَدْرِي مَا أحدثت النِّسَاء. فَقَالَ لَهُ عمر: وفقك الله. قَوْله: (وَإِن فريقاً مِنْهُم) ، يَعْنِي: من عُلَمَائهمْ (ليكتمون) أَي: صفة النَّبِي ﷺ واستقبال الْكَعْبَة. قَوْله: (الْحق من رَبك) أَي: الْحق الَّذِي مَعَ رَسُول الله ﷺ وَقَرَأَ عَليّ: الْحق، بِالنّصب على الإغراء. قَوْله: (من الممترين) ، أَي: الشاكين فِي كتمانهم الْحق مَعَ علمهمْ وَفِي أَنه من رَبك، وَقيل: الْخطاب للرسول، وَالْمرَاد الْأمة. ٤٤٩١ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ قَزَعَةَ حدّثنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنا الناسُ بِقُباءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ جاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إنَّ النبيَّ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وقَدْ أُمرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها وكانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّأْمِ فاسْتَدَارُوا إلَى الكَعْبَةِ. . مطابقته لِلْآيَةِ مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. والْحَدِيث قد مضى الْآن وَقد رَوَاهُ هُنَا من وَجه آخر. ١٨ - (بابُ: ﴿ولِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ أيْنَما تَكُونُوا يأتِ بكُمُ الله جَمِيعاً إنَّ الله عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٨) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: (وَلكُل وجهة) . هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا: بَاب ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ الْآيَة. قَوْله: (وَلكُل) . أَي: وَلكُل من أهل الْأَدْيَان (وجهة) أَي: قبْلَة. وَفِي قِرَاءَة أبي: وَلكُل قبْلَة. قَوْله: (هُوَ موليها) ، أَي: هُوَ موليها وَجهه، فَحذف أحد المفعولين. قَوْله: (فاستبقوا الْخيرَات) ، أَي: فتوجهوا الْكَعْبَة وأعرضوا عَن قَول الْكفَّار فَإِن الله يجازيهم يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (أَيْنَمَا) ظرف لِتَكُونُوا. وَقَوله: (يَأْتِ بكم الله جَمِيعًا) جَزَاء، وَلِهَذَا أَجْزم الْفِعْلَيْنِ، يَعْنِي: ياتِ بهم للجزاء من مُوَافق ومخالف لَا تعجزونه (إِن الله على كل شَيْء قدير) .

стр. 5360

١٩ - (بَاب: ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا الله بِغافِلٍ عَمَّا تَعْلَمُون شَطْرُهُ تِلْقاؤهُ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٩) هَكَذَا هُوَ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَمن حَيْثُ خرجت فولِّ وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ الْآيَة قَوْله: (من حَيْثُ خرجت) أَي: وَمن أَي بلد خرجت للسَّفر (فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام) إِذا صليت. قَوْله: (وَإنَّهُ) أَي: وَإِن هَذَا الْمَأْمُور بِهِ (للحق من رَبك) وقرىء: تَعْمَلُونَ، بِالتَّاءِ وَالْيَاء. هَذِه الْآيَة أَمر آخر من الله باستقبال الْقبْلَة نَحْو الْمَسْجِد الْحَرَام من جَمِيع أقطار الأَرْض. قَوْله: (شطره) تلقاؤه أَي: شطر الْمَسْجِد الْحَرَام تلقاؤه، وَهُوَ مُبْتَدأ وَخبر والشطر فِي أصل اللُّغَة: النّصْف، وَهنا المُرَاد بِهِ تِلْقَاء الْمَسْجِد الْحَرَام. ٤٤٩٣ - ح دَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ ﵄ يقُولُ بَيْنا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُباءٍ إذْ جاءَهُمْ رجُلٌ فَقَالَ أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ فأُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها واسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ فَتَوَجَّهُوا إلَى الكَعْبَةِ وكانَ وجْهُ النَّاسِ إلَى الشأْمِ. . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَاضِي. عَن قريب. ٢٠ - (بَاب: ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وحَيْثُمَا كُنْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ولَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٥٠) كرر هَذَا لحكمة نذكرها الْآن.) ٤٤٩٤ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكٍ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَما النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُباءٍ إذْ جاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إنَّ رسولَ الله ﷺ قدْ أُنزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبَلُوها وكانَتْ وجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فاسْتَدَارُوا إِلَى القِبْلَةِ. . هَذَا طَرِيق آخر من وَجه آخر فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه عَن قريب عَن يحيى بن قزعة عَن مَالك، وَاخْتلفُوا فِي حِكْمَة هَذَا التّكْرَار ثَلَاث مرار، فَقيل: تَأْكِيد، لِأَنَّهُ أول نَاسخ وَقع فِي الْإِسْلَام على مَا نَص عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس وَغَيره، وَقيل: بل هُوَ منزل على أَحْوَال: فَالْأَمْر الأول: لمن هُوَ مشَاهد للكعبة. وَالثَّانِي: لمن هُوَ فِي مَكَّة غَائِبا عَنْهَا. وَالثَّالِث: لمن هُوَ فِي بَقِيَّة الْبلدَانِ، قَالَه الرَّازِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الأول: لمن هُوَ بِمَكَّة. وَالثَّانِي: لمن هُوَ فِي بَقِيَّة الْأَمْصَار. وَالثَّالِث: لمن خرج فِي الْأَسْفَار. ٢١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يطوَّفَ بِهِما ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٥٨) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله : ﴿إِن الصَّفَا﴾ ، الْآيَة، والآن يَأْتِي تَفْسِيره، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رُوِيَ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام: سَمِعت رجَالًا من أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن النَّاس إلَاّ عَائِشَة إِن طوافنا بَين هذَيْن الحجرين من أَمر الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ آخر من الْأَنْصَار: إِنَّمَا أمرنَا بِالطّوافِ بِالْبَيْتِ وَلم نؤمر بِالطّوافِ بني الصَّفَا والمروة، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ وَأما الَّذِي فِي الطّواف بِالْكَعْبَةِ فَمَا ذكره فِي: (تَفْسِير مقَاتل) : قَالَ يحيى ابْن أَخطب وَكَعب بن الْأَشْرَف وَكَعب بن أسيد وَابْن صوريا وكنانة ووهب بن يهودا وَأَبُو نَافِع للنَّبِي ﷺ لم تطوفون بِالْكَعْبَةِ حِجَارَة مَبْنِيَّة؟ فَقَالَ ﷺ : إِنَّكُم لتعلمون أَن الطّواف بِالْبَيْتِ حق، وَأَنه هُوَ الْقبْلَة مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، فَنزلت، أَي: الْآيَات الْمَذْكُورَة آنِفا.
следующие страницы →