← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

ويفسِّرُونَها بالعرَبِيَّةِ لأهْلِ الإسْلَامِ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ لَا تُصَدِّقُوا أهْلَ الْكِتَابِ ولَا تُكَذِّبُوهُمْ ﴿وقُولُوا آمنّا بِاللَّه وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٦) الْآيَة. مطابقته لِلْآيَةِ فِي قَوْله: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ . والْحَدِيث ذكره البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام وَفِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد بن بشار أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. قَوْله: (كَانَ أهل الْكتاب) ، أَي: من الْيَهُود. قَوْله: (لَا تصدقوا) ، إِلَى آخِره، يَعْنِي: إِذا كَانَ مَا يخبرونكم بِهِ مُحْتملا لِئَلَّا يكون فِي نفس الْأَمر صدقا فتكذبوه، أَو كذبا فتصدقوه فتقعوا فِي الْحَرج، وَلم يرد النَّهْي عَن تكذيبهم فِيمَا ورد شرعنا بِخِلَافِهِ، وَلَا عَن تصديقهم فِيمَا ورد شرعنا بوفاقه. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث أصل فِي وجوب التَّوَقُّف عَمَّا يشكل من الْأُمُور فَلَا يقْضِي عَلَيْهِ بِصِحَّة أَو بطلَان وَلَا بتحليل وَتَحْرِيم، وَقد أمرنَا أَن نؤمن بالكتب الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء، ﵈، إلَاّ أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى أَن نعلم صَحِيح مَا يحكونه عَن تِلْكَ الْكتب من سقيمه، فنتوقف فَلَا نصدقهم لِئَلَّا نَكُون شُرَكَاء مَعَهم فِيمَا حرفوه مِنْهُ، وَلَا نكذبهم فَلَعَلَّهُ يكون صَحِيحا فنكون منكرين لما أمرنَا أَن نؤمن بِهِ، وعَلى هَذَا كَانَ يتَوَقَّف السّلف عَن بعض مَا أشكل عَلَيْهِم وتعليقهم القَوْل فِيهِ كَمَا سُئِلَ عُثْمَان ﵁، عَن الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ فِي ملك الْيَمين، فَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَة وحرمتهما آيَة، وكما سُئِلَ ابْن عمر عَن رجل نذر أَن يَصُوم كل اثْنَيْنِ، فَوَافَقَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم عيد، فَقَالَ: أَمر الله بِالْوَفَاءِ بِالنذرِ وَنهى النَّبِي ﷺ ، عَن صَوْم يَوْم الْعِيد، فَهَذَا مَذْهَب من يسْلك طَرِيق الْوَرع وَإِن كَانَ غَيرهم قد اجتهدوا واعتبروا الْأُصُول فرجحوا أحد المذهبين على الآخر، وكل على مَا ينويه من الْخَيْر ويؤمه من الصّلاح مشكور. ١٢ - (بَاب: ﴿سَيَقُولُ السفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَاّهُمْ عنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْهَا قُلْ لله المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٢) . وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ وَلَكِن فِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: ﴿مَا ولاهم عَن قبلتهما﴾ فَقَط، والسفهاء جمع سَفِيه. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سَيَقُولُ السُّفَهَاء أَي: خفاف الأحلام وهم الْيَهُود لكراهتهم التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة وَأَنَّهُمْ لَا يرَوْنَ النّسخ، وَقيل: المُنَافِقُونَ بحرصهم على الطعْن والاستهزاء، وَقيل: الْمُشْركُونَ. قَالُوا: رغب عَن قبْلَة آبَائِهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا وَالله ليرجعن إِلَى دينهم. قَوْله: (مَا ولاهم) أَي: أَي شَيْء رجعهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا وَهُوَ بَيت الْمُقَدّس، قل يَا مُحَمَّد (لله الْمشرق وَالْمغْرب) ، أَي: بِلَاد الشرق والغرب وَالْأَرْض كلهَا، وَهَذَا جَوَاب لَهُم أَي الحكم وَالتَّصَرُّف فِي الْأَمر كلمة لله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ فيأمرهم بالتوجه إِلَى أَي جِهَة شَاءَ، وَقيل: أَرَادَ بالمشرق الْكَعْبَة لِأَن الْمُصَلِّي بِالْمَدِينَةِ إِذا توجه إِلَى الْكَعْبَة فَهُوَ مُتَوَجّه للمشرق، وَأَرَادَ بالمغرب بَيت الْمُقَدّس لِأَن الْمُصَلِّي فِي الْمَدِينَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس مُتَوَجّه جِهَة الْمغرب. ١٣ - (حَدثنَا أَبُو نعيم سمع زهيرا عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر شهرا وَكَانَ يُعجبهُ أَن تكون قبلته قبل الْبَيْت وَأَنه صلى أَو صلاهَا صَلَاة الْعَصْر وَصلى مَعَه قوم فَخرج رجل مِمَّن كَانَ صلى مَعَه فَمر على أهل الْمَسْجِد وهم رَاكِعُونَ فَقَالَ أشهد بِاللَّه لقد صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - قبل مَكَّة فَدَارُوا كَمَا هم قبل الْبَيْت وَكَانَ الَّذِي مَاتَ على الْقبْلَة قبل أَن تحول قبل الْبَيْت رجال قتلوا لم ندر مَا نقُول فيهم فَأنْزل الله ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ إِن الله بِالنَّاسِ لرؤف رَحِيم﴾ مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَزُهَيْر تَصْغِير زهر ابْن مُعَاوِيَة وَأَبُو إِسْحَق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي والبراء هُوَ ابْن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم

стр. 5357

مِنْهُ عَن عَمْرو بن خَالِد عَن زُهَيْر إِلَى آخِره وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مطولا قَوْله " أَو سَبْعَة عشر " شكّ من الرَّاوِي قَوْله " قبل الْبَيْت " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي جِهَة الْكَعْبَة قَوْله " أَو صلاهَا " شكّ من الرَّاوِي قَوْله " صَلَاة الْعَصْر " بِالنّصب بدل من الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي فِي صلاهَا قَوْله " رجل " قيل هُوَ عباد بن نهيك الخطمي الْأنْصَارِيّ قَالَه أَبُو عمر فِي كتاب الِاسْتِيعَاب وَقَالَ ابْن بشكوال هُوَ عباد بن بشر الأشْهَلِي قَوْله " إيمَانكُمْ " أَي صَلَاتكُمْ - ١٣ - (بابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدٍ﴾ (الْبَقَرَة:) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ الْآيَة، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: ﴿لرؤوف رَحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣) قَوْله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا) أَي: كَمَا اخترنا إِبْرَاهِيم ﵊، وَأَوْلَاده وأنعمنا عَلَيْهِم بالحنيفية جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا. وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : يَقُول الله تَعَالَى: إِنَّمَا حولناكم إِلَى قبْلَة إِبْرَاهِيم ﵊، واخترناها لكم لنجعلكم خِيَار الْأُمَم لِتَكُونُوا يَوْم الْقِيَامَة شُهَدَاء على الْأُمَم، لِأَن الْجَمِيع معترفون لَكِن بِالْفَضْلِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ، وَمثل ذَلِك الْجعل العجيب جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا أَي خياراً، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث. ٤٤٨٧ - ح دَّثنا يُوسُفُ بنُ راشِدٍ حَدثنَا جَرِيرٌ وأبُو أُسامَةَ واللَّفْظِ لِ جَرِيرٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي صالِحِ. وَقَالَ أبُو أُسامَةَ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبّيْكَ وسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقالُ لأُمَّتِهِ هلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولون مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فيَقُولُ مُحَمَّدٌ وأمَّتُهُ فيَشْهَدُونَ أنّهُ قَدْ بلَّغَ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فَذالِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وكَذالِكَ جَعَلْناكمْ أُمَّةٍ وسَطاً لِتكُونُوا شُهَدَاءٍ عَلَى النَّاسِ ويَكون الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ . والوَسَطُ العَدْلُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٣٣٩ وطرفه) . مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة. ويوسف هُوَ ابْن مُوسَى بن رَاشد بن بِلَال الْقطَّان الْكُوفِي، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك بن سِنَان. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا﴾ (نوح: ١) وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَالْوسط: الْعدْل) قيل، هُوَ مَرْفُوع من نفس الْخَبَر وَلَيْسَ بمدرج من قَول بعض الروَاة كَمَا وهمه بَعضهم. قلت: فِيهِ تَأمل، وَقَالَ ابْن جرير: الْوسط الْعدْل وَالْخيَار، وَأَنا أرى أَن الْوسط فِي هَذَا الْموضع هُوَ الْوسط الَّذِي بِمَعْنى الْجُزْء الَّذِي هُوَ بَين الطَّرفَيْنِ مثل: وسط الدَّار، وَرُوِيَ أَن الرب إِنَّمَا وَصفهم بذلك لتوسطهم فِي الدّين فلاهم أهل غلو فِيهِ كالنصارى ولاهم أهل تَقْصِير فِيهِ كاليهود، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقيل للخيار: وسط، لِأَن الْأَطْرَاف يتسارع إِلَيْهَا الْخلَل والإعواز والأوساط مَحْفُوظَة. ١٤ - (بابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتي كُنْتَ علَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ منْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله وَمَا كانَ الله لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ إنَّ الله بالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إلَاّ لنعلم من يتبع الرَّسُول﴾ إِلَى هُنَا رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى آخر الْآيَة الَّتِي ذَكرنَاهَا. قَوْله: (وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا) يَعْنِي: وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي تحب أَن تستقبلها الْجِهَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا أَولا بِمَكَّة وَمَا رددناك إِلَيْهَا إلَاّ امتحاناً للنَّاس وابتلاءً لنعلم الثَّابِت على الْإِسْلَام الصَّادِق فِيهِ مِمَّن هُوَ على حرف يَنْكص على عَقِبَيْهِ لقلقه فيرتد. قَوْله: (وَإِن كَانَت) ، كلمة: إِن المخففة الَّتِي تلزمها اللَّام الفارقة، وَالضَّمِير فِي: كَانَت، يرجع إِلَى التحويلة أَو إِلَى الْقبْلَة. قَوْله: (لكبيرة) ، أَي: لثقيلة شاقة ﴿إلَاّ على الَّذين هدى الله﴾ وهم التائبون الصادقون فِي اتِّبَاع الرَّسُول. قَوْله: (وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ) أَي: ثباتكم على الْإِيمَان، وَعَن ابْن عَبَّاس: وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ أَي: بالقبلة

стр. 5358

الأولى، وتصديقكم نَبِيكُم باتباعه إِلَى الْقبْلَة الْأُخْرَى، أَي: ليعطيكم أجرهما جَمِيعًا. ٤٤٨٨ - ح دَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابْن عُمَرَ ﵄ بَيْنا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُباءٍ إذْ جاءَ فَقَالَ أنْزَلَ الله عَلَى النبيِّ ﷺ قُرْآناً أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبَلُوها فَتوجَّهُوا إلَى الكَعْبَةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أنزل الله على النَّبِي قُرْآنًا أَن يسْتَقْبل الْقبْلَة) وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الصَّلَاة فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْقبْلَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر الحَدِيث. ١٥ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ إِلَى ﴿عمَّا تَعْلَمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٤) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله: (قد نرى) إِلَى آخِره، وَالْمَذْكُور على هَذَا الْوَجْه رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: إِلَى قَوْله: (فِي السَّمَاء) . ٤٤٨٩ - ح دَّثنا عليُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا مُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ لَمْ يبقَ مِمَّنْ صلَّى القِبْلَتَيْنِ غيْرِي. مطابقته لِلْآيَةِ تُؤْخَذ من قَوْله: مِمَّن صلى الْقبْلَتَيْنِ، لِأَن الْآيَة مُشْتَمِلَة على أَمر الْقبْلَتَيْنِ، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، ومعتمر على وزن إسم فَاعل من الاعتمار ابْن سُلَيْمَان بن طرخان. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (مِمَّن صلى الْقبْلَتَيْنِ) يَعْنِي: الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِلَى الْكَعْبَة، وَقَالَ أنس: ذَلِك فِي آخر عمره، وَلَعَلَّ مُرَاده: أَنه آخر من مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، مِمَّن صلى إِلَى الْقبْلَتَيْنِ، وهم الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ وَالسَّابِقُونَ، وَقد ثَبت لجَماعَة مِمَّن سكن الْبَوَادِي من الصَّحَابَة تأخرهم عَن أنس. ١٦ - (بابُ: ﴿ولِئنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ إِذا لَمِنَ الظَّلِمِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٥) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أتيت﴾ إِلَى آخِره، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، يَعْنِي: إِلَى قَوْله: ﴿مَا تبعوا قبلتك﴾ الْآيَة وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى: ﴿لمن الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: الْمَذْكُور فِيهِ. قَوْله: (وَلَئِن أتيت) ، جَوَاب للقسم الْمَحْذُوف، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قلت: لِأَن اللَّام تَوْطِئَة للقسم. قَوْله: (بِكُل آيَة) أَي: بِكُل برهَان. قَوْله: (مَا تبعوا قبلتك) يَعْنِي: لم يُؤمنُوا بهَا، ثمَّ حسم مَادَّة أطماعهم فِي رُجُوعه ﷺ ، إِلَى قبلتهم بقوله: ﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم﴾ الْآيَة، الْخطاب للرسول ﷺ وَالْمرَاد الْأمة. ٤٤٩٠ - ح دَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ حدّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ بَيْنَما النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بقُباءٍ جاءَهُمْ رجُلٌ فَقَالَ إنَّ رسُولَ الله ﷺ قَدْ أنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وقدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ ألَا فاسْتَقْبِلُوها وكانَ وجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ فاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إلَى الكَعْبَةِ. . مطابقته لِلْآيَةِ تَتَأَتى بالتعسف يوضحها من يمعن النّظر فِيهِ. وخَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم: البَجلِيّ الْكُوفِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال. والْحَدِيث مرعن قريب. إِلَّا كلمة تحضيض وحث. قَوْله: (فاستقبلوها) أَمر للْجَمَاعَة.

стр. 5359

١٧ - (بابُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتاب يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفون أبْناءَهُمْ وإنَّ فَريقاً مِنهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تكُونَنَّ منَ المُمْتَرِين﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٦) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم﴾ إِلَى آخِره. وَهَذَا هَكَذَا رِوَايَة غير أبي ذَر، وَرِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا: بَاب ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ إِلَى هُنَا فَحسب. قَوْله: (يعرفونه) أَي: يعْرفُونَ رَسُول الله ﷺ (كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم) بِحَيْثُ لَا يشْتَبه عَلَيْهِم أبناؤهم وَأَبْنَاء غَيرهم، وَإِنَّمَا اخْتصَّ الْأَبْنَاء لِأَن الذُّكُور أشهر وَأعرف وهم لصحبة الْآبَاء ألزم. قَالَ الواحدي: نزلت فِي مؤمني أهل الْكتاب مثل عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه، كَانُوا يعْرفُونَ رَسُول الله ﷺ وَصفته فِي كِتَابهمْ كَمَا يعْرفُونَ أَوْلَادهم إِذا رَأَوْهُمْ، وَقَالَ ابْن سَلام: لأَنا كنت أَشد معرفَة برَسُول الله ﷺ مني يَا بني، فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: كَيفَ ذَاك؟ قَالَ: لِأَنِّي أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حَقًا يَقِينا وَأَنا لَا أشهد بذلك لِابْني لِأَنِّي أَدْرِي مَا أحدثت النِّسَاء. فَقَالَ لَهُ عمر: وفقك الله. قَوْله: (وَإِن فريقاً مِنْهُم) ، يَعْنِي: من عُلَمَائهمْ (ليكتمون) أَي: صفة النَّبِي ﷺ واستقبال الْكَعْبَة. قَوْله: (الْحق من رَبك) أَي: الْحق الَّذِي مَعَ رَسُول الله ﷺ وَقَرَأَ عَليّ: الْحق، بِالنّصب على الإغراء. قَوْله: (من الممترين) ، أَي: الشاكين فِي كتمانهم الْحق مَعَ علمهمْ وَفِي أَنه من رَبك، وَقيل: الْخطاب للرسول، وَالْمرَاد الْأمة. ٤٤٩١ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ قَزَعَةَ حدّثنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنا الناسُ بِقُباءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ جاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إنَّ النبيَّ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وقَدْ أُمرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها وكانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّأْمِ فاسْتَدَارُوا إلَى الكَعْبَةِ. . مطابقته لِلْآيَةِ مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. والْحَدِيث قد مضى الْآن وَقد رَوَاهُ هُنَا من وَجه آخر. ١٨ - (بابُ: ﴿ولِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ أيْنَما تَكُونُوا يأتِ بكُمُ الله جَمِيعاً إنَّ الله عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٨) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: (وَلكُل وجهة) . هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا: بَاب ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ الْآيَة. قَوْله: (وَلكُل) . أَي: وَلكُل من أهل الْأَدْيَان (وجهة) أَي: قبْلَة. وَفِي قِرَاءَة أبي: وَلكُل قبْلَة. قَوْله: (هُوَ موليها) ، أَي: هُوَ موليها وَجهه، فَحذف أحد المفعولين. قَوْله: (فاستبقوا الْخيرَات) ، أَي: فتوجهوا الْكَعْبَة وأعرضوا عَن قَول الْكفَّار فَإِن الله يجازيهم يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (أَيْنَمَا) ظرف لِتَكُونُوا. وَقَوله: (يَأْتِ بكم الله جَمِيعًا) جَزَاء، وَلِهَذَا أَجْزم الْفِعْلَيْنِ، يَعْنِي: ياتِ بهم للجزاء من مُوَافق ومخالف لَا تعجزونه (إِن الله على كل شَيْء قدير) .

стр. 5360

١٩ - (بَاب: ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا الله بِغافِلٍ عَمَّا تَعْلَمُون شَطْرُهُ تِلْقاؤهُ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٩) هَكَذَا هُوَ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَمن حَيْثُ خرجت فولِّ وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ الْآيَة قَوْله: (من حَيْثُ خرجت) أَي: وَمن أَي بلد خرجت للسَّفر (فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام) إِذا صليت. قَوْله: (وَإنَّهُ) أَي: وَإِن هَذَا الْمَأْمُور بِهِ (للحق من رَبك) وقرىء: تَعْمَلُونَ، بِالتَّاءِ وَالْيَاء. هَذِه الْآيَة أَمر آخر من الله باستقبال الْقبْلَة نَحْو الْمَسْجِد الْحَرَام من جَمِيع أقطار الأَرْض. قَوْله: (شطره) تلقاؤه أَي: شطر الْمَسْجِد الْحَرَام تلقاؤه، وَهُوَ مُبْتَدأ وَخبر والشطر فِي أصل اللُّغَة: النّصْف، وَهنا المُرَاد بِهِ تِلْقَاء الْمَسْجِد الْحَرَام. ٤٤٩٣ - ح دَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ ﵄ يقُولُ بَيْنا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُباءٍ إذْ جاءَهُمْ رجُلٌ فَقَالَ أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ فأُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها واسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ فَتَوَجَّهُوا إلَى الكَعْبَةِ وكانَ وجْهُ النَّاسِ إلَى الشأْمِ. . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَاضِي. عَن قريب. ٢٠ - (بَاب: ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وحَيْثُمَا كُنْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ولَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٥٠) كرر هَذَا لحكمة نذكرها الْآن.) ٤٤٩٤ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكٍ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَما النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُباءٍ إذْ جاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إنَّ رسولَ الله ﷺ قدْ أُنزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبَلُوها وكانَتْ وجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فاسْتَدَارُوا إِلَى القِبْلَةِ. . هَذَا طَرِيق آخر من وَجه آخر فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه عَن قريب عَن يحيى بن قزعة عَن مَالك، وَاخْتلفُوا فِي حِكْمَة هَذَا التّكْرَار ثَلَاث مرار، فَقيل: تَأْكِيد، لِأَنَّهُ أول نَاسخ وَقع فِي الْإِسْلَام على مَا نَص عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس وَغَيره، وَقيل: بل هُوَ منزل على أَحْوَال: فَالْأَمْر الأول: لمن هُوَ مشَاهد للكعبة. وَالثَّانِي: لمن هُوَ فِي مَكَّة غَائِبا عَنْهَا. وَالثَّالِث: لمن هُوَ فِي بَقِيَّة الْبلدَانِ، قَالَه الرَّازِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الأول: لمن هُوَ بِمَكَّة. وَالثَّانِي: لمن هُوَ فِي بَقِيَّة الْأَمْصَار. وَالثَّالِث: لمن خرج فِي الْأَسْفَار. ٢١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يطوَّفَ بِهِما ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٥٨) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله : ﴿إِن الصَّفَا﴾ ، الْآيَة، والآن يَأْتِي تَفْسِيره، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رُوِيَ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام: سَمِعت رجَالًا من أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن النَّاس إلَاّ عَائِشَة إِن طوافنا بَين هذَيْن الحجرين من أَمر الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ آخر من الْأَنْصَار: إِنَّمَا أمرنَا بِالطّوافِ بِالْبَيْتِ وَلم نؤمر بِالطّوافِ بني الصَّفَا والمروة، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ وَأما الَّذِي فِي الطّواف بِالْكَعْبَةِ فَمَا ذكره فِي: (تَفْسِير مقَاتل) : قَالَ يحيى ابْن أَخطب وَكَعب بن الْأَشْرَف وَكَعب بن أسيد وَابْن صوريا وكنانة ووهب بن يهودا وَأَبُو نَافِع للنَّبِي ﷺ لم تطوفون بِالْكَعْبَةِ حِجَارَة مَبْنِيَّة؟ فَقَالَ ﷺ : إِنَّكُم لتعلمون أَن الطّواف بِالْبَيْتِ حق، وَأَنه هُوَ الْقبْلَة مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، فَنزلت، أَي: الْآيَات الْمَذْكُورَة آنِفا.

стр. 5361

شَعائِرُ عَلَاماتٌ واحِدَتُها شَعِيرَةٌ فسر شَعَائِر، الْمَذْكُورَة بقوله: ثمَّ أَشَارَ بِأَنَّهَا جمع وواحدتها: شعيرَة، بِفَتْح الشين وَكسر الْعين، هَكَذَا فَسرهَا أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: شَعَائِر الْحَج آثاره، وَقيل: هُوَ كل مَا كَانَ من أَعماله: كالوقوف وَالطّواف وَالسَّعْي وَالرَّمْي وَالذّبْح وَغير ذَلِك. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الصفْوَانُ، الحَجَرُ ويُقالُ الحِجارَةُ المُلْسُ الَّتي لَا تُنْبِتُ شَيْئاً والوَاحِدَةُ صَفْوَانَةٌ بمَعْنَى الصَّفَا والصَّفا لِلْجَمِيعِ. قَول ابْن عَبَّاس وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة. قَوْله: (الصفوان) ، بِفَتْح الصَّاد وَسُكُون الْفَاء، وَهُوَ جمع وواحده: صفوانه. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الصَّفَا وَاحِد، والمثنى صَفْوَان وَالْجمع أصفار وصفيا وصفيا، وَقيل: صفيا وصفيا من الْغَلَط الْقَبِيح وَالصَّوَاب صفي وصفي قلت: هَكَذَا الصَّوَاب، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصفوان الْحجر الأملس، وَالْجمع صفي، وَقيل: هُوَ جمع واحده صفوانه قلت: هَذَا بِعَيْنِه قَول ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور. قَوْله: (الملس) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام: جمع أملس. قَوْله: (والصفا للْجَمِيع) ، يَعْنِي: أَنه مَقْصُور جمع الصفاة: وَهِي الصَّخْرَة والصماء. ٤٤٩٥ - ح دَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ أنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِعائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ وَأَنا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ أرَأيْتِ قَوْلَ الله ﵎ إنَّ الصَّفا والمُرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البَيْت أوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فَما أُرَي عَلَي أحَدٍ شَيْئاً أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِما فقالَتْ عائِشَةُ كَلا لوْ كانَتْ كَما تَقُولُ كانَتْ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِما إنَّما أنُزِلَتْ هاذِهِ الآيَةُ فِي الْأَنْصَار كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيُدٍ وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَلَمَّا جاءَ الإسْلَامُ سألُوا رسُولَ الله ﷺ عنْ ذالِكَ فأنْزَلَ الله ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُناح عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ (الْبَقَرَة: ١٥٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مضى فِي الْحَج مطولا فِي: بَاب وجود الصَّفَا والمروة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (إِن الصَّفَا) ، مَقْصُورا، مَكَان مُرْتَفع عِنْد بَاب الْمَسْجِد الْحَرَام وَهُوَ أنف من جبل أبي قبيس وَهُوَ الْآن إِحْدَى عشر دَرَجَة فَوْقهَا أَزجّ كإيوان، فَتْحة هَذَا الأزج نَحْو خمسين قدماً كَانَ عَلَيْهِ صنم على صُورَة رجل يُقَال لَهُ: أساف بن عَمْرو، وعَلى الْمَرْوَة صنم على صُورَة امْرَأَة تدعى: نائلة بنت ذِئْب، وَيُقَال: بنت سُهَيْل، زَعَمُوا أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَة فمسخهما الله فوضعا على الصَّفَا والمروة ليعتبر بهما، فَلَمَّا طَالَتْ الْمدَّة عبدا. وَزعم عِيَاض: أَن قصيًّا حولهما فَجعل أَحدهمَا ملاصق الْكَعْبَة وَالْآخر بزمزم، وَقيل: جَعلهمَا بزمزم وَنحر عِنْدهمَا، فَلَمَّا فتح رَسُول الله ﷺ ، مَكَّة كسرهما. وَفِي (تَفْسِير مقَاتل) : كَانَ على الصَّفَا صنم يُقَال لَهُ أساف، وعَلى الْمَرْوَة صنم يُقَال لَهُ نائلة، فَقَالَ الْكفَّار: إِنَّه حرج علينا أَن نطوف بهما، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّفَا والمروة﴾ الْآيَة، وَفِي: (فَضَائِل مَكَّة) : لرزين: لما زَنَيَا لم يُمْهل الله تَعَالَى أَن يفجرا فِيهَا فمسخهما، فأخرجا إِلَى الصَّفَا والمروة، فَلَمَّا كَانَ عَمْرو بن لحي نقلهما إِلَى الْكَعْبَة ونصبهما على زَمْزَم فَطَافَ النَّاس. قَوْله: (الْمَرْوَة) ، الْمَرْوَة الْحَصَاة الصَّغِيرَة يجمع قليلها على مروات وكثيرها مرو مثل: تَمْرَة وتمرات وتمر، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الصَّفَا والمروة علمَان للجبلين كالصمان والمقطم، وَقيل: سمي الصَّفَا بِهِ لِأَنَّهُ جلس عَلَيْهِ آدم صفي الله ﵇، والمروة سميت بهَا لِأَن حَوَّاء ﵍، جَلَست عَلَيْهَا. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) ، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ فِي الْمَسْعَى سَبْعُونَ وثنا، فَقَالَ السملمون: يَا رَسُول الله! هَذِه الأرجاس الأنجاس فِي مسعانا وَنحن نتأثم مِنْهَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما﴾ أَي: فَلَا إِثْم عَلَيْهِ أَن يسع بَيْنَمَا وَيَطوف، فَأمر بهَا فنحيت عَن الْمَسْعَى، وَكَذَلِكَ فعل

стр. 5362

بالأوثان الَّتِي كَانَت حول الْكَعْبَة، شرفها الله تَعَالَى. قَوْله: (حَذْو قديد) ، الحذو بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره وَاو: وَهُوَ الْحذاء والإزاء والمقابل (وقديد) ، بِضَم الْقَاف وَفتح الدَّال: مَوضِع من منَازِل طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة قَوْله: (يتحرجون) ، أَي: يتأثمون. ٤٤٩٦ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عاصِمِ بنِ سُلَيْمان قَالَ سألْتُ أنَس بنَ مالِكٍ ﵁ عنِ الصَّفَا والمَرْوَةِ فَقَالَ كُنَّا نَرَى أنَّهُما مِنْ أمْرِ الجاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كانَ الإسْلَامُ أمْسَكْنا عَنْهُما فأنْزَلَ الله تَعَالَى إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف بن وَاقد أَبُو عبد الله الْفرْيَابِيّ وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَعَاصِم بنس ليمان الْأَحول أَبُو عبد الرَّحْمَن الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مر فِي الْحَج فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، قَوْله: (كُنَّا نرى) ، بِضَم النُّون وَفتحهَا. قَوْله: (أَنَّهُمَا) ، أَي: أَن الصَّفَا والمروة، وَلم يَقع فِي بعض النّسخ لفظ، وَالظَّاهِر أَنه من الْكَاتِب، إِذْ لَا بُد مِنْهُ لِأَن الْمَعْنى لَا يتم إلَاّ بِهِ. ٢٢ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ منْ دُونِ الله أنْدَاداً﴾ (الْبَقَرَة: ١٦٥) أضْدَاداً واحِدُها نِدٌّ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس﴾ وهم الْمُشْركُونَ، جعلُوا الله أنداداً، وفسرها البُخَارِيّ بقوله: أضداداً، وَكَذَا فَسرهَا أَبُو عُبَيْدَة، قيل: الند فِي اللُّغَة الْمثل لَا الضِّدّ، وَأجِيب: بِأَن الْمثل الْمُخَالف المعادي فِيهِ معنى الضدية. ٤٤٩٧ - ح دَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقِيقٍ عنْ عبْدِ الله قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ كَلِمَةً وقُلْتُ أُخْرَى قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ ماتَ وهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا دَخَلَ النَّارَ وقُلْتُ أَنا مَنْ مَاتَ وهْوَ لَا يَدْعُو لله نِدًّا دَخَلَ الجَنَّةَ. (انْظُر الحَدِيث ١٢٣٨ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي الْآيَة مَا يدل على أَن من مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو لله نداد دخل النَّار. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وشقيق أَبُو وَائِل بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث مضى فِي أول الْجَنَائِز فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قيل: من أَيْن علم ابْن مَسْعُود ذَلِك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ اسْتَفَادَ من قَول رَسُول الله ﷺ إِذْ انْتِفَاء السَّبَب يَقْتَضِي انْتِفَاء الْمُسَبّب، وَهَذَا بِنَاء على أَن لَا وَاسِطَة بَين الْجنَّة وَالنَّار، وَفِيه تَأمل. ٢٣ - (بابٌ: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ فِي الْقَتْلَى الحُرُّ بالحُرِّ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٨) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ . عُفِيَ تُرِكَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٨) هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكل غير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَته: بَاب: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص﴾ . الْآيَة: قَالَ الْفراء: نزلت هَذِه الْآيَة فِي حيين من الْعَرَب كَانَ لأَحَدهمَا طول على الآخر فِي الْكَثْرَة والشرف، فَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَهُمْ بِغَيْر مهر، فَقتل الأوضع من الْحَيَّيْنِ من الشريف قَتْلَى، فأقسم الشريف ليقْتلن الذّكر بِالْأُنْثَى وَالْحر بِالْعَبدِ وَأَن يضاعفوا الْجِرَاحَات، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذَا على نبيه ﷺ ، ثمَّ نسخ أَيْضا، نُسْخَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ (الْمَائِدَة: ٤٥) إِلَى آخر الْآيَة، فَالْأولى مَنْسُوخَة لَا يعْمل بهَا وَلَا يحكم، وَمذهب أبي حنيفَة: أَن الْحر يقتل بِالْعَبدِ بِهَذِهِ الْآيَة، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَدَاوُد، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَسَعِيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ

стр. 5363

وَقَتَادَة وَالْحكم، وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء وَعِكْرِمَة، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك: أَن الْحر لَا يقتل بِالْعَبدِ وَالذكر لَا يقتل بِالْأُنْثَى، أخذا بِهَذِهِ الْآيَة، أَعنِي قَوْله: ﴿الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٨) وَقد قُلْنَا: إِنَّهَا مَنْسُوخَة. قَوْله: (كتب عَلَيْكُم الْقصاص) ، ذكر الواحدي: أَن مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة الْمُمَاثلَة والمساواة، وَقَالَ ابْن الْحصار: الْقصاص الْمُسَاوَاة والمجازاة، وَالْمرَاد بِهِ الْعدْل فِي الْأَحْكَام، وَهَذَا حكم الله الَّذِي لم يزل وَلَا يزَال أبدا، فَلَا نسخ فِيهِ وَلَا تَبْدِيل لَهُ، وَالْمرَاد بِآيَة الْمَائِدَة تبين الْعدْل فِي تكافىء الدِّمَاء فِي الْجُمْلَة وَترك التَّفَاضُل لاجتهاد الْعلمَاء، وعَلى هَذَا فَلَيْسَ بَينهمَا تعَارض قُلْنَا الْأَنْسَب عُمُوم آيَة الْمَائِدَة وفيهَا مُقَابلَة مُطلقَة، وَهَذِه الْآيَة فِيهَا مُقَابلَة مُقَيّدَة، فَلَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد، على أَن مُقَابلَة الْحر بِالْحرِّ لَا يُنَافِي مُقَابلَة الْحر بِالْعَبدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَاّ ذكر بعض مَا يَشْمَلهُ الْعُمُوم على مُوَافقَة حكمه، وَذَلِكَ لَا يُوجب تَخْصِيص مَا بَقِي. قَوْله: (عُفيَ ترك) أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله: ﴿فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه شَيْء﴾ أَي: فَمن ترك وصفح لَهُ من الْوَاجِب عَلَيْهِ فِي الْعمد فَرضِي بِالدِّيَةِ ﴿فاتباع بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي: فعلى الْقَتِيل ٤٤٩٨ - ح دَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا عَمْروٌ قَالَ سمِعْتُ مجاهِداً قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ كانَ فِي بَني إسْرَائِيلَ القِصاصُ ولَمْ تَكُنْ فِيهِمِ الدِّيَّةُ فَقَالَ الله تَعَالَى لِهاذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بالحُرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالْعَفْوُ أنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي العَمْدِ ﴿فاتِّباعٌ بالمعْرُوفِ وأدَاءٌ إلَيْهِ بإحْسانٍ﴾ يَتَّبِعُ بالمَعْرُوفِ ويُؤَدِّي بإحْسانٍ ﴿ذالِكَ تَخْفِيفٌ منْ رَبِّكُمْ ورَحْمَةٌ﴾ مِمَّا كُتبَ عَلَى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ ﴿فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ. مطابقته لِلْآيَةِ أوضح مَا يكون، والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى ونسبته إِلَى أحد أجداده وَهُوَ: حميد بن زُهَيْر، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد الْجَبَّار وَفِي الْقصاص عَن الْحَارِث بن مِسْكين. قَوْله: (فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه شَيْء) ، مَعْنَاهُ: قبُول الدِّيَة فِي الْعمد، وَقيل: فِيمَن قتل وَله وليان فَعَفَا أَحدهمَا فللآخر أَن يَأْخُذ مِقْدَار حِصَّته من الدِّيَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْعَفو فِي الْآيَة يحْتَاج إِلَى تَفْسِير، وَذَلِكَ أَن ظَاهر الْعَفو يُوجب أَن لَا تبعة لأَحَدهمَا على الآخر، فَمَا معنى الإتباع؟ والإعفاء فَمَعْنَاه: أَن من عُفيَ عَنهُ الدَّم بِالدِّيَةِ فعلى صَاحب الدِّيَة اتِّبَاع، أَي مُطَالبَة بِالدِّيَةِ وعَلى الْقَاتِل أَدَاء الدِّيَة إِلَيْهِ؟ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَأَخُوهُ: هُوَ ولي الْمَقْتُول، وَقيل لَهُ: أَخُوهُ، لِأَنَّهُ لابسه من قبل أَنه ولي الدَّم ومطالبه بِهِ أَو ذكره بِلَفْظ الْأُخوة ليعطف أَحدهمَا على صَاحبه بِذكر مَا هُوَ ثَابت بَينهمَا من الجنسية وَالْإِسْلَام. وَقَالَ: إِن عَفا يتَعَدَّى: بعن، لَا بِاللَّامِ، فَمَا وَجه قَوْله: (فَمن عَفا لَهُ؟) قلت: يتَعَدَّى: بعن إِلَى الْجَانِي وَإِلَى الذَّنب، فَيُقَال: عَفَوْت عَن فلَان وَعَن ذَنبه. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿عَفا الله عَنْك﴾ (التَّوْبَة: ٤٣) وَعَفا الله عَنْهَا فَإِذا تعدى إِلَى الذَّنب قيل: عَفَوْت لفُلَان عَمَّا جنى، كَمَا تَقول: عَفَوْت لَهُ ذَنبه وتجاوزت لَهُ عَنهُ، وعَلى هَذَا مَا فِي الْآيَة كَأَنَّهُ قيل فَمن عَفا لَهُ عَن جِنَايَته، فاستغنى عَن ذكر الْجِنَايَة. قَوْله: (شَيْء) ، أَي: من الْعَفو، إِنَّمَا قيل ذَلِك للإشعار بِأَن بعض الْعَفو عَن الدَّم أَو عَفْو بعض الْوَرَثَة يسْقط الْقصاص وَلم يجب إِلَّا الدِّيَة. قَوْله: (فاتباع بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: فَلْيَكُن اتِّبَاع، أَو: فَالْأَمْر اتِّبَاع، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (ذَلِك) ، أَي: الحكم الْمَذْكُور من الْعَفو وَالدية، لِأَن أهل التَّوْرَاة كتب عَلَيْهِم الْقصاص اليته وَحرم عَلَيْهِم الْعَفو واخذ الدِّيَة وعَلى أهل الْإِنْجِيل الْعَفو وَحرم الْقصاص وَالدية وخيرت هَذِه الْأمة بَين الثَّلَاث: الْقصاص وَالدية وَالْعَفو، وتوسعة عَلَيْهِم وتيسيراً. قَوْله: (كَمَا كتب على من كَانَ قبلكُمْ) هم أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل. قَوْله: (فَمن اعْتدى بعد ذَلِك) ، أَي: بعد التَّخْفِيف وَتجَاوز مَا شرع لَهُ من قتل غير الْقَاتِل أَو الْقَتْل بعد أَخذ الدِّيَة، وَهُوَ معنى قَوْله: (قتل بعد قبُول الدِّيَة) وَهُوَ على صِيغَة الْمَعْلُوم من الْمَاضِي، وَقع تَفْسِيرا لقَوْله: (فَمن اعْتدى) . قَوْله: (فَلهُ عَذَاب أَلِيم) نوع من الْعَذَاب شَدِيد الْأَلَم فِي الْآخِرَة. ٤٤٩٨ - ح دَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا عَمْروٌ قَالَ سمِعْتُ مجاهِداً قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ كانَ فِي بَني إسْرَائِيلَ القِصاصُ ولَمْ تَكُنْ فِيهِمِ الدِّيَّةُ فَقَالَ الله تَعَالَى لِهاذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بالحُرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالْعَفْوُ أنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي العَمْدِ ﴿فاتِّباعٌ بالمعْرُوفِ وأدَاءٌ إلَيْهِ بإحْسانٍ﴾ يَتَّبِعُ بالمَعْرُوفِ ويُؤَدِّي بإحْسانٍ ﴿ذالِكَ تَخْفِيفٌ منْ رَبِّكُمْ ورَحْمَةٌ﴾ مِمَّا كُتبَ عَلَى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ ﴿فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ. مطابقته لِلْآيَةِ أوضح مَا يكون، والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى ونسبته إِلَى أحد أجداده وَهُوَ: حميد بن زُهَيْر، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد الْجَبَّار وَفِي الْقصاص عَن الْحَارِث بن مِسْكين. قَوْله: (فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه شَيْء) ، مَعْنَاهُ: قبُول الدِّيَة فِي الْعمد، وَقيل: فِيمَن قتل وَله وليان فَعَفَا أَحدهمَا فللآخر أَن يَأْخُذ مِقْدَار حِصَّته من الدِّيَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْعَفو فِي الْآيَة يحْتَاج إِلَى تَفْسِير، وَذَلِكَ أَن ظَاهر الْعَفو يُوجب أَن لَا تبعة لأَحَدهمَا على الآخر، فَمَا معنى الإتباع؟ والإعفاء فَمَعْنَاه: أَن من عُفيَ عَنهُ الدَّم بِالدِّيَةِ فعلى صَاحب الدِّيَة اتِّبَاع، أَي مُطَالبَة بِالدِّيَةِ وعَلى الْقَاتِل أَدَاء الدِّيَة إِلَيْهِ؟ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَأَخُوهُ: هُوَ ولي الْمَقْتُول، وَقيل لَهُ: أَخُوهُ، لِأَنَّهُ لابسه من قبل أَنه ولي الدَّم ومطالبه بِهِ أَو ذكره بِلَفْظ الْأُخوة ليعطف أَحدهمَا على صَاحبه بِذكر مَا هُوَ ثَابت بَينهمَا من الجنسية وَالْإِسْلَام. وَقَالَ: إِن عَفا يتَعَدَّى: بعن، لَا بِاللَّامِ، فَمَا وَجه قَوْله: (فَمن عَفا لَهُ؟) قلت: يتَعَدَّى: بعن إِلَى الْجَانِي وَإِلَى الذَّنب، فَيُقَال: عَفَوْت عَن فلَان وَعَن ذَنبه. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿عَفا الله عَنْك﴾ (التَّوْبَة: ٤٣) وَعَفا الله عَنْهَا فَإِذا تعدى إِلَى الذَّنب قيل: عَفَوْت لفُلَان عَمَّا جنى، كَمَا تَقول: عَفَوْت لَهُ ذَنبه وتجاوزت لَهُ عَنهُ، وعَلى هَذَا مَا فِي الْآيَة كَأَنَّهُ قيل فَمن عَفا لَهُ عَن جِنَايَته، فاستغنى عَن ذكر الْجِنَايَة. قَوْله: (شَيْء) ، أَي: من الْعَفو، إِنَّمَا قيل ذَلِك للإشعار بِأَن بعض الْعَفو عَن الدَّم أَو عَفْو بعض الْوَرَثَة يسْقط الْقصاص وَلم يجب إِلَّا الدِّيَة. قَوْله: (فاتباع بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: فَلْيَكُن اتِّبَاع، أَو: فَالْأَمْر اتِّبَاع، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (ذَلِك) ، أَي: الحكم الْمَذْكُور من الْعَفو وَالدية، لِأَن أهل التَّوْرَاة كتب عَلَيْهِم الْقصاص اليته وَحرم عَلَيْهِم الْعَفو واخذ الدِّيَة وعَلى أهل الْإِنْجِيل الْعَفو وَحرم الْقصاص وَالدية وخيرت هَذِه الْأمة بَين الثَّلَاث: الْقصاص وَالدية وَالْعَفو، وتوسعة عَلَيْهِم وتيسيراً. قَوْله: (كَمَا كتب على من كَانَ قبلكُمْ) هم أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل. قَوْله: (فَمن اعْتدى بعد ذَلِك) ، أَي: بعد التَّخْفِيف وَتجَاوز مَا شرع لَهُ من قتل غير الْقَاتِل أَو الْقَتْل بعد أَخذ الدِّيَة، وَهُوَ معنى قَوْله: (قتل بعد قبُول الدِّيَة) وَهُوَ على صِيغَة الْمَعْلُوم من الْمَاضِي، وَقع تَفْسِيرا لقَوْله: (فَمن اعْتدى) . قَوْله: (فَلهُ عَذَاب أَلِيم) نوع من الْعَذَاب شَدِيد الْأَلَم فِي الْآخِرَة.

стр. 5364

٤٤٩٩ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الله الأنْصارِيُّ حَدثنَا حُمَيْدٌ أنَّ أنْساً حَدَّثَهُمْ عنِ النَّبِي ﷺ قَالَ كِتابُ الله القِصاصُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الصُّلْح وَفِي الدِّيات وَهنا تَارَة مطولا وَتارَة مُخْتَصرا، وَهَذَا من ثلاثيات البُخَارِيّ، وَهُوَ: السَّادِس عشر. مِنْهَا. قَوْله: (كتاب الله) أَي: حكم الله ومكتوبه، وَكتاب الله مُبْتَدأ، أَو: الْقصاص، خَبره وَيجوز النصب فيهمَا على أَن الأول إغراء وَالثَّانِي بدل مِنْهُ، وَيجوز فِي الثَّانِي الرّفْع على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي: اتبعُوا كتاب الله فِيهِ الْقصاص. ٤٥٠٠ - ح دَّثني عبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عبْدَ الله بنَ بَكْرٍ السَّهْمِيَّ حدَّثنا حُمَيْدٌ عنْ أنَسٍ أنَّ الرُّبَيِّعَ عمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارِيَةٍ فَطَلَبُوا إليْها العَفْوَ فأبَوْا فَعَرَضُوا الأرْشَ فأبَوْا فأتَوْا رسولَ الله ﷺ وأبَوْ إلَاّ القِصاصَ فأمَرَ رسولُ الله ﷺ بالقِصَاصِ فَقَالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ يَا رسُولَ الله أتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ لَا والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها فَقَالَ رسولُ الله ﷺ يَا أنَسُ كِتابُ الله القِصاصُ فرَضِيَ القَوْمُ فَعَفَوْا فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ إنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الصُّلْح فِي الدِّيَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حميد عَن أنس، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: لم يذكرهُ أَبُو مَسْعُود وَذكره خلف، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَالربيع، بِضَم الرَّاء مصغر الرّبيع ضد الخريف وَهِي بنت النَّضر عمَّة أنس، وَالْجَارِيَة الْمَرْأَة الشَّابَّة (وَأنس بن النَّضر) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، هُوَ: أَخُو الرّبيع. قَوْله: (لَأَبَره) أَي: جعله باراً فِي قسمه وَفعل مَا أَرَادَهُ، قيل: كَيفَ يَصح الْقصاص فِي الْكسر وَهُوَ غير مضبوط؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد بِالْكَسْرِ: الْقلع، أَو كَانَ كسراً مضبوطاً. قلت: فِي الْجَواب نظر، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: أَرَادَ بِالْكَسْرِ الْكسر الَّذِي يُمكن فِيهِ الْمُمَاثلَة، وَقيل: مَا امْتنع عَن قَول رَسُول الله ﷺ ، وَأنكر الْكسر. وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَرَادَ لاستشفاع من رَسُول الله ﷺ ، إِلَيْهِم وَلم يرد بِهِ الْإِنْكَار، أَو أَنه قبل أَن يعرف أَن كتاب الله الْقصاص على التَّعْيِين، وَظن التَّخْيِير بَين الْقصاص وَالدية. ٢٤ - (بابٌ: ﴿يَا أيُّها الذِينَ آمنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٣) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر قَوْله: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا) الْآيَة. قَوْله: (كتب) ، أَي: فرض عَلَيْكُم الصّيام وَهُوَ الْإِمْسَاك عَن المفطرات الثَّلَاث: الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع نَهَارا مَعَ النِّيَّة. قَوْله: (كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ) أَي: على الْأُمَم الَّذين مضوا قبلكُمْ. قَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) : تكلمُوا فِي قَضِيَّة التَّشْبِيه، قيل: إِنَّه تَشْبِيه فِي أصل الْوُجُوب لَا فِي قدر الْوَاجِب، وَكَانَ الصَّوْم على آدم ﵊، أَيَّام الْبيض، وَصَوْم عَاشُورَاء على قوم مُوسَى، وَكَانَ على كل أمة صَوْم، والتشبيه لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَة من كل وَجه، وَيُقَال: هَذَا قَول الْجُمْهُور، وأسنده ابْن أبي حَاتِم والطبري عَن معَاذ وَابْن مَسْعُود وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَزَاد الضَّحَّاك: وَلم يزل الصّيام مَشْرُوعا فِي زمن نوح ﵇، وَقَالَ النَّسَفِيّ: وَقيل: هَذَا التَّشْبِيه فِي الأَصْل وَالْقدر وَالْوَقْت جَمِيعًا. وَكَانَ على الْأَوَّلين صَوْم رَمَضَان لكِنهمْ زادوا فِي الْعدَد ونقلوه من أَيَّام الْحر إِلَى أَيَّام الِاعْتِدَال، وروى فِيهِ ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا بِإِسْنَاد فِيهِ مَجْهُول، وَلَفظه: صِيَام رَمَضَان كتبه الله تَعَالَى على الْأُمَم قبلكُمْ، وَبِهَذَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالسُّديّ.

стр. 5365

٤٥٠١ - ح دَّثنا مُسَدَّدُ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ كانَ عاشُوراءُ يَصُومُهُ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ مَنْ شاءَ صامَهُ ومَنْ شاءَ لَمْ يَصُمْهُ. (انْظُر الحَدِيث ١٨٩٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَلَمَّا نزل رَمَضَان) . وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله هَذَا هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم ابْن عمر بن الْخطاب ﵁. وَقد مضى هَذَا فِي كتاب الصّيام فِي: بَاب صَوْم يَوْم عَاشُورَاء، من وَجه آخر. وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فَلَمَّا نزل رَمَضَان) أَي: صَوْم رَمَضَان. ٤٥٠٢ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَة عنِ الزُّهريَّ عَن عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ كَانَ عاشُورَاءُ يُصامُ قَبْلَ رَمَضانَ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ مَنْ شَاءَ صامَ ومَنْ شَاءَ أفْطَرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الَّذِي قبله وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان والْحَدِيث مضى فِي الصّيام فِي بَاب صَوْم يَوْم عَاشُورَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ بأتم مِنْهُ قَوْله: (كَانَ عَاشُورَاء) ، أَي: يَوْم عَاشُورَاء (يصام فِيهِ) قَوْله: (قبل رَمَضَان) ، أَي: قبل فرض شهر رَمَضَان. ٤٥٠٣ - حدَّثني مُحْمُودٌ أخْبَرنا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائِيلَ عَن مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيم عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ دَخَلَ عَلَيْهِ الأشْعَثُ وَهُوَ يَطْعَمُ فَقَالَ اليَوْمُ عاشورَاءُ فَقَالَ كَانَ يُصامُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ فَلَمَا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ فَادْنُ فَكَلْ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل ذَلِك. ومحمود هُوَ ابْن غيلَان. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: مُحَمَّد، وَالْأول أصح، وَعبيد الله هُوَ ابْن مُوسَى بن باذام الْكُوفِي وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا روى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَإِسْرَائِيل هُوَ أَبُو يُونُس، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور. قَوْله: (دخل عَلَيْهِ الْأَشْعَث) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، ابْن قيس بن معدي كرب بن مُعَاوِيَة بن جبلة الْكِنْدِيّ، قدم على رَسُول الله ﷺ سنة عشر فِي وَفد كِنْدَة، وَكَانَ رئيسهم. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ قدم فِي سِتِّينَ رَاكِبًا من كِنْدَة وَأسلم وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة رَئِيسا مُطَاعًا فِي كِنْدَة، وَكَانَ فِي الْإِسْلَام وجيها فِي قومه إلاّ أَنه كَانَ مِمَّن ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام بعد النَّبِي ﷺ ثمَّ رَاجع الْإِسْلَام فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ بعد مقتل عَليّ بن أبي طَالب بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا بِالْكُوفَةِ. قَوْله: (وَهُوَ يطعم) ، أَي: وَالْحَال أَن عبد الله كَانَ يَأْكُل. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: الْأَشْعَث. قَوْله: (فَقَالَ كَانَ يصام) ، أَي: فَقَالَ عبد الله، كَانَ عَاشُورَاء يصام قبل أَن ينزل فرض صَوْم رَمَضَان. قَوْله: (ترك) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: ترك صَوْمه. قَوْله: (فادن) أَمر، من: دنا يدنو وَكَذَلِكَ قَوْله: (فَكل) أَمر من أكل. ٤٥٠٤ - ح دَّثني مُحَمّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَحْيَى حَدثنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَة ﵂ قالَتْ كانَ يَوْمُ عاشُوراءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النبيُّ ﷺ يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صامَهُ وأمَرَ بِصَيامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كانَ رَمَضَانُ الفَرِيضَةَ وتُرِكَ عاشُورَاءُ فَكانَ مَنْ شاءَ صامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي الصّيام فِي: بَاب صِيَام عَاشُورَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن هِشَام. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

стр. 5366

٢٥ - (بابُ قَولِهِ: ﴿أيَّاما مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٤) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيَّامًا معدودات﴾ إِلَى آخر الْآيَة. قَوْله: (أَيَّامًا) ، مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: صُومُوا أَيَّامًا معدودات. يَعْنِي: فِي أَيَّام معدودات أَي: مؤقتا بِعَدَد مَعْلُوم، وَقيل: مَنْصُوب بقوله: (ولعلكم تَتَّقُون أَيَّامًا) أَي: فِي أَيَّام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انتصاب: أَيَّامًا بالصيام كَقَوْلِك: نَوَيْت الْخُرُوج يَوْم الْجُمُعَة، وَقَالَ بَعضهم: وللزمخشري فِي إعرابه كَلَام متعقب لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. (قلت) التعقيب فِي كَلَام المتعقب من غير تَأمل. وَقد سَمِعت الأساتذة الْكِبَار من عُلَمَاء الْعَرَب والعجم: أَن من رد على الزَّمَخْشَرِيّ فِي غير الاعتقاديات فَهُوَ رد عَلَيْهِ، والمتعقب هُوَ أَبُو الْبَقَاء حَيْثُ قَالَ: لَا يجوز أَن ينصب بالصيام لِأَنَّهُ مصدر وَقد فرق بَينه وَبَين أَيَّام بقوله: كَمَا كتب. وَمَا يعْمل فِيهِ الْمصدر كالصلة، وَلَا يفرق بَين الصِّلَة والموصول بأجنبي انْتهى (قلت) . قَالَ القَاضِي أَيْضا نصبها لَيْسَ بالصيام لوُقُوع الْفَصْل بَينهمَا، بل بإضمار صُومُوا. (قلت) للزمخشري فِيهِ دقة نظر وَهُوَ أَنه إِنَّمَا قَالَ: انتصاب أَيَّامًا بالصيام نظرا إِلَى أَن قَوْله: كَمَا كتب. حَال فَلَا يكون أَجْنَبِيّا عَن الْعَامِل والمعمول. وَقَالَ صَاحب (اللّبَاب) يجوز أَن ينْتَصب بالصيام إِذا جعلت: (كَمَا كتب) حَالا. وَقَالَ الزّجاج: الأجود أَن يكون الْعَامِل فِي أَيَّامًا، الصّيام كَأَن الْمَعْنى: كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا أَيَّامًا معدودات. وَلَقَد أَجَاد من قَالَ: (وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم) قَوْله: (أَو على سفر) أَي: أَو رَاكب سفر قَوْله: (فَعدَّة) ، أَي: فَعَلَيهِ عدَّة، وقرىء بِالنّصب يَعْنِي: فليصم عدَّة. قَوْله: (من أَيَّام أخر) ، وَفِي قِرَاءَة أبي: (من أَيَّام أخر مُتَتَابِعَات) . قَوْله: (وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ) ، أَي: الصَّوْم أَي: الَّذين لَا عذر لَهُم إِن أفطروا (فديَة طَعَام مِسْكين) نصف صَاع من بر أَو صَاع من غَيره، وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام حِين فرض عَلَيْهِم الصَّوْم وَلم يتعودوه فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم. فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: (يطوقونه) ، أَي: يكلفونه. وَعنهُ: (يتطوقونه) ، يَعْنِي: يتكلفونه، وهم الشُّيُوخ والعجائز وحكمهم الْإِفْطَار والفدية قَوْله: (فَمن تطوع خيرا) ، أَي: زَاد على مِقْدَار الْفِدْيَة قَوْله: (فَهُوَ خير لَهُ) ، أَي: فالتطوع خير لَهُ وقرىء: (فَمن يطوع) ، بِمَعْنى: يتَطَوَّع. قَوْله: (وَأَن تَصُومُوا) ، أَي: وصومكم أَيهَا المطيقون (خير لكم) من الْفِدْيَة وتطوع الْخَيْر، وَفِي قِرَاءَة أبي: (وَالصِّيَام خير لكم) . وَقَالَ عَطَاءٌ يُفطِرُ مِنَ المَرَضِ كُلّه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: يفْطر الْمَرِيض مُطلقًا، أَي مرض كَانَ: كَمَا قَالَ الله ، من غير قيد، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ: قلت لعطاء: من أَي وجع أفطر فِي رَمَضَان؟ قَالَ: من الْمَرَض كُله. وَقَالَ الحَسَنُ وإبْرَاهِيمُ فِي المُرْضِعِ والحامِلِ: إذَا خَافَتا عَلَى أنْفُسِهِما أوْ وَلَدِهِما تُقْطِرانِ ثُمَّ تَقْضِيان أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ الخ. وَتَعْلِيق الْحسن وَصله عبد بن حميد من طَرِيق يُونُس بن عبيد عَنهُ قَالَ: الْمُرْضع إِذا خَافت على وَلَدهَا أفطرت وأطعمت، وَالْحَامِل إِذا خَافت على نَفسهَا أفطرت وقضت، وَهِي بِمَنْزِلَة الْمَرِيض. وَمن طَرِيق قَتَادَة عَن الْحسن: تفطران وتقضيان، وَتَعْلِيق إِبْرَاهِيم وَصله عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق أبي معشر عَنهُ. قَالَ: الْحَامِل والمرضع إِذا خافتا أفطرتا وقضتا صومهما. وَأمَّا الشَّيْخُ الكَبِيرُ إذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيامَ فَقَدْ أطْعَمَ أنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَاما أوْ عَامَيْنِ كلَّ يَوْمِ مِسْكِينا خُبْرا وَلَحْما وَأفْطَرَ

стр. 5367

أَي: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يقدر على الصَّوْم فقد أطْعم أنس بن مَالك بَعْدَمَا كبر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (عَاما) ، أَي: فِي عَام. قَوْله: (أَو عَاميْنِ) شكّ من الرَّاوِي تَقْدِير الْكَلَام. أما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم. فقد اسْتحق الْأكل يَأْكُل وَلَيْسَ قَوْله: فقد أطْعم جَوَاب أما بل هُوَ دَلِيل على الْجَواب محذوفا كَمَا قُلْنَاهُ: وروى عبد بن حميد من طَرِيق النَّضر بن أنس عَن أنس: أَنه أفطر فِي رَمَضَان وَكَانَ قد كبر، فأطعم مِسْكينا كل يَوْم. انْتهى وَكَانَ أنس حِينَئِذٍ فِي عشرَة الْمِائَة. قِرَاءَةَ العَامَةِ يُطِيقُونَهُ وَهُوَ أكْثَرُ دأب البُخَارِيّ أَنه يذكر عِنْد عقيب آيَة من الْقُرْآن مَا يتَعَلَّق بلغَة لفظ مِنْهَا أَو بِقِرَاءَة فِيهَا. قَوْله: (يطيقُونَهُ) من أطَاق يُطيق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. ٤٥٠٥ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا رَوْحٌ حدَّثنا زَكَرِيَّا بنُ إسْحَاقَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطَاءَ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ والْمَرْأةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أنْ يَصُومَا فَلْيُطْعِما مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينا. إِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. قَالَ بَعضهم: وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ، إِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا صرح بِهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) قلت روى البُخَارِيّ عَن خَمْسَة أنفس كل مِنْهُم يُسمى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَلم يبين أَي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ، وَالظَّاهِر أَنه إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الَّذِي يُقَال لَهُ. رَاهَوَيْه، لِأَنَّهُ روى عَن روح بن عبَادَة عَن زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ عَن عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ عَن عَطاء ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ. قَوْله: (يطوقونه) بِضَم الْيَاء وَتَخْفِيف الطَّاء وَتَشْديد الْوَاو على الْبناء للْمَجْهُول بِمَعْنى يتكلفونه، وَكَذَا وَقع تَفْسِيره عِنْد النَّسَائِيّ وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود أَيْضا قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن ابْن عَبَّاس لَا يرى النّسخ فِي هَذَا، وَقد خَالفه الْجُمْهُور. وَحَدِيث مسلمة الَّذِي يَأْتِي عَن قريب يدل على أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَحَاصِل الْأَمر أَن النّسخ ثَابت فِي حق الصَّحِيح الْقيم بِإِيجَاب الصّيام عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن شهد مِنْك الشَّهْر فليصمه﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٥) وَأما الشَّيْخ الفاني الْهَرم الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصَّوْم فَلهُ أَن يفْطر وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَلكنه هَل يجب عَلَيْهِ إِذا أفطر أَن يطعم عَن كل يَوْم مِسْكينا إِذا كَانَ ذَا جدة، فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: أَحدهمَا: لَا يجب كَالصَّبِيِّ وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء: أَنه يجب عَلَيْهِ فديَة عَن كل يَوْم، كَمَا فسره ابْن عَبَّاس على قِرَاءَة: يطوقون، أَي: يتجشمونه. كَمَا قَالَه ابْن مَسْعُود وَغَيره، وَهُوَ اخْتِيَار البُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير، الخ كَمَا مر آنِفا. ٢٦ - (بَاب: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٥) أَي: هَذَا فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى:﴾ ﴿فَمن شهد﴾ أَي: فَمن كَانَ شَاهدا أَي حَاضرا مُقيما غير مُسَافر فِي الشَّهْر فليصمه وَلَا يفْطر قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الشَّهْر، مَنْصُوب على الظّرْف وَكَذَلِكَ الْهَاء فِي: فليصمه وَلَا يكون مَفْعُولا لِأَنَّهُ انْتهى. قلت: أَرَادَ بِهَذَا الرَّد على من قَالَ أَنه مفعول بِهِ وَمثل لما قَالَه بقوله كَقَوْلِك: شهِدت الْجُمُعَة، لِأَن الْمُقِيم وَالْمُسَافر كِلَاهُمَا شَاهِدَانِ للشهر. ٤٥٠٦ - ح دَّثنا عَياش بن الوَلِيدِ حدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ قَرَأَ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ. عَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الْأَعْلَى السَّامِي الْبَصْرِيّ عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، ﵁. قَوْله: (فديَة طَعَام) بِالْإِضَافَة ومساكين، بِالْجمعِ وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن ذكْوَان وَالْبَاقُونَ بتنوين فديَة، وتوحيد: مِسْكين، وَطَعَام بِالرَّفْع على أَنه بدل من فديَة. قَوْله: (هِيَ مَنْسُوخَة) ، أَي: الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله: ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَرجحه ابْن الْمُنْذر من جِهَة قَوْله: ﴿وَأَن

стр. 5368

تَصُومُوا خير لكم﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٤) قَالَ: لِأَنَّهَا لَو كَانَت فِي الشَّيْخ الْكَبِير الَّذِي لَا يُطيق الصّيام لم يُنَاسب أَن يُقَال: ﴿وَإِن تَصُومُوا خير لكم﴾ مَعَ أَنه لَا يُطيق الصّيام. ٤٥٠٧ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ عَمْرو بن الحَارِثِ عنْ بُكَيْرِ بن عَبْدِ الله عنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أرَادَ أنْ يُفْطِرَ وَيَقْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها. هَذَا أَيْضا صَرِيح فِي دَعْوَى النّسخ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا فِيهِ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير، خمستهم عَن قُتَيْبَة عَن بكر بن مُضر. قَالَ أبُو عبْدِ الله مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا ثَبت فِي رِوَايَة المستعلى وَحده، أَي: مَاتَ بكير بن عبد الله بن الْأَشَج الرَّاوِي عَن يزِيد بن أبي عبيد مولى مسلمة قبل شَيْخه يزِيد، وَكَانَت وَفَاة بكير سنة عشْرين وَمِائَة، وَقيل: قبلهَا أَو بعْدهَا، وَمَات يزِيد سنة سِتّ أَو سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة. ٢٧ - (بَاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَّامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ علِمَ الله أنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسُكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٧) أَي: هَذَا فِي بَيَان أَحْكَام هَذِه الْآيَة وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر. وسَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة إِلَى آخر الْآيَة قَوْله: (أحل لكم) وقرىء (أُحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث) على بِنَاء الْفَاعِل فِي: أُحل، وبنصب الرَّفَث أَي أحل الله لكم الرَّفَث أَي: الْجِمَاع. وَقَرَأَ عبد الله الرفوث، وَإِنَّمَا أفْصح فِيمَا يَنْبَغِي أَن يكنى عَنهُ استقباحا لما وجد مِنْهُم قبل الْإِبَاحَة كَمَا سَمَّاهُ اختنانا لأَنْفُسِهِمْ عدى بِكَلِمَة إِلَى لتَضَمّنه معنى الْإِفْضَاء وَسبب نزُول الْآيَة هُوَ دفع الْمَشَقَّة عَن عباده، وَذَلِكَ أَن الرجل كَانَ يحل لَهُ الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع إِلَى أَن يُصَلِّي الْعشَاء الْآخِرَة أَو يرقد، فَإِذا صلى أَو رقد وَلم يفْطر حرم عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع إِلَى الْقَابِلَة. ثمَّ أَن نَاسا من الْمُسلمين أَصَابُوا من الطَّعَام وَالشرَاب بعد الْعشَاء مِنْهُم عمر بن الْخطاب، ﵁ وَاقع أَهله بعد الْعشَاء، فَلَمَّا اغْتسل أَخذ يبكي وَيَلُوم نَفسه فَأتى النَّبِي ﷺ وَأخْبرهُ بِمَا فعل. وَقَامَ نَاس أَيْضا فَاعْتَرفُوا بِمَا كَانُوا صَنَعُوا بعد الْعشَاء. فَنزلت رخصَة من الله وَرفع مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام قَوْله: (هن لِبَاس لكم) اسْتِئْنَاف كالبيان لسَبَب الْإِحْلَال، وَلما كَانَ الرجل وَالْمَرْأَة يعتنقان ويشتمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه فِي عناقه شبه باللباس الْمُشْتَمل عَلَيْهِ. قَوْله: (تختانون أَنفسكُم) ، أَي: تظلمونها وتنقصونها حظها من الْخَيْر والاختنان من الختن كالاكتساب من الْكسْب فِيهِ زِيَادَة شدَّة. قَوْله: (فَتَابَ عَلَيْكُم) ، أَي: حِين تبتم من الْمَحْظُور. قَوْله: (فَالْآن باشروهن) ، أَي: فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ يحرم عَلَيْكُم الْجِمَاع فِيهِ. والمباشرة المجامعة لتصلاق بشرة كل مِنْهُم بِصَاحِبِهِ. قَوْله: (وابتغوا مَا كتب الله لكم) ، أَي: اطلبوه يُقَال: بغى الشَّيْء يبغيه بغيا وابتغاه يبتغيه ابْتِغَاء. وَمعنى: (مَا كتب الله لكم) مَا قَضَاهُ لكم من الْوَلَد. وَقيل: مَا أحل لكم من الْجِمَاع. وَقيل: مَا كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَالْأَمر أَمر إِبَاحَة وَقَالَ أهل الظَّاهِر أَمر إِيجَاب وَختم. ٤٥٠٨ - ح دَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ وَحَدَّثنا أحْمَدُ بنُ عُثْمانَ حدَّثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ يوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البرَاءَ رَضِي الله تَعالَى عنهُ لمَّا نَزَل صَوْمُ رَمَضَانَ كانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وكانَ رجالٌ يَخُونون أنْفُسَهُمْ فأنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿عَلِمَ الله أنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكْمْ﴾ .

стр. 5369

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأنْزل الله) ، إِلَى آخِره وَأخرجه من طَرِيقين (الأول) : عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي عَن جده أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب (وَالثَّانِي) : عَن أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم عَن شرح، بالشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة عَن إِبْرَاهِيم بن يُوسُف عَن أَبِيه يُوسُف بن إِسْحَاق عَن جده أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ بِالطَّرِيقِ الأول فِي الصَّوْم عَن عبيد الله أَيْضا وَأخرج الثَّانِي هُنَا فَقَط، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (كَانُوا لَا يقربون النِّسَاء) وَقد اقْتصر هُنَا على إتْيَان النِّسَاء وَالَّذِي مضى فِي كتاب الصّيام من حَدِيث الْبَراء: أَنهم كَانُوا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون إِذا نَامُوا، وَأَن الْآيَة نزلت فِي ذَلِك: وَلَكِن وَردت أَحَادِيث تدل على عدم الْفرق فَحِينَئِذٍ يحمل قَوْله: (كَانُوا لَا يقربون النِّسَاء) على الْغَالِب فتنفق الْأَخْبَار قَوْله: (وَكَانَ رجال يخونون أنفسهم) مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَكَعب بن مَالك. ٢٨ - (بابُ قوْله: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿تُتَّقون﴾ ﴿الْعَاكِفُ المُقِيمُ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٧) قَوْله تَعَالَى: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا﴾ أَمر إِبَاحَة أَبَاحَ الله تَعَالَى الْأكل وَالشرب مَعَ مَا تقدم من إِبَاحَة الْجِمَاع فِي أَي اللَّيْل شَاءَ الصَّائِم إِلَى أَن يتَبَيَّن ضِيَاء الصَّباح من سَواد اللَّيْل، وَعبر عَن ذَلِك بالخيط الْأَبْيَض وَالْخَيْط الْأسود وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْخَيط أول مَا يَبْدُو من الْفجْر الْمُعْتَرض فِي الْأُفق كالخيط الْمَمْدُود وَالْخَيْط الْأسود مَا يَمْتَد مَعَه من غسق اللَّيْل، شبههما بالخيط الْأَبْيَض وَالْأسود. قَوْله: (من الْفجْر) بَيَان الْخَيط الْأَبْيَض وَاكْتفى بِهِ عَن بَيَان الْخَيط الْأسود. لِأَن بَيَان أَحدهمَا للْآخر، وَكَانَ هَذَا تَشْبِيها مخرجا من بَاب الِاسْتِعَارَة. قَوْله: (وَلَا تباشروهن) ، أَي: وَلَا تجامعوهن. وَالْحَال أَنكُمْ (عاكفون) أَي: معتكفون فِيهَا وَالِاعْتِكَاف هُوَ اللّّبْث فِي الْمَسْجِد بنية التَّعَبُّد. ٤٥٠٩ - ح دَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ حُصَيْنٍ عَن الشَّعْبِيّ عَن عَدِيّ قَالَ أخَذَ عَدِيٌّ عِقالاً أبْيَضَ وَعِقالاً أسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينا فَلَمَّا أصْبَحَ قَالَ يَا رَسُولَ الله جَعَلْتُ تَحْتَ وَسَادَتِي عِقَالَيْنِ قَالَ إنَّ وَسَادَك إِذا لَعَرِيضٌ أنْ كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي ذكر الْخَيط الْأَبْيَض وَالْأسود وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وَالشعْبِيّ عَامر بن شرَاحِيل، والْحَدِيث مضى فِي الصّيام فِي بَاب قَوْله تَعَالَى: (وكلوا وَاشْرَبُوا) وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٤٥١٠ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مُطَرَفٍ عَن الشَّعْبِيّ عَنْ عَدِيَّ بن حاتمٍ ﵁ قَالَ قُلْتُ يَا رسولَ الله مَا الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ أهُما الخَيْطانِ قَالَ إِنَّك لَعَرِيضُ القَفا إنْ أبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عدي عَن قُتَيْبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن مطرف بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة ابْن طريف إِلَى آخِره. ٤٥١١ - ح دَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بنُ مُطَرَّفٍ حدَّثني أبُو حَازِمٍ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ قَالَ وَأُنْزِلَتُ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ وَلَمْ يَنْزِلْ

стр. 5370

مِنَ الفَجْرِ وَكَانَ رِجالُ إذَا أرَدُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ وَلا يَزَالُ يَأكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فأنْزَلَ الله بَعْدَهُ مِنَ الفَجْرِ فَعَلِمُوا أنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الْبَصْرِيّ، وَأَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة مُحَمَّد بن مطرف بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التطريف بِالطَّاءِ الْمُهْملَة مِلَّة وبالراء الْمدنِي، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار. والْحَدِيث مضى فِي الصّيام فِي بَاب قَوْله: ﴿كلوا وَاشْرَبُوا﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٧) بِهَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٢٩ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ بأنْ تَأتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلاكِنَّ البرُّ مَنِ اتَّقَى وَأَتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابها وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٩) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله: (وَلَيْسَ الْبر) الْآيَة كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره سَاق إِلَى آخر الْآيَة، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة. فروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء، قَالَ: كَانَت الْأَنْصَار إِذا قدمُوا من سفر لم يدْخل الرجل من قبل بَابه، فَنزلت هَذِه الْآيَة وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: كَانَ أَقوام الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو خرج من بَيته يُرِيد سَفَره الَّذِي خرج لَهُ ثمَّ بدا لَهُ بعد خُرُوجه أَن يُقيم ويدع سَفَره لم يدْخل الْبَيْت من بَابه وَلَكِن يتسوره من قبل ظَهره. فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٩) الْآيَة. وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ الرجل إِذا اعْتكف لم يدْخل من بَاب الْبَيْت فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: كَانَ أهل يثرب إِذا رجعُوا من عيدهم دخلُوا مَنَازِلهمْ من ظُهُورهَا، ويرون ذَلِك من أدنى الْبر فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ البربان تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٩) . ٤٥١٢ - ح دَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عَن البَرَاءِ قَالَ كانُوا إذَا أحْرَمُوا فِي الجاهِلِيَّةِ أتُوا البَيْتَ مِنْ ظُهْرِهِ فَأنْزَلَ الله ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورها وَلاكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأَتُوا البُيُوتَ مِنْ أبْوابها﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده بِهَذَا الطَّرِيق وَعَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر كَانَت قُرَيْش تدعى الحمس، وَكَانُوا لَا يدْخلُونَ من الْأَبْوَاب فِي الْإِحْرَام، وَكَانَت الْأَنْصَار وَسَائِر الْعَرَب لَا يدْخلُونَ الْأَمْن الْبَاب فِي الْإِحْرَام فَبينا رَسُول الله ﷺ ، فِي بُسْتَان إِذْ خرج من بَابه وَخرج مَعَه قُطْبَة بن عَامر الْأنْصَارِيّ: فَقَالُوا يَا رَسُول الله أَن قُطْبَة بن عَامر رجل فَاجر، وَإنَّهُ خرج مَعَك من الْبَاب فَقَالَ لَهُ: مَا حملك على مَا صنعت؟ قَالَ: رَأَيْتُك فعلته ففعلته. فَقَالَ إِنِّي رجل أحمس. قَالَ: فَإِن ديني دينك، فَأنْزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٩) الْآيَة قلت الحمس: بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبسين مُهْملَة جمع أحمس: وهم قُرَيْش وكنانة وجديلة قيس سمو: حمسا لأَنهم تحمسوا فِي دينهم أَي: تشددوا والحماسة الشجَاعَة وَكَانُوا يقفون بِمُزْدَلِفَة وَلَا يقفون بِعَرَفَة وَيَقُولُونَ نَحن أهل الله فَلَا تخرج من الْحرم وَكَانُوا يدْخلُونَ الْبيُوت من أَبْوَابهَا وهم محرمون. ٣٠ - (بابُ قَوُلِهِ: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله فَإِن انْتَهُوا فَلا عُدْوَانَ إلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٣) .

стр. 5371

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاتلوهم﴾ الْآيَة. قَوْله: قَوْله: (وقاتلوهم) أَي: الْمُشْركين. قَوْله: (حَتَّى لَا تكون فتْنَة) ، أَي: شرك، قَالَه ابْن عَبَّاس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُجاهد وَالْحسن وَقَتَادَة وَالربيع وَمُقَاتِل بن حبَان وَالسُّديّ وَزيد بن أسلم. قَوْله: (وَيكون الدّين) أَي: دين الله كُله لله لِأَنَّهُ الظَّاهِر العالي على سَائِر الْأَدْيَان قَوْله: (فَإِن انْتَهوا) أَي: عَن الشّرك والقتال (فَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين) فَلَا تَعْتَدوا على المنتهين لِأَن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم فَوضع قَوْله: (إلَاّ على الظَّالِمين) ، مَوضِع على المنتهين كَذَا فسره الزَّمَخْشَرِيّ لَكِن يحْتَاج إِلَى تَحْرِير الْكَلَام لِأَن هَذِه الْجُمْلَة الأسمية لَا يُمكن أَن تكون جَزَاء لِأَن الشَّرْط لَا بُد أَن يكون سَببا للجزاء وَإِثْبَات الْعدوان على سَبِيل الْحصْر على الظَّالِمين لَيْسَ سَببا لانْتِهَاء الْمُشرك عَن الشّرك. وَهَذَا الْموضع لَا يحْتَمل بسط الْكَلَام فِيهِ. ٤٥١٣ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَهابِ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ ﵄ أتاهُ رجُلانٍ فِي فِتْنَةَ ابنِ الزُّبَييْر فَقَالَا إنَّ النَّاسَ ضَيَّعُوا وأنْتَ ابنُ عُمَرَ وصاحبُ النبيَّ ﷺ فَمَا يَمْنَعُكَ أنْ تَخْرُجَ فَقال يَمْنَعُنِي أنَّ الله حَرَّمَ دَمَ أخِي فَقَالَا ألَمْ يَقلِ الله ﴿وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٣) فَقَالَ قَاتَلْنا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لله. وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَن تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَتَكُونِ الدِّينُ لِغَيْرِ الله وَزَادَ عُثْمَانُ بنُ صالِح عنِ ابنِ وَهْب قَالَ أخْبَرَنِي فلانٌ وَحَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عنْ بَكْرٍ بنِ عَمْرٍ والمَعافِرِيَّ أنَّ بُكَيْرَ بنَ عَبْدِ الله حدَثهُ عنْ نافِعٍ أنَّ رجلا أتَى ابنَ عُمَر فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمانِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أنْ تَحُجَّ عَام وَتَعْتَمِرَ عَاما وَتَتْرُكَ الجِهادَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغِّبَ الله فِيهِ قَالَ يَا ابنَ أخِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسِ إيمانٍ بِاللَّه وَرَسولِهِ والصلَوَاتِ الخَمْسِ وِصيامِ رَمَضَانَ وأداءِ الزَّكَاةِ وَحَجَّ البَيْتِ قَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمانِ أَلا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ الله فِي كِتَابِهِ ﴿وَإنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فإنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أمْرِ الله قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَة﴾ (الحجرات: ٩) قَالَ فعَلْنا عَلَى عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ وَكَانَ الإسْلامُ قَلِيلاً فَكانَ الرَّجُلْ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إمَّا قَتَلُوهُ وَإمَّا يُعَذِّبوهُ حَتَّى كَثُرَ الإسْلامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ قَالَ فَمَا قَوْلُكَ فِي علِيٍّ وَعُثْمَانَ قَالَ أمَّا عُثْمَانُ فكأنَّ الله عَفا عَنْهُ وَأمّا أنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أنْ تَعْفُوا عَنْهُ وَأمّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ الله ﷺ وَخَتَمُهُ وَأشَارَ بِيَدِهِ فَقال هاذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ. مُطَابقَة لِلْآيَةِ ظَاهِرَة، وَفِيه عشرَة رجال (الأول) : مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة وَقد تكَرر ذكره (وَالثَّانِي) : عبد الْوَهَّاب بن عبد الحميد الثَّقَفِيّ (الثَّالِث) : عبيد الله بن عمر الْعمريّ. (الرَّابِع) : نَافِع مولى ابْن عمر. (الْخَامِس) : عُثْمَان بن صَالح السَّهْمِي وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ. وَقد أخرج عَنهُ فِي الْأَحْكَام حَدِيثا غير هَذَا. (السَّادِس) : عبد الله بن وهب (السَّابِع) : فلَان قيل إِنَّه عبيد الله بن لَهِيعَة، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْهَاء وبالعين الْمُهْملَة. قَاضِي مصر مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: اجْمَعُوا على ضعفه وَترك الِاحْتِجَاج بِمَا ينْفَرد بِهِ (الثَّامِن) : حَيْوَة بن شُرَيْح الْمصْرِيّ، وَهَذَا غير حَيْوَة بن شُرَيْح الْحَضْرَمِيّ، فَلَا يشْتَبه عَلَيْك (التَّاسِع) : بكر بن عمر وَالْعَابِد الْقدْوَة الْمعَافِرِي، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وبالراء، وَقيل بِضَم الْمِيم نِسْبَة إِلَى المعافر بن يعفر بن مَالك بن الْحَارِث بن قُرَّة بن ادد بن يشجب بن عريب بن زيد ابْن كهلان، ينْسب إِلَيْهِ كثير وعامتهم بِمصْر (الْعَاشِر) : بكير. مصغر ابْن عبد الله بن الْأَشَج، وَمن عُثْمَان بن صَالح إِلَى هُنَا كلهم

стр. 5372

مصريون. قَوْله: (رجلَانِ) (أَحدهمَا) : الْعَلَاء بن عرار، بالمهملات وَالْأولَى مَكْسُورَة قَالَ ابْن مَاكُولَا: عَلَاء بن عرار سمع عبد الله بن عمر وروى عَنهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي (وَالْآخر) حبَان: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: صَاحب الدثنية، ضَبطه بَعضهم بِفَتْح الدَّال والثاء الْمُثَلَّثَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَفْتُوحَة، وَقَالَ: هُوَ مَوضِع بِالشَّام، قلت: كل ذَلِك غلط، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الدثنية، بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء نَاحيَة قرب عدن. قَوْله: (فِي فتْنَة ابْن الزبير) وَهِي محاصرة الْحجَّاج عبد الله بن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَانَت فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَسبعين، وَكَانَ الْحجَّاج أرْسلهُ عبد الْملك بن مَرْوَان لقِتَال ابْن الزبير، وَقتل عبد الله بن الزبير فِي آخر تِلْكَ السّنة وَمَات عبد الله بن عمر فِي أول سنة أَربع وَسبعين. قَوْله: (أَن النَّاس ضيعوا) ، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسر الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة من التضييع وَهُوَ الْهَلَاك فِي الدُّنْيَا وَالدّين هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِيه حذف تَقْدِيره: صَنَعُوا مَا ترى من الِاخْتِلَاف. قَوْله: (وَزَاد عُثْمَان بن صَالح) أَي: زَاد على رِوَايَة مُحَمَّد بن بشار. قَوْله: (أَن رجلا) قيل: إِنَّه حَكِيم، ذكره الْحميدِي عَن البُخَارِيّ. قَوْله: (وتترك الْجِهَاد) أَي الْجِهَاد الَّذِي هُوَ الْقِتَال مَعَ هَؤُلَاءِ كالجهاد فِي سَبِيل الله فِي الْأجر، وَلَيْسَ المُرَاد الْجِهَاد الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. قَوْله: (أما قَتَلُوهُ وَأما يعذبوه) إِنَّمَا قَالَ فِي الْقَتْل بِلَفْظ الْمَاضِي وَفِي الْعَذَاب بِلَفْظ الْمُضَارع لِأَن التعذيب كَانَ مستمرا بِخِلَاف الْقَتْل. قَوْله: (فكرهتم أَن تعفوا عَنهُ) بِلَفْظ خطاب لجمع ويروى أَن يعْفُو بِالْإِفْرَادِ للْغَائِب أَي: الله . قَوْله: (وخنته) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالنون. قَالَ ابْن فَارس: الختن أَبُو الزَّوْجَة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْأخْتَان من قبل الْمَرْأَة، والأحماء من قبل الزَّوْج، والصهر يجمع ذَلِك كُله. قَوْله: (فَهَذَا بَيته) ، يُرِيد بَين بيُوت رَسُول الله ﷺ ، وَأَرَادَ بذلك قربه. ٣١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَأنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأحْسِنُوا إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنفقوا﴾ الخ. قَوْله: (وأنفقوا) عطف على قَوْله: ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٣) وَسبب نُزُولهَا أَن الْأَنْصَار كَانُوا يُنْفقُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ فَأَصَابَتْهُمْ سنة فأمسكوا، والسبيل الطَّرِيق وَالْمرَاد بِهِ طَرِيق الْخيرَات. قَوْله: (وَلَا تلقوا بأيدكم) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْبَاء زَائِدَة الْمَعْنى، أَي لَا تقبضوا التَّهْلُكَة أَيْدِيكُم، وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تلقوا أَنفسكُم بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة، فالأنفس مضمرة وَالْبَاء أَدَاة وَالْأَيْدِي عبارَة عَن كل الْبدن، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ (المسد: ١) أَي: تب هُوَ، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: التَّهْلُكَة الْبُخْل، وَقَالَ سماك بن حَرْب عَن النُّعْمَان بن بشير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٥) أَن يُذنب الرجل الذَّنب فَيَقُول: لَا يغْفر لي فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلقوا بأيدكم إِلَى التَّهْلُكَة﴾ الْآيَة، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، وروى عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس التَّهْلُكَة عَذَاب الله قَوْله: (وأحسنوا) فِيهِ أَقْوَال. أَحدهَا: فِي أَدَاء الْفَرَائِض وَالثَّانِي: الظَّن بِاللَّه. الثَّالِث: تفضلوا على من لَيْسَ فِي يَده شَيْء. الرَّابِع: صلوا الْخمس. التَّهْلُكَةُ والْهَلاكُ وَاحِدٌ يَعْنِي: كِلَاهُمَا مصدران لَكِن التَّهْلُكَة من نَوَادِر المصادر، يُقَال: هلك الشَّيْء يهْلك هَلَاكًا وهلوكا ومهلك ومهلكا وتهلكةً، وَالِاسْم الهلك، بِالضَّمِّ، والهلكة بِفَتْح اللَّام والهلاك قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن يكون أصل التَّهْلُكَة بِكَسْر اللَّام كالتجربة، فأبدلت من الكسرة ضمة كَمَا جَاءَت الْجوَار فِي الْجوَار. ٤٥١٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخْبَرَنا النَّضْرُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ وأنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلِكَةِ قَالَ نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل مصغر شَمل، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. قَوْله: (فِي النَّفَقَة) أَي: فِي ترك النَّفَقَة فِي سَبِيل الله.

стр. 5373

٣٢ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ بِهِ أَذَى مِنْ رأسِهِ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ يَعْنِي: فَمن كَانَ بِهِ مرض يحوجه إِلَى الْحلق (أَو بِهِ أَذَى من رَأسه) وَهُوَ الْقمل أَو الْجراحَة فعلية إِذا حلق فديَة، وَيَجِيء بَيَان الْفِدْيَة عَن قريب. ٤٥١٧ - ح دَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الأصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ مِعْقِلٍ قَالَ قَعَدْتُ إلَى كَعْب بن عُجْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ فَسَألْتُهُ مِنْ صِيامٍ فَقَالَ حُمِلْتُ إلَى النَّبيِّ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ مَا كُنْتُ أرَى أنَّ الجَهْدَ قدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا أما تَجِدُ شَاةً قُلْتُ لَا قَالَ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ صعامٍ واحْلقْ رأسَكَ فِنَزَلْت فيَّ خاصَّةً وَهِيَ لكُمْ عَامَّةً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس واسْمه عبد الرَّحْمَن، وَعبد الرَّحْمَن الْأَصْبَهَانِيّ بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا وبالفاء وبالياء الْمُوَحدَة، وَعبد الله بن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف وَفِي آخِره لَام ابْن مقرن الْمُزنِيّ الْكُوفِي التَّابِعِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي بَاب الْإِطْعَام فِي الْفِدْيَة، بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٣٣ - (بابٌ: ﴿فَمَنْ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٦) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن تمنع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٦) وأوله: (فَإِذا أمنتم) أَي: من خوفكم وبر أتم من مرضكم وتمكنتم من أَدَاء الْمَنَاسِك، فَمن كَانَ مِنْكُم مُتَمَتِّعا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج (فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي) أَي: فَعَلَيهِ مَا اسْتَيْسَرَ. أَي: فَعَلَيهِ مَا تيَسّر مِنْهُ، يُقَال: يسر الْأَمر واستيسر. كَمَا يُقَال: صَعب واستصعب، وَمحل كلمة مَا رفع بِالِابْتِدَاءِ وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا أَي: فاهدوا مَا اسْتَيْسَرَ من الْهدى، وَهُوَ اسْم لما يهدى إِلَى الْحرم من بعير أَو بقرة أَو شَاة. ٣٤ - (بابٌ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٨) [/ يَا أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح﴾ أَي حرج أَو إِثْم (أَن تَبْتَغُوا) أَي: أَن تَطْلُبُوا (فضلا من ربكُم) أَي: عَطاء مِنْهُ وتفضلاً، وَهُوَ النَّفْع وَالرِّبْح وَالتِّجَارَة.

стр. 5374

٤٥١٩ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ أخْبَرَني ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرو عَن ابنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ كانَتْ عُكاظُ وَمَجَنةُ وذُو المَجاز أسْوَاقا فِي الجَاهِلِيَّةِ فَتأثَّمُوا أَن يَتَجِرُوا فِي المَوَاسِمِ فَنَزِلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٨) فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام بن الْفرج البيكندي البُخَارِيّ، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَعمر وَهُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب التِّجَارَة أَيَّام الْمَوْسِم. وعكاظ: بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْكَاف وبالظاء الْمُعْجَمَة، ومجنة، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَتَشْديد النُّون (وذوا الْمجَاز) ضد الْحَقِيقَة. وَهَذِه كَانَت أسواقا للْعَرَب. قَوْله: (فتأثموا) ، أَي: فتحرجوا قَوْله: (أَن يتجروا) أَي: بِأَن يتجروا. قَوْله: (فِي المواسم) ، جمع موسم، وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ معلم مُجْتَمع النَّاس إِلَيْهِ. قَوْله: (فِي مواسم الْحَج) قيل: هَذَا اللَّفْظ عِنْد ابْن عَبَّاس من الْقُرْآن من تَتِمَّة الْآيَة، وَالصَّحِيح أَنه تَفْسِير مِنْهُ لمحل ابْتِغَاء الْفضل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَي: فِي مواسم الْحَج. ٣٥ - (بابٌ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاضَ النَّاسُ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٩) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ أَي: لتكن إفاضتكم من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس وَلَا تكن من الْمزْدَلِفَة، وَحَاصِل الْمَعْنى: أَن الله ، أَمر الْوَاقِف بِعَرَفَات أَن يدْفع إِلَى الْمزْدَلِفَة ليذكر الله تَعَالَى عِنْد الْمشعر الْحَرَام وَأمره أَن يكون وُقُوفه مَعَ جُمْهُور النَّاس يصنعون ويقفون بهَا. غير أَن قُريْشًا لم يَكُونُوا يخرجُون من الْحرم، فيقفون فِي طرف الْحرم عِنْد أدنى الْجَبَل وَيَقُولُونَ: نَحن أهل الله فِي بلدته وقطان بَيته، فَلَا يخرجُون مِنْهُ فيقفون بِجمع وَسَائِر النَّاس بِعَرَفَات. ٤٥٢٠ - ح دَّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ خازِمٍ حدَّثنا هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَها يَقِفُون بِالمُزْدَلِفَةِ وَكَانُوا يُسَمِّوْنَ الحُمْسَ وَكَانِ سَائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَا جَاءَ الإسْلامُ أمَرَ الله نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْتِي عَرَفَاتٍ ثُمَّ يَقِفُ بهَا ثُمَّ يُفِيضَ مِنْها فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفَاضَ النَّاسُ﴾ . مطابقته هِيَ معنى التَّرْجَمَة وَمُحَمّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالزاي: أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير. قَوْله: (وَمن دَان دينهَا) أَي: دين قُرَيْش قَالَ الْخطابِيّ: الْقَبَائِل الَّتِي كَانَت تدين مَعَ قُرَيْش هم بَنو عَامر بن صعصعة وَثَقِيف وخزاعة. وَكَانُوا إِذا أَحْرمُوا لَا يتناولون السّمن والأقط وَلَا يدْخلُونَ من أَبْوَاب بُيُوتهم، وَكَانُوا يسمون الْخمس، لأَنهم تحمسوا فِي دينهم وتصلبوا، والحماسة الشدَّة. قَوْله: (ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس) ثمَّ سَائِر الْعَرَب غير الحمس، وهم قُرَيْش وَمن كَانَ على دينهم، وَقيل: المُرَاد من النَّاس آدم ﵇. وَقيل: إِبْرَاهِيم، ﵇، وقرىء شاذا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِي، يَعْنِي: آدم ﵇. ٤٥٢١ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ أَخْبرنِي كُرَيْبٌ عنِ ابْن عباسٍ قَالَ تَطَوُّفُ الرَّجُلِ بِالْبَيْتِ مَا كَانَ حَلالاً حَتَّى يُهِلَّ بِالحَجِّ فَإذَا رَكِبَ إلَى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لهُ هَدِيَّة مِنَ الإبِلِ أَو الْبَقَرِ أَو الغَنَمِ مَا تَيَسَّرَ لهُ مِنْ ذَلِكَ أيّ ذَلِكَ شَاءَ غَيْرَ أنْ لمْ يَتَيَسَّرَ لهُ فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ فِي الحَجِّ وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فإنْ كَانَ آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الأيامِ الثَّلاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلا جُناح عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَنْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلَى

стр. 5375

أنْ يَكْونَ الظَّلامُ ثُم لِيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إذَا أفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعا الَّذِي يَبِيتُونَ بِهِ ثُمَّ لِيَذْكُرُوا الله كَثِيرا وَأكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا ثُمَّ أفِيضُوا فَإنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ وَقال الله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أفَيضُوا مِنْ حَيْثُ أفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا الله إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٩) حَتَّى تَرْمُوا الجَمْرَةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أفيضوا) إِلَى آخِره. وَمُحَمّد بن أبي بكر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بالمقدمي الْبَصْرِيّ، وفضيل مصغر فضل. بالضاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (مَا كَانَ حَلَالا) بِأَن كَانَ مُقيما بِمَكَّة أَو كَانَ قد دخل بِعُمْرَة ثمَّ تحلل مِنْهَا. قَوْله: (حَتَّى يهل) أَي: حَتَّى يحرم بِالْحَجِّ. قَوْله: (مَا تيَسّر لَهُ) جَزَاء للشّرط أَي: ففديته مَا تيَسّر لَهُ، أَو التَّقْدِير: فَعَلَيهِ مَا تيَسّر، وَيجوز أَن يكون قَوْله: مَا تيَسّر لَهُ بَدَلا من قَوْله: هَدِيَّة، وَيكون الْجَزَاء بأسره محذوفا تَقْدِيره، ففديته ذَلِك أَو: فليفتد بذلك. قَوْله: (غير أَن لم تيَسّر لَهُ) أَي: الْهدى فَعَلَيهِ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج أَي: قبل يَوْم عَرَفَة وَهَذَا تَقْيِيد من ابْن عَبَّاس لإِطْلَاق الْآيَة قَوْله: (ثمَّ لينطلق) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (ثمَّ ينْطَلق) بِدُونِ اللَّام. قَوْله: (من صَلَاة الْعَصْر) ، أَرَادَ من أول وَقت الْعَصْر وَذَلِكَ عِنْد صيرورة ظلّ كل شَيْء مثله، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ من بعد صَلَاة الْعَصْر، لِأَنَّهَا تصلى عقيب صَلَاة الظّهْر جمع تَقْدِيم، وَيكون الْوُقُوف عقيب ذَلِك، وَلَا شكّ أَنه بعد الزَّوَال، وَسَأَلَ الْكرْمَانِي: بِأَن أول وَقت الْوُقُوف زَوَال الشَّمْس يَوْم عَرَفَة وَآخره صبح الْعِيد، ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ اعْتبر فِي الأول الْأَشْرَف، لِأَن وَقت الْعَصْر أشرف، وَفِي الآخر الْعَادة الْمَشْهُورَة. انْتهى (قلت) فِيهِ تَأمل. قَوْله: (حَتَّى يبلغُوا جمعا) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وَهُوَ الْمزْدَلِفَة قَوْله: (الَّذِي يبيتُونَ بِهِ) ويروى (يتبرر فِيهِ) براءين مهملتين. أَي: يطْلب فِيهِ الْبر، ويروى: (يتبرز) ، برَاء ثمَّ زَاي من التبرز، وَهُوَ الْخُرُوج إِلَى البرَاز للْحَاجة، وَالْبرَاز بِالْفَتْح اسْم للفضاء الْوَاسِع. قَوْله: (أَو أَكْثرُوا) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (حَتَّى ترموا الْجَمْرَة) هَذِه غَايَة للإفاضة، وَيحْتَمل أَن يكون غَايَة لقَوْله: (اكثروا) . ٣٦ - (بابٌ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠١) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ الْآيَة. قَوْله: (وَمِنْهُم) أَي: وَمن النَّاس، وَقَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، كَانَ قوم من الْأَعْرَاب يجيئون إِلَى الْموقف فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، وَلَا يذكرُونَ من أَمر الْآخِرَة شَيْئا فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم: ﴿فَمن النَّاس من يَقُول رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٠) أَي: نصيب، وَكَانَ يَجِيء بعدهمْ آخَرُونَ من الْمُؤمنِينَ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٠) فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ لَهُم نصيب مِمَّا كسبوا وَالله سريع الْحساب﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٢) وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا الْمَرْأَة الصَّالِحَة، وَفِي الْآخِرَة الْجنَّة، وَعَذَاب النَّار الْمَرْأَة السوء. ٤٥٢٢ - ح دَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عبْدُ الوَارِثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ عنْ أنسٍ قَالَ كَانَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُمَّ ﴿رَبَّنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة أوضح مَا يكون وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد، وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن صُهَيْب والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن مُسَدّد وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد. ٣٧ - (بَاب: ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠١) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى:﴾ وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ وَأول الْآيَة ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الحيوة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على

стр. 5376

مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٤) قَوْله: (وَمن النَّاس) ، أَرَادَ بِهِ الْأَخْنَس بن شريق، وَكَانَ رجلا حُلْو الْمنطق إِذا لَقِي رَسُول الله ﷺ ، ألان لَهُ القَوْل وَادّعى أَنه يُحِبهُ. وَأَنه مُسلم (وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه) أَي يحلف وَيَقُول: الله شَاهد على مَا فِي قلبِي من محبتك وَمن الْإِسْلَام، فَقَالَ الله فِي حَقه: ﴿وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ ، أَي: شَدِيد الْجِدَال وَالْخُصُومَة والعداوة للْمُسلمين والألد أفعل التَّفْضِيل من اللدد وَهُوَ: شدَّة الْخُصُومَة، وَالْخِصَام الْمُخَاصمَة وَإِضَافَة الألد بِمَعْنى فِي أَو يَجْعَل الْخِصَام أَلد على الْمُبَالغَة وَقيل: الْخِصَام جمع خصم وصعاب بِمَعْنى: هُوَ أَشد الْخُصُوم خُصُومَة. وَقَالَ عَطَاءٌ النَّسْلُ الحَيَوَانُ أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح النَّسْل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيهْلك الْحَرْث والنسل﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠٥) الْحَيَوَان، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن جريج قلت لعطاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيهْلك الْحَرْث والنسل﴾ قَالَ: الْحَرْث الزَّرْع، والنسل من النَّاس والأنعام. ٤٥٢٣ - ح دَّثنا قَبِيصَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عَن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عائِشَةَ تَرْفَعُهُ أبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى الله الأَلَدُّ الخَصِمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمروزِي، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي عَاصِم. قَوْله: (ترفعه) ، أَي: ترفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثني ابنُ جُرَيْجٍ عَن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ عنِ النبيَّ ﷺ . عبد الله هُوَ ابْن الْوَلِيد الْعَدنِي، نَص عَلَيْهِ الْمزي، وَكَذَلِكَ سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. وَأورد هَذَا التَّعْلِيق لتصريحه بِرَفْع حَدِيث عَائِشَة إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ مَوْصُول فِي (جَامع سُفْيَان الثَّوْريّ) وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من عبد الله هُوَ الْجعْفِيّ شيخ البُخَارِيّ، وَيكون سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. لِأَن الحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة (قلت) يحْتَمل ذَلِك، وَلَكِن الْحَافِظ الْمزي وَخلف نصا على أَن عبد الله هُوَ ابْن الْوَلِيد، وَأَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالله أعلم. ٣٨ - (بابٌ: ﴿أمْ حَسَبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَما يَأْتِيكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ والضَّرَاءُ﴾ إلَى ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٢١٤) أَي: هَذَا بَاب ذكر فِيهِ (أم حسبتم) إِلَى آخِره ذكر عبد الرَّزَّاق فِي (تَفْسِيره) : عَن قَتَادَة: نزلت هَذِه الْآيَة فِي يَوْم الْأَحْزَاب أصَاب النَّبِي ﷺ يَوْمئِذٍ وَأَصْحَابه بلَاء وَحصر، قَالَه الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ قَول أَكثر الْمُفَسّرين، قَالَ وَقيل: نزلت فِي يَوْم أحد. وَقيل: نزلت تَسْلِيَة للمهاجرين حِين تركُوا دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ بأيدي الْمُشْركين وآثروا رضَا الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ . قَوْله: (أم حسبتم) ، قد علم فِي النَّحْو أَن: أم عَليّ نَوْعَيْنِ مُتَّصِلَة وَهِي الَّتِي تتقدمها همزَة التَّسْوِيَة نَحْو: ﴿سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا﴾ (إِبْرَاهِيم: ١٢١) وَسميت مُتَّصِلَة لِأَن مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا لَا يسْتَغْنى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، ومنقطعة وَهِي الَّتِي لَا يفارقها معنى الإضراب، وَزعم ابْن الشجري عَن جَمِيع الْبَصرِيين أَنَّهَا أبدا بِمَعْنى: بل، وَهِي مسبوقة بالْخبر الْمَحْض. نَحْو: ﴿تَنْزِيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ من رب الْعَالمين أم يَقُولُونَ افتراه﴾ (السَّجْدَة: ٢) ومسبوقة بِهَمْزَة لغير الِاسْتِفْهَام. نَحْو: ﴿ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا أم لَهُم أيد يبطشون بهَا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٩٥) إِذْ الْهمزَة فِيهَا للإنكار ثمَّ إِن: أم هَذِه قد اخْتلفُوا فِيهَا، فَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهَا بل حسبتم وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مُنْقَطِعَة وَمعنى الْهمزَة فِيهَا للتقرير، وَفِي (تَفْسِير الْجَوْزِيّ) أم هُنَا لِلْخُرُوجِ من حَدِيث إِلَى حَدِيث، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي السنان) أم، هَذِه مُتَّصِلَة بِمَا قبلهَا لِأَن الِاسْتِفْهَام لَا يكون فِي ابْتِدَاء الْكَلَام فَلَا يُقَال: أم عِنْد خبر، بِمَعْنى: عنْدك،

стр. 5377

وَقيل: هِيَ معطوفة على اسْتِفْهَام مَحْذُوف مقدم أَي: أعلمتم أَن الْجنَّة حفت بالمكاره أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة بِغَيْر مَكْرُوه. قَوْله: (وَلما يأتكم) ، كلمة لما، لنفي: لم يفعل، وَكلمَة لم لنفي فعل. قَوْله: (مثل الَّذين خلوا) ، أَي: صفة الَّذين مضوا من قبلكُمْ من النَّبِيين وَالْمُؤمنِينَ، وَفِيه إِضْمَار أَي: مثل محنة الَّذين. أَو مُصِيبَة الَّذين مضوا. قَوْله: (مستهم البأساء والضرآء) ، أَي: الْأَمْرَاض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب، وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَمرَّة الْهَمدَانِي وَالْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالربيع وَالسُّديّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان، البأساء الْفقر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الضراء السقم. قَوْله: (وزلزلوا) ، أَي: أزعجوا إزعاجا شَدِيدا شَبِيها بالزلزلة بِمَا أَصَابَهُم من الْأَهْوَال والأفزاع. قَوْله: (حَتَّى يَقُول الرَّسُول) يَعْنِي: إِلَى الْغَايَة الَّتِي يَقُول الرَّسُول وَمن مَعَه فِيهَا: مَتى نصر الله يَعْنِي: بلغ مِنْهُم الْجهد إِلَى أَن استبطؤا النَّصْر. وَقَالُوا: مَتى ينزل نصر الله؟ قَالَ مقَاتل: الرَّسُول هُوَ أليسع، واسْمه: شعيا وَالَّذين آمنُوا حزقيا الْملك حِين حضر الْقِتَال وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ وَأَن مِيشَا بن حزقيا قتل اليسع، ﵊. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: هَذَا فِي كل رَسُول بعث إِلَى أمته. وَعَن الضَّحَّاك: يَعْنِي مُحَمَّدًا، ﵊. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَعَلِيهِ يدل نزُول الْآيَة الْكَرِيمَة، وَأكْثر المتأولين على أَن الْكَلَام إِلَى آخر الْآيَة من قَول الرَّسُول وَالْمُؤمنِينَ، أَي: بلغ بهم الْجهد حَتَّى استبطؤ النَّصْر فَقَالَ الله، : (أَلا إِن نصر الله قريب) وَيكون ذَلِك من قَول الرَّسُول على طلب استعجال النَّصْر لَا على شكّ وارتياب، وَقَالَت طَائِفَة: فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالتَّقْدِير: يَقُول الَّذين آمنُوا مَتى نصر الله؟ فَيَقُول الرَّسُول: أَلا إِن نصر الله قريب. فَقدم الرَّسُول فِي الرُّتْبَة لمكانته وَلم يقدم الْمُؤمنِينَ. لِأَنَّهُ الْمُقدم فِي الزَّمَان، وَيَقُول: بِالرَّفْع وَالنّصب، فقراءة الْقُرَّاء بِالنّصب إلاّ مُجَاهدًا، قَالَه الْفراء: وَبَعض أهل الْمَدِينَة رَفَعُوهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ النصب على إِضْمَار أَن، وَالرَّفْع على أَنه فِي معنى الْحَال كَقَوْلِك: شربت الْإِبِل حَتَّى يَجِيء الْبَعِير حَتَّى يجر بطته إِلَّا أَنَّهَا حَال مَاضِيَة محكية. قَوْله: (أَلا إِن نصر الله قريب) ، أَي: قيل لَهُم: أَن نصر الله قريب، إِجَابَة لَهُم إِلَى طَلَبهمْ. ٤٥٢٤ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنَا هِشامٌ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ أبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ حَتَّى إذَا استَيْأسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا خَفِيفَةَ ذَهَبَ بِها هُنَاكَ وَتَلا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله قَرِيبٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٤١) فَلقِيتُ عُرْوَةَ ابنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ قَالَتْ عَائِشَةَ مَعَاذَ الله وَالله مَا وَعَدَ الله رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إلاّ عَلِمَ أنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ وَلاكِنْ لَمْ يَزَل البَلاءُ بَالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أنْ يَكُونَ من مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ فَكَانَتْ تَقّرَؤُها وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا مُثَقَّلَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى يزِيد الرَّازِيّ الْفراء، يعرف بالصغير، وَهِشَام هُوَ ابْن حسان يروي عَن عبد الْملك ابْن جريج عَن عبد الله بن أبي مليكَة والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل) أَي: من النَّصْر (وظنوا أَنهم قد كذبُوا) أَي: كذبتهم أنفسهم حِين حدثتهم بِأَنَّهُم ينْصرُونَ. قَوْله: (خَفِيفَة) أَي: خَفِيفَة الذَّال فِي قَوْله: قد كذبُوا. قَوْله: (ذهب بهَا) أَي: ذهب ابْن عَبَّاس بِهَذِهِ الْآيَة أَي: قَوْله: (حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل) الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة يُوسُف لَا الْآيَة الَّتِي فِي الْبَقَرَة، يَعْنِي: فهم من هَذِه الْآيَة مَا فهم من تِلْكَ الْآيَة لكَون الِاسْتِفْهَام فِي مَتى نصر الله للاستبعاد والاستبطاء فهما متناستان فِي مَجِيء النَّصْر بعد الْيَأْس والاستيعادة. قَوْله: (فَلَقِيت عُرْوَة بن الزبير) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ ابْن أبي مليكَة الرَّاوِي. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: عُرْوَة بن الزبير (قَالَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا) قَوْله: (قبل أَن يَمُوت) ظرف للْعلم لَا للكون. قيل: لم أنْكرت عَائِشَة على ابْن عَبَّاس بقولِهَا: معَاذ الله إِلَى آخِره مَعَ أَن قِرَاءَة التَّخْفِيف تحْتَمل معنى مَا قَالَت عَائِشَة بِأَن يُقَال خَافُوا أَن يكون من مَعَهم يكذبونهم؟ وَأجِيب بِأَن الْإِنْكَار من جِهَة أَن مُرَاده أَن الرُّسُل ظنُّوا أَنهم مكذبون من عِنْد الله لَا من عِنْد أنفسهم بِقَرِينَة الاستشهاد بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْبَقَرَة. فَقيل: لَو كَانَ كَمَا قَالَت عَائِشَة لقيل: وتيقنوا أَنهم قد كذبُوا، لِأَن تَكْذِيب الْقَوْم لَهُم كَانَ متيقنا وَأجِيب: بِأَن تَكْذِيب أتباعهم

стр. 5378

من الْمُؤمنِينَ كَانَ مظنونا والمتيقن هُوَ تَكْذِيب الَّذين لم يُؤمنُوا أصلا فَإِن قيل: فَمَا وَجه كَلَام ابْن عَبَّاس؟ قيل: وَجهه مَا ذكره الْخطابِيّ: بِأَن يُقَال لَا شكّ أَن مذْهبه أَنه لم يجز على الرُّسُل أَن يكذبوا بِالْوَحْي الَّذِي يَأْتِيهم من قبل الله لَكِن يحْتَمل أَن يُقَال: إِنَّهُم عِنْد تطاول الْبلَاء وإبطاء نجز الْوَعْد توهموا أَن الَّذِي جَاءَهُم من الْوَحْي كَانَ غَلطا مِنْهُم. فالكذب متأول بالغلط. كَقَوْلِهِم: كذبتك نَفسك. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَعَن ابْن عَبَّاس: وظنوا حِين ضعفوا أَو غلبوا أَنهم قد خلفوا مَا وعدهم الله من النَّصْر، وَقَالَ: وَكَانُوا بشرا وتلا قَوْله: ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول﴾ (الْبَقَرَة: ٢١٤) فَإِن صَحَّ هَذَا فقد أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يهجس فِي الْقلب من شبه الوسوسة. وَحَدِيث النَّفس على مَا عَلَيْهِ البشرية وَأما الظَّن الَّذِي يتَرَجَّح أحد الْجَانِبَيْنِ على الآخر فِيهِ فَغير جَائِز على آحَاد الْأمة فَكيف بالرسل؟ قَوْله: (تقرؤها) أَي: فَكَانَت عَائِشَة ﵂. تقْرَأ قَوْله وكذبوا، مثقلة أَي: بِالتَّشْدِيدِ، وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن كثير وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر، وَقِرَاءَة عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِالتَّخْفِيفِ. ٣٩ - (بابٌ: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ (الْبَقَرَة: ٢٢٣) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ الْآيَة قَوْله: ﴿حرث لكم﴾ أَي: مَوَاضِع حرث لكم، وَهَذَا مجَاز شبههن بالمحارث تَشْبِيها لما يلقى فِي أرحامهن من النطف الَّتِي مِنْهَا النَّسْل بالبذر، وروى الإِمَام أَحْمد بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أنزلت هَذِه الْآيَة ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ فِي أنَاس من الْأَنْصَار أَتَوا النَّبِي ﷺ ، فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ائتها على كل حَال إِذا كَانَ فِي الْفرج، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى رَسُول الله ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿هَلَكت﴾ قَالَ: مَا الَّذِي أهْلكك؟ قَالَ: حولت رحلي البارحة فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا. قَالَ: فَأوحى الله إِلَى رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ أقبل وَأدبر وَاتَّقِ الدبر والحيضة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن غَرِيب. قَوْله: (أنَّى شِئْتُم) ، أَي: كَيفَ شِئْتُم مقبلة أَو مُدبرَة إِذا كَانَ فِي صمام وَاحِد. أَي: فِي مَسْلَك وَاحِد، والصمام مَا يسد بِهِ الفرجة فَسمى بِهِ الْفرج وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع صمام على حذف مُضَاف، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وتحفيف الْمِيم، ويروى بِالسِّين الْمُهْملَة. ٤٥٢٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخبرنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابنُ عُمَرَ ﵄ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فأخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْما فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهى إلَى مَكَانٍ قَالَ تَدْرِي فَمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فِي كَذَا وَكَذَا) لِأَن المُرَاد بِهِ فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن على مَا نذكرهُ عَن قريب. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه يروي عَن النَّضر، بالضاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، بالشين الْمُعْجَمَة مصغر شَمل يروي عَن عبد الله بن عون بِفَتْح الْعين وبالنون. عَن نَافِع مولى بن عمر عَن عبد الله بن عمر. وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِيره، وَقَالَ بدل قَوْله: (حَتَّى انْتهى إى مَكَان قَالَ: تَدْرِي) إِلَى قَوْله: قلت: لَا. قَالَ: (نزلت فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن) وَهَكَذَا أوردهُ ابْن جرير من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن علية عَن ابْن عون مثله، وَهَذَا قد فسر ذَاك الْمُبْهم فِي حَدِيث الْبَاب قَوْله: (ثمَّ مضى أَي: فِي قِرَاءَته) . ٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حدَّثني أبي حدَّثني أيُّوبُ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﴿فَأتوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ يَأْتِيهَا فِي رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عَن عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ. هَذَا مَعْطُوف على قَوْله أخبرنَا بالنضر بن شُمَيْل، يَعْنِي: النَّضر يروي أَيْضا عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا جرير ابْن فِي (التَّفْسِير) عَن أبي قلَابَة الرقاشِي عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث حَدثنِي أبي فَذكره بِلَفْظ: يَأْتِيهَا فِي الدبر، وَوَقع هُنَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ يَأْتِيهَا فِي وَسكت عَن مجرورها، وَلم يذكر فِي أَي شَيْء، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، وَلَكِن الْحميدِي ذكر

стр. 5379

فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) يَأْتِيهَا فِي الْفرج، وَبِهَذَا قد تبين أَن مجرور كَمَا نفي هُوَ الْفرج، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عِنْده بِحَسب فهمه وَلَيْسَ مطابقا لما فِي نفس الْأَمر، وأيد كَلَامه بقوله: وَقد قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أورد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي (التَّفْسِير) فَقَالَ: يَأْتِيهَا فِي وَترك بَيَاضًا. انْتهى قلت: لَا نسلم عدم الْمُطَابقَة لما فِي نفس الْأَمر لِأَن مَا فِي نفس الْأَمر عِنْد من لَا يرى إِبَاحَة إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن أَن يقدر بعد كلمة فِي إِمَّا لفظ فِي الْفرج، أَو فِي الْقبل أَو فِي مَوضِع الْحَرْث، وَالظَّاهِر من حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى إِبَاحَة ذَلِك، وَلَكِن لما ورد فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَا يفهم مِنْهُ إِبَاحَة ذَلِك، ووردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي منع ذَلِك تَأمل فِي ذَلِك وَلم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك الْوَقْت أحد الْأَمريْنِ فَترك بَيَاضًا بعد فِي، ليكتب فِيهِ مَا يتَرَجَّح عِنْده من ذَلِك. وَالظَّاهِر أَنه لم يُدْرِكهُ فَبَقيَ الْبيَاض بعده مستمرا فجَاء الْحميدِي وَقدر ذَلِك حَيْثُ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي الْفرج نظرا إِلَى حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى خِلَافه. وَلَو كَانَ الْحميدِي علم من حَال البُخَارِيّ أَنه يُبِيح الْإِتْيَان فِي إدبار النِّسَاء لم يقدر هَذَا بل كَانَ يقدر يَأْتِيهَا فِي أَي مَوضِع شَاءَ، كَمَا صرح فِي رِوَايَة ابْن جرير فِي نفس حَدِيث عبد الصَّمد يَأْتِيهَا فِي دبرهَا ثمَّ قَالَ: هَذَا الْقَائِل: هَذَا الَّذِي اسْتَعْملهُ البُخَارِيّ نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى الِاكْتِفَاء وَلَا بُد لَهُ من نُكْتَة يحسن سَببهَا اسْتِعْمَاله. قلت: لَيْت شعري من قَالَ من أهل صناعَة البديع أَن حذف الْمَجْرُور وَذكر الْجَار وَحده من أَنْوَاع البديع، والاكتفاء إِنَّمَا يكون فِي شَيْئَيْنِ متضادين يذكر أَحدهَا ويكتفي بِهِ عَن الآخر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ (النَّحْل: ٨١) وَالتَّقْدِير: وَالْبرد أَيْضا، وَلم يبين أَيْضا مَا هُوَ المحسن لذَلِك على أَن جُمْهُور النُّحَاة لَا يجوزون حذف الْمَجْرُور إِلَّا أَن بَعضهم قد جوز ذَلِك فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَقد عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيّ على صَنِيع البُخَارِيّ ذَلِك، فَقَالَ: جَمِيع مَا أخرج عَن ابْن عمر مُبْهَم لَا فَائِدَة فِيهِ، وَقد روينَاهُ عَن عبد الْعَزِيز، يَعْنِي: الدَّرَاورْدِي عَن مَالك، وَعبيد الله بن عمر، وَابْن أبي ذِئْب ثَلَاثَتهمْ عَن نَافِع بالتفسير، وَرِوَايَة الدَّرَاورْدِي الْمَذْكُورَة قد أخرجهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من طَرِيقه عَن الثَّلَاثَة عَن نَافِع نَحْو رِوَايَة ابْن عون عَنهُ، وَلَفظ: نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فأعظم النَّاس ذَلِك، قَالَ: فَقلت لَهُ من دبرهَا فِي قبلهَا؟ قَالَ لَا إلاّ فِي دبرهَا. وَأما اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب فَذهب مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَسَعِيد بن يسَار الْمدنِي وَمَالك إِلَى إِبَاحَة ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، أَن رجلا أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فَأنْكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالُوا: اثغرها؟ فَأنْزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢٣) وَقَالُوا: معنى الْآيَة. حَيْثُ شِئْتُم من الْقبل والدبر، وَقَالَ عِيَاض: تعلق من قَالَ: بالتحليل بِظَاهِر الْآيَة وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) جوزته طَائِفَة كَثِيرَة، وَقد جمع ذَلِك ابْن شعْبَان فِي كِتَابه (جماع النسوان) وَأسْندَ جَوَازه إِلَى زمرة كَبِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَإِلَى مَالك من رِوَايَات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) الْمَشْهُور عَن مَالك إِبَاحَة ذَلِك وَأَصْحَابه ينفون عَنهُ هَذِه الْمقَالة لقبحها وشناعتها وَهِي عَنهُ أشهر من أَن تدفع بنفيهم عَنهُ وَقد روى مُحَمَّد بن سعد عَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني، قَالَ: كنت عِنْد مَالك بن أنس، فَسئلَ عَن النِّكَاح فِي الدبر، فَضرب بِيَدِهِ على رَأسه، وَقَالَ: السَّاعَة اغْتَسَلت مِنْهُ وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقَاسِم: مَا أدْركْت أحدا اقْتدى بِهِ فِي ديني يشك فِيهِ أَنه حَلَال، يَعْنِي: وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا، ثمَّ قَرَأَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ قَالَ: فَأَي شَيْء أبين من هَذَا، وَمَا أَشك فِيهِ وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي فِيهِ فَمَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: حكى لنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم أَنه سمع الشَّافِعِي يَقُول: مَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ ، فِي تَحْرِيمه وَلَا فِي تَحْلِيله وَالْقِيَاس أَنه حَلَال. وَقَالَ الْحَاكِم: لَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يَقُول ذَلِك فِي الْقَدِيم، وَأما فِي الْجَدِيد فَصرحَ بِالتَّحْرِيمِ. وَذهب الْجُمْهُور إِلَى تَحْرِيمه فَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَبُو الدَّرْدَاء وَخُزَيْمَة بن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة وَعلي بن طلق وَأم سَلمَة وَقد اخْتلف عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَالأَصَح عَنهُ الْمَنْع، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَمُجاهد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَمن الْأَئِمَّة سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الصَّحِيح، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا: حَدِيث ابْن خُزَيْمَة أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق، لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده صَحِيح وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: هِيَ اللوطية

стр. 5380

الصُّغْرَى، يَعْنِي وَطْء النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، وَالطَّيَالِسِي وَالْبَيْهَقِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا ينظر الله إِلَى رجل وطىء امْرَأَة فِي دبرهَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه وَأحمد. وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله نَحْو حَدِيث خُزَيْمَة وَفِي رِوَايَة لَا بِحل مَا تَأتي النِّسَاء فِي حشوشهن وَفِي رِوَايَة فِي محاشهن اخرجه الطَّحَاوِيّ وَمِنْهَا: حَدِيث طلق بن عَليّ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة، وَفِي رِوَايَة فِي أعجازهن، أَو قَالَ: فِي أدبارهن، وَأما الْآيَة فتأولوها: بفأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم مُسْتَقْبلين ومستدبرين، وَلَكِن فِي مَوضِع الْحَرْث، وَهُوَ الْفرج. فَإِن قلت: الْقَاعِدَة عنْدكُمْ أَن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب. قلت: نعم لَكِن وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فأخرجت الْآيَة عَن عمومها وأقصرتها على إِبَاحَة الْوَطْء فِي الْفرج، وَلَكِن على أَي وَجه كَانَ. ٤٥٢٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَن ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جابِرَ ارضى الله عَنهُ قَالَ كانَت اليَهُودُ تَقُولُ إذَا جَامَعَها مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ قَالَه بَعضهم: وَذكر الْحَافِظ الْمزي أَنه سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن الْمُنْكَدر. بالنُّون مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح وَغَيره عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن سهل بن أبي سهل، وَغَيره. وَظَاهر حَدِيث جَابر هَذَا يُوهم أَنه مُطَابق لحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ روى بِوُجُوه كلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد، فروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن يَهُودِيّا قَالَ: إِذا نكح الرجل امْرَأَته مجبية خرج وَلَده أَحول فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ إِن شِئْتُم مجبية، وَإِن شِئْتُم غير مجببة إِذا كَانَ ذَلِك فِي صمام وَاحِد. وَأخرجه مُسلم أَيْضا نَحوه: وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن الْيَهُود قَالُوا للْمُسلمين: من أَتَى امْرَأَته وَهِي مُدبرَة جَاءَ وَلَده أَحول، فَأنْزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مُدبرَة ومقبلة مَا كَانَ فِي الْفرج، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ: إِذا أَتَى الرجل امْرَأَته من دبرهَا فِي قبلهَا، وَمن طَرِيق أبي حَازِم عَن ابْن الْمُنْكَدر بِلَفْظ: إِذا أتيت الْمَرْأَة من دبرهَا فَحملت. وَقَوله: (فَحملت) يدل على أَن مُرَاده أَن الْإِتْيَان فِي الْفرج لَا فِي الدبر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَفِي تَوْقِيت النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك على الْفرج إِعْلَام مِنْهُ إيَّاهُم أَن الدبر بِخِلَاف ذَلِك. قلت: لِأَن تنصيصه على الْفرج يُنَافِي دُخُول الدبر قَوْله: (مجبية) من جبى يجبى تجبية، كعلى يعلى تعلية، ومادته جِيم وياء مُوَحدَة وَألف، وَمَعْنَاهُ: مَكِّيَّة على وَجههَا تَشْبِيها بهيئة السُّجُود، وَعَن سعيد بن الْمسيب: أنزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْغَزل، أخرجه الدَّارمِيّ وَلَفظه (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم أَنى شِئْتُم) ، قَالَ: إِن شِئْت فاعزل وَإِن شِئْت فَلَا تعزل، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عَبَّاس نَحوه: وَعند الطَّبَرِيّ: أَن أُنَاسًا من حمير أَتَوا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رجل مِنْهُم: يَا رَسُول الله: إِنِّي رجل أحب النِّسَاء، فَكيف ترى فِي ذَلِك؟ فَنزلت: وَعِنْده مقَاتل، قَالَ: حييّ بن أَخطب وَنَفر من الْيَهُود للْمُسلمين إِنَّه لَا يحل لكم جماع النِّسَاء إِلَّا مستلقيات، وَإِنَّا نجد فِي كتاب الله أَن جماع الْمَرْأَة غير مستلقية دنس عِنْد الله تَعَالَى، فَنزلت: وَعَن ابْن عَبَّاس الْحَرْث منبت الْوَلَد، وَقَالَ السّديّ: هِيَ مزرعة يَزع فِيهَا أَو يحرث فِيهَا، وَقَالَ ابْن حزم: مَا رويت إِبَاحَة الْوَطْء فِي دبرهَا إلاّ عَن ابْن عَمْرو وَحده باخْتلَاف عَنهُ، وَعَن مَالك باخْتلَاف عَنهُ فَقَط، وَذكر أَبُو الْحسن المرغيناني، أَن من أَتَى امْرَأَته فِي الْمحل الْمَكْرُوه فَلَا حد عَلَيْهِ عِنْد الإِمَام أبي حنيفَة وَيُعَزر، وَقَالَ هُوَ كَالزِّنَا، وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا اتّفق الْعلمَاء الَّذين يعْتد بهم على تَحْرِيم وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يحل الْوَطْء فِي الدبر فِي شَيْء من الْآدَمِيّين وَلَا غَيرهم من الْحَيَوَان على حَال من الْأَحْوَال. ٤٠ - (بابٌ: ﴿وإذَا طَلَقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنّ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحَنّ أزْوَاجَهُنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢)

стр. 5381

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢) إِلَى آخِره وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، نزلت هَذِه الْآيَة فِي الرجل يُطلق امْرَأَته طَلْقَة أَو طَلْقَتَيْنِ فتنقضي عدتهَا ثمَّ يَبْدُو لَهُ تَزْوِيجهَا وَأَن يُرَاجِعهَا وتريد الْمَرْأَة ذَلِك فيمنعها أولياؤها من ذَلِك، فَنهى الله تَعَالَى أَن يمنعوها، وَكَذَلِكَ روى الْعَوْفِيّ عَنهُ، وَكَذَا قَالَ مَسْرُوق وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك إِنَّهَا نزلت فِي ذَلِك، وَقد روى أَن هَذِه الْآيَة هِيَ الَّتِي نزلت فِي معقل بن يسَار، على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ السّديّ: نزلت فِي جَابر بن عبد الله وَابْن عَم لَهُ، وَالصَّحِيح الأول، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأزْوَاج الَّذين يعضلون نِسَاءَهُمْ بعد انْقِضَاء الْعدة ظلما وَإِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأَوْلِيَاء فِي عضلهن أَن يرجعن إِلَى أَزوَاجهنَّ. وَقَالَ ابْن جرير: اتّفق أهل التَّفْسِير على أَن الْمُخَاطب بذلك الْأَوْلِيَاء. قَوْله: (فبلغن أَجلهنَّ) ، وبلوغ الْأَجَل فِي هَذِه الْآيَة انْقِضَاء الْعدة بِخِلَاف الْآيَة السَّابِقَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: دلّ اخْتِلَاف الْكَلَامَيْنِ على اخْتِلَاف البلوغين. قَوْله: (فَلَا تعضلوهن) ، أَي: لَا تضيقوا عَلَيْهِنَّ بمنعكم إياهن، وَفِي (تَفْسِير عبد بن أبي سعيد) العضل الْحَبْس، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عَن الْفراء وقطرب وَأبي عبيد عضل الْمَرْأَة يعضلها ويعضلها، وَعَن أبي عَمْرو: يعضلها، يَعْنِي: بِفَتْح الضَّاد، وَأُمُور معضلات شَدَّاد بِكَسْر الضَّاد. وَعَن ابْن دُرَيْد: عضل أيمه يعضلها عضلاً. وعضلها تعضيلاً. منعهَا من الزَّوْج ظلما. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ من قَوْلهم: عضلت الدَّجَاجَة فَهِيَ معضل إِذا احْتبسَ بيضها، ونشب فَلم يخرج. ٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل. حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ﴾ . هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى. ٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل. حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ﴾ . هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى. ٤١ - (بابٌ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ إِلَى ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي يتوفون مِنْكُم﴾ الْآيَة. قَوْله: (وَالَّذين) أَي: وَأَزْوَاج الَّذين يتوفون مِنْكُم، وَالْخطاب

стр. 5382

للْمُسلمين، وَقيل: للمكلفين، قَالَ الْكفَّار مخاطبون بالتفاصيل بِشَرْط الْإِيمَان. قَوْله: (ويذرون) أَي: يتركون. قَوْله: (أَزْوَاجًا) أَي: زَوْجَات قَوْله: (يَتَرَبَّصْنَ) أَي: بعدهمْ، وَقيل: يحبسن أَنْفسهنَّ وينتظرون أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَهَذَا الحكم يَشْمَل الزَّوْجَات الْمَدْخُول بِهن بِالْإِجْمَاع إِلَّا الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت حَامِلا فَإِنَّهَا تَعْتَد بِالْوَضْعِ وَلم تمكث بعده سوى لَحْظَة لعُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) وَكَانَ ابْن عَبَّاس يرى أَن عَلَيْهَا أَن تَتَرَبَّص بأبعد الْأَجَليْنِ من الْوَضع أَو أَرْبَعَة أشهر وَعشرا للْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ يسْتَثْنى مِنْهَا الزَّوْجَة إِذا كَانَت أمة، فَإِن عدتهَا على النّصْف من عدَّة الْحرَّة: شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام، وَعَن الْحسن وَبَعض الظَّاهِرِيَّة التَّسْوِيَة بَين الْحَرَائِر وَالْإِمَاء. قَوْله: (وَعشرا) ، إِنَّمَا لم يقل وَعشرَة، ذَهَابًا، إِلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّام دَاخِلَة فِيهَا ثمَّ الْحِكْمَة فِي هَذِه الْمدَّة مَا قَالَه الرَّاغِب: إِن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ إِن الْوَلَد فِي الْأَكْثَر إِذا كَانَ ذكرا يَتَحَرَّك بعد ثَلَاثَة أشهر، وَإِذا كَانَ أُنْثَى بعد أَرْبَعَة أشهر، فَجعل ذَلِك عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا، وَزيد عَلَيْهِ عشرَة أَيَّام للاستظهار، وخصت الْعشْرَة لِأَنَّهَا أكمل الْأَعْدَاد وَأَشْرَفهَا. وَقَالَ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة: سَأَلت سعيد بن الْمسيب: مَا بَال الْعشْرَة؟ قَالَ: فِيهِ ينْفخ الرّوح، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: روى عَنْهُمَا ابْن جرير، وَمن هُنَا ذهب أَحْمد فِي رِوَايَة: إِن عدَّة أم الْوَلَد عدَّة الْحرَّة لِأَنَّهَا صَارَت فراشا كالحرائر، وروى فِيهِ حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ: لَا تلبسوا علينا سنة نَبينَا عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَذهب إِلَى هَذَا أَيْضا طَائِفَة من السّلف مِنْهُم، سعيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَبِه كَانَ يَأْمر يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَبِه يَقُول الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ طَاوُوس وَقَتَادَة: عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا نصف عدَّة الْحرَّة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح بن حيى: تَعْتَد بِثَلَاث حيض، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: عدتهن حَيْضَة، وَبِه يَقُول ابْن عمر وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَاللَّيْث وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر. قَوْله: (فَإِذا بلغن أَجلهنَّ) ، أَي: إِذا انْقَضتْ عدتهن، قَالَه الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس. قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْكُم) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَيهَا الْأَئِمَّة وَجَمَاعَة الْمُسلمين، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: أَي: أولياؤها. قَوْله: (فِيمَا فعلن) ، يَعْنِي: النِّسَاء اللَّاتِي انْقَضتْ عدتهن من التَّعَرُّض للخطاب، وَعَن الْحسن وَالزهْرِيّ وَالسُّديّ: بِالنِّكَاحِ الْحَلَال الطّيب. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: بِالْوَجْهِ الَّذِي لَا يُنكره الشَّرْع. يَعْفُونَ يَهَبْنَ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: يعفون، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٣٧) وَفَسرهُ بقوله يهبن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَنه قَول ابْن عَبَّاس وَشُرَيْح وَابْن الْمسيب وَعِكْرِمَة وَنَافِع وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَمُقَاتِل وَجَابِر بن زيد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك وَالربيع بن أنس وَالسُّديّ، قَالَ: وَخَالفهُم مُحَمَّد بن كَعْب، فَقَالَ: (إِلَّا أَن يعفون) يَعْنِي: الرِّجَال. قَالَ: وَهُوَ قَول شَاذ لم يُتَابع عَلَيْهِ انْتهى. قلت: هَذِه اللَّفْظَة مُشْتَركَة بَين جمع الرِّجَال وَجمع النِّسَاء، تَقول: الرِّجَال وَالنِّسَاء يعفون، وَالْفرق تقديري، فالواو فِي الأول ضمير الرِّجَال وَالنُّون عَلامَة الرّفْع، وَفِي الثَّانِي الْوَاو لَام الْفِعْل وَالنُّون ضمير النِّسَاء فَلهَذَا لم تعْمل فِيهَا أَن، وَلَكِن فِي مَحل النصب، فوزن جمع الْمُذكر، يعفون، وَوزن جمع الْمُؤَنَّث يفعلن، فَافْهَم. ٤٥٣٠ - ح دَّثني أُمَيَّةُ بنُ بِسْطامٍ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَّفوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا﴾ قَال قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرَى فَلَم تَكْتُبُها أوْ تَدَعُها يَا ابنَ أخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئا مِنْ مَكانِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن بسطَام بن الْمُنْتَشِر العيشي الْبَصْرِيّ وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع بِفَتْح الزَّاي، وحبِيب هوابن الشَّهِيد أَبُو مُحَمَّد

стр. 5383

الْأَزْدِيّ الْأمَوِي الْبَصْرِيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم، واسْمه زُهَيْر قَاضِي عبد الله بن الزبير والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير) ، أَي: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا﴾ وَتَمَامه (وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج) الْآيَة. قَوْله: (فَلم تَكْتُبهَا) ؟ اسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار بِمَعْنى: لم تكْتب هَذِه الْآيَة وَقد نسختها الْآيَة الْأُخْرَى؟ وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٤) والمنسوخة هِيَ قَوْله: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤٠) قَوْله: (أَو تدعها) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: فَلم تدعها أَي: تتركها مَكْتُوبَة. قَوْله: (قَالَ: يَا ابْن أخي) أَي: قَالَ عُثْمَان لِابْنِ الزبير يَا ابْن أخي، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على عَادَة الْعَرَب، أَو نظرا إِلَى أخوة الْإِيمَان، أَو لِأَن عُثْمَان من أَوْلَاد قصي وَكَذَلِكَ عبد الله بن الزبير. قَوْله: (لَا أغير شَيْئا من مَكَانَهُ) ، أَي: لَا أغير شَيْئا مِمَّا كتب من الْقُرْآن وَكَانَ عبد الله ظن أَن مَا نسخ لَا يكْتب وَلَيْسَ كَمَا ظَنّه بل لَهُ فَوَائِد الأولى: أَن الله تَعَالَى لَو أَرَادَ نسخ لَفظه لرفعه كَمَا فعل فِي آيَات عديدة، وَمن صُدُور الحافظين أَيْضا. الثَّانِيَة: أَن فِي تِلَاوَته ثَوابًا كَمَا فِي تِلَاوَة غَيره. الثَّالِثَة: إِن كَانَ تثقيلاً وَنسخ بتَخْفِيف عرف بتذكره قدر اللطف، وَإِن كَانَ تَخْفِيفًا وَنسخ بتثقيل علم أَن المُرَاد انقياد النَّفس للأصعب لِأَن يظْهر فِيهَا عِنْد ذَلِك التَّسْلِيم والانقياد، وَكَانَ الحكم فِي أول الْإِسْلَام إِنَّه إِذا مَاتَ الرجل لم يكن لامْرَأَته شَيْء من الْمِيرَاث إلَاّ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى سنة، فالآية أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة) أوجبت أَمريْن: أَحدهمَا: وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من تَرِكَة الزَّوْج سنة. وَالثَّانِي: وجوب الِاعْتِدَاد سنة لِأَن وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من مَال الْمَيِّت يُوجب الْمَنْع من التَّزْوِيج بِزَوْج آخر ثمَّ نسخ هَذَا أَن الحكمان إِمَّا وجوب الْعدة فِي السّنة فبقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة

стр. 5384

أشهر وَعشرا﴾ وَقيل: نسخ مَا زَاد فِيهِ، وَأما وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى فمنسوخ بِتَقْدِير نصِيبهَا من الْمِيرَاث، وَقيل: لَيْسَ فِيهَا نسخ، وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَان من الْحول وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَيفَ نسخت الْآيَة الْمُتَقَدّمَة الْمُتَأَخِّرَة. قلت: قد تكون الْآيَة مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة وَهِي مُتَأَخِّرَة فِي التَّنْزِيل، كَقَوْلِه : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ مَعَ قَوْله: (قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء) . ٤٥٣١ - ح دَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثنا شِبْلٌ عنِ ابنِ نَجيحٍ عنْ مُجاهِد والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا قَالَ كَانَتْ هاذِهِ العِدَّةُ تَعْتَدُ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها واجِبٌ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا وَصِيَّة لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعْلنَ فِي أنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ . قَالَ جَعَلَ الله لَهَا تَمامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شاءَت خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْها زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ. قَوْله: حَدثنِي، ويروى: حَدثنَا إِسْحَاق. قيل: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا حدث بِهِ فِي الْأَحْزَاب أَو إِسْحَاق بن مَنْصُور كَمَا حدث بِهِ فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا، وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وباللام: ابْن عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله بن أبي نجيح الْمَكِّيّ. قَوْله: (كَانَت هَذِه الْعدة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ قَوْله: (فَأنْزل الله: ﴿وَالذين يتوفون﴾ ) ، فِي الْآيَة ذكرهَا ثمَّ قَالَ: (جعل الله لَهَا) أَي: للمعتدة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الأولى (تَمام السّنة) وبحسب الْوَصِيَّة فَإِن شَاءَت قبلت الْوَصِيَّة وَتعْتَد فِي بَيت أهل الزَّوْج إِلَى التَّمام، وَإِن شَاءَت اكتفت بِالْوَاجِبِ، وَهَذَا يدل على أَن مُجَاهدًا لَا يرى نسخ هَذِه الْآيَة أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم) إِلَى آخرهَا وَعند الْأَكْثَرين هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِالْآيَةِ الَّتِي هِيَ قَوْله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ قَوْله: (وَصِيَّة) ، مَنْصُوب بِتَقْدِير: وَالَّذين يتوفون يوصون وَصِيَّة، أَو ألزم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، وَيدل عَلَيْهِ قِرَاءَة عبد الله كتب عَلَيْكُم الْوَصِيَّة لأزواجكم، وقرىء وَصِيَّة بِالرَّفْع بِتَقْدِير: وَحكم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، يَعْنِي: قبل أَن يحتضروا. قَوْله: (لأزواجهم) ، أَي: لزوجاتهم. قَوْله: (مَتَاعا) ، نصب بِتَقْدِير: يوصون مَتَاعا أَو بِتَقْدِير: متعوهن مَتَاعا وَقِرَاءَة أبي: مَتَاع لأزواجهم مَتَاعا، فعلى هَذَا نصب مَتَاعا بقوله: مَتَاع لِأَنَّهُ فِي معنى: التمتيع. قَوْله: (غير إِخْرَاج) ، حَال من الْأزْوَاج أَي: غير مخرجات، أَو بدل من: مَتَاعا. وَحَاصِل الْمَعْنى: وَحقّ الَّذين يتوفون عَن أَزوَاجهم أَن يوصوا قبل أَن يحتضروا بِأَن تتمتع أَزوَاجهم بعدهمْ حولا كَامِلا. أَي: ينْفق عَلَيْهِنَّ من تركته وَلَا يخرجهن من مساكنهن، وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخت الْمدَّة. قَوْله: ﴿أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٤) ونسحت النَّفَقَة بِالْإِرْثِ الَّذِي هُوَ الرّبع أَو الثّمن، وَهَذَا عِنْد الْجُمْهُور غير مُجَاهِد كَمَا ذكره الْآن. قَوْله: (فالعدة) ، كَمَا هِيَ وَاجِب عَلَيْهَا وَهِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر وَالْعشر. قَوْله: (زعم ذَلِك عَن مُجَاهِد) ، قَائِل هَذَا هُوَ شبْل بن عباد الرَّاوِي، وَالضَّمِير فِي: زعم، يرجع إِلَى بن أبي نجيح الرَّاوِي عَن مُجَاهِد. وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها عِنْدَ أهْلها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤) . أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: قيل: هَذَا عطف على قَوْله: عَن مُجَاهِد، وَهُوَ من رِوَايَة ابْن أبي نجيح عَن عَطاء، وَوهم من زعم أَنه مُعَلّق. قلت: ظَاهره التَّعْلِيق، إِذْ لَو كَانَ عطفا لقَالَ: وَعَن عَطاء، وَقد روى أَبُو دَاوُد قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن مَسْعُود. قَالَ: حَدثنَا شبْل عَن ابْن أبي نجيح. قَالَ: قَالَ عَطاء: قَالَ ابْن عَبَّاس إِلَى آخر مَا ذكر هُنَا. قَالَ عَطَاءٌ إنْ شَاءَتِ اعْتَدَتْ عِنْدَ أهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ﴾ . قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْمَّدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلا سَكْنَى لَهَا. هَذَا من عَطاء كالتفسير لما رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا ذكر أَبُو دَاوُد حَيْثُ قَالَ: قَالَ عَطاء: إِن شَاءَت إِلَى آخِره، بعد أَن ذكر مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس. وَعَنْ مُحَمَّد بنِ يُوسُفَ حدَّثنا وَرْقَاءُ عَنْ ابنِ أبِي نَجيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ بِهَذَا هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون هَذَا مدرجا فِي رِوَايَة إِسْحَاق الَّذِي تقدم عَن روح بن شبْل، وَاخْتَارَهُ بَعضهم حَيْثُ قَالَ: وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف مَعْطُوفًا على قَوْله أخبرنَا روح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَفِيه بعد. وَالثَّانِي: أَن يكون البُخَارِيّ علقه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء مؤنث الأورق بن عَمْرو الْخَوَارِزْمِيّ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَإِن كَانَ كَذَا فقد وَصله أَبُو نعيم سُلَيْمَان بن أَحْمد عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن الْفرْيَابِيّ. عَن وَرْقَاء، فَذكره. وَعَنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها فِي أهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ الله غَيْرَ إخْرَاجٍ نَحْوَهُ. هَذَا أَيْضا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين، وَالْأَظْهَر هُوَ الْوَجْه الثَّانِي أَنه رُوِيَ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالْحَاصِل أَن ابْن أبي نجيح روى عَن مُجَاهِد وَحده وقوفا عَلَيْهِ، وروى أَيْضا عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (نَحوه) ، أَي: نَحْو مَا رُوِيَ فِيمَا مضى عَن مُجَاهِد.

стр. 5385

٤٥٣٢ - ح دَّثنا حِبَّانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخْبرنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قَالَ جَلَسْتُ إلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحمانِ بنُ أبِي لَيْلَى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ فِي شَأنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذالِكَ فَقُلْتُ إنِّي لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بنَ عَامِرٍ أوْ مَالِكَ بنَ عَوْفٍ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفَّى عَنْها زَوْجَها وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ وَلا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) إِلَى آخِره. وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ. قَوْله: (فِيهِ عظم) بِضَم الْعين وَسُكُون الظَّاء، وَهُوَ جمع عَظِيم، وَأَرَادَ بِهِ عُظَمَاء الْأَنْصَار، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى واسْمه يسَار أَبُو عِيسَى الْكُوفِي، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى: أدْركْت عشْرين وَمِائَة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، كلهم من الْأَنْصَار. قَوْله: (فَذكرت حَدِيث عبد الله بن عتبَة) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الناء، الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ ابْن أخي عبد الله ابْن مَسْعُود، ذكره الْعقيلِيّ فِي (الصَّحَابَة) قَالَ أَبُو عمر: فغلط، وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيّ أَو من كبار التَّابِعين بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ وَالِد عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة الْفَقِيه الْمدنِي الشَّاعِر شيخ ابْن شهَاب، اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكره البُخَارِيّ فِي التَّابِعين، ولد فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، فَأتى بِهِ فمسحه بِيَدِهِ ودعا لَهُ، وَكَانَ إِذْ ذَاك غُلَاما خماسيا أَو سداسيا. قَوْله: (سبيعة بنت الْحَارِث) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر سَبْعَة الأسْلَمِيَّة. كَانَت امْرَأَة سعد بن خَوْلَة فَتوفي عَنْهَا بِمَكَّة، فَقَالَ لَهَا أَبُو السنابل بن بعكك إِن أَجلك أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَكَانَت قد وضعت بعد وَفَاة زَوجهَا بِليَال، قيل: خمس وَعشْرين لَيْلَة؟ وَقيل: أقل من ذَلِك، فَلَمَّا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل ذَلِك أَتَت النَّبِي ﷺ ، فَأَخْبَرته، فَقَالَ لَهَا: قد حللت فَانْكِحِي من شِئْت، وَبَعْضهمْ يروي: إِذا أَتَاك من ترْضينَ فتزوجي. قَوْله: (وَلَكِن عَمه) أَي عَم عبد الله بن عتبَة، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (لَا يَقُول ذَلِك) أَي: لَا يَقُول مَا قيل فِي شَأْن سبيعة الأسْلَمِيَّة، وَقد ذكرنَا الْآن مَا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل. قَوْله: (فَقلت إِنِّي لجريء) أَي: صَاحب جَرَاءَة غير متسحي. قَوْله: (على رجل فِي جَانب الْكُوفَة) أَرَادَ بِهِ عبد الله بن عتبَة وَكَانَ سكن الْكُوفَة وَمَات بهَا فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. قَوْله: (قَالَ ثمَّ خرجت) ، أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: (فَلَقِيت مَالك بن عَامر) الْهَمدَانِي، يكنى بِأبي عَطِيَّة قَالَ الْكرْمَانِي الصحابيّ باخْتلَاف، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: مَالك بن عَامر الوداعي تَابِعِيّ كُوفِي، يُقَال أدْرك الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَو مَالك بن عَوْف) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ مَالك بن عَوْف بن نَضْلَة بن جريج بن حبيب الْجُشَمِي صَاحب ابْن مَسْعُود. قَوْله: (وَهِي حَامِل) ، الْوَاو وَفِيه حَال. قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) ؟ أَي: طول الْعدة بِالْحملِ إِذا زَادَت مدَّته على مُدَّة الْأَشْهر. وَقد يَمْتَد ذَلِك حَتَّى تجَاوز تِسْعَة أشهر إِلَى أَربع سِنِين أَي: إِذا جعلتم التَّغْلِيظ عَلَيْهَا فاجعلوا لَهَا الرُّخْصَة إِذا وضعت أقل من أَرْبَعَة أشهر. قَوْله: (لنزلت) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (سُورَة النِّسَاء الْقصرى) ، وَهِي سُورَة الطَّلَاق، وفيهَا ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) . قَوْله: (بعد الطُّولى) ، لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا سُورَة النِّسَاء، وَإِنَّمَا المُرَاد السُّورَة الَّتِي هِيَ أطول جَمِيع السُّور الْقُرْآن يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة، وفيهَا: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٤) وَقَالَ الْخطابِيّ: حمل ابْن مَسْعُود على النّسخ أَي جعل مَا فِي الطَّلَاق نَاسِخا لما فِي الْبَقَرَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يجمع عَلَيْهَا العدتين فَتعْتَد أقصاهما وَذَلِكَ لِأَن أحداهما ترفع الْأُخْرَى، فَلَمَّا أمكن الْجمع بَينهمَا جمع، وَأما عَامَّة الْفُقَهَاء فَالْأَمْر عِنْدهم مَحْمُول على التَّخْصِيص لخَبر سبيعة الأسْلَمِيَّة.

стр. 5386

وَقَال أيُّوبُ عنْ مُحَمَّدٍ لَقِيتُ أبَا عَطِيَّةَ مَالِك بنَ عَامِرٍ أَي قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين إِنَّه قَالَ: لقِيت أَبَا عَطِيَّة مَالك بن عَامر، يَعْنِي: لم يشك فِيهِ. ٤٥٣٢ - ح دَّثنا حِبَّانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخْبرنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قَالَ جَلَسْتُ إلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحمانِ بنُ أبِي لَيْلَى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ فِي شَأنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذالِكَ فَقُلْتُ إنِّي لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بنَ عَامِرٍ أوْ مَالِكَ بنَ عَوْفٍ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفَّى عَنْها زَوْجَها وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ وَلا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) إِلَى آخِره. وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ. قَوْله: (فِيهِ عظم) بِضَم الْعين وَسُكُون الظَّاء، وَهُوَ جمع عَظِيم، وَأَرَادَ بِهِ عُظَمَاء الْأَنْصَار، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى واسْمه يسَار أَبُو عِيسَى الْكُوفِي، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى: أدْركْت عشْرين وَمِائَة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، كلهم من الْأَنْصَار. قَوْله: (فَذكرت حَدِيث عبد الله بن عتبَة) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الناء، الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ ابْن أخي عبد الله ابْن مَسْعُود، ذكره الْعقيلِيّ فِي (الصَّحَابَة) قَالَ أَبُو عمر: فغلط، وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيّ أَو من كبار التَّابِعين بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ وَالِد عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة الْفَقِيه الْمدنِي الشَّاعِر شيخ ابْن شهَاب، اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكره البُخَارِيّ فِي التَّابِعين، ولد فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، فَأتى بِهِ فمسحه بِيَدِهِ ودعا لَهُ، وَكَانَ إِذْ ذَاك غُلَاما خماسيا أَو سداسيا. قَوْله: (سبيعة بنت الْحَارِث) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر سَبْعَة الأسْلَمِيَّة. كَانَت امْرَأَة سعد بن خَوْلَة فَتوفي عَنْهَا بِمَكَّة، فَقَالَ لَهَا أَبُو السنابل بن بعكك إِن أَجلك أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَكَانَت قد وضعت بعد وَفَاة زَوجهَا بِليَال، قيل: خمس وَعشْرين لَيْلَة؟ وَقيل: أقل من ذَلِك، فَلَمَّا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل ذَلِك أَتَت النَّبِي ﷺ ، فَأَخْبَرته، فَقَالَ لَهَا: قد حللت فَانْكِحِي من شِئْت، وَبَعْضهمْ يروي: إِذا أَتَاك من ترْضينَ فتزوجي. قَوْله: (وَلَكِن عَمه) أَي عَم عبد الله بن عتبَة، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (لَا يَقُول ذَلِك) أَي: لَا يَقُول مَا قيل فِي شَأْن سبيعة الأسْلَمِيَّة، وَقد ذكرنَا الْآن مَا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل. قَوْله: (فَقلت إِنِّي لجريء) أَي: صَاحب جَرَاءَة غير متسحي. قَوْله: (على رجل فِي جَانب الْكُوفَة) أَرَادَ بِهِ عبد الله بن عتبَة وَكَانَ سكن الْكُوفَة وَمَات بهَا فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. قَوْله: (قَالَ ثمَّ خرجت) ، أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: (فَلَقِيت مَالك بن عَامر) الْهَمدَانِي، يكنى بِأبي عَطِيَّة قَالَ الْكرْمَانِي الصحابيّ باخْتلَاف، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: مَالك بن عَامر الوداعي تَابِعِيّ كُوفِي، يُقَال أدْرك الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَو مَالك بن عَوْف) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ مَالك بن عَوْف بن نَضْلَة بن جريج بن حبيب الْجُشَمِي صَاحب ابْن مَسْعُود. قَوْله: (وَهِي حَامِل) ، الْوَاو وَفِيه حَال. قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) ؟ أَي: طول الْعدة بِالْحملِ إِذا زَادَت مدَّته على مُدَّة الْأَشْهر. وَقد يَمْتَد ذَلِك حَتَّى تجَاوز تِسْعَة أشهر إِلَى أَربع سِنِين أَي: إِذا جعلتم التَّغْلِيظ عَلَيْهَا فاجعلوا لَهَا الرُّخْصَة إِذا وضعت أقل من أَرْبَعَة أشهر. قَوْله: (لنزلت) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (سُورَة النِّسَاء الْقصرى) ، وَهِي سُورَة الطَّلَاق، وفيهَا ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) . قَوْله: (بعد الطُّولى) ، لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا سُورَة النِّسَاء، وَإِنَّمَا المُرَاد السُّورَة الَّتِي هِيَ أطول جَمِيع السُّور الْقُرْآن يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة، وفيهَا: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٤) وَقَالَ الْخطابِيّ: حمل ابْن مَسْعُود على النّسخ أَي جعل مَا فِي الطَّلَاق نَاسِخا لما فِي الْبَقَرَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يجمع عَلَيْهَا العدتين فَتعْتَد أقصاهما وَذَلِكَ لِأَن أحداهما ترفع الْأُخْرَى، فَلَمَّا أمكن الْجمع بَينهمَا جمع، وَأما عَامَّة الْفُقَهَاء فَالْأَمْر عِنْدهم مَحْمُول على التَّخْصِيص لخَبر سبيعة الأسْلَمِيَّة. وَقَال أيُّوبُ عنْ مُحَمَّدٍ لَقِيتُ أبَا عَطِيَّةَ مَالِك بنَ عَامِرٍ أَي قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين إِنَّه قَالَ: لقِيت أَبَا عَطِيَّة مَالك بن عَامر، يَعْنِي: لم يشك فِيهِ. ٤٢ - (بابُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٨) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ أَي: الْوُسْطَى بَين الصَّلَوَات، وَالْوُسْطَى تَأْنِيث الْأَوْسَط، والأوسط الأعدل من كل شَيْء، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ التَّوَسُّط بَين الشَّيْئَيْنِ لِأَن الْوُسْطَى على وزن: فعلى، للتفضيل. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَي: الفضلى، من قَوْلهم للأفضل الْأَوْسَط، وَإِنَّمَا أفردت وعطفت على الصَّلَوَات لانفرادها بِالْفَضْلِ وَهِي صَلَاة الْعَصْر عِنْد الْأَكْثَرين وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرح كتاب الطَّحَاوِيّ) . ٤٥٣٣ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَزِيدُ أخْبَرَنا هِشامٌ عنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ عنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ النبيُّ ﷺ . وحدَّثني عبْدُ الرَّحْمانِ يَحْيَى بنُ سَعَيد قَالَ هِشامٌ حدَّثنا مُحَمَّدٌ عَنْ عَبِيدَةَ عنْ عَلِيّ ﵁ أنّ النبيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَبَسُونا عَنْ صَلاة الوُسْطَى حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ مَلأَ الله قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ أوْ أجْوَافَهُمْ شَكَّ يَحْيَى نَارا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَن صَلَاة الْوُسْطَى) وَأخرجه من طَرِيقين (الأول) : عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون الوَاسِطِيّ عَن هِشَام بن حسان الفردوسي عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عُبَيْدَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة السَّلمَانِي عَن عَليّ بن أبي طَالب. (وَالثَّانِي) : عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان، وَمضى الحَدِيث فِي غَزْوَة الخَنْدَق. قَوْله: (حبسونا) ، أَي: منعونا عَن صَلَاة الْوُسْطَى. أَي: إيقاعها فِي وَقتهَا وَإِضَافَة الصَّلَاة إِلَى الْوُسْطَى من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بِجَانِب الغربي﴾ (الْقَصَص: ٤٤) وفيهَا خلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين، فأجازها الْكُوفِيُّونَ ومنعها البصريون، وَفِي رِوَايَة مُسلم شغلونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا صَلَاة الْعَصْر، وَبِه قَالَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة، وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب أبي حنيفَة، وَقَول أَحْمد وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ مُعظم الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ قَول أَكثر عُلَمَاء الصَّحَابَة، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: هُوَ قَول جُمْهُور التَّابِعين، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَهُوَ قَول أَكثر أهل الأثروبة، قَالَ من الْمَالِكِيَّة ابْن حبيب وَابْن الْعَرَبِيّ وَابْن عَطِيَّة. وَقد جمع الْحَافِظ الدمياطي فِي ذَلِك كتابا سَمَّاهُ (كشف المغطى عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى) . وَذكر فِيهَا تِسْعَة عشرَة قولا الأول: إِنَّهَا الصُّبْح، وَهُوَ قَول أبي أُمَامَة وَأنس وَجَابِر وَأبي الْعَالِيَة وَعبيد بن عُمَيْر وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَمُجاهد، نَقله ابْن أبي حَاتِم عَنْهُم، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ، نَص عَلَيْهِ فِي (الْأُم) وَالثَّانِي: إِنَّهَا الظّهْر، وَهُوَ قَول زيد بن ثَابت وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وروى ابْن الْمُنْذر عَن أبي سعيد وَعَائِشَة أَنَّهَا الظّهْر، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة فِي رِوَايَة. وَالثَّالِث: أَنَّهَا الْعَصْر، وَمر الْكَلَام فِيهِ الْآن. وَالرَّابِع: أَنَّهَا الْمغرب. نَقله ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الصَّلَاة الْوُسْطَى هِيَ الْمغرب، وَبِه قَالَ قبيصَة بن ذُؤَيْب، لِأَنَّهَا لَا تقصر فِي السّفر، وَلِأَن قبلهَا صلاتا السِّرّ، وَبعدهَا صلاتا الْجَهْر. وَالْخَامِس: أَنَّهَا جَمِيع الصَّلَوَات أخرجه ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد حسن عَن نَافِع، قَالَ: سُئِلَ ابْن عمر، فَقَالَ: هِيَ كُلهنَّ، وَبِه قَالَ معَاذ ابْن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: أَنَّهَا الْجُمُعَة ذكره ابْن حبيب من الْمَالِكِيَّة. السَّابِع: الظّهْر فِي الْأَيَّام وَالْجُمُعَة يَوْم الْجُمُعَة. الثَّامِن: الْعشَاء نَقله بن التِّين والقرطبي لِأَنَّهَا بَين صَلَاتَيْنِ لَا تقصران وَاخْتَارَهُ الْوَاقِدِيّ. التَّاسِع: الصُّبْح وَالْعشَاء للْحَدِيث الصَّحِيح فِي أَنَّهُمَا أنقل الصَّلَاة على الْمُنَافِقين، وَبِه قَالَ الْأَبْهَرِيّ من الْمَالِكِيَّة. الْعَاشِر: الصُّبْح وَالْعصر لقُوَّة الْأَدِلَّة فِي أَن كلاًّ مِنْهُمَا قيل فِيهِ: إِنَّه الْوُسْطَى. الْحَادِي عشر: صَلَاة الْجَمَاعَة. الثَّانِي عشر) الْوتر، وصنف فِيهِ علم الدّين السخاوي جُزْءا. الثَّالِث عشر: صَلَاة الْخَوْف. الرَّابِع عشر: صَلَاة عيد الْأَضْحَى. الْخَامِس عشر: صَلَاة عيد الْفطر. السَّادِس عشر: صَلَاة الضُّحَى. السَّابِع عشر: وَاحِدَة من الْخمس غير مُعينَة، قَالَه سعيد بن جُبَير، وَشُرَيْح القَاضِي وَهُوَ اخْتِيَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ من الشَّافِعِيَّة ذكره فِي (النِّهَايَة) . الثَّامِن

стр. 5387

عشر: أَنَّهَا الصُّبْح أَو الْعَصْر على الترديد. التَّاسِع عشر: التَّوَقُّف، وَزَاد بَعضهم الْعشْرين: وَهِي صَلَاة اللَّيْل، وَلم يبين مَا ادَّعَاهُ. قَوْله: (شكّ يحيى) ، هُوَ الْقطَّان الرَّاوِي. ٥٨ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف حَدثنَا مَالك عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر ﵄ كَانَ إِذا سُئِلَ عَن صَلَاة الْخَوْف قَالَ يتَقَدَّم الإِمَام وَطَائِفَة من النَّاس فَيصَلي بهم الإِمَام رَكْعَة وَتَكون طَائِفَة مِنْهُم بَينهم وَبَين الْعَدو لم يصلوا فَإِذا صلوا الَّذين مَعَه رَكْعَة استأخروا مَكَان الَّذين لم يصلوا وَلَا يسلمُونَ ويتقدم الَّذين لم يصلوا فيصلون مَعَه رَكْعَة ثمَّ ينْصَرف الإِمَام وَقد صلى رَكْعَتَيْنِ فَيقوم كل وَاحِد من الطَّائِفَتَيْنِ فيصلون لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَة بعد أَن ينْصَرف

стр. 5388

الإِمَام فَيكون كل وَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ قد صلى رَكْعَتَيْنِ فَإِن كَانَ خوف هُوَ أَشد من ذَلِك صلوا رجَالًا قيَاما على أَقْدَامهم أَو ركبانا مستقبلي الْقبْلَة أَو غير مستقبليها قَالَ مَالك قَالَ نَافِع لَا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذَلِك إِلَّا عَن رَسُول الله ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِي بعض النّسخ ذكر هَذَا الحَدِيث بعد قَوْله " وَقَالَ ابْن جُبَير " إِلَى قَوْله مثل عمل الْمُؤمن وَلَيْسَ لذكره هُنَا وَجه أصلا وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح تعرض لذكر هَذَا والْحَدِيث قد مر فِي صَلَاة الْخَوْف بِوُجُوه مُخْتَلفَة عَن ابْن عمر وَغَيره (وَقَالَ ابْن جُبَير وسع كرسيه علمه يُقَال بسطة زِيَادَة وفضلا: أفرغ أنزل: وَلَا يؤده لَا يثقله آدني أثقلني والآد والأيد قُوَّة: السّنة النعاس: لم يتسنه لم يتَغَيَّر: فبهت ذهبت حجَّته: خاوية لَا أنيس فِيهَا: عروشها أبنيتها: السّنة نُعَاس: ننشرها نخرجها. إعصار ريح عاصف تهب من الأَرْض إِلَى السَّمَاء كعمود فِيهِ نَار. وَقَالَ ابْن عَبَّاس صَلدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء. وَقَالَ عِكْرِمَة وابل مطر شَدِيد الطل الندى وَهَذَا مثل عمل الْمُؤمن) وَقَالَ ابْن جُبَير أَي سعيد بن جُبَير فِي تَفْسِير قَوْله ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَن المُرَاد من قَوْله كرسيه علمه وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا ابْن إِدْرِيس عَن مطرف بن طريف عَن جَعْفَر ابْن أبي الْمُغيرَة عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله ﴿وسع كرسيه﴾ قَالَ علمه وَكَذَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ ابْن جرير قَالَ قوم الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ ثمَّ رَوَاهُ عَن أبي مُوسَى وَالسُّديّ وَالضَّحَّاك وَمُسلم البطين وَقَالَ شُجَاع بن مخلد فِي تَفْسِيره حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن سُفْيَان عَن عمار الذَّهَبِيّ عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ سُئِلَ النَّبِي ﷺ َ - عَن قَول الله ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ كرسيه مَوضِع قَدَمَيْهِ وَالْعرش لَا يقدر قدره إِلَّا الله تَعَالَى كَذَا أورد هَذَا الحَدِيث الْحَافِظ أَبُو بكر من طَرِيق شُجَاع بن مخلد الفلاس فَذكره قَالَ ابْن كثير وَهُوَ غلط وَقد رَوَاهُ وَكِيع فِي تَفْسِيره حَدثنَا سُفْيَان عَن عمار الذَّهَبِيّ عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَالْعرش لَا يقدر أحد قدره انْتهى (قلت) أَرَادَ بقوله غلط أَن رَفعه غلط وليت شعري مَا الْفرق بَين كَونه مَوْقُوفا وَبَين كَونه مَرْفُوعا فِي هَذَا الْموضع لِأَن هَذَا لَا يعلم من جِهَة الْوَقْف وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْكُرْسِيّ مَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا يفضل عَن مقْعد الْقَاعِد ثمَّ ذكر أَرْبَعَة أوجه يطْلبهَا الطَّالِب من موضعهَا وَكَانَ تَفْسِيره أَولا من حَيْثُ اللُّغَة قَوْله " يُقَال بسطة " أَي يُقَال فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله اصطفاه عَلَيْكُم وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم﴾ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَمر أشمويل أَو يُوشَع أَو شَمْعُون حِين طلب قومه ملكا يُقَاتلُون بِهِ فِي سَبِيل الله ﴿إِن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قَالُوا أَنى يكون لَهُ الْملك علينا وَنحن أَحَق بِالْملكِ مِنْهُ وَلم يُؤْت سَعَة من المَال﴾ لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيرا سقاء أَو دباغا فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله اصطفاه عَلَيْكُم﴾ الْآيَة و ﴿بسطة﴾ أَي زِيَادَة فِي الْعلم والجسم وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة وَعَن ابْن عَبَّاس نَحوه وَقيل نَبِي طالوت قَوْله " أفرغ أنزل " أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِيره فِي قَوْله ﴿وَلما برزوا لجالوت وَجُنُوده قَالُوا رَبنَا أفرغ علينا صبرا وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين﴾ وَفسّر ﴿أفرغ﴾ بقوله أنزل أَي أنزل علينا صبرا هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة وَلَيْسَ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَكَذَا بسطة قَوْله ﴿وَلَا يؤده﴾ لَا يثقله أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِيره فِي قَوْله ﴿وَلَا يؤده حفظهما﴾ وَفَسرهُ بقوله لَا يثقله وَهُوَ تَفْسِير ابْن عَبَّاس رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ وَقيل مَعْنَاهُ لَا يشقه قَوْله " آدني " أثقلني هُوَ ماضي يؤد أودا

стр. 5389

قَوْله " والآد والأيد قُوَّة " هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة وَيُقَال رجل أيد أَي شَدِيد قوي قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد ذَا الأيد﴾ أَي ذَا الْقُوَّة وَقَالَ أَبُو زيد آد الرجل يئيد أيدا والأيد والآد بِالْمدِّ الْقُوَّة وأصل آد يَد قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا قَوْله " السّنة النعاس " أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس وَيُقَال لَهُ الوسن أَيْضا وَالسّنة مَا يتَقَدَّم النُّور من الفتور الَّذِي يُسمى النعاس قَوْله " لم يتسنه " لم يتَغَيَّر أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله ﴿فَانْظُر إِلَى طَعَامك وشرابك لم يتسنه﴾ وَفَسرهُ بقوله لم يتَغَيَّر كَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ وَالْهَاء فِيهِ أَصْلِيَّة أَو هَاء سكت من السّنة مُشْتَقّ لِأَن لامها هَاء أَو وَاو وَقيل أَصله يتسنن من الحمأ الْمسنون فقلبت نونه حرف عِلّة كَمَا فِي تقضي الْبَازِي وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى لم يمر عَلَيْهِ السنون الَّتِي مرت يَعْنِي هُوَ بِحَالهِ كَمَا كَانَ كَأَنَّهُ لم يلبث مائَة سنة وَفِي قِرَاءَة عبد الله لم يتسن وَقَرَأَ أبي لم يسنه بإدغام التَّاء فِي السِّين قَوْله " فبهت ذهبت حجَّته " أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فبهت الَّذِي كفر وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَفسّر بهت بقوله ذهبت حجَّته أَي حجَّة نمْرُود عَلَيْهِ اللَّعْنَة وبهت على صِيغَة الْمَجْهُول وقرىء فبهت الَّذِي كفر على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي غلب إِبْرَاهِيم ﵊ الْكَافِر وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة فبهت بِفَتْح الْبَاء وَضم الْهَاء قَوْله " خاوية لَا أنيس فِيهَا " أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة وَهِي خاوية على عروشها﴾ قيل هَذَا الْمَار هُوَ عُزَيْر ﵇ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن عَليّ وَقيل هُوَ أرميا بن حليقا وَقيل الْخضر وَقيل حزقيل بن بورا والقرية هِيَ الْقُدس وَهُوَ الْمَشْهُور قَوْله " عروشها أبنيتها " وَفِي التَّفْسِير على عروشها أَي سَاقِطَة سقوفها وجدرانها على عرصاتها وَذَلِكَ حِين خربه بخت نصر وَهَذَا وَالَّذِي قبله ليسَا فِي رِوَايَة أبي ذَر قَوْله " ننشرها نخرجها " أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشرها﴾ هَكَذَا فسره السّديّ وننشرها بِضَم النُّون الأولى وَقَرَأَ الْحسن بِفَتْحِهَا من نشر الله الْمَوْتَى بِمَعْنى أنشرهم وقرىء بالزاي يَعْنِي نحركها ونرفع بَعْضهَا إِلَى بعض للتركيب قَوْله " إعصار ريح عاصف " أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَله ذُرِّيَّة ضعفاء فأصابها إعصار﴾ وَفَسرهُ بقوله ريح عاصف إِلَى آخِره وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا الزوبعة كَمَا قَالَه الزّجاج وَيُقَال الإعصار الرّيح الَّتِي تستدير فِي الأَرْض ثمَّ تسطع نَحْو السَّمَاء كالعمود وَيُقَال الإعصار ريح شَدِيدَة فِيهِ نَار وَهَذَا ثَبت عَن أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده قَوْله " وَقَالَ ابْن عَبَّاس صَلدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء " أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كَمثل صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وابل فَتَركه صَلدًا﴾ وَصله ابْن جرير من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس وَأخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن أبي زرْعَة أخبرنَا منْجَاب بن الْحَارِث أَنبأَنَا بشر عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ فَتَركه يَابسا جاسيا لَا ينْبت شَيْئا وَسقط من هُنَا إِلَى آخر الْبَاب من رِوَايَة أبي ذَر وَفِي التَّفْسِير قَالَ الضَّحَّاك وَالَّذِي يتبع صدقته منا أَو أَذَى مثله كَمثل صَفْوَان وَهُوَ الصخر الأملس عَلَيْهِ التُّرَاب فَأَصَابَهُ وابل وَهُوَ الْمَطَر الشَّديد ﴿فَتَركه صَلدًا﴾ أَي أملس يَابسا لَا شَيْء عَلَيْهِ من ذَلِك التُّرَاب بل قد ذهب كُله وَكَذَلِكَ أَعمال المرائين تذْهب وتضمحل عِنْد الله وَإِن ظهر لَهُم أَعمال فِيمَا يرى النَّاس كالتراب قَوْله " وابل مطر شَدِيد الطل الندى " أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن لم يصبهَا وابل فطل﴾ وَفسّر الوابل بالمطر الشَّديد والطل بالندى وَوَصله عبد بن حميد عَن روح بن عبَادَة عَن عُثْمَان بن غياث سَمِعت عِكْرِمَة بِهَذَا وَفِي التَّفْسِير فَإِن لم يصبهَا وابل فمطر ضَعِيف الْقطر قَوْله " وَهَذَا مثل عمل الْمُؤمن " أَي هَذَا الَّذِي ذكره عِكْرِمَة مثل عمل الْمُؤمن يزْدَاد عِنْد الله إِذا كَانَ بالإخلاص وَيذْهب إِذا كَانَ بالرياء وَإِن ظهر لَهُ فِيمَا يرى النَّاس - ٤٣ - (بابُ: ﴿وَقُومُوا لله قَانِتِين﴾ أيْ مُطِيعين (الْبَقَرَة: ٢٣٨) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٨) فسر قَوْله: قَانِتِينَ، بقوله: مُطِيعِينَ، وَبِه فسر ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة من التَّابِعين، ذكره ابْن أبي حَاتِم. وَعَن ابْن عَبَّاس: قَانِتِينَ، أَي: مُطِيعِينَ، وَقيل: عابدين، وَقيل: ذاكرين، وَقيل: داعين فِي حَال الْقيام، وَقيل: صامتين، وَقيل: مقرين بالعبودية، وَقيل: طائعين. وَعَن مُجَاهِد: من الْقُنُوت الرُّكُوع والخشوع وَطول الْقيام وغض الْبَصَر وخفض الْجنَاح والرهبة لله تَعَالَى. ٤٥٣٤ - ح دَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ بن أبِي خالِدٍ عنِ الحَارِثِ بنِ شُبَيْلٍ عنْ أبِي عَمْروٍ الشَّيْبَانِيِّ عَن زَيْدِ بنِ أرْقَمَ قَالَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ يُكَلِّمُ أحَدُنا أخاهُ فِي حاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لله قَانِتِينَ فامِرْنا بالسُّكُوتِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة: وَيحيى هُوَ الْقطَّان، والْحَارث بن شبيل، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف مصغر شبْل ولد الْأسد. وَأَبُو عَمْرو وَسعد بن إِيَاس: بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: الشَّيْبَانِيّ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة: المخضرمي، عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة. والْحَدِيث مر فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب مَا ينْهَى عَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن عِيسَى بن يُونُس عَن إِسْمَاعِيل عَن الْحَارِث إِلَى آخِره نَحوه. قَوْله: فَأمرنَا على صِيغَة الْمَجْهُول. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٤٤ - (بابُ قَوْلِهِ : ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أوْ رُكْبَانا فَإذَا أمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا الله كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٩) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله : ﴿فَإِن خِفْتُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٩) الْآيَة. أَي: فَإِن كَانَ بكم خوف من عَدو أَو غَيره. قَوْله: (فرجالاً) أَي: فصلوا راجلين وَهُوَ جمع راجل كقائم وَقيام. وقرىء: فرجالاً بِضَم الرَّاء، ورجالاً بِالتَّشْدِيدِ، ورجلاً. قَوْله: (أَو ركبانا) . أَي: أَو فصلوا ركبانا جمع رَاكب. قَوْله: (فَإِذا أمنتم) يَعْنِي: فَإِذا زَالَ خوفكم (فاذكروا الله كَمَا علمكُم) من صَلَاة الْأَمْن. قَوْله: (مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ) أَي: الَّذِي لَسْتُم بِهِ عَالمين فعلمكم وهداكم للْإيمَان فَقَاتلُوا بِذكر الله وشكره. رِجالاً: قيَاما. رَاجِلٌ قائِمٌ فسر قَوْله: (فرجالاً) ، بقوله قيَاما: وَلم يتَعَرَّض لمفرده، وَقد ذكرنَا أَن الرِّجَال جمع راجل. كالقيام جمع قَائِم. ٤٥ - (بابٌ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَّفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤٠) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون﴾ أَي: يتركون (أَزْوَاجًا) ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غير أبي ذَر التَّرْجَمَة، وَحَدِيث هَذَا الْبَاب قد مر قبل ثَلَاثَة أَبْوَاب، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر بِلَا تَرْجَمَة عِنْد الْبَاب المترجم بِهَذِهِ الْآيَة. ٤٥٣٦ - ح دَّثني عَبْدُ الله بنُ الأسْوَدِ حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ الأسْوَدِ وَيَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالا حدَّثنا حَبِيبُ بنُ الشَّهِيدِ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ

стр. 5390

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤٠) إلَى قوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ قَدْ نَسَختْها الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُها قَالَ ادَعُها يَا ابْنَ أخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ قَالَ حُمَيْد أوْ نَحْوَ هَذا. هَذَا الحَدِيث قد مر بترجمته، وَهنا رَوَاهُ بطرِيق آخر عَن عبد الله بن أبي الْأسود عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأسود، وَأَبُو الْأسود اسْمه حميد بن الْأسود ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْبَصْرِيّ الْحَافِظ، وَعبد الله هَذَا يروي عَن جده حميد بن الْأسود ويروي عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَكِلَاهُمَا يرويان عَن حبيب بن الشَّهِيد المكني بِأبي الشَّهِيد المكنى، وَيُقَال: بِأبي مَرْزُوق الْأَزْدِيّ الْأمَوِي الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، وَقد تكَرر ذكره. قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير) هُوَ: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (لعُثْمَان) ، هُوَ: ابْن عَفَّان. قَوْله: (الْأُخْرَى) أَي: الْآيَة الْأُخْرَى وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفسِهِم أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ قَوْله: (فَلم) . بِكَسْر اللَّام وَفتح الْمِيم، وَأَصله، فَلَمَّا اسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (قَالَ) أَي: عُثْمَان. (أدعها) أَي: اتركها مثبتة فِي الْمُصحف (لَا أغير شَيْئا مِنْهُ) أَي: مِمَّا فِي الْمُصحف، فالقرينة تدل عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ حميد) أَي: حميد بن الْأسود الرَّاوِي عَنهُ ابْن ابْنه عبد الله شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (أَو نَحْو هَذَا) ، أَي: أَو نَحْو هَذَا الْمَذْكُور من الْمَتْن، أَرَادَ أَنه تردد فِيهِ. وَأما يزِيد بن زُرَيْع فَجزم بالمذكور. ٤٦ - (بَاب: ﴿وَإذْ قَالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرَنِي كَيْفَ تُحْيي المَوْتَى﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦٠) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قَالَ إِبْرَاهِيم﴾ ، أَي: أذكر يَا مُحَمَّد حِين قَالَ إِبْرَاهِيم: (رب) يَعْنِي: يَا رب (أَرِنِي) يَعْنِي: أبصرني، أَرَادَ بِهَذَا السُّؤَال أَن يضم علم الضَّرُورِيّ إِلَى علم الاستدلالي لِأَن تظاهر الْأَدِلَّة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة وَالْيَقِين، وَلِأَنَّهُ لما قَالَ لنمرود: ﴿رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت﴾ (الْبَقَرَة: ٢٥٨) أحب أَن يترقى من علم الْيَقِين إِلَى عين الْيَقِين. وَأَن يرى ذَلِك مُشَاهدَة. فَقَالَ: (رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى) . فِصِرْهُنَّ قَطِّعْهُنَّ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخذ أَرْبَعَة من الطير فصرهن﴾ وَفَسرهُ بقوله: (قطعهن) قَالَه ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو مَالك وَأَبُو الْأسود الدؤَلِي ووهب بن مُنَبّه وَالْحسن وَالسُّديّ. وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: فصرهن إِلَيْك أوثقهن. فَلَمَّا أوثقهن ذبحهن، وَقيل: مَعْنَاهُ أملهن واضممهن إِلَيْك، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس فصرهن إِلَيْك، بِضَم الصَّاد وَكسرهَا وَتَشْديد الرَّاء من صره يصره إِذا جمعه، وَعنهُ: فصرهن من التصرية، وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة من صاره يصوره صورا، أَو صاره يصيره صيرا بِمَعْنى: أماله. ٤٥٣٧ - ح دَّثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ حدَّثنا ابنُ وَهَب أخبرَنِي يُونُسُ عَن ابنِ شِهاب عنْ أبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَكِّ مِنْ إبْرَاهِيم إذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأحمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ يروي عَن يُونُس ابْن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسَعِيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَوْله : ﴿ونبئهم عَن ضيف إِبْرَاهِيم﴾ (الْحجر: ٥١) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور هُنَا عَن أَحْمد بن صَالح إِلَى آخِره. وَفِي آخِره: وَيرْحَم الله لوطا إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي هُنَا: كَيفَ جَازَ الشَّك على إِبْرَاهِيم، ﵇؟ فَأجَاب بِأَن مَعْنَاهُ: لَا شكّ عندنَا فبالطريق الأولى أَن لَا يكون الشَّك عِنْده، أَو كَانَ الشَّك فِي كَيْفيَّة الْإِحْيَاء لَا فِي نفس الْإِحْيَاء انْتهى. قلت: التَّحْقِيق هُنَا أَن الرَّسُول ﷺ مَا شهد لَهُ بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا مدحه لِأَن مَعْنَاهُ. نَحن أَحَق بِالشَّكِّ مِنْهُ. وَالْحَال أَنا مَا شككنا فَكيف يشك هُوَ؟ وَإِنَّمَا شكّ فِي أَنه هَل يجِيبه إِلَى سُؤَاله أم لَا؟ وَبِهَذَا يُمكن

стр. 5391

أَن يُجَاب عَمَّا سَأَلَهُ الْكرْمَانِي، لم كَانَ رَسُول الله ﷺ أَحَق وَهُوَ أفضل؟ بل هُوَ أَحَق بِعَدَمِ الشَّك؟ وَجَوَابه: أَنه قَالَ ذَلِك: تواضعا وهضما لنَفسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن نَظِير. ٤٧ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦٦) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله: (أيود أحدكُم) . الْآيَة، هَذَا الْمِقْدَار من الْآيَة وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة. قَوْله: (أيود) الْهمزَة فِيهِ للإنكار. قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: وَقيل: هُوَ مُتَّصِل بقوله: (وَلَا تُبْطِلُوا) ، وَهَذِه الْآيَة مثل لعمل من أحسن الْعَمَل أَو لَا ثمَّ بعد ذَلِك انعكس سيره فبدل الْحَسَنَات بالسيئات فَأبْطل بِعَمَلِهِ الثَّانِي مَا أسلفه فِيمَا تقدم من الصَّالح، وَاحْتَاجَ إِلَى شَيْء من الأول فِي أضيق الْأَحْوَال فَلم يحصل مِنْهُ شَيْء وخانه أحْوج مَا كَانَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ: (وأصابه الْكبر) الْآيَة. قَوْله: (جنَّة) ، أَي: بُسْتَان. قَوْله: (من نخيل) ، وَهُوَ إِمَّا جمع نَادرا أَو اسْم جنس، وَإِنَّمَا خص هذَيْن بِالذكر لِأَنَّهُمَا من أكْرم الشّجر وَأكْثر الْمَنَافِع. قَوْله: (لَهُ فِيهَا من كل الثمرات) ، أَي: لأحدكم فِي الْجنَّة من كل الثمرات، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا بعد ذكر النخيل وَالْأَعْنَاب تَغْلِيبًا لَهما على غَيرهمَا، ثمَّ أدرفهما بِذكر الثمرات. قيل: يجوز أَن يُرِيد بالثمرات الْمَنَافِع الَّتِي كَانَت تحصل لَهُ فِيهَا. قَوْله: (وأصابه الْكبر) ، أَي: وَالْحَال أَنه أَصَابَهُ الْكبر. وَقيل: عطف ماضٍ على مُسْتَقْبل قَالَ الْفراء: هُوَ جَائِز لِأَنَّهُ يَقع مَعهَا لَو تَقول: وددت لَو ذهبت عَنَّا. وودت أَن يذهب عَنَّا. قَوْله: (وَله ذُرِّيَّة ضعفاء) ، وقرىء: ضِعَاف. قَوْله: (فأصابها) ، أَي الْجنَّة الْمَذْكُورَة. قَوْله: (إعصار) ، وَهِي الرّيح الشَّدِيدَة، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَيجمع على أعاصير. قَوْله: (فِيهِ نَار) أَي: فِي الإعصار نَار من السمُوم الحارة القتالة. قَوْله: (وَكَذَلِكَ) أَي: كَمَا بَين الأقاصيص والأمثال (يبين الله لكم الْآيَات) أَي: العلامات (لَعَلَّكُمْ تتفكرون) أَي: تعتبرون وتفهمون الْأَمْثَال والمعاني وتنزلونها على المُرَاد مِنْهَا. ٤٥٣٨ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ أخبرنَا هِشَامُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَسَمِعْتُ أخاهُ أَبَا بَكْرٍ بنَ أبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ ﵁ يَوْمَا لأصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ فِيمَ تُرَوْنَ هاذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ أيَوَدُّ أحَدُكُمْ أنْ تَكُونَ لهُ جَنَّةٌ قَالُوا الله أعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لَا نَعْلَمُ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أمِيرَ المُؤْمِنينَ قَال عُمَرُ يَا ابنَ أخِي قُلْ وَلا تَحْقِرْ نَفْسَكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ضُرِبَتْ مَثلاً لِعَمَلٍ قَالَ عُمَرُ أيُّ عَمَلٍ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لِعَمَلٍ قَالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ الله ثُمَّ بعَثَ الله لهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالمَعَاصِي حَتَّى أغْرَقَ أعْمَالهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن مُوسَى الْفراء، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك ابْن جريج. وَأَبُو بكر بن أبي مليكَة لَا يعرف اسْمه. . قَالَه بَعضهم: وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأَخُوهُ عبد الله أَيْضا يكنى بِأبي بكر تَارَة وَتارَة بِأبي مُحَمَّد، وَعبيد بن عُمَيْر كِلَاهُمَا مصغران أَبُو عَاصِم اللَّيْثِيّ الْمَكِّيّ ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وسماعه من عمر صَحِيح قَوْله: (وَسمعت أَخَاهُ) هُوَ مقول ابْن جريج والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: فيمَ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي فِي أَي شَيْء قَوْله: (ترَوْنَ) بِضَم أَوله. قَوْله: (شَيْء) أَي: من الْعلم بِهِ. قَوْله: (مثلا) بِفتْحَتَيْنِ قَالَ أهل البلاغة: التَّشْبِيه التمثيلي مَتى فشى اسْتِعْمَاله على سَبِيل الِاسْتِعَارَة يُسمى مثلا قَوْله: غَنِي اسْم فِي مُقَابل الْفَقِير ويروى عني. من الْعِنَايَة على لفظ الْمَجْهُول. قَوْله: (أغرق) بالغين الْمُعْجَمَة. أَي: أضاع أَعماله الصَّالِحَة بِمَا ارْتكب من الْمعاصِي. قيل: فِيهِ دَلِيل للمعتزلة فِي مَسْأَلَة إحباط الطَّاعَة بالمعصية، ورد بِأَن الْكفْر محبط للأعمال والأغراق. لَا يسْتَلْزم الإحباط. ٤٨ - (بابٌ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحافا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٣) .

стр. 5392

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا﴾ وَله ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا وَمَا تنفقوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم﴾ هَذِه الْآيَة نزلت فِي أَصْحَاب الصّفة وَهِي سَقِيفَة كَانَت فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ . وَكَانُوا أَرْبَعمِائَة رجل من مُهَاجِرِي قُرَيْش لم يكن لَهُم مسَاكِن فِي الْمَدِينَة وَلَا عشائر، يتعلمون الْقُرْآن بِاللَّيْلِ يرضخون النَّوَى بِالنَّهَارِ، وَكَانُوا يخرجُون فِي كل سَرِيَّة بعثها رَسُول الله ﷺ ، فَمن كَانَ بِهِ فضل أَتَى بِهِ إِلَيْهِم إِذا أَمْسَى. قَوْله: (للْفُقَرَاء) أَي: اجعلوا مَا تنفقون (للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله) أَي: الْجِهَاد (لَا يَسْتَطِيعُونَ) لاشتغالهم بِهِ (ضربا فِي الأَرْض) يَعْنِي سفرا للتسبب فِي المعاش. قَوْله: (يسبهم الْجَاهِل) أَي: الْجَاهِل بحالهم (أَغْنِيَاء من التعفف) أَي: من أجل تعففهم عَن الْمَسْأَلَة. قَوْله: (تعرفهم) الْخطاب للنَّبِي ﷺ ، وَقيل: لكل رَاغِب فِي معرفَة حَالهم قَوْله: (بِسِيمَاهُمْ) أَي: بِمَا يظْهر لِذَوي الْأَلْبَاب من صفاتهم. صفرَة الْوَجْه ورثاثة الْحَال. قَوْله: (لَا يسْأَلُون النَّاس) أَي: من صفاتهم أَن لَا يسْأَلُون النَّاس (إلحافا) أَي: إلحاحا وَهُوَ اللُّزُوم، وَأَن لَا يُفَارق إلَاّ بِشَيْء يعطاه، وانتصابه على أَنه صفة مصدر مَحْذُوف أَي: سؤالاً لحاحا بِمَعْنى: ملحا وَقَالَ بَعضهم: وانتصاب: الحافا، على أَنه مصدر فِي مَوضِع الْحَال أَي: لَا يسْأَلُون فِي حَال الإلحاف، أَو: مفعول لأَجله أَي: لَا يسْأَلُون لأجل الإلحاف انْتهى. (قلت) : لَيْسَ فِيمَا قَالَه صَوَاب إلاّ قَوْله: على أَنه مصدر، فَقَط يفهمهُ من لَهُ ذوق من التَّصَرُّف فِي الْكَلَام. (فَإِن قلت) هَذِه الصّفة تَقْتَضِي السُّؤَال بالتلطف دون الإلحاح. وَقَوله: (يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف) يَقْتَضِي نفي السُّؤَال مُطلقًا. (قلت) : الْجَواب المرضي أَن يُقَال: لَو فرض السُّؤَال مِنْهُم لَكَانَ على وَجه التلطف فَلَا يَقْتَضِي وجوده لِأَن الْمحَال يفْرض كثيرا وَلَا يلْزم من فَرْضه وجوده. يُقَالُ الْحَفَ عَلَيَّ وَأَلَحَّ عَلَيَّ وَأَحْفَانِي بِالْمَسْأَلَةِ فَيُحْفِكُمْ يُجْهِدْكُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن قَوْله الحف عليّ وألح عَليّ وأحفاني بِالْمَسْأَلَة بِمَعْنى وَاحِد، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، والإلحاف من قَوْلهم: ألحفني من فضل لِحَافه. أَي: غطاني من فضل مَا عِنْده، وَقيل: اشتقاقه من اللحاف لاشْتِمَاله على وجود الطّلب فِي الْمَسْأَلَة كاشتمال اللحاف فِي الغطية. قَوْله: (وأحفاني) ، من قَوْلهم: أحفى فلَان بِصَاحِبِهِ وحفى بِهِ وحفي لَهُ إِذا بَالغ فِي السُّؤَال. قَوْله: (فيحفكم) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يسألكم أَمْوَالكُم إِن يسألوكموها فيحفكم تبخلوا﴾ (مُحَمَّد: ٣٧) وَفسّر قَوْله فيحفكم بقوله: يجهدكم يَعْنِي: يجهدكم فِي السُّؤَال بالإلحاح. ٤٥٣٩ - ح دَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَم حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثني شَرِيك بنُ أبِي نِمَرٍ أنَّ عَطَاءَ ابنَ يسارٍ وَعَبْدَ الرَّحْمانِ بن أبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالا سَمِعْنَا أبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرْدُّهُ الثَمْرَةُ وَالثَّمْرَتَانِ وَلا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتانِ إنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَفُ وَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إلُحَافا﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير أَخُو إِسْمَاعِيل، وَشريك بن أبي نمرّ بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور مر فِي الْعلم، وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين. والْحَدِيث مر فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا﴾ عَن أبي هُرَيْرَة من وَجْهَيْن (الأول) : عَن حجاج بن منهال عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة (وَالثَّانِي) : عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يتعفف) ، أَي: يحْتَرز عَن السُّؤَال ويحسب الْجَاهِل غَنِيا. قَوْله: (واقرؤوا إِن شِئْتُم) ، يَعْنِي: قَوْله: (لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا) قَائِل قَوْله: يَعْنِي، هُوَ سعيد بن أبي مَرْيَم شيخ البُخَارِيّ، وَذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته فَإِنَّهُ أخرجه عَن الْحسن بن سُفْيَان عَن حميد بن زَنْجوَيْه عَن سعيد بن أبي مَرْيَم بِسَنَدِهِ، وَقَالَ فِي آخِره: (قلت) : لسَعِيد بن أبي مَرْيَم

стр. 5393

مَا يقْرَأ؟ يَعْنِي فِي قَوْله: (واقرؤوا إِن شِئْتُم) ؟ قَالَ: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٣) الْآيَة. ٤٩ - (بابٌ: ﴿وَأحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ وأوله: ﴿وَالَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ﴾ إِلَى آخر الْآيَة، وَلما ذكر الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة الْأَبْرَار المؤدين النَّفَقَات المخرجين الزكوات، شرع فِي ذكر أَكلَة الرِّبَا وأموال النَّاس بِالْبَاطِلِ وأنواع الشُّبُهَات ووصفهم بِمَا وَصفهم فِي الْآيَة الْكَرِيمَة. وَلما قَالُوا: (إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا) أنكر الله عَلَيْهِم تسويتهم بَين البيع والربا فَقَالَ: ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن الْقيَاس يهدمه النَّص لِأَنَّهُ جعل الدَّلِيل على بطلَان قياسهما إحلال الله وتحريمه. المَسُّ الجُنونُ فسر الْمس الْمَذْكُور فِي الْآيَة وَهُوَ قَوْله: ﴿ويتخطبه الشَّيْطَان من الْمس﴾ بالجنون. وَهَكَذَا فسره الْفراء وَمُجاهد وَالضَّحَّاك وَابْن أبي نجيح وَابْن زيد. ٤٥٤٠ - ح دَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غَياثٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَمَا نَزَلَتِ الآياتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبا قَرَأها رسُولُ الله ﷺ عَلَى النَّاس ثُمَّ حَرَّم التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى الْكُوفِي. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب البيع فِي: بَاب أكل الرِّبَا، فَإِنَّهُ أخرجه عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة. قَوْله: (قَرَأَهَا) أَي الْآيَات. ٥٠ - (بابٌ: ﴿يَمْحَقُ الله الرِّبا﴾ يُذْهِبُهُ (الْبَقَرَة: ٢٧٦) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله: ﴿يمحق الله الرِّبَا﴾ وَفسّر يمحق بقوله يذهبه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يذهب ببركته وَيهْلك المَال الَّذِي يدْخل فِيهِ، وَعَن ابْن مَسْعُود: الرِّبَا وَإِن كثر إلاّ وَقل. قلت: هَذَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَأحمد وَصَححهُ الْحَاكِم مَرْفُوعا. ٤٥٤١ - ح دَّثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ أخْبَرنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ أنَّها قَالَتْ لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ الأوَاخِرُ مِنْ سِورَةِ البَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ الله فَتَلاهُنَّ فِي المَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ. هَذَا الحَدِيث هُوَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق من وَجه آخر، وَفِيه بعض زِيَادَة كَمَا نرى أخرجه عَن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن خَالِد أبي مُحَمَّد العسكري الْفَرَائِضِي عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر غنْدر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح إِلَى آخِره، وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر فِي الْمَسْجِد، أخرجه عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة إِلَى آخِره. ٥١ - (بابٌ: ﴿فَأُذِنُوا بِحَرْبٍ﴾ فَاعْلَمُو (الْبَقَرَة: ٢٧٩) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فاذنوا﴾ وأوله: (فَإِن لم تَفعلُوا فاذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله) وَله: فاذنوا أَي: فاعلموا بهَا. من آذن بالشَّيْء إِذا أعلم بِهِ. وقرىء فآذنوا بِالْمدِّ أَي: فاعملوا بهَا غَيْركُمْ. وَهُوَ من الْإِذْن، بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الِاسْتِمَاع لِأَنَّهُ من طَرِيق الْعلم، وَقَرَأَ الْحسن. ﵀: فَأَيْقنُوا. قَالَ ابْن عَبَّاس: فاستيقنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله. وَعَن سعيد بن جُبَير: يُقَال يَوْم الْقِيَامَة لآكل الرِّبَا: خُذ سِلَاحك للحرب، وَهَذَا تهديد شَدِيد ووعيد أكيد، وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا قَالَا إِن هَؤُلَاءِ الصيارفة قد أكلُوا الرِّبَا وَأَنَّهُمْ أذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله، وَلَو كَانَ على النَّاس إِمَام عَادل لاستتابهم، فَإِن تَابُوا وَإِلَّا وضع فيهم السِّلَاح.

стр. 5394

٥٢ - (بابٌ: ﴿وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظْرَةٌ إلَى مَيْسَرةٍ﴾ الآيَةِ (الْبَقَرَة: ٢٨٠) هَذَا الْمِقْدَار وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره، سَاق الْآيَة كلهَا أَي: وَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ دين الرِّبَا مُعسرا فنظرة أَي: فَالْحكم أَو الْأَمر نظرة. أَي: انْتِظَار إِلَى ميسرَة. أَي: يسَار، وَذكر الواحدي أَن بني عَمْرو قَالُوا لبني الْمُغيرَة: هاتوا رُؤُوس أَمْوَالنَا فَقَالَت بَنو الْمُغيرَة: نَحن الْيَوْم أهل عسرة. فأخرونا إِلَى أَن تدْرك الثَّمَرَة فَأَبَوا أَن يؤخروا. فَنزلت وَزعم ابْن عَبَّاس وَشُرَيْح. أَن الأنظار فِي دين الرِّبَا خَاصَّة وَاجِب، وَيُقَال: هَذِه الْآيَة ناسخة لما كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من بيع من أعْسر فِيمَا عَلَيْهِ من الدُّيُون، وَإِن كَانَ حرا، وَقد قيل: إِنَّه كَانَ يُبَاع فِيهِ فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ، وَذهب اللَّيْث بن سعد إِلَى أَنه يُؤجر وَيقْضى دينه من أجرته وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَرِوَايَة عَن أَحْمد، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا وَجه لدُخُول هَذِه الْآيَة فِي هَذَا الْبَاب، وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْآيَة مُتَعَلقَة بآيَات الرِّبَا فَلذَلِك ذكرهَا مَعهَا. وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَي: وَأَن تتصدقوا برؤوس أَمْوَالكُم على من أعْسر غرمائكم خير لكم لَا كَمَا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة. يَقُول أحدهم لمدينة إِذا دخل عَلَيْهِ الدّين: إِمَّا أَن تَقْتَضِي وَإِمَّا أَن تربي. ٤٥٤٣ - وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ سُفْيَانَ عنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ مُعَلّق قَوْله: قَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف هَكَذَا رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره قَالَ لنا مُحَمَّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ هُوَ الثَّوْريّ، والبقية ذكرُوا عَن قريب. ٥٣ - (بابٌ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْما تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨١) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: (وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله) قرىء: ترجعون، على الْبناء للْفَاعِل وَالْمَفْعُول وقرىء: يرجعُونَ بِالْيَاءِ على طَريقَة الِالْتِفَات، وَقَرَأَ عبد الله تردون وَقَرَأَ أبي تصيرون، وَالْجُمْهُور على أَن المُرَاد من الْيَوْم المحذر مِنْهُ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ بَعضهم يَوْم الْمَوْت. ٤٥٤٤ - ح دَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَاصِم عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبا. قيل: لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث على مَا لَا يخفى، وَأجِيب بِأَنَّهُ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا من وَجه آخر: أَن آخر آيَة نزلت على النَّبِي ﷺ : ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ أخرجه الطَّبَرِيّ من طرق عَنهُ، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَن يجمع بَين قولي ابْن عَبَّاس. قلت: يَعْنِي بِالْإِشَارَةِ فَافْهَم. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. قَوْله عَن ابْن عَبَّاس، كَذَا قَالَ عَاصِم عَن الشّعبِيّ، وَخَالفهُ دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ. قَالَ: عَن عمر أخرجه الطَّبَرِيّ بِلَفْظ كَانَ من آخر مَا نزل من الْقُرْآن آيَات الرِّبَا، وَهُوَ مُنْقَطع لِأَن الشّعبِيّ لم يلق عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (آخر آيَة نزلت على النبيِّ ﷺ آيَة الرِّبَا) وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) عَن الضَّحَّاك آخر آيَة نزلت ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ فِي رِوَايَة أبي صَالح عَنهُ: نزلت بِمَكَّة وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ ، بعْدهَا بِأحد وَثَمَانِينَ يَوْمًا وَقيل: نزلت يَوْم النَّحْر بمنى فِي حجَّة الْوَدَاع، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) من حَدِيث ابْن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير. قَالَ: عَاشَ رَسُول الله ﷺ بعد نزُول هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة تسع لَيَال، وَعند مقَاتل: سبع لَيَال، وَهِي آخر آيَة نزلت، وَعند الْقُرْطُبِيّ: ثَلَاث

стр. 5395

لَيَال، وَقيل: ثَلَاث سَاعَات، وَقَالَ ﷺ : اجْعَلُوهَا بَين آيَة الرِّبَا وَآيَة الدّين، وَقيل: أَنه ﷺ ، عَاشَ بعْدهَا أحد وَعشْرين يَوْمًا. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين قولي ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْمَذْكُورين؟ قلت: طَرِيق الْجمع بَينهمَا أَن هَذِه الْآيَة هِيَ ختام الْآيَات الْمنزلَة فِي الرِّبَا لِأَنَّهَا معطوفة عَلَيْهَا فَتدخل فِي حكمهَا. فَإِن قلت: روى عَن البراءان آخر آيَة نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ (النِّسَاء: ١٧٦) على مَا سَيَأْتِي فِي آخر سُورَة النِّسَاء، فَمَا الْجمع بَينهمَا؟ قلت: قيل بِأَن الْآيَتَيْنِ نزلتا جَمِيعًا فَيصدق أَن كلاًّ مِنْهُمَا آخر بِالنِّسْبَةِ لما عداهما. وَفِيه تَأمل. قلت: إِن الآخرية أَمر نسبي كالأولية فَلَا يخفى صدق الآخرية على شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبله. وَكَذَا يُجَاب عَمَّا قَالَ أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، آخر آيَة نزلت ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ (التَّوْبَة: ١٢٨) . ٥٤ - (بابٌ: ﴿وَإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٤) ٢. أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي إنفسكم﴾ إِلَى آخِره هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة سبقت إِلَى آخرهَا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (أَو تُخْفُوهُ) فِي (تَفْسِير ابْن الْمُنْذر) عَن ابْن عَبَّاس ومولاه نزلت هَذِه الْآيَة فِي كتمان الشَّهَادَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم وروى عَن الشّعبِيّ ومقسم مثله وَفِي (صَحِيح مُسلم) عَن أبي هُرَيْرَة: لما نزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة قَالَت الصحابية يَا رَسُول الله، كافنا من الْأَعْمَال مَا نطيق الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْجهَاد وَالصَّدَََقَة. وَقد أنزلت هَذِه الْآيَة لانطيقها. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا أتريدون أَن تَقولُوا كَمَا قَالَ أهل الْكتاب من قبلكُمْ سمعنَا وعصينا؟ بل قُولُوا: ﴿سمعنَا وأطعنا غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٥) فَلَمَّا أقرأها الْقَوْم زلت ألسنتهم فَأنْزل الله : ﴿آمن الرَّسُول﴾ إِلَى ﴿وَإِلَيْك الْمصير﴾ فَلَمَّا فعلوا ذَلِك نسخهَا الله تَعَالَى فَأنْزل ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٦) إِلَى قَوْله: ﴿أَخْطَأنَا﴾ وَعند الواحدي الصَّحَابَة الَّذين قَالُوا ذَلِك أَبُو بكر وَعمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ومعاذ بن جبل وناس من الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقَالُوا: مَا نزلت آيَة أَشد علينا من هَذِه الْآيَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَكَذَا أنزلت. فَقولُوا: سمعنَا وأطعنا. فَمَكَثُوا بذلك حولا فَأنْزل الله عزل وَجل الْفرج والراحة بقوله: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ فنسخت هَذِه الْآيَة مَا قبلهَا. وَقَالَ ﷺ : إِن الله تجَاوز لأمتي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يعملوا أَو يتكلموا بِهِ، وَعند النّحاس، قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ. قيل: وَمن زعم أَن من الْأَخْبَار نَاسِخا هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ قيل: وَمن زعم أَن من الأبخار نَاسِخا ومنسوخا فقد ألحد وأجهل. وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ خَبرا لكنه يتَضَمَّن حكما وَمهما كَانَ من الْأَخْبَار مَا يتَضَمَّن حكما أمكن دُخُول النّسخ فِيهِ كَسَائِر الْأَحْكَام وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يدْخلهُ النّسخ من الْأَخْبَار وَمَا كَانَ خَبرا مَحْضا لَا يتَضَمَّن حكما كالأخبار عَمَّا مضى من أَحَادِيث الْأُمَم وَنَحْو ذَلِك: وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالنسخ فِي الحَدِيث التَّخْصِيص، فَإِن الْمُتَقَدِّمين يطلقون لفظ النّسخ عَلَيْهِ كثيرا وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَلَكِن إِذا جمع الله الْخَلَائق يَقُول إِنِّي أخْبركُم مَا أخفيتم فِي أَنفسكُم مِمَّا لم يطلع عَلَيْهِ ملائكتي، فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فيخبرهم ثمَّ يغْفر لَهُم، وَأما أهل الريب فيخبرهم بِمَا أخفوا من التَّكْذِيب فَذَلِك قَوْله: ﴿يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ . ٤٥٤٥ - ح دَّثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا النُّفَيْلِيُّ حدَّثنا مِسْكِينٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ وَهُوَ ابنُ عُمَرَ أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ ﴿وإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ الآيَةَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ الَّذِي ذكره مُجَردا هُوَ ابْن يحيى الذهلي قَالَ الكلاباذي وَقَالَ الْحَاكِم هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي وَقيل كَلَام أبي نعيم يقتضى أَنه مُحَمَّد بن إِدْرِيس أبي حَاتِم الرَّازِيّ فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيقه ثمَّ قَالَ أخرجه البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد عَن النُّفَيْلِي وَقَالَهُ الجياني كَذَا هُوَ فِي أَكثر النّسخ يَعْنِي حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا النُّفَيْلِي وَسقط من كتاب ابْن السكن -.
следующие страницы →