← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

لم تثبت الْبَسْمَلَة وَلَفظ سُورَة إلَاّ لأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر أَيْضا: كَذَا سُورَة الْمَلَائِكَة وَيس، وَلم يثبت لغيره هَذَا أَعنِي لفظ: وَيس، وَالصَّوَاب سُقُوطه لِأَنَّهُ مُكَرر. القِطْمِيرُ: لفَافَةُ النَّوَاةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين تدعون من دونه مَا يملكُونَ من قطمير﴾ (فاطر: ٣١) الْآيَة. وَفَسرهُ بقوله: (لفافة النواة) بِكَسْر اللَّام، وَهِي: القشر الَّذِي على النواة، وَمِنْه: لفافة الرجل، ويروى: وَقَالَ مُجَاهِد: القطمير لفافة النواة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن الْحُسَيْن بن حسن: نَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْهَرَوِيّ نَا حجاج عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: القطمير القشر الَّذِي يكون على النواة. مَثْقَلَة مُثَقلَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تدع مثقلة إِلَى حملهَا لَا يحمل مِنْهُ شَيْء﴾ (فاطر: ٨١) وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَهُوَ قَول مُجَاهِد، ومثقلة الأولى بِالتَّخْفِيفِ من الإثقال، وَالثَّانيَِة بِالتَّشْدِيدِ من التثقيل، أَي: مثقلة بذنوبها. وَقَالَ غَيْرُهُ: الحَرُورُ بِالنَّهارِ مَعَ الشَّمْسِ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور وَلَا الظل وَلَا الحرور﴾ (فاطر: ٩١، ١٢) وَقَالَ: (الحرور بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس) وَفِي التَّفْسِير: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير) (فاطر: ٩١) يَعْنِي: الْعَالم وَالْجَاهِل، وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور يَعْنِي: الْكفْر وَالْإِيمَان، وَلَا الظل وَلَا الحرور يَعْنِي: الْجنَّة وَالنَّار، والحرور بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس، وَقيل: الحرور الرّيح الحارة بِاللَّيْلِ، والسموم بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الحَرْورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهارِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير الحرور مَا ذكره وَلم يثبت هَذَا لأبي ذَر. وَغَرَابِيبْ سُودٌ أشَدُّ سَوَادا: العِرْبيبُ الشَّدِيدُ السَّوَادِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء﴾ إِلَى قَوْله: (وغرابيب سود) ، (فاطر: ٧٢) الْآيَة. وَقَالَ الْفراء: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، تَقْدِيره: وسود غرابيب، وَأَشَارَ بقوله: الغرابيب إِلَى أَن غرابيب جمع غربيب وَهُوَ شَدِيد السوَاد شَبِيها بلون الْغُرَاب. ٦٣ - (سُورَةُ: ﴿ي س﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ي س وَلم يثبت هَذَا هُنَا لأبي ذَر، وَقد مر أَن فِي رِوَايَته سُورَة الْمَلَائِكَة وي س، وَالصَّوَاب إثْبَاته هَاهُنَا. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة بِلَا خلاف نزلت قبل سُورَة الْفرْقَان وَبعد سُورَة الْجِنّ، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف حرف، وَسَبْعمائة وتسع وَعِشْرُونَ كلمة، وَثَلَاث وَثَمَانُونَ آيَة. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر خَاصَّة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَعزَّرْنا: شَدَدْنا أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله: (فعززنا بثالث) ، (ي س: ٤١) أَي: شددنا، وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم عَن حجاج بن حَمْزَة. حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَلَفظه فِي تَفْسِير عبد بن حميد شددنا بثالث، وَكَانَت رسل عِيسَى، ﵇، الَّذين أرسلهم إِلَى صَاحب أنطاكية ثَلَاثَة، صَادِق وصدوق وشلوم، وَالثَّالِث هُوَ شلوم، وَقيل: الثَّالِث شَمْعُون. يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ كَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسَلِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا حسرة على الْعباد يَأْتِيهم رَسُول إلَاّ كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ (ي س: ٠٣) وَفسّر الْحَسْرَة بقوله: (استهزآؤهم بالرسل) فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة لما عاينوا الْعَذَاب، قَالُوا: يَا حسرة على الْعباد، يَعْنِي: الرُّسُل الثَّلَاثَة حِين لم يُؤمنُوا بهم وآمنوا حِين لم يَنْفَعهُمْ الْإِيمَان. أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ لَا يَسْتُرُضَوْءُ أحَدِهِمَا ضَوْءً الآخَرِ وَلا يَنْبَغِي لَهُمَا ذالِكَ سَابِقُ النَّهَارِ يَتَطالَبان حَثيثيْنِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار وكل فِي فلك يسبحون) ، (ي س: ٠٤) وَفسّر: أَن تدْرك

стр. 5707

الْقَمَر، بقوله: لَا يستر ضوء أَحدهمَا ضوء الآخر. قَوْله: وَلَا يَنْبَغِي لَهما ذَلِك أَي: ستر أَحدهمَا الآخر لِأَن لكل مِنْهُمَا حدا لَا يعدوه وَلَا يقصر دونه فَإِذا اجْتمعَا وَأدْركَ كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه. قَامَت الْقِيَامَة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجمع الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ قَوْله: سَابق النَّهَار أَي: وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار. قَوْله: يتطالبان أَي: الشَّمْس وَالْقَمَر كل مِنْهُمَا يطْلب صَاحبه حثيثين، أَي: حَال كَونهمَا حثيثين. أَي: مجدين فِي الطّلب فَلَا يَجْتَمِعَانِ إلَاّ فِي الْوَقْت الَّذِي حَده الله لَهما وَهُوَ يَوْم قيام السَّاعَة. نَسْلَخُ نُخْرِجُ أحَدَهُما مِن الآخَرِ وَيَجْرِي كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار فَإِذا هم مظلمون﴾ وَفسّر قَوْله: (نسلخ) بقوله: (يخرج أَحدهمَا من الآخر) وَفِي التَّفْسِير: تنْزع وَتخرج مِنْهُ النَّهَار، وَهَذَا وَمَا قبله من قَوْله: (أَن تدْرك الْقَمَر) لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. مِنْ مِثْلِهِ مِنَ الأنْعَامِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿وخلقنا لَهُم من مثله مَا يركبون﴾ (ي س: ٢٤) أَي: من مثل الْفلك من الْأَنْعَام مَا يركبون، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْإِبِل سفن الْبر، وَعَن أبي مَالك وَهِي السفن الصغار. فَكِهُونَ: مُعْجَبُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن أَصْحَاب الْجنَّة الْيَوْم فِي شغل فاكهون﴾ (ي س: ٥٥) وَفَسرهُ: بقوله: (معجبون) هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: فاكهون، وَهِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، وَقَالَ الْكسَائي: الْفَاكِه ذُو الْفَاكِه ذُو الْفَاكِهَة مثل تامر وَلابْن، وَعَن السّديّ: ناعمون، وَعَن ابْن عَبَّاس: فَرِحُونَ. جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الحِسابِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسطيعون نَصرهم وهم لَهُم جند محضرون﴾ (ي س: ٥٧) يَعْنِي: الْكفَّار والجند الشِّيعَة والأعوان محضرون كلهم عِنْد الْحساب فَلَا يدْفع بَعضهم عَن بعض، وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرَمَةَ: المَسْجُونِ: المُوقَرُ أَي: وَيذكر عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي الْفلك المشحون﴾ (ي س: ١٤) أَن مَعْنَاهُ: الموقر، وَفِي التَّفْسِير: المشحون الموقر المملوء أَيْضا. وَهِي سفينة نوح ﵇، حمل الْآبَاء فِي السَّفِينَة وَالْأَبْنَاء فِي الأصلاب، وَهَذَا لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَائِرُكُمْ مَصَائِبُكُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا طائركم مَعكُمْ﴾ (ي س: ٩١) وَفَسرهُ بقوله: (مصائبكم) وَعَن قَتَادَة: أَعمالكُم، وَقَالَ الْحسن والأعرج: طيركم. يَنسِلُونَ: يَخْرُجُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنفخ فِي الصُّور فَإِذا هم من الأجداث إِلَى رَبهم يَنْسلونَ﴾ (ي س: ١٥) وَفَسرهُ بقوله: (يخرجُون) وَمِنْه قيل للْوَلَد: تسيل لِأَنَّهُ يخرج من بطن أمه. مَرْقدِنا مَخْرَجِنا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا هَذَا﴾ (ي س: ٢٥) الْآيَة. وَفسّر المرقد بالمخرج، وَفِي التَّفْسِير: أَي: من منامنا، وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي بن كَعْب وَقَتَادَة: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَن الله تَعَالَى رفع عَنْهُم الْعَذَاب فِيمَا بَين النفختين فيرقدون، وَقيل: أَن الْكفَّار لما عاينوا جَهَنَّم وأنواع عَذَابهَا صَار مَا عذبُوا بِهِ فِي الْقُبُور فِي جنبها كالنوم فَقَالُوا: يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا. أحْصَيْنَاهُ: حَفِظْناهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكل شَيْء أحصيناه فِي إِمَام مُبين﴾ (ي س: ٢١) وَفسّر (أحصيناه) بقوله: (حفظناه) وَفِي التَّفْسِير: أَي: علمناه وعددناه وثبتناه فِي إِمَام مُبين أَي: فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانَهُمْ وَاحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو نشَاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ (ي س: ٧٦) وَقَالَ: إِن المكانة وَالْمَكَان بِمَعْنى وَاحِد، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق

стр. 5708

الْعَوْفِيّ: يَقُول لأهلكناهم فِي مساكنهم. ١ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقرٍ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ (ي س: ٨٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي﴾ الْآيَة. قَوْله: (ولمستقر) أَي: إِلَى مُسْتَقر لَهَا وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا تبلغ مستقرها حَتَّى ترجع إِلَى منازلها، وَقيل: إِلَى انْتِهَاء أمرهَا عِنْد انْقِضَاء الدُّنْيَا، وَعَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ : مستقرها تَحت الْعَرْش. قَوْله: (ذَلِك) أَي: مَا ذكر من أَمر اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس تَقْدِير الْعَزِيز فِي ملكه الْعَلِيم بِمَا قدر من أمرهَا. ٢٠٨٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا الأعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي ذَرّ ﵁ قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ يَا أبَا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ قُلْتُ الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ فَإنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لَهَا ذالِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم بِالضَّمِّ الْفضل بن دُكَيْن، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن شريك التَّيْمِيّ الْكُوفِي، يروي عَن أَبِيه يزِيد عَن أبي ذَر جُنْدُب الْغِفَارِيّ، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع مِنْهَا فِي بَدْء الْخلق، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٣٠٨٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا وَكِيعٌ حدَّثنا الأعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قَالَ سَألْتُ النبيِّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقِرٍ لَهَا﴾ قَالَ مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن الْحميدِي عَن عبد الله عَن وَكِيع بن الْجراح إِلَى آخِره، غير أَن فِي الرِّوَايَة الأولى استفهمه النَّبِي، ﷺ ، بقوله: أَتَدْرِي، وَهنا أَبُو ذَر سَأَلَهُ عَن ذَلِك، وَفِي الأول إِخْبَار عَن سجودها تَحت الْعَرْش وَلَا يُنكر ذَلِك عِنْد محاذاتها للعرش فِي مسيرها وَقد ورد الْقُرْآن بسجود الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم. فَإِن قلت: قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِي عين حمئه﴾ (الْكَهْف: ٦٨) بَينهمَا تخَالف. قلت: لَا تخَالف فِيهِ لِأَن الْمَذْكُور فِي الْآيَة إِنَّمَا هُوَ نِهَايَة مدرك الْبَصَر إِيَّاهَا حَال الْغُرُوب ومصيرها تَحت الْعَرْش للسُّجُود إِنَّمَا هُوَ بعد الْغُرُوب، وَلَيْسَ معنى فِي عين حمئه سُقُوطهَا فِيهَا وَإِنَّمَا هُوَ خبر عَن الْغَايَة الَّتِي بلغَهَا ذُو القرنين فِي مسيره حَتَّى لم يجد وَرَاءَهَا مسلكا لَهَا فَوْقهَا أَو على سعتها كَمَا يرى غُرُوبهَا من كَانَ فِي لجة الْبَحْر لَا يبصر السَّاحِل كَأَنَّهَا تغرب فِي الْبَحْر وَهِي فِي الْحَقِيقَة تغرب وَرَاءَهَا وَالله أعلم. ٧٣ - (سُورَةُ: ﴿وَالصَّافَاتِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿وَالصَّافَّات﴾ وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ سُورَة: وَهِي مَكِّيَّة بالِاتِّفَاقِ إلاّ مَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن زَيْدَانَ. قَوْله: ﴿قَالَ قَائِل مِنْهُم إِنِّي كَانَ لي قرين﴾ (الصافات: ١٥) إِلَى آخر هَذِه الْقِصَّة، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَسِتَّة وَعِشْرُونَ حرفا، وَثَمَانمِائَة وَسِتُّونَ كلمة وَمِائَة وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ آيَة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثبتَتْ الْبَسْمَلَة هُنَا عِنْد الْكل. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كلِّ جَانِبٍ يُرْمَوْنَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ويقذفون من كل جَانب دحورا﴾ (الصافات: ٨) وَفسّر: (يقذفون) بقوله: (يرْمونَ) وَفِي التَّفْسِير: يرْمونَ ويطردون من كل جَانب من حميع جَوَانِب السَّمَاء أَي جِهَة صعدوا للاستراق. قَوْله: (دحورا) ، أَي: طردا مفعلو لَهُ أَي: يطردون للدحور، وَيجوز أَن يكون حَالا. أَي: مدحورين، وَهَذَا إِلَى قَوْله: (لازب لَازم) يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَاصبٌ دَائِمٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم عَذَاب واصب﴾ (الصافات: ٩) وَفَسرهُ بقوله: (دَائِم) نَظِيره قَوْله: ﴿وَله الدّين واصبا﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس شَدِيد

стр. 5709

وَقَالَ الْكَلْبِيّ: مرجع، وَقيل: خَالص. لازِبٌ لازِمٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنا خلقناهم من طين لازب﴾ (الصافات: ١١) وَفَسرهُ بقوله: (لَازم) فِي التَّفْسِير: طين لازب أَي: جيد حر يلصق ويعلق بِالْيَدِ، واللازب بِالْمُوَحَّدَةِ وَاللَّازِم بِالْمِيم بِمَعْنى وَاحِد، وَالْبَاء بدل من الْمِيم كَأَنَّهُ يلْزم الْيَد، وَعَن السّديّ: خَالص، وَعَن مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: منين. تَأْتونَنَا عَنِ اليَمِينِ يَعْنِي الجنَّ الكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلْشيْطانِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّكُم كُنْتُم تأتوننا عَن الْيَمين﴾ (الصافات: ٨٢) وَفَسرهُ بقوله: (الْجِنّ) بِالْجِيم. وَالنُّون الْمُشَدّدَة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا قَول الْأَكْثَرين، ويروى: يَعْنِي الْحق، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْقَاف الْمُشَدّدَة فعلى هَذَا يكون لفظ الْحق تَفْسِير للْيَمِين أَي: كُنْتُم تأتوننا من جِهَة الْحق فتلبسونه علينا. وَقَوله: (الْكفَّار) مُبْتَدأ أَو تَقول خَبره أَي: تَقول الْكفَّار هَذَا القَوْل للشياطين، وَأما رِوَايَة الْجِنّ بِالْجِيم وَالنُّون: فَالْمَعْنى: الْجِنّ الْكفَّار تَقوله للشياطين، وَهَكَذَا أخرجه عبد بن حميد عَن مُجَاهِد فَيكون لفظ: الْكفَّار على هَذَا صفة للجن فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ دقة. غَوْلٌ: وَجَعُ بَطْنٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا فِيهَا غول وَلَا هم عَنْهَا ينزفون﴾ (الصافات: ٧٤) وَفسّر قَوْله: غول بقوله: (وجع بطن) وَهَذَا قَول قَتَادَة، وَعَن الْكَلْبِيّ: لَا فِيهَا إِثْم نَظِيره: (لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم) (الطّور: ٣٢) وَعَن الْحسن: صداع، وَقيل: لَا تذْهب عُقُولهمْ. وَقيل: لَا فِيهَا مَا يكره، وَهَذَا أَيْضا لم يثبت لأبي ذَر. يُنْزَفُونَ: لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا هم عَنْهَا ينزفون﴾ وَفَسرهُ بقوله: لَا تذْهب عُقُولهمْ، هَذَا على قِرَاءَة كسر الزَّاي، وَمن قَرَأَهَا بِفَتْحِهَا فَمَعْنَاه لَا ينفذ شرابهم، وَفِي التَّفْسِير: لَا يَغْلِبهُمْ على عُقُولهمْ وَلَا يسكرون بهَا، يُقَال: نزف الرجل فَهُوَ منزوف ونزيف إِذا سكر وَزَالَ عقله، وأنزف الرجل إِذا فنيت خمره. قَرِينٌ: شَيْطَانٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِل مِنْهُم إِنِّي كَانَ لي قرين﴾ (الصافات: ١٥) وَفَسرهُ بقوله: (شَيْطَان) يَعْنِي: كَانَ لي قرين فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا وَمَا قبله لم يثبت لأبي ذَر. يَهْرَعُونَ: كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فهم على آثَارهم يهرعون﴾ (الصافات: ٧) وَفَسرهُ بقوله: (كَهَيئَةِ الهرولة) أَرَادَ أَنهم يسرعون كالمهرولين، والهرولة الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي. يَزِفُونَ: النَّسَلانُ فِي المَشْيِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يزفون﴾ (الصافات: ٤٩) وَفسّر الزف الَّذِي يدل عَلَيْهِ يزفون، بقوله: (النسلان فِي الْمَشْي) والنسلان بِفتْحَتَيْنِ: الْإِسْرَاع مَعَ تقَارب الخطا، وَهُوَ دون السَّعْي، وَقيل: هُوَ من زفيف النعام وَهُوَ حَال بَين الْمَشْي والطيران. وَقَالَ الضَّحَّاك: يزفون مَعْنَاهُ يسعون، وَقَرَأَ حَمْزَة بِضَم أَوله وهما لُغَتَانِ. وَبَيْنَ الجَنَّةِ نَسَبا. قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَنَاتُ الله وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ، وَقَالَ الله تعَالَى ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجَنَّةُ أنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (الصافات: ٨٥١) سَتَحْضَرُ لِلْحِسابِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا﴾ الْآيَة، وَهَذَا كُله لم يثبت لأبي ذَر، أَي: جعل مشركو مَكَّة بَينه، أَي: بَين الله، وَبَين الْجنَّة أَي: الْمَلَائِكَة وسموهم جنَّة لاجتنابهم عَن الْأَبْصَار، وَقَالُوا الْمَلَائِكَة: بَنَات الله. قَوْله: وأمهاتهم أَي: أُمَّهَات الْمَلَائِكَة بَنَات سروات الْجِنّ أَي: بَنَات خواصهم، والسروات جمع سراة والسراة جمع سري وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة، وَلَا يعرف غَيره. قَوْله: (وَلَقَد علمت الْجنَّة أَنهم) أَي: أَن قائلي هَذَا القَوْل لمحضرون فِي النَّار ويعذبهم وَلَو كَانُوا مناسبين لَهُ أَو شُرَكَاء فِي وجوب الطَّاعَة لما عذبهم. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَنَحْنُ الصَّافُّونَ: المَلائِكَةُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لنَحْنُ الصافون وَإِنَّا لنَحْنُ المسبحون﴾ (الصافات: ٥٦١، ٦٦١) الصافون هم الْمَلَائِكَة. هَذَا أخرجه

стр. 5710

ابْن جرير عَنهُ بِزِيَادَة: صافون نُسَبِّح لَهُ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: لنَحْنُ الصافون فِي الصَّلَاة. صِرَاطِ الجَحَيمِ سَوَاءِ الجَحِيمِ وَوَسَطِ الجَحِيمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم﴾ (الصافات: ٣٢) قَوْله: فَاطلع فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم. وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة بِمَعْنى وَاحِد. وَفِي التَّفْسِير: صِرَاط الْجَحِيم طَرِيق النَّار، والصراط الطَّرِيق، وَلم يثبت هَذَا لأبي ذَر وَالَّذِي قبله أَيْضا. لَشَوْبا يُخْلَط طَعَامُهُمْ وَيُسلطُ بِالحَمِيمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِن لَهُم عَلَيْهَا لشوبا من حميم﴾ (الصافات: ٧٦) وَفسّر: (شوبا) بقوله: (يخلط) إِلَى آخِره. قَوْله: (ويساط) أَي: يخلط من ساطه يسوطه سَوْطًا أَي: خلطه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السَّوْط خلط الشَّيْء بعضه بِبَعْض، وَالْحَمِيم: هُوَ المَاء الْحَار. مَدْحُورا: مَطْرُودا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ اخْرُج مِنْهَا مذؤوما مَدْحُورًا﴾ (الصافات: ٨١) لَكِن هَذَا فِي الْأَعْرَاف وَلَيْسَ هُنَا مَحَله، وَالَّذِي فِي هَذِه السُّورَة هُوَ قَوْله: (ويقذفون من كل جَانب دحورا) وَقد مر بَيَانه عَن قريب، وَفسّر: (مَدْحُورًا) بقوله: (مطرودا) لِأَن الدَّحْر هُوَ الطَّرْد والإبعاد. بَيْضٌ مَكْنُونٌ: اللؤْلُؤ المَكْنُونُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: (كأنهن بيض مَكْنُون) (الصافات: ٩٤) وَفَسرهُ: بقوله: (اللُّؤْلُؤ الْمكنون) يَعْنِي: فِي الصفاء واللين، وَالْبيض جمع بَيْضَة، وَفِي التَّفْسِير: مَكْنُون أَي: مَسْتُور، وَقيل: أَي مصون، وكل شَيْء صنته فَهُوَ مَكْنُون فَكل شَيْء أضمرته فقد أكننته، وَإِنَّمَا قَالَ: مَكْنُون مَعَ أَنه صفة بيض، وَهُوَ جمع بِالنّظرِ إِلَى اللَّفْظ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ يُذْكَرُ بِخَيْرٍ وَفِي بعض النّسخ: بَاب وَتَركنَا، وَفِي الْبَعْض، بَاب قَوْله: وَتَركنَا، وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده أَي: تركنَا على آلياسين فِي الآخرين، وَقيل: على مُحَمَّد ﷺ ، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) قَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع وَيَعْقُوب آل ياسين بِالْمدِّ، وَالْبَاقُونَ الياسين بِالْقطعِ وَالْكَسْر، وَمن قَرَأَ الياسين فَهِيَ لُغَة فِي النَّاس كَمَا يُقَال: ميكال فِي مِيكَائِيل، وَقيل: هُوَ أَرَادَ جمع الياس وَأَتْبَاعه من الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (يذكر) بِخَير تَفْسِير قَوْله: وَتَركنَا عَلَيْهِ، وَقيل: أَي: ثَنَاء حسنا فِي كل أمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. يَسْتَسْخِرُونَ يَسْخَرُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَة يستسخرون﴾ (الصافات: ٤١) وَفَسرهُ بقوله: (يسخرون) . بَعْلاً: رَبّا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَدعُونَ بعلاً وتذرون أحسن الْخَالِقِينَ﴾ (الصافات: ٥٢١) وَفسّر: (بعلاً) بقوله: (رَبًّا) وَهُوَ اسْم صنم كَانُوا يعبدونه، وَمِنْه سميت مدينتهم، بعلبك، وَلم يثبت هَذَا إلَاّ للنسفي. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لِمَنْ المُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ٩٣١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين﴾ . ٤٠٨٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي وَائلٍ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ مَا يَنْبَغِي لأحَدٍ أنْ يَكُونَ خَيْرا مِنِ ابنِ مَتَّى.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ابْن مَتى) ويروى من يُونُس بن مَتى، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَاخِر سُورَة النِّسَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥٠٨٤ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِر حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ قَالَ حدَّثني أبِي عَنْ هِلالِ بنِ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي عَامِر بنِ لُؤَيٍّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 5711

قَالَ مَنْ قَالَ أنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى وَمضى الحَدِيث أَيْضا فِي سُورَة النِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح عَن هِلَال عَن عَطاء بن يسَار إِلَى إخره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى. ٨٣ - (سُورَةْ: ﴿ص﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿ص﴾ مَكِّيَّة بِلَا خلاف نزلت بعد سُورَة الانشقاق وَقيل الْأَعْرَاف، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وَسَبْعمائة وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ كلمة، وَخمْس وَثَمَانُونَ آيَة، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ، فَعَن ابْن عَبَّاس: بَحر بِمَكَّة كَانَ عَلَيْهِ عرش الرَّحْمَن لَا ليل وَلَا نَهَار، وَعَن سعيد بن جُبَير: بَحر يحيي الله بِهِ الْمَوْتَى بَين النفختين، وَعَن الضَّحَّاك: ﴿ص﴾ صدق الله تَعَالَى، وَعَن مُجَاهِد: فَاتِحَة السُّورَة، وَعَن قَتَادَة: اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَعَن السّديّ: اسْم من أَسمَاء الله، وَعَن مُحَمَّد الْقرظِيّ: هُوَ مِفْتَاح أَسمَاء الله تَعَالَى إِلَى صَمد وصانع المصنوعات وصادق الْوَعْد، وَعَن ابْن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي: اسْم حَيَّة رَأسهَا تَحت الْعَرْش وذنبها تَحت الأَرْض السُّفْلى، قَالَ: وَأَظنهُ عَن عِكْرِمَة، وَقيل: هُوَ من المصاداة من قَوْلك: صَاد فلَانا وَهُوَ أَمر من ذَلِك. فَمَعْنَاه: صَاد بعملك الْقُرْآن أَي: عَارضه لتنظر أَيْن عَمَلك. فَمن أول هَكَذَا يقْرَأ: صَاد بِكَسْر الدَّال لِأَنَّهُ أَمر، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن، وقرأه عَامَّة قراء الْأَمْصَار بِسُكُون الدَّال إلاّ عبد الله بن إِسْحَاق وَعِيسَى بن عمر فَإِنَّهُمَا يكسرانه. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم سَقَطت الْبَسْمَلَة فَقَط للنسفي، وَاقْتصر الْبَاقُونَ على لفظ ﴿ص﴾ . ٦٠٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ العَوَّامِ قَالَ سألْتُ مُجاهدا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِي هَدَي الله فَبِهُدعاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الْأَنْعَام: ٠٩) وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيها.. غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَقد مر غير مرّة، والعوام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الواوين حَوْشَب الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث مر فِي سُورَة الْأَنْعَام وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَالك. ٧٠٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ العَوَّامِ قَالَ سَألْتُ مُجاهِدا عَنْ سَجْدَةِ ص فَقَالَ سألْتُ ابنَ عَباسٍ مِنْ أيْنَ سَجَدْتَ فَقَالَ أوَ مَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَها رَسُولُ الله ﷺ .. مُحَمَّد بن عبد الله. قَالَ الكلاباذي وَابْن طَاهِر: هُوَ الذهلي نِسْبَة إِلَى جده وَهُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي، مَاتَ بعد البُخَارِيّ بِيَسِير، تَقْدِيره سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا وَلم يقل: مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا بل يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد، وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، أَو ينْسبهُ إِلَى جده وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما دخل نيسابور فشغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ وَكَانَ قد سمع مِنْهُ فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه كَمَا يَنْبَغِي، وَقَالَ غير غَيرهمَا: يحْتَمل أَن يكون مُحَمَّد بن عبد الله هَذَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك المَخْزُومِي فَإِنَّهُ من هَذِه الطَّبَقَة وَالله أعلم. قَوْله: (من أَيْن سجدت) ؟ على صِيغَة الْخطاب للحاضر، ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول للغائبة، أَي: بِأَيّ دَلِيل صَارَت سَجْدَة! قَوْله: (فسجدها دَاوُد) ، وَلم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَسجد دَاوُد ﵊، فِيهَا وَالرَّسُول ﷺ مَأْمُور بالاقتداء بِهِ وَنحن مأمورون بالاقتداء بِالنَّبِيِّ ﷺ ومتابعته، وَهَذَا حجَّة على الشَّافِعِي فِي قَوْله: لَيْسَ فِي ﴿ص﴾ سَجْدَة عَزِيمَة وَبَاقِي الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كتاب الصَّلَاة فِي أَبْوَاب سُجُود التِّلَاوَة. عُجابٌ: عَجِيبٌ

стр. 5712

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا الشَّيْء عُجاب﴾ (ص: ٥) وَذكر أَن معنى: عُجاب، بِمَعْنى: (عَجِيب) وقرىء: عُجاب، بتَشْديد الْجِيم وَالْمعْنَى وَاحِد، وَقيل: هُوَ أَكثر، وَقَالَ مقَاتل هَذَا بلغَة أَزْد شنُوءَة مثل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال وعريض وعراض. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هاهُنا صَحِيفَةُ الحَسَنَاتِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا قبل يَوْم الْحساب﴾ (ص: ٦١) وَقَالَ: (القط الصَّحِيفَة) مُطلقًا وَلَكِن المُرَاد هَاهُنَا صحيفَة الْحَسَنَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: صحيفَة الْحساب، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ لما نزلت فِي الحاقة: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ﴾ (الحاقة: ٩١) الْآيَة. قَالُوا على وَجه الِاسْتِهْزَاء، عجل لنا قطنا، يعنون كتَابنَا عجله لنا فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْحساب، وَعَن قَتَادَة وَمُجاهد وَالسُّديّ: يعنون عقوبتنا وَمَا كتب لنا من الْعَذَاب، وَعَن عَطاء: قَالَه النَّضر بن الْحَارِث، وَعَن أبي عُبَيْدَة: القط الْكتاب وَالْجمع قطوط وقططة كقرد وقرود وقردة وَأَصله من قطّ الشَّيْء إِذا قطعه، وَيُطلق على الصَّحِيفَة لِأَنَّهَا قِطْعَة تقطع وَكَذَلِكَ الصَّك. وَقَالَ مُجاهِدٌ فِي عِزَّةٍ مُعازِّين أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بل الَّذين كفرُوا فِي عزة وشقاق﴾ (ص: ٢) وَأَرَادَ أَن قَوْله: (فِي عزة) فِي مَوضِع خبر وَأَنه بِمَعْنى: (معازين) أَي: مغالبين، وَقيل: فِي حمية جَاهِلِيَّة وتكبر. قَوْله: (وشقاق) ، أَي: خلاف وفراق. المِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةُ قُرَيْشٍ الاخْتِلاقُ الكَذِبُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا سمعنَا بِهَذَا فِي الْملَّة الْآخِرَة إِن هَذَا إلَاّ اخْتِلَاق﴾ (ص: ٧) وَفسّر الْملَّة الْآخِرَة بِملَّة قُرَيْش، والاختلاق بِالْكَذِبِ، وَبِه فسر مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَعَن ابْن عَبَّاس والقرطبي والكلبي وَمُقَاتِل: يعنون النَّصْرَانِيَّة لِأَن النَّصَارَى تجْعَل مَعَ الله إلهاا. الأسْبابُ طُرْقُ السَّماءِ فِي أبْوابِها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فليرتقوا فِي الْأَسْبَاب﴾ (ص: ١) وَفسّر الْأَسْبَاب بطرق السَّمَاء فِي أَبْوَابهَا، وَكَذَا فسره مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَفِي التَّفْسِير: فليرتقوا أَي: فليصعدوا فِي الْجبَال إِلَى السَّمَوَات فليأتوا مِنْهَا بِالْوَحْي إِلَى من يختارون ويشاؤون، وَهَذَا أَمر توبيخ وتعجيز. جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ يَعْنِي قُرَيْشا لغير أبي ذَر قَوْله: (جندما) إِلَى آخِره. قَوْله: (يَعْنِي قُريْشًا) ، وَهَكَذَا قَالَه مُجَاهِد. قَوْله: جند، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هم جند، وَكلمَة مَا متزيدة أَو صفة لجند. (وهنالك) يشار بِهِ إِلَى مَكَان الْمُرَاجَعَة، ومهزوم صفة جند، أَي: سيهزمون بذلك الْمَكَان وَهُوَ من الْأَخْبَار بِالْغَيْبِ لأَنهم هزموا بعد ذَلِك بِمَكَّة. وَعَن قَتَادَة وعده الله، ، بِمَكَّة أَنهم سيهزمون، يهزمهم الله، فجَاء تَأْوِيلهَا يَوْم بدر. أُولَئِكَ الأحْزَابُ القُرُونُ المَاضِيَةُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَاب الأيكة أُولَئِكَ الْأَحْزَاب﴾ (ص: ٣١) وفسرها بقوله: (الْقُرُون الْمَاضِيَة) وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَزَاد غَيره الَّذين قهروا وأهلكوا. فَوَالِقٍ: رُجُوعٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينظر هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة مَا لَهَا من فوَاق﴾ (ص: ٥١) يَقُول: لَيْسَ لَهُم إِقَامَة وَلَا رُجُوع إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: من فتح الْفَاء قَالَ: مَالهَا من رَاحَة، وَمن ضمهَا جعلهَا من فوَاق النَّاقة وَهُوَ مَا بَين الحليتين، وَقَرَأَ بِضَم الْفَاء حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقيل الضيم وَالْفَتْح بِمَعْنى وَاحِد مثل قصاص الشّعْر جَاءَ فِيهِ الْفَتْح وَالضَّم. قِطَّنا: عَذَابَنا قيل هَذَا مُكَرر وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ فسر (قطنا) فِي الأول بالصحيفة، وَهَاهُنَا الْعَذَاب. أَي: عجل لنا عذابنا على أَنه لَا يُوجد فِي أَكثر النّسخ. اتَّخَذْنَاهُمْ سُخْرِيا احْطْنا بِهِمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿اتخذناهم سخريا أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار﴾ وَفَسرهُ بقوله: (أحطنا بهم) كَذَا فِي الْأُصُول، وبخط

стр. 5713

الدمياطي: لَعَلَّه أحطناهم، وَقد سبقه بِهَذَا عِيَاض فَإِنَّهُ قَالَ: قَوْله أحطنا بهم لَعَلَّه أحطناهم، وَحذف مَعَ ذَلِك القَوْل الَّذِي هَذَا تَفْسِيره، وَهُوَ: ﴿أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار﴾ (ص: ٣٦) وَينْصَح بِالْآيَةِ الَّتِي قبلهَا وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا لنا لَا نرى رجَالًا كُنَّا نعدهم من الأشرار﴾ (ص: ٤٦) قَوْله: (وَقَالُوا) يَعْنِي: كفار قُرَيْش وهم فِي النَّار مَا لنا لَا نرى رجَالًا يعنون: فُقَرَاء الْمُسلمين كُنَّا نعدهم من الأشرار الأرذال الَّذين لَا خير فيهم، يَعْنِي: لَا نراهم فِي النَّار كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِيهَا بل زاغت عَنْهُم أبصارنا فَلَا نراهم وهم فِيهَا قَوْله: (اتخذناهم) بوصل الْألف بِلَفْظ الْإِخْبَار على أَنه صفة لَرِجَالًا، هَذَا عِنْد أهل الْبَصْرَة والكوفة إلَاّ عَاصِمًا، وَالْبَاقُونَ يفتحون الْهمزَة ويقطعونها على الِاسْتِفْهَام على أَنه إِنْكَار على أنفسهم وتأنيب لَهَا فِي الاستخبار. أتْرَابٌ: أمْثَالٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدهم قاصرات الطّرف أتراب﴾ (ص: ٢٥) وَفَسرهُ بقوله: (أَمْثَال) والأتراب جمع ترب بِالْكَسْرِ وَهُوَ اللدة، وَالْمعْنَى: على سنّ وَاحِد على ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الأيْدُ القُوَّةُ فِي العِبَادَةِ: الأبْصَارُ التبَصرُ فِي أمْرِ الله تَعَالى أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أولى الْأَيْدِي والأبصار﴾ (ص: ٥٤) وَفسّر: (الأيد) بِالْقُوَّةِ فِي الْعِبَادَة وَفسّر الْأَبْصَار بالتبصر فِي أَمر الله، وَهَذَا أسْندهُ الطَّبَرِيّ عَن مُحَمَّد بن سعد حَدثنِي أبي حَدثنِي عمي حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس بِهِ. حُبَ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي مِنْ ذِكْرِ رَبِّي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ (ص: ٢٣) أَي: قَالَ سُلَيْمَان، ﵊، إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر أَي: الْخَيل، وَالْعرب تعاقب بَين الرَّاء وَاللَّام، فَنَقُول: إنهملت الْعين وانهمرت، وَهِي الْخَيل الَّتِي عرضت عَلَيْهِ قَوْله: (عَن ذكر رَبِّي) أَي: الصَّلَاة (حَتَّى تَوَارَتْ) أَي: الشَّمْس أَي: حَتَّى غَابَتْ. قَوْله: (من ذكر رَبِّي) أَرَادَ بِهِ أَن معنى عَن ذكر رَبِّي (من ذكر رَبِّي) وَكلمَة: عَن بِمَعْنى: من. طَفِقَ مَسْحا يَمْسَحُ أعْرَافَ الخَيْلِ وَعَرَاقِيبَها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَفِقَ مسحا بِالسوقِ والأعناق﴾ (ص: ٣٣) وَفسّر قَوْله طفق مسحاً بقوله: (يمسح أعراف الْخَيل) والأعراف جمع عرف بِالضَّمِّ، وَعرف الْفرس شعر عُنُقه، وَكَذَلِكَ الْمعرفَة، وطفق من أَفعَال المقاربة، وَقد ذكر غير مرّة قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وطفق أَي: أقبل يمسح سوقها وأعناقها بِالسَّيْفِ وينحرها تقربا إِلَى الله تَعَالَى، وَهَذَا وَمَا بعده ليسَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. الأصْفَادِ: الوَثاقِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مُقرنين فِي الأصفاد﴾ (ص: ٨٢) وَفَسرهُ (بِالْوَثَاقِ) والأصفاد جمع صفد وَهُوَ الْقَيْد، وَمعنى: مُقرنين موثوقين وَهَذَا وَمَا قبله مضيا فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان فِي كتاب الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. ٢ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي مُلْكا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ﴾ (ص: ٥٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿هَب لي ملكا﴾ إِلَى آخِره، وَأول الْآيَة: ﴿قَالَ رب اغْفِر لي وهب لي ملكا﴾ الْآيَة، طلب سُلَيْمَان، ﵊، الْمَغْفِرَة من الله، ثمَّ قَالَ: هَب لي ملكا أَصله: أوهب، لِأَنَّهُ من وهب يهب حذفت الْوَاو مِنْهُ تبعا لفعله، وَاسْتغْنى عَن الْهمزَة فحذفت فَبَقيَ: هَب، على وزن: عل. قَوْله: (لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي) ، أَي: لَا يكون لأحد من بعدِي، قَالَه ابْن كيسَان، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح. أَي: هَب لي ملكا لَا أسلبه فِي بَاقِي عمري كَمَا سلبته فِي ماضي عمري، وَعَن مقَاتل بن حبَان: كَانَ سُلَيْمَان ملكا وَلكنه أَرَادَ بقوله: (لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي) تسخير الرِّيَاح وَالطير يدل عَلَيْهِ مَا بعده، وَعَن عمر بن عُثْمَان الصَّدَفِي: أَرَادَ بِهِ ملك النَّفس وقهرها. قَوْله: (الْوَهَّاب) الْمُعْطِي كثير الْعَطاء. ٨٠٨٤ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيَادٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ عَفْرِيتا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أوْ كَلِمَةً

стр. 5714

نَحْوَها لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ فَأمْكَنَنِي الله مِنْهُ وَأرَدْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلَكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمَان رَبِّ هَبْ لِي مُلْكا لَا يَنْبَغِي لاْحَدٍ مِنْ بَعْدِي قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاصا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْأَسير أَو الْغَرِيم يرْبط فِي الْمَسْجِد بِعَيْنِه متْنا وسندا وَإِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وروح، بِفَتْح الرَّاء، هُوَ ابْن عبَادَة. قَوْله: (أَن عفريتا) ، هُوَ المبالغ من كل شَيْء. قَوْله: (تفلت) ، على وزن تفعل من التفليت، أَي: تعرض عَليّ فَجْأَة فِي البارحة. قَوْله: (قَالَ روح) ، هُوَ ابْن عبَادَة الرَّاوِي. قَوْله: (خاسئا) ، أَي: مطرودا متحيرا وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي الْبَاب الْمَذْكُور. ٣ - (بَابٌ: ﴿وَمَا أنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: ٦٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنا من المتكلفين﴾ وأوله ﴿قل مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر وَمَا أَنا من المتكلفين﴾ أَي: قل يَا مُحَمَّد مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ، أَي: على تَبْلِيغ الْوَحْي، وَهُوَ كِنَايَة عَن غير مَذْكُور، قَوْله: (من أجر) ، قَالَ الْحسن بن الْفضل: هَذِه الْآيَة ناسخة لقَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إلَاّ الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى: ٣٢) قَوْله: (وَمَا أَنا من المتكلفين) أَي: المتقولين الْقُرْآن من تِلْقَاء نَفسِي، وَقَالَ النَّسَفِيّ: وَمَا أَنا من المتكلفين الَّذين يتصنعون وينتحلون بِمَا لَيْسُوا من أَهله وَمَا عرفتموني قطّ متصنعا وَلَا مُدعيًا مَا لَيْسَ عِنْدِي حَتَّى انتحل بِالنُّبُوَّةِ، والتقول بِالْقُرْآنِ ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين﴾ (يُوسُف: ٤٠١) للثقلين أوحى إِلَيّ بِأَن أبلغه. ٩٠٨٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْروق قَالَ دَخَلْنا عَلَى عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قَالَ يَا أيُّها النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئا فَلْيَقلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ الله أعْلَمُ فَإنَّ مِنَ العِلْمِ أنْ يَقُولَ لِما لَا يَعْلَمُ الله أعْلَمُ قَالَ الله لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ وَمَا أنَا مِنَ المتَكَلِّمِينَ﴾ وسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ الدُّخَانِ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَعا قُرَيْشا إلَى الإسْلامِ فأبْطؤوا عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كلَّ شَيْءٍ حَتَّى أكَلُوا المَيْتَةَ وَالجَلُودَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخانا مِنَ الجُوعِ قَالَ الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءِ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هاذا عَذَابٌ ألِيمٌ قَالَ فَدَعَوْا رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ أنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إنَّكُمْ عَانِدُونَ﴾ (الدُّخان: ٠١، ٥١) أفَيُكْشَفُ العَذَابَ يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأخَذَهُمُ الله يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ الله تَعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو الضُّحَى، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة مَقْصُورا هُوَ مُسلم بن صبيح ومسروق هُوَ ابْن الأجدع. والْحَدِيث قد مضى فِي سُورَة الرّوم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى الخ، وَلَكِن بَينهمَا اخْتِلَاف فِي الْمَتْن من حَيْثُ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَمر أَيْضا بعضه فِي الاسْتِسْقَاء أخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور أَيْضا عَن أبي الضُّحَى إِلَى آخِره، وَتقدم الْكَلَام فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُسْتَوفى. قَوْله: (فحصت بالمهملتين) ، أَي: أذهبت وأفنت. قَوْله: (حَتَّى جعل الرجل) ، يرى بَينه وَبَين السَّمَاء

стр. 5715

دخانا وَجه تعلقه بِمَا قبله مَا ذكر فِي سُورَة الرّوم أَنه قيل لِابْنِ مَسْعُود: أَن رجلا يَقُول يَجِيء دُخان كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: من علم شَيْئا الخ. ٩٣ - (سُورَةُ: ﴿الزُّمَر﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الزمر. قَالَ ابْن عَبَّاس هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ آيتان مدنيتان. ﴿قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا﴾ (الزمر: ٣٥) أنزلت فِي وَحشِي. حَرْب ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ (الزمر: ٧٦) وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة سبأ وَقبل سُورَة الْمُؤمن، وَهِي أَرْبَعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَثَمَانِية أحرف، وَألف وَمِائَة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وَخمْس وَسَبْعُونَ آيَة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر. وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿أفَمَنْ يَتقَّى بِوَجْهِهِ﴾ . يَجُر عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أمَّنْ يَأتِي آمِنا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يتقى بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة﴾ (الزمر: ٤٢) الْآيَة. قَوْله: (أَفَمَن يَتَّقِي) ، يُقَال: اتَّقَاهُ بدرقته استقبله بهَا فوقى بهَا نَفسه واتقاء بِيَدِهِ، وَتَقْدِيره: أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب كمن أَمن الْعَذَاب؟ فَحذف الْخَبَر، وَسُوء الْعَذَاب شدته، وَعَن مُجَاهِد: يجر على وَجهه فِي النَّار، وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى هَذَا بقوله: يجر على وَجهه فِي النَّار، وَأَشَارَ بقوله: وَهُوَ قَوْله: ﴿أَفَمَن يلقى فِي النَّار﴾ إِلَى آخِره إِلَى أَن قَوْله أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ يجر على وَجهه فِي النَّار، مثل قَوْله: (أَفَمَن يلقى فِي النَّار) إِلَى آخِره وَوجه التَّشْبِيه بَيَان حَاله فِي أَن ثمَّ محذوفا تَقْدِيره: أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب كمن أَمن الْعَذَاب كَمَا ذَكرْنَاهُ لِأَن، وَلَفظ: يجر، بِالْجِيم عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَحده بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَبْسٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قُرْآنًا عَرَبيا غير ذِي عوج لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٨٢) وَفسّر العوج باللبس وَهُوَ الالتباس، وَهَذَا التَّفْسِير باللازم لِأَن الَّذِي فِيهِ لَيْسَ يسْتَلْزم العوج فِي الْمَعْنى، وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من وَجْهَيْن ضعيفين عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: (غير ذِي عوج) ، قَالَ: لَيْسَ بمخلوق. وَرَجُلاً سِلْما لِرَجُلٍ صَالِحا مَثَلٌ لإلاهِهِمِ الباطِلِ وَالإلاهِ الحَقِّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلاً سالما لرجل هَل يستويان مثلا﴾ (الزمر: ٩٢) قَوْله: (ورجلاً) عطف على رجلا الأول، وَهُوَ مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: ضرب الله مثلا لرجل أوفى رجل قَوْله: (سلما) بِكَسْر السِّين وَهُوَ قِرَاءَة الْعَامَّة، وَهُوَ الَّذِي لَا تنَازع فِيهِ، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب: سالما وَهُوَ الْخَالِص ضد الشّرك. قَوْله: (صَالحا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: خَالِصا وَسَقَطت هَذِه اللَّفْظَة للنسفي. قَوْله: (مثل) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: (هَذَا مثل لإلاههم الْبَاطِل والإلاه الْحق) ، وَالْمعْنَى: هَل تستوى صفاتهما وتمييزهما، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هَذَا مثل ضربه الله للْكَافِرِ الَّذِي يعبد آلِهَة شَتَّى وَالْمُؤمن الَّذِي لَا يعبد إلَاّ الله . قَوْله: (متشاكسون) ، مُخْتَلفُونَ متنازعون متشاحون سَيِّئَة أَخْلَاقهم. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (الزمر: ٦٣) بِالاْوْثَانِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ أَي يخوفك الْمُشْركُونَ بمضرة الْأَوْثَان. قَالُوا: إِنَّك تعيب آلِهَتنَا وتذكرها بِسوء لتكفن عَن ذكرهَا أَو تصيبك بِسوء. قَوْله: (الْأَوْثَان) ، ويروى أَي: بالأوثان، وَهَذَا أولى. خَوَّلْنا: أعْطَيْنا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِذا خولناه نعْمَة منا﴾ (الزمر: ٩٤) وَفَسرهُ بقوله: أعطنا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل مَال أَعْطيته فقد خولته. ﴿وَالَّذِي جَاءِ بِالصِّدْقِ﴾ (الزمر: ٣٣) القُرْآنِ وَصَدَقَ بِهِ المُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ هاذا الَّذِي أعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون﴾ وَفسّر قَوْله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ) بقوله:

стр. 5716

الْقُرْآن وَقَالَ السّديّ: الَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السلاة، جَاءَ بِالْقُرْآنِ، وَصدق بِهِ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ، تَلقاهُ بِالْقبُولِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ. يَعْنِي رَسُول الله ﷺ جَاءَ بِلَا إلاه إلَاّ الله وَصدق بِهِ هُوَ أَيْضا رَسُول الله ﷺ بلغه إِلَى الْخلق وَعَن عَليّ بن أبي طَالب وَأبي الْعَالِيَة والكلبي، وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ رَسُول الله ﷺ وَصدق بِهِ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن قَتَادَة وَمُقَاتِل: وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ رَسُول الله ﷺ ، وَصدق بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَعَن عَطاء، وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَصدق بِهِ الأتباع، فعلى هَذَا يكون الَّذِي بِمَعْنى الَّذين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وخضتم كَالَّذي خَاضُوا﴾ (التَّوْبَة: ٩٦) قَوْله: (يَقُول هَذَا الَّذِي) إِلَى آخِره، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لَا غير. متَشاكِسُونَ الرَّجُلُ الشَّكِسُ العَسِرُ لَا يَرْضَى بالإنْصافِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون) (الزمر: ٩٢) ، أَي: مُخْتَلفُونَ، فقد ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (الشكس) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه من مَادَّة متشاكسون غير أَن الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن من بَاب التفاعل للمشاركة بَين الْقَوْم. والشكس مُفْرد صفة مشبهة. قَالَ فِي (الباهر) : رجل شكس، بِالْفَتْح والتسكين: صَعب الْخلق، وَقوم شكس بِالضَّمِّ مِثَال رجل صدق وَقوم صدق، وَقيل: الشكس بِالْكَسْرِ والإسكان، والشكس بِالْفَتْح وَكسر الْكَاف: السيء يُقَال: شكس شكسأ وشكاسة، وَفسّر البُخَارِيّ الشكس بقوله: (الْعسر لَا يرضى بالإنصاف) والعسر مثل الحذر صفة مشبهة، ويروى: العسير على وزن فعيل، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ غَيره: الشكس. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : يَعْنِي غير مُجَاهِد فَكَأَنَّهُ وَالله أعلم يُرِيد بِالْغَيْر عبد الرَّحْمَن بن زيد بن زيد بن أسلم فَإِن الطَّبَرِيّ رَوَاهُ عَن يُونُس عَن ابْن وهب عَنهُ. ورَجُلاً سَلماً ويُقالُ سالِماً صالِحاً لَيْسَ هَذَا بمذكور فِي غَالب من النّسخ لِأَنَّهُ كالمكر لِأَنَّهُ ذكر عَن قريب، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن سين، سلما، جَاءَ فِيهَا الْفَتْح وَالْكَسْر فَيكون أَحدهمَا إِشَارَة إِلَى الْكسر وَالْآخر إِلَى الْفَتْح، وَقَالَ الزّجاج: سلما وسلماً مصدران وصف بهما على معنى، ورجلاً ذَا سلم. اشْمَأزَّتْ نفَرَتْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ (الزمر: ٥٤) الْآيَة، وَفَسرهُ بقوله: نفرت وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن مُحَمَّد: حَدثنَا أَحْمد حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ وَعَن مُجَاهِد، قَالَ: انقبضت، وَعَن قَتَادَة أَي: كفرت قُلُوبهم واستكبرت. بِمَفازَتِهِمْ مِنَ الفَوْزِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وينجي الله الَّذين اتَّقوا بمفازتهم﴾ (الزمر: ١٦) ، أَي: فوزهم وَهُوَ مصدر ميمي قَرَأَ أهل الْكُوفَة إلَاّ حفصاً بِالْألف على الْجمع، وَالْبَاقُونَ بِغَيْر الْألف على الْوَاحِد. حافِّين مُطِيفِينَ بِحِفافَيْهِ بِجَوَانِبِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش﴾ (الزمر: ٥٧) وَفسّر: (حافين) ، بقوله: (مطيفين) من الإطافة وَهُوَ الدوران حول الشَّيْء. قَوْله: (بحفافية) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء المخففة وَبعد الْألف فَاء أُخْرَى تَثْنِيَة حفاف وَهُوَ الْجَانِب، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بجانبيه، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي بجوانبه أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (بجوانبه) وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى متشابهاً وَهُوَ أَيْضا مثل التَّفْسِير لما قبله، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بحافته. مُتَشابِهاً لَيْسَ مِنَ الاشْتِبَاهِ ولاكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً فِي التَّصْدِيقِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابهاً﴾ (الزمر: ٣٢) وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى: متشابهاً لَيْسَ من الِاشْتِبَاه الَّذِي بِمَعْنى الالتباس والاختلاط، وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه يشبه بعضه بَعْضًا فِي التَّصْدِيق لِأَن الْقُرْآن يُفَسر بعضه بَعْضًا، وَقيل: فِي تَصْدِيق الرَّسُول ﷺ ، فِي رسَالَته بِسَبَب إعجازه، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن ابْن حميد عَن جرير عَن يَعْقُوب عَن جَعْفَر عَن سعيد بن جُبَير.

стр. 5717

١ - (بابُ قَوْلُهُ: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٣٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا﴾ الْآيَة ... اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، فَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت فِي أهل مَكَّة، قَالُوا: يزْعم مُحَمَّد أَنه من قتل النَّفس الَّتِي حرمهَا الله وَعبد الْأَوْثَان لم يغْفر لَهُ، فَكيف نهاجر ونسلم وَقد عَبدنَا مَعَ الله آلهاً آخر وقتلنا النَّفس الَّتِي حرمهَا الله؟ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة، وَعنهُ أَنَّهَا نزلت فِي وَحشِي قَاتل حَمْزَة، وَعَن قَتَادَة: نَاس أَصَابُوا ذنوباً عَظِيمَة فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام اشفقوا أَن لَا يُتَاب عَلَيْهِم فَدَعَاهُمْ الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى الْإِسْلَام. وَعَن ابْن عمر: نزلت فِي عَيَّاش بن أبي ربيعَة والوليد بن الْوَلِيد وَنَفر من الْمُسلمين كَانُوا قد أَسْلمُوا ثمَّ فتنُوا وعذبوا فافتتنوا فَكُنَّا نقُول: لَا يقبل الله مِنْهُم صرفا وَلَا عدلا أبدا، قوم أَسْلمُوا ثمَّ تركُوا دينهم لعذاب عذبُوا بِهِ، فَنزلت. ٠١٨٤ - حدَّثني إبْراهِيمُ بنُ مُوساى أخبرنَا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلاى أنَّ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ أخبرَهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ نَاسا مِنْ أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا قَدْ قَتَلوا وَأكْثَرُوا وَزَنَوْا وأكْثَرُوا فأتَوْا مُحَمَّداً ﷺ فقالُوا إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَملْنا كَفَّارَةً فَنَزَلَ: ﴿والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلاهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلَاّ بالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) . وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إنَّ الله يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن إِبْرَاهِيم بن دِينَار وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفِتَن عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة وَفِي التَّفْسِير عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي. قَوْله: (قَالَ يعلى) ، أَي قَالَ: قَالَ يعلى، سقط خطأ وَثَبت لفظا، ويعلى هُوَ ابْن مُسلم بن هُرْمُز روى عَنهُ ابْن جريج فِي: (الصَّحِيحَيْنِ) : قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : يعلى هَذَا هُوَ ابْن حَكِيم كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد مُصَرحًا بِهِ فِي إِسْنَاده، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إعلم أَن يعلى بن مُسلم ويعلى بن حَكِيم كليهمَا يرويان عَن سعيد بن جُبَير، وَابْن جريج يروي عَنْهُمَا، ولأقدح فِي الْإِسْنَاد بِهَذَا الالتباس لِأَن كلاًّ مِنْهُم على شَرط البُخَارِيّ. قلت: أما صَاحب (التَّوْضِيح) : فَإِنَّهُ نسب إِلَى أبي دَاوُد أَنه صرح بِأَنَّهُ يعلى بن حَكِيم وَلَيْسَ كَمَا ذكره فَإِنَّهُ لم يُصَرح بِهِ فِي إِسْنَاده بل ذكره البُخَارِيّ من غير نِسْبَة، وَأما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ سلك طَرِيق السَّلامَة وَلم يجْزم بِأحد يعليين، وَلَا خلاف أَنه يعلى بن مُسلم هَهُنَا، وَيُؤَيِّدهُ أَن الْحَافِظ الْمزي ذكر فِي (الْأَطْرَاف) : على رَأس هَذَا الحَدِيث أَنه يعلى ابْن مُسلم، كَمَا وَقع بِهِ مُصَرحًا عِنْد مُسلم. قَوْله: (إِن نَاسا من أهل الشّرك) أخرج الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس أَن السَّائِل عَن ذَلِك هُوَ وَحشِي بن حَرْب. قَوْله: (أَن لما) ، أَي: الَّذِي (عَمِلْنَاهُ كَفَّارَة) نصب على إِنَّه إسم: إِن تقدم عَلَيْهِ الْخَبَر. ٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الزمر: ٧٦) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله : وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب. قَوْله: ﴿وَمَا قدرُوا الله﴾ أَي: مَا عظموه حق عَظمته حِين أشركوا بِهِ. ١١٨٤ - حدَّثنا آدَمُ حدّثنا شَيْبانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ جاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبارِ إلَى رسُولِ الله ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّا نَجِدُ أنَّ الله يَجْعَلُ السَّماوات عَلَى إصْبَعِ والأرَضِينَ عَلَى إصْبَعِ والشَّجَرَ عَلَى إصْبَعِ والماءَ والثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ وسائِرَ

стр. 5718

الخَلائِق عَلَى إصْبَعٍ فَيَقُولُ أَنا المَلِكُ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقاً لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأ رسولُ الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الزمر: ٧٦) .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس عبد الرَّحْمَن، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَعبيدَة بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: السَّلمَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن عُثْمَان وَعَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن غَيره. قَوْله: (حبر) بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، و: الْعَالم، بِالْفَتْح وَمَا يكْتب بِهِ بِالْكَسْرِ. قَوْله: (على إِصْبَع) المُرَاد مِنْهُ الْقُدْرَة، وَقَالَ ابْن فورك: المُرَاد بِهِ هُنَا إِصْبَع بعض مخلوقاته، وَهُوَ غير مُمْتَنع، وَقَالَ مُحَمَّد ابْن شُجَاع الثَّلْجِي: يحْتَمل أَن يكون خلق خلقه الله تَعَالَى يُوَافق اسْمه إسم الإصبع، وَمَا ورد فِي بعض الرِّوَايَات من أَصَابِع الرَّحْمَن يؤول بِالْقُدْرَةِ أَو الْملك، وَقَالَ الْخطابِيّ: الأَصْل فِي الإصبع وَنَحْوهَا أَن لَا يُطلق على الله إلَاّ أَن يكون بِكِتَاب أَو خبر مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ، فَإِن لم يَكُونَا فالتوقف عَن الْإِطْلَاق وَاجِب، وَذكر الْأَصَابِع لم يُوجد فِي الْكتاب وَلَا فِي السّنة القطعية، وَلَيْسَ معنى الْيَد فِي الصِّفَات بِمَعْنى الْجَارِحَة حَتَّى يتَوَهَّم من ثُبُوتهَا ثُبُوت الإصبع، وَقد روى هَذَا الحَدِيث كثير من أَصْحَاب عبد الله من طَرِيق عُبَيْدَة فَلم يذكرُوا فِيهِ تَصْدِيقًا لقَوْل الحبر، وَقد ثَبت أَنه ﷺ قَالَ: (مَا حَدثكُمْ بِهِ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم) ، وَالدَّلِيل على أَنه لم ينْطق فِيهِ بِحرف تَصْدِيقًا لَهُ وتكذيباً، وَإِنَّمَا ظهر مِنْهُ الضحك المخيل للرضاء مرّة، وللتعجب وَالْإِنْكَار أُخْرَى، وَقَول من قَالَ: إِنَّمَا ظهر مِنْهُ الضحك تَصْدِيقًا للحبر ظن مِنْهُ، وَالِاسْتِدْلَال فِي مثل هَذَا الْأَمر الْجَلِيل غير جَائِز، وَلَو صَحَّ الْخَبَر لَا بُد من التَّأْوِيل بِنَوْع من الْمجَاز، وَقد يَقُول الْإِنْسَان فِي الْأَمر الشاق إِذا أضيف إِلَى الرجل الْقوي المستقل المستظهر إِنَّه يعمله بإصبع أَو بخنصر وَنَحْوه، يُرِيد الِاسْتِظْهَار فِي الْقُدْرَة عَلَيْهِ والاستهانة بِهِ، فَعلم أَن ذَلِك من تَحْرِيف الْيَهُودِيّ، فَإِن ضحكه ﷺ إِنَّمَا كَانَ على معنى التَّعَجُّب والتكبر لَهُ، وَقَالَ التَّمِيمِي تكلّف الْخطابِيّ فِيهِ، وأتى فِي مَعْنَاهُ مَا لم يَأْتِ بِهِ السّلف، وَالصَّحَابَة كَانُوا أعلم بِمَا رَوَوْهُ، وَقَالُوا: إِنَّه ضحك تَصْدِيقًا لَهُ، وَثَبت فِي السّنة الصَّحِيحَة: (مَا من قلب إِلَّا وَهُوَ بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأمة فِي مثلهَا طَائِفَتَانِ مفوضة ومؤولة واقفون على قَوْله: ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ (آل عمرَان: ٧) وَقَالَ النَّوَوِيّ، ﵀: وَظَاهر السِّيَاق يدل على أَنه ضحك تَصْدِيقًا بِدَلِيل قِرَاءَته الْآيَة الَّتِي تدل على صِحَة مَا قَالَ الحبر. قَوْله: (نَوَاجِذه) ، بالنُّون وَالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هِيَ الأضراس كلهَا لَا أقْصَى الْأَسْنَان، وَالْأَحْسَن مَا قَالَه ابْن الْأَثِير: النواجذ من الْإِنْسَان الضواحك، وَهِي الَّتِي تبدو عِنْد الضحك، وَالْأَكْثَر الْأَشْهر أَنَّهَا أقْصَى الْأَسْنَان، وَالْمرَاد الأول لِأَنَّهُ ﷺ ، مَا كَانَ يبلغ بِهِ الضحك حَتَّى يَبْدُو آخر أَضْرَاسه، كَيفَ وَقد جَاءَ فِي صفة ضحكه: (جلّ ضحكه التبسم) ، وَإِن أُرِيد بهَا الْأَوَاخِر فَالْوَجْه فِيهِ أَن يُرَاد مُبَالغَة مثله فِي الضحك من غير أَن يُرَاد ظُهُور نَوَاجِذه فِي الضحك، وَهُوَ أَقيس الْقَوْلَيْنِ لاشتهار النواجذ بأواخر الْأَسْنَان. ٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (الزمر: ٧٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا﴾ الْآيَة ... وَلم يذكر لفظ: بَاب، فِي بعض النّسخ، وَلما أخبر الله تَعَالَى عَن عَظمته قبل هَذِه الْآيَة ذكر أَن من جملَة عَظمته أَن الأَرْض جَمِيعًا قَبضته أَي: ملكه يَوْم الْقِيَامَة بِلَا مُنَازع وَلَا مدافع، قَالَ الْأَخْفَش: هَذَا كَمَا يُقَال: خُرَاسَان فِي قَبْضَة فلَان، لَيْسَ يُرِيد أَنَّهَا فِي كَفه، إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا ملكه، وَلما وَقع الأَرْض مُفردا حسن تأكيده بقوله: جَمِيعًا، أَشَارَ إِلَى أَن المُرَاد جَمِيع الْأَرَاضِي. قَوْله: (مَطْوِيَّات) للطي معَان: (الإدراج) : كطي القرطاس وَالثَّوْب، بَيَانه فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١) ، (والإخفاء) ، يُقَال: طويت فلَانا عَن أعين النَّاس، واطوِ هَذَا الحَدِيث عني أَي: استره، والإعراض، يُقَال: طويت عَن فلَان أَعرَضت عَنهُ، (والإفناء) : يَقُول الْعَرَب: طويت فلَانا بسيفي أَي أفنيته، وَإِنَّمَا ذكر الْيَمين للْمُبَالَغَة فِي الاقتدار، وَقيل: هُوَ بِمَعْنى الْقُوَّة، وَقيل: الْيَمين الْقسم لِأَنَّهُ حلف أَنه يطويها وينفيها، ثمَّ نزه الله فَقَالَ سُبْحَانَهُ الْآيَة.

стр. 5719

٢١٨٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدّثني اللَّيْثُ قَالَ حدّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدِ ابنِ مُسافِرٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ أبي سَلَمَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ يَقْبِضُ الله الأرْضَ وَيَطْوِي السَّماواتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنا المَلِكُ أيْنَ مُلوكُ الأرْضِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسَعِيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ إسم جده، وَسَعِيد بن كثير بن عفير بن مُسلم أَبُو عُثْمَان الْمصْرِيّ وَهُوَ من رجال مُسلم أَيْضا، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن يُونُس بن يزِيد. قَوْله: (بِيَمِينِهِ) يُرِيد بِهِ: الْقُوَّة. ٤ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ونُفِخَ فِي الصُّوَرِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومنْ فِي الأرْضِ إلَاّ مَنْ شاءَ الله ثمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فإذَا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (الزمر: ٨٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنفخ فِي الصُّور﴾ ، الْآيَة. قَوْله: (فِي الصُّور) ، هُوَ قرن ينْفخ فِيهِ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْن عمر ﵄، عَن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَصعِقَ) ، أَي: مَاتَ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض. قَوْله: (إِلَّا من شَاءَ الله) ، اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: هم الشُّهَدَاء عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ سَأَلَ جبرل عَن هَذِه الْآيَة ﴿من أُولَئِكَ الَّذين لم يَشَأْ الله قَالَ هُوَ الشُّهَدَاء) متقلدين أسيافهم حول الْعَرْش، وَقيل: هم جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل، رَوَاهُ أنس عَن النَّبِي ﷺ ، وَعَن كَعْب الْأَحْبَار: هم إثنا عشر: حَملَة الْعَرْش ثَمَانِيَة وجبرائيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت، وَعَن الضَّحَّاك: هم رضوَان والحور الْعين وَمَالك والزبانية، وَعَن الْحسن: ﴿إلَاّ من شَاءَ الله﴾ يَعْنِي: الله وَحده، وَقيل: عقارب النَّار وحياتها. قَوْله: (ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى) أَي: ثمَّ نفخ فِي الصُّور نفخة أُخْرَى. قَوْله: (فَإِذا هم قيام) ، أَي: من قُبُورهم (ينظرُونَ) إِلَى الْبَعْث، وَقيل: ينظرُونَ أَمر الله تَعَالَى فيهم. ٣١٨٤ - حدَّثني الْحَسَنُ حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ أخبرنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بنِ أبي زَائِدَةَ عَنْ عامِرٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنِّي أوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ فإذَا أَنا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بالعَرْشِ فَلَا أدْرِي أكَذَلِكَ كانَ أمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: بعد النفخة الْآخِرَة. وَالْحسن، كَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَذكر فِي كتاب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : كَانَ سهل بن السّري الْحَافِظ يَقُول: إِن الْحسن بن شُجَاع أَبُو عَليّ الْحَافِظ الْبَلْخِي، فَإِن كَانَ هُوَ فَإِنَّهُ مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ النّصْف من شَوَّال سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ ابْن تسع وَأَرْبَعين. قلت: فعلى هَذَا هُوَ أَصْغَر من البُخَارِيّ وَمَات قبله، وَكَانَ سهل بن السّري أَيْضا يَقُول: إِنَّه الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي عِنْدِي. قلت: الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح أَبُو عَليّ الزَّعْفَرَانِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان بَقينَ من رَمَضَان سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَوَقع فِي كتاب البرقاني أَن البُخَارِيّ قَالَ، هَذَا فِي حَدِيث: حَدثنَا الْحُسَيْن، بِضَم أَوله مُصَغرًا، وَنقل عَن الْحَاكِم أَنه الْحُسَيْن بن مُحَمَّد القباني، وَإِسْمَاعِيل ابْن خَلِيل أَبُو عبد الله الخزاز الْكُوفِي وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا وَقَالَ البُخَارِيّ جَاءَنَا نعيه سنة خَمْسَة وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الرَّحِيم هُوَ ابْن سُلَيْمَان أَبُو عَليّ الرَّازِيّ سكن الْكُوفَة، وزكرياء بن أبي زَائِدَة بن مَيْمُون الْهَمدَانِي الْأَعْمَى الْكُوفِي أَبُو يحيى، وَاسم أبي زَائِدَة خَالِد، وَيُقَال: هُبَيْرَة، مَاتَ سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وعامر هُوَ ابْن شرَاحِيل الشّعبِيّ. والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي أول: بَاب الإشخاص، وَمضى أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈، فِي: بَاب وَفَاة مُوسَى. قَوْله: (بعد النفخة الْآخِرَة) ، وَهِي نفخة الْإِحْيَاء، والنفخة الأولى نفخة الإماتة. قَوْله: (فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِك كَانَ) ، أَي: أَنه لم يمت عِنْد النفخة الأولى، وَاكْتفى بصعقة الطّور أم أحيى بعد النفخة الثَّانِيَة قبلي، وَتعلق بالعرش؟ هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْموضع

стр. 5720

أَن يُقَال: إِن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي مضى فِي الإشخاص: أَن النَّاس يصعقون يَوْم الْقِيَامَة فيصعق مَعَهم النَّبِي ﷺ ، فَيكون النَّبِي أول من يفِيق، فَإِذا أَفَاق يرى مُوسَى ﵇، مُتَعَلقا بالعرش وَلَا يدْرِي أَنه كَانَ فِيمَن صعق فأفاق قبله ﷺ أَو كَانَ مِمَّن اسْتثْنى الله ، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مَضْمُون ذَلِك الحَدِيث الَّذِي أخرجه فِي الإشخاص وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈. ٤١٨٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حدّثنا أبي قَالَ حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا بَينَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أرْبَعُونَ يَوْماً قَالَ أبَيْتُ قَالَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أبَيْتُ قَالَ أرْبَعُونَ شَهْراً قَالَ أبَيْتُ وَسَيُبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسَانِ إلاّ عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ. (انْظُر الحَدِيث ٤١٨٤ طرفه فِي: ٥٣٩٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اشتماله على النفخ. وَشَيخ البُخَارِيّ يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها، وَهُوَ يروي عَن سلميان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان. قَوْله: (مَا بَين النفختين) وهما النفخة الأولى والنفخة الثَّانِيَة. قَوْله: (قَالُوا) ، أَي: أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (أَبيت) من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع أَي: امْتنعت من تعْيين ذَلِك بِالْأَيَّامِ والسنين والشهور، لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده علم بذلك، وَقَالَ بَعضهم: وَزعم بعض الشُّرَّاح أَنه وَقع عِنْد مُسلم: أَرْبَعِينَ سنة، وَلَا وجود لذَلِك. انْتهى. قلت: إِن كَانَ مُرَاده من بعض الشُّرَّاح صَاحب (التَّوْضِيح) : فَهُوَ لم يقل كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ: وَقد جَاءَت مفسرة فِي رِوَايَة غَيره فِي غير مُسلم: أَرْبَعُونَ سنة، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق سعيد بن الصَّلْت عَن الْأَعْمَش فِي هَذَا الْإِسْنَاد: أَرْبَعُونَ سنة، وَهُوَ شَاذ، وَمن وَجه ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا بَين النفخة والنفخة أَرْبَعُونَ سنة. قَوْله: (وسيبلى) أَي: سيخلق، من: بلَى الثَّوْب يبلي بلَى بِكَسْر الْبَاء، فَإِن فتحتها مددتها. وأبليت الثَّوْب. قَوْله: (إلَاّ عجب ذَنبه) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم، وَهُوَ أصل الذَّنب وَهُوَ عظم لطيف فِي أصل الصلب، وَهُوَ رَأس العصعص، وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْبَعْث) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قيل: يَا رَسُول الله! مَا الْعجب؟ قَالَ: مثل حَبَّة خَرْدَل. انْتهى. وَيُقَال لَهُ: عجم، بِالْمِيم كلاب ولازم، وَهُوَ أول مَخْلُوق من الْآدَمِيّ، وَهُوَ الَّذِي يبْقى ليركب عَلَيْهِ الْخلق، وَفَائِدَة إبْقَاء هَذَا الْعظم دون غَيره مَا قَالَه ابْن عقيل: لله فِي هَذَا سر لَا نعلمهُ لِأَن من يظْهر الْوُجُود من الْعَدَم لَا يحْتَاج إِلَى أَن يكون لفعله شَيْء يبْنى عَلَيْهِ وَلَا خميرة، فَإِن علل هَذَا يتجوز أَن يكون الْبَارِي جلت عَظمته جعل ذَلِك عَلامَة للْمَلَائكَة، على أَن يحيى كل إِنْسَان بجواهره بِأَعْيَانِهَا وَلَا يحصل الْعلم للْمَلَائكَة بذلك إلَاّ بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بذلك إِعَادَة الْأَرْوَاح إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَان الَّتِي هِيَ جُزْءا مِنْهَا، كَمَا أَنه لما مَاتَ عُزَيْرًا ﵊، وَحِمَاره، أبقى عِظَام الْحمار فكساها ليعلم أَن ذَلِك المنشى ذَلِك الْحمار لَا غَيره، وَلَوْلَا إبْقَاء شَيْء لجوزت الْمَلَائِكَة أَن تكون الْإِعَادَة للأرواح إِلَى أَمْثَال الأجساد لَا إِلَى أعيانها. فَإِن قلت: فِي (الصَّحِيح) يبْلى كل شَيْء من الْإِنْسَان، وَهنا يبْلى إلَاّ عجب الذَّنب؟ قلت: هَذَا لَيْسَ بِأول عَام خص. ولأباول مُجمل فصل، كَمَا نقُول: إِن هذَيْن الْحَدِيثين خص مِنْهُمَا الْأَنْبِيَاء ﵈، لِأَن الله تَعَالَى حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أَجْسَادهم وَألْحق ابْن عبد الْبر الشُّهَدَاء بهم، والقرطبي الْمُؤَذّن الْمُحْتَسب. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْعجب بِعَدَمِ البلى دون غَيره؟ قلت: لِأَن أصل الْخلق مِنْهُ وَمِنْه يركب، وَهُوَ قَاعِدَة بَدْء الْإِنْسَان وأسه الَّذِي يبْنى عَلَيْهِ، فَهُوَ أَصْلَب من الْجَمِيع كقاعدة الْجِدَار، وَقَالَ بَعضهم: زعم بعض الشُّرَّاح أَن المُرَاد بِأَنَّهُ لَا يبْلى أَي: يطول بَقَاؤُهُ لَا أَنه لَا يبْلى أصلا، وَهَذَا مَرْدُود لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر بِغَيْر دَلِيل. انْتهى. قلت: بعض الشُّرَّاح هَذَا هُوَ شَارِح (المصابيح) الَّذِي يُسمى شَرحه مظْهرا، وَلَيْسَ هُوَ شَارِح البُخَارِيّ، وَلَيْسَ هُوَ بمنفرد بِهَذَا القَوْل، وَبِه قَالَ الْمُزنِيّ أَيْضا، فَإِنَّهُ قَالَ: إلَاّ، هُنَا بِمَعْنى الْوَاو، أَي: وَعجب الذَّنب أَيْضا يبْلى، وَجَاء عَن الْفراء والأخفش: مَجِيء إلَاّ بِمَعْنى الْوَاو، لَكِن هَذَا خلاف الظَّاهِر، وَكَيف لَا وَقد جَاءَ عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيق همام عَنهُ: أَن للْإنْسَان عظما لَا تَأْكُله الأَرْض

стр. 5721

أبدا، فِيهِ يركب يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالُوا: أَي عظم هُوَ؟ قَالَ: عجب الذَّنب، رَوَاهُ مُسلم. قَوْله: (فِيهِ يركب الْخلق) ، لَا يُعَارضهُ حَدِيث سلمَان: إِن أول مَا خلق من آدم رَأسه، لِأَن هَذَا فِي حق آدم وَذَاكَ فِي حق بنيه، وَقيل: المُرَاد بقول سُلَيْمَان: نفخ الرّوح فِي آدم لَا خلق جسده. ٠٤ - (سورَةُ المُؤْمِنِ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْمُؤمن، وَفِي بعض النّسخ الْمُؤمن، بِغَيْر لفظ: سُورَة، وَفِي بَعْضهَا: سُورَة الْمُؤمن حم. (بِسم الله الرحمان الرَّحِيم) لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر، وَهِي مَكِّيَّة بِلَا خلاف، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد الزمر وَقبل حم السَّجْدَة وَبعد السَّجْدَة الشورى ثمَّ الزخرف ثمَّ الدُّخان ثمَّ الجاثية ثمَّ الْأَحْقَاف، وَهِي أَرْبَعَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَسِتُّونَ حرفا، وَألف وَمِائَة وتسع وَتسْعُونَ كلمة، وَخمْس وَثَمَانُونَ آيَة. قَالَ مُجاهِدٌ: حم مَجازُها مَجازُ أوَائِلِ السُّوَرِ قَوْله: (حم) فِي مَحل الِابْتِدَاء: (ومجازها) ، مُبْتَدأ ثَان. وَقَوله: (مجَاز أَوَائِل السُّور) ، خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، ومجازها بِالْجِيم وَالزَّاي أَي: طريقها أَي حكمهَا حكم سَائِر الْحُرُوف الْمُقطعَة الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور للتّنْبِيه على أَن هَذَا الْقُرْآن من جنس هَذِه الْحُرُوف، وَقيل: القرع الْعَصَا عَلَيْهِم. وَعَن عِكْرِمَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : حم إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَهِي مِفْتَاح خَزَائِن رَبك، ﷻ ، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ إسم الله الْأَعْظَم، وَعنهُ: قسم أقسم الله بِهِ، وَعَن قَتَادَة: إسم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَعَن الشّعبِيّ: شعار السُّورَة، وَعَن عَطاء الْخُرَاسَانِي: الْحَاء افْتِتَاح أَسمَاء الله تَعَالَى: حَلِيم وَحميد وَحي وحنان وَحَكِيم وحفيظ وحبِيب، وَالْمِيم افْتِتَاح اسْمه: مَالك ومجيد ومنان. وَعَن الضَّحَّاك وَالْكسَائِيّ: مَعْنَاهُ قضى مَا هُوَ كَائِن، كَأَنَّهُمَا أَرَادَا الْإِشَارَة إِلَى: حم، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْمِيم. ويُقالُ: بَلْ هُوَ إسْمٌ، لِقَوْلِ شُرَيْحِ بنِ أبي أوْفَى العَبْسِيِّ: (يُذَكِّرُني حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ ... فَهَلَاّ تَلَا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ) الْقَائِلُونَ بِأَن لفظ: حم إسم هم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ الْآن، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول الشَّاعِر الْمَذْكُور حَيْثُ وَقع لفظ: حم، فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَنْصُوبًا على المفعولية، وَكَذَا قَرَأَ عِيسَى بن عمر: أَعنِي بِفَتْح الْمِيم، وَقيل: يجوز أَن يكون لالتقاء الساكنين. قلت: الْقَاعِدَة أَن السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ، وَيجوز الْفَتْح وَالْكَسْر فِي الْحَاء وهما قراءتان. قَوْله: (وَيُقَال) فِي رِوَايَة أبي ذَر: قَالَ البُخَارِيّ: وَيُقَال قَوْله: (شُرَيْح بن أبي أوفى) هَكَذَا وَقع ابْن أبي أوفى فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ شُرَيْح بن أوفى الْعَبْسِي، وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁، يَوْم الْجمل، وَكَانَ شعار أَصْحَاب عَليّ ﵁، يومئذٍ حم، فَلَمَّا نهد شُرَيْح لمُحَمد بن طَلْحَة بن عبيد الله الملقب بالسجاد وطعنه، قَالَ: حم، فَقَالَ شُرَيْح: يذكرنِي حَامِيم، الْفَاعِل فِيهِ مُحَمَّد السَّجَّاد، وَقيل، لما طعنه شُرَيْح قَالَ: ﴿أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله﴾ (غَافِر: ٨٢) فَهُوَ معنى قَوْله: (يذكرنِي حَامِيم) . قَوْله: (وَالرمْح شَاجر) جملَة إسمية وَقعت حَالا من: شجر الْأَمر يشجر شجوراً إِذا اخْتَلَط، واشتجر الْقَوْم وتشاجروا إِذا تنازعوا وَاخْتلفُوا وَالْمعْنَى هُنَا: وَالرمْح مشتبك مختلط. قَوْله: (فَهَلا) حرف تحضيض مُخْتَصّ بالجمل الفعلية الخبرية، وَالْمعْنَى: هلا كَانَ هَذَا قبل تشاجر الرماح عِنْد قيام الْحَرْب، قَوْله: (قبل التَّقَدُّم) ، أَي: إِلَى الْحَرْب، وَأول هَذَا الْبَيْت على مَا ذكره الْحسن بن المظفر النَّيْسَابُورِي فِي: (مأدبة الأدباء) : (وَأَشْعَث قوّام بآيَات ربه ... قَلِيل الْأَذَى فِيمَا ترى الْعين مُسلم) (هتكت بصدر الرمْح جيب قَمِيصه ... فَخر صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ) (على غير شَيْء غير أَن لَيْسَ تَابعا ... عليا وَمن لَا يتبع الْحق يظلم) يذكرنِي حميم ... . وَذكر عمر بن شبة بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق: أَن مَالِكًا الأشتر النَّخعِيّ قتل مُحَمَّد بن طَلْحَة، وَقَالَ فِي ذَلِك شعرًا وَهُوَ:

стр. 5722

(واشعث قوام بآيَات ربه ... الأبيات) وَذكر أَبُو محنف لوط فِي كِتَابه (حَرْب الْجمل) : الَّذِي قتل مُحَمَّدًا مُدْلِج بن كَعْب، رجل من بني سعد بن بكر، وَفِي كتاب الزبير بن أبي بكر: كَانَ مُحَمَّد أَمرته عَائِشَة ﵂، بِأَن يكف يَده فَكَانَ كلما حمل عَلَيْهِ رجل قَالَ: نشدتك بحاميم، حَتَّى شدّ عَلَيْهِ رجل من بني أَسد بن خُزَيْمَة يُقَال لَهُ: حَدِيد فنشده بحاميم فَلم ينْتَه وَقَتله، وَقيل: قَتله كَعْب بن مُدْلِج من بني منقذ بن طريف، وَيُقَال: قَتله عِصَام بن مُقْشَعِر النصري، وَعَلِيهِ كَثْرَة الحَدِيث وَقَالَ المرزباني: هُوَ الثبت وَهُوَ يخدش فِي إِسْنَاد البُخَارِيّ لِأَن هذَيْن الْإِمَامَيْنِ إِلَيْهِمَا يرجع فِي هَذَا الْبَاب. قلت: الزَّمَخْشَرِيّ الْعَلامَة ذكر هَذَا الْبَيْت فِي أول سُورَة الْبَقَرَة وَنسبه إِلَى شُرَيْح بن أوفى الْمَذْكُور، وَفِي (الحماسة) البحترية قَالَ عدي بن حَاتِم. (من مبلغ أفناء مذْحج انني ... ثأرت بحالي ثمَّ لم أتأثم) (تركت أَبَا بكر ينوء بصدره ... بصفين مخضوب الكعوب من الدَّم) (يذكرنِي ثَأْرِي غَدَاة لَقيته ... فأجررته رُمْحِي فَخر على الْفَم) (يذكرنِي ياسين حِين طعنته ... فَهَلا تَلا ياسين قبل التَّقَدُّم) الطَّوْلُ التَّفَضُّلُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول﴾ (غَافِر: ٣) وَفَسرهُ بالتفضل، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: تَقول الْعَرَب للرجل إِنَّه لذُو طول على قومه أَي: ذُو فضل عَلَيْهِم، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. فِي قَوْله: (ذِي الطول، قَالَ: ذِي السعَة والغنى، وَمن طَرِيق عِكْرِمَة: ذِي المنن، وَمن طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: ذِي النعماء. داخِرِينَ خَاضِعِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ (غَافِر: ٠٦) وَفَسرهُ بقوله: (خاضعين) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن السّديّ: صاغرين. وَقَالَ مُجاهِدٌ: إلَى النَّجاةِ إِلَى الْإِيمَان أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَا قوم مَالِي أدعوكم إِلَى النجَاة وتدعونني إِلَى النَّار﴾ (غَافِر: ١٤) وَفسّر قَوْله: إِلَى النجَاة، بقوله: إِلَى الْإِيمَان. لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ يَعْنِي لِلْوَثَنِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جرم إِنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَة فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة﴾ (غَافِر: ٣٤) وَقَالَ: لَيْسَ للوثن دَعْوَة، هَذَا من تَتِمَّة كَلَام الرجل الَّذِي آمن بمُوسَى ﵇، وَهُوَ الَّذِي أخبر الله تَعَالَى عَنهُ بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمن يَا قوم اتبعوني أهدكم سَبِيل الرشاد﴾ (غَافِر: ٨٣) وَكَانَ من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه مِنْهُ وَمن قومه، وَعَن السّديّ وَمُقَاتِل: كَانَ ابْن عَم فِرْعَوْن، وَعَن ابْن عَبَّاس، أَن اسْمه حزقيل، وَعَن وهب بن مُنَبّه: خزيبال، وَعَن إِسْحَاق: خزبيل، وَقيل: حبيب. يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿إِذا الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيم ثمَّ فِي النَّار يسجرون﴾ (غَافِر: ٢٧) وَفَسرهُ بقوله: (توقد بهم النَّار) . وَعَن مُجَاهِد: يصيرون وقوداً فِي النَّار. تَمْرَحُونَ: تَبْطَرُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تمرحون﴾ (غَافِر: ٥٧) وَفَسرهُ بقوله: تبطرون، من البطر بِالْبَاء الْمُوَحدَة والطاء الْمُهْملَة. وكانَ العلَاءُ بنُ زِيادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ فَقَالَ رجُلٌ لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ قَالَ وَأَنا أقْدِرُ أنْ أُقَنِّطُ النَّاسَ وَالله يَقُولُ: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾ (الزمر: ٣٥) ويَقُولُ: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصْحابُ النَّارِ﴾ (غَافِر: ٣٤) ولكنَّكُمْ تُحِبُّونَ أنْ تُبَشَّرُوا بالجَنَّةِ عَلَى مَساوِيءِ أعْمالِكُم وإنَّما بَعَثَ الله مُحَمَّداً ﷺ مُبَشِّراً بالجَنَّةِ لَمِنْ أطاعَهُ ومُنْذِراً بالنَّارِ مَنْ عَصاهُ.

стр. 5723

الْعَلَاء بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف الْعَدوي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الزَّاهِد، قَلِيل الحَدِيث وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، مَاتَ قَدِيما سنة أَربع وَتِسْعين. قَوْله: (يذكر النَّار) ، قَالَ بَعضهم: هُوَ بتَشْديد الْكَاف. قلت: لَيْسَ بِصَحِيح بل هُوَ بِالتَّخْفِيفِ على مَا لَا يخفى. قَوْله: (لم تقنط النَّاس) ؟ من التقنيط لَا من قنط يقنط قنوطاً، وَهُوَ أَشد الْيَأْس من الشَّيْء، وأصل: لم لما فحذفت الْألف وَهِي اسْتِفْهَام. قَوْله: (أَن تبشروا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التبشير. قَوْله: (ومنذراً) ، ويروى: ينذر. قَوْله: (من عَصَاهُ) ، ويروى: لمن عَصَاهُ. ٥١٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ حَدثنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حَدثنِي يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ حَدثنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ الله بنِ عَمْروِ بنِ العاصِ أخْبَرَنِي بأشَدِّ مَا صَنَعَ المُشْرِكُونَ برَسولِ الله ﷺ قَالَ بَيْنا رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بنُ أبِي مُعَيْطٍ فأخَذَ بِمَنْكِبِ رسُولِ الله ﷺ ولَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقاً شَديداً فأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فأخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رسولِ الله ﷺ وَقَالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جاءَكُمْ بالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (غَافِر: ٨٢) . (انْظُر الحَدِيث ٨٧٦٣ وطرفه) . الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي يروي عَن عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ. والْحَدِيث مضى فِي آخر مَنَاقِب أبي بكر ﵁، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يزِيد الْكُوفِي عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١٤ - (سورَةُ حم السَّجْدَةِ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة حم السَّجْدَة، وَهِي مَكِّيَّة بِلَا خلاف نزلت بعد الْمُؤمن وَقبل الشورى، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وثلثمائة وَخَمْسُونَ حرفا، وَسَبْعمائة وست وَسَبْعُونَ كلمة، وَأَرْبع وَخَمْسُونَ آيَة. لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر. (بابٌ: وَقَالَ طاوُوسٌ عَن ابنِ عبَّاسٍ ﴿ائْتِيا طَوْعاً أَو كَرَها﴾ (فصلت: ١١) لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، أَي: قَالَ طَاوُوس عَن عبد الله بن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ائتيا طَوْعًا أَو كرها﴾ وَفسّر: ائتيا. بقوله: (اعطيا) ، هُوَ صِيغَة أَمر للتثنية من الْإِعْطَاء، وَفسّر: أَتَيْنَا من الْإِتْيَان بقوله: (أعطينا) ، وَهُوَ الْفِعْل الْمَاضِي للمتكلم مَعَ الْغَيْر وروى هَذَا التَّعْلِيق أَبُو مُحَمَّد الْحَنْظَلِي عَن عَليّ بن الْمدْرك كِتَابَة، قَالَ: أخبرنَا زيد بن الْمُبَارك أخبرنَا ابْن ثَوْر عَن ابْن جريج عَن سُلَيْمَان الْأَحول عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس: وَقَالَ ابْن التِّين: لَيْسَ (أَتَيْنَا) بِمَعْنى (أعطينا) فِي كَلَامهم إلَاّ أَن يكون ابْن عَبَّاس قَرَأَ بِالْمدِّ، لِأَن أَتَى مَقْصُورا مَعْنَاهُ: جَاءَ، وممدوداً رباعياً مَعْنَاهُ: أعْطى، وَنقل عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَرَأَهَا آتِيَا، بِالْمدِّ على معنى أعطيا الطَّاعَة، وَأَن ابْن عَبَّاس قَرَأَ: آتَيْنَا بِالْمدِّ أَيْضا على الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَقَالَ عِيَاض: لَيْسَ، أَتَى: هَهُنَا بِمَعْنى: أعْطى، وَإِنَّمَا هُوَ من الْإِتْيَان وَهُوَ الْمَجِيء، وَبِهَذَا فسره الْمُفَسِّرُونَ قلت: فِي (تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ) (طَوْعًا وَكرها) أَي: جيئا بِمَا خلقت فيكما من الْمَنَافِع وأخرجاها وَأظْهر الخلقي، وَعَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الله لِلسَّمَوَاتِ: أطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وَقَالَ للْأَرْض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك، وَقَالَ السُّهيْلي فِي: (أَمَالِيهِ) : قيل: إِن البُخَارِيّ وَقع لَهُ فِي: أَتَى، من الْقُرْآن وهم: فَإِن كَانَ هَذَا وإلَاّ فَهِيَ قِرَاءَة بلغته وَوَجهه أعطيا الطَّاعَة كَمَا يُقَال فلَان يعْطى الطَّاعَة وَقَالَ وَقد قرى ثمَّ سئلوا الْفِتْنَة لآتوها بِالْمدِّ وَالْقصر والفتنة ضد الطَّاعَة، وَإِذا جَازَ فِي إِحْدَاهمَا جَازَ فِي الْأُخْرَى. انْتهى، وَجوز بعض الْمُفَسّرين أَن: آتِيَا، بِالْمدِّ بِمَعْنى الْمُوَافقَة، وَبِه جزم

стр. 5724

صَاحب (الْكَشَّاف) ، فعلى هَذَا يكون الْمَحْذُوف مَفْعُولا وَاحِدًا، وَالتَّقْدِير: ليُوَافق كل مِنْكُمَا الْأُخْرَى. قَالَتَا: فَوَافَقنَا، وعَلى الأول يكون الْمَحْذُوف مفعولين، وَالتَّقْدِير: أعطيا من أمركما الطَّاعَة من أنفسكما، قَالَتَا: أعطيناه الطَّاعَة، وَإِنَّمَا جمع: طائعين، بِالْيَاءِ وَالنُّون، وَإِن كَانَ هَذَا الْجمع مُخْتَصًّا بِمن يعقل، لِأَن مَعْنَاهُ آتَيْنَا بِمن فيهمَا، أَو لِأَنَّهُ لما أخبر عَنهُ بِفعل من يعقل جَاءَ فِيهِنَّ بِالْيَاءِ وَالنُّون، كَمَا فِي قَوْله: ﴿رَأَيْتهمْ لي ساجدين﴾ (يُوسُف: ٤) . وَأَجَازَ الْكسَائي أَن يجمع بِالْيَاءِ وَالنُّون وَالْوَاو وَالنُّون، وَفِيه بعد. وَقَالَ المِنْهالُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ إنِّي أجِدُ فِي القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، قَالَ: ﴿فَلَا أنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَساءَلُونَ﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٠١) و ﴿أقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَساءَلُونَ﴾ (الصافات: ٧٢ و ٠٥ وَالطور: ٥٢) . ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ . ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ (النِّسَاء: ٢٤) ﴿وَالله رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (الْأَنْعَام: ٣٢) فَقَدْ كَتَمُوا فِي هاذِهِ الْآيَة، وَقَالَ: ﴿أم السَّماءُ بَناها﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَحاها﴾ (النازعات: ٧٢ و ٠٣) فَذَكَرَ خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أئِنَّكُمْ لَتكْفُرُونَ بالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إِلَى ﴿طائعين﴾ (فصلت: ٩ و ١١) فَذَكَرَ فِي هاذِهِ خَلْقَ الأرْض قَبْلَ السَّماءِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً﴾ . عَزِيزاً حَكِيماً. سَميعاً بَصِيراً. فَكأنَّهُ كانَ ثُمَّ مَضَى، فَقَالَ: فَلَا أنْسابَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْخَةِ الأولى ﴿ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّور فصَعِقَ مَنْ فِي السَّماوَاتِ ومَنْ فِي الأرْضِ إلَاّ مَنْ شاءَ الله فَلَا أنْسابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذالِكَ وَلَا يَتَساءَلُونَ﴾ ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَةِ. ﴿أقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ . ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ الله حدِيثاً﴾ فإنَّ الله يَغْفِرُ لأهْلِ الإخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ المُشْرِكُونَ: تَعالَوْا نقُولُ: لَمْ نكُنْ مُشرِكينَ، فَخُتِمَ عَلَى أفْواهِهِمْ فَتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ فَعِنْدَ ذالِكَ عُرِفَ أنَّ الله لَا يُكْتَمُ حَدِيثاً. وعِنْدَهُ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (النِّسَاء: ٢٤) . و ﴿خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَينِ ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحا الأرْضَ ودَحْوُها أنْ أخْرَجَ مِنْهَا المَاءَ والمرْعَى وخَلَقَ الجِبالَ والجمالَ والآكامَ وَمَا بَيْنَهُما فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ﴾ فذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دحاها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: ٩) فَجُعِلَتِ الأرْضُ وَمَا فِيها مِنْ شَيْءٍ فِي أرْبَعَةِ أيَّامٍ وخُلِقَتِ السَّماوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ وكانَ الله غَفُوراً سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ وذَلِكَ. قَوْلُهُ: أيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فإنَّ الله لَمْ يُرِدْ شَيْئاً إلَاّ أصابَ بِهِ الَّذِي أرَادَ، فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ القُرْآنُ، فإِنَّ كُلاًّ مِنْ عِنْدَ الله. لما ذكر الله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة الْكَرِيمَة خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ذكر مَا علقه من الْمنْهَال أَولا، ثمَّ أسْندهُ عَقِيبه، وَهُوَ بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون: ابْن عَمْرو الْأَسدي مَوْلَاهُم الْكُوفِي، صَدُوق من طبقَة الْأَعْمَش وَثَّقَهُ ابْن معِين وَالنَّسَائِيّ وَالْعجلِي وَآخَرُونَ، وَتَركه شُعْبَة لأمر لَا يُوجب فِيهِ قدحاً، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَآخر تقدم فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇. قَوْله: (عَن سعيد) ، هُوَ ابْن جُبَير، وَصرح بِهِ الْأصيلِيّ والنسفي فِي روايتهما. قَوْله: (قَالَ: قَالَ رجل) ، الظَّاهِر أَنه نَافِع بن الْأَزْرَق الَّذِي صَار بعد ذَلِك رَأس الْأزَارِقَة من الْخَوَارِج، وَكَانَ يُجَالس ابْن عَبَّاس بِمَكَّة ويسأله ويعارضه، وَحَاصِل سُؤَاله فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع على مَا نذكرهُ. قَوْله: (يخْتَلف عَليّ) ، أَي: يشكل ويضطرب عَليّ، إِذْ بَين ظواهرها تنافٍ وتدافع، أَو تفِيد شَيْئا لَا يَصح عقلا: الأول: من الأسئلة قَالَ: ﴿فَلَا أَنْسَاب بَينهم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَلَا يتساءلون﴾ فَإِن بَين قَوْله: وَلَا يتساءلون، وَبَين قَوْله: يتساءلون، تدافعاً ظَاهرا. الثَّانِي: قَوْله: ﴿وَلَا يكتمون الله حَدِيثا﴾ فَإِن بَينه وَبَين قَوْله: ﴿مَا كنامشركين﴾ تدافعاً ظَاهرا لِأَنَّهُ علم من الأول أَنهم لَا يكتمون الله حَدِيثا، وَمن الثَّانِي: أَنهم يكتمون كَونهم مُشْرِكين. الثَّالِث: قَوْله: ﴿أم السَّمَاء بناها﴾ إِلَى قَوْله: قبل خلق السَّمَاء

стр. 5725

فَإِن فِي الْآيَتَيْنِ المذكورتين تدافعاً لِأَن فِي إِحْدَاهمَا خلق السَّمَاء قبل الأَرْض، وَفِي الْأُخْرَى بِالْعَكْسِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ (الشَّمْس: ٥) وَهُوَ فِي سُورَة الشَّمْس، وَقَوله: ﴿وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها﴾ (النازعات: ٠٣) يدل على أَن المُرَاد ﴿أم السَّمَاء بناها﴾ (النازعات: ٧٢) الَّذِي فِي سُورَة والنازعات، الرَّابِع: (وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما) إِلَى قَوْله: ثمَّ مضى، فَإِن قَوْله: (وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما وسميعاً بَصيرًا) يدل على أَنه كَانَ مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصِّفَات فِي الزَّمَان الْمَاضِي ثمَّ تغير عَن ذَلِك، وَهُوَ معنى قَوْله: فَكَأَنَّهُ كَانَ ثمَّ مضى. قَوْله: (فَقَالَ: فَلَا أَنْسَاب إِلَى قَوْله وَلَا يتساءلون) جَوَاب عَن سُؤال الأول، أَي قَالَ: فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي الْجَواب مَا ملخصه: أَن التساؤل بعد النفخة الثَّانِيَة وَعدم التساؤل قبلهَا، وَعَن السّديّ: أَن نفي المساءلة عِنْد تشاغلهم بالصعق والمحاسبة وَالْجَوَاز على الصِّرَاط وإثباتها فِيمَا عدا ذَلِك. قَوْله: وَأما قَوْله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ إِلَى قَوْله: ﴿يود الَّذين كفرُوا﴾ فَهُوَ جَوَاب عَن السُّؤَال الثَّانِي وَمُلَخَّصه: أَن الكتمان قبل إنطاق الْجَوَارِح وَعَدَمه بعده. قَوْله: (فَعِنْدَ ذَلِك) أَي: عِنْد نطق أَيْديهم. قَوْله: (وَعِنْده يود الَّذين كفرُوا) أَي: وَعند علمهمْ أَن الله لَا يكتم حَدِيثا يود الَّذين كفرُوا هَذَا فِي سُورَة النِّسَاء. وَهُوَ قَوْله: ﴿يومئذٍ يود الَّذين كفرُوا وعصوا الرَّسُول لَو تسوى بهم الأَرْض وَلَا يكتمون الله حَدِيثا﴾ (النِّسَاء: ٢٤) ، أَي: يَوْم الْقِيَامَة يود الَّذين كفرُوا بِاللَّه وعصوا رَسُوله لَو تسوى بهم الأَرْض أَي لَو تسوت بهم الأَرْض وصاروا هم وَالْأَرْض شَيْئا وَاحِدًا، أَو أَنهم لم يكتموا أَمر مُحَمَّد ﷺ وَلَا نَعته، لِأَن مَا عملوه لَا يخفى على الله تَعَالَى فَلَا يقدرُونَ كِتْمَانه، لِأَن جوارحهم تشهد عَلَيْهِم. قَوْله: ﴿وَخلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: ٩) إِلَى قَوْله وَخلق السَّمَوَات فِي يَوْمَيْنِ جَوَاب عَن السُّؤَال الثَّالِث ملخصه: أَن خلق نفس الأَرْض قبل السَّمَاء ودحوها بعده، يُقَال: دحوت الشَّيْء دحوا بسطته بسطاً، وَقيل فِي جَوَابه: إِن خلق بِمَعْنى قدر. قَوْله: (ان أخرج) بِأَن أخرج فَإِن مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (والآكام) ، جمع أكمة بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْموضع الْمُرْتَفع من الأَرْض كَالتَّلِّ والرابية، ويروى: والأكوام. جمع كوم قَوْله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ (النِّسَاء: ٦٩ و ٠٠١ و ٢٥١ وَالْفرْقَان: ٠٧٢ والأحزاب: ٥ و ٠٥ و ٩٥ و ٣٧ وَالْفَتْح: ٤١) . الخ جَوَاب عَن السُّؤَال الرَّابِع، وَمُلَخَّصه: أَنه سمى نَفسه بِكَوْنِهِ غَفُورًا رحِيما، وَهَذِه التَّسْمِيَة مَضَت لِأَن التَّعَلُّق انْقَطع، وَأما معنى الغفورية والرحيمية فَلَا يزَال كَذَلِك لَا يَنْقَطِع، وَأَن الله إِذا أَرَادَ الْمَغْفِرَة أَو الرَّحْمَة أَو غَيرهمَا من الْأَشْيَاء فِي الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال فَلَا بُد من وُقُوع مُرَاده قطعا. قَوْله: (سمى نَفسه ذَلِك) ، أَي: سمى الله تَعَالَى ذَاته بالغفور والرحيم وَنَحْوهمَا، وَذَلِكَ قَوْله: (وَإنَّهُ لَا يزَال كَذَلِك لَا يَنْقَطِع وَأَن مَا شَاءَ كَانَ) ، وَقَالَت النُّحَاة: كَانَ لثُبُوت خَبَرهَا مَاضِيا دَائِما، وَلِهَذَا لَا يُقَال: صَار مَوضِع: كَانَ، لِأَن مَعْنَاهُ التجدد والحدوث، فَلَا يُقَال فِي حق الله ذَلِك. قَوْله: (فَلَا يخْتَلف) بِالْجَزْمِ، أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس للسَّائِل الْمَذْكُور: لَا يخْتَلف عَلَيْك الْقُرْآن فَإِنَّهُ من عِنْد الله ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ (النِّسَاء: ٢٨) . حَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بنُ عَدِيّ حَدثنَا عُبَيْدُ الله بنُ عَمْرٍ وَعَنْ زَيْدِ بنِ أنَيْسَةَ عَنِ المِنْهالِ بِهاذَا أسْند الحَدِيث الْمَذْكُور بعد أَن علقه كَمَا ذَكرْنَاهُ، قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّه سمع أَولا مُرْسلا وآخراً مُسْندًا فنقله كَمَا سَمعه، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْإِسْنَاد لَيْسَ بِشَرْطِهِ، واستبعد بَعضهم كَلَام الْكرْمَانِي هَذَا، وليت شعري مَا وَجه بعده وَمَا برهانه على ذَلِك؟ بل الظَّاهِر هُوَ الَّذِي ذكره، وَقَول الْكرْمَانِي: وَفِيه إِشَارَة ... إِلَى آخِره يُؤَيّدهُ كَلَام البرقاني حَيْثُ قَالَ: وَلم يخرج البُخَارِيّ ليوسف وَلَا لِعبيد الله بن عَمْرو وَلَا لزيد بن أبي أنيسَة مُسْندًا، سواهُ وَفِي مغايرته سِيَاق الْإِسْنَاد عَن ترتيبه الْمَعْهُود إِشَارَة إِلَى أَنه لَيْسَ على شَرطه، وَإِن صَارَت صورته صُورَة الْمَوْصُول. قَوْله: (حَدَّثَنِيهِ يُوسُف بن عدي) ، وَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: حَدَّثَنِيهِ عَن يُوسُف، بِزِيَادَة: عَن، وَهُوَ غلط وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: حَدَّثَنِيهِ ... إِلَى آخِره، وَكَذَا سقط من رِوَايَة أبي نعيم عَن الْجِرْجَانِيّ عَن الفريري، وَلَكِن ذكر البرقاني فَقَالَ: قَالَ لي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الأزدستاني: شوهدت نُسْخَة بِكِتَاب: (الْجَامِع) للْبُخَارِيّ فِيهَا على الْحَاشِيَة: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا يُوسُف بن عدي، فَذكره وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أَحْمد بن زَنْجوَيْه: أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن خَالِد الرقي: حَدثنَا عبيد الله بن عَمْرو عَن زيد عَن الْمنْهَال. قلت: يُوسُف بن عدي بن زُرَيْق التَّيْمِيّ الْكُوفِي نزيل مصر، وَهُوَ أَخُو زَكَرِيَّاء بن عدي، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَعبيد الله بن عَمْرو بِالْفَتْح الرقي بالراء وَالْقَاف، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، وَزيد بن أبي أنيسَة مصغر الأنسة بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة الجزيري، سكن الرها، قيل: إسم أبي أنيسَة زيد، وَمَات زيد الرَّاوِي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة.

стр. 5726

وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿لَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (فصلت: ٨) مَحْسُوب ويروي قَالَ: غير مَحْسُوب، رَوَاهُ عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن عَمْرو بن سعد عَن سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، فِي قَوْله: غير ممنون، قَالَ: غير مَنْقُوص. أقْوَاتَها أرْزَاقَها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبَارك فِيهَا وَقدر فهيا أقواتها﴾ (فصلت: ٠١) وَفسّر (أقواتها) بقوله: (أرزاقها) وَهَذَا أَيْضا تَفْسِير مُجَاهِد، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وأحدها قوت، وَهُوَ الرزق. فِي كُلِّ سَماء أمْرَها مِمَّا أمَرَ بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا﴾ (فصلت: ٢١) وَفَسرهُ بقوله: (مِمَّا أَمر بِهِ) وَهُوَ أَيْضا عَن مُجَاهِد. وَفِي لفظ: مِمَّا أَمر بِهِ، وأراده، وأراده أَي: من خلق النيرَان والنجوم والرجوم وَغير ذَلِك. وَعَن قَتَادَة وَالسُّديّ: خلق فِيهَا شمسها وقمرها ونجومها، وَخلق فِي كل سَمَاء من الْمَلَائِكَة والخلق الَّذِي فِيهَا من الْبحار وجبال الْبر دَوْمًا لَا يعلم. نَحِساتٍ: مَشائيمَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّام نحسات﴾ (فصلت: ٦١) وَفَسرهُ بقوله: (مشائيم) جمع مشومة، وَهُوَ أَيْضا عَن مُجَاهِد، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الصرصر شَدِيدَة الصَّوْت الْعَاصِفَة، نحسات ذَوَات نحوس أَي: مشائيم. ﴿وقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ (فصلت: ٥٢) قُرَنَّا بِهِمْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي وَجَمَاعَة وَعند الْأصيلِيّ: ﴿وقيضنا لَهُم قرناء﴾ قرناهم بهم تتنزل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة عِنْد الْمَوْت وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَلَيْسَ قَوْله: ﴿تتنزل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة﴾ (فصلت: ٠٣) عِنْد الْمَوْت تَفْسِير قَوْله: ﴿وقيضنا لَهُم قرناء﴾ وَفِي التَّفْسِير معنى: قيضنا سلطنا وبعثنا لَهُم قرناء يَعْنِي نظراء من الشَّيَاطِين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وقيضنا لَهُم قَدرنَا لَهُم، وَعَن مُجَاهِد: قرناء شياطين، وَقَالَ فِي قَوْله: ﴿تتنزل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة أَن لَا تخافوا وَلَا تحزنوا﴾ قَالَ: عِنْد الْمَوْت، وَكَذَا قَالَ الطَّبَرِيّ مفرقاً فِي موضِعين. اهْتزَّتْ بالنباتِ ورَبَتْ ارْتَفَعَتْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت﴾ (فصلت: ٩٣) وَفسّر: اهتزت يَعْنِي بالنبات وربت يَعْنِي ارْتَفَعت من الربو وَهُوَ النمو وَالزِّيَادَة، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، وَعند غَيرهمَا بِزِيَادَة وَهِي قَوْله: وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أكْمامِها حِينَ تَطلعُ أَي: وَقَالَ غير مُجَاهِد: معنى وربت ارْتَفَعت من أكمامها حِين تطلع، والأكمام جمع كم بِالْكَسْرِ، وَهُوَ وعَاء الطّلع، وَإِنَّمَا قُلْنَا غير مُجَاهِد لِأَن مَا قبله من قَوْله: قَالَ مُجَاهِد ... إِلَى هُنَا كُله عَن مُجَاهِد، وَلم يعْمل الشُّرَّاح هَهُنَا شَيْئا يجدي. لَيَقُولَنَّ هاذَا لي أيْ بِعَملِي أَنا مَحْقُوقٌ بِهاذَا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أذقناه رَحْمَة منا من بعد ضراء مسته ليَقُولن هَذَا لي﴾ (فصلت: ٠٥) وَفَسرهُ بقوله: (أَي بعملي) إِلَى آخِره، وَمعنى قَوْله: أَنا محقوق، أَي: مُسْتَحقّ لَهُ، وَقَالَ النَّسَفِيّ: ليَقُولن هَذَا لي أَي هَذَا حَقي وصل إِلَيّ لِأَنِّي استوجبه بِمَا عِنْدِي من خير وَفضل وأعمال بر، وَقيل: هَذَا لي لَا يَزُول. وَقَالَ غَيْرُهُ سَوَاءً لِلسائِلِينَ قَدَّرَها سَوَاءً لَيْسَ فِي رِوَايَة غير أبي ذَر والنسفي. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين﴾ (فصلت: ٠١) قَوْله: (فِيهَا) ، أَي: فِي الأَرْض، أقواتها أَي: أرزاق أَهلهَا ومعائشهم وَمَا يصلحهم. قَوْله: (فِي أَرْبَعَة أَيَّام) يَعْنِي: هَذَا مَعَ قَوْله خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ أَرْبَعَة أَيَّام وَأُرِيد باليومين يَوْم الْأَحَد والإثنين. قَوْله: (سَوَاء) ، فسره بقوله: (قدرهَا سَوَاء) أَي: سَوَاء للسائلين عَن ذَلِك، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: سَوَاء بِالنّصب على المصدرية، أَي: اسْتَوَت سواهُ، وَقيل: على الْحَال، وبالرفع

стр. 5727

أَي: هُوَ سَوَاء، وبالجر على نعت أَرْبَعَة أَيَّام، وَقيل معنى للسائلين أَي للسائلين الله حوائجهم، وع ابْن زيد: قدر ذَلِك على قدر مسائلهم، وَقيل: مَعْنَاهُ للسائلين وَغير السَّائِلين، يَعْنِي أَنه بَين أَمر خلق الأَرْض وَمَا فِيهَا للسائلين ولغير السَّائِلين، وَيُعْطِي لمن سَأَلَ وَلمن لَا يسْأَل. فَهَدَيْناهُمْ لَلْناهُمْ على الخَيْرِ والشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجُدَينِ﴾ (الْبَلَد: ٠١) وكَقَوْلِهِ: ﴿هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ (الْإِنْسَان: ٣) والهُدَى الَّذِي هُوَ الإرْشادُ بِمَنْزِلَةِ أسْعَدْناهُ وَمِنْ ذالِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الْأَنْعَام: ٠٩) . أَشَارَ بقوله: (فهديناهم) إِلَى قَوْله : ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ (فصلت: ٧١) وَفسّر: فهديناهم بقوله: (دللناهم على الْخَيْر وَالشَّر) أَرَادَ أَن الْهِدَايَة هُنَا بِمَعْنى الدّلَالَة الْمُطلقَة فِيهِ وَفِي أَمْثَاله، كَقَوْلِه: ﴿وهديناه النجدين﴾ أَي: دللناه الثديين، قَالَه سعيد بن الْمسيب وَالضَّحَّاك، والنجد طَرِيق فِي ارْتِفَاع، وَقَالَ أَكثر الْمُفَسّرين: بَينا لَهُ طَرِيق الْخَيْر وَالشَّر وَالْحق وَالْبَاطِل وَالْهدى والضلالة، وَكَذَلِكَ الْهِدَايَة بِمَعْنى الدّلَالَة فِي قَوْله: ﴿هديناه السَّبِيل﴾ وَهُوَ فِي سُورَة الْإِنْسَان ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً﴾ قَوْله: (وَالْهدى الَّذِي هُوَ الْإِرْشَاد) إِلَى آخِره، وَالْمعْنَى هُنَا الدّلَالَة الموصلة إِلَى البغية، وَعبر عَنهُ البُخَارِيّ بالإرشاد والإسعاد فَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ وَنَحْوه، وغرضه أَن الْهِدَايَة فِي بعض الْآيَات بِمَعْنى الدّلَالَة، وَفِي بَعْضهَا بِمَعْنى الدّلَالَة الموصلة إِلَى الْمَقْصُود، وَهل هُوَ مُشْتَرك فيهمَا أَو حَقِيقَة ومجاز؟ وَفِيه خلاف. يُوزَعُونَ: يُكَفُّونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يحْشر أَعدَاء الله إِلَى النَّار فهم يُوزعُونَ﴾ (فصلت: ٩١) وَفَسرهُ بقوله: (يكفون) ، وَعَن أبي عُبَيْدَة: يدْفَعُونَ، من وزعت إِذا كَفَفْت ومنعت، وَقيل: مَعْنَاهُ يساقون ويدفعون إِلَى النَّار. مِنْ أكْمامِها قِشْرُ الكُفرَّى هِيَ الكُمُّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا تخرج من ثَمَرَات من أكمامها﴾ (فصلت: ٧٤) وَفسّر أكمامها بقوله: (قشر الكفرى) بِضَم الْكَاف وَفتح الْفَاء وَضمّهَا أَيْضا وَتَشْديد الرَّاء مَقْصُور، وَفَسرهُ بقوله: (هِيَ الْكمّ) قد ذكرنَا أَنه بِكَسْر الْكَاف، وَقَالَ بَعضهم: كَاف الْكمّ مَضْمُومَة ككم الْقَمِيص وَعَلِيهِ يدل كَلَام أبي عُبَيْدَة وَبِه جزم الرَّاغِب، وَوَقع فِي (الْكَشَّاف) بِكَسْر الْكَاف، فَإِن ثَبت فلعلها لُغَة فِيهِ دون كم الْقَمِيص. انْتهى. قلت: لَا اعْتِبَار لأحد فِي هَذَا الْبَاب مَعَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِنَّهُ فرق بَين كم الْقَمِيص وَكم الثَّمَرَة بِالضَّمِّ فِي الأول وَالْكَسْر فِي الثَّانِي، وَكَذَلِكَ فرق بَينهمَا الْجَوْهَرِي وَغَيره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: قشر الكفرى الْكمّ بِدُونِ لفظ: هِيَ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: وَاحِدهَا، يَعْنِي: الْكمّ وَاحِد الأكمام، وَعَن أبي عُبَيْدَة: من أكمامها، أَي: أوعيتها، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أكمامها أوعيتها وَاحِدهَا كمة وَهِي كل ظرف لمَال وَغَيره، وَلذَلِك سمى قشر الطّلع أَي الكفراة الَّتِي تَنْشَق عَن الثَّمَرَة كمة، وَعَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الكفرى قبل أَن تَنْشَق فَإِذا انشقت فَلَيْسَتْ بأكمام. ويُقالُ لِلْعِنَبِ إِذا خَرَجَ أيْضاً كافُورٌ وكُفُرَّى هَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ غَيره وَيُقَال ... إِلَى آخِره، وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَغَيره: قَالُوا: وعَاء كل شَيْء كافورة. وَلِيَ حَمِيمٌ قَرِيبُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم﴾ (فصلت: ٤٣) وَفسّر الْحَمِيم بقوله. (قريب) ويروى: الْقَرِيب، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَعند النَّسَفِيّ قَالَ معمر ... فَذكره، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن الْمثنى أَبُو عُبَيْدَة. مِنْ مَحِيصٍ حاصَ عَنْهُ حادَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وظنوا مَا لَهُم من محيص﴾ (فصلت: ٨٤) وَفَسرهُ من فعله، وَهُوَ حَاص يحيص، وَفسّر حَاص بقوله: حاد، ويروى: حَاص عَنهُ حاد عَنهُ، حَاصِل الْمَعْنى: مَا لَهُم من مهرب، وَكلمَة: مَا، حرف وَلَيْسَت باسم فَلذَلِك لم يعْمل فِيهِ، قَوْله: ظنُّوا، وَجعل الْفِعْل ملغًى.

стр. 5728

مِريَةٍ ومُرْيَةٍ واحِدٌ أَي امْتِرَاءٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّهُم فِي مرية من لِقَاء رَبهم﴾ (فصلت: ٤٥) وَقَالَ: مرية، بِكَسْر الْمِيم ومرية بضَمهَا وَاحِد، وَمَعْنَاهَا: الامتراء، وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِالْكَسْرِ، وَقِرَاءَة الْحسن الْبَصْرِيّ بِالضَّمِّ. وَقَالَ مُجاهدٌ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمُ الوَعِيدُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم إِنَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (فصلت: ٠٤) قَوْله: (الْوَعيد) ويروى: هُوَ وَعِيد، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، أَرَادَ أَن الْأَمر هُنَا لَيْسَ على حَقِيقَته بل هُوَ أَمر تهديد وتوعيد وتوبيخ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاس: ﴿أدْفَعْ بالتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ (فصلت: ٤٣) الصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَب والعَفْوُ عِنْدَ الإساءَةِ فإذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمُ الله وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ: ﴿كأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: ٤٣) [/ ح. فسر عبد الله بن عَبَّاس. قَوْله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسنُ) بقوله: (الصَّبْر) إِلَى آخِره، وَقد وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. قَوْله: (كَأَنَّهُ ولي حميم) ، لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (بِالَّتِي هِيَ أحسن) ، أَي: بالخصلة الَّتِي هِيَ أحسن، وَعَن مُجَاهِد: هِيَ الْإِسْلَام. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أبْصارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلاكنْ ظَنَنْتُمْ أَن الله لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: ٢٢) حَدِيث الْبَاب يُوضح معنى الْآيَة. قَوْله: (تستترون) ، أَي: تستخفون، قَالَه أَكثر الْعلمَاء، وَعَن مُجَاهِد: تَتَّقُون، وَعَن قَتَادَة: تظنون. قَوْله: (أَن يشْهد) أَي: لِأَن يشْهد، وَفِي تَفْسِير النَّسَفِيّ: وَمَا كُنْتُم تستترون، وتستخفون بالحيطان والحجب عِنْد ارْتِكَاب الْفَوَاحِش، وَمَا كَانَ استتاركم ذَلِك خيفة أَن تشهد عَلَيْكُم جوارحكم، لأنكم كُنْتُم غير عَالمين بشهادتها عَلَيْكُم، بل كُنْتُم جاحدين بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاء أصلا. ٦١٨٤ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع عَنْ رَوْحِ بنِ القاسمِ عنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبي مَعْمَرٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الْآيَة. كانَ رجلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَخَتَنٌ لَهُما مِنْ ثَقِيفَ أوْ رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفَ وَخَتَنٌ لَهُما مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أتُرَوْنَ أنَّ الله يَسْمَعُ حَديثَنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ بَعْضَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَئِنْ كانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعَ كُلَّهُ فأُنْزِلَتْ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ولَا أبْصارُكُمْ﴾ الْآيَة. (مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والصلت، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن مُحَمَّد الخاركي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالراء الْمَفْتُوحَة وَالْكَاف: نِسْبَة إِلَى خارك، اسْم مَوضِع من سَاحل فَارس يرابط فِيهِ، وروح بِفَتْح الرَّاء، وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن سَخْبَرَة الْكُوفِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن ابْن أبي عمر وَعَن أبي بكر بن خَلاد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن بشار. قَوْله: (عَن ابْن مَسْعُود وَمَا كُنْتُم تستترون) ، أَي: قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُم تستترون﴾ قَوْله: (رجلَانِ من قُرَيْش وختن لَهما) ، الختن كل من كَانَ من قبل الْمَرْأَة. قَوْله: (أَو رجلَانِ من ثَقِيف) ، شكّ من أَبى معمر الرَّاوِي عَن ابْن مَسْعُود، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق من طَرِيق وهب بن ربيعَة عَن ابْن مَسْعُود، بِلَفْظ ثقفي وختنان قرشيان، وَلم يشك. وَقَالَ ابْن بشكوال فِي (المبهمات) عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْقرشِي الْأسود بن عبد

стр. 5729

يَغُوث الزُّهْرِيّ، والثقفيان الْأَخْنَس بن شريق وَالْآخر لم يسم، وَذكر الثَّعْلَبِيّ وَتَبعهُ الْبَغَوِيّ: أَن الثَّقَفِيّ عبديا ليل بن عَمْرو بن عُمَيْر، والقرشيان: صَفْوَان وَرَبِيعَة ابْنا أُميَّة بن خلف، وَذكر إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ فِي تَفْسِيره: إِن الْقرشِي صَفْوَان بن أُميَّة والثقفيان: ربيعَة وحبِيب ابْنا عَمْرو، وَالله أعلم. قَوْله: (يسمع بعضه) أَي: مَا جهرنا قَوْله: (لَئِن كَانَ يسمع بعضه لقد يسمع كُله) بَيَان الْمُلَازمَة أَن نِسْبَة جَمِيع المسموعات إِلَيْهِ وَاحِدَة والتخصيص تحكم. ٢ - (بابُ قَوْلُهُ: ﴿وذلِكُمْ ظَنُّكُمُ﴾ (فصلت: ٣٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وذلكم ظنكم الَّذِي ظننتم بربكم أرادكم فأصبحتم من الخاسرين﴾ ، وَفِي بعض النّسخ سَاق الْآيَة بِتَمَامِهَا. قَوْله: (ذَلِكُم) إِشَارَة إِلَى قَوْله: ﴿وَلَكِن ظننتم أَن الله لَا يعلم كثيرا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: ٢٢) وذلكم رفع على الِابْتِدَاء وظنكم خَبره. قَوْله: ﴿الَّذِي ظننتم بربكم﴾ صفة: لظنكم، قَوْله: ﴿أراداكم﴾ ، خبر يعد خبر أَي: أهلككم، وَقيل: ظنكم بدل من ذَلِكُم، وأرادكم هُوَ الْخَبَر. ٧١٨٤ - حدَّثنا الحمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا مَنْصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ قُرْشِيَّانِ وثَقَفِيٌّ أوْ ثَقَفِيَّانِ وقُرَشِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقهُ قُلُوبِهِمْ فَقالَ أحَدُهُمْ أتُرَوْنَ أنَّ الله يَسْمَعُ مَا نَقُولُ قَالَ الآخَرُ يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولَا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا وَقَالَ الآخَرُ إنْ كانَ يَسْمَعُ إذَا جَهَرْنا فإنَّهُ يَسْمَعُ إذَا أخْفَيْنا فأنْزَلَ الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أبْصارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ (فصلت: ٢٢) . وكانَ سُفْيانُ يُحَدِّثُنا بِهاذَا فَيَقُولُ حدّثنا مَنْصُورٌ أوِ ابنُ أبي نجِيحٍ أوْ حُمَيْدٌ أحُدهُمْ أوِ اثْنانِ مِنْهُمْ ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى مَنْصُورٍ وَتَرَكَ ذالِكَ مرَارًا غَيْرَ واحِدَةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٨٤ وطرفه) . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عبد الله بن الزبي رالحميدي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن مُجَاهِد عَن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَة عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁. قَوْله: (عِنْد الْبَيْت) أَي: عِنْد الْكَعْبَة. قَوْله: (كَثِيرَة شَحم بطونهم) ، بِإِضَافَة بطونهم إِلَى شَحم، وَكَذَا إِضَافَة قُلُوبهم إِلَى قَوْله: (فقه) ، وكثيرة وقليلة منونتان هَكَذَا عِنْد الْأَكْثَرين، ويروى: كثير وَقَلِيل، بِدُونِ التَّاء وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه التَّأْنِيث إِمَّا أَن يكون الشَّحْم مُبْتَدأ واكتسب التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ، وكثيرة خَبره، وَإِمَّا أَن تكون التَّاء للْمُبَالَغَة نَحْو: رجل عَلامَة، وَفِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه: عَظِيمَة بطونهم قَلِيل فقههم. قَوْله: (إِن أخفينا) ويروى: إِن خافتنا، وَهُوَ نَحوه لِأَن المخافتة والخفت إسرار النُّطْق. قَوْله: (وَكَانَ سُفْيَان يحدثنا) إِلَى آخِره من كَلَام الْحميدِي شيخ البُخَارِيّ فِيهِ وتردده أَولا وَالْقطع آخرا ظَاهر لَا يقْدَح لِأَنَّهُ تردد أَولا فِي أَي هَؤُلَاءِ الثِّقَات وهم: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَعبد الله بن أبي نجيح وَحميد بِضَم الْحَاء ابْن قيس أَبُو صَفْوَان الْأَعْرَج مولى عبد الله بن الزبير، وَلما ثَبت لَهُ الْيَقِين اسْتَقر عَلَيْهِ. ٣ - ( ﴿فإنْ يَصْبِرُوا فالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (فصلت: ٤٢) تَمام الْآيَة: ﴿وَإِن يستعتبوا فَمَا هم من المعتبين﴾ أَي: فَإِن يصبروا على أَعمال أهل النَّار فَالنَّار مثوى لَهُم، أَي: منزل إِقَامَة لَهُم وَإِن يستعتبوا أَي: وَإِن يسترضوا ويطلبوا العتبى فَمَا هم من المعتبين أَي: المرضيين، والمعتب الَّذِي قد قبل عتابه، وَأجِيب إِلَى مَا سَأَلَ، وقرىء بِضَم أَوله وَكسر التَّاء لأَنهم فارقوا دَار الْعَمَل. حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ حَدثنَا يَحْيَى حَدثنَا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ حدّثني مَنْصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الله بِنَحْوِهِ.

стр. 5730

عَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان. قَوْله: (نَحوه) أَي بِنَحْوِ الحَدِيث الْمَذْكُور. ٢٤ - (سورَةُ حم عسق) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة حم عسق، وَفِي بعض النّسخ: سُورَة حم عسق، وَفِي بَعْضهَا: وَمن سُورَة حم عسق، قيل: قطع حم عسق وَلم يقطع كهيعص وألم والمص، لكَونهَا بَين سور أوائلها حم فجرت مجْرى نظائرها قبلهَا وَبعدهَا فَكَانَ حم مُبْتَدأ وعسق خَبره، وَلِأَنَّهُمَا عدا آيَتَيْنِ وعدت أخواتها الَّتِي كتبت مَوْصُولَة آيَة وَاحِدَة، وَقيل: لِأَنَّهَا خرجت من حيّز الْحُرُوف وَجعلت فعلا مَعْنَاهُ: حم أَي قضى مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بِخِلَاف أخواتها لِأَنَّهَا حُرُوف التهجي لَا غير، وَذكروا فِي: حم عسق مَعَاني كَثِيرَة لَيْسَ لَهَا مَحل هَهُنَا، وَهِي مَكِّيَّة، قَالَ مقَاتل: وفيهَا من الْمدنِي قَوْله: ﴿ذَلِك الَّذِي يبشر الله عباده﴾ (الشورى: ٣٢) . وَقَوله: ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم من سَبِيل﴾ (الشورى: ٩٣ ١٤) . وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَثَمَانُونَ حرفا، وَثَمَانمِائَة وست وَسِتُّونَ كلمة، وَثَلَاث وَخَمْسُونَ آيَة. فَافْهَم. (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر ﵁. ويُذْكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَقِيماً الَّتي لَا تَلِدُ أَي: يذكر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿وَيجْعَل من يَشَاء عقيماً﴾ (الشورى: ٠٥) الْمَرْأَة الَّتِي لَا تَلد، وَهَذَا ذكره جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس وَكَأن فِيهِ ضعفا وانقطاعاً، فَلذَلِك لم يجْزم بِهِ فَقَالَ: وَيذكر. رُوحاً مِنْ أمْرِنا: القُرْآنُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحاً من أمرنَا﴾ (الشورى: ٢٥) وَفسّر الرّوح بِالْقُرْآنِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄، وَعَن السّديّ: وَحيا، وَعَن الْحسن: رَحْمَة. وَقَالَ مُجاهِدٌ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن الْأَنْعَام أَزْوَاجًا بذرؤكم فِيهِ﴾ (الشورى: ١١) أَن معنى: يذرؤكم نَسْلًا بعد نسل من النَّاس والأنعام، أَي: يخلقكم وَكَذَا فسره السّديّ، يُقَال: ذَرأ الله الْخلق يذرأ هم ذَرأ إِذا خلقهمْ وَكَأَنَّهُ مُخْتَصّ بِخلق الذُّرِّيَّة بِخِلَاف برأَ لِأَنَّهُ أَعم. قَوْله: (يذرؤكم فِيهِ) قَالَ القتبي: أَي فِي الرّوح، وَخطأ من قَالَ: فِي الرَّحِم، لِأَنَّهَا مُؤَنّثَة وَلم تذكر. لَا حُجَّةَ بَيْنَنا: لَا خُصُومَةَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم لَا حجَّة بَيْننَا وَبَيْنكُم الله يجمع بَيْننَا﴾ (الشورى: ٥١) وَفسّر الْحجَّة بِالْخُصُومَةِ، وَفِي بعض النّسخ: لَا خُصُومَة بَيْننَا وَبَيْنكُم. مِنْ طرْفٍ خَفِيّ: ذَلِيلٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿خاشعين من الذل ينظرُونَ من طرف خَفِي﴾ (الشورى: ٥٤) وَفسّر قَوْله: (خَفِي) بقوله: (ذليل) ، وَهَكَذَا فسره مُجَاهِد، وَعَن السّديّ: يسارقون النّظر، وَتَفْسِير مُجَاهِد من لَازم هَذَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ يَتَحَرَّكْنَ وَلَا يَجْرِينَ فِي البحْرِ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد لِأَن مَا قبله تَفْسِير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته الْجوَار فِي الْبَحْر كالأعلام أَن يَشَأْ يسكن الرّيح فيظللن رواكد على ظَهره﴾ (الشورى: ٢٣) وَفَسرهُ بقوله: (يتحركن وَلَا يجرين فِي الْبَحْر) أَي: يضطربن بالأمواج وَلَا يجرين فِي الْبَحْر لسكون الرّيح. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا أَيْضا عَن مُجَاهِد، ورد عَلَيْهِ بقوله: وَقَالَ غَيره: أَي: غير مُجَاهِد كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَمن آيَاته) أَي: وَمن علاماته الدَّالَّة على عَظمته ووحدانيته، الْجَوَارِي يَعْنِي: السفن وَهِي جمع جَارِيَة وَهِي السائرة فِي الْبَحْر. قَوْله: (كالاعلام) أَي: كالجبال جمع علم بِفتْحَتَيْنِ، وَعَن الْخَلِيل: كل شَيْء مُرْتَفع عِنْد الْعَرَب فَهُوَ علم. قَوْله: (واكد) أَي: ثوابت وقوفاً (على ظَهره) أَي: ظهر المَاء لَا تجْرِي. فَإِن قلت: بَين قَوْله: راوكد، وَبَين قَوْله: يتحركن، مُنَافَاة؟ لِأَن الراكد لَا يَتَحَرَّك. قلت: هَذَا أَمر نسبي، وَأَيْضًا لَا يلْزم من وُقُوفه فِي المَاء عدم الْحَرَكَة أصلا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون راكداً وَهُوَ يَتَحَرَّك، وَلَيْسَ هَذَا الركود على ظهر المَاء كالركود على ظهر الأَرْض، وَبِهَذَا يسْقط قَول من زعم أَن كَلمه: لَا، سَقَطت من قَوْله يتحركن، قَالَ: لأَنهم فسروا رواكد بسواكن.

стр. 5731

شَرَعُوا ابْتَدَعُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله﴾ (الشورى: ١٢) وَفسّر: (شرعوا) بقوله: (ابتدعوا) وَلَكِن لَيْسَ هَذَا الْموضع مَحل ذكره لِأَنَّهُ فِي سُورَة حم عسق. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إلَاّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى: ٣٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا أسئلكم عَلَيْهِ أجرا إلَاّ الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ وَفِي التَّفْسِير: لما قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة كَانَت تنوبه نَوَائِب وَحُقُوق وَلَيْسَ فِي يَده سَعَة، فَقَالَ الْأَنْصَار: يَا رَسُول الله! قد هدَانَا الله تَعَالَى على يَديك وتنوبك نَوَائِب وَحُقُوق وَلَيْسَ فِي يدك سَعَة فنجمع لَك من أَمْوَالنَا فَاسْتَعِنْ بِهِ على ذَلِك. فَنزلت هَذِه الْآيَة، قل: يَا مُحَمَّد لَا أسئلكم على مَا أتيتكم بِهِ من الْبَينَات وَالْهدى أجرا إلَاّ الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى إلَاّ أَن تودوا الله وتقربوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ، ﵁، فَقَالَ هُوَ الْقُرْبَى إِلَى الله تَعَالَى، وَعَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَالسُّديّ وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة: مَعْنَاهُ إلَاّ أَن تودوا قَرَابَتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وَاخْتلف فِي قرَابَته ﷺ ، فَقيل: عَليّ وَفَاطِمَة وابناهما، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ولد عبد الْمطلب، وَقيل: هم الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَيقسم عَلَيْهِم الْخمس وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب الَّذين لم يفترقوا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. ٨١٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا عَنْ عَبْدِ المَلِكَ بنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ طَاوُسا عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلَاّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَال ابنُ عَبَّاسٍ عَجِلْتَ إنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَاّ كَانَ لَهُ فِيهمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ إلَاّ أنْ تصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن بشار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن غنْدر بِهِ، وَحَاصِل كَلَام ابْن عَبَّاس أَن جَمِيع قُرَيْش أقَارِب النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ المُرَاد من الْآيَة بَنو هَاشم وَنَحْوهم، كَمَا يتَبَادَر الذِّهْن إِلَى قَول سعيد بن جُبَير، وَالله أعلم. ( ﴿سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة حم الزخرف، وَفِي بعض النّسخ سُورَة الزخرف، وَفِي بَعْضهَا وَمن سُورَة حم الزخرف. قَالَ مقَاتل: هِيَ مَكِّيَّة غير آيَة وَاحِدَة وَهِي: ﴿واسأل من أرسلنَا﴾ (الزخرف: ٥٤) الْآيَة. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة لَا اخْتِلَاف فِيهَا وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة حرف، وَثَمَانمِائَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وتسع وَثَمَانُونَ آيَة وَقَالَ ابْن سَيّده: الزخرف الذَّهَب، هَذَا الأَصْل ثمَّ سعى كل زِينَة زخرفا، وزخرف الْبَيْت زينته، وكل مَا زوق وزين فقد زخرف. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ عَلَى أُمَّةٍ عَلَى إمَامٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون﴾ (الزخرف: ٢٢) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ مُجَاهِد: فَذكره. فَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أولى. قلت: لَيْت شعري مَا وَجه الْأَوْلَوِيَّة، وَفسّر الْأمة بِالْإِمَامِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وروى عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد على مِلَّة، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، على أمة. أَي: على دين، وَمن طَرِيق السّديّ مثله. ﴿وَقِيلَهُ يَا رَبِّ﴾ تَفْسِيرُهُ أيَحْسَبُونَ أنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلا نَسْمَعُ قِبلَهُمْ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وقيله يَا رب إِن هَؤُلَاءِ قوم لَا يُؤمنُونَ﴾ (الزخرف: ٨٨) وَفسّر؟ (قيله يَا رب) بقوله: (أيحسبون) إِلَى آخِره، وَبَعْضهمْ أنكر هَذَا التَّفْسِير. فَقَالَ: إِنَّمَا يَصح لَو كَانَت التِّلَاوَة وقيلهم، وَإِنَّمَا الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقيله يَا رب، يَعْنِي: وَقَول مُحَمَّد، ﷺ ، شاكيا إِلَى ربه، وَقيل؛ مَعْنَاهُ وَعِنْده علم السَّاعَة وَعلم قيله، وَقَالَ النَّسَفِيّ: قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة، وقيله بِكَسْر اللَّام على معنى: ﴿وَعِنْده علم السَّاعَة﴾ (الزخرف: ٥٨) وَعلم قيله. وَهَذَا الْعَطف غير قوي فِي الْمَعْنى مَعَ وُقُوع

стр. 5732

الْفَصْل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ بِمَا لَا يحسن اعتراضا مَعَ تنافر النّظم، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح اللَّام وَالْأَوْجه أَن يكون الْجَرّ وَالنّصب على إِضْمَار حرف الْقسم وحذفه، وَيكون قَوْله: إِن هَؤُلَاءِ قوم، جَوَاب الْقسم كَأَنَّهُ قيل: وَأقسم بقيله يَا رب إِن هَؤُلَاءِ قوم لَا يُؤمنُونَ، وَالضَّمِير فِي قيله. للرسول، وأقسام الله بقيله رفع مِنْهُ وتعظيم لرعايته والتجائه إِلَيْهِ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لَوْلا أنّ جَعلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفَّارِ سُقُفا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ وَهِيَ دَرَجٌ: وَسُرُرَ فِضَةٍ. أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون﴾ وَقد فسر ابْن عَبَّاس هَذِه الْآيَة بِمَا ذكره البُخَارِيّ بقوله: لَوْلَا أَن جعل النَّاس إِلَى آخِره، وَهَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن أبي عَاصِم، حَدثنَا يحيى حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير: لَوْلَا أَن يكون النَّاس مُجْتَمعين على الْكفْر فيصيروا كلهم كفَّارًا. قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن ابْن زيد، يَعْنِي لَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة فِي طلب الدُّنْيَا واختيارها على العقبى لجعلنا لمن يكفر بالرحمن، لبيوتهم، بدل اشتماله من قَوْله: لمن يكفر، وَيجوز أَن يَكُونَا بِمَنْزِلَة اللامين فِي قَوْلك: وهبت لَهُ ثوبا لقميصه. قَوْله: (سقفا) ، قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عمر وبفتح السِّين على الْوَاحِد وَمَعْنَاهُ الْجمع، وَالْبَاقُونَ بِضَم السِّين، وَالْقَاف على الْجمع، وَقيل: هُوَ جمع سقوف جمع الْجمع. قَوْله: (ومعارج) يَعْنِي: مصاعد ومراقي ودرجا وسلاليم، وَهُوَ جمع معرج، وَاسم جمع لمعراج. قَوْله: (عَلَيْهَا يظهرون) أَي: على المعارج يعلونها يَعْنِي: يعلون سطوحها. مُقْرِنِينَ مِطِيقِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين﴾ (الزخرف: ٣١) وَفَسرهُ بقوله: (مطيقين) وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس وَفِي التَّفْسِير: مُقرنين أَي: مطيقين ضابطين قاهرين، وَقيل: هُوَ من الْقرن، كَأَنَّهُ أَرَادَ: وَمَا كُنَّا لَهُ مقاومين فِي الْقُوَّة. آسَفُونا أسْخَطُونا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم فأغرقناهم أَجْمَعِينَ﴾ (الزخرف: ٥٥) وَفَسرهُ: (آسفونا) بقوله: (أسخطونا) كَذَا فسره ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طلة، عَنهُ وَقيل: مَعْنَاهُ أغضبونا. وَقيل: خالفونا وَالْكل مُتَقَارب. يَعْشُ يَعْمَى أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين﴾ وَفسّر: (يَعش) بقوله: (يعمى) من عشا يعشو، وَهُوَ النّظر ببصر ضَعِيف، وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِالضَّمِّ، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس بِالْفَتْح أَي: يظلم عَنهُ ويضعف بَصَره، وَعَن الْقرظِيّ: وَمن يول ظَهره، (وَذكر الرَّحْمَن) هُوَ الْقُرْآن. قَوْله: (نقيض لَهُ) أَي: نضمه إِلَيْهِ ونسلطه عَلَيْهِ، (فَهُوَ لَهُ قرين) فَلَا يُفَارِقهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ﴾ (الزخرف: ٥) أيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقِبُونَ عَلَيْهِ. أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحا إِن كُنْتُم قوما مسرفين﴾ وَفَسرهُ بقوله: ﴿أَي تكذبون بِالْقُرْآنِ ثمَّ لَا تعاقبون﴾ ؟ يَعْنِي: أفنعرض عَن المكذبين بِالْقُرْآنِ وَلَا تعاقبهم؟ وَقيل: مَعْنَاهُ أفنضرب عَنْكُم الْعَذَاب ونمسك ونعرض عَنْكُم ونترككم فَلَا نعاقبكم على كفركم، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، وَالسُّديّ، وَعَن الْكسَائي: أفنطوي عَنْكُم الذّكر طيا فَلَا تدعون وَلَا توعظون؟ وَهَذَا من فصيحات الْقُرْآن، وَالْعرب تَقول لمن أمسك على الشَّيْء مَا أعرض عَنهُ صفحا والأصلح فِي ذَلِك أَنَّك إِذا أَعرَضت عَنهُ وليته صفحة عُنُقك، وَضربت عَن كَذَا وأضربت إِذا تركته، وَأَمْسَكت عَنهُ، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ، وَقَالَ مُجَاهِد. وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿فأهلكنا أَشد مِنْهُم بطشا وَمضى مثل الْأَوَّلين﴾ وَفَسرهُ بقوله: (سنة الْأَوَّلين) وَقيل: سنتهمْ وعقوبتهم. ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ يَعْنِي الإبِلَ وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ

стр. 5733

قد مر عَن قريب معنى، مُقرنين، وَالضَّمِير فِي: لَهُ، يرجع إِلَى الْأَنْعَام الْمَذْكُورَة قبله، وَإِنَّمَا ذكر الضَّمِير لِأَن الْأَنْعَام فِي معنى الْجمع كالجند والجيش والرهط وَنَحْوهَا من أَسمَاء الْجِنْس، قَالَه الْفراء، وَقيل: ردهَا إِلَى مَا. يَنْشأُ فِي الحِلْيَةِ الجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمانِ وَلَدا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو من ينشأ فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين﴾ (الزخرف: ٨١) قَوْله: (ينشأ) ، أَي يكبر وَيثبت فِي الْحِلْية أَي فِي الزِّينَة، وَفَسرهُ بقوله: الْجَوَارِي يَعْنِي: جعلتم الْإِنَاث ولد الله حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَة بَنَات الله فَكيف تحكمون بذلك وَلما ترْضونَ بِهِ لأنفسكم؟ وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة. فِي قَوْله: (أَو من ينشأ فِي الْحِلْية) ، قَالَ: الْبَنَات. وَقِرَاءَة الْجُمْهُور: ينشاه، بِفَتْح أَوله مخففا، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص بِضَم أَوله مُثقلًا وَقَرَأَ الجحدري بِضَم أَوله مخففا. ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ يَعْنُونَ الأوْثانَ يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ علْم﴾ (الزخرف: ٠٢) أيْ الأوْثانُ إنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَو شَاءَ الرحمان مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون﴾ ، قَوْله: (يعنون الْأَوْثَان) ، هُوَ قَول مُجَاهِد، وَقَالَ قَتَادَة: يعنون الْمَلَائِكَة وَالضَّمِير فِي: مَا عبدناهم، يرجع إِلَى الْأَوْثَان عِنْد عَامَّة الْمُفَسّرين، وَنزلت منزلَة من يعقل فَذكر الضَّمِير. قَوْله: (مَا لَهُم بذلك) ، أَي: فِيمَا يَقُولُونَ: (إِن هم أَلا يخرصون) أَي: يكذبُون. فِي عَقبِهِ: وَلَدِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبَة لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ (الزخرف: ٨٢) وَفسّر الْعقب بِالْوَلَدِ وَالْمرَاد بِهِ الْجِنْس حَتَّى يدْخل ولد الْوَلَد، وَقَالَ ابْن فَارس: بل الْوَرَثَة كلهم عقب، والكلمة الْبَاقِيَة. قَوْله: (لَا إلاه إِلَّا الله) . مُقْتَرِنِينَ يَمْسُونَ مَعا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو جَاءَ مَعَه الْمَلَائِكَة مقترنين﴾ (الزخرف: ٣٥) وَفسّر: (مُقرنين) بقوله: (يَمْشُونَ مَعًا) أَي: يَمْشُونَ مُجْتَمعين مَعًا ويمشون مُتَتَابعين يعاون بَعضهم بَعْضًا. سَلَفا قَوْمُ فِرْعُونَ سَلَفا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَمَثَلاً عِبْرَةً. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناهم سلفا ومثلاً للآخرين﴾ قَوْله: (جعلناهم) ، أَي: جعلنَا قوم فِرْعَوْن سلفا لكفار هَذِه الْأمة، وَفِي التَّفْسِير: سلفا: هم الماضون المتقدمون من الْأُمَم. قَوْله: (ومثلاً) ، أَي: عِبْرَة للآخرين أَي؛ لمن يَجِيء بعدهمْ، وقرىء بِضَم السِّين وَاللَّام وفتحهما. يَصِدُّونَ يَضِجُّونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿إِذا قَوْمك مِنْهُم يصدون﴾ (الزخرف: ٧٥) وَفَسرهُ بقوله: ﴿يضجون﴾ بِالْجِيم وبكسر الضَّاد، وَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ فَالْمَعْنى: يعرضون، وَقَالَ الْكسَائي: هما لُغَتَانِ بِمَعْنى، وَأنكر بَعضهم الضَّم وَقَالَ: لَو كَانَ مضموما لَكَانَ يُقَال: عَنهُ، وَلم يقل: مِنْهُ وَقيل: معنى، مِنْهُ، من أَجله فَلَا إِنْكَار فِي الضَّم. مُبْرِمُونَ مجْمعُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أم أبرموا أمرا فَإنَّا مبرمون﴾ (الزخرف: ٩٧) وَفَسرهُ بقوله: (مجمعون) وَقيل: محكمون، وَالْمعْنَى: أم أحكموا أمرا فِي الْمَكْر برَسُول الله ﷺ فَإنَّا مبرمون محكمون. أوَّلُ العَابِدِينَ أوَّلُ المُؤْمِنِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿قل إِن كَانَ للرحمان ولد فَأَنا أول العابدين﴾ (الزخرف: ١٨) وَفسّر العابدين بِالْمُؤْمِنِينَ، وَوَصله الْفرْيَابِيّ عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: أول الْمُؤمنِينَ بِاللَّه فَقولُوا مَا شِئْتُم، وَفِي التَّفْسِير: يَعْنِي: إِن كَانَ للرحمن ولد فِي زعمكم وقولكم فَأَنا أول الْمُوَحِّدين الْمُؤمنِينَ بِاللَّه فِي تكذيبكم والجاحدين مَا قُلْتُمْ من أَن لَهُ ولدا، وَعَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي مَا كَانَ للرحمان ولد وَأَنا أول الشَّاهِدين لَهُ بذلك. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: ٦٢) العَرَبُ تَقُولُ نَحْنُ مِنْكَ البَرَاء وَالخَلاءُ وَالوَاحِدُ وَالاثنانِ

стр. 5734

وَالجَمْعُ مِنَ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَثِ يُقالُ فِيهِ بَرَاءٌ لأنَّهُ مَصْدَرٌ وَلَوْ قَالَ بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الاثْنَيْنِ بَرِيَآنِ وَفِي الجَمَعِ بَرِيؤُنَ: وَقَرَأَ عَبْدُ الله إنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ. أَي: وَقَالَ غير مُجَاهِد لِأَن مَا قبله قَوْله مُجَاهِد، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ، وَقَالَ غَيره: قَوْله: (إِنَّنِي برَاء) ، وأوله: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَومه إِنَّنِي برَاء﴾ (الزخرف: ٦٢) يَعْنِي: وَاذْكُر يَا مُحَمَّد إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره، وَهَذَا كُله ظَاهر. قَوْله: (يُقَال فِيهِ برَاء) ، لِأَنَّهُ مصدر وضع مَوضِع النَّعْت. يُقَال: بَرِئت مِنْك وَمن الدُّيُون والعيوب بَرَاءَة، وبرئت من الْمَرَض برَاء بِالضَّمِّ، وَأهل الْحجاز يَقُولُونَ: ابرأت من الْمَرَض برَاء بِالْفَتْح. قَوْله: (وَفِي الْجمع: بريئون) ، وَيُقَال أَيْضا: بُرَآء مثل فَقِيه وفقهاء، وبراء أَيْضا بِكَسْر الْبَاء مثل: كريم وكرام، وأبراء مثل شرِيف وأشراف، وأبرياء مثل نصيب وأنصباء، وَفِي الْمُؤَنَّث، يُقَال: امْرَأَة بريئة وهما بريئتان وَهن بريئات وبرايا، وَهَذِه لُغَة أهل نجد، وَالْأولَى لُغَة أهل الْحجاز. قَوْله: (وَقَرَأَ عبد الله) ، أَي: ابْن مَسْعُود، ذكره الْفضل بن شَاذان فِي كتاب (الْقرَاءَات) بِإِسْنَادِهِ عَن طَلْحَة بن مصرف عَن يحيى بن وثاب عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. وَالزُّخْرُفُ الذَّهَبُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولبيوتهم أبوابا وسررا عَلَيْهَا يتكؤون وزخرفا﴾ (الزخرف: ٤٣، ٥٣) وَفَسرهُ بِالذَّهَب، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب. مَلائِكَةٌ يَخْلُفونَ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو نشَاء لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون﴾ وَفسّر (يخلفون) بقوله: (يخلف بَعضهم بَعْضًا) وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، وَزَاد فِي آخِره مَكَان ابْن آدم. ١ - (بابٌ قَوْلِهِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (الزخرف: ٧٧) الآيَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَنَادَوْا﴾ أَي: الْكفَّار فِي النَّار ينادون لمَالِك خَازِن النَّار ﴿ليق علينا رَبك﴾ أَي: ليمتنا فنستريح، فَيُجِيبهُمْ مَالك بعد ألف سنة: إِنَّكُم مَاكِثُونَ فِي الْعَذَاب، وَفِي تَفْسِير الْجَوْزِيّ: ينادون مَالِكًا أَرْبَعِينَ سنة فَيُجِيبهُمْ بعْدهَا إِنَّكُم مَاكِثُونَ. ثمَّ ينادون رب الْعِزَّة رَبنَا أخرجنَا مِنْهَا فَلَا يُجِيبهُمْ مثل عمر الدُّنْيَا، ثمَّ يَقُول: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون. ٩١٨٤ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حدَّثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْروٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ ابنِ يَعْلَى عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى المِنْبَرَ: ﴿وَنَادُوا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح ويعلى بن أُميَّة والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب بَدْء الدُّنْيَا فِي بَاب صفة النَّار فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار إِلَى آخِره. وَقَالَ قَتادَةُ مَثَلاً لِلآخِرِينَ عِظَةَ لِمَنْ بَعْدَهُ أَي: قَالَ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناهم سلفا ومثلاً للآخرين﴾ (الزخرف: ٦٥) أَي: عظة لمن يَأْتِي بعدهمْ، والعظة الموعظة أَصْلهَا وعظة، حذفت الْوَاو تبعا للحذف فِي فعلهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ مُقْرِنِينَ ضَابِطِينَ يُقالُ فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ ضَابِطٌ لَهُ أَي: قَالَ غير قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين﴾ وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. وَالأكْوَابُ الأبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يُطَاف عَلَيْهِم بصحاف من ذهب وأكواب﴾ الْآيَة. وَهُوَ جمع كوبة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الكوب الْكوز بِلَا عُرْوَة.

стр. 5735

﴿أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ أيْ: مَا كَانَ فَأنَا أوَّلُ الآنِفِينَ وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبْدٌ، وَقَرَأَ عَبْدُ الله وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ وَيُقَالُ أوَّلُ الْعابِدِينَ الجَاحِدِينَ مِنْ عَبْدَ يَعْبَدُ قد مر عَن قريب. قَوْله: ﴿أول العابدين﴾ أول الْمُؤمنِينَ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، وَأعَاد هُنَا أَيْضا لأجل معنى آخر على مَا لَا يخفى وَلكنه لَو ذكر كُله فِي مَوضِع وَاحِد لَكَانَ أولى، وَفسّر هُنَا. أول العابدين، بقوله: أَي مَا كَانَ فَأَنا أول الآنفين. فَقَوله: (أَي مَا كَانَ) تَفْسِير قَوْله: ﴿إِن كَانَ للرحمن ولد﴾ وَكلمَة أَن نَافِيَة أَي: مَا كَانَ لَهُ ولد قَوْله: (فَأَنا أول الآنفين) تَفْسِير قَوْله: (أول العابدين) لِأَن العابدين هُنَا مُشْتَقّ من عبد بِكَسْر الْبَاء إِذا أنف واشتدت أنفته. قَوْله: (وهما لُغَتَانِ) ، يَعْنِي: عَابِد وَعبد، فَالْأول بِمَعْنى الْمُؤمن، وَالثَّانِي بِمَعْنى الآنف، وَعبد بِكَسْر كَذَا بِخَط الدمياطي، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط بِفَتْحِهَا، وَقَالَ: وَكَذَا ضبط فِي كتاب ابْن فَارس، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: العَبْد، بِالتَّحْرِيكِ: الْغَضَب، وَعبد بِالْكَسْرِ إِذا أنف. قَوْله: (من عبد يعبد) ، بِمَعْنى: جحد بِكَسْر الْبَاء فِي الْمَاضِي وَفتحهَا فِي الْمُضَارع هَكَذَا هُوَ فِي أَكثر النّسخ، ويروى بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالضَّم فِي الْمُضَارع، وَجَاء الْكسر فِي الْمُضَارع أَيْضا وَقَالَ ابْن التِّين، وَلم يذكر أهل اللُّغَة عبد بِمَعْنى جحد، ورد عَلَيْهِ بِمَا ذكره مُحَمَّد بن عَزِيز السجسْتانِي صَاحب (غَرِيب الْقُرْآن) أَن معنى العابدين الآنفين الجاحدين، وَفسّر على هَذَا ﴿إِن كَانَ لَهُ ولد فَأَنا أول الجاحدين﴾ وَهَذَا مَعْرُوف من قَول الْعَرَب إِن كَانَ هَذَا الْأَمر قطّ يَعْنِي: مَا كَانَ، وَعَن السّديّ: إِن بِمَعْنى: لَو أَي لَو كَانَ للرحمن ولد كنت أول من عَبده بذلك، لَكِن لَا ولد لَهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة، إِن بِمَعْنى: مَا وَالْفَاء بِمَعْنى: الْوَاو. أَي: مَا كَانَ للرحمن ولد وَأَنا أول العابدين. قَوْله: (وَقَرَأَ عبد الله) ، يَعْنِي: ابْن مَسْعُود، وَقَالَ الرَّسُول: يَا رب مَوضِع ﴿وقيله يَا رب﴾ (الزخرف: ٨٨) وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا عِنْد قَوْله: (وقيله يَا رب) ، على مَا لَا يخفى. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي أُمِّ الكِتابِ: جُمْلَةِ الكِتابِ أصْلِ الكِتابِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ فِي أم الْكتاب لدينا لعَلي حَكِيم﴾ (الزخرف: ٤) وَفسّر قَتَادَة بقوله جملَة الْكتاب وَأَصله وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ أم الْكتاب اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي عِنْد الله تَعَالَى مِنْهُ نسخ. ٢ - (بابٌ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ صَفْحا إنْ كُنْتُمْ قَوْما مُسْرِفِينَ﴾ (الزخرف: ٥) مُشْرِكِينَ وَالله لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أوَائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا) مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب فِي قَوْله: ﴿أفنضرب عَنْكُم الذّكر﴾ أَي: يكذبُون بِالْقُرْآنِ. قَوْله: (إِن كُنْتُم) ، يَعْنِي: بِأَن كُنْتُم على معنى الْمُضِيّ، وَقيل: مَعْنَاهُ: إِذْ كُنْتُم. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) وَقَوله: إِن أردن تَحَصُّنًا. قَوْله: (مسرفين) ، أَي: مُشْرِكين مجاوزين الْحَد وَأمر الله تَعَالَى، وَقَالَ قَتَادَة: وَالله لَو كَانَ هَذَا الْقُرْآن رفع حِين رده أَوَائِل هَذِه الْأمة لهلكوا وَلَكِن الله عَاد بِعِبَادَتِهِ وَرَحمته فكرره عَلَيْهِم ودعاهم إِلَيْهِ عشْرين سنة أَو مَا شَاءَ الله من ذَلِك. ﴿فَأَهْلَكْنا أشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ (الزخرف: ٨) عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ كَذَا رُوِيَ عَن قَتَادَة، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ، وَفسّر: (مثل الْأَوَّلين) بقوله: (عُقُوبَة الْأَوَّلين) . جُزْءًا عِدْلاً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَجعلُوا لَهُ من عباده جُزْءا إِن الْإِنْسَان لكفور مُبين﴾ (الزخرف: ٥١) وَفسّر جُزْءا بقوله: (عدلا) بِكَسْر الْعين، وَكَذَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، وَفِي التَّفْسِير: أَي: نَصِيبا وبعضا. وَذَلِكَ قَوْلهم: الْمَلَائِكَة بَنَات الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك. قَوْله: (وَجعلُوا) ، أَي: الْمُشْركُونَ. قَوْله: (لَهُ) ، أَي: الله تَعَالَى. ٤٤ - ( ﴿سُورَةُ ح م الدُّخَانِ﴾ ) : هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ح م الدُّخان، وَفِي بعض النّسخ: الدُّخان بِدُونِ لفظ: ح م، وَفِي أَكثر النّسخ سُورَة ح م الدُّخان، قَالَ مقَاتل: مَكِّيَّة كلهَا. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لَا خلاف فِي ذَلِك، وَهِي ألف وَأَرْبَعمِائَة وَوَاحِد وثلاون حرفا وثلاثمائة وست وَأَرْبَعُونَ كلمة وتسع وَخَمْسُونَ آيَة وروى التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: من قَرَأَ ح م الدُّخان فِي لَيْلَة أصبح يسْتَغْفر لَهُ سَبْعُونَ

стр. 5736

ألف ملك. وَقَالَ: غَرِيب، وَعنهُ: من قَرَأَ الدُّخان فِي لَيْلَة الْجُمُعَة غفر لَهُ. (بِسم الله الرحمان الرَّحِيم) . لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر. وَقَالَ مُجاهِدٌ رَهْوا طَرِيقا يَابِسا وَيُقالُ رهْوَاً ساكِنا أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واترك الْبَحْر رهوا إِنَّهُم جند مغرقون﴾ (الدُّخان: ٤٢) وَفسّر: (رهوا) بقوله: (طَرِيقا يَابسا) وَعَن ابْن عَبَّاس: شعبًا. وَعنهُ: هُوَ أَن يتْرك كَمَا كَانَ، وَعَن ربيع: سهلاً. وَعَن الضَّحَّاك: دميا، وَيُقَال: طَرِيقا يَابسا، هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة. عَلَى عِلْمِ عَلَى الْعَالَمِينَ عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد اخترناهم على علم على الْعَالمين﴾ (الدُّخان: ٢٣) وَفَسرهُ بقوله: (على من بَين ظهريه) أَي: على أهل عصره، وَهُوَ أَيْضا قَول مُجَاهِد. قَوْله: (وَلَقَد اخترناهم) ، يَعْنِي: مُوسَى وَبني إِسْرَائِيل. قَوْله: (على الْعَالمين) ، يَعْنِي: عالمي زمانهم. فَاعْتُلُوهُ ادْفَعُوهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿خذوه فاعتلوه إِلَى سَوَاء الْجَحِيم﴾ (الدُّخان: ٧٤) وَفسّر (فاعتلوه) بقوله: (ادفعوه) وَفِي التَّفْسِير: سوقوه إِلَى النَّار يُقَال: عتله يعتله عتلاً إِذا سَاقه بالعنف وَالدَّفْع والجذب، وَالضَّمِير فِي: خذوه، يرجع إِلَى الأثيم. قَوْله: (إِلَى سَوَاء الْجَحِيم) ، أَي: وسط الْجَحِيم. وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عينٍ أنْكَحْنَاهُمْ حُورا عِينا يَحَارُ فِيها الطَّرْفُ هَذَا ظَاهر، وروى الْفرْيَابِيّ من طَرِيق مُجَاهِد بِلَفْظ: أنكحناهم الْحور الْعين الَّتِي يحار فِيهَا الطّرف، بَيَان مخ سوقهن من وَرَاء ثيابهن، وَيرى النَّاظر وَجهه فِي كبد إِحْدَاهُنَّ كالمرآة من رقة الْجلد وصفاء اللُّؤْلُؤ وَعَن مُجَاهِد: يرى النَّاظر وَجهه فِي كَعْب إِحْدَاهُنَّ كالمرآة، وَفِي حرف ابْن مَسْعُود: بعس عين وَهن الْبيض. وَمِنْه قيل لِلْإِبِلِ الْبيض عيس، بِكَسْر الْعين، واحده بعير أعيس وناقة عيساه، والحور جمع أحور، وَالْعين بِالْكَسْرِ جمع العيناء وَهِي الْعَظِيمَة الْعَينَيْنِ. تَرْجُمُونِ القَتْلُ وَكَذَا قَالَه قَتَادَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: ترجمون تشتمون. وَيَقُولُونَ: سَاحر، وَوَقع عِنْد غير أبي ذَر، وَيُقَال إِن ترجمون الْقَتْل. وَرَهوَا سَاكِنا هَذَا مُكَرر وَقد مضى عَن قريب، وَوَقع هَذَا أَيْضا لغير أبي ذَر. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ كَالمُهْلِ أسُودُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم كَالْمهْلِ يغلي فِي الْبُطُون﴾ (الدُّخان: ٣٤، ٥٤) رَوَاهُ جُوَيْبِر فِي تَفْسِيره عَن الضَّحَّاك عَنهُ، وَعَن الْأَزْهَرِي. من الْمهل: الرصاص الْمُذَاب أَو الصفر أَو الْفضة، وكل مَا أديب من هَذِه الْأَشْيَاء فَهُوَ مهل، وَقيل: الْمهل دردي الزَّيْت، وَقيل: الْمهل الصديد الَّذِي يسيل من جُلُود أهل النَّار، وَقَالَ اللَّيْث: الْمهل ضرب من القطران إلَاّ أَنه رَقِيق يضْرب إِلَى الصُّفْرَة وَهُوَ دسم تدهن بِهِ الْإِبِل فِي الشتَاء، وَقيل: السم، وَعَن الْأَصْمَعِي بِفَتْح الْمِيم الصديد وَمَا يسيل من الْمَيِّت، وَقيل: عكر الزَّيْت، والمهل أَيْضا كل شَيْء يتحات عَن الخبزة من الرماد وَغَيره، وَقيل: الْمهل إِذا ذهب الْجَمْر إلاّ بقايا مِنْهُ فِي الرماد تبينها إِذا حركها والرماد حَار من أجل تِلْكَ الْبَقِيَّة، وَقيل: هُوَ خشارة الزَّيْت، وَفِي (الْمُحكم) قيل: هُوَ خبث الْجَوَاهِر، يَعْنِي الذَّهَب وَالْفِضَّة والرصاص وَالْحَدِيد، وَفِي (تَفْسِير عبد عَن ابْن جُبَير) الْمهل الَّذِي انْتهى حره. وَقَالَ غَيْرُهُ التُّبَّعُ مُلُوكُ اليَمَنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعا لأنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعا لأنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ (الدُّخان: ٧٣) وَفسّر التبع بقوله: (مُلُوك الْيمن) وَهَذَا كل من ملك الْيمن يُسمى تبعا كَمَا أَن كل من ملك فَارِسًا يُسمى كسْرَى، وكل من ملك الرّوم يُسمى قيصرا. وكل من ملك الْحَبَشَة يُسمى النَّجَاشِيّ، وكل من ملك التّرْك يُسمى خاقَان.

стр. 5737

١ - (بابٌ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أَي: انْتظر يَا مُحَمَّد، كَمَا يَجِيء الْآن. قَوْله: (بِدُخَان مُبين) ، ظَاهر. قَالَ قَتَادَةُ فَارْتَقِبْ فَانْتَظِرْ أَي: قَالَ قَتَادَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: فَارْتَقِبْ، فانتظر يَا مُحَمَّد، وَيُقَال ذَلِك فِي الْمَكْرُوه، وَالْمعْنَى: انْتظر عَذَابهمْ، فَحذف مفعول فَارْتَقِبْ لدلَالَة مَا ذكر بعده عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله: ﴿هَذَا عَذَاب أَلِيم﴾ (الدُّخان: ١١) وَقيل: (يَوْم تَأتي السَّمَاء) مفعول فَارْتَقِبْ، يُقَال: رقبته فارتقبته نَحْو نظرته فانتظرته. ٠٢٨٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ عَنْ أبِي حَمْزَةَ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ مَضَى خَمْسٌ الدُّخانُ وَالرُّومُ وَالقَمَرُ وَالبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: الدُّخان، وعبدان هُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: مُحَمَّد ابْن الميمون السكرِي، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، ومسروق بن الأجدع، وَعبد الله بن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفرْقَان، وَذكر فِيهِ خَمْسَة أَشْيَاء الدُّخان يَجِيء قبل قيام السَّاعَة فَيدْخل فِي أسماع الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ حَتَّى يكون كالرأس الحنيذ ويعتري الْمُؤمن مِنْهُ كَهَيئَةِ الزُّكَام وَتَكون الأَرْض كلهَا كبيت أوقد فِيهِ النَّار وَلم يَأْتِ بعد وَهُوَ آتٍ، وَالروم فِيمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ألم غلبت الرّوم﴾ (الرّوم: ١) وَالْقَمَر فِيمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ (الْقَمَر: ١) وَالْبَطْشَة فِيمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) أَي: الْقَتْل يَوْم بدر، وَاللزَام فِيمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوف يكون لزاما﴾ (الْفرْقَان: ٧٧) أَي: أسرى يَوْم بدر أَيْضا، وَقيل: هُوَ الْقَتْل. ٢ - (بابٌ: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هاذَا عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ (الْفرْقَان: ١١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يغشى النَّاس﴾ ، وَلَيْسَ فِي عَامَّة النّسخ لفظ بَاب. قَوْله: (يغشى النَّاس) ، أَي: يُحِيط النَّاس يمْلَأ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب يمْكث أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْلَة أما الْمُؤمن فَيُصِيبهُ مِنْهُ كَهَيئَةِ الزُّكَام، وَأما الْكَافِر فَيصير كَالسَّكْرَانِ يخرج من مَنْخرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدبره. قَوْله: (هَذَا عَذَاب أَلِيم) ، أَي: يَقُول الله ذَلِك، وَقيل: يَقُوله النَّاس. ١٢٨٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَ عَبْدِ الله إنَّمَا كَانَ هاذا لأنَّ قُرَيْشا لَمَّا اسْتَعْصوْا عَلَى النبيِّ ﷺ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنيْ يُوصُفَ فأصابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أكَلُوا العِظامَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَها كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجَهْدِ فأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (الدُّخان: ٥١) فَلَمَّا أصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إلَى حَالِهِمْ حِينَ أصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ فَأنْزَلَ الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قَالَ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: يغش النَّاس، وَيحيى هُوَ ابْن مُوسَى الْبَلْخِي، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَقد ترْجم لهَذَا الحَدِيث ثَلَاث تراجم بعد هَذَا، وسَاق الحَدِيث بِعَيْنِه مطولا ومختصرا. وَقد مضى أَيْضا فِي الاسْتِسْقَاء وَفِي تَفْسِير الْفرْقَان

стр. 5738

مُخْتَصرا، وَفِي تَفْسِير الرّوم وَفِي تَفْسِير صَاد مطولا. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ هَذَا) ، يَعْنِي: الْقَحْط والجهد اللَّذين أصابا قُريْشًا حَتَّى رَأَوْا بَينهم وَبَين السَّمَاء كالدخان. قَوْله: (لما استعصوا) ، أَي: حِين أظهرُوا الْعِصْيَان وَلم يتْركُوا الشّرك. قَوْله: (كَسِنِي يُوسُف) ، وَهِي الَّتِي أخبر الله تَعَالَى عَنْهَا بقوله: ﴿ثمَّ يَأْتِي من بعد ذَلِك سبع شَدَّاد﴾ (يُوسُف: ٨٤) . قَوْله: (فَأَصَابَهُمْ) ، تَفْسِير لما قبله، فَلذَلِك أَتَى بِالْفَاءِ. قَوْله: (جهد) ، بِالْفَتْح وَهُوَ الْمَشَقَّة الشَّديد. قَوْله: (فَأَنِّي) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول، والآتي هُوَ أَبُو سُفْيَان وَكَانَ كَبِير مُضر فِي ذَلِك الْوَقْت. قَوْله: (قَالَ لمضر) أَي: لأبي سُفْيَان، وَأطلق عَلَيْهِ مُضر لكَونه كَبِيرهمْ وَالْعرب تَقول قتل قُرَيْش فلَانا يُرِيدُونَ بِهِ شخصا معينا مِنْهُم، وَكَثِيرًا يضيفون الْأَمر إِلَى الْقَبِيلَة وَالْأَمر فِي الْوَاقِع مُضَاف إِلَى وَاحِد مِنْهُم. قَوْله: (إِنَّك لجريء) أَي: ذُو جرْأَة حَيْثُ تشرك بِاللَّه وتطلب الرَّحْمَة مِنْهُ، وَإِذا كشف عَنْكُم الْعَذَاب إِنَّكُم عائدون إِلَى شرككم والإصرار عَلَيْهِ، قَوْله: (فسقوا) بِضَم السِّين وَالْقَاف على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (الرَّفَاهِيَة) ، يتخفيف الْفَاء وَكسر الْهَاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ التَّوَسُّع والراحة. ٣ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (الدُّخان: ٢١) قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْمُشْركين لما أَصَابَهُم قحط وَجهد (قَالُوا رَبنَا اكشف عَنَّا الْعَذَاب) وَهُوَ الْقَحْط الَّذِي أكلُوا فِيهِ الميتات والجلود. قَالُوا: ﴿إِنَّا مُؤمنُونَ﴾ قَالَ الله : ﴿إِنَّا كاشفو الْعَذَاب قَلِيلا إِنَّكُم عائدون﴾ (الدُّخان: ٥١) أَي: إِلَى كفرهم، فعادوا فانتقم الله مِنْهُم يَوْم بدر. ٢٢٨٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا وَكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الله فَقَالَ إنَّ مِنَ العِلْمِ أنْ تَقُولَ لِما لَا تَعْلَمُ الله أعْلَمُ إنَّ الله قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ وَمَا أنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: ٦٨) إنَّ قُرَيْشا لَمَا غَلَبُوا النبيِّ ﷺ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أكَلُوا فِيهَا العِظامَ المَيِّتَةَ مِنَ الجَهْدِ حَتَّى جَعَلَ أحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجُوعِ، ﴿قَالُوا رَبَّنا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمُنُونَ﴾ فَقِيلَ لَهُ أنَّا إنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا فَدَعا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ الله مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (الدُّخان: ٦١) إلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿إنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ .. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمَذْكُور، وَيحيى شَيْخه هُوَ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق، وَبَقِيَّة رِجَاله قد ذكرُوا عَن قريب. قَوْله: (لما لَا تعلم) ، تَعْرِيض بِالرجلِ القاض الَّذِي كَانَ يَقُول: يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كَذَا، فَأنْكر ابْن مَسْعُود ذَلِك، وَقَالَ: لَا تتكلفوا فِيمَا لَا تعلمُونَ، وَبَين قصَّة الدُّخان، وَقَالَ: إِنَّه كَهَيْئَته وَذَلِكَ قد كَانَ وَوَقع قلت: فِيهِ خلاف فَإِنَّهُ روى عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَزيد بن عَليّ وَالْحسن: إِنَّه دُخان يَجِيء قبل قيام السَّاعَة، وَالله أعلم. قَوْله: (لما غلبوا النَّبِي ﷺ وَيرى: (لما غلبوا على النَّبِي ﷺ ، وَالْمرَاد من هَذِه الْغَلَبَة خُرُوجهمْ عَن الطَّاعَة وتماديهم فِي الْكفْر. وَقَوله: (واستعصوا) يُوضح ذَلِك. قَوْله: (سنة) بِفَتْح السِّين. قَوْله: (وَالْميتَة) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: بِكَسْر النُّون مَوضِع الْيَاء الَّتِي فِي الْميتَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وهمزة، وَهُوَ: الْجلد أول مَا يدبغ قَوْله: (من الْجهد) بِضَم الْجِيم وَفتحهَا لُغَتَانِ، وَقيل: بِالضَّمِّ الْجُوع، وبالفتح الْمَشَقَّة. ٤ - (بَابٌ: ﴿أنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (الدُّخان: ٣١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أَنى لَهُم الذكرى﴾ ، وَفِي بعض النّسخ لَيْسَ فِيهِ لفظ بَاب قَوْله: ﴿أَنى لَهُم الذكرى﴾ أَي: من أَيْن لَهُم

стр. 5739

الذكرى والاتعاظ بعد نزُول الْبلَاء وحلول الْعَذَاب، قَوْله: ﴿رَسُول مُبين﴾ مُحَمَّد ﷺ . الذِّكْرُ وَالذِّكْرَى وَاحِدٌ أَي: فِي الْمَعْنى والمصدرية. قَالَ الْجَوْهَرِي: الذّكر والذكرى بِالْكَسْرِ نقيض النسْيَان وَكَذَلِكَ الذكرة. ٣٢٨٤ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الله ثُمَّ قَالَ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَا دَعَا قُرَيْشا كَذَّبُوهُ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ فَأصَابَتْهُمْ سنَةٌ حصَّتْ يَعْنِي كلَّ شَيْءٍ حَتَّى كَانُوا يَأْكُلُونَ المَيْتَةَ فَكَانَ يَقُومُ أحَدُهُمْ فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هاذا عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (الرحمان: ١، ١١) حَتَّى بَلَغَ: ﴿إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قَالَ عَبْدُ الله أفَيُكْشَفُ عَنْهُمُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ وَالبَطْشَةُ الكُبْرَى يَوْمَ بَدْرٍ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عبد الله الْمَذْكُور، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (حصت) ، بالمهملتين أَي: أذهبت، وَسنة حصَّاء أَي: جرداء لَا خير فِيهَا. قَوْله: (وَالْبَطْشَة الْكُبْرَى) تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) . ٥ - (بابٌ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (الدُّخان: ٤١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ توَلّوا عَنهُ﴾ أَي: أَعرضُوا عَن الرَّسُول فَلم يقبلوه ﴿وَقَالُوا: معلم مَجْنُون﴾ بادعائه النُّبُوَّة. ٤٢٨٤ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ أخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ شَعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ عَنْ أبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله إنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّدا ﷺ وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ وَمَا أنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: ٦٨) فإنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا رأى قُرَيْشا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ سَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُمُ السَّنةُ حَتَّى حَصَّتْ كلَّ شَيْءٍ حَتَّى أكَلُوا العِظَامَ وَالْجُلُودَ فَقَال أحَدُهُمْ حَتَّى أكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَأتاهُ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أيْ مُحَمدُ: إنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ الله أنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ فَدَعَا ثُمَّ قَالَ تَعُودُوا بَعْدَ هاذَا فِي حَدِيثِ مَنْصُورٍ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلَى ﴿عَائِذُونَ﴾ أيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ فَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَالبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ: وَقَال أحَدُهُمُ القَمَرُ وَقَالَ الآخَرُ الرُّومُ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن خَالِد بن مُحَمَّد العسكري عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَهُوَ غنْدر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر كِلَاهُمَا عَن أبي الضُّحَى مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (وَجعل يخرج من الأَرْض) ، فَاعل جعل مَحْذُوف تَقْدِيره جعل شَيْء يخرج من الأَرْض فَإِن قلت: بَينه وَبَين قَوْله: فَكَانَ يرى بَينه وَبَين السَّمَاء مثل الدُّخان تدافع ظَاهر. قلت: لَا تدافع إِذْ لَا مَحْذُور أَن يكون مبدأه الأَرْض ومنتهاه ذَلِك. فَإِن قلت: لفظ يخرج يدل على أَن ثمَّة كَانَ أمرا متخيلاً لَهُم لشدَّة حرارة الْجُوع. قلت: يحْتَمل أَن يكون ثمَّة خَارج من الدُّخان حَقِيقَة وَأَنَّهُمْ كَانُوا يرَوْنَ بَينهم وَبَين السَّمَاء مثله لفرط حرارتهم من المجاعة، أَو كَانَ يخرج من الأَرْض على حسبانهم التخيل من غشاوة أَبْصَارهم من فرط الْجُوع. قَوْله: (أَي مُحَمَّد) ، يَعْنِي: يَا مُحَمَّد. قَوْله: (إِن قَوْمك) ، وَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة

стр. 5740

استسق الله لمضر فَإِنَّهَا قد هَلَكت، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا لِأَن مُضر أَيْضا قومه. قَوْله: (فِي حَدِيث مَنْصُور) هُوَ مَنْصُور الرَّاوِي عَن أبي الضُّحَى، وَلم يذكر هَذَا فِي حَدِيث سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى. قَوْله: (وَقَالَ أحدهم) كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: أَحدهمَا إِذا المُرَاد سُلَيْمَان وَمَنْصُور، لَكِن هَذَا على مَذْهَب من قَالَ: أقل الْجمع اثْنَان، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَتَبعهُ بَعضهم. قلت: يحْتَمل أَن يكون مَعَهُمَا فِي ذَلِك الْوَقْت ثَالِث فَجمع بِاعْتِبَار الثَّلَاثَة. قَوْله: (الْقَمَر) يَعْنِي: انْشِقَاق الْقَمَر. قَوْله: (وَالْآخر الرّوم) يَعْنِي: غَلَبَة الرّوم. ( ٦ - (بابٌ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكِبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (الدُّخان: ٦١) وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا فِي النّسخ كلهَا، وَقد مر تَفْسِيرهَا عَن قريب. ٥٢٨٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا وَكِيع عَنْ الأعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ خَمْسٌ قَدْ مَضَى اللِّزَامُ وَالرُّومُ وَالبُطْشَةُ وَالقَمَرُ والدُّخَانُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ ابْن مُوسَى الْمَذْكُور فِيمَا مضى، وَبَقِيَّة الرِّجَال تكَرر ذكرهم، وَالْمعْنَى أَيْضا قد تقدم، وَهَذَا يدل على أَن ابْن مَسْعُود يرى أَن الدُّخان قد وَقع، وَقد ذكرنَا عَن ابْن عمر وَغَيره أَنه لم يَقع بعد، وَقد روى عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الْحَارِث عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: آيَة الدُّخان لم تمض بعد، يَأْخُذ الْمُؤمن كَهَيئَةِ الزُّكَام وينفخ الْكَافِر حَتَّى ينْفد، وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه مُسلم من حَدِيث أبي سريحَة رَفعه لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تروا عشر آيَات طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، وَالدُّخَان، وَالدَّابَّة الحَدِيث. قلت: أَبُو سريحَة الْغِفَارِيّ اسْمه حُذَيْفَة بن أسيد، كَانَ مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة بيعَة الرضْوَان، يعد فِي الْكُوفِيّين، روى عَنهُ أَبُو الطُّفَيْل وَالشعْبِيّ. ٥٤ - ( ﴿سُورَةُ ح م الجَاثِيَةِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ح م الجاثية، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره الجاثية، فَقَط، وَفِي بعض النسح: وَمن سُورَة الجاثية، وَهِي مَكِّيَّة لَا خلاف فِيهَا، وَهِي أَلفَانِ وَمِائَة وَوَاحِد وَتسْعُونَ حرفا، وَأَرْبَعمِائَة وثمان وَثَمَانُونَ كلمة وَسبع وَثَلَاثُونَ آيَة. (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ثبتَتْ الْبَسْمَلَة سِيمَا عِنْد أبي ذَر. جَاثِيَةَ مُسْتَوفِزينَ عَلَى الرُّكَبِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَترى كل أمة جاثية﴾ (الجاثية: ٨٣) وفسرها بقوله: (مستوفزين على الركب) يُقَال: استوفز فِي قعدته إِذا قعد قعُودا منتصبا غير مطمئن من هول ذَلِك الْيَوْم. وَقَالَ مُجاهِدٌ نَسْتَنْسخُ نَكْتُبُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: ٩٢) أَي: نكتب عَمَلكُمْ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر نَسْتَنْسِخ بِلَا لفظ. قَالَ مُجَاهِد: وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد عَن عمر بن سعد عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَفِي التَّفْسِير: مَعْنَاهُ نأمر بالنسخ، وَعَن الْحسن: مَعْنَاهُ نَحْفَظ. وَعَن الضَّحَّاك: نثبت. نَنْساكُمْ نَتْرُكُكُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فاليوم ننساكم كَمَا نسيتم﴾ (الجاثية: ٤٣) مَعْنَاهُ نترككم كَمَا تركْتُم، وَلم يكن تَركهم إلاّ فِي النَّار، وَهَذَا من إِطْلَاق الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم لِأَن من نسي فقد ترك من غير عكس. ١ - (بابٌ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنا إلاّ الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: ٤٢) الآيَةَ) فِي بعض النّسخ: بَاب ﴿وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر وَمَا لَهُم بذلك من علم أَن هم إِلَّا يظنون﴾ وَله (وَمَا يُهْلِكنَا) أَي: وَمَا يفنينا الْأَمر الزَّمَان وَطول الدَّهْر. ٦٢٨٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعيد بن المُسَيَّبِ عنِ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ الله يُؤْذِيني ابنُ آدَمَ

стр. 5741

يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأنَا بِيَدِي الأمْرُ أُقَلَّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن الْحميدِي أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن عمر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن ابْن السَّرْح وَمُحَمّد بن الصَّباح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد. قَوْله: (يوذيني ابْن آدم) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ يخاطبني من القَوْل بِمَا يتأذي من يجوز فِي حَقه التأذي، وَالله منزه عَن أَن يصير إِلَيْهِ الْأَذَى، وَإِنَّمَا هَذَا من التَّوَسُّع فِي الْكَلَام، وَالْمرَاد، أَن من وَقع ذَلِك مِنْهُ تعرض لسخط الله . وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْإِيذَاء إِيصَال الْمَكْرُوه إِلَى الْغَيْر قولا أَو فعلا أثر فِيهِ أَو لم يُؤثر، وإيذاء الله عبارَة عَن فعل مَا يكرههُ وَلَا يرضى بِهِ، وَكَذَا إِيذَاء رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (يسب الدَّهْر) ، الدَّهْر فِي الأَصْل اسْم لمُدَّة الْعَالم وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر﴾ (الْإِنْسَان: ١) ثمَّ يعبر بِهِ عَن كل مُدَّة كَثِيرَة، وَهُوَ خلاف الزَّمَان فَإِنَّهُ يَقع على الْمدَّة القليلة والكثيرة، فَإِذا المُرَاد فِي الحَدِيث بالدهر مُقَلِّب اللَّيْل وَالنَّهَار ومصرف الْأُمُور فيهمَا فَيَنْبَغِي أَن يُفَسر الأول بذلك كَأَنَّهُ قيل: تسب مُدبر الْأَمر ومقلب اللَّيْل وَالنَّهَار، وَأَنا الْمُدبر والمقدر، فجَاء الِاتِّحَاد. قَوْله: ﴿وَأَنا الدَّهْر﴾ ، قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَنا صَاحب الدَّهْر ومدبر الْأُمُور الَّتِي تنسبونها إِلَى الدَّهْر، فَإِذا سبّ ابْن آدم الدَّهْر من أجل أَنه فَاعل هَذِه الْأُمُور عَاد سبه إليّ لِأَنِّي فاعلها، وَإِنَّمَا الدَّهْر زمَان جعلته ظرفا لمواقع الْأُمُور، وَكَانَ من عَادَتهم إِذا أَصَابَهُم مَكْرُوه أضافوه إِلَى الدَّهْر، وَقَالُوا: وَمَا يُهْلِكنَا إلَاّ الدَّهْر وسبوه، فَقَالُوا: بؤسا للدهر، وتبا لَهُ إِذا كَانُوا لَا يعْرفُونَ للدهر خَالِقًا ويرونه أزليا أبديا، فَلذَلِك سموا بالدهرية، فَاعْلَم الله أَن الدَّهْر مُحدث يقلبه بَين ليل ونهار لَا فعل لَهُ فِي خير وَشر، لكنه ظرف للحوادث الَّتِي الله تَعَالَى يحدثها وينشئها. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَنا الدَّهْر بِالرَّفْع، وَقيل بِالنّصب على الظّرْف. قلت: كَانَ أَبُو بكر بن دَاوُد الْأَصْفَهَانِي يرويهِ بِفَتْح الرَّاء من الدَّهْر مَنْصُوبَة على الظّرْف أَي: أَنا طول الدَّهْر بيَدي الْأَمر، وَكَانَ يَقُول: لَو كَانَ مضموم الرَّاء لصار من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَقَالَ القَاضِي: نَصبه بَعضهم على التَّخْصِيص، قَالَ: والظرف أصح وأصوب، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: يجوز النصب أَي: بِأَن الله بَاقٍ مُقيم أبدا لَا يَزُول. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا بَاطِل من وُجُوه: الأول: أَنه خلاف النَّقْل، فَإِن الْمُحدثين الْمُحَقِّقين لم يضبطوه إلَاّ بِالضَّمِّ، وَلم يكن ابْن دَاوُد من الْحفاظ وَلَا من عُلَمَاء النَّقْل. الثَّانِي: أَنه ورد بِأَلْفَاظ صِحَاح تبطل تَأْوِيله وَهِي: لَا تَقولُوا: يَا خيبة الدَّهْر، فَإِن الله هُوَ الدَّهْر. أَخْرجَاهُ، وَلمُسلم: لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر. الثَّالِث: تَأْوِيله يَقْتَضِي أَن يكون عِلّة النَّهْي لم تذكر لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا تسبوا الدَّهْر. فَأَنا الدَّهْر أقلب اللَّيْل وَالنَّهَار، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تسبوا الدَّهْر وَأَنا أقلبه، وَمَعْلُوم أَنه يقلب كل شَيْء من خير وَشر، وتقلبه للأشياء لَا يمْنَع ذمها وَإِنَّمَا يتَوَجَّه الْأَذَى فِي قَوْله: (يُؤْذِينِي ابْن آدم) على مَا كَانَت عَلَيْهِ الْعَرَب إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة يسبون الدَّهْر، وَيَقُولُونَ: عِنْد ذكر موتاهم، أبادهم الدَّهْر، ينسبون ذَلِك إِلَيْهِ ويرونه الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَشْيَاء وَلَا يرونها من قَضَاء الله وَقدره. قلت: قَوْله: أقلب اللَّيْل وَالنَّهَار، قرينَة قَوِيَّة دَالَّة على أَن الْمُضَاف فِي قَوْله: إِنَّا الدَّهْر. مَحْذُوف وَأَن أَصله خَالق الدَّهْر، لِأَن الدَّهْر فِي الأَصْل عبارَة عَن الزَّمَان مُطلقًا وَاللَّيْل وَالنَّهَار زمَان، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يُطلق على الله أَنه مُقَلِّب اللَّيْل وَالنَّهَار، بِكَسْر اللَّام، والدهر يكون مقلبا بِالْفَتْح، فَلَا يُقَال: الله الدَّهْر مُطلقًا. لِأَن المقلب غير المقلب فَافْهَم، وَقد تفردت بِهِ من (الفتوحات الربانية) وعَلى هَذَا لَا يجوز نِسْبَة الْأَفْعَال الممدوحة والمذمومة للدهر حَقِيقَة، فَمن اعْتقد ذَلِك فَلَا شكّ فِي كفره، وَأما من يجْرِي على لِسَانه من غير اعْتِمَاد صِحَّته فَلَيْسَ بِكَافِر وَلكنه تشبه بِأَهْل الْكفْر وارتكب مَا نَهَاهُ عَنهُ الشَّارِع فليتب وليستغفر. ٦٤ - ( ﴿سُورَةُ ح م الأحْقَافِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْأَحْقَاف، وَفِي بعض النّسخ ح م الأحخقاف، وَفِي بَعْضهَا: الْأَحْقَاف، وَفِي بَعْضهَا وَمن سُورَة الْأَحْقَاف، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس، هِيَ مَكِّيَّة وفيهَا آيتان مدنيتان ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وكفرتم بِهِ﴾ وَقَوله: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا لَو كَانَ خيرا مَا سبقُونَا إِلَيْهِ﴾ وَهِي أَلفَانِ وَخَمْسمِائة وَخَمْسَة وَتسْعُونَ حرفا وسِتمِائَة وَأَرْبع وَأَرْبَعُونَ كلمة وَخمْس وَثَلَاثُونَ آيَة. والأحقاف. قَالَ الْكسَائي: هِيَ مَا اسْتَدَارَ من الرمل، وَاحِدهَا حقف، وحقاف، مثل: دبغ ودباغ، وَلبس

стр. 5742

ولباس، وَقيل: الحقاف جمع الحقف، والأحقاف جمع الْجمع، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْأَحْقَاف واديين عمان ومهرة، وَعَن مقَاتل: كَانَت منَازِل عَاد بِالْيمن فِي حَضرمَوْت فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: مهرَة تنْسب إِلَيْهَا الْجمال المهرية، وَكَانُوا أهل عمد سيارة فِي الرّبيع، فَإِذا أهاج الْعود رجعُوا إِلَى مَنَازِلهمْ وَكَانُوا من قَبيلَة أرم، وَعَن الضَّحَّاك الْأَحْقَاف جبل بِالشَّام، وَعَن مُجَاهِد هِيَ أرص حسمى وَعَن الْخَلِيل: هِيَ الرمال الْعِظَام. (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) لم تثبت البسلة إلَاّ لأبي ذَر. وَقَالَ مُجَاهِدُ تُفِيضُونَ تَقُولونَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ أعلم بِمَا تفيضون فِيهِ﴾ (الْأَحْقَاف: ٤) وَفَسرهُ بقوله: تَقولُونَ وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بِغَيْر قَوْله: قَالَ مُجَاهِد وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن مثله. (وَقَالَ بَعضهم أَثَره وأثره وأثرة وأثاره بَقِيَّة) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَاب من قبل هَذَا أَو أثارة من علم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَفسّر بَعضهم هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة بِبَقِيَّة فَالْأول أَثَرَة بِفتْحَتَيْنِ، وَالثَّانِي: أَثَرَة بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَالثَّالِث: أثارة على وزن فعال بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف، وَفسّر أَبُو عُبَيْدَة. أَو أثارة من علم أَي: بَقِيَّة من علم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: قِرَاءَة الْجُمْهُور أثاره، بِالْألف، وَعَن الْكَلْبِيّ: بَقِيَّة من علم بقيت عَلَيْكُم من عُلُوم الْأَوَّلين تَقول الْعَرَب: لهَذِهِ النَّاقة أثارة من سنّ، أَي: بَقِيَّة، وَعَن عِكْرِمَة وَمُقَاتِل رِوَايَة عَن الْأَنْبِيَاء، ﵈، أصل الْكَلِمَة من الْأَثر وَهُوَ الرِّوَايَة. يُقَال: أثرت الحَدِيث أَثَره آثرا وإثارة، كالشجاعة والجلادة والصلابة فَأَنا آثره وَمِنْه قيل للْخَبَر أثر، وَعَن مُجَاهِد: مَعْنَاهُ رِوَايَة يؤثرونها مِمَّن كَانَ قبلهم، وَقيل: أثارة مِيرَاث من علم، وَقيل: مناظرة من علم لِأَن المناظرة فِي الْعلم مثيرة لمعانيه، وَقيل: اجْتِهَاد من علم. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ بِدْعَا مِنَ الرُّسُلِ لَسْتُ بأوَّلِ الرُّسُلِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا كنت بدعا من الرُّسُل وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ (الْأَحْقَاف: ٩) الْآيَة. وَفَسرهُ بقوله: (لست بِأول الرُّسُل) روى هَذَا ابْن الْمُنْذر عَن عَلان عَن أبي صَالح عَن مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس وَفِي بعض النّسخ: مَا كنت بِأول الرُّسُل يُقَال: مَا هَذَا ببدع، أَي: ببديع. وَقَالَ غَيْرُهُ أَرَأَيْتُمْ هاذِهِ الألِفُ إنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ إنْ صَحَّ مَا تَدْعُونَ لَا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَرَأَيْتُمْ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ إنَّمَا هُوَ أَتَعْلَمُونَ أبَلَغَكُمْ أنَّ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله خَلَقُوا شَيْئا. أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس، هَذَا كُله لَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وكفرتم بِهِ﴾ (الْأَحْقَاف: ٠١) قَوْله: (أَرَأَيْتُم) مَعْنَاهُ أخبروني، كَذَلِك قَالَه الْمُفَسِّرُونَ: وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) قل يَا مُحَمَّد لهَؤُلَاء الْكفَّار، أَرَأَيْتُم أخبروني إِن كَانَ أَي: الْقُرْآن من عِنْد الله، وَقيل: إِن كَانَ مُحَمَّد من عِنْد الله وكفرتم بِهِ وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله، وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف. تَقْدِيره: إِن كَانَ هَذَا الْقُرْآن من عِنْد الله وكفرتم بِهِ ألستم ظالمين، وَيدل على هَذَا الْحَذف قَوْله: ﴿أَن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ (الْمَائِدَة: ١٥) وَقَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَشهد شَاهد هُوَ عبد الله بن سَلام شهد على نبوة رَسُول الله ﷺ فَآمن بِهِ، وَقيل: هُوَ مُوسَى بن عمرَان، ﵊، وَقَالَ مَسْرُوق فِي هَذِه الْآيَة وَالله مَا نزلت فِي عبد الله بن سَلام. لِأَن ح م نزلت بِمَكَّة وَإِنَّمَا أسلم عبد الله بِالْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا كَانَت مُحَاجَّة من رَسُول الله ﷺ لِقَوْمِهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. قَوْله: (هَذِه الْألف) أَشَارَ إِلَى أَن الْهمزَة الَّتِي فِي أول: رَأَيْتُمْ إِنَّمَا هِيَ توعد لكفار مَكَّة حَيْثُ ادعوا صِحَة مَا عبدوه من دون الله، وَإِن صَحَّ مَا يدعونَ فِي زعمهم فَلَا يسْتَحق أَن يعبد، لِأَنَّهُ مَخْلُوق، فَلَا يسْتَحق أَن يعبد إلَاّ الله الَّذِي خلق كل شَيْء. قَوْله: (وَلَيْسَ) فِي قَوْله أَرَادَ بِهِ أَن الرُّؤْيَة فِي قَوْله: أَرَأَيْتُم لَيست من رُؤْيَة الْعين الَّتِي هِيَ الإبصار، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا قَالَه من قَوْله: ﴿أتعلمون أبلغكم﴾ إِلَى آخِره.

стр. 5743

١ - (بابٌ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أتَعِدَانِني أنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلتِ القُرُونُ مِنْ قبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثَانِ الله وَيْلَكَ آمِنْ إنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هاذَا إلَاّ أسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ (الْأَحْقَاف: ٧١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَالذي قَالَ﴾ إِلَى آخِره إِنَّمَا سَاق الْآيَة إِلَى آخرهَا غير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُف لَكمَا أتعدانني أَن أخرج﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أساطير الْأَوَّلين﴾ وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب: قَوْله: (وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ) ، إِلَى آخِره وَقيل: نزلت فِي عبد الله. وَقيل: فِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قبل إِسْلَامه وَكَانَ أَبَوَاهُ يَدعُونَهُ لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ يَأْبَى ويسيء القَوْل ويخبرانه بِالْمَوْتِ والبعث، وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تنكر نُزُولهَا فِي عبد الرَّحْمَن، وَقَالَ الزّجاج: من قَالَ إِنَّهَا نزلت فِيهِ فَبَاطِل وَالتَّفْسِير الصَّحِيح أَنَّهَا نزلت فِي الْكَافِر الْعَاق لوَالِديهِ ذكره الواحدي وَابْن الْجَوْزِيّ. قَوْله: (أُف كلمة) ، كَرَاهَة يقْصد بِهِ إِظْهَار السخط وقبح الرَّد، وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِكَسْر الْفَاء لَكِن نونها نَافِع وَحَفْص عَن عَاصِم، وَقَرَأَ ابْن كثير وَابْن عَامر وامب محيصين وَهِي رِوَايَة عَن عَاصِم بِفَتْح الفار بِغَيْر تَنْوِين. قَوْله: (أتعدانني) ، قِرَاءَة الْعَامَّة بنونين مخففتين، وروى هِشَام عَن أهل الشَّام بنُون وَاحِدَة مُشَدّدَة. قَوْله: (أَن أخرج) ، أَي: من قَبْرِي حَيا بعد فنائي وبلائي (وَقد خلت) مَضَت (الْقُرُون من قبل) وَلم يبْعَث مِنْهُم أحد (وهما يستغيثان الله) يستصرخان الله ويستغيثانه عَلَيْهِ ويقولان الغياث بِاللَّه مِنْك وَمن قَوْلك، ويقولان لَهُ (وَيلك آمن) أَي: صدق بِالْبَعْثِ، فَيَقُول هُوَ: (مَا هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين) والأساطير جمع أسطار وَهُوَ جمع سطر والسطر الْخط وَالْكِتَابَة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الأساطير الأباطيل وَهُوَ جمع أسطورة بِالضَّمِّ وإسطارة بِالْكَسْرِ. ٧٢٨٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بنِ مَاهِكَ قَالَ كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الحِجاز اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايِعَ لَهُ بَعْدَ أبِيهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي بَكْرٍ شَيْئا فَقَالَ خُذُوهُ فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْوَانُ إنَّه هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ الله فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فَقَالَتْ عَائِشَةَ مِنْ وَرَاءِ الحِجابِ مَا أنْزَلَ الله فِينا شَيْئا مِنَ القُرْآنِ إلَاّ أنَّ الله أنْزَلَ عُذْرِي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عوَانَة اسْمه الوضاح، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس، ويوسف ابْن مَاهك منصرف وَغير منصرف وَهُوَ مُعرب وَمَعْنَاهُ: قمير، مصغر الْقَمَر. قَوْله: (كَانَ مَرْوَان على الْحجاز) ، أَي: أَمِيرا على الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة. قَوْله: (فَجعل يذكر يزِيد بن مُعَاوِيَة) ، إِلَى آخِره، قد أوضحه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته بِلَفْظ: أَرَادَ مُعَاوِيَة أَن يسْتَخْلف يزِيد فَكتب إِلَى مَرْوَان وَكَانَ على الْمَدِينَة فَجمع النَّاس فخطبهم وَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رأى رَأيا حسنا فِي يزِيد ودعا إِلَى بيعَة يزِيد، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: مَا هِيَ إلَاّ هِرَقْلِيَّة، أَن أَبَا بكر وَالله لم يَجْعَلهَا فِي أحد من وَلَده وَلَا من أهل بَلَده وَلَا من أهل بَيته، فَقَالَ مَرْوَان: أَلَسْت الَّذِي قَالَ الله فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُف لَكمَا﴾ قَالَ: فسمعتها عَائِشَة، فَقَالَت: يَا مَرْوَان أَنْت الْقَائِل لعبد الرَّحْمَن كَذَا وَكَذَا، وَالله مَا أنزلت إلَاّ فِي فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ، وَفِي لفظ وَالله لَو شِئْت أَن أُسَمِّيهِ لسميت، وَلَكِن رَسُول الله ﷺ لعن أَبَا مَرْوَان ومروان فِي صلبه، فمروان فضَض أَي: قِطْعَة من لعنة الله ، فَنزل مَرْوَان مسرعا حَتَّى أَتَى بَاب عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَجعل يكلمها وتكلمه ثمَّ انْصَرف، وَفِي لفظ، فَقَالَت عَائِشَة: كذب وَالله مَا نزلت فِيهِ. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر شَيْئا) ، وَلم يبين مَا هَذَا الشَّيْء الَّذِي قَالَه عبد الرَّحْمَن لمروان، وأوضح ذَلِك الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته، فَقَالَ: عبد الرَّحْمَن: مَا هِيَ إلَاّ هِرَقْلِيَّة، وَله من طَرِيق شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد فَقَالَ مَرْوَان: سنة أبي بكر وَعمر، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: سنة هِرقل. وَقَيْصَر. قَوْله: (فَقَالَ: خذوه) أَي: فَقَالَ مَرْوَان لأعوانه خُذُوا عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (فَدخل) أَي: عبد الرَّحْمَن بَيت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ملتجأ بهَا. قَوْله: (فَلم يقدروا) أَي: لم يقدروا على إِخْرَاجه من بَيت عَائِشَة إعظاما لعَائِشَة امْتَنعُوا

стр. 5744

من الدُّخُول فِي بَيتهَا. قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان: إِن هَذَا الَّذِي) أَرَادَ بِهِ عبد الرَّحْمَن (أنزل الله فِيهِ) أَي: فِي حَقه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لوالدين أُف لَكمَا أتعدانني﴾ (الْأَحْقَاف: ٧١) فأجابت عَائِشَة بقولِهَا: مَا أنزل الله فِينَا شَيْئا إِلَى آخِره. قَوْله: (إِن الله أنزل عُذْري) أَرَادَت بهَا الْآيَات الَّتِي نزلت فِي بَرَاءَة ساحة عَائِشَة. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَهِي: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك﴾ (النُّور: ١١) إِلَى آخِره. قَوْله: (فِينَا) أَرَادَت بِهِ بني أبي بكر لِأَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. نزل فِيهِ ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ﴾ (التَّوْبَة: ٠٤) وَقَوله: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه﴾ (الْفَتْح: ٩٢) وَقَوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ والأولون﴾ وَفِي آي كَثِيرَة. ٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضا مُسْتَقبلَ أوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هاذا عَارِضٌ مِمْطرنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ (الْأَحْقَاف: ٤٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ الخ. سَاقهَا غير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عارضا مُسْتَقْبل أَوْدِيَتهمْ﴾ الْآيَة. قَوْله: (فَلَمَّا رَأَوْهُ) أَي: فَلَمَّا رَأَوْا مَا يوعدون بِهِ وَكَانُوا قَالُوا: فائتنا بِمَا تعدنا، يَعْنِي: من الْعَذَاب إِن كنت من الصَّادِقين، وهم قوم هود، ﵇، قَوْله: (عارضا) نصب على الْحَال، وَقيل: رَأَوْا عارضا وَهُوَ السَّحَاب سمي بذلك لِأَنَّهُ يعرض أَي يَبْدُو فِي عرض السَّمَاء. قَوْله: ﴿مُسْتَقْبل أَوْدِيَتهمْ﴾ صفة لقَوْله: عارضا، فَلَمَّا رَأَوْهُ اسْتَبْشَرُوا بِهِ وَقَالُوا: هَذَا عَارض مُمْطِرنَا يمطر لنا فَقَالَ الله : ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم﴾ وريح مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: هُوَ ريح، وَكَانَت الرّيح الَّتِي تسمى الديور، وَكَانَت تحمل الْفسْطَاط وَتحمل الظعينة فترفعها حَتَّى كَأَنَّهَا جَرَادَة وَأما مَا كَانَ خَارِجا من مَوَاشِيهمْ ورحالهم تطير بهَا الرّيح بَين السَّمَاء وَالْأَرْض مثل الريش، قَالَ ابْن عَبَّاس: فَدَخَلُوا بُيُوتهم وَأَغْلقُوا أَبْوَابهم فَجَاءَت الرّيح فَقلعت أَبْوَابهم وصرعتهم، وَأمر الله الرّيح فأمالت عَلَيْهِم الرمال فَكَانُوا تَحت الرمل سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما أَنِين. ثمَّ أَمر الله تَعَالَى الرّيح فَكشفت عَنْهُم الرمال، ثمَّ أمرهَا فاحتملتهم فرمت بهم فِي الْبَحْر، فَهُوَ الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿تدمر كل شَيْء﴾ (الْأَحْقَاف: ٥٢) مرت بِهِ من رجال عَاد وأموالها. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عَارِضٌ السَّحابُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ الْعَارِض السَّحَاب وَقد قُلْنَا: مَا سَبَب تَسْمِيَته بذلك. ٨٢٨٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عِيسَى حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ أخْبرنا عَمْرٌ وأنَّ أبَا النّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ ابنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النبيِّ ﷺ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ضَاحِكا حَتَّى أُرَى مِنْهُ لَهَوَانِهِ إنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. حدَّثنا قَالَتْ وَكَانَ إذَا رَأَى غَيْما أوْ رِيحا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ الله إنَّ النَّاسَ إذَا رَأوا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ وَأرَاكَ إذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ مَا يُوؤْمِنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَا عُذِّبَ قَوْمُ عَادٍ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابِ: ﴿فَقَالُوا هاذا عَارِضٌ ممْطِرُنا﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد كَذَا غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، حَدثنَا أَحْمد بن عِيسَى، كَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُود وَخلف وعرفه ابْن السكن بِأَنَّهُ أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ، وغلّط الْحَاكِم. قَول من قَالَ: إِنَّه ابْن أخي ابْن وهب، وَقَالَ ابْن مَنْدَه كلما قَالَ البُخَارِيّ فِي (جَامعه) حَدثنَا أَحْمد عَن ابْن وهب، فَهُوَ ابْن صَالح، وَإِذا حدث عَن ابْن عِيسَى نسبه. قلت: لَعَلَّ الْكرْمَانِي اعْتمد على هَذَا حَيْثُ قَالَ: أَحْمد، أَي: ابْن صَالح الْمصْرِيّ، وَقَالَ فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) أَحْمد غير مَنْسُوب يحدث عَن عبد الله ابْن وهب الْمصْرِيّ، حدث عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من (الْجَامِع) . وَاخْتلفُوا فِي أَحْمد هَذَا، فَقَالَ قوم: إِنَّه أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي ابْن وهب، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّه أَحْمد بن صَالح أَو أَحْمد بن عِيسَى، وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي: أَحْمد عَن ابْن وهب هُوَ ابْن أخي ابْن وهب، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: لم يخرج البُخَارِيّ عَن أَحْمد بن صَالح وَعبد الرَّحْمَن شَيْئا فِي (الصَّحِيح) ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث، وَأَبُو النَّضر، بِسُكُون الْمُعْجَمَة، سَالم، وَسليمَان بن يسَار. ضد الْيَمين، وَنصف هَذَا الْإِسْنَاد الْأَعْلَى مدنيون

стр. 5745

والأدنى مصريون. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن يحيى بن سُلَيْمَان وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِسْقَاء عَن هَارُون بن مَعْرُوف. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن صَالح. قَوْله: (لهوانه) ، بتحريك الْهَاء جمع لهاة وَهِي اللحمة الْمُتَعَلّقَة فِي أَعلَى الحنك وَيجمع أَيْضا على: لَهَا بِفَتْح اللَّام مَقْصُور. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ يتبسم) ، قلت: روى أَنه ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، فِي التَّوْفِيق بَينهمَا. قلت: ظُهُور النواجذ الَّتِي هِيَ الْأَسْنَان الَّتِي فِي مقدم الْفَم أَو الأنياب لَا يسْتَلْزم ظُهُور اللهاة. قَوْله: (عرفت الْكَرَاهِيَة فِي وَجهه) ، وَهِي من أَفعَال الْقُلُوب الَّتِي لَا ترى، وَلكنه إِذا فَرح الْقلب تبلج الجبين، فَإِذا حزن أُرِيد بِالْوَجْهِ فعبرت عَن الشَّيْء الظَّاهِر فِي الْوَجْه بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ ثَمَرَتهَا. قَوْله: (مَا يؤمنني) من آمن يُؤمن ويروى: مَا يؤمني، بِالْهَمْزَةِ وَتَشْديد النُّون. قَوْله: (عذب قوم عَاد) حَيْثُ أهلكوا يرِيح صَرْصَر. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: النكرَة الْمُعَادَة هِيَ غير الأولى، وَهنا الْقَوْم الَّذين قَالُوا: هَذَا عَارض مُمْطِرنَا، هم بعينهم الَّذين عذبُوا بِالرِّيحِ فِيهَا عَذَاب أَلِيم قدمر كل شَيْء. قلت: تِلْكَ الْقَاعِدَة النحوية إِنَّمَا هِيَ فِي مَوضِع لَا يكون ثمَّة قرينَة على الِاتِّحَاد، أما إِذا كَانَت فَهِيَ بِعَينهَا الأولى لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إلاه وَفِي الأَرْض إلاه﴾ (الزخرف: ٤٨) وَلَئِن سلمنَا وجوب الْمُغَايرَة مُطلقًا فَلَعَلَّ عادا قومان، قوم بالأحقاف، أَي فِي الرمال وهم أَصْحَاب الْعَارِض، وَقوم غَيرهم من الَّذين كذبُوا انْتهى. قلت: تمثيله بقوله: (هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إلاه وَفِي الأَرْض إلاه) غير مُطَابق لما قَالَه لِأَن فِيهِ الْمُغَايرَة ظَاهِرَة، لَكِن يحمل على معنى أَن كَونه معبودا فِي السَّمَاء غير كَونه معبودا فِي الأَرْض لِأَن إلاها بِمَعْنى مألوه بِمَعْنى معبود فَافْهَم. ٧٤ - ( ﴿سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة مُحَمَّد، ﷺ ، وَفِي بعض النّسخ: سور ﴿الَّذين كفرُوا﴾ (مُحَمَّد: ٣) قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: ذكر عَن الحكم عَن السّديّ أَنه قَالَ: هِيَ مَكِّيَّة، ثمَّ وجدنَا عَامَّة من بلغنَا عَنْهُم تَفْسِير هَذِه السُّورَة مُجْمِعِينَ على أَنَّهَا مَدِينَة، وَقَالَ الضَّحَّاك وَالسُّديّ: مَكِّيَّة، وَفِي تَفْسِير ابْن النَّقِيب: حُكيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن قَوْله : ﴿وكأين من قَرْيَة﴾ (مُحَمَّد: ٣١) نزلت بعد حجَّة النَّبِي ﷺ حِين خرج من مَكَّة شرفها الله تَعَالَى، وَهِي أَلفَانِ وثلاثمائة وَتِسْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا، وَخَمْسمِائة وتسع وَثَلَاثُونَ كلمة، وثمان وَثَلَاثُونَ آيَة. (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) كَذَا سُورَة مُحَمَّد بِسم الله الرحمان الرَّحِيم لأبي ذَر، وَلغيره ﴿الَّذين كفرُوا﴾ فَحسب. أوْزَارَها آثَامَها حَتَّى لَا يَبْقَى إلَاّ مُسُلَمٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما منا بعد وَإِمَّا فدَاء حَتَّى تضع الْحَرْب أَوزَارهَا﴾ (مُحَمَّد: ٤) وَفسّر: (أَوزَارهَا) بقوله: (آثامها) فعلى تَفْسِيره الأوزار جمع وزر والآثام جمع أَثم، وَقَالَ ابْن التِّين: لم يقل هَذَا أحد غير البُخَارِيّ، وَالْمَعْرُوف أَن المُرَاد بأوزارها الأسلحة. قلت: فعلى هَذَا الأوزار جمع وزر الَّذِي هُوَ السِّلَاح، وَفِي (الْمغرب) الْوَزْن بِالْكَسْرِ الْحمل الثقيل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ (الْأَنْعَام: ٤٦١) أَي: حملهَا من الْإِثْم وَقَوْلهمْ: وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا عبارَة عَن انْقِضَائِهَا لِأَن أَهلهَا يضعون أسلحتهم حِينَئِذٍ، وسمى السِّلَاح وزرا لِأَنَّهُ يثقل على لابسه قَالَ الْأَعْشَى: (واعددت للحرب أَوزَارهَا ... رماحا طوَالًا وخيلاً طوَالًا) وَهَذَا كُله يُقَوي كَلَام ابْن التِّين لَا مثل مَا قَالَه بَعضهم: إِن لكَلَام ابْن التِّين احْتِمَالا ويعضد كَلَام البُخَارِيّ مَا قَالَه الثَّعْلَبِيّ: آثامها وأجرامها، فيرتفع وَيَنْقَطِع الْحَرْب لِأَن الْحَرْب لَا يَخْلُو من الْإِثْم فِي أحد الْجَانِبَيْنِ والفريقين، ثمَّ قَالَ: وَقيل: حَتَّى تضع الْحَرْب آلتها وعدتها، وآلتهم وأسلحتهم فيمسكوا عَن الْحَرْب، وَالْحَرب الْقَوْم المحاربون كالركب، وَقيل: مَعْنَاهُ حَتَّى يضع الْقَوْم المحاربون أَوزَارهَا وآثامها بِأَن يتوبوا من كفرهم ويؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله انْتهى. فَعرفت من هَذَا أَن لكل من كَلَام البُخَارِيّ. وَكَلَام ابْن التِّين وَجها. عَرَّفَها بَيْنَها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ويدخلهم الْجنَّة عرفهَا لَهُم﴾ (مُحَمَّد: ٦) وَفسّر: (عرفهَا) بقوله: (بَينهَا) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي بَين لَهُم مَنَازِلهمْ فِيهَا حَتَّى يهتدوا إِلَيْهَا ودرجاتهم الَّتِي قسم الله لَا يخطئون وَلَا يستدلون عَلَيْهَا أحدا كَأَنَّهُمْ سكانها مُنْذُ خلقُوا.
следующие страницы →