← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

الْجَاهِلِيَّة) يَعْنِي: فِي حق أهل الشّرك من أهل مَكَّة. وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي حق الرجل الَّذِي عرف الْإِسْلَام ثمَّ قتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم لَا تَوْبَة لَهُ، وَهَذَا مَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس، وَقد حمل جُمْهُور السّلف وَجَمِيع أهل السّنة مَا ورد من ذَلِك على التَّغْلِيظ والتهديد، وصححوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ. ٣ - (بابُ قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفْ لَهُ العذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ (الْفرْقَان: ٩٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿يُضَاعف﴾ الْآيَة. قَوْله: (يُضَاعف) بدل من قَوْله: ﴿يلق أثاماً﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) لِأَنَّهُمَا فِي معنى وَاحِد، وَمعنى: ﴿يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب﴾ أَن الْمُشرك إِذا ارْتكب الْمعاصِي مَعَ الشّرك يعذب على الشّرك وعَلى الْمعاصِي جَمِيعًا، وَقَرَأَ عَاصِم: يُضَاعف، بِالرَّفْع على تَفْسِير: يلق أثاماً، كَأَن قَائِلا يَقُول: مَا لَقِي الأثام فَقيل: يُضَاعف الْعَذَاب، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ بَدَلا من قَوْله: (يلقَ) لِأَنَّهُ مجزوم على الْجَزَاء، وَابْن كثير وَابْن عَامر يحذفان فَإِن الْألف ويشددان الْعين. قَوْله: (ويخلد فِيهِ) أَي: فِي النَّار (مهاناً) ذليلاً، وَقَرَأَ ابْن عَامر: يخلد بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف وَالْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ. ٤ - (بابُ: ﴿إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فأُولائِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: ﴿إلاّ من تَابَ﴾ الْآيَة. وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب. ٦٦٧٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبَرَنا أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ أمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبْزَي أنْ أسْألَ ابنَ عَبَّاسٍ عَنْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) فَسَألْتُهُ فَقَالَ لَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ وَعَنْ: ﴿والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلِّهاً آخَرَ﴾ قَالَ نَزَلَتْ فِي أهْلِ الشِّرْكِ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن أَبْزَى، وعبدان هُوَ ابْن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ الْمروزِي. وَحَاصِل هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا سعيد بن جُبَير أَن ابْن عَبَّاس يفرق بَين الْآيَتَيْنِ المذكورتين وَهُوَ أَن قَوْله: (وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا) الْآيَة فِي حق الْمُسلم الْعَارِف بالأمور الشَّرْعِيَّة، وَإِن قَوْله: (إلَاّ من تَابَ) الْآيَة. فِي حق الْمُشرك، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فلاتوبة للْقَاتِل عِنْده، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب وَفِيمَا مضى. ٥ - (بابُ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ (الْفرْقَان: ٧٧) هَلَكَةً) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد كَذبْتُمْ فَسَوف يكون لزاماً﴾ وَقد فسره بقوله: (هلكة) . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلف فِي اللزام فَقيل:

стр. 5672

يَوْم بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ، وَقيل: عَذَاب الْقَبْر، وَقَالَ ابْن جرير: عذَابا دَائِما لَازِما وهلاكاً مستمراً. ٧٦٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللِّزَامُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ (الْفرْقَان: ٧٧) .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود ﵁. قَوْله: (خمس) أَي: خَمْسَة عَلَامَات (قد مضين) ، أَي وقعن. الأولى: الدُّخان. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٠١) . الثَّانِيَة: الْقَمَر، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ (الْقَمَر: ١) . الثَّالِثَة: الرّوم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ألم غلبت الرّوم﴾ (الرّوم: ١) . الرَّابِعَة: البطشة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر. الْخَامِسَة: للزام ﴿فَسَوف يكون لزاماً﴾ قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء. ٦٢ - (سورَةُ الشُّعَرَاءِ) أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الشُّعَرَاء. مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة. ﴿إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بَعْدَمَا ظلمُوا﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٢٢) نزلت فِي حسان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك شعراء الْأَنْصَار، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي آيتان: ﴿وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤٢٢) وَقَوله: ﴿أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٩١) وَعند السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْوَاقِعَة، وَقبل سُورَة النَّمْل، وَهِي: مِائَتَان وَسبع وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ ثبتَتْ لأبي ذَر وَقَالَ مُجاِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون﴾ (الشُّعَرَاء: ٨٢١) وَفسّر تعبثون بقوله: (تبنون) . وصصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله: ﴿أتبنون بِكُل ريع﴾ قَالَ: بِكُل فج (آيَة تعبثون) ، قَالَ: بنياناً. وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع بِكُل شرف، عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل والكلبي: طَرِيق، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن عِكْرِمَة: وَاد، وَعَن مقَاتل: كَانُوا يسافرون وَلَا يَهْتَدُونَ إلَاّ بالنجوم فبنوا على الطّرق أعلاماً طوَالًا عَبَثا ليهتدوا بهَا وَكَانُوا فِي غبة مِنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانُوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بهَا. والريع الْمُرْتَفع من الأَرْض وَالْجمع ريعة بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء، وَأما الأرياع فمفرده: ريعة، بِالْكَسْرِ والسكون. هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٤١ ٨٤١) وَفسّر هضيماً بقوله: (يتفتت إِذا مس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قَول مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: هُوَ المنظم فِي وعائه قبل أَن يظْهر. مُسَحَّرِينَ: المَسْحُورِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٥١ ٥٨١) وَفَسرهُ بقوله: (المسحورين) أَي: من سحر مرّة بعد مرّة من المخلوقين المعللين بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، وَقَالَ الْفراء: أَي أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وتشرب الشَّرَاب وتسحر بِهِ، وَالْمعْنَى: لست بِملك إِنَّمَا أَنْت بشر مثلهَا لَا تفضلنا فِي شَيْء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل من أكل فَهُوَ مسحر، وَذَلِكَ أَن لَهُ سحرًا، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء، أَي: رئة، وَقيل: من السحر بِالْكَسْرِ. واللَّيْكَةُ والأيْكَةُ جَمْعُ أيْكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كذب أصحابُ الأيكة الْمُرْسلين﴾ (الشُّعَرَاء: ٦٧١) والليكة، بِفَتْح اللَّام والأيكة بِفَتْح الْهمزَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: من قَرَأَ أَصْحَاب الأيكة فَهِيَ الغيضة، وَمن قَرَأَ: ليكة، فَهِيَ الْقرْيَة. وَقَالَ: الأيك الشّجر الْكثير الملتف الْوَاحِدَة أيكة. قلت: قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر أَصْحَاب ليكة هُنَا، وَفِي (ص) بِغَيْر همزَة، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ فيهمَا. قَوْله: (جمع أيكة) كَذَا فِي النّسخ وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: والليكة والأيكة مُفْرد أيك، وَيُقَال: جمعهَا أيك، وَالْعجب من بعض الشُّرَّاح حَيْثُ لم يذكر

стр. 5673

هُنَا شَيْئا بل قَالَ: الْكَلَام الأول من قَول مُجَاهِد، وَمن جمع أيكة ... الخ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وحاشا من مُجَاهِد وَمن أبي عُبَيْدَة أَن يَقُولَا الأيكة جمع أيكة. قَوْله: (وَهِي جمع شجر) ، كَذَا للأكثرين، وَعند أبي ذَر: وَهِي جمع الشّجر، وَفِي بعض النّسخ وَهِي جمَاعَة الشّجر، وعَلى كل التَّقْدِير: هَذَا فِي نفس الْأَمر تَفْسِير غيضة الَّتِي يُفَسر بهَا الأيكة، لِأَن الغيضة هِيَ جمَاعَة الشّجر، وَإِذا لم يُفَسر الأيكة بالغيضة لَا يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام. فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل. يَوْمِ الظُّلَّةِ أظْلَالُ العَذَابِ إيَّاهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة﴾ وَفسّر (يَوْم الظلة) بقوله: (إظلال الْعَذَاب إيَّاهُم) ، وَفِي التَّفْسِير معنى الظلة هُنَا: السَّحَاب الَّتِي أظلتهم. مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ هَذَا غير وَاقع فِي مَحَله فَإِنَّهُ فِي سُورَة الْحجر، وَكَأَنَّهُ من جهل النَّاسِخ لعدم تَمْيِيزه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون﴾ (الْحجر: ٩١) . كالطَّوْدِ الجَبَلِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٦) وَفسّر الطود بِالْجَبَلِ، وَوَقع هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَلغيره مَنْسُوبا إِلَى مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: كالطود الْجَبَل. الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤٥) وَفسّر الشرذمة (بطَائفَة قَليلَة) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أرسل فِرْعَوْن فِي إِثْر مُوسَى لما خرج مَعَ بني إِسْرَائِيل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف ملك، مَعَ كل ملك ألف فَارس، وَخرج فِرْعَوْن فِي الْكُرْسِيّ الْعَظِيم فَكَانَ فِيهِ ألفا ألف فَارس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄: أتبعه فِرْعَوْن فِي ألفي حصان سوى الْإِنَاث وَكَانَ مُوسَى ﷺ فِي سِتّمائَة ألف من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ فِرْعَوْن: إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ، فَكيف التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس: خَواص فِرْعَوْن الَّذين كَانُوا يلازمونه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلم يذكر غَيرهم، على أَن الَّذِي ذكره الثَّعْلَبِيّ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله، قَالَ: كَانُوا سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا. فِي السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين﴾ (الشُّعَرَاء: ٨١٢ ٩١٢) وَفسّر الساجدين بالمصلين، وَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ: الَّذِي يرى تصرفك مَعَ الْمُصَلِّين فِي أَرْكَان الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة قَائِما وَقَاعِدا وراكعاً وساجداً. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنَّكُمْ أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون﴾ (الشُّعَرَاء: ٩٢١) إِن معنى: لَعَلَّكُمْ كأنكم، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: كأنكم تخلدون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: ﴿لَعَلَّكُمْ تخلدون﴾ ، وَعَن الواحدي: كل مَا فِي الْقُرْآن: لَعَلَّ، فَهُوَ للتَّعْلِيل إلَاّ هَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ للتشبيه، قيل: فِي الْحصْر نظر لِأَنَّهُ قد قيل مثل ذَلِك فِي قَوْله: ﴿لَعَلَّك باخع نَفسك﴾ (الشُّعَرَاء: ٣) . الرِّيعُ الأيْفاعُ مِنَ الأرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وأرْياع واحِدَ الرِّيَعَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون﴾ (الشُّعَرَاء: ٨٢١) . وَقَالَ: (الرّيع الأيفاع من الأَرْض) ، الأيفاع بِفَتْح الْهمزَة جمع يافع وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَمِنْه يُقَال: غُلَام يافع من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع، وَالصَّوَاب: اليفاع من الأَرْض بِفَتْح الْيَاء وَالْفَاء وَهُوَ الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَقد فسر الرّيع بِكَسْر الرَّاء بقوله: الايفاع واليفاع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: غُلَام يافع ويفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أَيْضا، وَقَالَ: والريع بِالْكَسْرِ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ عمَارَة: هُوَ الْجَبَل، والريع أَيْضا: الطَّرِيق. قلت: وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، وَقيل: الْفَج بَين الجبلين، وَعَن مُجَاهِد: الثَّنية الصَّغِيرَة وَعَن عِكْرِمَة وادٍ، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع يَعْنِي: بِكُل شرف، والريع بِالْفَتْح النَّمَاء، وَمِنْه ريع الاملاك. قَوْله: (وَجمعه) ، أَي: جمع الرّيع (ريعة) بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء

стр. 5674

كقرد وقردة. قَوْله: (وأرياع وَاحِد الريعة) ، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء، وَعند جمَاعَة من الْمُفَسّرين: ريع وَاحِد وَجمعه أرياع وريعة بِالتَّحْرِيكِ، وريع جمع أَيْضا واحده ريعة بِالسُّكُونِ: كعهن وعهنة. مَصانِعَ كلُّ بِناء فَهْوَ مَصْنَعَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون﴾ (الشُّعَرَاء: ٩٢١) وَقَالَ: (كل بِنَاء فَهُوَ مصنعة) وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، ومصنعة مُفْرد مصانع، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة: المصانع الْقُصُور والحصون، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: المصانع عندنَا بلغَة الْيمن الْقُصُور العادية، وَقيل: المصانع بروج الْحمام. فَرِهِينَ مَرِحِينَ فارِهِينَ بِمَعْناهُ ويُقالُ: فارِهِينَ حاذِقِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتنحّون من الْجبَال بُيُوتًا فارهين﴾ (الشُّعَرَاء: ٩٤١) وَفَسرهُ بقوله: مرحين، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، ومرحين جمع مرح صفة مشبهة من مرح بِالْكَسْرِ مرحاً، والمرح شدَّة الْفَرح والنشاط، وَعَن ابْن عَبَّاس: أشرين، وَعَن الضَّحَّاك: كيسين، وَعَن قَتَادَة: معجبين بصنيعهم، وَعَن مُجَاهِد: شرهين، وَعَن عِكْرِمَة: ناعمين، وَعَن السّديّ: متحيرين، وَعَن ابْن زيد: أقوياء، وَعَن الْكسَائي: بطرين، وَعَن الْأَخْفَش: فرحين، وَهَكَذَا هُوَ رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ بَعضهم: وَصَوَّبَهُ بَعضهم لقرب مخرج الْحَاء من الْهَاء وَلَيْسَ بِشَيْء. قلت: أَرَادَ بالمصوب صَاحب (التَّوْضِيح) ورده عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْء لِأَن الْهَاء والحاء من حُرُوف الْحلق وَالْعرب تعاقب بَين الْحَاء وَالْهَاء مثل مدحته ومدهته. قَوْله: (فارهين بِمَعْنَاهُ) ، أَي: بِمَعْنى: فرهين، من قَوْله الرجل فَهُوَ فاره. قَوْله: (وَيُقَال: فارهين حاذقين) وَكَذَا رُوِيَ عَن عبد الله بن شَدَّاد، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقرىء فرهين بِالْألف: فارهين، أَي: حاذرين بنحتها، وَقيل: متحيرين لمواضع نحتها. تَعْثَوْا هُوَ أشَدُّ الفَسادِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٨١) وَتَفْسِيره بأشد الْفساد، تَفْسِير مصدر: تعثوا، لِأَنَّهُ من عثا فِي الأَرْض يعثو: فسد، وَكَذَلِكَ عثى بِالْكَسْرِ يعثي، فمصدر الأول عثواً ومصدر الثَّانِي عثى، فَافْهَم. عاثَ يَعِيثُ عَيْثاً أَرَادَ بِهَذَا أَن معنى: عاث، مثل معنى: عثى: أفسد وَلَيْسَ مُرَاده أَن تعثوا مُشْتَقّ من عاث لِأَن تعثوا معتل اللَّام نَاقص، وعاث معتل الْعين أجوف، وَمن لَهُ أدنى ملكة من التصريف يفهم هَذَا. الجِبِلَّةُ الخَلْق جُبِلَ خُلِقَ ومِنْهُ جُبُلاً وجِبِلاً وجُبْلاً يَعْنِي الخَلْقَ قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿والجبلة الْأَوَّلين﴾ (الشُّعَرَاء: ٤٨١) وفسرها بالخلق. قَوْله: (جبل على صِيغَة الْمَجْهُول) ، أَي: خلق مَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن هَذَا الْبَاب جبلا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أضلّ مِنْكُم جبلا كثيرا﴾ (يس: ٢٦) . وَفِيه قراءات شَتَّى ذكره البُخَارِيّ هُنَا ثَلَاثَة: الأولى: جبلا: بِضَمَّتَيْنِ. الثَّانِيَة: جبلا، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْبَاء. الثَّالِثَة: جبلا، بِضَم الْجِيم وَالْبَاء وَتَشْديد اللَّام، وَالْحَاصِل أَن قِرَاءَة نَافِع وَعَاصِم بكسرتين وَتَشْديد اللَّام. وَقِرَاءَة أبي عَمْرو وَابْن عَامر بكسرتين وَتَخْفِيف اللَّام، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بكسرتين وَتَخْفِيف اللَّام، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمَّتَيْنِ وَاللَّام خَفِيفَة، وقرىء فِي الشواذ بِضَمَّتَيْنِ وبالتشديد وبكسرة وَسُكُون وبكسرة وفتحة وبالتخفيف. قَوْله: (قَالَه ابْن عَبَّاس) وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلم يَقع عِنْد غَيره، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا أولى فَإِن هَذَا كُله كَلَام أبي عُبَيْدَة، انْتهى. قلت: لَيْت شعري من أَيْن الْأَوْلَوِيَّة، وَكَونه كَلَام أبي عُبَيْدَة لَا يسْتَلْزم نفي كَونه من كَلَام ابْن عَبَّاس أَيْضا. ١ - (بابُ: ﴿وَلَا يُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَا تخزني يَوْم يبعثون﴾ وَلم يثبت لفظ بَاب إلَاّ يثبت لفظ بَاب إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده. قَوْله: (يَوْم يبعثون) أَي: الْعباد، وَقيل: يَوْم يبْعَث الضالون، وَأبي فيهم. ٨٦٧٤ - وَقَالَ إبْرَاهيمُ بنُ طَهْمانَ عنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِيهِ

стр. 5675

عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ يُري أباهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ الغَبَرَةُ والقَتَرَةُ. الغَبَرَةُ هِيَ القَتَرَةُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه وَالَّتِي قبلهَا وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واغفر لأبي أَنه كَانَ من الضَّالّين﴾ (الشُّعَرَاء: ٦٨) فِي قصَّة سُؤال إِبْرَاهِيم، ﵊، ورؤيته أَبَاهُ على الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة، وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء: الْهَرَوِيّ أَبُو سعيد، سكن نيسابور ثمَّ سكن مَكَّة وَمَات سنة سِتِّينَ وَمِائَة وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ، وَابْن أبي ذِئْب مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ذِئْب واسْمه هِشَام وَسَعِيد يروي عَن أَبِيه عَن أبي سعيد واسْمه كيسَان الْمَدِينِيّ، وَكَانَ يسكن عِنْد مَقْبرَة فنسب إِلَيْهَا. والْحَدِيث مُعَلّق وَصله النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان إِلَى آخر الحَدِيث. قَوْله: (يرى) ، ويروى: رأى، قَوْله: (أَبَاهُ) ، هُوَ آزر. قَوْله: (عَلَيْهِ الغبرة) جملَة حَالية بِلَا وَاو. قَوْله: (والقترة) ، بِفَتْح الْقَاف وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهِي سَواد كالدخان، وَهَذَا مقتبس من قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا غبرة ترهقها قترة﴾ (عبس: ٠٤ ١٤) ، أَي: تصيبها قترة، وَلَا يرى أوحش من اجْتِمَاع الغبرة والسواد فِي الْوَجْه. قَوْله: (الغبرة) ، مُبْتَدأ. وَقَوله: هِيَ الفترة جملَة خَبره، وَهَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيّ، وَعَلِيهِ الغبرة والقترة، وَتَفْسِيره هَكَذَا غير طائل على مَا لَا يخفى، يفهم بِالتَّأَمُّلِ. ٩٦٧٤ - حدَّثنا إسْماعِيلُ حَدثنَا أخِي عنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُريِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ يَلْقَى إبْرَاهِيمُ أباهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَني أنْ لَا تُخْزِني يَوْم يُبْعَثُونَ فَيَقُولُ الله إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكافِرِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٠٥٣٣ وطرفه) . هَذَا طَرِيق آخر عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة أَبِيه، وَسَعِيد قد سمع عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَسمع أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة، وَذَا لَا يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، واسْمه عبد الله يروي عَن أَخِيه عبد الحميد بن أبي ذِئْب إِلَى آخِره ... والْحَدِيث قد مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (لَا تخزني) فَإِن قيل: إِذا أَدخل الله أَبَاهُ فِي النَّار فقد أَخْزَاهُ لقَوْله: ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ (آل عمرَان: ٢٩١) وخزي الْوَالِد خزي الْوَلَد فَيلْزم الْخلف فِي الْوَعْد وَأَنه محَال، وَأجِيب: لَو لم يدْخل النَّار لزم الْخلف فِي الْوَعيد، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بقوله: حرمت الْجنَّة على الْكَافرين، وَيُجَاب أَيْضا بِأَن أَبَاهُ يمسخ إِلَى صُورَة ذيخ، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة أَي: ضبع، ويلقى فِي النَّار فَلَا خزي حَيْثُ لَا تبقى لَهُ صورته الَّتِي هِيَ سَبَب الخزي، فَهُوَ عمل بالوعد والوعيد كليهمَا، وَقيل: الْوَعْد مَشْرُوط بِالْإِيمَان كَمَا أَن الاسْتِغْفَار لَهُ كَانَ عَن موعدة وعدها إِيَّاه، فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ. ٢ - (بابُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢ ٥١٢) . ألِنْ جانِبَكَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وأنذر﴾ الْخطاب للنَّبِي ﷺ ، وَالْمرَاد بالأقربين: بَنو عبد منَاف، وَقيل: بَنو عبد الْمطلب، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا، وَقيل: هم قُرَيْش وَبِه جزم ابْن التِّين، والقربى فِي الْخمس: بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب عِنْد الشَّافِعِي، قَوْله: (ألن جَانِبك) ، من الإلانة وَهُوَ تَفْسِير قَوْله: واخفض جناحك، وَهَكَذَا فسره الْمُفَسِّرُونَ. ٠٧٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ حدّثني عَمْرُو بنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) صَعِدَ النبيُّ ﷺ عَلَى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي يَا بَني فِهْرٍ يَا بَني عَدِيّ لِبُطُونِ قُرَيْش حَتَّى اجْتعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجُ أرْسَلَ رَسُولا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ

стр. 5676

فَقَالَ أرَأيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلاً بالوَادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أكنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقاً قَالَ فإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيّ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أبُو لَهَبٍ تَباً لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهاذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبْ وَتَبَّ مَا أغْنَى عَنْهُ مالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (المسد: ١ ٢) .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء. وَهَذَا الحَدِيث مُرْسل لِأَن ابْن عَبَّاس كَانَ حينئذٍ إِمَّا لم يُولد أَو كَانَ طفْلا، وَبِه جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب من انتسب إِلَى آبَائِهِ فِي الْإِسْلَام والجاهلية، وَلَكِن الَّذِي هُنَا بأتم من ذَاك. قَوْله: (أَرَأَيْتكُم) ، مَعْنَاهُ: أخبروني وَالْعرب تَقول: أرأيتكما أَرَأَيْتكُم عِنْد الاستخبار بِمَعْنى: أَخْبرنِي واخبراني وأخبروني، وتاؤها مَفْتُوحَة أبدا. قَوْله: (أَن خيلاً) أَي: عسكراً. قَوْله: (مصدقي) ، بتَشْديد الْيَاء وَأَصله: مُصدقين لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت النُّون وأدغمت يَاء الْجمع فِي يَاء الْمُتَكَلّم. قَوْله: (نذيراً) أَي: منذراً. قَوْله: (وَتب) وَفِي رِوَايَة أُسَامَة: وَقد تب، وَزَاد: هَكَذَا قَرَأَهَا الْأَعْمَش يومئذٍ، والتباب الخسران والهلاك، تَقول مِنْهُ: تب تباباً وَتب يَدَاهُ. وَقَوله: تَبًّا لَك، نصب على الْمصدر بإضمار فعل: أَي: ألزمك الله هَلَاكًا وخسراناً. قَوْله: (سَائِر الْيَوْم) أَي: فِي جَمِيع الْيَوْم، وَمِنْه: سَائِر النَّاس أَي جَمِيعهم. قَوْله: (أَلِهَذَا) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على وَجه الْإِنْكَار. ١٧٧٤ - حدَّثنا أَبُو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرَني سَعِيدُ بنُ المسَيَّبِ وأبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمان أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قامَ رسولُ الله ﷺ حِينَ أنْزل الله: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أوْ كَلِمَةً نَحْوَها اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ لَا أعْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئاً يَا بَني عَبْدِ مَنافٍ لَا أغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئاً يَا عبَّاسُ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئاً وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله ﷺ لَا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئاً وَيَا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئاً. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهُوَ أَيْضا من مَرَاسِيل أبي هُرَيْرَة لِأَن أَبَا هُرَيْرَة أسلم بِالْمَدِينَةِ وَهَذِه الْقِصَّة وَقعت بِمَكَّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي. والْحَدِيث مر بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد وَعين هَذَا الْمَتْن فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب هَل يدْخل النِّسَاء والود فِي الْأَقَارِب؟ وَهَذَا تكْرَار صَرِيح لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة غير اخْتِلَاف التَّرْجَمَة فيهمَا. قَوْله: (أَو كلمة نَحْوهَا) شكّ من الرَّاوِي، أَي: أَو نَحْو: (يَا معشر قُرَيْش) مثل قَوْله: يَا بنيفلانة، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَاضِي قَوْله: ﴿اشْتَروا أَنفسكُم﴾ أَي: بِاعْتِبَار تَخْلِيصهَا من الْعَذَاب كَأَنَّهُ قَالَ: أَسْلمُوا تسلموا من الْعَذَاب فَيكون ذَلِك كالشري كَأَنَّهُمْ جعلُوا الطَّاعَة ثمن النجَاة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: يَا معشر قُرَيْش أَنْقِذُوا أَنفسكُم من النَّار. قَوْله: (يَا صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله ﷺ يجوز فِي: عمَّة، النصب وَالرَّفْع بِاعْتِبَار اللَّفْظ وَالْمحل، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: (يَا فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ قَوْله: (لَا أُغني عَنْك) يُقَال: مَا يغنى عَنْك هَذَا أَي: مَا ينفعك. تابِعَهُ أصْبَغُ عنِ ابنِ وهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهابٍ أَي تَابع أَبَا الْيَمَان فِي رِوَايَة أصبغ بن الْفرج الْمصْرِيّ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَقد مر وَجه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْوَصَايَا، وَالْحكمَة فِي إنذار الْأَقْرَبين أَولا أَن الْحجَّة إِذا قَامَت عَلَيْهِم تعدت إِلَى غَيرهم وَلَا يبْقى لَهُم عِلّة فِي الِامْتِنَاع. ٧٢ - (سورَةُ النَّمْلُ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة النَّمْل، ذكر الْقُرْطُبِيّ وَغَيره أَنَّهَا مَكِّيَّة بِلَا خلاف، وَعند السخاوي: نزلت قبل الْقَصَص وَبعد الْقَصَص سُبْحَانَ، وَهِي ثَلَاثَة وَتسْعُونَ آيَة، وَألف وَمِائَة وتسع وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَأَرْبَعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ حرفا.

стр. 5677

ثَبت لفظ: سُورَة. والبسلمة لأبي ذَر وَحده، وَثَبت للنسفي لَكِن بعد الْبَسْمَلَة. والخَبْءُ مَا خَبَأْتَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا يسجدوا لله الَّذِي يخرج الخبء﴾ (النَّمْل: ٥٢) الْآيَة. وَفَسرهُ بقوله: (مَا خبأت) وَعَن الْفراء يخرج الخبء أَي الْغَيْث من السَّمَاء والنبات من الأَرْض. قَوْله: (والخبء) بِالْوَاو فِي أَوله فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره بِلَا وَاو، وَمثل هَذِه الْوَاو تسمى: وَاو الاستفتاح، هَكَذَا سَمِعت من أساتذتي الْكِبَار. لَا قِبَلَ لَا طاقَةَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إرجع إِلَيْهِم فلنأتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا﴾ (النَّمْل: ٧٣) الْآيَة، وَفَسرهُ بقوله: (لَا طَاقَة) لَهُم بهَا وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد مثله، وَكَذَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة. الصَّرْحُ كُلُّ مِلَاطٍ اتَّخَذَ مِنَ القَوَارِيرِ والصَّرْحُ القَصْرُ وجَماعَتُهُ صُرُوحٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قيل لَهَا ادخلي الصرح﴾ (النَّمْل: ٤٤) الْآيَة وَفسّر الصرح بقوله: (كل ملاط) بِكَسْر الْمِيم فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الأصبلي بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن السكن، وَكَذَا بِخَط الدمياطي فِي نسخته بِالْبَاء، وَقَالَ ابْن التِّين بِالْمِيم، وَقَالَ: الملاط بِالْمِيم الْمَكْسُورَة الَّذِي يوضع بَين سافتي الْبُنيان، وَقيل: الصخر، وَقيل: كل بِنَاء عَال مُنْفَرد، وبالباء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة مَا تُكْسَى بِهِ الأَرْض من حِجَارَة أَو رُخَام، وَقَالَ البُخَارِيّ: كل ملاط اتخذ من الْقَوَارِير، وَكَذَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (والصرح: الْقصر) هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة أَيْضا. قَوْله: (وجماعته) . والأصوب: وَجمعه صروح. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيْمٌ سَرِيرٌ كَرِيمٌ حُسْنُ الصَّنْعَةِ وغَالِي الثَّمَنِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلها﴾ أَي: ولبلقيس ﴿عرش عَظِيم﴾ (النَّمْل: ٣٢) يَعْنِي: سَرِير كريم وَصفه بِالْكَرمِ على سَبِيل الْمجَاز على أَنه من خِيَار السرر وأنفسها، كَمَا فِي قَوْله: ﴿تَأْخُذ كرائم أَمْوَال النَّاس وَهِي خِيَارهَا ونفائسها. قَوْله: (حسن الصَّنْعَة) ﴾ ، بِفَتْح الْحَاء وَالسِّين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حسن الصَّنْعَة مُبْتَدأ أَو خَبره مَحْذُوف أَي: لَهُ، وَهَذَا يدل على أَنه بِضَم الْحَاء وَسُكُون السِّين. قَوْله: (غالي الثّمن) ، ويروى: غلا الثّمن، وَهُوَ عطف على مَا قبله، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: عرش عَظِيم ضخم حسن وَكَانَ مقدمه من ذهب مفضض بالياقوت الْأَحْمَر والزمرد الْأَخْضَر ومؤخره من فضَّة مكلل بألوان الْجَوَاهِر، وَله أَربع قَوَائِم قَائِمَة من ياقوت أصفر وقائمة من زمرد أَخْضَر وقائمة من در، وصفائح السرير من ذهب وَعَلِيهِ سَبْعَة أَبْيَات على كل بَيت بَاب مغلق. وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عرش بلقيس ثَلَاثِينَ ذِرَاعا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَطوله فِي الْهَوَاء ثَلَاثُونَ ذِرَاعا، وَعَن مقَاتل ثَمَانِينَ ذِرَاعا فِي ثَمَانِينَ ذِرَاعا وَطوله فِي الْهَوَاء ثَمَانُون ذِرَاعا مكلل بالجواهر. يأتُونِي مسْلِمِينَ طائِعِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا قبل أَن يأتوني مُسلمين﴾ (النَّمْل: ٨٣) وَفَسرهُ بقوله: (طائعين) وَهَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: معنى طائعين منقادين لأمر سُلَيْمَان ﵇، وَلم يقل: مُطِيعِينَ، لِأَن أطاعه إِذا أجَاب أمره، وطاعه إِذا انْقَادَ لَهُ، وَهَؤُلَاء أجابوا أمره. رَدِفَ: اقْتَرَبَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿عَسى أَن يكون رَدِفَ لكم﴾ (النَّمْل: ٢٧) وَفسّر: (ردف) بقوله: (اقْترب) ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. جامِدَةً قائِمَةً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَترى الْجبَال تحسبها جامدة﴾ (النَّمْل: ٨٨) وفسرها بقوله: (قَائِمَة) هَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. أوْزعْنِي اجْعَلْنِي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ﴾ (النَّمْل: ٩١) الْآيَة، فسر قَوْله: (أوزعني) . بقوله: (اجْعَلنِي) وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : أوزعني: إجعلني أزع شكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت

стр. 5678

عَليّ وعَلى وَالِدي، وآلفه وارتبطه لَا يَنْقَلِب عني حَتَّى لَا أَزَال شاكراً لَك. وَقَالَ مُجاهِدٌ: نَكِّرُوا غَيِّرُوا أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي معنى قَوْله تَعَالَى: (نكروا لَهَا عرشها: غيروا، أسْندهُ أَبُو مُحَمَّد من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: غيروه. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من وَجه أخر صَحِيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: أَمر بالعرش فَغير مَا كَانَ أَحْمَر جعل أَخْضَر، وَمَا كَانَ أَخْضَر جعل أصفر غير كل شَيْء عَن حَاله. وأوتِينا العِلْمَ يَقُولُهُ سُلَيْمانُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ وأوتينا الْعلم من قبلهَا وَكُنَّا مُسلمين﴾ (النَّمْل: ٢٤) وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى أَن قَوْله: (وأويتينا الْعلم) من قَول سُلَيْمَان، وَقَالَ الواحدي: إِنَّه من قَول بلقيس، قَالَ بَعضهم، وَالْأول الْمُعْتَمد. قلت: السِّيَاق والسباق يدلان على أَنه من قَول بلقيس أَنه من قَول قالته مقرة بِصِحَّة نبوة سُلَيْمَان. الصَّرْحُ بِرْكَةُ ماءٍ ضَرَبَ سُلَيْمانُ قَوَارِيرَ ألْبَسَها إيَّاهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قيل لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وكشفت عَن سَاقيهَا قَالَ أَنه صرح ممرد من قَوَارِير﴾ (النَّمْل: ٤٤) الْآيَة، وَفسّر (الصرح) الْمَذْكُور بقوله: (بركَة مَاء) إِلَى آخِره، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد مثله، ثمَّ قَالَ: وَكَانَت هلباء شعراء، وَمن وَجه آخر عَن مُجَاهِد: كشفت بلقيس عَن سَاقيهَا فَإِذا هما شعراوان، فَأمر سُلَيْمَان بالنورة فصنعت. قَوْله: (قَوَارِير) ، جمع قَارُورَة وَهِي الزّجاج، وَكَانَ سُلَيْمَان أَمر ببنائه وأجرى تَحْتَهُ المَاء وَألقى فِيهِ كل شَيْء من دَوَاب الْبَحْر: السّمك وَغَيره، ثمَّ وضع لَهُ سَرِير فِي صدرها فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَت بلقيس قيل لَهَا: أدخلي الصرح، فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وَهُوَ مُعظم المَاء، وَعَن ابْن جريج: حسبته بحراً وكشفت عَن سَاقيهَا لتخوض إِلَى سُلَيْمَان ﵇، وَبَاقِي الْقِصَّة مَشْهُور. قَوْله: (إِيَّاه) فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: إِيَّاهَا. ٨٢ - (سورَةُ القَصَصِ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْقَصَص، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا آيَة نزلت بِالْجُحْفَةِ وَهِي قَوْله: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ (الْقَصَص: ٥٨) أَي: إِلَى مَكَّة، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِلَى الْمَوْت. وَعنهُ: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَعنهُ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: إِلَى الْجنَّة، وَهِي ثَمَان وَثَمَانُونَ آيَة، وَألف وَأَرْبَعمِائَة وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حرف. لم يثبت لفظ سُورَة والبسملة إِلَّا لأبي ذَر والنسفي. يُقالُ: كلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلاّ وَجْهَه، إلَاّ مُلْكَهُ، ويُقالُ: إلاّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ الله أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي آخر سُورَة الْقَصَص: ﴿وَلَا تدعُ مَعَ الله إل هَا آخر لَا إل هـ إلَاّ هُوَ كل شَيْء هَالك إلَاّ وَجهه لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ (الْقَصَص: ٨٨) وَفسّر الْوَجْه بِالْملكِ، وَكَذَا نقل الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل الْعَرَبيَّة، وَكَذَا ذكره الْفراء، وَعَن أبي عبيد إلَاّ وَجهه: إلَاّ جلالة. قَوْله: (وَيُقَال) إِلَى آخِره، قَالَ سُفْيَان: مَعْنَاهُ إلَاّ مَا أُرِيد بِهِ رِضَاء الله والتقرب لَا الرِّيَاء وَوجه النَّاس. وَقَالَ مُجاهِدٌ الأنْباءُ الحجَجُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فعميت عَلَيْهِم الأنباء﴾ (الْقَصَص: ٦٦) أَن الأنباء هِيَ الْحجَج، وَكَذَا ذكره الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي منْ أحْبَبْتَ ولاكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (الْقَصَص: ٦٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لَا تهدى﴾ ... الْآيَة. قَوْله: (لَا تهدي) ، خطاب للنَّبِي ﷺ . قَوْله: (من أَحْبَبْت) ، هدايته، وَقيل: لِقَرَابَتِهِ. ٢٧٧٤ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ قَالَ لمّا حَضَرَتْ أَبَا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رسولُ الله ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ الله بنَ أبي أميَّةَ بنِ المُغِيَرةِ فَقَالَ أيْ عَمِّ قُلْ لَا إل هَ إلاّ الله كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ الله فَقَالَ

стр. 5679

أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ الله بنُ أبي أُمَيَّةَ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يَعْرِضُها عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ حَتَّى قَالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَأبي أَن يَقُولَ لَا إل هَ إلَاّ الله قَالَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أنْهَ عَنْكَ فأنْزَلَ الله: ﴿مَا كانَ لِلنبيِّ والذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمشْرِكِين﴾ (التَّوْبَة: ٣١١) وأنْزَلَ الله فِي أبي طَالب فَقَالَ لِرَسولِ الله ﷺ : ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلاكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (الْقَصَص: ٦٥) .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا قَالَ الْمُشرك عِنْد الْمَوْت: لَا إل هـ إلَاّ الله. قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ على شَرط البُخَارِيّ إِذْ لم يرو عَن الْمسيب إلَاّ ابْنه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة لِأَن الْمسيب من مسلمة الْفَتْح على قَول مُصعب، وعَلى قَول العسكري مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة، فأياماً كَانَ فَلم يشْهد وَفَاة أبي طَالب لِأَنَّهُ توفّي هُوَ وَخَدِيجَة، ﵂. فِي أَيَّام مُتَقَارِبَة فِي عَام وَاحِد للنَّبِي ﷺ ، نَحْو الْخمسين، ورد عَلَيْهِمَا بَعضهم بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الْمسيب مُتَأَخِّرًا إِسْلَامه أَن لَا يشْهد وَفَاة أبي طَالب كَمَا شَهِدَهَا عبد الله بن أبي أُميَّة وَهُوَ يومئذٍ كَافِر ثمَّ أسلم بعد ذَلِك. انْتهى. قلت: حُضُور عبد الله بن أبي أُميَّة وَفَاة أبي طَالب وَهُوَ كَافِر ثَبت فِي: (الصَّحِيح) وَلم يثبت حُضُور الْمسيب وَفَاة أبي طَالب وَهُوَ كَافِر لَا فِي: (الصَّحِيح) وَلَا فِي غَيره، وبالاحتمال لَا يرد على كَلَام بِغَيْر احْتِمَال، فَافْهَم. قَالَ ابنُ عَبَّاس أُولي القُوَّةِ لَا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ. لَتَنُوءُ لَتُثْقِلُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا أَن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة﴾ (الْقَصَص: ٦٧) الْآيَة. وَفسّر قَوْله: ﴿أولي الْقُوَّة﴾ بقوله: (لَا يرفعها الْعصبَة من الرِّجَال) والعصبة مَا بَين الْعشْرَة إِلَى خَمْسَة عشرَة قَالَه مُجَاهِد، وَعَن قَتَادَة: مَا بَين الْعشْرَة إِلَى أَرْبَعِينَ، وَعَن أبي صَالح: أَرْبَعُونَ رجلا وع ابْن عَبَّاس مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَقيل: سِتُّونَ، وَفسّر قَوْله: (لتنوء) ، بقوله: (لتثقل) ، وَقيل: لتميل، وَهَذَا إِلَى قَوْله: يتشاورون، لم يثبت لأبي ذَر والأصيلي، وَثَبت لغَيْرِهِمَا إِلَى قَوْله: ذكر مُوسَى. فارِغاً إلاّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا﴾ (الْقَصَص: ٠١) وَفسّر فَارغًا بقوله: (إلَاّ من ذكر مُوسَى) وَفِي التَّفْسِير: أَي سَاهِيا لاهياً من كل شَيْء إلَاّ من ذكر مُوسَى ﵊، وهمه، قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن الْكسَائي: فَارغًا أَي نَاسِيا، وَعَن أبي عُبَيْدَة أَي: فَارغًا من الْحزن لعلمها بِأَنَّهُ لم يغرق. الفَرِحِينَ المَرِحِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ (الْقَصَص: ٦٧) وَفَسرهُ بقوله: (المرحين) وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قُصِّيهِ اتبِعِي أثَرَهُ وَقَدْ يَكُونُ أنْ يَقُصَّ الكَلَامَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت لأخته قصيه فبصرت بِهِ عَن جنب وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الْقَصَص: ١١) أَي: قَالَت أم مُوسَى لأخت مُوسَى: قصيه، أَي: اتبعي أَثَره، من قَوْلهم: قصصت آثَار الْقَوْم أَي: تبعتها. قَوْله: (وَقد يكون) إِلَى آخِره. أَرَادَ بِهِ أَن قصّ يكون أَيْضا من قصّ الْكَلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نَحن نقص عَلَيْك﴾ (الْقَصَص: ١١) وَمِنْه: قصّ الرُّؤْيَا إِذا أخبر بهَا. عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ عَنْ جَنابَةٍ واحِدٌ وَعَنِ اجْتِنابٍ أيْضاً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فبصرت بِهِ عَن جنب وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَفسّر: (عَن جنب) بقوله: (عَن بعد) أَي: بصرت أُخْت مُوسَى بمُوسَى أَي: أبصرته عَن بعد وَالْحَال أَنهم لَا يَشْعُرُونَ لَا يعلمُونَ أَنَّهَا أُخْت مُوسَى ﵇، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْجنب

стр. 5680

أَن يسمو بصر الْإِنْسَان إِلَى الشَّيْء الْبعيد وَهُوَ إِلَى جنبه لَا يشْعر بِهِ، وَعَن قَتَادَة: جعلت أُخْت مُوسَى تنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهَا لَا تريده. قَوْله: عَن جَنَابَة أَرَادَ بِهِ أَيْضا أَن معنى عَن جَنَابَة: عَن بعد. قَوْله: (وَاحِد) أَي: معنى عَن جَنَابَة: وَاحِد، وَكَذَلِكَ معنى: وَعَن اجْتِنَاب، وَالْحَاصِل أَن كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ: الْبعد، وَمِنْه: الْجنب. سمي بِهِ لِأَنَّهُ بعيد عَن تِلَاوَة الْقُرْآن. يَبْطِشُ: ويَبْطُشُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَرَادَ أَن يبطش بِالَّذِي هُوَ عَدو لَهما﴾ (الْقَصَص: ٩١) وَبَين أَن فِيهِ لغتين إِحْدَاهمَا: يبطش، بِضَم الطَّاء، والآخرى: يبطش، بِالْكَسْرِ. يأْتَمِرُونَ: يَتَشَاوَرُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ (الْقَصَص: ٠٢) وَفسّر: (يأتمرون) بقوله: (يتشاورون) وَقيل: مَعْنَاهُ يَأْمر بَعضهم بَعْضًا، وَالْقَائِل لمُوسَى بذلك هوحزقيل مُؤمن آل فِرْعَوْن وَكَانَ ابْن عَم فِرْعَوْن، وَالْمَلَأ: الْجَمَاعَة. العُدْوَانُ والعَدَاءُ والتَّعَدِّي وَاحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا عدوان عَليّ وَالله على مَا نقُول وَكيل﴾ (الْقَصَص: ٨٢) وبيّنَ أَن معنى هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة وَاحِد، وَهُوَ التَّعَدِّي والتجاوز عَن الْحق، وَالْقَائِل بِهَذَا هُوَ شُعَيْب ﵇، وقصته مَشْهُورَة. آنَسَ: أبْصَرَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الْأَجَل وَسَار بأَهْله آنس من جَانب الطّور نَارا﴾ (الْقَصَص: ٩٢) وَفَسرهُ بقوله: (أبْصر) . الجِذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ لَيْسَ فِيها لَهَبٌ: والشِّهابُ فِيهِ لَهَبٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو جذوة من النَّار لَعَلَّكُمْ تصطلون﴾ (الْقَصَص: ٩٢) وَفسّر الجذوة بقوله: (قِطْعَة) إِلَى آخِره، وَقَالَ مقَاتل وَقَتَادَة: الجذوة الْعود الَّذِي احْتَرَقَ بعضه، وَجَمعهَا جذى، وَالْجِيم فِي جذوة مُثَلّثَة وَهِي لُغَات وقرءات وَمعنى: يصطلون تستدفئون. قَوْله: (والشهاب فِيهِ لَهب) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النَّمْل: ﴿إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر أَو آتيكم بشهاب قبس لَعَلَّكُمْ تصطلون﴾ (النَّمْل: ٧) وَفسّر الشهَاب بِأَن فِيهِ لهباً، قَالَ الْجَوْهَرِي: الشهَاب شعلة نَار ساطعة، وَقَالَ: اللهب لَهب النَّار وَهُوَ لسانها، وكنى أَبُو لَهب لجماله. كأنَّها جانٌّ وهْيَ فِي آيَةٍ أُخْرَى كأنَّها حَيَّةٌ حَيَّةٌ تَسْعَى والحَيَّاتُ أجْناسٌ الجانُّ والأفاعِي والأساوِدُ هَذَا ثَبت للنسفي، وَأَشَارَ بقوله: (كَأَنَّهَا) إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة: ﴿وَأَن ألق عصاك فَلَمَّا رَآهَا تهتز كَأَنَّهَا جَان ولى مُدبرا﴾ (الْقَصَص: ١٣) قَوْله: (وَهِي فِي آيَة أُخْرَى) ﴿كَأَنَّهَا حَيَّة تسْعَى﴾ (طه: ٠٢) وَهُوَ فِي سُورَة طه، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ: القها يَا مُوسَى فألقاها فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى﴾ وَفِي الشُّعَرَاء: ﴿فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٠١ وَالشعرَاء: ٢٣) وَلم يذكر البُخَارِيّ هَذَا مَعَ أَنه دَاخل فِي قَوْله: (والحيات أَجنَاس) وَهِي جمع حَيَّة وَهِي إسم جنس يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالصَّغِير وَالْكَبِير، وَذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْحَيَّة والجان والثعبان، فالحية تَشْمَل الجان والثعبان، وَكَانَت حَيَّة لَيْلَة المخاطبة لِئَلَّا يخَاف مُوسَى علهي الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا إِذا أَلْقَاهَا بَين يَدي فِرْعَوْن، وَعَن ابْن عَبَّاس: صَارَت حَيَّة صفراء لَهَا عرف كعرف الْفرس، وَجعلت تتورم حَتَّى صَارَت ثعباناً وَهِي أكبر مَا يكون من الْحَيَّات فَلذَلِك قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿كَأَنَّهَا جَان﴾ وَهِي أَصْغَر الْحَيَّات وَفِي مَوضِع آخر: ثعبان، وَهُوَ أعظمها، فالجان ابْتِدَاء حَالهَا والثعبان. انْتِهَاء حَالهَا، وَكَانَ الجان فِي سرعَة فَلذَلِك قَالَ: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تهتز كَأَنَّهَا جَان﴾ وَيُقَال: كَانَ مَا بَين لحيي الْحَيَّة أَرْبَعُونَ ذِرَاعا، وَعَن ابْن عَبَّاس: لما انقلبت الْحَيَّة ثعباناً ذكرا صَار يبتلع الصخر وَالْحجر. قَوْله: (والأفاعي) جمع أَفْعَى على وزن أفعل، يُقَال: هَذِه أَفْعَى بِالتَّنْوِينِ، والأفعوان ذكر الأفاعي. قَوْله: (والأساود) ، جمع أسود وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات وَفِيه سَواد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجمع الأساود لِأَنَّهُ إسم، وَلَو كَانَ صفة لجمع على فعل يَعْنِي لقَالَ: سود، يُقَال: أسود سالخ غير مُضَاف لِأَنَّهُ يسلخ جلده كل عَام وَالْأُنْثَى: أَسْوِدَة، وَلَا تُوصَف بسالخة. رِدْءاً مُعِيناً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأخي هَارُون هُوَ أفْصح مني لِسَانا فَأرْسلهُ معي ردْءًا يصدقني﴾ (الْقَصَص: ٤٣) وَفَسرهُ بقوله: (معينا) يُقَال: فلَان رده فلَان إِذا كَانَ ينصره ويشد ظَهره، وَيُقَال: أردأت الرجل أعنته.

стр. 5681

عبيد الله ال ابنُ عَبَّاسٍ لِكَي يُصَدِّقُنِي. وَقَالَ غيْرُهُ سَنَشُدُّ كُلَّما عَزَّزْتَ شَيْئاً فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُداً أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿ردأ يصدقني﴾ (الْقَصَص: ٤٣) لكَي يصدقني، وَفِي التَّفْسِير: يصدقني أَي: مُصدقا وَلَيْسَ الْغَرَض بتصديقه أَن يَقُول لَهُ: صدقت، أَو يَقُول للنَّاس: صدق مُوسَى، وَإِنَّمَا هُوَ أَن يلخس بِلِسَانِهِ الْحق أَو يبسط القَوْل فِيهِ، ويجادل بِهِ الْكفَّار كَمَا يفعل الرجل المنطيق ذُو الْمُعَارضَة. قَوْله: (قَالَ غَيره) ، أَي: غير ابْن عَبَّاس فِي معنى قَول الله تَعَالَى: ﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ (الْقَصَص: ٥٣) سنعينك. وَقيل: سنقويك بِهِ، وَشد العضدد كِنَايَة عَن التقوية. قَوْله: (كلما عززت) ، من: عز فلَان أَخَاهُ إِذا قوَّاه، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فعززنا بثالث﴾ (يس: ٢٤١) يُخَفف ويشدد أَي: قوينا وشددنا. مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين﴾ (الْقَصَص: ٢٤) وَفَسرهُ بقوله: (مهلكين) ، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ غَيره: أَي من المتعدين الملعونين من الْقبْح وَهُوَ الإبعاد. وَقَالَ ابْن زيد: يُقَال: قبح الله فلَانا قبحاً وقبوحاً، أَي: أبعده من كل خير، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي سَواد الْوَجْه وزرقة الْعين، وعَلى هَذَا يكون بِمَعْنى المقبحين. وصَّلْنا: بَيَّنَّاه وأتْمَمْناهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد وصلنا لَهُم القَوْل لَعَلَّهُم يتذكرون﴾ (الْقَصَص: ١٥) وَفسّر: وصلناه بقوله: (بَيناهُ) وَعَن السّديّ كَذَلِك، وَعَن الْفراء: أتبعنا بعضه بَعْضًا فاتصل. قَوْله: (وأتممناه) ، الضَّمِير الْمَنْسُوب فِيهِ فِي بَيناهُ يرجع إِلَى القَوْل، الْمَعْنى: بَينا لكفار مَكَّة فِي الْقُرْآن من خبر الْأُمَم الْمَاضِيَة كَيفَ عذبُوا بتكذيبهم. يُحْياى: يُجْلَبُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شَيْء﴾ (الْقَصَص: ٧٥) وَفسّر: يجبى بقوله: (يجلب) وَقَرَأَ نَافِع: تجبى، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الْحرم، وَالْمعْنَى: يجلب وَيحمل من النواحي ثَمَرَات كل شَيْء رزقا من لدنا أَي: من عندنَا. بَطِرَتْ: أشِرَتْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم أهلكنا من قَرْيَة بطرت معيشتها﴾ (الْقَصَص: ٨٥) وَفسّر قَوْله: (بطرت) ، بقوله: (أَشرت) ، أَي: طغت وبغت، وَقَالَ ابْن فَارس: البطر تجَاوز الْحَد فِي المرح، وَقيل: هُوَ الطغيان بِالنعْمَةِ. فِي أُمِّها رَسُولا أُمُّ القُرَى مَكّةُ وَمَا حَوْلَها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبك مهلك الْقرى حَتَّى يبْعَث فِي أمهَا رَسُولا﴾ (الْقَصَص: ٩٥) ، الْآيَة. وَذكر أَن المُرَاد بِأم الْقرى مَكَّة وَمَا حولهَا، سميت بذلك لِأَن الأَرْض دحيت من تحتهَا. ﴿تُكِنُّ تُخْفِي أكْنَنْتُ الشَّيْءَ أخْفَيْتُهُ وكَنَنْتُهُ أخفَيْتُهُ وأظْهَرْتُهُ﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ مَا يعلنون﴾ (الْقَصَص: ٩٦) وَفسّر: (تكن) ، بقوله: (تخفي) وتكن، بِضَم التَّاء من أكننت الشَّيْء إِذا أخفيته. قَوْله: (وكننته) من الثلاثي وَمَعْنَاهُ: خفيته بِدُونِ الْهمزَة فِي أَوله أَي: أظهرته، وَهُوَ من الأضداد، وَوَقع فِي الْأُصُول: أخفيته فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله وَلأبي ذَر بِحَذْف الْألف فِي الثَّانِي وَكَذَا قَالَ ابْن فَارس أخفيته سترته وخفيته أظهرته. ﴿وَيْكَأنَّ الله﴾ مِثْلُ: ﴿ألم تَرَ أَن الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (الْقَصَص: ٢٨) يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأصْبح الَّذين تمنوا مَكَانَهُ بالْأَمْس يَقُولُونَ وي كَأَن الله يبسط الرزق لمن يشار من عباده وَيقدر﴾ وَهَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَفسّر قَوْله: (وي كَأَن الله) بقوله: مثل: (ألم تَرَ) إِلَى آخِره، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وي، مفصولة عَن: كَأَن، وَهِي كلمة تَنْبِيه على الْخَطَأ وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه، وَعند الْكُوفِيّين إِن: وَبِك بِمَعْنى: وَيلك، وَأَن الْمَعْنى: ألم تعلم أَنه لَا يفلح الْكَافِرُونَ، وَيجوز أَن يكون الْكَاف كَاف الْخطاب مَضْمُومَة إِلَى وي، وَأَنه بِمَعْنى: لِأَنَّهُ، وَالْكَلَام لبَيَان الْمَقُول لأَجله هَذَا القَوْل أَو لِأَنَّهُ لَا يفلح الْكَافِرُونَ. قَوْله: (وَيقدر) ، أَي: ويقتر. قَوْله: (يُوسع عَلَيْهِ) ، يرجع إِلَى قَوْله: ﴿يبسط الرزق﴾ وَقَوله: (يضيق عَلَيْهِ) يرجع إِلَى قَوْله: (وَيقدر) .

стр. 5682

٢ - (بابُ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ (الْقَصَص: ٥٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ ... الْآيَة، وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر. قَوْله: (فرض عَلَيْك) ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: أنزلهُ، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: فرض عَلَيْك الْعَمَل بِالْقُرْآنِ. ٣٧٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أخبرنَا يَعْلَى حَدثنَا سُفْيانُ العُصْفُريُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعادٍ﴾ قَالَ إِلَى مَكّةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه تَفْسِير لَهَا. ويعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالقصر: ابْن عبيد الطنافسي، وسُفْيَان هُوَ ابْن دِينَار الْعُصْفُرِي. بِضَم الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَضم الْفَاء وبالراء: الْكُوفِي التمار، وَقد مر فِي آخر الْجَنَائِز. وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ. وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: (لرادك إِلَى معاد) فَعَن مُجَاهِد: مثل قَول ابْن عَبَّاس، وَعَن القعْنبِي: معاد الرجل بَلَده لِأَنَّهُ ينْصَرف ثمَّ يعود إِلَى بَلَده، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: الْمَوْت، وَعَن الْحسن الزُّهْرِيّ: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن ابْن صَالح: إِلَى الْجنَّة. ٩٢ - (سورَةُ العَنْكَبُوتِ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة العنكبوت، وَهِي مَكِّيَّة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فِيهَا اخْتِلَاف فِي سبع عشرَة آيَة، فَذكرهَا وَقَالَ مقَاتل نزلت: ﴿ألم أحسِبَ النَّاس﴾ (العنكبوت: ١ ٢) فِي مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الْخطاب ﵁، أول قَتِيل من الْمُسلمين يَوْم بدر. رَمَاه ابْن الْحَضْرَمِيّ بِسَهْم فَقتله، وَهُوَ أول من يدعى إِلَى الْجنَّة من شُهَدَاء أمة مُحَمَّد ﷺ ، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد: ﴿ألم غلبت الرّوم﴾ (الرّوم: ١ ٢) وَقبل سُورَة المطففين، وَهِي تسع وَسِتُّونَ آيَة، وَألف وَتِسْعمِائَة وَإِحْدَى وَثَمَانُونَ كلمة، وَأَرْبَعَة آلَاف وَمِائَة وَخَمْسَة وَتسْعُونَ حرفا. لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي بعض النّسخ، وَأما التَّرْجَمَة فَلم تثبت إلَاّ لأبي ذَر. قالَ مجاهِدُ: وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ: ضَلَلَةً أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فصدهم عَن السَّبِيل وَكَانُوا مستبصرين﴾ (العنكبوت: ٨٣) . قَوْله: (ضللة) ، جمع ضال، قَالَه الْكرْمَانِي وَفِيه مَا فِيهِ، وَالصَّوَاب: ضَلَالَة. وَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النّسخ، وَفِي التَّفْسِير: مستبصرين يَعْنِي فِي الضَّلَالَة، وَعَن قَتَادَة: مستبصرين فِي ضلالتهم معجبين بهَا، وَعَن الْفراء: عقلاء ذَوي بصائر، وَعَن الضَّحَّاك والكلبي وَمُقَاتِل: حسبوا أَنهم على الْحق وَالْهدى وهم على الْبَاطِل. وَقَالَ غيْرُهُ: الْحَيَوَانُ والْحَيُّ واحِدٌ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَي: غير ابْن عَبَّاس، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفى، وَلم يثبت هَذَا إلَاّ لأبي ذَر. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: الْحَيَوَان والحياة وَاحِد، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ وَقَالَ: معنى (الْحَيَوَان والحي وَاحِد) يَعْنِي: دَار الْآخِرَة هِيَ الْحَيَاة أَو الْحَيّ، وَفِي التَّفْسِير: لهي الْحَيَوَان، يَعْنِي الدَّار الْبَاقِيَة الَّتِي لَا زَوَال لَهَا وَلَا موت فِيهَا، وَقيل: لَيْسَ فِيهَا إلَاّ حَيَاة مستمرة دائمة خالدة لَا موت فِيهَا، وَكَأَنَّهَا فِي ذَاتهَا نفس الْحَيَوَان، وَالْحَيَوَان مصدر حَيّ. وَقِيَاسه: حييان، وقلبت الْيَاء الثَّانِيَة واواً كَمَا قيل: حَيْوَة. وَبِه سمي مَا فِيهِ حَيْوَة حَيَوَانا وَإِنَّمَا اختير لفظ: الْحَيَوَان دون الْحَيَاة لما فِيهِ زِيَادَة معنى لَيْسَ فِي بِنَاء الْحَيَاة، وَهُوَ مَا فِي بِنَاء فعلان من معنى الْحَرَكَة وَالِاضْطِرَاب كالنزوان وَنَحْوه، والحياة حَرَكَة كَمَا أَن الْمَوْت سُكُون فَلذَلِك اختير لفظ الْحَيَوَان الْمُقْتَضى للْمُبَالَغَة. ﴿وليَعْلَمَنَّ الله﴾ (العنكبوت: ٣) عَلِمَ الله ذالِكَ إنّما هِيَ بِمَنْزِلَةِ فَليَمِيزَ الله كَقَوْلِهِ: ﴿لِيمِيزَ الله

стр. 5683

الخَبِيثَ مِنَ الطّيِّبِ﴾ (الْأَنْفَال: ٧٣) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ . وَفِي التَّفْسِير: أَي حَال الْفَرِيقَيْنِ ظَاهِرَة عِنْد الله الَّذِي يملك الْجَزَاء، وَقَالَ الله تَعَالَى أَيْضا: ﴿فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين﴾ . قَوْله: (وَإِنَّمَا هِيَ) ، أَي: إِنَّمَا لَفْظَة: (ليعلمن الله) ، بلام التَّأْكِيد ونونه بِمَنْزِلَة قَوْله: (فلميز الله) يَعْنِي: علم الله ذَلِك من قبل لِأَنَّهُ فرق بَين الطَّائِفَتَيْنِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ليميز الله الْخَبيث من الطّيب﴾ (الْأَنْفَال: ٧٣) أَي: الْكَافِر من الْمُؤمن. أثْقالاً مَعَ أثْقالِهِمْ أوْزَاراً مَعَ أوْزَارِهِمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مَعَ أثقالهم﴾ (العنكبوت: ٣١) وَفَسرهُ بقوله: أوزاراً مَعَ أوزارهم، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة أَي: بِسَبَب من أَضَلُّوا وصدوا عَن سَبِيل الله فيحملون أوزارهم كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة. ٠٣ - (سورَةُ ألم غُلِبَتِ الرُّومُ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الرّوم، وَهِي مَكِّيَّة وفيهَا اخْتِلَاف فِي آيَتَيْنِ، قَوْله: ﴿وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ (لُقْمَان: ٧٢) فَذكر السّديّ أَنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَقَوله: ﴿وَإِن الله عِنْده علم السَّاعَة﴾ (لُقْمَان: ٤٣) وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ (الانشقاق: ١) وَقبل العنكبوت، وَهِي سِتُّونَ آيَة، وَثَمَانمِائَة وتسع عشرَة كلمة، وَثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حرفا، وَالروم إثنان: الأول: من ولد يافث بن نوح ﵇، وَهُوَ رومي بن لنطي بن يونان بن يافث، الثَّانِي: الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِم الْملك من ولد رومي بن لنطي من ولد عيص بن إِسْحَاق ﵇، غلبوا على اليونانيين فَبَطل ذكر الْأَوَّلين وَغلب هَؤُلَاءِ على الْملك. وروى الواحدي من حَدِيث الْأَعْمَش: عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر ظَهرت الورم على فَارس فأعجب بذلك الْمُؤْمِنُونَ، فَنزلت ﴿ألم غلبت الرّوم﴾ (الرّوم: ١ ٢) إِلَى أَن قَالَ: يفرح الْمُؤْمِنُونَ بِظُهُور الرّوم على أهل فَارس. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ لم تثبت الْبَسْمَلَة وَلَفظ سُورَة إلَاّ لأبي ذَر. قَالَ مُجاهِدٌ يُحْبَرُونَ: يُنَعَّمُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فهم فِي رَوْضَة يُحبرون﴾ (الرّوم: ٥١) وَفسّر: (يحبرون) بقوله: (ينعمون) . وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن حجاج: حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَعَن ابْن عَبَّاس: يكرمون، وَقيل: السماع فِي الْجنَّة. فَلَا يَرْبُو عِنْدَ الله مَنْ أعْطَى عَطِيَّةٍ يَبْتَغِي أفْضَلَ مِنْهُ فَلَا أجْرَ لَهُ فِيها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتيتم من رَبًّا ليربو فِي أَمْوَال النَّاس فَلَا يَرْبُو عِنْد الله﴾ (الرّوم: ٩٣) وَهَذَا قد اخْتلف فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وطاووس وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك: هُوَ الرجل يُعْطي الرجل الْعَطِيَّة وَيهْدِي إِلَيْهِ الْهَدِيَّة ليَأْخُذ أَكثر مِنْهَا، فَهَذَا رَبًّا حَلَال لَيْسَ فِيهِ أجر وَلَا وزر فَهَذَا للنَّاس عَامَّة، وَفِي حق النَّبِي ﷺ ، حرَام عَلَيْهِ أَن يُعْطي شَيْئا فَيَأْخُذ أَكثر مِنْهُ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تمنن تستكثر﴾ (المدثر: ٦) . وَقَالَ الشّعبِيّ: هُوَ الرجل يلتزق بِالرجلِ فيحمله ويخدمه ويسافر مَعَه فَيحمل لَهُ ربح مَاله ليجزيه، وَإِنَّمَا أعطَاهُ التمَاس عونه وَلم يرد وَجه الله تَعَالَى، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة، كَانَ يُعْطي الرجل قرَابَته المَال يكثر بِهِ مَاله. قَوْله: (من أعْطى عَطِيَّة) إِلَى آخِره، تَفْسِير قَوْله: (فَلَا يَرْبُو) . قَوْله: (يَبْتَغِي) ، أَي: يطْلب أفضل مِنْهُ أَي أَكثر. قَوْله: (فَلَا أجر لَهُ فِيهَا) ، أَي: فِي هَذِه الْعَطِيَّة، وَلَا وزر عَلَيْهِ. يَمْهَدُونَ: يُسَوُّونَ المَضاجِع أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن عمل صَالحا فلأنفسهم يمهدون﴾ (الرّوم: ٤٤) وَفسّر: (يمهدون) ، بقوله: (يسوون الْمضَاجِع) وَكَذَا رَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، أَي: يوطؤون مقار أنفسهم فِي الْقُبُور أَو فِي الْجنَّة. الوَدْقُ: المَطَرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ (الرّوم: ٨٤) وَفسّر: (الودق) (بالمطر) وَكَذَا فسره مُجَاهِد فِيمَا روى عَنهُ ابْن أبي نجيح. قَالَ ابنُ عَبّاسٍ: ﴿هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ (الرّوم: ٨٢) فِي الآلهَةِ وفِيهِ تَخاوفُونَهُمْ أنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم هَل لكم مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فبمَا رزقنا كم فَأنْتم فِيهِ سَوَاء تخافونهم﴾ . قَوْله: (فِي الْآلهَة) ، أَي: نزل هَذَا فِي حق الْآلهَة. قَوْله: (وَفِيه) ، أَي: وَفِي حق الله، وَهَذَا على سَبِيل الْمثل، أَي: هَل ترْضونَ لأنفسكم أَن يشارككم بعض عبيدكم فِيمَا رزقناكم تَكُونُونَ أَنْتُم وهم فِيهِ سَوَاء من غير تَفْرِقَة بَيْنكُم وَبَين عبيدكم

стр. 5684

تخافونهم أَن يَرث بَعضهم بَعْضكُم أَو أَن يستبدوا بِتَصَرُّف دونكم كَمَا يخَاف بعض الْأَحْرَار بَعْضًا. فَإِذا لم ترضوا ذَلِك لأنفسكم فَكيف ترْضونَ لرب الأرباب أَن تجْعَلُوا بعض عباده شَرِيكا لَهُ؟ يَصَّدَّعُونَ يَتَفَرَّقُونَ فاصْدَعْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يومئذٍ يصدعون﴾ (الرّوم: ٣٤) وَفَسرهُ بقوله: (يتفرقون) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقيل: هُوَ بِمَعْنى قَوْله: ﴿يومئذٍ يصدر النَّاس أشتاتاً﴾ (الزلزلة: ٦) ، وَقيل: هُوَ تفَاوت الْمنَازل. وَفِي التَّفْسِير: يصدعون يتفرقون فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير، ويصدعون أَصله: يتصدعون، قلبت التَّاء صاداً وأدغمت الصَّاد فِي الصَّاد. قَوْله: (فَاصْدَعْ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ (الْحجر: ٤٩) أَي: أفرق وأمضه، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وأصل الصدع الشق فِي الشَّيْء. وَقَالَ غَيْرُهُ: ضُعْفٌ وضَعْفٌ، لُغَتانِ أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس ﵄، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف﴾ (الرّوم: ٤٥) الْآيَة، الأول بِفَتْح الضَّاد، وَالثَّانِي بِالضَّمِّ، وقرىء بهما. فالجمهور بِالضَّمِّ. وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة بِالْفَتْح، وَقَالَ الْخَلِيل: الضعْف بِالضَّمِّ مَا كَانَ فِي الْجَسَد، وبالفتح مَا كَانَ فِي الْعقل. وَقَالَ مُجاهِدٌ: السُّوآي الإساءَةُ جَزَاءُ المُسيئِينَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساؤوا السوآي أَن كذبُوا بآيَات الله﴾ (الرّوم: ٠١) وَفسّر: (السوآي) (بالإساءة) وَاخْتلف فِي ضبط الْإِسَاءَة، فَقيل: بِكَسْر الْهمزَة وَالْمدّ، وَجوز ابْن التِّين فتح أَوله ممدوداً ومقصوراً، وَقَالَ النَّسَفِيّ: السوآي تَأْنِيث الأسوء، وَهُوَ الأقبح، كَمَا أَن الْحسنى تَأْنِيث الْأَحْسَن. ٢٦٧ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا مَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق قَالَ بَيْنَمَا رجل يحدث فِي كِنْدَة فَقَالَ يَجِيء دُخان يَوْم الْقِيَامَة فَيَأْخُذ بأسماع الْمُنَافِقين وأبصارهم يَأْخُذ الْمُؤمن كَهَيئَةِ الزُّكَام ففزعنا فَأتيت ابْن مَسْعُود وَكَانَ مُتكئا فَغَضب فَجَلَسَ فَقَالَ من علم فَلْيقل وَمن لم يعلم فَلْيقل الله أعلم فَإِن من الْعلم أَن تَقول لما لَا تعلم لَا أعلم فَإِن الله قَالَ لنَبيه ﷺ َ - قل مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر وَمَا أَنا من المتكلفين وَإِن قُريْشًا أبطؤا عَن الْإِسْلَام فَدَعَا عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ اللَّهُمَّ أَعنِي عَلَيْهِم بِسبع كسبع يُوسُف فَأَخَذتهم سنة حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وأكلوا الْميتَة وَالْعِظَام وَيرى الرجل مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض كَهَيئَةِ الدُّخان فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَان فَقَالَ يَا مُحَمَّد جِئْت تَأْمُرنَا بصلَة الرَّحِم وَإِن قَوْمك قد هَلَكُوا فَادع الله فَقَرَأَ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ إِلَى قَوْله ﴿عائدون﴾ أفيكشف عَنْهُم عَذَاب الْآخِرَة إِذا جَاءَ ثمَّ عَادوا إِلَى كفرهم فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ يَوْم بدر ولزاما يَوْم بدر) هَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد قد مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي بَاب إِذا استشفع الْمُشْركُونَ بِالْمُسْلِمين عِنْد الْقَحْط وَلَكِن فِي متنهما بعض تفَاوت بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح الْكُوفِي الْعَطَّار ومسروق هُوَ ابْن الأجدع روى الحَدِيث عَن عبد الله بن مَسْعُود وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله " فِي كِنْدَة " بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون النُّون قَالَ الْكرْمَانِي مَوضِع بِالْكُوفَةِ قلت يحْتَمل أَن يكون حَدِيث الرجل بَين قوم هم من كِنْدَة الْقَبِيلَة قَوْله " فَأتيت ابْن مَسْعُود فِيهِ حذف " أَي فَأتيت ابْن مَسْعُود وأخبرته بِخَبَر الرجل وَكَانَت مُتكئا فَغَضب من ذَلِك فَجَلَسَ قَوْله " فَإِن من الْعلم أَن يَقُول لما لَا يعلم لَا أعلم " وَقَالَ الْكرْمَانِي كَيفَ يكون لَا أعلم من الْعلم قلت تَمْيِيز الْمَعْلُوم من الْمَجْهُول نوع من الْعلم وَهُوَ الْمُنَاسب لما قيل لَا أَدْرِي نصف الْعلم وَأما مُنَاسبَة الْآيَة فَلِأَن القَوْل فِيمَا لَا يعلم قسم

стр. 5685

من التَّكَلُّف قَوْله " سنة بِفَتْح السِّين " أَي قحط قَوْله البطشة الْكُبْرَى إِلَى آخِره أُرِيد بالبطشة الْقَتْل يَوْم بدر وباللزام الْأسر فِيهِ أَيْضا - (بابُ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ (الرّوم: ٠٣) لِدِينِ الله. ﴿خَلْقُ الأولِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٣١) دِينُ الأوَّلِينَ والفِطْرَةُ الإسْلَامُ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب. قَوْله: (لدين الله) ، تَفْسِير: الْخلق الله، وَكَذَا روى الطَّبَرِيّ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي قَوْله: ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ قَالَ: لدين الله، وَفِي التَّفْسِير أَي: لدين الله، أَي: لَا يَصح ذَلِك وَلَا يَنْبَغِي أَن يفعل، ظَاهره نفي وَمَعْنَاهَا نهي، هَذَا قَول أَكثر الْعلمَاء، وَعَن عِكْرِمَة وَمُجاهد: لَا تَغْيِير لخلق الله تَعَالَى من الْبَهَائِم بالخصا وَنَحْوهَا. قَوْله: ﴿خلق الْأَوَّلين دين الْأَوَّلين﴾ ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا إلَاّ خلق الْأَوَّلين﴾ يَعْنِي: دين الْأَوَّلين، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. قَوْله: (والفطرة الْإِسْلَام) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ (الرّوم: ٠٣) . وَفسّر الْفطْرَة بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَول عِكْرِمَة، وَقيل: الْفطْرَة هُنَا هِيَ الْفقر والفاقة، وفطرة الله نصب على الْمصدر، أَي: فطر فطْرَة، وَقيل: نصب على الإغراء، وَالدّين الْقيم أَي الْمُسْتَقيم. ٥٧٧٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلايُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَة جَمعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِنْ جَدْعاءَ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَةَ الله الَّتي فَطَرع الناسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذالِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي وعبدان لقبه، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَأَبُو سَلمَة هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالْمَشْهُور أَن هَذِه الكنية هِيَ اسْمه، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، (وبهيمة) مفعول ثَان لَهُ، (وجمعاء) تَامَّة الْأَعْضَاء غير نَاقِصَة الْأَطْرَاف، والجدعاء الَّتِي قطعت أذنها أَو أنفها. قَوْله: (فَأَبَوَاهُ) ، أَي: أَبُو الْمَوْلُود. قَوْله: (ثمَّ يَقُول) أَي: أَبُو هُرَيْرَة. ١٣ - (سُورَةُ لُقْمانَ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة لُقْمَان، وَهِي مَكِّيَّة وفيهَا اخْتِلَاف فِي آيَتَيْنِ قَوْله: ﴿وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ (لُقْمَان: ٧٢) ، فَذكر السّديّ أَنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَقَوله: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة﴾ (لُقْمَان: ٤٣) نزلت فِي رجل من محَارب بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْن النَّقِيب: قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا ثَلَاث آيَات نَزَلْنَ بِالْمَدِينَةِ، وَعَن الْحسن: إلَاّ آيَة وَاحِدَة، وَهِي قَوْله : ﴿الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ (النَّمْل: ٣٢، لُقْمَان: ٤) لِأَن الصَّلَاة وَالزَّكَاة مدنيتان، وَهِي أَربع وَثَلَاثُونَ آيَة وَخَمْسمِائة وثمان وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَأَلْفَانِ وَمِائَة وَعشرَة أحرف. ولقمان بن باعور بن ناخر بن تارخ وَهُوَ آزر أَبُو إِبْرَاهِيم ﵊، أَو قَالَ السُّهيْلي: لُقْمَان بن عنقابن سرون عَاشَ ألف سنة. وَأدْركَ دَاوُد ﵊، وَأخذ عَنهُ الْعلم، وَكَانَ يُفْتِي قبل مبعث دَاوُد ﵊، فَلَمَّا بعث دَاوُد قطع الْفتيا، وَقيل: كَانَ تلميذاً لِأَلف نَبِي، وَعند ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد: كَانَ عبدا أسود عَظِيم الشفتين مشقق الْقَدَمَيْنِ، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عبدا حَبَشِيًّا بخاراً، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: كَانَ من سودان مصر ذُو مشافر، أعطَاهُ الله الْحِكْمَة وَمنعه النُّبُوَّة، وَعَن جَابر بن عبد الله: كَانَ قَصِيرا أفطس من النُّبُوَّة، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: لم يكن نَبيا فِي قَول أَكثر النَّاس وَكَانَ رجلا صَالحا، وَعَن ابْن الْمسيب: كَانَ خياطاً، وَعَن الزّجاج: كَانَ نجاداً بِالدَّال الْمُهْملَة، كَذَا هُوَ بِخَط جمَاعَة من الْأَئِمَّة، وَقيل: رَاعيا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ يحكم وَيَقْضِي فِي بني إِسْرَائِيل، وزمانه مَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد ﷺ ، وَعند الحوتي عَن عِكْرِمَة: كَانَ نَبيا، وَهُوَ قد تفرد بِهَذَا

стр. 5686

القَوْل، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: كَانَ ابْن أُخْت أَيُّوب، وَقَالَ مقَاتل: ابْن خَالَة أَيُّوب، وَاسم ابْنه: أنعم، وَكَانَ كَافِرًا فَمَا زَالَ حَتَّى أسلم، وَقيل: مشْكم، وَقيل: ماثان، وَقيل: ثاران. ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ لم تثبت الْبَسْمَلَة وَلَفظ سُورَة إلَاّ لأبي ذَر، وَلم تثبت الْبَسْمَلَة فَقَط للنسفي. لَا تُشْرِكْ بِاللَّه إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ أَولهَا هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ وَهُوَ يعظه يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ٣١) أَي: أذكر إِذْ قَالَ لُقْمَان. قَوْله: (وَهُوَ يعظه) جملَة حَالية. قَوْله: (لَا تشرك بِاللَّه) أَي: مَعَ الله. قَوْله: (لظلم) ، الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، والمشرك ينْسب نعْمَة الله إِلَى غَيره لِأَن الله هُوَ الرَّزَّاق والمحيي والمميت. ٦٧٧٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبُسُوا إيمانُهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الْأَنْعَام: ٢٨) . شَقَّ ذالِكَ عَلَى أصْحابِ رسولِ الله ﷺ وقالُوا أَيّنَا لَمْ يَلْبسْ إيمانَهُ بِظُلْمٍ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّهُ لَيْس بِذَاكَ ألَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمانَ لإبْنِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَجَرِير، بِالْجِيم: هُوَ ابْن عبد الحميد يروي عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب ظلم دون ظلم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: سبق الحَدِيث مُسْتَوفى فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل ﵊، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا سبق فِي الْبَاب الَّذِي ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (لَيْسَ بِذَاكَ) ويروى: لَيْسَ بذلك. (بابُ: إِن الله عِنْده علم السَّاعَة ﴿لُقْمَان: ٤٣﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة﴾ ... الْآيَة، نزلت فِي الْوَارِث بن عمر من أهل الْبَادِيَة، أَتَى النَّبِي ﷺ يسْأَله عَن السَّاعَة ووقتها، وَقَالَ: أَرْضنَا أجدبت فَمَتَى ينزل الْغَيْث؟ وَقد تركت امْرَأَتي حُبْلَى فَمَتَى تَلد؟ وَقد علمت أَيْن ولدت، فَبِأَي أَرض أَمُوت فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. ٧٧٧٤ - حدَّثني إسْحاقُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ أبي حَيَّانَ عَنْ أبي زُرْعَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ يَوْماً بارِزاً لِلنَّاسِ إذْ أتاهُ رجُلٌ يَمْشِي فَقَالَ يَا رسولَ الله مَا الإيمانُ قَالَ الإيمانُ أنْ تُؤْمنَ بِاللَّه وَمَلَائِكَتِهِ ورسُلِهِ ولِقائِهِ وتُؤْمِنَ بالبَعْثِ الآخِرِ قَالَ يَا رسولَ الله مَا إلَاّ الإسْلَامُ أنْ تَعْبُدَ الله ولَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكاةَ المَفْرِوضَةَ وتَصُومَ رَمَضانَ قَالَ رسولَ الله مَا الإحْسانُ قَالَ الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّكَ تَرَاهُ فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ قَالَ يَا رسولَ الله مَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا المَسْؤُولُ عَنْها بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ولاكِنْ سأُحَدِّثُكَ عَنْ أشْرَاطِها إذَا ولَدَتِ المَرْأةُ رَبَّتَها فَذَاكَ مِنْ أشْرَاطِها وَإِذا كانَ الحُفاةُ العُرَاةُ رؤُوسَ النّاس فَذَاكَ مِنْ أشْرَاطِها فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَاّ الله إنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي الأرْحامِ ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ رُدُّوا عَلَيَّ فأخَذُوا لِيَرُدوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئاً فَقَالَ هاذَا جِبْرِيلُ جاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٠٥) .

стр. 5687

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَأَبُو حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وأسمه يحيى بن سعيد الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة اسْمه هرم بن عَمْرو بن جرير البَجلِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل النَّبِي ﵊، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مطولا مُسْتَوفى. ٨٧٧٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ قَالَ حدّثني ابنُ وهْبٍ قَالَ حدّثني عُمرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ زَيْدِ ابنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ أباهُ حَدَّثَهُ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (لُقْمَان: ٤٣) .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، نزل مصر وَسمع عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، يروي عَن عمر بن مُحَمَّد الخ، هَكَذَا قَالَ ابْن وهب وَخَالفهُ أَبُو عَاصِم، فَقَالَ: عَن عمر بن مُحَمَّد بن زيد عَن سَالم عَن ابْن عمر، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا احْتمل أَن يكون لعمر بن مُحَمَّد فِيهِ شَيْخَانِ: أَبوهُ وَعم أَبِيه. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (مَفَاتِيح الْغَيْب) ويروى: مفاتح الْغَيْب، وَهَكَذَا وَقع هُنَا مُخْتَصرا، وَمضى هَذَا أَيْضا فِي تَفْسِير سُورَة الرَّعْد وَفِي الاسْتِسْقَاء من طَرِيق عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر، وَفِي تَفْسِير الْأَنْعَام من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه بِلَفْظ: مفاتح الْغَيْب خمس، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عبد الله بن سَلمَة عَن ابْن مَسْعُود نَحوه، وروى أَحْمد وَالْبَزَّار وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث بُرَيْدَة رَفعه، قَالَ: خمس لَا يعلمهُنَّ إلَاّ الله ... الحَدِيث. ٢٣ - (سورَةُ السَّجْدَةِ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة تَنْزِيل السَّجْدَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: سُورَة السَّجْدَة، وَقَالَ مقَاتل: مَكِّيَّة وفيهَا من الْمدنِي: ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع﴾ (السَّجْدَة: ٦١) الْآيَة. فَإِنَّهَا نزلت فِي الْأَنْصَار، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد: ﴿قد أَفْلح﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١) وَقبل الطّور، وَهِي ألف وَخَمْسمِائة وَثَمَانِية عشر حرفا، وثلاثمائة وَثَمَانُونَ كلمة، وَثَلَاثُونَ آيَة. سَقَطت الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: مَهِينٍ ضَعِيفٍ: نُطْفَةَ الرَّجُلِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ جعل نَسْله من سلالة من مَاء مهين﴾ (السَّجْدَة: ٤٨) أَي: ضَعِيف، ثمَّ قَالَ: المَاء المهين نُطْفَة الرجل، وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي نجيح. ضَلَلْنا هَلَكنا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إئذا ضللنا فِي الأَرْض﴾ (السَّجْدَة: ٠١) وَفَسرهُ بقوله: (هلكنا) ، وَكَذَا رَوَاهُ الْفرْيَابِيّ عَن مُجَاهِد من طَرِيق ابْن أبي نجيح، وَقَالَ غَيره: صرنا تُرَابا، وَهُوَ رَاجع إِلَى قَول مُجَاهِد لِأَنَّهُ يُقَال: أضلّ الْمَيِّت إِذا دفن، وأضللته إِذا دَفَنته. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الجُرُزُ الَّتِي لَا تَمْطَرُ إلَاّ مَطَراً لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئاً أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أولم يرَوا أَنا نسوق المَاء إِلَى الأَرْض الجرز فنخرج بِهِ ذرعاً﴾ (السَّجْدَة: ٧٢) ، وَفسّر: (الجرز) بقوله: (الَّتِي لَا تمطر) الخ. وَقيل: هِيَ أَرض غَلِيظَة يابسة لَا نبت فِيهَا، وَأَصله من قَوْلهم: نَاقَة جرز إِذا كَانَت تَأْكُل كل شَيْء تَجدهُ، وَرجل جروز إِذا كَانَ أكولاً، وَسيف جرز أَي: قَاطع. يَهْدِ يُبَيِّنُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أولم يهدلهم كم أهلكنا من قبلهم من الْقُرُون﴾ (السَّجْدَة: ٦٢) وَفسّر: (يهدي) بقوله: (يبين) ، وَعَن ابْن عَبَّاس: أولم يبين لَهُم، رَوَاهُ عَنهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة. ١ - (بابُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ (السَّجْدَة: ٧١) وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله: ﴿فَلَا تعلم نفس﴾ قَوْله: (مَا أُخْفِي) ، قَرَأَ حَمْزَة سَاكِنة الْيَاء أَي: أَنا أُخْفِي، على أَنه للمتكلم، وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ، وَالْبَاقُونَ مَفْتُوحَة الْيَاء على الْبناء للْمَفْعُول، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: مَا اخفيت لَهُم، على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمَاضِي، وَقَرَأَ ابْن

стр. 5688

مَسْعُود: تخفى، بنُون الْمُتَكَلّم للتعظيم، وَقَرَأَ مُحَمَّد بن كَعْب بِفَتْح أَوله وَفتح الْفَاء على الْبناء للْفَاعِل وَهُوَ الله، وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدردار: قَرَأت أعين وقرة عين من أقرّ الله عينه أَي: أعطَاهُ حَتَّى يقر فَلَا يطمح إِلَى من هُوَ فَوْقه. ٩٧٧٤ - حدَّثنا عَلِيّ بن عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ أبي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رسولِ الله ﷺ قَالَ قَالَ الله ﵎: ﴿أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رأتْ ولَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولَا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ (السَّجْدَة: ٧١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: هُوَ عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَمضى الحَدِيث فِي صفة الْجنَّة. قَوْله: (وَلَا خطر على قلب بشر) زَاد ابْن مَسْعُود فِي حَدِيثه: وَلَا يُعلمهُ ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل. وحدَّثنا سُفْيانُ حَدثنَا أبُو الزّنادِ عنِ الأعْرجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ الله مِثْلَهُ قِيلَ لِسُفْيانَ رِوايَةً قَالَ فأيُّ شَيْءٍ وَقَالَ أبُو مُعاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي صالِحٍ قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ قُرَّاتِ. قَوْله: (وَحدثنَا سُفْيَان) ، مَوْصُول بِمَا قبله، تَقْدِيره: حَدثنَا عَليّ أخبرنَا سُفْيَان، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ عَليّ: وَحدثنَا سُفْيَان. قَوْله: (مثله) أَي: مثل مَا فِي الحَدِيث. قَوْله: (قيل لِسُفْيَان رِوَايَة) . أَي: تروي رِوَايَة عَن النَّبِي ﷺ أم تَقول عَن اجتهادك؟ قَالَ: فَأَي شَيْء أَي؟ فَأَي شَيْء كَانَ لَوْلَا الرِّوَايَة؟ قَوْله: (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة) مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان ... إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي كتاب: (فَضَائِل الْقُرْآن) لَهُ عَن أبي مُعَاوِيَة بِهَذَا الْإِسْنَاد مثله سَوَاء. ٠٨٧٤ - حدَّثني إسْحاقُ بنُ نَصْرٍ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عَنْ الأعْمَشِ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رأتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خطرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ . ذُخْراً بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن إِسْحَاق بن نصر، هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر البُخَارِيّ، وَالْبُخَارِيّ تَارَة ينْسبهُ إِلَى أَبِيه، وَتارَة إِلَى جده، يروي عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان إِلَى آخِره، وَهُوَ من أَفْرَاده. قَوْله: قَوْله: (ذخْرا) ، مَنْصُوب مُتَعَلق (بأعددت) أَي: أَعدَدْت ذَلِك لَهُم مذخوراً. قَوْله: (بله) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وَفتح الْهَاء: مَعْنَاهُ دع الَّذِي أطلعْتُم عَلَيْهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: سوى، أَي: سوى مَا أطلعْتُم عَلَيْهِ الَّذِي ذكره الله فِي الْقُرْآن، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَأَنَّهُ يُرِيد بِهِ: دع مَا أطلعْتُم عَلَيْهِ، وَأَنه سهل يسير فِي جنب مَا ادخرته لَهُم، وَيُقَال أَيْضا بِمَعْنى: أجل، وَحكى اللَّيْث أَنه يُقَال بِمَعْنى فضل كَأَنَّهُ يَقُول: هَذَا الَّذِي غيبته عَنْكُم فضل مَا أطلعْتُم عَلَيْهِ مِنْهَا، وَقَالَ الصغاني: اتّفق جَمِيع نسخ الصَّحِيح على: من بله، وَالصَّوَاب إِسْقَاط كلمة: من مِنْهُ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يتَعَيَّن إِسْقَاط من إلاّ إِذا فسرت بِمَعْنى: دع، وَأما إِذا فسرت بِمَعْنى: من أجل، أَو: من غير، أَو: سوى، فَلَا. وَقَالَ ابْن مَالك: الْمَعْرُوف من بله إسم فعل بِمَعْنى: أترك، ناصب لما يَلِيهِ بِمَعْنى المفعولية، واستعماله مصدرا بِمَعْنى التّرْك مُضَافا إِلَى مَا يَلِيهِ، والفتحة فِي الأولى بنائية وَفِي الثَّانِيَة إعرابية، وَهُوَ مصدر مهمل الْفِعْل مَمْنُوع الصّرْف، وَقَالَ الْأَخْفَش: بله، هُنَا مصدر كَمَا يَقُول: ضرب زيد، وندر دُخُول: من عَلَيْهِ زَائِدَة.

стр. 5689

٣٣ - (سورةَ الأحْزَابِ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْأَحْزَاب، وَهِي مَدَنِيَّة كلهَا لَا اخْتِلَاف فِيهَا، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد آل عمرَان، وَقبل سُورَة الممتحنة، وَهِي خَمْسَة آلَاف وَسَبْعمائة وَسِتَّة وَتسْعُونَ حرفا، وَألف ومائتان وَثَمَانُونَ كلمة، وَثَلَاث وَسَبْعُونَ آيَة. لم تثبت الْبَسْمَلَة وَلَفظ سُورَة إلَاّ لأبي ذَر، وَسَقَطت الْبَسْمَلَة فَقَط للنسفي. وَقَالَ مُجاهِدٌ: صَياصِيهِمْ: قُصُورِهِمْ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأنزل الَّذين ظاهروهم من أهل الْكتاب من صياصيهم وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب﴾ (الْأَحْزَاب: ٦٢) ، (صياصيهم: قصورهم) وَهُوَ جمع صيصة وَهِي مَا يحصن بِهِ، وَمِنْه قيل لقرن الثور: صيصية. قَوْله: (وَأنزل الَّذين ظاهروهم) ، يَعْنِي الَّذين عاونوا الْأَحْزَاب من قُرَيْش وغَطَفَان على رَسُول الله ﷺ وَالْمُؤمنِينَ، وهم بَنو قُرَيْظَة. مَعْرُوفاً فِي الكِتابِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ أَن تَفعلُوا إِلَى أوليائكم مَعْرُوفا﴾ (الْأَحْزَاب: ٦) وَأَرَادَ (مَعْرُوفا فِي الْكتاب) . وَأُرِيد بِهِ الْقُرْآن، وَقيل: اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَقيل: التَّوْرَاة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطوراً﴾ (الإسراب: ٨٥ والأحزاب: ٦) وَهَذَا أثبت للنسفي وَحده. ١ - (بَاب: ﴿النبيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ ) ثَبت هَذَا لأبي ذَر وَحده أَي: النَّبِي أَحَق بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كل شَيْء من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا من أنفسهم، فَلهَذَا أطلق وَلم يُقيد. ١٨٧٤ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ حدَّثنا أبي عَنْ هِلَالِ بنِ عَلِيّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي عَمْرَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَاّ وَأَنا أوْلى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ اقْرَؤُوا إِن شِئْتُمْ. ﴿النبيُّ أوْلى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ فأيُّما مُؤْمنٍ تَرَك مَالا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كانُوا فإِنْ تَرَكَ دَيْناً أوْ ضَياعاً فَلْيَأْتَنِي وَأَنا مَوْلاهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن فليح يروي عَن أَبِيه فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ وَهُوَ هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال: هِلَال بن أبي هِلَال، وَيُقَال: ابْن أُسَامَة الفِهري الْمَدِينِيّ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاستقراض فِي: بَاب الصَّلَاة على من ترك دينا. قَوْله: (من كَانُوا) ، كلمة: من، مَوْصُولَة. وَكَانَ تَامَّة وَفَائِدَة ذكر هَذَا الْوَصْف التَّعْمِيم للعصبات نسبية قريبَة وبعيدة. قَوْله: (ضيَاعًا) ، بِفَتْح الْمُعْجَمَة: الْعِيَال الضائعون الَّذين لَا شَيْء لَهُم وَلَا قيم لَهُم وَالْمولى النَّاصِر، وَقد مر الْكَلَام بِأَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْبَاب الْمَذْكُور. ٢ - (بابُ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ الله﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) أعْدَلُ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ وَمعنى: أدعوهم انسبوهم لِآبَائِهِمْ الَّذين ولدوهم. ٢٨٧٤ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ المُخْتارِ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ قَالَ حدّثني سالِمٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ زَيْدَ بنَ حارِثَةَ مَوْلى رسولِ الله ﷺ مَا كُنا نَدْعُوهُ إلَاّ زَيْدَ بنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ الله﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يبين سَبَب نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَمعلى بِلَفْظ إسم الْمَفْعُول من التعلية بِالْمُهْمَلَةِ، وَعبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار الدّباغ الْبَصْرِيّ، ومُوسَى بن عقبَة بِالْقَافِ الْمدنِي مولى آل الزبير بن الْعَوام. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن قُتَيْبَة وَعَن أَحْمد بن سعيد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي المناقب عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ

стр. 5690

وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث عَليّ ﵁: كَانَ من تبنى رجلا فِي الْجَاهِلِيَّة دَعَاهُ النَّاس إِلَيْهِ وَورث مِيرَاثه حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة. ٣ - (بابُ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَخْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمنهمْ﴾ أَي: فَمن الْمُؤمنِينَ الَّذين صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ ﴿من قضى نحبه﴾ يَعْنِي: فرغ من نَذره ووفى بعهده، وَيَأْتِي الْكَلَام على النحب. قَوْله: (وَمِنْهُم من ينْتَظر) أَي: الشَّهَادَة. قَوْله: (وَمَا بدلُوا) أَي: قَوْلهم وَعَهْدهمْ ونذرهم. نَحْبَهُ عَهْدَهُ النحب النّذر والنحب الْمَوْت، وَعَن مقَاتل: نحبه أَي قضى أَجله فَقتل على الْوَفَاء، يَعْنِي حَمْزَة وَأَصْحَابه ﵃، وَقيل: قضى نحبه أَي بذل جهده فِي الْوَفَاء بعهده، من قَول الْعَرَب: نحب فلَان فِي سيره ليله ونهاره إِذا أمد فَلم ينزل. أقْطارِها جَوَانِبُها. الفِتْنَةَ لأتَوْها لأعْطَوْها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو دُخِلت عَلَيْهِم من أقطارها ثمَّ سئلوا الْفِتْنَة لآتوها وَمَا تلبثوا بهَا إلَاّ يَسِيرا﴾ (الْأَحْزَاب: ٤١) وَفسّر: (أقطارها) بقوله: (جوانبها) أَي: نَوَاحِيهَا، والأقطار جمع قطر بِالضَّمِّ وَهُوَ: النَّاحِيَة. قَوْله: (وَلَو دخلت) أَي: لَو دخل الْأَحْزَاب الْمَدِينَة ثمَّ أمروهم بالشرك لأشركوا، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ثمَّ سئلوا الْفِتْنَة﴾ أَي: الشّرك ﴿وَمَا تلبثوا﴾ أَي: اجتنبوا عَن الْإِجَابَة إِلَى الشّرك إلَاّ قَلِيلا أَي: لبثاً يَسِيرا حَتَّى عذبُوا، قَالَه السّديّ. قَوْله: (لآتوها) قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر: لأتوها، بِالْقصرِ أَي: لجاؤوها وفعلوها وَرَجَعُوا عَن الْإِسْلَام وَكَفرُوا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْمدِّ أَي: لأعطوها. ٣٨٧٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصارِيُّ قَالَ حدّثني أبي عنْ ثُمامَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قَالَ نُرَى هاذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أنَسِ بنِ النَّضْرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدّقُوا مَا عاهَدُوا الله عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٠٨٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة بعض الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك يروي عَن أَبِيه عبد الله بن الْمثنى، وَهُوَ يروي عَن عَمه ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الميمين: ابْن عبد الله بن أنس قَاضِي الْبَصْرَة، وَهُوَ يروي عَن جده أنس بن مَالك، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَأنس ين النَّضر، بالضاد الْمُعْجَمَة: ابْن ضَمْضَم بن زيد بن حرَام الْأنْصَارِيّ عَم أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، قتل يَوْم أحد شَهِيدا. ٤٨٧٤ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي خارِجَةُ بنُ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ أنَّ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ قَالَ لمَّا نَسَخْنا الصُّحُفَ فِي المَصاحِفِ فَقَدْتُ آيَةَ مِنْ سُورَةِ الأحْزَاب كُنْتُ أسْمَعُ رَسولَ الله ﷺ يَقْرَؤها لَمْ أجِدْها مَعَ أحَدٍ إلَاّ مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رسولُ الله ﷺ شَهادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ .. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي مُطَابقَة الحَدِيث الْمَاضِي، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَقيل: إِن الْآيَة المفقودة الَّتِي وجدت عِنْد خُزَيْمَة هِيَ آخر سُورَة التَّوْبَة، كَمَا تقدم. وَأجِيب: بِأَن لَا دَلِيل على الْحصْر وَلَا مَحْذُور فِي كَون كلتيهما مكتوبتين عِنْده دون غَيره، وَجَوَاب آخر: أَن الأولى كَانَت عِنْد النَّقْل من العسب وَنَحْوه إِلَى الصُّحُف، وَالثَّانيَِة عِنْد النَّقْل من الصُّحُف إِلَى الْمُصحف. ٤ - (بابُ: ﴿يَا أيُّها النبيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها

стр. 5691

فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي﴾ إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى: ﴿أمتعكن﴾ ... الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ نسَاء النَّبِي ﷺ ، يسألنه من عرُوض الدُّنْيَا وَالزِّيَادَة فِي النَّفَقَة ويتأذى بغيرة بَعضهنَّ على بعض فهجرهن وآلى مِنْهُنَّ شهرا وَلم يخرج إِلَى أَصْحَابه، فَنزلت آيَة التَّخْيِير. قَوْله: (إِن كنتن تردن الحيوة الدُّنْيَا) أَي: السعَة فِي الدُّنْيَا وَكَثْرَة الْأَمْوَال: ﴿وَزينتهَا فتعالين﴾ أَي: أقبلن بإرادتكن واختياركن أمتعكن مُتْعَة الطَّلَاق، وَالْكَلَام فِي الْمُتْعَة فِي النَّفَقَة. قَوْله: ﴿وأسرحكن﴾ يَعْنِي: الطَّلَاق ﴿سراحاً جميلاً﴾ من غير إِضْرَار. وَاخْتلفُوا فِي تخييره ﷺ ، فَقيل: إِنَّه خيرهن بَين اختيارهن الدُّنْيَا فيفارقهن وَاخْتِيَار الْآخِرَة فيمسكهن وَلم يُخَيِّرهُنَّ فِي الطَّلَاق، قَالَه الْحسن وَقَتَادَة، وَقيل: بل بَين الطَّلَاق وَالْمقَام مَعَه، قالته عَائِشَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَمُقَاتِل، وَكَانَ تَحْتَهُ يومئذٍ تسع نسْوَة خمس من قُرَيْش: عَائِشَة بنت أبي بكر، وَحَفْصَة بنت عمر، وَأم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، وَسَوْدَة بنت زَمعَة، وَأم سَلمَة بنت أبي أُميَّة وَصفِيَّة بنت حييّ بن أَخطب الْخَيْبَرِية، ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، وَزَيْنَب بنت جحش الأَسدِية، وَجُوَيْرِية بنت الْحَارِث الْمُصْطَلِقِيَّة. وَاخْتلفُوا فِي سَبَب التَّخْيِير، فَقيل: لِأَن الله تَعَالَى خَيره بَين ملك الدُّنْيَا ونعيم الْآخِرَة فَأمر أَن يُخَيّر بَين نِسَائِهِ ليكن على مثل حَاله، وَقيل: لِأَنَّهُنَّ تَغَايَرْنَ عَلَيْهِ فآلى مِنْهُنَّ شهرا، وَقيل: لِأَنَّهُنَّ اجْتَمعْنَ يَوْمًا فَقُلْنَ: نُرِيد مَا تُرِيدُ النِّسَاء من الْحلِيّ حَتَّى قَالَ بَعضهنَّ: لَو كُنَّا عِنْد غير النَّبِي ﷺ لَكَانَ لنا شَأْن وَثيَاب وحلي، وَقيل: لِأَن كل وَاحِدَة طلبت مِنْهُ شَيْئا فَكَانَ غير مستطيع فطلبت أم سَلمَة معلما، ومَيْمُونَة حلَّة يَمَانِية، وَزَيْنَب ثوبا مخططاً وَهُوَ الْبرد الْيَمَانِيّ. وَأم حَبِيبَة ثوبا سحولياً، وَحَفْصَة ثوبا من ثِيَاب مصر، وَجُوَيْرِية معجراً، وَسَوْدَة قطيفة خيبرية، إلَاّ عَائِشَة ﵂، فَلم تطلب شَيْئا. وَقَالَ مَعْمَرٌ التَّبَرُّجُ أنْ تُخْرِجَ مَحَاسِنَهَا لفظ: قَالَ معمر، لم يثبت إلَاّ لأبي ذَر وَهُوَ معمر بن الْمثنى أَبُو عُبَيْدَة. قَالَه بَعضهم، ثمَّ حط على صَاحب (التَّلْوِيح) بإساءة أدب حَيْثُ قَالَ: وتوهم مغلطاي وَمن قَلّدهُ أَن مُرَاد البُخَارِيّ معمر بن رَاشد فنسب هَذَا إِلَى تَخْرِيج عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَن معمر وَلَا وجود لذَلِك فِي كِتَابه. قلت: لم يقل الشَّيْخ عَلَاء الدّين مغلطاي: معمر بن رَاشد، وَإِنَّمَا قَالَ: هَذَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر، وَلم يقل أَيْضا فِي تَفْسِيره: حَتَّى يشنع عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يُوجد فِي تَفْسِيره، وَعبد الرَّزَّاق لَهُ تآليف أُخْرَى غير تَفْسِيره وَحَيْثُ أطلق معمرا يحْتَمل أحد المعمرين. ثمَّ قَالَ: فِي قَوْله: ﴿وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣) وَفَسرهُ بقوله: (أَن تخرج محاسنها) وَعَن مُجَاهِد وَقَتَادَة: التبرج التَّبَخْتُر والتكسر والتغنج. سُنَّةَ الله اسْتَنَّها جَعَلَها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل﴾ ثمَّ قَالَ: (استنها) يَعْنِي: جعلهَا سنة، وَفِي التَّفْسِير: سنة الله أَي: كَسنة الله، نصب بِنَزْع الْخَافِض، وَقيل: فعل سنة الله، وَقيل: على الإغراء أَي: اتبعُوا سنة الله. قَوْله: (فِي الَّذين خلوا) ، أَرَادَ سنة الله فِي الْأَنْبِيَاء الماضيين أَن لَا يُؤَاخِذكُم بِمَا أحل لكم، وَقيل: الْإِشَارَة بِالسنةِ النِّكَاح فَإِنَّهُ من سنة الْأَنْبِيَاء، ﵈. ٥٨٧٤ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخْبَرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْها زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَاءَهَا حِينَ أمَرَ الله أنْ يُخَبِّرَ أزْوَاجَهُ فَبَدأ بِي رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أمْرا فَلا عَلَيْكِ أنْ تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ وَقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأمُرَانِي بِفِراقِهِ قَالَتْ ثُمَّ قَالَ إنَّ الله قَالَ: ﴿يَا أيُّها النبيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ﴾ إلَى تَمامِ الآيَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ فَفِي أيِّ هاذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ فَإنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد مضوا عَن قريب، والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن أبي الْيَمَان، وَأخرجه

стр. 5692

مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي الطَّاهِر وحرملة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن يحيى وَفِي الطَّلَاق عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. قَوْله: (فَلَا عَلَيْك) أَي: لَا بَأْس عَلَيْك فِي عدم الاستعجال حَتَّى تَسْتَأْمِرِي حَتَّى تشاوري. قَوْله: (فَفِي أَي هَذَا) ويروى: فَفِي أَي شَيْء. ٥ - (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارُ الآخُرَةَ فَإنَّ الله أعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أجْرا عَظِيما﴾ (الرحمان: ٩٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَإِن كنتن﴾ الْآيَة. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله وَالحِكْمَةِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٤٣) القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن أَحْمد بن مَنْصُور: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَنهُ. ٦٨٧٤ - حدَّثنا وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ قَالَتْ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ الله ﷺ بِتَخْيِير أزْوَاجِهِ بَدَأَنِي فَقَالَ إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أمْرا فَلا عَلَيْكِ أنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ قَالَتْ وَقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ ثُمَّ قَالَ إنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَا أيُّها النبيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَها﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢، ٩٢) إلَى ﴿أجْرا عَظِيما﴾ قَالَتْ فَقُلْتُ فَفِي أيِّ هاذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ فَإنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ الدارَ الآخِرَةَ قَالَتْ ثُمَّ فَعَلَ أزْواجُ النبيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَلكنه مُعَلّق وَوَصله الذهلي عَن أبي صَالح عَن اللَّيْث. قَوْله: (قَالَ اللَّيْث) : يجوز أَن يكون أَخذه عَن أبي صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث فَإِن الحَدِيث عِنْده، وَلَيْسَ هُوَ عِنْد البُخَارِيّ مِمَّن يخرج لَهُ فِي الْأُصُول إلَاّ فِي مَوضِع وَاحِد فِي الْبيُوع صرح بِسَمَاعِهِ مِنْهُ وَرِوَايَته عَنهُ، وَالله أعلم. تَابَعَهُ مُوسَى بنُ أعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ أَي: تَابع اللَّيْث مُوسَى بن أعين الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي: أَبُو سعيد الْحَرَّانِي عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة، وَوَصله النَّسَائِيّ من طَرِيق مُوسَى بن أعين، حَدثنَا أبي فَذكره. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأبُو سُفْيَانَ المَعْمَرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. عبد الرَّزَّاق بن همام الْيَمَانِيّ، وَأَبُو سُفْيَان مُحَمَّد بن حميد السكرِي المعمري: بِفَتْح الميمين نسبه إِلَى معمر لِأَنَّهُ رَحل إِلَيْهِ وروى لَهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا أما رِوَايَة عبد الرَّزَّاق فوصلها مُسلم وَابْن مَاجَه من طَرِيقه، وَقَالَ بَعضهم: وَقصر من قصر تخريجها على ابْن مَاجَه. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَا طائل تَحْتَهُ وغمز بِهِ على صَاحب (التَّلْوِيح) وَعدم ذكره مُسلما مَعَ ابْن مَاجَه لَيْسَ بتقصير على مَا لَا يخفى، وَأما رِوَايَة أبي سُفْيَان فأخرجها الذهلي فِي الزهريات. ٦ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَتُخْفَى فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أحَقُّ أنْ تَخْشَاهُ﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وتخفي فِي نَفسك﴾ وَأول الْآيَة: ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله وتخفي فِي نَفسك﴾ الْآيَة. نزلت فِي زَيْنَب بنت جحش كَمَا يَأْتِي الْآن، وقصتها مَذْكُورَة فِي التَّفْسِير، وحاصلها. أَنه ﷺ أَتَى ذَات يَوْم إِلَى زيد بن حَارِثَة مَوْلَاهُ لحَاجَة فأبصر زَيْنَب بنت جحش زَوجته قَائِمَة فِي درعها وخمار فَأَعْجَبتهُ وَكَأَنَّهَا وَقعت فِي نَفسه، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله مُقَلِّب الْقُلُوب، وَانْصَرف فجَاء زيد فَذكرت لَهُ فَفِي الْحَال ألْقى الله كراهتها فِي قلبه،

стр. 5693

فَأَرَادَ فراقها، فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أُفَارِق صَاحِبَتي. فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ ، اتَّقِ الله وَأمْسك عَلَيْك زَوجك، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ تَقول﴾ أَي: اذكر حِين تَقول: ﴿للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ زيد بن حَارِثَة. (وأنعمت) أَنْت عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ (وتخفي فِي نَفسك) أَن لَو فَارقهَا تَزَوَّجتهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس: تخفي فِي نَفسك حبها. قَوْله: (مَا الله مبديه) ، أَي: الَّذِي الله مظهره (وتخشى النَّاس) أَي: تستحيهم، قَالَه ابْن عَبَّاس وَالْحسن، وَقيل: تخَاف لائمة النَّاس أَن يَقُولُوا: أَمر رجلا بِطَلَاق امْرَأَته ثمَّ نَكَحَهَا حِين طَلقهَا، وَقَالَ ابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَالْحسن: مَا نزل على رَسُول الله ﷺ ، آيَة أَشد عَلَيْهِ من هَذِه الْآيَة. قَوْله: (وَالله أَحَق أَن تخشاه) ، لَيْسَ المُرَاد أَن النَّبِي ﷺ ، خشِي النَّاس وَلم يخْش الله بل الْمَعْنى أَن الله أَحَق أَن تخشاه وَحده وَلَا تخش أحدا مَعَه وَأَنت تخشاه وتخشى النَّاس أَيْضا، فَاجْعَلْ الخشية لله وَحده، وَلَا يقْدَح ذَلِك فِي حَال النَّبِي ﷺ ، لِأَن العَبْد غير ملوم على مَا يَقع فِي قلبه من مثل هَذِه الْأَشْيَاء مَا لم يقْصد فِيهِ المأثم. ٧٨٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حدَّثنا مُعَلَّى بنُ مَنْصُورٍ عَنْ حَمَّادٍ بنِ زَيْدٍ حدَّثنا ثَابِتٌ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّ هاذِهِ الآيَةَ: ﴿وَتُخْفَى فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٣) نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَزَيدٍ بنِ حَارِثَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى كَانَ يُقَال لَهُ صَاعِقَة. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عَبدة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان لؤين لقب لَهُ. ٧ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِىءُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ (الْأَحْزَاب: ١٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿ترجىء من تشَاء﴾ إِلَى آخِره، كَذَا جَمِيع الروَاة، لغير أبي ذَر لفظ: بَاب، وَحكى الواحدي عَن الْمُفَسّرين: أَن هَذِه الْآيَة نزلت عقيب نزُول آيَة التَّخْيِير، وَذَلِكَ أَن التَّخْيِير لما وَقع أشْفق بعض الْأزْوَاج أَن يُطَلِّقهُنَّ ففوضن أَمر الْقسم إِلَيْهِ فَنزلت ﴿ترجىء من تشَاء﴾ الْآيَة. قَوْله: (ترجىء) ، أَي: تُؤخر، قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص عَن عَاصِم: تجىء بِغَيْر همزَة وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ، وهما لُغَتَانِ (وَتُؤْوِي) من الإيواء أَي: تضم قَوْله: (وَمن ابْتَغَيْت) ، أَي: طلبت وَأَرَدْت إصابتها مِمَّن عزلت فأصبتها وجامعتها بعد الْعَزْل فَلَا جنَاح عَلَيْك، فأباح الله تَعَالَى لَك ترك الْقسم لَهُنَّ حَتَّى إِنَّه ليؤخر من شَاءَ مِنْهُنَّ فِي وَقت نوبتها فَلَا يَطَؤُهَا ويطأ من يَشَاء مِنْهُنَّ فِي غير نوبتها، وَله أَن يردهَا إِلَى فرَاشه من غير عزلها، فَلَا جنَاح عَلَيْهِ فِيمَا فعل تَفْضِيلًا لَهُ على سَائِر الرِّجَال وتخفيفا عَنهُ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: تُرْجِىءُ: تُؤَخِّرُ أرْجِئْهُ أخِّرْهُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: معنى ترجىء، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَهَذَا خص بِهِ سيدنَا رَسُول الله ﷺ قَوْله: (أرجئه: أخِّره) ، هَذَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف وَالشعرَاء، ذكره هُنَا اسْتِطْرَادًا. ٨٨٧٤ - حدَّثني زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحْيَى حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشامٌ حدَّثنا عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كُنْتُ أغَارُ عَلَى اللَاّتِي وَهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ الله ﷺ وَأقُولُ أتَهَبُ المَرْأةُ نَفْسَهَا فَلَمَّا أنْزَلَ الله تَعالى: ﴿تُرْجِىءُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قُلْتُ مَا أُرَى رَبِّكَ إلَاّ يُسَارِعُ فِي هَوَاك. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وزَكَرِيا بن يحيى أَبُو السكين الطَّائِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير. قَوْله: (قَالَ هِشَام: حَدثنَا عَن أَبِيه) ، تَقْدِيره: قَالَ: حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه، وَهَذَا جَائِز عِنْدهم. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي عشرَة النِّسَاء وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك المَخْزُومِي، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي أُسَامَة. قَوْله: (أغار) بالغين الْمُعْجَمَة مَعْنَاهُ هُنَا أعيب، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ كَانَت تعير اللَّاتِي، بِالْعينِ الْمُهْملَة

стр. 5694

قَوْله: (اللَّاتِي وهبْنَ) ظَاهره أَن الواهبة أَكثر من وَاحِدَة؟ مِنْهُنَّ: خَوْلَة بنت حَكِيم، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، ومنهن: أم شريك رَوَاهُ الشّعبِيّ، ومنهن: فَاطِمَة بنت شُرَيْح، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة، ومنهن: ليلى بنت الْحطيم، رَوَاهُ بَعضهم، ومنهن: مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، رَوَاهُ قَتَادَة عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ مُنْقَطع. قَوْله: (مَا أرى) رَبك إِلَى آخِره أَي: مَا أرى الله إِلَّا موجدا لمرادك بِلَا تَأْخِير منزلا لما تحب وترضاه. ٩٨٧٤ - حدَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى أخْبرنا عَبْدُ الله أخْبرنا عَاصِمٌ الأحْوَلُ عَنْ مُعاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ رَسُول الله ﷺ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ المَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ هاذِهِ الآيَةَ: ﴿تُرْجِىءُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوى إلَيْكَ مَنْ تَشَاءِ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ (الْأَحْزَاب: ١٥) فَقُلْتُ لَها: مَا كُنْتُ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أقُولُ لَهُ إنْ كَانَ ذَاكَ إلَيَّ فَإنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ الله أنْ أُوتِرَ عَلَيْكَ أحَدا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وحبان: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول الْمصْرِيّ، ومعاذ، بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة بنت عبد الله العدوية البصرية. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن شُرَيْح بن يُونُس، وَعَن الْحسن بن عِيسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن يحيى بن معِين وَمُحَمّد بن الطباع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عَامر المصِّيصِي. قَوْله: (كَانَ يسْتَأْذن فِي يَوْم الْمَرْأَة) بِإِضَافَة يَوْم إِلَى الْمَرْأَة ويروى فِي الْيَوْم الْمَرْأَة بِنصب الْمَرْأَة ويروى: يسْتَأْذن الْمَرْأَة فِي الْيَوْم أَي: الْيَوْم الَّذِي تكون فِيهِ نوبتها إِذا أَرَادَ أَن يتَوَجَّه إِلَى الْأُخْرَى. قَوْله: (مَا كنت) ؟ اسْتِفْهَام. قَوْله: (لَهُ) أَي: للنَّبِي، ﷺ ، قَوْله: (إِن كَانَ ذَاك) أَي: الاسْتِئْذَان. تَابَعَهُ عَبَّادُ بنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عَاصِما أَي: تَابع عبد الله عباد بن عباد، بتَشْديد الْيَاء الْمُوَحدَة فيهمَا، أَبُو مُعَاوِيَة المهلبي، وَوَصله ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من طَرِيق يحيى بن معِين عَن عباد بن عباد. ٨ - (بَابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيِّ ﷺ إلَاّ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ وَلاكنْ إذَا دُعِيْتُمْ فَادْخُلُوا فَإذَا طَمِعْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبيَّ فَيَسْتَحْيَ مِنْكُمْ وَالله لَا يَسْتَحْيِ مِنَ الحَقِّ وَإذَا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعا فَأسألُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حجابٍ ذَلِكُمْ أطْهَرُ لِقُلوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَدا إنَّ ذلِكُمْ كَانَ عِنْدَ الله عَظِيما﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لَا تدْخلُوا﴾ الْآيَة. وَعند أبي ذَر والنسفي: كَذَا ﴿لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي ﷺ إلَاّ أَن يُؤذن لكم إِلَى طَعَام﴾ إِلَى قَوْله: (عَظِيما) وَغَيرهمَا: ساقوا الْآيَة كلهَا كَمَا هُوَ هَاهُنَا. قَوْله: (لَا تدْخلُوا) ، أَوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا﴾ ؟ الْآيَة. قَوْله: (إِلَّا أَن يُؤذن لكم) ، أَي: إِلَّا تدعوا إِلَى طَعَام فَيُؤذن لكم فتأكلونه. قَوْله: (غير ناظرين) ، أَي: غير منتظرين إناه أَي: وَقت إِدْرَاكه ونضجه، وَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت فِي نَاس من الْمُؤمنِينَ كَانُوا يتحينون طَعَام النَّبِي، ﷺ ، فَيدْخلُونَ عَلَيْهِ قبل الطَّعَام إِلَى أَن يدْرك ثمَّ يَأْكُلُون وَلَا يخرجُون، فَكَانَ رَسُول الله ﷺ ، يتَأَذَّى مِنْهُم فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَغير: نصب على الْحَال. قَوْله: (فَإِذا طَعِمْتُمْ) ، أَي: فَإِذا أكلْتُم الطَّعَام. قَوْله: (فَانْتَشرُوا) ، أَي: فَتَفَرَّقُوا واخرجوا من منزله. قَوْله: (وَلَا مستأنسين) عطف على قَوْله: (غير ناظرين) أَي: وَلَا غير مستأنسين أَي: طَالِبين الْأنس لحَدِيث، نهوا أَن يطيلوا الْجُلُوس يسْتَأْنس بَعضهم لبَعض لأجل حَدِيث يحدثُونَ بِهِ. قَوْله: (إِن ذَلِكُم) ، أَي: إطالتكم فِي الْقعُود وانتظاركم الطَّعَام

стр. 5695

الَّذِي لم يتهيأ واستئناسكم للْحَدِيث يُؤْذِي النَّبِي، ﷺ ، ويشوش عَلَيْهِ. قَوْله: (فيستحيي مِنْكُم) ، أَن يَقُول لكم قومُوا (وَالله لَا يستحيي من الْحق) أَي: لَا يتْرك تأديبكم وحملكم على الْحق وَلَا يمنعهُ ذَاك مِنْهُ. قَوْله: (وَإِذ سَأَلْتُمُوهُنَّ) ، أَي: إِذا سَأَلْتُم نسَاء النَّبِي ﷺ (مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب) وَرُوِيَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمر نسَاء النَّبِي ﷺ بالحجاب، فَقَالَت زَيْنَب يَا ابْن الْخطاب أتغار علينا وَالْوَحي ينزل فِي بُيُوتنَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب﴾ قَوْله: ﴿ذَلِكُم طهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ يَعْنِي: من الرِّيبَة. قَوْله: (وَمَا كَانَ لكم) ، يَعْنِي: وَمَا يَنْبَغِي لكم وَمَا يصلح لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله ﷺ من الْأَشْيَاء وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا نزلت فِي رجل كَانَ يَقُول: لَئِن توفّي رَسُول الله ﷺ لأَتَزَوَّجَن عَائِشَة، زعم مقَاتل أَنه طَلْحَة بن عبيد الله. قَوْله: (إِن ذَلِكُم) ، أَي: إِن نِكَاح أَزوَاجه بعد النَّبِي ﷺ (كَانَ عِنْد الله عَظِيما) . يُقالُ إناهُ إدْرَاكُهُ أنَى يأنى أَنَاة أَرَادَ بذلك تَفْسِير لَفْظَة أَتَاهُ. فِي قَوْله: ﴿غير ناظرين أناه﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) وَفَسرهُ بقوله: (إِدْرَاكه) أَي: إِدْرَاك وَقت الطَّعَام، يُقَال: (أَنى) فِي الْمَاضِي بِفَتْح الْهمزَة وَالنُّون مَقْصُورا (إياني) مضارعه بِكَسْر النُّون. قَوْله: (أَنَاة) ، مصدر بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف النُّون وَآخره هَاء تَأْنِيث: كَذَا ضبطوه وَقَالُوا: أَنه مصدر وَلكنه لَيْسَ بمصدر. أَنِّي يأنى الَّذِي قَالَه البُخَارِيّ فَإِنَّهُ مصدره بِكَسْر الْهمزَة على مَا تَقول وَسُكُون النُّون الْمَفْتُوحَة، والأناءة الِاسْم مثل قَتَادَة، وَهُوَ الثَّانِي فِي الْأَمر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَنى يأني أناه، أَي: حَان، وأنى أَيْضا أدْرك، قَالَ تَعَالَى: ﴿غير ناظرين أناه﴾ ، وَيُقَال أَيْضا إِنِّي الْحَمِيم، أَي: انْتهى حره. قَالَ تَعَالَى: ﴿حميم آن﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) وآناء يؤنيه إيناه أَخّرهُ وحبسه وأبطاه، وآناه اللَّيْل ساعاته قَالَ الْأَخْفَش: وَاحِدهَا أَنِّي مثل معي، وَقيل: وَاحِدهَا آني وانو. لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلك النَّاس عَن السَّاعَة قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله وَمَا يدْريك لَعَلَّ السَّاعَة تكون قَرِيبا﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٦) قَوْله: (يَسْأَلك النَّاس) ، أَي: الْمُشْركُونَ. قَوْله: (عَن السَّاعَة) ، أَي: عَن وَقت قيام السَّاعَة استعجالاً على سَبِيل الْهمزَة، وَالْيَهُود كَانُوا يسْأَلُون امتحانا لِأَن الله عمَّى وَقتهَا فِي التَّوْرَاة، وَفِي كل كتاب، ثمَّ بَين الله تَعَالَى لرَسُوله أَنَّهَا قريبَة الْوُقُوع تهديدا للمستعجلين. إذَا وَصَفْتَ صِفَةَ المُؤَنَثِ قُلْتَ قَرِيبَةً وَإذا جَعَلْتَهُ ظَرْفا أوْ بَدلاً وَلَمْ تُرِدِ الصِفَةَ نَزَعَتْ الهَاءَ مِنَ المُؤَنَّثِ وَكَذَلِكَ لَفْظُها فِي الوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالجَمِيعِ لِلذِّكَرِ وَالأُنْثَى. هَذَا كُله من قَوْله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَة﴾ إِلَى قَوْله: (وَالْأُنْثَى) لم يَقع إلَاّ لأبي ذَر والنسفي، وَلم يذكرهُ غَيرهمَا وَهُوَ الصَّوَاب من أوجه: الأول: أَن قَوْله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَة تكون قَرِيبا﴾ إِن كَانَ فِي هَذِه السُّورَة وَلَكِن ذكره فِي هَذَا الْموضع لَيْسَ بموجه لِأَن الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا بعد هَذَا كلهَا مُتَعَلقَة بالترجمة الَّتِي ذكرت قبله، والفاصل بَينهمَا كالفاصل بَين الْعَصَا ولحائها. الثَّانِي: أَن هَذَا الَّذِي ذكره فِي تذكير لفظ قَرِيبا، لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي، وَالَّذِي ذكره المهرة فِي فن الْعَرَبيَّة أَن قَرِيبا على وزن فعيل وفعيل إِذا كَانَ بِمَعْنى مفعول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٥) الثَّالِث: أَن قَوْله: إِذا جعلته ظرفا، لَيْسَ على الْحَقِيقَة لِأَن لفظ: قريب، لَيْسَ بظرف أصلا فِي الأَصْل، وَلِهَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله: قَرِيبا، أَي: شَيْئا قَرِيبا، أَو لِأَن السَّاعَة فِي معنى الْيَوْم أَو فِي زمَان قريب، وَهَذَا هروب من إِطْلَاق لفظ الظّرْف على قريب حَيْثُ أجَاب ثَلَاثَة أجوبة عَن قَول من يَقُول أَن لفظ قريب مُذَكّر والساعة مؤنث، وَكَذَلِكَ لاحظ أَبُو عُبَيْدَة هَذَا الْمَعْنى هُنَا حَيْثُ قَالَ: مجازه مجَاز الظّرْف هَاهُنَا، وَلَو كَانَ وَصفا للساعة لقَالَ: قريبَة، وَإِذا كَانَت ظرفا فَإِن لَفظهَا فِي الْوَاحِد وَفِي الِاثْنَيْنِ وَالْجمع من الْمُذكر والمؤنث وَاحِد بِغَيْر هَاء وَبِغير جمع وَبِغير تَثْنِيَة. قَوْله: (أَو بَدَلا) ، أَي: عَن الصّفة يَعْنِي: جعلته اسْما مَكَان الصّفة وَلم تقصد الوصفية يستوى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث والتثنية وَالْجمع. ٠٩٧٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ ﵁ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله

стр. 5696

يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنينَ بِالحجابِ فأنْزَلَ الله آيَةَ الحِجابِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد ذكرنَا أَن قَوْله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَة تكون قَرِيبا﴾ غير وَاقع فِي مَحَله، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَحميد، بِضَم الْحَاء ابْن أبي حميد الطَّوِيل أَبُو عُبَيْدَة الْبَصْرِيّ، وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب مَا جَاءَ فِي الْقبْلَة. ١٩٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الرَّقَاشِيُّ حدَّثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ حدَّثنا أبُو مِجْلَزٍ عَنْ أنس بنِ مَالِك ﵁ قَالَ لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ الله ﷺ زَيْنَبَ ابنَةَ جَحْشٍ دَعَا القَوْمَ فَطمِعُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحدَّثُونَ وَإذَا هُوَ كَأنَّهُ يَتَهَيَأْ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ قَامَ فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ فَجَاءَ النبيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإذَا القَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فأخْبَرْتُ النبيِّ ﷺ أنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أدْخُلُ فَألْقَى الحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأُنْزِلَ الله: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيِّ﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) الآيَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الله الرقاشِي، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْقَاف وبالشين الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى رقاش بنت ضبيعة فِي ربيعَة بن نزار ومعتمر يرْوى عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن طرخان وَأَبُو مجلز، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح اللَّام وبالزاي، اسْمه لَاحق بن حميد. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل وَعَن الْحسن بن عمر وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن حبيب وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. قَوْله: (لما تزوج رَسُول الله ﷺ زَيْنَب بنت جحش) ، وَكَانَ سنة ثَلَاث، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَعَن قَتَادَة سنة خمس، وَقيل: غير ذَلِك. قَوْله: (فطعموا) أَي: أكلُوا قَوْله: (وَإِذا هُوَ) أَي: رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَلم يقومُوا) ، وَكَانَ ﷺ يستحي أَن يَقُول لَهُم: قومُوا قَوْله: (من قَامَ) فَاعل قَوْله: (قَامَ قبله) . ٢٩٧٤ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنِ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلابَةَ قَالَ أنَسٌ ابنُ مَالِكٍ أنَا أعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ آيَةِ الحِجابِ لَما أهدِيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ إلَى رَسُولِ الله ﷺ كَانَتْ مَعَهُ فِي البَيْتِ صَنَعَ طَعاما وَدَعا القَوْمَ فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ فَجَعَلَ النبيُّ ﷺ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرجِعُ وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيِّ ﷺ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلَى طَعامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إناهُ﴾ إلَى قَوْلِهِ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ فَضُرِبَ الحِجابُ وَقَامَ القَوْمُ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس الْمَذْكُور أخرجه عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (لما أهديت) ، أَي: لمازينتها الماشطة وبعثتها إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ الصغاني: صَوَابه هديت بِدُونِ الْألف وَلَكِن النّسخ بِالْألف، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: والهداء مصدر قَوْلك: هديت الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا هداه، وَقد هديت إِلَيْهِ وَهِي مهدية وَهدى أَيْضا. ثمَّ قَالَ: والهدية وَاحِدَة الْهَدَايَا يُقَال: أهديت لَهُ وَإِلَيْهِ. قَوْله: (وهم قعُود) ، جملَة حَالية أَي: قَاعِدُونَ. ٣٩٧٤ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدِ الوَارِثِ حدَّثنا عَبْدِ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ

стр. 5697

الله عنهُ قَال بُنْيَ عَلَى النبيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ بِخْبْزٍ وَلَحْمٍ فَأُرْسِلَتْ أُى الطَّعامِ دَاعِيا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ فَدَعْوَتُ حَتَّى مَا أجِدُ أحَدا أدْعُو فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ الله مَا أجِدُ أحَدا أدْعُوهُ فَقَالَ ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ وَبَقِيَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي البَيْتِ فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ فَانْطَلَقَ إلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ الله فَقَالَتْ وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ الله كَيْفَ وَجَدْتُ أهْلَكَ بَارَكَ الله لَكَ فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسِائِهِ كُلَّهِنَّ يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ رَجَعَ النبيُّ ﷺ فَإذَا ثَلاثَةُ رَهْطٍ فِي البَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ وَكَانَ النبيُّ ﷺ شَدِيدَ الحَيَاءِ فَخَرَجَ مُنْطِلِقا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَمَا أدْرِي آخْبَرْتُهُ أوْ أُخْبِرَ أنَّ القَوْمَ خَرَجُوا فَرَجَعَ حَتَّى إذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسُكُفَّةِ البابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجابِ.. هَذَا طَرِيق آخر أَيْضا عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو الْمَشْهُور بالمقعد بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من الإقعاد عَن عبد الْوَارِث بن سعيد إِلَى آخِره. قَوْله: (بني على النَّبِي ﷺ ، بِصِيغَة الْمَجْهُول من الْبناء وَهُوَ الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الرجل كَانَ إِذا تزوج امْرَأَة بنى عَلَيْهَا قبَّة ليدْخل بهَا فِيهَا فَيُقَال: بنى الرجل على أَهله، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَلَا يُقَال بنى بأَهْله، والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ. قَوْله: (ابْنة جحش) ، ويروى: بنت جحش. قَوْله: (فَأرْسلت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، والمرسل هُوَ النَّبِي ﷺ قَوْله: (على طَعَام) ، ويروى: على الطَّعَام. قَوْله: (دَاعيا) ، نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي أرْسلت وَهُوَ أنس. قَوْله: (فَيَجِيء قوم وَيخرجُونَ) ، أَي: يَأْكُلُون فَيخْرجُونَ. قَوْله: (ادعو) ، أَي: ادعوهُ وَهِي صفة أحدا. قَوْله: (قَالَ: ارْفَعُوا طَعَامكُمْ) ، ويروى: فَقَالَ: بِالْفَاءِ وَكَذَلِكَ فارفعوا قَوْله: (فنقرى) بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء على وزن تفعل، أَي: تتبع الْحجر وَاحِدَة وَاحِدَة، وَالْحجر بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم: جمع حجرَة وَهِي الْموضع الْمُنْفَرد فِي الدَّار قَوْله: (آخبرته) أَي: أخْبرت النَّبِي ﷺ أَو أخبر، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أَو أخبر النَّبِي ﷺ بِالْوَحْي، وَهَذَا شكّ من أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد اتّفقت رِوَايَة عبد الْعَزِيز وَحميد على الشَّك، وَفِي رِوَايَة أبي مجلز عَن أنس الَّذِي مضى: فَأخْبرت من غير شكّ. قَوْله: (فِي أُسْكُفَّة الْبَاب) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين وَضم الْكَاف وَتَشْديد الْفَاء، وَهِي: العتبة الَّتِي يُوطأ عَلَيْهَا. ٤٩٧٤ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الله بنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ حَدثنَا حَمَيْدٌ عَنْ أنَسٍ رضيَ عَنْهُ قَالَ أوْلَمَ رسولُ الله ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فأشْبَعَ النَّاسَ خُبْزاً وَلَحْماً ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ كَما كانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ رأى رَجُلَيْن جَرَي بِهِما الحَدِيثُ فَلَمَّا رَآهُما رَجعَ عَنْ بَيْتِهِ فَلَمَّا رَأْي الرّجُلَانِ نَبيَّ الله ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وثَبا مُسْرِعَيْنِ فَما أدْرِي أَنا أخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِما أمْ أُخْبِرَ فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ وأرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ وأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجابِ.. هَذَا طَرِيق آخر أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور أبي يَعْقُوب الْمروزِي عَن عبد الله بن بكر بن حبيب الْبَاهِلِيّ السَّهْمِي الْبَصْرِيّ عَن حميد الطَّوِيل ... إِلَى آخِره. قَوْله: (صَبِيحَة بنائِهِ) أَي: صباحاً بعد لَيْلَة الزفاف. قَوْله: (فَيسلم عَلَيْهِنَّ ويسلمن عَلَيْهِ) ويروى: فَيسلم

стр. 5698

عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ ويسلمن عَلَيْهِ وَيدعونَ. قَوْله: (رأى رجلَيْنِ) وَفِي الحَدِيث الْمَاضِي: ثَلَاثَة رَهْط، وَلَا اعْتِبَار لمَفْهُوم الْعدَد وَكَانَت المحادثة بَينهمَا وَالثَّالِث سَاكِت، وَقيل: لَعَلَّه باعتبارين كَانُوا ثَلَاثَة ثمَّ ذهب وَاحِد وَبَقِي إثنان وَهُوَ أولى من قَول ابْن التِّين إِحْدَاهمَا وهم فَإِن قلت: الحَدِيث الثَّانِي يدل على أَن نزُول الْآيَة قبل قيام الْقَوْم، وَالْأول وَغَيره أَنه بعده. قلت: هُوَ مأول بِأَنَّهُ حَال أَي: أنزل الله وَقد قَامَ الْقَوْم، هَكَذَا أجَاب الْكرْمَانِي. وَقَالَ ابْنُ أبي مَرْيَمَ أخْبَرَنا يَحْيَى حدّثني حُمَيْدٌ سَمِعَ أنَساً عنِ النبيِّ ﷺ أَشَارَ بذلك إِلَى أَن حميدا قد ورد عَنهُ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ هَذَا الحَدِيث عَن أنس. وَأَن عنعنته فِيهِ غير مُؤثرَة وَابْن أبي مَرْيَم من شُيُوخ البُخَارِيّ، واسْمه سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الْمصْرِيّ وَيحيى هُوَ ابْن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ، قيل: وَقع فِي بعض النّسخ من رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن أبي مَرْيَم: وَهُوَ غلط فَاحش. ٥٩٧٤ - حدَّثني زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحْيَى حَدثنَا أبُوا أُسامَةَ عَن هِشامٍ عنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَما ضُرِبَ الحِجابُ لِحاجَتِها وكانَتِ امْرَأةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُها فَرَآها عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَ يَا سَوْدَةُ أما وَالله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنا فانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ قالَتْ فانْكَفَأَت رَاجِعَةً ورسولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي وإنَّهُ لَيَتَعَشَّي وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ فقالَتْ يَا رسولَ الله إنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ وَكَذَا قالَتْ فأوْحي الله إلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وإنَّ العَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وضَعَهُ فقالَ إنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بَعْدَمَا ضرب الْحجاب) قيل: إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لَيْسَ بمطابق وَكَانَ إِيرَاده فِي عدم الْحجاب أولى. وَأجِيب: بِأَنَّهُ أحَال على أصل الحَدِيث كعادته فِي التبويبات. وزكرياء بن يحيى بن صَالح الْبَلْخِي الْحَافِظ الْفَقِيه، وَله شيخ آخر وَهُوَ زَكَرِيَّاء بن يحيى بن عمر أَبُو السكن الطَّائِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة يروي عَن هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة ﵂. والْحَدِيث قد مضى فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى البرَاز، أخرجه بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (خرجت سَوْدَة) وَهِي بنت زَمعَة أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (بَعْدَمَا ضرب الْحجاب) وَقد تقدم فِي الطَّهَارَة أَنه كَانَ قبل الْحجاب، قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّه وَقع مرَّتَيْنِ، وَقيل: المُرَاد بالحجاب الأول غير الْحجاب الثَّانِي، وَالْحَاصِل فِي هَذَا أَن عمر ﵁، وَقع فِي قلبه نفرة من اطلَاع الْأَجَانِب على الْحَرِيم النَّبَوِيّ حَتَّى صرح بقوله للنَّبِي ﷺ : إحجب نِسَاءَك، وأكد ذَلِك إِلَى أَن نزلت آيَة الْحجاب، ثمَّ قصد بعد ذَلِك أَن لَا يبدين أشخاصهن أصلا وَلَو كن مستترات، فَبَالغ فِي ذَلِك وَمنع مِنْهُ وَأذن لَهُنَّ فِي الْخُرُوج لحاجتهن دفعا للْمَشَقَّة ورفعاً للْحَرج. قَوْله: (لحاجتها) مُتَعَلق بقوله: (خرجت) . قَوْله: (أما وَالله) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم: حرف استفتاح بِمَنْزِلَة، أَلا وَيكثر قبل الْقسم. قَوْله: (فَانْكَفَأت) بِالْهَمْزَةِ يَعْنِي: انقلبت وانصرفت، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هُوَ الصَّوَاب، قَالَ: وَوَقع لبَعض الروَاة انكفت بِحَذْف الْهمزَة وَالْألف فَكَانَ لما سهل الْهمزَة بقيت الْألف سَاكِنة فلقيها سَاكن فحذفت. قَوْله: (عرق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء، وَهُوَ الْعظم الَّذِي عَلَيْهِ اللَّحْم. قَوْله: (ثمَّ رفع عَنهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: رفع عَنهُ مَا يلقاه وَقت نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ. قَوْله: (والعرق، فِي يَده) جملَة حَالية. قَوْله: (إِنَّه) أَي: إِن الشَّأْن (قد أذن لَكِن) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَيجوز أَن قَالَ: إِن الله قد أذن لكنّ، وَالْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب كلهَا دَالَّة على الْحجاب، وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا الْمَذْكُور، وَإِن لم يذكر فِيهِ الْحجاب صَرِيحًا. لِأَن ظَاهره عَدمه وَلَكِن فِي أَصله مَذْكُور فِي مَوضِع آخر، وَعَن هَذَا قَالَ عِيَاض: فرض الْحجاب مِمَّا اخْتصَّ بِهِ أَزوَاجه ﷺ فَهُوَ فرض عَلَيْهِنَّ بِلَا خلاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يجوز لَهُنَّ كشف ذَلِك فِي شَهَادَة وَلَا غَيرهَا وَلَا إِظْهَار شخوصهن وَإِن كن مستترات إلَاّ مَا دعت إِلَيْهِ ضَرُورَة من برَاز، كَمَا فِي حَدِيث حَفْصَة، لما توفّي عمر ﵁، سترهَا النِّسَاء عَن أَن يرى شخصها، وَلما توفيت زَيْنَب

стр. 5699

جعلُوا لَهَا قبَّة فَوق نعشها تستر شخصها، وَلَا خلاف أَن غَيْرهنَّ يجوز لَهُنَّ أَن يخْرجن لما يحتجن إِلَيْهِ من أمورهن الْجَائِزَة بِشَرْط أَن يكن بذة الْهَيْئَة خشنة الملبس تفلة الرّيح مستورة الْأَعْضَاء غير متبرجات بزينة وَلَا رَافِعَة صَوتهَا. ٩ - (بابُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئاً أوْ تُخْفُوهُ فإِنَّ الله كانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيماً لَا جُناح عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ ولَا أبْنائِهِنَّ وَلَا إخْوَانِهِنَّ وَلَا أبْماءِ إخْوانِهِنَّ وَلَا أبْناءِ أخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسائهنَّ ولَا مَا مَلَكَتْ أيماتُهُنَّ واتَّقِينَ الله إنَّ الله كانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ (الْأَحْزَاب: ٤٥ ٥٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أَن تبدوا﴾ إِلَى آخِره، وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مذكورتان فِي راوية غير أبي ذَر فَإِن عِنْده: ﴿إِن تبدوا شَيْئا أَو تُخْفُوهُ فَإِن الله كَانَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿شَهِيدا﴾ وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب قَوْله: (أَن تبدوا) أَي: إِن تظهروا شَيْئا من نِكَاح أَزوَاج النَّبِي ﷺ على أَلْسِنَتكُم أَو تُخْفُوهُ فِي صدوركم فَإِن الله يعلم ذَلِك فيعاقبكم عقَابا عَظِيما، ولتحريمهن بعده ﷺ لَزِمت نفقاتهن فِي بَيت المَال. وَاخْتلف أهل الْعلم فِي وجوب الْعدة عَلَيْهِنَّ بوفاته ﷺ ، فَقيل: لَا عدَّة عَلَيْهِنَّ لِأَنَّهَا مُدَّة تربص تنْتَظر بهَا الْإِبَاحَة، وَقيل: تجب لِأَنَّهَا عبَادَة وَإِن لم تتعقبها الْإِبَاحَة. قَوْله: (لَا جنَاح عَلَيْهِنَّ) الْآيَة، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما نزلت آيَة الْحجاب قَالَ الْآبَاء وَالْأَبْنَاء: يَا نَبِي الله، وَنحن أَيْضا تكلمهن من وَرَاء حجاب؟ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فِي ترك الْحجاب من الْمَعْدُودين، وَلم يذكر الْعم لِأَنَّهُ كَالْأَبِ، وَلَا الْخَال لِأَنَّهُ كالأخ. قَوْله: وَلَا مَا ملكت إيمانهن قيل: الْإِمَاء دون العبيد وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب، وَقيل: عَام فيهمَا. قَوْله: (واتقين الله) ، يَعْنِي: أَن يراكن غير هَؤُلَاءِ (إِن الله كَانَ على كل شَيْء) من أَعمال بني آدم (شَهِيدا) يَعْنِي: لم يغب عَلَيْهِ شَيْء. ٦٩٧٤ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حدّثني عُروةُ بنُ الزبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ ﵂ قالَتِ استأذَن عَلَيَّ أفْلَحُ أخُو أبي القُعَيْسِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجابُ فَقُلْتُ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ فإِنَّ أخاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ بعد مَا أنزل الْحجاب فَقلت لَا آذن لَهُ حَتَّى اسْتَأْذن فِيهِ النَّبِي ﷺ فَإِن إخاه أَبَا القعيس لَيْسَ هُوَ أرْضَعَني ولاكِنْ أرْضَعَتْني امْرَأةُ أبي القُعَيْسِ فَدَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ يَا رسولَ الله إنَّ أفْلَحَ أَخا أبي القُعَيْسِ استأْذَنَ فأبَيحُ أنْ آذَنَ حَتَّى أسْتَأْذِنَكَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ وَمَا مَنَعَكِ أنْ تأذَنِينَ عَمَّكِ قُلْتُ يَا رسُولَ الله إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أرْضَعَنِي ولَكِنْ أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبي القُعَيْسِ فَقَالَ ائْذَنِي لَهُ فإنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يمينُكِ قَالَ عُرْوَةُ فَلِذلِكَ كانَتْ عائِشَةُ تَقُولُ حَرِّمُوا مِنَ الرَّضاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ.. قيل: لَا مُطَابقَة فِيهِ للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْء من تَفْسِير الْآيَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يُطَابق التَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه أُرِيد بِهِ بَيَان جَوَاز دُخُول الْأَعْمَام والآباء من الرضَاعَة على أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ لقَوْله إئذني لَهُ إِنَّه عمك. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الشَّهَادَات فِي بَاب الشَّهَادَة على الْإِنْسَان. قَوْله: (عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء، وأفلح فَاعل اسْتَأْذن، وَقَالَ أَبُو عمر: أَفْلح بن أبي القعيس، وَيُقَال: أَخُو أبي القعيس. وَقد اخْتلف فِيهِ، فَقيل: فِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَان، وَقيل: أَبُو القعيس، وأصحها إِن شَاءَ الله مَا رَوَاهُ عُرْوَة عَن عَائِشَة: جَاءَ أَفْلح أخوا أبي القعيس، وَقيل: إِن إسم أبي القعيس الْجَعْد، وَيُقَال: أَفْلح، يكنى أَبَا الْجَعْد، وَقَالَ فِي الكنى: أَبُو قعيس عَم عَائِشَة من الرضَاعَة اسْمه وَائِل بن أَفْلح. قلت: هُوَ بِضَم الْقَاف وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبسين مُهْملَة، قَوْله: (أَن تأذنين) ويروى: تَأْذَنِي، بِحَذْف النُّون وَهِي لُغَة. قَوْله: (تربت يَمِينك) ، كلمة تَدْعُو بهَا الْعَرَب وَلَا يُرِيدُونَ حَقِيقَتهَا ووقوعها لِأَن مَعْنَاهَا: افْتَقَرت، يُقَال: ترب إِذا افْتقر وأترب إِذا اسْتغنى كَأَنَّهُ إِذا ترب لصق بِالتُّرَابِ. وَإِذا أترب اسْتغنى وَصَارَ لَهُ من المَال بِقدر التُّرَاب. وَقَالَ الْخطابِيّ: (فِيهِ من الْفِقْه) إِثْبَات اللَّبن للفحل وَأَن زوج الْمُرضعَة بِمَنْزِلَة الْوَالِد وَأَخُوهُ بِمَنْزِلَة الْعم.

стр. 5700

٠١ - (بابُ: ﴿إنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبيِّ يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الْأَحْزَاب: ٦٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِن الله﴾ الْآيَة. وَعند أبي ذَر إِلَى قَوْله: (على النَّبِي) الْآيَة. وَغَيره سَاق إِلَى آخر الْآيَة وَشرف الله بِهَذِهِ الْآيَة رَسُوله وَذكر مَنْزِلَته مِنْهُ يصلونَ أَي: يثنون وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِر أَنه تَعَالَى يترجم عَلَيْهِ، وَالْمَلَائِكَة يدعونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ فَيكون إطلاقاً للفظ الْمُشْتَرك على مَعْنيين مُخْتَلفين وَهُوَ الصَّحِيح، وَعَن ابْن عَبَّاس: يبركون على مَا يَجِيء. قَالَ أبُو العالِيَةِ صَلَاةُ الله ثَناؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ الدُّعاءُ أَبُو الْعَالِيَة رفيع بن مهْرَان الرباحي الْبَصْرِيّ أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَأسلم بعد موت النَّبِي ﷺ بِسنتَيْنِ، وَدخل على أبي بكر الصّديق ﵁، وَصلى خلف عمر بن الْخطاب ﵁، وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃، مَاتَ فِي سنة تسعين، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ والطَّحَاوِي وَغَيرهمَا: عَن أبي الْعَالِيَة: صَلَاة الله عَلَيْهِ عِنْد الْمَلَائِكَة وَصَلَاة الْمَلَائِكَة الدُّعَاء، وَزَاد أَخْبَار الله الْمَلَائِكَة برحمته لنَبيه وَتَمام نعْمَته عَلَيْهِ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يُصَلُّونَ: يُبرِّكُونَ يبركون من التبريك وَهُوَ الدُّعَاء بِالْبركَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن أبي صَالح عَن مُعَاوِيَة عَن عَليّ ابْن أبي طَلْحَة ﵁. لَنُغْرِيَنَّكَ لَنُسَلِّطَنَّكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿والمرجفون فِي الْمَدِينَة لنغرينك بهم﴾ (الْأَحْزَاب: ٠٦) الْآيَة. وَفَسرهُ بقوله: (لنسلطنك) وَأول الْآيَة: ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة لنغرينك بهم﴾ أَي: لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ عَن أَذَى الْمُسلمين، والمرجفون بِالْمَدِينَةِ يَعْنِي: بِالْكَذِبِ وَالْبَاطِل، يَقُولُونَ: أَتَاكُم الْعَدو وَقتلت سراياكم لنغرينك، أَي: لنسلطنك عَلَيْهِم بِالْقِتَالِ والإخراج ثمَّ لَا يجاورونك بِالْمَدِينَةِ إلَاّ قَلِيلا، أَي: زَمَانا قَلِيلا حَتَّى يهْلكُوا ويرتجلوا، وَقَالَ بَعضهم، كَذَا وَقع هَذَا هُنَا وَلَا تعلق لَهُ بِالْآيَةِ وَإِن كَانَ من جملَة السُّورَة، فَلَعَلَّهُ من النَّاسِخ. قلت: لم يدع. البُخَارِيّ أَنه من تعلق الْآيَة حَتَّى يُقَال هَكَذَا، وَإِنَّمَا ذكره على عَادَته ليفسر مَعْنَاهُ، فَلَو كَانَ من غير هَذِه السُّورَة لَكَانَ لما قَالَه وَجه، وَالنِّسْبَة إِلَى النَّاسِخ فِي غَايَة الْبعد، على مَا لَا يخفى. ٧٩٧٤ - حدَّثني سَعِيدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ حدّثنا أبي حدَّثنا مِسْعَرٌ عَنِ الحَكَمِ عنِ الحَكَمِ عَنِ ابنِ أبي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ ﵁ قِيلَ يَا رسولَ الله أمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْناهُ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ قَالَ قُولوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. الْهم بَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسَعِيد هُوَ ابْن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن الْعَاصِ أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وَلَهُم أَيْضا: سعيد بن يحيى بن مهْدي بن عبد الرَّحْمَن أَبُو سُفْيَان الْحِمْيَرِي الوَاسِطِيّ الْحذاء، ومسعر. بِكَسْر الْمِيم: ابْن كدام وَالْحكم، بِفتْحَتَيْنِ: ابْن عتيبة يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى إِلَى آخِره والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة. قَوْله: (أما السَّلَام عَلَيْك فقد عَرفْنَاهُ) أَرَادَ بِهِ مَا علمهمْ إيَّاهُم فِي التَّشَهُّد من قَوْلهم: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، والسائل عِنْد هُوَ كَعْب بن عجْرَة نَفسه. قَوْله: (فَكيف الصَّلَاة عَلَيْك) ؟ . وَفِي حَدِيث أبي سعيد: فَكيف نصلي عَلَيْك؟ قَوْله: (كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم) أَي: كَمَا تقدّمت مِنْك الصَّلَاة على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم، فنسأل مِنْك الصَّلَاة على مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد. فَإِن قيل: شَرط التَّشْبِيه أَن يكون الْمُشبه بِهِ أقوى من الْمُشبه وَهنا بِالْعَكْسِ لِأَن الرَّسُول أفضل من إِبْرَاهِيم. أُجِيب: بِأَنَّهُ ذَلِك قبل أَن يعلم أَنه أفضل من إِبْرَاهِيم، وَقيل التَّشْبِيه لَيْسَ من بَاب إِلْحَاق النَّاقِص بالكامل بل من بَاب بَيَان حَال مَا لَا يعرف بِمَا يعرف، وَقيل: الْمَجْمُوع مشبه بالمجموع، وَلَا شكّ أَن آل إِبْرَاهِيم أفضل من آل مُحَمَّد إِذْ فيهم الْأَنْبِيَاء وَلَا نَبِي فِي آل النَّبِي ﷺ .

стр. 5701

٨٩٧٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ حدّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدّثني ابنُ الهَادِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ قُلْنا يَا رسولَ الله هاذَا التَّسْلِيمُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد عَبْدِكَ ورسُولِكَ كَما صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وبارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ. هَذَا أَيْضا مُطَابق للتَّرْجَمَة. وَابْن الْهَاد هُوَ يزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ، وَعبد الله بن خباب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: الْأنْصَارِيّ، وَمضى هَذَا أَيْضا فِي الصَّلَاة. قَالَ أبُو صالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بارَكْتِ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث. وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن عبد الله بن يُوسُف لم يذكر آل إِبْرَاهِيم عَن اللَّيْث وَذكرهَا أَبُو صَالح عَنهُ، وَهَكَذَا أخرجه أَبُو نعيم من طَرِيق يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، ﵀. حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ حَدثنَا ابنُ أبي حازِمٍ والدَّرَاورْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ وَقَالَ كَما صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وبارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وآلِ إبْرَاهِيمَ. هَذَا أَيْضا مُطَابق للتَّرْجَمَة، وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة أَبُو إِسْحَاق الزبيرِي الْمَدِينِيّ، وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، واسْمه سَلمَة، والدراوردي هُوَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد مَنْسُوب إِلَى دارورد قَرْيَة بخراسان، وَيزِيد هُوَ ابْن الْهَاد الْمَذْكُور، وَأَرَادَ بِهَذَا أَن ابْن أبي حَازِم والدراوردي رويا هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد اللَّيْث، فَذكر آل إِبْرَاهِيم كَمَا ذكرهَا أَبُو صَالح عَن اللَّيْث. ١١ - (بابُ قَوْلُهُ: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ (الْأَحْزَاب: ٩٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى﴾ أَي: لَا تُؤْذُوا مُحَمَّدًا كَمَا آذَى بَنو: إِسْرَائِيل مُوسَى، وَالَّذِي آذوه بِهِ هُوَ قَوْلهم إِنَّه آدر، وَهُوَ الْعَظِيم الخصيتين، وَقيل: قَوْلهم: أَنه قتل هَارُون وَقيل: إِنَّهُم رَمَوْهُ بِالسحرِ وَالْجُنُون. ٩٩٧٤ - حدَّثني إسْحاقُ بن إبْرَاهِيمَ أخْبرنا رَوْحُ بنُ عُبادَةَ حدّثنا عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ ومُحَمَّد وخِلَاسٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ مُوسَى كانَ رَجُلاً حَيِيًّا وذالِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ فَبَرَّأْهُ الله ممَّا قالُوا: ﴿وكانَ عِنْدَ الله وجيهاً﴾ . (انْظُر الحَدِيث ٨٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعَوْف هُوَ الْمَعْرُوف بالأعرابي، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمُحَمّد بن سِيرِين، وخلاس، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام وبالسين الْمُهْملَة: ابْن عَمْرو الهجري، بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم وبالراء. والْحَدِيث مضى مطولا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈، فِي قصَّة مُوسَى مَعَ بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (حيياً) ، على وزن فعيل من الْحَيَاة، وَكَانَ لَا يغْتَسل إلَاّ فِي الْخلْوَة فاتهموه بِأَنَّهُ أدر وآذوه بذلك فبرأه الله مِمَّا قَالُوا حَيْثُ أَخذ الْحجر ثَوْبه وَذهب بِهِ إِلَى ملاء بني إِسْرَائِيل، وَاتبعهُ مُوسَى عُريَانا فرأوه لَا عيب فِيهِ، عَلَيْهِ صلوَات الله وَسَلَامه. قَوْله: (وجيهاً) ، أَي: كَرِيمًا مَقْبُولًا ذَا جاه. ٤٣ - (سورَة سَبَأ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة سبأ. قَالَ مقَاتل، مَكِّيَّة غير آيَة وَاحِدَة: ﴿وَيرى الَّذين آتوا الْعلم الَّذِي أنزل﴾ (سبإ: ٦) . وَهِي أَرْبَعَة آلَاف وَخَمْسمِائة واثني عشر حرفا، وَثَمَانمِائَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وَخمْس وَخَمْسُونَ آيَة. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث فَرْوَة بن مسيك الْمرَادِي، قَالَ: أتيت رَسُول الله ﷺ ، فَذكر حَدِيثا فِيهِ، فَقَالَ رجل: وَمَا سبأ أَرض أم امْرَأَة؟ قَالَ: لَيْسَ بِأَرْض وَلَا امْرَأَة، وَلكنه رجل ولد عشرَة من الْعَرَب فتيامن مِنْهُم سِتَّة وتشاءم مِنْهُم أَرْبَعَة، فَأَما

стр. 5702

الَّذين تشاءموا: فلخم وجذام وغسان وعاملة، وَأما الَّذين تيامنوا: فالأزد والأشعرون وحمير وكنده ومذحج وأنمار. فَقَالَ الرجل: وَمَا أَنْمَار؟ قَالَ: الَّذين مِنْهُم خثعم وبجيلة، وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: سبأ اسْمه عبد شمس بن يشخب بن يعرب بن قحطان من يقظان بن عَامر وَهُوَ هود بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇، وَهُوَ أول من سبى من الْعَرَب فلقب بذلك، وَفِي: (أدب الْخَواص) : هَذَا اشتقاق غير صَحِيح لِأَن سبأ مَهْمُوز، والسبي غير مَهْمُوز، وَالصَّوَاب: أَن يكون من سبأت النَّار الْجلد، أَي: أحرقته، وَمن سبأ الْحمر إِذا اشْتَرَيْتهَا. وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء: لَو كَانَ الْأَمر كَمَا يَقُولُونَ لوَجَبَ أَن لَا يهمز وَلَا يمْتَنع أَن يكون أصل السَّبي الْهمزَة إِلَّا أَنهم فرقوا بَين سبيت الْمَرْأَة وسبأت الْحمر، وَالْأَصْل وَاحِد، وَفِي (التيجان) : وَهُوَ أول متوج وَبنى السد الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن، وَهُوَ سد فِيهِ سَبْعُونَ نَهرا، وَنقل إِلَيْهِ الشّجر مسيرَة ثَلَاثَة أشهر فِي ثَلَاثَة أشهر وَبلغ من الْعُمر خَمْسمِائَة سنة. (بِسم الله الرحمان الرَّحِيم) لم تثبت الْبَسْمَلَة وَلَفظ السُّورَة إلَاّ لأبي ذَر، وَسميت هَذِه السُّورَة سبأ لقَوْله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لسبإ فِي مسكنهم﴾ (سبإ: ٥١) . مُعاجزِين مُسابقين. بِمُعْجِزِينَ بفَائِتِينَ. مُعاجِزِينَ مُغالِبِينَ: مُعاجِزِيَّ مُسابِقِيَّ سبقوا فاتوا لَا يُعْجِزُونَ لَا يَفُوتُونَ: يَسْبِقُونا يُعْجِزُونا. وقوْلُهُ بِمُعْجِزِ بنَ بِفائِتِينَ ومَعْنَى مُعاجِزِينَ مُغالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ منْهُما أنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صاحبِهِ. وَفِي بعض النّسخ يُقَال: معاجزين، وَأَشَارَ بقوله: معاجزين إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين سعوا فِي آيَاتنَا معاجزين﴾ (سبإ: ٥) وَفَسرهُ بقوله: (مسابقين) وَفِي التَّفْسِير: معاجزين مسابقين يحسبون أَنهم يفوتوننا، وَعَن ابْن زيد: جاهدين، وَفِي هَذِه اللَّفْظَة قراءتان: إِحْدَاهمَا: معاجزين، وَهِي قِرَاءَة الْأَكْثَرين فِي موضِعين من هَذِه السُّورَة وَفِي الْحَج. وَالْأُخْرَى: قِرَاءَة ابْن كثير وَأبي عَمْرو: معجزين، بِالتَّشْدِيدِ ومعناهما وَاحِد، وَقيل: معنى معاجزين معاندين ومغالبين، وَمعنى: معجزين ناسبين غَيرهم إِلَى الْعَجز. قَوْله: (بمعجزين) إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة العنكبوت. ﴿وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ (العنكبوت: ٢٢) . وَفَسرهُ بقوله: (بفائتين) . وَقد أخرج ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن الزبير نَحوه. قَوْله: (معاجزي: مسابقي) ، لم يثبت فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة. قَوْله: (معاجزين مغالبين) ، كَذَا وَقع مكرراً فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده وَلم يُوجد فِي رِوَايَة البَاقِينَ. قَوْله: (سبقوا: فَأتوا لَا يعجزون لَا يفوتون) إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْفَال: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين كفرُوا سبقوا﴾ (الْأَنْفَال: ٩٥) وَفَسرهُ بقوله: (فَأتوا إِنَّهُم لَا يعجزون) ، أَي: لَا يفوتون. قَوْله: (يسبقونا) إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسب الَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات أَن يسبقونا﴾ (العنكبوت: ٤) وَفَسرهُ بقوله: (يعجزونا) ، أَي: أَن يعجزونا. قَوْله: (وَقَوله بمعجزين مُكَرر) ، وَفَسرهُ بقوله: (بفائتين) ، قَوْله: (وَمعنى: معاجزين) إِلَى آخِره. أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معاجزين من بَاب المفاعلة وَهُوَ يَسْتَدْعِي الْمُشَاركَة بَين إثنين. مِعْشَارٌ: عَشْرٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿وَمَا بلغُوا معشار مَا آتَيْنَاهُم﴾ (سبإ: ٥٤) وَفسّر بقوله: (عشر) أَي: مَا بلغُوا عشر مَا أعطيناهم، وَقَالَ الْفراء: الْمَعْنى: وَمَا بلغ أهل مَكَّة معشار الَّذين أهلكناهم من قبلهم من الْقُوَّة والجسم وَالْولد وَالْعدَد. الأكُلُ: الثَّمَرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذواتي أكل خمط أثل﴾ (سبإ: ٦١) وَفسّر (الْأكل بالثمر) ، أَرَادَ أَن الْأكل الجني بِفَتْح الْجِيم بِمَعْنى الثَّمَرَة، وَفِي التَّفْسِير: الْأكل الثَّمر والخمط الْأَرَاك، قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَقيل: هُوَ كل شجر ذَات شوك. وَقيل: شَجَرَة العضاه، والأثل الطرفاء، قَالَه ابْن عَبَّاس. باعِدْ وبَعِّدْ واحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا رَبنَا باعد بَين أسفارنا﴾ (سبإ: ٩١) ، وَقَالَ: إِن معنى باعد وَبعد وَاحِد، وباعد قِرَاءَة الْأَكْثَرين، وَبعد بِالتَّشْدِيدِ قِرَاءَة أبي عَمْرو وَابْن كثير. وَقَالَ مجاهِدٌ لَا يَعْزُبُ لَا يَغِيبُ

стр. 5703

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض﴾ (سبإ: ٣) . وَفسّر: (لَا يعزب) بقوله (لَا يغيب) ، وروى هَذَا التَّعْلِيق أَبُو مُحَمَّد الْحَنْظَلِي عَن أبي سعيد الْأَشَج: حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي يحيى عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس: لَا يعزب لَا يغيب عَن رَبك. العَرِمُ السَّدُّ ماءٌ أحْمَرُ أرْسَلَهُ الله فِي السُّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الوَادِي فَارْتَفَعَتَا عَنِ الجَنْتَيْن وغابَ عَنْهُما الماءُ فَيَبِسَتا وَلَمْ يَكُنْ الماءُ الأحْمَرُ مِنَ السُّدَّ ولاكِنْ كانَ عَذَاباً أرْسَلَهُ الله عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شاءَ: وَقَالَ عَمْرُو بنُ شَرْحَبِيلَ. العرِمُ المُسَنَّاة بِلَحْنِ أهْلِ اليَمَنِ: وَقَالَ غَيْرُهُ العَرِمُ الوَادِي. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فأعرضوا فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم﴾ (سبإ: ٦١) . وَفسّر: (العرم) بقوله: (السد) إِلَى آخِره، صَاحب (التَّلْوِيح) : هَل وَجَدْنَاهُ مَنْقُولًا عَن مُجَاهِد؟ قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا حجاج بن حَمْزَة أخبرنَا أخبرنَا شَبابَة أخبرنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَذكره، فَلَا أَدْرِي أهوَ من قَول البُخَارِيّ أَو هُوَ مَعْطُوف على مَا علقه عَن مُجَاهِد قبل؟ وَالله أعلم. وبيَّن السُّهيْلي أَنه من كَلَام البُخَارِيّ لَا من كَلَام غَيره. قلت: رِوَايَة ابْن أبي حَاتِم توضح أَنه من قَول مُجَاهِد لِأَن البُخَارِيّ مَسْبُوق بِهِ، فَافْهَم. وَالله أعلم. (والسد) بِضَم السِّين وَتَشْديد الدَّال، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ الشَّديد، بالشين الْمُعْجَمَة على وزن عَظِيم. قَوْله: (فشقه) ، من الشق بالشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَذكر عِيَاض أَن فِي رِوَايَة أبي ذَر: فبثقه، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة، قَالَ: وَهُوَ الْوَجْه، تَقول: بثقت النَّهر إِذا كَسرته لتصرفه عَن مجْرَاه. قَوْله: (فارتفعتا عَن الجنتين) ، كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: ارْتَفَعت الجنتان عَن المَاء وَلَكِن المُرَاد من الِارْتفَاع الانتفاء، والزوال يَعْنِي ارْتَفع إسم الْجنَّة عَنْهُمَا فتقديره: ارْتَفَعت الجنتان عَن كَونهمَا جنَّة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَتَسْمِيَة الْبَدَل جنتين على سَبِيل المشاكلة، هَذَا كُله فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فارتفعت على الجنتين، بِفَتْح الْجِيم وَالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ النُّون قَوْله: (وَلم يكن المَاء الْأَحْمَر من السد) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي من السَّيْل، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: من السُّيُول. قَوْله: (وَقَالَ عَمْرو بن شُرَحْبِيل) ، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وباللام: الْهَمدَانِي الْكُوفِي، يكنى أَبَا ميسرَة. قَوْله: (المسناة) ، بِضَم الْمِيم وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون، كَذَا هُوَ مضبوط فِي أَكثر الرِّوَايَات وَكَذَا هُوَ فِي أَكثر كتب أهل اللُّغَة، وَضبط فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون السِّين وَتَخْفِيف النُّون، وَقَالَ ابْن التِّين: معنى المسناة مَا يبْنى فِي عرض الْوَادي ليرتفع السَّيْل وَيفِيض على الأَرْض، قَالَ: إِنَّهَا عِنْد أهل الْعرَاق كالزريبة تبنى على سيف الْبَحْر ليمنع المَاء. قَوْله: (بلحن أهل الْيمن) ، أَي: بلغَة أهل الْيمن، وَهَذَا أسْندهُ عبد بن حميد عَن يحيى بن عبد الحميد عَن شريك عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ، وَقَالَ بِلِسَان الْيمن بدل بلحن. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: غير عَمْرو بن شُرَحْبِيل (العرم الْوَادي) ، وَهُوَ قَول عَطاء، وَقيل: هُوَ إسم الجرد الَّذِي أرسل إِلَيْهِم (وَحرب السد) وَقيل: هُوَ المَاء، وَقيل: الْمَطَر الْكثير، وَقيل: إِنَّه صفة السَّيْل من العرامة وَهُوَ ذَهَابه كل مَذْهَب، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَفِي كتاب: (مفايض الْجَوَاهِر) : قَالَ ابْن شربة: فِي زمن إِيَاس بن رحيعم بن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉، بعث الله رجلا من الأزد يُقَال لَهُ عَمْرو بن الْحجر وَآخر يُقَال لَهُ حَنْظَلَة بن صَفْوَان، وَفِي زَمَنه كَانَ خراب السد، وَذَلِكَ أَن الرُّسُل دعت أَهله إِلَى الله فَقَالُوا: مَا نَعْرِف لله علينا من نعْمَة، فَإِن كُنْتُم صَادِقين فَادعوا الله علينا وعَلى سدنا، فدعوا عَلَيْهِم، فَأرْسل الله عَلَيْهِم مَطَرا جردا أَحْمَر كَأَن فِيهِ النَّار أَمَامه فَارس، فَلَمَّا خالط الْفَارِس السد انْهَدم وَدفن بُيُوتهم الرمل وَفرقُوا ومزقوا حَتَّى صَارُوا مثلا عِنْد الْعَرَب، فَقَالَت: تفَرقُوا أَيدي سبأ، وأيادي سبأ. السَّابِغاتُ الدُّرُوعُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وأالنَّاله الحديدان اعْمَلْ سابغات﴾ (سبإ: ١١) وفسرها (بالدروع) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَادُوا: وَاسِعَة طَوِيلَة.

стр. 5704

وَفِي التَّفْسِير: دروعا كوامل واسعات وَأَن دَاوُد، ﵊، أول من عَملهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُجَازِي: يُعاقِبُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهل نجازي إلَاّ الكفور﴾ (سبأ: ٧١) وَفسّر: (يجازي) بقوله: (يُعَاقب) وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ. أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ بِطَاعَةِ الله مَثْنَى وَفُرَادَى وَاحِدا وَاثْنَيْنِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا أعظكم بِوَاحِدَة إِن تقوموا لله مثنى وفرادى﴾ (سبأ: ٦٤) الْآيَة. وَفِي التَّفْسِير: أعظكم أَي: آمركُم وأوصيكم، بِوَاحِدَة أَي: بخصلة وَاحِدَة وَهِي أَن تقوموا لله، وَأَن فِي مَحل الْخَفْض على الْبَيَان من وَاحِدَة، والترجمة عَنْهَا مثنى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ متناظرين، وفرادى وَاحِدًا وَاحِدًا متفكرين، والتفكر طلب الْمَعْنى بِالْقَلْبِ، وَقيل: معنى وفرادى أَي: جمَاعَة ووحدانا، وَقيل: مناظرا مَعَ غَيره ومتفكرا فِي نَفسه. قَوْله: (وَاحِدًا أَو اثْنَيْنِ) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: معنى مثنى وفرادى مُكَرر، فَلم ذكره مرّة وَاحِدَة؟ قلت: المُرَاد التّكْرَار ولشهرته اكْتفى بِوَاحِد مِنْهُ. التنَّاوُش الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إلَى الدُّنْيَا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا آمنا بِهِ وأتى لَهُم التناوش من مَكَان بعيد﴾ (سبأ: ٢٥) وَفَسرهُ بقوله: (الرَّد من الْآخِرَة إِلَى الدُّنْيَا) وَعَن ابْن عَبَّاس: يتمنون الرَّد وَلَيْسَ بِحِين رد. وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ مَالٍ أوْ وَلَدٍ أوْ زَهْرَةٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وحيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون﴾ (سبأ: ٤٥) وَهَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد، وَقَالَ الْحسن: وحيل بَينهم وَبَين الْإِيمَان لما رَأَوْا الْعَذَاب، وَفِي التَّفْسِير: وَبَين مَا يشتهون الْإِيمَان وَالتَّوْبَة فِي وَقت الْيَأْس قَوْله: (أَو زهرَة) أَي: زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا ونضارتها وحسنها. بأشْياعِهِمْ: بأمْثَالِهِمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَا فعل بأشياعهم﴾ (سبأ: ٤٥) وَفَسرهُ: بأمثالهم، وأشياعهم أهل دينهم وموافقيهم من الْأُمَم الْمَاضِيَة حِين لم يقبل مِنْهُم الْإِيمَان وَالتَّوْبَة فِي وَقت الْيَأْس. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَالجَوَابِ: كَالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿وجفان كالجواب﴾ (سبأ: ٣١) وفسرها بقوله: (كالجوبة من الأَرْض) وَأسْندَ هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن أبي صَالح عَن مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ مُجَاهِد: الْجَواب حِيَاض الْإِبِل، وَأَصله فِي اللُّغَة من الْجَابِيَة وَهِي الْحَوْض الَّذِي يَجِيء فِيهِ الشَّيْء أَي يجمع، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ يجْتَمع على كل جَفْنَة وَاحِدَة ألف رجل، والجفان جمع جَفْنَة وَهِي الْقَصعَة، وَالْجَوَاب جمع جابية كَمَا مر. الخَمْطُ الأرَاكُ وَالأثْلُ: الطَّرْفَاءُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذواتي أكل وخمط واثل وشى من سدر قَلِيل﴾ (سبأ: ٦١) وَفسّر الخمط بالأراك وَهُوَ الشّجر الَّذِي يسْتَعْمل مِنْهُ المساويك، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالضَّحَّاك، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الخمط كل شَجَرَة فِيهَا مرَارَة ذَات شوك، وَقَالَ ابْن فَارس: كل شجر لَا شوك لَهُ. العَرمُ: الشَّدِيدُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سيل العرم﴾ (سبأ: ٦١) وَفَسرهُ بالشديد، وَقد مر فِيمَا مضى. ١ - (بابٌ: ﴿حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقِّ وَهُوَ العَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبأ: ٣٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : (حَتَّى إِذا فزع) الْآيَة، وأولها: ﴿وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إلَاّ لمن أذن لَهُ﴾ أَي: لَا تَنْفَع شَفَاعَة ملك وَلَا نَبِي حَتَّى يُؤذن لَهُ فِي الشَّفَاعَة، وَفِيه رد على الْكفَّار فِي قَوْلهم: أَن الْآلهَة شُفَعَاء قَوْله: (حَتَّى إِذا فزع) أَي: كشف الْفَزع وَأخرج من قُلُوبهم، وَاخْتلف فِيمَن هم، فَقيل: الْمَلَائِكَة تفزع قُلُوبهم من غشية تصيبهم عِنْد سماعهم كَلَام الله تَعَالَى فَيَقُول بَعضهم لبَعض: مَاذَا قَالَ ربكُم؟ قَالُوا: الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير، وَقيل: الْمُشْركُونَ فَالْمَعْنى إِذا كشف الْفَزع عَن قُلُوبهم عِنْد الْمَوْت قَالَت لَهُم الْمَلَائِكَة: مَاذَا قَالَ ربكُم؟ قَالُوا الْحق. فأقروا بِهِ حِين لَا يَنْفَعهُمْ الْإِقْرَار، وَبِه قَالَ الْحسن.

стр. 5705

٠٠٨٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا عَمْرٌ وقَالَ سَمِعْتُ عِكْرَمَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إنَّ نَبِيَ الله ﷺ قَالَ إذَا قَضَى الله الأمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الملائِكَةُ بأجْنِحَتِها خَضَعانا لِقَوْلِهِ كأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (سبأ: ٣٢) قَالُوا لِلَّذِي قَالَ الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هاكذا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَقَها وَبَدَّدَ بَيْنَ أصَابِعِهِ فَيَسْمَعُ الكَلِمَةُ فَيُلْقِيها إلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يَلْقِيهَا الآخَرُ إلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيها عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أوْ الكاهِنِ فَرُبَّما أدْرَكَهُ الشَّهابُ قَبْلَ أنْ يُلْقِيها وَرُبَّمَا ألْقَاهَا قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُ فَيُكَذِّبُ مَعَهَا مَائَةِ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ ألَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذا وَكَذا وَكَذا؟ فَيُصَدِّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى ونسبته إِلَى أحد أجداده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي تَفْسِير سُورَة الْحجر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (إِذا قضى الله الْأَمر) ، وَفِي حَدِيث النواس بن سمْعَان عِنْد الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا إِذا تكلم الله بِالْوَحْي أخذت السَّمَاء رَجْفَة شَدِيدَة من خوف الله فَإِذا سمع بذلك أهل السَّمَاء صعقوا وخروا سجدا فَيكون أَوَّلهمْ يرفع رَأسه جِبْرِيل، ﵊، فيكلمه الله بوحيه بِمَا أَرَادَ فينتهي بِهِ على الْمَلَائِكَة كلما مر بسماء سَأَلَهُ أَهلهَا مَاذَا قَالَ رَبنَا قَالَ: الْحق فينتهي بِهِ حَيْثُ أَمر قَوْله: (خضعانا) بِفتْحَتَيْنِ ويروى بِضَم أَوله وَسُكُون ثَانِيه، وَهُوَ مصدر بِمَعْنى خاضعين. قَوْله: (كَأَنَّهُ) أَي: القَوْل المسموع. قَوْله: (فيسمعها مسترق السّمع) ويروى: مسترقو السّمع. قَوْله: (وَوصف) ، سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (وبدد) ، أَي: فرق من التبديد. قَوْله: (على لِسَان السَّاحر) ، وَفِي رِوَايَة الْجِرْجَانِيّ: على لِسَان الآخر. قيل: هُوَ تَصْحِيف. قَوْله: (أَو الكاهن) ويروى، والكاهن، بِالْوَاو. قَوْله: (سمع من السَّمَاء) ويروى: سَمِعت، وَهُوَ الظَّاهِر. ٢ - (بَابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إنْ هُوَ إلَاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ: ٦٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هُوَ﴾ أَي: مَا هُوَ، أَي: مُحَمَّد، ﷺ ، (إِلَّا نَذِير لكم) أَي: مخوف (بَين يَدي عَذَاب شَدِيد) يَوْم الْقِيَامَة. ١٠٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ خَازِمٍ حدَّثنا الأعْمَشُ عَنْ عَمْرو بنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ صَعِدَ النبيُّ ﷺ الصفَّا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ يَا صبَاحاهْ فَاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٍ قَالُوا مَالَكَ قَالَ أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أوْ يُمَسِّيكُمْ أمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَإنِّي ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ فَقَالَ أبُو لَهَبٍ تَبا لَكَ ألِهاذا جَمَعْتَنَا؟ فَأنْزَلَ الله ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ (المسد: ١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَعَمْرو بن مرّة بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، والْحَدِيث قد مر فِي سُورَة الشُّعَرَاء، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يَا صَبَاحَاه) هَذِه الْكَلِمَة شعار الْغَارة إِذْ كَانَ الْغَالِب مِنْهَا فِي الصَّباح. ٥٣ - (سُورَةُ: ﴿المَلائِكَةِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْمَلَائِكَة، وَهِي مَكِّيَّة نزلت قبل سُورَة مَرْيَم وَبعد سُورَة الْفرْقَان، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَة وَثَلَاثُونَ حرفا وَسَبْعمائة وَسَبْعُونَ كلمة وست وَأَرْبَعُونَ آيَة. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم

стр. 5706

لم تثبت الْبَسْمَلَة وَلَفظ سُورَة إلَاّ لأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر أَيْضا: كَذَا سُورَة الْمَلَائِكَة وَيس، وَلم يثبت لغيره هَذَا أَعنِي لفظ: وَيس، وَالصَّوَاب سُقُوطه لِأَنَّهُ مُكَرر. القِطْمِيرُ: لفَافَةُ النَّوَاةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين تدعون من دونه مَا يملكُونَ من قطمير﴾ (فاطر: ٣١) الْآيَة. وَفَسرهُ بقوله: (لفافة النواة) بِكَسْر اللَّام، وَهِي: القشر الَّذِي على النواة، وَمِنْه: لفافة الرجل، ويروى: وَقَالَ مُجَاهِد: القطمير لفافة النواة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن الْحُسَيْن بن حسن: نَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْهَرَوِيّ نَا حجاج عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: القطمير القشر الَّذِي يكون على النواة. مَثْقَلَة مُثَقلَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تدع مثقلة إِلَى حملهَا لَا يحمل مِنْهُ شَيْء﴾ (فاطر: ٨١) وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَهُوَ قَول مُجَاهِد، ومثقلة الأولى بِالتَّخْفِيفِ من الإثقال، وَالثَّانيَِة بِالتَّشْدِيدِ من التثقيل، أَي: مثقلة بذنوبها. وَقَالَ غَيْرُهُ: الحَرُورُ بِالنَّهارِ مَعَ الشَّمْسِ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور وَلَا الظل وَلَا الحرور﴾ (فاطر: ٩١، ١٢) وَقَالَ: (الحرور بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس) وَفِي التَّفْسِير: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير) (فاطر: ٩١) يَعْنِي: الْعَالم وَالْجَاهِل، وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور يَعْنِي: الْكفْر وَالْإِيمَان، وَلَا الظل وَلَا الحرور يَعْنِي: الْجنَّة وَالنَّار، والحرور بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس، وَقيل: الحرور الرّيح الحارة بِاللَّيْلِ، والسموم بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْس. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الحَرْورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهارِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير الحرور مَا ذكره وَلم يثبت هَذَا لأبي ذَر. وَغَرَابِيبْ سُودٌ أشَدُّ سَوَادا: العِرْبيبُ الشَّدِيدُ السَّوَادِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء﴾ إِلَى قَوْله: (وغرابيب سود) ، (فاطر: ٧٢) الْآيَة. وَقَالَ الْفراء: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، تَقْدِيره: وسود غرابيب، وَأَشَارَ بقوله: الغرابيب إِلَى أَن غرابيب جمع غربيب وَهُوَ شَدِيد السوَاد شَبِيها بلون الْغُرَاب. ٦٣ - (سُورَةُ: ﴿ي س﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ي س وَلم يثبت هَذَا هُنَا لأبي ذَر، وَقد مر أَن فِي رِوَايَته سُورَة الْمَلَائِكَة وي س، وَالصَّوَاب إثْبَاته هَاهُنَا. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة بِلَا خلاف نزلت قبل سُورَة الْفرْقَان وَبعد سُورَة الْجِنّ، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف حرف، وَسَبْعمائة وتسع وَعِشْرُونَ كلمة، وَثَلَاث وَثَمَانُونَ آيَة. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر خَاصَّة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَعزَّرْنا: شَدَدْنا أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله: (فعززنا بثالث) ، (ي س: ٤١) أَي: شددنا، وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم عَن حجاج بن حَمْزَة. حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَلَفظه فِي تَفْسِير عبد بن حميد شددنا بثالث، وَكَانَت رسل عِيسَى، ﵇، الَّذين أرسلهم إِلَى صَاحب أنطاكية ثَلَاثَة، صَادِق وصدوق وشلوم، وَالثَّالِث هُوَ شلوم، وَقيل: الثَّالِث شَمْعُون. يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ كَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسَلِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا حسرة على الْعباد يَأْتِيهم رَسُول إلَاّ كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ (ي س: ٠٣) وَفسّر الْحَسْرَة بقوله: (استهزآؤهم بالرسل) فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة لما عاينوا الْعَذَاب، قَالُوا: يَا حسرة على الْعباد، يَعْنِي: الرُّسُل الثَّلَاثَة حِين لم يُؤمنُوا بهم وآمنوا حِين لم يَنْفَعهُمْ الْإِيمَان. أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ لَا يَسْتُرُضَوْءُ أحَدِهِمَا ضَوْءً الآخَرِ وَلا يَنْبَغِي لَهُمَا ذالِكَ سَابِقُ النَّهَارِ يَتَطالَبان حَثيثيْنِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار وكل فِي فلك يسبحون) ، (ي س: ٠٤) وَفسّر: أَن تدْرك

стр. 5707

الْقَمَر، بقوله: لَا يستر ضوء أَحدهمَا ضوء الآخر. قَوْله: وَلَا يَنْبَغِي لَهما ذَلِك أَي: ستر أَحدهمَا الآخر لِأَن لكل مِنْهُمَا حدا لَا يعدوه وَلَا يقصر دونه فَإِذا اجْتمعَا وَأدْركَ كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه. قَامَت الْقِيَامَة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجمع الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ قَوْله: سَابق النَّهَار أَي: وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار. قَوْله: يتطالبان أَي: الشَّمْس وَالْقَمَر كل مِنْهُمَا يطْلب صَاحبه حثيثين، أَي: حَال كَونهمَا حثيثين. أَي: مجدين فِي الطّلب فَلَا يَجْتَمِعَانِ إلَاّ فِي الْوَقْت الَّذِي حَده الله لَهما وَهُوَ يَوْم قيام السَّاعَة. نَسْلَخُ نُخْرِجُ أحَدَهُما مِن الآخَرِ وَيَجْرِي كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار فَإِذا هم مظلمون﴾ وَفسّر قَوْله: (نسلخ) بقوله: (يخرج أَحدهمَا من الآخر) وَفِي التَّفْسِير: تنْزع وَتخرج مِنْهُ النَّهَار، وَهَذَا وَمَا قبله من قَوْله: (أَن تدْرك الْقَمَر) لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. مِنْ مِثْلِهِ مِنَ الأنْعَامِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿وخلقنا لَهُم من مثله مَا يركبون﴾ (ي س: ٢٤) أَي: من مثل الْفلك من الْأَنْعَام مَا يركبون، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْإِبِل سفن الْبر، وَعَن أبي مَالك وَهِي السفن الصغار. فَكِهُونَ: مُعْجَبُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن أَصْحَاب الْجنَّة الْيَوْم فِي شغل فاكهون﴾ (ي س: ٥٥) وَفَسرهُ: بقوله: (معجبون) هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: فاكهون، وَهِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، وَقَالَ الْكسَائي: الْفَاكِه ذُو الْفَاكِه ذُو الْفَاكِهَة مثل تامر وَلابْن، وَعَن السّديّ: ناعمون، وَعَن ابْن عَبَّاس: فَرِحُونَ. جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الحِسابِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسطيعون نَصرهم وهم لَهُم جند محضرون﴾ (ي س: ٥٧) يَعْنِي: الْكفَّار والجند الشِّيعَة والأعوان محضرون كلهم عِنْد الْحساب فَلَا يدْفع بَعضهم عَن بعض، وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرَمَةَ: المَسْجُونِ: المُوقَرُ أَي: وَيذكر عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي الْفلك المشحون﴾ (ي س: ١٤) أَن مَعْنَاهُ: الموقر، وَفِي التَّفْسِير: المشحون الموقر المملوء أَيْضا. وَهِي سفينة نوح ﵇، حمل الْآبَاء فِي السَّفِينَة وَالْأَبْنَاء فِي الأصلاب، وَهَذَا لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَائِرُكُمْ مَصَائِبُكُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا طائركم مَعكُمْ﴾ (ي س: ٩١) وَفَسرهُ بقوله: (مصائبكم) وَعَن قَتَادَة: أَعمالكُم، وَقَالَ الْحسن والأعرج: طيركم. يَنسِلُونَ: يَخْرُجُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنفخ فِي الصُّور فَإِذا هم من الأجداث إِلَى رَبهم يَنْسلونَ﴾ (ي س: ١٥) وَفَسرهُ بقوله: (يخرجُون) وَمِنْه قيل للْوَلَد: تسيل لِأَنَّهُ يخرج من بطن أمه. مَرْقدِنا مَخْرَجِنا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا هَذَا﴾ (ي س: ٢٥) الْآيَة. وَفسّر المرقد بالمخرج، وَفِي التَّفْسِير: أَي: من منامنا، وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي بن كَعْب وَقَتَادَة: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَن الله تَعَالَى رفع عَنْهُم الْعَذَاب فِيمَا بَين النفختين فيرقدون، وَقيل: أَن الْكفَّار لما عاينوا جَهَنَّم وأنواع عَذَابهَا صَار مَا عذبُوا بِهِ فِي الْقُبُور فِي جنبها كالنوم فَقَالُوا: يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا. أحْصَيْنَاهُ: حَفِظْناهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكل شَيْء أحصيناه فِي إِمَام مُبين﴾ (ي س: ٢١) وَفسّر (أحصيناه) بقوله: (حفظناه) وَفِي التَّفْسِير: أَي: علمناه وعددناه وثبتناه فِي إِمَام مُبين أَي: فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانَهُمْ وَاحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو نشَاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ (ي س: ٧٦) وَقَالَ: إِن المكانة وَالْمَكَان بِمَعْنى وَاحِد، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق

стр. 5708

الْعَوْفِيّ: يَقُول لأهلكناهم فِي مساكنهم. ١ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقرٍ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ (ي س: ٨٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي﴾ الْآيَة. قَوْله: (ولمستقر) أَي: إِلَى مُسْتَقر لَهَا وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا تبلغ مستقرها حَتَّى ترجع إِلَى منازلها، وَقيل: إِلَى انْتِهَاء أمرهَا عِنْد انْقِضَاء الدُّنْيَا، وَعَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ : مستقرها تَحت الْعَرْش. قَوْله: (ذَلِك) أَي: مَا ذكر من أَمر اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس تَقْدِير الْعَزِيز فِي ملكه الْعَلِيم بِمَا قدر من أمرهَا. ٢٠٨٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا الأعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي ذَرّ ﵁ قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ يَا أبَا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ قُلْتُ الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ قَالَ فَإنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لَهَا ذالِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم بِالضَّمِّ الْفضل بن دُكَيْن، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن شريك التَّيْمِيّ الْكُوفِي، يروي عَن أَبِيه يزِيد عَن أبي ذَر جُنْدُب الْغِفَارِيّ، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع مِنْهَا فِي بَدْء الْخلق، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٣٠٨٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا وَكِيعٌ حدَّثنا الأعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قَالَ سَألْتُ النبيِّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقِرٍ لَهَا﴾ قَالَ مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن الْحميدِي عَن عبد الله عَن وَكِيع بن الْجراح إِلَى آخِره، غير أَن فِي الرِّوَايَة الأولى استفهمه النَّبِي، ﷺ ، بقوله: أَتَدْرِي، وَهنا أَبُو ذَر سَأَلَهُ عَن ذَلِك، وَفِي الأول إِخْبَار عَن سجودها تَحت الْعَرْش وَلَا يُنكر ذَلِك عِنْد محاذاتها للعرش فِي مسيرها وَقد ورد الْقُرْآن بسجود الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم. فَإِن قلت: قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِي عين حمئه﴾ (الْكَهْف: ٦٨) بَينهمَا تخَالف. قلت: لَا تخَالف فِيهِ لِأَن الْمَذْكُور فِي الْآيَة إِنَّمَا هُوَ نِهَايَة مدرك الْبَصَر إِيَّاهَا حَال الْغُرُوب ومصيرها تَحت الْعَرْش للسُّجُود إِنَّمَا هُوَ بعد الْغُرُوب، وَلَيْسَ معنى فِي عين حمئه سُقُوطهَا فِيهَا وَإِنَّمَا هُوَ خبر عَن الْغَايَة الَّتِي بلغَهَا ذُو القرنين فِي مسيره حَتَّى لم يجد وَرَاءَهَا مسلكا لَهَا فَوْقهَا أَو على سعتها كَمَا يرى غُرُوبهَا من كَانَ فِي لجة الْبَحْر لَا يبصر السَّاحِل كَأَنَّهَا تغرب فِي الْبَحْر وَهِي فِي الْحَقِيقَة تغرب وَرَاءَهَا وَالله أعلم. ٧٣ - (سُورَةُ: ﴿وَالصَّافَاتِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿وَالصَّافَّات﴾ وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ سُورَة: وَهِي مَكِّيَّة بالِاتِّفَاقِ إلاّ مَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن زَيْدَانَ. قَوْله: ﴿قَالَ قَائِل مِنْهُم إِنِّي كَانَ لي قرين﴾ (الصافات: ١٥) إِلَى آخر هَذِه الْقِصَّة، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَسِتَّة وَعِشْرُونَ حرفا، وَثَمَانمِائَة وَسِتُّونَ كلمة وَمِائَة وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ آيَة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثبتَتْ الْبَسْمَلَة هُنَا عِنْد الْكل. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كلِّ جَانِبٍ يُرْمَوْنَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ويقذفون من كل جَانب دحورا﴾ (الصافات: ٨) وَفسّر: (يقذفون) بقوله: (يرْمونَ) وَفِي التَّفْسِير: يرْمونَ ويطردون من كل جَانب من حميع جَوَانِب السَّمَاء أَي جِهَة صعدوا للاستراق. قَوْله: (دحورا) ، أَي: طردا مفعلو لَهُ أَي: يطردون للدحور، وَيجوز أَن يكون حَالا. أَي: مدحورين، وَهَذَا إِلَى قَوْله: (لازب لَازم) يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَاصبٌ دَائِمٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم عَذَاب واصب﴾ (الصافات: ٩) وَفَسرهُ بقوله: (دَائِم) نَظِيره قَوْله: ﴿وَله الدّين واصبا﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس شَدِيد

стр. 5709

وَقَالَ الْكَلْبِيّ: مرجع، وَقيل: خَالص. لازِبٌ لازِمٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنا خلقناهم من طين لازب﴾ (الصافات: ١١) وَفَسرهُ بقوله: (لَازم) فِي التَّفْسِير: طين لازب أَي: جيد حر يلصق ويعلق بِالْيَدِ، واللازب بِالْمُوَحَّدَةِ وَاللَّازِم بِالْمِيم بِمَعْنى وَاحِد، وَالْبَاء بدل من الْمِيم كَأَنَّهُ يلْزم الْيَد، وَعَن السّديّ: خَالص، وَعَن مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: منين. تَأْتونَنَا عَنِ اليَمِينِ يَعْنِي الجنَّ الكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلْشيْطانِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّكُم كُنْتُم تأتوننا عَن الْيَمين﴾ (الصافات: ٨٢) وَفَسرهُ بقوله: (الْجِنّ) بِالْجِيم. وَالنُّون الْمُشَدّدَة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا قَول الْأَكْثَرين، ويروى: يَعْنِي الْحق، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْقَاف الْمُشَدّدَة فعلى هَذَا يكون لفظ الْحق تَفْسِير للْيَمِين أَي: كُنْتُم تأتوننا من جِهَة الْحق فتلبسونه علينا. وَقَوله: (الْكفَّار) مُبْتَدأ أَو تَقول خَبره أَي: تَقول الْكفَّار هَذَا القَوْل للشياطين، وَأما رِوَايَة الْجِنّ بِالْجِيم وَالنُّون: فَالْمَعْنى: الْجِنّ الْكفَّار تَقوله للشياطين، وَهَكَذَا أخرجه عبد بن حميد عَن مُجَاهِد فَيكون لفظ: الْكفَّار على هَذَا صفة للجن فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ دقة. غَوْلٌ: وَجَعُ بَطْنٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا فِيهَا غول وَلَا هم عَنْهَا ينزفون﴾ (الصافات: ٧٤) وَفسّر قَوْله: غول بقوله: (وجع بطن) وَهَذَا قَول قَتَادَة، وَعَن الْكَلْبِيّ: لَا فِيهَا إِثْم نَظِيره: (لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم) (الطّور: ٣٢) وَعَن الْحسن: صداع، وَقيل: لَا تذْهب عُقُولهمْ. وَقيل: لَا فِيهَا مَا يكره، وَهَذَا أَيْضا لم يثبت لأبي ذَر. يُنْزَفُونَ: لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا هم عَنْهَا ينزفون﴾ وَفَسرهُ بقوله: لَا تذْهب عُقُولهمْ، هَذَا على قِرَاءَة كسر الزَّاي، وَمن قَرَأَهَا بِفَتْحِهَا فَمَعْنَاه لَا ينفذ شرابهم، وَفِي التَّفْسِير: لَا يَغْلِبهُمْ على عُقُولهمْ وَلَا يسكرون بهَا، يُقَال: نزف الرجل فَهُوَ منزوف ونزيف إِذا سكر وَزَالَ عقله، وأنزف الرجل إِذا فنيت خمره. قَرِينٌ: شَيْطَانٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِل مِنْهُم إِنِّي كَانَ لي قرين﴾ (الصافات: ١٥) وَفَسرهُ بقوله: (شَيْطَان) يَعْنِي: كَانَ لي قرين فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا وَمَا قبله لم يثبت لأبي ذَر. يَهْرَعُونَ: كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فهم على آثَارهم يهرعون﴾ (الصافات: ٧) وَفَسرهُ بقوله: (كَهَيئَةِ الهرولة) أَرَادَ أَنهم يسرعون كالمهرولين، والهرولة الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي. يَزِفُونَ: النَّسَلانُ فِي المَشْيِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يزفون﴾ (الصافات: ٤٩) وَفسّر الزف الَّذِي يدل عَلَيْهِ يزفون، بقوله: (النسلان فِي الْمَشْي) والنسلان بِفتْحَتَيْنِ: الْإِسْرَاع مَعَ تقَارب الخطا، وَهُوَ دون السَّعْي، وَقيل: هُوَ من زفيف النعام وَهُوَ حَال بَين الْمَشْي والطيران. وَقَالَ الضَّحَّاك: يزفون مَعْنَاهُ يسعون، وَقَرَأَ حَمْزَة بِضَم أَوله وهما لُغَتَانِ. وَبَيْنَ الجَنَّةِ نَسَبا. قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَنَاتُ الله وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ، وَقَالَ الله تعَالَى ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجَنَّةُ أنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (الصافات: ٨٥١) سَتَحْضَرُ لِلْحِسابِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا﴾ الْآيَة، وَهَذَا كُله لم يثبت لأبي ذَر، أَي: جعل مشركو مَكَّة بَينه، أَي: بَين الله، وَبَين الْجنَّة أَي: الْمَلَائِكَة وسموهم جنَّة لاجتنابهم عَن الْأَبْصَار، وَقَالُوا الْمَلَائِكَة: بَنَات الله. قَوْله: وأمهاتهم أَي: أُمَّهَات الْمَلَائِكَة بَنَات سروات الْجِنّ أَي: بَنَات خواصهم، والسروات جمع سراة والسراة جمع سري وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة، وَلَا يعرف غَيره. قَوْله: (وَلَقَد علمت الْجنَّة أَنهم) أَي: أَن قائلي هَذَا القَوْل لمحضرون فِي النَّار ويعذبهم وَلَو كَانُوا مناسبين لَهُ أَو شُرَكَاء فِي وجوب الطَّاعَة لما عذبهم. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَنَحْنُ الصَّافُّونَ: المَلائِكَةُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لنَحْنُ الصافون وَإِنَّا لنَحْنُ المسبحون﴾ (الصافات: ٥٦١، ٦٦١) الصافون هم الْمَلَائِكَة. هَذَا أخرجه

стр. 5710

ابْن جرير عَنهُ بِزِيَادَة: صافون نُسَبِّح لَهُ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: لنَحْنُ الصافون فِي الصَّلَاة. صِرَاطِ الجَحَيمِ سَوَاءِ الجَحِيمِ وَوَسَطِ الجَحِيمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم﴾ (الصافات: ٣٢) قَوْله: فَاطلع فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم. وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة بِمَعْنى وَاحِد. وَفِي التَّفْسِير: صِرَاط الْجَحِيم طَرِيق النَّار، والصراط الطَّرِيق، وَلم يثبت هَذَا لأبي ذَر وَالَّذِي قبله أَيْضا. لَشَوْبا يُخْلَط طَعَامُهُمْ وَيُسلطُ بِالحَمِيمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِن لَهُم عَلَيْهَا لشوبا من حميم﴾ (الصافات: ٧٦) وَفسّر: (شوبا) بقوله: (يخلط) إِلَى آخِره. قَوْله: (ويساط) أَي: يخلط من ساطه يسوطه سَوْطًا أَي: خلطه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السَّوْط خلط الشَّيْء بعضه بِبَعْض، وَالْحَمِيم: هُوَ المَاء الْحَار. مَدْحُورا: مَطْرُودا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ اخْرُج مِنْهَا مذؤوما مَدْحُورًا﴾ (الصافات: ٨١) لَكِن هَذَا فِي الْأَعْرَاف وَلَيْسَ هُنَا مَحَله، وَالَّذِي فِي هَذِه السُّورَة هُوَ قَوْله: (ويقذفون من كل جَانب دحورا) وَقد مر بَيَانه عَن قريب، وَفسّر: (مَدْحُورًا) بقوله: (مطرودا) لِأَن الدَّحْر هُوَ الطَّرْد والإبعاد. بَيْضٌ مَكْنُونٌ: اللؤْلُؤ المَكْنُونُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: (كأنهن بيض مَكْنُون) (الصافات: ٩٤) وَفَسرهُ: بقوله: (اللُّؤْلُؤ الْمكنون) يَعْنِي: فِي الصفاء واللين، وَالْبيض جمع بَيْضَة، وَفِي التَّفْسِير: مَكْنُون أَي: مَسْتُور، وَقيل: أَي مصون، وكل شَيْء صنته فَهُوَ مَكْنُون فَكل شَيْء أضمرته فقد أكننته، وَإِنَّمَا قَالَ: مَكْنُون مَعَ أَنه صفة بيض، وَهُوَ جمع بِالنّظرِ إِلَى اللَّفْظ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ يُذْكَرُ بِخَيْرٍ وَفِي بعض النّسخ: بَاب وَتَركنَا، وَفِي الْبَعْض، بَاب قَوْله: وَتَركنَا، وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده أَي: تركنَا على آلياسين فِي الآخرين، وَقيل: على مُحَمَّد ﷺ ، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) قَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع وَيَعْقُوب آل ياسين بِالْمدِّ، وَالْبَاقُونَ الياسين بِالْقطعِ وَالْكَسْر، وَمن قَرَأَ الياسين فَهِيَ لُغَة فِي النَّاس كَمَا يُقَال: ميكال فِي مِيكَائِيل، وَقيل: هُوَ أَرَادَ جمع الياس وَأَتْبَاعه من الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (يذكر) بِخَير تَفْسِير قَوْله: وَتَركنَا عَلَيْهِ، وَقيل: أَي: ثَنَاء حسنا فِي كل أمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. يَسْتَسْخِرُونَ يَسْخَرُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَة يستسخرون﴾ (الصافات: ٤١) وَفَسرهُ بقوله: (يسخرون) . بَعْلاً: رَبّا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَدعُونَ بعلاً وتذرون أحسن الْخَالِقِينَ﴾ (الصافات: ٥٢١) وَفسّر: (بعلاً) بقوله: (رَبًّا) وَهُوَ اسْم صنم كَانُوا يعبدونه، وَمِنْه سميت مدينتهم، بعلبك، وَلم يثبت هَذَا إلَاّ للنسفي. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لِمَنْ المُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ٩٣١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين﴾ . ٤٠٨٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي وَائلٍ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ مَا يَنْبَغِي لأحَدٍ أنْ يَكُونَ خَيْرا مِنِ ابنِ مَتَّى.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ابْن مَتى) ويروى من يُونُس بن مَتى، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَاخِر سُورَة النِّسَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥٠٨٤ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِر حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ قَالَ حدَّثني أبِي عَنْ هِلالِ بنِ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي عَامِر بنِ لُؤَيٍّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
следующие страницы →