← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

الْأَلْفَاظ وعلق بِفعل مَاض وَهُوَ عَالم وَقت الْيَمين أَنه كَاذِب اخْتلفُوا فِيهِ. قَالَ بَعضهم: يصير كَافِرًا لِأَنَّهُ تَعْلِيق بِشَرْط كَائِن وَهُوَ تَنْجِيز، وَقَالَ بَعضهم: لَا يكفر وَلَا يلْزمه الْكَفَّارَة، وَإِلَيْهِ مَال شيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده، وَإِن حلف بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ على أَمر مُسْتَقْبل. قَالَ بَعضهم: لَا يكفر وَيلْزمهُ الْكفَّار، وَالصَّحِيح مَا قَالَه السَّرخسِيّ أَنه ينظر إِن كَانَ فِي اعْتِقَاد الْحَالِف أَنه لَو حلف بذلك على أَمر فِي الْمَاضِي يصير كَافِرًا فِي الْحَال. وَإِن لم يكن فِي اعْتِقَاده ذَلِك لَا يكفر، سَوَاء كَانَت الْيَمين على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل أَو فِي الْمَاضِي. قَوْله تَعَالَى أَمر من التعالي، وَهُوَ الِارْتفَاع. تَقول مِنْهُ إِذا أمرت تعال يَا رجل، بِفَتْح اللَّام، وللمرأة تعالي، وللمرأتين تعاليا، وللنسوة تعالين، وَلَا يجوز أَن يُقَال مِنْهُ: تعاليت وَلَا ينْهَى عَنهُ. قَوْله: (أقامرك) ، مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، يُقَال: قامره يقامره قمارا إِذا طلب كل وَاحِد أَن يغلب صَاحبه فِي عمل أَو قَول ليَأْخُذ مَالا جعلاه للْغَالِب، وَهُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع. قَوْله: (فليتصدق) وَفِي رِوَايَة مُسلم، فليتصدق بِشَيْء. قَالَ الْعلمَاء: أَمر بالتصدق تكفيرا لخطيئته فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمعْصِيَة. قَالَ الْخطابِيّ: يتَصَدَّق بِمِقْدَار مَا كَانَ يُرِيد أَن يقامره بِهِ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: ﵀: الصَّوَاب أَن يتَصَدَّق بِمَا تيَسّر مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الصَّدَقَة. وَفِي (التَّلْوِيح) عَن بعض الْحَنَفِيَّة. إِن قَوْله: فليتصدق، المُرَاد بهَا كَفَّارَة الْيَمين، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه مَا فِيهِ. قلت: مَا فِيهِ إلَاّ عدم فهم من لَا يفهم مَا فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ بَعضهم: المُرَاد بهَا كَفَّارَة الْيَمين لِأَن هَذَا ينْعَقد يَمِينا على رَأْي هَذَا الْقَائِل: فَإِذا انْعَقَد يَمِينا تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة. ٣ - (بابٌ: ﴿وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ وَلم يثبت لفظ: إلَاّ لأبي ذَر، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرهَا فِي الحَدِيث، وَلَكِن يُفَسر معنى الْآيَة. فَقَوله: الثَّالِثَة لَا يُقَال لَهَا الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا الْأُخْرَى نعت للثَّانِيَة، وَقَالَ الْخَلِيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليُوَافق رُؤُوس الْآي، كَقَوْلِه: ﴿مآرب أُخْرَى﴾ (طه: ٨١) وَقَالَ الْحُسَيْن بن فضل فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير مجازها أَفَرَأَيْتُم الّلات والعزى الْأُخْرَى وَمَنَاة؟ . ١٦٨٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قُلْتُ لِ عائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ إنَّما كَانَ مَنْ أهَلَّ بِمَناةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي بِالمُشَلّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصّفا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى إنَّ الصَّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَطَافَ رَسُولُ الله ﷺ وَالمُسْلِمُونَ قَالَ سُفْيَانُ مَنَاةُ بِالمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خَالِدٍ عَنِ ابنِ شهابٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ نَزَلَتْ فِي الأنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَانُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمناةَ مِثْلَهُ وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمناةِ وَمَناةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ قَالُوا يَا نَبِيَّ الله ﷺ كُنّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ تَعْظِيما لِمناةَ نَحْوَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى مطولا فِي الْحَج فِي: بَاب وجوب الصَّفَا والمروة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (قلت لعَائِشَة فَقَالَت) ، فِيهِ حذف بَينه فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة فِي: بَاب ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٥١) وَهُوَ أَن عُرْوَة قَالَ: قلت: لعَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ وَأَنا يَوْمئِذٍ حَدِيث السن: أَرَأَيْت قَول الله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما﴾ فَمَا أرى على أحد شَيْئا أَن لَا يطوف بهما. فَقَالَت عَائِشَة: إِنَّمَا كَانَ من أهل. أَي: أحرم بمناة بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره: لمناة. بِاللَّامِ أَي: لأجل مَنَاة، والطاغية صفة لَهَا بِاعْتِبَار طغيان عبدتها، وَيجوز أَن يكون مُضَافا إِلَيْهَا على معنى: أحرم باسم مَنَاة الْقَوْم الطاغية. قَوْله: (الَّتِي بالمشلل) ، صفة أُخْرَى أَي: الكائنة بالمشلل، بِضَم الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة، وَهُوَ مَوضِع من قديد على مَا يَأْتِي الْآن. قَوْله: (لَا يطوفون) ، أَي: من كَانَ يحجّ لهَذَا الصَّنَم كَانَ لَا يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة تَعْظِيمًا لصنعهم حَيْثُ لم يكن فِي الْمَسْعَى، وَكَانَ فِيهِ صنمان إساف ونائلة، فَأنْزل الله تعال ردا عَلَيْهِم بقوله: ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ فَطَافَ رَسُول الله ﷺ وَطَاف مَعَه الْمُسلمُونَ. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (مَنَاة بالمشلل من قديد) ، مقول قَول سُفْيَان، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَنَاة. أَي: مَنَاة

стр. 5777

مَكَان كَائِن بالمشلل الْكَائِن من قديد، بِضَم الْقَاف مصغر القدد، وَهُوَ من منَازِل طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي) ، بِالْفَاءِ الْمصْرِيّ. كَانَ أَمِير مصر لهشام مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة. قَوْله: (عَن ابْن شهَاب) ، وَهُوَ الزُّهْرِيّ أَي: يروي عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّحَاوِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بِطُولِهِ. قَوْله: (هم) أَي: الْأَنْصَار. قَوْله: (وغسان) ، عطف عَلَيْهِ وهم قَبيلَة. قَوْله: (يهلون بمناة) أَي: يحرمُونَ بمناة قبل الْإِسْلَام. قَوْله: (مثله) أَي: مثل حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (وَقَالَ معمر) بِفَتْح الميمين، وَهُوَ ابْن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ عَن الْحسن بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر إِلَى آخِره مطولا. قَوْله: (وَمَنَاة صنم بَين مَكَّة وَالْمَدينَة) أَي: مَنَاة اسْم صنم كَائِن بَين مَكَّة وَالْمَدينَة كَانَت صنما لخزاعة وهذيل، سميت بذلك لِأَن دم الذَّبَائِح كَانَ يمني عَلَيْهَا أَي يراق، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) كَانَت مَنَاة على سَاحل الْبَحْر تعبد، وَفِي (تَفْسِير عبد الرَّزَّاق) أخبرنَا معمر عَن قَتَادَة: اللات لأهل الطَّائِف، وعزى لقريش، وَمَنَاة للْأَنْصَار، وَعَن ابْن زيد: مَنَاة بَيت بالمشلل تبعده بَنو كَعْب، وَيُقَال: مَنَاة أصنام من حِجَارَة كَانَت فِي جَوف الْكَعْبَة يعبدونها. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور. ٤ - (بابٌ: ﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾ (النَّجْم: ٢٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: (فاسجدوا لله واعبدوا) وَهُوَ آخر سُورَة النَّجْم. قيل: وَقع للأصيلي، واسجدوا، بِالْوَاو وَهُوَ غلط. قلت: لَا ينْسب الْغَلَط للأصيلي بل للناسخ لعدم تَمْيِيزه. ٢٦٨٤ - حدَّثني أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا الوَارِثِ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال سَجَدَ النبيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإنْسُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي أَبْوَاب سُجُود الْقُرْآن فِي: بَاب سُجُود الْمُسلمين مَعَ الْمُشْركين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الْمُسلمُونَ) ، يتَنَاوَل الْجِنّ وَالْإِنْس، وَفَائِدَة ذكر قَوْله: (وَالْجِنّ وَالْإِنْس) لدفع وهم اخْتِصَاصه بِالْمُسْلِمين. قَوْله: (وَالْمُشْرِكُونَ) أَي: وَسجد مَعَه الْمُشْركُونَ. قَالَ الْكرْمَانِي: سجد الْمُشْركُونَ لِأَنَّهَا أول سَجْدَة نزلت فأرادوا مُعَارضَة الْمُسلمين بِالسَّجْدَةِ لمعبودهم أَو وَقع ذَلِك مِنْهُم بِلَا قصد أَو خَافُوا فِي ذَلِك الْمجْلس من مخالفتهم، وَمَا قيل كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَا ألقِي الشَّيْطَان فِي أثْنَاء قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ . (تِلْكَ الغرانيق العلى ... مِنْهَا الشَّفَاعَة ترتجى) فَلَا صِحَة لَهُ نقلا وعقلاً وَقَالَ بَعضهم: الِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة فِيهَا نظر، وَالْأول مِنْهَا لعياض، وَالثَّانِي: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود حَيْثُ زَاد فِيهِ أَن الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُم أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك ظَاهر فِي الْقَصْد، وَالثَّالِث أبعد إِذْ الْمُسلمُونَ حِينَئِذٍ هم الَّذين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين لَا الْعَكْس. قلت: ادّعى هَذَا الْقَائِل أَن فِي هَذِه الِاحْتِمَالَات نظرا، فَقَالَ فِي الأول: إِنَّه لعياض، يَعْنِي: مَسْبُوق فِيهِ بِالْقَاضِي عِيَاض، فَبين أَنه لعياض وَلم يبين وَجه النّظر، وَذكر وَجه النّظر فِي الثَّانِي: بقوله: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود، وَهَذَا غير دَافع لبَقَاء الِاحْتِمَال فِي عدم الْقَصْد من الَّذِي أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الثَّالِث: أبعد. إِلَى آخِره فَالَّذِي ذكره أبعد مِمَّا قَالَه لِأَن الْمُسلمين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين وَقت سجودهم لم يَكُونُوا يتمكنون من السُّجُود لِأَن السُّجُود مَوضِع الْجَبْهَة على الأَرْض وَمن يتَمَكَّن من ذَلِك وَرَاءه من يخَاف مِنْهُ خُصُوصا أَعدَاء الدّين، وقصدهم هَلَاك الْمُسلمين؟ . تَابَعَهُ ابنُ طَهْمَانَ عَنْ أيُّوبَ وَلَمْ يَذْكُر ابنُ عُلَيَّةَ ابنَ عَبَّاسٍ أَي: تَابع عبد الْوَارِث، إِبْرَاهِيم بن طهْمَان فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، إِبْرَاهِيم مَذْكُور وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق حَفْص بن عبد الله النَّيْسَابُورِي عَن ابْن طهْمَان بِلَفْظ أَنه قَالَ حِين

стр. 5778

نزلت السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهَا النَّجْم سجد لَهَا الْإِنْس وَالْجِنّ. قَوْله: (وَلم يذكر ابْن علية ابْن عَبَّاس) أَي: لم يذكر إِسْمَاعِيل بن علية عبد الله بن عَبَّاس أَرَادَ بِهِ أَنه حدث بِهِ عَن أَيُّوب فَأرْسلهُ، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَنهُ وَلَيْسَ هَذَا بقادح لِاتِّفَاق ثقتين وهما عبد الْوَارِث وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان على وَصله. ٣٦٨٤ - حدَّثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ أخْبَرَنِي أبُو أحْمَدَ يَعْنِي الزُّبَيْرِي حدَّثنا إسْرَائِيلُ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنِ الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتِ فِيهَا سَجْدَةٌ وَالنَّجْمِ قَالَ فَسَجَدَ رَسُولُ الله ﷺ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ إلَاّ رَجُلاً رَأَيْتُهُ أخَذَ كَفّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ بَعْذَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرا وَهُوَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَنصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ، قَالَه أَبُو الْعَبَّاس السراج، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا. وَأَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيرِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو السبيعِي عَن الْأسود بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ خَال إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَهَذَا الحَدِيث مر فِي أَبْوَاب سُجُود الْقُرْآن فِي: بَاب سَجْدَة والنجم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود بن يزِيد إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فَسجدَ رَسُول الله ﷺ أَي: بعد فَرَاغه من قرَاءَتهَا. قَوْله: (إلاّ رجلا) بيّنه فِي الحَدِيث أَنه أُميَّة بن خلف. قَوْله: (أَخذ كفا من تُرَاب) ، وَفِي رِوَايَة كفا من حصا أَو تُرَاب. قَوْله: (فَسجدَ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (فرفعه إِلَى وَجهه. فَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا) قَوْله: (وَهُوَ) أَي: الرجل الْمَذْكُور (هُوَ أُميَّة بن خلف) وَلم يذكر هُوَ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة، وَفِي رِوَايَة بن سعد أَن الَّذِي لم يسْجد هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة. قَالَ: وَقيل: سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة، قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: كِلَاهُمَا جَمِيعًا وَجزم ابْن بطال فِي: بَاب سُجُود الْقُرْآن أَنه الْوَلِيد، وَهَذَا مستغرب مِنْهُ مَعَ وجود التَّصْرِيح بِأَنَّهُ أُميَّة بن خلف. وَلم يقتل كَافِرًا ببدر من الَّذين سموا عِنْده غَيره. ٤٥ - ( ﴿سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاَعَةُ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بَعْص سُورَة: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة﴾ وَتسَمى أَيْضا: سُورَة الْقَمَر. قَالَ مقَاتل: فِيمَا ذكره ابْن النَّقِيب وَغَيره: مَكِّيَّة إلَاّ ثَلَاث آيَات أَولهَا: ﴿أم يَقُولُونَ نَحن جَمِيع منتصر﴾ (الْقَمَر: ٤٤) وَآخِرهَا قَوْله: ﴿والساعة أدهى وَأمر﴾ (الْقَمَر: ٦٤) كَذَا قَالُوهُ عَن مقَاتل وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الَّذِي فِي تَفْسِيره هِيَ مَكِّيَّة غير آيَة ﴿سَيهْزمُ الْجمع﴾ (الْقَمَر: ٥٤) فَإِنَّهَا نزلت فِي أبي جهل بن هِشَام يَوْم بدر. وَهِي ألف وَأَرْبَعمِائَة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حرفا، وثلاثمائة وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ كلمة. وَخمْس وَخَمْسُونَ آيَة. قَوْله: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة﴾ أَي: دنت الْقِيَامَة وَعَن ابْن كيسَان فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير مجازها: انْشَقَّ الْقَمَر واقتربت السَّاعَة. (بِسم الله الرحمان الرَّحِيم) لم تثبت البسلمة إلَاّ لأبي ذَر. وَقَالَ مُجاهِدٌ مُسْتَمِرٌّ ذَاهِبٌ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر﴾ (الْقَمَر: ٢) فسر: (مُسْتَمر) بقوله: (ذَاهِب) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، روى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة عَن أنس مُسْتَمر. قَالَ: ذَاهِب وَفِي التَّفْسِير: مُسْتَمر ذَاهِب سَوف يذهب وَيبْطل، من قَوْلهم: مر الشَّيْء وَاسْتمرّ، وَعَن الضَّحَّاك: مُحكم شَدِيد قوي، وَعَن قَتَادَة: غَالب، من قَوْلهم: مر الْحَبل إِذا صلب وَاشْتَدَّ وَقَوي، وأمررته إِنَّا إِذا أحكمت فتله، وَعَن الرّبيع: نَافِذ، وَعَن يمَان: مَاض، وَعَن أبي عُبَيْدَة: بَاطِل، وَقيل: يشبه بعضه بَعْضًا. مُزْدَجَرٌ: مُتَناهٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَلَقَد جَاءَهُم من الأنباء مَا فِيهِ مزدجر﴾ (الْقَمَر: ٤) أَي: متناه: بِصِيغَة الْفَاعِل أَي: نِهَايَة وَغَايَة فِي الزّجر لَا مزِيد عَلَيْهِ، وَكَذَا فسره قَتَادَة، وَيجوز أَن يكون بِصِيغَة الْمَفْعُول من التناهي بِمَعْنى الِانْتِهَاء. أَي: جَاءَكُم من أَخْبَار عَذَاب الْأُمَم السالفة مَا فِيهِ مَوضِع الِانْتِهَاء عَن الْكفْر والانزجار عَنهُ، فَافْهَم، وَعَن سُفْيَان. مُنْتَهى، وأصل: مزدجر مزتجر قلبت التَّاء دَالا.

стр. 5779

وَازْدُجِرَ: اسْتُطِيرَ جُنُونا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله ذكره: ﴿وَقَالُوا مَجْنُون وازدجر﴾ (الْقَمَر: ٩) وَمَعْنَاهُ: استطير جنونا، وَهَكَذَا فسره مُجَاهِد: وَعَن ابْن زيد: اتَّهَمُوهُ وزجروه ووعدوه لَئِن لم تفعل لتكونن من المرجومين، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: زجروه عَن دَعوته ومقالته. دُسُرٌ أضْلاعُ السَّفِينَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وحملناه على ذَات أَلْوَاح ودسر (الْقَمَر: ٣١) وَفسّر: (الدسر) بأضلاع (السَّفِينَة) وَهَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد، وَفِي التَّفْسِير: دسر مسامير وَاحِدهَا داسر ودسير، يُقَال مِنْهُ: دسرت السَّفِينَة إِذا شددته بالمسامير. قَالَه قَتَادَة وَابْن زيد وَهُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن الْحسن: هِيَ صدر السَّفِينَة سميت بذلك لِأَنَّهَا تدسر المَاء بجؤجئها. أَي: تدفع، وَهِي رِوَايَة أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: الدسر كلكل السَّفِينَة، وأصل الدسر الدّفع، وَفِي الحَدِيث فِي العنبر: إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر. أَي: دَفعه. لِمَنْ كَانَ كُفِرَ يَقُولُ كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ الله أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿تجْرِي بأعيننا جَزَاء لمن كَانَ كفر﴾ (الْقَمَر: ٤١) وَفَسرهُ بقوله: ﴿كفر لَهُ جَزَاء من الله﴾ أَي: كفر لَهُ من الكفران، بِالنعْمَةِ. وَالضَّمِير فِي لَهُ، لنوح، ﵊، أَي: فعلنَا بِنوح وبهم مَا فعلنَا من فتح أَبْوَاب السَّمَاء وَمَا بعده من التفجير وَنَحْوه جَزَاء من الله بِمَا صَنَعُوا بِنوح وَأَصْحَابه، وَقَالَ النَّسَفِيّ: قَالَ الْفراء: جَزَاء بكفرهم، وَمن، بِمَعْنى: مَا المصدرية وَقيل: مَعْنَاهُ عاقبناهم لله وَلأَجل كفرهم بِهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ لمن كَانَ كفر بِاللَّه، وَهُوَ قِرَاءَة قَتَادَة فَإِنَّهُ كَانَ يقْرَأ بِفَتْح الْكَاف وَالْفَاء، وَقَالَ: لمن كفر بِنوح، ﵇. مُحْتَضَرٌ: يَحْضُرُونَ المَاءَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ونبئهم أَن المَاء قسْمَة بَينهم كل شرب محتضر﴾ (الْقَمَر: ٨٢) يَعْنِي: قوم صَالح، ﵊، يحْضرُون المَاء إِذا غَابَتْ النَّاقة فَإِذا جَاءَت حَضَرُوا اللَّبن، هَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد. قَوْله: (شرب) أَي: نصيب من المَاء، وَفِي التَّفْسِير: محتضر يحضرهُ من كَانَت نوبَته فَإِذا كَانَت نوبَة النَّاقة حضرت شربهَا، وَإِذا كَانَ يومهم حَضَرُوا شربهم. وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ: مُهْطِعِينَ النَّسَلانُ. الخَبَبُ السِّرَاعُ أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مهطعين إِلَى الداع يَقُول الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْم عسر﴾ (الْقَمَر: ٨) هَذَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مُوسَى حَدثنَا يحيى حَدثنَا شريك عَن سَالم عَن سعيد بن جُبَير. قَوْله: (مهطعين) ، أَي: مُسْرِعين من الإهطاع. قَوْله: (النسلان) ، تَفْسِير الإهطاع الَّذِي يدل عَلَيْهِ، مهطعين، والنسلان، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة: مشْيَة الذِّئْب إِذا أعنق، وَفَسرهُ هُنَا بالخبب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا أُخْرَى، وَهُوَ ضرب من الْعَدو. قَوْله: (السراع) ، من المسارعة: تَأْكِيد لَهُ، وروى ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: مهطعين. قَالَ: ناظرين، وَعَن قَتَادَة: عَامِدين إِلَى الدَّاعِي، أخرجه عبد بن حميد، وَقَالَ أَحْمد بن يحيى: المهطع الَّذِي ينظر فِي ذل وخشوع لَا يتبع بَصَره، والداعي هُوَ إسْرَافيل ﵊. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَتَعَاطَى فَعَاطَهَا بِيَدِهِ أَي: قَالَ غير سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنَادوا صَاحبهمْ فتعاطى فعقر﴾ (الْقَمَر: ٩٢) وَفسّر: (فتعاطى) بقوله: (فعاطها بِيَدِهِ) أَي: تنَاولهَا بِيَدِهِ فعقرها أَي: نَاقَة صَالح ﵊، هَذَا الْمَذْكُور هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره فتعاطى فعاطى بِيَدِهِ فعقرها، وَقَالَ ابْن التِّين: لَا أعلم لقَوْله: عاطها هُنَا وَجها إِلَّا أَن يكون من المقلوب الَّذِي قلبت عينه على لامه. لِأَن العطو التَّنَاوُل فَيكون الْمَعْنى: فَتَنَاولهَا بِيَدِهِ، وَأما عوط فَلَا أعلمهُ فِي كَلَام الْعَرَب، وَأما عيط فَلَيْسَ مَعْنَاهُ مُوَافقا لهَذَا. وَقَالَ ابْن فَارس: التعاطي الجراءة، وَالْمعْنَى: تجرى فعقر. المُحْتَضَرِ كَحِظارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَانُوا كهشيم المحتظر﴾ (الْقَمَر: ١٣) وَفسّر: (المحتظر) بقوله: (كحظار) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتحهَا وبالظاء الْمُعْجَمَة أَي: منكسر من الشّجر محترق، وَكَذَا روى ابْن الْمُنْذر وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس وَقد أخبر الله عَنْهُم

стр. 5780

بقوله: ﴿إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم صَيْحَة وَاحِدَة فَكَانُوا كهشيم المحتظر﴾ (الْقَمَر: ١٣) الْعَذَاب الَّذِي أرسل على قوم صَالح، ﵊، لأجل عقر النَّاقة وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ المحتظر الحظيرة، وَعَن ابْن عَبَّاس، هُوَ الرجل يَجْعَل لغنمه حَظِيرَة من الشّجر والشوك دون السبَاع فَمَا سقط من ذَلِك أَو داسته الْغنم فَهُوَ الهشيم، وَقَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: كالعظام النخرة الْمُحْتَرِقَة وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا. وَعنهُ أَيْضا: كحشيش تَأْكُله الْغنم. أزْدُجِرَ افْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَجْنُون وازدجر﴾ (الْقَمَر: ٩) وَهَذَا قد مر عَن قريب، غير أَنه أَعَادَهُ إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا من بَاب الافتعال لِأَن أَصله ازتجر. فقلبت التَّاء دَالا فَصَارَ ازدجر، وَهُوَ من الزّجر وَلَيْسَ من زجرت لِأَن الْفِعْل لَا يشتق من الْفِعْل بل يشتق من الْمصدر، وَلَو ذكر هَذَا عِنْد قَوْله: ازدجر: أستطير جنونا لَكَانَ أولى وأنسب. كُفِرَ فَعَلْنا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءًا لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وأصْحَابِهِ هَذَا أَيْضا قد مر أَيْضا عَن قريب وَهُوَ قَوْله: ﴿لمن كَانَ كفر﴾ (الْقَمَر: ٤١) بقوله: كَقَوْلِه جَزَاء من الله. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ وتكراره لَا يَخْلُو عَن فَائِدَة على مَا لَا يخفى، وَلَكِن لَو لم يذكرهُ هُنَا لَكَانَ أصوب وَأحسن. قَوْله: (كفر) ، من كفران النِّعْمَة والمكفور هُوَ نوح، ﵇، وَقَومه: كافرون الأيادي وَالنعَم، وَقيل: معنى كفر جحد قَوْله: (فعلنَا) ، حِكَايَة عَن الله تَعَالَى، وَالضَّمِير فِي: بِهِ يرجع إِلَى نوح، ﵇، وَفِي: بهم، إِلَى قومه، وَالَّذِي فعله نصرته إِيَّاه وَإجَابَة دُعَائِهِ، وَالَّذِي فعل بقَوْمه غرقه إيَّاهُم. قَوْله: ﴿جَزَاء﴾ أَي: لأجل الْجَزَاء لما صنع أَي لأجل صنعهم لنوح وَقَومه من الْإِسَاءَة وَالضَّرْب وَغير ذَلِك من الْأَذَى. قَوْله: لما صنع اللَّام فِيهِ مَكْسُورَة. وصنع على صِيغَة الْمَجْهُول. مُسْتَقِرٌّ عَذَابٌ حَقٌّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صبحهمْ بكرَة عَذَاب مُسْتَقر﴾ (الْقَمَر: ٨٣) وَفَسرهُ: بقوله: (عَذَاب حق) ، وَهَكَذَا قَالَه الْفراء وروى عبد بن حميد عَن قَتَادَة وَاسْتقر بهم أَي: الْعَذَاب إِلَى نَار جَهَنَّم. قَوْله: (وَلَقَد صبحهمْ) أَي: الْعَذَاب (بكرَة) أَي: وَقت الصُّبْح، وَفِي التَّفْسِير: (عَذَاب مُسْتَقر) أَي: دَائِم عَام اسْتَقر بهم حَتَّى يقْضِي بهم إِلَى عَذَاب الْآخِرَة. الأشَرُ: المَرَحُ وَالتَّجبُّرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿بل هُوَ كَذَّاب أشر وسيعلمون غَدا من الْكذَّاب الأشر﴾ (الْقَمَر: ٥٢، ٦٢) وَفَسرهُ بقوله: (المرح والتجبر) . وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة وَغَيره. ١ - (بابٌ: ﴿وَانْشَقَّ القَمَرُ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ (الْقَمَر: ١) ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ الْآيَة. وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر. قَوْله: ﴿آيَة﴾ أَي: معجز ليعرضوا من الْإِعْرَاض. ٤٦٨٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ عنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَة فَوْقَ الجَبَلِ وَفِرْقَةً دُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ اشْهَدُوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة أَو الثَّوْريّ لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا روى عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله بن سَخْبَرَة، ولأبيه سَخْبَرَة صُحْبَة وَرِوَايَة، روى لَهُ التِّرْمِذِيّ، قَالَ ابْن سعد: توفّي بِالْكُوفَةِ فِي ولَايَة عبيد الله بن زِيَاد. والْحَدِيث قد مر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة فِي: بَاب سُؤال الْمُشْركين أَن يُرِيهم النَّبِي ﷺ آيَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (على عهد) ، أَي: على زمن رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فرْقَتَيْن) أَي: قطعتين وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة: شفتين، ويروى: شقين فَوق الْجَبَل اخْتلفت الرِّوَايَات فِي مَكَان الانشقاق فجَاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَر على عهد رَسُول الله ﷺ بِاثْنَتَيْنِ شطره على السويداء وشطره على الخندمة، وَجَاء عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن أهل مَكَّة سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ أَن يُرِيهم آيَة فَأَرَاهُم الْقَمَر بشقتين حَتَّى رَأَوْا أحراء بَينهمَا، وَفِي تَفْسِير أبي عبد الله. قَالَ الْمُشْركُونَ

стр. 5781

للنَّبِي ﷺ : إِن كنت صَادِقا فاشقق لنا الْقَمَر. فَقَالَ: آن فعلت تؤمنون؟ قَالُوا: نعم، وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة، فَسَأَلَ الله تَعَالَى فانشق فرْقَتَيْن: نصف على الصَّفَا وَنصف على قعيقعان: الحَدِيث، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي معمر عَن عبد لله. قَالَ: رَأَيْت الْقَمَر منشقا بشقتين مرَّتَيْنِ: بِمَكَّة شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء. وَعَن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: كَانَ يرى نصفه على قعيقعان وَالنّصف الآخر على أبي قبيس. قَوْله: ﴿وَفرْقَة دونه﴾ أَي: دون الْجَبَل. وَعند مُسلم من حَدِيث شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَر فلقَتَيْنِ فلقَة من دون الْجَبَل وَفلقَة من خلف الْجَبَل. ٥٦٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ أخْبَرَنا ابنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ انْشَقَ القَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النبيِّ ﷺ فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فَقَالَ لَنَا: اشْهَدُوا اشْهَدُوا.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَفِي بعض النّسخ كَذَا: عَليّ بن عبد الله، وَابْن أبي نجيح عبد الله وَاسم أبي نجيح يسَار، قَالَ يحيى الْقطَّان: كَانَ قدريا وَفِيه زِيَادَة على طَرِيق الحَدِيث السالف، وَهِي: قَوْله: (وَنحن مَعَ النَّبِي ﷺ فَهَذَا يدل على أَنه من الرائين والمخبرين، وَفِيه لفظ: (اشْهَدُوا) مرَّتَيْنِ. ٦٦٨٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثني بَكْرٌ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ عَرَاكِ بنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ انْشَقَّ القَمَرُ فِي زَمَانِ النبيِّ ﷺ .. يحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وَبكر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُضر، بِضَم الْمِيم وَفتح الْمُعْجَمَة وبالراءين: مُحَمَّد القريشي الْمصْرِيّ، وجعفر بن ربيعَة بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة من أهل مصر. والْحَدِيث قد مر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن خلف بن خَالِد، وَكَذَا فِي انْشِقَاق الْقَمَر عَن عُثْمَان بن صَالح. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن مُوسَى بن قُرَيْش وَابْن عَبَّاس من جملَة المخبرين لَا الرائين. ٧٦٨٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يُونُسُ بنُ مُحَمَّد حدَّثنا شَيْبَانُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ سَأَلَ أهْلُ مَكةَ أنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ.. عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَيُونُس بن مُحَمَّد الْمُؤَدب الْبَغْدَادِيّ، وشيبان النَّحْوِيّ. والْحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. قَوْله: (سَأَلَ أهل مَكَّة) ، أَي: النَّبِي ﷺ وَأنس أَيْضا من المخبرين، وروى حَدِيث انْشِقَاق الْقَمَر جمَاعَة من الصَّحَابَة. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَحَدِيث ابْن مَسْعُود وَحَدِيث أنس وَحَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهَا البُخَارِيّ، وَعند عِيَاض من رِوَايَة أبي حُذَيْفَة الأرجي عَن عَليّ بن أبي طَالب، ﵁، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَر وَنحن مَعَ النَّبِي ﷺ وروى عبد بن حميد أخبرنَا قبيصَة عَن سُفْيَان عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. قَالَ: جمعت مَعَ حُذَيْفَة بِالْمَدَائِنِ فَسَمعته يَقُول: إِن الْقَمَر قد انْشَقَّ على عهد رَسُول الله ﷺ . الحَدِيث، وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جُبَير بن مَحْمُود بن جُبَير بن معطم عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَر وَنحن بِمَكَّة على عهد رَسُول الله ﷺ . ٨٦٨٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قَالَ انْشَقَ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي مُوسَى وَغَيره، وَقَالَ الْحَلِيمِيّ فِي (منهاجه) وَمن النَّاس من يَقُول قَوْله: ﴿فانشق الْقَمَر﴾ (الْقَمَر: ١) مَعْنَاهُ: ينشق. كَقَوْلِه: ﴿أَتَى أَمر الله﴾ (النَّحْل: ١) أَي: يَأْتِي. قَالَ: وَإِذا كَانَ كَذَلِك ظهر أَن الانشقاق فِي الْآيَة إِنَّمَا هُوَ الَّذِي من أَشْرَاط السَّاعَة دون الانشقاق الَّذِي جعله الله آيَة لرَسُوله وَحجَّة على أهل مَكَّة.

стр. 5782

٢ - (بابٌ: ﴿نَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْناهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُذِّكِر﴾ (٣١، ٥١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ إِلَى آخِره، وَقيل: (حملناه على ذَات أَلْوَاح ودسر تجْرِي بأعيننا) أَي: حملنَا نوحًا ﵊. قَوْله: (على ذَات أَلْوَاح) ، أَي: على سفينة ذَات أَلْوَاح ودسر تجْرِي بأعيننا أَي: بمر أَي مناو عَن مقَاتل بن حَيَّان، يحفظنا، وَعَن مقَاتل بن سُلَيْمَان: بوحينا. وَعَن سُفْيَان بأمرنا. قَوْله: (جَزَاء) ، مفعول لَهُ لما قدم من فتح أَبْوَاب السَّمَاء وَمَا بعده أَي: فعلنَا ذَلِك جَزَاء لمن كَانَ كفر أَي: جحد وَهُوَ نوح، ﵇، وَجعله مكفور لِأَن النَّبِي نعْمَة الله وَرَحمته فَكَانَ نوح، ﵊، نعْمَة مكفورة، وَقَالَ الْفراء: جَزَاء بكفرهم. قَوْله: (وَلَقَد تركناها) ، أَي: السَّفِينَة آيَة، أَي: عِبْرَة حَتَّى نظرت إِلَيْهَا أَوَائِل هَذِه الْأمة، وَكم من سفينة بعْدهَا صَارَت رَمَادا وَعَن قَتَادَة أَلْقَاهَا الله تَعَالَى بِأَرْض الجزيرة. وَقيل: على الجودي دهرا طَويلا حَتَّى نظر إِلَيْهَا أَوَائِل هَذِه الْأمة. قَوْله: (فَهَل من مُذَكّر) ، مُعْتَبر متعظ وخائف مثل عقوبتهم فَكيف كَانَ اسْتِفْهَام تَعْظِيم لما مضى وتخويف لمن لَا يُؤمن بِمُحَمد ﷺ . قَوْله: (وَنذر) أَي: إنذاري. قَالَ قَتَادَةُ أبْقَى الله سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أدْرَكَهَا أوَائِلُ هاذِهِ الأُمَّةِ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن أَبِيه عَن هِشَام بن خَالِد حَدثنَا سعيد بن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة أبقى الله السَّفِينَة بباقرين من أَرض الجزيرة عِبْرَة وَآيَة حَتَّى نظرت إِلَيْهَا أَوَائِل هَذِه الْأمة. وَكم من سفينة كَانَت بعْدهَا فَصَارَت رَمَادا. وَعند عبد بن حميد: أدْركهَا أَوَائِل هَذِه الْأمة على الجودي. ٩٦٨٤ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شَعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ كَانَ النبيُّ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِر﴾ . أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي وَالْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَعبد الله بن مَسْعُود، والْحَدِيث قد مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (من مُذَكّر) يَعْنِي: بِالدَّال الْمُهْملَة. (بابٌ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذِّكِر﴾ (الْقَمَر: ٧١) قَالَ مُجاهِدٌ يَسَّرْنا هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر﴾ وَفسّر مُجَاهِد قَوْله: (يسرنَا) بقوله: (هوَّنا قِرَاءَته) هَكَذَا رَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَعَن سعيد ب جُبَير: يسرناه للْحِفْظ ظَاهرا وَلَيْسَ من كتب الله كتاب يقْرَأ كُله ظَاهرا إلَاّ الْقُرْآن. قَوْله: (للذّكر) أَي: ليتذكر وَيعْتَبر بِهِ ويتفكر فِيهِ. ٠٧٨٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ شَعْبَةَ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله عَن الْأسود بن يزِيد عَن عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (من مُذَكّر) ، يَعْنِي: بِالدَّال الْمُهْملَة، وَسبب ذكر ذَلِك أَن بعض السّلف قَرَأَهَا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَنقل ذَلِك عَن قَتَادَة أَيْضا. ٣ - (بابٌ: ﴿أعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (الْقَمَر: ٠٢، ١٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تنْزع النَّاس كلهم أعجاز نخل منقعر﴾ (الْقَمَر: ٢) هَذِه الْآيَة وَمَا قبلهَا فِيمَا جرى على عَاد. قَوْله: ﴿تنْزع النَّاس﴾ أَي: الرّيح الصرصر الْمُذكر فِيمَا قبله تنْزع النَّاس أَي: تقلعهم ثمَّ ترمي بهم على رُؤْسهمْ فتدق رقابهم، وَعَن مُحَمَّد بن قرظة ابْن كَعْب عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: أنتزعت الرّيح النَّاس من قُبُورهم. قَوْله: (أعجاز نخل) قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي أصُول نخل. قَوْله: (منقعر) أَي: مُنْقَطع من مَكَانَهُ سَاقِط على الأَرْض، والأعجاز جمع عجز مثل عضد وأعضاد، وَالْعجز مُؤخر الشَّيْء

стр. 5783

قَوْله: (فَكيف كَانَ عَذَابي) الْعَذَاب اسْم للتعذيب مثل الْكَلَام اسْم للتكليم. قَوْله: (وَنذر) (الْقَمَر: ٨١) أَي: إنذاري. وَقَالَ الْفراء: الْإِنْذَار وَالنّذر مصدران. تَقول الْعَرَب: أنذت إنذارا ونذرا، كَقَوْلِك: انفقت إنفاقا وَنَفَقَة. ١٧٨٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا زُهَيْرٌ عَنْ أبِي إسْحَاقَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً سألَ الأسْوَدَ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ أوْ مُذَّكِرٍ فَقَالَ سَمِعْتُ عَبْدُ الله يَقْرَؤُها فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ دَالاً قَالَ وَسَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرَؤُها: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ دَالاً. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمَذْكُور أخرجه عَن ابْن نعيم، بِضَم النُّون، الْفضل بن دُكَيْن عَن زُهَيْر ابْن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَمْرو إِلَى آخِره. قَوْله: (هَل من مُذَكّر أَو مُذَكّر) أَي: من مُذَكّر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَو مدكر بِالدَّال الْمُهْملَة، وأصل مُذَكّر مذتكر بتاء الافتعال بعد الدَّال الْمُعْجَمَة فأبدلت التَّاء دَالا مُهْملَة فَصَارَ مذدكر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بعْدهَا الدَّال الْمُهْملَة ثمَّ أبدلت الْمُعْجَمَة مُهْملَة ثمَّ أدغمت الدَّال الْمُهْملَة فِي الدَّال الْمُهْملَة لِاجْتِمَاع الحرفين المتماثلين فَافْهَم. قَوْله: (دَالا) أَي: مدكر بِالدَّال الْمُهْملَة لَا بِالْمُعْجَمَةِ. ٤ - (بابٌ: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ المُخْتَظَرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنِ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذِّكِرٍ﴾ (الْقَمَر: ١٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَانُوا كهشيم المحتظر﴾ هَذَا فِي قَضِيَّة قوم صَالح، وَقَبله: ﴿إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم صَيْحَة وَاحِدَة فَكَانُوا كهشيم المحتظر﴾ . قَوْله: (صَيْحَة) أَي: جِبْرِيل ﵊، وَقد مر تَفْسِير الهشيم المحتظر عَن قريب. ٢٧٨٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبرَنَا أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبِي إسْحَاقِ عنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَرَأَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أخرجه عَن عَبْدَانِ عَن أَبِيه عُثْمَان الْأَزْدِيّ الْمروزِي إِلَى آخِره. ٥ - (بابٌ: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (الْقَمَر: ٨٣، ٩٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد سبحهم﴾ الْآيَة هَذَا فِي قَضِيَّة قوم لوط ﷺ . قَوْله: (صبحهمْ) ، أَي: جَاءَهُم الْعَذَاب وَقت الصُّبْح بكرَة أول النَّهَار. قَوْله: (عَذَاب مُسْتَقر) ، أَي: دَائِم عَام اسْتَقر فيهم حَتَّى يُفْضِي بهم إِلَى عَذَاب الْآخِرَة. ٣٧٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد. قَالَ الغساني: كَأَنَّهُ ابْن بشار بِالْمُعْجَمَةِ وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن الْمثنى يروي عَن غنْدر أَيْضا. وَذكر الكلاباذي أَن بنْدَار أَو ابْن الْمثنى وَابْن الْوَلِيد قد رووا عَن غنْدر فِي (الْجَامِع) قلت: الظَّاهِر أَنه مُحَمَّد ابْن بشار ولقبه بنْدَار، وغندر لقب حمد بن جَعْفَر وَقد تكَرر ذكرهَا. (بابٌ: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنَا أشْيَاهَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ (الْقَمَر: ١٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أهلكنا أشياعكم فَهَل من مُذَكّر﴾ هَذَا فِي قَضِيَّة الْقَدَرِيَّة وَفِي الْمُجْرمين. قَوْله: (أشياعكم) ، أَي: أشباهكم فِي الْكفْر من الْأُمَم السالفة. ٤٧٨٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا وكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنِ الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ عَنِ عَبْدِ الله قَالَ قَرَأْتُ عَلَى النبيِّ ﷺ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ .. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن يحيى بن مُوسَى السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: الخت، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة

стр. 5784

وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق عَن وَكِيع عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو السبيعِي إِلَى آخِره. وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ روى هَذَا الحَدِيث من سِتَّة طرق كَمَا رَأَيْت. الأول: مترجم بقوله: ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ (الْقَمَر: ٤١) إِلَى آخِره، وَالْبَاقِي وَهُوَ الْخَمْسَة بِخمْس تراجم أَيْضا على رَأس كل تَرْجَمَة لفظ: بَاب، وَفِي بعض النّسخ لم يذكر لفظ بَاب، أصلا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا معنى تكْرَار هَذَا الحَدِيث فِي هَذِه التراجم السِّتَّة؟ وَمَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَينهَا؟ فَأجَاب بقوله: لَعَلَّ غَرَضه أَن الْمَذْكُور فِي هَذِه السُّورَة الَّذِي هُوَ فِي الْمَوَاضِع السِّتَّة كُله بِالْمُهْمَلَةِ. انْتهى. قلت: مدَار هَذَا الحَدِيث بِطرقِهِ على أبي إِسْحَاق عَن الْأسود بن يزِيد، وَأما فَائِدَة قَوْله: ﴿فَذُوقُوا عَذَابي وَنذر وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مذر﴾ (الْقَمَر: ٩٣، ٠٤) أَن يجددوا عِنْد اسْتِمَاع كل نبأ من الأنباء الَّتِي أَتَت من الْأُمَم السالفة إدكارا واتعاظا. وينتبهوا إِذا سمع الْحَث على ذَلِك. ٦ - (بابٌ قَوْلِهِ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (الْقَمَر: ٥٤) هَذَا وَمَا قبله فِي تخويف أهل مَكَّة كَانُوا يَقُولُونَ: نَحن جَمِيع منتصر، يَعْنِي: جمَاعَة أمرنَا مُجْتَمع منتصر مُمْتَنع لَا يرام وَلَا يضام. فَصدق الله وعده وَهَزَمَهُمْ يَوْم بدر. وَعَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما نزل ﴿سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ كنت لَا أَدْرِي أَي جمع يهْزم، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر رَأَيْت النَّبِي ﷺ يثب فِي درعه وَيَقُول: ﴿سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ أَي: سَيهْزمُ كفار مَكَّة وَيُوَلُّونَ الأدبار، إِنَّمَا قَالَ: الدبر بِالْإِفْرَادِ وَالْمرَاد الْجمع لأجل رِعَايَة الفواصل. ٥٧٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ حدَّثنا عَبْدِ الوَهَّابَ حدَّثنا خَالِدٌ عَنْ عِكْرَمَةِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ. وحدَّثني مُحَمَّدٌ أخْبرنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ وُهَيْبٍ حدَّثنا خَالِدٌ عَنْ عِكْرَمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ تَشَاءُ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله ألحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدَّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد عَن خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: عَن مُحَمَّد. قَالَ الغساني: لَعَلَّه مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن عَفَّان بتَشْديد الْفَاء ابْن مُسلم الصفار الْبَصْرِيّ عَن وهيب مصغر وهب بن خَالِد الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة. وَقَالَ الجباني. قَوْله: (وحَدثني مُحَمَّد أخبرنَا عَفَّان) كَذَا فِي روايتنا عَن الْأصيلِيّ غير مَنْسُوب، وَكَذَا عِنْد أبي ذَر وَأبي نصر، قَالَ: وَسقط من نُسْخَة ابْن السكن ذكر مُحَمَّد هَذَا، وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا عَفَّان عَن وهيب، وَهَذَا من مرسلات ابْن عَبَّاس لِأَنَّهُ لم يحضر الْقِصَّة، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْجِهَاد، فِي: بَاب مَا قيل فِي درع النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة بدر فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم﴾ الْآيَة. قَوْله: (أنْشدك) ، بِضَم الشين أَي: أطلبك الْعَهْد هُوَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين أَنهم لَهُم المنصورون﴾ (الصافات: ١٧١) والوعد هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ يَعدكُم الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ ، قَوْله: (إِن نَشأ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، نَحْو: هَلَاك الْمُؤمنِينَ أَو قَوْله: لَا تعبد فِي حكم الْمَفْعُول وَالْجَزَاء هُوَ الْمَحْذُوف. قَوْله: (ألححت عَلَيْهِ) ، أَي: بالغت. ٧ - (بابٌ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأَمْرُّ﴾ (الْقَمَر: ٦٤) يَعْنِي مِنْ المَرَارَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿بل السَّاعَة موعدهم﴾ أَي: موعد عَذَابهمْ. قَوْله: (والساعة) ، أَي: عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة. أدهى أَي: أَشد وأفظع، والداهية الْأَمر الْمُنكر الَّذِي لَا يهتدى لدوائه. قَوْله: (وَأمر) ، أَي: أعظم بلية وَأَشد مرَارَة من الْهَزِيمَة وَالْقَتْل والأسر يَوْم بدر. ٦٧٨٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى احدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ

стр. 5785

أخْبَرَنِي يُوسُفُ بنُ مَاهَكَ قَالَ إنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَكَةَ وَإنِّي لَجَارِيَةٌ ألْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأمَرُّ﴾ (الْقَمَر: ٦٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، ويوسف بن مَاهك هُوَ بِفَتْح الْهَاء مُعرب وَمَعْنَاهُ: القمير مصغر الْقَمَر وَهُوَ مَفْتُوح الْكَاف على الصَّحِيح، وَذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هُنَا مُخْتَصرا، وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي بَاب تأليف الْقُرْآن مطولا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [/ بش ٧٧٨٤ - حدَّثني إسْحَاقُ حدَّثنا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ أنْشُدُكَ عَهْدِكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تَعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ أبَدا فأخَذَ أبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ وَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله فَقَدْ ألْحَحْتَ عَلَى رَبَّكَ وَهُوَ فِي الدَّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأمَرّ﴾ . هَذَا قد مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَإِسْحَاق هَذَا ذكر غير مَنْسُوب، ذكر جمَاعَة أَنه إِسْحَاق بن شاهين الوَاسِطِيّ وخَالِد الأول هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان وخَالِد الثَّانِي هُوَ ابْن مهْرَان بِكَسْر الْمِيم الْحذاء بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة وبالمد. قَوْله: (وَهُوَ فِي الدرْع) ، وَقع حَالا. وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) حَال. قَوْله: (فَخرج) أَي: من الْقبَّة المنصوبة لَهُ. (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ٥٥ - ( ﴿سُورَةُ الرَّحْمانِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ (الرحمان: ١، ٢) قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أَجمعُوا على أَنَّهَا مَكِّيَّة إلَاّ مَا روى همام عَن قَتَادَة أَنَّهَا مَدَنِيَّة. قَالَ: وَكَيف تكون مَدِينَة وَإِنَّمَا قَرَأَهَا النَّبِي ﷺ بسوق عكاظ فَسَمعته الْجِنّ، وَأول شَيْء سَمِعت قُرَيْش من الْقُرْآن جَهرا سُورَة الرحمان. قَرَأَهَا ابْن مَسْعُود عِنْد الْحجر فضربوه، حَتَّى أثروا فِي وَجهه وَفِي رِوَايَة سعيد عَن قَتَادَة أَنَّهَا مَكِّيَّة، وَقَالَ السخاوي: نزلت قبل (هَل أَتَى) (الْإِنْسَان: ١) بعد سُورَة الرَّعْد، وَهِي ألف وسِتمِائَة وَسِتَّة وَثَلَاثُونَ حرفا، وثلاثمائة وَإِحْدَى وَخَمْسُونَ كلمة، وثمان وَسَبْعُونَ آيَة. نزلت حِين قَالُوا: وَمَا الرحمان؟ وَكَذَا وَقعت السُّورَة بِدُونِ الْبَسْمَلَة عِنْدهم، وَزَاد أَبُو ذَر الْبَسْمَلَة، والرحمان آيَة عِنْد الْأَكْثَرين وارتفاعه على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَو بِالْعَكْسِ، وَقيل: الْخَبَر ﴿علم الْقُرْآن﴾ وَهُوَ تَمام الْآيَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِحُسْبَانٍ: كَحُسْبَانِ الرَّحى أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر يحسبان كحسبان الرَّحَى﴾ (الرَّحْمَن: ٥) مَعْنَاهُ: يدوران فِي مثل قطب الرَّحَى، والحسبان قد يكون مصدر حسبت حسابا وحسبانا مثل الغفران والكفران والرجحان وَالنُّقْصَان والبرهان، وَقد يكون جمع حِسَاب كالشهبان والركبان والقضبان والرهبان، وَالتَّقْدِير: الشَّمْس وَالْقَمَر يجريان يحسبان، وَتَعْلِيق مُجَاهِد رَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَلَفظ أبي يحيى عَنهُ. قَالَ: يدوران فِي مثل قطب الرَّحَى، كَمَا ذَكرْنَاهُ وَعَن الضَّحَّاك بِعَدَد يجريان، وَقيل: بِحِسَاب ومنازل لَا يعدونها. وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَعَن ابْن زيد وَابْن كيسَان: بهما تحسب الْأَوْقَات والأعمار والآجال، وَعَن السّديّ يأجل كآجال النَّاس، فَإِذا جَاءَ أجلهما هلكا، وَعَن يمَان، يجريان بِأَجل الدُّنْيَا وقضائها وفنائها. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الوَزْنِ﴾ يُرِيدُ لِسَانَ المِيزانِ أَي: وَقَالَ غير مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله : ﴿وَأقِيمُوا الْوَزْن بِالْقِسْطِ وَلَا تخسروا الْمِيزَان﴾ (الرَّحْمَن: ٩) (يُرِيد لِسَان الْمِيزَان) رُوِيَ هَكَذَا عَن أبي الدَّرْدَاء فَإِنَّهُ قَالَ: أقِيمُوا لِسَان الْمِيزَان بِالْقِسْطِ. أَي: بِالْعَدْلِ، وَعَن ابْن عُيَيْنَة: الْإِقَامَة بِالْيَدِ والقسط بِالْقَلْبِ (وَلَا تخسروا الْمِيزَان) أَي: لَا تطفقوا فِي الْمكيل والموزن. وَالعَصْفُ يَقْلُ الزَرْعِ إذَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ فَذالِكَ العَصْفُ وَالرَّيْحَانُ وَرَكُلُهُ وَالحبُّ

стр. 5786

الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ وَالرَّيْحَانُ فِي كَلامِ العَرَبِ الرِّزْقُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَالعَصْفُ يُرِيدُ المَأْكُولَ مِنَ الحَبِّ وَالرَّيْحَانُ النَّضِيجُ الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ: وَقَالَ غَيْرُهُ العَصْفُ وَرَقُ الحِنْطَةِ: وَقَالَ الضَحَّاكُ العَصْفُ التِّبْنُ: وَقَالَ أبُو مَالِكٍ العَصْفُ أوَّلُ مَا يَنْبُتُ تُسَمِّيهِ النَّبَطُ هَبُورَا: وَقَالَ مُجَاهِدٌ العَصْفُ وَرَقُ الحِنْطَةِ وَالرَّيْحَانِ الرِّزْقُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْحب والعصف وَالريحَان﴾ (الرحمان: ٢١) وَقَالَ: العصف بقل الزَّرْع إِذا قطع مِنْهُ شَيْء قبل أَن يدْرك، أَي: الزَّرْع فَذَلِك هُوَ العصف، كَذَا نقل عَن الْفراء، وَعَن ابْن كيسَان: العصف ورق كل شَيْء خرج مِنْهُ الْحبّ يَبْدُو أَولا وَرقا ثمَّ يكون سوقا، ثمَّ يحدث الله تَعَالَى فِيهِ أكماما، ثمَّ يحدث فِي الأكمام الْحبّ. وَعَن ابْن عَبَّاس: ورق الزَّرْع الْأَخْضَر إِذا قطعت رؤوسه ويبس هُوَ العصف. قَوْله: (وَالريحَان ورقه) ، أَي: ورق الْحبّ، وَفِي بعض النّسخ رزقه بالراء ثمَّ الزَّاي، وَنقل الثَّعْلَبِيّ عَن مُجَاهِد: الريحان الرزق، وَعَن مقَاتل بن حَيَّان: الريحان الرزق بلغَة حمير، وَعَن ابْن عَبَّاس: الريحان الرّبع، وَعَن الضَّحَّاك: هُوَ الطَّعَام، فالعصف هُوَ التِّين وَالريحَان ثَمَرَته، وَعَن الْحسن وَابْن زيد: هُوَ ريحانكم هَذَا الَّذِي تشمونه، وَعَن ابْن عَبَّاس. هُوَ خضرَة الزَّرْع. قَوْله: (وَالْحب الَّذِي يُؤْكَل مِنْهُ) ، أَي: من الزَّرْع. قَوْله: (وَالريحَان فِي كَلَام الْعَرَب الرزق) ، الرَّاء وَالزَّاي، تَقول الْعَرَب: خرجنَا نطلب ريحَان الله أَي: رزقه. قَوْله: (وَقَالَ بَعضهم والعصف يُرِيد الْمَأْكُول من الْحبّ) ، أَرَادَ بِالْبَعْضِ الْفراء فَإِنَّهُ قَالَ: العصف الْمَأْكُول من الْحبّ وَالريحَان النضيج الَّذِي لم يُؤْكَل، النضيج فعيل بِمَعْنى المنضوج، يُقَال: نضج الثَّمر وَاللَّحم نضجا ونضجا، أَي: أدْرك فَهُوَ نضيج وناضج وأنضجته أَنا. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره. وَقَالَ مُجَاهِد: العصف ورق الْحِنْطَة. كَذَا رَوَاهُ ابْن أبي نجيح عَنهُ. قَوْله: (وَقَالَ الضَّحَّاك: العصف التِّين) ، كَذَا ذكره فِي تَفْسِيره من رِوَايَة جُوَيْبِر عَنهُ. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو مَالك) : لَا يعرف اسْمه. قَالَه أَبُو زرْعَة. وَقَالَ غَيره: اسْمه غَزوَان وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غَيره، وَهُوَ كُوفِي تَابِعِيّ ثِقَة. قَوْله: (النبط) بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالطاء الْمُهْملَة، وهم أهل الفلاحة من الْأَعَاجِم ينزلون بالبطائح بَين العراقين. قَوْله: (هبورا) بِفَتْح الْهَاء وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة المخففة وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا رَاء، وَهُوَ دقاق الزَّرْع بالنبطية، وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كعصف مَأْكُول﴾ هُوَ الهبور، وَقَول أبي مَالك رَوَاهُ يحيى بن عبد الحميد عَن ابْن الْمُبَارك عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَنهُ. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد) إِلَى آخِره، رَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. وَالمَارِجُ اللَّهَبُ الأصْفَرُ وَالأخْضَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إذَا أُوقِدَتْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخلق الجان من مارج من نَار﴾ (الرحمان: ٥١) وَفسّر المارج بِالَّذِي ذكره، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم بِسَنَدِهِ عَن مُجَاهِد وَهُوَ من: مرج الْقَوْم إِذا اخْتَلَط، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ لِسَان النَّار الَّذِي يكون فِي طرفها إِذا التهب، وَقيل: من مارج من لَهب صَاف خَالص لَا دُخان فِيهِ، والجان أَبُو الْجِنّ، وَعَن الضَّحَّاك: هُوَ إِبْلِيس، وَعَن أبي عُبَيْدَة: الجان وَاحِد الْجِنّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَالَ مُجَاهِأ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ لِلشَّمْسِ فِي الشتَّاءِ مَشْرِقٌ وَمَشْرِقٌ فِي الصَّيْفِ وَرَبُّ المَغْرِبَيْنَ مَغْرِبُها فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رب المشرقين وَرب المغربين﴾ (الرحمان: ٧١) وَفَسرهُ بِمَا ذكره، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن الْمُبَارك حَدثنَا زيد أخبرنَا ابْن ثَوْر عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد. لَا يَبْغِيَانِ: لَا يَخْتَلِطانِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ بَينهمَا برزخ لَا يبغيان﴾ (الرَّحْمَن: ٩١، ٠٢) أَي: لَا يختلطان وَلَا يتغيران وَلَا يَبْغِي أَحدهمَا. على صَاحبه. وَعَن قَتَادَة: لَا يطغيان على النَّاس بِالْغَرَقِ، وَالْمرَاد بِالْبَحْرَيْنِ بَحر الرّوم وبحر الْهِنْد، كَذَا رُوِيَ عَن الْحسن. قَالَ: وَأَنْتُم الحاجز بَينهمَا، وَعَن قَتَادَة: بَحر فَارس وَالروم بَينهمَا برزخ وَهُوَ الجزائر، وَعَن مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: يَعْنِي بَحر السَّمَاء وبحر الأَرْض يَلْتَقِيَانِ كل عَام، وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ: بَينهمَا من الْبعد

стр. 5787

مَا لَا يَبْغِي أَحدهمَا على صَاحبه، وَتَقْدِير. قَوْله: يَلْتَقِيَانِ. على هَذَا أَن يلتقيا فَحذف: أَن وَهُوَ شَائِع فِي كَلَام الْعَرَب. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق﴾ (الرّوم: ٤٢) أَي: أَن يريكم الْبَرْق، وَهَذَا يُؤَيّد قَول من قَالَ: إِن المُرَاد بِالْبَحْرَيْنِ بَحر فَارس وبحر الرّوم، لِأَن مَسَافَة مَا بَينهمَا ممتدة. المُنْشَآتُ مَا رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السفُنِ فَأمَّا مَا لَمْ يُرْفَعْ قَلْعُهُ فَلَيْسَ بَمُنْشَأةٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله الْجوَار الْمُنْشَآت فِي الْبَحْر كالأعلام﴾ (الرَّحْمَن: ٤٢) وفسرها بِمَا ذكر، وَهُوَ قَول مُجَاهِد أَيْضا، والجواري السفن الْكِبَار جمع جَارِيَة، والمنشآت المقيلات المبتديات اللَّاتِي أنشأت جريهن وسيرهن، وَقيل: الْمَخْلُوقَات المرفوعات المسخرات، وَقَرَأَ حَمْزَة وَأَبُو بكر عَن عَاصِم بِكَسْر الشين، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا. قَوْله: (قلعه) بِكَسْر الْقَاف وَاقْتصر عَلَيْهِ الْكرْمَانِي، وَحكى ابْن التِّين فتحهَا أَيْضا، وَهُوَ الشراع. وَقَالَ مجَاهِدٌ: كَالفَخَّارِ. كَمَا يُصْنَعُ الفخارُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار﴾ (الرَّحْمَن: ٤١) قَوْله: (كَمَا يصنع) على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: يصنع الخزف وَهُوَ الطين الْمَطْبُوخ بالنَّار، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ صانعه، فَافْهَم، وَهَذَا فِي بعض النّسخ مُتَقَدم على مَا قبله، وَفِي بَعْضهَا مُتَأَخّر عَنهُ. النُّحَاس: الصُّفْرُ، يُصَبُّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ يُعَذَّبُونَ بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار ونحاس فَلَا تنتصران﴾ (الرَّحْمَن: ٥٣) وَفسّر النّحاس بِمَا ذكره، وَكَذَا فسره مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: نُحَاس الصفر بِدُونِ الْألف وَاللَّام وَهُوَ الأصوب لِأَنَّهُ فِي التِّلَاوَة كَذَا قَوْله: (فَلَا تنتصران) أَي: فَلَا تمتنعان. خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ يَهُمُّ بَالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ الله فَيَتْرُكُهَا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ (الرَّحْمَن: ٦٤) وَفَسرهُ بقوله: (يهم) أَي: يقْصد الرجل بِأَن يفعل مَعْصِيّة أرادها ثمَّ ذكر الله تَعَالَى وعظمته وَأَنه يُعَاقب على الْمعْصِيَة ويثيب على تَركهَا فيتركها فَيدْخل فِيمَن لَهُ جناتان، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ مُجَاهِد: خَافَ مقَام ربه إِلَى آخِره، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن بكار بن قُتَيْبَة. حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة حَدثنَا سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد. الشُوَاظُ: لَهَبُ مِنْ نَارٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ﴾ (الرَّحْمَن: ٥٣) وَفَسرهُ بِأَنَّهُ: ﴿لَهب من نَار﴾ وَهُوَ قَول مُجَاهِد أَيْضا: وَقيل: هُوَ النَّار الْمَحْضَة بِغَيْر دُخان، وَعَن الضَّحَّاك. هُوَ الدُّخان الَّذِي يخرج من اللهب لَيْسَ بِدُخَان الْحَطب. مُدْهَامَتانِ سَوْدَاوَانِ مِنَ الرَّيِّ أَي: من شدَّة الخضرة صَارَت سوداوان لِأَن الخضرة إِذا اشتدت شربت إِلَى السوَاد. صِلْصَالٍ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الفَخَّارُ وَيُقالُ منْتنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صلَّ يُقالُ صَلْصالُ كَمَا يُقالُ صَرَّ البابُ عِنْدَ الإغْلاقِ وَصَرْصَرَ مِثْلَ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي كَبَبْتَهُ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار﴾ وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (خلق الْإِنْسَان) ، أَي آدم. (من صلصال) أَي: من طين يَابِس لَهُ صلصلة كالفخار. وَفَسرهُ البُخَارِيّ بقوله: خلط برمل الطين إِذا خلط برمل ويبس صَار قَوِيا جدا بِحَيْثُ أَنه إِذا ضرب خرج لَهُ صَوت، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (فصلصل كَمَا يصلصل الفخار) أَي: الخزف، وصلصل فعل مَاض، ويصلصل مضارع، والمصدر صلصلة وصلصال. قَوْله: (وَيُقَال منتن يُرِيدُونَ بِهِ صل) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه يُقَال: لحم منتن يُرِيدُونَ بِهِ أَنه صل، يُقَال: صل اللَّحْم يصل بِالْكَسْرِ صلولاً أَي: أنتن مطبوخا كَانَ أَو نيا. وأصل مثله. قَوْله: (يُقَال: صلصال كَمَا يُقَال: صر الْبَاب) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن صلصل مضاعف صل كَمَا يُقَال: صر الْبَاب إِذا صَوت فيضاعف وَيُقَال صَرْصَر كَمَا ضوعف كبيته فَقيل كبكبته، وكما يُقَال فِي كَبه كبكبه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فكبكبوا فِيهَا﴾ (الشُّعَرَاء: ٤٩) أَصله: كبوا يُقَال: كَبه لوجهه أَي: صرعه فأكب هُوَ على وَجهه، وَهَذَا من النَّوَادِر أَن يُقَال: أفعلت أَنا وَفعل غَيره.

стр. 5788

فَاكَهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ بِالفَاكِهَةِ وَأمَّا العَرَبُ فَإنَّها تَعُدُّها فَاكِهَةً كَقَوْلِهِ : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ (الْبَقَرَة: ٨٣٢) فَأَمَرَهُمْ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ أعَادَ العَصْرَ تَشْدِيدا لَهَا كَمَا أُعِيدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ وَمِثْلُها ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ﴾ (الْحَج: ٨١) ثُمَّ قَالَ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ وَقَدْ ذَكَرَهُمْ فِي أوَّلِ قَوْلِهِ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ (الرَّحْمَن: ٨٦) أَي: فِي الجنتين اللَّتَيْنِ ذكرهمَا بقوله: ﴿وَمن دونهمَا جنتان﴾ (الرحمان: ٢٦) فالجنان أَرْبَعَة ذكرهَا الله تَعَالَى بقوله: ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ (الرَّحْمَن: ٦٤) ثمَّ قَالَ: ﴿وَمن دونهمَا جنتان﴾ (الرَّحْمَن: ٦٤) أَي: وَمن دون الجنتين الْأَوليين الموعودتين لمن خَافَ مقَام ربه جنتان أخريان، وَعَن ابْن عَبَّاس. وَمن دونهمَا يَعْنِي: فِي الدرج، وَعَن ابْن زيد، فِي الْفضل. قَوْله: (وَقَالَ بَعضهم) ، قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) يَعْنِي: بِهِ أَبَا حنيفَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: أَرَادَ بِهِ أَبَا حنيفَة. قلت: لَا يلْزم تَخْصِيص هَذَا القَوْل بِأبي حنيفَة وَحده فَإِن جمَاعَة من الْمُفَسّرين ذَهَبُوا إِلَى هَذَا القَوْل. قَالَه الْفراء فَإِنَّهُم قَالُوا: لَيْسَ الرُّمَّان وَالنَّخْل بالفاكهة لِأَن النّخل ثمره فَاكِهَة وَطَعَام، وَالرُّمَّان فَاكِهَة ودواء. فَلم يخلصا اللتفكه، وَمِنْه قَالُوا: إِذا حلف لَا يَأْكُل فَاكِهَة فَأكل رمانا أَو رطبا ثمَّ لم يَحْنَث. قَوْله: (وَأما الْعَرَب فَإِنَّهَا تعدها فَاكِهَة) هَذَا جَوَاب البُخَارِيّ عَمَّا قَالَ بَعضهم: لَيْسَ الرُّمَّان وَالنَّخْل بالفاكهة وَلَهُم أَن يَقُولُوا: نَحن مَا ننكر إِطْلَاق الْفَاكِهَة عَلَيْهِمَا ولكنهما غير متمحضين فِي التفكه، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة لَا يدخلَانِ فِي قَول من حلف لَا يَأْكُل فَاكِهَة. قَوْله: (كَقَوْلِه إِلَى آخِره، ملخصه أَنه من عطف الْخَاص على الْعَام. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ فَإِنَّهُ أَمر بالمحافظة على الصَّلَوَات ثمَّ عطف عَلَيْهَا قَوْله: وَالصَّلَاة الْوُسْطَى، مَعَ أَنَّهَا دَاخِلَة فِي الصَّلَوَات تشديدا لَهَا. أَي: تَأْكِيدًا لَهَا وتعظيما وتفضيلاً كَمَا أُعِيد النّخل وَالرُّمَّان أَي: كَمَا عطفا على فَاكِهَة وَلَهُم أَن يَقُولُوا: لَا تسلم أَن فَاكِهَة عَام لِأَنَّهَا نكرَة فِي سِيَاق الْإِثْبَات فَلَا عُمُوم. قَوْله: (وَمثلهَا) ، أَي: وَمثل فَاكِهَة ونخل ورمان. قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات﴾ إِلَى آخِره، وَلَهُم أَن يمنعوا المشابهة بَين هَذِه الْآيَة وَبَين الْآيَتَيْنِ المذكورتين لِأَن الصَّلَوَات، وَمن فِي الأَرْض عامان بِلَا نزاع بِخِلَاف لفظ: فَاكِهَة فَإِنَّهَا نكرَة فِي سِيَاق الْإِثْبَات كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَقد ذكرهم) أَي: كثير من النَّاس فِي ضمن من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض. وَقَالَ غَيْرُهُ أفْنَانٍ أغصانٍ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد: وَإِنَّمَا قُلْنَا كَذَا لِأَنَّهُ لم يذكر فِيمَا قبله صَرِيحًا إلَاّ مُجَاهِد، وَقَالَ: (أفنان أَغْصَان) وَذَلِكَ فِي قَوْله: (ذواتا أفنان) وَهُوَ جمع فنن كَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي التَّفْسِير: (ذواتا أفنان) أَي: ألوان فعلى هَذَا هُوَ جمع فن وَهُوَ من قَوْلهم افتن فلَان فِي حَدِيثه إِذا أَخذ فِي فنون مِنْهُ وضروب، وَعَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس: ﴿ذواتا أفنان﴾ (الرَّحْمَن: ٨٤) قَالَ: الأغصان على الْحِيطَان، وَعَن الضَّحَّاك: ألوان الْفَوَاكِه. ﴿وَجَنى الجَنَتَيْنِ دَانَ﴾ مَا يجتنى قريب (الرَّحْمَن: ٤٥) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وجنى الجنتين دَان فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرَّحْمَن: ٤٥) وَفَسرهُ بقوله: (مَا يجتنى) أَي: الَّذِي يجتنى من أَشجَار الجنتين دَان أَي: قريب يَنَالهُ الْقَائِم والقاعد والمضجع، وَهَذَا سقط من رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ الحَسَنُ فَبِأَيِّ آلاءِ نِعَمِهِ. وَقَالَ قَتَادَرُ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَعْنِي الجِنِّ وَالإنْسَ أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِأَي آلَاء لابكم تُكَذِّبَانِ﴾ فالحسن فسر: آلَاء، بِالنعَم وَقَتَادَة فسر: رَبكُمَا بالجن وَالْإِنْس، والآلاء جمع: إِلَى، بِالْفَتْح وَالْقصر وَقد تكسر الْهمزَة وربكما خطاب للجن وَالْإِنْس وَإِن لم يتَقَدَّم ذكرهم وَإِنَّمَا قَالَ: تُكَذِّبَانِ بالتثنية على عَادَة الْعَرَب وَالْحكمَة فِي تكرارها أَن الله تَعَالَى عدد فِي هَذِه السُّورَة نعماءه ثمَّ اتبع ذكر كل كلمة وصفهَا ونعمة ذكرهَا بِهَذِهِ الْآيَة وَجعلهَا فاصلة بَين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بهَا.

стр. 5789

وَقَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ ﴿كلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرَّحْمَن: ٩٢) يَغْفِرُ ذَنْبا وَيَكْشِفُ كَرْبا وَيَرْفَعُ قَوْما آخَرِينَ. أَي: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار. قَالَ: حَدثنَا الْوَزير ابْن صَالح أَبُو روح الدِّمَشْقِي. قَالَ: سَمِعت يُونُس بن ميسرَة جلس يحدث عَن أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء عَن سيدنَا سيد المخلوقين مُحَمَّد ﷺ فِي قَوْله : ﴿كل يَوْم فِي شَأْن﴾ قَالَ: من شَأْنه أَن يغْفر ذَنبا ويفرج كربا وَيرْفَع قوما وَيَضَع آخَرين. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَرْزَخٌ: حَاجِزٌ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ بَينهمَا برزخ لَا يبغيان﴾ (الرَّحْمَن: ٩١، ٠٢) أَي: حاجز بَينهمَا. وَقيل: حَائِل لَا يتَعَدَّى أَحدهمَا على الآخر من قدرَة الله وحكمته الْبَالِغَة. الأنَامُ الخَلْقُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْض وَضعهَا للأنام﴾ (الرَّحْمَن: ٠١) وَعَن ابْن عَبَّاس وَالشعْبِيّ: الْأَنَام. كل ذِي روح، وَقيل: الْإِنْس وَالْجِنّ. نَضَّاخَتَانِ: فَيَّاضَتَانِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فيهمَا عينان نضاختان﴾ (الرَّحْمَن: ٦٦) وَفَسرهُ بقوله: ﴿فياضتان﴾ وَقيل: ممتلئتان، وَقيل: فوارتان بِالْمَاءِ لَا ينقطعان، وَعَن الْحسن: ينبعان ثمَّ يجريان، وَعَن سعيد بن جُبَير: نضاختان بِالْمَاءِ وألوان الْفَاكِهَة، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ينضخان بِالْخَيرِ وَالْبركَة على أهل الْجنَّة، وأصل النضخ الرش وَهُوَ أكبر من النَّضْح، بِالْحَاء الْمُهْملَة. ذُو الجَلالِ: ذُو العَظَمَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿تبَارك اسْم رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ (الرَّحْمَن: ٨٣) أَي: ذُو العظمة والكبرياء. قَوْله: (وَالْإِكْرَام) ، أَي: ذُو الْكَرم، وَهُوَ الَّذِي يُعْطي من غير مَسْأَلَة وَلَا وَسِيلَة، وَقيل: المتجاوز الَّذِي لَا يستقصى فِي العتاب. وَقَالَ غَيْرُهُ مَارِجٌ خَالِصٌ مِنَ النَّارِ يُقالُ مَرَجَ الأمِيرُ رَعِيَتَهُ إذَا خَلَاّهُمْ يَعْدُوا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَرَجَ أمْرُ النَّاسِ مَرِيجٍ ملْتَبِسٌ مَرَجَ اخْتَلَطَ البَحْرَانِ مِنْ مَرَجْتَ دَابَتَكَ تَرَكْتَها. أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخلق الجان من مارج من نَار﴾ (الرَّحْمَن: ٥١) وَهَذَا مُكَرر لِأَنَّهُ ذكر عَن قريب، وَهُوَ قَوْله: والمارج اللهب الْأَصْفَر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي. قَوْله: (قَالَ مرج الْأَمِير رَعيته) ، إِشَارَة إِلَى أَن لفظ: مرج يسْتَعْمل لمعان، فَمن ذَلِك قَوْلهم: مرج الْأَمِير، وَهُوَ بِفَتْح الرَّاء رَعيته إِذا خلاهم يَعْنِي إِذا تَركهم يعدو أَي: يظلم بَعضهم بَعْضًا. وَمن ذَلِك: مرج أَمر النَّاس هَذَا بِكَسْر الرَّاء، وَمَعْنَاهُ اخْتَلَط واضطرب، قَالَ أَبُو دَاوُد مرج أَمر الدّين فاعددت لَهُ. أَي: قد أَمر الدّين وَمن هَذِه الْبَاب مريج فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي أَمر مريج﴾ (ق: ٥) أَي: ملتبس، وَهَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده أَعنِي قَوْله مريج ملتبس. قَوْله: (مرج الْبَحْرين) ، اخْتَلَط البحران هَذَا فِي رِوَايَة غير أبي ذَر. قَوْله: (من مرجت دابتك) ، بِفَتْح الرَّاء وَمَعْنَاهُ تركتهَا ترعى وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا عقيب قَوْله: مرج الْأَمِير رَعيته إِذا خلاهم يعدو بَعضهم على بَعضهم، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ: وَلَكِن فِي هَذَا الْموضع تَقْدِيم وَتَأْخِير بِحَيْثُ يَقع الالتباس فِي التَّرْكِيب وَالْمعْنَى أَيْضا. وَالظَّاهِر أَن النساخ خلطوا مَفْتُوح الرَّاء بمكسور الرَّاء. سَنَفْرُغُ لَكُمْ سَنُحاسِبُكُمْ لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سنفرغ لكم أَيهَا الثَّقَلَان﴾ (الرَّحْمَن: ١٣) وَفَسرهُ بقوله: (سنحاسبكم) والفراغ مجَاز عَن الْحساب وَلَا يشغل الله شَيْء عَن شَيْء، وروى ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: هُوَ وَعِيد من الله لِعِبَادِهِ، وَلَيْسَ بِاللَّه شغل، وَقيل: مَعْنَاهُ سنقصدكم بعد الإهمال ونأخذ فِي أَمركُم، وَعَن ابْن كيسَان: الْفَرَاغ للْفِعْل هُوَ التوفر عَلَيْهِ دون غَيره. وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلامِ العَرَبِ لأتَفَرَّغَنَّ لَكَ وَمَا بِهِ شُغْلٌ يَقُولُ: لآخَذَنَّكَ عَلَى غرَّتِكَ. أَي: الْمَعْنى الْمَذْكُور مَعْرُوف ومستعمل فِي كَلَام الْعَرَب، يَقُول الْقَائِل: لأتفرغن لَك من بَاب التفعل من الْفَرَاغ، وَفَسرهُ بقوله:

стр. 5790

يَقُول: لآخذنك على غرتك، أَي: على غَفلَة مِنْك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي قَوْله: ﴿سنفرغ لكم﴾ (الرَّحْمَن: ١٣) هَذَا وَعِيد وتهديد من الله ، كَقَوْل الْقَائِل: لأتفرغن لَك، وَمَا بِهِ شغل قَالَه ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَتَّانِ﴾ (الرَّحْمَن: ٢٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن دونهمَا جنتان﴾ وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب وَلم يذكر بَاب قَوْله إِلَّا لأبي ذَر. ٢ - (بابٌ: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخيام﴾ (الرَّحْمَن: ٢٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حور مقصورات﴾ الْحور جمع: حوراء وَهِي الشَّدِيدَة الْبيَاض الْعين الشَّدِيدَة سوادها. قَوْله: (مقصورات) ، محبوسات مستورات. (فِي الْخيام) خيمة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي الْخيام أَي: الحجال، يُقَال: امْرَأَة قَصِيرَة وقصورة ومقصورة إِذا كَانَت مخدرة، وَعَن مُجَاهِد يَعْنِي: قصرهن على أَزوَاجهنَّ فَلَا يبغين بهم بَدَلا. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: حُورٌ صُردُ الْحَدَقِ الحدق جمع حدقة الْعين، وَرَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن الْفضل بن يَعْقُوب الرخامي حَدثنَا الْحجَّاج بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَقْصُوَراتٌ مَحْبُوسَاتٌ قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأنْفُسُهُنَّ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ قَاصِرَاتٌ لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أزْوَاجِهِنَّ. رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا بن يمَان عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد.

стр. 5791

٩٧٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثني عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الصَمَدِ حدَّثنا أبُو عِمْرَانَ الْجُونِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُها سِتُّونَ مِيلاً فِي كُلِّ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْها أهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ حدَّثنا جَنَتانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَتَانِ مِنْ كَذا آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلَى رَبِّهِمْ إلَاّ رداءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقد مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حجاج بن منهال عَن همام عَن أبي عمرَان الْجونِي الخ وَأخرجه فِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن نصر بن عَليّ وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة الْجنَّة وَالنَّسَائِيّ فِي النعوت، وَابْن مَاجَه فِي السّنة كلهم عَن بنْدَار. قَوْله: (مجوفة) ، أَي: ذَات جَوف وَاسع. قَوْله: (سِتُّونَ ميلًا) ، الْميل ثلث فَرسَخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف خطْوَة. قَوْله: (فِي كل زَاوِيَة مِنْهَا أهل) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: أهل لِلْمُؤمنِ. قَوْله: (مَا يرَوْنَ الآخرين) ، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروي الْآخرُونَ، وَالتَّقْدِير: يرونهم الْآخرُونَ. نَحْو: أكلوني البراغيت، يطوف عَلَيْهِم الْمُؤْمِنُونَ. قَالَ الدمياطي: صَوَابه الْمُؤمن بِالْإِفْرَادِ. وَأجِيب: يجوز أَن يكون من مُقَابلَة الْمَجْمُوع بالمجموع. قَوْله: (إلاّ رِدَاء الْكبر) ، قيل: هَذَا يشْعر بِأَن رُؤْيَة الله تَعَالَى غير وَاقعَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدمهَا فِي جنَّة عدن أَو فِي ذَلِك الْوَقْت عدمهَا مُطلقًا. ٦٥ - ( ﴿سُورَةُ الْوَاقِعَةِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْوَاقِعَة. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة وَاخْتلف فِي ﴿وَأَصْحَاب الْيَمين﴾ (الْوَاقِعَة: ٧٢) وَفِي: ﴿أفبهذا الحَدِيث أَنْتُم مدهنون﴾ (الْوَاقِعَة: ١٨) وَالْأولَى نزلت فِي أهل الطَّائِف وإسلامهم بعد الْفَتْح وحنين، وَالثَّانيَِة نزلت فِي دُعَائِهِ بالسقيا. فَقيل: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا، فَنزلت ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ وَكَانَ عَليّ يقْرؤهَا: وتجعلون شكركم، وَهِي ألف وَسَبْعمائة وَثَلَاثَة أحرف، وثلاثمائة وثمان وَسَبْعُونَ كلمة. وست وَتسْعُونَ آيَة، وَالْمرَاد بالواقعة: الْقِيَامَة. (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا رجت الأَرْض رجا﴾ (الْوَاقِعَة: ٤) وَفَسرهُ بقوله: (زلزلت) وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: رجفت وتحركت تحريكا من قَوْلهم: السهْم يرتج فِي الْغَرَض. أَي: يَهْتَز ويضطرب وأصل الرج فِي اللُّغَة التحريك، يُقَال: رجحته فارتج، فَإِن ضاعفته قلت: رجرجته فترجرج. بُسَّتْ فُتَّتْ ولُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وبست الْجبَال﴾ (الْوَاقِعَة: ٥) وَفَسرهُ بقوله: (فتت) وَهُوَ أَيْضا تَفْسِير مُجَاهِد، وَكَذَلِكَ: (لتت) تَفْسِير مُجَاهِد، وَيُقَال: بست ولتت بِمَعْنى وَاحِد أَي: صَارَت كالدقيق المبسوس، وَهُوَ المبلول: والبسيسة عِنْد الْعَرَب الدَّقِيق والسويق بلت ويتخذ زادا، وَعَن عَطاء: بست أذهبت ذَهَابًا وَعَن ابْن الْمسيب: كسرت كسرا. وَعَن الْحسن: قلعت من أَصْلهَا فَذَهَبت بَعْدَمَا كَانَت صخورا صمًّا، وَعَن عَطِيَّة تبسط بسطا كالرمل وَالتُّرَاب. المَخْضُودُ: المُوقَرُ حَمْلاً وَيُقَالُ أيْضا: لَا شَرْكَ لَهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي سدر مخضود﴾ (الْوَاقِعَة: ٤٨٢) وَفَسرهُ بقوله: (الموقر حملا) بِفَتْح الْقَاف والحاء هَذَا تَفْسِير الْأَكْثَرين. قَوْله: (وَيُقَال أَيْضا: لَا شوك لَهُ) لأبي ذَر، والخضد فِي الأَصْل الْقطع كَأَنَّهُ خضد شوكه أَي: قطع وَنزع، وَعَن الْحسن: لَا يعقر إلايدي. وَعَن ابْن كيسَان: هُوَ الَّذِي لَا أَذَى فِيهِ، وَعَن الضَّحَّاك: نظر الْمُسلمُونَ إِلَى وَج وَهُوَ وَاد فِي الطَّائِف مخصب فَأَعْجَبَهُمْ سدرها. قَالُوا: يَا لَيْت لنا مثلهَا. فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. مَنْضُودٍ المَوْزُ

стр. 5792

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وطلح منضود﴾ (الْوَاقِعَة: ٩٢) وَلم يثبت هَذَا هُنَا لأبي ذَر، وَفَسرهُ بالموز، والطلح جمع طَلْحَة قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين وَعَن الْحسن، لَيْسَ هُوَ بموز وَلكنه شجر لَهُ ظلّ بَارِد طيب، وَعَن الْفراء وَأبي عُبَيْدَة: الطلح عِنْد الْعَرَب شجر عِظَام لَهَا شوك. والمنضود: المتراكم الَّذِي قد نضده الْحمل من أَوله إِلَى آخِره لَيست لَهُ سوق بارزة، وَفِي (الْمغرب) النضد ضم الْمَتَاع بعضه إِلَى بعض منسقا أَو مركوما. من بَاب ضرب. وَالعُرُبُ المُحَبَّباتُ إلَى أزْوَاجِهِنَّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناهن أَبْكَارًا عربا أَتْرَابًا﴾ (الْوَاقِعَة: ٦٣، ٧٣) وفسرها: بالمحببات جمع المحببة اسْم مفعول من الْحبّ، وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره: حَدثنَا ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (عربا أَتْرَابًا) قَالَ: هِيَ المحببة إِلَى زَوجهَا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: عربا عواشق مُتَحَببَات إِلَى أَزوَاجهنَّ، قَالَه الْحسن وَمُجاهد وَقَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير وَرِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالْعرب جمع عرُوبَة وَأهل مَكَّة يسمونها العربة بِكَسْر الرَّاء، وَأهل الْمَدِينَة الغنجة، بِكَسْر النُّون. وَأهل الْعرَاق: الشكلة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْكَاف، وَقد مر هَذَا فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي صفة الْجنَّة، والأتراب المستويات فِي السن وَهُوَ جمع ترب بِكَسْر التَّاء وَسُكُون الرَّاء يُقَال: هَذِه ترب هَذِه أَي: لدتها. ثُلةٌ أُمةٌ أَي: معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثلة من الْأَوَّلين﴾ (الْوَاقِعَة: ٩٣) أمة. وَقيل: فرقة. يَحْمُومٌ دُخَانٌ أسْوَدُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وظل من يحموم﴾ (الْوَاقِعَة: ٣٤) وَفَسرهُ بِدُخَان أسود لِأَن الْعَرَب تَقول للشَّيْء الْأسود يحموما. يُصِرُّونَ يُدِعُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم﴾ (الْوَاقِعَة: ٦٤) وَفَسرهُ بقوله: (يديمون) والحنث الْعَظِيم، الذَّنب الْكَبِير وَهُوَ الشّرك، وَعَن أبي بكر الْأَصَم: كَانُوا يقسمون أَن لَا بعث وَأَن الْأَصْنَام أنداد الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، وَكَانُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ فَلذَلِك حنثهم. الْهِيمُ الإبِلُ الظَّمَاءُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فشاربون شرب الهيم﴾ (الْوَاقِعَة: ٥٥) وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. والهيم جمع هيماء يُقَال جمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم. أَي: عطاش، وَعَن قَتَادَة، هُوَ دَاء بِالْإِبِلِ لَا تروى مَعَه وَلَا تزَال تشرب حَتَّى تهْلك، وَيُقَال لذَلِك الدَّاء: الهيام، والظماء بالظاء الْمُعْجَمَة جمع ظمآن والظماء الْعَطش. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يصيبهم ظمأ﴾ (التَّوْبَة: ٠٢١) وَالِاسْم الظمىء بِالْكَسْرِ، وَقوم ظماء أَي عطاش، والظمآن العطشان. لَمُغْرَمُونَ: لَمُلْزَمُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لمغرمون بل نَحن محرومون﴾ (الْوَاقِعَة: ٦٦، ٧٦) وَفَسرهُ بقوله: (لملزمون) اسْم مفعول من الْإِلْزَام، وَاللَّام للتَّأْكِيد، وَعَن ابْن عَبَّاس. وَقَتَادَة: لمعذبون. من الغرام وَهُوَ الْعَذَاب، وَعَن مُجَاهِد: ملقون للشر، وَعَن مقَاتل: مهلكون وَعَن مرّة الْهَمدَانِي محاسبون. مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين﴾ (الْوَاقِعَة: ٦٨) أَي: غير محاسبين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: غير مربوبين من دَان السُّلْطَان رَعيته إِذْ ساسهم، وَجَوَاب: لَوْلَا قَوْله: ترجمونها. أَي: تردون نفس هَذَا الْمَيِّت إِلَى جسده إِذا بلغت الْحُلْقُوم إِن كُنْتُم صَادِقين. رَوْحٌ جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ وَرَيْحَانٌ الرِّزْقُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٨، ٩٨) وَسقط هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن ابْن زيد: روح عِنْد الْمَوْت وَرَيْحَان يجنى لَهُ فِي الْآخِرَة، وَعَن الْحسن، أَن روحه تخرج فِي الريحان، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد: فَروح أَي رَاحَة وَرَيْحَان مستراح، وَعَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير: الريحان رزق، وَقد مر هَذَا عَن قريب. وَنَنَشْأكُمْ فِي أيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وننشئكم فِيمَا لَا تعلمُونَ﴾ (الْوَاقِعَة: ١٦) أَي: نوجدكم فِي أَي خلق نشَاء فِيمَا لَا تعلمُونَ من الصُّور.

стр. 5793

وَقَالَ غَيْرُهُ تَفَكَّهُونَ تَعَجَبُونَ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو نشَاء لجعلناه حطاما فظللتم تفكهون﴾ (الْوَاقِعَة: ٥٦) وَفَسرهُ بقوله: (تعْجبُونَ) وَكَذَا فسره قَتَادَة. وَعَن عِكْرِمَة: تلامون، وَعَن الْحسن: تَنْدمُونَ، وَعَن ابْن كيسَان: تَحْزَنُونَ. قَالَ: وَهُوَ من الأضداد تَقول الْعَرَب: تفكهت أَي: تنعمت وتفكهت أَي: حزنت، وَقيل: التفكه التَّكَلُّم فِيمَا لَا يَعْنِيك، وَمِنْه قيل للمزاح: فاكه. عُرُبا مُثَقَّلَةً وَاحِدُها عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ يُسَمِّيها أهْلُ مَكَّةَ العَرَبَةَ وَأهْلُ المَدِينَةِ الضَجَةَ وَأهْلُ العِرَاقِ الشَّكِلَةَ. هَذَا كُله لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ مُكَرر لِأَنَّهُ مضى فِي صفة الْجنَّة. وَهنا أَيْضا تقدم وَهُوَ قَوْله: وَالْعرب المحببات إِلَى أَزوَاجهنَّ، وَقد ذَكرْنَاهُ نَحن أَيْضا عَن قريب. وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إلَى النَّارِ وَرَافِعَةً إلَى الجَنَّةِ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة خافضة رَافِعَة﴾ (الْوَاقِعَة: ١، ٣) أَي: الْقِيَامَة أَي: يَوْم الْقِيَامَة تخْفض قوما إِلَى النَّار وترفع آخَرين إِلَى الْجنَّة. وَعَن عَطاء: خفضت قوما بِالْعَدْلِ وَرفعت قوما بِالْفَضْلِ. مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ. وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿على سرر موضونة﴾ (الْوَاقِعَة: ٥١) أَي: منسوجة وَلم يثبت هَذَا إلاّ لأبي ذَر، وَقد تقدم فِي صفة الْجنَّة. قَوْله: (موضونة) ، مرمولة مشبكة بِالذَّهَب وبالجواهر قد أَدخل بَعْضهَا فِي بعض مضاعفة كَمَا يوضن حلق الدرْع. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن هَذَا الْبَاب (وضين النَّاقة) وَهُوَ بطان منسوج بعضه على بعض يشد بِهِ الرجل على الْبَعِير كالحزام للسرج. وَالكُوبُ: لَا آذَانَ لَهُ وَلا عُرْوَةَ. وَالأبَارِيقُ: ذَوَاتُ الآذَانِ وَالعُرَى أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿بأكواب وأباريق﴾ (الْوَاقِعَة: ٨١) وَتَفْسِيره ظَاهر، والأكواب جمع كوب، والأباريق جمع إبريق سمي بذلك لبريق لَونه. مَسْكُوب: جارٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَماءٍ مسكوب﴾ (الْوَاقِعَة: ١٣) أَي: جَار، وَفِي التَّفْسِير: مَنْصُوب يجْرِي دَائِما فِي غير أخدُود وَلَا مُنْقَطع. وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعَة على الأسرة، وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ: لَو طرح فرَاش من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا لم يسْتَقرّ فِي الأَرْض إلَاّ بعد سبعين خَرِيفًا. مُتْرَفِينَ: مُتَنَعِّمِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا قبل ذَلِك مترفين﴾ (الْوَاقِعَة: ٥٤) وَفَسرهُ بقوله: منتعمين، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بتاء مثناة من فَوق بعْدهَا نون من التنعم وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ممتعين، بميمين بعدهمَا تَاء. قَالَ بَعضهم: من التَّمَتُّع وَهُوَ غلط بل هُوَ من الإمتاع. يُقَال: أمتعت بالشَّيْء. أَي: تمتعت بِهِ، قَالَه أَبُو زيد، وَإِنَّمَا يُقَال من التَّمَتُّع إِن لَو كَانَت الرِّوَايَة متمتعين. مَا تُمْنُونَ: هِيَ النُّطْفَةُ فِي أرْحَامِ النِّسَاءِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون أأنتم تخلفونه أم نَحن الخالفون﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٥، ٩٥) وَفسّر قَوْله: (مَا تمنون) بقوله: (النُّطْفَة فِي الْأَرْحَام) لِأَن مَا تمنون هِيَ النُّطْفَة الَّتِي تصب فِي الْأَرْحَام وَهُوَ من أمنى يمني إمناء، وقرىء بِفَتْح التَّاء من منى يمني، وَقَالَ الْفراء: يَعْنِي النطف إِذا قذفت فِي الْأَرْحَام أأنتم تخلقون تِلْكَ النطف أم نَحن. لِلْمُقوِينَ لِلْمُسَافِرِينَ وَالْقِيُّ القفرُ وَهَذَا لم يثبت لأبي ذَر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿نَحن جعلناها تذكره ومتاعا للمقوين﴾ (الْوَاقِعَة: ٣٧) وَفسّر المقوين بالمسافرين وَهُوَ

стр. 5794

من أقوى إِذا دخل فِي أَرض القي فَألْقى، والقواء القفر الخالية الْبَعِيدَة من الْعمرَان والأهلين، وَيُقَال: أقوت الدَّار إِذا خلت من سكانها، وَقَالَ مُجَاهِد: للمقوين للمستمتعين بهَا من النَّاس أَجْمَعِينَ الْمُسَافِرين والحاضرين يستضيئون بهَا فِي الظلمَة ويصطلون بهَا فِي الْبرد وينتفعون بهَا فِي الطَّبْخ وَالْخبْز ويتذكرون بهَا نَار جَهَنَّم ويستجيرون الله مِنْهَا. وَقَالَ قطرب: المقوى من الأضداد يكون بِمَعْنى الْفَقِير وَيكون بِمَعْنى الْغَنِيّ. يُقَال: أقوى الرجل إِذا قويت دوابه وَإِذا أَكثر مَاله. بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ: بِمُحْكَمِ القُرْآنِ، وَيُقَالُ: بِمَسْقَطِ النُّجُومِ إذَا سَقَطْنَ، ومَوَاقِعُ وَمَوْقِعٌ وَاحِدٌ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم﴾ (الْوَاقِعَة: ٥٧) وَفَسرهُ بشيئين أَحدهمَا قَوْله: (بمحكم الْقُرْآن) وَقَالَ الْفراء: حَدثنَا فُضَيْل ابْن عَبَّاس عَن مَنْصُور عَن الْمنْهَال بن عَمْرو. وَقَالَ: قَرَأَ عبد الله (فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم) قَالَ: بمحكم الْقُرْآن، وَكَانَ ينزل على النَّبِي ﷺ نجوما وبقراءته قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وَخلف، وَالْآخر بقوله: (ومسقط النُّجُوم إِذا سقطن) ومساقط النُّجُوم مغْرِبهَا، وَعَن الْحسن: انكدارها وانتشارها يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: منازلها. قَوْله: (فَلَا أقسم) ، قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين مَعْنَاهُ: أقسم، وَلَا نسلة وَقَالَ بعض أهل الْعَرَبيَّة، مَعْنَاهُ فَلَيْسَ الْأَمر كَمَا تَقولُونَ: ثمَّ اسْتَأْنف الْقسم. فَقَالَ: أقسم قَوْله: (ومواقع وموقع وَاحِد) لَيْسَ قَوْله: (وَاحِد) بِالنّظرِ إِلَى اللَّفْظ وَلَا بِالنّظرِ إِلَى الْمَعْنى، وَلَكِن بِاعْتِبَار أَن مَا يُسْتَفَاد مِنْهُمَا وَاحِد، لِأَن الْجمع الْمُضَاف والمفرد الْمُضَاف كِلَاهُمَا عامان بِلَا تفَاوت على الصَّحِيح، قَالَ الْكرْمَانِي: إِضَافَته إِلَى الْجمع تَسْتَلْزِم تعدده. كَمَا يُقَال: قلب الْقَوْم وَالْمرَاد قُلُوبهم. مُدْهِنُونَ: مُكذِّبُونَ، مِثْلُ: لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أفبهذا الحَدِيث أَنْتُم مدهنون﴾ (الْوَاقِعَة: ٧٨) أَي: مكذبون، وَكَذَا فسره الْفراء هُنَا وَقَالَ فِي قَوْله: لَو تدهن فيدهنون. أَي: تكفر لَو يكفرون، يُقَال: قد ادهن أَي: كفر. قَوْله: (أفبهذا الحَدِيث) يَعْنِي: الْقُرْآن (مدهنون) قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي: كافرون، وَعَن ابْن كيسَان: المدهن الَّذِي لم يفعل مَا يحِق عَلَيْهِ ويدفعه بِالْمَالِ، وَعَن المؤرخ المدهن: الْمُنَافِق الَّذِي يلين جَانِبه ليخفي كفره، وادهن وداهن وَاحِد وَأَصله من الدّهن. فَسَلامٌ لَكَ. أيْ مُسَلَّمٌ لَكَ إنَّكَ مِنْ أصْحَابِ اليَمِينِ وَأُلْغِيَتْ إنَّ وَهُوَ مَعْناها كَما تَقُولُ أنْتَ مُصَدَّقٌ مُسافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ إذَا كَانَ قَدْ قَالَ إنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعاءِ لهُ كَقَوْلِكَ فَسَقْيا مِنَ الرِّجالِ إنْ رَفَعْتَ السَّلامَ فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين﴾ (الْوَاقِعَة: ٠٩، ١٩) وَأَشَارَ إِلَى أَن كلمة: أَن، فِيهِ محذوفة وَهُوَ قَوْله: ﴿أَنَّك من أَصْحَاب الْيَمين﴾ . قَوْله: (وألغيت: إِن) بالغين الْمُعْجَمَة من الإلغاء، وروى: وألقيت بِالْقَافِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَهُوَ مَعْنَاهَا) أَرَادَ بِهِ أَن كلمة: إِن، وَإِن حذفت فمعناها مُرَاد. قَوْله: (كَمَا تَقول) إِلَى قَوْله: (عَن قَلِيل) ، تَمْثِيل لما ذكره أَي: كَقَوْلِك لمن قَالَ إِنِّي مُسَافر عَن قريب أَنْت مُصدق مُسَافر عَن قَلِيل أَي أَنْت مُصدق إِنَّك مُسَافر عَن قَلِيل، فَحذف لفظ: إِن، هُنَا أَيْضا، وَلَكِن مَعْنَاهَا مُرَاد قَوْله: (وَقد يكون) ، أَي: لفظ سَلام. (كالدعاء لَهُ) أَي: لمن خاطبه من أَصْحَاب الْيَمين، يَعْنِي: الدُّعَاء لَهُ مِنْهُم كَقَوْلِك، فسقيا لَك من أَصْحَاب الْيَمين، وانتصاب: سقيا على أَنه مصدر لفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: سقاك الله سقيا، وَأما رفع السَّلَام فعلى الِابْتِدَاء. وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ دُعَاء وَهُوَ من المخصصات وَمَعْنَاهُ: سلمت سَلاما ثمَّ حذف الْفِعْل وَرفع الْمصدر. وَقيل: تَعْرِيف الْمصدر وتنكيره سَوَاء لشُمُوله فَهُوَ رَاجع إِلَى معنى الْعُمُوم، وَقَالَ: الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ سَلام لَك يَا صَاحب الْيَمين من إخوانك أَصْحَاب الْيَمين، أَي: يسلمُونَ عَلَيْك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: فسلام لَك رفع على معنى: فلك سَلام أَي: سَلامَة لَك يَا مُحَمَّد مِنْهُم فَلَا تهتم لَهُم، فَإِنَّهُم سلمُوا من عَذَاب الله تَعَالَى، وَقَالَ الْفراء: مُسلم لَك أَنهم من أَصْحَاب الْيَمين، وَيُقَال: لصَاحب الْيَمين إِنَّه مُسلم لَك أَنَّك من أَصْحَاب الْيَمين، وَقيل: سَلام عَلَيْك من أَصْحَاب الْيَمين. قَوْله: (إِن رفعت السَّلَام) قيل: لم يقرأه أحد بِالنّصب فَلَا معنى لقَوْله: إِن رفعت، وَأجِيب بِأَن: سقيا بِالنّصب يكون دُعَاء، بِخِلَاف السَّلَام فَإِنَّهُ بِالرَّفْع دُعَاء وَبِالنَّصبِ لَا يكون دُعَاء.

стр. 5795

تُورُونَ: تَسْتَخْرِجُونَ أوْرَيْتُ: أوْقَدْتُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون﴾ (الْوَاقِعَة: ١٧) وَلم يثبت هَذَا لأبي ذَر، وَفسّر: (تورون) بقوله: (تستخرجون) وَفِي التَّفْسِير: تقدحون. وتستخرجون من زندكم وشجرتها الَّتِي تقدح مِنْهَا النَّار المرخ والعفار. قَوْله: (أوريت أوقدت) يَعْنِي: معنى أوريت أوقدت. وأصل تورون توريون استثقلت الضمة على الْبَاء فنقلت إِلَى مَا قبلهَا والتقى الساكنان وهما الْوَاو وَالْيَاء فحذفت الْيَاء فَصَارَ: تورون. لَغْوا: بَاطِلا تأثِيما: كَذِبا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا تأثيما﴾ (الْوَاقِعَة: ٥٢) فِيهَا أَي: فِي جنَّات النَّعيم، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، هَكَذَا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيقه. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (الْوَاقِعَة: ٠٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿ظلّ مَمْدُود﴾ أَي: دَائِم لَا تنسخه الشَّمْس، وَعَن الرّبيع: يَعْنِي ظلّ الْعَرْش، وَعَن عَمْرو ابْن مَيْمُون: مسيرَة سبعين ألف سنة. ١٨٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ أبِي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّها مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُها وَاقْرَؤا إِن شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز والْحَدِيث مضى فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي: بَاب صفة الْجنَّة. قَوْله: (يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ ليبدل على أَنه سَمعه من النَّبِي ﷺ جزما وَيدْفَع بِهِ احْتِمَال أَنه سَمعه مِمَّن سمع النَّبِي ﷺ . ٧٥ - ( ﴿سُورَةُ الحَدِيدِ وَالمُجَادَلَةِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْحَدِيد، وَسورَة المجادلة غير سُورَة الْحَدِيد، وعقيب سُورَة الْحَدِيد تَأتي سُورَة المجادلة وَلَكِن وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا سُورَة الْحَدِيد والمجادلة، وَلغيره: سُورَة الْحَدِيد فَقَط. وَسورَة الْحَدِيد مَكِّيَّة خلافًا للسدي، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: فِيهَا مَكِّيَّة وفيهَا مَدَنِيَّة. وَهُوَ الصَّحِيح. لِأَن فِيهَا ذكر الْمُنَافِقين وَلم يكن النِّفَاق إلَاّ فِي الْمَدِينَة، وفيهَا أَيْضا ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح﴾ (الْحَدِيد: ٠١) الْآيَة. وَلم تنزل إلَاّ بعد الْفَتْح وَلَا قتال إلَاّ بعد الْهِجْرَة، وأولها مكي فَإِن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَرَأَهُ فِي بَيت أُخْته قبل إِسْلَامه، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة الزلزلة وَقيل سُورَة مُحَمَّد ﷺ . وَهِي: أَلفَانِ وَأَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَسَبْعُونَ حرفا، وَخَمْسمِائة وَأَرْبع وَأَرْبَعُونَ كلمة، وتسع وَعِشْرُونَ آيَة. (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر دون غَيره. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلِفِينَ فِيهِ مُعَمَّرِينِ فِيهِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنفقوا مِمَّا جعلكُمْ مستخلفين فِيهِ﴾ (الْحَدِيد: ٧) أَي: معمرين فِيهِ، وَلم يثبت هَذَا لأبي ذَر، وَعَن الْفراء مستخلفين فِيهِ أَي: مملكين فِيهِ. مِنَ الظُّلُماتِ إلَى النُّورِ: مِنَ الضَّلالَةِ إلَى الهُدَي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي ينزل على عَبده آيَات بَيِّنَات ليخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ (الْحَدِيد: ٩) وَسقط هَذَا أَيْضا لأبي ذَر. فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمنافِعُ للنَّاسِ﴾ (الْحَدِيد: ٥٢) جُنّةٌ وَسلاحٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾ أَي: قُوَّة شَدِيدَة ﴿وَمَنَافع للنَّاس﴾ مِمَّا يستعملونه فِي مصالحهم ومعائشهم، إِذْ هُوَ آلَة لكل صَنْعَة. وَفسّر البُخَارِيّ قَوْله: (وَمَنَافع للنَّاس) بقوله: (جنَّة) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد النُّون

стр. 5796

أَي: ستر ووقاية. قَوْله: (وَسلَاح) يَشْمَل جَمِيع آلَات الْحَرْب، وروى مَا فسره عَن مُجَاهِد، رَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ. مَوْلاكُمْ أوْلَى بِكُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مأواكم النَّار هِيَ مولاكم﴾ (الْحَدِيد: ٥١) أَي: (أولى بكم) كَذَا قَالَه الْفراء وَأَبُو عُبَيْدَة وَفِي بعض النّسخ: مولاكم هُوَ أولى بكم، وَكَذَا وَقع فِي كَلَام أبي عُبَيْدَة وتذكير الضَّمِير بِاعْتِبَار الْمَكَان فَافْهَم. ﴿لِئَلَاّ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتَابِ﴾ (الْحَدِيد: ٩٢) لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أَرَادَ بِهِ أَن كلمة لَا صلَة تَقْدِيره: ليعلم، وَقَالَ الْفراء: تجْعَل لَا صلَة فِي الْكَلَام إِذا دخل فِي أَوله جحد أَو فِي آخِره جحد كهذه الْآيَة وَكَقَوْلِه: ﴿مَا مَنعك أَن لَا تسْجد﴾ (الْأَعْرَاف: ٢١) وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير لكَي لَا يعلم أهل الْكتاب. يُقالُ: الظَّاهِرُ عَلَى كلِّ شَيْءٍ عِلْما وَالباطِنُ عَلَى كلِّ شَيْءِ عِلْما أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ (الْحَدِيد: ٢) وَفسّر الظَّاهِر وَالْبَاطِن بِمَا ذكره، وَكَذَا فسره الْفراء وَفِيه تفاسير أُخْرَى، وَوَقع فِي بَعْص النّسخ الظَّاهِر بِكُل شَيْء. أنْظِرُونَا انْتَظِرُونا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يَقُول المُنَافِقُونَ والمنافقات للَّذين آمنُوا أنظرونا نقتبس من نوركم﴾ (الْحَدِيد: ٣١) وَمَعْنَاهُ: انتظرونا، وَقَالَ الْفراء: قَرَأَهَا يحيى بن وثاب وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة انظرونا، بِقطع الْألف من: أنظرت، وَالْبَاقُونَ على الْوَصْل، وَفِي بعض النّسخ: هَذَا وَقع قبل قَوْله: يُقَال الظَّاهِر. ٨٥ - ( ﴿سُورَةُ المُجَادَلَةِ﴾ ) ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ أَي هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة المجادلة، كَذَا وَقع للنسفي وَأبي نعيم والإسماعيلي، وَسقط لغَيرهم. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَدَنِيَّة بِلَا خلاف. وَقَالَ السخاوي: نزلت قبل الحجرات وَبعد الْمُنَافِقين، وَهِي ألف وَسَبْعمائة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ حرفا، وَأَرْبَعمِائَة وَثَلَاث وَسَبْعُونَ كلمة، وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ آيَة. وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد: اسْم هَذِه المجادلة خُوَيْلَة قَالَه مُحَمَّد بن سِيرِين، وَكَانَ زَوجهَا ظَاهر مِنْهَا، وَهُوَ أول ظِهَار كَانَ فِي الْإِسْلَام، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: خُوَيْلَة بنت دليج وَقَالَ عِكْرِمَة هِيَ خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة هِيَ خُوَيْلَة بنت الصَّامِت، وَقَالَ أَبُو عمر: خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة وَزوجهَا أَوْس بن الصَّامِت، وسماها مُجَاهِد: جميلَة وسماها ابْن مَنْدَه: خَوْلَة بنت الصَّامِت، وَقَالَ أَبُو عمر. خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة بن أَصْرَم بن فهر بن ثَعْلَبَة بن غنم بن عَوْف، وَأما عُرْوَة وَمُحَمّد بن كَعْب وَعِكْرِمَة. فَقَالُوا: خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة، كَانَت تَحت أَوْس بن الصَّامِت أخي عبَادَة بن الصَّامِت، وَظَاهر مِنْهَا، وفيهَا نزلت: ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ (المجادلة: ١) إِلَى آخر الْقِصَّة فِي الظِّهَار، وَقيل: إِن الَّتِي نزلت فِيهَا هَذِه الْآيَة جميلَة امْرَأَة أَوْس بن الصَّامِت، وَقيل: بل هِيَ خُوَيْلَة بنت دليج وَلَا يثبت شَيْء من ذَلِك. يُجَادُّونَ يُشاقونَ الله أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يجادون الله وَرَسُوله﴾ (المجادلة: ٥) الْآيَة أَي: يشاقون الله ويعادون رَوَاهُ عبد بن حميد. حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. كُبِتُوا أُخْزِيُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كبتوا كَمَا كبت الَّذين من قبلهم﴾ (المجادلة: ٥) وَفسّر: كبتوا: بقوله: أخزيوا من الخزي. كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: أحزنوا وبالمهملة وَالنُّون، وَقيل: لووا، وَقيل: أهلكوا. وَقيل: أغيظوا وأصل التَّاء فِيهِ دَال يُقَال: كبد إِذا أَصَابَهُ وجع فِي كبده. ثمَّ أبدلت تَاء لقربهما فِي الْمخْرج. اسْتَحْوَذَ غَلِبَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان﴾ (المجادلة: ٩١) أَي: غلب عَلَيْهِم، وَكَذَا رُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة، وَحكى عَن قِرَاءَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، استحاذ بِوَزْن استقام وَهُوَ على الْقَاعِدَة، وَأما استحوذ فَإِنَّهُ أحد مَا جَاءَ على الأَصْل من غير إعلال، وَلم يذكر فِي هَذِه السُّورَة وَلَا فِي الَّتِي قبلهَا حَدِيثا مَرْفُوعا. ٩٥ - ( ﴿سُورَةُ الحَشْرِ﴾ )

стр. 5797

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْحَشْر، وَهِي مَدَنِيَّة: وَهِي ألف وَتِسْعمِائَة وَثَلَاثَة عشر حرفا وَأَرْبَعمِائَة وَخمْس وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَأَرْبع وَعِشْرُونَ آيَة وَسميت سُورَة الْحَشْر لقَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر﴾ (الْحَشْر: ٢) الْآيَة. يَعْنِي الله هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من بني النَّضِير الَّذين كَانُوا بِيَثْرِب، وَعَن ابْن إِسْحَاق كَانَ جلاء بني النَّضِير مرجع النَّبِي ﷺ من أحد، وَكَانَ فتح قُرَيْظَة عِنْد مرجعه من الْأَحْزَاب وَبَينهمَا سنتَانِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿لأوّل الْحَشْر﴾ لأَنهم أول من حشروا من أهل الْكتاب. وَنَفَوْا من الْحجاز وَكَانَ حشرهم إِلَى الشَّام، وَعَن مرّة الْهَمدَانِي: كَانَ هَذَا أول الْحَشْر من الْمَدِينَة والحشر الثَّانِي من خَيْبَر وَجَمِيع جَزِيرَة الْعَرَب إِلَى أَذْرُعَات وَأَرِيحَا من الشَّام فِي أَيَّام عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن قَتَادَة: كَانَ هَذَا أول الْحَشْر والحشر الثَّانِي نَار تَحْشُرهُمْ من الْمشرق إِلَى الْمغرب تبيت مَعَهم حَيْثُ باتوا وتقيل مَعَهم حَيْثُ قَالُوا وتأكل مِنْهُم من تخلف. (بِسم الله الرحمان الرَّحِيم) لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر. ١ - (بابٌ: ﴿الجَلاءَ: الإخْرَاجُ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ﴾ ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَن كتب الله عَلَيْهِم الْجلاء لعذبهم فِي الدُّنْيَا﴾ (الْحَشْر: ٣) الْآيَة، وَكَذَا فسره قَتَادَة أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد عَنهُ، والجلاء أخص من الْإِخْرَاج لِأَن الْجلاء مَا كَانَ مَعَ الْأَهْل وَالْمَال والإخراج أَعم مِنْهُ. ٢٨٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثنا هُشَيْمٌ أخْبَرَنا أبُو بَشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ: سورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: التَوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ مَا زَالَتْ تَنزِلُ: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أنَّها لَمْ تُبْقِ أحَدا مِنْهُمْ إلَاّ ذُكِرَ فِيهَا قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الأنْفَالِ؟ قَالَ نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ. قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الحَشْرِ؟ قَالَ نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وهشيم مصغر هشم ابْن بشير مصغر بشر بِالْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة الوَاسِطِيّ، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة، جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث أخرج البُخَارِيّ بعضه فِي سُورَة الْأَنْفَال وَفِيه وَفِي الْمَغَازِي عَن الْحسن بن مدرك. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن عبد الله ﷺ مُطِيع. قَوْله: (هِيَ الفاضحة) لِأَنَّهَا تفضح النَّاس حَيْثُ تبين معائبهم. قَوْله: (مَا زَالَت) أَي: سُورَة التَّوْبَة تنزل قَوْله: (وَمِنْهُم وَمِنْهُم) صَحَّ مرَّتَيْنِ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي﴾ (التَّوْبَة: ٦) قَالَ: ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات﴾ (التَّوْبَة: ٨٥) و ﴿مِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي﴾ (التَّوْبَة: ٩٤) و ﴿مِنْهُم من عَاهَدَ الله﴾ (التَّوْبَة: ٥٧) قَوْله: (لم تبْق) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لن تبقى، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنه لَا يبْقى. قَوْله: (فِي بني النَّضِير) بِفَتْح النُّون وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: قَبيلَة الْيَهُود. ٣٨٨٤ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ مُدْرِكٍ حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَمَّادٍ أخْبرنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ ﵄ سُورَةُ الحَشْرِ قَالَ قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين: الوضاح الْيَشْكُرِي، وَسَعِيد هُوَ ابْن جُبَير. قَوْله: (قل سُورَة النَّضِير) كَأَنَّهُ كره تَسْمِيَتهَا بالحشر لِئَلَّا يظنّ أَن المُرَاد يَوْم الْقِيَامَة، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ هُنَا إِخْرَاج بني النَّضِير. ٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (الْحَشْر: ٥) نَخْلَةٍ مَا لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً أَوْ بَرْنِيَّةً) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة﴾ الْآيَة، وَفسّر اللينة بالنخلة، وَكَذَا فَسرهَا أَبُو عُبَيْدَة: وَهِي من الألوان مَا لم تكن عَجْوَة أَو برنية، بِفَتْح الْبَاء وسكو الرَّاء وَكسر النُّون وَتَشْديد الْبَاء آخر الْحُرُوف وَهِي ضرب من التَّمْر، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلف فِي اللينة فَقيل: هِيَ مَا دون الْعَجْوَة من النَّحْل وَالنَّخْل كُله لينَة مَا خلا الْعَجْوَة، وَهُوَ قَول عِكْرِمَة وَقَتَادَة، وَعَن الزُّهْرِيّ: اللينة ألوان النَّخْلَة كلهَا لِأَن الْعَجْوَة أَو البرنية، وَعَن عَطِيَّة وَابْن زيد. هِيَ النَّخْلَة والنخيل

стр. 5798

كلهَا من غير اسْتثِْنَاء، وَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ لون من النّخل وأصل لينَة: لونة، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. ٤٨٨٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا لَ يْثٌ عَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ البُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِها فَبِإِذْنِ الله وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمضى الحَدِيث فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا خماسيا وَهنا سَاقه رباعيا. قَوْله: (البويرة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالراء. قَوْله: (مَا قطعْتُمْ) مَحل: مَا نصب: بقطعتم، كَأَنَّهُ قيل: أَي: شَيْء قطعْتُمْ من لينَة، وَالضَّمِير فِي: تَرَكْتُمُوهَا، يرجع إِلَى: مَا لانه فِي معنى اللينة. قَوْله: (على أُصُولهَا) أَي: سوقها فَلم يقطعوها وَلم يحرقوها. قَوْله: (فبإذن الله) يَعْنِي: الْقطع وَالتّرْك بِإِذن الله قَوْله: (وليخزي) أَي: وَلأَجل أَن يخزي الْفَاسِقين من الإخزاء، وَهُوَ الْقَهْر والإذلال. ٣ - (بابٌ قَوْلِهِ: ﴿مَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾ (الْحَشْر: ٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿مَا أَفَاء الله﴾ أَي: مَا رد الله وَرجع إِلَيْهِ مِنْهُم أَي من بني النَّضِير من الْأَمْوَال. ٥٨٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْروٍ عنِ الزهْرِيِّ عنْ مَالِكِ ابنِ أوْسٍ بنِ الحَدَثانِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ كانَتْ أمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا ركابٍ فَكَانَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ خَاصَّةً يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتهِ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلاحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلَ الله.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب، وَوَقع فِي (صَحِيح مُسلم) عَمْرو بن دِينَار عَن مَالك بن أَوْس، وَلَعَلَّ ذَلِك من بعض النقلَة لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْإِسْنَاد بعد عَن الزُّهْرِيّ: بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَدلَّ على أَنه مَذْكُور عِنْده فِي السَّنَد الأول. وَقَالَ الجياني: سقط ذكر ابْن شهَاب من نُسْخَة ابْن ماهان والْحَدِيث مَحْفُوظ لعَمْرو عَن الزُّهْرِيّ عَن مَالك بن أَوْس. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي مطولا فِي: بَاب حَدِيث بني النَّضِير وَفِي الْجِهَاد أَيْضا وَالْخمس مطولا ومختصرا. قَوْله: (مِمَّا لَو يوجف) من الإيجاف من الوجيف وَهُوَ السّير السَّرِيع. قَوْله: (بخيل) أَرَادَ بِهِ الفرسان وَأَرَادَ بالركاب الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا. قَوْله: (فِي السِّلَاح) ، وَهُوَ مَا أعد للحرب من آلَة الْحَدِيد مِمَّا يُقَاتل بِهِ وَالسيف وَحده لَيْسَ سِلَاحا. قَوْله: (والكراع) بِضَم الْكَاف. قَالَ ابْن دُرَيْد هُوَ: من ذَوَات الظلْف خَاصَّة ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سميت بِهِ الْخَيل. وَفِي (الْمُجَرّد) الكراع اسْم لجَمِيع الْخَيل إِذا قلت السِّلَاح، والكراع، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ حجَّة لمَالِك على أَن الْفَيْء لَا يقسم وَإِنَّمَا هُوَ موكول إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام، وَكَذَلِكَ الْخمس عِنْده، وَأَبُو حنيفَة يقسمهُ أَثلَاثًا وَالشَّافِعِيّ أَخْمَاسًا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قبل الشَّافِعِي قَالَ بالخمس من الْفَيْء، وَفِيه جَوَاز إدخار قوت سنة إِذا كَانَ من غَلَّته إِمَّا إِذا اشْتَرَاهُ من السُّوق؟ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: فَأَجَازَهُ قوم وَمنعه آخَرُونَ إِذا أضرّ بِالنَّاسِ، وَجَوَاز الإدخار لَا يقْدَح التَّوَكُّل. ٤ - (بابٌ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الْحَشْر: ٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ أَي: مَا أَمركُم بِهِ الرَّسُول فافعلوه. ٦٨٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ لَعَنَ الله الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ وَالمُتَنمِّصات وَالمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقِ الله فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمَّ يَعْقُوبَ فَجَاءَتْ فَقَالَتْ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ

стр. 5799

وَكَيْتَ فَقَالَ وَمَالِي لَا ألْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ وَمَنْ فِي كِتَابِ الله فَقَالَتْ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ قَالَ لَئِنْ كُنْتُ قَرأتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ أمَّا قَرَأْتِ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قَالَتْ بَلَى قَالَ فَإنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ قَالَتْ فَإنِّي أرَى أهلَكَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ فَاذْهَبِي فَانْظُرِي فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئا فَقَالَ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعَتْنا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: أما قَرَأت: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ (الْحَشْر: ٧) وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَعَن عُثْمَان وَعَن إِسْحَاق وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن عُثْمَان وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي التَّرَجُّل عَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَعُثْمَان وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن بشار وَغَيره وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن حَفْص بن عمر وَغَيره. قَوْله: (الْوَاشِمَات) ، جمع واشمة من الوشم وَهُوَ غرز إبرة أَو مسلة وَنَحْوهمَا: فِي ظهر الْكَفّ أَو المعصم أَو الشّفة وَغير ذَلِك من بدن الْمَرْأَة حَتَّى يسيل مِنْهُ الدَّم ثمَّ يحشى ذَلِك الْموضع بكحل أَو نورة أَو نيلة. ففاعل هَذَا واشم وواشمة وَالْمَفْعُول بهَا موشومة. فَإِن طلبت فعل ذَلِك فَهِيَ مستوشمة وَهُوَ حرَام على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بهَا باختيارها والطالبة لَهُ فَإِن فعل بطفلة فالإثم على الفاعلة لَا على الطفلة لعدم تكليفها حِينَئِذٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: الْموضع الَّذِي وشم يصير نجسا فَإِن أمكن إِزَالَته بالعلاج وَجَبت إِزَالَته وَإِن لم يُمكن إلَاّ بِجرح فَإِن خَافَ مِنْهُ التّلف أَو فَوَات عُضْو أَو مَنْفَعَة عُضْو أَو شَيْئا فَاحِشا فِي عُضْو ظَاهر لم تجب إِزَالَته، وَإِذا تَابَ لم يبْق عَلَيْهِ إِثْم وَإِن لم يخف شَيْئا من ذَلِك وَنَحْوه لزمَه إِزَالَته ويعصى بِتَأْخِيرِهِ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُله الرجل وَالْمَرْأَة. قَوْله: (والمؤتشمات) ، جمع مؤتشمة، وَهِي الَّتِي يفعل فِيهَا الوشم. قَوْله: (وَالْمُتَنَمِّصَات) ، جمع متتمصة من التنمص بتاء مثناة من فَوق، ثمَّ نون وصاد مُهْملَة وَهُوَ إِزَالَة الشّعْر من الْوَجْه مَأْخُوذ من النماص بِكَسْر الْمِيم الأولى وَهُوَ المنقاش، والمنتمصة هِيَ الطالبة إِزَالَة شعر وَجههَا، والنامصة هِيَ الفاعلة ذَلِك يَعْنِي المزيلة، وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: بَعضهم يَقُول: المنتمصة بِتَقْدِيم النُّون وَالَّذِي ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عُبَيْدَة تَقْدِيم التَّاء مَعَ التَّشْدِيد. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ حرَام إلاّ إِذا نَبتَت للْمَرْأَة لحية أَو شوارب فَلَا يحرم بل يسْتَحبّ عندنَا. وَالنَّهْي إِنَّمَا هُوَ فِي الحواجب وَمَا فِي أَطْرَاف الْوَجْه، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يجوز حلق لحيتها وَلَا عنفقتها وَلَا شاربها وَلَا تَغْيِير شَيْء من خلقهَا بِزِيَادَة وَلَا نقص. قَوْله: (المتلفجات) ، جمع متفلجة بِالْفَاءِ وَالْجِيم من التفلج وَهُوَ برد الْأَسْنَان الثنايا والرباعيات مَأْخُوذ من الفلج بِفَتْح الْفَاء وَاللَّام وَهِي فُرْجَة بَين الثنايا والرباعيات. قَوْله: (لِلْحسنِ) ، يتَعَلَّق بالمتفلجات أَي: لأجل الْحسن، قيد بِهِ لِأَن الْحَرَام مِنْهُ هُوَ الْمَفْعُول لطلب الْحسن، أما إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ لعلاج أَو عيب فِي السن وَنَحْوه فَلَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يفعل ذَلِك الْعَجُوز وَشبههَا إِظْهَارًا للصغر وَحسن الْأَسْنَان، وَهَذَا الْفِعْل حرَام على الفاعلة وَالْمَفْعُول بهَا. قَوْله: (الْمُغيرَات خلق الله) ، يَشْمَل مَا ذكر قبله وَلذَلِك قَالَ: الْمُغيرَات بِدُونِ الْوَاو: لِأَن ذَلِك كُله تَغْيِير لخلق الله تَعَالَى وتزوير وتدليس، وَقيل: هَذَا صفة لَازمه للتفلج. قَوْله: (أم يَعْقُوب) لم أَقف على اسْمهَا. قَوْله: (من لعن) مفعول (لَا الْعَن) فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الِاقْتِدَاء بِهِ فِي إِطْلَاق اللَّعْن معينا كَانَ أَو غير معِين لِأَن الأَصْل أَنه ﷺ مَا كَانَ يلعن إلَاّ من يسْتَحق ذَلِك عِنْده. فَإِن قلت: يُعَارضهُ قَوْله: اللَّهُمَّ مَا من مُسلم سبيته أَو لعنته وَلَيْسَ لذَلِك بِأَهْل فَاجْعَلْ لَهُ ذَلِك كَفَّارَة وَطهُورًا. قلت: لَا يُعَارضهُ لِأَنَّهُ عِنْده مُسْتَحقّ لذَلِك، وَأما عِنْد الله فَالْأَمْر موكول إِلَيْهِ يفهم من قَوْله وَلَيْسَ لذَلِك بِأَهْل، يَعْنِي: فِي علمك لَا فِي علمي، أما أَن يَتُوب مِمَّا صدر مِنْهُ أَو يقْلع عَنهُ، وَإِن علم الله مِنْهُ خلاف ذَلِك كَانَ دعاؤه ﷺ عَلَيْهِ زِيَادَة فِي شقوته. قَوْله: (وَمن هُوَ فِي كتاب الله) مَعْطُوف على من (لعن) وَتَقْدِيره: مَا لي لَا الْعَن من هُوَ فِي كتاب الله مَلْعُون، قيل: أَيْن فِي الْقُرْآن لعنتهن؟ أُجِيب: بِأَن فِيهِ وجوب الِانْتِهَاء عَمَّا نَهَاهُ الرَّسُول لقَوْله تَعَالَى:

стр. 5800

﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ (الْحَشْر: ٧) وَقد نهى عَنهُ. ففاعله ظَالِم، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ (هود: ٨١) قَوْله: (قَرَأت مَا بَين اللَّوْحَيْنِ) أَي: الْقُرْآن أَو أَرَادَت باللوحين الَّذِي يُسمى بِالرجلِ وَيُوضَع الْمُصحف عَلَيْهِ فَهُوَ كِنَايَة أَيْضا عَن الْقُرْآن وَقَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي: وَكَانَت قارئة لِلْقُرْآنِ. قَوْله: (إِن كنت قرأتيه) ويروى: قرأته، وَهُوَ الأَصْل، وَوجه الأول أَن فِيهِ إشباع الكسرة بِالْيَاءِ. قَوْله: (فَإِنِّي أرى أهلك يَفْعَلُونَهُ) أَرَادَت بهَا زَيْنَب بنت عبد الله الثقفية. قَوْله: (فَلم تَرَ من حَاجَتهَا شَيْئا) أَي: فَلم تَرَ أم يَعْقُوب من الَّذِي ظَنَنْت أَن زوج ابْن مَسْعُود كَانَت تَفْعَلهُ. قَوْله: (فَقَالَ: لَو كَانَت كَذَلِك) أَي: فَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَو كَانَت زَوجي تفعل ذَلِك كَمَا ذكرته. قَوْله: (مَا جامعتنا) جَوَاب: لَو. أَي: مَا صاحبتنا بل كُنَّا نطلقها ونفارقها. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: مَا جامعتني، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مَا جامعتها من الْجِمَاع، كِنَايَة عَن إِيقَاع الطَّلَاق. ٧٨٨٤ - حدَّثنا عَلِيٌّ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ ذَكَرْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَابِسٍ حدِيثَ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ الوَاصِلَةَ فَقَالَ سَمِعْتُهُ مِنْ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ الله مِثْلَ حَدِيثِ مَنْصُورٍ.. عَليّ هُوَ ابْن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْمهْدي الْبَصْرِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعبد الرَّحْمَن بن عَابس بالمهملتين وبالياء الْمُوَحدَة الْكُوفِي. قَوْله: (الْوَاصِلَة) هِيَ الَّتِي تصل شعرهَا بِشعر آخر تكثره بِهِ، وَهِي الفاعلة، وَالْمسْتَوْصِلَة هِيَ الطالبة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هُوَ نَص فِي تَحْرِيم ذَلِك، وَهُوَ قَول مَالك وَجَمَاعَة من الْعلمَاء، وَمنعُوا الْوَصْل بِكُل شَيْء من الصُّوف أَو الْخرق وَغَيرهَا لِأَن ذَلِك كُله فِي معنى الْوَصْل بالشعر ولعموم النَّهْي وسد الذريعة، وشذ اللَّيْث بن سعد فَأجَاز وَصله بالصوف وَمَا لَيْسَ بِشعر، وَهُوَ محجوج بِمَا تقدم، وأباح آخَرُونَ وضع الشّعْر على الرَّأْس، وَقَالُوا: إِنَّمَا نهى عَن الْوَصْل خَاصَّة وَهِي ظاهرية مَحْضَة وإعراض عَن الْمَعْنى، وشذ قوم فأجازوا الْوَصْل مُطلقًا وتأولوا الحَدِيث على غير وصل الشّعْر، وَهُوَ قَول بَاطِل، وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَلم يَصح عَنْهَا وَلَا يدْخل فِي هَذَا النَّهْي مَا يرْبط من الشّعْر بخيوط الشّعْر الملونة وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يشبه الشّعْر لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ. إِذْ لَيْسَ هُوَ بوصل إِنَّمَا هُوَ للتجمل والتحسن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَصله أَصْحَابنَا إِن وصلته بِشعر الْآدَمِيّ فَهُوَ حرَام بِلَا خلاف سَوَاء كَانَ من رجل أَو امْرَأَة لعُمُوم الْأَحَادِيث، وَلِأَنَّهُ يحرم الِانْتِفَاع بِشعر الْآدَمِيّ وَسَائِر أَجْزَائِهِ لكرامته بل يدْفن شعره وظفره وَسَائِر أَجْزَائِهِ، وَإِن وصلته بِشعر غير الْآدَمِيّ فَإِن كَانَ نجسا من ميتَة أَو شعر مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه إِذا انْفَصل فِي حَيَاته فَهُوَ حرَام أَيْضا، وَلِأَنَّهَا حاملة نَجَاسَة فِي صلَاتهَا وَغَيرهَا عمدا، وَسَوَاء فِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ الْمُزَوجَة وَغَيرهَا من النِّسَاء وَالرِّجَال، وَأما الشّعْر الطَّاهِر فَإِن لم يكن لَهَا زوج وَلَا سيد فَهُوَ حرَام أَيْضا وَإِن كَانَ فَثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: لَا يجوز لظَاهِر الحَدِيث. الثَّانِي: يجوز، وأصحها عِنْدهم إِن فعلته بِإِذن السَّيِّد أَو الزَّوْج جَازَ، وإلَاّ فَهُوَ حرَام. ٥ - (بابٌ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّار وَالإيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (الْحَشْر: ٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَالَّذين تبوؤا الدَّار﴾ أَي: الَّذين اتَّخذُوا الْمَدِينَة دَار الْإِيمَان وَالْهجْرَة وهم الْأَنْصَار أَسْلمُوا فِي دِيَارهمْ وابتنوا الْمَسَاجِد قبل قدومهم بِسنتَيْنِ، فَأحْسن الله تَعَالَى الثَّنَاء عَلَيْهِم. قَوْله: ﴿من قبلهم﴾ أَي: من قبل قدوم الْمُهَاجِرين عَلَيْهِم، وَقد آمنُوا ﴿يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم﴾ من الْمُهَاجِرين. ٨٨٨٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا أبُو بَكْرٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْروٍ بنِ مَيْمُونٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ ﵁ أُوصِي الخَلِيفَةَ بالمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقْهُمْ وَأُوصِيَ الخَلِيفَةَ بِالأنْصَارِ ﴿الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّار وَالإيمَانَ﴾ مِنْ قَبْلِ أنْ يُهاجِرَ النبيُّ ﷺ أنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَعْفُو عَنْ مُسِيئِهِمْ.

стр. 5801

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿الَّذين تبوؤا الدَّار والأيمان﴾ (الْحَشْر: ٩) وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش، على وزن فعال بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْمقري، وحصين بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وبالنون ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. والْحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل قد مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب قبر النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن حُصَيْن عَن عَمْرو بن مَيْمُون. الحَدِيث. قَوْله: (بالمهاجرين الْأَوَّلين) هم الَّذين صلوا إِلَى الْقبْلَتَيْنِ. قَالَه أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَابْن الْمسيب، وَقيل: هم الَّذين أدركوا بيعَة الرضْوَان. قَالَه الشّعبِيّ وَابْن سِيرِين، فعلى القَوْل الأول: هم الَّذين هَاجرُوا قبل تَحْويل الْقبْلَة سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة، وعَلى الثَّانِي: هم الَّذين هَاجرُوا قبل الْحُدَيْبِيَة. وَقيل: هم الَّذين شهدُوا بَدْرًا. قَوْله: (الَّذين تبوؤا الدَّار وَالْإِيمَان) ، هُوَ مثل: علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا. ٦ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ﴾ (الْحَشْر: ٩) الآيَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله فِي مدح الْأَنْصَار فَإِنَّهُم قاسموا الْمُهَاجِرين دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ. الخَصاصَةُ الْفَاقَةُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ وفسرها بالفاقة وَهِي الْفقر والاحتياج، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، فاقة، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَهَذَا قَول مقَاتل بن حَيَّان. المُفْلِحُونَ: الْفَائِزُونَ بالخُلُودِ. وَالفَلاحُ: البقاءُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ (الْحَشْر: ٩) وَفسّر: المفلحون بالفائزين بالخلود، وَبِه فسر الْفراء. قَوْله: (والفلاح الْبَقَاء) يَعْنِي: يَأْتِي بِمَعْنى الْبَقَاء. قَالَ الشَّاعِر: (وَلَكِن لَيْسَ للدنيا فلاح) أَي بَقَاء، وَفِي (الْمغرب) : الْفَلاح الْفَوْز بالمطلوب، ومدار التَّرْكِيب على الشق وَالْقطع. حَيَّ عَلَى الفَلاحِ: عَجِّلْ مُرَاده معنى الْفَلاح هُنَا وَمعنى حَيّ: عجل: أَي على الْفَوْز بالمطلوب، وَقَالَ بَعضهم: حَيّ على الْفَلاح أَي: عجل، هُوَ تَفْسِير حَيّ: أَي: معنى حَيّ على الْفَلاح، عجل قلت: لَيْسَ مُرَاد البُخَارِيّ مَا ذكره، وَإِنَّمَا مُرَاده معنى: مَا ذكرنَا لِأَنَّهُ فِي صدد تَفْسِير الْفَلاح وَلَيْسَ فِي صدد تَفْسِير معنى حَيّ وَتَفْسِير حَيّ وَقع اسْتِطْرَادًا. وَقَالَ ابْن التِّين: لم يذكرهُ أحد من أهل اللُّغَة إِنَّمَا قَالُوا: مَعْنَاهُ هَلُمَّ وَأَقْبل: قلت: يَعْنِي: لم يذكر أحد من أهل اللُّغَة أَن مَعْنَاهُ عجل، بل الَّذِي ذَكرُوهُ هَلُمَّ وَأَقْبل وَلَا يتَوَجَّه مَا ذكره لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صدد تَفْسِير حَيّ. كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا وَقع استطراد وَقَالَ بَعضهم: هُوَ كَمَا قَالَ وَلَكِن فِيهِ إِشْعَار بِطَلَب الإعجال، فَالْمَعْنى: أقبل مسرعا. قلت: الْحَال بِالْحَال لِأَن اعتذاره عَنهُ إِنَّمَا يجدي أَن لَو كَانَ هُوَ فِي صدد تَفْسِير: حَيّ، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ الحَسَنُ: حَاجَةً حَسَدا أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا﴾ (الْحَشْر: ٩) وَفسّر: (حَاجَة) بقوله: (حسدا) وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن الْحسن. ٩٨٨٤ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ كَثِيرٍ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ غَزْوَانَ حدَّثنا أبُو حَازِمٍ الأشْجَعِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَتَى رَجُلٌ رسولَ الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله أصابَنِي الجَهْدُ فَأرْسَلَ إلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئا فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَلا رَجُلٌ يُضَيِّفُ هاذا اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ الله فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ أَنا يَا رَسُولَ الله فَذَهَبَ إلَى أهْلِهِ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ ضَيْفُ رَسُولِ الله ﷺ لَا تَدَّخريهِ شَيْئا قَالَتْ وَالله مَا عِنْدِي إلَاّ قُوتُ الصِّبْيَةِ قَالَ فَإذَا أرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ فَنَوْمِهِمْ وَتَعَالَى فَأطْفِئي السِّرَاجَ وَنَطْوى بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ فَفَعَلْتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى

стр. 5802

رَسُولِ الله ﷺ فَقالَ لَقَدْ عَجِبَ الله أوْ ضَحِكَ مِنْ فُلانٍ وَفُلانَةَ فَأنْزَلَ الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الْحَشْر: ٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير ضد الْقَلِيل. الدَّوْرَقِي وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَأَبُو حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي فضل الْأَنْصَار فِي: بَاب ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن عبد الله بن دَاوُد عَن فُضَيْل بن غَزوَان إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أَتَى رجل) ذكر الواحدي أَنه من أهل الصّفة وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني: أَنه أَبُو هُرَيْرَة. قَوْله: (الْجهد) ، أَي: الْمَشَقَّة والجوع. قَوْله: (الأرجل) كلمة: لَا للتحضيض والحث على شَيْء يَفْعَله الرجل. قَوْله: (يضيف) بِضَم الْيَاء من الْإِضَافَة. قَوْله: (فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار) قَالَ الْخَطِيب: وَأَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ ابْن بشكوال: هُوَ زدي بن سهل وَأنْكرهُ النَّوَوِيّ: وَقيل: عبد الله بن رَوَاحَة وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ والنحاس. نزلت فِي أبي المتَوَكل وَأَن الضَّيْف ثَابت بن قيس. قَوْلهمَا: نزلت فِي أبي المتَوَكل وَأَن الضَّيْف ثَابت بن قيس. قَوْلهمَا: نزلت فِي أبي المتَوَكل: وهم فَاحش لِأَن أَبَا المتَوَكل النَّاجِي تَابِعِيّ إِجْمَاعًا قَوْله: (هَذَا اللَّيْلَة) هَذَا إِشَارَة إِلَى الرجل فِي قَوْله: أَنِّي رجل (وَاللَّيْلَة) نصب على الظّرْف، ويروى: هَذِه اللَّيْلَة فالإشارة فِيهِ إِلَى اللَّيْلَة قَوْله: (يرحمه الله) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يضيف هَذَا رَحْمَة: بِالتَّنْوِينِ قَوْله: (ضيف رَسُول الله) أَي: هَذَا ضيف رَسُول الله ﷺ قَوْله: (لَا تدخر بِهِ شَيْئا) أَي: لَا تمسكي عَنهُ شَيْئا. قَوْله: (الصبية) بِكَسْر الصَّاد جمع صبي. قَوْله: (الْعشَاء) بِفَتْح الْعين. قَوْله: (فنوميهم) أَي: الصِبْية حَتَّى لَا يَأْكُلُوا شَيْئا وَهَذَا يحمل على أَن الصّبيان لم يَكُونُوا مُحْتَاجين إِلَى الْأكل وَإِنَّمَا تطلبه أنفسهم على عَادَة الصّبيان من غير جوع مُضر، فَإِنَّهُم لَو كَانُوا على حَاجَة بِحَيْثُ يضرهم ترك الْأكل لَكَانَ إطعامهم وَاجِبا يجب تَقْدِيمه على الضِّيَافَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ ذَلِك كَانَ فَاضلا عَن ضرورتهم. قلت: فِيهِ نظر لِأَنَّهَا صرحت بقولِهَا: وَالله مَا عِنْدِي إلَاّ قوت الصبية وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: إِنَّهَا كَانَت علمت صبرهم عَن عشائهم تِلْكَ اللَّيْلَة لِأَن الْإِنْسَان قد يصبر عَن الْأكل سَاعَة لَا يتَضَرَّر بِهِ. قَوْله: (ونطوي بطوننا اللَّيْلَة) ، أَي: نجمعها فَإِذا جَاع الرجل انطوى جلد بَطْنه. قَوْله: (عجب الله أَو ضحك) ، المُرَاد من الْعجب والضحك وَنَحْوهَا فِي حق الله لوازمها وغاياتها لِأَن التَّعَجُّب حَالَة تحصل عِنْد إِدْرَاك أَمر غَرِيب، والضحك ظُهُور الْأَسْنَان عِنْد أَمر عَجِيب وَكِلَاهُمَا محالان على الله تَعَالَى، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِطْلَاق الْعجب لَا يجوز على الله، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الرِّضَا، وَحَقِيقَته أَن ذَلِك الصَّنِيع مِنْهُمَا حل من الرِّضَا عِنْد الله وَالْقَبُول بِهِ ومضاعفة الثَّوَاب عَلَيْهِ مَحل الْعجب عنْدكُمْ فِي الشَّيْء التافه إِذا رفع فَوق قدره وأعظى بِهِ الْأَضْعَاف من قِيمَته، قَالَ: وَقد يكون المُرَاد بالعجب هُنَا أَن الله تَعَالَى يعجب مَلَائكَته من صنيعهما لندور مَا وَقع مِنْهُمَا فِي الْعَادة. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عبد الله يَعْنِي البُخَارِيّ: الضحك هُنَا الرَّحْمَة، وَتَأْويل الضحك بِالرِّضَا أقرب من تَأْوِيله بِالرَّحْمَةِ لِأَن الضحك من الْكِرَام يدل على الرِّضَا فَإِنَّهُم يوصفون بالبشر عِنْد السُّؤَال. انْتهى، وَلَيْسَ فِي النّسخ الَّتِي فِي أَيدي النَّاس مَا نسبه الْخطابِيّ إِلَى البُخَارِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَالله أعلم. ٠٦ - ( ﴿سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الممتحنة، قَالَ السُّهيْلي: هِيَ بِكَسْر الْحَاء أَي: المختبرة أضيف إِلَيْهَا الْفِعْل مجَازًا كَمَا سميت سُورَة بَرَاءَة المبعثرة والفاضحة لما كشفت عَن عُيُوب الْمُنَافِقين وَمن قَالَ بِفَتْح الْحَاء فَإِنَّهُ أضافها إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي نزلت فِيهَا وَهِي أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي ميعط، وَهِي امْرَأَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأم وَلَده إِبْرَاهِيم، وَقَالَ مقَاتل: الممتحنة اسْمهَا سبيعة، وَيُقَال: سعيدة بنت الْحَارِث الأسْلَمِيَّة. وَكَانَت تَحت صَيْفِي بن الراهب. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: كَانَت أم كُلْثُوم تَحت عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: وروى أَن الْآيَة نزلت فِي أُميَّة بنت بشر من بني عَمْرو بن عَوْف أم عبد الله بن سهل بن حنيف وَكَانَت تَحت حسان بن الدحداحية ففرت مِنْهُ وَهُوَ حِينَئِذٍ كَافِر فَتَزَوجهَا سُهَيْل بن حنيف، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هِيَ بِلَا خلاف، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْأَحْزَاب وَقيل سُورَة النِّسَاء، وَهِي ألف وَخَمْسمِائة وَعشرَة أحرف وثلاثمائة وثمان وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَثَلَاث عشرَة آيَة وَلَيْسَت فِيهَا بَسْمَلَة عِنْد الْجَمِيع.

стр. 5803

وَقَالَ مُجاهِدٌ لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ فَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ هاؤُلاءِ عَلَى الحَقِّ مَا أصَابَهُمْ هاذا. أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا﴾ ، (الممتحنة: ٥) الْآيَة. وَفسّر بقوله: (لَا تعذبنا بِأَيْدِيهِم) إِلَى آخِره، وَرَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق آدم بن أبي إِيَاس عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: على شَرط مُسلم، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) ﴿رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا﴾ أَي: لَا تسلطهم علينا فيفتنوننا بِعَذَاب لَا طَاقَة لنا بِهِ، وَقيل: لَا تظفرهم علينا فيظنوا أَنهم على الْحق وَنحن على الْبَاطِل. بِعِصَمِ الكَوَافِرِ أُمِرَ أصْحَابُ النبيِّ ﷺ بِفِراقِ نِسَائِهِمْ كِنَّ كَوَافِرَ بِمَكَّةً. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ (الممتحنة: ٠١) مَعْنَاهُ: أَن الله تَعَالَى نهى عَن التَّمَسُّك بعصم الكوافر، والعصم جمع عصمَة وَهِي مَا اعْتصمَ بِهِ، يُقَال: مسكت الشَّيْء وتمسكت بِهِ، والكوافر جمع كَافِرَة نهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ عَن الْمقَام على نِكَاح المشركات وَأمرهمْ بفراقهن، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يَقُول لَا تَأْخُذُوا بِعقد الكوافر فَمن كَانَت لَهُ امْرَأَة كَافِرَة بِمَكَّة فَلَا يعتدن بهَا فقد نقضت عصمتها مِنْهُ وَلَيْسَت لَهُ بِامْرَأَة. وَإِن جاءتكم امْرَأَة مسلمة من أهل مَكَّة وَلها بهَا زوج كَافِر فَلَا تعتدن بِهِ فقدانقضت عصمته مِنْهَا. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لما نزلت هَذِه الْآيَة طلق عمر امْرَأتَيْنِ كَانَتَا لَهُ بِمَكَّة مشركتين قريبَة بنت أُميَّة فَتَزَوجهَا بعده مُعَاوِيَة وهما على شركهما بِمَكَّة وَالْأُخْرَى: أم كُلْثُوم الْخُزَاعِيَّة أم عبد الله فَتَزَوجهَا أَبُو جهم، وهما على شركهما، وَكَانَت عِنْد طَلْحَة بن عبيد الله أروى بنت ربيعَة فَفرق بَينهمَا الْإِسْلَام. ٠٩٨٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينار قَالَ حدَّثني الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ ابنِ عَلِيٍّ أنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ الله بنَ أبِي رَافِعٍ كَاتِبَ عَلِيٍّ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيّا ﵁ يَقُولُ بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ أنَا وَالزُّبَيْرَ وَالمِقْدَادَ فَقَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإنَّ بِهَا ظَعِينَةَ مَعَهَا كِتابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَذَهَبْنَا تَعَادَي بِنا خَيْلَنا حَتَّى أتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَإذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنا أخْرِجِي الكِتابَ فَقالَتْ مَا مَعِي مِنْ كتابٍ فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيابَ فأخْرَجَتْهُ مِنْ عِقاصِها فَأتَيْنا بِهِ النبيَّ ﷺ فإذَا فِيهِ مِنْ حاطِبِ بنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِمَنْ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ النبيُّ ﷺ مَا هاذا يَا حَاطِبُ قَالَ لَا تَعْجِلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ الله إنِّي كُنْتُ امْرَءًا مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وَأمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ فَأحْبَبْتُ إذْ فَاتَنِي مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أنْ أصطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرا وَلا ارْتِدَادا عَنْ دِينِي فَقَالَ النَّبِي ﷺ إنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ فَقَالَ عُمَرُ دَعْنِي يَا رَسُولَ الله فأضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ إنَّهُ شَهِدَ بَدْرا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَليَّ الله اطلعَ عَلَى أهلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفِرْتُ لَك قَالَ عَمْرٌ ووَنَزَلَتْ فِيهِ يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ قَالَ لَا أدْرِي الآيَةَ فِي الحَدِيثِ أوْ قَوْلُ عَمْرُو.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والترجمة هِيَ ذكر السُّورَة، وَوَقع لأبي ذَر على رَأس هَذَا الحَدِيث: بَاب ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ (الممتحنة: ١) فعلى هَذَا التَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث يطابقها. والْحَدِيث قد مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الجاسوس فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بَعَثَنِي أَنا وَالزُّبَيْر والمقداد) ، وَفِي رِوَايَة رَوَاهَا الثَّعْلَبِيّ، فَبعث رَسُول الله، ﷺ ، عليا وَعمَّارًا وَعمر وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة

стр. 5804

والمقداد بن الْأسود وَأَبا مرْثَد، وَكَانُوا كلهم فُرْسَانًا. قَوْله: (رَوْضَة خَاخ) ، بخاءين معجمتين لَا غير. قَوْله: (ظَعِينَة) ، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَهِي الْمَرْأَة فِي الهودج وَاسْمهَا سارة بالسمين الْمُهْملَة وَالرَّاء. قَوْله: (تعادى) ، بِلَفْظ الْمَاضِي، أَي: تتباعد وتتجارى قَوْله: (أَو لتلْقين) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَمُقْتَضى الْقَوَاعِد النحوية أَن يُقَال، لتلقن، بِحَذْف الْيَاء فتأويله أَنه ذكر كَذَلِك لمشاكلة لتخْرجن. قَوْله: (كنت أمرءا من قُرَيْش) أَي: بِالْحلف وَالْوَلَاء لَا بِالنّسَبِ والولادة حَتَّى لَا يُقَال بَينه وَبَين قَوْله: لم أكن من أنفسهم، تنافٍ قَوْله: (يدا) أَي: يدا مِنْهُ عَلَيْهِم وَحقّ محبَّة. قَوْله: (صدقكُم) بتَخْفِيف الدَّال أَي: قَالَ الصدْق. قَوْله: (دَعْنِي) أَي: ارتكني وَمَكني. قَوْله: (فَاضْرب) ، أَي: فَإِن اضْرِب فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَا قَالَ مَعَ تَصْدِيق النَّبِي ﷺ لحاطب فِيمَا قَالَه؟ قلت: قَالَ ذَلِك لقُوَّة دينه وصلابته فِي الْحق وَلم يجْزم بذلك فَلهَذَا اسْتَأْذن فِي قَتله، وَإِنَّمَا أطلق عَلَيْهِ اسْم النِّفَاق لكَونه أقدم على شَيْء فِيهِ خلاف مَا ادَّعَاهُ. قَوْله: (لَعَلَّ الله) كلمة: لَعَلَّ. لَيست للترجي فِي حق الله بل للوقوع. قَوْله: (غفرت) أَي: الْأُمُور الأخروية وإلَاّ فَلَو توجه على أحد مِنْهُم مثلا يَسْتَوْفِي مِنْهُ قَوْله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ﴾ (الممتحنة: ١) هَذَا الْمِقْدَار للأكثرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر مَعَ ذكر أَوْلِيَاء قَوْله: (قَالَ قَالَ عَمْرو) أَي: عَمْرو بن دِينَار هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة لَا أَدْرِي الْآيَة. وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ﴾ من نفس الحَدِيث هُوَ، أَو هُوَ من قَول عَمْرو بن دِينَار، وَقد شكّ فِيهِ. حدَّثنا عَلِيٌّ قِيلَ لِسُفْيَانَ فِي هَذَا فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ قَالَ سُفْيَانُ هَذا فِي حَدِيثِ النَّاسِ حَفْظْتُهُ مِنْ عَمْروٍ مَا تَرَكْتُ مِنْهُ حَرْفا وَمَا أُرَى أحَدا حَفِظَهُ غَيْرِي. عَليّ هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (فِي هَذَا) أَي: فِي أَمر حَاطِب نزلت الْآيَة. أَي: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي﴾ الْآيَة، قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: هَذَا فِي حَدِيث النَّاس ورواياتهم، وَأما الَّذِي حفظته من عَمْرو بن دِينَار فَهُوَ الَّذِي رويته من غير ذكر النُّزُول، وَمَا تركت مِنْهُ حرفا وَلم أَظن أحدا حفظ هَذَا الحَدِيث من عَمْرو غَيْرِي، ملخص مَا قَالَه سُفْيَان: لَا أَدْرِي أَن حِكَايَة نزُول الْآيَة من تَتِمَّة الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَول عَمْرو بن دِينَار مَوْقُوفا عَلَيْهِ أدرجه هُوَ من عِنْده، وسُفْيَان لم يجْزم بِهَذِهِ الزِّيَادَة، وَقد روى النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور مَا يدل على هَذِه الزِّيَادَة مدرجة، وروى الثَّعْلَبِيّ هَذَا الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِي آخِره فَأنْزل الله تَعَالَى فِي شَأْن حَاطِب ومكاتبته ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾ الْآيَة. ٢ - (بابٌ: ﴿إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهاجِرَاتٍ﴾ (الممتحنة: ١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات﴾ الْآيَة. أَي: حَال كونهن مهاجرات من دَار الْكفْر إِلَى دَار الْإِسْلَام، وأتفقوا على نُزُولهَا بعد الْحُدَيْبِيَة. وَأَن سَببهَا مَا تقدم من الصُّلْح بَين قُرَيْش وَالْمُسْلِمين على أَن من جَاءَ من قُرَيْش إِلَى الْمُسلمين يردونه إِلَى قُرَيْش ثمَّ اسْتثْنى الله من ذَلِك النِّسَاء الْمُهَاجِرَات بِشَرْط الامتحان، وَهُوَ قَوْله: ﴿فامتحنوهن﴾ . ١٩٨٤ - حدَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ أخِي ابنِ شِهابٍ عَنْ عَمِّهِ أخبرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِي ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِناتِ بِهاذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِ الله: ﴿يَا أيُّها النبيُّ إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعُنك﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَنْ أقَرَّ بِهاذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ قَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى كَلاما وَلا وَالله مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي المُبَايَعَةِ مَا يُبايِعُهُنَّ إلَاّ بِقَوْلِهِ قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذالِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿كَانَ يمْتَحن من هَاجر إِلَيْهِ من الْمُؤْمِنَات﴾ وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور أَو ابْن إِبْرَاهِيم وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَاسم ابْن أخي ابْن شهَاب مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم،

стр. 5805

وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَهُوَ عَم مُحَمَّد بن عبد الله. والْحَدِيث أخرجه فِي الطَّلَاق أَيْضا على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (حَدثنَا يَعْقُوب) ، وَفِي وَرَايَة أبي ذَر أخبرنَا يقعوب. قَوْله: (يمْتَحن) ، أَي: يختبر وامتحانهن أَن يستحلفن مَا خرجن من بغض زوج وَمَا خرجن رَغْبَة عَن أَرض إِلَى أَرض وَمَا خرجن التماسا للدنيا. وَمَا خرجن إلَاّ حبا لله وَلِرَسُولِهِ، قَالَه ابْن عَبَّاس. قَوْله: (بِهَذِهِ الْآيَة) ، أشارت بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك﴾ (الممتحنة: ٢١) الْمُبَايعَة المعاقدة على الْإِسْلَام والمعاهدة كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده من صَاحبه وَأَعْطَاهُ خَالِصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره. قَوْله: (الْآيَة) ، أَي: اقْرَأ الْآيَة بِتَمَامِهَا وَهُوَ قَوْله: ﴿على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يسرفن وَلَا يَزْنِين وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف فبايعهن واستغفر لَهُنَّ إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما فرغ رَسُول الله ﷺ من بيعَة الرِّجَال أَخذ فِي بيعَة النِّسَاء وَهُوَ على الصَّفَا وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَسْفَل مِنْهُ وَهُوَ يُبَايع النِّسَاء بِأَمْر رَسُول الله ﷺ ويبلغهن عَنهُ قَوْله: (فَمن أقرّ بِهَذَا الشَّرْط) وَهُوَ: ﴿أَن لَا يشركهن بِاللَّه شَيْئا﴾ الخ قَوْله: (قَالَ لَهَا) أَي: للمبايعة مِنْهُنَّ (قد بَايَعْتُك كلَاما) وَهُوَ مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ من قَول عَائِشَة، وَالتَّقْدِير: كَانَ يُبَايع بالْكلَام وَلَا يُبَايع بِالْيَدِ كالمبايعة مَعَ الرِّجَال بالمصافحة باليدين. قَوْله: (لَا وَالله) الْقسم لتأكيد الْخَبَر أَي: مست يَده يَد امْرَأَة فِيهِ رد على مَا جَاءَ عَن أم عَطِيَّة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن عَن جدته أم عَطِيَّة فِي قصَّة الْمُبَايعَة. قَالَت: فَمد يَده من خَارج الْبَيْت وَمَدَدْنَا أَيْدِينَا من دَاخل الْبَيْت. ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، وَكَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي بعده حَيْثُ قَالَت: فِيهِ فقبضت منا امْرَأَة يَدهَا فَإِنَّهُ يشْعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهن. فَإِن قلت: مَا وَجه الرَّد هُنَا وَالْأَحَادِيث كلهَا صِحَاح؟ قلت: جابوا عَن الأول، بِأَن مد الْأَيْدِي من وَرَاء الْحجاب إِشَارَة إِلَى وُقُوع الْمُبَايعَة وَهُوَ لَا يسْتَلْزم المصافحة. وَعَن الثَّانِي بِأَن المُرَاد بِقَبض الْيَد التَّأَخُّر عَن الْقبُول أَو كَانَت الْمُبَايعَة بِحَائِل، فَافْهَم. تَابَعَهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ إسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ إسْحاقُ بنُ رَاشِدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ. أَي: تَابع ابْن أخي ابْن شهَاب يُونُس بن زيد فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ فِي كتاب الطَّلَاق فِي بَاب: إِذا أسلمت المشركة أَو النَّصْرَانِيَّة عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة الحَدِيث، وَوصل أَيْضا مُتَابعَة معمر بن رَاشد فِي الْأَحْكَام فِي: بَاب بيعَة النِّسَاء عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ الحَدِيث ومتابعة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق الْقرشِي وَصلهَا ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ عَنهُ. قَوْله: وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاشد أَي الْجَزرِي الْحَرَّانِي يروي عَن الزُّهْرِيّ، وَالزهْرِيّ يروي عَن عُرْوَة بن الزبير وَعَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن. يَعْنِي: يجمع بَينهمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة. وَرَوَاهُ الذهلي فِي (الزهريات) عَن عتاب بن بشير عَن إِسْحَاق بن رَاشد بِهِ. ٣ - (بابٌ: ﴿إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (الممتحنة: ٢١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك﴾ يَعْنِي: مبايعات، وَلم يثبت لفظ الْبَاب هُنَا إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. ٢٩٨٤ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ بَايَعْنا رَسُولَ الله ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهَا أنْ لَا يُشْرِكْنَ بِالله شَيْئا وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ يَدَها فَقَالَتْ أسْعَدَتْنِي فُلانَةُ أُرِيدُ أنْ أجْزِيَها فَمَا قَالَ النبيُّ ﷺ شَيْئا فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ فَبَايَعَهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد الْبَصَر، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد

стр. 5806

وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَحَفْصَة هِيَ بنت سِيرِين أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين، وَأم عَطِيَّة اسْمهَا نسيبة بنت الْحَارِث وَقد ترجمناها فِي كتاب الْجَنَائِز. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي كتاب الْأَحْكَام عَن مُسَدّد. قَوْله: (ونهانا عَن النِّيَاحَة) ، وَهُوَ اسْم من ناحت الْمَرْأَة على الْمَيِّت إِذا ندبته، وَذَلِكَ أَن تبْكي وتعدد محاسنه. وَقيل: النوح بكاء مَعَ الصَّوْت وَمِنْه: ناح الْحمام نوحًا. قَوْله: (فقبضت امْرَأَة يَدهَا) هَذِه الْمَرْأَة هِيَ أم عَطِيَّة الْمَذْكُورَة، وَلكنهَا أبهمت نَفسهَا. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: أَن امْرَأَة ساعدتني فَلَا بُد أَن أسعدها، وَفِي رِوَايَة عَاصِم: فَقلت: يَا رَسُول الله إلَاّ آل فلَان فَإِنَّهُم كَانُوا أسعدوني فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَا بُد من أَن أسعدهم. قَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: أسعدت الْمَرْأَة صاحبتها إِذا قَامَت فِي نياحة مَعهَا تراسلها فِي نياحتها، والإسعاد خَاص فِي هَذَا الْمَعْنى بِخِلَاف المساعدة فَإِنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع الْأُمُور. قَوْله: (فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ شَيْئا) ، يَعْنِي: سكت وَلم يرد عَلَيْهَا بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: اذهبي فأسعديها. قَالَت: فَذَهَبت فأسعدتها ثمَّ جِئْت فَبَايَعت. وَهُوَ معنى قَوْلهَا: فَانْطَلَقت وَرجعت، يَعْنِي: انْطَلَقت وأسعدت تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي أسعدتها هِيَ ثمَّ رجعت إِلَى النَّبِي ﷺ فبايعها النَّبِي ﷺ وَفِيه: أَن النَّبِي ﷺ رخص لأم عَطِيَّة فِي إسعاد تِلْكَ الْمَرْأَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا مَحْمُول على الترخيص لأم عَطِيَّة خَاصَّة، وللشارع أَن يخص من شَاءَ من الْعُمُوم، وَقيل: فِيهِ نظر إلَاّ إِن ادّعى أنَّ الَّتِي ساعدتها لم تكن أسلمت، وَجه النّظر أَن تَحْلِيل شَيْء من الْمُحرمَات لَا يخْتَص بِهِ وَأَيْضًا أخرج ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث ابْن عَبَّاس. قَالَ: لما أَخذ رَسُول الله ﷺ على النِّسَاء فبايعهن أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا الْآيَة. قَالَت خَوْلَة بنت حَكِيم: يَا رَسُول الله إِن أبي وَأخي مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَإِن فُلَانَة أسعدتني وَقد مَاتَ أَخُوهَا وَأخرج التِّرْمِذِيّ من طَرِيق سعد بن حَوْشَب عَن أم سَلمَة الْأَنْصَارِيَّة أَسمَاء بنت يزِيد. قَالَت: قلت: يَا رَسُول الله إِن بني فلَان أسعدوني على عمي، وَلَا بُد من قضائهن، فَأبى. قَالَت: فراجعته مرَارًا فَأذن لي ثمَّ لم أنُج بعد، وَأخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق مُصعب بن نوح. قَالَ: أدْركْت عجوزا لنا كَانَت فِيمَن بَايع رَسُول الله ﷺ قَالَت: فَأخذ علينا أَن لَا ننحن. فَقَالَت الْعَجُوز: يَا نَبِي الله إِن نَاسا كَانُوا أسعدونا على مصائب أصابتنا، وَأَنَّهُمْ قد أَصَابَتْهُم مُصِيبَة فَأَنا أُرِيد أَن أسعدهم قَالَ: اذهبي فكافئيهم. قَالَت: فَانْطَلَقت فكافأتهم ثمَّ أَنَّهَا أَتَت فَبَايَعته قلت: فبهذه الْأَحَادِيث اسْتدلَّ بعض الْمَالِكِيَّة على جَوَاز النِّيَاحَة، وَأَن الْمحرم مِنْهَا مَا كَانَ مَعَه شَيْء من أَفعَال الْجَاهِلِيَّة من شقّ جيب وخمش خد وَنَحْو ذَلِك، وَالصَّوَاب: أَن النِّيَاحَة حرَام مُطلقًا، وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء، وَالْجَوَاب الَّذِي هُوَ أحسن الْأَجْوِبَة وأقربها أَن يُقَال: إِن النَّهْي ورد أَولا للتنزيه، ثمَّ لما تمت مبايعة النِّسَاء وَقع التَّحْرِيم، فَيكون الْإِذْن الَّذِي وَقع لمن ذكر فِي الْحَالة الأولى ثمَّ وَقع التَّحْرِيم وَورد الْوَعيد الشَّديد فِي أَحَادِيث كَثِيرَة، وَالله أعلم. فَإِن قلت: فِي حَدِيث الْبَاب فقبضت يَدهَا، وَهُوَ يُعَارض حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور قبل هَذَا؟ قلت: قد ذكرنَا هُنَاكَ أَن المُرَاد بِالْقَبْضِ التَّأَخُّر عَن الْقبُول جمعا بَين الْحَدِيثين فَافْهَم. ٣٩٨٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (الممتحنة: ٢١) قَال: إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ شَرَطَهُ الله لِلنِّسَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي بعض مَا فِيهَا، وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي، ووهب هُوَ ابْن جرير يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم، وَالزُّبَيْر بِضَم الزَّاي ابْن خريت، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق مر فِي سُورَة الْأَنْفَال. قَوْله: (فِي مَعْرُوف) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ النوح، وَقيل: لَا تَخْلُو امْرَأَة بِغَيْر ذِي محرم، وَقيل: لَا تخمش وَجههَا وَلَا نشق جيبا وَلَا تَدْعُو ويلاً وَلَا تنشد شعرًا. وَقيل: الطَّاعَة لله وَلِرَسُولِهِ. وَقيل: فِي كل أَمر فِيهِ رشدهن، وَقيل: هُوَ عَام فِي كل مَعْرُوف أَمر الله تَعَالَى بِهِ. قَوْله: (للنِّسَاء) ، أَي: على النِّسَاء. قيل: وعَلى الرِّجَال أَيْضا. فَمَا وَجه التَّخْصِيص بِهن؟ أُجِيب: بِأَن مَفْهُوم اللقلب مَرْدُود. ٤٩٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ حدَّثناهُ قَالَ حدَّثني أبُو إدْرِيسَ سَمِعَ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ أتُبَايِعُونِي عَلَى

стр. 5807

أنْ لَا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئا وَلا تَزْنُوا وَلا تَسْرِفُوا وَقَرَأَ آيَةَ النِّساءِ وَأكْثَرُ لَفْظِ سُفْيَانَ قَرَأَ الآيَةَ: ﴿فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾ وَمَنْ أصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئا فَعُوْقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أصَابَ مِنْهَا شَيْئا مِنْ ذالِكَ فَسَتَرَهُ الله فَهُوَ إلَى الله إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تخفى، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَأَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة الشَّامي، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي بَاب، مُجَرّد عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (حدّثنَاهُ) هُوَ من تَقْدِيم الِاسْم على الْفِعْل التَّقْدِير: حَدثنَا الزُّهْرِيّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُرِيد أَن يذكرهُ قَوْله: (قَرَأَ الْآيَة) يَعْنِي: بِدُونِ لفظ النِّسَاء، وللكشميهني. قَرَأَ فِي الْآيَة، وَالْأولَى أوجه. قَوْله: (وَمن أصَاب مِنْهَا) أَي: من الْأَشْيَاء الَّتِي توجب الْحَد، وللكشميهني. وَمن أصَاب من ذَلِك. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ فِي الآيَةِ أَي: تَابع سُفْيَان عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُسلم أَولا عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ ثمَّ أخرجه عَن عبد بن حميد أخبرنَا عبد الرَّزَّاق أخبرناه معمر عَن الزُّهْرِيّ ثمَّ قَالَ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَزَاد فِي الحَدِيث: فَتلا آيَة النِّسَاء ﴿أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا﴾ (الممتحنة: ٢١) الْآيَة قَوْله: (فِي الْآيَة) أَي: فِي تِلَاوَة الْآيَة. ٥٩٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حدَّثنا هَارُون بنُ مَعْرُوفٍ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ قَالَ وَأخْبَرَنِي ابنُ جُرَيْجٍ أنَّ الحَسَنْ بنَ مُسْلِمٍ أخْبَرَهُ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ شَهِدْتُ الصَّلاةَ يَوْمَ الفِطَرِ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيها قَبْلَ الخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ فَنَزَلَ نَبِيُّ الله ﷺ فَكَأَنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ يُجْلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ ثُمَّ أقْبَلَ يَشُقُهُمْ حَتَّى أتَى النِّساءَ مَعَ بِلالٍ فَقَالَ: ﴿يَا أيُّهَا النبيُّ إذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبَايْعَنَكَ عَلَى أنْ لَا يُشْرِكْنَ بَالله شَيْئا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ وَلا يأتِينَ بِبُهْتَانٍ يفْتَرينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وَأرْجُلِهِنَّ﴾ (الممتحنة: ٢١) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ أنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَة لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُها نَعَمْ يَا رَسُولَ الله لَا يَدْرِي الحَسَنُ مَنْ هِيَ قَالَ فَتَصَدَّقْنَ وَبَسَطَ بِلالٌ ثَوْبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتْحَ وَالخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن الملقب بصاعقة. وَهَارُون بن مَعْرُوف أَبُو عَليّ الْبَغْدَادِيّ روى عَنهُ مُسلم فِي مَوَاضِع، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَالْحسن بن مُسلم بن بناق الْمَكِّيّ. والْحَدِيث مضى فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب موعظة الإِمَام النِّسَاء يَوْم الْعِيد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أنتن على ذَلِك) يُخَاطب بِهِ ﷺ النِّسَاء الَّتِي أَتَى إلَيْهِنَّ (على ذَلِك) أَي: على الْمَذْكُور فِي الْآيَة. قَوْله: (لَا يدْرِي الْحسن) أَي: حسن بن مُسلم الرَّاوِي. قَوْله: (فتصدقن) ، يحْتَمل أَن يكون مَاضِيا. وَيحْتَمل أَن يكون أمرا. قَوْله: (فَجعلْنَ) من أَفعَال المقاربة. قَوْله: (الْفَتْح) بِفَتْح الْفَاء وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالخاء الْمُعْجَمَة الخواتيم الْعِظَام، وَقيل: حلق، من فضَّة لَا فص فِيهَا. ١٦ - ( ﴿سُورَةُ الصَّفِّ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الصَّفّ سمي بِهِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا﴾ وَتسَمى: سُورَة الحواريين، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَدَنِيَّة بِلَا خلاف، وَذكر بَان النَّقِيب عَن ابْن بشار أَنَّهَا مَكِّيَّة. وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد التغابن وَقبل الْفَتْح، وَهِي سَبْعمِائة حرف، ومائتان وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ كلمة، وَأَرْبع عشرَة آيَة. لم ثتبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده. وَقَالَ مُجاهِدٌ: مِنْ أنْصَارِي إلَى الله مَنْ يَتبِعْنِي إلَى الله أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم للحواريين من أَنْصَارِي إِلَى الله﴾ (الصَّفّ: ٤١) وَفَسرهُ بقوله: (من يَتبعني إِلَى الله) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من تَبِعنِي إِلَى الله بِلَفْظ الْمَاضِي، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن حجاج نَا شَبابَة نَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مجاخد، وَقيل إِلَى بِمَعْنى: مَعَ فَالْمَعْنى، من يضيف نصرته إِلَى الله قَالَ الدَّاودِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون لله وَفِي الله. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَرْصُوصٌ مُلْصَقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ بِالرَّصاصِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ (الصَّفّ: ٤) أَي: ملصق بعضه بِبَعْض، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر ملصق بعضه إِلَى بعض، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ مُثبت لَا يَزُول ملصق بعضه بِبَعْض. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: غير ابْن عَبَّاس. بالرصاص: أَي: ملصق بالرصاص بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا. قَالَه بَعضهم: وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرصاص، بِالْفَتْح والعامة تَقوله بِالْكَسْرِ. قلت: لم يذكرهُ فِي دستور اللُّغَة إلَاّ بِفَتْح الرَّاء فَقَط، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي وَقَالَ يحيى: بالرصاص، بدل قَوْله. وَقَالَ غَيره، وَيحيى هُوَ ابْن زِيَاد بن عبد الله الْفراء وَهُوَ كَلَامه فِي مَعَاني الْقُرْآن. ١ - بابٌ: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدٌ﴾ (الصَّفّ: ٦) وَقَبله: ﴿وَإِذ قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم يَا بني إِسْرَائِيل إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم مُصدقا لما بَين يَدي من التَّوْرَاة وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾ الْآيَة. سَمَّاهُ الله أَحْمد اشتقاقا من اسْمه أَو مُبَالغَة فِي الْفَاعِل، وَالْمعْنَى: من حمدني فَأَنت أَحْمد مِنْهُ، واسْمه عِنْد أهل الْإِنْجِيل: الفار قليط، من جبال فاران: روح الْحق الَّذِي لَا يتَكَلَّم من قبل نَفسه. ٢٦ - ( ﴿سُورَةُ الجُمْعَةِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْجُمُعَة وَمر الْكَلَام فِي ضبط الْجُمُعَة وَمَعْنَاهُ فِي كتاب الصَّلَاة. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَدَنِيَّة بِلَا خلاف، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد التَّحْرِيم وَقيل: التغابن، وَهِي سَبْعمِائة وَعِشْرُونَ حرفا. وَمِائَة وَثَمَانُونَ كلمة وَإِحْدَى عشرَة آيَة. (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)

стр. 5808

لم تثبت الْبَسْمَلَة وَلَفظ سُورَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. ١ - (بابٌ قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ (الْجُمُعَة: ٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَآخَرين مِنْهُم﴾ فِيهِ وَجْهَان من الْإِعْرَاب: أَحدهمَا: الْخَفْض على الرَّد إِلَى الْأُمِّيين مجازه: وَفِي آخَرين. الثَّانِي: النصب على الرَّد إِلَى الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله: (وَيُعلمهُم) أَي: وَيعلم آخَرين مِنْهُم أَي: من الْمُؤمنِينَ الَّذين يدينون بِدِينِهِ. قَوْله: (لما يلْحقُوا بهم) ، أَي: لم يدركوهم، وَلَكنهُمْ يكونُونَ بعدهمْ. وَقَرَأَ عُمَرُ: ﴿فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ الله﴾

стр. 5809

ثَبت هَذَا هُنَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده، وَعمر هُوَ ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح حَدثنَا روح بن عبَادَة نَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان، سَمِعت سَالم بن عبد الله بن عمر قَالَ: سَمِعت عمر بن الْخطاب. ٧٩٨٤ - حدَّثني عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ بِلالٍ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أبِي الغَيْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ كُنَّا جُلُوسا عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الجُمْعَةِ: ﴿وَآخَرَينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ (الْجُمُعَة: ٣) قَالَ قُلْتُ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَألَ ثَلاثا وَفِينا سَلْمانُ الفَارِسِيُّ وَضَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَ الإيمانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ أوْ رَجُلٌ مِنْ هاؤُلاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿وَآخَرين مِنْهُم﴾ وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمَدِينِيّ. وثور باسم الْحَيَوَان الْمَشْهُور. ابْن زيد الديلِي وَأَبُو الْغَيْث، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالتاء الْمُثَلَّثَة: سَالم مولى عبد الله بن مُطِيع. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا عَن عبد الله بن هِلَال وَعَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي المناقب عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فيهمَا عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (جُلُوسًا) أَي: جالسين. قَوْله: (فَنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْجُمُعَة. ﴿وَآخَرين﴾ ) قَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ يُرِيد أنزلت عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة من سُورَة الْجُمُعَة. قلت: التَّفْسِير بِالشَّكِّ لَا يجدي، وَالْمعْنَى: مثل رِوَايَة مُسلم نزلت عَلَيْهِ سُورَة الْجُمُعَة. فَلَمَّا قَرَأَ ﴿وَآخَرين مِنْهُم﴾ وَهنا كَذَلِك لما قَرَأَ: ﴿وَآخَرين مِنْهُم لما يلْحقُوا بهم﴾ قَالَ: قلت: من هم يَا رَسُول الله؟ وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، قَالُوا: من هم يَا رَسُول الله؟ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. فَقَالَ لَهُ رجل، وَفِي رِوَايَة الدَّرَاورْدِي، قيل من هم وَعند التِّرْمِذِيّ: فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله من هَؤُلَاءِ الَّذين لم يلْحقُوا بِنَا. قَوْله: (فَلم يراجعوه) وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: فَلم يُرَاجِعهُ أَي: فَلم يُرَاجع النَّبِي ﷺ السَّائِل أَي لم يعد عَلَيْهِ جَوَابه حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا. أَي: ثَلَاث مَرَّات، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، يدل عَلَيْهِ صَرِيحًا رِوَايَة الدَّرَاورْدِي. قَالَ: فَلم يُرَاجِعهُ النَّبِي ﷺ حَتَّى سَأَلَ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. قَوْله: (عِنْد الثريا) هُوَ كَوْكَب مَشْهُور. قَوْله: (رجل أَو رجال) . شكّ من سُلَيْمَان بن بِلَال بِدَلِيل الرِّوَايَة الَّتِي أوردهَا بعْدهَا من غير شكّ مُقْتَصرا على قَوْله: (لَنَالَهُ رجال من هَؤُلَاءِ) ، وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسلم وَالنَّسَائِيّ، قَوْله: (من هَؤُلَاءِ) أَي: الْفرس، بِقَرِينَة، سلمَان الْفَارِسِي. وَقَالَ: الْكرْمَانِي أَي: الْفرس يَعْنِي الْعَجم وَفِيه نظر لَا يخفى ثمَّ إِنَّهُم اخْتلفُوا فِي آخَرين مِنْهُم فَقيل: هم التابعون وَقيل: هم الْعَجم وَقيل أبناؤهم، وَقيل: كل من كَانَ بعد الصَّحَابَة. وَقَالَ أَبُو روق جَمِيع من أسلم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أحسن مَا قيل فيهم أَنهم أَبنَاء فَارس بِدَلِيل هَذَا الحَدِيث، لَنَالَهُ رجال من هَؤُلَاءِ، وَقد ظهر ذَلِك بالعيان فَإِنَّهُم ظهر فيهم الدّين وَكثر فيهم الْعلمَاء وَكَانَ وجودهم كَذَلِك دليلاا من أَدِلَّة صدقه ﷺ ، وَذكر أَبُو عمر: أَن الْفرس من ولد لاوذ بن سَام بن نوح، ﵇، وَذكر عَليّ بن كيسَان النسابة وَغَيره أَنهم من ولد فَارس بن جَابر بن يافث بن نوح، وَهُوَ أصح مَا قيل فيهم. وَقَالَ الرشاطي: فَارس الْكُبْرَى ابْن كيومرت، وَيُقَال: حيومرت بن أميم بن لاوذ، وَقيل: حيومرت بن يافث، وَقيل: هُوَ فَارس بن ناسور بن سَام بن نوح، ﵇، وَمِنْهُم من زعم أَنهم من ولد يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ﵇، وَقيل: من ولد هَذَا رام بن إرفخشد ابْن سَام، وَأَنه ولد بضعَة عشر رجلا كلهم كَانَ فَارِسًا شجاعا فسموا الْفرس بالفروسية. وَقيل: إِنَّهُم من ولد بوان بن إيران بن الْأسود بن سَام، وَيُقَال لَهُم بالجزيرة الحضارمة، وبالشام: الجرامقة، وبالكوفة: الأحامرة، وبالبصرة: الأساورة، وباليمن: الْأَبْنَاء والأحرار، وَفِي كتاب (الطَّبَقَات) لصاعد: كَانَت الْفرس أول أمرهَا مُوَحدَة على دين نوح، ﵊، إِلَى أَن أَتَى برداسف المشرقي إِلَى طهمورس ثَالِث مُلُوك الْفرس بِمذهب الحنفاء وهم الصابئون، فَقبله مِنْهُ وَقصر الْفرس على التشرع بِهِ فاعتقدوه جَمِيعًا نَحْو ألف سنة ومائتي سنة إِلَى أَن تمجسوا جَمِيعًا بِظُهُور زرادشت فِي زمن بستاسف ملك الْفرس حِين مضى من ملكه ثَلَاثُونَ سنة، ودعى إِلَى دين الْمَجُوسِيَّة من تَعْظِيم النَّار وَسَائِر الْأَنْوَار وَالْقَوْل: بتركيب الْعَالم من النُّور والظلام واعتقاد القدماء

стр. 5810

الْخَمْسَة إِبْلِيس والهيولى وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَذكر آخر فَقبل مِنْهُ بستاسف وَقَاتل الْفرس عَلَيْهِ حق انقادوا جَمِيعًا إِلَيْهِ ورفضوا دين الصابئة. واعتقدوا زرادشت نَبيا مُرْسلا إِلَيْهِم، وَلم يزَالُوا على دينه قَرِيبا من ألف سنة وَثَلَاث مائَة سنة إِلَى أَن أباد الله . ملكهم على عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٨٩٨٤ - حدَّثنا عَبْد الله بنُ عَبْدِ الوَهَابِ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ أخْبَرَنِي ثَوْرٌ عَنْ أبِي الغَيْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ لَنَا لَهُ رِجالٌ مِنْ هاؤُلاءِ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَذْكُور وَأخرجه عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أبي مُحَمَّد الحَجبي الْبَصْرِيّ عَن عبد الْعَزِيز. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم. وَكَذَا قَالَه الكلاباذي. وَقَالَ أبي نعيم والجياني: هُوَ الدَّرَاورْدِي، وَأخرجه مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن الدَّرَاورْدِي وَجزم بِهِ الْحَافِظ الْمزي أَيْضا. ٢ - (بَابٌ: ﴿وَإذَا رَأوْا تِجَارَةٍ﴾ (الْجُمُعَة: ١١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ الْآيَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر. (وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا) قَوْله: (إِلَيْهَا) ، أَي: إِلَى التِّجَارَة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: رد الْكِنَايَة إِلَى التِّجَارَة لِأَنَّهَا أهم وَأفضل، وَقَالَ ابْن عَطِيَّة: لِأَن التِّجَارَة سَبَب اللَّهْو من غير عكس. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ لِأَن الْعَطف بِأَو لَا يثنى مَعَه الضَّمِير. قلت: لَا تسلم هَذَا فَمَا الْمَانِع من ذَلِك؟ وَالْمَذْكُور شَيْئَانِ على أَنه قرىء إِلَيْهِمَا وَالْجَوَاب فِيهِ مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، تَقْدِيره: إِذا رَأَوْا تِجَارَة انْفَضُّوا إِلَيْهَا أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهِ فَحذف أَحدهمَا لدلَالَة الْمَذْكُور عَلَيْهِ. ٩٩٨٤ - حدَّثني حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا حُصَيْنٌ عنْ سَالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ وَعَنْ أبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبدِ الله ﵄ قَالَ أقْبَلَتْ عِيرٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ وَنَحْنُ مَعَ النبيِّ ﷺ فَثَارَ النَّاسُ إلَاّ اثْنا عَشَرَ رَجُلاً فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَإذَا رَأوْا تِجَارَةً أوْ لَهْوا انْقَضُّوا إلَيْهَا﴾ .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ فِي بَيَان سَبَب نُزُولهَا، وَحَفْص بن عمر الحوضي، وخَالِد بن عبد الله الطَّحَّان الوَاسِطِيّ، وحصين بِضَم الْحَاء ابْن عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو سُفْيَان طَلْحَة بن نَافِع، وَسَالم بن أبي الْجَعْد، وَأَبُو سُفْيَان كِلَاهُمَا رويا عَن جَابر والاعتماد على رِوَايَة سَالم، وَأَبُو سُفْيَان لَيْسَ على شَرط إِنَّمَا أخرج لَهُ مَقْرُونا. والْحَدِيث قد مر فِي الْجُمُعَة فِي: بَاب إِذا نفر النَّاس عَن الإِمَام فِي صَلَاة الْجُمُعَة. قَوْله: (عير) ، بِكَسْر الْعين وَهِي: الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة. قَوْله: (وثار النَّاس) ، من ثار يثور إِذا انْتَشَر وارتفع، وَالْمعْنَى: تفَرقُوا. ٣٦ - ( ﴿سُورَةُ المُنافِقِينَ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْمُنَافِقين، وَهِي مَدَنِيَّة وَهِي سَبْعمِائة وَسِتَّة وَسَبْعُونَ حرفا، وَمِائَة وَثَمَانُونَ كلمة وَإِحْدَى عشرَة آيَة. (بِسم الله ارحمن الرَّحِيم) لَيْسَ فِي ثُبُوت الْبَسْمَلَة هُنَا خلاف. ١ - (بابٌ قَوْلِهِ: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ أنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ إلَى ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك لرَسُول الله﴾ الْآيَة. هَذَا الْمِقْدَار فِي رِوَايَة أبي ذَر، وسَاق غَيره إِلَى قَوْله: ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ . ٠٠٩٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ رَجَاءٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنْ زَيْدٍ بنِ أرْقَمَ قَالَ كُنْتُ فِي غُزَاةٍ فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أُبَيٍّ يَقُولُ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْقَضُّوا مِنْ

стр. 5811

حَوْلِهِ وَلَئِنْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ فَذَكَرْتُ ذالِكَ لِعَمِّي أوْ لِعُمَرَ فَذَكَرَهُ لِلنبيِّ ﷺ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ إلَى عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَأصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَكَذَّبَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَصَدَّقَهُ فأصابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي البَيْتِ فَقَالَ لِي عَمِّي مَا أَرَدْتَ إلَى أنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ الله ﷺ وَمَقْتَكَ فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ فَبَعَثَ إلَيَّ النبيُّ ﷺ فَقَرَأَ فَقَالَ إنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. لِأَنَّهُ يبين سَبَب نُزُولهَا. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن آدم وَعبيد الله بن مُوسَى فهم ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْرَائِيل وَعَن عَمْرو بن خَالِد وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي داودالحراني. قَوْله: (فِي غزَاة) ، هِيَ غَزْوَة تَبُوك على مَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل الْمَغَازِي أَنَّهَا غَزْوَة بني المصطلق، وَذكر أَبُو الْفرج أَنَّهَا الْمُريْسِيع سنة خمس، وَقيل: سِتّ وَقَالَ مُوسَى: سنة أَربع. قَوْله: (عبد الله بن أبي) ، ابْن سلول رَأس الْمُنَافِقين وَالِابْن الثَّانِي صفة لعبد الله فَهُوَ بِالنّصب وسلول غير منصرف لِأَنَّهُ اسْم أم عبد الله فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى الْأَبَوَيْنِ. قَوْله: (يَقُول لَا تنفقوا) ، إِلَى قَوْله: (الْأَذَل) هُوَ كَلَام عبد الله بن أبي وَلم يقْصد الرَّاوِي بِهِ التِّلَاوَة، وَقَالَ بَعضهم: وَغلط بعض الشُّرَّاح فَقَالَ. هَذَا وَاقع فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: أَرَادَ بِهِ صَاحب (التَّلْوِيح) وَلكنه لم يقل هَكَذَا وَإِنَّمَا قَالَ. قَوْله: حَتَّى يَنْفضوا من حوله، بِكَسْر الْمِيم وجر اللَّام، وَكَذَا هُوَ فِي السَّبْعَة. قَالَ النَّوَوِيّ: وقرىء فِي الشاذ من حوله، بِالْفَتْح هَذَا الَّذِي ذكره صَاحب (التَّلْوِيح) نعم قَوْله: كَذَا هُوَ فِي السَّبْعَة، فِيهِ نظر. قَوْله: (وَلَئِن رَجعْنَا) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، وَلَو رَجعْنَا. قَوْله: (لِعَمِّي أَو لعمر) ، كَذَا بِالشَّكِّ، وَفِي سَائِر الرِّوَايَات الَّتِي تَأتي: لعمى، بِلَا شكّ وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي سعيد الْأَزْدِيّ عَن زيد، وَوَقع عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه: أَن المُرَاد بِعَمِّهِ سعد بن عبَادَة وَلَيْسَ عَمه حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هُوَ سيد قومه الْخَزْرَج، وَعم زيد بن أَرقم الْحَقِيقِيّ ثَابت بن قيس لَهُ صُحْبَة وَعَمه زوج أمه عبد الله بن رَوَاحَة خزرجي أَيْضا وَفِي كَلَام الْكرْمَانِي أَنه عبد الله بن رَوَاحَة وَهُوَ عَمه الْمجَازِي لِأَنَّهُ كَانَ فِي حجره وأنهما من أَوْلَاد كَعْب الخزرجي، وَقَالَ الغساني: الصَّوَاب عمي لَا عمر، على مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَة. قَوْله: فَذكره للنَّبِي ﷺ أَي: فَذكره عمي وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي ليلى عَن زيد، فَأخْبرت بِهِ النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا وَقع فِي مُرْسل قَتَادَة، والتوفيق بَينهمَا أَنه يحمل على أَنه أرسل أَولا ثمَّ أخبر بِهِ بِنَفسِهِ. قَوْله: (فَكَذبنِي رَسُول الله ﷺ بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (وَصدقه) أَي: وَصدق عبد الله بن أبي. قَوْله: (فَأَصَابَنِي هم لم يُصِبْنِي مثله قطّ) يَعْنِي: فِي الزَّمن الْمَاضِي، وَوَقع فِي رِوَايَة زُهَيْر: فَوَقع فِي نَفسه شدَّة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي سعد الْأَزْدِيّ عَن زيد. فَوَقع على من الْهم مَا لم يَقع على أحد، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب فَرَجَعت إِلَى الْمنزل فَنمت، زَاد التِّرْمِذِيّ رِوَايَة: فَنمت كئيبا حَزينًا. وَفِي رِوَايَة ابْن أبي ليلى: حَتَّى جَلَست فِي الْبَيْت مَخَافَة إِذْ رَآنِي النَّاس أَن يَقُولُوا: كذبت. قَوْله: (مَا أردْت إِلَى أَن كَذبك) بِالتَّشْدِيدِ، أَي: مَا قصدت منتهيا إِلَيْهِ. أَي: مَا حملك عَلَيْهِ قَوْله: (ومقاك) من مقته مقتا إِذا أبغضه بغضا. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب: فلامني الْأَنْصَار، وَعند النَّسَائِيّ من طَرِيقه ولامني قومِي. قَوْله: (فَأنْزل الله) وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد ابْن كَعْب، فَإِنِّي رَسُول الله ﷺ أَي: الْوَحْي، وَفِي رِوَايَة زُهَيْر: حَتَّى أنزل الله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة فَبَيْنَمَا هم يَسِيرُونَ أبصروا رَسُول الله ﷺ يُوحى إِلَيْهِ فَنزلت، وَفِي رِوَايَة أبي سعد عَن زيد قَالَ: فَبَيْنَمَا إِنَّا أَسِير مَعَ رَسُول الله ﷺ قد خَفَقت برأسي من الْهم أَتَانِي فَعَرَكَ أُذُنِي فَضَحِك فِي وَجْهي فلحقني أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلَنِي فَقلت لَهُ: أبشر ثمَّ لَحِقَنِي عمر رَضِي اللهغنه ذَلِك. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُول ﷺ سُورَة الْمُنَافِقين، قَوْله: ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ﴾ زَاد آدم بن أبي إِيَاس إِلَى قَوْله: هم الَّذين يَقُولُونَ: لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله ﷺ ، إِلَى قَوْله: ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل.

стр. 5812

٢ - (بابٌ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمَانَهُمْ جُنَّةً يَجْتَنُّونَ بِها﴾ (المُنَافِقُونَ: ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿اتَّخذُوا أَيْمَانهم﴾ أَي: اتَّخذُوا المُنَافِقُونَ أَيْمَانهم ﴿جنَّة يجتنون بهَا﴾ يَعْنِي: يستترون بهَا. ١٠٩٤ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنْ زَيْدٍ بنِ أرْقَمَ ﵁ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَمِّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بنِ أُبَيٍّ ابنَ سَلُولَ يَقُولُ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَقَالَ أيْضا لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْها الأذَلَّ فَذَكَرْتُ ذالِكَ نِعَمِّي فَذَكَرَ عَمِّي لِرَسُولِ الله ﷺ فَأرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ إلَى عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَأصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ وَكَذَّبَنِي فأصابَنِي هَم لَمْ يَصِبْنِي مِثْلُهُ قَطٌّ فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي فَأنْزَلَ الله : ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ١) إلَى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله﴾ (المُنَافِقُونَ: ٧) إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلُّ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٨) فأرْسَلَ إلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ فَقَرَأها عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ إنَّ الله قَدْ صَدَقَكَ. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث زيد بن أَرقم الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي يرْوى عَن جده أبي إِسْحَاق، وَمر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. ٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بَأنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم﴾ الْآيَة. قَوْله: (ذَلِك) أَشَارَ مَا وصف من حَال الْمُنَافِقين فِي النِّفَاق وَالْكذب بِالْإِيمَان، أَي ذَلِك كُله بِسَبَب أَنهم آمنُوا أَي نطقوا بِكَلِمَة الشَّهَادَة وفعلوا كَمَا يفعل من يدْخل فِي الْإِسْلَام ثمَّ كفرُوا ثمَّ ظهر كفرهم بعد ذَلِك، فطبع على قُلُوبهم حَتَّى لَا يدخلهم الْإِيمَان جَزَاء على نفاقهم فهم لَا يفقهُونَ صِحَة الْإِيمَان وإعجاز الْقُرْآن كَمَا يفهمهُ الْمُؤْمِنُونَ. ٢٠٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ أرْقَمَ ﵁ قَالَ لَمَا قَالَ عَبدُ الله بنُ أُبَيٍّ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله وَقَالَ أيْضا لَئِنْ رَجَعْنا إلَى المَدِينَةِ أخْبَرْتُ بِهِ النبيَّ ﷺ فَلامَنِي الأنْصارُ وَحَلَفَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ مَا قَالَ ذَلِكَ فَرَجَعْتُ إلَى المَنْزِلِ فَنِمْتُ فَدَعَانِي رَسُولُ الله ﷺ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ إنَّ الله قَدْ صَدَقَكَ وَنَزَلَ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا﴾ الآيَةَ. وَقَالَ ابنُ أبِي زَائِدَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَمْروٍ عنْ ابنِ أبِي لَيْلَى عَنْ زَيْدٍ عَن النبيِّ ﷺ . هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث زيد أخرجه عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة عَن الحكم، بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الْبَاب. قَوْله: (سَمِعت مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ) ، زَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة. قَوْله: (أخْبرت بِهِ النَّبِي ﷺ ، قَالَ بَعضهم: أَي: على لِسَان عمي، جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي يُخَالف ظَاهر الْكَلَام بل الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يُقَال: إِنَّه أخبر النَّبِي ﷺ بعد أَن أنكر عبد الله بن أبي ذَلِك. قَوْله: (فدعاني) ، أَي: فطلبني رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَقَالَ ابْن أبي زَائِدَة) ، وَهُوَ يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن زيد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ابْن أبي ليلى إِذا أطلقهُ المحدثون يعنون بِهِ عبد الرَّحْمَن، وَإِذا أطلقهُ الْفُقَهَاء يُرِيدُونَ بِهِ ابْنه مُحَمَّدًا القَاضِي الإِمَام، وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) .

стр. 5813

(بابٌ: ﴿وَإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسَامُهُمْ وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسِبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ الله أَنى يُؤْفَكُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ﴾ الْآيَة ... وَهِي قَوْله يأفكون. سَاقهَا الْأَكْثَرُونَ. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ﴾ إِلَى قَوْله: تسمع لقَولهم) الْآيَة قَوْله ﴿إِذا رَأَيْتهمْ﴾ أَي: الْمُنَافِقين: تعجبك أجسامهم لِاسْتِوَاء خلقهَا وَحسن صورها وَطول قامتها، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عبد الله بن أبي رجلا جسيما صَحِيحا صبيحا ذلق اللِّسَان، وَقوم من الْمُنَافِقين فِي صفته وهم رُؤَسَاء الْمَدِينَة كَانُوا يحْضرُون مجْلِس النَّبِي ﷺ فيستندون فِيهِ وَلَهُم جهارة المناظر وفصاحة الألسن وَكَانَ النَّبِي ﷺ وَمن حضر يعْجبُونَ بهَا كلهم، فَإِذا قَالُوا سمع النَّبِي ﷺ لقَولهم: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن يَقُولُوا نسْمع لقَولهم كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة﴾ أشباح بِلَا أَرْوَاح وأجسام بِلَا أَحْلَام شبهوا فِي استنادهم وَمَا هم إِلَّا أجر أم خَالِيَة عَن الْإِيمَان، وَالْخَيْر بالخشب المسندة إِلَى الْحَائِط لِأَن الْخشب إِذا انْتفع بِهِ كَانَ فِي سقف أَو جِدَار أَو غَيرهمَا من مظان الِانْتِفَاع، وَمَا دَامَ متروكا فَارغًا غير منتفع بِهِ أسْند إِلَى الْحَائِط فشبهوا بِهِ فِي عدم الِانْتِفَاع. وَقيل: يجوز أَن يُرَاد بالخشب المسندة الْأَصْنَام المنحونة من الْخشب المسندة إِلَى الْحِيطَان، شبهوا بهَا فِي حسن صورهم وَقلة جدواهم. قَوْله: (يحسبون) ، أَي: من خبثهمْ وَسُوء ظنهم، وَقلة يقينهم كل صَيْحَة وَاقعَة عَلَيْهِم وضارة لَهُم، قَالَ مقَاتل: إِن نَادَى مُنَادِي فِي الْعَسْكَر أَو انفلتت دَابَّة أَو نشدت ضَالَّة ظنُّوا أَنهم يرادون لما فِي قُلُوبهم من الرعب. قَوْله: (هم الْعَدو) ، مُبْتَدأ وَخبر أَي: الكاملون فِي الْعَدَاوَة. قَوْله: (فَاحْذَرْهُمْ) ، أَي: فَلَا تَأْمَنهُمْ وَلَا تغتر بظاهرهم. قَوْله: (قَاتلهم الله) دَعَا عَلَيْهِم باللعن والخزي. قَوْله: (أَنى يؤفكون) أَي: كَيفَ يصرفون عَن الْحق، تَعَجبا من جهلهم وضلالهم. ٣٩٧ - (حَدثنَا عَمْرو بن خَالِد حَدثنَا زُهَيْر بن مُعَاوِيَة حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق. قَالَ سَمِعت زيد بن أَرقم: قَالَ خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي سفر أصَاب النَّاس فِيهِ شدَّة فَقَالَ عبد الله بن أبي لأَصْحَابه لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا من حوله وَقَالَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَأتيت النَّبِي ﷺ َ - فَأَخْبَرته فَأرْسل إِلَى عبد الله بن أبي فَسَأَلَهُ فاجتهد يَمِينه مَا فعل قَالُوا كذب زيد رَسُول الله ﷺ َ - فَوَقع فِي نَفسِي مِمَّا قَالُوا شدَّة حَتَّى أنزل الله تصديقي فِي إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ فَدَعَاهُمْ النَّبِي ﷺ َ - ليَسْتَغْفِر لَهُم فلووا رُؤْسهمْ. وَقَوله خشب مُسندَة قَالَ كَانُوا رجَالًا أجمل شَيْء) هَذَا أَيْضا طَرِيق آخر فِي حَدِيث زيد بن أَرقم أخرجه عَن عَمْرو بن خَالِد الْجَزرِي عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَق عَمْرو السبيعِي قَوْله " شدَّة " أَي من جِهَة قلَّة الزَّاد قَوْله " فَأتيت النَّبِي ﷺ َ - فَأَخْبَرته " قَالَ الْكرْمَانِي قَالَ فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم فَذكرت لِعَمِّي فَذكره للنَّبِي ﷺ َ - يَعْنِي بَينهمَا تناف ثمَّ أجَاب أَن الْإِخْبَار أَعم من أَن يكون بِنَفسِهِ أَو بالواسطة قلت الْإِخْبَار هُنَا لَا يدل على الْعُمُوم مَعَ قَوْله فَأتيت النَّبِي ﷺ َ - وَقد ذكرنَا الْجَواب عَن هَذَا عَن قريب قَوْله " فاجتهد يَمِينه " أَي بذل وَسعه فِي الْيَمين وَبَالغ فِيهَا قَوْله " مَا فعل " أَي مَا قَالَ أطلق الْفِعْل على القَوْل لِأَن الْفِعْل يعم الْأَفْعَال والأقوال قَوْله " كذب زيد رَسُول الله " بِالتَّخْفِيفِ قَوْله " فلووا بِالتَّشْدِيدِ " أَي حركوا وقرىء بِالتَّخْفِيفِ أَيْضا قَوْله " خشب مُسندَة " تَفْسِير لقَوْله تعجبك أجسامهم وَوَقع هَذَا فِي نفس الحَدِيث وَلَيْسَ مدرجا وَأخرجه أَبُو نعيم من وَجه آخر عَن عَمْرو بن خَالِد شيخ البُخَارِيّ فِيهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وخشب بِضَمَّتَيْنِ فِي قِرَاءَة الْجُمْهُور وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ وَالْأَعْمَش بِإِسْكَان الشين قَوْله " قَالَ كَانُوا رجَالًا أجمل شَيْء " أَي قَالَ الله تَعَالَى كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة مَعَ أَنهم كَانُوا رجَالًا من أجمل النَّاس وَأَحْسَنهمْ وَقد ذكرنَا وَجه الشّبَه فِيهِ عَن قريب -

стр. 5814

٤ - (بابٌ قَوْلِهِ: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا﴾ إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا: يسْتَغْفر لكم رَسُول الله) إِلَى قَوْله: ﴿وهم يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قَوْله: (وَإِذا قيل لَهُم) ، أَي: لِلْمُنَافِقين. قَوْله: (لووا رؤوسهم) أَي: أمالوها وأعرضوا بِوُجُوهِهِمْ إِظْهَارًا للكراهية. قَرَأَ نَافِع: لووا رؤوسهم بتَخْفِيف الْوَاو وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (يصدون) أَي: يعرضون عَمَّا دعوا إِلَيْهِ ﴿هم مستكبرون﴾ لَا يَسْتَغْفِرُونَ. حَرَّكُوا اسْتَهْزَؤُا بِالنبِيِّ ﷺ هَذَا تَفْسِير قَوْله: ﴿لووا رؤوسهم﴾ وهم: يستهزئون ويستكبرون ويعرضون عَن الْإِجَابَة. وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ لَوَيْتُ أَي: يقْرَأ قَوْله: ﴿لووا﴾ بتَخْفِيف الْوَاو وَهِي قِرَاءَة نَافِع كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (من لويت) يُشِير بِهِ أَنه من بَاب لوى، معتل الْعين وَاللَّام، وَمَعْنَاهُ: أمال. يُقَال: لويت رَأْسِي أَي: أملتها. ٤٠٩٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَنْ إسْرَائِيلَ عنِ أبِي إسْحَاقَ عَنْ زَيْدٍ بنِ أرْقَمَ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَمِّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بنِ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ يَقُولُ لَا تُنْفِضُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلَئِنْ رَجَعْنا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلُّ فَذَكَرْتُ ذالِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ عَمِّي للنبيِّ ﷺ وَصَدَّقَهُمْ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأرْسَلَ إلَى عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَأصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا وَكَذَّبَنِي النبيُّ ﷺ فَأصَابَنِي غَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي: وَقَالَ عَمِّي مَا أرَدْت إلَى أنْ كَذَّبكَ النبيُّ ﷺ وَمَقَتَكَ فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ (المُنَافِقُونَ: ١) وَأَرْسَلَ إلَيَّ النبيُّ ﷺ فَقَرَأها: وَقَالَ إنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَقد اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي السِّيَاق الَّذِي أوردهُ خُصُوص مَا ترْجم بِهِ، وَأجِيب بِأَن عَادَته جرت بِالْإِشَارَةِ إِلَى أصل الحَدِيث، وَوَقع فِي مُرْسل الْحسن: فَقَالَ قوم لعبد الله بن أبي لَو أتيت رَسُول الله ﷺ فَاسْتَغْفر لَك فَجعل يلوي رَأسه، فَنزلت: وَهَا أَنْت قد رَأَيْت أخرج البُخَارِيّ حَدِيث زيد بن أَرقم من خَمْسَة طرق وَترْجم على رَأس كل حَدِيث مِنْهَا: أَرْبَعَة مِنْهَا عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن أَرقم وَوَاحِد عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَنهُ فَفِي ثَلَاثَة، روى أَبُو إِسْحَاق بالعنعنة، وَفِي وَاحِد بِالسَّمَاعِ، وَفِي ثَلَاثَة رَوَاهُ إِسْرَائِيل عَن جده أبي إِسْحَاق. وَفِي وَاحِد زُهَيْر ابْن مُعَاوِيَة عَنهُ. ٥ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ إنَّ الله لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿سَوَاء عَلَيْهِم﴾ إِلَى آخر الْآيَة، كَذَا للأكثرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر ﴿سَوَاء عَلَيْهِم استغفرت لَهُم﴾ الْآيَة أَي: سَوَاء عَلَيْهِم الاسْتِغْفَار وَعَدَمه لأَنهم لَا يلتفتون إِلَيْهِ وَلَا يعتدون بِهِ لِأَن الله لَا يغْفر لَهُم. ٣٩٩ - (حَدثنَا عَليّ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ عَمْرو سَمِعت جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ كُنَّا فِي غزَاة. قَالَ سُفْيَان مرّة فِي جَيش فَكَسَعَ رجل من الْمُهَاجِرين رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ الْأنْصَارِيّ يَا للْأَنْصَار وَقَالَ الْمُهَاجِرِي يَا للمهاجرين فَسمع ذَاك رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ

стр. 5815

مَا بَال دَعْوَى جَاهِلِيَّة قَالُوا يَا رَسُول الله كسع رجل من الْمُهَاجِرين رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة فَسمع بذلك عبد الله بن أبي فَقَالَ فَعَلُوهَا أما وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَبلغ النَّبِي ﷺ َ - فَقَامَ عمر فَقَالَ يَا رَسُول الله دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - دَعه لَا يتحدث النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه وَكَانَت الْأَنْصَار أَكثر من الْمُهَاجِرين حِين قدمُوا الْمَدِينَة ثمَّ إِن الْمُهَاجِرين كَثُرُوا بعد قَالَ سُفْيَان فحفظته من عَمْرو قَالَ عَمْرو سَمِعت جَابِرا كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله فَسمع بذلك عبد الله بن أبي إِلَى قَوْله الْأَذَل فوجهه أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة نزلت فِيهِ فَمن هَذَا الْوَجْه تَأتي الْمُطَابقَة وَقد أخرج عبد بن حميد من طَرِيق قَتَادَة وَمن طَرِيق مُجَاهِد وَمن طَرِيق عِكْرِمَة أَنَّهَا نزلت فِي عبد الله بن أبي وَعلي هُوَ ابْن عبد الله بن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن الْحميدِي وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عَمْرو وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عبد الْجَبَّار وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور قَوْله " فِي غزَاة " وَهِي غَزْوَة بني المصطلق قَالَه ابْن إِسْحَاق قَوْله " فَكَسَعَ " من الكسع وَهُوَ ضرب الدبر بِالْيَدِ أَو بِالرجلِ وَيُقَال هُوَ ضرب دبر الْإِنْسَان بصدر قدمه وَنَحْوه وَالرجل الْمُهَاجِرِي هُوَ جَهْجَاه بن قيس وَيُقَال ابْن سعيد الْغِفَارِيّ وَكَانَ مَعَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُود فرسه وَالرجل الْأنْصَارِيّ هُوَ سِنَان بن وبرة الْجُهَنِيّ حَلِيف الْأَنْصَار قَوْله " يَا للْأَنْصَار " اللَّام فِيهِ لَام الاستغاثة وَهِي مَفْتُوحَة وَمَعْنَاهَا أغيثوني قَوْله " مَا بَال دَعْوَى جَاهِلِيَّة " أَي مَا شَأْنهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة إِنْكَار وَمنع عَن قَول يَا لفُلَان وَنَحْوه قَوْله " دَعُوهَا " أَي اتْرُكُوا هَذِه الْمقَالة وَهِي دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وَهِي قبل الْإِسْلَام قَوْله " فَإِنَّهَا مُنْتِنَة " بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من النتن أَي أَنَّهَا كلمة قبيحة خبيثة وَكَذَا ثَبت فِي بعض الرِّوَايَات قَوْله " فَقَالَ فَعَلُوهَا " أَي أفعلوها بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فحذفت أَي فعلوا الأثرة أَي تركناهم فِيمَا نَحن فِيهِ فأرادوا الاستبداد بِهِ علينا وَفِي مُرْسل قَتَادَة فَقَالَ رجل مِنْهُم عَظِيم النِّفَاق مَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِل سمن كلبك يَأْكُلك قَوْله " دَعه " أَي اتركه قَوْله " لَا يتحدث النَّاس " بِرَفْع يتحدث على الِاسْتِئْنَاف وَيجوز الْكسر على أَنه جَوَاب قَوْله دَعه قَوْله " فحفظته من عَمْرو " كَلَام سُفْيَان أَي حفظت الحَدِيث من عَمْرو بن دِينَار وَعَمْرو قَالَ سَمِعت جَابِرا كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - أَي قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي الْغُزَاة - ٦ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَيَتَفَرَّقُوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿هم الَّذين﴾ إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: ﴿حَتَّى يَنْفضوا﴾ قَوْله: (ويتفرقوا) ، لَيْسَ من الْقُرْآن بل هُوَ تَفْسِير يَنْفضوا وَسقط فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ الصَّوَاب. ٦٠٩٤ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْد الله. قَالَ حدَّثني إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ. قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ الفَضْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ فَكَتَبَ إلَى زَيْدُ بنُ أرْقَمَ وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي يَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأنْصَارِ وَشَكَّ ابنُ الفَضْلِ فِي أبْنَاءِ أبْنَاءِ
следующие страницы →