Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
حَوْلِهِ وَلَئِنْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ فَذَكَرْتُ ذالِكَ لِعَمِّي أوْ لِعُمَرَ فَذَكَرَهُ لِلنبيِّ ﷺ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ إلَى عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَأصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَكَذَّبَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَصَدَّقَهُ فأصابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي البَيْتِ فَقَالَ لِي عَمِّي مَا أَرَدْتَ إلَى أنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ الله ﷺ وَمَقْتَكَ فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ فَبَعَثَ إلَيَّ النبيُّ ﷺ فَقَرَأَ فَقَالَ إنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. لِأَنَّهُ يبين سَبَب نُزُولهَا. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن آدم وَعبيد الله بن مُوسَى فهم ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْرَائِيل وَعَن عَمْرو بن خَالِد وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي داودالحراني.
قَوْله: (فِي غزَاة) ، هِيَ غَزْوَة تَبُوك على مَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل الْمَغَازِي أَنَّهَا غَزْوَة بني المصطلق، وَذكر أَبُو الْفرج أَنَّهَا الْمُريْسِيع سنة خمس، وَقيل: سِتّ وَقَالَ مُوسَى: سنة أَربع. قَوْله: (عبد الله بن أبي) ، ابْن سلول رَأس الْمُنَافِقين وَالِابْن الثَّانِي صفة لعبد الله فَهُوَ بِالنّصب وسلول غير منصرف لِأَنَّهُ اسْم أم عبد الله فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى الْأَبَوَيْنِ. قَوْله: (يَقُول لَا تنفقوا) ، إِلَى قَوْله: (الْأَذَل) هُوَ كَلَام عبد الله بن أبي وَلم يقْصد الرَّاوِي بِهِ التِّلَاوَة، وَقَالَ بَعضهم: وَغلط بعض الشُّرَّاح فَقَالَ. هَذَا وَاقع فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: أَرَادَ بِهِ صَاحب (التَّلْوِيح) وَلكنه لم يقل هَكَذَا وَإِنَّمَا قَالَ. قَوْله: حَتَّى يَنْفضوا من حوله، بِكَسْر الْمِيم وجر اللَّام، وَكَذَا هُوَ فِي السَّبْعَة. قَالَ النَّوَوِيّ: وقرىء فِي الشاذ من حوله، بِالْفَتْح هَذَا الَّذِي ذكره صَاحب (التَّلْوِيح) نعم قَوْله: كَذَا هُوَ فِي السَّبْعَة، فِيهِ نظر. قَوْله: (وَلَئِن رَجعْنَا) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، وَلَو رَجعْنَا. قَوْله: (لِعَمِّي أَو لعمر) ، كَذَا بِالشَّكِّ، وَفِي سَائِر الرِّوَايَات الَّتِي تَأتي: لعمى، بِلَا شكّ وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي سعيد الْأَزْدِيّ عَن زيد، وَوَقع عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه: أَن المُرَاد بِعَمِّهِ سعد بن عبَادَة وَلَيْسَ عَمه حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هُوَ سيد قومه الْخَزْرَج، وَعم زيد بن أَرقم الْحَقِيقِيّ ثَابت بن قيس لَهُ صُحْبَة وَعَمه زوج أمه عبد الله بن رَوَاحَة خزرجي أَيْضا وَفِي كَلَام الْكرْمَانِي أَنه عبد الله بن رَوَاحَة وَهُوَ عَمه الْمجَازِي لِأَنَّهُ كَانَ فِي حجره وأنهما من أَوْلَاد كَعْب الخزرجي، وَقَالَ الغساني: الصَّوَاب عمي لَا عمر، على مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَة. قَوْله: فَذكره للنَّبِي ﷺ أَي: فَذكره عمي وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي ليلى عَن زيد، فَأخْبرت بِهِ النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا وَقع فِي مُرْسل قَتَادَة، والتوفيق بَينهمَا أَنه يحمل على أَنه أرسل أَولا ثمَّ أخبر بِهِ بِنَفسِهِ. قَوْله: (فَكَذبنِي رَسُول الله ﷺ بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (وَصدقه) أَي: وَصدق عبد الله بن أبي. قَوْله: (فَأَصَابَنِي هم لم يُصِبْنِي مثله قطّ) يَعْنِي: فِي الزَّمن الْمَاضِي، وَوَقع فِي رِوَايَة زُهَيْر: فَوَقع فِي نَفسه شدَّة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي سعد الْأَزْدِيّ عَن زيد. فَوَقع على من الْهم مَا لم يَقع على أحد، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب فَرَجَعت إِلَى الْمنزل فَنمت، زَاد التِّرْمِذِيّ رِوَايَة: فَنمت كئيبا حَزينًا. وَفِي رِوَايَة ابْن أبي ليلى: حَتَّى جَلَست فِي الْبَيْت مَخَافَة إِذْ رَآنِي النَّاس أَن يَقُولُوا: كذبت. قَوْله: (مَا أردْت إِلَى أَن كَذبك) بِالتَّشْدِيدِ، أَي: مَا قصدت منتهيا إِلَيْهِ. أَي: مَا حملك عَلَيْهِ قَوْله: (ومقاك) من مقته مقتا إِذا أبغضه بغضا. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب: فلامني الْأَنْصَار، وَعند النَّسَائِيّ من طَرِيقه ولامني قومِي. قَوْله: (فَأنْزل الله) وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد ابْن كَعْب، فَإِنِّي رَسُول الله ﷺ أَي: الْوَحْي، وَفِي رِوَايَة زُهَيْر: حَتَّى أنزل الله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة فَبَيْنَمَا هم يَسِيرُونَ أبصروا رَسُول الله ﷺ يُوحى إِلَيْهِ فَنزلت، وَفِي رِوَايَة أبي سعد عَن زيد قَالَ: فَبَيْنَمَا إِنَّا أَسِير مَعَ رَسُول الله ﷺ قد خَفَقت برأسي من الْهم أَتَانِي فَعَرَكَ أُذُنِي فَضَحِك فِي وَجْهي فلحقني أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلَنِي فَقلت لَهُ: أبشر ثمَّ لَحِقَنِي عمر رَضِي اللهغنه ذَلِك. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُول ﷺ سُورَة الْمُنَافِقين، قَوْله: ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ﴾ زَاد آدم بن أبي إِيَاس إِلَى قَوْله: هم الَّذين يَقُولُونَ: لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله ﷺ ، إِلَى قَوْله: ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل.
стр. 5812
٢ - (بابٌ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمَانَهُمْ جُنَّةً يَجْتَنُّونَ بِها﴾ (المُنَافِقُونَ: ٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿اتَّخذُوا أَيْمَانهم﴾ أَي: اتَّخذُوا المُنَافِقُونَ أَيْمَانهم ﴿جنَّة يجتنون بهَا﴾ يَعْنِي: يستترون بهَا.
١٠٩٤ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنْ زَيْدٍ بنِ أرْقَمَ ﵁ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَمِّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بنِ أُبَيٍّ ابنَ سَلُولَ يَقُولُ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَقَالَ أيْضا لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْها الأذَلَّ فَذَكَرْتُ ذالِكَ نِعَمِّي فَذَكَرَ عَمِّي لِرَسُولِ الله ﷺ فَأرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ إلَى عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَأصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ وَكَذَّبَنِي فأصابَنِي هَم لَمْ يَصِبْنِي مِثْلُهُ قَطٌّ فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي فَأنْزَلَ الله : ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ١) إلَى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله﴾ (المُنَافِقُونَ: ٧) إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلُّ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٨) فأرْسَلَ إلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ فَقَرَأها عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ إنَّ الله قَدْ صَدَقَكَ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث زيد بن أَرقم الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي يرْوى عَن جده أبي إِسْحَاق، وَمر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بَأنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم﴾ الْآيَة. قَوْله: (ذَلِك) أَشَارَ مَا وصف من حَال الْمُنَافِقين فِي النِّفَاق وَالْكذب بِالْإِيمَان، أَي ذَلِك كُله بِسَبَب أَنهم آمنُوا أَي نطقوا بِكَلِمَة الشَّهَادَة وفعلوا كَمَا يفعل من يدْخل فِي الْإِسْلَام ثمَّ كفرُوا ثمَّ ظهر كفرهم بعد ذَلِك، فطبع على قُلُوبهم حَتَّى لَا يدخلهم الْإِيمَان جَزَاء على نفاقهم فهم لَا يفقهُونَ صِحَة الْإِيمَان وإعجاز الْقُرْآن كَمَا يفهمهُ الْمُؤْمِنُونَ.
٢٠٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ أرْقَمَ ﵁ قَالَ لَمَا قَالَ عَبدُ الله بنُ أُبَيٍّ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله وَقَالَ أيْضا لَئِنْ رَجَعْنا إلَى المَدِينَةِ أخْبَرْتُ بِهِ النبيَّ ﷺ فَلامَنِي الأنْصارُ وَحَلَفَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ مَا قَالَ ذَلِكَ فَرَجَعْتُ إلَى المَنْزِلِ فَنِمْتُ فَدَعَانِي رَسُولُ الله ﷺ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ إنَّ الله قَدْ صَدَقَكَ وَنَزَلَ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا﴾ الآيَةَ. وَقَالَ ابنُ أبِي زَائِدَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَمْروٍ عنْ ابنِ أبِي لَيْلَى عَنْ زَيْدٍ عَن النبيِّ ﷺ .
هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث زيد أخرجه عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة عَن الحكم، بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الْبَاب.
قَوْله: (سَمِعت مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ) ، زَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة. قَوْله: (أخْبرت بِهِ النَّبِي ﷺ ، قَالَ بَعضهم: أَي: على لِسَان عمي، جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي يُخَالف ظَاهر الْكَلَام بل الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يُقَال: إِنَّه أخبر النَّبِي ﷺ بعد أَن أنكر عبد الله بن أبي ذَلِك. قَوْله: (فدعاني) ، أَي: فطلبني رَسُول الله ﷺ .
قَوْله: (وَقَالَ ابْن أبي زَائِدَة) ، وَهُوَ يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن زيد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ابْن أبي ليلى إِذا أطلقهُ المحدثون يعنون بِهِ عبد الرَّحْمَن، وَإِذا أطلقهُ الْفُقَهَاء يُرِيدُونَ بِهِ ابْنه مُحَمَّدًا القَاضِي الإِمَام، وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) .
стр. 5813
(بابٌ: ﴿وَإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسَامُهُمْ وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسِبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ الله أَنى يُؤْفَكُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ﴾ الْآيَة ... وَهِي قَوْله يأفكون. سَاقهَا الْأَكْثَرُونَ. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ﴾ إِلَى قَوْله: تسمع لقَولهم) الْآيَة قَوْله
﴿إِذا رَأَيْتهمْ﴾ أَي: الْمُنَافِقين: تعجبك أجسامهم لِاسْتِوَاء خلقهَا وَحسن صورها وَطول قامتها، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عبد الله بن أبي رجلا جسيما صَحِيحا صبيحا ذلق اللِّسَان، وَقوم من الْمُنَافِقين فِي صفته وهم رُؤَسَاء الْمَدِينَة كَانُوا يحْضرُون مجْلِس النَّبِي ﷺ فيستندون فِيهِ وَلَهُم جهارة المناظر وفصاحة الألسن وَكَانَ النَّبِي ﷺ وَمن حضر يعْجبُونَ بهَا كلهم، فَإِذا قَالُوا سمع النَّبِي ﷺ لقَولهم: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن يَقُولُوا نسْمع لقَولهم كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة﴾ أشباح بِلَا أَرْوَاح وأجسام بِلَا أَحْلَام شبهوا فِي استنادهم وَمَا هم إِلَّا أجر أم خَالِيَة عَن الْإِيمَان، وَالْخَيْر بالخشب المسندة إِلَى الْحَائِط لِأَن الْخشب إِذا انْتفع بِهِ كَانَ فِي سقف أَو جِدَار أَو غَيرهمَا من مظان الِانْتِفَاع، وَمَا دَامَ متروكا فَارغًا غير منتفع بِهِ أسْند إِلَى الْحَائِط فشبهوا بِهِ فِي عدم الِانْتِفَاع. وَقيل: يجوز أَن يُرَاد بالخشب المسندة الْأَصْنَام المنحونة من الْخشب المسندة إِلَى الْحِيطَان، شبهوا بهَا فِي حسن صورهم وَقلة جدواهم. قَوْله: (يحسبون) ، أَي: من خبثهمْ وَسُوء ظنهم، وَقلة يقينهم كل صَيْحَة وَاقعَة عَلَيْهِم وضارة لَهُم، قَالَ مقَاتل: إِن نَادَى مُنَادِي فِي الْعَسْكَر أَو انفلتت دَابَّة أَو نشدت ضَالَّة ظنُّوا أَنهم يرادون لما فِي قُلُوبهم من الرعب. قَوْله: (هم الْعَدو) ، مُبْتَدأ وَخبر أَي: الكاملون فِي الْعَدَاوَة. قَوْله: (فَاحْذَرْهُمْ) ، أَي: فَلَا تَأْمَنهُمْ وَلَا تغتر بظاهرهم. قَوْله: (قَاتلهم الله) دَعَا عَلَيْهِم باللعن والخزي. قَوْله: (أَنى يؤفكون) أَي: كَيفَ يصرفون عَن الْحق، تَعَجبا من جهلهم وضلالهم.
٣٩٧ - (حَدثنَا عَمْرو بن خَالِد حَدثنَا زُهَيْر بن مُعَاوِيَة حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق. قَالَ سَمِعت زيد بن أَرقم: قَالَ خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي سفر أصَاب النَّاس فِيهِ شدَّة فَقَالَ عبد الله بن أبي لأَصْحَابه لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا من حوله وَقَالَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَأتيت النَّبِي ﷺ َ - فَأَخْبَرته فَأرْسل إِلَى عبد الله بن أبي فَسَأَلَهُ فاجتهد يَمِينه مَا فعل قَالُوا كذب زيد رَسُول الله ﷺ َ - فَوَقع فِي نَفسِي مِمَّا قَالُوا شدَّة حَتَّى أنزل الله تصديقي فِي إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ فَدَعَاهُمْ النَّبِي ﷺ َ - ليَسْتَغْفِر لَهُم فلووا رُؤْسهمْ. وَقَوله خشب مُسندَة قَالَ كَانُوا رجَالًا أجمل شَيْء) هَذَا أَيْضا طَرِيق آخر فِي حَدِيث زيد بن أَرقم أخرجه عَن عَمْرو بن خَالِد الْجَزرِي عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَق عَمْرو السبيعِي قَوْله " شدَّة " أَي من جِهَة قلَّة الزَّاد قَوْله " فَأتيت النَّبِي ﷺ َ - فَأَخْبَرته " قَالَ الْكرْمَانِي قَالَ فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم فَذكرت لِعَمِّي فَذكره للنَّبِي ﷺ َ - يَعْنِي بَينهمَا تناف ثمَّ أجَاب أَن الْإِخْبَار أَعم من أَن يكون بِنَفسِهِ أَو بالواسطة قلت الْإِخْبَار هُنَا لَا يدل على الْعُمُوم مَعَ قَوْله فَأتيت النَّبِي ﷺ َ - وَقد ذكرنَا الْجَواب عَن هَذَا عَن قريب قَوْله " فاجتهد يَمِينه " أَي بذل وَسعه فِي الْيَمين وَبَالغ فِيهَا قَوْله " مَا فعل " أَي مَا قَالَ أطلق الْفِعْل على القَوْل لِأَن الْفِعْل يعم الْأَفْعَال والأقوال قَوْله " كذب زيد رَسُول الله " بِالتَّخْفِيفِ قَوْله " فلووا بِالتَّشْدِيدِ " أَي حركوا وقرىء بِالتَّخْفِيفِ أَيْضا قَوْله " خشب مُسندَة " تَفْسِير لقَوْله تعجبك أجسامهم وَوَقع هَذَا فِي نفس الحَدِيث وَلَيْسَ مدرجا وَأخرجه أَبُو نعيم من وَجه آخر عَن عَمْرو بن خَالِد شيخ البُخَارِيّ فِيهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وخشب بِضَمَّتَيْنِ فِي قِرَاءَة الْجُمْهُور وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ وَالْأَعْمَش بِإِسْكَان الشين قَوْله " قَالَ كَانُوا رجَالًا أجمل شَيْء " أَي قَالَ الله تَعَالَى كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة مَعَ أَنهم كَانُوا رجَالًا من أجمل النَّاس وَأَحْسَنهمْ وَقد ذكرنَا وَجه الشّبَه فِيهِ عَن قريب -
стр. 5814
٤ - (بابٌ قَوْلِهِ: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا﴾ إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا: يسْتَغْفر لكم رَسُول الله) إِلَى قَوْله: ﴿وهم يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قَوْله: (وَإِذا قيل لَهُم) ، أَي: لِلْمُنَافِقين. قَوْله: (لووا رؤوسهم) أَي: أمالوها وأعرضوا بِوُجُوهِهِمْ إِظْهَارًا للكراهية. قَرَأَ نَافِع: لووا رؤوسهم بتَخْفِيف الْوَاو وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (يصدون) أَي: يعرضون عَمَّا دعوا إِلَيْهِ ﴿هم مستكبرون﴾ لَا يَسْتَغْفِرُونَ.
حَرَّكُوا اسْتَهْزَؤُا بِالنبِيِّ ﷺ
هَذَا تَفْسِير قَوْله: ﴿لووا رؤوسهم﴾ وهم: يستهزئون ويستكبرون ويعرضون عَن الْإِجَابَة.
وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ لَوَيْتُ
أَي: يقْرَأ قَوْله: ﴿لووا﴾ بتَخْفِيف الْوَاو وَهِي قِرَاءَة نَافِع كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (من لويت) يُشِير بِهِ أَنه من بَاب لوى، معتل الْعين وَاللَّام، وَمَعْنَاهُ: أمال. يُقَال: لويت رَأْسِي أَي: أملتها.
٤٠٩٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَنْ إسْرَائِيلَ عنِ أبِي إسْحَاقَ عَنْ زَيْدٍ بنِ أرْقَمَ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَمِّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بنِ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ يَقُولُ لَا تُنْفِضُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلَئِنْ رَجَعْنا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلُّ فَذَكَرْتُ ذالِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ عَمِّي للنبيِّ ﷺ وَصَدَّقَهُمْ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأرْسَلَ إلَى عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَأصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا وَكَذَّبَنِي النبيُّ ﷺ فَأصَابَنِي غَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي: وَقَالَ عَمِّي مَا أرَدْت إلَى أنْ كَذَّبكَ النبيُّ ﷺ وَمَقَتَكَ فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ (المُنَافِقُونَ: ١) وَأَرْسَلَ إلَيَّ النبيُّ ﷺ فَقَرَأها: وَقَالَ إنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَقد اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي السِّيَاق الَّذِي أوردهُ خُصُوص مَا ترْجم بِهِ، وَأجِيب بِأَن عَادَته جرت بِالْإِشَارَةِ إِلَى أصل الحَدِيث، وَوَقع فِي مُرْسل الْحسن: فَقَالَ قوم لعبد الله بن أبي لَو أتيت رَسُول الله ﷺ فَاسْتَغْفر لَك فَجعل يلوي رَأسه، فَنزلت: وَهَا أَنْت قد رَأَيْت أخرج البُخَارِيّ حَدِيث زيد بن أَرقم من خَمْسَة طرق وَترْجم على رَأس كل حَدِيث مِنْهَا: أَرْبَعَة مِنْهَا عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن أَرقم وَوَاحِد عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَنهُ فَفِي ثَلَاثَة، روى أَبُو إِسْحَاق بالعنعنة، وَفِي وَاحِد بِالسَّمَاعِ، وَفِي ثَلَاثَة رَوَاهُ إِسْرَائِيل عَن جده أبي إِسْحَاق. وَفِي وَاحِد زُهَيْر ابْن مُعَاوِيَة عَنهُ.
٥ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ إنَّ الله لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿سَوَاء عَلَيْهِم﴾ إِلَى آخر الْآيَة، كَذَا للأكثرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر ﴿سَوَاء عَلَيْهِم استغفرت لَهُم﴾ الْآيَة أَي: سَوَاء عَلَيْهِم الاسْتِغْفَار وَعَدَمه لأَنهم لَا يلتفتون إِلَيْهِ وَلَا يعتدون بِهِ لِأَن الله لَا يغْفر لَهُم.
٣٩٩ - (حَدثنَا عَليّ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ عَمْرو سَمِعت جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ كُنَّا فِي غزَاة. قَالَ سُفْيَان مرّة فِي جَيش فَكَسَعَ رجل من الْمُهَاجِرين رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ الْأنْصَارِيّ يَا للْأَنْصَار وَقَالَ الْمُهَاجِرِي يَا للمهاجرين فَسمع ذَاك رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ
стр. 5815
مَا بَال دَعْوَى جَاهِلِيَّة قَالُوا يَا رَسُول الله كسع رجل من الْمُهَاجِرين رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة فَسمع بذلك عبد الله بن أبي فَقَالَ فَعَلُوهَا أما وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَبلغ النَّبِي ﷺ َ - فَقَامَ عمر فَقَالَ يَا رَسُول الله دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - دَعه لَا يتحدث النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه وَكَانَت الْأَنْصَار أَكثر من الْمُهَاجِرين حِين قدمُوا الْمَدِينَة ثمَّ إِن الْمُهَاجِرين كَثُرُوا بعد قَالَ سُفْيَان فحفظته من عَمْرو قَالَ عَمْرو سَمِعت جَابِرا كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله فَسمع بذلك عبد الله بن أبي إِلَى قَوْله الْأَذَل فوجهه أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة نزلت فِيهِ فَمن هَذَا الْوَجْه تَأتي الْمُطَابقَة وَقد أخرج عبد بن حميد من طَرِيق قَتَادَة وَمن طَرِيق مُجَاهِد وَمن طَرِيق عِكْرِمَة أَنَّهَا نزلت فِي عبد الله بن أبي وَعلي هُوَ ابْن عبد الله بن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن الْحميدِي وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عَمْرو وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عبد الْجَبَّار وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور قَوْله " فِي غزَاة " وَهِي غَزْوَة بني المصطلق قَالَه ابْن إِسْحَاق قَوْله " فَكَسَعَ " من الكسع وَهُوَ ضرب الدبر بِالْيَدِ أَو بِالرجلِ وَيُقَال هُوَ ضرب دبر الْإِنْسَان بصدر قدمه وَنَحْوه وَالرجل الْمُهَاجِرِي هُوَ جَهْجَاه بن قيس وَيُقَال ابْن سعيد الْغِفَارِيّ وَكَانَ مَعَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُود فرسه وَالرجل الْأنْصَارِيّ هُوَ سِنَان بن وبرة الْجُهَنِيّ حَلِيف الْأَنْصَار قَوْله " يَا للْأَنْصَار " اللَّام فِيهِ لَام الاستغاثة وَهِي مَفْتُوحَة وَمَعْنَاهَا أغيثوني قَوْله " مَا بَال دَعْوَى جَاهِلِيَّة " أَي مَا شَأْنهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة إِنْكَار وَمنع عَن قَول يَا لفُلَان وَنَحْوه قَوْله " دَعُوهَا " أَي اتْرُكُوا هَذِه الْمقَالة وَهِي دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وَهِي قبل الْإِسْلَام قَوْله " فَإِنَّهَا مُنْتِنَة " بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من النتن أَي أَنَّهَا كلمة قبيحة خبيثة وَكَذَا ثَبت فِي بعض الرِّوَايَات قَوْله " فَقَالَ فَعَلُوهَا " أَي أفعلوها بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فحذفت أَي فعلوا الأثرة أَي تركناهم فِيمَا نَحن فِيهِ فأرادوا الاستبداد بِهِ علينا وَفِي مُرْسل قَتَادَة فَقَالَ رجل مِنْهُم عَظِيم النِّفَاق مَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِل سمن كلبك يَأْكُلك قَوْله " دَعه " أَي اتركه قَوْله " لَا يتحدث النَّاس " بِرَفْع يتحدث على الِاسْتِئْنَاف وَيجوز الْكسر على أَنه جَوَاب قَوْله دَعه قَوْله " فحفظته من عَمْرو " كَلَام سُفْيَان أَي حفظت الحَدِيث من عَمْرو بن دِينَار وَعَمْرو قَالَ سَمِعت جَابِرا كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - أَي قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي الْغُزَاة -
٦ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَيَتَفَرَّقُوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿هم الَّذين﴾ إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: ﴿حَتَّى يَنْفضوا﴾ قَوْله: (ويتفرقوا) ، لَيْسَ من الْقُرْآن بل هُوَ تَفْسِير يَنْفضوا وَسقط فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ الصَّوَاب.
٦٠٩٤ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْد الله. قَالَ حدَّثني إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ. قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ الفَضْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ فَكَتَبَ إلَى زَيْدُ بنُ أرْقَمَ وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي يَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأنْصَارِ وَشَكَّ ابنُ الفَضْلِ فِي أبْنَاءِ أبْنَاءِ
стр. 5816
الأَنْصَارِ فَسَأَلَ أنَسا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ الله ﷺ هاذا الَّذِي أوْ فِي الله لَهُ يَا ذُنِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ، وَذَلِكَ أَن زيد بن أَرقم لما حكى لرَسُول الله ﷺ قَول عبد الله بن أبي بن سلول، قَالَ لَهُ ﷺ : لَعَلَّه أَخطَأ سَمعك. قَالَ: لَا، فَلَمَّا نزلت الْآيَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة لحق رَسُول الله ﷺ زيدا من خَلفه فَعَرَكَ أُذُنه فَقَالَ: وَقت أُذُنك يَا غُلَام، وَهُوَ معنى قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ بِضَم الْهمزَة، أَي صدق الله لَهُ بِإِذْنِهِ. أَي: يسمعهُ، وَكَأَنَّهُ جعل أُذُنه كالضامنة بِتَصْدِيق مَا سَمِعت، فَلَمَّا نزل الْقُرْآن بِهِ صَارَت كَأَنَّهَا واقية بضمانها.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فِي تَرْجَمَة أنس بن مَالك عَن زيد بن أَرقم. قَوْله: (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله) ، هُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف ابْن أخي مُوسَى بن عقبَة يروي عَن عَمه مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَعبد الله بن الْفضل بن الْعَبَّاس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي الْمدنِي من التَّابِعين الصغار الثِّقَات، وَمَاله من البُخَارِيّ عَن أنس إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من أَقْرَان مُوسَى بن عقبَة الرَّاوِي عَنهُ. قَوْله: (حزنت) ، بِكَسْر الزَّاي من الْحزن. قَوْله: (على من أُصِيب بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَهِي أَرض بِظَاهِر الْمَدِينَة فِيهَا حِجَارَة سود كَثِيرَة كَانَت بهَا وقْعَة فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، وسببها أَن أهل الْمَدِينَة خلعوا بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة لما بَلغهُمْ مَا يعتمده من الْفساد، فَأمر الْأَنْصَار عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر وَأمر الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِم عبد الله بن مُطِيع الْعَدوي، وَأرْسل إِلَيْهِم يزِيد بن مُعَاوِيَة مُسلم بن عقبَة الْمزي فِي جَيش كثير فَهَزَمَهُمْ واستباحوا الْمَدِينَة. وَقتل من الْأَنْصَار خلق كثير جدا. وَكَانَ أنس يَوْمئِذٍ بِالْبَصْرَةِ قبلغه ذَلِك فَحزن على من أُصِيب من الْأَنْصَار، فَكتب إِلَيْهِ زيد بن أَرقم، وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ معنى قَول أنس: فَكتب إِلَيّ، بتَشْديد الْيَاء زيد بن أَرقم الحَدِيث الَّذِي ذكره، وَهُوَ قَوْله: اللَّهُمَّ أَغفر للْأَنْصَار الحَدِيث، وعزى أنسا بذلك. قَوْله: (وبلغه شدَّة حزني) ، جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنه قد بلغ زيد بن أَرقم شدَّة حزني الْقَائِل بذلك أنس. قَوْله: (يذكر) ، أَيْضا حَال. أَي: حَال كَون كِتَابَته يذكر أَنه سمع رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَشك ابْن الْفضل) أَي: شكّ عبد الله بن الْفضل: هَل ذكر أَبنَاء الْأَبْنَاء أم لَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق قَتَادَة: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار، من غير شكّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن النَّضر بن أنس عَن زيد بن أَرقم أَنه كتب إِلَى أنس بن مَالك يعزيه فِيمَن أُصِيب من أَهله وَبني عَمه يَوْم الْحرَّة فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي أُبَشِّرك ببشرى من الله إِنِّي سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولذراري الْأَنْصَار ولذراري ذَرَارِيهمْ قَوْله: (فَسَأَلَ أنسا بعض من كَانَ عِنْده) لم يعرف هَذَا السَّائِل من هُوَ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون النَّضر بن أنس فَإِنَّهُ روى حَدِيث الْبَاب عَن زيد بن أَرقم. قلت: هَذَا احْتِمَال بالتخمين فَلَا يُفِيد شَيْئا على أَن عِنْد أنس كَانَت جمَاعَة حِينَئِذٍ، وَزعم ابْن التِّين أَنه وَقع عِنْد الْقَابِسِيّ، فَسَأَلَ أنس بعض من عِنْده: بِرَفْع أنس على الفاعلية، وَنصب بعض على المفعولية، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (هُوَ الَّذِي) أَي: زيد بن أَرقم هُوَ الَّذِي يَقُول رَسُول الله ﷺ فِي حَقه هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بأذنه، وَقد مر تَفْسِيره الْآن، وَقيل: يجوز فتح الْهمزَة والذال من أُذُنه أَي: أظهر صدقه فِيمَا أعلم بِهِ، وَمعنى: أوفى صدق.
٧ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزَّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلله العزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا﴾ الْآيَة إِلَى آخرهَا، هَكَذَا سَاقهَا الْأَكْثَرُونَ إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمن قَوْله: (يَقُولُونَ) إِلَى قَوْله: (الْأَذَل) .
٧٠٩٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْناهُ مِنْ عَمْروٍ بنِ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄ يَقُولُ كُنَّا فِي غزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ
стр. 5817
الأنْصَارِ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ يَا لِلأَنْصَارِ وَقَالَ المُهاجِريُّ يَا لِلْمُهَاجِرِينَ فَسَمَّعَها الله رَسُولَهُ ﷺ قَالَ مَا هاذا فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا للأَنْصَارِ وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ يَا لِلْمُهَاجِرِينَ فَقَال النبيُّ ﷺ دَعُوهَا فَإنَّهَا مُنْتِنَةٌ قَالَ جِابِرٌ وَكَانَتْ الأنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ أكْثَرَ ثُمَّ كَثُرَ المُهَاجِرُونَ بَعْدُ فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ أوَقَدْ فَعَلُوا وَالله لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْها الأذَلَّ فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ ﵁ دَعْنِي يَا رَسُولَ الله أضْرِبْ عُنْقَ هاذا المُنافِقِ قَالَ النبيُّ ﷺ دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدا يَقْتُلُ أصْحَابَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، والْحَدِيث مضى قبل الْبَاب الَّذِي سبق هَذَا الْبَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٤٦ - ( ﴿سُورَةُ التغابُنِ﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة التغابن، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر سُورَة التغابن وَالطَّلَاق، وَغَيره اقْتصر على سُورَة التغابن وأفرد الطَّلَاق بترجمة، وَهُوَ الْمُنَاسب واللائق. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَدَنِيَّة بِلَا خلاف، وَقَالَ مقَاتل: مَدَنِيَّة وفيهَا مكي. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: مَكِّيَّة ومدنية، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَكِّيَّة إِلَّا آيَات من آخرهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: والتغابن اسْم من أَسمَاء الْقِيَامَة وَسميت بذلك لِأَنَّهُ يغبن فِيهَا الْمَظْلُوم الظَّالِم، وَقيل: يغبن فِيهَا الْكفَّار فِي تِجَارَتهمْ الَّتِي أخبر الله أَنهم اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى، وَهِي ألف وَسَبْعُونَ حرفا، ومائتان وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ كلمة وثمان عشرَة آيَة.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
لَا خلاف فِي ثُبُوت الْبَسْمَلَة هَاهُنَا.
وَقَالَ عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ الله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: ١١) هُوَ الَّذِي إذَا أصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ بِهَا وَعَرَفَ أنَّهَا مِنَ الله.
أَي: قَالَ عَلْقَمَة بن قيس عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه وَالله بِكُل شَيْء عليم هُوَ الَّذِي﴾ إِلَى آخِره، وَوَصله عبد بن بن حميد فِي تَفْسِيره عَن عمر بن سعد عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ قَالَ: هُوَ الرجل يصاب بمصيبة فَيعلم أَنَّهَا من عِنْد الله فَيسلم ويرضى.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ التغابُنُ غَبْنُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النَّار
كَذَا لأبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده، وَوَصله عبد بن حميد بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة: يَوْم التغابن يَوْم غبن أهل الْجنَّة أهل النَّار، أَي: لكَون أهل الْجنَّة بَايعُوا على الْإِسْلَام بِالْجنَّةِ فَرَبِحُوا، وَأهل النَّار امْتَنعُوا من الْإِسْلَام فحسروا فشبهوا بالمتبايعين يغبن أَحدهمَا الآخر فِي بَيْعه.
٥٦ - ( ﴿سُورَةُ الطلاقِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي تَفْسِير بعض سُورَة الطَّلَاق، هَكَذَا لغير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَته سُورَة الطَّلَاق ذكرت مَعَ التغابن كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهِي مَدَنِيَّة كلهَا بِلَا خلاف، وَقَالَ مقَاتل: وَهِي سُورَة النِّسَاء الصُّغْرَى، قيل: إِنَّهَا نزلت بعد ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان﴾ (الْإِنْسَان: ١) وَقيل: ﴿لم يكن﴾ (الْبَيِّنَة: ١) وَهِي ألف وَسِتُّونَ حرفا، ومائتان وتسع وَأَرْبَعُونَ كلمة، واثنتا عشرَة آيَة.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَبَالَ أمْرِها جَزَاءَ أمْرِها
سقط هَذَا لأبي ذَر. أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فذاقت وبال أمرهَا وَكَانَ عَافِيَة أمرهَا خسرا﴾ (الطَّلَاق: ٩) وَفسّر الوبال بالجزاء،
стр. 5818
رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن حجاج عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ. وَالضَّمِير فِي: فذاقت، يرجع إِلَى قَوْله: ﴿وكأين من قَرْيَة عنت عَن أَمر رَبهَا﴾ (الطَّلَاق: ٨) .
إنَّ ارْتَبْتُمْ إنْ لَمْ تَعْلَمُوا أتَحِيض أمْ لَا تَحِيضُ: فَاللَاّئِي قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ بَعْدُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ
هَذَا لأبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده، وَأَشَارَ بقوله: (إِن ارتبتم) إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ (الطَّلَاق: ٤) الْآيَة. وَفسّر قَوْله: (ارتبتم) بقوله: (إِن لم تعلمُوا) إِلَى آخِره حَاصله إِن لم تعلمُوا حيضهن. قَوْله: (فعدن من الْمَحِيض) أَي: يئسن مِنْهُ لكبر عَن قَوْله: (واللائي لم يحضن بعد) أَي: من الصغر، وَقيل: مَعْنَاهُ إِن ارتبتم فِي حكمهن وَلم تدروا مَا الحكم فِي عدتهن.
٨٠٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عَنْ ابنِ شهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي سَالِمٌ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ ﵄ أخْبَرَهُ أنَّهُ طَلْقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ الله ﷺ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإنْ بَدَا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها طَاهِرا قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتِلْكَ العِدَّةَ كَمَا أمَرَهُ الله.
مطابقته لما فِي السُّورَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل: بِضَم الْعين ابْن خَالِد.
قَوْله: (فتغيظ) ، أَي: غضب فِيهِ لِأَن الطَّلَاق فِي الْحيض بِدعَة. قَوْله: (فَإِن بدا لَهُ) أَي: فَإِن ظهر لَهُ أَن يطلقهَا، وَكلمَة: أَن مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (طَاهِرا) أَي: حَال كَونهَا طَاهِرَة وَإِنَّمَا ذكره بِلَفْظ التَّذْكِير لِأَن الطُّهْر من الْحيض من المختصات بِالنسَاء فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّاء، كَمَا فِي الْحَائِض. قَوْله: (قبل أَن يَمَسهَا) ، أَي: قبل أَن يُجَامِعهَا. قَوْله: (فَتلك الْعدة) ، أَي: هِيَ الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن يُطلق لَهَا النِّسَاء حَيْثُ قَالَ: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ثمَّ أعلم أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة عَن ابْن عمر: فَالْبُخَارِي أخرجه هُنَا وَفِي الطَّلَاق وَفِي الْأَحْكَام وَالْبَاقُونَ فِي الطَّلَاق، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: رَوَاهُ عَن ابْن عمر نَافِع وَعبد الله بن دِينَار وَأنس بن سِيرِين وطاووس وَأَبُو الزبير وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو وَائِل. فرواية نَافِع عِنْد السِّتَّة غير التِّرْمِذِيّ، وَرِوَايَة عبد الله بن دِينَار عِنْد مُسلم وَرِوَايَة أنس بن سِيرِين عِنْد الشَّيْخَيْنِ، وَرِوَايَة طَاوُوس عِنْد مُسلم وَالنَّسَائِيّ، وَرِوَايَة أبي الزبير عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَرِوَايَة سعيد بن جُبَير عِنْد النَّسَائِيّ. وَرِوَايَة أبي وَائِل عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .
ويستنبط مِنْهُ أَحْكَام: الأول: أَن طَلَاق السّنة أَن يكون فِي طهر، وَهَذَا بَاب اخْتلفُوا فِيهِ. فَقَالَ مَالك: طَلَاق السّنة أَن يُطلق الرجل امْرَأَته فِي طهر لم يَمَسهَا فِيهِ تَطْلِيقَة وَاحِدَة ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة بِرُؤْيَة أول الدَّم من الْحَيْضَة الثَّالِثَة، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا أحسن من الطَّلَاق، وَله فِي قَول آخر قَالَ إِذا أَرَادَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا، طَلقهَا عِنْد كل طهر وَاحِدَة من غير جماع، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأَشْهَب، وَزعم المرغيناني: أَن الطَّلَاق على ثَلَاثَة أوجه عِنْد أَصْحَاب أبي حنيفَة حسن وَأحسن وبدعي، فالحسن هُوَ طَلَاق السّنة وَهُوَ أَن يُطلق الْمَدْخُول بهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَة أطهار، وَالْأَحْسَن أَن يطلقهَا تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَيَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا والبدعي أَن يطلقهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَة وَاحِدَة أَو ثَلَاثًا فِي طهر وَاحِد فَإِذا فعل ذَلِك وَقع الطَّلَاق وَكَانَ عَاصِيا.
وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف الْعلمَاء فِي صفة الطَّلَاق السّني. فَقَالَ مَالك وَعَامة أَصْحَابه، هُوَ أَن يُطلق الرجل امْرَأَته تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يَمَسهَا فِيهِ ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تكمل عدتهَا، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: هَذَا أحسن الطَّلَاق، وَله قَول آخر إِنَّه إِن شَاءَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا طَلقهَا فِي كل طهر مرّة وَكِلَاهُمَا عِنْد الْكُوفِيّين طَلَاق سنة، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود، وَاخْتلف فِيهِ قَول أَشهب فَقَالَ مثله مرّة وَأَجَازَ أَيْضا ارتجاعها ثمَّ يُطلق ثمَّ يرتجع ثمَّ يُطلق فَيتم الثَّلَاث وَقَالَ الشَّافِعِي
стр. 5819
وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، لَيْسَ فِي عدد الثَّلَاثَة سنة وَلَا بِدعَة وَإِنَّمَا ذَلِك فِي الْوَقْت.
الثَّانِي: فِي قَوْله: (ليراجعها) دَلِيل، على أَن الطَّلَاق غير الْبَائِن لَا يحْتَاج إِلَى رضَا الْمَرْأَة.
الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على أَن الرّجْعَة تصح بالْقَوْل وَلَا خلاف فِي ذَلِك، وَأما الرّجْعَة بِالْفِعْلِ فقد اخْتلفُوا فِيهَا. فَقَالَ عِيَاض: وَتَصِح عندنَا أَيْضا بِالْفِعْلِ الْحَال مَحل القَوْل الدَّال فِي الْعبارَة على الارتجاع: كَالْوَطْءِ والتقبيل واللمس بِشَرْط الْقَصْد إِلَى الارتجاع بِهِ، وَأنكر الشَّافِعِي صِحَة الارتجاع بِالْفِعْلِ أصلا وأثبته أَبُو حنيفَة، وَإِن وَقع من غير قصد وَهُوَ قَول ابْن وهب من أَصْحَابنَا فِي الواطىء من غير قصد.
وَالرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة أَن من طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض فقد أَثم، وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يُرَاجِعهَا فَإِن تَركهَا تمْضِي فِي الْعدة بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاق.
الْخَامِس: أَن فِيهِ الْأَمر بالمراجعة، فَقَالَ مَالك: هَذَا الْأَمر مَحْمُول على الْوُجُوب، وَمن طلق زَوجته حَائِضًا أَو نفسَاء. فَإِنَّهُ يجْبر على رَجعتهَا فسوى دم النّفاس بِدَم الْحيض، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَابْن أبي ليلى وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: يُؤمر بالرجعة وَلَا يجْبر، وحملوا الْأَمر فِي ذَلِك على النّدب ليَقَع الطَّلَاق على السّنة، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا إِذا انْقَضتْ عدتهَا لَا يجْبر على رَجعتهَا، وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا طَلقهَا فِي طهر قد مَسهَا فِيهِ لَا يجْبر على رَجعتهَا وَلَا يُؤمر بذلك، وَإِن كَانَ قد أوقع الطَّلَاق على غير سنة.
السَّادِس: أَن الطَّلَاق فِي الْحيض محرم وَلكنه إِن أوقع لزم، وَقَالَ عِيَاض: ذهب بعض النَّاس مِمَّن شَذَّ أَنه لَا يَقع الطَّلَاق. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي منع الطَّلَاق فِي الْحيض. قلت: هَذِه عبَادَة غير معقولة الْمَعْنى، وَقيل: بل هُوَ معال بتطويل الْعدة.
٢ - (بابٌ: ﴿أُولاتُ الأحْمَالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أمْرِهِ يُسْرا﴾ (الطَّلَاق: ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أولات الْأَحْمَال﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ لفظ بَاب: فِي كثير من النّسخ، وَيَجِيء الْآن تَفْسِير: أولات الْأَحْمَال.
وَأَوْلاتُ الأحْمَالِ: وَاحِدُها ذَاتُ حَمْلٍ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن أولات جمع ذَات، والأحمال جمع حمل، وَالْمعْنَى: أَن أَجلهنَّ موقت وَهُوَ وضع حَملهنَّ، وَهَذَا عَام فِي المطلقات والمتوفى عَنْهُن أَزوَاجهنَّ، وَهُوَ قَول عمر وَابْنه مَسْعُود وَأبي مَسْعُود البدري وَأبي هُرَيْرَة وفقهاء الْأَمْصَار، وَعَن ابْن عَبَّاس، أَنه قَالَ: تَعْتَد أبعد الآجلين، وَعَن الضَّحَّاك أَنه قَرَأَ: آجالهن على الْجمع.
٩٠٩٤ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى قَالَ أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابنِ عَبَّاسٍ وَأبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ فَقَالَ أفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلِدَتْ بَعْدَ زَوْجِها بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ آخِرُ الأجَلَيْنِ قُلْتُ أنَا ﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ أنَا مَعَ ابْن أخِي يَعْنِي أبَا سَلَمَةَ فأرْسَلَ ابنُ عَبَّاسٍ غُلامَهُ كُرَيْبا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُها فَقَالَتْ قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَخُطِبَت فَأنْكَحَهَا رَسُولُ الله ﷺ وَكَانَ أبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ أَبُو مُعَاوِيَة، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير صَالح من أهل الْبَصْرَة سكن الْيَمَامَة، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَغَيره فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله.
قَوْله: (وَأَبُو هُرَيْرَة) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (آخر الْأَجَليْنِ) أَي: اقصاهما يَعْنِي: لَا بُد لَهَا من انْقِضَاء أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَلَا يَكْفِي وضع الْحمل إِن كَانَت هَذِه الْمدَّة أكثرهما، وَمن وضع الْحمل إِن كَانَت مدَّته أَكثر. قَوْله: (قلت أَنا) ، الْقَائِل أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَوْله: (أَنا مَعَ ابْن أخي) ، هَذَا على عَادَة الْعَرَب إِذْ لَيْسَ هُوَ ابْن أَخِيه حَقِيقَة. قَوْله: (كريبا) نصب لِأَنَّهُ عطف بَيَان على قَوْله: (غُلَاما) قَوْله: (سبيعة) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ عين مُهْملَة: بنت الْحَارِث
стр. 5820
الْأَسْلَمِيّ، قيل: إِنَّهَا أول امْرَأَة أسلمت بعد صلح الْحُدَيْبِيَة وَزوجهَا سعد بن خَوْلَة. قَالَ عُرْوَة: خَوْلَة من بني عَامر بن لؤَي، وَكَانَ من مهاجرة الْحَبَشَة وَشهد بَدْرًا. فَإِن قلت: قَالَ فِي الْجَنَائِز: إِن سعد بن خَوْلَة مَاتَ بِمَكَّة وَفِي قصَّة بدر توفّي عَنْهَا، وَهنا قَالَ: قتل؟ قلت: الْمَشْهُور الْمَوْت لَا الْقَتْل، وَأَنَّهَا قَالَت بِالْقَتْلِ بِنَاء على ظَنّهَا. قَوْله: (بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة) ، وَجَاء بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَجَاء بِخمْس وَعشْرين لَيْلَة وَجَاء: بِثَلَاث وَعشْرين لَيْلَة وَفِي رِوَايَة: بِعشْرين لَيْلَة، وَهَذَا كُله فِي تَفْسِير عبد وَابْن مرْدَوَيْه وَمُحَمّد بن جرير. قَوْله: (فَخطبت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَبُو السنابل) ، هُوَ ابْن يعكك واسْمه لبيد، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: عبد الله، وَقيل: أَصْرَم، وَقيل: حَبَّة بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: حنة بالنُّون، وَقيل: لبيد ربه، وبعكك، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة. وبكافين أولاهما مَفْتُوحَة ابْن الْحجَّاج بن الْحَارِث بن السباق بن عبد الدَّار بن قصي الْقرشِي الْعَبدَرِي، وَأمه عمْرَة بنت أَوْس من بني عذرة ابْن سعد هذيم من مسلمة الْفَتْح. كَانَ شَاعِرًا وَمَات بِمَكَّة. قَالَه أَبُو عمر، وَقَالَ العسكري: هَذَا غير أبي السنابل عبد الله بن عَامر ابْن كريز الْقرشِي.
وَفقه هَذَا الحَدِيث: أَن الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا آخر الْأَجَليْنِ عِنْد ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن أبي ليلى أَيْضا وَاخْتَارَهُ سَحْنُون، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رُجُوعه وانقضاء الْعدة بِوَضْع الْحمل وَعَلِيهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَعَمْرو ابْن مَسْعُود وَأبي سَلمَة. وَسبب الْخلاف تعَارض الْآيَتَيْنِ فَإِن كلاًّ مِنْهُمَا عَام من وَجه وخاص من وَجه. فَقَوله: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٣٢، ٠٤٢) عَام فِي الْمُتَوفَّى عَنْهُن أَزوَاجهنَّ سَوَاء كن حوامل أم لَا وَقَوله: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال﴾ (الطَّلَاق: ٤) عَام فِي المتوفي عَنْهُن سَوَاء كن حوامل أم لَا. فَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي اخْتِيَار من اخْتَار أقْصَى الْأَجَليْنِ لعدم تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر فَيُوجب أَن لَا يرفع تَحْرِيم الْعدة إلَاّ بِيَقِين، وَذَلِكَ بأقصى الْأَجَليْنِ، غير أَن فُقَهَاء الْأَمْصَار اعتمدوا على الحَدِيث الْمَذْكُور فَإِنَّهُ مُخَصص لعُمُوم قَوْله: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم﴾ وَلَيْسَ بناسخ لِأَنَّهُ أخرج بعض متناولاتها، وَحَدِيث سبيعة أَيْضا مُتَأَخّر عَن عدَّة الْوَفَاة لِأَنَّهُ كَانَ بعد حجَّة الْوَدَاع.
٠١٩٤ - حدَّثنا وَقَالَ سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَأبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْد عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ كُنْتُ فِي حَلَقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنْ أبِي لَيْلَى وَكَانَ أصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ فَذَكَرَ آخِرَ الأجَلَيْنِ فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عتْبَةَ قَالَ فَضَمِنَ لِي بَعْضُ أصْحَابِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَفَطِنْتُ لَهُ فَقُلْتُ إنِّي إذَا لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الكُوفَةِ فَاسْتَحْيَا وَقَال لَكِنَّ عَمَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ فَلَقِيتُ أبَا عَطِيَةَ مَالِكَ بنَ عَامِرٍ فَسَأَلْتُهُ فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ فَقُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ الله فِيهَا شَيْئا فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ الله فَقَالَ أتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةَ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الطَّولَى ﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
ذكر هَذَا الحَدِيث مُعَلّقا عَن شَيْخه سُلَيْمَان بن حَرْب، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل الْمَعْرُوف بعارم كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد ابْن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) قَالَ حَدثنَا يُوسُف القَاضِي عَن سُلَيْمَان ابْن حَرْب. قَالَ: وَحدثنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز عَن أبي النُّعْمَان قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد فَذكره وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي سُورَة الْبَقَرَة عَن حبَان عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن عبد الله بن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين. قَالَ: جَلَست إِلَى مجْلِس فِيهِ عظم من الْأَنْصَار وَفِيهِمْ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى. الحَدِيث.
قَوْله: (فِي حَلقَة) بِفَتْح اللَّام وَالْمَشْهُور إسكانها. وَاقْتصر ابْن التِّين على الأول. قَوْله: (عبد الله بن عتبَة) بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء من فَوق ابْن مَسْعُود. قَوْله: (فضمن لي) ، قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) هَكَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا بالنُّون، وَقَالَ عِيَاض: فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بتَشْديد الْمِيم بعْدهَا نون وضبطها الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَالْكَسْر، قَالَ: وَهُوَ غير مَفْهُوم الْمَعْنى وأشبهها رِوَايَة أبي الْهَيْثَم بالزاي، وَلَكِن بتَشْديد الْمِيم وَزِيَادَة النُّون وياء بعْدهَا يَعْنِي: ضمزني. أَي: أسكتني، يُقَال: ضمز سكت وضمز غَيره أسكته
стр. 5821
وَقَالَ ابْن التِّين فضمر، بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْمِيم الْمُشَدّدَة وبالراء أَي: أَشَارَ إِلَيْهِ أَن اسْكُتْ، وَيُقَال: ضمز الرجل إِذا عض على شَفَتَيْه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير أَيْضا بالضاد وَالزَّاي من ضمز إِذا سكت، ويروى: فغمض لي، فَإِن صحت فَمَعْنَاه من تغميض عينه. قَوْله: (ففطنت لَهُ) ، بِالْفَتْح وَالْكَسْر. قَوْله: (أَنى إِذا لجريء) ، يَعْنِي: ذُو جرْأَة شَدِيدَة، وَفِي رِوَايَة هشيم عَن ابْن سِيرِين عِنْد عبد بن حميد: أَنِّي لحريص على الْكَذِب. قَوْله: (وَهُوَ فِي نَاحيَة الْكُوفَة) ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن عبد الله بن عتبَة كَانَ حَيا فِي ذَلِك الْوَقْت. قَوْله: (فاستحيي) ، أَي مِمَّا وَقع مِنْهُ. قَوْله: (لَكِن عَمه) ، عبد الله بن مَسْعُود لم يقل ذَلِك. قيل: كَذَا نقل عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَالْمَشْهُور عَن ابْن مَسْعُود خلاف مَا نَقله ابْن أبي ليلى، فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُول ذَلِك ثمَّ رَجَعَ أَو وهم النَّاقِل عَنهُ. قَوْله: (فَلَقِيت أَبَا عَطِيَّة مَالك بن عَامر) ، وَيُقَال: ابْن زبيد، وَيُقَال: عَمْرو بن أبي جُنْدُب الْهَمدَانِي الْكُوفِي التَّابِعِيّ، مَاتَ فِي ولَايَة صَعب بن الزبير على الْكُوفَة. وَالْقَائِل بقوله: لقِيت أَبَا عَطِيَّة مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: (فَسَأَلته) ، أَرَادَ بِهِ التثبيت. قَوْله: (فَذهب يحدثني حَدِيث سبيعة) ، يَعْنِي: مثل مَا حدث بِهِ عبد الله بن عتبَة عَنْهَا. قَوْله: (من عبد الله) ، يَعْنِي: ابْن مَسْعُود، وَأَرَادَ بِهِ اسْتِخْرَاج مَا عِنْده فِي ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود دون غَيره لما وَقع من التَّوَقُّف عِنْده فِيمَا أخبرهُ بِهِ ابْن أبي ليلى. قَوْله: (فَقَالَ: كُنَّا عِنْد عبد الله) ، أَي: ابْن مَسْعُود. قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) ؟ أَي: طول الْعدة بِالْحملِ إِذا زَادَت مدَّته على مُدَّة الْأَشْهر، وَقد يَمْتَد ذَلِك حَتَّى يُجَاوز تِسْعَة أشهر إِلَى أَربع سِنِين. أَي: إِذا جعلتم التَّغْلِيظ عَلَيْهَا فاجعلوا لَهَا الرُّخْصَة. أَي: التسهيل إِذا وضعت لأَقل من أَرْبَعَة أشهر. قَوْله: (لنزلت) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد لقسم مَحْذُوف، ويوضحه رِوَايَة الْحَارِث بن عُمَيْر، وَلَفظه: فوَاللَّه لقد نزلت. قَوْله: (سُورَة النِّسَاء الْقصرى) ، سُورَة الطَّلَاق. وفيهَا: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) قَوْله: (بعد الطُّولى) لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا سُورَة النِّسَاء، بل المُرَاد السُّورَة الَّتِي هِيَ أطول سور الْقُرْآن وَهِي الْبَقَرَة، وفيهَا: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٣٢، ٠٤٢) وَفِيه جَوَاز وصف السُّورَة بالطولى والقصرى، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْقصرى لَا أرَاهُ مَحْفُوظًا وَلَا صغرى، وَإِنَّمَا قَالَ: قَصِيرَة فَافْهَم، هُوَ رد للْأَخْبَار الثَّابِتَة بِلَا مُسْتَند وَالْقصر والطول أَمر نسبي، ورد فِي صفة الصَّلَاة. طولى الطولتين، وأزيد بذلك سُورَة الْأَعْرَاف.
٦٦ - (سُورَةُ ﴿لَمَ تُحَرِّمُ﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿لم تحرم﴾ وَفِي بعض النّسخ: سُورَة التَّحْرِيم. وَفِي بَعْضهَا: سُورَة المتحرم، وَهِي مَدَنِيَّة لَا خلاف فِيهَا. وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة الحجرات وَقبل سُورَة الْجُمُعَة. وَقيل: نزلت فِي تَحْرِيم مَارِيَة، أخرجه النَّسَائِيّ وَصَححهُ الْحَاكِم على شَرط مُسلم. وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِي إِسْنَاده نظر. وَنَقله الْخطابِيّ عَن أَكثر الْمُفَسّرين، وَالصَّحِيح أَنه فِي الْغسْل، وَقَالَ النَّسَائِيّ: حَدِيث عَائِشَة فِي الْغسْل جيد غَايَة، وَحَدِيث مَارِيَة وتحريمها لم يَأْتِ من طَرِيق جَيِّدَة، وَهِي ألف وَسِتُّونَ حرفا ومائتان وَسبع وَأَرْبَعُونَ كلمة. واثنتا عشرَة آيَة.
(بِسم الله الرحمان الرَّحِيم)
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
١ - (بابٌ: ﴿يَا أيُّهَا النبيُّ لَمْ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغي مَرْضَاةَ أزْوَاجِكَ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ )
لَيْسَ فِيهِ لفظ بَاب إلَاّ لأبي ذَر، وَالْكل ساقوا الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى رَحِيم، وَقد ذكرنَا الْآن الِاخْتِلَاف فِي سَبَب نُزُولهَا وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١١٩٤ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى هُوَ يَعْلَى بنُ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ فِي الحَرَامِ يُكَفَّرُ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله إسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الْأَحْزَاب: ١٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تَأْخُذ من قَوْله: ﴿لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ لِأَن فِي تَحْرِيم الْحَلَال كَفَّارَة، ومعاذ، بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة ابْن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة: الزهْرَانِي هِشَام والدستوائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير ضد الْقَلِيل
стр. 5822
ويعلى بن حَكِيم بِفَتْح الْحَاء الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام. قَالَ كتب إِلَى يحيى بن أبي كثير أَنه يحدث عَن يعلى بن حَكِيم عَن سعيد بن جُبَير، فَذكره، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن وهب بن جرير عَن هِشَام كَذَلِك. فَإِن قلت: كَيفَ حَال رِوَايَة البُخَارِيّ على هَذَا. قلت: قَالُوا يحْتَمل أَنه لم يطلع على هَذِه الْعلَّة إِذْ لَو اطلع عَلَيْهَا لذكرها، وَلَيْسَ بِجَوَاب كافٍ وَقيل: لَعَلَّ الْكِتَابَة وَالْأَخْبَار عِنْده سَوَاء لِأَنَّهُ قد صرح فِي (الْجَامِع) بِالْكِتَابَةِ فِي غير مَوضِع، ورد هَذَا بِأَن الْمُكَاتبَة عِنْده عِلّة يجب إظهارها إِذا علمهَا، وَفِي أَي مَوضِع ذكرهَا أظهرها، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِي غير مَوضِع، ورد هَذَا بِأَن الْمُكَاتبَة عِنْده عِلّة يجب إظهارها إِذا علمهَا، وَفِي أَي مَوضِع ذكرهَا أظهرهها وَالْأَحْسَن أَن يُقَال إِنَّه يحمل على أَن عِنْده أَن هشاما لَقِي يحيى فحدثه بعد أَن كَانَ كتب لَهُ بِهِ، وَرَوَاهُ لِمعَاذ بِالسَّمَاعِ الثَّانِي، ولإسماعيل بِالْكتاب الأول، وَذكر أَبُو عَليّ أَن فِي نُسْخَة ابْن السكن معَاذ بن فضَالة أخبرنَا هِشَام عَن يحيى عَن يعلى، وَفِي نُسْخَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ عَن الفريري. أخبرنَا هِشَام عَن يحيى بن حَكِيم عَن سعيد، قَالَ أَبُو عَليّ: وَهَذَا خطأ فَاحش وَصَوَابه هِشَام عَن يحيى عَن يعلى كَمَا رَوَاهُ ابْن السكن.
قَوْله: (يكفر) بِكَسْر الْفَاء أَي: يكفر من وَقع ذَلِك مِنْهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن وَحده: يكفر بِفَتْح الْفَاء أَي: إِذا قَالَ: أَنْت عليّ حرَام أَو هَذَا عليّ حرَام يكفر كَفَّارَة الْيَمين وَعَن ابْن عَبَّاس: إِذا حرم امْرَأَته لَيْسَ شَيْء، وَعند النَّسَائِيّ وَسُئِلَ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْك بِحرَام عَلَيْك الْكفَّار عتق رَقَبَة، وَقَالَ ابْن بطال عَنهُ: يلْزمه كَفَّارَة الظِّهَار، قَالَ: وَهُوَ قَول أبي قلَابَة وَابْن جُبَير وَهُوَ قَول أَحْمد، وَعَن الشَّافِعِي: إِذا قَالَ لزوجته: أَنْت عليّ حرَام إِن نوى طَلَاقا كَانَ طَلَاقا، وَإِن نوى ظِهَارًا كَانَ ظِهَارًا وَإِن نوى تَحْرِيم عينهَا بِغَيْر طَلَاق وَلَا ظِهَار لزمَه بِنَفس اللَّفْظ كَفَّارَة يَمِين، وَلَا يكن ذَلِك يَمِينا. وَإِن لم ينْو شَيْئا فَفِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا تلْزمهُ كَفَّارَة يَمِين، وَالثَّانِي أَنه لَغْو لَا شَيْء فِيهِ. وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء من الْأَحْكَام.
وَذكر عِيَاض فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَرْبَعَة عشر مذهبا: أَحدهَا: الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك إِنَّه يَقع بِهِ ثَلَاث تَطْلِيقَات سَوَاء كَانَت مَدْخُولا بهَا أم لَا لَكِن لَو نوى أقل من ثَلَاث قبل فِي غير الْمَدْخُول بهَا خَاصَّة، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب وَزيد وَالْحسن وَالْحكم. وَالثَّانِي: أَنه يَقع تَطْلِيقَات وَلَا تقبل نيتة فِي الْمَدْخُول بهَا وَلَا غَيرهَا، قَالَه ابْن أبي ليلى وَعبد الْملك بن الْمَاجشون. الثَّالِث: أَنه يَقع بِهِ على الْمَدْخُول بهَا ثَلَاث وعَلى غَيرهَا وَاحِدَة. قَالَه أَبُو مُصعب وَمُحَمّد بن عبد الحكم. الرَّابِع: أَنه يَقع بِهِ طَلْقَة وَاحِدَة بَائِنَة سَوَاء الْمَدْخُول بهَا وَغَيرهَا، وَهِي رِوَايَة عَن مَالك. الْخَامِس: أَنَّهَا طَلْقَة رَجْعِيَّة، قَالَه عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَالِكِي. السَّادِس: أَنه يَقع مَا نوى وَلَا يكون أقل من طَلْقَة وَاحِدَة. قَالَه الزُّهْرِيّ. السَّابِع: أَنه إِن نوى وَاحِدَة أَو عددا أَو يَمِينا فَلهُ مَا نوى وإلَاّ فلغو قَالَه الثَّوْريّ. الثَّامِن: مثله إلَاّ أَنه إِذا لم ينْو شَيْئا لزمَه كَفَّارَة يَمِين قَالَه الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر. التَّاسِع: مَذْهَب الشَّافِعِي الْمَذْكُور قبل، وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. الْعَاشِر: إِن نوى الطَّلَاق وَقعت طَلْقَة بَائِنَة، وَإِن نوى ثَلَاثًا وَقع الثَّلَاث وَإِن نوى اثْنَتَيْنِ وَقعت وَاحِدَة. وَإِن لم ينْو شَيْئا فيمين، وَإِن نوى الثَّلَاث كفر قَالَه أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه. الْحَادِي عشر: مثل الْعَاشِر إلَاّ أَنه إِذا نوى اثْنَتَيْنِ وقعتا، قَالَه زفر. الثَّانِي عشر: أَنه يجب كَفَّارَة الظِّهَار قَالَه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه. الثَّالِث عشر: هِيَ يَمِين يلْزم فِيهَا كَفَّارَة الْيَمين، قَالَه ابْن عَبَّاس وَبَعض التَّابِعين وَعنهُ: لَيْسَ بِشَيْء. الرَّابِع عشر: أَنه كتحريم المَاء وَالطَّعَام فَلَا يجب فِيهِ شَيْء أصلا وَلَا يَقع بِهِ شَيْء بل هُوَ لَغْو قَالَه مَسْرُوق وَأَبُو سَلمَة وَالشعْبِيّ وإصبغ.
٢١٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبَرَنَا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدَ بنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَيَمْكُثُ عِنْدَها فَوَاطَئْتُ أنَا وَحَفْصَةُ عَنْ أيَتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْنَقُلْ لَهُ أكَلْتَ مَغَافِيرَ إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ قَالَ لَا وَلاكِنِّي كُنْتُ أشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَلَنْ أعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذالِكَ أحَدا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَقد حَلَفت) وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز
стр. 5823
ابْن جريج، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَعبيد بن عُمَيْر كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ أَبُو عَاصِم اللَّيْثِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان وَالنُّذُور وَفِي عشرَة النَّسَائِيّ عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي وَفِي الطَّلَاق وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (عِنْد زَيْنَب بنت جحش) ، ويروى: ابْنة جحش وَهِي إِحْدَى زَوْجَاته ﷺ . قَوْله: (فواظيت) ، هَكَذَا فِي جَمِيع النّسخ وَأَصله: فواطأت، بِالْهَمْزَةِ أَي: اتّفقت أَنا وَحَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب إِحْدَى زَوْجَاته. قَوْله: (عَن أَيَّتنَا) أَي: عَن أَيَّة كَانَت منا، (دخل عَلَيْهَا) يَعْنِي: على أَيَّة زَوْجَة من زَوْجَاته دخل عَلَيْهَا. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ لعَائِشَة وَحَفْصَة الْكَذِب والمواطأة الَّتِي فِيهَا إِيذَاء رَسُول الله ﷺ ؟ قلت: كَانَت عَائِشَة صَغِيرَة مَعَ أَنَّهَا وَقعت مِنْهُمَا من غير قصد الْإِيذَاء، بل على مَا هُوَ من جبلة النِّسَاء فِي الْغيرَة على الضرائر وَنَحْوهَا، وَاخْتلف فِي الَّتِي شرب النَّبِي ﷺ فِي بَيتهَا الْعَسَل، فَعِنْدَ البُخَارِيّ: زَيْنَب كَمَا ذكرت وَأَن القائلة: أكلت مَغَافِير، عَائِشَة وَحَفْصَة، وَفِي رِوَايَة حَفْصَة: وَأَن القائلة أكلت مَغَافِير، عَائِشَة وَسَوْدَة وَصفِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُن، وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد: أَنَّهَا سَوْدَة، وَكَانَ لَهَا أقَارِب أهدوا لَهَا عسلاً من الْيمن، وَالْقَائِل لَهُ عَائِشَة وَحَفْصَة، وَالَّذِي يظْهر أَنَّهَا زَيْنَب على مَا عِنْد البُخَارِيّ لِأَن أَزوَاجه ﷺ كن حزبين على مَا ذكرت عَائِشَة قَالَت: أَنا وَسَوْدَة وَحَفْصَة وَصفِيَّة فِي حزب، وَزَيْنَب وَأم سَلمَة والباقيات فِي حزب. قَوْله: (أكلت مَغَافِير) ، بِفَتْح الْمِيم بعْدهَا غين مُعْجمَة: جمع مغْفُور، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة لَيْسَ فِي الْكَلَام مفعول إلَاّ مغْفُور ومغرور، وَهُوَ ضرب من الكمأة ومنجور وَهُوَ المنجر ومغلوق وَاحِد المغاليق، والمغفور صمغ حُلْو كالناطف وَله رَائِحَة كريهة ينضجه شجر يُسمى العرفط بِعَين مُهْملَة مَضْمُومَة وَفَاء مَضْمُومَة نَبَات مر لَهُ ورقة عريضة تنفرش على الأَرْض وَله شَوْكَة وَثَمَرَة بَيْضَاء كالقطن مثل زر قَمِيص خَبِيث الرَّائِحَة، وَزعم الْمُهلب أَن رَائِحَة العرفط والمغافير حَسَنَة. انْتهى، وَهُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الحَدِيث، وَمَا قَالَه النَّاس، قَالَ أهل اللُّغَة: العرفط من شجر الْعضَاة، وَهُوَ كل شجر لَهُ شوك، وتخبث رَائِحَة داعيته وروائح أَلْبَانهَا حَتَّى يتَأَذَّى بروائحها وأنفاسها النَّاس فيجتنبونها، وَحكى أَبُو حنيفَة فِي المغفور والمغثور بثاء مُثَلّثَة وَمِيم المغفور من الْكَلِمَة، وَقَالَ الْفراء: زَائِدَة وواحده مغفر وَحكى غَيره: مغفر، وَقَالَ آخَرُونَ: مغفار، وَقَالَ الْكسَائي: مغفر. قلت: الأولى بِفَتْح الْمِيم. وَالثَّانِي: بضَمهَا. وَالثَّالِث: على وزن مفعال بِالْكَسْرِ. وَالرَّابِع: بِكَسْر الْمِيم، فَافْهَم. قَوْله: (قَالَ: لَا) ، أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ لَا أكلت مَغَافِير وَلَكِنِّي كنت أشْرب الْعَسَل عِنْد زَيْنَب. قَوْله: (فَلَنْ أَعُود لَهُ) ، أَي: حَلَفت أَنا على أَن لَا أَعُود لشرب الْعَسَل. قَوْله: (فَلَا تُخْبِرِي) ، الْخطاب لحفصة لِأَنَّهَا هِيَ القائلة: أكلت مَغَافِير، أَو غَيرهَا على خلاف فِيهِ، أَي: لَا تُخْبِرِي أحدا عَائِشَة أَو غَيرهَا بذلك. وَكَانَ ﷺ يَبْتَغِي بذلك مرضاة أَزوَاجه، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْأَكْثَر على أَن الْآيَة نزلت فِي تَحْرِيم مَارِيَة الْقبْطِيَّة حِين حرمهَا على نَفسه، وَقَالَ لحفصة: لَا تُخْبِرِي عَائِشَة فَلم تكْتم السِّرّ، وأخبرتها فَفِي ذَلِك نزل ﴿وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا﴾ (التَّحْرِيم: ٣) .
٢ - (بابٌ: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أزْوَاجِكَ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيْمَانِكُمْ﴾ (التَّحْرِيم: ١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿تبتغي﴾ أَي: تطلب رضَا أَزوَاجك وتحلف (قد فرض الله) أَي: بَين الله أَو قدر الله مَا تحللون بِهِ أَيْمَانكُم وَقد بَينهَا فِي سُورَة الْمَائِدَة.
٤٠٦ - حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عبد الله حَدثنَا سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى عَن عبيد بن حنين أَنه سمع ابْن عَبَّاس ﵄ يحدث أَنه. قَالَ مكثت سنة أُرِيد أَن أسأَل عمر بن الْخطاب عَن آيَة فَمَا أَسْتَطِيع أَن أسأله هَيْبَة لَهُ حَتَّى خرج حَاجا فَخرجت مَعَه فَلَمَّا رجعت وَكُنَّا بِبَعْض الطَّرِيق عدل إِلَى الْأَرَاك لحَاجَة لَهُ. قَالَ فوقفت لَهُ حَتَّى فرغ ثمَّ سرت مَعَه فَقلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من اللَّتَان تظاهرتا على النَّبِي ﷺ َ - من أَزوَاجه. فَقَالَ تِلْكَ حَفْصَة وَعَائِشَة
стр. 5824
قَالَ فَقلت وَالله إِن كنت لأريد أَن أَسأَلك عَن هَذَا مُنْذُ سنة فَمَا أَسْتَطِيع هَيْبَة لَك قَالَ فَلَا تفعل مَا ظَنَنْت أَن عِنْدِي من علم فاسألني فَإِن كَانَ لي علم خبرتك بِهِ قَالَ ثمَّ قَالَ عمر وَالله إِن كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة مَا نعد للنِّسَاء أمرا حَتَّى أنزل الله فِيهِنَّ مَا أنزل وَقسم لَهُنَّ مَا قسم قَالَ فَبينا أَنا فِي أَمر أتأمره إِذْ قَالَت امْرَأَتي لَو صنعت كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقلت لَهَا مَالك وَلما هَهُنَا فِيمَا تكلفك فِي أَمر أريده فَقَالَت لي عجبا لَك يَا ابْن الْخطاب مَا تُرِيدُ أَن تراجع أَنْت وَإِن ابْنَتك لتراجع رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى يظل يَوْمه غَضْبَان فَقَامَ عمر فَأخذ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دخل على حَفْصَة فَقَالَ لَهَا يَا بنية إِنَّك لتراجعين رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى يظل يَوْمه غَضْبَان فَقَالَت حَفْصَة وَالله إِنَّا لنراجعه فَقلت تعلمين أَنِّي أحذرك عُقُوبَة الله وَغَضب رَسُوله ﷺ َ - يَا بنية لَا تغرنك هَذِه الَّتِي أعجبها حسنها حب رَسُول الله ﷺ َ - إِيَّاهَا يُرِيد عَائِشَة قَالَ ثمَّ خرجت حَتَّى دخلت على أم سَلمَة لقرابتي مِنْهَا فكلمتها فَقَالَت أم سَلمَة عجبا لَك يَا ابْن الْخطاب دخلت فِي كل شَيْء حَتَّى تبتغي أَن تدخل بَين رَسُول الله ﷺ َ - وأزواجه فَأَخَذَتْنِي وَالله أخذا كسرتني عَن بعض مَا كنت أجد فَخرجت من عِنْدهَا وَكَانَ لي صَاحب من الْأَنْصَار إِذا غبت أَتَانِي بالْخبر وَإِذا غَابَ كنت أَنا آتيه بالْخبر وَنحن نتخوف ملكا من مُلُوك غَسَّان ذكر لنا أَنه يُرِيد أَن يسير إِلَيْنَا فقد امْتَلَأت صدورنا مِنْهُ فَإِذا صَاحِبي الْأنْصَارِيّ يدق الْبَاب فَقَالَ افْتَحْ افْتَحْ فَقلت جَاءَ الغساني فَقَالَ بل أَشد من ذَلِك اعتزل رَسُول الله ﷺ َ - أَزوَاجه فَقلت رغم أنف حَفْصَة وَعَائِشَة فَأخذت ثوبي فَأخْرج حَتَّى جِئْت فَإِذا رَسُول الله ﷺ َ - فِي مشربَة لَهُ يرقى عَلَيْهَا بعجلة وَغُلَام لرَسُول الله ﷺ َ - أسود على رَأس الدرجَة فَقلت لَهُ قل هَذَا عمر بن الْخطاب فَأذن لي: قَالَ عمر فقصصت على رَسُول الله ﷺ َ - هَذَا الحَدِيث فَلَمَّا بلغت حَدِيث أم سَلمَة تَبَسم رَسُول الله ﷺ َ - وَإنَّهُ لعلى حَصِير مَا بَينه وَبَينه شَيْء وَتَحْت رَأسه وسَادَة من أَدَم حشوها لِيف وَإِن عِنْد رجلَيْهِ قرظا مصبوبا وَعند رَأسه أهب معلقَة فَرَأَيْت أثر الْحَصِير فِي جنبه فَبَكَيْت. فَقَالَ مَا يبكيك فَقلت يَا رَسُول الله إِن كسْرَى وَقَيْصَر فِيمَا هما فِيهِ وَأَنت رَسُول الله فَقَالَ أما ترْضى أَن تكون لَهُم الدُّنْيَا وَلنَا الْآخِرَة) أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تبتغي إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ بَاب وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بعض الْآيَة الأولى وَحذف بَقِيَّة الثَّانِيَة وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر كاملتان كلتاهما وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ وَعبيد بن حنين كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ مولى زيد بن الْخطاب والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح وَفِي خبر الْوَاحِد عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَفِي اللبَاس وَفِي خبر الْوَاحِد أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره قَوْله " هَيْبَة لَهُ " أَي لأجل الهيبة الْحَاصِلَة لَهُ قَوْله " عدل إِلَى الْأَرَاك " أَي عدل عَن الطَّرِيق منتهيا إِلَى
стр. 5825
شَجَرَة الْأَرَاك وَهِي الشَّجَرَة الَّتِي يتَّخذ مِنْهَا المساويك قَوْله " لقَضَاء حَاجَة " كِنَايَة عَن التبرز قَوْله " تظاهرتا " أَي تعاونتا عَلَيْهِ بِمَا يسؤوه فِي الإفراط فِي الْغيرَة وإفشاء سره قَوْله " تِلْكَ حَفْصَة وَعَائِشَة " وَرُوِيَ تانك حِصَّة وَعَائِشَة وَلَفظ تانك من أَسمَاء الْإِشَارَة للمؤنث الْمثنى قَوْله " وَالله إِن كنت لأريد " كلمة إِن مُخَفّفَة من المثقلة وَاللَّام فِي لأريد للتَّأْكِيد قَوْله " وَالله إِن كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة " كلمة إِن هَذِه لتأكيد النَّفْي الْمُسْتَفَاد مِنْهُ وَلَيْسَت مُخَفّفَة من المثقلة لعدم اللَّام وَلَا نَافِيَة والألزم أَن يكون الْعد ثَابتا لِأَن نفي النَّفْي إِثْبَات قَوْله " أمرا " أَي شَأْنًا قَوْله " حَتَّى أنزل الله فِيهِنَّ مَا أنزل " مثل قَوْله تَعَالَى وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا قَوْله " وَقسم لَهُنَّ مَا قسم " مثل ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن قَوْله " فَبينا أَنا فِي أَمر أتأمره " أَي بَين أَوْقَات ائتماري وَمعنى أتأمره أتفكر فِيهِ وَفِي رِوَايَة مُسلم فَبَيْنَمَا أَنا فِي أَمر أأتمره قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه أَي أشاور فِيهِ نَفسِي وأفكر قَوْله إِذْ قَالَت جَوَاب فَبينا قَوْله " مَالك " أَي مَا شَأْنك أَي مَالك أَن تتعرضين لي فِيمَا أَفعلهُ قَوْله " وَلما هَهُنَا " أَي لِلْأَمْرِ الَّذِي نَحن فِيهِ وَفِي رِوَايَة مُسلم " فَقلت لَهَا وَمَالك أَنْت " وَلما هَهُنَا قَوْله " فِيمَا تكلفك " ويروى وَفِيمَا تكلفك أَي وَفِي أَي شَيْء تكلفك فِي أَمر أريده وَفِي رِوَايَة مُسلم وَمَا يكلفك فِي أَمر أريده وَهُوَ بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْكَاف من الإكلاف وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْكَاف وَضم اللَّام الْمُشَدّدَة من التَّكَلُّف من بَاب التفعل قَوْله " عجبا لَك " أَي أعجب عجبا لَك من مَقَالَتك هَذِه قَوْله " أَن تراجع " على صِيغَة الْمَجْهُول وَقَوله " لتراجع " على صِيغَة الْمَعْلُوم وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى قَوْله ابْنَتك وَهُوَ فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر أَن وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد قَوْله " حَتَّى يظل يَوْمه غَضْبَان " غير مَصْرُوف قَوْله " حب رَسُول الله ﷺ َ - " مَرْفُوع بِأَنَّهُ بدل الاشتمال وَقَالَ ابْن التِّين حسنها بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ فَاعل وَحب بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول من أَجله أَي أعجبها حسنها لأجل حب رَسُول الله ﷺ َ - إِيَّاهَا وَفِي رِوَايَة مُسلم وَحب رَسُول الله ﷺ َ - إِيَّاهَا بِالْوَاو وَقَالَ الْكرْمَانِي وَحب رَسُول الله ﷺ َ - هُوَ الْمُنَاسب للروايات الْأُخَر وَهِي لَا تغرنك إِن كَانَت جارتك أوضأ مِنْك وَأحب إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله " حَتَّى تبتغي " أَي حَتَّى تطلب قَوْله " فَأَخَذَتْنِي " أَي أم سَلمَة بكلامها أَو مقالتها أَخْذَة كسرتني عَن بعض مَا كنت أجد من الموجدة وَهُوَ الْغَضَب وَفِي رِوَايَة مُسلم قَالَ " فَأَخَذَتْنِي أخذا كسرتني بِهِ عَن بعض مَا كنت أجد " قَوْله " وَكَانَ لي صَاحب من الْأَنْصَار " وَفِيه اسْتِحْبَاب حُضُور مجَالِس الْعلم واستحباب التناوب فِي حُضُور الْعلم إِذا لم يَتَيَسَّر لكل أحد الْحُضُور بِنَفسِهِ قَوْله " من مُلُوك غَسَّان " ترك صرف غَسَّان وَقيل يصرف وهم كَانُوا بِالشَّام قَوْله " افْتَحْ افْتَحْ " مُكَرر للتَّأْكِيد قَوْله " فَقَالَ بل أَشد من ذَلِك " وَفِيه مَا كَانَت الصَّحَابَة من الاهتمام بأحوال رَسُول الله ﷺ َ - والقلق التَّام لما يقلقه ويغيظه قَوْله رغم أنف حَفْصَة بِكَسْر الْغَيْن وَفتحهَا يُقَال رغم يرغم رغما ورغما ورغما بِتَثْلِيث الرَّاء أَي لصق بالرغام وَهُوَ التُّرَاب هَذَا هُوَ الأَصْل ثمَّ اسْتعْمل فِي كل من عجز عَن الانتصاف وَفِي الذل والانقياد كرها قَوْله " فَأخذت ثوبي فَأخْرج " فِيهِ اسْتِحْبَاب التجمل بِالثَّوْبِ والعمامة وَنَحْوهمَا عِنْد لِقَاء الْأَئِمَّة والكبار احتراما لَهُم قَوْله فِي مشربَة بِفَتْح الْمِيم وَضم الرَّاء وَفتحهَا وَهِي الغرفة قَوْله " يرقى " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي يصعد عَلَيْهَا قَوْله " بعجلة " بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْجِيم وَهِي الدرجَة وَفِي رِوَايَة مُسلم بعجلها قَالَ النَّوَوِيّ وَقع فِي بعض النّسخ بعجلتها وَفِي بَعْضهَا بعجلة فَالْكل صَحِيح والأخيرة أَجود وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة وَغَيره هِيَ دَرَجَة من النّخل قَوْله " وَغُلَام لرَسُول الله ﷺ َ - أسود على رَأس الدرجَة " وَفِي رِوَايَة لمُسلم فَقلت لَهَا أَي لحفصة أَيْن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَت هُوَ فِي خزانَة فِي الْمشْربَة فَدخلت فَإِذا أَنا برباح غُلَام رَسُول الله ﷺ َ - قَاعد على أُسْكُفَّة الْمشْربَة مدل رجلَيْهِ على نقير من خشب وَهُوَ جذع يرقى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ - وينحدر قَوْله " تَبَسم رَسُول الله ﷺ َ - " التبسم الضحك بِلَا صَوت قَوْله " قرظا " بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء وبالظاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ ورق شجر يدبغ بِهِ قَوْله " مصبوبا " أَي مسكوبا ويروى مصبورا بالراء فِي آخِره أَي مجموعا من الصُّبْرَة وَقَالَ النَّوَوِيّ وَقع فِي بعض الْأُصُول مضبورا بالضاد الْمُعْجَمَة بِمَعْنى مجموعا أَيْضا قَوْله " أهب " بِفَتْح الْهمزَة وَضمّهَا لُغَتَانِ مشهورتان وَهُوَ جمع إهَاب وَهُوَ الْجلد الَّذِي لم يدبغ وَفِي رِوَايَة مُسلم فَنَظَرت ببصري فِي خزانَة رَسُول
стр. 5826
الله ﷺ َ - فَإِذا أَنا بقبضة من شعير نَحْو الصَّاع وَمثلهَا قرظا فِي نَاحيَة الغرفة وَإِذا أفِيق مُعَلّق بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْفَاء وَهُوَ الْجلد الَّذِي لم يتم دباغه وَجمعه أفق بفتحهما كأديم وأدم قَوْله " فِيمَا هما فِيهِ " أَي فِي الَّذِي هما فِيهِ من النعم وأنواع زِينَة الدُّنْيَا قَوْله " وَأَنت رَسُول الله " قيل هَذَا الْخَبَر لَا يُرَاد بِهِ فَائِدَة وَلَا لازمها فَمَا الْغَرَض مِنْهُ وَأجِيب بِأَن غَرَضه بَيَان مَا هُوَ لَازم للرسالة وَهُوَ اسْتِحْقَاقه مَا هما فِيهِ أَي أَنْت الْمُسْتَحق لذَلِك لَا هما وَفِي رِوَايَة مُسلم قَيْصر وكسرى فِي الثِّمَار والأنهار -
٣ - (بابٌ: ﴿وَإذْ أسَرَّ النبيُّ ﷺ إلَى بَعْضِ أزْوَاجِهِ حَدِيثا فَلَمَّا نَبَّأْتْ بِهِ وأظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأعْرَض عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أنْبَأَكَ هاذا قَالَ نَبَّأَنِي العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ (التَّحْرِيم: ٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه﴾ إِلَى آخرهَا، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، وَذكرت الْآيَة الْمَذْكُورَة بكمالها فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا إِلَى الْخَبِير. قَوْله: (وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه) ، إسراره هُوَ تَحْرِيمه ﷺ فتَاته أَي: مَارِيَة على نَفسه وَبَعض أَزوَاجه حَفْصَة بنت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْله لَهَا: لَا تُخْبِرِي بذلك أَي: بِتَحْرِيم الفتاة أحدا، وَعَن الْكَلْبِيّ: أسر إِلَيْهَا أَن أَبَاك وَأَبا عَائِشَة يكونَانِ خليفتين على أمتِي. قَوْله: (فَلَمَّا نبأت بِهِ) ، أخْبرت بِالْحَدِيثِ الَّذِي أسر إِلَيْهَا أَن أَبَاك وَأَبا عَائِشَة يكونَانِ خليفتين على أمتِي. قَوْله: (فَلَمَّا نبأت بِهِ) ، أَي: فَلَمَّا أخْبرت بِالْحَدِيثِ الَّذِي أسر إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ صاحبتها وأظهره الله عَلَيْهِ أَي: واطلع نبيه ﷺ على أَنه قد نبأت بِهِ قَوْله: (عرف بعضه) ، يَعْنِي: أخبر حَفْصَة بِبَعْض مَا قَالَت لعَائِشَة وَلم يخبرها بقولِهَا: أجمع. قَوْله: (فَلَمَّا نبأها بِهِ) أَي: فَلَمَّا أخبر حَفْصَة بذلك، قَالَت: من أَنْبَأَك هَذَا؟ قَالَ: نَبَّأَنِي الْعَلِيم الَّذِي يعلم كل شَيْء الْخَبِير بِمَا يَقع بَين عباده وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك.
﴿فِيهِ عَائِشَةُ عَنْ النبيِّ ﷺ ﴾
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَأَرَادَ بِهِ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن عَائِشَة عبيد بن عُمَيْر فِي الْبَاب قبله.
٤١٩٤ - حدَّثنا عَلِيٌّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ عُبَيْد بنَ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ أرَدْتُ أنْ أسَأَلَ عُمَرَ ﵁ فَقُلْتُ يَا أمِيرَ المُؤْمِنينَ مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَمَا أتَمَمْتُ كَلامِي حَتَّى قَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ﵄.
مطابقته للتَّرْجَمَة. لَا تخفى، وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا طرف من الحَدِيث الَّذِي مضى عَن قريب.
٤ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَتُوبا إلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أَن تَتُوبَا﴾ الْخطاب لعَائِشَة وَحَفْصَة، أَي: أَن تَتُوبَا إِلَى الله من التعاون على رَسُول الله ﷺ بالإيذاء وَتَفْسِير: صغت، يَأْتِي الْآن.
صَغَوْتُ وَأصْغَيْتُ: مِلْتُ: لِتَصْغِي: لِتَحمَيلَ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن معنى قَوْله: قد صغت، مَالَتْ وَعدلت واستوجبتما التَّوْبَة. يُقَال: صغوت. أَي: ملت، وَكَذَلِكَ: أصغيت، ذكر مثالين: أَحدهمَا ثلاثي وَالْآخر مزِيد فِيهِ. قَوْله: (لتصغى) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿ولتصغي إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ (الْأَنْعَام: ٣١١) أَي: التَّمْثِيل وَهَذَا ذكره اسْتِطْرَادًا.
وَإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ الله هُوَ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذالِكَ ظَهِيرٌ عَوْنٌ تَظَاهَرُونَ تَعَاوَنُونَ.
كَذَا وَقع للأكثرين وَاقْتصر أَبُو ذَر من سِيَاق الْآيَة على قَوْله: (ظهير) عون. قَوْله: (وَإِن تظاهرا) أَي: وَإِن تعاونا على
стр. 5827
أَذَى النَّبِي ﷺ فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ أَي: ناصره وحافظه فَلَا تضره المظاهرة مِنْكُمَا وَجِبْرِيل، ﵊، وليه وَصَالح الْمُؤمنِينَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَه الْمسيب بن شريك. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن الْكَلْبِيّ: هم الْمُؤْمِنُونَ المخلصون الَّذين لَيْسُوا بمنافقين، وَعَن قَتَادَة هم الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَوْله: (وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك) ، أَي: بعد نصر الله وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ. (ظهير) أَي: أعوان، وَلم يقل: وصالحوا الْمُؤمنِينَ، وَلَا ظهرا، لِأَن لَفْظهمَا وَإِن كَانَ وَاحِدًا، فَهُوَ بِمَعْنى الْجمع. قَوْله: (تظاهرون) تَفْسِيره: تعاونون، وَفِي بعض النّسخ: تظاهرا تعاونا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ وَأهْلِيكُمْ﴾ (التَّحْرِيم: ٦) أوْصُوا أنْفُسَكُمْ وَأهْلِيكُمْ بِتَقْوَى الله وَأدِّبُوهُمُ.
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ (التَّحْرِيم: ٦) أوصوا أَنفسكُم من الْإِيصَاء الْمَعْنى: أوصوا أَنفسكُم بترك الْمعاصِي. وَفعل الطَّاعَات. قَوْله: (وأهليكم) يَعْنِي: مُرُوهُمْ بِالْخَيرِ وانهوهم عَن الشَّرّ وعلموهم وأدبوهم، هَذَا هُوَ الْمَعْنى الصَّحِيح الَّذِي ذكره الْمُفَسِّرُونَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قوا أَنفسكُم بترك الْمعاصِي وَفعل الطَّاعَات وأهليكم بِأَن تأخذوهم بِمَا تأخذون بِهِ أَنفسكُم وقرىء: وأهلوكم، عطفا على وَاو قوا، كَأَنَّهُ قيل: قوا أَنْتُم، وأهلوكم أَنفسكُم وَذكر الشُّرَّاح هُنَا أَشْيَاء متعسفة، أَكْثَرهَا خَارج عَمَّا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد فَمن ذَلِك مَا ذكره ابْن التِّين بِلَفْظ، قوا أهليكم. أوفقوا أهليكم، وَنسب القَاضِي عِيَاض هَذِه الرِّوَايَة هَكَذَا اللقايسي وَابْن السكن. ثمَّ قَالَ ابْن التِّين صَوَابه: أَوْفوا، قَالَ: وَنَحْو ذَلِك ذكر النّحاس وَلَا أعرف للألف من أَو وَلَا للفاء من قَوْله: فقوا، وَجها. قلت: كَأَنَّهُ جعل قَوْله: أوفقوا، كَلِمَتَيْنِ إِحْدَاهمَا كلمة أَو، وَالثَّانيَِة كلمة فقوا. وَأَصله بِتَقْدِيم الْفَاء على الْقَاف، ثمَّ ذكر أَشْيَاء متكلفة لم يذكرهَا أحد من الْمُفَسّرين وَذَلِكَ كُله نَشأ أَمن جعله: أَو فقوا. كَلِمَتَيْنِ وَجعل الْفَاء مُقَدّمَة على الْقَاف، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ كلمة وَاحِدَة وَالْقَاف مُقَدّمَة على الْفَاء. وَالْمعْنَى: أوقفوا أهليكم عَن الْمعاصِي وامنعوهم، وَقَالَ ابْن التِّين وَالصَّوَاب على هَذَا حذف فِي الْألف لِأَنَّهُ ثلاثي من نوقف. قلت: لمن جعل هَذَا كلمة أَن يَقُول لَا نسلم أَنه من: وقف، بل من: الإيقاف من الْمَزِيد لَا من الثلاثي.
٥١٩٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ. قَالَ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بنَ حُنَيْنٍ يَقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ أرَدْتُ أنْ أسْألَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَ بِمَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَمَكَثْتُ سَنَةً فَلَمْ أجِدْ لَهُ مَوْضِعا حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ حَاجّا فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرَانَ ذَهَبَ عُمَرَ لِحَاجَتِهِ فَقَالَ أدْرِكْنِي بِالوَضُوءِ فأدْرَكْتُهُ بِالإدَاَوَةِ فَجَعَلْتُ أسْكُبُ عَلَيْهِ المَاءَ وَرَأَيْتُ مَوْضِعا فَقُلْتُ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فَمَا أتْمَمْتُ كَلامِي حَتَّى قَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. لَا تخفى على المتأمل، والْحميدِي عبد الله بن الزبير، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، ويحى بن سعيد هُوَ الْقطَّان الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي بَاب: ﴿نبتغي مرضات أَزوَاجك﴾ (التَّحْرِيم: ١) وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، قَوْله: (بظهران) ، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء وبالراء وَالنُّون، بقْعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة غير منصرف. قَوْله (بِوضُوء) بِفَتْح الْوَاو. وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (بِالْإِدَاوَةِ) بِكَسْر الْهمزَة وَهِي المطهرة قَوْله: (يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ) بِحَذْف الْألف من أَمِير للتَّخْفِيف.
٥ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ أنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلُهِ أزْوَاجا خَيْرا مِنْكنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَابِّحَاتٍ ثَيِّباتٍ وَأبْكَارا﴾ )
(التَّحْرِيم: ٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿عَسى ربه﴾ أَي: رب النَّبِي ﷺ ، هَذَا إِخْبَار عَن الْقُدْرَة وتخويف لَهُم لَا أَن فِي الْوُجُود
стр. 5828
من هُوَ خير من أمة مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: كَيفَ يكون المبدلات خيرا مِنْهُنَّ وَلم يكن على وَجه الأَرْض نسَاء خيرا من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ؟ قلت: إِذا طلقهن رَسُول الله ﷺ لعصيانهن وإيذائهن إِيَّاه لم يبْقين على تِلْكَ الصّفة، وَكَانَ غَيْرهنَّ من الموصوفات بالأوصاف الْمَذْكُورَة مَعَ الطَّاعَة لرَسُول الله ﷺ وَالنُّزُول على رِضَاهُ وهواه خيرا مِنْهُنَّ. قَوْله: (مسلمات مؤمنات) مقرات مخلصات. (قانتات) داعيات مصليات. (تائبات) من الذُّنُوب راجعات إِلَى الله تَعَالَى وَرَسُوله تاركات لمحبة أَنْفسهنَّ. (عابدات) كثيرات الْعِبَادَة لله تَعَالَى، وَقيل: متذللات لرَسُول الله ﷺ ، بِالطَّاعَةِ وَمِنْه أَخذ اسْم العَبْد لتذلله. (سائحات) يسحن مَعَه حَيْثُمَا ساح، وَقيل: صائمات، وقرىء: سيحات، وَهِي أبلغ، وَقيل للصَّائِم: سائح لِأَن السائح لَا زَاد مَعَه فَلَا يزَال ممسكا إِلَى أَن يجد مَا يطعمهُ، فَشبه بِهِ الصَّائِم فِي إِمْسَاكه إِلَى أَن يَجِيء وَقت إفطاره، وَقيل: (سائحات) مهاجرات، وَعَن زيد بن أسلم لم يكن فِي هَذِه الْأمة سياحة إلَاّ الْهِجْرَة. قَوْله: (ثيبات) جمع ثيب والأبكار جمع بكر فَإِن قلت: وَإِنَّمَا أخليت الصِّفَات كلهَا عَن العاطف ووسط بَين الثيبات والأبكار. قلت: لِأَنَّهُمَا صفتان متنافيتان لَا يجتمعن فيهمَا اجتماعهن فِي سَائِر الصِّفَات فَلم يكن بُد من الْوَاو.
٦١٩٤ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ حدَّثنا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ عُمَرُ ﵁ اجْتَمَعَ نِسَاءُ النبيِّ ﷺ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكْنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ أزْوَاجا خَيْرا مِنْكُنَّ﴾ (التَّحْرِيم: ٥) فَنَزِلَتْ هاذِهِ الآيَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَفِيه بَيَان لسَبَب النُّزُول، وَعَمْرو بن عون بن أَوْس الوَاسِطِيّ نزل الْبَصْرَة وروى البُخَارِيّ أَيْضا عَنهُ بالواسطة فِي الاسْتِئْذَان روى عَن عبد الله المسندي عَن عَمْرو بن عون وروى مُسلم عَن حجاج بن الشَّاعِر عَنهُ فِي مَوضِع، وهشيم مصغر هشم بن بشر مصغر بشر يرْوى عَن حميد، الطَّوِيل الْبَصْرِيّ، والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب مَا جَاءَ فِي الْقبْلَة: بأتم مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٧٦ - (سُورَةُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ (تبَارك: ١)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة (تبَارك) وَفِي بعض النّسخ سُورَة الْملك، وَلم تثبت الْبَسْمَلَة هَاهُنَا للْكُلّ وَهِي مَكِّيَّة كلهَا، قَالَه مقَاتل، وَقَالَ السخاوي: نزلت قبل الحاقة وَبعد الطّور، وَهِي ألف وثلاثمائة حرف، وثلاثمائة وَثَلَاثُونَ كلمة وَثَلَاثُونَ آيَة.
التَّفَاوُتُ الاخْتِلافُ وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت﴾ (تبَارك: ٣) وَفَسرهُ بالاختلاف وَالْمعْنَى: هَل ترى فِي خلق الرحمان اخْتِلَاف، وَأَشَارَ بِأَن التَّفَاوُت والتفوت بِمَعْنى وَاحِد كالتعهد والتعاهد والتطهر والتطاهر، وَقَرَأَ الْكسَائي وَحَمْزَة من تفوت بِغَيْر ألف، قَالَ الْفراء: وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود، وَالْبَاقُونَ بِالْألف.
تمَيْز: فَقَطَّعُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿تكَاد تميز من الغيظ﴾ (تبَارك: ٨) وَفَسرهُ بقوله: (تقطع) وَكَذَا فسره الْفراء، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْكفَّار الَّذين أخبر الله عَنْهُم بقوله: (إِذا القوافيها) أَي: فِي النَّار (سمعُوا لَهَا شهيقا) أَي: صَوتا كصوت حمَار. ﴿وَهِي تَفُور﴾ (تبَارك: ٥) تزفر وتغلي بهم كَمَا تغلي الْقُدُور.
مَنَاكِبها جَوَانِبِها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فامشوا فِي مناكبها وكلوا من رزقه وَإِلَيْهِ النشور﴾ (تبَارك:) ٥١ أَي: امشوا فِي جَوَانِب الأَرْض، وَكَذَا فسره الْفراء، وأصل الْمنْكب الْجَانِب، وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: جبالها، وَعَن مُجَاهِد: طرقها.
تَدَّعُونَ وَتَدْعُونَ مِثْلُ: تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقيل هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تدعون﴾ (تبَارك: ٧٢) وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَأَن التَّخْفِيف لَيْسَ بِقِرَاءَة فلأجل ذَلِك. قَالَ: مثل تذكرُونَ وتذكرون.
وَيَقْبِضْنَ: يَضْرِبْنَ بأجْنِحَتِهِنَّ
стр. 5829
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيقبض مَا يمسكهن إلَاّ الرَّحْمَن أَنه بِكُل شَيْء بَصِير﴾ (تبَارك: ٩١) وَفَسرهُ بقوله: يضربن بأجنحتهن) الْمَعْنى: مَا يمسك الطُّيُور. أَي: مَا يحبسهن فِي حَال الْقَبْض والبسط أَن يسقطن، إلَاّ الرَّحْمَن، وَلم يثبت هَذَا لأبي ذَر.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَافَّاتٍ بَسْطُ أجْنِحَتِهِنَّ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا إِلَى الطير فَوْقهم صافات﴾ وَقَالَ: (صافات بسط أجنحتهن) يَعْنِي: فِي الطيران تطير وتقبض أَجْنِحَتهَا بعد انبساطها، وَلم يثبت هَذَا أَيْضا لأبي ذَر.
وَنُفُورٍ: الكُفُور
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿بل لجوا فِي عتو ونفور﴾ (تبَارك: ١٢) وَفسّر النفور بالكفور، وَرَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن حجاج عَن شَبابَة عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: معنى عتو تمادٍ فِي الضلال، وَمعنى: نفور تبَاعد من الْحق وَأَصله من النفرة.
٨٦ - ( ﴿سُورَةُ ن وَالقَلَم﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿نون والقلم﴾ (الْقَلَم: ١) وَلم يَقع لفظ: سُورَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ مقَاتل: مَكِّيَّة كلهَا. وَذكر ابْن النَّقِيب عَن ابْن عَبَّاس من أَولهَا إِلَى قَوْله: ﴿سنسمه﴾ (الْقَلَم: ٦١) مكي، وَمن بعد ذَلِك إِلَى قَوْله: ﴿لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ (الْقَلَم: ٣٣) مدنِي، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة المزمل وَقبل المدثر: وَهِي ألف ومائتان وَسِتَّة وَخَمْسُونَ حرف وثلاثمائة كلمة، وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ آيَة.
وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ فَعَن مُجَاهِد وَمُقَاتِل وَالسُّديّ وَآخَرين: هُوَ الْحُوت الَّذِي يحمل الأَرْض، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَعَن الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل: يهموت، وَعَن الْوَاقِدِيّ: ليوثا وَعَن عَليّ: بلهوت، وَقيل: هِيَ حُرُوف الرَّحْمَن، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الر وح م، وَنون حُرُوف الرحمان مقطعَة، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك: النُّون، الدَّوَاء وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا. وَعَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة: لوح من نور رَفعه الله إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَعَن ابْن كيسَان: هُوَ قسم أقسم الله بِهِ، وَعَن عَطاء افْتِتَاح اسْمه نور وناصر ونصير، وَعَن جَعْفَر: نون نهر فِي الْجنَّة.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) .
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
وَقَالَ قَتَادَةُ حَرْدٍ: جِدٍّ فِي أنْفُسِهِمْ
أَشَارَ بِهِ قَتَادَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وغدوا على جرد قَادِرين﴾ (الْقَلَم: ٥٢) وَفسّر قَوْله: (جرد) بقوله: (جد) بِكَسْر الْجِيم وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ الِاجْتِهَاد، وَالْمُبَالغَة فِي الْأَمر، وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي بعض الْأُصُول بِفَتْح الْجِيم رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (تَفْسِيره) عَن معمر عَن قَتَادَة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: على قدرَة قَادِرين على أنفسهم، وَعَن النَّخعِيّ وَمُجاهد وَعِكْرِمَة على أَمر مجمع قد أسسوه بَينهم وَعَن سُفْيَان على حنق وَغَضب، وَعَن أبي عُبَيْدَة على منع.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَضَالُّونَ: أضْلَلْنا مَكَانَ جَنَّتِنا
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رأوها قَالُوا إِنَّا لضالون﴾ (الْقَلَم: ٦٢) أَي: أضللنا مَكَان جنتنا، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَنهُ، وَالضَّمِير فِي قَوْله: ﴿فَلَمَّا رأوها﴾ يرجع إِلَى الْجنَّة فِي قَوْله: ﴿إِنَّا بلوناهم كَمَا بلونا أَصْحَاب الْجنَّة﴾ (الْقَلَم: ٧١) يَعْنِي: امتحنا واختبرنا أهل مَكَّة بِالْقَحْطِ والجوع (كَمَا بلونا) أَي: كَمَا ابتلينا أَصْحَاب الْجنَّة. قَالَ ابْن عَبَّاس: بُسْتَان بِالْيمن يُقَال لَهُ الضروان دون صنعاء بفرسخين وَكَانُوا حلفوا أَن لَا يصرمن نخلها إلَاّ فِي الظلمَة قبل خُرُوج النَّاس من المساكن إِلَيْهَا، فَأرْسل الله عَلَيْهَا نَارا من السَّمَاء فأحرقتها وهم نائمون، فَلَمَّا قَامُوا وَأتوا إِلَيْهَا رأوها قَالُوا: إِنَّا لضالون وَلَيْسَت هَذِه جنتنا. قَوْله: (أضللنا) ، قَالَ بَعضهم: زعم بعض الشُّرَّاح أَن الصَّوَاب فِي هَذَا أَن يُقَال: ضللنا، غير ألف. تَقول: ضللت الشَّيْء إِذا جعلته فِي مكن ثمَّ لم تدر أَيْن هُوَ، وأضللت الشَّيْء إِذا ضيعته. ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي وَقع فِي الرِّوَايَة صَحِيح الْمَعْنى. أَي: عَملنَا عمل من ضيع، وَيحْتَمل أَن يكون بِضَم أول أضللنا. انْتهى. قلت: أَرَادَ بِبَعْض الشُّرَّاح الْحَافِظ الدمياطي فَإِنَّهُ قَالَ هَكَذَا وَالَّذِي قَالَه هُوَ الصَّوَاب لِأَن اللُّغَة تساعده، وَلَكِن الَّذِي اخْتَارَهُ هَذَا الْقَائِل من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا بعيد جدا. أما الأول: فَلَيْسَ
стр. 5830
بمطابق لقَوْل أهل الْجنَّة فَإِن عَمَلهم لم يكن إِلَّا رَوَاحهمْ إِلَى جنتهم فَقَط، وَلَيْسَ فِيهِ عمل عمل من ضيع: وَأما الثَّانِي: فبالاحتمال الَّذِي لَا يقطع، وَلَكِن يُقَال فِي تصويب الَّذِي وَقع بِهِ الرِّوَايَة: أضللنا أَنْفُسنَا عَن مَكَان جنتنا يَعْنِي: هَذِه لَيست بجنتنا بل تُهنا فِي طريقها.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالصَّرِيمِ كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ وَهُوَ أيْضا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ وَالصَّرِيمُ أيْضا المَصْرُومُ مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ.
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَصْبَحت كالصريم﴾ (الْقَلَم: ٠٢) أَي: فَأَصْبَحت الْجنَّة الْمَذْكُورَة كالصريم، وَفَسرهُ بقوله: (كالصبح انصرم) أَي: انْقَطع من اللَّيْل إِلَى آخِره، ظَاهر.
مَكْظُومٌ وَكَظِيمٌ مَغْنُومٌ، تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوَ تَرْخُصُ فَيَرْخُصُونَ
هَذَا كُله للنسفي، وَلم يَقع للباقين، وَأَشَارَ بقوله: تدهن إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ودّوا لَو تدهن فيدهنون﴾ وَفَسرهُ بقوله: (ترخص فيرخصون) (الْقَلَم: ٩) وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعَن عَطِيَّة وَالضَّحَّاك، لَو نكفر فيكفرون. وَعَن الْكَلْبِيّ: لَو تلين لَهُم فيلينون لَك، وَعَن الْحسن: لَو تصانعهم فِي دينك فيصانعونك فِي دينهم، وَعَن الْحسن: لَو تقاربهم فيقاربونك. وَأَشَارَ بقوله: مكظوم. إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تكن كصاحب الْحُوت إِذْ نَادَى وَهُوَ مكظوم﴾ (الْقَلَم: ٨٤) وَفَسرهُ: بقوله: ﴿مغموم﴾ وَأَشَارَ أَيْضا بِأَن مكظوم وكظيم، سَوَاء فِي الْمَعْنى.
١ - (بَابُ: ﴿عُتُلٍ بَعْدَ ذالِكَ زَنِيمٍ﴾ (الْقَلَم: ٣١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عتل بعد ذَلِك﴾ أَي: مَعَ ذَلِك، والعتل الفانك الشَّديد الْمُنَافِق. قَالَه ابْن عَبَّاس: وَعَن عبيد بن عُمَيْر: العتل الأكول الشروب الْقوي الشَّديد يوضع فِي الْمِيزَان فَلَا يزن شعيرَة يدْفع الْملك من أُولَئِكَ فِي جَهَنَّم سبعين ألفا دفْعَة وَاحِدَة، هُوَ الزنيم والدعي الملحق النّسَب الملصق بالقوم وَلَيْسَ مِنْهُم، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الزنيم الَّذِي لَا أصل لَهُ. وَقيل: هُوَ الَّذِي لَهُ زنمة كزنمة الشَّاة، وَقيل: هُوَ المرمي بالأبنة.
٧١٩٤ - حدَّثنا مَحْمُودٌ حدَّثنا عُبَيْدِ الله عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ أبِي حَصِينٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ عُتُلٍّ بَعْدَ ذالِكَ زَنِيمٍ قَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي مُحَمَّد، فَإِن صَحَّ فَهُوَ الذهلي، وَعبيد الله هُوَ ابْن مُوسَى من شُيُوخ البُخَارِيّ، وروى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد المهلمتين واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.
قَوْله: (قَالَ رجل من قُرَيْش) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: الزنيم هُوَ رجل من قُرَيْش لَهُ زنمة مثل زنمة الشَّاة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الزنمة هِيَ الهنة من جلد الماعز تقطع فتخلى معلقَة فِي حلقها. وَقيل: الزنمة للمعز فِي حلقها كالقرط فَإِن كَانَت فِي الْأذن فَهُوَ زنمة، وَاخْتلف فِي الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة القبيحة فَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي، وَقَالَ عَطاء وَالسُّديّ: هُوَ الْأَخْنَس بن شريق، وَقَالَ مُجَاهِد الْأسود بن عبد يَغُوث، وَعَن مُجَاهِد: كَانَت للوليد سِتّ أَصَابِع فِي كل يَد أصْبع زَائِدَة.
٨١٩٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَعْبَد بنِ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بنَ وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ، وَكلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كلُّ عُتلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَنْكِرٍ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كل عتل) وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، ومعبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة
стр. 5831
وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد الْكُوفِي مَاله فِي البُخَارِيّ إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث هَذَا، وَآخر تقدم فِي الزَّكَاة، وَآخر يَأْتِي فِي الطِّبّ، وحارثة بن وهب الْخُزَاعِيّ بِالْمُهْمَلَةِ والثاء الْمُثَلَّثَة.
والْحَدِيث ذكره البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي النذور عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْجنَّة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة جَهَنَّم عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن بشار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (متضعف) بِكَسْر الْعين وَفتحهَا وَالْفَتْح أشهر، وَكَذَا ضَبطه الدمياطي. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَغلط من كسرهَا وَإِنَّمَا هُوَ بِالْفَتْح. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رُوِيَ بِالْفَتْح عِنْد الْأَكْثَرين وبكسرها وَمَعْنَاهُ: ويستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا يُقَال: تضعفه أَي: اسْتَضْعَفَهُ، وَأما الْكسر فَمَعْنَاه: متواضع خامل متذلل. وَاضع من نَفسه، وَقيل: الضعْف رقة الْقلب وَلينه للْإيمَان. قَوْله: (لَو أقسم على الله لأبرَّه) أَي: لَو حلف يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله تَعَالَى بإبراره لأبَّره. وَقيل: لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (كل عتل) هُوَ الغليظ. وَقيل: الشَّديد من كل شَيْء، وَقيل: الْكَافِر. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ السمين، الْعَظِيم الْعُنُق والبطن، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: هُوَ الجموع المنوع، وَيُقَال: هُوَ الْقصير الْبَطن، وَقيل: الأكول الشروب الظلوم. (والجواظ) بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو ثمَّ ظاء مُعْجمَة وَهُوَ الشَّديد الصَّوْت فِي الشَّرّ، وَقيل: المتكبر المختال فِي مشيته الفاخر. وَقيل: الْكثير اللَّحْم. وَلَيْسَ المُرَاد اسْتِيعَاب الطَّرفَيْنِ وَإِنَّمَا المُرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة وَأَن أغلب أهل النَّار هَؤُلَاءِ.
٢ - (بابٌ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق﴾ (الْقَلَم: ٢٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ قيل: تكشف الْقِيَامَة عَن سَاقهَا، وَقيل: عَن أَمر شَدِيد فظيع وَهُوَ إقبال الْآخِرَة. وَذَهَاب الدُّنْيَا، وَهَذَا من بَاب الِاسْتِعَارَة تَقول الْعَرَب للرجل إِذا وَقع فِي أَمر عَظِيم يحْتَاج فِيهِ إِلَى اجْتِهَاد ومعاناة ومقاساة للشدة شمر عَن سَاقه، فاستعير السَّاق فِي مَوضِع الشدَّة، وَإِن لم يكن كشف السَّاق حَقِيقَة، كَمَا يُقَال: أَسْفر وَجه الصُّبْح، واستقام لَهُ صدر الرَّأْي، وَالْعرب تَقول: لسنة الْحَرْب: كشفت عَن سَاقهَا.
٩١٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدٍ بنِ أبِي هلالٍ عَنْ زَيْدِ ابنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَّار عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ النبيِّ ﷺ يَقُولُ يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَّةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاء وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقا وَاحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يكْشف رَبنَا عَن سَاقه) وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وخَالِد بن يزِيد من الزِّيَادَة. الجُمَحِي السكْسكِي الاسكندراني الْفَقِيه الْمُفْتِي، وَسَعِيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وَزيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث الشَّفَاعَة.
قَوْله: (يكْشف رَبنَا عَن سَاقه) ، من المتشابهات، وَلأَهل الْعلم فِي هَذَا الْبَاب قَولَانِ: أَحدهمَا: مَذْهَب مُعظم السّلف أَو كلهم تَفْوِيض الْأَمر فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى وَالْإِيمَان بِهِ، واعتقاد معنى يَلِيق لجلال الله وَالْآخر: هُوَ مَذْهَب بعض الْمُتَكَلِّمين أَنَّهَا تتأول على مَا يَلِيق بِهِ، وَلَا يسوغ ذَلِك إلَاّ لمن كَانَ من أَهله بِأَن يكون عَارِفًا بِلِسَان الْعَرَب، وقواعد الْأُصُول وَالْفُرُوع، فعلى هَذَا قَالُوا: المُرَاد بالساق هُنَا الشدَّة، أَي: يكْشف الله عَن شدَّة وَأمر مهول، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَقَالَ عِيَاض: المُرَاد بالساق النُّور الْعَظِيم، وَرُوِيَ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ : (يَوْم يكْشف عَن سَاق) قَالَ: عَن نور عَظِيم يخرون لَهُ سجدا وَعَن قَتَادَة فِيمَا رَوَاهُ عبد بن حميد (يَوْم يكْشف عَن سَاق) عَن أَمر فظيع، وَعَن عبد الله هِيَ ستور رب الْعِزَّة إِذا كشف لِلْمُؤمنِ يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن الرّبيع بن أنس: يكْشف عَن الغطاء فَيَقَع من كَانَ آمن بِهِ فِي الدُّنْيَا سَاجِدا، وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَأما القَوْل من قَالَ: المُرَاد بالساق الشدَّة فِي الْقِيَامَة، وَفِي هَذَا قُوَّة لأهل التعطيل، وَجَاء حَدِيث عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ، وَفِيه
стр. 5832
بِمَ تعرفُون ربكُم؟ قَالُوا: بَيْننَا وَبَينه عَلامَة أَن رأيناها عَرفْنَاهُ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: يكْشف عَن سَاق. قَالَ: فَيكْشف عِنْد ذَلِك عَن سَاق فيخر الْمُؤْمِنُونَ سجدا. قَالَ: وَمَا يُنكر هَذَا اللفط ويفر مِنْهُ إلَاّ من يفر عَن الْيَد والقدم وَالْوَجْه وَنَحْوهَا. فعطل الصِّفَات. وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ: أَن ذَلِك بِمَعْنى كشف الشدائد عَن الْمُؤمنِينَ فيسجدون شكرا. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث أبي مُوسَى مَرْفُوعا. فَيكْشف لَهُم الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله، وَعَن ابْن مَسْعُود: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَامَ النَّاس لرب الْعَالمين أَرْبَعِينَ عَاما فِيهِ فَعِنْدَ ذَلِك يكْشف عَن سَاق ويتجلى لَهُم، وأوله بَعضهم بِأَن الله يكْشف لَهُم عَن سَاق لبَعض المخلوفين من مَلَائكَته وَغَيرهم، وَيجْعَل ذَلِك سَببا لبَيَان مَا شَاءَ من حكمته فِي أهل الْإِيمَان والنفاق. وَعَن أبي الْعَبَّاس النَّحْوِيّ أَنه قَالَ: السَّاق النَّفس. كَمَا قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَالله لأقاتلن الْخَوَارِج وَلَو تلفت ساقي، فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ تجلي ذَاته لَهُم وكشف الْحجب حَتَّى إِذا رَأَوْهُ سجدوا لَهُ. وَقرأَهَا ابْن عَبَّاس: يكْشف، بِضَم الْيَاء وقرىء: نكشف، بالنُّون، ويكشف، على الْبناء للْفَاعِل وللمفعول جَمِيعًا، وَالْفِعْل للساعة أَو للْحَال أَي: يَوْم تشتد الْحَال أَو السَّاعَة. وقرىء: بِالْيَاءِ المضمومة وَكسر الشين من أكشف إِذا دخل فِي الْكَشْف. قَوْله: (فَيسْجد لَهُ) ، أَي: لله. فَإِن قلت: الْقِيَامَة دَار الْجَزَاء لَا دَار الْعَمَل. قلت: هَذَا السُّجُود لَا يكون على سَبِيل التَّكْلِيف بل على سَبِيل التَّلَذُّذ بِهِ والتقرب إِلَى الله تَعَالَى. قَوْله: (يَاء) ، أَي: ليراه النَّاس. قَوْله: (وسَمعه) ، أَي: ليسمعونه. قَوْله: (طبقًا وَاحِدًا) ، أَي: لَا ينثني للسُّجُود وَلَا ينحني لَهُ، وَهُوَ بِفَتْح الطَّاء. وَالْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ الْهَرَوِيّ: الطَّبَق ففار الظّهْر أَي: سَار فقاره وَاحِدًا كالصحيفة فَلَا يقدر على السُّجُود، وَجَاء فِي حَدِيث طَوِيل فالمؤمنون يخرون سجدا على وُجُوههم ويخر كل مُنَافِق على قَفاهُ، وَيجْعَل الله تَعَالَى أصلابهم كصيامي الْبَقر، وَفِي رِوَايَة: وَيبقى المُنَافِقُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ كَأَن فِي ظُهُورهمْ السَّفَافِيد فَيذْهب بهم إِلَى النَّار، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد اسْتدلَّ بعض الْعلمَاء بِهَذَا مَعَ قَول الله تَعَالَى: ﴿وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (الْقَلَم: ٢٤) على جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَهَذَا اسْتِدْلَال بَاطِل. فَإِن الْآخِرَة لَيست دَار تَكْلِيف بِالسُّجُود وَإِنَّمَا المُرَاد امتحانهم.
(سُورَةُ الحَاقَّةِ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الحاقة وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول الْجَمِيع، وَقَالَ السخاوي: نزلت قبل المعارج وَبعد سُورَة الْملك، وَهِي ألف وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ حرفا. ومائتان وست وَخَمْسُونَ كلمة، وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ آيَة. وَفِي مُسْند ابْن عَبَّاس: عَن معَاذ إِنَّمَا سميت الحاقة لِأَن فِيهَا حقائق الْأَعْمَال من الثَّوَاب وَالْعِقَاب.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر وَحده.
حُسُوما مُتَتَابِعَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سخرها عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما﴾ (الحاقة: ٧) وَفَسرهُ بقوله: (متتابعة) ، وَكَذَا فسره مُجَاهِد وَقَتَادَة وَمعنى متتابعة لَيْسَ فِيهَا فَتْرَة وَهُوَ من حسم الكي وَهُوَ أَن يُتَابع عَلَيْهِ بالمكواة وَعَن الْكَلْبِيّ: دائمة، وَعَن الضَّحَّاك: كَامِلَة لم تفتر عَنْهُم حَتَّى أفنتهم، وَعَن الْخَلِيل: قطعا لدابرهم، والحسم الْقطع وَالْمَنْع وَمِنْه حسم الدَّوَاء وحسم الرَّضَاع وانتصابه على الْحَال وَالْقطع قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي وَحده.
وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (الحاقة: ١٢) يُرِيدُ فِيهَا الرِّضا
أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ (الحاقة: ١٢) يُرِيد فِيهَا الرِّضَا أَي: ذَات الرِّضَا أَرَادَ بِهِ أَنه من بَاب ذِي كَذَا كتامر وَلابْن، وَعند عُلَمَاء الْبَيَان هَذَا اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ لأبي ذَر والنسفي.
القَاضِيَةَ المَوْتَةَ الأُوْلَى الَّتِي مُتُّها ثُمَّ أُحْيا بَعْدَها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا ليتها كَانَت القاضية مَا أغْنى عني ماليه﴾ (الحاقة: ٧٢، ٨٢) أَي: لَيْت الموتة الأولى كَانَت القاطعة لأمري لن أَحْيَا بعْدهَا وَلَا يكون بعث وَلَا جَزَاء، وَقَالَ قَتَادَة: تمنى الْمَوْت وَلم يكن عِنْده فِي الدُّنْيَا شَيْء أكره من الْمَوْت. قَوْله: (ثمَّ أَحْيَا) ، بعْدهَا: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لم أَحَي بعْدهَا، وَهَذِه هِيَ الْأَصَح، وَالظَّاهِر أَن النَّاسِخ صحف لم بثم.
стр. 5833
مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ أحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا مِنْكُم من أجد عَنهُ حاجزين﴾ (الحاقة: ٧٤) الضَّمِير فِي عَنهُ: يرجع إِلَى الْقَتْل، وَقيل: إِلَى رَسُول الله ﷺ لَا يحجزون عَن الْقَاتِل قَالَه النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) وغرض البُخَارِيّ فِي بَيَان أَن لفظ: أحد، يصلح للْجمع وللواحد وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نكرَة وَقع فِي سِيَاق النَّفْي. قَوْله: (للْجمع) ، ويروى للْجَمِيع.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الوَتِينَ: نِيَاطَ القَلْبِ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿ثمَّ لقطعنا مِنْهُ الوتين﴾ (الحاقة: ٦٤) أَي: (نِيَاط الْقلب) بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَهُوَ حَبل الوريد إِذا قطع مَاتَ صَاحبه، وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس وَصله ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث سُفْيَان عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد عَنهُ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَغَى كَثُرَ وَيُقَالُ: بِالطَّا غِيَةِ بِطُغْيَانِهِمْ. وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الخزانِ كَمَا طَغَى المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ ﷺ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لما طَغى المَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة﴾ (الحاقة: ١١) وَفسّر: (طغا) بقوله: (كثر) وَعَن قَتَادَة: طَغى المَاء عتى فَخرج بِلَا وزن وَلَا كيل، وطغا فَوق كل شَيْء خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَالْجَارِيَة: السَّفِينَة. قَوْله: (وَيُقَال: بالطاغية) ، هُوَ مصدر نَحْو الجاثية. فَلذَلِك فسره بقوله: (بطغيانهم) وَقيل: الطاغية صفة موصوفها مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأما ثَمُود فأهلكوا بأفعالهم الطاغية، يُقَال: طغا يطغو ويطغى طغيانا إِذا جَاوز الْحَد فِي الْعِصْيَان فَهُوَ طاغ وَهِي طاغية، وتستعمل هَذِه الْمَادَّة فِي معَان كَثِيرَة، يُقَال: طغا الرجل إِذا جَاوز الْحَد، وطغا الْبَحْر إِذا هاج، وطغا السَّيْل إِذا كثر مَاؤُهُ، وطغى الدَّم إِذا نبع وَغير ذَلِك، وَهَاهُنَا ذكر أَنه اسْتعْمل لمعان ثَلَاثَة: الأول: بِمَعْنى الْكَثْرَة أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: طغا كثر، وَهُوَ فِي قَضِيَّة قوم نوح ﷺ . وَالثَّانِي: بِمَعْنى مُجَاوزَة الْحَد فِي الْعِصْيَان، وَذَلِكَ فِي قَوْله: وَيُقَال بالطاغية. وَقد ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ فِي ثَمُود. وَالثَّالِث: بِمَعْنى مُجَاوزَة الرّيح حَده أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَيُقَال: طغت على الْخزَّان، وَهُوَ فِي قَضِيَّة قوم عَاد، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: (وَأما عَاد فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة) (الحاقة: ٦) وَقَوله: طغت. أَي: الرّيح خرجت بِلَا ضبط من الْخزَّان وَهُوَ جمع خَازِن، وللريح خزان لَا ترسلها إلَاّ بِمِقْدَار، وَأما عَاد لما عتوا فَأرْسل الله عَلَيْهِم ريحًا عَاتِيَة يَعْنِي اعتت على خزانها فَلم تطعهم، وجاوزت الْحَد وَذَلِكَ بِأَمْر الله تَعَالَى، وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ : مَا أرسل الله ريحًا إلَاّ بِمِكْيَال، وَلَا قَطْرَة من المَاء إلَاّ بِمِكْيَال، إلَاّ قوم عَاد وَقوم نوح، ﵊، طغيا على الْخزَّان فَلم يكن لَهُم عَلَيْهِمَا سَبِيل. وَقَالَ بَعضهم: لم يظْهر لي فَاعل طغت. لِأَن الْآيَة فِي حق ثَمُود وهم قد أهلكوا بالصيحة، وَلَو كَانَت عادا لَكَانَ الْفَاعِل الرّيح وَهِي لَهَا الْخزَّان انْتهى. قلت: ظهر لغيره مَا لم يظْهر لَهُ لقصوره، وَالْآيَة فِي حق عَاد كَمَا ذَكرْنَاهُ. وهم ﴿أهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة﴾ عنت على خزانها، وَأما ثَمُود فقد أهلكوا بالطاغية، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى، وَقد فسر الْمُفَسِّرُونَ الطاغية بالطغيان وَهُوَ الْمُجَاوزَة عَن الْحَد وَعَن مُجَاهِد وَابْن زيد، أهلكوا بأفعالهم الطاغية، وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى: ﴿كذبت ثَمُود بطغواها﴾ (الشَّمْس: ١١) والطغوى بِمَعْنى الطغيان وَقَول هَذَا الْقَائِل: إِن الْآيَة فِي حق ثَمُود، وهم قد أهلكوا بالصيحة. قَول رُوِيَ عَن قَتَادَة فَإِنَّهُ قَالَ: يَعْنِي: الصَّيْحَة الطاغية الَّتِي جَاوَزت مقادير الصياح، وَكَلَام البُخَارِيّ على قَول غَيره كَمَا ذَكرْنَاهُ فَافْهَم، وَلَو كَانَ مُرَاده على قَول قَتَادَة فَلَا مَانع أَن يكون فَاعل طغت الصَّيْحَة وَيكون الْمَعْنى: خرجت الصَّيْحَة من صائحها وهم خزانها فِي الْحَقِيقَة بِلَا مِقْدَار بِحَيْثُ أَنَّهَا جَاوَزت مقادير الصياح كَمَا فِي قَول قَتَادَة.
وَغِسْلِينٍ: مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أهْلِ النَّارِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا طَعَام إلَاّ من غسلين﴾ (الحاقة: ٦٣) وَفَسرهُ بقوله: (يسيل من صديد أهل النَّار) وَهُوَ قَول الْفراء. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: كَأَنَّهُ غسالة جروحهم وقروحهم، وَعَن الضَّحَّاك وَالربيع، هُوَ شجر يَأْكُلهُ أهل النَّار، وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ غِسْلَينٍ: كلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ غَسْلَيْنٌ فِعْلَيْنٌ مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجَرْحِ وَالدُّبْرِ
هَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، يدل على أَن قبل قَوْله: وغسلين. وَقَالَ الْفراء وَغَيره، وَقد سقط من
стр. 5834
النَّاسِخ، وَيكون معنى قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: غير الْفراء وَإِن لم يقدر شَيْء هُنَاكَ لَا يَسْتَقِيم الْكَلَام. فَافْهَم.
أعْجَارُ نَخْلٍ: أُصُولُها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية﴾ (الحاقة: ٨) وَفسّر الإعجاز بالأصول، وخاوية: سَاقِطَة، هَذَا أَيْضا للنسفي وَحده.
بَاقِيَةٍ: بَقِيةٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَل ترى لَهُم من بَاقِيَة﴾ (الحاقة: ٨) أَي: بَقِيَّة، وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. وَالله أعلم.
٠٧ - ( ﴿سُورَةُ سألَ سَائِلٌ ﴿)
أَي: هَذَا تَفْسِير فِي بعض سُورَة: ﴿سَأَلَ سَائل﴾ (المعارج: ١) وَتسَمى: سُورَة المعارج، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي ألف وَاحِد وَسِتُّونَ حرفا. ومائتان وست عشرَة كلمة، وَأَرْبع وَأَرْبَعُونَ آيَة. وَلم يذكر الْبَسْمَلَة هَاهُنَا للْجَمِيع.
الفَصيلَةُ: أصْغَرُ آبَائِهِ القُرْبَى إلَيْهِ: يَنْتَمِي مَنِ انْتَمَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وفصيلته الَّتِي تؤويه﴾ (المعارج: ٣١) وفسرها: بقوله: (أَصْغَر آبَائِهِ الْقُرْبَى) يَعْنِي: عشيرته الأدنون الَّذين فصل عَنْهُم، وَنقل كَذَا عَن الْفراء وَعَن أبي عُبَيْدَة فَخذه، وَقيل: أقرباؤه الأقربون عَن مُجَاهِد: قبيلته، وَعَن الدَّاودِيّ: إِن الفصيلة ولظى من أَبْوَاب جَهَنَّم، وَهَذَا غَرِيب. قَوْله: (يننمي) ، أَي: ينتسب، ويروى: إِلَيْهِ يَنْتَهِي، من الِانْتِهَاء.
لِلشَّوَى: اليَدَانِ وَالرَّجُلانِ وَالأطْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ يُقَالُ لَهَا شَوَاةٌ وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوَّى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِنَّهَا لظى نزاعة للشَّوى﴾ (المعارج: ٥١، ٦١) وَكَلَامه ظَاهِرَة مَنْقُول عَن مُجَاهِد، وَفِي التَّفْسِير: نزاعة للشوى أَي: نزاعة لجلد الرَّأْس، وَقيل: المحاسن الْوَجْه، وَقيل: للعصب والعقب. وَقيل: لأطراف الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَالرَّأْس، وَقيل: اللَّحْم دون الْعظم، واحده شواة. أَي: لَا تتْرك النَّار لَهُم لَحْمًا وَلَا جلدا إلَاّ أحرقته. وَعَن الْكَلْبِيّ: تَأْكُل لحم الرَّأْس والدماغ كُله ثمَّ يعود الدِّمَاغ كَمَا كَانَ ثمَّ تعود تَأْكُله، فَذَلِك دأبها، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَالعِزُونَ الجَماعَاتُ وَوَاحِدُها عِزَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مهطعين عَن الْيَمين وَعَن الشمَال عزين﴾ (المعارج: ٦٣، ٧٣) وَفسّر: عزين بالجماعات وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: العزون الْحلق، وَالْجَمَاعَات وَالْحلق بِفَتْح الْحَاء على الْمَشْهُور، وَيجوز كسرهَا. قَوْله: (وواحدها) ، وَفِي بعض لنسخ وواحدتها عزة: بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الزَّاي، ونظيرها: ثبة وَتبين، وكرة وكرين، وَقلة وقلين. قَوْله: (مهطعين) ، أَي: مُسْرِعين مُقْبِلين عَلَيْك مادّي أَعْنَاقهم ومديمي النّظر إِلَيْك متطلعين نَحْوك. نصب على الْحَال: عزين حلقا وفرقا وعصبة عصبَة وَجَمَاعَة جمَاعَة مُتَفَرّقين.
يُوفِضُونَ الإيفاضُ الإسْرَاعِ
هَذَا للنسفي وَحده، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون﴾ (المعارج: ٣٤) وَفسّر: (الإيفاض) الَّذِي هُوَ مصدر (بالإسراع) وَيفهم مِنْهُ أَن معنى: يوفضون يسرعون، وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: يسعون وَعَن مُجَاهِد وَأبي الْعَالِيَة: يَسْتَبقُونَ، وَعَن الضَّحَّاك: ينطلقون، وعنالحسن، يبتدرون، وَعَن الْقُرْطُبِيّ: يَشْتَدُّونَ، وَالنّصب الْمَنْصُوب وَعَن ابْن عَبَّاس: إِلَى نصب، إِلَى غَايَة، وَذَلِكَ حِين سمعُوا الصَّيْحَة الْأَخِيرَة، وَعَن الْكسَائي: يَعْنِي إِلَى أوثانهم الَّتِي كَانُوا يعبدونها من دون الله .
١٧ - ( ﴿سُورَةُ نُوحٍ﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة نوح، عَلَيْهِ الصلام، وَفِي بعض النّسخ: سُورَة (إِنَّا أرسلنَا نوحًا) (المعارج: ١) وَهِي مَكِّيَّة نزلت بعد النَّحْل وَقبل سُورَة إِبْرَاهِيم، ﵊، وَسَقَطت الْبَسْمَلَة عِنْد الْكل، وَهِي تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَعِشْرُونَ حرفا، ومائتان وَأَرْبع وَعِشْرُونَ كلمة، وثمان وَعِشْرُونَ آيَة.
أطوَارا: طوْرا كَذَا وَطَوْرا كَذَا يُقالُ: عَدَا طَوْرَهُ أيْ قَدْرَهُ
стр. 5835
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد خَلقكُم أطوارا﴾ (نوح: ٤١) وَذكر عبد عَن خَالِد بن عبد الله، قَالَ: طورا نُطْفَة وطورا علقَة وطورا مُضْغَة وطورا عظاما ثمَّ كسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر، وَقَالَ مُجَاهِد: طورا من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ مَا ذكر حَتَّى يتم خلقه، وَالطور فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِمَعْنى: تارةٍ وَيَجِيء أَيْضا بِمَعْنى الْقدر أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَيُقَال عدا طوره أَي: تجَاوز قدره، وَيجمع على أطوار.
وَالكِبَّارُ أشَدُّ مِنَ الكُبَارِ وَكَذلِكَ جُمَّالٌ وَجَمِيلٌ لأنَّهَا أشَدُّ مُبَالَغَةٍ، وَكُبَّارٌ الكَبِيرُ وَكُبارا أيْضا بِالتَّخْفِيفِ. وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ وحمال مخفف
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿ومكروا مكرا كبارًا﴾ (نوح: ٢٢) وَقَالَ: (الْكِبَار) يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ (أَشد) يَعْنِي: أبلغ فِي الْمَعْنى من الْكِبَار بِالتَّخْفِيفِ، والكبار بِالتَّخْفِيفِ أبلغ معنى من الْكَبِير. قَوْله: (كَذَلِك جمال) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم، يَعْنِي: الْجمال أبلغ فِي الْمَعْنى من الْجَمِيل، وَهُوَ معنى قَوْله: (لِأَنَّهَا أَشد مُبَالغَة) . قَوْله: (وكبار) ، يَعْنِي: بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى الْكَبِير وَكَذَلِكَ الْكِبَار بِالتَّخْفِيفِ. قَوْله: (حسان) ، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد السِّين، وَهُوَ أبلغ من حسان بِالتَّخْفِيفِ. وَكَذَلِكَ جمال بِالتَّشْدِيدِ أبلغ من جمال بِالتَّخْفِيفِ.
دَيَّارا مِنْ دَوْرٍ وَلاكِنَّهُ فَيْعالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ كَمَا قَرَأَ عُمَرُ الحَي القَيَّامُ. وَهِيَ مِنّ قَمْتُ وَقَالَ غَيْرُهُ: دَيَّارا أحدا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ (نوح: ٦٢) واشتقاقه من دور، ووزنه: فيعال، لِأَن أَصله ديوَان فأبدلت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَلَا يُقَال: وَزنه فعال. لِأَنَّهُ لَو قيل: دوار، كَانَ يُقَال: فعال قَوْله: كَمَا قَرَأَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْحَيّ الْقيام، ذكر هَذَا نظيرا للديار لِأَن أَصله قوام فَلَا يُقَال: وَزنه فعال. بل يُقَال: فيعال، كَمَا فِي الديار. وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف من طَرِيق عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَرَأَهَا كَذَلِك، وَذكر عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا قَوْله: وَقَالَ غَيره: هَذَا يَقْتَضِي تقدم أحد سقط من بعض النقلَة وَإِلَّا لَا يَسْتَقِيم الْمَعْنى على مَا لَا يخفى، وَنسب إِلَى هَذَا الْغَيْر أَن ديارًا يَأْتِي بِمَعْنى أحد وَالْمعْنَى: لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين أحدا، وَقد أَشَارَ الثَّعْلَبِيّ إِلَى هَذَا الْمَعْنى حَيْثُ قَالَ: ديارًا أحدا يَدُور فِي الأَرْض فَيذْهب وَيَجِيء، وَكَذَلِكَ ذكره النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) .
تَبارا هَلَاكًا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزد الظَّالِمين إلَاّ تبارا﴾ (نوح: ٨٢) وَفسّر التيار بِالْهَلَاكِ، وَفَسرهُ الثَّعْلَبِيّ بالدمار.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مِدْرَارا يَتْبَعُ بَعْضَهُ بَعْضا
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا﴾ (نوح: ١١) أَي: مَاء السَّمَاء وَهُوَ الْمَطَر، وَفسّر المدرار بقوله: (يتبع بعضه بَعْضًا) وَوصل هَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَارا عَظَمَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى؛ ﴿مَا لكم لَا ترجون لله وقارا﴾ (نوح: ٣١) وَفسّر: الْوَقار. بالعظمة. وَأخرجه سُفْيَان فِي تَفْسِيره عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: لَا يخَافُونَ فِي الله حق عَظمته. وَأخرجه عبد بن حميد من رِوَايَة أبي الرّبيع عَنهُ: مَا لكم لَا تعلمُونَ لله عَظمته، وَقَالَ مُجَاهِد: لَا ترَوْنَ لله عَظمَة. وَعَن الْحسن: لَا تعرفُون لله حَقًا وَلَا تشكرون لَهُ نعْمَة، وَعَن ابْن جُبَير: لَا ترجون ثَوابًا وَلَا تخافون عقَابا.
١ - (بَابٌ: ﴿وَدَّا وَلَا سَوَّاعا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودّوالا سواعا﴾ (نوح: ٣٢) الْآيَة. وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب كَانَ لآدَم ﵊، خمس بَنِينَ. ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فَمَاتَ رجل مِنْهُم فَحَزِنُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ الشَّيْطَان: أَنا أصور لكم مثله إِذا نظرتم إِلَيْهِ ذكرتموه. قَالُوا افْعَل، فَصورهُ فِي الْمَسْجِد من صفر ورصاص
стр. 5836
ثمَّ مَاتَ آخر وصوره حَتَّى مَاتُوا كلهم وتنغصت الْأَشْيَاء إِلَى أَن تركُوا عبَادَة الله بعد حِين، فَقَالَ الشَّيْطَان للنَّاس: مَا لكم لَا تَعْبدُونَ إلاهكم وإلاه آبائكم أَلا ترونها فِي مصلاكم؟ فعبدوها من دون الله حَتَّى بعث الله، ، نوحًا ﵊ وَقَالَ السُّهيْلي: يَغُوث هُوَ ابْن شِيث، ﵊، وَابْتِدَاء عِبَادَتهم من زمن مهلائيل بن قينان، وَفِي (كتاب الْعين) ود بِفَتْح الْوَاو صنم كَانَ لقوم نوح ﵊، وَبِضَمِّهَا صنم لقريش، وَبِه سمي عَمْرو بن عبد ود، وَقِرَاءَة نَافِع بِالضَّمِّ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْح، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: هُوَ أول صنم معبود وَسمي ودا لودهم لَهُ، وَكَانَ بعد قوم نوح، ﵊، لكَلْب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَكَانَ بدومة الجندل، وسواع كَانَ على صُورَة امْرَأَة، وَكَانَ لهذيل بن مدركة بن الياس بن مُضر برهاط مَوضِع بِقرب مَكَّة شرفها الله بساحل الْبَحْر، ويغوث كَانَ لمراد ثمَّ لبني غطيف بالجوف من أَرض الْيمن على مَا نذكرهُ فِي الحَدِيث.
٠٢٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمِ بنُ مُوسَى أخْبرنَا هِشامٌ عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ صَارَتِ الأوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ أمَّا وَد فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ وَأمَّا صُوَاغٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ وَأمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمَوادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ صَبا وأمّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ وَأمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرِ لآلِ ذِي الكَلاعِ أسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إلَى قَوْمِهِمْ أنْ انْصِبُوا إلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابا وَسَموها بأسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إذَا هَلَكَ أُوْلَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ الْخُرَاسَانِي، وَلَيْسَ بعطاء بن أبي رَبَاح وَلَا بعطاء بن يسَار. قَالَه الغساني، وَقَالَ ابْن جريج: أَخذه من كتاب عَطاء لَا من السماع مِنْهُ وَلِهَذَا قيل: إِنَّه مُنْقَطع لِأَن عَطاء الْخُرَاسَانِي لم يلق ابْن عَبَّاس، وَقَالَ أَبُو مَسْعُود: ظن البُخَارِيّ أَنه ابْن أبي رَبَاح وَابْن جريج لم يسمع التَّفْسِير من الْخُرَاسَانِي، وَإِنَّمَا أَخذ الْكتاب من ابْنه وَنظر فِيهِ، وروى عَن صَالح بن أَحْمد عَن ابْن الْمَدِينِيّ، قَالَ: سَأَلت يحيى بن سعيد عَن أَحَادِيث ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي، فَقَالَ: ضَعِيف. فَقلت: ليحيى: إِنَّه كَانَ يَقُول أخبرنَا. قَالَ: لَا شَيْء كُله ضَعِيف إِنَّمَا هُوَ كتاب دَفعه إِلَيْهِ ابْنه، وَقيل: فِي معاضدة البُخَارِيّ فِي هَذَا، إِنَّه بِخُصُوصِهِ عِنْد ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح جَمِيعًا وَلَا يخفى على البُخَارِيّ ذَلِك مَعَ تشدده فِي شَرط الِاتِّصَال واعتماده عَلَيْهِ، وَيُؤَيّد هَذَا إِنَّه لم يكثر من تَخْرِيج هَذَا وَإِنَّمَا ذكره بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي موضِعين هَذَا وَالْآخر فِي النِّكَاح، وَلَو كَانَ يخفى عَلَيْهِ ذَلِك لاستكثر من إِخْرَاجه لِأَن ظَاهره على شَرطه. انْتهى. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى لِأَن تشدده فِي شَرط الِاتِّصَال لَا يسْتَلْزم عدم الخفاء عَلَيْهِ أصلا فسبحان من لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَقَوله: على ظَاهره. على شَرطه لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الْخُرَاسَانِي من أَفْرَاد مُسلم كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه.
قَوْله: (الْأَوْثَان) ، جمع وثن وَفِي (الْمغرب) الوثن مَا لَهُ جثة من خشب أَو حجر أَو فضَّة أَو جَوْهَر ينحت، وَكَانَت الْعَرَب تنصب الْأَوْثَان وتعبدها. قَوْله: (فِي الْعَرَب بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد كَون الْأَوْثَان فِي قوم نوح، ﵊، كَانَت فِي الْعَرَب، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة كَانَت الْأَوْثَان آلِهَة يَعْبُدهَا قوم نوح، ﵊، ثمَّ عبدتها الْعَرَب بعد، وَعَن أبي عُبَيْدَة: زَعَمُوا أَنهم كَانُوا مجوسا وَأَنَّهَا غرقت فِي الطوفان فَلَمَّا نصب المَاء عَنْهَا أخرجهَا إِبْلِيس، عَلَيْهِ اللَّعْنَة فبثها فِي الأَرْض قبل قَوْله: كَانُوا مجوسا غير صَحِيح لِأَن الْمَجُوسِيَّة نَخْلَة ظَهرت بعد ذَلِك بدهر طَوِيل. قَوْله: (أما ود) ، شرع فِي تَفْصِيل هَذِه الْأَوْثَان وبيانها. قَوْله: أما، بِكَلِمَة التَّفْصِيل. قَوْله: (لكَلْب) ، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن كَلْبا هُوَ ابْن وبرة بن تغلب. قَوْله: (بدومة الجندل) ، بِضَم الدَّال والجندل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون مَدِينَة من الشَّام مِمَّا يَلِي الْعرَاق وَيُقَال: بَين الْمَدِينَة وَالشَّام، وَالْعراق وفيهَا اجْتمع الحكمان. قَوْله: (لهذيل) مصغر الهذل قَبيلَة وَهُوَ ابْن مدركة
стр. 5837
بن الياس بن مُضر. قَوْله: (لمراد) ، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء الْمُهْملَة أَبُو قَبيلَة من الْيمن. قَوْله: (ثمَّ لبني غطيف) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ بطن من مُرَاد وَهُوَ: غطيف بن عبد الله بن نَاجِية بن مُرَاد. قَوْله: (بالجوف) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالفاء، وَهُوَ المطمئن من الأَرْض، وَقيل: هُوَ وَاد بِالْيمن، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن غير الْكشميهني بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْكشميهني بالجرف بِضَم الْجِيم وَالرَّاء، وَقَالَ ياقوت: وَرِوَايَة الْحميدِي بالراء، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بالجون بِالْجِيم وَالْوَاو وَالنُّون. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان، رَأَيْته كَانَ من رصاص على صُورَة أَسد. قَوْله: (عِنْد سبأ) ، هَذَا فِي رِوَايَة غير أبي ذَر. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: سبأ اسْم مَدِينَة بلقيس، وَقيل: هُوَ اسْم رجل ولد مِنْهُ عَامَّة قبائل الْيمن، وَكَذَا جَاءَ مُفَسرًا فِي الحَدِيث، وَسميت الْمَدِينَة بِهِ قَوْله: (لهمدان) ، بِسُكُون الْمِيم وإهمال الدَّال قَبيلَة، وَأما مَدِينَة هَمدَان الَّتِي هِيَ مَدِينَة من بِلَاد عراق الْعَجم فَهِيَ بِفَتْح الْمِيم والذال الْمُعْجَمَة. قَوْله: (لحمير) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَبُو قَبيلَة. قَوْله: (لآل ذِي كلاع) ، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالعين الْمُهْملَة وَهُوَ اسْم ملك من مُلُوك الْيمن. قَوْله: (أَسمَاء رجال) أَي: هَذِه الْخَمْسَة أَسمَاء رجال صالحين قَالَه الْكرْمَانِي، وَقدر مُبْتَدأ محذوفا. وَهُوَ قَوْله: هَذِه الْخَمْسَة، وَيكون ارْتِفَاع: أَسمَاء رجال على الخبرية. قَالَ: ويروى ونسر، أسما ثمَّ قَالَ وَالْمرَاد: نسر وإخواته أَسمَاء رجال صالحين، وَقيل: وَسقط لفظ: ونسر، لغير أبي ذَر. قَوْله: (فَلَمَّا هَلَكُوا) أَي: فَلَمَّا مَاتَ الصالحون، وَكَانَ مبدأ عبَادَة قوم نوح، ﵊، هَذِه الْأَصْنَام بعد هلاكهم ثمَّ تَبِعَهُمْ من بعدهمْ على ذَلِك. قَوْله: (أنصابا) جمع النصب وَهُوَ مَا ينصب لغَرَض كالعبادة. قَوْله: (وسموها) أَي: هَذِه الْأَصْنَام بأسماء الصَّالِحين الْمَذْكُورين. قَوْله: (فَلم تعبد) هَذِه الْأَصْنَام حَتَّى إِذا هلك أُولَئِكَ الصالحون. قَوْله: (وتنسخ) بِلَفْظ الْمَاضِي من التفعيل أَي تغير علمهمْ بِصُورَة الْحَال وزالت معرفتهم بذلك، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني، وَنسخ الْعلم فَحِينَئِذٍ عبدت على صِيغَة الْمَجْهُول، وَحَاصِل الْمَعْنى، أَنهم لما مَاتُوا وتغيرت صُورَة الْحَال وزالت معرفتهم جعلوها معابيد بعد ذَلِك.
٢٧ - (سُورَةُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ )
أَي: هَذَا تَفْسِير بَعْص سُورَة: ﴿قل أُوحي﴾ (الْجِنّ: ١) تسمى: سُورَة الْجِنّ، وَهِي مَكِّيَّة. وَهِي ثَمَانمِائَة وَسَبْعُونَ حرفا. ومائتان وَخمْس وَثَمَانُونَ كلمة، وثمان وَعِشْرُونَ آيَة.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لِبَدا: أعْوانا
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ (الْجِنّ: ٩١) وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ هَكَذَا. قَوْله: (لبدا) ، يَعْنِي: مُجْتَمعين يركب بَعضهم بَعْضًا ويزدحمون ويسقطون حرصا مِنْهُم على اسْتِمَاع الْقُرْآن، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة وَابْن زيد يَعْنِي لما قَامَ عبد الله بالدعوة تلبدت الْإِنْس وَالْجِنّ وتظاهروا عَلَيْهِ ليبطلوا الْحق الَّذِي جَاءَهُم بِهِ ويطفؤا نور الله فَأبى الله إلَاّ أَن يتم هَذَا الْأَمر وينصره ويظهره على من ناواه. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) وأصل اللبد الْجَمَاعَات بَعْضهَا فَوق بعض جمع لبدة وَهِي مَا تلبد بعضه على بعض، وَمِنْه سمي اللبد لتراكمه، وَعَاصِم كَانَ يقْرؤهَا بِفَتْح اللَّام وبضم الَّذِي فِي سُورَة الْبَلَد، وَفسّر لبدا بِكَثِير هُنَاكَ، ولبدا هُنَا باجتمع بَعْضهَا على بعض، وقرىء بِضَم اللَّام وَالْبَاء وَهُوَ جمع لبود، وقرىء: لبدا جمع لابد كراكع وَركع، فَهَذِهِ أَربع قراآت. قَوْله: (أعوانا) ، جمع عون وَهُوَ الظهير على الْأَمر، وَهُوَ مُكَرر فِي بعض النّسخ أَعنِي: ذكر مرَّتَيْنِ.
بَخْسا نَقْصا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا يخَاف بخسا وَلَا رهقا﴾ (الْجِنّ: ٣١) وَفسّر البخس بِالنَّقْصِ، والرهق فِي كَلَام الْعَرَب الْإِثْم وغشيان الْمَحَارِم، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي وَحده.
١٢٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلَى سُوقِ عُكاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشيَّاطِينَ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشيَّاطِينُ فَقَالُوا
стр. 5838
مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالَ مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إلَاّ مَا حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَها فَانْظُروا مَا هاذا الأمْرُ الَّذِي حَدَثَ فَانْطَلَقُوا فَضَرَبُوا مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَها يَنْظُرُونَ مَا هاذا الأمْرُ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ قَالَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إلَى رَسُولِ الله ﷺ بِنَخْلَةً وَهُوَ عَامِدٌ إلَى سُوقِ عُكاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأصْحَابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَسَمَّعُوا لَهُ فَقَالُوا هاذا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا يَا قَوْمَنا إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنا عَجَبا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أحَدا وَأنْزَلَ الله عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ (الْجِنّ: ١) وَإنَّمَا أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوضح سَبَب النُّزُول أَيْضا وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر: بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية الوَاسِطِيّ الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الْجَهْر بِقِرَاءَة الصُّبْح فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (انْطلق) كَانَ ذَلِك فِي ذِي الْقعدَة سنة عشر من الْبعْثَة. قَوْله: (عكاظ) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْكَاف وبالظاء الْمُعْجَمَة: سوق الْعَرَب بِنَاحِيَة مَكَّة يصرف وَلَا يصرف وَكَانُوا يُقِيمُونَ بِهِ أَيَّامًا فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (قد حيل) ، على بِنَاء الْمَجْهُول من حَال إِذا حجز. قَوْله: (تهَامَة) ، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ اسْم لكل مَا نزل عَن نجد من بِلَاد الْحجاز. قَوْله: (بنخلة) ، مَوضِع مَشْهُور ثمَّة وَهُوَ غير منصرف. قَوْله: (عَامِدًا) أَي: قَاصِدا. قَوْله: (تسمعوا) ، أَي: تكلفوا للسماع لِأَن بَاب التفعل للتكلف قَوْله: (حَال) ، أَي: حجز.
٣٧ - (سُورَةُ ﴿المُزَّمَّلِ﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة المزمل وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: سُورَة المزمل والمدثر، وَلم يذكر فِي بعض النّسخ لفظ: سُورَة. قَالَ مقَاتل: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ قَوْله: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله﴾ (المزمل: ٠٢) وَهِي ثَمَانمِائَة وَثَمَانِية وَثَلَاثُونَ حرفا ومائتان وَخمْس وَثَمَانُونَ كلمة، وَعِشْرُونَ آيَة وأصل المزمل بِالتَّشْدِيدِ المتزمل فأبدلت التَّاء زايا وأدغمت الزَّاي فِي الزَّاي، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب على الأَصْل والمزمل والمدثر والمتلفف والمشتمل بِمَعْنى.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَتبَتَّلْ أخْلِصْ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : ﴿وتبتل إِلَيْهِ تبتيلاً﴾ (المزمل: ٨) وَفَسرهُ بقوله: أخْلص، وَرَوَاهُ عبد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن جريج عَنهُ بِلَفْظ: أخْلص لَهُ الْمَسْأَلَة وَالدُّعَاء، وَقَالَ قَتَادَة: أخْلص لَهُ الدعْوَة وَالْعِبَادَة، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَأبي صَالح وَالضَّحَّاك وعطية وَالسُّديّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي مثل ذَلِك، وَعَن عَطاء: انْقَطع إِلَيْهِ انْقِطَاعًا، وَهُوَ الأَصْل فِيهِ. يُقَال: تبتلت الشَّيْء إِذا قطعته.
وَقَالَ الحَسَنْ: أنْكالاً: قُيُودا
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن لدينا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ (المزمل: ٢١) وَرَوَاهُ عبد عَن يحيى بن عبد الحميد عَن حَفْص بن عمر عَنهُ، والأنكال جمع نكل بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْكَاف وبفتحهما.
مُنْفَطِرٌ بِهِ مُثْقَلَةٌ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿يَوْمًا يَجْعَل الْولدَان شيبا السَّمَاء منفطر بِهِ﴾ وفسرخ بقوله: (مثقلة بِهِ) وَرَوَاهُ عبد من وَجه آخر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ نَحوه: وَإِنَّمَا قَالَ: منفطر، بالتذكير على تَأْوِيلهَا بالسقف أوشيء منفطر بِهِ أَو ذَات انفطار.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ كَثِيبا: مَعِيلاً الرَّمْلُ: السَّائِلُ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَت الْجبَال كثيبا مهيلاً﴾ (المزمل: ٤١) أَي: رملاً سَائِلًا. رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ.
وَبِيلاً شَدِيدا
стр. 5839
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فأخذناه أخذا وبيلاً﴾ (المزمل: ٦١) وَفسّر (وبيلاً) بقوله: (شَدِيدا) وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: وبيلاً أَي: شَدِيدا صعبا ثقيلاً وَمِنْه يُقَال: كلاء مستوبل، وَطَعَام مستوبل إِذا لم يسْتَمر أَو مِنْهُ الوبال.
٤٧ - (سُورَةُ ﴿المُدَّثِّرِ﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة المدثر، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي ألف وَعشرَة أحرف، ومائتان وَخمْس وَخَمْسُونَ كلمة، وست وَخَمْسُونَ آيَة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ (المدثر: ١) أَي: فِي القطيفة وَالْجُمْهُور على أَنه المدثر بثيابه.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: عَسِيرٌ شَدِيدٌ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذَلِك يَوْمئِذٍ عسيرا﴾ (المدثر: ٩) وَفسّر بقوله: ﴿شَدِيد﴾ وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة.
قَسُوَرَةٌ: رَكْزُ النَّاسِ وأصْوَاتُهُمْ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ حمر مستنفرة فرت من قسورة﴾ (المدثر: ٠٥، ١٥) وَفسّر القسورة بركز النَّاس وأصواتهم، وَصله سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: هُوَ ركز النَّاس وأصواتهم، قَالَ سُفْيَان: يَعْنِي حسهم وأصواتهم.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ ﵁ الأسَدُ وَكلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ وَقَسْوَرٌ
أَي: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: القسورة الْأسد، وروى عبد بن حميد من طَرِيق سعد عَن زيد بن أسلم. قَالَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة إِذا قَرَأَ: ﴿كَأَنَّهُمْ حمرَة مستنفرة فرت من قسورة﴾ (المدثر: ٠٥، ١٥) قَالَ: القسورة الْأسد وَهَذَا مُنْقَطع بَين ابْن زيد وَأبي هُرَيْرَة. قَوْله: (وكل شَدِيد) مُبْتَدأ. وقسورة خَبره، وقسور عطف عَلَيْهِ من القسر وَهُوَ الْغَلَبَة، وَقيل: القسورة الرُّمَاة حُكيَ عَن مُجَاهِد وَعَن سعيد بن جُبَير: القسورة القناص ووزنها فعولة، وروى ابْن جرير من طَرِيق يُوسُف بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس: القسورة الْأسد بِالْعَرَبِيَّةِ، وبالفارسية: شير، وبالحبشية: القسورة وَلَفظ قسور من زِيَادَة النَّسَفِيّ ﵀.
مُسْتَنْفِرَةٌ: نَافِرَةٌ مَذْعُورَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ حمر مستنفرة﴾ وفسرها بقوله: ﴿نافرة مَذْعُورَة﴾ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي: مخافقة وَقَرَأَ أهل الشَّام وَالْمَدينَة بِفَتْح الْفَاء وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ.
٢٢٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ سألْت أبَا سَلَمَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ يَا أيُّها المُدَّثِّرُ قُلْتُ يَقُولُونَ اقْرَأْ بَاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فَقَالَ أبُو سَلَمَةَ سَألْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄ عَنْ ذالِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْل الَّذِي قُلْتَ فَقَالَ جَابِرٌ لَا أُحَدِّثُكَ إلَاّ مَا حَدَّثنا رَسُولُ الله ﷺ قَالَ جَاوَرْتُ بُحَرَاء فَلَمَّا قَضَيْتُ جَوَارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينَي فَلَمْ أرَ شَيْئا وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أرَ شَيْئا وَنَظَرْتُ أمَامِي فَلَمْ أرَ شَيْئا وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا فَرَفَعْتُ رَأسِي فَرَأيْتُ شَيْئا فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدا فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدا قَالَ فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَفِيه بَيَان سَبَب النُّزُول. وَيحيى هُوَ ابْن مُوسَى الْبَلْخِي أَو يحيى بن جَعْفَر، وَقد مضى جُزْء مِنْهُ فِي أول الْكتاب فِي بَدْء الْوَحْي، قَالَ ابْن شهَاب: وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن جَابر بن عبد الله الحَدِيث.
قَوْله: (جَاوَرت
стр. 5840
بحراء) ، أَي: اعتكفت بهَا، وَهُوَ بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالمد منصرفا على الْأَشْهر، حَبل على يسَار السائر من مَكَّة إِلَى منى. قَوْله: (جواري) ، بِكَسْر الْجِيم أَي: مجاورتي. أَي: اعتكافي. قَوْله: (فَرَأَيْت شَيْئا) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ، رَأَيْت جِبْرِيل، ﵊، وَقد قَالَ: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ (اقْرَأ: ١) فَخفت من ذَلِك ثمَّ أتيت خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقلت: دَثرُونِي أَي: غطوني فَنزلت: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ (المدثر: ١) وَالْجُمْهُور على أَن أول مَا نزل هُوَ ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ وَفِي هَذَا الحَدِيث استخرج جَابر ذَلِك عَن الحَدِيث بِاجْتِهَادِهِ، وظنه فَلَا يُعَارض الحَدِيث الصَّحِيح الْمَذْكُور فِي أول الْكتاب الصَّرِيح بِأَنَّهُ اقْرَأ أَو تَقول إِن لفظ: أول من الْأُمُور النسبية، فالمدثر يصدق عَلَيْهِ أَنه أول مَا نزل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا نزل بعده.
٢ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ (المدثر: ٢)
أَي: قُم يَا مُحَمَّد من مضجعك قيام عزم وجد فَأَنْذر قَوْمك وَغَيرهم لِأَنَّهُ أطلق الْإِنْذَار.
٣٢٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ مَهْدُيٍ وَغَيْرُهُ قَالا حَدَّثنا حَرْبُ بنُ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله ﵄ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ جَاوَرْتُ بِحَرَاءِ مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بنِ عُمَرَ عَنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكَ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار بالشين الْمُعْجَمَة.
قَوْله: (وَغَيره) ، يشبه أَن يكون أَرَادَ بِهِ أَبَا دَاوُد فَإِن أَبَا نعيم الْأَصْبَهَانِيّ رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَاق بن حَمْزَة حَدثنَا أَبُو عوَانَة حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأَبُو دَاوُد قَالَا: حَدثنَا حَرْب فَذكره. قَوْله: (مثل حَدِيث عُثْمَان ابْن عمر) ، أحَال رِوَايَة حَرْب بن شَدَّاد على رِوَايَة عُثْمَان بن عمر وَلم يخرج هُوَ رِوَايَة عُثْمَان بن عمر، وَهِي عِنْد مُحَمَّد بن بشار شيخ البُخَارِيّ فِيهِ أخرجه أَب عرُوبَة فِي كتاب (الْأَوَائِل) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عُثْمَان بن عمر أخبرنَا عَليّ بن الْمُبَارك، وَهَكَذَا أخرجه مُسلم عَن ابْن مثنى عَن عُثْمَان بن عمر عَن عَليّ بن الْمُبَارك.
٣ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (المدثر: ٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَرَبك فَكبر﴾ أَي: فَعظم وَلَا تشرك بِهِ، وَهَذَا التَّكْبِير قد يكون فِي الصَّلَاة وَقد يكون فِي غَيرهَا. وَلما نزل ذَلِك قَامَ ﷺ ، وَكبر فكبرت خَدِيجَة وفرحت وَعلمت أَنه الْوَحْي من الله تَعَالَى، وَالْفَاء على معنى جَوَاب الْجَزَاء أَي: قُم فَكبر رَبك، وَكَذَلِكَ مَا بعده. قَالَ الزّجاج، وَقيل: الْفَاء صلَة كَقَوْلِك: زيدا فَاضْرب.
٤٢٩٤ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ حدَّثنا حَرْبُ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ سَألْتُ أبَا سَلَمَةَ أيُّ القُرْآنَ أُنْزِلَ أوَّلُ افَقَالَ: ﴿يَا أيُّها المُدَثِّرُ﴾ فَقُلْتُ أُنْبِئتُ أنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبَّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ أبُو سَلَمَةَ سَألْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله أيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أوَّلُ فَقَال: ﴿يَا أيَّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقُلْتُ أُنْبِئْتُ أنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ لَا أُخْبِرُكَ إلَاّ بِمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ جَاوَرْتُ فِي حِرَاءٍ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الوَادِيَ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَإذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدا وَأُنْزِلَ عَلَيَّ: ﴿يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَإنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (المدثر: ١، ٣) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أبي يَعْقُوب الْمروزِي عَن عبد الصَّمد ابْن عبد الْوَارِث الْبَصْرِيّ عَن حَرْب بن شَدَّاد عَن يحيى بن أبي كثير.
قَوْله: (أول) ، قَوْله: (أنبئت) على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: أخْبرت. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَرْب. قلت: إِنَّه بَلغنِي أَن أول مَا نزل اقْرَأ وَلم يبين يحيى بن أبي كثير من أنبأه بذلك وَلَعَلَّه يُرِيد عُرْوَة بن الزبير، كَمَا لم يبين أَبُو سَلمَة من أنبأه بذلك، وَلَعَلَّه يُرِيد عَائِشَة فَإِن الحَدِيث مَشْهُور عَن
стр. 5841
عُرْوَة عَن عَائِشَة. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَمَا تقدم فِي بَدْء الْوَحْي من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنهُ مطولا. قَوْله: (فَاسْتَبْطَنْت) ، أَي: وصلت بطن الْوَادي. قَوْله: (على عرش) ويروى: على كرْسِي.
٤ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وثيابك فطهر﴾ قَالَ الثَّعْلَبِيّ: سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ: مَعْنَاهَا لَا تلبسها على مَعْصِيّة وَلَا على غدرة، وَالْعرب تَقول للرجل إِذا وفى وَصدق: إِنَّه طَاهِر الثِّيَاب، وَإِذا غدر ونكث: إِنَّه لدنس الثِّيَاب، وَعَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا تلبسها على عجب وَلَا على ظلم وَلَا على إِثْم والبسها وَأَنت طَاهِر، وَعَن ابْن سِيرِين وَابْن زيد: نقِّ ثِيَابك واغسلها بِالْمَاءِ وطهرها من النَّجَاسَة، وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين كَانُوا لَا يتطهرون فَأمره أَن يتَطَهَّر ويطهر ثِيَابه. وَعَن طَاوُوس وثيابك فقصر وشمر، لِأَن تَقْصِير الثِّيَاب طهرة لَهَا.
٥٢٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ ح وحدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ فَتْرَةِ الوَحْي فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَبَيْنَا أنَا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحَراءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ فَجَثِثْتُ مِنْهُ رُعْبا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمَّلُونِي زَمَّلُونِي فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيتُّها المُدَّثِّرُ﴾ إلَى ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: ١، ٥) قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصلاةُ وَهِيَ الأوْثَانُ..
هَذَا أَيْضا حَدِيث جَابر الْمَذْكُور وَلَكِن رَوَاهُ من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة وَذكره من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل، بِضَم الْعين ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. وَالْآخر: عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن عبد الرَّزَّاق الخ.
قَوْله: (وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال وَهَذَا مشْعر بِأَنَّهُ كَانَ قبل نزُول: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ (المدثر: ١) وَحي وَلَيْسَ ذَلِك إلَاّ سُورَة اقْرَأ على الصَّحِيح. قَوْله: قَوْله: ﴿على كرْسِي﴾ وَفِي الحَدِيث الَّذِي مضى على عرش وَلَا تفَاوت بَينهمَا بِحَسب الْمَقْصُود. وَهُوَ مَا يجلس عَلَيْهِ وَقت العظمة ﴿فَجَثَتْ﴾ على صِيغَة الْمَجْهُول من الجأث، بِالْجِيم والهمزة والثاء الْمُثَلَّثَة، وَهُوَ الْفَزع والرعب وَالْخَوْف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا: فجثثت بالمثلثتين من الجث وَهُوَ الْقلع والرعب. قَوْله: (قيل أَن تفرض الصَّلَاة) غَرَضه أَن تَطْهِير الثِّيَاب كَانَ وَاجِبا قبل الصَّلَاة قَوْله: (وَهِي) أَي: الرجز هِيَ الْأَوْثَان، وَإِنَّمَا أنث بِاعْتِبَار أَن الْخَبَر جمع وَإِنَّمَا فسر بِالْجمعِ نظر إِلَى الْجِنْس.
٥ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: ٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالرجز فاهجز﴾ عَن ابْن عَبَّاس: فاترك المأثم، وَعَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالزهْرِيّ وَابْن زيد: والأوثان فاهجر وَلَا تَقربهَا، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: الزَّاي فِيهِ بدل من السِّين لقرب مخرجهما. دَلِيله قَوْله : ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ (الْحَج: ٠٣) وَعَن أبي الْعَالِيَة الرّبيع: الرجز، بِالضَّمِّ الصَّنَم، وبالكسر النَّجَاسَة وَالْمَعْصِيَة، وَعَن الضَّحَّاك: الشّرك وَعَن ابْن كيسَان الشَّيْطَان.
يُقَالُ: الرِّجْزُ وَالرِّجْسُ: العَذَابُ
هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة والكلبي، ومجاز الْآيَة أَهجر مَا أوجب لَك الْعَذَاب من الْأَعْمَال، وَقيل: أسقط حب الدُّنْيَا من قَلْبك فَأَنَّهُ رَأس كل خَطِيئَة.
٦٢٩٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ ابنُ شِهابٍ سَمِعْتُ أبَا سَلَمَة
стр. 5842
َ قَالَ أخْبَرَنِي جَابِرُ بنُ عَبْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَة الوَحْيِ فَبَيْنا أنَا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحَرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضي فَجَثثْت مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إلَى الأرْضِ فَجَئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ زَمَّلُونِي زَمَّلُونِي فَزَمَلونِي فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّها المُدَّثَّرُ﴾ إلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: ١) . قَالَ أبُو سَلَمَةَ وَالرِّجْزَ الأوْثَانَ ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاهجر) وَهَذَا أَيْضا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر. قَوْله: (فَبينا) أَصله: بَين أشبعت فَتْحة النُّون بِالْألف وَهُوَ ظرف يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب وَجَوَابه قَوْله: (إِذا سَمِعت) قَوْله: (حَتَّى هويت) أَي: حَتَّى سَقَطت. قَوْله: (وَالرجز الْأَوْثَان) ، بِكَسْر الرَّاء وَالضَّم لُغَة قَالَه الْفراء، وَقَالَ بعض الْبَصرِيين بِالْكَسْرِ الْعَذَاب وَلَا يضم، وَفسّر أَبُو سَلمَة الرجز بالأوثان لِأَنَّهَا مؤدية إِلَى الْعَذَاب، ويروى عَن مُجَاهِد وَالْحسن بِالضَّمِّ اسْم الصَّنَم وبالكسر الْعَذَاب، وروى ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق مُحَمَّد بن كثير عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث الرجز بِالضَّمِّ وَهِي قِرَاءَة حَفْص عَن عَاصِم.
٥٧ - (سُورَةُ ﴿القِيَامَةِ﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْقِيَامَة، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي سِتّمائَة وإثنان وَخَمْسُونَ حرفا وَمِائَة وَسبع وَتسْعُونَ كلمة. وَأَرْبَعُونَ آيَة.
١ - (بابُ وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (الْقِيَامَة: ٦١)
أَي: وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَا تحرّك بِهِ﴾ الْخطاب للنَّبِي ﷺ أَي: لَا تحرّك بِالْقُرْآنِ لسَانك، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يفتر عَن قِرَاءَة الْقُرْآن مَخَافَة أَن لَا ينساه وَلَا ويحرك بِهِ لِسَانه. فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجب بِهِ﴾ أَي: بتلاوته لتحفظه وَلَا تنساه.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: سُدًى هَمَلاً
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ (الْقِيَامَة: ٦٣) أَي: هملاً بِفتْحَتَيْنِ أَي: مهملاً.
وَقَالَ ليَفْجُرَ أمَامَةُ: سَوْفَ أتُوبُ سَوْفَ أعْمَلُ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيد الْإِنْسَان ليفجر أَمَامه﴾ (الْقِيَامَة: ٥) فسره بقوله: (سَوف أَتُوب سَوف أعمل) وَحَاصِل الْمَعْنى: يُرِيد الْإِنْسَان أَن يَدُوم على فجوره فِيمَا يستقبله من الزَّمَان وَيَقُول: سَوف أَتُوب وسوف أعمل عملا صَالحا.
لَا وَزَرَ لَا حِصْنَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا لَا وزر إِلَى رَبك يَوْمئِذٍ المستقر﴾ (الْقِيَامَة: ٢١، ٣١) وَفسّر الْوزر بالحصن، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: لَا حصن وَعَن أبي عُبَيْدَة: الْوزر الملجأ.
٧٢٩٤ - حدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا مُوسَى بنُ أبِي عَائِشَةَ وَكَانَ ثِقَةً عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ النبيُّ ﷺ إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيْ حَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ وَوَصَفَ سُفْيَانُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ فَأنْزَلَ الله: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾
(الْقِيَامَة: ٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمضى الحَدِيث فِي بَدْء الْوَحْي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله: (وَكَانَ ثِقَة) ، مقول سُفْيَان، ومُوسَى هَذَا تَابِعِيّ صَغِير كُوفِي من موَالِي آل جعدة ابْن هُبَيْرَة وَلَا يعرف اسْم أَبِيه، ومدار هَذَا الحَدِيث عَلَيْهِ وَإِلَى قَوْله: (لتعجل بِهِ) فِي رِوَايَة أبي ذَر وَزَاد غَيره الْآيَة الَّتِي بعْدهَا.
(بَابٌ: ﴿إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (الْقِيَامَة: ٧١)
стр. 5843
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن علينا جمعه﴾ أَي: فِي صدرك ﴿وقرآنه﴾ (الْقِيَامَة: ٧١) وقراءته عَلَيْك حَتَّى تعيه، وَالْقُرْآن مصدر كالرجحان وَالنُّقْصَان.
٨٢٩٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ مُوسَى عَنْ مُوسَى بنِ أبِي عَائِشَةَ أنَّهُ سَأَلَ سَعِيد بنِ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ (الْقِيَامَة: ٦١) قَالَ وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يَخَشَى أنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ ﴿إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ أنْ تَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ (فَاتَبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (الْقِيَامَة: ٨١، ٩١) أنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس أبي إِسْحَاق السبيعِي. وَهَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس من رِوَايَة إِسْرَائِيل عَن مُوسَى الْمَذْكُور. قَوْله: (كَانَ) أَي: رَسُول الله ﷺ يُحَرك شَفَتَيْه إِذا أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن. قَوْله: (أَن يتفلت) أَي: يضيع ويفوت قَوْله: (إِن علينا جمعه) إِلَى آخِره، يحْتَمل أَن يكون مُعَلّقا عَن ابْن عَبَّاس، وَسِيَاق الحَدِيث الَّذِي بعده أتم مِنْهُ.
٢ - (بَابٌ: ﴿فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبعْ قُرْآنَهُ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قرأناه﴾ أَي: إِذا قرأناه عَلَيْك: ﴿فَاتبع قرآنه﴾ أَي: مَا فِيهِ من الْأَحْكَام.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ قَرْآنَهُ بَيَانَهُ فَانبِعْ اعْمَلْ بِهِ
هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس هَذِه التَّرْجَمَة، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾ وروى هَذَا التَّفْسِير عَليّ بن أبي طَلْحَة وَقد أخرجه ابْن حَاتِم.
٩٢٩٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا جَرِيرُ عَنْ مُوسَى بنِ أبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ بِالوَحْي وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَقُ مِنْهُ فَأنْزَلَ الله الآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الْقِيَامَة: ١) ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (الْقِيَامَة: ٦١، ٧١) قَالَ عَلَيْنَا أنْ نَجْمَعُهُ فِي صَدْرِكَ وَقرْآنَهُ: ﴿فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذَا أَنْزَلْنَا فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (الْقِيَامَة: ٩١) عَلَيْنَا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ قَالَ: فَكَانَ إذَا أتَاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ فَإذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ الله تَعَالَى..
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير بن عبد الحميد عَن مُوسَى الْمَذْكُور.
قَوْله: (لِسَانه وشفتيه) ذكر هما هُنَا وَاقْتصر سُفْيَان فِي رِوَايَته السَّابِقَة على ذكر لِسَانه، وَاقْتصر إِسْرَائِيل على ذكر شَفَتَيْه وَالْكل مُرَاد. قَوْله: (فيشتد عَلَيْهِ) أَي: يشْتَد عَلَيْهِ حَاله عِنْد نزُول الْوَحْي، وَمضى فِيمَا تقدم، وَكَانَت الشدَّة تحصل مَعَه عِنْد نزُول الْوَحْي لثقل القَوْل، وَفِي حَدِيث الْإِفْك، فَأَخذه مَا كَانَ يَأْخُذهُ من البرحاء وَكَانَ يتعجل بِأَخْذِهِ لتزول الشدَّة سَرِيعا. قَوْله: (وَكَانَ يعرف مِنْهُ) أَي: وَكَانَ الاشتداد، يعرف مِنْهُ حَالَة نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) أَي: بِسَبَب ذَلِك الاشتداد أنزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿وقرآنه﴾ زَاد إِسْرَائِيل فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة أَن تَقْرَأهُ أَي: أَنْت تقرؤه. قَوْله: (فَإِذا قرأناه) أَي: فَإِذا قَرَأَهُ عَلَيْك الْملك قَوْله: (أطرق) يُقَال: أطرق الرجل إِذا سكت، وأطرق أَي أرْخى عَيْنَيْهِ ينظر إِلَى الأَرْض.
﴿أَوْلَى لَكَ﴾ تَوَعُّدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أولى لَك فَأولى ثمَّ أولى لَك فَأولى﴾ وَفَسرهُ. بقوله: (توعد) أَي: هَذَا وَعِيد من الله تَعَالَى على وَعِيد لأبي جهل، وَهِي كلمة مَوْضُوعَة للتهديد والوعيد، وَقيل: أولى من المقلوب ويلي من الويل كَمَا يُقَال: مَا أطيبه وأبطيه، وَمعنى الْآيَة لِأَنَّهُ يَقُول لأبي جهل الويل لَك يَوْم تحيى وَالْوَيْل لَك يَوْم تَمُوت وَالْوَيْل لَك يَوْم تبْعَث وَالْوَيْل لَك يَوْم تدخل النَّار.
стр. 5844
٦٧ - (سُورَةُ ﴿هَلْ أتَى عَلَى الإنْسَانِ﴾ (الْإِنْسَان: ١)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان﴾ وَهِي مَكِّيَّة قَالَه قَتَادَة وَالسُّديّ وسُفْيَان، وَعَن الْكَلْبِيّ: أَنَّهَا مَكِّيَّة إِلَّا آيَات (ويطعمون الطَّعَام على حبه) (الْإِنْسَان: ٨، ٩) إِلَى قَوْله: (قمطريرا) وَيذكر عَن الْحسن أَنَّهَا مَكِّيَّة وفيهَا آيَة مَدَنِيَّة ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا﴾ (الْإِنْسَان: ٤٢) وَقيل: مَا صَحَّ فِي ذَلِك قَول الْحسن وَلَا الْكَلْبِيّ، وَجَاءَت أَخْبَار فِيهَا أَنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ فِي شَأْن عَليّ وَفَاطِمَة وابنيهما، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَذكر ابْن النَّقِيب أَنَّهَا مَدَنِيَّة كلهَا. قَالَه الْجُمْهُور، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة الرحمان وَقبل الطَّلَاق، وَهِي ألف وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ حرفا ومائتان وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ آيَة.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر.
يُقَالُ مَعْنَاهُ أنَى عَلَى الإنْسَانِ وَهَلْ تَكُونُ جَحْدا وَتَكُونُ خَبرا وَهاذا مِنَ الخَبَرِ يَقُولُ كَانَ شَيْئا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورا وَذالِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إلَى أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ.
الْقَائِل فِيهِ بذلك الْقُرَّاء. قَوْله: (مَعْنَاهُ أَتَى على الْإِنْسَان) ، يدل على أَن لفظ هَل، صلَة وَلَكِن لم يقل أحد إِن: هَل، قد تكون صلَة. قَوْله: (وَهل تكون جحدا) ، يَعْنِي: نفيا وَتَكون خَبرا يَعْنِي إِثْبَاتًا يَعْنِي يخبر بِهِ عَن أَمر مُقَرر، وَيكون جعل حِينَئِذٍ بِمَعْنى قد للتحقيق، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَهَذَا من الْخَبَر، أَرَادَ بِهِ أَن هَل هُنَا يَعْنِي يَعْنِي: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان﴾ بِمَعْنى: قد، وَمَعْنَاهُ. قد أَتَى على الْإِنْسَان وَأُرِيد بِهِ آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة والصلام، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِن هَل أَتَى أَبَد بِمَعْنى: قد وَأَن الِاسْتِفْهَام إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَاد من همزَة مقدرَة مَعهَا، وَنَقله فِي (الْمفصل) عَن سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ: وَعند سِيبَوَيْهٍ أَن أهل بِمَعْنى قد إلَاّ أَنهم تركُوا الْألف قبلهَا لِأَنَّهَا لَا تقع إلَاّ فِي الِاسْتِفْهَام. قَوْله: (حِين من الدَّهْر) ، أَرْبَعُونَ سنة ملقًى بَين مَكَّة والطائف، قبل أَن ينْفخ فِيهِ الرّوح. قَوْله: (لم يكن شَيْئا مَذْكُورا) ، لَا يذكر وَلَا يعرف وَلَا يدْرِي مَا اسْمه، وَلَا مَا يُرَاد بِهِ، وَالْمعْنَى: أَنه كَانَ شَيْئا لكنه لم يكن مَذْكُورا يَعْنِي: انْتِفَاء هَذَا الْمَجْمُوع بِانْتِفَاء صفته لَا بِانْتِفَاء الْمَوْصُوف، وَلَا حجَّة فِيهِ للمعتزلة فِي دَعوَاهُم أَن الْمَعْدُوم شَيْء وَوَقع فِي بعض النّسخ، وَقَالَ يحيى: مَعْنَاهُ أَتَى على الْإِنْسَان إِلَى آخِره، وَيحيى هَذَا هُوَ ابْن زِيَاد بن عبد الله بن مَنْصُور الديلمي الْفراء. صَاحب كتاب مَعَاني الْقُرْآن، وَقَالَ بَعضهم هُوَ صَوَاب لِأَنَّهُ قَول وَيحيى بن زِيَاد الْفراء بِلَفْظِهِ. قلت: دَعْوَى الصَّوَاب غير صَحِيحَة لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون هَذَا قَول غَيره كَمَا هُوَ قَوْله، وَلم يطلع البُخَارِيّ على أَنه قَول الْفراء وَحده، فَلذَلِك قَالَ: يُقَال مَعْنَاهُ أَو اطلع أَيْضا على قَول غَيره مثل قَول الْفراء فَذكر بِلَفْظ يُقَال: ليشْمل كل من قَالَ بِهَذَا القَوْل، فَافْهَم.
أمْشَاجٍ: الأخْلاطُ مَاءُ المَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ الدَّمُ، والعَلَقَةُ. وَيُقَالُ: إذَا خُلِطَ مَشِيجٌ كَقَوْلِكَ لَهُ خَلِيطٌ وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج﴾ (الْإِنْسَان: ٢) وَفسّر: (الأمشاج) بقوله: (الأخلاط) والأمشاج جمع مشج بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الأمشاج جمع وَهُوَ فِي معى الْوَاحِد لِأَنَّهُ نعت للنطفة وَهَذَا كَمَا يُقَال: برمة أعشار، وثوب أَخْلَاق. قَوْله: (مَاء الْمَرْأَة وَمَاء الرجل) تَفْسِير الأخلاط يخْتَلط الماآن فِي الرَّحِم فَيكون مِنْهُمَا جَمِيعًا الْوَلَد وَمَاء الرجل أَبيض غليظ وَمَاء الْمَرْأَة أصفر رَقِيق، فَأَيّهمَا علا صَاحبه كَانَ الشّبَه لَهُ كَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَمُجاهد، وَالربيع. قَوْله: (الدَّم والعلقة) ، تَقْدِيره ثمَّ الدَّم ثمَّ الْعلقَة ثمَّ المضغة ثمَّ اللَّحْم ثمَّ الْعظم ينشئه الله تَعَالَى خلقا آخر. قَوْله: (إِذا خلط) يَعْنِي: إِذا خلط شَيْء بِشَيْء يُقَال لَهُ مشيج على وزن فعيل بِمَعْنى ممشوج أَي: مخلوط، يُقَال: مشجت هَذَا بِهَذَا أَي خلطته.
سَلاسَلاً. وَأغْلالاً
стр. 5845
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سلاسلا وإغلالاً وسعيرا﴾ عندنَا هيأنا. والسلاسل جمع سلسلة كل سلسلة سَبْعُونَ ذِرَاعا والأغلال جمع غل بِالضَّمِّ، فالسلاسل فِي أَعْنَاقهم والأغلال فِي أَيْديهم والسعير يوقدون فِيهِ لَا يطفى، وَقيل: السلَاسِل الْقُيُود، وَقَرَأَ نَافِع وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر عَن عَاصِم: سلاسلاً، بِالتَّنْوِينِ وَهِي رِوَايَة هِشَام عَن أهل الشَّام، وَقَرَأَ حَمْزَة وَخلف وَحَفْص وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو بالفتحة بِلَا تَنْوِين.
وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ
بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْجِيم وبالراء من الإجراء أَرَادَ بِهِ لم يصرف بَعضهم سلاسل، يَعْنِي: لَا يدْخلُونَ فِيهِ التَّنْوِين، وَهَذَا على الِاصْطِلَاح الْقَدِيم، يَقُولُونَ: اسْم مجْرى وَاسم غير مجْرى، يَعْنِي: اسْم مَصْرُوف وَاسم لَا ينْصَرف، وَذكر عِيَاض أَنه فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: لم يجز، بالزاي أَي بدل الرَّاء، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ إلَاّ الأجه وَلم يبين وَجه إلَاّ الأوجهية بل بالراء أوجه على مَا لَا يخفى.
مُسْتَطِيرا مِمْتَدا البَلا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا﴾ (الْإِنْسَان: ٧) وَفَسرهُ بقوله: (ممتدا الْبلَاء) وَكَذَا فسره الْفراء، وَيُقَال: ممتدا فاشيا، يُقَال: استطار الصدع فِي الزجاجة واستطال إِذا اشْتَدَّ.
والقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ يُقالُ يَوْمٌ قَمْطَرِيرُ وَيَوْمٌ قُماطِرٌ وَالعَبُوسُ وَالقَمْطَرِيرُ وَالقُماطِرُ وَالعَصِيبُ أشَدَّ مَا يَكُونُ مِنَ الأيَّامِ فِي البَلاءِ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿إِنَّا نَخَاف من رَبنَا يَوْمًا عبوسا قمطيريرا﴾ (الْإِنْسَان: ٠١) وَالْبَاقِي ظَاهر، وقماطر، بِضَم الْقَاف، وَعَن ابْن عَبَّاس: العبوس: الضّيق، والقمطرير: الطَّوِيل، وَعَن مُجَاهِد القمطرير الَّذِي يقلص الْوُجُوه ويقنص الْحَيَاة وَمَا بَين الْأَعْين من شدته. وَعَن الْكسَائي، يُقَال: أقمطر الْيَوْم وأزمهر قمطرارا وازمهرارا وَهُوَ الزَّمْهَرِير.
وَقَالَ الحَسَنُ: النَّضْرَةُ فِي الوَجْهِ وَالسُّرْورُ فِي القَلْبِ
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى وتعظم: ﴿ولقاهم نَضرة وسرورا﴾ (الْإِنْسَان: ١١) أَن النضرة فِي الْوَجْه وَالسُّرُور فِي الْقلب، وَلم يثبت هَذَا إِلَّا للنسفي والجرجاني.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الأرَائِكُ السُّرُرُ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿متكئين فِيهَا على الأرائك﴾ (الْإِنْسَان: ٣١) وفسرها بالسرر جمع سَرِير، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الأرائك السرر فِي الحجال لَا يكون أريكة إِلَّا إِذا اجْتمعَا، وَهِي لُغَة أهل الْيمن، وَقَالَ مقَاتل: الأرائك السرر فِي الحجال من الدّرّ والياقوت موضونة بقضبان الدّرّ وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وألوان الْجَوَاهِر، وَلم يثبت هَذَا أَيْضا، إِلَّا للنسفي والجرجاني.
وَقَالَ البَرَاءُ: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها يَقْطُعُونَ كَيْفَ شَاؤُوا
أَي: قَالَ الْبَراء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وذللت قطوفها تذليلاً﴾ (الْإِنْسَان: ٤١) يقطفون كَيفَ شاؤوا. قَوْله: (قطوفها) أَي: ممارها، يقطفون، أَي: يقطعون مِنْهَا قيَاما وقعودا ومضطجعين يتناولونها كَيفَ شاؤوا وعَلى أَي حَال كَانُوا وَلم يثبت هَذَا إِلَّا للنسفي وَحده.
وَقَالَ مَعْمَرٌ: أسْرَهُمْ شِدَّةُ الخَلْقِ وَكلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتبٍ أوْ غَبِيطٍ فَهُوَ مأسورٌ
أَي: قَالَ معمر بن الْمثنى أَبُو عُبَيْدَة أَو معمر بن رَاشد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنحن خلقناهم وشددنا أسرهم﴾ (الْإِنْسَان: ٨٢) الْآيَة. وَسقط هَذَا لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَفسّر الْأسر شدَّة الْخلق، وَيُقَال للْفرس: شَدِيد الْأسر، أَي: شَدِيد الْخلق. قَوْله: (أَو غبيط) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره طاء مُهْملَة وَهُوَ رَحل النِّسَاء يشد عَلَيْهِ الهودج، وَالْجمع غبط بِضَمَّتَيْنِ، وَظن بَعضهم بنه معمر بن رَاشد، وَزعم أَن عبد الرَّزَّاق أخرجه فِي تَفْسِيره عَنهُ. قلت يُرِيد بِهِ شَيْخه صَاحب التَّوْضِيح فَإِنَّهُ قَالَ بعد قَوْله. وَقَالَ معمر آلى آخِره. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة وَذكره عَن مُجَاهِد وَغَيره، وَالظَّاهِر أَنه معمر بن رشاد لِأَنَّهُ روى عَن قَتَادَة نَحوه، وَأَيْضًا فَالْبُخَارِي أخرج فِي التَّفْسِير عَن أبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وَلم يُصَرح باسمه فَمَا باله هُنَا صرح بِهِ؟ وَأَرَادَ بِهِ ابْن الْمثنى وَلَيْسَ إلَاّ معمرا بن رَاشد.
стр. 5846
٧٧ - (سُورَةُ: ﴿المُرْسِلاتِ﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة المرسلات، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: والمرسلات، بِدُونِ لفظ سُورَة وَهِي مَكِّيَّة بِغَيْر خلاف. قَالَه أَبُو الْعَبَّاس، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي ﴿وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (المرسلات: ٨٤) وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد الْهمزَة. وَقيل ق، وَهِي ثَمَانمِائَة وَسِتَّة عشر حرفا وَمِائَة وَإِحْدَى وَثَمَانُونَ كلمة وَخَمْسُونَ آيَة. والمرسلات: الرِّيَاح الشديدات الهبوب، والناشرات. الرِّيَاح اللينة قَوْله: (عرفا) نصب على الْحَال أَي: المرسلات يتبع بَعْضهَا بَعْضًا حَال كَونهَا كعرف الْفرس، وعَلى تَفْسِير المرسلات بِالْمَلَائِكَةِ يكون نصبا على التَّعْلِيل، أَي: لأجل الْعرف أَي: الْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان.
جَمَالاتٌ حِبالٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى؛ ﴿إِنَّهَا ترمى بشرر كالقصر كَأَنَّهُ جمالات صفر﴾ (المرسلات: ٢٣، ٣٣) وَفسّر الجمالات بالحبال، وَهِي الحبال الَّتِي تشد بهَا السفن، هَذَا إِذا قرىء بِضَم الْجِيم، وَأما إِذا قرىء بِالْكَسْرِ فَهُوَ، جمع جمالة، وجمالة جمل زوج النَّاقة. وَقَالَ ابْن التِّين: يَنْبَغِي أَن يقْرَأ فِي الأَصْل بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ فَسرهَا بالحبال وَقد قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ (الْأَعْرَاف: ٤) هُوَ: حَبل السَّفِينَة وَعَن ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير: جمالات صفر، هِيَ حبال السفن، يجمع بَعْضهَا إِلَى بعض حَتَّى تكون كأوساط الرِّجَال وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ مُجَاهِد: جمالات: حبال.
ارْكَعُوا صَلُّوا لَا يَرْكَعُونَ: لَا يُصَلونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (المرسلات: ٨٤) وَفسّر قَوْله: (ارْكَعُوا) بقوله: (صلوا) وَقَوله: (لَا يَرْكَعُونَ) بقوله: (لَا يصلونَ) أطلق الرُّكُوع وَأَرَادَ بِهِ الصَّلَاة، وَهُوَ من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء وَإِرَادَة الْكل وَقَوله: (لَا يَرْكَعُونَ) سقط فِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَفِي بعض النّسخ، وَقَالَ مُجَاهِد: ارْكَعُوا إِلَى آخِره.
﴿وَسُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هاذا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (المرسلات: ٨٤) وَالله رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أفْوَاهِهِمْ﴾ (ي س: ٥٦) .
فَقَالَ: إنَّهُ ذُو ألْوَانٍ مَرَّةً يَنْطِقُونَ وَمَرَّةً يَخْتَمُ عَلَيْهِمْ.
حَاصِل السُّؤَال عَن كَيْفيَّة التلفيق بَين قَوْله: (لَا ينطقون) وَقَوله: ﴿الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم﴾ بَين قَوْله: (وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين) لِأَن هَذِه الْآيَة تدل على أَنهم ينطقون. وَحَاصِل الْجَواب: أَن يَوْم الْقِيَامَة ذُو ألوان يَعْنِي: يَوْم طَوِيل ذُو مَوَاطِن مُخْتَلفَة فَيَنْطَلِقُونَ فِي وَقت وَمَكَان لَا ينطقون فِي آخر، وَقَوله: لَا يَرْكَعُونَ لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر.
٠٣٩٤ - حدَّثني مَحْمُودٌ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَالمُرْسِلاتِ وَإنَّا لَنَتَلَقَّاها مِنْ فِيهِ فَخَرَجَتْ حَيةٌ فَابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا فَدَخَلَتْ جُحْرَها فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّها..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿وأنزلت عَلَيْهِ والمرسلات﴾ ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، وَعبيد الله بن مُوسَى شيخ البُخَارِيّ وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس، وَقد تكَرر ذكره عَن قريب، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى فِي بَدْء الْخلق.
قَوْله: (كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ وَوَقع فِي رِوَايَة جرير، فِي غَار وَوَقع فِي رِوَايَة حَفْص بن غياث بمنى، وَوَقع فِي رِوَايَة للطبراني فِي الْأَوْسَط على حراء قَوْله: (من فِيهِ) أَي من فَمه، قَوْله: (فابتدرناها) أَي: فسبقناها. وَقَالَ أَيْضا: فسبقتنا فيكونون سابقين ومسبوقين. وَالْجَوَاب: إِنَّهُم كَانُوا السَّابِقين أَولا فصاروا مسبوقين آخرا. قَوْله: (شركم) ، مَنْصُوب بِأَنَّهُ مفعول ثَان.
١٣٩٤ - حدَّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله أخْبَرَنَا يَحْيَى بنُ آدَمَ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُور
стр. 5847
ٍ بِهاذا.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أخرجه عَن عَبدة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله الصفار الْخُزَاعِيّ عَن يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان الْكُوفِي صَاحب الثَّوْريّ.
قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَكَذَا سَاقه فِي بَدْء الْخلق فِي بَاب خمس من الفواسق.
وَعَنْ إسْرَائِيلَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله مِثْلَهُ.
هَذَا مُتَّصِل بِمَا قبله أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن إِسْرَائِيل رَوَاهُ فِي الطَّرِيق الأول عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، وَفِي هَذَا عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله مثله. أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور.
وَتابَعَهُ أسْوَدُ بنُ عَامِرٍ عَنْ إسْرَائِيلَ
أَي: تَابع يحيى بن آدم فِي رِوَايَته عَن إِسْرَائِيل أسود بن عَامر الملقب بشاذان الشَّامي، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة أَحْمد عَنهُ بِهِ.
وَقَالَ حَفْصٌ وَأبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بنُ قَرْمٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ.
أَرَادَ بِهَذَا أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة خالفوا رِوَايَة إِسْرَائِيل عَن الْأَعْمَش فِي شيخ إِبْرَاهِيم، فإسرائيل يَقُول: عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة يَقُولُونَ: عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود، هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ عَن عبد الله.
أما رِوَايَة حَفْص هُوَ ابْن غياث فوصلها البُخَارِيّ وَسَيَأْتِي بعد بَاب، وَأما رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرْب فأخرجها مُسلم عَن يحيى ابْن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أربعتهم عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَأما رِوَايَة سُلَيْمَان بن قرم، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: الضَّبِّيّ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة، الْبَصْرِيّ فقد تقدّمت فِي بَدْء الْخلق، وَسليمَان هَذَا ضَعِيف الْحِفْظ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع الْمُعَلق.
وَقَالَ يَحْيَى بنُ حَمَّادٍ أخْبَرَنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله.
أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق عَن يحيى بن حَمَّاد الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ شيخ البُخَارِيّ عَن أبي عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح الْيَشْكُرِي عَن مُغيرَة بن مقسم بِكَسْر الْمِيم الْكُوفِي عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود إِلَى أَن مُغيرَة وَافق إِسْرَائِيل فِي شيخ إِبْرَاهِيم وَأَنه عَلْقَمَة بن قيس، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرَانِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ حَدثنَا الْفضل بن سهل حَدثنَا يحيى بن حَمَّاد بِهِ، وَلَفظه: كُنَّا مَعَ النَّبِي ت بحراء الحَدِيث، وَقَالَ عِيَاض: إِنَّه وَقع فِي بعض النّسخ، وَقَالَ حَمَّاد أخبرنَا أَبُو عوَانَة، وَهُوَ غلط.
وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ عَنْ عَبحده الرَّحْمانِ بنِ الأسُوَدِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله.
أَشَارَ بِهَذَا الْمُعَلق إِلَى أَن للْحَدِيث أصلا عَن الْأسود بن يزِيد من غير طَرِيق الْأَعْمَش وَمَنْصُور وَوصل هَذَا التَّعْلِيق أَحْمد عَن يَعْقُوب بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن ابْن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه عَن عبد الله بن مَسْعُود وَابْن إِسْحَاق هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) وَوَقع فِي بعض النّسخ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق، وَهُوَ تَصْحِيف.
حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَارٍ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَالمُرْسِلاتِ فَتَلقَّيْناها مِنْ فِيهِ وَإنَّ فَاهُ لَرَطُب بِهِا إذْ خَرَجَتْ حَيَةٌ فَقَالَ رَسولُ الله ﷺ عَلَيْكُمْ اقْتُلُوها قَالَ فَابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا قَالَ فَقَالَ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّها.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود، ﵁، أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير بن عبد الحميد عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ الْكُوفِي عَن عبد الله بن مَسْعُود.
قَوْله: (بَينا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَنه ظرف
стр. 5848
يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب. قَوْله: (إِذْ نزلت) ، جَوَابه. قَوْله: (لرطب بهَا) ، أَي: لم يجِف ريق رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ أول زمَان نُزُوله. قَوْله: (إِذا خرجت) ، كلمة إِذْ للمفاجأة، وَبَاقِي الْكَلَام مر.
٢ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهَا تَرْمِي بَشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (المرسلات: ٢٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِنَّهَا﴾ أَي: جَهَنَّم (ترمى بشرر) وَهِي مَا يتطاير من النَّار إِذا التهبت، وَاحِدهَا شررة. قَوْله: (كالقصر) ، عَن ابْن مَسْعُود، كالحصون والمدائن، وَهُوَ وَاحِد الْقُصُور، وَعَن مُجَاهِد هِيَ حزم الشّجر، وَعَن سعيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك: هِيَ أصُول النّخل وَالشَّجر الْعِظَام وَاحِدهَا قصرة مثل ثَمَرَة وثمر وَحُمرَة، وحمر، وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِإِسْكَان الصَّاد، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو رزين وَأَبُو الجوزاء وَمُجاهد بِفَتْح الْقَاف وَالصَّاد، وَقَرَأَ سعد بن أبي وَقاص وَعَائِشَة وَعِكْرِمَة بِفَتْح الْقَاف وَكسر الصَّاد، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة وَإِبْرَاهِيم بِضَم الْقَاف وَالصَّاد، وَقَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاء بِكَسْر الْقَاف وَفتح الصَّاد، وَقَالَ ابْن مقسم: وَكلهَا لُغَات بِمَعْنى وَاحِد.
٢٣٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرنا سُفْيَانُ حدَّثنا عَبْذُ الرَّحْمانِ بنُ عَابِسٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ قَالَ كنَّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقِصَرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصَرَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعبد الرَّحْمَن بن عَابس، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة: النَّخعِيّ الْكُوفِي والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (بقصر) ، بِالْبَاء الَّتِي هِيَ من حُرُوف الْجَرّ وبكسر الْقَاف وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وبالإضافة إِلَى ثَلَاثَة أَذْرع أَي بِقدر ثَلَاثَة أَذْرع. قَوْله: (أَو أقل) ، أَي: أَو أقل من ثَلَاثَة أَذْرع، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بعْدهَا أَو فَوق ذَلِك، وَهِي فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده. قَوْله: (للشتاء) ، أَي: لأجل الشتَاء والاستسحان بِهِ، وَقَالَ ابْن التِّين وَرُوِيَ بِسُكُون الصَّاد وَبِفَتْحِهَا وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ الْقصر من قُصُور جُفَاة الْأَعْرَاب. قَوْله: (فنسميه الْقصر) ، بِفتْحَتَيْنِ.
٣ - (بَابٌ قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ﴾ (المرسلات: ٣٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿كَأَنَّهُ جمالات صفر﴾ أَي: كَانَ الشرر، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: رد الْكتاب إِلَى اللَّفْظ وَمر الْكَلَام فِي الجمالات عَن قريب.
٣٣٩٤ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا يَحْيَى أخْبرنا سُفْيَانُ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَابِسٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ ترْمى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ قَالَ كُنَّا نَعْمِدُ إلَى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ أوْ فَوْقَ ذالِكَ فَتَرْفَعَهُ لِلشِّتَاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصَرَ كَأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ حِبال السُّفْنِ تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأوْسَاطِ الرِّجَالِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَدِيث أَنَّهَا وصف للقصر، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. قَوْله: (أَو فَوق ذَلِك) من زِيَادَة الْمُسْتَمْلِي.
٤ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿هاذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (المرسلات: ٥٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون﴾ أَي: فِي بعض مَوَاقِف الْقِيَامَة وَفِي بَعْضهَا يختصمون، وَفِي بَعْضهَا: يخْتم على أَفْوَاههم وَلَا يَتَكَلَّمُونَ.
٤٣٩٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غَياثٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثني إبْرَاهِيمُ عنِ ﷺ َ -
стр. 5849
(الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي غَارٍ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَالمُلاْسِلاتِ فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وَإنِّي لأتَلَقَّاها مِنْ فِيهِ وَإنَّ فَاهُ فَرَطْبٌ بِها إذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النبيُّ ﷺ اقْتُلُوها فَابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ فَقَالَ النبيُّ ﷺ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّها.
قَالَ عُمَرُ حَفِظْتُهُ مِنْ أبِي فِي غَارٍ بِمَنًى.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي الْحَيَّة الْمَذْكُورَة. أخرجه عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد إِلَى آخِره.
قَوْله: (إِذْ وَثَبت) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وثب، بالتذكير وَكَذَا قَالَ: اقْتُلُوهُ. قَوْله: (قَالَ عمر) ، هُوَ ابْن حَفْص شيخ البُخَارِيّ.
٨٧ - (سُورَةُ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (النبأ: ١)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿عَم يتساءلون﴾ وَتسَمى أَيْضا سُورَة النبأ وَهِي: مَكِّيَّة، وَهِي: سَبْعمِائة وَسَبْعُونَ حرفا وَمِائَة وَثَلَاث وَسَبْعُونَ كلمة وَأَرْبَعُونَ آيَة. قَوْله: (عَم) أَصله: عَمَّا حذفت الْألف للتَّخْفِيف وَبِه قَرَأَ الْجُمْهُور وَعَن ابْن كثير رِوَايَة بِالْهَاءِ وَهِي هَاء السكت. قَوْله: (يتساءلون) أَي: عَن أَي شَيْء يتساءل هَؤُلَاءِ الْمُشْركُونَ؟ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَرْجُونَ حِسابا لَا يَخَافُونَهُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا لَا يرجون حسابا﴾ (النبأ: ٧٢) وَفَسرهُ بقوله: (لَا يخافونه) وَرَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ وَلَفظه: لَا يبالون فيصدقون بِالْبَعْثِ والرجاء يسْتَعْمل فِي الأمل وَالْخَوْف وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ مُجَاهِد.
صَوَابا حَقّا فِي الدُّنْيَا وَعَمِلَ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابا﴾ (النبأ: ٨٣) وَفَسرهُ بقوله: (حَقًا فِي الدُّنْيَا وَعمل بِهِ) وَقَالَ أَبُو صَالح: قَالَ صَوَابا. قَالَ: لَا إلاه إِلَّا لله فِي الدُّنْيَا.
لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابا (النبأ: ٧٣) لَا يُكَلِّمُونَهُ إلَاّ أنْ يَأْذَنَ لَهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الرحمان لَا يملكُونَ مِنْهُ خطابا﴾ وَالضَّمِير فِي: لَا يملكُونَ، لأهل السَّمَوَات وَالْأَرْض أَي: لَيْسَ فِي أَيْديهم مِمَّا يُخَاطب بِهِ الله، وَقيل: لَا يملكُونَ أَن يخاطبوه بِشَيْء من نقص الْعَذَاب أَو زِيَادَة فِي الثَّوَاب إلَاّ أَن يَأْذَن لَهُم فِي ذَلِك وَيَأْذَن لَهُم فِيهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ثَجاجا مُنْصَبّا
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا﴾ (النبأ: ٤١) وَفسّر ثجاجا. بقوله: (منصبا) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده.
ألْفافا مُلْتَفَّةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (وجنات ألفافا) (النبأ: ٦١) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: ألفافا متلفا بعضه بِبَعْض، وَاحِدهَا ألف، فِي قَول نجاة الْبَصْرَة وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ آخَرُونَ، وَاحِدهَا لفيف، وَقيل: هُوَ جمع الْجمع، وَيُقَال: جنَّة لفاء وَنبت لف وجنان لف بِضَم اللَّام. ثمَّ يجمع اللف على الفاف، وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهَاجا مُضِيئا
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا سِرَاجًا وهاجا﴾ (النبأ: ٣١) وَفَسرهُ بقوله: (مضيئا) وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ غَيْرُهُ غَساقا غَسَقَتْ عَيْنُهُ وَيَنْسقُ الْجُرحُ يَسِيلُ كأنَّ الغَساقِ وَالغَسِيقَ وَاحِدٌ أَي قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: (ر يذيقون فِيهَا بردا وَلَا شرابًا إِلَّا حميماً وغساقا (النبأ: ٤٢، ٥٢) هَذَا لم يثبت إلَاّ لأبي ذَر، وَوَقع عِنْد النَّسَفِيّ والجرجاني، وَقَالَ معمر فَذكره، وَمعمر هُوَ أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (غسقت عينه ويغسق الْجرْح يسيل) أَشَارَ بِهِ إِلَى
стр. 5850
أَن معنى غساقا سيالاً من الدَّم وَنَحْوه لِأَنَّهُ من غسقت عينه أَي: سَالَتْ، ويغسق الْجرْح أَي: يسيل، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الغساق الزَّمْهَرِير وَقيل: صديد أهل النَّار، وَقيل: دموعهم، وَعَن شهر بن حَوْشَب، الغساق وادٍ فِي النَّار فِيهِ ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثُونَ شعبًا فِي كل شعب ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا فِي كل بَيت أَربع زَوَايَا فِي كل زَاوِيَة شُجَاع كأعظم مَا خلق الله تَعَالَى من الْخلق فِي رَأس كل شُجَاع من السم قلَّة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغساق البادر المنتن يُخَفف ويشدد. قَرَأَ أَبُو عَمْرو: إلَاّ جَمِيعًا وغساقا. بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْكسَائي بِالتَّشْدِيدِ.
عَطَاءً حِسابا جَزَاءً كَافِيا أعْطَانِي مَا أحْسَبَنِي أيْ: كَفَانِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ (النبأ: ٦٣) وَفَسرهُ بقوله: (جَزَاء كَافِيا) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ، عَطاء حسابا كثيرا كَافِيا وافيا. قَوْله: (أَعْطَانِي مَا أحسبني) أَي: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن لفظ الْحساب يَأْتِي بِمَعْنى الْكِفَايَة، يُقَال: أَعْطَانِي فلَان مَا أحسبني، أَي: مَا كفاني، وَيُقَال: أحسبت فلَانا أَي: أَعْطيته مَا يَكْفِيهِ حَتَّى قَالَ: حسبي.
١ - (بَابٌ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْوَاجا﴾ (النبأ: ٨١) زُمَرا)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ وَفسّر الأفواج بقوله: (زمرا) .
٥٣٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخْبرَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنِ أبِي صَالح عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ قَالَ أرْبَعُونَ يَوْما قَالَ أرْبَعُونَ شَهْرا قَالَ أبَيْتُ قَالَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أبَيْتُ قَالَ ثُمَّ يُنْزِلُ الله مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ لَيْسَ مِنَ الإنْسَانِ شَيْءٌ إلَاّ يَبْلَى إلَاّ عَظْما وَاحِدا وَهُوَ عَجْبُ الذنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام البيكندي، وَأَبُو مُعَاوِيَة محمدبن خازم الضَّرِير، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الزمر وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أَبيت) ، أَي: امْتنعت عَن الْإِخْبَار بِمَا لَا أعلم قَوْله: (أَلا يبْلى) أَي: يخلق قَوْله: (عجب الذَّنب) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم الأَصْل فَهُوَ آخر مَا يخلق وَأول مَا يخلق.
٩٧ - (سُورَةُ ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة والنازعات وَتسَمى: سُورَة الساهرة، وَهِي مَكِّيَّة لَا اخْتِلَاف فِيهَا وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة النبأ وَقبل سُورَة ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ (الانفطار: ١) وَهِي سَبْعمِائة وَثَلَاثَة وَخَمْسُونَ حرفا وَمِائَة وتسع وَسَبْعُونَ كلمة وست وَأَرْبَعُونَ آيَة فِي النازعات أَقْوَال الْمَلَائِكَة تنْزع نفوس بني آدم رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: وَالْمَوْت ينْزع النُّفُوس قَالَه سعيد بن جُبَير، والنجوم تنْزع من أفق إِلَى أفق تطلع ثمَّ تغيب والغزاة الرُّمَاة. قَالَه عَطاء وَعِكْرِمَة.
زَجْرَةٌ: صَيْحَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة﴾ (النازعات: ٣١) وفسرها بقوله: (صَيْحَة) وَثَبت هَذَا للنسفي وَحده.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ هِيَ الزَلْزَلَةُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ترجف الراجفة﴾ (النازعات: ٦) الراجفة الزلزلة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: يَعْنِي النفخة الأولى الَّتِي يتزلزل ويتحرك لَهَا كل شَيْء، وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الآيَةَ الكُبْرَى عَصَاهُ وَيَدُهُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأرَاهُ الْآيَة الْكُبْرَى﴾ (النازعات: ٠٢) أَي: فَأرى مُوسَى، ﵊، فِرْعَوْن الْآيَة الْكُبْرَى، وفسرها مُجَاهِد بعصاه وَيَده حِين خرجت بَيْضَاء وَكَذَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة مثله.
سَمكَها: بَنَاها بِغَيْرِ عَمَدٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رفع سمكها فسواها﴾ (النازعات: ٨٢) وَفَسرهُ بقوله: (بناها) بِغَيْر عمد وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: سمكها سقفها وَقَالَ الْفراء كل شَيْء
следующие страницы →