Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
الضجر قلق من غم وضيق نفس مَعَ الْكَلَام. قَالَ الْجَوْهَرِي: ضرَّة الْمَرْأَة امْرَأَة زَوجهَا. وَقَالَ صَاحب (الْمُحكم) : الضرتان امرأتا الرجل كل وَاحِدَة مِنْهُمَا ضرَّة لصاحبتها وَهن الضرائر.
٩١٢٥ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب حَدثنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ عَن هشامٍ عنْ فاطِمَةَ عنْ أسْماءَ عنِ النبيِّ ﷺ .
وحَدثني مُحَمَّد بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَحْياى عَن هِشامٍ حدَّثَتْنِي فاطِمَةُ عنْ أسْماءَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿إنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَليَّ جُناحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجي غَيْرَ الّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبِيْ زْورٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقَوله: (المتشبع) يَشْمَل شطري التَّرْجَمَة.
وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَفَاطِمَة هِيَ بنت الْمُنْذر بن الزبير، وَأَسْمَاء هِيَ بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير حَدثنَا وَكِيع وَعَبدَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن امْرَأَة قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أَقُول: إِن زَوجي أَعْطَانِي مَا لم يُعْط. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : المتشبع بِمَا لم يُعْط كلابس ثوبي زور، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) : عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: إِنَّمَا يرويهِ هَكَذَا معمر وَالْمبَارك بن فضَالة، وَالصَّحِيح: عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء. وَإِخْرَاج مُسلم حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة لَا يَصح، وَالصَّوَاب حَدِيث عَبدة ووكيع وَغَيرهمَا عَن هِشَام عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء. وَلما رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث معمر عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَ: هَذَا خطأ وَالصَّوَاب حَدِيث أَسمَاء. قلت: وَمُسلم أخرجه أَيْضا من حَدِيث هِشَام عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء، فَيحْتَمل أَن يكون كِلَاهُمَا صَحِيحَيْنِ عِنْده. ثمَّ إِن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن هِشَام عَن حَمَّاد بن زيد عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء عَن النَّبِي ﷺ ، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن هِشَام بن عُرْوَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (إِن لي ضرَّة) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن لي جَارة، وَهِي الضرة أَيْضا. قَوْله: (جنَاح) أَي: إِثْم. قَوْله: (إِن تشبعت من زَوجي) أَي: قَالَت أَسمَاء الراوية: إِن تشبعت من زَوجي الزبير بن الْعَوام؟ كَذَا سميت الْمَرْأَة وضرتها وَبَعْضهمْ قَالَ: لم أَقف على تعْيين هَذِه الْمَرْأَة وَزوجهَا. قَوْله: (المتشبع) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المتشبع المتزين بِأَكْثَرَ مِمَّا عِنْده يتكثر بذلك ويتزين بِالْبَاطِلِ، كَالْمَرْأَةِ تكون لَهَا ضرَّة فتشبع عِنْدهَا بِمَا تدعيه من الحظوة عِنْد زَوجهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا عِنْده لَهَا تُرِيدُ بذلك غيظ صَاحبهَا وَإِدْخَال الْأَذَى عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الرجل، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المتكثر بِمَا لَيْسَ عِنْده مَذْمُوم مثل من لبس ثوبي زور، وَقيل: هُوَ من يلبس قَمِيصًا وَاحِدًا ويصل بكميه كمين آخَرين فَيظْهر أَن عَلَيْهِ قميصين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : المتشبه بالشبعان وَلَيْسَ بِهِ، واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها وَشبه بلابس ثوبي زور، أَي: ذِي زور، وَهُوَ الَّذِي يزوِّر على النَّاس بأنت يتزيا بزِي أهل الصّلاح رِيَاء، وأضاف الثَّوْبَيْنِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمَا كَانَا ملبوسين لأَجله وَهُوَ المسوغ للإضافة، وَأَرَادَ أَن المتجلي كمن لبس ثَوْبَيْنِ من الزُّور، وَقد ارتدى بِأَحَدِهِمَا واتزر بِالْآخرِ. كَقَوْلِه:
(إِذا هُوَ بالمجد ارتدى وتأزّرا)
وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَعْنَاهُ الْمظهر للشبع وَهُوَ جَائِع كالمزور الْكَاذِب الملتبس بِالْبَاطِلِ، وَشبه الشِّبَع بِلبْس الثَّوْب بِجَامِع أَنَّهُمَا يغشيان الشَّخْص تَشْبِيها تَحْقِيقا أَو تخييليا، كَمَا قرر السكاكي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف﴾ (النَّحْل: ٢١١) قَالَ: وَفَائِدَة التَّشْبِيه الْمُبَالغَة إشعارا بِأَن الْإِزَار والرداء زور من رَأسه إِلَى قدمه أَو الْإِعْلَام بِأَن فِي التشبع حالتين مكروهتين: فقدان مَا تشبع بِهِ، وَإِظْهَار الْبَاطِل. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا متأول على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الثَّوْب مثل، وَمَعْنَاهُ: المتشبع بِمَا لم يُعْط صَاحب زور وَكذب، كَمَا يُقَال للرجل إِذا وصف بِالْبَرَاءَةِ من الْعُيُوب إِنَّه طَاهِر الثَّوْب نقي الجيب، وَنَحْوه من الْكَلَام، فالثوب فِي ذَلِك مثل، وَالْمرَاد بِهِ نَفسه وطهارتها. وَالثَّانِي: أَن يُرَاد بِهِ نفس الثَّوْب، قَالُوا: كَانَ فِي الْحَيّ رجل لَهُ حَبَّة حَسَنَة، فَإِذا احتاجوا إِلَى شَهَادَة الزُّور فَيشْهد لَهُم، فيُقبل لنبله وَحسن ثَوْبه، وَقَالَ ابْن التِّين: مَعْنَاهُ أَن الْمَرْأَة تلبس ثوب وَدِيعَة أَو عَارِية ليظن النَّاس أَنَّهُمَا لَهَا، فلباسها لَا يَدُوم وتفتضح بكذبها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا كره ذَلِك لِأَنَّهَا تدخل
стр. 6092
بَين الْمَرْأَة الْأُخْرَى وَزوجهَا الْبغضَاء فَيصير كالسحر الَّذِي يفرق بَين الْمَرْء وزوجه. قَوْله: (بِمَا لم يُعْط) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة معمر: بِمَا لم يُعْطه، وَفِي التَّرْجَمَة: بِمَا لم ينل، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المتشبع بِمَا لَا يملك، وَالْكل مُتَقَارب فِي الْمَعْنى.
٧٠١ - (بابُ الغَيْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْغيرَة، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء. قَالَ صَاحب (الْمُحكم) : من غَار الرجل على امْرَأَته وَالْمَرْأَة على بَعْلهَا يغار غيرَة وغيرا وغارا وغيارا وَرجل غيران، وَالْجمع: غيارى وغيارى وَرجل غيور وَالْجمع غير بِضَم الْيَاء، وَمن قَرَأَ رسل قَالَ: غير، وَيُقَال: امْرَأَة غيرى وغيور وَالْجمع كالجمع، والمغيار شَدِيد الْغيرَة، وَفُلَان لَا يتَغَيَّر على أَهله أَي لَا يغار. وَقَالَ الْجَوْهَرِي نَحوه إلَاّ أَنه لم يقل فِي المصادر غيارا وَزَاد بعد قَوْله: وَرجل مغيار وَقوم مغايير، وَزَاد صَاحب (الْمَشَارِق) فِي اسْم الْفَاعِل مِنْهُ رجل غائر، وَقَالَ: معنى الْغيرَة تغير الْقلب وهيجان الْغَضَب بِسَبَب الْمُشَاركَة فِي الِاخْتِصَاص من أحد الزَّوْجَيْنِ بِالْآخرِ وتحريمه وذبه عَنهُ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) الْغيرَة هِيَ الحمية والأنفة. وَقَالَ عِيَاض: الْغيرَة مُشْتَقَّة من تغير الْقلب وهيجان الْغَضَب بِسَبَب الْمُشَاركَة فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاص، وَأَشد مَا يكون ذَلِك بَين الزَّوْجَيْنِ، هَذَا مَحَله فِي حق الْآدَمِيّ، وَأما فِي حق الله تَعَالَى فَيَأْتِي عَن قريب فِي حَدِيث الْبَاب.
وَقَالَ ورَّادٌ عنِ المُغَيرَةِ: قَالَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ: لوْ رأيْتُ رجُلاً مَعَ امْرَأتِي لَضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأَنا أغْيَرُ مِنْهُ! وَالله أغْيَرُ مِنِّي.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ووراد، بِفَتْح الْوَاو وَالرَّاء الْمُشَدّدَة وبالدال الْمُهْملَة: اسْم لمولى الْمُغيرَة بن شُعْبَة وكاتبه، وَسعد بن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاب الْمُوَحدَة: ابْن دليم الخزرجي السَّاعِدِيّ نقيب بني سَاعِدَة قيل: شهد بَدْرًا وَنزل الشَّام فَأَقَامَ بحوران إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَقيل: قَبره بالمنيحة، فِرْيَة من قرى غوطة دمشق.
وَوصل البُخَارِيّ هَذَا الْمُعَلق الَّذِي ذكره هُنَا مُخْتَصرا فِي كتاب الْحُدُود: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن دَاوُد. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (غير مصفح) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَكسرهَا أَي: غير ضَارب بعرضه بل بحده، تَأْكِيدًا لبَيَان ضربه بِهِ لقَتله. قَالَ عِيَاض: فَمن فَتحه جعله وَصفا للسيف وَحَالا مِنْهُ، وَمن كَسره جعله وَصفا للضارب وَحَالا مِنْهُ. يُقَال: أصفحت بِالسَّيْفِ فَأَنا مصفح وَالسيف مصفح بِهِ إِذا ضربت بعرضه، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: أصفحت بِالسَّيْفِ إِذا ضربت بعرضه، وَقَالَ ابْن التِّين: مصفح، بتَشْديد الْفَاء فِي سَائِر الْأُمَّهَات، وللسيف صفحتان وهما وجهاه العريضان، وَله حدان، فَالَّذِي يضْرب بِالْحَدِّ يقْصد الْقَتْل، وَالَّذِي يضرف بالصفح يقْصد التَّأْدِيب. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: غير مصفح عَنهُ، قَالَ بَعضهم: هَذِه يتَرَجَّح فِيهَا كسر الْفَاء وَيجوز الْفَتْح أَيْضا على الْبناء للْمَجْهُول. قلت: قَوْله: على الْبناء للْمَجْهُول غلط فَاحش، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: على الْبناء للْمَفْعُول، وَقد يفرق بَينهمَا من لَهُ أدنى مسكة من علم التصريف. قَوْله: (أتعجبون) ؟ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام يجوز أَن يكون على سَبِيل الاستخبار، وَيجوز أَن يكون على سَبِيل الانكار، يَعْنِي: لَا تعجبوا من غيرَة سعد وَأَنا أغير مِنْهُ، أَي من سعد، وَاللَّام فِي قَوْله: (لأَنا) للتَّأْكِيد، وأكده بِاللَّامِ وَبِالْجُمْلَةِ الإسمية. قَوْله: (وَالله أغير مني) قد ذكرنَا الْآن معنى غيرَة العَبْد، وَأما معنى غيرَة الله تَعَالَى فالزجر عَن الْفَوَاحِش وَالتَّحْرِيم لَهَا وَالْمَنْع مِنْهَا، لِأَن الغيور هُوَ الَّذِي يزْجر عَمَّا يغار عَلَيْهِ، وَقد بَين ذَلِك بقوله ﷺ : وَمن غيرته حرم الْفَوَاحِش، أَي: زجر عَنْهَا وَمنع مِنْهَا. وَقَالَ ﷺ : غيرَة الله أَن لَا يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم الله عَلَيْهِ.
وَمعنى الحَدِيث سعد: أَنا أزْجر عَن الْمَحَارِم مِنْهُ، وَالله أزْجر مني وَاسْتدلَّ ابْن الْمَوَّاز من الْمَالِكِيَّة بِحَدِيث سعد هَذَا أَنه إِن وَقع ذَلِك ذهب دم الْمَقْتُول هدرا، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الْحُدُود. وَقيل: الْغيرَة محمودة ومذمومة، وَقد جَاءَت التَّفْرِقَة بَينهمَا فِي حَدِيث جَابر بن عتِيك وَعقبَة بن عَامر، فَحَدِيث جَابر بن عتبيك رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جَابر بن عتِيك الْأنْصَارِيّ عَن جَابر بن عتِيك: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن من الْغيرَة مَا يُحِبهُ الله، وَمِنْهَا مَا يبغضه
стр. 6093
الله، وَإِن من الْخُيَلَاء مَا يُحِبهُ الله وَمِنْهَا مَا ببغض الله، فَأَما الْغيرَة الَّتِي يُحِبهَا الله فالغيرة فِي الرِّيبَة، وَأما الْغيرَة الَّتِي يبغضها الله فالغيرة فِي غير الرِّيبَة. وَابْن جَابر بن عتِيك هَذَا قَالَ الْمزي فِي (التَّهْذِيب) لَعَلَّه عبد الرَّحْمَن؟ قَالَ شَيخنَا: لَيْسَ هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سُفْيَان بن جَابر بن عتِيك لم يسم، وَقد بَين ذَلِك ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَذكره فِي الثِّقَات، وَحَدِيث عقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق حَدثنَا معمر عَن يحيى بن أبي كثير عَن زيد بن سَلام عَن عبد الله بن زيد الْأَزْرَق عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (غيرتان إِحْدَاهمَا يُحِبهَا الله وَالْأُخْرَى يبغضها الله : الْغيرَة فِي الرِّيبَة يُحِبهَا، والغيرة فِي غَيرهَا يبغضها الله ... .) الحَدِيث. وَقَالَ شَيخنَا: لَكِن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص، فَرب رجل شَدِيد التخيل فيظن مَا لَيْسَ بريبة رِيبَة، وَرب رجل متساهل فِي ذَلِك فَيحمل الرِّيبَة على محمل يحسن بِهِ ظَنّه.
٠٢٢٥ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ شقِيقٍ عنْ عبْدِ الله بن مَسْعُودٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ أحَدٍ أغْيَرَ مِنَ الله مِنْ أجْلِ ذالِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَمَا أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ الله.
)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَحَفْص هُوَ ابْن غياث وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد بِهَذَا السَّنَد. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عُثْمَان ب أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أبي كريب وَغَيره.
قَوْله: (مَا من أحد) كلمة: من زَائِدَة وزيادتها فِي النَّفْي لَا خلاف فِيهِ، وَالْخلاف فِي زيادتها فِي الْإِثْبَات. قَوْله: (أغير) أفعل التَّفْضِيل، وَقد مر معنى الْغيرَة فِي حق الله وَيجوز فِي أغير الرّفْع وَالنّصب بتاء على اللغتين الحجازية والتميمة فِي كلمة مَا قَوْله: (من أجل ذَلِك) أَي: من أجل أَن الله أغير من كل أحد (حرم الْفَوَاحِش) وَهُوَ جمع فَاحِشَة وَهِي كل خصْلَة قبيحة من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْفُحْش والفاحشة وَالْفَوَاحِش فِي الحَدِيث كل مَا يشْتَد قبحه من الذُّنُوب والمعاصي، وَكَثِيرًا مَا ترد الْفَاحِشَة بِمَعْنى الزِّنَا. قَوْله: (مَا أحد) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ اسْم: مَا وَقَوله: (أحب) بِالنّصب خَبَرهَا إِن جَعلتهَا حجازية، وترفعه على أَنه خبر لأحد إِن كَانَت تميمية. وَقَوله: (الْمَدْح) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل أحب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ مثل مَسْأَلَة الْكحل، ويروى بِالرَّفْع على إِلْغَاء عمل: مَا قيل: وَلَا يجوز أَن يرفع أحب على أَنه خبر للمدح أَو مُبْتَدأ والمدح خَبره، لِأَنَّك تكون حيئنذ تفرق بَين الصِّلَة والموصول بالْخبر لِأَن من الله، صلَة أحب، وَتَمَامه: فَلَا تفرق بَين تَمام الْمُبْتَدَأ وصلته بالْخبر الَّذِي هُوَ الْمَدْح وَحَقِيقَة قَول رَسُول الله ﷺ : وَمَا أحد أحب إِلَيْهِ الْمَدْح من الله، إِنَّه مصلحَة للعباد لأَنهم يثنون عَلَيْهِ فيثيبهم فينتفعون، وَالله سُبْحَانَهُ غَنِي عَن الْعَالمين لَا يَنْفَعهُ مدحهم وَلَا يضرّهُ تَركهم ذَلِك.
وَفِيه: تَنْبِيه على فضل الثَّنَاء عَلَيْهِ وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وَسَائِر الْأَذْكَار.
١٢٢٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة عنْ مالِكٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂، أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّد ﴿مَا أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ الله أنْ يَرَى عبْدَهُ أوْ أمَّتَهُ تَزْنِي، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ﴾ لوْ تَعْلَمونَ مَا أعْلَمْ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَذَا حَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث الْكُسُوف.
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي النعوت عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة.
قَوْله: (أَو أمته تَزني) ، هَكَذَا وَقع فِي صَلَاة الْكُسُوف فِي: بَاب الصَّدَقَة فِي الْكُسُوف: (يَا أمة مُحَمَّد! وَالله مَا من أحد أغير من الله أَن يَزْنِي عَبده أَو تَزني أمته) قَالَ بَعضهم: الَّذِي يظْهر أَنه من سبق الْقَلَم هُنَا، أَو لَعَلَّ لَفظه تَزني سَقَطت هُنَا غَلطا من الأَصْل فأخرها النَّاسِخ عَن محلهَا. قلت: لَا يحْتَاج هُنَا إِلَى نِسْبَة هَذَا إِلَى الْغَلَط وَتصرف الناسح بِغَيْر وَجه فَإِن قَوْله: (تَزني) يجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، فالتذكير بِالنّظرِ إِلَى أَنه خبر عَن العَبْد فِي الأَصْل، والتأنيث بِالنّظرِ إِلَى أَنه خبر عَن الْأمة. قَوْله: (مَا أعلم) أَي: من شُؤْم الزِّنَا ووخامة عاقبته، أَو مَا أعلم من أَحْوَال الْآخِرَة وأهوالها.
стр. 6094
٢٢٢٥ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا هَمَّامٌ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَةَ أنَّ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عنُ أُمَّةِ أسْماءَ أنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: لَا شَيْءَ أغْيَرُ مِنَ الله؛ وعنْ يَحْيَى أنَّ أَبَا سلَمَةَ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الْبَصْرِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَسْمَاء هِيَ بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي قَالَ: حَدثنَا بشر بن الْمفضل عَن همام عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا شَيْء أغير من الله) قَوْله: (وَعَن يحيى) هُوَ مَعْطُوف على السَّنَد الَّذِي قبله تَقْدِيره: حَدثنَا مُوسَى عَن همام عَن يحيى أَن أَبَا سَلمَة حَدثهُ، وَأَن أَبَا هُرَيْرَة حَدثهُ أَنه سمع النَّبِي ﷺ وَلم يسْبق هُنَا الْمَتْن. وَأخرجه مُسلم: حَدثنَا عمر والناقد عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عَلَيْهِ عَن حجاج بن أبي عُثْمَان، قَالَ: قَالَ يحيى: وحَدثني أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن الله يغار وَإِن الْمُؤمن يغار، وغيرة الله أَن يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم الله عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا شَيْء أغير من الله) يقْرَأ بِرَفْع الرَّاء ونصبها، فَمن نصب جعله نعتا لشَيْء على إعرابه لِأَن شَيْئا مَنْصُوب، وَمن رفع جعله نعتا لشَيْء قبل دُخُول لَا عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿مالكم من إِلَه غَيره﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٥ ٥٦) وَيجوز رفع شَيْء مثل: ﴿لَا لَغْو فِيهِ﴾ (الطّور: ٣٢) .
٣٢٢٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سلَمَةَ أنَّهُ سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ أنّهُ قَالَ: إنَّ الله يَغارُ وغَيْرةُ الله أنْ يأتِيَ المُؤْمِنَ مَا حَرَّمَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ النَّحْوِيّ.
قَوْله: (أَن يَأْتِي) قَالَ الغساني: فِي جَمِيع النّسخ: أَن لَا يَأْتِي، وَالصَّوَاب أَن يَأْتِي. قَالَ الْكرْمَانِي: لَا شكّ أَنه لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن غيرَة الله هُوَ نفس الْإِتْيَان أَو عَدمه، فَلَا بُد من تَقْدِير نَحْو أَن لَا يَأْتِي أَي: غيرَة الله على النَّهْي عَن الْإِتْيَان، أَو على عدم إتْيَان الْمُؤمن بِهِ، وَهُوَ الْمُوَافق لما تقدم حَيْثُ قَالَ: وَمن ذَلِك حرم الْفَوَاحِش، فَيكون مَا فِي النّسخ صَوَابا، ثمَّ نقُول: إِن كَانَ الْمَعْنى لَا يَصح مَعَ لَا فَذَلِك قرينَة لكَونهَا زَائِدَة نَحْو: ﴿مَا مَنعك أَن لَا تسْجد﴾ (الْأَعْرَاف: ٢١) قَالَ الطَّيِّبِيّ: هُوَ مُبْتَدأ وَخبر بِتَقْدِير اللَّام أَي: غيرَة الله ثَابِتَة لأجل أَن لَا يَأْتِي.
٤٢٢٥ - حدّثنا مَحْمُودٌ حَدثنَا أبُو أسامَةَ حَدثنَا هشامٌ قَالَ: أخْبَرَني أبي عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، ﵄، قالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ ومالُه فِي الأرْضِ مِنْ مالٍ ولَا مَمْلُوكٍ وَلَا شيْءٍ غَيْرَ ناضِجٍ وغيْرَ فَرَسِهِ، فَكنْت أعْلِفُ فَرَسَهُ وأسْتَقِي المَاءَ وأخْرِزُ غَرْبَهُ وأعْجِنُ ولَمْ أكُنْ أُحْسِنُ أخْبِزُ، وكانَ يخْبِزُ جارَاتٌ لِي مِنَ الأنْصَارِ، وكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وكُنْتُ أنْقُلُ النَّوى مِنْ أرْضِ الزُّبَيْرِ الّتي أقْطَعَهُ رسولُ الله ﷺ ، على رأسِي، وهْيَ مِنِّي علَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْما والنَّوَى علَى رَأسِي فَلَقِيتُ رسولَ الله ﷺ ومَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأنْصَارِ فَدَعانِي ثُمَّ قَالَ: إخْ إخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسِيرَ مَعَ الرِّجالِ، وذَكَرْتُ الزُّبَيْر وغَيْرَتَهُ وكانَ أغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رسولُ الله ﷺ أنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى، فَجِئْتُ الزبَيْرَ فَقْلُتُ: لَقِيَنِي رَسُول الله ﷺ ، وعلَى رأسِي النَّوَى ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أصْحابِهِ فأناحَ لأرْكَبَ فاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَالله لَحَمْلُكِ النَّوَى كانَ أشَدَّ عَليَّ مِنْ ركُوبِكِ مَعَهُ. قالَتْ: حتَّى أرسَلَ إلَيّ
стр. 6095
َ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذالِكَ بِخادِمٍ يَكْفِيني سِياسَةَ الفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أعْتَقَنِي.
(انْظُر الحَدِيث ١٥١٣)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَذكرت الزبير وغيرته) وَفِي قَوْله: (وَعرفت غيرتك) .
ومحمود هُوَ ابْن غيلَان بالغين الْمُعْجَمَة الْمروزِي وَأَبُو أُسَامَة هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْخمس مُقْتَصرا على قصَّة النَّوَى. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك المَخْزُومِي.
قَوْله: (الزبير) هُوَ ابْن الْعَوام. قَوْله: (من مَال) وَالْمَال فِي الأَصْل مَا يملك من الذَّهَب وَالْفِضَّة. ثمَّ أطلق على كل مَا يقتنى وَيملك من الْأَعْيَان، وَأكْثر مَا يُطلق المَال عِنْد الْعَرَب على الْإِبِل لِأَنَّهَا كَانَت أَكثر أَمْوَالهم، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْمَالِ هُنَا الْإِبِل لِأَنَّهَا أعز أَمْوَال الْعَرَب. قَوْله: (وَلَا مَمْلُوك) عطف خَاص على عَام، وَالْمرَاد بِهِ العبيد وَالْإِمَاء. قَوْله: (وَلَا شَيْء) عطف عَام على خَاص وَهُوَ يَشْمَل كل مَا يتَمَلَّك ويتمول، لَكِن أَرَادَت إِخْرَاج مَا لَا بُد مِنْهُ من مسكن وملبس ومطعم وَنَحْوهَا من الضروريات، وَلِهَذَا استثنت مِنْهُ الناضح وَهُوَ الْجمل الَّذِي يَسْتَقِي عَلَيْهِ. فَإِن قلت: الأَرْض الَّتِي أقطع رَسُول الله ﷺ ، للزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من أعز الْأَمْوَال وأفخرها. قلت: لم تكن مَمْلُوكَة لَهُ وَلَا يملك رقبَتهَا، وَإِنَّمَا ملك مَنْفَعَتهَا فَلذَلِك لم تستثنها أَسمَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَكنت أعلف فرسه) وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة أبي كريب عَن أبي أُسَامَة: وأكفيه مؤونته وأسوسه وأدق النَّوَى وأرضخه وأعلفه، وَلمُسلم أَيْضا من طَرِيق ابْن أبي مليكَة عَن أَسمَاء: كنت أخدم الزبير خدمَة الْبَيْت، وَكَانَ لَهُ فرس وَكنت أسوسه فَلم يكن فِي خدمته شَيْء أَشد عَليّ من سياسة الْفرس، كنت أحتش لَهُ فأقوم عَلَيْهِ. قَوْله: (وأستقي المَاء) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: وأسقي، بِغَيْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ على حذف الْمَفْعُول أَي: وأسقي الْفرس أَو الناضح المَاء وأستقي الَّذِي هُوَ من بَاب الافتعال أشمل وَأكْثر فَائِدَة. قَوْله: (وأخرز) بخاء مُعْجمَة وَرَاء ثمَّ زَاي من الخرز وَهُوَ الْخياطَة فِي الْجُلُود وَنَحْوهَا. قَوْله: (غربه) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ الْوَلَد الْكَبِير. قَوْله: (وَلم أكن أحسن) بِضَم الْهمزَة و (أخبز) بِفَتْح الْهمزَة وَالْمعْنَى: وَلم أحسن أَن أخبز الْخبز قَوْله: (وَكَانَ تخبز جارات لي) وَهُوَ جمع جَارة، فِي رِوَايَة مُسلم: وَكَانَ يخبز لي. قَوْله: (وَكن) أَي: الجارات (نسْوَة صدق) بِالْإِضَافَة وَالصّفة، والصدق بِمَعْنى الصّلاح والجودة أَرَادَت كن نسَاء صالحات فِي حسن الْعشْرَة وَالْوَفَاء بالعهد ورعاية حق الْجوَار. قَوْله: (وَكنت أنقل النَّوَى من أَرض الزبير) وَكَانَت هَذِه الأَرْض مِمَّا أَفَاء الله تَعَالَى على رَسُوله من أَمْوَال بني النَّضِير وَكَانَ النَّبِي ﷺ ، أقطعه إِيَّاهَا وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَائِل قدوم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة. قَوْله: (وَهِي مني) أَي: الأَرْض الْمَذْكُورَة من مَكَان سكناي (على ثُلثي فَرسَخ) والفرسخ ثَلَاثَة أَمْيَال كل ميل أَرْبَعَة آلَاف خطْوَة. قَوْله: (والنوى) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (إخ إخ) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي كلمة تقال عِنْد إناخة الْبَعِير، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نخ، مُشَدّدَة ومخففة صَوت إناخته، وهخ واخ مثله. قَوْله: (ليحملني خَلفه) أَرَادَت بِهِ الارتداف، وَإِنَّمَا عرض عَلَيْهَا الرّكُوب لِأَنَّهَا ذَات محرم مِنْهُ، لِأَن عَائِشَة عِنْده، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَهِي أُخْتهَا أَو كَانَ ذَلِك قبل الْحجاب كَمَا فعل بِأم صبية الجهنية. قَوْله: (فَاسْتَحْيَيْت) ، بياءين على الأَصْل، لِأَن الأَصْل حَيّ وَفِي لُغَة: استحيت، بياء وَاحِدَة، يُقَال: اسْتَحى واستحيى. قَوْله: (قَالَ: وَالله لحملك النَّوَى) أَي: قَالَ الزبير لأسماء: وَالله لحملك النَّوَى، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وحملك مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، والنوى مَفْعُوله (كَانَ أَشد عَليّ) خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي: قَوْله: (لحملك) فَإِنَّهُ مُبْتَدأ. قَوْله: (كَانَ أَشد عليَّ من ركوبك مَعَه) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: كَانَ أَشد عَلَيْك وَلَيْسَ هَذِه اللَّفْظَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم، وَوجه قَول الزبير هَذَا أَنه لَا عَار فِي الرّكُوب مَعَ النَّبِي ﷺ بِخِلَاف حمل النَّوَى فَإِنَّهُ يتَوَهَّم مِنْهُ النَّاس خسة النَّفس ودناءة الهمة، وَقلة التَّمْيِيز، وَأما عدم الْعَار فِي الرّكُوب مَعَ ﷺ فَلَمَّا ذكرنَا عَن قريب، وَأما وَجه صبره على ذَلِك وسكوت زَوجهَا وأبيها على ذَلِك فلكونها مشغولين بِالْجِهَادِ وَغَيره، وَكَانَا لَا يتفرغان للْقِيَام بِأُمُور الْبَيْت ولضيق مَا بأيديهما عَن اسْتِخْدَام من يقوم بذلك. قَوْله: (حَتَّى أرسل إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء، (وَأَبُو بكر) فَاعل أرسل. قَوْله: (بخادم يَكْفِينِي) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أبي مليكَة عِنْد مُسلم: جَاءَ النَّبِي ﷺ سبي فَأعْطَاهُ خَادِمًا، والتوفيق بَينهمَا بِأَن السَّبي لما جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ أعْطى أَبَا بكر مِنْهُ خَادِمًا ليرسله إِلَى بنته أَسمَاء، فَصدق
стр. 6096
أَن النَّبِي ﷺ هُوَ الْمُعْطِي وَلَكِن وصل إِلَيْهَا بِوَاسِطَة. فَافْهَم. وَاسْتدلَّ قوم بِهَذِهِ الْقِصَّة، مِنْهُم أَبُو ثَوْر، على أَن على الْمَرْأَة الْقيام بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ زَوجهَا من الْخدمَة وَالْجُمْهُور أجابوا عَن هَذَا بِأَنَّهَا كَانَت متطوعة بذلك وَلم يكن لَازِما.
٥٢٢٥ - حدّثنا عَلِيٌّ حَدثنَا ابنُ عُلَيَّةَ عنْ حُمِيْدٍ عنْ أنَسٍ قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ ، عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فأرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بصَحْفَةٍ فِيها طَعامٌ، فَضَرَبتِ الّتي النبيُّ ﷺ ، فِي بَيْتِها يَدَ الخادِمِ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةِ فانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النبيُّ ﷺ ، فِلَقَ الصَّحْفَة ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيها الطَّعَامَ الَّذِي كانَ فِي الصَّحْفَةِ، ويَقُولُ: غارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الخادِمَ حتَّى أُتيَ بصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتي هُوَ فِي بَيْتِها، فَدفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُها وأمَّكَ المَكْسُورَة فِي بَيْتِ الّتِي كُسِرَتْ فِيهِ.
(انْظُر الحَدِيث ١٨٤٢)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (غارت أمكُم) وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَابْن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، وَعَلِيهِ اسْم أمة كَانَت مولاة لبني أَسد، وَحميد هُوَ ابْن أبي حميد الطَّوِيل أَبُو عُبَيْدَة الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (عِنْد بعض نِسَائِهِ) هِيَ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ) هِيَ زَيْنَب بنت جحش، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ صَفِيَّة، وَقيل؛ زَيْنَب، وَقيل: أم سَلمَة. قَوْله: (بصحفة) هِيَ إِنَاء كالقصعة المبسوطة وَنَحْوهَا وَيجمع على صحاف. قَوْله: (فلق الصحفة) بِكَسْر الْفَاء وَفتح اللَّام جمع فلقَة وَهِي الْقطعَة. قَوْله: (غارت أمكُم) الْخطاب للحاضرين وَالْمرَاد بِالْأُمِّ هِيَ الضاربة. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : غارت أمكُم يُرِيد سارة لما غارت على هَاجر حَتَّى أخرج إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، طفْلا مَعَ أمه إِلَى وَاد غير ذِي زرع. ثمَّ قَالَ: أَو يُرِيد كاسرة الصحفة وَهُوَ الْأَظْهر. قَوْله: (فَدفع الصحفة الصَّحِيحَة) إِلَى آخِره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقَصعَة لَيْسَ من الْمِثْلِيَّات بل هِيَ من المتقومات. ثمَّ أجَاب بقوله: كَانَت القصعتان لرَسُول الله ﷺ فَلهُ التَّصَرُّف بِمَا شَاءَ فيهمَا.
قَالُوا: وَفِي الحَدِيث: إِشَارَة إِلَى عدم مُؤَاخذَة الْغيرَة بِمَا يصدر مِنْهَا لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالة يكون عقلهَا محجوبا بِشدَّة الْغَضَب الَّذِي أثارته الْغيرَة، وَقد أخرج أَبُو يعلى بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا مَرْفُوعا أَن الْغيرَة لَا تبصر أَسْفَل الْوَادي من أَعْلَاهُ. وَعَن ابْن مَسْعُود رَفعه: إِن الله كتب الْغيرَة على النِّسَاء، فَمن صَبر مِنْهُنَّ كَانَ لَهُ أجر شَهِيد، رَوَاهُ الْبَزَّار بِرِجَال ثِقَات.
٦٢٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّميُّ حَدثنَا معْتَمِرٌ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عبْد الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: دَخَلْتُ الجَنَّة أَو: أتَيْتُ الجَنةَ فأبْصَرْتُ قَصْرا. فَقُلْتُ: لِمَنْ هاذَا؟ قالُوا: لِعُمَرَ بنِ الخَطَّاب، فأرَدْتُ أَن أدْخُلَهُ فلَمْ يَمْنَعَنِي إلاّ عِلْمِي بِغَيْرَتِكَ قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: يَا رسولَ الله! بِأبي أنْتَ وأُمِّي يَا نَبِيَّ الله أوَ علَيْكَ أغَارُ.
(انْظُر الحَدِيث ٩٧٦٣)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد بن أبي بكر الْمقدمِي، بِفَتْح الدَّال الْمُشَدّدَة على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من التَّقْدِيم، ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث معضى مطولا فِي مَنَاقِب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَمضى شَرحه هُنَاكَ.
قَوْله: (بِأبي) ، الْبَاء مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره أَنْت مفدى بِأبي وَأمي.
وَفِيه: منقبة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن الْجنَّة مخلوقة.
٧٢٢٥ - حدّثنا عبْدَانُ أخبرنَا عبْدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبرنِي ابنُ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْما نَحْنُ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ، جُلُوسٌ فَقَالَ رَسُول الله
стр. 6097
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بَيْنَمَا أَنا نائِمٌ رَأيْتَنِي فِي الجَنَّة فإذَا امْرَأةٌ تَتَوَضّأُ إِلَى جانِبِ قِصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ قالُوا: هَذَا لِعُمَرَ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلّيْتُ مْدّبِرا فَبَكَى عُمرَ وهْوَ فِي المجْلِسِ. ثُمَّ قَالَ: أوَ عَلَيْك يَا رسولَ الله أغارُ؟
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث مضى فِي بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب إِلَى آخر. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن يُونُس إِلَى آخِره نَحوه.
قَوْله: (جُلُوس) جمع جَالس. قَوْله: (رَأَيْتنِي) أَي: رَأَيْت نَفسِي قَوْله: (فَإِذا) كلمة مفاجأة قَوْله: (تتوضأ) قَالَ الْكرْمَانِي: إِمَّا من الْوضُوء وَإِمَّا من الوضاء. قلت: الْأَوْجه أَن يكون من الْوَضَاءَة على مَا لَا يخفى، وَذكر ابْن قُتَيْبَة فِي قَوْله: (فَإِذا امْرَأَة تتوضأ إِلَى جَانب قصر) فَإِذا امْرَأَة شوهاء إِلَى جَانب قصر من حَدِيث ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب، وَفَسرهُ، وَقَالَ: الشوهاء الْحَسَنَة الرائعة، حَدثنِي بذلك أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة، قَالَ: وَيُقَال: فرس شوهاء، وَلَا يُقَال: فرس أشوه، وَقَالَ فِي (الْمطَالع) : رجل أشوه وَامْرَأَة شوهاء، يَعْنِي قبيحة قَالَ: وَيُقَال أَيْضا: الْحَسَنَة، وَهُوَ من الأضداد. والشوهاء أَيْضا الواسعة الْفَم، وَأَيْضًا الصَّغِيرَة الْفَم. وَقَالَ ابْن بطال: يشبه أَن تكون هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الصَّوَاب، وتتوضأ تَصْحِيف لِأَن الْحور طاهرات فَلَا وضوء عَلَيْهِنَّ، فَلذَلِك كل من دخل الْجنَّة لَا يلْزمه طَهَارَة وَلَا عبَادَة، وحروف شوهاء يُمكن تصحيفها بحروف تتوضأ، لقرب صور بَعْضهَا من بعض. وَقَالَ ابْن التِّين: تتوضأ، قيل: إِنَّهَا تَصْحِيف لِأَن الْجنَّة لَا تَكْلِيف فِيهَا، وَفِيمَا قَالَه ابْن بطال نظر لِأَن أحدا مَا ادّعى أَن عَلَيْهِنَّ الْوضُوء، وَمن ادّعى أَن كل من دخل الْجنَّة يلْزمه طَهَارَة أَو عبَادَة فَلم لَا يجوز أَن يصدر عَن أحد من أهل الْجنَّة عبَادَة بِاخْتِيَارِهِ مَا شَاءَ من أَنْوَاع الْعِبَادَة. قَالَ : ﴿وَلَكِن فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم﴾ (فصلت: ١٣) وَيرد كَلَام ابْن التِّين أَيْضا بِمَا ذكراناه.
٨٠١ - (بابُ غَيْرَةِ النِّساءِ ووَجْدِهِنَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غيرَة النِّسَاء، وَقد مر تَفْسِيرهَا. قَوْله: (ووجدهن) بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْجِيم قَالَ الْكرْمَانِي: أَي غضبهن وحزنهن، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وجد عَلَيْهِ فِي الْغَصْب موجدة، وَوجد فِي الْحزن وجدا بِالْفَتْح، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: وجدت بفلانة إِذا أحببتها حبا شَدِيدا، وَلم يبين حكم الْبَاب لاخْتِلَاف ذَلِك بختلاف الْأَحْوَال والأشخاص.
١٥٧ - (حَدثنَا عبيد بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ لي رَسُول الله ﷺ َ - إِنِّي لأعْلم إِذا كنت عني راضية وَإِذا كنت عَليّ غَضبى قَالَت فَقلت من أَيْن تعرف ذَلِك فَقَالَ أما إِذا كنت عني راضية فَإنَّك تَقُولِينَ لَا وَرب مُحَمَّد وَإِذا كنت عَليّ غَضبى قلت لَا وَرب إِبْرَاهِيم قَالَت قلت أجل وَالله يَا رَسُول الله مَا أَهجر إِلَّا اسْمك) مطابقته للشطر الثَّانِي من التَّرْجَمَة وَعبيد بن إِسْمَاعِيل الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي واسْمه فِي الأَصْل عبد الله وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد ابْن أُسَامَة يروي عَن هِشَام عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فضل عَائِشَة عَن أبي كريب عَن أُسَامَة قَوْله حَدثنَا عبيد وَفِي رِوَايَة أبي ذَر حَدثنِي بِالْإِفْرَادِ قَوْله إِنِّي لأعْلم إِلَى آخِره فِيهِ أَنه يعلم أَن الْمَرْأَة هَل هِيَ راضية على زَوجهَا أَو غَضبى عَلَيْهَا بِحَالِهَا من فعلهَا وَقَوْلها قَوْله وَرب إِبْرَاهِيم إِنَّمَا ذكرت إِبْرَاهِيم دون غَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلِأَنَّهُ أولى النَّاس بِهِ كَمَا نَص عَلَيْهِ الْقُرْآن وَفِيه دلَالَة على فطنة عَائِشَة وَقُوَّة ذكائها قَوْله " أجل " أَي نعم قَوْله مَا أَهجر إِلَّا اسْمك قَالَ الطَّيِّبِيّ ﵀ هَذَا الْحصْر فِي غَايَة من اللطف لِأَنَّهَا أخْبرت إِذا كَانَت فِي غَايَة الْغَضَب الَّذِي يسلب الْعَاقِل اخْتِيَاره لَا يغيرها عَن كَمَال الْمحبَّة
стр. 6098
المستغرقة ظَاهرهَا وباطنها الممتزجة بروحها وَإِنَّمَا عبرت عَن التّرْك بالهجران لتدل بِهِ على أَنَّهَا تتألم من هَذَا التّرْك الَّذِي لَا اخْتِيَار لَهَا فِيهِ قَالَ الشَّاعِر
(إِنِّي لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأميل)
وَقَالَ الْمُهلب قَوْلهَا مَا أَهجر إِلَّا اسْمك يدل على أَن الِاسْم من المخلوقين غير الْمُسَمّى وَلَو كَانَ عين الْمُسَمّى وهجرت اسْمه لهجرته بِعَيْنِه وَيدل على ذَلِك أَن من قَالَ أكلت اسْم الْعَسَل لَا يفهم مِنْهُ أَنه أكل الْعَسَل وَإِذا قلت لقِيت اسْم زيد لَا يدل على أَنه لَقِي زيدا وَإِنَّمَا الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى فِي الله وَحده لَا فِيمَا سواهُ من المخلوقين لمباينته وأسمائه وَصِفَاته حكم أَسمَاء المخلوقين وصفاتهم انْتهى وَالتَّحْقِيق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن قَوْلهم الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى على معَان ثَلَاثَة. الأول مَا يجْرِي مجْرى الْمجَاز وَالثَّانِي مَا يجْرِي مجْرى الْحَقِيقَة. وَالثَّالِث مَا يجْرِي مجْرى الْمَعْنى فَالْأول نَحْو قَوْلك رَأَيْت جملا يتَصَوَّر من هَذَا الِاسْم فِي نفس السَّامع مَا يتَصَوَّر من الْمُسَمّى الْوَاقِع تَحْتَهُ لَو شَاهده فَلَمَّا نَاب الِاسْم من هَذَا الْوَجْه مناب الْمُسَمّى فِي التَّصَوُّر وَكَانَ التَّصَوُّر فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا شَيْئا وَاحِدًا صَحَّ أَن يُقَال أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى على ضرب من التَّأْوِيل وَإِن كُنَّا لَا نشك فِي أَن الْعبارَة غير الْمعبر عَنهُ وَالثَّانِي أَكثر مَا يتَبَيَّن فِي الْأَسْمَاء الَّتِي تشتق للمسمى من معَان مَوْجُودَة فِيهِ قَائِمَة بِهِ كَقَوْلِنَا لمن وجدت مِنْهُ الْحَيَاة حَيّ وَلمن وجدت مِنْهُ الْحَرَكَة متحرك فالاسم فِي هَذَا النَّوْع لَازم للمسمى يرْتَفع بارتفاعه وَيُوجد بِوُجُودِهِ الثَّالِث الْعَرَب تذْهب بِالِاسْمِ إِلَى الْمَعْنى الْوَاقِع تَحت التَّسْمِيَة فَيَقُولُونَ هَذَا مُسَمّى زيد أَي اسْم هَذَا الْمُسَمّى بِهَذِهِ اللَّفْظَة الَّتِي هِيَ الزَّاي وَالْيَاء وَالدَّال وَيَقُولُونَ فِي الْمَعْنى هَذَا اسْم زيد فيجعلون الِاسْم والمسمى فِي هَذَا الْبَاب مترادفين على الْمَعْنى الْوَاقِع تَحت التَّسْمِيَة كَمَا جعلُوا الِاسْم وَالتَّسْمِيَة مترادفين على الْعبارَة
٩٢٢٥ - حدّثني أحْمَدُ بنُ أبي رَجَاء حَدثنَا النَّضْرُ عنْ هِشامٍ، قَالَ: أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ أَنَّهَا قالَتْ: مَا غرْتُ علَى امْرَأةٍ لِرسُولِ الله ﷺ كَما غِرْتُ علَى خدِيجَة لِكَثْرَةُ ذِكْرِ رسولِ الله ﷺ إيَّاها وثَنائِهِ عَلَيْها، وقَدْ أُوحِيَ إِلَى رسولِ الله ﷺ أنْ يُبَشِّرَها بِبَيْتٍ لَها فِي الجنّةِ مِنْ قَصَبٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن أبي رَجَاء ضد الْخَوْف وَاسم أبي رَجَاء عبد الله بن أَيُّوب الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: هُوَ ابْن شُمَيْل، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.
والْحَدِيث قد مر بطرق كَثِيرَة فِي: بَاب تَزْوِيج النَّبِي ﷺ خَدِيجَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (من قصب) وَهُوَ أنابيب من جَوْهَر.
٩٠١ - (بابُ ذَبِّ الرَّجُلِ عنِ ابْنَتِهِ فِي الغَيْرَةِ والإنْصاف)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذب الرجل بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَي: دَفعه على ابْنَته الْغيرَة، وَفِي بَيَان الانصاف لَهَا، والإنصاف من أنصف إِذا عدل، يُقَال: أنصفه من نَفسه وانتصفت أَنا مِنْهُ وتناصفوا أَي: أنصف بَعضهم بَعْضًا من نَفسه.
٠٣٢٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا الليْثُ عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ، وهْوَ عَلى المِنْبَر: إنَّ بَنِي هِشامِ بنِ المُغَيْرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ علِيَّ بنَ أبي طالِبٍ، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ إلاّ أنْ يُرِيدَ ابنْ أبِي طالِبٍ أنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي ويَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أرَابها ويؤذِيني مَا آذَاها.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْإِخْبَار عَن ذب النَّبِي ﷺ ، عَن ابْنَته فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي الْغيرَة والإنصاف لَهَا.
وَابْن أبي مليكَة وَهُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة اسْم أبي مليكَة زُهَيْر بن عبد الله التَّيْمِيّ الْأَحول الْمَكِّيّ القَاضِي على عهد ابْن الزبير، والمسور كسر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء
стр. 6099
الْمُعْجَمَة ابْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي مَنَاقِب فَاطِمَة، ﵂، وَسَيَجِيءُ فِي الطَّلَاق أَيْضا. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا وَهنا كَذَا رَوَاهُ اللَّيْث وَتَابعه عَمْرو بن دِينَار وَغير وَاحِد وَخَالفهُم أَيُّوب فَقَالَ: عَن ابْن أبي مليكَة عَن عبد الله بن الزبير أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن، وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ، ثمَّ قَالَ: يحْتَمل أَن يككون ابْن أبي مليكَة حمله عَنْهُمَا.
قَوْله: (وَهُوَ على الْمِنْبَر) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله: (إِن بني هِشَام) ، وَقع فِي رِوَايَة مُسلم: هَاشم بن الْمُغيرَة، وَالصَّوَاب: هِشَام. لِأَنَّهُ جد المخطوبة. وَبَنُو هِشَام هم أعماهم بنت أبي جهل، لِأَنَّهُ أَبُو الحكم عَمْرو بن هِشَام بن الْمُغيرَة، وَقد أسلم أَخَوَاهُ الْحَارِث بن هِشَام وَسَلَمَة بن هِشَام عَام الْفَتْح وَحسن إسلامهما، وَمِمَّنْ يدْخل فِي إِطْلَاق بني هِشَام بن الْمُغيرَة عِكْرِمَة بن أبي جهل بني هِشَام جد المخطوبة، وَقد أسلم أَيْضا وَحسن إِسْلَامه. قَوْله: (اسْتَأْذنُوا) ، فِي رِوَايَة الْكشميهني: اسْتَأْذنُوا فِي أَن ينكحوا ابنتهم عَليّ بن أبي طَالب، وَجَاء أَن عليا ﵁ اسْتَأْذن بِنَفسِهِ على مَا أخرجه الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ صَحِيح إِلَى سُوَيْد بن غَفلَة، قَالَ: خطب عَليّ بنت أبي جهل إِلَى عَمها الْحَارِث بن هِشَام، فَاسْتَشَارَ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: عَن حسبها تَسْأَلنِي؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِن أتأمرني بهَا، قَالَ: لَا، فَاطِمَة بضعَة مني وَلَا أَحسب إلَاّ أَنَّهَا تحزن أَو تجزع. فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا آتِي شَيْئا تكرههُ. وَاسم المخطوبة جويرة أَو العوراء أَو جميلَة. قَوْله: (لَا آذن) ، ذكر ثَلَاثَة مَرَّات تَأْكِيدًا. قَوْله: (إلَاّ أَن يُرِيد ابْن أبي طَالب) هُوَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَكَأَنَّهُ كره ذَلِك من عَليّ، فَلذَلِك لم يقل عَليّ بن أبي طَالب. وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ أَيْضا: وَإِنِّي لست أحرم أحرم حَلَالا وَلَا أحلل حَرَامًا، وَلَكِن وَالله لَا تَجْتَمِع بنت رَسُول الله ﷺ وَبنت عَدو الله أبدا. وَفِي رِوَايَة مُسلم مَكَانا وَاحِدًا أبدا، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عِنْد رجل وَاحِد. قَوْله: (بضعَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: قِطْعَة، وَوَقع فِي رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة مُضْغَة، بِضَم الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة. قَوْله: (يريبني مَا أرابها) بِضَم الْيَاء ن أراب يريب، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: يرئبني من رأب ثلاثي، يُقَال: أرأبني فلَان إِذا رأى مني مَا يكرههُ، وَهَذَا لُغَة هُذَيْل أَعنِي: بِزِيَادَة الْألف فِي أول ماضيه، وَزَاد فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: وَأَنا أَتَخَوَّف أَن يفتن فِي دينهَا يَعْنِي أَنَّهَا لَا تصبر على الْغيرَة فَيَقَع مِنْهَا فِي حق زَوجهَا فِي حَال الْغَضَب مَا لَا يَلِيق بِحَالِهَا فِي الدّين، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: وَأَنا أكره أَن يسوءها أَي: تَزْوِيج غَيرهَا عَلَيْهَا. قَوْله: (وَيُؤْذِينِي مَا أذاها) فِي رِوَايَة أبي حَنْظَلَة: (فَمن آذاها فقد آذَانِي) ، وَفِي حَدِيث عبد الله بن الزبير: يُؤْذِينِي مَا آذاها وينصبني مَا أنصبها، من النَّصب بنُون وصاد مُهْملَة وباء مُوَحدَة وَهُوَ التَّعَب وَالْمَشَقَّة.
وَفِيه: تَحْرِيم أدنى أَذَى من يتَأَذَّى النَّبِي ﷺ بتأذيه. وَفِيه: بَقَاء الْعَار الْحَاصِل للآباء فِي أَعْقَابهم لقَوْله: بنت عَدو الله. وَفِيه: إكرام من ينتسب إِلَى الْخَيْر أَو الشّرف أَو الدّيانَة.
٠١١ - (بابٌ يَقِلُّ الرِّجالُ ويَكْثُرُ النِّساءُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: يقل الرِّجَال وَيكثر النِّسَاء، يَعْنِي: فِي آخر الزَّمَان.
وَقَالَ أبُو مُوسَى عنِ النبيِّ ﷺ . وتَرَى الرَّجُلَ الوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أرْبَعُونَ امْرَأةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلّةِ الرِّجالِ وكَثْرَةِ النِّساءِ.
أَبُو مُوسَى عبد الله قيس الْأَشْعَرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق مضى مَوْصُولا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة قبل الرَّد. قَوْله: (أَرْبَعُونَ امْرَأَة) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: أَرْبَعُونَ نسْوَة، وَهُوَ خلاف الْقيَاس. قَوْله: (يلذن) من لَاذَ يلوذ لوذا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة إِذا التجأ بِهِ وانضم واستغاث، وَذَلِكَ إِمَّا لكونهن نِسَاءَهُ وسرايره، وَقيل: من الْبَنَات وَالْأَخَوَات وشبههن من الْقرَابَات، وَتَكون قلَّة الرِّجَال من اشتداد الْفِتَن وترادف المحن فيقل الرِّجَال.
١٣٢٥ - حدّثنا حَفْصُ بنْ عُمَرَ الحَوْضِيُّ حَدثنَا هِشامٌ عنْ قَتادَةَ عَن أنَسٍ، ري الله عَنهُ، قَالَ: ل أُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثا سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله ﷺ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أحَدٌ غيْرِي، مِعْتُ رسولُ الله ﷺ يَقُولُ: إنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُرفَعَ العِلْمُ ويَكْثُرَ الجَهْلُ ويَكْثُرَ الزِّنا ويَكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ ويَقِلَّ الرِّجالُ ويَكْثُرَ النِّساءُ حتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأةً الْقَيِّمُ الوَاحِدُ.
стр. 6100
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والحوضي نِسْبَة إِلَى حَوْض دَاوُد وَهِي محلّة بِبَغْدَاد، وَدَاوُد هُوَ ابْن الْمهْدي الْمَنْصُور، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ: همام، وَقَالَ الغساني: وَالْأول هوالمحفوظ، وَهِشَام وَهَمَّام كِلَاهُمَا من شُيُوخ حَفْص بن عمر شيخ البُخَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب رفع الْعلم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس الخ نَحوه.
قَوْله: (حَتَّى يكون لخمسين امْرَأَة) ، (فَإِن قلت) فِي الحَدِيث السَّابِق أَرْبَعُونَ؟ قلت: الْأَرْبَعُونَ دَاخل فِي الْخمسين، وَقيل: الغدد غير مُرَاد، بل المُرَاد الْمُبَالغَة فِي كَثْرَة النِّسَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَال، وَقيل: الْأَرْبَعُونَ عدد من يلذن بِهِ، وَالْخَمْسُونَ عدد من يتبعنه وَهُوَ أَعم من أَن يلذن بِهِ. قَوْله: (الْقيم) ، أَي: الَّذِي يقوم بأمورهن ويتولى مصالحهن، قيل: يحْتَمل بَان يكنى بِهِ عَن اتباعهن لَهُ لطلب النِّكَاح حَلَالا أَو حَرَامًا.
١١١ - (بابٌ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأةٍ إلاْ ذُو محْرَمِ والدُّخُولُ عَلى المُغِيبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يخلون رجل بِامْرَأَة ... الخ. وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على حكمين: أَحدهمَا: عدم جَوَاز اختلاء الرجل بِامْرَأَة أَجْنَبِيَّة. وَالثَّانِي: عدم جَوَاز الدُّخُول على المغيبة، فَحَدِيث الْبَاب يدل على الحكم الأول، وَالْحكم الثَّانِي لَيْسَ فِيهِ صَرِيحًا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ بطرِيق الاستنباط. قَوْله: (إِلَّا ذُو محرم) وَهُوَ من لَا يحل لَهُ نِكَاحهَا من الْأَقَارِب كَالْأَبِ والإبن وَالْأَخ وَالْعم وَمن يجْرِي مجراهم قَوْله: (وَالدُّخُول) بِالْجَرِّ وَالرَّفْع، قَالَ بَعضهم: وَلم يبين وجههما. قلت: أما الْجَرّ فللعطف عَليّ بِامْرَأَة، على تَقْدِير: وَلَا بِالدُّخُولِ على المغيبة، وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَتَقْدِيره: وَكَذَا الدُّخُول على المغيبة، وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوجهَا، يُقَال: أغابت الْمَرْأَة إِذا غَابَ زَوجهَا فَهِيَ مغيبة، وَتجمع على: مغيبات، وَقد روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث نصر بن عَليّ: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا تلجوا على المغيبات، فَإِن الشَّيْطَان يجْرِي من أحدكُم مجْرى الدَّم ... الحَدِيث. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، وَقد تكلم بَعضهم فِي مجَالد بن سعيد من قبل حفظه.
٢٣٢٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حدَّثنا لَ يْثٌ بن يَزِيدَ بن أبِي حَبِيبٍ عنْ أبِي الْخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: إيَّاكُمْ والدُّخُولَ علَى النِّساء، فَقَالَ رجُلٌ مِنَ الأنْصار: يَا رسُولَ الله! أفرأيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: الحَمْوُ المَوْتُ.
مطابقته للشطر الأول من التَّرْجَمَة كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَلَيْث هُوَ ابْن سعد، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب الْمصْرِيّ، وَاسم أبي حبيب سُوَيْد، أعْتقهُ امْرَأَة مولاة لبني حسان بن عَامر بن لؤَي الْقرشِي، وَأم يزِيد مولاة لنجيب، وَأَبُو الْخَيْر ضد الشَّرّ اسْمه مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن عبد الله الْيَزنِي الْمصْرِيّ، وَعقبَة بن عَامِرًا لجهني، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن قُتَيْبَة فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة اشْتَركُوا فِي إِخْرَاجه عَن قُتَيْبَة، وَمُسلم أخرجه عَن غَيره أَيْضا.
قَوْله: (عَن عقبَة) وَفِي رِوَايَة أبي نعيم سَمِعت عقبَة. قَوْله: (إيَّاكُمْ وَالدُّخُول) بِالنّصب على التحذير، وَإِيَّاكُم مفعول بِفعل مُضْمر تَقْدِيره: اتَّقوا أَنفسكُم أَن تدْخلُوا على النِّسَاء، ويتضمن منع مُجَرّد الدُّخُول منع الْخلْوَة بهَا بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (أَفَرَأَيْت الحمو) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالواو يَعْنِي: أَخْبرنِي عَن دُخُول الحمو؟ فَأجَاب ﷺ : (الحمو الْمَوْت) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: يُقَال الحمو أَب الزَّوْج، كَأَنَّهُ كره لَهُ أَن يَخْلُو بهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب عِنْد مُسلم: وَسمعت اللَّيْث يَقُول: الحمو أَخُو الزَّوْج وَمَا أشبهه من أقَارِب الزَّوْج ابْن الْعم وَنَحْوه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد من الحمو فِي الحَدِيث أقَارِب الزَّوْج غير آبَائِهِ وأبنائه لأَنهم محارم للزَّوْجَة يجوز لَهُم الْخلْوَة بهَا، وَلَا يوصفون بِالْمَوْتِ. قَالَ: وَإِنَّمَا المُرَاد: الْأَخ وَابْن الْأَخ وَالْعم وَابْن الْعم وَابْن الْأُخْت وَنَحْوهم مِمَّن يحل لَهَا تزوجيه لَو لم تكن متزوجة، وَجَرت الْعَادة بالتساهل فِيهِ، فيخلو الْأَخ بِامْرَأَة أَخِيه فشبهه بِالْمَوْتِ. وَقَالَ القَاضِي: الْخلْوَة بالأحماء مؤدية إِلَى الْهَلَاك فِي
стр. 6101
الدّين. وَقيل: مَعْنَاهُ، احْذَرُوا الحمو كَمَا يحذر الْمَوْت، فَهَذَا فِي أَب الزَّوْج فَكيف فِي غَيره؟ وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هِيَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب كَمَا يُقَال الْأسد الْمَوْت، أَي لقاؤه مثل الْمَوْت، وكما يُقَال: السُّلْطَان نَار، وَيُقَال: مَعْنَاهُ فليمت وَلَا يفعل ذَلِك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ أَنه يُفْضِي إِلَى موت الدّين أَو إِلَى مَوتهَا بِطَلَاقِهَا عِنْد غيرَة الزَّوْج، أَو برجمها إِن زنت مَعَه.
وَفِي (مجمع الغرائب) : يحْتَمل أَن يُرَاد بِالْحَدِيثِ أَن الْمَرْأَة إِذا خلت فَهِيَ مَحل الآفة فَلَا يُؤمن عَلَيْهَا أحد فَلْيَكُن حموها الْمَوْت، أَي: لَا يجوز أَن يدْخل عَلَيْهَا أحد إلَاّ الْمَوْت، كَمَا قَالَ الآخر: والقبر صهر ضَامِن، وَهَذَا مُتَّجه لَائِق بِكَمَال الْغيرَة وَالْحمية، والحمو مُفْرد الأحماء، قَالَ الْأَصْمَعِي: الأحماء من قبل الزَّوْج، والأختان من قبل الْمَرْأَة، والأصهاري يجمع الْفَرِيقَيْنِ. وَفِي (الإفصاح) لِابْنِ بزِي: عَن الْأَصْمَعِي: الأحماء من قبل الْمَرْأَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: حاء الحمو هُنَا مهموزا والمهموز أحد لغاته، وَيُقَال فِيهِ: حمو، بواو مَضْمُومَة متحركة كدلو، وَحمى مَقْصُور كعصا، قَالَ: وَالْأَشْهر فِيهِ أَنه من الْأَسْمَاء السِّتَّة المعتلة المضافة الَّتِي تعرب فِي حَال إضافتها إِلَى غير يَاء الْمُتَكَلّم بِالْوَاو رفْعَة وبالألف نصبا وبالياء خفضا، وَيكون على قَول الْأَصْمَعِي إِنَّه مَهْمُوز مثل كمء وَإِعْرَابه بالحركات كَسَائِر الْأَسْمَاء الصَّحِيحَة، وَمن قصره لَا يدْخلهُ سوى التَّنْوِين فِي الرع وَالنّصب والجر إِذا لم يضف، وَحكى عِيَاض: هَذَا حمؤك، بِإِسْكَان الْمِيم وهمزة مَرْفُوعَة، وحم كأب.
٣٣٢٥ - حدّثنا عَليُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا عَمْرٌ وعنْ أبي مَعْبَدٍ عَن ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامرَأةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فقامَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! امْرَأتِي خَرَجَتْ حاجَّةً واكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وكَذَا، قَالَ: إرْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأتكَ.
)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَأَبُو معبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة واسْمه نَافِذ، بالنُّون وَالْفَاء وبالذال الْمُعْجَمَة: مولى ابْن عَبَّاس.
والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب حج النِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن أبي معبد ... الخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَفِيه: إِبَاحَة الرُّجُوع عَن الْجِهَاد إِلَى إحجاج امْرَأَته، لِأَن سترهَا وصيانتها فرض عَلَيْهِ، وَالْجهَاد فِي ذَلِك الْوَقْت كَانَ يقوم بِهِ غَيره، فَلذَلِك أمره ﷺ أَن يحجّ مَعهَا إِذا لم يكن مَعهَا محرم يحجّ مَعهَا، وَهَذَا صَرِيح فِي أَن الْحَج لَا يجب على الْمَرْأَة عِنْد الِاسْتِطَاعَة إِلَّا بزوجها أَو بِمحرم مَعهَا. وَالله أَعم.
٢١١ - (بابُ مَا يَجُوزُ أنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بالمَرْأةِ عِندَ النَّاسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز أَن يَخْلُو الرجل بِالْمَرْأَةِ، حَاصِلَة أَن الرجل الْأمين لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْس إِذا خلا بِامْرَأَة فِي نَاحيَة من النَّاس لما تسأله عَن بواطن أمرهَا فِي دينهَا وَغير ذَلِك من أمورها، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْله: (أَن يَخْلُو الرجل) أَن يغيب عَن أبصار النَّاس، فَلذَلِك قَيده بقوله: (عِنْد النَّاس) وَإِنَّمَا يَخْلُو بهَا حَيْثُ لَا يسمع الَّذِي بالحضرة كَلَامهَا وَلَا شكواها إِلَيْهِ. فَإِن قلت لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب أَنه خلا بهَا عِنْد النَّاس قلت: قَول أنس فِي الحَدِيث فَخَلا بهَا، يدل على أَنه كَانَ مَعَ النَّاس فَتنحّى بهَا نَاحيَة لِأَن أنسا الَّذِي هُوَ رَاوِي الحَدِيث كَانَ هُنَاكَ، وَجَاء فِي بعض طرقه أَنه كَانَ مَعهَا صبي أَيْضا، فصح أَنه كَانَ عِنْد النَّاس، وَلَا سِيمَا. أَنهم سمعُوا قَوْله ﷺ : أَنْتُم أحب النَّاس إِلَيّ، يُرِيد بهم الْأَنْصَار، وهم قوم الْمَرْأَة.
٤٣٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ هِشامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مَالك، ﵁، قَالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ منَ الأنْصارِ إِلَى النبيِّ ﷺ فَخَلَا بِها، فَقَالَ: وَالله إنَّكُنَّ لأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٨٧٣ وطرفه)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَخَلا بهَا) . وغندر قد تكَرر ذكره وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَهِشَام هُوَ ابْن زيد بن أنس بن مَالك يروي عَن جده أنس.
والْحَدِيث مضى فِي فضل الْأَنْصَار عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن بهز بن أَسد عَن شُعْبَة عَن هِشَام بن زيد،
стр. 6102
وَلَيْسَ فِيهِ: (فَخَلا بهَا) وَمَعَهَا صبي لَهَا، وَفِيه: إِنَّكُم أحب النَّاس إِلَيّ، مرَّتَيْنِ.
وَأخرجه فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور من طَرِيق وهب بن جرير عَن شُعْبَة لفظ ثَلَاث مَرَّات، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَفِيه: أَن مُفَاوَضَة الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة سرا لَا يقْدَح فِي الدّين عِنْد أَمن الْفِتْنَة. وَفِيه: سَعَة حلم النَّبِي ﷺ وتواضعه وَصَبره على قَضَاء حوائج الصَّغِير وَالْكَبِير. وَفِيه: منقبة عَظِيمَة للْأَنْصَار. وَفِيه: تَعْلِيم الْأمة وَكَيْفِيَّة الْخلْوَة بِالْمَرْأَةِ.
٣١١ - (بَاب مَا يُنْهَى مِنْ دُخُول المُتَشَبِّهينَ بالنِّساءِ علَى المَرْأةِ .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: فِي بَيَان النَّهْي من دُخُول الرِّجَال الَّذين يتشبهون بِالنسَاء فِي أخلاقهن. قَوْله: (على الْمَرْأَة) ، يتَعَلَّق بقوله: من دُخُول.
٥٣٢٥ - حدّثنا عثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَن أبِيهِ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أمِّ سَلَمَةَ عنْ أمِّ سَلَمَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ عِنْدَها. وَفِي البَيْتِ مُخَنَّثٌ، فَقَالَ المُخَنَّثُ لأخي أُمِّ سلمَةَ عبْدِ لله بنِ أبي أُمَيَّةَ: إنْ فَتَحَ الله لَكُمُ الطَّائِفَ غَدا أدُلكَ علَى ابْنَةِ غَيْلَانَ فَإنَّها تُقْبِلُ بأرْبَعٍ وتُدْبِرُ بِثَمانٍ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُمْ.
)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعُثْمَان بن أبي شيبَة أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَاسم أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان، وَعُثْمَان شيخ البُخَارِيّ هُوَ مُحَمَّد بن أبي شيبَة وَاسم أَخِيه أبي بكر عبد الله، وَكِلَاهُمَا من شُيُوخ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن سُلَيْمَان، وَزَيْنَب بنت أم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة، وَزَيْنَب ربيبة النَّبِي ﷺ ، ولدت بِأَرْض الْحَبَشَة وَكَانَ اسْمهَا برة فسماها النَّبِي ﷺ ، زَيْنَب وأبوها أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب غَزْوَة الطَّائِف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة عَن أمهَا أم سَلمَة. الخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (حَدثنَا عُثْمَان) ، ويروى: حَدثنِي. قَوْله: (عَن زَيْنَب ابْنة أم سَلمَة عَن أم سَلمَة) وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَن هِشَام بن عُرْوَة فِي غَزْوَة الطَّائِف: عَن أمهَا أم سَلمَة، وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام، فَقَالَ: عَن أَبِيه عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة، وَقَالَ معمر: عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ معمر أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة، وأرسله مَالك فَلم يذكر فَوق عُرْوَة أحدا، أخرجه النَّسَائِيّ قَوْله: (وَفِي الْبَيْت) ، أَي: الْبَيْت الَّذِي هِيَ فِيهِ قَوْله: (مخنث) ، بِفَتْح النُّون وَكسرهَا وَهُوَ الَّذِي يشبه النِّسَاء فِي أخلاقهن، وَهُوَ على نَوْعَيْنِ: من خلق كَذَلِك فَلَا ذمّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَعْذُور، وَلِهَذَا لم يُنكر النَّبِي ﷺ ، أَولا دُخُوله عَلَيْهِنَّ، وَمن يتَكَلَّف ذَلِك وَهُوَ المذموم، وَاسم هَذَا المخنث: هيت، بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق على الْأَصَح، وَذكر ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَن اسْم المخنث فِي حَدِيث الْبَاب: ماتع، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: بالنُّون، وَحكى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كَون ماتع لقب هيت أَو بِالْعَكْسِ أَو أَنَّهُمَا اثْنَان خلافًا، وَجزم الْوَاقِدِيّ بالتعدد فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَ هيت مولى عبد الله بن أبي أُميَّة، وَكَانَ ماتع مولى فَاخِتَة، وَذكر أَن النَّبِي ﷺ نفاهما إِلَى الْحمى، وَذكر الْمَاوَرْدِيّ فِي (الصَّحَابَة) من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن أبي بكر بن حَفْص أَن عَائِشَة قَالَت لمخنث كَانَ بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهُ: أَنه، بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد النُّون: أَلا تدلنا على امْرَأَة نخطبها على عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر؟ قَالَ: بلَى، فوصف امْرَأَة تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان، فَسَمعهُ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَنه أخرج من الْمَدِينَة إِلَى حَمْرَاء الْأسد وَليكن بهَا مَنْزِلك، وَقَالَ ابْن حبيب: المخنث هُوَ الْمُؤَنَّث من الرِّجَال وَإِن لم يعرف مِنْهُ فَاحِشَة، مَأْخُوذَة من التكسر فِي الشَّيْء وَغَيره، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ ، قد أَتَى بمخنث قد خضب يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، فَقيل: يَا رَسُول الله إِن هَذَا يتشبه بِالنسَاء، فنفاه إِلَى النقيع بالنُّون ثمَّ الْقَاف. قَوْله: (فَقَالَ المخنث لأخي أم سَلمَة) وَقد وَقع فِي مُرْسل ابْن الْمُنْكَدر أَنه قَالَ ذَلِك لعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَيحمل على تعدد القَوْل لكل مِنْهُمَا لأخي عَائِشَة، ولأخي أم سَلمَة، وَالْعجب أَنه لم يقدر أَن الْمَرْأَة الموصوفة حصلت لوَاحِد مِنْهُمَا، لِأَن الطَّائِف لم يفتح حيئنذ، وَقتل عبد الله بن أبي أُميَّة فِي حَال الْحصار قلت: عبد الله بن
стр. 6103
أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم أَخُو أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَأمه عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب بن هَاشم، وَكَانَ شَدِيدا على الْمُسلمين مُخَالفا مبغضا وَهُوَ الَّذِي ﴿قَالَ لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٩) ﴿وَيكون ذَلِك بَيت من زخرف﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٩) الْآيَة، وَكَانَ شَدِيد الْعَدَاوَة لرَسُول الله ﷺ ، ثمَّ أَنه خرج مُهَاجرا إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَلَقِيَهُ بِالطَّرِيقِ بَين السقيا وَالْعَرج وَهُوَ يُرِيد مَكَّة عَام الْفَتْح، فَتَلقاهُ فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله ﷺ مرّة بعد مرّة، فَدخل إِلَى أُخْته وسألها أَن تشفع فشفعت لَهُ أُخْته أم سَلمَة وَهِي أُخْته لِأَبِيهِ فشفعها رَسُول الله ﷺ فِيهِ. وَأسلم وَحسن إِسْلَامه وَشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ فتح مَكَّة مُسلما، وَشهد حنينا والطائف وَرمي يَوْم الطَّائِف بِسَهْم فَقتله وَمَات يَوْمئِذٍ، وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: وَزعم مُسلم بن الْحجَّاج أَن عُرْوَة بن الزبير روى عَنهُ أَنه: رأى النَّبِي ﷺ فِي بَيت أم سَلمَة فِي ثوب وَاحِد ملتحفا بِهِ مُخَالفا بَين طَرفَيْهِ، وَذَلِكَ غلط، وَإِنَّمَا الَّذِي روى عَنهُ عُرْوَة بن عبد الله بن أبي أُميَّة. قَوْله: (إِن فتح الله لكم الطَّائِف غَدا) . وَوَقع فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة عَن هِشَام فِي أَوله وَهُوَ محاصر الطَّائِف يَوْمئِذٍ. قَوْله: (فَعَلَيْك) كلمة إغراء مَعْنَاهُ احرص على تَحْصِيلهَا والزمها. قَوْله: (على ابْنة غيلَان) ، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة: لَو قد فتحت لكم الطَّائِف لقد أريتك بادية بنت غيلَان، وَهِي بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ضد الْحَاضِرَة وَعَلِيهِ الْجُمْهُور. وَقيل بالنُّون مَوضِع الْبَاء الْمُوَحدَة، وغيلان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن مسلمة بن معتب، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة ابْن مَالك بن كَعْب بن عَمْرو بن سعد بن عَوْف بن قسي وَهُوَ ثَقِيف وَأمه سبيعة بنت عبد شمس، أسلم بعد فتح الطَّائِف، وَلم يُهَاجر وَكَانَ أحد وُجُوه ثَقِيف ومقدميهم وَكَانَ شَاعِرًا محسنا، وَتُوفِّي فِي آخر خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي أسلم وَتَحْته عشر نسْوَة، فَأمر النَّبِي ﷺ أَن يخْتَار أَرْبَعَة. قَوْله: (تقبل بأَرْبعَة وتدبر بثمان) أَي أَن لَهَا أَربع عُكَن لسمنها تقبل بِهن من كل نَاحيَة ثِنْتَانِ وَلكُل وَاحِدَة طرفان، فَإِذا أَدْبَرت صَارَت الأطرف ثَمَانِيَة أَي السمينة لَهَا فِي بَطنهَا عُكَن أَربع وَترى من وَرَائِهَا لكل عكنة طرفان قلت: العكنة بِالضَّمِّ الطي الَّذِي فِي الْبَطن من السّمن، وَقَالَ ابْن حبيب: عَن مَالك فِي معنى قَوْله: (تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان) أَن أعكانها يَنْعَطِف بَعْضهَا على بعض وَهِي فِي بَطنهَا أَربع طرائق وتبلغ أطرافها إِلَى حاضرتها فِي كل جَانب أَربع ولإرادة العكن ذكر الْأَرْبَع والثمان وَإِلَّا فَلَو أَرَادَ الْأَطْرَاف لقَالَ: ثَمَانِيَة. قَوْله: (لَا يدخلن هَذَا عَلَيْكُم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عليكن، وَهِي رِوَايَة مُسلم. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا حجبه عَن الدُّخُول إِلَى النِّسَاء لما سَمعه يصف الْمَرْأَة بِهَذِهِ الصّفة الَّتِي تهيج قُلُوب الرِّجَال، فَمَنعه لِئَلَّا يصف الْأزْوَاج للنَّاس فَيسْقط معنى الْحجاب. انْتهى. وَيُقَال: إِنَّمَا كَانَ يدْخل عَلَيْهِنَّ لِأَنَّهُنَّ يعتقدنه من غير أولي الإربة، فَلَمَّا وصف هَذَا الْوَصْف دلّ على أَنه من أولى الإربة، فَاسْتحقَّ الْمَنْع لدفع فَسَاده، وَغير أولي الإربة هُوَ الأبله الْعنين الَّذِي لَا يفْطن بمحاسن النِّسَاء وَلَا إرب لَهُ فِيهِنَّ، والأرب بِالْكَسْرِ الْحَاجة.
٤١١ - (بابُ نَظَر المرْأةِ إِلَى الحَبَشِ وغَيْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ رَيبَةٍ .)
أَي: هَذَا بَاب فِي جَوَاز نظر الْمَرْأَة إِلَى الْحَبَشَة وَغَيرهم من غير رِيبَة. أَي: من غير تُهْمَة، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن عِنْده جَوَاز نظر الْمَرْأَة إِلَى الْأَجْنَبِيّ دون نظر الْأَجْنَبِيّ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا ذكر الْحَبَشَة، وَإِن كَانَ الحكم فِي غَيرهم كَذَلِك، لأجل مَا ورد فِي حَدِيث الْبَاب على مَا يَأْتِي. وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهِ الرَّد لحَدِيث ابْن شهَاب عَن نَبهَان مولى أم سَلمَة أَنَّهَا قَالَت: كنت أَنا ومَيْمُونَة جالستين عِنْد على مَا يَأْتِي. وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهِ الرَّد لحَدِيث ابْن شهَاب عَن نَبهَان مولى أم سَلمَة أَنَّهَا قَالَت: كنت أَنا ومَيْمُونَة جالستين عِنْد رَسُول الله ﷺ ، فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ ابْن أم مَكْتُوم، فَقَالَ: احتجبا مِنْهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله: أَلَيْسَ أعمى لَا يُبصرنَا وَلَا يعرفنا؟ فَقَالَ: أفعمياوان أَنْتُمَا؟ ألستما تبصرانه؟ أخرجه الْأَرْبَعَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَكَذَا صَححهُ ابْن حبَان فَإِن قلت مَا وَجه رد حدث نَبهَان وَهُوَ حَدِيث صَححهُ الْأَئِمَّة بِإِسْنَاد قوي؟ قلت: قَالَ ابْن بطال: حَدِيث عَائِشَة، أَعنِي: حَدِيث الْبَاب أصح من حَدِيث نَبهَان، لِأَن نَبهَان لَيْسَ بِمَعْرُوف بِنَقْل الْعلم. وَلَا يروي إلَاّ حديثين هَذَا، وَالْمكَاتب إِذا كَانَ مَعَه مَا يُؤَدِّي احْتَجَبت عَنهُ سيدته، فَلَا يعْمل بِحَدِيث نَبهَان لمعارضته الْأَحَادِيث الثَّابِتَة. فَإِن قلت: قد عرف نَبهَان بِنَقْل الْعلم جمَاعَة مِنْهُم ابْن حبَان
стр. 6104
وَالْحَاكِم إِذْ صححا حَدِيثه وَأَبُو عَليّ الطوسي وَحسنه، وروى عَنهُ ابْن شهَاب وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن مولى طَلْحَة، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَمن يعرفهُ الزُّهْرِيّ ويصفه بِأَنَّهُ مكَاتب أم سَلمَة وَلم يُخرجهُ حد لَا ترد رِوَايَته، وَأما الْمُعَارضَة فَلَا نقُول بهَا بل نقُول: إِن عَائِشَة إِذْ ذَاك كَانَت صَغِيرَة فَلَا خرج عَلَيْهَا فِي النّظر إِلَيْهِم، أَو نقُول: إِنَّه رخص فِي الأعياد مَا لَا يرخص فِي غَيرهَا أَو نقُول: حَدِيث نَبهَان نَاسخ لحَدِيث عَائِشَة، أَو نقُول: إِن زَوْجَاته ﷺ قد خصصن بِمَا لم يخصص بِهِ غَيْرهنَّ لعظم حرمتهن، أَو نقُول: إِن الْحَبَشَة كَانُوا صبيانا لَيْسُوا بالغين. قلت: الْأَوْجه أَن يُقَال بِالْجمعِ بَين الْحَدِيثين لاحْتِمَال تقدم الواقعية، أَو أَن يكون فِي حَدِيث نَبهَان شَيْء يمْنَع النِّسَاء من رُؤْيَته، لكَون ابْن أم مَكْتُوم أعمى، فَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْهُ شَيْء ينْكَشف وَلَا يشْعر بِهِ، وَيُؤَيّد قَول من قَالَ بِالْجَوَازِ اسْتِمْرَار الْعَمَل على جَوَاز خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد والأسواق والأسفار منتقبات لِئَلَّا يراهن الرِّجَال، وَلم يُؤمر الرِّجَال قطّ بالانتقاب لِئَلَّا تراهم النِّسَاء، فَدلَّ على مُغَايرَة الحكم بَين الطَّائِفَتَيْنِ.
٦٣٢٥ - حدّثنا إسْحاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ عنْ عِيسَى عنِ الأوْزَاعِيِّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قَالَت: رأيْتُ النَّبِي ﷺ يَسْتُرُني برِدَائِهِ وَأَنا أنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ حتَّى أكُونَ أَنا الّذي أسْأمُ، فاقْدُرُوا قَدْرَ الجارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ الحَريصَةِ عَلى اللَّهْوِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والحنظلي هُوَ إِسْحَاق الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَعِيسَى هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث مر بأتم مِنْهُ فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب الحراب والدرق يَوْم الْعِيد، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) أَي: فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (أَنا الَّذِي أسأم) كَذَا وَقع فِي الْأُصُول، وَذكر ابْن التِّين: أَنا الَّذِي، ثمَّ قَالَ: وَصَوَابه: أَنا الَّتِي قَوْله: (أسأم) ، أَي أمل من السَّآمَة وَهِي الملالة. قَوْله: (فاقدروا قدر الْجَارِيَة) من قدرت الْأَمر كَذَا إِذا نظرت فِيهِ ودبرته، ورادت بِهِ أَنَّهَا وَكَانَت صَغِيرَة دون الْبلُوغ، قَالَه النَّوَوِيّ، وَيرد عَلَيْهِ أَن فِي بعض طرق الحَدِيث أَن ذَلِك كَانَ بعد قدوم وَفد الْحَبَشَة، وَأَن قدومهم كَانَ سنة سبع، ولعائشة يَوْمئِذٍ سِتّ عشرَة سنة، فَكَانَت بَالِغَة، وَكَانَ ذَلِك بعد الْحجاب.
وَفِي (التَّلْوِيح) : فِي الحَدِيث: جَوَاز نظر النِّسَاء إِلَى اللَّهْو واللعب لَا سِيمَا حَدِيثَة السن فَإِنَّهُ ﷺ قد عذرها، أَي: عَائِشَة، لحداثة سنّهَا، وَيُعَكر عَلَيْهِ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَالَ: وَفِيه: أَنه لَا بَأْس بِنَظَر الْمَرْأَة إِلَى الرجل من غير رِيبَة، أَلا ترى مَا اتّفق عَلَيْهِ الْعلمَاء من الشَّهَادَة عَلَيْهَا أَن ذَلِك لَا يكون إلَاّ بِالنّظرِ إِلَى وَجههَا؟ وَمَعْلُوم أَنَّهَا تنظر إِلَيْهِ حِينَئِذٍ كَمَا ينظر الرجل إِلَيْهَا، وَالله أعلم.
٥١١ - (بابُ خُرُوجِ النِّساءِ لِحَوَائِجِهِنَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز خُرُوج النِّسَاء لأجل حوائجهن، وَهُوَ جمع حَاجَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: جمع الْحَاجة حاجات وَجمع الْجمع حَاج، وَلَا يُقَال: حوائج، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالَّذِي ذكر أهل اللُّغَة أَن جمع حَاجَة حوائج، وَقَول الدَّاودِيّ غير صَحِيح، وَفِي (الْمُنْتَهى) : الْحَاجة فِيهَا لُغَات: حَاجَة وحوجاء وحائجة، فَجمع السَّلامَة: حاجات، وَجمع التكسير: حَاج، مثل رَاحَة وَرَاح، وَجمع حوجاء حواج، مثل: صحراء وصحار، وَيجمع على حوج أَيْضا نَحْو عوجاء وعوج، وَجمع الْحَاجة حوائج مثل حائجة وحوائج، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يُنكره، وَيَقُول: هُوَ مولد، وَإِنَّمَا أنكرهُ لِخُرُوجِهِ عَن الْقيَاس فِي جمع حَاجَة، وإلَاّ فَهُوَ كثير فِي الْكَلَام، قَالَ الشَّاعِر:
(نَهَار الْمَرْء أمثل حِين يقْضِي ... حَوَائِجه من اللَّيْل الطَّوِيل)
وَيُقَال: مَا فِي صَدره حوجاء وَلَا لوجاء وَلَا شكّ وَلَا مرية بِمَعْنى وَاحِد، وَيُقَال: لَيْسَ فِي أَمرك حويجاء وَلَا لويجاء، وَلَا لفُلَان عنْدك حَاجَة وَلَا حائجة وَلَا حوجاء وَلَا حواشية بالشين وَالسِّين وَلَا لماسة وَلَا لبَابَة وَلَا إرب وَلَا مأربة ونواة وبهجة وأشكلة وشاكلة وشكلة وشهلاء، كُله بِمَعْنى وَاحِد.
٧٣٢٥ - حدّثنا فَرْوَةُ بنُ أبي المَغْرَاءِ حَدثنَا علِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ. قالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلاً فَرَآها عُمَرُ فَعَرَفَهَا. فَقَالَ: إنّكِ وَالله يَا سَوْدَةُ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا
стр. 6105
فَرَجَععَتْ إِلَى النبيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وهْوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّى، وإنَّ فِي يَدِهِ لَغَرْقا فأنْزَلَ الله عَلَيْهِ فرُفِعَ عَنْهُ وهْوَ يَقُولُ: قَدْ أذِنَ الله لَكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه قد مر عَن قريب فِي: بَاب دُخُول الرجل على نِسَائِهِ فِي الْيَوْم.
والْحَدِيث قد مر بأتم مِنْهُ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مَا تخفين) ، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء وَأَصله: تخفين، على وزن تفعلين فاستثقلت الكسرة على الْيَاء فحذفت فَاجْتمع ساكنان وهما الياءان فحذفت الْيَاء الأولى لِأَن الثَّانِيَة ضمير المخاطبة فَبَقيَ تخفين على وزن تفعين. قَوْله: (لعرقا) ، اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة، والعرق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وبالقاف وَهُوَ الْعظم الَّذِي أَخذ لحْمَة. قَوْله: (فَأنْزل الله عَلَيْهِ) ، ويروي: فَأنْزل عَلَيْهِ بِصِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: فَأوحى الله إِلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن بطال: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن النِّسَاء يخْرجن لكل مَا أُبِيح لَهُنَّ الْخُرُوج فِيهِ من زِيَارَة الْآبَاء والأمهات وَذَوي الْمَحَارِم وَغير ذَلِك مِمَّا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي حكم خروجهن إِلَى الْمَسَاجِد. وَفِيه: خُرُوج الْمَرْأَة بِغَيْر إِذن زَوجهَا إِلَى الْمَكَان الْمُعْتَاد للْإِذْن الْعَام فِيهِ. وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِيه: تَنْبِيه أهل الْفضل على مصالحهم ونصحهم.
٦١١ - (بابُ اسْتِئْذَانِ المَرْأةِ زَوْجَهَا فِي الخُرُوجِ إِلَى المَسْجِدِ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِئْذَان الْمَرْأَة أَي: طلب الْإِذْن من زَوجهَا لأجل الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد. قَوْله: (وَغَيره) أَي: غير الْمَسْجِد مِمَّا لَهَا فِيهِ حَاجَة ضَرُورِيَّة شَرْعِيَّة.
٨٣٢٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا الزُّهْرِيُّ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ ﷺ : إذَا اسْتأْذَنَتِ امْرَأةُ أحَدِكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الْمَسْجِد، فِي غير الْمَسْجِد بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَالشّرط فِي الْجَوَاز فيهمَا الْأَمْن من الْفِتْنَة.
وعَلى ابْن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَهُوَ يرْوى عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب عَن النَّبِي ﷺ .
وَمضى الحَدِيث فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي بَاب خُرُوج النَّسَائِيّ إِلَى الْمَسَاجِد بِاللَّيْلِ والغلس.
٧١١ - (بابُ مَا يَحِلُّ مِنَ الدُّخُولِ والنظَرِ إِلَى النِّسا فِي الرِّضاعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يحل من الدُّخُول على النِّسَاء وَالنَّظَر إلَيْهِنَّ فِي وجود الرَّضَاع بَين الدَّاخِل والمدخول إِلَيْهَا لِأَن وجود الرَّضَاع يُبِيح ذَلِك.
٩٣٢٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عَن عائِشَةَ ﵂، أنّها قالَتْ: جاءَ عَمِّي مِنَ الرِّضاعَةِ فاسْتأذَنَ عَليَّ فأبَيْتُ أنْ آذَنَ لهُ حتَّى أسْألَ رسولَ الله ﷺ ، فجاءَ رسولُ الله ﷺ فَسألْتُهُ عنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: إنَّهُ عَمُّكِ فأْذَنِي لهُ. قالَتْ: فِقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إنّما أرْضَعَتْنِي المَرْأةُ ولَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ. قالَتْ: فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : إنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ. قالَتْ عائِشَةُ: وذالِكَ بَعْدَ أنْ ضُرِبَ علَيْنا الحِجابُ. قالَتْ عائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (إِنَّه عمك فليلج عَلَيْك) أَي: فَلْيدْخلْ من الولوج وَهُوَ الدُّخُول.
وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْفَحْل بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (جَاءَ عمي) هُوَ أَفْلح، وَفَائِدَة هَذَا الْبَاب أَنه أصل فِي أَن الرَّضَاع يحرم من النِّكَاح مَا يحرم من النّسَب، وَيَنْبَغِي أَن يسْتَأْذن على الْأَقَارِب كالأجانب لِأَنَّهُ مَتى فاجأهن فِي
стр. 6106
الدُّخُول يُمكن أَن يُصَادف مِنْهُنَّ عَورَة لَا يجوز لَهُ الِاطِّلَاع عَلَيْهَا، أَو أمرا يُكْرهن الْوُقُوف عَلَيْهِ، وَأما زَوجته وَأمته الْجَائِز لَهُ وَطْؤُهَا فَلَا يستأذنهما، لِأَن أَكثر مَا فِي ذَلِك أَن يصادفهما منكشفين، وَقد أُبِيح لَهُ النّظر إِلَى ذَلِك، وَالأُم وَالْأُخْت وَسَائِر ذَوَات الْمَحَارِم سَوَاء فِي الاسْتِئْذَان مِنْهُنَّ. قَوْله: (من الْولادَة) أَي: من النّسَب، وَالله أعلم.
٨١١ - (بابٌ لَا تُباشِرُ المَرْأةُ المَرْأةَ فَتَنْعَتَها لِزَوْجِها)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا تباشر، من الْمُبَاشرَة وَهِي الْمُلَامسَة فِي الثَّوْب الْوَاحِد، وَكَذَا قيد فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ. قَوْله: (فتنعتها) أَي: فتصفها من النَّعْت وَهُوَ الْوَصْف، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ الحَدِيث. قَالَ الْقَابِسِيّ: هَذَا الحَدِيث من أبين مَا يحمى بِهِ الذرائع فَإِنَّهَا أَن وصفتها لزَوجهَا بِحسن خيف عَلَيْهِ الْفِتْنَة حَتَّى يكون ذَلِك سَببا لطلاق زَوجته ونكاج تيك، إِن كَانَت أَيّمَا وَإِن كَانَت ذَات بعل كَانَ ذَلِك سَببا لِبُغْض زَوجته، ونقصان منزلتها عِنْده، وَإِن وصفتها بقبح كَانَ ذَلِك غيبَة.
٠٤٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عَن أبي وائلٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا تُباشر المَرأةُ المرْأةَ فَتَنْعَتَها لزَوْجِها كأنّهُ يَنْظُرُ إليْها.
(انْظُر الحَدِيث ٠٤٢٥ طرفه فِي: ١٤٢٥)
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا غيبَة، كَمَا ذكرنَا، أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي البُخَارِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن أبي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة ... الخ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : مُحَمَّد بن يُوسُف هَذَا هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الصُّورِي يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّحْرِير.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِبْرَاهِيم بن يُوسُف الْبَلْخِي، وَقد مر شَرحه الْآن.
١٤٢٥ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني: شقِيقٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الله قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا تُباشِر المَرْأةَ فَتَنعَتَها لِزَوْجِا كأنّهُ يَنْظُرُ إلَيْها.
(انْظُر الحَدِيث ٠٤٢٥)
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث لمذكور أخرجه عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالثاء الْمُثَلَّثَة: عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق هُوَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور وَفِي الحَدِيث السَّابِق، وروى شَقِيق عَن عبد الله بن مَسْعُود فِي الطَّرِيق الأول بالعنعنة، وَفِي هَذَا بِالسَّمَاعِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن قَوْله فتنعتها ... الخ. من كَلَام ابْن مَسْعُود، وَقَالَ ابْن التِّين وَظَاهره أَنه من كَلَام النَّبِي ﷺ .
٩١١ - (بابُ قَوْلِ الرَّجُل لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ علَى نِسَائِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الرجل: (لأطوفن) أَي: لأدورن على نسَائِي فِي هَذِه اللَّيْلَة بِالْجِمَاعِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة إِنَّمَا وَضعهَا فِي قَول سُلَيْمَان، ﵊: لأطوفن اللَّيْلَة بِمِائَة امْرَأَة، على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ بَعضهم: تقدم فِي كتاب الطَّهَارَة، بَاب من دَار على نِسَائِهِ فِي غسل وَاحِد. وَهُوَ قريب من معنى هَذِه التَّرْجَمَة، وَالْحكم فِي الشَّرِيعَة المحمدية أَن ذَلِك لَا يجوز فِي الزَّوْجَات. قلت: هَذَا الْكَلَام هُنَا طائح لِأَنَّهُ لم يقْصد من التَّرْجَمَة هَذَا، وَإِنَّمَا قصد بذلك بَيَان قَول سُلَيْمَان، ﵇، فَلذَلِك أورد حَدِيثه. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : لَا يجوز أَن يجمع الرجل جماع زَوْجَاته فِي غسل وَاحِد وَلَا يطوف عَلَيْهِنَّ فِي لَيْلَة إلَاّ إِذا ابْتَدَأَ الْقسم بَينهُنَّ أَو أذنَّ لَهُ فِي ذَلِك، أَو إِذا قدم من سفر وَلَعَلَّه لم يكن فِي شَرِيعَة سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉. من فرض الْقسم بَين النِّسَاء وَالْعدْل بَينهُنَّ مَا أَخذه الله على هَذِه الْأمة.
٢٤٢٥ - حدّثنا مَحْمُودٌ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزّاقِ أخْبَرنا مَعَمَرٌ عنِ ابنِ طاوُسِ عنْ أبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمانُ بنُ داوُدَ، ﵉: لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمَائَةِ امْرَأةٍ تَلِدُ كلُّ امْرَأةٍ غُلَاما يُقاتل فِي سَبِيلِ الله، فَقَالَ لَهُ المَلكُ: قُلْ شاءَ الله، فلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ فأطافَ بِهِنَّ ولَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلاّ امْرَأةٌ نِصْفَ إنْسانٍ، قَالَ النبيُّ ﷺ : لوْ قَالَ: إنْ شاءَ الله، لَمْ يَحْنَثْ وكانَ أرْجَى لِحاجَتِهِ.
стр. 6107
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، وَمعمر بِفَتْح الميمن هُوَ ابْن رَاشد، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله يروي عَن أَبِيه طَاوُوس.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب من طلب الْوَلَد للْجِهَاد. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن عبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَبَّاس الْعَنْبَري.
قَوْله: (لأطوفن اللَّيْلَة بِمِائَة امْرَأَة) وَفِي كتاب الْجِهَاد: لأطوفن اللَّيْلَة على مائَة امْرَأَة أَو تسع وَتِسْعين، وَقَالَ ابْن التِّين: وَفِي بعض الرِّوَايَات: لأطوفن على سبعين، وَفِي بَعْضهَا بِأَلف. قلت: ذكر أهل التَّارِيخ أَنه كَانَت لَهُ ألف امْرَأَة: ثَلَاثمِائَة حرائر وَسَبْعمائة إِمَاء، وَالله أعلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ البُخَارِيّ: الْأَصَح تسعون، وَلَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَات إِذْ التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ الْملك) أَي جِبْرَائِيل، ﵇، أَو الْملك من الْكِرَام الْكَاتِبين. قلت: يجوز أَن يكون ملكا غَيرهمَا أرْسلهُ الله. قَوْله: (فأطاف بِهن) أَي ألمَّ بِهن وقاربهن. قَوْله: (إِلَّا امْرَأَة نصف إِنْسَان) وَهُنَاكَ جَاءَت بشق رجل، وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل الله فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لم يَحْنَث) أَي: لم يتَخَلَّف مُرَاده لِأَن الْحِنْث لَا يكون إلَاّ عَن يَمِين، وَيحْتَمل أَن يكون سُلَيْمَان حلف على ذَلِك، وَقيل: ينزل التَّأْكِيد الْمُسْتَفَاد من قَوْله: (لأطوفن) بمزلة الْيَمين فَلْيتَأَمَّل. وَقَالَ الْمُهلب: (لم يَحْنَث) لم يخب وَلَا عُوقِبَ بالحرمان حِين لم يسْتَثْن مَشِيئَة الله وَلم يَجْعَل الْأَمر لَهُ، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث يَمِين فَيحنث فِيهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه: لما جعل لنَفسِهِ الْقُوَّة وَالْفِعْل عاقبه الله تَعَالَى بالحرمان، فَكَانَ الْحِنْث بِمَعْنى التخييب. وَقد احْتج بعض الْفُقَهَاء بِهِ على أَن الِاسْتِثْنَاء بعد السُّكُوت عَن النَّهْي جَائِز بِخِلَاف قَول مَالك: وَاحْتَجُّوا بقوله: لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله لم يَحْنَث، وَلَيْسَ كَمَا توهموه، لِأَن هَذَا لم يُمكن يَمِينا وَإِنَّمَا كَانَ قولا جعل الْأَمر لنَفسِهِ وَلم يجب فِيهِ كَفَّارَة فَتسقط عَنهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ.
٠٢١ - (بابٌ لَا يَطْرُقْ أهْلَهُ لَيْلاً إذَا أَطَالَ الغَيْبَةَ مَخافَةَ أنْ يخَوِّنَهُمْ أوْ يَلْتَمِسَ عَثَراتِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يطْرق الْغَائِب أَهله ليلاٌ. ويطرق بِضَم الرَّاء: من الطروق وَهُوَ إتْيَان الْمنزل لَيْلًا، يُقَال: أَتَانَا طروقا إِذا جَاءَ لَيْلًا وَهُوَ مصدر فِي مَوضِع الْحَال. قَوْله: (لَيْلًا) تَأْكِيد لِأَن الطروق لَا يكون إلَاّ لَيْلًا. وَذكر ابْن فَارس أَن بَعضهم حكى أَن الطروق قد يُقَال فِي النَّهَار، فعلى هَذَا التَّأْكِيد لَا يكون إلَاّ على القَوْل الأول، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقيد بقوله: (إِذا أَطَالَ الْغَيْبَة) لِأَنَّهُ إِذا لم يطلها لَا يتَوَهَّم مَا كَانَ يتَوَهَّم عِنْد إطالة الْغَيْبَة. قَوْله: (مَخَافَة) نصب على التَّعْلِيل وَهُوَ مصدر ميمي أَي: لأجل خوف أَن يخونهم، وَكلمَة: أَن مَصْدَرِيَّة أَي: لأجل خوف تخوينه إيَّاهُم وَهُوَ بالنُّون من الْخِيَانَة أَي: ينسبهم إِلَى الْخِيَانَة. قَوْله: (أَو يلْتَمس) أَي: يطْلب عثراتهم جمع عَثْرَة، وَهُوَ بِالْمُثَلثَةِ الزلة، قَالَ ابْن التِّين. قَوْله: (إِذا أَطَالَ) إِلَى آخِره لَيْسَ فِي أَكثر الرِّوَايَات.
٣٤٢٥ - حدّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا مُحارِبُ بنُ دِثارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله، ﵄، قالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يَكْرَهُ أنْ يأتِيَ الرَّجُلُ أهْلَهُ طُرُوقا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من لفظ الحَدِيث. والترجمة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَجزَاء. الأول: قَوْله: لَا يطْرق أَهله لَيْلًا، وَهَذَا الحَدِيث يطابقه الْجُزْء الثَّانِي قَوْله إِذا أَطَالَ الْغَيْبَة فَلَا يطابقه إلَاّ الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي وَهُوَ رِوَايَة الشّعبِيّ عَن جَابر الْجُزْء الثَّالِث قَوْله مَخَافَة أَن يخونهم لَا يطابقه شَيْء من حَدِيث الْبَاب وَإِنَّمَا ورد هَذَا فِي طَرِيق آخر لحَدِيث جَابر: أخرجه ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن محَارب بن دثار عَن جَابر، ﵁، قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ أَن يطْرق الرجل أَهله لَيْلًا فيخونهم أَو يطْلب عثراتهم وَأخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي نعيم عَن سُفْيَان كَذَلِك وَأخرجه أَبُو عوَانَة من وَجه آخر عَن سُفْيَان كَذَلِك، فبيَّن الشَّارِع بِهَذَا اللَّفْظ الْمَعْنى الَّذِي من أَجله نهى أَن يطْرق أَهله لَيْلًا وَمعنى كَون طروق اللَّيْل سَببا لتخوينهم أَنه وَقت خلْوَة وَانْقِطَاع مراقبة النَّاس بَعضهم لبَعض، فَكَانَ ذَلِك سَببا لتوطن أَهله بِهِ، وَلَا سِيمَا إِذا أَطَالَ الْغَيْبَة لِأَن طول الْغَيْبَة مَظَنَّة الْأَمْن من الهجوم، بِخِلَاف مَا إِذا خرج لِحَاجَتِهِ مثلا نَهَارا وَرجع لَيْلًا لَا يَتَأَتَّى لَهُ مَا يحذر من الَّذِي يُطِيل الْغَيْبَة، وَمن أعلم أَهله بوصوله فِي وَقت كَذَا مثلا لَا يتَنَاوَلهُ هَذَا النَّهْي. وَأخرج حَدِيث جَابر هَذَا عَن آدم ابْن أبي
стр. 6108
إِيَاس عَن شُعْبَة عَن محَارب ضد الْمصَالح ابْن دثار ضد الشعار عَن جَابر، وَمضى الحَدِيث فِي الْحَج عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك مَا أخرجه أَبُو عوَانَة من حَدِيث محَارب بن دثار عَن جَابر بن عبد الله بن أَن عبد الله رَوَاحَة أَتَى امْرَأَته لَيْلًا وَعِنْدهَا امْرَأَة تمشطهَا، فظنها رجلا فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِالسَّيْفِ، فَلَمَّا ذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ نهى أَن يطْرق الرجل أَهله لَيْلًا.
٤٤٢٥ - حدّثنا مُحَمَّد بنُ مُقاتِلٍ أخبرنَا عبدُ الله أخبرنَا عاصِمُ بنُ سُلَيْمانَ عنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بن عَبْدِ الله يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : وإذَا أطالَ أحَدُكُمْ الغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أهْلَهُ لَيْلاً.
قد ذكرنَا وَجه الْمُطَابقَة آنِفا. وَمُحَمّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول الْبَصْرِيّ، وَالشعْبِيّ عَامر بن شرَاحِيل.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن بنْدَار عَن غنْدر وَعَن يحيى بن حبيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان عَن جرير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن بنْدَار وَعَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (إِذا أَطَالَ أحدكُم الْغَيْبَة) نهى عَن الطروق عِنْد إطالة الْغَيْبَة لِأَنَّهَا تبعد مراقبتها لَهُ وَتَكون آيسة من تَعْجِيله إِلَيْهَا فيجد الشَّيْطَان سَبِيلا إِلَى إِيقَاع سوء الظَّن، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح وَغَيرهم ذكر حد طول الْغَيْبَة، وَالظَّاهِر أَنه يعلم من علم مقصد الرجل فِي ذَهَابه إِلَيْهِ وَالله أعلم.
١٢١ - (بابُ طَلَبِ الولَدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان طلب الرجل الْوَلَد بالاستكثار من جماع الْمَرْأَة على قصد الِاسْتِيلَاد لَا الِاقْتِصَار على مُجَرّد اللَّذَّة، وَطلب الْوَلَد مَنْدُوب إِلَيْهِ لقَوْله ﷺ إِنِّي مُكَاثِر بكم الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة حَفْص ابْن أخي أنس عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٥٤٢٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ هَشِيمٍ عنْ سَيَّارٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ جابِرِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فِي غَزْوَةٍ فَلمَّا قَفلْنا تَعَجَّلْتُ علَى بعِيرٍ قطُوفٍ، فَلحِقَنِي راكبٌ مِنْ خَلْفِي فالْتَفَتُّ فإذَا أَنا بِرَسُول الله ﷺ ، قَالَ: مَا يُعَجِّلُكَ؟ قُلْتُ: إنِّي حَدِيثُ عَهد بِعُرْسٍ، قَالَ؛ فَبِكرا تَزَوَّجْتَ أمْ ثَيِّبا؟ قُلْتُ: بلْ ثَيِّبا قَالَ: فَهلَاّ جاريَةً تُلَاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدمْنا ذَهَبْنا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: أمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلاً أيْ: عِشاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ.
قَالَ: وحدّثني: الثِّقَةُ أنّهُ قَالَ فِي هاذا الحَدِيثِ: الكَيْسَ الكَيْسَ يَا جابِرُ، يَعْنِي الوَلَدَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة لَا يتأتي أَخذهَا إلَاّ من قَوْله ﷺ : (الْكيس الْكيس يَا جَابر يَعْنِي الْوَلَد) وَالْمرَاد مِنْهُ الْحَث على ابْتِغَاء الْوَلَد. يُقَال: أَكيس الرجل إِذا ولد لَهُ أَوْلَاد أكياس.
وهشيم مصغر هشم ابْن بشير الوَاسِطِيّ أَصله من بَلخ نزل وَاسِط للتِّجَارَة وسيار، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَبعد الْألف رَاء هُوَ ابْن أبي سيار واسْمه وردان أَن أَبُو الحكم الْعَنزي الوَاسِطِيّ، يروي عَن عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي النُّعْمَان وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن غنْدر عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى وَفِي الْجِهَاد عَنهُ وَعَن إِسْمَاعِيل وَعَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن هشيم بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن الْحسن بن إِسْمَاعِيل وَغَيره.
قَوْله: (عَن سيار عَن الشّعبِيّ) وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق شُرَيْح بن النُّعْمَان: حَدثنَا سيار حَدثنَا الشّعبِيّ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من وَجه آخر: سَمِعت الشّعبِيّ. قَوْله: (قَفَلْنَا) بِالْقَافِ وبفتح الْفَاء المخففة، أَي: رَجعْنَا. قَوْله: (قطوف) بِفَتْح الْقَاف أَي: بطيء الْمَشْي. قَوْله: (مَا يعجلك؟) بِضَم الْيَاء أَي: أَي شَيْء أَي يعجلك؟ قَوْله: حَدِيث عهد بعرس، أَي: جَدِيد التَّزْوِيج، وطابق السُّؤَال الْجَواب بلازمه وَهُوَ الحداثة. قَوْله: (فبكرا تزوجت؟) . مَنْصُوب بقوله: زوجت، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ مَحْذُوف أَي تزوجته. قَوْله: (بل ثَيِّبًا) مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر أَي تزوجت ثَيِّبًا. قَوْله: (أَي عشَاء) إِنَّمَا فسر بِهِ لِئَلَّا يُعَارض مَا تقدم أَنه لَا يطْرق أَهله لَيْلًا، مَعَ أَن الْمُنَافَاة
стр. 6109
منتفية من حَيْثُ إِن ذَلِك فِيمَن جَاءَ بَغْتَة وَأما هُنَا فقد بلغ خبر مجيئهم وَعلم النَّاس وصولهم. قَوْله: (الشعثة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَهِي المغبرة الرَّأْس المنتشرة الشّعْر. قَوْله: (وتستحد المغيبة) وَقد فسرناها عَن قريب، وَهِي الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوجهَا، والاستحداد اسْتِعْمَال الْحَدِيد فِي شعر الْعَانَة وَهِي إِزَالَته بِالْمُوسَى، هَذَا فِي حق الرِّجَال، وَأما النِّسَاء فَلَا يستعملن إلَاّ النورة أَو غَيرهَا مِمَّا يزِيل الشّعْر.
قَوْله: (قَالَ: وحَدثني الثِّقَة) الْقَائِل هُوَ هشيم، أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَنه البُخَارِيّ أَو مُسَدّد. قلت: هُوَ جرى على ظَاهر اللَّفْظ وَالْمُعْتَمد مَا قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا يُقَال هَذَا رِوَايَة عَن مَجْهُول لِأَنَّهُ إِذا ثَبت عِنْد الرَّاوِي عَنهُ أَنه ثِقَة فَلَا بَأْس بِعَدَمِ الْعلم باسمه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِنَّمَا لم يُصَرح بِالِاسْمِ لِأَنَّهُ لَعَلَّه نَسيَه أَو لم يحققه. وَفِيه تَأمل. قَوْله: (قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن عبد الله بن الحكم عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ: وَقَالَ، بِإِثْبَات الْوَاو، وَكَذَا أخرجه أَحْمد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَلَفظه: قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا دخلت فَعَلَيْك الْكيس الْكيس. قَوْله: (الْكيس الْكيس) مَذْكُور مرَّتَيْنِ ومنصوب على الإغراء، والكيس وَالْجِمَاع وَالْعقل، وَالْمرَاد حثه على ابْتِغَاء الْوَلَد. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْكيس هُنَا يجْرِي مجْرى الحذر من الْعَجز عَن الْجِمَاع. فَفِيهِ الْحَث على الْجِمَاع، وَقد يكون بِمَعْنى الرِّفْق وَحسن التائي، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْكيس الْعقل كَأَنَّهُ جعل طلب الْوَلَد عقلا. وَفِي اللُّغَة: الكوس، بِالسِّين الْمُهْملَة والمعجمة: الْجِمَاع، يُقَال كاس الْجَارِيَة وكاسها وكارسها وكاوسها مكاوسة وكواسا واكتاسها كل ذَلِك: إِذا جَامعهَا.
٦٤٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ حَدثنَا مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَيَّارٍ عَن الشَّعْبِيِّ عَن جابِرِ بنِ عبْدِ الله ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: إذَا دَخَلْتَ لَيْلاً فَلا تَدْخُلْ عَلى أهْلكَ حتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ وتَمْتَشِط الشَّعَثَةُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : فَعَلَيْكَ بالكَيْسِ الكَيْسِ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن عبد الحميد الملقب بحمدان، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا. وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر.
تابَعَهُ عُبَيْدُ الله عنْ وَهبٍ عنْ جابِرٍ عنِ النبيِّ ﷺ فِي الكَيْسِ.
أَي: تَابع الشّعبِيّ عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ فِي رِوَايَة لفظ الْكيس، والمتابع فِي الْحَقِيقَة هُوَ وهب لكنه نَسَبهَا إِلَى عبيد الله لِتَفَرُّدِهِ بذلك عَن وهب، وَتَقَدَّمت رِوَايَة عبيد الله بن عمر مَوْصُولَة فِي أَوَائِل الْبيُوع فِي أثْنَاء حَدِيث أَوله: كنت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي غزَاة فَأَبْطَأَ بِي حملي الحَدِيث بِطُولِهِ.
٢٢ - (بابٌ تَسْتَحِدُّ المُغِيبَةُ وتَمْتَشِطُ الشَّعِثَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، وَقد مر تفسيرهما الْآن.
٧٤٢٥ - حدّثني يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حَدثنَا هُشَيْمٌ أخْبَرَنَا سَيَّارٌ عنِ الشَّعبِيِّ عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ الله قَالَ: كُنَّ مَعَ النبيِّ ﷺ ، فِي غَزوَةٍ فَلَمَّا قَفَلْنَا كِنَّا قَرِيبا مِنَ المَدِينَةِ تَعَجَّلْتُ عَلى بَعِيرٍ لي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخس بَعِيري بِعَنْزَةٍ كانَتْ مَعَهُ فَسارَ بَعيري كأحْسَنِ مَا أنْتَ راءٍ من الإبِلِ، فالْتَفَتُّ فإذَا أَنا بِرَسُولِ الله ﷺ ، فقُلْتُ: يَا رسُولَ الله ﴿إنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ﴾ قَالَ: أتَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أبِكْرا أمْ ثَيِّبا؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبا. قَالَ: فَهَلَاّ بِكْرا تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ؟ قَالَ: فلمَّا قَدمْنا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: أمْهِلُوا حتَّى تَدْخُلُوا لَيْلاً أَي: عِشاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وتَسْتَحِدَّ المُغِيبةُ.
стр. 6110
هَذَا وَجه آخر فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور فِيمَا قبله، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ مستقصى.
قَوْله: (فَنَخَسَ) بالنُّون وبالخاء الْمُعْجَمَة وبالسين الْمُهْملَة، وأصل النخس الدّفع وَالْحَرَكَة، قَالَه ابْن الْأَثِير فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث، وَفِي (الغرب) : نخس دَابَّته إِذا طَعنهَا بِعُود وَنَحْوه، والعنزة عصى نَحْو نصف الرمْح.
٣٢١ - (بابٌ ﴿ (٢٤) وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا لبعولتهن﴾ إِلَى قَوْله ﴿ (٢٤) لم يظهروا على عورات النِّسَاء﴾ (النُّور: ١٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ أَي وَلَا يظهرن (زينتهن) يَعْنِي: مَا يتزين بِهِ من حلي أَو كحل أَو خضاب، والزينة مِنْهَا مَا هُوَ ظَاهر وَهُوَ الثِّيَاب والرداء فَلَا بَأْس بإبداء هَذَا للأجانب، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِي كالخلخال والسوار والدملج والقرط والقلادة والإكليل والوشاح، وَلَا يبدينها (إِلَّا لبعولتهن) وَهُوَ جمع بعل وَهُوَ الزَّوْج ﴿أَو آبائهن أَو آبَاء بعولتهن أَو أبنائهن أَو أَبنَاء بعولتهن أَو إخوانهن﴾ وَهُوَ جمع أَخ ﴿أَو بني أخواتهن أَو نسائهن﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قيل فِي نسائهن: هن الْمُؤْمِنَات لِأَنَّهُ لَيْسَ للمؤمنة أَن تتجرد بَين يَدي مُشركَة أَو كنابية. وَالظَّاهِر أَنه عني بنسائهن وَمَا ملكت أيمانهن فِي صبحتهن وخدمتهن من الْحَرَائِر وَالْإِمَاء، وَالنِّسَاء كُلهنَّ سَوَاء فِي حل نظر بَعضهنَّ إِلَى بعض، وَقيل: مَا ملكت أيمانهن هم الذُّكُور وَالْإِنَاث جَمِيعًا. قَوْله: (أَو التَّابِعين) هم الْقَوْم الَّذين يتبعُون الْقَوْم وَيَكُونُونَ مَعَهم لإرفاقهم إيَّاهُم، أَو لأَنهم نشأوا فيهم ﴿غير أولي الإربة﴾ أَي: الْحَاجة (من الرِّجَال) ، وَلَا حَاجَة لَهُم فِي النِّسَاء وَلَا يشتهونهن، وَقيل: التَّابِع الأحمق الَّذِي لَا تشتهيه الْمَرْأَة وَلَا يغار عَلَيْهِ الرجل، وَقيل: هُوَ الأبله الَّذِي يُرِيد الطَّعَام وَلَا يُرِيد النِّسَاء، وَقيل: الْعنين، وَقيل: الشَّيْخ الفاني، وَقيل: إِنَّه الْمَجْبُوب، وَالْمعْنَى لَا يبدين زينتهن لمماليكهن وَلَا أتباعهن إِلَّا أَن يَكُونُوا غير أولي الإربة ﴿أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء﴾ فيعطلوا عَلَيْهَا. قيل: لم يظهروا، إِمَّا من ظهر على الشَّيْء إِذا اطلع عَلَيْهِ، أَي: لَا يعْرفُونَ مَا الْعَوْرَة وَلَا يميزون بَينهَا وَبَين غَيرهَا، وَإِمَّا من ظهر على فلَان إِذا قوي عَلَيْهِ أَي: لم يبلغُوا أَوَان الْقُدْرَة على الْوَطْء. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِه الْآيَة نزلت بعد الْحجاب، ثمَّ الزِّينَة هِيَ الْوَجْه والكفان، وَقيل: اليدان إِلَى المرافقين، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا أُبِيح للنِّسَاء أَن يبدين زينتهن لمن ذكر فِي هَذِه الْآيَة إلَاّ فِي العبيد، وَعَن سعيد بن الْمسيب لَا تغرنكم هَذِه الْآيَة، إِنَّمَا عَنى بهَا الْإِمَاء وَلم يعن بِهِ العبيد، وَكَانَ الشّعبِيّ يكره أَن ينظر الْمَمْلُوك إِلَى شعر مولاته، وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد، وَعَن ابْن عَبَّاس: يجوز ذَلِك، فَدلَّ على أَن الْآيَة عِنْده على الْعُمُوم فِي المماليك، وَقيل: لم يذكر فِي الْآيَة الْخَال وَالْعم؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ اسْتغنى عَن ذكرهمَا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِمَا لِأَن الْعم ينزل منزلَة الْأَب، وَالْخَال منزلَة الْأُم.
٨٤٢٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ أبِي حازمٍ قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ بأيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ رسولِ الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَسَأَلَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وكانَ مِنْ آخِر مَنْ بَقِيَ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ بالمَدينةِ، فَقَالَ: وَمَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. كانَتْ فاطِمَةُ، ﵍ تَغْسلُ الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ وعليٌّ يَأْتِي بالماءِ علَى تُرْسِهِ فأُخِذَ حَصِيرٌ فَحُرِّقَ فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذِه الْآيَة وَبَين الحَدِيث إِنَّمَا يظْهر من قَوْله: ﴿إِلَّا لبعولتهن أَو آبائهن﴾ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب غسل الْمَرْأَة الدَّم عَن وَجه أَبِيهَا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سُفْيَان إِلَى آخِره.
قَوْله: (فَحرق) وَفِي الأَصْل فَأحرق من بَاب الْأَفْعَال، وَحرق من بَاب التفعيل على صِيغَة الْمَجْهُول، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت هُنَاكَ.
٤٢١ - (بَاب ﴿ (٢٤) وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم﴾ (النُّور: ٨٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم﴾ (النُّور: ٨٥) وَقَبله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ (النُّور: ٨٥) وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَجه رَسُول الله ﷺ غُلَاما من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ مُدْلِج بن عَمْرو إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقت الظهيرة
стр. 6111
لِيَدْعُوهُ، فَدخل فَرَأى عمر بِحَالَة كره عمر رُؤْيَة ذَلِك، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! وددت لَو أَن الله أمرنَا ونهانا فِي حَالَة الاسْتِئْذَان فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَقَالَ مقَاتل تزلت هَذِه الْآيَة فِي أَسمَاء بنت مرْثَد الحارثية، وَكَانَ لَهَا غُلَام كَبِير فَدخل عَلَيْهَا وَفِي وَقت كرهته، فَأَتَت رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: إِن خدمنا وغلماننا يدْخلُونَ علينا فِي حَالَة نكْرههَا فَأنْزل الله الْآيَة قيل: ظَاهر الْخطاب للرِّجَال وَالْمرَاد بِهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء تَغْلِيبًا للمذكر على الْمُؤَنَّث. قَالَ الإِمَام: وَالْأولَى أَن يكون الْخطاب للرِّجَال وَالْحكم ثَابت للنِّسَاء بِقِيَاس جلي لِأَن النِّسَاء فِي بَاب حفظ الْعَوْرَة أَشد حَالا من الرِّجَال. وَمعنى الْكَلَام: لِيَسْتَأْذِنكُم مماليككم فِي الدُّخُول عَلَيْكُم، قَالَ أَبُو يعلى: وَالْأَظْهَر أَن يكون المُرَاد العبيد الصغار لِأَن العَبْد الْبَالِغ بِمَنْزِلَة الْحر الْبَالِغ فِي تَحْرِيم النّظر إِلَى مولاته: ﴿وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم﴾ أَي من الْأَحْرَار من الذُّكُور وَالْإِنَاث قَوْله: ﴿ثَلَاث مَرَّات﴾ أَي: ثَلَاث أَوْقَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من قبل صَلَاة الْفجْر لِأَنَّهُ وَقت الْقيام من الْمضَاجِع وَطرح مَا ينَام فِيهِ من الثِّيَاب وَلبس ثِيَاب الْيَقَظَة ﴿وَحين تضعون ثيابكم﴾ من الظهيرة القائلة، وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء لِأَنَّهُ وَقت التجرد من ثِيَاب الْيَقَظَة والالتحاف بِثِيَاب النّوم، وَإِنَّمَا خص هَذِه الْأَوْقَات لِأَنَّهَا سَاعَات الْغَفْلَة وَالْخلْوَة وَوضع الثِّيَاب وَالْكِسْوَة. قَوْله: (ثَلَاث عورات لكم) سمى كل وَاحِدَة من هَذِه الْأَحْوَال عَورَة لِأَن النَّاس يخْتل تسترهم وتحفظهم فِيهَا، والعورة الْخلَل.
٩٤٢٥ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أخْبرنا عبْدُ الله أخبرنَا سُفْيانُ عنْ عبدِ الرَّحْمانِ بنِ عابِسٍ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاس ﵄، سألَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ مَعَ رسولِ الله ﷺ ، العيدَ أضْحًى أوْ فِطْرا؟ قَالَ: نَعَمْ، ولوْلا مَكانِي منْه مَا شهِدْتُهُ يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ قَالَ: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ولَمْ يَذُكُرْ أذَانَا وَلَا إقامَةَ، ثُمَّ أتَى النِّساءَ فَوَعَظَهُنَّ وذَكَرَهُنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ، فَرَأيْتَهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذانِهِنَّ وحُلُوقِهنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بَلَالٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة مَا قَالَه الْمُهلب: كَانَ ابْن عَبَّاس فِي هَذَا لوقت مِمَّن يطلع على عورات النِّسَاء، وَلذَلِك قَالَ: لَوْلَا مَكَاني من الصغر مَا عهدته، وَهَذَا هوموضع التَّرْجَمَة بقوله: بَاب ﴿وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم﴾ قَالَ: وَكَانَ بِلَال من الْبَالِغين قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم﴾ (النُّور: ٨٥) فَأجرى الَّذين ملكت أمانهم مجْرى الَّذين لم يبلغُوا الْحلم، وَأمر بالاستئذان فِي العورات الثَّلَاث، لِأَن النَّاس ينكشفون فِي تِلْكَ الْأَوْقَات وَلَا يكونُونَ فِي التستر فِيهَا كَمَا يكونُونَ فِي غَيرهَا.
وَأحمد بن مُحَمَّد الملقب بمردويه، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَضم الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: السمسار الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعبد الرَّحْمَن بن عَابس بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة من العبوس النَّخعِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث قد مر فِي صَلَاة الْعِيد فن بَاب الْعلم الَّذِي بالمصلى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن عَابس إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (لَوْلَا مَكَاني مِنْهُ) أَي: منزلتي من النَّبِي ﷺ . قَوْله: (من صغره) ، فِيهِ الْتِفَات، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: من صغري على الأَصْل، كَذَا قَالَ بَعضهم. قلت: الظَّاهِر أَن قَوْله: (من صغره) لَيْسَ من كَلَام ابْن عَبَّاس، بل من كَلَام أحد الروَاة بِدَلِيل قَوْله: (يَعْنِي من صغره) على مَا لَا يخفى، وَأما على رِوَايَة السَّرخسِيّ فَمن كَلَامه بِلَا نزاع فَافْهَم. قَوْله: (ويهوين) ، من بَاب ضرب يضْرب قَالَ الْكرْمَانِي: من الإهواء أَي: يقصدن، قلت: فَحِينَئِذٍ بِضَم الْيَاء من أَهْوى إِذا أَرَادَ أَن يَأْخُذ شَيْئا. قَوْله: (يدفعن) حَال قَوْله: (ثمَّ ارْتَفع هُوَ) أَي: النَّبِي ﷺ أَي: رَجَعَ هُوَ وبلال مَعَه وَفِي رِوَايَة صَلَاة الْعِيد: ثمَّ انْطلق هُوَ وبلال إِلَى بَيته. وَقَالَ ابْن التِّين: اخْتلف فِي أول من ابتدع الْأَذَان أَولا للعيد، فَقيل: ابْن الزبير، وَقيل: مُعَاوِيَة، وَقيل: ابْن هِشَام، وَعَن الدَّاودِيّ: مَرْوَان، وَقَالَ الْقُضَاعِي: زِيَاد.
٥٢١
- (بابُ قَوْل الرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: هَلْ أعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ وطَعْنِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ فِي الْخاصِرَةِ عِنْدَ العِتابِ) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الرجل لصَاحبه هَل أعرستم اللَّيْلَة؟ وَهَذَا الْمِقْدَار زَاده ابْن بطال فِي شَرحه وَلم يذكرهُ غَيره
стр. 6112
إِلَّا نَاب طعن الرجل ابْنَته فِي الخاصرة عِنْد العتاب، ثمَّ قَالَ ابْن بطال: لم يخرج البُخَارِيّ فِيهِ حَدِيثا، واخرج فِي أول كتاب الْعَقِيقَة رِوَايَة أنس، قَالَ: كَانَ ابْن لأبي طَلْحَة يشتكي، فَخرج أَبُو طَلْحَة فَقبض الصَّبِي، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَة قَالَ: مَا فعل ابْني؟ قَالَت أم سليم: هُوَ أسكن مِمَّا كَانَ، فقربت إِلَيْهِ الْعشَاء فتعشى، ثمَّ أصَاب مِنْهَا ... الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: أعرستم اللَّيْلَة؟ فَذكره، وَهُوَ من أعرس الرجل فَهُوَ معرس إِذا دخل بامرأته عِنْد بنائها وَأَرَادَ بِهِ هَهُنَا الْوَطْء، فَسَماهُ إعراسا لِأَنَّهُ من تَوَابِع الإعراس، وَلَا يُقَال فِيهِ عرس، قَوْله: (وَطعن الرجل) عطف على قَول: الرجل، وَهُوَ مصدر مُضَاف إِلَى فَاعل، وَابْنَته بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (عِنْد العتاب) أَي فِي حَالَة المعاتبة.
٠٥٢٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، قالَتْ: عاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ وجَعَل يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ ﷺ فِي خاصرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلاّ مَكانُ رسولِ الله ﷺ ورأسُهُ عَلى فَخِذِي.
التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة مُشْتَمِلَة على جزءين أَحدهمَا هُوَ قَوْله: قَول الرجل لصَاحبه: هَل أعرستم اللَّيْلَة؟ فَإِن كَانَ هَذَا الْجُزْء مفقودا فِي أَكثر الرِّوَايَات، على مَا قَالَه ابْن بطال، فَلَا وَجه إِلَى ذكر شَيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وعَلى تَقْدِيره وجوده فوجهه أَن البُخَارِيّ يترجم وَلَا يذكر حَدِيثا يُنَاسِبه إشعارا بِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ يدل عَلَيْهِ. قلت: هَذَا لَيْسَ بِوَجْه، فَإِن الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي كتاب الْعَقِيقَة عَن أنس يطابقه، وَهُوَ على شَرطه فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكرهُ هَهُنَا، وَقيل: لما كَانَت كل وَاحِدَة من الْحَالَتَيْنِ مَمْنُوعَة فِي غير الْحَالة الَّتِي ورد فِيهَا، كَانَ ذَلِك جَامعا بَينهمَا، فَإِن طعن الخاصرة لَا يجوز إلَاّ مَخْصُوصًا بِحَالَة العتاب، وَكَذَلِكَ سُؤال الرجل عَن الْجِمَاع لَا يجوز إلَاّ فِي مثل حَالَة أبي طَلْحَة من تسليته من مصيبته وبشارته بِغَيْر ذَلِك. قلت: هَذَا لَا يَخْلُو عَن تعسف، والجزء الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: وَطعن الرجل ... إِلَى آخِره، ومطابقة حَدِيث الْبَاب لَهُ ظَاهِرَة.
وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث عَائِشَة، وَقد مضى فِي أول كتاب التَّيَمُّم مطولا وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٨٦ - (كتابُ الطلَاقِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الطَّلَاق وأنواعه، وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْكِتَابَيْنِ ظَاهر إِذْ الطَّلَاق يعقب النِّكَاح فِي الْوُجُود، فَكَذَلِك فِي وضع الْأَحْكَام فيهمَا. وَالطَّلَاق اسْم للتطليق كالسلام اسْم للتسليم، يُقَال: طلق يُطلق تطليقا، وَطلقت بِفَتْح اللَّام تطلق طَلَاقا فَهِيَ طَالِق وطالقة أَيْضا. وَقَالَ الْأَخْفَش: لَا يُقَال: طلقت، بِالضَّمِّ وَطلقت أَيْضا بِضَم أَوله وَكسر اللَّام الثَّقِيلَة، فَإِن خففت فَهُوَ خَاص بِالْولادَةِ، والمضارع فيهمَا بِضَم اللَّام، والمصدر فِي الْولادَة: طلق، بِسُكُون اللَّام فَهِيَ طَالِق فيهمَا. وَمعنى الطَّلَاق فِي اللُّغَة: رفع الْقَيْد مُطلقًا، مَأْخُوذ من إِطْلَاق الْبَعِير وَهُوَ إرْسَاله من عقاله، وَفِي الشَّرْع: رفع قيد النِّكَاح وَيُقَال: حل عقدَة التَّزْوِيج.
١ - (بَاب وقوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٦٥) يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا الْعدة أحصيناه حفظناه وعددناه﴾ (الطَّلَاق: ١) أحْصَيْناهُ حَفِظْناهُ وعَدَدْناهُ .)
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: الطَّلَاق قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي﴾ خطاب للنَّبِي ﷺ ، بِلَفْظ الْجمع تَعْظِيمًا،. أَو على إِرَادَة ضم أمته، إِلَيْهِ وَالتَّقْدِير: يَا أَيهَا النَّبِي وَأمته (إِذا طلّقْتُم النِّسَاء) أَي إِذا أردتم تطليق النِّسَاء (فطلقوهن لعدتهن) يَعْنِي: طلقوهن مستقبلات لعدتهن. كَقَوْلِك: آتِيَة لليلة بقيت من الْمحرم أَي: مُسْتَقْبلا لَهَا، وَالْمرَاد أَن يُطَلِّقهُنَّ فِي طهر لم يجامعهن فِيهِ ثمَّ يخلين حَتَّى تَنْقَضِي عدتهن، وَهَذَا أحسن الطَّلَاق وَأدْخلهُ فِي السّنة وأبعده من النَّدَم. وَقَالَ النَّسَفِيّ (فطلقوهن لعدتهن) وَهُوَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا من غير جماع. وَقيل: طلقوهن لطهرهن الَّذِي يحصينه من عدتهن وَلَا تطلقوهن لحيضهن الَّذِي لَا يعتدن بِهِ من قرئهن، وَهَذَا للمدخول بهَا، لِأَن من لم يدْخل بهَا لَا عدَّة عَلَيْهَا.
وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة، فَقَالَ الواحدي:
стр. 6113
عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: طلق النَّبِي ﷺ حَفْصَة فَأنْزل الله قَوْله تَعَالَى: قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ (الطَّلَاق: ١) الْآيَة. وَقيل لَهُ: رَاجعهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَة قوامه، وَهِي من إِحْدَى أَزوَاجك ونسائك فِي الْجنَّة. وَقَالَ السّديّ: نزلت فِي عبد الله بن عمر، وَذَلِكَ أَنه طلق امْرَأَته حَائِضًا، فَأمره رَسُول الله ﷺ أَن يُرَاجِعهَا. وَقَالَ مقَاتل: نزلت فِي عبد الله بن عمر وَعقبَة بن عَمْرو الْمَازِني، وطفيل بن الْحَارِث بن الْمطلب، وَعَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) : قَالَ عبد الله: وَذَلِكَ أَن عمر وَنَفَرًا مَعَه من الْمُهَاجِرين كَانُوا يطلقون بِغَيْر عدَّة ويراجعون بِغَيْر شُهُود، فَنزلت وَالطَّلَاق أبْغض الْمُبَاحَات وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن من أبْغض الْحَلَال إِلَى الله الطَّلَاق، وَقَالَ: تزوجوا وَلَا تطلقوا فَإِن الطَّلَاق يَهْتَز مِنْهُ الْعَرْش، وَقَالَ: لَا تطلقوا النِّسَاء إلَاّ من رِيبَة فَإِن الله لَا يحب الذواقين وَلَا يحب الذواقات، وَقَالَ: مَا حلف بِالطَّلَاق وَلَا اسْتحْلف بِهِ إلَاّ مُنَافِق.
وطَلَاقُ السُّنَّةِ أنح يُطَلِّقبَها طاهِرا مِنْ غَيْرِ جِماعٍ، ويُشْهِدَ شاهِدَيْنِ
أَي: الطَّلَاق السّني أَن يُطلق امْرَأَته حَالَة طَهَارَتهَا عَن الْحيض، وَلَا تكون مَوْطُوءَة فِي ذَلِك الطُّهْر وَأَن يشْهد شَاهِدين على الطَّلَاق، فمفهومه: أَنه إِن طَلقهَا فِي الْحيض أَو فِي طهر وَطئهَا فِيهِ أَو لم يشْهد يكون طَلَاقا بدعيا. وَاخْتلفُوا فِي طَلَاق السّنة، فَقَالَ مَالك: طَلَاق السّنة أَن يُطلق الرجل امْرَأَته فِي طهر لم يسمهَا فِيهِ تَطْلِيقَة وَاحِدَة ثنم يَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة بِرُؤْيَة أول الدَّم من الْحَيْضَة الثَّالِثَة. وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هَذَا حسن من الطَّلَاق، وَله قَول آخر، وَهُوَ: مَا إِذا أَرَادَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا طَلقهَا عِنْد كل طهر طَلْقَة وَاحِدَة من غير جماع، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأَشْهَب، وَزعم المرغيناني أَن الطَّلَاق على ثَلَاثَة أوجه عِنْد أَصْحَاب أبي حنيفَة: حسن وَأحسن وبدعي، فَالْأَحْسَن أَن يطلقهَا وَهِي مَدْخُول بهَا تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَيَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا، وَالْحسن وَهُوَ طَلَاق السّنة وَهُوَ أَن يُطلق الْمَدْخُول بهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَة أطهار، والبدعي أَن يطلقهَا ثلاقا بِكَلِمَة وَاحِدَة، أَو ثَلَاثًا فِي طهر وَاحِد، فَإِذا فعل ذَلِك وَقع الطَّلَاق وَكَانَ عَاصِيا.
١٥٢٥ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ عبْدِ الله قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبدِ الله بنِ عُمَر ﵄، أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهْيَ حائِضٌ علَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رسولَ الله ﷺ ، عنْ ذَلك؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : مُرْهُ فلْيُرَاجِعْها ثُمَّ لِيُمْسِكْها حتَّى تَطْهَرُ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهَرُ ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدُ، وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتي أمَرَ الله أَن تُطَلَّقَ لَهَا النِّساء.
إِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرج النَّسَائِيّ أَيْضا فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم.
قَوْله: (طلق امْرَأَته) وَهِي آمِنَة بنت غفار، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء، قَالَه النَّوَوِيّ فِي (تهذيبه) وَقيل: بنت عمار، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم، وَوَقع فِي (مُسْند أَحْمد) أَن اسْمهَا نوار، وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن يكون اسْمهَا: آمِنَة ونوار لقبها، وآمنة بِهَمْزَة مَفْتُوحَة ممدودة وَمِيم مَكْسُورَة وَنون، ونوار بنُون مَفْتُوحَة. قَوْله: (وَهِي حَائِض) ، قيل: هَذِه جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، فالمطابقة بَينهمَا شَرط. وَأجِيب بِأَن الصّفة إِذا كَانَت خَاصَّة بِالنسَاء فَلَا حَاجَة إِلَيْهَا، وَفِي رِوَايَة قَاسم بن إصبغ من طَرِيق عبد الحميد بن جَعْفَر عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَنه طلق امْرَأَته وَهِي فِي دَمهَا حَائِض، وَعند الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عمر: أَنه طلق امْرَأَته فِي حَيْضهَا وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَمَان طرق صِحَاح. مِنْهَا: عَن نصر بن مَرْزُوق وَابْن أبي دَاوُد كِلَاهُمَا عَن عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر أخبرهُ: أَنه طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض فَذكر ذَلِك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لرَسُول الله ﷺ فتغيظ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لتراجعها ثمَّ
стр. 6114
ليمسكها حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض فَتطهر، فَإِن بدا لَهُ أَن يطلقهَا فَلْيُطَلِّقهَا طَاهِرا قبل أَن يَمَسهَا، فَتلك الْعدة كَمَا أَمر الله) قَوْله: (على عهد رَسُول الله ﷺ أَي فِي زَمَنه وأيامه، كَذَا وَقع هَذَا فِي رِوَايَة مَالك، وَكَذَا وَقع عِنْد مُسلم فِي رِوَايَة أبي الزبير عَن ابْن عمر، وَأكْثر الروَاة لم يذكرُوا هَذَا لِأَن قَوْله فَسَأَلَهُ عمر عَن ذَلِك يُغني عَن هَذَا. قَوْله: (فَسَأَلَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك) ، أَي: عَن حكم طَلَاق ابْنه عبد الله على هَذَا الْوَجْه، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع: فَأتى عمر النَّبِي ﷺ فَذكر لَهُ ذَلِك، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم فِي رِوَايَة يُونُس بن عبيد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن يُونُس بن جُبَير. قَوْله: (مره) أَي: مر عبد الله.
اخْتلفُوا فِي معنى هَذَا الْأَمر، فَقَالَ مَالك: هَذَا للْوُجُوب وَمن طلق زَوجته حَائِضًا أَو نفسَاء فَإِنَّهُ يجْبر على رَجعتهَا فسوى دم النّفاس بِدَم الْحيض، وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين: يُؤمر برجعتها وَلَا يجْبر على ذَلِك، وحملوا الْأَمر فِي ذَلِك على النّدب ليَقَع الطَّلَاق على سنة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وهم من قَالَ: إِن قَوْله: (مره فَلْيُرَاجِعهَا) من كَلَام ابْن عمر لَا من كَلَام رَسُول الله ﷺ ، لِأَن صَرِيح فِيهِ وَقَول بَعضهم: إِنَّه أَمر عمر لِابْنِهِ أغرب مِنْهُ، وَهَهُنَا مَسْأَلَة أصولية، وَهِي أَن الْأَمر بِالْأَمر بالشَّيْء: هَل هُوَ أَمر بذلك الشَّيْء أم لَا، لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: مره، فَأمره بِأَن يَأْمر بأَمْره حَكَاهَا ابْن الْحَاجِب، فَقَالَ: الْأَمر بِالْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ أمرا بذلك الشَّيْء، وَقَالَ الرَّازِيّ: الْأَمر بِالْأَمر بالشي أَمر بالشَّيْء وبسطها فِي الْأُصُول.
قَوْله: (فَلْيُرَاجِعهَا) فِي رِوَايَة أَيُّوب عَن نَافِع: فَأمره أَن يُرَاجِعهَا، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فَرَاجعهَا عبد الله كَمَا أمره رَسُول الله ﷺ وَاخْتلف فِي وجوب الرّجْعَة فَذهب إِلَيْهِ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة، وَالْمَشْهُور عَنهُ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور: إِنَّهَا مُسْتَحبَّة، وَذكر صَاحب (الْهِدَايَة) أَنَّهَا وَاجِبَة لوُرُود الْأَمر بهَا. قَوْله: ﴿ليمسكها﴾ أَي: ليستمر بهَا فِي عصمته حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، وَفِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع: ثمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض حَيْضَة أُخْرَى، فَإِذا طهرت فَلْيُطَلِّقهَا، وَنَحْوه فِي رِوَايَة اللَّيْث وَأَيوب عَن نَافِع، وَكَذَا عِنْد مُسلم فِي رِوَايَة عبد الله بن دِينَار. قَوْله: (إِن شَاءَ أمسك بعد) أَي: بعد الطُّهْر من الْحيض الثَّانِي قَوْله: (قبل أَن يمس) أَي: قبل أَن يُجَامع. قَوْله: (فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله تَعَالَى) أَي بقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (الطَّلَاق: ١) وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللَّام بِمَعْنى: فِي يَعْنِي فِي يعْنى فِي قَوْله: أَن يُطلق لَهَا النِّسَاء. قلت: لَا نسلم أَن اللَّام هَهُنَا بِمَعْنى الظّرْف لِأَن مَعَانِيهَا الَّتِي جَاءَت لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على كَونهَا ظرفا بل اللَّام هُنَا للاستقبال كَمَا فِي قَوْلهم: تأهب للشتاء، وكما فِي قَوْلهم: لثلاث بَقينَ من الشَّهْر، أَي مُسْتَقْبلا لثلاث، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ يَعْنِي: مستقبلات لعدتهن.
ويستنبط من هَذَا الحَدِيث أَحْكَام: الأول: أَن الطَّلَاق فِي الْحيض محرم وَلكنه وَاقع، وَذكر عِيَاض عَن الْبَعْض أَنه لَا يَقع. قلت: هُوَ قَول الظَّاهِرِيَّة، وروى مثل ذَلِك عَن بعض التَّابِعين وَهُوَ شذوذ لم يعرج عَلَيْهِ أصلا. الثَّانِي: أَن الْأَمر فِيهِ بالرجعة على الْوُجُوب أم لَا؟ . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. الثَّالِث: يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن طَلَاق السّنة أَن يكون فِي طهر الرَّابِع: قَوْله: (فَلْيُرَاجِعهَا) دَلِيل على أَن الطَّلَاق غير الْبَائِن لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى رضَا الْمَرْأَة. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل على أَن الرّجْعَة تصح بالْقَوْل، وَلَا خلاف فِيهِ. وَأما بِالْفِعْلِ فَفِيهِ خلاف، فَأَبُو حنيفَة أثْبته، وَالشَّافِعِيّ نَفَاهُ. السَّادِس: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة أَن من طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض أَثم وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يُرَاجِعهَا، فَإِن تَركهَا حَتَّى مَضَت الْعدة بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاق، وَفِي هَذَا الْموضع كَلَام كثير جدا، فَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ فَليُرَاجع إِلَى (شرحنا لمعاني الْآثَار للطحاوي) رَحمَه الله تَعَالَى.
٢ - (بابٌ إذَا طُلِّقَتِ الحائِضُ يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الطّلَاقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ إِذا طلقت الْمَرْأَة وَهِي حَائِض يعْتَبر ذَلِك الطَّلَاق، وَعَلِيهِ أجمع أَئِمَّة الْفَتْوَى من التَّابِعين وَغَيرهم، وَقَالَت الظَّاهِرِيَّة والخوارج والرافضة لَا يَقع، وَحكى عَن ابْن علية أَيْضا.
٢٥٢٥ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أنَس بنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عْمَرَ قَالَ: طَلّقَ ابنُ عُمَرَ امْرَأتَهُ وهْيَ حائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنبيِّ ﷺ فَقَالَ: لُيَراجِعْها قُلْتُ: تُحْتَسَبُ؟ قَالَ: فَمَهْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأنس بن سِيرِين هُوَ أَخُو مُحَمَّد بن سِيرِين.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى
стр. 6115
وَعَن آخَرين.
قَوْله: (ليراجعها) دَلِيل على وُقُوع الطَّلَاق فِي الْحيض. قَوْله: (قلت: تحتسب) الْقَائِل أنس بن سِيرِين، وَتحْتَسب على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: تحتسب طَلْقَة من عدد الطلقات؟ (قَالَ: فَمه) أَي: قَالَ ابْن عمر: فِيهِ أَصله فَمَا للاستفهام وأبدل الْألف: خاء أَي، فَمَا يكون إِن لم تحتسب طَلْقَة؟ وَيحْتَمل أَن يكون كلمة: مَه، للكف والزجر أَي: انزجر عَنهُ فَإِنَّهُ لَا شكّ فِي وُقُوع الطَّلَاق. وَكَونه محسوبا فِي عدد الطلقات،.
وَقَالَ عبد الْحق: روى ابْن وهب عَن ابْن أبي ذِئْب أَن نَافِعًا أخبرهُ عَن ابْن عمر أَنه طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض، فَسَأَلَ عمر عَن ذَلِك، فَقَالَ: مره فَلْيُرَاجِعهَا ثمَّ يمْسِكهَا ... الحَدِيث، وَفِي آخِره: وَهِي وَاحِدَة، وَكَذَلِكَ ذكره الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: هِيَ وَاحِدَة، وَبِهَذَا رد عبد الْحق على ابْن حزم فِي قَوْله: إِنَّه لَا يحْتَسب من الطَّلَاق. قَالَ: فَهَذَا نَص فِي مَوضِع الْخلاف، وَلَيْسَ فِي مَا تقدم من الْكَلَام شَيْء يصلح أَن يعود عَلَيْهِ الضَّمِير إِلَّا الطَّلَاق الْمُتَقَدّم. وَقَالَ ابْن حزم: لَعَلَّ قَوْله: وَهِي وَاحِدَة، لَيْسَ من كَلَام النَّبِي ﷺ . قَالَ عبد الْحق: كَيفَ هَذَا وَفِي الحَدِيث: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ؟ وَقَالَ ابْن حزم: أَو يكون معنى قَوْله: وَهِي وَاحِدَة أَي: وَاحِدَة أَخطَأ فِيهَا ابْن عمر أَو قَضِيَّة وَاحِدَة لَازِمَة لكل مُطلق قَالَ عبد الْحق: وَيَكْفِي فِي هَذَا التَّأْوِيل سَمَاعه، وَلَو فعل هَذَا غَيره لقام وَقعد.
وعَنْ قَتَادَةَ عنْ يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْها قُلْتُ: تُحْتَسَبُ؟ قَالَ: أرَأيْتَ إنْ عَجَزَ واسْتَحْمَقَ؟ .
هُوَ مَعْطُوف على قَوْله: عَن أنس بن سِيرِين فَهُوَ مَوْصُول. وَيُونُس بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آُر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: أَبُو غلاب، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة: الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ، مَاتَ قبل أنس وَأوصى أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ أنس.
قَوْله: (قلت تحتسب؟) الْقَائِل يُونُس بن جُبَير، وَهِي على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: أرأيته؟ وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد: (أَرَأَيْت إِن عجز واستحمق؟) أَي: أيسقط عَجزه وحمقه حكم الطَّلَاق الَّذِي أوقعه فِي الْحيض؟ وَهَذَا من الْمَحْذُوف الْجَواب الَّذِي يدل عَلَيْهِ الفحوى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أفيرتفع عَنهُ الطَّلَاق وَإِن عجز واستحمق؟ وَهُوَ اسْتِفْهَام إنكاري، وَتَقْدِيره: نعم، يحْتَسب وَلَا يمْنَع احتسابها لعَجزه وحماقته، وَالْقَائِل لهَذَا الْكَلَام هُوَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، صَاحب الْقِصَّة وبريد بِهِ نَفسه، وَإِن أعَاد: الضَّمِير بِلَفْظ الْغَيْبَة، وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم أَن ابْن عمر قَالَ: مَالِي لَا أَعْتَد بهَا وَإِن كنت عجزت واستحمقت؟ وَقَالَ القَاضِي: أَي: إِن عجز عَن الرّجْعَة، وَفعل فعل الأحمق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون كلمة ... أَن نَافِيَة أَي: مَا عجز ابْن عمر، وَمَا استحمق يَعْنِي: لَيْسَ طفْلا وَلَا مَجْنُونا حَتَّى لَا يَقع طَلَاقه وَالْعجز لَازم الطِّفْل، والحمق لَازم الْجُنُون وَهُوَ من إِطْلَاق اللَّازِم وَإِرَادَة الْمَلْزُوم، وَأَن يكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، لَو صحت الرِّوَايَة بِالْفَتْح فَالْمَعْنى أظهر، وَقَالَ ابْن الخشاب: التَّاء فِي استحمق مَفْتُوحَة وَالْمعْنَى: فعل فعلا يصير بِهِ أَحمَق عَاجِزا، فَيسْقط عَنهُ عَجزه وحمقه حكم الطَّلَاق، وَهَذِه الْمَادَّة، أَعنِي: مَادَّة الاستفعال، إِشَارَة إِلَى أَنه تكلّف الْحمق بِمَا فعله من تطليق امْرَأَته، وَهِي حَائِض. قيل: قد وَقع فِي بعض الْأُصُول بِضَم التَّاء، أَعنِي على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي أَن النَّاس استحمقوه بِمَا فعل. وَقَالَ الْمُهلب: معنى قَوْله: (إِن عجز واستحمق) يَعْنِي فِي الْمُرَاجَعَة الَّتِي أَمر بهَا عَن إِيقَاع الطَّلَاق أَو فقد عقله فَلم يكن مِنْهُ الرّجْعَة، أتبقى الْمَرْأَة معلقَة لَا ذَات بعل وَلَا مُطلقَة؟ وَقد نهى الله عَن ذَلِك، فَلَا بُد أَن يحْتَسب بِتِلْكَ التطليقة الَّتِي أوقعهَا على غير وَجههَا، كَمَا أَنه لَو عجز عَن فرض آخر لله تَعَالَى فَلم يقمه واستحمق فَلم يَأْتِ بِهِ مَا كَانَ يعْذر بذلك، وَسقط عَنهُ.
٣٥٢٥ - حدّثنا وَقَالَ أَبُو مَعْمَر: حدَّثنا عبْدُ الوَارثِ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ.
(انْظُر الحَدِيث ٨٠٩٤)
أَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري الْبَصْرِيّ المقعد، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، قَالَ أَبُو معمر: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا أَبُو معمر، وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ أصلا، وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: (حسبت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (عَليّ) بتَشْديد الْيَاء الْمَفْتُوحَة. وَأخرج هَذَا الْمُعَلق أَبُو نعيم من طَرِيق عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه مثل مَا أخرجه البُخَارِيّ مُخْتَصرا، وَزَاد يَعْنِي: حِين طلق امْرَأَته، فَسَأَلَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن
стр. 6116
حزم: حسبت عَليّ تَطْلِيقَة، لم يُصَرح فِيهِ من الَّذِي هُوَ حسبها عَلَيْهِ، وَلَا حجَّة فِي أحد دون رَسُول الله ﷺ . وَأجِيب بِأَن هَذَا مثل قَول الصَّحَابِيّ: أمرنَا فِي عهد رَسُول الله ﷺ ، هَكَذَا فَإِنَّهُ ينْصَرف إِلَى من لَهُ الْأَمر حِينَئِذٍ، وَهُوَ النَّبِي ﷺ ، قيل: مَحل هَذَا لَا يكون فِيهِ اطلَاع صَرِيح من النَّبِي ﷺ على ذَلِك، وَفِي قصَّة ابْن عمر هَذِه، النَّبِي ﷺ هُوَ الْآمِر بالمراجعة، فَهَذِهِ أقوى من قَول الصَّحَابِيّ: أمرنَا فِي عهد النَّبِي ﷺ بِكَذَا، مَعَ أَن فِيهِ خلافًا، وَلَا يتَوَهَّم فِي ابْن عمر أَنه يفعل فِي الْقِصَّة شَيْئا بِرَأْيهِ، مَعَ أَن الدَّارَقُطْنِيّ خرّج من طَرِيق زيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب وَابْن إِسْحَاق جَمِيعًا عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: هِيَ وَاحِدَة.
٣ - (بابُ مَنْ طَلَّقَ، وهَلْ يُوَاجِهُ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ بالطّلَاقِ ؟)
أَي: هَذَا بَاب وَهُوَ مُشْتَمل على جزأين: أَحدهمَا: قَوْله: (من طلق) وَهَذَا كَلَام لَا يُفِيد، إلَاّ بِتَقْدِير شَيْء، فَقَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ قصد إِثْبَات مَشْرُوعِيَّة جَوَاز الطَّلَاق، وَحمل حَدِيث: أبْغض الْحَلَال إِلَى الله الطَّلَاق، على مَا إِذا وَقع من غير سَبَب. قلت: هَذَا بعيد جدا، فَكيف قَوْله: من يُطلق، على هَذَا الْمَعْنى؟ وَلِهَذَا حذف ابْن بطال هَذَا من التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لم يظْهر لَهُ معنى، وعَلى تَقْدِير وجوده يُمكن أَن يُقَال: تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من طلق امْرَأَته هَل يُبَاح لَهُ ذَلِك؟ وَلم يذكر جَوَابه، وَهُوَ: نعم يُبَاح ذَلِك، لِأَن الله شرع الطَّلَاق كَمَا شرع النكاج. الْجُزْء الثَّانِي: وَهُوَ قَوْله: (وَهل يواجه الرجل امْرَأَته بِالطَّلَاق) وَهَذَا الِاسْتِفْهَام مَعْطُوف على الِاسْتِفْهَام الَّذِي قدرناه، وَلم يذكر جَوَابه أَيْضا، اعْتِمَادًا على مَا يفهم من حَدِيث الْبَاب.
٤٥٢٥ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا الولِيدُ حَدثنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ: سألْتُ الزُّهْرِيَّ أيُّ أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: أخبرَني عُرْوَةُ عنْ عائِشَةَ، ﵂، أنَّ ابْنَةَ الجَوْن لمّا أُدْخِلَتْ علَى رسولِ الله ﷺ ودَنا مِنْها، قالَتْ: أعْوذُ بِاللَّه مِنْكَ. فَقَالَ لَها: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الحَقِي بأهْلِكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تؤخذه من قَوْله: (إلحقي بأهلك) لِأَنَّهُ كِنَايَة عَن الطَّلَاق، وَقد واجهها النَّبِي ﷺ بذلك، فَدلَّ على أَنه يجوز، وَلَكِن تَركه أرْفق وألطف، إلَاّ أَن احْتِيجَ إِلَى ذَلِك.
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى حميد أحد أجداده، والوليد هُوَ ابْن مُسلم الدِّمَشْقِي، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عمر، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح أَيْضا عَن حُسَيْن بن حُرَيْث وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ أَيْضا عَن دُحَيْم.
قَوْله: (إِن ابْنة الجون) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: اسْمهَا أُمَيْمَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي مصغر الْأمة قلت: مصغر الْأمة أُميَّة وَهَذِه أُمَيْمَة مصغر أمة بِضَم الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم وَقع فِي (كتاب الصَّحَابَة) لأبي نعيم: عَن عَائِشَة أَن عمْرَة بنت الجون تعوذت من رَسُول الله ﷺ ، حِين أدخلت عَلَيْهِ، وَفِي سَنَده عبيد بن الْقَاسِم مَتْرُوك، وَقيل: اسْمهَا أَسمَاء بنت كند الْجَوْنِية، رَوَاهُ يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَجمعُوا على أَنه تزوج أَسمَاء بنت النُّعْمَان بن أبي الجون بن شرَاحِيل، وَقيل: أَسمَاء بنت الْأسود بن الْحَارِث بن النُّعْمَان الكندية، وَاخْتلفُوا فِي فراقها، فَقيل: لما دخلت عَلَيْهِ دَعَاهَا فَقَالَت: تعال أَنْت، وأبت أَن تَجِيء، وَزعم بَعضهم أَنَّهَا استعاذت مِنْهُ فَطلقهَا، وَقيل بل كَانَ بهَا وضح كوضح العامرية، فَفعل بهَا كَفِعْلِهِ بهَا، وَقيل: المستعيذة امْرَأَة من بلعنبر من سبي ذَات الشقوق، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وبالقافين أولاهما مَضْمُومَة، وَهِي اسْم منزل بطرِيق مَكَّة، وَكَانَت جميلَة فخافت نساؤه أَن تغلبهن عَلَيْهِ، فَقُلْنَ لَهَا: إِنَّه يُعجبهُ أَن تقولي أعوذ بِاللَّه مِنْك. وَقَالَ ابْن عقيل: نكح ﷺ امْرَأَة من كِنْدَة وَهِي الشقية، فَسَأَلته أَن يردهَا إِلَى أَهلهَا فَردهَا إِلَى أَهلهَا مَعَ أبي أسيد، فَتَزَوجهَا المُهَاجر بن أبي أُميَّة، ثمَّ خلف عَلَيْهَا قيس بن مكشوح.
وَفِي (الِاسْتِيعَاب) : تزوج رَسُول الله ﷺ ، عمْرَة بنت يزِيد الْكلابِيَّة، فَبَلغهُ أَن بهَا بَيَاضًا فَطلقهَا، وَقيل: إِنَّهَا هِيَ الَّتِي تعوذت مِنْهُ. وَذكر الرشاطي أَن أَبَاهَا وصفهَا لسيدنا رَسُول الله، فَقَالَ: وَأَزِيدك أَنَّهَا لم تمرض قطّ. فَقَالَ: مَا لهَذِهِ عِنْد الله خير قطّ، فَطلقهَا وَلم يبين عَلَيْهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: بعث رَسُول الله ﷺ أَبَا أسيد السَّاعِدِيّ ليخطب عَلَيْهِ هِنْد بنت يزِيد بن البرصاء، فَقدم بهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا بنى عَلَيْهَا وَلم يكن رَآهَا رأى بهَا بَيَاضًا فَطلقهَا، وَذكر الشهرستاني: تزوج النَّبِي ﷺ فَاطِمَة بنت الضَّحَّاك الْكلابِيَّة، فَلَمَّا خير نِسَاءَهُ اخْتَارَتْ قَومهَا فَكَانَت تلقط البعر
стр. 6117
وَتقول: أَنا الشقية.
قَوْله: (لقد عذت) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من العوذ وَهُوَ الالتجاء. قَوْله: (بعظيم) أَي: بِرَبّ عَظِيم. قَوْله: (إلحقي) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون اللَّام من اللحوق، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِي قَول إلحقي بأهلك وَشبهه من كنايات الطَّلَاق، فَقَالَت طَائِفَة، يَنْوِي فِي ذَلِك فَإِن أَرَادَ طَلَاقا، وَإِن لم يردهُ لم يلْزمه شَيْء، هَذَا قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة، قَالَا: إِذا نوى وَاحِدَة أَو ثَلَاثًا فَهُوَ مَا نوى، وَإِن نوى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة، وَقَالَ مَالك: إِن أَرَادَ بِهِ الطَّلَاق فَهُوَ مَا نوى وَاحِدَة أَو ثِنْتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَإِن لم يرد شَيْئا فَلَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ الْحسن وَالشعْبِيّ: إِذا قَالَ: إلحقي بأهلك، أَو: لَا سَبِيل عَلَيْك أَو: الطَّرِيق لَك وَاسع إِن نوى طَلَاقا فَهِيَ وَاحِدَة وَإِلَّا فَلَيْسَ بِشَيْء.
قَالَ أبُو عبْدِ الله: روَاهُ حَجَّاجُ بنُ أبي مَنِيعٍ عنْ جَدِّهِ عنِ الزّهْرِيِّ أنَّ عُرْوَةَ أخْبَرَهُ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ.
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَلَيْسَ بموجود فِي بعض النّسخ. قَوْله: (رَوَاهُ) أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور حجاج ابْن أبي منيع، بِفَتْح الْمِيم وَكسر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة، وَهُوَ حجاج بن يُوسُف بن أبي منيع، وَاسم أبي منيع عبيد الله بن أبي زِيَاد الْوَصَّافِي بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة وبالفاء، وَكَانَ يكون بحلب، وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ إلَاّ مُعَلّقا، وَكَذَا لجده، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ يَعْقُوب بن سُفْيَان النسوى فِي مشيخته، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر للجونية إِنَّمَا فِيهِ: أَنَّهَا كلابية، وَقَالَ: حَدثنَا حجاج بن أبي منيع عبيد الله بن أبي زِيَاد بحلب، حَدثنَا جدي عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: تزوج رَسُول الله ﷺ الْعَالِيَة بنت ظبْيَان بن عَمْرو، من بني أبي بكر بن كلاب، فَدخل بهَا فَطلقهَا، وَقَالَ حجاج: حَدثنَا جدي حَدثنَا مُحَمَّد بن مُسلم أَن عُرْوَة أخبرهُ أَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت: فَدلَّ الضَّحَّاك بن سُفْيَان من بني أبي بكر بن كلاب عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ: بيني وَبَينهَا الْحجاب يَا رَسُول الله، هَل لَك فِي أُخْت أم شبيب؟ قَالَت: وَأم شبيب امْرَأَة الضَّحَّاك.
٥٥٢٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا عبدُ الرَّحْمنِ بنُ غَسِيلٍ عنْ حَمْزَةَ بنِ أبي أُسَيْدٍ عنْ أبي أُسَيْدٍ، ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا معَ النبِيِّ ﷺ حتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حائَطٍ يُقالُ لهُ الشَّوْظ حتَّى انْتَهَيْنا إِلَى حائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا بَيْنَهُما، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : اجْلِسُوا هاهُنا، ودَخَلَ وقَدْ أُتِيَ بالجَوْنِيّةِ فأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَها دايَتُها حاضِنَةٌ لَها، فَلمَّا دَخَلَ علَيْها النبيُّ ﷺ ، قَالَ: هَبِي نَفْسَكِ لي: قالَتْ: وهَلْ تَهَبُ المَلِكةُ نَفْسَها لِلسُّوقَةِ؟ قَالَ: فأهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْها لَتَسْكُنَ، فَقَالَتْ أعُوذُ بِاللَّه مِنْكَ فَقَالَ: قَدْ عُذْتِ بِمعاذٍ ثُمَّ خَرَجَ علَيْنا فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَيْد! إكسُها رازقِيَّيْنِ وألحِقْها بِأَهْلِهَا.
(انْظُر الحَدِيث ٥٥٢٥ طرفه فِي: ٧٥٢٥)
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لم يواجه الْجَوْنِية الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث بقوله الحقي بأهلك، وَإِنَّمَا قَالَ لأبي أسيد: (ألحقها بِأَهْلِهَا) . والترجمة بالاستفهام من غير تعْيين شَيْء من أَمر المواجهة وَعدمهَا، وَقد ذكرنَا أَنه يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ، غير أَن ترك المواجهة أرْفق وألطف، وَهَهُنَا الْمُطَابقَة فِي ترك المواجهة. فَافْهَم.
وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ دلّ الحَدِيث على التَّرْجَمَة إِذْ لَا طَلَاق إِذْ لم يكن ثمَّة عقد نِكَاح، إِذا مَا وهبت نَفسهَا وَلم يكن أَيْضا بالمواجهة إِذْ قَالَ بعد الْخُرُوج: (ألحقها بِأَهْلِهَا؟) قلت: لَهُ ﷺ أَن يُزَوّج من نَفسه بِلَا إِذن الْمَرْأَة ووليها، وَكَانَ صُدُور قَوْله: (هبي بِنَفْسِك لي) مِنْهُ لاستماله خاطرها وَأما حِكَايَة المواجهة فقد ثبتَتْ فِي الحَدِيث السَّابِق بقوله: الْحق بأهلك، وَأمره أَبَا أسيد بالإلحاق بعد الْخُرُوج لَا يُنَافِيهِ، بل يعضده انْتهى. قلت: هَذَا كُله كَلَام لَا طائل تَحْتَهُ، لِأَن سُؤَاله أَولا بقوله: إِذْ لَا طَلَاق، إِلَى: وَلم يكن أَيْضا بالمواجهة، غير موجه لِأَنَّهُ كَانَ من الْمَعْلُوم قطعا أَن الَّذِي ذكره فِي الْجَواب من خَصَائِصه ﷺ فَلم يَقع سُؤَاله فِي مَحَله، وَكَذَلِكَ قَوْله وَأما حِكَايَة المواجهة ... الخ غير وَاقع فِي مَحَله، لِأَن ثُبُوت المواجهة فِي الحَدِيث السَّابِق لَا يسْتَلْزم المواجهة فِي هَذَا الحَدِيث، فَكيف يثبت بِهَذَا الْكَلَام الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث؟ وَمَعَ هَذَا لم يرد ﷺ فِي خطابه إِيَّاهَا على قَوْله: (قد عذت بمعاذ) وَلم
стр. 6118
يَأْمر بالإلحاق إلَاّ لأبي أسيد، فَأَيْنَ المواجهة لَهَا بذلك؟ وَكَذَلِكَ قَوْله وَأمره أَبَا أسيد بالإلحاق بعد الْخُرُوج، لَا يُنَافِيهِ غير صَوَاب لِأَن عدم الْمُنَافَاة إِنَّمَا يكون لَو قَالَ لَهَا ﷺ : إلحقي بأهلك ثمَّ قَالَ لأبي أسيد: ألحقها بِأَهْلِهَا، وَلم يكتف بِمَا قَالَ هَذِه الْمقَالة حَتَّى يَقُول: بل يعضده، وَكَيف يعضده شَيْء لم يقلهُ؟ وَهَذَا عَجِيب جدا وَمِمَّا يؤكده مَا قُلْنَاهُ مَا قَالَه ابْن بطال: لَيْسَ فِي هَذَا أَنه واجهها بِالطَّلَاق، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن ذَلِك ثَبت فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أول أَحَادِيث الْبَاب، فَيحمل على أَنه قَالَ لَهَا: إلحق بأهلك، ثمَّ لما خرج إِلَى أبي أسيد قَالَ لَهُ: ألحقها بِأَهْلِهَا، فَلَا مُنَافَاة، فَالْأول قصد بِهِ الطَّلَاق، وَالثَّانِي أَرَادَ بِهِ حَقِيقَة اللَّفْظ، وَهُوَ أَن يُعِيدهَا إِلَى أَهلهَا انْتهى. قلت: يرد هَذَا الِاعْتِرَاض بِمَا رددنا بِهِ كَلَام الْكرْمَانِي، لِأَن كلاميهما من وَجه وَاحِد، وأعجب من الْكل أَن بَعضهم نقل كَلَام الْكرْمَانِي برمتِهِ بطرِيق الإدماج حَيْثُ قَالَ: وَاعْترض بَعضهم بِأَنَّهُ لم يَتَزَوَّجهَا، إِذْ لم يجر ذكر صُورَة العقد، وَسَاقه مثل مَا قَالَه الْكرْمَانِي، لَكِن بتغيير الْعبارَة، وَرَضي بِهِ حَيْثُ قَالَ فِي آخر كَلَامه: وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة لِابْنِ غسيل أَنه اتّفق مَعَ أَبِيهَا على مِقْدَار صَدَاقهَا، وَأَن أَبَاهَا قَالَ لَهُ: أَنَّهَا رغبت فِيك وحطت إِلَيْك، انْتهى. قلت: سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا عَن الْمَقْصُود، لِأَن الْكَلَام فِي أَمر المواجهة وَعدمهَا، وَقد ذكرنَا وَجه ذَلِك من غير تعميق فِيمَا لَا يَنْبَغِي.
ثمَّ إِن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث عَن أبي نعيم وَهُوَ الْفضل بن دُكَيْن يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن غسيل بِدُونِ الْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: عبد الرَّحْمَن بن الغسيل، بِالْألف وَاللَّام وَعبد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ ابْن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر الْأنْصَارِيّ، وحَنْظَلَة هُوَ غسيل الْمَلَائِكَة، اسْتشْهد بِأحد وَهُوَ جنب فغسلته الْمَلَائِكَة، وقصته مَشْهُورَة وَعبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور نسب إِلَى جد أَبِيه، وَلَعَلَّ الرِّوَايَة كَانَت ابْن غسيل الْمَلَائِكَة، فَسَقَطت لَفْظَة: الْمَلَائِكَة، وعوضت عَنْهَا الْألف وَاللَّام، وَحَمْزَة بن أبي أسيد بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين، يروي عَن أَبِيه أبي أيد، واسْمه مَالك بن ربيعَة بن الْبدن بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالنُّون، وَقيل: الْبَدِيِّ بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَهُوَ تَصْحِيف ابْن عَامر بن عَوْف بن حَارِثَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج بن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ شهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ فِيمَا ذكره الْمَدَائِنِي، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الْبَدْرِيِّينَ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (إِلَى حَائِط) ، هُوَ الْبُسْتَان من النخيل إِذا كَانَ عَلَيْهِ جِدَار. قَوْله: (الشوظ) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو فِي آخِره ظاء مُعْجمَة، وَقيل: مُهْملَة، وَهُوَ بُسْتَان فِي الْمَدِينَة مَعْرُوف. قَوْله: (وَدخل) أَي: إِلَى الْحَائِط. قَوْله: (وَقد أَتَى) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بالجونية) نِسْبَة إِلَى الجون، قَالَ الْكرْمَانِي بِضَم الْجِيم، قلت: لَيْسَ كَذَلِك بل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بَنو الجون قَبيلَة من الأزد، وَقَالَ الرشاطي: الجون فِي كِنْدَة وَفِي الأزد، فَالَّذِي فِي كِنْدَة الجون وَهُوَ مُعَاوِيَة بن حجر آكل المرار، وَسَاقه إِلَى كِنْدَة، ثمَّ قَالَ: مِنْهُم أَسمَاء بنت النُّعْمَان بن الْأسود بن الْحَارِث بن شرَاحِيل بن كِنْدَة تزوج بهَا رَسُول الله ﷺ فتعوذت مِنْهُ فَطلقهَا، وَقَالَ ابْن حبيب: والجونية امْرَأَة من كِنْدَة وَلَيْسَت بأسماء، وَالَّذِي فِي الأزد الجون بن عَوْف بن مَالك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: اسْم الْجَوْنِية أَمَامه. قَوْله: (فِي بَيت فِي نخل فِي بَيت) كلهَا بِالتَّنْوِينِ. قَوْله: (أُمَيْمَة) بِالرَّفْع بدل عَن الْجَوْنِية أَو عطف بَيَان لَهَا وَهِي بنت النُّعْمَان بن شرَاحِيل، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (وَمَعَهَا دايتها) بِالدَّال الْمُهْملَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف الْمَفْتُوحَة بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق قَالَ: أَي ظئرها، وَقَالَ بَعضهم: الظِّئْر الْمُرْضع، قلت: لَيْسَ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا الداية هِيَ الْمَرْأَة الَّتِي تولد الْأَوْلَاد، وَهِي الْقَابِلَة، وَهُوَ لفظ مُعرب. قَوْله: (هِيَ) أَمر للمؤنث من وهب يهب وَأَصله: أوهبي حذفت الْوَاو تبعا لفعله الْمُضَارع، واستغنيت عَن الْهمزَة فَصَارَت هِيَ على وزن على قَوْله: (للسوقة) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة، يُقَال للْوَاحِد من الرّعية وَالْجمع، وَإِنَّمَا قيل لَهُم ذَلِك لِأَن الْملك يسوقهم فيساقون لَهُ على مُرَاده، وَأما أهل السُّوق فالواحد مِنْهُم يُسمى سوقيا وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السوقة خلاف الْملك، وَلم تعرف النَّبِي ﷺ ، لَا وَكَانَت بعد ذَلِك تسمي نَفسهَا بالشقية. قَوْله: فَأَهوى بِيَدِهِ أَي أمالها إِلَيْهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة لِابْنِ سعد: فَأَهوى إِلَيْهَا ليقبلها. قَوْله: (فَقَالَت أعوذ بِاللَّه مِنْك) ، روى ابْن سعد عَن هِشَام بن مُحَمَّد عَن عبد الرَّحْمَن بن الغسيل بِإِسْنَاد حَدِيث الْبَاب: أَن عَائِشَة وَحَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، دخلتا عَلَيْهَا أول مَا قدمت، فمشطتاها وخضبتاها، وَقَالَت لَهَا إِحْدَاهمَا: إِن النَّبِي ﷺ يُعجبهُ من الْمَرْأَة إِذا
стр. 6119
دخل عَلَيْهَا أَن تَقول: أعوذ بِاللَّه مِنْك. قَوْله: (قد عذت بمعاذ) بِفَتْح الْمِيم قَالَ الْكرْمَانِي: اسْم مَكَان العوذ قلت يجوز أَن يكون مصدرا ميميا بِمَعْنى العوذ والتنوين فِيهِ للتعظيم، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد: فَقَالَ بمكه على وَجهه وَقَالَ: عذت معَاذًا، ثَلَاث مَرَّات وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: أَمن عَائِذ الله. قَوْله: (ثمَّ خرج) أَي: رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (رازقيين) برَاء وَبعد الْألف زَاي مَكْسُورَة ثمَّ قَاف على لفظ تَثْنِيَة صفة موصوفها مَحْذُوف أَي: بثوبين رازقيين والرازقية ثِيَاب من كتَّان بيض طوال قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَقيل؛ يكون فِي دَاخل بياضها زرقة، والرازقي الصفيق، وَمعنى: اكسها رازقيين: أعْطهَا ثَوْبَيْنِ من ذَلِك الْجِنْس، وَقَالَ ابْن التِّين مَتعهَا بذلك، إِمَّا وجوبا وَإِمَّا تفضلاً لقولها. قَوْله: (وألحقها) بِفَتْح الْهمزَة من الْإِلْحَاق.
٦٥٢٥ - وَقَالَ الحُسَيْنُ بنُ الوَلِيدِ النَّيْسابُورِيُّ: عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَبَّاس بنِ سَهْلٍ عَن أبِيهِ، وَأبي أُسَيْدٍ قَالَا: تَزَوَّجَ النبيُّ ﷺ ، أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ فَلَمَّا أُدْخِلَتْ علَيْهِ بَسَدَ يَدَهُ إلَيْهَا فَكأنَّها كَرِهَتْ ذالِكَ، فأمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَن يُخْرِجَها ويَكْسُوَها ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٥٢٥)
الْحُسَيْن بن الْوَلِيد، بِفَتْح الْوَاو النَّيْسَابُورِي الْفَقِيه السخي الْوَرع وَرِوَايَة البُخَارِيّ عَنهُ معلقَة لِأَن وَفَاة الْحُسَيْن سنة ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ ومولد البُخَارِيّ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، ووفاته سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الغسيل وعباس بن سهل يروي عَن أَبِيه سهل بن سعد وَأبي أسيد الْمَذْكُور، كِلَاهُمَا قَالَا: تزوج النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق أبي أَحْمد الْفراء عَن الْحُسَيْن بن الْوَلِيد.
قَوْله: (أُمَيْمَة بنت شرَاحِيل) وَهِي أُمَيْمَة بنت النُّعْمَان بن شرَاحِيل الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث السَّابِق، وَلَكِن هُنَا نَسَبهَا إِلَى جدها. قَوْله: (أَن يُخرجهَا) ويروى: ويجهزها ويكسوها، قَالَ ابْن المرابط: أَمر ﷺ بالكسوة لَهَا تفضلاً مِنْهُ عَلَيْهَا، لِأَن ذَلِك لم يكن لَازِما لَهُ لِأَنَّهَا لم تكن زَوْجَة، وَبِهَذَا التَّبْوِيب خرجه النَّسَائِيّ، فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِن بعض نِسَائِهِ ﷺ قَالَت لَهَا: إِذا أردْت الخطوة فَقولِي لَهُ: أعوذ بِاللَّه مِنْك قلت: فِيهِ نظر لما فِي نفس الحَدِيث من أَنَّهَا لم تعرفه، وَإِنَّمَا نظر إِلَيْهَا نظر الْخَاطِب للمخطوبة. فَإِن قلت: ذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان قَالَ رَسُول الله ﷺ : من كشف خمار امْرَأَة وَنظر إِلَيْهَا فقد وَجب الصَدَاق دخل بهَا أَو لم يدْخل قلت: هَذَا مَعَ إرْسَاله فِيهِ ابْن لَهِيعَة، وَيحمل على أَنه بعد العقد، وَذكر الْمُهلب أَن هَذِه الْكسْوَة هِيَ الْمُتْعَة الَّتِي للمطلقة الَّتِي لم يدْخل بهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون عقد نِكَاحهَا تفويضا فَيكون لَهَا الْمُتْعَة، أَو يكون سمى لَهَا صَدَاقا فتفضل عَلَيْهَا بذلك.
٧٥٢٥ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّد حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ أبي الوَزِيرِ حَدثنَا عبْدُ الرَّحْمانِ عنْ حَمْزَةَ عنْ أبِيهِ وعنْ عبَّاس بنِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ بِهَذَا.
(انْظُر الحَدِيث ٦٥٢٥ طرفه: ٧٣٦٥)
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي عَن إِبْرَاهِيم بن أبي الْوَزير وَاسم أبي الْوَزير عمر بن مطرف الْحِجَازِي: نزل الْبَصْرَة وَقد أدْركهُ البُخَارِيّ، وَلم يلقه، وروى عَنهُ بِوَاسِطَة. وَذكره فِي (تَارِيخه) مَا مَاتَ فِي بضع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَهُوَ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن الغسيل عَن حَمْزَة بن أبي أسيد عَن أَبِيه أبي أسيد، ويروى أَيْضا عَن عَبَّاس بن سهل وَهُوَ يروي عَن أَبِيه سهل بن سعد. قَوْله: (حَدثنِي) ويروى: حَدثنَا. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
٨٥٢٥ - حدّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حَدثنَا همَّامُ بنُ يحْيَى عنْ قَتَادَةَ عنْ أبي غَلَاّبٍ يُونُسَ ابْن جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابنِ عُمَرَ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهْيَ حائِضٌ، فَقَالَ: تَعْرِفُ ابنَ عُمَرَ؟ إنَّ ابنَ عُمَرَ طلَّق امْرأتَهُ وهْيَ حائِضٌ، فأتَى عُمَرُ النبيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لهُ، فأمَرَهُ أَن يُرَاجِعَها، فإذَا
стр. 6120
طهرت طَهُرَتْ فأرَادَ أَن يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها. قُلْتُ: فَهَلْ عَدَّ ذالِكَ طَلَاقا؟ قَالَ: أرَأيْتَ إنْ عَجَزَ واسْتَحْمَقَ.
كَانَ وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله. وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال بالتعسف إِن قَوْله: (إِن ابْن عمر طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض) أَعم من أَنه واجهها بِالطَّلَاق أَو لَا. وَلَكِن قيل: إِنَّه واجهها لِأَنَّهُ طَلقهَا عَن شقَاق، وَفِيه نظر لَا يخفى، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
وَهَمَّام على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الْبَصْرِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو غلاب بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة هُوَ كنية يُونُس بن جُبَير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (فَقَالَ: أتعرف ابْن عمر) إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِك مَعَ أَنه يعرف أَنه يعرفهُ، وَهُوَ الَّذِي يخاطبه ليقرر على اتِّبَاع السّنة، وعَلى الْقبُول من ناقلها وَإنَّهُ يلْزمه الْعَامَّة الِاقْتِدَاء بمشاهير الْعلمَاء فقرره على مَا يلْزمه من ذَلِك لَا أَنه ظن أَنه لَا يعرفهُ. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي وَلم يشْتَرط هُنَا تكْرَار الطُّهْر بِخِلَاف الحَدِيث الَّذِي سبق لِأَن التّكْرَار هُوَ الْأَوْلَوِيَّة والأفضلية وَإِلَّا فَالْوَاجِب هُوَ حُصُول الطُّهْر فَقَط.
٤ - (بابُ مَنْ أجازَ طَلَاقَ الثَّلَاثِ لقَوْل الله تَعَالَى: ﴿ (٢) الطَّلَاق مَرَّتَانِ فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ (الْبَقَرَة: ٩٢٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أجَاز تطليق الْمَرْأَة بِالطَّلَاق الثَّلَاث دفْعَة وَاحِدَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب من جوز الطَّلَاق الثَّلَاث، وَهَذَا أوجه وَاضح، وَوضع البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى أَن من السّلف من لم يجوز وُقُوع الطَّلَاق الثَّلَاث، وَفِيه خلاف. فَذهب طَاوُوس وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَالْحجاج بن أَرْطَأَة وَالنَّخَعِيّ وَابْن مقَاتل والظاهرية إِلَى أَن الرجل إِذا طلق امْرَأَته ثَلَاثًا مَعًا فقد وَقعت عَلَيْهَا وَاحِدَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث طَاوُوس: أَن أَبَا الصَّهْبَاء قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: الْعلم إِنَّمَا كَانَت الثَّلَاث تجْعَل وَاحِدَة على عهد النَّبِي ﷺ ، وَأبي بكر، وَثَلَاثًا من إِمَارَة عمر. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: نعم. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَقيل: لَا يَقع شَيْء وَمذهب جَمَاهِير الْعلمَاء من التَّابِعين وَمن بعدهمْ مِنْهُم: الْأَوْزَاعِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَأَصْحَابه وَمَالك وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَأحمد وَأَصْحَابه، وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، عل أَن من طلق امْرَأَته ثَلَاثًا وقعن، وَلكنه يَأْثَم، وَقَالُوا: من خَالف فِيهِ فَهُوَ شَاذ مُخَالف لأهل السّنة، وَإِنَّمَا تعلق بِهِ أهل الْبدع وَمن لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لشذوذه عَن الْجَمَاعَة الَّتِي لَا يجوز عَلَيْهِم التواطؤ على تَحْرِيف الْكتاب وَالسّنة. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس بِمَا ملخصه إِنَّه مَنْسُوخ، بَيَانه أَنه لما كَانَ زمن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (يَا أَيهَا النَّاس! قد كَانَ لكم فِي الطَّلَاق أَنَاة وَإنَّهُ من تعجل أَنَاة الله فِي الطَّلَاق ألزمناه إِيَّاه) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وخاطب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بذلك النَّاس الَّذين قد علمُوا مَا قد تقدم من ذَلِك فَفِي زمن النَّبِي ﷺ ، فَلم يُنكر عَلَيْهِ مِنْهُم مُنكر وَلم يَدْفَعهُ دَافع، فَكَانَ ذَلِك أكبر الْحجَج فِي نسخ مَا تقدم من ذَلِك، وَقد كَانَ فِي أَيَّام النَّبِي ﷺ أَشْيَاء على معانٍ فَجَعلهَا أَصْحَابه من بعده على خلاف تِلْكَ الْمعَانِي، فَكَانَ ذَلِك حجَّة ناسخة لما تقدم، من ذَلِك: تدوين الدَّوَاوِين وَبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد قد كن يبعن قبل ذَلِك، والتوقيت فِي حد الْخمر وَلم يكن فِيهِ تَوْقِيت. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا النّسخ وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا ينْسَخ؟ وَكَيف يكون النّسخ بعد النَّبِي ﷺ ؟ قلت: لما خَاطب عمر الصَّحَابَة بذلك فَلم يَقع إِنْكَار صَار إِجْمَاعًا، والنسخ بِالْإِجْمَاع جوزه بعض مَشَايِخنَا بطرِيق أَن الْإِجْمَاع مُوجب علم الْيَقِين كالنص فَيجوز أَن يثبت النّسخ بِهِ، وَالْإِجْمَاع فِي كَونه حجَّة أقوى من الْخَبَر الْمَشْهُور، فَإِذا كَانَ النّسخ جَائِزا بالْخبر الْمَشْهُور فِي الزِّيَادَة على النَّص فجوازه بِالْإِجْمَاع أولى فَإِن قلت: هَذَا إِجْمَاع على النّسخ من تِلْقَاء أنفسهم فَلَا يجوز ذَلِك فِي حَقهم قلت: يحْتَمل أَن يكون ظهر لَهُم نَص أوجب النّسخ وَلم ينْقل إِلَيْنَا ذَلِك، على أَن الطَّحَاوِيّ وَقد روى أَحَادِيث عَن ابْن عَبَّاس تشهد بانتساخ مَا قَالَه من ذَلِك، مِنْهَا: مَا رَوَاهُ من حَدِيث الْأَعْمَش عَن مَالك بن الْحَارِث قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ: إِن عمي طلق امْرَأَته ثَلَاثًا، فَقَالَ: إِن عمك عصى الله فأثمه الله وأطاع الشَّيْطَان، فَلم يَجْعَل لَهُ مخرجا. فَقلت: فَكيف ترى فِي رجل يحلهَا لَهُ؟ فَقَالَ: من يُخَادع الله يخادعه) . وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يشبه أَن يكون ابْن عَبَّاس ثقد علم شَيْئا ثمَّ نسخ لِأَنَّهُ لَا يروي عَن رَسُول الله ﷺ شَيْئا ثمَّ يُخَالِفهُ بِشَيْء
стр. 6121
لَا يُعلمهُ كَانَ من النَّبِي ﷺ ، فِيهِ خلاف، فَأجَاب قوم عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمُتَقَدّم: إِنَّه فِي غير الْمَدْخُول بهَا، وَقَالَ الْجَصَّاص: حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا مُنكر. قَوْله: (لقَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلَاق مراتان﴾ (الْبَقَرَة: ٩٢٢)) إِلَى آخِره وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ مَعْنَاهُ: مرّة بعد مرّة، فَإِذا جَازَ الْجمع بَين ثِنْتَيْنِ جَازَ بَين الثَّلَاث، وَأحسن مِنْهُ أَن يُقَال إِن قَوْله: ﴿أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ (الْبَقَرَة: ٩٢٢) عَام متناول لأيقاع الثَّلَاث دَفعه وَاحِدَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: أَنا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قِرَاءَة عَلَيْهِ، أَنا ابْن وهب أَخْبرنِي سُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن سميع سَمِعت أَبَا رزين يَقُول: حاء رجل إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿أرأيتت قَول الله : ﴿فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ (الْبَقَرَة: ٩٢٢) أَيْن الثَّالِثَة؟ قَالَ: التسريح بِالْإِحْسَانِ، هَذَا إِسْنَاده صَحِيح وَلكنه مُرْسل، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق قيس بن الرّبيع عَن إِسْمَاعِيل بن سميع عَن أبي رزين مُرْسلا، ثمَّ قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن عبد الرَّحِيم حَدثنَا أَحْمد بن يحيى حَدثنَا عبيد الله بن جرير بن خَالِد حَدثنَا عَنْبَسَة عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ ذكر الله الطَّلَاق مرَّتَيْنِ فَأَيْنَ الثَّالِثَة؟ قَالَ: ﴿إمْسَاك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ .
وَقَالَ ابنُ الزّبَيْرِ فِي مَرِيضٍ طَلَّقَ: لَا أرَى أنْ تَرِثَ مَبْتُوتَتُهُ
أَي: قَالَ عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. فِي مَرِيض طلق امْرَأَته أَي: طَلَاقا باتا (لَا أرى) بِفَتْح الْهمزَة (أَن تَرث مبتوتته) أَي: الَّتِي طلقت طَلَاقا باتا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مبتوتة، بِقطع الضَّمِير لِأَنَّهُ يعلم أَنَّهَا متبوتة هَذَا الْمُطلق. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي قَول الرجل: أَنْت طَالِق الْبَتَّةَ، فَذكر ابْن الْمُنْذر عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنَّهَا وَاحِدَة، وَإِن أَرَادَ ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاث، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. . وَقَالَت طَائِفَة: الْبَتَّةَ ثَلَاث، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عمر وَابْن الْمسيب وَعُرْوَة وَالزهْرِيّ وَابْن أبي ليلى وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي عبيد، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم، قَالَ: حدقنا يحيى بن سعيد الْقطَّان قَالَ: حَدثنَا ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة أَنه سُئِلَ ابْن الزبير عَن المبتوتة فِي الْمَرَض فَقَالَ: طلق عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ابْنة الإصبغ الْكَلْبِيَّة فبتها ثمَّ مَاتَ وَهِي فِي عدتهَا فَورثَهَا عُثْمَان، قَالَ ابْن الزبير: وَأما أَنا فَلَا أرى أَن تَرث المبتوتة.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ تَرِثُهُ
أَي: قَالَ عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ: تَرث المبتوتة زَوجهَا فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة، وَهَذَا التلعيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن أبي عوَانَة عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ فِي رجل طلق امْرَأَته ثَلَاثًا فِي مَرضه، قَالَا: تَعْتَد عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وترثه مَا كَانَت فِي الْعدة، وروى ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْمُطلق ثَلَاثًا فِي مَرضه: تَرثه مَا دَامَت فِي الْعدة وَلَا يَرِثهَا، وَورث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أم الْبَنِينَ من عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما احْتضرَ وَطَلقهَا، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: تَرثه مَا دَامَت فِي الْعدة، قَالَ طَاوُوس وَعُرْوَة بن الزبير وَابْن سِيرِين وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: يَقُولُونَ: كل من فر من كتاب الله رد إِلَيْهِ، وَقَالَ عِكْرِمَة: لَو لم يبْق من عدتهَا إلَاّ يَوْم وَاحِد ثمَّ مَاتَ ورثت، واستأنفت عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا.
وَقَالَ ابنُ شُبْرُمَةَ تَزَوَّجُ إذَا انْقَضَتِ العِدَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أرَأيْتَ إنْ مَاتَ الزَّوْجُ الآخَرُ فَرَجَعَ عَن ذالِكَ؟
أَي: قَالَ عبد الله بن شبْرمَة، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الرَّاء: الضَّبِّيّ قَاضِي الْكُوفَة التَّابِعِيّ، يَعْنِي: قَالَ لِلشَّعْبِيِّ: تزوج أَي: هَل تتَزَوَّج هَذِه الْمَرْأَة بعد الْعدة وَقبل وَفَاة الزَّوْج الأول أم لَا؟ قَالَ: نعم أَي: قَالَ الشّعبِيّ: نعم تزوج، وأصل تزوج تتَزَوَّج وَهُوَ فعل مضارع، فحذفت مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ للتَّخْفِيف، كَمَا فِي قَوْله : ﴿نَارا تلظى﴾ (اللَّيْل: ٤١) أَصله: تتلظى. قَوْله: (قَالَ أَرَأَيْت؟) أَي: قَالَ ابْن شبْرمَة لِلشَّعْبِيِّ: أَرَأَيْت؟ أَي: أَخْبرنِي أَن الزَّوْج الآخر إِذا مَاتَ تَرث مِنْهُ أَيْضا فَيلْزم إرثها من الزَّوْجَيْنِ مَعًا فِي حَالَة وَاحِدَة. قَوْله: (فَرجع) أَي الشّعبِيّ عَن ذَلِك أَي: رَجَعَ عَمَّا قَالَه من أَنَّهَا تَرثه، مَا دَامَت فِي الْعدة، وَقد اختصر البُخَارِيّ هَذَا جدا.
٩٥٢٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ أنّ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السّاعِدِيَّ أخبرَهُ أنَّ عُوَيمِرا العَجلَانِيَّ جاءَ إِلَى عاصِمٍ بنِ عَدِيٍّ الأنْصَارِيِّ فَقَالَ لهِ: يَا عاصَمُ! أرَأيْتُ رجُلاً
стр. 6122
وجَدَ مَعَ امْرَأتهِ رجُلاً أيقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عاصِمُ عنْ ذَلِكَ رسولَ الله ﷺ ، فَسَأَلَ عاصِمٌ عنْ ذَلِكَ رسُولَ الله ﷺ فكَرِهَ رسولُ الله ﷺ المَسائِلَ وعابَها حَتَّى كَبُرَ علَى عاصِمٍ مَا سَمِعَ منْ رسولِ الله ﷺ ، فلَمّا رجَعَ عاصِمٌ إِلَى أهْلِهِ جاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عاصِمُ ﴿ماذَا قَالَ لَكَ رسولُ الله ﷺ ؟ فَقَالَ عاصِمٌ: لَمْ تأتِني بخَيْرٍ قدْ كَرِهَ رسولُ الله ﷺ المَسْألَةَ الَّتِي سألْتُهُ عنْها. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَالله لَا أنْتَهِي حتّى أسألَهُ عَنْها، فأقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حتَّى أتَى رسولَ الله ﷺ وسْطَ النَّاس، فَقَالَ: يَا رسولَ الله أرَأيْتَ رجُلاً وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلاً أيَقْتُلُهُ فتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ قَدْ أنْزَلَ الله فِيكَ وفِي صاحِبَتك، فاذْهَبْ فأتِ بِها، قَالَ سَهْلٌ: فتَلَاعَنا وَأَنا مَعَ النَّاس عنْدَ رسولِ الله ﷺ ، فلَمَّا فَرَغا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كذَبْتُ علَيْها يَا رسولَ الله إنْ أمَسَكْتُها، فطلَّقَها ثَلاٍ ث قبْلَ أنْ يأمُرَهُ رسولُ الله ﷺ . قَالَ ابنُ شِهابٍ: فكانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ المُتَلَاعِنِيْنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَطلقهَا) وأمضاه رَسُول الله ﷺ ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ فَدلَّ على أَن من طلق ثَلَاثًا يَقع ثَلَاثًا.
والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة النُّور فِي موضِعين: أَحدهمَا: مطولا عَن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ. وَالْآخر: عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن أبي الرّبيع عَن فليح عَن الزُّهْرِيّ.
قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أخبرنَا عَن حكمه. قَوْله: (وَكره الْمسَائِل) ، أَي: الَّتِي لَا يحْتَاج إِلَيْهَا سِيمَا مَا فِيهِ إِشَاعَة فَاحِشَة. قَوْله: (حَتَّى كبر) ، بِضَم الْبَاء أَي: عظم وشق. قَوْله: (قد أنزل الله فِيك) ، أَي: آيَة اللّعان. قَوْله: (وَتلك) أَي: التَّفْرِقَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٠٦٢٥ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدثنِي اللّيْثُ قَالَ: حدّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ امْرَأةَ رِفاعَةَ القُرْطِيِّ جاءَتْ إِلَى رسولِ الله ﷺ فقالَتْ: يَا رسولَ الله﴾ إنَّ رَفاعَةَ طَلَّقَنِي فبَتَّ طلَاقِي وإنِّي نَكحْتُ بَعْدَهُ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الزُّبيْرِ القُرَظِيَّ، وإنّمَا معَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ قَالَ رسولُ الله ﷺ : لعلّكِ تُرِيدِين أنْ تَرْجِعي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتّى يَذُوقُ عُسَيْلَتَكِ وتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: فَبت طَلَاقي، أَي: قطع قطعا كليا فاللفظ يحْتَمل أَن يكون الثَّلَاث دفْعَة وَاحِدَة وَهُوَ مَحل التَّرْجَمَة أَو مُتَفَرِّقَة.
وَسَعِيد بن عفير هُوَ سعيد بن كثير بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: الْمصْرِيّ، وروى مُسلم عَنهُ بِوَاسِطَة.
قَوْله: (إِن امْرَأَة رِفَاعَة) ، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وَبعد الْألف عين الْمُهْملَة: ابْن سموأل، وَيُقَال: رِفَاعَة بن رِفَاعَة القرطي من بني قريظ، وَاسم الْمَرْأَة تَمِيمَة بنت وهب، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. قَالَت: كَانَت امْرَأَة من قريظ يُقَال لَهَا: تَمِيمَة بنت وهب تَحت عبد الرَّحْمَن بن الزبير، فَطلقهَا فَتَزَوجهَا رِفَاعَة رجل من بني قُرَيْظَة ثمَّ فَارقهَا، فَأَرَادَتْ أَن ترجع إِلَى عبد الرَّحْمَن بن الزبير، فَقَالَت: وَالله يَا رَسُول الله مَا هُوَ مِنْهُ إلَاّ كهدبة الثَّوْب، فَقَالَ: وَالله يَا تَمِيمَة لَا ترجعين إِلَى عبد الرَّحْمَن حَتَّى يَذُوق عُسَيْلَتك رجل غَيره، وَهَذَا الْمَتْن عكس متن الصَّحِيح، وَإِنَّمَا أوردناه هُنَا لأجل بَيَان اسْم الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة. قَوْله: (عبد الرَّحْمَن بن الزبير) بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن باطيا الْقرظِيّ. قَوْله: (مثل الهدبة) بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال: هدبة الثَّوْب، وَهُوَ طرفه مِمَّا يَلِي طرته، وَيُقَال لَهَا: هدابة الثَّوْب. قَوْله: (لَا) أَي: لَا ترجعين. قَوْله: (عُسَيْلَتك) هِيَ كِنَايَة عَن الْجِمَاع، وَالْعَسَل رُبمَا يؤنث فِي بعض اللُّغَات فيصغر على عسيلة، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) حَدثنَا مَرْوَان أَنبأَنَا أَبُو عبد الْملك الْمَكِّيّ حَدثنَا عبد الله بن
стр. 6123
أبي مليكَة عَن عَائِشَة قَالَ: الْعسيلَة هِيَ الْجِمَاع. وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) ، والمكي مَجْهُول فِي (التَّلْوِيح) لفظ النِّكَاح فِي جَمِيع الْقُرْآن الْعَظِيم أُرِيد بِهِ العقد لَا الْوَطْء إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣٢) فَإِنَّهُ أُرِيد بِلَفْظ النِّكَاح العقد وَالْوَطْء جَمِيعًا بِدَلِيل حَدِيث الْعسيلَة، فَإِن الْعسيلَة. فَإِن الْعسيلَة هُنَا الْوَطْء وَفِيه نظر لِأَن لفظ النِّكَاح أسْند إِلَى الْمَرْأَة فَلَو أُرِيد بِهِ الْوَطْء لَكِن الْمَعْنى: حَتَّى تطَأ زوجا غَيره، وَهَذَا فَاسد، لِأَن الْمَرْأَة مَوْطُوءَة لَا واطئة وَالرجل واطىء، بل مَعْنَاهُ أَيْضا: العقد، وَوَجَب الْوَطْء بِحَدِيث الْعسيلَة فَإِنَّهُ خبر مَشْهُور يجوز بِهِ الزِّيَادَة على النَّص، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ إلَاّ لسَعِيد بن الْمسيب فَإِنَّهُ قَالَ: العقد الصَّحِيح كَاف، وَيحصل بِهِ التَّحْلِيل للزَّوْج الأول وَلم يُوَافقهُ على هَذَا أحد إلَاّ طَائِفَة من الْخَوَارِج، وَذكر فِي (كتاب الْقنية) لأبي الرَّجَاء مُخْتَار بن مَحْمُود الزَّاهدِيّ: إِن سعيد بن الْمسيب رَجَعَ عَن مذْهبه هَذَا فَلَو قضى بِهِ قاضٍ لَا ينفذ قَضَاؤُهُ، وَإِن أفتى بِهِ أحذ عزّر. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْإِنْزَال شَرط، لَا تحل للْأولِ حَتَّى يَطَأهَا الثَّانِي وطأ فِيهِ إِنْزَال، وَزعم أَن معنى الْعسيلَة الْإِنْزَال، وَخَالفهُ سَائِر الْفُقَهَاء، فَقَالُوا: التقاء الختانين يحلهَا للزَّوْج الأول. وَهُوَ مَا يفْسد الصَّوْم وَالْحج وَيُوجب الْحَد وَالْغسْل ويحصن الزَّوْجَيْنِ ويكمل الصَدَاق. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَو أَتَاهَا الزَّوْج الثَّانِي وَهِي نَائِمَة أَو معنى عَلَيْهَا لَا تشعر أَنَّهَا لَا تحل للزَّوْج حَتَّى يذوقان جَمِيعًا الْعسيلَة، إِذْ غير جَائِز أَن يُسَوِّي ﷺ بَينهمَا فِي ذوق الْعسيلَة وَتحل بِأَن يَذُوق أَحدهمَا.
وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي عقد نِكَاح الْمُحَلّل، فَقَالَ مَالك: لَا يحلهَا إلَاّ بِنِكَاح رَغْبَة، فَإِن قصد التَّحْلِيل لم يحلهَا، وَسَوَاء علم الزَّوْجَانِ بذلك أَو لم يعلمَا، وَيفْسخ قبل الدُّخُول وَبعده، وَهُوَ قَول اللَّيْث وسُفْيَان بن سعيد وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ: النِّكَاح جَائِز وَله أَن يُقيم على نِكَاحه أَو لَا، وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحكم، وَقَالَ الْقَاسِم وَسَالم وَعُرْوَة وَالشعْبِيّ: لَا بَأْس أَن يَتَزَوَّجهَا لِيحِلهَا إِذا لم يعلم بذلك الزَّوْجَانِ، وَهُوَ مأجور بذلك. وَهُوَ قَول ربيعَة وَيحيى بن سعيد، وَذهب الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر إِلَى أَن نِكَاح الَّذِي يفْسد هُوَ الَّذِي يعْقد عَلَيْهِ فِي نفس عقد النِّكَاح أَنه إِنَّمَا يَتَزَوَّجهَا ليحللها ثمَّ يطلقهَا، وَمن لم يشْتَرط ذَلِك، فَهُوَ عقد صَحِيح، وروى بشر بن الْوَلِيد عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة مثله، وروى أَيْضا عَن مُحَمَّد عَن يَعْقُوب عَن أبي حنيفَة أَنه إِذا نوى الثَّانِي تحليلها للْأولِ لم يحل لَهُ ذَلِك، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وروى الْحسن بن زِيَاد عَن زفر عَن أبي حنيفَة أَنه إِن شَرط عَلَيْهِ فِي نفس العقد أَنه إِنَّمَا يَتَزَوَّجهَا لِيحِلهَا للْأولِ فَإِنَّهُ نِكَاح صَحِيح ويحصنان بِهِ وَيبْطل الشَّرْط، وَله أَن يمْسِكهَا، فَإِن طَلقهَا حلت للْأولِ. وَفِي (الْقنية) إِذا أَتَاهَا الزَّوْج الثَّانِي فِي دبرهَا لَا تحل للْأولِ، وَإِن أولج إِلَى مَحل الْبكارَة حلت للْأولِ، وَالْمَوْت لَا يقوم مقَام الدُّخُول فِي حق التَّحْلِيل، وَكَذَا الْخلْوَة فَافْهَم. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من غير وَجه عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي قيس واسْمه عبد الرَّحْمَن بن ثروان الأودي عَن هُذَيْل بن شُرَحْبِيل عَن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: لعن رَسُول الله ﷺ المحلِّل والمحلِّل لَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن الْحَارِث عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لعن رَسُول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل لَهُ، وروى التِّرْمِذِيّ عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن جَابر بن عبد الله بِنَحْوِهِ سَوَاء، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث اللَّيْث بن سعد قَالَ: قَالَ لي أَبُو مُصعب مشرح بن هاعان قَالَ عقبَة بن عَامر: قَالَ رَسُول الله ﷺ : أَلا أخْبركُم بالتيس الْمُسْتَعَار؟ قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله. قَالَ: هُوَ الْمُحَلّل، لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِنَحْوِهِ سَوَاء، وروى أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مسانيدهم) من حَدِيث المَقْبُري عَن ابْن عَبَّاس بِنَحْوِهِ سَوَاء، وروى ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة قبيصَة بن جَابر عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا أُوتِيَ بِمُحَلل ومحلل لَهُ إلَاّ رجمتها، وروى عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن عبد الله بن شريك العامري سَمِعت ابْن عمر يسْأَل عمر: طلق امْرَأَته ثمَّ نَدم، فَأَرَادَ رجل أَن يَتَزَوَّجهَا ليحللها لَهُ، فَقَالَ ابْن عمر: كِلَاهُمَا زانٍ وَلَو مكثا عشْرين سنة، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث والْآثَار كلهَا تدل على كَرَاهِيَة النِّكَاح الْمَشْرُوط بِهِ التَّحْلِيل، وَظَاهره يَقْتَضِي التَّحْرِيم. قلت: لفظ الْمُحَلّل يدل على صِحَة النِّكَاح، لِأَن الْمُحَلّل هُوَ الْمُثبت للْحلّ، فَلَو كَانَ فَاسِدا لما سَمَّاهُ محللاً، وَلَا يدْخل أحد مِنْهُم تَحت اللَّعْنَة إلَاّ ءذا قصد الاستحلال وَحَدِيث على رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ شكّ أَبُو دَاوُد حَيْثُ قَالَ: لَا أرَاهُ رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ ومعلول بِالْحَارِثِ، وَحَدِيث عقبَة بن عَامر قَالَ عبد الْحق: إِسْنَاده حسن، وَقَالَ
стр. 6124
التِّرْمِذِيّ فِي (علله الْكُبْرَى) اللَّيْث بن سعد: مَا أرَاهُ سمع من مشرح بن هاعان، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ اللَّيْث بن سعد عَن مشرج بن هاعان على عقبَة بن عَامر فَذكره، فَقَالَ: لم يسمع اللَّيْث من مشرح وَلَا روى عَنهُ، وَأما أثر عمر الَّذِي رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، فَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هُوَ مَحْمُول عَن التَّشْدِيد والتغليظ كنحو مَا هم بِهِ سيدنَا رَسُول الله ﷺ أَن يحرق على من تخلف عَن الْجَمَاعَة بُيُوتهم، وَكَذَا مَا روى عَن ابْنه عبد الله.
١٦٢٥ - حدّثني مُحَمَّد بنُ بَشّارٍ حدَّثَنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ: حدّثني القاسِمُ بنُ مُحَمَّد عنُ عائِشَةَ أنَّ رَجُلاً امْرَأتَهُ ثَلاثا فَتَزَوَّجَتْ، فَطَلَّقَ، فَسُئِلَ النبيُّ ﷺ : أتَحِلُّ لِلأوَّلِ؟ قَالَ: لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها كَمَا ذَاقَ الأوَّلُ.
ول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: من خيَّر نِسَاءَهُ، لِأَن مَحَله مجرور بِإِضَافَة لفظ: بَاب إِلَيْهِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي سُورَة الْأَحْزَاب.
٢٦٢٥ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: خَيَّرَنا رسُولُ الله ﷺ فاخْتَرْنا الله ورسولَهُ، فلَمْ يَعُدَّ ذالِكَ عَلَيْنا شَيْئا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح بِالتَّصْغِيرِ أَبُو الضُّحَى مَشْهُور بكنيته أَكثر من اسْمه، وَقَالَ بَعضهم: فِي طبقته مُسلم البطين وَهُوَ من رجال البُخَارِيّ لكنه، وَإِن روى عَنهُ الْأَعْمَش، لَا يروي عَن مَسْرُوق، وَفِي طبقتهما مُسلم بن كيسَان الْأَعْوَر وَلَيْسَ هُوَ من رجال الصَّحِيح وَلَا لَهُ رِوَايَة عَن مَسْرُوق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمُسلم بِلَفْظ فَاعل الْإِسْلَام. يحْتَمل أَن يكون هُوَ أَبُو الضُّحَى بن صبيح مصغر الصُّبْح وَأَن يكون مُسلم البطين بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن أبي عمرَان لِأَنَّهُمَا يرويان عَن مَسْرُوق، ويروي الْأَعْمَش عَنْهُمَا، وَلَا قدم بِهَذَا الالتباس لِأَنَّهُمَا يرويان بِشَرْط البُخَارِيّ. انْتهى قلت: ذكر فِي كتاب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) أَن مُسلما البطين سمع مسروقا روى عَنهُ الْأَعْمَش، فَهَذَا يرد كَلَام بَعضهم الْمَذْكُور، وَلَكِن الْحَافِظ الْمزي قَالَ: مُسلم بن صبيح أَبُو الضُّحَى، عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة حَدِيث: خيرنا رَسُول الله ﷺ .
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن بشر بن خلف وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّلَاق عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (فَلم يعد) بِضَم الْعين وَتَشْديد الدَّال من الْعدَد، ويروى: فَلم يعدد، بفك الْإِدْغَام. ويروى: فَلم يعْتد، بِسُكُون الْعين وَفتح التَّاء المثتاة من فَوق وَتَشْديد الدَّال من الِاعْتِدَاد. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى التخبير الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (خيرنا) قَوْله: (شَيْئا) أَي: طَلَاقا. وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَلم يعده طَلَاقا.
٣٦٢٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يحْياى عنْ إسْماعِيلَ حَدثنَا عامِرٌ عنْ مَسْرُوق قالَ: سألتُ عائِشَة
стр. 6125
عنِ الخَيْرَةِ فقالَتْ خَيَّرَنا النبيُّ ﷺ ، أفَكَانَ طَلَاقا؟ قَالَ مَسْرُوقٌ: لَا أُبالي أخَيَّرْتُها واحِدَةً أوْ مائَةً بعْدَ أنْ تَخُتَارَنِي.
(انْظُر الحَدِيث ٢٦٢٥)
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان بن أبي خَالِد عَن عَامر الشّعبِيّ.
قَوْله: (عَن الْخيرَة) بِكَسْر الْخَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي جعل الطَّلَاق بيد الْمَرْأَة. قَوْله: (أَفَكَانَ طَلَاقا) اسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار، أَرَادَت لم يكن طَلَاقا لِأَنَّهُنَّ اخْترْنَ النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن وَكِيع عَن إِسْمَاعِيل: فَهَل كَانَ طَلَاقا؟ وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل قَوْله: (قَالَ مَسْرُوق) إِلَى آخِره مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (أخيَّرتها؟) أَي: امْرَأَتي، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، قَالَ: مَا أُبَالِي خيرت امْرَأَتي وَاحِدَة أَو مائَة أَو ألفا بعد أَن تختارني، وَلَكِن قَول مَسْرُوق هَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم قبل قَوْله: سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد روى مثل قَول مَسْرُوق عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمن التَّابِعين قَول عَطاء وَسليمَان بن يسَار وَرَبِيعَة وَالزهْرِيّ. كلهم قَالُوا: إِذا اخْتَارَتْ زَوجهَا فَلَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ قَول أَئِمَّة الْفَتْوَى. وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا؟ فَحكى التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ أَنه وَاحِدَة بَائِنَة، وَإِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فَوَاحِدَة رَجْعِيَّة، وَعَن زيد بن ثَابت: إِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَثَلَاث، وَإِن اختاررت زَوجهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة، وَعَن عمر وَابْن مَسْعُود: إِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة وعنهما رَجْعِيَّة، وَإِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فَلَا شَيْء.
٦ - (بابٌ إذَا قَالَ: فَارَقْتُكِ أوْ سَرَّحْتُكِ أوِ: الخَلِيَّةُ أوِ البَرِيَّةُ أوْ مَا عُنِيَ بهِ الطَّلَاقُ فَهُوَ علَى نِيَّتِهِ .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا إِذا قَالَ الرجل لامْرَأَته: فارقتك أَو سرحتك أَو أَنْت خلية أَو بَريَّة، فَالْحكم فِي هَذِه الْأَلْفَاظ يعْتَبر بنيته وَهُوَ معنى قَوْله: (فَهُوَ على نِيَّته) لِأَن هَذِه كنايات عَن الطَّلَاق، فَإِن نوى الطَّلَاق وَقع وإلَاّ فَلَا يَقع شَيْء، وَإِنَّمَا كَانَت الْكِنَايَة للطَّلَاق وَلم تكن للنِّكَاح لِأَن النِّكَاح لَا يَصح إلَاّ بِالْإِشْهَادِ. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: لَا صَرِيح إلَاّ لفظ الطَّلَاق وَمَا يتَصَرَّف مِنْهُ، وَنَصّ فِي الْجَدِيد على أَن الصَّرِيح لفظ الطَّلَاق. والفراق والسراح لوُرُود ذَلِك فِي الْقُرْآن، وَقدر حج الطَّبَرِيّ والمحاملي وَغَيرهمَا قَوْله الْقَدِيم، وَاخْتَارَهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ أَبُو يُوسُف فِي قَوْله: فارقتك أَو خلعتك أَو خليت سَبِيلك، أَو لَا ملك لي عَلَيْك إِنَّه ثَلَاث، وَاخْتلفُوا فِي الخلية والبرية، فَعَن عَليّ: أَنه ثَلَاث. وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَعَن ابْن عمر: ثَلَاث فِي الْمَدْخُول بهَا، وَبِه قَالَ مَالك ويدين فِي الَّتِي لم يدْخل بهَا بتطليقة وَاحِدَة أَرَادَ أم ثَلَاثًا، وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة تعْتَبر نِيَّته فِي ذَلِك، فَإِن نوى ثَلَاثًا فَثَلَاث، وَإِن نوى وَاحِدَة فَوَاحِدَة بَائِنَة، وَهِي أَحَق بِنَفسِهَا وَإِن نوى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة، وَفِي (التَّلْوِيح) . وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ فِي ذَلِك كُله غير مُطلق حَتَّى يَقُول، أردْت بمخرج الْكَلَام مني طَلَاقا فَيكون مَا نَوَاه، فَإِن نوى دون الثَّلَاث كَانَ جَمِيعًا، وَلَو طَلقهَا وَاحِدَة بَائِنَة كَانَت رَجْعِيَّة. وَقَالَ إِسْحَاق: هُوَ إِلَى نِيَّته يدين، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: هِيَ تَطْلِيقَة رَجْعِيَّة وَلَا يسْأَل عَن نِيَّته فِي ذَلِك، وَحكى الدَّارمِيّ عَن ابْن خيران أَن من لم يعرف إلَاّ الطَّلَاق فَهُوَ صَرِيح فِي حَقه فَقَط، وَنَحْوه للروياني فَإِنَّهُ لَو قَالَ: اغربي فارقتك، وَلم يعرف أَنَّهَا صَرِيحَة لَا يكون صَرِيحًا فِي حَقه، وَاتَّفَقُوا عل أَن لفظ الطَّلَاق وَمَا يتَصَرَّف مِنْهُ صَرِيح، لَكِن أخرج أَبُو عبيد فِي (غَرِيب الحَدِيث) من طَرِيق عبيد الله بن شهَاب الْخَولَانِيّ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه رفع إِلَيْهِ رجل قَالَت لَهُ امْرَأَته يشبهني. فَقَالَ: كَأَنَّك ظَبْيَة. قَالَت: لَا قَالَ: كَأَنَّك حمامة. قَالَت: لَا أرْضى حَتَّى تَقول: أَنْت خلية طَالِق، فَقَالَ لَهُ عمر: خُذ بِيَدِهَا فَهِيَ امْرَأَتك. قَالَ أَبُو عبيد قَوْله خلية طَالِق أَي: نَاقَة كَانَت معقولة ثمَّ أطلقت من عقالها، وخلى عَنْهَا فسميت خلية لِأَنَّهَا خليت عَن العقال، وَطَالِق لِأَنَّهَا أطلقت مِنْهُ فَأَرَادَ الرجل أَنَّهَا تشبه النَّاقة وَلم يقْصد الطَّلَاق بِمَعْنى الْفِرَاق أصلا، فأسقط عمر عَنهُ الطَّلَاق، وَقَالَ أَبُو عبيد: وَهَذَا أصل لكل من تكلم بِشَيْء من أَلْفَاظ الطَّلَاق، وَلم يرد الْفِرَاق بل أَرَادَ غَيره فَالْقَوْل قَوْله فِيهِ فِيمَا بَينه وَبَين االله تَعَالَى. وَفِي (الْمُحِيط) : لَو قَالَ: أَنْت طَالِق، وَقَالَ: عنيت بِهِ عَن الوثاق لَا يصدق قَضَاء وَيصدق ديانَة، وَلَو قَالَ: أَنْت طَالِق من وثاق لم يَقع شَيْء فِي الْقَضَاء، وَلَو قَالَ: أردْت أَنَّهَا طَالِق من الْعَمَل لم يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى،
стр. 6126
وَعَن أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه يدين، لَو قَالَ: أَنْت طَالِق من هَذَا الْعَمَل وقف فِي الْقَضَاء وَلَا يَقع فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، وَلَو قَالَ؛ أَنْت طَالِق من هَذَا الْقَيْد لم تطلق.
وَقَوْلُ الله : ﴿ (٣٣) وسرحوهن سراحا جميلا﴾ (الْأَحْزَاب: ٩٤) وَقَالَ: ﴿ (٣٣) وأسرحكن سراحا جميلا﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) وَقَالَ: ﴿ (٢) فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ (الْبَقَرَة: ٩٢٢) وَقَالَ: ﴿ (٦٥) أَو فارقوهن بِمَعْرُوف﴾ (الطَّلَاق: ٢) [/ ح.
لما ذكر فِي التَّرْجَمَة لفظ الْمُفَارقَة والتسريح ذكر بعض هَذِه الْآيَات الَّتِي فِيهَا ذكر الله تَعَالَى هذَيْن اللَّفْظَيْنِ مِنْهَا. قَوْله تَعَالَى: ﴿وسرحوهن سراحا جميلاً﴾ وأوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ أَي: من قبل أَن تجامعوهن ﴿فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن﴾ أَي: أعطوهن مَا يستمتعن بِهِ. وَقَالَ قَتَادَة: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: ﴿فَنصف مَا فرضتم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٣٢) قيل: هُوَ أَمر ندب، والمتعة مُسْتَحبَّة وَنصف الْمهْر. وأجب: وسرحوهن أَي: أرسلوهن وخلوا سبيلهن، وَقيل: أخرجوهن من مَنَازِلكُمْ إِذْ لَيْسَ لكم عَلَيْهِنَّ عدَّة. وَكَانَ البُخَارِيّ: أورد هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن لفظ التسريح هُنَا بِمَعْنى الْإِرْسَال لَا بِمَعْنى الطَّلَاق، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقيل: طلقوهن للسّنة، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ ذكر قبله ﴿ثمَّ طلقوهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ يَعْنِي: قبل الدُّخُول، وَلم يبْق مَحل للطَّلَاق بعد التَّطْلِيق قَوْله: (سراحا) نصب على المصدرية بِمَعْنى: تسريحا. قَوْله: (جميلاً) يَعْنِي: بِالْمَعْرُوفِ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وأسرحكن سراحا جميلاً﴾ وأوله قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلاً﴾ وَقَالَ بَعضهم: التسريح فِي هَذِه الْآيَة يحْتَمل التَّطْلِيق والإرسال، فَإِذا كَانَ صَالحا للأمرين انْتَفَى أَن يكون صَرِيحًا فِي الطَّلَاق. قلت: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى قَوْله: أسرحكن، أطلقكن، وَهَذَا ظَاهر لِأَنَّهُ لم يسْبق هُنَا طَلَاق، فَمن أَيْن يَأْتِي الِاحْتِمَال وَلَيْسَ المُرَاد إلَاّ التَّطْلِيق؟ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فإمساك بِمَعْرُوف﴾ وَقَبله قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ فَالْمُرَاد بالتسريح هُنَا الطَّلقَة الثَّالِثَة. وَالْمعْنَى: الطَّلَاق مرّة بعد مرّة يَعْنِي ثِنْتَيْنِ، وَكَانَ الرجل إِذا طلق امْرَأَته فَهُوَ أَحَق برجعتها وَإِن طَلقهَا ثَلَاثًا فنسخ ذَلِك فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ الْآيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: إِذا طلق الرجل امْرَأَته تَطْلِيقَتَيْنِ فليتق الله فِي الثَّالِثَة فَلهُ أَن يمْسِكهَا بِمَعْرُوف فَيحسن صحبتهَا أَو يسرحها بِإِحْسَان فَلَا يظلهما من حَقّهَا شَيْئا، وَقد ذكرنَا عَن قريب: أَن أَبَا رزين قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت قَول الله : ﴿فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ أَيْن الثَّالِثَة؟ قَالَ: التسريح بِالْإِحْسَانِ، وَمِنْهَا قَوْله : ﴿أَو فارقوهن بِمَعْرُوف﴾ .
وقالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ النبيُّ ﷺ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يأمْرَانِي بِفِرَاقِهِ
هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث التَّخْيِير الَّذِي فِي أَوَائِل تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٧ - (بابُ مَنْ قَالَ لامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من قَالَ لامْرَأَته: أَنْت عليَّ حرَام. وَلم يذكر جَوَاب من الَّذِي هُوَ حكم هَذَا الْكَلَام اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب.
وَقَالَ الحَسَنُ: نِيَّتُهُ
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِذا قَالَ لامْرَأَته: أَنْت عَليّ حرَام، الِاعْتِبَار فِيهِ نِيَّته، وَوصل عبد الرَّزَّاق هَذَا التَّعْلِيق عَن معمر عَنهُ، قَالَ: إِذا نوى طَلَاقا فَهُوَ طَلَاق وإلَاّ فَهُوَ يَمِين انْتهى. وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَابْن عمر، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وطاووس. وَفِي (التَّوْضِيح) : فِي هَذِه الصُّورَة أَرْبَعَة عشر مذهبا. قلت: ذكر الْقُرْطُبِيّ ثَمَانِيَة عشر قولا. قيل: وَزَاد غَيره عَلَيْهَا، وَذكر ابْن بطال مِنْهَا ثَمَانِيَة أَقْوَال. فَقَالَت طَائِفَة: هِيَ ثَلَاث، وَلَا يسْأَل عَن نِيَّته، روى ذَلِك عَن عَليّ وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر، وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَة الحكم بن عتيبة وَابْن أبي ليلى وَمَالك، وروى عَنهُ وَعَن أَكثر أَصْحَابه أَن قَالَ ذَلِك لامْرَأَته قبل الدُّخُول فَثَلَاث، إلَاّ أَن يَقُول: نَوَيْت وَاحِدَة. وَقَالَ عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة هِيَ وَاحِدَة إلَاّ أَن يَقُول أردْت ثَلَاثًا فَثَلَاث، وَإِن نوى وَاحِدَة فَوَاحِدَة
стр. 6127
بَائِنَة وَإِن نوى يَمِينا فَهُوَ يَمِين يكفرهَا وَإِن لم ينْو فرقة وَلَا يَمِينا فَهِيَ كذبة، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، غير أَنهم قَالُوا: إِن نوى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة، وَإِن لم ينْو طَلَاقا فَهِيَ يَمِين وَهُوَ قَول. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِن نوى طَلَاقا فَهِيَ تطليقه وَهُوَ أملك بهَا وَإِن لم ينْو طَلَاقا فَهِيَ يَمِين يكفرهَا. وَعَن ابْن عمر مثله. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَيْسَ قَوْله: (أَنْت حرَام) بِطَلَاق حَتَّى ينويه فَإِن أَرَادَ الطَّلَاق فَهُوَ مَا أَرَادَ من الطَّلَاق، وَإِن قَالَ: أردْت تجريما لَا طَلَاق كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين وَلَيْسَ بقول، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يلْزمه كَفَّارَة ظِهَار، وَهُوَ قَول أبي قلَابَة وَسَعِيد بن جُبَير وَأحمد، وَقيل: إِنَّهَا يَمِين فيكفر، وروى عَن الصّديق وَعمر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي ثَوْر، وَقيل: لَا شَيْء فِيهِ وَلَا كَفَّارَة كتحريم المَاء، وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ ومسروق وَأبي سَلمَة، وَقَالَ أَبُو سَلمَة: مَا أَدْرِي حرمتهَا أوحرمت الْقُرْآن، وَهُوَ شذوذ.
وَقَالَ أهْلُ العِلْمِ: إذَا طَلَّقَ ثَلَاثا فَقدْ حَرُمَتْ عَليْهِ، فَسَمَّوْهُ حَرَاما بالطَّلَاقِ والفِرَاق، ولَيْسَ هاذَا كالَّذِي يُحَرِّمُ الطعامَ لأنهُ لَا يُقالُ لِطَعامِ الحِلِّ: حرَامٌ، ويُقالُ لِلْمُطَلَّقَةِ: حَرَامٌ. وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثا: لَا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ.
لما وضع التَّرْجَمَة بقوله: من قَالَ لامْرَأَته أَنْت عَليّ حرَام وَلم يذكر الْجَواب فِيهَا أَشَارَ بقوله: (وَقَالَ أهل الْعلم) الخ. إِلَى أَن تَحْرِيم الْحَلَال لَيْسَ على إِطْلَاقه، فَإِن من طلق امْرَأَته ثَلَاثًا تحرم عَلَيْهِ، وَهُوَ معنى قَوْله: (فقد حرمت عَلَيْهِ) فَسَموهُ أَي: فَسَماهُ الْعلمَاء حَرَامًا بِالطَّلَاق، أَي: بقول الرجل: طلقت امْرَأَتي ثَلَاثًا. قَوْله: (والفراق) أَي وَبِقَوْلِهِ: فارقتك، وَمن حرم عَلَيْهِ أكل الطَّعَام لَا يحرم عَلَيْهِ وَهُوَ معنى قَوْله: (وَلَيْسَ هَذَا) أَي: الحكم الْمَذْكُور فِي الطَّلَاق ثَلَاثًا كَالَّذي يحرم الطَّعَام أَي كَحكم الَّذِي يَقُول: هَذَا الطَّعَام على حرَام لَا آكله فَإِنَّهُ لَا يحرم، وَأَشَارَ إِلَى الْفرق بَينهمَا بقوله: لَا يُقَال لطعام الْحل أَي الْحَلَال حرَام، وَيُقَال للمطلقة ثَلَاثًا حرَام. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن طَلقهَا﴾ أَي: الثَّالِثَة ﴿فَلَا تحل لَهُ حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣٢) وَقَالَ الْمُهلب: من نعم الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة، فِيمَا خفف عَنْهُم، أَن من قبلهم كَانُوا إِذا حرمُوا على أنفسهم شَيْئا حرم عَلَيْهِم، كَمَا وَقع ليعقوب، ﵊، فَخفف الله ذَلِك عَن هَذِه الْأمة ونهاهم عَن أَن يحرموا على أنفسهم شَيْئا مِمَّا أحل لَهُم، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٧٨) انْتهى. وَحَاصِل الْكَلَام أَن بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فرقا، وَأَن تَحْرِيم الْمُبَاح يَمِين، وَأَن فِيهِ ردا على من لم يفرق بَين قَوْله لامْرَأَته: أَنْت عَليّ حرَام، وَبَين قَوْله: هَذَا الطَّعَام عَليّ حرَام، حَيْثُ لَا يلْزمه شَيْء فيهمَا، كَمَا ذكرنَا عَن قريب من قَالَ ذَلِك، وَذكرنَا أَقْوَال الْعلمَاء فِيهِ.
٤٦٢٥ - حدّثنا وَقَالَ اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ: كانَ ابنُ عُمَرَ إذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثا، قَالَ: لوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ فَإِن النبيَّ ﷺ أمَرَنِي بهاذَا، فإنْ طَلَّقَها ثَلَاثا حَرُمَتْ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَكَ.
لَا مُنَاسبَة بَينهمَا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَكَأن البُخَارِيّ أَرَادَ بإيراد هَذَا أَن فِيهِ لَفْظَة: حرمت عَلَيْك، وإلَاّ فَلَا مُنَاسبَة بَينهمَا فِي الْبَاب (قلت) هَذَا أقرب إِلَيْهِ، وَصَاحب (التَّلْوِيح) أبعد.
قَوْله: (عَن نَافِع) ويروى: حَدثنِي نَافِع (كَانَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِذا سُئِلَ عَمَّن طلق امْرَأَته ثَلَاثًا) أَي ثَلَاث تَطْلِيقَات، قَالَ: لَو طلقت مرّة أَي طَلْقَة وَاحِدَة أَو مرَّتَيْنِ أَي: طَلْقَتَيْنِ قَالَ الْكرْمَانِي: وَجَوَاب لَو، يَعْنِي جَزَاؤُهُ مَحْذُوف، وَهُوَ لَكَانَ خيرا، أَو هُوَ حرف لَو لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ كَمَا قَالَ، بل الْجَواب لَكَانَ لَك الرّجْعَة. قلت: مَقْصُود الْكرْمَانِي أَن: لَو إِذا كَانَ للشّرط لَا بُد لَهُ من جَزَاء. فَلذَلِك قدره بقوله: لَكَانَ خيرا، وَهُوَ معنى قَوْله: لَكَانَ لَك الرّجْعَة، وَذَلِكَ لانسداد بَاب الرّجْعَة بعد الثَّلَاث، بِخِلَاف مَا بعد مرّة أَو مرَّتَيْنِ. وَهَذَا الْقُرْطُبِيّ أَيْضا قَالَ فِي هَذَا الْموضع: فَكَأَنَّهُ قَالَ للسَّائِل: إِن طلقت تَطْلِيقَة أَو تَطْلِيقَتَيْنِ فَأَنت مَأْمُور بالمراجعة لأجل الْحيض، وَإِن طلقت ثَلَاثًا لم يكن لَك مُرَاجعَة، لِأَنَّهُ لَا تحل لَك إلَاّ بعد زوج انْتهى.
стр. 6128
وَهَكَذَا قدر الْجَزَاء بِمَا ذكره، وَتَقْدِير الْكرْمَانِي مثله أَو قريب مِنْهُ، فَلَا حَاجَة إِلَى الرَّد عَلَيْهِ بِغَيْر وَجه. قَوْله: (فَإِن النَّبِي ﷺ ، أَمرنِي بِهَذَا) أَي: بِأَن رَاجع بعد الْمَرَّتَيْنِ. قَوْله: (فَإِن طَلقهَا) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني بِصِيغَة الْمُفْرد الْغَائِب من الْمَاضِي: (حرمت عَلَيْهِ) بضمير الْغَائِب، وَفِي رِوَايَة غَيره: فَإِن طَلقتهَا بتاء الْمُخَاطب حرمت عَلَيْك. حَتَّى تنْكح أَي الْمَرْأَة زوجا غَيْرك ويروى: غَيره. وَهَذَا لَا يَجِيء إلَاّ على رِوَايَة الْكشميهني فَافْهَم. وَالتَّعْلِيق الْمَذْكُور رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن يحيى بن يحيى وقتيبه وَمُحَمّد بن رمح عَن اللَّيْث.
٥٦٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدٌ حَدثنَا أبُو مُعاوِيَةَ حَدثنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرأتَهُ فَتَزَوَّجَتْ زَوّا غَيْرَهُ فَطَلَّقَها وكانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيءٍ تُرِيدُهُ، فلَمْ يَلْبَثْ أنْ طَلَّقَها، فأتَتِ النبيَّ ﷺ ، فقالتْ: يَا رسُولَ الله! إنَّ زَوْجي طَلَّقَنِي، وإنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَاّ مِثْلُ الهُدْبَةِ فَلمْ يَقْرَبْنِي إلاّ هَنَةً واحِدَةً لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْء، فأحلُّ لِزَوْجِي الأوَّل؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الأوَّل حتَّى يَذُوقَ الآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لَا تحلين لزوجك) فَإِنَّهُ كَانَ قد طَلقهَا ثَلَاثًا وَأَنه أطلق الْحَرَام بعد الطلقات الثَّلَاث.
وَحَدِيث عَائِشَة فِي هَذَا الْبَاب قد مر، وَهَذِه رِوَايَة أُخْرَى عَنْهَا أخرجهَا البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
قَوْله: (مثل الهدبة) قد مر تَفْسِيرهَا أَنَّهَا طرف الثَّوْب مِمَّا يَلِي طرته. قَوْله: (فَلم تصل مِنْهُ) أَي: لم تصل الْمَرْأَة من زَوجهَا إِلَى شَيْء تريده هِيَ، وَهُوَ الْوَطْء المشبع. قَوْله: (وإلَاّ هنة وَاحِدَة) ، بِفَتْح الْهَاء وَتَخْفِيف النُّون، وَقد حكى الْهَرَوِيّ تشديدها وَأنْكرهُ الْأَزْهَرِي قبله، وَقَالَ الْخَلِيل هِيَ كلمة يكنى بهَا عَن شَيْء يستحي من ذكره باسمه، وَقَالَ ابْن التِّين: مَعْنَاهُ لم يطأني إلَاّ مرّة وَاحِدَة، يُقَال هُنَا: امْرَأَته إِذا غشيها، وروى ابْن السكن بباء مُوَحدَة ثَقيلَة أَي: مرّة وَاحِدَة، ذكره صَاحب (الْمَشَارِق) عَنهُ، وَكَذَا ذكره الْكرْمَانِي، وَقَالَ: فِي أَكثر النّسخ بموحدة ثَقيلَة أَي: مرّة، وَقَالَ صَاحب (الْمَشَارِق) وَعند الكافة بالنُّون، وَقيل: هِيَ من هَب إِذا احْتَاجَ إِلَى الْجِمَاع، يُقَال: هَب التيس يهب هبيبا.
٨ - (بابٌ ﴿ (٦٦) لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ (التَّحْرِيم: ١)
وَقد مر تَفْسِيره فِي أول سُورَة التَّحْرِيم، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لفظ: بَاب، وَوَقع عوضهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٦٦) لم تحرم﴾ .
٦٦٢٥ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ الرَّبِيعَ بنَ نافعٍ حَدثنَا مُعاوِيَةُ عنْ يَحْيى بن أبي كَثِيرٍ عنْ يَعْلَى بنِ حَكِيمٍ هنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ أنّهُ أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إذَا حَرَّمَ امْرَأتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ: لَكُمْ فِي رسولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
(انْظُر الحَدِيث ١١٩٤)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحسن بن الصَّباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْبَزَّار بالراء فِي آخِره الوَاسِطِيّ، وَنزل بَغْدَاد وثقة الْجُمْهُور، وَلينه النَّسَائِيّ قَلِيلا. وَأخرج عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوْضُوع وَلم يكثر، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان بَقينَ من ربيع الآخر سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وللبخاري شيخ آخر يُقَال لَهُ: الْحسن بن الصَّباح الزَّعْفَرَانِي، لَكِن إِذا وَقع هَكَذَا يكون مَنْسُوبا لجده فَهُوَ الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَهُوَ الَّذِي روى عَنهُ فِي الحَدِيث الثَّانِي من هَذَا الْبَاب، وَله أَيْضا فِي الروَاة عَن شُيُوخه وَمن فِي طبقتهم مُحَمَّد بن الصَّباح الدولابي أخرج عَنهُ فِي الصَّلَاة والبيوع وَغَيرهمَا وَلَيْسَ هُوَ أَخا لِلْحسنِ بن الصَّباح، وَفِيهِمْ أَيْضا مُحَمَّد بن الصَّباح الجرجر. أخرج عَنهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وَهُوَ غير الدولابي، وَعبد الله بن الصَّباح أخرج عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع وَغَيره
стр. 6129
وَلَيْسَ أحد من هَؤُلَاءِ أَخا للْآخر، وَالربيع بن نَافِع الْحلَبِي أَبُو ثوبة سكن طرسوس، وَمُعَاوِيَة هُوَ ابْن سَلام بتَشْديد اللَّام، وَيحيى ويعلى وَسَعِيد كلهم من التَّابِعين روى بَعضهم عَن بعض.
والْحَدِيث مر فِي أول سُورَة التَّحْرِيم عَن معَاذ بن فضَالة.
قَوْله: (وَإِذا حرم امْرَأَته) أَي: إِذا حرم رجل امْرَأَته بِأَن قَالَ: أَنْت عَليّ حرَام. قَوْله: (لَيْسَ بِشَيْء) يَعْنِي هَذَا القَوْل لَيْسَ بِشَيْء يَعْنِي: لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الحكم، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: لَيست بِشَيْء. أَي: هَذِه الْكَلِمَة والمقالة لَيست بِشَيْء قَوْله: (وَقَالَ: لكم فِي رَسُول الله ﷺ أُسْوَة حَسَنَة) وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الأسوة الْقدْوَة، والمواساة الْمُشَاركَة. وَفِي (الْمغرب) الأسوة اسْم من ائتسى بِهِ إِذا اقْتدى بِهِ وَاتبعهُ، وَأَشَارَ بِهِ ابْن عَبَّاس مستدلاً على مَا ذهب إِلَيْهِ إِلَى قصَّة التَّحْرِيم، وبينّا ذَلِك فِي سُورَة التَّحْرِيم.
٧٦٢٥ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ الصَّبَّاحِ حَدثنَا حَجَّاجٌ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ عطاءٌ أنّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عائِشَةَ، ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدِ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ويَشْرَبُ عِنْدَها عَسَلاً، فَتَواصَيْتُ أَنا وحَفْصَةُ أنَّ أيَّتَنا دَخَلَ عَليْها النبيُّ ﷺ ، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ، أكَلْتَ مَغافِير؟ فَدَخَلَ عَلى إحْدَاهُمَا فقالَتْ لهُ ذالِكَ، فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، ولَنْ أعُودَ لهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿ (٦٦) يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ ﴿ (٦٦) إِن تَتُوبَا إِلَى الله﴾ (التَّحْرِيم: ١ ٤) لِعائِشَةَ وحَفْصَةَ و ﴿ (٦٦) إِذْ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا﴾ (التَّحْرِيم: ٣) لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح هُوَ الزَّعْفَرَانِي. وَقد مر ذكره عَن قريب، وحجاج هُوَ ابْن مُحَمَّد الْأَعْوَر، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَأهل الْحجاز يطلقون الزَّعْم على مُطلق القَوْل، وَالْمعْنَى: قَالَ: قَالَ عَطاء، وَوَقع فِي رِوَايَة هِشَام بن يُوسُف عَن ابْن جريج عَن عَطاء، وَقد مضى فِي التَّفْسِير: وَعبيد بن عُمَيْر كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ هُوَ أَبُو عَاصِم اللَّيْثِيّ الْمَكِّيّ.
وَهنا ثَلَاثَة مكيون مُتَوَالِيَة، وهم: ابْن جريج وَعَطَاء وَعبيد.
والْحَدِيث قد مر فِي سُورَة التَّحْرِيم. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فتواصيت) بالصَّاد الْمُهْملَة قَالَ بَعضهم من المواصاة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل من التواصي، وَمن لم يفرق بَين بَاب التفاعل وَبَاب المفاعلة كَيفَ تقدم إِلَى ميدان الشَّرْح، وَفِي رِوَايَة هِشَام: فَتَوَاطَأت بِالطَّاءِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَائِل الْمَذْكُور إِنَّه من المواطأة، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من التواطؤ. وَفِيه: قَوْله: (أَن أَيَّتنَا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَفْتُوحَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهِي كلمة: أَي، أضيفت إِلَى نون الْمُتَكَلّم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى أَن أوتينا وَدخل علينا. قلت: وَلَا تحققت لي صِحَّتهَا، ويروى: مَا دخل وَكلمَة: مَا زَائِدَة. قَوْله: (مَغَافِير) بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف بعد الْفَاء فِي جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَوَقع فِي بعض النسح عِنْد مُسلم فِي بعض الْمَوَاضِع: مغافر بِحَذْف الْيَاء، وَقَالَ عِيَاض: الصَّوَاب إِثْبَاتهَا لِأَنَّهَا عوض عَن الْوَاو الَّتِي للمفرد، لِأَنَّهُ جمع مغْفُور بِضَم الْمِيم وَإِسْكَان الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَضم الْفَاء وبالواو وَالرَّاء، وَلَيْسَ فِي كَلَامهم مفعول بِالضَّمِّ إلَاّ مغْفُور ومغرور بالغين الْمُعْجَمَة من أَسمَاء الكماة، ومنخور من أَسمَاء الْأنف ومغلوق بالغين الْمُعْجَمَة، وَاحِد المغاليق وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: المغفور صمغ حُلْو لَهُ رَائِحَة كريهة، وَذكر البُخَارِيّ: إِن المغفور شَبيه بالصمغ يكون فِي الرمث بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْمِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ من الشّجر الَّتِي ترعاها الْإِبِل، وَهُوَ من الحمض، وَفِي الصمغ الْمَذْكُور حلاوة وَذكر أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ أَن المغفور يكون فِي الْعشْر بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وبالراء فِي الثمام بالثاء الْمُثَلَّثَة والسدر والطلح، وَيُقَال: المغافير جمع مغفار، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ نوع من الصمغ يحلب عَن بعض الشّجر يحل بِالْمَاءِ وَيشْرب، وَله رَائِحَة كريهة: وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي (كتاب النَّبَات) : يُقَال: معثور، بالثاء الْمُثَلَّثَة مَوضِع الْفَاء، وَقيل: الْمِيم فِيهِ زَائِدَة، وَبِه قَالَ الْفراء وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا أَصْلِيَّة. قَوْله: (أكلت مَغَافِير؟) أَصله بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فحذفت. قَوْله: (فَدخل) أَي النَّبِي ﷺ على إِحْدَاهمَا
стр. 6130
أَي إِحْدَى المذكورتين وهما عَائِشَة وَحَفْصَة، وَلم يعلم أَيَّتهمَا كَانَت قبل، وبالظن أَنَّهَا حَفْصَة. قَوْله: (لَا بل شربت عسلاً) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن شُيُوخه: لَا شربت بل بل عسلاً، قَوْله: قَوْله: (وَلنْ أَعُود لَهُ) أَي للشُّرْب، وَزَاد فِي رِوَايَة هِشَام: وَقد حَلَفت لَا تُخْبِرِي بذلك أحدا، فَظهر بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَن الْكَفَّارَة فِي قَوْله: ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ (التَّحْرِيم: ٢) لأجل يَمِينه ﷺ بقوله، وَقد حَلَفت وَلم يكن لمُجَرّد التَّحْرِيم، وبهذه الزِّيَادَة أَيْضا مُنَاسبَة. قَوْله: (فِي رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد) فَنزلت ﴿يَا أَيهَا النَّبِي﴾ (التَّحْرِيم: ٣) الْآيَة وَبِدُون هَذِه الزِّيَادَة لَا يظْهر لقَوْله: فَنزلت، معنى يُطَابق مَا قبله. قَوْله إِلَى ﴿إِن تنويا﴾ (التَّحْرِيم: ١) أَي قَرَأَ من أول السُّور إِلَى هَذَا الْموضع قَوْله: (لعَائِشَة وَحَفْصَة) أَي: الْخطاب لَهما فِي قَوْله: إِن تَتُوبَا قَوْله: ﴿وَإِذا أسر النَّبِي﴾ (التَّحْرِيم: ٣) إِلَى آخِره، من بَقِيَّة الحَدِيث، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم فِي آخر الحَدِيث، وَكَانَ الْمَعْنى: وَأما المُرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا﴾ (التَّحْرِيم: ٣) ففهو لأجل قَوْله: (بل شربت عسلاً) .
٨٦٢٥ - حدّثنا فَرْوَةُ بنُ أبي المَغرَاءِ حَدثنَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ ، يُحبُّ العَسَلَ والحَلْوَاءَ، وكانَ إِذا انصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ علَى نِسائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ علَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فاحْتَبَسَ أكْثَرَ مَا كانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ فَسألْتُ عنْ ذالِكَ فَقِيلَ لِي: أهْدَتْ لَهَا امْرَأةٌ من قَوْمِها عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ فَسَقَتِ النبيَّ ﷺ ، مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتِ: أما وَالله لَنَحْتالَنَّ لهُ. فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: إنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فإذَا دَنا منْكِ فَقُولي: أكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فإنَّهُ سَيقُولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي لهُ: مَا هاذِهِ الرِّيحُ الَّتي أجِدُ مِنْكَ؟ فإنَّهُ سَيَقُولَ لَكِ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَل، فَقُولي لهُ: جَرَسَتْ نَحلُهُ العُرْفُطَ. وسأقُولُ ذَلِكِ، وقُولِي أنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَاكِ، قالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: فَوَالله مَا هُوَ إلاّ أنْ قامَ علَى البابِ، فأرَدْتُ أنْ أُبادِئَهُ بِما أمَرْتنِي بهِ فَرَقا منْكِ، فلَمَّا دَنا مِنْها قالَتْ لهُ سَوْدَةُ: يَا رسولَ الله أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ قَالَ: لَا. قالَتْ: فَما هاذِهِ الرِّيحُ الّتي أجِدُ مِنْكَ؟ قَالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فقالَتْ: جَرِسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فلَمّا دارَ إليَّ قُلْتُ لهُ نَحْوَ ذالِكَ، فَلمّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قالَتْ لهُ مِثلَ، فلَمّا دارَ إِلَى حَفْصَةَ قالَتْ: يَا رسولَ الله أَلا أسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا حاجَة لي فِيهِ. قالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالله لَقَدْ حرَمْناهُ. قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ منع النَّبِي ﷺ نَفسه عَن شرب الْعَسَل، يفهم ذَلِك من قَوْله: (لَا حَاجَة لي فِيهِ) وَيُؤَيّد هَذَا زِيَادَة هِشَام فِي رِوَايَته فِي الحَدِيث السَّابِق: وَقد حَلَفت لَا تُخْبِرِي بذلك أحدا، فَنزلت: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم﴾ الْآيَة. وَقَالَ القَاضِي: اخْتلف فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، فَقَالَت عَائِشَة: فِي قصَّة الْعَسَل، وَعَن زيد بن أسلم: أَنَّهَا نزلت فِي تَحْرِيم مَارِيَة جَارِيَته وحلفه أَن لَا يَطَأهَا. وَالصَّحِيح فِي سَبَب نزُول الْآيَة أَنه فِي قصَّة الْعَسَل لَا فِي قصَّة مَارِيَة الْمَرْوِيّ فِي غير (الصَّحِيحَيْنِ) وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلم تأت قصَّة مَارِيَة من طَرِيق صَحِيح قَالَ النَّسَائِيّ: حَدِيث عَائِشَة فِي الْعَسَل حَدِيث صَحِيح غَايَة.
ثمَّ إِن البُخَارِيّ أخرج طرفا من هَذَا الحَدِيث فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب دُخُول الرجل على نِسَائِهِ فِي الْيَوْم، عَن فَرْوَة عَن عَليّ بن مسْهر عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، ثمَّ أخرجه هُنَا مطولا بِهَذَا الْإِسْنَاد ثمَّ صَدره بقول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُول الله ﷺ يحب الْعَسَل والحلواء، تمهيدا لما سَيذكرُهُ من قصَّة الْعَسَل مَعَ أَنه أفرد ذكر محبَّة الْعَسَل، والحلواء فِي كتاب الْأَطْعِمَة، وَكتاب الْأَشْرِبَة وَغَيرهمَا على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأخرجه مُسلم أَيْضا من طَرِيق أبي أُمَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة مطولا نَحْو إِخْرَاج البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: وحدثنيه سُوَيْد بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن مسْهر عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحوه، مطولا وَلَكِن وَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ يحب الْحَلْوَاء وَالْعَسَل) ، بِتَقْدِيم الْحَلْوَاء على الْعَسَل، وَهَهُنَا قدم الْعَسَل على الْحَلْوَاء. وَقَالَ
следующие страницы →