← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كُنْتُ لكِ كَأبي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الْإِحْسَان فِي معاشرة الْأَهْل على مَالا يخفي من الحَدِيث. وَسليمَان بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِابْن بنت شُرَحْبِيل الدِّمَشْقِي، ولد سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة وَتُوفِّي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَعلي بن حجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء: السَّعْدِيّ، وَعِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَوَقع كَذَا مَنْسُوبا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَعبد الله بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة، ويروي عَنهُ أَخُوهُ هِشَام بن عُرْوَة. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث عباد بن مَنْصُور عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَالْمَحْفُوظ حَدِيث هِشَام عَن أَخِيه، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عَليّ بن حجر وَعَن أَحْمد بن جناب، بِفَتْح الْجِيم وَالنُّون: كِلَاهُمَا عَن عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام: أَخْبرنِي أخي عبد الله بن عُرْوَة. وأخره التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي عشرَة النِّسَاء جَمِيعًا عَن عَليّ بن حجر، وَهَذَا من نَوَادِر مَا وَقع لهشام بن عُرْوَة فِي حَدِيث أَبِيه حَيْثُ أَدخل بَينهمَا أَخا لَهُ وَاسِطَة. وَقَالَ أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى: اخْتلف فِي سَنَد هَذَا الحَدِيث وَرَفعه مَعَ أَنه لَا اخْتِلَاف فِي صِحَّته وَأَن الْأَئِمَّة قبلوه وَلَا مخرج لَهُ فِيمَا انْتهى إِلَيّ إلَاّ من رِوَايَة عُرْوَة عَن عَائِشَة، فَروِيَ من غير طَرِيق: عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة من قَول سيدنَا رَسُول الله ﷺ كُله، هَكَذَا رَوَاهُ عباد بن مَنْصُور والدراوردي وَعبد الله بن مُصعب الزبيرِي وَيُونُس بن أبي إِسْحَاق كلهم عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا رَفعه جمَاعَة آخَرُونَ، وَقَالَ عِيَاض: لَا خلاف فِي رفع قَوْله. فِي هَذَا الحَدِيث: (كنت ل كَأَنِّي زرع لأم زرع) وَإِنَّمَا الْخلاف فِي بَقِيَّته. وَقَالَ الْخَطِيب: الْمَرْفُوع من هَذَا الحَدِيث قَوْله ﷺ : (كنت لم كَأبي زرع لأم زرع) وَمَا عداهُ، فَمن كَلَام عَائِشَة. قَوْله: (حَدثنَا سُلَيْمَان) فِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنِي سُلَيْمَان. قَوْله: (جلس إِحْدَى عشرَة امْرَأَة) ، قَالَ ابْن التِّين: التَّقْدِير: جلس جمَاعَة إِحْدَى عشرَة، وَمثل هَذَا ﴿وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة﴾ (يُوسُف: ٠٣) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: النسْوَة اسْم مُفْرد لجمع الْمَرْأَة وتأنيثه غير حَقِيقِيّ كتأنيث اللمة، وَلذَلِك لم يلحقفعله تَاء التَّأْنِيث. انْتهى قلت: كَذَلِك هُنَا (إِحْدَى عشرَة امْرَأَة) نسْوَة، فَلذَلِك ذكَّر الْفِعْل، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة: جَلَست، وَفِي رِوَايَة أبي عبيد: اجْتمعت، وَفِي رِوَايَة أبي يعلى: اجْتَمعْنَ، على لُغَة أكلوني البراغيث. قَالَ عِيَاض: إِن فِي بعض الرِّوَايَات إِحْدَى عشرَة نسْوَة، قَالَ: فَإِن كَانَ بِالنّصب احْتَاجَ إِلَى إِضْمَار، أَعنِي: أَو بِالرَّفْع فَهُوَ بدل من إِحْدَى عشرَة، وَمِنْه قَوْله : ﴿وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطا﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٦١) وَقَالَ الْفَارِسِي: هِيَ بدل من قطعناهم وَلَيْسَ بتمييز، وَكَانَ اجتماعهن وجلوسهن بقرية من قرى الْيمن، كَذَا وَقع رِوَايَة الزبير بن بكار، ووقَع فِي رِوَايَة الْهَيْثَم: أَنَّهُنَّ كن بِمَكَّة. وَقَالَ عِيَاض: إنَّهُنَّ كن من خثعم، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي أويس عَن أَبِيه: أَنَّهُنَّ كن فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَذَا عِنْد النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة. قَوْله: (فتعاهدن وتعاقدن) ، أَي: ألزمن أَنْفسهنَّ عهدا وعقدن على الصدْق من ضمائرهن عقدا. قَوْله: (أَن لَا يكتمن) أَي: بِأَن لَا يكتمن، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي أويس: (أَن يتصادقن بَينهُنَّ وَلَا يكتمن) ، وَفِي رِوَايَة سعيد بن سَلمَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ: (أَن ينعتن أَزوَاجهنَّ ويصدقن) ، وَفِي رِوَايَة الزبير: (فتبايعن على ذَلِك) . قَوْله: (قَالَت الأولى) ، أَي: الْمَرْأَة الأولى، وَلم أَقف على اسْمهَا. قَوْله: (غث) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ: الهزيل الَّذِي يستغيث من هزاله، مَأْخُوذ من قَوْلهم: غث الْجرْح غثا وغثيثا إِذا سَأَلَ مِنْهُ الْقَيْح، واستغثه صَاحبه، وَمِنْه: أغث الحَدِيث، وَمِنْه: غث فلَان فِي حلقه، وَكَذَا اسْتِعْمَاله فِي مُقَابلَة السمين، فَيُقَال للْحَدِيث الْمُخْتَلط فِيهِ: الغث والسمين، والغث الْفَاسِد من الطَّعَام. قَوْله: (على رَأس جبل) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: تصف قلَّة خَيره وَبعده مَعَ الْقلَّة كالشيء فِي قبَّة الْحَبل الصعب لَا ينَال إلَاّ بالمشقة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (على رَأس جبل وعر) ، وَفِي رِوَايَة الزبير بن بكار: وغث. وَهِي أوفق للسجع. قَوْله: (وعر) ، أَي: كثير الصخر شَدِيد الغلطة يعصب الرقي إِلَيْهِ، والوعث، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الصعب المرتقي بِحَيْثُ توحل فِيهِ الْأَقْدَام فَلَا يتَخَلَّص ويشق فِيهِ المشيء، وَمِنْه: وعثاء السّفر. قَوْله: (لَا سهل فيرتقي) ، يجوز فِيهِ أوجه ثَلَاثَة: الأول: بِالْفَتْح بِلَا تَنْوِين، الثَّانِي: الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: لَا هُوَ سهل. الثَّالِث: الْجَرّ على أَنه صفة جبل، وَكَذَلِكَ الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِي قَوْله: (وَلَا سمين) وَوَقع فِي رِوَايَة عِنْد النَّسَائِيّ بِالنّصب منونا، فيهمَا: (لَا سهلاً وَلَا سمينا) ، وَفِي أُخْرَى عِنْده: (لَا بالسهل وَلَا بالسمين) ، وَقَالَ عِيَاض: أحسن الْوُجُوه الرّفْع فيهمَا. قَوْله: (فيرتقي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: فَإِن يُرتقى أَي يصعد. قَوْله: (فَينْتَقل) ، بِالْفَتْح أَي: فَإِن ينْتَقل، والانتقال هَهُنَا بِمَعْنى النَّقْل أَي: لَا يَأْتِي إِلَيْهِ أحدا لصعوبة المسلك، وَلَا يُؤْتى بِهِ إِلَى

стр. 6057

أحد، أَي: لَا تنقله النَّاس إِلَى بُيُوتهم لرداءته، وَفِي رِوَايَة أبي عبيد: (فينتقى) ، من النقى بِكَسْر النُّون وَهُوَ المخ، أَي: يسْتَخْرج نقيه، وَحَاصِله: أَنه قَلِيل الْخَيْر من جِهَة أَنه لحم جمل لَا لحم غنم، وَأَنه مهزول رَدِيء وَأَنه صَعب التَّنَاوُل لَا يُوصل إِلَيْهِ إلَاّ بِمَشَقَّة شَدِيدَة أَي: خَيره قَلِيل ذاتا وَصفَة. وَقَالَ أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي: لَيْسَ شَيْء أَخبث غثاثة بَين الْأَنْعَام من الْجمل لِأَنَّهُ يجمع خبث الرّيح وخبث الطّعْم حَتَّى ضرب بِهِ الْمثل، وصفت زَوجهَا بالبخل وَقلة الخيروبعده من أَن ينَال خَيره مَعَ قلته كَاللَّحْمِ الهزيل المنتن الَّذِي يزهد فِيهِ فَلَا يطْلب، فَكيف إِذا كَانَ فِي رَأس جبل صَعب وعر لَا ينَال إلَاّ بِمَشَقَّة، وَذهب الْخطابِيّ إِلَى أَن تمثيلها بِالْجَبَلِ الوعر هُنَا إِشَارَة إِلَى سوء خلقه، والذهاب بِنَفسِهِ وترفعه تيها وكبرا، تُرِيدُ أَنه: مَعَ قلَّة خَيره يتكبر على عشيرته فَيجمع إِلَى الْبُخْل سوء الْخلق، وَهُوَ تَشْبِيه الْجَلِيّ بالخفي، والمتوهم بالمحسوس والحقير بالخطير. قَوْله: (وَقَالَت الثَّانِيَة) أَي: الْمَرْأَة الثَّانِيَة، وَهِي عمْرَة بنت عَمْرو التَّمِيمِي. قَوْله: (لَا أبث) من البث بِالْبَاء الْمُوَحدَة والثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْإِظْهَار والإشاعة، وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا عِيَاض: (لَا أنثه) . بالنُّون بدل الْبَاء أَي: لَا أنشره وَلَا أشيعه، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (لَا أنم) ، بالنُّون وَالْمِيم من النميمة. قَوْله: (إِنِّي أَخَاف أَن لَا أذره) فِيهِ تَأْوِيلَانِ لِأَن الْهَاء إِمَّا عَائِدَة إِلَى الْخَبَر أَي: خَبره طَوِيل إِن شرعت فِي تَفْصِيله لَا أقدر على إِتْمَامه لكثرته أَو إِلَى الزَّوْج وَتَكون: لَا، زَائِدَة أَي: أَخَاف أَن يُطلقنِي فأذره، أَي: فأتركه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّأْوِيل الثَّالِث أَن يُقَال: إِن مَعْنَاهُ أَخَاف أَن أبث خَبره، إِذْ عدم التّرْك وَهُوَ الإبثاث والتبيين، وَوَقع فِي رِوَايَة الزبير: زَوجي من لَا أذكرهُ وَلَا أبث خَبره. قَوْله: (أذكر عُجَره وبجره) جَوَاب: إِن، والعجر، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم، والبجر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم، وَالْمرَاد بهما: عيوبه، وَالْمَشْهُور فِي الِاسْتِعْمَال أَن يُرَاد بِهِ الْأُمُور كلهَا، وَقيل: العجرة نفخة فِي الظّهْر والبجرة نفخة فِي السُّرَّة، وَيُقَال: العجر معقد الْعُرُوق والعصب فِي الْجَسَد حَتَّى ترَاهَا ناتئة فِي الْجَسَد، والبجر كَذَلِك إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بالبطن فِيمَا ذكره الْأَصْمَعِي، وأحدها بجرة، وَمِنْه قيل: رجل أبجر إِذا كَانَ عَظِيم الْبَطن، وَامْرَأَة بجراء، وَيُقَال الفلان بجرة إِذا كَانَ ناتىء السُّرَّة عظيمها، وَقَالَ الْأَخْفَش: العجر العقد تكون فِي سَائِر الْبدن، والبجر تكون فِي الْقلب، وَقَالَ أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي: لم يَأْتِ أَبُو عُبَيْدَة بِالْمَعْنَى فِي هَذَا، وَإِنَّمَا عنت أَن زَوجهَا كثير الْعُيُوب فِي أخلاقه مُنْعَقد النَّفس عَن المكارم، وَقَالَ ابْن فَارس: يُقَال فِي الْمثل: أفضيت إِلَيْهِ بعجري وبجري أَي: بأَمْري كُله وَعَن الْأَصْمَعِي: يستعلمل ذَلِك فِي المعائب، أَي: ذكر عيوبه، وَقَالَ يَعْقُوب: أسراره، وَعبارَة غَيره: عيوبه الْبَاطِنَة وأسراره الكامنة، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي وقْعَة الْجمل: (إِلَى الله أَشْكُو عجري وبجري) أَي: همومي وأحزاني، وَقيل: العجر ظَاهرهَا والبجر بَاطِنهَا. قَالَ الشَّاعِر: (لم يبْق عِنْدِي مَا يُبَاع بدرهم ... يَكْفِيك عجر حالتي عَن بجري) (إلَاّ بقايا مَاء وَجه صنته ... لأبيعه، فَعَسَى تكون المُشْتَرِي) قَوْله: (قَالَت الثَّالِثَة) ، أَي: الْمَرْأَة الثَّالِثَة وَهِي: حييّ بنت كَعْب الْيَمَانِيّ. قَوْله: (العشنق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والمعجمة وَفتح النُّون الْمُشَدّدَة، وبالقاف، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَجَمَاعَة: هُوَ الطَّوِيل، وَزَاد الثعالبي: المذموم الطول، وَقَالَ الْخَلِيل: هُوَ طَوِيل الْعُنُق وَقَالَ ابْن حبيب: هُوَ الْمِقْدَام على مَا يُرِيد الشرس فِي أُمُوره، وَقيل: السيىء الْخلق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَادَت أَنه لَيْسَ عِنْده أَكثر من طوله بِلَا نفع، وَيجمع على: عشانقة، وَالْمَرْأَة عشنقة، وَقَالَ أَبُو سعيد الضَّرِير: الصَّحِيح أَن العشنق الطَّوِيل النجيب الَّذِي يملك أَمر نَفسه وَلَا يحكم النِّسَاء فِيهِ، بل يحكم فِيهِنَّ بِمَا شَاءَ، فزوجته تهابة أَن تنطق بِحَضْرَتِهِ فَهِيَ تسكن على مضض. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهِي الشكاية البليغة. قَوْله: (إِن أنطق أطلق) يَعْنِي: إِن ذكرت عيوبه يُطلقنِي (وَإِن أسكت أعلق) يَعْنِي: إِن أسكت عَنهُ أعلق يَعْنِي يتركني لَا عزبا وَلَا مُزَوّجَة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ (النِّسَاء: ٩٢١) فَكَأَنَّهَا قَالَت: أَنا عِنْده لَا ذَات زوج فَانْتَفع بِهِ وَلَا مُطلقَة فأتفرغ لغيره. فَهِيَ كالمعلقة بَين الْعُلُوّ والسفل لَا تَسْتَقِر بِأَحَدِهِمَا، وكل وَاحِد من قَوْلهَا: (أطلق) و (أعلق) على صِيغَة الْمَجْهُول مجزومان لِأَنَّهُمَا جَوَاب الشَّرْط. قَوْله: (قَالَت الرَّابِعَة) ، وَهِي: مهدد، بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْهَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة الأولى، وَيُقَال: مهرَة بالراء بنت أبي هرومة بالراء المضمومة، وَيُقَال: أرومة. قَوْله: (كليل تهَامَة) شبهت زَوجهَا بلَيْل تهَامَة، وتمدحه أَي: كليل أهل مَكَّة أَصْحَاب الْأَمْن، أَو كليل ركدت الرِّيَاح فِيهِ، أَو كليل الرّبيع وَقت تغير الْهَوَاء من الْبُرُودَة إِلَى الْحَرَارَة وَظُهُور اعتداله،

стр. 6058

وَلَيْسَ فِيهِ أَذَى بل فِيهِ رَاحَة ولذاذة عَيْش، كليل تهَامَة لذيذ معتدل لَيْسَ فِيهِ حر مفرط وَلَا برد، وَلَا أَخَاف لَهُ غائلة لكرم أخلاقه، وَلَا يسامني وَلَا يستثقل بِي فيمل صحبتي، وتهامة، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ اسْم لكل مَا نزل عَن نجد من بِلَاد الْحجاز، وَهُوَ من الْمُتَّهم، بِفَتْح التَّاء وَالْهَاء: وَهُوَ ركود الرّيح، وَيُقَال: تهتم الدّهن، إِذا تغير قَوْله: (وَلَا قر) بِالضَّمِّ وَهُوَ الْبرد. قَوْله: (وَلَا سآمة) أَي: وَلَا ملالة، وكل وَاحِد من هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة بني بِغَيْر تَنْوِين، وَجَاء الرّفْع مَعَ التَّنْوِين، وَهِي رِوَايَة أبي عبيد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة﴾ (الْبَقَرَة: ٤٥٢) وَوَقع فِي رِوَايَة عمر بن عبد الله عِنْد النَّسَائِيّ: وَلَا برد، بدل: وَلَا قر، وَزَاد فِي رِوَايَة الْهَيْثَم بن عدي، وَلَا وخامة، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: لَا ثقل عِنْده تصف زَوجهَا بذلك، أَنه لين الْجَانِب خَفِيف الْوَطْأَة على الصاحب، وَفِي رِوَايَة الزبير بن بكار: والغيث، غيث غمامة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَرَادَت بقولِهَا: وَلَا مَخَافَة أَن أهل تهَامَة لَا يخَافُونَ لتحصنهم بجبالها، أَو أَرَادَت أَن زَوجهَا حامي الذمار مَانع لداره وجاره وَلَا مَخَافَة عِنْد من يأوي إِلَيْهِ، ثمَّ وَصفته بالجود. قَوْله: (قَالَت الْخَامِسَة) أَي: الْمَرْأَة الْخَامِسَة وَهِي كَبْشَة. قَوْله: (إِن دخل فَهد) ، أَي: إِن دخل الْبَيْت فَهد بِكَسْر الْهَاء أَي: فعل فعل الفهد، شبهته بالفهد فِي كَثْرَة نَومه، يَعْنِي إِذا دخل الْبَيْت يكون فِي الاسْتِرَاحَة معرضًا عَمَّا تلف من أَمْوَاله وَمَا بَقِي مِنْهَا. وَقيل: معنى فَهد أَنه إِذا دخل الْبَيْت وثب على وثوب الفهد، كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمُبَادرَة إِلَى الْجِمَاع. قَوْله: (وَإِن خرج أَسد) أَي: وَإِن خرج من الْبَيْت أَسد بِكَسْر السِّين يَعْنِي: فعل فعل الْأسد تصفه بالشجاعة يَعْنِي: إِذا صَار بَين النَّاس كَانَ الْأسد، يَعْنِي: سهل مَعَ الأحباء صَعب على الْأَعْدَاء كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ (الْفَتْح: ٩٢) وَقَالَ ابْن السّكيت: تصفه بالنشاط فِي الْغَزْو، وَقَالَ عِيَاض: فِيهِ مُطَابقَة لفظية بَين دخل وَخرج، وَبَين أَسد وفهد مُطَابقَة معنوية، وَتسَمى أَيْضا الْمُقَابلَة. قَوْله: (وَلَا يسْأَل عَمَّا عهد) أَي: لَا يتفقد مَا ذهب من مَاله وَلَا يلْتَفت إِلَى معائب الْبَيْت وَمَا فِيهِ كَأَنَّهُ ساهٍ عَن ذَلِك. وَقَالَ عِيَاض: وَهَذَا يَقْتَضِي تفسيرين: لعهد عهد قبل فَهُوَ يرجع إِلَى تفقد المَال وعهد الْآن فَهُوَ بِمَعْنى الإغضاء عَن المعائب والاختلال. قَوْله: (قَالَ السَّادِسَة) : أَي الْمَرْأَة السَّادِسَة، وَاسْمهَا هِنْد قَوْله: (إِن أكل لف) بِاللَّامِ وَالْفَاء الْمُشَدّدَة فعل مَاض من اللف وَهُوَ الْإِكْثَار من الطَّعَام مَعَ التَّخْلِيط من صنوفه حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ شَيْئا. قَالَ عِيَاض: حُكيَ رف، بالراء بدل اللَّام قَالَ: وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَإِن شرب اشتف) من الاشتفاف بالفاءين، وَهُوَ أَن يستوعب جَمِيع مَا فِي الْإِنَاء مَأْخُوذ من الشفافة بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَهِي اسْم مَا بَقِي فِي الْإِنَاء من المَال، فَإِذا شربه قيل: اشتفه، ويروى: استف، بِالسِّين الْمُهْملَة وَهِي بمعناها. وَقَالَ عِيَاض: رُوِيَ بِالْقَافِ بدل الشين. قَالَ الْخَلِيل: قفاف كل شَيْء جمَاعَة واستيعابه، وَمِنْه سميت الفقة لجمعها مَا وضع فِيهَا. قَوْله: (وَإِن اضْطجع التّلف) من الالتفاف، يَعْنِي: إِذا نَام التّلف فِي ثِيَابه فِي نَاحيَة، وَفِي رِوَايَة للنسائي: إِذا نَام بدل اضْطجع، وَزَاد: وَإِذا ذبح اغتث أَي: تحرى الغث وَهُوَ الهزيل كَمَا مضى. قَوْله: (وَلَا يولج الْكَفّ) أَي: لَا يدْخل كَفه مَعْنَاهُ لَا يمد يَده ليعلم مَا هِيَ عَلَيْهِ من الْحزن، وَهُوَ معنى قَوْله: (ليعلم البث) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد يَد الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْحزن وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: وَلَا يدْخل، بدل وَلَا يولج، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرَانِيّ: فَيعلم، بِالْفَاءِ بدل اللَّام، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَنه يتلفف منتبذا عَنْهَا وَلَا يقرب مِنْهَا فيولج كَفه دَاخل ثوبها فَيكون مِنْهُ إِلَيْهَا مَا يكون من الرجل لامْرَأَته، وَمعنى البث مَا تضمر من الْحزن على عدم الحظوة مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو عبيد: أحسبها كَانَ بجسدها عيب أَو دَاء يحزن بِهِ، وَكَأَنَّهُ لَا يدْخل يَده فِي ثوبها لِئَلَّا يلمس ذَلِك فَيشق عَلَيْهَا، فوصفته بالمروءة وكرم الْخلق، ورد عَلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة بِأَنَّهَا قد ذمَّته فِي صدر الْكَلَام فَكيف تمدحه فِي آخِره؟ فَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الرَّد مَرْدُود، لِأَن النسْوَة تعاقدن لَا يكتمن شَيْئا مدحا أَو ذما، فمنهن من كَانَت أَوْصَاف زَوجهَا كلهَا حَسَنَة فوصفته بهَا، ومنهن بِالْعَكْسِ، ومنهن من كَانَت أَوْصَافه مختلطة مِنْهُمَا فذكرتهما كليهمَا. قَوْله: (قَالَت السَّابِعَة) أَي: الْمَرْأَة السَّابِعَة وَاسْمهَا حيى بنت عَلْقَمَة قَوْله: (زَوجي عياياء) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف يَاء أُخْرَى وبالمد وَهُوَ الَّذِي عي بِالْأَمر والمنطق وجمل عياياء إِذا لم يهتد إِلَى الضراب. قَوْله: (أَو غياياء) شكّ من الرَّاوِي وَهُوَ عِيسَى بن يُونُس فَإِنَّهُ شكّ هَل هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ أَو بِالْمُعْجَمَةِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو تنويع من الزَّوْجَة القائلة، وَالْأَكْثَرُونَ لم يشكوا، وَقَالُوا بِالْمُهْمَلَةِ وَأما غياياء، بالغين الْمُعْجَمَة فَمَعْنَاه لَا يَهْتَدِي إِلَى مَسْلَك أَو إِنَّه كالظل

стр. 6059

المتكاثف المظلم الَّذِي لَا إشراق فِيهِ. أَو أَنه غطى عَلَيْهِ أُمُوره، أَو أَنه منهمك فِي الشَّرّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوف يلقون غيا﴾ (مَرْيَم: ٩٥) وَقَالَ عِيَاض: قَالَ أَبُو عبيد إِن الغياياء، بالغين الْمُعْجَمَة لَيْسَ بِشَيْء. وَلم يفسره وَتَابعه على ذَلِك سَائِر الشُّرَّاح، فقد ظهر لي فِيهِ معنى صَحِيح فَذكر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَذكر أَيْضا أَنه مَأْخُوذ من الغياية. وَهِي كل مَا أظلك فَوق رَأسك من سَحَاب وَغَيره، وَمِنْه سميت الرَّايَة غَايَة، فَكَأَنَّهُ غطى عَلَيْهِ من جَهله وسترت مصالحة. قَوْله: (طباقاء) بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالقاف ممدودة. وَهُوَ المطبقة عَلَيْهِ الْأُمُور حمقا، وَقيل: الَّذِي يعجز عَن الْكَلَام، وَقَالَ ابْن حبَان: الطباق من الرِّجَال الَّذِي فِيهِ رعونة وحمق كالمطبق عَلَيْهِ فِي حمقه ورعونته، وَقيل: الطباق من الرِّجَال الثقيل الصَّدْر الَّذِي لَا يطبق صَدره على صدر الْمَرْأَة. قَوْله: (كل دَاء لَهُ دَوَاء) أَي: كل شَيْء من أدواء النَّاس فِيهِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تَعْنِي كل دَاء تفرق فِي النَّاس فَهُوَ فِيهِ، وَمن أدوائه أَنه قد اجْتمعت فِيهِ المعائب. قَوْله: (شجك أَو فلّك) كلمة: أَو للتنويع وَمعنى شجك: جرحك فِي رَأسك وجراحات الرَّأْس تسمى شجا بالشين الْمُعْجَمَة بالشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْجِيم، وَمعنى: فلك بِالْفَاءِ وَتَشْديد اللَّام: جرحك فِي جَمِيع الْجَسَد وَقيل: الفل الطعْن، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: فلك كسرك، وَيُقَال: ذهب بِمَالك، وَيُقَال: كسرك بخصومته، وَصفته بالحمق والتناهي فِي جَمِيع النقائص والعيوب وَسُوء الْعشْرَة مَعَ الْأَهْل وعجزه عَن حَاجَتهَا مَعَ ضربهَا وأذاه لَهَا وَإِذا حدثته سبها وَإِذا مازحته شجها وَإِذا غضب إِمَّا أَن يشجها فِي رَأسهَا أَو يكسر عضوا من أعضائها. وَزَاد ابْن السّكيت فِي رِوَايَته: بجك، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْجِيم: أَي طعنك فِي جراحتك فَشَقهَا، والبج شقّ القرحة، وَقيل: هُوَ الطعنة. قَوْله: (أَو جمع كلا لَك) أَي: أَو جمع كل هَذِه الْأَشْيَاء وَهِي: الضَّرْب وَالْجرْح وَكسر الْأَعْضَاء وَالْكَسْر بِالْخُصُومَةِ وَالْكَلَام الموجع وَأخذ مَالهَا. قَوْله: (قَالَت الثَّامِنَة) أَي: الْمَرْأَة الثَّامِنَة وأسمها يَاسر بنت أَوْس بن عبد. قَوْله: (الْمس مس أرنب وَالرِّيح ريح زرنب) وَصفته بِحسن الْخلق ولين الْجَانِب كمس الأرنب إِذا وضعت يدك على ظَهره، لِأَن وبره ناعم جدا، والزرنب بِوَزْن الأرنب لَكِن أَوله زَاي، وَهُوَ نبت طيب الرّيح، وَقيل: هِيَ شَجَرَة عَظِيمَة بِالشَّام على جبل لبنان لَا تثمر وَلها ورق بَين الخضرة والصفرة، وَكَذَا ذكره عِيَاض، ورده أَصْحَاب الْمُفْردَات. وَقيل: هِيَ حشيشة طيبَة الرَّائِحَة رقيقَة، وَقيل: هُوَ الزَّعْفَرَان وَلَيْسَ بِشَيْء، وَقيل: وَهُوَ مسك، وَالْألف وَاللَّام فِي الْمس نائبة عَن الضَّمِير لِأَن أَصله زَوجي مَسّه. وَكَذَا فِي الرّيح أَي: رِيحه وَفِيهِمَا حذف تَقْدِيره: زَوجي الْمس مِنْهُ كَمَا فِي السّمن. منوان بدرهم، أَي مِنْهُ، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا من التَّشْبِيه بِغَيْر أَدَاة، وَفِيه حسن الْمُنَاسبَة والموازنة والتسجيع، وَفِي رِوَايَة الزبير وَالنَّسَائِيّ فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْلهَا. وَأَنا أغلبه وَالنَّاس يغلب، فِي رِوَايَة للنسائي وَالطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: ونغلبه، بنُون الْجمع وَفِيه نوع من البديع يُسمى التتميم لِأَنَّهَا لَو اقتصرت على قَوْلهَا: وَأَنا أغلبه لظن أَنه جبان ضَعِيف، فَلَمَّا قَالَت: وَالنَّاس يغلب، دلّ على أَن غلبتها إِيَّاه إِنَّمَا هُوَ من بَاب كرم سجاياه فتممت بِهَذِهِ الْكَلِمَة الْمُبَالغَة فِي حسن أَوْصَافه. قَوْله: (قَالَت التَّاسِعَة) أَي: الْمَرْأَة التَّاسِعَة: وَلم أَقف على اسْمهَا عِنْد أحد قَوْله: (رفيع الْعِمَاد) كِنَايَة عَن وَصفه بالشرف فِي نسبه وسؤدده فِي قومه فَهُوَ رفيع فيهم. والعماد فِي الأَصْل عماد الْبَيْت وَهُوَ العمود الَّذِي يدعم بِهِ الْبَيْت، تَعْنِي: أَن بَيته فِي حَسبه رفيع فِي قومه، وَيحْتَمل أَنَّهَا أَرَادَت أَن بَيته عالٍ لحشمته وسعادته لَا كبيوت غَيره من الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، يَجعله مرتفعا ليراه أَرْبَاب الْحَوَائِج والأضياف فيأتونه. وَهَذِه صفة بيُوت الأجواد. قَوْله: (طَوِيل النجاد) . بِكَسْر النُّون كِنَايَة عَن طول الْقَامَة لِأَن النجاد حمائل السَّيْف، فَمن كَانَ طَوِيل الْقَامَة كَانَت حمائل سَيْفه طَوِيلَة، فوصفته بالطول والجود. قَوْله: (عَظِيم الرماد) . كِنَايَة عَن المضافية، لِأَن كَثْرَة الرماد تَسْتَلْزِم كَثْرَة النَّار وَكَثْرَة النَّار تَسْتَلْزِم كَثْرَة الطَّبْخ وَكَثْرَة الطَّبْخ تَسْتَلْزِم كَثْرَة الأضياف، وَقيل: إِن ناره لَا تطفأ فِي اللَّيْل ليهتدي بهَا الضيفان، والأجواد يعظمون النيرَان فِي ظلام اللَّيْل ويوقدونها على التلال لاهتداء الضَّيْف بهَا قَوْله: (قريب الْبَيْت من الناد) كِنَايَة عَن الْكَرم والسؤدد، لِأَن النادي مجْلِس الْقَوْم وَلَا يقرب مِنْهُ إلَاّ من هَذِه صفته، لِأَن الضيفان يقصدون النادي، يَعْنِي: ينزل بَين ظهراني النَّاس ليعلموا مَكَانَهُ وينزلوا عِنْده، واللئام يتباعدون مِنْهُ فِرَارًا من نزُول الضَّيْف. وَقَالَ

стр. 6060

صَاحب (التَّلْوِيح) فِي قَوْلهَا: (قريب الْبَيْت من النادي) كَذَا هُوَ فِي النّسخ: النادي، بِالْيَاءِ هُوَ الفصيح فِي الْعَرَبيَّة. وَلَكِن الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة خذفها الْيُتْم السجع، وَفِي رِوَايَة الزبير بن بكار بعد قَوْله: (قريب الْبَيْت من الناد) لَا يشْبع لَيْلَة يُضَاف، وَلَا ينَام لَيْلَة يخَاف. قَوْله: (وَقَالَت الْعَاشِرَة) أَي: الْمَرْأَة الْعَاشِرَة وَاسْمهَا: كَبْشَة، مثل الْخَامِسَة بنت الأرقم بالراء وَالْقَاف. قَوْله: (زَوجي مَالك، وَمَا مَالك؟ مَالك خير من ذَلِك) . أردْت بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ تَعْظِيم زَوجهَا لِأَن كلمة: مَا استفهامية وفيهَا معنى التَّعْظِيم والتهويل، وَحَقِيقَة: مَا مَالك، أَي: مَا هُوَ، أَي: أَي شَيْء هُوَ مَا أعظمه وأكبره وأكرمه مثل قَوْله : ﴿الحاقة مَا الحاقة﴾ (الحاقة: ١) ﴿القارعة مَا القارعة﴾ (القارعة: ١) أَي: أَي شَيْء هُوَ مَا أعطم أمرهَا وأهولها. وَقَوْلها: (مَالك خير من ذَلِك) زِيَادَة فِي التَّعْظِيم وَتَفْسِير لبَعض الْإِبْهَام وَأَنه خير مِمَّا أُشير إِلَيْهِ من ثَنَاء وَطيب ذكرا وَفَوق مَا أعتقده فِيهِ من سؤدد وفخر قَوْلهَا: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى: مَالك، أَي: خير من كل مَالك، والتعميم يُسْتَفَاد من الْمقَام أَو هُوَ نَحْو: تَمْرَة خير من جرادةٍ أَي كل تَمْرَة خير من كل جَرَادَة، أَو هُوَ إِشَارَة إِلَى مَا فِي ذهن الْمُخَاطب، أَي: مَالك خير مِمَّا فِي ذهنك من مَالك الْأَمْوَال. قَوْله: (لَهُ إبل) أَي: لزوجي إبل (كثيرات الْمُبَارك) وَهُوَ جمع مبرك وَهُوَ مَوضِع البروك أَرَادَت أَنه يبركها فِي مُعظم أَوْقَاتهَا بِفنَاء دَاره لَا يوجهها تسرح إِلَّا قَلِيلا قدر الضَّرُورَة حَتَّى إِذا نزل بِهِ الضَّيْف كَانَت الْإِبِل حَاضِرَة فيقريه من أَلْبَانهَا ولحومها، ويروى: عظيمات الْمُبَارك، وَهُوَ كِنَايَة عَن سمنها وَعظم جسومها فيعظم مباركها لذَلِك. قَوْله: (قليلات المسارح) ، وَهُوَ جمع مسرح وَهُوَ الْموضع الَّذِي تسرح إِلَيْهِ الْمَاشِيَة بِالْغَدَاةِ المرعى، يُقَال: سرحت الْمَاشِيَة تسرح فَهِيَ سارحة. وسرحتها يَأْتِي لَازِما ومتعديا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: نصفه بِكَثْرَة الْإِطْعَام وَسقي الألبان أَي: أَن إبِله على كثرتها لَا تغيب عَن الْحَيّ وَلَا تسرح إِلَى المراعي الْبَعِيدَة وَلكنهَا تبرك بفنائه ليقري الضيفان من لَبنهَا ولحمها خوفًا من أَن ينزل بِهِ ضيف وَهِي بعيدَة عازبة، وَقيل: إِن مَعْنَاهُ أَن إبِله كَثِيرَة فِي حَال بروكها، فَإِذا سرحت كَانَت قَليلَة لِكَثْرَة مَا تحرمنها فِي مباركها للأضياف. وَفِي رِوَايَة الْهَيْثَم عَن هِشَام فِي آخر هَذَا الْكَلَام: وَهُوَ إِمَام الْقَوْم فِي المهالك. قَوْله: (وَإِذا سمعن صَوت المزهر أَيقَن أَنَّهُنَّ هوالك) ، أَي: إِذا سَمِعت الْإِبِل صَوت المزهر، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ: الْعود الَّذِي يضْرب بِهِ أَي: إِن زَوجهَا عود الْإِبِل إِذا نزل بِهِ الضيفان أَتَاهُم بالعيدان وَالْمَعَازِف وآلات الطّرف ونحولهم مِنْهَا، فَإِذا سَمِعت الْإِبِل صَوت المزهر علمت يَقِينا أَنه قد جَاءَ الضيفان وأنهن منحورات هوالك، وَقَالَ أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي: لم تكن تعرف الْعَرَب الْعود إلَاّ الَّذين خالطوا الْحَضَر، وَالَّذِي يذهب إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ المزهر، يَعْنِي: بِضَم الْمِيم وَكسر الْهَاء وَهُوَ الَّذِي يزهر النَّار للأضياف، فَإِذا سمعن صَوت ذَلِك ومعمعان النَّار أيقنت بالعقر. وَقَالَ عِيَاض: لَا تعرف أحدا رَوَاهُ المزهر، كَمَا قَالَ النَّيْسَابُورِي: وَالَّذِي رَوَاهُ النَّاس كلهم المزهر، يَعْنِي بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الصَّوَاب. وَالضَّمِير فِي سمعهن وأيقن برجع إِلَى الْإِبِل كَمَا ذَكرْنَاهُ، والهوالك جمع هالكة. قَوْله: (قَالَت الْحَادِيَة عشرَة) أَي: الْمَرْأَة الْحَادِيَة عشرَة، قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِي بعض النسح: الْحَادِي عشرَة، وَفِي بَعْضهَا: الْحَادِيَة عشر، وَالصَّحِيح الأول، وَهِي: أم زرع بنت أكيمل بن سَاعِدَة اليمنية، وَهَذَا الحَدِيث مَشْهُور: بِحَدِيث أم زرع. قَوْله: (زَوجي أَبُو زرع! فَمَا أَبُو زرع؟) هُوَ كَقَوْل الْعَاشِرَة: مَالك وَمَا مَالك؟ أخْبرت أَولا أَن زَوجهَا أَبُو زرع، ثمَّ عظمت شَأْنه بقولِهَا: فَمَا أَبُو زرع؟ يَعْنِي: إنكن لَا تعرفنه لأنكن لم تعهدن مثله. قَوْله: (أَبُو زرع) . فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: نكحت أَبَا زرع. قَوْله: (فَمَا أَبُو زرع؟) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمَا أَبُو رزع، بِالْوَاو وَهُوَ الْمَحْفُوظ للأكثرين، وَزَاد الطَّبَرَانِيّ فِي رِوَايَة: صَاحب نعم وَزرع. قَوْله: (أنَاس من حلي أُذُنِي) أنَاس فعل مَاض من النوس وَهُوَ الْحَرَكَة من كل شَيْء معتدل يُقَال: نَاس ينوس نوسا، وأناسه غَيره إناسة، والحلي بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء جمع: حلي، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَتَخْفِيف الْيَاء، وَهُوَ اسْم لكل مَا يتزين بِهِ من مصاغ الذَّهَب وَالْفِضَّة، (وأذني) بتَشْديد الْيَاء، تَثْنِيَة أذن أَرَادَت: حلاني قرطة وشنوفا يَعْنِي مَلأ أُذُنِي بِمَا جرت بِهِ عَادَة النِّسَاء من التحلي بِهِ فِي الْأذن من القرط وَهُوَ الْحلق من ذهب وَفِضة ولؤلؤ وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ ابْن السّكيت: معني أنَاس: أثقل أُذُنِي حَتَّى تدلى واضطرب قَوْله: (وملأ من شَحم عضدي) بتَشْديد الْيَاء تَثْنِيَة عضد. وَقَالَ أَبُو عبيد: لم ترد الْعظم وَحده وَإِنَّمَا أَرَادَت الْجَسَد كُله. لِأَن العضف إِذا سمنت سمن سَائِر الْجَسَد، وخصت الْعَضُد لِأَنَّهَا أقرب مَا يَلِي بصر الْإِنْسَان من جسده. قَوْله: (وبجحني) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ بتَشْديد الْجِيم من التبجيح وَهُوَ التفريح، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ عظمني، وَقَالَ ابْن أبي أويس: وسع

стр. 6061

عَليّ وترفني قَوْله: (فبجحت) بِسُكُون التَّاء (وَنَفْسِي) فَاعله وإلي بتَشْديد الْيَاء وَفَائِدَة ذكر إِلَى التَّأْكِيد، إِذْ فِيهِ التَّجْرِيد وَبَيَان الِانْتِهَاء، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فتبجحت من: بَاب التفعل، وَفِي رِوَايَة للنسائي: وبجح نَفسِي فتبجحت إِلَيّ، بِالتَّشْدِيدِ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: فبجحت، بِضَم التَّاء على صِيغَة نفس الْمُتَكَلّم من الْمَاضِي، وإلي، بِالتَّخْفِيفِ. قَوْله: (غنيمَة) مصغر: غنم. قَوْله: (بشق) ، بالشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف: وَأهل الحَدِيث يَرْوُونَهُ بِكَسْر الشين، وَقَالَ أَبُو عبيد: وَهُوَ بِالْفَتْح وَهُوَ اسْم مَوضِع. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: هُوَ الصَّوَاب، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ اسْم مَوضِع بِالْفَتْح وَالْكَسْر، وَقَالَ ابْن أبي أويس وَابْن حبيب: بشق جبل لقلتهم، زَاد ابْن أبي أويس: لقلَّة غَنمهمْ. وَقَالَ عِيَاض: كَأَنَّهَا تريدانهم لقلتهم وَقلة غَنمهمْ حملهمْ على سُكْنى شقّ الْجَبَل: (أَي) نَاحيَة الْجَبَل أَو بعضه، لِأَن الشق يَقع على النَّاحِيَة من الشَّيْء وَيَقَع على بعضه، والشق أَيْضا النّصْف، وَعَن نفطويه: معنى الشق بِالْكَسْرِ: الشظف من الْعَيْش والجهد مِنْهُ، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: يُقَال: هُوَ بشق وشظف من الْعَيْش أَي: بِجهْد مِنْهُ. قَوْله: (فِي أهل صَهِيل) ، أَي: أَصْحَاب صَهِيل وَهُوَ صَوت الْخَيل. وَقَوله: (وأطيط) . وَهُوَ أصوات الْإِبِل يَعْنِي: أَنه ذهب بهَا إِلَى أَهله وهم أهل خير وإبل، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: وجامل وَهُوَ جمع جمل وَالْمرَاد اسْم فَاعل لمَالِك الْجمال كَمَا يُقَال لِابْنِ وتامر، وَقَالَ عِيَاض: وأصل الأطيط أَعْوَاد المحامل والرحال. وَيُشبه أَن تُرِيدُ بهَا هَذَا الْمَعْنى، فَكَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنهم أَصْحَاب محامل ورفاهية، لِأَن المحامل لَا يركبهَا إلَاّ أَصْحَاب السعَة، وَكَانَت قَدِيما من مراكب الْعَرَب. قَوْله: (ودائس) اسْم فَاعل من الدوس، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (ودياس) . وَقَالَ ابْن السّكيت: الدائس الَّذِي يدوس الطَّعَام. وَقَالَ أَبُو عبيد: تَأَوَّلَه بَعضهم من دياس الطَّعَام وَهُوَ دراسه، وَأهل الْعرَاق يَقُولُونَ: الدياس، وَأهل الشَّام: الدراس، فَكَأَنَّهَا أَرَادَت أَنهم أَصْحَاب زرع قَوْله (ومنق) قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ الَّذِي ينقيه من التِّبْن وَنَحْوه بالغربال، وَقَالَ بَعضهم بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الْقَاف، قَالَ أَبُو عبيد: لَا أَدْرِي مَعْنَاهُ، وَأَظنهُ بِالْفَتْح من تنقية الطَّعَام. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : المحدثون يَقُولُونَهُ بِالْكَسْرِ، وَقَالَ ابْن أبي أويس: المنق، بِالْكَسْرِ: نقيق أصواب الْمَوَاشِي والأنعام، تصف كَثْرَة مَاله. وَقَالَ أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي: هُوَ مَأْخُوذ من نقيقة الدَّجَاج، أَي: أَنهم أهل طير، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يُقَال لشَيْء من أصوات الْمَوَاشِي نق، وَإِنَّمَا يُقَال نق الضفدع وَالْعَقْرَب والدجاج، وَيُقَال فِي الهر: بقلة، وَقَالَ ابْن السراج: وَيجوز أَن يكون منق بالإسكان إِن كَانَ رُوِيَ، أَي: وإنعام ذَات نقي أَي سمان. قَوْله: (فَعنده أَقُول) أَي: عِنْد زَوجي أَقُول كلَاما فَلَا أقبح على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: فَلَا أنسب إِلَى التقبيح فِي القَوْل، بل يقبل مني، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَعنده أنطق، وَفِي رِوَايَة الزبير: أَتكَلّم. قَوْله: (وأرقد فأتصبح) أَي: أَنَام الصبيحة، وَهِي فِي أول النَّهَار، وَلَا أُوقِظ لِأَن عِنْدِي من يَكْفِينِي الْخدمَة من الْإِمَاء وَغَيرهَا. قَوْله: (واشرب فأتقمح) بِالْقَافِ وَتَشْديد الْمِيم أَي: أروى حَتَّى لَا أحب الشّرْب، مَأْخُوذ من النَّاقة المقامح وَهِي الَّتِي ترد الْحَوْض فَلَا تشرب وترفع رَأسهَا ريا، كَذَا قَالَه أَبُو عبيد، وكل رَافع رَأسه فَهُوَ مقامح، وَبَعض النَّاس يرويهِ. فاتقنح، بِفَتْح النُّون، وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا أعرف هَذَا الْحَرْف وَلَا أرى الْمَحْفُوظ إلَاّ بِالْمِيم، وَقَالَ عِيَاض: لم نروه فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) (وَمُسلم) إلَاّ بالنُّون، وَكَذَا فِي جَمِيع النّسخ وَقَالَ البُخَارِيّ: قَالَ بَعضهم: فاتقمح بِالْمِيم، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، وَالَّذِي بالنُّون مَعْنَاهُ: أقطع الشّرْب وأتمهل فِيهِ، وَقيل: هُوَ الشّرْب بعد الرّيّ، وَحكى أَبُو عَليّ القالي فِي (البارع) و (الأمالي) يُقَال: قنحت الْإِبِل، تفتح بِفَتْح النُّون فِي الْمَاضِي والمستقبل. قنحا بِإِسْكَان النُّون. قَالَ شمر: إِذا تكارهت الشّرْب. وَفِي (التَّلْوِيح) وَمن رَوَاهُ: أتفتح، بِالْفَاءِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق إِن لم يكن وهما فَمَعْنَاه والتكبر والزهو والتيه، وَيكون هَذَا التكبر والتيه من الشَّرَاب لنشوة سكره، وَهُوَ على كل حَال يرجع إِلَى عزتها عِنْده وكثرته الْخَيْر لَدَيْهَا. وَقيل: معنى أتقنح كِنَايَة عَن سمن جسمها واتساعه. قَوْله: (أم بِي زرع فَمَا أم أبي زرع) الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي زَوجي أَبُو زرع، فَمَا أَبُو زرع؟ ويروى: أم زرع وَمَا أم زرع؟ بِحَذْف أَدَاة الكنية، الأول هُوَ ظَاهر الرِّوَايَة. قَوْله: (عكومها رداح) العكوم جمع عكم بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْكَاف كجلود جمع جلد، وَهِي الأعدال والأحمال الَّتِي تجمع فِيهَا الْأَمْتِعَة، وَقيل: هِيَ نمط تجْعَل الْمَرْأَة فِيهَا ذخيرتها، حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ، ورداح بِكَسْر الرَّاء بِفَتْحِهَا وَآخره حاء مُهْملَة أَي: عِظَام كَثِيرَة الحشو. قَالَه أَبُو عبيد، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ثقيله، وَيُقَال للكتيبة الْكَبِيرَة: رداح إِذا كَانَت بطيئة السّير لِكَثْرَة من فِيهَا، وَيُقَال للْمَرْأَة إِذا كَانَت عَظِيمَة الكفل

стр. 6062

ثَقيلَة الورك ورداح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرداح مُفْرد والعكوم جمع، يَعْنِي: كَيفَ يكون الْمُفْرد خَبرا عَن الْجمع؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ أَرَادَ كل عكم رداح بِكَسْر الرَّاء لَا بِفَتْحِهَا، أَو بِكَوْن الرداح هَهُنَا مصدرا كالذهاب قلت: أجوبة أُخْرَى: الأول: أَن يكون رداح بِكَسْر الرَّاء لَا بِفَتْحِهَا جمع رداح كقائم وَقيام، ويخبر عَن الْجمع بِالْجمعِ. الثَّانِي: أَن يكون ردا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: عكومها كلهَا رداح على أَن رداح وَاحِد جمعه ردح بِضَمَّتَيْنِ. الثَّالِث: أَن الْخَبَر عَن الْجمع قد جَاءَ بِالْوَاحِدِ مثل: أدرع دلاص، أَي براق، وَمِنْه ﴿أولياؤهم الطاغوت﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥٢) قَوْله: (وبيتها فساخ) بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة أَي: وَاسع يُقَال: بَيت فسيح وفساح وفياح بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَمِنْهُم من يشد الْيَاء للْمُبَالَغَة، وَالْمعْنَى: أَنَّهَا وصفت وَالِدَة زَوجهَا بِأَنَّهَا كَثِيرَة الْآلَات والأثاث والقماش، وَاسِعَة المَال كَبِيرَة الْبَيْت أما حَقِيقَة فَيدل على عظم الثروة، وَأما كِنَايَة عَن كَثْرَة الْخَيْر ورغد الْعَيْش وَالْبر بِمن ينزل بهم لأَنهم يَقُولُونَ: فلَان رحيب الْمنزل، أَي: يكرم من ينزل عَلَيْهِ. قَوْله: (ابْن أبي زرع! فَمَا ابْن أبي زرع؟) لما وصفت أم أبي زرع بِمَا ذكر شرعت تصف ابْن أبي زرع بقولِهَا: (مضجعه كمسل شطبة) المسل، بِفَتْح الْمِيم وَالسِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام مصدر ميمي بِمَعْنى: المسلول، أَو اسْم مَكَان وَمَعْنَاهُ: كمسلول الشطبة، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي أَرَادَت بمسل الشطبة سَيْفا سل من عمده، فمضحعه الَّذِي ينَام فِيهِ فِي الصغر كَقدْر مسل شطبة وَاحِدَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: وأصل الشطبة مَا يشطب من جريد النّخل فَيشق مِنْهُ قضبان رقاق تنسج مِنْهَا الْحصْر، وَيُقَال للْمَرْأَة الَّتِي تفعل ذَلِك: الشاطبة، أخْبرت أَنه مهفهف ضرب اللَّحْم، شبهته بِتِلْكَ الشطبة. وَقَالَ أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي: تُرِيدُ كَأَنَّهُ سيف مسلول من غمده، وسيوف الْيمن كلهَا ذَات شطب، وَهِي الطرائق الَّتِي فِي متن السَّيْف، وَقد شبهت الْعَرَب الرِّجَال بِالسُّيُوفِ إِمَّا لخشونة الْجَانِب وَشدَّة المهابة، وَإِمَّا لجمال الرونق وَكَمَال اللألاء، وَإِمَّا لكَمَال صورتهَا فِي اعتدالها واستوائها. قَوْله: (ويشبعه ذِرَاع الجفرة) ويروى: ويكفيه ذِرَاع الجفرة، وَهِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْفَاء وبالراء: الْأُنْثَى من أَوْلَاد الضَّأْن، وَقيل: من أَوْلَاد الْمعز، وَالذكر جفر وَهِي الَّتِي مر لَهَا من عمرها أَرْبَعَة أشهر، وأرادت بِهِ أَنه قَلِيل الْأكل، وَزَاد بعد هَذَا فِي رِوَايَة لِابْنِ الْأَنْبَارِي: وترويه فيقة اليعرة. (ويميس فِي حق النترة) . قَوْله: (وتروية) من الإرواء، والفيقة بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا قَاف مَا يجْتَمع فِي الضَّرع بَين الحلبتين، والفواق بِضَم الْفَاء: الزَّمَان الَّذِي بَين الحلبتين، واليعرة بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا رَاء العناق، واليعر الجدي. قَوْله: (ويميس) أَي يتبختر، والنترة بِفَتْح النُّون وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الدرْع اللطيفة أَو القصيرة، وَقيل: اللينة الملمس، وَقيل: الواسعة. وَالْحَاصِل أَنَّهَا وَصفته بهيف الْقد وَأَنه لَيْسَ ببطين وَلَا جافي قَلِيل الْأكل وَالشرب ملازم لآلة الْحر، يختال فِي مَوضِع الْحَرْب والقتال، وكل ذَلِك مِمَّا يتمادح بِهِ الْعَرَب قَوْله: (بنت أبي زرع فَمَا بنت أبي زرع) هَذَا فِي مدح بنت أبي زرع بعد مدح ابْن أبي زرع، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَمَا بنت أبي زرع؟ بِالْوَاو. قَوْله: (طوع أَبِيهَا) أَي: هِيَ طوع أَبِيهَا وطوع أمهَا يَعْنِي: بارة بهما لَا تخرج عَن أَمرهمَا، وَفِي رِوَايَة الزبير. وزين أَهلهَا ونسائها. أَي: يتجملون بهَا، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: زين أمهَا وزين أَبِيهَا، بدل لفظ طوع، فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَة للطبراني: وقرة عين لأَبِيهَا وَأمّهَا وزين لأَهْلهَا، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ السّكيت: قبَاء هضيمة الحشا جائلة الوشاح عنكاء فعماء نجلاء دعجاء زجاء قنواء مؤنقة مقنعة. قلت: قبَاء، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد خميصة الْبَطن، وهضيمة الحشا من الهضم بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ انضمام الجنبين، يُقَال: رجل أهضم وَامْرَأَة هضماء، والحشا بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة مَقْصُورا، وَهُوَ مَا انضمت عَلَيْهِ الضلوع، وجائلة الوشاح، بِكَسْر الْوَاو وبالشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، وَهُوَ شَيْء ينسج عريضا من أَدَم، وَرُبمَا رصع بالجوهر والخرز وتشده الْمَرْأَة بَين عاتقيها وكشحيها وَيُقَال فِيهِ: إشاح، والحائلة، بِالْجِيم من الجولان يَعْنِي: يَدُور وشاحها لضمور بَطنهَا، وعكناء، بِفَتْح الْعين المعملة وَسُكُون الْكَاف وبالنون وَالْمدّ أَي: ذَات عُكَن وَهِي الطيات فِي بَطنهَا، وفعماء بفح الْفَاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالمد أَي: ممتلئة الْأَعْضَاء: ونجلاء بِفَتْح النُّون وَسُكُون وبالمد، أَي وَاسِعَة الْعَينَيْنِ، ودعجاء من الدعج، وَهِي شدَّة سَواد الْعين فِي شدَّة بياضها، وزجاء بالزاي وَالْجِيم الْمُشَدّدَة من الزجج وَهُوَ تقوس فِي الْحَاجِب مَعَ طول فِي أَطْرَافه وامتداده، وَقيل بالراء وَتَشْديد الْجِيم أَي: كَبِير الكفل ترتج من عظمه، وقنواء، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون النُّون من القنو، وَهُوَ طول

стр. 6063

فِي الْأنف ودقة الأرنبة مَعَ جَدب فِي وَسطه، ومؤنقة بالنُّون وَالْقَاف من الشَّيْء الأنيق وَهُوَ المعجب ومقنعة مغطاة الرَّأْس بالقناع، وَقيل: مونقة، بتَشْديد النُّون ومعنقة بوزنه أَي: مغذية بالعيش الناعم. قَوْله: (وملء كسائها) كِنَايَة عَن امتلاء جسمها وسمنها. قَوْله: (وغيظ جارتها) ، المُرَاد بالجارة الضرة أَي: يغيظها مَا ترى من حسنها وجمالها وأدبها وعفتها، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وعقر جارتها، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف أَي: دهشها أَو قَتلهَا، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وحير جارتها، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف من الْحيرَة، وَفِي أُخْرَى لَهُ: وَحين جارتها، بالنُّون عوض الرَّاء وَهُوَ الْهَلَاك، وَفِي رِوَايَة الْهَيْثَم بن عدي: وَعبر جارتها، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة من الْعبْرَة بِالْفَتْح أَي: تبْكي حسدا لما ترَاهُ مِنْهَا، أَو بِالْكَسْرِ، أَي: تعْتَبر بذلك، وَفِي رِوَايَة سعيد بن سَلمَة: وَخبر نسائها، فَاخْتلف فِي ضَبطه فَقيل بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَة من التحبير، وَقيل بِالْمُعْجَمَةِ وَالْيَاء آخر الْحُرُوف من الْخَيْرِيَّة. قَوْله: (جَارِيَة أبي زرع ﴿فَمَا جَارِيَة أبي زرع) وصفت أَولا زَوجهَا، ثمَّ وصفت حماتها وَهِي أم أبي زرع، ثمَّ ابْن أبي زرع، ثمَّ بنته، ثمَّ وصفت هُنَا جَارِيَة أبي زرع بقولِهَا: (جَارِيَة أبي زرع﴾ فَمَا جَارِيَة أبي زرع؟) وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا ذكرنَا عِنْد قَوْلهَا زَوجي أَبُو زرع. قَوْله: (لَا تبث) من بَث الحَدِيث إِذا أظهره وأفشاه. ومادته: بَاء مُوَحدَة وثاء مُثَلّثَة. ويروى: لَا تنث، بالنُّون مَوضِع الْبَاء وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَقيل: بالنُّون فِي الشَّرّ، وَفِي رِوَايَة الزبير: وَلَا تخرج حَدِيثا. قَوْله: (تبثيثا) مصدر من بثث على وزن فعل بِالتَّشْدِيدِ، وَهَذَا فِيهِ مَا لَيْسَ فِي بَث من الْمُبَالغَة، وَهَذَا على غير أصل فعله لِأَن مصدر بَث الْخَبَر بثا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي بَث الْخَبَر وأبثه بِمَعْنى، أَي نشرة، وبثث الْخَبَر بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة وَقَالَ: نث الحَدِيث فِي بَاب النُّون ينثه نَثَا إِذا أفشاه. قَوْله: (وَلَا تنقث) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح النُّون وَتَشْديد الْقَاف الْمَكْسُورَة بعْدهَا الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي: لَا تسرع فِي الْميرَة بالخيانة. والميرة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: الزَّاد. وَأَصله مَا يحصله البدوي من الْحَضَر ويحمله إِلَى منزله لينْتَفع بِهِ، وَضَبطه عِيَاض فِي مُسلم بِفَتْح أَوله وَسُكُون النُّون وَضم الْقَاف، وَالْمعْنَى: لَا تَأْخُذ الطَّعَام فتذهب بِهِ، تصفها بالأمانة. قَوْله: (تنقيثاً) مصدر على أصل الضَّبْط الأول، وعَلى ضبط عِيَاض على غير أَصله وَيَجِيء الْمصدر على غير أصل فعله نَحْو: ﴿وَالله أنبتكم من الأَرْض نباتا﴾ (نوح: ٧١) وَالْأَصْل أَن يُقَال: إنباتا، وَقد وَقع فِي رِوَايَة الْمُسلم نَحْو الضَّبْط الأول، والتنقيث إِخْرَاج مَا فِي منزل أَهلهَا إِلَى غَيرهم، قَالَه أَبُو سعيد، وَقَالَ ابْن حبيب: لَا تفسده، وَفِي رِوَايَة أبي عبيد: وَلَا تنقل، وَكَذَا للزبير عَن عَمه مُصعب، وَلأبي عوَانَة: وَلَا تنْتَقل، وَفِي رِوَايَة ابْن الْأَنْبَارِي: وَلَا تعت، بِالْعينِ الْمُهْملَة والفوقانية، أَي تفْسد، وَأَصله من العتة بِالضَّمِّ وَهِي السوسة، وَفِي رِوَايَة للنسائي: وَلَا تفش ميرتنا تفشيشا، بفاء ومعجمتين من الإفشاش وَهُوَ طلب الْأكل من هُنَا وَهنا، وَيُقَال: فش مَا على الخوان إِذا أكله أجمع، وَوَقع عِنْد الْخطابِيّ: وَلَا تفْسد ميرتنا تغشيشا، بالمعجمات، وَقَالَ: مَأْخُوذ من غشيش الْخبز إِذا فسد، وَضَبطه الزَّمَخْشَرِيّ بِالْفَاءِ الثَّقِيلَة بدل الْقَاف، وَقَالَ فِي شَرحه: التفث والتفل بِمَعْنى، وأرادات الْمُبَالغَة فِي براءتها من الْخِيَانَة. قَوْله: (وَلَا تملأ بيتنا تعشيشا) بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالشين المعجمتين أَي: لَا ترك الكناسة وَالْقُمَامَة فِي الْبَيْت مفرقة كعش الطَّائِر، بل هِيَ مصلحَة للبيت معتنية بتنظيفه، وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تخوننا فِي طعامنا فتخبئه فِي زَوَايَا الْبَيْت كأعشاش الطير، وَرُوِيَ بإعجام الْغَيْن من الْغِشّ فِي الطَّعَام، وَقيل: من النميمة أَي: لَا تَتَحَدَّث بهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: التغشيش من قَوْلهم: غشش الْخَبَر إِذا انكدح وَفَسَد أَي: أَنَّهَا تحسن مُرَاعَاة الطَّعَام وتعهده بِأَن تطعم أَولا فأولاً لَا تغفل عَن أمره فيتكدح. وَيفْسد فِي الْبَيْت، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: وَلَا تعش بيتنا تعشيشا، وَفِي رِوَايَة الْهَيْثَم عَن هِشَام: ضيف أبي زرع ﴿وَمَا ضيف أبي زرع؟ فِي شبع وروى ورتع. طهاة أبي زرع﴾ فَمَا طهاة أبي زرع؟ لَا تفتر وَلَا تعدى، تقدح قدر أَو تنصب أُخْرَى فتلحق الْآخِرَة بِالْأولَى، مَال أبي زرع! فَمَا مَال أبي زرع؟ على الجمم معكوس وعَلى العفاة مَحْبُوس. قَوْله: وري بِكَسْر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (ورتع) بِفَتْح الرَّاء الْمُثَنَّاة أَي: تنعم قَوْله: طهاة جمع طاه وَهُوَ الطباخ من طهي الرجل إِذا طبح قَوْله: لَا تفتر، بِالْفَاءِ الساكنة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق المضمومة أَي: لَا تسكن وَلَا تضعف قَوْله: (وَلَا تعدى) بِضَم التَّاء وَتَشْديد الدَّال أَي: لَا تتْرك ذَلِك وَلَا تتجاوز عَنهُ. قَوْله: (تقدح) أَي: تغرف قدرا وتنصب قدرا أُخْرَى، يُقَال: قدح الْقدر إِذا غرف مَا فِيهَا بالمقدحة، وَهِي الغرفة. قَوْله: فتلحق

стр. 6064

الْآخِرَة، أَي: تلْحق الْقُدْرَة الْآخِرَة بِالْقُدْرَةِ الأولى الَّتِي غرف مَا فِيهَا، وَحَاصِله أَنَّهَا لم تزل فِي الطَّبْخ والغرف، وَلَا تعدى عَن ذَلِك قَوْله: (على الجمم) بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم الأولى: جمع جمة، وهم الْقَوْم يسْأَلُون فِي الدِّيَة قَوْله: (معكوس) أَي: مَرْدُود وَالْعَكْس فِي اوصل ردك آخر الشَّيْء إِلَى أَوله. قَوْله: العفاة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء، جمع عاف. كالقضاة جمع قَاض، وهم السائلون. قَوْله: مَحْبُوس أَي مَوْقُوف عَلَيْهِم. قَوْله: (قَالَت: خرج أَبُو زرع) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: خرج من عِنْدِي، وَفِي رِوَايَة الْحَارِث ابْن أبي أُسَامَة ثمَّ خرج من عِنْدِي قَوْله: (والأوطاب تمخض) الْوَاو فِيهِ للْحَال، والأوطاب جمع وطب وَهُوَ سقاء اللَّبن خَاصَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ جمع على غير قِيَاس، وَكَذَا قَالَ أَبُو سعيد: إِن فعلا لَا يجمع على أَفعَال، بل يجمع على فعال. قلت: يرد قَوْلهمَا قَول الْخَلِيل: جمع وطب على وطاب وأوطاب، كَمَا جمع: فَرد على أَفْرَاد. قَوْله: (تمحض) من المخض وَهُوَ أَخذ الزّبد من اللَّبن، وَعَن عِيَاض: رَأَيْت فِي رِوَايَة حَمْزَة عَن النَّسَائِيّ: والأطاب، بِغَيْر وَاو، فَإِن كَانَ مضبوطا فَهُوَ على إِبْدَال الْوَاو همزَة، كَمَا قَالُوا: أكاف ووكاف ثمَّ إِن قَول أم زرع هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: إِنْكَار خُرُوجه من منزلهَا غدْوَة وَعِنْدهم خير كثير وَلبن غزير يشرب صَرِيحًا ومخيضا ويفضل عِنْدهم مَا يمخضوه فِي الأوطاب، وَالْآخر: أَنَّهَا أَرَادَت أَن خُرُوجه كَانَ فِي اسْتِقْبَال الرّبيع وطيبه، وَأَن خُرُوجه إِمَّا السّفر أَو غَيره، فَلم تدر مَا ترَتّب عَلَيْهَا بِسَبَب خُرُوجه من تزوج غَيرهَا وَالظَّاهِر أَنه لما رأى أم زرع تعبت من مخض اللَّبن واستقلت لتستريح خرج، فَرَأى امْرَأَة فَتَزَوجهَا، وَهُوَ معنى قَوْلهَا: (فلقي امْرَأَة مَعهَا ولدان لَهَا كالفهدين) وَفِي رِوَايَة لِابْنِ الْأَنْبَارِي: كالصقرين، وَفِي رِوَايَة لغيره: كالشبلين، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي أويس: سارين حسنين نفيسين، وَسبب وصفهَا لَهما التَّنْبِيه على سَبَب تَزْوِيج أبي زرع لَهَا، لِأَن الْعَرَب كَانَت ترغب فِي كَون الْأَوْلَاد من النِّسَاء النجيبات فِي الْخلق والخلق. وتظاهرت الرِّوَايَات على أَن الغلامين كَانَا ابْنَيْنِ للْمَرْأَة الْمَذْكُورَة إلَاّ مَا رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة عَن هِشَام: أَنَّهُمَا كَانَا أخويها، وَقَالَ عِيَاض: يتَأَوَّل بِأَن المُرَاد أَنَّهُمَا ولداها ولكنهما جعلا أخويها فِي حسن الصُّورَة. قَوْله: (يلعبان من تَحت حضريها برمانتين) أَرَادَت بِهَذَا أَن هَذِه الْمَرْأَة كَانَت ذَات كفل عَظِيم فَإِذا اسْتَقَلت على ظهرهَا ارْتَفع كفلها بهَا من الأَرْض حَتَّى تصير تحتهَا فجوة يجْرِي فِيهَا الرُّمَّان. وَفِي رِوَايَة الْحَارِث: من تَحت درعها. وَفِي رِوَايَة الْهَيْثَم: من تَحت صدرها، وَعَن ابْن أبي أويس: أَن الرمانتين هما الثديان. وَقَالَ أَبُو عبيد: لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه، وَلَا سِيمَا وَقد رُوِيَ: من تَحت درعها برمانتين، وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: وَهِي مستقلية على قفاها وَمَعَهَا رمانة يرميان بهَا من تحتهَا فَتخرج من الْجَانِب درعها برمانتين، وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: وَهِي مستلقية على قفاها وَمَعَهَا رمانة يرميان بهَا من تحتهَا فَتخرج من الْجَانِب الآخر من عظم إليتيها. قَوْله: (فطلقني ونكحها) وَفِي رِوَايَة الْحَارِث: فَأَعْجَبتهُ فطلقني، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: فَخَطَبَهَا أَبُو زرع فَتَزَوجهَا فَلم تزل بِهِ حَتَّى طلق أم زرع، وَفِي رِوَايَة الْهَيْثَم: فاستبدلت بعده وكل بدل أَعور، وَهُوَ مثل مَعْنَاهُ: أَن الْبَدَل من الشَّيْء غَالِبا لَا يقوم مقَام الْمُبدل مِنْهُ، بل هُوَ دونه وَأنزل مِنْهُ، وَالْمرَاد بالأعور الْمَعِيب. وَقَالَ ثَعْلَب: الْأَعْوَر الرَّدِيء من كل شَيْء كَمَا يُقَال: كلمة عوراء أَي: قبيحة. قَوْله: (رجلا سريا) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي سيدا شريفا من قَوْلهم: فرس سري أَي: خِيَار، وَمِنْه: هَذَا من سراة المَال أَي: خِيَاره. قَوْله: (ركب شربا) بالشين الْمُعْجَمَة أَي فرسا شريا وَهُوَ الَّذِي يستشري فِي سيره أَي يلج ويمضي بِلَا فتور وَقَالَ عِيَاض عَن ابْن السّكيت شريا بالشين الْمُعْجَمَة يَعْنِي: سيدا سخيا ركب شريا، بِالْمُعْجَمَةِ فَقَط. وَقَالَ النَّوَوِيّ فرسا شريا بِالْمُعْجَمَةِ بالِاتِّفَاقِ. قلت: مَا ذكرنَا الْآن يردهُ، وَفِي رِوَايَة الْحَارِث: ركب فرسا عَرَبيا، وَفِي رِوَايَة الزبير: أعوجيا، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى أَعْوَج فرس مَشْهُور تنْسب إِلَيْهِ الْعَرَب خِيَار الْخَيل، كَانَت لبني كِنْدَة ثمَّ لبني سليم ثمَّ لبني هِلَال. قَوْله: (وَأَخذه خطيا) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة أَي: أَخذ رمحا خطيا أَي: مَنْسُوبا إِلَى الْخط، وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بنواحي الْبَحْرين تجلب الرماح مِنْهُ، وَقيل: أَصْلهَا من الْهِنْد تحمل فِي الْبَحْر إِلَى الْخط، الْمَكَان الْمَذْكُور، ثمَّ تفرق مِنْهُ فِي الْبِلَاد. قَوْله: (وأراح) من الإراحة وَهُوَ السُّوق إِلَى مَوضِع الْمبيت بعد الزَّوَال. قَوْله: (على) بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (نعما ثريا) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الرَّاء الْخَفِيفَة وَتَشْديد الْيَاء، وَهُوَ الْكثير من المَال وَمن الْإِبِل وَغَيرهَا، وَهُوَ صفة: نعما، وَإِنَّمَا ذكر لأجل السجع، وَقَالَ عِيَاض: النعم الْإِبِل خَاصَّة، وَكَذَا قَالَه ابْن بطال وَابْن التِّين، وَقَالَ غَيرهم: النعم الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن الْأَنْعَام حمولة وفرشا﴾ (الْأَنْعَام: ٢٤١) ثمَّ قَالَ: ﴿ثَمَانِيَة أَزوَاج﴾ (الزمر: ٦) فَذكر أَنْوَاع الْمَاشِيَة،

стр. 6065

ويروى نعما، بِكَسْر النُّون جمع: نعْمَة، وَالْأول هُوَ الْأَشْهر. قَوْله: (وَأَعْطَانِي من كل رَائِحَة زوجا) أَي: من كل مَا يروح من النعم وَالْعَبِيد وَالْإِمَاء زوجا. أَي: اثْنَيْنِ وَيحْتَمل أَنَّهَا أَرَادَت صنفا وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَأَعْطَانِي من كل ذابحة أَي مذبوحة. مثل ﴿عيشة راضية﴾ (الحاقة: ١٢) أَي: مرضية، وَحَاصِل المعني: أَعْطَانِي من كل شَيْء يذبح زوجا، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: وَأَعْطَانِي من كل سَائِمَة، والسائمة الراعية، والرائحة الْآتِيَة وَقت الرواح وَهُوَ آخر النَّهَار قَوْله: (وميري أهلك) بِكَسْر الْمِيم أَي: صلى أهلك بالميرة وَهِي الطَّعَام قَوْله: (قَالَت) أَي أم زرع. قَوْله: (كل شَيْء أعطانيه) ، أَي: الزَّوْج الثَّانِي الَّذِي تزوج بهَا بعد أبي زرع. قَوْله: (مَا بلغ) خبر لقَوْله: (كل شَيْء) وَفِي رِوَايَة مُسلم أَعْطَانِي، بِلَا هَاء. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: مَا بلغت أناء، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: فَلَو جمعت كل شَيْء أصبته مِنْهُ فَجعلت فِي أَصْغَر وعَاء من أوعية أبي زرع مَا ملاه. قَوْله: (قَالَت عَائِشَة ﵂، قَالَ رَسُول الله ﷺ : كنت لَك كَأبي زرع لأم زرع) قَالَه رَسُول الله ﷺ تطبيبا لنَفسهَا، وإيضاحا لحس عشرته إِيَّاهَا، ثمَّ اسْتثْنى من ذَلِك الْأَمر الْمَكْرُوه مِنْهُ أَنه طَلقهَا، وَإِنِّي لَا أطلقك، تتميما لطيب نَفسهَا وإكمالاً لطمأنينة قَلبهَا ورفعا للإبهام لعُمُوم التَّشْبِيه بجملة أَحْوَال أبي زرع إِذا لم يكن فِيهَا مَا تذمه سوى طَلَاقه لَهَا، وَقَول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: بِأبي أَنْت وَأمي، بل أَنْت خير لي من أبي زرع، جَوَاب مثلهَا فِي فَضلهَا، فَإِن سيدنَا رَسُول الله ﷺ لما أخْبرهَا أَنه لَهَا كَأبي زرع لأم زرع، لفرط محبَّة أم زرع لَهُ وإحسانه لَهَا، أخْبرته هِيَ أَنه عِنْدهَا أفضل وَهِي لَهُ أحب من أم زرع لأبي زرع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ هِيَ زَائِدَة أَي: أَنا لَك. قلت: يُؤَيّد قَوْله: فِي زِيَادَة كَانَ، رِوَايَة الزبير: أَنا لَك كَأبي زرع لأم زرع، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: (كنت لَك) مَعْنَاهُ أَنا لَك، وَهَذَا نَحْو قَوْله : ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ (آل عمرَان: ٠١١) أَي أَنْتُم خير أمة. قَالَ: وَيُمكن بَقَاؤُهَا على ظَاهرهَا، أَي: كنت لَك فِي علم الله السَّابِق، وَيُمكن أَن يُرِيد بِهِ مِمَّا أُرِيد بِهِ الدَّوَام كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الله سمعيا بَصيرًا﴾ (النِّسَاء: ٨٥٢) [/ ح. وَفِي هَذَا الحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا: ذكر محَاسِن النِّسَاء للرِّجَال إِذا كن مجهولات بِخِلَاف المعينات، فَهَذَا مَنْهِيّ عَنهُ لقَوْله ﷺ : وَلَا تصف الْمَرْأَة الْمَرْأَة لزَوجهَا حَتَّى كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا. وَمِنْهَا: جَوَاز إِعْلَام الرجل بمحبته للْمَرْأَة إِذا أَمن عَلَيْهَا من هجر وَشبهه. وَمِنْهَا: مَا يدل على التَّكَلُّم بالألفاظ الْعَرَبيَّة والأسجاع، وَإِنَّمَا يكره من ذَلِك التَّكَلُّف. وَمِنْهَا: مَا قَالَه الْمُهلب فِيهِ: التأسي بِأَهْل الْإِحْسَان من كل أمة. أَلا يرى أَن أم زرع أخْبرت عَن أبي زرع بجميل عشرته، فامتثله النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ عِيَاض: وَهَذَا عِنْدِي غير مُسلم. لأَنا لَا نقُول إِن سيدنَا رَسُول الله ﷺ إقتدى بِأبي زرع، بل أخبر أَنه لَهَا كَأبي زرع. وَأعلم أَن حَاله مَعهَا مثل حَاله ذَلِك لَا على التأسي بِهِ، وَأما قَوْله بِجَوَاز التأسي بِأَهْل الْإِحْسَان من كل أمة فَصَحِيح مَا لم تصادمه الشَّرِيعَة. وَمِنْهَا: شكر الْمَرْأَة إِحْسَان زَوجهَا، وَكَذَا ترْجم عَلَيْهِ النَّسَائِيّ، وَخرج مَعَه فِي الْبَاب حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: لَا ينظر الله إِلَى امْرَأَة لَا تشكر زَوجهَا. وَمِنْهَا: مدح الرجل فِي وَجهه بِمَا فِيهِ إِذا علم أَن ذَاك غير مُفسد لَهُ وَلَا مغير نَفسه، وَالنَّبِيّ، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، مَظَنَّة كل مدح ومستحق كل ثَنَاء، وَأَن من أثنى بِمَا أثنى فَهُوَ فَوق ذَلِك كُله. وَمِنْهَا: أَن كنايات الطَّلَاق لَا يَقع بهَا الطَّلَاق إلَاّ بِالنِّيَّةِ، لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ: كنت لَك كَأبي زرع، وَمن جملَة أَفعَال أبي زرع أَنه طلق امْرَأَته أم زرع، وَلم يَقع على النَّبِي ﷺ طَلَاق لتشبهه لكَونه لم ينْو الطَّلَاق وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة إِلَّا أَن أَبَا زرع طلق أم زرع، وَأَنا لم أطلقك. قَالَ أبُو عَبْدِ الله: قَالَ سَعيدُ بنُ سَلَمَةَ عنْ هِشَامٍ وَلَا تُعَشِّشُ بَيْتَنَا تَعْشِيشا. قَالَ أبُو عبد الله: وَقَالَ بَعْضُهُمْ أتَقَمَّحُ، بِالْمِيم وهاذَا أصَحُّ. أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا إِلَى آخِره لَيْسَ فِي بعض النّسخ. قَالَ الْكرْمَانِي: صَوَابه فِي هَذِه الْمُتَابَعَة كَمَا فِي بعض النّسخ هُوَ: قَالَ أَبُو سَلمَة عَن سعيد بن سَلمَة إِلَى آخِره، وَأَبُو سَلمَة هَذَا هُوَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَسَعِيد بن سَلمَة بالفتحات ابْن أبي الحسام الْعَدوي الْمَدِينِيّ، مولى آل عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يكنى أَبَا عَمْرو وَمن رجال مُسلم، روى عَنهُ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد: حَدِيث أم زرع، وَمَاله فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، روى عَنهُ سعيد بن سَلمَة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقد وَصله مُسلم عَن الْحسن بن عَليّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن سعيد بن سَلمَة عَن هِشَام

стр. 6066

بن عُرْوَة، وَلكنه لم يسق فِيهِ لَفظه بِتَمَامِهِ. قَوْله: (وَلَا تعشش بيتنا تعشيشا) قد مر الِاخْتِلَاف فِي ضَبطه عَن قريب، فَقيل بِالْعينِ الْمُهْملَة وَقيل بِالْمُعْجَمَةِ قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) . هُوَ البُخَارِيّ أَيْضا، قَالَ بَعضهم: أتقمح، بِالْمِيم وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي قَوْله: قَالَت الْحَادِيَة عشرَة، وَهِي أم أبي زرع. قَوْله: (وَهَذَا أصح) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه وَقع فِي أصل رِوَايَة أتقنح، بالنُّون، وبالميم أصح. ٠٩١٥ - حدّثنا عبد الله بن مُحمَّدٍ حَدثنَا هشامٌ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشةَ قالَتْ: كانَ الحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رسولُ الله ﷺ وَأَنا أنْظُرُ، فَما زلْتُ أنْظُرُ حتَّى كُنْتُ أَنا أنْصَرِفُ، فاقدُرُوا قَدْرَ الجارِيَةِ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي اشتماله على ذكر حسن المعاشرة. وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب صَلَاة الْعِيد، والحبش هُوَ الجيل الْمَعْرُوف من السودَان، والحراب جمع حَرْبَة. قَوْله: (فاقدروا) بِضَم الدَّال وَكسرهَا، لُغَتَانِ أَي: اقدروا رغبتها فِي ذَلِك إِلَى أَن تَنْتَهِي. قَوْله: (الحديثة السن) أَي: الشَّابَّة، وَأَنَّهَا تحب اللَّهْو والتفرج وَالنَّظَر إِلَى اللّعب حبا بلغيا وتحرص عل إِقَامَته مَا أمكنها وَلَا تمل ذَلِك إلَاّ بعد زمَان طَوِيل، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَذكرنَا أَنَّهَا كَانَت يَوْمئِذٍ بنت خمس عشرَة سنة أَو أَزِيد، وَقَالَ بَعضهم، هُوَ مَنْسُوخ بِالْقُرْآنِ وَالسّنة، أما الْقُرْآن فَقَوله : ﴿فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع﴾ (النُّور: ٦٣) وَالسّنة قَوْله ﷺ : (جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ) ، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون مَنْسُوخا، لِأَن نظر النِّسَاء إِلَى الرِّجَال وَإِلَى اللَّهْو فِيهِ مَا فِيهِ. ٣٨ - (بابُ مَوْعِظَةِ الرجُلِ ابْنَتَهُ بِحال زَوْجها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان موعظة الرجل ابْنَته بِحَال زَوجهَا. ويروى: لحَال زَوجهَا، بِاللَّامِ أَي: لأجل حَال زَوجهَا، وَالْمَوْعِظَة اسْم للوعظ وَهُوَ النصح والتذكير بالعواقب. ١٩١٥ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله بنِ أبي ثَوْرٍ عنْ عبْدِ الله بنُ عَبَّاس، ﵄، قَالَ: لَمْ أزَلْ حَرِيصا على أنْ أسألَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ عنِ المَرْأتيْنِ منْ أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ ، اللَّتَيْتنِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٦٦) إِن تَتُوبَا إِلَى الله فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤) حَتَّى حَجَّ وحَجَجْتُ معَهُ، وعَدَلَ وعدَلْتُ معَهُ بأدَوَاةٍ، فَتَبرَّزَ ثُمَّ جاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأ فقُلْتُ لهُ: يَا أميرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المَرْأتنِ مِنْ أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ ، اللَّتانِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٦٦) تنوبا إِلَى الله فقد صنعت قُلُوبكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤) قَالَ: وَاعَجَبَا لَكَ يَا ابنَ عبَّاسٍ، هُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ يَسُوقُهُ. قَالَ: كُنْتُ أَنا وجارٌ لِي مِنَ الأنْصارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بن زَيْدٍ وهُمْ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ وكُنَا نَتَناوَبُ النُّزُول عَلى النبيِّ ﷺ فَيَنْزِلُ يَوْما وأَنْزِلُ يَوْما، فإذَا نَزَلتُ جِئْتُهُ بِما حدَثَ مِنْ خَبرِ ذالِكَ اليَوْم مِنَ الوَحْيِ أوْ غَيْرِهِ، وَإِذا نَزَلَ فَعلَ مِثْلَ ذالِكَ، وكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّساءِ فلَمَّا قَدِمْنا عَلى الأنْصَار إِذا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِساؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِساؤُنا يأخُذْنَ مِنْ أدَبِ نساءِ الأنْصَارِ فصَخِبْتُ على امْرَأَتي فراجعتني، فأنكرت أتراجعني، قَالَت: وَلم تنكر أَن أراجعك. فوَاللَّه إِن أَزوَاج النبيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ، وإنَّ إحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْل، فأفْرَغَنِي ذالِكَ وقُلْتُ لَها: قد خابَ مَنْ فَعَلَ ذالِكَ منْهُنَّ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيابِي فنَزَلْتُ فدَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَها:

стр. 6067

أَي حَفْصَةُ ﴿أتُغَاضِبُ إحْدَاكُنَّ النبيَّ ﷺ اليَوْمَ حتَّى اللَّيْل؟ قَالَت: نعَمْ فقُلْتُ: قَدْ خِبْتُ وخَسِرْتِ أفَتَأْمَنِينَ أَن يَغْضَبَ الله لِغَضَبِ رسولِهِ ﷺ فتَهْلِكِي؟ لَا تَسْتَكْثِري النبيَّ ﷺ وَلَا تُرَاجِعيهِ فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ، وسَلِيْني مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوضأ مِنْكِ وأحَبَّ إِلَى النبيِّ ﷺ يُرِيدُ عائِشَةَ قَالَ عُمَرُ: وكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الخَيْلَ لِغَزْونا، فنَزَلَ صاحِبِي الأنصارِيُّ يوْمَ نْوَبَتِهِ فرَجَعَ إليْنا عِشاءً فَضَرَبَ بَابي ضَرْبا شَدِيدا وَقَالَ: أثمَّ هُوَ؟ فَفَزِعُتُ فَخَرَجْتُ إليْهِ، فَقَالَ: قدْ حَدَثَ اليَوْمَ أمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أجاءَ غَسانُ؟ قَالَ: لَا بَلْ أعْظَمْ مِنْ ذالِكَ وأهْوَلُ طلَّقَ النبيُّ ﷺ نِساءَهُ. فقُلْتُ: خابَتْ حَفْصَةُ وخسِرَتْ، قدْ كنْتُ أظُنُّ هاذَا يُوشِكُ أنْ يَكُون. فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابي فَصلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ معَ النبيِّ ﷺ ، فدَخَلَ النبيُّ ﷺ مَشْرُبَةً لهُ فاعْتَزَلَ فِيها، ودَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ فإذَا هِيَ تَبْكِي. فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكِ؟ ألَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هاذا؟ أطَلَّقَكُنَّ النبيُّ ﷺ ؟ قَالَتْ: لَا أدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي المَشْرُبَةِ، فخرَجْتُ فجِئْتُ إِلَى المنْبَرِ فَإِذا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فجَلَسْتُ معَهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أجدُ فجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتي فِيهَا النبيُّ ﷺ ، فقُلْتُ لِغُلَامٍ لهُ أسوَدَ اسْتأْذِنْ لِعُمَرَ فدَخَللَ الغُلَامُ فكلَّمَ النبيَّ ﷺ ثُمَّ رجَعَ، فَقَالَ: كَلَّمْتُ النبيَّ ﷺ وذَكَرْتُك لَهُ فصَمَتَ، فانْصَرَفْتُ حتَّى جلَسْتُ معَ الرَّهْطِ الّذِينَ عنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أجدُ فجئْتُ فقُلْتُ لِلْغُلَامِ اسْتَأْذَنَ لِعُمَر، فدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قد ذكَرْتُكَ لَهُ فصَمَتَ، فرَجَعْتُ فجَلَسْتُ معَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أجدُ فجِئتُ الغُلَامَ، فقُلْتُ: اسْتأذِنْ لِعُمَرَ فدَخَلَ ثُمَّ رجَعَ إلَيَّ فَقَالَ: قدْ ذكَرْتُكَ لهُ فصَمَتَ فَلمَّا ولَّيْتُ مُنْصَرِفا، قَالَ: إِذا الغُلَامُ يدْعُونِي، فَقَالَ: قدْ أذِنَ لَكَ النبيُّ ﷺ ، فدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فإذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمالِ حصيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فِرَاشٌ قدْ أثَّرَ الرِّمالُ بجَنْبِهِ مُتَّكِئا علَى وسادَةٍ مِنْ أدَمِ حَشْوُها لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ علَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنا قائِمٌ: يَا رَسُول الله﴾ أطلَّقْتَ نِساءَكَ؟ فرَفَعَ إليَّ بَصَرَهُ فَقَالَ: لَا. فقُلْتُ: الله أكبر، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنا قائِم: أسْتَأْنِسُ يَا رسولَ الله؟ لوْ رأيْتَنِي وكُنا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النَّساءَ، فلَمّا قَدِمْنا المدينَةَ إِذا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِساؤُهُمْ، فتَبسَّمَ النبيُّ ﷺ ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رسولَ الله ﴿لوْ رأيْتَنِي ودَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ فقُلْتُ لَها لَا يَغُرنَّكِ أَن كانَتْ جارَتُكِ أوْضأ مِنْكِ وأحَبَّ إِلَى النبيِّ ﷺ ، يُرِيدُ عائِشَةَ، فَتَبَسَّمَ النبيُّ ﷺ تبَسُّمَةً أُخْرَى، فجَلَسْتُ حِينَ رأيْتُهُ تبَسَّمَ فرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بيْتِهِ، فوَاللَّه مَا رأيْتُ فِي بيْتِهِ شَيئا يرُدُّ البَصر غيْرَ أهَبَةٍ ثَلاثَةٍ، فقُلْتُ: يَا رسولَ الله﴾ ادْعُ الله فَلْيُوَسِّعْ علَى أمَّتِكَ، فإنَّ فارِسا والرُّومَ قدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وأعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ الله، فجَلَسَ النبيُّ ﷺ وَكَانَ مُتَّكِئا فَقَالَ: أوَ فِي هاذا أنْتَ يَا ابنَ الخَطَّابِ؟ إنَّ أُولئِكَ قَوْمٌ عُجِّلوا طَيِّباتِهِمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا، فقُلْتُ: يَا رسولَ الله! اسْتَغْفِرْ لِي. فاعْتَزَلَ النبيُّ ﷺ نساءَهُ مِنْ

стр. 6068

أجْلِ ذالِكَ الحَديثِ حِينَ أفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عائِشَةَ تِسْعا وعِشْرينَ لَيْلَةً، وكانَ قَالَ: مَا أَنا بَدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتهِ علَيْهِنَّ حِينَ عاتبَهُ الله، فلَمَّا مَضت تِسْعٌ وعِشْرُونَ ليْلَةً دَخَلَ علَى عائِشَةَ فبَدَأَ بِها، فقالَتْ لهُ عائِشَةُ: يَا رسولَ الله ﴿إنَّكَ كُنْتَ قدْ أقْسَمْتَ أنْ لَا تَدْخُلَ علَيْنَا شَهْرا، وإنّما أصْبَحْتَ مِنْ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ليْلَةً أعُدُّها عَدًّا﴾ ! فَقَالَ: الشّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، فكانَ ذالِكَ الشّهْرُ تِسْعا وعِشْرينَ ليْلَةً، قالَتْ عائِشَةُ: ثُمَّ أنْزَلَ الله تَعَالَى آيةَ التّخْيِيرِ، فبَدَأ بِي أول امْرَأةٍ منْ نسائهِ فاختَرْتُهُ ثمَّ خَيْرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قالَتُ عائِشَةُ ﵂. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَدخلت على حَفْصَة فَقلت: أَي حَفْصَة) إِلَى قَوْله: (يُرِيد عَائِشَة) . وَأَبُو الْيَمَان هُوَ الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة. والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة التَّحْرِيم، وَمضى أَيْضا مطولا فِي كتاب الْمَظَالِم فِي: بَاب الغرفة والعلية المشرفة، وَمضى أَيْضا مُخْتَصرا فِي كتاب الْعلم أخرجه عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة، فالناظر فِيهِ يعْتَبر التَّفَاوُت من حَيْثُ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الْإِسْنَاد والمتن. قَوْله: (عدل) أَي: عَن الطَّرِيق الجادة المسلوكة إِلَى طَرِيق لَا يسْلك غَالِبا ليقضي حَاجته، وَوَقع فِي رِوَايَة عبيد: فَخرجت مَعَه، فَلَمَّا رَجعْنَا وَكُنَّا بِبَعْض الطَّرِيق عدل، إِلَى الْأَرَاك لحَاجَة لَهُ، وَفِي رِوَايَة مُسلم أَن الْمَكَان الْمَذْكُور هُوَ مر الظهْرَان. قَوْله: (فَتبرز) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي ذهب إِلَى الْبَزَّار لقَضَاء الْحَاجة قلت: تبرز أَي قضى حَاجته لِأَن قَوْله: فَعدل هُوَ فِي نفس الْأَمر بِمَعْنى خرج إِلَى البرَاز، لقَضَاء الْحَاجة (قلت) تبرز: أَي قضى حَاجته لِأَن قَوْله: فَعدل هُوَ فِي نفس الْأَمر بِمَعْنى: خرج إِلَى البرَاز نعم هُوَ من الْبَزَّار، وَهُوَ الْمَكَان الْخَالِي البارز عَن الْبيُوت، وَلكنه أطلق على نفس الْفِعْل. قَوْله: (مِنْهَا) ، أَي: من الْإِدَاوَة. قَوْله: (اللَّتَان) ، كَذَا فِي الْأُصُول بالتثنية وَوَقع عِنْد ابْن التِّين الَّتِي، بِالْإِفْرَادِ قَالَ: وَالصَّوَاب اللَّتَان بالتثنية قَوْله: (إِن تَتُوبَا إِلَى الله) ، أَي: عَن التعاون على رَسُول الله ﷺ ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤) قَوْله: (وَاعجَبا لَك) ؟ يجوز فِيهِ التَّنْوِين وَتَركه على مَا قَالَه ابْن مَالك، إِن كَانَ منونا فَهُوَ اسْم فعل بِمَعْنى: أعجب قلت يجوز أَن يكون مَنْصُوبًا، بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره أعجب عجبا، وَإِن كَانَ غير منون فَالْأَصْل فِيهِ: واعجبي، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة معمر على الأَصْل فأبدلت الكسرة فَتْحة فَصَارَت ألفا كَمَا فِي قَوْله: يَا أسفا وَيَا حسرتا، وَكلمَة، واهنا اسْم لأعجب كَمَا فِي قَوْله: (وبابي أَنْت وفوك الأشنب) وَالْأَصْل فِي وَا، أَن يسْتَعْمل فِي المنادى الْمَنْدُوب، وَقد يسْتَعْمل فِي غَيره كَمَا هُنَا، وَإِلَيْهِ ذهب الْمبرد وَمن النُّحَاة من مَنعه وَهُوَ حجَّة عَلَيْهِ. قَوْله: (هما عَائِشَة وَحَفْصَة) ، كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَوَقع فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة وَحده: (حَفْصَة وَأم سَلمَة) ، كَذَا حَكَاهُ عَنهُ مُسلم، إِنَّمَا تعجب عمر من ابْن عَبَّاس مَعَ شهرته بِعلم التَّفْسِير كَيفَ خَفِي عَلَيْهِ هَذَا الْقدر؟ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَأَنَّهُ كره مَا سَأَلَهُ عَنهُ، وَكَذَا قَالَ الزُّهْرِيّ: كره وَالله مَا سَأَلَهُ عَنهُ وَلم يَكْتُمهُ، ذكر مُسلم عَنهُ فِي هَذِه الْقِصَّة. قَوْله: (ثمَّ اسْتَقل) من الِاسْتِقْلَال بِالْأَمر وَهُوَ الاستبداد بِهِ، وَيُقَال: اسْتَقل بِالْأَمر إِذا تفرد بِهِ دون غَيره. قَوْله: (يَسُوقهُ) حَال أَرَادَ الْقِصَّة الَّتِي كَانَت سَبَب تَزُول الْآيَة المسؤول عَنْهَا. قَوْله: (فِي بني أُميَّة) بن زيد بن مَالك بن عَمْرو بن عَوْف من الْأَوْس قَوْله: (عوالي الْمَدِينَة) يَعْنِي: السكان والعوالي جمع عالية وَهِي الْقرى الَّتِي بِأَعْلَى الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال وَأكْثر وَأَقل، وَهِي مِمَّا يَلِي الْمشرق وَكَانَت منَازِل الْأَوْس. قَوْله: (وَكُنَّا نتناوب النُّزُول) أَي: كُنَّا نجعله نوبَة، يَوْمًا ينزل فِيهِ عمر وَيَوْما ينزل فِيهِ جَار لَهُ. واسْمه أَوْس بن خولى بن عبد الله بن الْحَارِث الْأنْصَارِيّ، وَقيل: عتْبَان بن مَالك، لِأَن النَّبِي ﷺ آخى بَينه وَبَين عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْأول هُوَ الْأَصَح، وَلَا يلْزم من المؤاخاة التجاور قَوْله: (معشر قُرَيْش) مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص. قَوْله: (نغلب النِّسَاء) أَي: نحكم عَلَيْهِنَّ وَلَا يحكمن علينا، بِخِلَاف الْأَنْصَار فَإِن النِّسَاء كن يحكمن عَلَيْهِم. قَوْله: (إِذا) كلمة مفاجأة. قَوْله: (فَطَفِقَ نساؤنا) بِكَسْر الْفَاء، وَقد تفتح وَهُوَ من أَفعَال المقاربة الَّذِي مَعْنَاهُ: الْأَخْذ والشروع فِي الشَّيْء. قَوْله: (من أدب نسَاء الْأَنْصَار) أَي: من طريقتهن وسيرتهن. قَوْله: (فصخبت) بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة من الصخب وَهُوَ الصياح، وَهُوَ بالصَّاد رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره

стр. 6069

بِالسِّين الْمُهْملَة وهما بِمَعْنى وَاحِد، ويروى: فَصحت قَوْله: فراجعتني من الْمُرَاجَعَة هِيَ المراددة فِي القَوْل. قَوْله: (وَلم) بِكَسْر اللَّام وَفتح الْمِيم يَعْنِي: لماذا تنكر عَليّ أَن أراجعك أَي مراجعتك. قَوْله: (ليراجعنه) بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْعين وَفتح النُّون. قَوْله: (لتهجره الْيَوْم إِلَى اللَّيْل) اللَّام فِي لتهجره للتَّأْكِيد وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَالْيَوْم نصب على الظّرْف، وَاللَّيْل مجرور بِكَلِمَة حَتَّى الَّتِي بِمَعْنى إِلَى، للغاية وَيجوز فِيهِ النصب على أَن حَتَّى حرف عطف وَهُوَ قَلِيل. قَوْله: (فأفزعني) من الْفَزع وَهُوَ الْخَوْف. قَوْله: (ثمَّ جمعت على ثِيَابِي) أَي: هيأت مشمرا سَاق الْعَزْم. قَوْله: (فَدخلت على حَفْصَة) يَعْنِي: ابْنَته بَدَأَ بهَا لمنزلتها مِنْهُ. قَوْله: (أَي حَفْصَة!) يَعْنِي: يَا حَفْصَة: قَوْله: (أتغاضب؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (أَن يغْضب الله؟) كلمة: أَن مَصْدَرِيَّة، أَي: عضب الله قَوْله: (فتهلكي) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة عقيل: (فتهلكين) وَفِي رِوَايَة عبيد بن حنين: (فيهلكن) ، بِسُكُون الْكَاف على صِيغَة جمَاعَة النِّسَاء الغائبة. وَقَالَ بَعضهم على خطاب جمَاعَة النِّسَاء. قلت جمَاعَة النِّسَاء الغائبات بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَإِن كَانَ للحاضرات فبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهَذَا الْقَائِل لم يُمَيّز بَينهمَا. قَوْله: (لَا تستكثري) أَي: لَا تطلبي مِنْهُ الْكثير من حوائجك، وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة يزِيد بن رُومَان: (لَا تكلمي رَسُول الله ﷺ ، وَلَا تسأليه فَإِن رَسُول الله لَيْسَ عِنْده دَنَانِير وَلَا دَرَاهِم، فَإِن كَانَ لَك من حَاجَة حَتَّى دهنة فسليني. قَوْله: (وَلَا تراجعيه فِي شَيْء) أَي: لَا ترادديه فِي الْكَلَام وَلَا تردي عَلَيْهِ قَوْله: (وَلَا تهجريه) أَي: لَا تهجري النَّبِي ﷺ ، وَلَو هجرك النَّبِي ﷺ . قَوْله: (مَا بدا لَك) أَي: مَا ظهر لَك مِمَّا تريدين قَوْله: (إِن كَانَت) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. قَوْله: (جارتك) أَي: ضرتك، وَيجوز أَن يكون على حَقِيقَته لِأَنَّهَا كَانَت مجاورة لعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَكَانَ ابْن سِيرِين يكره تَسْمِيَتهَا ضرَّة، وَيَقُول: إِنَّهَا لَا تضر وَلَا تَنْفَع وَلَا تذْهب من رزق الْأُخْرَى بِشَيْء، وَإِنَّمَا هِيَ جَارة، وَالْعرب تسمي صَاحب الرجل وخليطه جارا، وَتسَمى الزَّوْجَة أَيْضا جَارة لمخالطتها الرجل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتَار عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تَسْمِيَتهَا جَارة أدبا مِنْهُ أَن يُضَاف لفظ الضَّرَر إِلَى إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (أوضأ مِنْك) من الْوَضَاءَة وَهُوَ الْحسن وَوَقع فِي رِوَايَة معمر: (أوسم) من الوسامة وَهِي الْجمال. قَوْله: (وَأحب إِلَى النَّبِي ﷺ الْمَعْنى: لَا تغتري بِكَوْن عَائِشَة تفعل مَا نهيتك عَنهُ فَلَا يؤاخذها بذلك، فَإِنَّهَا تدل بجمالها ومحبة النَّبِي ﷺ لَهَا فَلَا تغتري أَنْت بذلك لاحْتِمَال أَن لَا تَكُونِي عِنْده بِتِلْكَ الْمنزلَة، وَفِي رِوَايَة عبيد بن حنين الَّتِي مَضَت فِي سُورَة التَّحْرِيم: وَلَا يغرنك هَذِه الَّتِي أعجبها حسنها حب رَسُول الله ﷺ إِيَّاهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد مُسلم: أعجبها حسنها وَحب رَسُول الله ﷺ بواو الْعَطف، وَقيل فِي رِوَايَة عبد بن حنين الْمَذْكُورَة حذف الْوَاو تَقْدِيره: (وَحب رَسُول الله ﷺ وَمنعه السُّهيْلي وَقَالَ: هُوَ مَرْفُوع على الْبَدَل، بَيَانه أَن قَوْله: هَذِه فَاعل قَوْله: لَا يغرنك، وَقَوله: الَّتِي أعجبها صفة وَقَوله حب رَسُول الله ﷺ بدل اشْتِمَال كَمَا فِي قَوْلك: أعجبني يَوْم الْجُمُعَة صَوْم فِيهِ، وَجوز عِيَاض بدل الاشتمال وَحذف وَاو الْعَطف، وَقَالَ ابْن التِّين: حب فَاعل وحسنها بِالنّصب مفعول لأَجله، وَالتَّقْدِير: أعجبها حب رَسُول الله ﷺ إِيَّاهَا من أجل حسنها. قَالَ: وَالضَّمِير الَّذِي يَلِي أعجبها مَنْصُوب فَلَا يَصح بدل الْحسن مِنْهُ وَلَا الْحبّ. قَوْله: (أَن غَسَّان) قَالَ الْكرْمَانِي: غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمُهْملَة ملك من مُلُوك الشَّام قلت: لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ قَبيلَة غَسَّان وملكهم فِي ذَلِك الْوَقْت الْحَارِث بن أبي شمر وَأَن غَسَّان فِي الأَصْل مَاء بسد مأرب كَانَ شربا لولد مَازِن فسموا بِهِ، وَيُقَال غَسَّان مَاء بالمشلل قريب من الْجحْفَة، وَالَّذين شربوا مِنْهُ سموا بِهِ قبائل من ولد مَازِن جماع غَسَّان، فَمن نزل من بنيه ذَلِك المَاء فَهُوَ غساني، وأنشىء مِنْهُم مُلُوك فَأول من نزل مِنْهُم بِبِلَاد الشَّام جَفْنَة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة وَآخرهمْ جبلة بن الْأَيْهَم وَهُوَ الَّذِي أسلم فِي خِلَافه عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ عَاد إِلَى الرّوم وَتَنصر، وَقد اخْتلفُوا فِي مُدَّة ملك الغسانية، فَقيل: أَرْبَعمِائَة سنة، وَقيل: سِتّمائَة سنة، وَقيل غير ذَلِك، وَقيل: إِنَّهُم سبع وَثَلَاثُونَ ملكا أَو لَهُم جَفْنَة وَآخرهمْ جبلة. قَوْله: (تنعل الْخَيل) ، بِضَم أَوله، قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال أنعلت الدَّابَّة، وَلَا تقل: نعلت، وَحكى عِيَاض فِي تنعيل الْخَيل وَجْهَيْن، وَهُوَ كِنَايَة عَن استعدادهم لِلْقِتَالِ مَعَ أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (فَفَزِعت) أَي: خفت. قَوْله: (خابت حَفْصَة وخسرت) إِنَّمَا حضها بِالذكر لمكانتها مِنْهُ لكَونهَا ابْنَته. قَوْله: (يُوشك) بِكَسْر الشين

стр. 6070

بِمَعْنى: يقرب لِأَنَّهُ من أَفعَال المقاربة قَوْله: (مشربَة) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الرَّاء وَفتحهَا، وَهِي الغرفة. قَوْله: (ثمَّ غلبني مَا أجد) أَي: من شغل قلبِي أَي: من اعتزال النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ وَأَن ذَلِك لَا يكون إلَاّ من غضب مِنْهُ قَوْله: (لغلام لَهُ أسود) واسْمه رَبَاح بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْبَاب الْمُوَحدَة وَآخره حاء مُهْملَة. قَوْله: (على رمال) بِكَسْر الرَّاء، وَقد يضم، وَفِي رِوَايَة معمر: على رمل، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ المنسوج من الْحَصِير، يُقَال: رملت الْحَصِير أَي: نسجته قَوْله: (من أَدَم) بِفتْحَتَيْنِ جمع أَدِيم. قَوْله: (استأنس) أَي: اسْتَأْذن الْجُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ والمحادثة مَعَه وأتوقع عوده إِلَى الرِّضَا وَزَوَال غَضَبه. قَوْله: (غير أهبة) بِفَتَحَات واحده أهب وَهِي الْجلد مَا لم يدبغ، والأهب بِفتْحَتَيْنِ جمع على غير قِيَاس وَقيل بِالضَّمِّ وَهُوَ الْقيَاس. قَوْله: (أَو فِي هَذَا أَنْت؟) الْهمزَة للاستفهام وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر بعد الْهمزَة أَي: أَأَنْت فِي مقَام استعظام التجملات الدنياوية واستعجالها؟ قَوْله: (استعفر لي) أَي عَن جراءتي بِهَذَا القَوْل بحضرتك أَو عَن اعتقادي أَن التجملات الدنياوية مَرْغُوب فِيهَا أَو عَن إرادتي مَا فِيهِ المشابهة للْكفَّار فِي ملابسهم ومعايشهم. قَوْله: (من أجل ذَلِك الحَدِيث) وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا روى أَنه ﷺ خلى بمارية الْقبْطِيَّة فِي يَوْم عَائِشَة وَعلمت بِهِ حَفْصَة فأفشته حَفْصَة إِلَى عَائِشَة. قَوْله: (تسعا وَعشْرين لَيْلَة) رَاجع إِلَى قَوْله: (فاعتزل) قَوْله: (من شدَّة موجدته) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَكسر الْجِيم، أَي: من شدَّة حزنه، وعاتبه الله تَعَالَى بقوله: ﴿لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ (التَّحْرِيم: ١) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لحفصة: لَا أَعُود إِلَيْهَا فَاكْتُمِي عَليّ فَإِنِّي حرمتهَا على نَفسِي. قَوْله: (من تسع) وَفِي رِوَايَة عقيل: لتسْع بِاللَّامِ وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: بتسع، بِالْبَاء الْمُوَحدَة قَوْله: (آيَة التَّخْيِير) وَهِي قَوْله : ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أجرا عَظِيما﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢، ٩٢) [/ ح. وَفِي هَذَا الحَدِيث فَوَائِد فِيهِ: بذل الرجل المَال لابنته لتحسين عشرَة زَوجهَا، لِأَن ذَلِك صِيَانة لعرضها وعرضها. وبذل المَال فِي صِيَانة الْعرض وَاجِب فِيهِ: تَعْرِيض الرجل لابنته بترك الاستكثار من الزَّوْج، إِذا كَانَ ذَلِك يُؤْذِيه ويحرجه. وَفِيه: سُؤال الْعَالم عَن بعض أُمُور أَهله وَإِن كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَة إِذا كَانَ فِي ذَلِك سنة تنقل وَمَسْأَلَة تحفظ. وَفِيه: توقير الْعَالم ومهابته عَن استفسار مَا يخْشَى من تغيره عِنْد ذكره. وَفِيه: ترقب خلوات الْعَالم ليسأل عَمَّا لَعَلَّه لَو سُئِلَ عَنهُ بِحَضْرَة النَّاس أنكرهُ على السَّائِل. وَفِيه: أَن شدَّة الْوَطْأَة على النِّسَاء مذمومة. فَإِن قلت: روى ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: علق سَوْطك حَيْثُ يرَاهُ الْخَادِم، وروى أَبُو ذَر: أخف أهلك فِي الله وَلَا ترفع عَنْهُم عصاك. قلت: أسانيدها واهية، وَضرب الْمَرْأَة لغير الهجر فِي المضجع لَا يجوز بل حرَام قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٥) الْآيَة. وَفِيه: الْبَحْث فِي الْعلم فِي الطّرق والخلوات وَفِي حَال الْقعُود وَالْمَشْي. وَفِيه: الصَّبْر على الزَّوْجَات والإغضاء عَن خطئهن والصفح عَمَّا يَقع مِنْهُنَّ من زلل فِي حق الْمَرْء دون مَا يكون من حق الله. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْحَاكِم عِنْد الْخلْوَة بوابا يمْنَع من دخل إِلَيْهِ بِغَيْر إِذْنه. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الاسْتِئْذَان على الْإِنْسَان وَإِن كَانَ وَحده لاحْتِمَال أَن يكون على حَالَة يكره الِاطِّلَاع عَلَيْهَا. وَفِيه: جَوَاز تكْرَار الاسْتِئْذَان لمن لم يُؤذن لَهُ إِذا رجى حُصُول الْإِذْن وَلَا يتَجَاوَز بِهِ ثَلَاث مَرَّات. وَفِيه: أَن لكل لَذَّة أَو شَهْوَة قَضَاهَا الْمَرْء فِي الدُّنْيَا فَهُوَ استعجال لَهُ من نعيم الْآخِرَة وَفِيه أَن الْإِنْسَان إِذا رأى صَاحبه مهموما اسْتحبَّ لَهُ أَن يحدث بِمَا يزِيل همه ويطيب نَفسه. وَفِيه: جَوَاز الِاسْتِعَانَة فِي الْوضُوء بالصب على يَد المتوضىء. وَفِيه: خدمَة الصَّغِير للكبير وَإِن كَانَ الصَّغِير أشرف نسبا من الْكَبِير. وَفِيه: تذكير الْحَالِف بِيَمِينِهِ إِذا وَقع مِنْهُ مَا ظَاهره نسيانها. وَفِيه: التناوب فِي مجَالِس الْعلمَاء إِذا لم يَتَيَسَّر الْمُوَاظبَة على حُضُوره لشاغل شَرْعِي من أَمر ديني أَو دُنْيَوِيّ. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد وَلَو كَانَ الْآخِذ فَاضلا والمأخوذ عَنهُ مفضولاً. وَرِوَايَة الْكَبِير عَن الصَّغِير. وَفِيه: أَن الْغَضَب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التاني المألوف مِنْهُ. وَفِيه: شدَّة الْفَزع والجرع للأمور المهمة. وَفِيه: جَوَاز نظر الْإِنْسَان نواحي بنت صَاحبه وَفِيه: كَرَاهَة تسخط النِّعْمَة واحتقار مَا أنعم الله بِهِ وَلَو كَانَ قَلِيلا. وَفِيه: المعاتبة على إفشاء مَا لَا يَلِيق لمن أفشاه. وَفِيه: حسن تلطف ابْن عَبَّاس وَشدَّة حرصه على الِاطِّلَاع على فنون التَّفْسِير. وَفِيه: إِن سُكُوته ﷺ عَن الْإِذْن فِي تِلْكَ الْحَال الرِّفْق بالأصهار وَالْحيَاء مِنْهُم. وَفِيه: جَوَاز ضرب الْبَاب ودقه إِذا لم يسمع الدَّاخِل بِغَيْر ذَلِك. وَفِيه: دُخُول الْآبَاء على الْبَنَات بِغَيْر إِذن الزَّوْج والتفحص عَن أحوالهن، لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالزوجات.

стр. 6071

٤٨ - (بابُ صَوْمِ المَرْأةِ بإذْنِ زَوْجِها تَطَوُّعا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم الْمَرْأَة حَال كَونهَا ملتبسة بِإِذن زَوجهَا فِي صَومهَا. قَوْله: (تَطَوّعا) يجوز أَن يكون بِمَعْنى متطوعة فَيكون نصبا على الْحَال وَيجوز أَن يكون صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: صوما تَطَوّعا، وَإِنَّمَا قيد بِإِذن الزَّوْج لِأَنَّهَا لَا تَصُوم التَّطَوُّع إلَاّ بِإِذْنِهِ لِأَن حَقه مقدم على صَوْم التَّطَوُّع، بِخِلَاف رَمَضَان فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْإِذْن لِأَنَّهُ أَيْضا صَائِم، وَالْخلاف فِي صَوْم قَضَاء رَمَضَان فَمنهمْ من قَالَ: لَيْسَ لَهَا ذَلِك بل تؤخره إِلَى شعْبَان، وَمِنْهُم من قَالَ: لَهَا ذَلِك. ٢٩١٥ - حدّثنا مُحَمَّد بن مُقاتِلٍ أخبرنَا عبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عَن هَمَّامِ بن مْنَبِّهٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: لَا تصُومُ المَرْأةُ وبَعْلِها شاهِدٌ إلَاّ بإذْنه. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يوضحها لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا الحكم بِالْجَوَازِ وبعدم الْجَوَاز. وَمُحَمّد بن مقَاتل الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم الأولى ابْن مُنَبّه على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من التَّنْبِيه. قَوْله: (لَا يَصُوم) وَالنَّفْي لَا يجْزم وَزعم ابْن التِّين، أَن الصوب: لَا تصم، لِأَنَّهُ نهي وَهُوَ مجزوم وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَاتفقَ الْعلمَاء مثل مَا بوب البُخَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا، وَفِي لفظ لَا يحل للْمَرْأَة أَن تَصُوم مَكَان لَا تَصُوم، وَفِي لفظ أبي دَاوُد لَا تصومن امْرَأَة يَوْمًا سوى شهر رَمَضَان وَزوجهَا شَاهد إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَلَفظه: لَا تَصُوم الْمَرْأَة وَزوجهَا شَاهد يَوْمًا من غير شهر رَمَضَان إلَاّ بِإِذْنِهِ. وَقَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن. وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ. قَوْله: (وبعلها) أَي: زَوجهَا: (شَاهد) أَي: حَاضر، يَعْنِي مُقيم فِي الْبَلَد إِذْ لَو كَانَ مُسَافِرًا فلهَا الصَّوْم لِأَنَّهُ لَا يتأتي مِنْهُ الِاسْتِمْتَاع بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ أَصْحَابنَا: النَّهْي للتَّحْرِيم. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: يكره فَلَو صَامت بِغَيْر إِذْنه صَحَّ وأثمت. وَقَالَ الْمُهلب: النَّهْي على التَّنْزِيه لَا للإلزام. ٥٨ - (بابُ إِذا باتَتِ المَرْأةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا إِذا باتت الْمَرْأَة مهاجرة أَي: تاركة فرَاش زَوجهَا ومعرضة عَنهُ، وَلم يذكر جَوَاب إِذا الَّذِي هُوَ الحكم اعْتِمَادًا على مَا يفهم من حَدِيث الْبَاب وَهُوَ عدم الْجَوَاز لِأَن فِيهِ اسْتِحْقَاقهَا اللَّعْنَة من الْمَلَائِكَة فَلَا تسْتَحقّ ذَلِك إِلَّا بِمُبَاشَرَة أَمر مَحْظُور. ٣٩١٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بشّار حَدثنَا ابنُ أبي عدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ سُلَيْمانَ عنْ أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: إِذا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتهُ إِلَى فِرَاشِهِ فأبَتْ أنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا المَلائِكةُ حتّى تُصْبِحَ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي تَرْجَمَة الْبَاب الَّذِي قبله قَوْله: (مُحَمَّد بن بشار) هُوَ بنْدَار، وَذكر أَبُو عَليّ الجياني أَنه وَقع فِي بعض النّسخ مُحَمَّد بن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى وَهُوَ غلط، وَابْن عدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: هُوَ سُلَيْمَان الْأَشْجَعِيّ مولى عزة الأشجعية. والْحَدِيث قد مر فِي بَدْء الْخلق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره. قَوْله: (إِذا دَعَا الرجل امْرَأَته إِلَى فرَاشه) ، كِنَايَة عَن الْجِمَاع. قَوْله: (فَأَبت) أَي: امنتعت. قَوْله: (أَن تَجِيء) كلمة: أَن مَصْدَرِيَّة أَي: عَن الْمَجِيء قَوْله: (حَتَّى تصبح) ، ظَاهره اخْتِصَاص اللَّعْن بِمَا إِذا وَقع ذَلِك مِنْهَا لَيْلًا وَلَيْسَ ذَلِك بِقَيْد، وَإِنَّمَا ذكر ذَلِك لِأَن مَظَنَّة ذَلِك غَالِبا بِاللَّيْلِ وَإِلَّا فَهُوَ عَام فِي اللَّيْل وَالنَّهَار، يُوضح ذَلِك وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث يزِيد بن كيسَان عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا من رجل يَدْعُو امْرَأَته إِلَى فراشها فتأبى عَلَيْهِ إلَاّ كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاء ساخطا عَلَيْهَا حَتَّى يرضى عَنْهَا، وَمَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر رَفعه: (ثَلَاثَة لَا تقبل لَهُم صَلَاة وَلَا يصعد لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنَة: العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع، والسكران حَتَّى يصحو، وَالْمَرْأَة الساخط

стр. 6072

عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى) فَهَذَا الْإِطْلَاق يتَنَاوَل اللَّيْل وَالنَّهَار، وروى ابْن الْجَوْزِيّ فِي (كتاب النِّسَاء) من حَدِيث مُحَمَّد بن ربيعَة: حَدثنَا يحيى بن الْعَلَاء حَدثنَا الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: لعن رَسُول الله ﷺ المسوفة والمغلسة، أما المسوفة فَهِيَ الْمَرْأَة الَّتِي إِذا أرادها زَوجهَا قَالَت: سَوف، والمغلسة فِي لفظ المغسلة، هِيَ الَّتِي إِذا أرادها زَوجهَا قَالَت: إِنِّي حَائِض، وَلَيْسَ بحائض، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث لَيْث عَن عبد الْملك عَن عَطاء عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله! مَا حق الزَّوْج على الْمَرْأَة؟ قَالَ: لَا تَمنعهُ نَفسهَا، وَإِن كَانَت على ظهر قتب. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (كتاب الْعشْرَة) من حَدِيث يحيى بن الْعَلَاء بِلَفْظ: لَا تَمنعهُ نَفسهَا وَإِن كَانَت على رَأس تنور، وَرَوَاهُ ابْن عدي، وَلَفظه: على رَأس تنور أَو ظهر بَيت، وَيحيى بن الْعَلَاء ضَعِيف، وَفِي حَدِيث الْبَاب: إِن الْمَلَائِكَة تَدْعُو لأهل الطَّاعَة إِذا كَانُوا على طاعتهم وَتَدْعُو على أهل الْمعْصِيَة إِذا كَانُوا فِي مَعْصِيّة. وَفِيه: جَوَاز لعن العَاصِي الْمُسلم إِذا كَانَ على سَبِيل الإرهاب عَلَيْهِ لِئَلَّا يواقع الْفِعْل فَإِذا واقعه فَإِنَّمَا يدعى لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْهدى. ٤٩١٥ - حدّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ زُرَارَةَ عنْ أبي هُرَيُرَةَ، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : إِذا باتَتِ المرْأةُ مُهاجِرَةً فِراش زَوْجِها لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حتّى تَرْجِعَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوضح المُرَاد من التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة مُطلقَة، وزرارة بِضَم الزَّاي وبتكرير الرَّاء المخففة: ابْن أوفى بِالْوَاو وَالْفَاء مَقْصُورا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. قَوْله: (مهاجرة) من بَاب المفاعلة فِي الأَصْل وَلَكِن هُنَا بِمَعْنى: هاجرة لِأَن فَاعل قد يَأْتِي بِمَعْنى فعل نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم﴾ (آل عمرَان: ٣٣١) أَي: اسرعوا، وتوضحه رِوَايَة مُسلم: إِذا باتت الْمَرْأَة هاجرة، وَهُوَ اسْم فَاعل من هجر ومهاجرة اسْم فَاعل من هَاجر، وَإِذا كَانَ الهجر مِنْهُ فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا شَيْء من ذَلِك. قَوْله: (حَتَّى ترجع) أَي: عَن الْهِجْرَة (فَإِن قلت) هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة هم الْحفظَة أَو غَيرهم؟ (قلت) قيل: يحْتَمل الْأَمريْنِ وَأَنا أَقُول إِن الله خلق الْمَلَائِكَة على أَنْوَاع شَتَّى: مِنْهُم مرصدون لأمور كالموكلين بالقطر والرياح والسحب، والموكلين بمساءلة من فِي الْقُبُور، والسياحين فِي الأَرْض يَبْتَغُونَ مجَالِس الذّكر، والموكلين بِقَذْف الشَّيَاطِين بِالشُّهُبِ، والموكلين بِأُمُور قَالَ فيهم: ﴿لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾ (التَّحْرِيم: ٦) وَيحْتَمل أَن تكون الْمَلَائِكَة الَّذين يلعنون نَاسا من بني آدم على أُمُور محظورة تقع مِنْهُم من هَذَا النَّوْع، وَهُوَ الظَّاهِر. وَفِيه: الْإِرْشَاد إِلَى مساعدة الزَّوْج وَطلب مرضاته. وَفِيه: أَن صَبر الرجل على ترك الْجِمَاع أَضْعَف من صَبر الْمَرْأَة. وَفِيه: أَن أقوى التشويشات على الرجل دَاعِيَة النِّكَاح. وَلذَلِك حض الشَّارِع النِّسَاء على مساعدة الرجل فِي ذَلِك. ٦٨ - (بابٌ لَا تَأذن المَرْأةُ فِي بيْتِ زَوْجِها لأحدٍ إلاّ بإذْنهِ) ٢. أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا تَأذن الْمَرْأَة إِلَى آخِره، وَالْمرَاد بِبَيْت زَوجهَا مَسْكَنه سَوَاء كَانَ ملكه أم لَا. ٥٩١٥ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: لَا يحلّ للْمَرْأةِ أنْ تصُومَ وزَوْجُها شاهِدٌ إلاّ بإذْنِهِ، وَلَا تأذَنَ فِي بيْتِهِ إِلَّا بإذْنِهِ، وَمَا أنْفَقَتْ مِنْ نَفَقةٍ عنْ غيْرِ أمره فإِنّهُ يُؤَدَّى إليْهِ شطْرُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تَأذن فِي بَيته إلَاّ بِإِذْنِهِ) وَهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة لمتون مُخْتَلفَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة دِينَار الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرحمان بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون عَن أبي الْيَمَان بِقصَّة الصَّوْم. وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَحْكَام: الأول: فِي صَوْم الْمَرْأَة تَطَوّعا وَقد مر عَن قريب. الثَّانِي: قَوْله: (وَلَا تَأذن فِي بَيته) أَي: لَا تَأذن الْمَرْأَة فِي بَيت زَوجهَا لَا لرجل وَلَا لامْرَأَة يكرهها زَوجهَا، لِأَن ذَلِك يُوجب سوء الظَّن وَيبْعَث على الْغيرَة الَّتِي هِيَ سَبَب القطيعة، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق همام عَن أبي هُرَيْرَة: وَهُوَ شَاهد إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَهَذَا الْقَيْد لَا مَفْهُوم لَهُ، بل خرج مخرج

стр. 6073

الْغَالِب وإلَاّ فغيبة الزَّوْج لَا تَقْتَضِي الْإِبَاحَة للْمَرْأَة أَن تَأذن لمن يدْخل بَيته بل يتَأَكَّد حِينَئِذٍ عَلَيْهَا الْمَنْع لوُرُود الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي النَّهْي عَن الدُّخُول على المغيبات، أَي من غَابَ زَوجهَا، وَأما عِنْد الدَّاعِي للدخول عَلَيْهَا للضَّرُورَة كالإذن لشخص فِي دُخُول مَوضِع من حُقُوق الدَّار الَّتِي هِيَ فِيهَا أَو إِلَى دَار مُنْفَرِدَة عَن مَسْكَنهَا، أَو الْإِذْن لدُخُول مَوضِع معد للضيفان، فَلَا حرج عَلَيْهَا فِي الْإِذْن بذلك لِأَن الضرورات مُسْتَثْنَاة فِي الشَّرْع. الثَّالِث: قَوْله: (وَمَا أنفقت) أَي الْمَرْأَة (من نَفَقَة عَن غير أَمر زَوجهَا فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَيْهِ شطرة) أَي: نصفه، وَالْمرَاد بِهِ نصف الْأجر، وَقد جَاءَ وَاضحا فِي رِوَايَة همام عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِذا أنفقت الْمَرْأَة من كسب زَوجهَا من غير أمره فَلهُ نصف أجره، وَقد مر فِي أَوَائِل الْبيُوع فِي بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: فلهَا نصف أجره، وَقَالَ الْخطابِيّ قَوْله: (يُؤَدِّي إِلَيْهِ شطره) مَحْمُول على المَال الْمُنفق وَإنَّهُ يلْزم الْمَرْأَة إِذا أنفقت بِغَيْر أَمر زَوجهَا زِيَادَة على الْوَاجِب لَهَا أَن تغرم الْقدر الزَّائِد، وَأَن هَذَا هُوَ المُرَاد بالشطر فِي الْخَبَر، لِأَن الشّطْر يُطلق على النّصْف وعَلى الْجُزْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَكل مَا أنفقت على نَفسهَا من مَاله وَبِغير إِذْنه فَوق مَا يجب لَهَا من الْقُوت بِالْمَعْرُوفِ غرمت شطره، يَعْنِي: قدر الزِّيَادَة على الْوَاجِب لَهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : معنى (يُؤَدِّي إِلَيْهِ شطره) يتَأَدَّى إِلَيْهِ من أجر الصَّدَقَة مثل مَا يتَأَدَّى إِلَى البمتصدقة من الْأجر ويصيران فِي الْأجر نِصْفَيْنِ سَوَاء، وَيشْهد لَهُ قَوْله ﷺ : الدَّال على الْخَيْر كفاعله، وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُسَاوَاة. وَقَالَ ابْن الرابط: وَهَذِه النَّفَقَة هِيَ الْخَارِجَة عَن الْمَعْرُوف الزَّائِدَة على الْعَادة بِدَلِيل قصَّة هِنْد بِالْمَعْرُوفِ، وَحَدِيث: أَن للخازن فِيمَا أنْفق أجرا وللزوجة أجرا يَعْنِي بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا النّصْف يجوز أَن يكون النّصْف الَّذِي أُبِيح لَهَا أَن تَتَصَدَّق بِهِ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأما مَا روى البُخَارِيّ أَعنِي حَدِيثا آخر، فيخالف مَعْنَاهُ وَهُوَ أَنه قَالَ: إِذا أنفقت الْمَرْأَة من كسب زَوجهَا من غير أمره فَلهُ نصف أجره، فَهُوَ إِنَّمَا يتَأَوَّل على أَن تكون الْمَرْأَة قد خلطت الصَّدَقَة من مَاله بِالنَّفَقَةِ الْمُسْتَحقَّة لَهَا حَتَّى كَانَا شطرين. قلت: هَذَا لَا يدْفع أَن يكون غَرَامَة زِيَادَة مَا أنفقت لَازِمَة لَهَا أَن لم تطب نفس الزَّوْج بهَا، وروى ابْن الْجَوْزِيّ من حَدِيث لَيْث عَن عَطاء عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لَا تَتَصَدَّق الْمَرْأَة من بَيته بِشَيْء إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت كَانَ لَهُ الْأجر وَعَلَيْهَا الْوزر، وَلَا تَصُوم يَوْمًا إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت أثمت وَلم تؤجر وَعَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه سُئِلَ: الْمَرْأَة تَتَصَدَّق من مَال زَوجهَا؟ قَالَ لَا إلَاّ من قوتها وَالْأَجْر بَينهمَا وَأما من مَاله فَلَا. ورَواهُ أبُو الزِّناد أَيْضا عنْ مُوسى عَن أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ فِي الصَّوْمِ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور أَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان الَّذِي يُقَال لَهُ التبَّان بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاء الْمُوَحدَة الثَّقِيلَة، واسْمه سعيد، وَيُقَال لَهُ: عمرَان، وَهُوَ مولى الْمُغيرَة بن شُعْبَة لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن رِوَايَة شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج اشْتَمَلت على ثَلَاثَة أَحْكَام كَمَا ذكرنَا، وَأَن لأبي الزِّنَاد أَيْضا إِسْنَادًا آخر عَن مُوسَى الْمَذْكُور فِي الصَّوْم خَاصَّة، وَهُوَ معنى قَوْله: (فِي الصَّوْم) وَوصل هَذِه الرِّوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ والدارمي وَالْحَاكِم من طَرِيق الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان بِقصَّة الصَّوْم. ٧٨ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب، كَذَا وَقع مُجَردا فِي رِوَايَة الْكل، وَقد قُلْنَا غير مرّة إِن هَذَا كالفصل لما قبله، وَسقط لفظ: بَاب، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. ٦٩١٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْماعِيلُ أخبرنَا التَّيْمِي عَن أبي عثْمانَ عنْ أُسامَةَ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: قُمْتُ على بابِ الجَنَّةِ فكانَ عامّة مَنْ دَخَلَها المَساكِينُ. وأصْحابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ غَيْرَ أنَّ أصْحابَ النّارِ قدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النّار، وقُمْتُ عَلَى بَابِ النّارِ فَإِذا عامّةُ مَنْ دَخَلَها النِّساء. مطابقته للتَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهَا يشْتَمل على أَحْكَام مُتَعَلقَة بِالنسَاء وأنهن يرتكبن النَّهْي الْمَذْكُور فِيهِ غَالِبا، فَلذَلِك كن أَكثر من يدْخل النَّار، وَأما لفظ بَاب الْمُجَرّد فَإِنَّهُ دَاخل فِي التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن

стр. 6074

علية، والتيميم هُوَ سُلَيْمَان بن طرخان الْبَصْرِيّ، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد حب رَسُول الله ﷺ . والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر كتاب الدَّعْوَات عَن هدبة بن خَالِد وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَفِي المواعظ وَالرَّقَائِق عَن عبد الله بن سعيد. قَوْله: (الْجد) بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ الْغنى والحظ، وَيَجِيء بِمَعْنى الْقطع وَأب الْأَب، وبالكسر: الِاجْتِهَاد قَوْله: (محبوسون) أَي: على بَاب الْجنَّة أَو على الْأَعْرَاف، كَذَا وَقع لفظ محبوسون بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي الْأُصُول من الْحَبْس، وَكَذَا عِنْد أبي ذَر، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَا عِنْد الشَّيْخ أبي الْحسن وَلَعَلَّه بِفَتْح التَّاء وَالْوَاو: محتوشون، اسْم مفعول من قَوْلهم: احتوش فلَان بِالْمَكَانِ إِذا قَامَ بِهِ، يَعْنِي موقوفون لَا يَسْتَطِيعُونَ الْفِرَار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَرْجُو أَن يكون المحبوسون أهل التفاخر، لِأَن أفاضل هَذِه الْأمة كَانَ لَهُم أَمْوَال ووصفهم الله تَعَالَى بِأَنَّهُم سَابِقُونَ. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا صَار أَصْحَاب الْجد محبوسين لمنعهم حُقُوق الله تَعَالَى الْوَاجِبَة للْفُقَرَاء فِي أَمْوَالهم فحبسوا لِلْحسابِ كَمَا منعُوهُ، فَأَما من أدّى حُقُوق الله تَعَالَى فِي مَاله فَإِنَّهُ لَا يحبس عَن الْجنَّة إلَاّ أَنهم قَلِيل، وَإِذا كثر المَال تضيع حُقُوق الله فِيهِ لِأَنَّهُ محنة وفتنة. قَوْله: (غير أَن أهل النَّار) وهم الَّذين استحقوا دُخُول النَّار، وَقد أَمر بهم أَي: أَمر الله بهم إِلَى النَّار. قَوْله: (فَإِذا) كلمة المفاجأة أضيفت إِلَى الْجُمْلَة لِأَن قَوْله: (عَامَّة من دَخلهَا) مُبْتَدأ أَو قَوْله: (النِّسَاء) خَبره. ٨٨ - (بابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ وهُوَ الزَّوْجُ وهُوَ الخَلِيطُ مِنَ المُعَاشَرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كفران الْمَرْأَة العشير، وَأَرَادَ بالكفران ضد الشُّكْر وَهُوَ جحود النِّعْمَة وَالْإِحْسَان وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْكفْر الَّذِي يخرج بِهِ عَن أصل الْإِيمَان، والكفران مصدر من كفر يكفر كفورا وَكفرا وكفرانا مثل ضِدّه شكر يشْكر شكُورًا وشكرا أَو شكرانا. قَوْله: (وَهُوَ الزَّوْج) أَي: العشير هُوَ الزَّوْج، والعشير على وزن فعيل بِمَعْنى معاشر كالمصادق فِي الصّديق لِأَنَّهَا تعاشرا ويعاشرها من الْعشْرَة وَهِي الصُّحْبَة. قَوْله: (وَهُوَ الخليط) أَي: العشير هُوَ الخليط أَي المخالط لِأَن بَينهمَا مُخَالطَة. قَوْله: (من المعاشر) أَرَادَ بِهِ أَن العشير الَّذِي هُوَ الزَّوْج مَأْخُوذ من المعاشرة الَّتِي بِمَعْنى المصاحبة، وَاحْترز بِهِ عَن العشير الَّذِي بِمَعْنى الْعشْر، بِالضَّمِّ كَمَا فِي الحَدِيث تِسْعَة أعشراء الرزق فِي التِّجَارَة، وَهُوَ جمع عشير كنصيب وأنصباء وَمن العشير الَّذِي بِمَعْنى المعشور فَإِنَّهُ من عشرت المَال أعشره إِذا أخذت عشره. فِيهِ عنْ أبي سَعِيدٍ عَن النبيِّ ﷺ أَي: فِي هَذَا الْمَعْنى روى عَن أبي سعيد بن مَالك الْخُدْرِيّ. ٧٩١٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ زيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عطاءِ بن يَسارٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ قَالَ: خَفَتِ الشَّمْس على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ ، فَصَلَّى رسولُ الله ﷺ ، والنّاسُ معَهُ فقامَ قِياما طَوِيلاً نَحْوا مِنْ سورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ ركَعَ رُكُوعا طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ فقامَ قِياما طَوِيلاً وهْوَ دُونَ القِيامِ الأوَّل ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فقامَ قِيَاما طَوِيلاً وهْوَ دُونَ القيامِ الأوَّل، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعا طَوِيلاً وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّل، ثُمَّ رفَعَ فَقَامَ قِياما طَوِيلاً وهْوَ دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثُمَّ ركَعَ ركُوعا طوِيلاً وهْوَ الرُّكُوعِ الأوَّل، ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَف وقدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَخْسِفانِ لَموتِ أحَدٍ وَلَا لِحَياتِهِ، فإذَا رَأيْتُمْ ذالِكَ فاذْكُرُ الله. قالُوا: يَا رسُولَ الله! رأيناكَ تَناوَلْتَ شَيْئا فِي مَقامِكَ هاذا، ثمَّ رأيْنَاكَ

стр. 6075

تَكَعْكَعْتَ. فَقَالَ: إنِّي رأيْتُ الجَنَّةَ أوْ أُرِيتُ الجَنَّة، فَتنَاوَلْتُ مِنْها عُنُقُودا، ولَوْ أخَذْتُهُ لأكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيا، ورأيْتُ النّارَ فَلَمْ أرَ كالْيَوْمِ مَنْظَرا قَطُّ، ورَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِها النسِّاءَ قالُوا: لِمَ يَا رسُولَ الله؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ. قيلَ: يكْفُرْنَ بِاللَّه؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ لوْ أحْسَنْتَ إِلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رأتْ مِنْكَ شَيْئا قالَتْ: مَا رَأيْتُ مِنْكَ خيْرا قَطُّ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يكفرن العشير) وَعَطَاء بن يسَار بِفَتْح الْبَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة. والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب صَلَاة الْكُسُوف جمَاعَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن زيد بن أسلم إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (تكعكعت) أَي: تَأَخَّرت. ٨٩١٦ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ الْهَيْثَمِ حَدثنَا عَوْفٌ عنْ أبي رَجَاء عنْ عمْرَانَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: اطَّلَعْتُ فِي الجَتَّةِ فَرَأَيْتُ أكْثَرَ أهْلِها الفُقَرَاء، واطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِها النَّساء. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إنَّهُنَّ لما كن مصرات على كفر النِّعْمَة وَعدم الشُّكْر فِي حق أَزوَاجهم وَهُوَ مَعْصِيّة، وَالْمَعْصِيَة من أَسبَاب الْعَذَاب استحققن دُخُول النَّار، وَأما كونهن أَكثر أهل النَّار وفبالنظر إِلَى وَقت دخولهن، وَقيل: هَذَا من بَاب التَّغْلِيظ وَفِيه نظر. وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة الْبَصْرِيّ كَانَ مُؤذنًا بِجَامِع الْبَصْرَة، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وعَوْف هُوَ الْأَعرَابِي وَأَبُو رَجَاء بِالْجِيم عمرَان بن ملْحَان جاهلي أسلم يَوْم الْفَتْح عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة وَتُوفِّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقيل: غير ذَلِك، وَعمْرَان هُوَ ابْن أبي الْحصين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث قد مضى فِي صفة الْجنَّة. تابَعَهُ أيُّوبُ وسَلْمُ بن زَرِيرٍ أَي: تَابع عوفا عَن أبي رَجَاء أيوبُ السّخْتِيَانِيّ، وَوصل النَّسَائِيّ مُتَابَعَته من حَدِيث أَيُّوب عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان هَكَذَا فِي رِوَايَة عبد الْوَارِث، وَفِي رِوَايَة غَيره: عَن أَيُّوب عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (وَسلم) أَي وتابع عوفا أَيْضا سلم بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام ابْن زرير بِفَتْح الزاء وَكسر الرَّاء الأولى الْبَصْرِيّ، وَوصل مُتَابَعَته البُخَارِيّ فِي صفة الْجنَّة فِي بَدْء الْخلق، وَفِي: بَاب فضل الْفقر من الرقَاق. ٩٨ - (بابٌ لِزوْجِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن لزوجك عَلَيْك حَقًا. وَأَرَادَ بِالزَّوْجِ الزَّوْجَة. قَوْله: (حق) بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَقَوله: (لزوجك عَلَيْك) مقدما خَبره وَلكُل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ حق على الآخر، وَمن جملَة حق الْمَرْأَة على زَوجهَا أَن يُجَامِعهَا، وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَاره فَقيل: يجب مرّة، وَقيل فِي كل أَربع لَيَال، وَقيل: فِي كل طهر مرّة. وَقَالَ ابْن حزم: فرض على الرجل أَن يُجَامع امْرَأَته الَّتِي هِيَ زَوجته، وَأدنى ذَلِك مرّة فِي كل طهر إِن قدر على ذَلِك، وَإِلَّا فَهُوَ عَاص لله تَعَالَى، وروى عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن مَالك بن مغول عَن الشّعبِيّ، قَالَ: جَاءَت امْرَأَة إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! إِن زَوجي يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل. فَقَالَ عمر: لقد أَحْسَنت الثَّنَاء على زَوجك فَقَالَ كَعْب بن سوار: لقد اشتكت فَقَالَ عمر: أخرج من مَقَالَتك فَقَالَ: أَتَرَى أَن ينزل منزلَة الرجل لَهُ أَربع نسْوَة فَلهُ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها وَلها يَوْم وَلَيْلَة. وَقَالَ أَحْمد: وَقَالَ مَالك: إِذا كف رجل عَن جماع أَهله من غير ضَرُورَة لَا يتْرك حَتَّى يُجَامع أَو يُفَارق أحب ذَلِك أَو كرهه، لِأَن مضارّ بهَا. وبنحوه قَالَ أَحْمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يُؤمر أَن يبيت عِنْدهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا يفْرض عَلَيْهِ من الْجِمَاع شَيْء بِعَيْنِه، وَإِنَّمَا يفْرض لَهَا النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَأَن يأوي إِلَيْهَا. وَقَالَ الثَّوْريّ: إِذا اشتكت زَوجهَا جعل لَهُ ثَلَاثَة أَيَّام وَلها يَوْم وَلَيْلَة، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر. قالَهُ أبُو جُحَيْفَةَ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: قَالَ: (لزوجك عَلَيْك حق) أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة: اسْمه وهب بن عبد الله، وَوَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب من أقسم على أَخِيه ليفطر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا.

стр. 6076

٩٩١٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أخبَرنا عَبْدُ الله أخبرَنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدثنِي: يحيى بنُ أبي كَثِيرٍ قَالَ: حَدثنِي: أبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمن قَالَ: حَدثنِي: عبْدُ الله بنُ عَمْرُ بنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : يَا عَبْدَ الله! ألَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ النَّهارَ وتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قُلْتُ: بَلى يَا رسولَ الله، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وأفْطِرْ وقُمْ ونَمْ، فإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لَعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِن لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَقد مضى حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فِي هَذَا الْبَاب فِي كتاب الصَّوْم بِوُجُودِهِ كَثِيرَة وطرق مُخْتَلفَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مشروحا مفصلا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي هَذَا الحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَن وَرَاء الْجَسَد يَعْنِي هَذَا الهيكل المحسوس للْإنْسَان شَيْء آخر يعبر عَنهُ تَارَة بِالروحِ وَأُخْرَى بِالنَّفسِ. ٠٩ - (بابٌ المَرْأةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِها) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَرْأَة راعية فِي بَيت زَوجهَا. ٠٠٢٥ - حدّثنا عَبْدَانُ أخبرَنا عبدُ الله أخبرنَا مُوسى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عَن ابنِ عْمَرَ ﵄، عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: كُلّكُمْ راعٍ وكُلّكُمْ مَسْؤُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ على أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأةُ رَاعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فكلّكُمْ راعٍ وكُلّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالْمَرْأَة راعية على بَيت زَوجهَا) وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف والْحَدِيث قد مر فِي صَلَاة الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى والمدن بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١٩ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٤) الرِّجَال قوامون على النِّسَاء بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ (٤) إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا﴾ (النِّسَاء: ٤٣) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله : ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء﴾ إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة أبي ذَر (الرِّجَال قواموان على النِّسَاء) فَحسب، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: ﴿عليا كَبِيرا﴾ قَوْله: (قوامون) أَي: يقومُونَ عَلَيْهِنَّ آمرين ناهين كَمَا تقوم الْوُلَاة على الرعايا، وَالضَّمِير فِي بَعضهم، يرجع إِلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا، كَذَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ ثمَّ قَالَ: يَعْنِي إِنَّمَا كَانُوا مسيطرين عَلَيْهِنَّ بِسَبَب تَفْضِيل الله بَعضهم وهم الرِّجَال على بعض وهم النِّسَاء. قَوْله: (وَبِمَا أَنْفقُوا) أَي: وبسبب مَا أخرجُوا فِي نِكَاحهنَّ من أَمْوَالهم فِي المهور والنفقات. قَوْله: (فالصالحات) أَي: المحسنات لِأَزْوَاجِهِنَّ، وقرىء: فالصوالح قوانت حوافظ. قَوْله: (والقانتات) أَي: المطيعات والحافظات غيبَة أَزوَاجهنَّ من صِيَانة أَنْفسهنَّ. قَوْله: (فعظوهن) يَعْنِي؛ مروهن بتقوى الله وطاعته. (واللاتي) أَي: النِّسَاء اللَّاتِي تخافون نشوزهن أَي: عصيانهن. قَوْله: (فاهجروهن فِي الْمضَاجِع) أَي فِي المراقد، وَهُوَ كِنَايَة عَن ترك الْجِمَاع، وَقيل ترك الْكَلَام وَأَن يوليها ظَهره، وَقيل: يتْرك فراشها وينام وَحده ﴿واضربوهن﴾ ضربا غير مبرح وَلَا مهلك، وَهُوَ مَا يكون تأديبا تزجز بِهِ عَن النُّشُوز ﴿فَإِن أطعنكم﴾ فِيمَا يلْتَمس مِنْهُنَّ ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ من الِاعْتِرَاض والأذى والتوبيخ ﴿إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا﴾ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَن قدرته أعظم من قدرتكم على من تَحت أَيْدِيكُم من نِسَائِكُم وعبيدكم. ١٠٢٥ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُليْمانُ قَالَ: حَدثنِي: حُمَيْدٌ عنْ أنَسٍ، ﵁، قَالَ:

стр. 6077

آلَى رسولُ الله ﷺ من نِسائِهِ شَهْرا وقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقِيلَ: يَا رسولَ الله إنَّكَ آلَيْتَ علَى شَهْرٍ؟ قَالَ: إنَّ الشَّهْرَ تسعٌ وعِشْرُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي الْآيَة: ﴿واهجروهن فِي الْمضَاجِع﴾ (النِّسَاء: ٤٣) وَقد هَجرهنَّ ﷺ شهرا على مَا يذكر الْآن، وَبِهَذَا يرد على الْإِسْمَاعِيلِيّ قَوْله: لم يَتَّضِح لي دُخُول الحَدِيث فِي تَرْجَمَة الْبَاب. وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء وَفتح اللَّام الْقَطوَانِي الْكُوفِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَحميد هُوَ ابْن أبي حميد الطَّوِيل الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الصَّوْم أخرجه عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله. قَوْله: (آلى) بِمد الْهمزَة أَي: حلف من الْإِيلَاء، وَلَا يُرَاد بِهِ الْمَعْنى الفقهي بل الْمَعْنى اللّغَوِيّ، وَإِنَّمَا قدم الْمَعْنى اللّغَوِيّ هُنَا على الْمَعْنى الشَّرْعِيّ للقرينة الدَّالَّة على ذَلِك وَهِي كَونهَا شهرا وَاحِدًا، وَكَانَ سَبَب إيلائه ﷺ شهرا إفشاء حَفْصَة سره ﷺ إِلَى عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنه أصَاب مَارِيَة فِي بَيت حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وهجرهن ﷺ شهرا وَقعد فِي مشربَة لَهُ وَهِي الغرفة وَقد مر تَفْسِيرهَا عَن قريب. قَوْله: (فَنزل) أَي من الغرفة قَوْله: (لتسْع) أَي عِنْد تسع وَعشْرين لَيْلَة قَوْله: (فَقيل) الْقَائِل هُوَ عَائِشَة، وَقيل: سألة عمر وَغَيره عَن ذَلِك قَوْله: (على شهر) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: إِنَّك آلَيْت شهرا. ٢٩ - (بابُ هَجْرِ النبيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان هجر النَّبِي ﷺ أَي: إعراضه عَنْهُن وتركهن شهرا، وسكناه فِي غير بُيُوتهنَّ. ويُذكَرُ عَن مُعاوِيَةَ بنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ غَيْرَ أنْ لَا تهْجَرَ إلَاّ ي البَيْتِ، والأوَّلُ أصَحُّ مُعَاوِيَة بن حيدة صَحَابِيّ مَشْهُور، وحيدة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالدَّال الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة ابْن مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي، مَعْدُود فِي أهل الْبَصْرَة غزا خُرَاسَان وَمَات بهَا وَهُوَ جد بهز بن حَكِيم بن مُعَاوِيَة. قَوْله: (وَيذكر) بِصِيغَة التمريض. قَالَ الْكرْمَانِي: الْمَذْكُور وَلَا يهجر إلَاّ فِي الْبَيْت. (وَرَفعه) جملَة حَالية أَي: وَيذكر عَنهُ: وَلَا يهجر إلَاّ فِي الْبَيْت مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَالْأول) أَي: الهجر فِي غير الْبيُوت أصح إِسْنَادًا من الهجر فِيهَا، وَفِي بَعْضهَا غير أَن لَا يهجر إلَاّ فِي الْبَيْت وَحِينَئِذٍ فَاعل: يذكر هجر النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ فِي غير بُيُوتهنَّ أَي: وَيذكر عَن مُعَاوِيَة رَفعه، غير أَن لَا يهجر أَي رويت عَنهُ قصَّة الهجر مَرْفُوعَة إلَاّ أَنه قَالَ: أَن لَا يهجر إلَاّ فِي الْبَيْت، وَهَذَا الَّذِي لمحه غلط مَحْض، فَإِن مُعَاوِيَة بن حيدة مَا روى قصَّة هجر النَّبِي ﷺ أَزوَاجه وَلَا يُوجد هَذَا فِي شَيْء من المسانيد وَلَا فِي الْأَجْزَاء، وَلَيْسَ مُرَاد البُخَارِيّ مَا ذكره، وَإِنَّمَا مُرَاده حِكَايَة مَا ورد فِي سِيَاق حَدِيث مُعَاوِيَة بن حيدة، فَإِن فِي بعض طرقه وَلَا يقبح وَلَا يضْرب الْوَجْه غير أَن لَا تهجر إلَاّ فِي الْبَيْت، فَظن الْكرْمَانِي أَن الِاسْتِثْنَاء من تصرف البُخَارِيّ وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ حِكَايَة مِنْهُ عَمَّا ورد من لفظ الحَدِيث. انْتهى. قلت: نِسْبَة الْكرْمَانِي إِلَى غلط مَحْض غلط مَحْض مِنْهُ، وَفِيه ترك الْأَدَب وَذَلِكَ أَن الْكرْمَانِي مَا تصرف فِي هَذَا الحَدِيث إِلَّا على حسب مَا يَقْتَضِيهِ اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ المذكورتين اللَّتَيْنِ ذكرهمَا، وَمَعَ هَذَا يحْتَمل أَن يكون مُعَاوِيَة قد روى قصَّة هجر النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ، فَإِن بَاب الرِّوَايَة وَاسع جدا. وَقَوله: فَإِن مُعَاوِيَة بن حيدة مَا روى قصَّة هجر النَّبِي ﷺ أَزوَاجه وَلَا يُوجد هَذَا فِي شَيْء من المسانيد وَلَا فِي الْأَجْزَاء دَعْوَى بِلَا برهَان، وليت شعري كَيفَ يَدعِي هَذِه الدَّعْوَى وَهُوَ لم يحط بِمَا جَاءَ من المسانيد وَمن الْأَجْزَاء، وَلَا وقف هُوَ على قدر عشر معشار مَا روى عَن النَّبِي ﷺ ، على أَن كَلَام الْكرْمَانِي إِثْبَات وَكَلَامه نفي، وَالْإِثْبَات مقدم لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن مَوْجُود، وَالنَّفْي إِخْبَار عَن مَعْدُوم. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَول البُخَارِيّ: وَيذكر عَن مُعَاوِيَة إِلَى آخِره، يُرِيد بذلك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قلت: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب حق الْمَرْأَة على الزَّوْج: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد قَالَ: أخبرنَا أَبُو قزعة سُوَيْد بن حُجَيْر الْبَاهِلِيّ عَن حَكِيم بن مُعَاوِيَة الْقشيرِي عَن أَبِيه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! مَا حق زَوْجَة أَحَدنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: (أَن تطعمها إِذا طعمت، وتكسوها إِذا اكتسيت، وَلَا تضرب الْوَجْه وَلَا تقبح وَلَا تهجر إلَاّ فِي الْبَيْت) . قَالَ أَبُو دَاوُد: وَلَا تقبح، أَي: لَا تَقول: قبحك الله. وَقَالَ الْمُهلب: وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ لَا يكون إلَاّ فِي غير بيُوت الزَّوْجَات من

стр. 6078

أجل مَا فعله ﷺ أَرَادَ أَن يستن النَّاس بذلك فِي هجر نِسَائِهِم لما فِيهِ من الرِّفْق، لِأَن هجرانهن فِي بُيُوتهنَّ آلم لقلوبهن وأوجع لما ينظرن من الْغَضَب والإعراض، وَلما فِي غيبَة الرجل عَن أعينهن من تسليتهن عَن الرِّجَال قَالَ: وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِب، لِأَن الله تَعَالَى أَمر بهجرانهن فِي الْمضَاجِع فضلا عَن الْبيُوت، ورد عَلَيْهِ بِأَن الهجران فِي غير الْبيُوت أنكى لَهُنَّ وأبلغ فِي عقوبتهن، روى ابْن وهب عَن مَالك بَلغنِي أَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يغاضب بعض نِسَائِهِ، فَإِذا كَانَت لَيْلَتهَا بَات عِنْدهَا وَلم يبت عِنْد غَيرهَا من غير أَن يكلمها وَلَا ينظر إِلَيْهَا. قلت: لمَالِك: وَذَلِكَ لَهُ وَاسع؟ فَقَالَ: نعم، وَذَلِكَ فِي كتاب الله تَعَالَى: ﴿واهجروهن فِي الْمضَاجِع﴾ (النِّسَاء: ٤٣) وَقيل: الْحق فِي هَذَا أَنه يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال، فَرُبمَا يكون الهجران فِي الْبيُوت أَشد من الهجران فِي غَيرهَا، وَبِالْعَكْسِ، بل الْغَالِب أَن الهجران فِي غير الْبيُوت أَشد ألما للنفوس، وَرب نسْوَة تتألم بِمُجَرَّد بيتوتة الرجل فِي غير بيوتها من غير هجران وَلَا سِيمَا مَعَ الهجران، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى. ٢٠٢٥ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ عَن ابنِ جُرَيْجٍ وحدّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلِ أخبرنَا عبدُ الله أخبرنَا بنُ جُرَيْج قَالَ: أخبَرَني يَحْيَى بنُ عبْدِ الله بن صَيفِيٍّ أنَّ عِكْرِمَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحارثِ أخْبَرَهُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ النبيَّ ﷺ ، حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلى بعْضِ أهْلِهِ شَهْرا فَلما مَضَى تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْما غَدَا علَيْهِنَّ أوْ رَاحَ. فَقِيل لَهُ: يَا نَبيَّ الله! حَلِفْتَ أَن لَا تَدْخلَ علَيْهِنَّ شَهْرا. قَالَ: إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْما. (انْظُر الحَدِيث ٠١٩١) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِي طَرِيق من طرق هَذَا الحَدِيث غير أم سَلمَة أَنه قعد فِي مشربَة لَهُ، وَذَلِكَ أَنه ﷺ لما هجر بعض نِسَائِهِ طلع إِلَى مشربَة لَهُ وَقعد فِيهَا، وَمِنْه تُؤْخَذ الْمُطَابقَة وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن أبي عَاصِم النَّبِيل، واسْمه الضَّحَّاك بن مخلد، يروي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَالْأُخْرَى: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن ابْن جريج عَن يحيى بن عبد الله بن صَيْفِي بتَشْديد الْيَاء للنسبة عَن عِكْرِمَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة، وَهُوَ أَخُو أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ إِذا رَأَيْتُمْ الْهلَال فصوموا، وَأَنه أخرجه هُنَاكَ من طَرِيق أبي عَاصِم وَحده. قَوْله: (حلف) فِي كتاب الصَّوْم إِلَى قَوْله: (على بعض أَهله) ويروى: على بعض نِسَائِهِ. قَوْله: (أَو رَاح) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فَقيل لَهُ) أَي النَّبِي ﷺ ، وَالْقَائِل لَهُ هِيَ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (أَن لَا تدخل شهرا) ويروى: أَن لَا يدْخل عَلَيْهِنَّ شهرا. قَوْله: (قَالَ أَن الشَّهْر) ، ويروى فَقَالَ. ٣٠٢٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ حدَّثنا أَبُو يَعْفُورٍ قَالَ تَذَاكَرْنا عِنْدَ أبِي الضُّحَى، فَقَالَ: حَدثنَا ابنُ عَبَّاس، قَالَ: أصْبَحْنا يَوْما ونِساءُ النبيِّ ﷺ ، يَبْكين عِنْدَ كُلِّ امْرأةٍ مِنْهُنَّ، فَخَرَجْتُ إِلَى المَسْجِدِ، فإذَا هُوَ مَلْآنٌ مِنَ النَّاس، فَجاءَ عُمَرَ بنُ الخَطَّابِ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَهْوَ فِي غُرْفَةٍ لهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ ثُمَّ سَلّمَ فلمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، فناداهُ فَدخَلَ عَلى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: أطَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ فَقَالَ: لَا ولَكنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرا، فَمَكَثَ تِسْعا وعِشْرِينَ ثُمَّ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، ومروان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ، بِالْفَاءِ وَالزَّاي، وَأَبُو يَعْفُور هُوَ الْمَشْهُور بِالْأَصْغَرِ، وَهُوَ بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْفَاء وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره رَاء: واسْمه عبد الرَّحْمَن بن عبيد، كُوفِي ثِقَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هذاالحديث، وَأَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق

стр. 6079

عَن أَحْمد بن عبد الله بن الحكم عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة. قَوْله: (تَذَاكرنَا) لم يذكر مَا تَذَاكَرُوا بِهِ، وَبَينه فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَلَفظه: تَذَاكرنَا الشَّهْر، فَقَالَ بَعْضنَا: ثَلَاثِينَ، وَقَالَ بَعْضنَا: تسعا وَعشْرين. قَوْله: (وَنسَاء النَّبِي ﷺ الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَإِذا هُوَ ملآن) كلمة إِذا، للمفاجأة وملآن، على وزن فعلان كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول بالنُّون، وَقَالَ ابْن التِّين عِنْد أبي الْحسن ملأى، وَعند غَيره ملآن وَهُوَ الصَّحِيح، وَإِنَّمَا ملآى نعت للمؤنث. فَإِن أُرِيد الْبقْعَة فَيصح ذَلِك قَوْله: (وَهُوَ فِي غرفَة) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فِي علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَقد تكسر وَتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْمَكَان العالي، وَهِي الغرفة، وَقد تقدم فِيمَا مضى أَنَّهَا مشربَة. قَوْله: (فناداه) فعل ومفعول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي يرجع إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَلم يذكر الْفَاعِل فِي النّسخ الْمَوْجُودَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم مُصَرحًا. بِأَن الَّذِي ناداه بِلَال رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَفظه: فَلم يجبهُ أحد فَانْصَرف فناداه بِلَال فَسلم ثمَّ دخل، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ هَكَذَا، وَلَكِن فَنَادَى بِلَال، بِحَذْف الْمَفْعُول. قلت: لَا خلاف فِي جَوَاز حذف الْمَفْعُول وَلَكِن لَا يجوز حذف الْفَاعِل لِأَنَّهُ ركن فِي الْكَلَام. قيل: وَالظَّاهِر أَن ذكر الْفَاعِل هُنَا سقط من النَّاسِخ. قلت: لم لَا يجوز أَن يكون الْفَاعِل هُوَ النَّبِي ﷺ ، لِأَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صعد إِلَى الغرفة الَّتِي فِيهَا النَّبِي ﷺ ، ووقف على الْبَاب فَسلم وَلم يسمع شَيْئا، هَكَذَا ثَلَاث مَرَّات، ثمَّ لما أَرَادَ الِانْصِرَاف ناداه النَّبِي ﷺ فَدخل. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي يَعْفُور: فِي غرفَة لَهُ لَيْسَ عِنْده فِيهِ إلَاّ بِلَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر أَن اسْم الْغُلَام الَّذِي أذن لَهُ رَبَاح. قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا أَن يُقَال: إِن بِلَالًا كَانَ عِنْد النَّبِي ﷺ فِي الغرفة، وَإِن رباحا كَانَ خَارج الغرفة على الْبَاب، فَلَمَّا أذن لَهُ النَّبِي ﷺ بلغه بِلَال لرباح ورباح ونادى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أطلقت نِسَاءَك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (وَلَكِن آلَيْت) أَي: حَلَفت، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَنه لَيْسَ المُرَاد الْإِيلَاء الشَّرْعِيّ، فَافْهَم. ٣٩ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّساءِ وقَوْلهِ: ﴿واضربوهن ضَرْبا غَيْرَ مُبَرِّح) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من ضرب النِّسَاء، وَأَرَادَ بِهِ الضَّرْب المبرح فَإِنَّهُ يكره كَرَاهَة تَحْرِيم، وَإِنَّمَا ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿واضربوهن﴾ تَوْفِيقًا بَين الْكتاب وَالسّنة، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿غير مبرح﴾ بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَمَعْنَاهُ غير شَدِيد الْأَذَى، وَعَن قَتَادَة: غير شائن، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: غير مُؤثر، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ بَعضهم: أَمر الله، ، بهجر النِّسَاء فِي الْمضَاجِع وضربهن تذليلاً مِنْهُ لَهُنَّ وتصغيرا على إِيذَاء بعولتهن، وَلم يَأْمر بِشَيْء فِي كِتَابه بِالضَّرْبِ صَرِيحًا إلَاّ فِي ذَلِك وَفِي الْحُدُود الْعِظَام، فتساوى معصيتهن لِأَزْوَاجِهِنَّ بِمَعْصِيَة أهل الْكَبَائِر، وَولى الْأزْوَاج ذَلِك دون الْأَئِمَّة وَجعله لَهُم دون الْقُضَاة بِغَيْر شُهُود وَلَا بَيِّنَة ائتماناا من الله للأزواج على النِّسَاء. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا يكره من ضرب النِّسَاء التَّعَدِّي فِيهِ والإسراف، وَقد بَين النَّبِي ﷺ ذَلِك، فَقَالَ: ضرب العَبْد من أجل الرّقّ يزِيد فَوق ضرب الْحر لتباين حاليهما، وَلِأَن ضرب النِّسَاء إِنَّمَا جَازَ من أجل امتناعها على زَوجهَا من أجل المباضعة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَاخْتلف فِي وجوب ضربهَا فِي الْخدمَة وَالْقِيَاس يُوجب أَنه إِذا جَازَ ضربهَا فِي المباضعة جَازَ فِي الْخدمَة الْوَاجِبَة للزَّوْج عَلَيْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يلْزمهَا أَن تخْدم زَوجهَا فِي شَيْء أصلا، لَا فِي عجين وَلَا فِي طبخ وَلَا كنس وَلَا غزل وَلَا غير ذَلِك، ثمَّ نقل عَن أبي ثَوْر أَنه قَالَ: عَلَيْهَا أَن تخدمه فِي كل شَيْء، وَيُمكن أَن يحْتَج لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح: أَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، شكت إِلَى رَسُول الله ﷺ مَا تَجِد من الرَّحَى، وَبقول أَسمَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كنت أخدم الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا حجَّة فيهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهمَا أَنه ﷺ أَمرهمَا، وَإِنَّمَا كَانَتَا متبرعتين. ٤٠٢٥ - حدّثنا محَمَّد بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ هِشامٍ عَن أبيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَجْلِدْ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ جَلْدَ العَبْدِ ثُمَّ يُجامِعُها فِي آخر الْيَوْم. )

стр. 6080

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَعبد الله بن زَمعَة بالزاي وَالْمِيم وَالْعين بِالْمُهْمَلَةِ المفتوحات وَجَاء بِسُكُون الْمِيم أَيْضا ابْن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد الْأَسدي. والْحَدِيث قد مر بأتم مِنْهُ فِي تَفْسِير سُورَة: ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ (الشَّمْس: ١) [/ ح. قَوْله: (لَا يجلد) بِصِيغَة النَّهْي فِي نسخ البُخَارِيّ، وَرِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أَحْمد بن سُفْيَان النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ الْمَذْكُور بِصِيغَة الْخَبَر. قَوْله: (جلد العَبْد) بِالنّصب أَي: مثل جلد العَبْد، وَعِنْده مُسلم فِي رِوَايَة: ضرب الْأمة، وَعند النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة ضرب العَبْد أَو الْأمة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن سُفْيَان جلد الْبَعِير أَو العَبْد وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب إِن شَاءَ الله تَعَالَى من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: ضرب الْفَحْل أَو العَبْد، وَالْمرَاد بالفحل الْبَعِير، وَوَقع لِابْنِ حبَان كضربك إبلك. قيل: لَعَلَّه تَصْحِيف، وَفِي حَدِيث لَقِيط بن صبرَة عِنْد أبي دَاوُد: وَلَا تضرب ظغينتك ضربك أمتك. قَوْله: (ثمَّ يُجَامِعهَا) جَاءَ فِي لفظ آخر: ثمَّ لَعَلَّه يعانقها، وَفِي التِّرْمِذِيّ مصححا. ثمَّ لَعَلَّه أَن يضاجعها من آخر يَوْمه. قَوْله: (فِي آخر الْيَوْم) ويروى من آخر الْيَوْم أَي: يَوْم جلدهَا، وَعند أَحْمد: من آخر اللَّيْل. وَعند النَّسَائِيّ: آخر النَّهَار. وَفِي الحَدِيث: جَوَاز ضرب العَبْد بِالضَّرْبِ الشَّديد للتأديب. وَفِيه: أَن ضرب النِّسَاء دون ضرب العبيد. وَفِيه: استبعاد وُقُوع الْأَمريْنِ من الْعَاقِل أَن يُبَالغ فِي ضرب امْرَأَته ثمَّ يُجَامِعهَا فِي بَقِيَّة يَوْمه أَو ليلته، وَذَلِكَ أَن المضاجعة إِنَّمَا تستحسن مَعَ ميل النَّفس وَالرَّغْبَة، والمضروب غَالِبا ينفر من ضاربه، وَلَكِن يجوز الضَّرْب الْيَسِير بِحَيْثُ لَا يحصل مِنْهُ النفور التَّام فَلَا يفرط فِي الضَّرْب وَلَا يفرط فِي التَّأْدِيب. ٤٩ - (بابٌ لَا تُطِيعُ المَرْأةُ زَوْجَها فِي مَعْصِيَةٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فَفِيهِ بعض من حَدِيث لَا تطيع الْمَرْأَة فِي مَعْصِيّة لِأَنَّهُ لَا طَاعَة للمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق. ٥٠٢٥ - حدّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيى حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ نافِعٍ عَن الحَسَنِ هُوَ ابنُ مُسْلِمٍ عنْ صَفِيَّةَ عنْ عائِشَة: أنَّ امْرَألاً من الأنْصارِ زَوَّجَتِ ابْنَتَها فَتَمَعَّطَ شَعرُ رأسِهَا، فَجاءَتْ إِلَى النبيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذلِكَ لهُ، فقالتْ: إنَّ زَوْجَها أمَرَنِي أنْ أصِلَ فِي شَعَرِها، فَقَالَ: لَا، إنّهُ قَدْ لُعِنَ المُوصِلَاتُ. (انْظُر الحَدِيث ٥٠٢٥ طرفه فِي: ٤٣٩٥) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وخلاد بتَشْديد اللَّام ابْن يحيى السّلمِيّ بِضَم السِّين الْمُهْملَة الْكُوفِي، سكن مَكَّة وَهُوَ من أَفْرَاده، وَإِبْرَاهِيم بن نَافِع المَخْزُومِي الْمَكِّيّ، وَالْحسن بن مُسلم بن يناق الْمَكِّيّ، وَصفِيَّة هِيَ بنت شيبَة المكية. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن آدم. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن ابْن الْمثنى وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن وهب. قَوْله: (فتمعط) بتَشْديد الْعين الْمُهْملَة أَي: تساقط وتمزق، وَيُقَال: معط الشّعْر وأمعط معطا إِذا تناثر، ومعطته أَنا إِذا نتفته، والأمعط من الرِّجَال السنوط بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم النُّون وَهُوَ الَّذِي لَا لحية لَهُ، يُقَال: رجل سنوط وسناط، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: وَالذِّئْب يكنى أَبَا معيط. قَوْله: (الموصلات) بِضَم الْمِيم وَفتح الْوَاو وبالصاد الْمُهْملَة بِالْفَتْح وَالْكَسْر وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الموصولات. ثمَّ الْعلَّة فِي تَحْرِيمه أما لكَونه شعار الفاجرات أَو تدليسا وتغيير خلق الله ، وَلَا يمْنَع من الْأَدْوِيَة الَّتِي تزيل الكلف وتحسن الْوَجْه للزَّوْج، وَكَذَا أَخذ الشّعْر مِنْهُ، وسئلت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن قشر الْوَجْه فَقَالَت: إِن كَانَ شَيْء ولدت وَهُوَ بهَا فَلَا يحل لَهَا إِخْرَاجه، وَإِن كَانَ شَيْء حدث فَلَا بَأْس بقشره، وَفِي لفظا إِن كَانَ للزَّوْج فافعلي، وَنقل أَبُو عبيد عَن الْفُقَهَاء الرُّخْصَة فِي كل شَيْء وصل بِهِ الشّعْر مَا لم يكن الْوَصْل شعرًا. وَفِي (مُسْند أَحْمد) من حَدِيث ابْن مَسْعُود: نهى مِنْهُ إلَاّ من دَاء. وَفِي الحَدِيث: حجَّة على من جوزه من الشَّافِعِيَّة بِإِذن الزَّوْج. ٥٩ - (بابٌ ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن امْرَأَة﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر: (أَو إعْرَاضًا) قَوْله: (وَإِن امْرَأَة) أَي: وَإِن خَافت امْرَأَة كَمَا فِي قَوْله: ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك﴾ (التَّوْبَة: ٦) وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا ذكره الْمُفَسِّرُونَ بِأَن سَوْدَة خشيت أَن يطلقهَا النَّبِي ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله! لَا تُطَلِّقنِي وَاجعَل يومي لعَائِشَة، فَفعل ﷺ فَنزلت: (من بَعْلهَا) أَي: من

стр. 6081

زَوجهَا. قَوْله: (بنشوزا) وَهُوَ الترفع عَنْهَا وَمنع النَّفَقَة. قَوْله: (أَو إعْرَاضًا) وَهُوَ الِانْصِرَاف عَن مسله إِلَى غَيرهَا، وَجَوَاب: إِن هُوَ قَوْله: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا﴾ . ٦٠٢٥ - حدّثنا ابنُ سَلَامٍ أخبرنَا أبُو مُعاوِيَةَ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائشَةَ، ﵂ ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) قَالَت: هيَ المَرْأةُ تَكُون عِنْدَ الرَّجُلِ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْها فَيُريدُ طَلَاقَها وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَها، تَقُولُ لهُ: أمْسِكْنِي وَلَا تُطَلِّقْنِي ثُمَّ تَزَوَّجْ غيْرِي، فأنْت فِي حلٍّ مِنَ النفَقَةِ علَيَّ والقِسْمَةِ لِي فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا جُناح عَلَيْهِما أنْ يصالحا بَيْنَهُما صُلْحا والصُّلْحُ خَيْرٌ. ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن سَلام هُوَ مُحَمَّد بن سَلام بتَشْديد اللَّام وتخفيفها، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرِير، يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂. والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَلَا يستكثر) أَي: لَا يستكثر من مضاجعتها ومحادثتها والاختلاط بهَا وَلَا تعجبه. قَوْله: (فَأَنت فِي حل) أَي: أحللت عَلَيْك النَّفَقَة وَالْقِسْمَة فَلَا تنْفق عَليّ وَلَا تقسم لي قَوْله: (أَن يصالحا) أَي: أَن يصطلحا، وقرىء أَن يصلحا بِمَعْنى يصطلحا أَيْضا قَوْله: (وَالصُّلْح خير) لِأَن فِيهِ قطع النزاع، وَقَامَ الْإِجْمَاع على جَوَاز هَذَا الصُّلْح. وَاخْتلفُوا: هَل ينْتَقض هَذَا الصُّلْح؟ فَقَالَ عُبَيْدَة: هما على مَا اصطلحا عَلَيْهِ، وَإِن انْتقض فَعَلَيهِ أَن يعدل أَو يُفَارق، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم وَمُجاهد وَعَطَاء، قَالَ ابْن الْمُنْذر: هُوَ قَول الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الصُّلْح فِي ذَلِك جَائِز. قَالَ أَبُو بكر: لَا أحفظ فِي الرُّجُوع شَيْئا، وَقَالَ الْحسن: لَيْسَ لَهَا أَن تنقض، وهما على مَا اصطلحا عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول قَتَادَة، وَقَول الْحسن هُوَ قِيَاس قَول مَالك فِيمَن اُنْظُرْهُ بِالدّينِ أَو أَعَارَهُ عَارِية إِلَى مُدَّة أَن لَا يرجع فِي ذَلِك. وَقَول عُبَيْدَة هُوَ قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لِأَنَّهَا مَنَافِع طارئة لم تقبض، فَجَاز فِيهَا الرُّجُوع. ٦٩ - (بابُ العَزْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم عزل الرجل ذَكَرَهُ من الْفرج لينزل منيه خَارج الْفرج فِرَارًا من الإحبار. ٧٠٢٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يحْيى بن سَعِيدٍ عَن ابنِ جُريْجٍ عنْ عَطاءٍ عنْ جابِرِ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلى عَهْدِ النبيِّ ﷺ . (ي: ٨٠٢٥، ٩٠٢٥) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه فسر الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان يروي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن جَابر بن عبد الله. والْحَدِيث من أَفْرَاده بِهَذَا الْوَجْه، وروى هَذَا عَن جَابر بِوُجُوه أُخْرَى، فروى البُخَارِيّ أَيْضا من طَرِيق عَمْرو عَن عَطاء عَن جَابر قَالَ: كُنَّا نعزل وَالْقُرْآن ينزل. وَأخرجه مُسلم أَيْضا نَحوه، وروى النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث معمر: عَن يحيى بن أبي كثر عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان عَن جَابر، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُول الله! إِنَّا كُنَّا نعزل، فَزَعَمت الْيَهُود أَنَّهَا الموؤودة الصُّغْرَى، فَقَالَ: كذبت الْيَهُود، إِن الله إِذا أرد أَن يخلقه لم يمنعهُ. وروى مُسلم من رِوَايَة معقل وَهُوَ ابْن عبيد الله الْجَزرِي عَن عَطاء، قَالَ: سَمِعت جَابِرا يَقُول: لقد كُنَّا نعزل على عهد رَسُول الله ﷺ ، وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: كُنَّا نعزل على عهد نَبِي الله ﷺ فَبلغ ذَلِك نَبِي الله ﷺ فَلم ينهنا. وروى أَيْضا النَّسَائِيّ من رِوَايَة عُرْوَة بن عِيَاض عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: سَأَلَ رجل النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إِن عِنْدِي جَارِيَة لي وَأَنا أعزل عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن ذَلِك لم يمْنَع شَيْئا أَرَادَ الله الحَدِيث، وروى أَيْضا أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زُهَيْر عَن أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: جَاءَ رجل من الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن لي جَارِيَة أَطُوف عَلَيْهَا وَأَنا أكره أَن تحمل فَقَالَ: اعزل عَنْهَا إِن شِئْت فَإِنَّهُ سيأتيها مَا قدر لَهَا الحَدِيث. وَلَفظ أبي دَاوُد أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر نَحوه. قَوْله: (كُنَّا نعزل على عهد النَّبِي ﷺ قَول الصَّحَابِيّ: كُنَّا نَفْعل كَذَا إِن أَضَافَهُ إِلَى زمن النَّبِي ﷺ ، فَحكمه حكم الْمَرْفُوع على الصَّحِيح عِنْد أهل الحَدِيث من الْأُصُولِيِّينَ، وَذهب أَبُو بكر

стр. 6082

الاسماعيلي إِلَى أَنه مَوْقُوف لاحْتِمَال أَن يكون، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، اطلع على ذَلِك، وَهَذَا الْخلاف لَا يَجِيء هُنَا لوُجُود النَّقْل باطلاعه ﷺ على ذَلِك، كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) من رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر من قَوْله: (فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَلم ينهنا) ، ثمَّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على جَوَاز الْعَزْل. فَمن قَالَ بِهِ من الصَّحَابَة: سعد بن أبي وَقاص وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن عَبَّاس، ذكره عَنْهُم مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن أبي بن كَعْب وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة، لَكِن فِي الْعَزْل عَن الْأمة وهم: عمر بن الْخطاب وخباب بن الْأَرَت. وروى كَرَاهَته عَن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن عمر وَأبي أُمَامَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَذَا روى عَن سَالم وَالْأسود من التَّابِعين، وَرُوِيَ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة التَّفْرِقَة بَين الْحرَّة وَالْأمة، فتستأمر الْحرَّة وَلَا تستأمر الْأمة وهم: عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر، وَمن التَّابِعين سعيد بن جُبَير وَمُحَمّد بن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَعَمْرو بن مرّة وَجَابِر بن زيد وَالْحسن وَعَطَاء وطاووس، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد بن حَنْبَل، وَحَكَاهُ صَاحب (التَّقْرِيب) عَن الشَّافِعِي، وَكَذَا غزاه إِلَيْهِ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم. وتفصيل القَوْل فِيهِ: أَن الْمَرْأَة إِن كَانَت حرَّة فقد ادّعى فِيهِ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) أَنه لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي أَنه لَا يعْزل عَنْهَا إلَاّ بِإِذْنِهَا وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀ دَعْوَى الْإِجْمَاع لَا تصح، فقد اخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي على طَرِيقين: أظهرها كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ ﵀: إِنَّهَا إِن رضيت جَازَ لَا محَالة، وإلَاّ فَوَجْهَانِ أصَحهمَا عِنْد الْغَزالِيّ الْجَوَاز، وَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي (الشَّرْح الصَّغِير) وَالنَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) إِنَّه الْأَصَح وَقَالَ فِي (الرَّوْضَة) إِنَّه الْمَذْهَب وَالطَّرِيق الثَّانِي: أَنَّهَا إِن لم تَأذن لم يجز، وَإِن أَذِنت فَوَجْهَانِ؟ وَإِن كَانَت الْمَرْأَة الْمُزَوجَة أمة فَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب اسْتِئْذَان سَيِّدهَا فَحكى ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) : عَن مَالك وَأبي حنيفَة وأصحابهما أَنهم قَالُوا: الْإِذْن فِي الْعَزْل عَنْهَا إِلَى مَوْلَاهَا وَقَالَ الشَّافِعِي: لَهُ أَن يعْزل عَنْهَا بِدُونِ إِذْنهَا وَإِذن مَوْلَاهَا، وَإِن كَانَت الْمَرْأَة أمة لَهُ، فَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا خلاف بَين فُقَهَاء الْأَمْصَار أَنه يجوز الْعَزْل عَنْهَا بِغَيْر إِذْنهَا وَإنَّهُ لَا حق لَهَا فِي ذَلِك، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀ هَكَذَا أطلق نفي الْخلاف وَلَيْسَ بجيد، وَقد فرق أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْأمة بَين الْمُسْتَوْلدَة وَغَيرهَا، فَإِن لم يكن قد اسْتَوْلدهَا فَقَالَ الْغَزالِيّ وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ: لَا خلاف فِي جَوَازه، قَالَ الرَّافِعِيّ: صِيَانة للْملك، وَاعْترض صَاحب (الْمُهِمَّات) بِأَن فِيهِ وَجها حَكَاهُ الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر أَنه لَا يجوز لحق الْوَلَد، وَإِن كَانَت مُسْتَوْلدَة لَهُ فَقَالَ الرَّافِعِيّ: رتبها مرتبون على الْمَنْكُوحَة الرقيقة، وَأولى بِالْمَنْعِ لِأَن الْوَلَد حر، وَآخَرُونَ على الْحرَّة والمستولدة أولى بِالْجَوَازِ لِأَنَّهَا لَيست راسخة فِي الْفراش، وَلِهَذَا لَا تسْتَحقّ الْقسم. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهَذَا أظهر. ٨٠٢٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌ و: أَخْبرنِي عَطاءٌ سَمِعَ جابِرا ﵁، قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ والقُرْآنُ يَنْزِلُ وعنْ عَمْرٍ وعنْ عَطاءٍ عنْ جابرٍ قَالَ: كُنّا نَعْزِلُ عَلى عَهْدِ النبيِّ ﷺ ، والقُرْآنُ يَنْزِلُ. (انْظُر الحَدِيث ٧٠٢٥ وطرفه) هَذَانِ وَجْهَان فِي حَدِيث جَابر: أَحدهمَا: عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار، وَذكر فِيهِ الْإِخْبَار وَالسَّمَاع، وَلم يذكر على عهد النَّبِي ﷺ . وَالْآخر: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَن عَمْرو، وَذكره بالعنعنة وَذكر فِيهِ على عهد النَّبِي ﷺ ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني كَانَ يعْزل بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الزَّاي على صِيغَة الْمَجْهُول. (فَإِن قلت) روى مُسلم من حَدِيث أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة عَن جد أمة بنت وهب أُخْت عكاشة: حضرت رَسُول الله ﷺ فِي أنَاس الحَدِيث. وَفِيه: ثمَّ سَأَلُوهُ عَن الْعَزْل؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ذَاك الوأد الْخَفي، وَبِه اسْتدلَّ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَالم بن عبد الله وَالْأسود بن يزِيد. وطاووس وَقَالُوا: الْعَزْل مَكْرُوه لِأَنَّهُ ﷺ جعل الْعَزْل بِمَنْزِلَة الوأد إِلَّا أَنه خَفِي، لِأَن من يعْزل عَن امْرَأَته إِنَّمَا يعْزل هربا من الْوَلَد، فَلذَلِك سمي: الموؤدة الصُّغْرَى، والموؤدة الْكُبْرَى هِيَ الَّتِي تدفن وَهِي حَيَّة، كَانَ إِذا ولد لأَحَدهم بنت فِي الْجَاهِلِيَّة دفنوها فِي التُّرَاب وَهِي حَيَّة فَكيف التَّوْفِيق بَين هَذَا وَبَين حَدِيث جَابر وَأبي سعيد وَغَيرهمَا وَفِي حَدِيث جَابر: قُلْنَا يَا رَسُول الله إِنَّا كُنَّا نعزل، فَزَعَمت الْيَهُود أَنَّهَا الموؤدة الصُّغْرَى، فَقَالَ: كذبت الْيَهُود، إِن الله إِذا أَرَادَ أَن يخلقه لم يمنعهُ

стр. 6083

رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قلت: أُجِيب عَن هَذَا بِوُجُوه: الأول: أَنه يحْتَمل أَن يكون الْأَمر فِي ذَلِك كَمَا وَقع فِي عَذَاب الْقَبْر لما قَالَت الْيَهُود إِن الْمَيِّت يعذب فِي قَبره، فكذبهم النَّبِي ﷺ قبل أَن يطلعه الله على ذَلِك، فَلَمَّا أطلعه الله على عَذَاب الْقَبْر أثبت ذَلِك واستعاذ بِاللَّه مِنْهُ، وَهَهُنَا كَذَلِك. الثَّانِي: مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: إِنَّه مَنْسُوخ بِحَدِيث جَابر وَغَيره فَإِن قلت: ذكرُوا أَن جذامة أسلمت عَام الْفَتْح فَيكون حَدِيثهَا مُتَأَخِّرًا فَيكون نَاسِخا لغير قلت: ذكرُوا أَيْضا أَنَّهَا أسلمت قبل الْفَتْح، وَقَالَ عبد الْحق: هُوَ الصَّحِيح. الثَّالِث: قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: حَدِيث جذامة مُضْطَرب الرَّابِع: يرجع إِلَى التَّرْجِيح، فَحَدِيث جذامة يرد من حَدِيثهَا، وَحَدِيث جَابر بِرِجَال الصَّحِيح وَله شَاهد من حَدِيث أبي سعيد على مَا سَيَأْتِي، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي سَلمَة عَنهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الْعَزْل؟ فَقيل: إِن الْيَهُود تزْعم أَنَّهَا الموؤدة الصُّغْرَى، فَقَالَ: كذبت يهود. ٠١٢٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ أسْماء حَدثنَا جُوَيْرِيَةُ عَن مالِكِ بنِ أنسِ عَن الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ مُحَيْرِيزِ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: أصَبْنا سَبْيا فَكُنَّا نَعْزِلُ فَسألْنا رسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: أوَ إنَّكُمْ تَفْعَلُونَ؟ قالَها ثَلَاثا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّا هِيَ كائنةَ. (انْظُر الحَدِيث ٩٢٢٢) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله شيخ البُخَارِيّ ابْن أخي جوَيْرِية، وَأَسْمَاء وَجُوَيْرِية من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَابْن محيريز مصغر محراز بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي واسْمه عبد الله، وَكَذَلِكَ وَقع فِي رِوَايَة يُونُس كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقدر عَن الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي عبد الله بن محيريز الجُمَحِي. وَهُوَ مدنِي سكن الشَّام، وَأَبُو محيريز جُنَادَة كَانَ من رَهْط أبي محدورة الْمُؤَذّن، وَكَانَ يَتِيما فِي حجره. والْحَدِيث قد مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب بيع الرَّقِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن محيريز الحَدِيث. قَوْله: (سبيا) أَي: جواري أخذناها من الْكفَّار أسرا وَذَلِكَ فِي غَزْوَة بني المصطلق، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مصفنه) من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي أُمَامَة بن سهل جَمِيعًا عَن أبي سعيد، قَالَ: لما أصبْنَا سبي بني المصطلق استمتعنا من النِّسَاء وعزلنا عَنْهُن قَالَ: ثمَّ إِنِّي وقفت على جَارِيَة فِي سوق بني قينقاع، فَمر رجل من الْيَهُود فَقَالَ: مَا هَذِه الْجَارِيَة يَا أَبَا سعيد؟ قلت: جَارِيَة لي أبيعها. قَالَ: هَل كنت تصيبها؟ قَالَ: قلت: نعم. قَالَ: فلعلك تبيعها وَفِي بَطنهَا مثل سخلة، قَالَ: كنت أعزل عَنْهَا. قَالَ: هَذِه الموؤدة الصُّغْرَى، قَالَ: فَجئْت رَسُول الله ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ: كذبت يهود، كذبت يهود. قَوْله: (أَو إِنَّكُم تَفْعَلُونَ) اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَت طَائِفَة: ظَاهره الْإِنْكَار والزجر فَنهى عَن الْعَزْل، وَحكى ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن، وَكَأَنَّهُم فَهموا من كلمة: لَا، فِي رِوَايَة أُخْرَى: لَا! مَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا، وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم وَغَيره عَن مَالك إِنَّهَا للنَّهْي عَمَّا سُئِلَ عَنهُ، وَأَن كلمة؛ لَا فِي: أَن لَا تَفعلُوا، لتأكيد النَّهْي كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تعزلوا وَعَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا. وَقَالَت طَائِفَة: إِن هَذَا إِلَى النَّهْي أقرب. وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى: كَأَنَّهَا جعلت جَوَابا لسؤال. قَوْله: (عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) أَي: لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِي أَن لَا تَفعلُوا. وَقَول هَؤُلَاءِ أولى بالمصير إِلَيْهِ بِدَلِيل قَوْله: (مَا من نسمَة) إِلَى آخِره، وَبِقَوْلِهِ: افعلوا أَو لَا تَفعلُوا، إِنَّمَا هُوَ الْقدر، وَبِقَوْلِهِ إِذا أَرَادَ الله خلق شَيْء لم يمنعهُ شَيْء، وَهَذِه الألفظا كلهَا مصرحة بِأَن الْعَزْل لَا يرد الْقدر وَلَا يضر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ، وَبِهَذَا تمسك من رأى إِبَاحَته مُطلقًا عَن الزَّوْجَة وَالْأمة، وَبِه قَالَ كثير من السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، كَمَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (مَا من نسمَة) ، بِفَتَحَات هِيَ: النَّفس، أَي مَا من نفس قدر كَونهَا إلَاّ وَهِي تكون سَوَاء عزلتم أَو لَا، أَي: مَا قدر وجوده لَا يمنعهُ الْعَزْل. وَفِي حَدِيث جَابر أَيْضا: إِن ذَلِك لم يمْنَع شَيْئا أَرَادَهُ الله، وَفِي حَدِيثه أَيْضا وَفِي رِوَايَة مُسلم: أعزل عَنْهَا إِن شِئْت فَإِنَّهُ سيأتيها مَا قدر لَهَا وَفِي حَدِيث الْبَراء، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب (الْعِلَل) لَيْسَ من كل المَاء يكون الْوَلَد. ٧٩ - (بابُ القُرْعَةِ بَيْنَ النِّساء إذَا أرَادَ سَفَرا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقرعَة بَين النِّسَاء إِذا أَرَادَ الرجل السّفر، وَأَرَادَ أَن يَأْخُذ مَعَه إِحْدَى نِسَائِهِ. ١١٢٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا عبْدُ الوَاحِدِ بنُ أيْمَنَ قَالَ حَدثنِي: ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عَن القاسِم عنْ عائِشَة: أَن النبيَّ ﷺ كانَ إذَا خَرَجَ أقْرَعَ بيْنَ نِسَائِهِ، فَطارَتِ القُرْعَةُ لِعائِشَةَ وحَفْصَةَ،

стр. 6084

وَكَانَ النبيُّ ﷺ إذَا كَانَ باللّيْلِ سارَ مَعَ عائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فقالَتْ حَفْصَةُ: أَلا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بعِيري وأرْكَبُ بعِيرَكِ تَنْظُرِينَ وأنحظُرُ؟ فقالَتْ: بَلى، فرَكِبَتْ فَجاءَ النبيُّ ﷺ ، إِلَى جَمَلِ عائشَةَ وعلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلّمَ عَليْهَا ثُمَّ سارَ حتَّى نَزَلُوا، وافْتَقَدَتْهُ عائِشَةُ، فَلمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْها بَيْنَ الإِذْخِرِ وتقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَليَّ عَقْرَبا أوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، وَلَا أسْتَطِيعُ أنْ أقُول لَهُ شَيْئا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وَعبد الْوَاحِد بن أَيمن ضد الْأَيْسَر المَخْزُومِي الْمَكِّيّ يروي عَن عبد الله بن عبيد بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان ثَلَاثَتهمْ عَن أبي نعيم. قَوْله: (كَانَ إِذا خرج) أَي: إِلَى السّفر (أَقرع بَين نِسَائِهِ) وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ وَاجِب فِي حق غير النَّبِي ﷺ ، وَأما النَّبِي ﷺ فَفِي وجوب الْقسم فِي حَقه خلاف فَمن قَالَ بِوُجُوبِهِ يَجْعَل إقراعه وَاجِبا، وَمن لم يُوجِبهُ يَقُول: فعل ذَلِك من حسن الْعشْرَة وَمَكَارِم الْأَخْلَاق وتطييبا لقلوبهن، وَأما الحنفيون فَقَالُوا: لَا حق لَهُنَّ فِي الْقسم حَالَة السّفر، يُسَافر الزَّوْج بِمن شَاءَ وَالْأولَى أَن يقرع بَينهُنَّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَيْسَت أَيْضا بواجبة عِنْد مَالك، وَقَالَ ابْن الْقصار: لَيْسَ لَهُ أَن يُسَافر بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ بِغَيْر قرعَة، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ مَالك مرّة: لَهُ أَن يُسَافر بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ بِغَيْر قرعَة. وَقَالَ الْمُهلب: وَفِيه: الْعَمَل بِالْقُرْعَةِ فِي المقاسمات والاستهام. وَفِيه: أَن الْقسم يكون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار. قَوْله: (فطارت الْقرعَة لعَائِشَة) أَي: حصلت لَهَا ولحفصة بنت عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وطير كل إِنْسَان نصِيبه، يَعْنِي: كَانَ هَذَا فِي سَفَره من سفرات النَّبِي ﷺ . قَوْله: (يتحدث) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال، وَالْحَاصِل أَن النَّبِي ﷺ لما كَانَ فِي هَذِه السفرة وَكَانَت عَائِشَة وَحَفْصَة مَعَه، فَإِذا كَانَ اللَّيْل وهم سائرون يسير مَعَ عَائِشَة يتحدث مَعهَا كَمَا هِيَ عَادَة الْمُسَافِرين لقطع الْمسَافَة، وَاسْتدلَّ بِهِ الْمُهلب على أَن الْقسم لم يكن وَاجِبا على النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ لحرم على حَفْصَة مَا فعلت فِي تَبْدِيل بَعِيرهَا بِبَعِير عَائِشَة، ورد عَلَيْهِ ذَلِك لِأَن الْقَائِل بِوُجُوب الْقِسْمَة عَلَيْهِ لَا يمْنَع من حَدِيث الْأُخْرَى فِي غير وَقت الْقسم لجَوَاز دُخُوله إِلَى غير صَاحِبَة النّوبَة وَقد روى أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ، وَاللَّفْظ لَهُ، من طَرِيق ابْن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: قلَّ يَوْم إلَاّ وَرَسُول الله ﷺ يطوف علينا جَمِيعًا، فَيقبل ويلمس مَا دون الوقاع، فَإِذا جَاءَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمهَا بَات عِنْدهَا. انْتهى. وعماد الْقسم فِي حق الْمُسَافِر وَقت نُزُوله، وَحَالَة السّير لَيست مِنْهُ لَيْلًا كَانَ، أَو نَهَارا. قَوْله: (فَقَالَت حَفْصَة) أَي قَالَت حَفْصَة لعَائِشَة: (أَلا تركبين اللَّيْلَة) أَي: فِي هَذِه اللَّيْلَة بَعِيري وأركب أَنا بعيرك تنظرين إِلَى مَا لم تَكُونِي تنظرين وَأنْظر أَنا إِلَى مَا لم أنظر؟ وَإِنَّمَا حمل حَفْصَة على ذَلِك الْغيرَة الَّتِي تورث الدهش والحيرة وَفِيه: إِشْعَار أَن عَائِشَة وَحَفْصَة لم تَكُونَا متقارنتين بل كَانَت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي جِهَة قَوْله: فَقَالَت: بلَى. أَي: فَقَالَت عَائِشَة لحفصة بلَى ارْكَبِي وَأَنا أركب جملي. قَوْله: (فركبت) أَي حَفْصَة جمل عَائِشَة قَوْله: (فجَاء النَّبِي ﷺ إِلَى جمل عَائِشَة) بِنَاء على أَن عَائِشَة على جملها، وَالْحَال أَن عَلَيْهِ حَفْصَة قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: عَلَيْهَا على تَأْوِيل الْجمل بمؤنث. قَوْله: (فَسلم عَلَيْهَا) أَي: على حَفْصَة وَلم يذكر فِي الْخَبَر أَنه تحدث، وَيحْتَمل أَنه تحدث وَلم ينْقل. قَوْله: (وافتقدته عَائِشَة) أَي: افتقدت عَائِشَة رَسُول الله ﷺ ، أَي: فِي حَالَة المسايرة، لِأَن قطع المألوف صعف قَوْله: (جعلت رِجْلَيْهَا) أَي جعلت عَائِشَة رِجْلَيْهَا بَين الأذخر وَهُوَ نبت مَعْرُوف تُوجد فِيهِ الْهَوَام غَالِبا فِي الْبَريَّة، وَإِنَّمَا فعلت هَذَا لما عرفت أَنَّهَا الجانية فِيمَا أجابت إِلَى حَفْصَة وأرادت أَن تعاقب نَفسهَا على تِلْكَ الْجِنَايَة. قَوْله: (وَتقول: يَا رب سلط عليَّ) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِحرف النداء وَفِي رِوَايَة غَيره رب سلط، بِدُونِ حرف النداء، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (تلدغني) بالغين الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وَلَا أَسْتَطِيع أَن أَقُول لَهُ) أَي لرَسُول الله ﷺ قَالَ الْكرْمَانِي الظَّاهِر أَنه كَلَام حَفْصَة وَيحْتَمل أَن يكون كَلَام عَائِشَة. قلت: الْأَمر بِالْعَكْسِ، بل الظَّاهِر أَنه من كَلَام عَائِشَة، وَظَاهر الْعبارَة يشْعر أَن رَسُول الله ﷺ لم يعرف الْقِصَّة، وَيحْتَمل أَن يكون قد عرفهَا بِالْوَحْي وبالقرائن وتغافل ﷺ عَمَّا جرى إِذا لم يجز مِنْهَا شَيْء يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم. وَعند مُسلم. وَتقول: رب سلط

стр. 6085

عَليّ عقربا أَو حَيَّة تلدغني، رَسُولك لَا أَسْتَطِيع أَن أَقُول لَهُ شَيْئا، وَرَسُولك بِالنّصب بإضمار فعل تَقْدِيره: انْظُر رَسُولك، وَيجوز الرّفْع على الِابْتِدَاء وإضمار الْخَبَر تَقْدِيره: هُوَ رَسُولك. وَقَالَ الْمُهلب. وَفِيه: أَن دُعَاء الْإِنْسَان على نَفسه عِنْد الْحَرج مَعْفُو عَنهُ غَالِبا لقَوْل الله : ﴿وَلَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ استعجالهم بِالْخَيرِ﴾ (يُونُس: ١١) الْآيَة. ٨٩ - (بابُ المَرْأةِ تَهَبُ يَوْمَها مِنْ زَوْجِها لِضرَّتِها، وكَيْفَ يَقْسِمُ ذلِك ؟) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ الْمَرْأَة الَّتِي تهب يَوْمهَا إِلَى آخِره فَقَوله الْمَرْأَة، مُبْتَدأ وَقَوله: (تهب يَوْمهَا) خَبره وَقَوله: (من زَوجهَا) فِي مَحل النصب على أَنه صفة لقَوْله يَوْمهَا، أَي يَوْمهَا الْمُخْتَص لَهَا فِي الْقسم الْكَائِن من زَوجهَا قَوْله: (لضرتها) يتَعَلَّق بقوله تهب. قَوْله: (وَكَيف يقسم ذَلِك) أَي: الْمَذْكُور من هبة الْمَرْأَة يَوْمهَا لضرتها كَيفَ يقسم، وَلم يبين كَيْفيَّة ذَلِك، وَإِنَّمَا ذكر ذَلِك على سَبِيل الِاسْتِفْهَام؟ عَن وَجه الْقِسْمَة أَي: على أَي وَجه يقسم وهب الْمَرْأَة يَوْمهَا من الْقسم لضرتها، بَيَان ذَلِك أَن تكون فِيهِ الْمَوْهُوبَة بِمَنْزِلَة الواهبة فِي رُتْبَة الْقِسْمَة، فَإِن كَانَ يَوْم سَوْدَة ثَالِثا ليَوْم عَائِشَة أَو رَابِعا أَو خَامِسًا استحقته عَائِشَة على حسب الْقِسْمَة الَّتِي كَانَت لسودة، وَلَا يتَأَخَّر عَن ذَلِك الْيَوْم وَلَا يتَقَدَّم وَلَا يكون ثَانِيًا ليَوْم عَائِشَة إلَاّ أَن يكون يَوْم سَوْدَة بعد يَوْم عَائِشَة. ٢١٢٥ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا زُهَيْرٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبيهِ عنْ عائِشةَ ﵂، أنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَها لِعَائِشَةَ، وكانَ النبيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعائِشَةَ بِيَوْمِها ويَوْمِ سَوْدَةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُشْتَمل عَلَيْهَا لِأَن قَوْله: إِن سَوْدَة بنت زَمعَة وهبت يَوْمهَا لعَائِشَة، يَشْمَل الشّطْر الأول من التَّرْجَمَة. وَقَوله: (كَانَ يقسم) إِلَى آخِره، مُشْتَمل على الشّطْر الثَّانِي مِنْهَا. وَهُوَ قَول: وَكَيف يقسم ذَلِك، مَعَ أَنه يُوضح معنى ذَلِك وَهُوَ أَنه يقسم لعَائِشَة الْمَوْهُوب لَهَا يَوْمهَا الْمُخْتَص لَهَا وَيَوْم سَوْدَة الواهبة يَوْمهَا لَهَا على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن. وَمَالك بن إِسْمَاعِيل هُوَ أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ بالنُّون الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الْهَاء، وَزُهَيْر مصغر زهر بن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن الجزيرة يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أبي عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح أَيْضا عَن عَمْرو النَّاقِد عَن الْأسود بن عَامر عَن زُهَيْر بِهِ. قَوْله: (أَن سَوْدَة بنت زَمعَة) بِسُكُون الْمِيم وَفتحهَا ابْن قيس، القرشية العامرية، تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة بعد موت خديحة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَدخل عَلَيْهَا بهَا، وَكَانَ دُخُولهَا بهَا قبل دُخُوله على عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بالِاتِّفَاقِ وَهَاجَرت مَعَه وَتوفيت فِي آخر خلَافَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وهبت يَوْمهَا لعَائِشَة) ، وَقد تقدم فِي الْهِبَة من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بِلَفْظ: يَوْمهَا وليلتها، وَزَاد فِي آخِره تبتغي بذلك رضَا رَسُول الله ﷺ ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عقبَة بن خَالِد عَن هِشَام: لما أَن كَبرت سَوْدَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا جعلت يَوْمهَا من رَسُول الله ﷺ لعَائِشَة، وروى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن يُونُس عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يفضل بَعْضنَا على بعض فِي الْقسم الحَدِيث وَفِيه: وَلَقَد قَالَت سَوْدَة بنت زمعه حِين أَسِنَت وخافت أَن يفارقها رَسُول الله ﷺ : يَا رَسُول الله! يومي لعَائِشَة، فَقبل ذَلِك مِنْهَا، وفيهَا وَفِي أشباهها نزلت: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) الْآيَة. وَتَابعه ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ عَن ابْن أبي الزِّنَاد فِي وَصله، وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَوْصُولا نَحوه. وَأخرج ابْن سعد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات من رِوَايَة الْقَاسِم بن أبي بزَّة مُرْسلا: أَن النَّبِي ﷺ طَلقهَا فَقَعَدت لَهُ على طَرِيقه، فَقَالَت: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَالِي فِي الرِّجَال حَاجَة، وَلَكِن أحب أَن أبْعث مَعَ نِسَائِك يَوْم الْقِيَامَة، فأنشدك بِالَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب هَل طَلقنِي لموجدة وَجدتهَا عَليّ؟ قَالَ: لَا. قَالَت: فأنشدك لما راجعتني، فَرَاجعهَا، قَالَت: فَإِنِّي جعلت يومي وليلتي لعَائِشَة حَبَّة رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي ﷺ يقسم لعَائِشَة بيومها وَيَوْم سَوْدَة) يَعْنِي على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَفِي رِوَايَة جرير عَن هِشَام عِنْد مُسلم: فَكَانَ يقسم لعَائِشَة يَوْمَيْنِ: يَوْمهَا وَيَوْم سَوْدَة انْتهى. وَكَانَ ﷺ ، يقسم لكل وَاحِدَة من نِسَائِهِ يَوْمًا وَلَيْلَة كَمَا تظاهرت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث فَفِي بَعْضهَا: يَوْم، وَالْمرَاد بليلته، وَفِي بَعْضهَا لَيْلَة، وَالْمرَاد مَعَ الْيَوْم، وَفِي بَعْضهَا: يَوْم وَلَيْلَة. وَذهب جمَاعَة من أهل الْعلم إِلَى أَنه لَا يُزَاد فِي

стр. 6086

الْقسم على يَوْم وَلَيْلَة اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي من الشَّافِعِيَّة. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين ﵀: وَحمل الشَّافِعِي ذَلِك على الْأَوْلَوِيَّة والاستحباب، وَنَصّ على جَوَاز الْقسم لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَثَلَاثًا. وَقَالَ فِي (الْمُخْتَصر) وأكره مُجَاوزَة الثَّلَاث فَحَمله الْأَكْثَرُونَ على الْمَنْع وَنقل عَن نَصه فِي (الْإِمْلَاء) أَنه كَانَ يقسم مياومة ومشاهرة ومسانهة، قَالَ الرَّافِعِيّ: فَحَمَلُوهُ على مَا إِذا رضين وَلم يَجْعَلُوهُ قولا آخر، وَحكى عَن صَاحب (التَّقْرِيب) أَنه: يجوز أَن يقسم سبعا سبعا. وَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَغَيره أَنه تجوز الزِّيَادَة مَا لم تبلغ التَّرَبُّص بِمدَّة الْإِيلَاء وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: لَا يجوز أَن يَبْنِي الْقسم على خمس سِنِين مثلا، وَحكى الْغَزالِيّ فِي (الْبَسِيط) وَجها: أَنه لَا تَقْدِير بِزَمَان وَلَا تَوْقِيت أصلا فَإِنَّمَا التَّقْدِير إِلَى الزَّوْج انْتهى كَلَامه. قلت: وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلَا أرى مُجَاوزَة يَوْم إِذْ لَا حجَّة مَعَ من تحظى سنة رَسُول الله ﷺ إِلَى غَيرهَا. أَلا ترى قَوْله فِي الحَدِيث: أَن سَوْدَة وهبت يَوْمهَا لعَائِشَة، وَلم يحفظ عَن رَسُول الله ﷺ فِي قسمته لأزواجه أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة، وَلَو جَازَ ثَلَاثَة لجَاز خَمْسَة شهرا، ثمَّ يتخطى بالْقَوْل إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ، فَلَا يجوز مُعَارضَة السّنة. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الْقسم بَين النِّسَاء وَهُوَ مُتَّفق على اسْتِحْبَابه، فإمَّا وُجُوبه فَادّعى صَاحب (الْمُفْهم) الِاتِّفَاق على وُجُوبه، فَقَالَ شَيخنَا: وَفِي دَعْوَى الِاتِّفَاق نظر فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم: مَذْهَبنَا إِنَّه لَا يلْزم أَن يقسم لنسائه، بل لَهُ إحسانهن كُلهنَّ، لَكِن يكره تعطيلهن. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَعَن القَاضِي أبي حَامِد حِكَايَة أَنه يجب الْقسم بَينهُنَّ وَلَا يجوز لَهُ الْإِعْرَاض. ٩٩ - (بابُ العَدْلِ بَيْنَ النِّساء. ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَاسِعًا حكيما﴾ (النِّسَاء: ٩٢١، ٠٣١) ٢. أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعدْل بَين النِّسَاء، يَعْنِي إِذا كَانَ رجل لَهُ امْرَأَتَانِ أَو ثَلَاث أَو أَربع يجب عَلَيْهِ أَن يعدل بَينهُنَّ فِي الْقسم، إلَاّ برضاهن، بِأَن يرضين بتفضيل بَعضهنَّ على بعض، وَيحسن مَعَهُنَّ عشرتهن وَلَا يدْخل بَينهُنَّ من التحاسد والعداوة مَا يكدر صحبته لَهُنَّ، وَتَمام الْعدْل أَيْضا بَينهُنَّ تسويتهن فِي النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالْهِبَة وَنَحْوهَا قَوْله: ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٩٢١) أَي: لن تُطِيقُوا أَيهَا الرِّجَال أَن تسووا بَين نِسَائِكُم فِي حبهن بقلوبكم حَتَّى تعدلوا بَينهُنَّ فِي ذَلِك لِأَن ذَلِك مِمَّا لَا تملكونه، وَلَو حرصتم فِي تسويتكم بَينهُنَّ فِي ذَلِك، وروت الْأَرْبَعَة من حَدِيث عبد الله بن يزِيد عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقسم بَين نِسَائِهِ فيعدل، وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قسمي فِيمَا أملك فَلَا تلمني فِيمَا تملك وَلَا أملك قَوْله: فِيمَا أملك أَي: فِيمَا قدرتني عَلَيْهِ مِمَّا يدْخل تَحت الْقُدْرَة وَالِاخْتِيَار بِخِلَاف مَا لَا قدرَة عَلَيْهِ من ميل الْقلب فَإِنَّهُ لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة. وروى الْأَرْبَعَة أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : إِذا كَانَ عِنْد الرجل امْرَأَتَانِ فَلم يعدل بَينهمَا جات يَوْم الْقِيَامَة وَشقه سَاقِط. قيل: المُرَاد سُقُوط شقَّه حَقِيقَة أَو المُرَاد سُقُوط حجَّته بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِحْدَى امرأتيه الَّتِي مَال عَلَيْهَا مَعَ الْأُخْرَى؟ وَالظَّاهِر الْحَقِيقَة، تدل عَلَيْهَا رِوَايَة أبي دَاوُد: وَشقه مائل، وَالْجَزَاء من جنس الْعَمَل، وَلما لم يعدل أَو حاد عَن الْحق، والجور الْميل كَانَ عَذَابه بِأَن يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الأشهاد وَأحد شقيه مائل فَإِن قلت: أَمر المزوجون بِالْعَدْلِ بَين نِسَائِهِم، وَالْآيَة تخبر بِأَنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يعدلُوا قلت: الْمَنْفِيّ فِي الْآيَة الْعدْل بَينهُنَّ من كل جِهَة أَلا ترى كَيفَ قَالَ النَّبِي ﷺ : فَلَا تلمني فِيمَا تملك وَلَا أملك؟ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: يَعْنِي بِهِ الْحبّ والمودة لِأَن ذَلِك مِمَّا لَا يملكهُ الرجل وَلَا هُوَ فِي قدرته. وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَنْهُمَا: لَا تَسْتَطِيع أَن تعدل بالشهوة فِيمَا بَينهُنَّ وَلَو حرصت، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: دلّت هَذِه الْآيَة على أَن التَّسْوِيَة بَينهُنَّ فِي الْمحبَّة غير وَاجِبَة، وَقد أخبر رَسُول الله ﷺ أَن عَائِشَة أحب إِلَيْهِ من غَيرهَا من أَزوَاجه، فَلَا تميلوا كل الْميل بأهوائكم حَتَّى يحملكم ذَلِك على أَن تَجُورُوا فِي الْقسم على الَّتِي لَا تحبون. قَوْله: إِلَى قَوْله: ﴿وسعا حكيما﴾ (النِّسَاء: ٠٣١) يَعْنِي: إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ. وأولهما من قَوْله: ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء وَلَو حرصتم فَلَا تميلوا كل الْميل فتذروها كالمعلقة وَأَن تصلحوا وتتقوا فَإِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما وَإِن يَتَفَرَّقَا يغن الله كلاًّ سعته وَكَانَ الله وَاسِعًا حكيما﴾ (النِّسَاء: ٩٢١، ٠٣١) قَوْله: (فَلَا تميلوا كل الْميل) أَي: فَلَا تَجُورُوا على المرغوب عَنْهَا كل الْجور فتمنعوها قسمتهَا من غير رِضَاهَا. قَوْله: (فتذروها) أَي فتتركوها كالمعلقة وَهِي الَّتِي لَيست بِذَات بعل وَلَا مُطلقَة، وَقيل: لَا أيم وَلَا ذَات زوج. قَوْله: (وَأَن تصلحوا) أَي: فِيمَا بَيْنكُم وبينهن بِالِاجْتِهَادِ مِنْكُم فِي الْعدْل

стр. 6087

بَينهُنَّ وتتقوا الْميل فِيهِنَّ فَإِن الله غَفُور مَا عجزت عَنهُ طاقتكم من بُلُوغ الْميل مِنْكُم فِيهِنَّ. قَوْله: (وَإِن يَتَفَرَّقَا) يَعْنِي: وَإِن يُفَارق كل مِنْهُمَا صَاحِبَة يغن الله كلا يَعْنِي: يرزقه زوجا خيرا من زوجه وعيشا أهنأ من عيشه، وَالسعَة: الْغَنِيّ وَالْقُدْرَة، والواسع: الْغَنِيّ المقتدر. ٠٠١ - (بابٌ إذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ علَى الثَّيِّب) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يفعل الرجل إِذا تزوج امْرَأَة بكرا على امْرَأَة ثيب وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، الَّذِي هُوَ يبين الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْبكْر خلاف الثّيّب ويقعان على الرجل وَالْمَرْأَة،، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الثّيّب من لَيْسَ ببكر، وَيَقَع على الذّكر وَالْأُنْثَى، يُقَال: رجل ثيب وَامْرَأَة ثيب، وَقد يُطلق على الْمَرْأَة الْبَالِغَة وَإِن كَانَت بكرا مجَازًا واتساعا، وَاصل الْكَلِمَة الْوَاو لِأَنَّهُ من ثاب يثوب إِذا رَجَعَ، فَإِن الثّيّب بصدد الْعود وَالرُّجُوع قلت: أصل الثّيّب ثويب اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، فَافْهَم. ٣١٢٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا بِشْرٌ حَدثنَا خالِدٌ عنْ أبي قِلَابَةَ عَن أنَسٍ، ﵁، ولَوْ شِئْتُ أَن أقُولَ قَالَ النبيُّ ﷺ ، ولكِنْ قَالَ: السُّنَّةُ إذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَها سَبْعا، وإذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أقامَ عِنْدَها ثَلاثا. (انْظُر الحَدِيث ٣١٢٥ طرفه فِي: ٤١٢٥) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل بن لَاحق أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام: عبد الله بن زيد الْجرْمِي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن رَافع وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي سَلمَة يحيى بن خلف. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن هناد بن السّري عَن عَبدة بن سُلَيْمَان. قَوْله: (وَلَو شِئْت أَن أَقُول: قَالَ النَّبِي ﷺ اخْتلف فِي قَائِل هَذَا القَوْل أَعنِي قَوْله: (وَلَو شِئْت) فَقيل: خَالِد الْحذاء رَاوِي الحَدِيث. وَقد صرح بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: أخبرنَا هشيم عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: إِذا تزوج الْبكر على الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا سبعا وَإِذا تزوج الثّيّب على الْبكر أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا، قَالَ خَالِد: وَلَو قلت إِنَّه رَفعه لصدقت، وَلكنه قَالَ: السّنة كَذَلِك انْتهى. وَقيل: هُوَ أَبُو قلَابَة الرَّاوِي، وَقد صرح بهما البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله قَوْله: (وَلَكِن قَالَ: السّنة إِذا تزوج الْبكر) إِلَى آخِره، أَي: وَلَكِن قَالَ أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ السّنة إِلَى آخِره، وخَالِد أَو أَبُو قلَابَة لَو قَالَ: قَالَ أنس: قَالَ النَّبِي ﷺ لَكَانَ صَادِقا فِي تصريحه بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ ، لكنه رأى أَن الْمُحَافظَة على اللَّفْظ أولى، وَقَوله: (السّنة) يَقْتَضِي أَن يكون مَرْفُوعا بطرِيق اجتهادي احتمالي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ فَإِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: السّنة كَذَا، أَو من السّنة كَذَا فَهُوَ فِي الحكم كَقَوْلِه: قَالَ التبي ﷺ قَوْله: (سبعا) أَي: سبع ليَالِي وَيدخل فِيهَا الْأَيَّام، وَقَالَ الْخطابِيّ: السَّبع تَخْصِيص للبكر لَا يحْسب بهَا وَعَلَيْهَا، وَكَذَا الثَّلَاث للثيب، ويستأنف الْقِسْمَة بعده، وَهَذَا من الْمَعْرُوف الَّذِي أَمر الله بِهِ فِي معاشرتهن، وَذَلِكَ أَن الْبكر لما فِيهَا من الْحيَاء وَلُزُوم الخدر تحْتَاج إِلَى فضل إمهال وصبر وتأن ورفق، وَالثَّيِّب قد جربت الرِّجَال إِلَّا أَنَّهَا من حَيْثُ استجداد الصُّحْبَة أكرمت بِزِيَادَة الوصلة، وَهِي مُدَّة الثَّلَاث. ١٠١ - (بَاب إذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّب علَى البِكْر) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يفعل الرجل إِذا تزوج امْرَأَة ثَيِّبًا على امْرَأَة بكر، وَهَذِه التَّرْجَمَة عكس التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن جَوَاب: إِذا مَحْذُوف، وَهنا كَذَلِك. ٤١٢٥ - حدّثنا يُوسُفُ بنُ راشدٍ حَدثنَا أبُو أسامَةَ عنْ سُفْيانَ حَدثنَا أيُّوبُ وخالِدٌ عنْ أبي قِلَابة عنْ أنَسٍ قَالَ: من السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّج الرَّجُلُ البِكْرَ علَى الثيِّبِ أقامَ عِنْدَها سَبْعا وقَسَمَ، وَإِذا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ علَى البِكْرِ أقامَ عِندَها ثَلَاثا ثُمَّ قَسَمَ قَالَ أبُو قِلَابَةَ: ولوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إنَّ أنَسا رفَعَهُ إِلَى النبيِّ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٣١٢٥ طرفه فِي: ٤١٢٥)

стр. 6088

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن يُوسُف بن مُوسَى بن رَاشد نسب إِلَى جده وَهُوَ الْقطَّان الْكُوفِي، سكن بَغْدَاد وَهُوَ من أَفْرَاده. وَأَبُو أُسَامَة، وسُفْيَان وَهُوَ الثَّوْريّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة هُوَ عبد الله بن زيد. وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من عشر طرق صِحَاح، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَن الرجل إِذا تزوج الثّيّب أَنه بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ سبَّع لَهَا وسبّع لسَائِر نِسَائِهِ، وَإِن شَاءَ أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا وَدَار على بَقِيَّة نِسَائِهِ يَوْمًا يَوْمًا وَلَيْلَة لَيْلَة قلت: أَرَادَ بالقوم إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعامر الشّعبِيّ ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبا ثَوْر وَأَبا عبيد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: إِن ثلَّث لَهَا ثلَّث لسَائِر نِسَائِهِ كَمَا إِذا سبَّع لَهَا وسبَّع لسَائِر نِسَائِهِ. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْحكم بن عتبَة وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا ﵏، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث أم سَلمَة أخرجه الطَّحَاوِيّ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهَا: (إِن شِئْت سبعت عنْدك سبعت عِنْدهن) وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) مطولا وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ بأطول مِنْهُ وَأخرجه أَبُو يعلى أَيْضا وَالْبَيْهَقِيّ. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : إِن شِئْت سبعت لَك سبعت عِنْدهن، أَي: أعدل بَينهُنَّ وَبَيْنك فَاجْعَلْ لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ سبعا، كَذَلِك إِذا جعل لَهَا ثَلَاثًا جعل لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ ثَلَاثًا. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: حَدِيث أنس الْمَذْكُور حجَّة على الْحَنَفِيَّة قلت: كَذَلِك حَدِيث أم سَلمَة حجَّة على الشَّافِعِيَّة، واحتجت الْحَنَفِيَّة أَيْضا بِحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقسم بَين نِسَائِهِ فيعدل الحَدِيث رَوَاهُ الْأَرْبَعَة، وَقد مر عَن قريب، فَظَاهره يَقْتَضِي الْمُسَاوَاة بَينهُنَّ مُطلقًا. قَوْله: (من السّنة) قد ذكرنَا عَن قريب أَن هَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي كَون الحَدِيث مَرْفُوعا وَلما ذكر التِّرْمِذِيّ حَدِيث خَالِد الْحذاء صَححهُ ثمَّ قَالَ: وَقد رَفعه مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن أنس وَلم يرفعهُ بَعضهم. قلت: وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق ابْن إِسْحَاق مَرْفُوعا عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن أنس قَالَ رَسُول الله ﷺ : للثيب ثَلَاث وللبكر سبع وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا مَرْفُوعا كَذَلِك من طَرِيق عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي (صَحِيحهمَا) مَرْفُوعا. قَوْله: (وَقسم ثمَّ قَالَ: أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا ثمَّ قسم) بِالْوَاو فِي الأول وبلفظ ثمَّ فِي الثَّانِي، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم من طَرِيق حَمْزَة بن عون بِلَفْظ: ثمَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي ثَلَاث ليَالِي مَعَ أَيَّامهَا. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْمقَام الْمَذْكُور. هَل هُوَ من حُقُوق الْمَرْأَة على الزَّوْج أَو من حُقُوق الزَّوْج على سَائِر نِسَائِهِ؟ فَقَالَت طَائِفَة: هُوَ حق الْمَرْأَة إِن شَاءَت طالبته وَإِن شَاءَت تركته، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ من حق الزَّوْج إِن شَاءَ أَقَامَ عِنْدهَا وَإِن شَاءَ لم يقم، فَإِن أَقَامَ عِنْدهَا فَفِيهِ الْخلاف الْمَذْكُور، وَإِن لم يقم عِنْدهَا إِلَّا لَيْلَة دَار، وَكَذَلِكَ إِن أَقَامَ ثَلَاثًا دَار على مَا مضى من الْخلاف الْمَذْكُور، الأول أولى لإخبار رَسُول الله ﷺ أَن ذَلِك حق الْبكر وَالثَّيِّب، وَهل يتَخَلَّف الْعَرُوس فِي هَذِه الْمدَّة عَن صَلَاة الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة؟ فروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه لَا يتَخَلَّف عَنْهَا. وَقَالَ سَحْنُون قد قَالَ بعض النَّاس: أَنه لَا يخرج لِأَن ذَلِك حق لَهَا بِالسنةِ. وَقَالَ عبْدُ الرَّزَّاقِ: أخْبرنا سفْيانُ عَن أيُّوبَ وخالِد قَالَ خالِدٌ: ولوْ شِئْتُ قْلُتْ رفعَهُ إِلَى النبيِّ ﷺ . أَي: قَالَ عبد الرَّزَّاق فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بِالْمَتْنِ الْمَذْكُور عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وخَالِد الْحذاء كِلَاهُمَا عَن أبي قلَابَة عَن أنس قَالَ: من السّنة إِلَى آخِره وَوَصله مُسلم قَالَ: وحَدثني مُحَمَّد بن رَافع قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ: أخبرنَا سُفْيَان عَن أَيُّوب وخَالِد الْحذاء عَن أبي قلَابَة عَن أنس قَالَ: من السّنة أَن تقيم عِنْد الْبكر سبعا، قَالَ خَالِد: وَلَو سئت لَقلت رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ قَوْله: (رَفعه) أَي: رفع الحَدِيث أنس إِلَى النَّبِي ﷺ . ٢٠١ - (بابُ منْ طافَ علَى نِسَائهِ فِي غُسْلٍ واحِدٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من طَاف على نِسَائِهِ أَي: جامعهن فِي غسل وَاحِد أَرَادَ بِهِ أَنه لم يغْتَسل لكل جماع بِغسْل على حِدة. ٥١٢٥ - حدّثنا عبْدُ الأعْلَى بنُ حَمَّادٍ حَدثنَا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ حَدثنَا سَعِيدٌ عَن قَتَادَة أنَّ أنس بنَ مالِك حدَّثَهُمْ أنَّ نَبيَّ الله ﷺ كانَ يَطُوفُ علَى نِسائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ ولهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوةٍ. )

стр. 6089

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد بن نصر أَبُو يحيى أَصله بَصرِي سكن بَغْدَاد، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع. والْحَدِيث مُضِيّ بأتم مِنْهُ فِي كتاب الْغسْل فِي بَاب إِذا جَامع ثمَّ عَاد وَمن دَار على نِسَائِهِ فِي غسل وَاحِد، وبسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَله تسع نسْوَة) وَتقدم هُنَاكَ وَكَانَ يَدُور على نِسَائِهِ فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة من اللَّيْل وَالنَّهَار وَهن إِحْدَى عشرَة، وَجمع بَينهمَا بِأَن أَزوَاجه كن تسعا فِي هَذ الْوَقْت وسريتاه مَارِيَة وَرَيْحَانَة، على رِوَايَة من روى أَن رَيْحَانَة كَانَت أمة، وروى بَعضهم أَنَّهَا كَانَت زَوْجَة، وَلَقَد سَمِعت أساتذتي الْكِبَار رَحِمهم الله تَعَالَى، أَن كل نَبِي من الْأَنْبِيَاء ﵈ أُعطي قُوَّة أَرْبَعِينَ رجلا وَأعْطِي نَبينَا مُحَمَّد ﷺ قُوَّة أَرْبَعِينَ نَبيا، فَتكون قوته على هَذَا قُوَّة ألف رجل وسِتمِائَة رجل، فَانْظُر إِلَى ورعه وَصَبره الْعَظِيم الَّذِي لم يُعْط أحد مثله كَيفَ اكْتفى بِهَذَا الْمِقْدَار، وَانْظُر إِلَى سُلَيْمَان ﵇، حَيْثُ كَانَت لَهُ ألف امْرَأَة على مَا قيل، مِنْهَا ثَلَاثمِائَة حرائر وَسَبْعمائة إِمَاء أما دَاوُد ﵇، فَكَانَت لَهُ مائَة امْرَأَة، وَمَعَ هَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يطوي الْأَيَّام لَا يَأْكُل ويواصل فِي الصَّوْم حَتَّى كَانَ يشد الْحجر على بَطْنه وَيقوم بالليالي حَتَّى تتورم قدماه، وَمَا هَذِه إِلَّا فَضَائِل خصّه الله بهَا وَجعله أفضل خلقه وَسيد أنبيائه، صلوَات الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ. ٣٠١ - (بابُ دُخُولِ الرَّجُلِ علَى نِسائِهِ فِي اليَوْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز دُخُول الرجل على نِسَائِهِ فِي النَّهَار، لِأَن لكل وَاحِد من نِسَائِهِ يَوْمًا فِي الْقسم تبعا لليلته، وَكَانَ لَا يَنْبَغِي أَن يدْخل على وَاحِدَة فِي غير يَوْمهَا، وَلَا عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فِي يَوْم، وَلَكِن جوز دُخُوله لضَرُورَة كوضع مَتَاع وَنَحْوه، وَلَا يَنْبَغِي أَن يطول مكثه وَلَا تجب التَّسْوِيَة فِي الْإِقَامَة نَهَارا، وَيُقَال: لَيْسَ حَقِيقَة الْقسم بَين النِّسَاء إلَاّ فِي اللَّيْل خَاصَّة لِأَن للرجل التَّصَرُّف نَهَاره فِي معيشته وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أُمُوره، فَإِذا كَانَ دُخُول امْرَأَة فِي غير يَوْمهَا دُخُولا خَفِيفا فِي حَاجَة بَعْضهَا فَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي جَوَاز ذَلِك، وَقَالَ مَالك: لَا يَأْتِي إِلَى وَاحِدَة من نِسَائِهِ فِي يَوْم الْأُخْرَى إلَاّ لحَاجَة أَو عِيَادَة، نَقله ابْن الْمَوَّاز عَنهُ، وَقَالَ غَيره: وَأما جُلُوسه عِنْدهَا ومحادثتها تلذذا فَلَا يجوز ذَلِك عِنْدهم فِي غير يَوْمهَا. ٦١٢٥ - حدّثنا فَرْوَةُ حَدثنَا علِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ ، إذَا انْصَرَفَ منَ العَصْرِ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ يَدْنُو مِنْ إحْدَاهُنَّ فَدَخَلَ علَى حَفْصَةَ فاحْتَبَسَ أكْثَرَ مَا كانَ يحْتَبِسُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي دُخُوله ﷺ على نِسَائِهِ فِي الْيَوْم. وفروة، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء: ابْن أبي المغراء الْكِنْدِيّ الْكُوفِي مَاتَ فِي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، قَالَه البُخَارِيّ، وَعلي بن مسْهر بِضَم الْمِيم على صِيغَة اسْم الْفَاعِل، من الإسهار بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء، يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَهَذَا طرف من حَدِيث طَوِيل يَأْتِي فِي كتاب الطَّلَاق فِي: بَاب ﴿لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ (التَّحْرِيم: ١) وَقَالَ ابْن الْمُهلب: هَذَا إِنَّمَا كَانَ يَفْعَله ﷺ نَادرا وَلم يكن يَفْعَله أَبَد الدَّهْر، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَله لما أَبَاحَ الله تَعَالَى لَهُ بقوله: ﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء﴾ (الْأَحْزَاب: ١٥) فَكَانَ يذكرهن بِهَذَا الْفِعْل فِي الغب إفضاله عَلَيْهِنَّ فِي الْعدْل بَينهُنَّ لِئَلَّا يظنون أَن الْقِسْمَة حق لَهُنَّ عَلَيْهِ، وَأَجَازَ مَالك أَن يَأْتِي إِلَى الْأُخْرَى فِي حَاجَة وليضع شَأْنه إِذا كَانَ على غير ميل، وَقَالَ أَيْضا: لَا يُقيم عِنْد إِحْدَاهمَا إلَاّ من عذر، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: لَا بَأْس أَن يقف بِبَاب إِحْدَاهمَا وَيسلم من غير أَن يدْخل وَأَن يَأْكُل مِمَّا يبْعَث إِلَيْهِ. ٤٠١ - (بَاب إذَا اسْتأذَنَ الرَّجلُ نِساءَهُ فِي أنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ بَعْضِهِنَّ فأذِنَ لهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز اسْتِئْذَان الرجل نِسَاءَهُ فِي أَن يمرض، على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض، وَهُوَ الْقيام على الْمَرِيض وتعاهد حَاله. قَوْله: (فَأذن) بتَشْديد النُّون لِأَنَّهُ جمع مؤنث غيبَة من الْمَاضِي.

стр. 6090

٧١٢٥ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ هِشامُ بنُ عُرْوَةَ: أَخْبرنِي أبي عَن عائِشَةَ، ﵂: أنَّ رَسُول الله ﷺ ، كَانَ يَسْألُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: أيْنَ أَنا غَدا؟ أيْنَ أَنا غَدا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عائِشَةَ فأذِنَ لهُ أزْوَجُهُ يَكُونُ حيْثُ، فَكان فِي بَيْتِ عائِشَةَ حتَّى ماتَ عِنْدَها. قالَتْ عائِشَةُ، فَماتَ فِي اليَوْمِ الّذِي يَدُورُ عَليَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ الله وإنَّ رأْسَهُ لَبَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي، وخالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأذن لَهُ أَزوَاجه) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب مرض النَّبِي ﷺ ووفاته، بأتم مِنْهُ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أَيْن أَنا غَدا؟) مُكَرر مرَّتَيْنِ وَهُوَ اسْتِفْهَام للاستئذان مِنْهُنَّ أَن يكون عِنْد عَائِشَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يحْتَج بِهَذَا على وجوب الْقسم عَلَيْهِ ﷺ إِذا لَو لم يجب لم يحْتَج إِلَى الْإِذْن. قلت: لَك يكن الاسْتِئْذَان إلَاّ لتطييب قلوبهن ومراعات خواطرهن، وإلَاّ فَلَا وجوب عَلَيْهِ. قَوْله: (فِي الْيَوْم) أَي: فِي يَوْم نوبتي حِين كَانَ يَدُور فِي ذَلِك الْحساب. قَوْله: (فِيهِ) يتَعَلَّق بقوله: يَدُور، وَقَوله: (فِي بَيْتِي) يتَعَلَّق بقوله: (فَمَاتَ وَإِن رَأسه) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (سحرِي) بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ الرئة. قَوْله: (وَنَحْرِي) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْحَاء هُوَ مَوضِع القلادة. قَوْله: (وخالط رِيقه) بِالرَّفْع فَاعل على خالط. وَقَوله: (ريقي) مَفْعُوله أَي: خالط ريق رَسُول الله ﷺ ريقي، ذَلِك أَنَّهَا أخذت سواكا وسوته بأسنانها وأعطته رَسُول الله ﷺ ، فاستاك بِهِ عِنْد وَفَاته ﷺ . ٥٠١ - (بابُ حُبِّ الرَّجلِ بَعْضَ نِسائِهِ أفْضَلَ منْ بَعْضٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر حب الرجل بعض نِسَائِهِ حبا أفضل أَي أَزِيد حبا من حب بعض وَالْحب فِي اللُّغَة خلاف البغض، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْحبّ ميل الْقلب وتوجهه إِلَى شَيْء وَذكره إِيَّاه فِي أَكثر أوقاته بِلِسَانِهِ وَذكره بِقَلْبِه. ٨١٢٥ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُلَيْمانُ عنْ يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ بنِ حُنَيْن سمِعَ ابنَ عبَّاسٍ عنْ عُمَرَ، ﵃، دخلَ علَى حَفصَةَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ لَا يَغُرَّنَّكِ هاذِهِ الّتي أعْجَبَها حُسْنها حُبُّ رسولِ الله ﷺ ، إيَّاها يُرِيدُ عائِشَةَ، فَقَصَصْتُ علَى رسولِ الله ﷺ فَتَبَسَّمَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (حب رَسُول الله ﷺ إِيَّاهَا يَعْنِي: عَائِشَة) فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبهَا أَكثر من سَائِر نِسَائِهِ وَلَا حرج على الرجل إِذا آثر بعض نِسَائِهِ فِي الْمحبَّة إِذا سوَّى بَينهُنَّ فِي الْقسم والمحبة مِمَّا لَا تجلب بالاكتساب وَالْقلب لَا يملكهَا وَلَا يُسْتَطَاع فِيهِ الْعدْل، وَرفع الله فِيهِ عَن عباده الْحَرج، قَالَ الله : ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٨٢) وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى العامري الأويسي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَعبيد بن حنين مولى زيد بن الْخطاب، وحنين مصغر حن بِالْحَاء الْمُهْملَة. وَهَذَا طرف من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر فِي: بَاب موعظة الرجل ابْنَته وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (يَا بنية) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو ذَر، وروى: يَا بني، مرخما وَيفتح ياؤه وَيضم قَوْله: (أعجبها حسنها حب رَسُول الله ﷺ ويروى: وَحب رَسُول الله ﷺ ، قَالَ الْكرْمَانِي: حب، بِدُونِ الْوَاو إِمَّا بدل أَو عطف بِتَقْدِير حرف الْعَطف عِنْد من جوز تَقْدِيره. قلت: هَذَا بدل الْغَلَط وَلَا يَقع هَذَا فِي الْقُرْآن وَلَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الفصيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: إِن قَوْله حب، مَرْفُوع على أَنه فَاعل: أعجب، وحسنها مَنْصُوب على التَّعْلِيل، وَالتَّقْدِير: أعجبها حب رَسُول الله ﷺ لأجل حسنها. ٦٠١ - (بابُ المُتَشَبِّعِ بِما لَمْ يَنَلْ وَمَا يُنْهَى مِنِ إضْجارِ الضَّرَّةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ المتشبع بِمَا لم ينل، وَلَفظ الْبَاب مُعرب لِأَنَّهُ أضيف إِلَى المتشبع وَسَنذكر تَفْسِيره فِي الحَدِيث. قَوْله: (وَمَا ينْهَى) أَي: وَفِي بَيَان مَا ينْهَى. وَكلمَة: مَا مَصْدَرِيَّة أَي: وَفِي بَيَان النَّهْي عَن إضجار الضرة أَي إِلْحَاق الْغم والقلق إِيَّاهَا. وَفِي (الْمغرب) :

стр. 6091

الضجر قلق من غم وضيق نفس مَعَ الْكَلَام. قَالَ الْجَوْهَرِي: ضرَّة الْمَرْأَة امْرَأَة زَوجهَا. وَقَالَ صَاحب (الْمُحكم) : الضرتان امرأتا الرجل كل وَاحِدَة مِنْهُمَا ضرَّة لصاحبتها وَهن الضرائر. ٩١٢٥ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب حَدثنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ عَن هشامٍ عنْ فاطِمَةَ عنْ أسْماءَ عنِ النبيِّ ﷺ . وحَدثني مُحَمَّد بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَحْياى عَن هِشامٍ حدَّثَتْنِي فاطِمَةُ عنْ أسْماءَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿إنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَليَّ جُناحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجي غَيْرَ الّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبِيْ زْورٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقَوله: (المتشبع) يَشْمَل شطري التَّرْجَمَة. وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَفَاطِمَة هِيَ بنت الْمُنْذر بن الزبير، وَأَسْمَاء هِيَ بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير حَدثنَا وَكِيع وَعَبدَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن امْرَأَة قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أَقُول: إِن زَوجي أَعْطَانِي مَا لم يُعْط. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : المتشبع بِمَا لم يُعْط كلابس ثوبي زور، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) : عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: إِنَّمَا يرويهِ هَكَذَا معمر وَالْمبَارك بن فضَالة، وَالصَّحِيح: عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء. وَإِخْرَاج مُسلم حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة لَا يَصح، وَالصَّوَاب حَدِيث عَبدة ووكيع وَغَيرهمَا عَن هِشَام عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء. وَلما رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث معمر عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَ: هَذَا خطأ وَالصَّوَاب حَدِيث أَسمَاء. قلت: وَمُسلم أخرجه أَيْضا من حَدِيث هِشَام عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء، فَيحْتَمل أَن يكون كِلَاهُمَا صَحِيحَيْنِ عِنْده. ثمَّ إِن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن هِشَام عَن حَمَّاد بن زيد عَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء عَن النَّبِي ﷺ ، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن هِشَام بن عُرْوَة إِلَى آخِره. قَوْله: (إِن لي ضرَّة) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن لي جَارة، وَهِي الضرة أَيْضا. قَوْله: (جنَاح) أَي: إِثْم. قَوْله: (إِن تشبعت من زَوجي) أَي: قَالَت أَسمَاء الراوية: إِن تشبعت من زَوجي الزبير بن الْعَوام؟ كَذَا سميت الْمَرْأَة وضرتها وَبَعْضهمْ قَالَ: لم أَقف على تعْيين هَذِه الْمَرْأَة وَزوجهَا. قَوْله: (المتشبع) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المتشبع المتزين بِأَكْثَرَ مِمَّا عِنْده يتكثر بذلك ويتزين بِالْبَاطِلِ، كَالْمَرْأَةِ تكون لَهَا ضرَّة فتشبع عِنْدهَا بِمَا تدعيه من الحظوة عِنْد زَوجهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا عِنْده لَهَا تُرِيدُ بذلك غيظ صَاحبهَا وَإِدْخَال الْأَذَى عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الرجل، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المتكثر بِمَا لَيْسَ عِنْده مَذْمُوم مثل من لبس ثوبي زور، وَقيل: هُوَ من يلبس قَمِيصًا وَاحِدًا ويصل بكميه كمين آخَرين فَيظْهر أَن عَلَيْهِ قميصين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : المتشبه بالشبعان وَلَيْسَ بِهِ، واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها وَشبه بلابس ثوبي زور، أَي: ذِي زور، وَهُوَ الَّذِي يزوِّر على النَّاس بأنت يتزيا بزِي أهل الصّلاح رِيَاء، وأضاف الثَّوْبَيْنِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمَا كَانَا ملبوسين لأَجله وَهُوَ المسوغ للإضافة، وَأَرَادَ أَن المتجلي كمن لبس ثَوْبَيْنِ من الزُّور، وَقد ارتدى بِأَحَدِهِمَا واتزر بِالْآخرِ. كَقَوْلِه: (إِذا هُوَ بالمجد ارتدى وتأزّرا) وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَعْنَاهُ الْمظهر للشبع وَهُوَ جَائِع كالمزور الْكَاذِب الملتبس بِالْبَاطِلِ، وَشبه الشِّبَع بِلبْس الثَّوْب بِجَامِع أَنَّهُمَا يغشيان الشَّخْص تَشْبِيها تَحْقِيقا أَو تخييليا، كَمَا قرر السكاكي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف﴾ (النَّحْل: ٢١١) قَالَ: وَفَائِدَة التَّشْبِيه الْمُبَالغَة إشعارا بِأَن الْإِزَار والرداء زور من رَأسه إِلَى قدمه أَو الْإِعْلَام بِأَن فِي التشبع حالتين مكروهتين: فقدان مَا تشبع بِهِ، وَإِظْهَار الْبَاطِل. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا متأول على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الثَّوْب مثل، وَمَعْنَاهُ: المتشبع بِمَا لم يُعْط صَاحب زور وَكذب، كَمَا يُقَال للرجل إِذا وصف بِالْبَرَاءَةِ من الْعُيُوب إِنَّه طَاهِر الثَّوْب نقي الجيب، وَنَحْوه من الْكَلَام، فالثوب فِي ذَلِك مثل، وَالْمرَاد بِهِ نَفسه وطهارتها. وَالثَّانِي: أَن يُرَاد بِهِ نفس الثَّوْب، قَالُوا: كَانَ فِي الْحَيّ رجل لَهُ حَبَّة حَسَنَة، فَإِذا احتاجوا إِلَى شَهَادَة الزُّور فَيشْهد لَهُم، فيُقبل لنبله وَحسن ثَوْبه، وَقَالَ ابْن التِّين: مَعْنَاهُ أَن الْمَرْأَة تلبس ثوب وَدِيعَة أَو عَارِية ليظن النَّاس أَنَّهُمَا لَهَا، فلباسها لَا يَدُوم وتفتضح بكذبها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا كره ذَلِك لِأَنَّهَا تدخل

стр. 6092

بَين الْمَرْأَة الْأُخْرَى وَزوجهَا الْبغضَاء فَيصير كالسحر الَّذِي يفرق بَين الْمَرْء وزوجه. قَوْله: (بِمَا لم يُعْط) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة معمر: بِمَا لم يُعْطه، وَفِي التَّرْجَمَة: بِمَا لم ينل، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المتشبع بِمَا لَا يملك، وَالْكل مُتَقَارب فِي الْمَعْنى. ٧٠١ - (بابُ الغَيْرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْغيرَة، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء. قَالَ صَاحب (الْمُحكم) : من غَار الرجل على امْرَأَته وَالْمَرْأَة على بَعْلهَا يغار غيرَة وغيرا وغارا وغيارا وَرجل غيران، وَالْجمع: غيارى وغيارى وَرجل غيور وَالْجمع غير بِضَم الْيَاء، وَمن قَرَأَ رسل قَالَ: غير، وَيُقَال: امْرَأَة غيرى وغيور وَالْجمع كالجمع، والمغيار شَدِيد الْغيرَة، وَفُلَان لَا يتَغَيَّر على أَهله أَي لَا يغار. وَقَالَ الْجَوْهَرِي نَحوه إلَاّ أَنه لم يقل فِي المصادر غيارا وَزَاد بعد قَوْله: وَرجل مغيار وَقوم مغايير، وَزَاد صَاحب (الْمَشَارِق) فِي اسْم الْفَاعِل مِنْهُ رجل غائر، وَقَالَ: معنى الْغيرَة تغير الْقلب وهيجان الْغَضَب بِسَبَب الْمُشَاركَة فِي الِاخْتِصَاص من أحد الزَّوْجَيْنِ بِالْآخرِ وتحريمه وذبه عَنهُ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) الْغيرَة هِيَ الحمية والأنفة. وَقَالَ عِيَاض: الْغيرَة مُشْتَقَّة من تغير الْقلب وهيجان الْغَضَب بِسَبَب الْمُشَاركَة فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاص، وَأَشد مَا يكون ذَلِك بَين الزَّوْجَيْنِ، هَذَا مَحَله فِي حق الْآدَمِيّ، وَأما فِي حق الله تَعَالَى فَيَأْتِي عَن قريب فِي حَدِيث الْبَاب. وَقَالَ ورَّادٌ عنِ المُغَيرَةِ: قَالَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ: لوْ رأيْتُ رجُلاً مَعَ امْرَأتِي لَضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأَنا أغْيَرُ مِنْهُ! وَالله أغْيَرُ مِنِّي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ووراد، بِفَتْح الْوَاو وَالرَّاء الْمُشَدّدَة وبالدال الْمُهْملَة: اسْم لمولى الْمُغيرَة بن شُعْبَة وكاتبه، وَسعد بن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاب الْمُوَحدَة: ابْن دليم الخزرجي السَّاعِدِيّ نقيب بني سَاعِدَة قيل: شهد بَدْرًا وَنزل الشَّام فَأَقَامَ بحوران إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَقيل: قَبره بالمنيحة، فِرْيَة من قرى غوطة دمشق. وَوصل البُخَارِيّ هَذَا الْمُعَلق الَّذِي ذكره هُنَا مُخْتَصرا فِي كتاب الْحُدُود: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن دَاوُد. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (غير مصفح) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَكسرهَا أَي: غير ضَارب بعرضه بل بحده، تَأْكِيدًا لبَيَان ضربه بِهِ لقَتله. قَالَ عِيَاض: فَمن فَتحه جعله وَصفا للسيف وَحَالا مِنْهُ، وَمن كَسره جعله وَصفا للضارب وَحَالا مِنْهُ. يُقَال: أصفحت بِالسَّيْفِ فَأَنا مصفح وَالسيف مصفح بِهِ إِذا ضربت بعرضه، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: أصفحت بِالسَّيْفِ إِذا ضربت بعرضه، وَقَالَ ابْن التِّين: مصفح، بتَشْديد الْفَاء فِي سَائِر الْأُمَّهَات، وللسيف صفحتان وهما وجهاه العريضان، وَله حدان، فَالَّذِي يضْرب بِالْحَدِّ يقْصد الْقَتْل، وَالَّذِي يضرف بالصفح يقْصد التَّأْدِيب. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: غير مصفح عَنهُ، قَالَ بَعضهم: هَذِه يتَرَجَّح فِيهَا كسر الْفَاء وَيجوز الْفَتْح أَيْضا على الْبناء للْمَجْهُول. قلت: قَوْله: على الْبناء للْمَجْهُول غلط فَاحش، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: على الْبناء للْمَفْعُول، وَقد يفرق بَينهمَا من لَهُ أدنى مسكة من علم التصريف. قَوْله: (أتعجبون) ؟ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام يجوز أَن يكون على سَبِيل الاستخبار، وَيجوز أَن يكون على سَبِيل الانكار، يَعْنِي: لَا تعجبوا من غيرَة سعد وَأَنا أغير مِنْهُ، أَي من سعد، وَاللَّام فِي قَوْله: (لأَنا) للتَّأْكِيد، وأكده بِاللَّامِ وَبِالْجُمْلَةِ الإسمية. قَوْله: (وَالله أغير مني) قد ذكرنَا الْآن معنى غيرَة العَبْد، وَأما معنى غيرَة الله تَعَالَى فالزجر عَن الْفَوَاحِش وَالتَّحْرِيم لَهَا وَالْمَنْع مِنْهَا، لِأَن الغيور هُوَ الَّذِي يزْجر عَمَّا يغار عَلَيْهِ، وَقد بَين ذَلِك بقوله ﷺ : وَمن غيرته حرم الْفَوَاحِش، أَي: زجر عَنْهَا وَمنع مِنْهَا. وَقَالَ ﷺ : غيرَة الله أَن لَا يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم الله عَلَيْهِ. وَمعنى الحَدِيث سعد: أَنا أزْجر عَن الْمَحَارِم مِنْهُ، وَالله أزْجر مني وَاسْتدلَّ ابْن الْمَوَّاز من الْمَالِكِيَّة بِحَدِيث سعد هَذَا أَنه إِن وَقع ذَلِك ذهب دم الْمَقْتُول هدرا، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الْحُدُود. وَقيل: الْغيرَة محمودة ومذمومة، وَقد جَاءَت التَّفْرِقَة بَينهمَا فِي حَدِيث جَابر بن عتِيك وَعقبَة بن عَامر، فَحَدِيث جَابر بن عتبيك رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جَابر بن عتِيك الْأنْصَارِيّ عَن جَابر بن عتِيك: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن من الْغيرَة مَا يُحِبهُ الله، وَمِنْهَا مَا يبغضه

стр. 6093

الله، وَإِن من الْخُيَلَاء مَا يُحِبهُ الله وَمِنْهَا مَا ببغض الله، فَأَما الْغيرَة الَّتِي يُحِبهَا الله فالغيرة فِي الرِّيبَة، وَأما الْغيرَة الَّتِي يبغضها الله فالغيرة فِي غير الرِّيبَة. وَابْن جَابر بن عتِيك هَذَا قَالَ الْمزي فِي (التَّهْذِيب) لَعَلَّه عبد الرَّحْمَن؟ قَالَ شَيخنَا: لَيْسَ هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سُفْيَان بن جَابر بن عتِيك لم يسم، وَقد بَين ذَلِك ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَذكره فِي الثِّقَات، وَحَدِيث عقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق حَدثنَا معمر عَن يحيى بن أبي كثير عَن زيد بن سَلام عَن عبد الله بن زيد الْأَزْرَق عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (غيرتان إِحْدَاهمَا يُحِبهَا الله وَالْأُخْرَى يبغضها الله : الْغيرَة فِي الرِّيبَة يُحِبهَا، والغيرة فِي غَيرهَا يبغضها الله ... .) الحَدِيث. وَقَالَ شَيخنَا: لَكِن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص، فَرب رجل شَدِيد التخيل فيظن مَا لَيْسَ بريبة رِيبَة، وَرب رجل متساهل فِي ذَلِك فَيحمل الرِّيبَة على محمل يحسن بِهِ ظَنّه. ٠٢٢٥ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ شقِيقٍ عنْ عبْدِ الله بن مَسْعُودٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ أحَدٍ أغْيَرَ مِنَ الله مِنْ أجْلِ ذالِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَمَا أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ الله. ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَحَفْص هُوَ ابْن غياث وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد بِهَذَا السَّنَد. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عُثْمَان ب أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أبي كريب وَغَيره. قَوْله: (مَا من أحد) كلمة: من زَائِدَة وزيادتها فِي النَّفْي لَا خلاف فِيهِ، وَالْخلاف فِي زيادتها فِي الْإِثْبَات. قَوْله: (أغير) أفعل التَّفْضِيل، وَقد مر معنى الْغيرَة فِي حق الله وَيجوز فِي أغير الرّفْع وَالنّصب بتاء على اللغتين الحجازية والتميمة فِي كلمة مَا قَوْله: (من أجل ذَلِك) أَي: من أجل أَن الله أغير من كل أحد (حرم الْفَوَاحِش) وَهُوَ جمع فَاحِشَة وَهِي كل خصْلَة قبيحة من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْفُحْش والفاحشة وَالْفَوَاحِش فِي الحَدِيث كل مَا يشْتَد قبحه من الذُّنُوب والمعاصي، وَكَثِيرًا مَا ترد الْفَاحِشَة بِمَعْنى الزِّنَا. قَوْله: (مَا أحد) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ اسْم: مَا وَقَوله: (أحب) بِالنّصب خَبَرهَا إِن جَعلتهَا حجازية، وترفعه على أَنه خبر لأحد إِن كَانَت تميمية. وَقَوله: (الْمَدْح) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل أحب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ مثل مَسْأَلَة الْكحل، ويروى بِالرَّفْع على إِلْغَاء عمل: مَا قيل: وَلَا يجوز أَن يرفع أحب على أَنه خبر للمدح أَو مُبْتَدأ والمدح خَبره، لِأَنَّك تكون حيئنذ تفرق بَين الصِّلَة والموصول بالْخبر لِأَن من الله، صلَة أحب، وَتَمَامه: فَلَا تفرق بَين تَمام الْمُبْتَدَأ وصلته بالْخبر الَّذِي هُوَ الْمَدْح وَحَقِيقَة قَول رَسُول الله ﷺ : وَمَا أحد أحب إِلَيْهِ الْمَدْح من الله، إِنَّه مصلحَة للعباد لأَنهم يثنون عَلَيْهِ فيثيبهم فينتفعون، وَالله سُبْحَانَهُ غَنِي عَن الْعَالمين لَا يَنْفَعهُ مدحهم وَلَا يضرّهُ تَركهم ذَلِك. وَفِيه: تَنْبِيه على فضل الثَّنَاء عَلَيْهِ وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وَسَائِر الْأَذْكَار. ١٢٢٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة عنْ مالِكٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂، أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّد ﴿مَا أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ الله أنْ يَرَى عبْدَهُ أوْ أمَّتَهُ تَزْنِي، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ﴾ لوْ تَعْلَمونَ مَا أعْلَمْ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَذَا حَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث الْكُسُوف. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي النعوت عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة. قَوْله: (أَو أمته تَزني) ، هَكَذَا وَقع فِي صَلَاة الْكُسُوف فِي: بَاب الصَّدَقَة فِي الْكُسُوف: (يَا أمة مُحَمَّد! وَالله مَا من أحد أغير من الله أَن يَزْنِي عَبده أَو تَزني أمته) قَالَ بَعضهم: الَّذِي يظْهر أَنه من سبق الْقَلَم هُنَا، أَو لَعَلَّ لَفظه تَزني سَقَطت هُنَا غَلطا من الأَصْل فأخرها النَّاسِخ عَن محلهَا. قلت: لَا يحْتَاج هُنَا إِلَى نِسْبَة هَذَا إِلَى الْغَلَط وَتصرف الناسح بِغَيْر وَجه فَإِن قَوْله: (تَزني) يجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، فالتذكير بِالنّظرِ إِلَى أَنه خبر عَن العَبْد فِي الأَصْل، والتأنيث بِالنّظرِ إِلَى أَنه خبر عَن الْأمة. قَوْله: (مَا أعلم) أَي: من شُؤْم الزِّنَا ووخامة عاقبته، أَو مَا أعلم من أَحْوَال الْآخِرَة وأهوالها.

стр. 6094

٢٢٢٥ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا هَمَّامٌ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَةَ أنَّ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عنُ أُمَّةِ أسْماءَ أنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: لَا شَيْءَ أغْيَرُ مِنَ الله؛ وعنْ يَحْيَى أنَّ أَبَا سلَمَةَ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الْبَصْرِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَسْمَاء هِيَ بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي قَالَ: حَدثنَا بشر بن الْمفضل عَن همام عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا شَيْء أغير من الله) قَوْله: (وَعَن يحيى) هُوَ مَعْطُوف على السَّنَد الَّذِي قبله تَقْدِيره: حَدثنَا مُوسَى عَن همام عَن يحيى أَن أَبَا سَلمَة حَدثهُ، وَأَن أَبَا هُرَيْرَة حَدثهُ أَنه سمع النَّبِي ﷺ وَلم يسْبق هُنَا الْمَتْن. وَأخرجه مُسلم: حَدثنَا عمر والناقد عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عَلَيْهِ عَن حجاج بن أبي عُثْمَان، قَالَ: قَالَ يحيى: وحَدثني أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن الله يغار وَإِن الْمُؤمن يغار، وغيرة الله أَن يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم الله عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا شَيْء أغير من الله) يقْرَأ بِرَفْع الرَّاء ونصبها، فَمن نصب جعله نعتا لشَيْء على إعرابه لِأَن شَيْئا مَنْصُوب، وَمن رفع جعله نعتا لشَيْء قبل دُخُول لَا عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿مالكم من إِلَه غَيره﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٥ ٥٦) وَيجوز رفع شَيْء مثل: ﴿لَا لَغْو فِيهِ﴾ (الطّور: ٣٢) . ٣٢٢٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سلَمَةَ أنَّهُ سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ أنّهُ قَالَ: إنَّ الله يَغارُ وغَيْرةُ الله أنْ يأتِيَ المُؤْمِنَ مَا حَرَّمَ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ النَّحْوِيّ. قَوْله: (أَن يَأْتِي) قَالَ الغساني: فِي جَمِيع النّسخ: أَن لَا يَأْتِي، وَالصَّوَاب أَن يَأْتِي. قَالَ الْكرْمَانِي: لَا شكّ أَنه لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن غيرَة الله هُوَ نفس الْإِتْيَان أَو عَدمه، فَلَا بُد من تَقْدِير نَحْو أَن لَا يَأْتِي أَي: غيرَة الله على النَّهْي عَن الْإِتْيَان، أَو على عدم إتْيَان الْمُؤمن بِهِ، وَهُوَ الْمُوَافق لما تقدم حَيْثُ قَالَ: وَمن ذَلِك حرم الْفَوَاحِش، فَيكون مَا فِي النّسخ صَوَابا، ثمَّ نقُول: إِن كَانَ الْمَعْنى لَا يَصح مَعَ لَا فَذَلِك قرينَة لكَونهَا زَائِدَة نَحْو: ﴿مَا مَنعك أَن لَا تسْجد﴾ (الْأَعْرَاف: ٢١) قَالَ الطَّيِّبِيّ: هُوَ مُبْتَدأ وَخبر بِتَقْدِير اللَّام أَي: غيرَة الله ثَابِتَة لأجل أَن لَا يَأْتِي. ٤٢٢٥ - حدّثنا مَحْمُودٌ حَدثنَا أبُو أسامَةَ حَدثنَا هشامٌ قَالَ: أخْبَرَني أبي عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، ﵄، قالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ ومالُه فِي الأرْضِ مِنْ مالٍ ولَا مَمْلُوكٍ وَلَا شيْءٍ غَيْرَ ناضِجٍ وغيْرَ فَرَسِهِ، فَكنْت أعْلِفُ فَرَسَهُ وأسْتَقِي المَاءَ وأخْرِزُ غَرْبَهُ وأعْجِنُ ولَمْ أكُنْ أُحْسِنُ أخْبِزُ، وكانَ يخْبِزُ جارَاتٌ لِي مِنَ الأنْصَارِ، وكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وكُنْتُ أنْقُلُ النَّوى مِنْ أرْضِ الزُّبَيْرِ الّتي أقْطَعَهُ رسولُ الله ﷺ ، على رأسِي، وهْيَ مِنِّي علَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْما والنَّوَى علَى رَأسِي فَلَقِيتُ رسولَ الله ﷺ ومَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأنْصَارِ فَدَعانِي ثُمَّ قَالَ: إخْ إخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسِيرَ مَعَ الرِّجالِ، وذَكَرْتُ الزُّبَيْر وغَيْرَتَهُ وكانَ أغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رسولُ الله ﷺ أنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى، فَجِئْتُ الزبَيْرَ فَقْلُتُ: لَقِيَنِي رَسُول الله ﷺ ، وعلَى رأسِي النَّوَى ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أصْحابِهِ فأناحَ لأرْكَبَ فاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَالله لَحَمْلُكِ النَّوَى كانَ أشَدَّ عَليَّ مِنْ ركُوبِكِ مَعَهُ. قالَتْ: حتَّى أرسَلَ إلَيّ

стр. 6095

َ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذالِكَ بِخادِمٍ يَكْفِيني سِياسَةَ الفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أعْتَقَنِي. (انْظُر الحَدِيث ١٥١٣) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَذكرت الزبير وغيرته) وَفِي قَوْله: (وَعرفت غيرتك) . ومحمود هُوَ ابْن غيلَان بالغين الْمُعْجَمَة الْمروزِي وَأَبُو أُسَامَة هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْخمس مُقْتَصرا على قصَّة النَّوَى. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك المَخْزُومِي. قَوْله: (الزبير) هُوَ ابْن الْعَوام. قَوْله: (من مَال) وَالْمَال فِي الأَصْل مَا يملك من الذَّهَب وَالْفِضَّة. ثمَّ أطلق على كل مَا يقتنى وَيملك من الْأَعْيَان، وَأكْثر مَا يُطلق المَال عِنْد الْعَرَب على الْإِبِل لِأَنَّهَا كَانَت أَكثر أَمْوَالهم، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْمَالِ هُنَا الْإِبِل لِأَنَّهَا أعز أَمْوَال الْعَرَب. قَوْله: (وَلَا مَمْلُوك) عطف خَاص على عَام، وَالْمرَاد بِهِ العبيد وَالْإِمَاء. قَوْله: (وَلَا شَيْء) عطف عَام على خَاص وَهُوَ يَشْمَل كل مَا يتَمَلَّك ويتمول، لَكِن أَرَادَت إِخْرَاج مَا لَا بُد مِنْهُ من مسكن وملبس ومطعم وَنَحْوهَا من الضروريات، وَلِهَذَا استثنت مِنْهُ الناضح وَهُوَ الْجمل الَّذِي يَسْتَقِي عَلَيْهِ. فَإِن قلت: الأَرْض الَّتِي أقطع رَسُول الله ﷺ ، للزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من أعز الْأَمْوَال وأفخرها. قلت: لم تكن مَمْلُوكَة لَهُ وَلَا يملك رقبَتهَا، وَإِنَّمَا ملك مَنْفَعَتهَا فَلذَلِك لم تستثنها أَسمَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَكنت أعلف فرسه) وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة أبي كريب عَن أبي أُسَامَة: وأكفيه مؤونته وأسوسه وأدق النَّوَى وأرضخه وأعلفه، وَلمُسلم أَيْضا من طَرِيق ابْن أبي مليكَة عَن أَسمَاء: كنت أخدم الزبير خدمَة الْبَيْت، وَكَانَ لَهُ فرس وَكنت أسوسه فَلم يكن فِي خدمته شَيْء أَشد عَليّ من سياسة الْفرس، كنت أحتش لَهُ فأقوم عَلَيْهِ. قَوْله: (وأستقي المَاء) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: وأسقي، بِغَيْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ على حذف الْمَفْعُول أَي: وأسقي الْفرس أَو الناضح المَاء وأستقي الَّذِي هُوَ من بَاب الافتعال أشمل وَأكْثر فَائِدَة. قَوْله: (وأخرز) بخاء مُعْجمَة وَرَاء ثمَّ زَاي من الخرز وَهُوَ الْخياطَة فِي الْجُلُود وَنَحْوهَا. قَوْله: (غربه) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ الْوَلَد الْكَبِير. قَوْله: (وَلم أكن أحسن) بِضَم الْهمزَة و (أخبز) بِفَتْح الْهمزَة وَالْمعْنَى: وَلم أحسن أَن أخبز الْخبز قَوْله: (وَكَانَ تخبز جارات لي) وَهُوَ جمع جَارة، فِي رِوَايَة مُسلم: وَكَانَ يخبز لي. قَوْله: (وَكن) أَي: الجارات (نسْوَة صدق) بِالْإِضَافَة وَالصّفة، والصدق بِمَعْنى الصّلاح والجودة أَرَادَت كن نسَاء صالحات فِي حسن الْعشْرَة وَالْوَفَاء بالعهد ورعاية حق الْجوَار. قَوْله: (وَكنت أنقل النَّوَى من أَرض الزبير) وَكَانَت هَذِه الأَرْض مِمَّا أَفَاء الله تَعَالَى على رَسُوله من أَمْوَال بني النَّضِير وَكَانَ النَّبِي ﷺ ، أقطعه إِيَّاهَا وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَائِل قدوم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة. قَوْله: (وَهِي مني) أَي: الأَرْض الْمَذْكُورَة من مَكَان سكناي (على ثُلثي فَرسَخ) والفرسخ ثَلَاثَة أَمْيَال كل ميل أَرْبَعَة آلَاف خطْوَة. قَوْله: (والنوى) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (إخ إخ) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي كلمة تقال عِنْد إناخة الْبَعِير، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نخ، مُشَدّدَة ومخففة صَوت إناخته، وهخ واخ مثله. قَوْله: (ليحملني خَلفه) أَرَادَت بِهِ الارتداف، وَإِنَّمَا عرض عَلَيْهَا الرّكُوب لِأَنَّهَا ذَات محرم مِنْهُ، لِأَن عَائِشَة عِنْده، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَهِي أُخْتهَا أَو كَانَ ذَلِك قبل الْحجاب كَمَا فعل بِأم صبية الجهنية. قَوْله: (فَاسْتَحْيَيْت) ، بياءين على الأَصْل، لِأَن الأَصْل حَيّ وَفِي لُغَة: استحيت، بياء وَاحِدَة، يُقَال: اسْتَحى واستحيى. قَوْله: (قَالَ: وَالله لحملك النَّوَى) أَي: قَالَ الزبير لأسماء: وَالله لحملك النَّوَى، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وحملك مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، والنوى مَفْعُوله (كَانَ أَشد عَليّ) خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي: قَوْله: (لحملك) فَإِنَّهُ مُبْتَدأ. قَوْله: (كَانَ أَشد عليَّ من ركوبك مَعَه) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: كَانَ أَشد عَلَيْك وَلَيْسَ هَذِه اللَّفْظَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم، وَوجه قَول الزبير هَذَا أَنه لَا عَار فِي الرّكُوب مَعَ النَّبِي ﷺ بِخِلَاف حمل النَّوَى فَإِنَّهُ يتَوَهَّم مِنْهُ النَّاس خسة النَّفس ودناءة الهمة، وَقلة التَّمْيِيز، وَأما عدم الْعَار فِي الرّكُوب مَعَ ﷺ فَلَمَّا ذكرنَا عَن قريب، وَأما وَجه صبره على ذَلِك وسكوت زَوجهَا وأبيها على ذَلِك فلكونها مشغولين بِالْجِهَادِ وَغَيره، وَكَانَا لَا يتفرغان للْقِيَام بِأُمُور الْبَيْت ولضيق مَا بأيديهما عَن اسْتِخْدَام من يقوم بذلك. قَوْله: (حَتَّى أرسل إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء، (وَأَبُو بكر) فَاعل أرسل. قَوْله: (بخادم يَكْفِينِي) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أبي مليكَة عِنْد مُسلم: جَاءَ النَّبِي ﷺ سبي فَأعْطَاهُ خَادِمًا، والتوفيق بَينهمَا بِأَن السَّبي لما جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ أعْطى أَبَا بكر مِنْهُ خَادِمًا ليرسله إِلَى بنته أَسمَاء، فَصدق
следующие страницы →