Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
أَي: حَال كونهن مهاجرات من دَار الْكفْر إِلَى دَار الْإِسْلَام. قَوْله تَعَالَى: ﴿فامتحنوهن﴾ (الممتحنة: ٠١) أَي: فابتلوهن بِالْحلف وَالنَّظَر فِي الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن. وَعَن ابْن عَبَّاس: معنى امتحانهن أَن يستحلفن مَا خرجن من بغض زوج، وَمَا خرجن رَغْبَة من أَرض إِلَى أَرض، وَمَا خرجن لالتماس دنيا، وَمَا خرجن إلَاّ حبًّا لله وَرَسُوله. قَوْله: (الله أعلم بإيمانهن) يَعْنِي: أعلم مِنْكُم لأنكم لَا تكسبون فِيهِ علما تطمئِن مَعَه نفوسكم وَإِن استحلفتموهن. وَعند الله حَقِيقَة الْعلم بِهِ، فَإِن علمتموهن مؤمنات الْعلم الَّذِي تبلغه طاقتكم، وَهُوَ الظَّن الْغَالِب بِالْحلف وَظُهُور الأمارات، فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار يَعْنِي: لَا تردوهن إِلَى أَزوَاجهنَّ الْكفَّار، لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لهنَّ لِأَنَّهُ أَي: لَا حل بَين المؤمنة والمشرك، وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا مثل مَا دفعُوا إلَيْهِنَّ من الْمهْر. وَلَا جنَاح عَلَيْكُم أَن تنكحوهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ أَي: مهورهن، وَإِن كَانَ لَهُنَّ أَزوَاج كفار فِي دَار الْحَرْب لِأَنَّهُ فرق الْإِسْلَام بَينهم. قَوْله: (وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر) (الممتحنة: ٠١) قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تَأْخُذُوا بِعقد الكوافر، فَمن كَانَت لَهُ امْرَأَة كَافِرَة بِمَكَّة فَلَا يعتدن بهَا فقد انْقَطَعت عصمتها مِنْهُ وَلَيْسَت لَهُ بِامْرَأَة، وَإِن جَاءَت امْرَأَة من أهل مَكَّة وَلها بهَا زوج فَلَا تعتدن بِهِ فقد انْقَطَعت عصمته مِنْهَا، والعصم جمع عصمَة وَهِي مَا يعتصم بِهِ من عقد. قَوْله: (واسألوا مَا أنفقتم) أَي: أسالوا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين ذهبت أَزوَاجهم فلحقن بالمشركين مَا أنفقتم عَلَيْهِنَّ من الصَدَاق من يزوجهن مِنْهُم. قَوْله: (وليسألوا) يَعْنِي الْمُشْركين الَّذين لحقت أَزوَاجهم بكم مؤمنات إِذا تزوجهن فِيكُم من يَتَزَوَّجهَا مِنْكُم مَا أَنْفقُوا، أَي: أَزوَاجهنَّ الْمُشْركُونَ من الْمهْر. قَوْله: (ذَلِكُم) إِشَارَة إِلَى جَمِيع مَا ذكر فِي هَذِه الْآيَة، حكم الله يحكم بَيْنكُم كَلَام مُسْتَأْنف، وَقيل: حَال من حكم الله على حذف الضَّمِير أَي: يحكمه الله بَيْنكُم وَالله عليم بِجَمِيعِ أحوالكم، حَكِيم يضع الْأَشْيَاء فِي محلهَا، وَإِنَّمَا فسرت هَذِه الْآيَة بكمالها لِأَنَّهُ قَالَ: (فامتحنوهن. .) الْآيَة. قَوْله: (قَالَت عَائِشَة) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَمن أقرّ بِهَذَا الشَّرْط) وَهُوَ أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين. قَوْله: (فقد أقرّ بالمحنة) أَي: بالامتحان، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا المُرَاد بِالْإِقْرَارِ بالمحنة؟ فَأجَاب بقوله: من أقرّ بِعَدَمِ الْإِشْرَاك وَنَحْوه فقد أقرّ بِوُقُوع المحنة وَلم يحوجه فِي وُقُوعهَا إِلَى الْمُبَايعَة بِالْيَدِ وَنَحْوهَا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَقِيَّة الرِّوَايَة: إِن رَسُول الله ﷺ إِذا التزمن هَذِه الْأُمُور كَانَ يَقُول: انطلقن، يَعْنِي: فقد حصل الامتحان. قَوْله: (انطلقن فقد بايعتكن) بيّنت هَذَا بعد ذَلِك بقولِهَا فِي آخر الحَدِيث: فقد بايعتكن كلَاما، أَي: بقوله، وَوَقع فِي رِوَايَة عقيل: كلَاما مَا يكلمها بِهِ وَلَا يُبَايع بِضَرْب الْيَد على الْيَد كَمَا كَانَ يُبَايع الرِّجَال، وأوضحت ذَلِك بقولِهَا: لَا وَالله مَا مست يَد رَسُول الله ﷺ ... إِلَى آخِره. وَفِي رِوَايَة عقيل فِي الْمُبَايعَة: غير أَنه بايعهن بالْكلَام.
١٢ - (بابُ قوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٢) للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ (٢) سميع عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٢٢ ٧٢٢)
وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة من لفظ: بَاب إِلَى (سميع عليم) وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إِلَى قَوْله: (تربص أَرْبَعَة أشهر) وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْإِيلَاء وَقَوله تَعَالَى: ﴿للَّذين يؤلون﴾ الْآيَة. الْإِيلَاء فِي اللُّغَة الْحلف، يُقَال: آلى يولي إِيلَاء: حلف قَوْله: (تربص أَرْبَعَة أشهر) مُبْتَدأ وَقَوله: (للَّذين يؤلون) خَبره أَي: للَّذين يحلفُونَ على ترك الْجِمَاع من نِسَائِهِم تربص أَي: انْتِظَار (أَرْبَعَة أشهر) من حِين الْحلف ثمَّ يُوقف وَيُطَالب بالفيئة أَو الطَّلَاق، وَلِهَذَا قَالَ: (فَإِن فاؤا) أَي رجعُوا (إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ) وَهُوَ كِنَايَة عَن الْجِمَاع، قَالَه ابْن عَبَّاس ومسروق وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَغير وَاحِد، مِنْهُم ابْن جرير ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٢٢) أَي: لما سلف من التَّقْصِير فِي حقهن بِسَبَب الْيَمين، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن فاؤا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٢٢) دلَالَة لأحد قولي الْعلمَاء، وَهُوَ القَوْل الْقَدِيم للشَّافِعِيّ: إِن الْمولي إِذا فَاء بعد الْأَرْبَعَة أشهر أَنه لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، وَفِي التَّفْسِير: فَإِن فاؤا أَي: فِي الْأَشْهر، بِدَلِيل قِرَاءَة عبد الله فَإِن فاؤا فيهنّ.
وَاعْلَم أَن الْكَلَام هَهُنَا فِي مَوَاضِع.
الأول: الْإِيلَاء الْمَذْكُور فِي قَوْله: ﴿للَّذين يؤلون﴾ مَا هُوَ؟ هُوَ الْحلف على ترك قرْبَان امْرَأَته أَي: وَطئهَا أَرْبَعَة أشهر وَأكْثر مِنْهَا، كَقَوْلِه لامْرَأَته: وَالله لَا أقْربك أَرْبَعَة أشهر، أَو: لَا أقْربك، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، ويروى عَن عَطاء، قَالَ ابْن الْمُنْذر: أَكثر أهل الْعلم قَالُوا: لَا يكون الْإِيلَاء أقل من أَرْبَعَة أشهر، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ إِيلَاء أهل الْجَاهِلِيَّة السّنة والسنتين وَأكْثر، فوقت لَهُم أَرْبَعَة أشهر، فَمن كَانَ إيلاؤه أقل من أَرْبَعَة أشهر فَلَيْسَ بإيلاء قَالَت طَائِفَة: إِذا حلف لَا يقرب امْرَأَته يَوْمًا أَو أقل أَو أَكثر ثمَّ لم يَطَأهَا أَرْبَعَة أشهر بَانَتْ مِنْهُ بالايلاء، رُوِيَ هَذَا عَن ابْن مَسْعُود
стр. 6162
وَالنَّخَعِيّ وَابْن أبي ليلى وَالْحكم، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: الْإِيلَاء أَن يحلف أَن لَا يطَأ امْرَأَته أَكثر من أَرْبَعَة أشهر، فَإِن حلف على أَرْبَعَة أشهر، أَو: فَمَا دونهَا لم يكن موليا، وَهَذَا عِنْدهم يَمِين مخفي لَو وطىء فِي هَذَا الْيَمين حنث وَلَزِمتهُ الْكَفَّارَة، وَإِن لم يطَأ حَتَّى انْقَضتْ الْمدَّة لم يكن عَلَيْهِ شَيْء كَسَائِر الْأَيْمَان. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس لَا يكون موليا حَتَّى يحلف أَن لَا يَطَأهَا أبدا.
الْموضع الثَّانِي: فِي حكم الْإِيلَاء: وَهُوَ أَنه أَن وَطئهَا فِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر كفر لِأَنَّهُ حنث فِي يَمِينه وَإِن لم يَطَأهَا حَتَّى مَضَت أَرْبَعَة أشهر بَانَتْ الْمَرْأَة مِنْهُ بتطليقة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت وَعُثْمَان وَعلي ﵃، وَبِه قَالَ ابْن سِيرِين ومسروق وَالْقَاضِي وَالقَاسِم وَسَالم وَالْحسن وَقَتَادَة وَشُرَيْح القَاضِي وَقبيصَة بن ذُؤَيْب وَالْحسن بن صَالح، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَعند سعيد بن الْمسيب وَمَكْحُول وَرَبِيعَة وَالزهْرِيّ ومروان بن الحكم: يَقع تَطْلِيقَة رَجْعِيَّة. وَذكر البُخَارِيّ عَن ابْن عمر: أَن الْمولى يُوقف حَتَّى يُطلق، وَقَالَ مَالك: كَذَلِك الْأَمر عندنَا، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، فَإِن طلق فَهِيَ وَاحِدَة رَجْعِيَّة، إلَاّ أَن مَالِكًا قَالَ: لَا تصح رجعته حَتَّى يطَأ فِي الْعدة، وَلَا يعلم أحد قَالَه غَيره.
والموضع الثَّالِث: فِي أَن الْإِيلَاء لَا يَصح إِلَّا باسم الله تَعَالَى. أَو بِشَيْء يتَحَقَّق بِهِ الْيَمين، كَمَا لَو حلف بِحَجّ بِأَن قَالَ: إِن قربتك فَللَّه عَليّ حجَّة، أَو بِصَوْم بِأَن قَالَ: إِن قربتك فَللَّه عَليّ صَوْم شهر، أَو صَدَقَة بِأَن قَالَ: إِن قربتك فَللَّه عَليّ أَن أَتصدق بِمِائَة دِرْهَم مثلا، أَو عتق بِأَن قَالَ: إِن قربتك فَللَّه عَليّ عتق رقبةٍ أَو فَعَبْدي حر فَهُوَ مولٍ بِهَذِهِ الْأَشْيَاء عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، بِخِلَاف الْحلف بِالصَّلَاةِ أَو الْغَزْو. وَعند مُحَمَّد يكون موليا فيهمَا أَيْضا لِأَنَّهُ قربَة وَهُوَ قَول أبي يُوسُف أَولا. وَفِي عتق العَبْد الْمعِين خلاف لأبي يُوسُف، وَقَالَ ابْن حزم: وَمن حلف فِي ذَلِك بِطَلَاق أَو عتق أَو صَوْم أَو صَدَقَة أَو مشي أَو غير ذَلِك فَلَيْسَ بمول، وَعَلِيهِ الْأَدَب. وَفِي (الرَّوْضَة) للشَّافِعِيَّة: هَل يخْتَص الْإِيلَاء بِالْيَمِينِ بِاللَّه وَصِفَاته؟ فِيهِ قَولَانِ: الْقَدِيم: نعم، والجديد الْأَظْهر: لَا، بل إِذا قَالَ: إِن وَطئتك فعلي صَوْم أَو صَلَاة أَو حج أَو فَعَبْدي حر أَو فَأَنت طَالِق أَو فضرتك طَالِق أَو نَحْو ذَلِك كَانَ موليا وَفِي (الْجَوَاهِر) للمالكية: الْمَحْلُوف بِهِ هُوَ الله تَعَالَى أَو صفة من صِفَاته النفسية المعنوية أَو مَا فِيهِ الْتِزَام من عتق أَو طَلَاق أَو لُزُوم صَدَقَة أَو صَوْم أَو نَحوه على بِالْوَطْءِ كل ذَلِك إِيلَاء. وَفِي (الْحَاوِي) فِي فقه أَحْمد: الْإِيلَاء بحلفه بِاللَّه أَو باسمه أَو بِصفتِهِ، فَإِن حلف بِعِتْق أَو طَلَاق أَو نذر أَو ظِهَار أَو تَحْرِيم مُبَاح، أَو يَمِين أُخْرَى فروايتان، وَعنهُ: لَا ينْعَقد بِغَيْر يَمِين مكفرة.
الْموضع الرَّابِع: أَن إِيلَاء الذِّمِّيّ مُنْعَقد عِنْد أبي حنيفَة، خلافًا لَهما ولمالك، وَبقول أبي حنيفَة قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَفِي (الرَّوْضَة) : سَوَاء فِي صِحَة الْإِيلَاء العَبْد وَالْأمة وَالْكَافِر وأضدادهم وَلَا ينْحل الْإِيلَاء بِإِسْلَام الْكَافِر، وَإِذا ترافع إِلَيْنَا ذميان وَقد آلى، أَوجَبْنَا الحكم، وَإِن لم نوجبه لم يجْبر الْحَاكِم الزَّوْج على الْفَيْئَة وَلَا الطَّلَاق، وَلَا يُطلق عَلَيْهِ، بل لَا بُد من رِضَاهُ. وَقَالَ أَحْمد فِيمَا حكى عَنهُ الْخلال فِي (علله) يرْوى عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ يَقُول: إِيلَاء العَبْد شَهْرَان، وَقَالَ ابْن حزم: وَصَحَّ عَن عَطاء أَنه قَالَ: لَا إِيلَاء للْعَبد دون سَيّده وَهُوَ شَهْرَان، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وإساق، وَقَالَت طَائِفَة: الحكم فِي ذَلِك للنِّسَاء، فَإِن كَانَت أمة فلزوجها الْحر وَالْعَبْد عَلَيْهَا شَهْرَان، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم وَقَتَادَة وَالْحسن وَالْحكم وَالشعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَقَالَت طَائِفَة: إِيلَاء الْحر وَالْعَبْد من الزَّوْجَة الْحرَّة وَالْأمة سَوَاء، وَهُوَ أَرْبَعَة أشهر، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي ثَوْر وَأبي سُلَيْمَان وأصحابهم.
الْموضع الْخَامِس: أَنَّهَا تَعْتَد بثلااث حيض، قَالَه مَسْرُوق وَشُرَيْح وَعَطَاء قَالَ ابْن عبد الْبر: كل الْفُقَهَاء فِيمَا علمت يَقُولُونَ: إِنَّهَا تَعْتَد بعد الطَّلَاق عدَّة الْمُطلقَة إلَاّ جَابر بن زيد فَإِنَّهُ يَقُول: لَا تَعْتَد، يَعْنِي: إِذا، كَانَت حَاضَت ثَلَاث حيض فِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر، وَقَالَ بقوله طَائِفَة، وَكَانَ الشَّافِعِي يَقُول بِهِ فِي الْقَدِيم ثمَّ رَجَعَ عَنهُ، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس نَحوه.
الْموضع السَّادِس: فِي حكم الْفَيْء للعاجز، قَالَ أَصْحَابنَا: وَإِن عجز الْمولي عَن وَطئهَا بِسَبَب مَرضه أَو مَرضهَا أَو بِسَبَب الرتق، وَهُوَ انسداد فَم الرَّحِم بلحمة أَو عَظمَة أَو نَحْوهمَا، أَو بِسَبَب الصَّفْرَاء أَو لبعد مَسَافَة بَينهمَا ففيؤه أَن يَقُول: فئت إِلَيْهَا بِشَرْط أَن يكون عَاجِزا من وَقت الْإِيلَاء إِلَى أَن تمْضِي أَرْبَعَة أشهر، حَتَّى لَو آلى مِنْهَا وَهُوَ قَادر ثمَّ عجز عَن الْوَطْء بعد ذَلِك لمَرض أَو بعد مَسَافَة أَو حبس أَو أسر أَو جب أَو نَحْو ذَلِك، أَو كَانَ عَاجِزا حِين آلى وَزَالَ الْعَجز فِي الْمدَّة لم يَصح فيؤه بِاللِّسَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يَصح الْفَيْء بِاللِّسَانِ أصلا، وَإِلَيْهِ ذهب الطَّحَاوِيّ وَأحمد، وتحرير مَذْهَب
стр. 6163
الشَّافِعِي مَا ذكره فِي (الرَّوْضَة) إِذا وجد مَانع من الْجِمَاع بعد مُضِيّ الْمدَّة المحسوبة نظر أهوَ فِيهَا أم فِي الزَّوْج؟ . فَإِن كَانَ فِيهَا بِأَن كَانَت مَرِيضَة لَا يُمكن وَطْؤُهَا أَو محبوسة لَا يُمكن الْوُصُول إِلَيْهَا، أَو حَائِضًا أَو نفسَاء أَو مُحرمَة أَو صَائِمَة أَو معتكفة لم يثبت لَهَا الْفَيْئَة بالمطالبة لَا فعلا وَلَا قولا، وَإِن كَانَ الْمَانِع فِيهِ فَهُوَ طبيعي وشرعي، فالطبيعي: أَن يكون مَرِيضا لَا يقدر على الْوَطْء أَو يخَاف مِنْهُ زِيَادَة الْعلَّة أَو بطء الْبُرْء فَيُطَالب بالفيئة بِاللِّسَانِ أَو بِالطَّلَاق إِن لم يَفِ، والفيئة بِاللِّسَانِ أَن يَقُول: إِذا قدرت فئت، وَاعْتبر الشَّيْخ أَبُو حَامِد أَن يَقُول مَعَ ذَلِك: نَدِمت على مَا فعلت، وَإِن كَانَ مجوساً ظلما فكالمريض، وَإِن حبس فِي دين يقدر على وفائه أَمر بِالْأَدَاءِ والفيئة بِالْوَطْءِ أَو الطَّلَاق، وَأما الشَّرْعِيّ: فكالصوم وَالْإِحْرَام وَالظِّهَار قبل التَّكْفِير فَفِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: وَهُوَ الْأَصَح: يُطَالب بِالطَّلَاق، وَالْآخر: يقنع مِنْهُ بفيئة اللِّسَان. وَمذهب أَحْمد إِن كَانَ الْعذر بِالرجلِ طَويلا أَو عجز عَن الْوَطْء شرعا أَو حسا فَاء نطقاً، وَإِن كَانَ مُظَاهرا لم يطَأ حَتَّى يكفر. وَمذهب مَالك: لَا مُطَالبَة للمريضة الَّتِي لَا تتحمل الْجِمَاع وَلَا للرتقاء وَلَا للحائض حَالَة الْحيض، وَإِن كَانَ للرجل مَانع طبيعي كالمرض فلهَا مُطَالبَته بالوعد والفيئة بِاللِّسَانِ وتكفير الْيَمين، وَإِن كَانَ شَرْعِيًّا كالظهار وَالصَّوْم وَالْإِحْرَام فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالبَة، وَعَلِيهِ أَن يُطلق إلاّ أَن يقْضِي بِالْوَطْءِ. وَقيل: لَا يَصح بِالْوَطْءِ الْمحرم، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِذا آلى وَهِي صَغِيرَة لَا يُجَامع مثلهَا لم يكن موليا حَتَّى تبلغ الْوَطْء، ثمَّ يُوقف بعد مُضِيّ أَرْبَعَة أشهر مُنْذُ بلغت الْوَطْء، قَالَ: وَلَا يُوقف الْخصي بل إِنَّمَا يُوقف من قدر على الْجِمَاع. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا لم يبْق للخصي مَا ينَال بِهِ من الْمَرْأَة مَا يَنَالهُ الصَّحِيح بمغيب الْحَشَفَة فَهُوَ كالمجبوب فَاء بِلِسَانِهِ وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: لَا إِيلَاء على مجبوب، وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: وَلَو كَانَ أَحدهمَا محرما بِالْحَجِّ وَبَينه وَبَين وَقت الْحَج أَرْبَعَة أشهر لم يكن فيئه إِلَّا بِالْجِمَاعِ، وَكَذَا الْمَحْبُوس، وَقَالَ زفر: فيئه بالْقَوْل، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا آلى وَهِي بكر وَقَالَ: لَا أقدر على افتضاضها أُجِّل أجَل العنِّين.
فإنْ فاؤُا رجَعُوا.
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى: فاؤا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن فاؤا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٢٢) رجعُوا عَن الْيَمين، هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة فِي هَذِه الْآيَة، يُقَال: فَاء يفِيء فَيْئا وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: الْفَيْء الرُّجُوع بِاللِّسَانِ، وَمثله عَن أبي قلَابَة، وَعَن سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعِكْرِمَة: الْفَيْء الرُّجُوع بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان لمن بِهِ مَانع عَن الْجِمَاع، وَفِي غَيره بِالْجِمَاعِ.
٩٨٢٥ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسِ عنْ أَخِيه عنْ سُلَيْمان عنْ حُمَيْدٍ الطّوِيلِ أنّهُ سَمِعَ أنسَ بنَ مالِكٍ يقُولُ: آلَى رسولُ الله ﷺ ، مِنْ نِسائهِ وكانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فأقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعاً وعِشرِينَ ثُمَّ نَزَلَ، فَقالوا: يَا رسولَ الله! آلَيْتَ شَهْراً، فَقَالَ: الشّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ.
ل: لَا وَجه لإيراد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لِأَن الْإِيلَاء الْمَعْقُود لَهُ الْبَاب حرَام يَأْثَم بِهِ من علم بِحَالهِ، فَلَا يجوز نسبته إِلَى النبيّ ﷺ . انْتهى. قلت: يرد مَا قَالَه مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا الْحسن بن قزعة الْبَصْرِيّ حَدثنَا مُسلم بن عَلْقَمَة حَدثنَا دَاوُد عَن عَامر عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَت: آلى رَسُول الله ﷺ من نِسَائِهِ وَحرم، فَجعل الْحَرَام حَلَالا وَجعل فِي الْيَمين كَفَّارَة. انْتهى. قلت: فسر شَيخنَا زين الدّين، ﵀ قَوْله: وحرَم فَجعل الْحَرَام حَلَالا، لَيْسَ قَوْله: فَجعل، بَيَانا للتَّحْرِيم فِي قَوْله: وَحرم، وَلَو كَانَ كَذَلِك لقَالَ: فَجعل الْحَلَال حَرَامًا، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان لما جعله الله فِيمَن حرم حَلَالا، وعَلى هَذَا فإمَّا أَن يكون فَاعل حرم هُوَ الله تَعَالَى، أَو يكون فَاعله رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ الَّذِي بَين الحكم عَن الله تَعَالَى. قلت: فِيهِ نظر قوي الأن قَوْله: وَحرم. عطف على قَوْله آلى رَسُول الله ﷺ ، فَكيف يكون فَاعله هُوَ الله تَعَالَى؟ لِأَن فِيهِ انفكاك الضَّمِير فَلَا يجوز، ظَاهر الْمَعْنى أَنه ﷺ حرم ثمَّ جعل ذَلِك الْحَرَام الَّذِي كَانَ فِي الأَصْل مُبَاحا حَلَالا، وَلِهَذَا قَالَ: وَجعل فِي الْيَمين كَفَّارَة، لِأَن تَحْرِيم الْمُبَاح يَمِين فَفِيهِ الْكَفَّارَة، وَالَّذِي يُقَال هُنَا إِن المُرَاد بالإيلاء الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْإِيلَاء الشَّرْعِيّ وَهُوَ الْحلف على ترك قرْبَان امْرَأَته أَرْبَعَة أشهر أَو أَكثر، كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب، وَالْإِيلَاء الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب الْإِيلَاء اللّغَوِيّ وَهُوَ الْحلف، فَالْمَعْنى
стр. 6164
اللّغَوِيّ لَا يَنْفَكّ عَن الْمَعْنى الشَّرْعِيّ، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تُوجد الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث، وَأدنى الْمُطَابقَة كافٍ فَافْهَم.
وَإِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَأَبُو أويس اسْمه عبد الله، وَأَخُوهُ عبد الحميد، وسلميان هُوَ ابْن هِلَال.
والْحَدِيث قد مر فِي الصَّوْم عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَسَيَجِيءُ فِي النّذر عَنهُ أَيْضا. وَفِي النِّكَاح عَن خَالِد بن مخلد. وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (مشربَة) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَضمّهَا وبالباء الْمُوَحدَة: وَهِي الغرفة. قَوْله: (الشَّهْر) أَي: ذَلِك الشَّهْر الْمَعْهُود (تسع وَعِشْرُونَ يَوْمًا) أَرَادَ أَنه كَانَ نَاقِصا.
٠٩٢٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللّيْثُ عنْ نافِعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ، ﵄، كانَ يقُولُ، فِي الإيلَاءِ الّذي سَمَّى الله تَعَالَى: لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدَ الأجَلِ إلاّ أنْ يُمْسِكَ بالمَعْرُوفِ أوْ يَعْزِمَ بالطّلَاقِ كَمَا أمَرَ الله .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة هَذَا وَمَا بعده إِلَى آخر الْبَاب لم يثبت فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَثَبت فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث جمَاعَة مِنْهُم الشَّافِعِي، وَقَالُوا: إِن الْمدَّة إِذا انْقَضتْ يُخَيّر الْحَالِف إِمَّا أَن يفِيء وَإِمَّا أَن يُطلق، وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: إِن فَاء بِالْجِمَاعِ قبل انْقِضَاء الْمدَّة استمرت الْعِصْمَة، وَإِن مَضَت الْمدَّة وَقع الطَّلَاق بِنَفس مُضِيّ الْمدَّة، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا معمر عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: أَن عُثْمَان بن عَفَّان وَزيد بن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يَقُولَانِ فِي الْإِيلَاء: إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر فَهِيَ تَطْلِيقَة وَاحِدَة، وَهِي أَحَق بِنَفسِهَا، وَتعْتَد عدَّة الْمُطلقَة، وَقَالَ: أخبرنَا معمر عَن قَتَادَة أَن عليا وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالُوا: إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر فَهِيَ تَطْلِيقَة، وَهِي أَحَق بِنَفسِهَا وَتعْتَد عدَّة الْمُطلقَة، فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن عَليّ خلاف هَذَا مَالك عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول: إِذا آلى الرجل من امْرَأَته لم يَقع عَلَيْهِ الطَّلَاق، فَإِن مَضَت الْأَرْبَعَة أشهر يُوقف حَتَّى يُطلق أَو يفِيء. قلت: هَذَا ابْن عمر أَيْضا رُوِيَ عَنهُ خلاف مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن حبيب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر قَالَا: إِذا آلى فَلم يفيءْ حَتَّى مَضَت أَرْبَعَة أشهر فَهِيَ تَطْلِيقَة بَائِنَة.
١٩٢٥ - حدّثنا وَقَالَ لِي إسْماعِيلُ: حدّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ: إذَا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ يُوقَفُ حَتّى يُطَلِّقَ وَلَا يَقعُ علَيْهِ الطَّلَاقُ حَتى يُطَلِّقَ.
إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس الْمَذْكُور آنِفا. ويروى: قَالَ إِسْمَاعِيل، بِدُونِ لَفْظَة: لي، وَبِه جزمت جمَاعَة، فَيكون تَعْلِيقا والعمدة على الأول وَهُوَ أَيْضا رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره، وَإِنَّمَا لم يقل حَدثنِي إشعاراً بِالْفرقِ بَين مَا يكون على سَبِيل التحديث وَمَا يكون على سَبِيل المحاورة، والمذاكرة، وَقد ذكرنَا الْآن فِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة خلاف هَذَا عَن ابْن عمر.
ويُذْكَرُ ذالِكَ عنْ عُثْمانَ وعلِيٍّ وَأبي الدَّرْدَاءِ وعائِشَةَ واثْنَىْ عشَرَ رجُلاً منْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ .
ذَلِك إِشَارَة إِلَى الإيقاف الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (يُوقف حَتَّى تطلق) أَي: يحبس وَلَا يَقع الطَّلَاق بِنَفسِهِ بعد انْقِضَاء الْمدَّة والامتناع من الْفَيْء. قَوْله: (يذكر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول لأجل التمريض، أما الَّذِي ذكره ممرضاً عَن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا ابْن علية عَن مسعر عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن طَاوُوس عَن عُثْمَان قَالَ أَبُو حَاتِم: طَاوُوس أدْرك زمن عُثْمَان؟ قلت: روى عَن عُثْمَان خلاف هَذَا، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن عبد الرَّزَّاق آنِفا. وَقَول أبي حَاتِم: طَاوُوس أدْرك زمن عُثْمَان، لَا يسْتَلْزم سَمَاعه عَنهُ، وَأما أثر عَليّ، ﵁، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن الشَّيْبَانِيّ عَن بكير ابْن الْأَخْفَش عَن مُجَاهِد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَنهُ. قلت: قد ذكرنَا فِي رِوَايَة عَن عبد الرَّزَّاق عَن عَليّ خلاف هَذَا، وَأما أثر أبي الدَّرْدَاء فَرَوَاهُ أَيْضا ابْن أبي شيبَة عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن أبان الْعَطَّار عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَنهُ أَنه قَالَ: يُوقف فِي الإيلاه عِنْد انْقِضَاء الْأَرْبَعَة، فإمَّا أَن يُطلق وَإِمَّا أَن يفِيء. قلت: فِي سَماع سعيد بن الْمسيب عَن أبي الدَّرْدَاء نظر، وَأما أثر عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور بِسَنَد صَحِيح عَنْهَا بِلَفْظ: أَنَّهَا كَانَت لَا ترى الْإِيلَاء حَتَّى يُوقف،
стр. 6165
وَأما الرِّوَايَة بذلك عَن اثْنَي عشر رجلا من الصَّحَابَة فَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) من طَرِيق عبد ربه بن سعيد بن ثَابت بن عبيد مولى زيد بن ثَابت عَن اثْنَي عشر رجلا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، قَالُوا: الْإِيلَاء لَا يكون طَلَاقا حَتَّى يُوقف، وَأخرجه الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من هَذَا الْوَجْه فَقَالَ: بضعَة عشر. وَأخرج إِسْمَاعِيل القَاضِي من طَرِيق يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن سُلَيْمَان بن يسَار، قَالَ: أدْركْت بضعَة عشر رجلا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالُوا: الْإِيلَاء لَا يكون طَلَاقا حَتَّى يُوقف. وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه أَنه قَالَ: سَأَلت اثْنَي عشر رجلا من الصَّحَابَة عَن الرجل يولي. فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء حَتَّى تمْضِي أَرْبَعَة أشهر فَيُوقف، فَإِن فَاء لَا طَلَاق. قلت: قد جَاءَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مُعينين بِخِلَاف ذَلِك. وَهُوَ أقوى من الذّكر بالإجمال وهم: عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَزيد بن ثَابت، وَقد ذكرنَا الرِّوَايَات عَن الْكل هُنَا فِي هَذَا الْبَاب مَا خلا رِوَايَة عمر بن الْخطاب فنذكرها الْآن فروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن: أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يَقُول: إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر فَهِيَ طَالِق تَطْلِيقَة، وَهُوَ أملك بردهَا فِي عدتهَا.
٢٢ - (بابُ حُكْمِ المَفْقُودِ فِي أهْلِهِ ومالِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمَفْقُود حَال كَونه فِي أَهله وَمَاله، وَحكم المَال لَا يتَعَلَّق بِأَبْوَاب الطَّلَاق وَلكنه ذكره هُنَا اسْتِطْرَادًا، وَحكم الْأَهْل يتَعَلَّق وَلكنه مَا أفْصح بِهِ اكْتِفَاء بِمَا يذكرهُ فِي بَابه جَريا على عَادَته فِي ذَلِك كَذَلِك.
وَقَالَ ابنُ المُسَيِّبِ: إِذا فقِدَ فِي الصفِّ عنْدَ القِتالِ تَرَبَّصُ امْرَأتُهُ سَنَةً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَتَعْلِيق سعيد بن الْمسيب هَذَا وَصله عبد الرَّزَّاق بأتم مِنْهُ عَن الثَّوْريّ عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَنهُ قَالَ: إِذا فقد فِي الصَّفّ تربصت امْرَأَته سنة، وَإِذا فقد فِي غير الصَّفّ فأربع سِنِين. قَوْله: (تربص امْرَأَته) بِفَتْح التَّاء وَضم الصَّاد، أَصله تتريص فحذفت مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي ﴿نَارا تلظى﴾ (اللَّيْل: ٤١) أَصله: تتلظى. قَوْله: (سنة) كَذَا هُوَ فِي جَمِيع النّسخ والشروح وَغَيرهَا من المستخرجات إِلَّا ابْن التِّين فَإِنَّهُ قد وَقع عِنْده: سِتَّة أشهر، فَلفظ: سِتَّة تَصْحِيف وَلَفظ: أشهر، زِيَادَة. قَوْله: (تربص) يَعْنِي تنْتَظر سنة يَعْنِي تؤجل، وروى أَشهب عَن مَالك أَنه يضْرب لامْرَأَته أجل سنة بعد أَن ينظر فِي أمرهَا وَلَا يضْرب لَهَا من يَوْم فقد، وَسَوَاء فقد فِي الصَّفّ بَين الْمُسلمين أَو فِي قتال الْمُشْركين. وروى عِيسَى عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: إِذا فقد فِي المعترك أَو فِي فتن الْمُسلمين بَينهم أَنه ينْتَظر يَسِيرا بِمِقْدَار مَا ينْصَرف المنهزم ثمَّ تَعْتَد امْرَأَته وَيقسم مَاله، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي الْمَفْقُود فِي فتن الْمُسلمين أَنه يضْرب لامْرَأَته سنة ثمَّ تتَزَوَّج، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْري فِي الَّذِي يفقد بَين الصفين كَقَوْلِهِم فِي الْمَفْقُود وَلَا يفرق بَينهمَا، والكوفيون يَقُولُونَ: لَا يقسم مَاله حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِ من الزَّمَان مَا لَا يعِيش مثله، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يقسم مَاله حَتَّى تعلم وَفَاته.
واشْتَرَى ابنُ مَسْعُودٍ جارِيَةً والْتَمَسَ صاحِبَها سَنَةً فلَمْ يَجِدْهُ وفُقِدَ فأخَذَ يُعْطِى الدِّرْهَمَ والدِّرْهَمَيْنِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ عنْ فُلَانٍ فإنْ أبَى فلانٌ فلِي وعلَيَّ. وَقَالَ: هاكَذَا فافْعَلُوا باللُّقَطَةِ.
لم يَقع هَذَا من رِوَايَة أبي ذَر عَن السَّرخسِيّ. وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي (جَامعه) من رِوَايَة سعيد بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ. وَأخرجه أَيْضا سعيد بن مَنْصُور عَنهُ بِسَنَد لَهُ جيد إِن ابْن مَسْعُود اشْترى جَارِيَة بسبعمائة دِرْهَم فإمَّا غَابَ عَنْهَا صَاحبهَا وَإِمَّا تَركهَا فنشده حولا فَلم يجده، فَخرج بهَا إِلَى مَسَاكِين عِنْد سدة بَابه وَجل يقبض وَيُعْطِي، وَيَقُول: اللَّهُمَّ عَن صَاحبهَا فَإِن أَبى فمني وعليُّ الْغرم. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح عَن شريك عَن عَامر بن شَقِيق عَن أبي وَائِل بِلَفْظ: اشْترى عبد الله جَارِيَة بسبعمائة دِرْهَم فَغَاب صَاحبهَا فأنشده حولا، أَو قَالَ: سنة ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد فَجعل يتَصَدَّق وَيَقُول: اللَّهُمَّ فَلهُ، وَإِن أَبى فعليّ. ثمَّ قَالَ: هَكَذَا افعلوا باللقطة والضالة. قَوْله: (وَالْتمس صَاحبهَا) أَي طلب بَائِعهَا ليسلم إِلَيْهِ الثّمن
стр. 6166
فَلم يجده فَأخذ عبد الله يعْطى الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ للْفُقَرَاء من ثمن الْجَارِيَة، وَيَقُول: اللَّهُمَّ تقبله عَن فلَان أَي: صَاحب الْجَارِيَة. قَوْله: (فَإِن أَبى) من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فَإِن أَتَى، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق من الْإِتْيَان، أَي: فَإِن جَاءَ. قَوْله: (فلي وَعلي) فلي الثَّوَاب وَعلي الغرامة. أَرَادَ أَن صَاحبهَا إِذا جَاءَ بعد الصَّدَقَة بِثمنِهَا وأبى فعله ذَلِك وَطلب ثمنهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن أَبى فالثواب وَالْعِقَاب ملتبسان بِي، أَو فالثواب لي وَعلي دينه من ثمنهَا. وَقَالَ بَعضهم: وغفل بعض الشُّرَّاح، وَأَرَادَ بِهِ الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ نقل كَلَامه مثل مَا قُلْنَا ثمَّ نسبه إِلَى الْغَفْلَة ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي قلته أولى لِأَنَّهُ وَقع مُفَسرًا فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة كَمَا ترى. قلت: الْغَفْلَة مِنْهُ لَا من الْكرْمَانِي، لِأَن الَّذِي فسره لَا يُخَالف تَفْسِير ابْن عُيَيْنَة فِي الْحَقِيقَة بل أدق مِنْهُ. يظْهر ذَلِك بِالنّظرِ والتأمل. قَوْله: (وَقَالَ: هَكَذَا) أَي: قَالَ ابْن مَسْعُود. (هَكَذَا افعلوا باللقطة) ، وَعرف حكم اللّقطَة فِي موضعهَا فِي الْفُرُوع. وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بذلك إِلَى أَنه انتزع فعله فِي ذَلِك من حكم اللّقطَة لِلْأَمْرِ بتعريفها سنة وَالتَّصَرُّف فِيهَا بعد ذَلِك انْتهى. قلت: لِأَن حكم اللّقطَة مَعْلُوما عِنْدهم، وَلم تكن قَضِيَّة ابْن مَسْعُود مَعْلُومَة عِنْدهم، فَلذَلِك قَالَ لَهُم: إفعلوا مثل اللّقطَة؟ يَعْنِي افعلوا فِي مثل قضيتي إِذا وَقعت مثل مَا كُنْتُم تفعلونه فِي اللّقطَة بالتعريف سنة وَالتَّصَرُّف فِيهَا بعد ذَلِك على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الْفُرُوع.
وَقَالَ ابنُ عَبّاسِ نَحْوُهُ.
هَذَا التَّعْلِيق عَن ابْن عَبَّاس لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني، وَوَصله سعد بن مَنْصُور من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن ربيع عَن أَبِيه: أَنه ابْتَاعَ ثوبا من رجل بِمَكَّة فضل مِنْهُ فِي الزحامِ، قَالَ: فَأتيت ابْن عَبَّاس فَقَالَ: إِذا كَانَ الْعَام الْمقبل فأنشده فِي الْمَكَان الَّذِي اشْتريت مِنْهُ فَإِن قدرت عَلَيْهِ وإلَاّ تدق بهَا، فَإِن جَاءَ فخيره بَين الصَّدَقَة وإعطاه الدَّرَاهِم.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الأسِيرِ يُعْلمُ مَكانُهُ: لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأتُهُ وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فإذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فسُنْتُهُ سُنَّةُ المفْقُودِ.
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ الخ، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ. قَالَ: سَأَلت الزُّهْرِيّ عَن الْأَسير فِي أَرض الْعَدو مَتى تزوج امْرَأَته؟ فَقَالَ: لَا تزوج مَا علمت أَنه حَيّ، وَمن وَجه آخر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: يُوقف مَال الْأَسير وَامْرَأَته حَتَّى يسلما أَو يموتا. قَوْله: (فسنته) أَي: حكمه حكم الْمَفْقُود، وَمذهب الزُّهْرِيّ فِي امْرَأَة الْمَفْقُود أَنَّهَا تربص أَربع سِنِين، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع كل من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم على أَن زَوْجَة الْأَسير لَا تنْكح حَتَّى يعلم يَقِين وَفَاته مَا دَامَ على الْإِسْلَام، هَذَا قَول النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَمَكْحُول وَيحيى الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَأبي ثَوْر وَأبي عبيد، وَبِه نقُول.
وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي حكم الْمَفْقُود إِذا لم يعلم مَكَانَهُ وَعمي خَبره، فَقَالَت طَائِفَة: إِذا خرج من بَيته وَعمي خَبره فَإِن امْرَأَته لَا تنْكح أبدا وَلَا يفرق بَينه وَبَينهَا حَتَّى يُوقن بوفاته أَو يَنْقَضِي تعميره، وسبيل زَوجته سَبِيل مَاله، رُوِيَ هَذَا القَوْل عَن عَليّ ﵁، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: تَتَرَبَّص امْرَأَته أَربع سِنِين ثمَّ تَعْتَد عدَّة الْوَفَاة. وَرُوِيَ أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو وَعَطَاء وَابْن أبي رَبَاح، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَأهل الْمَدِينَة وَأحمد وَإِسْحَاق.
٢٩٢٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنْ يَحْيَى بنِ سعِيدِ عنْ يَزِيدَ مَوْلاى المُنْبَعِثِ أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عنْ ضالَّةِ الغَنَمِ فَقَالَ: خُذْها فإنّما هِيَ لَكَ أوْ لإخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ. وسُئِلَ عنْ ضالّةِ الإبِلِ فَغَضِبَ واحْمَرَّتْ وجْنَتاهُ. وَقَالَ: مَالكَ ولَها معَه الحِذَاءُ والسِّقاءُ؟ تشْرَبُ المَاءَ وتأكُلُ الشَّجَرَ حتّى يَلْقاها رَبُّها. وسُئلَ عنِ اللّقَطَةِ، فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَها وعِفاصَها وعَرِّفْها سَنَةً، فإنْ جاءَ مَنْ يَعْرِفُها وإلاّ فاخْلِطْها بِمِالِكَ.
قَالَ سُفْيَانُ: فَلقِيتُ ربِيعَةَ بنَ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ سُفْيانُ: ولَمْ أحْفَظْ عنْهُ شَيْئاً غَيْرَ هاذَا، فَقُلْتُ: أرَأيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ فِي أمْرِ الضَّالَّةِ هُوَ عنْ زَيْدِ
стр. 6167
ابنِ خالِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ يَحْيَى: ويَقُولُ رَبِيعَةُ عنْ يَزِيدَ مَوْلى المُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ قَالَ سُفْيانُ: فَلَقِيتُ رَبيعَةَ فَقُلْتُ لهُ.
ابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الضَّالة كالمفقود فَكَمَا لم يزل ملك الْمَالِك فِيهَا فَكَذَلِك يجب أَن يكون النِّكَاح بَاقِيا بَينهمَا.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَيزِيد من الزِّيَادَة مولى المنبعث بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وبالمثلثة الْمَدِينِيّ التَّابِعِيّ.
وَهَذَا الحَدِيث قد مُضِيّ فِي كتاب الْعلم وَفِي كتاب اللّقطَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَهَذَا ظَاهره فِي الأول مُرْسل وَيعلم من قَوْله فِي آخِره: (فَقلت: أَرَأَيْت حَدِيث يزِيد) ؟ إِلَى آخِره أَنه مُسْند.
قَوْله: (مَعهَا الْحذاء) وَهُوَ مَا وطىء عَلَيْهِ الْبَعِير من خفه، والحذاء النَّعْل. قَوْله: (والسقاء) قربه المَاء وَالْمرَاد هُنَا بظنها قَوْله: (عَن اللّقطَة) وَهِي فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء: مَا ضَاعَ عَن الشَّخْص بِسُقُوط أَو غَفلَة فَيَأْخذهُ، وَهِي بِفَتْح الْقَاف على اللُّغَة الفصيحة الْمَشْهُورَة، وَقيل بسكونها، وَقَالَ الْخَلِيل بِالْفَتْح هُوَ اللاقط وبالسكون الملقوط (والوكاه) بِكَسْر الْوَاو وَهُوَ الَّذِي يشد بِهِ رَأس الصرة والكيس وَنَحْوهمَا (والعفاص) بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالفاء وبالصاد المهلمة هُوَ مَا يكون فِيهِ النَّفَقَة. قَوْله: (فاخلطها بِمَالك) أَخذ بِظَاهِرِهِ دَاوُد على أَنه يملكهَا، وَخَالف فُقَهَاء الْأَمْصَار وَالْمرَاد: خلها بِهِ على جِهَة الضَّمَان، بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى: فَإِن جَاءَ طالبها يَوْمًا من الدَّهْر فأدها إِلَيْهِ.
قَوْله: (ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن) هُوَ الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي. قَوْله: (قَالَ: يحيى) يَعْنِي ابْن سعيد الَّذِي حَدثهُ مُرْسلا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن أَكثر مَقَاصِد سُفْيَان الحَدِيث وَالْغَالِب على ربيعَة الْفِقْه. قَوْله: (قلت لَهُ) قيل: لم كَرَّرَه؟ وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ بمكرر إِذْ الْمَفْعُول الثَّانِي لَهُ هُوَ نَقله عَن يحيى، وَهُوَ غير مَا قَالَ لَهُ أَولا، فَافْهَم وَالله أعلم.
٣٢ - (بابُ الظِّهارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الظِّهَار، وَهُوَ بِكَسْر الظَّاء. وَقَالَ صَاحب (كتاب الْعين) : هُوَ مُظَاهرَة الرجل من امْرَأَته إِذا قَالَ: هِيَ على كَظهر ذَات رحم محرم، وَفِي (الْمُحكم) : ظَاهر الرجل امْرَأَته مُظَاهرَة وظهاراً إِذا قَالَ: هِيَ عَليّ كَظهر ذَات رحم محرم، وَقد تظهر مِنْهَا وتظاهر، زَاد المطرزي: وَظَاهر، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: ظَاهر الرجل من ارمأته إِذا قَالَ: أَنْت على كَظهر أُمِّي، أَو: كذات محرم، وَتَبعهُ على هَذَا غير وَاحِد من اللغويين، وَقَالَ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ: الظِّهَار تَشْبِيه الْمَنْكُوحَة بِامْرَأَة مُحرمَة عَلَيْهِ على التَّأْبِيد مثل: (الْأُم وَالْبِنْت وَالْأُخْت، حرم عَلَيْهِ الْوَطْء ودواعيه بقوله: أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي) حَتَّى يكفر، وَقيل: إِنَّمَا خص الظّهْر بذلك دون سَائِر الْأَعْضَاء لِأَنَّهُ مَحل الرّكُوب غَالِبا، وَلذَلِك يُسمى المركوب ظهرا فَشبه الزَّوْجَة بذلك لِأَنَّهَا مركوب ظهرا فَشبه الزَّوْجَة بذلك لِأَنَّهَا مركوب الرجل، فَلَو أضَاف لغير الظّهْر مثل الْبَطن والفخذ والفرج كَانَ ظِهَارًا بِخِلَاف الْيَد، وَعند الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: لَا يكون ظِهَارًا لَو قَالَ كَظهر أُخْتِي، بل يخْتَص بِالْأُمِّ، وَلَو قَالَ: كَظهر أبي مثلا لَا يكون ظِهَارًا عِنْد الْجُمْهُور، وَعَن أَحْمد فِي رِوَايَة: ظِهَار.
وقَوْل الله تَعَالَى: ﴿ (٥٨) قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ (٥٨) فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ (المجادلة: ١ ٤) [/ ح.
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله الظِّهَار. وَقَوله: إِلَى قَوْله: (فَمن لم يسْتَطع) يَعْنِي لم يسْبق بالتلاوة قَوْله تَعَالَى: ﴿قد سمع الله﴾ إِلَى قَوْله: ﴿سِتِّينَ مِسْكينا﴾ كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والأكثرين، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة سَاق الْآيَات كلهَا بِالْكِتَابَةِ إِلَى الْموضع الْمَذْكُور، وَهِي ثَلَاث آيَات قَوْله: (قَول الَّتِي) أَي: قَول الْمَرْأَة الَّتِي تُجَادِلك أَي: تخاصمك وتحاورك فِي زَوجهَا وَهِي امْرَأَة من الْأَنْصَار ثمَّ من الْخَزْرَج، وَاخْتلفُوا فِي اسْمهَا ونسبها، فَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ خَوْلَة بنت خويلد وَعَن أبي الْعَالِيَة: خَوْلَة بنت دليم، وَعَن قَتَادَة: خُوَيْلَة بنت ثَعْلَبَة، وَعَن مقَاتل بن حَيَّان: خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة بن مَالك بن حرَام الخزرجية من بني عَمْرو بن عَوْف، وَعَن عَطِيَّة عَن ابْن عَبَّاس: خَوْلَة بنت الصَّامِت، وروى هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أَن اسْمهَا: جميلَة وَزوجهَا أَوْس بن الصَّامِت أَخُو عبَادَة بن الصَّامِت، وَقيل: كَانَت أمة لعبد الله بن أبي، وَهِي الَّتِي نزل فِيهَا: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ (النُّور: ٣٣) وَقَالَ أَبُو عمر: هِيَ خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة بن أَصْرَم بن
стр. 6168
فهر بن ثَعْلَبَة بن غنم بن سَالم بن عَوْف وَهُوَ الْأَصَح، وَلَا يثبت شَيْء غير ذَلِك، وَزوجهَا أَوْس بن الصَّامِت بن قيس بن أَصْرَم بن فهر ابْن ثَعْلَبَة بن غنم بن سَالم بن عَوْف بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ، شهد بَدْرًا وأحداً والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَبَقِي إِلَى زمن عُثْمَان، ﵁.
ثمَّ الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع:
الأول فِي سَبَب نزُول هَذ الْآيَات، وَهُوَ أَن خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة كَانَت امْرَأَة جسيمة الْجِسْم فرآها زَوجهَا سَاجِدَة فِي صلَاتهَا فَنظر إِلَى عجيزتها، فَلَمَّا انصرفت أرادها فامتنعت عَلَيْهِ وَكَانَ أمرأ فِيهِ سرعَة ولمم فَقَالَ لَهَا: أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي، ثمَّ نَدم على مَا قَالَ. وَكَانَ الْإِيلَاء وَالظِّهَار من طَلَاق أهل الْجَاهِلِيَّة، فَقَالَ لَهَا: مَا أَظُنك إلَاّ قد حرمت عَليّ، فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله ﴿إِن زَوجي أَوْس بن الصَّامِت تزَوجنِي وَأَنا شَابة غنية ذَات مَال وَأهل حَتَّى أكل مَالِي وأفنى شَبَابِي وتفرق أَهلِي وَكبر سني ظَاهر مني، وَقد نَدم فَهَل من شَيْء يجمعني وإياه ينعشني بِهِ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : حرمت عَلَيْهِ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله﴾ وَالَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مَا ذكر طَلَاقا وَإنَّهُ أَبُو وَلَدي وَأحب النَّاس إِلَيّ. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : حرمت عَلَيْهِ. فَقَالَت: أَشْكُو إِلَى الله فَاقَتِي وَوحْدَتِي. قد طَالَتْ صحبتي ونفضت لَهُ بَطْني، أَي: كثر وَلَدي، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا أَرَاك إِلَّا قد حرمت عَلَيْهِ، وَلم أومر فِي شَأْنك بِشَيْء، فَجعلت تراجع رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : حرمت عَلَيْهِ، هَتَفت وَقَالَت: أَشْكُو إِلَى الله فَاقَتِي وَشدَّة حَالي، أللهم أنزل على لِسَان نبيك، وَكَانَ هَذَا أول ظِهَار فِي الْإِسْلَام، فَأنْزل الله تَعَالَى عَلَيْهِ: ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ (المجادلة: ١)
الْآيَات قَالَ لَهَا: إدعي زَوجك، فجَاء فَتلا عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ : (قد سمع الله) الْآيَات ثمَّ قَالَ لَهُ: هَل تَسْتَطِيع أَن تعْتق رَقَبَة؟ قَالَ: إِذا يذهب مَالِي كُله، الرَّقَبَة غَالِيَة وَأَنا قَلِيل المَال. فَقَالَ ﷺ : هَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين؟ قَالَ: وَالله يَا رَسُول الله إِن لم آكل فِي الْيَوْم ثَلَاث مَرَّات كلَّ بَصرِي وخشيت أَن تغشو عَيْني، قَالَ فَهَل تَسْتَطِيع أَن تطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا وَالله إلَاّ أَن تعينني على ذَلِك يَا رَسُول الله. قَالَ رَسُول الله ﷺ : أَنِّي معينك بِخَمْسَة عشر صَاعا، وَاجْتمعَ لَهما أَمرهمَا، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يظاهرون مِنْكُم من نِسَائِهِم﴾ (المجادلة: ٢) وَكلمَة: مِنْكُم، توبيخ للْعَرَب وتهجين لعادتهم فِي الظِّهَار لِأَنَّهُ كَانَ من إِيمَان أهل جاهليتهم خَاصَّة دون سَائِر الْأُمَم. قَوْله: ﴿مَا هن أمهاتهم﴾ أَي: لَيست النِّسَاء اللَّاتِي يظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتهم، لِأَنَّهُ تَشْبِيه بَاطِل لتباين الْحَالين. ﴿إِن أمهاتهم﴾ أَي: مَا أمهاتهم ﴿إِلَّا اللائي ولدنهم وَإِنَّهُم ليقولون مُنْكرا من القَوْل﴾ (المجادلة: ٢) لَا يعرف صِحَّته ﴿وزورا﴾ يَعْنِي: كذبا بَاطِلا منحرفاً عَن الْحق.
النَّوْع الثَّانِي: فِي صُورَة الظِّهَار: إعلم أَن الْأَلْفَاظ الَّتِي يصير بهَا الْمَرْء مُظَاهرا على نَوْعَيْنِ: صَرِيح، نَحْو أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي، أَو أَنْت عِنْدِي كَظهر أُمِّي، وكناية نَحْو: أَن يَقُول: أَنْت عَليّ كأمي، أَو مثل أُمِّي، أَو نَحْوهمَا، يعْتَبر فِيهِ نِيَّته، فَإِن أَرَادَ ظِهَارًا كَانَ ظِهَارًا، وَإِن لم ينْو لَا يصير ظِهَارًا وَعند مُحَمَّد بن الْحسن: هُوَ ظِهَار، وَعَن أبي يُوسُف: هُوَ مثله إِن كَانَ فِي الْغَضَب وَعنهُ أَن يكون إِيلَاء وَإِن نوى طَلَاقا. كَانَ طَلَاقا بَائِنا.
النَّوْع الثَّالِث: لَا يكون الظِّهَار إِلَّا بالتشبيه بِذَات محرم، فَإِذا ظَاهر بِغَيْر ذَات محرم فَلَيْسَ بظهار، وَبِه قَالَ الْحسن وَعَطَاء وَالشعْبِيّ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَعنهُ وَهُوَ أشهر أَقْوَاله: إِن كل من ظَاهر بِامْرَأَة حل لَهُ نِكَاحهَا يَوْمًا من الدَّهْر فَلَيْسَ ظِهَارًا، وَمن ظَاهر بِامْرَأَة لم يحل لَهُ نِكَاحهَا قطّ فَهُوَ ظِهَار. وَقَالَ مَالك: من ظَاهر بِذَات محرم أَو بأجنبية فَهُوَ كُله ظِهَار، وَعَن الشّعبِيّ: لَا ظِهَار إلاّ بِأم أَو جده، وَهُوَ قَول للشَّافِعِيّ رَوَاهُ عَنهُ أَبُو ثَوْر، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة.
وَاخْتلفُوا فِيمَن ظَاهر من أَجْنَبِيَّة ثمَّ تزَوجهَا، فروى الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن تزَوجهَا فَلَا يقربهَا حَتَّى يكفر، وَهُوَ قَول عَطاء وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعُرْوَة، قَالَ ابْن حزم: صَحَّ ذَلِك عَنْهُم. قلت: إِن أَرَادَ بِالصِّحَّةِ عَن الْمَذْكُورين فالأثر عَن عمر مُنْقَطع لِأَن الْقَاسِم لم يُولد إلَاّ بعد قتل عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِن أَرَادَ البَاقِينَ فَيمكن. وَقَالَ فِي (التَّلْوِيح) : قَالَ ابْن عمر: قَالَ ابْن أبي ليلى وَالْحسن بن حَيّ: إِن قَالَ: كل امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا فَهِيَ على كَظهر أُمِّي، أَو سمي قَرْيَة أَو قَبيلَة لزمَه الظِّهَار، وَقَالَ الثَّوْريّ فِيمَن قَالَ: إِن تَزَوَّجتك فَأَنت طَالِق، وَأَنت عَليّ كَظهر أُمِّي، وَوَاللَّه لَا أقْربك أَرْبَعَة أشهر فَمَا زَاد، ثمَّ تزَوجهَا وَقع الطَّلَاق وَسقط الظِّهَار وَالْإِيلَاء لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالطَّلَاق.
النَّوْع الرَّابِع: فِيمَن يَصح مِنْهُ الظِّهَار وَمن لَا يَصح، كل زوج صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره سَوَاء كَانَ حرا أَو رَقِيقا مُسلما أَو ذِمِّيا دخل بِالْمَرْأَةِ أَو لم
стр. 6169
يدْخل بهَا، أَو كَانَ قَادِرًا على جِمَاعهَا أَو عَاجِزا عَنهُ، وَكَذَلِكَ يَصح من كل زَوْجَة صَغِيرَة كَانَت أَو كَبِيرَة عَاقِلَة أَو مَجْنُونَة أَو رتقاء أَو سليمَة مُحرمَة أَو غير مُحرمَة ذِمِّيَّة أَو مسلمة أَو فِي عدَّة تملك رَجعتهَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يَصح ظِهَار الذِّمِّيّ، وَقَالَ مَالك: لَا يَصح ظِهَار العَبْد، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: لَا يَصح ظِهَار غير الْمَدْخُول بهَا، وَقَالَ الْمُزنِيّ: إِذا طلق الرجل امْرَأَته طَلْقَة رَجْعِيَّة ثمَّ ظَاهر مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَصح.
وَاخْتلف فِي الظِّهَار من الْأمة وَأم الْوَلَد، فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ: لَا يَصح الظِّهَار مِنْهُمَا، وَقَالَ مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث: لَا يكون من أمته مُظَاهرا. احْتج الْكُوفِيُّونَ بقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم﴾ (المجادلة: ٢)
وَالْأمة لَيست من نسائنا.
النَّوْع الْخَامِس: فِي بَيَان الْكَفَّارَة، وَهُوَ تَحْرِير رَقَبَة قبل الْوَطْء سَوَاء كَانَت ذكرا أَو أُنْثَى صَغِيرَة أَو كَبِيرَة مسلمة أَو كَافِرَة لإِطْلَاق النَّص. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا تجوز الْكَفَّارَة بالكافرة وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَقَالَ ابْن حزم: يجوز الْمُؤمن وَالْكَافِر والسالم والمعيب وَالذكر وَالْأُنْثَى، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك: لَا تجوز الرَّقَبَة المعيبة وَقَالَ ابْن حزم: وروينا عَن النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ أَن عتق الْأَعْمَى يَجْزِي فِي ذَلِك، وَعَن ابْن جريج: إِن الأشل يَجْزِي فِي ذَلِك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْمَجْنُون لَا يَصح.
وَأعلم أَن الْكَفَّارَة على أَنْوَاع:
الأول: عتق الرَّقَبَة. فَإِن عجز صَامَ شَهْرَيْن مُتَتَابعين لَيْسَ فيهمَا شهر رَمَضَان وَالْأَيَّام المنهية، وَهِي يَوْمًا الْعِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق، فَإِن وطىء فيهمَا لَيْلًا أَو نَهَارا نَاسِيا أَو عَامِدًا اسْتَأْنف الصَّوْم، وَذكر ابْن حزم عَن مَالك أَنه إِذا وطىء الَّتِي ظَاهر مِنْهَا لَيْلًا قبل تَمام الشَّهْرَيْنِ يبتدىء بهما من ذِي قبل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يتمهما بانياً على مَا صَامَ مِنْهُمَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: فَإِن وَطئهَا فِي الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا عَامِدًا أَو يَوْمًا نَاسِيا، أَو أفطر فيهمَا مُطلقًا يَعْنِي: سَوَاء كَانَ بِعُذْر أَو بِغَيْر عذر اسْتَأْنف الصَّوْم عِنْدهمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَا يسْتَأْنف إلَاّ بالإفطار. وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك وَأحمد: إِن كَانَ بِعُذْر لَا يسْتَأْنف وَلم يجز للْعَبد إلَاّ الصَّوْم، فَإِن لم يسْتَطع الصَّوْم أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا كالفطرة فِي قدر الْوَاجِب يَعْنِي: نصف صَاع من بر أَو صَاع من تمر أَو شعير، وَقَالَ الشَّافِعِي: لكل مِسْكين مد من غَالب قوت بَلَده، وَعند مَالك مد بِمد هِشَام وَهُوَ مدان بِمد النَّبِي ﷺ ، وَعند أَحْمد من الْبر مد وَمن تمر وشعير مدان، وَإِن طعم ثَلَاثِينَ مِسْكينا، ثمَّ وطيء، فَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة: يتم الْإِطْعَام كَمَا لَو وطىء قبل أَن يطعم لم يكن عَلَيْهِ إلَاّ إطْعَام وَاحِد. وَقَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك يسْتَأْنف إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا.
النَّوْع السَّادِس: فِيمَن ظَاهر ثمَّ كرر ثَانِيَة أَو ثَالِثَة فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَاّ كَفَّارَة وَاحِدَة، فَإِن كرر رَابِعَة فَعَلَيهِ كَفَّارَة أُخْرَى. قَالَه ابْن حزم، وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. إِذا ظَاهر فِي مجْلِس وَاحِد مرَارًا فكفارة وَاحِدَة، وَإِن ظَاهر فِي مقاعد شَتَّى فَعَلَيهِ كَفَّارَات شَتَّى، وَالْإِيمَان كَذَلِك وَهُوَ قَول قَتَادَة وَعَمْرو بن دِينَار، وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ ذَلِك عَنْهُمَا، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ فِي ذَلِك إلَاّ كَفَّارَة وَاحِدَة، قَالَ ابْن حزم: روينَا عَن طَاوُوس وَعَطَاء وَالشعْبِيّ أَنهم قَالُوا: إِذا ظَاهر من امْرَأَة خمسين مرّة فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة، وَصَحَّ مثله عَن الْحسن، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ الْحسن أَيْضا: إِذا ظَاهر مرَارًا فَإِن كَانَ فِي مجَالِس شَتَّى فكفارة وَاحِدَة مَا لم يكفر وَالْإِيمَان كَذَلِك، قَالَ معمر: وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ، وَقَول مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ كرر الظِّهَار فِي مجْلِس وَاحِد وَنوى التّكْرَار فكفارة وَاحِدَة، وَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة فَلِكُل ظِهَار كَفَّارَة، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك فِي مجْلِس وَاحِد أَو مجَالِس.
النَّوْع السَّابِع: فِيمَا يجوز للمظاهر أَن يفعل مَعَ امْرَأَته الَّتِي ظَاهر مِنْهَا، رُوِيَ عَن الثَّوْريّ أَنه: لَا بَأْس أَن يقتل الَّتِي ظَاهر مِنْهَا قبل التَّكْفِير، ويباشرها فبمَا دون الْفرج لِأَن الْمَسِيس هُنَا الْجِمَاع، وَهُوَ قَول الْحسن وَعَطَاء وَعَمْرو بن دِينَار وَقَتَادَة وَقَول أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: أحب إِلَيّ أَن يمْتَنع من الْقبْلَة والتلذذ احْتِيَاطًا، وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: لَا بَأْس أَن يقبل ويباشر وَأبي مَالك من ذَلِك لَيْلًا أَو نَهَارا. وَكَذَا فِي صِيَام الشَّهْرَيْنِ، قَالَ: وَلَا ينظر إِلَى شعرهَا وَلَا إِلَى صدرها حَتَّى يكفِّر، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يَأْتِي مِنْهَا مَا دون الْإِزَار كالحائض، وَقَالَ أَصْحَابنَا، كَمَا يحرم عَلَيْهِ الْوَطْء قبل التَّكْفِير حرمت عَلَيْهِ دواعيه كاللمس والقبلة بِشَهْوَة.
النَّوْع الثَّامِن: فِيمَن وَجَبت عَلَيْهِ كَفَّارَة الظِّهَار، وَلم تسْقط بِمَوْتِهِ وَلَا بموتها وَلَا طَلَاقه لَهَا هِيَ من رَأس مَاله إِن مَاتَ أوصى بهَا أَو لم يوصِ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيَّة وَعند أَصْحَابنَا الدُّيُون نَوْعَانِ حُقُوق الله وَحُقُوق الْعباد، فَحق الله أَن
стр. 6170
لم يوص بِهِ يسْقط سَوَاء كَانَ صَلَاة أَو زَكَاة، وَيبقى عَلَيْهِ الْإِثْم والمطالبة فِي حكم الْآخِرَة، وَإِن أوصى بِهِ يعْتَبر من الثُّلُث، فعلى الْوَارِث أَن يطعم عَنهُ لكل صَلَاة، وَقت نصف صَاع كَمَا فِي الْفطْرَة، وللوتر أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة، وَإِن كَانَ صوما يَصُوم لكل يَوْم كَصَلَاة كل وَقت، وَإِن كَانَ حجا فعلى الْوَارِث الإحجاج عَنهُ من الثُّلُث وَكَذَا الحكم فِي النذور وَالْكَفَّارَات، وَأما دين الْعباد فَهُوَ مقدم بِكُل حَال.
النَّوْع التَّاسِع: فِي ظِهَار العَبْد. فَفِي (موطأ مَالك) أَنه سَأَلَ ابْن شهَاب عَن ظِهَار العَبْد، فَقَالَ نَحْو ظِهَار الْحر، وَقَالَ مَالك: صِيَام العَبْد فِي الظِّهَار شَهْرَان. وَقَالَ أَبُو عمر: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن الظِّهَار للْعَبد لَازم. وَأَن كَفَّارَته الْمجمع عَلَيْهَا الصَّوْم، قَالَ: وَاخْتلفُوا فِي الْعتْق وَالْإِطْعَام، فَأجَاز أَبُو ثَوْر وَدَاوُد للْعَبد الْعتْق إِن إعطاه سَيّده وَأبي ذَلِك سَائِر الْعلمَاء، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَن أطْعم بِإِذن مَوْلَاهُ جَازَ، وَإِن أعتق بِلَا إِذْنه لم يجز وَأحب إِلَيْنَا أَن يَصُوم، وَقَالَ مَالك: وإطعام العَبْد كإطعام الْحر سِتِّينَ مِسْكينا لَا أعلم فِيهِ خلافًا.
النَّوْع الْعَاشِر: فِي بَيَان الْعود. الْمَذْكُور فِي الْآيَة. وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ. فَقَالَ الشَّافِعِي: الْعود الْمُوجب لِلْكَفَّارَةِ أَن يمسك عَن طَلاقهَا بعد الظِّهَار بِمُضِيِّ مُدَّة يُمكنهُ أَن يطلقهَا فَلم يطلقهَا، وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ يعودون لما قَالُوا﴾ (المجادلة: ٣) يُرِيد أَن يَغْشَاهَا ويطأها بَعْدَمَا حرمهَا وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة قَالَ: إِن عزم على وَطئهَا وَنوى أَن يَغْشَاهَا يكون عوداً وَيلْزمهُ الْكَفَّارَة، وَإِن لم يعزم على الْوَطْء لَا يكون عوداً، وَقَالَ مَالك: إِن وَطئهَا كَانَ عوداً وَإِن لم يَطَأهَا لم يكن عوداً. وَقَالَ أَصْحَاب الظَّاهِر: إِن كرر اللَّفْظ كَانَ عوداً وإلَاّ لم يكن عوداً. وَهُوَ قَول أبي الْعَالِيَة وَذكر ابْن بطال أَن الْعود عِنْد مَالك هُوَ الْعَزْم على الْوَطْء، وَحكى عَنهُ أَن الْوَطْء بِعَيْنِه، وَلَكِن تقدم الْكَفَّارَة عَلَيْهِ وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم وَأَشَارَ فِي (الْمُوَطَّأ) إِلَى أَنه الْعَزْم على الْإِمْسَاك والإصابة، وَعَلِيهِ أَكثر أَصْحَابه، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَذهب الْحسن وطاووس وَالزهْرِيّ إِلَى أَن الْوَطْء نَفسه هُوَ الْعود. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: معنى الْعود عِنْد أبي حنيفَة أَنه لَا يستبيح وَطأهَا إلَاّ بكفارة يقدمهَا. وَفِي (التَّلْوِيح) قَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: معنى الْعود أَن الظِّهَار يُوجب تَحْرِيمًا لَا يرفعهُ إلَاّ الْكَفَّارَة إلَاّ أَنه إِن لم يَطَأهَا مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى مَاتَت فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، سَوَاء أَرَادَ فِي خلال ذَلِك وَطأهَا أَو لم يرد، فَإِن طَلقهَا ثَلَاثًا فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، فَإِن تزَوجهَا بعد زوج آخر عَاد عَلَيْهِ حكم الظِّهَار وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يكفر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الظِّهَار قَول كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فنهوا عَنهُ. فَكل من قَالَه فقد عَاد لما قَالَ. وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا لَا يحفظ عَن غَيره، قَالَ ابْن عبد الْبر: قَالَه قبله غَيره، وروى بشر بن الْوَلِيد عَن أبي يُوسُف أَنه لَو وَطئهَا ثمَّ مَاتَ أَحدهمَا لم يكن عَلَيْهِ كَفَّارَة، وَلَا كَفَّارَة بعد الْجِمَاع.
وَقَالَ لِي إسْمَاعِيلُ: حدّثني مالِكٌ أنّهُ سألَ ابنَ شِهِابٍ عنْ ظِهارِ العَبْدِ، فَقَالَ: نَحْوَ ظِهارِ الحُرِّ. قَالَ مالِك: وصِيام العَبْدِ شَهْرَانِ.
أَي: قَالَ البُخَارِيّ قَالَ لي إِسْمَاعِيل: وَهُوَ ابْن أبي أويس، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِكَلِمَة لي بعد قَوْله؛ قَالَ: وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: قَالَ إِسْمَاعِيل، بِدُونِ لَفْظَة لي، وَهَذَا حكمه حكم الْمَوْصُول، وَيسْتَعْمل هَذَا فِيمَا تحمله عَن شُيُوخه بطرِيق المذاكرة. قَوْله: سَأَلَ ابْن شهَاب، وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
وَقَالَ الحَسَنُ بنُ الحُرِّ: ظهِارُ الحُرِّ والعَبْدِ مِنَ الحُرَّةِ والأمَةِ سَوَاءٌ.
الْحسن بن الْحر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء النَّخعِيّ الْكُوفِي ثمَّ الدِّمَشْقِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروي الْحسن بن حَيّ ضد الْمَيِّت الْهَمدَانِي الْفَقِيه، مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة ونسبته لجد أَبِيه وَهُوَ الْحسن بن صَالح بن حَيّ، وَاسم حَيّ حَيَّان فَقِيه ثِقَة عَابِد من طبقَة الثَّوْريّ: قلت: رِوَايَة الْأَكْثَرين: الْحسن بن الْحر، وَفِي رِوَايَة: أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي: الْحسن بن حَيّ، ويروى: الْحسن مُجَردا، وَيحْتَمل أَن يكون أحد الحسنين الْمَذْكُورين، وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ فِي كتاب (اخْتِلَاف الْعلمَاء) عَن الْحسن بن حَيّ هَذَا الْأَثر، ويروى عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ مثله.
стр. 6171
وَقَالَ عِكْرَمَةُ: إنُ ظاهَرَ مِنْ أمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيءٍ، إنّما الظِّهارُ مِنَ النِّساءِ.
عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس قَوْله: (من النِّسَاء) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي المزوجات الْحَرَائِر. قلت: لفظ النِّسَاء يتَنَاوَل الْحَرَائِر وَالْإِمَاء فَلذَلِك هُوَ فَسرهَا بالمزوجات الْحَرَائِر، وَلَو قيل: من الْحَرَائِر، لَكَانَ أولى. وَقَالَ ابْن حزم: وروى الشّعبِيّ مثله وَلم يَصح عَنْهُمَا، وَصَحَّ عَن مُجَاهِد وَابْن أبي مليكَة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، إلَاّ أَن أَحْمد قَالَ: فِي الظِّهَار من ملك الْيَمين كَفَّارَة، وَرُوِيَ عَن عِكْرِمَة خِلَافه، قَالَ عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا ابْن جريج أَخْبرنِي الحكم ابْن أبان عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس يكفّر عَن ظِهَار الْأمة مثل كَفَّارَة الْحرَّة، قيل: يحْتَمل أَن يكون الْمَنْقُول عَن عِكْرِمَة الْأمة الْمُزَوجَة، فَلَا يكون بَين قوليه اخْتِلَاف، وَالله أعلم.
وَفِي العَرَبِيَّةِ: لما قالُوا: أَي فِيما قالُوا، وَفِي نَقْصِ مَا قالُوا، وهاذَا أوْلى لأنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَدُلَّ علَى المُنْكَرِ وعلَى قَوْلِ الزُّورِ.
أَي: يسْتَعْمل فِي كَلَام الْعَرَب لفظ عَاد لَهُ، بِمَعْنى: عَاد فِيهِ، أَي: نقضه وأبطله، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ثمَّ يعودون لما قَالُوا، أَي: يتداركون مَا قَالُوا، لِأَن المتدارك لِلْأَمْرِ عَائِد إِلَيْهِ أَي: تَدَارُكه بالإصلاح بِأَن يكفر عَنهُ. قَوْله: (وَفِي نقض مَا قَالُوا) بالنُّون وَالْقَاف فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والكشميهني، وَفِي بعض بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْعين الْمُهْملَة. قَوْله: (وَهَذَا أولى) أَي: معنى يعودون لما قَالُوا، أَي: ينقضون مَا قَالُوا أولى مِمَّا قَالُوا: إِن معنى الْعود هُوَ تكْرَار لفظ الظِّهَار، وغرض البُخَارِيّ من هَذَا الرَّد على دَاوُد الظَّاهِرِيّ حَيْثُ قَالَ: إِن الْعود هُوَ تَكْرِير كلمة الظِّهَار. قَوْله: (لِأَن الله لم يدل) تَعْلِيق لقَوْله: وَهَذَا أولى، وَجه الْأَوْلَوِيَّة أَنه إِذا كَانَ مَعْنَاهُ كَمَا زَعمه دَاوُد لَكَانَ الله دَالا على الْمُنكر وَقَول الزُّور تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، وَقَالَ الْفراء والأخفش: الْمَعْنى على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، أَي: وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة، وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ قَول حسن، وَقَالَ غَيره: يجوز أَن يكون: مَا، بِتَقْدِير الْمصدر، وَالتَّقْدِير: ثمَّ يعودون لِلْقَوْلِ، سمى القَوْل باسم الْمصدر، كَمَا قَالُوا: نسج الْيمن وَدِرْهَم ضرب الْأَمِير، وَإِنَّمَا هُوَ منسوج الْيمن ومضروب الْأَمِير، وَقَالَ آخَرُونَ: يجوز أَن يكون: مَا بِمَعْنى: من كَأَنَّهُ قَالَ: ثمَّ يعود دون لمن قَالُوا فِيهِنَّ، أولهنَّ، أنتن علينا كظهور أمهاتنا. وَقَالَ ابْن المرابط: قَالَت فرقة: ثمَّ يعودون لما قَالُوا من الظِّهَار فَيَقُولُونَ بالظهار مرّة أُخْرَى، وَهُوَ الَّذِي أنكرهُ البُخَارِيّ. فَإِن قلت: اقْتصر البُخَارِيّ فِي: بَاب الظِّهَار على ذكر. قَوْله تَعَالَى: ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ (المجادلة: ١ ٤) إِلَى قَوْله: ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ (المجادلة: ١ ٤) وعَلى ذكر بعض الْآثَار، وَقد ورد فِيهِ أَحَادِيث عَن ابْن عَبَّاس وَسَلَمَة بن صَخْر الْأنْصَارِيّ البياضي وَخَوْلَة بنت ثَعْلَبَة وَأَوْس ابْن الصَّامِت وَعَائِشَة، ﵃، وَلم يذكر مِنْهَا حَدِيثا. قلت: لَيْسَ فِيهَا حَدِيث على شَرطه فَلذَلِك لم يذكر مِنْهَا حَدِيثا، غير أَنه ذكر فِي أَوَائِل كتاب التَّوْحِيد من حَدِيث عَائِشَة مُعَلّقا، على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، إِمَّا حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ الْأَرْبَعَة، وَأما حَدِيث سَلمَة بن صَخْر، وَيُقَال: سُلَيْمَان بن صَخْر، فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَأما حَدِيث خَوْلَة فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد، وَأما حَدِيث أَوْس بن الصَّامِت زوج خَوْلَة فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا، وَذكرنَا هَذَا الْمِقْدَار طلبا للاختصار.
٤٢ - (بابُ الإشارَةِ فِي الطّلَاقِ والأُمُورِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِشَارَة فِي الطَّلَاق، وَقَالَ ابْن التِّين: أَرَادَ الْإِشَارَة الَّتِي يفهم مِنْهَا الطَّلَاق من الصَّحِيح والأخرس، وَقَالَ الْمُهلب: الْإِشَارَة إِذا فهمت يحكم بهَا وأوكد مَا أَتَى بهَا من الْإِشَارَة مَا حكم بِهِ النَّبِي ﷺ ، فِي أَمر السَّوْدَاء حِين قَالَ لَهَا: أَيْن الله؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء. فَقَالَ: أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة، فَأجَاز الْإِسْلَام بِالْإِشَارَةِ الَّذِي هُوَ أصل الدّيانَة، وَحكم بإيمانها كَمَا يحكم بنطق من يَقُول ذَلِك، فَيجب أَن تكون الْإِشَارَة عَامَّة فِي سَائِر الديانَات، وَهُوَ قَول عَامَّة الْفُقَهَاء. وَقَالَ مَالك: الْأَخْرَس إِذا أَشَارَ بِالطَّلَاق يلْزمه. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الرجل يمرض فيختل لِسَانه: فَهُوَ كالأخرس فِي الطَّلَاق
стр. 6172
وَالرَّجْعَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: إِن كَانَت إِشَارَته تعرف فِي طَلَاقه ونكاحه وَبيعه فَهُوَ جَائِز عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ يشك فِيهِ فَهُوَ بَاطِل، وَقَالَ: وَلَيْسَ ذَلِك بِقِيَاس، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَان، وَالْقِيَاس فِي هَذَا كُله بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يتَكَلَّم وَلَا تعقل إِشَارَته، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِي ذَلِك إِقْرَار من أبي حنيفَة أَنه حكم بِالْبَاطِلِ لِأَن الْقيَاس عِنْده حق، فَإِذا حكم بضده وَهُوَ الِاسْتِحْسَان فقد حكم بضد الْحق، وَفِي إِظْهَار القَوْل بالاستحسان وَهُوَ ضد الْقيَاس دفع مِنْهُ للْقِيَاس الَّذِي هُوَ عِنْده حق انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام من لَا يفهم دقائق الْأَحْكَام مَعَ المكابرة والجرأة على مثل الإِمَام الْأَعْظَم الَّذِي انتشى فِي خير الْقُرُون، وَقَول أبي حنيفَة: الْقيَاس فِي هَذَا بَاطِل، هَل يسْتَلْزم بطلَان الأقيسة كلهَا، وَلَيْسَ الِاسْتِحْسَان ضد الْقيَاس، بل هُوَ نوع مِنْهُ لِأَن الْقيَاس على نَوْعَيْنِ: جلي وخفى وَالِاسْتِحْسَان قِيَاس خَفِي، وَمن لَا يدْرِي هَذَا كَيفَ يتحدث بِكَلَام فِيهِ افتراء وجرأة بِغَيْر حق؟ وَكَذَلِكَ ابْن بطال الَّذِي أطلق لِسَانه فِي أبي حنيفَة بِوَجْه بَاطِل حَيْثُ قَالَ حاول البُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب الرَّد على أبي حنيفَة لِأَنَّهُ ﷺ حكم بِالْإِشَارَةِ فِي هَذِه الْأَحَادِيث، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَحَادِيث الْبَاب، ثمَّ نقل كَلَام ابْن الْمُنْذر، ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا حمل أَبَا حنيفَة على قَوْله هَذَا لِأَنَّهُ لم يعلم السّنَن الَّتِي جَاءَت بِجَوَاز الإشارات فِي أَحْكَام مُخْتَلفَة. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه أدب فَمن قَالَ: إِن أَبَا حنيفَة لم يعلم هَذِه السّنَن، وَمن نقل عَنهُ أَنه لم يجوز الْعَمَل بِالْإِشَارَةِ، وَهَذِه كتب أَصْحَابنَا ناطقة بِجَوَاز ذَلِك كَمَا نبهنا على بعض شَيْء من ذَلِك وَقَالَ أَصْحَابنَا إِشَارَة الْأَخْرَس وكتابته كالبيان بِاللِّسَانِ فَيلْزمهُ الْأَحْكَام بِالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَة حَتَّى يجوز نِكَاحه وطلاقه وعتاقه وَبيعه وشراؤه وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام، بِخِلَاف معتقل اللِّسَان يَعْنِي: الَّذِي حبس لِسَانه فَإِن إِشَارَته غير مُعْتَبرَة لِأَن الْإِشَارَة لَا تنبىء عَن المُرَاد إلَاّ إِذا طَالَتْ وَصَارَت معهودة كالأخرس، وَقدر التُّمُرْتَاشِيّ الامتداد بِالسنةِ وَعَن أبي حنيفَة: أَن العقلة إِن دَامَت إِلَى وَقت الْمَوْت يَجْعَل إِقْرَاره بِالْإِشَارَةِ، وَيجوز الْإِشْهَاد عَلَيْهِ. قَالُوا: وَعَلِيهِ الْفَتْوَى، وَفِي (الْمُحِيط) : وَلَو أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى امْرَأَة وَقَالَ: زَيْنَب أَنْت طَالِق فَإِذا هِيَ عمْرَة، طلقت عمْرَة لِأَنَّهُ أَشَارَ وسمى، فَالْعِبْرَة للْإِشَارَة لَا للتسمية. قَوْله: (والأمور) أَي: الْأُمُور الْحكمِيَّة وَغَيرهَا.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا يُعَذِّبُ الله بِدَمْعِ العَيْنِ ولاكِنْ يُعَذِّبُ بِهاذَا فأشارَ إِلَى لِسانِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْإِشَارَة الَّتِي يفهم مِنْهَا الْأَمر من الْأُمُور كالنطق بِاللِّسَانِ، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه فِي كتاب الْجَنَائِز مُسْندًا بأتم مِنْهُ فِي: بَاب الْبكاء عِنْد الْمَرِيض.
وَقَالَ كَعْبُ بنُ مالِكٍ: أَشَارَ النبيُّ ﷺ إلَيَّ أَي تخُذِ النِّصفَ.
تقدم هَذَا التَّعْلِيق فِي كتاب الْمُلَازمَة مُسْندًا عَن كَعْب بن مَالك: أَنه كَانَ لَهُ على عبد الله بن أبي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ دين، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ فتكلما حَتَّى ارْتَفَعت أصواتهما، فَمر بهما النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا كَعْب، وَأَشَارَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقُول: النّصْف: فَأخذ نصف مَا عَلَيْهِ وَترك نصفا.
وقالَتْ أسْماءُ صَلّى النبيُّ ﷺ فِي الكُسُوفِ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا شأْنُ النّاسِ وهْيَ تُصَلِّي؟ فأوْمأتْ بِرَأْسِها إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ: آيةٌ. فأوْمأتْ بِرَأْسِها: أنْ نَعَمْ.
تقدم هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا مُسْندًا فِي الْكُسُوف فِي: بَاب صَلَاة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال فِي الْكُسُوف عَن أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهَا قَالَت: أتيت عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ حِين خسفت الشَّمْس فَإِذا النَّاس قيام يصلونَ فَإِذا هِيَ قَائِمَة تصلي، فَقلت: للنَّاس؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاء، وَقَالَت: سُبْحَانَ الله. فَقلت: آيَة؟ فَأَشَارَتْ، أَي: نعم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَقَالَ أنَسٌ: أوْمأ النبيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أبي بَكْرٍ أنْ يَتَقَدَّمَ.
تقدم هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا فِي كتاب الصَّلَاة مُسْندًا فِي: بَاب أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ، عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يخرج النَّبِي ﷺ ثَلَاثًا فأقيمت الصَّلَاة ... الحَدِيث، وَفِيه: فَأَوْمأ النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أبي بكر أَن يتَقَدَّم إِلَى آخِره.
وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ: أومْأ النيُّ ﷺ بِيَدِهِ: لَا حَرَجَ.
تقدم هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا مُسْندًا فِي كتاب الْحَج قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) . قلت: بِهَذَا اللَّفْظ مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْفتيا بِإِشَارَة
стр. 6173
الْيَد وَالرَّأْس عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ فِي حجَّته، فَقَالَ: ذبحت. قبل أَن أرمي قَالَ: فأوما بِيَدِهِ، قَالَ: وَلَا حرج.
وَقَالَ أَبُو قُتَادَةَ قَالَ النبيُّ ﷺ فِي الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ: آحَدٌ مِنْكُمْ أمَرَهُ أنْ يَحمِلَ عَلَيْها أوْ أشارَ إلَيْها؟ قالُوا: لَا. قَالَ: فكُلُوا.
تقدم هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا فِي الْحَج فِي: بَاب لَا يُشِير الْمحرم إِلَى الصَّيْد عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ خرج حَاجا الحَدِيث، وَفِيه: فَرَأَيْنَا حمر وَحش فَحمل عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَة، إِلَى أَن قَالَ: فحملنا مَا بَقِي من لَحمهَا. قَالَ: أمنكم أحد أمره أَن يحمل عَلَيْهَا أَو أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِي من لَحمهَا.
٣٩٢٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا أبُو عامِرٍ عبْدُ المَلِكِ بن عُمْرٍ وَحدثنَا إبْرَاهِيمُ عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قَالَ: طافَ رسولُ الله ﷺ ، على بَعِيرِهِ وكانَ كُلّما أتَى علَى الرُّكْنِ أشارَ إلَيْهِ وكَبَّرَ، وقالَتْ زَيْنَبُ: قَالَ النبيُّ ﷺ : فتِحَ مِنْ رَدْمِ يأْجُوجَ ومأْجُوجَ مِثْلُ هاذِهِ وهاذِهِ، وعَقَدَ تِسْعِينَ.
دم حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْحَج أَيْضا فِي: بَاب من أَشَارَ إِلَى الرُّكْن إِذا أَتَى عَلَيْهِ. عَن ابْن عَبَّاس نَحوه، وَفِي آخِره: أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْء كَانَ عِنْده وَكبر.
وَأَبُو عَامر عبد الْملك الْعَقدي وَإِبْرَاهِيم قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ابْن طهْمَان وَجزم بِهِ الْحَافِظ الْمزي وَقيل: هُوَ أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ.
وَأما تَعْلِيق زَيْنَب بنت جشح أم الْمُؤمنِينَ فقد مضى مَوْصُولا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، فِي: بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة، عَن زَيْنَب بنت جشح أَن النَّبِي ﷺ دخل عَلَيْهَا فَزعًا يَقُول: لَا إِلَه إلَاّ الله ويل للْعَرَب من شَرّ قد اقْترب، فتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مثل هَذَا، وَحلق بإصبعه وبالتي تَلِيهَا ... الحَدِيث. قيل: لَيْسَ فِيهِ الْإِشَارَة. وَأجِيب: بِأَن عقد الْأَصَابِع نوع من الْإِشَارَة.
٤٩٢٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا بِشْرُ بنُ المُفَضْلِ حَدثنَا سَلمةُ بنُ عَلْقَمَةَ عنْ مُحَمَّد بنِ سِيرينَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أبُو القاسِمِ ﷺ : فِي الجُمُعَةِ ساعَة لَا يُوَافِقُها مُسْلمٌ قائِمٌ يُصَلِّي فَسأل الله خَيْراً إلاّ أُعطاهُ، وَقَالَ بِيَدِهِ، ووَضَعَ أنْمُلَتَهُ علَى بَطْنِ الوُسْطَى والخنْصِرِ، قُلْنا: يَزُهِّدُها.
(انْظُر الحَدِيث: ٥٣٩ وطرفه) .
مطابقته للجزء الْأَخير من التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَقَالَ بِيَدِهِ) لِأَن مَعْنَاهُ أَشَارَ بِيَدِهِ، وَتُؤْخَذ الْمُطَابقَة أَيْضا من قَوْله: (وَوضع أنملته) إِلَى آخِره، لِأَن وضع الْأُنْمُلَة على الْوُسْطَى إِيمَاء إِلَى أَن تِلْكَ السَّاعَة فِي وسط النَّهَار، وعَلى الْخِنْصر إِلَى أَنَّهَا فِي آخر النَّهَار.
وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من التَّفْضِيل بالضاد الْمُعْجَمَة الْبَصْرِيّ، وَسَلَمَة بِفتْحَتَيْنِ ابْن عَلْقَمَة التَّمِيمِي.
والْحَدِيث تقدم فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب السَّاعَة الَّتِي فِي يَوْم الْجُمُعَة، وَلَكِن من حَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَفِي آخِره: وَأَشَارَ بِيَدِهِ يقللها، وَهنا: يزهدها. من التزهيد وَهُوَ التقليل.
٥٩٢٥ - وَقَالَ الأوَيْسِيُّ. حدّثنا إبْرَاهِيمٌ بنُ سَعْدٍ عنْ شُعْبَةَ بنِ الحَجَّاجِ عنْ هِشامِ ابنِ زَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ: عَدَا يَهُوديٌّ فِي عَهْدِ رسولِ الله ﷺ علَى جاريَةٍ فأخَذَ أوْضاحاً كانَتْ علَيْها ورَضَخَ رأْسَها، فأتَى بهَا أهْلُها رسولَ الله ﷺ وهْيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ، وقَدْ صُمَتَتْ فَقَالَ لَهَا رسولُ الله ﷺ : مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ لِغَيْرِ الّذِي قَتَلَها فأشارَتْ بِرَأْسِهَا أنْ لَا قَالَ. فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الذِي قَتَلَها. فأشارَتْ أنْ لَا، فَقَالَ: فَفَلَانٌ لِقاتِلِها، فأشارتْ أنْ نَعَمْ، فأَمَرَ بِهِ رسولُ الله ﷺ فَرُضِخ رأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.
стр. 6174
مطابقته للجزء الْأَخير من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والأويسي، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو بن أويس العامري الْمَدِينِيّ، أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، وَقد مر فِي الْعلم ونسبته إِلَى أحد أجداده أويس، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك يروي عَن جده أنس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن مُحَمَّد وَهُوَ ابْن سَلام وَعَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أبي مُوسَى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بنْدَار وَغَيره.
قَوْله: (عدا يَهُودِيّ) ، يَعْنِي: تعدى قَوْله: (فِي عهد رَسُول الله ﷺ ، أَي: فِي زَمَنه وأيامه قَوْله: (فَأخذ أَوْضَاحًا) ، بِفَتْح الْهمزَة جمع وضح بالضاد الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة، وَهُوَ نوع من الْحلِيّ يعْمل من الْفضة سميت بهَا لبياضها وصفائها، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الأوضاح الْحلِيّ من الدَّرَاهِم الصِّحَاح، سميت بذلك لوضوحها وبياضها وصفائها، وَقيل: وَمِنْه أَنه أَمر بصيام الأواضح، وَهِي أَيَّام الْبيض، وَفِي حَدِيث آخر: (صُومُوا من وضح إِلَى وضح) ، أَي: من الضَّوْء إِلَى الضَّوْء، وَقيل: من الْهلَال إِلَى الْهلَال، وَهُوَ الْوَجْه لِأَن سِيَاق الحَدِيث يدل عَلَيْهِ، وَتَمَامه: فَإِن خَفِي عَلَيْكُم فَأتمُّوا الْعدة ثَلَاثِينَ يَوْمًا. قلت: الأواضح جمع وَاضِحَة لِأَن أَصله وواضح قلبت الْوَاو الأولى همزَة. قَوْله: (كَانَت عَلَيْهَا) ، جملَة وَقعت صفة لأوضاح. قَوْله: (ورضخ) بالمعجمتين من الرضخ وَهُوَ الدق وَالْكَسْر هَهُنَا، وَيَجِيء بِمَعْنى الشدخ والقطعة. قَوْله: (فِي آخر رَمق) ، الرمق بَقِيَّة الرّوح. قَوْله: (وَقد أصمتت) على صِيغَة الْمَعْلُوم وَبِمَعْنى الْمَجْهُول أَيْضا. يُقَال: صمت العليل وأصمت فَهُوَ صَامت ومصمت إِذا اعتقل لِسَانه وَسكت، والصموت والإصمات بِمَعْنى. قَوْله: (فلَان؟) أَي: أفلان؟ الْهمزَة فِيهِ مقدرَة، ويروى كَذَلِك. قَوْله: (أَن لَا) أَي: لَيْسَ فلَان قتلني، وَكلمَة: أَن تفسيرية فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة. قَوْله: (فرضخ) على صِيغَة الْمَجْهُول وَقد مر مَعْنَاهُ.
وَقد اخْتلفت أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث هُنَا، فَروِيَ: رض رَأسه بَين حجرين، كَذَا فِي رِوَايَة لمُسلم، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَن أنس: أَن يَهُودِيّا قتل جَارِيَة من الْأَنْصَار على حلي لَهَا ثمَّ أَلْقَاهَا فِي قليب ورضح رَأسهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأخذ فَأتي بِهِ النَّبِي ﷺ ، فَأمر بِهِ أَن يرْجم حَتَّى يَمُوت، فرجم حَتَّى مَاتَ، وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث جمَاعَة على أَن الْقَاتِل يقتل بِمَا قتل بِهِ، وهم: عمر بن عبد الْعَزِيز وَقَتَادَة وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو إِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر وَجَمَاعَة الظَّاهِرِيَّة.
وَخَالفهُم آخَرُونَ وَقَالُوا: كل من وَجب عَلَيْهِ الْقود لم يقتل إلَاّ بِالسَّيْفِ، وهم: الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن حزم: وَهُوَ قَول أبي سُلَيْمَان. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقوله ﷺ : (لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ) ، روى هَذَا عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة وهم: أَبُو بكرَة والنعمان بن بشير وَابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حديثأبي بكرَة فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث الْحسن عَن أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ) ، وَأما حَدِيث النُّعْمَان فَأخْرجهُ ابْن ماجة أَيْضا عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن أبي عَازِب عَن النُّعْمَان بن بشير، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ) ، وَأما حديثابن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) من حَدِيث عَلْقَمَة عَنهُ مَرْفُوعا نَحوه. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ . نَحوه وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا قَود فِي النَّفس وَغَيرهَا إلَاّ بحديدة.
فَإِن قلت: قَالَ الْبَزَّار فِي حَدِيث أبي بكرَة بعد أَن أخرجه: النَّاس يَرْوُونَهُ عَن الْحسن مُرْسلا. قلت: تَابعه الْوَلِيد بن صَالح ابْن مُحَمَّد الْأَيْلِي عَن مبارك بن فضَالة عَن الْحسن عَن أبي بكرَة مَرْفُوعا. فَإِن قلت: رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَأعله بالوليد، وَقَالَ: أَحَادِيثه غير مَحْفُوظَة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَالْمبَارك بن فضَالة لَا يحْتَج بِهِ. قلت: أخرج لَهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَوَثَّقَهُ، والمرسل: الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَزَّار رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) مَرْفُوعا: حَدثنَا هشيم حَدثنَا أَشْعَث عَن عبد الْملك عَن الْحسن مَرْفُوعا: لَا قَود إلَاّ بحديدة. وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن أَشْعَث وَعمر وَعَن الْحسن مَرْفُوعا نَحوه. فَإِن قلت: فِي حَدِيث النُّعْمَان عَن جَابر الْجعْفِيّ وَهُوَ ضَعِيف، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: اتَّفقُوا على
стр. 6175
ضعفه، قَالَه فِي (التَّنْقِيح) . قلت: عجبا مِنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي غَيره: وَجَابِر الْجعْفِيّ قد وَثَّقَهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة، وناهيك بهما فَكيف يَقُول هَذَا ثمَّ يَحْكِي الِاتِّفَاق على ضعفه؟ هَذَا تنَاقض بيّن. وَأَبُو عَازِب اسْمه مُسلم بن عَمْرو، فَإِن قلت: فِي سَنَد حَدِيث ابْن مَسْعُود عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق وَهُوَ ضَعِيف. قلت: حَدِيثه قد تقوى بِغَيْرِهِ. فَإِن قلت: فِي سَنَد حَدِيث أبي هُرَيْرَة سُلَيْمَان ابْن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك. قلت: فِي غَيره كِفَايَة. فَإِن قلت: فِي سَنَد حَدِيث عَليّ مُعلى بن هِلَال وَهُوَ مَتْرُوك. قلت: الْمَتْرُوك قد يسْتَعْمل عِنْد وجود المقبول. وَقد يسكت عَنهُ لحُصُول الْمَقْصُود بِغَيْرِهِ. وَلَا شكّ أَن بعض هَذِه الْأَحَادِيث تشهد لبَعض وَأَقل أَحْوَاله أَن يكون حسنا فَيصح الِاحْتِجَاج بِهِ، وَالْعجب من الْكرْمَانِي حَيْثُ يَقُول: وَفِيه أَي: وَفِي حَدِيث الْبَاب ثُبُوت الْقصاص بِالْمثلِ خلافًا للحنفية، فَلم. لَا يَقُول فِي هَذِه الْأَحَادِيث: لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ خلافًا للشَّافِعِيَّة؟ وأعجب مِنْهُ صَاحب (التَّوْضِيح) حَيْثُ يَقُول: وَهُوَ حجَّة على أبي حنيفَة فِي قَوْله: لَا يُقَاد إلَاّ بِالسَّيْفِ، فَمَا معنى تَخْصِيص أبي حنيفَة من بَين الْجَمَاعَة الَّذين قَالُوا بقوله وهم: الشّعبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَهَؤُلَاء أساطين فِي أُمُور الدّين؟ وَلَكِن هَذَا من نبض عرق العصبية الْبَارِدَة.
وَأجَاب أَصْحَاب أبي حنيفَة عَن حَدِيث الْبَاب بأجوبة. الأول: بِأَنَّهُ كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام يقتل الْقَاتِل بقول الْمَقْتُول وَبِمَا قتل بِهِ. الثَّانِي: مَا قَتله النَّبِي ﷺ . إلَاّ باعترافه، فَإِن لفظ الِاعْتِرَاف أخرجه البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : فَأخذ الْيَهُودِيّ فاعترف. وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: فَلم يزل بِهِ حَتَّى أقرّ. الثَّالِث: أَنه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، علمه بِالْوَحْي، فَلذَلِك لم يحْتَج إِلَى الْبَيِّنَة وَلَا إِلَى الْإِقْرَار. وَالرَّابِع: مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ رأى أَن ذَلِك الْقَاتِل يجب قَتله لله، إِذْ كَانَ إِنَّمَا قتل على مَال قد، بَين ذَلِك فِي بعض الحَدِيث، ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور، فَإِن كَانَ رَسُول الله ﷺ جعل دم ذَلِك الْيَهُود قد وَجب لله كَمَا يجب دم قَاطع الطَّرِيق لله تَعَالَى، فَكَانَ لَهُ أَن يقْتله كَيفَ شَاءَ بِسيف وَبِغير ذَلِك. الْخَامِس: إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي زمن كَانَت المُثلة مُبَاحَة، كَمَا فِي العرنيين، ثمَّ نسخ ذَلِك بانتساخ المُثلة.
٦٩٢٥ - حدّثني قَبِيصَةُ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ عبْدِ الله بن دينارٍ عنِ ابْن عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، يَقُولُ: الفِتْنَةُ مِنْ هُنا، وأشارَ إِلَى المَشْرِقِ.
ابقته للجزء الْأَخير من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقبيصَة هُوَ ابْن عقبَة الْكُوفِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
٧٩٢٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنْ أبِي إسْحاقَ الشَّيْبَانِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى قَالَ: كُنَّا فِي سفَرٍ مَعَ رسولِ الله ﷺ ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لرَجُلٍ: انْزِلْ فاجْدَحْ لِي. قَالَ: يَا رسولَ الله ﴿لوْ أمْسَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: انُزِلْ فاجْدَحْ. قَالَ: قَالَ يَا رسولَ الله لوْ أمْسَيْتَ﴾ إنَّ عَلَيْكَ نَهاراً، ثُمَّ قَالَ: انْزِلِ فاجْدَحْ، فنَزَلَ فَجَدَحَ لهُ فِي الثالِثَةِ، فشَرِبَ رسولُ الله ﷺ ثُمَّ أوْمأ بِيَدِهِ إِلَى المَشْرِقِ فَقَالَ: إذَا رأيْتُمُ اللّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِنْ هاهُنا فَقَدْ أفْطَرَ الصائِمُ.
ابقته للجزء الْأَخير من التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أَوْمَأ بِيَدِهِ إِلَى الْمشرق) .
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان واسْمه فَيْرُوز الْكُوفِي، وَعبد الله بن أبي أوفي، وَقيل: ابْن أوفى، فَلَيْسَ بِصَحِيح وَاسم أبي أوفى عَلْقَمَة الْأَسْلَمِيّ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَهُوَ آخر من مَاتَ بِالْكُوفَةِ من الصَّحَابَة. رَوَاهُ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب مَتى يحل فطر الصَّائِم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ عَن خَالِد عَن الشَّيْبَانِيّ إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فاجدح) أَمر من الجدح بِالْجِيم وبالمهملتين وَهُوَ بل السويق بِالْمَاءِ. قَوْله: (فقد أفطر الصَّائِم) أَي: قد دخل وَقت الْإِفْطَار نَحْو: أحصد الزَّرْع.
стр. 6176
٨٩٢٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عنْ أبي عُثْمَانَ عنْ عبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا يَمْنَعَنَّ أحَداً مِنْكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ، أوْ قَالَ: أذَانُهُ مِنْ سَحُورِهِ فَإنَّما يُنادِيَ أوْ قَالَ: يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ قائِمُكُمْ ولَيْسَ أنْ يَقُولَ كأنّهُ يَعْنِي الصُّبْحَ أوِ الفَجْرِ، وأظْهَرَ يَزِيدُ يَدَيْهِ ثُمَّ مَدَّ إحْدَاهُمَا مِنَ الأُخْرَى.
ابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَأظْهر يزِيد) إِلَى آخِره، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْأَذَان، وَقَالَ بأصابعه ورفعهما إِلَى فَوق وطأطأ إِلَى أَسْفَل حَتَّى يَقُول: هَكَذَا، وَبِه يظْهر المُرَاد من الْإِشَارَة.
وَعبد الله بن مسلمة بِفَتْح الْمِيم فِي أَوله، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع، وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ سلميان بن طرخان وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بِفَتْح الون.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْأَذَان قبل الْفجْر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (من سحوره) ، بِضَم السِّين وَهُوَ التسحر. قَوْله: (ليرْجع) ، يجوز أَن يكون من الرُّجُوع أَو من الرجع، وقائمكم بِالنّصب على المفعولية، والقائم هُوَ المتهجد أَي: يعود إِلَى الاسْتِرَاحَة بِأَن ينَام سَاعَة قبل الصُّبْح قَوْله: (كَأَنَّهُ) ، غَرَضه أَن اسْم لَيْسَ هُوَ الصُّبْح يَعْنِي: لَيْسَ الْمُعْتَبر هُوَ أَن يكون الضَّوْء مستطيلاً من الْعُلُوّ إِلَى أَسْفَل، وَهُوَ الْكَاذِب، بل الصُّبْح هُوَ الضَّوْء الْمُعْتَرض من الْيَمين إِلَى الشمَال وَهُوَ الصُّبْح الصَّادِق. قَوْله: (أَو الْفجْر) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَأظْهر) ، فعل ماضٍ (وَيزِيد) فَاعله وَهُوَ يزِيد بن زُرَيْع الرَّاوِي، أَي: جعل إِحْدَى يَدَيْهِ على ظهر الْأُخْرَى ومدها عَنْهَا، وَالْحَاصِل أَن قَوْله: (وَأظْهر يزِيد. .،) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى صُورَة الصُّبْح الْكَاذِب. قَوْله: (ثمَّ مد إِحْدَاهمَا من الْأُخْرَى) ، إِشَارَة إِلَى الصُّبْح الصَّادِق.
٩٩٢٥ - قَالَ اللّيْثُ: حدّثني جَعْفَرُ بنُ ربِيعَةَ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بن هُرْمُزَ سَمَعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتانٍ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِما إِلَى تَرَاقِيهما، فأمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ شَيْئاً إلاّ مادَّتْ عَلى جِلْدِهِ حتَّى تَجِنَّ بَنَانَهُ وتَعْفُوَ أثَرَهُ، وأمَّا البَخِيلُ فَلا يُرِيدُ يُنْفِقُ إلاّ لَزِمتْ كلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعها فَهُوَ يُوسِّعُها فَلَا تَتَّسِعُ، ويُشِيرُ بأصْبُعِهِ إِلَى حلْقِهِ.
ابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيُشِير بإصبعه إِلَى حلقه) . وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد.
والْحَدِيث قد مر مَوْصُولا فِي الزَّكَاة فِي: بَاب التَّصَدُّق والبخيل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن عبد الرَّحْمَن أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة، وَقَالَ هُنَاكَ أَيْضا: قَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر عَن ابْن هُرْمُز: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : جبتان، وَسكت وَهنا سَاقه بِتَمَامِهِ.
قَوْله: (جبتان) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُنَاكَ جنتان بالنُّون مَوضِع الْمُوَحدَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (من لدن ثدييهما) بالتثنية، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: ثديهما، بِضَم الثَّاء وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء جمع ثدي قَوْله: (إِلَى تراقيهما) ، جمع ترقوة وَهِي الْعظم الْكَبِير الَّذِي بَين ثغرة النَّحْر والعاتق، ووزنها فَعَلُوهُ. قَوْله: (إلَاّ مادت) ، بتَشْديد الدَّال أَصله: ماددت، فأدغمت الدَّال فِي الدَّال، وَذكر ابْن بطال أَنه مارت برَاء خَفِيفَة بدل الدَّال، وَنقل عَن الْخَلِيل: مار الشَّيْء يمور موراً إِذا تردد. قَوْله: (حَتَّى تجن) ، بِفَتْح أَوله وَكسر الْجِيم كَذَا ضَبطه ابْن التِّين، قَالَ: وَيجوز بِضَم أَوله وَكسر الْجِيم من: أجن، وَهُوَ الَّذِي ثَبت فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَمَعْنَاهُ: تستر بنانه وَهُوَ أَطْرَاف الْأَصَابِع. قَوْله: (وَتَعْفُو) ، أَي: تمحو، من عُفيَ الشَّيْء إِذا محاه.
٥٢ - (بابُ اللِّعانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام اللّعان، وَهُوَ مصدر: لَا عَن يُلَاعن ملاعنة ولعاناً وَهُوَ مُشْتَقّ من اللَّعْن. وَهُوَ الطَّرْد والإبعاد لبعدهما من الرَّحْمَة أَو لبعد كل مِنْهُمَا عَن الآخر، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أبدا. وَاللّعان والالتعان، والملاعنة بِمَعْنى، وَيُقَال: تلاعنا والتعنا ولاعن
стр. 6177
الْحَاكِم بَينهمَا. وَالرجل ملاعن وَالْمَرْأَة ملاعنة وَسمي بِهِ لما فِيهِ من لعن نَفسه فِي الْخَامِسَة، وَهِي من تَسْمِيَة الْكل باسم الْبَعْض كَالصَّلَاةِ تسمى رُكُوعًا وسجوداً، وَمَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ: شَهَادَات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن. وَقَالَ الشَّافِعِي: هِيَ أَيْمَان مؤكدات بِلَفْظ الشَّهَادَة فَيشْتَرط أَهْلِيَّة الْيَمين عِنْده فَيجْرِي بَين الْمُسلم وَامْرَأَته الْكَافِرَة، وَبَين الْكَافِر والكافرة، وَبَين العَبْد وَامْرَأَته، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَعِنْدنَا يشْتَرط أَهْلِيَّة الشَّهَادَة فَلَا يجْرِي إلَاّ بَين الْمُسلمين الحرين العاقلين الْبَالِغين غير محدودين فِي قذف، واختير لفظ اللَّعْن على لفظ الْغَضَب وَإِن كُنَّا مذكورين فِي الْآيَة لتقدمه فيهمَا، وَلِأَن جَانب الرجل فِيهِ أقوى من جَانب الْمَرْأَة، لِأَنَّهُ قَادر على الِابْتِدَاء بِاللّعانِ دونهَا. وَلِأَنَّهُ قد ينكف لِعَانه عَن لعانها وَلَا ينعكس، واختصت الْمَرْأَة بِالْغَضَبِ لعظم الذَّنب بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا لِأَن الرجل إِن كَانَ كَاذِبًا لم يصل ذَنبه إِلَى أَكثر من الْقَذْف، وَإِن كَانَت هِيَ كَاذِبَة فذنبها أعظم لما فِيهِ من تلويث الْفراش والتعرض لإلحاق من لَيْسَ من الزَّوْج بِهِ فتنتشر الْمَحْرَمِيَّة وَتثبت الْولَايَة وَالْمِيرَاث لمن لَا يستحقهما، وَجوز اللّعان لحفظ الْأَنْسَاب وَدفع المعرة عَن الْأزْوَاج، واجمع الْعلمَاء على صِحَّته.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٢٤) وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ (٢٤) إِن كَانَ من الصَّادِقين﴾ (النُّور: ٦) [/ ح.
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على لفظ اللّعان الْمُضَاف إِلَيْهِ لفظ بَاب، وَهَذَا الْمِقْدَار ذكر من الْآيَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة سَاق الْآيَات كلهَا، وَنزلت هَذِه الْآيَات فِي شعْبَان سنة تسع فِي عُوَيْمِر الْعجْلَاني مُنصَرفه من تَبُوك، أَو فِي هِلَال بن أُميَّة، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَقَالَ الْمُهلب: الصَّحِيح أَن الْقَاذِف عُوَيْمِر وهلال بن أُميَّة بن سعد بن أُميَّة خطا، وَقد روى أَبُو الْقَاسِم عَن ابْن عَبَّاس أَن الْعجْلَاني عُوَيْمِر قذف امْرَأَته، كَمَا روى ابْن عمر وَسَهل بن سعد، وَأَظنهُ غَلطا من هِشَام بن حسان، وَمِمَّا يدل على أَنَّهَا قصَّة وَاحِدَة توقفه ﷺ فِيهَا حَتَّى نزلت الْآيَة الْكَرِيمَة، وَلَو أَنَّهُمَا قضيتان لم يتَوَقَّف على الحكم فِي الثَّانِيَة بِمَا نزل عَلَيْهِ فِي الأولى، وَالظَّاهِر أَنه تبع فِي هَذَا الْكَلَام مُحَمَّد بن جرير فَإِنَّهُ قَالَ فِي (التَّهْذِيب) يستنكر قَوْله فِي الحَدِيث: هِلَال ابْن أُميَّة، وَإِنَّمَا الْقَاذِف عُوَيْمِر بن الْحَارِث بن زيد بن الْجد بن عجلَان. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَفِيمَا قَالَاه نظر، لِأَن قصَّة هِلَال وقذفه زَوجته بِشريك ثَابِتَة فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) فِي موضِعين: فِي الشَّهَادَات وَالتَّفْسِير، وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث هِشَام عَن مُحَمَّد قَالَ: (سَأَلت أنس بن مَالك، وَأَنا أرى أَن عِنْده مِنْهُ علما، فَقَالَ: إِن هِلَال بن أُميَّة قذف امْرَأَته بِشريك بن سمحاء، وَكَانَ أَخا للبراء بن مَالك لأمه، وَكَانَ أول رجل لَا عَن فِي الْإِسْلَام قَالَ: فَتَلَاعَنا) . . الحَدِيث.
فإذَا قَذَفَ الأخْرَسُ امْرَأتَهُ بِكِتابَةٍ أوْ إشارَةٍ أوْ بإيماءٍ مَعْرُوفٍ فَهْوَ كالمُتَكَلِّمِ لأنَّ النبيَّ ﷺ ، قَدْ أجازَ الإشارَةَ فِي الفَرَائِضِ، وهْوَ قَوْلُ بَعْضِ أهلِ الحِجازِ وأهْلِ العلْمِ، وقالَ الله تَعَالَى: ﴿ (١٩) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ (مَرْيَم: ٩٢) وَقَالَ الضحَّاكُ: إلَاّ رَمْزاً: إلَاّ إشارَةً.
وَقَالَ بَعْضُ النّاسِ: لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ الطلَاقَ بِكِتابٍ أوْ إشارَةٍ أوْ إيماءٍ جائِزٌ، ولَيْسَ بَيْنَ الطَّلَاقِ والقَذْفِ فَرْقٌ، فإنْ قَالَ: القَذْفُ لَا يَكُونُ إلَاّ بِكَلَامٍ، قِيلَ لهُ: كَذَلِكَ الطَّلَاقُ لَا يَجُوزُ إلَاّ بِكَلَامٍ، وإلاّ بَطَلَ الطَّلَاقُ والقَذْفُ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ يُلَاعِنُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: إذَا قَال: أنْتِ طالِقٌ، فأشارَ بأصابِعِهِ تَبِينُ مِنْهُ بإشارَتِه.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: الأْخرَسُ إذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ.
وَقَالَ حمَّادٌ: الأخرَسُ والأصَمُّ إنْ قَالَ بِرَأْسِهِ جازَ.
أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الْكَلَام كُله بَيَان الِاخْتِلَاف بَين أهل الْحجاز وَبَين الْكُوفِيّين فِي حكم الْأَخْرَس فِي اللّعان وَالْحَد، فَلذَلِك قَالَ: فَإِذا قذف الْأَخْرَس إِلَى آخِره، بِالْفَاءِ عقيب ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ (النُّور: ٦)
الْآيَة. وَأخذ بِعُمُوم قَوْله: يرْمونَ، لِأَن الرَّمْي أَعم من أَن يكون بِاللَّفْظِ أَو بِالْإِشَارَةِ المفهمة، وَبنى على هَذَا كَلَامه، فَقَالَ: إِذا قذف الْأَخْرَس امْرَأَته
стр. 6178
بِكِتَابَة، وَعند الكشيهني: بِكِتَاب، بِدُونِ التَّاء إِذا فهم الْكِتَابَة. قَوْله: (أَو إِشَارَة) أَي: أَو قذفه بِإِشَارَة مفهمة أَو إِيمَاء مفهم أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (مَعْرُوف) وَقيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا لم يكن مَعْرُوفا مِنْهُ ذَلِك لَا يبْنى عَلَيْهِ حكم. وَالْفرق بَين الْإِشَارَة والإيماء بِأَن الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن فِي الِاسْتِعْمَال إِن الْإِشَارَة بِالْيَدِ والإيماء بِالرَّأْسِ أَو الجفن وَنَحْوه. قَوْله: (فَهُوَ كالمتكلم) جَوَاب: (فَإِذا قذف) أَي: فَحكمه حكم الْمُتَكَلّم، يَعْنِي: حكم النَّاطِق بِهِ، وَإِنَّمَا أَدخل الْفَاء لتضمن إِذا معنى الشَّرْط، وَهُوَ قَوْله: مَعْرُوف، وَهُوَ وَإِن كَانَ صفة لقَوْله أَو إِيمَاء، بِحَسب الظَّاهِر وَلكنه فِي نفس الْأَمر يرجع إِلَى الْكل لِأَنَّهُ إِذا لم يفهم الْكِتَابَة أَو الْإِشَارَة أَو الْإِيمَاء لَا يبْنى عَلَيْهِ حكم، ثمَّ إِنَّه إِذا كَانَ كالمتكلم يكون قذفه بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُعْتَبر فيترتب عَلَيْهِ اللّعان وَحكمه. قَوْله: (لِأَن النَّبِي ﷺ ، أَشَارَ بِهِ إِلَى الِاسْتِدْلَال بِمَا ذكره بَيَانه أَن النَّبِي ﷺ : (قد أجَاز الْإِشَارَة فِي الْفَرَائِض) أَي: فِي الْأُمُور الْمَفْرُوضَة كَمَا فِي الصَّلَاة فَإِن الْعَاجِز عَن غير الْإِشَارَة يُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ قَوْله: (وَهُوَ قَول بعض أهل الْحجاز) أَي: مَا ذكر من قذف الْأَخْرَس ... إِلَى آخِره قَول بعض أهل الْحجاز، وَأَرَادَ بِهِ الإِمَام مَالِكًا وَمن تبعه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ. قَوْله: (وَأهل الْعلم) أَي: وَبَعض أهل الْعلم من غير أهل الْحجاز، وَمِمَّنْ قَالَ من أهل الْعلم وَأَبُو ثَوْر فَإِنَّهُ ذهب إِلَى مَا قَالَه مَالك. قَوْله: (قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فاشارت إِلَيْهِ﴾ ) (مَرْيَم: ٩٢) إِلَى قَوْله: (إلَاّ إِشَارَة) اسْتِدْلَال من البُخَارِيّ لقَوْل بعض أهل الْحجاز بقوله تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أَي: أشارت مَرْيَم إِلَى عِيسَى ﵊، وَقَالَت لقومها بِالْإِشَارَةِ لما قَالُوا لَهَا: ﴿لقد جِئْت شَيْئا فريا﴾ (مَرْيَم: ٧٢) كلموا عِيسَى وَهُوَ فِي المهد ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ (مَرْيَم: ٩٢) فعرفوا من إشارتها مَا كَانُوا عرفوه من نطقها. قَوْله: (وَقَالَ الضَّحَّاك إِلَّا رمزاً إلَاّ إِشَارَة) هَذَا اسْتِدْلَال آخر بقوله تَعَالَى: ﴿آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إلَاّ رمزاً﴾ (آل عمرَان: ١٤) وَحكى عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم قَالَ بَعضهم: كَذَا ابْن مُزَاحم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الضَّحَّاك بن شرَاحِيل الْهَمدَانِي التَّابِعِيّ الْمُفَسّر، قلت: الضَّحَّاك بن مُزَاحم أَبُو الْقَاسِم الْهِلَالِي الْخُرَاسَانِي كَانَ يكون بسمرقند وبلخ ونيسابور، روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة: ابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو وَزيد بن أَرقم وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلم يثبت سَمَاعه مِنْهُم، وَوَثَّقَهُ يحيى بن معِين، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة كُوفِي مَاتَ سنة خمس وَمِائَة، وروى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَفسّر قَوْله: (إلَاّ رمزاً) ، بقوله: (إلَاّ إِشَارَة) وَلَوْلَا أَنه يفهم مِنْهَا مَا يفهم من الْكَلَام لم يقل الله لَا تكلمهم إلَاّ رمزاً، وَهَذَا فِي قَضِيَّة زَكَرِيَّا ﵊، وَلما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى﴾ (مَرْيَم: ٧) . فَقَالَ: يَا رب ﴿أَنى يكون لي غُلَام﴾ إِلَى قَوْله: قَالَ رَبِّ اجْعَل لِىءَايَةً قَالَءَايَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ (مَرْيَم: ٨ ٠١) وَذكر فِي سُورَة آل عمرَان قَالَ: ﴿آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رمزا﴾ (آل عمرَان: ١٤) وَفَسرهُ الضَّحَّاك بقوله: (إلَاّ إِشَارَة) قَوْله: (وَقَالَ بعض النَّاس) أَرَادَ بِهِ الْكُوفِيّين لِأَنَّهُ لما فرغ من الِاحْتِجَاج لكَلَام أهل الْحجاز شرع فِي بَيَان قَول الْكُوفِيّين فِي قذف الْأَخْرَس. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: بعض النَّاس، يُرِيد بِهِ الْحَنَفِيَّة، حَيْثُ قَالُوا لَا حدّ على الْأَخْرَس لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَار لقذفه وَلَا لعان عَلَيْهِ، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : قذف الْأَخْرَس لَا يتلق بِهِ اللّعان لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِالصَّرِيحِ كَحَد الْقَذْف، ثمَّ قَالَ: وَلَا يعْتد بِالْإِشَارَةِ فِي الْقَذْف لِانْعِدَامِ الْقَذْف صَرِيحًا. ثمَّ قَالَ: وَطَلَاق الْأَخْرَس وَاقع بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّهَا صَارَت معهودة، فأقيمت مقَام الْعبارَة دفعا للْحَاجة. قَوْله: (ثمَّ زعم. .) الخ أَي: ثمَّ زعم بعض النَّاس وَأَرَادَ بهم الْحَنَفِيَّة، وَقيل: ثمَّ زعم، أَي: أَبُو حنيفَة، لِأَن مُرَاده من قَوْله: وَقَالَ بعض النَّاس، هُوَ أَبُو حنيفَة، وَأَشَارَ بِهَذَا الْكَلَام إِلَى أَن مَا قَالَه الْحَنَفِيَّة من ذَلِك تحكم لأَنهم قَالُوا: إِلَّا اعْتِبَار لقذف الْأَخْرَس واعتبروا طَلَاقه، فَهُوَ فرق بِدُونِ الِافْتِرَاق وَتَخْصِيص بِلَا اخْتِصَاص، وأجابت الْحَنَفِيَّة: بِأَن صِحَة الْقَذْف تتَعَلَّق بِصَرِيح الزِّنَا دون مَعْنَاهُ، وَهَذَا لَا يحصل من الْأَخْرَس ضَرُورَة فَلم يكن قَاذِفا، والشبهة تدرأ الْحُدُود. قَوْله: (وَلَيْسَ بَين الطَّلَاق وَالْقَذْف فرق) . من كَلَام البُخَارِيّ، وَدَعوى عدم الْفرق بَينهمَا مَمْنُوعَة لِأَن لفظ الطَّلَاق صَرِيح فِي أَدَاء مَعْنَاهُ، بِخِلَاف الْقَذْف فَإِنَّهُ إِن لم يكن فِيهِ التَّصْرِيح بِالزِّنَا لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء، وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر لفظا وَمعنى. قَوْله: (فَإِن قَالَ: الْقَذْف لَا يكون إلَاّ بِكَلَام؟) أَي: فَإِن قَالَ ذَلِك الْبَعْض الْمَذْكُور فِي قَوْله: وَقَالَ بعض النَّاس، هَذَا سُؤال يُورِدهُ البُخَارِيّ من جِهَة الْبَعْض من النَّاس على قَوْله: فَإِذا قذف الْأَخْرَس. . الخ، بَيَان السُّؤَال، إِذا قَالُوا: الْقَذْف لَا يكون إلَاّ بِكَلَام وَقذف الْأَخْرَس لَيْسَ بِكَلَام فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حدّ وَلَا لعان، ثمَّ
стр. 6179
أجَاب عَن هَذَا السُّؤَال بقوله: (كَذَلِك الطَّلَاق لَا يجوز إلَاّ بِكَلَام) وَهَذَا الْجَواب واهٍ جدا لِأَن بَين الْكَلَامَيْنِ فرقا عَظِيما دَقِيقًا لَا يفهمهُ كَمَا يَنْبَغِي إلَاّ من لَهُ دقة نظر، وَذَلِكَ أَن المُرَاد بالْكلَام فِي الطَّلَاق إِظْهَار مَعْنَاهُ، فَإِن لم يتَلَفَّظ بِلَفْظ الطَّلَاق لَا يَقع شَيْء، بِخِلَاف الْأَخْرَس، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَلَام ضَرُورَة، وَإِنَّمَا لَهُ الْإِشَارَة، وَالْإِشَارَة تَتَضَمَّن وَجْهَيْن فَلم يجز إِيجَاب الْحَد بهَا كالكتابة والتعريض. أَلا ترى أَن من قَالَ لآخر: وطِئت وطأ حَرَامًا. لم يكن قذفا لاحْتِمَال أَن يكون وطىء وطأ شُبْهَة فَاعْتقد الْقَائِل بِأَنَّهُ حرَام؟ وَالْإِشَارَة لَا يَتَّضِح بهَا التَّفْصِيل بَين الْمَعْنيين، وَلذَلِك لَا يجب الْحَد بالتعريض. وَقَالَ بَعضهم: وَأجَاب ابْن الْقصار بِالنَّقْضِ عَلَيْهِم بنفوذ الْقَذْف بِغَيْر اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَهُوَ ضَعِيف، وَنقض غَيره بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى عمد وَشبه عمد وَخطأ، ويتميز بِالْإِشَارَةِ. وَهُوَ قوي، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن اللّعان شَهَادَة، وَشَهَادَة الْأَخْرَس مَرْدُودَة بِالْإِجْمَاع. وَتعقب بَان مَالِكًا ذكر قبُولهَا فَلَا إِجْمَاع. وَبِأَن اللّعان عِنْد الْأَكْثَرين يَمِين. انْتهى.
قلت: الإيرادات الْمَذْكُورَة كلهَا غير وَارِدَة. أما الأول: فَلِأَن الشَّرْط التَّصْرِيح بِلَفْظ الزِّنَا وَلَا يَتَأَتَّى هَذَا كَمَا يَنْبَغِي فِي غير لِسَان الْعَرَب. وَأما الثَّانِي الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَائِل، وَهُوَ قوي. فأضعف من الأول لِأَن الْقَتْل يَنْقَسِم إِلَى عمد وَشبه عمد وَخطأ والجاري مجْرى الْخَطَأ وَالْقَتْل بِالسَّبَبِ، فالتمييز عَن الْأَخْرَس فِيهَا مُتَعَذر. وَأما الثالثفإن شَهَادَة الْأَخْرَس مَرْدُودَة، فاللعان عندنَا شَهَادَة مُؤَكدَة بِالْيَمِينِ فَلَا يحْتَاج أَن يَقُول بِالْإِجْمَاع لِأَن شَهَادَته مَرْدُودَة عندنَا سَوَاء كَانَ فِيهِ قَول بِالْقبُولِ أَو لَا. وَأما الرَّابِع، فقد قُلْنَا: إِن اللّعان شهدة فَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح.
قَوْله: (وإلَاّ بَطل الطَّلَاق وَالْقَذْف) ، يَعْنِي: وَإِن لم يقل بِالْفرقِ فَلَا بُد من بطلانهما لِأَن بطلَان الْقَذْف فَقَط. قَوْله: (وَكَذَلِكَ الْعتْق) أَي: كَذَلِك حكمه حكم الْقَذْف فَيجب أَيْضا أَن تبطل إِشَارَته بِالْعِتْقِ، وَلَكنهُمْ قَالُوا بِصِحَّتِهِ. قَوْله: (وَكَذَلِكَ الْأَصَم يُلَاعن) أَي: إِذا أُشير إِلَيْهِ حَتَّى فهم، وَقَالَ الْمُهلب: فِي أمره إِشْكَال لَكِن قد يرْتَفع بترداد الْإِشَارَة إِلَى أَن ينفهم معرفَة ذَلِك.
قَوْله: (وَقَالَ الشّعبِيّ) وَهُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَقَتَادَة بن دعامة: إِذا قَالَ الْأَخْرَس لامْرَأَته: أَنْت طَالِق فَأَشَارَ بأصابعه تبين مِنْهُ بإشارته وَاحِدَة أَو ثِنْتَانِ أَو ثَلَاث، يَعْنِي: إِذا عبر عَمَّا نَوَاه من الْعدَد بِالْإِشَارَةِ يظْهر مِنْهَا مَا نَوَاه من وَاحِدَة أَو أَكثر.
قَوْله: (وَقَالَ إِبْرَاهِيم) أَي النَّخعِيّ: إِذا كتب الْأَخْرَس الطَّلَاق بِيَدِهِ لزمَه، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذا كَانَ رجل أصمت أَيَّامًا فَكتب لم يجز من ذَلِك شَيْء، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: الخرس مُخَالف للصمت، كَمَا أَن الْعَجز عَن الْجِمَاع الْعَارِض بِالْمرضِ يَوْمًا أَو نَحوه مُخَالف للعجز المأنوس مِنْهُ الْجِمَاع، نَحْو الْجُنُون فِي بَاب خِيَار الْمَرْأَة فِي الْفرْقَة.
قَوْله: (وَقَالَ حَمَّاد) أَي: ابْن أبي سُلَيْمَان شيخ أبي حينفة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (الْأَخْرَس والأصم إِن قَالَ بِرَأْسِهِ جَازَ) أَي: إِن أَشَارَ بِرَأْسِهِ فِيمَا يسْأَل عَنهُ، وَقَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ أَرَادَ إِلْزَام الْكُوفِيّين بقول شيخهم. قلت: لم يدر هَذَا الْقَائِل مَا مُرَاد الشَّيْخ من هَذَا، وَلَو عرف لما قَالَ هَذَا وَمُرَاد الشَّيْخ من هَذَا أَن إِشَارَة الْأَخْرَس معهودة فأقيمت مقَام الْعبارَة، والكوفيون قَائِلُونَ بِهِ، فَمن أَيْن يأتى إلزمهم؟ .
٠٠٣٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنْصارِي أنْهُ سَمِعَ أنَسَ بن مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : ألَا اخبْرِكُمْ بِخَيْرِ دُوِ الأنْصارِ؟ قالُوا: بَلى يَا رسولَ الله! قَالَ: بَنُو النّجَّارِ، ثمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ: بَنو عَبْدِ الأشْهَلِ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ: بَنُو الحارِثِ بنِ الخزْرَجِ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ: بنُو ساعِدَة، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَ أصابِعَهُ ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كالرَّامِي بِيدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وفِي كلِّ دُورِ الأنْصارِ خَيْرٌ.
قيل: هَذَا الحَدِيث وَمَا بعده لَا تعلق لَهُ بِاللّعانِ الَّذِي عقد عَلَيْهِ التَّرْجَمَة. وَأجِيب: لَعَلَّهَا كَانَت مُتَقَدّمَة فأخرها النَّاسِخ عَنهُ. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، بل ذكر هَذَا الحَدِيث وَالْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة الَّتِي بعْدهَا كلهَا فِي الْإِشَارَة تَحْقِيقا لَهَا بِفعل رَسُول الله ﷺ فِي اللّعان، وَالْإِشَارَة فِي هَذَا الحَدِيث. فِي قَوْله: (ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ) لِأَن مَعْنَاهُ: ثمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ.
والْحَدِيث قد مضى فِي مَنَاقِب
стр. 6180
الْأَنْصَار فِي: بَاب فضل دور الْأَنْصَار، من طَرِيق آخر. وَفِيه: عَن أنس عَن أبي أسيد عَن النَّبِي ﷺ قَوْله: (كالرامي بِيَدِهِ) أَي: كَالَّذي بِيَدِهِ الشَّيْء، فضم أَصَابِعه عَلَيْهِ ثمَّ رَمَاه فانتشر.
١٠٣٥ - حدّثنا عَلِيٌّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ، قَالَ أبُو حازِمٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعدِيِّ صاحِبِ رسولِ الله ﷺ يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : بُعِثْتُ أَنا والسَّاعَةُ كهَذِهِ مِنْ هاذِهِ، أوْ قالَ: كَهاتَيْنِ، وفَرَقَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ والوُسطى.
(انْظُر الحَدِيث ٦٣٩٤ وطرفه) .
مطابقته للْحَدِيث السَّابِق فِي قَوْله كذهه من هَذِه لِأَنَّهُ إِشَارَة وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج.
والْحَدِيث من أَفْرَاده وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَفظه: حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي حَازِم، وَصرح الْحميدِي عَن سُفْيَان بِالتَّحْدِيثِ، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم عَن أبي حَازِم أَنه سمع سهلاً.
قَوْله: (صَاحب رَسُول الله ﷺ ذكره بِأَنَّهُ صَاحب رَسُول الله ﷺ مَعَ علمه بذلك وَكَونه مَعْلُوما لبَيَان تَعْظِيمه للْعَالم والإعلام للجاهل قَوْله: (كهذه من هَذِه) أَي: كقرب هَذِه، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى السبابَة وَأَشَارَ بقوله: (من هَذِه) إِلَى الْوُسْطَى. قَوْله: (وكهاتين) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد انْقَضى من يَوْم بعثته إِلَى يَوْمنَا سَبْعمِائة وَثَمَانُونَ سنة، فَكيف تكون مُقَارنَة السَّاعَة مَعَ بعثته؟ ثمَّ أجَاب بِمَا قَالَه الْخطابِيّ: يُرِيد أَن مَا بيني وَبَين السَّاعَة من مُسْتَقْبل الزَّمَان بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا مضى مِنْهُ مِقْدَار فضل الوسطي على السبابَة، وَلَو كَانَ النَّبِي أَرَادَ غير هَذَا الْمَعْنى لَكَانَ قيام السَّاعَة مَعَ بعثته فِي زمَان وَاحِد. انْتهى قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، بل هَذِه كِنَايَة عَن شدَّة الْقرب جدا، وَقَول الْكرْمَانِي: إِلَى يَوْمنَا سَبْعمِائة وَثَمَانُونَ سنة إِشَارَة إِلَى أَن وجوده كَانَ فِي هَذَا التَّارِيخ وَمَات ﵀ بطرِيق الْحجاز بِمَنْزِلَة تعرف بروض مهنى فِي رُجُوعه من مَكَّة المشرفة، وَنقل إِلَى بَغْدَاد وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس عشر من محرم سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَهُوَ الشَّيْخ الإِمَام شمس الدّين مُحَمَّد بن يُوسُف بن عَليّ السعيدي الْكرْمَانِي. قَوْله: (وَفرق) بِالْفَاءِ من التَّفْرِيق، ويروى: وَقرن بِالْقَافِ.
٢٠٣٥ - حدّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَة حَدثنَا جَبَلَةُ بنُ سُحَيْمِ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ النبيُّ ﷺ : الشَّهْر هاكَذَا وهاكَذَا يَعْنِي: ثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَالَ: وهاكَذَا وهاكَذَا وهاكَذَا، يَعْنِي: تِسْعاً وعِشْرِينَ، يَقُولُ مَرَّة ثَلَاثِينَ ومَرَّةً تِسعاً وعِشْرينَ.
ابقته للْحَدِيث الَّذِي قبله فِي قَوْله: (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) . وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وجبلة بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحتين ابْن سحيم مصغر سحم بالمهملتين الْكُوفِي. والْحَدِيث مر فِي كتاب الصّيام فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : إِنَّا لَا نكتب وَلَا نحسب.
٤٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس عَن أبي مَسْعُود قَالَ وَأَشَارَ النَّبِي ﷺ َ - بِيَدِهِ نَحْو الْيمن الْإِيمَان هَهُنَا مرَّتَيْنِ أَلا وَإِن الْقَسْوَة وَغلظ الْقُلُوب فِي الْفَدادِين حَيْثُ يطلع قرنا الشَّيْطَان ربيعَة وَمُضر) مطابقته للَّذي قبله فِي قَوْله وَأَشَارَ وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة بن عَمْرو البدري وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والكشميهني ابْن مَسْعُود قَالَ عِيَاض هُوَ وهم وَهُوَ كَمَا قَالَ لِأَن الحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق فِي بَاب الْجِنّ وَهُوَ مُصَرح باسمه وَلَفظه حَدثنِي قيس عَن عقبَة بن عَمْرو أبي مَسْعُود قَوْله الْإِيمَان هَهُنَا مقول قَوْله قَالَ النَّبِي ﷺ َ - قَوْله وَأَشَارَ النَّبِي ﷺ َ - بِيَدِهِ نَحْو الْيمن جملَة مُعْتَرضَة بَينهمَا وَمعنى قَوْله الْإِيمَان يمَان لِأَن الْإِيمَان بَدَأَ من مَكَّة وَهِي من تهَامَة وتهامة من أَرض الْيمن وَلِهَذَا يُقَال للكعبة اليمانية وَقيل إِنَّمَا قَالَ هَذَا القَوْل وَهُوَ بتبوك وَمَكَّة
стр. 6181
وَالْمَدينَة يَوْمئِذٍ بَينه وَبَين الْيمن فَأَشَارَ إِلَى نَاحيَة الْيمن وَهُوَ يُرِيد مَكَّة وَالْمَدينَة وَقيل أَرَادَ بِهَذَا القَوْل الْأَنْصَار لأَنهم يمانيون وهم نصروا الْإِيمَان وَالْمُؤمنِينَ وآووهم فنسب الْإِيمَان إِلَيْهِم قَوْله وَغلظ الْقُلُوب بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام قَوْله " فِي الْفَدادِين " بِالتَّشْدِيدِ جمع فداد وَهُوَ الشَّديد الصَّوْت وبالتخفيف جمع الفدان وَهُوَ آلَة الْحَرْث وَإِنَّمَا ذمّ أَهله لِأَنَّهُ يشْتَغل عَن أَمر الدّين وَيكون مَعهَا قساوة الْقلب وَنَحْوهَا قَوْله قرنا الشَّيْطَان أَي جانبا رَأسه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ينْتَصب فِي محاذاة مطلع الشَّمْس حَتَّى إِذا طلعت كَانَت بَين قرنيه فَتَقَع سَجْدَة عَبدة الشَّمْس لَهُ قَوْله ربيعَة وَمُضر بدل من الْفَدادِين وهما قبيلتان مشهورتان
٤٠٣٥ - حدّثنا عَمْرو بنُ زْرَارَةَ أخبرنَا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي حازِمِ عنْ أبِيهِ عنْ سَهْلٍ قَالَ رسُول الله ﷺ : أَنا وكافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هاكَذَا، وأشارَ بالسَّبَّايَةِ والوُسْطَى وفَرَّجَ بَيْنَهُما شَيْئاً.
(الحَدِيث ٤٠٣٥ طرفه فِي: ٥٠٠٦) .
مطابقته للْحَدِيث الَّذِي قبله فِي قَوْله: (وَأَشَارَ) . وَعَمْرو بن زُرَارَة بِضَم الزَّاي وخفة الرَّاء الأولى النَّيْسَابُورِي، وَسَهل هُوَ ابْن سعد الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الثَّانِي من أَحَادِيث الْبَاب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن عبد الله بن عمرَان.
قَوْله: (كافل الْيَتِيم) أَي: الْقيم بأَمْره ومصالحه. قَوْله: (بالسبابة) ويروى: بالسماحة وَإِنَّمَا فَرح بَينهمَا إِشَارَة إِلَى التَّفَاوُت بَين دَرَجَة الْأَنْبِيَاء وآحاد الْأمة والسباية هِيَ المسبحة، وَيُقَال: لما قَالَ رَسُول الله ﷺ ، ذَلِك اسْتَوَت سبايته ووسطاه اسْتِوَاء بَينا فِي تِلْكَ السَّاعَة ثمَّ عادتا إِلَى حَالهمَا الطبيعية الْأَصْلِيَّة، وَذَلِكَ لتوكيد أَمر كَفَالَة الْيَتِيم.
٦٢ - (بابٌ إذَا عَرَّضَ بَنَفْي الوَلَدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من عرّض بِالتَّشْدِيدِ بِنَفْي الْوَلَد، وَعرض كِنَايَة تكون مسوقة لأجل مَوْصُوف غير مَذْكُور، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، التَّعْرِيض أَن تذكر شَيْئا تدل بِهِ على شَيْء لم تذكره، وَالْكِنَايَة أَن تذكر الشَّيْء بِغَيْر لَفظه الْمَوْضُوع لَهُ.
٥٠٣٥ - حدّثنا يَحْيَى بنُ قَزَعَةَ حَدثنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رجُلاً أتَى النبيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! وُلِدَ لِي غُلامٌ أسْوَدُ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: مَا ألْوَانُها؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: هَلْ فِيها مِنْ أوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فأنَّى ذالِك؟ قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَةُ عِرْقٌ قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هاذَا نَزَعَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ولد لي غُلَام أسود) فَإِن فِيهِ تعريضاً لنفيه عَنهُ يَعْنِي: أَنا أَبيض وَهَذَا أسود فَلَا يكون مني؟
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك.
قَوْله: (أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة أبي مُصعب: جَاءَ أَعْرَابِي، وَكَذَا سَيَأْتِي فِي الْحُدُود عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: وَجَاء رجل من أهل الْبَادِيَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أَشهب عَن مَالك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أَن أَعْرَابِيًا من بني فَزَارَة، وَكَذَا عِنْد مُسلم، وَاسم هَذَا الْأَعرَابِي ضَمْضَم بن قَتَادَة. قَوْله: (أَتَى النَّبِي ﷺ فِي رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب صرح بِالنَّبِيِّ ﷺ . قَوْله: (حمر) بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْمِيم، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن مُصعب عَن مَالك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: رمك، جمع أرمك وَهُوَ الْأَبْيَض إِلَى حمرَة. قَوْله: (أَوْرَق) وَهُوَ الَّذِي فِي لَونه بَيَاض إِلَى سَواد، وَيُقَال: الأورق الأغبر الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض وَلَيْسَ بناصع الْبيَاض كلون الرماد، وَمِنْه سميت الْحَمَامَة: وَرْقَاء، لذَلِك. قَوْله: (فأنَّى ذَلِك؟) أَي: فَمن أَيْن ذَلِك؟ قَوْله: (لَعَلَّه نَزعه عرق) أَي: جذبه إِلَيْهِ وَأظْهر لَونه عَلَيْهِ، يَعْنِي: أشبهه، هَذِه رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: لَعَلَّ نَزعه عرق، بِدُونِ الضَّمِير، والعرق الأَصْل من النّسَب، قيل: الصَّوَاب لَعَلَّ عرقاً نَزعه عرق. قلت: لَعَلَّه عرق نَزعه أَيْضا صَوَاب لِأَن الْهَاء ضمير الشَّأْن، وَهُوَ: اسْم لَعَلَّ، وَالْجُمْلَة الَّتِي بعد خَبره فَافْهَم. قَوْله: (فَلَعَلَّ ابْنك هَذَا نَزعه) أَي: نزع الْعرق، وَقَالَ الدَّاودِيّ: (لَعَلَّ) هُنَا للتحقيق.
وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ، فَقَالُوا: لَا حدّ فِي التَّعْرِيض وَلَا لعان بِهِ لِأَنَّهُ ﷺ لم يُوجب على هَذَا الرجل الَّذِي عرض بامرأته حدا، وَأوجب مَالك الْحَد بالتعريض وَاللّعان بِهِ أَيْضا إِذا
стр. 6182
فهم مِنْهُ مَا يفهم من التَّصْرِيح وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَفِي الحَدِيث دَلِيل قَاطع على صِحَة الْقيَاس وَالِاعْتِبَار بنظيره من طَرِيق وَاحِدَة قَوِيَّة، وَهُوَ اعْتِبَار الشّبَه الخلقي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه يلْحق الْوَلَد الزَّوْج، وَإِن اخْتلفت ألوانها وَلَا يحل لَهُ نفيهُ بِمُجَرَّد الْمُخَالفَة فِي اللَّوْن، وَفِيه زجر عَن تَحْقِيق ظن السوء.
٧٢ - (بابُ إحْلافِ المُلَاعِنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إحلاف الْملَاعن، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا النُّطْق بِكَلِمَات اللّعان الْمَعْرُوفَة.
٦٠٣٥ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حَدثنَا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ عنْ عبْدِ الله، ﵁، أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصارِ قذَف امْرَأتَهُ، فأخْلَفَهُما النبيُّ ﷺ ثُمَّ فَرَّق بَيْنَهُما.
ابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَجُوَيْرِية، تَصْغِير جَارِيَة بِالْجِيم ابْن أَسمَاء، وَهُوَ من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث.
والْحَدِيث من أَفْرَاده مُخْتَصرا هُنَا وَسَيَأْتِي بعد سِتَّة أَبْوَاب من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع، وَمضى فِي تَفْسِير سُورَة النُّور من وَجه آخر بِلَفْظ: لَاعن بَين رجل وَامْرَأَة.
قَوْله: (فَأَحْلفهُمَا النَّبِي ﷺ وَقَالَ ابْن بطال: يُرِيد بِهَذَا أَيْمَان اللّعان الْمَعْرُوفَة، لِأَن الرجل لما قذف امْرَأَته كَانَ عَلَيْهِ الْحَد إِن لم يَأْتِ بِشُهُود أَرْبَعَة. يصدقونه، فَلَمَّا رمى هَذَا الْعجْلَاني زَوجته أنزل الله : ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ (النُّور: ٦) فَأخْرج الزَّوْج عَن عُمُوم الْآيَة وَأقَام أيمانه الْأَرْبَع مَعَ الْخَامِسَة مقَام الشُّهُود الْأَرْبَعَة ليدرأ عَن نَفسه الْحَد، كَمَا يدْرَأ سَائِر النَّاس عَن أنفسهم بالشهود الْأَرْبَعَة حد الْقَذْف، فَإِذا حلف بهَا لزم الْمَرْأَة الْحَد إِن لم تلتعن، فَإِن التعنت وَحلفت دفعت عَن نَفسهَا الْحَد كَمَا فعل الزَّوْج.
٨٢ - (بابٌ يَبْدَأُ الرَّجُلُ بالتَّلَاعُنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ يبْدَأ الرجل بالملاعنة قبل الْمَرْأَة.
٧٠٣٥ - حدّثني مُحَمَّد بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا ابنُ أبي عَدِيٍّ عنْ هِشامِ بنِ حَسَّانَ حَدثنَا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ﵄، أنَّ هِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ فَشَهِدَ والنبيُّ ﷺ يَقُولُ: إنَّ الله يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهدَتْ.
(انْظُر الحَدِيث ١٧٦٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يتَضَمَّن اللّعان والبادي فِيهِ الرجل. وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد، وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم أَبُو عَمْرو الْبَصْرِيّ، وهلال بن أُميَّة أحد الثَّلَاثَة الَّذِي تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك وَتَابَ الله عَلَيْهِم.
وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل أخرجه فِي سُورَة النُّور بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَن الرجل يبْدَأ بِاللّعانِ قبل الْمَرْأَة لِأَن الله بَدَأَ بِهِ، فَإِن بدأت الْمَرْأَة قبل زَوجهَا لم يجز وأعادت اللّعان بعده على مَا رتبه الله، ، وَنبيه ﷺ ، وَقَالَ ابْن التِّين: فَإِن التعنت قبله صَحَّ مَعَ مُخَالفَة السّنة، قَالَه ابْن الْقَاسِم وَأَبُو حنيفَة، وَقَالَ أَشهب وَالشَّافِعِيّ: لَا يَصح وتعيده.
قَوْله: (إِن الله يعلم أَن أَحَدكُمَا كَاذِب) ظَاهره يَقْتَضِي أَنه إِنَّمَا قَالَه بعد الْمُلَاعنَة لِأَنَّهُ حينئذٍ تحقق الْكَذِب وَوَجَبَت التَّوْبَة، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه قَالَه قبل اللّعان لَا بعده تحذيراً لَهما ووعظاً، وَقَالَ بَعضهم: وَكِلَاهُمَا قريب من معنى الآخر.
٩٢ - (بابُ اللِّعان ومَنْ طَلَّقَ بَعْد اللِّعانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي اللّعان وفيمن طلق امْرَأَته بعد اللّعان أَي: بعد أَن لَاعن، وَفِيه إِشَارَة إِلَى خلاف: هَل تقع الْفرْقَة فِي اللّعان بِنَفس اللّعان أَو بإيقاع الْحَاكِم بعد الْفَرَاغ أَو بإيقاع الزَّوْج؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَمن تبعهما إِلَى أَن الْفرْقَة تقع بِنَفس اللّعان، قَالَ مَالك وغالب أَصْحَابه: بعد فرَاغ الْمَرْأَة. وَقَالَ الشَّافِعِي واتباعه وَسَحْنُون من الْمَالِكِيَّة: بعد فرَاغ الزَّوْج، وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وأتباعهما: لَا تقع الْفرْقَة حَتَّى يوقعها عَلَيْهِمَا الْحَاكِم، وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَذهب عُثْمَان البتي إِلَى أَنه لَا تقع الْفرْقَة حَتَّى يوقعها الزَّوْج، وَنقل الطَّبَرِيّ نَحوه عَن أبي الْأَشْعَث جَابر بن زيد، وَقَالَ أَبُو عبيد: الْفرْقَة تقع بَينهمَا بِنَفس الْقَذْف وَلَو لم يَقع اللّعان، وَكَأَنَّهُ مُفَرع على وجوب اللّعان على من تحقق ذَلِك من الْمَرْأَة، فَإِذا أُخل بِهِ عُوقِبَ بالفرقة تَغْلِيظًا عَلَيْهِ.
стр. 6183
٨٠٣٥ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهاب أنَّ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أخْبَرَهُ أنْ عُوَيْمِراً العَجْلانيَّ جاءَ إِلَى عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ فَقَالَ لهُ: يَا عاصِمُ ﴿أرَأيْتَ رجُلاً وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رجُلاً أيَقْتُلُهُ فَتقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عاصِمُ عنْ ذالِكَ. فَسألَ عاصِمٌ رَسُول الله ﷺ ، عنْ ذالِكَ فَكَرِهَ رسولُ الله ﷺ ، المَسائلَ وعابَها حتَّى كَبُرَ علَى عاصمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُول الله ﷺ ، فَلَّما رجَعَ عاصمٌ إِلَى أهْلِهِ جاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عاصِمُ﴾ ماذَا قَالَ لَكَ رسولُ الله ﷺ ؟ فَقَالَ عاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تأتِني بخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رسولُ الله ﷺ المَسْألَةَ الَّتِي سألْتُهُ عنْها. فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَالله لَا أنْتَهِي حتَّى أسألَهُ عَنْها، فأقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حتَّى جاءَ رسولَ الله ﷺ وسَطَ النّاسِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله ﴿أرَأيْتَ رجلا وجَدَ معَ امْرَأتِهِ رجُلاً أيَقْتُلُهُ فتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلَ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : قَدْ أنْزَلَ الله فِيكَ وَفِي صاحِبَتِكَ فاذْهَبْ فأتِ بِها؛ قَالَ سَهْل: فتلَاعَنَا وَأَنا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ، فَلَّما فَرَغا منْ تَلَاعنُهِما قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ علَيْها يَا رسولَ الله إنْ أمْسَكْتُها، فطَلَّقَها ثَلاثاً قَبْلَ أنْ يأمُرَهُ رسولُ الله ﷺ . قَالَ ابنُ شِهاب: فكانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة للجزء الأول مِنْهَا فِي قَوْله: (فَتَلَاعَنا) وللجزء الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: وَمن طلق بعد اللّعان فِي قَوْله: (فَطلقهَا ثَلَاثًا قبل أَن يَأْمُرهُ رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ طَلقهَا بعد أَن لَاعن.
وَهَذَا الحَدِيث أول مَا ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة مُخْتَصرا فِي: بَاب الْقَضَاء وَاللّعان فِي الْمَسْجِد. وَأخرجه فِي التَّفْسِير فِي سُورَة النُّور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ (النُّور: ٦) الْآيَة عَن إِسْحَاق وَأخرجه أَيْضا فِي قَوْله: ﴿وَالْخَامِسَة أَن لعنة الله عَلَيْهِ﴾ (النُّور: ٧) عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره، وَمَا يتَعَلَّق بمعانيه وَالْأَحْكَام المستنبطة مِنْهُ مُسْتَوفى فَإِذا أعدنا الْكَلَام يطول بِلَا فَائِدَة.
٠٣ - (بابُ التَّلَاعُنِ فِي المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز التلاعن فِي الْمَسْجِد، وَقَالَ بَعضهم أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى خلاف الْحَنَفِيَّة: أَن اللّعان لَا يتَعَيَّن فِي الْمَسْجِد، وَإِنَّمَا يكون حَيْثُ كَانَ الإِمَام أَو حَيْثُ شَاءَ. قلت: الَّذِي يفهم مِمَّا قَالَه إِنَّمَا وضع هَذِه التَّرْجَمَة لتعين اللّعان فِي الْمَسْجِد وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هَذَا بَيَان مَا قد وَقع من التلاعن فِي الْمَسْجِد، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الْمَسْجِد مُتَعَيّنا، وَلِهَذَا قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : اسْتحبَّ جمَاعَة أَن يكون التلاعن بعد الْعَصْر فِي أَي مَكَان كَانَ، وَالْمَسْجِد الْجَامِع أَحْرَى.
٩٠٣٥ - حدّثنا يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبرنِي ابنُ شِهابٍ عنِ المُتَلَاعِنَةِ وَعَن السُّنَّةِ فِيها عنْ حَدِيثِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أخِي بَنِي ساعِدَةَ: أنَّ رجُلاً مِنَ الأنْصارِ جاءَ إِلَى رسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رسُولَ الله﴾ أرَأيْتَ رجُلاً وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رجُلاً أيَقْتُلُهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فأنْزَلَ الله فِي شأنِهِ مَا ذَكَرَ فِي القُرْآنِ مِنْ أمْرِ المُتَلَاعِنَيْن، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : قَدْ قَضَى الله فِيكَ وَفِي امْرَأتِكَ، قَالَ: فَتَلَاعَنا فِي المَسْجِدِ وَأَنا شاهِدٌ، فَلَمَّا فَرَغا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْها يَا رسولَ الله إنْ أمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاثاً قَبْلَ أنْ يأْمُرَهُ رسولُ الله ﷺ ، حِينَ فَرَغا مِنَ التَّلاعُنِ، فَفَارَقَها عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ذَاكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ كلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ. قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابنُ شِهابٍ: فكانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُما أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المتَلَاعِنَيْنِ، وكانَتْ حامِلاً وكانَ ابْنُها يُدْعَى لأُمِّهِ
стр. 6184
قَالَ: ثمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِها أنِها تَرِثُهُ وَيرِثُ مِنْها مَا فَرَضَ الله لَهُ.
قَالَ ابنُ جرَيْجٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي هاذا الحَدِيثِ: أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: إنْ جاءَتْ بِهِ أحْمَرَ قَصِيراً كأنَّهُ وحَرَةٌ فَلَا أُرَاها إلاّ قَدْ صَدَقَتْ وكَذَبَ عَلَيْها، وإنْ جاءَتْ بِهِ أسْوَدَ أعْيَنَ ذَا ألْيَتَيْنِ فَلَا أُرَاهُ إلَاّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، فَجَاءَتْ بِهِ علَى المَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ.
ابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَتَلَاعَنا فِي الْمَسْجِد) . وَيحيى هُوَ ابْن جَعْفَر البُخَارِيّ البيكندي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي، يحيى هَذَا إِمَّا ابْن مُوسَى الختي، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَشدَّة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَإِمَّا يحيى بن جَعْفَر البُخَارِيّ، قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنِي يحيى، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا يحيى، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج.
قَوْله: (أخبرنَا عبد الرَّزَّاق) ، وَفِي بعض النّسخ حَدثنَا. قَوْله: (أخي بني سَاعِدَة) الْغَرَض مِنْهُ أَنه ساعدي فَهُوَ فِي الْأَنْصَار فِي الْخَزْرَج ينْسب إِلَى سَاعِدَة بن كَعْب بن الْخَزْرَج، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سَاعِدَة اسْم من أَسمَاء الْأسد. والْحَدِيث قدر مر فِي التَّفْسِير. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (أم كَيفَ يفعل؟) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَتَلَاعَنا فِي الْمَسْجِد) يُقَال: فِيهِ دلَالَة على أَنه يَنْبَغِي لكل حَاكم من حكام الْمُسلمين كل من أَرَادَ استحلافه على عَظِيم من الْأَمر كالقسامة على الدَّم وعَلى المَال ذِي الْقدر والخطر الْعَظِيم وَنَحْو ذَلِك فِي الْمَسَاجِد الْعِظَام، وَإِن كَانَا بِالْمَدِينَةِ فَعِنْدَ منبرها، وَإِن كَانَا بِمَكَّة فَبين الرُّكْن وَالْمقَام، وَإِن كَانَا بِبَيْت الْمُقَدّس فَفِي مَسْجِدهَا فِي مَوضِع الصَّخْرَة، وَإِن كَانَا ببلدة غَيرهَا فَفِي جَامعهَا وَحَيْثُ يعظم مِنْهَا، وَإِنَّمَا أَمرهمَا ﷺ بِاللّعانِ فِي مَسْجده لعلمه أَنَّهُمَا يعظمانه فَأَرَادَ التَّعْظِيم عَلَيْهِمَا ليرْجع الْمُبْطل مِنْهُمَا إِلَى الْحق وينحجز عَن الْأَيْمَان الكاذبة، وَكَذَلِكَ كَانَ لعانهما بعد العصرلعظم الْيَمين الكاذبة فِي ذَلِك الْوَقْت. وَقَالَ الشَّافِعِي: يُلَاعن فِي الْمَسْجِد إلَاّ أَن تكون حَائِضًا فعلى بَاب الْمَسْجِد. قَوْله: (قَالَ ابْن جريج قَالَ ابْن شهَاب) مَوْصُول إِلَيْهِ بالسند الْمُتَقَدّم. قَوْله: (وَكَانَت حَامِلا) أَي: كَانَت الْمَرْأَة حَامِلا حِين وَقع اللّعان بَينهمَا، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي سُورَة النُّور فِي بَاب: ﴿وَالْخَامِسَة أَن لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين﴾ (النُّور: ٧) وَفِيه: وَكَانَت حَامِلا فَأنْكر حمالها، وَفِيه دَلِيل على جَوَاز الْمُلَاعنَة بِالْحملِ وَإِلَيْهِ ذهب ابْن أبي ليلى وَمَالك وَأَبُو عبيد وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة فَإِنَّهُم قَالُوا: من نفى حمل امْرَأَته لَاعن بَينهمَا القَاضِي وَألْحق الْوَلَد بِأُمِّهِ. وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة ابْن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة وَزفر بن الْهُذيْل: لَا يُلَاعن بِالْحملِ، وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث بِأَن اللّعان فِيهِ كَانَ بِالْقَذْفِ لَا بِالْحملِ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فِي مِيرَاثهَا) أَي: فِي مِيرَاث الْمُلَاعنَة. وَأجْمع الْعلمَاء على جَرَيَان التَّوَارُث بَين الْوَلَد وَبَين أَصْحَاب الْفُرُوض من جِهَة أمه وهم إخْوَته وأخواته من أمه وجداته من أمه ثمَّ إِذا دفع إِلَى أمه فَرضهَا وَإِلَى أَصْحَاب الْفُرُوض وَبَقِي شَيْء فَهُوَ لمولى أمه إِن كَانَ عَلَيْهَا وَلَاء. وَإِلَّا يكون لبيت المَال عِنْد من لَا يرى بِالرَّدِّ وَلَا بتوريث ذَوي الْأَرْحَام. قَوْله: (مَا فرض الله لَهَا) ، وَهُوَ الثُّلُث إِن لم يكن لَهُ ولد وَلَا ولد ابْن وَلَا اثْنَان من الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات، فَإِن كَانَ شَيْء من ذَلِك فلهَا السُّدس، فَإِن فضل شَيْء من أَصْحَاب الْفُرُوض فَهُوَ لبيت المَال عِنْد الزُّهْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأبي ثَوْر. وَقَالَ الحكم وَحَمَّاد: تَرثه وَرَثَة أمه، وَقَالَ آخَرُونَ: عصبته عصبَة أمه، رُوِيَ هَذَا عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعَطَاء أَحْمد بن حَنْبَل. قَالَ أَحْمد: فَإِن انْفَرَدت الْأُم أخذت جَمِيع مَاله بالعصوبة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا انْفَرَدت أخذت الْجَمِيع الثُّلُث بِالْفَرْضِ وَالْبَاقِي بِالرَّدِّ على قَاعِدَته.
قَوْله: (قَالَ ابْن جريج عَن ابْن شهَاب) ، هُوَ أَيْضا مَوْصُول بالسند الْمُتَقَدّم. قَوْله: (إِن جَاءَت بِهِ) أَي: إِن جَاءَت الْمُلَاعنَة بِالْوَلَدِ الْمَنْفِيّ (أَحْمَر قَصِيرا) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أُحَيْمِر بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي رِوَايَة الشَّافِعِي: أشقر، وَقَالَ ثَعْلَب: المُرَاد بالأحمر الْأَبْيَض لِأَن الْحمرَة إِنَّمَا تبدو فِي الْبيَاض قَوْله: (وحرة) ، بِفَتْح الْوَاو والحاء الْمُهْملَة وبالراء وَهِي: دويبة تترامى على الطَّعَام وَاللَّحم وتفسده هِيَ من نوع الوزغ، وَقيل: دويبة حَمْرَاء تلزق بِالْأَرْضِ. قَوْله: (أعين) بِلَفْظ أفعل الصّفة، أَي وَاسع الْعين. قَوْله: (ذَا أليتين) أَي: أليتين عظيمتين. قَوْله: (فَجَاءَت بِهِ على الْمَكْرُوه من ذَلِك) ، وَهُوَ الْأسود إِنَّمَا كره لِأَنَّهُ مُسْتَلْزم لتحقيق الزِّنَا وتصديق الزَّوْج.
١٣ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : لَوْ كُنْتُ راجِعاً بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ)
стр. 6185
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله ﷺ : (لَو كنت راجماً) أجداً (بِغَيْر بَيِّنَة) لرجمته، وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف وَهُوَ الَّذِي قدرناه.
٠١٣٥ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني الليْثُ عنْ يَحْيَى بنِ سَعيدٍ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّهُ ذُكِرَ التّلَاعُنُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ عاصِمُ بنُ عَديٍّ فِي ذالِكَ قَوْلاً ثُمَّ انْصَرَفَ. فأتاهُ رجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إلَيْهِ أنَّهُ قَدْ وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رجُلاً، فَقَالَ عاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهاذا إِلَّا لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النبيِّ ﷺ فأخْبَرَهُ بالَّذِي وجَدَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ، وكانَ ذالِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعَرِ، وكانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أنّهُ وجَدَهُ عِنْدَ أهْلِهِ خَدْلاً آدَمَ كَثِيرَ اللّحْمِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فجاءَتْ بِهِ شَبِيهاً بالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُها أنَّهُ وجَدَهُ، فَلَاعَنَ النبيُّ ﷺ بَيْنَهُما، قَالَ رجُلٌ لابنِ عَبَّاسٍ فِي المَجْلِسِ: هِي الّتِي قَالَ النبيُّ ﷺ : لَوْ رَجَمتُ أحَداً بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هاذِهِ؟ فَقَالَ: لَا تِلْكَ امْرأةٌ كانَتْ تُظْهِرُ فِي الإسْلَامِ السُّوءَ.
قَالَ أبُو صالِحٍ وعبْدُ الله بنُ يُوسُفَ: خَدِلاً.
(الحَدِيث ٠١٣٥ أَطْرَافه: فِي: ٦١٣٥، ٥٥٨٦، ٦٥٨٦، ٨٣٢٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو رجمت أحدا بِغَيْر بَيِّنَة رجمت هَذِه) وَسَعِيد بن عفير هُوَ سعيد بن كثير بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء مولى الْأَنْصَار الْمصْرِيّ، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أَبِيه.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي اللّعان عَن مُحَمَّد بن رمح وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق وَفِي الرَّجْم عَن عِيسَى بن حَمَّاد بِهِ، وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن يحيى بن مُحَمَّد.
قَوْله: (أَنه ذكر التلاعن) ، يَعْنِي: أَنه قَالَ: ذكر فَحذف لفظ: قَالَ: وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان الَّتِي تَأتي. قَوْله: (ذكر) على صِيغَة الْمَجْهُول أسْند إِلَى التلاعن أَي: ذكر حكم الرجل الَّذِي يَرْمِي امْرَأَته بِالزِّنَا، فَعبر عَنهُ بالتلاعن باعتبارها آل إِلَيْهِ الْأَمر بعد نزُول الْآيَة، وَوَقع فِي رِوَايَة سُلَيْمَان ذكر المتلاعنان. قَوْله: (فَقَالَ عَاصِم بن عدي) أَي: ابْن الْجد بن العجلان بن حَارِثَة بن ضبيعة الْعجْلَاني ثمَّ البدري، وَهُوَ صَاحب عُوَيْمِر الْعجْلَاني الَّذِي قَالَ لَهُ: سل لي يَا عَاصِم رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث اللّعان، وَعَاصِم شهد بَدْرًا وأحداً وَالْخَنْدَق والمشاهد كلهَا، وَقيل: لم يشْهد بَدْرًا بِنَفسِهِ لِأَنَّهُ ﷺ قد اسْتَخْلَفَهُ حِين خرج إِلَى بدر على قبَاء وَأهل الْعَالِيَة وَضرب لَهُ بسهمه فَكَأَنَّهُ كَانَ قد شَهِدَهَا وَتُوفِّي سنة خمس وَأَرْبَعين، وَقد بلغ قَرِيبا من عشْرين وَمِائَة سنة. قَوْله: (فِي ذَلِك) قولا هُوَ أَنه كَانَ قد قَالَ عِنْد رَسُول الله ﷺ أَنه لَو وجد مَعَ امْرَأَته رجلا لضربه بِالسَّيْفِ حَتَّى يقْتله، فابتلي بعويمر الْعجْلَاني وَهُوَ من قومه ليريه الله تَعَالَى كَيفَ حكمه فِي ذَلِك وليعرفه أَن التسليط فِي الدِّمَاء لَا يسوغ فِي الدَّعْوَى، وَلَا يكون إلَاّ بِحكم الله تَعَالَى، ليرْفَع أَمر الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي قولا أَي: كلَاما لَا يَلِيق نَحْو مَا يدل على عجب النَّفس والنخوة والغيرة وَعدم الْحِوَالَة إِلَى إِرَادَة وَحَوله وقوته. وَقَالَ بَعضهم: كَانَ ذَلِك بمعزل عَن الْوَاقِع ثمَّ طول الْكَلَام. قلت: لَيْسَ فِي كَلَامه مَا هُوَ بمعزل عَن الْوَاقِع، لكنه لم يُصَرح فِيهِ. قَوْله: إِنَّه لَو وجد مَعَ امْرَأَته رجلا لضربه بِالسَّيْفِ، وَذكرهَا مَا يَقْتَضِيهِ أَن يفعل فعل من عِنْده نخوة ومروءة وغيرة عِنْد وجودهذا الْأَمر، وَأما عدم حِوَالَة الْأَمر فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى فَيمكن أَنه لم يكن علم مَا حكم الله فِي هَذَا حَتَّى ابْتُلِيَ وَعرف. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف) أَي: عَاصِم من عِنْد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَأَتَاهُ رجل) هُوَ عُوَيْمِر. قَوْله: (من قومه) لِأَن كلا مِنْهُمَا عجلاني. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى عَاصِم. قَوْله: (مَا ابْتليت) على صِيغَة الْمَجْهُول (إلَاّ لقولي) وَهُوَ قَوْله: لَو وجدت رجلا مَعَ امْرَأَتي لضربته بِالسَّيْفِ، أَو كَانَ عيَّراً أحدا فابتلي بِهِ، كَذَا قَالَه الدَّاودِيّ، ورد عَلَيْهِ
стр. 6186
بَعضهم بِأَن هَذَا بمعزل عَن الْوَاقِع، فقد وَقع فِي مُرْسل مقَاتل بن حبَان عِنْد ابْن أبي حَاتِم: فَقَالَ عَاصِم: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، هَذَا وَالله سُؤَالِي عَن هَذَا الْأَمر بَين النَّاس فابتليت بِهِ، وَالَّذِي كَانَ قَالَ: لَو رَأَيْته لضربته بِالسَّيْفِ هُوَ سعد بن عبَادَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن قَول سعد بن عبَادَة فِي قَضِيَّة هِلَال بن أُميَّة، وَقَول عَاصِم فِي قَضِيَّة عُوَيْمِر، فالكلامان مُخْتَلِفَانِ، وَذكر أَن ابْن سِيرِين عيَّر رجلا بفلس ثمَّ نَدم وانتظر الْعقُوبَة أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ نزل بِهِ. قَوْله: (وَكَانَ ذَلِك الرجل) أَي: الَّذِي رمى امْرَأَته بِهِ. قَوْله: (مصفراً) بتَشْديد الرَّاء أَي: قوي الصُّفْرَة، وَهَذَا لَا يُخَالف قَوْله فِي حَدِيث سهل: إِنَّه كَانَ أَحْمَر أَو أشقر، لِأَن ذَاك لَونه الْأَصْلِيّ والصفرة عارضة. قَوْله: (قَلِيل اللَّحْم) أَي: نحيف الْجِسْم. قَوْله: (سبط الشّعْر) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وإسكانها وَهُوَ ضد الجعودة أَي: مسترسلاً غير جعد. قَوْله: (خدلاً) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْملَة وَهُوَ الممتلىء السَّاق الضخم، وَقَالَ ابْن الْفَارِس: ممتلىء الْأَعْضَاء، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: لَا يكون إلَاّ مَعَ غلظ الْعظم مَعَ اللَّحْم، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي بعض الْكتب بِكَسْر الدَّال وَتَخْفِيف اللَّام وَفِي بَعْضهَا بتَشْديد اللَاّم، وَفِي بَعْضهَا بِسُكُون الدَّال، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كتب اللُّغَة، وَكَذَا ضبط فِي رِوَايَة أبي صَالح وَابْن يُوسُف. قَوْله: (اللَّهُمَّ بيّن) أَي: حكم الْمَسْأَلَة، وَيُقَال: مَعْنَاهُ الْحِرْص على أَن يعلم من بَاطِن الْمَسْأَلَة مَا يقف بِهِ على حَقِيقَتهَا وَإِن كات شَرِيعَته قد احكمها الله فِي الْقَضَاء بِالظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا صَارَت شرائع الْأَنْبِيَاء، ﵈، يقْضى فِيهَا بِالظَّاهِرِ لِأَنَّهَا تكون سَببا لمن بعدهمْ من أممهم مِمَّن لَا سَبِيل لَهُ إِلَى وَحي يعلم بِهِ بواطن الْأُمُور. قَوْله: (فَجَاءَت) فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال: فَوضعت. قَوْله: (فلاعن النَّبِي ﷺ بَينهمَا) قيل: اللّعان مقدم على وضع الْوَلَد، فعلى مَا عطف: فلاعن؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مِنْهُ: فَحكم بِمُقْتَضى اللّعان، وَقيل: ظَاهره أَن الْمُلَاعنَة بَينهمَا تَأَخَّرت حَتَّى وضعت، وَلَكِن مَعْنَاهُ أَن قَوْله: (فلاعن) معقب بقوله: فَذهب بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ بِالَّذِي وجد عَلَيْهِ امْرَأَته، وَاعْترض قَوْله: (وَكَانَ ذَلِك الرجل) إِلَى آخِره. قَوْله: (فَقَالَ رجل) هُوَ عبد الله بن شَدَّاد ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْمُحَاربين. قَوْله: (قَالَ النَّبِي ﷺ : لَو رجمت أحدا بِغَيْر بيِّنة رجمت هَذِه) ، أَرَادَ بِهِ امْرَأَة عُوَيْمِر، يَعْنِي: إِنَّمَا لَاعن بَينهَا وَبَين زَوجهَا وَلم يرجمها بالشبه، لِأَن الرَّجْم لَا يكون إلَاّ بِبَيِّنَة. قَوْله: (تِلْكَ امْرَأَة) إِشَارَة إِلَى امْرَأَة عُوَيْمِر، وَأَرَادَ: بالسوء، الْفَاحِشَة. قَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ جَوَاز الْغَيْبَة لمن يظْهر السوء، وَفِي الحَدِيث: لَا غيبَة لمجاهر.
قَوْله: (قَالَ أَبُو صَالح) هُوَ عبد الله بن صَالح الْجُهَنِيّ بِالْجِيم وَالْهَاء وَالنُّون، وَهُوَ كَاتب اللَّيْث بن سعد وَعبد الله بن يُوسُف التنيسِي، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد النُّون الْمَكْسُورَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى تنيس بَلْدَة كَانَت فِي جَزِيرَة فِي وسط بحيرة بِالْقربِ من دمياط وَخَربَتْ وبادت. قَوْله: (خدلاً) قَالَ الْكرْمَانِي: هما قَالَا آدم خدلاً بِدُونِ ذكر: كثير اللَّحْم؟ قلت: رِوَايَة عبد الله بن يُوسُف أخرجهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الْمُحَاربين وَلَفظه: وجده عِنْد أَهله آدم خدلاً كثير اللَّحْم، فَالَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي يُخَالف هَذِه، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك بالتخمين، بل المُرَاد أَن فِي روايتهما خدلاً بِفَتْح الْخَاء وَكسر الدَّال، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: خدلاً، بِسُكُون الدَّال. فَافْهَم.
(صدَاق الْمُلَاعنَة)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحكم فِي صدَاق الْمَرْأَة الْمُلَاعنَة.
٠١٣٥ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني الليْثُ عنْ يَحْيَى بنِ سَعيدٍ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّهُ ذُكِرَ التّلَاعُنُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ عاصِمُ بنُ عَديٍّ فِي ذالِكَ قَوْلاً ثُمَّ انْصَرَفَ. فأتاهُ رجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إلَيْهِ أنَّهُ قَدْ وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رجُلاً، فَقَالَ عاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهاذا إِلَّا لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النبيِّ ﷺ فأخْبَرَهُ بالَّذِي وجَدَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ، وكانَ ذالِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعَرِ، وكانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أنّهُ وجَدَهُ عِنْدَ أهْلِهِ خَدْلاً آدَمَ كَثِيرَ اللّحْمِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فجاءَتْ بِهِ شَبِيهاً بالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُها أنَّهُ وجَدَهُ، فَلَاعَنَ النبيُّ ﷺ بَيْنَهُما، قَالَ رجُلٌ لابنِ عَبَّاسٍ فِي المَجْلِسِ: هِي الّتِي قَالَ النبيُّ ﷺ : لَوْ رَجَمتُ أحَداً بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هاذِهِ؟ فَقَالَ: لَا تِلْكَ امْرأةٌ كانَتْ تُظْهِرُ فِي الإسْلَامِ السُّوءَ.
قَالَ أبُو صالِحٍ وعبْدُ الله بنُ يُوسُفَ: خَدِلاً.
(الحَدِيث ٠١٣٥ أَطْرَافه: فِي: ٦١٣٥، ٥٥٨٦، ٦٥٨٦، ٨٣٢٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو رجمت أحدا بِغَيْر بَيِّنَة رجمت هَذِه) وَسَعِيد بن عفير هُوَ سعيد بن كثير بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء مولى الْأَنْصَار الْمصْرِيّ، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أَبِيه.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي اللّعان عَن مُحَمَّد بن رمح وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق وَفِي الرَّجْم عَن عِيسَى بن حَمَّاد بِهِ، وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن يحيى بن مُحَمَّد.
قَوْله: (أَنه ذكر التلاعن) ، يَعْنِي: أَنه قَالَ: ذكر فَحذف لفظ: قَالَ: وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان الَّتِي تَأتي. قَوْله: (ذكر) على صِيغَة الْمَجْهُول أسْند إِلَى التلاعن أَي: ذكر حكم الرجل الَّذِي يَرْمِي امْرَأَته بِالزِّنَا، فَعبر عَنهُ بالتلاعن باعتبارها آل إِلَيْهِ الْأَمر بعد نزُول الْآيَة، وَوَقع فِي رِوَايَة سُلَيْمَان ذكر المتلاعنان. قَوْله: (فَقَالَ عَاصِم بن عدي) أَي: ابْن الْجد بن العجلان بن حَارِثَة بن ضبيعة الْعجْلَاني ثمَّ البدري، وَهُوَ صَاحب عُوَيْمِر الْعجْلَاني الَّذِي قَالَ لَهُ: سل لي يَا عَاصِم رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث اللّعان، وَعَاصِم شهد بَدْرًا وأحداً وَالْخَنْدَق والمشاهد كلهَا، وَقيل: لم يشْهد بَدْرًا بِنَفسِهِ لِأَنَّهُ ﷺ قد اسْتَخْلَفَهُ حِين خرج إِلَى بدر على قبَاء وَأهل الْعَالِيَة وَضرب لَهُ بسهمه فَكَأَنَّهُ كَانَ قد شَهِدَهَا وَتُوفِّي سنة خمس وَأَرْبَعين، وَقد بلغ قَرِيبا من عشْرين وَمِائَة سنة. قَوْله: (فِي ذَلِك) قولا هُوَ أَنه كَانَ قد قَالَ عِنْد رَسُول الله ﷺ أَنه لَو وجد مَعَ امْرَأَته رجلا لضربه بِالسَّيْفِ حَتَّى يقْتله، فابتلي بعويمر الْعجْلَاني وَهُوَ من قومه ليريه الله تَعَالَى كَيفَ حكمه فِي ذَلِك وليعرفه أَن التسليط فِي الدِّمَاء لَا يسوغ فِي الدَّعْوَى، وَلَا يكون إلَاّ بِحكم الله تَعَالَى، ليرْفَع أَمر الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي قولا أَي: كلَاما لَا يَلِيق نَحْو مَا يدل على عجب النَّفس والنخوة والغيرة وَعدم الْحِوَالَة إِلَى إِرَادَة وَحَوله وقوته. وَقَالَ بَعضهم: كَانَ ذَلِك بمعزل عَن الْوَاقِع ثمَّ طول الْكَلَام. قلت: لَيْسَ فِي كَلَامه مَا هُوَ بمعزل عَن الْوَاقِع، لكنه لم يُصَرح فِيهِ. قَوْله: إِنَّه لَو وجد مَعَ امْرَأَته رجلا لضربه بِالسَّيْفِ، وَذكرهَا مَا يَقْتَضِيهِ أَن يفعل فعل من عِنْده نخوة ومروءة وغيرة عِنْد وجودهذا الْأَمر، وَأما عدم حِوَالَة الْأَمر فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى فَيمكن أَنه لم يكن علم مَا حكم الله فِي هَذَا حَتَّى ابْتُلِيَ وَعرف. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف) أَي: عَاصِم من عِنْد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَأَتَاهُ رجل) هُوَ عُوَيْمِر. قَوْله: (من قومه) لِأَن كلا مِنْهُمَا عجلاني. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى عَاصِم. قَوْله: (مَا ابْتليت) على صِيغَة الْمَجْهُول (إلَاّ لقولي) وَهُوَ قَوْله: لَو وجدت رجلا مَعَ امْرَأَتي لضربته بِالسَّيْفِ، أَو كَانَ عيَّراً أحدا فابتلي بِهِ، كَذَا قَالَه الدَّاودِيّ، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن هَذَا بمعزل عَن الْوَاقِع، فقد وَقع فِي مُرْسل مقَاتل بن حبَان عِنْد ابْن أبي حَاتِم: فَقَالَ عَاصِم: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، هَذَا وَالله سُؤَالِي عَن هَذَا الْأَمر بَين النَّاس فابتليت بِهِ، وَالَّذِي كَانَ قَالَ: لَو رَأَيْته لضربته بِالسَّيْفِ هُوَ سعد بن عبَادَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن قَول سعد بن عبَادَة فِي قَضِيَّة هِلَال بن أُميَّة، وَقَول عَاصِم فِي قَضِيَّة عُوَيْمِر، فالكلامان مُخْتَلِفَانِ، وَذكر أَن ابْن سِيرِين عيَّر رجلا بفلس ثمَّ نَدم وانتظر الْعقُوبَة أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ نزل بِهِ. قَوْله: (وَكَانَ ذَلِك الرجل) أَي: الَّذِي رمى امْرَأَته بِهِ. قَوْله: (مصفراً) بتَشْديد الرَّاء أَي: قوي الصُّفْرَة، وَهَذَا لَا يُخَالف قَوْله فِي حَدِيث سهل: إِنَّه كَانَ أَحْمَر أَو أشقر، لِأَن ذَاك لَونه الْأَصْلِيّ والصفرة عارضة. قَوْله: (قَلِيل اللَّحْم) أَي: نحيف الْجِسْم. قَوْله: (سبط الشّعْر) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وإسكانها وَهُوَ ضد الجعودة أَي: مسترسلاً غير جعد. قَوْله: (خدلاً) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْملَة وَهُوَ الممتلىء السَّاق الضخم، وَقَالَ ابْن الْفَارِس: ممتلىء الْأَعْضَاء، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: لَا يكون إلَاّ مَعَ غلظ الْعظم مَعَ اللَّحْم، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي بعض الْكتب بِكَسْر الدَّال وَتَخْفِيف اللَّام وَفِي بَعْضهَا بتَشْديد اللَاّم، وَفِي بَعْضهَا بِسُكُون الدَّال، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كتب اللُّغَة، وَكَذَا ضبط فِي رِوَايَة أبي صَالح وَابْن يُوسُف. قَوْله: (اللَّهُمَّ بيّن) أَي: حكم الْمَسْأَلَة، وَيُقَال: مَعْنَاهُ الْحِرْص على أَن يعلم من بَاطِن الْمَسْأَلَة مَا يقف بِهِ على حَقِيقَتهَا وَإِن كات شَرِيعَته قد احكمها الله فِي الْقَضَاء بِالظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا صَارَت شرائع الْأَنْبِيَاء، ﵈، يقْضى فِيهَا بِالظَّاهِرِ لِأَنَّهَا تكون سَببا لمن بعدهمْ من أممهم مِمَّن لَا سَبِيل لَهُ إِلَى وَحي يعلم بِهِ بواطن الْأُمُور. قَوْله: (فَجَاءَت) فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال: فَوضعت. قَوْله: (فلاعن النَّبِي ﷺ بَينهمَا) قيل: اللّعان مقدم على وضع الْوَلَد، فعلى مَا عطف: فلاعن؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مِنْهُ: فَحكم بِمُقْتَضى اللّعان، وَقيل: ظَاهره أَن الْمُلَاعنَة بَينهمَا تَأَخَّرت حَتَّى وضعت، وَلَكِن مَعْنَاهُ أَن قَوْله: (فلاعن) معقب بقوله: فَذهب بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ بِالَّذِي وجد عَلَيْهِ امْرَأَته، وَاعْترض قَوْله: (وَكَانَ ذَلِك الرجل) إِلَى آخِره. قَوْله: (فَقَالَ رجل) هُوَ عبد الله بن شَدَّاد ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْمُحَاربين. قَوْله: (قَالَ النَّبِي ﷺ : لَو رجمت أحدا بِغَيْر بيِّنة رجمت هَذِه) ، أَرَادَ بِهِ امْرَأَة عُوَيْمِر، يَعْنِي: إِنَّمَا لَاعن بَينهَا وَبَين زَوجهَا وَلم يرجمها بالشبه، لِأَن الرَّجْم لَا يكون إلَاّ بِبَيِّنَة. قَوْله: (تِلْكَ امْرَأَة) إِشَارَة إِلَى امْرَأَة عُوَيْمِر، وَأَرَادَ: بالسوء، الْفَاحِشَة. قَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ جَوَاز الْغَيْبَة لمن يظْهر السوء، وَفِي الحَدِيث: لَا غيبَة لمجاهر.
قَوْله: (قَالَ أَبُو صَالح) هُوَ عبد الله بن صَالح الْجُهَنِيّ بِالْجِيم وَالْهَاء وَالنُّون، وَهُوَ كَاتب اللَّيْث بن سعد وَعبد الله بن يُوسُف التنيسِي، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد النُّون الْمَكْسُورَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى تنيس بَلْدَة كَانَت فِي جَزِيرَة فِي وسط بحيرة بِالْقربِ من دمياط وَخَربَتْ وبادت. قَوْله: (خدلاً) قَالَ الْكرْمَانِي: هما قَالَا آدم خدلاً بِدُونِ ذكر: كثير اللَّحْم؟ قلت: رِوَايَة عبد الله بن يُوسُف أخرجهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الْمُحَاربين وَلَفظه: وجده عِنْد أَهله آدم خدلاً كثير اللَّحْم، فَالَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي يُخَالف هَذِه، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك بالتخمين، بل المُرَاد أَن فِي روايتهما خدلاً بِفَتْح الْخَاء وَكسر الدَّال، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: خدلاً، بِسُكُون الدَّال. فَافْهَم.
(صدَاق الْمُلَاعنَة)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحكم فِي صدَاق الْمَرْأَة الْمُلَاعنَة.
١١٣٥ - حدّثني عَمْرُو بنُ زُرَارَة أخبرنَا إسْماعِيلُ عنْ أيُّوبَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ ل ابْنِ عُمَرَ: رجُلٌ قَذَفَ امْرَأتَهُ؟ فَقَالَ: فَرَّقَ النبيُّ ﷺ بَيْنَ أخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ، وَقَالَ: الله يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذبٌ فَهَلْ مِنْكما تائِبٌ؟ فأبَيا، فَقَالَ: الله يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ؟ فأبَيا، فَقَالَ: الله يَعْلَمُ أَن أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ؟ فَأبَيا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ: إنَّ فِي الحدِيثِ شَيْئاً لَا أرَاكَ تُحَدِّثُهُ. قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَا لِي؟ قَالَ: قِيلَ: لَا مالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صادِقاً فَقَدْ دَخَلَتْ بِها، وإنْ كُنْتَ كاذِباً فَهْوَ أبْعَدُ مِنْكَ.
.
стр. 6187
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله (لَا مَال لَك) إِلَى آخِره، لِأَن المُرَاد مِنْهُ الصَدَاق الَّذِي لَهَا عَلَيْهِ وَدخل بهَا، وانعقد الْإِجْمَاع على أَن الْمَدْخُول بهَا تسْتَحقّ جَمِيع الصَدَاق، وَالْخلاف فِي غير الْمَدْخُول بهَا، فالجمهور على: أَن لَهَا النّصْف كَغَيْرِهَا من المطلقات قبل الدُّخُول وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد وَالْحكم وَحَمَّاد: بل لَهَا جَمِيعه، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَا شَيْء لَهَا أصلا، وَرُوِيَ عَن مَالك نَحوه. وَعَمْرو بن زُرَارَة مر عَن قريب.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللّعان عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن زِيَاد بن أَيُّوب.
قَوْله: (رجل قذف امْرَأَته) ، يَعْنِي: مَا الحكم فِيهِ. قَوْله: (بَين أخوي بني العجلان) ، حَاصِل مَعْنَاهُ: بَين الزَّوْجَيْنِ كليهمَا من قَبيلَة بني عجلَان. وَقَوله: (بَين أخوي بني العجلان) من بَاب التغليب حَيْثُ جعل الْأُخْت كالأخ، وَإِطْلَاق الإخوَّة بِالنّظرِ إِلَى أَن الْمُؤمنِينَ أخوة، وَالْعرب تطلق الْأَخ عل الْوَاحِد من قوم فَيَقُولُونَ: يَا أَخا بني تَمِيم، يُرِيدُونَ وَاحِدًا مِنْهُم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُم أخوهم نوح﴾ (الشُّعَرَاء: ٦٠١) . قيل: أخوهم لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُم. قَوْله: (وَقَالَ: الله يعلم أَن أَحَدكُمَا كَاذِب) ، يحْتَمل أَن يكون قبل اللّعان تحذيراً لَهما مِنْهُ وترغيباً فِي تَركه، وَأَن يكون بعده، وَالْمرَاد بَيَان أَنه يلْزم الْكَاذِب التَّوْبَة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: أَحَدكُمَا لَكَاذِب، بِاللَّامِ. قَوْله: (فَهَل مِنْكُمَا تائب؟) ظَاهره أَن ذَلِك كَانَ قبل صُدُور اللّعان مِنْهُمَا.
قَوْله: (قَالَ أَيُّوب) مَوْصُول بالسند الْمُتَقَدّم، وَهُوَ أَيُّوب السختاين الرَّاوِي. قَوْله: (قَالَ لي عَمْرو بن دِينَار) إِلَى آخِره، حَاصله أَن عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب سمعا الحَدِيث من سعيد بن جُبَير فحفظ عَمْرو مَا لم يحفظه أَيُّوب وَهُوَ قَوْله: (قَالَ الرجل: مَالِي) أَي: الصَدَاق الَّذِي دَفعه إِلَيْهَا، فَقيل لَهُ: لَا مَال لَك لِأَنَّك إِن كنت صَادِقا فِيمَا ادعيته عَلَيْهَا فقد دخلت بهَا واستوفيت حَقك مِنْهَا قبل ذَلِك، وَإِن كنت كَاذِبًا فِيمَا قلته فَهُوَ أبعد لَك من مطالبتها بِمَال، لِئَلَّا تجمع عَلَيْهَا الظُّلم فِي عرضهَا ومطالبتها بِمَال قَبضته مِنْك قبضا صَحِيحا تستحقه.
وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فِيهِ: دَلِيل على وجوب صَدَاقهَا، وَأَن الزَّوْج لَا يرجع عَلَيْهَا بِالْمهْرِ وَإِن أقرَّت بِالزِّنَا لقَوْله ﷺ : (إِن كنت صَادِقا. .) الخ.
٣٣ - (بابُ قَوْلِ الإمامِ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: إنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ ؟ .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الإِمَام إِلَى آخِره، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ تَغْلِيب الْمُذكر على الْمُؤَنَّث. قلت: لَا يُقَال فِي مثل هَذَا: تَغْلِيب للمذكر على الْمُؤَنَّث، لِأَن التَّثْنِيَة إِذا كَانَت للخطاب يَسْتَوْفِي فِيهَا الْمُذكر والمؤنث، وَقَالَ عِيَاض: فِي قَوْله: أَحَدكُمَا، رد على من قَالَ من النُّحَاة: إِن لفظ أحد لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي النَّفْي، وعَلى من قَالَ مِنْهُم: لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي الْوَصْف، وَأَنه لَا يوضع مَوضِع وَاحِد وَلَا يَقع موقعه، وَقد جَاءَ فِي هَذَا الحَدِيث فِي غير وصف وَلَا نفي، وَبِمَعْنى: وَاحِد، ورد عَلَيْهِ بِأَن الَّذِي قالته النُّحَاة إِنَّمَا هُوَ فِي أحد الَّذِي للْعُمُوم نَحْو: فِي الدَّار من أحد، وَمَا جَاءَنِي من أحد، وَأما أحد بِمَعْنى وَاحِد فَلَا خلاف فِي اسْتِعْمَاله فِي الْإِثْبَات. نَحْو: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) وَنَحْو: ﴿فشهادة أحدهم﴾ (النُّور: ٦) وَنَحْو: أَحَدكُمَا كَاذِب. قَوْله: (فَهَل مِنْكُمَا تائب) يحْتَمل أَن يكون إرشاداً لِأَنَّهُ لم يحصل مِنْهُمَا وَلَا من أَحدهمَا اعْتِرَاف، وَلِأَن الزَّوْج إِذا أكذب نَفسه كَانَت تَوْبَة مِنْهُ.
٢١٣٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ عَمْرٌ و: سَمِعْتُ سَعيدَ بنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: سألْتُ ابنَ عُمَرَ عَن المُتَلاعِنَيْنِ، فَقال: قَالَ النبيُّ ﷺ ، لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: حِسابُكُما علَى الله، أحَدُكُما كاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَليْها. قَالَ: مالِي؟ قَالَ: لَا مالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا استحللت فَهُوَ من فرجهَا وَإِن كنت كذبت عَلَيْها فَذَاكَ أبْعَدُ لَكَ.
قَالَ سُفيْانُ: حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍ و. وَقَالَ أيُّوبُ سَمِعْتُ سَعِيد بنَ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابنِ عُمَرَ: رجلٌ لَا عَنَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ باصْبَعَيْهِ، وفَرَّقَ سُفْيانُ بَيْنَ أصْبَعَيْهِ السَّبَّايَةِ والوُسْطَى، وفَرَّقَ النبيُّ ﷺ بَيْنَ أخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ، وَقَالَ: الله يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكما تائِبٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ سُفْيانُ: حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍ ووأيُّوبَ كَمَا أخْبَرْتُكَ.
стр. 6188
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار.
قَوْله: (عَن المتلاعنين) أَي: عَن حكمهمَا. قَوْله: (لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا) أَي: على الْمُلَاعنَة لِأَن اللّعان رفع سَبيله عَلَيْهَا. قَوْله: (فَذَاك) ويروى: فَذَلِك إِشَارَة إِلَى الطّلب، وَاللَّام فِي ذَلِك للْبَيَان نَحْو: هيت لَك.
قَوْله: (وَقَالَ أَيُّوب) مَوْصُول بالسند الْمُتَقَدّم وَلَيْسَ بتعليق. قَوْله: (فَقَالَ بإصبعيه) هُوَ من إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان: حفظته من عَمْرو وَأَيوب) ، هَذَا من كَلَام عَليّ بن عبد الله شيخ البُخَارِيّ، يُرِيد بِهِ سَماع سُفْيَان من عَمْرو وَأَيوب.
٤٣ - (بابُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَلَاعَنَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّفْرِيق بَين الزَّوْجَيْنِ المتلاعنين، وَهَذِه التَّرْجَمَة ثبتَتْ للمستملي وَثَبت لفظ: بَاب، فَقَط عِنْد النَّسَفِيّ بِلَا تَرْجَمَة وَسقط ذَلِك للباقين.
٣١٣٥ - حدّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثَنَا أنَسُ بنُ عِياضٍ عنْ عُبَيْدٍ الله عنْ نافِعٍ: أنَّ ابنَ عُمَرَ، ﵄، أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ رجُلِ وامرَأةٍ قَذَفَهَا وأحْلَفَهُما.
ابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ. قَوْله: (قَذفهَا) جملَة وَقعت حَالا أَي: حَال كَونه قذف الْمَرْأَة بِالزِّنَا. قَوْله: (واحلفهما) من الإحلاف قَوْله: (فرق) ، دَلِيل لأبي حنيفَة وصاحبيه أَن اللّعان لَا يتم إلَاّ بتفريق الْحَاكِم، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ أَيْضا وَقد مر الْكَلَام فِيهِ بسوطاً.
٤١٣٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله أَخْبرنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: لَا عَنَ النبيُّ ﷺ ، بَيْنَ رجُلٍ وامرْأة منَ الأنْصارِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
اطريق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر. أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ إِلَى آخِره.
قَوْله: (بَين رجل وَامْرَأَة) من الْأَنْصَار، فالرجل هُوَ هِلَال بن أُميَّة الْأنْصَارِيّ وَهُوَ الَّذِي قذف امْرَأَته بِشريك بن السحماء وَهُوَ شريك بن عبد بن مغيث حَلِيف للْأَنْصَار وسحماء بِالسِّين الْمُهْملَة اسْم أمه، وَقَالَ أَبُو عمر ﵀: رُوِيَ جرير بن حَازِم عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما قذف هِلَال بن أُميَّة امْرَأَته قيل لَهُ: وَالله ليجلدنك رَسُول الله ﷺ ، ثَمَانِينَ. فَقَالَ: الله أعدل، وَقد علم أَنِّي رَأَيْت، فَنزلت آيَة الْمُلَاعنَة. وَقَالَ ابْن التِّين: الْأَصَح أَن هلالاً لَاعن قبل عُوَيْمِر وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي (الْحَاوِي) : الْأَكْثَرُونَ على أَن قصَّة هِلَال أسبق من قصَّة عُوَيْمِر، وَفِي (الشَّامِل) لِابْنِ الصّباغ: قصَّة هِلَال تنبىء أَن الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت فِيهِ أَولا، وَمَا قيل لعويمر: قد أنزل فِيك وَفِي صَاحبَتك، يَعْنِي: مَا نزل فِي قصَّة هِلَال، لِأَن ذَلِك حكم عَام لجَمِيع النَّاس. قلت: هَذَا الَّذِي يَقُوله الأصوليون الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب. فَإِن قلت: قَالَ فِي الرِّوَايَة الأولى: فرق بَين رجل وَامْرَأَة قَذفهَا واحلفهما، وَفِي هَذِه الرِّوَايَة: قَالَ: (لَاعن النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَفرق بَينهمَا. قلت: لَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ لَا بُد من الْمُلَاعنَة. . والتفريق من الْحَاكِم. وَهُوَ حجَّة قَوِيَّة للحنفية أَن اللّعان لَا يتم إلَاّ بتفريق الْحَاكِم بَينهمَا، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ عَن قريب.
٥٣ - (بابٌ يُلْحَقُ الوَلدُ بالمُلَاعَنِةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْوَلَد يلْحق بِالْمَرْأَةِ الْمُلَاعنَة إِذا نَفَاهُ الزَّوْج قبل الْوَضع أَو بعده.
٥١٣٥ - حدّثنا يحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا مالِك قَالَ: حدّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ لاعَنَ بَيْنَ رجُلٍ وامْرَأتِهِ فانْتَفَى مِنْ وَلدها، فَفَرَّقَ بَيْنَهما وألْحق الوَلَدَ بالمَرْأَةِ.
ابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن يحيى بن قزعة. وَأخرجه مُسلم فِي اللّعان عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح، وَالنَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّلَاق عَن أَحْمد بن سِنَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي سبعتهم عَن مَالك بِهِ.
وَهَذَا الحَدِيث
стр. 6189
مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَحْكَام.
الأول: اللّعان، وَلَيْسَ فِيهِ خلاف وَأَجْمعُوا على صِحَّته ومشروعيته.
الثَّانِي: التَّفْرِقَة. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهَا، وَقد ذكرنَا عَن قريب عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ أَنه تقع الْفرْقَة بَينهمَا بِنَفس التلاعن، وَعَن أبي حنيفَة. لَا يحصل إلَاّ بتفريق الْحَاكِم لظَاهِر الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ حجَّة على الْمُخَالفين.
الثَّالِث: إِلْحَاق الْوَلَد بِالْأُمِّ. بِظَاهِر الحَدِيث، وَذَلِكَ أَنه إِذا لاعنها وَنفى عَنهُ نسب الْحمل انْتَفَى عَنهُ وَيثبت نسبه من الْأُم ويرثها وترث مِنْهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: ذهب قوم إِلَى أَن الرجل إِذا نفى ولد امْرَأَته لم ينتف بِهِ وَلم يُلَاعن بِهِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقوله ﷺ : الْوَلَد للْفراش وللعاهد الْحجر. قلت: أخرجه الْجَمَاعَة من حَدِيث عَائِشَة غير التِّرْمِذِيّ قَالُوا: الْفراش يُوجب حق الْوَلَد فِي إِثْبَات نسبه من الزَّوْج وَالْمَرْأَة فَلَيْسَ لَهما إِخْرَاجه بِلعان وَلَا غَيره. قلت: أَرَادَ الطَّحَاوِيّ بالقوم هَؤُلَاءِ: عَامر الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن أبي ذِئْب وَبَعض أهل الْمَدِينَة، وَخَالفهُم الْآخرُونَ وهم جُمْهُور الْفُقَهَاء من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، مِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وأصحابهم فَإِنَّهُم قَالُوا: إِذا نفى الرجل ولد امْرَأَته يُلَاعن وينتفي نسبه مِنْهُ، وَيلْزم أمه ثمَّ فِيهِ خلاف آخر من وَجه آخر، فَقَالَ أَصْحَابنَا: إِذا كَانَ الْقَذْف بِنَفْي الْوَلَد بِحَضْرَة الْولادَة أَو بعْدهَا بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ أَو نَحْو ذَلِك من مُدَّة يَأْخُذ فِيهَا التهنئة وابتياع آلَات الْولادَة عَادَة صَحَّ ذَلِك. فَإِن نَفَاهُ بعد ذَلِك لَا يَنْتَفِي، وَلم يُوَقت أَبُو حنيفَة، ﵀، وقتا، وروى عَنهُ أَنه وقَّت لذَلِك سَبْعَة أَيَّام وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وقتاه بِأَكْثَرَ النّفاس وَهُوَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَالشَّافِعِيّ، ﵀: اعْتبر الْفَوْر، فَقَالَ: إِن نَفَاهُ على الْفَوْر انْتَفَى وإلَاّ لَا. وَأَجَابُوا عَن حَدِيث أهل الْمقَالة الأولى أَنه: لَا يَنْفِي وجوب اللّعان بِنَفْي الْوَلَد، وَلَا يُعَارض الْأَحَادِيث الَّتِي تدل على ذَلِك.
٦٣ - (بابُ قوْلِ الإمامِ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قون الإِمَام فِي اللّعان: اللَّهُمَّ بيّن، أَي: أظهر حكم هَذِه الْمَسْأَلَة الْوَاقِعَة. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ، ﵀: لَيْسَ معنى هَذَا الدُّعَاء طلب ثُبُوت صدق قَول الإِمَام فَقَط، بل مَعْنَاهُ أَن تَلد ليظْهر الشّبَه.
٦١٣٥ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني سُليْمانُ بنُ بلَالٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قَالَ: أخبرَني عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ القاسِمِ عَن القاسِمِ بن مُحَمَّدٍ عَن ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قَالَ: ذُكرِ المُتَلَاعِنانِ عِنْدَ رسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلاً ثمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَذَكَرَ لهُ أنَّهُ وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رجُلاً، فَقَالَ عاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بهاذَا الأمْرِ إلَاّ لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رسُولِ الله ﷺ ، فأخْبَرَهُ بالَّذِي وجَد عَليْهِ امْرَأتَهُ، وكانَ ذلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعَرِ، وكانَ الذِي وجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ آدَمَ خَدْلا كَثِيرَ اللَّحْمِ جَعْداً قَطَطاً، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فَوَضَعَتْ شَبِيهاً بالرَّجُلِ الّذِي ذَكَرَ زَوْجُها أنّهُ وجَدَ عِنْدَها، فَلَاعَنَ رسولُ الله ﷺ ، بَيْنَهُما فَقَالَ رجُلٌ لابْنِ عبَّاسٍ فِي المَجْلِسِ: هِيَ الّتِي قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَوْ رَجَمْتُ أحَداً بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لرَجَمتُ هاذِهِ؟ فَقَالَ ابنُ عبَّاس: لَا، تِلْكَ امْرَأةٌ كانَتْ تُظْهر السُّوءَ فِي الإسْلَامِ.
ابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اللَّهُمَّ بَين فَوضعت. .) إِلَى آخِره. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث قد مر قبله بأَرْبعَة أَبْوَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا.
قَوْله: (قططاً) بالفتحات مَعْنَاهُ: الشَّديد الجعودة، وَقيل: الْحسن الجعودة، الأول أَكثر. قَوْله: (فَوضعت) أَي: ولدا، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: فَجَاءَت شَبِيها بِالرجلِ الَّذِي ذكره.
٧٣ - (بابٌ إذَا طَلّقها ثَلاثاً ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ العِدَّةِ زَوْجاً غَيْرَهُ فَلَمْ يَمَسَّها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا طَلقهَا الْملَاعن ثَلَاث طلقات ثمَّ تزوجت الْمُلَاعنَة بعد انْقِضَاء عدتهَا زوجا غَيره فَلم يَمَسهَا. أَي: فَلم
стр. 6190
يُجَامِعهَا، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل تحل للْأولِ إِن طَلقهَا الثَّانِي، قبل الْمَسِيس أم لَا؟ وَتَمام الْجَواب: لَا تحل للْأولِ إلَاّ بِطَلَاق الزَّوْج الثَّانِي، وَكَانَ قد وَطئهَا.
٧١٣٥ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ حَدثنَا يَحْيَى حَدثنَا هِشامٌ قَالَ: حدّثني أبي عنْ عائِشَةَ عنِ النبيِّ ﷺ .
حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂: أنَّ رِفاعَةَ القُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فأتَتِ النبيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لهُ أنَّهُ لَا يأتِيها وأنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَاّ مِثْلُ هُدْبَةٍ، فَقَالَ: لَا حتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ.
ابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ويوضح الحَدِيث معنى التَّرْجَمَة.
وَأخرجه من طَرِيقين. الأول: عَن عَمْرو بن عَليّ الفلاس بِالْفَاءِ وَتَشْديد اللَّام عَن يحيى الْقطَّان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. الثانيعن عُثْمَان بن أبي شيبَة أخي أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان الْكُوفِي، واسْمه عبد الرَّحْمَن وَعَبدَة لقبه عَن هِشَام إِلَى آخِره.
والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب من أجَاز الطَّلَاق الثَّلَاث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾
٧١٣٥ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ حَدثنَا يَحْيَى حَدثنَا هِشامٌ قَالَ: حدّثني أبي عنْ عائِشَةَ عنِ النبيِّ ﷺ .
حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂: أنَّ رِفاعَةَ القُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فأتَتِ النبيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لهُ أنَّهُ لَا يأتِيها وأنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَاّ مِثْلُ هُدْبَةٍ، فَقَالَ: لَا حتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ.
ابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ويوضح الحَدِيث معنى التَّرْجَمَة.
وَأخرجه من طَرِيقين. الأول: عَن عَمْرو بن عَليّ الفلاس بِالْفَاءِ وَتَشْديد اللَّام عَن يحيى الْقطَّان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. الثانيعن عُثْمَان بن أبي شيبَة أخي أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان الْكُوفِي، واسْمه عبد الرَّحْمَن وَعَبدَة لقبه عَن هِشَام إِلَى آخِره.
والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب من أجَاز الطَّلَاق الثَّلَاث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾
(كتابُ العِدَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْعدة، وَلَفظ: كتاب، وَقع فِي كتاب ابْن بطال وَهُوَ الصَّوَاب، وَالْعدة اسْم لمُدَّة تَتَرَبَّص بهَا الْمَرْأَة عَن الزَّوْج بعد وَفَاة زَوجهَا أَو فِرَاقه لَهَا إِمَّا بِالْولادَةِ أَو بالإقراء أَو بِالْأَشْهرِ. قلت: الْعدة مصدر من عد يعد، يُقَال: عددت الشَّيْء إِذا أحصيته، وَفِي الشَّرْع: هِيَ ترُّبص أَي انْتِظَار مُدَّة تلْزم الْمَرْأَة عِنْد زَوَال النِّكَاح أَو شبهه، وعدة الْمَرْأَة الْحرَّة للطَّلَاق أَو الْفَسْخ بِغَيْر طَلَاق مثل خِيَار الْعتْق وَالْبُلُوغ، وَملك أحد الزَّوْجَيْنِ صَاحبه، وَالرِّدَّة، وَعدم الْكَفَاءَة: ثَلَاثَة أَقراء إِن كَانَت من ذَوَات الْحيض وَكَانَ بعد الدُّخُول بهَا، وَثَلَاثَة أشهر لصِغَر أَو كبر، وللموت أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام سَوَاء كَانَت الْمَرْأَة مسلمة أَو كِتَابِيَّة تَحت مُسلم، صَغِيرَة أَو كَبِيرَة قبل الدُّخُول أَو بعده، وللأمة قُرْآن فِي الطَّلَاق إِن كَانَت مِمَّن تحيض، وَإِن كَانَت مِمَّن لَا تحيض لصغرٍ أَو كبرٍ أَو كَانَت توفّي عَنْهَا زَوجهَا شهر وَنصف فِي الطَّلَاق بعد الدُّخُول، وشهران وَخَمْسَة أَيَّام فِي الْوَفَاة، وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين القنة وَأم الْوَلَد والمدبرة وَالْمُكَاتبَة ومعتقة الْبَعْض عِنْد أبي حنيفَة، وعدة الْحَامِل وَضعه أَي: وضع الْحمل سَوَاء كَانَت حرَّة أَو أمة، وَسَوَاء كَانَت الْعدة عَن طَلَاق أَو وَفَاة أَو غير ذَلِك، وعدة الفار أبعد الْأَجَليْنِ من عدَّة الْوَفَاة من عدَّة الطَّلَاق عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَعند أبي يُوسُف: تَعْتَد عدَّة الْوَفَاة.
٨٣
- (بابُ قَوْلِ الله ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم﴾ ) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واللائي﴾ . إِلَى آخِره، وَسقط لفظ: بَاب، لأبي ذَر ولكريمة، وَثَبت للباقين، وَقَالَ الْفراء فِي (كتاب مَعَاني الْقُرْآن) : ذكرُوا أَن معَاذ بن جبل، ﵁، سَأَلَ سيدنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿قد عرفنَا عدَّة الَّتِي تحيض، فَمَا عدَّة الْكَبِيرَة الَّتِي يئست؟ فَنزلت؟ ﴿فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ (الطَّلَاق: ٤) ، فَقَامَ رجل فَقَالَ: فَمَا عدَّة الصَّغِيرَة الَّتِي لم تَحض؟ فَقَالَ ﴿واللائي لم يحضن﴾ بِمَنْزِلَة الْكَبِيرَة الَّتِي قد يئست عدتهَا ثَلَاثَة أشهر، فَقَامَ آخر فَقَالَ: فالحوامل يَا رَسُول الله مَا عدتهن؟ فَقَالَ: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) فَإِذا وضعت الْحَامِل ذَا بَطنهَا حلت للزَّوْج وَإِن كَانَ الْمَيِّت على السرير لم يدْفن، وَذكره عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن عمر بن الْخطاب نَحوه، وَعند الواحدي من حَدِيث أبي عُثْمَان عَمْرو بن سَالم قَالَ: لما نزلت عدَّة النِّسَاء فِي سُورَة الْبَقَرَة قَالَ أبي بن كَعْب: يَا رَسُول الله﴾ إِن أُنَاسًا من أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ: قد بَقِي من النِّسَاء مَا لم يذكر فِيهِنَّ شَيْء ... قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الصغار والكبار وَذَوَات الْحمل؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة. وَفِي (تَفْسِير مقَاتل) قَالَ خَلاد الْأنْصَارِيّ:
стр. 6191
يَا رَسُول الله! مَا عدَّة من لم تَحض؟ فَنزلت.
قَالَ مُجاهدٌ: إنْ لَمْ تَعْلَمُوا يَحِضْنَ أوْ لَا يَحِضْنَ والّلائِي قَعَدْنَ عَن الحَيْضِ والّلائِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أشْهُرٍ.
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله: ﴿إِن أرتبتم﴾ (الطَّلَاق: ٤) بقوله: (إِن لم تعلمُوا) . . الخ وَوصل هَذَا التَّعْلِيق عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن عدَّة الآيسة من الْمَحِيض ثَلَاثَة أشهر، وَأما أولات الْأَحْمَال. . فَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: أَكثر الْعلمَاء، وَالَّذِي، مضى عَلَيْهِ الْعَمَل أَنَّهَا إِذا وضعت حملهَا فقد انْقَضتْ عدتهَا، وَخَالف فِي ذَلِك عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَإِنَّهُمَا قَالَا: عدتهَا آخر الْأَجَليْنِ، وَرُوِيَ أَيْضا عَن سَحْنُون، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: الرُّجُوع عَن ذَلِك، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن أَصْحَابه عَطاء وَعِكْرِمَة وَجَابِر بن زيد قَالُوا كَقَوْل الْجَمَاعَة، وَقَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان: لَا تخرج عَن الْعدة حَتَّى يَنْقَضِي نفَاسهَا وتغتسل مِنْهُ.
٩٣ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٦٥) وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال﴾ (الطَّلَاق: ٤) وَقد مر بَيَانه عَن قريب، وَأولَات الْأَحْمَال الحبالى.
٨١٣٥ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللّيْثُ عنْ جَعْفَرِ بنِ ربِيعَةَ عنْ عبْد الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ الأعْرَجِ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو سَلَمَة بنُ عبدِ الرَّحمْنِ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أبي سَلَمَة أخْبَرَتْهُ عنْ أُمِّها أُمِّ سَلَمَة زَوْجِ النبيِّ ﷺ : أنَّ امْرَأةً مِنْ أسْلَمَ يُقالُ لَهَا: سُبَيْعَةُ، كانَتْ تَحْتَ زَوْجِها تُوُفِّيَ عنْها وهْي حُبْلَى، فَخَطَبَها أبُو السَّنابِلِ بنُ بَعْكَكٍ، فأبَتْ أنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: وَالله مَا يَصْلُحُ أنْ تَنْكحِيهِ حتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأجَلْيْنِ، فَمَكَثَتْ قَرِيباً مِنْ عَشْرِ لَيالٍ ثُمَّ جاءَتِ النبيَّ ﷺ فَقَالَ: أنْكِحِي.
(انْظُر الحَدِيث: ٩٠٩٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق أَيْضا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ.
قَوْله: (من أسلم) بِلَفْظ أفعل التَّفْضِيل نِسْبَة إِلَى أسلم بن أفصى بن حَارِثَة بن عَمْرو. قَوْله: (سبيعة) مصغر السَّبْعَة الَّتِي بعد السِّتَّة بنت الْحَارِث، وَزوجهَا سعد بن خَوْلَة من بني عَامر بن لؤَي من أنفسهم، وَقيل: هُوَ حَلِيف لَهُم، مَاتَ بِمَكَّة فِي حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ الصَّحِيح. قَوْله: (وَهِي حُبْلَى) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (أَبُو السنابل) جمع سنبلة، واسْمه عَمْرو، وَقيل: حَبَّة بن بعكك بن الْحجَّاج بن الْحَارِث ابْن السباق بن عبد الدَّار بن قصي الْقرشِي الْعَبدَرِي، كَانَ من مسلمة الْفَتْح، وَكَانَ شَاعِرًا وَمَات بِمَكَّة. قَوْله: (فَأَبت أَن تنكحه) أَي: فامتنعت من أَن تنكحه، وَأَن مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (فَقَالَ) الْقَائِل هُوَ أَبُو السنابل، وَوَقع عِنْد الشَّيْخ أبي الْحسن: فَقَالَت، وَهُوَ تَحْرِيف لِأَن أَبَا السنابل خاطبها بذلك. قَوْله: (آخر الْأَجَليْنِ) يَعْنِي: وضع الْحمل وتربص أَرْبَعَة أشهر وَعشر، يَعْنِي: تعتدي بأطولها. قَوْله: (أنكحي) أمرهَا النَّبِي ﷺ بِالنِّكَاحِ لِأَن مدَّتهَا انْقَضتْ بِوَضْع الْحمل لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال﴾ (الطَّلَاق: ٤)
الْآيَة وَقَوله ﷺ : هَذَا أَيْضا خصص عُمُوم الْآيَة لِأَن الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا﴾ (الطَّلَاق: ٤) عَامَّة فِي كل مُعْتَدَّة من طَلَاق أَو وَفَاة إِذْ جَاءَت مجملة لم يذكر فِيهَا أَنَّهَا للمطلقة خَاصَّة، وَلَا للمتوفى عَنْهَا زَوجهَا، خَاصَّة. وَالْعَمَل على حَدِيث الْبَاب بالحجاز وَالْعراق وَالشَّام، وَلَا يعلم فِيهِ مُخَالف إلَاّ مَا رُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي آخر الْبَاب الَّذِي قبل.
٩١٣٥ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ عنِ اللَّيْثِ عنْ يَزيدَ أنَّ ابنَ شِهابٍ كَتَبَ إلَيْهِ أنَّ عُبَيْدَ الله ابنَ عبْدِ الله أخْبَرَهُ عنْ أبِيهِ أنّهُ كَتَبَ إِلَى ابنِ الأرْقَمِ أَن يَسْألَ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةَ: كَيْفَ أفْتاها النبيُّ ﷺ ؟ فقالَتْ: أفْتانِي إذَا وضَعْتُ أنْ أنْكَحَ.
(انْظُر الحَدِيث: ١٩٩٣) .
стр. 6192
هَذَا طَرِيق آخر عَن يحيى بن بكير عَن يزِيد، وَيزِيد هَذَا من الزِّيَادَة هُوَ ابْن أبي حبيب أَبُو رَجَاء الْمصْرِيّ وَاسم أبي حبيب سُوَيْد، أَعتَقته امْرَأَة مولاة لبني حسان بن عَامر بن لؤَي الْقرشِي، وَأم يزِيد مولاة نجيب، كَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُود فِي (أَطْرَافه) إِنَّه يزِيد بن أبي حبيب، وَصرح بِهِ أَبُو نعيم وَالطَّبَرَانِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي رواياتهم. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَأبي ذَلِك شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد الدمياطي، فَقَالَ: يزِيد هَذَا هُوَ ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد، وَخَالفهُم وَخَالف الشُّرَّاح أَيْضا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَصَاحب (التَّوْضِيح) : فَينْظر، وَقيل: هَذَا وهم مِنْهُ. قلت: الظَّاهِر أَنه وهم.
قَوْله: (كتب إِلَيْهِ) فِيهِ حجَّة فِي جَوَاز الرِّوَايَة بالمكاتبة. قَوْله: (أَن عبيد الله بن عبد الله أخبرهُ عَن أَبِيه) ، هُوَ عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود. قَوْله: (إِلَى ابْن الأرقم) هُوَ عمر بن عبد الله بن الأرقم، كَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) مُصَرحًا بِهِ، وَلَفظه: عَن ابْن شهَاب قَالَ: حَدثنِي عبيد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أَن أَبَاهُ كتب إِلَى عمر بن عبد الله ابْن الأرقم، وَجَمِيع الشُّرَّاح جزموا أَنه عبد الله بن الأرقم، وَالظَّاهِر أَن أول شَارِح للْبُخَارِيّ وهم فِيهِ ثمَّ تبعه كل من أَتَى بعده من الشُّرَّاح، وَأما تَرْجَمَة عبد الله فَهُوَ: عبد الله بن الأرقم بن عبد يَغُوث بن وهب بن عبد منَاف بن زهرَة، أسلم يَوْم الْفَتْح وَكتب لرَسُول الله ﷺ ثمَّ لأبي بكر ثمَّ لعمر، وَاسْتَعْملهُ عُثْمَان على بَيت المَال سِنِين، ثمَّ استعفاه فأعفاه. وَقَالَ خَليفَة بن خياط: لم يزل عبد الله بن الأرقم على بَيت المَال خلَافَة عمر كلهَا وسنتين من خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: مَا رَأَيْت أحدا أخْشَى لله مِنْهُ.
٠٢٣٥ - حَدثنَا يَحْيَى بن قَزَعَةَ حَدثنَا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ أنَّ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وفاةِ زوْجِها بِلَيالٍ، فَجَاءَتِ النبيَّ ﷺ ، فاستَأْذَنَتْهُ أنْ تَنْكِحَ، فأذِنَ لَهَا فَنَكَحَتْ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن يحيى بن قزعة إِلَى آخِره.
قَوْله: (نفست) ، بِضَم النُّون وَفتحهَا وَكسر الْفَاء من النّفاس بِمَعْنى الْولادَة، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: إِذا حَاضَت فالفتح لَا غَيره. قَوْله: (بِليَال) ، قيل: خمس وَعِشْرُونَ لَيْلَة، وَقيل: أقل من ذَلِك، وَوَقع فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: (فَلم تلبث أَن وضعت) ، وَعند أَحْمد: (فَلم أمكث إلَاّ شَهْرَيْن حَتَّى وضعت) ، وَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي تَفْسِير الطَّلَاق: فَوضعت بعد مَوته بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة، وَعند النَّسَائِيّ: بِعشْرين لَيْلَة، وَعند أبي حَاتِم: بِعشْرين أَو خمس عشرَة، وَعند التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: بِثَلَاثَة وَعشْرين يَوْمًا أَو خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا، وَعند ابْن مَاجَه ببضع وَعشْرين، وَالْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات مُتَعَذر لِاتِّحَاد الْقِصَّة، فَلَعَلَّ ذَلِك هُوَ السِّرّ فِي إِبْهَام من أبهم الْمدَّة.
٠٤
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٢) والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ (الْبَقَرَة: ٨٢٢) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿والمطلقات﴾ . . إِلَى آخِره، وَسقط لفظ: بَاب، لأبي ذَر، وَثَبت لغيره، وَالْمرَاد بالمطلقات الْمَدْخُول بِهن من ذَوَات الإقراء. قَوْله: (يَتَرَبَّصْنَ) أَي: ينتظرن، وَهَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر ﴿ثَلَاثَة قُرُوء بعد طَلَاق زَوجهَا ثمَّ تتَزَوَّج إِن شَاءَت، وَقد أخرج الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة من هَذَا الْعُمُوم الْأمة إِذا طلقت فَإِنَّهَا تَعْتَد عِنْدهم بقرأين لِأَنَّهَا على النّصْف من الْحرَّة، والقرء لَا يَتَبَعَّض فكمل لَهَا قُرْآن، وَلما رَوَاهُ ابْن جريج عَن مظَاهر بن أسلم المَخْزُومِي الْمدنِي عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (طَلَاق الْأمة تَطْلِيقَتَانِ وعدتها حيضتان) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، قَالَ ابْن كثير: وَلَكِن ظَاهر هَذَا ضَعِيف بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره: الصَّحِيح أَنه من قَول الْقَاسِم بن مُحَمَّد نَفسه، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ سَالم وَنَافِع عَن ابْن عمر. قَوْله: وَهَكَذَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، قَالُوا: وَلم يعرف بَين الصَّحَابَة خلاف، وَقَالَ بعض السّلف: بل عدتهَا عدَّة الْحرَّة لعُمُوم الْآيَة، وَلِأَن هَذَا أَمر جبلي فالحرائر وَالْإِمَاء فِي ذَلِك سَوَاء، وَحكى هَذَا القَوْل أَبُو عمر عَن ابْن سِيرِين وَبَعض أهل الظَّاهِر وَضَعفه.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ، فِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي العِدَّةِ فَحاضَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَ حِيَضٍ: بانَتْ مِنَ الأَوَّلِ
стр. 6193
وَلَا تَحْتَسِبُ بِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ.
إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَهَذِه مَسْأَلَة اجْتِمَاع العدتين، فَنَقُول أَولا: إِن الْعلمَاء مجمعون على أَن الناكح فِي الْعدة يفْسخ نِكَاحه وَيفرق بَينهمَا، فَإِذا تزوج فِي الْعدة فَحَاضَت عِنْده ثَلَاث حيض بَانَتْ من الأول لِأَنَّهَا عدتهَا مِنْهُ. قَوْله: (وَلَا تحتسب بِهِ) أَي لَا تحتسب هَذِه الْمَرْأَة بِهَذَا الْحيض لمن بعده أَي: بعد الزَّوْج الأول، بل تَعْتَد عدَّة أُخْرَى للزَّوْج الثَّانِي، هَذَا قَول إِبْرَاهِيم رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عَبدة بن أبي سُلَيْمَان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَنهُ، وروى المدنيون عَن مَالك: إِن كَانَت حَاضَت حَيْضَة أَو حيضتين من الأول أَنَّهَا تتمّ بَقِيَّة عدتهَا مِنْهُ ثمَّ تسْتَأْنف عدَّة أُخْرَى من الآخر، على مَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: أَن عدَّة وَاحِدَة تكون لَهما جَمِيعًا، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَحْتَسِبُ، وَهَذَا أحَبُّ إِلَى سُفْيانَ، يَعْنِي: قَوْلَ الزُّهِرِيِّ.
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ: تحتسب هَذَا الْحيض فَيكون عدَّة لَهما، كَمَا ذكرنَا الْآن، وَهَذَا أَي قَول الزُّهْرِيّ أحب إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ وَحجَّة الزُّهْرِيّ وَمن تبعه فِي هَذَا إِجْمَاعهم أَن الأول لَا ينْكِحهَا فِي بَقِيَّة الْعدة من الثَّانِي، فَدلَّ على أَنَّهَا فِي عدَّة من الثَّانِي، وَلَوْلَا ذَلِك لنكحها فِي عدتهَا مِنْهُ، وَحجَّة الْأَوَّلين أَنَّهُمَا حقان قد وجبا عَلَيْهَا لزوجين كَسَائِر الْحُقُوق لَا يدْخل أَحدهمَا فِي صَاحبه.
وَقَالَ مَعْمَرٌ: يُقالُ: أقْرَأَتِ المَرْأةُ إذَا دَنا حَيْضُها، وأقْرَأتْ إذَا دَنا طُهْرُها، ويُقالُ: مَا قَرَأَتْ بسِلًى قَطُّ: إذَا لَمْ تَجْمَعْ ولَداً فِي بَطْنِها.
معمر بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْعين هُوَ أَبُو عُبَيْدَة بن الْمثنى مَاتَ سنة عشر وَمِائَتَيْنِ. قَوْله: (يُقَال: أَقرَأت الْمَرْأَة) غَرَضه أَن الْقُرْء يسْتَعْمل بِمَعْنى الْحيض وَالطُّهْر، يَعْنِي: هُوَ من الأضداد، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْأَقْرَاء الَّتِي تجب على الْمَرْأَة إِذا طلقت، فَقَالَ الضَّحَّاك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة وَالْأسود وَمُجاهد وَعَطَاء وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالْحسن وَقَتَادَة وَالشعْبِيّ وَالربيع، وَمُقَاتِل بن حبَان وَالسُّديّ وَمَكْحُول وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي: الإقراء الْحيض، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأحمد فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَإِسْحَق، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَأبي الدَّرْدَاء وَعبادَة بن الصَّامِت وَأنس بن مَالك وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس ومعاذ وَأبي بن كَعْب وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ سَالم وَالقَاسِم وَعُرْوَة وَسليمَان بن يسَار وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن وَأَبَان ابْن عُثْمَان وَالزهْرِيّ وَبَقِيَّة الْفُقَهَاء السَّبْعَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَأحمد فِي رِوَايَة: الْأَقْرَاء هِيَ الْأَطْهَار، وَرُوِيَ عَن ان عَبَّاس وَزيد بن ثَابت، وَقَالَ أَبُو عمر، وَهُوَ قَول عَائِشَة وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن عمر: فالمطلقة عِنْدهم تحل للأزواج بِدُخُولِهَا فِي الدَّم من الْحَيْضَة الثَّالِثَة، وَسَوَاء بَقِي من الطُّهْر الَّذِي طلقت فِيهِ الْمَرْأَة يَوْم وَاحِد أَو أَكثر أَو سَاعَة وَاحِدَة فَإِنَّهَا تحتسب بِهِ الْمَرْأَة قرءاً. وَقَالَت الطَّائِفَة الأولى: الْمُطلقَة لَا تحل للأزواج حَتَّى تَغْتَسِل من الْحَيْضَة الثَّالِثَة، وَطَائِفَة أُخْرَى توقفوا فِي الْأَقْرَاء هَل هِيَ حيض أم أطهار؟ وهم: سُلَيْمَان بن يسَار وفضالة بن عبيد وَأحمد فِي رِوَايَة. قَوْله: (وَيُقَال: مَا قَرَأت بِسلًى) بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالقصر، وَهِي الْجلْدَة الرقيقة الَّتِي يكون فِيهَا الْوَلَد من الْمَوَاشِي، مَعْنَاهُ: لم تضم رَحمهَا على ولد. وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْقُرْء جَاءَ بِمَعْنى الْجمع وَالضَّم أَيْضا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْقُرْء بِضَم الْقَاف، وَقَالَ أَبُو زيد بِفَتْح الْقَاف، وأقرأت الْمَرْأَة إِذا اسْتَقر المَاء فِي رَحمهَا، وَقَعَدت الْمَرْأَة أَيَّام إقرائها أَي: أَيَّام حَيْضهَا. وَقَالَ أَبُو عمر: أصل الْقُرْء فِي اللُّغَة الْوَقْت وَالطُّهْر وَالْحمل وَالْجمع، وَقَالَ ثَعْلَب: القروء الْأَوْقَات والواحدة قرء، وَهُوَ الْوَقْت وَقد يكون حيضا وَيكون طهرا، وَقَالَ قطرب: تَقول الْعَرَب: مَا أَقرَأت النَّاقة سلاً قطّ، أَي: لم ترم بِهِ، وأقرأت النَّاقة قرءاً، وَذَلِكَ معاودة الْفَحْل إِيَّاهَا، وَأَن كل ضراب، وَقَالُوا أَيْضا: قَرَأت الْمَرْأَة قرءاً إِذا حَاضَت وطهرت، وقرأت أَيْضا إِذا حملت، وَقيل: هُوَ من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة، وَقيل: حَقِيقَة فِي الْحيض، مجَاز فِي الطُّهْر.
стр. 6194
١٤ - (بابُ قِصَّةِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قصَّة فَاطِمَة بنت قيس، لم يذكر لفظ: بَاب، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، ولبعضهم ذكر لفظ: بَاب، وَعَلِيهِ مَشى ابْن بطال. وَفَاطِمَة بنت قيس بن خَالِد الْأَكْبَر بن وهب بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن شَيبَان بن محَارب بن فهر القرشية الفهرية أُخْت الضَّحَّاك بن قيس، يُقَال: إِنَّهَا كَانَت أكبر مِنْهُ بِعشر سِنِين، وَكَانَت من الْمُهَاجِرَات الأول، وَكَانَت ذَات جمال وعقل وَكَمَال، وَفِي بَيتهَا اجْتمعت أَصْحَاب الشورى عِنْد قتل عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وخطبوا خطبتهم المأثورة، وَقَالَ الزبير: وَكَانَت امْرَأَة بخوداً، والبخود: النبيلة، قَالَ أَبُو عمر: روى عَنْهَا الشّعبِيّ وَأَبُو سَلمَة، وَأما الضَّحَّاك بن قيس فَإِنَّهُ كَانَ من صغَار الصَّحَابَة. وَقَالَ أَبُو عمر: يُقَال: إِنَّه ولد قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ بِسبع سِنِين أَو نَحْوهَا، وينقون سَمَاعه من النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ على شرطة مُعَاوِيَة ثمَّ صَار عَاملا لَهُ على الْكُوفَة بعد زِيَاد، وولاه عَلَيْهَا مُعَاوِيَة سنة ثَلَاث وَخمسين وعزله سنة سبع وَخمسين وَولى مَكَانَهُ عبد الرَّحْمَن بن أم الحكم وضمه إِلَى الشَّام، فَكَانَ مَعَه إِلَى أَن مَاتَ مُعَاوِيَة، فصلى عَلَيْهِ، وَقَامَ بخلافته حَتَّى قدم يزِيد ابْن مُعَاوِيَة، فَكَانَ مَعَه إِلَى أَن مَاتَ يزِيد، وَمَات بعده ابْنه مُعَاوِيَة بن يزِيد، ووثب مَرْوَان على بعض أهل الشَّام وبويع لَهُ فَبَايع الضَّحَّاك بن قيس أَكثر أهل الشَّام لِابْنِ الزبير وَعَاد إِلَيْهِ فَاقْتَتلُوا فَقتل الضَّحَّاك بن قيس بمرج راهط لِلنِّصْفِ من ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَسِتِّينَ، روى عَنهُ الْحسن الْبَصْرِيّ وَتَمِيم بن طرفَة وَمُحَمّد بن سُوَيْد الفِهري وَمَيْمُون بن مهْرَان وَسماك بن حَرْب.
وَأما قصَّة فَاطِمَة بنت قيس فقد رويت من وُجُوه صِحَاح متواترة، وَقَالَ مُسلم فِي (صَحِيحه) : بَاب الْمُطلقَة ثَلَاثًا لَا نَفَقَة لَهَا، ثمَّ روى قصَّتهَا من طرق مُتعَدِّدَة فَأول مَا رُوِيَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن عبد الله بن يزِيد مولى الْأسود ابْن سُفْيَان عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن فَاطِمَة بنت قيس أَن أَبَا عمر بن حَفْص طَلقهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِب، فَأرْسل إِلَيْهَا وَكيله بشعير فسخطته، فَقَالَ: وَالله مَالك علينا من شَيْء، فَجَاءَت رَسُول الله ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَة، فَأمرهَا أَن تَعْتَد فِي بَيت أم شريك، ثمَّ قَالَ: تِلْكَ امْرَأَة يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتدى عِنْد ابْن أم مَكْتُوم فَإِنَّهُ رجل أعمى تَضَعِينَ ثِيَابك فَإِذا حللت فاذنيني. قَالَت: فَلَمَّا حللت ذكرت لَهُ أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَأَبا جهم خطباني، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أما أَبُو جهم فَلَا يضع عَصَاهُ عَن عَاتِقه، وَأما مُعَاوِيَة فصعلوك لَا مَال لَهُ، أنكحي أُسَامَة بن زيد فَكَرِهته ثمَّ قَالَ: أنكحي أُسَامَة فنكحته فَجعل الله فِيهِ خيرا واغتبطت. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَا نَفَقَة لَك وَلَا سُكْنى، وَفِي رِوَايَة: لَا نَفَقَة لَك فانتقلي فاذهبي إِلَى ابْن أم مَكْتُوم فكوني عِنْده، وَفِي رِوَايَة أبي بكر بن أبي الجهم. قَالَ: سَمِعت فَاطِمَة بنت قيس تَقول: أرسل إِلَيّ زَوجي أَبُو عمر بن حَفْص بن الْمُغيرَة عَيَّاش بن أبي ربيعَة بطلاقي، وَأرْسل مَعَه بِخَمْسَة آصَع تمر وَخَمْسَة آصَع شعير، فَقلت: أمالي نَفَقَة إلَاّ هَذَا وَألا اعْتد فِي منزلكم؟ قَالَ: لَا. قَالَت: فشددت عَليّ ثِيَابِي وأتيت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: كم طَلَّقَك؟ قلت: ثَلَاثًا. قَالَ: صدق، لَيْسَ لَك نَفَقَة اعْتدى فِي بَيت ابْن عمك ابْن أم مَكْتُوم. . الحَدِيث.
وَأخرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس هَذِه من سِتَّة عشر طَرِيقا كلهَا صِحَاح. مِنْهَا: مَا قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مَيْمُون، قَالَ: حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى قَالَ: حَدثنَا أَبُو سَلمَة قَالَ: حَدثنِي فَاطِمَة بنت قيس أَن أَبَا عَمْرو بن حَفْص المَخْزُومِي طَلقهَا ثَلَاثًا. فَأمر لَهَا بِنَفَقَة فاستقلتها. وَكَانَ النَّبِي ﷺ بَعثه نَحْو الْيمن، فَانْطَلق خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي نفر من بني مَخْزُوم إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي بَيت مَيْمُونَة فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن أَبَا عَمْرو بن حَفْص طلق فَاطِمَة ثَلَاثًا فَهَل لَهَا من نَفَقَة؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَيْسَ لَهَا نَفَقَة وَلَا سُكْنى وَأرْسل إِلَيْهَا أَن تنْتَقل إِلَى أم شريك، ثمَّ أرسل إِلَيْهَا أَن أم شريك يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ فانتقلى إِلَى ابْن أم مَكْتُوم فَإنَّك إِذا وضعت خِمَارك لم يَرك.
ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب فِي فصلين. الأول: أَن الْمُطلقَة ثَلَاثًا لَا تجب لَهَا النَّفَقَة وَلَا السُّكْنَى عِنْد قوم إِذا لم تكن حَامِلا، وَاحْتَجُّوا بالأحاديث الْمَذْكُورَة، وهم: الْحسن الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بن دِينَار وطاووس وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَالشعْبِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَإِبْرَاهِيم فِي رِوَايَة وَأهل الظَّاهِر، وَقَالَ قوم: لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى حَامِلا أَو غير حَامِل، وهم حَمَّاد وَشُرَيْح وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَابْن أبي ليلى وَابْن شبْرمَة وَالْحسن بن صَالح وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وَهُوَ مَذْهَب عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا
стр. 6195
وَقَالَ قوم: لَهَا السُّكْنَى بِكُل حَال وَالنَّفقَة إِذا كَانَت حَامِلا، وهم: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة وَاحْتج أَصْحَابنَا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَن عمر وَعَائِشَة وَأُسَامَة بن زيد ردوا حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس وأنكروه عَلَيْهَا وَأخذُوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة وهمت أَو نسيت، وَكَانَ عمر يَجْعَل لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى، وروى مُسلم: حَدثنَا أَبُو أَحْمد حَدثنَا عمار بن زُرَيْق عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: كنت مَعَ الْأسود بن يزِيد جَالِسا فِي الْمَسْجِد الْأَعْظَم ومعنا الشّعبِيّ، فَحدث الشّعبِيّ حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس أَن رَسُول الله ﷺ لم يَجْعَل لَهَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة، ثمَّ أَخذ الْأسود كفا من حصا فَحَصَبه بِهِ، فَقَالَ: وَيلك تحدث بِمثل هَذَا؟ قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا نَتْرُك كتاب الله وَسنة نَبينَا بقول امْرَأَة لَا نَدْرِي حفظت أَو نسيت لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفقَة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ وَلَا يخْرجن إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ (الطَّلَاق: ١) وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَلَفظه: لَا نَدْرِي أحفظت أَو لَا، وَأخرجه النَّسَائِيّ وَلَفظه: قَالَ عمر لَهَا إِن جِئْت بِشَاهِدين يَشْهَدَانِ أَنَّهُمَا سمعاه من رَسُول الله ﷺ وإلَاّ لم نَتْرُك كتاب الله لقَوْل امْرَأَة.
الْفَصْل الثَّانِي: فِي حكم خُرُوج المبتوتة بِالطَّلَاق من بَيتهَا فِي عدتهَا، فمنعت من ذَلِك طَائِفَة، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَعَائِشَة، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَالقَاسِم وَسَالم وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن وخارجة بن زيد وَسليمَان بن يسَار، وَقَالُوا: تَعْتَد فِي بَيت زَوجهَا حَيْثُ طَلقهَا، وَحكى أَبُو عبيد هَذَا القَوْل عَن مَالك وَالثَّوْري والكوفيين، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يرَوْنَ أَن لَا تبيت المبتوتة والمتوفى عَنْهَا زَوجهَا إلَاّ فِي بَيتهَا، وَفِيه قَول آخر: أَن المبتوتة تَعْتَد حَيْثُ شَاءَت، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَعَطَاء وطاووس وَالْحسن وَعِكْرِمَة، وَكَانَ مَالك يَقُول: الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا تزور وتقيم إِلَى قدر مَا يهدأ النَّاس بعد الْعشَاء ثمَّ تنْقَلب إِلَى بَيتهَا، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تخرج الْمُتَوفَّى عَنْهَا نَهَارا وَلَا تبيت إلَاّ فِي بَيتهَا، وَلَا تخرج الْمُطلقَة لَيْلًا وَلَا نَهَارا. قَالَ مُحَمَّد: لَا تخرج الْمُطلقَة وَلَا الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارا فِي الْعدة، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن الرَّجْعِيَّة تسْتَحقّ السُّكْنَى وَالنَّفقَة، إِذْ حكمهَا حكم الزَّوْجَات فِي جَمِيع أمورها.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٦٥) وَاتَّقوا الله ربكُم لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ وَلَا يخْرجن إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة كبينة وَتلك حُدُود الله. وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ (الطَّلَاق: ١) ﴿ (٦٥) أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من. . حَتَّى يَضعن حَملهنَّ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ (٦٥) بعد عسر يسرا﴾ (الطَّلَاق: ٦ ٧) [/ ح.
وَقَوله بِالْجَرِّ أَي: قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا الله﴾ هَذَا الْمِقْدَار من الْآيَة ثَبت هُنَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بعد قَوْله: بُيُوتهنَّ الْآيَة إِلَى قَوْله: ﴿بعد عسر يسرا﴾ . وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة سَاق الْآيَات كلهَا وَهِي سِتّ آيَات أَولهَا من قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ (الطَّلَاق: ١) إِلَى قَوْله: ﴿سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ (الطَّلَاق: ٧) قَوْله: ﴿وَاتَّقوا الله ربكُم﴾ أَوله قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا الْعدة وَاتَّقوا الله ربكُم﴾ (الطَّلَاق: ١) أَي: خَافُوا الله ربكُم الَّذِي خَلقكُم وَلَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ أَي: من مساكنهن الَّتِي يسكنهَا وَهِي بيُوت الْأزْوَاج، وأضيفت إلَيْهِنَّ لاختصاصها بِهن من حَيْثُ السُّكْنَى قَوْله: (الْآيَة) يَعْنِي: اقْرَأ الْآيَة إِلَى آخرهَا، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يخْرجن إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة وَتلك حُدُود الله وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ قَوْله: (وَلَا يخْرجن) أَي: من مساكنهن إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة، قيل: هِيَ الزِّنَا، فيخرجن لإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِنَّ، وَقيل: الْفَاحِشَة النُّشُوز، وَالْمعْنَى: إِلَّا أَن يطلقن على نشوزهن فيخرجن لِأَن النُّشُوز يسْقط حقهن فِي السُّكْنَى، وَقيل: إلَاّ أَن يبذون فَيحل إخراجهن لبذائهن، وَالْبذَاء بِالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة وبالمد: الْفُحْش فِي الْأَقْوَال، يُقَال: فلَان بذيء اللِّسَان إِذا كَانَ أَكثر كَلَامه فَاحِشا. قَوْله: (وَتلك) أَي: الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (حُدُود الله وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه) اسْتحق عِقَاب الله. قَوْله: (لَا نَدْرِي) أَي النَّفس، وَقيل: لَا تَدْرِي أَنْت يَا مُحَمَّد، وَقيل: لَا تَدْرِي أَيهَا الْمُطلق. قَوْله: (لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك) أَي: بعد الطَّلَاق مرّة أَو مرَّتَيْنِ. (أمرا) أَي رَجْعَة مَا دَامَت فِي الْعدة، وَهنا آخر الْآيَة
стр. 6196
من سُورَة الطَّلَاق. قَوْله: (أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم) ابْتِدَاء آيَة أُخْرَى من سُورَة الطَّلَاق أَيْضا إِلَى قَوْله: ﴿سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ قَوْله: (أسكنوهن) أَي: اسكنوا المطلقات من نِسَائِكُم. قَوْله: (من حَيْثُ سكنتم) كلمة من للتَّبْعِيض أَي: من بعض مَكَان سكناكم، وَعَن قَتَادَة: إِن لم يكن لَهُ إلَاّ بَيت وَاحِد فَإِنَّهُ يسكنهَا فِي بعض جوانبه. قَوْله: (من وجدكم) بَيَان وَتَفْسِير لقَوْله: (من حَيْثُ سكنتم) كَأَنَّهُ قيل: أسكنوهن مَكَانا من سكنكم من سعتكم وطاقتكم حَتَّى تنقضى عدتهن. قَوْله: (وَلَا تضاروهن) أَي: وَلَا تؤذوهن لتضيقوا عَلَيْهِنَّ مساكنهن فيخرجن. قَوْله: (وَإِن كن أولات حمل فانفقوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضعن حَملهنَّ) فيخرجن من الْعدة. قَوْله: (فَإِن أرضعن لكم) أَي: أَوْلَادكُم مِنْهُم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ على رضاعهن. قَوْله: (وائتمروا بَيْنكُم بِمَعْرُوف) يَعْنِي: ليقبل بَعْضكُم على بعض إِذا أمروا بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ الْفراء أَي: هموا، وَقَالَ الْكسَائي: أَي شاوروا، وَقيل: فَإِن أرضعن لكم يَعْنِي هَؤُلَاءِ المطلقات إِن أرضعن لكم ولدا من غَيْرهنَّ أَو مِنْهُنَّ بعد انْقِطَاع عصمَة الزَّوْجِيَّة فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ وحكمهن فِي ذَلِك حكم الآظار، وَلَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَأَصْحَابه الِاسْتِئْجَار إِذا كَانَ الْوَلَد مِنْهُنَّ مَا لم تبن وَيجوز عِنْد الشَّافِعِي. قَوْله: (وَإِن تعاسرتم) يَعْنِي فِي الْإِرْضَاع فَأبى الزَّوْج أَن يعْطى الْمَرْأَة أُجْرَة رضاعها وأبت الْأُم أَن ترْضِعه فَلَيْسَ لَهُ إكراهها على إرضاعه (فسترضع لَهُ أُخْرَى) أَي فستوجد وَلَا تعوز مُرْضِعَة غير الْأُم ترْضِعه. قَوْله: (لينفق ذُو سَعَة من سعته) أَي: على قدر غناهُ، وَمن قدر عَلَيْهِ أَي وَمن ضيق عَلَيْهِ رزقه فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله. أَي: فلينفق من ذَلِك الَّذِي أعطَاهُ الله، وَإِن كَانَ قَلِيلا لَا بكلف الله نفسا إلَاّ مَا آتاها أَي إلَاّ مَا أَعْطَاهَا من المَال. قَوْله: (سَيجْعَلُ الله بعد عسر) أَي: بعد ضيق فِي الْمَعيشَة (يسرا) أَي: سَعَة هَذَا وعد لفقراء الْأزْوَاج بِفَتْح أَبْوَاب الرزق عَلَيْهِم.
أجُورَهُنَّ مُهُورَهُنَّ.
أَشَارَ إِلَى تَفْسِير قهول: (أُجُورهنَّ) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ (النِّسَاء: ٤٢) أَي: مهورهن، هَذَا فِي سُورَة النِّسَاء، وَلَا يَتَأَتَّى أَن يصرف هَذَا إِلَى قَوْله هُنَا: ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٦) لِأَن المُرَاد من الأجور هُنَا الَّذِي هُوَ جمع أجر بِمَعْنى أُجْرَة الرَّضَاع، وَالَّذِي فِي سُورَة النِّسَاء جمع أجر بِمَعْنى الْمهْر، وَفِي ذكره نوعُ بعدٍ، وَلِهَذَا لَا يُوجد فِي بعض النّسخ.
١٢٣٥ -، ٢٢٣٥ حدّثنا إسْماعِيل حَدثنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعيدٍ عنِ القاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ وسُلَيْمانَ ابنِ يسارٍ أنّه سَمِعَهْما يَذْكُرَانِ أنَّ يَحْيَى بنَ سَعِيدِ بنِ العاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحكَم، فانْتَقَلها عبْدُ الرَّحْمانِ، فأرْسَلَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ إِلَى مَرْوَانَ، وهْوَ أمِيرُ المَدِينَةِ: اتَّقِ الله وارْدُدْها إِلَى بيْتها. قَالَ مَرْوانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمان: إنَّ عبْدَ الرحْمانِ بنَ الحكَمِ غَلَبَنِي.
وَقَالَ القاسِمُ ابنُ مُحَمَّدٍ: أوَ مَا بَلَغَكِ شأْنُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ قالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أنْ لَا تَذْكرَ حَدِيثَ فاطِمَةَ، فَقَالَ مرْوانُ بنُ الحَكَمِ: إنْ كانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هاذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا بعض شَيْء من قصَّة فَاطِمَة بنت قيس.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ: وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَسليمَان بن يسَار. ضد الْيَمين مولى مَيْمُونَة، وَيحيى بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة، وَكَانَ أَبوهُ أَمِير الْمَدِينَة لمعاوية، وَيحيى هُوَ أَخُو عَمْرو بن سعيد الْمَعْرُوف بالأشدق، وَبنت عبد الرَّحْمَن بن الحكم هِيَ بنت أخي مَرْوَان الَّذِي كَانَ أَمِير الْمَدِينَة أَيْضا لمعاوية حينئذٍ، وَولي الْخلَافَة بعد ذَلِك، وَاسْمهَا: عمْرَة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي عَن مَالك.
قَوْله: (أَنه) أَي: أَن يحيى بن سعيد (سمعهما) أَي: سمع الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد وَسليمَان بن يسَار. قَوْله: (فانتقلها) أَي: نقلهَا عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَبوهَا من مَسْكَنهَا الَّذِي طلقت فِيهِ. قَوْله: (فَأرْسلت عَائِشَة) فِيهِ حذف أَي: سَمِعت عَائِشَة بِنَقْل عبد الرَّحْمَن بن الحكم بنته من مَسْكَنهَا الَّذِي طَلقهَا فِيهِ يحيى بن سعيد فَأرْسلت إِلَى مَرْوَان بن الحكم، وَهُوَ يومئذٍ أَمِير بِالْمَدِينَةِ، تَقول لَهُ عَائِشَة: (اتقِ الله وارددها) أَي: الْمُطلقَة الْمَذْكُورَة، يَعْنِي: احكم عَلَيْهَا بِالرُّجُوعِ
стр. 6197
إِلَى بَيتهَا يَعْنِي إِلَى مَسْكَنهَا الَّذِي طلقت فِيهِ. فَأجَاب مَرْوَان لعَائِشَة، فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار، إِن عبد الرَّحْمَن بن الحكم غلبني، يَعْنِي: لم أقدر على مَنعه عَن نقلهَا.
وَقَالَ الْقَاسِم فِي رِوَايَته: إِن مَرْوَان قَالَ لعَائِشَة: أَو مَا بلغك الْخطاب لعَائِشَة شَأْن فَاطِمَة؟ يَعْنِي: قصَّة فَاطِمَة بنت قيس؟ وَهِي أَنَّهَا لم تَعْتَد فِي بَيت زَوجهَا بل انْتَقَلت إِلَى غَيره. قَوْله: (قَالَت: لَا يَضرك) أَي: قَالَت عَائِشَة لمروان: لَا يَضرك أَن لَا تذكر حَدِيث فَاطِمَة أَرَادَت: لَا تحتج فِي تَركك نقلهَا إِلَى بَيت زَوجهَا بِحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس، لِأَن انتقالها من بَيت زَوجهَا كَانَ لعِلَّة وَهِي أَن مَكَانهَا كَانَ وحشاً مخوفا عَلَيْهِ، وَقيل: فِيهِ عِلّة أُخْرَى وَهِي أَنَّهَا كَانَت لَسِنَةً استطالت على أحمائها. قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان) أَي: فِي جَوَاب عَائِشَة مُخَاطبا لَهَا: إِن كَانَ بك شرّ فِي فَاطِمَة أَو فِي مَكَانهَا عِلّة لِقَوْلِك لجَوَاز انتقالها، فحسبك. أَي فكفاك فِي جَوَاز انْتِقَال هَذِه الْمُطلقَة أَيْضا مَا بَين هذَيْن أَي: الزَّوْجَيْنِ من الشَّرّ لَو سكنت دَار زَوجهَا، وَقيل: الْخطاب لبِنْت أخي مَرْوَان الْمُطلقَة أَي: لَو كَانَ شَرّ مُلْصقًا بك فحسبك من الشَّرّ مَا بَين هذَيْن الْأَمريْنِ من الطَّلَاق والانتقال إِلَى بَيت الْأَب. وَقَالَ ابْن بطال: قَول مَرْوَان لعَائِشَة: (إِن كَانَ بك شَرّ فحسبك) يدل أَن فَاطِمَة إِنَّمَا أمرت بالتحويل إِلَى الْموضع الآخر لشر كَانَ بَينهَا وَبينهمْ. قلت: حَاصِل الْكَلَام من هَذَا كُله أَن عَائِشَة لم تعْمل بِحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس وَكَانَت تنكر ذَلِك، وَكَذَلِكَ عمر كَانَ يُنكر ذَلِك، وَكَذَا أُسَامَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَآخَرُونَ، عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أنكر ذَلِك بِحَضْرَة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، فَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ مُنكر، فَدلَّ تَركهم الْإِنْكَار فِي ذَلِك عَلَيْهِ أَن مَذْهَبهم فِيهِ كمذهبه.
٣٢٣٥ -، ٤٢٣٥ حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ الرَّحْمنِ بنِ القاسِمِ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أنّها قالَتْ: مَا لِفاطِمَةَ؟ ألَا تَتَّقِي الله؟ يَعْنِي فِي قَوْلِها: لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَة.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة: وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون مُحَمَّد بن جَعْفَر وَقد تكَرر ذكره.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر.
قَوْله: (حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار) قَالَ الْحَافِظ الْمزي: أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث عَن مُحَمَّد وَلم ينْسبهُ وَهُوَ مُحَمَّد بن بشار، وَكَذَا نسبه أَبُو مَسْعُود. قَوْله: (مَا لفاطمة؟) أَي: مَا شَأْنهَا وَمَا جرى عَلَيْهَا (أَلا تتقى الله) يَعْنِي: أَلا تخَاف الله فِي قَوْلهَا: الْمُطلقَة الْبَتَّةَ لَا نَفَقَة لَهَا وَلَا سكن على زَوجهَا، وَالْحَال أَنَّهَا تعرف قصَّتهَا يَقِينا فِي أَنَّهَا إِنَّمَا أمرت بالانتقال لعذر وَعلة كَانَت بهَا، وَقَالَ الْمُهلب: إِنْكَار عَائِشَة على فَاطِمَة فتياها بِمَا أَبَاحَ لَهَا الشَّارِع من الِانْتِقَال وَتَركه السُّكْنَى، وَلم يخبر بِالْعِلَّةِ.
٥٢٣٥ -، ٦٢٣٥ حدّثنا عَمْرُو بنُ عبَّاسٍ حَدثنَا ابنُ مَهْدِي حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ الرَّحمانِ بنِ القاسمِ عنْ أبِيه قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ لِعائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْنَ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الحَكَمِ طلَّقَها زَوْجُها البَتَّةَ فَخَرَجَتْ؟ فقالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ. قَالَ: أَلَمْ تَسْمِعِي فِي قَوْلِ فاطِمَةَ؟ قالَتْ: أما إنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هاذَا الحَدِيثِ.
وزَاد بنُ أبي الزِّنادِ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ: عابتْ عائِشَةُ أشَدَّ الْعَيْبِ، وقالَتْ: إنَّ فاطِمَة كانَتْ فِي مَكانٍ وحْشٍ فَخِيفَ علَى ناحِيتَها، فَلِذَلِكَ أرْخَصَ لَهَا النبيُّ ﷺ .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخرجه عَن عَمْرو بن عَبَّاس أبي عُثْمَان الْبَصْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ.
قَوْله: (عَن أَبِيه) هُوَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة بن الزبير) وَفِي بعض النّسخ: قَالَ عُرْوَة، بِدُونِ ذكر أَبِيه. قَوْله: (ألم تَرين) ويروى على الأَصْل: ألم ترى. قَوْله: (إِلَى فُلَانَة بنت الحكم) نَسَبهَا إِلَى جدها. وَهِي بنت عبد الرَّحْمَن بن الحكم كَمَا ذكر فِي الطَّرِيق الأول. قَوْله: (أَلْبَتَّة) همزتها للْقطع لَا للوصل وَالْمَقْصُود أَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ وَلم يكن طَلقهَا رَجْعِيًا. قَوْله: (فَخرجت) أَي: من مسكن الْفِرَاق. قَوْله: (بئس مَا صنعت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بئس صنع أَي: زَوجهَا فِي تمكينها من ذَلِك، أَو بئس مَا صنع أَبوهَا فِي موافقها. قَوْله: (قَالَ: ألم تسمعي) يحْتَمل أَن يكون فَاعل
стр. 6198
قَالَ هُوَ عُرْوَة، كَذَا قَالَ بَعضهم. قلت: فَاعل قَالَ هُوَ عُرْوَة بِلَا احْتِمَال، فَلْيتَأَمَّل. قَوْله: (إِمَّا أَنه) بِفَتْح همزَة أما وَتَخْفِيف ميمها، وَهِي حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلا وَكلمَة: أَن، بعْدهَا تكسر بِخِلَاف، إِمَّا، الَّتِي بِمَعْنى: حَقًا فَإِنَّهَا تفتح بعْدهَا، وَالضَّمِير فِي: أَنه، للشأن. قَوْله: (لَيْسَ لَهَا خير فِي ذكر هَذَا الحَدِيث) لِأَن الشَّخْص لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يذكر شَيْئا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَة.
قَوْله: (وَزَاد ابْن أبي الزِّنَاد) ، أَي: زَاد عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد بالنُّون واسْمه عبد الله أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي فِيهِ مقَال، فَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا يحْتَج بحَديثه، وَقَالَ ابْن عدي: بعض رواياته لَا يُتَابع عَلَيْهَا، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة: ثِقَة صَدُوق وَفِي بعض حَدِيثه ضعف، وَعَن يحيى بن معِين: أثبت النَّاس فِي هِشَام بن عُرْوَة، اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) وروى لَهُ فِي غَيره، وروى لَهُ مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه، وروى لَهُ الْأَرْبَعَة، وَوصل هَذِه الزِّيَادَة الْمُعَلقَة أَبُو دَاوُد عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد: أَنبأَنَا ابْن وهب أَخْبرنِي عبد الحمن بن أبي الزِّنَاد. . فَذكره. قَوْله: (عابت عَائِشَة) ، يَعْنِي: على فَاطِمَة بنت قيس، وَقَالَت يَعْنِي: عَائِشَة. قَوْله: (وَحش) بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة أَي: مَكَان خَال لَا أنيس بِهِ. قَوْله: (فَلذَلِك) أَي: فلأجل كَونهَا فِي مَكَان وَحش أرخص لَهَا بالانتقال وَقد احْتَرَقَ ابْن حزم هُنَا، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل لِأَنَّهُ من رِوَايَة ابْن أبي الزِّنَاد وَهُوَ ضَعِيف جدا، ورد بِمَا ذكرنَا، وَلَا سِيمَا قَول يحيى بن معِين: هُوَ أثبت النَّاس فِي هِشَام بن عُرْوَة.
وَالْحَاصِل من هَذِه الْأَحَادِيث بَيَان رد عَائِشَة حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس على الْوَجْه الَّذِي ذكرته من غير بَيَان الْعلَّة فِيهِ، وَأَن الْمُطلقَة المبانة لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَحَدِيث فَاطِمَة رده عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا نَدع كتاب رَبنَا وَلَا سنة نَبينَا ﷺ بقول امْرَأَة لَا نَدْرِي صدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت؟ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: للمطلقة الثَّلَاث النَّفَقَة وَالسُّكْنَى مَا دَامَت فِي الْعدة، ورده أَيْضا زيد بن ثَابت وَأُسَامَة بن زيد وَجَابِر وَعَائِشَة ﵃، وَقَالَ بَعضهم: ادّعى. بعض الْحَنَفِيَّة أَن فِي بعض طرق حَدِيث عمر: للمطلقة ثَلَاثًا السُّكْنَى وَالنَّفقَة، ورده ابْن السَّمْعَانِيّ بِأَنَّهُ من قَول بعض المجازفين فَلَا تحل رِوَايَته، وَقد أنكر أَحْمد ثُبُوت ذَلِك عَن عمر أصلا وَلَعَلَّه أَرَادَ مَا ورد من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لكَونه لم يلقه. انْتهى. قلت: مَا المجازف إلَاّ من ينْسب المجازفة إِلَى الْعلمَاء من غير بَيَان، فَإِن كَانَ مُسْتَنده إِنْكَار أَحْمد ثُبُوت ذَلِك عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَا يفِيدهُ ذَلِك لِأَن الَّذين قَالُوا بذلك يَقُولُونَ بِثُبُوت ذَلِك عَن عمر، فالمثبت أولى من النَّافِي لِأَن مَعَه زِيَادَة علم. وَقد قَالَ الطَّحَاوِيّ، الَّذِي هُوَ إِمَام جهبذ فِي هَذَا الْفَنّ: لما جَاءَت فَاطِمَة بنت قيس فروت عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ لَهَا: إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفقَة لمن كَانَت عَلَيْهَا الرّجْعَة، خَالَفت بذلك كتاب الله تَعَالَى نصا، لِأَن كتاب الله تَعَالَى قد جعل السُّكْنَى لمن لَا رَجْعَة عَلَيْهَا، وخالفت سنة رَسُول الله ﷺ ، لِأَن عمر ﵁، وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ خلاف مَا رَوَت، فَخرج الْمَعْنى الَّذِي مِنْهُ أنكر عَلَيْهَا عمر مَا أنكر خُرُوجًا صَحِيحا، وَبَطل حَدِيث فَاطِمَة فَلم يجب الْعَمَل بِهِ أصلا انْتهى. وَأَرَادَ بقوله: قد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ خلاف مَا رَوَت. قَوْله: سَمِعت النَّبِي ﷺ ، يَقُول لَهَا: السُّكْنَى وَالنَّفقَة، أَي للمبتوتة، وَكَذَا روى جَابر بن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: الْمُطلقَة ثَلَاثًا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفقَة، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حَرْب بن أبي الْعَالِيَة عَن أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ ، فَذكره. فَإِن قلت: قَالَ عبد الْحق فِي (أَحْكَامه) : وَحرب بن أبي الْعَالِيَة لَا يحْتَج بِهِ، ضعفه يحيى بن معِين فِي رِوَايَة الداروردي عَنهُ، وَضَعفه فِي رِوَايَة ابْن أبي خَيْثَمَة، وَالْأَشْبَه وَقفه على جَابر. انْتهى. قلت: حَدِيث حَرْب بن أبي الْعَالِيَة فِي (صَحِيح مُسلم) وَأخرج لَهُ أَيْضا الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَيَكْفِي توفيق مُسلم إِيَّاه، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث الشّعبِيّ عَن فَاطِمَة أَنَّهَا أخْبرت عمر بن الْخطاب بِأَن زَوجهَا طَلقهَا ثَلَاثًا، فَأَتَت النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: لَا نَفَقَة لَك وَلَا سُكْنى، فَأخْبرت بذلك النَّخعِيّ فَقَالَ: أخبر عمر ذَلِك فَقَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ ، يَقُول: لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفقَة. فَإِن قلت: لم يدْرك إِبْرَاهِيم عمر لِأَنَّهُ ولد بعده بِسنتَيْنِ. قلت: لَا يضر ذَلِك لِأَن مُرْسل إِبْرَاهِيم يحْتَج بِهِ، وَلَا سِيمَا على أصلنَا، فَافْهَم.
٢٤ - (بابُ المُطَلَّقَة إذَا خُشِيَ عَلَيْها فِي مَسْكَنِ زوْجِها أنْ يُقْتَحَمَ عَليْها أوْ تبذُوَ على أهْلِها بِفاحشِةٍ)
стр. 6199
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمَرْأَة الْمُطلقَة إِذا خشِي عَلَيْهَا فِي مسكن زَوجهَا فِي أَيَّام عدتهَا أَن يقتحم عَلَيْهَا زَوجهَا من الاقتحام وَهُوَ الهجوم على الشَّخْص من غير إِذن. قَوْله: (أَو تبذو) من الْبذاء بِالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة. وَهُوَ القَوْل الْفَاحِش. وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: الخشية من اقتحام زَوجهَا. وَالْآخر: بذاءة اللِّسَان، وَلم يذكر مَا يُطَابق الثَّانِي وَكَأَنَّهُ قَاس الثَّانِي على الأول، وَالْجَامِع بَينهمَا رِعَايَة الْمصلحَة وَشدَّة الْحَاجة إِلَى الِاحْتِرَاز عَنهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ عَن عَائِشَة: أخرجك هَذَا اللِّسَان، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا على عَادَته إِمَّا أَن يقدر نَحْو: تنْتَقل أَوَّلهمْ نقلهَا إِلَى مسكن غير مسكن زَوجهَا، وَإِمَّا أَن يَكْتَفِي بِمَا يبين فِي الحَدِيث وَفِي رِوَايَة الْكشميهني على أَهله.
٧٢٣٥ -، ٨٢٣٥ حدّثني حبَّانُ أخْبرنا عبْدُ الله أخبْرنا ابنُ جُرَيْجٍ عَن ابْن شهَاب عنْ عُرْوَة: أنَّ عائِشَةَ ﵂، أنْكَرَتْ ذالِكَ على فاطِمَة.
أخرج هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا عَن حبَان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وتشديدالباء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة أنْكرت ذَلِك أَي: قَوْلهَا فِي سُكْنى الْمُعْتَدَّة. فَالْبُخَارِي أورد هَذَا من طَرِيق ابْن جريج عَن ابْن شهَاب مُخْتَصرا، أَو أوردهُ مُسلم من طَرِيق صَالح بن كيسَان عَن ابْن شهَاب أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أخبرهُ أَن فَاطِمَة بنت قيس أخْبرته أَنَّهَا كَانَت تَحت أبي عَمْرو بن حَفْص بن الْمُغيرَة، فَطلقهَا آخر ثَلَاث تَطْلِيقَات، فَزَعَمت أَنَّهَا جَاءَت رَسُول الله ﷺ تستفتيه فِي خُرُوجهَا من بَيتهَا فَأمرهَا أَن تنْتَقل إِلَى ابْن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، فَأبى مَرْوَان أَن يصدق فِي خُرُوج الْمُطلقَة من بَيتهَا، وَقَالَ عُرْوَة: إِن عَائِشَة أنْكرت على فَاطِمَة بنت قيس.
وحدثنيه مُحَمَّد بن رَافع قَالَ: حَدثنَا حجين قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب بِهَذَا الْإِسْنَاد مثله مَعَ قَول عُرْوَة: إِن عَائِشَة أنْكرت ذَلِك على فَاطِمَة.
٣٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٢) وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ (الْبَقَرَة: ٨٢٢) منَ الحَيْضِ والحَمْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يحل لَهُنَّ﴾ أَي: للنِّسَاء ﴿أَن يكتمن﴾ أَي: يخفين ﴿مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ من الْحيض وَالْحمل. كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. قَوْله: (من الْحيض وَالْحمل) وَهُوَ تَفْسِير لما قبله، وَلَيْسَ من الْآيَة، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْحكم بن عتيبة وَالربيع بن أنس وَالضَّحَّاك وَغير وَاحِد. قَوْله: (وَالْحمل) بِالْمِيم، ويروى بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا خلق الله فِي أرحامهن من الْوَلَد أَو من أَو من دم الْحيض، وَذَلِكَ إِذا أَرَادَت الْمَرْأَة فِرَاق زَوجهَا فكتمت حملهَا لِئَلَّا تنْتَظر لطلاقها أَن تضع، وَلِئَلَّا تشفق على الْوَلَد فَيتْرك، أَو كتمت حَيْضهَا. فَقَالَت وَهِي حَائِض قد طهرت، استعجالاً للطَّلَاق. انْتهى. وَفصل أَبُو ذَر بَين قَوْله: ﴿فِي أرحامهن﴾ وَبَين قَوْله: من الْحيض وَالْحمل، بدائرة إِشَارَة إِلَى أَنه أُرِيد بِهِ التَّفْسِير لَا أَنَّهَا قِرَاءَة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لَفْظَة: من فِي قَوْله: من الْحيض، وَالْمَقْصُود من الْآيَة أَن أَمر الْعدة لما دَار على الْحيض وَالطُّهْر والإطلاع على ذَلِك يَقع من جِهَة النِّسَاء غَالِبا، جعلت الْمَرْأَة مؤتمنة على ذَلِك. وَقَالَ أبي بن كَعْب: إِن من الْأَمَانَة أَن الْمَرْأَة ائتمنت على فرجهَا، وَقَالَ إِسْمَاعِيل: هَذِه الْآيَة تدل على أَن الْمَرْأَة الْمُعْتَدَّة مؤتمنة على رَحمهَا من الْحيض وَالْحمل، فَإِن قَالَت: قد حِضْت كَانَت مصدقة، وَإِن قَالَت: قد ولدت كَانَ مصدقة، إلَاّ أَن تَأتي من ذَلِك مَا يعرف من كذبهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كل مؤتمن فَالْقَوْل قَوْله.
٩٢٣٥ - حدّثنا سليْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إبرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشةَ، ﵂، قالَتْ: لمَّا أَرَادَ رسولُ الله ﷺ أنْ يَنْفِرَ إذَا صَفِيّةُ على بابِ خِبائِها كَئِيبَةً. فَقَالَ لَهَا: عَقْرَى أوْ حَلْقى، إنّكِ لحَابِسَتُنَا، أَكُنْتِ أفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فانْفِرِي إِذا.
ابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ شَاهدا لتصديق النِّسَاء فِيمَا يدعينه من الْحيض، أَلا ترى أَنه ﷺ لم يمْتَحن صَفِيَّة فِي قَوْلهَا وَلَا أكذبها.
وَالْحكم هُوَ ابْن عتيبة، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد.
والْحَدِيث قد مر فِي الْحَج فِي بَاب التَّمَتُّع.
стр. 6200
قَوْله: (أَن ينفر) أَي: من الْحَج وللحج نفر إِن النَّفر الأول هُوَ الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام التَّشْرِيق، والنفر الثَّانِي هُوَ الْيَوْم الثَّالِث. قَوْله: (إِذا) للمفاجأة، وَصفِيَّة هِيَ بنت حييّ أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (كئيبة) أَي: حزينة. قَوْله: (عقرى) مَعْنَاهُ: عقر الله جَسدهَا وأصابها وجع فِي حلقها، وَقيل: هُوَ مصدر كدعوى، وَقيل: مصدر بِالتَّنْوِينِ وَالْألف فِي الْكِتَابَة، وَقيل: هُوَ جمع عقير، وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو عَمْرو يُقَال ذَلِك للْمَرْأَة إِذا كَانَت مسوفة مؤذية، وَقيل: الْعَرَب تَقول ذَلِك لمن دهمه أَمر وَهُوَ بِمَعْنى الدُّعَاء لكنه جرى على لسانهم من غير قصد إِلَيْهِ. قَوْله: (أَو حلقي) شكّ من الرَّاوِي، وروى بِالتَّنْوِينِ فِي: عقري وحلقي، بجعلهما مصدرين، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة، وَأهل الحَدِيث على ترك التَّنْوِين. قَوْله: (لحابستنا) أسْند الْحَبْس إِلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت سببت توقفهم إِلَى وَقت طَهَارَتهَا عَن الْحيض. قَوْله: (أَكنت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (أفضت) . أَي: طفت طواف الزِّيَارَة. قَوْله: (أنفري) أَي: إذهبي لِأَن طواف الْوَدَاع سَاقِط عَن الْحَائِض.
٤٤ - (بابٌ ﴿ (٢) وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ (الْبَقَرَة: ٨٢٢) فِي العِدَّةِ وكَيْفَ يُراجِعُ المْرأةَ إذَا طَلّقها واحدِةً أوْ ثِنْتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ والبعولة جمع بعل وَهُوَ الزَّوْج، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: زَوجهَا الَّذِي طَلقهَا أَحَق بردهَا مَا دَامَت فِي عدتهَا، وَهُوَ معنى قَوْله: فِي الْعدة، وَقيد بذلك لِأَن عدتهَا إِذا انْقَضتْ لَا يتبقى محلا للرجعة فَيحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى الاسْتِئْذَان وَالْإِشْهَاد وَالْعقد الْجَدِيد بِشُرُوطِهِ. قَوْله: (فِي الْعدة) لَيْسَ من الْآيَة، وَلذَلِك فصل أَبُو ذَر بَين قَوْله: (بردهن) وَبَين قَوْله: (فِي الْعدة) بدائرة إِشَارَة إِلَى أَنه لَيْسَ من الْآيَة، وَإِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد بأحقية الرّجْعَة من كَانَت فِي الْعدة، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَفِي بعض النّسخ: ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك﴾ أَي: فِي الْعدة، وَهَذَا وَاضح فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر شَيْء، وَفِي بعض النّسخ أَيْضا بعد قَوْله فِي الْعدة. ﴿وَلَا تعضلوهن﴾ وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَاخْتلفُوا فِيمَا يكون بِهِ مراجعاً، فَقَالَت طَائِفَة: إِذا جَامعهَا فقد رَاجعهَا، رُوِيَ ذَلِك عَن سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وطاووس وَالْأَوْزَاعِيّ، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة، وَقَالا أَيْضا: إِذا لمسها أَو نظر إِلَى فرجهَا بِشَهْوَة من غير قصد الرّجْعَة فَهِيَ رَجْعَة، وَيَنْبَغِي أَن يشْهد. وَقَالَ مَالك وَإِسْحَاق: إِذا وَطئهَا فِي الْعدة وَهُوَ يُرِيد الرّجْعَة وَجَهل أَن يشْهد فَهِيَ رَجْعَة، وَيَنْبَغِي للْمَرْأَة أَن تَمنعهُ الْوَطْء حَتَّى يشْهد. وَقَالَ ابْن أبي ليلى: إِذا رَاجع وَلم يشْهد صحت الرّجْعَة، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا أَيْضا، وَالْإِشْهَاد مُسْتَحبّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا تكون الرّجْعَة إلَاّ بالْكلَام، فَإِن جَامعهَا بنية الرّجْعَة فَلَا رَجْعَة وَلها عَلَيْهِ مهر الْمثل، وَاسْتشْكل لِأَنَّهَا فِي حكم الزَّوْجَات. وَقَالَ مَالك: إِذا طَلقهَا وَهِي حَائِض أَو نفسَاء أجبر على رَجعتهَا، وروى ابْن أبي شيبَة عَن جَابر بن زيد إِذا رَاجع فِي نَفسه فَلَيْسَ بِشَيْء قَوْله: (وَكَيف يُرَاجع) جُزْء آخر للتَّرْجَمَة، وَيُرَاجع على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلم يذكر جَوَاب الْمَسْأَلَة إِمَّا بِنَاء على عَادَته اعْتِمَادًا على معرفَة النَّاظر بذلك، وَإِمَّا اكْتِفَاء بِمَا يعلم من أَحَادِيث الْبَاب.
٠٣٣٥ - حدّثني مُحَمَّدٌ أخبرنَا عبْدُ الوَهَّابِ حدَّثنا يُونُسُ عنِ الحَسَنِ قَالَ: زوَّجَ مَعْقِلٌ اخْتَهُ فَطَلّقها تَطْلِيقَةً.
١٣٣٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتادَةَ حَدثنَا الحَسَنُ أنَّ مَعْقِلَ بنَ يَسارٍ كانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ رجُلٍ فَطَلّقَها، ثُمَّ خَلَى عنْها حتَّى انْقَضَتْ عدَّتُها ثُمَّ خَطَبَها، فَحَمِيَ مَعْقِلٌ مِنْ ذالِكَ أنفًا، فَقَالَ: خَلّى عَنْها وهْوَ يَقْدِرُ عَلَيْها ثُمَّ يَخْطُبُها؟ فَحال بَيْنَهُ وبَيْنَهَا، فأنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿ (٢) وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢)
إِلَى آخِرِ الآيَة، فَدَعاهُ رسولُ الله ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الحَمِيّةَ واسْتَقادَ لأِمْرِ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ خلَّى عَنْهَا) قَالَه الْكرْمَانِي. وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد فَذكره بِغَيْر نِسْبَة، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْجَمِيع، قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ ابْن سَلام، وَقَالَ غَيره بِالْجَزْمِ: إِنَّه ابْن سَلام عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد عَن يُونُس بن عبيد الْبَصْرِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْأَعْلَى عَن سعيد بن أبي عرُوبَة
следующие страницы →