← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

من سُورَة الطَّلَاق. قَوْله: (أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم) ابْتِدَاء آيَة أُخْرَى من سُورَة الطَّلَاق أَيْضا إِلَى قَوْله: ﴿سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ قَوْله: (أسكنوهن) أَي: اسكنوا المطلقات من نِسَائِكُم. قَوْله: (من حَيْثُ سكنتم) كلمة من للتَّبْعِيض أَي: من بعض مَكَان سكناكم، وَعَن قَتَادَة: إِن لم يكن لَهُ إلَاّ بَيت وَاحِد فَإِنَّهُ يسكنهَا فِي بعض جوانبه. قَوْله: (من وجدكم) بَيَان وَتَفْسِير لقَوْله: (من حَيْثُ سكنتم) كَأَنَّهُ قيل: أسكنوهن مَكَانا من سكنكم من سعتكم وطاقتكم حَتَّى تنقضى عدتهن. قَوْله: (وَلَا تضاروهن) أَي: وَلَا تؤذوهن لتضيقوا عَلَيْهِنَّ مساكنهن فيخرجن. قَوْله: (وَإِن كن أولات حمل فانفقوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضعن حَملهنَّ) فيخرجن من الْعدة. قَوْله: (فَإِن أرضعن لكم) أَي: أَوْلَادكُم مِنْهُم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ على رضاعهن. قَوْله: (وائتمروا بَيْنكُم بِمَعْرُوف) يَعْنِي: ليقبل بَعْضكُم على بعض إِذا أمروا بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ الْفراء أَي: هموا، وَقَالَ الْكسَائي: أَي شاوروا، وَقيل: فَإِن أرضعن لكم يَعْنِي هَؤُلَاءِ المطلقات إِن أرضعن لكم ولدا من غَيْرهنَّ أَو مِنْهُنَّ بعد انْقِطَاع عصمَة الزَّوْجِيَّة فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ وحكمهن فِي ذَلِك حكم الآظار، وَلَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَأَصْحَابه الِاسْتِئْجَار إِذا كَانَ الْوَلَد مِنْهُنَّ مَا لم تبن وَيجوز عِنْد الشَّافِعِي. قَوْله: (وَإِن تعاسرتم) يَعْنِي فِي الْإِرْضَاع فَأبى الزَّوْج أَن يعْطى الْمَرْأَة أُجْرَة رضاعها وأبت الْأُم أَن ترْضِعه فَلَيْسَ لَهُ إكراهها على إرضاعه (فسترضع لَهُ أُخْرَى) أَي فستوجد وَلَا تعوز مُرْضِعَة غير الْأُم ترْضِعه. قَوْله: (لينفق ذُو سَعَة من سعته) أَي: على قدر غناهُ، وَمن قدر عَلَيْهِ أَي وَمن ضيق عَلَيْهِ رزقه فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله. أَي: فلينفق من ذَلِك الَّذِي أعطَاهُ الله، وَإِن كَانَ قَلِيلا لَا بكلف الله نفسا إلَاّ مَا آتاها أَي إلَاّ مَا أَعْطَاهَا من المَال. قَوْله: (سَيجْعَلُ الله بعد عسر) أَي: بعد ضيق فِي الْمَعيشَة (يسرا) أَي: سَعَة هَذَا وعد لفقراء الْأزْوَاج بِفَتْح أَبْوَاب الرزق عَلَيْهِم. أجُورَهُنَّ مُهُورَهُنَّ. أَشَارَ إِلَى تَفْسِير قهول: (أُجُورهنَّ) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ (النِّسَاء: ٤٢) أَي: مهورهن، هَذَا فِي سُورَة النِّسَاء، وَلَا يَتَأَتَّى أَن يصرف هَذَا إِلَى قَوْله هُنَا: ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٦) لِأَن المُرَاد من الأجور هُنَا الَّذِي هُوَ جمع أجر بِمَعْنى أُجْرَة الرَّضَاع، وَالَّذِي فِي سُورَة النِّسَاء جمع أجر بِمَعْنى الْمهْر، وَفِي ذكره نوعُ بعدٍ، وَلِهَذَا لَا يُوجد فِي بعض النّسخ. ١٢٣٥ -، ٢٢٣٥ حدّثنا إسْماعِيل حَدثنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعيدٍ عنِ القاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ وسُلَيْمانَ ابنِ يسارٍ أنّه سَمِعَهْما يَذْكُرَانِ أنَّ يَحْيَى بنَ سَعِيدِ بنِ العاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحكَم، فانْتَقَلها عبْدُ الرَّحْمانِ، فأرْسَلَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ إِلَى مَرْوَانَ، وهْوَ أمِيرُ المَدِينَةِ: اتَّقِ الله وارْدُدْها إِلَى بيْتها. قَالَ مَرْوانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمان: إنَّ عبْدَ الرحْمانِ بنَ الحكَمِ غَلَبَنِي. وَقَالَ القاسِمُ ابنُ مُحَمَّدٍ: أوَ مَا بَلَغَكِ شأْنُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ قالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أنْ لَا تَذْكرَ حَدِيثَ فاطِمَةَ، فَقَالَ مرْوانُ بنُ الحَكَمِ: إنْ كانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هاذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا بعض شَيْء من قصَّة فَاطِمَة بنت قيس. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ: وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَسليمَان بن يسَار. ضد الْيَمين مولى مَيْمُونَة، وَيحيى بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة، وَكَانَ أَبوهُ أَمِير الْمَدِينَة لمعاوية، وَيحيى هُوَ أَخُو عَمْرو بن سعيد الْمَعْرُوف بالأشدق، وَبنت عبد الرَّحْمَن بن الحكم هِيَ بنت أخي مَرْوَان الَّذِي كَانَ أَمِير الْمَدِينَة أَيْضا لمعاوية حينئذٍ، وَولي الْخلَافَة بعد ذَلِك، وَاسْمهَا: عمْرَة. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي عَن مَالك. قَوْله: (أَنه) أَي: أَن يحيى بن سعيد (سمعهما) أَي: سمع الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد وَسليمَان بن يسَار. قَوْله: (فانتقلها) أَي: نقلهَا عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَبوهَا من مَسْكَنهَا الَّذِي طلقت فِيهِ. قَوْله: (فَأرْسلت عَائِشَة) فِيهِ حذف أَي: سَمِعت عَائِشَة بِنَقْل عبد الرَّحْمَن بن الحكم بنته من مَسْكَنهَا الَّذِي طَلقهَا فِيهِ يحيى بن سعيد فَأرْسلت إِلَى مَرْوَان بن الحكم، وَهُوَ يومئذٍ أَمِير بِالْمَدِينَةِ، تَقول لَهُ عَائِشَة: (اتقِ الله وارددها) أَي: الْمُطلقَة الْمَذْكُورَة، يَعْنِي: احكم عَلَيْهَا بِالرُّجُوعِ

стр. 6197

إِلَى بَيتهَا يَعْنِي إِلَى مَسْكَنهَا الَّذِي طلقت فِيهِ. فَأجَاب مَرْوَان لعَائِشَة، فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار، إِن عبد الرَّحْمَن بن الحكم غلبني، يَعْنِي: لم أقدر على مَنعه عَن نقلهَا. وَقَالَ الْقَاسِم فِي رِوَايَته: إِن مَرْوَان قَالَ لعَائِشَة: أَو مَا بلغك الْخطاب لعَائِشَة شَأْن فَاطِمَة؟ يَعْنِي: قصَّة فَاطِمَة بنت قيس؟ وَهِي أَنَّهَا لم تَعْتَد فِي بَيت زَوجهَا بل انْتَقَلت إِلَى غَيره. قَوْله: (قَالَت: لَا يَضرك) أَي: قَالَت عَائِشَة لمروان: لَا يَضرك أَن لَا تذكر حَدِيث فَاطِمَة أَرَادَت: لَا تحتج فِي تَركك نقلهَا إِلَى بَيت زَوجهَا بِحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس، لِأَن انتقالها من بَيت زَوجهَا كَانَ لعِلَّة وَهِي أَن مَكَانهَا كَانَ وحشاً مخوفا عَلَيْهِ، وَقيل: فِيهِ عِلّة أُخْرَى وَهِي أَنَّهَا كَانَت لَسِنَةً استطالت على أحمائها. قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان) أَي: فِي جَوَاب عَائِشَة مُخَاطبا لَهَا: إِن كَانَ بك شرّ فِي فَاطِمَة أَو فِي مَكَانهَا عِلّة لِقَوْلِك لجَوَاز انتقالها، فحسبك. أَي فكفاك فِي جَوَاز انْتِقَال هَذِه الْمُطلقَة أَيْضا مَا بَين هذَيْن أَي: الزَّوْجَيْنِ من الشَّرّ لَو سكنت دَار زَوجهَا، وَقيل: الْخطاب لبِنْت أخي مَرْوَان الْمُطلقَة أَي: لَو كَانَ شَرّ مُلْصقًا بك فحسبك من الشَّرّ مَا بَين هذَيْن الْأَمريْنِ من الطَّلَاق والانتقال إِلَى بَيت الْأَب. وَقَالَ ابْن بطال: قَول مَرْوَان لعَائِشَة: (إِن كَانَ بك شَرّ فحسبك) يدل أَن فَاطِمَة إِنَّمَا أمرت بالتحويل إِلَى الْموضع الآخر لشر كَانَ بَينهَا وَبينهمْ. قلت: حَاصِل الْكَلَام من هَذَا كُله أَن عَائِشَة لم تعْمل بِحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس وَكَانَت تنكر ذَلِك، وَكَذَلِكَ عمر كَانَ يُنكر ذَلِك، وَكَذَا أُسَامَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَآخَرُونَ، عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أنكر ذَلِك بِحَضْرَة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، فَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ مُنكر، فَدلَّ تَركهم الْإِنْكَار فِي ذَلِك عَلَيْهِ أَن مَذْهَبهم فِيهِ كمذهبه. ٣٢٣٥ -، ٤٢٣٥ حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ الرَّحْمنِ بنِ القاسِمِ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أنّها قالَتْ: مَا لِفاطِمَةَ؟ ألَا تَتَّقِي الله؟ يَعْنِي فِي قَوْلِها: لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَة. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة: وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون مُحَمَّد بن جَعْفَر وَقد تكَرر ذكره. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر. قَوْله: (حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار) قَالَ الْحَافِظ الْمزي: أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث عَن مُحَمَّد وَلم ينْسبهُ وَهُوَ مُحَمَّد بن بشار، وَكَذَا نسبه أَبُو مَسْعُود. قَوْله: (مَا لفاطمة؟) أَي: مَا شَأْنهَا وَمَا جرى عَلَيْهَا (أَلا تتقى الله) يَعْنِي: أَلا تخَاف الله فِي قَوْلهَا: الْمُطلقَة الْبَتَّةَ لَا نَفَقَة لَهَا وَلَا سكن على زَوجهَا، وَالْحَال أَنَّهَا تعرف قصَّتهَا يَقِينا فِي أَنَّهَا إِنَّمَا أمرت بالانتقال لعذر وَعلة كَانَت بهَا، وَقَالَ الْمُهلب: إِنْكَار عَائِشَة على فَاطِمَة فتياها بِمَا أَبَاحَ لَهَا الشَّارِع من الِانْتِقَال وَتَركه السُّكْنَى، وَلم يخبر بِالْعِلَّةِ. ٥٢٣٥ -، ٦٢٣٥ حدّثنا عَمْرُو بنُ عبَّاسٍ حَدثنَا ابنُ مَهْدِي حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ الرَّحمانِ بنِ القاسمِ عنْ أبِيه قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ لِعائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْنَ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الحَكَمِ طلَّقَها زَوْجُها البَتَّةَ فَخَرَجَتْ؟ فقالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ. قَالَ: أَلَمْ تَسْمِعِي فِي قَوْلِ فاطِمَةَ؟ قالَتْ: أما إنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هاذَا الحَدِيثِ. وزَاد بنُ أبي الزِّنادِ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ: عابتْ عائِشَةُ أشَدَّ الْعَيْبِ، وقالَتْ: إنَّ فاطِمَة كانَتْ فِي مَكانٍ وحْشٍ فَخِيفَ علَى ناحِيتَها، فَلِذَلِكَ أرْخَصَ لَهَا النبيُّ ﷺ . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخرجه عَن عَمْرو بن عَبَّاس أبي عُثْمَان الْبَصْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. قَوْله: (عَن أَبِيه) هُوَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة بن الزبير) وَفِي بعض النّسخ: قَالَ عُرْوَة، بِدُونِ ذكر أَبِيه. قَوْله: (ألم تَرين) ويروى على الأَصْل: ألم ترى. قَوْله: (إِلَى فُلَانَة بنت الحكم) نَسَبهَا إِلَى جدها. وَهِي بنت عبد الرَّحْمَن بن الحكم كَمَا ذكر فِي الطَّرِيق الأول. قَوْله: (أَلْبَتَّة) همزتها للْقطع لَا للوصل وَالْمَقْصُود أَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ وَلم يكن طَلقهَا رَجْعِيًا. قَوْله: (فَخرجت) أَي: من مسكن الْفِرَاق. قَوْله: (بئس مَا صنعت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بئس صنع أَي: زَوجهَا فِي تمكينها من ذَلِك، أَو بئس مَا صنع أَبوهَا فِي موافقها. قَوْله: (قَالَ: ألم تسمعي) يحْتَمل أَن يكون فَاعل

стр. 6198

قَالَ هُوَ عُرْوَة، كَذَا قَالَ بَعضهم. قلت: فَاعل قَالَ هُوَ عُرْوَة بِلَا احْتِمَال، فَلْيتَأَمَّل. قَوْله: (إِمَّا أَنه) بِفَتْح همزَة أما وَتَخْفِيف ميمها، وَهِي حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلا وَكلمَة: أَن، بعْدهَا تكسر بِخِلَاف، إِمَّا، الَّتِي بِمَعْنى: حَقًا فَإِنَّهَا تفتح بعْدهَا، وَالضَّمِير فِي: أَنه، للشأن. قَوْله: (لَيْسَ لَهَا خير فِي ذكر هَذَا الحَدِيث) لِأَن الشَّخْص لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يذكر شَيْئا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَة. قَوْله: (وَزَاد ابْن أبي الزِّنَاد) ، أَي: زَاد عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد بالنُّون واسْمه عبد الله أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي فِيهِ مقَال، فَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا يحْتَج بحَديثه، وَقَالَ ابْن عدي: بعض رواياته لَا يُتَابع عَلَيْهَا، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة: ثِقَة صَدُوق وَفِي بعض حَدِيثه ضعف، وَعَن يحيى بن معِين: أثبت النَّاس فِي هِشَام بن عُرْوَة، اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) وروى لَهُ فِي غَيره، وروى لَهُ مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه، وروى لَهُ الْأَرْبَعَة، وَوصل هَذِه الزِّيَادَة الْمُعَلقَة أَبُو دَاوُد عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد: أَنبأَنَا ابْن وهب أَخْبرنِي عبد الحمن بن أبي الزِّنَاد. . فَذكره. قَوْله: (عابت عَائِشَة) ، يَعْنِي: على فَاطِمَة بنت قيس، وَقَالَت يَعْنِي: عَائِشَة. قَوْله: (وَحش) بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة أَي: مَكَان خَال لَا أنيس بِهِ. قَوْله: (فَلذَلِك) أَي: فلأجل كَونهَا فِي مَكَان وَحش أرخص لَهَا بالانتقال وَقد احْتَرَقَ ابْن حزم هُنَا، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل لِأَنَّهُ من رِوَايَة ابْن أبي الزِّنَاد وَهُوَ ضَعِيف جدا، ورد بِمَا ذكرنَا، وَلَا سِيمَا قَول يحيى بن معِين: هُوَ أثبت النَّاس فِي هِشَام بن عُرْوَة. وَالْحَاصِل من هَذِه الْأَحَادِيث بَيَان رد عَائِشَة حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس على الْوَجْه الَّذِي ذكرته من غير بَيَان الْعلَّة فِيهِ، وَأَن الْمُطلقَة المبانة لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَحَدِيث فَاطِمَة رده عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا نَدع كتاب رَبنَا وَلَا سنة نَبينَا ﷺ بقول امْرَأَة لَا نَدْرِي صدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت؟ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: للمطلقة الثَّلَاث النَّفَقَة وَالسُّكْنَى مَا دَامَت فِي الْعدة، ورده أَيْضا زيد بن ثَابت وَأُسَامَة بن زيد وَجَابِر وَعَائِشَة ﵃، وَقَالَ بَعضهم: ادّعى. بعض الْحَنَفِيَّة أَن فِي بعض طرق حَدِيث عمر: للمطلقة ثَلَاثًا السُّكْنَى وَالنَّفقَة، ورده ابْن السَّمْعَانِيّ بِأَنَّهُ من قَول بعض المجازفين فَلَا تحل رِوَايَته، وَقد أنكر أَحْمد ثُبُوت ذَلِك عَن عمر أصلا وَلَعَلَّه أَرَادَ مَا ورد من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لكَونه لم يلقه. انْتهى. قلت: مَا المجازف إلَاّ من ينْسب المجازفة إِلَى الْعلمَاء من غير بَيَان، فَإِن كَانَ مُسْتَنده إِنْكَار أَحْمد ثُبُوت ذَلِك عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَا يفِيدهُ ذَلِك لِأَن الَّذين قَالُوا بذلك يَقُولُونَ بِثُبُوت ذَلِك عَن عمر، فالمثبت أولى من النَّافِي لِأَن مَعَه زِيَادَة علم. وَقد قَالَ الطَّحَاوِيّ، الَّذِي هُوَ إِمَام جهبذ فِي هَذَا الْفَنّ: لما جَاءَت فَاطِمَة بنت قيس فروت عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ لَهَا: إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفقَة لمن كَانَت عَلَيْهَا الرّجْعَة، خَالَفت بذلك كتاب الله تَعَالَى نصا، لِأَن كتاب الله تَعَالَى قد جعل السُّكْنَى لمن لَا رَجْعَة عَلَيْهَا، وخالفت سنة رَسُول الله ﷺ ، لِأَن عمر ﵁، وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ خلاف مَا رَوَت، فَخرج الْمَعْنى الَّذِي مِنْهُ أنكر عَلَيْهَا عمر مَا أنكر خُرُوجًا صَحِيحا، وَبَطل حَدِيث فَاطِمَة فَلم يجب الْعَمَل بِهِ أصلا انْتهى. وَأَرَادَ بقوله: قد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ خلاف مَا رَوَت. قَوْله: سَمِعت النَّبِي ﷺ ، يَقُول لَهَا: السُّكْنَى وَالنَّفقَة، أَي للمبتوتة، وَكَذَا روى جَابر بن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: الْمُطلقَة ثَلَاثًا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفقَة، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حَرْب بن أبي الْعَالِيَة عَن أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ ، فَذكره. فَإِن قلت: قَالَ عبد الْحق فِي (أَحْكَامه) : وَحرب بن أبي الْعَالِيَة لَا يحْتَج بِهِ، ضعفه يحيى بن معِين فِي رِوَايَة الداروردي عَنهُ، وَضَعفه فِي رِوَايَة ابْن أبي خَيْثَمَة، وَالْأَشْبَه وَقفه على جَابر. انْتهى. قلت: حَدِيث حَرْب بن أبي الْعَالِيَة فِي (صَحِيح مُسلم) وَأخرج لَهُ أَيْضا الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَيَكْفِي توفيق مُسلم إِيَّاه، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث الشّعبِيّ عَن فَاطِمَة أَنَّهَا أخْبرت عمر بن الْخطاب بِأَن زَوجهَا طَلقهَا ثَلَاثًا، فَأَتَت النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: لَا نَفَقَة لَك وَلَا سُكْنى، فَأخْبرت بذلك النَّخعِيّ فَقَالَ: أخبر عمر ذَلِك فَقَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ ، يَقُول: لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفقَة. فَإِن قلت: لم يدْرك إِبْرَاهِيم عمر لِأَنَّهُ ولد بعده بِسنتَيْنِ. قلت: لَا يضر ذَلِك لِأَن مُرْسل إِبْرَاهِيم يحْتَج بِهِ، وَلَا سِيمَا على أصلنَا، فَافْهَم. ٢٤ - (بابُ المُطَلَّقَة إذَا خُشِيَ عَلَيْها فِي مَسْكَنِ زوْجِها أنْ يُقْتَحَمَ عَليْها أوْ تبذُوَ على أهْلِها بِفاحشِةٍ)

стр. 6199

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمَرْأَة الْمُطلقَة إِذا خشِي عَلَيْهَا فِي مسكن زَوجهَا فِي أَيَّام عدتهَا أَن يقتحم عَلَيْهَا زَوجهَا من الاقتحام وَهُوَ الهجوم على الشَّخْص من غير إِذن. قَوْله: (أَو تبذو) من الْبذاء بِالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة. وَهُوَ القَوْل الْفَاحِش. وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: الخشية من اقتحام زَوجهَا. وَالْآخر: بذاءة اللِّسَان، وَلم يذكر مَا يُطَابق الثَّانِي وَكَأَنَّهُ قَاس الثَّانِي على الأول، وَالْجَامِع بَينهمَا رِعَايَة الْمصلحَة وَشدَّة الْحَاجة إِلَى الِاحْتِرَاز عَنهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ عَن عَائِشَة: أخرجك هَذَا اللِّسَان، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا على عَادَته إِمَّا أَن يقدر نَحْو: تنْتَقل أَوَّلهمْ نقلهَا إِلَى مسكن غير مسكن زَوجهَا، وَإِمَّا أَن يَكْتَفِي بِمَا يبين فِي الحَدِيث وَفِي رِوَايَة الْكشميهني على أَهله. ٧٢٣٥ -، ٨٢٣٥ حدّثني حبَّانُ أخْبرنا عبْدُ الله أخبْرنا ابنُ جُرَيْجٍ عَن ابْن شهَاب عنْ عُرْوَة: أنَّ عائِشَةَ ﵂، أنْكَرَتْ ذالِكَ على فاطِمَة. أخرج هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا عَن حبَان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وتشديدالباء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة أنْكرت ذَلِك أَي: قَوْلهَا فِي سُكْنى الْمُعْتَدَّة. فَالْبُخَارِي أورد هَذَا من طَرِيق ابْن جريج عَن ابْن شهَاب مُخْتَصرا، أَو أوردهُ مُسلم من طَرِيق صَالح بن كيسَان عَن ابْن شهَاب أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أخبرهُ أَن فَاطِمَة بنت قيس أخْبرته أَنَّهَا كَانَت تَحت أبي عَمْرو بن حَفْص بن الْمُغيرَة، فَطلقهَا آخر ثَلَاث تَطْلِيقَات، فَزَعَمت أَنَّهَا جَاءَت رَسُول الله ﷺ تستفتيه فِي خُرُوجهَا من بَيتهَا فَأمرهَا أَن تنْتَقل إِلَى ابْن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، فَأبى مَرْوَان أَن يصدق فِي خُرُوج الْمُطلقَة من بَيتهَا، وَقَالَ عُرْوَة: إِن عَائِشَة أنْكرت على فَاطِمَة بنت قيس. وحدثنيه مُحَمَّد بن رَافع قَالَ: حَدثنَا حجين قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب بِهَذَا الْإِسْنَاد مثله مَعَ قَول عُرْوَة: إِن عَائِشَة أنْكرت ذَلِك على فَاطِمَة. ٣٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٢) وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ (الْبَقَرَة: ٨٢٢) منَ الحَيْضِ والحَمْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يحل لَهُنَّ﴾ أَي: للنِّسَاء ﴿أَن يكتمن﴾ أَي: يخفين ﴿مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ من الْحيض وَالْحمل. كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. قَوْله: (من الْحيض وَالْحمل) وَهُوَ تَفْسِير لما قبله، وَلَيْسَ من الْآيَة، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْحكم بن عتيبة وَالربيع بن أنس وَالضَّحَّاك وَغير وَاحِد. قَوْله: (وَالْحمل) بِالْمِيم، ويروى بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا خلق الله فِي أرحامهن من الْوَلَد أَو من أَو من دم الْحيض، وَذَلِكَ إِذا أَرَادَت الْمَرْأَة فِرَاق زَوجهَا فكتمت حملهَا لِئَلَّا تنْتَظر لطلاقها أَن تضع، وَلِئَلَّا تشفق على الْوَلَد فَيتْرك، أَو كتمت حَيْضهَا. فَقَالَت وَهِي حَائِض قد طهرت، استعجالاً للطَّلَاق. انْتهى. وَفصل أَبُو ذَر بَين قَوْله: ﴿فِي أرحامهن﴾ وَبَين قَوْله: من الْحيض وَالْحمل، بدائرة إِشَارَة إِلَى أَنه أُرِيد بِهِ التَّفْسِير لَا أَنَّهَا قِرَاءَة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لَفْظَة: من فِي قَوْله: من الْحيض، وَالْمَقْصُود من الْآيَة أَن أَمر الْعدة لما دَار على الْحيض وَالطُّهْر والإطلاع على ذَلِك يَقع من جِهَة النِّسَاء غَالِبا، جعلت الْمَرْأَة مؤتمنة على ذَلِك. وَقَالَ أبي بن كَعْب: إِن من الْأَمَانَة أَن الْمَرْأَة ائتمنت على فرجهَا، وَقَالَ إِسْمَاعِيل: هَذِه الْآيَة تدل على أَن الْمَرْأَة الْمُعْتَدَّة مؤتمنة على رَحمهَا من الْحيض وَالْحمل، فَإِن قَالَت: قد حِضْت كَانَت مصدقة، وَإِن قَالَت: قد ولدت كَانَ مصدقة، إلَاّ أَن تَأتي من ذَلِك مَا يعرف من كذبهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كل مؤتمن فَالْقَوْل قَوْله. ٩٢٣٥ - حدّثنا سليْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إبرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشةَ، ﵂، قالَتْ: لمَّا أَرَادَ رسولُ الله ﷺ أنْ يَنْفِرَ إذَا صَفِيّةُ على بابِ خِبائِها كَئِيبَةً. فَقَالَ لَهَا: عَقْرَى أوْ حَلْقى، إنّكِ لحَابِسَتُنَا، أَكُنْتِ أفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فانْفِرِي إِذا. ابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ شَاهدا لتصديق النِّسَاء فِيمَا يدعينه من الْحيض، أَلا ترى أَنه ﷺ لم يمْتَحن صَفِيَّة فِي قَوْلهَا وَلَا أكذبها. وَالْحكم هُوَ ابْن عتيبة، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد. والْحَدِيث قد مر فِي الْحَج فِي بَاب التَّمَتُّع.

стр. 6200

قَوْله: (أَن ينفر) أَي: من الْحَج وللحج نفر إِن النَّفر الأول هُوَ الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام التَّشْرِيق، والنفر الثَّانِي هُوَ الْيَوْم الثَّالِث. قَوْله: (إِذا) للمفاجأة، وَصفِيَّة هِيَ بنت حييّ أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (كئيبة) أَي: حزينة. قَوْله: (عقرى) مَعْنَاهُ: عقر الله جَسدهَا وأصابها وجع فِي حلقها، وَقيل: هُوَ مصدر كدعوى، وَقيل: مصدر بِالتَّنْوِينِ وَالْألف فِي الْكِتَابَة، وَقيل: هُوَ جمع عقير، وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو عَمْرو يُقَال ذَلِك للْمَرْأَة إِذا كَانَت مسوفة مؤذية، وَقيل: الْعَرَب تَقول ذَلِك لمن دهمه أَمر وَهُوَ بِمَعْنى الدُّعَاء لكنه جرى على لسانهم من غير قصد إِلَيْهِ. قَوْله: (أَو حلقي) شكّ من الرَّاوِي، وروى بِالتَّنْوِينِ فِي: عقري وحلقي، بجعلهما مصدرين، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة، وَأهل الحَدِيث على ترك التَّنْوِين. قَوْله: (لحابستنا) أسْند الْحَبْس إِلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت سببت توقفهم إِلَى وَقت طَهَارَتهَا عَن الْحيض. قَوْله: (أَكنت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (أفضت) . أَي: طفت طواف الزِّيَارَة. قَوْله: (أنفري) أَي: إذهبي لِأَن طواف الْوَدَاع سَاقِط عَن الْحَائِض. ٤٤ - (بابٌ ﴿ (٢) وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ (الْبَقَرَة: ٨٢٢) فِي العِدَّةِ وكَيْفَ يُراجِعُ المْرأةَ إذَا طَلّقها واحدِةً أوْ ثِنْتَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ والبعولة جمع بعل وَهُوَ الزَّوْج، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: زَوجهَا الَّذِي طَلقهَا أَحَق بردهَا مَا دَامَت فِي عدتهَا، وَهُوَ معنى قَوْله: فِي الْعدة، وَقيد بذلك لِأَن عدتهَا إِذا انْقَضتْ لَا يتبقى محلا للرجعة فَيحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى الاسْتِئْذَان وَالْإِشْهَاد وَالْعقد الْجَدِيد بِشُرُوطِهِ. قَوْله: (فِي الْعدة) لَيْسَ من الْآيَة، وَلذَلِك فصل أَبُو ذَر بَين قَوْله: (بردهن) وَبَين قَوْله: (فِي الْعدة) بدائرة إِشَارَة إِلَى أَنه لَيْسَ من الْآيَة، وَإِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد بأحقية الرّجْعَة من كَانَت فِي الْعدة، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَفِي بعض النّسخ: ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك﴾ أَي: فِي الْعدة، وَهَذَا وَاضح فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر شَيْء، وَفِي بعض النّسخ أَيْضا بعد قَوْله فِي الْعدة. ﴿وَلَا تعضلوهن﴾ وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَاخْتلفُوا فِيمَا يكون بِهِ مراجعاً، فَقَالَت طَائِفَة: إِذا جَامعهَا فقد رَاجعهَا، رُوِيَ ذَلِك عَن سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وطاووس وَالْأَوْزَاعِيّ، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة، وَقَالا أَيْضا: إِذا لمسها أَو نظر إِلَى فرجهَا بِشَهْوَة من غير قصد الرّجْعَة فَهِيَ رَجْعَة، وَيَنْبَغِي أَن يشْهد. وَقَالَ مَالك وَإِسْحَاق: إِذا وَطئهَا فِي الْعدة وَهُوَ يُرِيد الرّجْعَة وَجَهل أَن يشْهد فَهِيَ رَجْعَة، وَيَنْبَغِي للْمَرْأَة أَن تَمنعهُ الْوَطْء حَتَّى يشْهد. وَقَالَ ابْن أبي ليلى: إِذا رَاجع وَلم يشْهد صحت الرّجْعَة، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا أَيْضا، وَالْإِشْهَاد مُسْتَحبّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا تكون الرّجْعَة إلَاّ بالْكلَام، فَإِن جَامعهَا بنية الرّجْعَة فَلَا رَجْعَة وَلها عَلَيْهِ مهر الْمثل، وَاسْتشْكل لِأَنَّهَا فِي حكم الزَّوْجَات. وَقَالَ مَالك: إِذا طَلقهَا وَهِي حَائِض أَو نفسَاء أجبر على رَجعتهَا، وروى ابْن أبي شيبَة عَن جَابر بن زيد إِذا رَاجع فِي نَفسه فَلَيْسَ بِشَيْء قَوْله: (وَكَيف يُرَاجع) جُزْء آخر للتَّرْجَمَة، وَيُرَاجع على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلم يذكر جَوَاب الْمَسْأَلَة إِمَّا بِنَاء على عَادَته اعْتِمَادًا على معرفَة النَّاظر بذلك، وَإِمَّا اكْتِفَاء بِمَا يعلم من أَحَادِيث الْبَاب. ٠٣٣٥ - حدّثني مُحَمَّدٌ أخبرنَا عبْدُ الوَهَّابِ حدَّثنا يُونُسُ عنِ الحَسَنِ قَالَ: زوَّجَ مَعْقِلٌ اخْتَهُ فَطَلّقها تَطْلِيقَةً. ١٣٣٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتادَةَ حَدثنَا الحَسَنُ أنَّ مَعْقِلَ بنَ يَسارٍ كانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ رجُلٍ فَطَلّقَها، ثُمَّ خَلَى عنْها حتَّى انْقَضَتْ عدَّتُها ثُمَّ خَطَبَها، فَحَمِيَ مَعْقِلٌ مِنْ ذالِكَ أنفًا، فَقَالَ: خَلّى عَنْها وهْوَ يَقْدِرُ عَلَيْها ثُمَّ يَخْطُبُها؟ فَحال بَيْنَهُ وبَيْنَهَا، فأنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿ (٢) وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢) إِلَى آخِرِ الآيَة، فَدَعاهُ رسولُ الله ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الحَمِيّةَ واسْتَقادَ لأِمْرِ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ خلَّى عَنْهَا) قَالَه الْكرْمَانِي. وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد فَذكره بِغَيْر نِسْبَة، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْجَمِيع، قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ ابْن سَلام، وَقَالَ غَيره بِالْجَزْمِ: إِنَّه ابْن سَلام عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد عَن يُونُس بن عبيد الْبَصْرِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْأَعْلَى عَن سعيد بن أبي عرُوبَة

стр. 6201

عَن قَتَادَة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ: إِن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين. والْحَدِيث مر فِي التَّفْسِير فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي بَاب ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٢ و ٢٣٢) الْآيَة، وَفِي النِّكَاح فِي: بَاب من قَالَ: (لَا نِكَاح إلَاّ بولِي) ، وَمر الْكَلَام فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْله: (فحمي) ، بِكَسْر الْمِيم من قَوْلهم: حميت عَن كَذَا حمية بِالتَّشْدِيدِ إِذا أنفت مِنْهُ وداخلك عَار. قَوْله: (أنفًا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَالنُّون وبالفاء أَي: اترك الْفِعْل غيظاً وترفعاً. قَوْله: (وَهُوَ يقدر عَلَيْهَا) بِأَن يُرَاجِعهَا قبل انْقِضَاء الْعدة. قَوْله: (فَترك الحمية) . بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: (واستقاد) ، بِالْقَافِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أَي أعْطى مقادته يَعْنِي طاوع وامتثل لأمر الله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: واستراد بالراء بدل الْقَاف من الرود وَهُوَ الطّلب أَي: طلب الزَّوْج الأول ليزوجها لأجل حكم الله بذلك، أَو أَرَادَ رُجُوعهَا إِلَى الزَّوْج الأول، وَرَضي بِهِ لحكم الله بِهِ، وَكَذَا وَقع فِي أصل الدمياطي بالراء وَفَسرهُ بقوله: لِأَن وَرجع وانقاد ... ذكره ابْن التِّين بِلَفْظ: استعاد، وَقَالَ كَذَا وَقع عِنْد الشَّيْخ أبي الْحسن، بتَشْديد الدَّال وبالألف، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن ألف المفاعلة لَا تَجْتَمِع مَعَ سين الاستفعال، ثمَّ قَالَ: وَعند أبي ذَر: واستقاد لأمر الله، أَي: أذعن وأطاع، وَهَذَا ظَاهر. ٢٣٣٥ - حدّثنا قُتَيْبةُ حَدثنَا اللّيْثُ عنْ نافعِ أنَّ ابنَ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، ﵄، طَلّقَ امْرَأةً لهُ وهْيَ حائِضٌ تَطْلِيقَةً واحِدةً، فأمَرَهُ رسولُ الله ﷺ ، أنْ يُرَاجِعَها ثُمَّ يُمْسِكَها حتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةُ أُخْرَى ثُمَّ يُمْهِلَها حتّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِها، فإنْ أرَادَ أنْ يُطَلِّقها فَلْيُطَلِّقْها حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أنْ يُجامِعَها. فَتِلْكَ العِدَّةُ الّتِي أمَرَ الله أنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّساءُ. وكانَ عبْدُ الله إذَا سُئِلَ عنْ ذالِكَ قَالَ لأَحَدِهِمْ: إنْ كُنْتَ طَلَّقْتَها ثلَاثاً فقدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غيْرَكَ. وزَاد فِيهِ غَيْرُهُ عنِ اللَّيْثِ: حدّثني نافِعٌ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَو مَرَّتَيْنِ فإنَّ النبيَّ ﷺ أمَرنِي بِهاذَا. ابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب الطَّلَاق، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (غَيره) أَي: غير قُتَيْبَة شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (لَو طلقت مرّة) جَزَاؤُهُ مَحْذُوف أَي: لَكَانَ خيرا.

стр. 6202

٤٥ - (بَابُ: ﴿مُرَاجَعَةِ الحَائِضِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مُرَاجعَة الْحَائِض الَّتِي طلقت. ٥٣٣٣ - حدَّثنا حَجَّاجٌ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ حدَّثني يُونُسُ بنُ جُبَيْرٍ سَأَلْتُ ابنَ عُمَرَ فَقَالَ: طَلَّقَ ابنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَسألَ عُمَرُ النبيِّ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يُرَاجِعَها ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِها. قُلْتُ: فَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: أرَأيْتَ إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وحجاج على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ هُوَ ابْن منهال بِكَسْر الْمِيم، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن إِبْرَاهِيم التسترِي. والْحَدِيث مر فِي أَوَائِل الطَّلَاق عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن ابْن سِيرِين، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (سَأَلت ابْن عمر) عَمَّن يُطلق امْرَأَته وَهِي حَائِض. فَقَالَ فِي جَوَابه (طلق ابْن عمر) معبرا بِلَفْظ الْغَيْبَة عَن نَفسه. قَوْله: (فَسَأَلَ عمر) فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَسَأَلت أبي عمر عَن ذَلِك، فَسَأَلَ عمر النَّبِي، ﷺ ، بقوله: (من قبل) بِضَم الْقَاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: وَقت اسْتِقْبَال الْعدة والشروع فِيهَا أَن يطلقهَا فِي الطُّهْر. قَوْله: (قلت) الْقَائِل هُوَ يُونُس بن جُبَير. قَوْله: (فَتعْتَد) على صِيغَة الْمَجْهُول الِاسْتِفْهَام مُقَدّر أَي: تعْتَبر تِلْكَ التطليقة وتحتسبها وتحكم بِوُقُوع طَلْقَة قَوْله: (قَالَ) أَي: ابْن عمر فِي الْجَواب معبرا عَن نَفسه بِلَفْظ الْغَيْبَة أَيْضا (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي أَن ابْن عمر (إِن عجز واستحمق) فَمَا يمنعهُ أَن يكون طَلَاقا يَعْنِي: نعم تحتسب وَلَا يمْنَع احتسابها عَجزه وحماقته، وَقد مر تَحْقِيقه فِي أول الطَّلَاق. وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ دلَالَة على أَن الْأَقْرَاء الْأَطْهَار. وَفِيه: حجَّة على أبي حنيفَة فِي قَوْله الْأَقْرَاء الْحيض قلت: سُبْحَانَ الله فَمَا معنى تَخْصِيص أبي حنيفَة فِي ذَلِك وَهُوَ لم ينْفَرد بِهَذَا القَوْل؟ وَلَكِن أريحة التعصب الْبَاطِل تحملهم على ذَلِك على مَا لَا يخفى. ٤٦ - (بَابٌ: ﴿تُحِدُّ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ تُحدُّ إِلَى آخِره. قَالَ بَعضهم: تحدَّ بِضَم أَوله وَكسر ثَانِيه من الرباعي. قلت: هَذَا لَيْسَ باصطلاح أهل الصّرْف بل يُقَال: هَذَا من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ من أحد، على وزن أفعل يحد إحدادا. وَقَالَ ثَعْلَب: يُقَال حدت الْمَرْأَة على زَوجهَا تحد وتحد حدادا إِذا تركت الزِّينَة فَهِيَ حاد، وَيُقَال أَيْضا: أحدت فَهِيَ مَحْدُود، وَقَالَ الْفراء: إِنَّمَا كَانَت بِغَيْر هَاء لِأَنَّهَا لَا تكون للذّكر، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: الْمَعْنى أَنَّهَا منعت الزِّينَة نَفسهَا وَالطّيب بدنهَا ومنعت بذلك الخطّاب خطبتها والطمع فِيهَا، كَمَا منع حد السكين

стр. 6203

وحد الدَّار مَا منعهَا. وَفِي (نَوَادِر اللحياني) بِأحد جَاءَ الحَدِيث لَا يحد، قَالَ: وَحكى الْكسَائي عَن عقيل: حدت، بِغَيْر ألف، وَفِي (شرح الدَّمِيرِيّ) روى: بِالْحَاء وبالجيم وَبِالْحَاءِ أشهر وبالجيم مَأْخُوذ من جددت الشَّيْء إِذا قطعته، فَكَأَن الْمَرْأَة انْقَطَعت عَن الزِّينَة وَمَا كَانَت عَلَيْهِ أَولا قبل ذَلِك، وَفِي (تَقْوِيم المسد) لأبي حَاتِم أبي الْأَصْمَعِي: حدت وَلم يعرف إلَاّ أحدت. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَرَى أنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ المُتَوَفَّى عَنْهَا الطَّيِبَ لأنَّ عَلَيْها العِدَّةَ أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. قَوْله: (الصبية) ، بِالرَّفْع على الفاعلية، (وَالطّيب) بِالنّصب على المفعولية، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِالْعَكْسِ وَهُوَ ظَاهر، وَإِنَّمَا ذكر الصبية لِأَن فِيهِ خلافًا، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: لَا حداد عَلَيْهَا. وَقَالَ مَالك: وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر: عَلَيْهَا الْحداد. قَوْله: (لِأَن عَلَيْهَا الْعدة) ، أَي: على الصبية، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّهَا كالبالغة فِي وجوب الْعدة. ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنَا مِالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرو بنِ حَزْمِ عَنْ حُمَيْدِ بنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ أنَّها أخْبَرَتْهُ هاذِهِ الأحادِيثَ الثَلاثة. ٥٣٣٤ - قَ الَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، حِينَ تُوُفِيَ أبُوها أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطيِبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أوْ غَيْرُهُ فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْها، ثُمَّ قَالَتْ: وَالله مَالِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لامْرَأَة تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثلاثِ لَيَال، إلاّ عَلَى زَوْجِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا. ٥٣٣٥ - قَ الَتْ زَيْنَبُ فَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ثُمَّ قَالَتْ: أمَا وَالله مَالِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: لَا يَحِلّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا. ٥٣٣٦ - قَ الَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأةٌ إلَى رَسُولِ الله، ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِن ابْنَتِي تُوُفِّي عَنْها زَوْجُها، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَها أفَتَكْحُلُها؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثا، كلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إنَّما هِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرا، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بَالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ. ٥٣٣٧ - قَ الَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ المَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها دَخَلَتْ حِفْشا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِها وَلَمْ تَمسَّ طيبا حَتَّى تَمُرَّ بِها سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتِى بِدَابَّةٍ: حِمارٍ أوْ شَاةٍ أوْ طَائِر، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيءٍ إلَاّ مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطِى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِها ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيب أوْ غَيْرِهِ. وَسُئِلَ مَالِكٌ رَحْمَةُ الله: مَا تَفْتَضُّ بِهِ؟ قَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحميد بن نَافِع أَبُو أَفْلح الْأنْصَارِيّ، وَزَيْنَب بنت أبي سَلمَة بن عبد الْأسد، وَهِي بنت أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَهِي ربيبة النَّبِي ﷺ ، وَزعم ابْن التِّين أَنَّهَا لَا رِوَايَة لَهَا عَن النَّبِي ﷺ وَقد أخرج لَهَا مُسلم حَدِيثهَا: كَانَ اسْمِي برة فسماني رَسُول الله ﷺ زَيْنَب، وَأخرج لَهَا البُخَارِيّ حَدِيثا تقدم فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة. وَقَالَ أَبُو عمر: ولدتها أمهَا بِأَرْض الْحَبَشَة وقدمت بهَا وحفظت عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَانَت عِنْد عبد الله بن زَمعَة بن الْأسود فَولدت لَهُ وَكَانَت من أفقه نسَاء

стр. 6204

زمانها. والْحَدِيث الأول: من الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة وَهُوَ عَن أم حَبِيبَة. والْحَدِيث الثَّانِي: وَهُوَ عَن زَيْنَب بنت جحش. قد مضيا فِي الْجَنَائِز فِي بَاب إحداد الْمَرْأَة على غير زَوجهَا. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك إِلَى آخِره. وَأخرج. الحَدِيث الثَّالِث: وَهُوَ عَن أم سَلمَة فِي الطِّبّ عَن مُسَدّد عَن يحيى، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعني عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ عَن مَالك بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّلَاق عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. قَوْله: (قَالَت زَيْنَب: سَمِعت أم سَلمَة) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَوَقع فِي (الْمُوَطَّأ) : سَمِعت أُمِّي أم سَلمَة، وَزَاد عبد الرَّزَّاق عَن مَالك: بنت أبي أُميَّة زوج النَّبِي ﷺ . قَوْله: (جَاءَت امْرَأَة) زَاد النَّسَائِيّ من طَرِيق اللَّيْث عَن حميد بن نَافِع: جَاءَت امْرَأَة من قُرَيْش، وسماها ابْن وهب فِي موطئِهِ عَاتِكَة بنت نعيم بن عبد الله. قَوْله: (وَقد اشتكت عينهَا) قيل يجوز فِيهِ وَجْهَان ضم النُّون على الفاعلية على أَن تكون الْعين هِيَ المشتكية وَفتحهَا على أَن يكون فِي اشتكت ضمير الْفَاعِل وَهِي الْمَرْأَة، وروى: عَيناهَا، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (أفتكحلها) ؟ بِضَم الْحَاء. قَوْله: (لَا) أَي: لَا تكحلها، وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة عَن حميد بن نَافِع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هَذَا النَّهْي لَيْسَ على وَجه التَّحْرِيم، وَلَئِن سلمنَا أَنه للتَّحْرِيم فَإِذا كَانَت الضَّرُورَة فَإِن دين الله يسر يَعْنِي: الْحُرْمَة تثبت إلاّ عِنْد شدَّة الضَّرَر والضرورة، أَو مَعْنَاهُ: لَا تكتحل بِحَيْثُ يكون فِيهِ زِينَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ: دَلِيل على تَحْرِيم الاكتحال على الحادة سَوَاء احْتَاجَت إِلَيْهِ أم لَا، ورد عَلَيْهِ الْمَنْع الْمُطلق. لِأَن الضَّرُورَة مُسْتَثْنَاة فِي الشَّرْع. وَفِي (الْمُوَطَّأ) اجعليه بِاللَّيْلِ وامسحيه بِالنَّهَارِ، وَوجه الْجمع بَينهمَا أَنَّهَا إِذا لم تحتج إِلَيْهِ لَا يحل، وَإِذا احْتَاجَت لم يجز بِالنَّهَارِ وَيجوز بِاللَّيْلِ. وَقيل: حَدِيث الْبَاب على من لم تتحق الْخَوْف على عينهَا ورد بِأَن فِي حَدِيث شُعْبَة: فحشوا على عينهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه رمدت رمدا شَدِيدا وَقد خشيت على بصرها. قَوْله: (مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) أَي: قَالَ: لَا تكتحل مرَّتَيْنِ أَو قَالَ: لَا ثَلَاث مَرَّات. وَقيل: يجوز الإكتحال، وَلَو كَانَ فِيهِ طيب، وحملوا النَّهْي على التَّنْزِيه. وَقيل: النَّهْي مَحْمُول على كحل مَخْصُوص وَهُوَ مَا يتزين بِهِ. قَوْله: (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا) كَذَا وَقع فِي الأَصْل. بِالنّصب على لفظ الْقُرْآن، وَيجوز بِالرَّفْع على الأَصْل، وَقيل: الْحِكْمَة فِيهِ أَن الْوَلَد يتكامل يخلقته وينفخ فِيهِ الرّوح بعد مُضِيّ مائَة وَعشْرين يَوْمًا. وَهِي زِيَادَة على أَرْبَعَة أشهر بِنُقْصَان الْأَهِلّة. فَيجْبر الْكسر إِلَى الْعدة على طَرِيق الِاحْتِيَاط، وَذكر الْعشْر مؤنثاً على إراد اللَّيَالِي وَالْمرَاد مَعَ أَيَّامهَا عِنْد الْجُمْهُور فَلَا تحل حَتَّى تدخل اللَّيْلَة الْحَادِي عشر، وَعند الْأَوْزَاعِيّ وَبَعض السّلف: تَنْقَضِي بِمَعْنى اللَّيَالِي الْعشْر بعد الْأَشْهر وَتحل فِي أول الْيَوْم الْعَاشِر. قَوْله: (قَالَ حميد) هُوَ ابْن نَافِع رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم. قَوْله: (فَقلت لِزَيْنَب) هِيَ بنت أم سَلمَة. قَوْله: (وَمَا ترمي بالبعرة) أَي: بيني لي المُرَاد بِهَذَا الْكَلَام الَّذِي خوطبت بِهِ هَذِه الْمَرْأَة. قَوْله: (فَقَالَت زَيْنَب: كَانَت الْمَرْأَة) الخ هَكَذَا وَقع غير مُسْند. قَوْله: (حفشا) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبالشين الْمُعْجَمَة فسره أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته من طَرِيق مَالك: بِالْبَيْتِ الصَّغِير، وَعند النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن الْقَاسِم عَن مَالك الخفش الخص، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالصاد الْمُهْملَة، وَقَالَ الشَّافِعِي: الخفش الْبَيْت الذَّلِيل الشعث الْبناء، وَقيل: هُوَ شَيْء من خوص يشبه القفة تجمع فِيهِ الْمُعْتَدَّة متاعها من غزل وَنَحْوه، وَقيل: بَيت صَغِير حقير قريب السّمك. وَقيل: بَيت صَغِير ضيق لَا يكَاد يَتَّسِع للتقلب. وَقَالَ: أَبُو عبيد الحفش الدرج، وَجمعه أحفاش شبه بَيت الحادة فِي صغره بالدرج، وَقَالَ الْخطابِيّ: سمي حفشا لضيقه وانضمامه والتحفش الانضمام والاجتماع. قَوْله: (حَتَّى تمر بهَا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَهَا، بِاللَّامِ. قَوْله: (ثمَّ تؤتي بِدَابَّة) بِالتَّنْوِينِ قَوْله: (حمَار) بِالْجَرِّ والتنوين على الْبِدَايَة. قَوْله: (أَو شَاة أَو طَائِر) كلمة: أَو فِيهِ للتنويع وَإِطْلَاق الدَّابَّة على مَا ذكر بطرِيق اللُّغَة لَا بطرِيق الْعرف. قَوْله: (فتفتض بِهِ) بِالْفَاءِ ثمَّ التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ثمَّ بضاد مُعْجمَة وَقَالَ الْخطابِيّ من فضضت الشَّيْء إِذا كَسرته أَو فرقته أَي: أَنَّهَا كَانَت تكسر مَا كَانَت فِيهِ من الْحداد بِتِلْكَ الدَّابَّة وَقَالَ الْأَخْفَش: مَعْنَاهُ تنظف بِهِ، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْفضة تَشْبِيها لَهُ بنقائها وبياضها. وَقَالَ القتبي: سَأَلت الْحِجَازِيِّينَ عَنْهَا. فَقَالُوا: بِأَن الْمُعْتَدَّة كَانَت لَا تَغْتَسِل وَلَا تمس مَاء وَلَا تقلم ظفرا وَتخرج بعد الْحول بأقبح منظر ثمَّ تفتض أَي: تكسر مَا هِيَ فِيهِ من الْعدة بطائر تمسح بِهِ قبلهَا وتنبذه، فَلَا يكَاد يعِيش وَفَسرهُ مَالك بقوله: (تفتض بِهِ) تمسح بِهِ جلدهَا كالنشرة، كَمَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ ابْن وهب: تمسح

стр. 6205

بِيَدِهَا عَلَيْهِ وعَلى ظَهره، وَقيل: مَعْنَاهُ تمسح بِهِ ثمَّ تفتض أَي: تَغْتَسِل بِالْمَاءِ العذب حَتَّى تصير بَيْضَاء نقية كالفضة، وَقَالَ الْخَلِيل: الفضض المَاء العذب يُقَال: افتضضت بِهِ أَي: اغْتَسَلت بِهِ. وَقيل: تفتض أَي تفارق مَا كَانَت عَلَيْهِ، وَذكر الْأَزْهَرِي أَن الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، رَوَاهُ: تقبص، بِالْقَافِ وبالياء الْمُوَحدَة وَالصَّاد الْمُهْملَة. وَهُوَ الْأَخْذ بأطراف الْأَصَابِع، وَقِرَاءَة الْحسن: فقبضت قَبْضَة من أثر الرَّسُول، وَالْمَعْرُوف الأول. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون الْبَاء فِي تفتض بِهِ للتعدية أَو زَائِدَة يَعْنِي: تفتض الطَّائِر بِأَن تكسر بعض أعضاءه، وَلَعَلَّ غرضهن مِنْهُ الْإِشْعَار بإهلاك مَا كن فِيهِ، وَمن الرَّمْي الِانْفِصَال مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ. قَوْله: (فتعطى) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بَعرَة) بِفَتْح النُّون وسكونها. قَوْله: (فترمى بهَا) أَي: بِتِلْكَ البعرة وَفِي رِوَايَة مطرف وَابْن الْمَاجشون عَن مَالك: ترمي ببعرة من بعر الْغنم أَو الْإِبِل فترمي بهَا أمامها فَيكون ذَلِك إحلالاً لَهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: ترمي ببعرة من بعر الْغنم من وَرَاء ظهرهَا، ثمَّ قيل: المُرَاد برمي البعرة إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا رمت الْعدة رمي البعرة. وَقيل: إِشَارَة إِلَى أَن الْفِعْل الَّذِي فعلته من التَّرَبُّص وَالصَّبْر على الْبلَاء الَّذِي كَانَت فِيهِ لما انْقَضى، كَانَ عِنْدهَا بِمَنْزِلَة البعرة الَّتِي رمتها اسْتِخْفَافًا واستحقارا وتعظيما لحقِّ زَوجهَا وَقيل: بل ترميها على سَبِيل التفاؤل لعدم عودهَا إِلَى ذَلِك. قَوْله: (سُئِلَ مَالك: مَا تفتض) أَي: مَا مَعْنَاهُ. ٤٧ - (بَابُ: ﴿الكُحْلِ لِلْحَادَّةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِعْمَال الْكحل للْمَرْأَة الحادة أَي: الَّتِي تحد، بِفَتْح التَّاء وَضم الْحَاء، وَأما المحدة فَمن أحدت كَمَا بَيناهُ عَن قريب، وَقَالَ ابْن التِّين الصَّوَاب الحاد بِلَا هَاء لِأَنَّهُ نبت للمؤنث كطالق: حَائِض، وَقَالَ بَعضهم: لكنه جَائِز فَلَيْسَ بخطأ. قلت: إِن كَانَ يُقَال فِي طَالِق طالقة وَفِي حَائِض حائضة يُقَال: أَيْضا حادة وَإِن كَانَ لَا يُقَال طالقة وَلَا حائضة فَلَا يُقَال حادة، وَالصَّوَاب مَعَ ابْن التِّين، وَالَّذِي ادّعى جَوَازه فِيهِ نظر لَا يخفى. ٥٣٣٨ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ نَافعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّها أنَّ امْرَأةً تُوُفِّيَ زَوْجُها فَحَشُوا عَيْنَيْها. فَأتَوْا رَسُولَ الله ﷺ ، فَاستأذَنُوهُ فِي الكُحْلِ فَقَال: لَا تَكْحُلُ، قَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أحْلاسها. أَو شَرِّ بَيْتها. فَإِذا كانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، فَلا حَتَّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُر وَعَشْرٌ. ٥٣٣٩ - وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُُمِّ حَبِيبَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَالَ: لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أيَامٍ إلَاّ عَلَى زَوْجها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِيمَا قبل هَذَا الْبَاب وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فحشوا عينيها) ويروى: على عينيها، وحشوا بِفَتْح الْحَاء وَضم الشين وَأَصله: حشيوا، بِضَم الْيَاء: استثقلت الضمة على الْيَاء فنقلت إِلَى مَا قبلهَا بعد سلب حركتها فَالتقى ساكنان الْيَاء وَالْوَاو فحذفت الْيَاء وَلم تحذف الْوَاو لِأَنَّهَا عَلامَة الْجمع فَصَارَت: حَشْو على وزن: فعو. فَافْهَم. قَوْله: (لَا تكحل) بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الْحَاء وَضم اللَّام، وَأَصله: لَا تتكحل، بتاءين فحذفت إِحْدَاهمَا، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: لَا تكحل، بِسُكُون الْكَاف وَضم الْحَاء وَاللَّام، ويروى: لَا تكتحل من الاكتحال من بَاب الافتعال. قَوْله: (أحلاسها) جمع حلْس بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَهُوَ الثَّوْب أَو الكساء الرَّقِيق يكون تَحت البردعة. قَوْله: (أَو شرِّ بَيتهَا) شكّ من الرَّاوِي، وَذكر وصف ثِيَابهَا وَوصف مَكَانهَا. قَوْله: (فَلَا حَتَّى تمْضِي) أَي: فَلَا تكتحل حَتَّى تمْضِي أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام. قَوْله: (وَسمعت) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ حميد ابْن نَافِع الرَّاوِي، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم. قَوْله: (عَن أم حَبِيبَة) هِيَ أم الْمُؤمنِينَ بنت أبي سُفْيَان أُخْت مُعَاوِيَة، وَاسْمهَا رَملَة. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز بأتم مِنْهُ. قَوْله: (وَعشرا) بِالنّصب إتباعا للفظ الْقُرْآن.

стр. 6206

٥٣٤٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا بِشْرٌ حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ قَالَتْ أُُمُّ عَطِيَّةَ: نُهِينا أنْ نُحِدَّ أكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ إلاّ بِزَوْجٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن الْمفضل، وَأم عَطِيَّة اسْمهَا نسيبة، بِضَم النُّون وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، بنت كَعْب. وَيُقَال: بنت الْحَارِث الْأَنْصَارِيَّة. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (نهينَا) ، بِضَم النُّون على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (إلَاّ بِزَوْج) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إلَاّ على زوج. فَإِن قلت: رُوِيَ أَنه ﷺ ، رخص للْمَرْأَة أَن تحد على زَوجهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا، وعَلى أَبِيهَا سَبْعَة أَيَّام وعَلى من سواهُ ثَلَاثَة أَيَّام؟ قلت: هَذَا غير صَحِيح لما تقدم أَن أم حَبِيبَة لما توفّي أَبوهَا تطيبت بعد ثَلَاث، ولعموم الْأَحَادِيث، وَلِأَن هَذَا الحَدِيث ذكره أَبُو دَاوُد فِي كتاب (الْمَرَاسِيل) عَن عَمْرو بن شُعَيْب: أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: فَذكره معضلاً. قلت: ذكر أبي دَاوُد هَذَا فِي (الْمَرَاسِيل) غير موجه إلَاّ إِن كَانَ أَرَادَ بِالْإِرْسَال الِانْقِطَاع فَيتَّجه لِأَن عمرا لَيْسَ تابعيا. وَالله أعلم. ٤٨ - (بَابُ: ﴿القُسْطِ لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعْمَال الْقسْط للْمَرْأَة الحادة عِنْد طهرهَا من الْحيض إِذا كَانَت مِمَّن تحيض، والقسط بِضَم الْقَاف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالطاء الْمُهْملَة هُوَ عود يتبخر بِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْقسْط ضرب من الْعود. ٥٣٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أنْ نَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلاّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا، وَلا نَكْتَحِلَ وَلا نَطَّيَّبَ وَلا نَلْبَسَ ثَوْبا مَصْبُوغا إلَاّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنا عِنْدَ الطُّهْرِ إذَا اغْتَسَلَتْ إحْدَانَا مِنْ مَحِيْضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتٍ أظْفَار، وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ اتِّباعَ الجنائِزِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من كست) لِأَنَّهُ الْقسْط فأبدلت الْكَاف من الْقَاف وَالتَّاء من الطَّاء، وَقد مر بَيَانه مستقصىً فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب الطّيب للْمَرْأَة عِنْد غسلهَا من الْحيض، فَأَنَّهُ أخرج هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (كُنَّا نُنهى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن نحد) ، بِضَم النُّون وَكسر الْحَاء. قَوْله: (إلاّ ثوب عصب) ، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ برود الْيمن يعصب غزلها ثمَّ يصْبغ. قَوْله: (وَقد رخص) ، على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (من محيضها) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني من حَيْضهَا. قَوْله: (فِي نبذة) ، بِضَم النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالذال الْمُعْجَمَة: وَهُوَ الْقَلِيل من الشَّيْء. قَوْله: (من كست أظفار) ، بِالْإِضَافَة وَيَأْتِي فِي الَّذِي بعده: من قسط، بِالْقَافِ. وَقَالَ الصَّنْعَانِيّ فِي النّسخ إظفار، وَصَوَابه: ظفار، وَهُوَ بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء مَوضِع بساحل عدن. وَقَالَ التَّيْمِيّ: وَهِي بِلَفْظ أظفار، وَالصَّوَاب: ظفار، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْقسْط والأظفار نَوْعَانِ معروفان من البخور وليسا من مَقْصُود الطّيب وَرخّص فيهمَا لإِزَالَة الرَّائِحَة لَا للتطيب. قَوْله: (وَكُنَّا ننهي) بِضَم النُّون الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة. قَالَ أبُو عَبْدِ الله: القُسْطُ وَالكُسْتُ مِثْلُ الكَافُورِ وَالقافُورِ، نُبْذَةٌ: أيْ قِطْعَةٌ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْكَاف تبدل من الْقَاف فَيُقَال فِي الْقسْط الكست، كَمَا يُقَال فِي الكافور قافور، وتبدل الْفَاء من الطَّاء لتقارب مخرجهما. قَوْله: (نبذة) ، أَي: قِطْعَة، أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله: (فِي نبذة من كست) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب وَلَيْسَ هَذَا بموجود فِي غَالب النّسخ. ٤٩ - (بَابٌ: ﴿تَلْبَسُ الحَادَّةُ ثِيابَ العَصْبِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (تلبس الْمَرْأَة الحادة ثِيَاب العصب) وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن العصب بالمهملتين برود يمنية يعصب غزلها أَي: يجمع ويشد ثمَّ يصْبغ وينسخ فَيَأْتِي موشيا لبَقَاء مَا عصب مِنْهُ أَبيض لم يَأْخُذهُ صبغ، يُقَال: برد عصب وبرود عصب بِالتَّنْوِينِ

стр. 6207

وَالْإِضَافَة، وَقيل: هِيَ برود مخططة، قَالَ ابْن الْأَثِير: فَيكون نهي الْمُعْتَدَّة عَمَّا صبغ بعد النسج. ٥٣٤٢ - حدَّثنا الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ حدَّثنا عَبْدِ السَّلامِ بنُ حَرْبٍ عَنْ هِشامٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُُمِّ عَطِيّةَ قَالَتْ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجٍ فَإنَّها لَا تَكْتَحِلُ وَلا تَلْبِسُ ثَوْبا مَصْبُوغا إلَاّ ثَوْبَ عَصْبٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ ثوب عصب) وَهِشَام هُوَ ابْن حسان الفردوسي بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ هِشَام الدستوَائي وَهُوَ غلط وَالصَّحِيح أَنه هِشَام بن حسان، وَكَذَا قَالَه الْحَافِظ الْمزي، وَحَفْصَة هِيَ بنت سِيرِين أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين، وَأورد حَدِيث أم عَطِيَّة هَذَا هُنَا مُصَرحًا بِرَفْعِهِ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمعُوا على أَن الحادة لَا يجوز لَهَا لبس المصبغة والمعصفرة إلَاّ مَا صبغ بِالسَّوَادِ وَقد رخص فِي السوَاد عُرْوَة بن الزبير وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَكَرِهَهُ الزُّهْرِيّ، وَكَانَ عُرْوَة يَقُول: لَا تلبس من الْحمرَة إلَاّ العصب، وَقَالَ الثَّوْريّ: تتقي الْمَصْبُوغ إلَاّ ثوب عصب. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَا تلبس العصب، وَهُوَ خلاف الحَدِيث، وَقَالَ الشَّافِعِي: كل صبغ فِيهِ زِينَة أَو تلميع مثل العصب والحبرة والوشي فَلَا تلبسه غليظا كَانَ أَو رَقِيقا، وَعَن مَالك: تجتنب الْحِنَّاء والصباغ إلَاّ السوَاد إِن لم يكن حَرِيرًا وَلَا تلبس الملون من الصُّوف. قَالَ فِي (الْمُدَوَّنَة) إلَاّ أَن لَا تَجِد غَيره وَلَا تلبس رَقِيقا وَلَا عصب الْيمن ووسع فِي غليظه وتلبس رَقِيق الْبيَاض وغليظ الْحَرِير والكتان والقطن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيحرم حلي الذَّهَب وَالْفِضَّة. وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤ وَفِي اللُّؤْلُؤ وَجه أَنه يجوز. ٥٣٤٣ - الأنْصَارِيُّ: حدَّثنا هِشامٌ حدَّثَتْنَا حَفْصَةُ حدَّثَتْنِي أُُمُّ عَطِيَّةَ: نَهَى النبيُّ ﷺ وَلَا تَمَسَّ طيِبا إلاّ أدْنَى طَهْرِها إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأظْفَارٍ. الْأنْصَارِيّ هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك قَاضِي الْبَصْرَة شيخ البُخَارِيّ، رُوِيَ عَنهُ الْكثير بِوَاسِطَة وَبلا وَاسِطَة. وَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَخذ هَذَا عَنهُ مذاكرة فَلهَذَا لم يرو عَنهُ بِصِيغَة التحديث وَهِشَام هُوَ ابْن حسان وَقد مر عَن قريب وَقد وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي حَاتِم الرَّازِيّ عَن الْأنْصَارِيّ بِلَفْظ: أَن رَسُول الله ﷺ نهى أَن تحد الْمَرْأَة فَوق ثَلَاثَة أَيَّام إلَاّ على زوج فَإِنَّهَا تحد عَلَيْهِ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَلَا تلبس ثوبا مصبوغا إلَاّ ثوب عصب، وَلَا تكتحل وَلَا تمس طيبا. قَوْله: (نهى النَّبِي ﷺ وَلَا تمس) فِيهِ حذف تَقْدِيره نهى النَّبِي ﷺ . وَقَالَ: لَا تمس طيبا. قَوْله: (إلَاّ أدنى طهرهَا) ، أَي: إلَاّ فِي أول طهرهَا، والأدنى بِمَعْنى الأول. وَقيل: بِمَعْنى عِنْد، وَهُوَ الْأَوْجه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى إِلَى أدنى مَكَان إلاّ قَوْله: (نبذة) ، بِالنّصب بدل من قَوْله: (طيبا) وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره: وتمس نبذة من قسط وأظفار، بواو الْعَطف، وَهُوَ الْأَوْجه على مَا لَا يخفى. ٥٠ - (بابٌ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله : ﴿وَالَّذين﴾ إِلَى قَوْله: ﴿خَيْبَر﴾ كَذَا هَذَا الْمِقْدَار فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَرِوَايَة أبي ذَر، وسَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة الْآيَة بكمالها، وَقد مر تَفْسِير هَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْبَقَرَة. ٥٣٤٤ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخْبَرنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدَّثنا شِبْلٌ عَنِ ابنِ أبِي نَجيحِ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا﴾ قَالَ: كَانَتْ هاذِهِ العِدَّةُ، تَعْتَدُّ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها وَاجِبا فَأنْزَلَ الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْواجا وَصِيَةً لأزْوَاجِهِمْ مَتاعا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ أخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قَالَ: جَعَلَ الله لَهَا

стр. 6208

تَمَامَ السَّنَةٍ سَبْعَةَ أشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَصِيَةً إنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِها، وَإنْ شَاءَت خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤) فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْها زَعَمَ ذالِكَ عَنْ مُجاهِدٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وشبل بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة المكى يرْوى عَن عبد الله بن أبي نجيح بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة واسْمه يسَار ضد الْيَمين وَقضى هَذَا بِهَذَا السَّنَد والمتن فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (عَن مُجَاهِد وَالَّذين) الخ أَي: عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون﴾ إِلَى آخِره. وَقَوله قَالَ: (كَانَت هَذِه الْعدة) توضح هَذَا الْمِقْدَار أَي: قَالَ مُجَاهِد: كَانَت هَذِه الْعدة، وَأَشَارَ بهَا إِلَى الْعدة الَّتِي تتضمنها هَذِه الْآيَة. قَوْله: (وَاجِبا) الْقيَاس وَاجِبَة بالتأنيث، وَلَكِن كَذَا وَقع فِي رِوَايَة لأبي ذَر عَن الْكشميهني، وَوَجهه إِمَّا بِاعْتِبَار الِاعْتِدَاد، وَإِمَّا بِتَقْدِير أَن يُقَال: أمرا وَاجِبا. وَإِمَّا أَن يَجْعَل الْوَاجِب اسْما لما يذم تَاركه وَيقطع النّظر عَن الوصفية، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة: وَاجِب، بِالرَّفْع وَوَجهه أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: أَمر وَاجِب: أَو أَن يكون: كَانَت تَامَّة وَيكون قَوْله: تَعْتَد مُبْتَدأ وواجب خَبره على طَريقَة قَوْلك: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ، ويكن التَّقْدِير: وَأَن تَعْتَد، أَي: واعتدادها عِنْد أهل زَوجهَا وَاجِب. كَمَا يقدر فِي: تسمع. أَن تسمع، ثمَّ يَقُول: أَي: سماعك بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ. أَي: من رُؤْيَته. قَوْله: (قَالَ: جعل الله) أَي: قَالَ مُجَاهِد: جَعَلَ الله إِلَى آخِره، وَحَاصِل كَلَام مُجَاهِد أَنه جعل على الْمُعْتَدَّة تربص أَرْبَعَة أشهر وَعشرا أوْجَبَ على أَهلهَا أَن تبقى عِنْدهم سَبْعَة أشهر وَعشْرين لَيْلَة، تَمام الْحول. وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا قَول لم يقلهُ أحد من الْمُفَسّرين غَيره وَلَا تَابعه عَلَيْهِ أحد من الْفُقَهَاء، بل أطبقوا على أَن آيَة الْحول مَنْسُوخَة وَأَن السكني تبع للعدة، فَلَمَّا نسخ الْحول فِي الْعدة بالأربعة أشهر وَعشرا نسخت السُّكْنَى أَيْضا. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يخْتَلف الْعلمَاء فِي أَن الْعدة بالحول نسخت إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي قَوْله: (غير إِخْرَاج) الْجُمْهُور على أَنه نسخ أَيْضا. قَوْله: (زعم ذَلِك عَن مُجَاهِد) أَي: قَالَ ذَلِك ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد أَن الْعدة الْوَاجِبَة أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَتَمام السّنة باختيارها بِحَسب الْوَصِيَّة فَإِن شَاءَت قبلت الْوَصِيَّة وَتعْتَد إِلَى الْحول، وَإِن شَاءَت اكتفت بِالْوَاجِبِ، وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ الْعدة إِلَى تَمام السّنة وَاجِبَة، وَأما السُّكْنَى عِنْد أهل زَوجهَا فَفِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر وَالْعشر وَاجِبَة، وَفِي التَّمام باختيارها، وَلَفظه: فالعدة كَمَا هِيَ وَاجِبَة عَلَيْهَا يُؤَيّد هَذَا الإحتمال، وَحَاصِله أَنه لَا يَقُول بالنسخ، وَالله أعلم. ﴿وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها عِنْدَ أهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح عَن عبد الله بن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة. وَقَالَ عَطَاءٌ: إنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أهْلِها وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِها وَإنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ الله: ﴿فَلا جُناح عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤) قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ المِيراثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلا سُكْنَى لَهَا. أَي: قَالَ عَطاء الْمَذْكُور. قَوْله: (لَا سُكْنى لَهَا) ، هُوَ قَول أبي حنيفَة: إِن الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا لَا سُكْنى لَهَا، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي كَالنَّفَقَةِ، وأظهرهما الْوُجُوب، وَمذهب مَالك: إِن لَهَا السُّكْنَى إِذا كَانَت الدَّار ملكا للْمَيت. ٥٣٤٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ بنِ عَمْروِ بنِ حَزْمٍ حدَّثني حُمَيْدُ بنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُُمِّ حَبِيبَةَ ابْنَةِ أبِي سُفْيَانَ لَمَّا جَاءَها نَعِيُّ أبِيها

стр. 6209

دَعَتْ بِطيب فَمَسَحَتْ ذِرَاعَيْها وَقَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، لَوْلا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ ت يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَاّ عَلَى زَوْجِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مَا يتَعَلَّق بالمعتدة، والترجمة فِي الْعدة، والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب تحد الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا. قَوْله: (يَعْنِي أَبِيهَا) ، أَي: خبر مَوته. ٥١ - (بَابُ: ﴿مَهْرِ البَغِيِّ وَالنِّكاحِ الفَاسِدِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مهر الْبَغي وَهُوَ بِفَتْح الْبَاء وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء قَالَ بَعضهم: هُوَ على وزن فعيل يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَزنه فعول قلت: على الأَصْل لِأَن أَصله بغوي، على وزن فعول اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ: بغي، بِضَم الْغَيْن ثمَّ أبدلت الضمة كسرة لأجل الْيَاء فَصَارَ: بغي، وَأما قَول الْبَعْض: إِن وَزنه فعيل فَلَيْسَ بِصَحِيح، إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك للزمته الْهَاء كامرأة حليمة وكريمة، واشتقاقه من الْبغاء وَهُوَ الزِّنَا. قَوْله: (وَالنِّكَاح الْفَاسِد) أَي: وَفِي حكم النِّكَاح الْفَاسِد، وأنواعه كَثِيرَة: كَالنِّكَاحِ بِلَا شُهُود، وَبلا ولي عِنْد الْبَعْض، وَنِكَاح الْمُعْتَدَّة، وَالنِّكَاح الموقت والشغار عِنْد الْبَعْض وَنَحْوهَا. وَقَالَ الحَسَنُ: إذَا تَزَوَّج مُحَرَّمَةً وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَهَا مَا أخَذَتْ وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: لَهَا صَدَاقُها أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِذا تزوج مُحرمَة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء أَي: امْرَأَة مُحرمَة عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: مُحرمَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء وَفتح الرَّاء وَالْمِيم وبالضمير، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُحرمَة بِلَفْظ فَاعل من الْإِحْرَام، وبلفظ مفعول التَّحْرِيم وبلفظ الْمحرم بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء الْمُضَاف، وَضَبطه الدمياطي بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: يُرِيد ذَات محرم. قَوْله: (وَهُوَ لَا يشْعر) ، أَي: وَالْحَال أَن الرجل لم يدر بذلك، فرق بَينهمَا. (وَلها مَا أخذت) من الرجل يَعْنِي صَدَاقهَا الْمُسَمّى (وَلَيْسَ لَهَا غَيره) وَهُوَ قَول مَالك الْمَشْهُور. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) ، أَي: الْحسن بعد أَن قَالَ: وَلَيْسَ لَهَا غَيره (لَهَا صَدَاقهَا) يَعْنِي: صدَاق مثلهَا، وَسَائِر الْفُقَهَاء على هذَيْن الْقَوْلَيْنِ فطائفة تَقول بِصَدَاق الْمثل، وَطَائِفَة تَقول بِالْمُسَمّى، وَأما من تزوج مُحرمَة وَهُوَ عَالم بِالتَّحْرِيمِ فَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ: عَلَيْهِ الْحَد وَلَا صدَاق فِي ذَلِك، وَقَالَ الثَّوْريّ: وَأَبُو حنيفَة: لَا حد عَلَيْهِ وَإِن علم يُعَزّر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يبلغ بِهِ أَرْبَعِينَ، وَتَعْلِيق الْحسن رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن سعيد عَن مطر عَنهُ بِهِ. ٥٣٤٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ، ﵁، قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَحُلوَانِ الكاهِنِ وَمَهْرِ البَغِيِّ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام المَخْزُومِي وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ البدري. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ثمن الْكَلْب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أبي بكر إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، أما ثمن الْكَلْب فَحَرَام عِنْد الْحسن الْبَصْرِيّ وَرَبِيعَة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَدَاوُد وَمَالك فِي رِوَايَة، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث. وَقَالَ عَطاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَابْن كنَانَة وَسَحْنُون من الْمَالِكِيَّة: الْكلاب الَّتِي ينْتَفع بهَا يجوز بيعهَا وتباح أثمانها، وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث بِأَنِّي النَّهْي عَنهُ إِنَّمَا كَانَ حِين أَمر ﷺ بقتل الْكلاب، وَلما أَبَاحَ الِانْتِفَاع بهَا للاصطياد وَنَحْوه، وَنهى عَن قَتلهَا نسخ النَّهْي الْمَذْكُور، وَأما حلوان الكاهن فَإِنَّهُ رشوة يَأْخُذهَا الكاهن على مَا يَأْتِي بِهِ من الْبَاطِل، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي مَسْعُود: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: ثَلَاث هن سحت ثمَّ ذكر مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأما مهر الْبَغي، وَهُوَ الَّذِي يعْطى على النِّكَاح الْمحرم فَحَرَام، وَقَالَ القَاضِي: لم يخْتَلف الْعلمَاء فِي تَحْرِيم أجر الْبَغي لِأَنَّهُ ثمن عَن محرم، وَقد حرم الله الزِّنَا فَلذَلِك أبطلوا أجر الْمُغنيَة والنائحة، وَأَجْمعُوا على بُطْلَانه.

стр. 6210

٥٣٤٧ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا عَوْنُ بنُ أبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: لَعَنَ النبيّ ﷺ الوَاشِمَةِ وَالمُسْتَوْشِمَةَ وَآكِلَ الرِّبا وَمُوكِلَهُ، وَنَهَى عَنْ ثَمِنِ الكَلْبِ وَكَسْبِ البَغِيِّ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو جُحَيْفَة بِضَم الْجِيم اسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي نزل الْكُوفَة وابتنى بهَا دَارا وَمضى الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب: ثمن الْكَلْب، والواشمة من الوشم الْمُعْجَمَة وهوأن يغرز الْجلد بالأبرة ثمَّ يحشى بالكحل، والمستوشمة الَّتِي تسْأَل أَن يفعل بهَا ذَلِك، وَالْمُوكل الْمطعم والآكل الْآخِذ، وَإِنَّمَا سوى فِي الْإِثْم بَينهمَا وَإِن كَانَ أَحدهمَا رابحا وَالْآخر خاسرا لِأَنَّهُمَا فِي فعل الْحَرَام شريكان متعاونان. ٥٣٤٨ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ أخْبَرَنا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ جُحَادَةَ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَهَى النبيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإمَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن المُرَاد كسب الْإِمَاء هُوَ مَا يأخذنه على الزِّنَا، فَيدْخل فِي مهر الْبَغي. والْحَدِيث مر فِي آخر الْبيُوع، وَمُحَمّد بن جحادة، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة، الأيامي بتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: سُلَيْمَان الْأَشْجَعِيّ. ٥٢ - (بَابُ: ﴿المَهْرِ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهَا وَكَيْفَ الدُّخُولُ أوْ طَلَقَها قَبْلَ الدُّخُولِ وَالمَسِيسِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمهْر للْمَرْأَة الْمَدْخُول عَلَيْهَا. قَوْله: (وَكَيف الدُّخُول) ، عطف على مَا قبله. أَي: وَفِي بَيَان كَيْفيَّة الدُّخُول، يَعْنِي: بِمَ يثبت بَين الْعلمَاء، وَقَالَت طَائِفَة: إِذا أغلق بَابا أرْخى سترا على الْمَرْأَة فقد وَجب الصَدَاق كَامِلا وَالْعدة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَمْرو وَعلي وَزيد بن ثَابت ومعاذ بن جبل وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين: وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد، وَقَالَت طَائِفَة: لَا يجب الْمهْر إلَاّ بالمسيس، أَي: الْجِمَاع، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ شُرَيْح وَالشعْبِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ ابْن الْمسيب: إِذا دخل بِالْمَرْأَةِ فِي بَيتهَا صدق عَلَيْهَا، وَإِن دخلت عَلَيْهِ فِي بَيته صدقت عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول مَالك. قَوْله: (أَو طَلقهَا قبل الدُّخُول والمسيس) ، وَقَالَ ابْن بطال: تَقْدِيره أَو كَيفَ طَلقهَا، وَاكْتفى بِذكر الْفِعْل عَن ذكر الْمصدر لدلالته عَلَيْهِ انْتهى، وَإِنَّمَا ذكر اللَّفْظَيْنِ: أَعنِي: الدُّخُول والمسيس إِشَارَة إِلَى المذهبين: الِاكْتِفَاء بالخلوة والاحتياج إِلَى الْجِمَاع، وَلَفظ الْمَسِيس لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. ٥٣ - (بَابُ: ﴿المِتْعَةِ لِلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُتْعَة للمطلقة الَّتِي لم يدْخل بهَا وَلم يسم لَهَا صَدَاقا. وَاخْتلف فِي الْمُتْعَة، فَقَالَت طَائِفَة هِيَ وَاجِبَة للمطلقة الَّتِي لم يدْخل بهَا وَلم يسم لَهَا صَدَاقا رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، وَهُوَ قَول عَطاء، وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ

стр. 6211

وَالزهْرِيّ، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ: وَلَا يجمع مهر مَعَ الْمُتْعَة. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَبِه قَالَ شُرَيْح وَعبد الله بن مُغفل أَيْضا، وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: فَإِن دخل بهَا ثمَّ طَلقهَا فَإِنَّهُ يمتعها وَلَا يجْبر عَلَيْهِ هُنَا، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَابْن حَيّ وَالْأَوْزَاعِيّ، إِلَّا أَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: فَإِن كَانَ أحد الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكا لم تجب وَقَالَ أَبُو عمر: وَقد رُوِيَ عَن الشَّافِعِي مثل قَول أبي حنيفَة وَقَالَت طَائِفَة: لكل مُطلقَة مُتْعَة مَدْخُولا بهَا كَانَت أَو غير مَدْخُول بهَا إِذا وَقع الْفِرَاق من قبله وَلم يتم إلَاّ بِهِ إلَاّ الَّتي سمى لَهَا وَطَلقهَا، قبل الدُّخُول، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَرُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لكل مُطلقَة مُتْعَة، وَمثله عَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَأبي قلَابَة. وَقَالَت طَائِفَة: الْمُتْعَة لَيست بواجبة فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَرَبِيعَة وَمَالك وَاللَّيْث وَابْن أبي أُسَامَة. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا جُناحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٧) اسْتدلَّ البُخَارِيّ بِهَذِهِ الْآيَة على وجوب الْمُتْعَة لكل مُطلقَة مُطلقًا، وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَغَيره، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير، وَتَمام الْآيَة: ﴿مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ قَوْله: (متعوهن) ، أَمر بإمتاعها وَهُوَ تعويضها عَمَّا فاتها بِشَيْء تعطاه من زَوجهَا بِحَسب حَاله. (على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره) والموسع الَّذِي لَهُ سَعَة، والمقتر الضّيق الْحَال. قَوْله: (قدره) ، أَي: مِقْدَاره الَّذِي يطيقه وَهَذِه الْآيَة نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار تزوج بِامْرَأَة من بني حنيفَة وَلم يسم لَهَا مهْرا ثمَّ طَلقهَا قبل الدُّخُول. فَقَالَ النَّبِي، ﷺ ، مَتعهَا وَلَو بقلنسوة. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا تجب الْمُتْعَة إلَاّ لهَذِهِ وَحدهَا، وتستحب لسَائِر المطلقات. قَوْله: (مَتَاعا) ، تَأْكِيد لقَوْله: (ومتعوهن) بِمَعْنى تمتيعا (بِالْمَعْرُوفِ) الَّذِي يحسن فِي الشَّرْع والمروءة. قَوْله: (حَقًا) ، صفة لمتاعا أَي: مَتَاعا وَاجِبا عَلَيْهِم أَو حق ذَلِك حَقًا على الْمُحْسِنِينَ الَّذين يحسنون إِلَى المطلقات بالتمتع. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلِّقَاتِ مَتاعٌ بالمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى المُتَقِينَ كَذالِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَكُمْ تَعْقِلْونَ (الْبَقَرَة: ٢٤١، ٢٤٢) . أَي: لقَوْله تَعَالَى: ﴿وللمطلقات﴾ الْآيَة. وَاسْتدلَّ البُخَارِيّ أَيْضا بِعُمُوم هَذِه الْآيَة فِي وجوب الْمُتْعَة لكل مُطلقَة مُطلقا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: عَم المطلقات بِإِيجَاب الْمُتْعَة لَهُنَّ بَعْدَمَا أوجبهَا لوَاحِدَة مِنْهُنَّ. وَهِي الْمُطلقَة غير الْمَدْخُول بهَا. وَقَالَ: (حَقًا على الْمُتَّقِينَ) كَمَا قَالَ ثمَّة (حَقًا على الْمُحْسِنِينَ) وَالَّذِي فصل يَقُول: إِن هَذِه مَنْسُوخَة بِتِلْكَ الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء﴾ الْآيَة. فَإِن قلت: كَيفَ نسخت الْآيَة الْمُتَقَدّمَة الْمُتَأَخِّرَة. قلت: قد تكون الْآيَة مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة وَهِي مُتَأَخِّرَة فِي التَّنْزِيل. كَقَوْلِه: (سَيَقُولُ السُّفَهَاء) (الْبَقَرَة: ١٤٢) مَعَ قَوْله: ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٤) وَقَالَ أَبُو عمر: لم يخْتَلف الْعلمَاء أَن الْمُتْعَة الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب الْعَزِيز غير مقدرَة وَلَا محدودة وَلَا مَعْلُوم مبلغها وَلَا مُوجب قدرهَا، فَروِيَ عَن مَالك أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف طلق امْرَأَة لَهُ فمتعها بوليدة، وَكَانَ ابْن سِيرِين يمتع بالخادم أَو النَّفَقَة أَو الْكسْوَة، ويمتع الْحسن بن عَليّ زَوجته بِعشْرَة آلَاف فَقَالَت: مَتَاع قَلِيل من حبيب مفارق، ويمتع شُرَيْح بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم، وَالْأسود بن يزِيد بِثَلَاث مائَة، وَعُرْوَة بخادم، وَقَالَ قَتَادَة: الْمُتْعَة جِلْبَاب وَدرع وخمار، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ: هَذَا لكل حرَّة أَو أمة أَو كِتَابِيَّة إِذا وَقع الطَّلَاق من جِهَة، وَعَن ابْن عمر: ثَلَاثُونَ درهما وَفِي رِوَايَة إِنَّه يمتع بوليدة. ﴿وَلَمْ يَذْكُرِ النبيِّ ﷺ ، فِي المُلاعَنَةِ مُتْعَةً حِينَ طَلَقَها زَوْجُها﴾ هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أَرَادَ بِهِ ﷺ لم يذكر فِي الْأَحَادِيث الَّتِي رويت عَنهُ فِي اللّعان مُتْعَة، وَكَأَنَّهُ تمسك بِهَذَا أَن الْمُلَاعنَة لَا مُتْعَة لَهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَفْهُوم من كَلَام البُخَارِيّ أَن لكل مُطلقَة مُتْعَة والملاعنة غير دَاخِلَة فِي جملَة المطلقات. ثمَّ قَالَ: لفظ طَلقهَا، صَرِيح فِي أَنَّهَا مُطلقَة، ثمَّ أجَاب بِأَن الْفِرَاق حَاصِل بِنَفس اللّعان حَيْثُ قَالَ: فَلَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا، وتطليقه لم يكن بِأَمْر النَّبِي ﷺ بل كَانَ كلَاما زَائِدا صدر مِنْهُ تَأْكِيدًا.

стр. 6212

٥٣٥٠ - حدَّثنا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَالَ لِلْمُتلاعِنين: حِسابُكُما عَلَى الله أحَدُكُما كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها. قَالَ: يَا رَسُولَ الله ﴿مالِي؟ قَالَ: لَا مَالَ لَكَ إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا. فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرُجِها. وَإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أبْعَدُ، وَأبْعَدُ لَكَ مِنْها. ذكر هَذَا الحَدِيث الَّذِي مضى عَن قريب فِي: بَاب صدَاق الْمُلَاعنَة تَأْكِيدًا لما قَالَه وَلم يذكر النَّبِي ﷺ فِي الْمُلَاعنَة مُتْعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تعرض للمتعة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. قَوْله: (فَذَاك أبعد) لَا بُد فِيهِ من بعد وَزِيَادَة لِأَن أفعل التَّفْضِيل يَقْتَضِي ذَلِك فالبعد هُوَ طلب اسْتِيفَاء مَا يُقَابله، وَهُوَ الْوَطْء. وَالزِّيَادَة هِيَ: ضم إيذائها بِالْقَذْفِ الْمُوجب للانتقام مِنْهُ لَا للإنعام إِلَيْهِ، والتكرار لِأَنَّهُ أسقط الْحَد الْمُوجب لتشفي الْمَقْذُوف عَن نَفسه بِاللّعانِ، وَالله أعلم. ٦٩ - (كتابُ: ﴿النَّفَقَاتِ وَفَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الأهْلِ﴾ ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام النَّفَقَات، وَفِي بَيَان فضل النَّفَقَة على الْأَهْل، وَوَقع كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، هَكَذَا كتاب النَّفَقَات، بِسم الله الرحمان الرَّحِيم: بَاب فضل النَّفَقَة على الْأَهْل ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لفظ: بَاب. ١ - (بَابُ: ﴿فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الأهْلِ﴾ ) وَقَوْل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُل العَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّن الله لَكُمْ الآيَات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾ (الْبَقَرَة: ٢١٩) فِي الدُّنيا والآخِرة وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على النَّفَقَات الْمَجْرُور بِإِضَافَة لفظ الْكتاب إِلَيْهِ، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْجَمِيع، وَوَقع النَّسَفِيّ عِنْد قَوْله: (قل الْعَفو) سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم من مُرْسل يحيى بن أبي كثير بِسَنَد صَحِيح إِلَيْهِ أَنه بلغه أَن معَاذ بن جبل وثعلبة سَأَلَا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَا: إِن لنا أرقاء وأهلين فَمَا ننفق من أَمْوَالنَا؟ فَنزلت قَوْله: (قل الْعَفو) ، بِالنّصب أَي: انفقوا الْعَفو، وَقَرَأَ الْحسن وَقَتَادَة وَأَبُو عَمْرو بِالرَّفْع أَي: هُوَ الْعَفو، وَمثله قَوْلهم: مَاذَا ركبت أَفرس أم بعير؟ يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير الْعَفو فَروِيَ عَن سَالم وَالقَاسِم: الْعَفو فضل المَال بالتصدق بِهِ عَن ظهر غنى، وَعَن مُجَاهِد: هُوَ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة. وَقَالَ الزّجاج: أَمر النَّاس أَن ينفقوا الْفضل حَتَّى فرضت الزَّكَاة. فَكَانَ أهل المكاسب يَأْخُذ من كَسبه كل يَوْم مَا يَكْفِيهِ وَيتَصَدَّق بباقيه، وَيَأْخُذ أهل الذَّهَب وَالْفِضَّة مَا ينفقونه فِي عَامهمْ وينفقون بَاقِيه وَيُقَال: الْعَفو مَا سهل، وَمِنْه: أفضل الصَّدَقَة مَا تصدق بِهِ عَن ظهر غنى. قَوْله: (لَعَلَّكُمْ تتفكرون) ، أَي: تتفكرون فتعرفون فضل الْآخِرَة على الدُّنْيَا، وَقيل: هُوَ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَي: (وَكَذَلِكَ يبين الله لكم الْآيَات) فِي أَمر الدُّنْيَا (وَالْآخِرَة لَعَلَّكُمْ تتفكرون) . وَقَالَ الحَسَنُ: العَفوُ الفَضْلُ أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: المُرَاد بِالْعَفو فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل الْعَفو﴾ : الْفضل أَي: الْفَاضِل عَن حَاجته، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد عَنهُ، وَعَن الْحسن: لَا تنْفق مَالك حَتَّى تجهد فتسأل النَّاس. ٥٣٥١ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إيَاسٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ. فَقُلْتُ: عَنِ النبيِّ ﷺ فَقَالَ: عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: إذَا أنْفَقَ المُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُها كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ البدري. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب مَا جَاءَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ. قَوْله: (فَقلت: عَن النَّبِي) ؟ أَي: أترويه عَن النَّبِي ﷺ ﴾ أَو تَقوله عَن اجْتِهَاد وَقَالَ بَعضهم الْقَائِل: فَقلت: هُوَ شُعْبَة بَينه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة لَهُ. قلت: لم يبين هَذَا الْقَائِل كَيفَ بَينه الْإِسْمَاعِيلِيّ. فَلم لَا يجوز أَن يكون الْقَائِل عبد الله بن يزِيد؟ بل الظَّاهِر

стр. 6213

يشْعر أَنه هُوَ، وَيحْتَمل أَن يكون عدي بن ثَابت على مَا لَا يخفى. قَوْله: (على أَهله) ، قَالَ صَاحب (الْمغرب) أهل الرجل امْرَأَته وَولده وَالَّذِي فِي عِيَاله وَنَفَقَته، وَكَذَا كل أَخ أَو أُخْت أَو عَم أَو ابْن عَم أَو صبي أَجْنَبِي بقوته فِي منزله، وَعَن الْأَزْهَرِي: أهل الرجل أخص النَّاس بِهِ، وَيجمع على أهلين والأهالي على غير قِيَاس، وَيُقَال: الْأَهْل يحْتَمل أَن يَشْمَل الزَّوْجَة والأقارب، وَيحْتَمل أَن يخْتَص بِالزَّوْجَةِ وَيلْحق بِهِ من عداهُ بطرِيق الأولى لِأَن الثَّوَاب إِذا ثَبت فِيمَا هُوَ وَاجِب فثبوته فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِب أولى. فَإِن قلت: كَيفَ يكون إطْعَام الرجل أَهله صَدَقَة وَهُوَ فرض عَلَيْهِ؟ قلت: جعل الله الصَّدَقَة فرضا وتطوعا وَيجْزِي العَبْد على ذَلِك بِحَسب قَصده، وَلَا مُنَافَاة بَين كَونهَا وَاجِبَة وَبَين تَسْمِيَتهَا صَدَقَة. وَقيل: إِنَّمَا أطلق الشَّارِع صَدَقَة على نَفَقَة الْفَرْض لِئَلَّا يَظُنُّوا أَن قيامهم بِالْوَاجِبِ لَا أجر لَهُم، وَقَالَ الْمُهلب: النَّفَقَة على الْأَهْل والعيال وَاجِبَة بِالْإِجْمَاع، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: النَّفَقَة على الْأَوْلَاد مَا داموا صغَارًا فرض عَلَيْهِ لقَوْله ﷺ : وأبدأ بِمن تعلو لِأَن الْوَلَد مَا دَامَ صَغِيرا فَهُوَ عِيَال. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَاخْتلفُوا فِيمَن بلغ من الْأَبْنَاء وَلَا مَال لَهُ وَلَا كسب، فَقَالَت طَائِفَة: على الْأَب أَن ينْفق على ولد صلبه الذُّكُور حَتَّى يحتلموا وَالْبَنَات حَتَّى يزوجن، فَإِن طَلقهَا. قيل الْبناء فَهِيَ على نَفَقَتهَا، وَإِن طَلقهَا بعد الْبناء أَو مَاتَ عَنْهَا فَلَا نَفَقَة لَهَا على أَبِيهَا وَلَا نَفَقَة لولد الْوَلَد على الْجد، هَذَا قَول مَالك، وَأي: نَفَقَة الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وَاجِبَة بِشَرْط الْعَجز مَعَ قيام الْحَاجة، وَأما نَفَقَة بني الْأَعْمَام وَأَوْلَاد العمات فَلَا تجب عِنْد عَامَّة الْعلمَاء. خلافًا لِابْنِ أبي ليلى. قَوْله: (وَهُوَ يحتسبها) ، أَي: يعملها حسبَة لله تَعَالَى، وَقَالَ النَّوَوِيّ: احتسبها أَي: أَرَادَ بهَا الله، وَطَرِيقه أَن يتَذَكَّر أَنه يجب عَلَيْهِ الْإِنْفَاق فينفق بنية أَدَاء مَا أَمر بِهِ. ٥٣٥٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنادِ عَنْ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: قَالَ الله: أنفِق يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون هُوَ عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (أنْفق) ، بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الْإِنْفَاق. قَوْله: (أنْفق عَلَيْك) ، بِضَم الْهمزَة بِصِيغَة الْمُضَارع جَوَاب الْأَمر، وروى مُسلم من طَرِيق همام عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: أَن الله قَالَ لي: أنْفق عَلَيْك. ٥٣٥٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ قَزْعَةَ حدَّثنا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ عَنْ أبِي الغَيْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةِ وَالمِسْكِينَ كَالمُجاهِد فِي سَبِيلِ الله أوْ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهارِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السَّاعِي على الأرملة هُوَ الَّذِي يسْعَى لتَحْصِيل النَّفَقَة على الأرملة الَّتِي لَا زوح لَهَا وثور بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَأَبُو الْغَيْث سَالم مولى ابْن مُطِيع الْقرشِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن القعني. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَدَب عَن القعني. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن إِسْحَاق بن مُوسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن يَعْقُوب بن حميد. قَوْله: (أَو الْقَائِم اللَّيْل) ، شكّ من الرَّاوِي. وَفِي رِوَايَة معن بن عِيسَى وَابْن وهب وَابْن بكير وَآخَرين عَن مَالك بِلَفْظ: أَو كَالَّذي يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه عَن الدَّرَاورْدِي عَن ثَوْر مثله، وَلَكِن بِالْوَاو لَا بِأَو، وَيجوز فِي الْقَائِم اللَّيْل الحركات الثَّلَاثَة كَمَا فِي الْحسن الْوَجْه فِي الْوُجُوه الإعرابية، وَإِن اخْتلفَا فِي بَعْضهَا بِكَوْنِهِ حَقِيقَة أَو مجَازًا. ٥٣٥٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ ﵁، قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ ، يَعُودُنِي وَأنا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: لِي مَالٌ أوصِي بِمالي كُلِّه قَال: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرَ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالثُلُثُ قَالَ: الثُلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءً خَيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَفُونَ النّاسَ فِي أيْدِيهِمْ. وَمَهْما أنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَضَعُها

стр. 6214

فِي فِيّ امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ الله يَرْفَعُكَ يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرّ بِكَ آخَرُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمهما أنفقت فَهُوَ لَك صَدَقَة) ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، قَالَه الْكرْمَانِي: وَسعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وعامر هُوَ ابْن سعد بن أبي وَقاص يروي عَن أَبِيه. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب رثاء النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه بأتم مِنْهُ. قَوْله: (فَالشَّطْر) ، أَي: النّصْف. قَوْله: (الثُّلُث) ، الأول مَنْصُوب على الإغراء أَو على تَقْدِير: أعْط الثُّلُث، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير: الثُّلُث يَكْفِيك. (وَالثلث) الثَّانِي مُبْتَدأ وَخَبره. قَوْله: (كثير) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة أَو بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (أَن تدع) ، أَي: أَن تتْرك، وَأَن مَصْدَرِيَّة محلهَا رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره. هُوَ قَوْله: (خير) وَالتَّقْدِير: وَدعك أَي: تَركك وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة، وَهُوَ جمع عائل وَهُوَ الْفَقِير. قَوْله: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) أَي: يمدون إِلَى النَّاس أكفهم للسؤال. قَوْله: (تضعها) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (فِي فِي امْرَأَتك) أَي: فِي فَم امْرَأَتك، وَإِذا قصد بأبعد الْأَشْيَاء عَن الطَّاعَة وَهُوَ وضع اللُّقْمَة فِي فَم الْمَرْأَة وَجه الله تَعَالَى وَيحصل بِهِ الْأجر فَغَيره بِالطَّرِيقِ الأولى. وَفِي الحَدِيث: معْجزَة فَإِنَّهُ انْتَعش وعاش حَتَّى فتح الْعرَاق وانتفع بِهِ أَقوام فِي دينهم ودنياهم وتضرر بِهِ الْكفَّار. ٢ - (بَابُ: ﴿وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الأهْلِ وَالعِيالِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب النَّفَقَة على الْأَهْل، أَرَادَ بِهِ الزَّوْجَة هُنَا، وَعطف عَلَيْهِ الْعِيَال من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص. وَقد مضى الْكَلَام فِي الْأَهْل عَن قريب، وعيال الرجل من يعولهم أَي: من يقوتهم وَينْفق عَلَيْهِم، وأصل عِيَال عَوَالٍ لِأَنَّهُ من عَال عيالة وعولاً ويعالة إِذا فاتهم، قلبت الْوَاو يَاء لتحركها وانكسار مَا قبلهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَوَاحِد الْعِيَال عيل بتَشْديد الْيَاء وَالْجمع عيائل، مثل: جيد وجياد وجيائد. ٥٣٥٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا أبُو صَالِحٍ قَالَ: حدَّثني أبُو هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : أفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، تَقُولُ المَرْأةُ: إمَّا أنْ تُطْعِمَنِي وَإمَّا أنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: أطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الابنُ: أطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدَعُنِي؟ فَقَالُوا: يَا أبَا هُرَيْرَةِ: سَمِعْتَ هاذا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: لَا هاذا مِنْ كِيسِ أبِي هُرَيْرَةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز. قَوْله: (غنى) يَعْنِي: مَا لم يجحف بالمعطي أَي: أَنَّهَا سهل عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله: مَا كَانَ عَن ظهر غنى، وَقيل: مَعْنَاهُ مَا سَاق إِلَى الْمُعْطِي غنى، وَالْأول أوجه. قَوْله: (وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى) قد مضى فِي الزَّكَاة أَقْوَال فِيهِ وَإِن أَصَحهَا الْعليا المعطية والسفلى السائلة. قَوْله: (وابدأ بِمن تعول) أَي: ابدأ فِي الْإِنْفَاق بعيالك ثمَّ اصرف إِلَى غَيرهم. قَوْله: ((تَقول الْمَرْأَة: إِمَّا أَن تطعمني وَإِمَّا أَن تُطَلِّقنِي) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز عَن حَفْص بن غياث بِسَنَد حَدِيث الْبَاب: إِمَّا أَن تنْفق عليّ قَوْله: (وَيَقُول العَبْد أَطْعمنِي واستعملني) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَيَقُول خادمك أَطْعمنِي وإلَاّ فبعني. قَوْله: (إِلَى من تدعني) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي: إِلَى من تَكِلنِي. قَوْله: (من كيس أبي هُرَيْرَة) ؟ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَي: من قَوْله، وَالتَّحْقِيق فِيهِ مَا قَالَه الْكرْمَانِي: الْكيس بِكَسْر الْكَاف الْوِعَاء، وَهَذَا إِنْكَار على السَّائِلين عَنهُ، يَعْنِي: لَيْسَ هَذَا إلَاّ من رَسُول الله ﷺ فَفِيهِ نفي يُرِيد بِهِ الْإِثْبَات، وَإِثْبَات يُرِيد بِهِ النَّفْي على سَبِيل التعكيس، وَيحْتَمل أَن يكون لفظ: هَذَا، إِشَارَة إِلَى الْكَلَام الْأَخير إدراجا من أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ: تَقول الْمَرْأَة إِلَى آخِره. فَيكون إِثْبَاتًا لَا إنكارا يَعْنِي: هَذَا الْمِقْدَار من كيسه فَهُوَ حَقِيقَة فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات. قَالَ: وَفِي بَعْضهَا، يَعْنِي: فِي بعض الرِّوَايَات بِفَتْح الْكَاف يَعْنِي: من عقل أبي هُرَيْرَة وكياسته. قَالَ التَّيْمِيّ: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى أَن بعضه من كَلَام أبي هُرَيْرَة وَهُوَ مدرج فِي الحَدِيث. وَفِي

стр. 6215

هَذَا الحَدِيث أَحْكَام الأول: أَن حق نفس الرجل يقدم على حق غَيره. الثَّانِي: أَن نَفَقَة الْوَلَد وَالزَّوْجَة فرض بِلَا خلاف. الثَّالِث: أَن نَفَقَة الخدم وَاجِبَة أَيْضا. الرَّابِع: اسْتدلَّ بقوله: (إِمَّا أَن تطعمني وَإِمَّا أَن تُطَلِّقنِي) من قَالَ: يفرق بَين الرجل وَامْرَأَته إِذا أعْسر بِالنَّفَقَةِ واختارت فِرَاقه. قَالَ بَعضهم: وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: يلْزمهَا الصَّبْر وتتعلق النَّفَقَة بِذِمَّتِهِ وَاسْتدلَّ الْجُمْهُور بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣١) وَأجَاب الْمُخَالف بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْفِرَاق وَاجِبا لما جَازَ الْإِبْقَاء إِذا رضيت، ورد عَلَيْهِ بِأَن الِاجْتِمَاع دلّ على جَوَاز الْإِبْقَاء إِذا رضيت فَبَقيَ مَا عداهُ على عُمُوم النَّهْي، وبالقياس على الرَّقِيق وَالْحَيَوَان فَإِن من أعْسر بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أجبر على بَيْعه. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه الْكُوفِيُّونَ هُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن شهَاب الزُّهْرِيّ وَابْن شبْرمَة وَأبي سلمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز هُوَ المحكي عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرُوِيَ عَن عبد الْوَارِث عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر. قَالَ: كتب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى أُمَرَاء الأجناد: ادعوا فلَانا وَفُلَانًا، أُنَاسًا قد انْقَطَعُوا عَن الْمَدِينَة ورحلوا عَنْهَا، إِمَّا أَن يرجِعوا إِلَى نِسَائِهِم وَإِمَّا أَن يبعثوا بِنَفَقَة إلَيْهِنَّ وَإِمَّا أَن يطلقوا ويبعثوا بِنَفَقَة مَا مضى، وَلم يتَعَرَّض إِلَى شَيْء غير ذَلِك. وَقَول هَذَا الْقَائِل: وَأجَاب الْمُخَالف: هَل أَرَادَ بِهِ أَبَا حنيفَة أم غَيره؟ فَإِن أَرَادَ بِهِ أَبَا حنيفَة فَمَا وَجه تَخْصِيصه من بَين هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ ذَلِك إلاّ من أريحة التعصب، وَإِن أَرَادَ بِهِ غَيره مُطلقًا كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَأجَاب المخالفون، وَلَا يتم استدلالهم بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا﴾ لِأَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد ومسروقاً وَالْحسن رَاجعهَا ضِرَارًا لِئَلَّا تذْهب إِلَى غَيره ثمَّ يطلقهَا فتعتذ فَإِذا شارفت على انْقِضَاء الْعدة يُطلق ليطول عَلَيْهَا الْعدة فنهاهم الله عَن ذَلِك وتوعدهم عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿وَمن يفعل ذَلِك فقد ظلم نَفسه﴾ أَي: بمخالفة أَمر الله ، فَبَطل استدلالهم بِهَذَا وَعُمُوم النَّهْي لَيْسَ فِيمَا قَالُوا: وَإِنَّمَا هُوَ فِي الَّذِي ذكر: عَن ابْن عَبَّاس وَمن مَعَه، وَالْقِيَاس على الرَّقِيق وَالْحَيَوَان قِيَاس مَعَ الْفَارِق فَلَا يَصح بَيَانه أَن الرَّقِيق وَالْحَيَوَان أَن لَا يملكَانِ شَيْئا وَلَا يجد الرَّقِيق من يسلفه وَلَا يصبران على عدم النَّفَقَة، بِخِلَاف الزَّوْجَة فَإِنَّهَا تصبر وتستدين على ذمَّة زَوجهَا، وَلِأَن التَّفْرِيق يبطل حَقّهَا وإبقاء النِّكَاح يُؤَخر حَقّهَا إِلَى زمن الْيَسَار عِنْد فقره وَإِلَى زمن الْإِحْضَار عِنْد غيبته، وَالتَّأْخِير أَهْون من الْإِبْطَال. ٥٣٥٦ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خَالِدٍ ابنِ مُسافِرٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنِ ابنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غَنًى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (مَا كَانَ عَن ظهر غنى) ، أَي: مَا كَانَ عفوا قد فشل عَن غنى، وَقيل: أَرَادَ مَا فضل عَن الْعِيَال وَالظّهْر قد يُزَاد فِي مثل هَذَا اتساعا للْكَلَام وتمكينا، كَأَن صدقته مستندة إِلَى ظهر قوي من المَال. ٣ - (بَابٌ: ﴿حَبْسٍ نَفَقَةِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أهْلِهِ، وَكَيْفَ نَفَقَاتُ العِيَالِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز حبس الرجل قوت سنة، يَعْنِي إدخاره الْقُوت لأجل أَهله يَكْفِيهِ سنة، وَكَيف شَأْن نفقات الْعِيَال والكيفية رَاجِعَة إِلَى صفة النَّفَقَات من حَيْثُ الْفَرِيضَة وَالْوُجُوب وعدمهما. ٥٣٥٧ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرنا وَكيعٌ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أوْ بَعْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرِنِي، ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثا حَدَّثَناهُ ابنُ شهابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ بنِ أوْسٍ عَنْ عُمَرَ، ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لأهْلِهِ قَوتَ سَنَتِهِمْ.

стр. 6216

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وَالثَّوْري هُوَ سُفْيَان. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَقد فَاتَ ابْن عُيَيْنَة سَماع هَذَا الحَدِيث من الزُّهْرِيّ فَرَوَاهُ عَنهُ بِوَاسِطَة معمر، وَقد رَوَاهُ أَيْضا عَن عَمْرو ابْن دِينَار عَن الزُّهْرِيّ بأتم من سِيَاق معمر، وَتقدم فِي سُورَة الْحَشْر. وَأخرجه أَحْمد والْحميدِي فِي (مسنديهما) عَن سُفْيَان عَن معمر وَعَمْرو بن دِينَار جَمِيعًا عَن الزُّهْرِيّ، وَقد أخرج مُسلم رِوَايَة معمر وَحدهَا عَن يحيى بن يحيى عَن سُفْيَان عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، لَكِن لم يسق لَفظه، وَأخرج إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) رِوَايَة معمر مُنْفَرِدَة عَن سُفْيَان عَنهُ عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ: كَانَ ينْفق على أَهله نَفَقَة سنة من مَال بني النَّضِير، وَيحمل مَا بَقِي فِي الكراع وَالسِّلَاح. قَوْله: (بني النَّضِير) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء، وهم حَيّ من يهود خَيْبَر، وَقد دخلُوا فِي الْعَرَب وهم على نسبتهم إِلَى هَارُون أخي مُوسَى، ﵉. قَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز إدخار الْقُوت للأهل والعيال وَأَنه لَيْسَ بحكرة، وَإِن مَا ضمه الْإِنْسَان من زرعه أَو جد من نخله وثمره وحبسه لقُوته لَا يُسمى حكرة، وَلَا خلاف فِي هَذَا بَين الْفُقَهَاء. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: فِيهِ دَلِيل الرَّد على الصُّوفِيَّة حَيْثُ قَالُوا: الإدخار من يَوْم لغد يسيء فَاعله إِذْ لم يتوكل على ربه حق توكله، وَلَا خَفَاء بِفساد هَذَا القَوْل. ٥٣٥٨ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدَّثني عُقَيْلٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أخْبَرنِي مَالِكُ بنُ أوْسٍ بنِ الحَدَثَانٍ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرٍ بنِ مِطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بنِ أوْسٍ فَسَألْتُهُ. فَقَالَ مَالِكٌ: انْطَلَقْتُ حَتَّى أدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، ﵁، إذْ أتاهُ حَاجِبُهُ يَرْفأُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمانِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتأذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ ﴿فَأذِنَ لَهُمْ. قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا. ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَأُ قَلِيلاً فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأذِنَ لَهُمَا. فَلَمَّا دَخَلا سَلَّما وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ﴾ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هاذا. فَقَالَ: الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأصْحَابُهُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! اقْضِ بَيْنَهُمَا. وَأرِحْ أحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ. فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا أنْشُدُكُمْ بِالله الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكنا فَهُوَ صدقه يُرِيد رَسُول الله ﷺ نَفسه قَالَ الرَّهْط قد قَالَ ذَلِك فَأقبل عمر على عليّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أنْشُدُكُما بِالله هَلْ تَعُلَمانِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ ذالِكَ؟ قَالا: قَدْ قَالَ ذالِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هاذا الأمْرِ: إنَّ الله كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ، ﷺ ، فِي هاذا المَالِ بِشَيْء لَمْ يُعْطِهِ أحَدا غَيْرَهُ. قَالَ الله: ﴿مَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكَانَتْ هاذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ الله ﷺ ، وَالله مَا احْتَازَها دُونَكُمْ وَلا اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أعْطاكُمُوها وَبَثَّها فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْها هاذا المَالُ: فَكانَ رَسُولُ الله، ﷺ ، يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هاذا المَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجَعَلَهُ مَجْعَلَ مَالِ الله فَعَمِلَ بِذالِكَ رَسُولُ الله، ﷺ ، حَيَاتَهُ. أنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ تَعْلَمُونَ ذالِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أنْشُدُكُمَا بِالله هَلْ تَعْلَمَانِ ذالِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. ثُمَّ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ ﷺ ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: أنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَبَضَهَا أبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمَلَ بِهِ فِيها رَسُولُ الله، ﷺ ، وَأنْتُمَا حِينئذٍ. وأقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ تَزْعُمانِ أنَّ أبَا بَكْرٍ كَذا وَكَذا، وَالله

стр. 6217

يَعْلَمُ أنَّهُ فِيها صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى الله أبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: أنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأبِي بَكْرٍ فَقَبَضْتُها سَنَتَيْنٍ أعَمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَأبُو بَكْرٍ ثُمَّ جِئْتِمَانِي وَكَلِمَتُمَانِي وَاحِدَةٌ وَأمْرُكُما جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلَنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِيكَ وَأتَى هاذا يَسْألُنِي نَصِيبَ امْرَأتِهِ مِنْ أبِيهَا فَقُلْتُ: إنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إلَيْكُمَا عَلَى أنَّ عَلَيْكُما عَهْدَ الله وَمِيثاقَهُ لَتَعْمَلانِ فِيها بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ ، وَبِما عَمِلَ بِهِ فِيها أبُو بَكْرٍ وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيها مُنْذُ وُلِّيتُها وَإلَاّ فَلا تُكَلِّمانِي فِيهَا. فَقُلْتُمَا ادْفَعْها إلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُها إلَيْكُما بِذالِكَ أنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْهِمَا بِذالِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أنْشُدُكُمَا بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْكُمَا بِذالِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. قَالَ: أفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذالِكَ؟ وَالَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ لَا أقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذالِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. فَإنْ عَجَزْتُمَا عَنْها فَادْفَعَاها فَأنا أكْفِيكُمَاها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ رَسُول الله ﷺ ينْفق على أَهله نَفَقَة سنتها) الحَدِيث قد مضى فِي: بَاب فرض الْخمس زِيَادَة بعض الْأَلْفَاظ فِيهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة. قَوْله: (يرفأ) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الرَّاء وبالفاء مهموزا وَغير مَهْمُوز. قَوْله: (اتئدوا) ، أَمر من الاتئاد وَهُوَ التأني وَعدم العجلة. قَوْله: (أنْشدكُمْ) ، بِضَم الشين أَي: أَسأَلكُم بِاللَّه. قَوْله: (لم يُعْطه غَيره) ، لِأَن الْفَيْء كُله على اخْتِلَاف فِيهِ كَانَ لرَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَمَا احتازها) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي أَي: اجمعها لنَفسِهِ دونكم. قَوْله: (وَلَا اسْتَأْثر) أَي: لَا اسْتقْبل بهَا وَلَا تفرد بهَا. يُقَال: اسْتَأْثر فلَان بِهِ إِذا أَخذه لنَفسِهِ. قَوْله: (وبثها) ، أَي: فرقها. قَوْله: (هَذَا المَال) أَي: فدك وَنَحْوهَا. قَوْله: (نجْعَل مَال الله) أَي: مَوضِع جعل مَال الله فِيهِ، يَعْنِي: بَيت المَال. قَوْله: (وأنتما) ، مُبْتَدأ وَقَوله: (تزعمان) خَبره. قَوْله: (وَأَقْبل على عَليّ وعباس) جملَة حَالية مُعْتَرضَة. (كَذَا وَكَذَا) أَي: لَا يُعْطي ميراثنا من رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَالله يعلم أَنه) ، أَي: أَن أَبَا بكر. قَوْله: (صَادِق) ، أَي: فِي القَوْل. قَوْله: (بار) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء أَي: فِي الْعَمَل. قَوْله: (رَاشد) ، أَي: فِي الِاقْتِدَاء برَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وأمركما جَمِيع) ، أَي: مُجْتَمع أَي: لم يكن بَيْنكُمَا مُنَازعَة. قَوْله: (من ابْن أَخِيك) ، أَي: لرَسُول الله ﷺ . قَوْله: (امْرَأَته) أَي: فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (من أَبِيهَا) أَي: نصِيبهَا الْكَائِن من أَبِيهَا وَهُوَ رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَقَالَ الرَّهْط) ، وهم: عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن وَالزُّبَيْر وَسعد. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (فَأقبل) أَي: عمر على عَليّ وعباس قَوْله: (أفتلتمسان مني) ؟ أَي: أفتطلبان مني قَضَاء أَي حكما غير ذَلِك؟ أَي: غير مَا حكمت بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ هَذِه الْقِصَّة مشكلة فَإِنَّهُمَا أخذاها من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الشريطة واعترفا بِأَنَّهُ ﷺ . قَالَ: مَا تركنَا صَدَقَة فَمَا الَّذِي بدا لَهما بعد ذَلِك حَتَّى تخاصما؟ وَالْمعْنَى فِيهَا: أَنه كَانَ يشق عَلَيْهِمَا الشّركَة فطلبا أَن يقسم بَينهمَا كل مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ وَالتَّصَرُّف فِيمَا يصير إِلَيْهِ فمنعهما عمر الْقسم لِئَلَّا يجْرِي عَلَيْهَا اسْم الْملك لِأَن الْقِسْمَة تقع فِي الْأَمْلَاك، ويتطاول الزَّمَان فيظن بِهِ الملكية. ٤ - (بَابٌ وَقَالَ الله تعَالَى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنٍ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أرَادَ أنْ يَتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿والوالدات﴾ إِلَى قَوْله: (بَصِير) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر والأكثرين: (والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين) إِلَى قَوْله: (بَصِير) وَهَذِه التَّرْجَمَة وَقعت فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بعد الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ قَوْله: (والوالدات يرضعن) خبر وَمَعْنَاهُ أَمر لما فِيهِ من الْإِلْزَام أَي: لترضع الوالدات أَوْلَادهنَّ يَعْنِي: الْأَوْلَاد من أَزوَاجهنَّ

стр. 6218

وَهُوَ أَحَق وَلَيْسَ ذَلِك بِإِيجَاب إِذا كَانَ الْمَوْلُود لَهُ حَيا مُوسِرًا لقَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاء الْقصرى ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٦) على مايأتي، وَأكْثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد بالوالدات هُنَا المبتوتات فَقَط وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن أجر الرَّضَاع على الزَّوْج إِذا خرجت الْمُطلقَة من الْعدة. وَاخْتلفُوا فِي ذَات الزَّوْج هَل تجبر على رضَاع وَلَدهَا؟ قَالَ ابْن أبي ليلى: نعم مَا كَانَت امْرَأَته، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي ثَوْر، وَقَالَ الثَّوْريّ والكوفيون وَالشَّافِعِيّ: لَا يلْزمهَا رضاعه وَهُوَ على الزَّوْج على كل حَال، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تجبر على رضاعه إلَاّ أَن يكون مثلهَا لَا يرضع فَذَلِك على الزَّوْج. قَوْله: (حَوْلَيْنِ) مُدَّة الرَّضَاع. وَقَوله: (كَامِلين) مثل قَوْله: (تِلْكَ عشرَة كَامِلَة) (الْبَقَرَة: ٩٦) . ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا﴾ (الْأَحْقَاف: ١٥) ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِشَارَة إِلَى قدر الْمدَّة الَّتِي يجب فِيهَا الرَّضَاع. قَوْله: (وَحمله وفصاله) ، أَي: فطامه (ثَلَاثُونَ شهرا) وَهَذَا دَلِيل على أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر لِأَن مُدَّة الرَّضَاع حولان كاملان لقَوْله تَعَالَى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٣) فَيبقى للْحَمْل سِتَّة أشهر رُوِيَ عَن بعجة بن عبد الله الْجُهَنِيّ، قَالَ تزوج رجل منا امْرَأَة فَولدت لسِتَّة أشهر فَأتى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأمر برجمها فَأَتَاهُ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن الله يَقُول: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ قَالَ: ﴿وفصاله فِي عَاميْنِ﴾ وَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِذا ذهبت رضاعته فَإِنَّمَا الْحمل سِتَّة أشهر. وَقَالَ: ﴿وَإنْ تَعَاسَرْ تُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرا﴾ . أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى مِقْدَار الْإِنْفَاق وَأَنه بِالنّظرِ لحَال الْمُنفق. قَوْله: (وَإِن تعاسرتم) ، أَي: فِي الْإِرْضَاع، فَأبى الزَّوْج أَن يُعْطي الْمَرْأَة أُجْرَة رضاعها وأبت الْأُم أَن ترْضِعه فَلَيْسَ لَهُ إكراهها على إرضاعه فسترضع لَهُ أُخْرَى فستوجد وَلَا تتعذر مُرْضِعَة غير الْأُم ترْضِعه، وَفِيه معاتبة الْأُم على المعاسرة أَي: سيجد الْأَب غير معاسرة ترْضع لَهُ وَلَده إِن عاسرته أمه. قَوْله: (لينفق ذُو سَعَة) ، أَي: ذُو مَوْجُود من سعته على قدر موجوده (وَمن قدر) أَي: وَمن ضيق عَلَيْهِ رزقه (فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله) أَي: فلينفق من ذَلِك الَّذِي أعطَاهُ الله، وَإِن كَانَ قَلِيلا (لَا يُكَلف بِاللَّه نفسا إِلَّا مَا أَتَاهَا) أَي: أَعْطَاهَا من المَال (سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا) أَي: بعد ضيق فِي الْمَعيشَة. وَقَالَ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ: نَهَى الله أنْ تُضارَّ وَالِدَةٌ بِوَالِدِها وَذالِكَ أنْ تَقُولَ الوَالِدَةُ لَسْتُ مِرْضِعَتَهُ وَهِيَ أمْثَلُ لَهُ غِذَاءً وَأشْفَقُ عَلَيْهِ وَأرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِها، فَلَيْسَ لَهَا أنْ تَأبَى بَعْدَ أنْ يُعْطِيهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ الله عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أنْ يُضارَّ بِوَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَها أنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارا لَهَا إلَى غَيْرِها فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا أنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيْبِ نَفْسِ الوَالِدِ وَالوَالِدَةِ فَإنْ أرَادَ فِصالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أنْ يَكُونَ ذالِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشاوُرٍ: فِصالُهُ فِطامُهُ. أَي: قَالَ يُونُس بن يزِيد الْقرشِي الأبلي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الله بن وهب فِي (جَامعه) عَن يُونُس. قَالَ: قَالَ ابْن شهَاب فَذكره إِلَى قَوْله: (وتشاور) قَوْله: (نهى الله أَن تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا) ، وَذَلِكَ فِي قَوْله : ﴿لَا تكلّف نفس إِلَّا وسعهَا لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا﴾ قَالَ فِي التَّفْسِير لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا أَي بِأَن تَدْفَعهُ عَنْهَا لتضر أَبَاهُ بتربيته وَلَكِن لَيْسَ لَهَا دَفعه، إِذا وَلدته حَتَّى تسقيه اللباء الَّذِي لَا يعِيش بِدُونِ تنَاوله غَالِبا، ثمَّ بعد هذالها دَفعه عَنْهَا إِن شَاءَت، وَلَكِن إِن كَانَت مضارة لِأَبِيهِ فَلَا يحل لَهَا ذَلِك كَمَا لَا يحل لَهُ انْتِزَاعه مِنْهَا لمُجَرّد الضرار لَهَا. قَوْله: (وَهِي أمثل لَهُ) أَي: الوالدة أفضل للصَّغِير غذَاء أَي: من حَيْثُ الْغذَاء وأشفق عَلَيْهِ من غَيرهَا وأرفق بِهِ أَي: الصَّغِير من غَيرهَا. قَوْله: (فَلَيْسَ لَهَا أَن تأبى) أَي: لَيْسَ للوالدة أَن تمْتَنع بعد أَن يُعْطِيهَا الزَّوْج من نَفسه مَا جعل الله عَلَيْهِ من النَّفَقَة. قَوْله: (ضِرَارًا لَهَا) وَفِي بعض النّسخ ضِرَارًا بهَا. وَهُوَ

стр. 6219

يتَعَلَّق بقوله: (فيمنعها) أَي: منعا يَنْتَهِي إِلَى رضَاع غَيرهَا. قَوْله: (فَإِن أَرَادَ فصالاً) أَي: فَإِن أنْفق والدا الطِّفْل على فصاله قبل الْحَوْلَيْنِ ورأيا فِي ذَلِك مصلحَة لَهُ وتشاورا فِي ذَلِك واجتمعا عَلَيْهِ فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِي ذَلِك. فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن انْفِرَاد أَحدهمَا بذلك دون الآخر لَا يَكْفِي، وَلَا يجوز لوَاحِد مِنْهُمَا أَن يستبد بذلك من غير مُشَاورَة الآخر. قَوْله: (فصاله) فطامه، هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرِيّ عَنهُ، والفصال مصدر تَقول: فاصلته أفاصله مفاصلة وفصالاً إِذا فارقته من خلْطَة كَانَت بَينهمَا، وفصال الْوَلَد مَنعه من شرب اللَّبن. ٥ - (بَابُ: ﴿نَفَقَةِ المَرْأةِ إذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُها وَنَفَقَةِ الوَلَدِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْمَرْأَة إِلَى آخِره. ٥٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ مِقَاتِلٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا؟ قَالَ: لَا، إلاّ بِالمَعْرُوفِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فِي نَفَقَة الْوَلَد فَقَط لِأَن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضرا فِي الْمَدِينَة. وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث. قَوْله: (هِنْد بنت عتبَة) بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن ربيعَة عبد شمس بن عبد منَاف أم مُعَاوِيَة أسلمت عَام الْفَتْح بعد إِسْلَام زَوجهَا أبي سُفْيَان بن حَرْب فأقرهما رَسُول الله ﷺ ، على نِكَاحهمَا، وَتوفيت فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو قُحَافَة والذ أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسم أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه مُعَاوِيَة. وَقيل: عُثْمَان، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة. وَقيل: ابْن بضع وَتِسْعين سنة. قَوْله: (مسيك) بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين الْمُهْملَة الْخَفِيفَة وبكسر الْمِيم وَتَشْديد السِّين يَعْنِي: بخيل لَا يُعْطي من مَاله شَيْئا. فَالْأول فعيل بِمَعْنى فَاعل، وَالثَّانِي صِيغَة مُبَالغَة، قَوْله: (حرج) أَي: إِثْم قَوْله: (من الَّذِي لَهُ) أَي: من الشَّيْء الَّذِي لَهُ مِمَّا يملكهُ. قَوْله: (عيالنا) مَنْصُوب بقوله: (أَن أطْعم) قَوْله: (قَالَ لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تطعمي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا حرج عَلَيْك وَلَا تنفقي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الَّذِي يتعارفه النَّاس فِي النَّفَقَة على أَوْلَادهم من غير إِسْرَاف. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تسرفي وأنفقي بِالْمَعْرُوفِ. وَفِيه الدّلَالَة على وجوب نَفَقَة الْوَلَد. ٣٥٦٠ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنِ النبيِّ ﷺ قَال: إذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِها عَنْ غَيْر أمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أجْرِهِ. قيل: لَا وَجه لإيراد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَلَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَمَا كَانَ للْمَرْأَة أَن تَتَصَدَّق من مَال زَوجهَا من غير أمره بِمَا تعلم أَنه يسمح بِمثلِهِ، وَهُوَ غير وَاجِب، كَانَ لَهَا أَن تَأْخُذ من مَاله بِمَا يجب عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الأولى. وَهَذَا هُوَ الْجَامِع بَين الْحَدِيثين، وَهَذَا الْقدر كافٍ فِي الْمُطَابقَة. وَيحيى شيخ البُخَارِيّ قَالَ الْكرْمَانِي: أما يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خَتّ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأما يحيى بن جَعْفَر بن أعين البيكندي البُخَارِيّ، سمع عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه أخي وهب بن مُنَبّه. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى التَّرَدُّد فِي يحيى فَإِن الحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن وَصرح فِيهِ بقوله: حَدثنِي يحيى بن جَعْفَر عَن عبد الرَّزَّاق إِلَى آخِره. قَوْله: (فَلهُ نصف أجره) وَوَجهه أَن ذَلِك من الطَّعَام الَّذِي يكون فِي الْبَيْت لأجل قوتهما جَمِيعًا. وَقيل المُرَاد بِغَيْر أمره الصَّرِيح بِأَن يَكْتَفِي فِي الْإِنْفَاق بِالْعَادَةِ أَو بالقرائن فِي الْإِذْن وَالْكَلَام المستوفي فِيهِ قد مر هُنَاكَ.

стр. 6220

٦ - (بَابْ: ﴿عَمَلِ المَرْأَةِ فِي بَيْتِ زَوْجِها﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عمل الْمَرْأَة فِي بَيت زَوجهَا. ٥٣٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حدَّثني الحَكَمُ عنِ ابنِ أبِي لَيْلَى حدَّثنا عَلِيٌّ أنَّ فَاطِمَةَ ﵍، أتَتِ النبيُّ ﷺ ، تَشْكُو إلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِها مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَها أنهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذالِكَ لِعَائِشَةِ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ أخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ. قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أخَذْنا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنا نَقُومُ فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَها حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: أَلا أدُلُّكُما عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَألْتُما؟ إذَا أخَذْتُما مَضَاجِعَكُمَا أوْ أوَيْتُمَا إلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحا ثَلاثا وَثَلاثِينَ، وَاحْمَدا ثَلاثا وَثَلاثِينَ، وَكَبِّرَا أرْبَعا وَثَلاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُما مِنْ خَادِمٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تلقى فِي يَدهَا من الرَّحَى) وَهَذَا يدل على أَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت تطحن، وَالَّتِي تطحن تعجن وتخبز، وَهَذَا من جملَة عمل الْمَرْأَة فِي بَيت زَوجهَا. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الدَّار، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَاسم أبي ليلى يسارْ ضد الْيَمين. والْحَدِيث مضى فِي الْخمس عَن بدل ابْن المحبر، وَفِي فضل عليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن بنْدَار وَسَيَأْتِي فِي الدَّعْوَات عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (تَشْكُو إِلَيْهِ) ، حَال قَوْله: (مَا تلقى فِي يَدهَا) من الْمحل بِالْجِيم وَهُوَ ثخانة جلد الْيَد وَظُهُور مَا يشبه الْبشر فِيهَا من الْعَمَل بالأشياء الصلبة الخشنة. قَوْله: (من الرَّحَى) أَي: من إدارة رحى الْيَد. قَوْله: (وَبَلغهَا) أَي: بلغ فَاطِمَة (أَنه جَاءَهُ رَقِيق) من السَّبي. قَوْله: (فَلم تصادفه) بِالْفَاءِ أَي: لم ترهُ حَتَّى تلتمس مِنْهُ خَادِمًا. قَوْله: (فَذكرت ذَلِك) أَي: فَذكرت فَاطِمَة مَا تشكوه لعَائِشَة، ﵂، قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَ) أَي: النَّبِي، ﷺ ، (أخْبرته) أَي: أخْبرت النَّبِي، ﷺ ، عَائِشَة بِأَمْر فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فجاءنا) أَي: النَّبِي، ﷺ ، قَوْله: (وَقد أَخذنَا) الْوَاو فِيهِ للْحَال، والمضاجع جمع مَضْجَع وَهُوَ المرقد. قَوْله: (على مَكَانكُمَا) الْقَائِل هُوَ النَّبِي، ﷺ ، لعَلي وَفَاطِمَة أَي: إلزماه مَكَانكُمَا وَلَا تتحركا مِنْهُ. قَوْله: (قَدَمَيْهِ) ويروى: قدمه. قَوْله: (خير) ، قيل: لَا شكّ أَن للتسبيح وَنَحْوه ثَوابًا عَظِيما، لَكِن كَيفَ يكون خيرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مطلوبها وَهُوَ الإستخدام؟ وَأجِيب: لَعَلَّ الله تَعَالَى يُعْطي للمسبّح قُوَّة يقدر بهَا على الْخدمَة أَكثر مِمَّا يقدر الْخَادِم عَلَيْهِ، أَو يسهل الْأُمُور عَلَيْهِ بِحَيْثُ يكون فعل ذَلِك بِنَفسِهِ أسهل عَلَيْهِ من أَمر الْخَادِم بذلك، أَو أَن مَعْنَاهُ أَن نفع التَّسْبِيح فِي الْآخِرَة، ونفع الْخَادِم فِي الدُّنْيَا ﴿وَالْآخِرَة خير وَأبقى﴾ (الْأَعْلَى: ١٧) . ٧ - (بَابُ: ﴿خَادِمِ المَرْأَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان هَل يلْزم الزَّوْج بالخادم للْمَرْأَة. ٥٣٦٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ أبِي يَزِيدَ سَمِعَ مُجاهِدا سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي لَيْلَى يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ: أنَّ فَاطِمَةَ، ﵍، أتَتِ النبيَّ ﷺ ، تَسْألُهُ خَادِما، فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ؟ تُسَبِّحِينَ الله عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلاثا وَثَلاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ الله ثَلاثا وَثَلاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ الله أرْبَعا وَثَلاثِينَ. ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ: إحْدَاهُنَّ أرْبَعٌ وَثَلاثُونَ، فَمَا تَرَكْتُها بَعْدُ. قِيلَ: وَلا لَيْلَةَ صَفِّينَ؟ قَالَ: وَلا لَيْلَةَ صَفِّينَ. هَذَا الحَدِيث هُوَ الْمَذْكُور قبله، وَلَكِن سِيَاقه أخصر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: يُؤْخَذ مِنْهُ أَن كل من كَانَت بهَا طَاقَة من النِّسَاء على خدمَة بَيتهَا فِي خبز أَو طحن أَو غير ذَلِك أَن ذَلِك لَا يلْزم الزَّوْج إِذا كَانَ مَعْرُوفا أَن مثلهَا يَلِي ذَلِك بِنَفسِهِ، وَوجه الْأَخْذ أَن فَاطِمَة لما سَأَلت أَبَاهَا ﷺ الْخَادِم لم يَأْمر زَوجهَا بِأَن يكفيها ذَلِك بإخدامها خَادِمًا، أَو اسْتِئْجَار من يقوم بذلك، أَو يتعاطى ذَلِك

стр. 6221

بِنَفسِهِ وَلَو كَانَت كِفَايَة ذَلِك لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأَمره بِهِ قلت: من هَذَا يُؤْخَذ مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة. ويوضحها، لِأَن قَوْله: بَاب خَادِم الْمَرْأَة، مُبْهَم وَفَسرهُ حَدِيث الْبَاب. وَأخرج الحَدِيث عَن الْحميدِي وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى الْمَنْسُوب إِلَى حميد أحد أجداده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعبيد الله بن أبي يزِيد من الزِّيَادَة الْمَكِّيّ، وَحكى ابْن حبيب عَن إصبغ وَابْن الْمَاجشون عَن مَالك إِن خدمَة الْبَيْت تلْزم الْمَرْأَة وَلَو كَانَت الْمَرْأَة ذَات قدر وَشرف إِذا كَانَ الزَّوْج مُعسرا قَالَ: وَلذَلِك ألزم النَّبِي ﷺ فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِالْخدمَةِ الْبَاطِنَة، وعليا بِالْخدمَةِ الظَّاهِرَة وَحكى ابْن بطال أَن بعض الشُّيُوخ قَالَ: لَا نعلم فِي شَيْء من الْآثَار أَن النَّبِي ﷺ قضى على فَاطِمَة بِالْخدمَةِ الْبَاطِنَة، وَإِنَّمَا جرى الْأَمر بَينهم على مَا تعارفوه من حسن الْعشْرَة وَجَمِيل الْأَخْلَاق، وَأما أَن تجبر الْمَرْأَة على شَيْء من الْخدمَة فَلَا أصل لَهُ بل الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن على الزَّوْج مؤونة الزَّوْجَة كلهَا. وَنقل الطَّحَاوِيّ الْإِجْمَاع على أَنه لَيْسَ لَهُ إِخْرَاج خَادِم الْمَرْأَة من بَيته فَدلَّ على أَنه يلْزمه نَفَقَة الْخَادِم على حسب الْحَاجة، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ: يفْرض لَهَا ولخادمها النَّفَقَة إِذا كَانَت مِمَّن يخْدم، وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَمُحَمّد بن الْحسن: يفْرض لَهَا ولخادمين إِذا كَانَت خطيرة. قَوْله: (ثمَّ قَالَ سُفْيَان: إِحْدَاهُنَّ أَربع وَثَلَاثُونَ) ، أَرَادَ أَن سُفْيَان قَالَ أَولا على التَّعْيِين التَّكْبِير أَربع وَثَلَاثُونَ، وَقَالَ آخرا على الْإِبْهَام: إِحْدَاهُنَّ أَربع وَثَلَاثُونَ. قَوْله: (فَمَا تركتهَا بعد) ، أَي: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَا تركت التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير والتحميد على الْوَجْه الْمَذْكُور بعد أَن سمعته من النَّبِي ﷺ . قَوْله: (قيل: وَلَا لَيْلَة صفّين) ؟ أَي: قَالَ قَائِل لعَلي: وَلَا تركت هَذِه لَيْلَة صفّين، قَالَ: وَلَا تركتهَا لَيْلَة صفّين، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء الْمُشَدّدَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَهُوَ مَوضِع بَين الْعرَاق وَالشَّام كَانَت فِيهِ وقْعَة عَظِيمَة بَين مُعَاوِيَة وَعلي، وَهِي مَشْهُورَة، وَأَرَادَ على أَنه لم يَمْنعنِي مِنْهَا عظم تِلْكَ اللَّيْلَة، وَعظم الْأَمر الَّذِي كنت فِيهِ. ٨ - (بَابُ: ﴿خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خدمَة الرجل بِنَفسِهِ فِي أَهله. ٥٣٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ: سألْتُ عَائِشَةَ، ﵂. مَا كَانَ النبيُّ ﷺ ، يَصْنَعُ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أهْلِهِ، فَإذَا سَمِعَ الأذَانَ خَرَجَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ. والْحَدِيث مر فِي الصَّلَاة فِي: بَاب من كَانَ فِي حَاجَة أَهله فأقيمت الصَّلَاة فَخرج، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن الحكم إِلَى آخِره، والمهنة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْهَاء الْخدمَة. وَفِيه: أَن خدمَة الدَّار وَأَهْلهَا سنة عباد الله الصَّالِحين. وَفِيه: فَضِيلَة الْجَمَاعَة لِأَن معنى قَوْله: (خرج) أَي: إِلَى الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة. ٩ - (بَابٌ: ﴿إذَا لَمْ يَنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أنْ تأخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَها بِالمَعْرُوفِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم ينْفق الرجل فللمرأة أَن تَأْخُذ بِغَيْر علمه مَا يكفيها وَوَلدهَا. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: بِاعْتِبَار عرف النَّاس فِي نَفَقَة مثلهَا وَنَفَقَة وَلَدهَا. ٥٣٦٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ عَائِشَةَ أنَّ هِنْدا بِنْتَ عُتَبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ أبَا سُفْيَان رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَاّ مَا أخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير. وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا قد مر عَن قريب قبل هَذَا بِثَلَاثَة أَبْوَاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أَن هندا) ، كَذَا وَقع مصروفا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمَظَالِم الْمُتَقَدّمَة غير مَصْرُوف،

стр. 6222

وَقد علم أَن سَاكن الْوسط يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ: الصّرْف وَتَركه، كَمَا فِي نوح ودعد وَنَحْوهمَا. قَوْله: (شحيح) أَي: بخيل، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: رجل مسيك. قَوْله: (وَهُوَ لَا يعلم) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَقد احْتج بِهِ من قَالَ: تلْزمهُ نَفَقَة وَلَده وَإِن كَانَ كَبِير أورد بِأَنَّهَا وَاقعَة عين وَلَا عُمُوم فِي الْأَفْعَال، وَلَعَلَّ الْوَلَد فِيهِ كَانَ صَغِيرا وكبيرا زَمنا عَاجِزا عَن الْكسْب، وَبَعض الْمَالِكِيَّة. قَالَ: تلْزمهُ إِذا كَانَ زَمنا مُطلقًا. وَفِيه: مَسْأَلَة الظفرة، وَقد تقدم ذكرهَا فِي الْمَظَالِم على تَفْصِيل وَاخْتِلَاف فِيهَا. وَفِيه: أَن وصف الْإِنْسَان بِمَا فِيهِ من النَّقْص على وَجه التظلم مِنْهُ، والصيرورة إِلَى طلب الانتصاف من حق عَلَيْهِ جَائِز وَلَيْسَ بغيبة لِأَنَّهُ ﷺ لم يُنكر عَلَيْهَا قَوْلهَا، وَاسْتدلَّ بعض الشَّافِعِيَّة على الْحَنَفِيَّة فِي مَنعهم الْقَضَاء على الْغَائِب بِقصَّة هِنْد لِأَنَّهُ ﷺ قضى على زَوجهَا وَهُوَ غَائِب. قَالَت الْحَنَفِيَّة: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن هَذِه الْقَضِيَّة كَانَت بِمَكَّة، وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حَاضر. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مِقْدَار مَا يفْرض السُّلْطَان للزَّوْجَة على زَوجهَا. فَقَالَ مَالك: يفْرض لَهَا بِقدر كفايتها فِي الْيُسْر والعسر وَيعْتَبر حَالهَا من حَاله، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة: وَلَيْسَت مقدرَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: مقدرَة بِاجْتِهَاد الْحَاكِم فِيهَا. وَهِي تعْتَبر بِحَالهِ دونهَا. فَمن كَانَ مُوسِرًا فمدان كل يَوْم، وَإِن كَانَ متوسطا فَمد وَنصف، وَمن كَانَ مُعسرا فَمد، فَيجب لبِنْت الْخَلِيفَة مَا يجب لبِنْت الحارس. ١٠ - (بَابُ: ﴿حِفْظِ المَرْأةِ زَوْجِها فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب حفظ الْمَرْأَة زَوجهَا فِي ذَات يَده، يَعْنِي: فِي مَاله. قَوْله: (وَالنَّفقَة) ، أَي: وَفِي النَّفَقَة. وَهُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام، وَوَقع فِي بعض النّسخ، وَالنَّفقَة عَلَيْهِ. أَي: على الزَّوْج. ٥٣٦٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسِ عَنْ أبِيهِ وَأبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، وَقَالَ الآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صَغرِهِ وَأرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأرعاه على زوج فِي ذَات يَدَيْهِ) وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن طَاوُوس عبد الله، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب إِلَى من ينْكح وَأي النِّسَاء خير. قَوْله: (وَأَبُو الزِّنَاد) ، عطف على (ابْن طَاوُوس) وَحَاصِله أَن لِسُفْيَان فِيهِ شيخين: أَحدهمَا: ابْن طَاوُوس، وَالْآخر: أَبُو الزِّنَاد. قَوْله: (خير نسَاء ركبن الْإِبِل نسَاء قُرَيْش) ، حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة وَفِي آخر الحَدِيث يَقُول: أَبُو هُرَيْرَة. وَلم تركب مَرْيَم ابْنة عمرَان بَعِيرًا قطّ، وَالنَّبِيّ ﷺ . قد قَالَ: خير نسَاء ركبن الْإِبِل، وَذكر صَاحب (النَّجْم الثاقب) أَن أَبَا هُرَيْرَة فهم أَن الْبَعِير من الْإِبِل فَقَط وَلَيْسَ كَذَلِك، بل يكون أَيْضا حمارا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم﴾ (يُوسُف: ٧٢) قَالَ ابْن خالويه: لم تكن إخْوَة يُوسُف ركبانا إلَاّ على أحمرة، وَلم يكن عِنْدهم إبل، وَلم يكن حملانهم فِي أسفارهم وَشبههَا إلَاّ على أحمرة، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد: الْبَعِير هُنَا الْحمار، وَهِي لُغَة حَكَاهَا الكواشي. قَوْله: (وَقَالَ الآخر) بِفَتْح الْخَاء (صَالح نسَاء قُرَيْش) أَرَادَ أَن أحد الِاثْنَيْنِ من ابْن طَاوُوس وَأَبُو الزِّنَاد الَّذِي سمع مِنْهُمَا سُفْيَان هَذَا الحَدِيث. قَالَ: (خير نسَاء ركبن الْإِبِل) وَقَالَ الآخر: (صَالح نسَاء قُرَيْش) وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان قَالَ أَحدهمَا: صَالح نسَاء قُرَيْش كَذَا بالإبهام، وَلَكِن بَين فِي رِوَايَة معمر عَن ابْن طَاوُوس عِنْد مُسلم، أَن الَّذِي زَاد لفظ: صَالح، هُوَ ابْن طَاوُوس، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: صُلَّح نسَاء قُرَيْش، بِضَم الصَّاد وَفتح اللَّام الْمُشَدّدَة وَهُوَ صِيغَة جمع. قَوْله: (أحناهُ على وَلَده) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة من الحنو وَهُوَ الْعَطف والشفقة وَهُوَ صِيغَة التَّفْضِيل من الحانية، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ الَّتِي تقيم على وَلَدهَا فَلَا تتَزَوَّج، يُقَال: حَتَّى يحنى وحنا يحنو إِذا أشْفق، فَإِن تزوجت الْمَرْأَة لَيست بحانية. قَوْله: (وأرعاه) من الرِّعَايَة وَهِي الْحِفْظ أَو من الإرعاء وَهِي الْإِبْقَاء. فَإِن قلت: كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: إحناهن. قلت: الْعَرَب فِي مثله لَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ إلَاّ مُفْرد أَو لَعَلَّه بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، أَو بِاعْتِبَار لفظ النِّسَاء. (وَيُذْكرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبيِّ ﷺ )

стр. 6223

ذكر مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِصِيغَة التمريض، أما الَّذِي رُوِيَ عَن مُعَاوِيَة فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق زيد بن أبي عتاب عَن مُعَاوِيَة: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، فَذكر مثل رِوَايَة ابْن طَاوُوس فِي جملَة أَحَادِيث، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا من طَرِيق شهر بن حَوْشَب: حَدثنِي ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن النَّبِي ﷺ خطب امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا سَوْدَة وَكَانَ لَهَا خَمْسَة صبيان أَو سِتَّة من بعل لَهَا مَاتَ، فَقَالَت لَهُ: مَا يَمْنعنِي مِنْك أَن لَا تكون أحب الْبَريَّة إِلَى إلَاّ أَنِّي أكرمك أَن تصفوا هَذِه الصبية عِنْد رَأسك، فَقَالَ لَهَا: يَرْحَمك الله إِن خير نسَاء ركبن أعجاز الْإِبِل صَالح نسَاء قُرَيْش الحَدِيث، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون أم هانىء الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فلعلها كَانَت تلقب بسودة. قلت: الْمَشْهُور أَن اسْمهَا فَاخِتَة. وَقيل: هِنْد وَكَانَ إسْلَامهَا يَوْم الْفَتْح، وَلَيْسَت سَوْدَة هَذِه سَوْدَة بنت زَمعَة زوج النَّبِي ﷺ ، فَإِن النَّبِي ﷺ تزَوجهَا قَدِيما بِمَكَّة بعد موت خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَدخل بهَا قبل أَن يدْخل بعائشة وَمَات وَهِي فِي عصمته. ١١ - (بَابُ: ﴿كِسْوَةِ المَرْأةِ بِالمَعْرُوفِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب كسْوَة الْمَرْأَة على زَوجهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَي: الَّذِي هُوَ الْمُتَعَارف فِي أَمْثَالهَا. ٥٣٦٦ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ عَنْ عَلِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: آتَى إلَيَّ النبيُّ ﷺ حُلَّةَ سِيرَاءَ فَلَبِسْتُها فَرَأيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُها بَيْنَ نِسَائِي. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فشققتها بَين نسَائِي) وَوجه ذَلِك من حَيْثُ أَن الَّذِي حصل لفاطمة من الْحلَّة قِطْعَة فرضيت اقتصادا بِحَسب الْحَال لَا إسرافا. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب هَدِيَّة مَا يكره لبسه بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن. قَوْله: (آتى إِلَى النَّبِي ﷺ ، بِالْمدِّ يَعْنِي: أعْطى ثمَّ ضمّن أعْطى معنى أهْدى أَو أرسل، فَلذَلِك عداهُ بإليّ بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي بَاب الْهِبَة. عَن عَليّ: أهْدى إِلَيّ النَّبِي ﷺ ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بعث إليّ وَفِي رِوَايَة أَتَى إِلَى النَّبِي ﷺ بِحرف الْجَرّ، وأتى بِمَعْنى جَاءَ فعلى هَذَا ترْتَفع حلَّة سيراء على الفاعلية وَيكون فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَأتى إِلَى النَّبِي ﷺ حلَّة سيراء فَأَعْطَانِيهَا فلبستها. وعَلى الْوَجْه الأول: حلَّة سيراء مَنْصُوب على المفعولية، والحلة إِزَار ورداء، وَقَالَ: أَبُو عبيد: لَا تسمى حلَّة حَتَّى تكون من ثَوْبَيْنِ، وسيراء بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمد، وَهُوَ برد فِيهِ خطوط صفر، وَقيل: هِيَ مضلعة بالحرير، وَقيل: إِنَّهَا حَرِير مَحْض، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ضبطوا الْحلَّة بِالْإِضَافَة وبالتنوين. قَوْله: (فشققتها بَين نسَائِي) ، أَرَادَ بِهِ بَين فَاطِمَة وقراباته، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لم يكن لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، زَوْجَة غير فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَلَا سَرِيَّة ويروى: فشققتها خمرًا بَين الفواطم، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَن للْمَرْأَة مَعَ النَّفَقَة على الزَّوْج الْكسْوَة وجوبا على قدر الْكِفَايَة لَهَا وعَلى قدر الْيُسْر والعسر. ١٢ - (بابُ: ﴿عَوْنِ المَرْأَةِ زَوْجَها فِي وَلَدِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مندوبية عون الْمَرْأَة زَوجهَا فِي أَمر وَلَده، وَسقط فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لفظ وَلَده. ٥٣٦٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْروٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله، ﵄، قَالَ: هَلَكَ أبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ أوْ تِسْعَ بَنَاتٍ، فَتَزَوَّجَتُ امْرَأةً ثَيْبا. فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : أتَزَوَّجْتَ يَا جَابِر؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: بِكْرا أمْ ثَيِّبا؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبا. قَالَ: فَهَلَاّ جَارِيَةً تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ وَتُضَاحِكُها وَتُضَاحِكُكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ عَبْدَ الله هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإنِّي كَرِهْتُ أنْ أجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتصْلِحُهُنَّ، فَقَالَ: بَارَكَ الله لَكَ أوْ قَالَ خَيْرا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه استنبط قيام الْمَرْأَة على ولد زَوجهَا من قيام امْرَأَة جَابر على أخواته وَعمر هُوَ ابْن دِينَار

стр. 6224

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن أبي النُّعْمَان وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي الرّبيع، وَيحيى، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (بمثلهن) أَي: صَغِيرَة لَا تجربة لَهَا فِي الْأُمُور. قَوْله: (أَو قَالَ: خيرا) شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ ابْن بطال: عون الْمَرْأَة زَوجهَا فِي وَلَده وَلَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هُوَ من جميل الْعشْرَة وَمن شِيمَة صالحات النِّسَاء. ١٣ - (بَابُ: ﴿نَفَقَةِ المُعْسِرِ عَلَى أهْلِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْمُعسر على أَهله، أَي: على زَوجته أَو أَعم من ذَلِك. ٥٣٦٨ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ عَنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁. قَالَ: أَتَى النبيَّ ﷺ ، رَجُلٌ. فَقَالَ: هَلَكْتُ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: فأعْتِقْ رَقَبَةً. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي. قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. قَالَ: لَا أسْتَطِيعُ. قَالَ: فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينا. قَالَ: لَا أجِدُ، فَأُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَق فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: أيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ: هَا أنَا ذَا. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهاذا. قَالَ: عَلَى أحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ الله؟ فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ مِنَّا. فَضَحِكَ النبيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ. قَالَ: فَأنْتُمْ إِذا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِثْبَات نَفَقَة الْمُعسر على أَهله حَيْثُ قدمهَا على الْكَفَّارَة بتجويز صرف مَا فِي الْعرق إِلَى أَهله دون كَفَّارَته. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي بَابَيْنِ: الأول: بَاب إِذا جَامع فِي رَمَضَان، وَالثَّانِي: بَاب المجامعة فِي رَمَضَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بعرق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالراء وبالقاف وَهُوَ السلَّة المنسوجة من الخوص تسع خَمْسَة عشر صَاعا. قَوْله: (لابتيها) أَي: لَا بتي الْمَدِينَة وهما الحرتان اللَّتَان تكتنفان الْمَدِينَة. قَوْله: (فَأنْتم إِذا) أَي: فَأنْتم أَحَق حِينَئِذٍ، وَفِي رِوَايَة: فاطعم أهلك. ١٤ - (بَابٌ: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذالِكَ﴾ وَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلَيْنٍ أحَدُهُما أبْكَمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٣) ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الْوَارِث مثل ذَلِك﴾ وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، ﴿وعَلى الْوَارِث﴾ إِلَى قَوْله: أَحدهمَا: أبكم الْآيَة. وَلم يَقع قَوْله: (إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) إلَاّ فِي رِوَايَة غَيره. قَوْله: (وعَلى الْوَارِث) ، اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيله. فَعَن ابْن عَبَّاس: مثل ذَلِك أَي: فِي عدم الضرار بقريبه، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالشعْبِيّ، وَالضَّحَّاك، وَقَالَت طَائِفَة: مَا كَانَ على الْوَارِث من أجر الرَّضَاع إِذا كَانَ الْوَلَد لَا مَال لَهُ، وَقَالَ الْجُمْهُور: لَا غرم على أحد من الْوَرَثَة وَلَا يلْزمه نَفَقَة ولد الْمَوْرُوث. ثمَّ اخْتلفُوا فِي المُرَاد بالوارث، فَقَالَ الْحسن وَالنَّخَعِيّ: كل من يَرث الْأَب من الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: هُوَ من كَانَ ذَا رحم محرم للمولود دون غَيره، وَقَالَ قبيصَة بن ذُؤَيْب: هُوَ الْمَوْلُود نَفسه، وَقَالَ: زيد بن ثَابت: إِذا خلف أما وَعَما فعلى كل وَاحِد مِنْهُمَا إِرْضَاع الْوَلَد بِقدر مَا يَرث، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ. قَوْله: (وَهل على الْمَرْأَة مِنْهُ شَيْء) ، أَي: من رضَاع الصَّبِي، وَهل هُنَا للنَّفْي، وَأَشَارَ بِهِ البُخَارِيّ إِلَى الرَّد على قَول الثَّوْريّ الْمَذْكُور، وَشبه مِيرَاث الْمَرْأَة من الْوَارِث بِمَنْزِلَة الأبكم الَّذِي لَا يقدر على النُّطْق من الْمُتَكَلّم، وَجعلهَا كلاًّ على من يعولها. وَقَالَ ابْن بطال: وَأَشَارَ إِلَى رده بقوله تَعَالَى: ﴿ضرب الله مثلا﴾ فَنزل الْمَرْأَة من الْوَارِث بِمَنْزِلَة الأبكم من الْمُتَكَلّم. قَوْله: (إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) ، يَعْنِي: من قَوْله: ﴿وَضرب الله مثلا رجلَيْنِ أَحدهمَا أبكم لَا يقدر على شَيْء وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يوجهه لَا يَأْتِ بِخَير هَل يَسْتَوِي هُوَ وَمن يَأْمر بِالْعَدْلِ وَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قَالَ الله تَعَالَى: مثلكُمْ فِي إشراككم بِاللَّه الْأَوْثَان مثل من سوّى بَين عبد مَمْلُوك عَاجز عَن التَّصَرُّف وَبَين حرّ مَالك. قد رزقه الله مَالا يتَصَرَّف فِيهِ وينفقه كَيفَ يشار. قَوْله: (أَيّكُم) ، هُوَ الَّذِي ولد أخرس فَلَا يَفهم وَلَا يُفهمّ وَهُوَ كلٌّ أَي: ثقل وعيال على من يَلِي أمره. قَوْله: (أَيْنَمَا يوجهه) ، أَي: حَيْثُمَا يُرْسِلهُ ويصرفه فِي طلب حَاجَة أَو كِفَايَة مهمٍّ (لَا يَأْتِ بِخَير) لَا ينفع وَلَا يأتى بنجحٌ هَل يَسْتَوِي هُوَ

стр. 6225

وَمر هُوَ سليم الْحَواس نفاع ذُو كفايات مَعَ رشد وديانة؟ فَهُوَ يَأْمر النَّاس بِالْعَدْلِ وَالْخَيْر وَهُوَ فِي نَفسه على صِرَاط مُسْتَقِيم؟ . ٥٣٦٩ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ أخْبَرنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أُُمِّ سَلَمَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ﴿هَلْ لِي مِنْ أجْرٍ فِي بَنِي أبِي سَلَمَةَ أنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هاكَذا وَهاكذا إنَّما هُمْ بَنيَّ؟ قَال: نَعَمْ لَكِ أجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أم الصَّبِي كلٌّ على أَبِيه فَلَا يجب عَلَيْهَا نَفَقَة بنيها، وَلِهَذَا لم يَأْمر النَّبِي ﷺ أم سَلمَة بِالْإِنْفَاقِ على بنيها، وَإِنَّمَا قَالَ: لَك أجر مَا أنفقت عَلَيْهِم. وهيبَ مصغر وهبَ ابْن خَالِد يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن زَيْنَب ابْنة أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المخزومية ربيبة النَّبِي ﷺ ، تروي عَن أمهَا أم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة زوج النَّبِي ﷺ . والْحَدِيث هُوَ فِي: بَاب الزَّكَاة على الزَّوْج والأيتام فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن عَبدة عَن هِشَام عَن أَبِيه الخ. قَوْله: (أَن أنْفق) ، أَي: بِأَن أنْفق فَإِن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِم. قَوْله: (وَلست بتاركتهم هَكَذَا وَهَكَذَا) ، يَعْنِي: مُحْتَاجين. قَوْله: (إِنَّمَا هم بني) أَي: إِنَّمَا بَنو أبي سَلمَة هم بني أَيْضا، وَأَصله: بنُون فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم صَار بنوي، فاجتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأدغمت الْوَاو فِي الْيَاء فَصَارَ بني بِضَم النُّون ثمَّ أبدلت ضمة النُّون كسرة لأجل الْيَاء فَصَارَ: بني. قَوْله: (قَالَ: نعم) ، أَي: قَالَ النَّبِي، ﷺ ، نعم أنفقي عَلَيْهِم لَك أجر مَا أنفقت عَلَيْهِم. أَي: لَك أجر الْإِنْفَاق عَلَيْهِم. ٥٣٧٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ هِشامٍ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ: هِنْدٌ: يَا رَسُولَ الله﴾ إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُناحٌ أنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ؟ قَالَ: خُذِي بِالْمَعْرُوفِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (خذي بِالْمَعْرُوفِ) حَيْثُ لم يأمرها بِالْإِنْفَاقِ من مَالهَا. وَإِنَّمَا قَالَ: خذي من مَال أبي سُفْيَان بِمَا يتعارفه النَّاس بِالْإِنْفَاقِ فِي مثلك وَفِي مثل أولادك. والْحَدِيث قد مر عَن قريب، وسُفْيَان الرَّاوِي هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (وَبني) ، أَي: وَمَا يَكْفِي بني، وإعلاله قد مر الْآن. ١٥ - (بَابُ: ﴿قَوْلِ النبيِّ ﷺ : مَنْ تَرَكَ كَلاًّ أوْ ضَياعا فَإلَيَّ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره فالكَلَّ بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام بِالتَّنْوِينِ أَي: ثقلاً من دين وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن فَارس: الْكل الْعِيَال والثقل والضياع بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة الْهَلَاك أَي: الَّذِي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَو خلي وطبعه لَكَانَ فِي معرض الْهَلَاك، قيل: الضّيَاع بِالْكَسْرِ جمع ضائع. قَوْله: (إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء وَمَعْنَاهُ: فينتهي ذَلِك إِلَيّ وَأَنا أتداركه، وَهُوَ بِمَعْنى: عَليّ. أَي: فعليّ قَضَاؤُهُ وَالْقِيَام بمصالحه قَالَ التَّيْمِيّ: فحوالة ذَلِك إليّ. ٥٣٧١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، كَانَ يُؤْتي بِالرَّجُلِ المُتَوفى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيسألُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلاً؟ فَإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ وَفاءً صَلَّى، وَإلَاّ قَالَ لِلْمُسْلِمينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الفُتُوحَ. قَالَ: أنَا أوْلَى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ. فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنينَ فَترك دَيْناً فعلى قَضَاؤُهُ وَمن ترك مَالا فلورثته. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث مضى فِي الْكفَالَة فِي: بَاب الدّين، فَأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله:

стр. 6226

(فضلا) ، أَي: مَا لَا يَفِي بِالدّينِ فضلا من الله تَعَالَى، ويروى قضاهُ، ويروى: وَفَاء. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يتْرك وَفَاء. (قَالَ للْمُسلمين: صلوا على صَاحبكُم) وامتناعه عَن الصَّلَاة على الْمَدْيُون تحذيرا من الدّين وزجرا عَن المماطلة، وَكَرَاهَة أَن يُوقف دعاؤه عَن الْإِجَابَة بِسَبَب مَا عَلَيْهِ من مظلمه الْحق. ١٦ - (بابُ: ﴿المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِياتِ وَغَيْرِهِنَّ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَانه حكم المراضع من المواليات. وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي رِوَايَة بِضَم الْمِيم وَبِفَتْحِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأول أولى لِأَنَّهُ إسم فَاعل من والى يوالي. قلت: على قَوْله: (يكون) ، مواليات جمع موالية وَلَيْسَ كَمَا قَالَه، بل الأولى أَن يضْبط الْمِيم بِالْفَتْح جمع مولاة الَّتِي هِيَ الْأمة وَلَيْسَت من الْمُوَالَاة. وَقَالَ ابْن بطال: الْأَقْرَب أَن يُقَال: الموليات جمع مولاة والموليات جمع مولى جمع التكسير، ثمَّ جمع جمع السَّلامَة بِالْألف وَالتَّاء فَصَارَ: مواليات. وَقَالَ: كَانَت الْعَرَب فِي أول أمرهَا تكره رضَاع الْإِمَاء وتحب العربيات طلبا لنجابة الْوَلَد فَأَرَاهُم النَّبِي ﷺ أَنه قد رضع من غير الْعَرَب وَأَن رضَاع الْإِمَاء لَا يهجن. ٥٣٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخبرَنِي عُرْوَةُ أنَّ زَيْنَبَ ابُنَةَ أبِي سَلمَة أخْبرته أنَّ أُمَّ حَبيبةَ زَوْجَ النَّبي ﷺ قَالَت: قلت يَا رَسُول الله أنكح أُخْتِي ابْنة أبي سُفْيَانَ. قَالَ: وَتُحبِّينَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وأحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ: إنَّ ذلِكَ لَا يَحِلُّ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! فَوَالله إنّا نَتَحَدَّثُ أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ ابْنَةَ أبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَالله لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّها ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ أرْضَعَتْنِي وَأبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أخْوَاتِكُنَّ. وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أعْتَقَها أبُو لَهَبٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿أرضعتني وَأَبا سَلمَة ثوبية﴾ (النِّسَاء: ٢٣) وَكَانَت ثوبية مولاة أبي لَهب فأرضعت النَّبِي ﷺ ، فَلَا يكره رضَاع الْأمة. والْحَدِيث قد مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأم حَبِيبَة اسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان وَاسم أُخْتهَا عزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي. قَوْله: (بمخلية) إسم فَاعل من أخليت الْمَكَان إِذا صادفته خَالِيا، وأخليت غَيْرِي يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. قَوْله: (درة) بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَأَرَادَ أَن درة لَا تحل لَهُ من جِهَتَيْنِ: كَونهَا ربيبتي، وَكَونهَا بنت أخي، وَاسْتِعْمَال: لَو هَاهُنَا كاستعماله فِي نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ. قَوْله: (ثوبية) بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: جَارِيَة أبي لَهب عبد الْعُزَّى عَم رَسُول الله ﷺ ، وَقد أعْتقهَا حِين بَشرته بِالنَّبِيِّ، ﷺ . قَوْله: (وَقَالَ شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ) إِلَى آخِره، تَعْلِيق مر فِي حَدِيث مَوْصُول فِي أَوَائِل كتاب النِّكَاح، وَأَرَادَ بِذكرِهِ هُنَا إِيضَاح أَن ثوبية كَانَت مولاة ليطابق التَّرْجَمَة. ٧ - (كتابُ: ﴿الأَطْعِمَةِ﴾ ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَطْعِمَة وأحكامها، وَهُوَ جمع طَعَام. قَالَ الْجَوْهَرِي: الطَّعَام مَا يُؤْكَل وَرُبمَا خص بِالطَّعَامِ الْبر والطعم بِالْفَتْح مَا يُؤَدِّيه ذوف الشَّيْء من حلاوة ومرارة وَغَيرهمَا، والطعم بِالضَّمِّ الْأكل يُقَال: طعم يطعم طعما فَهُوَ طاعم إِذا أكل أَو ذاق مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم. وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧، ١٧٢) وَقَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٦٧) وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٥١)

стр. 6227

وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على الْأَطْعِمَة، هَذِه من ثَلَاث آيَات الأولى: قَول تَعَالَى: ﴿من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢) أَولهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَمر الله تَعَالَى عباده الْمُؤمنِينَ بِالْأَكْلِ من طَيّبَات مَا رزقهم الله تَعَالَى، وَأَن يشكروه على ذَلِك إِن كَانُوا عبيده، وَالْأكل من الْحَلَال سَبَب لتقبل الدُّعَاء وَالْعِبَادَة كَمَا أَن الْأكل من الْحَرَام يمْنَع قبُول الدُّعَاء وَالْعِبَادَة. وَالثَّانيَِة: من قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧) وَوَقع هُنَا: ﴿كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ وَهِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَفِي أَكثر الرويات أَنْفقُوا على وفْق التِّلَاوَة وَقَالَ ابْن بطال وَقع فِي النّسخ ﴿كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ وَهُوَ وهم من الْكَاتِب وَصَوَابه: ﴿أَنْفقُوا﴾ كَمَا فِي الْقُرْآن. وَالثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٥) المُرَاد بالطيبات: الْحَلَال. ٥٣٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قَال: أطْعِمُوا الجَائِعَ وَعُودوا المَرِيضَ وَفُكَوا الْعانِي. قَالَ سُفْيَانُ: وَالعَانِي الأسِيرُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس. والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب حق إِجَابَة الْوَلِيمَة، وَلَفظه: فكوا العاني وأجيبوا الدَّاعِي وعودوا الْمَرِيض، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب فكاك الْأَسير، وَلَفظه: فكوا العاني، يَعْنِي: الْأَسير، وأطعموا الجائع، وعودوا الْمَرِيض. قَوْله: (فكوا) من فَككت الشَّيْء فانفك. قَوْله: (العاني) من عَنَّا يعنو فَهُوَ عان، وَالْمَرْأَة عانية، وَالْجمع: عوان، وكل من ذل واستكان فقد عَنَّا. ٥٣٧٤ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عَيسى حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آل مُحَمَّدٍ، ﷺ ، مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوسف بن عِيسَى أيو يَعْقُوب الْمروزِي، وَمُحَمّد بن فُضَيْل، مصغر فضل، بِالْمُعْجَمَةِ يروي عَن أَبِيه فُضَيْل بن غَزوَان بن جرير، وَأَبُو الفضيل الْكُوفِي يروي عَن أبي حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (مَا شبع آل مُحَمَّد) ، آل النَّبِي، ﷺ ، أَهله الأدنون وعشيرته الأقربون. قَوْله: (ثَلَاثَة أَيَّام) ، أَي: مُتَوَالِيَات، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاث لَيَال، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن المُرَاد بِالْأَيَّامِ هُنَا بلياليها كَمَا أَن المُرَاد بالليالي هُنَاكَ بأيامها وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، من طَرِيق الْأسود عَن عَائِشَة: مَا شبع من خبز شعير يَوْمَيْنِ مُتَتَابعين. قَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن سَبَب عدم شبعهم غَالِبا كَانَ بِسَبَب قلَّة الشَّيْء عِنْدهم. قلت: لم يكن ذَلِك إلَاّ لإيثارهم الْغَيْر، أَو لِأَن الشِّبَع مَذْمُوم، وأجمعت الْعَرَب كَمَا قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض على أَن الشِّبَع من الطَّعَام مَذْمُوم ولوم، وَنَصّ الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، على أَن الْجُوع يذكي، وروى عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا: من قلَّ طعمه صَحَّ بَطْنه وَصفا قلبه، وَمن كثر طعمه سقم بَطْنه وقسا قلبه، وَرُوِيَ: لَا تميتوا الْقُلُوب بِكَثْرَة الطَّعَام وَالشرَاب فَإِن الْقلب ثَمَرَة كالزرع إِذا كثر عَلَيْهِ المَاء انْتهى، وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) من حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب مَرْفُوعا: مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شرا من بَطْنه، فَحسب الرجل من طَعَامه مَا أَقَامَ صلبه. وَعَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أصَابَنِي جِهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ فَاسْتَقْرَأتُهُ آيَةً مِنْ كِتابِ الله، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَليَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ، فَإذَا رَسُولُ الله، ﷺ ، قَائِمٌ عَلَى رأسِي، فَقَال: يَا أَبا هُرَيْرَة فَقلت: لَبَيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، فَأخَذَ بِيَدِي فَأقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي، فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَحْلِهِ، فَأمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَاشْرَبْ يَا أبَا هرٍّ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالقِدْحِ، قَالَ فَلَقِيتُ عُمَرَ، وَذَكَرْتُ لهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أمْرِي، وَقُلْتُ لهُ: تَوَلَّى الله تَعَالَى ذالِكَ مَنْ كَانَ أحَقَّ بِهِ مِنْكَ

стр. 6228

يَا عُمَرُ، وَالله لَقَدِ اسْتَقَرَأتُكَ الآيَةَ وَلأنَا أقْرَأُ لَهَا مِنْكَ، قَالَ عُمَرُ: وَالله لأنْ أكُونَ أدْخَلْتُكَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿فَأمر لي بعس من لبن فَشَرِبت مِنْهُ﴾ قَوْله: (وَعَن أبي حَازِم) ، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم، وَقد أخرجه أَبُو يعلى عَن عبد الله بن عمر بن أبان عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل: بِسَنَد البُخَارِيّ فِيهِ. قَوْله: (جهد) الْجهد بِالضَّمِّ الطَّاقَة وبالفتح الْغَايَة وَالْمَشَقَّة، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الْجُوع الشَّديد. قَوْله: (فاستقرأته) أَي: سَأَلته أَن يقْرَأ عَليّ آيَة من الْقُرْآن مُعينَة على طَرِيق الاستفادة، وَفِي كثير من النّسخ: فاستقريته بِغَيْر همز وَهُوَ جَائِز لِأَنَّهُ سُهَيْل قَوْله: (وَفتحهَا على) أَي: أَقْرَأَنيهَا، وَفِي (الْحِلْية) لأبي نعيم فِي تَرْجَمَة، أبي هُرَيْرَة من وَجه آخر عَنهُ، أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة من آل عمرَان. وَفِيه: أَقْرَأَنِي وَأَنا لَا أُرِيد الْقِرَاءَة. إِنَّمَا أُرِيد الْإِطْعَام فَلم يفْطن عمر مُرَاده. قَوْله: (فَخَرَرْت لوجهي) ويروى: على وَجْهي، أَي: سَقَطت من خر يخر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر إِذا سقط من علو. وَفِي (الْحِلْية) وَكَانَ يَوْمئِذٍ صَائِما. قَوْله: (فَإِذا) كلمة مفاجأة. قَوْله: (إِلَى رَحْله) أَي: إِلَى مَسْكَنه. قَوْله: (بعس) بِضَم الْعين وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وَهُوَ الْقدح الْعَظِيم. قَوْله: (حَتَّى اسْتَوَى بَطْني) أَي: حَتَّى استقام لامتلائه من اللَّبن. قَوْله: (كالقدح) بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَهُوَ السهْم الَّذِي لَا ريش لَهُ. قَوْله: (تولى الله تَعَالَى) من التَّوْلِيَة وَالْفَاعِل هُوَ الله وَمن مفعول ويروى: تولى ذَلِك أَي: بَاشرهُ من إشباعي وَدفع الْجُوع عني رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (ولانا) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهُوَ مُبْتَدأ أَو قَوْله: (واقرأ لَهَا) خَبره أَي: لِلْآيَةِ الَّتِي فتحهَا عَلَيْهِ عمر، واقرأ أفعل التَّفْضِيل. قَالَ بَعضهم: فِيهِ إِشْعَار بِأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما قَرَأَهَا عَلَيْهِ توقف فِيهَا أَو فِي شَيْء مِنْهَا حَتَّى سَاغَ لأبي هُرَيْرَة مَا قَالَ: وَلذَلِك أقره عمر عَلَيْهِ قلت لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك عتبا على عمر حَيْثُ لم يفْطن حَاله وَلم يكن قَصده الاستقراء بل كَانَ قَصده أَن يطعمهُ شَيْئا، ويوضح هَذَا مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: وَالله مَا اسْتَقر أَنه الْآيَة، وَأَنا أَقرَأ بهَا مِنْهُ إلاّ طَمَعا فِي أَن يذهب بِي ويطعمني، وَأما قَوْله: وَلذَلِك أقره عمر عَلَيْهِ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه من استحيائه مِنْهُ حَيْثُ لم يطعمهُ سكت عَنهُ وَلم يُنكر عَلَيْهِ وَفِي الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل نوع نقص فِي حق عمر، على مَا لَا يخفى. قَوْله: (لِأَن أكون) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد. قَوْله: (أدخلتك أحب إليَّ من حمر النعم) أَرَادَ بِهِ أَن ضيافتك كَانَت عِنْدِي أحب إليّ من حمر النعم أَي: النعم أَي: الْحمر الْإِبِل، وَهُوَ أشرف أَمْوَال الْعَرَب، وَلَفظ: أحب، أفعل التَّفْضِيل بِمَعْنى الْمَفْعُول، وَهَذَا حث من عمر وحرص على فعل الْخَيْر والمواساة. وَفِي الحَدِيث: التَّعْرِيض بِالْمَسْأَلَة والاستحياء. وَفِيه: ذكر الرجل مَا كَانَ أَصَابَهُ من الْجهد. وَفِيه: إِبَاحَة الشِّبَع عِنْد الْجُوع. وَفِيه: مَا كَانَ السّلف عَلَيْهِ من الصَّبْر على الْقلَّة وشظف الْعَيْش وَالرِّضَا باليسير من الدُّنْيَا. وَفِيه: ستر الرجل حِيلَة أَخِيه الْمُؤمن إِذا علم مِنْهُ حَاجَة من غير أَن يسْأَله ذَلِك. وَفِيه: أَنه كَانَ من عَادَتهم إِذا استقرأ أحدهم صَاحب الْقُرْآن يحملهُ إِلَى بَيته ويطعمه مَا تيَسّر عِنْده، وَالله أعلم. ٢ - (بَابُ: ﴿التسْمِيَةِ عَلَى الطعَّامِ وَالأكْلِ بِالْيَمِينِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التسيمة على الطَّعَام، أَي: القَوْل باسم الله فِي ابْتِدَاء الْأكل وأصرح مَا ورد فِي صفة التَّسْمِيَة مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق أم كُلْثُوم عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا مَرْفُوعا إِذا أكل أحدكُم الطَّعَام فَلْيقل: بِسم الله فَإِن نسي فِي أَوله فَلْيقل بِسم الله أَوله وَآخره، وَالْأَمر بِالتَّسْمِيَةِ عِنْد الْأكل مَحْمُول على النّدب عِنْد الْجُمْهُور، وَحمله بَعضهم على الْوُجُوب لظَاهِر الْأَمر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: اسْتِحْبَاب التَّسْمِيَة فِي ابْتِدَاء الطَّعَام مجمع عَلَيْهِ، وَكَذَا يسْتَحبّ حمد الله فِي آخِره. قَالَ الْعلمَاء: يسْتَحبّ أَن يجْهر بالتسيمة لينبه غَيره فَإِن تَركهَا عَامِدًا أَو نَاسِيا أَو جَاهِلا أَو مكْرها أَو عَاجِزا لعَارض ثمَّ تمكن فِي أثْنَاء أكله يسْتَحبّ لَهُ أَن يُسَمِّي، وَتحصل التَّسْمِيَة بقوله: بِسم الله فَإِن اتبعها بالرحمان الرَّحِيم كَانَ حسنا، وَيُسمى كل وَاحِد من الآكلين. وَقَالَ الشَّافِعِي، فَإِن سمى وَاحِد مِنْهُم حصلت التَّسْمِيَة. قَوْله: (وَالْأكل بِالْيَمِينِ) بِالْجَرِّ عطف على التَّسْمِيَة أَي: وَفِي بَيَان الْأكل بِالْيَمِينِ، وَيَأْتِي عَن قريب فِي حَدِيث عمر بن أبي سَلمَة: يَا غُلَام اسْم الله وكُلْ بيمينك وكُل مِمَّا يليك، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: الْأَمر بِالْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ وَالْأكل بِالْيَمِينِ حمله أَكثر أَصْحَابنَا على النّدب، وَبِه صرح الْغَزالِيّ وَالنَّوَوِيّ، وَقد نَص الشَّافِعِي فِي (الْأُم) على وُجُوبه، وَزعم الْقُرْطُبِيّ أَن الْأكل بِالْيَمِينِ مَحْمُول على النّدب، وَلِأَنَّهُ من بَاب تشريف الْيَمين، وَلِأَنَّهَا أقوى فِي الْأَعْمَال

стр. 6229

وأسبق وَأمكن وَلِأَنَّهَا مُشْتَقَّة من الْيمن وَالْبركَة وَفِي حَدِيث أبي دَاوُد: يَجْعَل يَمِينه لطعامه وَشَرَابه وشماله لما سوى ذَلِك، فَإِن احْتِيجَ إِلَى الِاسْتِعَانَة بالشمال فبحكم التّبعِيَّة، وَذكر الْقُرْطُبِيّ أَن الْأكل مِمَّا يَلِي الْآكِل سنة مُتَّفق عَلَيْهَا وخلافها مَكْرُوه شَدِيد الاستقباح إِذا كَانَ الطَّعَام وَاحِدًا. ٥٣٧٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله أخْبَرَنا سُفْيَانُ قَالَ: الوَلِيدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنِي أنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ ابنَ كَيْسَانَ أنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بنَ أبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلاما فِي حَجْرِ رَسُولِ الله ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ. فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : يَا غُلامُ: سَمِّ الله وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ. مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة. وَهُوَ قَوْله: وَالْأكل بِالْيَمِينِ، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (قَالَ: الْوَلِيد بن كثير) بالثاء الْمُثَلَّثَة المَخْزُومِي الْقرشِي من أهل الْمَدِينَة (أَخْبرنِي أَنه) أَي: أَن الْوَلِيد سمع وهب بن كيسَان مولى عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، وَهَكَذَا وَقع أخبرنَا سُفْيَان قَالَ: الْوَلِيد بن كثير أَخْبرنِي أَنه سمع وهب بن كيسَان، وَآخر لَفظه: أَخْبرنِي، وَزَاد لفظ: قَالَ: وَهَذَا التَّصَرُّف من الرَّاوِي جَائِز وَقد أخرجه الْحميدِي فِي (مُسْند) وَأَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيقه عَن سُفْيَان. قَالَ: حَدثنَا الْوَلِيد بن كثير إِلَى آخِره، وَعمر بن أبي سَلمَة بن عبد الْأسد بن هِلَال ابْن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم، وَاسم أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد وَأمه برة بنت عبد الْمطلب بن هَاشم وَأم عمر الْمَذْكُور هِيَ أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ وَهُوَ ربيب رَسُول الله ﷺ . وَله أَحَادِيث توجب لَهُ فضل الصُّحْبَة مَعَ رَسُول الله ﷺ وَطَالَ عمره. قَوْله: (كنت غُلَاما) أَي: دون الْبلُوغ، يُقَال للصَّبِيّ من حِين يُولد إِلَى أَن يبلغ غُلَام، وَقد ذكر ابْن عبد الْبر أَنه ولد فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة بِأَرْض الْحَبَشَة وَتَبعهُ غير وَاحِد، قيل: فِيهِ نظر بل الصَّوَاب أَنه ولد قبل ذَلِك، فقدصح فِي حَدِيث عبد الله بن الزبير أَنه قَالَ: كنت أَنا وَعمر بن أبي سَلمَة مَعَ النسْوَة يَوْم الخَنْدَق، وَكَانَ أكبر مني بِسنتَيْنِ، ومولد ابْن الزبير فِي السّنة الأولى على الصَّحِيح، فَيكون مولد عمر قبل الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ انْتهى. قلت: فِي نظر هَذَا الْقَائِل نظر، لِأَن ابْن عبد الْبر ذكر: قيل: إِن عمر كَانَ يَوْم قبض رَسُول الله ﷺ ابْن تسع سِنِين، ففهم. قَوْله: (فِي حجر رَسُول الله ﷺ ، ضَبطه بَعضهم بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الْجِيم، أَي: فِي تَرْبِيَته وَتَحْت نظره، وَأَنه يربيه فِي حضنه تربية الْوَلَد وَاقْتصر عَلَيْهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي حجره بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسرهَا وَهُوَ الصَّوَاب بل الأصوب بِالْكَسْرِ على مَا تَقول، وَقَالَ عِيَاض: الْحجر يُطلق على الحضن وعَلى الثَّوْب فَيجوز فِيهِ الْفَتْح وَالْكَسْر، وَإِذا أُرِيد بِهِ الْحَضَانَة فبالفتح لَا غير، وَإِن أُرِيد بِهِ الْمَنْع من التَّصَرُّف فبالفتح فِي الْمصدر وبالكسر فِي الِاسْم لَا غير، وَفِي (الْمغرب) حجر الْإِنْسَان بِالْفَتْح وَالْكَسْر: حضنه، وَهُوَ مَا دون أبطه إِلَى الكشح ثمَّ قَالُوا: فلَان فِي حجر فلَان أَي: فِي كنفه ومنعته، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وربائبكم اللائي فِي حجوركم﴾ (النِّسَاء: ٢٣) قَوْله: وَكَانَت يدى تطبيش بِالطَّاءِ الْمُهْملَة والشين الْمُعْجَمَة أَي: تتحرك حوالي الصحفة وَلَا تقتصر على مَوضِع وَاحِد، وَقَالَ: الطَّيِّبِيّ: وَالْأَصْل: أطيش بيَدي فأسند الطيش إِلَى يَده مُبَالغَة، والصحفة مَا يشْبع خَمْسَة، والقصعة مَا يشْبع عشرَة. قَوْله: (فَمَا زَالَت تِلْكَ طعمتي بعد) أَشَارَ بقوله: (تِلْكَ) إِلَى جَمِيع مَا ذكر من الِابْتِدَاء بِالتَّسْمِيَةِ وَالْأكل بِالْيَمِينِ وَالْأكل مِمَّا يَلِيهِ. قَوْله: (طعمتي) بِكَسْر الطَّاء وَهَذِه الصِّيغَة للنوع وَأَرَادَ أَن أكله كَانَ بعد ذَلِك على هَذَا النَّوْع الْمَذْكُور الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: تِلْكَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِضَم الطَّاء، والطعمة بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْأكلَة، يُقَال: طعم طعمة إِذا أكل أَكلَة. قَوْله: (بعد) ، مَبْنِيّ على الضَّم أَي: بعد ذَلِك، فَلَمَّا حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ بنى على الضَّم. وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الْأَمر بِالتَّسْمِيَةِ مَحْمُول على النّدب عِنْد الْجُمْهُور، وَأما الْأكل بِالْيَمِينِ فقد ذهب بَعضهم إِلَى أَنه وَاجِب لظَاهِر الْأَمر ولورود الْوَعيد فِي الْأكل بالشمال فَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع: أَن النَّبِي ﷺ رأى رجلا يَأْكُل بِشمَالِهِ. فَقَالَ: (كل بيمينك. قَالَ: لَا أَسْتَطِيع) . فَمَا مَنعه إلَاّ الْكبر. (فَقَالَ: لَا اسْتَطَعْت فَمَا رَفعهَا إِلَى فِيهِ بعد) . وروى أَحْمد بِسَنَد حسن عَن عَائِشَة رفعته: (من أكل بِشمَالِهِ أكل مَعَه الشَّيْطَان) ، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر عَن رَسُول الله

стр. 6230

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا تاكلوا بالشمال فَإِن الشَّيْطَان يَأْكُل بالشمال) ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى قَوْله: إِن الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ، أَي: يحمل أولياءه من الْإِنْس على ذَلِك ليضاربه عباد الله الصَّالِحين، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ عدُول عَن الظَّاهِر وَالْأولَى حمل الْخَبَر على ظَاهره، وَأَن الشَّيْطَان يَأْكُل حَقِيقَة لِأَن الْعقل لَا يحِيل ذَلِك، وَقد ثَبت الْخَبَر بِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيله. قلت: للنَّاس فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ. وَالثَّانِي: أَن صنفا مِنْهُ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. وَالثَّالِث: أَن جَمِيعهم يَأْكُلُون وَلَا يشربون. وَهَذَا قَول سَاقِط. وروى أَبُو عمر بِإِسْنَادِهِ عَن وهب بن مُنَبّه. بقوله: وَسُئِلَ عَن الْجِنّ مَا هم؟ وَهل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويموتون. فَقَالَ: هم أَجنَاس، فَأَما خَالص الْجِنّ فهم ريح لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يتوالدون، وَمِنْهُم أَجنَاس يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتوالدون ويتناكحون، مِنْهُم السعالي والغول والقطرب وَغير ذَلِك، وَالَّذين يَقُولُونَ: هم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لَا مضغ وبلع، وَهَذَا قَول لم يرد عَلَيْهِ الدَّلِيل، وَالْآخر: أَن أكلهم وشربهم مضغ وبلع، وَهَذَا القَوْل الَّذِي تشهد لَهُ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. ٣ - (بَابُ: ﴿الأكْلِ مِمَّا يَلِيهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنية الْأكل مِمَّا يَلِيهِ، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب. وَقَالَ أنَسٌ: قَالَ النبيُّ ﷺ : اذْكُروا اسْمَ الله وَلْيأكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ. هَذَا تَعْلِيق أسْندهُ ابْن أبي عَاصِم فِي الْأَطْعِمَة: لَهُ حَدثنَا هدبة حَدثنَا مبارك حَدثنَا بكر وثابت عَن أنس بِهِ وَأَصله فِي (الصَّحِيحَيْنِ) . ٥٣٧٧ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَمْروٍ ابنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ وَهْبٍ بنِ كَيْسَانَ أبِي نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بنِ أبِي سَلَمَةَ، وَهُوَ ابنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ، ﷺ ، قَالَ: أكَلْتُ يَوْما مَعَ رَسُولِ الله ﷺ طَعَاما، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ. فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عمر بن أبي سَلمَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله. وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن جَعْفَر مُحَمَّد بن عَمْرو بن حلحلة عَن وهب بن كيسَان عَن عمر بن أبي سَلمَة. قَالَ: أكلت يَوْمًا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَجعلت آخذ من لحم حول الصحفة. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : كل مِمَّا يليك. ٥٣٧٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بنِ كَيْسَانَ أبِي نُعَيْمٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِطَعامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بنُ أبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: سَمِّ الله وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ. هَذَا مُرْسل، كَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَنهُ، وَقد وَصله خَالِد بن مخلد وَيحيى بن صَالح الوحاظي، قَالَا: عَن مَالك عَن وهب بن كيسَان عَن عمر بن أبي سَلمَة. فَإِن قلت: روى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الحنيني فَقَالَ: عَن مَالك عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر؟ قلت: هَذَا مُنكر، وَإِسْحَاق ضَعِيف فَإِن قلت: فَكيف استجاز البُخَارِيّ إِخْرَاجه وَالْمَحْفُوظ عَن مَالك إرْسَاله؟ قلت: لما تبين بالطرفين الَّذِي قبله صِحَة سَماع وهب بن كيسَان عَن عمر بن أبي سَلمَة تحقق أَنه مَوْصُول فِي الأَصْل وَأَن مَالِكًا قصر بِإِسْنَادِهِ حَيْثُ لم يُصَرح بوصله، فاستجاز إِخْرَاجه. ٤ - (بَابُ: ﴿مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالِي القَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز من تتبع حوالي الْقَصعَة أَي: جوانبها وَهُوَ بِفَتْح اللَّام. يُقَال: رَأَيْت النَّاس حوله وحوليه وحواليه، وَاللَّام مَفْتُوحَة فِي الْكل، وَلَا يجوز كسرهَا. قَوْله: (إِذا لم يعرف مِنْهُ) ، أَي: من الَّذِي يتتبع حوالي الْقَصعَة، أَرَادَ أَن التتبع الْمَذْكُور إِنَّمَا لَا يكره إِذا لم يعرف مِنْهُ كَرَاهِيَة. قلت: هَذَا يُخَالف الحَدِيث الَّذِي قبله فِي الْأَمر بِالْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ؟ قلت: حمل البُخَارِيّ هُنَا الْجَوَاز على مَا إِذا علم رضَا من يَأْكُل مَعَه. وَقَالَ بَعضهم: رمز البُخَارِيّ بذلك إِلَى تَضْعِيف حَدِيث عكراش الَّذِي أخرجه

стр. 6231

التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا الْعَلَاء بن فضل بن عبد الْملك بن أبي سَرِيَّة أَبُو الْهُذيْل، حَدثنَا عبيد الله بن عكراش عَن أَبِيه عكراش بن ذُؤَيْب قَالَ: بَعَثَنِي بَنو مرّة بن عبيد بصدقات أَمْوَالهم إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقدمت الْمَدِينَة فَوَجَدته جَالِسا بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. قَالَ: ثمَّ أَخذ بيَدي فَانْطَلق بِي إِلَى بَيت أم سَلمَة. فَقَالَ: هَل من طَعَام؟ فأتتنا بحفنة كَثِيرَة الثَّرِيد والودك. فأقبلنا نَأْكُل مِنْهَا، فَجعلت بيَدي فِي نَوَاحِيهَا وَأكل رَسُول الله ﷺ من بَين يَدَيْهِ، فَقبض بِيَدِهِ الْيُسْرَى على يَدي الْيُمْنَى، ثمَّ قَالَ: يَا عكراش؟ كل من مَوضِع وَاحِد ثمَّ أئتنا بطبق فِيهِ ألوان التَّمْر أَو الرطب، شكّ عبيد الله، فَجعلت آكل من بَين يَدي، وجالت يَد رَسُول الله ﷺ فِي الطَّبَق قَالَ: يَا عكراش كل من حَيْثُ شِئْت فَإِنَّهُ غير لون وَاحِد! الحَدِيث. ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَقد تفرد الْعَلَاء بِهَذَا الحَدِيث، وَقَالَ ابْن حبَان لَهُ صُحْبَة غير أَنِّي لست بمعتمد على إِسْنَاد خَبره، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) روى عَنهُ الْعَلَاء بن الْمفضل وَلَا يثبت، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَجْهُول، وَقَالَ ابْن حبَان: مُنكر الحَدِيث. قلت: لَيْت شعري مَا دَلِيل هَذَا الْقَائِل على أَن البُخَارِيّ رمز هُنَا إِلَى تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث؟ . ٥٣٧٩ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إنَّ خَيَّاطا دَعَا رَسُولَ الله ﷺ ، لِطعامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالِي القَصْعَةِ قَالَ: فَلَمْ أزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمَئِذٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن يُوسُف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الدُّبَّاء) ، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد، وَحكى الْقَزاز الْقصر وَوَقع للنووي فِي (شرح الْمُهَذّب) أَنه القرع الْيَابِس، وَمَا ذَاك إلَاّ سَهْو، وواحده دباءة ودبة تَقْتَضِي أَن تكون الْهمزَة زَائِدَة، وَيدل عَلَيْهِ أَن الْهَرَوِيّ أخرجه فِي بَاب دبب. وَأخرجه الْجَوْهَرِي على أَن همزته منقلبة. قَالَ ابْن الْأَثِير: وَكَأَنَّهُ أشبه، وَقَالَ أَيْضا: وَوزن الدُّبَّاء فعال ولامه همزَة لِأَنَّهُ لم يعرف انقلاب لامه عَن وَاو أَو يَاء قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ. ٥ - (بَابُ: ﴿التَّيَمُّنِ فِي الأكْلِ وَغَيْرِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنية التَّيَمُّن فِي كل شَيْء، فِي الْأكل وَالشرب وَغَيره. ٥٣٨٠ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبَرنا عَبْدُ الله أخبرَنا شُعْبَةُ عَنْ أشْعَثَ عَنْ أبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ: كَانَ النبيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَصُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ، وَكَانَ قَالَ بِوَاسِطٍ قَبْلَ هاذا، فِي شَأنِهِ كُلِّهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن حبلة الْمروزِي، يروي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة، يروي عَن أَبِيه سليم بِضَم السِّين التَّابِعِيّ الْكُوفِي. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْوضُوء فِي بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وَكَانَ) ، أَي: شُعْبَة. قَالَ قبله بواسط فِي الزَّمَان السَّابِق (فِي شَأْنه كُله) أَي: زادَ عَلَيْهِ هَذِه الْكَلِمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ بعض الْمَشَايِخ: الْقَائِل بواسط هُوَ أَشْعَث، وَالله أعلم. ٦ - (بَابُ: ﴿مَنْ أكَلَ حَتَّى شَبِعَ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من أكل من الطَّعَام حَتَّى شبع. ٥٣٨١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أبُو طَلْحَةَ: لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ الله ﷺ ، ضَعِيفا أعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَأخْرَجَتْ أقْرَاصا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أخْرَجَتْ

стр. 6232

خيارا لَهَا فَلفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أرْسَلَتْنِي إلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : آرْسَلَكَ أبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِطَعامٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، لِمَنْ مَعَهُ قَومُوا، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أبَا طَلْحَةَ. فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ: يَا أُُمَّ سُلَيْمٍ! قَدْ جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ ، بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعامِ مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتْ: الله وَرَسُولهُ أعْلَمُ قَالَ: فَانْطَلَقَ أبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَأقْبَلَ أبُو طَلْحَةَ ورسولُ الله ﷺ ، حَتَّى دَخَلا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هَلُمِّي يَا أُُمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكِ؟ فَأتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ، فَأمَرَ بِهِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فأدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ ، مَا شَاءَ الله أنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فأذِنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشْرَةِ، فأذِنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأذِنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ أذِنَ لِعَشَرَةٍ فأكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلاً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِطُولِهِ، وَفِي الصَّلَاة مُخْتَصرا عَن عبد الله بن يُوسُف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَأَبُو طَلْحَة اسْمه زيد الْأنْصَارِيّ النجاري، وَأم سليم بِضَم السِّين اسْمهَا سهلة أَو الرميصاء زَوْجَة أبي طَلْحَة أم أنس. قَوْله: (دسست) ، من دسمت الشَّيْء فِي التُّرَاب إِذا أخفيته فِيهِ. قَوْله: (وردتني) من التردية أَي: جعلته رِدَاء لي. (والعكة) بِالضَّمِّ آنِية السّمن. قَوْله: (وأدمته) من قَوْلهم: أَدَم الْخبز يأدمه الْخبز يأدمه بِالْكَسْرِ وَهُوَ بِالْمدِّ وَالْقصر لُغَتَانِ. قَوْله: (ائْذَنْ) أَي: بِالدُّخُولِ. ٥٣٨٢ - حدَّثنا مُوسَى حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عَنْ أبِيهِ قَالَ: وَحَدَّثَ أبُو عُثْمَانَ أيْضا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ أبِي بَكْرٍ، ﵄. قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ : ثَلاثِينَ ومِائَةَ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ : هَلْ مَعَ أحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعانٌ طَوِيلٌ بغَنَمٍ يَسُوقُها. فَقَالَ النبيّ ﷺ أبَيْعٌ أمْ عَطِيَّةٌ؟ أوْ قَالَ: هِبَةٌ؟ قَال: لَا بَلْ بَيْعٌ. قَالَ: فَاشْتَرى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ فَأمَرَ نَبِيُّ الله ﷺ بِسَوَادِ البَطْنِ يُشْوِي، وَأَيمُ الله مَا مِنَ الثَّلاثِينَ وَمائَةٍ إلَاّ قَدْ حَزَّ لَهُ مِنْ سَوَادِ بَطْنِها إنْ كَانَ شَاهِدا أعْطاها إيَّاهُ وَإنْ كَانَ غَائِبا خَبَأها لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيها قَصْعَتَيْنِ فَأكلْنا أجْمَعُونَ وَشَبِعنَا وَفَضَلَ فِي القَصْعَتَيْنِ فَجَعَلْتُهُ عَلَى البَعِيرِ أوْ كَمَا قَالَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْمنْقري، ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ. قَوْله: (وَحدث أَبُو عُثْمَان أَيْضا) ، أَرَادَ بِهِ أَن سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنِي غير أبي عُثْمَان وحَدثني أَبُو عُثْمَان، وَهُوَ أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ ذَلِك المُرَاد إِنَّمَا أَرَادَ أَن أَبَا عُثْمَان حَدثهُ بِحَدِيث سَابق على هَذَا ثمَّ حَدثهُ بِهَذَا فَلذَلِك قَالَ: أَيْضا أَي: حَدثهُ بِحَدِيث بعد حَدِيث. قلت: من تَأمل وَجه مَا قَالَه الْكرْمَانِي علم أَنه هُوَ الْوَجْه. والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع فِي: بَاب الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ الْمُشْركين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن مُعْتَمر إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي

стр. 6233

الْهِبَة عَن أبي النُّعْمَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (مشعان) ، بِضَم الْمِيم وَقيل: بِكَسْرِهَا وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة وبالنون الْمُشَدّدَة، وَهُوَ الطَّوِيل فِي الْغَايَة. وَقيل: طَوِيل الشّعْر منتفشه ثائره. قَوْله: (أم عَطِيَّة) ، أَي: هَدِيَّة. قَوْله: (بسواد الْبَطن) هُوَ الكبد. قَوْله: (حز لَهُ حزة) الحز بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي وَهُوَ: الْقطع. ٥٣٨٣ - حدَّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: تُوُفِّيَ النبيُّ ﷺ حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الأسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالمَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ القصاب، ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن التَّيْمِيّ، يروي عَن أمه صَفِيَّة بنت شيبَة بن عُثْمَان الحَجبي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى ابْن يحيى وَغَيره. قَوْله: (حِين شبعنا) ظرف كالحال. مَعْنَاهُ: مَا شبعنا قبل زمَان وَفَاته، يَعْنِي: كُنَّا متقللين من الدِّينَا زاهدين فِيهَا، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي وَلَيْسَ مَعْنَاهُ هَكَذَا، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ توفّي النَّبِي ﷺ ، وَقت كوننا شُباعى من الأسودين، وَالدَّلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا مَا مضى فِي غَزْوَة خَيْبَر من طَرِيق عِكْرِمَة عَن عَائِشَة. قَالَت: لما فتحت خَيْبَر قُلْنَا: الْآن نشبع من التَّمْر، وَمن حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: مَا شبعنا حَتَّى فتحنا خَيْبَر، وَظهر من هَذَا أَن ابْتِدَاء شبعهم كَانَ من فتح خَيْبَر، وَذَلِكَ قبل مَوته بِثَلَاث سِنِين. قَوْله: (من الأسودين) تَثْنِيَة الْأسود وهما التَّمْر وَالْمَاء، وَهَذَا من بَاب التغليب وَإِن كَانَ المَاء شفافاً لَا لون لَهُ وَذَلِكَ كالأبوين: للْأَب وَالأُم، والقمرين، للشمس وَالْقَمَر، والأحمرين: للحم وَالشرَاب، وَقيل: الذَّهَب والزعفران، والأبيضين: المَاء وَاللَّبن، والأسمرين: للْمَاء وَالْملح. وَكَذَلِكَ قَالُوا: العمرين لأبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. فغلبوا عمر لِأَنَّهُ أخف وَأبْعد من قَالَ: هما عمر بن الْخطاب وَعمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَيُقَال: هَذِه تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يُقَارِبه لِأَن الْأسود مِنْهُمَا التَّمْر خَاصَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: إِنَّهُم كَانُوا فِي سَعَة من المَاء فَأجَاب بِأَن الرّيّ من المَاء لم يكن يحصل لَهُم من دون الشِّبَع من الطَّعَام، وقرنت بَينهمَا لفقد التَّمَتُّع بِأَحَدِهِمَا دون الآخر، وعبرت عَن الْأَمريْنِ الشِّبَع والري بِفعل وَاحِد، كَمَا عبرت عَن التَّمْر وَالْمَاء بِوَصْف وَاحِد، وَإِن كَانَ للْمَاء الرّيّ لَا الشِّبَع، وَقَالَ ابْن بطال: فِي هَذِه الْأَحَادِيث جَوَاز الشِّبَع وَإِن كَانَ تَركه أَحْيَانًا أفضل، وَقد ورد عَن سُلَيْمَان وَأبي جُحَيْفَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِن أَكثر النَّاس شبعا فِي الدُّنْيَا أطولهم جوعا فِي الْآخِرَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الشِّبَع وَإِن كَانَ مُبَاحا فَإِن لَهُ حدا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَمَا زَاد على ذَلِك سرف، وَالْمُطلق مِنْهُ مَا أعَان الْأكل على طَاعَة ربه، وَلم يشْغلهُ ثقله عَن أَدَاء مَا وَجب عَلَيْهِ. وَاخْتلف فِي حد الْجُوع على رأيين: أَحدهمَا: أَن يَشْتَهِي الْخبز وَحده، فَمَتَى طلب الأدام فَلَيْسَ بجائع. ثَانِيهمَا: أَنه إِذا وَقع رِيقه على الأَرْض لم يَقع عَلَيْهِ الذُّبَاب، ذكره فِي (الْإِحْيَاء) وَذكر أَن مَرَاتِب الشِّبَع تَنْحَصِر فِي سَبْعَة: الأول: مَا تقوم بِهِ الْحَيَاة. الثَّانِي: أَن يزِيد حَتَّى يُصَلِّي عَن قيام ويصوم وَهَذَانِ واجبان. الثَّالِث: أَن يزِيد حَتَّى يُقَوي على أَدَاء النَّوَافِل. الرَّابِع: أَن يزِيد حَتَّى يقدر على التكسب، وَهَذَانِ مستحبان. الْخَامِس: أَن يمْلَأ الثُّلُث وَهَذَا جَائِز. السَّادِس: أَن يزِيد على ذَلِك وَبِه يثقل الْبدن وَيكثر النّوم وَهَذَا مَكْرُوه. السَّابِع: أَن يزِيد حَتَّى يتَضَرَّر وَهِي البطنة الْمنْهِي عَنْهَا وَهَذَا حرَام. ٧ - (بَابٌ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (النُّور: ٦١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ إِلَى قَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ كَذَا وَقع لبَعض رُوَاة (الصَّحِيح) وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ قَوْله: إِلَى قَوْله: (لَعَلَّكُمْ تعقلون) أَشَارَ بِهِ إِلَى تَمام الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النُّور، وَهِي آيَة طَوِيلَة لَا الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْفَتْح، لِأَن الْمُنَاسب لأبواب الْأَطْعِمَة هِيَ الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النُّور، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج﴾ الْآيَة. وَوَقع فِي كتاب صَاحب (التَّوْضِيح) بَاب: ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مباركة طيبَة﴾ الْآيَة. وَالنِّهْدُ وَالاجْتِمَاعُ عَلَى الطَعَّامِ لم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة، إلَاّ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَحده، والنهد بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْهَاء وبالدال الْمُهْملَة من المناهدة، وَهِي إِخْرَاج

стр. 6234

كل وَاحِد من الرّفْقَة نَفَقَة على قدر نَفَقَة صَاحبه، وَتقدم تَفْسِيره أَيْضا فِي أول الشّركَة فِي: بَاب الشّركَة وَالطَّعَام والنهد. قَوْله: (على الطَّعَام) وَفِي بعض النّسخ: فِي الطَّعَام، وَقد جَاءَ كلمة: فِي، بِمَعْنى: على، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ (طه: ٧١) أَي عَلَيْهَا. ٥٣٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيد: سَمِعْتُ بُشَيْرَ بنَ يَسَارٍ يَقُولُ: حدَّثنا سُوَيْدُ بنُ النُّعْمَانِ. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إلَى خَيْبَرَ. فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ قَالَ يَحْيَى وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ: دَعَا رَسُولُ الله ﷺ بِطَعَامٍ، فَمَا أُُتِيَ إلَاّ بِسوِيقٍ، فَلُكْناهُ فَأكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا فَصَلَّى بِنا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَأ. قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدا وَبَدْءا. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من وسط الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَو أشتاتا﴾ وَهُوَ أصل فِي جَوَاز المخارجة، وَلِهَذَا ذكر فِي التَّرْجَمَة: النهد، وَقَالَ بَعضهم: فِي الحَدِيث لم يُؤْت إلَاّ بسويق، وَلَيْسَ هُوَ ظَاهر المُرَاد من النهد لاحْتِمَال أَن يكون مَا جِيءَ فِي السويق إلَاّ من جِهَة وَاحِدَة. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال بعيد لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء، بل الظَّاهِر أَن من كَانَ عِنْده شَيْء من السويق أحضرهُ، لِأَن قَوْله: (دَعَا رَسُول الله ﷺ بِطَعَام) لم يكن من شخص معِين، بل كَانَ عَاما وَالْحَال يدل على أَن كل من كَانَ عِنْده شَيْء من ذَلِك أحضر. هـ وَقَالَ الْمُهلب: مُنَاسبَة الْآيَة لحَدِيث سُوَيْد مَا ذكره أهل التَّفْسِير من أَنهم كَانُوا إِذا اجْتَمعُوا للْأَكْل عزل الْأَعْمَى على حِدة والأعرج على حِدة وَالْمَرِيض على حِدة لتقصيرهم عَن أكل الأصحاء، فَكَانُوا يتحرجون أَن يتفضلوا عَلَيْهِم، وَهَذَا قَول الْكَلْبِيّ، وَقَالَ عَطاء بن يزِيد: كَانَ الْأَعْمَى يتحرج أَن يَأْكُل طَعَام غَيره لجعل يَده فِي غير موضعهَا، والأعرج كَذَلِك لاتساعه فِي مَوضِع الْأكل، وَالْمَرِيض لرائحته، فَنزلت هَذِه الْآيَة، فأباح الله لَهُم الْأكل مَعَ غَيرهم وَفِي حَدِيث سُوَيْد معنى الْآيَة لأَنهم جعلُوا أَيْديهم فِيمَا حضر من الزَّاد سَوَاء، أَلا يرى أَن النَّبِي ﷺ حِين أملقوا فِي السّفر جعل أَيْديهم جَمِيعًا فِيمَا بَقِي من الأزواد سَوَاء، وَلَا يُمكن أَن يكون أكلهم سَوَاء أصلا لاخْتِلَاف أَحْوَالهم فِي الْأكل، وَقد سوغهم ذَلِك من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَصَارَ ذَلِك سنة فِي الْجَمَاعَات الَّتِي تدعى إِلَى طَعَام فِي النهد والولائم والإملاق فِي السّفر، وَمَا ملكت مفاتيحه بأمانة أَو قرَابَة أَو صداقة فلك أَن تَأْكُل مَعَ الْغَرِيب أَو الصّديق أَو وَحدك. والْحَدِيث الْمَذْكُور قد ذكره فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من مضمض من السويق وَلم يتَوَضَّأ. وَأخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار عَن سُوَيْد بن النُّعْمَان إِلَى آخِره، وَأخرجه أَيْضا فِي أول بَاب غَزْوَة خَيْبَر عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار الخ، وَهنا أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن يسَار، ضد الْيَمين عَن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن النُّعْمَان الْأنْصَارِيّ الْمدنِي. قَوْله: (قَالَ يحيى) هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ الرَّاوِي قَوْله: (على رَوْحَة) هِيَ ضد الغدوة. قَوْله: (فلكناه) بِضَم اللَّام من اللوك، يُقَال: لكنه فِي فمي إِذا علكته. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي. قَوْله: (عودا وبدءا) أَي: عَائِدًا ومبتدئا أَي: (أَولا وآخرا) . ٨ - (بَابُ: ﴿الخُبْزِ المُرَقَّقِ وَالأكْلِ عَلَى الخِوانِ وَالسُّفْرَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخبز المرقق وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من رقق على وزن فعّل بِالتَّشْدِيدِ يُقَال: رقق الصَّانِع الْخبز أَي: لينه وَجعله رَقِيقا وَهُوَ الرقَاق أَيْضا بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الرقَاق، بِالضَّمِّ الْخبز الرَّقِيق، وَقَالَ عِيَاض: قَوْله: (مرفقا) أَي: ملينا محسنا كخبز الْحوَاري وَشبهه، وَقَالَ ابْن التِّين: المرقق الْخبز السميد وَمَا يصنع مِنْهُ من كعك وَغَيره، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: المرقق هُوَ الْخَفِيف كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من الرقَاق وَهِي الْخَشَبَة الَّتِي يرقق بهَا. قَوْله: (على الخوان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَجَاء ضمهَا. وَفِيه لُغَة ثَالِثَة: أَخَوان، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء وَهُوَ مُعرب. قَالَ الجواليقي: تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَدِيما، وَقَالَ ابْن فَارس: إِنَّه اسْم أعجمي، وَعَن ثَعْلَب: سمي بذلك لِأَنَّهُ يتخون مَا عَلَيْهِ، أَي: ينتقص. وَقَالَ عِيَاض: إِنَّه الْمَائِدَة مَا لم يكن عَلَيْهِ طَعَام وَيجمع على أخونة فِي الْقلَّة وخوون بِضَم أَوله فِي الْكَثْرَة وَالْأكل على الخوان من دأب المترفين وصنع

стр. 6235

الْجَبَابِرَة. قلت: لَيْسَ فِيمَا ذكر كُله بَيَان هَيْئَة الخوان، وَهُوَ طبق كَبِير من نُحَاس تَحْتَهُ كرْسِي من نُحَاس ملزوق بِهِ، طوله قدر ذِراع يرص فِيهِ الزبادي وَيُوضَع بَين يَدي كَبِير من المرتفين وَلَا يحملهُ إلَاّ اثْنَان فَمَا فَوْقهمَا. قَوْله: (والسفرة) وَهِي: الطَّعَام يَتَّخِذهُ الْمُسَافِر وَأكْثر مَا يحمل فِي جلد مستدير حوله حلق من حَدِيد يضم بِهِ ويعلق فَنقل إسم الطَّعَام إِلَى الْجلد وَسمي بِهِ كَمَا سميت المزادة رِوَايَة. ٥٣٨٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أنَسٍ وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ، فَقَالَ: مَا أكَلَ النبيُّ ﷺ خُبْزا مُرَقَّقا وَلا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِيَ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف نون أُخْرَى. أبي بكر الْعَوْفِيّ الْبَاهِلِيّ الْأَعْمَى، وهما بتَشْديد الْمِيم الأولى هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَغَيره. قَوْله: ﴿وَلَا شَاة مسموطة﴾ قَالَ ابْن الْأَثِير: الشَّاة السميط أَي المشوية فعيل بِمَعْنى مفعول، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَهُوَ أكل المترفين وَإِنَّمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ الْجلد لينتفعوا بِهِ، وَيُقَال: المسموط الَّذِي أزيل شعره بِالْمَاءِ المسخن ويشوى بجلده أَو يطْبخ، وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك فِي الصَّغِير السن الطري، وَذَلِكَ من فعل المترفين من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: الْمُبَادرَة إِلَى ذبح مَا لَو بَقِي لازداد ثمنه. وَثَانِيهمَا: أَن المسلوخ ينْتَفع بجلده فِي اللّبْس وَغَيره، وَعبارَة ابْن بطال: المسموط المشوية بجلدها. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : سمطت الْجمل أسمطه سمطا تنقيه من الصُّوف بعد إِدْخَاله فِي المَاء الْحَار، وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : سمط الجدي وَغَيره علقه من السموط، وَهِي معاليق من السرج. وَقَالَ الدَّاودِيّ: المسموط الَّتِي يغلى لَهَا المَاء فَتدخل فِيهِ بعد أَن تذبح ويزال بَطنهَا فيزول عَنْهَا الشّعْر أَو الصُّوف ثمَّ تشوى وَقَالَ ابْن بطال: أكل المرقق جَائِز مُبَاح وَلم يتْركهُ سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، إلَاّ زهدا فِي الدُّنْيَا وتركا للتنعم وإيثارا لما عِنْد الله وَغير ذَلِك، وَكَذَلِكَ الْأكل على الخوان، وَلَيْسَ نفي أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ لم يَأْكُل على كل خوان، وَلَا أَنه أكل شَاة سميطا يرد قَول من روى أَنه ﷺ ، أكل على خوان وَأَنه أكل شواء، وَإِنَّمَا أخبر كل بِمَا علم، وَمن علم حجَّة على من لم يعلم، لِأَنَّهُ زَاد عَلَيْهِ فَوَجَبَ قبُولهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ أنس: مَا أعلم أَو مَا رَأَيْت أَنه أكل شَاة مسموطة، وَلم يقطع على أَنه لم يَأْكُل، وَجرى ابْن بطال فِيمَا قَالَه على أَن المسموط هُوَ المشوي عِنْده. فَإِن قلت: إِذا كَانَ المسموط هُوَ المشوي عِنْده فيعارضه حَدِيث أم سَلمَة الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا قربت للنَّبِي ﷺ جنبا مشويا فَأكل مِنْهُ. قلت: الْجَواب مَا ذَكرْنَاهُ من أَن من علم حجَّة على من لم يعلم إِلَى آخِره. ٥٣٨٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُعاذُ بنُ هِشام، قَالَ: حدَّثني أبِي عَنْ يُونُسَ قَالَ: عَلِيٌّ، هُوَ الإسْكَافُ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ، ﵁. قَالَ: مَا عَلِمْتُ النبيَّ ﷺ أكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ وَلا خُبْزَ لهُ مُرَفَقٌ قَطُّ، وَلا أكَلَ عَلَى خِوَانٍ. فَقِيلَ لِقَتادَةَ: فَعَلَى مَا كَانُوا يأكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، ومعاذ بن هِشَام يروي عَن أبي هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي وَاسم أبي عبد الله سُفْيَان، والدستوائي نسبته إِلَى دستوا من نواحي الأهواز. قَوْله: (عَن يُونُس) ، وَقع هَكَذَا فِي السَّنَد غير مَنْسُوب فبينه عَليّ وَهُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَقَالَ: هُوَ الإسكاف، وَهُوَ يُونُس بن أبي الْفُرَات الْقرشِي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، وَإِنَّمَا بَينه لِأَن فِي طبقته يُونُس بن عبيد الْبَصْرِيّ أحد الثِّقَات المكثرين، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه مُصَرحًا عَن يُونُس بن أبي الْفُرَات، وَلَيْسَ ليونس هَذَا فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَثَّقَهُ أَحْمد وَابْن معِين، وَقَالَ ابْن عدي: لَيْسَ بالمشهور، وَقَالَ ابْن سعد كَانَ مَعْرُوفا وَله أَحَادِيث، وَقَالَ ابْن حبَان: لَا يجوز أَن يحْتَج بِهِ. وَفِي سَنَد هَذَا الحَدِيث رِوَايَة الأقران لِأَن هشاما وَيُونُس من طبقَة وَاحِدَة. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن إِسْحَاق بن
следующие страницы →