← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: إِلَّا المجاهرون، بِالرَّفْع على قَول الْكُوفِيّين لِأَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع وَتَكون: إلَاّ بِمَعْنى. . لَكِن، وَالْمعْنَى: لَكِن المجاهرون وبالمعاصي لَا يعافون، فالمجاهرون مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَوجه النصب هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ البصريون من أَن الأَصْل فِي الْمُسْتَثْنى أَن يكون مَنْصُوبًا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَقه النصب على الِاسْتِثْنَاء إلَاّ أَن يكون الْعَفو بِمَعْنى التّرْك وَهُوَ نوع من النَّفْي، والمجاهر هُوَ الَّذِي جاهر بمعصيته وأظهرها، وَالْمعْنَى: كل وَاحِد من أمتِي يُعْفَى عَن ذَنبه وَلَا يُؤَاخذ بِهِ إلَاّ الْفَاسِق الْمُعْلن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن من جاهر بِفِسْقِهِ أَو بدعته جَازَ ذكره بِمَا جاهر بِهِ دون من لم يُجَاهر بِهِ. فَإِن قلت: المجاهر من بَاب المفاعلة يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك. قلت: معنى جاهر بِهِ جهر بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم﴾ أَي: أَسْرعُوا، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون على ظَاهر المفاعلة، وَالْمرَاد الَّذين يُجَاهر بَعضهم بَعْضًا بالتحدث بِالْمَعَاصِي. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَإِن من المجانة) ، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَهُوَ عدم المبالاة بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن والكشميهني: وَإِن من المجاهرة، وَوَقع فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد: وَإِن من الإجهار، وَكَذَا عِنْد مُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: الهجار، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِلَّا هجار، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : وَإِن من الجهار، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للعذري والسجزي فِي مُسلم: الإجهار وللفارسي: إِلَّا هجار والأهجار والمجاهرة، كُله صَوَاب بِمَعْنى الظُّهُور والإظهار، وَأما الإهجار فَهُوَ الْفُحْش والخنى وَكَثْرَة الْكَلَام وَهُوَ قريب من معنى المجانة، وَأما لَفْظَة: الهجار، فبعيد لفظا وَمعنى لِأَن الهجار الْحَبل أَو الْوتر يشد بِهِ يَد الْبَعِير، أَو الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم فِيهَا الطعْن، وَلَا يَصح لَهُ هُنَا معنى، وَقَالَ بَعضهم: بل لَهُ معنى صَحِيح أَيْضا فَإِنَّهُ يُقَال: هجر إِذا أفحش فِي كَلَامه فَهُوَ مثل: جهر أَو جهر، فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا، وَلَا يلْزم من اسْتِعْمَال الهجار بِمَعْنى الْحَبل أَو غَيره أَن لَا يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ جدا، أما أَولا: فَفِيهِ إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ. وَأما ثَانِيًا: فَقَوله: يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء، غير صَحِيح لِأَن الهجر بِالضَّمِّ الإسم من الإهجار وَهُوَ الإفحاش فِي الْمنطق والخنى، وَكَيف يُؤْخَذ الْمصدر من الإسم والمصدر أَيْضا مَأْخُوذ مِنْهُ غير مَأْخُوذ؟ فَافْهَم. قَوْله: (عملا) أَي: مَعْصِيّة. قَوْله: (ثمَّ يصبح) . أَي: يدْخل فِي الصَّباح. قَوْله: (وَقد ستره الله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عملت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، البارحة: هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت من وَقت القَوْل. قَوْله: (يكْشف) ، جملَة حَالية. ٦٠٧٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ أَن رَجُلاً سَأَلَ ابنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُول الله ﷺ ، يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يَدْنُو أحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمُ وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذا وَكَذا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي سَتَرحٍ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا فَأَنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ. قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن التَّرْجَمَة فِي ستر الْمُؤمن والْحَدِيث فِي ستر الله . وَأجِيب: بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستره، وَقيل: هُوَ ستره إِذا فعال العَبْد مخلوقة لله تَعَالَى. وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَصَفوَان ابْن مُحرز بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي فِي آخِره الْمَازِني الْبَصْرِيّ، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر تقدم فِي بَدْء الْخلق عَنهُ عَن عمرَان بن حُصَيْن، وَقد ذكرهمَا فِي عدَّة مَوَاضِع. والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن مُسَدّد أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فِي النَّجْوَى) هِيَ المسارة الَّتِي تقع بَين الله وَبَين عَبده الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (يدنو) من الدنو وَهُوَ الْقرب الربي لَا الْقرب المكاني قَوْله: (كنفه) بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون بعدهمَا فَاء وَهُوَ السَّاتِر أَي: حَتَّى يُحِيط بِهِ عنايته التَّامَّة، وَقد صحفه بَعضهم تصحيفاً شنيعاً فَقَالَ: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل النُّون. قَوْله: (عملت) بِلَفْظ الْخطاب كَذَا وَكَذَا، مرَّتَيْنِ مُتَعَلق بالْقَوْل لَا بِالْعَمَلِ. قَوْله: (فيقرره) أَي: يَجعله مقرا بذلك. والْحَدِيث من المتشابهات فَحكمه التَّفْوِيض أَو التَّأْوِيل بِمَا يَلِيق بِهِ.

стр. 6652

٦١ - (بابُ الكِبْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ الْكبر، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ ثَمَرَة الْعجب، وَقد هلك بهَا كثير من الْعلمَاء والعباد والزهاد، وَالْكبر والتكبر والاستكبار مُتَقَارب، والتكبر هُوَ الْحَالة الَّتِي يتخصص بهَا الْإِنْسَان من إعجابه بِنَفسِهِ، وَذَلِكَ أَن يرى نَفسه أكبر من غَيره وَأعظم، ذَلِك أَن يتكبر على ربه بِأَن يمْتَنع من قبُول الْحق والإذعان لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَة. وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿ثَانِي عطفه﴾ (الْحَج: ٩) (مستكبر فِي نَفسه عطفه رقبته) ، وَمن طَرِيق السدى: ﴿ثَانِي عطفه﴾ أَي: معرض من العظمة. وَعَن مُجَاهِد: أَنَّهَا نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث. ٦٠٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرنا سُفْيانُ حَدثنَا مَعْبَدُ بنُ خالِد القَيْسِيُّ عَنْ حارِثَةَ بنِ وَهْب الخُزَاعِيِّ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضاعِفٍ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ، ألَا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ. (انْظُر الحَدِيث ٤٩٨٨ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، ومعبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خَالِد الجدلي الْقَيْسِي الْكُوفِي القَاضِي، مَاتَ فِي نسة ثَمَان عشرَة وَمِائَة فِي ولَايَة خَالِد بن عبد الله، وحارثة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن وهب الْخُزَاعِيّ نِسْبَة إِلَى خُزَاعَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة وَهِي حييّ من الأزد. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة نون، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (كل ضَعِيف) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ كل ضَعِيف متضاعف، المُرَاد بالضعيف ضَعِيف الْحَال لَا ضَعِيف الْبدن، والمتضاعف بِمَعْنى المتواضع، ويروى: متضعف ومستضعف أَيْضا، وَالْكل يرجع إِلَى معنى وَاحِد هُوَ الَّذِي يستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا أَو متواضع متذلل خامل الذّكر وَلَو أقسم يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله بإبراره ولأبره، وَقيل: لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (عتل) هُوَ الغليظ الشَّديد العنف. والجواظ، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو وبالظاء الْمُعْجَمَة: المنوع أَو المختال فِي مشيته، وَالْمرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة وأغلب أهل النَّار، وَلَيْسَ المُرَاد الإستيعاب فِي الطَّرفَيْنِ. ٦٠٧٢ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عِيسَى: حَدثنَا هُشَيْمٌ أخبرنَا حُمَيْدٌ الطوِيلُ حَدثنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ قَالَ: كانَتِ الأمَةُ مِنْ إماءِ أهْلِ المَدِينَةِ لِتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُول الله ﷺ ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ. مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطباع بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ نزل أُذُنه بِفَتْح الْهمزَة والذال الْمُعْجَمَة وَالنُّون، وَهِي بَلْدَة بِالْقربِ من طرسوس، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ يحفظ نَحْو أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: لم أر لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. قلت: قَالَ الَّذِي جمع (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي آخر الْحَج وَالْأَدب، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا يشبه أَن يكون البُخَارِيّ أَخذه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن عِيسَى مذاكرة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بن حمدَان النَّيْسَابُورِي: كل مَا قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي فلَان، فَهُوَ عرض ومناولة، وَقَالَ بعض المغاربة: يَقُول البُخَارِيّ: قَالَ لي، وَقَالَ لنا: مَا علم لَهُ إِسْنَاد لم يذكرهُ للاحتجاج بِهِ، وَإِنَّمَا ذكره للاستشهاد بِهِ، وَكَثِيرًا مَا يعبر المحدثون بِهَذَا اللَّفْظ مِمَّا جرى بَينهم فِي المذاكرات والمناظرات، وَأَحَادِيث المذاكرة قَلما

стр. 6653

يحتجون بهَا، قَالَه الْحَافِظ الدمياطي، وهشيم بن بشير أَبُو مُعَاوِيَة الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَأخرجه أَحْمد بن حَنْبَل عَن هشيم. قَوْله: (لتأْخذ) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهِي مَفْتُوحَة وَالْمرَاد من الْأَخْذ بِيَدِهِ لَازمه وَهُوَ الرِّفْق والانقياد، يَعْنِي: كَانَ خلق رَسُول الله ﷺ ، على هَذِه الْمرتبَة هُوَ أَنه لَو كَانَ لأمة حَاجَة إِلَى بعض مَوَاضِع الْمَدِينَة وتلتمس مِنْهُ مساعدتها فِي تِلْكَ الْحَاجة واحتاجت بِأَن يمشي مَعهَا لقضائها لما تخلف عَن ذَلِك حَتَّى يقْضِي حَاجَتهَا. قَوْله: (فتنطلق بِهِ حَيْثُ شَاءَت) وَفِي رِوَايَة أَحْمد: فتنطلق بِهِ فِي حَاجَتهَا، وَله من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن أنس: أَن كَانَت الوليدة من ولائد أهل الْمَدِينَة لتجيء وَتَأْخُذ بيد رَسُول الله ﷺ ، فَمَا تنْزع يَده من يَدهَا حَتَّى تذْهب بِهِ حَيْثُ شَاءَت، وَأخرجه ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه. وَهَذَا دَلِيل على مزِيد تواضعه وبراءته من جَمِيع أَنْوَاع الْكبر ﷺ ، وَفِيه أَنْوَاع من الْمُبَالغَة من جِهَة أَنه ذكر الْمَرْأَة لَا الرجل، وَالْأمة لَا الْحرَّة، وعمم بِلَفْظ الْإِمَاء، أَي: أمة كَانَت، وَبِقَوْلِهِ: (حَيْثُ شَاءَت) من الْأَمْكِنَة وَعبر عَنهُ بِالْأَخْذِ: بِالْيَدِ، الَّذِي هُوَ غَايَة التَّصَرُّف وَنَحْوه. ٦٢ - (بابُ الهِجْرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ الْهِجْرَة بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْجِيم وَهِي مُفَارقَة كَلَام أَخِيه الْمُؤمن مَعَ تلافيهما وإعراض كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه عِنْد الِاجْتِمَاع، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْهِجْرَةِ هُنَا مُفَارقَة الوطن إِلَى غَيره، فَإِن هَذِه تقدم حكمهَا. وَقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : لَا يَحِلُّ لِرجلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ وَقَول، مجرور عطفا على الْهِجْرَة أَي: وَفِي بَيَان قَول رَسُول الله ﷺ ، وَقد وَصله فِي الْبَاب عَن أبي أَيُّوب على مَا يَأْتِي. قَوْله: (فَوق ثَلَاث) ويروى: فَوق ثَلَاث لَيَال، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعلمَاء: تحرم الْهِجْرَة بَين الْمُسلمين أَكثر ن ثَلَاث لَيَال بِالنَّصِّ، وَيُبَاح فِي الثَّلَاث بِالْمَفْهُومِ، وَإِنَّمَا عفى عَنهُ فِي ذَلِك لِأَن الْآدَمِيّ مجبول على الْغَضَب فسومح بذلك الْقدر ليرْجع وَيَزُول ذَلِك الْعَارِض. ٦٠٧٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدثنِي عَوْفُ بنُ مالِكِ بن الطُّفَيْلِ هُوَ ابنُ الحارِثِ وَهْوَ ابنُ أخِي عائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ل أُمِّها: أنَّ عائِشَةَ حُدِّثَتْ أنَّ عَبْدِ بنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أوْ عَطاء أعْطَتْهُ عائِشَة: وَالله لَتَنْتَهِيَنَّ عائِشَةُ أوْ لأحْجُرَنَّ عَلَيْها. فقالَتْ: أهُوَ قَالَ هاذا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قالَتْ: هُوَ لله عَلَيِّ نَذْرٌ أنْ لَا أُكَلِّمَ ابنَ الزُّبَيْرِ أبدا، فاسْتَشْفَعَ ابنُ الزُّبَيْرِ إلَيْها حِينَ طالَتْ الهِجْرَةُ، فقالَتْ: لَا وَالله لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أبَداً وَلَا أتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي، فلَمَّا طالَ ذالِكَ عَلَى ابنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الأسْوَدِ بنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وهُما مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَقَالَ لَهُما: أنْشُدُكُما بِاللَّه لَمَّا أدْخَلْتُمانِي عَلَى عائِشَةَ فَإِنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا أنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِي، فأقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمانِ مُشْتَمِلَيْنِ بأرْدِيَتِهِما حَتّى اسْتَأْذَنا عَلَى عائِشَةَ، فَقَالَا: السَّلامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ، أنَدْخُلُ؟ قالَتْ عائِشَةُ: ادْخُلُوا. قَالُوا: كُلُّنا. قالَتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلَا تَعْلَمُ أنَّ مَعَهُما ابنَ الزُّبَيْرِ، فَلمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ الحِجابَ فاعْتَنَقَ عائِشَةَ وطَفِقَ يُناشدُها وَيَبْكِي، وطَفِقَ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمانِ يِناشِدانِها إلَاّ مَا كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولانِ: إنَّ النبيَّ ﷺ ، نَهاى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الهِجْرَةِ، فإنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ، فَلَما أكْثرُوا عَلَى عائِشَة مِن التذْكِرَةِ والتَّحْرِيجِ طَفِقتْ تُذَكّرُهُما وَتَبْكِي، وَتَقُولُ: إنِّي نَذَرْتُ والنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزالا بِها حَتَّى

стр. 6654

كلمَتِ ابنَ الزبَيْرِ وأعْتَقَتْ فِي نَذْرِها ذالِكَ أرْبَعِينَ رَقَبَةَ، وكانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَها بَعْدَ ذالِكَ فَتَبْكي حَتَّى تَبُلُّ دُمُوعُها خِمارَها. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٠٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُتَضَمّن لهجرة عَائِشَة عبد الله بن الزبير ﵃، أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام. فَإِن قلت: لِمَ هجرت عَائِشَة أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام؟ قلت: معنى الْهِجْرَة المذمومة لَا يصدق على هجرتهَا، لِأَن الْهِجْرَة المذمومة هِيَ ترك الْكَلَام عِنْد التلاقي وَعَائِشَة لم تكن تَلقاهُ فتعرض عَن السَّلَام عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَت من وَرَاء حجاب، وَلم يكن أحد يدْخل عَلَيْهَا إلاّ بِإِذن فَلم يكن ذَلِك من الْهِجْرَة المذمومة، وَأَيْضًا إِنَّمَا سَاغَ ذَلِك لعَائِشَة لِأَنَّهَا أم الْمُؤمنِينَ لَا سِيمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ابْن الزبير لِأَنَّهَا خَالَته، وَذَلِكَ الْكَلَام الَّذِي قَالَ فِي حَقّهَا. وَهُوَ قَوْله: لتنتهين عَائِشَة ولأحجرن عَلَيْهَا، كالعقوق لَهَا، فهجرتها إِيَّاه كَانَت تأديباً لَهُ، وَهَذَا من بَاب الهجران لمن عصى. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وعَوْف بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَالْفَاء ابْن الطُّفَيْل بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة ابْن عبد الله بن الْحَارِث بن سَخْبَرَة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء ابْن جرثومة بِضَم الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَضم الثَّاء الْمثلَة وبالميم ابْن عَائِدَة بن مرّة بن جشم بن أَوْس بن عَامر الْقرشِي، وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: لَا أَدْرِي من أَي قُرَيْش هُوَ؟ وَقَالَ أَبُو عمر: لَيْسَ من قُرَيْش، وَإِنَّمَا هُوَ من الأزد. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت أم رُومَان تَحت عبد الله بن سَخْبَرَة وَكَانَ قدم بهَا مَكَّة فحالف أَبَا بكر قبل الْإِسْلَام فَتوفي عَن أم رُومَان وَقد ولدت لَهُ الطُّفَيْل، ثمَّ خلف عَلَيْهَا أَبُو بكر ﵁، فَولدت لَهُ عبد الرَّحْمَن وَعَائِشَة، فهما أَخُو الطُّفَيْل هَذَا لأمه، وَذكر أَبُو عمر الطُّفَيْل هَذَا فِي (الِاسْتِيعَاب) فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: الطُّفَيْل هَذَا صَحَابِيّ روى عَنهُ ربعي بن حِرَاش الزُّهْرِيّ، وَقَالَ فِي (جَامع الْأُصُول) : عَوْف بن مَالك بن الطُّفَيْل، وَقَالَ الكلاباذي: عَوْف بن الْحَارِث بن الطُّفَيْل، وَفِي سَنَد حَدِيث الْبَاب مثل مَا قَالَ فِي (جَامع الْأُصُول) . وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هَكَذَا اخْتلفُوا فِيهِ وَالصَّوَاب عِنْدِي وَهُوَ الْمَعْرُوف: عَوْف بن الْحَارِث بن الطُّفَيْل، فعلى هَذَا قَول صَاحب (جَامع الْأُصُول) : عَوْف بن مَالك بن الطُّفَيْل لَيْسَ بجيد. قَوْله: (حدثت) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: أخْبرت، ويروى: حدثته. قَوْله: (فِي بيع أَو عَطاء أَعطَتْهُ عَائِشَة) فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: فِي دَار لَهَا باعتها فتسخط عبد الله بن الزبير بِبيع تِلْكَ الدَّار، فَقَالَ: (وَالله لتنتهين عَائِشَة أَو لأحجرن عَلَيْهَا) ، كلمة أَو، هَهُنَا بِمَعْنى إلَاّ فِي الِاسْتِثْنَاء، فينصب الْمُضَارع بعْدهَا بإضمار أَن نَحْو قَوْلهم: لأقتلنه أَو يسلم، وَالْمعْنَى إلَاّ أَن يسلم، وَالْمعْنَى هَهُنَا لتنتهين عَائِشَة عَمَّا هِيَ فِيهِ من الْإِسْرَاف إلَاّ أَن أحجر عَلَيْهَا، وَيحْتَمل أَن يكون: أَو، هُنَا بِمَعْنى: إِلَى، وَينصب الْمُضَارع بعْدهَا بِأَن مضمرة نَحْو: (لألزمنك أَو تُعْطِينِي حَقي) يَعْنِي: إِلَى أَن تُعْطِينِي حَقي، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي مَنَاقِب قُرَيْش: كَانَ عبد الله ابْن الزبير أحب الْبشر إِلَى عَائِشَة بعد النَّبِي ﷺ ، وَأبي بكر، وَكَانَ أبر النَّاس بهَا، وَكَانَت لَا تمسك شَيْئا مِمَّا جاءها من رزق الله إلَاّ تَصَدَّقت بِهِ، فَقَالَ ابْن الزبير: يَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ على يَديهَا، فَقَالَت: أيؤخذ على يَدي؟ عَليّ نذر إِن كَلمته. وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة الْقَضِيَّة قبل أَن يَلِي عبد الله بن الزبير الْخلَافَة، لِأَن عَائِشَة مَاتَت سنة سبع وَخمسين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، وَكَانَ ابْن الزبير حينئذٍ لم يلِ شَيْئا. قَوْله: (قَالَت: أهوَ قَالَ هَذَا؟) أَي: قَالَت عَائِشَة: أعبد الله بن الزبير قَالَ هَذَا الْكَلَام؟ قَالُوا: نعم. قَوْله: فَقَالَت: هُوَ أَي: الشَّأْن: (لله على نذر أَن لَا أكلم ابْن الزبير أبدا) وَقَالَ ابْن التِّين: تَقْدِيره عَليّ نذر إِن كَلمته، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: أَن لَا أَتكَلّم، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا بِزِيَادَة: لَا، وَالْمَقْصُود حَلفهَا على عدم التَّكَلُّم مَعَه. قلت: هَذَا كَلَام الْكرْمَانِي بِعَين مَا قَالَه، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات بِحَذْف: لَا، وَشرح عَلَيْهَا الْكرْمَانِي وضبطها بِالْكَسْرِ بِصِيغَة الشَّرْط وَلَيْسَ كَمَا نَقله فَالَّذِي ذكره الْكرْمَانِي هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فاستشفع ابْن الزبير إِلَيْهَا) من الشَّفَاعَة وَهُوَ السُّؤَال فِي التجاوز عَن الذُّنُوب والجرائم. قَوْله: (حِين طَالَتْ الْهِجْرَة) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِلَفْظ: حِين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: حَتَّى، بدل: حِين، وَفِي رِوَايَة: فاستشفع عَلَيْهَا بِالنَّاسِ، فَلم تقبل، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن خَالِد: فاستشفع ابْن الزبير بالمهاجرين، وَقد أخرج إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ من طَرِيق حميد بن قيس: أَن عبد الله بن الزبير استشفع إِلَيْهَا بعبيد بن عُمَيْر، فَقَالَ لَهَا: أَيْن حَدِيث أخبرتنيه عَن رَسُول الله صلى الله

стр. 6655

عَلَيْهِ وَسلم، أَنه نهى عَن الْهِجْرَة فَوق ثَلَاث؟ قَوْله: (وَالله لَا أشفع فِيهِ) بِكَسْر الْفَاء الْمُشَدّدَة، أَي: لَا أقبل الشَّفَاعَة فِيهِ. قَوْله: (أبدا) ، هنو رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره أحدا، وَجمع بَين اللَّفْظَيْنِ فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن خَالِد وَرِوَايَة معمر. قَوْله: (وَلَا اتحنث إِلَى نذري) أَي: لَا أتحنث فِي نذري منتهياً إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة معمر: وَلَا أحنث فِي نذري. قَوْله: (فَلَمَّا طَال ذَلِك) أَي: هجر عَائِشَة على عبد الله ابْن الزبير كلم الْمسور بِكَسْر الْمِيم ابْن مخرمَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة الزُّهْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن أسود بن عبد يَغُوث الزُّهْرِيّ وَكَانَا من أخوال رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (أنشدكما الله) بِضَم الدَّال من أنشدت فلَانا إِذا قلت لَهُ: نشدتك الله، أَي: سَأَلتك بِاللَّه. قَوْله: (لما) بتَخْفِيف الْمِيم وَمَا زَائِدَة وبتشديدها وَهُوَ بِمَعْنى: إلَاّ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ (٦٨) إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ (الطارق: ٤) وَمَعْنَاهُ: مَا أطلب مِنْكُمَا إلاّ الإدخال. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نشدتك بِاللَّه إلَاّ فعلت، مَعْنَاهُ: مَا أطلب مِنْك إلَاّ فعلك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِلَّا أدخلتماني، وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: فَسَأَلَهُمَا أَن يشتملا عَلَيْهِ بأرديتهما. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحَالة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَإِنَّهُ، أَي: فَإِن الشان. قَوْله: (تنذر قطيعتي) أَي: قطع صلَة الرَّحِم لِأَن عَائِشَة كَانَت خَالَته، وَهِي الَّتِي كَانَت تتولى تَرْبِيَته غَالِبا. قَوْله: (أندخل؟) الْهمزَة فِيهِ للاستخبار. قَوْله: (كلنا) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ، قَالَا: وَمن مَعنا؟ قَالَت: وَمن مَعَكُمَا. قَوْله: (وطفق) أَي: جعل يناشدها. قَوْله: (بناشدانها إلَاّ مَا كَلمته) أَي: مَا يطلبان مِنْهَا إلَاّ التَّكَلُّم مَعَه وَقبُول الْعذر مِنْهُ. قَوْله: (من الْهِجْرَة) بَيَان مَا قد علمت. قَوْله: (من التَّذْكِرَة) ، أَي: من التَّذْكِير بالصلة بِالْعَفو وبكظم الغيظ. قَوْله: (والتحريج) أَي: التَّضْيِيق وَالنِّسْبَة إِلَى الْحَرج بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم. قَوْله: (وأعتقت فِي نذرها ذَلِك أَرْبَعِينَ رَقَبَة) ، علم مِنْهُ أَن المُرَاد بِالنذرِ الْيَمين، وَفِي (التَّوْضِيح) قَول عَائِشَة: عَليّ نذر أَن لَا أكلم ابْن الزبير أبدا، هَذَا أنذر فِي غير الطَّاعَة فَلَا يجب عَلَيْهَا شَيْء عِنْد مَالك وَغَيره، وَاخْتلف إِذا قَالَ: عَليّ نذر لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فكفارته كَفَّارَة بَين، وَهُوَ قَول مَالك وَغير وَاحِد من التَّابِعين، وَعَن ابْن عَبَّاس: عَلَيْهِ أغْلظ الْكَفَّارَات كالظهار لِأَنَّهُ لم يسم الْيَمين بِاللَّه وَلَا نَوَاهَا، وَقيل: إِن شَاءَ صَامَ يَوْمًا أَو أطْعم مِسْكينا أَو صلى رَكْعَتَيْنِ، وَالله أعلم. ٦٠٧٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَن ابنِ شهَاب عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: لَا تَباغضُوا وَلَا تَحاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وكُونُوا عِبادَ الله إخْوَاناً وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَ لَيَال. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٥) . هَذَا الحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا ينْهَى عَن التحاسد، عَن أبي هُرَيْرَة وَمضى أَيْضا عَنهُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وَهُنَاكَ روى مَالك عَن أبي الزِّنَاد، وَهنا روى عَن ابْن شهَاب. ٦٠٧٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَطاء بنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيالٍ يَلْتَقيانِ فَيُعْرِضُ هاذَا وَيُعْرِضُ هاذَا وَخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأ بالسَّلَامِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٧٧ طرفه فِي: ٦٢٣٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ اسْمه خَالِد بن زيد بن كُلَيْب. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الإستئذان عَن عَليّ عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى عَن مَالك وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن مُحَمَّد بن يحيى، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: هَكَذَا رَوَاهُ غير، وَاحِد عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ الْمَحْفُوظ، وَرَوَاهُ عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي بن كَعْب، وَرَوَاهُ أَحْمد بن شبيب عَن أَبِيه عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله أَو عبد الرَّحْمَن عَن أبي بن كَعْب، وَكِلَاهُمَا خطأ، أما رِوَايَة عقيل فَلم يُتَابِعه عَلَيْهَا أحد وَلَعَلَّه كَانَ فِي كِتَابه عَن أبي وَسقط مِنْهُ أَيُّوب فَظَنهُ أبي بن كَعْب، وَأما رِوَايَة أَحْمد بن شبيب عَن أَبِيه فقد رَوَاهُ ابْن وهب عَن يُونُس كَرِوَايَة الْجَمَاعَة. قَوْله: (فَيعرض) بِضَم الْيَاء من إِعْرَاض الْوَجْه. قَوْله: (وخيرهما) أَي: أفضلهما الَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ أَي: بِالسَّلَامِ عَلَيْكُم. وَفِيه: أَن الْهِجْرَة تَنْتَهِي بِالسَّلَامِ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. ٦٣ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الهِجرَانِ لِمَنْ عَصَى)

стр. 6656

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من الهجران لمن عصى، وَقَالَ الْمُهلب: غَرَض البُخَارِيّ من هَذَا الْبَاب أَن يبين صفة الهجران الْجَائِز وَأَن ذَلِك متنوع على قدر الإجرام، فَمن كَانَ جرمه كثيرا فَيَنْبَغِي هجرانه واجتنابه وَترك مكالمته، كَمَا جَاءَ فِي كَعْب بن مَالك وصاحبيه، وَمَا كَانَ من المغاضبة بَين الْأَهْل والإخوان فالهجران الْجَائِز فِيهَا ترك التَّحِيَّة وَالتَّسْمِيَة وَبسط الْوَجْه، كَمَا فعلت عَائِشَة فِي مغاضبتها مَعَ رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ كَعْبٌ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النبِيِّ ﷺ : وَنَهَى النبيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنا، وَذَكَرَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. أَي: قَالَ كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ ﵁. قَوْله: (حِين تخلف) فِي غَزْوَة تَبُوك، وَهُوَ لَيْسَ ظرفا لقَالَ بل لمَحْذُوف أَي: حِين تخلف، كَانَ كَذَا وَكَذَا وَنهى النَّبِي ﷺ ، عَن الْكَلَام مَعَه مَعَ صَاحِبيهِ مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا، وَذكر أَن زمَان هجر الْمُسلمين عَنْهُم كَانَ خمسين لَيْلَة، وَهَذَا الَّذِي ذكره طرف من حَدِيث طَوِيل مُسْتَوفى فِي آخر الْمَغَازِي. ٦٠٧٨ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنَا عَبْدَةُ عَن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : إنِّي لأعْرِفُ غَضَبَكِ وَرِضاكِ. قالَتْ: قُلْتُ: وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذَاكَ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: إنَّكِ إذَا كُنْتِ راضِيَةً قُلْتِ: بَلَى وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وإذَا كُنْتِ ساخِطَةً قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إبْرَاهِيمَ. قالَتْ: قُلْتُ: أجَلْ لَسْتُ أُهاجِرُ إلَاّ اسْمَكَ. (انْظُر الحَدِيث ٥٢٢٨. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لست أُهَاجِر إلاّ اسْمك) وَهَذَا من الهجران الْجَائِز كَمَا ذكرنَا عَن الْمُهلب الْآن صفة الهجران الْجَائِز، وَقَالَ القَاضِي: مغاضبة عَائِشَة ﵂، هِيَ من الْغيرَة الَّتِي عفى عَنْهَا للنِّسَاء وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ عَلَيْهَا فِي ذَلِك من الْحَرج مَا فِيهِ، لِأَن الْغَضَب على النَّبِي ﷺ كَبِيرَة عَظِيمَة، وَفِي قَوْلهَا: إِلَّا إسمك، دلَالَة على أَن قَلبهَا مَمْلُوء من الْمحبَّة، وَإِنَّمَا الْغيرَة فِي النِّسَاء لفرط الْمحبَّة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير. قَوْله: (أجل) بِوَزْن: نعم وَبِمَعْنَاهُ، وَقَالَ الْأَخْفَش: إلَاّ أَن نعم أحسن من أجل فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام، وَأجل أحسن من نعم فِي التَّصْدِيق. ٦٤ - (بابٌ هَلْ يَزُورُ صاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ أوْ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ؟) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يزور الشَّخْص صَاحبه كل يَوْم أَو يزور فِي طرفِي النَّهَار بكرَة وَعَشِيَّة: فالبكرة أول النَّهَار من طُلُوع الشَّمْس إِلَى نصف النَّهَار، والعشية آخِره، وَفِي كثير من النّسخ: وعشياً، بِدُونِ التَّاء وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعشي والعشية من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة وَقيل: الْعشي من الزَّوَال إِلَى الْعَتَمَة، وَقيل: إِلَى الْفجْر، وَقَالَ بَعضهم: وَقَالَ ابْن فَارس: وَالْعشَاء بِالْفَتْح وَالْمدّ من الزَّوَال إِلَى الْعَتَمَة. قلت: هَذَا غلط، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْعشَاء بِالْمدِّ وَالْفَتْح الطَّعَام بِعَيْنِه، وَالظَّاهِر أَن ابْن فَارس قَالَ: الْعشَاء بِالْمدِّ وَالْكَسْر، والغلط من النَّاقِل. ٦٠٧٩ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنَا هِشامٌ عَنْ مَعْمَرِ. (ح) ، قَالَ اللَّيْثُ: حدّثني عُقَيْلٌ قَالَ ابنُ شِهابٍ: فَأَخْبرنِي عُروةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ قالَتْ: أُمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ إلَاّ وَهُما يَدِينانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِما يَوْمٌ إلَاّ يَأْتِينا فِيهِ رسولُ الله ﷺ ، طَرَفَي النَّهارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَبَيْنَما نَحْن جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قائِلٌ: هاذا رسولُ الله ﷺ فِي ساعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأتِينا فِيها، قَالَ أبُو بَكْر: مَا جاءَ بِهِ فِي هاذِهِ السَّاعَةِ إلَاّ أمْرٌ. قَالَ: إنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بالخُرُوجِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ يأتينا فِيهِ رَسُول الله ﷺ ، طرفِي النَّهَار بكرَة وَعَشِيَّة) وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن

стр. 6657

مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد. والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي: بَاب هِجْرَة النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى ابْن بكير، نَا اللَّيْث عَن عقيل ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، ثمَّ تحول إِلَى إِسْنَاد آخر بقوله: وَقَالَ اللَّيْث ... إِلَى آخِره، وَوَصله فِي: بَاب الْهِجْرَة عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (يدينان الدّين) أَي: كَانَا مُؤمنين متدينين بدين الْإِسْلَام. قَوْله: (وَلم يمر يَوْم إلاّ يأتينا فِيهِ) فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (زرغبا تَزْدَدْ حبا) قلت: لَا مُعَارضَة لِأَن لكل مِنْهُمَا معنى، فَحَدِيث الْبَاب جَوَاز زِيَارَة الصّديق الملاطف لصديقه كل يَوْم على قدر حَاجته إِلَيْهِ وَالِانْتِفَاع بمشاركته لَهُ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيمَن لَيست لَهُ خُصُوصِيَّة وَلَا مَوَدَّة ثَابِتَة، فالإكثار من الزِّيَارَة رُبمَا أدَّت إِلَى الْبغضَاء فَيكون سَببا للقطيعة، فعلى الْمَعْنى الأول قَالَ الْقَائِل. (إِذا حققت من شخص وداداً ... فزره وَلَا تخف مِنْهُ ملالاً) (وَكن كَالشَّمْسِ تطلع كل يَوْم ... ولاتك فِي زيارته هلالاً) وعَلى الْمَعْنى الثَّانِي قَالَ الْقَائِل: (لَا تزر من تحب فِي كل شهر ... غير يَوْم وَلَا تزِدْه عَلَيْهِ) (فاجتلاء الْهلَال فِي الشَّهْر يَوْمًا ... ثمَّ لَا تنظر الْعُيُون إِلَيْهِ) قَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ رمز بالترجمة إِلَى توهين الحَدِيث الْمَشْهُور زرغباً تَزْدَدْ حبا، قلت: هَذَا تخمين فِي حق البُخَارِيّ لِأَنَّهُ حَدِيث مَشْهُور رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وهم: عَليّ وَأَبُو ذَر وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الله بن عمر وَأَبُو بَرزَة وَأنس وَجَابِر وحبِيب بن مسلمة وَمُعَاوِيَة بن حيدة، وَقد جمع أَبُو نعيم وَغَيره طرقه، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (تَارِيخ نيسابور) والخطيب فِي (تَارِيخ بَغْدَاد) بطرِيق قوي: فَإِن قلت: كَانَ الصّديق أولى بالزيارة لدفع مشقة التّكْرَار عَنهُ ﷺ ؟ قلت: قَالَ ابْن التِّين: لم يكن يَجِيء إِلَى أبي بكر لمُجَرّد الزِّيَارَة بل لما يتزايد عِنْده من علم الله، وَقيل: كَانَ سَبَب ذَلِك أَنه ﷺ إِذا جَاءَ إِلَى بَيت أبي بكر ﵁، يَأْمَن من أَذَى الْمُشْركين، بِخِلَاف مَا لَو جَاءَ أَبُو بكر إِلَيْهِ، وَقيل: يحْتَمل أَن أَبَا بكر كَانَ يَجِيء إِلَيْهِ فِي النَّهَار وَاللَّيْل أَكثر من مرَّتَيْنِ. قَوْله: (فَبَيْنَمَا) قد قُلْنَا غير مرّة إِن أصل بَيْنَمَا: بَين، فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا وزيدت عَلَيْهِ: مَا، ويضاف ... إِلَى جملَة. قَوْله: (جُلُوس) أَي: جالسون. قَوْله: (فِي نحر الظهيرة) الظهيرة الهاجرة ونحرها أَولهَا. قَالَ الْجَوْهَرِي: نحر النَّهَار النَّهَار أَوله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: نحر الظهيرة أول الظّهْر، يُرِيد بِهِ شدَّة الْحر. قَوْله: (أذن لي بِالْخرُوجِ) يَعْنِي: من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. ٦٥ - (بابُ الزِّيارَةِ. ومنْ زارَ قَوْماً فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الزِّيَارَة، وَفِي بَيَان من زار قوما فَطَعِمَ، أكل عِنْدهم شَيْئا، وَمن تَمام الزِّيَارَة أَن تقدم للزائر مَا حضر، وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ مِمَّا يثبت الْمَوَدَّة وَيزِيد فِي الْمحبَّة، وَقد ورد فِي ذَلِك حَدِيث أخرجه أَحْمد وَأَبُو يعلى من طَرِيق عبيد الله بن عبد بن عُمَيْر قَالَ. دخل على جَابر بن عبد الله ﵁، نفر من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَقدم إِلَيْهِم خبْزًا وخلاً، فَقَالَ: كلوا، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: نعم الإدام الْخلّ، إِن هَلَاك الرجل أَن يدْخل إِلَيْهِ نفر من إخوانه فيحتقر مَا فِي بَيته أَن يقدمهُ إِلَيْهِم، وهلاك الْقَوْم أَن يحتقر وَأما قدم إِلَيْهِم. وزارَ سَلْمانُ أَبَا الدَّرْداءِ ﵄، فِي عَهْدِ النبيِّ ﷺ فأكَلَ عِنَدُ أَبُو الدَّرْدَاء اسْمه عُوَيْمِر مصغفر عَامر الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا طرف من حَدِيث لأبي جُحَيْفَة تقدم فِي كتاب الصّيام. ٦٠٨٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخبَرنا عَبْدُ الوَهَّابِ عَنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ أنسِ بنِ سِيرِينَ

стр. 6658

عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ زارَ أهْلَ بَيْت مِنَ الأنْصارِ فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعاماً، فَلَمَّا أرادَ أنْ يَخْرُجَ أمَرَ بِمَكانٍ مِنَ البَيْتِ فَنُضِحَ لَهُ عَلَى بِساطٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ ودعا لَهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٦٧٠ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأنس بن سِيرِين أَخُو مُحَمَّد بن سِيرِين. والْحَدِيث مضى فِي صَلَاة الضُّحَى بأتم مِنْهُ. قَوْله: (زار أهل بَيت من الْأَنْصَار) أهل بَيت عتْبَان بن مَالك. قَوْله: (فَطَعِمَ) بِكَسْر الْعين أَي: أكل، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٣) وَقد يكون بِمَعْنى: ذاق. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤٩) . قَوْله: (فنضح لَهُ) أَي رش، وَيُقَال: نضح لَهُ لما شكّ فِيهِ، وَقيل: صب المَاء عَلَيْهِ صبا فَيكون كالغسل. قَوْله: (على بِسَاط) أَرَادَ بِهِ هُنَا الْحَصِير، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث آخر، قَوْله: (ودعا لَهُم) فِيهِ أَن الزائر إِذا أكْرمه المزور يَنْبَغِي لَهُ أَن يَدْعُو لَهُ وَلأَهل بَيته. ٦٦ - (بابُ مَنْ تَجَمَّلَ لِلْوُفُودِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز من تجمل بالأشياء الْمُبَاحَة، وَهُوَ على وزن تفعل بِالتَّشْدِيدِ من التجمل وَهُوَ تَحْسِين الرجل هَيئته بِأَحْسَن الثِّيَاب والتزين بالزي الْحسن. قَوْله: للوفود، جمع وَفد، والوفد جمع وافدوهم الْقَوْم الَّذين يَجْتَمعُونَ ويردون الْبِلَاد، وَكَذَلِكَ الَّذين يقصدون الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، تَقول: وَفد يفد فَهُوَ وَافد، وفدته فوفد. ٦٠٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حدّثني أبي قَالَ: حدّثني يَحْياى بنُ أبي إسْحاقَ قَالَ: قَالَ لي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله: مَا الإسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ وخَشُنَ مِنْهُ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله يَقُولُ: رَأى عُمَرُ على رَجُلٍ حُلَّة مِنْ اسْتَبْرَق فأتَى بِها النبيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ الله ﴿اشْتَرِي هاذِهِ فَالْبَسْها لِوَفْدِ النَّاسِ إِذا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ: إنَّما يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ، فَمَضَى فِي ذلكَ مَا مَضاى ثُمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ ، بَعَثَ إلَيْهِ بِحُلَّةٍ فأتَى بِها النبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: بَعَثْتَ إلَيَّ بهذِهِ، وَقَدْ قُلْتَ فِي مِثْلِها مَا قُلْتَ﴾ قَالَ: إنَّما بَعَثْتُ إلَيْكَ لِتُصِيبَ بِها مَالا، فَكانَ ابنُ عُمَرَ يَكْرَهُ العَلَمَ فِي الثَّوْبِ لِهاذا الحَدِيثِ. أنكر الدَّاودِيّ مطابقته هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة حَيْثُ قَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: بَاب التجمل للوفود، لِأَنَّهُ لَا يُقَال: فعل كَذَا، إلَاّ لمن صدر مِنْهُ الْفِعْل، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه ﷺ ، فعل ذَلِك. وَأجِيب: بِأَن معنى التَّرْجَمَة من فعل ذَلِك متمسكاً بِمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الْمَذْكُور، وَكَذَا قَالَ بَعضهم. قلت: هَذَا معنى بعيد، وَمعنى التَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن الْمُطَابقَة تفهم من كَلَام عمر ﵁، لِأَن عَادَة النَّبِي ﷺ ، كَانَت جَارِيَة بالتجمل للوفد لِأَن فِيهِ تفخيم الْإِسْلَام ومباهاة لِلْعَدو وغيظاً لَهُم، غير أَن النَّبِي ﷺ ، هُنَا أنكر على عمر لبس الْحَرِير بقوله: (إِنَّمَا يلبس الْحَرِير من لَا خلاق لَهُ) وَلم يُنكر عَلَيْهِ مُطلق التجمل للوفد حَتَّى قَالُوا: وَفِي هَذَا الحَدِيث لبس أنفس الثِّيَاب عِنْد لِقَاء الْوُفُود. وَعبد الله هُوَ ابْن مُحَمَّد الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَعبد الصَّمد يروي عَن أَبِيه عبد الْوَارِث، وَهُوَ يرْوى عَن يحيى ابْن أبي إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب الْحَرِير للنِّسَاء، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وخشن) بِالْخَاءِ والشين الْمُعْجَمَة من الخشونة، وروى بَعضهم حسن، بالمهملتين من الْحسن. قَوْله: (لَا خلاق لَهُ) ، أَي: لَا نصيب لَهُ فِي الْآخِرَة، يَعْنِي إِذا كَانَ مستحلاً. قَوْله: (لتصيب بهَا مَالا) بِأَن تبيعها مثلا. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر ﵄، يكره الْعلم فِي الثَّوْب) ، قَالَ الْخطابِيّ: ذهب ابْن عمر فِي هَذَا مَذْهَب الْوَرع، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول فِي رِوَايَته إلَاّ علما فِي ثوب، وَذَلِكَ لِأَن مِقْدَار الْعلم لَا يَقع عَلَيْهِ إسم اللّبْس، وَقد مضى فِي كتاب اللبَاس من رِوَايَة أبي عُثْمَان عَن عمر ﵁، فِي النَّهْي عَن لبس

стр. 6659

الْحَرِير: إلاّ مَوضِع إِصْبَعَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَربع. (بابُ الإخاء والحِلْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الإخاء، أَي: المؤاخاة. قَوْله: وَالْحلف، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وبالفاء وَهُوَ الْعَهْد يكون بَين الْقَوْم، وَقد حالفه أَي: عاهده. وَقَالَ أبُوا جُحَيْفَةَ: آخَى النبيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمانَ وَأبي الدَّرْداءِ أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء اسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي. نزل الْكُوفَة وابتنى بهَا دَارا، وَقد مر هَذَا التَّعْلِيق فِي بَاب: كَيفَ آخى النَّبِي ﷺ ، بَين أَصْحَابه، وآخى النَّبِي ﷺ بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أول قدومه الْمَدِينَة، وحالف بَينهم وَكَانُوا يتوارثون بذلك الإخاء وَالْحلف دون ذَوي الرَّحِم، وَقَالَ الْحسن: كَانَ هَذَا قبل نزُول آيَة الْمَوَارِيث، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَلَمَّا نزلت: ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ (النِّسَاء: ٣٣) يَعْنِي: وَرَثَة، نسخت. وَيُقَال: إِن الحليف كَانَ يَرث السُّدس مِمَّن حالفه حَتَّى نزلت: ﴿وأولو الْأَرْحَام﴾ (الْأَنْفَال: ٧٥) وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَلَا يجوز الْحلف الْيَوْم فِي الْإِسْلَام الحَدِيث جُبَير بن مطعم عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: لَا حلف فِي الْإِسْلَام، وَمَا كَانَ من حلف فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَا يزِيدهُ الْإِسْلَام إلَاّ شدَّة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: نسخ الله حلف الْجَاهِلِيَّة وَحلف الْإِسْلَام بقوله: ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ ورد الْمَوَارِيث إِلَى الْقرَابَات. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ: لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ آخَى النبيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث مضى مَوْصُولا فِي فَضَائِل الْأَنْصَار. ٦٠٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حدّثني أبي قَالَ: حدّثني يَحْياى بنُ أبي إسْحاقَ قَالَ: قَالَ لي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله: مَا الإسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ وخَشُنَ مِنْهُ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله يَقُولُ: رَأى عُمَرُ على رَجُلٍ حُلَّة مِنْ اسْتَبْرَق فأتَى بِها النبيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ الله ﴿اشْتَرِي هاذِهِ فَالْبَسْها لِوَفْدِ النَّاسِ إِذا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ: إنَّما يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ، فَمَضَى فِي ذلكَ مَا مَضاى ثُمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ ، بَعَثَ إلَيْهِ بِحُلَّةٍ فأتَى بِها النبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: بَعَثْتَ إلَيَّ بهذِهِ، وَقَدْ قُلْتَ فِي مِثْلِها مَا قُلْتَ﴾ قَالَ: إنَّما بَعَثْتُ إلَيْكَ لِتُصِيبَ بِها مَالا، فَكانَ ابنُ عُمَرَ يَكْرَهُ العَلَمَ فِي الثَّوْبِ لِهاذا الحَدِيثِ. أنكر الدَّاودِيّ مطابقته هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة حَيْثُ قَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: بَاب التجمل للوفود، لِأَنَّهُ لَا يُقَال: فعل كَذَا، إلَاّ لمن صدر مِنْهُ الْفِعْل، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه ﷺ ، فعل ذَلِك. وَأجِيب: بِأَن معنى التَّرْجَمَة من فعل ذَلِك متمسكاً بِمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الْمَذْكُور، وَكَذَا قَالَ بَعضهم. قلت: هَذَا معنى بعيد، وَمعنى التَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن الْمُطَابقَة تفهم من كَلَام عمر ﵁، لِأَن عَادَة النَّبِي ﷺ ، كَانَت جَارِيَة بالتجمل للوفد لِأَن فِيهِ تفخيم الْإِسْلَام ومباهاة لِلْعَدو وغيظاً لَهُم، غير أَن النَّبِي ﷺ ، هُنَا أنكر على عمر لبس الْحَرِير بقوله: (إِنَّمَا يلبس الْحَرِير من لَا خلاق لَهُ) وَلم يُنكر عَلَيْهِ مُطلق التجمل للوفد حَتَّى قَالُوا: وَفِي هَذَا الحَدِيث لبس أنفس الثِّيَاب عِنْد لِقَاء الْوُفُود. وَعبد الله هُوَ ابْن مُحَمَّد الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَعبد الصَّمد يروي عَن أَبِيه عبد الْوَارِث، وَهُوَ يرْوى عَن يحيى ابْن أبي إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب الْحَرِير للنِّسَاء، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وخشن) بِالْخَاءِ والشين الْمُعْجَمَة من الخشونة، وروى بَعضهم حسن، بالمهملتين من الْحسن. قَوْله: (لَا خلاق لَهُ) ، أَي: لَا نصيب لَهُ فِي الْآخِرَة، يَعْنِي إِذا كَانَ مستحلاً. قَوْله: (لتصيب بهَا مَالا) بِأَن تبيعها مثلا. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر ﵄، يكره الْعلم فِي الثَّوْب) ، قَالَ الْخطابِيّ: ذهب ابْن عمر فِي هَذَا مَذْهَب الْوَرع، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول فِي رِوَايَته إلَاّ علما فِي ثوب، وَذَلِكَ لِأَن مِقْدَار الْعلم لَا يَقع عَلَيْهِ إسم اللّبْس، وَقد مضى فِي كتاب اللبَاس من رِوَايَة أبي عُثْمَان عَن عمر ﵁، فِي النَّهْي عَن لبس الْحَرِير: إلاّ مَوضِع إِصْبَعَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَربع. (بابُ الإخاء والحِلْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الإخاء، أَي: المؤاخاة. قَوْله: وَالْحلف، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وبالفاء وَهُوَ الْعَهْد يكون بَين الْقَوْم، وَقد حالفه أَي: عاهده. وَقَالَ أبُوا جُحَيْفَةَ: آخَى النبيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمانَ وَأبي الدَّرْداءِ أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء اسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي. نزل الْكُوفَة وابتنى بهَا دَارا، وَقد مر هَذَا التَّعْلِيق فِي بَاب: كَيفَ آخى النَّبِي ﷺ ، بَين أَصْحَابه، وآخى النَّبِي ﷺ بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أول قدومه الْمَدِينَة، وحالف بَينهم وَكَانُوا يتوارثون بذلك الإخاء وَالْحلف دون ذَوي الرَّحِم، وَقَالَ الْحسن: كَانَ هَذَا قبل نزُول آيَة الْمَوَارِيث، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَلَمَّا نزلت: ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ (النِّسَاء: ٣٣) يَعْنِي: وَرَثَة، نسخت. وَيُقَال: إِن الحليف كَانَ يَرث السُّدس مِمَّن حالفه حَتَّى نزلت: ﴿وأولو الْأَرْحَام﴾ (الْأَنْفَال: ٧٥) وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَلَا يجوز الْحلف الْيَوْم فِي الْإِسْلَام الحَدِيث جُبَير بن مطعم عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: لَا حلف فِي الْإِسْلَام، وَمَا كَانَ من حلف فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَا يزِيدهُ الْإِسْلَام إلَاّ شدَّة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: نسخ الله حلف الْجَاهِلِيَّة وَحلف الْإِسْلَام بقوله: ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ ورد الْمَوَارِيث إِلَى الْقرَابَات. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ: لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ آخَى النبيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث مضى مَوْصُولا فِي فَضَائِل الْأَنْصَار. ٦٠٨٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْياى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنا عَبْدُ الرَّحْمانِ فآخاى النبيُّ ﷺ ، بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أوْ لِمْ وَلَوْ بِشاةٍ. يحيى هُوَ الْقطَّان. وَحميد هُوَ ابْن أبي حميد الطَّوِيل. والْحَدِيث فِيهِ اخْتِصَار، وَمر فِي أول البيع مطولا، وَإِنَّمَا قَالَ: (أَو لم) لِأَنَّهُ تزوج بعد الْحلف. ٦٠٨٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ صبَّاحٍ حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ حَدثنَا عاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ ل أنَسِ بنِ مالِكٍ: أبَلَغَك أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الإسْلامِ؟ فَقَالَ: قَدْ حالَفَ النبيُّ ﷺ ، بَيْنَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ فِي دَاري. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٩٤ وطرفه) . عَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول. والْحَدِيث مضى فِي الْكفَالَة بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَسَيَجِيءُ فِي الِاعْتِصَام. قَوْله: (لَا حلف فِي الْإِسْلَام) لِأَن الْحلف للانفاق وَالْإِسْلَام قد جمعهم وَألف بَين الْقُلُوب فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَكَانُوا يتحالفون فِي الْجَاهِلِيَّة لِأَن الْكَلِمَة مِنْهُم لم تكن مجتمعة. قَوْله: (قد حَالف النَّبِي ﷺ لَيْسَ بَين قَوْله: (قد حَالف) وَبَين قَوْله: (لَا حلف فِي الْإِسْلَام) مُنَافَاة، لِأَن الْمَنْفِيّ هُوَ المعاهدة الْجَاهِلِيَّة، والمثبت هُوَ المؤاخاة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا حلف فِي الْإِسْلَام مَعْنَاهُ: حلف التورات وَمَا يمْنَع الشَّرْع مِنْهُ، وَأما المؤاخاة والمحالفة على طَاعَة الله والتعاون على الْبر فَلم ينْسَخ، إِنَّمَا الْمَنْسُوخ مَا يتَعَلَّق بالجاهلية. ٦٨ - (بابُ التَّبَسُّمِ والضَّحكِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة التبسم والضحك، التبسم ظُهُور الْأَسْنَان عِنْد التَّعَجُّب بِلَا صَوت، وَإِن كَانَ مَعَ الصَّوْت فَهُوَ إِمَّا بِحَيْثُ يسمع جِيرَانه أم لَا، فَإِن كَانَ فَهُوَ القهقهة وإلَاّ فَهُوَ الضحك. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الضحك أَن يسمع هُوَ نَفسه فَقَط، والقهقهة أَن يسمع غَيره، والتبسم لَا يسمع هُوَ وَلَا غَيره، فالضحك يفْسد الصَّلَاة لَا الْوضُوء، والقهقهة تفْسد الصَّلَاة وَالْوُضُوء جَمِيعًا، والتبسم لَا يفسدهما. وَيُقَال: التبسم فِي اللُّغَة مبادىء الضحك، والضحك انبساط الْوَجْه الَّتِي تظهر الْأَسْنَان من السرُور، فَإِن كَانَ بِصَوْت بِحَيْثُ يسمع من بعد فَهُوَ القهقهة وإلَاّ فالضحك، وَإِن كَانَ بِلَا صَوت فَهُوَ التبسم، وَتسَمى الْأَسْنَان فِي مقدم الْفَم: الضواحك.

стр. 6660

وقالَتْ فاطِمَةُ ﵍: أسَرَّ إلَيَّ النبيُّ ﷺ ، فَضَحِكْتُ هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث لعَائِشَة عَن فَاطِمَة ﵂، قد مضى فِي وَفَاة النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ النَّبِي ﷺ ، قَالَ لَهَا حِين أشرف على الْمَوْت: إِنَّك أول من يَتبعني من أَهلِي. وَقَالَ ابنُ عَبَّاس: إنَّ الله هُو أضْحَكَ وأبْكَى لِأَنَّهُ لَا مُؤثر فِي الْوُجُود إلَاّ الله، كَمَا هُوَ مَذْهَب الأشاعرة، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث لِابْنِ عَبَّاس قد مضى فِي الْجَنَائِز. ٦٠٨٤ - حدَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوساى أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ ﵂، أنَّ رِفاعَةَ القُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَبَتَّ طَلاقَها فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ الزَّبِيرِ، فَجاءَتِ النبيَّ ﷺ ، فقالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿إنَّها كانَتْ عِنْدَ رِفاعَةَ فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ الزَّبِيرِ وإنَّهُ وَالله مَا مَعَهُ يَا رَسُول الله إلَاّ مِثْلُ هاذِهِ الهُدْبَةِ لِهُدْبَةٍ أخَذَتْها مِنْ جِلْبابِها. قَالَ، وأبُو بَكْرٍ جالِسٌ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، وابنُ سَعِيدِ بنِ العاصِ جالِسٌ بِبابِ الحُجْرَةِ: لِيُوذَنَ لَهُ، فَطَفِقَ خالِدٌ يُنادِي: يَا أَبَا بَكْرٍ﴾ يَا أَبَا بَكْر ﴿ألَا تَزْجُرُ هاذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ؟ وَمَا يَزِيدُ رسولُ الله ﷺ عَلَى التَّبَسُّمِ، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوق عُسَيْلَتَكِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا يزِيد رَسُول الله ﷺ ، على التبسم) . وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وبمثل هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة مضى فِي الطَّلَاق فِي: بَاب من قَالَ لامْرَأَته: أَنْت عليّ حرَام. قَوْله: (رِفَاعَة) بِكَسْر الرَّاء الْقرظِيّ بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وبالظاء الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى قُرَيْظَة بن الْخَزْرَج، وَقُرَيْظَة أَخُو النَّضِير. قَوْله: (فَبت) أَي: قطع بتطليق الثَّلَاث. قَوْله: (عبد الرَّحْمَن بن الزبير) بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (الهدبة) بِضَم الْهَاء هِيَ مَا على طرف الثَّوْب من الخمل. قَوْله: (ليؤذن لَهُ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَابْن سعيد) هُوَ خَالِد بن الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي. قَوْله: (لَا حَتَّى تَذُوقِي) أَي: لَا رُجُوع لَك إِلَى رِفَاعَة حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته، أَي: عسيلة عبد الرَّحْمَن بن الزبير، والعسيلة تَصْغِير عسل وَالْعَسَل يذكر وَيُؤَنث، وكنى بهَا عَن لَذَّة الْجِمَاع. قيل: كَيفَ تذوق والآلة كالهدبة؟ وَأجِيب بِأَنَّهَا كالهدبة فِي الرقة والدقة لَا فِي الرخاوة وَعدم الْحَرَكَة. قلت: هَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَلكنه مَا هُوَ ظَاهر فَالظَّاهِر أَنَّهَا أَرَادَت أَنه لَا يقدر على الْجِمَاع أصلا، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَالْمُرَاد من قَوْله ﷺ : حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته، يَعْنِي إِذا قدر على الْجِمَاع فَلَا بُد من صبرها على ذَلِك إِن أَقَامَت فِي عصمَة عبد الرَّحْمَن بن الزبير وإلَاّ فَلَا بُد من زوج آخر وجماعها مَعَه، وَمَعَ هَذَا فيكتفي بالإدخال، والإنزال لَيْسَ بِشَرْط. ٦٠٨٥ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ حدّثنا إبْرَاهِيمُ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسَانَ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: اسْتَأذَنَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، عَلَى رسولِ الله ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْألْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عالِيَةً أصْواتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ تَبادَرْنَ الحِجاب، فأذِنَ لَهُ النبيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ والنبِيُّ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ: أضْحَكَ الله سِنَّكَ يَا رسولَ الله، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي﴾ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنْ هاؤُلاءِ الَّلاتِي

стр. 6661

كُنَّ عِنْدِي لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبادَرْنَ الحِجابَ. فَقَالَ: أنْتَ أحَقُّ أنْ يَهَبْنَ يَا رسولَ الله، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: يَا عَدُوَّاتِ أنْفُسِهِنَّ أتَهَبْنَنِي وَلَمْ تَهَبنَ رسولَ الله ﷺ ؟ فَقُلْنَ: أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِنْ رسولِ الله ﷺ . قَالَ رسولُ الله ﷺ : إيهٍ يَا ابنَ الخَطَّابِ! والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشيْطانُ سالِكاً فَجًّا إلَاّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٩٤ وطرفه.) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالنَّبِيّ يضْحك، فَقَالَ: أضْحك الله سنك) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي وَقَالَ الغساني: لَعَلَّه ابْن أبي أويس الأصبحي، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁، وَصَالح بن كيسَان يفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة وَالنُّون أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز، وَابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعزي، كَانَ والياً لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁، على الْكُوفَة، وَمُحَمّد بن أبي وَقاص يروي عَن أَبِيه سعد. وكل هَؤُلَاءِ مدنيون. والْحَدِيث مضى فِي فضل عمر عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله فرقهما كِلَاهُمَا عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَفِي: بَاب إِبْلِيس، أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وَعِنْده نسْوَة) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَلِكَ الْوَاو فِي قَوْله: (فَدخل وَالنَّبِيّ يضْحك) . قَوْله: (يسألنه) أَيْضا حَال. قَوْله: (عالية) نصب على الْحَال وَيجوز الرّفْع على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره، وَهن عالية، وأصواتهن مَرْفُوع بِهِ. قَوْله: (بِأبي أَنْت وَأمي) أَي: مفدًى، (إيه) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء وَكسر الْهَاء، إسم الْفِعْل تَقول للرجل إِذا استزدته من حَدِيث أَو عمل: إيهٍ، وَإِن وصلت نونت. قَوْله: (فجاً) بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الْجِيم الطَّرِيق: الْوَاسِع بَين الجبلين، وَقَالَ ابْن فَارس: الْفَج الطَّرِيق الْوَاسِع، وَلم يُقَيِّدهُ بقوله: بَين الجبلين. ٦٠٨٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍ وعنْ أبي العَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو قَالَ: لَمَّا كانَ رسولُ الله ﷺ بالطَّائِفِ قَالَ: إنَّا قافِلُونَ غَداً إنْ شاءَ الله، فَقَالَ ناسٌ مِنْ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ : لَا نَبْرَحُ أوْ نَفْتَحَها. فَقَالَ النبيُّ ﷺ فاغدُوا عَلَى القِتالِ، قَالَ: فَغَدَوْا فَقاتَلُوهُمْ قِتالاً شَدِيداً وكَثُرَ فِيهِمُ الجِراحاتُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّا قافِلُونَ غَداً إنْ شاءَ الله، قَالَ: فَسَكَتُوا فَضَحِكَ رسولُ الله ﷺ . قَالَ الحُمَيْدِيُّ: حَدثنَا سُفْيانُ كُلَّهُ بالخَبَرِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٣٢٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَضَحِك رَسُول الله ﷺ وَكَانَ ضحكه هُنَا للتعجب. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَأَبُو الْعَبَّاس السَّائِب بن فروخ الشَّاعِر الْأَعْمَى الْمَكِّيّ، وَعبد الله بن عَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن الْعَاصِ هَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَحده، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي مِنْهُم من قَالَ: عَن عبد الله بن عَمْرو، وَكَانَ القدماء من أَصْحَاب سُفْيَان يَقُولُونَ: عَن عبد الله بن عمر، كَمَا وَقع للْبُخَارِيّ فِي عَامَّة النّسخ، وَكَانَ الْمُتَأَخّرُونَ مِنْهُم يَقُولُونَ: عَن عبد الله بن عَمْرو، كَمَا وَقع عِنْد مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ، وَمِنْهُم من لم ينْسبهُ كَمَا وَقع عِنْد النَّسَائِيّ فِي الْموضع الآخر، وَالِاضْطِرَاب فِيهِ من سُفْيَان، وَقَالَ أَبُو عوَانَة: قَالَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق الإسفرايني: بَلغنِي أَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ وَغَيره قَالُوا: عبد الله بن عَمْرو، وَرَوَاهُ عَنهُ يَعْنِي: عَن سُفْيَان من أَصْحَابه من يفهم ويضبط فَقَالُوا: عبد الله بن عمر ﵄. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة الطَّائِف وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (لَا نَبْرَح أَو نفتحها) وَكلمَة. أَو نفتحها، بِالنّصب أَي: لَا نفارق إِلَى أَن نفتحها. قَوْله: (قَالَ الْحميدِي) هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى. قَوْله: (كُله بالْخبر) أَي: حَدثنَا كل الحَدِيث بِلَفْظ الْخَبَر لَا بِلَفْظ العنعنة، ويروى: بالْخبر كُله، أَي: حَدثنَا بِجَمِيعِ هَذَا الْخَبَر، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَالْأولَى رِوَايَة الْكشميهني.

стр. 6662

٦٠٨٧ - حدَّثنا مُوساى حدّثنا إبْراهيمُ أخْبرنا ابنُ شِهابٍ عَنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أتَى رَجُلٌ النبيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ ﴿وقَعْتُ عَلَى أهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: أعْتَقْ رَقَبَةً. قَالَ: لَيْسَ لِي. قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ، قَالَ: لَا أسْتَطِيعُ. قَالَ: فأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً، قَالَ: لَا أجِدُ، فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَالَ إبْراهِيمُ: العَرَقُ المِكْتَلُ فَقَالَ: أيْنَ السَّائِلُ؟ تَصَدَّقْ بِها قَالَ: عَلَى أفْقَرَ مِنِّي؟ وَالله مَا بَيْنَ لأبَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِنَّا، فَضَحِكَ النبيُّ ﷺ حَتَى بَدَتْ نَواجِدُهُ، قالَ: فأنْتُمْ إِذا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَضَحِك النَّبِي ﷺ ، حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه) . ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، روى هُنَا عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ بِلَا وَاسِطَة، ويروي عَنهُ أَيْضا بِوَاسِطَة مثل صَالح بن كيسَان وَغَيره، وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب المجامع فِي رَمَضَان. قَوْله: (قَالَ إِبْرَاهِيم) هُوَ إِبْرَاهِيم بن سعد وَهُوَ مَوْصُول بالسند الأول وَفِيه بَيَان لما أدرجه غَيره فَجعل تَفْسِير الْعرق من نفس الحَدِيث، والعرق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالرَّاء: السعيفة المنسوجة من الخوص، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن صحت الرِّوَايَة بِالْفَاءِ فَالْمَعْنى أَيْضا صَحِيح إِذا الْعرق مكيال يسع خَمْسَة عشر رطلا. قَوْله: (لأبتيها) أَي: لأبتي الْمَدِينَة، واللابة بتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الْحرَّة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود، وَالْمَدينَة بَين الحرتين. قَوْله: (تصدق بهَا) أَمر. قَوْله: (حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه) النواجذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أخريات الْأَسْنَان الأضراس، أَولهَا فِي مقدم الْفَم الثنايا ثمَّ الرباعيات ثمَّ الأنياب ثمَّ الضواحك ثمَّ النواجذ. فَإِن قلت: بَين هَذَا وَبَين حَدِيث عَائِشَة الَّذِي يَأْتِي عَن قريب: مَا رَأَيْته ﷺ ، مستجمعاً ضَاحِكا حَتَّى أرى مِنْهُ لهواته، تعَارض ومنافاة؟ قلت: لَا تعَارض وَلَا مُنَافَاة، لِأَن عَائِشَة إِنَّمَا نفت رؤيتها وَأَبُو هُرَيْرَة أخبر بِمَا شَاهده، والمثبت مقدم على النَّافِي، أَو نقُول: عدم رُؤْيَة عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لَا تَسْتَلْزِم نفي رُؤْيَة أبي هُرَيْرَة، وكل وَاحِد مِنْهُمَا أخبر بِمَا شَاهده، والخبران مُخْتَلِفَانِ لَيْسَ بَينهمَا تضَاد، وَفِيه وَجه آخر: أَن من النَّاس من يُسَمِّي الأنياب والضواحك النواجذ، وَوَقع فِي الصّيام: حَتَّى بَدَت أنيابه، فَزَالَ الِاخْتِلَاف بذلك، وَهَذَا يرد مَا رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه كَانَ لَا يضْحك، وَكَانَ ابْن سِيرِين يضْحك ويحتج على الْحسن وَيَقُول: الله هُوَ الَّذِي أضْحك وأبكى، وَكَانَت الصَّحَابَة يَضْحَكُونَ، وَرُوِيَ عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ: سُئِلَ ابْن عمر: هَل كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نعم﴾ وَالْإِيمَان فِي قُلُوبهم أعظم من الْجبَال. انْتهى، وَلَا يُوجد أحد زهده كزهد سيد الْخلق، وَقد ثَبت عَنهُ أَنه ضحك، وَفِي رَسُول الله ﷺ ، وَأَصْحَابه المهديين الأسوة الْحَسَنَة. وَأما الْمَكْرُوه من هَذَا الْبَاب فَهُوَ الْإِكْثَار من الضحك، كَمَا قَالَ لُقْمَان ﵇، لِابْنِهِ: إياك وَكَثْرَة الضحك فَإِنَّهَا تميت الْقلب والإكثار مِنْهُ وملازمته حَتَّى يغلب على صَاحبه مَذْمُوم مَنْهِيّ عَنهُ، وَهُوَ من أهل السَّفه والبطالة. قَوْله: (فَأنْتم إِذا) ، جَوَاب وَجَزَاء أَي: إِن لم يكن أفقر مِنْكُم فَكُلُوا أَنْتُم حينئذٍ مِنْهُ. ٦٠٨٨ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الأُوَيْسِيُّ حدّثنا مالِكٌ عَنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله ابنِ أبي طَلْحَةَ عَنْ أنَسَ بنِ مالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفَحَةِ عانِق النبيِّ ﷺ ، وقَدْ أثَّرَتْ بِها حاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مُرْ لِي مِنْ مالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ، فالْتَفَتَ إلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِعَطاءٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣١٤٩ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَضَحِك) وَإِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة واسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أُنس

стр. 6663

ابْن مَالك. والْحَدِيث مضى فِي الْخمس عَن يحيى بن بكير وَفِي اللبَاس عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. قَوْله: (برد) الْبرد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة نوع من الثِّيَاب مَعْرُوف. قَوْله: (نجراني) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم نِسْبَة إِلَى نَجْرَان بَلْدَة مَعْرُوفَة بَين الْحجاز واليمن. قَوْله: (فأدركه أَعْرَابِي) زَاد همام: (من أهل الْبَادِيَة) . قَوْله: (فجبذ) ، وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (فجذب) . قَوْله: (جبذة شَدِيدَة) وَفِي رِوَايَة عِكْرِمَة: (حَتَّى رَجَعَ النَّبِي ﷺ ، فِي نحر الْأَعرَابِي) . قَوْله: (إِلَى صفحة عاتق) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِلَى صفحة عنق) . قَوْله: (أثرت بهَا) هِيَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فِيهَا) ، وَفِي رِوَايَة همام: (حَتَّى انْشَقَّ الْبرد وَذَهَبت حَاشِيَته فِي عُنُقه) ، وَزَاد: (أَن ذَلِك وَقع من الْأَعرَابِي لما وصل النَّبِي ﷺ ، إِلَى حجرته) . قَوْله: (مر لي) ، وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (أعطنا) . قَوْله: (فَضَحِك) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (فَتَبَسَّمَ ثمَّ قَالَ: مرواله) ، وَفِي رِوَايَة همام: (مرواله بِشَيْء) . وَفِيه: دلَالَة على قُوَّة حلمه وَشدَّة صبره على الأوذى فِي النَّفس وَالْمَال، والتجاوز عَن جفَاء من يُرِيد تألفه على الْإِسْلَام، وليتأسى بِهِ الْوُلَاة بعده فِي خلقه الْجَمِيل من الصفح والإغضاء وَالدَّفْع بِالَّتِي هِيَ أحسن. ٦٠٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدّثنا يَحْيَى عَنْ هِشامٍ قَالَ: أَخْبرنِي أبي عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قالَتْ: يَا رسُولَ الله ﴿إنَّ الله لَا يَسْتَحيِي مِنَ الحقِّ﴾ هَلْ عَلَى المَرْأة غُسْلٌ إذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا رَأَتْ الماءَ فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، فقالَتْ: أتَحْتَلِمُ المَرْأةُ؟ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : فَبِمَ شبه الوَلَدِ؟ . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَضَحكت أم سَلمَة) وَقد وَقع ذَلِك بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ وَلم يُنكر عَلَيْهَا ضحكها، وَإِنَّمَا أنكر عَلَيْهَا إنكارها احْتِلَام الْمَرْأَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة عَن زَيْنَب بنت أم سَلمَة عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَأم سليم بِضَم السِّين أم أنس وَاسْمهَا الرميصاء مصغر مؤنث الأرمص بِالْمُهْمَلَةِ زوج أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي أَبْوَاب الْغسْل فِي: بَاب إِذا احْتَلَمت الْمَرْأَة. قَوْله: (إِذا رَأَتْ المَاء) أَي: الْمَنِيّ، أَي: يجب الْغسْل إِذا احْتَلَمت وأنزلت. قَوْله: (فَبِمَ شبه الْوَلَد) . فَبِأَي شء وصل شبه الْوَلَد بِالْأُمِّ، أَو يشبه الْأُم؟ ويروى: فيمَ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَي: فِي أَي شَيْء المشابهة بَينهمَا لَوْلَا أَن لَهَا مَاء ينْعَقد مِنْهُ؟ قَالُوا: فِي مَاء الرجل قُوَّة عاقدة، وَفِي مَاء الْمَرْأَة قُوَّة منعقدة. ٦٠٩٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ سُلَيْمانَ قَالَ: حدّثني ابنُ وهْبٍ أخبرنَا عَمْرو أنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: مَا رأيْتُ النبيَّ ﷺ ، مُسْتَجْمعاً قَطُّ ضاحِكاً حَتَّى أرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ. (انْظُر الحَدِيث ٤٨٢٨) .

стр. 6664

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ يتبسم) وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزيل مصر، يروي عَن عبد الله بن وهب عَن أبي عَمْرو بن الْحَارِث عَن النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة عَن سُلَيْمَان بن يسَار ضد الْيَمين. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْقَاف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (مستجمعاً) أَي: مجتمعاً وَهُوَ لَازم، وضاحكاً تَمْيِيز أَي: مُجْتَمع من جِهَة الضحك، يَعْنِي: مَا رَأَيْته يضْحك تَمامًا لم يتْرك مِنْهُ شَيْئا. قَوْله: (لهواته) جمع لهاة وَهِي الهنة المطبقة فِي أقْصَى سقف الْفَم، وَقيل: هِيَ اللحمة الَّتِي فِيهَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: اللهوات جمع اللهاو يجمع على لهيات أَيْضا، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ مَا دون الحنك إِلَى مَا يَلِي الْحلق، وَمَا فَوق الأضراس من اللَّحْم. ٦٠٩٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَحْبُوبٍ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ. وَقَالَ لي خلِيفَةُ: حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حَدثنَا سَعيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁: أنَّ رجلا جاءَ إِلَى النبيِّ ﷺ ، يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ يَخْطُبُ بالمَدِينَةِ، فَقَالَ: قَحَطَ المَطَرُ فاسْتَسْقِ رَبَّكَ. فَنَظَرَ إِلَى السَّماءِ وَمَا تَرَى مِنْ سَحابٍ، فاسْتَسْقَى فَنَشَأ السَّحابُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ مُطِرُوا حَتَّى سالَتْ مَثاعِبَ المَدِينَةِ، فَما زالَتْ إلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ مَا تُقْلَعُ، ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أوْ غَيْرُهُ والنبيُّ ﷺ ، يَخْطُبُ فَقَالَ: غَرِقْنا فادْع ربكَ يَحْسِهبْا عَنَّا، فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ: أللَّهُمَّ حَوَالَيْنا وَلَا عَلَيْنا، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثاً، فَجَعَلَ السَّحابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ المَدِينَةِ يَمِيناً وشِمالاً يمطر مَا حوالينا وَلَا يُمْطَرُ مِنْها شَيْءٌ، يُرِيهُمُ الله كَرامَةَ نَبِيِّهِ ﷺ وإجابَةَ دَعْوَتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَضَحِك) . وَمُحَمّد بن مَحْبُوب أَبُو عبد الله الْبنانِيّ الْبَصْرِيّ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَمُحَمّد بن مَحْبُوب هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن الْحسن ولقب الْحسن مَحْبُوب بن هِلَال أَبُو جَعْفَر، وَقيل: أَبُو عبد الله الْقرشِي الْبنانِيّ الْبَصْرِيّ روى عَنهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: مُحَمَّد بن مَحْبُوب شيخ البُخَارِيّ غير مُحَمَّد بن الْحسن الَّذِي لقبه مَحْبُوب، وَوهم من وَحدهمَا كشيخنا ابْن الملقن فَإِنَّهُ جزم بذلك، وَزعم أَن البُخَارِيّ روى عَنهُ هُنَا وروى عَن رجل عَنهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هما إثنان أَحدهمَا فِي عداد شُيُوخ الآخر، وَشَيخ البُخَارِيّ اسْمه مُحَمَّد وَاسم أَبِيه مَحْبُوب، وَالْآخر اسْمه مُحَمَّد وَاسم أَبِيه الْحسن، ومحبوب لقب مُحَمَّد لَا لقب الْحسن، وَقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام حَدِيثا وَاحِدًا قَالَ فِيهِ: حَدثنَا مَحْبُوب بن الْحسن، وَسبب الْوَهم أَنه وَقع فِي بعض الْأَسَانِيد: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن مَحْبُوب، فظنوا أَنه لقب الْحسن، وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: أَرَادَ بشيخه ابْن الملقن سراج الدّين عمر بن نور الدّين عَليّ الْأنْصَارِيّ الشَّافِعِي الَّذِي شرح البُخَارِيّ شرحاً مطولا وسماء (التَّوْضِيح لشرح الْجَامِع الصَّحِيح) ، وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي: بَاب الاسْتِسْقَاء على الْمِنْبَر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٦٩ - بَاب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٩) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا معع الصَّادِقين﴾ (التَّوْبَة: ١١٩) وَمَا يُنْهاى عَنِ الكَذِبِ أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ ... الْآيَة، قَوْله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ أَي: مثلهم أَو مِنْهُم، والصادقون هم الَّذين يصدقون فِي قَوْلهم وعملهم، وَقيل: فِي أَيْمَانهم يُوفونَ بِمَا عَاهَدُوا. قَوْله: (وَمَا ينْهَى) أَي: الْبَاب أَيْضا فِي بَاب مَا ينْهَى عَن الْكَذِب.

стр. 6665

٦٠٩٤ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَة حَدثنَا جَرِيرُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله ﵁، عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقاً، وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّار وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّاباً. وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين الْآيَة الْمَذْكُورَة ظَاهر، وَهُوَ أَن الصدْق يهدي إِلَى الْجنَّة وَالْآيَة فِيهَا أَيْضا الْأَمر بالكون مَعَ الصَّادِقين والكون مَعَهم أَيْضا يهدي إِلَى الْجنَّة. وَعُثْمَان بن أبي شيبَة أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَاسم أبي شيبَة إِبْرَاهِيم وَهُوَ جد عُثْمَان لِأَنَّهُ ابْن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عُثْمَان وَعَن أَخِيه أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (يهدي) من الْهِدَايَة وَهِي الدّلَالَة الموصلة إِلَى البغية. قَوْله: (إِلَى الْبر) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ الْعَمَل الصَّالح الْخَالِص من كل مَذْمُوم وَهُوَ إسم جَامع لِلْخَيْرَاتِ كلهَا. قَوْله: (صديقا) بِكَسْر الصَّاد وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ صِيغَة الْمُبَالغَة. قَوْله: (إِلَى الْفُجُور) وَهُوَ الْميل إِلَى الْفساد، وَقيل: الانبعاث فِي الْمعاصِي وَهُوَ جَامع للشرور وهما متقابلان، قَالَ الله : ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم. . لفي جحيم﴾ (الانفطار: ١٣ ١٤) . قَوْله: (حَتَّى يكْتب) ، أَي: يحكم لَهُ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى يكون، وَالْمرَاد الْإِظْهَار للمخلوقين إِمَّا للملأ الْأَعْلَى وَإِمَّا أَن يلقى ذَلِك فِي قُلُوب النَّاس وألسنتهم، وإلَاّ فَحكم الله أزلي، وَالْغَرَض: أَنه يسْتَحق وصف الصديقين وثوابهم وَصفَة الْكَذَّابين وعقابهم، وَكَيف لَا وَإنَّهُ من عَلَامَات النِّفَاق، وَلَعَلَّه لم يقل فِي الصّديق بِلَفْظ يكْتب إِشَارَة إِلَى أَن الصّديق من جملَة الَّذين قَالَ الله فيهم: ﴿الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين﴾ (النِّسَاء: ٦٩) . فَإِن قلت: حَدِيث عبد الله هَذَا يُعَارضهُ حَدِيث صَفْوَان بن سليم الَّذِي رَوَاهُ مَالك عَنهُ أَنه قيل للنَّبِي ﷺ : أَيكُون الْمُؤمن كذابا؟ قَالَ: لَا. وَحَدِيث: يطبع الْمُؤمن على كل شَيْء لَيْسَ الْخِيَانَة وَالْكذب. قلت: المُرَاد بِالْمُؤمنِ فِي حَدِيث صَفْوَان الْمُؤمن الْكَامِل أَي: لَا يكون الْمُؤمن المستكمل لأعلى دَرَجَات الْإِيمَان كذابا حَتَّى يغلبه الْكَذِب، لِأَن كذابا وَزنه فعال وَهُوَ من أبنية الْمُبَالغَة لمن يكثر الْكَذِب مِنْهُ ويتكرر حَتَّى يعرف بِهِ، وَكَذَلِكَ لكذوب، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي الحَدِيث الآخر. ٦٠٩٥ - حدَّثنا ابنُ سَلَامٍ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَر عَنْ أبي سُهَيْلٍ نافِعِ بنِ مالِكِ بنِ أبي عامِرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: آيَةُ المُنافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خانَ. مطابقته لقَوْله: (وَمَا ينْهَى عَن الْكَذِب) الَّذِي هُوَ جُزْء التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَعْنَاهُ يسْتَلْزم النَّهْي عَن الْكَذِب على مَا لَا يخفى. وَابْن سَلام هُوَ مُحَمَّد بن سَلام، وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ، كَانَ بِبَغْدَاد مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، وَسُهيْل بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْهَاء مصغر سهل واسْمه نَافِع يروي عَن أَبِيه مَالك بن أبي عَامر الأصبحي جد مَالك بن أنس. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب عَلَامَات الْمُنَافِق، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (آيَة الْمُنَافِق أَي: علامته. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْمُسلم لَا يحكم بنفاقه الْمُوجب لكَونه فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار بِوَاسِطَة الْكَذِب. وأخويه، وَأجَاب بِأَن المُرَاد بِهِ أَنه يشابه الْمُنَافِق، أَو إِذا كَانَ مُعْتَادا بذلك أَو للتغليظ أَو الَّذين كَانُوا فِي عهد النَّبِي ﷺ من الْمُنَافِقين، أَو كَانَ منافقاً خَاصّا، أَو لَا يُرِيد بِهِ النِّفَاق الإيماني بل النِّفَاق الْعرفِيّ. ٦٠٩٦ - ح دَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا جَرِيرٌ حَدثنَا أبُو رجاءٍ عَن سَمُرَةَ بن جُنْدبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ رأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجلَين أتَياني قَالَا: الَّذِي رأيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ

стр. 6666

بالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ. وَجه الْمُطَابقَة مثل الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق. وَجَرِير هُوَ ابْن حَازِم، وَأَبُو رَجَاء بِالْجِيم اسْمه عمرَان العطاردي. وَهَذَا طرف من حَدِيث مطول رَوَاهُ مقطعاً فِي الصَّلَاة وَفِي الْجَنَائِز وَفِي الْبيُوع وَفِي الْجِهَاد وَفِي بَدْء الْخلق وَفِي صَلَاة اللَّيْل وَهنا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَفِي التَّفْسِير وَفِي التَّعْبِير عَن مُؤَمل بن هِشَام. قَوْله: (رَأَيْت) ، أَي: فِي الْمَنَام وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لَفظه: قَوْله: (الَّذِي رَأَيْته يشق شدقه) وَكَانَ ﷺ ، رأى رجلا جَالِسا ورجلاً قَائِما بِيَدِهِ كَلوب من حَدِيد يدْخلهُ فِي شدقه حَتَّى يبلغ قَفاهُ ثمَّ يفعل بشدقه الآخر مثل ذَلِك ويلتئم شدقه هَذَا فيصنع مثله، قلت: مَا هَذَا؟ فَقَالَا: الَّذِي رَأَيْته يشق شدقه فكذاب يصنع بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (فكذاب) فَإِن قيل: شَرط الْمَوْصُول الَّذِي يدْخل فِي خَبره الْفَاء أَن يكون مُبْهما بل عَاما، قيل لَهُ: جعل الْمعِين كالعام حَتَّى جَازَ دُخُول الْفَاء فِي الْخَبَر، وَإِنَّمَا جعل عَذَابه فِي مَوضِع الْمعْصِيَة وَهُوَ فَمه الَّذِي كَانَ يكذب بِهِ. ٧٠ - (بابٌ فِي الهَدْيِ الصَّالِحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْهَدْي الصَّالح، وَالْهَدْي بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْهَدْي السِّيرَة والهيئة والطريقة، وَفِي الحَدِيث: واهد وَالْهَدْي عمار، أَي: رَأْي: سِيرُوا بسيرته وتهيئوا بهيئته، يُقَال: هدى هدي فلَان إِذا سَار بسيرته، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: الْهَدْي الصَّالح والسمت الصَّالح والاقتصاد جُزْء من خَمْسَة وَعشْرين جُزْءا من النُّبُوَّة وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَأحمد أَيْضا. ٦٠٩٧ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ ل أبِي أُسامَةَ: حدَّثَكُمُ الأعْمَشُ سَمِعْتُ شَقِيقاً قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: إنَّ أشْبَهَ النَّاس دَلاًّ وسَمْتاً وهَدْياً بِرَسُولِ الله ﷺ لابنُ أُمِّ عَبْدِ مِنْ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أنْ يَرْجَعَ إلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أهْلِهِ إذَا خَلَا. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٦٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وهدياً) وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، قَالَه بَعضهم. قلت: يحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا قد روى عَن أبي أُسَامَة، فالجزم بِأَنَّهُ ابْن رَاهَوَيْه من أَيْن؟ ويروي عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع فِي كِتَابه، مرّة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَمرَّة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق ابْن نصر، فينسبه إِلَى جده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وشقيق أَبُو وَائِل، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان الْعَبْسِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (حَدثكُمْ) ويروى: أحدثكُم؟ بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَالسُّكُوت عَن الْجَواب قَائِم مقَام التَّصْدِيق وَالتَّسْلِيم عِنْد الْقَرَائِن. قَوْله: (دلاً) بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام، قَالَ الْكرْمَانِي: الدل قريب الْمَعْنى من الْهَدْي وهما من السكينَة وَالْوَقار فِي الْهَيْئَة والمنظر وَالشَّمَائِل، وَالْهَدْي هُوَ السِّيرَة والسمت بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْمِيم الطَّرِيق والمقصد وهيئة أهل الْخَيْر. قَوْله: (لِابْنِ أم عبد) بِفَتْح اللَّام للتَّأْكِيد، وَابْن أم عبد الله بن مَسْعُود، وَأمه أم عبد بنت عبدود وَلها صُحْبَة وَكَانَ أَصْحَابه يدْخلُونَ عَلَيْهِ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ قولا وفعلاً حَرَكَة وسكوناً حَالا وملكة وَغَيرهَا، فيتشبهون بِهِ ﵁. قَوْله: (من حِين يخرج من بَيته) إِلَى آخِره أَرَادَ بذلك أَنه يُشَاهد مَا قَالَه عَن عبد الله بن مَسْعُود من حِين يخرج من بَيته إِلَى أَن يرجع إِلَيْهِ أَي: إِلَى بَيته، ثمَّ قَالَ: (لَا نَدْرِي مَا يصنع فِي أَهله إِذا خلا بهم) لِأَنَّهُ رُبمَا ينبسط بهم وَلم يرد بذلك إِثْبَات نقص فِي حق عبد الله فَافْهَم. وَفِيه من الْفِقْه: أَنه يَنْبَغِي للنَّاس الِاقْتِدَاء بِأَهْل الْفضل وَالصَّلَاح فِي جَمِيع أَحْوَالهم، فِي هيئتهم وتواضعهم لِلْخلقِ ورحمتهم وإنصافهم من أنفسهم، وَفِي مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ واقتصادهم فِي أُمُورهم تبركاً بذلك. ٦٠٩٨ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ مُخارِقٍ قَالَ: سَمِعْتُ طارِقاً قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: إنَّ أحسَنَ الحَدِيثِ كِتابُ الله، وأحْسَنَ الْهَدْيُ هدي مُحَمَّدٍ ﷺ .

стр. 6667

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، ومخارق بِضَم الْمِيم وبالخاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء ابْن عبد الله وَقيل: ابْن عبد الرَّحْمَن، وَقيل: ابْن خَليفَة بن جَابر. أَبُو سعيد الأحمسي بالمهملتين، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وطارق بِكَسْر الرَّاء ابْن شهَاب الأحمسي، رأى النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ أَبُو عمر: طَارق بن شهَاب بن عبد شمس أَبُو عبد الله أدْرك الْجَاهِلِيَّة، وروى بِإِسْنَادِهِ عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب، قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ وغزوت فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر ﵄، ثَلَاثًا وَأَرْبَعين بَين غَزْوَة وسرية. والْحَدِيث من أَفْرَاده وَمر تَفْسِير الْهَدْي وَهُوَ بِفَتْح الْهَاء كَمَا ذكرنَا، ويروى بضَمهَا ضد الضلال. ٧١ - (بابُ الصَّبْرِ عَلَى الأذَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فَضِيلَة الصَّبْر على الْأَذَى أَي: أَذَى النَّاس وَالصَّبْر حبس النَّفس على الْمَطْلُوب حَتَّى يدْرك وأصل الصَّبْر الْحَبْس وَمِنْه سمي الصَّوْم صبرا لما فِيهِ من حبس النَّفس عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّكَاح، وَمِنْه نهى النَّبِي ﷺ ، من صَبر الْبَهَائِم، يَعْنِي: من حَبسهَا للتمثيل بهَا ورميها كَمَا ترمي الْأَغْرَاض، وَالصَّبْر على الْأَذَى من بَاب جِهَاد النَّفس وقمعها عَن شهوتها ومنعها عَن تطاولها، وَهُوَ من أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ، وَإِن كَانَ الله قد جعل النُّفُوس مجبولة على تألمها من الْأَذَى ومشقته. وقوْل الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ (الزمر: ١٠) وَقَول الله مجرور عطفا على الصَّبْر على الْأَذَى، أَرَادَ بالصابرين الَّذين صَبَرُوا على البلايا، وَقيل: الَّذين صَبَرُوا على مُفَارقَة أوطانهم وعشائرهم فِي مَكَّة وَهَاجرُوا إِلَى الْمَدِينَة، وَقيل: نزلت فِي جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه حِين لم يتْركُوا دينهم. قَوْله: (بِغَيْر حِسَاب) يَعْنِي: لَا يهتدى إِلَيْهِ عقل وَلَا يُوصف. ٦٠٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْياى بنُ سَعِيد عَنْ سُفْيانَ قَالَ: حدّثني الأعْمَشُ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ عَنْ أبي مُوسى ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ أحَدٌ أوْ لَيْسَ شَيْءٌ أصْبَرَ عَلَى أَذَى سَمعهُ مِنَ الله، إنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَداً، وإنَّهُ لَيُعافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٩٩ طرفه فِي: ٧٣٧٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَيْسَ شَيْء أَصْبِر على أَذَى) وَإِطْلَاق الصَّبْر على الله بِمَعْنى الْحلم يَعْنِي حبس الْعقُوبَة عَن مستحقها إِلَى زمن آخر وتأخيرها. وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ النوري، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله ابْن حبيب السّلمِيّ بِضَم السِّين وَفتح اللَّام، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن عَبْدَانِ. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي البعوت عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله. قَوْله: (أَو لَيْسَ شَيْء) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (لَيْسَ شَيْء أَصْبِر) فسروا الصَّبْر فِي حق الله بالحلم، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (من الله) ، كلمة: من صلَة لقَوْله: أَصْبِر. قَوْله: (ليدعون لَهُ) . أَي لله وَاللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد، يَعْنِي: ينسبون إِلَيْهِ مَا هُوَ منزه عَنهُ وَهُوَ يحسن إِلَيْهِم بِمَا يتَعَلَّق بِأَنْفسِهِم، وَهُوَ المعافاة، وبأموالهم وَهُوَ الرزق. ٦١٠٠ - حدَّثني عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقاً يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الله: قَسَمَ النبيُّ ﷺ ، قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كانَ يَقْسِمُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: وَالله إنَّها لَقِسْمَةُ مَا أُرِيدَ بِها وَجْهُ الله! قُلْتُ: أمَّا لأقُولَنَّ للنبيِّ ﷺ ، فأتيْتُهُ وَهْوَ فِي أصْحابِهِ فَسَارَرْتُهُ، فَشَقَّ ذالِكَ عَلَى النبيِّ ﷺ ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ حَتَّى وَدِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أُوذِيَ مُوساى بِأكثَرَ مِنْ ذالِكَ فَصَبَرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود ﵁. والْحَدِيث قد مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈، عَن أبي الْوَلِيد، وَيَأْتِي فِي الدَّعْوَات عَن حَفْص

стр. 6668

ابْن عمر الحوضي. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (قسم) يَعْنِي: يَوْم حنين، وَأعْطى نَاسا من أَشْرَاف الْعَرَب وَلم يُعْط الْأَنْصَار. قَوْله: (فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار) زعم بَعضهم أَنه حرقوص بن زُهَيْر، ورد عَلَيْهِ، وَقد مر بَيَانه فِي غَزْوَة حنين، قَوْله: (أما أَنا) بِالتَّخْفِيفِ حرف التَّنْبِيه، وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات بتَشْديد الْمِيم وَلَيْسَ ببين. قَوْله: (فِي أَصْحَابه) أَي: بَين أَصْحَابه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٩٨) فادخلي فِي عبَادي﴾ (الْفجْر: ٢٩) أَي: بَين عبَادي. قَوْله: (لم أكن) ويروى: لم أك، بِحَذْف النُّون. قَوْله: (بِأَكْثَرَ من ذَلِك) أَي: من الَّذِي قَالَه الْأنْصَارِيّ الَّذِي تأذى بِهِ النَّبِي ﷺ ، وَقد ذكرنَا عَن قريب من جملَة مَا أوذي بِهِ مُوسَى ﵊. ٧٢ - (بابُ مَنْ لَمْ يُواجِهِ النَّاسَ بالْعِتابِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم يواجه النَّاس بالعتاب حَيَاء مِنْهُم. ٦١٠١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حدّثنا أبي حدّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ، قالَتْ عائِشَةُ: صَنَعَ النبيُّ ﷺ شَيْئاً فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذالِكَ النبيَّ ﷺ فَخَطَبَ فَحَمِدَ الله ثُمَّ قَالَ: مَا بالُ أقْوامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ؟ فوَاللَّه إنِّي لأعْلَمُهُمْ بِاللَّه وأشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً. (انْظُر الحَدِيث ٦١٠١ طرفه فِي: ٧٣٠١) . وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة هِيَ أَن التَّرْجَمَة فِي عدم مُوَاجهَة النَّاس بالعتاب، وَكَذَلِكَ الحَدِيث فِي عتاب قوم من غير مواجهتهم. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا كَانَ لَا يواجه النَّاس بالعتاب إِذا كَانَ فِي خَاصَّة نَفسه: كالصبر على جهل الْجُهَّال وجفاء الْأَعْرَاب، أَلا يُرى أَنه ترك الَّذِي جبذ الْبردَة من عُنُقه حَتَّى أثرت جبذته فِيهِ؟ وَأما إِذا انتهكت من الدّين حُرْمَة فَإِنَّهُ لَا يتْرك العتاب عَلَيْهَا والتقريع فِيهَا، ويصدع بِالْحَقِّ فِيمَا يجب على منتهكها ويقتص مِنْهُ. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَمُسلم على صِيغَة إسم الْفَاعِل من أسلم قَالَ بَعضهم: هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَوهم من زعم أَنه ابْن عمرَان البطين. قلت: غمز بذلك على الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ لم يجْزم بِأَنَّهُ مُسلم بن عمرَان البطين، بل قَالَ: مُسلم، إِمَّا مُسلم بن عمرَان البطين، وَإِمَّا مُسلم بن صبيح مصغر صبح وَكِلَاهُمَا بِشَرْط البُخَارِيّ يرويان عَن مَسْرُوق وَالْأَعْمَش يروي عَنْهُمَا، وَابْن عمرَان يُقَال لَهُ ابْن أبي عمرَان وَابْن أبي عبد الله. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عمر بن حَفْص. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ ، عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَآخَرين. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن بنْدَار. قَوْله: (صنع النَّبِي ﷺ شَيْئا) لم يعلم مَا هُوَ. قَوْله: (فَرخص فِيهِ) من الترخيص وَهُوَ خلاف التَّشْدِيد يَعْنِي: سهّل فِيهِ من غير منع. قَوْله: (فتنزه عَنهُ قوم) يَعْنِي: احترزوا عَنهُ وَلم يقربُوا إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فكأنهم كرهوه وتنزهوا عَنهُ. قَوْله: (فَبلغ ذَلِك) أَي تنزههم النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: مَا بَال قوم يتنزهون؟ أَي: يحترزون، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ ، فَغَضب حَتَّى بَان الْغَضَب فِي وَجهه. قَوْله: عَن الشَّيْء أصنعه، وَفِي رِوَايَة جرير: بَلغهُمْ عني أَمر ترخصت فِيهِ فكرهوه وتنزهوا عَنهُ، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة يرغبون عَمَّا رخصت فِيهِ. قَوْله: إِنِّي لأعلمهم إِشَارَة إِلَى الْقُوَّة العلمية. قَوْله: وأشدهم لَهُ خشيَة إِشَارَة إِلَى الْقُوَّة العملية. وَفِيه: الْحَث على الِاقْتِدَاء بِهِ وَالنَّهْي عَن التعمق وذم التَّنَزُّه عَن الْمُبَاح. ٦١٠٢ - حدَّثنا عَبْدانُ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ سَمِعْتُ عَبْد الله هُوَ ابنُ أبي عُتْبَةَ مَوْلَى أنَسٍ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ ، أشَدَّ حَياءٍ مِنَ العذْراءِ فِي خِدْرِها، فَإِذا رأى شَيْئاً يَكْرَهُهُ عَرَفْناهُ فِي وَجْهِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٦٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لشدَّة خيائه لَا يُعَاقب أحدا فِي وَجهه، وَإِذا رأى شَيْئا يكرههُ يعرف فِي وَجهه، وَإِذا عَاتب

стр. 6669

لَا يعين أحدا مِمَّن فعله بل كَانَ عتابه بِالْعُمُومِ، وَهُوَ من بَاب الرِّفْق لأمته والستر عَلَيْهِم. وعبدان هُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَعبد الله بن أبي عتبَة بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق مولى أنس ين مَالك الْبَصْرِيّ، وَأَبُو سعيد اسْمه سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي صفة النَّبِي ﷺ عَن مُسَدّد وَغَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (من الْعَذْرَاء) ، هِيَ: الْبكر لِأَن عذرتها بافية، وَهِي جلدَة الْبكارَة والخدر ستر يَجْعَل للبكر فِي جنب الْبَيْت. وَفِيه: أَن للشَّخْص أَن يحكم بِالدَّلِيلِ، لأَنهم عرفُوا كَرَاهَته للشَّيْء بِتَغَيُّر وَجهه كَمَا كَانُوا يعْرفُونَ قِرَاءَته فِي الصَّلَاة السّريَّة باضطراب لحيته. ٧٣ - (بابُ مَنْ كُفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهْوَ كَمَا قَالَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من كفر أَخَاهُ أَي: دعاة كَافِرًا أَو نسبه إِلَى الْكفْر. قَوْله: (بِغَيْر تَأْوِيل) يَعْنِي فِي تكفيره، قيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا تَأَول فِي تكفيره يكون مَعْذُورًا غير آثم، وَلذَلِك عذر النَّبِي ﷺ عمر ﵁، فِي نِسْبَة النِّفَاق إِلَى حَاطِب بن بلتعة لتأويله، وَذَلِكَ أَن عمر بن الْخطاب ظن أَنه صَار منافقاً بِسَبَب أَنه كَاتب الْمُشْركين كتابا فِيهِ بَيَان أَحْوَال عَسْكَر رَسُول الله ﷺ . قَوْله: فَهُوَ كَمَا قَالَ: جَوَاب كلمة: من المتضمنة معنى الشَّرْط، يَعْنِي: أَن الَّذِي قَالَه يرجع إِلَيْهِ وَكفر نَفسه لِأَن الَّذِي كفره صَحِيح الْإِيمَان، وَلم يتَأَوَّل فِيهِ بِشَيْء يُخرجهُ من الْإِيمَان، فَظهر أَنه أَرَادَ برميه لَهُ بالْكفْر فقد كفر نَفسه، فَافْهَم. ٦١٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ وأحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ قَالَا: حدّثنا عُثْمان بنُ عُمَرَ أخبرنَا عَلِيُّ بنُ المبارَك عَنْ يَحْياى بنِ أبي كَثيرٍ عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أَن رسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: إِذْ قَالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ: يَا كافِرٌ، فَقَدْ باءَ بِهِ أحَدُهُما. ٦١٠٤ - حدَّثنا إسماعيلُ قَالَ: حدَّثَني مالكٌ عَن عبد الله بن دِينارٍ، عَن عبد الله بن عُمَر ﵄، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أَيّمَا رجلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِر فقد باءَ بهَا أحدُهما) : وَعند الرُّجُوع لفتح الْبَارِي ١٠ / ٥١٤. وصحيح البُخَارِيّ (النُّسْخَة اليونينية﴾ / ٣٢. (وَالنُّسْخَة الأميرية﴾ / ٢٦ وجدنَا هَذَا الحَدِيث مثبتاً، فأثبتناه. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَمُحَمّد هُوَ إِمَّا ابْن بشار بالشين الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة، وَإِمَّا ابْن الْمثنى ضد الْمُفْرد كَذَا نَقله الْكرْمَانِي عَن الغساني، وَقَالَ بَعضهم: مُحَمَّد هُوَ ابْن يحيى الذهلي. قلت: إِن صَحَّ مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل فالسبب فِي ذكره مُجَردا أَن البُخَارِيّ لما دخل نيسابور شغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ كَانَ قد سمع مِنْهُ فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسم أَبِيه بل فِي بعض الْمَوَاضِع يَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله، فينسبه إِلَى جده، وَأحمد بن سعيد بن صَخْر بن سُلَيْمَان أَبُو جَعْفَر الدَّارمِيّ الْمروزِي، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (لِأَخِيهِ) المُرَاد بالأخوة أخوة الْإِسْلَام. قَوْله: (فقد بَاء بِهِ) أَحدهمَا أَي: رَجَعَ بِهِ أَحدهمَا لِأَنَّهُ إِن كَانَ صَادِقا فِي نفس الْأَمر فالمقول لَهُ كَافِر، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فالقائل كَافِر لِأَنَّهُ حكم بِكَوْن الْمُؤمن كَافِرًا أَو الْإِيمَان كفر، قيل: لَا يكفر الْمُسلم بالمعصية فَكَذَا بِهَذَا القَوْل. وَأجِيب بِأَنَّهُم حملوه على المستحل لذَلِك، وَقيل: مَعْنَاهُ رَجَعَ عَلَيْهِ التَّكْفِير إِذْ كَأَنَّهُ كفر نَفسه لِأَنَّهُ كفر من هُوَ مثله، وَقَالَ الْخطابِيّ: بَاء بِهِ الْقَائِل إِذا لم يكن لَهُ تَأْوِيل وَقَالَ ابْن بطال يَعْنِي: بَاء بإثم رميه لِأَخِيهِ بالْكفْر، أَي: رَجَعَ وزر ذَلِك عَلَيْهِ إِن كَانَ كَاذِبًا، وَقيل: يرجع عَلَيْهِ إِثْم الْكفْر لِأَنَّهُ إِذا لم يكن كَافِرًا فَهُوَ مثله فِي الدّين فَيلْزم من تكفيره تَكْفِير نَفسه لِأَنَّهُ مساويه فِي الْإِيمَان، فَإِن كَانَ مَا هُوَ فِيهِ كفرا فَهُوَ أَيْضا فِيهِ ذَلِك، وَإِن كَانَ اسْتحق المرمي بِهِ بذلك كفرا فَيسْتَحق الرَّامِي أَيْضا، وَقيل: مَعْنَاهُ أَنه يؤول بِهِ إِلَى الْكفْر لِأَن الْمعاصِي تزيد الْكفْر وَيخَاف على المكثر مِنْهَا أَن تكون عَاقِبَة شؤمها الْمصير إِلَيْهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ عَنْ يَحْياى عَنْ عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ: سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، مثله. عِكْرِمَة بن عمار بتَشْديد الْمِيم الْحَنَفِيّ اليمامي كَانَ مجاب الدعْوَة، وَيحيى هُوَ ابْن كثير، وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة مولى الْأسود بن سُفْيَان المَخْزُومِي وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث الْمُعَلق وَحَدِيث آخر مَوْصُول مضى

стр. 6670

فِي التَّفْسِير، وَقد وصل هَذَا الْمُعَلق الْحَارِث بن أبي أُسَامَة وَأَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيقه عَن النَّضر بن مُحَمَّد اليمامي عَن عِكْرِمَة بن عمار بِهِ. ٦١٠٥ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا وُهَيْبٌ حدّثنا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلَابَةَ عَنْ ثابِتِ بن الضَّحَّاكِ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ كاذِباً فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ المؤمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مؤْمِناً بِكُفْر فَهْوَ كَقَتْلِهِ. هَذَا أَيْضا فِي الْمُطَابقَة مثل الحَدِيث السَّابِق. وهيب مصغر وهب ابْن خَالِد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن الضَّحَّاك بن خَليفَة بن ثَعْلَبَة الْأنْصَارِيّ، قَالَ أَبُو عمر: ولد سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة، يكنى أَبَا يزِيد سكن الشَّام وانتقل إِلَى الْبَصْرَة وَمَات بهَا سنة خمس وَأَرْبَعين، روى عَنهُ من أهل الْبَصْرَة أَبُو قلَابَة وَعبد الله بن مُغفل. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن مُسَدّد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة. قَوْله: (من حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام) قَالَ ابْن بطال: هُوَ مثل أَن يَقُول: إِن فعلت كَذَا فَأَنا يَهُودِيّ، فَهُوَ كَمَا قَالَ، أَي: كَاذِب لَا كَافِر، لِأَنَّهُ مَا تعمد بِالْكَذِبِ الَّذِي حلف عَلَيْهِ الْتِزَام الْملَّة الَّتِي حلف بهَا، بل كَانَ ذَلِك على سَبِيل الخديعة للمحلوف لَهُ فَهُوَ وَعِيد، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: ظَاهره أَنه يخْتل بِهَذَا الْحلف إِسْلَامه وَيصير يَهُودِيّا، كَمَا قَالَ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ التهديد وَالْمُبَالغَة فِي الْوَعيد، كَأَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ مُسْتَحقّ لمثل عَذَاب مَا قَالَه. قَوْله: (عذب بِهِ) إِشَارَة إِلَى أَن عَذَابه من جنس عمله. قَوْله: (وَلعن الْمُؤمن كقتله) أَي: ف يالتحريم أَو فِي التأثم أَو فِي الإبعاد، فَإِن اللَّعْن تبعيد من رَحْمَة الله تَعَالَى، وَالْقَتْل تبعيد من الْحَيَاة. قَوْله: (وَمن رمى مُؤمنا بِكفْر) مثل قَوْله: (يَا كَافِر. قَوْله: (فَهُوَ)) أَي: الرَّمْي الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: رمى كقتله وَجه المشابهة هُنَا أظهر لِأَن النِّسْبَة إِلَى الْكفْر الْمُوجب للْقَتْل كَالْقَتْلِ فِي أَن المتسبب للشَّيْء كفاعله، نسْأَل الله الْعِصْمَة. ٧٤ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ إكْفارَ مَنْ قَالَ ذالِكَ مُتَأوِّلاً أوْ جاهِلاً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم ير إكفار، بِكَسْر الْهمزَة من قَالَ ذَلِك إِشَارَة إِلَى قَوْله فِي التَّرْجَمَة السَّابِقَة: من كفر أَخَاهُ بِغَيْر تَأْوِيل يَعْنِي من قَالَ ذَلِك القَوْل حَال كَونه متأولاً بِأَن ظَنّه كَذَا، أَو قَالَه حَال كَونه جَاهِلا بِحكم مَا قَالَه، أَو بِحَال الْمَقُول فِيهِ. وَقَالَ عُمَرُ لِحاطِب: إنَّهُ مُنافِقٌ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : وَمَا يُدْرِكَ؟ لَعَلَّ الله قَدْ اطَّلَعَ إِلَى أهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ مطابقته هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَذَلِكَ أَن عمر ﵁، إِنَّمَا قَالَ لحاطب: إِنَّه مُنَافِق، لِأَنَّهُ ظن أَنه صَار منافقاً بِسَبَب كِتَابه إِلَى الْمُشْركين، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث عَليّ ﵁، فِي قصَّة حَاطِب قد تقدم مَوْصُولا فِي تَفْسِير سُورَة الممتحنة. قَوْله: إِنَّه مُنَافِق، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: إِنَّه نَافق، بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي. قَوْله: (وَمَا يدْريك؟) أَي: شَيْء جعلك دارياً بِحَال حَاطِب؟ ٦١٠٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبادةَ أخبرنَا يَزِيدُ أخبرنَا سَلِيمٌ حَدثنَا عَمْرُو بنُ دِينارٍ حَدثنَا جابِرُ ابنُ عَبْدِ الله أنَّ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ ﵁، كانَ يُصَلِّي مَعَ النبيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلَاةَ، فَقَرَأ بِهِمُ البَقَرَةَ، قَالَ: فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً فَبَلَغَ ذالِكَ مُعاذاً، فَقَالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ، فَبَلَغَ ذالِكَ الرَّجُلَ فأبَى النبيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! إنَّا قَوْم نَعْمَلُ بأيْدِينا وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنا، وإنَّ مُعاذاً صَلَّى بِنا البارِحَةَ فَقَرَأ البَقَرَةَ فَتَجوزْتُ، فَزَعَمَ أنّي مُنافِقٌ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : يَا مُعاذُ أفَتَّانٌ

стр. 6671

أنْتَ؟ ثَلَاثاً، اقْرَأ والشَّمْسِ وضُحاها، وسَبّحِ اسْم رَبّكَ الأعْلَى، وَنَحْوَها. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ ، عذر معَاذًا فِي قَوْله: (إِنَّه مُنَافِق) لِأَنَّهُ كَانَ متأولاً وظناً أَن التارك للْجَمَاعَة مُنَافِق. وَمُحَمّد بن عبَادَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الوَاسِطِيّ، وَيزِيد هُوَ ابْن هَارُون، وسليم بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام ابْن حَيَّان من الْحَيَاة أَو من الْحِين منصرفاً وَغير منصرف. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا طول الإِمَام. وَكَانَ للرجل حَاجَة، وَفِي: بَاب من شكا إِمَامه إِذا طول مطولا، وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فَيصَلي بِهِ الصَّلَاة) ويروى: صَلَاة، وَكَانَت هَذِه الصَّلَاة صَلَاة الْعشَاء، وَلأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: أَنَّهَا كَانَت الْمغرب، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: رِوَايَات الْعشَاء أصح. قَوْله: (فَتجوز) ، بِالْجِيم أَي: خفف وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون بِالْحَاء أَي: انحاز وَصلى وَحده، وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة مُسلم: (فانحرف رجل فَسلم ثمَّ صلى وَحده ثمَّ انْصَرف) ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَوْله: فَسلم، لَا أَدْرِي هَل حفظت أم لَا لِكَثْرَة من رَوَاهُ عَن سُفْيَان بِدُونِهَا، وَانْفَرَدَ بهَا مُحَمَّد بن عبَادَة عَن سُفْيَان. قَوْله: (بنواضحنا) جمع نَاضِح وَهُوَ الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: (فَقَالَ أفتان يَا معَاذ؟) ثَلَاث مَرَّات. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : صَلَاة معَاذ بقَوْمه فِيهِ دلَالَة على صِحَة صَلَاة المفترض خلف المتنفل، وانتصر ابْن التِّين لمذهبه فَقَالَ: يحْتَمل أَن يكون جعل صلَاته مَعَ رَسُول الله ﷺ ، نَافِلَة وَيحْتَمل أَن يكون لم يعلم الشَّارِع بذلك، وَمَا أبعدها؟ وَكَيف يظنّ بمعاذ أَن يُؤَخر الْفَرْض ليصليها بقَوْمه ويؤثر النَّفْل خَلفه؟ وَكَيف يَدعِي أَن الشَّارِع لم يعلم بذلك مَعَ أَنه اشْتَكَى إِلَيْهِ؟ وَقَالَ: أفتان أَنْت يَا معَاذ. انْتهى. قلت: هَذَا الْكَلَام غير موجه لِأَنَّهُ الْتبس بفوت الْفَضِيلَة مَعَه ﷺ فِي سَائِر أَئِمَّة مَسَاجِد الْمَدِينَة، وفضيلة النَّافِلَة خَلفه مَعَ أَن أَدَاء الْفَرْض مَعَ قومه يقوم مقَام أَدَاء الْفَرِيضَة خَلفه، وامتثال أَمر النَّبِي ﷺ ، فِي إِمَامَة قومه زِيَادَة طَاعَة. والْحَدِيث الْمَذْكُور مَنْسُوخ، قَالَ الطَّحَاوِيّ: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَقت كَانَت الْفَرِيضَة تصلي مرَّتَيْنِ، فَإِن ذَلِك كَانَ يفعل فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن عمر: لَا يُصَلِّي صَلَاة فِي يَوْم مرَّتَيْنِ، قيل: لَا يثبت النّسخ بِالِاحْتِمَالِ. وَأجِيب بِأَنَّهُ إِذا كَانَ ناشئاً عَن دَلِيل يعْمل بِهِ، وَقد ذكر الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَادِهِ أَنهم كَانُوا يصلونَ الْفَرِيضَة الْوَاحِدَة فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ حَتَّى نهوا عَن ذَلِك، وَهَكَذَا ذكره الْمُهلب، وَالنَّهْي لَا يكون إلَاّ بعد الْإِبَاحَة. ٦١٠٧ - حدَّثني إسْحاقُ أخبرنَا أبُو المُغِيرَةِ حدّثنا الأوْزاعِيُّ حَدثنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بالَّلاتِ والعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إلهَ إلَاّ الله، وَمَنْ قَالَ لِصاحِبِهِ: تعالَ أُقامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ. مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (جَاهِلا) ظَاهره. وَقَالَ ابْن بطال: عذر ﷺ ، من حلف من أَصْحَابه بِاللات والعزي لقرب عَهدهم بجري ذَلِك على ألسنتهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وَرُوِيَ عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁، أَنه حلف بذلك، فَأتى رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ: يَا رَسُول الله! إِن الْعَهْد كَانَ قَرِيبا، فَحَلَفت باللَاّت والعزى، فَقَالَ ﷺ : قل لَا إِلَه إلَاّ الله، فعلمهم النَّبِي ﷺ أَن من نسي أَو جهل فَحلف بذلك فكفارته أَن يشْهد بِشَهَادَة التَّوْحِيد. إِسْحَاق جزم بَعضهم بِأَنَّهُ ابْن رَاهَوَيْه فَكَأَنَّهُ أَخذه من ابْن السكن، فَإِنَّهُ قَالَ: إِسْحَاق هَذَا ابْن رَاهَوَيْه، وَقَالَ الكلاباذي: هُوَ ابْن مَنْصُور، وَأَبُو الْمُغيرَة بِضَم الْمِيم وَكسرهَا هُوَ عبد القدوس بن الْحجَّاج الْخَولَانِيّ الْحِمصِي وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ، وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَحميد مصغر حمد ابْن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف ﵁. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَأخرجه فِي النذور كَذَلِك وَفِي الاسْتِئْذَان أَيْضا عَن يحيى بن بكير. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة. قَوْله: (فَلْيقل: لَا إِلَه إِلَّا الله) لِأَنَّهُ تعاطى تَعْظِيم صُورَة الْأَصْنَام حِين حلف بهَا فَأمر أَن يتداركه بِكَلِمَة التَّوْحِيد. قَوْله: (وَمن قَالَ لصَاحبه) إِلَى آخِره إِنَّمَا قرن الْقمَار بِذكر الصَّنَم تأسياً بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب﴾ أَي: فكفارة الْحلف بالصنم تَجْدِيد كلمة الشَّهَادَة، وَكَفَّارَة الدعْوَة إِلَى المقامرة التَّصَدُّق بِمَا تيَسّر مِمَّا

стр. 6672

ينْطَلق عَلَيْهِ إسم الصَّدَقَة، وَقيل: بِمِقْدَار مَا أَمر أَن يقامر بِهِ، وَقيل: لما أَرَادَ الدَّاعِي إِلَى الْقمَار إِخْرَاج المَال بِالْبَاطِلِ أَمر بِإِخْرَاجِهِ فِي الْحق. قَوْله: (تعال) أَمر و (أقامرك) مجزوم. قَوْله: (فليتصدق) ، جَوَاب: من، المتضمنة لِمَعْنى الشَّرْط، وَلِهَذَا دخلت الْفَاء فِيهِ. ٦١٠٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أنَّهُ أدْرَكَ عُمَرَ ابنَ الخَطّابِ فِي رَكْبٍ وَهْوَ يَحْلِفُ بأبِيهِ، فَنادَاهُمْ رسولُ الله ﷺ : أَلا إنَّ الله يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللَّه، وإلَاّ فَلْيَصْمُتْ. مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: متأولاً، ظَاهِرَة وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ عذر عمر ﵁، فِي حلفه بِأَبِيهِ لتأويله بِالْحَقِّ الَّذِي للآباء. وقتيبة هُوَ ابْن سعيد، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النذور عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد ابْن رمح. قَوْله: (وَهُوَ يحلف) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (أَلا) كلمة تَنْبِيه فتدل على تحقق مَا بعْدهَا وَهِي بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام. قَوْله: (أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ) فَإِن قلت: ثَبت فِي الحَدِيث أَنه ﵊ قَالَ: (أَفْلح وَأَبِيهِ) ، وَالْجَوَاب أَن هَذَا من جملَة مَا يُزَاد فِي الْكَلَام للتقرير وَنَحْوه وَلَا يُرَاد بِهِ الْقسم، وَالْحكمَة فِي النَّهْي أَن الْحلف يَقْتَضِي تَعْظِيم الْمَحْلُوف بِهِ وَحَقِيقَة العظمة مُخْتَصَّة بِاللَّه وَحده فَلَا يضاهى بِهِ غَيره، فَإِن قيل: قد أقسم الله تَعَالَى بمخلوقاته؟ وَأجِيب بِأَن لَهُ تَعَالَى أَن يقسم بِمَا شَاءَ تَنْبِيها على شرفه. ٧٥ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الغَضَبِ والشِّدَّةِ لأمْرِ الله، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٩) جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ (التَّوْبَة: ٧٣، وَالتَّحْرِيم: ٩) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْغَضَب والشدة لأجل أَمر الله، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن صَبر النَّبِي ﷺ ، على الْأَذَى إِنَّمَا كَانَ فِي حق نَفسه، وَأما إِذا كَانَ لله تَعَالَى فَإِنَّهُ كَانَ يمتثل فِيهِ أَمر الله تَعَالَى، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿جَاهد الْكفَّار﴾ ... الْآيَة. قَوْله: ﴿جَاهد الْكفَّار﴾ أَي: السَّيْف، وجاهد الْمُنَافِقين بالاحتجاج، وَعَن قَتَادَة: مجاهدة الْمُنَافِقين بِإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِم، وَعَن مُجَاهِد: بالوعيد. قَوْله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ أَي: اسْتعْمل الغلظة والخشونة على الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا تجاهدهما بِهِ من الْقِتَال والاحتجاج. ٦١٠٩ - حدَّثنا يَسَرَةُ بنُ صَفْوانَ حَدثنَا إبْرَاهِيمُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ القاسِمِ عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ ﷺ وَفِي البَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَناوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَه، وقالَتْ: قَالَ النبيُّ ﷺ : مِنْ أشَدِّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هاذِهِ الصُّوَرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَتَلَوَّنَ وَجهه) فَإِن ذَلِك كَانَ من غَضَبه لله تَعَالَى. ويسرة بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة وَالرَّاء ابْن صَفْوَان اللَّخْمِيّ، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف، يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق عَن عَائِشَة ﵃. والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر اللبَاس فِي: بَاب مَا وطىء من التصاوير، وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم عَن إِبْرَاهِيم ابْن سعد بِهِ وَعَن غَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (قرام) بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف الرَّاء وَهُوَ السّتْر. قَوْله: (صور) جمع صُورَة. قَوْله: (ثمَّ تنَاول السّتْر) وَهُوَ القرام الْمَذْكُور. قَوْله: (فهتكه) أَي: خرقه. قَوْله: (من أَشد النَّاس) ويروى: إِن من أَشد النَّاس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب اللبَاس فِي الْبَاب الْمَذْكُور. ٦١١٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْياى عَنْ إسْماعِيلَ بنِ أبي خالِدٍ حدّثنا قَيْسُ بنُ أبي حازِمٍ عَنْ أبي مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي لأَتَأخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَداة مِنْ أجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنا، قَالَ: فَما رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ قَطُّ أشَدَّ غَضَباً فِي مَوْعِظَةٍ

стр. 6673

مِنْهُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: فَقَالَ: يَا أيُّها النَّاسُ ﴿إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فأيُّكُمْ مَا صَلى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فإنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ والكَبِيرَ وذَا الحاجَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قطّ أَشد غَضبا فِي موعظة مِنْهُ يومئذٍ) . وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة بن عَامر البدري. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب تَخْفيف الإِمَام فِي الْقيام فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس إِلَى آخِره ... وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من النَّبِي ﷺ وَهُوَ مفضل بِاعْتِبَار ومفضل عَلَيْهِ بِاعْتِبَار آخر. قَوْله: (فَأَيكُمْ مَا صلى) ، كلمة: مَا زَائِدَة للتَّأْكِيد. قَوْله: (فليتجوز) أَي: فليخفف. قَوْله: (الْكَبِير) أَي: الشَّيْخ الْهَرم. ٦١١١ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا جُوَيْرِيَّةُ عَنْ نافِعٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَيْنَا النبيُّ ﷺ يُصَلِّي رَأى فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخامَةً فَحَكَّها بِيَدِهِ فَتَغَيَّظَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ أحَدَكُمْ إِذا كَانَ فِي الصَّلَاة فإنَّ الله حِيالَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَّنَخَّمَنَّ حِيالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فتغيظ) . وَجُوَيْرِية هُوَ ابْن أَسمَاء وَهَذَانِ العلمان مِمَّا يشْتَرك فِيهِ الذُّكُور وَالْإِنَاث. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد. قَوْله: (بَينا) أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون فَصَارَت ألفا وَهُوَ ظرف مُضَاف إِلَى جملَة، وَهِي هُنَا قَوْله: (النَّبِي ﷺ يصلى وَهِي جملَة إسمية. قَوْله: (نخامة) بِضَم النُّون وَهِي النخاعة. قَوْله: (حِيَال وَجهه) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: مُقَابل وَجهه، وَفِي كتاب الصَّلَاة: فَإِن الله قَبِل وَجهه، وَفِي (التَّوْضِيح) : حِيَال وَجهه أَي يرَاهُ، وَأَصله الْوَاو فقلبت يَاء لانكسار مَا قبلهَا، ويروى: قبل وَجهه ويروى: قبلته، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الله منزه عَن الْجِهَة وَالْمَكَان وَمَعْنَاهُ التَّشْبِيه على سَبِيل التَّنْزِيه أَي: كَانَ الله تَعَالَى فِي مُقَابل وَجهه، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن توجهه إِلَى الْقبْلَة مفضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى ربه فَصَارَ فِي التَّقْدِير كَأَن مَقْصُوده بَينه وَبَين الْقبْلَة. ٦١١٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ حَدثنَا اسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنَا رَبِيعَةُ بنُ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ أنَّ رَجُلاً سألَ رسولَ الله ﷺ ، عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: عَرِّفْها سَنَةً ثُمَّ أعْرِفْ وكاءَها وعِفاصَها، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِها، فإنْ جاءَ رَبُّها فأدِّها إلَيْهِ قَالَ: يَا رسولَ الله﴾ فَضالّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْها فإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: يَا رسولَ الله! فَضالَّةُ الإبِلِ؟ قَالَ: فَغَضبَ رسولُ الله ﷺ حَتّى احْمَرَّتْ وَجْنَتاهُ أَو احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ ولَها؟ مَعَها حِذاؤها وسِقاؤُها حَتَّى يَلْقاها رَبُّها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَغَضب رَسُول الله ﷺ ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَهَؤُلَاء كلهم مدنيون إلَاّ ابْن سَلام. والْحَدِيث مضى فِي اللّقطَة عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الشّرْب عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن مَالك، وَفِي اللّقطَة أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَعَن عَمْرو بن الْعَبَّاس، وَفِي الْعلم عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَمضى الْكَلَام فِيهَا. قَوْله: (وكائها) بِكَسْر الْوَاو وبالمد مَا يسد بِهِ رَأس الْكيس، والعفاص بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالصاد الْمُهْملَة وَهُوَ مَا يكون فِيهِ النَّفَقَة. قَوْله: (ثمَّ استنفق) ، أَي: تمتّع بهَا وَتصرف فِيهَا. قَوْله: (فضَالة الْغنم) من إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف أَي: مَا حكمهَا؟ قَوْله: (وجنتاه) تَثْنِيَة وجنة وَهِي مَا ارْتَفع من الخد. قَوْله: (أَو أَحْمَر وَجهه) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (مَا لَك وَلها؟) أَي: لم تأخذها؟ فَإِنَّهَا مُسْتَقلَّة بمعيشتها وَمَعَهَا أَسبَابهَا. قَوْله: (حذاؤها) بِكَسْر الْحَاء وبالمد وَهُوَ مَا وطىء عَلَيْهِ الْبَعِير من خفه. قَوْله: (وسقاؤها) بِالْكَسْرِ وَالْمدّ وَهُوَ ظرف اللَّبن وَالْمَاء كالقربة. (وَقَالَ الْمَكِّيّ حَدثنَا عبد الله بن سعيد ح حَدثنِي مُحَمَّد بن زِيَاد حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا

стр. 6674

عبد الله بن سعيد قَالَ حَدثنِي سَالم أَبُو النَّضر مولى عمر بن عبيد الله عَن بسر بن سعيد عَن زيد بن ثَابت ﵁ قَالَ احتجر رَسُول الله ﷺ َ - حجيرة مخصفة أَو حَصِيرا فَخرج رَسُول الله ﷺ َ - يُصَلِّي فِيهَا فتتبع إِلَيْهِ رجال وجاؤا يصلونَ بِصَلَاتِهِ ثمَّ جاؤا لَيْلَة فَحَضَرُوا وَأَبْطَأ رَسُول الله ﷺ َ - فَلم يخرج إِلَيْهِم فَرفعُوا أَصْوَاتهم وحصبوا الْبَاب فَخرج إِلَيْهِم مغضبا فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ َ - مَا زَالَ بكم صنيعكم حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيكتب عَلَيْكُم فَعَلَيْكُم بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتكُمْ فَإِن خير صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إِلَّا الْمَكْتُوبَة) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَخرج إِلَيْهِم مغضبا وَالْغَضَب فِي أَمر الله وَاجِب لِأَنَّهُ من بَاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن ذَلِك فرض على الْأَئِمَّة أَن يقومُوا بِهِ ويأخذوا على أَيدي الظَّالِمين وينصفوا المظلومين ويحفظوا أُمُور الشَّرِيعَة حَتَّى لَا تَتَغَيَّر وَلَا تنتهك والمكي هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم قَالَ الْكرْمَانِي الْمَكِّيّ مَنْسُوب إِلَى مَكَّة المشرفة قلت هَذَا اسْمه وَلَيْسَ بِنِسْبَة وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين أَولهمَا مُعَلّق عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله بن سعيد بن أبي هِنْد الْفَزارِيّ وَقد وَصله أَحْمد والدارمي فِي مسنديهما عَن الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم بِتَمَامِهِ وَالْآخر مُسْند أخرجه عَن مُحَمَّد بن زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن عبيد الله بن الرّبيع بن زِيَاد الزيَادي الْبَصْرِيّ وَقَالَ ابْن عَسَاكِر روى عَنهُ البُخَارِيّ كالمقرون بِغَيْرِهِ وروى عَنهُ ابْن مَاجَه مَاتَ سنة اثْنَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ كَذَا بِخَط الدمياطي وَفِي التَّهْذِيب فِي حُدُود سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر وَعبد الله بن سعيد قَالَ حَدثنِي سَالم أَبُو النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبسر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالراء الْمَدِينِيّ يروي عَن زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة عَن عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله وحَدثني مُحَمَّد بن زِيَاد فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد وَمَا قبله حرف (ح) إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر وَقَالَ الْكرْمَانِي أَو إِشَارَة إِلَى الحَدِيث أَو إِلَى صَحَّ أَو إِلَى الْحَائِل قَوْله احتجر بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالجيم وَالرَّاء أَي اتخذ لنَفسِهِ حجرَة وَقَالَ ابْن الْأَثِير يُقَال حجرت الأَرْض واحتجرتها إِذا ضربت عَلَيْهَا منارا تمنعها بِهِ عَن غَيْرك قَوْله حجيرة تَصْغِير حجرَة وَهُوَ الْموضع الْمُنْفَرد ويروى حجيرة بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْجِيم قَوْله مخصفة بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وبالفاء وَهِي المعمولة بالخصفة وَهِي مَا يَجْعَل بِهِ جلال التَّمْر من السعف وَنَحْوه ويروى بخصفة بِحرف الْجَرّ الدَّاخِل على الخصفة وَقَالَ النَّوَوِيّ الخصفة والحصير بِمَعْنى وَاحِد وَالْمعْنَى احتجر حجرَة أَي حوط موضعا من الْمَسْجِد بحصير يستره ليُصَلِّي فِيهِ وَلَا يمر عَلَيْهِ أحد ويتوفر عَلَيْهِ فرَاغ الْقلب وَقَالَ ابْن بطال حجيرة مخصفة يَعْنِي ثوبا أَو حَصِيرا اقتطع بِهِ مَكَانا من الْمَسْجِد واستتر بِهِ وَأرَاهُ يُقَال خصفت على نَفسِي ثوبا أَي جمعت بَين طَرفَيْهِ بِعُود أَو خيط قَوْله أَو حَصِيرا شكّ من الرَّاوِي قَوْله " فتتبع إِلَيْهِ " أَي إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - من التتبع وَهُوَ الطّلب وَمَعْنَاهُ طلبُوا مَوْضِعه واجتمعوا إِلَيْهِ قَوْله ثمَّ جاؤا لَيْلَة أَي لَيْلَة ليصلوا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فَلم يخرج إِلَيْهِم النَّبِي ﷺ َ - فَرفعُوا أَصْوَاتهم وحصبوا الْبَاب أَي رَمَوْهُ بالحصباء وَهِي الْحَصَى الصَّغِيرَة قَوْله فَخرج أَي رَسُول الله ﷺ َ - إِلَيْهِم حَال كَونه مغضبا وَسبب غَضَبه أَنهم اجْتَمعُوا بِغَيْر أمره وَلم يكتفوا بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ لكَونه لم يخرج إِلَيْهِم وبالغوا حَتَّى حصبوا بَابه وَقيل كَانَ غَضَبه لكَونه تَأَخّر إشفاقا عَلَيْهِم لِئَلَّا يفْرض عَلَيْهِم وهم يظنون غير ذَلِك وَقَالَ الْكرْمَانِي إِنَّمَا غضب عَلَيْهِم لأَنهم صلوا فِي مَسْجده الْخَاص بِغَيْر إِذْنه وَقَالَ

стр. 6675

بَعضهم وَأبْعد من قَالَ صلوا فِي مَسْجده بِغَيْر إِذْنه قلت غمز بِهِ على الْكرْمَانِي وَلَا بعد فِيهِ أصلا بل الْأَقْرَب هَذَا على مَا لَا يخفى قَوْله " مازال بكم " أَي ملتبسا بكم صنيعكم أَي مصنوعكم وَالْمرَاد بِهِ صلَاتهم قَوْله حَتَّى ظَنَنْت أَي حَتَّى خفت من الظَّن بِمَعْنى الْخَوْف هُنَا قَوْله " سيكتب عَلَيْكُم " أَي سيفرض عَلَيْكُم فَلَا تقوموا بِحقِّهِ فتعاقبوا عَلَيْهِ قَوْله " إِلَّا الْمَكْتُوبَة " أَي الْفَرِيضَة وَفِيه أَن أفضل النَّافِلَة مَا كَانَ مِنْهَا فِي الْبيُوت وَعند السّتْر عَن أعين النَّاس إِلَّا مَا كَانَ من شعار الشَّرِيعَة كالعيد وَحكى ابْن التِّين عَن قوم أَنه يسْتَحبّ أَن يَجْعَل فِي بَيته من فَرِيضَة والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ فَإِن قلت ورد قَوْله ﷺ َ - اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا قلت هُوَ مَحْمُول على النَّافِلَة ٧٦ - (بابُ الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحذر من أجل الْغَضَب، وَهُوَ غليان دم الْقلب لإِرَادَة الانتقام. لِقَوْلِ الله تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧) وَقَوله: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمرَان: ١٣٤) [/ ح. احْتج للحذر من الْغَضَب بالآيتين الكريمتين، كَذَا سوق الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سَاق إِلَى قَوْله: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ ثمَّ قَالَ: الْآيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دلَالَة على التحذر من الْغَضَب إلَاّ أَنه لما ضم من يَكْظِم غيظه إِلَى من يجْتَنب الْفَوَاحِش كَانَ فِي ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَقْصُود. قلت: لَيْسَ كَمَا قَالَ، بل فِي كل مِنْهُمَا دلَالَة على التحذر من الْغَضَب أما الْآيَة الأولى فَفِي مدح الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الشّرك وَالْفَوَاحِش، قَالَ السّديّ: يَعْنِي الزِّنَا. وَقَالَ مقَاتل: يَعْنِي مُوجبَات الْحُدُود ﴿وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون﴾ بِمَعْنى: يتجاوزون ويحلمون، وَقد قيل: إِن هَذِه وَمَا قبلهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق ﵁، فَإِذا كَانَ مَا ذكر فِيهَا مدحاً يكون ضِدّه أَن لَا يتَجَاوَز الشَّخْص إِذا غضب، فَدلَّ ذَلِك بِالضَّرُورَةِ على التحذر من الْغَضَب المذموم، وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي مدح الْمُتَّقِينَ الَّذين وَصفهم الله بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، فَيدل ضد هَذِه الْأَوْصَاف على الذَّم، وَمن الذَّم: عدم كظم الغيظ، وَعدم الْعَفو عَن النَّاس، وَعدم كظم الغيظ هُوَ عين الْغَضَب، فَدلَّ ذَلِك أَيْضا على التحذر من الْغَضَب، فَافْهَم، وَالله أعلم. ٦١١٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؟ إنَّما الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الإغراء على الحذر من الْغَضَب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الْحَارِث بن مِسْكين. قَوْله: (بالصرعة) بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء الَّذِي يصرع الرِّجَال مكثراً فِيهِ وَهُوَ بِنَاء الْمُبَالغَة كالحفظة بِمَعْنى كثيرا الْحِفْظ، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطناه بِفَتْح الرَّاء وقرأه بَعضهم بسكونها وَلَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، قَالَ: وَضبط أَيْضا فِي بعض الْكتب بِفَتْح الصَّاد وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، لِأَن الصرعة بِسُكُون الرَّاء: من يصرعه غَيره كثيرا، وَهَذَا غير مَقْصُود هَهُنَا. ٦١١٥ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ عَديِّ بنِ ثابِت حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجلانِ عِنْدَ النبيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وأحَدُهُما يَسُبُّ صاحِبَهُ مُغْضَباً قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطان الرَّجِيمِ، فقالُوا لِلرَّجُلِ: ألَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النبيُّ ﷺ ؟ قَالَ: إنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد) فَإِن من قَالَ هَذِه الْكَلِمَة لحذر عَن الْغَضَب

стр. 6676

وَسكن غَضَبه. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب صفة إِبْلِيس وَجُنُوده، وَفِي: بَاب السباب واللعن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (إِنِّي لست بمجنون) أما هَذَا فَكَانَ منافقاً أَو أنف من كَلَام أَصْحَابه دون كَلَام رَسُول الله ﷺ . ٦١١٦ - حدَّثني يَحْياى بنُ يُوسُفَ أخبرنَا أبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاش عَنْ أبي حَصِين عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ ﷺ : أوْصِنِي. قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِراراً قَالَ: لَا تَغْضَبْ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ ، حذره من الْغَضَب بقوله: (لَا تغْضب) . وَيحيى بن يُوسُف الزمي بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ عَن أبي بكر بن عَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْقَارِي الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمات. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن أبي كريب بأتم مِنْهُ. قَوْله: (أَن رجلا) قيل: إِنَّه جَارِيَة بِالْجِيم ابْن قدامَة، أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيثه مُبْهما ومفسراً وَيحْتَمل غَيره. قَوْله: (لَا تغْضب) إِنَّمَا قَالَ ﷺ : لَا تغْضب، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مكاشفاً بأوضاع الْخلق فيأمرهم بِمَا هُوَ الأولى بهم، وَلَعَلَّ الرجل كَانَ غضوباً فوصاه بِتَرْكِهِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَعَلَّه لما رأى أَن جَمِيع الْمَفَاسِد الَّتِي تعرض للْإنْسَان إِنَّمَا هِيَ من شَهْوَته وغضبه، والشهوة مَكْسُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْغَضَب، فَلَمَّا سَأَلَهُ الرجل الْإِرْشَاد إِلَى مَا يتوسل بِهِ إِلَى التَّحَرُّز عَن القبائح وَعَن الْغَضَب الَّذِي هُوَ أعظم ضَرَرا وَأكْثر وزراً، وَأَنه إِذا ملكهَا كَانَ قهر أقوى أعدائه أمره بهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى: لَا تغْضب، لَا تتعرض لأسباب الْغَضَب وللأمور الَّتِي تجلب الْغَضَب إِذْ نفس الْغَضَب مطبوع فِي الْإِنْسَان لَا يُمكن إِخْرَاجه من جبلته، أَو مَعْنَاهُ: لَا تفعل مَا يَأْمُرك بِهِ الْغَضَب ويخملك عَلَيْهِ من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال. ٧٧ - (بابُ الحَياءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْحيَاء، وَهُوَ بِالْمدِّ فسروه بِأَنَّهُ تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم. ٦١١٧ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبي السَّوَّارِ العدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَان بنَ حُصَيْنِ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : الحَياءُ لَا يَأْتِي إلَاّ بِخَيْرٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو السوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو وبالراء حسان بن حُرَيْث مصغر الْحَرْث الزَّرْع على الصَّحِيح، وَقيل: حُجَيْر بن الرّبيع، وَقيل غير ذَلِك. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة. قَوْله: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إلَاّ بِخَير) مَعْنَاهُ أَن من اسْتَحى من النَّاس أَن يروه يَأْتِي بِالْفُجُورِ وارتكاب الْمَحَارِم فَذَلِك داعيه إِلَى أَن يكون أَشد حَيَاء من الله تَعَالَى، وَمن اسْتَحى من ربه فَإِن حياءه زاجر لَهُ عَن تَضْييع فَرَائِضه وركوب مَعَاصيه، وَالْحيَاء يمْنَع من الْفَوَاحِش وَيحمل على الْبر وَالْخَيْر كَمَا يمْنَع الْإِيمَان صَاحبه من الْفُجُور ويبعده عَن الْمعاصِي ويحمله على الطَّاعَات، فَصَارَ الْحيَاء كالإيمان لمساواته لَهُ فِي ذَلِك، وَإِن كَانَ الْحيَاء غريزة وَالْإِيمَان فعل الْمُؤمن، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : الْحيَاء من الْإِيمَان أَي: من أَسبَابه وأخلاق أَهله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ من يعظمه أَو يحملهُ الْحيَاء على الْإِخْلَال بِبَعْض الْحُقُوق، ثمَّ أجَاب بِأَن هَذَا عجز، وروى أَحْمد من رِوَايَة خَالِد بن رَبَاح عَن أبي السوار عَن عمرَان بن حُصَيْن: الْحيَاء خير كُله، وروى الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة قُرَّة بن إِيَاس، قيل: يَا رَسُول الله! الْحيَاء من الدّين؟ قَالَ: بل هُوَ الدّين كُله. فَقَالَ بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ: إنَّ مِنَ الحَياءِ وقاراً، وإنَّ مِنَ الحَياءِ سَكِينَةً. فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رسولِ الله ﷺ وتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ؟

стр. 6677

بشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن كَعْب الْعَدوي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْجَلِيل. قَوْله: (فِي الْحِكْمَة) وَهِي الْعلم الَّذِي يبْحَث فِيهِ عَن أَحْوَال حقائق الموجودات، وَقيل: الْعلم المتقن الوافي. قَوْله: (وقاراً) الْوَقار بِفَتْح الْوَاو الْحلم والرزانة. قَوْله: (سكينَة) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السكينَة، بِالْألف وَاللَّام وَهِي الدعة والسكون. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ عمرَان) أَي: فَقَالَ لبشير الْمَذْكُور وَعمْرَان بن حُصَيْن: أحَدثك من التحديث، وَإِنَّمَا قَالَ عمرَان ذَلِك مغضباً لِأَن الْحجَّة إِنَّمَا هِيَ فِي سنة رَسُول الله ﷺ لَا فِيمَا يروي عَن كتب الْحِكْمَة، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا فِي حَقِيقَتهَا وَلَا يعرف صدقهَا. فَإِن قلت: لم غضب عمرَان وَلَيْسَ فِي ذكر الْوَقار والسكينة مَا يُنَافِي كَونه خيرا؟ قلت: كَانَ غَضَبه لزِيَادَة فِي الَّذِي ذكره بشير، وَهِي فِي رِوَايَة أبي قَتَادَة الْعَدوي أَن مِنْهُ سكينَة ووقار الله وَمِنْه ضعف، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون غَضَبه من قَوْله: (مِنْهُ) لِأَن التَّبْعِيض يفهم مِنْهُ أَن مِنْهُ مَا يضاد ذَلِك، وَهُوَ قد روى أَنه خير كُله. ٦١١٨ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عَنْ سالِمٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: مَرَّ النبيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَهْوَ يُعاتَبُ فِي الحَياءِ يَقُولُ: إنَّكَ لَتَسْتَحي حَتَّى كأنَّهُ يَقُولُ قَدْ أضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : دَعْهُ فإنَّ الحَياءَ مِنَ الإيمانِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٤ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَعبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة بِفتْحَتَيْنِ الْمَاجشون وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة واسْمه دِينَار. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (يُعَاتب) بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: يلام ويذم ويوعظ. قَوْله: (لتستحي) بباء وَاحِدَة وبياءين فَإِذا جزم يجوز أَن يبْقى بِدُونِهَا وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ من استحي بياء وَاحِدَة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أصل استحيت استحييت فاعلوا الْيَاء الأولى تقلب ألفا لتحركها، وَقَالَ الْمَازِني: لم تحذف لالتقاء الساكنين لِأَنَّهَا لَو حذفت لذَلِك لما ردوهَا إِذا قَالُوا: هُوَ يستحي، ولقالوا: هُوَ يستح، وَقَالَ الْأَخْفَش: اسْتَحى بياء وَاحِدَة لُغَة تَمِيم وبباءين لُغَة أهل الْحجاز. قَوْله: (دَعه) أَي: اتركه وَهُوَ أَمر من يدع. قَوْله: (فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان) أَي: من كَمَال الْإِيمَان، قَالَه أَبُو عبد الْملك، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: جعل الْحيَاء وَهُوَ غريزة من الْإِيمَان وَهُوَ الِاكْتِسَاب لِأَن المستحي يَنْقَطِع بحيائه عَن الْمعاصِي، وَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة فَصَارَ كالإيمان الْقَاطِع بَينه وَبَينهَا. ٦١١٩ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ أخبيرنا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ مَوْلَى أنَسٍ قَالَ أبُو عَبْدِ الله: اسْمُهُ عَبْدُ الله بنُ عُتْبَةَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: كانَ النبيُّ ﷺ أشَدَّ مِنَ العَذْراءِ فِي خُدْرِها. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٦٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب من لم يواجه النَّاس بالعتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله ... إِلَى آخِره. قَوْله: قَالَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَعتبَة بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفسّر البُخَارِيّ مولى أنس بقوله: اسْمه عبد الله، وَقيل عبيد الله، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَالصَّحِيح أَنه عبد الله مكبراً، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ٧٨ - (بابٌ إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ مَا شِئْتَ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ : إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت، وَقد أوقع هَذِه التَّرْجَمَة عين الحَدِيث. ٦١٢٠ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا زُهَيْرٌ حَدثنَا مَنْصُورٌ عَنْ رِبْعِيّ بنِ حِرَاش حدّثنا أبُو مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأولَى: إِذا لَمْ تَسْتَبح فاصْنَعْ مَا شِئْتَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٨٣ وطرفه) . قد ذكرنَا أَن التَّرْجَمَة لفظ الحَدِيث. وَزُهَيْر الْيَرْبُوعي هُوَ ابْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء

стр. 6678

وبالشين الْمُعْجَمَة الْغَطَفَانِي الْأَعْوَر، وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَامر البدري. والْحَدِيث قد مضى فِي بَاب مُجَرّد بعد حَدِيث الْغَار فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن غير أَنه لَيْسَ فِيهِ لفظ الأولى، وَفِيه: فافعل مَا شِئْت. قَوْله: (النَّاس) مَرْفُوع والعائد إِلَى: مَا، مَحْذُوف أَي: مَا أدْركهُ النَّاس، وَيجوز النصب والعائد ضمير الْفَاعِل، وَأدْركَ بِمَعْنى: بلغ، (وَإِذا لم تستح) إسم للكلمة المشبهة بِتَأْوِيل هَذَا القَوْل، أَي: إِن الْحيَاء لم يزل مستحسناً فِي شرائع الْأَنْبِيَاء السالفة، وَإنَّهُ باقٍ لم ينْسَخ فالأولون وَالْآخرُونَ فِيهِ أَي فِي استحسانه على منهاج وَاحِد. قَوْله: (فَاصْنَعْ مَا شِئْت) قَالَ الْخطابِيّ: الْأَمر فِيهِ للتهديد نَحْو: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فَإِن الله يجزيكم، أَو أَرَادَ بِهِ: إفعل مَا شِئْت مِمَّا لَا يستحي مِنْهُ وَلَا تفعل مَا تَسْتَحي مِنْهُ، أَو الْأَمر بِمَعْنى الْخَبَر أَي: إِذا لم يكن لَك حَيَاء يمنعك من الْقَبِيح صنعت مَا شِئْت. قلت: الْمَعْنى الثَّانِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيّ حَيْثُ قَالَ فِي (الْأَرْبَعين) : الْأَمر فِيهِ للْإِبَاحَة، وَهُوَ ظَاهر مِنْهُ. ٧٩ - (بابُ مَا لَا يُسْتَحْيا مِنَ الحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا لَا يستحي وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول حَاصِل معنى هَذِه التَّرْجَمَة أَن الْحيَاء لَا يجوز فِي السُّؤَال عَن أَمر الدّين، وَجَمِيع الْحَقَائِق الَّتِي تعبد الله عباده بهَا وَإِن الْحيَاء فِي ذَلِك مَذْمُوم، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن قَوْله ﷺ : الْحيَاء خير كُله، عَام مَخْصُوص. ٦١٢١ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عَنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قالَتْ: جاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رسولِ الله ﷺ فقالَتْ: يَا رسولَ الله! إنَّ الله لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأةِ غُسْلٌ إِذا احْتَلَمَتْ؟ فقالَ: نَعَمْ إِذا رَأتِ المَاءَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَذَلِكَ أَن أم سليم مَا استحيت فِي سؤالها الْمَذْكُور لِأَنَّهُ كَانَ لأجل الدّين. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْحيَاء فِي الْعلم من وَجه آخر، وَمضى أَيْضا فِي كتاب الْغسْل فِي: بَاب إِذا احْتَلَمت الْمَرْأَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَأخرجه هُنَا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك، وَأَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد، وَأم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَاسْمهَا: هِنْد بنت أبي أُميَّة، وَأم سليم بِضَم السِّين أم أنس بن مَالك اخْتلف فِي اسْمهَا، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الْغسْل. ٦١٢٢ - حدَّثنا آدمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا مُحارِبُ بنُ دِثار قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ النبيُّ ﷺ : مثلُ المُؤْمِنِ كَمَثَل شَجَرَةٍ خَضْراءَ لَا يَسْقُطُ ورَقُها وَلَا يَتَحاتُّ، فَقَالَ القَوْمُ: هِيَ شَجَرَةُ كَذا، هِيَ شَجَرَةُ كَذا، فأرَدْتُ أنْ أقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ وَأَنا غُلامٌ شابٌّ فاسْتَحْيَيْتُ فَقَالَ: هيَ النَّخْلَةُ. وعنْ شُعْبَةَ حَدثنَا خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ حَفْص بنِ عاصِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ مِثْلَهُ، وزادَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَها لَكانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا. قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَا لَا يستحي، وَفِي الحَدِيث: اسْتَحى، يَعْنِي عبد الله. قلت: تفهم الْمُطَابقَة من كَلَام عمر لِأَن عبد الله كَانَ صَغِيرا فاستحى أَن يتَكَلَّم عِنْد الأكابر، وَقَول عمر ﵁، يدل على أَن سُكُوته غير حسن لِأَنَّهُ لَو كَانَ حسنا لقَالَ لَهُ: أصبت، فبالنظر إِلَى كَلَام عمر يدْخل فِي بَاب مَا لَا يستحي، فَافْهَم. ومحارب بِكَسْر الرَّاء ابْن دثار بِكَسْر الدَّال وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن خبيب أَبُو الْحَارِث الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵁. وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْعلم من وُجُوه كَثِيرَة، وَمضى شَرحه مستقصًى. قَوْله: (وَعَن شُعْبَة) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَأَرَادَ بِهِ الْإِشَارَة إِلَى قَوْله: (فَحدثت بِهِ عمر) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (لَكَانَ أحب إليّ من كَذَا وَكَذَا) أَي: من حمر النعم، كَمَا تقدم صَرِيحًا، وَوجه الشّبَه فِي قَوْله: كَمثل شَجَرَة خضراء كَثْرَة خَيرهَا

стр. 6679

ومنافعها من الْجِهَات، وَقيل: إِذا قطع رَأسهَا أَو غرقت مَاتَت وَلَا تحمل حَتَّى تلقح ولطلعها رَائِحَة الْمَنِيّ وتعشق كالإنسان. ٦١٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا مَرْحُومٌ سَمِعْتُ ثابِتاً أنَّهُ سَمِعَ أنَساً ﵁، يَقُولُ: جاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى النبيِّ ﷺ ، تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَها، فقالَتْ هَلْ لَكَ حاجَةٌ فِيَّ؟ فقالَتِ ابْنَتُهُ: مَا أقَلَّ حَياءَها، فَقَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكَ، عَرَضَتْ عَلَى رسولِ الله ﷺ نَفْسَها. (انْظُر الحَدِيث ٥١٢٠) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة لم تَسْتَحي فِيمَا سَأَلته لِأَن سؤالها كَانَ للتقرب إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَتصير من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ المتضمنة لسعادات الدَّاريْنِ. ومرحوم بالراء والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الْعَزِيز الْعَطَّار الْبَصْرِيّ، وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة هُوَ الْبنانِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب عرض الْمَرْأَة نَفسهَا على الرجل الصَّالح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن مَرْحُوم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (تعرض عَلَيْهِ نَفسهَا) أَي: ليتزوجها رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فِي) بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء أَي: فِي نِكَاحي. قَوْله: (ابْنَته) أَي: ابْنة أنس: مَا أقل حَيَاء هَذِه الْمَرْأَة، فَقَالَ أنس: هِيَ خير مِنْك حَيْثُ رغبت فِي رَسُول الله ﷺ لتصير من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. ٨٠ - (بابُ قَوْل النبيِّ ﷺ : يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وكانَ يُحِبُّ التخْفِيفَ واليُسْرَ عَلَى النَّاسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ : يسروا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَهَذَا يَأْتِي مَوْصُولا فِي الْبَاب. قَوْله: وَكَانَ ... إِلَى آخِره، أخرجه مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، فَذكر حَدِيثا فِي صَلَاة الضُّحَى، وَفِيه: وَكَانَ يحب مَا خف على النَّاس. ٦١٢٤ - حدَّثني إسْحاقُ حَدثنَا النَّضْرُ أخبرنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رسولُ الله ﷺ ، ومُعاذَ بنَ جَبَلٍ قَالَ لَهُما: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرا وَتَطاوَعا قَالَ أبُو مُوساى: يَا رَسولَ الله! إنَّا بِأرْض يُصْنَعُ فِيها شَرَابٌ مِنَ العَسَلِ يُقالُ لَهُ اليْنْعُ، وشَرابٌ مِنَ الشَّعِيرِ يقالُ لَهُ المِزْرُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يسرا وَلَا تعسرا) . وَإِسْحَاق قَالَ الْكرْمَانِي: إِمَّا ابْن إِبْرَاهِيم، وَإِمَّا ابْن مَنْصُور. قلت: هُوَ قَول الكلاباذي، وَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل مصغر الشمل وَسَعِيد بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة واسْمه عَامر بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وَسَعِيد هَذَا يروي عَن أَبِيه عَامر، وعامر يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْمَذْكُور، وَلَا شكّ أَنه عَن أَبِيه عَن جده. والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْمَغَازِي فِي بعث أبي مُوسَى ومعاذ بن جبل إِلَى الْيمن قبل حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (وتطاوعا) أَي: توافقا فِي الْأُمُور. قَوْله: (بِأَرْض) يُرِيد بهَا أَرض الْيمن. قَوْله: (البتع) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالعين الْمُهْملَة. قَوْله: (المزر) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الزَّاي وبالراء. ٦١٢٥ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ أبي التَّيَّاح قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا. (انْظُر الحَدِيث ٦٩ وطرفه) . التَّرْجَمَة مَأْخُوذَة من هَذَا الحَدِيث. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَأَبُو التياح بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة يزِيد بن حميد الضبعِي الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْعلم فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ ، يَتَخَوَّلنَا بِالْمَوْعِظَةِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: (يسروا) أَمر بالتيسير لينشطوا. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ، نهى عَن التعسير وَهُوَ التَّشْدِيد فِي الْأُمُور لِئَلَّا ينفروا. قَوْله: (وَسَكنُوا) أَمر بالتسكين وَهُوَ فِي اللُّغَة خلاف التحريك، وَلَكِن المُرَاد هُنَا عدم تنفيرهم. قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) كالتفسير لَهُ أَي لسابقه ومبنى كل ذَلِك

стр. 6680

إِن هَذَا الدّين مَبْنِيّ على الْيُسْر لَا على الْعسر، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : (لم أبْعث بالرهبانية وَإِن خير الدّين عِنْد الله الْحَنَفِيَّة السمحة وَإِن أهل الْكتاب هَلَكُوا بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم) . ٦١٢٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ ﵂، أنَّها قالَتْ: مَا خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ ، بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلَاّ أخَذَ أيْسَرَهُما مَا لَمْ يَكُنْ إثْماً، فإنْ كَانَ إثْماً كَانَ أبْعَد النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رسولُ الله ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْء قَطُّ إِلَّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ بِها لله. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إلَاّ أَخذ أيسرهما) والْحَدِيث مضى فِي صفة النَّبِي ﷺ ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (مَا خيّر بَين أَمريْن إِلَّا اخْتَار أيسرهما) يُرِيد فِي أَمر دُنْيَاهُ لقَوْله: (مَا لم يكن إِثْمًا) ، وَالْإِثْم لَا يكون إلاّ فِي أَمر الْآخِرَة. قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ خير رَسُول الله ﷺ ، بَين أَمريْن أَحدهمَا إِثْم؟ ثمَّ أجَاب بقوله: التَّخْيِير إِن كَانَ من الْكفَّار فَظَاهر، وَإِن كَانَ من الله تَعَالَى أَو من الْمُسلمين فَمَعْنَاه مَا لم يؤد إِلَى إِثْم، كالتخيير بَين المجاهدة فِي الْعِبَادَة والإقتصاد فِيهَا، فَإِن المجاهدة بِحَيْثُ تنجر إِلَى الْهَلَاك غير حائزة. وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَن يخيره الله تَعَالَى فِيمَا فِيهِ عقوبتان وَنَحْوه، وَأما قَوْلهَا: (مَا لم يكن إِثْمًا) فيتصور إِذا خَيره الْكفَّار. قَوْله: (إلَاّ أَن تنتهك حُرْمَة الله) يَعْنِي: انتهاك مَا حرمه، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، يَعْنِي: إِذا انتهكت حُرْمَة الله انتصر لله تَعَالَى وانتقم مِمَّن ارْتكب ذَلِك. ٦١٢٧ - حدَّثنا أبُو النُّعْمانِ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنِ الأزرَقِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا عَلَى شاطِىءِ نَهرٍ بالأهْوازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الماءُ، فَجاءَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فانْطَلَقَتِ الفَرَسُ فَتَرَكَ صَلَاتَهُ وتَبعَها حَتَّى أدْرَكَها، فأخَذَها ثُمَّ جاءَ فَقَضَى صَلاتَهُ، وَفِيمَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فأقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إلَى هاذا الشَّيْخِ! تَرَكَ صَلاتَهُ مِنْ أجْلِ فَرَسٍ، فأقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أحَدٌ مُنْذُ فارَقْتُ رسولَ الله ﷺ ، وَقَالَ: إنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ لَمْ آتِ أهْلِي إِلَيّ اللَّيْلِ، وَذَكَرَ أنَّهُ صَحِبَ النبيَّ ﷺ ، فَرَأى مِنْ تَيْسيرِهِ. (انْظُر الحَدِيث ١٢١١) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَمن قَوْله: (فَرَأى من تيسيره) أَي: رأى من التسهيل مَا حمله على ذَلِك إِذْ لَا يجوز لَهُ أَن يَفْعَله من تِلْقَاء نَفسه دون أَن يُشَاهد مثله من النَّبِي ﷺ . وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الَّذِي يُقَال لَهُ عَارِم، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، والأزرق بن قيس الْحَارِثِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بَرزَة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وبالزاي نَضْلَة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن عبيد بن الْحَارِث الْأَسْلَمِيّ بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام، سكن الْبَصْرَة وَسمع النَّبِي ﷺ . والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا انفلتت الدَّابَّة فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن الْأَزْرَق بن قيس ... إِلَى آخِره. وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (بالأهواز) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْهَاء وبالواو وبالزاي مَوضِع بخورستان بَين الْعرَاق وَفَارِس. قَوْله: (نضب) ، بِفَتْح النُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة أَي: غَابَ وَذهب فِي الأَرْض. قَوْله: (وتبعها) ، ويروى: (واتبعها) . قَوْله: (فَقضى صلَاته) أَي: أَدَّاهَا، والفضاء، يَأْتِي بِمَعْنى الْأَدَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) أَي: فَإِذا أدّيت. قَوْله: (وَفينَا رجل) ، كَانَ هَذَا الرجل يرى رَأْي الْخَوَارِج. قَوْله: (متراخ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: متباعد. قَوْله: (وَتركت) ، أَي: الْفرس، ويروى: (وتركتها) ، وَالْفرس يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى لَكِن لَفظه مؤنث سَمَاعي. قَوْله: (فَرَأى من تيسيره) ، أَي: من تيسير النَّبِي ﷺ ، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. ١٥٢ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ ح وَقَالَ اللَّيْث حَدثنِي يُونُس عَن ابْن

стр. 6681

شهَاب أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ أَن أَعْرَابِيًا بَال فِي الْمَسْجِد فثار إِلَيْهِ النَّاس ليقعوا بِهِ فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ َ - دَعوه وأهريقوا على بَوْله ذنوبا من مَاء أَو سجلا من مَاء فَإِنَّمَا بعثتم ميسرين وَلم تبعثوا معسرين) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأخرجه من طَرِيقين الأول عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ (وَالْآخر) عَن اللَّيْث بن سعد عَن يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي بَاب صب المَاء على الْبَوْل فِي الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله فثار إِلَيْهِ من الثوران وَهُوَ الهيجان قَوْله ليقعوا بِهِ أَي ليؤذوه قَوْله دَعوه أَي اتركوه إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لمصلحتين وَهِي أَنه لَو قطع عَلَيْهِ بَوْله لتضرر وَإِن التنجس قد حصل فِي جُزْء يسير فَلَو أقاموه فِي أَثْنَائِهِ لتنجست ثِيَابه وبدنه ومواضع كَثِيرَة من الْمَسْجِد قَوْله وأهريقوا أَي صبوا ويروى " هريقوا " وَأَصله أريقوا من الإراقة فأبدلت الْهَاء من الْهمزَة قَوْله " ذنوبا " بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَضم النُّون وَهُوَ الدَّلْو الملآن قَوْله أَو سجلا شكّ من الرَّاوِي والسجل بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم الدَّلْو فِيهِ المَاء قل أَو كثر ٨١ - (بابُ الإنْبِساطِ إِلَى الناسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الانبساط إِلَى النَّاس وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مَعَ النَّاس، وَالْمرَاد بِهِ أَن يتلَقَّى النَّاس بِوَجْه بشوش وينبسط مَعَهم بِمَا لَيْسَ فِيهِ مَا يُنكره الشَّرْع وَمَا يرتكب فِيهِ الْإِثْم، وَكَانَ النَّبِي ﷺ ، أحسن الْأمة أَخْلَاقًا وأبسطهم وَجها، وَقد وَصفه الله بذلك بقوله: ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ فَكَانَ ينبسط إِلَى النِّسَاء وَالصبيان ويداعبهم ويمازحهم، وَقد قَالَ ﷺ : إِنِّي لأمزح وَلَا أَقُول إلَاّ حَقًا، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ الِاقْتِدَاء بِحسن أخلاقه وطلاقة وَجهه. وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ ﵁: خالِطِ النَّاسَ ودِينَكَ لَا نَكْلِمَنَّهُ ذكر هَذَا التَّعْلِيق عَن عبد الله بن مَسْعُود إِشَارَة إِلَى أَن الانبساط مَعَ النَّاس والمخالطة بهم مَشْرُوع، وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يحصل فِي دينه خلل وَيبقى صَحِيحا، وَهُوَ معنى قَوْله: وَدينك لَا تكلمنه، من الْكَلم بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون اللَّام وَهُوَ الْجرْح، وَيجوز فِي دينك الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ، وَلَا تكلمنه خَبره، وَأما النصب فعلى شريطة التَّفْسِير وَالتَّقْدِير: لَا تكلمن دينك، وَفسّر الْمَذْكُور الْمُقدر فَافْهَم، وَقد وصل التَّعْلِيق الْمَذْكُور الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من طَرِيق عبد الله بن بَابا، بباءين موحدتين عَن ابْن مَسْعُود: خالطوا النَّاس وصافوهم بِمَا يشتهون ودينكم فَلَا تكلمنه. والدُّعابَةِ مَعَ الأهْلِ والدعابة بِالْجَرِّ عطفا على: الانبساط، وَهِي من بَقِيَّة التَّرْجَمَة، وَهِي بِضَم الدَّال وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة وَهِي الملاطفة فِي القَوْل بالمزاح، من دعب يدعب فَهُوَ دعاب. قَالَ الْجَوْهَرِي: أَي لعاب، والمداعبة الممازحة، وَأما المزاح فَهُوَ بِضَم الْمِيم وَقد مزح يمزح وَالِاسْم المزاح بِالضَّمِّ والمزاحة أَيْضا، وَأما المزح بِكَسْر الْمِيم فَهُوَ مصدر، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُول الله! إِنَّك تلاعبنا؟ إِنِّي لَا أَقُول إلَاّ حَقًا، وَحسنه التِّرْمِذِيّ. فَإِن قلت: قد أخرج من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَفعه: لَا تمارِ أَخَاك، أَي: لَا تخاصمه وَلَا تمازحه ... الحَدِيث. قلت: يجمع بَينهمَا بِأَن الْمنْهِي عَنهُ فِيهِ إفراط أَو مداومة عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تؤول إِلَى الْإِيذَاء والمخاصمة وَسُقُوط المهابة وَالْوَقار، وَالَّذِي يسلم من ذَلِك هُوَ الْمُبَاح، فَافْهَم. ٦١٢٩ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا أبُو التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بن مالِكٍ ﵁،

стр. 6682

يَقُولُ: إنْ كانَ النبيُّ ﷺ يُخالِطُنا حَتَّى يَقُولَ لأخٍ لِي صَغِيرٍ: يَا با عُمَيْرٍ ﴿مَا فَعَلَ النُّعَيْرُ؟ . (انْظُر الحَدِيث ٦١٢٩ طرفه فِي: ٦٢٠٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو التياح مضى عَن قريب فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : يسروا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَفِي الاسْتِئْذَان وَفِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْبر عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي. قَوْله: (يخالطنا) أَي يلاطفنا بطلاقة الْوَجْه والمزح. قَوْله: (يابا عُمَيْر) أَصله: يَا أَبَا عُمَيْر، حذفت الْألف للتَّخْفِيف وَعُمَيْر تَصْغِير عَمْرو هُوَ ابْن أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ واسْمه زيد بن سهل وَهُوَ أَخُو أنس بن مَالك لأمه وأمهما أم سليم مَاتَ على عهد رَسُول الله ﷺ وَكَانَ يداعب مَعَه النَّبِي ﷺ وَيَقُول: (يَا با عُمَيْر﴾ مَا فعل النغير؟) بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة مصغر نغر بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن وَهُوَ جمع نغرة، طير كالعصفور محمر المنقار وبتصغيره جَاءَ الحَدِيث وَالْجمع نغران كصرد وصردان، وَمعنى: مَا فعل النغير؟ أَي: مَا شَأْنه وحاله. وَقَالَ الرَّاغِب: الْفِعْل التَّأْثِير من جِهَة مُؤثرَة وَالْعَمَل كل فعل يكون من الْحَيَوَان بِقصد وَهُوَ أخص من الْفِعْل لِأَن الْفِعْل قد ينْسب إِلَى الْحَيَوَانَات الَّتِي يَقع مِنْهَا فعل بِغَيْر قصد، وَقد ينْسب إِلَى الجمادات. ٦١٣٠ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنَا أبُو مُعاوِيَةَ حَدثنَا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: كُنْتُ ألْعَبُ بالبنَاتِ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، وكانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكانَ رسولُ الله ﷺ إذَا دَخَلَ يَنْقَمِعْنَ مِنْهُ فَيُسَرِّبُهُنَّ إلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ ينبسط إِلَى عَائِشَة حَيْثُ يرضى بلعبها بالبنات وَيُرْسل إِلَيْهَا صواحبها حَتَّى يلعبن مَعهَا، وَكَانَت عَائِشَة حينئذٍ غير بَالِغَة، فَلذَلِك رخص لَهَا. وَالْكَرَاهَة فِيهَا قَائِمَة للبوالغ. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَجوز الْكرْمَانِي أَن يكون مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي كريب عَن أبي مُعَاوِيَة. قَوْله: (بالبنات) ، وَهِي التماثيل الَّتِي تسمى لعب الْبَنَات، وَهِي مَشْهُورَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يحْتَمل أَن يكون الْبَاء بِمَعْنى: مَعَ، وَالْبَنَات الْجَوَارِي. قَوْله: (صَوَاحِب) ، جمع صَاحِبَة وَهِي الْجَوَارِي من أقرانها. قَوْله: (إِذا دخل) ، أَي: الْبَيْت. قَوْله: (ينقمعن مِنْهُ) ، أَي: يذْهبن ويستترن من النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ من الانقماع من بَاب الانفعال وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَعند غَيره: يتقمعن من التقمع من بَاب التفعل ومادته قَاف وَمِيم وَعين مُهْملَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: يتقمعن يَعْنِي يدخلن الْبَيْت ويغبن، وَيُقَال: الْإِنْسَان قد انقمع وتقمع إِذا دخل فِي الشَّيْء، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: وَمِنْه سمي القمع الَّذِي يصب فِيهِ الدّهن وَغَيره لدُخُوله فِي الْإِنَاء. قَوْله: (فيسرِّبهن) بِالسِّين الْمُهْملَة أَي: يرسلهن، من التسريب وَهُوَ الْإِرْسَال والتسريح، والسارب الذَّاهِب، يُقَال: سرب عَلَيْهِ الْخَيل وَهُوَ أَن يبْعَث عَلَيْهِ الْخَيل قِطْعَة بعد قِطْعَة. قَوْله: (إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء الْمَفْتُوحَة، وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على جَوَاز اتِّخَاذ صور اللّعب من أجل لعب الْبَنَات بِهن، وَخص ذَلِك من عُمُوم النَّهْي عَن اتِّخَاذ الصُّور، وَبِه جزم عِيَاض وَنَقله عَن الْجُمْهُور، وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بيع اللّعب للبنات لتدربهن من صغرهن على أَمر بُيُوتهنَّ وأولادهن، قَالَ: ذهب بَعضهم إِلَى أَنه مَنْسُوخ وَإِلَيْهِ مَال ابْن بطال، وَقد ترْجم لَهُ ابْن حبَان: الْإِبَاحَة لصغار النِّسَاء اللّعب باللعب، وَترْجم لَهُ النَّسَائِيّ: إِبَاحَة الرجل لزوجته اللّعب بالبنات، وَلم يُقيد بالصغر وَفِيه نظر، وَجزم ابْن الْجَوْزِيّ بِأَن الرُّخْصَة لعَائِشَة فِي ذَلِك كَانَ قبل التَّحْرِيم، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِن كَانَت اللّعب كالصورة فَهُوَ قبل التَّحْرِيم وإلَاّ فقد يُسمى مَا لَيْسَ بِصُورَة لعبة، وَقَالَ الْخطابِيّ، فِي هَذَا الحَدِيث: إِن اللّعب بالبنات لَيْسَ كالتلهي بِسَائِر الصُّور الَّتِي جَاءَ فِيهَا الْوَعيد، وَإِنَّمَا أرخص لعَائِشَة ﵂، فِيهَا لِأَنَّهَا إِذْ ذَاك كَانَت غير بَالغ. ٨٢ - (بَاب المُدَاراةِ مَعَ النَّاسِ)

стр. 6683

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مندوبية المداراة وَهِي لين الْكَلِمَة وَترك الإغلاظ لَهُم فِي القَوْل، وَهِي من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ، والمداهنة مُحرمَة، وَالْفرق بَينهمَا أَن المداهنة هِيَ أَن يلقى الْفَاسِق الْمُعْلن بِفِسْقِهِ فيؤالفه وَلَا يُنكر عَلَيْهِ وَلَو بِقَلْبِه، والمداراة هِيَ الرِّفْق بالجاهل الَّذِي يسْتَتر بِالْمَعَاصِي واللطف بِهِ حَتَّى يردهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعضهم: المداراة مَعَ النَّاس بِغَيْر همز، وَأَصله الْهَمْز لِأَنَّهُ من المدافعة وَالْمرَاد بِهِ الدّفع بالرفق. قلت: قَوْله: لِأَنَّهُ من المدافعة، غير صَحِيح بل يُقَال من الدرء وَهُوَ الدّفع، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المداراة فِي حسن الْخلق والصحبة غير مَهْمُوز، وَقد يهمز. ويُذْكَرُ عَنْ أبي الدَّرْداءِ إنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنُهُمْ ذكر هَذَا عَن أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك بِصِيغَة التمريض. قَوْله: لَنكشر، بِسُكُون الْكَاف وَكسر الشين الْمُعْجَمَة من الكشر وَهُوَ ظُهُور الْأَسْنَان، وَأكْثر مَا يُطلق عِنْد الضحك والإسم الكشرة كالعشرة، وَفِي (التَّوْضِيح) : الكشر ظُهُور الْأَسْنَان عِنْد الضحك، وكاشره إِذا ضحك فِي وَجهه وانبسط إِلَيْهِ، وَعبارَة ابْن السّكيت: الكشر التبسم قَوْله: (لَتَلْعَنهُمْ) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد وَهُوَ من اللَّعْن، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَتَقْلِيهِمْ أَي: لتبغضهم من القلى بِكَسْر الْقَاف مَقْصُورا، وَهُوَ البغض يُقَال: قلاه يقليه قلاو وقلا، قَالَ ابْن فَارس: وَقد قَالُوا: قليته أقلاه، وَفِي (الصِّحَاح) : يقلاه لُغَة طَيء وَهِي من النَّوَادِر، لِأَن فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا بِغَيْر حرف حلق نَادِر، وَهَذَا الْأَثر أخرجه مَوْصُولا ابْن أبي الدُّنْيَا من طَرِيق أبي الزَّاهِرِيَّة عَن جُبَير بن نغير عَن أبي الدَّرْدَاء، فَذكر مثله. ٦١٣١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عَنِ ابنِ المُنْكَدِرِ حدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ أخبرَتْهُ أنَّهُ اسْتأذَنَ عَلَى النبيِّ ﷺ ، رَجُلٌ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ أوْ بِئْسَ أخُوا العَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ ألانَ لَهُ الكَلَامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا رسولَ الله ﴿قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ ألَنْتَ لَهُ فِي القَولِ، فَقَالَ: أيْ عائِشَةُ﴾ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله مَنْ تَرَكَهُ أوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ فحْشِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٣٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة يروي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن عُرْوَة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن صَدَقَة ابْن الْفضل فِي: بَاب مَا يجوز من اغتياب أهل الْفساد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَعَن عَمْرو بن عِيسَى وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن عَمْرو بن مُحَمَّد وَآخَرين عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان. قَوْله: (رجل) قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عُيَيْنَة بن حفصن. قَوْله: (فبئس ابْن الْعَشِيرَة) أَي: بئس هَذَا الرجل من الْقَبِيلَة. قَوْله: (أَي عَائِشَة) أَي: يَا عَائِشَة. قَوْله: (أَو ودعه) شكّ من الرَّاوِي أَي: تَركه، وَهَذَا يرد قَول أهل الصّرْف، وأماتوا ماضي يدع ويذر. قَوْله: (اتقاء فحشه) أَي: للتجنب عَن فحشه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْكَافِر أشر منزلَة مِنْهُ، وَأجَاب بِأَن المُرَاد من النَّاس الْمُسلمُونَ، وَهُوَ للتغليظ. وَفِيه: جَوَاز غيبَة الْفَاسِق الْمُعْلن وَلمن يحْتَاج النَّاس إِلَى التحذير مِنْهُ، وَكَانَ الرجل الْمَذْكُور كَمَا قَالَه ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ ضَعِيف الْإِيمَان فِي حَيَاته ﷺ ، فَارْتَد بعْدهَا، وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ ﷺ ، مَأْمُورا بِأَن لَا يُعَامل النَّاس إلَاّ بِمَا ظهر مِنْهُم دون غَيره، وَكَانَ يظْهر الْإِسْلَام، فَقَالَ قبل الدُّخُول مَا كَانَ يُعلمهُ وَبعده كَانَ ظَاهرا مِنْهُ عِنْد النَّاس. ٦١٣٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ أخبرنَا ابنُ عُلَيَّةَ أخبرنَا أيُّوبُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ أُهْدِيَتْ لَهُ أقْبِيَةٌ مِنْ ديباجٍ مُزَرَّرةٌ بالذَّهَبِ، فَقَسَمَها فِي ناسٍ مِنْ أصْحابِهِ وَعَزَلَ مِنْها واحِداً لِمَخْرَمَةَ، فَلما جاءَ قَالَ: خَبأْتُ هاذَا لَكَ. قَالَ أيُّوبُ بِثَوْبِهِ، أنَّهُ يُرِيدِ إيَّاهُ، وكانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ.

стр. 6684

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَكَانَ فِي خلقه شَيْء) أَي: فِي خلق مخرمَة شَيْء أَي نوع من الشكاسة. وَابْن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَعليَّة إسم أمه، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام واسْمه زُهَيْر الْقرشِي، وَعبد الله هَذَا تَابِعِيّ، وَحَدِيثه مُرْسل، ومخرمة بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالِد الْمسور بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكِلَاهُمَا صَحَابِيّ، وَقد مر حَدِيثهمَا فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب القباء وفروج حَرِير. قَوْله: (أقبية) جمع قبَاء من ديباج وَهُوَ الثَّوْب الْمُتَّخذ من الإبر يسم وَهُوَ فَارسي مُعرب. قَوْله: (مزررة) من التزرير وَهُوَ جعلك للثياب أزراراً. قَوْله: (بِالذَّهَب) يتَعَلَّق بالمزررة. قَوْله: (فَقَسمهَا فِي نَاس) أَي: قسم النَّبِي ﷺ ، الأقبية الْمَذْكُورَة بَين نَاس، وَكلمَة: فِي، بِمَعْنى بَين، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٩٨) فادخلي فِي عبَادي﴾ (الْفجْر: ٢٩) أَي: بَين عبَادي. قَوْله: (وَاحِدًا) أَي: ثوبا وَاحِدًا من الأقبية لأجل مخرمَة، وَكَانَ غَائِبا. قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَ) أَي: مخرمَة، قَالَ ﷺ : خبأت هَذَا لَك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قد خبأت. قَوْله: (قَالَ أَيُّوب) مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور، وَقَالَ، هُنَا بِمَعْنى: أَشَارَ، لِأَن لفظ القَوْل يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْفِعْل أَي: أَشَارَ أَيُّوب إِلَى ثَوْبه ليستحضر فعل النَّبِي ﷺ ، قَائِلا: إِنَّه أَي: إِن النَّبِي ﷺ ، يرِيه إِيَّاه أَي: يري مخرمَة الثَّوْب الَّذِي خباه لَهُ يطيب قلبه بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي خلقه شَيْء كَمَا ذكرنَا، ويروى: وَأَنه يرِيه إِيَّاه، بِالْوَاو. وَرَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ. وَقَالَ حاتِمُ بنُ وَرْدَانَ: حَدثنَا أيُّوبُ عَنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النبيِّ ﷺ أقْبِيَةٌ. أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي: بَاب قسْمَة الإِمَام مَا يقدم عَلَيْهِ، أخرجه عبد الله بن عبد الْوَهَّاب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي مليكَة: أَن النَّبِي ﷺ ، أهديت لَهُ أقبية ... الحَدِيث. قَوْله: وَقَالَ حَاتِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن وردان الْبَصْرِيّ ... إِلَى آخِره وَقد تقدم فِي: بَاب قسْمَة الإِمَام مَا يقدم عَلَيْهِ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصُورَة رِوَايَة حَمَّاد إرْسَال، وَلَكِن الحَدِيث فِي الأَصْل مَوْصُول وَتَعْلِيق حَاتِم وَصله البُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب شَهَادَة الْأَعْمَى، وَأمره ونكاحه عَن زِيَاد بن يحيى حَدثنَا حَاتِم بن وردان حَدثنَا أَيُّوب عَن عبد الله عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة، قَالَ: قدمت على النَّبِي ﷺ ، أقبية الديباج ... الحَدِيث. ٨٣ - (بابٌ لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ : لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ، غير أَن فِي الحَدِيث من: جُحر وَاحِد، واللدغ بِالدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة مَا يكون من ذَوَات السمُوم، واللذع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة مَا يكون من النَّار، والجحر بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة. وَقَالَ مُعاوِيَةُ: لَا حَلِيمَ إلَاّ ذُو تَجْرِبَةٍ مُعَاوِيَة هُوَ ابْن أبي سُفْيَان. ومناسبة ذكر أَثَره للْحَدِيث الَّذِي هُوَ التَّرْجَمَة هِيَ أَن الْحَلِيم الَّذِي لَيْسَ لَهُ تجربة قد يَقع فِي أَمر مرّة بعد أُخْرَى فَلذَلِك قيد الْحَلِيم بِذِي التجربة. قَوْله: لَا حَلِيم إلَاّ ذُو تجربة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا حلم بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون اللَّام إلَاّ بتجربة، والحلم عبارَة عَن التأني فِي الْأُمُور المقلقة، وَالْمعْنَى: أَن الْمَرْء لَا يُوصف بالحلم حَتَّى يجرب الْأُمُور، وَقيل: إِن من جرب الْأُمُور وَعرف عواقبها آثر الْحلم وصبر على قَلِيل الْأَذَى ليدفع بِهِ مَا هُوَ أَكثر مِنْهُ، وَتَعْلِيق مُعَاوِيَة وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَة: لَا حلم إلَاّ بالتجارب. ٦١٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّب عنْ أبي هُرَيْرَةَ،

стр. 6685

رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا يُلْدغُ المْؤْمِنُ مِنْ جْحْرٍ واحدٍ مَرَّتَيْنِ) . الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة. وَعقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة ﵁. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب وَأَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْمصْرِيّ. قَوْله: (لَا يلْدغ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمُؤمن مَرْفُوع بِهِ على صِيغَة الْخَبَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا لَفظه خبر وَمَعْنَاهُ أَمر أَي: لَكِن الْمُؤمن حازماً حذرا لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة فينخدع مرّة بعد أُخْرَى، وَقد يكون ذَلِك فِي أَمر الدّين كَمَا يكون فِي أَمر الدُّنْيَا، وَهُوَ أولاهما بالحذر. قَالَ: وَقد رُوِيَ بِكَسْر الْغَيْن فِي الْوَصْل فَيتَحَقَّق معنى النَّهْي فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَلِكَ قَرَأنَا، وَقَالَ أَبُو عبيد مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ إِذا نكث من وَجه أَن يعود إِلَيْهِ، وَقيل: المُرَاد بِالْمُؤمنِ فِي هَذَا الحَدِيث الْكَامِل الَّذِي قد وقفته مَعْرفَته على غوامض الْأُمُور حَتَّى صَار يحذر مِمَّا سيقع، وَأما الْمُؤمن الْمُغَفَّل فقد يلْدغ مرَارًا، وَهَذَا الْكَلَام مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ ﷺ ، وَأول مَا قَالَه لأبي غرَّة الجُمَحِي وَكَانَ شَاعِرًا فَأسر ببدر فَشكى عائلة وفقراً فَمن عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَأطْلقهُ بِغَيْر فدَاه، فظفر بِهِ بِأحد فَقَالَ: من عَليّ وَذكر فقره وَعِيَاله، فَقَالَ: لَا تمسح عَارِضَيْك بِمَكَّة، وَتقول: سخرت بِمُحَمد مرَّتَيْنِ، وَأمر بِهِ فَقتل. (بَاب حَقِّ الضَّيْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِقَامَة الضَّيْف وَسَيَأْتِي بَيَان حَقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والضيافة من سنَن الْمُرْسلين وَعباد الله الصَّالِحين. ٦١٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّب عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا يُلْدغُ المْؤْمِنُ مِنْ جْحْرٍ واحدٍ مَرَّتَيْنِ) . الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة. وَعقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة ﵁. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب وَأَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْمصْرِيّ. قَوْله: (لَا يلْدغ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمُؤمن مَرْفُوع بِهِ على صِيغَة الْخَبَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا لَفظه خبر وَمَعْنَاهُ أَمر أَي: لَكِن الْمُؤمن حازماً حذرا لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة فينخدع مرّة بعد أُخْرَى، وَقد يكون ذَلِك فِي أَمر الدّين كَمَا يكون فِي أَمر الدُّنْيَا، وَهُوَ أولاهما بالحذر. قَالَ: وَقد رُوِيَ بِكَسْر الْغَيْن فِي الْوَصْل فَيتَحَقَّق معنى النَّهْي فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَلِكَ قَرَأنَا، وَقَالَ أَبُو عبيد مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ إِذا نكث من وَجه أَن يعود إِلَيْهِ، وَقيل: المُرَاد بِالْمُؤمنِ فِي هَذَا الحَدِيث الْكَامِل الَّذِي قد وقفته مَعْرفَته على غوامض الْأُمُور حَتَّى صَار يحذر مِمَّا سيقع، وَأما الْمُؤمن الْمُغَفَّل فقد يلْدغ مرَارًا، وَهَذَا الْكَلَام مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ ﷺ ، وَأول مَا قَالَه لأبي غرَّة الجُمَحِي وَكَانَ شَاعِرًا فَأسر ببدر فَشكى عائلة وفقراً فَمن عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَأطْلقهُ بِغَيْر فدَاه، فظفر بِهِ بِأحد فَقَالَ: من عَليّ وَذكر فقره وَعِيَاله، فَقَالَ: لَا تمسح عَارِضَيْك بِمَكَّة، وَتقول: سخرت بِمُحَمد مرَّتَيْنِ، وَأمر بِهِ فَقتل. (بَاب حَقِّ الضَّيْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِقَامَة الضَّيْف وَسَيَأْتِي بَيَان حَقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والضيافة من سنَن الْمُرْسلين وَعباد الله الصَّالِحين. ٦١٣٤ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُور حَدثنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ حَدثنَا حُسَيْنٌ عَنْ يَحْيَى ابنِ أبي كَثِيرٍ عَنْ أبي سلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ قَالَ: دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: أَلَمْ أخْبَرْ أنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ: بَلى. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وأفْطِرْ، فإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمرٌ وإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْر ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذالِكَ، قَالَ: فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذالِكَ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ الله داوُدَ. قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ الله داوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا) والزور بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْوَاو وبالراء بِمَعْنى الزائر وَهُوَ الضَّيْف، وَحقه يَوْم وَلَيْلَة. وَاخْتلف فِي وُجُوبهَا: فأوجبها اللَّيْث بن سعد فرضا لَيْلَة وَاحِدَة، وَأَجَازَ للْعَبد الْمَأْذُون لَهُ أَن يضيف مِمَّا فِي يَده، وَاحْتج بِحَدِيث عقبَة، وَقَالَت جمَاعَة من أهل الْعلم: الضِّيَافَة من مَكَارِم الْأَخْلَاق فِي باديته وحاضرته، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك: لَيْسَ على أهل الْحَضَر ضِيَافَة، وَقَالَ سَحْنُون: إِنَّمَا الضِّيَافَة على أهل الْقرى، وَأما الْحَضَر فالفندق ينزل فِيهِ المسافرون، وَحَدِيث عقبَة كَانَ فِي أول الْإِسْلَام حِين كَانَت الْمُوَاسَاة وَاجِبَة، فَأَما إِذا أَتَى الله بِالْخَيرِ وَالسعَة فالضيافة مَنْدُوب إِلَيْهَا وَقَوله ﷺ : جائزته فِي يَوْم وَلَيْلَة، دَلِيل على أَن الضِّيَافَة لَيست بفريضة، والجائزة فِي لِسَان الْعَرَب المنحة والعطية، وَذَلِكَ تفضل وَلَيْسَ بِوَاجِب وحسين فِي السَّنَد هُوَ الْمعلم. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب حق الضَّيْف فِي الصَّوْم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مشروحاً. قَوْله: (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وفاعل دخل هُوَ النَّبِي ﷺ . قَوْله: (ألم أخبر؟) بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن يطول بك عمر) يَعْنِي: عَسى أَن تكون طَوِيل الْعُمر فَتبقى ضَعِيف القوى كليل الْحَواس نهيك النَّفس فَلَا تقدر على المداومة عَلَيْهِ وَخير الْأَعْمَال مَا دَامَ وَإِن قل. قَوْله: (وَإِن من حَسبك) أَي: من كفايتك، ويروى: وَأَن حَسبك أَي: كافيك، وَيحْتَمل زِيَادَة: من عَليّ رَأْي الْكُوفِيّين. قَوْله: (الدَّهْر) بِالرَّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير هُوَ الدَّهْر كُله، وَأما النصب فعلى تَقْدِير: أَن تَصُوم الدَّهْر.

стр. 6686

(بابُ إكْرَامِ الضَّيْفِ وخِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ وَقَوْلِهِ ﴿ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكرمين﴾ (الذاريات: ٢٤) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مندوبية إكرام الضَّيْف وَالْإِكْرَام مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله، وطوى ذكر الْفَاعِل تَقْدِيره: إكرام الرجل ضَيفه وخدمته إِيَّاه، أَي: الضَّيْف بِنَفسِهِ، وَهَذَا تَخْصِيص بعد التَّعْمِيم لِأَن إكرام الضَّيْف أَعم من أَن يكون بِنَفسِهِ أَو بِأحد من خدمه وَفِيه زِيَادَة تَأْكِيد لَا تخفى. قَوْله: ﴿ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكرمين (الذاريات: ٢٤) إِنَّمَا ذكر هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن لفظ الضَّيْف يُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع وَلِهَذَا وَقع الْمُكرمين صفة الضَّيْف وَجمع الْقلَّة مِنْهُ أضياف وَجمع الْكَثْرَة ضيوف وضيفان، يُقَال: ضفت الرجل إِذا نزلت بِهِ فِي ضِيَافَة، وأضفته إِذا أنزلته وتضيفته إِذا نزلت بِهِ، وتضيفني إِذا أنزلني. قَالَ أبُو عَبْدِ الله: يُقالُ: هُوَ زَوْرٌ وهاؤُلاء زَوْرٌ وَضَيْفٌ، وَمَعْنَاه: أضْيافُهُ وزُوَّارُهُ، لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلُ: قَوْمِ رِضاً وعَدْل، وَيُقالُ: ماءٌ غَوْرٌ وبِئْرٌ غَوْرٌ وَمَا آنِ غَوْرٌ ومِياهٌ غَوْرٌ، ويُقالُ: الغَوْرُ الغائِرُ لَا تَنالُهُ الدِّلاءُ كُلُّ شَيءٍ غُرْتَ فِيهِ فَهْوَ مَغَارَةٌ؛ تَزَّاوَرُ تَمِيل مِنَ الزَّوْرِ؛ الأزْوَرُ الأمْيَل. أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. وَقَوله: هَذَا إِلَى قَوْله: (ومياه غور) إِنَّمَا ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني فَقَط قَوْله: يُقَال: (هُوَ زور) أَرَادَ بِهِ أَن لفظ: زور، يُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع يُقَال هُوَ الزُّور للْوَاحِد وَهَؤُلَاء الْقَوْم زور للْجمع وَالْحَاصِل أَن لفظ زور مصدر وضع مَوضِع الإسم، كَصَوْم بِمَعْنى الصَّائِم ونوم معنى نَائِم، وَقد يكون جمع زائر كركب جمع رَاكب. قَوْله: (وَمَعْنَاهُ) ، أَي: معنى هَؤُلَاءِ زور هَؤُلَاءِ أضيافه وزواره بِضَم الزَّاي وَتَشْديد الْوَاو وَهُوَ جمع زائر. قَوْله: (لِأَنَّهَا مصدر) مثل قوم المثلية بَينهمَا فِي إِطْلَاق زور على زوار كإطلاق لفظ قوم على جمَاعَة وَلَيْسَت المثلية فِي المصدرية لِأَن لفظ: قوم إسم وَلَيْسَ بمصدر بِخِلَاف لفظ: زور فَإِنَّهُ فِي الأَصْل مصدر. قَوْله: (رضَا وَعدل) يَعْنِي: يُقَال قوم رضَا بِمَعْنى مرضيون، وَقوم عدل بِمَعْنى عدُول، وتوصيفه بالمفرد بِاعْتِبَار اللَّفْظ لِأَنَّهُ مُفْرد وَفِي الْمَعْنى جمع. قَوْله: (وَيُقَال: مَاء غور) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالراء وَمَعْنَاهُ: غائر، أَي: الذَّاهِب إِلَى أَسْفَل أرضه يُقَال: غَار المَاء يغور غؤوراً وغوراً والغور فِي الأَصْل مصدر فَلذَلِك يُقَال: مَاء غور وَمَا آن ومياه غور، قَوْله: وَيُقَال: الْغَوْر الغائر أَي: الذَّاهِب بِحَيْثُ لَا تناله الدلاء، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: كل شَيْء غرت فِيهِ أَي: ذهبت فِيهِ يُسمى مغارة وَيُسمى غاراً، وكهفاً، وَإِنَّمَا قَالَ: فَهِيَ، بالتأنيث نظرا للمغارة. قَوْله: (تزاور) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة أَصْحَاب الْكَهْف: ﴿وَترى الشَّمْس ... . عَن كهفهم (الْكَهْف: ١٧) أَي: تميل وَهُوَ من الزُّور بِفَتْح الْوَاو بِمَعْنى الْميل، وَالْأَزْوَر هُوَ أفعل أَخذ مِنْهُ بِمَعْنى الأميل، وتزاور أَصله: تتزاور، فأدغمت إِحْدَى التائين فِي الزَّاي. ٦١٣٤ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُور حَدثنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ حَدثنَا حُسَيْنٌ عَنْ يَحْيَى ابنِ أبي كَثِيرٍ عَنْ أبي سلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ قَالَ: دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: أَلَمْ أخْبَرْ أنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ: بَلى. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وأفْطِرْ، فإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمرٌ وإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْر ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذالِكَ، قَالَ: فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذالِكَ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ الله داوُدَ. قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ الله داوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا) والزور بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْوَاو وبالراء بِمَعْنى الزائر وَهُوَ الضَّيْف، وَحقه يَوْم وَلَيْلَة. وَاخْتلف فِي وُجُوبهَا: فأوجبها اللَّيْث بن سعد فرضا لَيْلَة وَاحِدَة، وَأَجَازَ للْعَبد الْمَأْذُون لَهُ أَن يضيف مِمَّا فِي يَده، وَاحْتج بِحَدِيث عقبَة، وَقَالَت جمَاعَة من أهل الْعلم: الضِّيَافَة من مَكَارِم الْأَخْلَاق فِي باديته وحاضرته، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك: لَيْسَ على أهل الْحَضَر ضِيَافَة، وَقَالَ سَحْنُون: إِنَّمَا الضِّيَافَة على أهل الْقرى، وَأما الْحَضَر فالفندق ينزل فِيهِ المسافرون، وَحَدِيث عقبَة كَانَ فِي أول الْإِسْلَام حِين كَانَت الْمُوَاسَاة وَاجِبَة، فَأَما إِذا أَتَى الله بِالْخَيرِ وَالسعَة فالضيافة مَنْدُوب إِلَيْهَا وَقَوله ﷺ : جائزته فِي يَوْم وَلَيْلَة، دَلِيل على أَن الضِّيَافَة لَيست بفريضة، والجائزة فِي لِسَان الْعَرَب المنحة والعطية، وَذَلِكَ تفضل وَلَيْسَ بِوَاجِب وحسين فِي السَّنَد هُوَ الْمعلم. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب حق الضَّيْف فِي الصَّوْم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مشروحاً. قَوْله: (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وفاعل دخل هُوَ النَّبِي ﷺ . قَوْله: (ألم أخبر؟) بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن يطول بك عمر) يَعْنِي: عَسى أَن تكون طَوِيل الْعُمر فَتبقى ضَعِيف القوى كليل الْحَواس نهيك النَّفس فَلَا تقدر على المداومة عَلَيْهِ وَخير الْأَعْمَال مَا دَامَ وَإِن قل. قَوْله: (وَإِن من حَسبك) أَي: من كفايتك، ويروى: وَأَن حَسبك أَي: كافيك، وَيحْتَمل زِيَادَة: من عَليّ رَأْي الْكُوفِيّين. قَوْله: (الدَّهْر) بِالرَّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير هُوَ الدَّهْر كُله، وَأما النصب فعلى تَقْدِير: أَن تَصُوم الدَّهْر. (بابُ إكْرَامِ الضَّيْفِ وخِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ وَقَوْلِهِ ﴿ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكرمين﴾ (الذاريات: ٢٤) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مندوبية إكرام الضَّيْف وَالْإِكْرَام مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله، وطوى ذكر الْفَاعِل تَقْدِيره: إكرام الرجل ضَيفه وخدمته إِيَّاه، أَي: الضَّيْف بِنَفسِهِ، وَهَذَا تَخْصِيص بعد التَّعْمِيم لِأَن إكرام الضَّيْف أَعم من أَن يكون بِنَفسِهِ أَو بِأحد من خدمه وَفِيه زِيَادَة تَأْكِيد لَا تخفى. قَوْله: ﴿ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكرمين (الذاريات: ٢٤) إِنَّمَا ذكر هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن لفظ الضَّيْف يُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع وَلِهَذَا وَقع الْمُكرمين صفة الضَّيْف وَجمع الْقلَّة مِنْهُ أضياف وَجمع الْكَثْرَة ضيوف وضيفان، يُقَال: ضفت الرجل إِذا نزلت بِهِ فِي ضِيَافَة، وأضفته إِذا أنزلته وتضيفته إِذا نزلت بِهِ، وتضيفني إِذا أنزلني. قَالَ أبُو عَبْدِ الله: يُقالُ: هُوَ زَوْرٌ وهاؤُلاء زَوْرٌ وَضَيْفٌ، وَمَعْنَاه: أضْيافُهُ وزُوَّارُهُ، لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلُ: قَوْمِ رِضاً وعَدْل، وَيُقالُ: ماءٌ غَوْرٌ وبِئْرٌ غَوْرٌ وَمَا آنِ غَوْرٌ ومِياهٌ غَوْرٌ، ويُقالُ: الغَوْرُ الغائِرُ لَا تَنالُهُ الدِّلاءُ كُلُّ شَيءٍ غُرْتَ فِيهِ فَهْوَ مَغَارَةٌ؛ تَزَّاوَرُ تَمِيل مِنَ الزَّوْرِ؛ الأزْوَرُ الأمْيَل. أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. وَقَوله: هَذَا إِلَى قَوْله: (ومياه غور) إِنَّمَا ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني فَقَط قَوْله: يُقَال: (هُوَ زور) أَرَادَ بِهِ أَن لفظ: زور، يُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع يُقَال هُوَ الزُّور للْوَاحِد وَهَؤُلَاء الْقَوْم زور للْجمع وَالْحَاصِل أَن لفظ زور مصدر وضع مَوضِع الإسم، كَصَوْم بِمَعْنى الصَّائِم ونوم معنى نَائِم، وَقد يكون جمع زائر كركب جمع رَاكب. قَوْله: (وَمَعْنَاهُ) ، أَي: معنى هَؤُلَاءِ زور هَؤُلَاءِ أضيافه وزواره بِضَم الزَّاي وَتَشْديد الْوَاو وَهُوَ جمع زائر. قَوْله: (لِأَنَّهَا مصدر) مثل قوم المثلية بَينهمَا فِي إِطْلَاق زور على زوار كإطلاق لفظ قوم على جمَاعَة وَلَيْسَت المثلية فِي المصدرية لِأَن لفظ: قوم إسم وَلَيْسَ بمصدر بِخِلَاف لفظ: زور فَإِنَّهُ فِي الأَصْل مصدر. قَوْله: (رضَا وَعدل) يَعْنِي: يُقَال قوم رضَا بِمَعْنى مرضيون، وَقوم عدل بِمَعْنى عدُول، وتوصيفه بالمفرد بِاعْتِبَار اللَّفْظ لِأَنَّهُ مُفْرد وَفِي الْمَعْنى جمع. قَوْله: (وَيُقَال: مَاء غور) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالراء وَمَعْنَاهُ: غائر، أَي: الذَّاهِب إِلَى أَسْفَل أرضه يُقَال: غَار المَاء يغور غؤوراً وغوراً والغور فِي الأَصْل مصدر فَلذَلِك يُقَال: مَاء غور وَمَا آن ومياه غور، قَوْله: وَيُقَال: الْغَوْر الغائر أَي: الذَّاهِب بِحَيْثُ لَا تناله الدلاء، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: كل شَيْء غرت فِيهِ أَي: ذهبت فِيهِ يُسمى مغارة وَيُسمى غاراً، وكهفاً، وَإِنَّمَا قَالَ: فَهِيَ، بالتأنيث نظرا للمغارة. قَوْله: (تزاور) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة أَصْحَاب الْكَهْف: ﴿وَترى الشَّمْس ... . عَن كهفهم (الْكَهْف: ١٧) أَي: تميل وَهُوَ من الزُّور بِفَتْح الْوَاو بِمَعْنى الْميل، وَالْأَزْوَر هُوَ أفعل أَخذ مِنْهُ بِمَعْنى الأميل، وتزاور أَصله: تتزاور، فأدغمت إِحْدَى التائين فِي الزَّاي. ٦١٣٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسَفَ أخبرَنا مالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ بنِ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جائِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، والضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أيَّامٍ فَما بَعْدَ ذالِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَليُكرم ضَيفه) . وَأَبُو شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة واسْمه خويلد بن عَمْرو وَقيل، غير ذَلِك، وَهُوَ من بني عدي بن عَمْرو بن لحي أخي كَعْب بن عَمْرو، فَلذَلِك قيل لَهُ: الكعبي، مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ بِالْمَدِينَةِ. والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَائِل كتاب الْأَدَب فِي: بَاب من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، فَلَا يؤذ جَاره. قَوْله: (جائزته) على وزن فَاعله من الْجَوَاز وَهِي الْعَطاء لِأَنَّهُ حق جَوَازه عَلَيْهِم، وقدرها الشَّارِع بِيَوْم وَلَيْلَة لِأَن عَادَة الْمُسَافِرين ذَلِك، وَقَالَ السُّهيْلي: رُوِيَ: جائزته، بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَهُوَ وَاضح وَبِالنَّصبِ على بدل الاشتمال أَي: يكرم جائزته يَوْمًا وَلَيْلَة. قَوْله: (والضيافة ثَلَاثَة أَيَّام) اخْتلف فِي أَنه هَل الْيَوْم وَاللَّيْلَة الَّتِي هِيَ الْجَائِزَة دَاخِلَة فِي الثَّلَاث أم لَا؟ وَإِذا قُلْنَا بِدُخُولِهَا يقدم لَهُ فِي

стр. 6687

الْيَوْم الأول مَا يقدم عَلَيْهِ من الْبر والألطاف وَفِي الْيَوْمَيْنِ الآخرين مَا يحضرهُ، وَإِذا قُلْنَا بخروجها فَهَل هِيَ قبل الثَّلَاثَة أَو بعْدهَا فقد روى مُسلم وَأحمد من رِوَايَة عبد الحميد بن جَعْفَر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي شُرَيْح بِلَفْظ: الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام وجائزته يَوْم وَلَيْلَة، فَهَذَا يدل على الْمُغَايرَة بَين الضِّيَافَة والجائزة، وَيدل على أَن الْجَائِزَة بعد الضِّيَافَة، ابْن بطال: قسم ﷺ أَمر الضَّيْف ثَلَاثَة أَقسَام: يتحفه فِي الْيَوْم الأول، ويتكلف لَهُ فِي الْيَوْم الثَّانِي، وَفِي الثَّالِث يقدم إِلَيْهِ مَا يحضرهُ، وَيُخَير بعد الثَّالِث كَمَا فِي الصَّدَقَة. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: سُئِلَ عَنهُ مَالك فَقَالَ: يُكرمهُ ويتحفه يَوْمًا وَلَيْلَة وَثَلَاثَة أَيَّام ضِيَافَة، فَهَذَا يدل على أَن الْيَوْم وَاللَّيْلَة قبل الضِّيَافَة بِثَلَاثَة أَيَّام. قَوْله: (وَلَا يحل لَهُ أَن يثوي عِنْده) من الثوى وَهُوَ الْإِقَامَة فِي الْمَكَان. وَفِي التَّوْضِيح: أَن يثوي بِفَتْح أَوله وَكسر الْوَاو وبالفتح فِي الْمَاضِي ثوى إِذا قَامَ، وأثويت عِنْده لُغَة فِي ثويت، أَي: لَا يُقيم عِنْده بعد الثَّلَاث. قَوْله: (حَتَّى يحرجه) من الإحراج وَمن التحريج أَيْضا فعلى الأول بِالتَّخْفِيفِ وعَلى الثَّانِي بِالتَّشْدِيدِ، أَي: لَا يضيق صَدره بِالْإِقَامَةِ عِنْده بعد الثَّلَاثَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: حَتَّى يؤثمه، يَعْنِي: يوقعه فِي الْإِثْم، لِأَنَّهُ قد يغتابه لطول مقَامه أَو يظنّ بِهِ ظنا سَيِّئًا، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَن أبي شُرَيْح، قيل: يَا رَسُول الله ﴿وَمَا يؤثمه؟ قَالَ: يُقيم عِنْده لَا يجد شَيْئا يقدمهُ. حَدثنَا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِك مِثْلَهُ، وزَادَ: مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن أسماعيل بن أبي أويس عَن مَالك مثله، يَعْنِي: بِإِسْنَادِهِ وَزَاد فِيهِ: من كَانَ يُؤمن ... إِلَى آخِره، أَي: من كَانَ إيمَانه إِيمَانًا كَامِلا فَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا حَاله وَصفته. قَوْله: (أَو ليصمت) ، ضَبطه النَّوَوِيّ بِضَم الْمِيم، وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الطوفي: بِكَسْرِهَا وَهُوَ الْقيَاس كضرب، قلت: مَا للْقِيَاس تعلق هُنَا، وَهُوَ كَلَام واهٍ وَالْأَصْل فِي هَذَا السماع، فَإِن سمع أَنه من بَاب فعل يفعل بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُضَارع فَلَا كَلَام، أَو يكون قد جَاءَ من بَابَيْنِ من بَاب نصر ينصر وَمن بَاب ضرب يضْرب، قيل: التَّخْيِير فِيهِ مُشكل لِأَن الْمُبَاح إِن كَانَ فِي أحد الشقين لزم أَن يكون مَأْمُورا بِهِ فَيكون وَاجِبا أَو مَنْهِيّا فَيكون حَرَامًا. وَأجِيب: بِأَن كلاًّ من: ليقل وليصمت، أَمر مُطلق بتناول الْمُبَاح وَغَيره فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون الْمُبَاح حسنا لدُخُوله فِي الْخَيْر، وَفِيه تَأمل. ٦١٣٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّد حَدثنَا ابنُ مَهْدِيّ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ أبِي حصَيْنٍ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جارَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَليُكرم ضَيفه) . وَعبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ عُثْمَان الْأَسدي عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يؤذ جَاره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ٦١٣٧ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بنِ أبِي حبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: قُلْنا: يَا رسولَ الله﴾ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنا، فَما تَرَى؟ فَقَالَ لَنا رسولُ الله ﷺ إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فأمَرُوا لَكُمْ بِما يَنْبغِي للضَّيْفِ فاقْبَلُوا، فإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَق الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٦١) .

стр. 6688

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَأمروا لكم بِمَا يَنْبَغِي للضيف فاقبلوا) لِأَنَّهُ يفهم مِنْهُ إكرام الضَّيْف. وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب الْمصْرِيّ وَاسم أبي حبيب سُوَيْد، وَأَبُو الْخَيْر مرْثَد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن عبد الله الْيَزنِي. والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب قصاص الْمَظْلُوم إِذا وجد مَال ظالمه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فَلَا يقروننا) بِالْإِدْغَامِ والفك. قَوْله: (فَخُذُوا) أَي: خُذُوا أخذا قهرياً، وَهَذَا لَا يكون إلَاّ عِنْد الِاضْطِرَار وبالثمن حَالا أَو مُؤَجّلا. ٦١٣٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا هِشامٌ أخبرنَا معْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبِيِّ ﷺ ، قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ. هَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة مضى فِي هَذَا الْبَاب، وَأَعَادَهُ هُنَا عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة ... إِلَى آخِره. وَفِيه زِيَادَة قَوْله: (وَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليصل رَحمَه) وصلَة الرَّحِم تشريك ذَوي الْقرَابَات فِي الْخيرَات، وَالله أعلم. ٨٦ - (بابُ صُنْعِ الطَّعامِ والتَّكَلُّفِ للضَّيْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صنع الطَّعَام لأجل الضَّيْف والتكلف لمن قدر عَلَيْهِ لأجل الضَّيْف لِأَنَّهُ من سنَن الْمُرْسلين، أَلَا يُرى أَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، صلوَات الله عَلَيْهِ، وَسَلَامه ذبح لضيفه عجلاً سميناً، فَقَالَ أهل التَّأْوِيل: كَانُوا ثَلَاثَة: جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل ﵈ فتكلف لَهُم ذبح عجل وقربه إِلَيْهِم وقصته مَشْهُورَة. ٦١٣٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ حَدثنَا أبُوا العُمَيْسِ عَنْ عَوْنِ بنِ أبي جُحَيْفَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: آخَى النبيُّ ﷺ ، بَيْنَ سَلْمانَ وَأبي الدَّرْدَاءِ فَزارَ سَلْمانُ أَبَا الدَّرْداءِ، فَرأى أُمَّ الدَّرْداءِ مُتَبَذِّلَةَ، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أخُوكَ أَبُو الدَّرْداءِ لَيْسَ لَهُ حاجَة فِي الدُّنْيا فَجاء أبُو الدَّرْداءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعاماً فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صائِمٌ. قَالَ: مَا أَنا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُوا الدَّرْداءِ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَنامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ فَلَمَّا كَانَ آخرُ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ قَالَ: فَصَلَّيا، فَقَالَ لَهُ سَلْمانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقّ حَقَّهُ. فأتَى النبيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذالِكَ لَهُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : صَدَقَ سَلْمانُ. أبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوائِيُّ، يُقالُ: وَهْبُ الخَيْرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَصنعَ لَهُ طَعَاما) وجعفر بن عون بالنُّون المخرومي، وَأَبُو العميس بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة واسْمه عتبَة بِسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن عبد الله المَسْعُودِيّ الْكُوفِي، وَعون بالنُّون أَيْضا ابْن أبي جُحَيْفَة يروي عَن أبي أبي جُحَيْفَة مصغر بِالْجِيم والحاء الْمُهْملَة واسْمه وهب ذكره البُخَارِيّ فِي آخر الحَدِيث وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر، وسلمان هُوَ الْفَارِسِي. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب من أقسم على أَخِيه ليفطر فِي التَّطَوُّع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أم الدَّرْدَاء) قالالنووي: لأبي الدَّرْدَاء زوجتان كل وَاحِدَة مِنْهُمَا كنيتها أم الدَّرْدَاء: الْكُبْرَى صحابية وَهِي خيرة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة،

стр. 6689

وَالصُّغْرَى تابعية وَهِي هجيمة مصغر الهجمة بِالْجِيم. قَوْله: (متبذلة) ، يَعْنِي: لابسة ثِيَاب البذلة والخدمة بِلَا تجمّل وتكلّف بِمَا يَلِيق بِالنسَاء من الزِّينَة وَنَحْوهَا. قَوْله: (أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاء لَيْسَ لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا) عممت بِلَفْظ: فِي الدُّنْيَا للاستحياء من أَن تصرح بِعَدَمِ حَاجته إِلَى مباشرتها. وَفِي الحَدِيث: زِيَارَة الصّديق، وَدخُول دَاره فِي غيبته، والإفطار للضيف، وكراهية التشدّد فِي الْعِبَادَة وَأَن الْأَفْضَل التَّوَسُّط، وَأَن الصَّلَاة آخر اللَّيْل أولى، ومنقبة لسلمان حَيْثُ صدقه رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَأَبُو جُحَيْفَة) إِلَى آخِره، لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. ٨٧ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الغَضَبِ والجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره إِلَى آخِره، وَالْغَضَب غليان دم الْقلب لأجل الانتقام والجزع بِفَتْح الزَّاي نقيض الصَّبْر. ٦١٤٠ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ حَدثنَا عَبْدُ الأعْلَى حَدثنَا سَعِيدٌ الجُرَيْرِيُّ عَنْ أبي عُثْمانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي بَكْرٍ ﵄ أنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطاً فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ: دُونَكَ أضْيافَكَ فإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النبيِّ ﷺ ، فَافْرُغْ مِن قِراهُمْ قَبْلَ أنْ أجيءَ، فانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمانِ فأتاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا. فَقَالُوا: أيْنَ رَبُّ مَنْزِلنا؟ قَالَ: اطْعَمُوا. قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجيءَ رَبُّ مَنْزِلِنا. قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِراكُمْ فإنَّهُ إنْ جاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ فأبَوْا فَعَرَفْتُ أنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ فَلَمَّا جاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ فَقَالَ: مَا صَنَعْتُم؟ فأخْبَرُوهُ. فَقَالَ: يَا عَبْدُ الرَّحْمان ﴿فَسَكَتُّ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ﴾ فَسَكَتُّ. فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ! أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إنْ كُنتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا جِئْتَ، فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ سَلْ أضْيافَكَ. فَقَالُوا: صَدَقَ أَتَانَا بِهِ، قَالَ: فإنَّما انْتَظَرْتُمُوني؟ وَالله لَا أطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ الآخَرُونَ: وَالله لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ. قَالَ: لَمْ أرَ فِي الشَّر كاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ مَا أنْتُمْ؟ لِمَ لَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِراكُمْ؟ هاتِ طَعامَكَ فَجاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ الله الأُولَى لِلشَّيْطانِ، فأكَلَ وأكَلوا. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنَّه يجد عَليّ) أَي: يغْضب عَليّ، ويجد من الموجدة وَهِي الْغَضَب، وَوَقع التَّصْرِيح بِالْغَضَبِ فِي الطَّرِيق الَّذِي بعد هَذَا. وَعَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد، وَأَبُو الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى وَسَعِيد بن إِيَاس الْجريرِي، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، والجريري قَالَ الْكرْمَانِي: الْجريرِي مصغر الْجَرّ بِالْجِيم وَالرَّاء الْمُشَدّدَة. قلت: هَذَا وهم عَظِيم، والجرير نِسْبَة إِلَى جرير بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء ابْن عباد بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة أخي الْحَارِث ابْن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وَائِل، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأطول مِنْهُ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن مُعْتَمر عَن أَبِيه عَن أبي عُثْمَان عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (تضيف) ، أَي: اتخذ الرَّهْط ضيفاً. قَوْله: (دُونك أضيافك) أَي: خذهم والزمهم من قراهم، الْقرى بِكَسْر الْقَاف: الضِّيَافَة وَإِضَافَة الْقرى إِلَيْهِم مثل الْإِضَافَة فِي قَول الشَّاعِر: (لتغني عني ذَا نابك أجمعا) قَوْله: (لنلقين مِنْهُ) أَي: الْأَذَى وَمَا يكرهنا. قَوْله: (إِنَّه يجد عَليّ) أَي: يغْضب كَمَا ذكرنَا، قَوْله: (تنحيت عَنهُ) أَي: جعلت نَفسِي فِي نَاحيَة بعيدَة عَنهُ. قَوْله: (غنثر) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالنُّون الساكنة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالراء وَمَعْنَاهُ: الْجَاهِل، وَقيل: اللَّئِيم، وَقيل: الثقيل، وروى: يَا عنتر، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ الذُّبَاب وَشبهه حِين حقره بالذباب. قَوْله: (لما جِئْت) بِمَعْنى: ألاجئت، أَي: لأطلب مِنْك إلَاّ مجيئك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا زَائِدَة. قَوْله: (كالليلة) أَي: لم أر لَيْلَة فِي الشَّرّ. قَوْله: (وَيْلكُمْ) لم يكن مَقْصُوده مِنْهُ الدُّعَاء عَلَيْهِم. قَوْله: (مَا أَنْتُم؟) كلمة: مَا استفهامية. قَوْله:

стр. 6690

(الأولى للشَّيْطَان) أَي: الْحَالة الأولى أَو الْكَلِمَة القسمية، وَقَالَ ابْن بطال: الأولى، يَعْنِي اللُّقْمَة الأولى ترغيم للشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حمله على الْحلف، وباللقمة الأولى وَقع الْحِنْث فِيهَا. وَقَالَ: وَإِنَّمَا حلف لِأَنَّهُ ترغيم للشَّيْطَان، وَأَنه اشْتَدَّ عَلَيْهِ تَأْخِير عشائهم ثمَّ لما لم يَسعهُ مُخَالفَة أضيافه ترك التَّمَادِي فِي الْغَضَب فَأكل مَعَهم استمالة لقُلُوبِهِمْ، قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ جَازَ مُخَالفَة الْيَمين ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ إتْيَان بالأفضل كَمَا ورد فِي الحَدِيث. ٨٨ - (بابُ قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ: وَالله لَا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ) أَي: هَذَا بَاب مَا وَقع فِي الحَدِيث من قَول الضَّيْف ... إِلَى آخِره. فيهِ حَدِيثُ أبي جُحَيْفَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أبي جُحَيْفَة عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي قَالَ فِيهِ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: مَا أَنا بآكل حَتَّى يَأْكُل. وَقد مر عَن قريب فِي: بَاب صنع الطَّعَام والتكلف للضيف، وَلم تقع هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا التَّعْلِيق الْمَذْكُور فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا سَاق هَذَا الحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب عقيب الحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب السَّابِق. ٨٩ - (بابُ إكْرامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأكْبَرُ بِالْكلامِ والسُّؤَالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إكرام الْكَبِير، لما روى الْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف حق كَبِيرنَا فَلَيْسَ منا) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَذكر عبد الرَّزَّاق أَن فِي الحَدِيث من تَعْظِيم جلال الله أَن يوفر ذُو الشيبة فِي الْإِسْلَام. قَوْله: (وَيبدأ الْأَكْبَر بالْكلَام) لِأَنَّهُ من آدَاب الْإِسْلَام ومحاسن الْأَخْلَاق، وَلَكِن لَيْسَ
следующие страницы →