Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
وحفظاً لعهدها، وَقد أخرج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من طَرِيق صَالح بن رستم عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: جَاءَت عَجُوز إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: كَيفَ أَنْتُم؟ كَيفَ حالكم؟ كَيفَ كُنْتُم بَعدنَا؟ قَالَت: بِخَير بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، فَلَمَّا خرجت قلت: يَا رَسُول الله ﴿تقبل على هَذِه الْعَجُوز هَذَا الإقبال؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة﴾ إِنَّهَا كَانَت تَأْتِينَا زمَان خَدِيجَة، وَأَن حسن الْعَهْد من الْإِيمَان.
وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.
والْحَدِيث مضى فِي المناقب فِي: بَاب تزيج خَدِيجَة ﵂.
قَوْله: (مَا غرت) كلمة: مَا فِيهِ نَافِيَة، وَفِي: ماغرت ثَانِيًا مَوْصُولَة أَي: الَّذِي غرت على خَدِيجَة. قَوْله: (لما كنت) يتَعَلَّق بِهِ أَي: لأجل مَا كنت أسمع النَّبِي ﷺ ، يذكرهَا أَي خَدِيجَة. قَوْله: (من قصب) أَي: قصب الدّرّ، وإصطلاح الجوهريين أَن يَقُولُوا: قصب من اللُّؤْلُؤ كَذَا وقصب من الْجَوْهَر كَذَا وَمن الدّرّ كَذَا للخيط مِنْهُ، وَقيل: كَانَ الْبَيْت من الْقصب تفاؤلاً بقصب سبقها إِلَى الْإِسْلَام. قَوْله: (وَإِن كَانَ) كلمة: إِن هَذِه مُخَفّفَة من المثقلة وَأَصله: وَإنَّهُ كَانَ ليذبح الشَّاة، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (فِي خلتها) أَي: فِي أهل بَيتهَا، يَعْنِي أخلاءها وأحبابها. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْخلَّة هَهُنَا بِمَعْنى الأخلاء مَوضِع الْمصدر وضع الإسم، وَأَرَادَ بالقصب قصب اللُّؤْلُؤ وَهُوَ المجوف مِنْهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: ثمَّ يهديها إِلَى خلائلها، وَتقدم فِي المناقب: إِلَى أصدقائها.
٢٤ - (بابُ فَضْل مَنْ يَعُولُ يَتِيماً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من يعول يَتِيما أَي: يربيه وَينْفق عَلَيْهِ وَيقوم بمصلحته.
٦٠٠٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوهَّابِ قَالَ: حَدثنِي عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِم قَالَ: حَدثنِي أبِي قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: أَنا وكافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هاكَذا، وَقَالَ بإصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ والوُسْطَى. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٠٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مر فِي الطَّلَاق عَن عَمْرو بن زُرَارَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ.
قَوْله: (وكافل الْيَتِيم) ، أَي: الْقَائِم بمصالحة الْمُتَوَلِي لأموره. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: أَشَارَ. قَوْله: (السبابَة) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السباحة، بِالْحَاء الْمُهْملَة مَوضِع الْبَاء الثَّانِيَة وَهِي الإصبع الَّتِي تلِي الْإِبْهَام، سميت بذلك لِأَنَّهَا يسبح بهَا فِي الصَّلَاة ويشار بهَا فِي التَّشَهُّد، وَسميت السبابَة أَيْضا لِأَنَّهُ يسب بهَا الشَّيْطَان حينئذٍ، قيل: دَرَجَات الْأَنْبِيَاء ﵈، أَعلَى دَرَجَات الْخَلَائق لَا سِيمَا دَرَجَة نَبينَا ﷺ وَأجِيب: بِأَن الْغَرَض مِنْهُ الْمُبَالغَة فِي رفع دَرَجَته فِي الْجنَّة.
٢٥ - (بابُ السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل السَّاعِي على الأرملة فِي مصالحها، والأرملة من لَا زوج لَهَا.
٦٠٠٦ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَنْ صَفْوانَ بنِ سُلَيْمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النبيِّ ﷺ قَالَ: السَّاعي عَلَى الأرْمَلَةِ والمِسْكِينِ كالمُجاهِدِ فِي سَبِيلِ الله أوْ كَالَّذي يَصُومُ النَّهارَ ويَقُومُ اللَّيْلَ. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٥٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَصَفوَان بن سليم مولى حميد بن عبد الرَّحْمَن الْمدنِي الإِمَام الْقدْوَة مِمَّن يستسقى بِذكرِهِ، يُقَال: إِنَّه لم يضع جنبه على الأَرْض أَرْبَعِينَ سنة، وَكَانَ لَا يقبل جوائز السلاطين، وَقد مر فِي الْجُمُعَة.
وَهَذَا حَدِيث مُرْسل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ، لَكِن لما قَالَ: (يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ صَار مُسْندًا مَجْهُولا وَلم يذكر إسم شَيْخه، إِمَّا للنسيان أَو لغَرَض آخر، وَلَا قدح بِسَبَبِهِ. قَوْله: (أَو كَالَّذي يَصُوم) شكّ من الرَّاوِي، وَفِي كتاب الْكرْمَانِي: وكالذي يَصُوم، بواو والعطف، ثمَّ قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون لفاً ونشراً، وَأَن يكون كل وَاحِد ككليهما، وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَو كَالَّذي بِأَو الفاصلة لَا الْوَاصِلَة الَّتِي هِيَ الْوَاو.
حدّثنا إسْماعيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عَنْ ثَوْر بنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أبي الغَيْثِ مَوْلَى ابْن
стр. 6617
مُطِيع عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ مِثْلهُ.
ذكر هَذَا الحَدِيث عَن مَالك من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا. وَالْآخر: عَن ثَوْر بن زيد مُسْندًا، وَمضى فِي النَّفَقَات عَن يحيى بن قزعة، وثور بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور ابْن زيد من الزِّيَادَة والديلي بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى ديل فِي قبائل الأزد وَفِي ضبة وَفِي تغلب، وَأَبُو الْغَيْث اسْمه سَالم.
قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور.
٢٦ - (بابُ السَّاعي عَلَى المِسْكِينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل السَّاعِي على الْمِسْكِين، أَي: الكاسب لأجل الْمِسْكِين والقائم بمصلحته، وَيجوز أَن يكون لفظ: على، هُنَا للتَّعْلِيل أَي: لأجل الْمِسْكِين، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٢) ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٥) أَي: لهدايته إيَّاكُمْ، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي السَّاعِي على الأرملة، وَذَلِكَ لِأَن معنى: على غَالِبا لاستعلاء وَلَا يَقْتَضِي: على هُنَا هَذَا الْمَعْنى فَافْهَم.
٦٠٠٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حَدثنَا مالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بن زَيْدٍ عَنْ أبي الغَيْثِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةِ والمسْكِينِ كالمُجاهِدِ فِي سَبِيلِ الله، وأحْسِبُهُ قَالَ: يَشُكُّ القَعْنبِي كالْقائِمِ لَا يَفْتُرُ وكالصائِمِ لَا يَفْطِرُ. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٥٣ وطرفه) .
هَذَا الحَدِيث هُوَ الَّذِي ذكره قبل هَذَا الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة، وَذكره هُنَا أَيْضا مُقْتَصرا على الْمسند دون الْمُرْسل.
قَوْله: (وَأَحْسبهُ قَالَ) أَي: مَالك، وفاعل: أَحْسبهُ هُوَ القعْنبِي، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مَالك. وَقَوله: (كالقائم)
إِلَى آخِره مقول قَالَ. وَقَوله: (يشك القعْنبِي) معترض بَين القَوْل ومقوله، وَهُوَ من كَلَام البُخَارِيّ، والقعنبي هُوَ عبد الله بن مسلمة بن فعنب شيخ البُخَارِيّ، والراوي عَن مَالك. قَوْله: (لَا يفتر) أَي: لَا ينكسر وَلَا يضعف من قيام اللَّيْل للتعبد والتهجد، وَلَا يفتر صفة للقائم كَقَوْلِه:
وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني
٢٧ - (بابُ رَحْمَةِ النَّاسِ بالبَهائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل رَحْمَة النَّاس أَي: الشَّفَقَة والتعطف من النَّاس للبهائم.
٦٠٠٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْماعِيلُ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلَابَةَ عَنْ أبي سُلَيْمانَ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: أتَيْنا النبيَّ ﷺ ، ونَحْنُ شَببَةٌ مُتَقارِبُونَ، فأقَمْنا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَظَنَّ أنَّا اشْتَقْنا أهْلَنا، وسَألَنا عَمَّنْ تَرَكْنا فِي أهْلِنا فأخْبَرْناهُ، وكانَ رقِيقاً رحِيماً، فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ ومُرُوهُمْ وصَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُوني أصَلِّي، وإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُ ... مْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ رَقِيقا رحِيما) . وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية وَهُوَ إسم أمه وَأَبوهُ وَإِبْرَاهِيم، وَأَيوب هُوَ ابْن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وَأَبُو سُلَيْمَان مَالك بن الْحُوَيْرِث اللَّيْثِيّ سكن الْبَصْرَة.
والْحَدِيث مضى من كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الآذان للمسافرين إِذا كَانُوا جمَاعَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن أَيُّوب ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (شببة) على وزن فعلة جمع شَاب. قَوْله: (متقاربون) أَي: فِي السن. قَوْله: (أهلنا) ويروي: أَهْلينَا، بِالْجمعِ وَهُوَ من الجموع النادرة. قَوْله: (وَسَأَلنَا) بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (رَقِيقا) بقافين من الرقة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والأصيلي والكشميهني: رَفِيقًا، بفاء ثمَّ قَاف من الرِّفْق، وانتصابه على أَنه خبر: كَانَ، ويروى بِلَا لفظ: كَانَ فينصب على الْحَال. قَوْله: (ومروهم) أَي: بالمأمورات، وأعلموهم الصَّلَاة وامروهم بهَا. قَوْله: (أكبركم) أَي أفضلكم أَو أسنكم، لأَنهم كَانُوا متقاربين فِي السن.
стр. 6618
٦٠٠٩ - حدَّثنا إسْماعِيلُ حَدثنِي مالِكٌ عَنْ سُمَيّ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عَنْ أبِي صالِحٍ السَّمَّانْ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: بَيْنَما رَجُلٌ يَمْشي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيها فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هاذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَملأ خُفَّهُ ثُمَّ أمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قالُوا: يَا رسولَ الله! وإنَّ لَنا فِي البَهائِمِ أجْراً؟ فَقَالَ: فِي كلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ.
مطابقته الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس واسْمه عبد الله، وَسمي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان الزيات.
والْحَدِيث مضى فِي الشّرْب فِي: بَاب فضل سقِِي المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ ع عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك وَمضى أَيْضا فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب الْآبَار على الطّرق، عَن عبد الله بن مُسلم عَن مَالك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (يَلْهَث) أَي: يخرج لِسَانه من الْعَطش. قَوْله: (الثرى) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة التُّرَاب. قَوْله: (فَشكر الله لَهُ) أَي: جزاه الله فغفر لَهُ. قَوْله: (فِي كل ذَات كبد) أَي: فِي إرواء كل حَيَوَان أجر، والرطوبة كِنَايَة عَن الْحَيَاة، وَقيل: الكبد إِذا ظمئت ترطبت، وَكَذَا إِذا ألقيت على النَّار، والكبد مؤنث سَمَاعي قيل: قد تقدم فِي آخر كتاب بَدْء الْخلق: أَن امْرَأَة هِيَ الَّتِي فعلت هَذِه الفعلة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة لاحْتِمَال وقوعهما وحصوله مِنْهَا جَمِيعًا.
٦٠١٠ - حدَّثنا أبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ أَن أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قامَ رسولُ الله ﷺ فِي صَلَاةٍ وقُمْنا مَعَهُ فَقَالَ أعْرابِيٌّ. وهْوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومُحَمَّداً وَلَا تَرْحَمْ مَعَنا أحَداً، فَلَمَّا سَلَّمَ النبيُّ ﷺ ، قَالَ للأعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ واسِعاً، يُرِيد رَحمَةَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لقد حجرت وَاسِعًا) يَعْنِي: ضيقت مَا هُوَ أوسع من ذَلِك، وَرَحمته وسعت كل شَيْء.
وَرِجَال الْإِسْنَاد بِهَذَا الطَّرِيق قد مروا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ أَعْرَابِي) قيل: هُوَ الْأَعرَابِي الَّذِي بَال فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ ذُو الْخوَيْصِرَة الْيَمَانِيّ، وَقيل: الْأَقْرَع بن حَابِس، وَيُؤَيّد كَون الْأَعرَابِي هُوَ الَّذِي بَال فِي الْمَسْجِد مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من وَجه آخر عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: دخل أَعْرَابِي الْمَسْجِد فَقَالَ: أللَّهم اغْفِر لي ولمحمد وَلَا تغْفر لأحد مَعنا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد احتظرت وَاسِعًا، ثمَّ تنحى الْأَعرَابِي فَبَال فِي نَاحيَة الْمَسْجِد ... الحَدِيث. قَوْله: (لقد حجرت) من الْحجر والتحجير، يُقَال: حجر القَاضِي عَلَيْهِ إِذا مَنعه من التَّصَرُّف، يَعْنِي: ضيقت وَاسِعًا. وخصصت مَا هُوَ عان إِذْ رَحمته وسعت كل شَيْء. واتفقت الرِّوَايَات على أَن حجرت بالراء لَكِن ابْن التِّين نقل أَنَّهَا فِي رِوَايَة أبي ذَر بالزاي، قَالَ: وهما بِمَعْنى قَوْله: احتظرت، بحاء مُهْملَة وظاء مُعْجمَة مَأْخُوذ من الحذار بِالْكَسْرِ وَهُوَ الَّذِي يمْنَع مَا وَرَاءه. قَوْله: يُرِيد الْقَائِل بِهِ بعض رُوَاة الحَدِيث، وَقيل: أَبُو هُرَيْرَة.
٤١ - (حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا زَكَرِيَّاء عَن عَامر قَالَ سمعته يَقُول سَمِعت النُّعْمَان بن بشير يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - ترى الْمُؤمنِينَ فِي تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كَمثل الْجَسَد إِذا اشْتَكَى عضوا تداعى لَهُ سَائِر جسده بالسهر والحمى) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وزكرياء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة وعامر هُوَ الشّعبِيّ والنعمان بن بشير بن
стр. 6619
سعد الْأنْصَارِيّ والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَغَيره قَوْله فِي تراحمهم من بَاب التفاعل الَّذِي يَسْتَدْعِي اشْتِرَاك الْجَمَاعَة فِي أصل الْفِعْل قَوْله وتوادهم أَصله تواددهم فأدغمت الدَّال فِي الدَّال من الْمَوَدَّة وَهِي الْمحبَّة قَوْله وتعاطفهم كَذَلِك من بَاب التفاعل أَيْضا قيل هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مُتَقَارِبَة فِي الْمَعْنى لَكِن بَينهَا فرق لطيف أما التراحم فَالْمُرَاد بِهِ أَن يرحم بَعضهم بَعْضًا بأخوة الْإِيمَان لَا بِسَبَب شَيْء آخر وَأما التوادد فَالْمُرَاد بِهِ التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي وَأما التعاطف فَالْمُرَاد بِهِ إِعَانَة بَعضهم بَعْضًا كَمَا يعْطف طرف الثَّوْب عَلَيْهِ ليقويه قَوْله كَمثل الْجَسَد أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع أَعْضَائِهِ وَوجه التَّشْبِيه التوافق فِي التَّعَب والراحة قَوْله " تداعى " أَي دَعَا بعضه بَعْضًا إِلَى الْمُشَاركَة فِي الْأَلَم وَمِنْه قَوْلهم تداعت الْحِيطَان أَي تساقطت أَو كَادَت أَن تتساقط قَوْله بالسهر والحمى أما السهر فَلِأَن الْأَلَم يمْنَع النّوم وَأما الْحمى فَلِأَن فقد النّوم يثيرها وَقَالَ الْكرْمَانِي الْحمى حرارة غَرِيبَة تشتعل فِي الْقلب وتنبث مِنْهُ فِي جَمِيع الْبدن فيشتعل اشتعالا مضرا بالأفعال الطبيعية وَفِيه تَعْظِيم حُقُوق الْمُسلمين والحض على معاونتهم وملاطفة بَعضهم بَعْضًا -
٦٠١٢ - حدَّثنا أبُو الوليدِ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتاده عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْساً فأكَلَ مِنْهُ إنْسانٌ أوْ دَابَّةٌ إلَاّ كانَ لَهُ صَدَفَةً. (انْظُر الحَدِيث ٢٣٢٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي غرس الْمُسلم الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان فِيهِ معنى التَّرْجَمَة والتعطف عَلَيْهِم لِأَن حَال الْمُسلم يدل على أَنه يقْصد ذَلِك وَقت غرسه.
وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف اسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي.
والْحَدِيث مضى فِي الْمُزَارعَة عَن قُتَيْبَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك.
قَوْله: (أَو دَابَّة) إِن كَانَ المُرَاد بِهِ من يدب على الأَرْض فَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، وَإِن كَانَ المُرَاد الدَّابَّة الْعُرْفِيَّة فَهُوَ من بَاب عطف الْجِنْس على الْجِنْس، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ الظَّاهِر هُنَا. قلت: الظَّاهِر هُوَ الأول للْعُمُوم الدَّال على سَائِر الْأَجْنَاس فَتدخل جَمِيع الْبَهَائِم وَغَيرهَا فِي هَذَا الْمَعْنى، وَفِي معنى ذَلِك التَّخْفِيف عَن الدَّوَابّ فِي أحمالها وتكليفها مَا تطِيق حمله، فَذَلِك من رحمتها وَالْإِحْسَان إِلَيْهَا، وَمن ذَلِك ترك التَّعَدِّي فِي ضربهَا وأذاها وتسخيرها فِي اللَّيْل، وَقد نهينَا فِي العبيد أَن نكلفهم الْخدمَة لَيْلًا فَإِن لَهُم اللَّيْل ولمواليهم النَّهَار.
٦٠١٣ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني زَيْدُ بنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بنَ عبدِ الله عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠١٣ طرفه فِي: ٧٣٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (من لَا يرحم لَا يرحم) وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الهدماني وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد ابْن سَلام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ ، عَن زُهَيْر بن حَرْب وَغَيره.
قَوْله: (من لَا يرحم) بِفَتْح الْيَاء وَقَوله: (لَا يرحم) بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول وَلَفظ مُسلم: من لَا يرحم النَّاس لَا يرحمه الله، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: من لَا يرحم مَنْ فِي الأَرْض لَا يرحمه مَن فِي السَّمَاء، وَفِي لفظ للطبراني فِي (الْأَوْسَط) : من لم يرحم الْمُسلمين لم يرحمه الله، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر وبلفظ: الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن، ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء، وَيجوز فِي: (من لَا يرحم لَا يرحم) الرّفْع وبالجزم، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: أما الرّفْع فعلى كَون: من، مَوْصُولَة على معنى: الَّذِي لَا يرحم لَا يرحم، وَأما الْجَزْم فعلى كَون: من، متضمنة معنى الشَّرْط فتجزم الَّذِي دخلت عَلَيْهِ وَجَوَابه، وَفِي إِطْلَاق رَحْمَة الْعباد فِي مُقَابلَة رَحْمَة الله نوع مشاكلة.
٢٨ - (بَاب الوصاءَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الوصاءة، بِفَتْح الْوَاو وَتَخْفِيف الصَّاد الْمُهْملَة وَالْمدّ والهمزة أَي: الْوَصِيَّة، ويروي: الْوِصَايَة بِالْيَاءِ
стр. 6620
آخر الْحُرُوف بعد الْألف بدل الْهمزَة، يُقَال: أوصيت لَهُ بِشَيْء، والإسم الْوِصَايَة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح، وأوصيته ووصيته بِمَعْنى والإسم الوصاءة وَفِي بعض النّسخ.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم:
كتاب الْبر والصلة بَاب الوصاءة بالجار
هَكَذَا وَقع فِي نُسْخَة صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَلما فرغ من شرح حَدِيث جرير فِي آخر الْبَاب السَّابِق قَالَ: هَذَا آخر كتاب الْأَدَب، ثمَّ ذكر مَا قُلْنَا من الْبَسْمَلَة وَمَا بعْدهَا، وَرِوَايَة النَّسَفِيّ.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: بَاب الوصاءة بالجار
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٤) واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحساناً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ (٤) مختالاً فخوراً﴾ (النِّسَاء: ٣٦)
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: الوصاءة، بالجار وَالْمَقْصُود من إِيرَاد هَذِه الْآيَة: ﴿والجارذي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب﴾ وَالْمَذْكُور من الْآيَة الْمَذْكُورَة على هَذَا الْوَجْه هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر من قَوْله: ﴿واعبدوا الله﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إحساناً﴾ ... الْآيَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ الْآيَة. قَوْله: ﴿واعبدوا الله﴾ أَي: وحدوه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، ثمَّ أوصى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدين ثمَّ عطف على الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين الْإِحْسَان إِلَى الْقرَابَات من الرِّجَال وَالنِّسَاء، ثمَّ أوصى بالجار ذِي الْقُرْبَى، قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن ابْن عَبَّاس: ﴿الجارذي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي: الَّذِي بَيْنك وَبَينه قرَابَة. وَالْجَار ذِي الْجنب الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَكَذَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَمُقَاتِل وَابْن حبَان، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق عَن نوف الْبكالِي ﴿والجارذي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي الْمَرْأَة، وَقَالَ مُجَاهِد ﴿الْجَار الْجنب﴾ يَعْنِي: الرفيق فِي السّفر. قَوْله والصاحب بالجنب، قَالَ الثَّوْريّ: عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود قَالَا: هِيَ الْمَرْأَة، رُوِيَ كَذَلِك عَن الْحسن وَإِبْرَاهِيم وَسَعِيد بن جُبَير فِي رِوَايَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: هُوَ الرفيق الصَّالح، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ جليسك فِي الْحَضَر ورفيقك فِي السّفر. قَوْله: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ هُوَ الضَّيْف، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقَالَ مُجَاهِد وَالْحسن وَالضَّحَّاك: هُوَ الَّذِي يمر عَلَيْك مجتازاً فِي السّفر. قَوْله: ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ يَعْنِي الأرقاء، لِأَن الرَّقِيق ضَعِيف الجنبة أَسِير فِي أَيدي النَّاس، قَوْله: ﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً﴾ أَي: متكبراً معجباً ﴿فخوراً﴾ على النَّاس يرى أَنه خير مِنْهُم، فَهُوَ فِي نَفسه كَبِير وَعند الله حقير وَعند النَّاس بغيض.
٦٠١٤ - حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ أبي أوَيْسِ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَنْ يَحْياى بنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو بَكْر بن مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ ﵂، عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَا زَال جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالجارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن أم أبي بكر.
والسند كُله مدنيون وَالثَّلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد أَوَّلهمْ: يحيى وَهُوَ روى عَن عمْرَة كثيرا وَهَهُنَا أَدخل بَينه وَبَينهَا وَاسِطَة، وَرِوَايَته عَن أبي بكر الْمَذْكُور من الأقران.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن غير قُتَيْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
قَوْله: (سيورثه) أَي: سيجعله قَرِيبا وَارِثا، وَقيل: مَعْنَاهُ أَي يَأْمُرنِي عَن الله بتوريث الْجَار من جَاره، وَهَذَا خرج مخرج الْمُبَالغَة فِي شدَّة حفظ حق الْجَار، وإسم الْجَار يَشْمَل الْمُسلم وَالْكَافِر والعباد وَالْفَاسِق وَالصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب وَالْأَجْنَبِيّ وَالْأَقْرَب دَارا والأبعد. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْجَار يُطلق وَيُرَاد بِهِ الدَّاخِل فِي الْجوَار، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ المجاور فِي الدَّار وَهُوَ الْأَغْلَب وَهُوَ المُرَاد.
وَاخْتلف فِي حد الْجوَار، فَعَن عَليّ ﵁: من سمع النداء فَهُوَ جَاءَ، وَقيل: من صلى مَعَك صَلَاة الصُّبْح فِي الْمَسْجِد فَهُوَ جَار، وَعَن عَائِشَة: حق الْجوَار أَرْبَعُونَ دَارا من كل جَانب، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ مثله، ثمَّ كَيْفيَّة حفظ حق الْجَار هِيَ: أَن يعاشر مَعَ كل وَاحِد من الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ بِمَا يَلِيق بِحَالهِ من إِرَادَة الْخَيْر وَدفع الْمضرَّة والنصيحة وَنَحْو ذَلِك.
стр. 6621
٦٠١٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مِنْهال حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حَدثنَا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَا زَال جِبْرِيلُ يُوصِيني بالجارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهر. وَعمر بن مُحَمَّد يروي عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵃، وَلَفظ هَذَا الحَدِيث مثل لفظ حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور، وَقد روى هَذَا الْمَتْن أَيْضا أَبُو هُرَيْرَة، وَهُوَ فِي: (صَحِيح ابْن حبَان) ، وَعبد الله ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَأبي أُمَامَة، وَهُوَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ.
٢٩ - (بابُ إثْمِ مَنْ يأمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لَا يَأْمَن جَاره يوائقه، وَهُوَ جمع بائقة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْقَاف وَهِي الداهية وَالشَّيْء المهلك وَالْأَمر الشَّديد الَّذِي يُؤْتى بَغْتَة، وَقَالَ قَتَادَة: بوائقه ظلمه وغشه، وَقَالَ الْكسَائي: غوائله وشره.
يُوبِقْهُنَّ: يُهْلِكْهُنَّ، مَوْبِقاً: مَهْلِكاً
أَشَارَ بقوله: يوبقهن، إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٢٤) أَو يوبقهن بِمَا كسبوا﴾ (الشورى: ٣٤) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي يهْلكُونَ، وَأَخذه عَنهُ وَأَشَارَ بقوله: موبقاً إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٨١) وَجَعَلنَا بَينهم موبقاً﴾ (الْكَهْف: ٥٢) وَفَسرهُ بقوله: مهْلكا، وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ.
٦٠١٦ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيّ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أبي شُرَيْحِ أنَّ النبِيَّ ﷺ قَالَ: وَالله لَا يُؤْمِنُ وَالله لَا يُؤْمِنُ وَالله لَا يُؤْمِنُ! قِيلَ: ومَنْ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: الَّذِي لَا يأمَنُ جارُهُ بَوائقَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن من أهل وَاسِط مَاتَ فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن أبي ذِئْب بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، وَسَعِيد هُوَ المَقْبُري، وَأَبُو شُرَيْح مصغر الشَّرْح بالشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة واسْمه خويلد وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: هانىء، وَقيل: كَعْب الصَّحَابِيّ الْخُزَاعِيّ المدوي الكعبي.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (وَالله لَا يُؤمن) هَكَذَا وَقع تكريرها ثَلَاثًا صَرِيحًا، وَوَقع عِنْد أَحْمد: وَالله لَا يُؤمن، ثَلَاثًا، وَلأبي يعلى من حَدِيث أنس: وَالله مَا هُوَ بِمُؤْمِن، وللطبراني من حَدِيث كَعْب بن مَالك: لَا يدْخل الْجنَّة، وَلأَحْمَد نَحوه عَن أنس بِسَنَد صَحِيح، وَالْمرَاد بِهِ كَمَال الْإِيمَان، وَلَا شكّ أَنه مَعْصِيّة والعاصي لَا يكون كَامِل الْإِيمَان. قَوْله: (وَمن يَا رَسُول الله) ؟ أَي: وَمن الَّذِي لَا يُؤمن؟ وَالْوَاو فِيهِ عطف على مُقَدّر أَي: سمعنَا قَوْلك وَمَا عرفنَا من هُوَ، وَقيل: يجوز أَن تكون زَائِدَة أَو استئنافية، وَبَين قَوْله: (لَا يُؤمن) (وَلَا يُؤمن) جناس محرف فَالْأول: من الْإِيمَان، وَالثَّانِي: من الْأمان.
تابَعَهُ شَبابَةُ وأسَدُ بنُ مُوسَى
أَي: تَابع عَاصِم بن عَليّ الْمَذْكُور شبابةُ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن سوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وبالواو وَالرَّاء الْفَزارِيّ فِي رِوَايَته عَن ابْن أبي ذِئْب، واخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (ولسد بن مُوسَى) ، أَي: وتابع اسدُ أَيْضا عَاصِم بن عَليّ، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الطَّبَرَانِيّ فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق.
وَقَالَ حُمَيْدُ بنُ الأسْوَد وعُثْمانُ بنُ عُمَرَ وأبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاسٍ وشُعَيْبُ بنُ إسْحاقَ: عَنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁.
لما خرج البُخَارِيّ الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عَاصِم بن عَليّ عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي شُرَيْح وَقواهُ بمتابعة شَبابَة وَأسد بن مُوسَى عَاصِم بن عَليّ فِي رِوَايَته عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي شُرَيْح، أَشَارَ بِمَا ذكره مُعَلّقا عَن حميد بن الْأسود وَمن مَعَه أَنهم روو الحَدِيث الْمَذْكُور عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، فعلى هَذَا
стр. 6622
يَنْبَغِي أَن يرجح رِوَايَة هَؤُلَاءِ، وَلَا سِيمَا أَن سعيد المَقْبُري مَشْهُور بالرواية عَن أبي هُرَيْرَة، وصنيع البُخَارِيّ يدل على صِحَة الْوَجْهَيْنِ، وَمَعَ هَذَا الرِّوَايَة عِنْده عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي شُرَيْح أصح، وَلَا سِيمَا سمع من ابْن أبي ذِئْب يزِيد بن هَارُون وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وحجاج بن مُحَمَّد وروح بن عبَادَة وآدَم بن أبي إِيَاس، وَكلهمْ قَالُوا: عَن أبي شُرَيْح، وَهُوَ كَذَلِك فِي (مُسْند الطَّيَالِسِيّ) وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. وَحميد بن الْأسود أَبُو الْأسود الْبَصْرِيّ الْكَرَابِيسِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بكر بن عَيَّاش بِالْعينِ الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْقَارِي، وَشُعَيْب بن إِسْحَاق الدِّمَشْقِي.
٣٠ - (بابٌ لَا تُحَقِّرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فَهِيَ لَا تحقرن جَارة لجارتها يَعْنِي: لَا تمنع الجارة عَن إِعْطَاء شَيْء حقير لجارتها لأجل قلته.
٦٠١٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا اللَّيْثُ حَدثنَا سَعِيدٌ هُوَ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ: يَا نِساءَ المُسْلِماتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها وَلَوْ فِرْسِنَ شاةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٥٦٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد المَقْبُري هُنَا روى عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة، وروى فِي الحَدِيث الْمَاضِي عَن أبي هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة أَبِيه، وَكِلَاهُمَا صَحِيح لِأَن سعيد أدْرك أَبَا هُرَيْرَة وَسمع مِنْهُ أَحَادِيث مَا فَاتَهُ من أَبِيه.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى عَن اللَّيْث وَعَن قُتَيْبَة عَنهُ.
قَوْله: (يَا نسَاء المسلمات) بِنصب: نسَاء، وجر: المسلمات، من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة أَي: يَا نسَاء الْأَنْفس المسلمات، وَقيل: يَا فاضلاتٍ المسلمات، كَمَا يَقُول: هَؤُلَاءِ رجال الْقَوْم، أَي: سادتهم وأفاضلهم، وبرفعهما وَرفع النِّسَاء وَنصب المسلمات نَحْو: يَا زيد الْعَاقِل. قَوْله: (لَا تحقرن) هَذَا النَّهْي إِمَّا للمعطية، أَي: لَا تمنع جَارة من الصَّدَقَة لجارتها لاستقلالها واحتقارها، بل تجود بِمَا تيَسّر وَإِن كَانَ قَلِيلا كفر سنّ شَاة، وَهُوَ خير من الْعَدَم، وَأما للمعطاة والمتصدق عَلَيْهَا، والفرسن بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة وبالنون من الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْحَافِر من الدَّابَّة، وَقد يُطلق على الْغنم اسْتِعَارَة، وَقيل: هُوَ عظم الظلْف.
٣١ - (بابٌ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جارَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من كَانَ ... إِلَى آخِره.
٦٠١٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا أبُو الأحْوَصِ عَنْ أبِي حَصِينٍ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذ جارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ.
التَّرْجَمَة هِيَ جُزْء الحَدِيث وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، قَالَ أَبُو بكر: لم يرو أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي حُصَيْن غير هَذَا الحَدِيث.
قَوْله: (فَلَا يؤذ جَاره) ، الْإِيذَاء مَعْصِيّة لَا يلْزم مِنْهَا نفي الْإِيمَان، وَالْمرَاد مِنْهُ نفي كَمَال الْإِيمَان، وَأما تَخْصِيص الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من بَين سَائِر مَا يجب بِهِ الْإِيمَان فللإشارة إِلَى المبدأ والمعاد، يَعْنِي: إِذا آمن بِاللَّه الَّذِي خلقه وَأَنه يجازيه يَوْم الْقِيَامَة بِالْخَيرِ وَالشَّر لَا يؤذ جَاره. قَوْله: (فَليُكرم ضَيفه) ، وَالْأَمر بالإكرام يخْتَلف بِحَسب المقامات، وَرُبمَا يكون فرض عين أَو فرض كِفَايَة، وَأقله أَنه من بَاب مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَلَا شكّ أَن الضِّيَافَة من سنَن الْمُرْسلين، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يزِيد فِي إكرامه على مَا كَانَ يفعل فِي عِيَاله، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة؟ قلت: هَذَا الْكَلَام من جَوَامِع الْكَلم لِأَنَّهَا هِيَ
стр. 6623
الْأُصُول إِذْ الثَّالِث مِنْهَا إِشَارَة إِلَى القولية، والأولان إِلَى الفعلية: الأول: مِنْهُمَا إِلَى التَّخْلِيَة عَن الرذائل، وَالثَّانِي: إِلَى التحلية بالفضائل يَعْنِي: من كَانَ لَهُ صفة التَّعْظِيم لأمر الله لَا بُد لَهُ أَن يَتَّصِف بالشفقة على خلق الله إِمَّا قولا بِالْخَيرِ أَو سكُوتًا عَن الشَّرّ، وَإِمَّا فعلا لما ينفع أَو تركا لما يضر.
٦٠١٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدثنِي سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبي شُرَيْحٍ العَدَوِيِّ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنايَ وأبْصَرَتْ عَيْنايَ حِينَ تَكَلَّمَ النبيُّ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآ خِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جائِزَتَهُ قَالَ: وَمَا جائِزَتُهُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، والضِّيافَةُ ثَلاثَة أيَّامٍ فَما كَانَ وراءَ ذالِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ. (
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله كلهم قد ذكرُوا عَن قريب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي الْوَلِيد عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَحْكَام عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث بِهِ مُخْتَصرا وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن القعْنبِي عَن مَالك بِقصَّة الضَّيْف مُطَوَّلَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة بِهِ وَلم يذكر قصَّة الْجَار وَعَن ابْن أبي عمر بِقصَّة الضِّيَافَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن قُتَيْبَة بِبَعْضِه، وَأخرجه عَن غَيره أَيْضا. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِتَمَامِهِ وَعَن ابْن عجلَان بِقصَّة الضِّيَافَة خَاصَّة.
قَوْله: (سَمِعت أذناي) فَائِدَة ذكره التوكيد. قَوْله: (جائزته) هِيَ الْعَطاء مُشْتَقَّة من الْجَوَاز لِأَنَّهُ حق جَوَازه عَلَيْهِم، وانتصابه بِأَنَّهُ مفعول ثَان للإكرام لِأَنَّهُ من معنى الْإِعْطَاء أَو هُوَ كالظرف أَو مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بجائزته. قَوْله: (يَوْم وَلَيْلَة) أَي: جائزته يَوْم وَلَيْلَة، وَجَوَاز وُقُوع الزَّمَان خَبرا عَن الجثة بِاعْتِبَار أَن لَهُ حكم الظّرْف وَأما فِيهِ مُضَاف مُقَدّر تَقْدِيره: أَي زمَان جائزته يَوْم وَلَيْلَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَنه يتَكَلَّف لَهُ يَوْمًا وَلَيْلَة فيزيده فِي الْبر وَفِي الْيَوْمَيْنِ الآخرين يقدم لَهُ مَا يحضرهُ، فَإِذا مضى الثَّلَاث فقد مضى حَقه وَمَا زَاد عَلَيْهَا فَهُوَ صَدَقَة. قَوْله: (والضيافة ثَلَاثَة أَيَّام) ، يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ بعد الْيَوْم الأول، وَيحْتَمل أَن يدْخل فِيهِ الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَهُوَ أشبه، وَقَالَ الْهَرَوِيّ فِي قَوْله: (والضيافة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا كَانَ وَرَاء ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة عَلَيْهِ) أَي: يقرى ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ يعْطى مَا يجوز فِيهِ مَسَافَة يَوْم وَلَيْلَة، قَالَ: وَأَكْثَره قدر مَا يجوز بِهِ الْمُسَافِر من منهل إِلَى منهل، وَقَالَ سَحْنُون: الضِّيَافَة على أهل الْقرى دون الْحَضَر، وَقَالَ الشَّافِعِي: مُطلقًا، وَهِي من مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَعَن مُجَاهِد: الضِّيَافَة لَيْلَة وَاحِدَة فرض. قَوْله: (أَو ليصمت) بِضَم الْمِيم وَكسرهَا.
٣٢ - (بابُ حَقِّ الجوارِ فِي قُرْبِ الأبْوابِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حق الْجوَار فِي قرب الْأَبْوَاب، أَرَادَ أَن كل بَاب كَانَ أقرب إِلَيْهِ كَانَ الْحق لَهُ.
٦٠٢٠ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهال حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو عِمْرانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله! إنَّ لِي جارَيْنِ فإِلَى أيِّهِما أهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أقْرَبِهِما مِنْكِ بَابا. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٥٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ أَن الْأَقْرَب للْجَار هُوَ مُتَعَيّن للحق يَعْنِي حق الْجَوَاز وَأَبُو عمرَان عبد الْملك الجون بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون الْبَصْرِيّ، وَطَلْحَة هُوَ ابْن عبد الله بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِخْرَاج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هُنَا فِيهِ نظر لِأَن طَلْحَة لَا يدرى من هُوَ؟ وَأَيْضًا فِيهِ اضْطِرَاب كثير، فَإِن ابْن الْمُبَارك قَالَ فِي حَدِيثه: سَمِعت رجلا من قُرَيْش يُقَال لَهُ أَبُو طَلْحَة، وَقَالَ معَاذ عَن شُعْبَة: سمع طَلْحَة بن عبيد الله بِحَدِيث عَائِشَة، وَقَالَ عِيسَى بن يُونُس: قَالَ شُعْبَة: أَظن طَلْحَة سمع عَائِشَة، وَلم يقل سَمعه مِنْهَا، وَقَالَ يزِيد بن هَارُون: طَلْحَة رجل من قُرَيْش، وَقَالَ غنْدر: طَلْحَة بن عبيد الله رجل من تيم اللات، وَقَالَ وَكِيع: من تيم الربَاب، وَقَالَ ابْن طهْمَان عَن شُعْبَة: عبيد الله بن
стр. 6624
طَلْحَة، فَلَا يدْرِي سَماع طَلْحَة من عَائِشَة إِذْ لم يعرف من طَلْحَة، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد عرف وَهُوَ كَمَا سَاقه البُخَارِيّ فِي آخر الشُّفْعَة، وَفِي الْهِبَة أَيْضا، وَبِه صرح الدمياطي بِخَطِّهِ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشُّفْعَة فِي: بَاب أَي الْجوَار أقرب، وَمضى فِي الْهِبَة أَيْضا فِي: بَاب من يبْدَأ بالهدية. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَسَعِيد بن مَنْصُور. وحد الْجوَار ذَكرْنَاهُ فِي بَاب الوصاءة بالجار.
قَوْله: (أهدي) بِضَم الْهمزَة من الإهداء. قَوْله: (بَابا) قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ السِّرّ أَنه ينظر إِلَى مَا يدْخل دَاره وَأَنه أسْرع لُحُوقا بِهِ عِنْد الْحَاجَات فِي أَوْقَات الغفلات، وانتصاب: بَابا، على التميز أَي: أشدهما قرباً.
٦٠٢٠ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهال حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو عِمْرانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله! إنَّ لِي جارَيْنِ فإِلَى أيِّهِما أهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أقْرَبِهِما مِنْكِ بَابا. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٥٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ أَن الْأَقْرَب للْجَار هُوَ مُتَعَيّن للحق يَعْنِي حق الْجَوَاز وَأَبُو عمرَان عبد الْملك الجون بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون الْبَصْرِيّ، وَطَلْحَة هُوَ ابْن عبد الله بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِخْرَاج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هُنَا فِيهِ نظر لِأَن طَلْحَة لَا يدرى من هُوَ؟ وَأَيْضًا فِيهِ اضْطِرَاب كثير، فَإِن ابْن الْمُبَارك قَالَ فِي حَدِيثه: سَمِعت رجلا من قُرَيْش يُقَال لَهُ أَبُو طَلْحَة، وَقَالَ معَاذ عَن شُعْبَة: سمع طَلْحَة بن عبيد الله بِحَدِيث عَائِشَة، وَقَالَ عِيسَى بن يُونُس: قَالَ شُعْبَة: أَظن طَلْحَة سمع عَائِشَة، وَلم يقل سَمعه مِنْهَا، وَقَالَ يزِيد بن هَارُون: طَلْحَة رجل من قُرَيْش، وَقَالَ غنْدر: طَلْحَة بن عبيد الله رجل من تيم اللات، وَقَالَ وَكِيع: من تيم الربَاب، وَقَالَ ابْن طهْمَان عَن شُعْبَة: عبيد الله بن طَلْحَة، فَلَا يدْرِي سَماع طَلْحَة من عَائِشَة إِذْ لم يعرف من طَلْحَة، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد عرف وَهُوَ كَمَا سَاقه البُخَارِيّ فِي آخر الشُّفْعَة، وَفِي الْهِبَة أَيْضا، وَبِه صرح الدمياطي بِخَطِّهِ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشُّفْعَة فِي: بَاب أَي الْجوَار أقرب، وَمضى فِي الْهِبَة أَيْضا فِي: بَاب من يبْدَأ بالهدية. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَسَعِيد بن مَنْصُور. وحد الْجوَار ذَكرْنَاهُ فِي بَاب الوصاءة بالجار.
قَوْله: (أهدي) بِضَم الْهمزَة من الإهداء. قَوْله: (بَابا) قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ السِّرّ أَنه ينظر إِلَى مَا يدْخل دَاره وَأَنه أسْرع لُحُوقا بِهِ عِنْد الْحَاجَات فِي أَوْقَات الغفلات، وانتصاب: بَابا، على التميز أَي: أشدهما قرباً.
٣٣ - (بابٌ كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كل مَعْرُوف صَدَقَة، والآن يَجِيء تَفْسِير الْمَعْرُوف.
٦٠٢٢ - حدَّثني آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا سَعِيدُ بن أبي بُرْدَةَ بنِ أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ. قَالُوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا: فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، أوْ: لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَيُعِينُ ذَا الحاجَةِ المَلْهُوفَ. قَالُوا: فإنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ فَيَأْمُرُ بالخَيْرِ، أوْ قَالَ: بالمَعْرُوف، قَالَ: فإنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فإنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ. (انْظُر الحَدِيث ١٤٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَو قَالَ: بِالْمَعْرُوفِ) وَسَعِيد بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يروي عَن أَبِيه أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَإِسْكَان الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة واسْمه عَامر عَن جده أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم فِي: بَاب على كل مُسلم صَدَقَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أَو لم يفعل) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (الملهوف) أَي: الْمَظْلُوم يستغيث أَو المحزون المكروب. قَوْله: (فَإِن لم يفعل) أَي: عَجزا أَو كسلاً. قَوْله: (أَو قَالَ: بِالْمَعْرُوفِ) شكّ من الرَّاوِي.
وَفِيه: تَنْبِيه لِلْمُؤمنِ الْمُعسر على أَن يعْمل بِيَدِهِ وَينْفق على نَفسه وَيتَصَدَّق من ذَلِك وَلَا يكون عيالاً على غَيره، وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁، أَنه قَالَ: يَا معشر الْقُرَّاء خذو طَرِيق من كَانَ قبلكُمْ وَارْفَعُوا رؤوسكم وَلَا تَكُونُوا عيالاً على الْمُسلمين. وَفِيه: إِن الْمُؤمن إِذا لم يقدر على بَاب من أَبْوَاب الْخَيْر وَلَا فتح لَهُ فَعَلَيهِ أَن ينْتَقل إِلَى بَاب آخر يقدر عَلَيْهِ فَإِن أَبْوَاب الْخَيْر كَثِيرَة وَالطَّرِيق إِلَى مرضاة الله غير مَعْدُومَة.
٣٤ - (بابُ طِيبِ الكَلامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يحصل من الْخَيْر بالْكلَام الطّيب. وأصل الطّيب مَا تستلذه الْحَواس وَيخْتَلف باخْتلَاف م مُتَعَلقَة. وَقَالَ ابْن بطال: طيب الْكَلَام من جليل عمل الْخَيْر لقَوْله تَعَالَى: ﴿ (٣٢) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٩٦، وفصلت: ٣٤) وَالدَّفْع قد يكون بالْقَوْل كَمَا يكون بِالْفِعْلِ.
стр. 6625
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ : الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ
هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث أوردهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الصُّلْح وَفِي كتاب الْجِهَاد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَقَالَ ابْن بطال: وَجه كَون الْكَلِمَة الطّيبَة صَدَقَة أَن إِعْطَاء المَال يفرح بِهِ قلب الَّذِي يعطاه وَيذْهب مَا فِي قلبه، وَكَذَلِكَ الْكَلَام الطّيب، فأشبهها من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
٦٠٢٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبرنِي عَمْروٌ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ قَالَ: ذَكَرَ النبيُّ ﷺ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْها وأشاحَ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوذَ مِنْها وأشَاحَ بِوَجْهِهِ، قَالَ شُعْبَةُ: أمَّا مَرَّتَيْنِ فَلا أشُكُّ، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشقِّ تَمْرَة فإنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَعَمْرو هُوَ ابْن مرّة بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، وخيثمة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الرَّحْمَن الْجعْفِيّ، وعدي بن حَاتِم الطَّائِي أَبُو طريف سكن الْكُوفَة وَحَدِيثه فِي أَهلهَا.
والْحَدِيث مضى فِي صفة النَّار عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وأشاح) بالشين الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة أَي: أعرض، وَقَالَ الْخطابِيّ: أشاح بِوَجْهِهِ إِذا صرفه عَن الشَّيْء فعل الحذر مِنْهُ الكاره لَهُ كَأَنَّهُ ﷺ يَرَاهَا ويحذر وهج سعيرها، فنحى وَجهه مِنْهَا. قَوْله: (أما) هِيَ التفصيلية وقسيمها مَحْذُوف تَقْدِيره: و، أما ثَلَاث مَرَّات فأشك. قَوْله: (وَلَو بشق) ، بِكَسْر الشين أَي: وَلَو بِنصْف تَمْرَة. قَوْله: (فَإِن لم يجد) بِلَفْظ الْمُفْرد، قَالَ بعض عُلَمَاء الْمعَانِي: ذكر الْمُفْرد بعد الْجمع هُوَ من بَاب الِالْتِفَات، وَهُوَ عكس: ﴿ (٥٦) يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ (الطَّلَاق: ١) .
٣٥ - (بابُ الرِّفْقِ فِي الأمْرِ كُلِّهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الرِّفْق فِي الْأَمر كُله، والرفق بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْفَاء وبالقاف هُوَ لين الْجَانِب بالْقَوْل وَالْفِعْل وَالْأَخْذ بالأسهل وَهُوَ ضد العنف.
٥٣ - (حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عبد الله حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة ﵂ زوج النَّبِي ﷺ َ - قَالَت دخل رَهْط من الْيَهُود على رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالُوا السام عَلَيْكُم قَالَت عَائِشَة ففهمتها فَقلت وَعَلَيْكُم السام واللعنة قَالَت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - مهلا يَا عَائِشَة إِن الله يحب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله فَقلت يَا رَسُول الله أَو لم تسمع مَا قَالُوا قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - قد قلت وَعَلَيْكُم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِن الله يحب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمَدِينِيّ وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن الْحسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عبيد الله بن سعد بن إِبْرَاهِيم قَوْله رَهْط من الْيَهُود الرَّهْط من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة وَقيل إِلَى الْأَرْبَعين وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَيجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الْجمع قَوْله السام عَلَيْكُم السام بتَخْفِيف الْمِيم الْمَوْت وَقَالَ الْخطابِيّ فسروا السام بِالْمَوْتِ فِي لسانهم كَأَنَّهُمْ دعوا عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ قَالَ وَكَانَ قَتَادَة يرويهِ بِالْمدِّ من السَّآمَة وَهُوَ الْملَل أَي تسأمون دينكُمْ وَقيل كَانُوا يعنون أماتكم الله السَّاعَة قَوْله مهلا مَعْنَاهُ تأني وارفقي وانتصابه على المصدرية وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْمهل بِالتَّحْرِيكِ التؤدة والتباطؤ وَالِاسْم المهلة وَهُوَ اسْم فَاعل يُقَال للْوَاحِد وللاثنين وللجمع وللمؤنث بِلَفْظ وَاحِد قَوْله إِن الله يحب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن عمْرَة عَن عَائِشَة
стр. 6626
إِن الله رَفِيق يحب الرِّفْق وَيُعْطِي على الرِّفْق مَا لَا يُعْطي على العنف قَوْله أَو لم تسمع بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وواو الْعَطف قيل مَا مَعْنَاهُ والعطف يَقْتَضِي التَّشْرِيك وَهُوَ غير جَائِز وَأجِيب بِأَنَّهُ الْمُشَاركَة فِي الْمَوْت أَي نَحن وَأَنْتُم كلنا نموت أَو تكون الْوَاو للاستئناف لَا للْعَطْف أَو تَقْدِيره وَأَقُول عَلَيْكُم مَا تستحقونه وَإِنَّمَا اخْتَار هَذِه الصِّيغَة ليَكُون أبعد عَن الإيحاش وَأقرب إِلَى الرِّفْق وَاخْتلف هَل يُؤْتى بِالْوَاو فِي الرَّد أم لَا فَقَالَ ابْن حبيب لَا يُؤْتى بهَا لِأَن فِيهَا اشتراكا وَخَالفهُ ابْن الْجلاب وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد وَقيل يَقُول عَلَيْك السَّلَام بِالْكَسْرِ وَقَالَ طَاوس يرد وعلاك السام أَي ارْتَفع وَقَالَ النَّخعِيّ إِذا كَانَ لَهُ عِنْده حَاجَة تبدأ بِالسَّلَامِ وَلَا ترد عَلَيْهِ كَامِلا فَلَا يجب أَن يكرم كَالْمُسلمِ وسمح بَعضهم فِي رد السَّلَام عَلَيْكُم وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿فاصفح عَنْهُم وَقل سَلام﴾ وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ لقَالَ سَلاما بِالنّصب وَإِنَّمَا يَعْنِي بذلك على اللَّفْظ والحكاية وَأَيْضًا فقد قيل أَن الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف وَاخْتلف هَل يكنى الْيَهُودِيّ فكرهه مَالك وَرخّص فِيهِ ابْن عبد الحكم وَاحْتج بقوله ﷺ َ - انْزِلْ أَبَا وهب -
٦٠٢٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حَدثنَا حمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ أعْرَابِيًّا بَال فِي المسْجِد، فقامُوا إلَيْهِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ لَا تُزْرِمُوهُ، ثُمَّ دَعا بِدَلْوٍ مِنْ ماءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٢١٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَول الرَّسُول ﷺ ، فَإِنَّهُ رفق بِهِ ونهاهم عَن قطع بَوْله.
والْحَدِيث قد مضى فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب ترك النَّبِي ﷺ ، وَالنَّاس الْأَعرَابِي حَتَّى فرغ من بَوْله، وَفِي: بَاب صب المَاء على الْبَوْل فِي الْمَسْجِد.
قَوْله: (فَقَامُوا إِلَيْهِ) أَي: ليؤذوه وليضربوه. قَوْله: (لَا تزرموه) من الإزرام بالزاي ثمَّ الرَّاء أَي: لَا تقطعوا عَلَيْهِ بَوْله، وزرم الْبَوْل أَي: انْقَطع. قَوْله: (فصب عَلَيْهِ) أَي: على الْموضع الَّذِي بَال عَلَيْهِ، وَمر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ.
٣٦ - (بابُ تعاوُنِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل معاونة الْمُؤمنِينَ بَعضهم بَعْضًا، وَالْأَجْر فِيهَا. قَوْله: (بَعضهم) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْمُؤمنِينَ بدل الْبَعْض من الْكل، وَيجوز الضَّم أَيْضا. قَوْله: بَعْضًا، قَالَ الْكرْمَانِي: مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: للْبَعْض. قلت: الْأَوْجه أَن يكون مفعول مصدر الْمُضَاف إِلَى فَاعله وَهُوَ لفظ التعاون لِأَن الْمصدر يعْمل عمل فعله.
٦٠٢٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ أبي بُرْدَة بُريْدِ بنِ أبي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبرنِي جَدِّي أبُو بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ أبي مُوسَى عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٨١ وطرفه) .
وكانَ النبيُّ ﷺ ، جَالِسا إذْ جاءَ رَجُلٌ يَسألُ أوْ طالِبُ حاجَةٍ أقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ الله عَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ مَا شاءَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو بردة: بِضَم الْبَاء وَسُكُون الرَّاء كنية بريد مصغر الْبرد ابْن عبد الله بن أبي بردة أَيْضا واسْمه عَامر بن مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، فَأَبُو بردة يروي عَن جده أبي بردة وَهُوَ يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق يحيى الْقطَّان: حَدثنَا سُفْيَان حَدثنِي أَبُو بردة ابْن عبد الله بن أبي بردة ... فَذكره.
قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي ﷺ جَالِسا)
إِلَى آخِره مضى فِي الزَّكَاة: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عبد الْوَاحِد حَدثنَا أَبُو بردة بن عبد الله بن أبي بردة حَدثنَا أَبُو بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا جَاءَهُ سَائل أَو: طلبت إِلَيْهِ حَاجَة قَالَ: اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لِسَان نبيه مَا شَاءَ، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي كريب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (الْمُؤمن) التَّعْرِيف فِيهِ للْجِنْس وَالْمرَاد: بعض الْمُؤمن للْبَعْض. قَوْله: (ويشد بعضه بَعْضًا) بَيَان لوجه التَّشْبِيه. قَوْله: (ثمَّ شَبكَ بَين أَصَابِعه) كالبيان للْوَجْه أَي: شداً مثل هَذَا الشد، وَقَالَ ابْن بطال: المعاونة فِي أُمُور الْآخِرَة، وَكَذَا فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة من الدُّنْيَا مَنْدُوب إِلَيْهَا، وَقد ثَبت حَدِيث أبي هُرَيْرَة: وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ الْبعد فِي عون أَخِيه. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي ﷺ جَالِسا) لفظ:
стр. 6627
جَالِسا لَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة الزَّكَاة، وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا وَقع فِي النّسخ من رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَفِي تركيبه قلق، وَلَعَلَّه كَانَ فِي الأَصْل: كَانَ إِذا كَانَ جَالِسا إِذْ جَاءَهُ رجل ... إِلَى آخِره فَحذف اختصاراً، أَو سقط على الرَّاوِي لفظ: إِذا كَانَ، وَقد أخرجه أَبُو نعيم من رِوَايَة إِسْحَاق بن زُرَيْق عَن الْفرْيَابِيّ بِلَفْظ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا جَاءَهُ السَّائِل أَو طَالب الْحَاجة أقبل علينا بِوَجْهِهِ ... الحَدِيث، وَهَذَا السِّيَاق لَا إِشْكَال فِيهِ. قلت: لَا قلق فِي التَّرْكِيب أصلا، وَآفَة هَذَا الْكَلَام من ظن هَذَا الْقَائِل أَن: جَالِسا، خبر كَانَ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا خبر كَانَ هُوَ قَوْله: (أقبل علينا) و: (جَالِسا) نصب على الْحَال من النَّبِي فَافْهَم. قَوْله: (تؤجروا) رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فلتؤجروا، وَالْفَاء على هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْفَاء السبية الَّتِي ينْتَصب بعْدهَا الْفِعْل الْمُضَارع، وَاللَّام بِالْكَسْرِ بِمَعْنى: كي، وَجَاز اجْتِمَاعهمَا لأَنهم لأمر وَاحِد وَتَكون الْفَاء الجزائية لِكَوْنِهِمَا جَوَابا لِلْأَمْرِ وزائدة على مَذْهَب الْأَخْفَش هِيَ عاطفة على: اشفعوا، وَاللَّام لِلْأَمْرِ أَو على مُقَدّر أَي: إشفعوا لتؤجروا فلتؤجروا. نَحْو: ﴿ (٢) إيَّايَ فارهبون﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤٠، والنحل: ٥١) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا فَائِدَة اللَّام؟ قلت: اشفعوا تؤجروا، وَالشّرط مُتَضَمّن للسَّبَبِيَّة، فَإِذا ذكرت اللَّام فقد صرحت بالسببية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: اللَّام وَالْفَاء مقحمان للتَّأْكِيد لِأَنَّهُ لَو قيل: اشفعوا تؤجروا، صَحَّ أَي: إِذا عرض الْمُحْتَاج حَاجَة عَليّ فاشفعوا لَهُ إِلَيّ فَإِنَّكُم إِذا شفعتم حصل لكم الْأجر سَوَاء قبلت شفاعتكم أَو لَا، وَيجْرِي الله على لساني مَا يَشَاء من مُوجبَات قَضَاء الْحَاجة أَو عدمهَا، أَي: إِن قضيتها أَو لم أقضها فَهُوَ بِتَقْدِير الله وقضائه. قَوْله: (وليقض الله) كَذَا ثَبت فِي هَذِه الرِّوَايَة. وليقض بِاللَّامِ وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة الَّتِي بعْدهَا للكشميهني فَقَط، وللباقين بِغَيْر لَام، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر وَحَفْص بن غياث: فليقض أَيْضا.
٣٧ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً﴾ (النِّسَاء: ٨٥) كِفْلٌ: نَصِيبٌ. قَالَ أبُو مُوسَى: كِفْلَيْنِ أجْرَيْنِ، بالحَبَشِيَّةِ.)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى ... إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا﴾ وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره: نزلت هَذِه الْآيَة فِي شَفَاعَة النَّاس بَعضهم لبَعض. قَوْله: ﴿من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة﴾ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا. ﴿يكن لَهُ نصيب مِنْهَا﴾ فِي الْآخِرَة. وَقيل: الشَّفَاعَة الْحَسَنَة الدُّعَاء للْمُؤْمِنين، والسيئة الدُّعَاء عَلَيْهِم، وَالْأَجْر على الشَّفَاعَة لَيْسَ على الْعُمُوم بل مَخْصُوص بِمَا تجوز فِيهِ الشَّفَاعَة، والشفاعة الْحَسَنَة ضابطها مَا أذن فِيهِ الشَّرْع دون مَا لم يَأْذَن فِيهِ، فالآية تدل عَلَيْهِ قَوْله: كفل، أَي: نصيب، وَكَذَا فسره البُخَارِيّ بقوله: (كفل: نصيب) وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: الكفل الْوزر وَالْإِثْم، وَقَالَ ابْن فَارس: الكفل الضعْف. قَوْله: ﴿مقيتاً﴾ أَي: شَاهدا ومطلعاً على كل شَيْء، من أقات الشَّيْء إِذا شهد عَلَيْهِ، وَيُقَال: المقيت خَالق الأفوات الْبَدَنِيَّة والروحانية وموصلها إِلَى الأشباح والأرواح. وَقيل: المقيت المقتدر بلغَة قُرَيْش. قَوْله: (قَالَ أَبُو مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٧٥) يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ (الْحَدِيد: ٢٨) قَالَ: ضعفين، بالحبشية. يَعْنِي: لغتهم فِي ذَلِك وَافَقت لُغَة الْعَرَب.
٥٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه كَانَ إِذا أَتَاهُ السَّائِل أَو صَاحب الْحَاجة قَالَ اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لِسَان رَسُوله مَا شَاءَ) اعاد الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِق عَن أبي مُوسَى عقيب الْآيَة الْمَذْكُورَة تَنْبِيها على أَن الشَّفَاعَة على نَوْعَيْنِ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة كَمَا صرح بذلك وَمضى الْكَلَام فِي رِجَاله وَمَعْنَاهُ قَوْله أوصاحب الْحَاجة فِي رِوَايَة الكشمينى صَاحب حَاجَة بِدُونِ الالف وَاللَّام
стр. 6628
٣٨ - (بَاب لَمْ يَكُنِ النبيُّ ﷺ فاحِشاً وَلَا مَتَفَحِّشاً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (لم يكن)
إِلَى آخِره. قَوْله: (فَاحِشا) ، من الْفُحْش وَهُوَ كل مَا خرج من مِقْدَاره حَتَّى يستقبح وَيدخل فِيهِ القَوْل وَالْفِعْل وَالصّفة، يُقَال: فلَان طَوِيل فَاحش الطول إِذا أفرط فِي طوله، وَلَكِن اسْتِعْمَاله فِي القَوْل أَكثر. قَوْله: وَلَا متفحشاً كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: وَلَا متفاحشاً، والمتفحش بِالتَّشْدِيدِ الَّذِي يتَعَمَّد ذَلِك وَيكثر مِنْهُ ويتكلفه لِأَن هَذَا الْبَاب فِيهِ التَّكَلُّف يَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ ذَلِك أصلا لَا ذاتياً وَلَا عرضياً، حَاصله لم يكن متكلماً بالقبيح أصلا، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْفَاحِش الَّذِي يَقُول الْفُحْش والمتفحش الَّذِي يسْتَعْمل الْفُحْش ليضحك النَّاس، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الْفَاحِش بذيء اللِّسَان.
٦٠٣٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ أخبرَنا عَبْدُ الوَهَّابِ عَنْ أيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ ﵂، أنَّ يَهُودَ أتَوُا النبيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فقالَتْ عائِشَةُ: عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ الله وغَضِبَ الله عَلَيْكُمْ، قَالَ: مَهْلاً يَا عائِشَةُ! عَلَيْكِ بالرِّفْقِ وإيَّاكَ والعُنْفَ والفُحْش. قالَتْ: أوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قالُوا؟ قَالَ: أوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قلتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجابُ لِي فِيهِمْ ولَا يُسْتَجابُ لَهُمْ فِيَّ.
هَذَا الحَدِيث ذكره فِي: بَاب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله، وَأَعَادَهُ هُنَا وَمن فَائِدَة إِعَادَته أَنه ﷺ لما لم يكن فَاحِشا وَلَا متفحشاً أَمر بالرفق وَنهى عَن الْفُحْش والعنف، وَهَذَا هُوَ وَجه ذكره هُنَا.
قَوْله: (حَدثنَا عبد الله بن سَلام) ويروى: حَدثنِي، وَعبد الْوَهَّاب ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
والعنف ضد اللطف وَحكى عِيَاض عَن بعض شُيُوخه: أَن عين العنف مثله وَالْمَشْهُور ضمهَا، وَالْفُحْش التَّكَلُّم بالقبيح. قَوْله: (فيستجاب لي) لِأَنَّهُ بِالْحَقِّ (وَلَا يُسْتَجَاب لَهُم) لِأَنَّهُ بِالْبَاطِلِ وَالظُّلم. قَوْله: (فِي) بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء.
٦٠٣١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ: أَخْبرنِي ابنُ وَهْبٍ أخبرنَا أَبُو يَحْياى هُوَ فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ عَنْ هِلالِ بنِ أُسامَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النبيُّ ﷺ ، سَبَّاباً ولَا فَحَّاشاً وَلَا لَعَّاناً، كانَ يَقُولُ لأحَدِنا عِنْدَ المَعْتَبَةِ: مالَهُ؟ تَرِبَ جَبِينُهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٣١ طرفه فِي: ٦٠٤٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وإصبغ هُوَ ابْن الْفرج الْمصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وهلال بن أُسَامَة هُوَ هِلَال
стр. 6629
ابْن عَليّ وَيُقَال: هِلَال بن هِلَال، وهلال بن أبي مَيْمُونَة الْمَدِينِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (سباباً) على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ وَكَذَلِكَ الفحاش وَاللّعان. فَإِن قلت: صِيغَة فعال بِالتَّشْدِيدِ لَا تَسْتَلْزِم نفي صِيغَة فَاعل، وَالنَّبِيّ لم يَتَّصِف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء أصلا لَا بِقَلِيل وَلَا بِكَثِير. قلت: هَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ (١٤) وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ (فصلت: ٤٦) وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة؟ قلت: يحْتَمل أَن تكون اللَّعْنَة مُتَعَلقَة بِالآخِرَة لِأَنَّهَا هِيَ الْبعد عَن رَحْمَة الله تَعَالَى، والسب يتَعَلَّق بِالنّسَبِ كالقذف وَالْفُحْش بالحسب. قَوْله: (عِنْد المعتبة) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسرهَا وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ مصدر عتبت عَلَيْهِ أعتبه عتباً قَالَ الْجَوْهَرِي: عتب عَلَيْهِ وجد تعتب وتعتب ومعتباً وَالِاسْم المعتبة والمعتبة وَقَالَ الْخَلِيل: العتاب معاتبة الأول ومذاكرة الموجدة تَقول: عاتبه معاتبة. قَالَ الشَّاعِر:
وَيبقى الود مَا بقى العتاب
قَوْله: (مَاله؟ اسْتِفْهَام وترب جَبينه) إِذا أَصَابَهُ التُّرَاب، وَيُقَال: تربت يداك على الدُّعَاء أَي: لَا أصبت خيرا. وَقَالَ الْخطابِيّ هَذَا الدُّعَاء يحْتَمل وَجْهَيْن: الأول: أَن يخر لوجهه فَيُصِيب التُّرَاب جَبينه. وَالْآخر: أَن يكون دُعَاء لَهُ بِالطَّاعَةِ ليُصَلِّي فيتترب جَبينه، وَقيل: الجبينان هما اللَّذَان يكتنفان الْجَبْهَة فَمَعْنَاه صرع لجنبه فَيكون سُقُوط رَأسه على الأَرْض من نَاحيَة الجبين. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذِه كلمة جرت على لِسَان الْعَرَب وَلَا يُرَاد حَقِيقَتهَا.
٦٠٣٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عِيسَى حَدثنَا مُحَمَّد بنُ سَواءٍ حَدثنَا رَوْحُ بنُ القاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النبيِّ ﷺ فَلَمَّا رآهُ قَالَ: بِئْسَ أخُو العَشِيرَةِ وبِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النبيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وانْبَسَطَ إلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قالَتْ لَهُ عائِشَةُ: يَا رسُولَ الله ﴿حِينَ رأيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وجْهِهِ وانْبَسَطْتَ إلَيْهِ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : يَا عائِشَةَ﴾ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشاً؟ إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ الله مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ شَرِّهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَتى عهدتني فحاشاً) . وَعَمْرو بن عِيسَى أَبُو عُثْمَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي كتاب الصَّلَاة، وَمُحَمّد بن سَوَاء بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وبالمد أَبُو الْخطاب السدُوسِي المكفوف، لَهُ عِنْد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي المناقب، وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن الْقَاسِم مَشْهُور كثير الحَدِيث، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر على وزن إسم الْفَاعِل من الانكدار.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن صَدَقَة بن الْفضل وقتيبة. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة) وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: سَمِعت عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته. قَوْله: (أَن رجلا) قَالَ ابْن بطال: هُوَ عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ، وَكَانَ يُقَال لَهُ: الأحمق المطاع، فَرح ﷺ ، بإقباله عَلَيْهِ قبل أَن يسلم قومه، وَجَاء حِين أقبل على الشّرك وَترك حَدِيثه مَعَ ابْن أم مَكْتُوم، فَأنْزل الله : وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (عبس: ١ ٢) وَأخرج عبد الْغَنِيّ من طَرِيق أبي عَامر الخزاز عَن أبي يزِيد الْمدنِي عَن عَائِشَة قَالَت: جَاءَ مخرمَة بن نَوْفَل يسْتَأْذن، فَلَمَّا سمع النَّبِي ﷺ ، صَوته قَالَ: بئس أَخُو الْعَشِيرَة ... الحَدِيث. وَحكى الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ فِي (مُخْتَصره) الفولين، فَقَالَ: هُوَ عُيَيْنَة، وَقيل: مخرمَة. قَوْله: (بئس أَخُو الْعَشِيرَة وَبئسَ ابْن الْعَشِيرَة) وَفِي رِوَايَة معمر: بئس أَخُو الْقَوْم، وَقَالَ عباض: المُرَاد بالعشيرة الْجَمَاعَة والقبيلة أَي: بئس هَذَا الرجل مِنْهَا، وَهُوَ كَقَوْلِك: يَا أَخا الْعَرَب، لرجل مِنْهُم، وَهَذَا الْكَلَام من أَعْلَام النُّبُوَّة لِأَنَّهُ ارْتَدَّ بعده ﷺ ، وَجِيء بِهِ أَسِيرًا إِلَى أبي بكر ﵁. قَوْله: (تطلق) على وزن تفعل من العلاقة أَي: انْشَرَحَ وانبسط، وَمِنْه يُقَال: وَجه طلق وطليق أَي: مسترسل منبسط غير عبوس. قَوْله: (مَتى عهدتني فحاشاً) ؟ هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني: فحاشاً، بِصِيغَة الْمُبَالغَة وَفِي رِوَايَة غَيره: فَاحِشا. قَوْله: (اتقاء شَره) أَي: لأجل الاتقاء عَن شَره.
وَفِيه
стр. 6630
مداراة من يتقى فحشه، وَجَوَاز غيبَة الْفَاسِق الْمُعْلن بِفِسْقِهِ، وَمن يحْتَاج النَّاس إِلَى التحذير مِنْهُ، وَهَذَا الحَدِيث أصل فِي المداراة وَفِي جَوَاز غيبَة أهل الْكفْر وَالْفِسْق والظلمة وَأهل الْفساد.
٣٩ - (بابُ حُسْنِ الخُلُقِ والسَّخاءِ وَمَا يُكْرَهُ منَ البُخْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حسن الْخلق، وَفِي بَيَان السخاء وَفِي بَيَان مَا يكره من الْبُخْل، والخلق بِالضَّمِّ وَسُكُون اللَّام وَبِضَمِّهَا قَالَ الرَّاغِب: الْخلق والخلق يَعْنِي بِالضَّمِّ وَالْفَتْح فِي الأَصْل بِمَعْنى وَاحِد كالشرب وَالشرب، لَكِن خص الْخلق الَّذِي بِالْفَتْح بالهيآت والصور المدكرة بالبصر، وَخص الْخلق الَّذِي بِالضَّمِّ بالقوى والسجايا المدكرة بالبصيرة، وَأما السخاء فَهُوَ إِعْطَاء مَا يَنْبَغِي لمن يَنْبَغِي، وبذل مَا يقتنى بِغَيْر عوض، وَهُوَ من جملَة محَاسِن الْأَخْلَاق بل هُوَ من أعظمها. وَأما الْبُخْل فَهُوَ ضِدّه وَلَيْسَ من صِفَات الْأَنْبِيَاء وَلَا أجلة الْفُضَلَاء، وَقيل: الْبُخْل منع مَا يطْلب مِمَّا يقتنى وشره مَا كَانَ طَالبه مُسْتَحقّا وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ من غير مَال المسؤول. فَإِن قلت: مَا معنى قَوْله: وَمَا يكره من الْبُخْل؟ وَزَاد فِيهِ لفظ: مَا يكره؟ قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن بعض مَا يجوز إِطْلَاق إسم الْبُخْل عَلَيْهِ قد لَا يكون مذموماً.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: كانَ النبيُّ ﷺ أجْوَدَ الناسِ وأجْوَدُ مَا يَكونُ فِي رَمَضانَ
هَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْإِيمَان. قَوْله: وأجود مَا يكون (يجوز بِالرَّفْع وَالنّصب، قَالَه الْكرْمَانِي، وَلم يبين وجههما. قلت: أما الرّفْع فَهُوَ أَكثر الرِّوَايَات وَوَجهه أَن يكون مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، وَكلمَة: مَا مَصْدَرِيَّة نَحْو قَوْلك: أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما، أَي: أَجود أكوان الرَّسُول حَاصِل. أَو وَاقع. فِي رَمَضَان، وَأما النصب فبتقدير لفظ: كَانَ، أَي: كَانَ أَجود الْكَوْن فِي شهر رَمَضَان، وَأما كَون أكثرية جوده فِي شهر رَمَضَان فَلِأَنَّهُ شهر عَظِيم وَفِيه الصَّوْم وَفِيه لَيْلَة الْقدر وَالصَّوْم أشرف الْعِبَادَات فَلذَلِك قَالَ: (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) ، فَلَا جرم أَنه يتضاعف ثَوَاب الصَّدَقَة وَالْخَيْر فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيّ: تسبيحه فِي رَمَضَان خير من سبعين فِي غَيره.
وَقَالَ أبُو ذَرّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النبيِّ ﷺ قَالَ لأخِيهِ: إرْكَبْ إِلَيّ هاذَا الوادِي فاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: رأيْتُهُ يأمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلَاقِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بمكارم الْأَخْلَاق) لِأَن حسن الْخلق والسخاء من مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي قصَّة إِسْلَام أبي ذَر مطولا. قَوْله: (إِلَى هَذَا الْوَادي) أَرَادَ بِهِ مَكَّة. قَوْله: (فَرجع) فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَأتى النَّبِي ﷺ ، وَسمع مِنْهُ ثمَّ رَجَعَ، وَالْفَاء فِيهِ فصيحة. قَوْله: (يَأْمر بمكارم الْأَخْلَاق) أَي: الْفَضَائِل والمحاسن لَا الرذائل والقبائح. قَالَ ﷺ : (بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق) .
٦٠٣٣ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَوْنٍ حَدثنَا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ وأجْوَدَ النَّاسِ وأشْجَعَ النَّاسِ، ولَقَدْ فَزِعَ أهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فاسْتَقْبَلَهُمُ النبيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهْوَ يَقُولُ: لَنْ تُراعُوا لَنْ تُراعُوا، وَهْوَ عَلَى فَرَس لأبي طَلْحَةَ عُرْي مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْراً أوْ إنَّهُ لَبَحْرٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن عون بن أويس السّلمِيّ الوَاسِطِيّ نزل الْبَصْرَة.
وَمضى الحَدِيث فِي الْجِهَاد فِي: بَاب إِذا فزعوا بِاللَّيْلِ.
قَوْله: (أحسن النَّاس) ذكر أنس هَذِه الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة مُقْتَصرا عَلَيْهَا وَهِي من جَوَامِع الْكَلم لِأَنَّهَا أُمَّهَات الْأَخْلَاق، فَإِن فِي كل إِنْسَان ثَلَاث قوى: الغضبية والشهوية والعقلية فكمال الْقُوَّة الغضبية الشجَاعَة، وَكَمَال الْقُوَّة الشهوية الْجُود، وَكَمَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة الْحِكْمَة، وَالْأَحْسَن إِشَارَة إِلَيْهِ إِذْ مَعْنَاهُ أحسن فِي الْأَفْعَال والأقوال. قَوْله: (فزع) أَي: خَافَ أهل
стр. 6631
الْمَدِينَة لما سمعُوا صَوتا بِاللَّيْلِ. قَوْله: (ذَات لَيْلَة) لفظ ذَات مقحمة. قَوْله: (قبل الصَّوْت) بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: جِهَة الصَّوْت. قَوْله: (فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِي ﷺ أَي: بعد أَن سبقهمْ إِلَى الصَّوْت ثمَّ رَجَعَ يستقبلهم. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) الْوَاو وَفِيه للْحَال. قَوْله: (لن تراعوا) أَي: لَا تراعوا، جحد بِمَعْنى النَّهْي أَي لَا تفزعوا، وَهِي كلمة تقال عِنْد تسكين الروع تأنيساً وإظهاراً للرفق بالمخاطب. قَوْله: (على فرس) اسْمه مَنْدُوب، وَكَانَ لأبي طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم أنس. قَوْله: (عُري) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء. قَوْله: (مَا عَلَيْهِ سرج) تَفْسِير عري. قَوْله: (بجراً أَي) : وَاسع الجري مثل الْبَحْر.
٦٠٣٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عَنِ ابنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جابِراً ﵁، يَقُولُ: مَا سُئِلَ النبيُّ ﷺ ، عَنْ شَيْء قَطُّ فَقَالَ: لَا.
مُطَابقَة الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن أبي كريب وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن بنْدَار.
قَوْله: (مَا سُئِلَ النَّبِي ﷺ أَي: مَا طلب مِنْهُ شَيْء من أَمْوَال الدُّنْيَا، قَالَ الفرزدق:
(مَا قَالَ: لَا قطّ إلَاّ فِي تشهدهلولا التَّشَهُّد كَانَت لاؤه: نعم)
قَوْله: (عَن شَيْء) ويروى: شَيْئا.
٦٠٣٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: حَدثنِي شَقِيقٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ: كُنَّا جلُوساً مَعَ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ ويحَدِّثُنا إذْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رسولُ الله ﷺ فاحِشاً وَلَا مُتَفَحِّشاً، وإنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّ خِيارَكمْ أحاسِنُكُمْ أخْلاقاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها، يروي عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن مَسْرُوق بن الأجدع.
والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
قَوْله: (إِن خياركم) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: إِن من خياركم، ويروى: إِن من أخياركم. قَوْله: (أحاسنكم) جمع أحسن، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أحسنكم بِالْإِفْرَادِ، وَعَن أنس رَفعه: أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا، رَوَاهُ أَبُو يعلى، وَعَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: إِن من أكمل الْمُؤمنِينَ أحْسنهم خلقا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه، وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ، وَعَن جَابر بن سَمُرَة مثله، رَوَاهُ أَحْمد وَعَن جَابر ﵁، رَفعه: إِن من أحبكم إِلَيّ وأقربكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة أحسنكم أَخْلَاقًا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. واخرج ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أُسَامَة بن شريك، قَالُوا: يَا رَسُول الله ﴿من أحب عباد الله إِلَى الله؟ قَالَ: أحْسنهم خلقا.
٦٠٣٦ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدثنِي أبُو حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى النبيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقَالَ القَوْمُ: هِيَ شَمْلَة فَقَالَ سَهْلٌ: هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسوجَةٌ فِيها حاشيَتُها، فقالَتْ: يَا رسولَ الله﴾ أكْسُوكَ هاذِهِ، فأخَذَها النبيُّ ﷺ ، مُحْتاجاً إلَيْها فَلَبِسَها، فَرَآها عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! مَا أحْسَنَ هاذِهِ فاكْسُنِيها، فَقَالَ: نَعَمْ، فَلمَّا قامَ النبيُّ ﷺ لأمَّهُ أصْحابُهُ، قَالُوا: مَا أحْسَنْتَ حِينَ رَأيْتَ النبيَّ ﷺ أخَذَها مُحْتاجاً إلَيْها ثُمَّ سألْتَهُ إيَّاها، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ لَا يُسْئَلُ شَيْئاً فَيَمْنَعَهُ، فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَها حِينَ لَبِسَها النبيُّ ﷺ لَعَلِّي أكَفَّنُ فِيها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِنَّه مُتَضَمّن معنى حسن الْخلق والسخاء يفهمهُ من لَهُ فهم ذكي.
وَأَبُو غَسَّان مُحَمَّد بن
стр. 6632
مطرف، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب من استعد الْكَفَن فِي زمن النَّبِي ﷺ وَفِيه ذكر الْبردَة والشملة، فالبردة كسَاء أسود مربع تلبسه الْأَعْرَاب، والشملة الكساء الَّذِي يشْتَمل بِهِ، وَقد فسر فِي الحَدِيث الْبردَة بالشملة المنسوجة فِيهَا حاشيتها يَعْنِي أَنَّهَا لم تقلع من برد وَلَكِن فِيهَا حاشيتها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْبردَة تكون من صوف وكتان وقطن وَتَكون صَغِيرَة كالمئزر وكبيرة كالرداء.
قَوْله: (سَأَلته إِيَّاهَا) فِيهِ اسْتِعْمَال ثَانِي الضميرين مُنْفَصِلا وَهُوَ الْمُتَعَيّن هُنَا فِرَارًا عَن الاستثقال. إِذْ لَو كَانَ مُتَّصِلا لصار هَكَذَا: سألتهها، وَقَالَ ابْن مَالك: وَالْأَصْل أَن لَا يسْتَعْمل الْمُنْفَصِل إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة وَهُوَ تعذر الْمُتَّصِل لِأَن الِاتِّصَال أخص وَأبين، لَكِن إِذا اخْتلف الضَّمِير إِن تَفَاوتا فَالْأَحْسَن الِانْفِصَال نَحْو هَذَا، فَإِن اخْتلفَا بالرتبة جَازَ الِاتِّصَال والانفصال مثل: اعطيتكه، وأعطيتك إِيَّاه.
٦٠٣٧ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبَرَنِي حُمَيْدُ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ لله ﷺ : يَتَقارَبُ الزَّمانُ ويَنْقُصُ العَمَلُ ويُلْقَى الشُّحُّ ويَكْثُرُ الهَرْجُ قَالُوا: وَمَا الهَرْجُ؟ قَالَ: القَتْلُ القَتْلُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ويلقى الشُّح) . وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَقد تكَرر هَذَا الْإِسْنَاد فِيمَا مضى.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفِتَن عَن أَحْمد بن صَالح.
قَوْله: (يتقارب الزَّمَان) قَالَ الْخطابِيّ: أَرَادَ بِهِ دنو مَجِيء السَّاعَة، أَي: إِذا أدنا كَانَ من أشراطها نقص الْعَمَل وَالشح والهرج أَو قصر مُدَّة الْأَزْمِنَة عَمَّا جرت بِهِ الْعَادة فِيهَا، وَذَلِكَ من عَلَامَات السَّاعَة إِذا طلعت الشَّمْس من مغْرِبهَا أَو قصر أزمنة الْأَعْمَار أَو تقَارب أَحْوَال النَّاس فِي غَلَبَة الْفساد عَلَيْهِم، وَقَالَ: لفظ الْعَمَل إِن كَانَ مَحْفُوظًا وَلم يكن مَنْقُولًا عَن الْعلم إِلَيْهِ فَمَعْنَاه عمل الطَّاعَات لاشتغال النَّاس بالدنيا، وَقد يكون معنى ذَلِك ظُهُور الْخِيَانَة فِي الْأَمَانَات، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: يحْتَمل أَن يُرَاد بتقارب الزَّمَان تسارع الدول إِلَى الِانْقِضَاء والقرون إِلَى الانقراض. قَوْله: (وَينْقص الْعَمَل) وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَينْقص الْعلم وَهُوَ الْمَعْرُوف. قَوْله: (ويلقى) على صِيغَة الْمَجْهُول (وَالشح) بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ الْبُخْل، وَقيل: بَينهمَا فرق، وَهُوَ أَن الشُّح بخل مَعَ حرص فَهُوَ أخص من الْبُخْل. قَوْله: (الْهَرج) بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وبالجيم وَقد فسره فِي الحَدِيث بقوله: (الْقَتْل) ذكره مكرراً، قَالَ الْخطابِيّ: هُوَ بِلِسَان الحبشية، وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ الْفِتْنَة والاختلاط وَقد هرج النَّاس يهرجون بِالْكَسْرِ هرجاً، وَكَذَا ذكره الْهَرَوِيّ.
٦٠٣٨ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ سَمِعَ سَلَاّمَ بنَ مِسْكِينِ قَالَ: سَمِعْتُ ثابِتاً يَقُولُ: حَدثنَا أنَسٌ ﵁، قَالَ: خَدَمْتُ النبيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَما قَالَ لي: أفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ، وَلَا: ألَاّ صَنَعْتَ؟
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على حسن خلق النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ مُطَابق للجزء الأول للتَّرْجَمَة.
وَسَلام بتَشْديد اللَّام ابْن مِسْكين النمري، وثابت هُوَ الْبنانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن شَيبَان ابْن فروخ.
قَوْله: (عشر سِنِين) فَإِن قلت: فِي حَدِيث مُسلم من طَرِيق إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة عَن أنس: وَالله لقد خدمته تسع سِنِين. قلت: إِنَّمَا خدم أنس رَسُول الله ﷺ بعد قدوم الْمَدِينَة بأشهر فَيكون تسع سِنِين وَأشهر، فَفِي رِوَايَة تسع سِنِين ألغى الْكسر، وَفِي رِوَايَة عشر سِنِين جبره، قَوْله: (فَمَا قَالَ لي: أُفٍّ) هُوَ صَوت إِذا صَوت بِهِ الْإِنْسَان علم أَنه متضجر متكره. وَفِيه سِتّ لُغَات: بالحركات الثَّلَاث بِالتَّنْوِينِ وَعَدَمه، وَذكر أَبُو الْحسن الرماني فِيهَا لُغَات كَثِيرَة فَبلغ تسعا وَثَلَاثِينَ، ونقلها ابْن عَطِيَّة، وَزَاد وَاحِدَة لتكملة أَرْبَعِينَ، وَقد سردها أَبُو حَيَّان فِي تَفْسِيره الممى (بالبحر) وَلم نذكرها طلبا للاختصار. وَقَالَ الرَّاغِب: أصل الأف كل مستقذر من وسخ كقلامة الظفر وَنَحْوهَا، وَيسْتَعْمل مِنْهُ الْفِعْل يُقَال: أففت لفُلَان تأفيفاً وأففت بِهِ إِذا قلت لَهُ: أُفٍّ لَك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَقع بِالتَّنْوِينِ. قَوْله: (وَلَا: لم صنعت؟) أَي: وَلَا قَالَ لي: لم صنعت كَذَا لشَيْء من
стр. 6633
الْأَشْيَاء. قَوْله: (وَلَا: أَلا صنعت) أَي: وَلَا قَالَ لي: أَلا صنعت؟ بتَشْديد اللَّام بِمَعْنى: هلا صنعت؟ وَفِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب: مَا قَالَ لشَيْء صَنعته لم صنعت هَذَا كَذَا؟ وَلَا لشَيْء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هَذَا كَذَا؟
٤٠ - (بابٌ كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُل فِي أهْلِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ يكون حَال الرجل فِي أَهله يَعْنِي: إِذا كَانَ الرجل فِي بَيته بَين أَهله كَيفَ يعْمل من أَعمال نَفسه وَمن أَعمال الْبَيْت، على مَا يَجِيء فِي حَدِيث الْبَاب.
٦٠٣٩ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ قَالَ: سألْتُ عائِشَةَ: مَا كَانَ النبيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي أهْلِهِ؟ قالَتْ: كَانَ فِي مهْنَةِ أهْلِهِ فَإِذا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قامَ إِلَى الصَّلاةِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٧٦ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح مَا كَانَ من الْإِبْهَام فِي التَّرْجَمَة.
وَالْحكم بفتحين ابْن عتيبة مصغر العتبة وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود بن يزِيد خالٍ إِبْرَاهِيم.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة عَن آدم وَفِي النَّفَقَات عَن مُحَمَّد بن عرْعرة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن هناد.
قَوْله: (فِي مهنة) بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا، وَأنكر الْأَصْمَعِي الْكسر وفسرها بِخِدْمَة أَهله، وَعَن هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه قلت لعَائِشَة: مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يصنع فِي بَيته؟ قَالَت: يخيط ويخصف فعله وَيعْمل مَا يعْمل الرِّجَال فِي بُيُوتهم، رَوَاهُ أَحْمد وَصَححهُ ابْن حبَان، وَلأَحْمَد من رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة بِلَفْظ: مَا كَانَ إلَاّ بشرا من الْبشر، كَانَ يفلي ثَوْبه ويحلب شاته ويخدم نَفسه.
٤١ - (بابُ المِقَةِ مِنَ الله تَعَالَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان المقة الثَّابِتَة من الله ، والمقة بِكَسْر الْمِيم الْمحبَّة، وَهُوَ من ومق يمق مقة أَصله: ومق حذفت الْوَاو مِنْهُ تبعا لفعله وعوضت عَنْهَا الْهَاء، وَهُوَ على وزن عِلّة لِأَن الْمَحْذُوف فِيهِ فَاء الْفِعْل كعدة أَصْلهَا: وعد، فعل بِهِ كَذَلِك.
٦٨ - (حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِذا أحب الله عبدا نَادَى جِبْرِيل إِن الله يحب فلَانا فَأَحبهُ فَيُحِبهُ جِبْرِيل فنادي جِبْرِيل فِي أهل السَّمَاء إِن الله يحب فلَانا فَأَحبُّوهُ فَيُحِبهُ أهل السَّمَاء ثمَّ يوضع لَهُ الْقبُول فِي أهل الأَرْض) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن مُحَمَّد بن سَلام فِي بَاب ذكر الْمَلَائِكَة قَوْله فَأَحبهُ بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة قَوْله فِي أهل السَّمَاء وَفِي حَدِيث ثَوْبَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي أهل السَّمَوَات السَّبع قَوْله الْقبُول أَي قبُول قُلُوب الْعباد ومحبتهم لَهُ وميلهم إِلَيْهِ ورضاهم عَنهُ وَيفهم مِنْهُ أَن محبَّة قُلُوب النَّاس عَلامَة محبَّة الله وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن ومحبة الله إِرَادَة الْخَيْر ومحبة الْمَلَائِكَة استغفارهم لَهُ وإرادتهم خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَهُ أَو ميل قُلُوبهم إِلَيْهِ وَذَلِكَ لكَونه مُطيعًا لله تَعَالَى محبوبا لَهُ
٤٢ - (بَاب الحُبِّ فِي الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحبّ فِي الله أَي: فِي ذَات الله لَا يشوبه الرِّيَاء والهوى.
٦٩ - (حَدثنَا آدم حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَا يجد أحد حلاوة الْإِيمَان حَتَّى يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَحَتَّى أَن يقذف فِي النَّار أحب إِلَيْهِ من أَن يرجع إِلَى الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله وَحَتَّى يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا)
стр. 6634
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْإِيمَان فِي بَاب حب رَسُول الله ﷺ َ - من الْإِيمَان عَن أبي الْيَمَان وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن آدم وَفِي بَاب حلاوة الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَفِي بَاب من كره أَن يعود فِي الْكفْر وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصى قَوْله حلاوة الْإِيمَان شبه الْإِيمَان بالعسل بِجَامِع ميل الْقلب إِلَيْهِمَا وَأسْندَ إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص الْعَسَل فَهُوَ اسْتِعَارَة قَوْله الْمَرْء بِالنّصب قَوْله أحب إِلَيْهِ من أَن يرجع فصل بَين الأحب وَكلمَة من لِأَن فِي الظّرْف توسعة قيل الْمحبَّة أَمر طبيعي لَا يدْخل تَحت الِاخْتِيَار وَأجِيب بِأَن المُرَاد الْحبّ الْعقلِيّ الَّذِي هُوَ إِيثَار مَا يَقْتَضِي الْعقل رجحانه ويستدعي اخْتِيَاره وَإِن كَانَ خلاف الْهوى كَالْمَرِيضِ يعاف الدَّوَاء ويميل إِلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ قَوْله مِمَّا سواهُمَا أَي مِمَّا سوى الله وَرَسُوله قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت فَمَا الْفرق بَينه وَبَين مَا قَالَ ﷺ َ - لمن قَالَ وَمن يعصهما فقد غوى بئس الْخَطِيب أَنْت قلت هُوَ أَن الْمُعْتَبر هُوَ الْمركب من المحبتين لَا كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فَإِنَّهَا وَحدهَا ضائعة بِخِلَاف الْمعْصِيَة فَإِن كل وَاحِد من العصيانين مُسْتَقل باستلزام الغواية
٤٣
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُو اْ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُواْ بِالَاْلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاِْيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: ١١) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله ... إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يسخر قوم من قوم﴾ الْآيَة. وللنسفي مثل مَا ذكر إِلَى قَوْله: ﴿هم الظَّالِمُونَ﴾ وَلم يذكر الْآيَة فِي رِوَايَة غَيرهمَا وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّوْضِيح) : بَاب قَول الله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يسخر قوم من قوم عَسى﴾ ، إِلَى (الظَّالِمُونَ) قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يسخر قوم من قوم﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَعْنِي لَا يطعن بَعضهم على بعض أَي لَا يستهزىء قوم بِقوم عَسى أَن يَكُونُوا خيرا مِنْهُم عِنْد الله. قَالُوا: إِن بعض الصَّحَابَة اسْتَهْزَأَ بفقراء الصّفة، وَأَزْوَاج النَّبِي ﷺ ، عيرن أم سَلمَة بِالْقصرِ، وَأَن صَفِيَّة بنت حييّ أَنْت النَّبِي ﷺ ، فَقَالَت: إِن النِّسَاء يُعَيِّرْنَنِي وَيَقُلْنَ: يَا يَهُودِيَّة بنت يهوديين، فَقَالَ ﷺ : هلا قلت: إِن أبي هَارُون وَعمي مُوسَى وَإِن زَوجي مُحَمَّد؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَوْله: (وَلَا تلمزوا أنفسهكم) للمز الطعْن وَالضَّرْب بِاللِّسَانِ وَمَعْنَاهُ: لَا تَفعلُوا مَا تلمزون بِهِ لِأَن من فعل مَا اسْتحق بِهِ اللمز فقد لمن نَفسه حَقِيقَة. قَوْله: ﴿وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ﴾ التَّنَابُز بِالْأَلْقَابِ التداعي بهَا، تفَاعل من نبزه. والنبز اللقب السوء، وَلما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وجدهم بألقاب يدعونَ بهَا فَجعل الرجل يَدْعُو الرجل بلقبه، فَقيل: يَا رَسُول الله إِنَّهُم يكْرهُونَ هَذَا. فَنزلت: ﴿وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ﴾ واللقب الْمنْهِي عَنهُ هُوَ اللقب السوء، وَأما اللقب الَّذِي فِيهِ التنويه بالْحسنِ فَلَا بَأْس بِهِ، كَمَا قيل لأبي بكر عَتيق، ولعمر فاروق، ولعثمان ذُو النورين، ولعلي أَبُو تُرَاب، ولخالد سيف الله ... وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: ﴿بئس الإسم الفسوق﴾ أَي: بئس الإسم أَن يُقَال: يَا يَهُودِيّ يَا نَصْرَانِيّ وَقد آمن، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿بعد الْإِيمَان﴾ . قَوْله: ﴿وَمن لم يتب﴾ أَي: من التَّنَابُز ﴿فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ أَي: الضارون لأَنْفُسِهِمْ بمعصيتهم.
٦٠٤٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ هِشامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ، قَالَ نَهاى النبيُّ ﷺ أنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الأنْفُسِ. وَقَالَ: بِمَ يَضْرِبُ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ ضَرْبَ الفَحْلِ ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعانِقُها؟
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَوُهَيْبٌ وأبُو مُعاوِيَةَ عَنْ هِشامٍ: جَلْدَ العَبْدِ.
الْمُنَاسبَة بَين الحَدِيث وَالْآيَة الْكَرِيمَة هِيَ أَن ضحك الرجل مِمَّا يخرج من الْأَنْفس فِيهِ معنى الِاسْتِهْزَاء والسخرية.
وَعلي ابْن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عبد الله بن زَمعَة بالزاي وَالْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات، وَقيل بِسُكُون الْمِيم ابْن الْأسود الْقرشِي، توفّي النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة، وَتَمام هَذَا الحَدِيث على ثَلَاث قصَص: الْقِصَّة الأولى: قصَّة عقر النَّاقة. وَالثَّانيَِة: قصَّة النَّهْي عَن الضحك
стр. 6635
مِمَّا يخرج من الْإِنْسَان. وَالثَّالِثَة: قصَّة النَّهْي عَن جلد الْمَرْأَة. وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة: ﴿الشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ الثَّلَاثَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرج فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈، بالقصة الأولى عَن الْحميدِي، وَأخرج هُنَا بالقصة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة، وَأخرج فِي النِّكَاح الْقِصَّة الثَّالِثَة. وَأخرج مُسلم فِي صفة النَّار عَن ابْن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرج التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هَارُون بن إِسْحَاق. وَأخرج النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن رَافع وَغَيره. وَأخرج ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمضى الْكَلَام فِي كل مَوضِع مِنْهَا.
قَوْله: (مِمَّا يخرج من الْأَنْفس) أَي: من الضراط لِأَنَّهُ قد يكون بِغَيْر الِاخْتِيَار، وَلِأَنَّهُ أَمر مُشْتَرك بَين الْكل. قَوْله: (ضرب الْفَحْل) أَي: كضرب الْفَحْل. قَوْله: (يعانقها) أَي: يضاجعها.
قَوْله: (وَقَالَ الثَّوْريّ) هُوَ سُفْيَان الثَّوْريّ، وهيب مصغر وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي يَعْنِي: هَؤُلَاءِ رووا عَن هِشَام بن عُرْوَة ضرب العَبْد مَكَان ضرب الْفَحْل، أما تَعْلِيق الثَّوْريّ فوصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأما تَعْلِيق وهيب فوصله البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير، وَأما تَعْلِيق أبي مُعَاوِيَة فوصله أَحْمد وَإِسْحَاق كَذَلِك.
٦٠٤٣ - حدَّثني مُحَمَّدَ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَزِيدُ بنُ هارُونَ أخبرنَا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ بِمِنًى: أتَدْرُونَ أيُّ يعلأْمٍ هاذا؟ قَالُوا: الله ورسولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: فإنَّ هاذَا يَوْمٌ حَرامٌ. أفَتَدْرُونَ أيُّ بَلَدٍ هاذا؟ قَالُوا: الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: بَلَدٌ حَرامٌ. أتَدْرُونَ أيُّ شَهْرٍ هاذا؟ قَالُوا: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: شَهْرٌ حَرامٌ. قَالَ: فإنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِماءَكُمْ وأمْوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هاذا، فِي شَهْرِكُمْ هاذا، فِي بَلَدِكُمْ هاذا.
وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْآيَة الْمَذْكُورَة من حَيْثُ إِن فِيهِ حُرْمَة الْعرض الَّتِي تتضمنها الْآيَة الْكَرِيمَة أَيْضا على مَا لَا يخفي على الفطن، وَعَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر ﵃، وَعَاصِم هَذَا يروي عَن أَبِيه عَن جده عبد اللهابن عمر.
وَمضى هَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب الْخطْبَة أَيَّام منى، وَأخرج مثله أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس وَعَن أبي بكرَة، وَأخرج أَيْضا عَنهُ فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : رب مبلغ أوعى من سامع، وَمضى الْكَلَام فِي هَذِه الْمَوَاضِع.
قَوْله: (أَي يَوْم هَذَا؟) هُوَ يَوْم منى، والبلد هُوَ مَكَّة، والشهر هُوَ ذُو الْحجَّة، وَهُوَ من الْأَشْهر الْحرم. قَوْله: (أعراضكم) جمع عرض بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان، وَإِنَّمَا قدم السُّؤَال عَنْهَا تذكاراً للْحُرْمَة، لأَنهم لَا يرَوْنَ اسْتِبَاحَة تِلْكَ الْأَشْيَاء وانتهاك حرمتهَا بِحَال.
٤٤ - (بابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ السِّبابِ واللَّعْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا نهى عَنهُ من السباب بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة، وَيحْتَمل هَذَا أَن يكون من بَاب المفاعلة، وَأَن يكون بِمَعْنى السب أَي الشتم وَهُوَ التَّكَلُّم فِي شَأْن الْإِنْسَان بِمَا يعِيبهُ واللعن هُوَ التبعيد عَن رَحْمَة الله ، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: من السباب، هِيَ رِوَايَة أبي ذَر والنسفي وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا كلمة: عَن بدل: من، وَهُوَ الْأَوْجه.
٦٠٤٤ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُور قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وائِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتالهُ كُفْرٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب خوف الْمُؤمن من أَن يحبط عمله. قَوْله: (فسوق) أَي: خُرُوج عَن طَاعَة الله تَعَالَى. قَوْله: (وقتاله) أَي: الْمُقَاتلَة الْحَقِيقِيَّة أَو الْمُخَاصمَة. قَوْله: (كفر) أَي: كفران حُقُوق الْمُسلمين، أَو مَعَ قيد الاستحلال.
تابَعَه غُنْدَر عَنْ شُعْبَةَ
стр. 6636
أَي: تَابع سُلَيْمَان بن حَرْب غنْدر وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر فِي رِوَايَته عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور إِلَى آخِره، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن غنْدر بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، لَكِن قَالَ فِيهِ: عَن شُعْبَة عَن زبيد وَمَنْصُور زَاد فِيهِ زبيداً بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن الْحَارِث الْكُوفِي.
٦٠٤٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حَدثنَا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ حدّثنا هِلَالُ بنُ عَلِيّ عَنْ أنَس قَالَ: لَمْ يَكُنْ رسولُ الله ﷺ فاحِشاً وَلَا لَعَّاقاً ولَا سَبَّاباً، كانَ يَقُولُ عِنْدَ المَعْتَبَةِ: مالَهُ؟ تَرِبَ جَبِينُهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٣١) .
هَذَا الحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب لم يكن النَّبِي ﷺ ، فَاحِشا وَلَا متفحشاً فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إصبغ بن وهب عَن فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ، هَكَذَا هُنَا، وَهُنَاكَ قَالَ: عَن هِلَال بن أُسَامَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مشروحاً.
٦٠٤٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ المُبارَكِ عَنْ يَحْياى بنِ أبي كَثِير عَنْ أبي قِلَابَةَ أنَّ ثابِتَ بنَ الضَّحَّاكِ وكانَ مِنْ أصْحابِ الشَّجَرَةِ حدَّثَهُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلَامِ فَهْوَ كَما قَالَ، ولَيْسَ عَلَى ابنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيما
стр. 6637
لَا يَمْلِكُ، ومَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَنْ لَعَنَ مُؤْمِناً فَهْوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِناً بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمن لعن مُؤمنا) وَمُحَمّد بن بشار بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة ابْن عُثْمَان الْبَصْرِيّ الملقب ببندار، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وثابت بن الضَّحَّاك الأشْهَلِي الْأنْصَارِيّ، وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة أَي: شَجَرَة الرضْوَان بِالْحُدَيْبِية.
وَبَعض الحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِنَازَة فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَاتل النَّفس.
وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على خَمْسَة أَحْكَام: الأول: فِي الْحلف على غير مِلَّة الْإِسْلَام، أَي: كَمَا حلف على طَريقَة الْكفَّار بِاللات والعزى مثلا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، أَي: كَائِن على غير مِلَّة الْإِسْلَام إِذْ الْيَمين بالصنم تَعْظِيم لَهُ وتعظيمه كفر، أَو كَمَا قَالَ: الرجل إِن فعل كَذَا فَهُوَ يَهُودِيّ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ التهديد. الثَّانِي: فِي النّذر بِأَن نذر بِمَا لَا يملك بِأَن قَالَ مثلا. إِن شفي الله مريضي فَللَّه عَليّ أَن أعتق عبد فلَان. الثَّالِث: فِي قتل نَفسه فَإِنَّهُ يعذب بِهِ، أَي: بِمثلِهِ، يَعْنِي: يجازي بِجِنْس عمله. الرَّابِع: فِي لعن الْمُؤمن فَهُوَ كقتله يَعْنِي فِي الْإِثْم لِأَن اللاعن يقطعهُ عَن مَنَافِع الْآخِرَة. الْخَامِس: فِي قذفه مُؤمنا بقوله: يَا كَافِر، أَو: أَنْت كَافِر، فَهُوَ كقتله فِي الْإِثْم وَشبهه، لِأَن الْقَاتِل يقطع الْمَقْتُول من مَنَافِع الدُّنْيَا، وَأَجْمعُوا أَنه لَا يقتل فِي رميه لَهُ بالْكفْر، قَالَه الطَّبَرِيّ.
٦٠٤٨ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ، قَالَ: حدّثني عَدِيُّ بنُ ثابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمانَ بنَ صُرَدٍ رَجُلاً مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَغَضِبَ أحَدُهُما فاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إِنِّي لَا أعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ، فانْطَلَقَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فأخْبَرَهُ بِقَوْلِ النبِيِّ ﷺ وَقَالَ: تَعَوَّذْ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطانِ، فَقَالَ: أتُرَى بِي بأسٌ؟ أمَجْنُونٌ أَنا؟ إذْهَبْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (استب رجلَانِ) وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث الْكُوفِي قاضيها، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وعدي بن ثَابت بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَسليمَان بن صرد بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة الْخُزَاعِيّ الْكُوفِي الصَّحَابِيّ، وَكَانَ اسْمه يسَار وضد الْيَمين فِي الْجَاهِلِيَّة فسماء رَسُول الله ﷺ : سُلَيْمَان، سكن الْكُوفَة وَقتل بِموضع يُقَال لَهُ: عين الوردة، وَقيل: فِي الْحَرْب مَعَ مُقَدّمَة عبيد الله بن زِيَاد وَحمل رَأسه إِلَى مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ عمره ثَلَاثًا وَسبعين سنة.
وَمضى الحَدِيث فِي: بَاب صفة إِبْلِيس وَجُنُوده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن عدي بن ثَابت ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (رجلا) مَنْصُوب على أَنه بدل من سُلَيْمَان. قَوْله: (حَتَّى انتفخ وَجهه) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فاحمر وَجهه، وَانْتَفَخَتْ أوداجه، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تحمر عَيناهُ وتنفخ أوداجه. قَوْله: (الَّذِي يجد) ، أَي: الَّذِي يجده من الْغَضَب. قَوْله: (أَتَرَى؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار وَضم التَّاء أَي: أتظن. قَوْله: (بِي بَأْس؟) أَي: مرض شَدِيد، وبأس مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: بِي. قَوْله: (أمجنون أَنا؟) فَقَوله: أَنا، مُبْتَدأ: وَمَجْنُون، خَبره مقدما والهمزة فِيهِ للاستفهام الإنكاري. قَوْله: (إذهب) أَمر من الرجل للرجل الَّذِي أمره بالتعوذ يَعْنِي: انْطلق فِي شغلك. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا كَلَام من لم يفقه فِي دين الله وَلم يعرف أَن الْغَضَب نَزغ من نزغات الشَّيْطَان، وتوهم أَن الِاسْتِعَاذَة مُخْتَصَّة بالمجانين، وَلَعَلَّه كَانَ من جُفَاة الْعَرَب، أَو يُقَال: لَعَلَّه كَانَ كَافِرًا أَو منافقاً أَو شدَّة الْغَضَب أخرجته عَن حيّز الِاعْتِدَال بِحَيْثُ زجر الناصح لَهُ، وَقد أخرج أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا من حَدِيث عَطِيَّة السَّعْدِيّ: إِن الْغَضَب من الشَّيْطَان.
стр. 6638
٦٠٤٩ - حدَّثنا مسَددٌ حَدثنَا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ أنَسٌ: حدّثني عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ ، لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قَالَ النبيُّ ﷺ : خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وفُلَانٌ وإنَّها رُفِعَتْ، وعَسَى أنْ يَكُونَ خَيْراً لَكُمْ فالْتَمِسُوها فِي التَّاسِعَةِ والسَّابِعَةِ والخَامِسَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فتلاحى رجلَانِ) لِأَن التلاحي التجادل والتصاخم وَهُوَ يُفْضِي فِي الْغَالِب إِلَى السباب.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب خوف الْمُؤمن من أَن يحبط عمله وَهُوَ لَا يشْعر، وَمضى أَيْضا فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب تحري لَيْلَة الْقدر.
قَوْله: (رجلَانِ) هما عبد الله بن حَدْرَد وَكَعب بن مَالك، قَالَه الْكرْمَانِي، وَكَانَ لعبد الله دين عَليّ كَعْب فتنازعا. قَوْله: (رفعت) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: رفعت من قلبِي، يَعْنِي نسيتهَا. قَوْله: (فالتمسوها) أَي: فاطلبوها فِي (التَّاسِعَة) أَي فِي التَّاسِعَة وَالْعِشْرين وَالسَّابِعَة وَالْعِشْرين وَالْخَامِسَة وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان بِقَرِينَة الْأَحَادِيث الآخر.
٦٠٥٠ - حدَّثنا عُمَرُ بن حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ عَنِ المَعْرُورِ عَنْ أبي ذَرّ قَالَ: رأيْتُ عَلَيْهِ بُرْداً وعَلَى غُلَامِهِ بُرْداً، فَقُلْتُ: لَوْ أخَذْتَ هاذا فَلَبِسْتَهُ كانَتْ حُلَّةً وأعْطَيْتَهُ ثَوْباً آخَرَ. فَقَالَ: كانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وكانَتْ أُمُّهُ أعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْها، فَذَكَرَنِي إِلَى النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ لي: أسابَبْتَ فُلاناً؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ. قُلْتُ: عَلَى حِينِ ساعَتِي هاذِهِ مِنْ كِبرَ السِّنِّ. قَالَ: نَعَمْ! هُمْ إخْوانُكُمْ جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمَنْ جَعَلَ الله أخاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُظْعِمْهُ مِمَّا يأكُلُ وَلْيَلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفْهُ مِنَ العَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فإنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أساببت فلَانا) وَعمر بن حَفْص بن غياث مر عَن قريب، وَكَذَا الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، والمعرور بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى ابْن سُوَيْد، قَالَ الْكرْمَانِي: بتصغير السود. قلت: لَيْسَ كَذَلِك بل بتصغير الْأسود، وَذكر فِي بعض النّسخ عَن الْمَعْرُور هُوَ ابْن سُوَيْد، وَإِنَّمَا قَالَ: هُوَ، لِأَنَّهُ أَرَادَ تَعْرِيفه وَشَيْخه لم يذكرهُ فَلم يرد أَن ينْسب إِلَيْهِ:
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة.
قَوْله: (قَالَ) أَي: الْمَعْرُور رَأَيْت عَلَيْهِ أَي: على أبي ذَر. قَوْله: (بردا) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر تَعْرِيفه غير مرّة. قَوْله: (لَو أخذت هَذَا) أَي: الْبرد الَّذِي على غلامك فلبسته كَانَت حلَّة لِأَن الْحلَّة إِزَار ورداء وَلَا تسمى حلَّة حَتَّى يكون ثَوْبَيْنِ. قَوْله: (وَبَين رجل كَلَام) ، الرجل هُوَ بِلَال الْمُؤَذّن وَاسم أمه حمامة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم. قَوْله: (فنلت مِنْهَا) أَي: تَكَلَّمت فِي عرضهَا، وَهُوَ من النَّيل. قَوْله: (جَاهِلِيَّة) أَي: أَنَّك فِي تعيير أمه على مَا يشبه أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة أَي: أَهلهَا، وَهِي زمَان الفترة قبل الْإِسْلَام، والتنوين فِي: جَاهِلِيَّة، للتقليل والتحقير وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالجاهلية الْجَهْل، أَي: إِن فِيك جهلا، فَقَالَ: هَل فِي جهل وَأَنا شيخ كَبِير؟ قَوْله: (هم) رَاجع إِلَى المماليك أَو إِلَى الخدم أَعم من أَن يكون مَمْلُوكا أَو أَجِيرا، وَيُقَال: فِيهِ إِضْمَار قبل الذّكر، لِأَن لفظ تَحت أَيْدِيكُم قرينَة لذَلِك لِأَنَّهُ مجَاز عَن الْملك. قَوْله: (مَا يغلبه) أَي: مَا تصير قدرته فِيهِ مغلوبة أَي: مَا يعجز عَنهُ أَي: لَا يكلفه مَا لَا يُطيق.
٤٥ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الطَّوِيلُ والقَصِيرُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من ذكر أَوْصَاف النَّاس نَحْو قَوْله: فلَان طَوِيل، وَفُلَان قصير.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : مَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟
ذكر هَذَا التَّعْلِيق إِشَارَة إِلَى أَن ذكر اللقب إِن كَانَ للتعريف بِهِ يجوز ذَلِك، لما قَالَ ﷺ ، لما صلى
стр. 6639
الظّهْر رَكْعَتَيْنِ وَسلم، فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: أقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول الله؟ مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَقد مر فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد، وَلَكِن لَفظه: أكما يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَهُوَ المطابق للتَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة.
وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ
أَي: وَفِي جَوَاز مَا لَا يُرَاد بِهِ شين الرجل أَي: غيبه، وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة، وَرَأى قوم من السّلف أَن وصف الرجل بِمَا فِيهِ من الصّفة غيبَة لَهُ. قَالَ شُعْبَة: سَمِعت مُعَاوِيَة بن قُرَّة يَقُول: لَو مر بك أقطع فَقلت: ذَاك الأقطع، كَانَت مِنْك غيبَة، وَلَكِن مَذْهَب الآخرين أَنه إِذا كَانَ على وَجه التَّعْرِيف بِهِ فَلَا بَأْس بِهِ كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ ظَاهر إِيرَاد البُخَارِيّ، بقوله: وَمَا لَا يُرَاد بِهِ شين الرجل وَأما إِذا كَانَ يُرَاد بالتلقيب عَيبه فَلَا يجوز لِأَن فِيهِ تنقيصاً.
٤٦ - (بابُ الغِيبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَحْرِيم الْغَيْبَة بِكَسْر الْغَيْن وَهِي أَن يتَكَلَّم خلف إِنْسَان بِمَا يغمه لَو سَمعه وَكَانَ صدقا، أما إِذا كَانَ كذبا فيسمى بهتاناً، وَفِي حكمه الْكِتَابَة وَالْإِشَارَة وَنَحْوهمَا.
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٩٤) وَلَا يغتب بَعْضكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يَأْكُل لحم أَخِيه مَيتا فكرهتموه وَاتَّقوا الله إِن الله تواب رَحِيم﴾ (الحجرات: ١٢) [/ ح.
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: الْغَيْبَة، وَفِي بعض النّسخ ذكر بعده: ﴿أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يَأْكُل لحم أَخِيه﴾ الْآيَة. وَاكْتفى البُخَارِيّ بِذكر الْآيَة المصرحة بِالنَّهْي عَن الْغَيْبَة وَلم يذكر حكمهَا فِي التَّرْجَمَة، كَمَا ذكر فِي النميمة حكما، حَيْثُ قَالَ: بَاب النميمة من الْكَبَائِر، كَمَا يَأْتِي عَن قريب.
٦٠٥٢ - حدَّثنا يَحْياى حَدثنَا وَكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُجاهِداً يُحَدِّث عَنْ طاوُوسٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ ، عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: إنَّهُمَا لَيُعَذَّبانِ وَمَا يُعَذَّبانِ فِي كَبِيرٍ! أمَّا هَذَا فَكان لَا يسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وأمَّا هاذا فَكانَ يَمشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِإثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هاذا وَاحِدًا وعَلَى هاذا واحِداً، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما مَا لع ييبَسا.
стр. 6640
مطابقته للتَّرْجَمَة مَعَ أَنَّهَا فِي الْغَيْبَة. والْحَدِيث فِي النميمة من حَيْثُ إِن الْجَامِع بَينهمَا ذكر مَا يكرههُ الْمَقُول فِيهِ بِظهْر الْغَيْب، قَالَه ابْن التِّين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن النميمة نوع من الْغَيْبَة، لِأَنَّهُ لَو سمع الْمَنْقُول عَنهُ أَنه نقل عَنهُ لغمه، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون أَشَارَ إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه بِلَفْظ الْغَيْبَة صَرِيحًا، وَهُوَ مَا أخرجه فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من حَدِيث جَابر، قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ ، فَأتى على قبرين) فَذكر نَحْو حَدِيث الْبَاب. وَقَالَ فِيهِ: (أما أَحدهمَا فَكَانَ يغتاب النَّاس) ، وَأخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي بكرَة. قَالَ: (مر النَّبِي ﷺ ، بقبرين فَقَالَ: إنَّهُمَا يعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير، وَبكى) . وَفِيه: (وَمَا يعذبان إلَاّ فِي الْغَيْبَة وَالْبَوْل) . وَلأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث يعلى بن شَبابَة: أَن النَّبِي ﷺ ، مر على قبر يعذب صَاحبه، فَقَالَ: (إِن هَذَا كَانَ يَأْكُل لُحُوم النَّاس)
الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر اتِّحَاد الْقِصَّة وَيحْتَمل التَّعَدُّد. قلت: الظَّاهِر أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ.
وَيحيى فِي الْإِسْنَاد إِمَّا ابْن مُوسَى الْحدانِي بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال وبالنون، وَإِمَّا ابْن جَعْفَر الْبَلْخِي، ووكيع هُوَ ابْن الْجراح الرُّؤَاسِي أَبُو سُفْيَان الْكُوفِي وَهُوَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَأخذ عَنهُ كثيرا، والأعمس سُلَيْمَان.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب من الْكَبَائِر أَن لَا يسْتَتر من بَوْله، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (لَا يسْتَتر) أَي: لَا يخفى عَن أعين النَّاس عِنْد قَضَاء الْحَاجة. قَوْله: (بالنميمة) هِيَ نقل الْكَلَام على سَبِيل الْإِفْسَاد. قَوْله: (بعسيب) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة وَهُوَ سعف لم ينْبت عَلَيْهِ الخوص، وَقيل: هُوَ قضيب النّخل. قَوْله: (مَا لم ييبسا) وَجه التَّأْقِيت فِيهِ هُوَ مَحْمُول على أَنه ﷺ سَأَلَ الشَّفَاعَة لَهما، فأجيبت شَفَاعَته بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمَا إِلَى يبسهما. وَفِيه وُجُوه أُخْرَى تقدّمت هُنَاكَ.
٤٧ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : خَيْرُ دُورِ الأنْصارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ : خير دور الْأَنْصَار، وَهَذَا من لفظ الحَدِيث، لَكِن مَا ذكره كَامِلا وَتَمَامه: بَنو النجار، فَذكر الْمُبْتَدَأ وَترك الْخَبَر. قيل: هَذِه التَّرْجَمَة لَا تلِيق هَهُنَا لِأَنَّهَا لَيست من الْغَيْبَة أصلا. وَأجِيب: بِأَن الْمفضل عَلَيْهِم يكْرهُونَ ذَلِك، فَبِهَذَا الْقدر يحصل الْوَجْه لإيراد هَذِه التَّرْجَمَة هَهُنَا، وَإِن كَانَ هَذَا الْمِقْدَار لَا يعد غيبَة، وَهَذَا نَحْو قَوْلك: أَبُو بكر أفضل من عمر وَلَيْسَ ذَلِك غيبَة لعمر ﵁، وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا فعله يحيى ابْن معِين وَغَيره من أَئِمَّة الحَدِيث من تَخْرِيج الضُّعَفَاء وَتبين أَحْوَالهم خشيَة التباس أَمرهم على الْعَامَّة واتخاذهم أَئِمَّة وهم غير مستحقين لذَلِك.
٤٨ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنِ اغْتِيابِ أهْلِ الفَسادِ والرِّيَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز اغتياب أهل الْفساد والريب بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة، وَهُوَ
стр. 6641
جمع رِيبَة وَهِي الشَّك والتهمة.
٦٠٥٤ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ سَمِعْتُ ابنَ المُنْكَدِرِ سَمِعَ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ ﵂، أخْبَرَتْهُ قالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ بِئسَ أخُو العشِيرَةِ أَو: ابنُ العَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ ألانَ لَهُ الكَلامَ، قُلْتُ: رسولَ الله ﴿قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ ألَنْتَ لَهُ الكَلامَ؟ أيْ عائِشَةُ﴾ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أوْ: وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ فُحْشِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٣٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله ﷺ : (بئس أَخُو الْعَشِيرَة أَو ابْن الْعَشِيرَة) فَإِنَّهُ ذكر الرجل الْمَذْكُور بِهَذَا الذَّم وَهُوَ غَائِب عَنهُ، فَدلَّ على إِبَاحَة اغتياب أهل الْفساد وَالشَّر، فَإِن قلت: لم يكن ذَلِك غيبَة وَإِنَّمَا هُوَ نصيحة ليحذر السَّامع. قلت: صُورَة الْغَيْبَة مَوْجُودَة فِيهِ، وَلكنه لَا يتَنَاوَل الْغَيْبَة المذمومة شرعا.
وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَابْن الْمُنْكَدر مُحَمَّد، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث عَن قريبَة فِي: بَاب لم يكن النَّبِي ﷺ فَاحِشا وَلَا متفحشاً، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مَبْسُوطا.
٤٩ - (بابٌ التَّمِيمَةُ مِنَ الكَبائِرِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ النميمة من الْكَبَائِر أَي: من الذُّنُوب الْكَبَائِر، وَهِي جمع كَبِيرَة، وكل ذَنْب تَحْتَهُ ذَنْب فَهُوَ كَبِيرَة.
٥٠ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النمِيمَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من النميمة وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن نقل بعض القَوْل الْمَنْقُول من شخص على جِهَة الْفساد لَا يكره، كَمَا إِذا كَانَ الْمَنْقُول عَنهُ كَافِرًا، كَمَا يجوز التَّجَسُّس فِي بِلَاد الْكفَّار.
وقَوْلِهِ: ﴿هَمَّاز مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (الْقَلَم: ١١) ؛ ﴿ووَيْلٌ لِكُلِّ هُمْزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (الْهمزَة: ١) يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ يَعِيبُ.
أَي: وَقَول الله : ﴿هماز﴾ ... إِلَى آخِره. ﴿هماز﴾ فعال التَّشْدِيد من الْهَمْز وَفَسرهُ البُخَارِيّ واللمز بقوله: (يهمز ويلمز يعيب) فَجعل معنى الْإِثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَقَالَ اللَّيْث: الْهَمْز من يغتابك بِالْغَيْبِ، واللمز من يغتابك فِي وَجهك، وَحكى النّحاس عَن مُجَاهِد عَكسه. قَوْله: (مشاء) مُبَالغَة مَا شَيْء. قَوْله: (بنميم) من نم الحَدِيث ينمه وينمه بِضَم النُّون وَكسرهَا نماً، وَالرجل النمام والنم، وَفِي التَّفْسِير: المشاء بالنميم هُوَ الَّذِي ينْقل الْأَحَادِيث من بعض النَّاس إِلَى بعض فَيفْسد بَينهم، قَالَه الْجُمْهُور، وَقيل: الَّذِي يسْعَى بِالْكَذِبِ وَهُوَ
стр. 6642
يفْسد فِي يَوْم مَا لَا يفْسد السَّاحر فِي شهر قَوْله: (يعيب) بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يغتاب بالغين الْمُعْجَمَة الساكنة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة.
٦٠٥٦ - حدَّثنا أبُو نعيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ مَنْصورٍ عَنْ إبِراهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: كُنا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلاً يَرْفَعُ الحَدِيثَ إِلَى عُثْمانَ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي معنى الحَدِيث فَإِن القَتَّات هُوَ النمام على مَا نذكرهُ. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَهَمَّام هُوَ ابْن الْحَارِث النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَحُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَان ﵁.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَأبي بكر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
قَوْله: (يرفع الحَدِيث إِلَى عُثْمَان) أَي عُثْمَان بن عَفَّان ﵁، قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره بِغَيْر لفظ. لَهُ (والقتات) فعال بِالتَّشْدِيدِ من قت الحَدِيث يقته بِضَم الْقَاف قت وَالرجل قَتَّات أَي: تَمام، وَقَالَ ابْن بطال: وَقد فرق أهل اللُّغَة بَين النمام والقتات فَذكر الْخطابِيّ أَن النمام الَّذِي يكون مَعَ الْقَوْم يتحدثون فينم حَدِيثهمْ، والقتات الَّذِي يتسمع على الْقَوْم وهم لَا يعلمُونَ ثمَّ ينم حَدِيثهمْ، وَمعنى: (لَا يدْخل الْجنَّة) يَعْنِي إِن أنفذ الله عَلَيْهِ الْوَعيد، لِأَن أهل السّنة مجمعون على أَن الله تَعَالَى فِي وعيده بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ عذبهم وَإِن شَاءَ عَفا عَنْهُم بفضله، أَو يؤول على أَنه لَا يدخلهَا دُخُول الفائزين، أَو يحمل على المستحل بِغَيْر تَأْوِيل مَعَ الْعلم بِالتَّحْرِيمِ.
١٥ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الْحَج: ٣٠)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله : ﴿وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور﴾ والزور الْكَذِب، قيل لَهُ ذَلِك لكَونه مائلاً عَن الْحق، والزور بِالْفَتْح الْميل، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الزُّور الْكَذِب والتهمة وَالْبَاطِل.
٦٠٥٧ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونِسَ حدّثنا ابنُ أبي ذئبٍ عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبِيِّ ﷺ ، مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ والجَهْلَ فَلَيْسَ لله حاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وَشَرابَهُ.
قَالَ أحْمَدُ: أفْهَمَنِي رَجُلٌ إسْنادَهُ. (انْظُر الحَدِيث ١٩٠٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (من لم يدع قَول الزُّور) لِأَن مَعْنَاهُ: من لم يتْرك وَلم يجْتَنب وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله ابْن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي نسب إِلَى جده، وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب واسْمه هِشَام الْقرشِي الْمدنِي، والمقبري بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ سعيد بن أبي سعيد واسْمه كيسَان كَانَ يسكن عِنْد مَقْبرَة فنسب إِلَيْهَا.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب من لم يدع قَول الزُّور، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم ابْن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب بِهِ ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (وَالْعَمَل بِهِ) أَي: بِمُقْتَضى قَول الزُّور. قَوْله: (وَالْجهل) بِالنّصب أَي: وَلم يدع الْجَهْل وَهُوَ فعل الْجُهَّال أَو السفاهة على النَّاس، وَجَاء الْجَهْل بمعناها. قَوْله: (فَلَيْسَ لله حَاجَة) مجَاز عَن عدم الْقبُول.
قَوْله: (قَالَ أَحْمد) هُوَ ابْن يُونُس الْمَذْكُور: أفهمني رجل إِسْنَاده أَي: إِسْنَاد الحَدِيث الْمَذْكُور، كَأَنَّهُ لم يتَيَقَّن إِسْنَاده من لفظ شَيْخه ابْن أبي ذِئْب فأفهمه رجل غَيره، وبعكس هَذَا قَالَه أَبُو دَاوُد، وَذَلِكَ أَنه لما روى هَذَا الحَدِيث قَالَ فِي آخِره: قَالَ أَحْمد فهمت إِسْنَاده من ابْن أبي ذِئْب، وأفهمني الحَدِيث رجل إِلَى جنبه أرَاهُ ابْن أَخِيه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ أَحْمد: أفهمني، أَي: كنت نسيت هَذَا الْإِسْنَاد فذكرني رجل إِسْنَاده، أَو أَرَادَ رجلا عَظِيما والتنوين يدل عَلَيْهِ، وَالْغَرَض مدح شَيْخه ابْن أبي ذِئْب أَو رجل آخر غَيره أفهمهُ. انْتهى.
وَقَالَ بَعضهم: خبط الْكرْمَانِي هُنَا. قلت: هُوَ من الَّذِي خبط من وُجُوه: الأول: فِيهِ ترك الْأَدَب فِي حق من تقدمه فِي الْإِسْلَام وَالْعلم
стр. 6643
والتصنيف. وَالثَّانِي: مَا نقل كَلَامه مثل مَا نقلته، بل خبط فِيهِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ: أَي الْكرْمَانِي قَوْله: (أفهمني) أَي: كنت نسيت هَذَا الْإِسْنَاد فذكرني بِهِ رجل أَو أَرَادَ رجل آخر عَظِيم لما يدل عَلَيْهِ التنكير وَالْغَرَض مدح شَيْخه أَو آخر ... انْتهى، هَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل وَنسبه إِلَى الْكرْمَانِي، فَانْظُر إِلَى التَّفَاوُت بَين الْكَلَامَيْنِ، فالناظر الَّذِي يتَأَمَّل فِيهِ يعرف أَن التخبيط جَاءَ من أَيْن. وَالثَّالِث: أَنه فهم من قَوْله أَو رجل آخر أَنه يمدح شَيْخه، وَلَيْسَ كَذَلِك بل غَرَضه أَنه يمدح شَيْخه أَو رجلا آخر غَيره، أفهمهُ كَمَا صرح.
٥٢ - (بابُ مَا قيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي حق ذِي الْوَجْهَيْنِ، وَذُو الْوَجْهَيْنِ هُوَ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه، كَمَا يَجِيء عَن قريب فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهَذِه هِيَ المداهنة الْمُحرمَة، وَسمي ذُو الْوَجْهَيْنِ مداهناً لِأَنَّهُ يظْهر لأهل الْمُنكر أَنه عَنْهُم راضٍ فيلقاهم بِوَجْه سمح بالترحيب والبشر وَكَذَلِكَ يظْهر لأهل الْحق مَا أظهره لأهل الْمُنكر فيخلطه لكلتا الطَّائِفَتَيْنِ، وإظهاره الرضى بفعلهم اسْتحق إسم المداهنة وَاسْتحق الْوَعيد الشَّديد أَيْضا، رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (ذُو الْوَجْهَيْنِ لَا يكون عِنْد الله وجيهاً) ، وَرُوِيَ عَن أنس ﵁، أَنه روى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: (من كَانَ ذَا لسانين فِي الدُّنْيَا جعل الله لَهُ لسانين من نَار يَوْم الْقِيَامَة) .
٨٦ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ الله ذَا الوَجْهَيْنِ الَّذِي يأتِي هاؤُلاءِ بِوَجْهٍ وهاؤُلَاءِ بِوَجْهٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٩٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن حَفْص يروي عَن أبي حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان الزيات.
قَوْله: (تَجِد من شَرّ النَّاس) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من شرار النَّاس، بِصِيغَة الْجمع، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: إِن من شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تَجِدُونَ شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: تَجِدُونَ من شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: من شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن شهَاب عَن الْأَعْمَش بِلَفْظ: من شَرّ خلق الله ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَهَذِه الْأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة وَالرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: شَرّ النَّاس، مَحْمُولَة على الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: من شَرّ النَّاس، مُبَالغَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: أشر النَّاس، بِلَفْظ أفعل وَهُوَ لُغَة فصيحة، وَإِنَّمَا كَانَ أشر لِأَنَّهُ يشبه النِّفَاق. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالنَّاسِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من ذكر من الطَّائِفَتَيْنِ خَاصَّة فَهُوَ شرهم كلهم، وَالْأولَى أَن يحمل على عُمُومه فَهُوَ أبلغ بالذم. قَوْله: ذَا الْوَجْهَيْنِ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول. قَوْله: تَجِد قَوْله: (يَأْتِي هَؤُلَاءِ) أَي: يَأْتِي كل طَائِفَة وَيظْهر عِنْدهم أَنه مِنْهُم ومخالف للآخرين مبغض لَهُم، إِذْ لَو أَتَى كل طَائِفَة بالإصلاح وَنَحْوه لَكَانَ مَحْمُودًا.
٥٣ - (بابُ مَنْ أخْبَرَ صاحِبَهُ بِما يُقال فِيهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز إِخْبَار الرجل صَاحبه بِمَا سمع مِمَّا يُقَال فِيهِ، أَي: فِي حَقه، وَلَكِن بِشَرْط أَن يقْصد النَّصِيحَة ويتحرى الصدْق ويجتنب الْأَذَى، أَلا يُرى أَن ابْن مَسْعُود ﵁، حِين أخبر الشَّارِع بقول الْأنْصَارِيّ فِيهِ: هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله، لم يقل لَهُ: أتيت بِمَا لَا يجوز، بل رَضِي بذلك وجاوبه بقوله: يرحم الله مُوسَى لقد أَو ذِي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر، وَلم يكن هَذَا من النميمة.
٦٠٥٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي وائِلٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَسَمَ رَسُول الله ﷺ ، قِسْمَةً فَقَالَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: وَالله مَا أرَادَ مُحَمَّدٌ بِهاذَا وَجْهَ الله. فأتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فأخْبَرْتُهُ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: رَحِمَ
стр. 6644
الله مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بأكثَرَ مِنْ هاذا فَصَبَرَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح مَا أبهم فِيهَا، وَقد بَيناهُ. وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث مضى فِي: الْجِهَاد فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ ، يُعْطي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (قسم) أَي: يَوْم حنين، وَقد أعْطى الْأَقْرَع بن حَابِس مائَة من الْإِبِل. قَوْله: (فتمعر) تفعل مَاض من التمعر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: تغير لَونه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فتمغر) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: صَار لَونه لون الْمغرَة، وَصَاحب (التَّوْضِيح) نسب هَذِه الرِّوَايَة لأبي ذَر.
وَفِيه من الْفِقْه: أَن أهل الْفضل وَالْخَبَر قد يعز عَلَيْهِم مَا يُقَال فيهم من الْبَاطِل وَيكبر عَلَيْهِم، فَإِن ذَلِك جبلة فِي الْبشر فطرهم الله عَلَيْهَا إلَاّ أَن أهل الْفضل يتلقون ذَلِك بِالصبرِ الْجَمِيل اقْتِدَاء بِمن تقدمهم من الْمُؤمنِينَ، أَلا يُرى أَنه ﷺ قد اقْتدى فِي ذَلِك بصبر مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، وَمن صبره أَنهم قَالُوا لَهُ: هُوَ آدر، فَمر يغْتَسل عُريَانا فَوضع ثَوْبه على الْحجر فَتَبِعَهُ ففر الْحجر فَجَاز على بني إِسْرَائِيل فبرأه مِمَّا قَالُوا، وَمِنْه: أَن قَارون قَالَ لامْرَأَة ذَات حمال وَحسب: هَل لَك أَن أشركك فِي أَهلِي وَمَالِي إِذا جِئْت فِي مَلأ بني إِسْرَائِيل تَقُولِينَ: إِن مُوسَى أرادني على نَفسِي، فَلَمَّا وقفت عَلَيْهِم بدل الله تَعَالَى قَلبهَا، فَقَالَت: إِن قَارون قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، فَبلغ الْخَبَر مُوسَى ﵇، وَكَانَ شَدِيد الْغَضَب يخرج شعره من ثَوْبه إِذا غضب، فَدَعَا الله تَعَالَى وَهُوَ يبكي فَأوحى الله إِلَيْهِ: قد أمرت الأَرْض أَن تطيعك فَمُرْهَا بِمَا شِئْت، فَأقبل إِلَى قَارون فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، قَالَ: يَا أَرض خذيه، فساخت بِهِ الأَرْض وَبِدَارِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، فَقَالَ: خذيه فساخت بِهِ وَبِدَارِهِ فَهُوَ يتجلجل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمثل هَذِه كَثِيرَة.
٥٤ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التمادُحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من التمادح بَين النَّاس الَّذِي فِيهِ الإطراء ومجاوزة الْحَد، وَهُوَ المُرَاد من التَّرْجَمَة، لِأَن الحَدِيث يدل على هَذَا. قَالَ بَعضهم: هُوَ مدح كل من الشخصين الآخر. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، هَذَا الَّذِي قَالَه بَاب المفاعلة، وَهَذَا من بَاب التفاعل لمشاركة الْقَوْم وَمن لَهُ أدنى مسكة من الصّرْف يعرف هَذَا.
٦٠٦٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ صَبَّاحٍ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ زَكرِيَّاءَ حدّثنا بُرَيْدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النبيُّ ﷺ ، رَجُلاً يُثْني عَلَى رَجُلٍ ويُطْرِيه فِي المِدْحَةِ، فَقَالَ: أهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَهُوَ أَن يفرط فِي مدح الرجل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فيدخله من ذَلِك الْإِعْجَاب ويظن أَنه فِي الْحَقِيقَة بِتِلْكَ الْمنزلَة، فَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ : قطعْتُمْ ظهر الرجل حِين وصفتموه بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرُبمَا حمله ذَلِك على الْعجب وَالْكبر وعَلى تَضْييع الْعَمَل وَترك الإزدياد وَالْفضل، وَمن ذَلِك تَأَول الْعلمَاء فِي قَوْله ﷺ : (احثوا التُّرَاب فِي وُجُوه المداحين) ، أَن المُرَاد بهم المداحون النَّاس فِي وُجُوههم بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فيهم، وَلم يرد بهم من مدح رجلا بِمَا فِيهِ فقد مدح رَسُول الله ﷺ فِي الْأَشْعَار والخطب والمخاطبة وَلم يحث فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب، وَلَا أَمر بذلك، وَقد قَالَ أَبُو طَالب فِيهِ:
(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)
ومدحه حسان فِي كثير من شعره، وَكَعب بن زُهَيْر وَغير ذَلِك.
وَمُحَمّد بن صباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَيُقَال: فِيهِ الصَّباح بِالْألف وَاللَّام الْبَغْدَادِيّ، فَالْأول رِوَايَة أبي ذَر وَالثَّانِي لغيره، وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء مَقْصُور أَو مَمْدُود الْأَسدي، وَبُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه عَامر، قيل: الْحَارِث يرْوى عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وبريد بن عبد الله يروي عَن جده أبي بردة عَن أبي مُوسَى.
والْحَدِيث قد مر فِي
стр. 6645
الشَّهَادَات: بَاب مَا يكره من الإطناب فِي الْمَدْح.
قَوْله: (ويطريه) من الإطراء وَهُوَ مُجَاوزَة الْحَد. قَوْله: (أَو قطعْتُمْ) شكّ من الرَّاوِي وَقطع الظّهْر مجَاز عَن الإهلاك، يَعْنِي: أوقعتموه فِي الْإِعْجَاب بِنَفسِهِ الْمُوجب لهلاك دينه.
١٠٦١ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ خالِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ رجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، فأثْنى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْراً، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقُ صاحِبِكَ، يَقُولُهُ مِرَاراً: إنَّ كانَ أحَدُكُمْ مادِحاً لَا مَحالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِن كَانَ يُرَى أنَّهُ كَذلِكَ وَحَسِيبُهُ الله وَلَا يُزَكِّي عَلَى الله أحَداً.
وَقَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خالِدٍ: وَيْلَكَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء، وَأَبُو بكرَة هُوَ نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء ابْن الْحَارِث الثَّقَفِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن سَلام فِي: بَاب إِذا زكى رجل رجلا كَفاهُ.
قَوْله: (ذكر) بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: (وَيحك) كلمة ترحم وتوجع يُقَال لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا، وَقد يُقَال بِمَعْنى الْمَدْح والتعجب، وَهِي مَنْصُوبَة على الْمصدر، وَقد ترفع وتضاف، فَيُقَال: وَيْح زيد ويحاً لَهُ وويح لَهُ. قَوْله: (قطعت عنق صَاحبك) قطع الْعُنُق اسْتِعَارَة من قطع الْعُنُق الَّذِي هُوَ الْقَتْل لاشْتِرَاكهمَا فِي الْهَلَاك لَكِن هَذَا الْهَلَاك فِي الدّين وَذَاكَ من جِهَة الدُّنْيَا. قَوْله: (لَا محَالة) بِفَتْح الْمِيم أَي: لَا بُد وَالْمِيم زَائِدَة. قَوْله: (إِن كَانَ يُرى) بِضَم الْيَاء أَي: يظنّ، وَوَقع فِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع: إِن كَانَ يعلم ذَلِك، وَكَذَا فِي رِوَايَة وهيب. قَوْله: (وحسيبه الله) بِفَتْح الْحَاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة يَعْنِي: يحاسبه على عمله الَّذِي يعلم بِحَقِيقَة حَاله وَهِي جملَة اعتراضية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هِيَ من تَتِمَّة القَوْل، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة حَال من فَاعل. (فَلْيقل) . وعَلى الله فِيهِ معنى الْوُجُوب وَالْقطع، وَالْمعْنَى: فَلْيقل: أَحسب فلَانا كَيْت وَكَيْت إِن كَانَ يحْسب ذَلِك، وَالله يعلم سره فِيمَا فعل فَهُوَ يجازيه، وَلَا يقل: أتيقن أَنه محسن وَالله شَاهد عَلَيْهِ، على الْجَزْم، وَأَن الله يجب عَلَيْهِ أَن يفعل بِهِ كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (وَلَا يُزكي) على صِيغَة الْمَعْلُوم. و: (أحدا) مَنْصُوب بِهِ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَالضَّمِير فِي: يُزكي، للمخاطب وَعَن أبي ذَر عَن المستملى والسرخسي على صِيغَة الْمَجْهُول: وَاحِد، بِالرَّفْع وَمَعْنَاهُ: لَا يقطع على عَاقِبَة أحد وَلَا على مَا فِي ضَمِيره لِأَن ذَلِك مغيب عَنهُ. قَوْله: (وَلَا يُزكي) خبر مَعْنَاهُ النَّهْي أَي لَا يُزكي أحدا.
قَوْله: (وَقَالَ وهيب) مصغر وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ (عَن خَالِدا) لحذاء بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور فِيمَا سَيَأْتِي. قَوْله: (وَيلك) مَوضِع وَيحك، وَكلمَة: وَيلك، كلمة حزن وهلاك، وَقيل: وَيْح وويل بِمَعْنى وَاحِد، وَتَعْلِيق وهيب هَذَا يَأْتِي مَوْصُولا فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَول الرجل: وَيلك.
٥٥ - (بابُ مَنْ أثْنَى عَلَى أخِيهِ بِما يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ثَنَاء من أثنى على أَخِيه أَي: صَاحبه بِمَا يعلم فِيهِ وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يطري وَلَا يزِيد على مَا يعلم.
وَقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، يَقولُ لأحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأرْضِ: إنَّهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ إلَاّ لِعَبْدِ الله بنِ سَلَامٍ.
أَي: قَالَ سعد بن أبي وَقاص، هَذَا التَّعْلِيق قد مضى مَوْصُولا فِي مَنَاقِب عبد الله بن سَلام، قيل: عبد الله بن سَلام من المبشرين فَلَا ينحصرون فِي الْعشْرَة. وَأجِيب: بِأَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يَنْفِي الزَّائِد، أَو المُرَاد بِالْعشرَةِ الَّذين بشروا بهَا دفْعَة وَاحِدَة، وَإِلَّا فالحسن وَالْحُسَيْن وأمهما وَأَزْوَاج النَّبِي ﷺ ، بالِاتِّفَاقِ من أهل الْجنَّة، قيل: مَفْهُوم التَّرْكِيب أَنه منحصر فِي عبد الله فَقَط. وَأجِيب بِأَن غَايَته أَن سعد لم يسمع ذَلِك مِنْهُ، أَو لم يقل لأحد غَيره حَال الْمَشْي على الأَرْض.
٦٠٦٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ حدّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، حِينَ ذَكَرَ فِي الإزَارِ مَا ذَكَرَ قَالَ أبُو بَكرٍ: يَا رسولَ الله! إنَّ إزَاري يَسْقُطُ مِنْ أحَدِ شقَّيْهِ. قَالَ: إنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ.
стр. 6646
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله ﷺ : (إِنَّك لست مِنْهُم) لِأَن فِيهِ مدح أبي بكر ﵁، بِمَا يعلم مِنْهُ.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله ﷺ ، حِين ذكر فِي الْإِزَار وَهُوَ قَوْله: (من جرَّ ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) مر فِي أول كتاب اللبَاس. قَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله! إِن إزَارِي يسْقط أحد شقيه، يَعْنِي: يسترخي، وَيُشبه جَرّه، فَقَالَ ﷺ : إِنَّك لست مِنْهُم، أَي: من الَّذين يجرونَ ثِيَابهمْ خُيَلَاء. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي أول كتاب اللبَاس: إِنَّك لست مِمَّن يصنعه خُيَلَاء، وَهَذَا فِيهِ مدح لأبي بكر ﵁، بِمَا يُعلمهُ مِنْهُ.
وَفِيه من الْفِقْه: أَنه يجوز الثَّنَاء على النَّاس بِمَا فيهم على وَجه الْإِعْلَام بصفاتهم ليعرف لَهُم سابقتهم وتقدمهم فِي الْفضل فينزلوا مَنَازِلهمْ ويقدموا على من لَا يساويهم ويقتدي بهم فِي الْخَيْر، أَلا ترى كَيفَ شهد النَّبِي ﷺ ، للعشرة بِالْجنَّةِ؟ وَقَالَ للصديق، كل النَّاس قَالُوا لي: كذبت، وَقَالَ لي أَبُو بكر: صدقت. وروى معمر عَن قَتَادَة عَن ابْن قلَابَة، قَالَ رَسُول الله ﷺ : أرْحم أمتِي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر، وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان، وأقضاهم عَليّ، وَأمين أمتِي أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، وَأعلم أمتِي بالحلال معَاذ بن جبل وأقرؤهم أبيّ وأفرضهم زيد ﵃.
٥٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الله يَأمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَارِ والمُنْكَر والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تذكَّرُونَ﴾ (النَّحْل: ٩٠) وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما بَغْيُكُمْ عَلَى أنْفُسِكُمْ﴾ (يُونُس: ٢٣) ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله﴾ .)
أَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد هَذِه الْآيَات إِلَى وجوب ترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر يدل عَلَيْهِ قَوْله: وَالْإِحْسَان. أَي: إِلَى الْمُسِيء وَترك معاقبته على إساءته وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي: ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ الْآيَة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ سيقت إِلَى: ﴿تذكرُونَ﴾ .
ثمَّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أَقْوَال: الأول: أَن المُرَاد بِالْعَدْلِ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْإِحْسَان أَدَاء الْفَرَائِض، قَالَه ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: الْعدْل الْفَرَائِض، وَالْإِحْسَان النَّافِلَة. الثَّالِث: الْعدْل اسْتِوَاء السريرة وَالْعَلَانِيَة، وَالْإِحْسَان أَن تكون السريرة أفضل من الْعَلَانِيَة، قَالَه ابْن عُيَيْنَة. الرَّابِع: الْعدْل خلع الأنداد، وَالْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ. الْخَامِس: الْعدْل الْعِبَادَة، وَالْإِحْسَان الْخُشُوع فِيهَا. السَّادِس: الْعدْل الْإِنْصَاف، وَالْإِحْسَان التفضل. السَّابِع: الْعدْل امْتِثَال المأمورات، وَالْإِحْسَان اجْتِنَاب المنهيات. الثَّامِن: الْعدْل فِي الْأَفْعَال، وَالْإِحْسَان فِي الْأَقْوَال. التَّاسِع: الْعدْل بذل الْحق، وَالْإِحْسَان ترك الظُّلم. الْعَاشِر: الْعدْل الْبَذْل، وَالْإِحْسَان الْعَفو. قَوْله: ﴿وايتاء ذِي الْقُرْبَى﴾ أَي: صلَة الرَّحِم، قَوْله: ﴿وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ يَعْنِي عَن كل فعل وَقَول قَبِيح، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الزِّنَا وَالْبَغي، قيل: هُوَ الْكبر وَالظُّلم، وَقيل: التَّعَدِّي ومجاوزة الْحَد. قَوْله: ﴿تذكرُونَ﴾ أَصله: تتذكرون، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
قَوْله: ﴿إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم﴾ قَالَ ابْن عُيَيْنَة: المُرَاد بهَا أَن الْبَغي تعجل عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا لصَاحبه، يُقَال: للبغي مصرعة. قَوْله: ثمَّ بغى عَلَيْهِ لينصرنه الله كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة. والأصيلي على وفْق التِّلَاوَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، وَوَقع للباقين: وَمن بغي عَلَيْهِ، وَهُوَ خلاف مَا وَقع عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ سبق قلم إِمَّا من المُصَنّف وَإِمَّا مِمَّن بعده. قلت: الظَّاهِر أَنه من النَّاسِخ وَاسْتمرّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة غير هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، ثمَّ إِن الله ضمن نصْرَة من بغي عَلَيْهِ وَالْأولَى لمن بغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على مَا ضمن من نَصره، ويقابل ذَلِك بِالْعَفو عَمَّن بغي عَلَيْهِ، وَقد كَانَ الانتقام فِيهِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النَّحْل: ١٢٦) لَكِن الصفح عَنهُ أولى عملا بقوله: ﴿وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور﴾ (الشورى: ٤٣) وَقد أخْبرت عَائِشَة ﵂ أَنه ﷺ كَانَ لَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَيَعْفُو عَمَّن ظلمه.
وَتَرْكِ إثارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ
وَترك، مجرور عطفا على قَوْله: قَول الله تَعَالَى، أَي: وَفِي بَيَان وجوب ترك إثارة الشَّرّ أَي: تهييجه على مُسلم أَو كَافِر، وَحَال الْمُسلم يَقْتَضِي إطفاء الشَّرّ عَن النَّاس أَجْمَعِينَ.
٦٠٦٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيان حدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله
стр. 6647
عَنْهَا، قالَتْ: مَكُثَ النبيُّ ﷺ كَذَا وَكَذا يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَأتِي أهْلَهُ وَلَا يَأْتِي، قالَتْ عائِشةُ، قالَتْ عائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذاتَ يَوْمٍ: يَا عائِشَةُ ﴿إنَّ الله أفْتانِي فِي أمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أتانِي رَجُلانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رِجْلَيَّ والآخرُ عِنْدَ رَأسي، فَقَالَ الَّذِي عندَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأسِي: مَا بالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُوراً. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ أعْصَمَ. قَالَ: وفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئرِ ذَرْوانَ، فَجاءَ النبيُّ ﷺ فأُخْرِجَ. قالَتْ عائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله﴾ فَهَلَاّ تَعْنِي: تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أمَّا الله فَقَدْ شَفانِي، وأمَّا أَنا فأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلَى الناسِ شَرًّا. قالَتْ: ولَبِيدُ بنُ أعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين الْآيَات الْمَذْكُورَة أَن الله لما نهى عَن الْبَغي وَأعلم أَن ضَرَر الْبَغي يرجع إِلَى الْبَاغِي وَضمن النُّصْرَة لمن بُغي عَلَيْهِ كَانَ حق من بُغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على إحسانه إِلَيْهِ بِأَن يعْفُو عَمَّن بغى عَلَيْهِ. أَلا يُرى أَن النَّبِي ﷺ ، كَيفَ ابْتُلِيَ بِالسحرِ وَلم يُعَاقب ساحره مَعَ قدرته على ذَلِك، وَأما وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْأُخْرَى وَهِي قَوْله: (وَترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر) هُوَ من قَوْله: (وَأما أَنا فأكره أَن أثير على النَّاس شرا) .
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير ابْن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب السحر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وَنَذْكُر بعض شَيْء.
قَوْله: (فيخيل إِلَيْهِ أَنه يَأْتِي أَهله) أَي: يخيل إِلَيْهِ أَنه يُبَاشر أَهله وَلم يكن ثمَّة مُبَاشرَة. قَوْله: (ذَات يَوْم) أَي: يَوْمًا، وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. قَوْله: (فِي أَمر) أَي: فِي أَمر التخيل. قَوْله: (رجلَانِ) هما الْملكَانِ بِصُورَة الرجلَيْن. قَوْله: (رجْلي) مُفْرد أَو مثنى. قَوْله: (مطبوب) فسره بقوله: أَي: (مسحور) وَهَذَا التَّفْسِير مدرج فِي الْخَبَر. قَوْله: (وَمن طببه؟) أَي: نسحره. قَوْله: (وفيم؟) أَي: فِي أَي شَيْء؟ قَوْله: (فِي جف) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء وَهُوَ وعَاء طلع النّخل وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (ومشاقة) بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وبالقاف، وَهِي مَا يغزل من الْكَتَّان. قَوْله: (راعوفة) بِفَتْح الرَّاء وَضم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَهِي حجر فِي أَسْفَل الْبِئْر. قَوْله: (ذروان) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالواو وَالنُّون وَهُوَ بُسْتَان فِيهِ بِئْر بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (أريتها) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: (رُؤُوس الشَّيَاطِين) مثل فِي استقباح الصُّورَة أَي: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الشكل. قَوْله: (نقاعة) بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْقَاف وتشديدها مَاء ينفع فِيهِ الْحِنَّاء. قَوْله: (فَأخْرج) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أخرج من تَحت الرعوفة. قَوْله: (تنشرت) تَفْسِير قَوْله: (فَهَلا) وَهُوَ أَيْضا مدرج فِي الْخَبَر، وتنشرت على وزن تفعلت. قَالَ الْجَوْهَرِي: التنشر من النشرة بِضَم النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَهِي كالرقية فَإِذا نشر المسموم فَكَأَنَّمَا نشط من عقال، أَي: يذهب عَنهُ سَرِيعا. وَفِي الحَدِيث: (لَعَلَّ طِبًّا أَصَابَهُ؟) يَعْنِي سحرًا. ثمَّ نشره ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ أَي: رقاه، وَكَذَا قَالَه الْقَزاز: وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ هلا اغْتَسَلت ورقيت؟ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَظَاهر الحَدِيث أَن تنشرت أظهرت السحر، توضحه الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته؟) وَرُوِيَ أَنه سُئِلَ عَن النشرة فَقَالَ: هِيَ من عمل الشَّيْطَان، وَقَالَ الْحسن: النشرة من السحر وَهُوَ ضرب من الرقي والعلاج يعالج بِهِ من كَانَ يظنّ أَن بِهِ شَيْئا من الْجِنّ. وَقَالَ عِيَاض: النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيأة مَخْصُوصَة بالتجربة لَا يحيلها الْقيَاس الظني، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَازهَا، وَقيل: من قَالَ: إِن تنشرت مَأْخُوذ من النشر أَو من نشر الشَّيْء وَهُوَ إِظْهَاره كَيفَ يجمع بَين قَوْلهَا: فَأخْرج؟ وَبَين قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته) ؟ . وَأجِيب: بِأَن الْإِخْرَاج الْوَاقِع كَانَ لأصل السحر، والاستخراج
стр. 6648
الْمَنْفِيّ كَانَ لأجزاء السحر. قَوْله: (من بني زُرَيْق) بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء. قَوْله: (حَلِيف) أَي: معاهد. قَوْله: (ليهود) وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني هُنَا: للْيَهُود، بِزِيَادَة اللَّام.
٥٧ - (بابُ مَا يُنْهاى مِن التَّحاسُدِ والتَّدابُرِ وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ومِنْ شَرِّ حاسِد إِذا حَسَدَ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي، وَكلمَة: مَا مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (من التحاسد) ويروى: (عَن التحاسد) ، وَالْأول رِوَايَة الْكشميهني والتحاسد والتدابر من بَاب التفاعل، والحسد أَن يرى الرجل لِأَخِيهِ نعْمَة فيتمنى أَن تَزُول عَنهُ وَتَكون لَهُ دونه، والتدابر هُوَ أَن يُعْطي كل وَاحِد من النَّاس أَخَاهُ بره وَقَفاهُ فَيعرض عَنهُ ويهجره، قَالَه ابْن الْأَثِير، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: التدابر التقاطع، يُقَال: تدابر الْقَوْم أَي: أدبر كل وَاحِد عَن صَاحبه. قَوْله: وَقَوله تَعَالَى، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: مَا ينْهَى، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْحَسَد مَنْهِيّ عَنهُ وَلَو وَقع من جابن وَاحِد. قلت: هَذَا كَلَام رَوَاهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن قَوْله: من الْجَانِبَيْنِ، غير مُسْتَقِيم لِأَن بَاب التفاعل بَين الْقَوْم لَا بَين الْإِثْنَيْنِ. وَالْآخر: أَنه يصدق على كل وَاحِد من المتحاسدين أَنه حَاسِد، فالحسد وَاقع من كل وَاحِد مِنْهُم وَالْوَجْه مَا ذكرنَا.
٦٠٦٤ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّه عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اياكمْ والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ وَلَا تَحسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحاسَدُوا وَلَا تَدابَرُوا وَلَا تَباغَضُوا وكُونُوا عِبادَ الله إخْواناً.
٦٠٦٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: لَا تَباغَضُوا وَلَا تحاسَدُوا ولَا تَدَابَرُوا وكُونوا عِبادَ الله إخوَاناً وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أيَّام. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٥ طرفه فِي: ٦٠٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تدابروا) . وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وهما بتَشْديد الْمِيم الأولى ابْن مُنَبّه على وزن إسم الْفَاعِل من التَّنْبِيه.
والْحَدِيث من هَذَا الْوَجْه من أَفْرَاده.
قَوْله: (إيَّاكُمْ وَالظَّن) أَي: اجتنبوا الظَّن، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَة الَّتِي لَا سَبَب لَهَا كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أَن يظْهر عَلَيْهِ مَا يقتضيها، وَلذَلِك عطف عَلَيْهِ: وَلَا تحسسوا، وَذَلِكَ أَن الشَّخْص يَقع لَهُ خاطر التُّهْمَة فيريد أَن يتَحَقَّق فيتحسس وليبحث ويتسمع فَنهى عَن ذَلِك، وَقَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: لَيْسَ المُرَاد ترك الْعَمَل بِالظَّنِّ الَّذِي تناط بِهِ الْأَحْكَام غَالِبا، بل المُرَاد ترك تَحْقِيق الظَّن الَّذِي يضر بالمظنون بِهِ، وَكَذَا مَا يَقع فِي الْقلب بِغَيْر دَلِيل وَذَلِكَ أَن أَوَائِل الظنون إِنَّمَا هُوَ خواطر لَا يُمكن دَفعهَا وَمَا لَا يقدر عَلَيْهِ لَا يُكَلف بِهِ. قَوْله: (فَإِن الظَّن كذب الحَدِيث) أَي: أَكثر كذبا من الْكَلَام. فَإِن قيل: الْكَذِب من صِفَات الْأَقْوَال يُجَاب بِأَن المُرَاد بِهِ هُنَا عدم مُطَابقَة الْوَاقِع سَوَاء كَانَ قولا أَو فعلا. قَوْله: (وَلَا تحسسوا) بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَلَا تجسسوا بِالْجِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: كِلَاهُمَا بِمَعْنى، وَكَذَا نقل عَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: ذكر الثَّانِي تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِم: بعدا وَسُحْقًا. قلت: بَينهمَا فرق لِأَن كَلَام الشَّارِع كُله معنى، فَقيل: الَّذِي بِالْجِيم الْبَحْث عَن العورات، وَالَّذِي بِالْحَاء الِاسْتِمَاع لحَدِيث الْقَوْم، كَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير أحد صغَار التَّابِعين، وَقيل: بِالْجِيم الْبَحْث عَن بواطن الْأُمُور وَأكْثر مَا يُقَال فِي الشَّرّ، وَبِالْحَاءِ الْبَحْث عَمَّا يدْرك بحاسة الْعين أَو الْأذن، وَرجح الْقُرْطُبِيّ هَذَا. وَقيل: بِالْجِيم تتبع الشَّخْص لأجل غَيره، وَبِالْحَاءِ تتبعه لنَفسِهِ وَهَذَا اخْتِيَار ثَعْلَب، وَيسْتَثْنى من النَّهْي عَن التَّجَسُّس مَا لَو تعين طَرِيقا إِلَى إنقاذ نفس من الْهَلَاك مثلا كَانَ يخبر ثِقَة بِأَن فلَانا خلا بشخص ليَقْتُلهُ ظلما، أَو بِامْرَأَة ليزني بهَا، فيشرع فِي هَذِه الصُّورَة التَّجَسُّس والبحث عَن ذَلِك حذار من فَوَات استدراكه. قَوْله: (وَلَا تباغضوا) أَي: لَا تتعاطوا أَسبَاب البغض لِأَن البغض لَا يكْتَسب ابْتِدَاء، وَقيل: المُرَاد بِالنَّهْي عَن الْأَهْوَاء
стр. 6649
المضلة الْمُقْتَضِيَة للتباغض والمذموم مِنْهُ مَا كَانَ لغير الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وَاجِب ويثاب فَاعله لتعظيم حق الله . قَوْله: (وَكُونُوا عباد الله) يَعْنِي: يَا عباد الله كونُوا إخْوَانًا يَعْنِي: اكتسبوا مَا تصيرون بِهِ إخْوَانًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَعْنى: كونُوا كإخوان النّسَب فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة.
قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم)
إِلَى آخِره فِيهِ التَّصْرِيح بِحرْمَة الهجران فَوق ثَلَاثَة أَيَّام، وَهَذَا فِيمَن لم يجن على الدّين جِنَايَة، فَأَما من جنى عَلَيْهِ وَعصى ربه فَجَاءَت الرُّخْصَة فِي عُقُوبَته بالهجران كالثلاثة المتخلفين عَن غَزْوَة تَبُوك فَأمر الشَّارِع بهجرانهم فبقوا خمسين لَيْلَة حَتَّى نزلت تَوْبَتهمْ، وَقد آل رَسُول الله ﷺ ، من نِسَائِهِ شهرا وَصعد مشْربَته وَلم ينزل إلَيْهِنَّ حَتَّى انْقَضى الشَّهْر. وَاخْتلفُوا: هَل يخرج بِالسَّلَامِ وَحده من الهجران؟ : فَقَالَت البغاددة: نعم، وَكَذَا قَول جُمْهُور الْعلمَاء: إِن الْهِجْرَة تَزُول بِمُجَرَّد السَّلَام ورده، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَقَالَ أَحْمد: لَا يبرأ من الْهِجْرَة إلَاّ بعوده إِلَى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَولا، وَقَالَ أَيْضا: إِن كَانَ ترك الْكَلَام يُؤْذِيه لم تَنْقَطِع الْهِجْرَة بِالسَّلَامِ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقَاسِم.
٥٨ - (بابٌ: ﴿ (٩٤) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم وَلَا تجسسوا﴾ (الحجرات: ١٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ ... إِلَى آخِره، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ أَن لفظ: بَاب، لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي رجلَيْنِ من الصَّحَابَة اغتابا سلمَان ﵁. قَوْله: (اجتنبوا) أَي: امْتَنعُوا واحترزوا كثيرا من الظَّن. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرجل يسمع من أَخِيه كلَاما لَا يُرِيد بِهِ سوءا فيراه أَخُوهُ الْمُسلم فيظن بِهِ سوءا، وَقَالَ الزّجاج: هُوَ أَن يظنّ بِأَهْل الْخَيْر سوءا. وَقَوله: (كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم) يدل على أَنه لم ينْه عَن جَمِيع الظَّن، وَالظَّن على أَرْبَعَة أوجه: مَحْظُور ومأمور بِهِ ومباح ومندوب إِلَيْهِ.
فالمحظور: هُوَ سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَكَذَلِكَ الظَّن بِالْمُسْلِمين الَّذين ظَاهِرهمْ عَدَالَة مَحْظُور. والمأمور بِهِ: هُوَ مَا لم ينصب عَلَيْهِ دَلِيل يُوصل إِلَى الْعلم بِهِ، وَقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فِيهِ والاقتصار على غَالب الظَّن وإجراء الحكم وَاجِب وَذَلِكَ نَحْو مَا تعبدنا بِهِ من قبُول شَهَادَة الْعُدُول وتحري الْقبْلَة وتقويم المستهلكات وَأرش الْجِنَايَات الَّتِي لم يرد مقاديرها بتوقيف من قبل الشَّرْع، فَهَذَا ونظائره قد تعبدنا فِيهِ بغالب الظَّن. وَالظَّن الْمُبَاح: كالشك فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ إِمَامًا، فَإِن النَّبِي ﷺ ، أَمر بِالتَّحَرِّي وَالْعَمَل بغالب الظَّن فَإِنَّهُ فعله كَانَ مُبَاحا وَإِن عدل إِلَى غَيره من الْبناء على الْيَقِين جَازَ وَالظَّن الْمَنْدُوب إِلَيْهِ: كإحسان الظَّن بالأخ الْمُسلم ينْدب إِلَيْهِ ويثاب عَلَيْهِ.
وَتَفْسِير: ﴿وَلَا تجسسوا﴾ قد مضى.
٦٠٦٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبي الزِّناد عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: أيَّاكُمْ والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ وَلَا تحسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَناجَشُوا وَلَا تَحاسَدُوا وَلَا تَباغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وكُونُوا عبادَ الله إخْوَاناً.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة أَن البغض والحسد ينشآن عَن سوء الظَّن.
وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن هُنَاكَ زِيَادَة قَوْله: (وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام) ، وَهَهُنَا زِيَادَة قَوْله: (وَلَا تناجشوا) ، من النجش بالنُّون وَالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يزِيد فِي ثمن الْمَبِيع بِلَا رَغْبَة ليخدع غَيره فيوقعه فيزاد عَلَيْهِ، وَقد مر هَذَا فِي الْبيُوع، وَوَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَن مَالك بِلَفْظ: وَلَا تنافسوا، وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى التَّمِيمِي. وَأخرج من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح بِلَفْظ: لَا تناجشوا، كَمَا وَقع عِنْد البُخَارِيّ ﵀، والمنافسة هِيَ التنافس وَهِي الرَّغْبَة فِي الشَّيْء والانفراد بِهِ، وَهُوَ من الشَّيْء النفيس الْجيد فِي نَوعه.
٥٩ - (بابُ مَا يَكونُ مِنَ الظَّنِّ)
стр. 6650
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكون جَوَازه من الظَّن، هَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلأبي ذَر عَن الْكشميهني: بَاب مَا يجوز من الظَّن، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والجرجاني: بَاب مَا يكره من الظَّن، وَرِوَايَة أبي ذَر أنسب لسياق الحَدِيث.
٦٠٦٧ - حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ النبيُّ ﷺ : مَا أظُنُّ فُلاناً وفُلَاناً يَعْرفانِ مِنْ ديننَا شَيْئاً. قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧ طرفه فِي: ٦٠٦٨) .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن فِي التَّرْجَمَة إِثْبَات الظَّن وَفِي الحَدِيث نفي الظَّن. وَأجِيب بِأَن النَّفْي فِي الحَدِيث لظن النَّفْي لَا لنفي الظَّن فلاتنا فِي بَينهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْعرف فِي قَول الْقَائِل: مَا أَظن زيدا فِي الدَّار، أَظُنهُ لَيْسَ فِي الدَّار. قلت: هُوَ حَاصِل الْجَواب الْمَذْكُور، وَهَذَا السَّنَد قد تكَرر مرَارًا عديدة خُصُوصا رِجَاله فَردا فَردا.
والْحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ اللَّيْث) هن ابْن سعد رَاوِي الحَدِيث، قَالَ الدَّاودِيّ: تَأْوِيل اللَّيْث بعيد وَلم يكن النَّبِي ﷺ يعرف جَمِيع الْمُنَافِقين، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٨) لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ﴾ (الْأَنْفَال: ٦٠) وَفِي التَّوْضِيح: الظَّن هُنَا بِمَعْنى الْيَقِين لِأَنَّهُ كَانَ يعرف الْمُنَافِقين بإعلام الله لَهُ بهم فِي سُورَة بَرَاءَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: كُنَّا نسمي سُورَة بَرَاءَة الفاضحة غير أَن الله لم يَأْمُرهُ بِقَتْلِهِم وَنحن لَا نعلم بِالظَّنِّ مثل مَا علمه لأجل نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ فَلم يجب لنا الْقطع على الظَّن، غير أَنه من ظهر مِنْهُ فعل مُنكر فقد عرض نَفسه لسوء الظَّن والتهمة فِي دينه فَلَا حرج على من أَسَاءَ الظَّن بِهِ، وَقد قَالَ ابْن عمر: كُنَّا إِذا فَقدنَا الرجل فِي صَلَاة الْعشَاء وَالصُّبْح أسأنا بِهِ الظَّن.
٦٠٦٨ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ بِهاذَا، وقالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ ﷺ ، يَوْماً وَقَالَ: يَا عائِشَةُ ﴿مَا أظُنُّ فُلَاناً وفُلاناً يَعْرِفانِ دِينَنا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أبي زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وَالنَّبِيّ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: دخل، وَيَوْما نصب على الظّرْف.
٦٠ - (بابُ سَتْرِ المُؤمِنِ عَلَى نَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ستر الْمُؤمن على نَفسه إِذا صدر مِنْهُ مَا يعاب.
٦٠٦٩ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ ابنِ أخِي ابنِ شِهابٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: كلُّ أمَّتِي مُعافًى إلَاّ المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المَجانَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ الله فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ﴾ عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ.
قيل لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين الحَدِيث لِأَن التَّرْجَمَة عقدت لستر الْمُؤمن على نَفسه، وَفِي الحَدِيث: ستر الله على الْمُؤمن، وَأجِيب بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستر الْمُؤمن على نَفسه، فَمن قصد إِظْهَار الْمعْصِيَة والمجاهرة فقد أغضب الله تَعَالَى فَلم يستره، وَمن قصد التستر بهَا حَيَاء، من ربه وَمن النَّاس من الله عَلَيْهِ بستره إِيَّاه.
وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهنا روى عَن الزُّهْرِيّ بِوَاسِطَة وَهُوَ يروي عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن أخي ابْن شهَاب مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم يروي عَن عَمه عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي آخر الْكتاب: عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن حَاتِم وَعبد بن حميد ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد كِلَاهُمَا عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (معافى) بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء مَقْصُورا إسم مفعول من الْعَافِيَة الَّتِي وضعت مَوضِع الْمصدر، يُقَال: عافاه عَافِيَة والعافية دفاع الله عَن العَبْد، وَالْمعْنَى هُنَا: عَفا الله عَنهُ. قَوْله: (إِلَّا المجاهرين)
стр. 6651
كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: إِلَّا المجاهرون، بِالرَّفْع على قَول الْكُوفِيّين لِأَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع وَتَكون: إلَاّ بِمَعْنى. . لَكِن، وَالْمعْنَى: لَكِن المجاهرون وبالمعاصي لَا يعافون، فالمجاهرون مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَوجه النصب هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ البصريون من أَن الأَصْل فِي الْمُسْتَثْنى أَن يكون مَنْصُوبًا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَقه النصب على الِاسْتِثْنَاء إلَاّ أَن يكون الْعَفو بِمَعْنى التّرْك وَهُوَ نوع من النَّفْي، والمجاهر هُوَ الَّذِي جاهر بمعصيته وأظهرها، وَالْمعْنَى: كل وَاحِد من أمتِي يُعْفَى عَن ذَنبه وَلَا يُؤَاخذ بِهِ إلَاّ الْفَاسِق الْمُعْلن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن من جاهر بِفِسْقِهِ أَو بدعته جَازَ ذكره بِمَا جاهر بِهِ دون من لم يُجَاهر بِهِ. فَإِن قلت: المجاهر من بَاب المفاعلة يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك. قلت: معنى جاهر بِهِ جهر بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم﴾ أَي: أَسْرعُوا، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون على ظَاهر المفاعلة، وَالْمرَاد الَّذين يُجَاهر بَعضهم بَعْضًا بالتحدث بِالْمَعَاصِي. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَإِن من المجانة) ، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَهُوَ عدم المبالاة بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن والكشميهني: وَإِن من المجاهرة، وَوَقع فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد: وَإِن من الإجهار، وَكَذَا عِنْد مُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: الهجار، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِلَّا هجار، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : وَإِن من الجهار، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للعذري والسجزي فِي مُسلم: الإجهار وللفارسي: إِلَّا هجار والأهجار والمجاهرة، كُله صَوَاب بِمَعْنى الظُّهُور والإظهار، وَأما الإهجار فَهُوَ الْفُحْش والخنى وَكَثْرَة الْكَلَام وَهُوَ قريب من معنى المجانة، وَأما لَفْظَة: الهجار، فبعيد لفظا وَمعنى لِأَن الهجار الْحَبل أَو الْوتر يشد بِهِ يَد الْبَعِير، أَو الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم فِيهَا الطعْن، وَلَا يَصح لَهُ هُنَا معنى، وَقَالَ بَعضهم: بل لَهُ معنى صَحِيح أَيْضا فَإِنَّهُ يُقَال: هجر إِذا أفحش فِي كَلَامه فَهُوَ مثل: جهر أَو جهر، فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا، وَلَا يلْزم من اسْتِعْمَال الهجار بِمَعْنى الْحَبل أَو غَيره أَن لَا يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ جدا، أما أَولا: فَفِيهِ إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ. وَأما ثَانِيًا: فَقَوله: يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء، غير صَحِيح لِأَن الهجر بِالضَّمِّ الإسم من الإهجار وَهُوَ الإفحاش فِي الْمنطق والخنى، وَكَيف يُؤْخَذ الْمصدر من الإسم والمصدر أَيْضا مَأْخُوذ مِنْهُ غير مَأْخُوذ؟ فَافْهَم. قَوْله: (عملا) أَي: مَعْصِيّة. قَوْله: (ثمَّ يصبح) . أَي: يدْخل فِي الصَّباح. قَوْله: (وَقد ستره الله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عملت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، البارحة: هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت من وَقت القَوْل. قَوْله: (يكْشف) ، جملَة حَالية.
٦٠٧٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ أَن رَجُلاً سَأَلَ ابنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُول الله ﷺ ، يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يَدْنُو أحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمُ وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذا وَكَذا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي سَتَرحٍ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا فَأَنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن التَّرْجَمَة فِي ستر الْمُؤمن والْحَدِيث فِي ستر الله . وَأجِيب: بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستره، وَقيل: هُوَ ستره إِذا فعال العَبْد مخلوقة لله تَعَالَى.
وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَصَفوَان ابْن مُحرز بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي فِي آخِره الْمَازِني الْبَصْرِيّ، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر تقدم فِي بَدْء الْخلق عَنهُ عَن عمرَان بن حُصَيْن، وَقد ذكرهمَا فِي عدَّة مَوَاضِع.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن مُسَدّد أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي النَّجْوَى) هِيَ المسارة الَّتِي تقع بَين الله وَبَين عَبده الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (يدنو) من الدنو وَهُوَ الْقرب الربي لَا الْقرب المكاني قَوْله: (كنفه) بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون بعدهمَا فَاء وَهُوَ السَّاتِر أَي: حَتَّى يُحِيط بِهِ عنايته التَّامَّة، وَقد صحفه بَعضهم تصحيفاً شنيعاً فَقَالَ: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل النُّون. قَوْله: (عملت) بِلَفْظ الْخطاب كَذَا وَكَذَا، مرَّتَيْنِ مُتَعَلق بالْقَوْل لَا بِالْعَمَلِ. قَوْله: (فيقرره) أَي: يَجعله مقرا بذلك. والْحَدِيث من المتشابهات فَحكمه التَّفْوِيض أَو التَّأْوِيل بِمَا يَلِيق بِهِ.
стр. 6652
٦١ - (بابُ الكِبْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ الْكبر، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ ثَمَرَة الْعجب، وَقد هلك بهَا كثير من الْعلمَاء والعباد والزهاد، وَالْكبر والتكبر والاستكبار مُتَقَارب، والتكبر هُوَ الْحَالة الَّتِي يتخصص بهَا الْإِنْسَان من إعجابه بِنَفسِهِ، وَذَلِكَ أَن يرى نَفسه أكبر من غَيره وَأعظم، ذَلِك أَن يتكبر على ربه بِأَن يمْتَنع من قبُول الْحق والإذعان لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَة.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿ثَانِي عطفه﴾ (الْحَج: ٩) (مستكبر فِي نَفسه عطفه رقبته) ، وَمن طَرِيق السدى: ﴿ثَانِي عطفه﴾ أَي: معرض من العظمة. وَعَن مُجَاهِد: أَنَّهَا نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث.
٦٠٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرنا سُفْيانُ حَدثنَا مَعْبَدُ بنُ خالِد القَيْسِيُّ عَنْ حارِثَةَ بنِ وَهْب الخُزَاعِيِّ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضاعِفٍ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ، ألَا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ. (انْظُر الحَدِيث ٤٩٨٨ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، ومعبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خَالِد الجدلي الْقَيْسِي الْكُوفِي القَاضِي، مَاتَ فِي نسة ثَمَان عشرَة وَمِائَة فِي ولَايَة خَالِد بن عبد الله، وحارثة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن وهب الْخُزَاعِيّ نِسْبَة إِلَى خُزَاعَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة وَهِي حييّ من الأزد.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة نون، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (كل ضَعِيف) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ كل ضَعِيف متضاعف، المُرَاد بالضعيف ضَعِيف الْحَال لَا ضَعِيف الْبدن، والمتضاعف بِمَعْنى المتواضع، ويروى: متضعف ومستضعف أَيْضا، وَالْكل يرجع إِلَى معنى وَاحِد هُوَ الَّذِي يستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا أَو متواضع متذلل خامل الذّكر وَلَو أقسم يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله بإبراره ولأبره، وَقيل: لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (عتل) هُوَ الغليظ الشَّديد العنف. والجواظ، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو وبالظاء الْمُعْجَمَة: المنوع أَو المختال فِي مشيته، وَالْمرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة وأغلب أهل النَّار، وَلَيْسَ المُرَاد الإستيعاب فِي الطَّرفَيْنِ.
٦٠٧٢ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عِيسَى: حَدثنَا هُشَيْمٌ أخبرنَا حُمَيْدٌ الطوِيلُ حَدثنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ قَالَ: كانَتِ الأمَةُ مِنْ إماءِ أهْلِ المَدِينَةِ لِتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُول الله ﷺ ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ.
مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطباع بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ نزل أُذُنه بِفَتْح الْهمزَة والذال الْمُعْجَمَة وَالنُّون، وَهِي بَلْدَة بِالْقربِ من طرسوس، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ يحفظ نَحْو أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: لم أر لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. قلت: قَالَ الَّذِي جمع (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي آخر الْحَج وَالْأَدب، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا يشبه أَن يكون البُخَارِيّ أَخذه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن عِيسَى مذاكرة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بن حمدَان النَّيْسَابُورِي: كل مَا قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي فلَان، فَهُوَ عرض ومناولة، وَقَالَ بعض المغاربة: يَقُول البُخَارِيّ: قَالَ لي، وَقَالَ لنا: مَا علم لَهُ إِسْنَاد لم يذكرهُ للاحتجاج بِهِ، وَإِنَّمَا ذكره للاستشهاد بِهِ، وَكَثِيرًا مَا يعبر المحدثون بِهَذَا اللَّفْظ مِمَّا جرى بَينهم فِي المذاكرات والمناظرات، وَأَحَادِيث المذاكرة قَلما
стр. 6653
يحتجون بهَا، قَالَه الْحَافِظ الدمياطي، وهشيم بن بشير أَبُو مُعَاوِيَة الوَاسِطِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَأخرجه أَحْمد بن حَنْبَل عَن هشيم.
قَوْله: (لتأْخذ) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهِي مَفْتُوحَة وَالْمرَاد من الْأَخْذ بِيَدِهِ لَازمه وَهُوَ الرِّفْق والانقياد، يَعْنِي: كَانَ خلق رَسُول الله ﷺ ، على هَذِه الْمرتبَة هُوَ أَنه لَو كَانَ لأمة حَاجَة إِلَى بعض مَوَاضِع الْمَدِينَة وتلتمس مِنْهُ مساعدتها فِي تِلْكَ الْحَاجة واحتاجت بِأَن يمشي مَعهَا لقضائها لما تخلف عَن ذَلِك حَتَّى يقْضِي حَاجَتهَا. قَوْله: (فتنطلق بِهِ حَيْثُ شَاءَت) وَفِي رِوَايَة أَحْمد: فتنطلق بِهِ فِي حَاجَتهَا، وَله من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن أنس: أَن كَانَت الوليدة من ولائد أهل الْمَدِينَة لتجيء وَتَأْخُذ بيد رَسُول الله ﷺ ، فَمَا تنْزع يَده من يَدهَا حَتَّى تذْهب بِهِ حَيْثُ شَاءَت، وَأخرجه ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه.
وَهَذَا دَلِيل على مزِيد تواضعه وبراءته من جَمِيع أَنْوَاع الْكبر ﷺ ، وَفِيه أَنْوَاع من الْمُبَالغَة من جِهَة أَنه ذكر الْمَرْأَة لَا الرجل، وَالْأمة لَا الْحرَّة، وعمم بِلَفْظ الْإِمَاء، أَي: أمة كَانَت، وَبِقَوْلِهِ: (حَيْثُ شَاءَت) من الْأَمْكِنَة وَعبر عَنهُ بِالْأَخْذِ: بِالْيَدِ، الَّذِي هُوَ غَايَة التَّصَرُّف وَنَحْوه.
٦٢ - (بابُ الهِجْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ الْهِجْرَة بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْجِيم وَهِي مُفَارقَة كَلَام أَخِيه الْمُؤمن مَعَ تلافيهما وإعراض كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه عِنْد الِاجْتِمَاع، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْهِجْرَةِ هُنَا مُفَارقَة الوطن إِلَى غَيره، فَإِن هَذِه تقدم حكمهَا.
وَقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : لَا يَحِلُّ لِرجلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ
وَقَول، مجرور عطفا على الْهِجْرَة أَي: وَفِي بَيَان قَول رَسُول الله ﷺ ، وَقد وَصله فِي الْبَاب عَن أبي أَيُّوب على مَا يَأْتِي. قَوْله: (فَوق ثَلَاث) ويروى: فَوق ثَلَاث لَيَال، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعلمَاء: تحرم الْهِجْرَة بَين الْمُسلمين أَكثر ن ثَلَاث لَيَال بِالنَّصِّ، وَيُبَاح فِي الثَّلَاث بِالْمَفْهُومِ، وَإِنَّمَا عفى عَنهُ فِي ذَلِك لِأَن الْآدَمِيّ مجبول على الْغَضَب فسومح بذلك الْقدر ليرْجع وَيَزُول ذَلِك الْعَارِض.
٦٠٧٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدثنِي عَوْفُ بنُ مالِكِ بن الطُّفَيْلِ هُوَ ابنُ الحارِثِ وَهْوَ ابنُ أخِي عائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ل أُمِّها: أنَّ عائِشَةَ حُدِّثَتْ أنَّ عَبْدِ بنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أوْ عَطاء أعْطَتْهُ عائِشَة: وَالله لَتَنْتَهِيَنَّ عائِشَةُ أوْ لأحْجُرَنَّ عَلَيْها. فقالَتْ: أهُوَ قَالَ هاذا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قالَتْ: هُوَ لله عَلَيِّ نَذْرٌ أنْ لَا أُكَلِّمَ ابنَ الزُّبَيْرِ أبدا، فاسْتَشْفَعَ ابنُ الزُّبَيْرِ إلَيْها حِينَ طالَتْ الهِجْرَةُ، فقالَتْ: لَا وَالله لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أبَداً وَلَا أتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي، فلَمَّا طالَ ذالِكَ عَلَى ابنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الأسْوَدِ بنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وهُما مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَقَالَ لَهُما: أنْشُدُكُما بِاللَّه لَمَّا أدْخَلْتُمانِي عَلَى عائِشَةَ فَإِنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا أنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِي، فأقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمانِ مُشْتَمِلَيْنِ بأرْدِيَتِهِما حَتّى اسْتَأْذَنا عَلَى عائِشَةَ، فَقَالَا: السَّلامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ، أنَدْخُلُ؟ قالَتْ عائِشَةُ: ادْخُلُوا. قَالُوا: كُلُّنا. قالَتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلَا تَعْلَمُ أنَّ مَعَهُما ابنَ الزُّبَيْرِ، فَلمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ الحِجابَ فاعْتَنَقَ عائِشَةَ وطَفِقَ يُناشدُها وَيَبْكِي، وطَفِقَ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمانِ يِناشِدانِها إلَاّ مَا كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولانِ: إنَّ النبيَّ ﷺ ، نَهاى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الهِجْرَةِ، فإنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ، فَلَما أكْثرُوا عَلَى عائِشَة مِن التذْكِرَةِ والتَّحْرِيجِ طَفِقتْ تُذَكّرُهُما وَتَبْكِي، وَتَقُولُ: إنِّي نَذَرْتُ والنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزالا بِها حَتَّى
стр. 6654
كلمَتِ ابنَ الزبَيْرِ وأعْتَقَتْ فِي نَذْرِها ذالِكَ أرْبَعِينَ رَقَبَةَ، وكانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَها بَعْدَ ذالِكَ فَتَبْكي حَتَّى تَبُلُّ دُمُوعُها خِمارَها. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٠٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُتَضَمّن لهجرة عَائِشَة عبد الله بن الزبير ﵃، أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام. فَإِن قلت: لِمَ هجرت عَائِشَة أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام؟ قلت: معنى الْهِجْرَة المذمومة لَا يصدق على هجرتهَا، لِأَن الْهِجْرَة المذمومة هِيَ ترك الْكَلَام عِنْد التلاقي وَعَائِشَة لم تكن تَلقاهُ فتعرض عَن السَّلَام عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَت من وَرَاء حجاب، وَلم يكن أحد يدْخل عَلَيْهَا إلاّ بِإِذن فَلم يكن ذَلِك من الْهِجْرَة المذمومة، وَأَيْضًا إِنَّمَا سَاغَ ذَلِك لعَائِشَة لِأَنَّهَا أم الْمُؤمنِينَ لَا سِيمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ابْن الزبير لِأَنَّهَا خَالَته، وَذَلِكَ الْكَلَام الَّذِي قَالَ فِي حَقّهَا. وَهُوَ قَوْله: لتنتهين عَائِشَة ولأحجرن عَلَيْهَا، كالعقوق لَهَا، فهجرتها إِيَّاه كَانَت تأديباً لَهُ، وَهَذَا من بَاب الهجران لمن عصى.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وعَوْف بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَالْفَاء ابْن الطُّفَيْل بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة ابْن عبد الله بن الْحَارِث بن سَخْبَرَة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء ابْن جرثومة بِضَم الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَضم الثَّاء الْمثلَة وبالميم ابْن عَائِدَة بن مرّة بن جشم بن أَوْس بن عَامر الْقرشِي، وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: لَا أَدْرِي من أَي قُرَيْش هُوَ؟ وَقَالَ أَبُو عمر: لَيْسَ من قُرَيْش، وَإِنَّمَا هُوَ من الأزد. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت أم رُومَان تَحت عبد الله بن سَخْبَرَة وَكَانَ قدم بهَا مَكَّة فحالف أَبَا بكر قبل الْإِسْلَام فَتوفي عَن أم رُومَان وَقد ولدت لَهُ الطُّفَيْل، ثمَّ خلف عَلَيْهَا أَبُو بكر ﵁، فَولدت لَهُ عبد الرَّحْمَن وَعَائِشَة، فهما أَخُو الطُّفَيْل هَذَا لأمه، وَذكر أَبُو عمر الطُّفَيْل هَذَا فِي (الِاسْتِيعَاب) فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: الطُّفَيْل هَذَا صَحَابِيّ روى عَنهُ ربعي بن حِرَاش الزُّهْرِيّ، وَقَالَ فِي (جَامع الْأُصُول) : عَوْف بن مَالك بن الطُّفَيْل، وَقَالَ الكلاباذي: عَوْف بن الْحَارِث بن الطُّفَيْل، وَفِي سَنَد حَدِيث الْبَاب مثل مَا قَالَ فِي (جَامع الْأُصُول) . وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هَكَذَا اخْتلفُوا فِيهِ وَالصَّوَاب عِنْدِي وَهُوَ الْمَعْرُوف: عَوْف بن الْحَارِث بن الطُّفَيْل، فعلى هَذَا قَول صَاحب (جَامع الْأُصُول) : عَوْف بن مَالك بن الطُّفَيْل لَيْسَ بجيد.
قَوْله: (حدثت) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: أخْبرت، ويروى: حدثته. قَوْله: (فِي بيع أَو عَطاء أَعطَتْهُ عَائِشَة) فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: فِي دَار لَهَا باعتها فتسخط عبد الله بن الزبير بِبيع تِلْكَ الدَّار، فَقَالَ: (وَالله لتنتهين عَائِشَة أَو لأحجرن عَلَيْهَا) ، كلمة أَو، هَهُنَا بِمَعْنى إلَاّ فِي الِاسْتِثْنَاء، فينصب الْمُضَارع بعْدهَا بإضمار أَن نَحْو قَوْلهم: لأقتلنه أَو يسلم، وَالْمعْنَى إلَاّ أَن يسلم، وَالْمعْنَى هَهُنَا لتنتهين عَائِشَة عَمَّا هِيَ فِيهِ من الْإِسْرَاف إلَاّ أَن أحجر عَلَيْهَا، وَيحْتَمل أَن يكون: أَو، هُنَا بِمَعْنى: إِلَى، وَينصب الْمُضَارع بعْدهَا بِأَن مضمرة نَحْو: (لألزمنك أَو تُعْطِينِي حَقي) يَعْنِي: إِلَى أَن تُعْطِينِي حَقي، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي مَنَاقِب قُرَيْش: كَانَ عبد الله ابْن الزبير أحب الْبشر إِلَى عَائِشَة بعد النَّبِي ﷺ ، وَأبي بكر، وَكَانَ أبر النَّاس بهَا، وَكَانَت لَا تمسك شَيْئا مِمَّا جاءها من رزق الله إلَاّ تَصَدَّقت بِهِ، فَقَالَ ابْن الزبير: يَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ على يَديهَا، فَقَالَت: أيؤخذ على يَدي؟ عَليّ نذر إِن كَلمته. وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة الْقَضِيَّة قبل أَن يَلِي عبد الله بن الزبير الْخلَافَة، لِأَن عَائِشَة مَاتَت سنة سبع وَخمسين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، وَكَانَ ابْن الزبير حينئذٍ لم يلِ شَيْئا. قَوْله: (قَالَت: أهوَ قَالَ هَذَا؟) أَي: قَالَت عَائِشَة: أعبد الله بن الزبير قَالَ هَذَا الْكَلَام؟ قَالُوا: نعم. قَوْله: فَقَالَت: هُوَ أَي: الشَّأْن: (لله على نذر أَن لَا أكلم ابْن الزبير أبدا) وَقَالَ ابْن التِّين: تَقْدِيره عَليّ نذر إِن كَلمته، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: أَن لَا أَتكَلّم، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا بِزِيَادَة: لَا، وَالْمَقْصُود حَلفهَا على عدم التَّكَلُّم مَعَه. قلت: هَذَا كَلَام الْكرْمَانِي بِعَين مَا قَالَه، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات بِحَذْف: لَا، وَشرح عَلَيْهَا الْكرْمَانِي وضبطها بِالْكَسْرِ بِصِيغَة الشَّرْط وَلَيْسَ كَمَا نَقله فَالَّذِي ذكره الْكرْمَانِي هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فاستشفع ابْن الزبير إِلَيْهَا) من الشَّفَاعَة وَهُوَ السُّؤَال فِي التجاوز عَن الذُّنُوب والجرائم. قَوْله: (حِين طَالَتْ الْهِجْرَة) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِلَفْظ: حِين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: حَتَّى، بدل: حِين، وَفِي رِوَايَة: فاستشفع عَلَيْهَا بِالنَّاسِ، فَلم تقبل، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن خَالِد: فاستشفع ابْن الزبير بالمهاجرين، وَقد أخرج إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ من طَرِيق حميد بن قيس: أَن عبد الله بن الزبير استشفع إِلَيْهَا بعبيد بن عُمَيْر، فَقَالَ لَهَا: أَيْن حَدِيث أخبرتنيه عَن رَسُول الله صلى الله
стр. 6655
عَلَيْهِ وَسلم، أَنه نهى عَن الْهِجْرَة فَوق ثَلَاث؟ قَوْله: (وَالله لَا أشفع فِيهِ) بِكَسْر الْفَاء الْمُشَدّدَة، أَي: لَا أقبل الشَّفَاعَة فِيهِ. قَوْله: (أبدا) ، هنو رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره أحدا، وَجمع بَين اللَّفْظَيْنِ فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن خَالِد وَرِوَايَة معمر. قَوْله: (وَلَا اتحنث إِلَى نذري) أَي: لَا أتحنث فِي نذري منتهياً إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة معمر: وَلَا أحنث فِي نذري. قَوْله: (فَلَمَّا طَال ذَلِك) أَي: هجر عَائِشَة على عبد الله ابْن الزبير كلم الْمسور بِكَسْر الْمِيم ابْن مخرمَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة الزُّهْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن أسود بن عبد يَغُوث الزُّهْرِيّ وَكَانَا من أخوال رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (أنشدكما الله) بِضَم الدَّال من أنشدت فلَانا إِذا قلت لَهُ: نشدتك الله، أَي: سَأَلتك بِاللَّه. قَوْله: (لما) بتَخْفِيف الْمِيم وَمَا زَائِدَة وبتشديدها وَهُوَ بِمَعْنى: إلَاّ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ (٦٨) إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ (الطارق: ٤) وَمَعْنَاهُ: مَا أطلب مِنْكُمَا إلاّ الإدخال. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نشدتك بِاللَّه إلَاّ فعلت، مَعْنَاهُ: مَا أطلب مِنْك إلَاّ فعلك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِلَّا أدخلتماني، وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: فَسَأَلَهُمَا أَن يشتملا عَلَيْهِ بأرديتهما. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحَالة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَإِنَّهُ، أَي: فَإِن الشان. قَوْله: (تنذر قطيعتي) أَي: قطع صلَة الرَّحِم لِأَن عَائِشَة كَانَت خَالَته، وَهِي الَّتِي كَانَت تتولى تَرْبِيَته غَالِبا. قَوْله: (أندخل؟) الْهمزَة فِيهِ للاستخبار. قَوْله: (كلنا) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ، قَالَا: وَمن مَعنا؟ قَالَت: وَمن مَعَكُمَا. قَوْله: (وطفق) أَي: جعل يناشدها. قَوْله: (بناشدانها إلَاّ مَا كَلمته) أَي: مَا يطلبان مِنْهَا إلَاّ التَّكَلُّم مَعَه وَقبُول الْعذر مِنْهُ. قَوْله: (من الْهِجْرَة) بَيَان مَا قد علمت. قَوْله: (من التَّذْكِرَة) ، أَي: من التَّذْكِير بالصلة بِالْعَفو وبكظم الغيظ. قَوْله: (والتحريج) أَي: التَّضْيِيق وَالنِّسْبَة إِلَى الْحَرج بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم. قَوْله: (وأعتقت فِي نذرها ذَلِك أَرْبَعِينَ رَقَبَة) ، علم مِنْهُ أَن المُرَاد بِالنذرِ الْيَمين، وَفِي (التَّوْضِيح) قَول عَائِشَة: عَليّ نذر أَن لَا أكلم ابْن الزبير أبدا، هَذَا أنذر فِي غير الطَّاعَة فَلَا يجب عَلَيْهَا شَيْء عِنْد مَالك وَغَيره، وَاخْتلف إِذا قَالَ: عَليّ نذر لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فكفارته كَفَّارَة بَين، وَهُوَ قَول مَالك وَغير وَاحِد من التَّابِعين، وَعَن ابْن عَبَّاس: عَلَيْهِ أغْلظ الْكَفَّارَات كالظهار لِأَنَّهُ لم يسم الْيَمين بِاللَّه وَلَا نَوَاهَا، وَقيل: إِن شَاءَ صَامَ يَوْمًا أَو أطْعم مِسْكينا أَو صلى رَكْعَتَيْنِ، وَالله أعلم.
٦٠٧٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَن ابنِ شهَاب عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: لَا تَباغضُوا وَلَا تَحاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وكُونُوا عِبادَ الله إخْوَاناً وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَ لَيَال. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٥) .
هَذَا الحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا ينْهَى عَن التحاسد، عَن أبي هُرَيْرَة وَمضى أَيْضا عَنهُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وَهُنَاكَ روى مَالك عَن أبي الزِّنَاد، وَهنا روى عَن ابْن شهَاب.
٦٠٧٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَطاء بنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيالٍ يَلْتَقيانِ فَيُعْرِضُ هاذَا وَيُعْرِضُ هاذَا وَخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأ بالسَّلَامِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٧٧ طرفه فِي: ٦٢٣٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ اسْمه خَالِد بن زيد بن كُلَيْب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الإستئذان عَن عَليّ عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى عَن مَالك وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن مُحَمَّد بن يحيى، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: هَكَذَا رَوَاهُ غير، وَاحِد عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ الْمَحْفُوظ، وَرَوَاهُ عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي بن كَعْب، وَرَوَاهُ أَحْمد بن شبيب عَن أَبِيه عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله أَو عبد الرَّحْمَن عَن أبي بن كَعْب، وَكِلَاهُمَا خطأ، أما رِوَايَة عقيل فَلم يُتَابِعه عَلَيْهَا أحد وَلَعَلَّه كَانَ فِي كِتَابه عَن أبي وَسقط مِنْهُ أَيُّوب فَظَنهُ أبي بن كَعْب، وَأما رِوَايَة أَحْمد بن شبيب عَن أَبِيه فقد رَوَاهُ ابْن وهب عَن يُونُس كَرِوَايَة الْجَمَاعَة.
قَوْله: (فَيعرض) بِضَم الْيَاء من إِعْرَاض الْوَجْه. قَوْله: (وخيرهما) أَي: أفضلهما الَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ أَي: بِالسَّلَامِ عَلَيْكُم.
وَفِيه: أَن الْهِجْرَة تَنْتَهِي بِالسَّلَامِ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٦٣ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الهِجرَانِ لِمَنْ عَصَى)
следующие страницы →