Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.
стр. 6721
علم ينذر بِهِ، وَقيل: سَمَّاهُ باسم الْمُنْذر بن عمر والساعدي الخزرجي الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور من رَهْط أبي أسيد، وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة اسْمه مُحَمَّد بن مطرف بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، وَسَهل هُوَ ابْن سعد السَّاعِي، وَأَبُو أسيد بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف واسْمه مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن أبي بكر بن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن سهل.
قَوْله: (فَوَضعه) أَي: فَوَضعه النَّبِي ﷺ على فخذاه إِكْرَاما. قَوْله: (فلهي النَّبِي ﷺ بِكَسْر الْهَاء وَفتحهَا. أَي: اشْتغل بِشَيْء كَانَ بَين يَدَيْهِ فَاحْتمل أَي: رفع. قَوْله: (فاستفاق) أَي: فرغ من اشْتِغَاله كَمَا يُقَال: أَفَاق من مَرضه وَلم ير الصَّبِي، فَقَالَ: (أَيْن الصَّبِي) ، فَقَالَ أَبُو أسيد: قلبناه أَي: صرفناه إِلَى الْبَيْت، وَذكر ابْن التِّين أَنه وَقع فِي رِوَايَة: أقلبناه بِزِيَادَة همزَة فِي أَوله، قَالَ: وَالصَّوَاب حذفهَا وأثبته غَيره لُغَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أقلبناه لُغَة فِي: قلبناه، فَلَا سَهْو فِي زِيَادَة الْألف. قَوْله: (وَلَكِن) قد علم أَنه للاستدراك، فَأَيْنَ الْمُسْتَدْرك مِنْهُ؟ وَأجِيب: بِأَن تَقْدِيره لَيْسَ ذَلِك الَّذِي عبر عَنهُ بفلان اسْمه بل هُوَ الْمُنْذر.
٦١٩٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَطاءِ بنِ أبي مَيْمُونَةَ عَنْ أبي رافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ زَيْنَبَ كانَ اسْمُها بَرَّةَ فَقِيلَ: تُزَكِّي نَفْسَها فَسَمَّاها رسولُ الله ﷺ : زَيْنَبَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ تَحْويل إسم برة إِلَى زَيْنَب. وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، وَعَطَاء بن أبي مَيْمُونَة مولى أنس بن مَالك، وَأَبُو رَافع نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء الصَّائِغ الْمدنِي ثمَّ الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (أَن زَيْنَب) هِيَ بنت جحش أم الْمُؤمنِينَ كَانَ اسْمهَا برة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء أَو هِيَ: زَيْنَب بنت أم سَلمَة ربيبة النَّبِي ﷺ ، فَغير النَّبِي ﷺ إسم كل مِنْهُمَا إِلَى زَيْنَب، وروى مُسلم عَن زَيْنَب بنت أم سَلمَة قَالَت: سميت برة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تزكوا أَنفسكُم، فَالله أعلم بِأَهْل الْبر مِنْكُم، فَقَالُوا: مَا نسميها؟ قَالَ: سَموهَا زَيْنَب.
٦١٩٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى حدّثنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدُ الحَمِيدِ ابنُ جُبَيْرِ بنِ شَيْبَةَ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ فَحَدَّثَنِي أنَّ جَدَّهُ حَزْناً قَدِمَ على النبيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ. قَالَ: بَلْ أنْتَ سَهْلٌ. قَالَ: مَا أَنا بمُغَيِّرٍ إسْماً سَمَّانِيهِ أبي. قَالَ ابنُ المُسَيَّب: فَما زَالَتْ فِينا الحُزُونَةُ بَعْدُ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٩٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن زيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعبد الحميد بن جُبَير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن شيبَة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الحجي.
قَوْله: (حَدثنَا هِشَام) ويروى: أخبرنَا هِشَام. قَوْله: (أَن جده حزنا) قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الْإِسْنَاد مَقْطُوع انْقَطع رجل من الْبَين وَالْأولَى أَي الرِّوَايَة الأولى وَهِي الَّتِي سبقت قبل هَذِه أولى لِأَنَّهُ روى عَن أَبِيه عَن جده، قيل: هَذَا على قَاعِدَة الشَّافِعِي: إِن الْمُرْسل إِذا جَاءَ مَوْصُولا من وَجه آخر يبين صِحَة مخرج الْمُرْسل.
١٠٩ - (بابُ مَنْ سَمَّي بأسْماءِ الأنْبِياءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سمى ابْنه أَو أحدا من جِهَته باسم نَبِي من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَهُوَ جَائِز، وَقد قَالَ سعيد بن الْمسيب: أحب الْأَسْمَاء إِلَى الله أَسمَاء الْأَنْبِيَاء ﵈ وَقد قَالَ ﷺ : سموا باسمي، وَهَذَا يرد قَول من كره التَّسْمِيَة بأسماء الْأَنْبِيَاء، وَهِي رِوَايَة جَاءَت عَن عمر بن الْخطاب ﵁ من طَرِيق قَتَادَة عَن سَالم بن أبي الْجَعْد وَذكر الطَّبَرِيّ، وَحجَّة هَذَا القَوْل حَدِيث الحكم بن عَطِيَّة عَن ثَابت عَن أنس رَفعه: تسمون أَوْلَادكُم مُحَمَّدًا ثمَّ تلعنونهم؟ وَالْحكم هَذَا ضَعِيف ذكره البُخَارِيّ فِي الضُّعَفَاء، قَالَ: وَكَانَ أَبُو الْوَلِيد يُضعفهُ.
стр. 6722
وَقَالَ أنَسٌ: قَبَّلَ النبيُّ ﷺ ، إبْرَاهِيمَ يَعْنِي ابْنَهُ
هَذَا تَعْلِيق فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي الْجَنَائِز.
٦١٩٤ - حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ حدّثنا إسْماعِيل قُلْتُ ل ابنِ أبي أوْفَى: رأيتَ إبْرَاهِيمَ بنَ النبيّ ﷺ ؟ قَالَ: ماتَ صَغِيراً، ولوْ قُضِيَ أَن يَكُونَ بَعْدَ محَمَّد ﷺ نَبِيٌّ عاشَ ابْنُهُ لَكِن لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن نمير بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير نسب لجده، وَمُحَمّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْعَبْدي، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد البَجلِيّ، وكل هَؤُلَاءِ كوفيون، وَابْن أبي أوفى عبد الله الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ، وَاسم أبي أوفى عَلْقَمَة.
والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز عَن ابْن نمير شيخ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن بشر.
قَوْله: (مَاتَ صَغِيرا) كَانَ عمره حِين مَاتَ ثَمَانِيَة عشر شهرا، وَكَانَ مَوته فِي ذِي الْحجَّة سنة عشر وَدفن بِالبَقِيعِ. قَالَ الْكرْمَانِي: الْمَفْهُوم من جَوَابه إِن ظَاهره لَا يُطَابق السُّؤَال لِأَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت إِبْرَاهِيم؟ يَعْنِي: هَل رَأَيْته؟ فَقَالَ: مَاتَ صَغِيرا فَهَذَا لَيْسَ جَوَابه، ثمَّ أجَاب بقوله: الظَّاهِر أَنه رَآهُ مَاتَ صَغِيرا. قَوْله: (وَلَو قضي) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لَو قدر الله أَن يكون بعده نَبيا لعاش، وَلكنه خَاتم النَّبِيين.
٦١٩٥ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيّ بنِ ثابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ البَراءَ قَالَ: لمَّا ماتَ إبْرَاهِيمُ ﵇ قالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّ لَهُ مُرْضِعاً فِي الجَنَّةِ. (انْظُر الحَدِيث ١٣١٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي صفة الْجنَّة عَن حجاج بن منهال وَهُوَ من أَفْرَاده.
قَوْله: (مُرْضعًا) قَالَ الْخطابِيّ: بِضَم الْمِيم أَي: من يتم رضاعه، وَبِفَتْحِهَا أَي: إِن لَهُ رضَاعًا فِي الْجنَّة، وَفِي (الصِّحَاح) : امْرَأَة مرضع. أَي: لَهَا ولد ترْضِعه فَهِيَ مُرْضِعَة بِضَم أَوله، فَإِن وصفتها بإرضاعه قلت: مُرْضِعَة، يَعْنِي بِفَتْح الْمِيم قيل: الْمَعْنى يَصح وَلَكِن لم يروه أحد بِفَتْح الْمِيم، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَن لَهُ مُرْضعًا ترْضِعه فِي الْجنَّة.
٦١٩٦ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنِ بنِ حُصَيْنِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ سالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عَنْ جابِرِ بن عَبْدِ الله الأنْصارِيّ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : سَمُّوا باسْمِي وَلَا تكتَنُوا بِكُنْيَتِي فإِنما أَنا قاسِمٌ أقْسِمُ بَيْنَكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (سموا باسمي) وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : سموا باسمي، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أَنا قَاسم) إِشَارَة إِلَى أَن هَذِه الكنية تصدق على النَّبِي ﷺ ، لِأَنَّهُ يقسم مَال الله بَين الْمُسلمين، وَغَيره لَيْسَ بِهَذِهِ الْمرتبَة.
وَفِيه: إِشْعَار بِأَن الكنية إِنَّمَا تكون بِسَبَب وصف صَحِيح فِي المكنى بِهِ.
ورواهُ أنَسٌ عَنِ النبيّ ﷺ
أَي: روى هَذَا الحَدِيث أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : سموا باسمي.
٦١٩٧ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعيِلَ حَدثنَا أبُوا عَوانَةَ حدّثنا أبُو حَصِينٍ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النبيّ ﷺ قَالَ: سَمُّوا باسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنامِ فَقَدْ رآنِي فإِنَّ الشَّيْطانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
стр. 6723
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (سموا بإسمي) فَإِنَّهُ يدل على جَوَاز التَّسْمِيَة باسم النَّبِي ﷺ ، وَغَيره من الْأَنْبِيَاء ﵈.
وَأَبُو عوَانَة الوضاح بن عبد الله، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ عُثْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، وَقد مضى صدر الحَدِيث عَن قريب.
قَوْله: (بكنيتي) وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي هُنَا: بكنوتي. قَوْله: (وَمن رَآنِي)
إِلَى آخِره حديثان جَمعهمَا الرَّاوِي مَعَ الحَدِيث الأول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَكَيْفِيَّة هَذِه الرُّؤْيَة أَن الله يخلق الرُّؤْيَة بإرادته وَلَيْسَت مَشْرُوطَة بمواجهة ومقابلة وَشرط، وَقَالَ الْغَزالِيّ ﵀: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا رأى جسمي بل رأى مِثَالا صَار ذَلِك الْمِثَال آلَة يتَأَدَّى بهَا الْمَعْنى الَّذِي فِي نَفسِي إِلَيْهِ، بل الْبدن فِي الْيَقَظَة أَيْضا لَيْسَ إلَاّ آلَة النَّفس، فَالْحق إِنَّمَا يرى مِثَال حَقِيقَة روحه المقدسة، قيل: من أَيْن يعلم الرَّائِي أَنه رَسُول الله ﷺ ، لَا غَيره؟ وَأجِيب: بِأَن الله يخلق فِيهِ علما ضَرُورِيًّا أَنه هُوَ ﷺ . قَوْله: (فقد رَآنِي) لَيْسَ بجزاء للشّرط حَقِيقَة بل لَازمه نَحْو فليستبشر فَإِنَّهُ قد رَآنِي. قَوْله: (لَا يتَمَثَّل بِي) ويروى: لَا يتَمَثَّل صُورَتي. قَوْله: (فليتخذ) ، يُقَال: تبوأ الرجل الْمَكَان إِذا اتَّخذهُ موضعا لمقامه، وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: هَذَا الحَدِيث متواتر فِي الْعلم.
٦١٩٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ حَدثنَا أبُو أسامَة عَنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي مُوسَى، قَالَ: وُلِدَ لي غُلَامٌ فأتَيْتُ بِهِ النبيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إبْرَاهِيمَ فَحَنَّكَةُ بِتَمْرَةٍ ودَعا لَهُ بالبَرَكَةِ ودَفَعَهُ إليَّ وكانَ أكْبَرَ وَلَدِ أبي مُوسَى. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٦٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله يروي عَن جده أبي بردة عَامر، وَقيل: الْحَارِث عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث مضى فِي الْعَقِيقَة عَن إِسْحَاق بن نصر. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
١١٠ - (بابُ تَسْمِيَةِ الوَلِيدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر مَا جَاءَ من تَسْمِيَة الْوَلِيد، وغرضه من وضع هَذِه التَّرْجَمَة الرَّد على مَا ءواه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، نهى رَسُول ﷺ ، أَن يُسمى الرجل عَبده أَو وَلَده حَربًا أَو مرّة أَو وليداً، فَإِنَّهُ حَدِيث ضَعِيف جدا، وعَلى مَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن عَيَّاش وَهُوَ إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: ولد لأخي أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ ، غُلَام فَسَموهُ الْوَلِيد، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : سميتموه الْوَلِيد بأسماء فرا عينكم لَيَكُونن فِي هَذِه الْأمة رجل يُقَال لَهُ: الْوَلِيد، لَهو شَرّ على هَذِه الْأمة من فِرْعَوْن لِقَوْمِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان: هَذَا خبر بَاطِل، مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ ، هَذَا وَلَا رَوَاهُ عمر وَلَا حدث بِهِ سعيد وَلَا الزُّهْرِيّ
стр. 6724
وَلَا هُوَ من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ ابْن حبَان: لما كبر إِسْمَاعِيل تغير حفظه فَكثر الْخَطَأ فِي حَدِيثه وَهُوَ لَا يعلم وَقد رَوَاهُ وَهُوَ مختلط، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: قد رَأَيْت فِي بعض الرِّوَايَات عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه قَالَ: سَأَلت الزُّهْرِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: إِن اسْتخْلف الْوَلِيد بن يزِيد وإلَاّ فَهُوَ الْوَلِيد بن عبد الْملك، وَهَذِه الرِّوَايَة لَا أعلم صِحَّتهَا. قلت: فَإِن صحت دلّت على ثُبُوت الحَدِيث. والوليد بن يزِيد أولى بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورا بالإلحاد مبارزاً بالعناد، وَإِنَّمَا قَالَ: أَسمَاء فرا عينكم لِأَن فِرْعَوْن مُوسَى اسْمه الْوَلِيد، وَلما لم يكن هَذَانِ الحديثان وأمثالهما على شَرط البُخَارِيّ لم يذكر شَيْئا مِنْهُمَا، وَأورد فِي الْبَاب الحَدِيث الَّذِي يدل على الْجَوَاز.
٦٢٠٠ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ حَدثنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهرِيِّ عَنْ سَعِيد عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا رفعَ النبيُّ ﷺ رأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: أللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيد وسَلَمَةَ ابنَ هِشامٍ وعَيَّاشَ بنَ أبي ربِيعَةَ والمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلَى مُضَرَ، أللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (الْوَلِيد بن الْوَلِيد فَإِنَّهُ أوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة، وَدلّ على جَوَاز تَسْمِيَة الْوَلِيد.
وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَسَعِيد هُوَ ابْن الْمسيب. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب يهوى بِالتَّكْبِيرِ، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من عطف الْعَام على الْخَاص وَالْوَطْأَةُ الدوس بالقدم وَالْمرَاد بهَا هُنَا الإهلاك أَي: خذهم أخذا شَدِيدا وَمُضر قَبيلَة قُرَيْش. قَوْله: (كَسِنِي يُوسُف وَجه التَّشْبِيه بسني يُوسُف هُوَ فِي امتداد الْقَحْط والمحنة وَالْبَلَاء والشدة وَالضَّرَّاء، وَسَقَطت النُّون من سني يُوسُف للإضافة.
١١١ - (بابُ مَنْ دَعا صَاحِبَهُ فَنَقَصَ مِنِ اسْمِهِ حَرْفاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من دَعَا صَاحبه بِأَن خاطبه بالنداء فنقص من اسْمه حرفا مثل قَوْلك: يَا مَال، فِي مَالك. وَهَذَا عبارَة عَن التَّرْخِيم وَهُوَ حذف آخر المنادى لأجل التَّخْفِيف، وَإِنَّمَا اخْتصَّ بِالْآخرِ لِأَنَّهُ مَحل التَّغْيِير فِي حذفه فِي جزم المعتل وَشرط التَّرْخِيم فِي المنادى أَن لَا يكون مُضَافا وَلَا مستغاثاً وَلَا جملَة، وَفِي غير المنادى لَا يجوز إِلَّا لضَرُورَة الشّعْر.
وَقَالَ أبُو حازِمِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ لي النبيُّ ﷺ : يَا أَبَا هِرّ
أَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْأَطْعِمَة: وأوله أصابني جهد شَدِيد الحَدِيث، وَفِيه: فَإِذا رَسُول الله ﷺ قَائِم على رَأْسِي فَقَالَ: يَا أَبَا هر، قَالَ ابْن بطال: هَذَا لَا يُطَابق التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَيْسَ من التَّرْخِيم، وَإِنَّمَا هُوَ نقل اللَّفْظ من التصغير والتأنيث إِلَى التَّكْبِير والتذكير وَذَلِكَ أَنه كناه أَبَا هُرَيْرَة، وهريرة تَصْغِير هرة فخاطبه باسمها مذكراً فَهُوَ نُقْصَان فِي اللَّفْظ وَزِيَادَة فِي الْمَعْنى انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ نقص فِي الْجُمْلَة لَكِن كَون النَّقْص مِنْهُ حرفا فِيهِ نظر قلت: لَا يَنْبَغِي للشَّخْص أَن يتَكَلَّم فِي فن وَلَيْسَ لَهُ يَد فِيهِ، فليت شعري هَذَا الَّذِي قَالَه هَل يرد كَلَام ابْن بطال.
٦٢٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمان أنَّ عائِشَةَ ﵂ زَوجَ النبيِّ ﷺ قالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : يَا عائِشَة هاذا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ! قُلْتُ: وعَلَيْهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ الله، قالَتْ: وهوَ يَرَى مَا لَا نَرَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (يَا عائش) ، ترخيم عَائِشَة يجوز فِيهِ الْفَتْح وَعَلِيهِ الْأَكْثَر وَالضَّم. قَوْله: (يُقْرِئك السَّلَام) ، هَذَا وَقَرَأَ،
стр. 6725
عَلَيْك السَّلَام، بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (قلت) ويروى: قَالَت، قيل: جِبْرِيل جسم فَإِذا كَانَ حَاضرا فِي الْمجْلس فَكيف تخْتَص رُؤْيَته بِالْبَعْضِ دون الآخر؟ وَأجِيب: بِأَن الرُّؤْيَة أَمر يخلقه الله تَعَالَى فِي الْحَيّ فَإِن خلقهَا فِيهِ رأى وإلَاّ فَلَا. قَوْله: (مَا لَا نرى) ويروى: مَا لَا أرى.
٦٢٠٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعيلَ حدّثنا وُهَيْبٌ حدّثنا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلَابَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: كانَتْ أمُّ سُلَيْمٍ فِي الثَّقَلِ، وأنْجَشَةُ غُلَامُ النبيِّ ﷺ يَسُوقُ بِهِنَّ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : يَا أنْجَشُ رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ بالْقَوَارِيرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَا أنجش) فَإِنَّهُ مرخم وَأَصله: يَا أَنْجَشَة، وَيجوز فِيهِ الْفَتْح وَالضَّم على مَا هُوَ قَاعِدَة المرخمات.
ووهيب هُوَ ابْن خَالِد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب مَا يجوز من الشّعْر.
قَوْله: (كَانَت أم سليم) وَهِي: أم أنس، ﵄ قَوْله: (فِي الثّقل) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف وَهُوَ مَتَاع الْمُسَافِر وحشمه، وَرُوِيَ بِكَسْر الثَّاء، قَالَ ابْن التِّين: الأول هُوَ الَّذِي قرأناه. قَوْله: (رويدك) أَي: لَا تستعجل فِي سوق النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كالقوارير فِي سرعَة الانفعال، والتأثر، وَقد مرت مباحثه مستقصاة.
١١٢ - (بابُ الكُنْيَةِ لِلصَّبِيّ، وقَبْلَ أنْ يُولَدَ لِلرَّجُلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الكنية للصَّبِيّ، وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ: عجلوا بكنى أَوْلَادكُم لَا تسرع إِلَيْهِم ألقاب السوء، وَقَالَ الْعلمَاء: كَانُوا يكنون الصَّبِي تفاؤلاً بِأَنَّهُ سيعيش حَتَّى يُولد لَهُ، وللأمن من التقليب لِأَن الْغَالِب أَن من يذكر شخصا فيعظمه أَن لَا يذكرهُ باسمه الْخَاص بِهِ، فَإِذا كَانَت لَهُ كنية أَمن من تلقيبه، وَقَالُوا: الكنية للْعَرَب كاللقب للعجم. قَوْله: (وَقبل أَن يُولد) أَي: وَفِي جَوَاز الكنية أَيْضا قبل أَن يُولد للرجل أَي: قبل أَن يَجِيء لَهُ ولد، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قبل أَن يلد الرجل، وَقد روى الطَّحَاوِيّ وَأحمد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث صُهَيْب: أَن عمر ﵁ قَالَ لَهُ مَالك تكنى أَبَا يحيى وَلَيْسَ لَك ولد؟ قَالَ: إِن النَّبِي ﷺ ، كناني، وروى ابْن أبي شيبَة عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَ رجال من الصَّحَابَة يكتنون قبل أَن يُولد لَهُم. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود: أَن النَّبِي ﷺ ، كناه أَبَا عبد الرَّحْمَن قبل أَن يُولد لَهُ.
٦٢٠٣ - حدَّثنا مُسَدَّدُ حَدثنَا عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبي التَّيَّاحِ عَنْ أنَسٍ قَالَ: كانَ النبيُّ ﷺ ، أحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً وكانَ لي أخٌ يُقالُ لَهُ أبُو عُمَيْرٍ، قَالَ: أحْسِبُهُ فَطِيمٌ وكانَ إذَا جاءَ قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ نُغَرٌ كانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّما حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهْوَ فِي بَيْتِنا فَيَأمُرُ بالبِساطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ ويُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا. (انْظُر الحَدِيث ٦١٢٩) .
مُطَابقَة الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقَالَ بَعضهم: والركن الثَّانِي مَأْخُوذ بالإلحاق بل بطرِيق الأولى. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه لِأَن جَوَاز التكني للصَّبِيّ لَا يسْتَلْزم جَوَاز التكني للرجل قبل أَن يُولد لَهُ، فَكيف يَصح الْإِلْحَاق بِهِ فضلا عَن الْأَوْلَوِيَّة؟ وَالظَّاهِر أَنه لم يظفر بِحَدِيث على شَرطه مطابقاً للجزء الثَّانِي، فَلذَلِك لم يذكر لَهُ شَيْئا.
وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأَبُو التياح بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة واسْمه يزِيد بن حميد.
والْحَدِيث مر مُخْتَصرا فِي: بَاب الانبساط إِلَى النَّاس، أخرجه عَن آدم عَن شُعْبَة عَن أبي التياح عَن أنس. والْحَدِيث دلّ على جَوَاز تكني الصَّغِير، وَأَبُو عُمَيْر مصغر عمر.
قَوْله: (أَحْسبهُ) أَي: أَظُنهُ فطيم أَي: مفطوم انْتهى رضاعه، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس عِنْد أَحْمد: كَانَ لي أَخ صَغِير، وَهُوَ أَخُو أنس من أمه، وارتفاع: فطيم، بِأَنَّهُ صفة لقَوْله: لي أَخ. وَقَوله: (أَحْسبهُ)
стр. 6726
معترض بَين الصّفة والموصوف ويروى) فطيماً، بِالنّصب على أَنه مفعول ثَان لأحسبه. قَوْله: (وَكَانَ إِذا جَاءَ) أَي: وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا جَاءَ، يَعْنِي: إِلَى أم سليم فِيمَا زح الصَّغِير فَيَقُول لَهُ. (يَا با عُمَيْر مَا فعل النغير) وَكَانَ قد مَاتَ. قَوْله: (نغر) . يَعْنِي النغير مصغر نغر بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ طير صَغِير كالعصافير حمر المناقير. قَوْله: (فَرُبمَا حضر الصَّلَاة) أَي: رُبمَا حضر النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره، قد مر فِي كتاب الصَّلَاة.
١١٣ - (بابُ التَّكَنِّي بِأبي تُرَاب وإنْ كانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أخْرَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز التكني بِأبي تُرَاب وَإِن كَانَت لَهُ كنية أُخْرَى قبل ذَلِك، وَهَذَا فِي قصَّة عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَقد تقدّمت بأتم من ذَلِك فِي مناقبه.
١١٤ - (بابُ أبْغَضِ الأسْماءِ إِلَى الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أبْغض الْأَسْمَاء إِلَى الله ، وَلم يبين مَا هُوَ أبْغض الْأَسْمَاء اكْتِفَاء بِمَا بَينه فِي حَدِيث الْبَاب.
٦٢٠٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا أبُو شُعَيْب حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ
стр. 6727
قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : أخْنَى الأسْماءِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأمْلَاكِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٠٥ طرفه فِي: ٦٢٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أخنى الْأَسْمَاء) لِأَن: أخنى أفعل من الخنى، وَهُوَ الْفُحْش من القَوْل، وكل فحش قَبِيح وكل قَبِيح مبغوض.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وبالنون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أخنى الْأَسْمَاء) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة شُعَيْب للأكثرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: أخنع، أما الأخنى فَهُوَ من الخنى بِفتْحَتَيْنِ مَقْصُورا، وَقد فسرناه، وَأما: أخنع، فَهُوَ من الخنوع وَهُوَ الذل وَقد فسره الْحميدِي عِنْد رِوَايَته بِهِ بقوله: الأخنع الْأَذَل. وَأخرج مُسلم عَن أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: سَأَلت أَبَا عمر والشيباني، يَعْنِي: إِسْحَاق اللّغَوِيّ عَن أخنع، فَقَالَ: أوضع، والخانع الذَّلِيل من خنع الرجل إِذا ذل، وَورد عِنْد مُسلم بِلَفْظ أَخبث الْأَسْمَاء وبلفظ: أَغيظ الْأَسْمَاء، وَوَقع لِابْنِ أبي شيبَة عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: أكره الْأَسْمَاء، وروى سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن جَابر قَالَ: أكره الْأَسْمَاء إِلَى الله ملك الْأَمْلَاك، وَإِنَّمَا كَانَ: ملك الْأَمْلَاك أبْغض إِلَى الله وأكره إِلَيْهِ أَن يُسمى بِهِ مَخْلُوق لِأَنَّهُ صفة الله تَعَالَى، وَلَا يَلِيق بمخلوق صِفَات الله وأسماؤه، لِأَن الْعباد لَا يوصفون إلَاّ بالذل والخضوع والعبودية، وَقد روى عَطاء عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: لَا تسموا أبناءكم حكيماً وَلَا أَبَا الحكم فَإِن الله هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم، وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي الحَدِيث: أبْغض الْأَسْمَاء إِلَى الله: خَالِد وَمَالك، وَذَلِكَ أَن أحدا لَيْسَ يخلد، وَالْمَالِك هُوَ الله ، ثمَّ قَالَ: وَمَا أرَاهُ مَحْفُوظًا لِأَن بعض الصَّحَابَة كَانَ اسْمه خَالِدا أَو مَالِكًا قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا عجب، فَفِي الصَّحَابَة خَالِد فَوق السّبْعين وَمَالك فِي الصَّحَابَة فَوق الْمِائَة وَعشرَة، والعباد وَإِن كَانُوا يموتون فالأرواح لَا تفنى ثمَّ تعود الْأَجْسَام الَّتِي كَانَت فِي الدُّنْيَا وتعود فِيهَا تِلْكَ الْأَرْوَاح، ويخلد كل فريق فِي أحد الدَّاريْنِ، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿ (٣٤) وَنَادَوْا يَا مَالك﴾ (الزخرف: ٧٧) الخازن النَّار، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: احتجاجه بِجَوَاز التَّسْمِيَة بِخَالِد بِمَا ذكر من أَن الْأَرْوَاح لَا تفنى، فعلى تَقْدِير التَّسْلِيم لَيْسَ بواضح لِأَن الله سُبْحَانَهُ قد قَالَ لنَبيه: ﴿ (١٢) وَمَا جعلنَا لبشر. . الْخلد﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٤) والخلد الْبَقَاء الدَّائِم بِغَيْر موت فَلَا يلْزم من كَون الْأَرْوَاح لَا تفنى أَن يُقَال لصَاحب تِلْكَ الرّوح: خَالِد. انْتهى. قلت اعتراضه غير وَاضح وَلَا وَارِد لِأَن نفي الْخلد لبشر من قبل النَّبِي ﷺ إِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا. قَوْله: والخلد الْبَقَاء الدَّائِم بِغَيْر موت فِي الدُّنْيَا أَيْضا، والنتيجة الَّتِي بناها على تِلْكَ الْمُقدمَة الْفَاسِدَة عقيمة وَهِي قَوْله: فَلَا يلْزم ... إِلَى آخِره، بل يلْزم ذَلِك فِي الْآخِرَة فَافْهَم. قَوْله: (ملك الْأَمْلَاك) بِكَسْر اللَّام من ملك والأملاك جمع ملك بِكَسْر اللَّام أَيْضا، وَقيل: الْتحق بذلك قَاضِي الْقُضَاة وَإِن كَانَ اشْتهر فِي بِلَاد الْمشرق من قديم الزَّمَان إِطْلَاق ذَلِك على كَبِير الْقُضَاة، وَقد سلم أهل الغرب من ذَلِك، وَاسم: كَبِير الْقُضَاة، عِنْدهم قَاضِي الْجَمَاعَة. قلت: أول من تسمى قَاضِي الْقُضَاة أَبُو يُوسُف من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَفِي زَمَنه كَانَ أساطين الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء والمحدثين فَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك، نعم يمْتَنع أَن يُقَال: أقضى الْقُضَاة، لِأَن مَعْنَاهُ: أحكم الْحَاكِمين، وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ أحكم الْحَاكِمين، وَهَذَا أبلغ من قَاضِي الْقُضَاة، لِأَنَّهُ أفعل التَّفْضِيل، وَمن جهلاء هَذَا الزَّمَان من مسطري سجلات الْقُضَاة يَكْتُبُونَ للنائب: أقضى الْقُضَاة، وللقاضي الْكَبِير: قَاضِي الْقُضَاة.
٦٢٠٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ أبي الزِّناد عَنِ الأعْرَجِ عَن أبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: أخْنَعُ إسْمٍ عِنْدَ الله، وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أخْنَعْ الأسْماءِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكَ الأمْلاكِ. قَالَ سُفْيانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ: تَفْسِيرُهُ شاهانْ شاهْ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٠٥) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (رِوَايَة) أَي: عَن النَّبِي ﷺ ، وانتصابه بِهِ على التَّمْيِيز أَي: من حَيْثُ الرِّوَايَة عَن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان) أَي: الرَّاوِي الْمَذْكُور. قَوْله: (غير مرّة) أَي: مرَارًا مُتعَدِّدَة. قَوْله: (يَقُول غَيره) أَي: غير أَبُو الزِّنَاد (شاهان شاه) ، وَمَعْنَاهُ بالعربي: ملك الْأَمْلَاك، لِأَن شاهان الْأَمْلَاك لِأَنَّهُ جمع شاه
стр. 6728
وَيجمع عِنْدهم بِالْألف وَالنُّون فِي بنى آدم، وشاه مُفْرد وَمَعْنَاهُ الْملك، وَلَكِن من قَاعِدَة الْعَجم تَقْدِيم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف وَتَقْدِيم الصّفة على الْمَوْصُوف، وشاهان بِسُكُون النُّون لَا بِكَسْرِهَا.
١١٥ - (بابُ كُنْيَة المُشْرِكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ: هَل يجوز كنية الْمُشرك ابْتِدَاء، وَإِذا كَانَت لَهُ كنية هَل يجوز خطابه بهَا؟ وَهل يجوز ذكره بهَا إِذا كَانَ غَائِبا؟ .
وَقَالَ مِسْوَرٌ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: إلَاّ أنْ يُرِيدَ ابنُ أبي طالِبٍ
هَذَا التَّعْلِيق سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَثَبت للباقين. قَوْله: (مسور) كَذَا هُوَ مُجَرّد عَن الْألف وَاللَّام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم: الْمسور، وَهُوَ الْأَشْهر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ابْن مخرمَة الزُّهْرِيّ وَقد تعدد ذكره، وَوصل البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق بِتَمَامِهِ فِي: بَاب ذب الرجل عَن ابْنَته، فِي أَوَاخِر كتاب النِّكَاح: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر: إِن بني هِشَام بن الْمُغيرَة اسْتَأْذنُوا فِي أَن ينكحوا ابنتهم عَليّ بن أبي طَالب، فَلَا آذن ثمَّ لَا آذن إلَاّ أَن يُرِيد ابْن أبي طَالب أَن يُطلق ابْنَتي وينكح ابنتهم ... الحَدِيث.
٦٢٠٧ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وحدّثنا إسماعيلُ قَالَ: حدّثني أخي عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أبي عَتِيقٍ عَنْ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّ أُسامةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ أخبرهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمار عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكيَّةٌ وأُسامَةُ وراءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبادَةَ فِي بَني الحارِبِ بن الخَزْرَجِ قَبْلَ وَقَعةِ بَدْرٍ، فَسارا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ الله بنُ أبيّ بنُ سَلُولَ، وذالِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ الله بنُ أبيّ، فَإِذا فِي المَجْلِسِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبْدَةِ الأوْثانِ واليَهُودِ، وَفِي المُسْلِمِينَ عَبْدُ الله بنُ رَواحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ابنُ أُبَيّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ، وَقَالَ: لَا تُغَيِّرُوا عَلَيْنا، فَسَلَّمَ رسولُ الله ﷺ ، عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعاهُمْ إِلَى الله وقَرَأَ عَلَيْهِمْ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بنُ أُبيّ ابنُ سَلُولَ: أيُّها المَرْءُ لَا أحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إنْ كَانَ حَقًّا، فَلا تُؤْذِنا بِهِ فِي مَجالِسِنا، فَمَنْ جاءَكَ فًّقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ رَواحَةَ: بَلاى يَا رَسُول الله فاغْشَنا بِهِ فِي مَجالِسِنا فإنَّا نُحِبُّ ذالِكَ، فاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتَّى كادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يَخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ رسولُ الله ﷺ ، دابَّتَهُ فَسارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بنِ عُبادَةَ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : أيْ سَعْدُ ﴿ألَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أبُو حُبابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ الله بنَ أبَيّ قَالَ: كَذا وكَذا، فَقَالَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ: أَي: رسولَ الله﴾ بِأبي أنْتَ، اعْفُ عَنْهُ واصْفَحْ، فَوَالذي أنْزَل عَلَيْكَ الكِتابَ لَقَدْ جاءَ الله بالحَقِّ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ، ولَقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هاذِهِ البَحْرَةِ عَلَى أنْ يُتَوِّجُوهُ ويُعَصِّبُوهُ بالعصابَةِ فَلَمَّا رَدَّ الله ذالِكَ بالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَ شَرِقَ بِذالِكَ فَذالِكَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مَا رَأيْتَ، فَعَفا عَنْهُ رسولُ الله ﷺ ، وَكَانَ رسولُ الله ﷺ وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَمَا
стр. 6729
أمَرَهُمُ الله ويَصْبِرُونَ عَلَى الأذاى، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٣) ولتسمعن من الَّذين. . الْكتاب﴾ (آل عمرَان: ١٨٦) الْآيَة. وَقَالَ: ﴿ (٢) ود كثير. . الْكتاب﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٩) فَكانَ رسولُ الله ﷺ يَتَأوَّلُ فِي العَفْوِ عَنْهُمْ مَا أمَرَه الله بِهِ حَتَّى أذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلمَّا غَزَا رسولُ الله ﷺ ، بَدْراً فَقَتَلَ الله بِها مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنادِيدِ الكُفَّارِ وسادَةِ قُرَيْشٍ فَقَفَلَ رسولُ الله ﷺ وأصْحابُهُ مَنْصُورينَ غانِمينَ مَعَهُمْ أسارَى مِنْ صَنادِيدِ الكُفَّارِ وسادةِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابنُ أُبَيّ ابنُ سَلُولَ ومَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثَانِ: هاذا أمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبايِعُوا رسولَ الله ﷺ عَلَى الإسْلامِ فأسْلَمُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَبُو حباب) فَإِنَّهُ كنية عبد الله بن أبي وَهُوَ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة أَيْضا وَهُوَ إسم الشَّيْطَان وَيَقَع على الْحَيَّة أَيْضا، وَقيل: الْحباب حَيَّة بِعَينهَا، والحباب بِفَتْح الْحَاء الطل الَّذِي يصبح على النَّبَات، وحباب المَاء نفاخاته الَّتِي تطفو عَلَيْهِ.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة. وَالْآخر: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق ﵁ يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا فِي: بَاب الردف على الْحمار، وَمضى فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان بِطُولِهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر بعض شَيْء.
فَقَوله: (قطيفة) هِيَ الكساء نِسْبَة إِلَى فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة وَالْكَاف وَهِي قَرْيَة بِقرب الْمَدِينَة. قَوْله: من بني الْحَارِث) ويروى: من بني حَارِث، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (ابْن سلول) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ صفة لعبد الله، وسلول إسم أمه. قَوْله: (وَالْيَهُود) عطف على العبدة أَو على الْمُشْركين. قَوْله: (عجاجة الدَّابَّة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْجِيم الأولى وَهِي الْغُبَار. قَوْله: (خمر عبد الله) أَي: غطى. قَوْله: (لَا تغبروا علينا) أَي: لَا تثيروا الْغُبَار. قَوْله: (لَا أحسن) أفعل التَّفْضِيل أَي: لَا أحسن من الْقُرْآن إِن كَانَ حَقًا، وَيجوز أَن يكون إِن كَانَ حَقًا شرطا. وَقَوله: (فَلَا تؤذنا) جَزَاؤُهُ قيل: قَالَه استهزاء. قَوْله: (يتثاورون) أَي: يتواثبون. قَوْله: (أَي سعد) يَعْنِي: يَا سعد. قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: أَنْت مفدّى بِأبي. قَوْله: (هَذِه البحرة) أَي: الْبَلدة، ويروى: الْبحيرَة بِالتَّصْغِيرِ. قَوْله: (وتوجوه) ، أَي: جَعَلُوهُ ملكا وعصبوا رَأسه بعصابة الْملك وَهَذَا كِنَايَة، وَيحْتَمل إِرَادَة الْحَقِيقَة أَيْضا. قَوْله: (شَرق) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء أَي: غص بِهِ، وَبَقِي فِي حلقه لَا يصعد وَلَا ينزل كَأَنَّهُ يَمُوت. قَوْله: (يتَأَوَّل) من التأول والتأويل مَا يؤول إِلَيْهِ الشَّيْء. قَوْله: (من صَنَادِيد الْكفَّار) جمع الصنديد وَهُوَ السَّيِّد الشجاع. قَوْله: (فقفل رَسُول الله ﷺ أَي: رَجَعَ. قَوْله: (قد توجه) أَي: أقبل على التَّمام وَيُقَال: توجه الشَّيْخ أَي كبر. قَوْله: (وَبَايَعُوا) بِلَفْظ الْأَمر أَولا، والماضي ثَانِيًا.
٦٢٠٨ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ حَدثنَا عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَل عَنْ عَبَّاس بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قَالَ: يَا رسولَ الله! هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طالِبٍ بِشَيْءٍ؟ فإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضاحٍ مِنْ نَار لَوْلا أنَا لَكان فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٨٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَبَا طَالب) فَإِنَّهُ كنية عبد منَاف وَهُوَ شَقِيق عبد الله وَالِد النَّبِي ﷺ .
وَأَبُو عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، وَعبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب يروي عَن عَم جده الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.
والْحَدِيث مضى فِي ذكر أبي طَالب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن عبد الْملك عَن عبد الله بن الْحَارِث إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي صفة الْجنَّة وَالنَّار عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِهِ مُخْتَصرا، وَمضى الْكَلَام
стр. 6730
فِيهِ.
قَوْله: (يحوطك) من حاطه إِذا حفظه ورعاه. قَوْله: (فِي ضحضاح) بإعجام الضادين وإهمال الحاءين: الْقَرِيب القعر، أَي: رَقِيق خَفِيف، وَيُقَال: الضحضاح من النَّار وَمن المَاء وَمن كل شَيْء وَهُوَ الْقَلِيل الرَّقِيق مِنْهُ. قَوْله: (لَكَانَ فِي الدَّرك الْأَسْفَل) وَهِي الطَّبَقَة السُّفْلى من أطباق جَهَنَّم، وَقيل: الدَّرك الْأَسْفَل توابيت من نَار تطبق عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: توابيت من حَدِيد تغلق عَلَيْهِم، والأدراك فِي اللُّغَة الْمنَازل.
وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه: جَوَاز تكنية الْمُشرك على وَجه التألف وَغَيره من الْمصَالح، وَقيل: هَذِه التكنية لَيست للإكرام فِي نفس الْأَمر، وَأما تكنية أبي طَالب فلاشتهاره بكنيته دون اسْمه، فَإِن قيل: مَا وَجه تكنية أبي لَهب؟ أُجِيب بأجوبة. الأول: أَن وَجهه كَانَ يتلهب جمالاً فَجعل الله مَا كَانَ يفتخر بِهِ فِي الدُّنْيَا ويتزين بِهِ سَببا لعذابه. الثَّانِي: للْإِشَارَة إِلَى أَنه ﴿ (١١١) سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ (المسد: ٣) . الثَّالِث: أَن اسْمه عبد الْعُزَّى وكنيته أَبُو عتبَة، وَأما أَبُو لَهب فلقب لقب بِهِ لجماله وَلَيْسَت بكنية. الرَّابِع قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: إِن هَذِه التكنية لَيست للإكرام بل للإهانة إِذْ هِيَ كِنَايَة عَن الجهنمي إِذْ مَعْنَاهُ: تبت يدا جهنمي، وَاعْترض عَلَيْهِ بعضم بِأَن التكنية لَا ينظر فِيهَا إِلَى مَدْلُول اللَّفْظ بل الإسم إِذا صدر بَاب أَو أم فَهُوَ كنية. انْتهى. قلت: كثير من الْأَسْمَاء المصدرة بِالْأَبِ أَو الْأُم لم يقْصد بهَا الكنية، وَإِنَّمَا يقْصد بهَا إِمَّا الْعلم وَإِمَّا اللقب وَلَا يقْصد بهَا الكنية، فَمن ذَلِك يُقَال لرجل من إياد، وَقيل من نزار: أَبُو أرب، يضْرب بِهِ الْمثل فِي كَثْرَة الْجِمَاع، فَيُقَال: أنكح من أبي أرب يُقَال: إِنَّه افتض فِي لَيْلَة وَاحِدَة سبعين عذراء، ذكره ابْن الْأَثِير فِي كتاب سَمَّاهُ (مرصعاً) وَمن ذَلِك أَبُو براقش لَيْسَ لَهُ إسم غَيرهَا، وَيُقَال: أم الْأَبْرَد للنمرة من قَوْلهم ثوب أبرد فِيهِ لمع بَيَاض وَسَوَاد، وَأم إِحْدَى وَعشْرين للدجاجة، وَأم أحراد بِالْحَاء الْمُهْملَة بِئْر مَكَّة عِنْد بَاب الْبَصرِيين حفرهَا خلف بن أسعد الْخُزَاعِيّ، وأمثال هَذِه كَثِيرَة. وَفِيه دلَالَة على أَن الله تَعَالَى قد يُعْطي الْكَافِر عوضا من أَعماله الَّتِي مثلهَا يكون قربَة لأهل الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى لِأَنَّهُ ﷺ ، أخبر أَن عَمه نفعته تَرْبِيَته إِيَّاه وحياطته لَهُ التَّخْفِيف الَّذِي لَو لم ينصره فِي الدُّنْيَا لم يُخَفف عَنهُ، فَعلم بذلك أَنه عوض نصرته لَا لأجل قرَابَته مِنْهُ، فقد كَانَ لأبي لَهب من الْقَرَابَة مثل مَا كَانَ لأبي طَالب فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك.
١١٦ - (بابٌ المَعارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ)
قَالَ بَعضهم: بَاب منوناً. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن شَرط الْإِعْرَاب التَّرْكِيب وَإِنَّمَا يكون معرباً إِذا قُلْنَا: هَذَا بَاب فِيهِ المعاريض مندوحة كَذَا وَقع فِي الْأُصُول: المعاريض، بِالْيَاءِ وَكَذَا أوردهُ ابْن بطال، وَأوردهُ ابْن التِّين بِلَفْظ: الْمعَارض، بِدُونِ الْيَاء، ثمَّ قَالَ: كَذَا التَّبْوِيب وَالصَّوَاب المعاريض كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، والمعاريض جمع معراض من التَّعْرِيض وَهُوَ خلاف التَّصْرِيح من القَوْل، وَهُوَ التورية بالشَّيْء عَن الشَّيْء، وَمعنى مندوحة: متسعة، يُقَال مِنْهُ انتدح فلَان بِكَذَا ينتدح بِهِ انتداحاً إِذا اتَّسع بِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: يُقَال: ندحت الشَّيْء وسعته، قَالَ الطَّبَرِيّ: يُقَال انتدحت الْغنم فِي مرابضها إِذا تبددت واتسعت من البطنة، وانتدح بطن فلَان إِذا استرخى واتسع، وَحَاصِل الْمَعْنى: المعاريض يسْتَغْنى بهَا الرجل عَن الِاضْطِرَار إِلَى الْكَذِب، وَهَذِه التَّرْجَمَة ذكرهَا الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ إِن فِي المعاريض لمندوحة عَن الْكَذِب، وَأخرجه ابْن أبي عدي عَن قَتَادَة مَرْفُوعا ووهاه.
وَقَالَ إسْحاقُ: سَمِعْتُ أنَساً: ماتَ ابنٌ لأبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الغُلامُ؟ قالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأ نَفْسُهُ وأرْجُو أنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَراحَ، وظَنَّ أنَّها صادِقَةٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (هدأ نَفسه وَأَرْجُو أَن يكون قد استراح) فَإِن أم سليم ورت بكلامها هَذَا أَن الْغُلَام انْقَطع بِالْكُلِّيَّةِ بِالْمَوْتِ وَأَبُو طَلْحَة فهم من ذَلِك أَنه تعافى. وَإِسْحَاق هَذَا ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو طَلْحَة اسْمه زيد وَهُوَ زوج أم سليم أم أنس، وَهَذَا التَّعْلِيق سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَهُوَ طرف من حَدِيث مطول أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب من لم يظْهر حزنه عِنْد الْمُصِيبَة، قَالَ: حَدثنِي بشر بن الحكم قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: حَدثنَا
стр. 6731
إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة أَنه سمع أنس بن مَالك، يَقُول ... الحَدِيث. قَوْله: (هدأ نَفسه) من هدأ بِالْهَمْز هدوءاً إِذا سكن، وَنَفسه بِفَتْح الْفَاء مُفْرد الأنفاس وبسكونها مُفْرد النُّفُوس، أَرَادَت بِهِ سُكُون النَّفس لَا يُسمى كذبا بِالْمَوْتِ والاستراحة من بلَاء الدُّنْيَا وَلم تكن صَادِقَة فِيمَا ظَنّه أَبُو طَلْحَة وفهمه من ظَاهر كَلَامهَا، وَمثل هَذَا لَا يُسمى كذبا على الْحَقِيقَة بل يُسمى مندوحة عَن الْكَذِب.
٦٢٠٩ - حدَّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ: كانَ النبِيُّ ﷺ ، فِي مَسير لَهُ فَحَدا الحادِي فَقَالَ النبيُّ ﷺ : ارْفُقْ يَا أنْجَشَةُ وَيْحَكَ بِالقَوارِيرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إرفق يَا أَنْجَشَة بِالْقَوَارِيرِ) فَإِنَّهُ ﷺ ، ورى بذلك عَن النِّسَاء، وَمضى الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب مَا يجوز من الشّعْر.
٦٢١٠ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا حَمَّادٌ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ وأيُّوبَ عَنْ أبي قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ ، كَانَ فِي سَفَرٍ وَكَانَ غُلامٌ يَحْدُو بِهِنَّ. يُقالُ لَهُ أنْجَشَهُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : رُوَيْدَكَ يَا أنْجِشَةُ سَوْقَكَ بِالقَوارِيرِ، قَالَ أبُو قِلابَةَ: يَعْنِي النِّساء.
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس. وَالْآخر: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة عبد الله بن زيد عَن أنس وَقد مر فِي: بَاب مَا يجوز من الشّعْر. قَوْله: (بِالْقَوَارِيرِ) ، مُتَعَلق بقوله: رويدك.
٦٢١١ - حدَّثنا إسْحاقُ أخبرنَا حَبَّانُ حدّثنا هَمَّامٌ حدّثنا قَتادَةُ حَدثنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ، قَالَ: كَانَ ل لنبيِّ ﷺ حاد يُقالُ لَهُ: أنجَشَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَقَالَ لَهُ النبيُ ﷺ : رُوَيْدَكَ يَا أنْجَشَةُ لَا تَكْسِرِ القَوارِيرَ، قَالَ قَتادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّساءِ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق، قَالَ الغساني: لَعَلَّه ابْن مَنْصُور عَن حبَان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ، وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار. قَوْله: (لَا تكسر) بِالْجَزْمِ وَالرَّفْع شبه ضعفه النِّسَاء بِالْقَوَارِيرِ لسرعة التَّأْثِير فِيهِنَّ.
٦٢١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْياى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حدّثني قَتادَةُ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ: كَانَ بِالمَدِينَةِ فَزَعٌ فَرَكِبَ رَسولُ الله ﷺ ، فَرَساً لأبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: مَا رَأيْنا مِنْ شَيء وإنْ وَجَدْناهُ لَبَحْراً.
قيل: لَيْسَ حَدِيث الْفرس من المعاريض، وَكَذَلِكَ حَدِيث الْقَوَارِير بل هما من بَاب الْمجَاز. قلت: نعم كَذَلِك وَلَكِن تعسف من قَالَ: لَعَلَّ البُخَارِيّ لما رأى ذَلِك جَائِزا، قَالَ: والمعاريض الَّتِي هِيَ حَقِيقَة أولى بِالْجَوَازِ.
وَيحيى فِي السَّنَد هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن بنْدَار عَن غنْدر وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك.
قَوْله: (فزع) بِفتْحَتَيْنِ وَالْأَصْل فِي الْفَزع الْخَوْف فَوضع مَوضِع الإغاثة والنصر، وَالْمعْنَى هُنَا: أَن أهل الْمَدِينَة اسْتَغَاثُوا فَركب النَّبِي ﷺ ، فرسا اسْمه مَنْدُوب كَانَت لأبي طَلْحَة زيد بن سهل زوج أم أنس. قَوْله: (وَإِن وَجَدْنَاهُ) كلمة: إِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة قَوْله: (لبحراً) أَي: لواسع الجري شبه جريه بالبحر لسعته وَعدم انْقِطَاعه، وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد.
١١٧ - (بابُ قَوْلِ الرَّجلِ لِلشيءِ: لَيْسَ، وَهْوَ يَنْوِي أنهُ لَيْسَ بِحَقّ)
стр. 6732
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الرجل للشَّيْء الْمَوْجُود: لَيْسَ بِشَيْء، وَالْحَال أَنه يَنْوِي أَنه لَيْسَ بِحَق، وَهَذَا غَالِبا يكون مُبَالغَة فِي النَّفْي كَمَا يُقَال لمن عمل عملا غير متقن: مَا عملت شَيْئا، أَو قَالَ قولا غير سديد: مَا قلت شَيْئا، وَلَيْسَ هَذَا بكذب.
وَقَالَ ابنُ عَباسٍ ﵄ قَالَ النبيُّ ﷺ لِلْقَبْرَيْنِ: يُعَذَّبانِ بِلا كَبير، وإنَّهُ لَكَبِيرٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله: بِلَا كَبِير، نفي وَقَوله: (وَإنَّهُ لكبير) ، إِثْبَات فَكَأَنَّهُ قَول للشَّيْء: لَيْسَ بِشَيْء، وَهَذَا تَعْلِيق مر فِي كتاب الطَّهَارَة مَوْصُولا بِتَمَامِهِ وَهُوَ: مر رَسُول الله ﷺ بقبرين فَقَالَ: إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير، ثمَّ قَالَ: بلَى يعذبان فِي كَبِير أما أَحدهمَا فَكَانَ لَا يسْتَتر من الْبَوْل، وَأما الآخر فَكَانَ يمشي فِي النميمة أَي: لَيْسَ التَّحَرُّز عَنْهُمَا بشاق عَلَيْكُم وَهُوَ عَظِيم عِنْد الله، ، وَقد مرت مباحثه هُنَاكَ.
٦٢١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخبرنَا مَخْلَدُ بنُ يَزيدَ أخبَرنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابنُ شِهابٍ: أَخْبرنِي يَحْياى بنُ عُرْوَةَ أنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ: قالَتْ عائِشَةُ: سألَ أُناسٌ رسولَ الله ﷺ ، عَنِ الكُهَّانِ فَقَالَ لَهُمْ رسولُ الله ﷺ : لَيْسُوا بِشَيْءٍ. قَالُوا: يَا رسولَ الله! فإنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أحْياناً بالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : تلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُها الجِنِّيُّ فَيَقُرُّها فِي أذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيها أكْثَرَ مِنْ مائَةِ كَذْبَةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَيْسُوا بِشَيْء) قَالَ الْخطابِيّ: أَي: فِيمَا يتعاطونه من علم الْغَيْب، أَي: لَيْسَ قَوْلهم بِشَيْء صَحِيح يعْتَمد كَمَا يعْتَمد قَول النَّبِي الَّذِي يخبر عَن الْوَحْي.
ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام بَينهمَا خاء مساكنة ابْن يزِيد من الزِّيَادَة وَابْن جريج عبد الْملك ابْن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَيحيى بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.
وَمضى الحَدِيث فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب الكهانة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن يحيى بن عُرْوَة ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (يكون حَقًا) أَي: وَاقعا مَوْجُودا. قَوْله: (فيقرها) بِفَتْح الْقَاف وَضم الرَّاء. قَوْله: (قر الدَّجَاجَة) أَي: كقر الدَّجَاجَة والقر ترديدك الْكَلَام فِي أذن الْمُخَاطب حَتَّى يفهمهُ، تَقول: قَرّرته فِيهِ أقره قراً، وقر الدَّجَاجَة صَوتهَا إِذا قطعته يُقَال: قرت تقرّ قَرَأَ وقريراً فَإِن رَددته قلت: قر قرت قرقرة، وَفِي (الصِّحَاح) : قر الحَدِيث فِي أُذُنه يقره: صبه فِيهَا، وَضَبطه بِضَم الْقَاف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ويروى: فيقذفها مَوضِع: فيقرها، وَقَالَ الْكرْمَانِي: والدجاجة بِفَتْح الدَّال. قلت: ذكر ابْن السكت الْكسر أَيْضا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ الصَّوَاب قر الزجاجة بالزاي ليلائم معنى القارورة الَّذِي فِي الحَدِيث الآخر. قلت: قَالَ ابْن الْأَثِير: ويروى كقر الزجاجة بالزاي، أَي: كصوتها إِذا صب فِيهَا المَاء. قلت: حينئذٍ لَا فَائِدَة فِي قَول الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ الصَّوَاب، وَلَو اطلع على هَذَا لم يقل هَكَذَا بِكَلِمَة: لَعَلَّ. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي الْكَلِمَة الْحق، أَي: الْوَاقِع.
١١٨ - (بابُ رَفْعِ البَصَرِ إِلَى السَّماءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز رفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء. وَفِيه الرَّد على من قَالَ: لَا يَنْبَغِي النّظر إِلَى السَّمَاء تخشعاً وتذللاً لله تَعَالَى وَهُوَ بعض الزهاد، وروى عَن عَطاء السّلمِيّ أَنه مكث أَرْبَعِينَ سنة لَا ينظر إِلَى السَّمَاء، فحانت مِنْهُ نظرة فَخر مغشياً عَلَيْهِ فَأَصَابَهُ فتق فِي بَطْنه، وَذكر الطَّبَرِيّ عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ أَنه كره أَن يرفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الدُّعَاء، وَإِنَّمَا نهى عَن ذَلِك الْمُصَلِّي فِي دُعَاء كَانَ أَو غَيره، كَمَا تقدم فِي كتاب الصَّلَاة عَن أنس رَفعه: مَا بَال أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة؟ فَاشْتَدَّ قَوْله فِي ذَلِك حَتَّى قَالَ: لينتهين عَن ذَلِك أَو ليخطفن أَبْصَارهم، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن جَابر نَحوه، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه عَن ابْن عمر نَحوه، وَقَالَ: أَن تلتمع، وَصَححهُ ابْن حبَان.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٨٨) أَفلا ينظرُونَ إِلَى. . كَيفَ رفعت﴾ (الغاشية: ١٧ ١٨)
стр. 6733
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على رفع الْبَصَر وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: ﴿كَيفَ خلقت﴾ وَزَاد الْأصيلِيّ وَغَيره: ﴿وَإِلَى السَّمَاء كَيفَ رفعت﴾ وَهَذَا أولى لِأَن الِاسْتِدْلَال فِي جَوَاز رفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء، بقوله: ﴿وَإِلَى السَّمَاء كَيفَ رفعت﴾ أَي: وَلَا ينظرُونَ إِلَى السَّمَاء كَيفَ رفعت وَهِي قَائِمَة على غير عمد، وَقد ذكر الْمُفَسِّرُونَ فِي تَخْصِيص الْإِبِل بِالذكر وُجُوهًا كَثِيرَة. مِنْهَا: مَا قَالَه الْكَلْبِيّ: إِنَّهَا تنهض بحملها وَهِي باركة. وَمِنْهَا: مَا قَالَه مقَاتل: إِنَّهَا عيس الْعَرَب وأعز الْأَمْوَال عِنْدهم. وَمِنْهَا: مَا قَالَه الْحسن حِين سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة، وَقيل لَهُ: الْفِيل أعظم فِي الأعجوبة: إِن الْعَرَب بعيدَة الْعَهْد فَلَا يركب ظهرهَا وَلَا يُؤْكَل لَحمهَا وَلَا يحلب درها. وَمِنْهَا: مَا قيل: إِنَّهَا فِي عظمها للْحَمْل الثقيل تنقاد للقائد الضَّعِيف، وَقَالَ قَتَادَة: ذكر الله ارْتِفَاع سرر الْجنَّة وفرشها، فَقَالُوا: كَيفَ نصعدها؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَالَ أيُّوبُ عَنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ: رَفَعَ النبِيُّ ﷺ رَأسَهُ إِلَى السَّماءِ
لم يثبت هَذَا التَّعْلِيق إلَاّ لأبي ذَر عَن الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ طرف من حَدِيث أَوله: مَاتَ رَسُول الله ﷺ فِي بَيْتِي ويومي وَبَين سحرِي وَنَحْرِي ... الحَدِيث، وَفِيه: فَرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء وَقَالَ: الرفيق الْأَعْلَى، أخرجه هَكَذَا أَحْمد عَن إِسْمَاعِيل ابْن علية عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن عَائِشَة، وَقد مضى للْبُخَارِيّ فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب بِتَمَامِهِ لَكِن فِيهِ: فَرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء. وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي مُوسَى: كَانَ رَسُول الله ﷺ كثيرا مَا يرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء. وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن سَلام: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا جلس يتحدث يكثر أَن يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء.
٦٢١٥ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرَيَمَ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أخْبَرَنِي شَرِيكٌ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ والنبيُّ ﷺ عِنْدَها، فَلَمَّا كانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ أوْ بَعْضُهُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّماءِ فَقَرَأ: ﴿ (٣) إِن فِي خلق السَّمَاوَات. . لأولي الْأَلْبَاب﴾ (آل عمرَان: ١٩٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَنظر إِلَى السَّمَاء) . وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الْمصْرِيّ، وروى عَن مُحَمَّد ابْن جَعْفَر بن أبي كثير عَن شريك، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة ابْن عبد الله بن أبي نمر بن عبد الله عَن كريب بن أبي مُسلم مولى ابْن عَبَّاس، ومَيْمُونَة زَوْجَة النَّبِي ﷺ .
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب التَّهَجُّد فِي أَوَاخِر الصَّلَاة.
قَوْله: (الآخر) ويروى: الْأَخير. قَوْله: (أَو بعضه) شكّ من الرَّاوِي، ويروى: أَو بعده، وَالله أعلم.
١١٩ - (بابٌ مَنْ نَكَتَ العُودَ فِي الماءِ والطِّينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من نكت الْعود من النكت بالنُّون وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، يُقَال: نكت فِي الأَرْض إِذا أثر فِيهَا.
٦٢١٦ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْياى عَنْ عُثْمانَ بنِ غِياثٍ حدّثنا أبُو عُثْمانَ عَنْ أبي مُوسَى
стр. 6734
أنَّهُ كانَ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي حائِطٍ مِنْ حيطانِ المَدِينَةِ، وَفِي يَدِ النبيِّ ﷺ وعُودٌ يَضْرِبُ بِهِ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ، فَجاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إفْتَحْ، وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ، فَذَهَبْتُ فإِذَا أبُو بَكْرٍ فَفَتَحْتُ لَهُ وبَشَّرْتُهُ بالجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: إفْتَحْ لَهُ وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ، فإِذَا عُمَرُ فَفَتَحْتُ لَهُ وبَشَّرْتُهُ بالجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ وكانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فَقَالَ: إفْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ، أوْ تَكُونُ، فَذَهَبْتُ فإِذَا عُثْمَانُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وبَشَّرْتُهُ بالجَنَّةِ فأخْبَرْتَهُ بالَّذِي قَالَ، قَالَ: الله المُسْتَعانُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عود يضْرب بِهِ بَين المَاء والطين) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِي المَاء والطين.
وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعُثْمَان بن غياث بن بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالثاء الْمُثَلَّثَة الْبَصْرِيّ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: يحيى بن عُثْمَان، وَهُوَ سَهْو فَاحش، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ واسْمه عبد الله بن قيس.
وَمضى الحَدِيث مطولا فِي مَنَاقِب أبي بكر ﵁ وَفِي مَنَاقِب عمر ﵁ وَفِي مَنَاقِب عُثْمَان ﵁ وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (على بلوى) بِدُونِ التَّنْوِين البلية، والحائط هُوَ الْبُسْتَان وَفِيه بِئْر أريس بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء وبإسكان الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة، وَكَانَت عَادَة الْعَرَب أَخذ المخصرة والعصا والاعتماد عَلَيْهَا عِنْد الْكَلَام والمحافل وَالْخطْبَة، وَهِي مَأْخُوذَة من أصل كريم ومعدن شرِيف وَلَا ينكرها إلَاّ جَاهِل، وَقد جمع الله لمُوسَى ﵇ فِي عَصَاهُ من البارهين الْعِظَام مَا آمن بِهِ السَّحَرَة المعاندون لَهُ، واتخذها سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ لخطبته وموعظته وَطول صلَاته، وَكَانَ ابْن مَسْعُود صَاحب عَصا رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ يخْطب بالقضيب، وَكفى بذلك شرفاً للعصا، وعَلى ذَلِك كَانَت الْخُلَفَاء والخطباء، وَذكر أَن الشعوبية تنكر على خطباء الْعَرَب أَخذ المخصرة وَالْإِشَارَة بهَا إِلَى الْمعَانِي، وهم طَائِفَة تبغض الْعَرَب وتذكر مثالبها وتفضل عَلَيْهَا الْعَجم، وَفِي اسْتِعْمَال الشَّارِع المخصرة الْحجَّة الْبَالِغَة على من أنكرها.
١٢٠ - (بابُ الرَّجُلِ يَنْكُتُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ فِي الأرْضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الرجل ينكت بِيَدِهِ فِي الأَرْض.
٦٢١٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حدّثنا ابنُ أبي عَدِيّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمانَ ومَنْصُورِ عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيّ عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيُّ ﷺ ، فِي جَنازَةٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الأرْض بِعُودٍ فَقَالَ: لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلَاّ وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فقالُوا: أفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: إعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرَةٌ ﴿ (٢٩) فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى﴾ (لِليْل: ٥) . الْآيَة.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَجعل ينكت فِي الأَرْض) . وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَسليمَان قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ التَّيْمِيّ، وَلَيْسَ هُوَ الْأَعْمَش، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَسعد بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة الْكُوفِي السّلمِيّ ختن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، واسْمه عبد الله الْمقري الْكُوفِي، وَعلي بن أبي طَالب ﵁.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (فرغ) بِلَفْظ الْمَجْهُول أَي: حكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ من أهل الْجنَّة وَالنَّار، وَقضى عَلَيْهِ بذلك فِي الْأَزَل. قَوْله: (أَفلا نَتَّكِل؟) أَي: أَفلا نعتمد عَلَيْهِ إِذا لمقدر كَائِن سَوَاء عَملنَا أم لَا؟ فَرد عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ وَقَالَ: (اعْمَلُوا فَكل ميسر) أَي: فَكل وَاحِد مِنْكُم ميسر لَهُ، فَإِن كَانَ الَّذِي قدر عَلَيْهِ بِأَنَّهُ من أهل الْجنَّة يسر الله عَلَيْهِ عمل أهل الْجنَّة، وَإِن كَانَ من الَّذِي قدر عَلَيْهِ بِأَنَّهُ من أهل النَّار يسر الله عَلَيْهِ عمل أهل النَّار. قَوْله: ﴿فَأَما من أعْطى﴾ ... الْآيَة. أَشَارَ بهَا إِلَى بَيَان الْفَرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين فِي قَوْله: (فَكل ميسر) أَحدهمَا: هُوَ قَوْله: ﴿فَأَما من أعْطى﴾ أَي: مَاله فِي سَبِيل الله. ﴿وَاتَّقَى﴾ ربه واجتنب مَحَارمه ﴿وَصدق بِالْحُسْنَى﴾ يَعْنِي:
стр. 6735
بالخلف يَعْنِي أَيقَن بِأَن الله سيخلف عَلَيْهِ، وَهِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فسيسره) أَي: فسنهيئه لليسرى، أَي للحالة الْيُسْرَى وَهُوَ الْعَمَل بِمَا يرضاه الله تَعَالَى. والفريق الآخر هُوَ قَوْله: ﴿وَأما من بخل﴾ أَي: بِالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْر. ﴿وَاسْتغْنى﴾ أَي: عَن ربه فَلم يرغب فِي ثَوَابه ﴿فسنيسره للعسرى﴾ أَي: للْعَمَل بِمَا لَا يرضاه الله حَتَّى يسْتَوْجب النَّار، وَقيل: سندخله فِي جَهَنَّم، والعسر إسم لِجَهَنَّم.
١٢١ - (بابُ التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب التَّكْبِير بِأَن يَقُول: الله أكبر، واستحباب التَّسْبِيح بِأَن يَقُول: سُبْحَانَ الله، عِنْد التَّعَجُّب يَعْنِي: عِنْد استعظام الْأَمر، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى رد من منع ذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير مَعْنَاهُمَا هُنَا تَعْظِيم الله تَعَالَى وتنزيهه عَن السوء، وَفِيه تمرين اللِّسَان على ذكر الله تَعَالَى.
٦٢١٨ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي هِنْدُ بِنْتُ الحارِثِ أنَّ أُمَّ سَلَمَة ﵂ قالَتِ: اسْتَيْقَظَ النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: سُبْحانَ الله! مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزائِن وماذا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ؟ مَنْ يُوقِظِ صَواحبَ الحُجَرِ يُرِيدُ بِهِ أزْواجَهُ حَتَّى يُصَلِّينَ، رُبَّ كاسِيَةٍ فِي الدُّنْيا عارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سُبْحَانَ الله) . وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَهِنْد منصرف وَغير منصرف بنت الْحَارِث الفراسية بِكَسْر الْفَاء وبالراء وبالسين الْمُهْملَة، وَقيل: القرشية وَكَانَت تَحت معبد بن الْمِقْدَاد بن الْأسود، وَأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة.
والْحَدِيث مضى فِي الْعلم فِي: بَاب الْعلم وَالْمَوْعِظَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن صَدَقَة عَن ابْن عُيَيْنَة ... الخ. وَفِي صَلَاة اللَّيْل عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِي اللبَاس وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (من الخزائن) أُرِيد بهَا الرَّحْمَة، عبر عَن الرَّحْمَة بالخزائن. كَقَوْلِه: خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي، قَوْله: (من الْفِتَن) أَي: الْعَذَاب، عبر عَن الْعَذَاب بالفتن لِأَنَّهَا أَسبَاب مؤدية إِلَى الْعَذَاب، أَو هُوَ من المعجزات لما وَقع من الْفِتَن بعد ذَلِك، وَفتح الخزائن حِين تسلط الصَّحَابَة على فَارس وَالروم. قَوْله: (الْحجر) جمع حجرَة. قَوْله: (رب) فِيهِ لُغَات وَفعله مَحْذُوف أَي: رب كاسية عرفتها، وَالْمرَاد، أَن اللَّاتِي تلبس رَقِيق الثِّيَاب الَّتِي لَا تمنع من إِدْرَاك لون الْبشرَة معاقبات فِي الْآخِرَة بقضية التعري، أَو إِن اللابسات للثياب النفيسة عاريات عَن الْحَسَنَات.
وَاعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث وَقع فِي بعض النّسخ قبل هَذَا الْبَاب، أَعنِي: بَاب التَّكْبِير، وحينئذٍ لَا يُنَاسب تَرْجَمَة ذَلِك الْبَاب، قَالَ ابْن بطال: قلت للمهلب: لَيْسَ حَدِيث أم سَلمَة مناسباً للتَّرْجَمَة، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مقوٍّ للْحَدِيث السَّابِق، يَعْنِي لما ذكر أَن لكل نفس بِحكم الْقَضَاء وَالْقدر مقْعدا من الْجنَّة أَو النَّار، أكد التحذير من النَّار بأقوى أَسبَابهَا وَهِي الْفِتَن والطغيان والبطر عِنْد فتح الخزائن، وَلَا تَقْصِير فِي أَن يذكر مَا يُوَافق التَّرْجَمَة ثمَّ يتبعهُ بِمَا يُوَافق مَعْنَاهُ، قلت: هَذِه تكلفات، وَحَدِيث الْبَاب مُطَابق للتَّرْجَمَة. وَالله أعلم.
وَقَالَ ابنُ أبي ثَوْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِلنبيِّ ﷺ طَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: الله أكْبَرُ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الله أكبر) وَاسم ابْن أبي ثَوْر عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر، بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، من بني نَوْفَل، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث طَوِيل تقدم مَوْصُولا فِي كتاب الْعلم.
٦٢١٩ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(ح) وحدّثنا إِسْمَاعِيل قَالَ: حدّثني أخِي عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أبي عَتِيقٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيّ زَوْج النبيِّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّها جاءَتْ رسولَ الله ﷺ ، تَزُورُهُ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الغَوابِر مِنْ رَمَضانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ ساعَةً مِنَ العِشاءِ ثُمَّ قامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقامَ مَعَها النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6736
يَقْلِبُها، حَتَّى إِذا بَلَغَتْ بَاب المَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، مَرَّ بِهِما رَجُلان مِنَ الأنْصارِ، فَسَلَّما عَلى رسولِ الله ﷺ ، ثُمَّ نَفَذا، فَقَالَ لَهُما رسولُ الله ﷺ : عَلَى رْسكُما، إنَّما هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيّ، قَالَا: سُبْحانَ الله يَا رسولَ الله! وكَبُرَ عَلَيْهما مَا قَالَ، قَالَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِن ابنِ آدَمَ مَبْلَغَ الدَّمِ، وإنِّي خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُما.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهمَا: (سُبْحَانَ الله) وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَالْآخر: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين عَن صَفِيَّة بنت حَيّ أم الْمُؤمنِينَ.
والْحَدِيث مضى فِي الِاعْتِكَاف فِي: بَاب هَل يخرج الْمُعْتَكف لحوائجه؟ وَمضى فِي صفة إِبْلِيس أَيْضا، وَفِي الْخمس أَيْضا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (تزوره) جملَة حَالية، وَالْوَاو فِي: (وَهُوَ معتكف) للْحَال. قَوْله: (الغوابر) أَي: الْبَاقِيَات، والغابر لفظ مُشْتَرك بَين الضدين يَعْنِي الْبَاقِي والماضي. قَوْله: (تنْقَلب) ، حَال أَي: تَنْصَرِف إِلَى بَيتهَا. قَوْله: (يقلبها) حَال أَيْضا، أَي: يصرفهَا إِلَى بَيتهَا. قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغت) أَي: إِلَى أَن بلغت صَفِيَّة. قَوْله: (ثمَّ نفذا) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، يُقَال: رجل نَافِذ فِي أمره أَي: ماضي، وَالْمعْنَى: نفذا مُسْرِعين، من قَوْلهم: نفذ السهْم من الرَّمية. قَوْله: (على رِسْلكُمَا) بِكَسْر الرَّاء أَي: على هنيتكما، وَيُقَال: إفعل كَذَا على رسلك، أَي: اتئذ فِيهِ وَلَا تستعجل. قَوْله: (فَقَالَا: سُبْحَانَ الله) أَي: الرّجلَانِ الْمَذْكُورَان، وقولهما: سُبْحَانَ الله، إِمَّا حَقِيقَة بِمَعْنى: تنزه الله تَعَالَى أَن يكون رَسُوله مُتَّهمًا بِمَا لَا يَنْبَغِي، وَإِمَّا كِنَايَة عَن التَّعَجُّب من هَذَا القَوْل. قَوْله: (وَكبر) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: عظم وشق عَلَيْهِمَا هَذَا القو. قَوْله: (قَالَ) أَي النَّبِي ﷺ : (إِن الشَّيْطَان يجْرِي)
إِلَى آخِره. قَوْله: (مبلغ الدَّم) أَي: فِي مَوضِع مبلغ الدَّم، وَهُوَ فِي نفس الْأَمر تَشْبِيه، وَوجه الشّبَه عدم الْمُفَارقَة وَكَمَال الِاتِّصَال. قَوْله: (ويقذف) أَي: يقذف الشَّيْطَان شَيْئا فِي قُلُوبكُمَا تهلكان بِسَبَبِهِ، لِأَن مثل هَذِه التُّهْمَة فِي حَقه ﷺ تكَاد تكون كفرا، نَعُوذ بِاللَّه.
١٢٢ - (بابُ النَّهْيْ عَنْ الخَذْفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن الْخذف، بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الذَّال المعجمتين وبالفاء، وَهُوَ رمي الْحَصَى بالأصابع، وَقَالَ ابْن بطال: هُوَ الرَّمْي بالسبابة وَالْإِيهَام، وَالْمَقْصُود النَّهْي عَن أَذَى الْمُسلمين.
٦٢٢٠ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بنَ صُهْبانَ الأزْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيّ قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عَنِ الخَذْفِ، وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ ولَا يَنْكأُ العَدُوَّ، وإنَّهُ يَفْقَأُ العَيْنَ ويَكْسِرُ السِّنَّ. (انْظُر الحَدِيث ٤٨٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن صهْبَان بِضَم الصَّاد وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون الْأَزْدِيّ بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الزَّاي وبالدال الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى أزدين الْغَوْث، قَبيلَة وَعبد الله بن الْمُغَفَّل بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة الْمُزنِيّ نِسْبَة إِلَى مزينة بنت كلب قَبيلَة كَبِيرَة.
والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح عَن عَليّ بن عبد الله عَن شَبابَة، وَفِي الصَّيْد والذبائح أَيْضا.
قَوْله: (وَلَا ينْكَأ) أَي: لَا يقتل الْعَدو من النكاية، وَهُوَ قتل الْعَدو وجرحه. قَوْله: (يفقأ) بِالْفَاءِ وَالْقَاف من الفقء بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْقلع.
١٢٣ - (بابُ الحَمْدِ لِلْعاطِسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الْحَمد لله للعاطس.
стр. 6737
١٢٤ - (بابُ تَشْمِيتِ العاطِسِ إذَا حَمِدَ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة تشميت الْعَاطِس بِشَرْط أَن يحمد الله تَعَالَى، وَلم يعين الحكم اكْتِفَاء بِمَا جَاءَ من حَدِيث الْبَاب.
فِيهِ: أبُو هُرَيْرَةَ
أَي: فِي تشميت الْعَاطِس جَاءَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ الحَدِيث الَّذِي ذكر فِي الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: فَحق على كل مُسلم سَمعه أَن يشمته.
٦٢٢٢ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنِ الأشْعَثِ بنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ ابنَ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ عَن البرَاءِ ﵁ قَالَ: أمَرَنا النبيُّ ﷺ بِسَبْعِ ونَهانا عَنْ سَبْعٍ: أمَرَنا بِعِيادَةِ المَرِيضِ واتِّباعِ الجِنازَةِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ وإجابَةِ الدَّاعِي وَرَدِّ السَّلَامِ ونَصْرِ المَظْلُومِ وإبْرَارِ المُقْسِم، ونَهانا عَنْ سَبْعٍ: عَنْ خاتمِ الذَّهَبِ أوْ قَالَ: حَلْقَةِ الذَّهَبِ وعنْ لُبْسِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ والسُّنْدُسِ والمَياثِرِ.
стр. 6738
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) وَقَالَ ابْن بطال، مَا ملخصه إِن التَّرْجَمَة مُقَيّدَة بِالْحَمْد والْحَدِيث مُطلق، وَظَاهره أَن كل عاطس يشمت على التَّعْمِيم، وَالْمُنَاسِب للتَّرْجَمَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة لِأَنَّهُ مُقَيّد بِالْحَمْد، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة ثمَّ يذكر حَدِيث الْبَراء، ثمَّ اعتذر عَنهُ بِأَن هَذَا من الْأَبْوَاب الَّتِي أعجلته الْمنية عَن تهذيبها، وَقَالَ بَعضهم نصْرَة للْبُخَارِيّ مَا ملخصه: إِنَّه يرد عذره الْمَذْكُور وَإنَّهُ إِنَّمَا الَّذِي فعله إِمَّا إِشَارَة إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ، وَإِمَّا فِي حَدِيث آخر وعد الْعلمَاء ذَلِك من دَقِيق فهمه وَحسن تصرفه، فَإِن إِيثَار الأخفى على الأجلى شحذاً للذهن وبعثاً للطَّالِب على تتبع طرق الحَدِيث. انْتهى. قلت: أما كَلَام ابْن بطال فَإِنَّهُ غير جلي لِأَنَّهُ لَو قدم الْمُقَيد على الْمُطلق لأورد عَلَيْهِ بِأَن الْمُقَيد جُزْء الْمُطلق، وَتَقْدِيم المتضمن للجزء أولى، وَالَّذِي قَصده يفهم من هَذَا الْوَضع على أَن التَّرْتِيب لَيْسَ بِشَرْط، وَأما كَلَام بَعضهم فَلَا يجدي شَيْئا لِأَن من وقف على حَدِيث من أَحَادِيث الْكتاب يتعسر عَلَيْهِ أَن يقف على مَا وَقع فِي بعض طرقه وَفِي تَحْصِيل حَدِيث آخر. وَقَوله فَإِن فِي إِيثَار الأخفى ... إِلَى آخِره تنويه للنَّاظِر وإحالة على تتبع أَمر مَجْهُول، وَهَذَا لَيْسَ بدأب عِنْد الْعلمَاء.
وَحَدِيث الْبَراء هَذَا مضى فِي الْجَنَائِز عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي الْمَظَالِم عَن سعيد بن الرّبيع، وَفِي اللبَاس عَن آدم، وَفِي الطِّبّ عَن حَفْص بن عمر، وَفِي النِّكَاح عَن الْحسن بن الرّبيع، وَسَيَأْتِي فِي النذور.
قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) ، ظَاهر الْأَمر فِيهِ يدل على أَنه وَاجِب، وَكَذَلِكَ أَحَادِيث أخر فِي هَذَا الْبَاب يدل ظَاهرهَا على الْوُجُوب، وَبِه قَالَ ابْن المزين من الْمَالِكِيَّة، وَأهل الظَّاهِر، وَقَالَ بعض النَّاس: إِنَّه فرض عين، وَعند جُمْهُور الْعلمَاء من أَصْحَاب الْمذَاهب الْأَرْبَعَة: إِنَّه فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ، وَذهب عبد الْوَهَّاب وَجَمَاعَة من الْمَالِكِيَّة إِنَّه مُسْتَحبّ.
ثمَّ قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) عَام خص بِهِ جمَاعَة: الأول: من لم يحمد، وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرد. وَالثَّانِي: الْكَافِر، وَقد أخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ: كَانَت الْيَهُود يتعاطسون عِنْد النَّبِي ﷺ ، رَجَاء أَن يَقُول: يَرْحَمكُمْ، وَكَانَ يَقُول: يهديكم الله وَيصْلح بالكم. وَالثَّالِث: المزكوم إِذا تكَرر مِنْهُ العطاس وَزَاد على الثَّلَاث، وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد من طَرِيق مُحَمَّد بن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: شمته وَاحِدَة وثنتين وَثَلَاثًا، فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فَهُوَ زكام، وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة اللَّيْث عَن ابْن عجلَان، وَقَالَ فِيهِ: لَا أعلمهُ إلَاّ رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَأخرج ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن الْعَاصِ: شمتوه ثَلَاثًا فَإِن زَاد فَهُوَ دَاء يخرج من رَأسه، وَهُوَ مَوْقُوف أَيْضا، وَمن طَرِيق عبد الله بن الزبير أَن رجلا عطس عِنْده فشمت ثمَّ عطس فَقَالَ فِي الرَّابِعَة: أَنْت مضنوك، أَي: مزكوم، والضناك بِالضَّمِّ الزُّكَام، قَالَه ابْن الْأَثِير. وَالرَّابِع: من يكره التشميت، قيل: كَيفَ يتْرك السّنة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا سنة لمن أحبها، فَأَما من كرهها وَرغب عَنْهَا فَلَا، ويطرد ذَلِك فِي السَّلَام والعيادة، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَالَّذِي عِنْدِي أَنه لَا يمْتَنع إلَاّ من خَافَ مِنْهُ ضَرَرا، فَأَما غَيره فيشمت امتثالاً لِلْأَمْرِ، ويناقضه للتكبر فِي مُرَاده. قلت: قد جرت الْعَادة عِنْد سلاطين مصر أَنه إِذا عطس لَا يشمته أحد، وَإِذا دخل عَلَيْهِ أحد لَا يسلم عَلَيْهِ، وَالَّذِي قَالَه الشَّيْخ يعْمل فِيهِ بالتفصيل الْمَذْكُور. وَالْخَامِس: عِنْد الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة، لِأَن التشميت يخل بالإنصات الْمَأْمُور بِهِ. وَالسَّادِس: من عطس وَهُوَ يُجَامع أَو فِي الْخَلَاء فيؤخر ثمَّ يحمد ويشمته من سَمعه، فَلَو خَالف فَحَمدَ فِي تِلْكَ الْحَالة هَل يسْتَحق التشميت؟ قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر. قلت: النّظر أَنه يشمت لظَاهِر الحَدِيث.
قَوْله: (وإبرار الْمقسم) ، أَي: تَصْدِيق من أقسم عَلَيْك وَهُوَ أَن تفعل مَا سَأَلَهُ، ويروى: وإبرار الْقسم. قَوْله: (أَو قَالَ: حَلقَة الذَّهَب) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (والسندس) ، هُوَ مَا رقّ من الديباج وَرفع. قَوْله: (والمياثر) . جمع الميثرة بِكَسْر الْمِيم من الوثارة بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالرَّاء وَهِي مركب كَانَت النِّسَاء تَصنعهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ على السُّرُوج، فَإِن قلت: المنهيات خَمْسَة لَا سَبْعَة هُنَا؟ قلت: السَّادِس: القسي، وَالسَّابِع: آنِية الْفضة، ذكرهمَا فِي كتاب اللبَاس.
١٢٥ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العُطاسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التّثاؤُبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الَّذِي يسْتَحبّ من العطاس، وَكَرَاهَة التثاؤب وَهُوَ بِالْهَمْزَةِ على الْأَصَح، وَقيل بِالْوَاو، وَقيل: التثاؤب
стр. 6739
على وزن التفاعل، وَهُوَ النَّفس الَّذِي ينفتح مِنْهُ الْفَم من الامتلاء وَثقل النَّفس وكدورة الْحَواس وَيُورث الْغَفْلَة والكسل، وَلذَلِك أحبه الشَّيْطَان وَضحك مِنْهُ، والعطاس سَبَب لخفة الدِّمَاغ واستفراغ الفضلات عَنهُ وصفاء الرّوح، وَلذَلِك كَانَ أمره بِالْعَكْسِ.
٦٢٢٣ - حدَّثنا آدَمْ بنُ أبي إياسٍ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْب حَدثنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النَّبِيِّ ﷺ : إنَّ الله يُحِبُّ العُطاسَ ويَكْرَهُ التَّثاوُبِ، فَإِذا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يُشَمِّتَهُ، وأمَّا التثاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِنَ الشَّيْطانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتطاعَ، فَإِذا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطانُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب. واسْمه هِشَام بن سعد الْقرشِي الْمدنِي، وَسَعِيد المَقْبُري ابْن كيسَان الْمدنِي والمقبري بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا، وَكَانَ يسكن عِنْد مَقْبرَة فنسب إِلَيْهَا.
والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن عَاصِم بن عَليّ.
قَوْله: (إِن الله يحس العطاس) ، يَعْنِي الَّذِي لَا ينشأ من الزُّكَام لِأَنَّهُ الْمَأْمُور فِيهِ بالتحميد والتشميت، وَيحْتَمل التَّعْمِيم، كَذَا قَالَه بَعضهم. قلت: ظَاهره التَّعْمِيم لَكِن خرج مِنْهُ الَّذِي يعطس أَكثر من ثَلَاث مَرَّات، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (فَحق على كل مُسلم سَمعه أَن يشمته) ، ظَاهره الْوُجُوب، وَلَكِن نقل النَّوَوِيّ الِاتِّفَاق على الِاسْتِحْبَاب، وَقد مر بَيَان الْخلاف فِيهِ، ويستدل بِهِ على اسْتِحْبَاب مبادرة الْعَاطِس بالتحميد. قَوْله: (من الشَّيْطَان) ، إِنَّمَا نسب التثاؤب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يزين للنَّفس شهوتها وَهُوَ من امتلاء الْبدن وَكَثْرَة المأكل، وَقيل: مَا تثاءب نَبِي قطّ لِأَنَّهُ لَا يُضَاف إِلَيْهِ عمل للشَّيْطَان فِيهِ حَظّ. قَوْله: (فليرده) ، يَعْنِي: إِمَّا بِوَضْع الْيَد على الْفَم، وَإِمَّا بتطبيق الشفتين وَذَلِكَ لِئَلَّا يبلغ الشَّيْطَان مُرَاده من ضحكه عَلَيْهِ من تَشْوِيه صورته أَو من دُخُوله فَمه، كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات، ويخفض صَوته وَلَا يمده فِي تثاؤبه، وَقد كره ذَلِك فِي العطاس فضلا عَن التثاؤب، وَقَالُوا: وَمن آدَاب الْعَاطِس أَن يخْفض بالعطسة صَوته، وَأَن يُزَوجهُ بِالْحَمْد، وَأَن يُغطي وَجهه لِئَلَّا يَبْدُو من فِيهِ أَو أَنفه مَا يُؤْذِي جليسه، وَلَا يلوى عُنُقه يَمِينا وَلَا شمالاً لِئَلَّا يتَضَرَّر بذلك، وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِسَنَد جيد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا عطس وضع يَده على فَمه وخفض صَوته. قَوْله: (فَإِذا قَالَ: هَا، ضحك مِنْهُ الشَّيْطَان) ، وَلَفظه: هَا، حِكَايَة صَوت المتثاوب يَعْنِي: إِذْ بَالغ فِي الثوباء ضحك مِنْهُ الشَّيْطَان فَرحا بذلك.
١٢٦ - (بابٌ إِذا عَطَسَ كَيْفَ يُشَمَّتُ ؟)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا عطس أحد كَيفَ يشمت؟ على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: كَيفَ يشمته السَّامع، يَعْنِي: مَا يَقُول لَهُ؟ وَفِي الحَدِيث بَينه.
٦٢٢٤ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ سَلَمَةَ أخبرنَا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: إِذا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ الله، وَلْيَلُلْ لَهُ أخُوهُ أَوْ صًّاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذا قالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بالَكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح مَا أبهمه فِي التَّرْجَمَة.
وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات. وَرِجَاله كلهم مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ وَهُوَ من رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان.
قَوْله: (فَلْيقل: الْحَمد لله) كَذَا فِي جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ والإسماعيلي وَأَبُو نعيم، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور فِيهِ بِلَفْظ: (فَلْيقل: الْحَمد لله على كل حَال) . قَوْله: (وَليقل لَهُ أَخُوهُ. أَو صَاحبه) ، شكّ من الرَّاوِي، وَالْمرَاد بالأخوة أخوة الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن بطال: ذهب إِلَى هَذَا قوم فَقَالُوا: يَقُول لَهُ: يَرْحَمك الله، يَخُصُّهُ بِالدُّعَاءِ وَحده، وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: يَقُول: يَرْحَمنَا الله وَإِيَّاكُم.
стр. 6740
وَأخرج البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) بِسَنَد صَحِيح عَن أبي جَمْرَة بِالْجِيم: سَمِعت ابْن عَبَّاس إِذا شمت يَقُول: عَافَانَا الله وَإِيَّاكُم من النَّار يَرْحَمكُمْ الله، وَفِي (الْمُوَطَّأ) : عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ إِذا عطس فَقيل لَهُ: يَرْحَمك الله، قَالَ: يَرْحَمنَا الله وَإِيَّاكُم وَيغْفر الله لنا وَلكم. قَوْله: (فَلْيقل: يهديكم الله وَيصْلح بالكم) ، قَالَ ابْن بطال: ذهب الْجُمْهُور إِلَى هَذَا، وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن يَقُول: يغْفر الله لنا وَلكم. وَأخرجه الطَّبَرِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَغَيرهمَا، وَقَالَ ابْن بطال: ذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنه يتَخَيَّر بَين اللَّفْظَيْنِ. قَوْله: (بالكم) أَي: شَأْنكُمْ، وَقيل: البال الْحَال، وَقيل: الْقلب.
١٢٧ - (بابٌ لَا يُشَمَّتُ العاطسُ إِذا لَمْ يَحْمَدِ الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يشمت الْعَاطِس، على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: لَا يُقَال لَهُ: يَرْحَمك الله، إِذا لم يحمد عِنْد العطسة.
٦٢٢٥ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا سُلَيْمانُ التّيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أنَساً ﵁ يَقُولُ: عَطَسَ رَجُلانِ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أحَدَهُما ولَمْ يُشَمِّتِ ااخَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رسولَ الله! شَمَّتَّ هاذا ولَمْ تُشَمِّتْنِي؟ قَالَ: إنَّ هاذا حَمِدَ الله وَلَمْ تَحْمَدِ الله. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٢١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب تشميت الْعَاطِس إِذا حمد الله ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة، وَهَاهُنَا عَن آدم عَن شُعْبَة.
١٢٨ - (بابٌ إِذا تَثاوَبَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تثاوب أحد فليضع يَده على فِيهِ، أَي: فَمه، وتثاوب بِالْوَاو فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: التثاؤب بِالْهَمْزَةِ بدل الْوَاو، وَقد وَقع الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٦٢٢٦ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيّ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبِرِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: إنَّ الله يُحِبُّ العُطاسَ وَيَكْرَهُ التَّثاؤُبَ، فإِذا عَطَسَ أحَدُكُمْ وَحَمِدَ الله كَانَ حَقاً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، وأمَّا التَّثاوبُ فإنَّما هُوَ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإِذا تثاوَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطاعَ فإنَّ أحَدَكُمْ إِذا تَثاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطانُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عُمُوم الرَّد بيشمل وضع الْيَد على الْفَم، وَقد روى مُسلم وَأَبُو دَاوُد من طَرِيق سهل بن أبي صَالح عَن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أَبِيه بِلَفْظ: إِذا تثاوب أحدكُم فليمسك بِيَدِهِ على فَمه.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب مَا يسْتَحبّ من العطاس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، قيل: إِذا وَقع التثاؤب كَيفَ يردهُ؟ وَأجِيب: بِأَن الْمَعْنى: أذا أَرَادَ التثاؤب، أَو أَن الْمَاضِي بِمَعْنى الْمُضَارع، وَقيل: ضحك الشَّيْطَان حَقِيقَة أَو هُوَ مجَاز عَن الرِّضَا بِهِ؟ وَأجِيب: بِأَن الأَصْل هُوَ الْحَقِيقَة فَلَا ضَرُورَة إِلَى الْعُدُول عَنْهَا. فَإِن قلت: أَكثر رِوَايَات (الصَّحِيحَيْنِ) : أَن التثاؤب مُطلق، وَجَاء مُقَيّدا بِحَالَة الصَّلَاة فِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث أبي سعيد: إِذا تثاءب أحدكُم فِي الصَّلَاة فليكظم مَا اسْتَطَاعَ فَإِن الشَّيْطَان يدْخل. قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين ﵀: يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد، وللشيطان غَرَض قوي فِي التشويش على الْمُصَلِّي فِي صلَاته، وَقيل: الْمُطلق إِنَّمَا يحمل على الْمُقَيد فِي الْأَمر لَا فِي النَّهْي، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يَنْبَغِي كظم التثاوب فِي كل حَال، وَإِنَّمَا خص الصَّلَاة لِأَنَّهَا أولى الْأَحْوَال بِدَفْعِهِ لما فِيهِ من الْخُرُوج عَن اعْتِدَال الْهَيْئَة واعوجاج الْخلقَة. وَقَوله: فِي رِوَايَة مُسلم، فَإِن الشَّيْطَان يدْخل، يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْحَقِيقَة، والشيطان وَإِن كَانَ يجْرِي من الْإِنْسَان مجْرى الدَّم، لكنه لَا يتَمَكَّن مِنْهُ مَا دَامَ ذَاكِرًا لله ، والمتثاوب فِي تِلْكَ الْحَالة غير ذَاكر فيتمكن الشَّيْطَان من الدُّخُول فِيهِ حَقِيقَة، وَيحْتَمل أَن يكون أطلق الدُّخُول وَأَرَادَ التَّمَكُّن مِنْهُ.
стр. 6741
٧٩ - (كِتابُ الاسْتِئْذَانِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَمر الاسْتِئْذَان، وَهُوَ طلب الْإِذْن فِي الدُّخُول فِي مَحل لَا يملكهُ المستأذِن، وَذكر ابْن بطال فِي شرح هَذَا الْكتاب قبل كتاب اللبَاس بعد الْمُرْتَدين والمحاربين، وَلم يدر مَا كَانَ مُرَاده من ذَلِك.
١ - (بابُ بَدْءِ السَّلَامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بَدْء السَّلَام، والبدء بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالهمزة فِي آخِره بِمَعْنى الِابْتِدَاء، أَي: أول مَا يَقع السَّلَام، وَإِنَّمَا ترْجم بِالسَّلَامِ للْإِشَارَة إِلَى أَنه لَا يُؤذن لمن لم يسلم، وَقد أخرج أَبُو دَاوُد عَن ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد جيد عَن ربعي بن حِرَاش: حَدثنِي رجل أَنه اسْتَأْذن على النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي بَيته، فَقَالَ: أَأَلِجُ؟ فَقَالَ لِخَادِمِهِ: أخرج إِلَى هَذَا فَعلمه، فَقَالَ: قل السَّلَام عَلَيْكُم! أَأدْخل؟ ... الحَدِيث، وَصَححهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
٦٢٢٧ - حدَّثنا يَحْياى بنُ جَعْفَر حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَر عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ ، قَالَ: خَلَقَ الله آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: إذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولائِكَ النفَرِ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فإِنَّها تَحِيَّتكَ وَتَحِيَّةُ ذُرَّيَّتِكَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فقالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ الله، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٣٢٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَسلم على أُولَئِكَ النَّفر من الْمَلَائِكَة) فَإِن فِيهِ البدء بِالسَّلَامِ.
وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الرَّزَّاق بن همام، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد الْبَصْرِيّ، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم ابْن مُنَبّه بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة الصَّنْعَانِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي خلق آدم عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَلَيْسَ فِيهِ لفظ: على صورته، وَلَا فِيهِ لفظ: النَّفر وَلَا لفظ. جُلُوس وَلَا لفظ. بعد، وَالْبَاقِي مثله. وَأخرجه مُسلم عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (على صورته) أَي على صُورَة آدم لِأَنَّهُ أقرب أَي: خلقه فِي أول الْأَمر بشرا سوياً كَامِل الْخلقَة طَويلا سِتِّينَ ذِرَاعا كَمَا هُوَ الْمشَاهد، بِخِلَاف غَيره فَإِنَّهُ يكون أَولا نُطْفَة ثمَّ علقه ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ثمَّ طفْلا ثمَّ رجلا حَتَّى يتم طوله فَلهُ أطوار، وَقَالَ ابْن بطال: أَفَادَ ﷺ بذلك إبِْطَال قَول الدهرية: إِنَّه لم يكن قطّ إِنْسَان إلَاّ من نُطْفَة، وَلَا نُطْفَة إلَاّ من إِنْسَان، وَقَول الْقَدَرِيَّة: إِن صِفَات آدم على نَوْعَيْنِ: مَا خلقهَا الله تَعَالَى وَمَا خلقهَا آدم بِنَفسِهِ، قَالَ: وَقيل: إِنَّه ﷺ مر بِرَجُل يضْرب عَبده فِي وَجهه لطماً فزجره عَن ذَلِك، وَقَالَ: خلق الله آدم على صورته، فالهاء كِنَايَة عَن الْمَضْرُوب وَجهه، قَالَ: وَقد يُقَال: هُوَ عَائِد إِلَى الله تَعَالَى، لَكِن الصُّورَة هِيَ الْهَيْئَة وَذَلِكَ لَا يَصح إلَاّ على الْأَجْسَام، فَمَعْنَى الصُّورَة الصّفة كَمَا يُقَال: عرفني صُورَة هَذَا الْأَمر أَي: صفته، يَعْنِي: خلق آدم على صفته أَي حَيا عَالما سميعاً بَصيرًا متكلماً، أَو هُوَ إِضَافَة تشريفية نَحْو: بَيت الله وروح الله، لِأَنَّهُ ابتدأها لَا على مِثَال سَابق بل بمحض الاختراع فشرفها بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ. قَوْله: (طوله سِتُّونَ ذِرَاعا) . وَلم يبين عرضه هُنَا، وَجَاء أَن عرضه كَانَ سَبْعَة أَذْرع. قَوْله: (النَّفر) بِفَتْح الْفَاء وسكونها: عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَهُوَ مجرور فِي الرِّوَايَة وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم النَّفر من الْمَلَائِكَة، وَقَالَ بَعضهم: وَيجوز الرّفْع وَالنّصب. قلت: لَا وَجه للنصب إلَاّ بتكلف. قَوْله: (جُلُوس) جَالس وارتفاعه على أَنه خبر بعد خبر، وَمن حَيْثُ الْعَرَبيَّة يجوز نَصبه على الْحَال. قَوْله: (فاستمع) فِي رِوَايَة الْكشميهني، فاسمع. قَوْله: (مَا يحيونك) من التَّحِيَّة، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مَا يجيبونك، بِالْجِيم من الْجَواب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْكَلِمَات الَّتِي يحيون بهَا، قيل: المُرَاد من قَوْله: (ذريتك) الْمُسلمُونَ. قَوْله:
стр. 6742
(السَّلَام عَلَيْكُم) هَكَذَا كَانَ ابْن عمر يَقُول فِي سَلَامه وَفِي رده، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: السَّلَام يَنْتَهِي إِلَى الْبركَة وَلَا يَنْبَغِي أَن يَقُول فِي السَّلَام: سَلام الله عَلَيْك، وَلَكِن: عَلَيْك السَّلَام، أَو: السَّلَام عَلَيْكُم، وَأَقل السَّلَام: السَّلَام عَلَيْكُم، فَإِن كَانَ وَاحِدًا خَاطب وَالْأَفْضَل الْجمع لتنَاوله مَلَائكَته، وأكمل مِنْهُ زِيَادَة، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، اقْتِدَاء بقوله : ﴿ (١١) رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾ (هود: ١١) وَيكرهُ أَن يَقُول الْمُبْتَدِي: عَلَيْكُم السَّلَام، فَإِن قَالَهَا اسْتحق الْجَواب على الصَّحِيح من أَقْوَال الْعلمَاء، وَقيل: لَا يسْتَحق. روى التِّرْمِذِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأبي جري الهجمي: لَا تقل عَلَيْك السَّلَام، فَإِن: عَلَيْك السَّلَام، تَحِيَّة الْمَوْتَى، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح، وَالْأَفْضَل الْأَكْمَل فِي الرَّد أَن يَقُول: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَيَأْتِي بِالْوَاو، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَلَو حذفهَا جَازَ وَكَانَ تَارِكًا للأفضل، وَلَو اقْتصر على: وَعَلَيْكُم السَّلَام، أَجزَأَهُ، وَلَو اقْتصر على: وَعَلَيْكُم، لم يجزه. وَلَو قَالَ: وَعَلَيْكُم، بِالْوَاو. قَالَ النَّوَوِيّ: فَفِي إجزائه وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا، وَأَقل السَّلَام ابْتِدَاء وردا أَن يسمع بِصَاحِبِهِ، وَلَا يُجزئهُ دون ذَلِك، وَيشْتَرط كَون الرَّد على الْفَوْر فَإِن أَخّرهُ ثمَّ رد لم يعد جَوَابا وَكَانَ آثِما بِتَرْكِهِ، وَلَو أَتَاهُ سَلام من غَائِب مَعَ رَسُول أَو فِي ورقة وَجب الرَّد على الْفَوْر، وَيسْتَحب أَن يرد على الْمبلغ أَيْضا فَيَقُول: وَعَلَيْك وَعَلِيهِ السَّلَام، وَلَو كَانَ السَّلَام على أَصمّ فَيَنْبَغِي الْإِشَارَة مَعَ التَّلَفُّظ ليحصل الإفهام، وإلَاّ فَلَا يسْتَحق جَوَابا، وَكَذَا إِذا سلم عَلَيْهِ الْأَصَم وَأَرَادَ الرَّد عَلَيْهِ فيتلفظ بِاللِّسَانِ، وَيُشِير بِالْجَوَابِ. وَلَو سلم على الْأَخْرَس فَأَشَارَ الْأَخْرَس بِالْيَدِ سقط عَنهُ الْفَرْض، وَكَذَا لَو سلم عَلَيْهِ أخرس بِالْإِشَارَةِ اسْتحق الْجَواب. قَوْله: (فَقَالُوا: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَقَالُوا: وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله. قَوْله: (فَكل من يدْخل الْجنَّة) مُبْتَدأ. وَقَوله: (على صُورَة آدم) خَبره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فَكل من يدْخل، يَعْنِي: الْجنَّة، وَكَانَ لفظ: الْجنَّة سقط من رِوَايَته فَزَاد فِيهِ، يَعْنِي: الْجنَّة. قَوْله: (ينقص) أَي: طوله.
وَفِيه: الْإِشْعَار بِجَوَاز فنَاء الْعَالم كُله كَمَا جَازَ فنَاء بعضه، وَقَالَ الْمُهلب: فِيهِ أَن الْمَلَائِكَة يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ ويتحيون بِتَحِيَّة الْإِسْلَام. وَفِيه: الْأَمر بتَعَلُّم الْعلم من أَهله.
٢ - ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذاَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ (النُّور: ٢٧ ٢٩)
هَذِه ثَلَاث آيَات سَاقهَا الْأصيلِيّ وكريمة فِي روايتهما، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر قَوْله: ﴿لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَمَا تكتمون﴾ وَسبب نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿اأيها الَّذين آمنُوا﴾ ... الْآيَة. مَا ذكره عدي بن ثَابت، قَالَ: جَاءَت امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَت: يَا رَسُول الله ﴿إِنِّي أكون فِي بَيْتِي على حَال لَا أحب أَن يراني عَلَيْهَا أحد والدولا ولد فَيدْخل عَليّ، وَإنَّهُ لَا يزَال يدْخل عَليّ رجل من أَهلِي وَأَنا على تِلْكَ الْحَالة، فَكيف أصنع؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَوْله: (حَتَّى تستأنسوا) قَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: تستأذنوا. قَالَ ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا هُوَ تستأذنوا، وَلَكِن أَخطَأ الْكَاتِب، وَكَانَ أبي وَابْن عَبَّاس وَالْأَعْمَش يقرؤونها كَذَلِك: حَتَّى تستأذنوا، وَفِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره: حَتَّى تسلموا على أَهلهَا وتستأنسوا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك فِي الْقِرَاءَة الأولى ثمَّ نسخت تِلَاوَته معنى، وَلم يطلع عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس ﵄. وَالْمرَاد بالاستئناس الاسْتِئْذَان بتنحنح وَنَحْوه عِنْد الْجُمْهُور. وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد: حَتَّى تستأنسوا: تتنحنحوا أَو تنخموا، وَأخرج ابْن أبي حَاتِم بِسَنَد ضَعِيف من حَدِيث أبي أَيُّوب قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله﴾ هَذَا السَّلَام فَمَا الِاسْتِئْنَاس؟ قَالَ: يتَكَلَّم الرجل بتسبيحة وَتَكْبِيرَة وَيَتَنَحْنَح فَيُؤذن أهل الْبَيْت. وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق قَتَادَة. الاسْتِئْذَان ثَلَاثًا، فَالْأولى ليسمع، وَالثَّانيَِة لِيَتَأَهَّبُوا لَهُ، وَالثَّالِثَة أَن شاؤوا أذنوا وَإِن شاؤوا أَرَادوا. والاستئناس فِي اللُّغَة طَالب الإيناس وَهُوَ من الْأنس بِالضَّمِّ ضد الوحشة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: معنى: تستأنسوا، تستبصروا ليَكُون الدَّاخِل على بَصِيرَة فَلَا يُصَادف مَا لَا يكره صَاحب الْمنزل أَن يطلعوا عَلَيْهِ. وَأخرج من طَرِيق الْبَراء، قَالَ: الِاسْتِئْنَاس فِي كَلَام الْعَرَب
стр. 6743
مَعْنَاهُ: انْظُرُوا من فِي الدَّار. وَقَالَ بَعضهم: وَحكى الطَّحَاوِيّ أَن الِاسْتِئْنَاس فِي لُغَة الْيمن الاسْتِئْذَان، ثمَّ قَالَ: وَجَاء عَن ابْن عَبَّاس إِنْكَار ذَلِك. قلت: هَذَا قَتَادَة قد فسر الِاسْتِئْنَاس بالاستئذان كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، فقصد هَذَا الْقَائِل إِظْهَار مَا فِي قلبه من الحقد للحنفية. قَوْله: (ذَلِكُم) أَي: الاسْتِئْذَان وَالتَّسْلِيم خير لكم من تَحِيَّة الْجَاهِلِيَّة والدمور وَهُوَ الدُّخُول بِغَيْر إِذن. قَوْله: (تذكرُونَ) أَصله: تتذكرون فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ. قَوْله: (فَإِن لم تَجدوا فِيهَا) أَي: فِي الْبيُوت أحدا من الآذنين فَلَا تدخلوها فَاصْبِرُوا حَتَّى تَجدوا من يَأْذَن لكم، وَيحْتَمل: فَإِن لم تَجدوا فِيهَا أحدا من أَهلهَا وَلكم فِيهَا حَاجَة فَلَا تدخلوها إلَاّ بِإِذن أَهلهَا. قَوْله: (فَارْجِعُوا) وَلَا تقفوا على أَبْوَابهَا وَلَا تلازموها. قَوْله: (هُوَ) أَي: الرُّجُوع (أزكى) أَي أطهر وَأصْلح، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت الْخَانَات والمساكن فِي طَرِيق الشَّام لَيْسَ فِيهَا سَاكن؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تدْخلُوا بُيُوتًا غير مسكونة﴾ بِغَيْر اسْتِئْذَان. قَوْله: (فِيهَا مَتَاع لكم) أَي: مَنْفَعَة لكم. وَاخْتلفُوا فِي هَذِه الْبيُوت مَا هِيَ، قَالَ قَتَادَة: هِيَ الْخَانَات والبيوت المبنية للسائلة يأوو إِلَيْهَا ويأووا أمتعتهم فِيهَا. وَقَالَ مُجَاهِد: كَانُوا يضعون بطرِيق الْمَدِينَة أقتاباً وأمتعة فِي بيُوت لَيْسَ فِيهَا أحد، وَكَانَت الطرقات إِذْ ذَاك آمِنَة، فأحل لَهُم أَن يدخلوها بِغَيْر إِذن. وَعَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَأَبِيهِ عَليّ ﵄ هِيَ بيُوت مَكَّة. وَقَالَ الضَّحَّاك: هِيَ الخربة الَّتِي يأوي إِلَيْهَا الْمُسَافِر فِي الصَّيف والشتاء، وَقَالَ عَطاء: هِيَ الْبيُوت الخربة، وَالْمَتَاع قَضَاء الْحَاجة فِيهَا من الْبَوْل وَغَيره، وَقَالَ ابْن زيد: هِيَ بيُوت التُّجَّار وحوانيتهم الَّتِي بالأسواق. وَقَالَ ابْن جريج: هِيَ جَمِيع مَا يكون من الْبيُوت الَّتِي لَا سَاكن فِيهَا على الْعُمُوم.
وَقَالَ سَعِيدُ بنُ أبي الحَسَنِ لِلْحَسَنِ: إنَّ نَساءَ العَجَمِ يَكْشِفْنَ صُدُورَهُنَّ وَرُؤُوسَهُنَّ. قَالَ: إصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْهُمَّ. قَوْلُ الله : ﴿ (٤٢) قل للْمُؤْمِنين. . فروجهم﴾ (النُّور: ٣٠) . وَقَالَ قَتَادَة: عمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ
وَجه ذكر هَذَا عقيب ذكر الْآيَات الثَّلَاث الْمَذْكُورَة الْإِشَارَة إِلَى أَن أصل مَشْرُوعِيَّة الاسْتِئْذَان الِاحْتِرَاز من وُقُوع النّظر إِلَى مَا لَا يُرِيد صَاحب الْمنزل النّظر إِلَيْهِ لَو دخل بِلَا إِذن، ثمَّ قَوْله: وَقَالَ سعيد بن أبي الْحسن ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، فالحسن اسْتدلَّ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة، وَذكر البُخَارِيّ أثر قَتَادَة تَفْسِيرا لَهَا، وَسَعِيد بن أبي الْحسن هُوَ أَخُو الْحسن الْبَصْرِيّ تَابِعِيّ ثِقَة قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ قبل الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (قَالَ: اصرف) أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ لِأَخِيهِ: إصرف بَصرك عَنْهُن، قَوْله: قَول الله ، ويروى: يَقُول الله تَعَالَى ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال، وَيجوز فِي: قَول الله، الْفَرْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا قَول الله، وَأما النصب فعلى تَقْدِير: إقرأ قَول الله ، وأتر قَتَادَة أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٤٢) ويحفظوا فروجهم﴾ (النُّور: ٣١)
إِلَى آخِره، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة. وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين تكون تَرْجَمَة مستأنفة.
وقُلْ لِلْمُؤْمناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
هَذِه أَيْضا من تَتِمَّة اسْتِدْلَال الْحسن بهَا، غير أَن أثر قَتَادَة تخَلّل بَينهمَا، كَذَا وَقع للأكثرين، وَسقط جَمِيع ذَلِك من رِوَايَة النَّسَفِيّ، فَقَالَ بعد قَوْله: ﴿حَتَّى تستأنسوا﴾ الْآيَتَيْنِ: وَقَول الله : ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ ... الْآيَة. ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن﴾ .
خائِنَةَ الأعْيُنِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ
كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِضَم النُّون فِي قَوْله: (مَا نهي عَنهُ) يَعْنِي: على صِيغَة الْمَجْهُول، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة: إِلَى مَا نهى الله عَنهُ. قَالَ الله : ﴿ (٠٤) يعلم خَائِنَة الْأَعْين﴾ (غَافِر: ١٩) وَهِي صفة للنظرة، أَي: يعلم النظرة المسترقة إِلَى مَا لَا يحل. وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلم خَائِنَة الْأَعْين﴾ قَالَ: هُوَ الرجل ينظر إِلَى الْمَرْأَة الْحَسْنَاء تمر بِهِ، أَو يدْخل بَيْتا هِيَ فِيهِ فَإِذا فطن بِهِ غض بَصَره، وَقد علم الله تَعَالَى أَنه يود أَن لَو اطلع على فرجهَا، وَإِذا قدر عَلَيْهَا الزِّنَى بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي:
стр. 6744
وَأما خَائِنَة الْأَعْين الَّتِي ذكرت فِي الخصائص النَّبَوِيَّة فَهِيَ الْإِشَارَة بِالْعينِ إِلَى مُبَاح من الضَّرْب وَنَحْوه، لَكِن على خلاف مَا يظهره بالْقَوْل.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، فِي النَّظَرِ إِلَى الَّتي لَمْ تَحِضْ مِنَ النِّساءِ: لَا يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُن مِمَّنْ يُشْتَهَى النظَرُ إلَيْهِ، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً.
كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فِي النّظر إِلَى مَا لَا يحل من النِّسَاء: لَا يصلح، الخ. وَفِي رِوَايَته أَيْضا النّظر إلَيْهِنَّ أَي: إِلَى النِّسَاء. وَأما الضَّمِير الَّذِي فِي قَوْله: إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يرجع إِلَى شَيْء مِنْهُنَّ، وَمِنْه أَخذ ابْن الْقَاسِم أَنه لَا يجوز للرجل أَن يغسل الصَّغِيرَة الْأَجْنَبِيَّة الْميتَة، خلافًا لأَشْهَب، وَهَذَا الْأَثر وَالَّذِي بعده قد سقطا من رِوَايَة النَّسَفِيّ.
وَكَرِهَ عَطاءٌ النَّظَرَ إِلَى الجَوارِي الَّتِي يُبَعْنَ بِمَكَّة إلَاّ أنْ يُرِيدَ أنْ يَشْتَرِيَ
عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: سُئِلَ عَطاء بن أبي رَبَاح عَن الْجَوَارِي اللَّاتِي يبعن بِمَكَّة؟ فكره النّظر إلَيْهِنَّ إلَاّ لمن يُرِيد أَن يَشْتَرِي.
٦٢٢٨ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي سُلَيْمانُ بنُ يَسارٍ أَخْبرنِي عَبْد الله بنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أرْدَفَ رسولُ الله ﷺ ، الفَضْلَ بنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ راحِلَتِهِ، وَكَانَ الفَضْلُ رَجُلاً وَضِيئاً، فَوَقَفَ النبيُّ ﷺ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وأقْبَلَتِ امْرَأةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رسولَ الله ﷺ ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْها وَأعْجَبَهُ حُسْنُها، فالْتَفَتَ النبيُّ ﷺ ، والفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا، فأخْلَفَ بِيَدِهِ فأخَذَ بِذَقَنِ الفَضْلِ فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إلَيْها، فقالَتْ: يَا رسولَ الله! إنَّ فَرِيضَةَ الله فِي الحَجِّ عَلَى عِبادِهِ أدْرَكَتْ أبي شَيْخاً كَبِيراً لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَجه ذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا هُوَ أَن فِيهِ غض الْبَصَر خشيَة الْفِتْنَة، وَقد تكَرر رِجَاله جدا. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْحَج فِي: بَاب الْحَج عَمَّن لَا يَسْتَطِيع الثُّبُوت على الرَّاحِلَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (على عجز رَاحِلَته) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَضم الْجِيم وبالزاي: أَي مؤخرها. قَوْله: (وضيئاً) أَي: لحسن وَجهه ونظافة صورته. قَوْله: (خثعم) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالميم وَهِي قَبيلَة. قَوْله: (وضيئة) أَي: حَسَنَة الْوَجْه تضيء من حسنها. قَوْله: (فَطَفِقَ الْفضل) أَي: جعل الْفضل ينظر إِلَيْهَا. قَوْله: (فأخلف بِيَدِهِ) أَي: مد يَده إِلَى خَلفه، ويروى: فاخلف يَده. قَوْله: (فَهَل يقْضِي عَنهُ) أَي: فَهَل يَجْزِي عَنهُ.
٣ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد أخبرنَا أَبُو عَامر حَدثنَا زُهَيْر عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إيَّاكُمْ وَالْجُلُوس بالطرقات فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا لنا من مجالسنا بُد نتحدث فِيهَا فَقَالَ إِذا أَبَيْتُم إِلَّا الْمجْلس فأعطوا الطَّرِيق حَقه قَالُوا وَمَا حق الطَّرِيق يَا رَسُول الله قَالَ غض الْبَصَر وكف الْأَذَى ورد السَّلَام وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر) مُنَاسبَة ذكر هَذَا هُنَا كَون غض الْبَصَر فِيهِ صَرِيحًا وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي وَأَبُو عَامر عبد الْملك الْعَقدي بِفَتْح
стр. 6745
الْعين الْمُهْملَة وَالْقَاف وَزُهَيْر مصغر زهر بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ الْخُرَاسَانِي وَزيد بن أسلم بِلَفْظ أفعل التَّفْضِيل أَبُو أُسَامَة مولى عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن معَاذ بن فضَالة قَوْله إيَّاكُمْ للتحذير وَالْجُلُوس بِالنّصب وَالْبَاء فِي بالطرقات بِمَعْنى فِي وَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني فِي الطرقات وَفِي رِوَايَة حَفْص بن ميسرَة على الطرقات وَهُوَ جمع طرق بِضَمَّتَيْنِ جمع طَرِيق قَوْله بُد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الدَّال أَي مَا لنا من مجالسنا افْتِرَاق قَوْله إِذا أَبَيْتُم أَي إِذا امتنعتم هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره فَإِذا أَبَيْتُم بِالْفَاءِ قَوْله إِلَّا الْمجْلس بِفَتْح اللَّام مصدر ميمي أَي الْجُلُوس وَقد تقدم فِي الْمَظَالِم إِلَى الْمجْلس بِكَلِمَة إِلَى وَقَبله فَإِذا أتيتم من الْإِتْيَان قَوْله وكف الْأَذَى من نَحْو التضيق على المارين واحتقارهم بِهِ وعيبهم لَهُ وَامْتِنَاع النِّسَاء من الْخُرُوج إِلَى أشغالهن بِسَبَب قعودهم فِي الطَّرِيق والاطلاع على أَحْوَال النَّاس مِمَّا يكرهونه -
٣ - (بابٌ السلامُ مِنْ أسْماءِ الله تَعَالَى)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن السَّلَام من أَسمَاء الله تَعَالَى، وارتفاع السَّلَام على أَنه مُبْتَدأ. وَقَوله: من أَسمَاء الله خَبره وَالتَّقْدِير: كَائِن من أَسمَاء الله، قَالَ الله : الْملك القدوس السَّلَام، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي تَفْسِير هَذَا الإسم: السَّلَام، مصدر نعت بِهِ وَالْمعْنَى: ذُو السَّلامَة من كل آفَة ونقيصة، أَي: الَّذِي سلمت ذَاته من الْحُدُوث وَالْعَيْب، وَصِفَاته عَن النَّقْص، وأفعاله عَن الشَّرّ الْمَحْض، فَإِن مَا ترَاهُ من الشرور مقضي لَا لِأَنَّهُ كَذَلِك بل لما يتضمنه من الْخَيْر الْغَالِب الَّذِي يُؤَدِّي تَركه إِلَى شَرّ عَظِيم، فالمقضي وَالْمَفْعُول بِالذَّاتِ هُوَ الْخَيْر وَالشَّر دَاخل تَحت الْقُضَاة، فعلى هَذَا يكون من أَسمَاء التَّنْزِيه. وَقَالَ عِيَاض: معنى السَّلَام إسم الله أَي: كلأ الله عَلَيْك وَحفظه، كَمَا يُقَال: الله مَعَك ومصاحبك، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن الله مطلع عَلَيْك فِيمَا تفعل، وَقيل: مَعْنَاهُ السَّلامَة كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ (٦٥) فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين﴾ (الْوَاقِعَة: ٩١) وَقيل: السَّلَام يُطلق بِإِزَاءِ معَان. (مِنْهَا: السَّلامَة) . وَمِنْهَا: أَنه إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَقد يَأْتِي بِمَعْنى السَّلامَة مَحْضا، وَقد يَأْتِي بِمَعْنى التَّحِيَّة مَحْضا، وَقد يَأْتِي متردداً بَين الْمَعْنيين، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ (٤) وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ (لِنسَاء: ٩٤) فَإِنَّهُ يحْتَمل التَّحِيَّة والسلامة، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم مَا يدعونَ سَلام قولا من رب رَحِيم﴾ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (يس: ٥٧ ٥٨) وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ بعض حَدِيث مَرْفُوع، لَكِن لَيْسَ على شَرطه، فَلذَلِك أورد مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ على شَرطه، وَهُوَ حَدِيث فِي التَّشَهُّد، وَفِيه: فَإِن الله هُوَ السَّلَام، وَثَبت فِي الْقُرْآن السَّلَام الْمُؤمن، وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا: فالسلام إسم الله وَهُوَ تَحِيَّة أهل الْجنَّة.
﴿ (٤) وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٦)
أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى أَن عُمُوم الْأَمر بالتحية مَخْصُوص بِلَفْظ السَّلَام، وَعَلِيهِ اتِّفَاق الْعلمَاء إلَاّ مَا حكى ابْن التِّين عَن بعض الْمَالِكِيَّة: إِن المُرَاد بالتحية فِي الْآيَة الْهَدِيَّة، وَحكى الْقُرْطُبِيّ أَنه قَول الْحَنَفِيَّة أَيْضا. قلت: نِسْبَة هَذَا إِلَى الْحَنَفِيَّة غير صَحِيحَة، وَهَذَا قَول يُخَالف قَول الْمُفَسّرين فَإِنَّهُم قَالُوا: معنى الْآيَة إِذا سلم عَلَيْكُم الْمُسلم فَردُّوا عَلَيْهِ أفضل مِمَّا سلم أَو ردوا عَلَيْهِ بِمثل مَا سلم بِهِ فَالزِّيَادَة مَنْدُوبَة والمماثلة مَفْرُوضَة، وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عباسٍ قَالَ: من سلم عَلَيْك من خلق الله فاردد عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ مجوسياً ذَلِك بِأَن الله يَقُول: ﴿ (٤) فحيو بِأَحْسَن. . ردوهَا﴾ وَقَالَ قَتَادَة: ﴿فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا﴾ يَعْنِي: للْمُسلمين: ﴿أَو ردوهَا﴾ يَعْنِي لأهل الذِّمَّة، وَقَالَ ابْن كثير: وَفِيه نظر.
٦٢٣٠ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدّثنا أبِي حدّثنا الأعْمش قَالَ: حدّثني شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: كُنَّا إِذا صَلَّيْنا مَعَ النبيِّ ﷺ قُلْنا: السَّلامُ عَلَى الله، قَبْلَ عِباده السَّلامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلامُ عَلى مِيكائِيلَ، السلامُ عَلى فُلانٍ وفُلانٍ، فَلمَّا انْصَرعف النبيُّ ﷺ أقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إنَّ الله هُوَ السَّلامُ فَإِذا جَلَسَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لله والصَّلَوَاتُ والطَّيِّباتُ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النبيُّ
стр. 6746
وَرَحْمَة الله وبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عباد الله الصَّالِحِينَ، فإِنَّهُ إِذا قَالَ ذالِكَ أصابَ كُلَّ عَبْدٍ صالِحٍ فِي السَّماءِ والأرْضِ: أشْهَدُ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورسولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الكَلامِ مَا شاءَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: إِن الله هُوَ السَّلَام، وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب التَّشَهُّد فِي الْأَخِيرَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي نعيم عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب مَا يتَخَيَّر من الدُّعَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (قبل عباده) أَي: قبل السَّلَام على عباده، ويرو: قبل، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من جِهَة عباده، وَفِيمَا مضى السَّلَام: على الله من عباده وَفِيمَا مضى السَّلَام: على الله من عباده. قَوْله: (فَلَمَّا انْصَرف) أَي: من الصَّلَاة. قَوْله: (وَيتَخَيَّر) أَي: يخْتَار والتخير وَالِاخْتِيَار بِمَعْنى وَاحِد، قَالَه الْكرْمَانِي قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن التخير أَن يُخَيّر غَيره، وَالِاخْتِيَار أَن يخْتَار لنَفسِهِ، وَأَيْضًا يتَخَيَّر لَيْسَ مصدره التَّخْيِير، وَإِنَّمَا مصدره التخير على وزن التفعل.
٤ - (بابُ تَسْلِيمِ القَلِيلِ عَلى الكَثيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَسْلِيم الْقَلِيل على الْكثير، والقلة وَالْكَثْرَة أَمر نسبي فالواحد قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِثْنَيْنِ، والإثنان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّلَاث، وعَلى هَذَا.
٦٢٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بن مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخْبرنا عَبْدُ الله أخْبرنا مَعْمَرٌ عَنْ هَمّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلى الكَبيرِ والمارُّ عَلى القاعِد والقَلِيلُ عَلى الكَثيرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم ابْن مُنَبّه على أَنه فَاعل من التَّنْبِيه.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك.
قَوْله: (يسلم الصَّغِير) أَي: ليسلم، لِأَنَّهُ خبر بِمَعْنى الْأَمر، وَقد ورد صَرِيحًا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر عِنْد أَحْمد بِلَفْظ: ليسلم.
٥ - (بابُ تَسْليمِ الرَّاكِبِ عَلى الماشِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَسْلِيم الرَّاكِب على الْمَاشِي، هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب يسلم الرَّاكِب، بِلَفْظ الْمُضَارع.
٦٢٣٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنَا مَخْلَدٌ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبرنِي زِيادٌ أنَّهُ سَمِعَ ثابِتاً مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ زَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي والماشي عَلى القاعِدِ والقَلِيلُ عَلى الكَثِير.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام بتَخْفِيف اللَّام فِي الْأَصَح، ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ابْن يزِيد بالزاي الْحَرَّانِي، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَزِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن سعد الْخُرَاسَانِي ثمَّ الْمَكِّيّ، وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن عِيَاض مولى عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي الْمُصراة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن عقبَة بن مكرم، وَمُحَمّد بن مَرْزُوق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن يحيى بن حبيب.
٦ - (بابُ تَسلِيم الْمَاشِي عَلى القاعِدِ)
стр. 6747
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَسْلِيم الْمَاشِي على الْقَاعِد.
٦٢٣٣ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنَا رَوْحُ بنُ عُبادَةَ حَدثنَا ابنُ جُرَيْج قَالَ: أَخْبرنِي زيادٌ أنَّ ثابِتاً أخْبَرَه وهْوَ مَوْلى عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ زَيْدٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رسولِ الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: يُسَلّمُ الرَّاكِبُ عَلى الماشِي والماشِي عَلى القاعِدِ والقَلِيلُ عَلى الكَثيرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وروح بن عبَادَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة. والْحَدِيث هُوَ الَّذِي قبله، وَلكنه أخرجه من وَجه آخر.
٧ - (بابُ تَسْلِيمِ الصَّغِيرِ عَلى الكَبِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ تَسْلِيم الصَّغِير على الْكَبِير.
٦٢٣٤ - وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عَنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطاءِ بنِ يَسار عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ والمارُّ عَلَى القاعِدِ والقَلِيلُ عَلى الكثِيرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَثَبت كَذَلِك فِي رِوَايَة أبي ذَر، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا قَالَ. بِلَفْظ: قَالَ، لَا بِلَفْظ: حَدثنِي، وَنَحْوه لِأَنَّهُ سمع مِنْهُ فِي مقَام المذاكرة لَا فِي مقَام التحميل والتحديث. قيل: هَذَا غلط لِأَن البُخَارِيّ لم يدْرك إِبْرَاهِيم بن طهْمَان فضلا من أَن يسمع مِنْهُ مَاتَ قبل مولد البُخَارِيّ بست وَعشْرين سنة، وَوَصله البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) وَقَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن أبي عمر حَدثنِي أبي حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن طهْمَان بِهِ سَوَاء، وَأَبُو عمر هُوَ حَفْص بن عبد الله ابْن رَاشد السّلمِيّ قَاضِي نيسابور.
قَوْله: (والمار على الْقَاعِد) وَهَذَا أبلغ من رِوَايَة ثَابت الَّتِي قبلهَا بِلَفْظ: الْمَاشِي، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون الْمَار رَاكِبًا أَو مَاشِيا، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي عَليّ الْجَنبي عَن فضَالة بن عبيد: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: يسلم الْفَارِس على الْمَاشِي والماشي على الْقَائِم والقليل على الْكثير، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح. وَأَبُو عَليّ الْجَنبي اسْمه عَمْرو بن مَالك، وَقَالَ بَعضهم: إِذا حمل الْقَائِم على المستقر كَانَ أَعم من أَن يكون جَالِسا أَو وَاقِفًا أَو مُتكئا أَو مُضْطَجعا، وَإِذا أضيفت هَذِه الصُّور إِلَى الرَّاكِب تعدّدت الصُّور. قلت: هَذَا كَلَام لَا يَصح من حَيْثُ اللُّغَة وَلَا من حَيْثُ الِاصْطِلَاح وَلَا من حَيْثُ الْعرف، فَإِن أحدا لَا يَقُول للقائم جَالس وَلَا متكىء وَلَا مُضْطَجع، وَإِذا تلاقى راكبان أَو ماشيان قَالَ الْمَازرِيّ: يبْدَأ الْأَدْنَى مِنْهُمَا الْأَعْلَى إجلالاً لفضله، وَإِذا تساوى المتلاقيان من كل جِهَة فَكل مِنْهُمَا مَأْمُور بِالِابْتِدَاءِ، وخيرهما الَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ.
٨ - (بابُ إِفْشاءِ السّلَامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إفشاء السَّلَام أَي: إِظْهَاره، وَالْمرَاد نشره بَين النَّاس، فَيسلم على من يعرف وَمن لَا يعرف، وَبِه ورد الْأَثر على مَا يَأْتِي عَن قريب، وَلَفظ: بَاب، هَذَا ثَابت فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي الْوَقْت وَلَيْسَ لغَيْرِهِمَا ذَلِك.
٦٢٣٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبانِيِّ عَنْ أشْعَثَ بنِ أبِي الشَّعْثاءِ عَنْ مُعاوِيَةَ ابنِ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ عَنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ ﵄ قَالَ: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ بِسَبْعٍ: بِعيادَةِ المَرِيضِ واتِّباعِ الجَنائِزِ وتَشْنِيتِ العاطِسِ وَنَصْرِ الضَّعِيفِ وَعَوْنِ المَظْلُومِ وإفْشاءِ السَّلامِ وإبْرارِ المُقْسِمِ، وَنَهاى عَنِ الشُّرْبِ فِي الفِضَّةِ وَنَهانا عَنْ تَتَتُّمِ الذَّهَبِ وَعَنْ رُكُوبِ المَيَاثِرِ وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ والقَسِّيِّ والاسْتَبْرَقِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وإفشاء السَّلَام) وَهِي من لفظ الحَدِيث.
وقتيبة بن سعيد وَجَرِير بن عبد الحميد، والشيباني هُوَ
стр. 6748
أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْأَدَب أخرجه عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن الْأَشْعَث بن سليم عَن مُعَاوِيَة بن سُوَيْد بن المقرن عَن الْبَراء. وَأخرجه فِي الْجَنَائِز عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه فِي الْمَظَالِم عَن سعيد بن الرّبيع وَفِي اللبَاس عَن آدم وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَقبيصَة وَفِي الطِّبّ فِي حَفْص بن عَمْرو فِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي النذور عَن بنْدَار عَن غنْدر وَفِي النِّكَاح عَن الْحسن بن الرّبيع وَفِي الْأَشْرِبَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي النذور أَيْضا عَن قبيصَة.
ونبين مَا فِي هَذِه الرِّوَايَات من الِاخْتِلَاف بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان. أما هُنَا فإثنان من السَّبْعَة: نصر الضَّعِيف وَعون الْمَظْلُوم، وَفِي الْجَنَائِز ذكر: إِجَابَة الدَّاعِي وَنصر الْمَظْلُوم، وَلم يذكر هُنَا: إِجَابَة الدَّاعِي، وَذكر عون الْمَظْلُوم عوض نصر الْمَظْلُوم، وَوَجهه أَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ فِي الذّكر لَا يَنْفِي الْغَيْر، أَو أَن الضَّعِيف أَيْضا دَاع والنصر إِجَابَة وَبِالْعَكْسِ، وَذكر هُنَا إفضاء السَّلَام وَهُنَاكَ رد السَّلَام، وهما متلازمان شرعا. وَأما فِي الْمَظَالِم فَكَذَلِك ذكر إِجَابَة الدَّاعِي وَنصر الْمَظْلُوم، وَهنا ذكر عون الْمَظْلُوم وعونه هُوَ نَصره.
وَأما فِي اللبَاس فَمن ثَلَاث طرق: أَحدهَا: عَن آدم فَفِيهِ إِجَابَة الدَّاعِي وَنصر الْمَظْلُوم. وَالثَّانِي: عَن مُحَمَّد ابْن مقَاتل فَأخْرجهُ مُخْتَصرا: نَهَانَا النَّبِي ﷺ ، عَن المياثر الْحمر وَعَن القسي. وَالثَّالِث: عَن قبيصَة: أمرنَا النَّبِي ﷺ بِسبع: عِيَادَة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وتشميت الْعَاطِس، ونهانا عَن لبس الْحَرِير والديباج والقسي والاستبرق ومياثر الْحمر. وَأما فِي الطِّبّ فالنهي مقدم وَالْأَمر مُؤخر، فَذكر فِي النَّهْي سِتَّة. السَّادِس: الميثرة، وَذكر فِي الْأَمر ثَلَاثَة: أَن نتبع الْجَنَائِز ونعود الْمَرِيض ونفشي السَّلَام. وَأما فِي الْأَدَب فَقدم الْأَمر وَذكر السِّتَّة إثنان مِنْهَا إِجَابَة الدَّاعِي وَنصر الْمَظْلُوم، وَفِيه لفظ: رد السَّلَام، مَوضِع: إفشاء السَّلَام، وَذكر فِي النَّهْي سِتَّة أَيْضا آخرهَا: والمياثر، وَفِيه لفظ: الديباج والسندس، وَأما فِي النذور فَعَن قبيصَة وَبُنْدَار مُخْتَصرا: أمرنَا النَّبِي ﷺ ، بإبرار الْمقسم. وَأما فِي النِّكَاح فَقدم الْأَمر وَذكر السَّبْعَة، وفيهَا: إِجَابَة الدَّاعِي وَذكر فِي النَّهْي سِتَّة وفيهَا: عَن المياثر والقسي. وَأما فِي الْأَشْرِبَة فَكَذَلِك قدم الْأَمر وَذكر فِي النَّهْي خَمْسَة، فَإِذا عد أَنْوَاع الْحَرِير يكون سَبْعَة، وفيهَا: المياثر والقسي، وَقد ذكرنَا فِي كل وَاحِد من هَذِه الْمَوَاضِع بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة.
قَوْله: (وإفشاء السَّلَام) ، يدل على عُمُوم التَّسْلِيم، وَلَكِن اخْتلف فِي مَشْرُوعِيَّة السَّلَام على الْفَاسِق وعَلى الصَّبِي، وَفِي سَلام الرجل على الْمَرْأَة وَعَكسه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيسْتَثْنى من الْعُمُوم بابتداء السَّلَام من كَانَ مشتغلاً بِأَكْل أَو شرب أَو جماع، أَو كَانَ فِي الْخَلَاء أَو الْحمام أَو نَائِما أَو ناعساً أَو مُصَليا أَو مُؤذنًا مَا دَامَ ملتبساً بِشَيْء مِمَّا ذكر، فَلَو لم تكن اللُّقْمَة فِي فَم الْآكِل مثلا شرع السَّلَام عَلَيْهِ، ويشرع فِي الْمُتَبَايعين وَسَائِر الْمُعَامَلَات، وَتقدم فِي كتاب الطَّهَارَة أَن الَّذِي فِي الْحمام إِن كَانَ عَلَيْهِ إِزَار يسلم عَلَيْهِ وإلَاّ فَلَا، وَلَا يسلم فِي حَال الْخطْبَة فَإِذا سلم لَا يجب الرَّد لوُجُوب الْإِنْصَات، وَلَا يسلم الْخصم على القَاضِي، وَإِذا سلم لَا يجب عَلَيْهِ الرَّد، وَلَا يسلم على من يلْعَب بالشطرنج إلَاّ إِذا كَانَ قَصده التشويش عَلَيْهِم، وَفِي الْقنية لَا يسلم المتفقة على أستاذه وَلَو سلم لَا يجب رده. قلت: فِيهِ نظر وَلَا يسلم على الشَّيْخ الممازح أَو الْكذَّاب أَو اللاغي وَمن يسب النَّاس وَينظر فِي وُجُوه النسوان فِي الْأَسْوَاق وَلَا يعرف تَوْبَتهمْ، وَلَا يسلم على المبتدع وَلَا من اقْتَرَف ذَنبا عَظِيما وَلم يتب مِنْهُ، وَلَا يرد ﵇. وَقَالَ ابْن عمر: لَا تسلموا على شربة الْخمر، وَالصَّحِيح أَن هَذَا عَن عبد الله بن عَمْرو بِالْوَاو، وَلَا يسلم على الظلمَة إلَاّ إِذا اضْطر إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يسلم وَيَنْوِي أَن السَّلَام إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، الْمَعْنى: الله رَقِيب عَلَيْكُم، وَإِذا مر على وَاحِد أَو أَكثر وَغلب على ظَنّه أَنه إِذا سلم عَلَيْهِ لَا يردهُ إِمَّا لتكبر وَإِمَّا لإهمال وَإِمَّا لغير ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يسلم وَلَا يتْركهُ لهَذَا الظَّن فقد يخطىء الظَّن، وَإِن سلم على رجل ظَنّه مُسلما فَإِذا هُوَ كَافِر اسْتحبَّ أَن يرد سَلَامه فَيَقُول رد عَليّ سلامي، وَالْمَقْصُود من ذَلِك أَن يوحشه وَيظْهر لَهُ أَن لَيْسَ بَينهمَا إلفة، وَإِذا دخل بَيْتا وَلَيْسَ فِيهِ أحد يسلم. وَعَن ابْن عمر ﵄ يسْتَحبّ إِذا لم يكن فِي الْبَيْت أحد أَن يَقُول: السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين. قَوْله: (المياثر) جمع ميثرة قَالَ الْجَوْهَرِي: الميثرة السرج غير مَهْمُوزَة وَيجمع على مياثر ومواثر، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَأما المياثر الْحمر الَّتِي جَاءَ فِيهَا النَّهْي فَكَانَت من مراكب الْأَعَاجِم من ديباج أَو حَرِير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة.
стр. 6749
٩ - (بابُ السَّلامِ لِلْمَعْرِفَةِ وغَيْرِ المَعْرِفَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن السَّلَام سنة للمعرفة أَي: لأجل معرفَة من يعرفهُ وَغير من يعرفهُ، أَرَادَ أَنه لَا يخص السَّلَام بِمن يعرفهُ وَيتْرك من لَا يعرفهُ، وروى الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: إِن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يمر الرجل بِالْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي فِيهِ وَأَن لَا يسلم إلَاّ على من يعرف، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ: إِن من أَشْرَاط السَّاعَة السَّلَام للمعرفة، وَهَذَا يُوَافق التَّرْجَمَة.
٦٢٣٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدّثنا اللَّيْثُ قَالَ: حدّثني يَزِيدُ عَن أبي الخَيْرِ عَنْ عَبْدِ الله ابنِ عَمْرو أنَّ رَجلاً سألَ النبيَّ ﷺ : أيُّ الإسْلامِ خَيْرٌ. قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعامَ وَتَقْرَأ السَّلامَ عَلى مَنْ عَرَفْتَ وعَلى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب، وَأَبُو الْخَيْر مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي، والأسناد كُله مصريون.
وَمضى الحَدِيث فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب إفشاء السَّلَام من الْإِسْلَام فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث.
قَوْله: (أَي الْإِسْلَام) أَي: أَعمال الْإِسْلَام؟
٦٢٣٧ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عطاءِ بن يَزِيدَ اللَّيْثِي عَنْ أبي أيُّوبَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاث يَلْتَقِيانِ فَيَصُدُّ هاذا ويَصُدُّ هاذا، وخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأُ بالسَّلامِ.
وَذَكَرَ سُفْيانُ أنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٧٧) .
مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَأَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد ﵁.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَدَب فِي: بَاب الْهِجْرَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (فيصد هَذَا) أَي: يعرض عَنهُ.
١٠ - (بابُ آيَةِ الحجابِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول آيَة الْحجاب فِي أَمر نسَاء النَّبِي ﷺ بالاحتجاب من الرِّجَال.
٦٢٣٨ - حدَّثنا يَحْياى بنُ سُلَيْمانَ حَدثنَا ابنُ وَهْبٍ أَخْبرنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ، قَالَ: أَخْبرنِي أنِسُ بنُ مالِكٍ أنَّهُ كَانَ ابنَ عَشْرِ سِنِينَ مقْدَمَ رسولِ الله ﷺ ، المدِينَةَ فَخَدَمْتُ رسولَ الله ﷺ عَشْراً حَياتَهُ، وكُنْتُ أعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الحِجابِ حِينَ أُنْزِلَ، وَقَدْ كَانَ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ يَسْألُنِي عَنْهُ، وَكَانَ أوَّلَ مَا نَزَلَ فِي مُبْتَنَى رسولِ الله ﷺ ، بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْش. أصْبَحَ النبيُّ ﷺ بِها عَرُوساً، فَدَعا القَوْمَ فأصابُوا مِنَ الطعامِ ثُمَّ خَرَجُوا وبقيَ مِنْهُمْ رَهْطٌ عِنْدَ رسُولِ الله ﷺ ، فأطالُوا المُكْثَ فقامَ رسولُ الله ﷺ فَخَرَجَ وَخَرَجتُ مَعَهُ كَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى رسولُ الله ﷺ وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى جاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ رسولُ الله ﷺ ، أنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلى زَيْنَبَ فإِذا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَتَفَرَّقُوا، فَرَجَعَ رَسُول الله ﷺ وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عائِشَةَ، فَظَنَّ أنْ قَدْ خَرَجوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ
стр. 6750
مَعَهُ فَإِذا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَأُنْزِلَ آيَةُ الحِجابِ، فَضَرَبَ بَيْنِي وبَيْنَهُ سِتْراً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأنْزل آيَة الْحجاب) وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، نزل مصر وروى عَن عبد الله ابْن وهب عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁.
والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب بطرق مُخْتَلفَة عَن أنس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أَنه كَانَ) فِيهِ الْتِفَات من التَّكَلُّم إِلَى الْغَيْبَة أَو جرد من نَفسه شخصا آخر يحْكى عَنهُ. قَوْله: (مقدم) أَي: وَقت قدوم النَّبِي ﷺ ، الْمَدِينَة. قَوْله: (حَيَاته) ، أَي: بَقِيَّة حَيَاته إِلَى أَن مَاتَ. قَوْله: (وَكنت أعلم النَّاس بشأن الْحجاب) ، أَي: بِسَبَب نُزُوله، وَإِطْلَاق مثل ذَلِك جَائِز للإعلام. لَا للإعجاب. قَوْله: (وَقد كَانَ أبي بن كَعْب يسألني عَنهُ) ، أَي: عَن شَأْن الْحجاب، وَهُوَ آيَة الْحجاب، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٣٣) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٣)
الْآيَة. فِيهِ: إِشَارَة إِلَى اخْتِصَاصه بمعرفته لِأَن أبي بن كَعْب أعلم مِنْهُ وأكبر سنا وَقدرا وَمَعَ جلالة قدره كَانَ يَسْتَفِيد مِنْهُ. قَوْله: (مبتنى) على صِيغَة الْمَفْعُول من الابتناء، وَهُوَ الزفاف. قَوْله: (عروساً) هُوَ نعت يَسْتَوِي فِيهِ الرجل وَالْمَرْأَة مَا داما فِي إعراسهما.
٦٢٣٩ - حدَّثنا أبُو النُّعْمانِ حَدثنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ أبي: حدّثنا أبُو مِجْازٍ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النبيُّ ﷺ ، زَيْنَبَ دَخَلَ القَوْمُ فَطَمِعُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ فأخَذَ كأنَّهُ يَتَهَيَّأْ لِلْقِيامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رأى ذالِكَ قامَ، فَلَمَّا قامَ مَنْ قامَ مِنَ القَوْمِ وَقَعَدَ بَقِيَّةُ القَوْمِ، وإَنَّ النبيَّ ﷺ جاءَ لِيَدْخُلَ فإِذَا القَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إنَّهُمْ قامُوا فانْطَلَقُوا فأخْبَرْتُ النبيَّ ﷺ فَجاءَ حَتَّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أدْخُلُ فألْقاى الحِجابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٣) . الْآيَة.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس أخرجه عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل الْمَشْهُور بعارم بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء، ومعتمر يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَأَبُو مجلز بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح اللَّام وبالزاي اسْمه لَاحق بن حميد.
قَوْله: (فَأخذ) أَي: جعل وَشرع كَأَنَّهُ يُرِيد الْقيام.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله: فِيهِ مِنَ الفِقْهِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذنَهُمْ حِينَ قامَ وَخَرَجَوفيهِ أنهُ تَهَيَّأ لِلْقِيامِ وَهْوَ يُرِيدُ أنْ يَقُومُوا
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (فِيهِ) أَي: فِي حَدِيث أنس الْمَذْكُور. قَوْله: (وَفِيه) ، أَي: فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أَيْضا وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للمستملي وَحده، وَلم يذكرهُ غَيره، وَلَا دَاعِي إِلَى ذكره لِأَنَّهُ وضع لذَلِك تَرْجَمَة ستأتي بعد إثنين وَعشْرين بَابا.
١٣ - (حَدثنَا إِسْحَاق أخبرنَا يَعْقُوب حَدثنَا أبي عَن صَالح عَن ابْن شهَاب قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة ﵂ زوج النَّبِي ﷺ َ - قَالَت كَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول لرَسُول الله ﷺ َ - احجب نِسَاءَك قَالَت فَلم يفعل وَكَانَ أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ - يخْرجن لَيْلًا إِلَى ليل قبل المناصع فَخرجت سَوْدَة بنت زَمعَة وَكَانَت امْرَأَة طَوِيلَة فرآها عمر بن الْخطاب وَهُوَ فِي الْمجْلس فَقَالَ عرفتك يَا سَوْدَة حرصا على أَن ينزل الْحجاب قَالَت فَأنْزل الله آيَة الْحجاب) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَق قَالَ الْكرْمَانِي إِمَّا ابْن إِبْرَاهِيم وَإِمَّا ابْن مَنْصُور وَجزم أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج أَنه ابْن
стр. 6751
رَاهَوَيْه وَهُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَيَعْقُوب هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف كَانَ إِبْرَاهِيم على قَضَاء بَغْدَاد يروي عَن أبي صَالح بن كيسَان عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ والْحَدِيث قد مضى فِي الْوضُوء فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى البرَاز قَوْله " قبل المناصع " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي جِهَة المناصع وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ وَفِيه فَضِيلَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَيْثُ نزل الْقُرْآن على وفْق رَأْيه -
١١ - (بابُ الإسْتِئْذَانُ منْ أجْلِ البَصَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الاسْتِئْذَان لأجل الْبَصَر، لِأَن المستأذن لَو دخل بِغَيْر إِذن لرَأى بعض مَا يكره من يدْخل إِلَيْهِ أَن يطلع عَلَيْهِ.
٦٢٤١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَمَا أنَّكَ هاهُنا عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قَالَ: اطَّلَعَ رجلٌ مِنْ جْحْرٍ فِي حُجَرِ النبيِّ ﷺ ، وَمَعَ النبيِّ ﷺ ، مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رأسَهُ، فَقَالَ: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْتَظِرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَان مِنْ أجْلِ البَصَرِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٩٢٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث مضى فِي اللبَاس فِي: بَاب الامتشاط وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (حفظته) أَي: الحَدِيث الْمَذْكُور (كَمَا أَنَّك هَاهُنَا) أَي: حفظا ظَاهرا كالمحسوس بِلَا شكّ وَلَا شُبْهَة فِيهِ. قَوْله: (من جُحر) بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالراء وَهِي الثقب. قَوْله: (فِي حجر النَّبِي ﷺ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم جمع حجرَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: فِي حجرَة النَّبِي ﷺ ، بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (مدرى) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالراء مَقْصُور منون، لِأَن وَزنه مفعل لَا فعلى، قَالَ ابْن فَارس: مدرت الْمَرْأَة شعرهَا إِذا سرحته وَهِي حَدِيدَة يسرح بهَا الشّعْر. قَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ شَيْء كالمسلة تكون مَعَ الماشطة تصلح بهَا قُرُون النِّسَاء. قَوْله: (يحك بِهِ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بهَا. قَوْله: (تنْتَظر) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين على وزن تفتعل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (تنظر) . قَوْله: (إِنَّمَا جعل) ، أَي: إِنَّمَا شرع الاسْتِئْذَان فِي الدُّخُول لأجل أَن لَا يَقع الْبَصَر على عَورَة أهل الْبَيْت، وَلِئَلَّا يطلع على أَحْوَالهم.
٦٢٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النبيِّ ﷺ ، فقامَ إلَيْهِ النبيُّ ﷺ ، بِمِشْقَصٍ أوْ بِمشَاقِصَ فكأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعَنَهُ. (
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ أَبُو معَاذ الْبَصْرِيّ، يروي عَن جده أنس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن عبيد.
قَوْله: (بمشقص) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْقَاف وبصاد مُهْملَة: وَهُوَ نصل السهْم إِذا كَانَ طَويلا غير عريض. قَوْله: (أَو بمشاقص) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (يخْتل) ، بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: فطعنه وَهُوَ غافل، وَالْحَاصِل أَنه يَأْتِيهِ من حَيْثُ لَا يشْعر حَتَّى يطعنه، وَهَذَا مَخْصُوص بِمن تعمد النّظر، وَإِذا وَقع ذَلِك مِنْهُ من غير قصد فَلَا حرج عَلَيْهِ، ويستدل بِهِ من لَا يرى الْقصاص على من فَقَأَ عين مثل هَذَا النَّاظر، ويجعلها هدرا. وَقيل: الحَدِيث يدل على هدر الْمَفْعُول بِهِ، وَجَوَاز رميه بِشَيْء خَفِيف، وَقيل: هَذَا على وَجه التهديد والتغليظ، وَقيل: هَل يجوز الرَّمْي قبل الْإِنْذَار؟ فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا: نعم.
١٢ - (بابُ زِنا الجَوَارِحِ دُونَ الفَرْجِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان زنا الْجَوَارِح دون الْفرج، وَهِي جمع جارحة، وجوارح الْإِنْسَان أعضاؤه الَّتِي يكْتَسب بهَا، وَأَشَارَ
стр. 6752
بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الزِّنَا لَا يخْتَص إِطْلَاقه بالفرج بل يُطلق على مَا دون الْفرج، فزنا الْعين النّظر وزنا اللِّسَان الْمنطق، على مَا يَأْتِي بَيَانه فِي حَدِيث الْبَاب.
٦٢٤٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ عَنِ ابنِ طاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمْ أرَ شَيْئاً أشْبَهَ باللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ.
(ح) حدّثني مَحْمُودٌ أخبرَنا عَبْدُ الرَّزَّقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابنِ طاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رأيْتُ شَيْئاً أشْبَهَ باللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ : إنَّ الله كَتَبَ على ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا أدْرَكَ ذالِكَ لَا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النّظَرِ، وزنا اللِّسانِ المَنْطقُ والنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذالِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٤٣ طرفه فِي: ٦٦١٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فزنا الْعين النّظر)
إِلَى آخِره. وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول فِي رِجَاله: الْحميدِي هُوَ عبد الله ابْن الزبير بن عِيسَى الْمَنْسُوب إِلَى أحد أجداده، وَحميد مصغر حمد وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله، وطاووس هُوَ ابْن كيسَان الْهَمدَانِي، ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، وَعبد الرَّزَّاق هُوَ ابْن همام، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد.
الثَّانِي: أَنه اقْتصر أَولا على قَول أبي هُرَيْرَة بقول ابْن عَبَّاس من طَرِيق سُفْيَان مَوْقُوفا، ثمَّ عطف عَلَيْهِ رِوَايَة معمر عَن ابْن طَاوُوس فساقه مَرْفُوعا بِتَمَامِهِ.
الثَّالِث فِي مَعْنَاهُ: فَقَوله: (اللمم) مَا يلم بِهِ الشَّخْص من شهوات النَّفس، وَقيل: هُوَ المقارب من الذُّنُوب، وَقيل: هُوَ صغائر الذُّنُوب. قَوْله: (كتب) أَي: قدر. قَوْله: (حَظه) أَي: نصِيبه مِمَّا قدر عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا محَالة) بِفَتْح الْمِيم أَي: لَا حِيلَة لَهُ فِي التَّخَلُّص من إِدْرَاك مَا كتب عَلَيْهِ، وَلَا بُد من ذَلِك. قَوْله: (الْمنطق) بِالْمِيم ويروى: النُّطْق، بِلَا مِيم. قَوْله: (تمنى) أَصله: تتمنى، فحذفت مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نَارا تلظى﴾ أَي: تتلظى. قَوْله: (والفرج يصدق ذَلِك) الْمَذْكُور من زنا الْعين وزنا اللِّسَان، والتصديق بِالْفِعْلِ والتكذيب بِالتّرْكِ. وَقيل: التَّصْدِيق والتكذيب من صِفَات الْإِخْبَار فَمَا مَعْنَاهُمَا هَاهُنَا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لما كَانَ التَّصْدِيق هُوَ الحكم بمطابقة الْخَبَر للْوَاقِع، والتكذيب الحكم بعدمها، فَكَأَنَّهُ هُوَ الْموقع أَو الدّفع فَهُوَ تَشْبِيه، أَو لما كَانَ الْإِيقَاع مستلزماً للْحكم بهَا عَادَة فَهُوَ كِنَايَة.
الرَّابِع: فِيمَا يتَعَلَّق بِالْمَقْصُودِ مِنْهُ. فَقَوله: (زنا الْعين) يَعْنِي: فِيمَا زَاد على النظرة الأولى الَّتِي لَا يملكهَا، فَالْمُرَاد النظرة على سَبِيل اللَّذَّة والشهوة، وَكَذَلِكَ زنا الْمنطق فِيمَا يلتذ بِهِ من محادثة مَا لَا يحل لَهُ ذَلِك مِنْهُ، (وَالنَّفس تمنى ذَلِك وتشتهيه) فَهَذَا كُله يُسمى زنا لِأَنَّهُ من دواعي الزِّنَا الْفرج، وَقَالَ الْمُهلب: كل مَا كتبه الله على ابْن آدم فَهُوَ سَابق فِي علم الله لَا بُد أَن يُدْرِكهُ الْمَكْتُوب، وَأَن الْإِنْسَان لَا يملك دفع ذَلِك عَن نَفسه، غير أَن الله تَعَالَى تفضل على عباده وَجعل ذَلِك لمماً وصغائر لَا يُطَالب بهَا عباده إِذا لم يكن لِلْفَرجِ تَصْدِيق لَهَا، فَإِذا صدق الْفرج كَانَ ذَلِك من الْكَبَائِر، واحتيج أَشهب بقوله: (والفرج يصدق ذَلِك ويكذبه) أَنه إِذا قَالَ: زنى يدك أَو رجلك لَا يحد، وَخَالفهُ ابْن الْقَاسِم وَفِي التَّوْضِيح: وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا قَالَ زنت يدك يحد، وَاعْترض عَلَيْهِ بعض من عاصرناه من الشَّافِعِيَّة، وَالأَصَح أَن هَذَا كِنَايَة، فَفِي الرَّوْضَة إِذا قَالَ زنت يدك أَو عَيْنك أَو رجلك أَو يداك أَو عَيْنَاك فكناية على الْمَذْهَب وَبِه قطع الْجُمْهُور يَعْنِي من الشَّافِعِيَّة.
١٣ - (بابُ التَّسْلِيمِ والاسْتِئْذَانِ ثَلاثاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن التَّسْلِيم والاستئذان يَنْبَغِي أَن يكون ثَلَاث مَرَّات سَوَاء كَانَا مقترنين أَو مفترقين. وَقَالَ الْمُهلب: وَذَلِكَ للْمُبَالَغَة فِي الإفهام والإسماع، وَقد أورد الله تَعَالَى ذَلِك فِي الْقُرْآن، فكرر الْقَصَص، وَالْأَخْبَار والأوامر ليفهم عباده أَن يتدبر السَّامع فِي الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة مَا لم يتدبر فِي الأولى، وليرسخ ذَلِك فِي قُلُوبهم، وَالْحِفْظ إِنَّمَا هُوَ بتكرير الدراسة للشَّيْء الْمرة بعد الْمرة، وتكراره ﷺ ، الْكَلِمَة يحْتَمل أَن يكون تَأْكِيدًا، أَو أَن يكون علم أَو شكّ هَل فهم عَنهُ؟ فكرر الثَّانِيَة فَزَاد الثَّالِثَة لاستحبابه الْوتر.
стр. 6753
٦٢٤٤ - حدَّثنا إسْحاقُ أخبرنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ المُثَنَّى حَدثنَا ثُمامَةُ بنُ عَبْدِ الله عَنْ أنَسٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذَا سَلَّمَ ثَلاثاً، وإذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أعادَها ثَلاثاً.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، وَعبد الصَّمد هُوَ ابْن عبد الْوَارِث، وَعبد الله بن الْمثنى ضد الْمُفْرد ابْن عبد الله بن أنس، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن عبد الله بن أنس قَاضِي الْبَصْرَة يروي عَن جده أنس بن مَالك.
والْحَدِيث مضى فِي الْعلم فِي: بَاب من أعَاد الحَدِيث ثَلَاثًا ليفهم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ قبل الحَدِيث، وَقَالَ ابْن بطال: وَهَذِه الصِّيغَة تَقْتَضِي الْعُمُوم وَلَكِن المُرَاد الْخُصُوص وَهُوَ غَالب أَحْوَاله وَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر لِأَن مُجَرّد الصِّيغَة لَا يَقْتَضِي المداومة وَلَا التّكْرَار. قلت: فعل الْمُضَارع فِيهِ يشْعر بالتكرار، فَإِن قلت: إِذا سلم ثَلَاثًا فَظن أَنه لم يسمع هَل لَهُ أَن يزِيد حَتَّى يتَحَقَّق؟ قلت: ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا يزِيد على الثَّلَاث وَاتِّبَاع ظَاهر الحَدِيث أولى، وَعَن مَالك ﵁ أَنه يزِيد حَتَّى يتَحَقَّق.
٦٢٤٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ حدّثنا يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجالِسِ الأَنْصارِ إِذْ جاءَ أبُو مُوسَى كأنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ: اسْتَأُذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلاثاً يُؤْذَنْ لي، فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأذَنْتُ ثَلاثاً فَلَمْ يُؤْذَنْ لي فَرَجَعْتُ. وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا استَأْذَنَ أحَدُكُمْ ثَلاثاً فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ. فَقَالَ: وَالله لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، أمِنْكُمْ أحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النبيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ: وَالله لَا يَقُومِ مَعَكَ إِلَّا أصْغَرُ القَوْمِ، فَكُنْتُ أصْغَرَ القَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ فأخْبَرْتُ عُمَرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ ذالِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٠٦٢ وطرفه) .
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن خصيفَة مصغر الخصفة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء كُوفِي وَبسر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن سعيد الْمدنِي، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان أَيْضا عَن عَمْرو النَّاقِد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن عَبدة عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (إِذْ كلمة مفاجأة) وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. قَوْله: (كَأَنَّهُ مذعور) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، يُقَال: ذعرته أَي: أفزعته، وَفِي رِوَايَة عمر والناقد: فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزعًا ومذعوراً وَزَاد قُلْنَا: مَا شَأْنك؟ فَقَالَ: إِن عمر أرسل إِلَيّ أَن آتيه فَأتيت بَابه. قَوْله: (فَقَالَ: مَا مَنعك) أَي: فَقَالَ عمر لأبي مُوسَى مَا مَنعك من الدُّخُول؟ وَفِي الحَدِيث اخْتِصَار أَي: فَلم يُؤذن لَهُ فَعَاد إِلَى منزله وَكَانَ عمر مَشْغُولًا، فَلَمَّا فرغ قَالَ: لم أسمع صَوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا لَهُ. قيل: قد رَجَعَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنعك؟ قلت: اسْتَأْذَنت ثَلَاثًا، أَي: ثَلَاث مَرَّات، فَلم يُؤذن لي فَرَجَعت، وَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ رَسُول الله ﷺ ... . الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: عمر (وَالله لتقيمن عَلَيْهِ) أَي: على مَا رويته بَيِّنَة وَفِي رِوَايَة مُسلم: وإلَاّ أوجعتك. وَفِي رِوَايَة بكير بن الْأَشَج: فوَاللَّه لَا وجعن ظهرك وبطنك أَو لتَأْتِيني بِمن يشْهد لَك على هَذَا، وَفِي رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر لتَأْتِيني على ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي رِوَايَة أبي نَضرة: وإلَاّ جعلتك عظة. قَوْله: (أمنكم أحد) . الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، سَمعه أَي: سمع مَا قَالَه أَبُو مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر، قَالَ: فَانْطَلق إِلَى مجْلِس الْأَنْصَار فَسَأَلَهُمْ، وَفِي رِوَايَة أبي نَضرة فَقَالَ: ألم تعلمُوا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: الاسْتِئْذَان ثَلَاث؟ قَالَ: فَجعلُوا يَضْحَكُونَ. فَقلت: أَتَاكُم أخوكم وَقد أفزع فتضحكون؟ قَوْله: (فَقَالَ أبي بن كَعْب) وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ إلَاّ: فَقَالَ أبي: وَالله لَا يقوم مَعَك إلَاّ أَصْغَر الْقَوْم، وَفِي رِوَايَة بكير بن الْأَشَج: فوَاللَّه لَا يقوم مَعَك إلَاّ أحدثنا سنا، قُم يَا أَبَا سعيد، فَقُمْت مَعَه فَأخْبرت عمر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ ذَلِك. وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَقُمْت مَعَه فَذَهَبت إِلَى عمر فَشَهِدت، وَفِي رِوَايَة لمُسلم، قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى! مَا تَقول؟ أقد وجدت؟ أَي: الْبَيِّنَة.
стр. 6754
قَالَ: نعم ﴿أبي بن كَعْب، قَالَ: عدل. قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْل، وَفِي لفظ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذر، مَا يَقُول هَذَا؟ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك، يَا ابْن الْخطاب لَا تكن عذَابا على أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: أَنا سَمِعت شَيْئا فَأَحْبَبْت أَن أتثبت، وَمِمَّنْ وَافق أَبَا مُوسَى على رِوَايَة الحَدِيث الْمَرْفُوع جُنْدُب بن عبد الله أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَنهُ بِلَفْظ: إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن فَليرْجع.
وَقَالَ ابنُ المبارَكِ: أَخْبرنِي ابنُ عُيَيْنَةَ حدّثني يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرٍ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ بِهاذا.
أَي: قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: أَخْبرنِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الأول، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَماع بسر لَهُ من أبي سعيد، وَقد وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق الْحسن بن سُفْيَان: حَدثنَا حبَان بن مُوسَى حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك، فَذكره.
١٤ - (بابُ إِذا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجاءَ هَلْ يَسْتَأْذِنُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا دعى الرجل بِأَن دَعَاهُ شخص إِلَى بَيته فجَاء: هَل يسْتَأْذن؟ وَلم يبين الْجَواب اكْتِفَاء بِمَا أوردهُ فِي الْبَاب.
قَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبي رافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: هُوَ إذْنُهُ
سعيد هَذَا هُوَ ابْن عرُوبَة، ويروى: قَالَ شُعْبَة بن الْحجَّاج: وَأَبُو رَافع نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء الصَّائِغ الْبَصْرِيّ، يُقَال: إِنَّه أدْرك الْجَاهِلِيَّة كَانَ بِالْمَدِينَةِ ثمَّ تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ عَن أبي إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل بن يحيى عَن الْمُعْتَمِر عَن ابْن عُيَيْنَة عَن سعيد، ثمَّ قَالَ: وَفِي لفظ: إِذا دعِي أحدكُم فجَاء مَعَ الرَّسُول فَذَاك إِذن لَهُ. قَوْله: هُوَ إِذْنه أَي: الدُّعَاء نفس الْإِذْن فَلَا حَاجَة إِلَى تجديده.
٦٢٤٦ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا عُمَرُ بنُ ذَرّ وَحدثنَا مُحَمَّدُ بنُ مقاتِلٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا عُمَرُ بنُ ذَرّ أخبرنَا مُجاهِدٌ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ ، فَوَجَدَ لَبَناً فِي قَدَحٍ فَقَالَ: أَبَا هِرّ﴾ إلْحَقْ أهْلَ الصُّفَّةِ فادْعُهُمْ إلَيَّ. قَالَ: فأتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فأقْبَلُوا فاسْتَأْذَنُوا فأُذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٧٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تتأتى إلَاّ إِذا قُلْنَا: إِن فِي التَّرْجَمَة تَفْصِيلًا وَهُوَ أَن قَوْله: فجَاء هَل يسْتَأْذن؟ يَعْنِي: هَل جَاءَ مَعَ الرَّسُول الدَّاعِي أَو جَاءَ وَحده بعد إِعْلَام الرَّسُول إِيَّاه بِالدُّعَاءِ، فَفِي مَجِيئه مَعَ الرَّسُول لَا يحْتَاج إِلَى الاسْتِئْذَان.
والْحَدِيث الْمُعَلق مَحْمُول عَلَيْهِ، فَلذَلِك قَالَ: هُوَ إِذْنه. وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: هم جاؤوا وحدهم، فاحتاجوا إِلَى الاسْتِئْذَان فَاسْتَأْذنُوا فَأذن لَهُم، وَالدَّلِيل على هَذَا قَوْله: (فاقبلوا) وَلم يقل: فأقبلنا، إِذْ لَو كَانَ أَبُو هُرَيْرَة جَاءَ مَعَهم لَكَانَ قَالَ: فأقبلنا، وَبِهَذَا أَيْضا انْدفع التَّعَارُض بَين الْحَدِيثين فِي صُورَة الظَّاهِر. فَتكون الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث الأول وَبَين التَّرْجَمَة فِي المجيى مَعَ الرَّسُول، وَبَين الحَدِيث الثَّانِي وَبَين التَّرْجَمَة فِي عدم مَجِيء الرَّسُول مَعَهم، فَيكون التَّقْدِير فِي قَوْله: هَل يسْتَأْذن؟ نعم لَا يسْتَأْذن فِي الْمَجِيء مَعَ الرَّسُول، ويستأذن فِي الْمَجِيء وَحده بِدُونِ الرَّسُول.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن أبي نعيم بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن وَعمر بن ذَر بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء الْهَمدَانِي عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة. وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي عَن عبد الله ابْن الْمُبَارك الْمروزِي عَن عمر بن ذَر عَن مُجَاهِد. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي نعيم وَحده مطولا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن هناد بن السّري: وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن أَحْمد بن يحيى.
قَوْله: (أَبَا هر) يَعْنِي: يَا أَبَا هر. قَوْله: (الْحق) أَمر من اللحوق. قَوْله: (أهل الصّفة) وَهِي سَقِيفَة كَانَت فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ينزل فِيهَا فُقَرَاء الصَّحَابَة، وَاللَّام
стр. 6755
فِي الصّفة للْعهد. وَفِي (التَّوْضِيح) : اخْتلف فِي اسْتِئْذَان الرجل على أَهله وجاريته، فَقَالَ القَاضِي (فِي المعونة) : لَا، لِأَن أَكثر مَا فِي ذَلِك أَن يصادفهما مكشوفتين.
١٥ - (بابُ التَّسْلِيمِ عَلى الصِّبْيانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة التَّسْلِيم على الصّبيان وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لفظ: بَاب.
٢٠ - (حَدثنَا عَليّ بن الْجَعْد أخبرنَا شُعْبَة عَن سيار عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁ أَنه مر على صبيان فَسلم عَلَيْهِم وَقَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يَفْعَله) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي بن الْجَعْد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن عبيد أَبُو الْحسن الْجَوْهَرِي الْبَغْدَادِيّ وسيار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء ابْن وردان بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء أَبُو العنز الوَاسِطِيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ثَابت إِلَّا هَذَا الحَدِيث وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة وبالباء الْمُوَحدَة الْبنانِيّ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون نِسْبَة إِلَى بنانة امْرَأَة وَهِي امْرَأَة سعد بن لؤَي فأولادها نسبوا إِلَيْهَا والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن يحيى بن يحيى وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي الْخطاب وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عمر بن عَليّ قَوْله يَفْعَله أَي يسلم على الصّبيان وَسَلَامه ﷺ َ - على الصّبيان من خلقه الْعَظِيم وأدبه الشريف وَفِيه تدريب لَهُم على تَعْلِيم السّنَن ورياضة لَهُم على آدَاب الشَّرِيعَة ليبلغوا متأدبين بآدابها وَقيل لَا يسلم على صبي وضيء إِذا خشِي الافتتان من السَّلَام عَلَيْهِ وَلَو سلم الصَّبِي على الْبَالِغ وَجب عَلَيْهِ الرَّد فِي الصَّحِيح -
١٦ - (بابُ تَسْلِيمِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ والنِّساءِ عَلى الرِّجالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تَسْلِيم الرِّجَال ... إِلَى آخِره. وَلَكِن بِشَرْط أَمن الْفِتْنَة، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى رد مَا أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن يحيى بن أبي كثير: بَلغنِي أَنه يكره أَن يسلم الرِّجَال على النِّسَاء، وَالنِّسَاء على الرِّجَال، وَهُوَ مَقْطُوع أَو معضل.
٦٢٤٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدّثنا ابنُ أبي حازِمٍ عَنْ أبِيه عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كانَتْ لَنا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى بُضاعةَ قَالَ ابنُ مَسْلَمَةَ: نَخْلٍ بِالمَدِينَةِ فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ وَتُكَرْكرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فإذَا صَلَّيْنا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنا ونُسَلِّمُ عَلَيْها فَتُقَدِّمُهُ إلَيْنا فَنَفْرَحُ مِن أجْلِهِ، وَمَا كُنّا نَقيلُ وَلَا نَتَغَذَّى إلاّ بَعْدَ الجُمُعَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ونسلم عَلَيْهَا) . وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز، وَاسم أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل هُوَ ابْن سعد الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجُمُعَة عَن القعْنبِي، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (بضَاعَة) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسرهَا وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ بديار بني سَاعِدَة من الْأَنْصَار. قَوْله: (قَالَ ابْن مسلمة) وَهُوَ عبد الله بن مسلمة شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (نخل) أَي: بُسْتَان فسره ابْن مسلمة هَكَذَا، وَهِي مجرورة إِمَّا عطف بَيَان لقَوْله: بضَاعَة، أَو بدل مِنْهَا. قَوْله: (وتكركر) أَي: تطحن، وَأَصله من الْكر ضوعف لكرار عود الرَّحَى ورجوعها فِي الطَّحْن مرّة بعد أُخْرَى، وَقد يكون الكركرة بِمَعْنى الصَّوْت، والكركرة أَيْضا شدَّة الصَّوْت للضحك حَتَّى يفحش، وَهِي فَوق القرقرة.
٢٢ - (حَدثنَا ابْن مقَاتل أخبرنَا عبد الله أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يَا عَائِشَة هَذَا جِبْرِيل
стр. 6756
يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام قَالَت قلت وَعَلِيهِ السَّلَام وَرَحْمَة الله ترى مَا لَا نرى تُرِيدُ رَسُول الله ﷺ َ -) قَالَ الدَّاودِيّ لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين حَدِيث عَائِشَة هَذَا لِأَن الْمَلَائِكَة لَا يُقَال لَهُم رجال وَلَا نسَاء وَلَكِن الله خَاطب فيهم بالتذكير قلت قد قيل أَن جِبْرِيل كَانَ يَأْتِي النَّبِي ﷺ َ - فِي صُورَة الرجل فَبِهَذَا الِاعْتِبَار تتأتى الْمُطَابقَة وَأدنى الْمُطَابقَة كَاف فِي بَاب التراحم وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي الْأَدَب وَفِي الرقَاق عَن أبي الْيَمَان وَفِي فضل عَائِشَة عَن يحيى بن بكير وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام ويروى يُقْرِئك السَّلَام يُقَال أَقرَأ فلَانا السَّلَام واقرأ ﵇ كَأَنَّهُ حِين يبلغهُ سَلَامه يحملهُ على أَن يقْرَأ السَّلَام وَيَردهُ قَوْله ترى خطاب لرَسُول الله ﷺ َ - قيل الْملك جسم فَإِذا كَانَ فِي مَكَان لَا تخْتَص رُؤْيَته بِبَعْض الْحَاضِرين وَأجِيب بِأَن الرُّؤْيَة أَمر يَجْعَلهَا الله تَعَالَى فِي الشَّخْص فَهِيَ تَابِعَة لخلقه وَلِهَذَا عِنْد الأشعرية أَن يرى أعمى الصين بقة أندلس وَلَا يَرَاهَا من هُوَ عِنْدهَا وَقَالَ ابْن بطال السَّلَام على النِّسَاء جَائِز إِلَّا على الشواب مِنْهُنَّ فَإِنَّهُ يخْشَى أَن يكون فِي مكالمتهن بذلك خَائِنَة الْأَعْين أَو نزغات الشَّيَاطِين هَذَا قَول قَتَادَة وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَطَائِفَة من الْعلمَاء وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَا يسلم الرجل على النِّسَاء إِذا لم يكن مِنْهُنَّ ذَوَات محارم وَقَالُوا لَا يسْقط عَن النِّسَاء الْأَذَان وَالْإِقَامَة والجهر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاة وَيسْقط عَنْهُن رد السَّلَام فَلَا يسلم عَلَيْهِنَّ قلت هَذَا لَيْسَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَإِن عِنْدهم لَا أَذَان وَلَا إِقَامَة على النِّسَاء
(تَابعه شُعَيْب: وَقَالَ يُونُس والنعمان عَن الزُّهْرِيّ وَبَرَكَاته) أَي تَابع معمرا شُعَيْب بن حَمْزَة فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ فِي قَول عَائِشَة ﵇ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَقَالَ يُونُس أَي ابْن يزِيد والنعمان بن رَاشد الخزرجي فِي روايتهما عَن الزُّهْرِيّ وَبَرَكَاته أما تَعْلِيق يُونُس فوصله البُخَارِيّ فِي بَاب فضل عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ أَبُو سَلمَة أَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يَا عَائِشَة هَذَا جِبْرِيل يُقْرِئك السَّلَام فَقَالَت وَعَلِيهِ السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ترى مَا لَا أرى تُرِيدُ رَسُول الله ﷺ َ - وَأما تَعْلِيق النُّعْمَان فوصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن إِسْحَق الشَّامي حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك فَذكره بِلَفْظ وَبَرَكَاته -
١٧ - (بابُ إذَا قَالَ مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رجل لمن دق بَابه. من ذَا؟ يَعْنِي: من ذَا الَّذِي يدق الْبَاب؟ فَقَالَ الداق: أَنا، وَلم يذكر حكمه اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب، وَسقط لفظ: بَاب، فِي رِوَايَة أبي ذَر.
٦٢٥٠ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشامُ بنُ عبدِ المَلِكِ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جابِراً ﵁ يَقُولُ: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كانَ على أبي، فَدَقَقْتُ البابَ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ: أَنا. فَقَالَ: أَنا أَنا، كأنَّهُ كَرِهَها. ابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن نمير وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن سُوَيْد بن نصر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن حميد بن مسعد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (فدققت) بقافين فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: فَدفعت، من الدّفع، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَضربت الْبَاب. قَوْله: (من ذَا) أَي: من ذَا الَّذِي يدق الْبَاب؟ فَقَالَ جَابر: أَنا. فَقَالَ ﷺ : أَنا أَنا، كَأَنَّهُ كرهه أَي: كره ذَلِك، ويروى: كَأَنَّهُ كرهها، أَي: هَذِه اللَّفْظَة، وَأَنا الثَّانِي تَأْكِيد للْأولِ، وَإِنَّمَا أكده لِأَنَّهُ ﷺ انفعل من ذَلِك، وَلِهَذَا قَالَ جَابر: كَأَنَّهُ كرهه، لِأَن قَوْله هَذَا لَا يكون جَوَابا عَمَّا سَأَلَ إِذْ
стр. 6757
الْجَواب الْمُفِيد: أَنا جَابر، وَإِلَّا فَلَا بَيَان فِيهِ إلَاّ إِذا كَانَ المستأذن يعرف بِصَوْتِهِ وَلَا يلتبس بِغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَخرج وَهُوَ يَقُول: أَنا أَنا، وَفِي أُخْرَى كَأَنَّهُ كره ذَلِك، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة: كره ذَلِك بِالْجَزْمِ وَبِهَذَا يرد قَول من يَقُول: إِن الحَدِيث لَا يدل على الْكَرَاهَة جزما، قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا كَانَ قبل نزُول آيَة الاسْتِئْذَان.
١٨ - (بابُ مَنْ رَدَّ فَقَالَ: عَلَيْكَ السّلَامُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من رد على الْمُسلم فَقَالَ: عَلَيْك السَّلَام، وَبَدَأَ بِالْخِطَابِ على الْمُسلم ثمَّ ذكر لفظ: السَّلَام، وَهَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة فِي سَلام جِبْرِيل عَلَيْهَا، وَهِي ردَّتْ بقولِهَا: ﵇، قدمت ذكر الْمُسلم عَلَيْهِ ثمَّ ذكرت السَّلَام وَفِيه أوجه أخر وَهِي: السَّلَام عَلَيْك، فِي الِابْتِدَاء وَفِي الرَّد. وَالسَّلَام عَلَيْكُم، وَعَلَيْك السَّلَام، بواو العاطفة، وَعَلَيْك بِغَيْر لفظ السَّلَام، وَعَلَيْك السَّلَام رَحْمَة الله، وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون يَعْنِي البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى رد من قَالَ غير: عَلَيْك السَّلَام. قلت: هَذَا تخمين فَلَا يعول عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وضع التَّرْجَمَة فِي القَوْل: بعليك السَّلَام، وَلم يحصره على هَذَا لِأَن الْمَذْكُور فِي رد الْمَلَائِكَة: السَّلَام عَلَيْك، وَالْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب: وَعَلَيْك السَّلَام، بواو الْعَطف على مَا يَجِيء عَن قريب، وَجَاء فِي الْقُرْآن تَقْدِيم السَّلَام على إسم الْمُسلم عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله: ﴿سَلام على الياسين﴾ (الصافات: ١٣٠) ﴾ (الصافات: ١٣٠) . ﴿سَلام على مُوسَى وَهَارُون﴾ ﴾ (الصافات: ١٢٠) وَقَالَ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇: ﴿رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾ (هود: ٧٣) وَفِي (التَّوْضِيح) وروى يحيى عَن بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا: السَّلَام إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى فافشوه بَيْنكُم فَإِن صَحَّ فالاختيار فِي التَّسْلِيم وَالْأَدب فِيهِ تَقْدِيم إسم الله تَعَالَى على إسم الْمَخْلُوق.
وقالَتْ عائِشَةُ: وعليْهِ السَّلَامُ ورحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ
هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث مَوْصُول قد مضى عَن قريب فِي: بَاب تَسْلِيم الرِّجَال على النِّسَاء.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : رَدَّ المَلَائِكَةُ عَلى آدَمَ: السّلَامُ عَلَيْكَ ورحْمَةُ الله
هَذَا التَّعَلُّق قد مضى مَوْصُولا فِي أول كتاب الاسْتِئْذَان فِي: بَاب بَدْء السَّلَام.
٦٢٥١ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنَا عبدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حَدثنَا عُبَيْدُ الله عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعيدٍ المقْبُريِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رجُلاً دَخَلَ المَسْجِدَ ورسولُ الله ﷺ جالِسٌ فِي ناحِيَةِ المَسْجِدِ، فَصَلّى ثُمَّ جاءَ فَسَلّمَ عليْهِ، فَقَالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ : وعَلَيْكَ السّلَامُ، إرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ جاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السلامُ فارْجِعْ فَصَلِّ، فإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ أوْ فِي الَّتِي بَعْدَها عَلِّمْني يَا رسولَ الله! فَقَالَ: إِذا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فأسْبِغ الوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِما تَيسَّرَ مَعَكَ من القُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئنَّ راكِعاً ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتوِيَ قائِماً ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جالِساً ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئنَّ جالِساً، ثُمَّ افْعَلْ ذالِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي تَقْدِيم إسم الْمُسلم عَلَيْهِ على لفظ السَّلَام. وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص الْعمريّ، وَسَعِيد بن أبي سعيد كيسَان الْمدنِي.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَقَالَ بعض الروَاة فِيهِ: عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، كَمَا يَجِيء الْآن. قلت: هَذِه رِوَايَة يحيى الْقطَّان وكلتا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَة لِأَن سعيداً يروي عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، ويروي عَن أبي هُرَيْرَة بِلَا ذكر الْأَب.
стр. 6758
وَقَالَ أبُو أُسامَةَ فِي الأخِيرِ: حَتَّى تَسْتَوِيَ قائِماً
أَبُو أُسَامَة هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة. قَوْله: فِي الْأَخير، أَي فِي اللَّفْظ الْأَخير، وَهُوَ: حَتَّى تطمئِن جَالِسا يَعْنِي: قَالَ مَكَانَهُ: حَتَّى تستوي قَائِما وَالْأولَى تناسب من قَالَ بجلسة الاسْتِرَاحَة بعد السُّجُود، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور.
٦٢٥٢ - حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ قَالَ: حدّثني يَحْياى عَنْ عُبَيْدِ الله حدّثني سَعِيدٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جالِساً.
ابْن بشار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة هُوَ مُحَمَّد بن بشار، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ الْعمريّ الْمَذْكُور آنِفا.
قَوْله: (سعيد عَن أَبِيه) يَعْنِي: كيسَان كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ هَاهُنَا وَسَاقه فِي كتاب الصَّلَاة بِتَمَامِهِ.
١٩ - (بابُ إِذا قَالَ: فُلانٌ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ ... الخ. قَوْله: يُقْرِئك، بِضَم الْيَاء من الإقراء وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام. وَهُوَ لفظ حَدِيث الْبَاب.
٦٢٥٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا كَريَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ عامِراً يَقُولُ: حَدثنِي أبُو سَلَمَة بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ ﵂ حدَّثَتُهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لَ هَا: إنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ ﴿قالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْكشميهني ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وزَكَرِيا هُوَ ابْن أبي زَائِدَة الْأَعْمَى الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَمضى شرح الحَدِيث عَن قريب.
٢٠ - (بابُ التَّسْلِيمِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أخلاطٌ مِنَ المُسْلَمِينَ والمُشْرِكِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السَّلَام على أهل مجْلِس فِيهِ أخلاط أَي: مختلطون من الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين.
٦٢٥٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ قَالَ: أَخْبرنِي أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ رَكِبَ حِماراً عَليهِ إكافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وأرْدَفَ وراءَهُ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبادَةَ فِي بَنِي الحارِثِ بنِ الخَزْرَجِ وذالِكَ قَبْلَ وَقْعَة بَدْرٍ حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبْدَة الأوْثانِ واليَهُودِ وفِيهِمْ عَبْدُ الله ابنُ أُبَيّ ابنُ سَلول، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ الله بنُ رَواحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدَّابَةِ خَمَّرَ عَبْدُ الله ابنُ أُبَيّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النبيُّ ﷺ ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعاهُمْ إِلَى الله وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيّ ابنُ سَلُولَ: أيُّها المَرْءُ﴾ لَا أحْسَنَ مِنْ هاذا، إنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَلَا تُؤْذنا فِي مَجالِسِنا وارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جاءَكَ مِنَّا فاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ ابنُ رَواحَةَ: اغْشَنا فِي مَجالِسِنا فإِنَّا نُحِبُّ ذالِكَ، فاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتَّى هَمُّوا أنْ يَتَواثَبُوا، فَلَمْ يَزَلِ النبيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ دابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلى سَعْدِ بنِ عُبادَةَ، فَقَالَ: أيْ سَعْدُ! ألَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أبُو حُبابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ الله بنَ أُبَيّ قَالَ كَذا وكَذا.
стр. 6759
قَالَ: اعْفُ عَنهُ يَا رسولَ الله واصْفَحْ، فَوالله لَقَدْ أعْطاكَ الله الَّذِي أعْطاكَ ولَقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هاذِهِ البَحْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بالعِصابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ الله ذالِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَ شَرِقَ بِذالِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفا عَنْهُ النبيُّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى مر فِي مجْلِس فِيهِ أخلاط من الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين عَبدة الْأَوْثَان وَالْيَهُود) وَفِي قَوْله: (فَسلم عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ .
وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى الْفراء، وَأَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَهِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْأَدَب فِي: بَاب كنية الْمُشرك، وَمضى فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان أَيْضا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (ابْن سلول) بِالرَّفْع لِأَن سلول إسم أم عبد الله، وَلَا يظنّ أَن سلول أَبُو أبيّ (والقطيفة) بِفَتْح الْقَاف: الدثار والمخمل نِسْبَة إِلَى فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة وَهِي قَرْيَة بِخَيْبَر، والعجاجة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الجيمين: الْغُبَار. قَوْله: (خمر) أَي: غطى. قَوْله: (لَا تغبروا) أَي: لَا تثيروا الْغُبَار. قَوْله: (لَا أحسن) أَي: لَيْسَ شَيْء أحسن مِنْهُ، والرحل بِالْحَاء الْمُهْملَة الْمنزل. وَمَوْضِع مَتَاع الشَّخْص. قَوْله: (واغشنا) من غشيه غشياناً أَي: جَاءَ. قَوْله: (وهموا) أَي: قصدُوا التحارب والتضارب، والبحرة الْبَلدة ويروى: الْبحيرَة بِالتَّصْغِيرِ والتتويج والتعصيب يحْتَمل أَن يكون حَقِيقَة وَأَن يكون كِنَايَة عَن جعله ملكا لِأَنَّهُمَا لازمان للملكية. قَوْله: (شَرق) ، بِكَسْر الرَّاء أَي: غص بِهِ يَعْنِي: بَقِي فِي حلقه لَا يصعد وَلَا ينزل.
٢١ - (بابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْباً وَلَمْ يَرُدَّ سَلامَهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ تَوْبَتُهُوإلى مَتَى تَتَبَيَّنُ تَوْبَةُ العَاصِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من لَا يسلم على من اقْتَرَف أَي: على من اكْتسب ذَنبا، هَذَا تَفْسِير الْأَكْثَرين. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الاقتراف التُّهْمَة، هَذَا حكم. وَقَوله: وَإِلَى مَتى تتبين تَوْبَة العَاصِي، حكم آخِره. ﴿فَالْحكم الأول﴾ فِيهِ خلاف فَعِنْدَ الْجُمْهُور: لَا يسلم على الْفَاسِق وَلَا على المبتدع، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَإِن اشطر إِلَى السَّلَام بِأَن خَافَ ترَتّب مفْسدَة فِي دين أَو دنيا إِن لم يسلم سلم، وَكَذَا قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ، وَزَاد: إِن السَّلَام إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى فَكَأَنَّهُ قَالَ: الله رَقِيب عَلَيْكُم. وَقَالَ ابْن وهب: يجوز ابْتِدَاء السَّلَام على كل أحد وَلَو كَانَ كَافِرًا، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿ (٢) وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ (الْبَقَرَة: ٨٣) . ورد عَلَيْهِ بِأَن الدَّلِيل أَعم من الْمُدعى. وَالْحكم الثَّانِي: هُوَ قَوْله: وَإِلَى مَتى تتبين تَوْبَة العَاصِي، أَي: إِلَى مَتى يظْهر صِحَة تَوْبَته. وَأَرَادَ أَن مُجَرّد التَّوْبَة لَا توجب الحكم بِصِحَّتِهَا، بل لَا بُد من مُضِيّ مُدَّة يعلم فِيهَا بالقرائن صِحَّتهَا من ندامته على الْفَائِت وإقباله على التَّدَارُك، وَنَحْوه. وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ فِي ذَلِك حد مَحْدُود، وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه لَا تتبين تَوْبَته من سَاعَته وَلَا يَوْمه حَتَّى يمر عَلَيْهِ مَا يدل على ذَلِك، وفيل: يستبرأ حَاله بِسنة، وَقيل: بِسِتَّة أشهر، وَقيل: بِخَمْسِينَ يَوْمًا كَمَا فِي قصَّة كَعْب، ورد هَذَا بِأَن النَّبِي ﷺ ، لم يحده بِخَمْسِينَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا أخر كَلَامهم إِلَى أَن أذن الله فِيهِ، وَهِي وَاقعَة حَال لَا عُمُوم فِيهَا، وَيخْتَلف حكم هَذَا باخْتلَاف الْجِنَايَة والجاني.
وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ عَمْر: لَا تُسَلِّمُوا عَلى شَرَبَةِ الخمْرِ
مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والشربة بِفتْحَتَيْنِ جمع شَارِب. وَقَالَ ابْن التِّين: لم يجمعه اللغويون كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالُوا: شَارِب وَشرب مثل صَاحب وَصَحب، قلت: عبد الله من الفصحاء وَأي لغَوِيّ يدانيه، وَقد جَاءَ هَذَا الْجمع نَحْو: فسقه فِي جمع فَاسق، وكذبة فِي جمع كَاذِب، وَهَذَا الْأَثر وَصله البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق حبَان بن أبي جبلة بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ بِلَفْظ: لَا تسلموا على شَارِب الْخمر. وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن عَليّ ﵁ نَحوه.
٦٢٥٥ - حدَّثنا ابنُ بُكَيْر حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ شِهابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ
стр. 6760
عبدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْب قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ وَنَهاى رسولُ الله ﷺ ، عَنْ كَلَامَنا، وآتِي رسولَ الله ﷺ ، فأسَلِّمُ عَلَيْهِ فأقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أمْ؟ لَا حَتَّى كَملَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةَ، وآذَنَ النبِيُّ ﷺ بِتَوْبَةِ الله عَلَيْنا حِينَ صَلَّى الفَجْرَ.
هَذَا حَدِيث طَوِيل فِي قصَّة تَوْبَة كَعْب بن مَالك سَاقهَا فِي غَزْوَة تَبُوك وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَذكر الْقدر الْمَذْكُور لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ هُنَا، وَفِيه مَا ترْجم بِهِ من ترك السَّلَام تأديباً وَترك الرَّد أَيْضا. فَإِن قلت: قد أَمر بإفشاء السَّلَام وَهُوَ عَام. قلت: قد خص بِهِ هَذَا الْعُمُوم عِنْد الْجُمْهُور.
وَابْن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ الْمدنِي يروي عَن أَبِيه عبد الله بن كَعْب، وَعبد الله يروي عَن أَبِيه كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ.
قَوْله: (وَآتِي) بِمد الْهمزَة فعل الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع من الْإِتْيَان وَبَين قَوْله: (وَنهى رَسُول الله ﷺ وَبَين قَوْله: (وَآتِي) جمل كَثِيرَة، فَإِذا رجعت إِلَى هَذِه فِي الْمَغَازِي وقفت عَلَيْهَا، وآذن، بِالْمدِّ أَي: أعلم.
٢٢ - (بابُ كَيْفَ يُرَدُّ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ السَّلَامُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة، وَفِيه إِشْعَار بِأَن رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة لَا يمْنَع، فَلذَلِك ترْجم بالكيفية. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ قوم: رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة فرض لعُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٤) وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة﴾ (النِّسَاء: ٨٦)
الْآيَة، وَثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: من سلم عَلَيْك فَرده وَلَو كَانَ مجوسياً، وَبِه قَالَ الشّعبِيّ وَقَتَادَة، وَمنع من ذَلِك مَالك وَالْجُمْهُور، وَقَالَ عَطاء: الْآيَة مَخْصُوصَة بِالْمُسْلِمين فَلَا يرد السَّلَام على الْكَافرين مُطلقًا.
٦٢٥٦ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رسولِ الله ﷺ فَقَالُوا: السامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُها فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ واللَّعْنَة، فَقَالَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : مَهْلاً يَا عائِشَةُ ﴿فإِنَّ الله يُحِبُّ الرّفْقَ فِي الأمْرِ كُلّه. فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله﴾ أوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قالُوا؟ قَالَ رسولُ الله ﷺ : فَقَدْ قُلْتُ. وعَلَيْكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ كَيْفيَّة رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْأَدَب فِي: بَاب لم يكن النَّبِي ﷺ فَاحِشا.
قَوْله: (السام) الْمَوْت وَقيل: الْمَوْت العاجل. قَوْله: (فَقلت: وَعَلَيْكُم السام واللعنة) وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة عَنْهَا، فَقَالَت: عَلَيْكُم ولعنكم الله وَغَضب عَلَيْكُم، وَقد تقدم فِي أَوَائِل الْأَدَب. وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق آخر: بل عَلَيْكُم السام والذام بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ لُغَة فِي الذَّم خلاف الْمَدْح.
٦٢٥٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ اليَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ. فَقُلْ: وَعَلَيْكَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٥٧ طرفه فِي: ٦٩٢٨) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ كَيْفيَّة رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة.
قَوْله: (فَقل: وَعَلَيْك) ، ذكر هُنَا بِالْوَاو وَفِي (الْمُوَطَّأ) بِلَا وَاو، وَقَالَ النَّوَوِيّ: بِالْوَاو على ظَاهره أَي: وَعَلَيْك الْمَوْت أَيْضا أَي: نَحن وَأَنْتُم فِيهِ سَوَاء كلنا نموت، وَكَذَا الْكَلَام فِي: (وَعَلَيْكُم) فِي الحَدِيث السَّابِق، وَقيل: الْوَاو فِيهِ للاستئناف لَا للْعَطْف، وَتَقْدِيره: عَلَيْكُم مَا تستحقونه من الذَّم، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: مَعْنَاهُ وَأَقُول: عَلَيْكُم مَا تُرِيدُونَ بِنَا أَو مَا تستحقونه. وَلَا يكون، وَعَلَيْكُم عطفا على: عَلَيْكُم فِي كَلَامهم، وإلَاّ لتضمن ذَلِك تَقْرِير دُعَائِهِمْ.
следующие страницы →