Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام قَالَت قلت وَعَلِيهِ السَّلَام وَرَحْمَة الله ترى مَا لَا نرى تُرِيدُ رَسُول الله ﷺ َ -) قَالَ الدَّاودِيّ لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين حَدِيث عَائِشَة هَذَا لِأَن الْمَلَائِكَة لَا يُقَال لَهُم رجال وَلَا نسَاء وَلَكِن الله خَاطب فيهم بالتذكير قلت قد قيل أَن جِبْرِيل كَانَ يَأْتِي النَّبِي ﷺ َ - فِي صُورَة الرجل فَبِهَذَا الِاعْتِبَار تتأتى الْمُطَابقَة وَأدنى الْمُطَابقَة كَاف فِي بَاب التراحم وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي الْأَدَب وَفِي الرقَاق عَن أبي الْيَمَان وَفِي فضل عَائِشَة عَن يحيى بن بكير وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام ويروى يُقْرِئك السَّلَام يُقَال أَقرَأ فلَانا السَّلَام واقرأ ﵇ كَأَنَّهُ حِين يبلغهُ سَلَامه يحملهُ على أَن يقْرَأ السَّلَام وَيَردهُ قَوْله ترى خطاب لرَسُول الله ﷺ َ - قيل الْملك جسم فَإِذا كَانَ فِي مَكَان لَا تخْتَص رُؤْيَته بِبَعْض الْحَاضِرين وَأجِيب بِأَن الرُّؤْيَة أَمر يَجْعَلهَا الله تَعَالَى فِي الشَّخْص فَهِيَ تَابِعَة لخلقه وَلِهَذَا عِنْد الأشعرية أَن يرى أعمى الصين بقة أندلس وَلَا يَرَاهَا من هُوَ عِنْدهَا وَقَالَ ابْن بطال السَّلَام على النِّسَاء جَائِز إِلَّا على الشواب مِنْهُنَّ فَإِنَّهُ يخْشَى أَن يكون فِي مكالمتهن بذلك خَائِنَة الْأَعْين أَو نزغات الشَّيَاطِين هَذَا قَول قَتَادَة وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَطَائِفَة من الْعلمَاء وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَا يسلم الرجل على النِّسَاء إِذا لم يكن مِنْهُنَّ ذَوَات محارم وَقَالُوا لَا يسْقط عَن النِّسَاء الْأَذَان وَالْإِقَامَة والجهر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاة وَيسْقط عَنْهُن رد السَّلَام فَلَا يسلم عَلَيْهِنَّ قلت هَذَا لَيْسَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَإِن عِنْدهم لَا أَذَان وَلَا إِقَامَة على النِّسَاء
(تَابعه شُعَيْب: وَقَالَ يُونُس والنعمان عَن الزُّهْرِيّ وَبَرَكَاته) أَي تَابع معمرا شُعَيْب بن حَمْزَة فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ فِي قَول عَائِشَة ﵇ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَقَالَ يُونُس أَي ابْن يزِيد والنعمان بن رَاشد الخزرجي فِي روايتهما عَن الزُّهْرِيّ وَبَرَكَاته أما تَعْلِيق يُونُس فوصله البُخَارِيّ فِي بَاب فضل عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ أَبُو سَلمَة أَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يَا عَائِشَة هَذَا جِبْرِيل يُقْرِئك السَّلَام فَقَالَت وَعَلِيهِ السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ترى مَا لَا أرى تُرِيدُ رَسُول الله ﷺ َ - وَأما تَعْلِيق النُّعْمَان فوصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن إِسْحَق الشَّامي حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك فَذكره بِلَفْظ وَبَرَكَاته -
١٧ - (بابُ إذَا قَالَ مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رجل لمن دق بَابه. من ذَا؟ يَعْنِي: من ذَا الَّذِي يدق الْبَاب؟ فَقَالَ الداق: أَنا، وَلم يذكر حكمه اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب، وَسقط لفظ: بَاب، فِي رِوَايَة أبي ذَر.
٦٢٥٠ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشامُ بنُ عبدِ المَلِكِ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جابِراً ﵁ يَقُولُ: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كانَ على أبي، فَدَقَقْتُ البابَ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ: أَنا. فَقَالَ: أَنا أَنا، كأنَّهُ كَرِهَها. ابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن نمير وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن سُوَيْد بن نصر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن حميد بن مسعد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (فدققت) بقافين فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: فَدفعت، من الدّفع، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَضربت الْبَاب. قَوْله: (من ذَا) أَي: من ذَا الَّذِي يدق الْبَاب؟ فَقَالَ جَابر: أَنا. فَقَالَ ﷺ : أَنا أَنا، كَأَنَّهُ كرهه أَي: كره ذَلِك، ويروى: كَأَنَّهُ كرهها، أَي: هَذِه اللَّفْظَة، وَأَنا الثَّانِي تَأْكِيد للْأولِ، وَإِنَّمَا أكده لِأَنَّهُ ﷺ انفعل من ذَلِك، وَلِهَذَا قَالَ جَابر: كَأَنَّهُ كرهه، لِأَن قَوْله هَذَا لَا يكون جَوَابا عَمَّا سَأَلَ إِذْ
стр. 6757
الْجَواب الْمُفِيد: أَنا جَابر، وَإِلَّا فَلَا بَيَان فِيهِ إلَاّ إِذا كَانَ المستأذن يعرف بِصَوْتِهِ وَلَا يلتبس بِغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَخرج وَهُوَ يَقُول: أَنا أَنا، وَفِي أُخْرَى كَأَنَّهُ كره ذَلِك، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة: كره ذَلِك بِالْجَزْمِ وَبِهَذَا يرد قَول من يَقُول: إِن الحَدِيث لَا يدل على الْكَرَاهَة جزما، قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا كَانَ قبل نزُول آيَة الاسْتِئْذَان.
١٨ - (بابُ مَنْ رَدَّ فَقَالَ: عَلَيْكَ السّلَامُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من رد على الْمُسلم فَقَالَ: عَلَيْك السَّلَام، وَبَدَأَ بِالْخِطَابِ على الْمُسلم ثمَّ ذكر لفظ: السَّلَام، وَهَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة فِي سَلام جِبْرِيل عَلَيْهَا، وَهِي ردَّتْ بقولِهَا: ﵇، قدمت ذكر الْمُسلم عَلَيْهِ ثمَّ ذكرت السَّلَام وَفِيه أوجه أخر وَهِي: السَّلَام عَلَيْك، فِي الِابْتِدَاء وَفِي الرَّد. وَالسَّلَام عَلَيْكُم، وَعَلَيْك السَّلَام، بواو العاطفة، وَعَلَيْك بِغَيْر لفظ السَّلَام، وَعَلَيْك السَّلَام رَحْمَة الله، وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون يَعْنِي البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى رد من قَالَ غير: عَلَيْك السَّلَام. قلت: هَذَا تخمين فَلَا يعول عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وضع التَّرْجَمَة فِي القَوْل: بعليك السَّلَام، وَلم يحصره على هَذَا لِأَن الْمَذْكُور فِي رد الْمَلَائِكَة: السَّلَام عَلَيْك، وَالْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب: وَعَلَيْك السَّلَام، بواو الْعَطف على مَا يَجِيء عَن قريب، وَجَاء فِي الْقُرْآن تَقْدِيم السَّلَام على إسم الْمُسلم عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله: ﴿سَلام على الياسين﴾ (الصافات: ١٣٠) ﴾ (الصافات: ١٣٠) . ﴿سَلام على مُوسَى وَهَارُون﴾ ﴾ (الصافات: ١٢٠) وَقَالَ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇: ﴿رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾ (هود: ٧٣) وَفِي (التَّوْضِيح) وروى يحيى عَن بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا: السَّلَام إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى فافشوه بَيْنكُم فَإِن صَحَّ فالاختيار فِي التَّسْلِيم وَالْأَدب فِيهِ تَقْدِيم إسم الله تَعَالَى على إسم الْمَخْلُوق.
وقالَتْ عائِشَةُ: وعليْهِ السَّلَامُ ورحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ
هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث مَوْصُول قد مضى عَن قريب فِي: بَاب تَسْلِيم الرِّجَال على النِّسَاء.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : رَدَّ المَلَائِكَةُ عَلى آدَمَ: السّلَامُ عَلَيْكَ ورحْمَةُ الله
هَذَا التَّعَلُّق قد مضى مَوْصُولا فِي أول كتاب الاسْتِئْذَان فِي: بَاب بَدْء السَّلَام.
٦٢٥١ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنَا عبدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حَدثنَا عُبَيْدُ الله عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعيدٍ المقْبُريِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رجُلاً دَخَلَ المَسْجِدَ ورسولُ الله ﷺ جالِسٌ فِي ناحِيَةِ المَسْجِدِ، فَصَلّى ثُمَّ جاءَ فَسَلّمَ عليْهِ، فَقَالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ : وعَلَيْكَ السّلَامُ، إرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ جاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السلامُ فارْجِعْ فَصَلِّ، فإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ أوْ فِي الَّتِي بَعْدَها عَلِّمْني يَا رسولَ الله! فَقَالَ: إِذا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فأسْبِغ الوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِما تَيسَّرَ مَعَكَ من القُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئنَّ راكِعاً ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتوِيَ قائِماً ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جالِساً ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئنَّ جالِساً، ثُمَّ افْعَلْ ذالِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي تَقْدِيم إسم الْمُسلم عَلَيْهِ على لفظ السَّلَام. وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص الْعمريّ، وَسَعِيد بن أبي سعيد كيسَان الْمدنِي.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَقَالَ بعض الروَاة فِيهِ: عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، كَمَا يَجِيء الْآن. قلت: هَذِه رِوَايَة يحيى الْقطَّان وكلتا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَة لِأَن سعيداً يروي عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، ويروي عَن أبي هُرَيْرَة بِلَا ذكر الْأَب.
стр. 6758
وَقَالَ أبُو أُسامَةَ فِي الأخِيرِ: حَتَّى تَسْتَوِيَ قائِماً
أَبُو أُسَامَة هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة. قَوْله: فِي الْأَخير، أَي فِي اللَّفْظ الْأَخير، وَهُوَ: حَتَّى تطمئِن جَالِسا يَعْنِي: قَالَ مَكَانَهُ: حَتَّى تستوي قَائِما وَالْأولَى تناسب من قَالَ بجلسة الاسْتِرَاحَة بعد السُّجُود، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور.
٦٢٥٢ - حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ قَالَ: حدّثني يَحْياى عَنْ عُبَيْدِ الله حدّثني سَعِيدٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جالِساً.
ابْن بشار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة هُوَ مُحَمَّد بن بشار، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ الْعمريّ الْمَذْكُور آنِفا.
قَوْله: (سعيد عَن أَبِيه) يَعْنِي: كيسَان كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ هَاهُنَا وَسَاقه فِي كتاب الصَّلَاة بِتَمَامِهِ.
١٩ - (بابُ إِذا قَالَ: فُلانٌ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ ... الخ. قَوْله: يُقْرِئك، بِضَم الْيَاء من الإقراء وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام. وَهُوَ لفظ حَدِيث الْبَاب.
٦٢٥٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا كَريَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ عامِراً يَقُولُ: حَدثنِي أبُو سَلَمَة بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ ﵂ حدَّثَتُهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لَ هَا: إنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ ﴿قالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْكشميهني ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وزَكَرِيا هُوَ ابْن أبي زَائِدَة الْأَعْمَى الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَمضى شرح الحَدِيث عَن قريب.
٢٠ - (بابُ التَّسْلِيمِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أخلاطٌ مِنَ المُسْلَمِينَ والمُشْرِكِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السَّلَام على أهل مجْلِس فِيهِ أخلاط أَي: مختلطون من الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين.
٦٢٥٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ قَالَ: أَخْبرنِي أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ رَكِبَ حِماراً عَليهِ إكافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وأرْدَفَ وراءَهُ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبادَةَ فِي بَنِي الحارِثِ بنِ الخَزْرَجِ وذالِكَ قَبْلَ وَقْعَة بَدْرٍ حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبْدَة الأوْثانِ واليَهُودِ وفِيهِمْ عَبْدُ الله ابنُ أُبَيّ ابنُ سَلول، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ الله بنُ رَواحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدَّابَةِ خَمَّرَ عَبْدُ الله ابنُ أُبَيّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النبيُّ ﷺ ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعاهُمْ إِلَى الله وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيّ ابنُ سَلُولَ: أيُّها المَرْءُ﴾ لَا أحْسَنَ مِنْ هاذا، إنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَلَا تُؤْذنا فِي مَجالِسِنا وارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جاءَكَ مِنَّا فاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ ابنُ رَواحَةَ: اغْشَنا فِي مَجالِسِنا فإِنَّا نُحِبُّ ذالِكَ، فاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتَّى هَمُّوا أنْ يَتَواثَبُوا، فَلَمْ يَزَلِ النبيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ دابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلى سَعْدِ بنِ عُبادَةَ، فَقَالَ: أيْ سَعْدُ! ألَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أبُو حُبابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ الله بنَ أُبَيّ قَالَ كَذا وكَذا.
стр. 6759
قَالَ: اعْفُ عَنهُ يَا رسولَ الله واصْفَحْ، فَوالله لَقَدْ أعْطاكَ الله الَّذِي أعْطاكَ ولَقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هاذِهِ البَحْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بالعِصابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ الله ذالِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَ شَرِقَ بِذالِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفا عَنْهُ النبيُّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى مر فِي مجْلِس فِيهِ أخلاط من الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين عَبدة الْأَوْثَان وَالْيَهُود) وَفِي قَوْله: (فَسلم عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ .
وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى الْفراء، وَأَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَهِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْأَدَب فِي: بَاب كنية الْمُشرك، وَمضى فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان أَيْضا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (ابْن سلول) بِالرَّفْع لِأَن سلول إسم أم عبد الله، وَلَا يظنّ أَن سلول أَبُو أبيّ (والقطيفة) بِفَتْح الْقَاف: الدثار والمخمل نِسْبَة إِلَى فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة وَهِي قَرْيَة بِخَيْبَر، والعجاجة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الجيمين: الْغُبَار. قَوْله: (خمر) أَي: غطى. قَوْله: (لَا تغبروا) أَي: لَا تثيروا الْغُبَار. قَوْله: (لَا أحسن) أَي: لَيْسَ شَيْء أحسن مِنْهُ، والرحل بِالْحَاء الْمُهْملَة الْمنزل. وَمَوْضِع مَتَاع الشَّخْص. قَوْله: (واغشنا) من غشيه غشياناً أَي: جَاءَ. قَوْله: (وهموا) أَي: قصدُوا التحارب والتضارب، والبحرة الْبَلدة ويروى: الْبحيرَة بِالتَّصْغِيرِ والتتويج والتعصيب يحْتَمل أَن يكون حَقِيقَة وَأَن يكون كِنَايَة عَن جعله ملكا لِأَنَّهُمَا لازمان للملكية. قَوْله: (شَرق) ، بِكَسْر الرَّاء أَي: غص بِهِ يَعْنِي: بَقِي فِي حلقه لَا يصعد وَلَا ينزل.
٢١ - (بابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْباً وَلَمْ يَرُدَّ سَلامَهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ تَوْبَتُهُوإلى مَتَى تَتَبَيَّنُ تَوْبَةُ العَاصِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من لَا يسلم على من اقْتَرَف أَي: على من اكْتسب ذَنبا، هَذَا تَفْسِير الْأَكْثَرين. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الاقتراف التُّهْمَة، هَذَا حكم. وَقَوله: وَإِلَى مَتى تتبين تَوْبَة العَاصِي، حكم آخِره. ﴿فَالْحكم الأول﴾ فِيهِ خلاف فَعِنْدَ الْجُمْهُور: لَا يسلم على الْفَاسِق وَلَا على المبتدع، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَإِن اشطر إِلَى السَّلَام بِأَن خَافَ ترَتّب مفْسدَة فِي دين أَو دنيا إِن لم يسلم سلم، وَكَذَا قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ، وَزَاد: إِن السَّلَام إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى فَكَأَنَّهُ قَالَ: الله رَقِيب عَلَيْكُم. وَقَالَ ابْن وهب: يجوز ابْتِدَاء السَّلَام على كل أحد وَلَو كَانَ كَافِرًا، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿ (٢) وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ (الْبَقَرَة: ٨٣) . ورد عَلَيْهِ بِأَن الدَّلِيل أَعم من الْمُدعى. وَالْحكم الثَّانِي: هُوَ قَوْله: وَإِلَى مَتى تتبين تَوْبَة العَاصِي، أَي: إِلَى مَتى يظْهر صِحَة تَوْبَته. وَأَرَادَ أَن مُجَرّد التَّوْبَة لَا توجب الحكم بِصِحَّتِهَا، بل لَا بُد من مُضِيّ مُدَّة يعلم فِيهَا بالقرائن صِحَّتهَا من ندامته على الْفَائِت وإقباله على التَّدَارُك، وَنَحْوه. وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ فِي ذَلِك حد مَحْدُود، وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه لَا تتبين تَوْبَته من سَاعَته وَلَا يَوْمه حَتَّى يمر عَلَيْهِ مَا يدل على ذَلِك، وفيل: يستبرأ حَاله بِسنة، وَقيل: بِسِتَّة أشهر، وَقيل: بِخَمْسِينَ يَوْمًا كَمَا فِي قصَّة كَعْب، ورد هَذَا بِأَن النَّبِي ﷺ ، لم يحده بِخَمْسِينَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا أخر كَلَامهم إِلَى أَن أذن الله فِيهِ، وَهِي وَاقعَة حَال لَا عُمُوم فِيهَا، وَيخْتَلف حكم هَذَا باخْتلَاف الْجِنَايَة والجاني.
وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ عَمْر: لَا تُسَلِّمُوا عَلى شَرَبَةِ الخمْرِ
مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والشربة بِفتْحَتَيْنِ جمع شَارِب. وَقَالَ ابْن التِّين: لم يجمعه اللغويون كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالُوا: شَارِب وَشرب مثل صَاحب وَصَحب، قلت: عبد الله من الفصحاء وَأي لغَوِيّ يدانيه، وَقد جَاءَ هَذَا الْجمع نَحْو: فسقه فِي جمع فَاسق، وكذبة فِي جمع كَاذِب، وَهَذَا الْأَثر وَصله البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق حبَان بن أبي جبلة بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ بِلَفْظ: لَا تسلموا على شَارِب الْخمر. وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن عَليّ ﵁ نَحوه.
٦٢٥٥ - حدَّثنا ابنُ بُكَيْر حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ شِهابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ
стр. 6760
عبدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْب قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ وَنَهاى رسولُ الله ﷺ ، عَنْ كَلَامَنا، وآتِي رسولَ الله ﷺ ، فأسَلِّمُ عَلَيْهِ فأقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أمْ؟ لَا حَتَّى كَملَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةَ، وآذَنَ النبِيُّ ﷺ بِتَوْبَةِ الله عَلَيْنا حِينَ صَلَّى الفَجْرَ.
هَذَا حَدِيث طَوِيل فِي قصَّة تَوْبَة كَعْب بن مَالك سَاقهَا فِي غَزْوَة تَبُوك وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَذكر الْقدر الْمَذْكُور لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ هُنَا، وَفِيه مَا ترْجم بِهِ من ترك السَّلَام تأديباً وَترك الرَّد أَيْضا. فَإِن قلت: قد أَمر بإفشاء السَّلَام وَهُوَ عَام. قلت: قد خص بِهِ هَذَا الْعُمُوم عِنْد الْجُمْهُور.
وَابْن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ الْمدنِي يروي عَن أَبِيه عبد الله بن كَعْب، وَعبد الله يروي عَن أَبِيه كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ.
قَوْله: (وَآتِي) بِمد الْهمزَة فعل الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع من الْإِتْيَان وَبَين قَوْله: (وَنهى رَسُول الله ﷺ وَبَين قَوْله: (وَآتِي) جمل كَثِيرَة، فَإِذا رجعت إِلَى هَذِه فِي الْمَغَازِي وقفت عَلَيْهَا، وآذن، بِالْمدِّ أَي: أعلم.
٢٢ - (بابُ كَيْفَ يُرَدُّ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ السَّلَامُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة، وَفِيه إِشْعَار بِأَن رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة لَا يمْنَع، فَلذَلِك ترْجم بالكيفية. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ قوم: رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة فرض لعُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٤) وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة﴾ (النِّسَاء: ٨٦)
الْآيَة، وَثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: من سلم عَلَيْك فَرده وَلَو كَانَ مجوسياً، وَبِه قَالَ الشّعبِيّ وَقَتَادَة، وَمنع من ذَلِك مَالك وَالْجُمْهُور، وَقَالَ عَطاء: الْآيَة مَخْصُوصَة بِالْمُسْلِمين فَلَا يرد السَّلَام على الْكَافرين مُطلقًا.
٦٢٥٦ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رسولِ الله ﷺ فَقَالُوا: السامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُها فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ واللَّعْنَة، فَقَالَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : مَهْلاً يَا عائِشَةُ ﴿فإِنَّ الله يُحِبُّ الرّفْقَ فِي الأمْرِ كُلّه. فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله﴾ أوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قالُوا؟ قَالَ رسولُ الله ﷺ : فَقَدْ قُلْتُ. وعَلَيْكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ كَيْفيَّة رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْأَدَب فِي: بَاب لم يكن النَّبِي ﷺ فَاحِشا.
قَوْله: (السام) الْمَوْت وَقيل: الْمَوْت العاجل. قَوْله: (فَقلت: وَعَلَيْكُم السام واللعنة) وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة عَنْهَا، فَقَالَت: عَلَيْكُم ولعنكم الله وَغَضب عَلَيْكُم، وَقد تقدم فِي أَوَائِل الْأَدَب. وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق آخر: بل عَلَيْكُم السام والذام بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ لُغَة فِي الذَّم خلاف الْمَدْح.
٦٢٥٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ اليَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ. فَقُلْ: وَعَلَيْكَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٥٧ طرفه فِي: ٦٩٢٨) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ كَيْفيَّة رد السَّلَام على أهل الذِّمَّة.
قَوْله: (فَقل: وَعَلَيْك) ، ذكر هُنَا بِالْوَاو وَفِي (الْمُوَطَّأ) بِلَا وَاو، وَقَالَ النَّوَوِيّ: بِالْوَاو على ظَاهره أَي: وَعَلَيْك الْمَوْت أَيْضا أَي: نَحن وَأَنْتُم فِيهِ سَوَاء كلنا نموت، وَكَذَا الْكَلَام فِي: (وَعَلَيْكُم) فِي الحَدِيث السَّابِق، وَقيل: الْوَاو فِيهِ للاستئناف لَا للْعَطْف، وَتَقْدِيره: عَلَيْكُم مَا تستحقونه من الذَّم، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: مَعْنَاهُ وَأَقُول: عَلَيْكُم مَا تُرِيدُونَ بِنَا أَو مَا تستحقونه. وَلَا يكون، وَعَلَيْكُم عطفا على: عَلَيْكُم فِي كَلَامهم، وإلَاّ لتضمن ذَلِك تَقْرِير دُعَائِهِمْ.
стр. 6761
٦٢٥٨ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا هُشَيْمٌ أخبرنَا عُبَيْدُ الله بنُ أبي بَكْرِ بنِ أنَسٍ حَدثنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتاب فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٥٨ طرفه فِي: ٦٩٢٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل الْمُطَابقَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث السَّابِق. وهشيم مصغر هشم ابْن بشير الوَاسِطِيّ، وَعبيد الله بِضَم الْعين ابْن أبي بكر بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ يروي عَن جده أنس بن مَالك.
والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَقيل: يَقُول: (وَعَلَيْكُم السَّلَام) بِكَسْر السِّين يَعْنِي الْحِجَارَة، ورده أَبُو عمر بِأَنَّهُ لم يشرع لنا سبُّ أهل الذِّمَّة، وروى أَبُو عمر عَن طَاوُوس قَالَ: يَقُول: (وعلاكم السَّلَام) بِالْألف أَي: ارْتَفع، ورده أَبُو عمر أَيْضا، وَذهب جمَاعَة من السّلف إِلَى أَنه يجوز أَن يُقَال فِي الرَّد عَلَيْهِم: عَلَيْكُم السَّلَام، كَمَا يرد على الْمُسلم، وَاحْتج بَعضهم بقوله : ﴿فاصفح عَنْهُم وَقل سَلام﴾ (الزخرف: ٨٩) وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَجها عَن بعض الشَّافِعِيَّة، لَكِن لَا يَقُول: (وَرَحْمَة الله) وَقيل: يجوز مُطلقًا، وَعَن ابْن عَبَّاس وعلقمة يجوز ذَلِك عِنْد الضَّرُورَة، وَعَن طَائِفَة من السّلف: لَا يرد السَّلَام أصلا، وَعَن بَعضهم: التَّفْرِقَة بَين أهل الذِّمَّة وَأهل الْحَرْب.
٢٣ - (بابُ مَنْ نَظَرَ فِي كِتاب مَنْ يُحْذَرُ عَلى المُسْلِمِينَ لِيَسْتَبِينَ أمْرُهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز من نظر فِي كتاب من يحذر على صِيغَة الْمَجْهُول من الحذر، وَفِي (الْمغرب) : الحذر الْخَوْف، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحذر التَّحَرُّز. قَوْله: (ليستبين) ، أَي: ليظْهر أمره. فَإِن قلت: خرّج أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس من نظر فِي كتاب أَخِيه بِغَيْر إِذْنه، فَكَأَنَّمَا ينظر فِي النَّار. قلت: يخص مِنْهُ مَا يتَعَيَّن طَرِيقا إِلَى دفع مفْسدَة هِيَ أكبر من مفْسدَة النّظر على أَن هَذَا حَدِيث ضَعِيف.
٦٢٥٩ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ بُهْلُولٍ حدّثنا ابنُ إدْرِيسَ قَالَ: حدّثني حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيّ عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رسولُ الله ﷺ ، والزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ وَأَبا مَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ وَكُلُّنا فارسٌ فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تأتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فإنَّ بِها امْرَأةً مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَها صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بنِ أبي بلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ، قَالَ: فأدْرَكْناها تَسِيرُ عَلى جَملِ لَها حَيْثُ قَالَ لَنا رسولُ الله ﷺ ، قَالَ: قُلْنا أيْنَ الكِتابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قالَتْ مَا مَعِي كتابٌ، فأنَخْنا بِها فابْتَغَيْنا فِي رحْلِها فَما وجَدْنا شَيْئاً، قَالَ صاحِبايَ: مَا نَرَى كِتاباً. قَالَ: قُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا كَذَبَ رسولُ الله ﷺ ، والَّذِي يُحْلَف بِهِ لَتُخْرِجَنَّ الكِتابَ أوْ لأُجَرّدَنَّكِ! قَالَ: فَلَمَّا رَأتِ الجِدَّ مِنِّي أهْوَتْ بِيَدِها إِلَى حُجْزَتِها وَهْيَ مُحْتَجِزَة بِكِساءِ فأخْرَجَتِ الكِتابَ، قَالَ: فانْطَلَقْنا بِهِ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ يَا حاطِبُ عَلى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا بِي إِلَّا أنْ أكُونَ مُؤْمِناً بِاللَّه ورسُولِهِ، وَمَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ، أرَدْتُ أنْ تَكُونَ لي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ الله بِها عَنْ أهْلي وَمَالِي ولَيْسَ مِنْ أصْحابِك هُناكَ إلَاّ وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ الله بِهِ عَنْ أهْلِهِ، ومالِهِ. قَالَ: صَدَقَ، فَلَا تَقولُوا لَهُ إلَاّ خَيْراً، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إنَّهُ قَدْ خانَ الله ورسولَهُ والمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فأضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا عُمَرُ؟ وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ الله قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتمْ فَقَدْ وجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ، قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي بعض طرقه فتح الْكتاب وَالنَّظَر فِيهِ من غير إِذن صَاحبه ليستبين أمره، وَهُوَ الَّذِي مضى فِي
стр. 6762
الْجِهَاد فِي: بَاب الجاسوس، فأتينا بِهِ أَي بِالْكتاب الَّذِي أرْسلهُ حَاطِب مَعَ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فَإِذا فِيهِ من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أنَاس من الْمُشْركين من أهل مَكَّة يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر رَسُول الله ﷺ .
وَمضى الحَدِيث أَيْضا فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة بدر فِي: بَاب فضل من شهد بَدْرًا. ويوسف بن بهْلُول بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء وَضم اللَّام التَّيْمِيّ الْكُوفِي مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَلم يرو عَنهُ من السِّتَّة إلَاّ البُخَارِيّ وَمَاله فِي الصَّحِيح إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَابْن إِدْرِيس هُوَ عبد الله بن إِدْرِيس بن يزِيد بالزاي الأودي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن، وَسعد بن عُبَيْدَة مصغر عَبدة ختن أبي عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب السّلمِيّ بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، وَالرِّجَال كلهم كوفيون وَأَبُو مرْثَد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالدال الْمُهْملَة اسْمه كناز بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد النُّون وبالزاي ابْن حُصَيْن الغنوي بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالنُّون وبالواو نِسْبَة إِلَى غَنِي بن بعصر، وَقد ذكر فِي الْجِهَاد الْمِقْدَاد مَكَان أبي مرْثَد فَلَا مُنَافَاة لاحْتِمَال الِاجْتِمَاع بَينهمَا إِذْ التَّخْصِيص بِالذكر لَا يَنْفِي الْغَيْر.
قَوْله: (خَاخ) بخاءين معجمتين إسم مَوضِع. قَوْله: (فَإِن بهَا امْرَأَة) اسْمهَا سارة بِالسِّين الْمُهْملَة وَالرَّاء. قَوْله: (فابتغينا) ، أَي: طلبنا فِي رَحلهَا أَي: فِي متاعها. قَوْله: (أهوت بِيَدِهَا) أَي: مدَّتهَا إِلَى حجزَتهَا بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْجِيم، وبالزاي وَهِي معقد الْإِزَار، وحجزه السَّرَاوِيل الَّتِي فِيهَا التكة. قَوْله: (إلَاّ أَن أكون) بِكَسْر همزَة إلَاّ وَفتحهَا، قَالَ الْكرْمَانِي: وَأكْثر الرِّوَايَات بِالْكَسْرِ للاستثناء. قَوْله: (وَمَا غيرت) ، أَي: الدّين يَعْنِي: لم أرتد عَن الْإِسْلَام. قَوْله: (يَد) أَي: منَّة ونعمة. قَوْله: (إعملوا) ، فِيهِ معنى الْمَغْفِرَة لَهُم فِي الْآخِرَة، وإلَاّ فَلَو توجه على أحد مِنْهُم حد أَو حق يَسْتَوْفِي مِنْهُ، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ هتك ستر المذنب وكشف الْمَرْأَة العاصية وَالنَّظَر فِي كتاب الْغَيْر إِذا كَانَ فِيهِ نميمة على الْمُسلمين، إِذْ حينئذٍ لَا حُرْمَة لكاتب وَلَا لصَاحبه.
٢٤ - (بابُ كَيْفَ يُكْتَبُ إِلَى أهْلِ الكِتابِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة الْكتاب إِلَى أهل الْكتاب.
٦٢٦٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَن أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أخبرهُ أنَّ أَبَا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ أخبرهُ أنَّ هِرْقلَ أرْسَلَ إلَيْهِ فِي نَفَر مِنْ قُرَيْشٍ وكانُوا تُجَّاراً بالشَّأْمِ فأتوْهُ فَذَكَرَ الحَدِيث، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتابِ رَسُول الله ﷺ ، فَقُرىءَ فإِذا فيهِ: بسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله ورَسولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلامُ عَلى مَنْ اتَّبَعَ الهُداى، أمَّا بَعْدُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد عبد الله)
إِلَى آخِره، فَإِن فِيهِ إعلاماً كَيفَ يكْتب إِلَى أهل الْكتاب.
وَمُحَمّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي يروي عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بِضَم الْعين ابْن عبد الله بن عتبَة بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق.
والْحَدِيث طرف من حَدِيث أبي سُفْيَان واسْمه صَخْر.
قَوْله: (تجارًا) بِضَم التَّاء وَتَشْديد الْجِيم جمع تَاجر وبكسر التَّاء وَتَخْفِيف الْجِيم، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي أول (الْجَامِع) .
٢٥ - (بابُ بِمَنْ يُبْدَا فِي الكِتابِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ بِمن يبْدَأ أَي: بِنَفس الْكَاتِب أَو الْمَكْتُوب إِلَيْهِ.
٦٢٦١ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حدّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ ، أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أخَذَ خَشَبَةَ فَنَقَرَها فأدْخلَ فِيها ألْفَ دِينارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صاحِبِهِ. وَقَالَ عُمَرُ بنُ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبِيهِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ
стр. 6763
النبيُّ ﷺ : نَجَرَ خَشَبَةَ فَجَعَلَ المَالَ فِي جَوْفِها وَكَتَبَ إلَيْهِ صَحِيفَةً: مِنْ فُلانٍ إِلَى فُلانٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فلَان إِلَى فلَان) فَإِن فِيهِ بَدْء الْكَاتِب بِنَفسِهِ ثمَّ ذكر الْمَكْتُوب إِلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْلِيق قد ذكرنَا من وَصله فِي الْكفَالَة فَإِنَّهُ مضى فِيهَا مطولا وَذكره هُنَا مُخْتَصرا، وَقَالَ الْمُهلب: السّنة أَن يبْدَأ الْكَاتِب بِنَفسِهِ وروى أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن سِيرِين عَن أبي الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ عَن الْعَلَاء أَنه كتب إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَبَدَأَ بِنَفسِهِ. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب: قَرَأت كتابا من الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ إِلَى مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ ، وَعَن معمر عَن أَيُّوب أَنه كَانَ رُبمَا يبْدَأ باسم الرجل قبله إِذا كتب إِلَيْهِ، وَسُئِلَ مَالك عَنهُ فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ.
قَوْله: (وَقَالَ عمر بن أبي سَلمَة) أَي: ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعمر هَذَا مدنِي صَدُوق فِيهِ ضعف وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمُعَلق، وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) وَقَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة حَدثنَا عمر فَذكر مثل اللَّفْظ الْمُعَلق هَاهُنَا. قَوْله: (عَن أبي هُرَيْرَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والأصيلي والنسفي وكريمة: سمع أَبَا هُرَيْرَة. قَوْله: (نجر) ، أَي: حفر ونحت، وَهُوَ بِالْجِيم وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: نقر، بِالْقَافِ.
٢٥ - (بابُ بِمَنْ يُبْدَا فِي الكِتابِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ بِمن يبْدَأ أَي: بِنَفس الْكَاتِب أَو الْمَكْتُوب إِلَيْهِ.
٦٢٦١ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حدّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ ، أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أخَذَ خَشَبَةَ فَنَقَرَها فأدْخلَ فِيها ألْفَ دِينارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صاحِبِهِ. وَقَالَ عُمَرُ بنُ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبِيهِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ النبيُّ ﷺ : نَجَرَ خَشَبَةَ فَجَعَلَ المَالَ فِي جَوْفِها وَكَتَبَ إلَيْهِ صَحِيفَةً: مِنْ فُلانٍ إِلَى فُلانٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فلَان إِلَى فلَان) فَإِن فِيهِ بَدْء الْكَاتِب بِنَفسِهِ ثمَّ ذكر الْمَكْتُوب إِلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْلِيق قد ذكرنَا من وَصله فِي الْكفَالَة فَإِنَّهُ مضى فِيهَا مطولا وَذكره هُنَا مُخْتَصرا، وَقَالَ الْمُهلب: السّنة أَن يبْدَأ الْكَاتِب بِنَفسِهِ وروى أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن سِيرِين عَن أبي الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ عَن الْعَلَاء أَنه كتب إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَبَدَأَ بِنَفسِهِ. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب: قَرَأت كتابا من الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ إِلَى مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ ، وَعَن معمر عَن أَيُّوب أَنه كَانَ رُبمَا يبْدَأ باسم الرجل قبله إِذا كتب إِلَيْهِ، وَسُئِلَ مَالك عَنهُ فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ.
قَوْله: (وَقَالَ عمر بن أبي سَلمَة) أَي: ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعمر هَذَا مدنِي صَدُوق فِيهِ ضعف وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمُعَلق، وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) وَقَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة حَدثنَا عمر فَذكر مثل اللَّفْظ الْمُعَلق هَاهُنَا. قَوْله: (عَن أبي هُرَيْرَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والأصيلي والنسفي وكريمة: سمع أَبَا هُرَيْرَة. قَوْله: (نجر) ، أَي: حفر ونحت، وَهُوَ بِالْجِيم وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: نقر، بِالْقَافِ.
٢٦ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ : قومُوا إِلَى سيدكم، وغرضه من هَذِه التَّرْجَمَة بَيَان حكم قيام الْقَاعِد للداخل، وَلَكِن لم يجْزم بالحكم لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ.
٦٢٦٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بنِ إبْراهِيمَ عَنْ أبي أُمامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ عَنْ أبي سَعِيدٍ أنَّ أهْلَ قُرَيْظَةَ نَزَلوا عَلى حُكْم سَعْد، فأرْسَلَ النبيُّ ﷺ إلَيْهِ فَجاءَ، فَقَالَ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أوْ قَالَ: خَيْرِكُمْ فَقَعَدَ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ: هاؤُلاءِ نَزَلُوا عَلى حُكْمِكَ. قَالَ: فإِنِّي أحْكُمُ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهُمْ وتُسْبَى ذَرارِيُّهُمْ. فَقَالَ: لَقَدْ حَكمْتَ بِما حَكَمَ بِهِ المَلَكُ.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله: أفْهَمَنِي بَعْضُ أصْحابي عَنْ أبِي الوَلِيدِ منْ قَوْلِ أبي سَعِيدٍ: إِلَى حُكْمِكَ.
التَّرْجَمَة من بعض الحَدِيث كَمَا ترى. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَسعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَبُو أُمَامَة بِضَم الْهمزَة اسْمه أسعد بن سهل بن حنيف بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون الْأنْصَارِيّ وَله إِدْرَاك، وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي فضل سعد بن معَاذ عَن مُحَمَّد بن عُرْوَة وَفِي الْمَغَازِي عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (قُرَيْظَة) ، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء إسم لقبيلة يهود كَانُوا فِي قلعة. قَوْله: (مُقَاتلَتهمْ) أَي: الطَّائِفَة الْمُقَاتلَة من الرِّجَال، والذراري، بتَخْفِيف الْيَاء وتشديدها جمع الذُّرِّيَّة أَي: النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (الْملك) بِكَسْر اللَّام: هُوَ الله تَعَالَى لِأَنَّهُ هُوَ الْملك الْحَقِيقِيّ على الْإِطْلَاق، وَهُوَ رِوَايَة الْأصيلِيّ، وروى بِفَتْح اللَّام أَي: بِحكم جِبْرِيل ﵇ الَّذِي جَاءَ بِهِ من عِنْد الله.
قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. أفهمني ... إِلَى آخِره، قَالَ الْكرْمَانِي أَي: قَالَ البُخَارِيّ: أَنا سَمِعت من أبي الْوَلِيد: على حكمك، وَبَعض الْأَصْحَاب نقلوا عَنهُ إِلَى حكمك، بِحرف الِانْتِهَاء بدل حرف الاستعلاء.
وَفِيه: أَمر السُّلْطَان وَالْحَاكِم بإكرام السَّيِّد من الْمُسلمين، وَجَوَاز إكرام أهل الْفضل فِي مجْلِس السُّلْطَان الْأَكْبَر، وَالْقِيَام فِيهِ لغيره من أَصْحَابه، وإلزام النَّاس كَافَّة للْقِيَام إِلَى سيدهم، وَقد منع من ذَلِك قوم وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي أُمَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، قَالَ: خرج النَّبِي ﷺ ، متوكئاً على عَصا، فقمنا لَهُ فَقَالَ: لَا تقوموا كَمَا تقوم الْأَعَاجِم. قَالَ الطَّبَرِيّ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف مُضْطَرب السَّنَد فِيهِ من لَا يعرف، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة، أخرجه الْحَاكِم: أَن أَبَاهُ دخل على مُعَاوِيَة فَأخْبرهُ أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: من أحب أَن يتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قيَاما وَجَبت لَهُ النَّار. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا فِيهِ نهي من
стр. 6764
يُقَام لَهُ عَن السرُور بذلك لَا من يقوم إِكْرَاما لَهُ. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِي حَدِيث الْبَاب جَوَاز إِطْلَاق السَّيِّد على الحبر الْفَاضِل، وَفِيه: أَن قيام المرؤوس للرئيس الْفَاضِل وَالْإِمَام الْعَادِل والمتعلم للْعَالم مُسْتَحبّ، وَإِنَّمَا يكره لمن كَانَ بِغَيْر هَذِه الصِّفَات، وَعَن أبي الْوَلِيد بن رشد: أَن الْقيام على أَرْبَعَة أوجه: الأول: مَحْظُور، وَهُوَ أَن يَقع لمن يُرِيد أَن يُقَام إِلَيْهِ تكبراً وتعاظماً على القائمين إِلَيْهِ. وَالثَّانِي: مَكْرُوه وَهُوَ أَن يَقع لمن لَا يتكبر وَلَا يتعاظم على القائمين، وَلَكِن يخْشَى أَن يدْخل نَفسه بِسَبَب ذَلِك مَا يحذر، وَلما فِيهِ من التَّشَبُّه بالجبابرة. وَالثَّالِث: جَائِز وَهُوَ أَن يَقع على سَبِيل الْبر وَالْإِكْرَام لمن لَا يُرِيد ذَلِك، ويؤمن مَعَه التَّشَبُّه بالجبابرة. وَالرَّابِع: مَنْدُوب وَهُوَ أَن يقوم لمن قدم من سفر فَرحا بقدومه ليسلم عَلَيْهِ أَو إِلَى من تَجَدَّدَتْ لَهُ نعْمَة فيهنيه بحصولها. أَو مُصِيبَة فيعزيه بِسَبَبِهَا. وَقَالَ التوربشتي فِي (شرح المصابيح) : معنى قَوْله: (قومُوا إِلَى سيدكم) أَي: إِلَى إعانته وإنزاله عَن دَابَّته، وَلَو كَانَ المُرَاد التَّعْظِيم لقَالَ: قومُوا لسيدكم، وَاعْترض عَلَيْهِ الطَّيِّبِيّ بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَونه لَيْسَ للتعظيم أَن لَا يكون للإكرام، وَمَا اعتل بِهِ من الْفرق بَين إِلَى وَاللَّام ضَعِيف، لِأَن إِلَى فِي هَذَا الْمقَام فخم من اللَّام، كَأَنَّهُ قيل: قومُوا وامشوا إِلَيْهِ تلقياً وإكراماً، وَهَذَا مَأْخُوذ من ترَتّب الحكم على الْوَصْف الْمُنَاسب الْمشعر بالعلية، فَإِن قَوْله: (سيدكم) عِلّة للْقِيَام، وَذَلِكَ لكَونه شريفاً على الْقدر، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْقيام على وَجه الْبر وَالْإِكْرَام جَائِز كقيام الْأَنْصَار لسعد، وَطَلْحَة لكعب، وَلَا يَنْبَغِي لمن يُقَام لَهُ أَن يعْتَقد اسْتِحْقَاقه لذَلِك، حَتَّى إِن ترك الْقيام لَهُ حنق عَلَيْهِ أَو عاتبه أَو شكاه.
٢٧ - (بابُ المُصافَحَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة المصافحة، وَهِي مفاعلة من إلصاق صفح الْكَفّ بالكف وإقبال الْوَجْه على الْوَجْه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المصافحة الْأَخْذ بِالْيَدِ، وَهُوَ مِمَّا يُولد الْمحبَّة.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: عَلَّمَني النبيُّ ﷺ التَّشَهُّدَ وكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ
مُنَاسبَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر وَحده، وَوَصله البُخَارِيّ فِي الْبَاب الَّذِي بعده.
وَقَالَ كَعْبُ بنُ مالِكٍ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ فإذَا بِرَسُولِ الله ﷺ ، فقامَ إلَيَّ طَلْحَةُ ابنُ عُبَيْدِ الله يُهَرْوِلُ حَتَّى صافَحَنِي وهَنّأني
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى صَافَحَنِي) وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من قصَّة كَعْب بن مَالك مَضَت مُطَوَّلَة فِي غَزْوَة تَبُوك فِي أَمر تَوْبَته. قَوْله: (فَإِذا) ، للمفاجأة. قَوْله: (فَقَامَ إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (يُهَرْوِل) جملَة وَقعت حَالا من الهرولة وَهُوَ ضرب من الْعَدو. قَوْله: (وَهَنأَنِي) بِقبُول التَّوْبَة ونزول الْآيَة، وَطَلْحَة بن عبيد الله أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ.
٦٢٦٤ - حدَّثنا يَحْياى بنُ سُلَيْمانَ قَالَ: حدّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبرنِي حَيْوَةُ، قَالَ: حدّثني أبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بنُ مَعْبَدِ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ الله بنَ هشامٍ قَالَ: كُنّا مَعَ النبيِّ ﷺ ، وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ ﵁ (انْظُر الحَدِيث ٣٦٩٤ وطرفه) .
стр. 6765
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ آخذ بيد عمر) فَإِنَّهُ هُوَ المصافحة، وَقد سقط هَذَا من رِوَايَة النَّسَفِيّ.
وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزيل مصر، يروي عَن عبد الله بن وهب عَن حَيْوَة بن شُرَيْح عَن زهرَة بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء ابْن معبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن عبد الله بن هِشَام بن عُثْمَان بن عَمْرو الْقرشِي التَّيْمِيّ، يعد فِي أهل الْحجاز، قَالَ أَبُو عمر: ذهبت بِهِ أمه زَيْنَب بنت حميد إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ صَغِير فَمسح بِرَأْسِهِ ودعا لَهُ وَلم يبايعه لصغره.
٢٨ - (بابُ الأخْذِ بالْيَدَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْأَخْذ باليدين، وَسَقَطت هَذِه التَّرْجَمَة وأثرها وحديثها من رِوَايَة النَّسَفِيّ. وَقَوله: الْأَخْذ باليدين، رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: الْأَخْذ بِالْيَدِ، بِالْإِفْرَادِ، وَمَا وَقع فِي بعض النّسخ: بِالْيَمِينِ، فَلَيْسَ بِصَحِيح.
وصافَحَ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ ابنَ المُبارَكِ بِيَدَيْهِ
ابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وحفاظ الْإِسْلَام، وتفقه على أبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ، وعده أَصْحَابنَا من جملَة أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَقَالَ ابْن سعد: مَاتَ بهيت منصرفاً من الْغَزْو سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَله ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَرْجَمَة عبد الله بن سَلمَة الْمرَادِي: حَدثنِي أَصْحَابنَا يحيى وَغَيره عَن أبي إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: رَأَيْت حَمَّاد بن زيد وجاءه ابْن الْمُبَارك بِمَكَّة فصافحه بكلتا يَدَيْهِ، وَيحيى الْمَذْكُور هُوَ أَبُو جَعْفَر البيكندي، وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَفعه: من تَمام التَّحِيَّة الْأَخْذ بِالْيَدِ، وَفِي سَنَده ضعف.
٦٢٦٥ - حدَّثنا أبُو نَعِيمٍ حَدثنَا سَيْفٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُجاهِداً يَقُولُ: حدّثني عَبْدُ الله بنُ سَخْبَرَةَ أبُو مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَّمَني رسولُ الله ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفّيْهِ التَّشهُّدَ كَما يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لله والصَّلَوَاتُ والطَّيِّباتُ، السّلَامُ عَلَيْكَ أيُّها النبيُّ ورَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ، السُّلَامُ عَلَيْنا وَعَلَى عباده الله الصّالِحِينَ، أشْهَد أنْ لَا إلهَ إلاّ الله، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورسولهُ، وَهْوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنا، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنا: السّلَامُ، يَعْني عَلَى النبيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكفى بَين كفيه) وَهُوَ الْأَخْذ باليدين. وَأَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وَسيف بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء ابْن أبي سُلَيْمَان، وَيُقَال: ابْن سُلَيْمَان المَخْزُومِي، مولى بني مَخْزُوم، وَقَالَ يحيى الْقطَّان: كَانَ حَيا سنة خمسين وَمِائَة وَكَانَ عندنَا ثِقَة مِمَّن يصدق ويحفظ، وَعبد الله بن سَخْبَرَة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء الْأَزْدِيّ الْكُوفِي.
وَحَدِيث التَّشَهُّد هَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع فِي: بَاب التَّشَهُّد فِي الْأَخِيرَة عَن أبي نعيم عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة ... إِلَى آخِره، وَفِي: بَاب مَا يتَخَيَّر من الدُّعَاء بعد التَّشَهُّد عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق، وَفِي: بَاب من سمى قوما أَو سلم فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عِيسَى عَن أبي عبد الصَّمد الْعمي عَن حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا.
قَوْله: (التَّشَهُّد) مَنْصُوب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله: (عَلمنِي) . قَوْله: (وَكفى بَين كفيه) جملَة حَالية مُعْتَرضَة. قَوْله: (بَين ظهرانينا) بنونين مفتوحتين بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة وَأَصله: ظهرينا، بالتثنية أَي ظَهْري الْمُتَقَدّم والمتأخر أَي: بَيْننَا، فزيد الْألف وَالنُّون
стр. 6766
للتَّأْكِيد، قَالَ الْجَوْهَرِي: النُّون مَفْتُوحَة لَا غير. قَوْله: (فَلَمَّا قبض)
إِلَى آخِره، هَكَذَا جَاءَ فِي هَذِه الرِّوَايَة دون الرِّوَايَات الْمُتَقَدّمَة، وظاهرها أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي، بكاف الْخطاب فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا مَاتَ تركُوا الْخطاب وذكروه بِلَفْظ الْغَيْبَة، فصاروا يَقُولُونَ: السَّلَام على النَّبِي. قَوْله: (يَعْنِي: على النَّبِي) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ البُخَارِيّ ﵁.
٢٩ - (بابُ المُعانَقَةِ وَقَوْلِ الرَّجُلِ: كَيْفَ أصْبَحْتَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي المعانقة، مفاعلة من عانق الرجل إِذا جعل يَدَيْهِ على عُنُقه وضمه إِلَى نَفسه، وتعانقا واعتنقا، والعناق أَيْضا المعانقة وَلم يثبت لفظ المعانقة وواو الْعَطف فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي. قَوْله: (وَقَول الرجل) ، بِالْجَرِّ عطف على المعانقة أَي: وَفِي قَول الرجل لآخر: كَيفَ أَصبَحت، وَنقل الْكرْمَانِي عَن صَاحب التراجم ترْجم البُخَارِيّ بالمعانقة وَلم يذكر فِيهَا شَيْئا وَإِنَّمَا ذكرهَا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا ذكر فِي الْأَسْوَاق فِي معانقة الرجل لصَاحبه عِنْد قدومه من السّفر وَعند لِقَائِه، وَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَخذ المعانقة من عَادَتهم عِنْد قَوْلهم: كَيفَ أَصبَحت وَاكْتفى: بكيف أَصبَحت، لاقتران المعانقة بِهِ عَادَة أَو أَنه ترْجم وَلم يتَّفق لَهُ حَدِيث يُوَافقهُ فِي الْمَعْنى وَلَا طَرِيق مُسْند آخر لحَدِيث معانقة الْحسن وَلم ير أَن يرويهِ بذلك السَّنَد لِأَنَّهُ لَيْسَ عَادَته إِعَادَة السَّنَد الْوَاحِد مرَارًا، وَقَالَ ابْن بطال: ترْجم بالمعانقة وَلم يذكر لَهَا شَيْئا فَبَقيَ الْبَاب فَارغًا حَتَّى مَاتَ وَتَحْته: بَاب قَول الرجل: كَيفَ أَصبَحت؟ فَلَمَّا وجدنَا نَاسخ الْكتاب الترجمتين متواليتين ظنهما وَاحِدَة إِذْ لم يجد بَينهمَا حَدِيثا، والأبواب الفارغة فِي هَذَا (الْجَامِع) كَثِيرَة، وَقد طول بَعضهم هُنَا كلَاما يمزق فكر النَّاظر بِحَيْثُ لَا يرجع بِشَيْء.
٦٢٦٦ - حدَّثنا إسْحاقُ أخبرنَا بِشرُ بنُ شُعَيْبٍ حدّثني أبي عَن الزُّهْرِي قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ كَعْبٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّ عَلِيًّا يعْني ابنَ أبي طالِبٍ خَرَجَ منْ عِنْدِ النبيِّ ﷺ . (ح) وحدّثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ حَدثنَا عَنْبَسَةُ حَدثنَا يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ كَعْبِ بنِ مالكٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أخبرهُ أنَّ عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ ﵁ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النبيِّ ﷺ فِي وَجَعَهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ! كَيْفَ أصْبَحَ رسولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: أصْبَحَ بِحَمْدِ الله بارئاً، فأخَذَ بِيَدِهِ العَبَّاسُ، فَقَالَ: أَلا تَراهُ؟ أنْتَ وَالله بَعْدَ الثلاثِ عَبْدُ العَصا، وَالله إنِّي لأُراى رسولَ الله ﷺ سَيُتَوَفَّى فِي وَجَعِهِ، وإنِّي لأعْرفُ فِي وُجُوهِ بَني عَبح ٦ المُطَّلِبِ المَوْتَ، فاذْهَبْ بِنا إِلَى رسولِ الله ﷺ ، فَنَسْألَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الأمْرُ؟ فإِنْ كَانَ فِينا عَلِمْنا ذالِكَ، وإنْ كَانَ فِي غَيْرِنا أمَرْناهُ فأوْصاى بِنا. قَالَ عَلِيٌّ: وَالله لَئِنْ سَألْناها رسولَ الله ﷺ فَيَمْنَعُنا لَا يُعْطِيناها النَّاسُ أبَداً، وإنِّي لَا أسْألُها رسولَ الله ﷺ أبَداً. (انْظُر الحَدِيث ٤٤٤٧) .
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَيفَ أصبح رَسُول الله ﷺ .
وَأخرجه من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن إِسْحَاق، قيل: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّه ابْن مَنْصُور، فَإِنَّهُ روى عَن بشر فِي: بَاب مرض النَّبِي ﷺ ، قلت: الأول هُوَ الْأَظْهر، وَبشر بن شُعَيْب يروي عَن أَبِيه شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ عَن عبد الله بن عَبَّاس عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ وَالطَّرِيق الْأُخَر: عَن أَحْمد بن صَالح أبي جَعْفَر الْمصْرِيّ عَن عَنْبَسَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين
стр. 6767
الْمُهْملَة ابْن خَالِد الْأَيْلِي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ ... الخ.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مرض النَّبِي ﷺ ، فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق عَن بشر بن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أَبِيه عَن الزُّهْرِيّ ... الخ نَحوه
قَوْله: (بارئاً) من قَوْلهم بَرِئت من الْمَرَض برءاً بِالْهَمْزَةِ. قَوْله: (أَلا ترَاهُ) قَالَ ابْن التِّين: الضَّمِير فِي: ترَاهُ، للنَّبِي ﷺ ، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ضمير الشَّأْن لِأَن الرُّؤْيَة هُنَا لَيست بِمَعْنى الرُّؤْيَة البصرية، قيل: قد وَقع فِي سَائِر الرِّوَايَات بِغَيْر ضمير. قَوْله: (سيتوفى) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (الْأَمر) أَي: أَمر الْخلَافَة. قَوْله: (أمرناه) ، قَالَ ابْن التِّين: هُوَ بِمد الْهمزَة أَي: شاورناه، قَالَ: وقرأناه بِالْقصرِ من الْأُمُور وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي طلبنا مِنْهُ الْوَصِيَّة وَفِيه: دلاله على أَن الْأَمر لَا يشْتَرط فِيهِ الْعُلُوّ وَلَا الاستعلاء. قَوْله: (لَا يعطيناها) ، أَي: الْإِمَارَة والخلافة وَكَذَلِكَ تَأْنِيث الضَّمِير فِي: (وَلَئِن سألناها) ، (وَلَا أسألها) .
٣٠ - (بابُ مَنْ أجابَ: بِلَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أجَاب لمن يسْأَله بقوله: لبيْك، وَمَعْنَاهُ أَنا مُقيم على طَاعَتك، من قَوْلهم: لب فلَان بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ إِجَابَة بعد إِجَابَة، وَهَذَا من المصادر الَّتِي حذف فعلهَا لكَونه وَقع مثنى، وَذَلِكَ يُوجب حذف فعله قِيَاسا لأَنهم لما ثنوه صَار كَأَنَّهُمْ ذَكرُوهُ مرَّتَيْنِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لبالباً. وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ مُضَافا، وَمعنى: لبيْك، الدَّوَام والملازمة فَكَأَنَّهُ إِذا قَالَ: لبيْك، قَالَ: أدوم على طَاعَتك وأقيمها مرّة بعد أُخْرَى أَي: شأني الْإِقَامَة والملازمة، وَأما: سعديك، فَمَعْنَاه فِي الْعِبَادَة: أَنا مُتبع أَمرك غير مُخَالف لَك فأسعدني على متابعتك إسعاداً، وَأما فِي إِجَابَة الْمَخْلُوق فَمَعْنَاه: أسعدك إسعاداً بعد إسعاد، أَي: مرّة بعد أُخْرَى.
٦٢٦٧ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا هَمامٌ عَنْ قَتادة عَنْ أنَسٍ عَنْ مُعاذٍ قَالَ: أَنا رَدِيفُ النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُعاذُ ﴿قلتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلاثاً: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلى العبادِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: حقُّ الله عَلى العِبادِ أنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقَالَ: يَا مُعاذُ﴾ قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبادِ عَلى الله إِذا فَعَلُوا ذالِكَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: حَقُّ العِبادِ عَلى الله إِذا فَعَلُوا ذالِكَ أنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ. ابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لبيْك وَسَعْديك) وَهَمَّام بِالتَّشْدِيدِ هُوَ ابْن يحيى الْبَصْرِيّ، ومعاذ هُوَ ابْن جبل ﵁.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب إرداف الرجل خلف الرجل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن هدبة بن خَالِد عَن همام عَن قَتَادَة عَن أنس عَن معَاذ بن جبل ﵁ إِلَى آخِره نَحوه، وَقَرِيب مِنْهُ مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب من خص بِالْعلمِ قوما بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أَن يعبدوه) إِشَارَة إِلَى العمليات. وَقَوله: (وَلَا يشركوا بِهِ) إِلَى الاعتقاديات لِأَن التَّوْحِيد أَصْلهَا. قَوْله: (لَا يعذبهم) أَي: هُوَ أَن لَا يعذبهم قيل: لَا يجب على الله تَعَالَى شَيْء. وَأجِيب بِأَن الْحق بِمَعْنى الثَّابِت أَو هُوَ وَاجِب بإيجابه على ذَاته أَو هُوَ كالواجب نَحْو زيد أَسد، وَقَالَ ابْن بطال: فَإِن اعْترض المرجئة بِهِ فجواب أهل السّنة لَهُم أَن هَذَا اللَّفْظ خرج على المزاوجة والمقابلة نَحْو ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة مثلهَا﴾ (الشورى: ٤٠) .
حدّثنا هُدْبَةُ حَدثنَا هَمَّامٌ حَدثنَا قَتادة عَنْ أنَسٍ عَنْ مُعاذٍ بِهاذا
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث معَاذ أخرجه عَن هدبة بن خَالِد عَن همام بن يحيى وَمضى هَذَا الطَّرِيق بِعَيْنِه فِي كتاب اللبَاس كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن.
٦٢٦٨ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبِي حَدثنَا الأعْمَشُ حَدثنَا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ حدّثنا وَالله
стр. 6768
أبُو ذَرّ بالرَّبْذَةِ، قَالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ النبيِّ ﷺ ، فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ عِشاءً اسْتَقْبَلَنا أُحُدٌ فَقَالَ: يابا ذَرّ ﴿مَا أُحِبُّ أنَّ أُحُداً لِي ذَهَباً تَأْتِي عَلَيَّ لَيْلَةٌ أوْ ثَلاثٌ عِنْدِي مِنْهُ دِينارٌ لَا أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ إلَاّ أنْ أقُولَ بِهِ فِي عِبادِ الله هاكَذا وهاكذا وهاكذا أَو أرانا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرّ﴾ قُلْتُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ يَا رسولَ الله. قَالَ: الأكْثَرُونَ هم الأقَلُّونَ إلَاّ مَنْ قَالَ هاكَذا وهاكَذا، ثُمَّ قَالَ لي: مَكانَكَ لَا تَبْرَحْ يَا أَبَا ذَرّ حَتَّى أرْجِعَ، فانْطَلَقَ حَتَّى غابَ عَنِّي، فَسَمِعْتُ صَوْتاً فَخَشِيتُ أنْ يَكُونَ عُرِضَ لِرَسولِ الله ﷺ ، فأرَدْتُ أنْ أذْهَبَ ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ رسولِ الله ﷺ : لَا تَبْرَحْ. فَمَكَثْتُ. قُلْتُ: يَا رسولَ الله ﴿سَمِعْتُ صَوْتاً خَشِيتُ أنْ يَكُونَ عُرِضَ لع، ثُمَّ ذكرْتُ قَوْلَكَ فَقُمْتُ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : ذاكَ جِبْرِيلُ أتانِي فأخْبَرَنِي أنهُ مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلْتُ: يَا رسولَ الله﴾ وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ.
قُلْتُ لِزَيْدٍ: إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّهُ أبُو الدَّرْداءِ، فَقَالَ: أشْهَدُ لَحَدَّثَنِيهِ أبُو ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ.
قَالَ الأعْمَشُ: وحَدثني أبُو صالِحٍ عَنْ أبي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ أبُو شِهابٍ عَن الأعْمَشِ: يَمْكُثُ عِنْدِي فَوْقَ ثَلاثٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب أبي سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْجُهَنِيّ الْكُوفِي من قضاعة، خرج إِلَى النَّبِي ﷺ فَقبض النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ فِي الطَّرِيق، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين، وَأَبُو ذَر اسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بالربذة، وَأَبُو الدَّرْدَاء اسْمه عُوَيْمِر بن زيد مَاتَ بِدِمَشْق سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَيْضا، شهد فتح مصر.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الاستقراض فِي: بَاب أَدَاء الدُّيُون فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي شهَاب عَن الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَن أبي ذَر ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (وَالله) ذكر الْقسم تَأْكِيدًا أَو مُبَالغَة دفعا لما قيل لَهُ: إِن الرَّاوِي أَبُو الدَّرْدَاء لَا أَبُو ذَر، يشْعر بِهِ آخر الحَدِيث. قَوْله: (فِي حرَّة الْمَدِينَة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء هِيَ الأَرْض ذَات الْحِجَارَة السود وَهِي أَرض بِظَاهِر الْمَدِينَة فِيهَا حِجَارَة سود كَثِيرَة. قَوْله: (استقبلنا) بِفَتْح اللَّام فعل ومفعول وَاحِد بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (يَا با ذَر) حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف. قَوْله: (ذَهَبا) مَنْصُوب على التَّمْيِيز. قَوْله: (لَا أرصدة) أَي: لَا أعده وَهُوَ صفة للدينار، ويروى: إلَاّ أرصدة، بِكَلِمَة الِاسْتِثْنَاء. قَوْله: (إلَاّ أَن أَقُول) اسْتثِْنَاء من أول الْكَلَام استثنار مفرغاً وَالْقَوْل فِي عباد الله الصّرْف فيهم والإنفاق عَلَيْهِم. قَوْله: (هَكَذَا، ثَلَاث مَرَّات) أَي: يَمِينا وَشمَالًا وقداماً. قَوْله: (الْأَكْثَرُونَ) أَي: من جِهَة المَال (هم الأقلون) ثَوابًا. قَوْله: (مَكَانك) بِالنّصب أَي: إلزم مَكَانك، قَوْله: (عرض) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: ظهر عَلَيْهِ أحد أَو أَصَابَهُ آفَة. قَوْله: (فَقُمْت) أَي: فوقفت، وَقيل: مَعْنَاهُ فأقمت فِي موضعي وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ (٢) وَإِذا أظلم عَلَيْهِم قَامُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠) [/ ح.
قَوْله: (قلت لزيد) الْقَائِل هُوَ الْأَعْمَش، وَزيد هُوَ ابْن وهب الْمَذْكُور. قَوْله: (لحدثنيه) إِنَّمَا دخلت اللَّام عَلَيْهِ لِأَن الشَّهَادَة فِي حكم الْقسم. قَوْله: (بالربذة) بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة مَوضِع على ثَلَاث مراحل من الْمَدِينَة قريب من ذَات عرق.
قَوْله: (أَبُو صَالح) هُوَ ذكْوَان السمان.
قَوْله: (أَبُو شهَاب) اسْمه عبد ربه الحناط بالمهملتين وَالنُّون الْمُشَدّدَة الْمَدَائِنِي.
٣١ - (بابُ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا يُقيم الرجلُ الرجلَ الأول فَاعل وَالثَّانِي مفعول هَذَا من لفظ الحَدِيث وَهُوَ خبر مَعْنَاهُ النَّهْي وَقيل: إِنَّه للتَّحْرِيم، وَقيل: للتنزيه، وَهُوَ من بَاب الْآدَاب ومحاسن الْأَخْلَاق، وَقد رَوَاهُ ابْن وهب فِي: (مُسْنده) بِلَفْظ النَّهْي: لَا يقم، وَرَوَاهُ ابْن الْحسن كَذَلِك، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: لَا يقيمن، بنُون التَّأْكِيد.
стр. 6769
٦٢٦٩ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عَنْ نافِع عَنِ ابْن عُمَرَ ﵄ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ. (انْظُر الحَدِيث ٩١١ وطرفه) .
التَّرْجَمَة هِيَ الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث فِي (الْمُوَطَّأ) من رِوَايَة ابْن وهب وَمُحَمّد بن الْحسن، وَقد مضى فِي الْجُمُعَة فِي: بَاب لَا يُقيم الرجل أَخَاهُ يَوْم الْجُمُعَة وَيقْعد فِي مَكَانَهُ، من حَدِيث ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر: نهى النَّبِي ﷺ أَن يُقيم الرجل أَخَاهُ من مَقْعَده وَيجْلس فِيهِ. قلت لنافع: الْجُمُعَة؟ قَالَ: الْجُمُعَة وَغَيرهَا.
٣٢ - (بابُ ﴿ (٨٥) إِذا قيل لكم تَفَسَّحُوا ... . انشزوا فانشزوا﴾ (المجادلة: ١١)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله : ﴿إِذا قيل لكم﴾ . الْآيَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر. ﴿إِذا قيل لكم تَفَسَّحُوا فِي الْمجْلس فافسحوا﴾ ... الْآيَة. وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: ﴿فانشزوا﴾ ... الْآيَة. وَاخْتلفُوا فِي معنى الْآيَة، فَقَالَ ابْن بطال: قَالَ بَعضهم: هُوَ مجْلِس النَّبِي ﷺ خَاصَّة، كَذَا قَالَه مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَقَالَ الطَّبَرِيّ عَن قَتَادَة: كَانُوا يتنافسون فِي مجْلِس النَّبِي ﷺ إِذا رَأَوْهُ مُقبلا ضيقوا مجلسهم فَأَمرهمْ الله تَعَالَى أَن يُوسع بَعضهم لبَعض، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل بن حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ: نزلت يَوْم جُمُعَة، أقبل جمَاعَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من أهل بدر فَلم يَجدوا مَكَانا، فَأَقَامَ النَّبِي ﷺ نَاسا مِمَّن تَأَخّر إسْلَامهمْ وأجلسهم فِي أماكنهم، فشق ذَلِك عَلَيْهِم وَتكلم المُنَافِقُونَ فِي ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قيل لكم تَفَسَّحُوا فِي الْمجْلس فأفسحوا﴾ وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: فِي الْغَزْو خَاصَّة، وَقَالَ يزِيد بن أبي حبيب: أَي أثبتوا فِي الْحَرْب، وَهَذَا من مكيدة الْحَرْب، وَقيل: هُوَ عَام. قَوْله: (يفسح الله لكم) أَي: توسعوا يُوسع الله عَلَيْكُم مَنَازِلكُمْ فِي الْجنَّة. قَوْله: ﴿فانشزوا﴾ أَي إِذا قيل لكم ارتفعوا فَارْتَفعُوا وَقومُوا إِلَى قتال عَدو أَو صَلَاة أَو عمل خير، وَقَالَ الْحسن: انهزوا إِلَى الْحَرْب، وَقَالَ قَتَادَة وَمُجاهد: تفَرقُوا عَن رَسُول الله ﷺ فَقومُوا، وَقَالَ ابْن زيد: انشزوا عَنهُ فِي بَيته، فَإِن لَهُ حوائج. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : نشز الْقَوْم عَن مجلسهم قَامُوا مِنْهُ.
٦٢٧٠ - حدَّثنا خَلاّدُ بنُ يَحْياى حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نافِع عَنِ ابنِ عُمَرَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ نَهاى أنْ يُقامُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ويجْلِسَ فِيهِ آخَرُ، ولاكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا.
وكانَ ابنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يُجْلِسَ مَكانَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٩١١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تَفَسَّحُوا) وخلاد بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام ابْن يحيى بن صَفْوَان السّلمِيّ الْكُوفِي، سكن مَكَّة وَمَات بهَا قَرِيبا من سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعبيد الله هُوَ الْعمريّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (وَيجْلس فِيهِ آخر) أَي: وَأَن يجلس فِيهِ شخص آخر. وَاخْتلف فِي تَأْوِيل نَهْيه عَن أَن يُقَام الرجل من مَجْلِسه وَيجْلس فِيهِ آخر، فتأوله قوم على النّدب، وَقَالُوا: هُوَ من بَاب الْأَدَب لِأَن الْمَكَان غير متملك لَهُ، وتأوله قوم على الْوُجُوب، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث معمر عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: إِذا قَامَ أحدكُم من مَجْلِسه ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَق بِهِ. وَقَالَ مُحَمَّد بن مُسلم: معنى قَوْله: فَهُوَ أَحَق بِهِ إِذا جلس فِي مجْلِس الْقَائِم فَهُوَ أولى بِهِ إِذا قَامَ لحَاجَة، فَأَما إِذا قَامَ تَارِكًا فَهُوَ لَيْسَ أولى بِهِ من غَيره، وَقيل: إِذا قَامَ ليرْجع كَانَ أَحَق، وَقيل: إِن رَجَعَ عَن قرب كَانَ أَحَق. قَوْله: (تَفَسَّحُوا) أَمر وَوجه كَونه استدراكاً من الْخَبَر بِتَقْدِير لفظ: قَالَ، بعد: لَكِن، أَو يُقَال: نهى أَن يُقيم، فِي تَقْدِير: لَا يقيمن، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام ابْن عمر، وَلَا يكون من تَتِمَّة الحَدِيث.
قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر) هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور، وَقد روى هَذَا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق أبي الخصيب بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَكسر الْمُهْملَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، واسْمه زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن عمر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَامَ لَهُ رجل عَن مَجْلِسه، فَذهب
стр. 6770
ليجلس فَنَهَاهُ رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: هَذَا فِي حق من جلس فِي مَوضِع من الْمَسْجِد أَو غَيره لصَلَاة مثلا ثمَّ فَارقه ليعود إِلَيْهِ كإرادة الْوضُوء مثلا والشغل يسير ثمَّ يعود، لَا يبطل حَقه فِي الِاخْتِصَاص بِهِ، وَله أَن يُقيم من خَلفه وَقعد فِيهِ، وعَلى الْقَاعِد أَن يطيعه. وَاخْتلف: هَل يجب عَلَيْهِ؟ على وَجْهَيْن: أصَحهمَا الْوُجُوب، وَقيل: يسْتَحبّ وَهُوَ مَذْهَب مَالك، قَالَ أَصْحَابنَا: وَإِنَّمَا يكون أَحَق بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاة دون غَيرهَا، قَالَ: وَلَا فرق بَين أَن يقوم مِنْهُ وَيتْرك لَهُ فِيهِ سجادة وَنَحْوهَا أم لَا، وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن اعْتَادَ بِموضع من الْمَسْجِد للتدريس وَالْفَتْوَى، وَكَذَا قَالُوا فِي مقاعد الباعة من الأفنية والطرق الَّتِي هِيَ غير متملكة، قَالُوا: من اعْتَادَ الْجُلُوس فِي شَيْء مِنْهَا فَهُوَ أَحَق بِهِ حَتَّى يتم غَرَضه، قَالَ: وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَن مَالك قطعا للتنازع، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه لَيْسَ بِوَاجِب.
٣٣ - (بابُ مَنْ قامَ مِنْ مَجْلِسِهِ أوْ بَيْتِهِ وَلَمْ يَسْتَأذِنْ أصْحابَهُ أَو تَهَيَّأ لِلْقِيامِ، لِيَقُومَ النّاسُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من قَامَ من مَجْلِسه وَكَانَ عِنْده نَاس أطالوا الْجُلُوس عِنْده، فاستحيى أَن يَقُول لَهُم: قومُوا، وَهُوَ معنى: لم يسْتَأْذن أَصْحَابه. قَوْله: (أَو تهَيَّأ) أَي: تجهز للْقِيَام حَتَّى يرى من عِنْده أَنه يُرِيد الْقيام ليقوموا مَعَه، وَهَذِه التَّرْجَمَة مسبوكة من معنى حَدِيث الْبَاب.
٦٢٧١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أبي يَذْكُرُ عَنْ أبي مِجْلَزٍ عَنْ أنسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قَالَ: لما تَزَوَّجَ رسُولُ الله ﷺ ، زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ دَعا الناسَ طَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ: فأخَذَ كأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رأى ذالِكَ قامَ، فلمَّا قامَ قامَ مَنْ قامَ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ وبَقِيَ ثَلَاثَةٌ، وإنَّ النبيَّ ﷺ ، جاءَ لِيَدْخُلَ فإذَا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إنَّهُمْ قامُوا فانْطَلَقُوا، قَالَ: فَجِئْتُ فأخْبَرْتُ النبيَّ ﷺ ، أنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا فَجاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ فأرْخَى الحِجابَ بَيْني وبَيْنَهُ، وأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿ (٣٣) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٣) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكُمْ كانَ عِنْدَ الله عَظِيماً﴾ .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَقد أوضحنا بعضه. وَالْحسن بن عمر بن شَقِيق الْبَصْرِيّ، ومعتمر بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْعين على وزن إسم الْفَاعِل من الاعتمار يرْوى عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن طرخان الْبَصْرِيّ، وَأَبُو مجلز بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح اللَّام وبالزاي اسْمه لَاحق بن حميد السدُوسِي الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب آيَة الْحجاب، فَإِنَّهُ أخرجه عَن أبي النُّعْمَان عَن مُعْتَمر عَن أَبِيه ... إِلَى آخِره. وَأخرجه قبله بأتم مِنْهُ عَن يحيى بن سُلَيْمَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَكَانَ ﷺ على خلق عَظِيم وَكَانَ أَشد النَّاس حَيَاء فِيمَا لم يُؤمر فِيهِ وَلم ينْه، فَإِذا أمره الله لم يستح من إِنْفَاذ أَمر الله والصدع بِهِ، وَكَانَ جلوسهم عِنْده بَعْدَمَا طعموا للْحَدِيث أَذَى لَهُ ولأهله، قَالَ تَعَالَى: ﴿ (٣٣) أَن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي فيستحي مِنْكُم﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٣) . الْآيَة، وَقد حرم الله أَذَى رَسُوله فَأنْزل الله تَعَالَى من أجل ذَلِك الْآيَة.
٣٤ - (بابُ الاحٍ بَاءِ باليَدِ، وهْوَ القُرْفُصاءُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الاحتباء بِالْيَدِ، وَلم يبين حكمه اكْتِفَاء بِمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب، والاحتباء مصدر احتبى يحتبي يُقَال: احتبى الرجل إِذا جمع ظَهره وساقيه بعمامة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَفسّر البُخَارِيّ الاحتباء بقوله: (وَهُوَ القرفصاء) وَأَخذه من كَلَام أبي عُبَيْدَة، فَإِنَّهُ قَالَ: القرفصاء جلْسَة المحتبي ويدير ذِرَاعَيْهِ وَيَديه على سَاقيه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَهِي القرفصاء بتأنيث الضَّمِير، والقرفصاء بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْفَاء وَضمّهَا وبالصاد الْمُهْملَة ممدوداً ومقصوراً، ضرب من الْقعُود،
стр. 6771
وَإِذا قلت: قعد فلَان القرفصاء، فكأنك قلت: قعد قعُودا مَخْصُوصًا، وَهُوَ أَن يجلس على إليتيه ويلصق فَخذه ببطنه ويحتبي بيدَيْهِ فيضعهما على سَاقيه، وَقيل: القرفصاء جلْسَة المستوفز، وَقيل: جلْسَة الرجل على إليتيه.
٦٢٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي غالِبٍ أخبرنَا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ الحِزَامِيُّ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْن عمَرَ ﵄ قَالَ: رأيْتُ رسولَ الله ﷺ بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ مُحْتَبِياً بِيَدِهِ هاكَذَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مُحْتَبِيًا بِيَدِهِ هَكَذَا) وَهُوَ من أَفْرَاده. وَمُحَمّد بن أبي غَالب بالغين الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام أَبُو عبد الله القوسي بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْوَاو وبالسين الْمُهْملَة، نزل بَغْدَاد، وَهُوَ من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ وَمَات قبله بست سِنِين وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر فِي كتاب التَّوْحِيد، وَله شيخ آخر يُقَال لَهُ: مُحَمَّد بن أبي غَالب الوَاسِطِيّ نزيل بَغْدَاد، قَالَ الكلاباذي: سمع من هشيم وَمَات قبل القوسي بست وَعشْرين سنة، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الله أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي نِسْبَة إِلَى حزَام أحد أجداده، وَمُحَمّد بن فليح يروي عَن أَبِيه فليح بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة ابْن سُلَيْمَان بن أبي الْمُغيرَة بن حنين الْمدنِي عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَهُوَ من أَفْرَاده.
قَوْله: (بِفنَاء الْكَعْبَة) بِكَسْر الْفَاء وَهُوَ مَا امْتَدَّ من جوانبها. قَوْله: (مُحْتَبِيًا) نصب على الْحَال من رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (مُحْتَبِيًا بِيَدِهِ هَكَذَا) كَذَا وَقع مُخْتَصرا، قيل: روى هَذَا الحَدِيث عَن أبي غزيَّة مُحَمَّد بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ القَاضِي عَن فليح نَحوه، وَزَاد: فَأرَاهُ فليح فَوضع يَمِينه على يسَاره مَوضِع الرسغ، فالاحتباء قد يكون بِالْيَدِ، وَقد يكون باليدين، فَظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ بِالْيَدِ، وَأما باليدين فقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سعيد أَن رَسُول الله ﷺ ، كَانَ إِذا جلس احتبى بيدَيْهِ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَزَاد: وَنصب رُكْبَتَيْهِ، وروى الْبَزَّار أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: جلس عِنْد الْكَعْبَة وَضم رجلَيْهِ فأقامهما واحتبى بيدَيْهِ.
٣٥ - (بابُ مَنِ اتَّكأ بَيْنَ يَدَيّ أصْحابِهِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من اتكأ، قيل: الاتكاء الِاضْطِجَاع، وَفِي حَدِيث عمر وَهُوَ متكىء على سَرِير أَي: النَّبِي ﷺ مُضْطَجع على سَرِير، بِدَلِيل قَوْله: قد أثر السرير فِي جنبه، وَقَالَ الْخطابِيّ: كل مُعْتَمد على شَيْء مُتَمَكن مِنْهُ فَهُوَ متكىء.
وَقَالَ خَبَّابٌ: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ وهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، قُلْتُ: أَلا تَدْعُو الله؟ فَقَعَدَ
خباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن الْأَرَت الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، قَالَ بَعضهم: إِيرَاد البُخَارِيّ حَدِيث خباب الْمُعَلق يُشِير بِهِ إِلَى أَن الِاضْطِجَاع اتكاء، وَزِيَادَة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن الِاضْطِجَاع هُوَ النّوم، قَالَه ابْن الْأَثِير، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ضجع الرجل أَي وضع جنبه على الأَرْض، واضطجع مثله، بل الْوَجْه فِي إِيرَاد حَدِيث خباب هُوَ كَقَوْلِه: (وَهُوَ مُتَوَسِّد) فَإِن التوسد يَأْتِي بِمَعْنى الاتكاء، وَلَا سِيمَا على قَول الْخطابِيّ الْمَذْكُور آنِفا، وَأما هَذَا الْمُعَلق فَإِنَّهُ طرف من حَدِيث طَوِيل قد مضى مَوْصُولا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمثنى أخبرنَا يحيى عَن إِسْمَاعِيل أخبرنَا قيس عَن خباب بن الْأَرَت قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّد بردة لَهُ فِي ظلّ الْكَعْبَة قُلْنَا لَهُ: أَلا تَسْتَنْصِر لنا؟ أَلا تَدْعُو الله لنا؟ ... الحَدِيث، وَمضى أَيْضا فِي أول: بَاب مبعث النَّبِي ﷺ .
٦٢٧٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا بِشْرخ بنُ المفضلِ حدّثنا الجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : ألَا أخْبِرُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قالُوا: بَلى يَا رسُولَ الله! قَالَ: الإشْرَاكُ بِاللَّه وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ. [نه
٦٢٧٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا بِشْرٌ، مِثْلَهُ
стр. 6772
وكانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلا وقَوْلُ الزُّورِ! فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ مُتكئا) . وَأخرجه من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن الْمفضل على صِيغَة إسم الْمَفْعُول من التَّفْضِيل بالضاد الْمُعْجَمَة ابْن لَاحق أبي إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ عَن الْجريرِي وَهُوَ سعيد بن إِيَاس، والجريري نِسْبَة إِلَى جرير بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء ابْن عباد أخي الْحَارِث ابْن ضبعة بن قيس بن بكر بن وَائِل وَهُوَ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة يروي عَن أَبِيه أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ. وَالطَّرِيق الآخر: عَن مُسَدّد عَن بشر ... إِلَى آخِره.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل كتاب الْأَدَب فِي: بَاب عقوق الْوَالِدين من الْكَبَائِر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق عَن خَالِد الوَاسِطِيّ عَن الْجريرِي ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وعقوق الْوَالِدين) قيل: العقوق كَيفَ يكون فِي دَرَجَة الْإِشْرَاك وَهُوَ كفر؟ وَأجِيب: إِنَّمَا أَدخل فِي سلكه تَعْظِيمًا لأمر الْوَالِدين وتغليظاً على الْعَاق أَو المُرَاد: إِن أكبر الْكَبَائِر فِيمَا يتَعَلَّق بِحَق الله الْإِشْرَاك، وَفِيمَا يتَعَلَّق بِحَق النَّاس العقوق. قَوْله: (الزُّور) هُوَ الْبَاطِل.
وَقَالَ الْمُهلب فِيهِ: جَوَاز اتكاء الْعَالم بَين يَدي النَّاس وَفِي مجْلِس الْفَتْوَى، وَكَذَلِكَ السُّلْطَان والأمير فِي بعض مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من ذَلِك لَا لما يجده فِي بعض أَعْضَائِهِ، أَو الرَّاحَة يرتفق بذلك وَلَا يكون ذَلِك فِي عَامَّة جُلُوسه.
٣٦ - (بابُ مَنْ أسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ لِحاجَةٍ أوْ قَصْد)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من أسْرع فِي مشيته بِكَسْر الْمِيم على وزن فعلة بِالْكَسْرِ وَهِي صِيغَة تدل على نوع مَخْصُوص من الْفِعْل. قَوْله: لحَاجَة، أَي: لحَاجَة مَقْصُودَة، وَحكمه أَنه لَا بَأْس بِهِ وَإِن كَانَ عمدا لَا لحَاجَة فَلَا، وَكَانَ ابْن عمر ﵄ يسْرع الْمَشْي وَيَقُول: هُوَ أبعد من الزهو وأسرع فِي الْحَاجة، وَقيل: فِيهِ اشْتِغَال عَن النّظر إِلَى مَا لَا يَنْبَغِي التشاغل بِهِ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الْمَشْي على قدر الْحَاجة هُوَ السّنة إسراعاً وبطءاً لَا التصنع فِيهِ وَلَا التهور. قَوْله: أَو قصدا، أَي: أَو أسْرع لأجل قصد أَي مَقْصُود من مَعْرُوف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقَصْد إِيثَار الشَّيْء وَالْعدْل، ويروى: أَو قصد، على صِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي أَي: أَو قصد الْمَعْرُوف فِي إسراعه.
٦٢٧٥ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدٍ عَنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ أنَّ عُقْبَةَ بنَ الحارِثِ حدَّثَهُ قَالَ ﷺ : العَصْرَ فأسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأسرع) وَكَانَ إسراعه ﷺ ، لأجل صَدَقَة أحب أَن يفرقها.
وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد الْبَصْرِيّ، وَعمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن الْقرشِي النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ يروي عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم واسْمه زُهَيْر، وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة ابْن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي النَّوْفَلِي أَبُو سروعة الْمَكِّيّ، أسلم يَوْم فتح مَكَّة.
والْحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ فَذكر حَاجَة فتخطاهم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد قَالَ: أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن عمر بن سعيد قَالَ: أَخْبرنِي ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة، قَالَ: صليت وَرَاء النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْر، فَسلم ثمَّ قَامَ مسرعاً فتخطى رِقَاب النَّاس إِلَى بعض حجر نِسَائِهِ، فَفَزعَ النَّاس من سرعته فَخرج عَلَيْهِم فَرَأى أَنهم قد عجبوا من سرعته، فَقَالَ: ذكرت شَيْئا من تبر عندنَا فَكرِهت أَن يحبسني، فَأمرت بقسمته، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب من أحب تَعْجِيل الصَّدَقَة من يَوْمهَا: عَن أبي عَاصِم عَن عمر بن سعيد عَن ابْن أبي مليكَة إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ دخل الْبَيْت فَلم يلبث أَن خرج، فَقلت: أَو قيل لَهُ، فَقَالَ: كنت خلفت فِي الْبَيْت تبراً من الصَّدَقَة فَكرِهت أَن أبيته فقسمته.
وَفِيه: جَوَاز إسراع السُّلْطَان والعالم فِي حوائجهم والمبادرة إِلَيْهَا. وَفِيه: فضل تَعْجِيل إِيصَال الْبر وَترك تَأْخِيره.
٣٧ - (بابُ السَّرِيرِ)
стр. 6773
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اتِّخَاذ السرير، وَهُوَ مَعْرُوف. قَالَ الرَّاغِب: إِنَّه مَأْخُوذ من السرُور لِأَنَّهُ فِي الْغَالِب لأولي النِّعْمَة قَالَ: وسرير الْمَيِّت لشبهه بِهِ فِي الصُّورَة وللتفاؤل بالسرور، وَقد يعبر عَن السرير بِالْملكِ، وَيجمع على أسرة وسرر بِضَمَّتَيْنِ، وَفِيهِمْ من يفتح الرَّاء استثقالاً للضمتين، قيل: مَا وَجه ذكر هَذِه التَّرْجَمَة والبابين اللَّذين بعده فِي بَاب الاسْتِئْذَان؟ وَأجِيب: بِأَن الاسْتِئْذَان يُرَاد بِهِ الدُّخُول فِي الْمنزل، فَذكر متعلقات الْمنزل على سَبِيل الاستطراد.
٣٨ - (بابُ مَنْ أُلْقِيَ لَهُ وِسادَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من ألقِي لَهُ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وسَادَة مَرْفُوع بِهِ وَإِنَّمَا ذكر الضَّمِير فِي ألقِي لِأَن تَأْنِيث الوسادة غير حَقِيقِيّ، والوسادة المخدة، وَيُقَال لَهَا وساد أَيْضا، وَهُوَ بِكَسْر الْوَاو وتقولها هُذَيْل بِالْهَمْز بدل الْوَاو.
٦٢٧٧ - حدَّثنا إسْحاقُ حَدثنَا خالِدٌ.
(ح) حدّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّد حَدثنَا عَمْرُو بنُ عَوْن حَدثنَا خالِدٌ عَنْ خالِدٍ عَنْ أبي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو المَلِيحِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أبيكَ زَيْدٍ عَلى عَبْدِ الله ابنِ عَمْرو، فَحَدَّثنا أنَّ النبيَّ ﷺ ، ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ فألْقَيْتُ لَهُ وِسادَةً مِن أدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأرْضِ وصارَتِ الوِسادَةُ بَيْني وبَيْنَهُ، فَقَالَ لي: أما يَكْفِيكَ مِنْ كلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ؟ قُلْتُ: يَا رسولَ الله ﴿قَالَ: خَمْساً؟ قُلْتُ: يَا رسولَ الله﴾ قَالَ: سَبْعاً؟ قُلْتُ: يَا رسولَ الله ﴿قَالَ: تِسْعاً؟ قُلْتُ: يَا رسولَ الله﴾ قَالَ: إحْداى عَشْرَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! قَالَ: لَا صَوْمَ فَوْق صوْمِ داوُدَ شَطْرَ الدَّهْر صِيامُ يَوْمٍ وإفْطارُ يَوْمٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فألقيت لَهُ وسَادَة) . وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن إِسْحَاق بن شاهين الوَاسِطِيّ عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان عَن خَالِد بن مهْرَان الْحذاء عَن أبي قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي عَن أبي الْمليح بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة واسْمه عَامر، وَقيل: زيد بن أُسَامَة الْهُذلِيّ. وَالطَّرِيق الثَّانِي: عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن عَمْرو بن عون بن أَوْس السّلمِيّ الوَاسِطِيّ وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ، روى عَنهُ فِي الصَّلَاة ومواضع، وروى
стр. 6774
عَنهُ بالواسطة، وروى عمر وَهَذَا عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان عَن خَالِد الْحذاء الخ، وَهَذَا الطَّرِيق أنزل من الطَّرِيق الأول بِدَرَجَة.
وَتقدم هَذَا الحَدِيث عَن إِسْحَاق بن شاهين بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب صَوْم دَاوُد، وَمضى أَيْضا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فِي كتاب الصَّوْم فِي أَبْوَاب كَثِيرَة مُتَوَالِيَة. وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى.
قَوْله: (دخلت مَعَ أَبِيك زيد) ، الْخطاب لأبي قلَابَة وَهُوَ عبد الله وَأَبوهُ زيد كَمَا ذكرنَا وَلَيْسَ لزيد ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْخَبَر. قَوْله: (فَدخل عَليّ) بتَشْديد الْبَاء والداخل هُوَ النَّبِي ﷺ . قَوْله: (قلت: يَا رَسُول الله!) فِيهِ حذف تَقْدِيره: أُطِيق أَكثر من ذَلِك يَا رَسُول الله، أَو: لَا يَكْفِينِي ذَلِك يَا رَسُول الله. قَوْله: (قَالَ: خمْسا؟) أَي: خَمْسَة أَيَّام؟ وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي الْبَوَاقِي. قَوْله: (شطر الدَّهْر) أَي نصف الدَّهْر وَهُوَ مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص. قَوْله: (صِيَام يَوْم) يجوز نَصبه على الِاخْتِصَاص وَيجوز رَفعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ صِيَام يَوْم وإفطار يَوْم، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أفضل لزِيَادَة الْمَشَقَّة فِيهِ إِذْ من سرد الصَّوْم صَار لَهُ الصَّوْم طبيعة فَلَا يحصل لَهُ مقاساة كَثِيرَة مِنْهُ.
٦٢٧٨ - حدَّثنا يَحْياى بنُ جَعْفَرٍ حَدثنَا يَزِيدُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَدِمَ الشَّأْمَ.
(ح) وَحدثنَا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ مغيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: ذَهَبَ عَلْقَمَةَ إِلَى الشَّأْمِ فأتَى المَسْجِدَ فَصَلَّى رِكْعَتَيْنِ فَقَالَ: أللَّهُمَّ ارْزُقْني جَلِيساً، فَقَعَدَ إِلَى أبي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أنْتَ؟ قَالَ: منْ أهْلِ الكُوفَةِ. قَالَ: ألَيْسَ فِيكُمْ صاحِبُ السِّرِّ الذِي كانَ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؟ يَعْنِي حذَيْفَةَ ألَيْسَ فِيكُمْ أوْ كانَ فيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله عَلى لِسانِ رسولِهِ ﷺ ، مِنَ الشَّيْطانِ؟ يَعْنِي عَمَّاراً أوَ لَيْسَ فِيكُمْ صاحِبُ السِّواكِ والوِسادِ؟ يَعني: ابنَ مَسْعُودٍ كَيْفَ كانَ عَبْدُ الله يَقْرَأ: ﴿ (٢٩) وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ (اللَّيْل: ١) قَالَ ﴿ (٣٥) وَالذكر وَالْأُنْثَى﴾ (النَّجْم: ٤٥) فَقَالَ: مَا زَالَ هاؤُلَاءِ حَتَّى كادُوا يُشَكِّكُونِي، وقَدْ سَمِعْتها مِنْ رَسُول الله ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والوساد) . وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن هَارُون الوَاسِطِيّ مَاتَ بواسط سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ، ومغيرة بِضَم الْمِيم وَكسرهَا وَيُقَال أَيْضا: الْمُغيرَة بن مقسم بِكَسْر الْمِيم وَفتح السِّين الْمُهْملَة الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس النَّخعِيّ، وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَأَبُو الدَّرْدَاء اسْمه عُوَيْمِر بن مَالك.
والْحَدِيث مضى فِي صفة إِبْلِيس مُخْتَصرا عَن مَالك ابْن إِسْمَاعِيل، وَفِي: بَاب مَنَاقِب عمار وَحُذَيْفَة. وَأخرجه فِيهِ من طَرِيقين: عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل وَسليمَان بن حَرْب، وَفِي مَنَاقِب عبد الله بن مَسْعُود عَن مُوسَى عَن أبي عوَانَة.
قَوْله: (جَلِيسا) ، وَقد مر فِي مَنَاقِب عمار جَلِيسا صَالحا. قَوْله: (فَقَالَ: مِمَّن أَنْت؟) أَي: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء لعلقمة. قَوْله: (صَاحب السِّرّ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي سر النِّفَاق، وَهُوَ أَنه ﷺ ، ذكر أَسمَاء الْمُنَافِقين وعينهم لِحُذَيْفَة وخصصه بِهَذِهِ المنقبة، إِذْ لم يطلع عَلَيْهِ غَيره، قلت: المُرَاد بالسر فِيمَا قيل: إِنَّه ﷺ ، أسر إِلَى حُذَيْفَة بأسماء سَبْعَة عشر من الْمُنَافِقين لم يعلمهُمْ لأحد غَيره، وَكَانَ عمر ﵁ إِذا مَاتَ من يشك فِيهِ رصد حُذَيْفَة، فَإِن خرج فِي جنَازَته خرج، وإلَاّ لم يخرج. قَوْله: (أَو كَانَ فِيكُم؟) شكّ من شُعْبَة. قَوْله: (الَّذِي أجاره الله على لِسَان رَسُوله ﷺ وَذَلِكَ أَنه دَعَا بِأَمَان من الشَّيْطَان، وَقَالَ: إِنَّه طيب مُطيب. قَوْله: (والوساد) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والوسادة، وَكَانَ ابْن مَسْعُود ﵁ صَاحب سواك رَسُول الله ﷺ ، ووسادته ومطهرته، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْمَشْهُور بدل الوسادة: السوَاد، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة أَي: السرَار، أَي: المسارة. قَالَ الْخطابِيّ: السوَاد السرَار وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه ﷺ قَالَ لَهُ: آذنك عليَّ على أَن ترفع الْحجاب وَتسمع سوَادِي وَكَانَ ﷺ ، يخْتَص عبد الله اختصاصاً شَدِيدا لَا يَحْجُبهُ إِذا جَاءَهُ وَلَا يردهُ إِذا سَالَ. قَوْله: (كَيفَ كَانَ عبد الله يقْرَأ؟) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ أَبُو الدَّرْدَاء. قَوْله: (وَالذكر وَالْأُنْثَى) يَعْنِي: قَالَ عَلْقَمَة: يقْرَأ عبد الله بن مَسْعُود: (وَاللَّيْل إِذا يغشى
стр. 6775
وَالنَّهَار إِذا تجلى وَالذكر وَالْأُنْثَى﴾ - وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (اللَّيْل: ١ ٢) ﴿ (٣٥) الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ (النَّجْم: ٤٥) بِدُونِ ﴿وَمَا خلق﴾ وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاء أَيْضا يقْرَأ كَذَلِك، وَأهل الشَّام كَانُوا يقرؤونه على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة المتواترة وَهِي: ﴿ (٢٩) وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ (اللَّيْل: ٣) وَكَانُوا يشككونه فِي قِرَاءَته الشاذة. قَوْله: (وَقد سَمعتهَا من رَسُول الله ﷺ وَقد مر فِي مَنَاقِب عمار وَحُذَيْفَة: (وَالله لقد أَقرَأ فِيهَا رَسُول الله ﷺ ، من فِيهِ إِلَى فِي) ، وَفِي لفظ: (قَالَ: مَا زَالَ هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يستنزلوني عَن شَيْء مسمعته من رَسُول الله ﷺ .
٣٩ - (بابُ القائِلَةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي القائلة بعد صَلَاة الْجُمُعَة، والقائلة هِيَ القيلولة وَهِي النّوم بعد الظهيرة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المقيل والقيلولة الاسْتِرَاحَة نصف النَّهَار وَإِن لم يكن مَعهَا نوم، يُقَال: قَالَ يقيل قيلولة، فَهُوَ قَائِل.
٤٠ - (بابُ القائِلَةِ فِي المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي أَمر القائلة فِي الْمَسْجِد.
٦٢٨٠ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عَنْ أبي حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ بِمَا كانَ لِعَلِيّ إسْمٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أبي تُرابٍ، وإنْ كَانَ لِيَفْرَحُ بِهِ، إِذا دُعِيَ بِها جاءَ رسولُ الله ﷺ ، بَيْتَ فاطِمَةَ، ﵍، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي البَيْتِ، فَقَالَ: أيْنَ ابنُ عَمِّكِ؟ فقالَتْ: كَانَ بَيْنِي وبَيْنَهُ شيءٌ فَغاضَبنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ ، لإِنْسانٍ: انْظُرْ أيْنَ هُوَ ﴿فَجاءَ فَقَالَ: يَا رسولَ الله﴾ هُوَ فِي المَسْجِدِ راقِدٌ، فَجاءَ رسولُ الله ﷺ وَهْوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِداؤُهُ عَنْ شِقِّهِ فأصابَهُ تُرابٌ، فَجَعَلَ رسولُ الله ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَهْوَ يَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرابٍ ﴿ثُمْ أَبَا تُرابٍ﴾
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي نوم عَليّ ﵁ فِي الْمَسْجِد نوم القيلولة.
وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم سَلمَة ابْن دِينَار عَن سهل بن سعد وَقد ذكر عَن قريب.
والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب التكني بِأبي تُرَاب، قبل كتاب الاسْتِئْذَان بعدة أَبْوَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَإِن كَانَ ليفرح) كلمة: إِن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، وَاللَّام فِي: ليفرح، للتَّأْكِيد. قَوْله: (بهَا) أَي: بالكنية، قَوْله: (فَلم يقل) بِكَسْر الْقَاف من القيلولة. قَوْله: (قُم أَبَا تُرَاب!) يَعْنِي: يَا أَبَا تُرَاب.
٤١ - (بابُ مَنْ زارَ قَوْماً فَقَالَ عِنْدَهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر من زار قوما فَقَالَ عِنْدهم من القيلولة أَي: نَام عِنْدهم نصف النَّهَار.
٦٢٨١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله الأنْصارِيُّ قَالَ: حدّثني أبي عَنْ ثُمامَةَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كانَتْ تَبْسُطُ للنبيِّ ﷺ ، نِطَعاً فَيَقِيلُ عِنْدَها عَلى ذالِكَ النِّطَع، قَالَ: فَإِذا نامَ النبيُّ ﷺ أخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعْرِهِ فَجَمعَتْهُ فِي قارُورَةٍ ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِي سُكٍّ، قَالَ:
стр. 6776
فَلَمَّا حَضَرَ أنَسَ بنَ مالِكٍ الوَفاةُ أوْصاى أنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ مِنْ ذالِكَ السُّكِّ، قَالَ: فَجُعِلَ فِي حَنُوطِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس الْأنْصَارِيّ، وَالْبُخَارِيّ يروي عَنهُ كثيرا بِدُونِ الْوَاسِطَة، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن عبد الله بن أنس يروي عَن جده أنس بن مَالك. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أم سليم) ، هِيَ: أم أنس بن مَالك وَهِي بنت ملْحَان بن خَالِد بن زيد الْأَنْصَارِيَّة وَاسْمهَا الغميصاء، وَقيل: الرميصاء، وَقيل: غير ذَلِك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: كَانَت أم سليم وَأم حرَام وأخوهما حرَام أخوال رَسُول الله ﷺ من الرضَاعَة، وَقَالَ ابْن وهب: أم حرَام خَالَة رَسُول الله ﷺ ، وَلم يقل: من الرضَاعَة. قَوْله: (نطعاً) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر النُّون مَعَ فتح الطَّاء وسكونها، وَفتح النُّون والطاء، وَفتحهَا وَسُكُون الطَّاء. وَالْجمع نطوع وانطاع. قَوْله: (فيقيل) . من القيلولة. قَوْله: (فِي سك) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَشدَّة الْكَاف وَهُوَ نوع من الطّيب يُضَاف إِلَى غَيره من الطّيب وَيسْتَعْمل، فَإِن قلت: كَيفَ كَانَت أم سليم تَأْخُذ من شعر النَّبِي ﷺ وَهُوَ نَائِم؟ قلت: لَيْسَ مَعْنَاهُ مَا تبادر الذِّهْن، بل هِيَ كَانَت تجمع من شعره ﷺ مَا كَانَ يَتَنَاثَر عِنْد التَّرَجُّل وتجمعه مَعَ عرقه فِي السك، وَأحسن من هَذَا مِمَّا يزِيل هَذَا اللّبْس هُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن سعد بِسَنَد صَحِيح عَن ثَابت عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ لما حلق شعره بمنى أَخذ أَبُو طَلْحَة شعره فَأتى بِهِ أم سليم فَجَعَلته فِي سكها، وَقيل: ذكر الشّعْر فِي هَذَا الحَدِيث غَرِيب، وَلِهَذَا لم يذكرهُ مُسلم. قَوْله: (فِي حنوطه) ، بِفَتْح الْحَاء وَحكي ضمهَا وَضم النُّون وَهُوَ طيب يصنع للْمَيت خَاصَّة وَفِيه الكافور والصندل وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الحنوط والحناط وَاحِد وَهُوَ مَا يخلط من الطّيب لأكفان الْمَوْتَى وأجسامهم خَاصَّة.
وَفِيه: جَوَاز القائلة للإجمام والرئيس والعالم عِنْد معارفه وثقاة إخوانه، وَأَن ذَلِك مِمَّا يثبت الْمَوَدَّة ويؤكد الْمحبَّة. وَفِيه: طَهَارَة شعر ابْن آدم، وَإِنَّمَا أخذت أم سليم شعره وعرفه تبركاً بِهِ وَجَعَلته مَعَ السك لِئَلَّا يذهب إِذا كَانَ الْعرق وَحده، وَجعله أنس فِي حنوطه تعوذاً بِهِ من المكاره.
٦٢٨٣ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عَنْ إسْحااقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رسولُ الله ﷺ ، إِذا ذَهَبَ إِلَى قباءٍ يَدْخُلُ عَلى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحانَ فَتُطْعِمُهُ وكانَتْ تَحْتَ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ يَوْماً فأطْعَمَتْهُ فَنامَ رَسُول الله ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، قالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرُضُوا عَلَيَّ غُزاة فِي سَبِيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكاً على الأسِرَّةِ أوْ قَالَ: مِثْلُ المُلُوكِ عَلى الأسِرَّةِ شَكَّ إسْحاقُ. قُلْتُ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: ناسٌ مِنْ أمَّتي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هاذا البَحْرِ مُلُوكاً عَلى الأسَرَّةِ أوْ مِثْلَ المُلُوكِ عَلى الأسِرَّةِ فَقُلْتُ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أنْتِ مِنَ الأوَّلِينَ، فَرَكِبَتِ البَحْرَ زَمانَ مُعاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دابَّتها حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ فَهَلَكَتْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي مَوَاضِع فِي: بَاب فضل من يصرع فِي سَبِيل الله، وَفِي: بَاب غَزْو الْمَرْأَة فِي الْبَحْر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (قبَاء) ، منون مَصْرُوف مَمْدُود على الْأَفْصَح. قَوْله: (أم حرَام) ضد الْحَلَال بنت ملْحَان بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَهِي خَالَة أنس بن مَالك. قَوْله: (يضْحك) حَال وَكَذَا قَوْله. (عزاهُ) وَهُوَ جمع غاز. قَوْله: (ثبج هَذَا الْبَحْر) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالجيم أَي: وَسطه، وَيُقَال: ظَهره وَالْمعْنَى مُتَقَارب. قَوْله: (ملوكاً على الأسرة) جمع السرير وملوكاً مَنْصُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر مَرْفُوع، وَوجه النصب بِنَزْع الْخَافِض أَي: مثل مُلُوك، وَوجه الرّفْع على أَنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره. يركبون ثبج هَذَا الْبَحْر، هم مُلُوك. يَعْنِي: كَأَنَّهُمْ
стр. 6777
مُلُوك، وَقَالَ أَبُو عمر: أَرَادَ وَالله أعلم أَنه رأى الْغُزَاة فِي الْبَحْر من أمته ملوكاً على الأسرة فِي الْجنَّة، ورؤياه وَحي. قَوْله: (شكّ إِسْحَاق) هُوَ الرَّاوِي عَن أنس. قَوْله: (زمَان مُعَاوِيَة) يَعْنِي: فِي إمارته وَلَيْسَ فِي زمن ولَايَته الْكُبْرَى، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: كَانَت هَذِه الْغَزْوَة لمعاوية سنة ثَمَان وَعشْرين.
٤٢ - (بابُ الجُلُوسِ كَيْفَما تَيَسَّر)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْجُلُوس كَيْفَمَا تيَسّر، وَيسْتَثْنى مِنْهُ مَا نهى عَنهُ فِي حَدِيث الْبَاب على مَا يَأْتِي الْآن، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لفظ: بَاب.
٦٢٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: نَهاى النبيُّ ﷺ ، عَنْ لِبْسَتَيْنِ وعنْ بَيْعَتَيْنِ: اشْتِمالِ الصَّمَّاءِ والاحْتِباءِ فِي ثَوْب واحِدٍ لَيْسَ عَلى فَرْجِ الإنْسانِ مِنْهُ شَيْءٌ، والمُلامَسَةِ والمُنابَذَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ خص النَّهْي بحالتين، فمفهومه أَن مَا عداهما لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ، لِأَن الأَصْل عدم النَّهْي وَالْأَصْل الْجَوَاز فِيمَا تيَسّر من الهيئات والملابس إِذا ستر الْعَوْرَة. وَعَن طَاوُوس أَنه كَانَ يكره التربع وَيَقُول: هُوَ جلْسَة مهلكة.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث قد مر فِي الْبيُوع عَن عَيَّاش عَن عبد الْأَعْلَى عَن معمر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا.
قَوْله: (لبستين) بِكَسْر اللَّام إِحْدَاهمَا: اشْتِمَال الصماء بتَشْديد الْمِيم وَالْمدّ وَهُوَ أَن يَجْعَل على أحد عَاتِقيهِ فيبدو أحد شقيه لَيْسَ عَلَيْهِ ثوب، وَالْأُخْرَى: احتباؤه بِثَوْبِهِ وَهُوَ جَالس لَيْسَ على فرجه مِنْهُ شَيْء. قَوْله: (وَالْمُلَامَسَة) لمس الرجل ثوب الآخر بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ (والمنابذة) : ينْبذ الرجل إِلَى الرجل ثَوْبه وينبذ الآخر ثَوْبه وَيكون ذَلِك بيعهمَا من غير نظر.
تابَعَهُ مَعْمَرٌ ومُحَمَّدُ بنُ أبي حَفْصَةَ وَعَبْدُ الله بنُ بُدَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: تَابع سُفْيَان فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ معمر بن رَاشد وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة الْبَصْرِيّ، مر فِي كتاب الْمَوَاقِيت، وَعبد الله ابْن بديل بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الدَّال مصغر بدل الْخُزَاعِيّ الْمَكِّيّ.
٤٣ - (بابُ مَنْ ناجاى بَيْنَ يَدَي النَّاسِ، ومَنْ لَمْ يُخْبِرْ بسِرِّ صاحِبِهِ فَإِذا ماتَ أخْبَرَ بِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من ناجى أَي: خَاطب غَيره وَحدث مَعَه سرا بَين يَدي جمَاعَة يُقَال: ناجاه يناجيه مُنَاجَاة فَهُوَ مناج. قَوْله: وَمن لم يخبر، أَي: وَفِي بَيَان من لم يخبر بسر صَاحبه فِي حَيَاة صَاحبه (فَإِذا مَاتَ صَاحبه أخبر بِهِ) للْغَيْر، وَالْحَاصِل أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ لم يُوضح الحكم فيهمَا اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث. أما الأول: فَحكمه جَوَاز مساررة الْوَاحِدَة بِحَضْرَة الْجَمَاعَة وَلَيْسَ ذَلِك من نَهْيه عَن مُنَاجَاة الْإِثْنَيْنِ دون الْوَاحِد، لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يخَاف من ترك الْوَاحِد لَا يخَاف من ترك الْجَمَاعَة، وَذَلِكَ أَن الْوَاحِد إِذا تساروا دونه وَقع بِنَفسِهِ أَنَّهُمَا يتكلمان فِيهِ بالسوء، وَلَا يتَّفق ذَلِك فِي الْجَمَاعَة. وَأما الثَّانِي: فَحكمه أَنه لَا يَنْبَغِي إفشاء السِّرّ إِذا كَانَت فِيهِ مضرَّة على المسر، لِأَن فَاطِمَة ﵁ لَو أخْبرت بِمَا أسر إِلَيْهَا النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك الْوَقْت يَعْنِي: فِي مرض مَوته من قرب أَجله لحزنت نساؤه بذلك حزنا شَدِيدا، وَكَذَلِكَ لَو أخبرتهن بِأَنَّهَا سيدة نسَاء الْمُؤمنِينَ لعظم ذَلِك عَلَيْهِنَّ وَاشْتَدَّ حزنهن، وَلما أمنت فَاطِمَة بعد موت النَّبِي ﷺ أخْبرت بذلك، وَهَذَا حَاصِل معنى التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة وَبِه يَتَّضِح أَيْضا معنى الحَدِيث.
٦٢٨٥ - ح دَّثنا مُوساى عَنْ أبي عَوانَةَ حَدثنَا فِراسٌ عَنْ عامِرٍ عَنْ مَسْروق حدَّثَتْني عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ قالَتْ: إنَّا كُنَّا أزْواجَ النبيِّ ﷺ ، عِنْدَهُ جَميعاً لَمْ تُغادَرْ مِنَّا واحِدَةٌ، فأقْبَلَتْ فاطِمَةُ،
стр. 6778
عَلَيْها السَّلامُ، تَمْشِي لَا وَالله مَا تَخْفَى مِشيتُها مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلَمَّا رَآها رَحَّبَ قَالَ: مَرْحَباً بِابْنَتِي، ثُمَّ أجْلَسَها عَنْ يَمِينِهِ أوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سارَّها فَبَكَتْ بُكاءً شَدِيداً، فَلَمَّا رَأى حُزْنَها سارَّها الثَّانِيَةَ إِذا هِيَ تَضْحَكُ، فَقُلْتُ لَهَا: أَنا مِنْ بَيْنِ نِسائِهِ خَصَّكِ رسولُ الله ﷺ بالسِّرِّ مِنْ بَيْنَنَا ثُمَّ أنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قامَ رسولُ الله ﷺ ، سألْتُها عَمَّا سارَكِ قالَتْ: مَا كنْتُ لأُفْشيَ عَلى رَسُول الله ﷺ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ لَها: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِما لِي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ لَمَّا أخبَرْتَنِي. قالَتْ: أمَّا الآنَ فَنَعَمْ، فأخْبرَتْنِي قالَتْ: أمَّا حِينَ سارَّبِي فِي الأمْرِ الأوَّلِ أخْبَرَنِي أنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعارِضُهُ بِالقُرْآنِ كلَّ سَنَةٍ مَرَّة وإنَّهُ قَدْ عارضَنِي بِهِ العامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أراى الأجَلَ إلَاّ قَدِ اقْتَرَبَ فاتَّقِي الله واصْبِرِي فإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنا لَكِ، قالَتْ: فَبَكَيْتُ بكائِي الَّذِي رَأيْتِ، فَلَمَّا رَأى جَزَعِي سارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: يَا فاطِمَةُ أَلا تَرْضَيْن أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِساءِ المُؤْمِنِينَ أَو سَيِّدَةَ نِساءِ هاذِهِ الأُمَّةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر مِمَّا ذكرنَا الْآن فِي التَّرْجَمَة. ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْبَصْرِيّ التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وفراس بِكَسْر الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة ابْن يحيى الْمكتب الْكُوفِي، وعامر هُوَ ابْن شرَاحِيل الشّعبِيّ، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع.
والْحَدِيث من رِوَايَة مَسْرُوق مضى مُخْتَصرا فِي: بَاب كَانَ جِبْرِيل ﵇ بِعرْض الْقُرْآن على النَّبِي ﷺ ، وَمضى فِي: بَاب كتاب النَّبِي ﷺ ، من حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَ: دَعَا النَّبِي ﷺ ، فَاطِمَة ... الحَدِيث مُخْتَصرا، وَمضى أَيْضا من حَدِيث عُرْوَة مُخْتَصرا فِي: بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة، وَمضى أَيْضا من حَدِيثه مُخْتَصرا فِي: بَاب مَنَاقِب قرَابَة رَسُول الله ﷺ .
قَوْله: (أَزوَاج النَّبِي ﷺ مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص. قَوْله: (لم تغادر) على بِنَاء الْمَجْهُول أَي: لم تتْرك من المغادرة وَهُوَ التّرْك. قَوْله: (مشيتهَا) بِكَسْر الْمِيم وَذَلِكَ من مشْيَة على وزن فعلة وَهِي للنوع. قَوْله: (رحب) بتَشْديد الْحَاء أَي: قَالَ لَهَا: مرْحَبًا. قَوْله: (وَعَن شِمَاله) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (سَارهَا) بتَشْديد الرَّاء وَأَصله: ساررها، أَي: تكلم مَعهَا سرا. قَوْله: (إِذا هِيَ تضحك) . كلمة: إِذا، للمفاجأة ويروى: فَإِذا هِيَ، بِالْفَاءِ قَوْله: (لأفشي) بِضَم الْهمزَة من الإفشاء وَهُوَ الْإِظْهَار والنشر. قَوْله: (عزمت) أَي: أَقْسَمت. قَوْله: (بِمَالي) الْبَاء فِيهِ للقسم. قَوْله: (لما أَخْبَرتنِي) بِمَعْنى: إلَاّ أَخْبَرتنِي وَكلمَة: هَاهُنَا حرف اسْتثِْنَاء تدخل على الْجُمْلَة الإسمية نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٦٨) إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ (الطارق: ٤) فِيمَن شدد الْمِيم، وعَلى الْمَاضِي لفظا لَا معنى نَحْو: أنْشدك الله لما فعلت، أَي: مَا أَسأَلك إلَاّ فعلك، وَهنا أَيْضا الْمَعْنى: لَا أَسأَلك إلَاّ إخبارك بِمَا سارك رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (جزعى) الْجزع قلَّة الصَّبْر وَقيل: نقيض الصَّبْر وَهُوَ الْأَصَح، وَبَقِيَّة الأبحاث مرت فِي الْأَبْوَاب الَّتِي ذَكرنَاهَا.
٤٤ - (بابُ الاسْتِلْقاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الاستلقاء وَهُوَ النّوم على الْقَفَا وَوضع الظّهْر على الأَرْض، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف، وَقد وضع الطَّحَاوِيّ لهَذَا بَابا وبيَّن فِيهِ الْخلاف. فروى حَدِيث جَابر من خمس طرق: أَن رَسُول الله كره أَن يضع الرجل إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى، وَرَوَاهُ مُسلم وَلَفظه: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن اشْتِمَال الصماء والاحتباء فِي ثوب وَاحِد وَأَن يرفع الرجل إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَهُوَ مستلقٍ على ظَهره، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فكره قوم وضع إِحْدَى الرجلَيْن على الْأُخْرَى، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: مُحَمَّد بن سِيرِين ومجاهداً وطاووساً وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَلم يرَوا بذلك بَأْسا، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب، وهم: الْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَأَبُو مجلز لَاحق بن حميد وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة ﵏ وَأطَال الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب وَمُلَخَّصه: أَن حَدِيث الْبَاب نسخ حَدِيث جَابر، وَقيل: يجمع بَينهمَا بِأَن يحمل النَّهْي حَيْثُ تبدو الْعَوْرَة، وَالْجَوَاز
стр. 6779
حَيْثُ لَا تبدو، وَالله أعلم.
٦٢٨٧ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ حدّثنا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أخْبرني عَبَّادُ بنُ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ فِي المَسْجِدِ مُسْتَلْقِياً واضِعاً إحداى رِجْلَيْهِ عَلى الأخْراى. (انْظُر الحَدِيث ٤٧٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن تَمِيم الْمَازِني، وَعَمه عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَفِي اللبَاس عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ.
قَوْله: (مُسْتَلْقِيا) حَال لِأَن رَأَيْت من رُؤْيَة الْبَصَر. وَقَوله: (وَاضِعا) أَيْضا حَال إِمَّا مترادفة أَو متداخلة.
٤٥ - (بابُ لَا يَتَناجَى إثْنانِ دُونَ الثَّالِثِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا يَتَنَاجَى أَي: لَا يتخاطب شخصان أَحدهمَا للْآخر دون الشَّخْص الثَّالِث إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَقد جَاءَ هَذَا ظَاهرا فِي رِوَايَة معمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: إِذا كَانُوا ثَلَاثَة فَلَا يَتَنَاجَى إثنان دون الثَّالِث إلَاّ بِإِذْنِهِ فَإِن ذَلِك يحزنهُ، وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى. . الَّذين آمنُوا﴾ (التَّوْبَة: ٥١) . الْآيَة.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تناجيتم ... . بِالْبرِّ وَالتَّقوى﴾ (المجادلة: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل كل الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٥١) وقَوْلُهُ: ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المجادلة: ١٢ ١٣) [/ ح.
هَذِه أَربع آيَات من سُورَة المجادلة: الأولى: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تناجيتم﴾ الْآيَة. وتمامها بعد قَوْله: ﴿وَالتَّقوى﴾ ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾ . الْآيَة الثَّانِيَة: قَوْله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى من الشَّيْطَان ليحزن الَّذين آمنُوا وَلَيْسَ يضارهم شَيْئا إلَاّ بِإِذن الله وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَة الثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٨٥) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ (٨٥) فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (المجادلة: ٢) الْآيَة الرَّابِعَة قَوْله: ﴿ (٨٥) أشفقتم أَن تقدمُوا ... . وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المجادلة: ٣) وسَاق الْأصيلِيّ وكريمة الْآيَتَيْنِ الْأَوليين بتمامهما، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَقَول الله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تناجيتم فَلَا تتناجوا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْمُؤمنِينَ﴾ . وَكَذَا سَاق الْأصيلِيّ وكريمة الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بتمامهما. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَول الله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نَاجَيْتُم الرَّسُول فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ . إِلَى قَوْله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَأَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد الْآيَتَيْنِ الْأَوليين إِلَى أَن الْجَائِز الْمَأْخُوذ من مَفْهُوم الحَدِيث مُقَيّد بِأَن لَا يكون التناجي فِي الْإِثْم والعدوان. قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تناجيتم﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: خطاب الْمُنَافِقين الَّذين آمنُوا بألسنتهم وَيجوز أَن يكون للْمُؤْمِنين أَي: إِذا تناجيتم فَلَا تشبهوا بأولئك فِي تناجيهم بِالشَّرِّ وتناجوا بِالْبرِّ وَالتَّقوى. قَوْله: (إِنَّمَا النَّجْوَى) أَي: التناجي ﴿من الشَّيْطَان﴾ أَي: من تزيينه ﴿ليحزن الَّذين آمنُوا﴾ بِمَا يبلغهم من إخْوَانهمْ الَّذين خَرجُوا فِي السَّرَايَا من قتل أَو موت أَو هزيمَة ﴿وَلَيْسَ بضارهم شَيْئا إِلَّا بِإِذن الله﴾ أَي: بإرادته. قَوْله: ﴿فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ ، عَن ابْن عَبَّاس: وَذَلِكَ أَن النَّاس سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ فَأَكْثرُوا حَتَّى شَقوا عَلَيْهِ فأدبهم الله تَعَالَى وفطمهم بِهَذِهِ الْآيَة. وَأمرهمْ أَن لَا يناجوه حَتَّى يقدموا الصَّدَقَة، فَاشْتَدَّ ذَلِك على أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَنزلت الرُّخْصَة. وَقَالَ مُجَاهِد: نهوا عَن مُنَاجَاة النَّبِي ﷺ حَتَّى يتصدقوا، فَلم يناجه إلَاّ عَليّ ﵁ قدم دِينَارا فَتصدق بِهِ فَنزلت الرُّخْصَة وَنسخ الصَّدَقَة. وَعَن مقَاتل بن حَيَّان: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك عشر لَيَال ثمَّ نسخ، وَعَن الْكَلْبِيّ: مَا كَانَت إلَاّ سَاعَة من نَهَار. قَوْله: (أَأَشْفَقْتُم) أَي: خِفْتُمْ بِالصَّدَقَةِ لما فِيهِ من الْإِنْفَاق الَّذِي تكرهونه وَإِن الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر ويأمركم بالفحشاء
стр. 6780
وَإِذا لم تَفعلُوا مَا أمرْتُم بِهِ وشق عَلَيْكُم وَتَابَ الله عَلَيْكُم فَتَجَاوز عَنْكُم. قيل: الْوَاو صلَة.
٦٢٨٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالكٌ.
(ح) وَحدثنَا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَنْ نافِعٍ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ أَن رسولَ الله ﷺ قَالَ: إذَا كانُوا ثَلاثَةً فَلَا يَتَناجَى إثْنانِ دُونَ الثّالِثِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن عبد الله بن عمر. وَالْآخر: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك إِلَى آخِره.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن يحيى بن يحيى.
قَوْله: (إِذا كَانُوا) أَي المتناجون (ثَلَاثَة) النصب على أَنه خبر: كَانَ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: إِذا كَانَ ثَلَاثَة، بِالرَّفْع على أَن: كَانَ تَامَّة. قَوْله: (دون الثَّالِث) يَعْنِي: مِنْهُم لِأَنَّهُ رُبمَا يتَوَهَّم أَنَّهُمَا يُريدَان بِهِ غائلة. وَفِيه أدب المجالسة وإكرام الجليس.
٤٦ - (بابُ حِفْظِ السِّرِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حفظ السِّرّ يَعْنِي: ترك إفشائه وإظهاره لِأَنَّهُ أَمَانَة، وَحفظ الْأَمَانَة وَاجِب، وَذَلِكَ من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ. وَقَالَ الْمُهلب: وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل الْعلم أَن السِّرّ لَا يُبَاح إفشاؤه إِذا كَانَ على المسر ضَرَر فِيهِ، وَأَكْثَرهم يَقُول: إِذا مَاتَ المسر فَلَيْسَ يلْزم من كِتْمَانه مَا يلْزم فِي حَيَاته إلَاّ أَن يكون عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَة فِي دينه. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي إفشاؤه بعد مَوته بِخِلَاف سر فَاطِمَة ﵂ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أسر إِلَيْهَا بِمَوْتِهِ.
٦٢٩٠ - حدَّثنا عُثْمانُ حَدثنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ النبيُّ ﷺ : إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلا يَتناجَى رَجُلَانِ دخلأنَ الآخَرِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بالنّاس أجْلَ أنْ يُحْزِنَهُ.
стр. 6781
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَفْهُومه إِن لم يكن ثَلَاثَة بل أَكثر يَتَنَاجَى إثنان مِنْهُم.
وَعُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة أَخُو أبي بكر، وَجَرِير بِالْفَتْح ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود ﵁.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان كَذَلِك.
قَوْله: (دون الآخر) لِأَن الْوَاحِد إِذا بَقِي فَردا وتناجى إثنان حزن لذَلِك إِذا لم يساراه فِيهَا، وَلِأَنَّهُ قد يَقع فِي نَفسه أَن سرهما فِي مضرته. قَوْله: (حَتَّى يختلطوا) أَي: حَتَّى يخْتَلط الثَّلَاثَة بغيرهم سَوَاء كَانَ الْغَيْر وَاحِدًا أَو أَكثر. قَوْله: (أجل أَن يحزنهُ) أَي: من أجل أَن يحزنهُ. قَالَ الْخطابِيّ: وَقد نطقوا بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْقَاط: من، ويروى: من أجل أَن يحزنهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الآخر وَهُوَ الثَّالِث، ويحزنه يجوز أَن يكون من حزن وَيجوز أَن يكون من أَحْزَن فَالْأول من الْحزن وَالثَّانِي من الإحزان، وَقيل: إِنَّمَا يكره ذَلِك فِي الِانْفِرَاد لِأَنَّهُ إِذا بَقِي مُنْفَردا وتناجى من عداء دونه أحزنه ذَلِك لظَنّه إِمَّا حقارته وَإِمَّا مضرته بذلك، بِخِلَاف مَا إِذا كَانُوا بِحَضْرَة النَّاس فَإِن هَذَا الْمَعْنى مَأْمُون عِنْد الِاخْتِلَاط.
٦٢٩١ - حدَّثنا عَبْدَانُ عَنْ أبي حَمْزَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قَسَمَ النبيُّ ﷺ ، يَوْماً قِسْمَةً فَقَالَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّ هاذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أرِيدَ بِها وَجْهُ الله. قُلْتُ: أما وَالله لآتِيَنَّ النبيَّ ﷺ فأتَيْتُهُ وَهْوَ فِي مَلأ فَسارَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: رَحْمَةُ الله عَلى مُوسَى أَو ذِي بأكْثَرَ مِنْ هاذَا فَصَبَرَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَول ابْن مَسْعُود: (فَأَتَيْته وَهُوَ فِي مَلأ فساررته) فَإِن ذَلِك دلَالَة على أَن الْمَنْع يرْتَفع إِذا بَقِي جمَاعَة لَا يتأذون بالمسارة.
وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَقد مر مرَارًا عديدة، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي يروي عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق ابْن سَلمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي: بَاب مُجَرّد عقيب: بَاب طوفان من السَّيْل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره، وَمضى فِي الْأَدَب عَن حَفْص بن عمر، وَفِي الْمَغَازِي عَن قبيصَة، وَسَيَأْتِي فِي الدَّعْوَات عَن حَفْص بن عمر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (فِي مَلأ) أَي: فِي جمَاعَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب وَنَحْوه بِكِتَاب الاسْتِئْذَان؟ قلت: من جِهَة أَن مَشْرُوعِيَّة الاسْتِئْذَان هُوَ لِئَلَّا يطلع الْأَجْنَبِيّ على أَحْوَال دَاخل الْبَيْت، أَو أَن الْغَالِب أَن الْمُنَاجَاة لَا يكون إلَاّ فِي الْبيُوت والمواضع الْخَاصَّة الخالية، فَذكره على سَبِيل التّبعِيَّة للاستئذان. قلت: فِيهِ مَا فِيهِ.
٤٨ - (بابُ طُولِ النَّجْوَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان طول النَّجْوَى وَهُوَ إسم قَامَ مقَام الْمصدر يَعْنِي: التناجي، يُقَال: ناجاه يناجيه مُنَاجَاة.
وَقَوْلِهِ: ﴿ (٧١) وَإِذ هم نجوى﴾ (الْإِسْرَاء: ٤٧) مَصْدَرٌ مِنْ ناجَيْتُ، فَوَصَفَهُمْ بِها والمَعْنَى: يَتَنَاجَوْنَ.
أَي قَوْله : ﴿وَإِذ هم نجوى﴾ وَهَذَا من بَاب الْمُبَالغَة كَمَا يُقَال: أَبُو حنيفَة فقه. قَوْله: ﴿مصدر﴾ ، قد ذكرنَا أَنه إسم مصدر قَامَ مقَامه، وَهَذَا التَّفْسِير فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي قَوْله: (فوصفهم بهَا) حَيْثُ قَالَ: ﴿وَإِذ هم نجوى﴾ وَقَالَ الْأَزْهَرِي أَي: ذُو نجوى.
٦٢٩٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ عبدِ العَزِيزِ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاة ورَجُلٌ يُناجِي رسولَ الله ﷺ ، فَما زَالَ يَناجِيهِ حَتَّى نامَ أصْحابُهُ ثُمَّ قامَ فَصَلَّى. (انْظُر الحَدِيث ٦٤٢ وطرفه) .
стр. 6782
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَمُحَمّد بن بشار هُوَ بنْدَار، وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الإِمَام تعرض لَهُ الْحَاجة بعد الْإِقَامَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي معمر عبد الله بن عَمْرو عَن عبد الْوَارِث عَن عبد الْعَزِيز عَن أنس ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وَرجل يُنَاجِي رَسُول الله ﷺ لفظ الحَدِيث هُنَاكَ: وَالنَّبِيّ ﷺ ، يُنَاجِي رجلا فِي جَانب الْمَسْجِد، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة حَتَّى نَام الْقَوْم.
٤٩ - (بابُ لَا تُتْرَكُ النَّارُ فِي البَيْتِ عِنْدَ النَّوْم)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَذَا إِلَى آخِره قَوْله: لَا تتْرك، على صِيغَة الْمَجْهُول وَالنَّار، مَرْفُوع بِهِ وَيجوز: لَا يتْرك النَّار، على صِيغَة النَّفْي. أَي: لَا يتْرك أحد الناء فِي بَيته عِنْد نَومه، وَالنَّار مَنْصُوب على هَذَا.
٦٤ - (حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لَا تتركوا النَّار فِي بُيُوتكُمْ حِين تنامون) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يروي عَن أَبِيه عبد الله عَن النَّبِي ﷺ َ - والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن ابْن أبي عمر وَغير وَاحِد وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة قَوْله لَا تتركوا النَّار عَام يدْخل فِيهِ نَار السراج وَغَيره وَأما الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة فِي الْمَسَاجِد وَغَيرهَا إِذا أَمن الضَّرَر كَمَا هُوَ الْغَالِب فَالظَّاهِر أَنه لَا بَأْس بهَا قَوْله حِين تنامون قَيده بِالنَّوْمِ لحُصُول الْغَفْلَة بِهِ غَالِبا
٦٥ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن بريد بن عبد الله عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ احْتَرَقَ بَيت بِالْمَدِينَةِ على أَهله من اللَّيْل فَحدث بشأنهم النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِن هَذِه النَّار إِنَّمَا هِيَ عَدو لكم فَإِذا نمتم فأطفؤها عَنْكُم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فأطفؤها لِأَن الطفء عدم تَركهَا فِي الْبَيْت عِنْد النّوم وَمُحَمّد بن الْعَلَاء أَبُو كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي وَأُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء ابْن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وبريد هَذَا يروي عَن جده أبي بردة واسْمه عَامر وَقيل الْحَارِث عَن أبي مُوسَى والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن سعيد بن عَمْرو وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة قَوْله " فَحدث " على صِيغَة الْمَجْهُول من التحديث أَي أخبر بشأنهم أَي بحالهم قَوْله " عَدو " يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث والمثنى وَالْجمع وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ معنى كَون النَّار عدوا لنا أَنَّهَا تنَافِي أبداننا وَأَمْوَالنَا مُنَافَاة الْعَدو وَإِن كَانَت لنا بهَا مَنْفَعَة لَكِن لَا تحصل لنا إِلَّا بِوَاسِطَة فَأطلق أَنَّهَا عَدو لنا لوُجُود معنى الْعَدَاوَة فِيهَا قلت أوضح مِنْهُ أَن يُقَال إِذا ظَفرت بِنَا فِي أَي وَقت كَانَت وَأي مَكَان كَانَت تحرقنا وَلَا تطلقنا
٦٦ - (حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد عَن كثير عَن عَطاء عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - خمروا الْآنِية وأجيفوا الْأَبْوَاب وأطفؤا المصابيح فَإِن الفويسقة رُبمَا جرت الفتيلة فأحرقت أهل الْبَيْت)
стр. 6783
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد وَكثير ضد قَلِيل ابْن شنظير بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ وَفِي بعض النّسخ صرح بِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْموضع وَمَوْضِع آخر فِي بَاب لَا يرد السَّلَام فِي الصَّلَاة قبل كتاب الْجَنَائِز بعدة أَبْوَاب وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن مُسَدّد فِي بَاب خمس من الدَّوَابّ فواسق يقتلن فِي الْحرم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة بِهِ قَوْله خمروا أَمر من التخمير بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ التغطية قَوْله وأجيفوا أَمر من الإجافة بِالْجِيم وَالْفَاء وَهُوَ الرَّد يُقَال أجفت الْبَاب أَي رَددته قَوْله فَإِن الفويسقة تَصْغِير الفاسقة وَهِي الفارة قَوْله الفتيلة وَهِي فَتِيلَة المصابيح وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْأَمر وَالنَّهْي فِي هَذَا الحَدِيث للإرشاد قَالَ وَقد يكون للنَّدْب وَجزم النَّوَوِيّ أَنه للإرشاد لكَونه مصلحَة دنيوية وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد يُفْضِي إِلَى مصلحَة دينية وَهِي حفظ النَّفس الْمحرم قَتلهَا وَالْمَال الْمحرم تبذيره وَجَاء فِي الحَدِيث سَبَب الْأَمر بذلك وَسبب الْحَامِل للفويسقة وَهِي الفارة على جر الفتيلة وَهُوَ مَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان وَصَححهُ وَالْحَاكِم من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جَاءَت فارة فجرت الفتيلة فألقتها بَين يَدي النَّبِي ﷺ َ - على الْخمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدا عَلَيْهَا فأحرقت مِنْهَا مثل مَوضِع الدِّرْهَم فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا نمتم فأطفؤا سرجكم فَإِن الشَّيْطَان يدل مثل هَذِه على هَذَا فيحرقكم
٥٠ - (بابُ إغْلاقِ الأبْوَابِ باللّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْأَمر بإغلاق الْأَبْوَاب فِي اللَّيْل، والإغلاق بِكَسْر الْهمزَة كَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والجرجاني وكريمة عَن الْكشميهني، وَفِي بعض النّسخ: بَاب غلق الْأَبْوَاب بِاللَّيْلِ، وَهُوَ وَإِن ثَبت فِي اللُّغَة فَالْأول أفْصح.
٦٢٩٦ - حدَّثنا حَسَّانُ بنُ أبي عبادٍ حدّثنا هَمَّامٌ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : أطْفِؤُوا المَصابِيحَ باللَّيْلِ إذَا رَقَدْتُمْ وأغْلِقُوا الأبْوَابَ وأوْكُوا الأسْقيةَ وَخَمِّرُو الطَّعامَ والشَّرَابَ. قَالَ هَمَّامٌ: وأحْسِبُهُ قَالَ: وَلَوْ بِعُودٍ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور قبله أخرجه عَن حسان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الشين ابْن أبي عباد بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَاسم أبي عباد حسان أَيْضا أَبُو عَليّ الْبَصْرِيّ سكن مَكَّة وَمَات سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَهَمَّام بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْمِيم الأولى ابْن يحيى، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح.
قَوْله: (وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب) من الإغلاق وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: وغلقوا، من التغليق. قَوْله: (وأوكوا) من الإيكاء، وَهُوَ الشد والربط والأسقية جمع سقاء وَهِي الْقرْبَة وَفَائِدَته صيانته من الشَّيْطَان فَإِنَّهُ لَا يكْشف غطاء وَلَا يحل سقاء، وَمن الوباء الَّذِي ينزل من السَّمَاء فِي لَيْلَة من السّنة كَمَا ورد بِهِ فِي الحَدِيث، والأعاجم يَقُولُونَ: تِلْكَ اللَّيْلَة فِي كانون الأول، وَمن المقذرات والحشرات، وَقد مر الْكَلَام أَيْضا فِي كتاب الْأَشْرِبَة فِي: بَاب تَغْطِيَة الْإِنَاء. قَوْله: (قَالَ همام) وَهُوَ الرَّاوِي الْمَذْكُور: أَحْسبهُ أَي: أَظن عَطاء بِأَنَّهُ قَالَ: وَلَو يعود أَي: وَلَو تخمرونه بِعُود. ويروى: وَلَو بِعُود تعرضه أَي تضعه عَلَيْهِ بعرضه وَيُرَاد بِهِ أَن التخمير يحصل بذلك، وَمن جملَة امرء لغلق الْأَبْوَاب خشيَة انتشار الشَّيَاطِين وتسليطهم على ترويع الْمُسلمين وأذاهم، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر أَنه ﷺ قَالَ: إِذا جنح اللَّيْل فاحبسوا أَوْلَادكُم فَإِن الله يبث من حلقه بِاللَّيْلِ مَا لَا يبثه بِالنَّهَارِ وَأَن للشياطين انتشار أَو خطْفَة.
٥١ - (بابُ الخِتانِ بَعْدَ الكِبَرِ وَنَتْفِ الإبْطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخِتَان بعد كبر الرجل، ويروى: بَعْدَمَا كبر، وَفِي بَيَان نتف الْإِبِط، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه ذكر هَذَا الْبَاب فِي كتاب الاسْتِئْذَان هُوَ أَن الْخِتَان لَا يحصل إلَاّ فِي الدّور والمنازل الْخَاصَّة وَلَا يدْخل فِيهَا إلَاّ بالاستئذان.
٦٢٩٧ - حدَّثنا يَحْياى بنُ قَزَعَةَ حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ
стр. 6784
المُسَيَّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتانُ والاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الإبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأظْفارِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٨٨٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى بن قزعة بِالْقَافِ وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات الْحِجَازِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي اللبَاس فِي: بَاب قصّ الشَّارِب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (الْفطْرَة) أَي: سنة الْأَنْبِيَاء ﵈ الَّذين أمرنَا أَن نقتدي بهم. وَأول من أَمر بهَا إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ تَعَالَى: ﴿ (٢) وَإِذا ابتلى إِبْرَاهِيم ربه بِكَلِمَات﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٤) والتخصيص بالخمس لَا يُنَافِي الرِّوَايَة القائلة بِأَنَّهَا عشر: والسواك والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والاستنجاء وَغسل البراجم، وَهَذِه الْخَمْسَة وَفِيه رِوَايَات أخر. قَوْله: (الْخِتَان) وَاجِب على ظَاهر الْأَقْوَال على الرِّجَال وَالنِّسَاء. وَفِي قَول: سنة فِيهَا، وَبِه قَالَ مَالك والكوفيون، وَفِي قَول: وَاجِب على الرِّجَال دون النِّسَاء، وَقد رُوِيَ مَرْفُوعا: الْخِتَان سنة للرِّجَال ومكرمة للنِّسَاء وَلَكِن هَذَا ضَعِيف: وَاخْتلفُوا فِي وقته، فَقَالَت الشَّافِعِيَّة: بعد الْبلُوغ وَيسْتَحب فِي السَّابِع بعد الْولادَة اقْتِدَاء بِأَمْر رَسُول الله ﷺ ، فِي الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ فَإِنَّهُ ختنهما يَوْم السَّابِع من ولادتهما، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَقَالَ اللَّيْث: الْخِتَان للغلام مَا بَين سبع سِنِين إِلَى الْعشْر، وَقَالَ مَالك: عَامَّة مَا رَأَيْت الْخِتَان ببلدنا إِذا أشغر، وَقَالَ مَكْحُول: إِن إِبْرَاهِيم، صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه، ختن ابْنه إِسْحَاق لسبعة أَيَّام وختن ابْنه إِسْمَاعِيل لثلاث عشرَة سنة. قَوْله: (والاستحداد) أَي: اسْتِعْمَال الْحَدِيد الْحلق الْعَانَة، وَعَن الشّعبِيّ: استحد الرجل إِذا نور مَا تَحت إزَاره وَهُوَ خلاف الْمَعْهُود. قَوْله: (وتقليم الْأَظْفَار) أَي: قصها.
٦٢٩٨ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْب بنُ أبي حَمْزَة حدّثنا أَبُو الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ ﵇ بَعْدَ ثَمانِينَ سَنَةً، واخْتَتَنَ بالقَدُومِ، مُخَفَّفَةً. (انْظُر الحَدِيث ٣٣٥٦) .
مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا لِأَن إِبْرَاهِيم ﵇ اختتن بعد الْكبر.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وبالنون المخففة عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (بعد ثَمَانِينَ سنة) وَقع فِي (الْمُوَطَّأ) من رِوَايَة أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة: أَن إِبْرَاهِيم ﵇ أول من اختتن وَهُوَ ابْن عشْرين وَمِائَة، واختتن بالقدوم، وعاش بعد ذَلِك ثَمَانِينَ سنة. وَفِي (فَوَائِد ابْن السماك) من طَرِيق أبي أويس عَن أبي الزِّنَاد بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا، وَأكْثر الرِّوَايَات على مَا وَقع فِي حَدِيث الْبَاب أَنه اختتن وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة. وَقد جمع بَعضهم بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن إِبْرَاهِيم ﵇ عَاشَ مِائَتي سنة مِنْهَا ثَمَانُون غير مختون وَمِنْهَا مائَة وَعِشْرُونَ وَهُوَ مختون، فَمَعْنَى الأول: اختتن لثمانين مَضَت من عمره، وَمعنى الثَّانِي لمِائَة وَعشْرين بقيت من عمره: قلت: إِنَّمَا يجمع بَينهمَا إِذا كَانَا متساويين فِي الصِّحَّة، وَحَدِيث الْبَاب لَا يقاومه الآخر لما فِي صِحَّته من النّظر، على أَن الْبَعْض ذهب إِلَى عدم صِحَّته. قَوْله: (واختتن بالقدوم) بِفَتْح الْقَاف وَضم الدَّال بتخفيفها وَفِي آخر مِيم، قيل: هِيَ آلَة النجار، وَقيل: إسم مَوضِع، وَقَالَ الْمُهلب: الْقدوم بِالتَّخْفِيفِ الْآلَة وبالتشديد الْموضع، وَقد يتَّفق لإِبْرَاهِيم ﵇ الْأَمْرَانِ يَعْنِي: أَنه اختتن بالآلة وَفِي الْموضع، وَعَن يحيى ابْن سعيد: الْقدوم الفأس، وَعَن عبد الرَّزَّاق بِسَنَد صَحِيح، قَالَ: الْقدوم الْقرْيَة، وَعَن الْحَازِمِي: قَرْيَة كَانَت عِنْد حلب، وَقيل: كَانَ مجْلِس إِبْرَاهِيم ﵇ قَوْله: (مُخَفّفَة) تَقْدِيره: أَعنِي مُخَفّفَة الدَّال.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله: حَدثنَا قُتَيْبَةُ حَدثنَا المُغِيرَةُ عنْ أبي الزِّنادِ، وَقَالَ: بالقَدُّومِ، مُشَدَّدَةً وهْوَ مَوْضِعٌ
أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقدوم، فَفِي رِوَايَة شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أبي الزِّنَاد بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي رِوَايَة الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن الْحزَامِي عَن أبي الزِّنَاد بِالتَّشْدِيدِ أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: مُشَدّدَة، أَعنِي: بتَشْديد الدَّال.
٦٢٩٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أخبرنَا عَبَّادُ بنُ مُوسَى حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ
стр. 6785
إسْرَائِيلَ عَنْ أبي إسْحاقَ عَنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ ابنُ عَبّاسٍ مِثْلُ مَنْ أنْتَ حِينَ قُبِضَ النبيُّ ﷺ ؟ قَالَ: أَنا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، قَالَ: وكانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٩٩ طرفه فِي: ٦٣٠٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كَونه مُشْتَمِلًا على الْخِتَان، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ. وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم الَّذِي يُقَال لَهُ صَاعِقَة الْبَغْدَادِيّ، وَعباد بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْخُتلِي بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق الْمُشَدّدَة من الطَّبَقَة السُّفْلى من شُيُوخ البُخَارِيّ. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (مختون) أَي: وَقع عَلَيْهِ الْخِتَان وَهُوَ إسم مفعول من ختن، وَمرَاده أَنه كَانَ أدْرك حِين ختن وَذَلِكَ لقَوْله. (وَكَانُوا لَا يختنون) أَي: كَانَت عَادَتهم أَنهم لَا يختنون صبيانهم إِلَّا إِذا أدركوا، وَقيل: قَوْله: (وَكَانُوا)
إِلَى آخِره مدرج، ورد بِأَن الأَصْل أَنه من كَلَام من نقل عَنهُ الْكَلَام السَّابِق. فَإِن قلت: قد روى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: قبض النَّبِي ﷺ ، وَأَنا ابْن عشر، وروى عَنهُ عبيد الله بن عبد الله: أتيت النَّبِي ﷺ بمنى وَأَنا قد ناهزت الِاحْتِلَام. قلت: الصَّحِيح الْمَحْفُوظ أَن عمره عِنْد وَفَاة النَّبِي ﷺ كَانَ ثَلَاث عشرَة سنة، لِأَن أهل السّير قد صححوا أَنه ولد بِالشعبِ، وَذَلِكَ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين. وَأما قَوْله: وَأَنا ابْن عشر، فَمَحْمُول على إِلْغَاء الْكسر على أَنه روى أَحْمد من طَرِيق آخر عَنهُ أَنه كَانَ حينئذٍ ابْن خمس عشرَة سنة، قَوْله: (لَا يختنون) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبكسرها. قَوْله: (حَتَّى يدْرك) أَي: حَتَّى يبلغ.
(وَقَالَ ابْن إِدْرِيس عَن أَبِيه عَن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قبض النَّبِي ﷺ َ - وَأَنا ختين) هَذَا طَرِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن إِدْرِيس هَذَا وَهُوَ عبد الله بن إِدْرِيس بن يزِيد بن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود الأودي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة الْكُوفِي وَقَالَ الْكرْمَانِي أحد الْأَعْلَام كَانَ نَسِيج وَحده وفريد زَمَانه يروي عَن أَبِيه إِدْرِيس وَإِدْرِيس يروي عَن أبي إِسْحَق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي عَن سعيد بن جُبَير
٥٢ - (بابُ كلُّ لَهْوٍ باطِلٌ إِذا شَغَلَهُ عَنْ طاعَةِ الله)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: كل لَهو بَاطِل، وَهِي لفظ حَدِيث أخرجه أَحْمد وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة من حَدِيث عقبَة بن عَامر رَفعه: (كل مَا يلهو بِهِ الْمَرْء الْمُسلم بَاطِل إلَاّ رمية بقوسه، وتأديب فرسه، وملاعبة أَهله) . وَلما لم يكن هَذَا الحَدِيث على شَرطه جعل مِنْهُ تَرْجَمَة وَلم يُخرجهُ فِي (الْجَامِع) . قَوْله: (كل لَهو) ، كَلَام إضافي مَرْفُوع على الِابْتِدَاء. قَوْله: (بَاطِل) خَبره. قَوْله: (إِذا شغله) الضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى اللَّهْو، والمنصوب إِلَى اللاهي يدل عَلَيْهِ لفظ: اللَّهْو، وَقيد بقوله: إِذا شغله ... الخ، لِأَنَّهُ إِذا لم يشْغلهُ عَن طَاعَة الله يكون مُبَاحا، وَعَلِيهِ أهل الْحجاز. لَا يُرى أَن الشَّارِع أَبَاحَ للجاريتين يَوْم الْعِيد الْغناء فِي بَيت عَائِشَة من أجل الْعِيد، كَمَا مضى فِي كتاب الْعِيدَيْنِ، وأباح لَهَا النّظر إِلَى لعب الْحَبَشَة بالحراب فِي الْمَسْجِد؟ وَوجه ذكر هَذَا الْبَاب فِي كتاب الاسْتِئْذَان من حَيْثُ إِن اللَّهْو لَا يكون إلَاّ فِي الْمنَازل، وَمِنْه الْقمَار فَلَا يكون إلَاّ فِي منزل خَاص وَدخُول الْمنزل يحْتَاج إِلَى الاسْتِئْذَان.
وَمَنْ قَالَ لِصاحِبِهِ: تَعالَ أُقامرْكَ
هَذَا عطف على مَا قبله وَمَعْنَاهُ: من قَالَ هَذَا مَا يكون حكمه. قَوْله: (تعال) أَمر من: تَعَالَى يتعالى تعالياً، تَقول: تعال تعاليا تَعَالَوْا تعالي للْمَرْأَة تعاليا تعالين، وَلَا يتَصَرَّف مِنْهُ غير ذَلِك، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَلَا يجوز أَن يُقَال مِنْهُ: تعاليت، وَلَا ينْهَى مِنْهُ، وَقَالَ غَيره: يجوز تعاليت.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس ... . سَبِيل الله﴾ (لُقْمَان: ٦)
هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والأكثرين: وَقَوله وَمن النَّاس ﴿من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث﴾ . الْآيَة. وَتَمام الْآيَة: ﴿ (١٣) ليضل عَن سَبِيل ... . عَذَاب مهين﴾ (لُقْمَان: ٦) وَوجه ذكر هَذِه الْآيَة عقيب التَّرْجَمَة
стр. 6786
الْمَذْكُورَة أَنه جعل اللَّهْو فِيهَا قائداً إِلَى الضلال صاداً عَن سَبِيل الله فَهُوَ بَاطِل، وَقيل: ذكر هَذِه الْآيَة لاستنباط تَقْيِيد اللَّهْو بالترجمة من مَفْهُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿ليضل عَن سَبِيل الله بِغَيْر علم﴾ فَإِن مَفْهُومه أَنه إِذا اشْتَرَاهُ لَا ليضل لَا يكون مذموماً، وَكَذَا مَفْهُوم التَّرْجَمَة أَنه إِذا لم يشْغلهُ اللَّهْو عَن طَاعَة الله لَا يكون مذموماً، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن.
وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي اللَّهْو فِي الْآيَة، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: الْغناء وَحلف عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب، وَقَالَهُ مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: الِاسْتِمَاع إِلَى الْغناء وَإِلَى مثله من الْبَاطِل، وَقيل: مَا يلهاه من الْغناء وَغَيره، وَعَن ابْن جريج: الطبل، وَقيل: الشّرك، وَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت هَذِه الْآيَة فِي رجل اشْترى جَارِيَة تغنيه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَقيل: نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث وَكَانَ يتجر إِلَى فَارس فيشتري كتب الْأَعَاجِم فَيحدث بهَا قُريْشًا، وَيَقُول: إِن كَانَ مُحَمَّد يُحَدثكُمْ بِحَدِيث عَاد وَثَمُود فَأَنا أحدثكُم بِحَدِيث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الْحيرَة، فيستملحون حَدِيثه ويتركون اسْتِمَاع الْقُرْآن. قَوْله: ﴿ليضل عَن سَبِيل الله﴾ أَخذ البُخَارِيّ مِنْهُ قَوْله فِي التَّرْجَمَة: إِذا شغله عَن طَاعَة الله، وَالْمرَاد من: ﴿سَبِيل الله﴾ الْقُرْآن، وَقيل: دين الْإِسْلَام، وقرى: ليضل، بِضَم الْيَاء وَفتحهَا.
٦٣٠١ - حدَّثنا يَحْيَّى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عَن ابنِ شهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بالّلاتِ والعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلاّ الله، ومَنْ قَالَ لِصاحِبِهِ: تعال أُقامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْحلف بِاللات لَهو شاغل عَن الْحلف بِالْحَقِّ فَيكون بَاطِلا.
وَرِجَال الحَدِيث قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير فِي سُورَة: والنجم، عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ صُورَة تَعْظِيم الْأَصْنَام حِين حلف بهَا، فَأمر أَن يتداركه بِكَلِمَة التَّوْحِيد أَي: كَفَّارَته كلمة الشَّهَادَة، وَكَفَّارَة الدَّعْوَى إِلَى الْقمَار التَّصَدُّق بِمَا يُطلق عَلَيْهِ إسم الصَّدَقَة. قَوْله: (وَمن قَالَ لصَاحبه)
إِلَى آخِره مُطَابق لقَوْله فِي التَّرْجَمَة كَذَلِك، وَلم يخْتَلف الْعلمَاء فِي تَحْرِيم الْقمَار لقَوْله تَعَالَى: ﴿ (٥) إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ (الْمَائِدَة: ٩٠) . الْآيَة. وَاتفقَ أهل التَّفْسِير على أَن الميسر هُنَا الْقمَار، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يجْعَلُونَ جعلا فِي المقامرة ويستحقونه بَينهم، فنسخ الله تَعَالَى أَفعَال الْجَاهِلِيَّة وَحرم الْقمَار وَأمرهمْ بِالصَّدَقَةِ عوضا مِمَّا أَرَادوا استباحته من الميسر الْمحرم، وَكَانَت الْكَفَّارَة من جنس الذَّنب لِأَن المقامر لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون غَالِبا أَو مَغْلُوبًا فَإِن غَالِبا فالصدقة كَفَّارَة لما كَانَ يدْخل فِي يَده من الميسر، وَإِن كَانَ مَغْلُوبًا فإخراجه الصَّدَقَة لوجه الله تَعَالَى أولى من إِخْرَاجه عَن يَده شَيْئا لَا يحل لَهُ إِخْرَاجه.
٥٣ - (بابُ مَا جاءَ فِي البِناء)
أَي: هَذَا بَاب مَا جَاءَ فِي الْبناء وذمه من الْأَخْبَار، وَالْبناء أَعم من أَن يكون من طين أَو حجر أَو خشب أَو قصب وَنَحْو ذَلِك، وَقد ذمّ الله من بنى مَا يفضل عَمَّا يكنه من الْحر وَالْبرد ويستره عَن النَّاس فَقَالَ: ﴿أتبنون بِكُل ريع ... . لَعَلَّكُمْ تخلدون﴾ (الْفرْقَان: ١٢٨) يَعْنِي: قصوراً، وَقد جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ ، أَنه قَالَ: (مَا أنْفق ابْن آدم فِي التُّرَاب فَلَنْ يخلف لَهُ وَلَا يُؤجر عَلَيْهِ) . وَأما من بنى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ليكنه من الْحر وَالْبرد والمطر فمباح لَهُ ذَلِك، وَكَذَلِكَ كَانَ السّلف يَفْعَلُونَ. أَلا ترى إِلَى قَول ابْن عمر ﵄ بنيت بَيْتِي بيَدي يكنني من الْمَطَر ... إِلَى آخِره، وروى ابْن وهب وَابْن نَافِع عَن مَالك قَالَ: كَانَ سُلَيْمَان يعْمل الخوص بِيَدِهِ وَهُوَ أَمِير، وَلم يكن لَهُ بَيت إِنَّمَا كَانَ يستظل بالجدر وَالشَّجر، وروى ابْن أبي الدُّنْيَا من رِوَايَة عمَارَة بن عَامر: إِذا رفع الرجل فَوق سَبْعَة أَذْرع نُودي: يَا فَاسق إِلَى أَيْن؟
قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ : مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ إذَا تَطَاوَلَ رِعاءُ البَهْمِ فِي البُنْيانِ
هَذَا التَّعْلِيق مضى مَوْصُولا مطولا فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل ﵇ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6787
عَن الْإِيمَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد ... إِلَى آخِره. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (من أَشْرَاط السَّاعَة) أَي: من عَلَامَات يَوْم الْقِيَامَة، وَهُوَ جمع شَرط بِفتْحَتَيْنِ وَإِنَّمَا جمع جمع الْقلَّة مَعَ أَن العلامات أَكثر من الْعشْرَة لِأَن بَين الجمعين مُعَارضَة، أَو أَن الْفرق بَينهمَا فِي الجموع النكرَة لَا فِي المعارف. قَوْله: (رُعَاة البهم) ، بِضَم الرَّاء وبتاء التَّأْنِيث فِي آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: رعاء، بِكَسْر الرَّاء وبالهمزة مَعَ الْمَدّ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرعاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ جمع راعي الْغنم، وَقد يجمع على رُعَاة بِالضَّمِّ، والبهم بِضَم الْبَاء جمع الأبهم وَهُوَ الَّذِي يخلط لَونه شَيْء سوى لَونه، وَبِفَتْحِهَا جمع البهمة وَهِي أَوْلَاد الضَّأْن، وَقيل: البهم أَيْضا المجتمعة مِنْهَا، وَمن أَوْلَاد الْمعز وَحَاصِله: أَن الْفُقَرَاء من أهل الْبَادِيَة تبسط لَهُم الدُّنْيَا يتباهون فِي إطالة الْبُنيان وَهَؤُلَاء الَّذين يَقُولُونَ: بِلَاد مصر وَالشَّام كَانُوا فِي بِلَادهمْ لَا يملكُونَ شَيْئا وهم فِي أضيق الْمَعيشَة وغالبهم كَانُوا رُعَاة وَأَنَّهُمْ يبنون كل قصر من خزف يصرف عَلَيْهِ أَكثر من قِنْطَار من ذهب ويسرفون فِي المآكل والمشارب والملابس بِمَا لَا يرضى الله بِهِ وَلَا رَسُوله وَالْأَمر لله الْوَاحِد القهار.
٦٣٠٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا إسْحاقُ هُوَ ابنُ سَعِيدٍ عَنْ سَعيد عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رأيْتُنِي مَعَ النبيِّ ﷺ ، بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتاً يُكِنُّنِي مِنَ المَطَرِ ويُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ مَا أعانَني عَلَيْهِ أحَدٌ مِنْ خَلْقِ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بنيت بيَدي) وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ على البُخَارِيّ فَقَالَ: أَدخل هَذَا الحَدِيث فِي الْبناء بالطين والمدر والخزف إِنَّمَا هُوَ فِي بَيت الشّعْر، لِأَنَّهُ أخرج هَذَا الحَدِيث، وَفِي رِوَايَته بَيْتا من شعر، ورد عَلَيْهِ بِأَن هَذِه الزِّيَادَة ضَعِيفَة عِنْدهم، وعَلى تَقْدِير ثُبُوتهَا فَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَة تَقْيِيد بالطين وَغَيره.
وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَإِسْحَاق هُوَ ابْن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي الْقرشِي، وَإِسْحَاق هَذَا سكن مَكَّة، وَقد روى هَذَا الحَدِيث عَن وَالِده وَهُوَ المُرَاد بقوله: عَن سعيد عَن عبد الله بن عمر ﵄.
والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن ابْن نعيم بِهِ.
قَوْله: (رَأَيْتنِي) ضمير الْفَاعِل وَالْمَفْعُول عبارَة عَن شخص وَاحِد وَمَعْنَاهُ: رَأَيْت نَفسِي. قَوْله: (مَعَ النَّبِي ﷺ أَي: فِي زمن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (يكنني) بِضَم الْيَاء من أكن إِذا وقى، قَالَ ابْن الْأَثِير: كَذَا قرأناه، وَعَن الْكسَائي: كننت الشَّيْء سترته وصنته من الشَّمْس، وأكننته فِي نَفسِي أسررته، وَقَالَ أَبُو زيد: كننته وأكننته بِمَعْنى وَاحِد فِي الْكن بِالْكَسْرِ، وَفِي النَّفس جَمِيعًا تَقول: كننت الْعلم وأكننته وكننت الْجَارِيَة وأكننتها. قَوْله: (مَا أعانني عَلَيْهِ) أَي: على بِنَاء هَذَا الْبَيْت أحد من النَّاس، وَهَذَا تَأْكِيد لقَوْله: (بنيت بيَدي بَيْتا) ، وَإِشَارَة إِلَى خفَّة مُؤْنَته.
٦٣٠٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ قَالَ عَمْرو: قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَالله مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً على لَبِنَةٍ وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النبيُّ ﷺ . قَالَ سُفْيانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أهْلِهِ قَالَ: وَالله لَقَدْ بَنى، قَالَ سُفْيانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ: قَبْلَ أنْ يَبْنِيَ؟ .
مطابقته للتَّرْجَمَة أَيْضا مَا ذكر فِي الَّذِي قبله. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعمر وَهُوَ ابْن دِينَار.
قَوْله: (مُنْذُ قبض) أَي: مُنْذُ توفّي النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَالله لقد بنى) أَي: بَيْتا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لقد بنى بَيْتا. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان: فَلَعَلَّهُ) أَي: فَلَعَلَّ ابْن عمر (قَالَ: قبل أَن يَبْنِي) يَعْنِي: قبل الْبناء، وَهَذَا اعتذار حسن من سُفْيَان. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: قبل أَن يبتني، أَي: قبل أَن يتَزَوَّج، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ الْحَقِيقَة أَي الْبناء بِيَدِهِ، والمباشرة بِنَفسِهِ، وَلَعَلَّه أَرَادَ التَّسَبُّب بِالْأَمر بِهِ وَنَحْوه، وَالله أعلم. وَيحْتَمل أَنه يكون الَّذِي نَفَاهُ ابْن عمر مَا زَاد على حَاجته، وَالَّذِي أثْبته بعض أَهله بِنَاء بَيت لَا بُد لَهُ مِنْهُ أَو إصْلَاح مَا وهى من بَيته، وَالله المتعال أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
стр. 6788
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان الدَّعْوَات، وَهُوَ جمع دَعْوَة بِفَتْح الدَّال وَهُوَ مصدر يُرَاد بِهِ الدُّعَاء، يُقَال: دَعَوْت الله أَي: سَأَلته، وَالدُّعَاء وَاحِد الْأَدْعِيَة واصله دَعَا وَلِأَنَّهُ من دَعَوْت إلَاّ أَن الْوَاو لما جَاءَت بعد الْألف همزت، وَالدُّعَاء إِلَى الشَّيْء الْحَث على فعله، ودعوت فلَانا سَأَلته، ودعوته استعنته، وَيُطلق أَيْضا على رفْعَة الْقدر كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي الْآخِرَة﴾ (غَافِر: ٤٣) وَيُطلق أَيْضا على الْعِبَادَة، وَالدَّعْوَى بِالْقصرِ الدُّعَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخر دَعوَاهُم﴾ (يُونُس: ١٠) والإدعاء كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ دَعوَاهُم إِذْ جَاءَهُم بأسنا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥) وَيُطلق الدُّعَاء أَيْضا على التَّسْمِيَة كَقَوْلِه : ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء ... . بَعْضكُم بَعْضًا﴾ (النُّور: ٦٣) وَقَالَ الرَّاغِب: الدُّعَاء والنداء وَاحِد، لَكِن قد يتجرد النداء عَن الإسم، وَالدُّعَاء لَا يكَاد يتجرد.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم ... جَهَنَّم داخرين﴾ (غَافِر: ٦٠)
وَلكُل نَبِي دعوةٌ مستجابةٌ
وَقَوله بِالْجَرِّ عطف على الدَّعْوَات وَفِي بعض النّسخ قَول الله تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ بِرَفْع قَول الله، وَفِي بَعْضهَا: وَقَول الله : ﴿ادْعُونِي﴾ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَول الله تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ . الْآيَة، وَفِي رِوَايَة غَيره سَاق الْآيَة إِلَى ﴿داخرين﴾ وَأول الْآيَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي﴾ . الْآيَة. قَوْله: ﴿ادْعُونِي﴾ أَي: وحدوني واعبدوني دون غَيْرِي أجبكم وأغفر لكم وأثبكم، قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين: دَلِيله سِيَاق الْآيَة، وَيُقَال: هُوَ الدُّعَاء وَالذكر وَالسُّؤَال. قَوْله: (عَن عبادتي) أَي: توحيدي وطاعتي، وَقَالَ السّديّ: أَي عَن دعائي. قَوْله: ﴿داخرين﴾ أَي: صاغرين أذلاء. وَظَاهر هَذِه الْآيَة يرجح الدُّعَاء على تَفْوِيض الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى، وَقَالَت طَائِفَة: الْأَفْضَل ترك الدُّعَاء والاستسلام للْقَضَاء، وَأَجَابُوا عَن الْآيَة: بِأَن آخرهَا دلّ على أَن المُرَاد بِالدُّعَاءِ الْعِبَادَة لقَوْله: ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي﴾ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث نعْمَان بن بشير عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي﴾ . . الْآيَة. أخرجه الْأَرْبَعَة وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم، وشذت طَائِفَة فَقَالُوا: المُرَاد بِالدُّعَاءِ فِي الْآيَة ترك الذُّنُوب، وَأجَاب الْجُمْهُور بِأَن الدُّعَاء من أعظم الْعِبَادَة فَهُوَ كالحديث الآخر: الْحَج عَرَفَة، أَي: مُعظم الْحَج وركنه الْأَكْبَر، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس رَفعه: الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة، وَقد تَوَاتَرَتْ الْآثَار عَن النَّبِي ﷺ ، بالترغيب فِي الدُّعَاء وَالْحق عَلَيْهِ لحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه: لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَحَدِيثه رَفعه: من لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ، أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ شيخ شيخ أبي الرّوح السرماري: إِن من لم يسْأَل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عَلَيْهِ، وَالله يحب أَن يسْأَل. وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَفعه: سلوا الله من فَضله فَإِن الله يحب أَن يسْأَل، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَائِشَة ﵂ إِن الله يحب الملحين فِي الدُّعَاء.
قَوْله: (وَلكُل نَبِي دَعْوَة مستجابة) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب، بِالتَّنْوِينِ، وَلكُل نَبِي دَعْوَة مستجابة، وَلَيْسَ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر لفظ: بَاب، فعلى رِوَايَة أبي ذَر هَذِه اللَّفْظَة تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة، وعَلى رِوَايَة غَيره من جملَة التَّرْجَمَة الْمَاضِيَة.
٦٣٠٤ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عَنْ أبي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِها، وأُرِيدُ أنْ أخْتَبىءَ دَعْوَتِي شَفاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٣٠٤ طرفه فِي: ٧٤٧٤) .
стр. 6789
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الله بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (يَدْعُو بهَا) أَي: بِهَذِهِ الدعْوَة، وَفِي رِوَايَة: فتعجل كل نَبِي دَعوته وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد: فَأُرِيد إِن شَاءَ الله أَن أختبىء، وَزِيَادَة إِن شَاءَ الله، فِي هَذِه للتبرك، وَلمُسلم فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: إِنِّي اخْتَبَأْت، وَفِي رِوَايَة أنس: فَجعلت دَعْوَتِي، وَزَاد يَوْم الْقِيَامَة، فَإِن قلت: وَقع للكثير من الْأَنْبِيَاء ﵈ من الدَّعْوَات المجابة وَلَا سِيمَا نَبينَا ﷺ ، وَظَاهره أَن لكل نَبِي دَعْوَة مجابة فَقَط. قلت: أُجِيب بِأَن المُرَاد بالإجابة فِي الدعْوَة الْمَذْكُورَة الْقطع بهَا وَمَا عدا ذَلِك من دعواتهم فَهُوَ على رَجَاء الْإِجَابَة، وَقيل: معنى قَوْله: (لكل نَبِي دَعْوَة) أَي: أفضل دعواته، وَقيل: لكل مِنْهُم دَعْوَة عَامَّة مستجابة فِي أمته إِمَّا بإهلاكهم وَإِمَّا بنجاتهم. وَأما الدَّعْوَات الْخَاصَّة فَمِنْهَا مَا يُسْتَجَاب وَمِنْهَا مَا لَا يُسْتَجَاب. قلت: لَا يحسن أَن يُقَال فِي حق نَبِي من الْأَنْبِيَاء أَن يُقَال: من دعواته مَا لَا يُسْتَجَاب، وَالْمعْنَى الَّذِي يَلِيق بحالهم أَن قَالَ: من دعواتهم مَا يُسْتَجَاب فِي الْحَال، وَمِنْهَا مَا يُؤَخر إِلَى وَقت أَرَادَهُ الله ، أَن اختبىء أَي: أدخر وأجعلها خبيئة.
٦٣٠٥ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: قَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أبي عَنْ أنَس عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: كُلُّ نَبِيّ سألَ سُؤْلاً أوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعا بِها فاسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ.
خَليفَة هُوَ ابْن خياط أَبُو عمر والعصفري الْبَصْرِيّ، هَكَذَا وَقع: قَالَ لي خَليفَة، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: وَقَالَ مُعْتَمر، هُوَ ابْن سُلَيْمَان التَّمِيمِي فعلى الرِّوَايَة الأولى الحَدِيث مُتَّصِل، وَقد وَصله أَيْضا مُسلم فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن عبد الْأَعْلَى أخبرنَا الْمُعْتَمِر عَن أَبِيه عَن أنس بن مَالك أَن نَبِي الله ﷺ قَالَ ... فَذكر نَحْو حَدِيث قَتَادَة عَن أنس، وَحَدِيث قَتَادَة عَن أنس: أَن نَبِي الله ﷺ قَالَ: لكل نَبِي دَعْوَة دَعَاهَا لأمته، وَأما اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (سؤلاً) بِضَم السِّين وَسُكُون الْهمزَة الْمَطْلُوب. قَوْله: (وَقَالَ) شكّ من الرَّاوِي.
٢ - (بابُ أفْضَلِ الاسْتِغْفارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أفضل الاسْتِغْفَار، وَسقط لفظ: بَاب، فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَوَقع لِابْنِ بطال: فضل الاسْتِغْفَار، وَقَالَ الْكرْمَانِي قَوْله: أفضل الاسْتِغْفَار، فَإِن قلت: معنى الْأَفْضَل الْأَكْثَر ثَوابًا عِنْد الله، فَمَا وَجهه هُنَا إِذْ الثَّوَاب للمستغفر لَا لَهُ؟ قلت: هُوَ نَحْو مَكَّة أفضل من الْمَدِينَة أَي: ثَوَاب العابد فِيهَا أفضل من ثَوَاب العابد فِي الْمَدِينَة، فَالْمُرَاد: المستغفر بِهَذَا النَّوْع من الاسْتِغْفَار أَكثر ثَوابًا من المستغفر بِغَيْرِهِ.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (١٧) اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه. . وَيجْعَل لكم أَنهَارًا﴾ (نوح: ١٠) ﴿ (٣) وَالَّذين إِذا فعلوا. . فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ (آل عمرَان: ١٣٥) [/ ح.
وَقَوله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (أفضل الاسْتِغْفَار) ، وَفِي بعض النّسخ وَاسْتَغْفرُوا، بِالْوَاو وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَالصَّوَاب ترك الْوَاو، فَإِن الْقُرْآن: ﴿فَقلت اسْتَغْفرُوا ربكُم﴾ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر أَيْضا هَكَذَا ﴿وَاسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا﴾ الْآيَة. وَفِي رِوَايَة غَيره سَاقهَا إِلَى قَوْله: ﴿أَنهَارًا﴾ كَمَا فِي كتَابنَا هَذَا، وَأَشَارَ بالآيتين إِلَى إِثْبَات مَشْرُوعِيَّة الْحَث على الاسْتِغْفَار فَلذَلِك ترْجم بالأفضلية، وَأَشَارَ بِالْآيَةِ الثَّانِيَة إِلَى أَن بالاستغفار يحصل كل شَيْء، وَيُؤَيّد هَذَا مَا ذكره الثَّعْلَبِيّ أَن رجلا أَتَى الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ فَشَكا إِلَيْهِ الجدوبة فَقَالَ لَهُ الْحسن: اسْتغْفر الله، وَأَتَاهُ آخر فَشَكا إِلَيْهِ الْفقر، فَقَالَ لَهُ: اسْتغْفر الله، وَأَتَاهُ آخر فَقَالَ: ادْع الله لي أَن يَرْزُقنِي إبناً، فَقَالَ: اسْتغْفر الله، وَأَتَاهُ آخر فَشَكا إِلَيْهِ جفاف بساتينه، فَقَالَ لَهُ: اسْتغْفر
стр. 6790
الله، فَقيل لَهُ: أَتَاك رجال يَشكونَ أبواباً ويسألون أنواعاً فَأَمَرتهمْ كلهم بالاستغفار، فَقَالَ: مَا قلت من ذَات نَفسِي فِي ذَلِك شَيْئا إِنَّمَا اعْتبرت فِيهِ قَول الله حِكَايَة عَن نبيه نوح ﵇ أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ. ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم﴾ الْآيَة، وَالْآيَة الثَّانِيَة هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر ﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم﴾ وسَاق غَيره إِلَى قَوْله: ﴿وهم يعلمُونَ﴾ كَمَا فِي كتَابنَا. قَوْله: (يُرْسل السَّمَاء) أَي: الْمَطَر. قَوْله: (مدراراً) حَال من السَّمَاء. قَوْله: (فَاحِشَة) أَي: الزِّنَا.
٦٣٠٦ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حَدثنَا عَبْدُ الوارِثِ حدّثنا الحُسَيْنُ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عَنْ بُشَيْرِ ابنِ كَعْبٍ العَدَوِيِّ قَالَ: حَدثنِي شَدَّادُ بنُ أوْسِ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: سَيِّدُ الاسْتِغْفارِ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لَا إلاهَ إلَاّ أنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنا عَبْدُكَ وَأَنا عَلى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأبُوءُ بِذَنْبِي فاغْفِرْ لِي فإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَاّ أَنْتَ، قَالَ: ومنْ قالَها مِنَ النَّهارِ مُوقناً بِها فَماتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ فَهُوَ منْ أهْلِ الجَنَّةِ، ومَنْ قالَها مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِها فَماتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٣٠٦ طرفه فِي: ٦٣٢٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (سيد الاسْتِغْفَار) لِأَن السَّيِّد فِي الأَصْل الرئيس الَّذِي يقْصد فِي الْحَوَائِج، وَيرجع إِلَيْهِ فِي الْأُمُور، وَلما كَانَ هَذَا الدُّعَاء جَامعا لمعاني التَّوْبَة كلهَا استغير لَهُ هَذَا الإسم، وَلَا شكّ أَن سيد الْقَوْم أفضلهم، وَهَذَا الدُّعَاء أَيْضا سيد الْأَدْعِيَة وَهُوَ الاسْتِغْفَار.
وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ، وَالْحُسَيْن وَابْن ذكْوَان الْمعلم، وَعبد الله بن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن الْحصيب الْأَسْلَمِيّ، وَبشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن كَعْب الْعَدوي، وَشَدَّاد بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة الأولى ابْن أَوْس بن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام بمهملتين الْأنْصَارِيّ ابْن أخي حسان بن ثَابت الشَّاعِر، وَشَدَّاد صَحَابِيّ جليل نزل الشَّام وكنيته أَبُو يعلى، وَاخْتلف فِي صُحْبَة أَبِيه، وَلَيْسَ لشداد فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الِاسْتِعَاذَة عَن عَمْرو بن عَليّ، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ أَيْضا.
قَوْله: (سيد الاسْتِغْفَار) قيل: مَا الْحِكْمَة فِي كَونه سيد الاسْتِغْفَار؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ وَأَمْثَاله من التعبديات، وَالله تَعَالَى أعلم بذلك، لَكِن لَا شكّ أَن فِيهِ ذكر الله تَعَالَى بأكمل الْأَوْصَاف وَذكر نَفسه بأنقص الْحَالَات، وَهُوَ أقْصَى غَايَة التضرع وَنِهَايَة الاستكانة لمن لَا يَسْتَحِقهَا إلَاّ هُوَ. قَوْله: (أَن تَقول) بِصِيغَة الْمُخَاطب، وَقَالَ بَعضهم: أَن يَقُول، أَي: العَبْد، وَاعْتمد لما قَالَه على مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ أَن سيد الاسْتِغْفَار أَن يَقُول العَبْد، وَذكر أَيْضا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن شَدَّاد: ألَاّ أدلك على سيد الاسْتِغْفَار؟ قلت: رِوَايَة أَحْمد لَا تَسْتَلْزِم أَن يقدر هُنَا أَي: العَبْد، على أَن التَّقْدِير خلاف الأَصْل وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ تؤيد مَا ذكرنَا وتدفع مَا قَالَه على مَا لَا يخفى. (لَا إِلَه إلَاّ أَنْت خلقتني) ويروى: لَا إِلَه إلَاّ أَنْت أَنْت خلقتني. قَوْله: (وَأَنا عَبدك قَالَ الطَّيِّبِيّ: يجوز أَن تكون حَالا مُؤَكدَة، وَيجوز أَن تكون مقررة أَي: أَنا عَابِد لَك، وَيُؤَيِّدهُ عطف. قَوْله: (وَأَنا على عَهْدك) وَسَقَطت الْوَاو مِنْهُ فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَنا على مَا عاهدتك عَلَيْهِ وواعدتك من الْإِيمَان بك وَإِصْلَاح الطَّاعَة لَك. قَوْله: (مَا اسْتَطَعْت) أَي: قدر استطاعتي، وَشرط الِاسْتِطَاعَة فِي ذَلِك الِاعْتِرَاف بِالْعَجزِ والقصور عَن كنه الْوَاجِب من حَقه تَعَالَى، وَقَالَ ابْن بطال: قَوْله: (وَأَنا عَليّ عَهْدك وَوَعدك) يُرِيد بِهِ الْعَهْد الَّذِي أَخذه الله على عباده حَيْثُ أخرجهم أَمْثَال الذَّر وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم؟ فأقروا لَهُ بالربوبية وأذعنوا لَهُ بالوحدانية، وبالوعد مَا قَالَ على لِسَان نبيه: إِن من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا وَأدّى مَا افْترض عَلَيْهِ أَن يدْخلهُ الْجنَّة، وَقيل: وَأدّى مَا افْترض عَلَيْهِ، زِيَادَة لَيست بِشَرْط فِي هَذَا الْمقَام. قلت: إِن لم تكن شرطا فِي هَذَا فَهِيَ شَرط فِي غَيره. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يحْتَمل أَن يُرَاد بالعهد والوعد مَا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة. قَوْله: (أَبُوء) من قَوْلهم: بَاء بِحقِّهِ أَي: أقرّ بِهِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد بِهِ الِاعْتِرَاف، وَيُقَال: قد بَاء فلَان بِذَنبِهِ إِذا احتمله كرها لَا يَسْتَطِيع دَفعه عَن نَفسه. قَوْله: (لَك) لَيست فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: اعْترف أَولا بِأَنَّهُ أنعم عَلَيْهِ وَلم يُقَيِّدهُ
стр. 6791
ليشْمل جَمِيع أَنْوَاع النعم مُبَالغَة، ثمَّ اعْترف بالتقصير، وَأَنه لم يقم بأَدَاء شكرها ثمَّ بَالغ فعده ذَنبا مُبَالغَة فِي التَّقْصِير وهضم النَّفس. قَوْله: (من قَالَهَا موقناً) أَي: مخلصاً من قلبه مُصدقا بثوابها. قَوْله: (وَمن قَالَهَا من النَّهَار) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَمن قَالَهَا قَوْله: (فَمن أهل الْجنَّة) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ دخل الْجنَّة، وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بن ربيعَة: إلَاّ وَجَبت لَهُ الْجنَّة، قيل: الْمُؤمن وَإِن لم يقلها فَهُوَ من أهل الْجنَّة. وَأجِيب بِأَنَّهُ يدخلهَا ابْتِدَاء من غير دُخُول النَّار لِأَن الْغَالِب أَن الموقن بحقيقتها الْمُؤمن بمضمونها لَا يعْصى الله تَعَالَى، أَو لِأَن الله يعْفُو عَنهُ ببركة هَذَا الاسْتِغْفَار.
٣ - (بابُ اسْتِغْفارِ النبيِّ ﷺ فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كمية اسْتِغْفَار النَّبِي ﷺ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة.
٦٣٠٧ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ: قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: وَالله إنِّي لأسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ فِي اليَوْمِ أكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح الْإِجْمَال الَّذِي فِي التَّرْجَمَة من كمية اسْتِغْفَار النَّبِي ﷺ فِي الْيَوْم، وَأَنه أَكثر من سبعين مرّة، وَإِنَّمَا كَانَ يسْتَغْفر هَذَا الْمِقْدَار مَعَ أَنه مَعْصُوم ومغفور لَهُ لِأَن الاسْتِغْفَار عبَادَة، أَو هُوَ تَعْلِيم لأمته، أَو اسْتِغْفَار من ترك الأولى أَو قَالَه تواضعاً، أَو مَا كَانَ عَن سَهْو أَو قبل النُّبُوَّة، وَقيل: اشْتِغَاله بِالنّظرِ فِي مصَالح الْأمة ومحاربة الْأَعْدَاء وتأليف الْمُؤَلّفَة وَنَحْو ذَلِك شاغل عَن عَظِيم مقَامه من حُضُور مَعَ الله وفراغه مِمَّا سواهُ، فيراه ذَنبا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَإِن كَانَت هَذِه الْأُمُور من أعظم الطَّاعَات وَأفضل الْأَعْمَال فَهُوَ نزُول عَن عالي دَرَجَته فيستغفر لذَلِك. وَقيل: كَانَ دَائِما فِي الترقي فِي الْأَحْوَال فَإِذا رأى مَا قبلهَا دونه اسْتغْفر مِنْهُ، كَمَا قيل: حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين، وَقيل: يَتَجَدَّد للطبع غفلات تفْتَقر إِلَى الاسْتِغْفَار. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هفوات الطباع البشرية لَا يسلم مِنْهَا أحد، والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِن عصموا من الْكَبَائِر فَلم يعصموا من الصَّغَائِر. قلت: لَا نسلم ذَلِك، بل عصموا من الصَّغَائِر والكبائر جَمِيعًا قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا، وَشَيخ البُخَارِيّ فِيهِ أَبُو الْيَمَان هُوَ الحكم بن نَافِع.
قَوْله: (أَكثر من سبعين مرّة) ، وَفِي حَدِيث أنس: إِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم سبعين مرّة، يحْتَمل فِيهِ الْمُبَالغَة وَيحْتَمل أَن يُرِيد الْعدَد بِعَيْنِه. قَوْله: (أَكثر) مُبْهَم فَيحْتَمل أَن يُفَسر بِمَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا بِلَفْظ: إِنِّي أسْتَغْفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة بِلَفْظ: إِنِّي لأستغفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ كل يَوْم مائَة مرّة.
٤ - (بابُ التَّوْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّوْبَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: التَّوْبَة الرُّجُوع من الذَّنب وَكَذَلِكَ التوب، وَقَالَ الْأَخْفَش: التوب جمع تَوْبَة، وَتَابَ إِلَى الله تَوْبَة ومتاباً، وَقد تَابَ الله عَلَيْهِ وَفقه لَهَا، واستتابه سَأَلَهُ أَن يَتُوب، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف عِبَارَات الْمَشَايِخ فِيهَا، فقائلاً يَقُول: إِنَّهَا النَّدَم، وَقَائِل يَقُول: إِنَّهَا الْعَزْم على أَن لَا يعود، وَآخر يَقُول: الإقلاع عَن الذَّنب، وَمِنْهُم من يجمع بَين الْأُمُور الثَّلَاثَة، وَهُوَ أكملها، وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: حَقِيقَة التَّوْبَة لَهَا سِتّ عَلَامَات: النَّدَم على مَا مضى، والعزم على أَن لَا يعود، وَيُؤَدِّي كل فرض ضيعه، وَيُؤَدِّي إِلَى كل ذِي حق حَقه من الْمَظَالِم، ويذيب الْبدن الَّذِي زينه بالسحت وَالْحرَام بالهموم وَالْأَحْزَان حَتَّى يلصق الْجلد بالعظم، ثمَّ ينشأ بَينهمَا لَحْمًا طيبا إِن هُوَ نَشأ، وَيُذِيق الْبدن ألم الطَّاعَة كَمَا أذاقه لَذَّة الْمعْصِيَة.
وَقَالَ قتادَةُ: تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً: الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد من طَرِيق شَيبَان عَن قَتَادَة، وَفسّر قَتَادَة التَّوْبَة النصوح بالصادقة الناصحة، وَقَالَ صَاحب
стр. 6792
(الْعين) : التَّوْبَة النصوح الصادقة، وَقيل: سميت بذلك لِأَن العَبْد ينصح فِيهَا نَفسه ويقيها النَّار، وأصل نصُوحًا: منصوحاً فِيهَا إلَاّ أَنه أخبر عَنْهَا باسم الْفَاعِل للنصح على مَا ذكره سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل فِي قَوْله: ﴿ (٩٦) عيشة راضية﴾ (الحاقة: ٢١) أَي: ذَات رضى، وَكَذَلِكَ تَوْبَة نصُوحًا أَي: ينصح فِيهَا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: بَالِغَة فِي النصح وَهِي الْخياطَة كَانَ الْعِصْيَان يخرق وَالتَّوْبَة ترفع، والنصاح بِالْكَسْرِ الْخَيط الَّذِي يخلط بِهِ، والناصح الْخياط والنصيحة الِاسْم والنصح بِالضَّمِّ الْمصدر، وَهُوَ بِمَعْنى الْإِخْلَاص: الخلوص والصدق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الناصح الْخَالِص من الْعَسَل وَغَيره مثل الناصع وكل شَيْء خلص فقد نصح، قَالَ الْجَوْهَرِي: نَصَحْتُك نصحاً ونصاحة، يُقَال: نصحه ونصح لَهُ وَهُوَ بِاللَّامِ أفْصح، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٧) وأنصح لكم﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٢) وَرجل نَاصح الجيب أَي: نقي الْقلب، وانتصح فلَان أَي: قبل النَّصِيحَة.
٤ - (حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا أَبُو شهَاب عَن الْأَعْمَش عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن الْحَارِث بن سُوَيْد حَدثنَا عبد الله بن مَسْعُود حديثين أَحدهمَا عَن النَّبِي ﷺ َ - وَالْآخر عَن نَفسه قَالَ إِن الْمُؤمن يرى ذنُوبه كَأَنَّهُ قَاعد تَحت جبل يخَاف أَن يَقع عَلَيْهِ وَإِن الْفَاجِر يرى ذنُوبه كذباب مر على أَنفه فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شهَاب بِيَدِهِ فَوق أَنفه ثمَّ قَالَ لله أفرح بتوبة عَبده من رجل نزل منزلا وَبِه مهلكة وَمَعَهُ رَاحِلَته عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فَوضع رَأسه فَنَامَ نومَة فَاسْتَيْقَظَ وَقد ذهبت رَاحِلَته حَتَّى إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحر والعطش أَو مَا شَاءَ الله قَالَ أرجع إِلَى مَكَان فَرجع فَنَامَ نومَة ثمَّ رفع رَأسه فَإِذا رَاحِلَته عِنْده) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله لله أفرح بتوبة عَبده وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي وَهُوَ قد نسب إِلَى جده واشتهر بِهِ وَأَبُو شهَاب اسْمه عبد ربه بن نَافِع الحناط بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون وَهُوَ أَبُو شهَاب الحناط الصَّغِير وَأما أَبُو شهَاب الحناط الْكَبِير وَهُوَ فِي طبقَة شُيُوخ هَذَا واسْمه مُوسَى بن نَافِع وليسا أَخَوَيْنِ وهما كوفيان وَكَذَا بَقِيَّة رجال السَّنَد وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَعمارَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن عُمَيْر بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم التَّيْمِيّ تيم الله من بني تيم اللات بن ثَعْلَبَة والْحَارث بن سُوَيْد التَّيْمِيّ تيم الربَاب وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد أَوَّلهمْ الْأَعْمَش وَهُوَ من صغَار التَّابِعين وَالثَّانِي عمَارَة بن عُمَيْر وَهُوَ من أوساطهم وَالثَّالِث الْحَارِث بن سُوَيْد وَهُوَ من كبارهم والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره وَلم يذكر أَن الْمُؤمن يرى إِلَى آخر الْقِصَّة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن هناد وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن مُحَمَّد بن عبيد وَغَيره وَذكر قصَّة التَّوْبَة فَقَط قَوْله حديثين أَحدهمَا عَن النَّبِي ﷺ َ - وَالْآخر عَن نَفسه أَي نفس ابْن مَسْعُود وَلم يُصَرح بالمرفوع إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ النَّوَوِيّ وَابْن بطال أَيْضا أَن الْمَرْفُوع هُوَ قَوْله لله أفرح إِلَى آخِره وَالْأول قَول ابْن مَسْعُود وَوَقع الْبَيَان فِي رِوَايَة مُسلم مَعَ أَنه لم يسق مَوْقُوف ابْن مَسْعُود وَرَوَاهُ عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن عمَارَة عَن الْحَارِث قَالَ دخلت على ابْن مَسْعُود أعوده وَهُوَ مَرِيض فحدثنا بحديثين حَدِيثا عَن نَفسه وحديثا عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول " لله أَشد فَرحا " الحَدِيث قَوْله " إِن الْمُؤمن يرى ذنُوبه " إِلَى قَوْله أَن يَقع عَلَيْهِ السَّبَب فِيهِ أَن قلب الْمُؤمن منور فَإِذا رأى من نَفسه مَا يُخَالف ذَلِك عظم الْأَمر عَلَيْهِ وَالْحكمَة فِي التَّمْثِيل بِالْجَبَلِ أَن غَيره من المهلكات قد يحصل مِنْهُ النجَاة بِخِلَاف الْجَبَل إِذا سقط عَلَيْهِ لَا ينجو عَادَة قَوْله " وَإِن الْفَاجِر " أَي العَاصِي الْفَاسِق قَوْله كذباب مر على أَنفه وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ يرى ذنُوبه كَأَنَّهَا ذُبَاب مر على أَنفه أَرَادَ أَن ذَنبه سهل عَلَيْهِ لِأَن قلبه مظلم فالذنب عِنْده خَفِيف قَوْله " فَقَالَ بِهِ هَكَذَا " أَي نحاه بِيَدِهِ أَو دَفعه وذبه وَهُوَ من إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل قَوْله قَالَ أَبُو شهَاب هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور قَوْله بِيَدِهِ فَوق أَنفه تَفْسِير مِنْهُ لقَوْله فَقَالَ بِهِ قَوْله ثمَّ قَالَ أَي عبد الله بن مَسْعُود
стр. 6793
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " لله " اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد قَوْله أفرح وَإِطْلَاق الْفَرح على الله مجَاز يُرَاد بِهِ رِضَاهُ وَعبر عَنهُ بِهِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الرِّضَا عَن نفس السَّامع ومبالغة فِي تَقْرِيره قَوْله " بتوبة عَبده " وَفِي رِوَايَة أبي الرّبيع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ عَبده الْمُؤمن وَكَذَا عِنْد مُسلم من رِوَايَة جرير وَكَذَا عِنْده من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة قَوْله وَبِه أَي بالمنزل أَي فِيهِ مهلكة بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَفتحهَا مَكَان الْهَلَاك ويروى مهلكة على وزن اسْم الْفَاعِل وَقَالَ بَعضهم وَفِي بعض النّسخ بِضَم الْمِيم وَكسر اللَّام من الرباعي قلت لَا يُقَال لمثل هَذَا من الرباعي وَلَيْسَ هَذَا باصطلاح الْقَوْم وَإِنَّمَا يُقَال لمثل هَذَا من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ وَقَالَ الْكرْمَانِي ويروى وبيئة على وزن فعيلة من الوباء وَقَالَ بَعضهم لم أَقف على ذَلِك فِي كَلَام غَيره وَيلْزم عَلَيْهِ أَن يكون وصف الْمُذكر وَهُوَ الْمنزل بِصفة الْمُؤَنَّث فِي قَوْله وبيئة مهلكة انْتهى قلت عدم وُقُوفه على هَذَا لَا يسْتَلْزم عدم وقُوف غَيره وَمن أَيْن لَهُ الْوُقُوف على كَلَام الْقَوْم كلهم حَتَّى يَقُول لم أَقف ودعواه اللُّزُوم الْمَذْكُور غير صَحِيحَة لِأَن الْمنزل يُطلق عَلَيْهِ الْبقْعَة قَوْله " عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه " وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته " وَمَا يصلحه " قَوْله " وَقد ذهبت رَاحِلَته " وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة " فأضلها فَخرج فِي طلبَهَا " وَفِي رِوَايَة مُسلم " فطلبها " قَوْله " أَو مَا شَاءَ الله " شكّ من ابْن شهَاب وَاقْتصر جرير على ذكر الْعَطش وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة " حَتَّى إِذا أدْركهُ الْمَوْت " قَوْله " أرجع " بِفَتْح الْهمزَة بِصِيغَة الْمُتَكَلّم قَوْله إِلَى مَكَان فَرجع فَنَامَ وَفِي رِوَايَة جرير أرجع إِلَى مَكَاني الَّذِي كنت فِيهِ فأنام حَتَّى أَمُوت فَوضع رَأسه على ساعده ليَمُوت وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة أرجع إِلَى مَكَاني الَّذِي أضللتها فِيهِ فأموت فِيهِ فَرجع إِلَى مَكَانَهُ فغلبته عينه قَوْله فَإِذا رَاحِلَته عِنْده كلمة إِذا للمفاجأة وَفِي رِوَايَة جرير فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْده رَاحِلَته طَعَامه وَشَرَابه وَزَاد أَبُو مُعَاوِيَة فِي رِوَايَته وَمَا يصلحه
(تَابعه أَبُو عوَانَة وَجَرِير عَن الْأَعْمَش) أَي تَابع أَبَا شهَاب فِي رِوَايَته عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش أَبُو عوَانَة وَهُوَ الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَجَرِير بن عبد الحميد أما مُتَابعَة أبي عوَانَة فرواها الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحسن أخبرنَا مُحَمَّد بن الْمثنى أخبرنَا يحيى عَن حَمَّاد عَن أبي عوَانَة وَأما مُتَابعَة جرير فرواها الْبَزَّار حَدثنَا يُوسُف بن مُوسَى أخبرنَا جرير عَن الْأَعْمَش عَن عمَارَة عَن الْحَارِث عَن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَذكره
(وَقَالَ أَبُو أُسَامَة حَدثنَا الْأَعْمَش حَدثنَا عمَارَة سَمِعت الْحَارِث بن سُوَيْد) أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم حَدثنِي إِسْحَق بن مَنْصُور أخبرنَا أَبُو أُسَامَة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن عمَارَة بن عمر قَالَ سَمِعت الْحَارِث بن سُوَيْد قَالَ حَدثنِي عبد الله حديثين الحَدِيث
(وَقَالَ شُعْبَة وَأَبُو مُسلم عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث بن سُوَيْد) أَبُو مُسلم زَاد الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَته عَن الْفربرِي اسْمه عبيد الله كُوفِي قَائِد الْأَعْمَش يروي عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ تيم الربَاب عَن الْحَارِث بن سُوَيْد وَالْمَقْصُود من هَذَا أَن شُعْبَة وَأَبا مُسلم خالفا أَبَا شهَاب الْمَذْكُور وَمن تبعه فِي تَسْمِيَة شيخ الْأَعْمَش فَقَالَ الْأَولونَ عمَارَة وَقَالَ هَذَانِ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وروى النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مُحَمَّد عَن عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث عَن عبد الله لله أفرح بتوبة عَبده الحَدِيث وَأما عبيد الله الَّذِي زَاده الْمُسْتَمْلِي فَهُوَ عبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن سعيد بن مُسلم الْكُوفِي ضعفه جمَاعَة لَكِن لما وَافقه شُعْبَة ترخص البُخَارِيّ فِي ذكره
(وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن عمَارَة عَن الْأسود عَن عبد الله وَعَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث بن سُوَيْد عَن عبد الله) أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود وَأَرَادَ بِهَذَا أَن أَبَا مُعَاوِيَة
стр. 6794
خَالف الْجَمِيع فَجعل الحَدِيث عِنْد الْأَعْمَش عَن عمَارَة بن عُمَيْر وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ جَمِيعًا لكنه عِنْد عمَارَة عَن الْأسود بن يزِيد وَعند إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث بن سُوَيْد وَأَبُو شهَاب وَمن تبعه جَعَلُوهُ عِنْد عمَارَة عَن الْحَارِث بن سُوَيْد وَلما كَانَ هَذَا الِاخْتِلَاف اقْتصر مُسلم فِيهِ على مَا قَالَ أَبُو شهَاب وَمن تبعه وَصدر بِهِ البُخَارِيّ كَلَامه فَأخْرجهُ مَوْصُولا وَذكر الِاخْتِلَاف مُتَعَلقا على عَادَته لِأَن هَذَا الِاخْتِلَاف لَيْسَ بقادح -
٦٣٠٩ - حدَّثنا إسْحاقُ أخبرنَا حَبَّانُ حَدثنَا هَمَّامٌ حدّثنا قَتادَةُ حدَّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ عَن النبيِّ ﷺ .
(ح) وحدّثنا هُدْبَةُ حدّثنا هَمَّامٌ حَدثنَا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : الله أفْرَحُ بَتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أحَدِكُمْ سَقَطَ عَلى بَعِيرِهِ وقَدْ أضَلَّهُ فِي أرْضِ فلاةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين.
الأول: عَن إِسْحَاق قَالَ الغساني: لَعَلَّه ابْن مَنْصُور عَن حبَان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ عَن همام بن يحيى عَن قَتَادَة عَن أنس.
وَالثَّانِي: عَن هدبة بن خَالِد عَن همام إِلَى آخِره.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن هدبة، وَعَن أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ عَن حبَان.
قَوْله: (الله) بِدُونِ لَام التَّأْكِيد فِي أَوله. قَوْله: (سقط على بعيره) أَي: وَقع عَلَيْهِ وصادفه من غير قصد. قَوْله: (وَقد أضلّهُ) أَي: أضاعه، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فلاة) أَي: مفازة أَي: أَن الله أرْضى بتوبة عَبده من وَاجِد ضالته بالفلاة.
٥ - (بابُ الضَّجْعِ عَلى الشِّقِّ الأيْمَنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب النّوم على الشق الْأَيْمن، والضجع بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم مصدر من ضجع الرجل يضجع ضجعاً وضجوعاً أَي: وضع جنبه على الأَرْض فَهُوَ ضاجع، ويروى: بَاب الضجعة بِكَسْر الضَّاد لِأَن الفعلة بِالْكَسْرِ للنوع وبالفتح للمرة وَيجوز هُنَا الْوَجْهَانِ، وَقد مضى فِي كتاب الصَّلَاة: بَاب الضجع على الشق الْأَيْمن بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَوجه تعلق هَذَا الْبَاب بِكِتَاب الدَّعْوَات أَنه يعلم من سَائِر الْأَحَادِيث أَنه ﷺ ، كَانَ يَدْعُو عِنْد الِاضْطِجَاع.
٦٣١٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَ النبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إحْداى عَشْرَةَ رَكْعَةً فإِذا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يَجِيءَ المُؤذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اضْطجع على شقَّه الْأَيْمن) وَعبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي.
والْحَدِيث مضى فِي أول أَبْوَاب الْوتر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (فيؤذنه) بِضَم الْيَاء من الإيذان أَي: يُعلمهُ بِالصَّلَاةِ.
٦ - (بابُ إِذا باتَ طاهِراً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الشَّخْص إِذا بَات طَاهِرا، وَزَاد أَبُو ذَر فِي رِوَايَته وفضله، ووردت فِي هَذَا الْبَاب جملَة أَحَادِيث لَيست على شَرطه، مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث معَاذ مَرْفُوعا: مَا من مُسلم يبيت على ذكر وطهارة فيستعار من اللَّيْل فَيسْأَل الله خيرا من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إلَاّ أعطَاهُ إِيَّاه، وَوجه تَعْلِيقه بِكِتَاب الدَّعْوَات هُوَ أَن فِيهِ دُعَاء عَظِيما.
стр. 6795
٦٣١١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُوراً عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: حدّثني البَراءُ بنُ عازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : إِذا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ للصَّلاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأيْمَنِ، وقُلِ: أللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وألْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَهْبَةً ورَغْبَةً إلَيْكَ، لَا مَلْجَأ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إلَاّ إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتابكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وبِنَبَّيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ، فإِنْ مُتَّ على الفِطْرَةِ فاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ. فَقُلْتُ: أسْتَذْكِرُهُنَّ وبِرَسُولِكَ الَّذِي أرْسَلْتَ. قَالَ: لَا ونَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة ثمَّ اضْطجع) ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَسعد بن عُبَيْدَة بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره تَاء التَّأْنِيث أَبُو حَمْزَة الْكُوفِي، ختن أبي عبد الرَّحْمَن مَاتَ فِي ولَايَة عمر بن هُبَيْرَة على الْكُوفَة.
والْحَدِيث مضى فِي آخر كتاب الْوضُوء قبل كتاب الْغسْل عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن سعيد بن عبيد عَن الْبَراء، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مضجعك) أَي: مَوضِع نومك. قَوْله: (وضوءك) بِالنّصب بِنَزْع الْخَافِض أَي: كوضوئك للصَّلَاة، وَالْأَمر فِيهِ للنَّدْب، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث ذكر الْوضُوء عِنْد النّوم إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (ثمَّ اضْطجع) أَصله: اضتجع لِأَنَّهُ من بَاب الافتعال فقلبت التَّاء طاء. قَوْله: (أسلمت نَفسِي إِلَيْك) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي زيد: أسلمت وَجْهي إِلَيْك، قيل: النَّفس وَالْوَجْه هُنَا بِمَعْنى الذَّات والشخص أَي: أسلمت ذاتي وشخصي لَك، وَقيل فِيهِ: نظر، لِأَنَّهُ جمع بَينهمَا فِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق على مَا يَأْتِي بعد بَاب، وَلَفظه: أسلمت نَفسِي إِلَيْك، وفوضت أَمْرِي إِلَيْك، ووجهت وَجْهي إِلَيْك، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَالْمُرَاد بِالنَّفسِ الذَّات، وبالوجه الْقَصْد، وَيُقَال: معنى أسلمت استسلمت وانقدت، وَالْمعْنَى: جعلت نَفسِي منقادة لَك تَابِعَة لحكمك إِذْ لَا قدرَة لي على تدبيرها وَلَا على جلب مَا ينفعها إِلَيْهَا وَلَا رفع مَا يَضرهَا عَنْهَا. قَوْله: (وفوضت) من التَّفْوِيض وَهُوَ تَسْلِيم الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى. قَوْله: (وألجأت ظَهْري إِلَيْك) أَي: اعتمدت عَلَيْك فِي أموري كَمَا يعْتَمد الْإِنْسَان بظهره إِلَى مَا يسْتَند إِلَيْهِ. قَوْله: (رهبة ورغبة) أَي: خوفًا من عقابك وَطَمَعًا فِي ثوابك. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أسقط: من مَعَ ذكر الرهبة وأعمل إِلَى مَعَ ذكر الرَّغْبَة وَهُوَ على طَرِيق الِاكْتِفَاء. وَأخرج النَّسَائِيّ بِلَفْظ من حَيْثُ قَالَ: رهبة مِنْك ورغبة إِلَيْك، وانتصابهما على الْمَفْعُول لَهُ على طَرِيق اللف والنشر. قَوْله: (لَا ملْجأ) بِالْهَمْز وَجَاء تخفيفه، و: لَا منجى، بِلَا همز وَلَكِن لما جمعا جَازَ أَن يهمزا للازدواج، وَأَن يتْرك الْهَمْز فيهمَا، وَأَن يهمز المهموز وَيتْرك الآخر، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه، وَيجوز التَّنْوِين مَعَ الْقصر فَتَصِير خَمْسَة، وَنقل بَعضهم عَن الْكرْمَانِي أَنه قَالَ: هَذَانِ اللفظان إِن كَانَا مصدرين يتنازعان فِي: مِنْك، وَإِن كَانَا طرفين فَلَا إِذْ إسم الْمَكَان لَا يعْمل، وَتَقْدِيره: لَا ملْجأ مِنْك إِلَى أحد إلَاّ إِلَيْك، وَلَا منجى إلَاّ إِلَيْك. قلت: لم يذكر الْكرْمَانِي هَذَا فِي هَذَا الْموضع. قَوْله: (بكتابك الَّذِي أنزلت) يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْقُرْآن، وَأَن يُرَاد بِهِ كل كتاب أنزل، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: أنزلته وأرسلته بالضمير الْمَنْصُوب فيهمَا. قَوْله: (وبنبيك الَّذِي أرْسلت) وَالرَّسُول نَبِي لَهُ كتاب فَهُوَ أخص من النَّبِي، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ (شرحنا للهداية) فِي ديباجته، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يلْزم من الرسَالَة النُّبُوَّة لَا الْعَكْس. قَوْله: (على الْفطْرَة) أَي: دين الْإِسْلَام. قَوْله: (آخر مَا تَقول) أَي: آخر أقوالك فِي تِلْكَ اللَّيْلَة. وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد بدل قَوْله: (فَإِن مت مت) على الْفطْرَة بنى لَهُ بَيت فِي الْجنَّة، وَوَقع فِي آخر الحَدِيث فِي التَّوْحِيد: وَإِن أَصبَحت أَصبَحت خيرا، أَي: صلاحاً فِي الْحَال وَزِيَادَة فِي الْأَعْمَال. قَوْله: (فَقلت، أستذكرهن) الْقَائِل هُوَ الْبَراء كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي زيد الْمروزِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: فَجعلت أستذكرهن، أَي: أتحفظهن، وَوَقع فِي رِوَايَة كتاب الطَّهَارَة: فرددتها، أَي: فَرددت تِلْكَ الْكَلِمَات لأحفظهن، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فرددتهن لأستذكرهن. قَوْله: (لَا وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت) قَالُوا: سَبَب الرَّد إِرَادَة الْجمع بَين المنصبين وتعداد النعمتين، وَقيل: هُوَ تَخْلِيص الْكَلَام من اللّبْس إِذْ الرَّسُول يدْخل فِيهِ جِبْرِيل ﵇ وَنَحْوه. وَقيل: هَذَا ذكر وَدُعَاء فَيقْتَصر فِيهِ على اللَّفْظ الْوَارِد بِحُرُوفِهِ لاحْتِمَال أَن لَهَا
следующие страницы →