← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

لرَسُول الله ﷺ . ١٩٥٦ - حدّثنا عَلِيُّ بن عبْدِ الله حدّثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارَةَ حدّثا شُعْبَةُ عنْ مَعْبَدِ بنِ خالِدٍ أنّهُ سَمِعَ حارِثَةَ بنَ وَهْب يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، وذَكَرَ الحَوْضَ فَقَالَ: (كَمَا بَيْنَ المَدِينَةِ وصَنْعاء) . وزَادَ ابنُ أبي عَدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ مَعْبَدِ بنِ خالِدٍ عنْ حارِثَةَ سَمِعَ النبيَّ ﷺ قَال: حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعاءَ والمَدِينَةِ، فَقَالَ لهُ المُسْتَوْرِ: ألمْ تَسمَعْهُ قَالَ: الأوَانِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ المُسْتَورِدُ: تُرى فِيهِ الآنِيَةُ مِثْلَ الكَوَاكِبِ. عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وحرمي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن عمَارَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم وبالراء، ومعد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خَالِد القَاضِي الْكُوفِي، وحارثة بن وهب الْخُزَاعِيّ نزل الْكُوفَة وَله أَحَادِيث، وَكَانَ أَخا لِعبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لأمه. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَغَيره. قَوْله: (وَزَاد ابْن أبي عدي) وَهُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، وَأَبُو عدي جده وَلَا يعرف اسْمه وَهُوَ بَصرِي ثِقَة كثير الحَدِيث. وَوصل هَذِه الزِّيَادَة مُسلم: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيع حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة عَن سعيد بن خَالِد عَن حَارِثَة أَنه سمع النَّبِي ﷺ قَالَ: حَوْضه مَا بَين صنعاء وَالْمَدينَة، فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرد: آلم تسمعه قَالَ: الْأَوَانِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ الْمُسْتَوْرد: ترى فِيهِ الْآنِية. قَوْله: (قَوْله: حَوْضه) ، ويروى: (قَالَ: حَوْضه) ، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرد) على وزن مستفعل بِكَسْر الْعين ابْن شَدَّاد بن عَمْرو الْقرشِي الفِهري الصَّحَابِيّ بن الصَّحَابِيّ شهد فتح مصر وَسكن الْكُوفَة مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَحَدِيثه مَرْفُوع، وَإِن لم يُصَرح بِهِ وَيلْزم مِنْهُ رَفعه سياقاً. قَوْله: (ألم تسمعه؟) أَي: ألم تسمع رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: الْأَوَانِي فِيهِ تكون كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ حَارِثَة: لَا، فَقَالَ الْمُسْتَوْرد: ترى فِيهِ الْآنِية مثل الْكَوَاكِب، أَي: كَثْرَة وضياء، يَعْنِي أَنا سمعته قَالَ ذَلِك. ٣٩٥٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ عنْ نافِعِ بنِ عُمَرَ قَالَ: حدّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عَن أسْماءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ ﵄، قالَتْ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (إنِّي عَلى الحَوْضِ حتَّى أنْظرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ وسَيُؤُخذُ ناسٌ مِنْ دُونِي فأقُولُ: يَا ربِّ ﴿مِنَّي ومِنْ أُمَّتِي﴾ فَيُقالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ وَالله مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أعْقَابِهِمْ) ، فَكانَ ابنُ أبي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ أنْ نَرْجِعَ عَلى أعْقابِنا أوْ نُفْتَنَ عنْ دِيننا. عَلى أعْقابِهِم ينْكِصُونَ يَرْجِعُونَ عَلى العَقِبِ. (الحَدِيث ٣٩٥٦ طرفه فِي: ٨٤٠٧) ابْن أبي مليكَة عبد الله، مضى عَن قريب. قَوْله: (حَتَّى أنظر) بِالنّصب أَي: إِلَى أَن أنظر. قَوْله: (من دوني) أَي: بِالْقربِ مني. قَوْله: (وَمن أمتِي) هَذَا يدْفع قَول من حمل النَّاس على غير هَذِه الْأمة. قَوْله: (هَل شَعرت) أَي: هَل علمت. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ: إِشْعَار إِلَى أَنه لم يعرف أشخاصهم بِعَينهَا وَإِن كَانَ قد عرف أَنهم من هَذِه الْأمة. انْتهى. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (مَا عمِلُوا) وَيرى بِمَا عمِلُوا بِزِيَادَة الْبَاء. قَوْله: (مَا برحوا) أَي: مَا زَالُوا. قَوْله: (فَكَانَ ابْن أبي مليكَة يَقُول) مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (أَو نفتن) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (على أَعْقَابهم ينكصون) إِلَى آخِره هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة فِي الْآيَة.

стр. 6967

٢٨ - (كِتابُ القَدَرِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان الْقدر، وَذكره قَالَ الْكرْمَانِي: كتاب الْقدر، أَي: حكم الله تَعَالَى، قَالُوا: الْقَضَاء هُوَ الحكم الْكُلِّي الإجمالي فِي الْأَزَل، وَالْقدر جزئيات ذَلِك الحكم وتفاصيله الَّتِي تقع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم﴾ (الْحجر: ١٢) وَمذهب أهل الْحق أَن الْأُمُور كلهَا من الْإِيمَان وَالْكفْر وَالْخَيْر وَالشَّر والنفع والضر بِقَضَاء الله وَقدره، وَلَا يجْرِي فِي ملكه إلَاّ مقدراته. وَقَالَ الرَّاغِب: الْقدر بِوَضْعِهِ يدل على الْقُدْرَة وعَلى الْمَقْدُور الْكَائِن بِالْعلمِ يتَضَمَّن الْإِرَادَة عقلا وَالْقَوْل نقلا. وَقدر الله الشَّيْء بِالتَّشْدِيدِ قَضَاهُ، وَيجوز التَّخْفِيف، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْقدر، بعد قَوْله: كتاب الْقدر، قيل: هَذَا زِيَادَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي. ١ - (حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك حَدثنَا شُعْبَة أنبأني سُلَيْمَان الْأَعْمَش قَالَ سَمِعت زيد بن وهب عَن عبد الله قَالَ حَدثنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ الصَّادِق المصدوق قَالَ إِن أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثمَّ علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله ملكا فَيُؤْمَر بِأَرْبَع برزقه وأجله وشقي أَو سعيد فوَاللَّه إِن أحدكُم أَو الرجل يعْمل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا غير بَاعَ أَو ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها وَإِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا غير ذِرَاع أَو ذراعين فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها وَقَالَ آدم إِلَّا ذِرَاع) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي مَعْنَاهُ وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْكُوفِي من قضاعة خرج إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقبض النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ فِي الطَّرِيق سمع عبد الله بن مَسْعُود وَغَيره وَهَذَا الحَدِيث اشْتهر عَن الْأَعْمَش بالسند الْمَذْكُور هُنَا قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ فِي كتاب الْعِلَل كُنَّا نظن أَن الْأَعْمَش تفرد بِهِ حَتَّى وَجَدْنَاهُ من رِوَايَة سَلمَة بن كهيل عَن زيد بن وهب وَرِوَايَته عِنْد أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَلم ينْفَرد بِهِ زيد بن وهب أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود بل رَوَاهُ عَنهُ أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عِنْد أَحْمد وعلقمة عِنْد أبي يعلى وَلم ينْفَرد بِهِ ابْن مَسْعُود أَيْضا بل رَوَاهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة مطولا ومختصرا مِنْهُم أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على مَا يَجِيء عقيب هَذَا الحَدِيث وَحُذَيْفَة بن أسيد عِنْد مُسلم وَعبد الله بن عمر فِي الْقدر لِابْنِ وهب وَسَهل بن سعد وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكتاب وَأَبُو هُرَيْرَة عِنْد مُسلم وَعَائِشَة عِنْد أَحْمد وَأَبُو ذَر عِنْد الْفرْيَابِيّ وَمَالك بن الْحُوَيْرِث عِنْد أبي نعيم فِي الطِّبّ وَغَيرهم وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن آدم وَمضى فِي بَدْء الْخلق عَن الْحسن بن الرّبيع وَفِي خلق آدم عَن عمر بن حَفْص وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَدْء الْخلق وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَلَا نقتصر عَلَيْهِ فَقَوله أنبأني سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَقَالَ فِي التَّوْحِيد حَدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَيفهم مِنْهُ أَن التحديث والأنباء عِنْد شُعْبَة سَوَاء وَيرد بِهِ على من زعم أَن شُعْبَة يسْتَعْمل الأنباء فِي الْإِجَازَة قَوْله " وَهُوَ الصَّادِق المصدوق " أَي الصَّادِق فِي نَفسه والمصدوق من جِهَة غَيره وَقَالَ الْكرْمَانِي لما كَانَ مَضْمُون الْخَبَر مُخَالفا لما عَلَيْهِ الْأَطِبَّاء أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى صدقه وَبطلَان مَا قَالُوهُ أَو ذكره تلذذا وتبركا وافتخارا قَالَ الْأَطِبَّاء إِنَّمَا يتَصَوَّر الْجَنِين فِيمَا بَين ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَى الْأَرْبَعين وَالْمَفْهُوم من الحَدِيث أَن خلقه إِنَّمَا يكون بعد أَرْبَعَة أشهر انْتهى وَقَالَ بَعضهم بعد أَن نقل كَلَام الْكرْمَانِي مَا ملخصه أَنه لم يُعجبهُ مَا قَالَه الْكرْمَانِي حَيْثُ قَالَ وَقد وَقع هَذَا اللَّفْظ بِعَيْنِه فِي

стр. 6968

حَدِيث آخر لَيْسَ فِيهِ إِشَارَة إِلَى بطلَان شَيْء يُخَالف مَا ذكره وَهُوَ مَا ذكره أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة سَمِعت الصَّادِق المصدوق يَقُوله لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من قلب شقي وَمضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة سَمِعت الصَّادِق المصدوق يَقُول هَلَاك أمتِي على يَد أغيلمة من قُرَيْش انْتهى قلت هَذَا مُجَرّد تحريش من غير طعم وَهَذِه نُكْتَة لَطِيفَة ذكرهَا من وَجْهَيْن فَالْوَجْه الثَّانِي يمشي فِي كل مَوضِع فِيهِ ذكر الصَّادِق المصدوق قَوْله إِن أحدكُم قَالَ أَبُو الْبَقَاء لَا يجوز أَن إِلَّا بِالْفَتْح لِأَنَّهُ مفعول حَدثنَا فَلَو كسر لَكَانَ مُنْقَطِعًا عَن حَدثنَا قلت لَا يجوز إِلَّا الْكسر لِأَنَّهُ وَقع بعد قَوْله قَالَ إِن أحدكُم وَلَفْظَة قَالَ مَوْجُودَة فِي كثير من النّسخ هَكَذَا حَدثنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ الصَّادِق المصدوق قَالَ إِن أحدكُم وَإِن كَانَت لَفْظَة قَالَ غير مَذْكُورَة فِي الرِّوَايَة فَهِيَ مقدرَة فَلَا يتم الْمَعْنى إِلَّا بهَا قَوْله إِن أحدكُم يجمع فِي بطن أمه كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن شَيْخه وَله عَن الْكشميهني إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة آدم فِي التَّوْحِيد وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين عَن الْأَعْمَش وَفِي رِوَايَة أبي الْأَحْوَص عَنهُ إِن أحدكُم يجمع خلقه فِي بطن أمه وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه إِنَّه يجمع خلق أحدكُم فِي بطن أمه وَالْمرَاد من الْجمع ضم بعضه إِلَى بعض بعد الانتشار والخلق بِمَعْنى الْمَخْلُوق كَقَوْلِهِم هَذَا دِرْهَم ضرب الْأَمِير أَي مضروبه وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ مَا ملخصه أَن المنى يَقع فِي الرَّحِم بِقُوَّة الشَّهْوَة المزعجة مبثوثا مُتَفَرقًا فيجمعه الله فِي مَحل الْولادَة من الرَّحِم قَوْله " أَرْبَعِينَ يَوْمًا " زَاد فِي رِوَايَة آدم أَو أَرْبَعِينَ لَيْلَة قَوْله " ثمَّ علقَة " مثل ذَلِك وَفِي رِوَايَة آدم ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك يَعْنِي مُدَّة الْأَرْبَعين والعلقة الدَّم الجامد الغليظ سميت بذلك للرطوبة الَّتِي فِيهَا وتعلقها بِمَا مر بهَا قَوْله " ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك يَعْنِي مُدَّة الْأَرْبَعين والمضغة قِطْعَة اللَّحْم سميت بذلك لِأَنَّهَا بِقدر مَا يمضغ الماضع قَوْله ثمَّ يبْعَث الله ملكا وَفِي رِوَايَة الْكشميهني ثمَّ يبْعَث الله إِلَيْهِ ملكا وَفِي رِوَايَة مُسلم ثمَّ يُرْسل الله وَفِي رِوَايَة آدم ثمَّ يبْعَث إِلَيْهِ الْملك وَاللَّام فِيهِ للْعهد وَهُوَ الْملك من الْمَلَائِكَة الموكلين بالأرحام قَوْله " فَيُؤْمَر على صِيغَة الْمَجْهُول " أَي يَأْمُرهُ الله تَعَالَى بأَرْبعَة أَشْيَاء وَفِي رِوَايَة آدم بِأَرْبَع كَلِمَات وَالْمرَاد بهَا القضايا وكل كلمة تسمى قَضِيَّة قَوْله بِأَرْبَع كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره بأربعه والمعدود إِذا أبهم جَازَ التَّذْكِير والتأنيث قَوْله برزقه بدل من أَربع وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ دَاخل فِي حكمه وَالْمرَاد برزقه قيل الْغَدَاء حَلَالا أَو حَرَامًا وَهُوَ كل مَا سَاقه الله تَعَالَى إِلَى العَبْد لينْتَفع بِهِ وَهُوَ أَعم لتنَاوله الْعلم وَنَحْوه قَوْله وأجله الْأَجَل يُطلق لمعنيين لمُدَّة الْعُمر من أَولهَا إِلَى آخرهَا وللجزء الْأَخير الَّذِي يَمُوت فِيهِ قَوْله وشقي أَو سعيد قَالَ بَعضهم هُوَ بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف قلت لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ مَعْطُوف على مَا قبله الَّذِي هُوَ بدل عَن أَربع فَيكون مجرورا لِأَن تَقْدِير قَوْله فَيُؤْمَر بِأَرْبَع أَربع كَلِمَات كلمة تتَعَلَّق برزقه وَكلمَة تتَعَلَّق بأجله وَكلمَة تتَعَلَّق بسعادته أَو شقاوته وَكَانَ من حق الظَّاهِر أَن يُقَال يكْتب سعادته وشقاوته فَعدل عَن ذَلِك حِكَايَة بِصُورَة مَا يَكْتُبهُ وَهُوَ أَنه يكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد قيل هَذِه ثَلَاثَة أُمُور لَا أَرْبَعَة وَأجِيب بِأَن الرَّابِع كَونه ذكرا أَو أُنْثَى كَمَا صرح فِي الحَدِيث الَّذِي بعده أَو عمله كَمَا تقدم فِي أول كتاب بَدْء الْخلق وَلَعَلَّه لم يذكرهُ لِأَنَّهُ يلْزم من الْمَذْكُور أَو اخْتَصَرَهُ اعْتِمَادًا على شهرته وَقيل هَذَا يدل على أَن الحكم بِهَذِهِ الْأُمُور بعد كَونه مُضْغَة لَا أَنه أزلي وَأجِيب بِأَن هَذَا للْملك بِأَن الْمقْضِي فِي الْأَزَل حَتَّى يكْتب على جَبهته مثلا قَوْله أَو الرجل شكّ من الرَّاوِي أَي أَو أَن الرجل وَفِي رِوَايَة آدم فَإِن أحدكُم بِغَيْر شكّ قَوْله بِعَمَل أهل النَّار قدم النَّار على الْجنَّة وَفِي رِوَايَة آدم بِالْعَكْسِ قَوْله حَتَّى مَا يكون قَالَ الطَّيِّبِيّ حَتَّى هِيَ الناصبة وَمَا نَافِيَة وَلم تكف عَن الْعَمَل وَتَكون مَنْصُوبَة بحتى وَأَجَازَ غَيره أَن تكون حَتَّى ابتدائية وَيكون على هَذَا بِالرَّفْع قَوْله غير بَاعَ أَو ذِرَاع هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره غير ذِرَاع أَو بَاعَ وَفِي رِوَايَة أبي الْأَحْوَص إِلَّا ذِرَاع بِغَيْر شكّ وَالتَّعْبِير بالذراع تَمْثِيل بِقرب حَاله من الْمَوْت وَضَابِط ذَلِك بالغرغرة الَّتِي جعلت عَلامَة لعدم قبُول التَّوْبَة قَوْله فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب الْفَاء فِي فَيَسْبق للتعقيب يدل على حُصُول السَّبق بِغَيْر مهلة وَضمن يسْبق معنى يغلب أَي يغلب عَلَيْهِ الْكتاب وَمَا قدر عَلَيْهِ سبقا بِلَا مهلة فَعِنْدَ ذَلِك يعْمل

стр. 6969

بِعَمَل أهل الْجنَّة وَعمل أهل النَّار وَالْمرَاد من الْكتاب الْمَكْتُوب أَي مَكْتُوب الله أَي الْقَضَاء الأزلي قَوْله فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار الْبَاء فِيهِ زَائِدَة للتَّأْكِيد قَوْله أَو ذراعين أَي أَو غير ذراعين فَهُوَ شكّ من الرَّاوِي قَوْله وَقَالَ آدم إِلَّا ذِرَاع أَي قَالَ آدم بن إِيَاس إِلَّا ذِرَاع هَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد - ٥٩٥٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا حَمَّادٌ عنْ عُبيْدِ الله بنِ أبي بَكْرِ بنِ أنَسٍ عنْ أنَسٍ ابْن مالِكٍ ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (وَكَّلَ الله بالرَّحِمِ مَلَكاً، فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ نُطْفَةٌ ﴿أَي رَبِّ عَلَقَةٌ﴾ أيْ رَبِّ مُضْغَةٌ ﴿فَإِذا أرادَ الله أنْ يَقْضِيَ خَلْقَها قَالَ: أيْ رَبِّ ذَكَرٌ أمْ أنْثَى؟ أشَقيٌّ أمْ سَعيدٌ؟ فَما الرِّزْقُ فَما الأجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذالِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) . حَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَعبيد الله هُوَ ابْن أبي بكر بن أنس بن مَالك يروي عَن جده أنس. والْحَدِيث مضى فِي الطَّهَارَة فِي الْحيض عَن مُسَدّد، وَفِي خلق آدم عَن أبي النُّعْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن أبي كَامِل الجحدري. قَوْله: (أَي رب) أَي: يَا رب. قَوْله: (نُطْفَة) ، بِالنّصب على اعْتِبَار فعل مَحْذُوف، وبالرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. قَوْله: (أَن يقْضِي خلقهَا) أَي: يتمه. قَوْله: (فِي بطن أمه) لَيْسَ ظرفا للكتابة بل: هُوَ مَكْتُوب على الْجَبْهَة، أَو على الرَّأْس مثلا، وَهُوَ فِي بطن أمه: قيل: قَالَ هُنَا: (وكل الله) وَفِي الحَدِيث السَّابِق: (ثمَّ يبْعَث الله ملكا) . وَأجِيب: بِأَن المُرَاد بِالْبَعْثِ الحكم عَلَيْهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا. ٢ - (بابٌ جَفَّ القَلمُ عَلى عِلْمِ الله) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: جف الْقَلَم، وَقَالَ بَعضهم: بَاب، التَّنْوِين. قلت: هَذَا قَول من لم يمس شَيْئا من الْإِعْرَاب، والتنوين يكون فِي المعرب، وَلَفظ بَاب هُنَا مُفْرد فَكيف ينون، وَالتَّقْدِير مَا ذَكرْنَاهُ أَو نَحوه، وجفاف الْقَلَم عبارَة عَن عدم تَغْيِير حكمه لِأَن الْكَاتِب لما أَن جف قلمه عَن المداد لَا تبقى لَهُ الْكِتَابَة كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَفِيه نظر لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿يمحوا الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ (الرَّعْد: ٩٣) فَإِن كَانَ مُرَاده من عدم تَغْيِير حكمه الَّذِي فِي الْأَزَل فَمُسلم، وَإِن كَانَ الَّذِي فِي اللَّوْح فَلَا وَالْأَوْجه أَن يُقَال: جف الْقَلَم، أَي: فرغ من الْكِتَابَة الَّتِي أَمر بهَا حِين خلقه وَأمره أَن يكْتب مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا أَرَادَ بعد ذَلِك تَغْيِير شَيْء مِمَّا كتبه محاه كَمَا قَالَ: ﴿يمحوا الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ قَوْله: (على علم الله) ، أَي: حكم الله، لِأَن معلومه لَا بُد أَن يَقع وإلَاّ لزم الْجَهْل فَعلمه بِمَعْلُوم مُسْتَلْزم للْحكم بِوُقُوعِهِ. وقَوْلُهُ ﴿وأضله الله على علم﴾ (الجاثية: ٣٢) ذكر هَذَا أَي قَول الله تَعَالَى إِشَارَة إِلَى أَن علم الله حكمه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأضله الله على علم﴾ أَي: على علمه فِي الْأَزَل وَهُوَ حكمه عِنْد الظُّهُور، وَقيل: مَعْنَاهُ أضلّهُ الله بعد أَن أعلمهُ وَبَين لَهُ فَلم يقبل. وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لي النبيُّ ﷺ : جَفَّ القَلَمُ بِما أنْتَ لاقٍ صدر الحَدِيث هُوَ التَّرْجَمَة وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث ذكر أَصله البُخَارِيّ من طَرِيق ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله﴾ إِنِّي رجل شَاب وَإِنِّي أَخَاف على نَفسِي الْعَنَت وَلَا أجد مَا أَتزوّج بِهِ النِّسَاء، فَسكت عني) الحَدِيث وَفِيه: (يَا أَبَا هُرَيْرَة! جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لَاق، فاختصر على ذَلِك أَو ذَر) . أخرجه فِي أَوَائِل النِّكَاح. وَقَالَ ابنُ عَبَّاس ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٦) سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات وهم لَهَا سَابِقُونَ﴾ سبقت لَهُم السَّعَادَة قيل: تَفْسِير ابْن عَبَّاس يدل على أَن السَّعَادَة سَابِقَة، الْآيَة تدل على أَن الْخيرَات يَعْنِي: السَّعَادَة مسبوقة. وَأجِيب بِأَن معنى الْآيَة أَنهم سبقوا النَّاس لأجل السَّعَادَة لَا أَنهم سبقوا السَّعَادَة.

стр. 6970

٦٩٥٦ - حدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ حَدثنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بنَ عَبْدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عنْ عِمْرانَ بن حُصْنٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله! أيُعْرَفُ أهْلُ الجَنّةِ مِنْ أهْلِ النّارِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) . قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ العامِلُونَ؟ قَالَ: (كُلٌّ يَعْمَلُ لما خُلِقَ لهُ أوْ لِما يُسِّرَ لهُ) . الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَيزِيد من الزِّيَادَة الرشك بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالكاف مَعْنَاهُ القسام، وَقَالَ الغساني: هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ الغيور، وَقيل: هُوَ كَبِير اللِّحْيَة، يُقَال: بلغ طول لحيته إِلَى أَن دخلت فِيهَا عقرب وَمَكَثت ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يدْرِي بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرشك بِالْفَارِسِيَّةِ الْقمل الصَّغِير يلتصق بأصول الشّعْر، فعلى هَذَا الْإِضَافَة إِلَيْهِ أولى من الصّفة، وَمَا ليزِيد فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث هُنَا، وَفِي الِاعْتِصَام، ومطرف على وزن اسْم الْفَاعِل من التطريف ابْن عبد الله بن الشخير بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء، وَهَذَا من صِيغ الْمُبَالغَة لمن يشخر كثيرا كالسكير لمن يسكر كثيرا. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي معمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن النَّضر. قَوْله: (قَالَ: قَالَ رجل) هُوَ عمرَان بن حُصَيْن رَاوِي الْخَبَر، بَينه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يزِيد الرشك عَن عمرَان بن حُصَيْن. قَالَ: قلت: يَا سَوَّلَ الله ... فَذكره. قَوْله: (أيعرف أهل الْجنَّة من أهل النَّار) . أَي: أيميز بَينهمَا؟ قيل: الْمعرفَة إِنَّمَا هِيَ بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ إِمَارَة فَمَا وَجه سُؤَاله؟ وَأجِيب: بِأَن معرفتنا بِالْعَمَلِ أما معرفَة الْمَلَائِكَة مثلا فَهِيَ قبل الْعَمَل، فالغرض من لفظ: أيعرف: أيميز وَيفرق بَينهمَا تَحت قَضَاء الله وَقدره؟ قَوْله: (فَلم يعْمل الْعَامِلُونَ؟) وَفِي رِوَايَة حَمَّاد: فَفِيمَ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَام، وَالْمعْنَى: إِذا سبق الْقَلَم بذلك فَلَا يحْتَاج الْعَامِل إِلَى الْعَمَل لِأَنَّهُ سيصير إِلَى مَا قدر لَهُ. قَوْله: (كل يعْمل) أَي: كل أحد يعْمل (لما خلق لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة أَي: للَّذي خلق لَهُ، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد: (كل ميسر لَهُ خلق لَهُ) وَقد جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن بِلَفْظ: كل امرىء مُهَيَّأ لما خلق لَهُ. قَوْله: (أَو لما يسر لَهُ) شكّ من الرَّاوِي أَي: كل يعْمل لما يسر لَهُ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَشْديد السِّين الْمَكْسُورَة وَفتح الرَّاء، هَذَا هَكَذَا وَرِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: لما ييسر لَهُ، بِضَم الْيَاء الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَتَشْديد السِّين، وَحَاصِل معنى هَذَا، أَن العَبْد لَا يدْرِي مَا أمره فِي الْمَآل لِأَنَّهُ يعْمل مَا سبق فِي يُعلمهُ تَعَالَى، فَعَلَيهِ أَن يجْتَهد فِي عمل مَا أَمر بِهِ فَإِن عمله إِمَارَة إِلَى مَا يؤول إِلَيْهِ أمره. ٣ - (بابٌ الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله ﷺ : الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين، وَالضَّمِير فِي: كَانُوا، يرجع إِلَى أَوْلَاد الْمُشْركين لِأَن صدر الحَدِيث سُؤال عَن أَوْلَاد الْمُشْركين، وَقد مضى فِي آخر كتاب الْجَنَائِز: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين، وَذكر فِيهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي ذكر فِي هَذَا الْبَاب. ٧٩٥٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي بِشرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سُئِل النبيُّ ﷺ عنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ: (الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٣٨٣١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغند بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث مضى فِي آخر الْجَنَائِز فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حبَان عَن عبد الله عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَطْفَال الْمُشْركين فيهم ثَلَاثَة مَذَاهِب: فالأكثرون على أَنهم فِي النَّار، وتوقفت طَائِفَة، وَالثَّالِث وَهُوَ الصَّحِيح: أَنهم من أهل الْجنَّة.

стр. 6971

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الثَّوَاب وَالْعِقَاب ليسَا بِالْأَعْمَالِ وإلاّ لزم أَن لَا يكون الذَّرَارِي لَا فِي الْجنَّة وَلَا فِي النَّار، بل الْمُوجب لَهما هُوَ اللطف الرباني والخذلان الإل هِيَ الْمُقدر لَهُم فِي الْأَزَل، فَالْأولى فيهم التَّوَقُّف. ٨٩٥٦ - حدّثنا يحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: وَأَخْبرنِي عَطاءُ بنُ يَزِيدَ أنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقولُ: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: (الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٨٣١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة ... إِلَى آخِره، قَالَ هُنَاكَ: أَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد، كَمَا رَأَيْت، وَقَالَ هُنَا: قَالَ: وَأَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد، بواو الْعَطف على مَحْذُوف كَأَنَّهُ حدث قبل ذَلِك بِشَيْء ثمَّ حدث بِحَدِيث عَطاء. قَوْله: (عَن ذَرَارِي الْمُشْركين) بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها جمع ذُرِّيَّة وذرية الرجل أَوْلَاده وَيكون وَاحِدًا وجمعاً. قَوْله: (الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) غَرَض البُخَارِيّ من هَذَا الرَّد على الْجَهْمِية فِي قَوْلهم: إِن الله لَا يعلم أَفعَال الْعباد حَتَّى يعملوها، تَعَالَى الله عَن ذَلِك القَوْل، وَأخْبر الشَّارِع فِي هَذَا الحَدِيث أَن الله يعلم مَا لَا يكون أَن لَو كَانَ كَيفَ يكون، فأحرى أَن يعلم مَا يكون وَمَا قدره وقضاه فِي كَونه، وَهَذَا يُقَوي مَا ذهب إِلَيْهِ أهل السّنة أَن الْقدر هُوَ علم الله وغيبه الَّذِي اسْتَأْثر بِهِ فَلم يطلع عَلَيْهِ ملكا مقرباً وَلَا نَبيا مُرْسلا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَا أعلم لهَذَا الحَدِيث وَجها إلَاّ أَن الله أعلم بِمَا يعْمل بِهِ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ علم أَن هَؤُلَاءِ لَا يتأخرون عَن آجالهم وَلَا يعْملُونَ شَيْئا، قد أخبر أَنهم ولدُوا على الْفطْرَة، أَي: الْإِسْلَام، وَأَن أباءهم يهودونهم وينصرونهم، كَمَا أَن الْبَهِيمَة تولد سليمَة من الجدع والخصا وَغير ذَلِك مِمَّا يعْمل النَّاس بهَا حَتَّى يصنع ذَلِك بهَا، وَكَذَلِكَ الْولدَان. ٩٩٥٦ - حدّثني إسْحَاقُ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (مَا مِنْ موْلُودٍ إلَاّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأبَواهُ يُهَوِّدانهِ ويُنَصِّرانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هَلْ تَجدُونَ فِيها مِنْ جَدْعاءَ حتَّى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَها) . قالُوا: يَا رسولَ الله! أفَرَأيْتَ مَنْ يَمُوتُ وهْوَ صَغِير؟ قَالَ: (الله أعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٨٣١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق قَالَ بَعضهم: هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه الْحَنْظَلِي، وَقَالَ الكلاباذي: يروي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الكوسج عَن عبد الرَّزَّاق. قلت: كَلَامه يُشِير إِلَى أَن إِسْحَاق هُنَا يحْتَمل أَن يكون أحد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين، لِأَن كلاًّ مِنْهُم روى عَن عبد الرَّزَّاق بن همام، وَجزم بَعضهم بِأَنَّهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، من أَيْن؟ وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام هُوَ ابْن مُنَبّه. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة فِي آخر الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين، وَفِيه: أَو يُمَجِّسَانِهِ، كَمثل الْبَهِيمَة تنْتج الْبَهِيمَة هَل ترى فِيهَا جَدْعَاء؟ وَاقْتصر على هَذَا الْمِقْدَار. قَوْله: (مَا من مَوْلُود) مُبْتَدأ (ويولد) خَبره لِأَن: من الاستغراقية فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم كَقَوْلِك: مَا أحد خير مِنْك، وَالتَّقْدِير: مَا مَوْلُود يُوجد على أَمر من الْأُمُور إلَاّ على هَذَا الْأَمر، وَهُوَ قَوْله: (على الْفطْرَة) أَي: على الْإِسْلَام، وَقيل: الْفطْرَة الْخلقَة وَالْمرَاد هُنَا القابلية لدين الْحق إِذْ لَو تركُوا وطبائعهم لما اخْتَارُوا دينا آخر. قَوْله: (ويهوِّدانه) أَي: يجعلانه يَهُودِيّا إِذا كَانَا من الْيَهُود، وينصِّرانه أَي: يجعلانه نَصْرَانِيّا إِذا كَانَا من النَّصَارَى، وَالْفَاء فِي (فابواه) إِمَّا للتعقيب وَهُوَ ظَاهر وَإِمَّا للتسبب أَي إِذا تقرر ذَلِك فَمن تغير كَانَ بِسَبَب أَبَوَيْهِ. قَوْله: (كَمَا) إِمَّا حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يُهَوِّدَانِهِ، مثلا فَالْمَعْنى يهودان الْمَوْلُود بعد أَن خلق على الْفطْرَة شَبِيها بالبهيمة الَّتِي جدعت بعد أَن خلقت سليمَة، وَإِمَّا صفة مصدر

стр. 6972

مَحْذُوف، أَي: يُغير أَنه تغييراً مثل تغييرهم الْبَهِيمَة السليمة. قَوْله: (تنتجون) على صِيغَة بِنَاء الْمَعْلُوم، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ: تنتجون، بِضَم أَوله من الإنتاج يُقَال: أنتج إنتاجاً قَالَ أَبُو عَليّ: يُقَال: أنتجت النَّاقة إِذا أعنتها على النِّتَاج، وَيقرب مِنْهُ مَا قَالَه فِي (الْمغرب) : نتج النَّاقة ينتجها نتجاً إِذا ولي نتاجها حَتَّى وضعت فَهُوَ ناتج، وَهُوَ للبهائم كالقابلة للنِّسَاء. قَوْله: (هَل تَجِدُونَ فِيهَا من جَدْعَاء) فِي مَوضِع الْحَال أَي: بَهِيمَة سليمَة مقولاً فِي حَقّهَا هَذَا القَوْل. قَوْله: (جَدْعَاء) أَي: مَقْطُوعَة الطّرف وَهُوَ من الجدع وَهُوَ قطع الْأنف وَقطع الْأذن أَيْضا وَقطع الْيَد والشفة. ٤ - (بابٌ ﴿ (٣٣) وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ وَالْقدر بِالْفَتْح والسكون مَا يقدره الله من الْقَضَاء، وبالفتح اسْم لما صَدره مَقْدُورًا على فعل الْقَادِر كالهدم لما صدر عَن فعل الهادم، يُقَال: قدرت الشَّيْء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِمَعْنى فَهُوَ قدر، أَي: مَقْدُور، وَالتَّقْدِير: تبين الشَّيْء. قَوْله: ﴿قدرا مَقْدُورًا﴾ أَي: حكما مَقْطُوعًا بِوُقُوعِهِ، وَقَالَ الْمُهلب: غَرَضه فِي الْبَاب أَن يبين أَن جَمِيع مخلوقات الله بأَمْره بِكَلِمَة: كن، من حَيَوَان أَو غَيره وحركات الْعباد وَاخْتِلَاف إرادتهم وأعمالهم من الْمعاصِي أَو الطَّاعَات كل مُقَدّر بالأزمان والأوقات لَا زِيَادَة فِي شَيْء مِنْهَا وَلَا نُقْصَان عَنْهَا وَلَا تَأْخِير لشَيْء مِنْهَا عَن وقته وَلَا يقدم قبل وقته. ١٠٦٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (لَا تَسألِ المَرْأةُ طَلَاقَ أُخْتِها لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها ولْتَنْكحْ، فإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن لَهَا مَا قدر لَهَا) أَي: من الرزق، كَانَت للزَّوْج زَوْجَة أُخْرَى أَو لم تكن، وَلَا يحصل لَهَا من ذَلِك إلَاّ مَا كتبه الله لَهَا سَوَاء أجابها الزَّوْج أم لم يجبها. والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الشُّرُوط الَّتِي لَا تحل فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يحل لإمرأة تسْأَل طَلَاق أُخْتهَا لتستفرغ صحفتها، فَإِن لَهَا مَا قدر لَهَا. وَهنا أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج. قَوْله: (أُخْتهَا) الْأُخْت أَعم من أُخْت الْقَرَابَة أَو غَيرهَا من الْمُؤْمِنَات لِأَنَّهُنَّ أَخَوَات فِي الدّين، وَنهى النَّبِي ﷺ ، الْمَرْأَة أَن تسْأَل الرجل طَلَاق زَوجته لينكحها وَيصير لَهَا من نَفَقَته ومعاشرته مَا كَانَ للمطلقة، فَعبر عَن ذَلِك باستفراغ الصحفة، مجَازًا. ٢٢٠٦٦ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا إسْرَائِيلُ عنْ عاصمٍ عنْ أبي عثْمانَ عنْ أُسامَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ إذْ جاءَهُ رسولُ إحْدَى بَناتِهِ وعِنْدَهُ سَعْد وأبَيُّ بنُ كَعْبٍ ومُعاذٌ أنَّ ابْنَها يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إلَيْها: (لله مَا أخَذَو لله مَا أعْطَى، كلٌّ بأجَلِ فَلْتَصْبرْ ولْتَحْتَسِبْ) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كل بِأَجل) من الْأَمر الْمُقدر. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد بن حَارِثَة الْكَلْبِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن عَبْدَانِ وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وَعِنْده سعد) هُوَ سعد بن عبَادَة، ومعاذ هُوَ ابْن جبل. قَوْله: (إِن ابْنهَا) ذكر كَذَلِك: ابْنهَا، فِي الْجَنَائِز وَذكر فِي كتاب المرضى: الْبِنْت. قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث لم يضبطه الرَّاوِي فَأخْبر مرّة عَن صبي وَمرَّة عَن صبية. قَوْله: (يجود بِنَفسِهِ) يَعْنِي فِي السِّيَاق، يُقَال: جاد بِنَفسِهِ عِنْد الْمَوْت يجود جوداً. قَوْله: (فَلتَصْبِر ولتحتسب) وَلم يقل: فلتصبري لِأَنَّهَا كَانَت غَائِبَة وَالْغَائِب لَا يُخَاطب بِمَا يُخَاطب بِهِ الْحَاضِر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا خَاطب الرَّسُول وَلَو خَاطب الْمَأْمُور بِالصبرِ لقَالَ: فاصبري واحتسبي.

стр. 6973

٣٠٦٦ - حدّثنا حِبَّان بنُ مُوسَى أخبرنَا عبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ مُحَيْريزٍ الجُمَحِيُّ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أخْبَرَهُ أنَّهُ: بَيْنَما هُوَ جالِسٌ عِنْدَ النبيِّ ﷺ جاءَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله ﴿إِنَّا نُصِيبُ سَبْباً ونحِبُّ المالَ، كَيْف تَرَى فِي العَزْل؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (أوَ إنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا، فإنّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ الله أنْ تَخْرُجَ إلاّ هِيَ كائِنَةٌ) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن أبي الْيَمَان وَفِي النِّكَاح عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الْعتْق عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي التَّوْحِيد عَن إِسْحَاق بن عَفَّان. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن عَليّ بن حجر وَغَيره. قَوْله: (رجل من الْأَنْصَار) قيل: إِنَّه أَبُو صرمة، وَقيل: مجدي الضمرِي. قَوْله: (سَببا) هُوَ الْجَوَارِي المسببات. قَوْله: (فِي الْعَزْل؟) وَهُوَ نزع الذّكر من الْفرج وَقت الْإِنْزَال. قَوْله: (لَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) قيل: هُوَ على النَّهْي، وَقيل: على الْإِبَاحَة للعزل أَي: لكم أَن تعزلوا وَلَيْسَ فعل ذَلِك موؤدة. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الشَّأْن. قَوْله: (نسمَة) بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ النَّفس. قَوْله: (كتب الله) أَي: قدر الله (أَن تخرج) أَي: من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود. ٤٠٦٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ مَسْعُودٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ، ﵁، قَالَ: لَ قَدْ خَطَبَنَا النبيُّ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيها شَيْئاً إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ إلاّ ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمْهُ وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إنْ كُنْتُ لأرَى الشَّيءَ قدْ نَسِيتُ فأعْرفُ مَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إذَا غَابَ عنهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مَا ترك فِيهَا شَيْئا) أَي: من الْأُمُور الْمقدرَة من الكائنات. ومُوسَى بن مَسْعُود هُوَ أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بِهِ. قَوْله: (إلَاّ ذكره) . وَفِي رِوَايَة: إلَاّ حدث بِهِ. قَوْله: (علمه من علمه وجهله من جَهله) وَفِي رِوَايَة جرير: حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه. قَوْله: (إِن كنت) كلمة: إِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. قَوْله: (قد نسيت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: نَسِيته. قَوْله: (فأعرف مَا يعرف الرجل) ويروى: فأعرفه كَمَا يعرفهُ الرجل، الْمَعْنى: أنسى شَيْئا ثمَّ أذكرهُ فأعرف أَن ذَلِك بِعَيْنِه. ٥٠٦٦ - حدّثنا عَبْدانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عَن الأعْمَشِ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ عنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ النبيِّ ﷺ ومَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأرْضِ، وَقَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أوْ مِنَ الجَنّةِ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: ألَا نَتَّكِلُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: (لَا﴾ اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ (٩٢) فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى﴾ (اللَّيْل: ٥) الآيَةَ) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَلا نَتَّكِل؟) إِلَى آخِره، لِأَن مَعْنَاهُ: نعتمد على مَا قدره الله فِي الْأَزَل ونترك الْعَمَل. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَقد تكَرر ذكره، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، وَسعد بن عُبَيْدَة مصغر عَبدة السّلمِيّ الْكُوفِي وَهُوَ صهر أبي عبد الرَّحْمَن شَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب من كبار التَّابِعين.

стр. 6974

وَعلي بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب موعظة الرجل عِنْد الْقَبْر، بأطول مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (جُلُوسًا) أَي: جالسين، ويروى عَن الْأَعْمَش: (قعُودا) ، جمع الْقَاعِد. قَوْله: (مَعَ النَّبِي ﷺ عَن الْأَعْمَش: (كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ ، فِي بَقِيع الْغَرْقَد) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة، وَهِي مَقْبرَة أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (وَمَعَهُ عود) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (وَبِيَدِهِ فَجعل ينكت بهَا فِي الأَرْض) . وَفِي رِوَايَة مَنْصُور: (مَعَه مخصرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَهِي عَصا أَو قضيب يمسِكهُ الرئيس ليتوكأ عَلَيْهِ ولغير ذَلِك، وَمعنى: ينكت، بالنُّون بعد الْيَاء يضْرب. قَوْله: (أَو من الْجنَّة) كلمة: أَو، للتنويع وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان مَا يشْعر بِأَنَّهَا بِمَعْنى: الْوَاو، وَقد تقدم من حَدِيث ابْن عمر: أَن لكل أحد مقعدين. قَوْله: (فَقَالَ رجل) ، وَهَذَا الرجل وَقع فِي حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم أَنه سراقَة بن مَالك بن جعْشم. قَوْله: (أَلا نَتَّكِل؟) أَي: أَلا نعتمد على مَا قدره الله فِي الْأَزَل ونترك الْعَمَل؟ فَقَالَ: لَا إِذْ كل أحد ميسر لما خلق لَهُ، وَحَاصِله: أَن الْوَاجِب عَلَيْكُم مُتَابعَة الشَّرِيعَة لَا تَحْقِيق الْحَقِيقَة، وَالظَّاهِر لَا يتْرك للباطن. قَوْله: ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى﴾ (اللَّيْل: ٥) الْآيَة، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان ووكيع: الْآيَات إِلَى قَوْله: ﴿العسرى﴾ . ٥ - (بابٌ العَمَلُ بالخَواتِيمِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْعَمَل بالخواتيم أَي: بالعواقب، وَهُوَ جمع خَاتِمَة يَعْنِي: الِاعْتِبَار لحَال الشَّخْص عِنْد الْمَوْت قبل المعاينة لملائكة الْعَذَاب. ١٣ - (حَدثنَا حبَان بن مُوسَى أخبرنَا عبد الله أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - خَيْبَر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لرجل مِمَّن مَعَه يَدعِي الْإِسْلَام هَذَا من أهل النَّار فَلَمَّا حضر الْقِتَال قَاتل الرجل من أَشد الْقِتَال وَكَثُرت بِهِ الْجراح فأثبتته فجَاء رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الَّذِي تحدثت أَنه من أهل النَّار قد قَاتل فِي سَبِيل الله من أَشد الْقِتَال فكثرت بِهِ الْجراح فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - أما إِنَّه من أهل النَّار فكاد بعض الْمُسلمين يرتاب فَبَيْنَمَا هُوَ على ذَلِك إِذْ وجد الرجل ألم الْجراح فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَته فَانْتزع مِنْهَا سَهْما فانتحر بهَا فَاشْتَدَّ رجال من الْمُسلمين إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالُوا يَا رَسُول الله صدق الله حَدِيثك قد انتحر فلَان فَقتل نَفسه فَقَالَ رَسُول الله يَا بِلَال قُم فَأذن لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن وَإِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الرجل الْمَذْكُور فِيهِ ختم عمله بالسوء وَإِنَّمَا الْعَمَل بالخاتمة وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي بَاب أَن الله يُؤَيّد الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله " خَيْبَر " أَي غَزْوَة خَيْبَر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة قَوْله " لرجل اسْمه قزمان " بِضَم الْقَاف وَسُكُون الزَّاي قَوْله " مِمَّن يَدعِي الْإِسْلَام " أَي تلفظ بِهِ قَوْله " فَلَمَّا حضر الْقِتَال " بِالرَّفْع وَالنّصب قَالَه الْكرْمَانِي قلت الرّفْع على أَنه فَاعل حضر وَالنّصب على المفعولية أَي فَلَمَّا حضر الرجل الْقِتَال قَوْله الْجراح جمع جِرَاحَة قَوْله " فأثبتته " أَي أثخنته الْجراح وَجَعَلته سَاكِنا غير متحرك وَقيل صرعته صرعا لَا يقدر مَعَه على الْقيام قَوْله " يرتاب " أَي يشك فِي الدّين لأَنهم رَأَوْا الْوَعيد شَدِيدا قَوْله " فَبَيْنَمَا " أَصله بَين زيدت فِيهِ الْمِيم وَالْألف وَيَقَع بعده جملَة اسمية وَهِي قَوْله هُوَ كَذَلِك وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب وَهُوَ قَوْله إِذْ وجد الرجل أَي الرجل الْمَذْكُور قَوْله فَأَهوى بِيَدِهِ أَي مدها

стр. 6975

إِلَى كِنَانَته فَانْتزع مِنْهَا سَهْما أَي فَأخْرج مِنْهَا نشابة فانتحر بهَا أَي نحر بهَا نَفسه قَوْله " فَاشْتَدَّ رجال " أَي فَأَسْرعُوا فِي السّير إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله " فَأذن " أَي أعلم ويروى " فَأذن فِي النَّاس " - ٧٠٦٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ مَرْيَمَ حدّثنا أبُو غَسَّانَ حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلٍ أنَّ رَجُلاً مِنْ أعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَنَاءً عنِ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ غَزَاها مَعَ النبيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هاذَا!) فاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ وهْوَ عَلى تِلْكَ الحَالِ مِنْ أشَدِّ النَّاسِ عَلى المُشْرِكِينَ حتَّى جُرِحَ فاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَجَعَلَ ذُبابَةَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، فأقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى النبيِّ ﷺ مُسْرِعاً فَقَالَ: أشْهَدُ أنَّكَ رسولُ الله، فَقَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟) قَالَ: قُلْتَ لِفُلانٍ: مَنْ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أهْل النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إلَيْهِ، وَكَانَ مِنْ أعْظَمِنا غَناءً عنِ المُسْلِمِينَ، فَعَرَفْتُ أنّهُ لَا يَمُوتُ عَلى ذالِكَ، فَلَمَّا جُرِحَ اسْتَعْجَلَ المَوْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فقالَ النبيُّ ﷺ عِنْدَ ذالِكَ: (إِن العَبْدَ لَيَعْمَلُ عمَلَ أهْلِ النَّارِ وإنّهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، ويَعْمَلُ عَمَلَ أهْل الجَنّةِ وإنّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ، وإنَّما الأعْمالُ بالخَواتِيمِ) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب لَا يَقُول فلَان شَهِيدا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ وَفِي (التَّوْضِيح) : إِن حدثت أبي هُرَيْرَة السَّابِق وَهَذَا الحَدِيث قصَّة وَاحِدَة، وَإِن الرَّاوِي نقل على الْمَعْنى، وَيحْتَمل أَن يَكُونَا رجلَيْنِ. قَوْله: (غناء) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْمدّ، يُقَال: أغْنى عَنهُ غناء فلَان، أَي: نَاب عَنهُ، وأجرى مجْرَاه، وَمَا فِيهِ غناء ذَاك أَي: الاضطلاع وَالْقِيَام عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن ولاد: الْغناء بِالْفَتْح وَالْمدّ النَّفْع، والغنا بِالْكَسْرِ وَالْقصر ضد الْفقر وبالمد الصَّوْت. قَوْله: (فِي غَزْوَة) هِيَ: غَزْوَة خَيْبَر. قَوْله: (فَلْينْظر إِلَى هَذَا) أَي: إِلَى هَذَا الرجل، وَهُوَ قزمان أَو غَيره إِن كَانَ قضيتان. قَوْله: (حَتَّى جرح) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (ذُبَابَة سَيْفه) ، الذبابة بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ الطّرف، قيل: فِي الحَدِيث السَّابِق أَنه نحر نَفسه بِالسَّهْمِ، وَهنا قَالَ بالذبابة. وَأجِيب: إِن كَانَت الْقِصَّة وَاحِدَة فَلَا مُنَافَاة لاحْتِمَال استعمالهما كليهمَا، وَإِن كَانَت قصتين فظاهرة. قَوْله: (بَين ثدييه) ، قَالَ ابْن فَارس: الثندؤة بِالْهَمْزَةِ للرجل والثدي للْمَرْأَة. والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ، وَلذَلِك جعله الْجَوْهَرِي للرجل أَيْضا. قَوْله: (وَإِنَّمَا الْأَعْمَال) أَي: اعْتِبَار الْأَعْمَال بالعواقب. وَفِيه: حجَّة قَاطِعَة على الْقَدَرِيَّة فِي قَوْلهم: إِن الْإِنْسَان يملك أَمر نَفسه ويختار لَهَا الْخَيْر وَالشَّر. ٦ - (بابُ إلقاءِ النذْرِ العَبْدَ إِلَى القَدَر) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِلْقَاء النّذر، إِلْقَاء مصدر يُضَاف إِلَى فَاعله وَهُوَ النّذر، وَالْعَبْد مَنْصُوب على المفعولية هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب إِلْقَاء العَبْد النّذر، فإعرابه بعكس ذَاك، وَالْمعْنَى: أَن العَبْد إِذا نذر لدفع شَرّ أَو لجلب خير فَإِن نَذره يلقيه إِلَى الْقدر الَّذِي فرغ الله مِنْهُ وأحكمه، لَا أَنه شَيْء يختاره، فمهما قدره الله هُوَ الَّذِي يَقع، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ فِي حَدِيث الْبَاب: إِن النّذر لَا يرد شَيْئا، وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ من الْبَخِيل، وَمَتى اعْتقد خلاف ذَلِك قد جعل نَفسه مشاركاً لله تَعَالَى فِي خلقه، ومجوزاً عَلَيْهِ مَا لم يقدره تَعَالَى الله عَن ذَلِك. ٨٠٦٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُرَّةً عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي

стр. 6976

الله عَنْهُمَا، قَالَ: نَهاى النبيُّ ﷺ عنِ النذْرِ وَقَالَ: (لَا يَرُدُّ شَيْئاً وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن النّذر يلقِي العَبْد إِلَى الْقدر وَلَا يرد شَيْئا، وَالْقدر هُوَ الَّذِي يعْمل عمله. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَعبد الله بن مرّة بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء الْهَمدَانِي يروي عَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النذور عَن خَلاد بن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي النذور أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد. قَوْله: (إِنَّه) أَي: إِن النّذر لَا يرد شَيْئا قيل: النّذر الْتِزَام قربَة فَلم يكن مَنْهِيّا؟ وَأجِيب: بِأَن الْقرْبَة غير منهية لَكِن التزامها مَنْهِيّ، إِذْ رُبمَا لَا يقدر على الْوَفَاء، وَقيل: الصَّدَقَة ترد الْبلَاء وَهَذَا الْتِزَام الصَّدَقَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من رد الصَّدَقَة التزامها، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا بَاب غَرِيب من الْعلم وَهُوَ: أَن يُ نهى عَن الشَّيْء أَن يفعل، حَتَّى إِذا فعل وَقع وَاجِبا، وَفِي لفظ: إِنَّمَا يسْتَخْرج، دَلِيل على وجوب الْوَفَاء وَفِي (التَّوْضِيح) : النّذر ابْتِدَاء جَائِز، والمنهي عَنهُ الْمُعَلق، كَأَنَّهُ يَقُول: لَا أفعل خيرا يَا رب حَتَّى تفعل بِي خيرا، فَإِذا دخل فِيهِ فَعَلَيهِ الْوَفَاء. ٩٠٦٦ - حدّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعَمرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يأْتِي ابنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قدْ قَدَّرْتُهُ، ولَكِنْ يلْقِيهِ القَدَرُ، وقَدْ قدَّرْتُهُ لهُ اسْتَخْرِج بِهِ مِنَ البَخِيلِ) . قيل: لَا يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة. والمطابق أَن يَقُول: إِلْقَاء الْقدر العَبْد إِلَى النّذر، لِأَن لفظ الحَدِيث يلقيه الْقدر. قلت: فِي رِوَايَة الْكشميهني: يلقيه النّذر، وَمن عَادَة البُخَارِيّ أَنه يترجم بِمَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث وَإِن لم يسق ذَلِك اللَّفْظ بِعَيْنِه، وَقد غفل عَمَّا فِي رِوَايَة الْكشميهني من الْمُطَابقَة فَلذَلِك ادّعى عدم الْمُطَابقَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: التَّرْجَمَة مَقْلُوبَة إِذْ الْقدر يلقِي العَبْد إِلَى النّذر لقَوْله: (يلقيه الْقدر) . قلت: هما صادقان، إِذْ بِالْحَقِيقَةِ الْقدر هُوَ الْموصل وبالظاهر هُوَ النّذر، لَكِن كَانَ الأولى فِي التَّرْجَمَة الْعَكْس ليُوَافق الحَدِيث إلاّ أَن يُقَال إنَّهُمَا متلازمان. انْتهى. قلت: لَو وقف الْكرْمَانِي أَيْضا على رِوَايَة الْكشميهني لما تكلّف فِيمَا تعسف. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الشختياني الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام بن مُنَبّه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (لَا يَأْتِي ابْن آدم) فَاعل: لَا يَأْتِي، النّذر، وَابْن آدم مَفْعُوله. وَهُوَ قريب من معنى قَوْله فِي الحَدِيث السَّابِق: إِنَّه لَا يرد شَيْئا قد وَقع. قَوْله: (لَا يَأْتِي) بِالْيَاءِ فِي الْأُصُول، وَفِي رِوَايَة أبي الْحسن: لَا يأتِ، بِدُونِ الْيَاء كَأَنَّهُ كتبه على الْوَصْل مثل قَوْله: ﴿سَنَدع الزَّبَانِيَة﴾ (العلق: ٨١) بِغَيْر وَاو. قَوْله: (لم يكن قدرته) صفة لقَوْله: بِشَيْء قَالَ الْكرْمَانِي: وَقدرته بِصِيغَة الْمُتَكَلّم، ويروى: قدر بِهِ، بِلَفْظ الْمَجْهُول الْغَائِب وَالْجَار وَالْمَجْرُور. قَوْله: (وَلَكِن يلقيه الْقدر) من الْإِلْقَاء، وَيُقَال: معنى، لم يكن قدرته، أما مَا قدرت عَلَيْهِ الشدَّة فيحملها عَنهُ وَالنّذر لَا يحل عَنهُ الشدَّة بنذره، وَيكون ذَلِك النّذر استخرجه من الْبَخِيل للشدة الَّتِي عرضت لَهُ. قَوْله: (وَلَكِن يلقيه الْقدر) من الْإِلْقَاء، وَقيل: بِالْفَاءِ وَالْقَاف. قَوْله: (استخرج) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع. ٧ - (بابُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاّ بِاللَّه) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَمعنى: لَا حول لَا تَحْويل للْعَبد فِي مَعْصِيّة الله إلاّ بعصمة الله، وَلَا قُوَّة لَهُ على طَاعَة الله إِلَّا بِتَوْفِيق الله. وَقيل: معنى لَا حول لَا حِيلَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ كلمة استسلام وتفويض، وَأَن العَبْد لَا يملك من أمره شَيْئا لَيْسَ لَهُ حِيلَة فِي دفع شَرّ وَلَا قُوَّة فِي جلب خير إلَاّ بِإِرَادَة الله .

стр. 6977

٠١٦٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ أبي عثْمانَ النَّهْدِيِّ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: كُنّا مَعَ رسُولِ الله ﷺ فِي غَزاةٍ، فَجَعَلْنا لَا نَصْعَدُ شَرَقاً وَلَا نَعْلُو شَرَقاً وَلَا نَهْبِطُ فِي وادٍ إلاّ رَفَعْنا أصْوَاتَنا بالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنا مِنّا رسولُ الله ﷺ فَقَالَ: (يَا أيُّها النّاس أرْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فإنَّكُم لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غائِباً، إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً) ثُمَّ قَالَ: (يَا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ! ألَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عبد الرَّحْمَن بن مل، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب الدُّعَاء إِذا علا عقبَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى ... إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب مَا يكره من رفع الصَّوْت فِي التَّكْبِير، أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَوْله: (فِي غزَاة) هِيَ غَزْوَة خَيْبَر، والشرف الْموضع العالي. قَوْله: (أربعوا) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أرفقوا بِأَنْفُسِكُمْ واخفضوا أَصْوَاتكُم، يُقَال: ربع الرجل إِذا توقف وانحبس. قَوْله: (أَصمّ) ويروى: أصماً. قَوْله: (يَا عبد الله بن قيس) هُوَ اسْم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَوْله: (هِيَ من كنوز الْجنَّة) يَعْنِي: أَن لَهُ ثَوابًا مدخراً نفيساً كالكنز فَإِنَّهُ من نفائس مدخراتكم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَعْنى أَن قَوْلهَا يحصل ثَوابًا نفيساً مدخراً لصَاحبه فِي الْجنَّة. ٨ - (بابٌ المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول رَسُول الله ﷺ : الْمَعْصُوم من عصمَة الله بِأَن حماه عَن الْوُقُوع فِي الْهَلَاك، يُقَال: عصمه الله من الْمَكْرُوه وَقَاه وَحفظه، وَالْفرق بَين عصمَة الْمُؤمنِينَ وعصمة الْأَنْبِيَاء ﵈، أَن عصمَة الْأَنْبِيَاء بطرِيق الْوُجُوب، وَفِي حق غَيرهم بطرِيق الْجَوَاز. عاصِمٌ: مانِعٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: ﴿لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله﴾ (هود: ٣٤) أَي لَا مَانع. قَالَ مُجاهِدٌ: سُداً عنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير سدًى فِي قَوْله : ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ (الْقِيَامَة: ٦٣) بقوله: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَة، وَقَالَ بَعضهم: سداً بتَشْديد الدَّال بعْدهَا ألف، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا من بَين أَيْديهم سداً﴾ (يس: ٩) قَالَ: عَن الْحق، ثمَّ قَالَ: ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ: سدى، بتَخْفِيف الدَّال مَقْصُور، وَعَلِيهِ شرح الْكرْمَانِي ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام ينْقض آخِره أَوله، لِأَنَّهُ قَالَ أَولا، ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ سدًى بتَخْفِيف الدَّال، ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته، وَمَعَ هَذَا هُوَ لم يطلع على جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَهَذَا لَا يتَصَوَّر إلَاّ بالتعسف فِي النّسخ الَّتِي فِي مدينته، وَأما النّسخ الَّتِي فِي بِلَاد كرمان وبلخ وخراسان فَمن أَيْن يتَصَوَّر لَهُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِمَا؟ دَسَّاها أغْوَاها أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد خَابَ من دساها﴾ (الشَّمْس: ٠١) بقوله: أغواها. وَأخرج الطَّبَرِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن حبيب بن ثَابت عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَوْله: دساها، قَالَ أَحدهمَا: أغواها، وَقَالَ الآخر: أضلها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُنَاسبَة الْآيَتَيْنِ بالترجمة بَيَان أنّ من لم يعصمه الله كَانَ سدًى ومغوًى.

стр. 6978

١١٦٦ - حدّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله أخْبَرَنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني أبُو سَلَمَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (مَا اسْتُخْلِفَ خلِيفةٌ إلاّ لهُ بِطانتانِ: بِطانَةٌ تأمُرُهُ بالخَيْرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تأمُرُهُ بالشَّرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن إصبغ: وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة وَفِي السّير عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. قَوْله: (بطانتان) ، البطانة بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة الصاحب الوليجة المشاور وَهُوَ اسْم جنس يَشْمَل الْوَاحِد وَالْجمع. قَوْله: (ويحضه) أَي: يحثه. قَوْله: (وبطانة تَأمره بِالشَّرِّ) قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: تَأمره، دَلِيل على أَنه لَا يشْتَرط فِي الْأَمر الْعُلُوّ وَلَا الاستعلاء. ٩ - (بابٌ ﴿وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥٩) ﴿إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ (هود: ٦٣) ﴿وَلَا يلدوا إِلَّا فَاجِرًا كفَّارًا﴾ (نوح: ٧٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحرَام﴾ ... إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: الْغَرَض من هَذِه الْآيَات أَن الْإِيمَان وَالْكفْر بِتَقْدِير الله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَحرم على قَرْيَة أهلكناها﴾ الْآيَة وَفِي رِوَايَة غَيره: ﴿وَحرَام﴾ إِلَى آخر الْآيَة، والقراءاتان مشهورتان فَقَرَأَ أهل الْحجاز وَالْبَصْرَة وَالشَّام: حرَام، وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة: وَحرم. وَقَالَ منْصُورُ بنُ النُّعْمانِ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: وحِرْمٌ بالحَبَشِيَّةِ: وجَبَ. مَنْصُور بن النُّعْمَان الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ، سكن مرو ثمَّ بخاري وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَنْصُور بن النُّعْمَان فِي النّسخ هَكَذَا، لَكِن قَالُوا: صَوَابه مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر السّلمِيّ الْكُوفِي، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر عَن ابْن قهزاد عَن أبي عوَانَة عَنهُ، هَكَذَا قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) : وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقَالَ بَعضهم: لم أَقف على ذَلِك فِي (تَفْسِير أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ) قلت: هَذَا مُجَرّد تشنيع، وَعدم وُقُوفه على هَذَا لَا يسْتَلْزم عدم وقُوف غَيره، وَنسخ الطَّبَرِيّ كَثِيرَة فَلَا تَخْلُو عَن زِيَادَة ونقصان. قَوْله: (وَحرم بالحبشية وَجب) يَعْنِي: معنى حرم باللغة الحبشية وَجب، وروى غير عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: وَجب عَلَيْهِم أَنهم لَا يتوبون، يَعْنِي فِي تَفْسِير قَوْله : ﴿وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥٩) وَعَن أبي هُرَيْرَة: لَا، هُنَا زَائِدَة، وَذهب إِلَى أَن حَرَامًا على بَابه، وَأنكر البصريون زِيَادَة: لَا، هُنَا. وَقيل: الْمَعْنى: وَحرَام أَن يتَقَبَّل مِنْهُم عمل لأَنهم لَا يرجعُونَ، أَي: لَا يتوبون، وَكَذَا قَالَ الزّجاج، وَقيل: الْحَرَام الْمَنْع، فَالْمَعْنى حرَام عَلَيْهِم الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ الْمُهلب: وَجب عَلَيْهِم أَنهم لَا يتوبون، وَحرم وَحرَام بِمَعْنى وَاحِد، وَالتَّقْدِير: وَحرَام على قَرْيَة أردنَا إهلاكها التَّوْبَة من كفرهم، وَهَذَا كَقَوْلِه: ﴿إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إلَاّ من قد آمن﴾ (هود: ٦٣) أَي: تقدم علم الله فِي قوم نوح أَنه لن يُؤمن مِنْهُم غير من آمن، وَلذَلِك قَالَ نوح ﵇: ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ (نوح: ٦٢) إِلَى قَوْله: ﴿فَاجِرًا كفَّارًا﴾ (نوح: ٦٢) إِذا قد اعلمتني ﴿إِنَّه لن يُؤمن مِنْهُم إلاّ من قد آمن﴾ (هود: ٦٣) وأهلكهم لعلمه تَعَالَى أَنهم لَا يرجعُونَ إِلَى الْإِيمَان. ٢١٦٦ - حدّثني مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ حَدثنَا عبْدُ الرَّزَّاق أخبرَنا مَعَمَرٌ عنِ ابنِ طاوُوس عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رأيْتُ شَيْئاً أشْبهَ باللّمَمِ مِمَّا قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النبيِّ ﷺ : (إنَّ الله كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذَلِكَ لَا مْحالَةَ، فَزِنا العيْنِ النَّظَرُ وزِنا اللِّسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَمَنَّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ ويُكَذِّبُهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٣٤٢٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ الْآيَات الَّتِي تدل على أَن كل شَيْء غير خَارج عَن سَابق قدره، وَكَذَلِكَ حَدِيث الْبَاب، لِأَن الزِّنَا

стр. 6979

ودواعيه كل ذَلِك مَكْتُوب مُقَدّر على العَبْد غير خَارج من سَابق قدره. ومحمود بن غيلَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَعبد الرَّزَّاق بن همام، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد، وَابْن طَاوس هُوَ عبد الله يروي عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (مَا رَأَيْت شَيْئا أشبه باللمم) بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ صغَار الذُّنُوب، وَأَصله: مَا يلم بِهِ الشَّخْص من شهوات النَّفس، وَالْمَفْهُوم من كَلَام ابْن عَبَّاس أَنه النّظر، والنطق. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد بِهِ المعفو عَنهُ الْمُسْتَثْنى فِي كتاب الله: ﴿الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم﴾ (النَّجْم: ٢٣) وسمى الْمنطق وَالنَّظَر زنا لِأَنَّهُمَا من مقدماته، وَحَقِيقَته، إِنَّمَا يَقع بالفرج، وَعَن ابْن عَبَّاس: اللمم أَن يَتُوب من الذُّنُوب وَلَا يعاودها، وروى عَنهُ: كل مَا دون الزِّنَا فَهُوَ اللمم. قَوْله: (فزنا الْعين النّظر) أَي: النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: العينان تزنيان بِالنّظرِ، والشفتان تزنيان وزناهما التَّقْبِيل، وَالْيَدَانِ تزنيان وزناهما اللَّمْس، وَالرجلَانِ تزنيان وزناهما الْمَشْي، وَقيل: إِنَّمَا سميت هَذِه الْأَشْيَاء زنا لِأَنَّهَا دواعي إِلَيْهِ. قَوْله: (لَا محَالة) بِفَتْح الْمِيم أَي: لَا بُد لَهُ من ذَلِك وَلَا تحول لَهُ عَنهُ. قَوْله: (تمنى) أَصله: تتمني، فحذفت مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. قَوْله: (والفرج يصدق ذَلِك ويكذبه) يَعْنِي: إِذا قدر على الزِّنَا فِيمَا كَانَ فِيهِ النّظر، وَالتَّمَنِّي كَانَ زنا صدق ذَلِك فرجه، وَإِن امْتنع وَخَافَ ربه كذب ذَلِك فرجه، وتكتب لَهُ حسنه. قيل: التَّصْدِيق والتكذيب من صِفَات الْإِخْبَار. وَأجِيب بِأَن إطلاقهما هُنَا على سَبِيل التَّشْبِيه. وَقَالَ شَبابَةُ: حدّثنا ورْقاءُ عنِ ابنِ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبي هُرَيرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ . شَبابَة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة. وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن سوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو وبالراء الْفَزارِيّ روى عَنهُ مَحْمُود، وورقاء مؤنث الأورق بِالْوَاو وبالراء وَالْقَاف ابْن عمر الْخَوَارِزْمِيّ سكن الْمَدِينَة، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن طاووساً سمع الْقِصَّة من ابْن عَبَّاس عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا. وَالظَّاهِر أَنه سَمعه من أبي هُرَيْرَة بعد أَن سَمعه من ابْن عَبَّاس، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق صَاحب (التَّلْوِيح) فَقَالَ: روينَاهُ فِي (مُعْجم الطَّبَرَانِيّ الْأَوْسَط) فَقَالَ: حَدثنَا عمر بن عُثْمَان حَدثنَا ابْن الْمُنَادِي عَنهُ، فَذكره وَتَبعهُ فِي ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقَالَ بَعضهم: راجعت (المعجم الْأَوْسَط) : فَلم أجد هَذَا فِيهِ. قلت: صَاحب (التَّلْوِيح) : يُصَرح بِأَنَّهُ رَوَاهُ، وَتَبعهُ أَيْضا صَاحب (التَّوْضِيح) : الَّذِي هُوَ شيخ هَذَا الْقَائِل مَعَ علمه بِأَن الْمُثبت مقدم على النَّافِي، وَلَكِن عرق العصبية ينبض فَيُؤَدِّي صَاحبهَا إِلَى حط من هُوَ أكبر مِنْهُ فِي الْعلم وَالسّن والقدم. ٠١ - (بابُ ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا﴾ ... إِلَى آخِره. قَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا﴾ الْآيَة قَالَ قوم: هِيَ رُؤْيا عين مَا رأى النَّبِي ﷺ ، لَيْلَة الْمِعْرَاج من الْعَجَائِب والآيات فَكَانَ ذَلِك فتْنَة للنَّاس، فقوم أَنْكَرُوا وكذبوا وَقوم ارْتَدُّوا وَقوم حدثوا. قَوْله: (إلَاّ فتْنَة) أَي: بلَاء للنَّاس، وَقيل: رأى رَسُول الله ﷺ ، بني أُميَّة ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذَلِك، فَمَا استجمع ضَاحِكا حَتَّى مَاتَ. فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك﴾ ... الْآيَة، وَقيل: إِنَّمَا فتن النَّاس بالرؤيا والشجرة لِأَن جمَاعَة ارْتَدُّوا، وَقَالُوا: كَيفَ سرى بِهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس فِي لَيْلَة وَاحِدَة، وَقَالُوا: لما أنزل الله تَعَالَى شَجَرَة الزقوم كَيفَ تكون فِي النَّار شَجَرَة لَا تأكلها؟ فَكَانَت فتْنَة لقوم واستبصاراً لقوم مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَيُقَال: إِنَّه سمي صديقا ذَلِك الْيَوْم، وأصل الْفِتْنَة فِي الأَصْل الاختبار، ثمَّ اسْتعْملت فِي الْكفْر كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿والفتنة أَشد من الْقَتْل﴾ (الْبَقَرَة: ١٩١) وَفِي الْإِثْم كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ (التَّوْبَة: ٩٤) ، وَفِي الإحراق كَقَوْلِه: ﴿إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ (البروج: ٠١) وَفِي الْإِزَالَة عَن الشَّيْء كَقَوْلِه: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٧) وَغير ذَلِك، وَالْمرَاد بهَا فِي هَذَا الْموضع: الاختبار. ٢٠ - (حَدثنَا الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا عَمْرو عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس قَالَ هِيَ رُؤْيا عين أريها رَسُول الله ﷺ َ - لَيْلَة أسرِي بِهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس قَالَ والشجرة الملعونة فِي الْقُرْآن قَالَ هِيَ شَجَرَة الزقوم)

стр. 6980

قَالَ ابْن التِّين وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْقدر الْإِشَارَة إِلَى أَن الله تَعَالَى قدر للْمُشْرِكين التَّكْذِيب لرؤيا نبيه الصَّادِق فَكَانَ ذَلِك زِيَادَة فِي طغيانهم والْحميدِي عبد الله بن الزبير نسبته إِلَى أحد أجداده حميد مصغر حمد وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْإِسْرَاء عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن يحيى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور قَوْله رُؤْيا عين أَي فِي الْيَقَظَة لَا رُؤْيا مَنَام قَوْله والشجرة الملعونة يَعْنِي شَجَرَة الزقوم الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن والشجرة مُبْتَدأ وَخَبره هِيَ شَجَرَة الزقوم وَإِنَّمَا ذكر الشَّجَرَة الملعونة لِأَنَّهَا مثل الرُّؤْيَا كَانَت فتْنَة وَقد ذكرنَا كَيفَ كَانَت فتْنَة والزقوم شَجَرَة بجهنم طَعَام أهل النَّار فَإِن قلت لم يذكر فِي الْقُرْآن لعن هَذِه الشَّجَرَة قلت قد لعن آكلوها وهم الْكفَّار قَالَ تَعَالَى ﴿إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّهَا شَجَرَة تخرج فِي أصل الْجَحِيم﴾ وَقَالَ فَإِنَّهُم ﴿لآكلون مِنْهَا فمالؤون مِنْهَا الْبُطُون﴾ فوصفت بلعن آكليها وَقيل طَعَام مَكْرُوه مَلْعُون ثمَّ إِن هَذِه الشَّجَرَة تنْبت فِي النَّار مخلوقة من جَوْهَر لَا تَأْكُله النَّار كسلاسل النَّار وأغلالها وعقاربها وحياتها - ١١ - (بابٌ تَحاجَّ آدَمُ ومُوسَى ﵉، عِنْدَ الله أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ تحاج آدم ومُوسَى. قَوْله: (تحاج) ، فعل ماضٍ من المحاججة وَأَصله: تحاجج، بجيمين فادغمت إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى. قَوْله: (عِنْد الله) ، قيل: يَعْنِي: فِي يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: فِي الدُّنْيَا. قلت: اللَّفْظ أَعم من ذَلِك وَقد روى أَحْمد من طَرِيق يزِيد بن هُرْمُز عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: احْتج آدم ومُوسَى عِنْد ربهما، والعندية عندية اخْتِصَاص وتشريف لَا عندية مَكَان. ٤١٦٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍ وعنْ طاوُوسٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (احْتَجَّ آدَمُ ومُوسَى) فَقَالَ لهُ مُوسَى: يَا آدَمُ ﴿أنْتَ أبُونا خَيَّبْتَنا وأخْرَجْتَنا مِنَ الجَنَّة، قَالَ لهُ آدَمُ: يَا مُوسَى﴾ اصْطَفاكَ الله بكَلَامِهِ وخَطّ لَكَ بِيَدِهِ، أتَلُومُنِي عَلَى أمْرٍ قَدَّرَهُ الله عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنِي بأرْبَعِينَ سَنَة؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوَسَى، فحَجَّ آدَمُ مُوسَى) ثَلَاثاً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسفاين هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد وَأحمد بن صَالح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن هِشَام بن عمار وَغَيره. قَوْله: (حفظناه من عَمْرو) وَفِي (مُسْند الْحميدِي) : عَن سُفْيَان حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار، وَفِيه التَّأْكِيد لصِحَّة رِوَايَته. قَوْله: (احْتج) أَي: تحاج وتناظر، وَفِي رِوَايَة همام وَمَالك: تحاج، كَمَا فِي التَّرْجَمَة، وَهِي أوضح، وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عِنْد البُخَارِيّ وَيحيى بن آدم: حج آدم مُوسَى وَعَلَيْهِمَا (شرح الطَّيِّبِيّ) فَقَالَ: معنى قَوْله: (حج آدم مُوسَى) غَلبه بِالْحجَّةِ. وَقَوله: بعد ذَلِك (قَالَ مُوسَى: يَا آدم أَنْت) إِلَى آخِره، توضيح لذَلِك وَتَفْسِير لما أجمل. وَقَوله فِي آخِره (فحج آدم ومُوسَى) تَقْرِير لما سبق وتأكيد لَهُ. قَوْله: (أَنْت أَبونَا) وَفِي رِوَايَة ابْن أبي كثير: أَنْت أَبُو النَّاس، وَفِي رِوَايَة الشّعبِيّ: أَنْت آدم أَبُو الْبشر. قَوْله: (خيبتنا) أَي: أوقعتنا فِي الخيبة وَهِي الحرمان. قَوْله: (وأخرجتنا من الْجنَّة) وَهِي دَار الْجَزَاء فِي الْآخِرَة وَهِي مخلوقة قبل آدم. قَوْله: (وَخط لَك بِيَدِهِ) من المتشابهات فإمَّا أَن يُفَوض إِلَى الله تَعَالَى، وَإِمَّا أَن يؤول بِالْقُدْرَةِ، وَالْغَرَض مِنْهُ كِتَابَة أَلْوَاح التَّوْرَاة. قَوْله: (على أَمر قدره الله) ويروى: قدر الله، بِدُونِ الضَّمِير، وَهِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَالْمرَاد بالتقدير هُنَا الْكِتَابَة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَو فِي صحف التَّوْرَاة، وإلَاّ فتقدير الله أزلي. قَوْله: (بِأَرْبَعِينَ سنة) قَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالأربعين سنة مَا بَين قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣) إِلَى نفخ الرّوح فِي آدم، وَقيل: ابْتِدَاء الْمدَّة وَقت الْكِتَابَة فِي الألواح وَآخِرهَا ابْتِدَاء خلق آدم. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: المعلومات كلهَا قد أحَاط بهَا علم الله الْقَدِيم قبل وجود الْمَخْلُوقَات كلهَا. وَلَكِن كتَابَتهَا وَقعت فِي أَوْقَات مُتَفَاوِتَة، وَقد ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) : إِن الله قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة، فَيجوز أَن تكون

стр. 6981

قصَّة آدم بخصوصها كتبت قبل خلقه بِأَرْبَعِينَ سنة، وَيجوز أَن يكون ذَلِك الْقدر مُدَّة لبثه طيناً إِلَى أَن نفخت فِيهِ الرّوح، فقد ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) : أَن بَين تَصْوِيره طيناً وَنفخ الرّوح فِيهِ كَانَ مُدَّة أَرْبَعِينَ سننة، وَلَا يُخَالف ذَلِك كِتَابَة الْمَقَادِير عُمُوما قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة. فَإِن قلت: وَقع فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أتلومني على أَمر قدره لله عَليّ قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ . قلت: تحمل مُدَّة الْأَرْبَعين سنة على مَا يتَعَلَّق بِالْكِتَابَةِ، وَيحمل الآخر على مَا يتَعَلَّق بِالْعلمِ. قَوْله: (فحج آدم مُوسَى) ، آدم مَرْفُوع بِلَا خلاف وشذ بعض النَّاس فقرأه بِالنّصب على أَن آدم الْمَفْعُول ومُوسَى فِي مَحل الرّفْع على أَنه الْفَاعِل، نَقله الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْخَاصَّة عَن مَسْعُود بن نَاصِر السجْزِي الْحَافِظ، قَالَ: سمعته يقْرَأ: فحج آدم، بِالنّصب قَالَ: وَكَانَ قدرياً. وَقد روى أَحْمد من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (فحجه آدم) ، وَهَذَا يقطع الْإِشْكَال فَإِن رُوَاته أَئِمَّة حفاظ، وَالزهْرِيّ من كبار الْفُقَهَاء الْحفاظ، وَمعنى: فحج أَي: غَلبه بِالْحجَّةِ، يُقَال: حاججت فلَانا فحججته مثل خاصمته فَخَصمته، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّا حجه آدم فِي رفع اللوم إِذْ لَيْسَ لأحد من الْآدَمِيّين أَن يلوم أحدا بِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أَنَّك تعلم أَنه مُقَدّر فَلَا تلمني، وَأَيْضًا اللوم شَرْعِي لَا عَقْلِي، وَإِذا تَابَ الله عَلَيْهِ وَغفر لَهُ ذَنبه زَالَ عَنهُ اللوم فَمن لامه كَانَ محجوجاً. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي قَالَ: حج آدم مُوسَى ثَلَاث مَرَّات، وَفِي حَدِيث رَوَاهُ عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن الْأَعْرَج. (لقد حج آدم مُوسَى، لقد حج آدم مُوسَى، لقد آدم حج مُوسَى) . فَإِن قلت: مَتى كَانَ ملاقاة آدم ومُوسَى؟ . قلت: قيل يحْتَمل أَن يكون فِي زمن مُوسَى ﵇، وَأَحْيَا الله لَهُ آدم معْجزَة لَهُ فَكَلمهُ أَو كشف لَهُ عَن قَبره فتحدثا، أَو أرَاهُ الله روحه كَمَا أرى النَّبِي ﷺ ، لَيْلَة الْمِعْرَاج أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء ﵈، أَو أرَاهُ الله فِي الْمَنَام رُؤْيا، ورؤيا الْأَنْبِيَاء وَحي، أَو كَانَ ذَلِك بعد وَفَاة مُوسَى فَالْتَقَيَا فِي البرزخ أول مَا مَاتَ مُوسَى فالتقت أرواحهما فِي السَّمَاء، وَبِذَلِك جزم ابْن عبد الْبر والقابسي، أَو أَن ذَلِك لم يَقع، وَإِنَّمَا يَقع بعد فِي الْآخِرَة، وَالتَّعْبِير عَنهُ بِلَفْظ الْمَاضِي لِأَنَّهُ مُحَقّق الْوُقُوع فَكَأَنَّهُ قد وَقع. فَإِن قلت: لم خص مُوسَى ﵇، بِالذكر؟ . قلت: ليكونه أول نَبِي بعث بالتكاليف الشَّدِيدَة. فَإِن قلت: مَا وَجه وُقُوع الْغَلَبَة لآدَم، ﵇؟ . قلت: لِأَنَّهُ لَيْسَ لمخلوق أَن يلوم مخلوقاً فِي وُقُوع مَا قدر عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذن من الله، فَيكون الشَّارِع هُوَ اللائم، فَلَمَّا أَخذ مُوسَى فِي لومه من غير أَن يُؤذن لَهُ فِي ذَلِك عَارضه بِالْقدرِ. فأسكنه، وَقيل: إِن الَّذِي فعله آدم اجْتمع فِيهِ الْقدر وَالْكَسْب وَالتَّوْبَة تمحو أثر الْكسْب، وَقد كَانَ الله تَابَ عَلَيْهِ فَلم يبْق إلَاّ الْقدر، وَالْقدر لَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ لوم فعل الله، وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل. وَقيل: إِن آدم أَب ومُوسَى ابْن وَلَيْسَ للِابْن أَن يلوم أَبَاهُ، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ. فَإِن قلت: فالعاصي الْيَوْم لَو قَالَ: هَذِه الْمعْصِيَة قدرت عَليّ، فَيَنْبَغِي أَن يسْقط عَنهُ اللوم. قلت: هُوَ بَاقٍ فِي دَار التَّكْلِيف، وَفِي لومه زجر لَهُ وَلغيره عَنْهَا، وَأما آدم فميت خَارج عَن هَذِه الدَّار، فَلم يكن فِي القَوْل فَائِدَة سوى التخجيل وَنَحْوه. قَالَ سُفْيانُ: حدّثنا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ . . مِثْلَهُ. أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَذَا مَوْصُول وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله: حفظناه من عَمْرو وَفِي رِوَايَة الْحميدِي قَالَ: وَحدثنَا أَبُو الزِّنَاد، بِإِثْبَات الْوَاو، وَهِي أظهر فِي المُرَاد، وَقيل: أَخطَأ من زعم أَن هَذَا الطَّرِيق مُعَلّق، وَقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ مُنْفَردا بعد أَن سَاق طَرِيق طَاوُوس عَن جمَاعَة عَن سُفْيَان، فَقَالَ: أخبرنيه الْقَاسِم يَعْنِي ابْن زَكَرِيَّا حَدثنَا إِسْحَاق بن حَاتِم العلاف حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو مثله، سَوَاء، وَزَاد: قَالَ: وحَدثني سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد بِهِ. ٢١ - (بابٌ لَا مانِعَ لِما أعْطَى الله) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان: لَا مَانع لما أعْطى الله، ويروى: لما أعطَاهُ الله، وَهَذَا منتزع من معنى حَدِيث الْبَاب، فَلفظ الحَدِيث: لَا مَانع لما أَعْطَيْت.

стр. 6982

٥١٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدّثنا فُليْحٌ حَدثنَا عَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ عَنْ ورَّادٍ مَوْلَى المغِيرَةِ ابنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ: أكْتُبْ إلَيَّ مَا سَمعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصّلَاة، فأمْلَى عَليَّ المُغِيرَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: خَلْفَ الصّلَاةِ: (لَا إلَهَ إلاّ الله وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ولَا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ مِنْكَ الجَدُّ) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِن كَانَ بَينهمَا نوع تَغْيِير. وَمُحَمّد بن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين، وفليح مصغر الفلح بِالْفَاءِ والحاء الْمُهْملَة ابْن سُلَيْمَان، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك وفليح لقبه فغلب على اسْمه، وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن أبي لبَابَة بِضَم اللَّام وبالباءين الموحدتين الْأَسدي الْكُوفِي سكن دمشق، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء مولى الْمُغيرَة بن شُعْبَة وكاتبه. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الذّكر بعد الصَّلَاة. وَأخرجه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الِاعْتِصَام وَفِي الرقَاق وَفِي الدَّعْوَات وَغَيرهَا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الصَّلَاة. قَوْله: (الْجد) وَهُوَ مَا جعل الله للْإنْسَان من الحظوظ الدُّنْيَوِيَّة، وَكلمَة: من، تسمى من الْبَدَلِيَّة. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) أَي: بدل الْآخِرَة، أَي: المحظوظ لَا يَنْفَعهُ حَظه بذلك أَي: بدل طَاعَتك، وَقَالَ الرَّاغِب: قيل: أَرَادَ بالجد أَب الْأَب أَي: لَا ينفع أحدا نسبه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مِنْهُم من رَوَاهُ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الِاجْتِهَاد أَي: لَا ينفع ذَا الِاجْتِهَاد مِنْك اجْتِهَاده إِنَّمَا يَنْفَعهُ رحمتك. وَقَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: أخبَرني عَبْدَةُ أنَّ ورَّاداً أخْبَرَهُ بهاذَا، ثُمَّ وفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يأمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوْلِ. ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن الْعَزِيز بن جريج، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق ابْن جريج، وَالْمَقْصُود من هَذَا التَّعْلِيق التَّصْرِيح بِأَن وراداً أخبر بِهِ عَبدة لِأَنَّهُ وَقع فِي الرِّوَايَة الأولى بالعنعنة. قَوْله: ثمَّ وفدت، الْقَائِل بِهَذَا عَبدة، ووفدت من الْوُفُود وَهُوَ قصد الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، يُقَال: وَفد يفد فَهُوَ وَافد. قَوْله: بعد، مَبْنِيّ على الضَّم أَي: بعد أَن سمعته من وراد. قَوْله: إِلَى مُعَاوِيَة، هُوَ ابْن أبي سُفْيَان لما كَانَ فِي الشَّام حَاكما. قَوْله: بذلك القَوْل، أَشَارَ بِهِ إِلَى القَوْل الَّذِي كَانَ يَقُوله ﷺ ، وَهُوَ الدُّعَاء الْمَذْكُور عقيب الصَّلَاة. ٣١ - (بابُ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّه مِنْ درَكِ الشَّقاءِ وسُوءِ القَضاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر المتعوذ من هذَيْن الشَّيْئَيْنِ. أَحدهمَا: دَرك الشَّقَاء، بِفَتْح الرَّاء: اللحاق والتبعة والشقاء بِالْفَتْح وَالْمدّ الشدَّة والعسر وَهُوَ يتَنَاوَل الدِّينِيَّة والدنياوية. وَالْآخر: سوء الْقَضَاء، أَي الْمقْضِي إِذْ حكم الله كُله حسن. وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (الفلق: ١ ٢) . أَشَارَ بِذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى الرَّد على من زعم أَن العَبْد يخلق فعل نَفسه، لِأَنَّهُ لَو كَانَ السوء الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ مخترعاً لفَاعِله لما كَانَ للاستعاذة بِاللَّه مِنْهُ معنى، لِأَنَّهُ لَا يَصح التَّعَوُّذ إلَاّ بِمن قدر على إِزَالَة مَا استعيذ بِهِ مِنْهُ. ٦١٦٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا سُفيانُ عنْ سُمَيّ عنْ أبي صالحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّه مِنْ جَهْدِ البلَاءِ ودَرَكِ الشَّقاءِ وسُوءِ القَضاءِ وشَماتَةِ الاعْدَاءِ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٣٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَسمي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء مولى أبي بكر المَخْزُومِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب التَّعَوُّذ من جهد الْبلَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سفاين عَن سمي ... إِلَى آخِره. قَوْله: (جهد الْبلَاء) بِضَم الْجِيم أشهر وَهُوَ الْحَالة الَّتِي يخْتَار عَلَيْهَا الْمَوْت، وَقيل: هُوَ قلَّة

стр. 6983

المَال وَكَثْرَة الْعِيَال وَفِي التَّوْضِيح جهد الْبلَاء أقْصَى مَا يبلغ وَهُوَ الْجهد بِضَم الْجِيم وَفتحهَا قَوْله وشماتة الْأَعْدَاء الشماتة هِيَ الْحزن يفرح الْعَدو والفرح يحزنهُ (بَاب يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه) أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وأوله ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وَأَنه إِلَيْهِ تحشرون﴾ وَعَن سعيد بن جُبَير مَعْنَاهُ يحول بَين الْكَافِر أَن يُؤمن وَبَين الْمُؤمن أَن يكفر وَعَن ابْن عَبَّاس يحول بَين الْكَافِر وطاعته وَبَين الْمُؤمن ومعصيته وَكَذَا روى عَن الضَّحَّاك وَعَن مُجَاهِد يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه فَلَا يعقل وَلَا يدْرِي مَا يعلم وَالْغَرَض من هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الله خَالق لجَمِيع كسب الْعباد من الْخَيْر وَالشَّر وَأَنه قَادر على أَن يحول بَين الْكَافِر وَالْإِيمَان وَلم يقدره إِلَّا على ضِدّه وَهُوَ الْكفْر وعَلى أَن يحول بَين الْمُؤمن وَالْكفْر وأقدره على ضِدّه وَهُوَ الْإِيمَان وَفعل الله عدل فِيمَن أضلّهُ لِأَنَّهُ لم يمنعهُم حَقًا وَجب عَلَيْهِ وخلقهم على إِرَادَته لَا على إرادتهم وَكَانَ من خلق فيهم من قُوَّة الْهِدَايَة والتوفيق على وَجه التَّفْصِيل ٢٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن أخبرنَا عبد الله أخبرنَا مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن عبد الله قَالَ كثيرا مِمَّا كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يحلف لَا ومقلب الْقُلُوب) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن معنى مُقَلِّب الْقُلُوب تقليبه قلب عَبده عَن إِيثَار الْإِيمَان إِلَى إِيثَار الْكفْر وَعَكسه وَفعل الله عدل فِي ذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن سعيد بن سُلَيْمَان وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن عَليّ بن حجر وَعبد الله بن جَعْفَر وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي قَوْله كثيرا نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره يحلف حلفا كثيرا مِمَّا كَانَ يُرِيد أَن يحلف بِهِ من أَلْفَاظ الْحلف قَوْله لَا فِيهِ حذف نَحْو لَا أفعل أَو لَا أترك وَحقّ مُقَلِّب الْقُلُوب وَهُوَ الله وَالْوَاو فِيهِ للقسم قَالَ الْكرْمَانِي مُقَلِّب الْقُلُوب أَي يقلب أغراضها وَأَحْوَالهَا من الْإِرَادَة وَغَيرهَا إِذْ حَقِيقَة الْقلب لَا تنْقَلب وَفِيه دلَالَة على أَن أَعمال الْقُلُوب من الإرادات والدواعي وَسَائِر الْأَغْرَاض بِخلق الله تَعَالَى كأفعال الْجَوَارِح ٢٥ - (حَدثنَا عَليّ بن حَفْص وَبشر بن مُحَمَّد قَالَا أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لِابْنِ صياد خبأت لَك خبيئا قَالَ الدخ قَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك قَالَ عمر ائْذَنْ لي فَأَضْرب عُنُقه قَالَ دَعه إِن يكن هُوَ لَا تُطِيقهُ وَإِن لم يكن هُوَ فَلَا خير لَك فِي قَتله) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله إِن يكن هُوَ إِلَى آخِره يَعْنِي إِن كَانَ الَّذِي قَالَ قد سبق فِي علم الله خُرُوجه وإضلاله النَّاس فَلَنْ يقدرك خالقك على قتل من سبق فِي علمه أَنه يخرج ويضل النَّاس إِذْ لَو أقدرك على هَذَا لَكَانَ فِيهِ انقلاب علمه وَالله تَعَالَى عَن ذَلِك وَعلي بن حَفْص الْمروزِي سكن عسقلان وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم وَسَالم بن عبد الله بن عمر والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ هَل يصلى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله لِابْنِ صياد اسْمه صَاف قَوْله خبيئا ويروى خبا قَوْله الدخ بِضَم

стр. 6984

الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة الدُّخان، وَقيل: أَرَادَ أَن يَقُول: الدُّخان، فَلم يُمكنهُ لهيبة رَسُول الله ﷺ ، أَو زَجره رَسُول الله ﷺ ، فَلم يسْتَطع أَن يخرج الْكَلِمَة تَامَّة. قَوْله: (اخْسَأْ) بِالْهَمْزَةِ يُقَال خسأ الْكَلْب إِذا بعد، وأخسأ أَمر مِنْهُ وَهُوَ خطاب زجر وإهانة. قَوْله: (فَلَنْ تعدو) ويروى بِحَذْف الْوَاو تَخْفِيفًا، أَو بِتَأْوِيل: لن، بِمَعْنى: لم، والجزم بلن لُغَة حَكَاهَا الْكسَائي. قَوْله: (إِن يكن هُوَ) ويروى: إِن يكنه، وَفِيه رد على النَّحْوِيّ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُخْتَار فِي خبر: كَانَ، الِانْفِصَال. قَوْله: (فَلَا تُطِيقهُ) أَي: لَا تطِيق قَتله إِذا الْمُقدر أَنه يخرج فِي آخر الزَّمَان خُرُوجًا يفْسد فِي الأَرْض ثمَّ يقْتله عِيسَى ﵇. قَوْله: (فَلَا خير لَك) قيل: كَانَ يَدعِي النُّبُوَّة فَلم لَا يكون قَتله خيرا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ غير بَالغ، أَو كَانَ فِي مهادنة أَيَّام الْيَهُود وحلفائهم، وَأما امتحانه ﷺ بالخبء فلإظهار بطلَان حَاله للصحابة، وَأَن مرتبته لَا تتجاوز عَن الكهانة. ٥١ - (بابُ ﴿قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا﴾ (التَّوْبَة: ١٥) قَضَى .) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لن يصيبنا﴾ . . إِلَى آخِره. قَوْله: قضى، تَفْسِير لقَوْله: كتب، وَأَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى أَن الله تَعَالَى أعلم عباده أَن مَا يصيبهم فِي الدُّنْيَا من الشدائد والمحن والضيق وَالْخصب والجدب إِن ذَلِك كُله فعل الله تَعَالَى، يفعل من ذَلِك مَا يَشَاء لِعِبَادِهِ ويبتليهم بِالْخَيرِ وَالشَّر، وَذَلِكَ كُله مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. قَالَ مُجاهِدِ: بِفاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إلاّ مَنْ كَتَب الله. أنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ. أَي قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (الصافات: ٢٦١ ٣٦١) أَي: مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بمضلين إلَاّ من كتب الله تَعَالَى أَنه يُصَلِّي أَي: يدْخل الْجَحِيم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد بِمَعْنَاهُ من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ: لَا يفتنون إلَاّ من كتب عَلَيْهِ الضَّلَالَة. قَدَّرَ فَهَدَى. قَدَّرَ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ وهَدَى الأنْعامَ لِمَرَاتِعِها. أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي قدر فهدى﴾ (الْأَعْلَى: ٣) وَفَسرهُ بقوله: قدر الشَّقَاء والسعادة، وَوَصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَوْله: الْأَنْعَام لمراتعها، لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا قبله بل هُوَ تَفْسِير لمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى﴾ (طه: ٠٥) . ٩١٦٦ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ أخبرنَا النَّضْرُ حدّثنا داوُدُ بنُ أبي الفُراتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ يَحْيَاى بنِ يَعْمَرُ أنَّ عائِشَةَ ﵂، أخْبَرَتْهُ أنَّها سَألَتْ رسولَ الله ﷺ عنِ الطَّاعُونِ. فَقَالَ: (كَانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلْدَةٍ يَكُونُ فِيها ويَمْكُثُ فِيها لَا يخْرُجُ مِنَ البَلْدَةِ صابِراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أنّهُ لَا يُصِيبُهُ إلاّ مَا كَتَبَ الله لهُ، إلَاّ كانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ شَهِيدٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، ونسبته إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد منات بن تَمِيم بطن عامتهم بِالْبَصْرَةِ، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء الْمروزِي تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَعبد الله بن بُرَيْدَة مصغر الْبردَة الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو، وَيحيى بن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْمِيم وبالراء القَاضِي أَيْضا بمرو، وَالرِّجَال كلهم مروزيون. وَهُوَ من الغرائب. والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير وَفِي ذكر بني إِسْرَائِيل وَفِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق عَن حبَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (الطَّاعُون) الوباء قَالَه أهل اللُّغَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه حب ينْبت فِي الأرفاغ، وَقيل: هُوَ بِئْر مؤلم جدا يخرج غَالِبا من الآباط مَعَ اسوداد حواليه وخفقان الْقلب. قَوْله: (رَحْمَة) قيل مَا معنى كَون الْعَذَاب رَحْمَة؟ . وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ هُوَ محنة فِي

стр. 6985

الصُّورَة لكنه رَحْمَة من حَيْثُ أَنه يتَضَمَّن مثل أجر الشَّهِيد فَهُوَ سَبَب الرَّحْمَة لهَذِهِ الْأمة. ٦١ - (بابٌ ﴿وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٤) ﴿لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ﴾ (الزمر: ٧٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ﴾ إِلَى آخِره هَاتَانِ آيتان، وَحَدِيث الْبَاب نَص على أَن الله تَعَالَى انْفَرد بِخلق الْهدى والضلال، وَأَنه قدر الْعباد على اكْتِسَاب مَا أَرَادَ مِنْهُم من إِيمَان وَكفر، وَأَن ذَلِك لَيْسَ بِخلق للعباد، كَمَا زعمت الْقَدَرِيَّة. ٠٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ أخبرنَا جَرِيرٌ هُوَ ابنُ حازِمٍ عنْ أبي إسْحَاقَ عنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ قَالَ: رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقلُ مَعَنا التُّرابَ وهْوَ يَقُولُ: (وَالله لَوْلَا الله مَا اهْتدَيْنا ... وَلَا صُمْنا وَلَا صَلْينا) (فأنْزلَنْ سَكِينَةً عَليْنا ... وثَبِّت الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا) (والمُشْركُونَ قَدْ بَغَوْا عَليْنا ... إِذا أرَادوا فِتْنَةً أبَيْنا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: لَوْلَا الله مَا اهتدينا وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وَجَرِير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قد بغو) أَي: ظلمُوا. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع. ويروى: أَتَيْنَا، من الْإِتْيَان. وَالله ولي التَّوْفِيق. ٣٨ - (كِتابُ الأيْمانِ والنُّذُور) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَيْمَان وأنواع النذور، والأيمان جمع يَمِين وَهُوَ لُغَة الْقُوَّة، قَالَ الله : ﴿ (٦٩) لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (الحاقة: ٥٤) أَي: بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة، وَهِي الْجَارِحَة أَيْضا وَفِي الشَّرْع تَقْوِيَة أحد طرفِي الْخَبَر بالمقسم بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْيَمين تَحْقِيق مَا يجب وجوده بِذكر الله تَعَالَى والتزام الْمُكَلف قربَة أَو صفتهَا، وَقَالَ أَصْحَابنَا: النّذر إِيجَاب شَيْء من عبَادَة أَو صَدَقَة أَو نَحْوهمَا على نَفسه تَبَرعا، يُقَال: نذرت الشَّيْء أنذر وأنذر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر نذرا. ١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الَاْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُو اْ أَيْمَانَكُمْ كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى، هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَلم يَقع لفظ: بَاب عِنْد أَكثر الروَاة، وَذكر الْآيَة كلهَا، إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة. قَوْله: (بِاللَّغْوِ) ، هُوَ قَول الرجل فِي الْكَلَام من غير قصد: لَا وَالله، وبلى وَالله، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقيل: هُوَ فِي الْهزْل، وَقيل: فِي الْمعْصِيَة، وَقيل: على غَلَبَة الظَّن. وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد، وَقيل: الْيَمين فِي الْغَضَب، وَقيل: فِي النسْيَان. قَوْله: (بِمَا عقدتم الْأَيْمَان) أَي: بِمَا صممتم عَلَيْهِ من الْأَيْمَان وقصدتموها، قرىء بتَشْديد الْقَاف وتخفيفها، وَالْعقد فِي الأَصْل الْجمع بَين أَطْرَاف الشَّيْء، وَيسْتَعْمل فِي الْأَجْسَام ويستعار للمعاني نَحْو: عقد البيع، وَعَن عَطاء معنى: عقدتم الْأَيْمَان أكدتم. قَوْله: (مَسَاكِين) أَي: محاويج من الْفُقَرَاء وَمن لَا يجد مَا يَكْفِيهِ. قَوْله: (من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم) قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة: من أعدل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: من أمثل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خبز وَلبن وَسمن، وبإسناده عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: ﴿من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم﴾ قَالَ: الْخبز وَاللَّحم والسنم، وَالْخبْز وَاللَّبن، وَالْخبْز وَالزَّيْت، وَالْخبْز والخل. وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يُطعمهُمْ. فَقَالَ ابْن

стр. 6986

أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: يغديهم ويعشيهم، وَقَالَ الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين: يَكْفِيهِ أَن يطعم عشرَة مَسَاكِين أَكلَة وَاحِدَة خبْزًا وَلَحْمًا، وَزَاد الْحسن، فَإِن لم يجد فخبزاً وَسمنًا ولبناً، فَإِن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً. حَتَّى يشبعوا، وَقَالَ قوم: يطعم كل وَاحِد من الْعشْرَة نصف صَاع من بر أَو تمر وَنَحْوهمَا، وَهَذَا قَول عمر وَعلي وَعَائِشَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمَنْصُور بن مهْرَان وَمَالك وَالضَّحَّاك وَالْحكم وَمَكْحُول وَأبي قلَابَة وَمُقَاتِل بن حَيَّان، وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نصف صَاع من بر أَو صَاع من غَيره، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَأحمد، وروى ذَلِك عَن عَليّ وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَاجِب فِي كَفَّارَة الْيَمين مد بِمد النَّبِي ﷺ قَوْله: (أَو كسوتهم) قَالَ الشَّافِعِي: لَو دفع إِلَى كل وَاحِد من الْعشْرَة مَا يصدق عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة من قيمص أَو سَرَاوِيل أَو إِزَار أَو عِمَامَة أَو مقنعة أَجزَاء ذَلِك. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي القلنسوة: هَل نجزى أم لَا؟ على وَجْهَيْن: وَحكى الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرايني فِي الْخُف وَجْهَيْن أَيْضا، وَالصَّحِيح عدم الْإِجْزَاء، وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا بُد أَن يدْفع إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم مَا يَصح أَن يُصَلِّي فِيهِ إِن كَانَ رجلا أَو امْرَأَة كل بِحَسبِهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: عباءة لكل مِسْكين أَو شملة، وَقَالَ مُجَاهِد: أدناه ثوب وَأَعلاهُ مَا شِئْت، وَعَن سعيد بن الْمسيب: عباءة يلف بهَا رَأسه وعباءة يأتزر بهَا. قَوْله: (أَو تَحْرِير رَقَبَة) أَخذ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بإطلاقها فجوز الْكَافِرَة، وَقَالَ الشَّافِعِي وَآخَرُونَ: لَا يجوز إلَاّ مُؤمنَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: فَإِن لم يقدر الْمُكَلف على وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال الثَّلَاث (فَصِيَام) أَي: فَعَلَيهِ صِيَام (ثَلَاثَة أَيَّام) . وَاخْتلفُوا فِيهِ: هَل يجب التَّتَابُع أَو يسْتَحبّ؟ فالمنصوص عَن الشَّافِعِي: أَنه لَا يجب التَّتَابُع، وَهُوَ قَول مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يجب التَّتَابُع، ودلائلهم مَذْكُورَة فِي كتب الْفِقْه. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (واحفظوا أَيْمَانكُم) عَن الْحِنْث فَإِذا حنثتم فاحفظوها بِالْكَفَّارَةِ. ١٢٦٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: أنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، لَمْ يَكُنْ يحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ، حتَّى أنْزَلَ الله تَعَالَى كَفَّارَةَ اليَمِينِ. وَقَالَ: لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتُ غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أتيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي. (انْظُر الحَدِيث ٤١٦٤) . مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَشَيْخه مروزي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك مروزي أَيْضا، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (أَن أَبَا بكر) الصّديق وَفِي رِوَايَة عبد الله بن نمير عَن هِشَام بِسَنَدِهِ عَن أبي بكر الصّديق. قَوْله: (لم يكن حنث) إِنَّمَا زَادَت لفظ الْكَوْن للْمُبَالَغَة فِيهِ، ولبيان أَنه لم يكن من شَأْنه ذَلِك. قَوْله: (قطّ) ، أَصله: قطط، فأدغمت الطَّاء فى الطَّاء وَمِنْهُم من يَقُول: قطّ، بِضَم الْقَاف تبعا لضم الطَّاء وَمِنْهُم من يخففه. قَوْله: (كَفَّارَة الْيَمين) أَي: آيتها وَهِي الْمَذْكُورَة فِي أول الْبَاب. قَوْله: (لَا أَحْلف على يَمِين) إِلَى آخِره قَالُوا: إِنَّمَا قَالَ أَبُو بكر هَذَا لما حلف أَنه لَا يبرأ مسطحًا لما تكلم فِي قصَّة الْإِفْك، وَأنزل الله تَعَالَى: ﴿أَلا يحبونَ أَن يغْفر الله لكم﴾ (النُّور: ٢٢) قَالَ: بلَى يَا رب ﴿إِنَّا لنحب ذَلِك، ثمَّ عَاد إِلَى بره كَمَا كَانَ أَولا. قَوْله: (غَيرهَا) الضَّمِير يرجع إِلَى الْيَمين بِاعْتِبَار أَن الْمَقْصُود مِنْهَا الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مثل الْخصْلَة المفعولة، أَو المتروكة، إِذْ لَا معنى لقَوْله: (لَا أَحْلف) على الْحق. ٢٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ مُحَمدُ بنُ الفَضْلِ حدّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ حدّثنا الحَسَنُ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ سَمرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ سَمُرَةَ﴾ لَا تَسْألِ الإمارَةَ، فإنّكَ إنْ أوتِيتَها عنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإنْ أُوتِيتَها مِنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أعنْتَ عَلَيْها، وَإِذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْراً مِنْها فَكَفِّرْ عنْ يَمِينَكَ وَأْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ) .

стр. 6987

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكفر عَن يَمِينك) وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة بن حبيب وَهُوَ من مسلمة الْفَتْح وَقد شهد فتوح الْعرَاق وَكَانَ فتح سجستان على يَدَيْهِ، أرْسلهُ عبد الله بن عَامر أَمِير الْبَصْرَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام عَن حجاج بن منهال وَفِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرج النَّسَائِيّ قصَّة الْإِمَارَة فِي الْقَضَاء وَفِي السّير عَن مُجَاهِد بن مُوسَى، وقصة الْيَمين فِي الْأَيْمَان عَن جمَاعَة آخَرين. قَوْله: (الْإِمَارَة) بِكَسْر الْهمزَة أَي: لَا تسْأَل أَن تعْمل أَمِيرا أَي: حَاكما. قَوْله: (أوتيتها) على صِيغَة الْمَجْهُول بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: (أعنت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. وَفِيه: كَرَاهَة سُؤال مَا يتَعَلَّق بالحكومة نَحْو الْقَضَاء والحسبة وَنَحْوهمَا، وَإِن من سَأَلَ لَا يكون مَعَه إِعَانَة من الله تَعَالَى، فَلَا يكون لَهُ كِفَايَة لذَلِك الْعَمَل فَيَنْبَغِي أَن لَا يولي. قلت: إِذا كَانَ عَن مُجَرّد السُّؤَال، فَمَا يكون حَال من يسْأَل بالرشوة ويجتهد فِيهِ؟ خُصُوصا فِي غَالب قُضَاة مصر فَلَا يتولون إلَاّ بالبراطيل والرشى؟ وَلَا يخَاف من اسْتِحْقَاق اللَّعْنَة من الله تَعَالَى فِي ذَلِك، وَقد روى عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ : لعن الله الراشي والمرتشي والرائش. وَفِيه: إِن من حلف على فعل أَو ترك وَكَانَ الْحِنْث خيرا من التَّمَادِي عَلَيْهِ اسْتحبَّ لَهُ الْحِنْث، بل يجب، نظرا لظَاهِر الْأَمر. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة، وَلَا يجوز عِنْد الْحَنَفِيَّة لِأَن الْكَفَّارَة لستر الْجِنَايَة وَلَا جِنَايَة قبل الْحِنْث، فَلَا يجوز. وَحكم الحَدِيث أَنه تعارضه رِوَايَة مُسلم أخرجه عَن أبي هُرَيْرَة: من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، غير أَن البُخَارِيّ انْفَرد بِتَقْدِيم الْحِنْث قبل الْكَفَّارَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي (سنَنه) تَقْدِيم الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث، وَجَاء تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة فِي حَدِيث أبي مُوسَى الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، وَفِي لفظ لَهما تَقْدِيم الْكَفَّارَة فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالأخذ بِرِوَايَة تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة أولى لما ذكرنَا. ٣٣٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ بنِ جَرِيرٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَالله لَا أحْمِلُكمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) . قَالَ: ثُمَّ لَبِثْنا مَا شاءَ الله أنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى فَحَمَلَنا عَلَيْها، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنا أوْ قالَ بَعْضُنا: وَالله لَا يُبارَكَ لَنا، أتَيْنا النبيَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أنْ لَا يَحْمِلَنا ثُمَّ حَمَلَنَا، فارْجِعُوا بِنا إِلَى النبيِّ ﷺ فَنُذَكِّرَهُ، فأتَيْناهُ فَقَالَ: (مَا أَنا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ الله حَمَلَكمْ وإنِّي وَالله إِن شاءَ الله لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْها إلاّ كَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي وأتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ أتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي) . مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد كَمَا مر، وغيلان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جرير بِفَتْح الْجِيم الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، قيل: اسْمه الْحَارِث وَقيل: عَامر يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه أَيْضا مطولا فِي كتاب الْخمس فِي: بَاب وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين، فَلْينْظر فِيهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن خلف بن هِشَام وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن أَحْمد بن عَبدة. قَوْله: (فِي رَهْط) قد ذكرنَا غير مرّة أَن الرَّهْط مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال لَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) جمع أشعري نِسْبَة

стр. 6988

إِلَى الْأَشْعر، واسْمه: نبت بن ادد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان، وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْأَشْعر لِأَن أمه وَلدته أشعر قَوْله: (استحمله) أَي: أطلب مِنْهُ مَا يحملنا من الْإِبِل وَيحمل أثقالنا، وَذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم﴾ (التَّوْبَة: ٢٩) الْآيَة. قَوْله: (ثمَّ أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي النَّبِي ﷺ . قَوْله: (بِثَلَاث ذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ الْإِبِل من الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة، وَهِي مُؤَنّثَة لَيْسَ لَهَا وَاحِد من لَفظهَا، وَالْكثير أذواد، وَقيل: الذود الْوَاحِد من الْإِبِل بِدَلِيل قَوْله: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) ، وَقَالَ الْقَزاز: الْعَرَب تَقول: الذود من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ من الْإِنَاث، فَلذَلِك قَالَ: بِثَلَاث ذود، وَلم يقل: بِثَلَاثَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. قَوْله: (غر الذرى) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع الْأَغَر وَهُوَ الْأَبْيَض الْحسن، والذرى بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَكسرهَا جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ، وَالْمرَاد هُنَا الأسنمة، وَقد تقدم فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْخمس فِي غَزْوَة تَبُوك، أَنه سِتَّة أَبْعِرَة، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، إِذْ لَيْسَ فِي ذكر الثَّلَاث نفي السِّتَّة. قَوْله: (فحملنا) بِفَتْح اللَّام أَي: حملنَا رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ: ثمَّ حملنَا، بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (بل الله حملكم) يَعْنِي: لَا معطي إلَاّ الله، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا أَعطيتكُم من مَال الله، أَو: بِأَمْر الله لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطي بِالْوَحْي. قَوْله: (وَإِنِّي) اسْم: إِن، يَاء الْإِضَافَة، وخبرها قَوْله: (لَا أَحْلف) . . إِلَى آخِره، والجملتان معترضتان بَين اسْم إِن وخبرها. قَوْله: (أَو أتيت) إِمَّا شكّ من الرَّاوِي فِي تَقْدِيم: أتيت، على تَقْدِيم: كفرت، وَالْعَكْس، وَإِمَّا تنويع من رَسُول الله ﷺ إِشَارَة إِلَى جَوَاز تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث وتأخيرها. ٤٢٦٦ - حدّثنا إسْحاق بنُ إبْرَاهِيمَ أخبَرنا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هاذَا مَا حدّثنا بِهِ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم القِيامَةِ) . فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (وَالله لأنْ يَلَجَّ أحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أهْلِهِ آثَمُ لهُ عِنْدَ الله مِنْ أنْ يُعْطِىَ كَفّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ الله عَلَيْهِ) . (الحَدِيث ٥٢٦٦ طرفه فِي: ٦٢٦٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لِأَن يلج) إِلَى آخِره. وَأما وَجه إِدْخَال قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة) ، فَهُوَ أَن هَذَا أول حَدِيث فِي صحيفَة همام عَن أبي هُرَيْرَة وَكَانَ همام إِذا روى الصَّحِيفَة استفتح بِذكرِهِ ثمَّ سرد الْأَحَادِيث فَذكره الرَّاوِي أَيْضا كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: وَجه ذَلِك أَنه يُمكن أَن يكون سمع أَبَا هُرَيْرَة كَذَلِك من رَسُول الله ﷺ ، فِي نسق وَاحِد فَحدث بهما جَمِيعًا كَمَا سمعهما، وَيُمكن أَن الرَّاوِي فعل ذَلِك لِأَنَّهُ سمع من أبي هُرَيْرَة أَحَادِيث. أَولهَا: ذَلِك فَذكرهَا على التَّرْتِيب الَّذِي ذكره. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يحْتَمل أَن يكون ابْن رَاهَوَيْه، وَيحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق بن نصر لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا روى عَن عبد الرَّزَّاق وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد. والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن سُفْيَان من قَوْله: إِذا استلج. قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ) أَي: آخر الْأُمَم (السَّابِقُونَ) يَوْم الْقِيَامَة فِي الْحساب وَدخُول الْجنَّة. قَوْله: (فَقَالَ رَسُول الله ﷺ بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو. قَوْله: (لِأَن يلج) من الإلجاج بالجيمين يَعْنِي: أَقَامَ على يَمِينه وَلَا يكفرهَا فيحللها وَيَزْعُم أَنه صَادِق، وَقيل: هُوَ أَن يحلف وَيرى أَن غَيرهَا خير مِنْهَا، فيقيم على ترك الْكَفَّارَة، وَذَلِكَ إِثْم وَفِي (الصِّحَاح) : لججت، بِالْكَسْرِ يلج لجاجاً ولجاجة، ولججت بِالْفَتْح لُغَة. قَوْله: (بِيَمِينِهِ فِي أَهله) يَعْنِي: إِذا حلف يَمِينا يتَعَلَّق بأَهْله ويتضررون بِعَدَمِ حنثه وَلَا يكون فِي الْحِنْث مَعْصِيّة يَنْبَغِي لَهُ أَن يَحْنَث وَيكفر، فَإِن قَالَ: لَا أحنث وأخاف الْإِثْم، فَهُوَ مخطىء. قَوْله: (آثم لَهُ) بِمد الْهمزَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة على وزن لفظ أفعل التَّفْضِيل وَهُوَ خير. قَوْله: (لِأَن يلج) لِأَن: أَن مَصْدَرِيَّة وَاللَّام للتَّأْكِيد. تَقْدِيره: لجاجه باستمراره فِي يَمِينه أَشد إِثْمًا من أَن يعْطى ... إِلَى آخِره. وَيجوز كسر إِن. فَقَوله: (آثم) بِالْمدِّ، أَي: أَكثر إِثْمًا قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يشْعر بِأَن إِعْطَاء الْكَفَّارَة فِيهِ إِثْم لِأَن الصِّيغَة تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك، ثمَّ أجَاب بِأَن نفس الْحِنْث فِيهِ إِثْم لِأَنَّهُ يسلتزم عدم تَعْظِيم اسْم الله تَعَالَى، وَبَين إِعْطَاء الْكَفَّارَة وَبَينه مُلَازمَة عَادَة.

стр. 6989

٦٢٦٦ - حدّثني إسْحاقُ يَعْني ابْن إبْرَاهِيمَ حَدثنَا يَحْيَاى بنُ صالِحٍ حَدثنَا مُعاوَيَةُ عنْ يَحْيَاى عنْ عِكْرِمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (مَنِ اسْتَلَجَّ فِي أهْلِهِ بِيَمِينٍ فَهْوَ أعْظَمُ إثْماً لِيَبَرَّ) يَعْني: الكَفَّارَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٥٢٦٦) . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة السَّابِق أخرجه عَن إِسْحَاق ثمَّ بَينه بقوله: ابْن إِبْرَاهِيم، وَقَالَ الغساني: إِسْحَاق يشبه أَن يكون ابْن مَنْصُور، فَالظَّاهِر أَنه هُوَ الصَّوَاب لِأَن فِي كثير من النّسخ ذكر إِسْحَاق مُجَردا حَتَّى قَالَ جَامع (رجال الصَّحِيحَيْنِ) فِي تَرْجَمَة يحيى بن صَالح الْحِمصِي، روى عَنهُ إِسْحَاق، غير مَنْسُوب وَهُوَ ابْن مَنْصُور. وَأما النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا يَعْنِي: ابْن إِبْرَاهِيم مَا أزالت الْإِبْهَام لِأَن فِي مَشَايِخ البُخَارِيّ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الصَّواف، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَيحيى بن صَالح روى عَنهُ البُخَارِيّ أَيْضا بِلَا وَاسِطَة فِي الصَّلَاة، وَمُعَاوِيَة هُوَ ابْن سَلام بِالتَّشْدِيدِ الحبشي الْأسود، وَيحيى هُوَ ابْن كثير ضد الْقَلِيل. قَوْله: (من استلج) من بَاب الاستفعال، وَالسِّين فِيهِ للتَّأْكِيد، وَذكر ابْن الْأَثِير أَنه وَقع فِي رِوَايَة: من استلجج، بفك الْإِدْغَام. قَوْله: (ليبر) بِلَفْظ أَمر الْغَائِب من الْبر أَو الإبرار يَعْنِي: ليفعل الْبر أَي: الْخَيْر بترك اللجاج، يَعْنِي: ليعط الْكَفَّارَة، وَإِنَّمَا فسره بذلك لِئَلَّا يظنّ أَن الْبر هُوَ الْبَقَاء على الْيَمين. وَقَوله: (ليبر) هَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن السكن، وَلأبي ذَر عَن الكشمينهي. قَوْله: (يَعْنِي) بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون تَفْسِير: ليبر، ويروى: لَيْسَ تغني الْكَفَّارَة، وَهَذِه الرِّوَايَة أولى إِذْ هُوَ تَفْسِير لاستلج بِمَعْنى الاستلجاج وَهُوَ عدم عناية الْكَفَّارَة وإرادتها، وَأما الْمفضل عَلَيْهِ فمحذوف، يَعْنِي: أعظم من الْحِنْث، وَالْجُمْلَة اسْتِئْنَاف أَو صفة للإثم يَعْنِي: إِثْمًا لَا يُغني عَنهُ كَفَّارَة. ٢ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : (وايْمُ الله)) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ فِي يَمِينه: وأيم الله، الْهمزَة فِيهِ للوصل، وَهُوَ اسْم وضع للقسم أَو هُوَ جمع يَمِين وَحذف مِنْهُ النُّون، وَعند الْفراء وَابْن كيسَان أَلفه ألف الْقطع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: رُبمَا حذفوا الْيَاء، فَقَالُوا: أم الله، وَرُبمَا أَبقوا الْمِيم مَضْمُومَة فَقَالُوا: أم الله. ٧٢٦٦ - حدّثنا قَتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ عنْ إسْماعِيلَ بنِ جَعْفَرٍ عنْ عَبْدِ الله بن دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ بَعْثاً وأمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسَ فِي إمْرَتِهِ، فقامَ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ: (إنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إمْرَةِ أبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وايمُ الله إنْ كَانَ لَخَلِيقاً لِلْلإمارَةِ، وإنْ كَانَ لِمَنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ، وإنَّ هاذا لِمَنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ بَعْدَهُ) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَايْم الله) والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَنَاقِب زيد بن حَارِثَة مولى رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (بعثا) أَي: سَرِيَّة. قَوْله: (فِي إمرته) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم، ويروى: فِي إمارته. قَوْله: (تطعنون) الْمَشْهُور فِيهِ فتح الْعين، وَقَالَ ابْن فَارس عَن بَعضهم: طعن بِالرُّمْحِ يطعن بِالضَّمِّ وَطعن بالْقَوْل يطعن بِالْفَتْح. قَوْله: (وأيم الله) يَعْنِي: يَمِين الله، وَلَكِن مَعْنَاهُ: يَمِين الْحَالِف بِاللَّه لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُوصف الله بِأَنَّهُ يحلف بِيَمِين، وَإِنَّمَا هُوَ من صِفَات المخلوقين، وَرُوِيَ عَن ابْن عَمْرو ابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يحلفان: بأيم الله، وأبى الْحلف بهَا الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَهُوَ يَمِين عِنْد أَصْحَابنَا، قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَبِه قَالَ مَالك، وَقَالَ الشَّافِعِي، إِن لم يرد بهَا يَمِينا فَلَيْسَتْ بِيَمِين، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، فَإِن صَحَّ ذَلِك فَهُوَ الْحلف بِاللَّه. قَوْله: (إِن كَانَ) إِن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. قَوْله: (لخليقا بالإمارة) أَي: لجديراً لَهَا وَأهلا. قَوْله: (لمن أحب النَّاس) قَالَ الْكرْمَانِي:

стр. 6990

الأحب بِمَعْنى المحبوب، وَفِيه تَأمل: قَوْله: (إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء. ٣ - (بابُ كَيْفَ كانَتْ يَمِين النبيِّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة يَمِين النَّبِي ﷺ . وَقَالَ سَعْدٌ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَي: قَالَ سعد بن أبي وَقاص، وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الْمُعَلق مَوْصُولا فِي مَنَاقِب عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مطولا فَارْجِع إِلَيْهِ. وَقَالَ أبُو قَتادَةَ: قَالَ أبُو بَكْرٍ ﵁، عنْدَ النبيِّ ﷺ ، لَاهَا الله إِذا أَبُو قَتَادَة هُوَ الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ الخزرجي، فَارس رَسُول الله ﷺ ، وَحَدِيثه مضى فِي كتاب الْخمس فِي بَاب من لم يُخَمّس الأسلاب: حَدثنَا عبد الله بن مسملة عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن أَفْلح عَن أبي مُحَمَّد مولى أبي قَتَادَة عَن أبي قَتَادَة قَالَ: خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ عَام حنين ... الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: صدق يَا رَسُول الله وسلبه عِنْدِي فأرضه يَا رَسُول الله، فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَاها الله، إِذا يعمد إِلَى أَسد من أَسد الله يُقَاتل عَن الله وَرَسُوله يعطيك سلبه؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : صدق، فَأعْطَاهُ. قَوْله: لَاها الله، قَالَ ابْن الْأَثِير: هَكَذَا جَاءَ الحَدِيث: لَاها الله، إِذا، وَالصَّوَاب: لَاها الله، بِحَذْف الْهمزَة وَمَعْنَاهُ: لَا وَالله، لَا يكون إِذا، أَولا وَالله مَا الْأَمر ذَا. فَحذف تَخْفِيفًا، وَلَك فِي ألف: هَا، مذهبان أَحدهمَا: تثبت ألفها فِي الْوَصْل لِأَن الَّذِي بعْدهَا مدغم مثل دَابَّة وَالثَّانِي: تحذفها لالتقاء الساكنين. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : لأها الله كَذَا، ورويناه بقصرها، وَإِذا قَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي عَن الْمَازِني: إِن الرِّوَايَة خطأ. وَصَوَابه: لأها الله ذَا، وَذَا صلَة فِي الْكَلَام، قَالَ: وَلَيْسَ فِي كَلَامهم: لَاها الله، إِذا، وَقَالَهُ أَبُو زيد. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يُقَال فِي الْقسم: لَاها الله ذَا، وَالْعرب تَقول: لَاها الله ذَا، بِالْهَمْزَةِ وَالْقِيَاس ترك الْهمزَة وَالْمعْنَى: لَا وَالله هَذَا مَا أقسم بِهِ، فَأدْخل اسْم الله بَين هَذَا وَذَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِذا جَوَاب وَجَزَاء أَي: لَا وَالله إِذا صدق لَا يكون كَذَا، ويروى: ذَا، اسْم إِشَارَة أَي: وَالله لَا يكون هَذَا. يُقالُ: وَالله وَبِاللَّهِ وتالله أَشَارَ بِهِ إِلَى حُرُوف الْقسم وَهِي ثَلَاثَة الأول: وَالله بِالْوَاو. وَالثَّانِي: بِاللَّه بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَالثَّالِث: تالله بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. وَالْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة يدخلَانِ على كل محلوف، وَالتَّاء الْمُثَنَّاة لَا تدخل إلَاّ على لَفْظَة: الله، وَحده. ٨٢٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ سُفْيانَ عنْ مُوساى بنِ عُقْبَةَ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كانَتْ يَمِينُ النبيِّ ﷺ : (لَا ومُقَلِّبِ القُلُوبِ) . (انْظُر الحَدِيث ٧١٦٦ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَلَيْسَ المُرَاد: عَن مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالثَّوْري روى عَن مُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عبد الله بن عمر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٩٢٦٦ - حدّثنا مُوسَى احدّثنا أبُو عَوانَةَ عنْ عَبْد المَلِكِ عنْ جابِرِ بنِ سَمُرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (إِذا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذا هَلَكَ كسْرَى فَلا كِسْرى بَعْدهُ. والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما فِي سَبِيلِ الله) . (انْظُر الحَدِيث ١٢١٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) . ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة التَّبُوذَكِي وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين

стр. 6991

الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو اسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْكُوفِي. والْحَدِيث مضى فِي الْخمس عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن قبيصَة بن عقبَة. (وَقَيْصَر) اسْم ملك الرّوم، (وكسرى) بِكَسْر الْكَاف وَفتحهَا لقب مُلُوك الْفرس. قَالَ الْكرْمَانِي: اسْم، لَا، إِذا كَانَ معرفَة وَجب التكرير، ثمَّ قَالَ: هُوَ علم نكر، أَو كلمة: لَا، بِمَعْنى: لَيْسَ، أَو مؤول نَحْو قَضِيَّة وَلَا أَبَا حسن لَهَا، أَو مُكَرر إِذْ حَاصله: لَا قَيْصر وَلَا كسْرَى. وَفِيه: معْجزَة إِذْ وَقع كَمَا أخبر ﷺ . ٠٣٦٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المسَيَّب أَن أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (إِذا هَلَكَ كِسْرى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، والّذِي نَفْسُ محَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما فِي سَبِيلِ الله) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث مثل حَدِيث جَابر بن سَمُرَة سَوَاء، غير أَن فِي حَدِيث جَابر: قَيْصر، مقدم على: كسْرَى. ١٣٦٦ - حدّثني مُحَمَّدٌ أخبرنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂، عنِ النبيِّ ﷺ أنّهُ قَالَ: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّد ﴿وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَبكَيْتُمْ كَثِيراً ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالله لَو تعلمُونَ) . وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَعَبدَة ضد الْحرَّة بن سُلَيْمَان، وَمثل هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس مضى فِي الرقَاق فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : (لَو تعلمُونَ مَا أعلم) الحَدِيث. ٢٣٦٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ سُلَيْمانَ قَالَ: حدّثني ابنُ وهْبٍ قَالَ: أَخْبرنِي حَيْوَةُ قَالَ: حدّثني أبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بنُ مَعْبَدٍ أنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدِ الله بن هِشامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ وهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ لهُ عُمَرُ: يَا رسُولَ الله﴾ لأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَهُ: (لَا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ) . فَقَالَ لهُ عُمَرُ: فإنهُ الآنَ، وَالله لأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النبيُّ ﷺ الآنَ يَا عُمَرُ. (انْظُر الحَدِيث ٤٩٦٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) وَيحيى بن سلميان الْجعْفِيّ يروي عَن عبد الله بن وهب، وحيوة هُوَ ابْن شُرَيْح، وَأَبُو عقيل بِفَتْح الْعين زهرَة بِضَم الزَّاي ابْن معبد بِفَتْح الْمِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن هِشَام بن زهرَة بن عُثْمَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة، ذهبت بن أمه إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ صَغِير فَمسح رَأسه ودعا لَهُ، شهد فتح مصر وَله بهَا خطة، وَله فِي البُخَارِيّ حديثان. قَالَ الْكرْمَانِي: وَرِجَال السَّنَد مصريون. قلت: كَانَ يحيى بن سُلَيْمَان كوفياً سكن مصر، وَعبد الله بن وهب مصري، وَكَذَلِكَ زهرَة، وَهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه ذكر فِي مَنَاقِب عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكر من متن الحَدِيث. قَوْله: (كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ آخذ بيد عمر بن الْخطاب) وَلم يذكر غير هَذَا. قَوْله: (حَتَّى أكون) أَي: لَا يكمل إيمانك حَتَّى أكون. قَوْله: (الْآن) يَعْنِي: كمل إيمانك. ٣٣٦٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُود عنْ أبي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بنِ خالدٍ أنَّهُما أخْبرَاهُ: أنَّ رجُلَيْنِ اخْتَصَما إِلَى رسولِ الله ﷺ ، فَقَالَ أحَدُهُما: اقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ الله، وَقَالَ الآخَرُ وهْو أفْقَهُهمُا: أجَلْ يَا رسولَ الله! فاقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ الله وائْذَنْ لِي أنْ أتَكَلّمَ. قَالَ: (تَكَلَّمْ) قَالَ: إنَّ ابْني كانَ عِسيفاً عَلى هاذا قَالَ مالِكٌ: والعَسِيفُ الأجِيزُ زَنَى بامْرأتِهِ فأخبَرُوني أنَّ عَلى ابْني الرَّجْمَ، فافَتدَيْتُ مِنْهُ بِمائَةِ شاةٍ

стр. 6992

وجارِيَةٍ لي ثُمَّ إنِّي سألْتُ أهْلَ العِلْمِ فأخْبَرُونِي أنَّ مَا عَلى ابْنِي جَلْدُ مائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، وإنَّما الرَّجْمُ عَلى امْرَأتِهِ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأقْضيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ الله! أمَّا غنَمُكَ وجارِيَتُكَ فَرَدٍّ عَلَيْك) ، وجَلَدَ ابْنَهُ مائَةً وغَرَّبَهُ عَاما، وأُمِرَ أُنَيْسٌ الأسْلَمِيُّ أنْ يأتِيَ امْرَأةَ الآخَرِ، فَإِن اعْتَرَفَتْ رَجَمعَها فاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) . وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِىّ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمدنِي من جُهَيْنَة ابْن زيد بن لَيْث بن سعد بن أسلم بن ألحاف بن قضاعة من مشاهير الصَّحَابَة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: بِالْكُوفَةِ، سنة ثَمَان وَسبعين وَهُوَ ابْن خمس وَثَمَانِينَ سنة. وَذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مُخْتَصرا أَو مطولا: فِي الصُّلْح وَفِي الْأَحْكَام عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب فِي: بَاب إِذا اصْطَلحُوا على صلح جور، وَفِي الْمُحَاربين عَن عبد الله بن يُوسُف وَعَن عَاصِم بن عَليّ، وَفِي الْوكَالَة عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي الشُّرُوط عَن قُتَيْبَة، وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُسَدّد، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الشَّهَادَات عَن يحيى بن بكير. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الصُّلْح وَغَيره. قَوْله: (أجل يَا رَسُول الله) أَي: نعم، قَالَ الْأَخْفَش: أجل، جَوَاب مثل: نعم، إلَاّ أَنه أحسن مِنْهُ فِي التَّصْدِيق، وَنعم أحسن مِنْهُ فِي الِاسْتِفْهَام. قَوْله: (والعسيف) بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء. قَوْله: (ثمَّ إِنِّي سَأَلت أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي) فِيهِ فتيا الْعَالم مَعَ وجود من هُوَ أعلم مِنْهُ. قَالَ أَبُو الْقَاسِم العذري: كَانَ يُفْتِي من الصَّحَابَة فِيمَا بَلغنِي فِي زمن رَسُول الله ﷺ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَثَلَاثَة من الْأَنْصَار: أبي ومعاذ وَزيد بن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (بِكِتَاب الله) قيل: هُوَ قَوْله: ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب﴾ (النُّور: ٨) وَالْعَذَاب الَّذِي يدْرَأ للزَّوْجَة عَن نَفسهَا هُوَ الرَّجْم. وَأهل السّنة مجمعون على أَن الرَّجْم من حكم الله وَقَالَ قوم: إِنَّه لَيْسَ فِي كتاب الله وَإِنَّمَا هُوَ فِي السّنة، وَأَن السّنة تنسخ الْقُرْآن، فزعموا أَن معنى قَوْله: (لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله) أَي: بِوَحْي الله تَعَالَى لَا بالمتلو، وَقيل: يُرِيد بِقَضَاء الله حكمه. كَقَوْلِه: كتاب الله عَلَيْكُم، أَي: حكمه فِيكُم وقضاؤه عَلَيْكُم. قَوْله: (أما غنمك وجاريتك فَرد عَلَيْك) أَي: فيردان عَلَيْك، وَفِيه أَن الصُّلْح الْفَاسِد ينْتَقض إِذا وَقع. قَوْله: (وَأمر أنيس الْأَسْلَمِيّ) أنيس مصغر أنس ابْن الضَّحَّاك الْأَسْلَمِيّ نِسْبَة إِلَى أسلم بن أقْصَى بِالْفَاءِ ابْن حَارِثَة بن عَمْرو، والأسلمي أَيْضا نِسْبَة إِلَى أسلم بن جمح، قيل: فِيهِ إِبَاحَة تَأْخِير الْحُدُود عِنْد ضيق الْوَقْت، وَأنْكرهُ بَعضهم، ويروى: فَامْضِ إِلَى امْرَأَة هَذَا، وَفِي لفظ: أغدو يَا أنيس على امْرَأَة هَذَا قَوْله: (إِلَى امْرَأَة الآخر) بِفَتْح الْخَاء كَذَا ضَبطه الدمياطي خطأ. وَقَالَ ابْن التِّين هُوَ بقصر الْألف وَكسر الْخَاء، كَذَا روينَاهُ. قَوْله: (فَإِن اعْترفت فارجمها) . قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فِيهِ أَن مُطلق الِاعْتِرَاف يُوجب الْحَد وَلَا يحْتَاج إِلَى تكراره، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَحْمد: لَا يجب إلَاّ باعتراف أَربع مَرَّات فِي مجْلِس، أَو أَربع مجَالِس، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب إلَاّ باعتراف فِي أَربع مجَالِس، فَإِن اعْترف فِي مجْلِس وَاحِد ألف مرّة فَهُوَ اعْتِرَاف وَاحِد. وَاحْتج أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَلَمَّا شهد على نَفسه أَربع مَرَّات ... الحَدِيث. أَخْرجَاهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : وَكَذَا فِي حَدِيث جَابر بن سَمُرَة أخرجه مُسلم حَتَّى شهد على نَفسه أَربع مَرَّات، وَكَذَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه مُسلم: حَتَّى شهد أَربع مَرَّات، وَكَذَا فِي حَدِيث جَابر بن عبد الله أخرجه مُسلم: حَتَّى شهد على نَفسه أَربع شَهَادَات. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث العسيف أَن مَعْنَاهُ: أغد يَا أنيس على امْرَأَة هَذَا فَإِن اعْترفت الِاعْتِرَاف الْمَعْهُود بالتردد أَربع مَرَّات، وَجَاء فِي بعض طرق حَدِيث الغامدية أَنه ردهَا أَربع مَرَّات، أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) : فَإِن قلت: سلمنَا الْإِقْرَار أَربع مَرَّات فاشتراط اخْتِلَاف الْمجَالِس من أَيْن؟ . قلت: أخرج مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن ماعزاً أَتَى النَّبِي ﷺ ، فَرده ثمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة من الْغَد فَرده ... ، الحَدِيث. وَفِيه: فَأَتَاهُ الثَّالِثَة إِلَى أَن قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَة حفر لَهُ ورجمه. ٦٣٦٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أنَّهُ أخْبَرَهُ أَن رسولَ الله ﷺ اسْتَعْمَلَ عامِلاً، فَجاءَهُ العامِلُ حِينَ فَرَغَ منْ عَمَلِهِ فَقَالَ:

стр. 6993

يَا رسولَ الله ﴿هاذَا لَكُمْ وهَذَا أُهْدِيَ لي. فَقَالَ لهُ: (أفَلا قَعدْتَ فِي بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أيُهْدَي لَكَ أمْ لَا؟) ثُمَّ قامَ رسولُ الله ﷺ ، عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ فَتَشَهَدَ وأثْنَى عَلى الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: (أمَّا بَعْدُ﴾ فَما بالُ العامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينا فَيَقُولُ: هاذا مِنْ عَمَلِكُمْ وهاذا أُهْدِيَ لِي؟ أفَلا قَعَدَ فِي بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدى لَهُ أمْ لَا؟ فَوَالّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيدِهِ لَا يَغُلُّ أحَدُكُمْ مِنْها شَيْئاً إلاّ جاءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ، إنْ كانَ بَعِيراً جاءَ بِهِ لَهُ رُغاءٌ، وإنْ كانَتْ بَقَرَةً جاءَ بهَا لَها خُوارٌ، وإنْ كانَتْ شَاة جاءَ بِها تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ) . فَقَالَ أبُو حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَفَعَ رسولُ الله ﷺ يَدَهُ حتَّى إنّا لَننْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إبْطَيْهِ. قَالَ أبُو حُمَيْد: وقَدْ سَمَعَ ذَلَكَ مَعِي زَيْدُ بنُ ثابِتٍ مِنَ النبيِّ ﷺ فَسَلُوهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ) . وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَأَبُو حميد بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، وَقيل: اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَقيل: الْمُنْذر، وَقيل: إِنَّه عَم سهل بن سعد. والْحَدِيث مضى فِي الْهِبَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد فِي: بَاب من لم يقبل الْهَدِيَّة لعِلَّة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (اسْتعْمل عَاملا) هُوَ عبد الله بن اللتبية بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَتقدم فِي: بَاب الْهِبَة أَنه اسْتعْمل النَّبِي ﷺ ، رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: ابْن اللتبية، على الصَّدَقَة. قَوْله: (لَا يغل) أَي: لَا يخون من الْغلُول. قَوْله: (رُغَاء) بِضَم الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ، قَالَ الْكرْمَانِي: الرُّغَاء الصَّوْت. قلت: هُوَ صَوت الْبَعِير خَاصَّة. قَوْله: (خوار) بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْوَاو، وَهُوَ صَوت الْبَقَرَة. وَقَالَ ابْن التِّين: ورويناه بِالْجِيم والهمزة وَهُوَ رفع الصَّوْت. قَوْله: (تَيْعر) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَكسرهَا أَي: تصبح، وَقَالَ ابْن التِّين: قرأناه بِفَتْح الْعين، وَقَالَ الْجَوْهَرِي، يعرت العنزتيعر بِالْكَسْرِ يعاراً بِالضَّمِّ: صاحت. وَقَالَ ابْن فَارس: اليعار صَوت الشَّاة. قَوْله: (فقد بلغت) بِالتَّشْدِيدِ من التَّبْلِيغ. قَوْله: (إِلَى عفرَة إبطَيْهِ) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبالراء: الْبيَاض الَّذِي فِيهِ شَيْء كلون الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الأعفر الْأَبْيَض وَلَيْسَ بالشديد الْبيَاض، وشَاة عفراء يَعْلُو بياضها حمرَة. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو حميد) هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور وَهُوَ رَاوِي الحَدِيث. وَفِي الحَدِيث: أَن هَدِيَّة الْعَامِل مَرْدُودَة إِلَى بَيت المَال. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَمَا أحسن قَول صَاحب (الْحَاوِي الصَّغِير) : وهديته سحت وَلَا يملك. ٧٣٦٦ - حدّثني إبْرَاهِيم بنُ مُوسَى أخبرنَا هِشامٌ هُوَ ابنُ يُوسُفَ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أبُو القاسِمَ ﷺ : (والذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيدِهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيراً ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً) . (انْظُر الحَدِيث ٥٨٤٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ) . وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وَهَمَّام هُوَ ابْن مُنَبّه. والْحَدِيث مضى عَن قريب عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَمضى مثله عَن قريب عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (مَا أعلم) أَي: من الْأَفْعَال والأهوال. ٨٣٦٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ عنِ المَعْرُوِرعنْ أبي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إلَيْهِ وهْوَ يَقُولُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةَ: هُمُ الأخْسَرُون ورَبِّ الكَعْبَةَ ﴿هُمُ الأخْسَرُون ورَبِّ الكَعْبَةَ﴾ قُلْتُ: مَا شَأْنِي

стр. 6994

أيْرى فُيَّ شَيْءٌ؟ مَا شَأَنِي؟ فَجَلَسْتُ إلَيْهِ وهْوَ يَقُولُ، فَما اسْتَطَعْتُ أنْ أسْكتَ وتَغَشَّانِي مَا شاءَ الله فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يَا رَسُول الله؟ قَالَ: (الأكْثَرُونَ أمْوالاً إلاّ مَنْ قَالَ هاكَذَا وهاكَذَا وهاكَذَا) . (انْظُر الحَدِيث ٠٦٤١) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَرب الْكَعْبَة) . وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، والمعرور بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى ابْن سُوَيْد الْأَسدي عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة وَكَانَ أسود الرَّأْس واللحية، وَأَبُو ذَر جُنْدُب بن جُنَادَة الْغِفَارِيّ. وَصدر الحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه فِي: بَاب زَكَاة الْبَقر. قَوْله: (انْتَهَيْت إِلَيْهِ) أَي: إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَصرح بِهِ فِي الزَّكَاة. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (قلت: مَا شأني؟) أَي: مَا حَالي؟ قَوْله: (أيُرى) على صِيغَة الْمَجْهُول. (شَيْء) مَرْفُوع بِهِ. قَوْله: (فِي) بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء وَمَعْنَاهُ: أنظر فِي نَفسِي شَيْء يُوجب الأخسرية؟ ويروى: أيرى، بِصِيغَة الْمَعْلُوم، ويروى: أنزل فِي حَقي شَيْء من الْقُرْآن؟ قَوْله: (وَمَا شأني؟) أَي: مَا حَالي وَمَا أَمْرِي؟ قَوْله: (وتغشاني) بالغين والشين الْمُعْجَمَة. قَوْله: (بِأبي وَأمي) أَي: أَنْت المفدى بِأبي وَأمي. قَوْله: (هَكَذَا) ثَلَاث مَرَّات أَي: إلَاّ من صرف مَاله يَمِينا وَشمَالًا على الْمُسْتَحقّين. ٩٣٦٦ - حدّثنا أبْو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ حدّثنا أبُو الزِّنادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (قَالَ سُلَيْمانُ: لَاطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى تَسْعِينَ امْرَأةً كُلُّهُنَّ تَأتِي بِفارِس يجاهِدُ فِي سَبيلِ الله) فَقَالَ لهُ صاحِبُهُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله. فَلمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ الله فَطافَ عَلَيْهنَّ جَمِيعاً فَلَمْ يَحْمِل مِنْهُنَّ إلاّ امْرَأةٌ واحِدَةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وايْمُ الّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَو قَالَ: إنْ شاءَ الله، لَجاهَدُوا فِي سَبِيل الله فُرْساناً أجْمَعُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأيم الَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ) . وَهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه بهؤلاء الرِّجَال قد مضى فِي أَحَادِيث كَثِيرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي، وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب من طلب الْوَلَد للْجِهَاد، وَمضى أَيْضا فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان﴾ (ص: ٠٣) وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لأطوفن) الطّواف كِنَايَة عَن الْجِمَاع. قَوْله: (على تسعين) وَفِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي بعض الرِّوَايَات: سبعين، وَقَالَ شُعَيْب وَأَبُو الزِّنَاد: تسعين. وَهُوَ أصح وَلَا مُنَافَاة إِذْ هُوَ مَفْهُوم الْعدَد. وَفِي (صَحِيح مُسلم) : سِتُّونَ، ويروى: مائَة. قَوْله: (قَالَ لَهُ صَاحبه) أَي: الْملك أَو قرينه. قَوْله: (بشق رجل) أَي: بِنصْف ولد، وَإِطْلَاق الرجل بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ. قَوْله: (وأيم الله) إِلَى آخِره من بَاب الْوَحْي لِأَنَّهُ من بَاب علم الْغَيْب. قَوْله: (أَجْمَعُونَ) تَأْكِيد لضمير الْجمع الَّذِي فِي قَوْله: (لَجَاهَدُوا) و (فُرْسَانًا) نصب على الْحَال جمع فَارس. ٠٤٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدٌ حَدثنَا أبُو الأحْوَصِ عنْ أبي إسْحَاقَ عنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النبيِّ ﷺ سَرَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَداوَلُونَها بَيْنَهُمْ ويَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنها وَلِينِها، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (أتَعْجَبُونَ مِنْها؟) قالُوا: نَعَمْ يَا رسولَ الله! قَالَ: (والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنادِيلُ سَعْدٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْها) . لَمْ يَقُلْ شُعْبَةُ وإسْرائِيلُ: عنْ أبِي إسْحااقَ: والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) . وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، قَالَه الغساني، وَأَبُو الْأَحْوَص هُوَ سَلام بِالتَّشْدِيدِ ابْن سليم الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن هناد بن السّري. قَوْله: (سَرقَة) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وبالقاف: اسْم لقطعة من الْحَرِير. قَوْله: (لمناديل سعد) هُوَ ابْن معَاذ سيد الْأَنْصَار، وَتَخْصِيص

стр. 6995

سعد بِهَذَا إِمَّا أَن مناديل سعد كَانَت من جنس تِلْكَ السّرقَة، وَإِمَّا أَن الْحَال كَانَ اقْتضى استمالة قلبه، وَإِمَّا أَنه كَانَ اللامسون المتعجبون من الْأَنْصَار، فَقَالَ: مناديل سيدكم خير مِنْهُ، وَإِمَّا أَن سَعْدا كَانَ يحب ذَلِك الْجِنْس من الثَّوْب، أَو ذَلِك اللَّوْن. وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَن أدنى ثِيَابه فِي الْجنَّة كَذَلِك لِأَن المنديل أدنى الثِّيَاب معد للوسخ والامتهان، والمناديل جمع منديل بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ مَا يمسح بِهِ مَا يتَعَلَّق بِالْيَدِ من الطَّعَام تَقول مِنْهُ: تمندلت بالمنديل، وتندلت. وَأنكر الْكسَائي: تمندلت. قَوْله: (خير مِنْهَا) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَن يُرِيد فِي الصّفة، وَأَنَّهَا لَا تفنى، بِخِلَاف هَذِه. قَوْله: (لم يقل شُعْبَة وَإِسْرَائِيل) أَي: لم يذكر شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا إِسْرَائِيل: حَدثنَا يُونُس عَن أبي إِسْحَاق ... إِلَى آخِره، أما حَدِيث شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق فَأخْرجهُ مُسلم، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن بشار قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: سَمِعت الْبَراء بن عَازِب يَقُول: أهديت لرَسُول الله ﷺ حلَّة حَرِير فَجعلُوا يمسونها ويعجبون من حسنها، فَقَالَ: أتعجبون من لين هَذِه؟ لمناديل سعد بن معَاذ فِي الْجنَّة خير مِنْهَا وألين. وَأما حَدِيث إِسْرَائِيل عَن جده أبي إِسْحَاق فَأخْرجهُ ... ١٩ - (حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب حَدثنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت إِن هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة قَالَت يَا رَسُول الله مَا كَانَ مِمَّا على ظهر الأَرْض أهل أخباء أَو خباء أحب إِلَيّ من أَن يذلوا من أهل أخبائك أَو خبائك شكّ يحيى ثمَّ مَا أصبح الْيَوْم أهل أخباء أَو خباء أحب إِلَيّ من أَن يعزوا من أهل أخبائك أَو خبائك قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - وَأَيْضًا وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ قَالَت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان رجل مسيك فَهَل عَليّ حرج أَن أطْعم من الَّذِي لَهُ قَالَ لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة والْحَدِيث مضى مُخْتَصرا فِي النَّفَقَات فِي بَاب نَفَقَة الْمَرْأَة إِذا غَابَ عَنْهَا زَوجهَا أخرجه عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن مُوسَى عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة أَن عَائِشَة قَالَت جَاءَت هِنْد بنت عتبَة فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان الحَدِيث قَوْله إِن هِنْد منصرف وَغير منصرف بنت عتبَة بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن ربيعَة القرشية أم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أسلمت يَوْم الْفَتْح قَوْله " أهل أخباء أَو خباء " بِالشَّكِّ بَين الْجمع والمفرد والخباء أحد بيُوت الْعَرَب من وبر أَو صوف وَلَا يكون من الشّعْر وَيكون على عمودين أَو ثَلَاثَة وَيجمع على أخبية وَجمع هُنَا على أخباء على غير قِيَاس وَقَالَ ابْن بطال الْمَعْرُوف فِي جمع خباء أخبية لِأَن فعالا فِي الْقَلِيل يجمع على أفعلة كسقاء وأسقية وَمِثَال وأمثلة قَوْله من أَن يذلوا أَن مَصْدَرِيَّة أَي من ذلهم وَكَذَلِكَ فِي قَوْله من أَن يعزوا أَي من عزهم قَوْله شكّ يحيى هُوَ يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ قَوْله وَأَيْضًا أَي وستزيدين من ذَلِك إِذْ يتَمَكَّن الْإِيمَان فِي قَلْبك فيزيد حبك لرَسُول الله ﷺ َ - وَأَصْحَابه كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ َ - وَالله لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من أَهله وَمَاله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ. يُرِيد لَا يبلغ حَقِيقَة الْإِيمَان وَأَعْلَى درجاته حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ إِلَى آخِره وَقيل مَعْنَاهُ وَأَنا أَيْضا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مثل ذَلِك وَالْأول أولى قَوْله مسيك بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة كَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ وَقَالَ ابْن التِّين حفظناه بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ الْبَخِيل وَإِنَّمَا سمي بذلك لِأَنَّهُ يمسك مَا فِي يَدَيْهِ وَلَا يُخرجهُ لأحد قَوْله قَالَ لَا أَي قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لَا حرج عَلَيْك إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ أَي إِلَّا أَن تطعمين من مَاله بِحَسب الْعرف بَين النَّاس فِي ذَلِك

стр. 6996

٢٠ - (حَدثنِي أَحْمد بن عُثْمَان حَدثنَا شُرَيْح بن مسلمة حَدثنَا إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن أبي إِسْحَق قَالَ سَمِعت عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ حَدثنِي عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ َ - مضيف ظَهره إِلَى قبَّة من أَدَم يمَان إِذْ قَالَ لأَصْحَابه أَتَرْضَوْنَ أَن تَكُونُوا ربع أهل الْجنَّة قَالُوا بلَى قَالَ أفلم ترضوا أَن تَكُونُوا ثلث أهل الْجنَّة قَالُوا بلَى قَالَ فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنِّي لأرجو أَن تَكُونُوا نصف أهل الْجنَّة) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ وَأحمد بن عُثْمَان بن حَكِيم الأودي الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَشُرَيْح بن مسلمة بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام الْكُوفِي وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن يُوسُف يروي عَن أَبِيه يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق ويوسف يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي وَعَمْرو بِالْوَاو ابْن مَيْمُون أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَقد مر غيرَة مرّة والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي الرقَاق فِي بَاب كَيفَ الْحَشْر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عَمْرو بن مَيْمُون قَوْله مضيف أَي مُسْند ومميل قَوْله يمَان أَصله يمني قدم إِحْدَى الياءين على النُّون وقلبت ألفا فَصَارَ مثل قَاض ويروى على الأَصْل قَوْله إِذْ قَالَ جَوَاب بَيْنَمَا قَوْله ربع أهل الْجنَّة بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْبَاء وَضمّهَا وَكَذَا فِي الثُّلُث قَوْله أفلم ترضوا ويروى أَفلا ترْضونَ ٢١ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رجلا سمع رجلا يقْرَأ قل هُوَ الله أحد يُرَدِّدهَا فَلَمَّا أصبح جَاءَ إِلَى رَسُول الله فَذكر ذَلِك لَهُ وَكَأن الرجل يتقالها فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لتعدل ثلث الْقُرْآن) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن صعصعة الْأنْصَارِيّ والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن عبد الله بن يُوسُف وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله يُرَدِّدهَا أَي يكررها قَوْله وَكَانَ بِالتَّشْدِيدِ قَوْله يتقالها يَعْنِي يعدها قَليلَة قَوْله لتعدل ثلث الْقُرْآن لِأَن جَمِيعه إِمَّا مُتَعَلق بالمبدأ أَو بالمعاش أَو بالمعاد وَقيل لِأَنَّهُ على ثَلَاثَة أَقسَام قصَص وَأَحْكَام وصفات الله تَعَالَى وَسورَة الْإِخْلَاص متمحضة لله تَعَالَى وَصِفَاته فَهِيَ ثلثه قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت كَيفَ تكون معادلة للثلث وَلَا شكّ أَن الْمَشَقَّة فِي قِرَاءَة ثلث الْقُرْآن أَكثر من قرَاءَتهَا بِكَثِير وَالْأَجْر بِقدر النصب قلت قِرَاءَة السُّورَة لَهَا ثَوَاب قِرَاءَة الثُّلُث فَقَط وَأما قِرَاءَة الثُّلُث فلهَا عشر أَمْثَالهَا ٢٢ - (حَدثنِي إِسْحَق أخبرنَا حبَان حَدثنَا همام حَدثنَا قَتَادَة حَدثنَا أنس بن مَالك ﵁ أَنه سمع النَّبِي ﷺ َ - يَقُول أَتموا الرُّكُوع وَالسُّجُود فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ من بعد ظَهْري إِذا مَا رَكَعْتُمْ وَإِذا مَا سجدتم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق قَالَ الغساني لَعَلَّه ابْن مَنْصُور وحبان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى والْحَدِيث من أَفْرَاده وَمضى فِي الصَّلَاة قَوْله إِنِّي لأَرَاكُمْ قيل كَيفَ رأى من وَرَاء الظّهْر وَأجِيب بِأَن الرُّؤْيَة أَمر يخلقها الله وَلَا يشْتَرط فِيهَا الْمُقَابلَة وَلَا المواجهة عقلا حَتَّى جوز الأشعرية رُؤْيَة الْأَعْمَى بالصين بقة أندلس ٢٣ - (حَدثنَا إِسْحَق حَدثنَا وهب بن جرير أخبرنَا شُعْبَة عَن هِشَام بن زيد عَن أنس بن

стр. 6997

مَالك أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار أَتَت النَّبِي ﷺ َ - مَعهَا أَوْلَادهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لأحب النَّاس إِلَيّ قَالَهَا ثَلَاث مرار) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن رَاهَوَيْه وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ يروي عَن جده أنس والْحَدِيث مضى فِي فضل الْأَنْصَار عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي النِّكَاح عَن بنْدَار عَن غنْدر قَوْله إِنَّكُم الْخطاب لجنس الْمَرْأَة وَأَوْلَادهَا يَعْنِي الْأَنْصَار قيل يلْزم من هَذَا أَن تكون الْأَنْصَار أفضل من الْمُهَاجِرين عُمُوما وَمن أبي بكر وَعمر خُصُوصا وَأجِيب بِأَنَّهُ عَام مَخْصُوص بالدلائل الخارجية المخرجة لَهُ مِنْهُ قَالُوا مَا من عَام إِلَّا وَخص أَلا وَالله بِكُل شَيْء عليم - ٤ - (بابٌ لَا تَحلِفُوا بِآبائِكُمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله ﷺ : لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، مثل قَوْله: بِأبي أفعل وَلَا أفعل. ٦٤٦٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ لله بنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ رَسُول الله ﷺ أدْرَكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ وهْوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأبِيهِ، فَقَالَ: (أَلا إنَّ الله يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، مَنْ كَانَ حالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللَّه أوْ لِيَصْمُتْ) . طابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِلَفْظ: بَينا أَنا فِي ركب أَسِير فِي غزَاة مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فَقلت: لَا وَأبي، فَهَتَفَ بِي رجل من خَلْفي: تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، فَالْتَفت فَإِذا هُوَ رَسُول الله ﷺ . وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عِكْرِمَة عَن عمر: فَالْتَفت فَإِذا هُوَ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: لَو أَن أحدكُم حلف بالمسيح، والمسيح خير من آبائكم، لهلك. وَفِي رِوَايَة سعيد بن عُبَيْدَة: أَنَّهَا شرك، وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُنْذر: لَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بالأوثان وَلَا تحلفُوا بِاللَّه إلَاّ وَأَنْتُم صَادِقُونَ. وروى ابْن أبي عَاصِم فِي (كتاب الْأَيْمَان) : وَالنُّذُور، وَمن حَدِيث ابْن عمر: من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك أَو كفر. وَالْحكمَة فِي النَّهْي عَن الْحلف بِالْآبَاءِ أَنه يَقْتَضِي تَعْظِيم الْمَحْلُوف بِهِ، وَحَقِيقَة العظمة مُخْتَصَّة بِاللَّه جلت عَظمته. فَلَا يضاهي بِهِ غَيره، وَهَكَذَا حكم غير الْآبَاء من سَائِر الْأَشْيَاء، وَمَا ثَبت أَنه ﷺ قَالَ: أَفْلح وَأَبِيهِ، فَهِيَ كلمة تجْرِي على اللِّسَان لَا يقْصد بهَا الْيَمين، وَأما قسم الله تَعَالَى بمخلوقاته نَحْو: وَالصَّافَّات، وَالطور، وَالسَّمَاء والطارق، والتين وَالزَّيْتُون، وَالْعَادِيات ... فَللَّه أَن يقسم بِمَا شَاءَ من خلقه تَنْبِيها على شرفه، أَو التَّقْدِير: وَرب الطّور. وَقَالَ أَبُو عمر: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يحلف بِغَيْر الله لَا بِهَذِهِ الْأَقْسَام وَلَا بغَيْرهَا، لإِجْمَاع الْعلمَاء على أَن من وَجب لَهُ يَمِين على آخر فِي حق، فَلهُ أَن يحلف لَهُ إلَاّ بِاللَّه، وَلَو حلف لَهُ بِالنَّجْمِ وَالسَّمَاء، وَقَالَ: نَوَيْت رب ذَلِك، لم يكن عِنْدهم يَمِينا. وروى ابْن جرير عَن ابْن أبي مليكَة أَنه سمع ابْن الزبير يَقُول: سمعني عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لف بِالْكَعْبَةِ فنهاني، وَقَالَ: لَو تقدّمت إِلَيْك لعاقبتك. قَالَ قَتَادَة: وَيكرهُ الْحلف بالمصحف وبالعتق وَالطَّلَاق، وَقَالَ أَبُو عمر: الْحلف بِالطَّلَاق وَالْعِتْق لَيْسَ يَمِينا عِنْد أهل التَّحْصِيل وَالنَّظَر، وَإِنَّمَا هُوَ طَلَاق بِصفة، وَعتق بِصفة، وَكَلَام خرج على الاتساع وَالْمجَاز، وَلَا يَمِين فِي الْحَقِيقَة إِلَّا بِاللَّه . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَاخْتلفُوا فِيمَا على من حلف بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم وَحنث، فَكَانَ ابْن مَسْعُود يَقُول: عَلَيْهِ بِكُل آيَة يَمِين، وَبِه قَالَ الْحسن وَقَالَ النُّعْمَان: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: من حلف بالرحمن فَحنث إِن أَرَادَ بالرحمن الله فَعَلَيهِ كَفَّارَة يَمِين، وَإِن أَرَادَ سُورَة الرَّحْمَن فَلَا كَفَّارَة وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَرَبِيعَة: إِذا قَالَ: أشهد لَا أفعل كَذَا، ثمَّ فعل فَهُوَ يَمِين. فَإِن قَالَ: حَلَفت وَلم يحل، فَقَالَ الْحسن وَالنَّخَعِيّ: لَزِمته يَمِين، وَقَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان: هِيَ كذبة، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا قَالَ عَلَيْهِ يَمِين وَلم يكن حلف فَلهَذَا بَاطِل، وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: هِيَ يَمِين، فَإِن قَالَ: هُوَ يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مَجُوسِيّ إِن فعل كَذَا، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر: يستغر الله. وَقَالَ طَاوُوس وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي: عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق

стр. 6998

إِذا أَرَادَ الْعين، وَاخْتلفُوا فِي الرجل يَدْعُو على نَفسه بالخزي والهلاك أَو قطع الْيَدَيْنِ إِن فعل كَذَا، فَقَالَ عَطاء: وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي عبيد وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَقَالَ طَاوُوس عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين، وَبِه قَالَ اللَّيْث، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا قَالَ عَلَيْهِ لعنة الله. . إِن لم يفعل كَذَا، فَلم يَفْعَله فَعَلَيهِ كَفَّارَة يَمِين. ٧٤٦٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ حدّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: قَالَ سالِمٌ: قَالَ ابنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ لِي رسولُ الله ﷺ : (إنَّ الله يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ) . قَالَ عُمَرُ: فَوَالله مَا حَلَفْتُ بِها مُنْذُ سَمُعْتُ النبيَّ ﷺ ذاكِراً وَلَا آثِراً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء هُوَ سعيد بن كثيرين عفير مولى الْأنْصَارِيّ الْمصْرِيّ، وَابْن وهب عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر وحرملة عَن ابْن وَبِه وَغَيرهمَا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن يحيى. قَوْله: (ذَاكِرًا) أَي: قَائِلا لَهَا من قبل نَفسِي. قَوْله: (وَلَا آثراً) بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْأَثر يَعْنِي: وَلَا حاكياً لَهَا عَن غَيْرِي نَاقِلا عَنهُ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَمِنْه حَدِيث مأثور عَن فلَان، أَي: يحدث بِهِ عَنهُ، والأثر الرِّوَايَة وَنقل كَلَام الْغَيْر. قَالَ مُجاهِدٌ: ﴿ (٤٦) أَو إثارة من علم﴾ (الْأَحْقَاف: ٤) يَأْثُرُ عِلْماً أَي قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو إثارة من علم﴾ وَقَبله: ﴿ائتموني بِكِتَاب من قبل هَذَا أَو إثارة من علم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَفسّر قَوْله: ﴿أَو إثارة من علم﴾ بقوله: يأثر علما، يَعْنِي: ينْقل خَبرا عَمَّن كَانَ قبله، وَقَالَ مقَاتل: يَعْنِي: رِوَايَة عَن الْأَنْبِيَاء، والأثر الرِّوَايَة، وَمِنْه قيل للْحَدِيث: أثر. تابَعَهُ عُقَيْلٌ والزُّبَيْدِيُّ وإسْحَاقُ الكَلْبِيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ أَي: تَابع يُونُس فِي رِوَايَته عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ عقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وروى هَذِه الْمُتَابَعَة مُسلم فَقَالَ: حَدثنَا عبد الْملك بن شُعَيْب قَالَ: حَدثنِي أبي عَن جدي حَدثنِي عقيل بن خَالِد ... الحَدِيث. قَوْله: (والزبيدي) ، أَي: تَابعه أَيْضا مُحَمَّد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي صَاحب الزُّهْرِيّ، وروى هَذِه الْمُتَابَعَة النَّسَائِيّ عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن مُحَمَّد بن حَرْب عَنهُ. قَوْله: (وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ) أَي: تَابعه أَيْضا إِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ الْحِمصِي، وَوَقعت مُتَابَعَته فِي نسخته من طَرِيق أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن شَاذان عَن عبد القدوس بن مُوسَى الْحِمصِي عَن سُلَيْمَان بن عبد الحميد عَن يحيى بن صَالح الوحاي عَن إِسْحَاق ابْن يحيى فَذكره. وَقَالَ ابنُ عُيَيَيْنَةَ ومَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ: سَمِعَ النبيُّ ﷺ أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمعمر بن رَاشد ... إِلَى آخِره، وَتَعْلِيق ابْن عُيَيْنَة وَصله ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن أبي عمر الْعَدنِي عَن سُفْيَان وَتَعْلِيق معمر وَصله أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن عبد الرَّزَّاق عَنهُ وَالتِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَلما ذكر يَعْقُوب بن شيبَة هَذَا الحَدِيث فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدِيث مدنِي حسن الْإِسْنَاد، وَرَوَاهُ يحيى بن أبي إِسْحَاق عَن سَالم عَن ابْن عمر، وَلم يقل عَن عمر وَرَوَاهُ عبيد الله بن عَمْرو أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَمَالك وَاللَّيْث وَعبد الله بن دِينَار، فكلهم جَعَلُوهُ عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ ، أدْرك عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ يحلف بِأَبِيهِ، غير أَيُّوب فَإِنَّهُ جعله عَن نَافِع: أَن عمر ... وَلم يذكر ابْن عمر فِي حَدِيثه.

стр. 6999

٨٤٦٦ - حدّثنا مُوسى بن إسْماعِيلَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ حدّثنا عَبْدُ الله بنُ دِينار قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (لَا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ) . طابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم الْقَسْمَلِي، وَعبد الله بن دِينَار مولى ابْن عمر، وَقَالَ الْمُهلب: كَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة تحلف بآبئهم وآلهتهم فَأَرَادَ الله أَن ينْسَخ من قُلُوبهم وألسنتهم ذكر كل شَيْء سَوَاء وَيبقى ذكره تَعَالَى لِأَنَّهُ الْحق المعبود. وَالسّنة الْيَمين بِاللَّه . ٩٤٦٦ - حدّثنا قُتَيْبَة حدّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ أيُّوبَ عنْ أبي قِلابَةَ والقاسِمِ التَّمِيمِيِّ عنْ زَهْدمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هاذا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وبَيْنَ الأشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإخاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أبي مُوسى الأشْعَرِيِّ فَقُرِّبَ إلَيْهِ طَعامٌ فِيهِ لَحْمُ دَجاجٍ وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله أحْمَرُ كأنصهُ مِنَ المَوالِي، فَدَعاهُ إِلَى الطَّعامِ فَقَالَ: إنِّي رَأيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئاً فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أنْ لَا آكلَهُ، فَقَالَ: قمْ فَلأُحَدِّثَنَّكَ عَن ذاكَ، إنِّي أتَيْتُ رسولَ الله ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ: (وَالله! لَا أحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أحْمِلُكُمْ) ، فأتِيَ رسولُ الله ﷺ بِنَهْبِ إبِلٍ، فَسألَ عَنَّا فَقَالَ: (أيْنَ النَّفَرُ الأشْعَرِيُّونَ؟) . فأمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّراى، فَلَمَّا انْطَلَقْنا قُلْنا: مَا صَنَعْنا؟ حَلَفَ رسولُ الله ﷺ لَا يَحْمِلُنا وَمَا عِنْدَه مَا يَحْمِلُنا. ثُمَّ حَمَلَنا. تَغَفَّلْنا رسولَ الله ﷺ يَمِينَهُ، وَالله لَا نُفْلِحُ أبَداً. فَرَجَعْنا إلَيْهِ فَقُلْنا لهُ: إنَّا أتَيْناكَ لِتَحْمِلَنا فَحَلَفْتَ أنْ لَا تَحْمِلَنا وَمَا عِنْدَكَ مَا تَحْمِلُنا، فَقَالَ: (إنِّي لَسْتُ أَنا حَمَلْتُكُمْ ولَكِنَّ الله حَمَلَكُمْ، وَالله لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فأرَى غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُها) . يل: لَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن هَذَا الحَدِيث كَانَ على الْحَاشِيَة فِي الْبَاب السَّابِق وَنَقله النَّاسِخ إِلَى هَذَا الْبَاب انْتهى. قلت: هَذَا بعيد جدا مَعَ أَن فِيهِ فِي الْمُطَابقَة أَيْضا. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ من حَيْثُ إِنَّه ﷺ ، حلف فِي هَذِه الْقَضِيَّة مرَّتَيْنِ: أَولا عِنْد الْغَضَب وآخراً عِنْد الرِّضَا، وَلم يحلف إلاّ بِاللَّه، فَدلَّ على أَن الْحلف إِنَّمَا هُوَ بِاللَّه فِي الْحَالَتَيْنِ. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ فِيهِ بَيَان الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن التَّرْجَمَة: لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ. والْحَدِيث فِيهِ: حلف النَّبِي ﷺ ، والمطابق ذكره فِي الْبَاب السَّابِق، لِأَن تَرْجَمته: بَاب كَيفَ كَانَت يَمِين النَّبِي ﷺ ، وَمن جملَة مَا يحلف بِهِ حلفه بِاللَّه، وَلَيْسَت التَّرْجَمَة فِي بَيَان أَن الْحلف على ضَرْبَيْنِ عِنْد الْغَضَب وَعند الرِّضَا، وَإِنَّمَا هُوَ بِاللَّه فِي الْحَالين، وَيُمكن أَن يُوَجه وَجه الْمُطَابقَة وَإِن كَانَ فِيهِ بعض التعسف بِأَن التَّرْجَمَة لما كَانَت فِي معنى الْحلف بِالْآبَاءِ، وَذكر حديثين مطابقين لَهَا، ذكر هَذَا الحَدِيث تَنْبِيها على أَن الْحلف إِذا لم يكن بِالْآبَاءِ وَنَحْو ذَلِك لَا يكون إلاّ بِاللَّه، فَذكره لِأَن فِيهِ الْحلف بِاللَّه فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وقتيبة هُوَ ابْن سعيد، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وَالقَاسِم بن عَاصِم التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ، وزهدم بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة ابْن مضرب على وزن اسْم فَاعل من التضريب بالضاد الْمُعْجَمَة الْجرْمِي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان، وَلَكِن من قَول أبي مُوسَى: أتيت النَّبِي ﷺ ، فِي رَهْط من الْأَشْعَرِيين ... إِلَى آخِره، وَالَّذِي ذكر قبله هُنَا لَيْسَ هُنَاكَ. قَوْله: (من جرم) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ بطْنَان من الْعَرَب: أَحدهمَا: من قضاعة وَهُوَ جرم بن ربان. وَالْآخر: فِي طي. قَوْله: (وَبَين الْأَشْعَرِيين) ، ويروى

стр. 7000

الأشعرين، بِحَذْف يَاء النِّسْبَة. قَوْله: (ود) بِضَم الْوَاو وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ الْمحبَّة. قَوْله: (وإخاء) بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالمد، تَقول: آخاء مؤاخاة وإخاء، والعامة تَقول: وأخاه، قَوْله: (فَكَانَ عِنْد أبي مُوسَى) أَي: فَكَانَ زَهْدَم عِنْده، ويروى: فَكُنَّا. قَوْله: (دَجَاج) هُوَ مثلث الدَّال جمع دجَاجَة للذّكر وَالْأُنْثَى لِأَن الْهَاء إِنَّمَا دخلت على أَنه وَاحِد من جنسه. قَوْله: (من تيم الله) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف هِيَ حَيّ من بكر. قَوْله: (فقذرته) بِفَتْح الذَّال وَكسرهَا أَي: كرهته. قَوْله: (فلأحدثتك) أَي: فوَاللَّه لأحدثنك، بنُون التَّأْكِيد، ويروى بِلَا نون. قَوْله: (فِي نفر) هُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تقدّمت: فِي رَهْط من الْأَشْعَرِيين، وقذ ذكرنَا هُنَاكَ أَن الرَّهْط عشرَة الرجل من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى الْأَرْبَعين وَلَا تكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَتَفْسِير بَقِيَّة الْأَلْفَاظ قد مر هُنَاكَ، والمسافة قريبَة. قَوْله: (بِنَهْب) أَي: من الْغَنِيمَة، قيل: تقدم فِي غَزْوَة تَبُوك أَنه ﷺ ابتاعهن من سعد. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَعَلَّه اشْتَرَاهَا مِنْهُ من سهامه من ذَلِك النهب، أَو هما قضيتان: إِحْدَاهمَا: عِنْد قدوم الْأَشْعَرِيين. وَالثَّانيَِة: فِي غَزْوَة تَبُوك. قَوْله: (تغفلنا) أَي: طلبنا غفلته. قَوْله: (وتحللتها) أَي: كفرتها والتحلل هُوَ التقص عَن عُهْدَة الْيَمين الْخُرُوج من حرمتهَا. ٥ - (بابٌ لَا يحْلَفُ بِاللَاّتِ والعُزَّى وَلَا بالطَّواغِيتِ) أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: لَا يحلف، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي بعض النّسخ: بَاب لَا تحلفُوا بِاللات، بِصِيغَة أَمر الْجمع، وَاللات قَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَخذ اللَاّت من لَفْظَة الله فألحقت بهَا تَاء التَّأْنِيث، كَمَا قيل للذّكر: عَمْرو، ثمَّ قيل للْأُنْثَى: عمْرَة. قلت: أَرَادوا أَن يسموا آلِهَتهم بِلَفْظَة الله فصرفها الله إِلَى اللات صِيَانة لهَذَا الِاسْم الشريف، وَعَن قَتَادَة: اللات صَخْرَة بِالطَّائِف، وَعَن أبي زيد: بَيت بنخلة كَانَت قُرَيْش تعبده، وَقيل: كَانَ رجل يلت السويق للْحَاج فَلَمَّا مَاتَ عكفوا على قَبره فعبدوه، وَعَن الكعبي: كَانَ رجل من ثَقِيف يُسمى حُرْمَة ابْن تَمِيم كَانَ يسلي السّمن فيصعد على صَخْرَة ثمَّ يَأْتِي الْعَرَب فيلت بِهِ أسوقتهم، فَلَمَّا مَاتَ الرجل حولتها ثَقِيف إِلَى منازلها فعبدوها، والعزى اخْتلف فِيهَا، فَعَن مُجَاهِد؛ هِيَ شَجَرَة لغطفان يعبدونها، هِيَ الَّتِي بعث إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فقطعها فَخرجت مِنْهَا شَيْطَانَة نَاشِرَة شعرهَا دَاعِيَة وَيْلَهَا وَاضِعَة يَدهَا على رَأسهَا، فَقَتلهَا خَالِد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَعَن الضَّحَّاك: هِيَ صنم لغطفان وَضعهَا لَهُم سعد بن ظَالِم الْغَطَفَانِي، وَذَلِكَ أَنه لما قدم مَكَّة وَرَأى أَن أَهلهَا يطوفون بهَا وَبَين الصَّفَا والمروة أَخذ حجرا من الصَّفَا وحجراً من الْمَرْوَة فنقلهما إِلَى نَخْلَة، ثمَّ أَخذ ثَلَاثَة أَحْجَار فأسندها إِلَى صَخْرَة وَقَالَ: هَذَا ربكُم فاعبدوه، فَجعلُوا يطوفون بَين الحجرين ويعبدون الْحِجَارَة حَتَّى افْتتح رَسُول الله ﷺ مَكَّة، فَأمر بهدمها. وَعَن ابْن زيد: الْعُزَّى بَيت بِالطَّائِف كَانَت تبعده ثَقِيف، وَمن أصنامهم المناة، قَالَ قَتَادَة: كَانَت لخزاعة وَكَانَت بقديدة، وَعَن ابْن زيد بَيت كَانَ بالسليل تعبده بَنو كَعْب، وَقَالَ الضَّحَّاك: مَنَاة صنم لهذيل وخزاعة تعبدها أهل مَكَّة، وَقَالَ: اللات والعزى وَمَنَاة أصنام من حِجَارَة كَانَت فِي جَوف الْكَعْبَة يعبدونها. قَوْله: (وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ) ، أَي: وَلَا يحلف بِالطَّوَاغِيتِ أَيْضا وَهُوَ جمع الطاغوت وهم صنم، وَقيل: شَيْطَان، وَقيل: كل رَأس ضلال. وَعَن جَابر وَسَعِيد بن جُبَير: الكاهن: وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ عِنْدِي فعلوت من الطغيان كالجبوت من الْجَبْر، قيل ذَلِك لكل من طغا على الله فعبد من دونه إنْسَانا كَانَ ذَلِك الطاغي أَو شَيْطَانا أَو صنماً. قلت: أَصله طغيوت قدمت الْيَاء على الْغَيْن فَصَارَ طيغوت ثمَّ قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. ٠٥٦٦ - حدّثني عبُد الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا هِشامُ بنُ يُوسفَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ حُمَيْدِ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفهِ: بالَّلات والعُزصى، فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إِلَّا الله، ومْ قَالَ لِصاحِبهِ: تعالَ أقامرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير، والنجم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد والمتن بِعَيْنِه، وَمضى فِي الْأَدَب

стр. 7001

أَيْضا عَن إِسْحَاق وَفِي الاسْتِئْذَان عَن يحيى بن بكير. قَوْله: (فَلْيقل: لَا إِلَه إِلَّا الله) إِنَّمَا أَمر بذلك لِأَنَّهُ تعاطى صُورَة تَعْظِيم الْأَصْنَام حِين حلف بهَا وَأَن كَفَّارَته هُوَ هَذَا القَوْل لَا غير. قَوْله: (تعال أقامرك) تعال بِفَتْح اللَّام أَمر، وأقامرك مجزوم لِأَنَّهُ جَزَاؤُهُ وَإِنَّمَا أَمر بِالصَّدَقَةِ تكفيراً للخطيئة فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمعْصِيَة، وَالْأَمر بِالصَّدَقَةِ مَحْمُول عِنْد الْفُقَهَاء على النّدب بِدَلِيل أَن مُرِيد الصَّدَقَة إِذا لم يَفْعَلهَا لَيْسَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَلَا غَيرهَا بل يكْتب لَهُ حَسَنَة. ٦ - (بابُ مَنْ حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ وإنْ لَمْ يُحَلَّفْ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان من حلف على شَيْء يَفْعَله أَو لَا يَفْعَله. قَوْله: (وَإِن لم يحلف) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: حلف على ذَلِك وَإِن لم يحلف. ١٥٦٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ رسولَ الله ﷺ اصْطَنَعَ خَاتمًا مِنْ ذَهَبٍ وكانَ يَلْبَسُهُ فَيَجعَلُ فَصَّهُ فِي باطنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ خَواتِيمَ، ثمَّ إنَّهُ جَلَسَ عَلى المِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: (إنِّي كُنْتُ ألْبَسُ هاذَا الخاتَمَ وأجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ داخلٍ) فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: (وَالله لَا ألْبَسُهُ أبَداً) فَنَبَذَ النَّاسُ خَواتِيمَهُمْ. طابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ حلف لَا يلبس خَاتم الذَّهَب، وَالْحَال أنّ أحدا مَا حلفه على ذَلِك. وَفِيه أَنه: لَا بَأْس بِالْحلف على مَا يجب الْمَرْء تَركه أَو على مَا يحب فعله من سَائِر الْأَفْعَال، وَأما وَجه حلفه ﷺ فَهُوَ فِي ذَلِك مَا قَالَه الْمُهلب: إِنَّمَا كَانَ ﷺ يحلف فِي تضاعيف كَلَامه وَكثير من فتواه تَبَرعا ذَلِك لنسخ مَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ من الْحلف بآبائهم وآلهتهم وأصنام وَغَيرهَا ليعرفهم أَن لَا محلوف بِهِ سوى الله، ، وليتدربوا على ذَلِك حَتَّى ينسوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الْحلف بغبر الله تَعَالَى. والْحَدِيث مضى فِي كتاب اللبَاس فِي: بَاب خَوَاتِيم الذَّهَب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد وَعَن يحيى عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب خَاتم الْفضة عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن أبي سَلمَة عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر. قَوْله: (فَيجْعَل فصه) بِفَتْح الْفَاء وَكسرهَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعَامَّة تَقول بِالْكَسْرِ. قَوْله: (فِي بَاطِن كَفه) إِنَّمَا لبسه كَذَلِك لبَيَان أَنه لم يكن للزِّينَة بل للختم ومصالح أُخْرَى. قَوْله: (فَرمى بِهِ) أَي: لم يَسْتَعْمِلهُ وَلَيْسَ أَنه أتْلفه لنَهْيه ﷺ عَن إِضَاعَة المَال. قَوْله: (وَالله لَا ألبسهُ أبدا) أَرَادَ بذلك تَأْكِيد الْكَرَاهَة فِي نفوس النَّاس بِيَمِينِهِ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن كَرَاهَته لِمَعْنى، فَإِذا أَزَال ذَلِك الْمَعْنى لم يكن بلبسه بَأْس، وأكد بِالْحلف أَن لَا يلْبسهُ على جَمِيع وجوهه. قَوْله: (فنبذ النَّاس) أَي: طرح النَّاس خواتيمهم. ٧ - (بابُ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةٍ الإسْلَام) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من حلف بِملَّة سوى مِلَّة الْإِسْلَام، وَلم يذكر مَا يَتَرَتَّب على الْحَالِف اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب، وَفِي بعض النّسخ: بَاب من حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، وَالْملَّة بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد اللَّام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية، وَقيل: هِيَ مُعظم الدّين وَجُمْلَة مَا يَجِيء بِهِ الرُّسُل. وَقَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ بالّلاتِ والعُزَّي فَلْيَقلْ: لَا إلاهَ إلاّ الله) ولَمْ يَنْسُبْه إِلَى الكفُفرِ هَذَا تَعْلِيق ذكره مَوْصُولا عَن قريب فِي: بَاب لَا يحلف بِاللات والعزى عَن أبي هُرَيْرَة، وَأَرَادَ بِهِ أَن الْحَالِف بِاللات والعزى يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله وَيكفر لِأَنَّهُ ﷺ أمره أَن يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، لم ينْسبهُ إِلَى الْكفْر، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا عبيد الله حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن أبي معصب عَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: حَلَفت بِاللات والعزى فَأتيت النَّبِي ﷺ فَقلت: إِنِّي حَلَفت بِاللات والعزى، فَقَالَ: قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، ثَلَاثًا، وأنفث عَن شمالك ثَلَاثًا، وتعوذ بِاللَّه من

стр. 7002

الشَّيْطَان الرَّجِيم وَلَا تعد. ٢٥٦٦ - حدّثنا مُعَلّى بنُ أسَدٍ حدّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عَن أبي ثِلَابَةَ عنْ ثابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإسْلَام فَهْوَ كَمَا قَالَ، ومَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، ولعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، ومَنْ رَمَى مُؤْمِناً بِكُفْرِ فَهْوَ كَقَتْلِهِ) . طابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام عبد الله بن زيد، ثَابت بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ كَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن مُسَدّد فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَاتل النَّفس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، وَمضى فِي الْأَدَب أَيْضا. قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ الْمُهلب: يَعْنِي هُوَ كَاذِب فِي يَمِينه لَا كَافِر لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَن يعْتَقد الْملَّة الَّتِي حلف بهَا فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْإِسْلَام، أَو يكون مُعْتَقدًا الْإِسْلَام بعدالحنث فَهُوَ كَاذِب فِيمَا قَالَه. لِأَن فِي الحَدِيث الْمَاضِي لم ينْسبهُ إِلَى الْكفْر، وَقيل: يُرَاد بِهِ التهديد والوعيد. وَقَالَ ابْن الْقصار: مَعْنَاهُ النَّهْي عَن مُوَافقَة ذَلِك اللَّفْظ والتحذير مِنْهُ لَا أَنه يكون كَافِرًا بِاللَّه. قَوْله: (عذب بِهِ) أَي: بالشَّيْء الَّذِي قتل نَفسه بِهِ، لِأَن جزاءه من جنس عمله. قَوْله: (وَلعن الْمُؤمن كقتله) يَعْنِي: فِي التَّحْرِيم أَو فِي الإبعاد فَإِن اللَّعْن تبعيد من رَحْمَة الله، وَقيل: المُرَاد الْمُبَالغَة فِي الْإِثْم. قَوْله: (وَمن رمى مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقتله) يَعْنِي: فِي الْحُرْمَة، وَقيل: لِأَن نسبته إِلَى الْكفْر الْمُوجب لقَتله كالتقل لِأَن المتسبب للشَّيْء كفاعله. ٨ - (بابٌ لَا يَقُولُ: مَا شاءَ الله وشِئْتَ، وهَلْ يَقُولُ: أَنا بِاللَّه ثُمَّ بِكَ ؟) أَي: هَذَا بَاب مترجم بِلَفْظ: لَا يَقُول الشَّخْص فِي كَلَامه: مَا شَاءَ الله وشئت، على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمَاضِي، قَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي لَا يجمع بَينهمَا، يَعْنِي بَين قَوْله: مَا شَاءَ الله، وَقَوله: وشئت لجَوَاز كل وَاحِد مِنْهُمَا مُفردا. وَقَالَ غَيره: لِأَن الْوَاو يُشْرك بَين الْمَعْنيين وَلَيْسَ هَذَا من الْأَدَب، وَقد روى فِي ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: لَا يَقُولَن أحدكُم: مَا شَاءَ الله وَشاء فلَان، وَلَكِن ليل: مَا شَاءَ الله، ثمَّ مَا شَاءَ فلَان. وَإِنَّمَا جَازَ دُخُول: ثمَّ، مَكَان: الْوَاو، لِأَن مَشِيئَة الله مُقَدّمَة على مَشِيئَة خلقه، قَالَ : ﴿ (٧٦) وَمَا تشاؤن إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ (الْإِنْسَان: ٠٤ والتكوير: ٩٢) فَهَذَا من الْأَدَب، وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يَقُول: مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت. قَوْله: وَهل يَقُول: أَنا بِاللَّه رَبك؟ ذكره بالاستفهام لعدم ثُبُوت أحد الْأَمريْنِ عِنْده، وهما جَوَاز القَوْل بذلك وَعَدَمه، وَلَكِن روى عبد الرَّزَّاق عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه كَانَ يكره أَن يَقُول: أعوذ بِاللَّه وَبِك، حَتَّى يَقُول: ثمَّ بك، وَالْعلَّة فِي ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن بِالْوَاو يلْزم الِاشْتِرَاك، وبكلمة: ثمَّ، لَا يلْزم لِأَن مَشِيئَة الله مُتَقَدّمَة. ٣٥٦٦ - وَقَالَ عَمْرُو بنُ عاصِمٍ: حدّثنا هَمَّامٌ حدّثنا إسْحقاُ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبي عَمْرَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حدَّثَهُ أنّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِن ثَلَاثَةً فِي بَنِي إسْرَائِيلَ أرَادَ الله أنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ مَلَكاً فأتَى الأبْرَصَ، فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبالُ فَلَا بَلَاغَ لي إلاّ بِاللَّه ثُمَّ بِكَ. .) فَذَكَرَ الحَدِيثَ. (انْظُر الحَدِيث ٤٦٤٣) . قَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِي الْبَاب مَا يدل عَلَيْهِ. يَعْنِي: لَيْسَ فِي الْبَاب حَدِيث يدل على مَا ترْجم، ثمَّ تكلّف بِالْجَوَابِ بِمَا لَيْسَ تَحْتَهُ طائل، فَقَالَ: يرْوى عَن أبي إِسْحَاق الْمُسْتَمْلِي أَنه قَالَ: انتسخت كتاب البُخَارِيّ من أَصله الَّذِي كَانَ عِنْد الْفربرِي فرأيته لم يتم بعد، وَقد بقيت عَلَيْهِ مَوَاضِع مبيضة كَثِيرَة فِيهَا تراجم لم يثبت بعْدهَا شَيْئا، وَمِنْهَا أَحَادِيث لم يترجم عَلَيْهَا، فاضفنا بعض ذَلِك إِلَى بعض. قَالُوا: وَقد وَقع فِي النّسخ كثير من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان لِأَن أَبَا الْهَيْثَم والحموي نسخا مِنْهُ أَيْضا، فبحسب مَا قدر كل وحد مِنْهُم مَا كَانَ فِي رقْعَة أَو فِي حَاشِيَة أَو مُضَافَة أَنه من الْموضع الْفُلَانِيّ أَضَافَهُ إِلَيْهِ. انْتهى. وَقَالَ صَاحب

стр. 7003

(التَّوْضِيح) : والْحَدِيث فِي ذَلِك أَي فِي عدم جوازان يُقَال مَا شَاءَ الله وشئت، مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا أَبُو أَحْمد الزبيرِي حَدثنَا مسعر عَن معبد بن خَالِد عَن عبد الله بن بشار عَن قتيلة، امْرَأَة من جُهَيْنَة، قَالَت: جَاءَ يَهُودِيّ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُم تشركون وَإِنَّكُمْ تَقولُونَ: والكعبة، وتقولون: مَا شَاءَ الله وشئت. فَأَمرهمْ رَسُول الله ﷺ ، إِذا أَرَادوا أَن يحلفوا أَن يَقُولُوا: وَرب الْكَعْبَة، وَأمرهمْ أَن يَقُولُوا: مَا شء الله ثمَّ شِئْت. وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلم يكن من شَرطه فترجم بِهِ واستنبط مَعْنَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. انْتهى. قلت: هَذَا لَا بَأْس بِهِ للقرب من التَّرْجَمَة مَا شَاءَ الله وشئت، لِأَن فِيهِ هَذَا، وَقَوله: مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت. قَوْله: (مُحَمَّد بن بشار) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة الَّذِي يُقَال لَهُ بنْدَار، أَي: الْحَافِظ، روى عَن الْجَمَاعَة، وَأَبُو أَحْمد الزبيرِي اسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن الزبير الْكُوفِي روى لَهُ الْجَمَاعَة، ومسعر بِكَسْر الْمِيم ابْن كدام روى لَهُ الْجَمَاعَة، ومعبد بن خَالِد الجدلي التَّابِعِيّ روى لَهُ الْأَرْبَعَة، وَعبد الله بن يسَار الْجُهَنِيّ روى لَهُ أَبُو دَاوُد، وَقتيلَة بِضَم الْقَاف وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَقَالَ أَبُو عمر: قتيلة بنت صَيْفِي الجهنية، وَيُقَال: الْأَنْصَارِيَّة، كَانَت من الْمُهَاجِرَات الأول روى عَنْهَا عبد الله بن يسَار. قَوْله: (وَقَالَ عمر بن عَاصِم) هُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ روى عَنهُ فِي الصَّلَاة وَغير مَوضِع وَهن علق عَنهُ، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم ابْن يحيى العوذي الْبَصْرِيّ يروي عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة واسْمه زيد الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة واسْمه عَمْرو الْأنْصَارِيّ قَاضِي أهل الْمَدِينَة، وَوصل البُخَارِيّ هَذَا الْمُعَلق فِي بَدْء الدُّنْيَا فِي: بَاب مَا ذكر عَن بني إِسْرَائِيل، وَقَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن إِسْحَاق حَدثنَا عَمْرو بن عَاصِم حَدثنَا همام حَدثنَا إِسْحَاق بن عبد الله حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة: أَن أَبَا هُرَيْرَة سمع النَّبِي ﷺ ، يَقُول: إِن ثَلَاثَة من بني إِسْرَائِيل ... الحَدِيث بِطُولِهِ، وَالثَّلَاثَة هم: أبرص وأقرع وأعمى. قَوْله: (الحبال) بِالْحَاء الْمُهْملَة جمع حَبل، ويروى بِالْجِيم. قَوْله: (فَلَا بَلَاغ لي) قَالَ الْكرْمَانِي: الْبَلَاغ الْكِفَايَة، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يحيز مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت اسْتِدْلَالا من قَوْله ﷺ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: وَلَا بَلَاغ لي إلَاّ بِاللَّه ثمَّ بك، وَلم يجز أَن يَقُول: مَا شَاءَ الله وشئت، وَقد ذكرنَا وَجهه عَن قريب. ٩ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٦) وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ (الْأَنْعَام: ٩٠١ غَيرهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وأقسموا﴾ هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْأَنْعَام، وَبعدهَا: ﴿لَئِن جَاءَتْهُم آيَة ليُؤْمِنن بهَا﴾ (الْأَنْعَام: ٩٠١) الْآيَة وَفِي سُورَة النُّور ﴿ (٢٤) وأقسموا بِاللَّه جهد. . أَمرتهم ليخرجن﴾ (النُّور: ٣٥) الْآيَة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْآيَة الأولى نزلت فِي قُرَيْش قَالُوا: يَا مُحَمَّد! تخبرنا عَن مُوسَى كَانَ مَعَه الْعَصَا يضْرب بهَا الْحجر فينفجر مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا، وتخبرنا عَن عِيسَى أَنه كَانَ يحيى الْمَوْتَى، وتخبرنا أَن ثَمُود كَانَت لَهُم نَاقَة، فاتنا بِشَيْء من الْآيَات حَتَّى نصدقك؟ الحَدِيث بِطُولِهِ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وأقسموا بِاللَّه﴾ أَي: حلفوا بِاللَّه ﴿جهد أَيْمَانهم﴾ أَي: يجْهد أَيْمَانهم يَعْنِي بِكُل مَا قدرُوا عَلَيْهِ من الْأَيْمَان، وأشدها ﴿لَئِن جَاءَتْهُم آيَة﴾ كَمَا جَاءَ من قبله من الْأُمَم ﴿ليُؤْمِنن بهَا﴾ الْآيَة وَالْآيَة الثَّانِيَة: نزلت فِي الْمُنَافِقين كَانُوا يَقُولُونَ لرَسُول الله ﷺ : أَيْنَمَا كنت نَكُنْ مَعَك، إِن أَقمت أَقَمْنَا، وَإِن خرجت خرجنَا، وَإِن جاهدت جاهدنا مَعَك، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٢٤) قل لَهُم لَا تقسموا طَاعَة مَعْرُوفَة﴾ (النُّور: ٣٥) بالْقَوْل وَاللِّسَان دون الِاعْتِقَاد فَهِيَ مَعْرُوفَة مِنْكُم بِالْكَذِبِ أَنكُمْ تكذبون فِيهَا، قَالَه مُجَاهِد. وَقَالَ الْمُهلب: قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ دَلِيل على أَن الْحلف بِاللَّه أكبر الْأَيْمَان كلهَا لِأَن الْجهد شدَّة الْمَشَقَّة. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أبُو بَكْر: فَوالله يَا رسولَ الله ﷺ لَتحَدِّثَنِّي بالّذِي أخْطأتُ فِي الرُّؤْيا، قَالَ: لَا تُقْسِمْ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا إِنْكَار قسم الْمُنَافِقين لكذبهم فِي أَيْمَانهم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس إِنْكَار الْقسم الَّذِي أقسم بِهِ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَكِن الْفرق ظَاهر بَين الْقسمَيْنِ. وَهُوَ من حَدِيث مطول ذكره البُخَارِيّ مُسْندًا

стр. 7004

فِي كتاب التَّعْبِير فِي: بَاب من لم ير الرُّؤْيَا الأول عَابِر. قَوْله: (فِي الرُّؤْيَا) أَي: فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا. قَوْله: (لَا تقسم) نهي عَن الْقسم. فَإِن قلت: أَمر النَّبِي ﷺ بإبرار الْمقسم، كَمَا يَجِيء الْآن، فَلم مَا أبره؟ . قلت: ذَلِك مَنْدُوب عِنْد عدم الْمَانِع، فَكَانَ لَهُ ﷺ مَانع مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَمر الشَّارِع بإبرار الْمقسم أَمر دنب لَا وجوب لِأَن الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أقسم على رَسُول الله ﷺ فَلم يبر قسمه وَلَو كَانَ وَاجِبا لَأَبَره. وَقَالَ الْمُهلب: إبرار الْمقسم إِنَّمَا يسْتَحبّ إِذا لم يكن فِي ذَلِك ضَرَر على الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، أَو على جمَاعَة أهل الدّين، لِأَن الَّذِي سكت عَنهُ رَسُول الله ﷺ من بَيَان مَوضِع الْخَطَأ فِي تَعْبِير الصّديق هُوَ عَائِد على الْمُسلمين، وَسَيَجِيءُ إِيضَاح ذَلِك فِي التَّعْبِير فِي الْبَاب الْمَذْكُور. ٤٥٦٦ - حدّثنا قَبيصَةُ حدّثنا سُفْيانُ عنْ أشْعَثَ عنْ مُعاوَيَةَ بنِ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ عنِ البَرَاءِ عنِ النبيِّ ﷺ . (ح) وحدّثني مُحَمَّد بنُ بَشَّار حدّثنا غُنْدَرٌ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ أشْعَثَ عنْ مُعاوِيَةَ بنِ سُوَيْدِ بنِ مقَرَنٍ عنِ البَرَاءِ ﵁، قَالَ: أمَرَنا النبيُّ ﷺ بإبْرَارِ المقْسِمِ. طابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ وجود الْمقسم فِيهَا. وَأما التَّعَارُض الظَّاهِر الَّذِي بَين حَدِيث ابْن عَبَّاس وَحَدِيث الْبَراء هَذَا فَجَوَابه يفهم مَا ذَكرْنَاهُ الْآن عَن ابْن الْمُنْذر والمهلب. وَأخرج حَدِيث الْبَراء من طَرِيقين: الأول: عَن قبيصَة بن عقبَة العامري الْكُوفِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أَشْعَث بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن أَب الشعْثَاء سليم بن الْأسود الْكُوفِي عَن مُعَاوِيَة بن سُوَيْد بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الوو ابْن مقرن بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة وبالنون الْكُوفِي عَن الْبَراء بن عَازِب الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث. . إِلَى آخِره. والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ إبرار الْمقسم مطولا ومختصراً قد مضى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة: فِي الْجَنَائِز ولمظلم واللباس والطب وَالنُّذُور وَالْأَدب وَالنِّكَاح والاستئذان والأشربة. قَوْله: (الْمقسم) رُوِيَ بِفَتْح السِّين، فوجهه أَن يكون مصدرا بِمَعْنى الإقسام، وَقد يَجِيء الْمصدر على لفظ الْمَفْعُول كَمَا فِي قَوْله: أدخلته مدخلًا. بِمَعْنى الإدخال، وأخرجته مخرجا بِمَعْنى إخراجاً. ٥٥٦٦ - حدّثنا حفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ أخبرنَا عاصِمٌ الأحْوَلُ سَمِعْتُ أَبَا عُثْمانَ يُحَدِّثُ عنْ أُسامَةَ أنَّ ابْنَةً لِرَسولِ الله ﷺ أرْسَلَتْ إلَيْهِ، ومَع رسولِ الله ﷺ أُسامَة بنُ زَيْدٍ وسَعْدٌ وأُبَيٌّ، أنَّ ابْنِي قَدِ احْتُضِرَ فاشْهَدْنا، فأرْسَلَ يَقْرَأ السّلامَ ويَقُولُ: (إنَّ لله مَا أخَذَ وَمَا أعْطَى وكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وتَحْتَسِبْ) فأرْسَلَتْ إلَيْه تقْسِمُ عَلَيْهِ، فقامَ وقمْنا مَعَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إلَيْهِ فأقْعَدَهُ فِي حَجْرِهِ ونَفْسُ الصَّبِيِّ تَقَعْقَعُ، فَفاضَتْ عَيْنا رسولِ الله ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هاذَا يَا رسولَ الله؟ قَالَ: (هاذَا رَحْمَةٌ يَضَعُها الله فِي قُلُوبِ مَنْ يشاءُ مِنْ عِباِهِ، وإنَّما يَرْحَمَ الله مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ) . طابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تقسم عَلَيْهِ) وَهُوَ أَيْضا يُنَاسب الحَدِيث السَّابِق من حَيْثُ إِن فِي كل مِنْهُمَا إبرار الْمقسم. وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن عَبْدَانِ، وَفِي الطِّبّ عَن حجاج، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن أبي النُّعْمَان وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد بن حَارِثَة الْكَلْبِيّ، وَسعد هُوَ ابْن عبَادَة الخزرجي، وَأبي بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ ابْن كَعْب الْأنْصَارِيّ ويروى: أَو أبي، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْبَاء بِالْإِضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم، يَعْنِي: مَعَه سعد وَأبي كِلَاهُمَا أَو أَحدهمَا، شكّ الرَّاوِي فِي قَول أُسَامَة، وَفِي أول كتاب الْقدر: أبي بن كَعْب جزما بِلَا شكّ. قَوْله: (قد احْتضرَ) بِالضَّمِّ

стр. 7005

أَي: حَضَره الْمَوْت، قَوْله: (فَلَمَّا قعد) أَي: رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فأقعده) . أَي: فَأقْعدَ الصَّبِي (فِي حجره) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا. قَوْله: (وَنَفس الصَّبِي) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (تقَعْقع) فعل مضارع من التقعقع وَهُوَ حِكَايَة صَوت صَدره من شدَّة النزع. قَوْله: (مَا هَذَا؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستفسار وَلَيْسَ بعتب على رَسُول الله ﷺ ، وَلَعَلَّه سَمعه ينْهَى عَن الْبكاء الَّذِي فِيهِ الصياح أَو العويل فَظن أَنه نهى عَن الْبكاء كُله. قَوْله: (هَذَا) إِشَارَة إِلَى الْبكاء من غير صَوت. ٦٥٦٦ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (لَا يَمُوتُ لأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ تَمَسُّهُ النَّارُ إلاّ تَحِلّةَ القَسَمِ) . (انْظُر الحَدِيث ١٥٢١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي آخر الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ يروي عَن سعيد بن الْمسيب. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب فضل من مَاتَ لَهُ ولد فاحتسب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَأخرجه فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (إلَاّ تَحِلَّة الْقسم) أَي: تحليلها، وَالْمرَاد من الْقسم مَا هُوَ مُقَدّر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) أَي وَالله مَا مِنْكُم إلَاّ واردها، والمستثنى مِنْهُ هُوَ قَوْله: (تمسه النَّار) ، لِأَنَّهُ فِي حكم الْبَدَل من قَوْله: لَا يَمُوت، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تمس النَّار من يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة إلَاّ بِقدر الْوُرُود. ٧٥٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدّثني غنْدَرٌ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ مَعْبَدِ بنِ خالِدٍ سَمِعْتُ حارِثَةَ بنَ وهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: (ألَا أدُلُّكُمْ عَلى أهْلِ الجَنةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَصَعِّفٍ لوْ أقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ، وأهْلِ النّارِ كُلُّ جَوَّاظٍ عُتُلٍّ مُسْتَكْبِرٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٨١٩٤ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (لَو أقسم على الله) . وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، ومعبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن خَالِد، وحارثة بن وهب الْخُزَاعِيّ. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة نون والقلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن معبد بن خَالِد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (متضعف) بتَشْديد الْعين الْمَفْتُوحَة أَي: الَّذِي يستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا، وبكسر الْعين أَيْضا المتواضع الخامل المتذلل. قَوْله: (لَو أقسم) أَي: لَو حلف يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله بإبراره. (لَأَبَره) وَقيل: مَعْنَاهُ لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (جواظ) بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو بالضاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الجموع الْمَمْنُوع وَقيل الْكثير اللَّحْم المختال فِي الْمَشْي بقال جاظ يجوظ جوضا وَفِي (الْعين) : الجواظ الأكول. وَيُقَال: الْفَاجِر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْكثير اللَّحْم الغليظ الرَّقَبَة، وَقيل: الْقصير البطين. قَوْله: (مستكبر) أَي: عَن الْحق وَالْمرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة هَؤُلَاءِ كَمَا أَن أهل النَّار هَؤُلَاءِ، وَلَيْسَ المُرَاد الِاسْتِيعَاب فِي الطَّرفَيْنِ، وَحَاصِله أَن كل ضَعِيف من أهل الْجنَّة، وَلَا يلْزم الْعَكْس وَكَذَلِكَ أهل النَّار. (بَاب إِذا قَالَ أشهد بِاللَّه أَو شهِدت بِاللَّه) أَي هَذَا بَاب مترجم بقول الشَّخْص أشهد بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَو لَا أفعلن كَذَا أَو قَالَ شهِدت بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَلم يبين جَوَاب هَذَا وَلَا فِي حَدِيث الْبَاب صرح بذلك فَكَأَنَّهُ اعْتمد على من يفحص عَن ذَلِك من مَوْضِعه وللعلماء فِي هَذَا الْبَاب أَقْوَال (أَحدهَا) أَن أشهد وأحلف وأعزم كلهَا أَيْمَان تجب فِيهَا الْكَفَّارَة وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَقَالَ ربيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ إِذا قَالَ أشهد أَن لَا أفعل كَذَا ثمَّ حنث فَهُوَ يَمِين الثَّانِي أَن أشهد لَا يكون يَمِينا حَتَّى يَقُول أشهد بِاللَّه وَإِن لم يردد ذَلِك فَلَيْسَ بِيَمِين وَالثَّالِث إِذا قَالَ أشهد أَو أعزم وَلم يقل بِاللَّه فَهُوَ كَقَوْلِه وَالله حَكَاهُ الرّبيع عَن الشَّافِعِي الرَّابِع أَن أَبَا عبيد أنكر أَن يكون أشهد يَمِينا وَقَالَ الْحَالِف غير الشَّاهِد الْخَامِس إِذا قَالَ أشهد بِالْكَعْبَةِ أَو
следующие страницы →